Advertisement

آثار ابن باديس 002


آثاَرُ ابْنُ بَادِيسَ
(2/1)

الطبعة الأولى
عام 1388 هـ - 1968 ميلادية

يشتمل المجلد الأول من هذه الطبعة على مدخل للحياة العقلية والثقافية للمغرب الإسلامي، وعلى حياة ابن باديس وآثاره المتعلقة بالتفسير، وشرح الحديث، ويشتمل المجلد الثاني على المقالات الاجتماعية والتربوية والأخلاقية والدينية والسياسية التي دبجها يراع الشيخ الإمام الأستاذ عبد الحميد ابن باديس.
وقد كلفت دار اليقظة العربية لجنة من كبار علماء دمشق للقيام بتصحيح آثار ابن باديس أثناء طبعها، وذلك حرصا منها على أن يصدر هذا الكتاب الذي له أهمية بالغة في النهضة الإسلامية العربية الحديثة في المغرب الإسلامي سليما من الأخطاء، خاليا من التحريف
(2/2)

كتاب
آثار ابن باديس

المجلد الأول
تفسير وشرح أحاديث

اعداد وتصنيف
الأستاذ عمّار طالبي

بالإشتراك مع الناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما
الجزائر-24 شارع عزون هاتف 56 - 76 - 62
(2/3)

طبع هذا الكتاب بموافقة واشراف
الناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما
الجزائر- 24 شارع عزون هاتف 56 - 76 - 62

ملتزم الطبع والتوزيع
في الأقطار العربية والبلاد الأجنبية دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر
(2/4)

دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر

كتاب
آثار ابن باديس
الجزء الثاني من
المجلد الأول
تفسير وشرح أحاديث

إعداد وتصنيف الأستاذ عمّار طالبي

بالإشتراك مع دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر
الطبعة الأولى 1388 هجرية - 1968 ميلادية
(2/5)

جميع حقوق الترجمة والطبع والنشر والاقتباس محفوظة للناشر
دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر
(2/6)

- صورة -
.....
العلامة الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة بالمغرب العربي وقائد الحركة الإصلاحية ومؤسسها بالجزائر
ــــــــــــــــــــــــــ
(2/7)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الأول

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} (1)
ــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد:
النبوة:
منزلة من الكمال التام البشري يهيء الله لها من يشاء من عباده فيكون بذلك مستعدا لتلقي الوحي والاتصال بعالم الملائكة ولتحمل أعباء ما يلقى إليه وتكاليف تبليغه بالقول والعمل، وتحمل كل بلاء يلقاه في سبيل ذلك التبليغ.

والملك:
ولاية على المجتمع لحفط نظامه، تقتضي عموم النظر وشمول التصرف في روابط الناس ومعاملاتهم وتصرفاتهم، وتسييرهم في ذلك كله على أصول عادلة توصل كل أحد إلى حقه وتكـ فه (2) عن حق غيره، ليعيشوا في رخاء وسلام، ويبلغوا غاية ما يستطيعون من متع الحياة.
__________
(1) 15/ 27 النمل.
(2) كذا في الأصل، ولعلها: (وتصرفه).
(2/9)

وقد يتصف الشخص بالنبوة دون الملك فيكون مبلغا عن الله ولا يكون له التنفيذ والإدارة والتنظيم، وقد يتصف الشخص بالملك دون النبوة؛ وقد وجد الشخصان في شمويل وطالوت فكان الأول نبيا وكان الثاني ملكا كما قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} (1) وقد يجمع بينهما مثل داود وسليمان عليهما السلام.
ثم إن الملك قد تكون الأصول التي يستند إليها مستمدة من أوضاع البشر لحفط مصالحهم في الحياة الدنيا ليكون ملكا بشريا. وقد تكون الأصول مستمدة من وحْي الله بما فيه حفظ مصالح العباد في الدنيا وتحصيل سعادتهم فيها وفي الأخرى فيكون ملك نبوة.
ومن طبيعة ملك النبوة إلتزام الحق ونصرته حيثما كان، بإقامة ميزان العدل في القول والحكم والشهادة بين الناس أجمعين، المعادين والموالين، كما قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (2) {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (3) {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (4) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا
__________
(1) 7/ 2، 2 البقرة.
(2) 152/ 6 الانعام.
(3) 57/ 4 النساء.
(4) 9/ 5 المائدة.
(2/10)

الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (1). وبالوفاء بالعقود والعهود بين الأفراد والجماعات كما قال تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (2)
{وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} (3) {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (4)
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} (5). وبغير هذا من وجوه إلتزام الحق ونصرته.
ومن طبيعته بث الخير بين الناس بنشر الهداية والإحسان دون تمييز بين الأجناس والألوان كما قال تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (6) {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (7)
{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
__________
(1) 4/ 134 النساء.
(2) 1/ 5 المائدة.
(3) 152/ 6 الانعام.
(4) 191/ 16 لنحل.
(5) 92/ 16 النحل.
(6) 22/ 77 الحج.
(7) 195/ 2 البقرة.
(2/11)

إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (1).
ومن طبيعة الدعوة إلى القوة والتنويه بها وبناء الحياة عليها، لكن في نطاق العدل والرحمة ولدفاع المعتدين، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (2) {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (3) وقبلها: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} فقوة الحديد لحفظ الكتاب، والميزان وحمل الناس عليها. {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (4) {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (5).
ومن طبيعته الدعوة إلى الجمال والتحبيب فيه في جميع مظاهر الحياة لكن في نطاق الفضيلة والعفاف كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، (6)، {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
__________
(1) 8/ 60 الممتحنة.
(2) 8/ 61 الأنفال.
(3) 25/ 57 الحديد.
(4) 2/ 194 البقرة.
(5) 42/ 39 - 140 الشورى.
(6) 4/ 95 التين.
(2/12)

صُوَرَكُمْ} (1) {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (2) {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} (3) {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} (4) {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} (5) {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (6) {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (7) {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (8) {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (9).
ومن طبيعة الملك البشري- وإن روعيت في أوضاعه هذه الأصول الأربعة- أنه لا يقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم فتراه يكيل لهؤلاء بمكيال ولهؤلاء بمكيال. ولا يرعى من العهود- في الغالب- إلاَّ ما لا يعارض مصلحته أو تلزمه براعاته قوة خصمه.
كما أنه يكاد يقصر بره وإحسانه على أبناء جلدته ومن كانوا من جنسه ولونه، كما أنه يبني أمره على القوة المطلقة فتندفع مع رغباته
__________
(1) 40/ 64 المؤمنون.
(2) 50/ 20 طه.
(3) 6/ 37 الصافات.
(4) 24/ 10 يونس.
(5) 60/ 27 النحل.
(6) 5/ 22 الحج و7/ 50 ق.
(7) 31/ 7 الأعراف.
(8) 6/ 5 المائدة.
(9) 30/ 24 النور.
13
(2/13)

إلى أقصى ما يمكنها أن تصل إليه فيكون البغي والتسلط والعدوان. كما أنه تستهويه زينة الحياة الدنيا وزخارفها فتمتد يده إليها حيثما وجدها فتتنازعها الأيدي بالقوة والحيلة وتذهب في أفانينها الشهوات بالناس إلى النقص والرذيلة.
ثم إن طبيعة الملك من حيث أنه ملك- سواء أكان بشريا أم نبويا- مظاهر الأبهة والجمال والقوة والفخامة، لما جبل عليه الخلق من اعتبار المظاهر والتأثر بها، وهذا إذا كان في الحق فهو محمود مطلوب وإذا كان للباطل والبغي والتحظيم النفسي فمذموم متروك. ومن الأول أمر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عمه العباس- رضي الله عنه- أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى تمر عليه كتائب المسلمين وذلك لإدخال الرعب على قلبه بما يرى من النظام والقوة، فحبسه العباس فجعلت الكتائب تمر به فيسأل العباس عن كل كتيبة فإذا أخبره قال: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: من هؤلاء؟ فقال العباس: هذا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في المهاجرين والأنصار، قال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. قال العباس: فقلت له: إنها النبوة، فقال: فنعم إذن. قصد أبو سفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم فنفى ذلك العباس ورده إلى النبوة التي هي أصل تلك القوة، وذلك الملك النبوي المستند إلى الوحي الإلهي ولم يرد نفي الملك جملة، ومنه ما كان معاوية بالشام: لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة فاستنكر ذلك وقال له: أكسروية يا معاوية؟ فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد فسكت عمر وأقره. فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو
(2/14)

ملك وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب. فلما كان للحق والمصلحة أقره.
ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله عليه الصلاة والسلام.
نعم في مسند أحمد أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- خير من أن يكون نبيا ملكا أو يكون نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا. وكان ذلك تواضعا منه. ولا ينفي هذا أنه- صلى الله عليه وآله وسلم- كما كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى كان قائما على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة وتنظيم المجتمع مما يسمى ملكا نبويا مستندا إلى الوحي الإلهي، لأن التخيير راجع إلى حالته الشخصية الكريمة فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان سليمان أو لا تكون له تلك المظاهر فاختار أن لا تكون وأن يكون مظهره مظهرا عاديا مثل مظهر العبد العادي. كما سليمان- عليه السلام- الذي كان ملكا نبيا لم ينف ذلك عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي.
فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان وعلى الأخرى محمد- عليهما الصلاة والسلام- وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر- رضي الله عنه- الفضلى وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى.
ولما كان محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- جاء بملك النبوة كان القرآن العظيم جامعا للأصول التي ينبني عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها ليبين صورة من صور ملك النبوة ومظهرا صادقا من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان-
(2/15)

عليه السلام- وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشر من سورة النمل إلى الآية الرابعة والأربعين منها.

الآية الأولى وهي: 15
الألفاظ والتراكيب:
علماً: نوعا عظيما ممتازا من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية. وقالا: قولهما متسبب وناشيء عن العلم لكنه لو قيل فيقالا، بالفاء، أفاد أن غير القول تسبب منهما عن العلم ولما عطف بالواو على أن هنالك أعمالا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، ونشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا. فضلنا: أعطانا ما فقنا به غيرنا. على كثير: فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما. من عباده المؤمنين: ففضلا بين أهل الفضل فكانا من أفضل الفاضلين وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها.

المعنى:
يخبرنا الله تعالى عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه. وإظهار السرور به مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانهما ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه.

تنويه وتأصيل:
قد ابتدىء الحديث عن هذا الملك العظيم بذكر العلم وقدمت النعمة به على سائر النعم تنويها بشأن العلم وتنبيها على أنَّه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا. وأن الممالك انما تبني عليه وتشاد، وأن الملك
(2/16)

إنما ينظم به ويساس وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار. وأنه هو سياج المملكة ودرعها، وهو سلاحها الحقيقي وبه دفاعها وأن كلَّ مملكة لم تحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض.

أحماض:
قال أبو الطيب المتنبي:
أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ
نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها والذين تصلح لهم ويصلحون لها هم الذين يستعذبون في سبيلها الموتَ، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان، فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم. وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ، وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم، وحمي بالسيف، وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره، إذا كان العلم من ورائه.
ولكن أبا الطيب شاعر الرجولة والبطولة، شاعر المعارك والمعامع، لا يرى أمامه إلا الحرب، وآلات الطعن والضرب فلا يمكن أن يقول- وقد غمرته لذة الانتصار، واستولت نشوة الغلب والظفر على لبه وخياله- إلا ما قال.

فقه وأدب:
يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمة وفضله بفضيلة أن يفرح بتلك النعمة ويظهر فرحه بها في معرض حمد الله عليها، من حيث أنها كرامة من الله لا من حيث إنها مزية من مزاياه فاق بها سواه، مثلما فعل هذين النبيين الكريمين، وكما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
(2/17)

فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (1).
وكثيرا ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجبا له عن غيره فيذكر من شأنه ما أفرحه ويسكت عن غيره وفيهم من هو مثله ومن يفوقه، فقد يجر هذا إلى عجب بنفسه وغمط لحق من عداه. فلهذا كان من أدب مقام الفرج بنعمة الله وحمده عليها، ذكر نعمته العامة عليه وعلى غيره، والإاشارة إلى من فضلوا عليه. فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها، ويرضى الله باعترافه لدى الفضل بفضله وحكمة الله وعدله، وبوقوفه كواحد ممن أنعم عليهم من عباده.

إرشاد وإشادة:
إذكار الأنبياء- صلى الله عليهم- من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار وأجمها وأسلمها، وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها، فعلى المسلم الحرص على الخير بها علما وعملا، فقد رأيت ما يحف بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يتنبه لها، وقد جاء هذا الحمد النبوي محصلا للقصد سالما من كل خطره بعباراته الموزونة الشاملة، التي لا يصدر مثلها إلا منهم لكمال علمهم وأدبهم. عليهم الصلاة والسلام (2).
__________
(1) 58/ 10 يونس.
(2) ش. ج2، م15، ص 57 - 66 غرة صفر 1358 - مارس 1939
(2/18)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم االثاني

الآية الثانية وهي: 16 سورة النمل (27) (1)
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.
ـــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ والتراكيب:
الارث: انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث. سواء كان مالاً أو ملكاً أو علماً أو مجداً، والمراد هنا الملك والنبوة، علمنا: أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم- وهو الله- للعلم به، فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر ولا من طوقهم، منطق الطير: نطقها، وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق والجماد صامت، وأوتينا: أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها، من كل شيء: هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي فيما تقتضيه تلك العظمة مما يؤتاه الأنبياء والملوك، الفضل: الزيادة، المبين: الظاهر الذي لا خفاء به.
__________
(1) المؤلف هو الذي عين رقم الآية واسم السورة دون رقمها.
(2/19)

المعنى:
قام سليمان مقام أبيه داوود- عليهما الصلاة والسلام-، فكان في بني إسرائيل من بعد نبياً ملكاً. وأراد سليمان أن يشهر نعمة الله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به وطاعته، فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير وعظائم الأمور مما هو خارق للعادة معجز للبشر آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته.

فقه وتحقيق:
من ميزة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يتعلقوا بشيء منها فلا يورثون ديناراً ولا درهماً وإنما يورثون العلم. وفي الصحيح: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، فلم يرث سليمان من داوود مالاً وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك وما دل عليه ذلك من النبوة. وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته.

تفرقة:
الشيء الموروث إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي وينقطع عنه ملك الميت. وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت- لبقاء الروح- وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما يؤديه الميت من أعمالٍ متصفاً بمثل ما كان متصفاً به الميت، متحلياً بمثل حليته. فإرث سليمان للملك هو من المعنى الأول، فداوود بعد موته لم يبق ملكاً وإرثه للعلم والنبوة، هو من المعنى الثاني، فداوود بعد موته على علمه ونبوته.
(2/20)

تفرقة أخرى:
إذا كان الموروث مالا فإنه يستحق بالقرابة شرعا، وإذا كان علما أو نبوة أو ملكا فإنها لا تستحق بها. فلم يرث سليمان من داوود ما ورثه منه لأنه ابنه، وإنما كان ذلك تفضلا من الله ونعمة. ولهذا لما دعا سليمان الناس لم يذكر لهم أبوة داوود. وإنما ذكر لهم ما كان به أهلا لمقامه مما خصه الله به من علم وقوة، ومظاهر الملك ومعجزة النبوة.

عجائب الخلقة وحكمة العربية:
الحيوانات كلهم فهم وإدراك وأصوات تدل بها على ما في نفسها، وتتفاهم بها أجناسها بعضها عن بعض. ومن تلك الأصوات ما يكون أخفى من أن يصل إليه سمعنا، ومنها ما نسمعه، ومما نسمعه ما نفهم مرادها به ومنه مما لا نفهمه. فلا نسمع صوت النملة ولكننا نسمع صوت الهرة- مثلا-، ونميز بين صوتها الذي تدل به على غضبها وصوتها الذي تدل به على طلبها. وفي مملكة النمل ومملكة النحل- مثلا- من النطام والترتيب والتقدير والتدبير ما لا يبقى معه شك فيما لهذه الحيوانات من إدراك وتمييز وما بينهما من تفاهم. بل كثير من الحيوانات تصير بالترويض تفهم عنا كثيرا من العبارات والإشارات وتأتي بالأعمال العجيبة طبق ما يراد منها وتدل عليه. فهذا أصل ما بلغت إليه من إدراكها ونطقها اللذين أخبرنا بهما القرآن، وتلك الغاية من الإدراك والنطق لا سبيل لنا إليها لاختلاف الخلقة وجهل مدلولات الأصوات. وقد أدركها سليمان- عليه السلام- بتعليم من الله كرامة له وآية على نبوته ومعجزة للناس.
فمن حكمة اللغة العربية الشريفة أن سمت أصوات الحيوانات نطقا كما سمت في، المتعارف، اللفط الذي يعبر به عما في الضمير نطقا. لأن الأصوات لغير الإنسان تقوم مقام الألفاظ للإنسان، فهي
(2/21)

طريق تفاهمها، وطريق فهم ما يمكن لإنسان فهمه عنها. فلله هذه اللغة ما أعمق غورها وما أدق تعبيرها.

نظر وإيمان:
قد شوهد بالعيان في أنواع من الحيوانات حسن تدبيرها لأمر معاشها ودقة سعيها في جلب منافعها ودفع مضارها، فمن الجائز أن يصل إدراكها بالفطرة إلى ما وراء ذلك من وجود خالقها ورازقها. وهذا هو الذي أخبرنا به القرآن في هذه الآيات من أمر النملة وأمر الهدهد الآتيين من بعد، فنحن به مؤمنون لجوازه عقلا وثبوته سمعا، مثل سائر السمعيات.

تمييز:
قد شارك الحيوان الإنسان في الإدراك والتمييز وبلغ إدراكه إلى معرفة وجود خالقه ورازقه، ولكن الإنسان يمتاز عنه بقوة التحليل والتركيب لكل ما يصل إليه حسه وإدراكه، وتطبيق ذلك على كل ما تمتد إليه قدرته ويكون في متناول يده. فمن ذلك التركيب والتحليل والتطبيق تغلب على عناصر الطبيعة وتمكن من ناصيتها واستعمل حيوانها وجمادها في مصلحته ورقي أطوار التقدم في حياته. ولفقد الحيوان غير الإنسان هذه القوة بقي في طور واحد من حياته ومعيشته. فإدراك الحيوان فطري إلهامي يعطاه من أول الخلقة، والإنسان يعطى أصل الإدراك الإجمالي، ثم بتلك القوة يتسع أفق إدراكه ويستمر في درجات التقدم وهذه القوة التي يمتاز بها الإنسان هي العقل. وهي التي ساد بها هذا العالم الفاني.

توجيه:
ذكر سليمان- عليه السلام- منطق الطير، وهو قد علم منطق غير الطير أيضا، فقد فهم نطق النملة، ذلك لأن الحيوانات غير
(2/22)

الإنسان مراتب: الزاحفة، والماشية، والطائرة، وأشرفها الطائرة فاقتصر على الطير تنبيها بالأعلى على الأدنى.

تنزيه وتبيين:
عبر سليمان- عليه السلام- عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان عليه السلام- ليتعظم بسلطان- ولا ليتطاول بفضل. فالأنبياء- صلى الله عليهم- أشد الخلق تواضعا لله وأرحمهم بعباده، وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخيم ملك النبوة في قلوب الرعية ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة. وهذا هو الذي توخاه سليمان- عليه السلام- من المصلحة بإظهار العظمة. ولذا لم يقل: علمت، ولا: لي، وعندي من كل شيء. ولم يقل: فضلي فهو فضل من علمه أتاه فضله به عمن سواه.

ترغيب واقتداء:
يذكر الله تعالى لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم وما مكنه منه من عظيم الأشياء ترغيبا لنا في طلب العلم والسعي في تحصيل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا، وتشويقا لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد وعوالم الأحياء وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة، وحثا لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة. فقد كان سليمان- عليه السلام- نبيا وما كان ملكه ذلك إلا بإذن الله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمره قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين. عليهم الصلاة والسلام أجمعين
__________
(1) ش: ج3، م15، ص 105 - 109 غرة ربيع الأول 1358 - أفريل 1939
(2/23)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الثالث

الآية الثالثة، وهي: 17 من النمل (27) (1)
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}.
ـــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ والتراكيب:
الحشر: الجمع من أماكن متفرقة، جنوده: هم المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده. يوزعون: يكفرون عن الخروج عن النظام في السير فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون عن الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشمال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى وأعلاهم في ذلك الجن ثم الانس ثم الطير وفي عطف الجملة الثانية بالفاء إفادة سرعة الانتظام بعد الاجتماع. وفاعل حشرهم الاعوان الحاشرون، وفاعل وزع هم الضباط المنظمون.

المعنى:
كان لسليمان- عليه الصلاة والسلام- من الجن والانس والطير
(2/24)

جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين فإذا عرض أمر جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم. فإراد سليمان أن يسافر فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام.

تفصيل:
كما أن للانس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن ينظمهم من رؤسائهم كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير، وسلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له وخصوصية ملك لم ينبغ لأحد من بعده.

تاريخ وقدوة:
تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان. فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة. وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة. وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة، وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم، وكان النظام محكما لضبط تلك الكثرة ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى. تعرض علينا الآية هذه السورة التاريخية الواقعية تعليماً لنا وتربيةً على الجندية المضبوطة المنظمة. ولا شك أن الخلفاء الأولين قد عملوا على ذلك في تنظيم جيوشهم وأن مثل هذه الآية كان له الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما أسلموا فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة مما لم يكن معروفاً عندهم في الجاهلية، وبقيت الآية على الدَّهر مذكرة لنا بأن النظام أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوى والكثرة
(2/25)

وحدهما لا يغنيان بدون نظام وأن النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم الوازعون.

طبيعة وشريعة:
في عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان نجد الطبيعة- بصنع الله- تستخلص الأعلى من الأدنى والأقوى من الأضعف، فتجد الممتاز من أصل الخلق، وبانتخاب الطبيعة في هذه العوالم الثلاث كما تجد الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في النجم والشجر، وتجد المملكة من النمل والنحل مثلا. فالإنسان لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي، ففيه الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع الإنساني في صلاح حاله ومآله ومنهم الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه ومجتمعاته وجماعاته، فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنسان ومقررات الشرع الإسلامي مثل ما في هذه الآية من أمر الوازعين. ولما ولي الحسن البصري القضاء، قال لا بدَّ للسلطان من وزعة أي أعوان يكفون الناس عن الشر والفساد ويتولون تربيتهم وتنظيمهم. وفي رواية: لا بد للناس من وازع، أي كاف يكف بعضهم عن بعض وهو الحاكم وأعوانه.
وفي حديث ذكره أهل الغريب: من يزم السلطان أكثر ممن يزع القرآن ومعناه، أن من يكفهم عن الشر خوف السلطان وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعد والوعيد في القرآن. وقد قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}.

الآية الرابعة: وهي 18 من النمل (27): {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ}:
(2/26)

يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.

الألفاظ والتراكيب:
أتوا على وادي النمل: هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه فلم يعين، وأضيف للنمل لكثرته فيه. نملة: لفظها مؤنث ومعناها محتمل مثل شاة وحمامة. مساكنكم: هي قرى النمل التي يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع والتركيب، والتقسيم، ولذلك قيل فيها مساكن ولم يقل غيرها. لا يحطمنكم: لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام. لا يشعرون: لا يحسون بوجودكم.
الإتيان بإذا وجوابها لإفادة أن قولها كان يسبب إتيانهم عند أول ما أتوا. لا يحطمنكم: نعتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم حتى ينهوا عنه. وإنما المعنى لا تكونوا خارج مساكنكم فيحطمكم فنهتهم عن السبب والمراد النهي عن السبب لما في ذلك من الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة النجاة، ولما في ذكر السبب وهو الحطم من التخويف الحامل على الإسراع إلى الدخول، والجملة مؤكدة للأولى فكأنها قالت أدخلوا مساكنكم لا تبقوا خارجها. ونظير التركيب في التعبير بالمسبب عن السبب لا أرينك ههنا .. أي لا تكن هنا فأراك.

المعنى:
سار سليمان- صلى الله عليه وسلم- في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظلهم الطير حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته فصاحت في بني جنسها فنادتهم للتنبيه وأرشدتهم إلى طريق النجاة بأمرهم بالدخول في مساكنهم وحذرتهم من
(2/27)

الهلاك بحطم سليمان وجنوده لهم عن غير شعور منهم فلا يكون اللوم عليهم وإنما اللوم على النمل إذا لم يسرع بالدخول.

عبرة وتعليم:
عاطفة الجنسية غريزة طبيعية، فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو بمفردها. ولم ينسها هول ما رأت من عظمة ذلك الجند، إنذار بني جنسها إذ كانت تدرك بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم ولا نجاة لها إذا لم تنج معهم فانذرتهم في أشد ساعات الخطر أبلغ الإنذار. ولم ينسها الخوف على نفسها وعلى بني جنسها من الخطر الداهم أن تذكر عذر سليمان وجنده.
فهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه ولا نجاة له إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم فيه إلا إذا شعر بأنه جزء منهم ومظهر هذا الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على نفسه وأن لا يكون اهتمامه بهم دون اهتمامه بها.

واجب القائد والزعيم:
هذه النملة هي كبيرة النمل، فقهد كان عندها من قوة الإحساس ما أدركت به الخطر قبل غيرها فبادرت بالإنذار. فلا يصلح لقيادة الأمة وزعامتها إلا من كان عنده من بعد النظر وصدق الحدس وصائب الفراسة، وقوة الإدراك للأمور قبل وقوعها، ما يمتاز به عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما يتوقع.

عظة بالغة:
هذه نملة وفت لقومها وأدت نحوهم واجبها، فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه. هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهماً لقومه فيسكت
(2/28)

ويتعامى ولن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم.
آه، ما أحْوجنا- معشر المسلمين- إلى أمثال هذه النملة!

الآية الخامسة وهي: 19 من النمل (27):
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}.

الألفاظ والتراكيب:
التبسم: إنفراج الشقنين على الأسنان، وقد يكون للغضب وقد يكون للسخرية وقد يكون للضحك، وهو الأكثر وهو بدايته ولهذا قيد بضاحكا. أوزعني أن اشكر: ألهمني شكر نعمتك وتحقيقه في اللغة والتصريف أنك تقول: وزعت الشيء أي كففته وأوزعني الله الشيء أي جعلني أزع ذلك الشيء أي أكفه. كما تقول ركبت الفرس وأركبني زيد الفرس أي جعلني أركبه، فأوزعني شكر نعمتك أي إجعلني أزع أي أكف شكر نعمتك أي أمنعه من أن يذهب عني وينفلت منِّي، فالمقصود اجعلني ملازما لشكرك فلا أنفك لك شاكرا. نعمتك: عام يشمل كل نعمة لله عليه وعلى والديه. وأن أعمل: معطوف على أن أشكر فيقدر مثل تقديره كما تقدم. ترضاه: وصف مؤكد للتقييد على ما سيأتي لأن العمل الصالح مرضي عنه الله. وإنما ذكر الوصف ليفيد أن رضى الله مقصود بالعمل الصالح. أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين: إجعلني معهم وأكمل الصالحين الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وتحقيقه أن الصالحين بما امتازوا به من كمال صاروا كأنهم في حمى خاص بهم لا يدخل عليهم فيه إلا من كان مثلهم
(2/29)

فلهم مقامهم في الرفيق الأعلى ولهم منازلهم في الجنة ولهم ذكرهم الطيب عند الله وعند العباد، وهذه المنازل والمقامات لا يدخلها العبد إلا برحمة من الله بتيسير لأسبابها وتفضل عظيم.

المعنى:
لما سمع سليمان- عليه الصلاة والسلام- كلام النملة تبسم تبسم السرور والتعجب من قولها وطلب من ربه تعالى أن يلهمه شكر ما أنعم به عليه وعلى والديه وأن يلهمه عملا صالحا ينال به رضاه وطلب منه تعالى أن يجعله في الصالحين بأن يثبت اسمه بينهم ويقرن ذكره بذكرهم ويلحقه بهم ويسكنه الجنة معهم بما يغمره به من رحمته وفضله وإحسانه.

توجيه:
صدور ذلك الإنذار البليغ من مثل تلك النملة في ضعفها وصغرها طريف مستظرف ككل شيء يصدر من حيث لا ينتظر صدوره، فهذا مبعث تعجب سليمان- عليه السلام- وشهادة النملة له ولجنوده بأنهم لو وطئوا النمل لوطئوه من غير شعور. فهم لرحمتهم وشفقتهم وارتباطهم بزمام التقوى وأخذهم بالعدل لا يتعمدون التعدي على أضعف المخلوقات العجماء، هذه الشهادة أدخلت السرور على سليمان -عليه السلام- لما دلت عليه من ثبوت هذا الوصف العظيم له ولجنده وظهوره منهم واشتهارهم به. كما بعث سروره شعوره بما آتاه الله من الملك العظيم والعلم الذي لم يؤته غيره حتى فهم به ما همست به النملة وهي من الحِكم الذي ليس له صوت يستبان في حال من الأحوال.

أدب من سرته النعمة:
نعم الله على العبد تدخل عليه السرور بجبلة الفطرة، والفرح بنعمة الله من الاعتراف بفضله والاكبار لنواله. ومن أدب العبد حينئذ أن
(2/30)

يسأل الله التوفيق، بشكر تلك النعمة بصرفها في الطاعة والتوفيق لشكرها بما يقوم به من أعمال صالحة في رضى الله كما فعل سليمان- عليه السلام-.

النعمة المزدوجة:
إذا أنعم الله على الأبوين بنعمة الإيمان والصلاح فهي نعمة على ولدهما إذا أتبعهما، وتكون تلك النعمة من الله عليهما سيما في حسن تربيتهما له وتوجيهه في الوجهة الصالحة، كما أن نعمة الله على الولد هي نعمة على والديه فهو من أثرهما ومثل حسناته في ميزانهما لأنهما أصل ذلك وسببه ويدعو له الناس فيدعون لهما ويدعو هو لهما. وقد يؤذن له فيشفع لهما. فالنعمة على الوالد أو على الولد هي نعمة مزدوجة بينهما ولهذا ذكر سليمان- عليه السلام- نعمة الله على والديه مع نعمته عليه.

الغاية المطلوبة:
إن شعور العبد برضى الله عنه هو أعظم لذة روحية تعجز عن تصويرها الألسن. واحلال الرضوان على أهل الجنة أكبر من كل ما في الجنة من نعيم. فالغاية التي يسعى إليها الساعون ويعمل لها العاملون هي رضى الله. فالعمل الصالح ترتضيه العقول وتستعذبه الفطر. ولكنه لا يفيد صاحبه إذا لم يبغ به مرضاة الله. ولهذا قال سليمان- عليه السلام-: (تَرْضَاهُ).

جمع وتحقيق:
قال الله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1)
__________
(1) 16/ 32 النمل.
(2/31)

فأفادَ أن الأعمال سبب في دخول الجنة وفي هذه الآية: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ} فأفاد أن الدخول بالرحمة، ولا منافاة ما بينهما فَالأعمال سبب شرعي لدخول الجنة والهداية إليه والتوفيق فيه وقبوله هو رحمة من الله. والعمل من حيث ذاته لا يستحق على الله جزاء لأنه لا ينتفع به إذ هو الغني عن خلقه. وإنما تفضل فجعله سبباً في نيل ثوابه ثم تفضل فجعل الجزاء مضاعفاً إلى عشر، إلى أضعاف كثيرة إلى الموفي للصابرين بغير حساب.

دقيقة روحية:
إن الأرواح النورانية الطاهرة السامية لا لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني المادي المنحط، وإنما لذتها الحقيقية في عالمها العالي الأقدس وفي الرفيق الأعلى الأطهر وفي معاشرة أمثالها من النفوس الطيبة الزكية. في ذلك القدس الأسنى، فهي دائمة الشوق إليه والانجذاب نحوه. ولذا كان من دعوات الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- الدخول في الصالحين واللحوق بهم. مثل قول سليمان هنا، وقول إبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (1). وقول يوسف: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (2).
وفقنا الله لشكر ما من به من سابق النعمة، وللقيام فيما بقي من العمر بواجب الخدمة وختم لنا باللحوق بعباده الصالحين (3).
__________
(1) 82/ 26 الشعراء.
(2) 101/ 12 يوسف.
(3) ش: ج4، م 15، ص 157 - 165 غرة ربيع الثاني 1358 - ماي 1939
(2/32)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الرابع

الآية السادسة وهي: 20 من النمل (27):
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}.
ـــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ والتراكيب:
تفقد: التفقد تطلبك ما فقدته وغاب عنك وتعرفك أحْواله.
لا أرى: لا أبصر، الهدهد: هو (تبيب) وهو طائر صغير الجرم منتن الريح ليس من كرام الطير ولا من سباعها. ما لي لا أرى: استفهم عما حصل له فمنعه من الرؤية حيث ظن أولا أن الهدهد كان حاضراً وإنما هو لم يره. أم كان من الغائبين: استفهم عن غيبته حيث ظن ثانيا أنه غائب فاستفهم عن صحة ما ظن، فكلمة أم فيها اضراب وفيها استفهام، فأضرب إضراب إنتقال من ظن إلى ظن. كان من الغائبين: تعريض بقبح فعله لما انحط عن شرف الحضور وكان من الغائبين.

المعنى:
تطلب سليمان- عليه السلام- معرفة ما غاب عنه من أحوال الطير فلم ير الهدهد وأخذ يتساءل فظن أن شيئاً ستره عنه فلم يره،
(2/33)

ولما لم يكن شيء من ذلك ظن أنه كان غائباً غير حاضر وذلك هو الظن الأخير الذي حصل به اليقين.

تعليم وقدوة:
من حق الرعية على راعيها أن يتفقدها ويتعرف أحوالها إذ هو مسؤول عن الجليل والدقيق منها يباشر بنفسه ما استطاع مباشرته منها ويضع الوسائل التي تطلعه على ما غاب عليه منها وينيط بأهل الخبرة والمقدرة والأمانة تفقد أحْوالها حتى تكون أحوال كل ناحية معروفة مباشرة لمن كلف بها. فهذا سليمان على عظمة ملكه واتساع جيشه وكثرة أتباعه قد تولى التفقد بنفسه ولم يهمل أمر الهدهد على صغره وصغر مكانه، وقد كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يقول: "لو أن سخلة بشاطىء الفرات يأخذها الذئب ليسأل عنها عمر" وهذا التفقد والتعرف هو على كل راع في الامم والجماعات والاسر والرفاق وكل من كانت له رعية.

تعليل وتحرير:
تفقد سليمان جنس ما معه من الطير للتعرف كما ذكرنا وذكر الطير لأنه هو الذي تعلهقت به القصة وليس في السكوت عن غير الطير ما يدل على أنه لم يتفقده فالتفقد لم يكن للهدهد بخصوصه وإنما لما تفقد جنس الطير فقده ولم يجده فقال ما قال. فلا وجه لسؤال من سأل: كيف تفقد الهدهد من بين سائر الطير.

تدقيق لغوي وغوص علمي:
سأل سليمان عن حال نفسه فقال: ما لي لا أرى الهدهد ولم يسأل عن حال الهدهد فيقل (1) ما للهدهد لا أراه فأنكر حال نفسه قبل أن ينكر حال غيره. فنقل الحافظ الإمام ابن العربي عن الإمام
__________
(1) كذا في الأصل.
(2/34)

عبد الكريم بن هوازن القشيري شيخ الصوفية في زمانه قال: " إنما قال مالي لا أرى لأنه اعتبر حال نفسه ذا علم أنه أوتي الملك العظيم وسخر له الخلق فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العمل فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه فقال: مالي، وكذلك تفعل شيوخ الصوفية إذا فقدوا آمالهم تفقدوا أعمالهم، هذا في الآداب فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض".

توجيه:
مثل هذه المعاني الدقيقة القرآنية الجليلة النفيسة من مثل هذا الإمام الجليل من أجل علوم القرآن وذخائره إذ هي معاني صحيحة في نفسها، ومأخوذة من التركيب القرآني أخذاً عربياً صحيحاً، ولها ما يشهد لها من أدلة الشرع. وكل ما استجمع هذه الشروط الثلاثة فهو صحيح مقبول، ومنه فهم عمر وابن عباس- رضي الله عنهما- أجل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من سورة النصر، أما ما لم تتوفر فيه الشروط المذكورة وخصوصا الأول والثاني، فهو لا يجوز في تفسير كلام الله وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية. كتفسير ابن عبد الرحمن السلمي من المتقدمين والتفسير المنسوب لابن عربي من المتأخرين.

الآية السابعة وهي: 21 من النمل (27):
{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}.

الألفاظ والتراكيب:
عذابا شديدا: ينتف ريشه هكذا فسره ابن عباس وجماعة من
(2/35)

التابعين. بسلطان مبين: بحجة قاطعة توضح عذره في غيبته. سميت الحجة سلطاناً لما لها من السلطة على العقل في إخضاعه، أفادت أو إن المخلوف على حصوله هو أحد الثلاثة، فإذا حصلت الحجة فلا تعذيب ولا ذبح، ولو لم تحصل لفعل أحدهما، وقدم التعذيب لأنه أشد من القتل، وحالة الغضب تقتضي تقديم الأشد.

المعنى:
يقسم سليمان على معاقبة الهدهد- وقد تحقق غيبته- بالتعذيب أو بالذبح إذا لم يأته بالحجة التي تبين عذره في تلك الغيبة ولا يستثنى للعفو ولا يجعل سببا لسلامته من العقوبة إلاّ الحجة.

توجيه واستنباط:
ليس في الآية ما يفهم خصوص نتف الريش من لفط العذاب الشديد، وإنما فهم ابن عباس- رضي الله عنه- وأئمةٌ من التابعين ذالك بالنظر العقلي والاعتبار، فإنَّ نتف ريشه يعطل خاصية الطيران فيه فيتحول من حياة الطير إلى حياة دواب الأرض، وذلك نوع من المسخ، وقد علم ان المسخ في القرآن أشنع عقوبة في الدنيا، فلهذا فسروا العذاب الشديد بنتف الريش.
والإنسان خاصيته التفكير في أفق العلم الواسع الرحيب، فمن حرم انسا- فردا أو جماعة- من العلم فقد حرمه من خصوصية الإنسانية وحوله إلى عيشة العجماوات وذلك نوع من المسخ فهو عذاب شديد وأي عذاب شديد؟

صرامة الجندية:
كان هذا الهدهد من جنود سليمان التي حشرت له وقد كان في مكانه الذي عين له وأقيم فيه، فلما فارق وترك الفرجة في صفه وأوقع الخلل في جنسه استحق العقاب الصارم الذي لا هوادة فيه. وهذا
(2/36)

أصلٌ في صرامة أحكام الجندية وشدتها لعظم المسؤولية التي تحملتها وتوقف سلامة الجميع على قيامها بها وعظم الخطر الذي يعم الجميع إذا أخلت بها.

تقدير العقوبة:
جرم الهدهد صغير وما كلف الا بما يستطيعه من الوقوف في مكانه والبقاء في مركزه، ولكن جرمه باخلاله بهذا الواجب كان جرماً كبيراً فإن الخلل الصغير مجلبة للخلل الكبير فقدرت عقوبته على حسب كبر ذنبه لا على حسب صغر ذاته.

تنبيه وإرشاد:
كل واحد في قومه أو في جماعته هو المسؤول عنهم من ناحيته، مما يقوم به من عمل حسب كفاءته واستطاعته، فعليه أن يحفظ مركزه ولا يدع الخطر يدخل ولا الخلل يقع من جهته فإنه إذا قصَّر في ذلك وترك مكانه فتح ثغرة الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم. وزوال حجر صغير من السد المقام لصد السبيل يفضي إلى خراب السد بتمامه. فاخلال أي أحد بمركزه ولو كان أصغر المراكز مؤد إلى الضرر العام. وثبات كل واحد في مركزه وقيامه بحراسته هو مظهر النظام والتضامن وهما أساس القوة.

الحق فوق كل أحد:
لقد أغضب سليمان غياب الهدهد فلذا توعده هذا الوعيد وأكده هذا التأكيد. ولكن سلطان سليمان في قوته وملكه ومكانته يجب أن يخضع لسلطان آخر هو أعظم من سلطانه: هو سلطان الحق، والحق فوق كل أحد. وملك سليمان ملك حق فلا بد له من الخضوع لسلطان الحجة ليقيم ميزان العدل، والعدل أساس الملك وسياج العمران (1).
__________
(1) ش: ج 5، م 15، ص 203 - 208
غرة جمادى الأولى 1358 - جوان 1939
(2/37)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الخامس

الآية الثامنة وهي: 22 من النمل (27):
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}
ـــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ والتراكيب:
مكث: أقام، وقرأ عاصم بفتح الكاف. غير: صفة زمان محذوف، فالتقدير غير بعيد. فاعل مكث هو الهدهد مثل فاعل قال الآتي. أحطت: الاحاطة بالشيء، عقليا هي العلم به من جميع نواحيه. سبأ: إسم مدينة باليمن سميت باسم سبأ جد العرب اليمانية حمير وغيرها، وصرفه الجمهور على اعتبار المكان، ومنعه من الصرف المكي والبصري على اعتبار البلدة. بنبأ: النبأ الخبر الذي له شأن وخطورة. واليقين: المحقق، جعله نفس اليقين مبالغة في تحقيقه. وفي الكلام إيجاز بالحذف، اذ المعنى: فجاء الهدهد فسأله سليمان- عليه السلام- ءن سبب مغيبه فقال.

المعنى:
لم تطل غيبة الهدهد عن مركزه في جنود سليمان، فلم يلبث في غيبت إلاَّ زمانا قصيراً، وكان سؤال سليمان له عن غيبته فور رجوعه،
(2/38)

فأسرع بالجواب والاعتذار عن الغيبة والدفاع عن نفسه فقال: اطلعت على شيء لم تطلع أنت عليه وعرفته من جميع نواحيه، وقد أتيتك من بلدة سبأ بخبر خطير ذي شأن عظيم تيقنته غاية اليقين.

توجيه واستنباط:
كان في جواب الهدهد حجة بينة لسبب غيابه، وذلك لأنه لم يذهب عابثا ولا لغرض خاص به، وإنما ذهب مستطلعا مكتشفا فحصل علما وجاء بخبر عظيم في زمن قصير فرجحت هذه الفوائد العظيمة بتركه لمركزه في الجند فسقطت عنه المؤاخذة.
فإن قيل: ان أصل مفارقته لمركزه دون استئذان كان مخالفة يستوجب عليها العقوبة فالجواب أن هذه المخالفة كانت لقصد حسن وهو الاستطلاع وأثمرت خيرا فاستحق العفو عن تلك المخالفة التي كانت عن نظر ولم تكن عن تهاون وانتهاك للحرمة.
فإن قيل: ما الذي أوقع في نفس الهدهد رغبته في طلب ما طلب، فالجواب: انه يجوز أن يكون شاهد عمران اليمن من مكان بعيد ببصره الحاد فرغب في المعرفة أو أن يكون قد مر باليمن من قبل ولم يتحقق من حالها فأراد أن يتحقق.
وهذه الآية مأخذ من مآخذ الأصل القائل: ان المخالف للأمر عن غير انتهاك للحرمة لا يؤاخذ بتلك المخالفة. ومن فروع هذا الأصل سقوط الكفارة عمن أفطر في رمضان متعمدا متأولا تأويلا قريبا.

عزة العلم وسلطانه:
ابتدأ الهدهد جوابه معتزا بما أحاط به من العلم متجملا بما حصل منه مظهرا لارتفاع منزلته به متحصنا به من العقاب. ولم تمنعه عظمة سليمان- عليه السلام- من اظهار علمه واعلان اختصاصه به دون سليمان.
(2/39)

أدب واقتداء:
قد سمع سليمان هذا من الهدهد وأقره عليه، فللصغير أن يقول للكبير، وللحقير أن يقول للجليل، علمت ما لم تعلم وعندي ما ليس عندك، إذا كان من ذلك على يقين وكان لقصد صحيح. ومن أدب من قيل له ذلك ولو كان كبيرا جليلا أن يتقبل ذلك ولا يبادر برده وعليه أن ينظر فيه ليعرف مقدار صدق قائله فيقبله أو يرده بعد النظر والتأمل، اذ قد يكون في أصغر مخلوقات الله وأحقرها من يحيط علما بما لم يعلم مثل سليمان- عليه السلام- في علمه وحكمته واتساع مدركاته. وكفى بمثل هذا زاجرا لكل ذي علم عن الاعجاب بعلمه والاعتزاز بسعة اطلاعه والترفع عن الاستفادة ممن دونه.

مدرك عقيدة:
لا يعلم أحد من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- شيئا مما غاب عنه إلا باعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما اطلعهم الله عليه. ومن مدارك ذلك هذه القصة، فإن سليمان- عليه السلام- لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئا حتى اطلعه الله عليه بواسطة الهدهد. وإذا كان هذا حال الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فغيرهم من عباد الله الصالحين من باب أحرى وأولى.

تحقيق تاريخي:
رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الاسرائيليات الباطلة التي امتلات بها كتب التفسير مما تلقى من غير تثبت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه. وروى شيئا من ذلك الحاكم في مستدركه وصرح الذهبي ببطلانه، ومن هذه المبالغات الباطلة انه ملك الارض كلها
(2/40)

مشارقها ومغاربها، فهذه مملكة عظيمة بسبأ كانت مستقلة عنه ومجهولة لديه على قرب ما بين عاصمتها باليمن وعاصمته بالشام (1).

معذرة إلى القراء الكرام
ما قرأتموه من التذكير بهذه الآية الكريمة في هذا الجزء قد كتبت شطره مساء يوم الإثنين 2 جمادى الأولى و 19 جوان وشطره بكرة الثلاثاء الغد منه. وفي صبيحة هذه الثلاثاء ابتدئت المحاكمة في قضية مقتل المفتي ابن دالي عمر التي اتهم الشيخ الطيب العقبي والسيد عباس التركي باطلا ظلما عدوانا، فكان من واجبي أن أحضر جميع الجلسات، فانشغل بالي عن تتميم مجالس التذكير. ولقد مات ابني الوحيد ومات أخ لي عزيز فما شغل ذلك بالي مثل اليوم ولا منعني عن دروسي وأعمالي ذلك لأن هذه القضية اليوم قضية الإسلام والعربية والجزائر، لا قضية فرد أو جماعة. فمعذرة يا قرائي الاعزة، والله نسأل أن يظهر الحق ويدحض الباطل.
__________
(1) ش: ج 6، م 15، ص 251 - 254 غرة جمادى الثانية 1358 - جويلية 1939
(2/41)

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم السادس

الآية التاسعة وهي: 23 من النمل (27):
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}
ـــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ والتراكيب:
وجدت: اصبت، امرأة: هي بلقيس بإجماع المفسرين والمؤرخين. تملكهم: تتولى أمرهم ملكة عليهم. وعبر بالمضارع تصويرا للحال العجيب، وهو أن تتولى ملكهم امرأة، وعاد الضمير على سبأ ضمير جمع مذكر على معنى القوم، اذ كانوا يسمون باسم أبيهم. فذكر لفظ سبأ أولا بمعنى المدينة، وأعيد عليه الضمير بمعنى القوم على أسلوب الاستخدام. من كل شيء: لفظ عام أريد به كل ما تحتاج إليه من أشياء الملك والسلطان والقوة والعمران. عرش: هو سرير الملك الذي تجلس عليه. عظيم: في كبره وقوته وحسنه.

المعنى:
يقول الهدهد لسليمان- عليه السلام- مبينا الخبر العظيم الذي جاء به: اني وجدت أولئك القوم الذين يسكنون تلك المدينة قد جعلوا امرأة ملكة عليهم. وقد أعطيت تلك الملكة كل ما تحتاج اليه
(2/42)

في نظام ملكها وعظمته، ومن مظاهر تلك العظمة السرير العظيم الذي تجلس عليه بين أهل مملكتها.

عظمة المملكة العربية اليمنية:
كانت بلقيس ملكة على اليمن في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد وقد كانت ملكة عظيمة على مملكة عظيمة راقية. والهدهد الذي شاهد ملك سليمان وعظمته قد استعظم ملكها وعرشها، وعظمة العرش عنوان عظمة الملك، فلذا خصصه الهدهد بالذكر ورغب سليمان في الإتيان به.

تفوق العرب على الإسرئيليين:
كل ذلك الرقي وتلك العظمة بلغتهما المملكة العربية اليمنية بنفسها من تفكيرها وعملها من قرون بعيدة. فأما الإسرائيليون- وهم إذ ذاك في القرن الخامس من تاريخهم- فإنهم لم يبلغوا في ذلك العهد إلى شيء من ذلك. وما كان لسليمان من بناءات ومنشآت فهو مما صنعته له الجن والشياطين، كما جاء في آيات من القرآن عديدة، ولم يترك بنو إسرائيل من الآثار ما يدل على شيء ذي بال من الفن والقوة، فأما ما تركته اليمن فهو شيء كثير قائم مشاهد، والاكتشافات ما زالت تظهر منه شيئا فشيئا.

ولاية المرأة للملك:
ثبت عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((لن يفلع قوم ولّوا أمرهم امرأة)) قاله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم امرأة. فاقتضى هذا أن لا تلي المرأة ولاية لا إمارة ولا قضاء، وأيدت هذا النص الصحيح السنة العملية فأخذ به جمهور أئمة الإسلام، وجاءت روايات عليلة عن بعضهم لم يلتفت إليها ولم يعمل بها.
(2/43)

تعليل:
لا تصلح المرأة للولاية من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية، وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها، وهي القيام على مملكة البيت وتدبير شؤونه وحفظ النسل بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد.

رفع اعتراض:
في تواريخ الأمم نساء تولين الملك، ومن المشهورات في الأمم الإسلامية شجرة الدر في العصر الأيوبي، ومنهن من قضت آخر حياتها في الملك وازدهر ملك قومها في عهدها. فما معنى نفي الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة؟
هذا اعتراض بأمر واقع ولكنه لا يرد علينا لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه. على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من الأمم إذا قابلهم مثلهم كانت عاقبتهم أن يُغْلبَوا.

الآية العاشرة وهي: 24 من النمل (27): {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}.

الألفاظ والتركيب:
من دون الله: تجاوزوا عبادة الله إلى عبادة الشمس. زين: حسن.
(2/44)

أعمالهم: سجودهم للشمس وغيره من أعمال كفرهم. فصدهم: صرفهم صرفا شديدا. السبيل: هو الطريق الوحيد المعهود للنجاة وهو توحيد الله. لا يهتدون: لا يكون منهم سلوك في طريق الحق والسداد.
جملة وجدتها مستأنفة للبيان جواباً على تقدير سؤال، فالكلام السابق بين حالتها من ناحية الدنيا فتشوقت نفس السامع إلى معرفة حالتها من ناحية الدين ..
عدم اهتدائهم مسبب عن صد الشيطان لهم، وصده مسبب عن تزييفه لأعمالهم لهم، هذا ما تفيده الفاء.

المعنى:
وجدتهها وقومها مجوساً يعبدون الشمس فيسجدون لها ولايسجدون لله، وقد تمكن الشيطان منهم فحسن في أعينهم أعهمالهم فصرفهم عن عبادة الله وتوحيده مع ظهور الدلائل ووضوح الآيات فثبتوا على ضلالهم لا يكون منهم اهتداء لطريق النجاة الظاهر في حال من الأحوال.

سلاح الشيطان وأصل الضلال:
محبة الإنسان نفسه غريزة من غرائزه، وهو محتاج إليها ليجلب لنفسه حاجتها ويدفع عنها ما يضر بها ويسعى في تكميلها. هذه هي الناحية النافعة والمفيدة من هذه الغريزة ولكنها من جهة أخرى هي مدخل من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان فيحسن له أعماله وهو لمحبة نفسه يحب أعماله ويغتر بها فيذهب مع هواه في تلك الأعمال على غير هدى ولا بيان فيهلك هلاكاً بعيداً فاستحسان المرء لأعماله هو أصل ضلاله وتزيين الشيطان لتلك الأعمال هو أحد أسلحة الشيطان.

الوقاية:
فعلى المرء ان يتهم نفسه في كل ما تدعوه إليه، وأن يزن جميع
(2/45)

أعماله بميزان الشرع الدقيق خصوصا ما تشتد رغبته فيه ويعظم حسنه في عينه.

الآية الحادية عشر وهي: 35 من النمل (27): {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}.

الألفظ والتراكيب:
ألا يسجدوا: عدم سجودهم، فاِنْ مصدرية، ولا نافية، وهو بدل بعض من أعمالهم، خصص بالذكر لانه أصل كفرهم ومبعث فساد أعمالهم. الخبء: الشيء المخبوء، فعل بمعنى مفعول، يقال خبأت الشيء أخبؤه خبأً بمعنى سترته عن العيون، فالخبء يشمل كل ما احتوته السموات والأرض مما يبرزه الله للخلق لمنفعتهم فتشاهده العيون مثل المطر والنبات، أو تدركه العقول مثل بدائع الخلق ودقائق الصنع، ومنه ما يكشفه الله لعلماء الأكوان من أسرار الخلقة عندما يستعملون عقولهم ووسائلهم العلمية فيأتون بما فيه نفع للعباد ورقي للعمران. ما يخفون: ما يكتمون في أنفسهم أو عن غيرهم. وما يعلنون: يظهرون للناس.

المعنى:
زين لهم الشيطان من أعمالهم على الخصوص عدم سجودهم لله الذي أقام عليهم الحجة بما يخرجه لهم من الخيرات المخبئات من السموات والأرض من أمطار السماء ونبات الأرض مما يدل على عظيم قدرته ولطف علمه الذي أحاط بما (1) ببواطن الأشياء وظواهرها وبما
__________
(1) كذا في لاصل.
(2/46)

تنطوي عليه السرائر تواريه الستائر وما هو ظاهر للعموم.

استدلال وتوجيه:
السجود مظهر لغاية الذل والخضوع والانقياد والاستسلام، وتلك أصل العبادة ولا يستحقها من العبد الا من هو- حقيقة- المنعم الغني الكامل القوي، وما هو الا خالقه. فاستدل على استحقاق الله السجود دون غيره بما ذكر من اخراجه الخبء ويشمل علمه لما خفي وما علن. وذلك متضمن لكماله وانعامه وشمول علمه وعموم سلطانه.

حكم وانبناؤه:
انبنى على ان السجود عبادة ولا يستحقها الا الخالق، تحريم السجود للمخلوق فلا يجوز أن يعظم به أحد أحدا ولو لم يقصد به العبادة اما إذا قصد به العبادة فهو الكفر البواح.

تحذير:
كثيرا ما رأينا في الرسوم التي تنشرها الصحف أناسا من المسلمين راكعين أو مقاربين للسجود لذي سلطان. فعلى المسلم أن يحذر من ذلك فلا يفعله ولا ينحني لأحد من الخلق وان ينكره إذا رآه.

تشويق القرآن إلى علوم الأكوان:
من أساليب الهداية القرآنية إلى العلوم الكونية أن يعرض علينا القرآن صوراً من العالم العلوي والسفلي في بيان بديع جذاب يشوقنا إلى التأمل فيها والتعمق في أسرارها، وهنا يذكر لنا ما خبأه، في السموات والأرض لنشتاق اليه. وتبعث في البحث عنه واستجلاء حقائقه ومنافعه غريزة حب الاستطلاع ومعرفة المجهول وبمثل هذا انبعث أسلافنا في خدمة العلم واستثمار ما في الكون إلى أقصى
(2/47)

ما استطاعوا ومهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم ولن نعز عزَّهم الا إذا فهمنا الدين فهمهم وخدمنا العلم خدمتهم.

ترتيب في الاستدلال:
إخراج الخبء لا يكون إلاَّ من العالم بذلك الخبء الذي أحاط علمه به في حال ستره وفي حال ظهوره فيدل ذلك على شمول علمه لما ظهر وما بطن، ومنه ما يخفون وما يعلنون، ولذلك عطفه عليه لترتبه عليه ترتب المدلول على دليله.

الآية الثانية عشر وهي: 26 من النمل (27):
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.

تعميم:
العرش: مخلوق عظيم من عالم الغيب أعظم من السموات والأرض.

المعنى:
الموصوف بتلك الصِّفات والمنعم بتلك الانعامات المستحق للسجود منهم، وقد زين لهم الشياطين عدم السجود له، هو الله الذي لا معبود غيره ولا يستحق العبادة سواه خالق المخلوقات كلها، والمالك لها والمدبر لامرها، والمتصرف فيها من أصغر مخلوق إلى أعظم مخلوق، وهو عرشه العظيم الذي فاق كل ما نرى من عالم الشهادة.

توجيه الترتيب:
لما ذكر استحقاقه للعبادة بكمالاته وانعاماته ذكر أن لا مستحق للعبادة غيره، إذ لا يشاركه في تلك الكمالات والانعامات سواه، فكأن الجملة كالنتيجة لما قبلها. ولما ذكر وحدانيته في الألوهية فلا
(2/48)

يعبد سواه، ذكر وحدانيته في الربوبية بانفراده بالخلق والملك والتصرف والتدبر لهذا المخلوق العظيم، ونبه به على ما دونه من المخلوقات، ولما كان الحديث على عظمة ملك العباد ملك النبوة وغيره ذكر عظمة ملك الله التي تصغر ازاءها كل عظمة.

بيان مراد:
قد يتماثلان (1) اللفظان ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل فيه فلقد جاء في حق سليمان- عليه السلام- {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ووصف الهدهد بلقيس بأنها أوتيت من كل شيء، ولما كان المتحدث عنه أولا هو سليمان فكل شيء يعم ما يحتاج اليه من أمر النبوة وملك النبوة.
كما انه قد قال عنها: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} وقال عن الله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}. فعرش بلقيس عظيم بين عروش الملوك، وعرش الله عظمته أعظم من السموات والارض. وهكذا لا بد من اعتبار المقام في فهم الكلام.

العبرة والقدوة:
قد ألهم الله الحيوانات إلى ما قد يخفي عن بعض العقلاء، ومضى منا كلام عن هذا فيما تقدم من هذه الآيات الكريمة، وهذا الهدهد بين الهداهد فلهم إلْهام خاصٌ يقتضيه تخصيصه بهذا الموقف واتصاله بسليمان- عليه السلام-، وزمن الانبياء زمن خرق العوائد وظهور الآيات، وقد كان في حسن بيانه وترتيب أخباره وبديع تهديه عبارة بالغة لأولي الألباب، فقد تحصن بالعلم ونـ ره (2) بالنبأ المتيقن وفصل
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: يتماثل.
(2) كذا في الأصل، ولعل: ونبأه.
(2/49)

النبأ فشرح حاليها الدنيوية والدينية وتنقل من تشويق إلى تشويق أبلغ منه فكان متثبتا فيما أخبره. بارعا فيما صور مستدلا فيما قرر وفيما أنكر، بصيرا بكيد الشيطان للإنسان متفطنا لانبناء الضلالات بعضها على بعض خبيرا بترتيب الادلة وحسن الاستنتاج.
وفيما ذكر الله لنا من هذه العبر البالغة من هذا الحيوان الأعجم حث لنا على أن نسلك عندما نخبر ونبين أو نبحث وننظر ونستدل ونرتب ونعلل، أن نسلك هذا المسلك.
واذا كان الله تعالى قد بعث غرابا ليتعلم منه ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه فكذلك ذكر لنا أمر هذا الهدهد الممتاز بين الهداهد لنقتدي به، تنبيها لنا على أخذ العلم من كل أحد والاستفادة من كل مخلوق والشعور دائما بالنقص للسلامة من شر ادواء الإنسان: العجب والكبر والغرور ... {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.

لمحة نفسية:
الظواهر دلائل البواطن فالمرء يعرف من سبحات وجهه وفلتات لسانه، وكثير ما تدل كلماته على مهنته أو فكرته وعقيدته، كما تدل هيبته أو لبسته وشمائله.
وما يباشره المرء تنطبع به نفسه ويصطبغ خياله فيجري على لسانه في تشبيهاته وتمثيلاته وفنون قوله فقد تختلف العبارات عن شيء واحد في وقت واحد باختلاف نفسيات المتكلمين عليه. وقد عرف الهدهد بين الطيور بثقوب البصر والاهتداء إلى الماء في جوف الأرض خصوصا هدهد سليمان الممتاز بين الهداهد فلما استدل ذكر من صنع الله ما هو أقرب اليه وأغلب عليه وهو اخراخ الخبء الذي منه الماء المخبوء في جوف الأرض.
(2/50)

إشارة علمية:
دَلالة الصنعة على الصانع دلالة فطرية عقلية قطعية، فكل ذي صنعة في مكنته أن يستدل بصنعته على وجود خالق هذا العالم وكماله.
يشاهد ان صنعته ما كانت الا به وبما له من قدرة فينا وعلم بها فيهديه ذلك إلى ان هذا العالم ما كان الا من خالق قادر عالم. فالهدهد ذكر ما هو من عمله في الاستدلال على وجود الخالق تعالى ووحدانيته.
ومثله كل ذي صنعة.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (1)
__________
(1) ش: ج 7، م 15، ص 312 - 320 غرة رجب 1358 - أوت 1939.
(2/51)

يس (1)
ــــــــــــــــــــــــــ
مثل هذا اللفظ مما افتتحت به بعض سور القرآن، وللعلماء فيه طريقتان: الأولى أنه لفظ له معنى يعلمه الله، فهو من التشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنما يؤمنون به ويردون علمه إلى عالمه.

سؤال وجوابه:
القرآن أنزل للبيان، ولا بيان إلاَّ بالإلهام، فكيف يكون في القرآن لفظ لا يفهم له معنى؟ والجواب: أنَّ عدم فهم معنى من بضع عشرة كلمة افتتحت بها بعض السور لا يخل ببيان القرآن لما أنزل لبيانه من عقائد وآداب وأحكام وغيرها من مقاصد القرآن.

توجيه وتنيظير:
ان الله تعالى أعطانا العقل الذي به ندرك الآيات التي نصبها لنا لنستدل بها على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته. وبالنظر في هذه الآيات نصل- بتسيير الله- بعقولنا إلى إدراك بدائع عجيبة وأسرار غريبة ما تزال تتجلى لنا ما دمنا نتأمل فيها ونعتبر بها. وما يزال الإنسان يكتشف منها حقائق مضت عليه أزمان وهو يعدها من المحال. ويجتني منها فوائد ما كانت تخطر له في أحقابه الماضية على بال.
غير أن استجلاء هذه الحقائق واستحصال هذه الفوائد من الآيات الكونية- على نفاستها وعظيم نفعها- محفوف بخطر الاعجاب بذلك
__________
(1) 36/ 1 يس.
(2/52)

العقل، حتى يحسب أنه محيط بالحقائق كلها، وأن مدركاتها يقينيات بأسرها، فيؤديه حسبانه الأول إلى الفتنة بالمدركات، فيحسب أن لا شيء بعدها، فقد يخرج إلى انكار خالقها، ويؤديه حسبانه الثاني إلى الذهاب في ظنونه وأوهامه وفرضياته إلى غايات لا نسب بين اليقين وبينها. فكان من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حداً يقف عنده وينتهي اليه، ليسلم من هذا الخطر، خطر الاعجاب بالعقل، ففي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها ولا تستطيع أن تعرف كنهها، كحقيقة الكهرباء في الكون، وحقيقة الروح والعقل في الإنسان، فمثل هذه الحقائق المنغلقة التي يرتد عقل الإنسان اليه عنها خاسئا وهو حسير. هي التي تعرفه بقدره وبعظمة هذا الكون وفخامة أمره. فيقف بعقله عند حد النظر والاعتبار والاستدلال ببديع الصنعة وعظيم النعمة على حكمة الله البالغة ومنته السابغة، دون خلط للاوهام بالحقائق ولا فتنة بالمخلوق عن الخالق.
هذه الحقائق التي خفيت عن العقل البشري فلم يدرك كنهها لم تقدح في دلالة آيات الأكوان على ما دلَّت عليه من وجود الخالق ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته، وفضله واحسانه ورحمته، فكذلك لم يقدح في بيان القرآن ودلالة آياته خفاء معاني بضع عشرة كلمة من كلماته، وكما كان خفاء تلك الحقائق في الآيات الكونية ايقافا للعقل عند حده وتعريفا له بقدره، وتنبيها له على عظم آيات ربه، كذلك كان خفاء هذه المعاني في الآيات القرآنية لمثل ذلك. ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية في هذا الجلاء العام والخفاء الخاص جملة من الأحكام، كعدد الصلوات والركعات والسجدات التي خفيت على العقول حكمتها وقد ظهرت الحكم الكثيرة الجلية في سائر أحكام الشريعة غيرها، ولم يقدح في حكمة الشريعة في أحكامها، خفاء ما خفي في بعضها، كما لم يقدح خفاء ما خفي من حقائق الآيات
(2/53)

الكونية ومعاني الآيات الكلامية في دلالتها وبيانها. والحكمة هنا في هذه الاحكام هي الحكمة المتقدمة فيهما.
ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية والأحكام الشرعية في هذا الخفاء الجزءي تصرفات الله في خلقه بمجاري اقداره فقد تظهر حكم الله فيها وقد تخفى، وقد تخفى دهراً وتظهر بعد مدة. وقد نبهنا الله على هذه الحقيقة بما قص علينا في قصة يوسف عليه السلام، وما كان مجهولا من حكم قدر الله في مبدأ أمره وما ظهر من تلك الحكم الباهرة للقدر في آخر أمره، وبما قصه علينا في قصة أم موسى لما أوحي اليها بقذفه في اليم وعدم الخوف عليه وما كان من عواقب امره، وكما لا ينفي الحكمة عن تدبير الله عدم ظهورها كذلك لا ينفي الحكمة عن شرعه عدم فهمها ولا يقدح في دلالة الآيات وبيانها عدم إدراك كنهها أو عدم فهم معناها.
ففي خلق الله وفي شرع الله وفي قدر الله وفي كلام الله ما يخفي على العقول إدراك حقيقته أو حكمته، أو معناه لطفاً من الله بالإنسان وتنبيها له، وقد قامت الحجة عليه فيما جهل بما عرف. وتجلت له بدائع الخلقة وجلائل النعمة فيما ظهر، فآمن بوجود مثلها فيما خفي. إذ الرب الحكيم الرحيم لا يكون منه إلا ما هو حكمة وفيه نعمة، فكان الإنسان في القسم الأول مدركا مستدلا معتبرا، قد استعمل عقله فأدَّاه إلى الإيمان واليقين فيما ظهر. وكان في القسم الثاني مصدِّقا مذعنا لربه صاغرا، قد أدرك الحجة فآمن بالغيب فيما استتر.
فجمع بين النظر والاستدلال، والتسليم والاذعان.
فهذا توجيه وجود لفظ لا نفهم معناه من كتاب الله- عند من يقول به- ببيان حكمته، مع تنظيره بمثله في خلق الله وشرعه وقدره.

بناء العمل على هذا العلم:
قد رأيت كيف يقف العقل عاجزاً أمام بعض أسرار الخلق والقدر
(2/54)

والشرع والقرآن، مع يقينه بما علم منها، ان ما عجز عن إدراكه ما هو إلاّ مثل ما عرف في الحق والحكمة والنعمة، إذ الجميع- ما عرف وما عجز عنه- من إله واحد حكيم خبير رحمن رحيم. فليذكر الناظر في خلق الله وقدره وشرعه وكلامه دائما هذه الحقيقة، وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتعليل والاكتشاف واستجلاء الحقائق الكونية واستخراج الفوائد العلمية والعملية إلى أقصى حد توصله اليه معلوماته وآلاته حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه ولم يرتكب من الأوهام والفروض البعيدة ما يكسوا الحقيقة ظلمة، ويوقع الباحث من بعده في ضلالة أو حيرة، فكثيراً ما كانت الفروض الوهمية الموضوعة موضع اليقينيات سببا في صد العقول عن النظر وطول أمد الخطأ والجهل، ويكون عمله في قدر الله هو الاعتبار في تصاريف القدر، والاتعاظ بأحوال البشر، واستحصال قواعد الحياة من سير الحياة، فإذا رأى من تصاريف القدر ما لم يعرف وجهه ولم يتبين له ما فيه من عدل وحكمة واحسان ورحمة، فليذكر عجزه وليذكر ظهور ما خفي عنه من مثل ذلك في وقت ثم ظهر له فيوقن ان هذا مثله، وانه إذا طالت به الأيام قد يظهر له من وجهه ما خفي منه، فيتلقاه الآن بالتسليم والتنزيه، راداً علمه إلى الله تعالى مفوضا أمره إليه، ويكون عمله في شرع الله هو الفهم لنصوص الآيات والأحاديث ومقاصد الشرع وكلام أئمة السلف، وتحصيل الاحكام وحكمها، والعقائد وأدلتها، والآداب وفوائهدها، والمفاسد وأضرارها، حتى إذا بلغ إلى حكم لم يعرف حكمته وقضاء لم يدر علته ذكر عجزه فوقف عنده، فلم يكن من المرتابين ولا من المتكلفين، ولم يمنعه عجزه عن تعليل وتبين وجهه ذلك القليل عن المضي في التفهم والتدبر لما بقي له من
(2/55)

الكثير، ويكون عمله في كتاب الله هو التفهم والتدبر لآياته والتفطن لتنبيهاته ووجوه دلالاته واستثارة علومه من منطوقه ومفهومه، على ما دلت عليه لغة العرب في منظومها ومنثورها، وما جاء من التفاسير المأثورة وما نقل من فهوم الأئمة الموثوق بعلمهم وأمانتهم، المشهود لهم بذلك من أمثالهم، فإذا وقف أمام المتشابه رده إلى المحكم، وإذا انتهى إلى فواتح السور ذكر عجزه فآمن بما لها من معنى وقال: الله أعلم به. فهذا السير النظري والعمل العلمي المبني على اليقين بعدل الخالق جل جلاله وحكمته ورحمته في خلقه وقدره وشرعه وكلامه ومعرفة العبد بقدره ومقامه يزداد السائر على مقتضاه ايمانا وعلماً وفوائد جمة، ويسلم من الغرور والأوهام والفتنة، وهو سبيل الراسخين الذين يقولون فيما لا يفهمونه: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (1).

القول الثاني في فواتح السور:
وذهبت جماعة من أهل العلم- من السلف والخلف- إلى ان هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها، ولذلك لم تعترض على البيان بها ولا طعنت في عربيته بعدم فهمها، وان كنا لا نجد في كلامها ما نعرف به المعنى الذي فهمته منها، وممن ذهب إلى ذلك الامام أبو بكر بن العربي فقال في كتاب ((القبس على موطأ مالك بن أنس)): "وليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فان محمداً- صلى الله عليه وآله وسلم- لو خاطب الكفار منها بما لا يفهم لكان ذلك أقوى أسبابها في الطعن عليه، وكانوا يقولون: هذا يتكلم بما لا نفهم وهو يدعي أنه بلسان عربي مبين. وما حمعسق في اللسان؟ وما كفهيعص في الكلام؟ فدل أنهم فهموا الغرض وعرفوا المقصود؟.
__________
(1) 3/ 7 آل عمران.
(2/56)

اختلاف المتؤلين:
منهم طائفة تكلمت على كل لفظ من ألفاط الفواتح وذكرت له معنى، واختلفوا في تلك المعاني التي ذكروها، وهي كما ذكر الامام ابن العربي: "لا سبيل إلى تمييز واحد منها بدليل لأنه معدوم، ولا بأثر لأنه غير منقول" ولا تطمئن إلى شيء منها القلوب التي عاشت على اليقين، ولا تسلم واحداً منها العقول التي اعتادت قفو العلم على نور الدليل.
ومنهم طائفة أخذتها كلها بوجه واحد، فقال بعضٌ: إنها حروف تنبيه تقرع الأسماع فتلفت السامعين إلى الاستماع والتدبر، لما اشتملت عليه السورة من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها من مقاصد القرآن، فهي نظير الا والهاء في مألوف الاستعمال. وقال بعضهم: انها حروف تعجيز وافحام وتقريع، لأن القرآن الذي عجزوا عن معارضته من هذه الحروف وأخواتها تركبت كلماته، فكأنما يقال لهم: ما هذا الذي عجزتم عنه إلاَّ كلام جنس كلامكم، وما ركبت لكلماته الا مما ركبت منه كلماتكم، وهذا لعجزهم، ولتقريعهم أوجع. ومما يؤيد هذا أن أكثر هذه الفواتح ذكر بعده الكتاب المعجز وصفاته، مثل قوله تعالى:
{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ} (1) {الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... الآية} (2). {المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} (3). {الر * تِلْكَ آيَاتُ
__________
(1) 1/ 1 - 2 البقرة.
(2) 3/ 1 - 3 آل عمران.
(3) 7/ 1 - 2 الأعراف.
(2/57)

الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (1). {الر * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} (2). {الر * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (3). {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (4). {الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. {حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (6) وغيرها ...

الفائدة العملية:
قد افتتحت هذه السور من القرآن العظيم بكلمات التنبيه، وجاءت أول سورة منه بعد الفاتحة مفتتحة به، فلنكن عند قراءته في انتباه واقبال على استيعاب لفظه وتفهم معناه، فإن التالي للقرآن والسامع له في حضرة الرب على بساط القرب، والغفلة في هذا المقام من قلة الأدب، ومن قل أدبه في مقام الاحسان والكرامة استوجب أضعاف ما يستوجبه غيره من العتب والملامة وتعرض لموجبات الحسرة والندامة، فالله نسأل أن يجعلنا من قرائه على اتنباه واستحضار أناء الليل وأطراف النهار العاملين به بالعشي والأبكار، إنه الجواد الكريم الستار.
...

{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا
__________
(1) 10/ 1 يونس.
(2) 11/ 1 هود.
(3) 12/ 1 يوسف، وانظر: 13/ 1 الرعد، و 15/ 1 الحجر.
(4) 26/ 1 - 2 الشعراء.
(5) 32/ 1 - 2 السجدة.
(6) 40/ 1 - 2 المؤمن.
(2/58)

مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} (1).

بيان المفردات:
الحكيم: هو الموصوف بالحكمة، وأصل اللفظ من حكم، بمعنى أمسك، فالحكمة هي العلم الصحيح الذي يمسك صاحبه عن الجهالات، والضلالات، والسفالات، فيكون ذا إدراك للحقائق قويم وخلق كريم، وعمل مستقيم، لا يحكم الا عن تفكير، ولا يقول الا عن علم، ولا يفعل الا على بصيرة، فإذا نظر أصاب، وإذا فعل أطاب، وإذا نطق أتى بفصل الخطاب. ووصف القرآن بالحكيم لأنه هو العلم الصحيح، المثمر لهذا كله، والصراط المستقيم، هو دين الإسلام، الذي جاء به جميع المرسلين، قبل النبي- صلى الله عليه وعليهم وسلم-. تنزيل: بمعنى منزل، وهو الصراط المستقيم. العزيز: القوي الغالب، الممتنع الذي لا نظير له. الرحيم: المنعم الدائم الانعام والاحسان. الإنذار: الاعلام بوقوع ما يخاف منه، وهو الهلاك والعذاب العاجل والآجل. والغافل عن الشيء: التارك له المعرض عنه، مع حضوره لديه لاشتغال باله بسواه.

المعنى:
أقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمداً- صلى الله عليه وآله وسلم- من المرسلين رداً على من قالوا له: لست مرسلا، في حال أنه على دين الإسلام، الذي بعثه الله به ثابتا عليه في عقده، وقوله، وفعله، وجميع أمره. وأخبر تعالى أنَّ هذا الإسلام الذي جاء به النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- نزَّله عليه الله القوي الغالب، الذي لا يغالب، العديم الشبيه والنظير، والمنعم الدائم الانعام المستمر الاحسان. وبيَّن تعالى أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية
__________
(1) 36/ 2 - 6 يس.
(2/59)

ويعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال، تلك الأمة التي ما أنذر آباؤها فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها، من عبادة الأوثان، وارتكاب الاثم والعدوان، وأنواع الضلال، والخسران، معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة، التمكن التام، فتركت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام.

أصل المعرفة والسلوك من هذه الآيات الكريمة:
تمهيد:
خلق الله الخلق حنفاء موحِّدين، فأتتهم الشياطين فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته تعالى بهم، أن أرسل اليهم، رجالا منهم، لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه، لدلالتهم. فالله هو المرسل وتلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل اليهم.

المعرفة:
فللمرسل العلوُّ والكمال، وله الخلق، والأمر، ومنه الرحمة، والعدل، والاحسان، والفضل، وله الربوبية، والالوهية، دون شريك ولا مثال.
وفي تلك الوسائل الحق، والحكمة، والنور المخرج، من كل ظلمة والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطةَر الضمائر، وتعرف طريق الحق، والهدى من طرائق الباطل والضلال.
ولأولئك الرسل-عليهم الصلاة والسلام- أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسل- تعالى-، وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا
(2/60)

به وأعظم التمسك به، وأكثر الاتباع له، فلا كمال الا بالاقتداء بهم، ولا نجاة الا باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى الا باقتفاء آثارهم. وللمرسل إليهم عجز المخلوق وضعفه، أمام خالقه، وحاجته وافتقاره اليه، وعليه حق عبادته، وطاعته، والرجاء لفضله، والخوف من عقابه، والفكر في آياته، ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنواع نعمائه، والشكر له على جميع آلائه. فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها، وما له فيه- كمال الإنسان العلمي الذي هو أصل كماله العملي، والشروط اللازم فيه.
وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية فالمرسل هو {الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} والرسالة هي: {الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} والرسول هو "محمد"- صلى الله عليه وآله وسلم- المخاطب بـ {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} والمرسل اليهم هم العرب الذين {مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}.

تمهيد:
لما ضل الخلق عن طريق الحق، والكمال، الذي يوصلهم اليه، إلى مرضاته والفوز بما لديه أرسل اليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلتهم في السير وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودهم على بصيرة، ويتركوهم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يهلك عليها إلاَّ من ظلم نفسه، فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين. فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والادلة هم الرسل، والمصابيح هي الكتب، والغاية هو الله جل جلاله.

السلوك:
فعلى مريد النجاة من المهالك والفوز بأسنى المطالب، وأعلى المراتب
(2/61)

- أن ينضم إلى القافلة الربانية يتعاون مع أفرادها ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعد نفسه جزءا منها لا سلامة له الا بسلامتها، فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ويهديه إلى ما يهديها اليه من خير ويقيه مما يقيها منه من سوء. وان يطيع أولئك الأدلة ويقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير، وأصنافه، وأوقاته، ومراحله، ومنازله، اليهم دون أدنى اعتراض، ولا مخالفة، ويقابل ما يتحملونه من مشاق الدلالة، ومتاعب القيادة، بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم، والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، وطلب عظيم الجزاء، من الله لهم تعالى على عظيم إحسانهم. وان يلتزم ذلك الطريق ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنيَّاته (1) لا مفرطا في السير يسبق الرفقة فينفر بلا دليل، ولا مفرطا فيه، فيتخلف عنها بلا معين نمطا وسطا مع الجماعة لا من الغلاة ولا من المقصرين. وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر، للاستضاءة بها غير مغلق الأجفان عنها، متعرفا بها أديم الأرض ومواقع قدمه منها. وأن يعرف عظم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول اليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره، ليسرع مع الرفقة إليها، وتخف عليه مشاق الطريق وأتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها.
فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى ربِّ العالمين الرحمن الرحيم، كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي.
__________
(1) بنيات الطرق جميع بنية تصغر بنت هي ما يخرج من نواحيه من طرق صغيرة تضل السائر عن الغاية وتبعده عن الرفقة فى السير.
(2/62)

وقد اشتملت هذه الآيات على ذكر السالكين، وهم المنذرون وعلى الدليل وهو الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- وعلى الطريق وهو الصراط المستقيم المنزل من الله، وعلى ما بين الطريق وهو القرآن الحكيم.

الحكمة في هذه الآية:
قال ابن وهب: سمعت مالك رضي الله عنه يقول: "الحكمة: الفقه في دين الله والعمل به" ففي الفقه في دين الله الكمال العلمي، وفي العمل به الكمال العملي، وهذه الآيات- على إيجازها- قد اشتملت على أصول ما به كمال الإنسان العلمي وكماله العملي اللذان بهما كماله الروحي والبدني ونعيمه الدنيوي، والأخروي، وما كماله العلمي، وكماله العملي الا بالمعرفة الصحيحة والسلوك المستقيم، وهما اللذان تقدم في الفصل السابق بيانهما وفسر مالك الحكمة بهما اذ الفقه في دين الله هو المعرفة الصحيحة، والعمل به، هو السلوك المستقيم، وهما الحكمة التي وصف به، في الآية الأولى القرآن العظيم، لا انه كتاب العلم، والعمل اللَّذين لا يكون بدونهما حكيم. فكما اشتملت هذه الآيات على أصول الحكمة دلت على أصلها، ومأخذها، وما يكون الإنسان بعلمه والعمل بما فيه من أهلها، وهو القرآن الحكيم.

توجيه القسم في الآيات:
أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمداً من المرسلين، لينذر الغافلين حال انه على صراط عظيم مستقيم منزل من العزيز الرحيم، لأن القرآن هو كتاب محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي كان يتخلق به ويهتدي بما فيه وينذر به ويدعو اليه ويبينه للناس بقوله، وفعله، وهو برهانه، وحجته، وآيته، ومعجزته.
كما أنه كتاب الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم، فيه حجته،
(2/63)

ودلائله، فيه أحكامه وحكمه، فيه آدابه وشمائله، فيه بيان حقيقته، وما هو منه ونفى ما ليس منه عنه، فيه بيان تاريخه، وتاريخ الإنسانية معه، فيه ذكر أوليائه، وحسن بلائهم في سبيله، وحسن أثره فيهم، والعود بالعاقبة المحمودة عليهم، وذكر أعدائه وجهدهم في مقاومته وسقوط شبههم أمام حجته وذهاب باطلهم أمام حقه، وشدة أخذه لهم، على ظلمهم، ونزول تقمته بهم، وحلول دائرة السوء عليهم، فيه الإسلام كله، فمن طلبه فيه، وجده، ونجا به، ومن طلبه في غيره (1) ضل، وكان من الهالكين.

عقائد وأدلتها من هذه الآيات:
العقيدة الأولى: محمد رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-:

دليلها الأول القرآن الحكيم جاء رجل أمي ما قرأ ولا كتب ولا دارس العلماء ولا عرف الكتب.

ودليلها الثاني: موافقة دعوته- صلى الله عليه وآله وسلم- لدعوة المرسلين- صلوات الله عليهم- إلى عبادة الله وحده وتصديق مما جاءهم به من عنده دون أن يسألهم على ذلك أجراً وهذا من قوله: {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} فهو من المرسلين. من جهة ارساله لأنه منهم في أقواله وَأفعاله نظير قوله تعالى:
{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} (2) وقوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} (3) وقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا
__________
(1) بيان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- للقرآن من القرآن لقوله، تعالى: {تُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.
(2) 35/ 9 الأحقاف.
(3) 37/ 37 الصافات.
(2/64)

إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} (1).

ودليلها الثالث: هذا الدين الكامل الجامع الذي هدى به النوع الإنساني أفراداً وجماعات إلى ما فيه سعادته، فاطلق فكره وسدد نظره وقوم عقائده وهذب أخلاقه ونظم اجتماعه، ووضع له قواعد الحياة والعمران على العدل والإحسان ووجههم إلى خالقهم وما أعدَّ لهم عنده- ان آمنوا وعملوا الصالحات- من النعيم المقيم والرضوان التام.

ودليلها الرابع: سلوكه هو في حياته على هذا الصراط المستقيم من يوم عرف الدنيا حتى فارقها، فكان يمثله على اكمل وجه لا يخل بشيء منه ثابتا عليه لا يحيد قيد شعرة عنه دون أن تحفظ عنه زلة. ولا تعرف منه في القيام به والدعوة اليه فترة، ولا تقف أمامه قوة، ولا ترد له حادثة عزمة ولا تحمله على هوادة فيه رغبة ولا رهبة، ولا تبدل حاله رخاء ولا شدة، فكان في كرم خلقه وتمام زهده وعظيم تألهه وتوجهه لربه بعدما فتح الله له الفتح المين ودخل الناس أفواجا في الدين كما كان أيام كان وحيدا بين أعظم أعدائه من المشركين، وما هذا من شأن البشر وطبعهم لولا عصمة وتأييد رب العالمين.

العيقدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه، ودليلها أنه حكيم فما فيه من العلم وأصول العمل. لا يمكن أن يكون الا من عند الله في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها، إلى ما فيه من حقائق كونية كانت مجهولة عند جميع البشر وما عرفت لهم إلاّ في هذا العصر الأخير، ومن أشهرها مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين موجبة وسالبة، جاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها
__________
(1) 4/ 162 النساء.
(2/65)

قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (1). ومنها مسألة حياة النبات التي جاءت في مثل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (2). ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} (3) فهذه حقائق علمية كونية أجمع علماء العصر أنها من المكتشفات الحديثة ولم تكن معلومة عند أحد من الخلق قبل اكتشافها ولا كانت عندهم الآلات الموصلة إلى معرفتها.
وكفى بهذا القل من الكثر دليلاً على أن هذا القرآن ما كان إلا من عند الله الذي خلق الأشياء ويعلم حقائقها.

العقيدة الثالثة: الإسلام دين الله الذي شرعه وارتضاه. ودليلها مستفاد من وضعه بأنه صراط مستقيم، فهو تشريع تام عام لجميع أعمال الإنسان، أعمال قلبه وأعمال لسانه وأعمال جوارحه وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه، ولا تخرج كلية من كلياته ولا جزئياته عن هذا الأصل العام التجلي في جميع الاحكام وهو "الحق والخير والعدل والاحسان" وقد وضع عقلاء الأمم شرائع في بعض نواحي أعمال الإنسان، ولكنها بإجماع المتشرعين لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب، فهم ما يقتئون يتبعونها بالتكميل والتقويم والتعديل على ممر الأيام، ولو عرضت كل حكم من أحكامه على الأصل العام الذي ذكرناه لوجدته منطبقا عليه ظاهرا فيه حتى
__________
(1) 51/ 49 الذاريات.
(2) 21/ 30 الأنبياء.
(3) 15/ 22 الحجر.
(2/66)

ما خفي وجهه على الأمم الأجنبية عن الإسلام أيام تاريخها، قد ظهر لها فضله ونفعه أيام تقدمها، فجاء كبراء عقلائها يعترفون فيها بصواب ما شرعه فيها الإسلام، ثم هم يعجزون عن تطبيقها على أممهم للمادة الغالبة والوراثة القديمة، منها مسألة الطلاق وتعدد الزوجات وتحريم الربا تحريما باتا، فكم من عالم غير مسلم صرح بأنَّ الحق والعدل والخير للإنسانية في هذه المسائل هو ما شرعه الإسلام على الوجه الذي شرعه الإسلام.
فهذه الاستقامة التامة العامة المطردة في شرع جاء به رجل أمي من أمة أمية جاهلية يجزم كل عاقل بأنه ليس من وضع العباد وإنما هو من وضع خالق العباد (1).
__________
(1) ش: ج2، م 10، ص 47 - 57 غرة شوال 1352 - جانفي 1934.
(2/67)

اَلْوَحْيُ مَصْدَرُ الْإِسْلَامِ

جملة هو {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} (1) بينت وجه استقامة ذلك الصِّراط الذي هو الإسلام بأنه تنزيل العزيز الرحيم، وأفادت أن جميع هذا الدين وحي من الله منزل على نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا لأن مرجع الإسلام في أصوله وفروعه إلى القرآن وهو وحي من الله والى السنة النبوية، وهي وحي أيضا لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (2) وكل دليل من أدلة الشريعة فانه يرجع إلى هذين الأصلين ولا يقبل الا إذا قبلاه ودلا عليه. وكل شيء ينسب للإسلام، ولا أصل له فيهما فهو مردود على قائله، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».

الإسلام دين العز والرحمة:
ذكر من أسمائه تعالى في هذا الموطن العزيز: {الرَّحِيمِ} للتنبيه على أن هذا الدِّين الذي نزَّله الرب الموصوف بالعزة والرحمة هو دين عزة ورحمة.
ومن مقتضى العزة: القوة والمنعة والرفعة، ومن مقتضى الرحمة: الفضل، والخير، والمصلحة. وهذه كلها متجلية في أحكام الإسلام.
والعدل والاحسان اللذان أمر الله بهما وأنبنت أحكام الإسلام عليهما
__________
(1) 36/ 5 يس.
(2) 53/ 4 - 5 النجم.
(2/68)

لا يكونان إلاَّ عن العزة والرحمة فالدَّليل لا ينهض بالحكم ولا يقيم ميزان العدل والقاسي لا يكون منه إحسان.

اهتداء واقتداء:
فالمسلم المتحقق بالإسلام المهتدي بهدايته لا يكون إلاّ عزيزا رحيما، فالذلة من المسلم نقص إسلامه والقساوة مثلها نقص فيه، وقد ذكر الله تعالى سادات المسلمين في عزتهم فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} (1). وذكرهم في رحمتهم فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (2) ونعم القدوة هم لجميع المسلمين.

النذارة ثمرة الرسالة:
كان من المرسلين لينذر الغافلين، فالأول كمال والثاني تكميل، وقد فطر الله رسلَه- صلى الله عليهم وسلم- على الرحمة وحب الخير، فكانوا أحرص الناس على نجاة الناس وكمالهم وسعادتهم، فصبروا على تكذيبهم واذايتهم حتى أدُّوا أمانة الله إليهم، وأقاموا حجته عليهم. وكان الله ينجيهم ومن آمن بهم وينزل عقوبته بالمكذبين لهم وينصرهم عليهم، فأعلم محمداً- صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه من المرسلين لينذر- ليأتسى بهم ويصبرهم ويرجو من نصر الله له واهلاك أعدائه ما كان منه تعالى لهم.
__________
(1) 42/ 39 الشورى.
(2) 59/ 9 الحشر.
(2/69)

إقتداء:
العلماء ورثة الأنبياء وما ورث الانبياء دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم. والعلم مستمد من الرسالة فعلى أهله واجب التبليغ والنذارة، والصبر على ما في طريق ذلك من الأذى والبلايا، والعطف على الخلق والرحمة وقد قالى الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (1).

التدريج في الإنذار:
أرسل الله محمداً- صلى الله عليه وآله وسلم- للعالمين بشيراً ونذيراً، ودرَّجه في النذارة على مقتضى الحكمة من القريب إلى البعيد، فأمره بإنذار عشيرته بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (2) فصعد الصفا فنادى بطون قريش حتى نادى العباس عمه وصفية عمته وفاطمة ابنته، وقال لهم: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» وأمر بانذار من حول مكة من العرب بقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (3) على الوجه الأقرب في معنى {وَمَنْ حَوْلَهَا} المؤيد بصدر الكلام وهو قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (4) ومثلها في
__________
(1) 9/ 123 التوبة.
(2) 26/ 214 الشعراء.
(4) 6/ 92 الانعام و42/ 7 الشورى.
(4) 42/ 7 الشورى.
(2/70)

إنذار العرب ما في هذه الآية وهو قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} (1)، فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم. وأمره بتعميم الإنذار بمثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (2) فارسل رسله إلى الأمم تحمل كتبه إلى ملوكها بالدعوة إلى الإسلام، وكان ذلك هو الإنذار العام.

اندفاع إشكال:
قد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسل نبينا- صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الناس عامة بمثل قوله: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أي بالقرآن كل من بلغه القرآن ولا يشكل على ذلك مثل ما تقدم من الآيات في انذار عشيرته الأقربين وقومه العرب، لأنه ابتدأ بهما لحكمة التَّدريج وحق القريب لا للتخصيص، بدليل ما جاء من آيات التعميم.

إقتداء:
هكذا على المرء أن يبدأ في الإرشاد والهداية بأقرب النَّاس إليه، ثم من بعدهم على التدريج، وعندما يقوم كل واحد منا بإرشاد أهله وأقرب الناس إليه لا نلبث أن نرى الخير قد انتشر في الجميع، فمن الأسر تتركب الأمة، فعندما يعني كل واحد بأسرته ترتقي الأمة كلُّها بارتقاء أسرها كارتقاء أي كل بارتقاء أجزائه، فيكون المعتني باسرته في الوقت نفسه معتنيا بأمته. وعندما يقصد بخدمة أسرته
__________
(1) 36/ 6 يس.
(2) 7/ 157 الأعراف.
(2/71)

خدمة أمته يثاب ثواب خادم الجميع أسرته بالفعل وأمته بالقصد أو أسرته مباشرته وأمته بواسطة وكل هذا مما يثاب المرء شرعا عليه.

إستطراد واستنباط:
لما كان العرب لم يأتهم نذير قبل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، بنص (1) هذه الآية وغيرها فهم في فترتهم ناجون لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (2) و {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} (3) وغيرهما، وكلها آيات قواطع في نجاة أهل الفترة، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ من جاء فيهم نص ثابت خاص كعمر بن لحي أول من سيب السوائب وبدَّل في شريعة إبراهيم وغيَّر وحلل للعرب وحرَّم فأبوا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ناجيان بعموم هذه الأدلة، ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن أنس- رضي الله عنهما-: "أن رجلا قال للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفا الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار" لأنه خبر آحاد فلا يعارض القواطع وهو قابل للتأويل، يحمل الأب على العم مجازاً يحسنه المشاكلة اللفظية ومناسبته لجبر خاطر الرجل وذلك من رحمته- صلى الله عليه وآله وسلم- وكريم أخلاقه.

سبب الغفلة ودواؤها:
أفادت الفاء في قوله تعالى: {فَهُمْ غَافِلُونَ} أنَّ غفلتهم
__________
(1) في الأصل بص.
(2) 17/ 15 الإسراء.
(3) 5/ 21 المائدة.
(2/72)

تسببت عن عدم انذارهم، فكل أمة انقطع عنها الإنذار وترك فيها التذكير واقعة في الغفلة لا محالة. ولا كان ترك الإنذار والتذكير موقعا في الغفلة فالإنذار والتذكير يزيلانها، فقد عرفتنا الآية الكريمة بسبب الغفلة وبعلاجها لنحذر سببها ونعالج أنفسنا وغيرنا بعلاجها.

تطبيق:
كان الناس منذ زمن قريب لا يسمعون ولا يسمع منهم لفظ الاهتداء بهداية القرآن العظيم والاقتداء بهدى الرسول الكريم- صلى الله عليه وآله وسلم- والسير بسيرة السلف الصالح في النهوض بأعباء الدنيا والدين وهم- إلاَّ قليلا- عن هذا غافلون، أما اليوم بعد أن نهض العلماء المصلحون بواجبهم ونشروا دعوة الحق في قومهم فقد أصبح ذلك معروفا عند أكثر الناس محن (1) وعناية طلاب العلم ومناط رغبتهم وفي متناول الناس بجميع طبقاتهم وانا لنرجو من فضل الله المزيد، ونشاهد ذلك- والحمد لله- كل يوم يزيد فالحمد لله على ما علَّم وألْهم وبصَّر ويسَّر. نسأله دوام التوفيق والتسديد رب العالمين (2).
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) ش: ج 3، م 10، ص 90 - 99.
غرة ذي القعدة 1352هـ - 5 فيفري 1934م.
(2/73)

لَا يُؤْمِنُ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَدَمَ إِيمَانِهِ

{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .. } (1)
ــــــــــــــــــــــــــ
المناسبة:
علم الله أن نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم- يقوم بالنذارة لقومه ويبذل غاية جهده في تنبيههم من الغفلة، وانقاذهم من الهلكة، وعلم أنهم لا يؤمن به إلاَّ أقلهم، وعلم أن ذلك يكون من أعظم ما يؤلم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لشدة حرصه على إيمانهم، وعظيم شفقته عليهم. ولعدم ظهوره ثمرة ما بذله من جهد في هدايتهم فأراد- تعالى- أن يقوي قلب نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم- على تحمل ذلك باعلامه به من أول الأمر، إذ ليس المؤلم المتوقع كالمؤلم الذي يصدم عن مفاجأة وأعظم منه الذي يصدم مع توقع ضده، كما هنا، فان التوقع منهم بعد الإنذار البالغ بالبرهان الساطع هو ايمان أكثرهم لا كفره.

المفردات:
حق: وجب وثبت. القول: قول الله فيهم بما سبق في علمه، فهم لا يؤمنون. فهم: أي أكثرهم.

التراكيب:
نفي الايمان عنهم نفياً مؤكداً بالاخبار عن ضميرهم بجملة لا يؤمنون.
__________
(1) 36/ 7 - 11 يس.
(2/74)

وقرنت الجملة بالفاء السببية لتفيد أن من سبق في علم الله عدم ايمانه لا يرجى ايمانه بحال، فارتباط الثاني بالأول ارتباط لا انفكاك له.

المعنى:
لقد وجب وثبت ما سبق في علم الله في أكثرهم وما كان من قوله بعدم ايمانهم فلا يرجى من ذلك الأكثر الذي سبق في علم الله عدم ايمانه ايمان.

سؤال:
ما مات النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- حتى عم الإسلام جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولا شك ان الذين ماتوا على الكفر هم الأقل بالنسبة لمن آمنوا فما معنى قوله تعالى: {حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ}.

جوابه:
الذين قام النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بانذارهم وأقام بين ظهرانيهم مكررا للنذارة عليهم صباح مساء مدة ثلاث عشرة سنة هم أهل مكة. فهم الذين تتعين ارادتهم من الضمير في قوله تعالى: {أَكْثَرِهِمْ} ولا شك أن اكثر من انذارهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من أهل مكة ماتوا على الكفر.

سؤال على هذا الجواب:
هذا يقتضي أن المراد بلفظه "قوما" المتقدمة أهل مكة، مع ان المفسرين فسروها بالعرب.

جوابه:
نسلم هذا ويكون تفسير "قوما" بالعرب نظرا لمماثلتهم لأهل
(2/75)

مكة في وجوب انذارهم باعتبار مشاركتهم لهم في الوصف وهو غفلتهم لعدم انذار آبائهم.

لا حجة لمن مات على كفره بما سبق من علم الله:
قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل، وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم من آيات مشاهدات وما أرسل اليهم من رسل بآيات بينات، وهذه كلها أمور معلومة لديهم ضرورية عندهم لا يستطيعون أن ينكروا شيئا منها، فلا يمكنهم أن يجحدوا ما عندهم من عقل ومن اختيار، ولا أن ينفوا ما يشاهدونه من الآيات في المخلوقات، ولا أن ينكروا مجيء الرسل اليهم وما تلوا عليهم من آيات، وبهذه الاشياء قامت حجة الله عليهم وكان جزاؤهم على ما اختاروه بعدها لأنفسهم. فأما ما سبق من علم الله فيهم فهو أمر مغيب عنهم غير مؤثر فيهم- لأن العلم ليس من صفات التأثير- ولا دافع لهم. فليس لهم أن يحتجوا به لأنفسهم لأنهم لم يعملوا لأجله، كيف وهو مغيب عنهم.
وإنما عملوا باختيارهم الذي يجدونه بالضرورة من أنفسهم.

توجيه للترتيب:
تقوم حجة الله على العبد أولاً ويعمل هو- كاسباً ومكتسباً- باختياره ثانيا، ويظهر لنا ما سبق من علم الله فيه بعد أن اختار ما اختار ثالثا. ولهذا قدمت النذارة وما يرتبط بها على هذه الآية التي فيها بيان ما سبق من علم الله فيهم.

تقريب:
قد يكون لرجل ولدان هو عالم بنفسيتهما وأخلاقهما وسيرتهما ثم يأمرهما بأمر فيه الخير لهما وهو يعلم- بما علم من أحدهما- انه يمتثل ويعلم- بما علم من الأخر- انه يخالف. ويقول لأهل
(2/76)

بيته ان فلانا سيمتثل، وان فلانا سيخالف. ويظهر ما قاله وما علمه في كل واحد منهما فجازى الممتثل على طاعته وجازى المخالف على عصيانه. فلا شك ان هذا الرجل قد أحسن إلى ولديه بما أمرهما به من خير وفعل ما تقتضيه أبوته من النصح والارشاد، ولا يقدح في ذلك علمه بما سيكون منهما. كما أن هذين الولدين قد نال كل واحد منهما ما يستحق دون أن يكون للمخالف منهما حجة على مخالفته بما كان يعلمه منه أبوه.
لله المثل الأعلى فقد أحاط بكل شيء علما فعلم من سيطيعه ومن سيعصي، ولكنه الحكم العدل فلم يكن ليجازيهم على سابق علمه فيهم، الذي لا دخل لهم فيه، بل جعل جزاءهم بعد اقامة الحجة عليهم بما يكون من اختيارهم ليكون جزاؤهم على ما عملوا وما قدمت أيديهم وما لهم دخل فيه بالكسب والاكتساب.

تعليم:
أرأيت كيف أن الله تعالى لم يجاز الخلق على مقتضى علمه فيهم، وهو العلم الذي لا يتخلف، وإنما جعل جزاءهم اعى أعمالهم. فهذا تعليم لنا كيف تكون معاملتنا بعضنا لبعض فلا نجازي على مجرد الظن بل ولا على مجرد اليقين وإنما تكون المجازاة بعد صدور الأعمال. فرب شخص قدرت فيه الخير أو الشر ففعل ضد ما قدرت، فلو جازيته قبل الفعل لما طابق جزاؤك موضعه ولنال كل ما لا يستحقه، فالحكمة والعدل والمصلحة في ربط المجازاة بالأعمال، وهذا ما كان من الله في مجازاة خلقه وهذا ما ينبغي ان نربط به المجازاة بيننا.

تمثيل حال المعرضين عن الحق المعاندين فيه:
{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ}
(2/77)

فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} (1).

المناسبة:
لما ذكر عدم إيمانهم وكان مبدأ ذلك بإعراضهم عن الحق واختيارهم الكفر على الايمان ذكر ما عاقبهم الله به من منعهم عن الخير ودوام الاعراض عنه.

المفردات:
الغل: ما يجعل في العنق محيطا به. الذقن: مجمع اللحيين، ملتقى عظميهما تحت الفم. مقمحون: رافعون رؤوسهم. يقال: قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع عن الشرب. ويقال: اقمحه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا لضيقه. السد: الحاجز بين الشيئين. فأغشيناهم: جعلنا عليهم غشاء أي غطاء أحاط بجميع الذات فمنع العيون من الأبصار.

التراكيب:
فهي إلى الأذقان أي الاغلال منتهية من أسفل الأعناق إلى الأذقان. وهذا كناية عن عرضها ولذا فرع عليه فهم مقمحون. فرع عدم أبصارهم على جعل سد أمامهم وسد خلفهم لالتزاق السدين بهم وضغطهما عليهم، فكما لا يستطيعون معهما تحركا لا يستطيعون أبصارا، وكيف يبصرون وجهه ملتزق بالحائط مثلا.

المعنى:
إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الذين لا يؤمنون أغلالا ضيقة عريضة
__________
(1) 36/ 8 و 9 يس.
(2/78)

تركتهم رافعين رؤوسهم عن مناهل الايمان لا يستطيعون أن يطأطئوا رؤوسهم إليها فيرتووا. وجعلنا أمامهم حجابا وخلفهم حجابا محيطين وملتزقين بهم ومغطيين لجميع ذواتهم فلا يستطيعون معهما تحركا ولا أبصارا.

توجيه التمثيل:
دعوا إلى الايمان والتوحيد ومكارم الاخلاق وهذه أمور مدرك حسنها بالفطرة السليمة، فهي كالماء الذي تقبل عليه الحيوانات بفطرتها، فلما أعرضوا عنها شبهوا بالابل المقمحة عن الماء. ثم ان هذه الأمور كما يدرك حسنها بالفطرة السليمة تدرك باستعمال النظر فيما بين يدي الإنسان من الآيات التي يراها ويشاهدها وما خلفه من أيام الله في الأمم التي بلغته أخبارها وأنباؤها، فلما اعرضوا عما يرون وما قد سمعوا شبهوا بمن جعل بين سدين ملتزقين ومحيطين به فجمد في مكانه فلا هو يتحرك إلى ناحية ولا هو يبصر شيئا.

ترهيب:
كل ما دعا اليه الإسلام من عقائد وأخلاق وأعمال فهو مما تقبله الفطرة السليمة وتدركه العقول بالنظر الصحيح، فمن قابل دعوة الإسلام بالاعراض والعناد وخالف فطرته وعاكس عقله كان حقيقا بهذا العقاب الشديد من طمس البصيرة والطبع على القلب، فذكر الله لنا هذه العقوبة بهذا التمثيل البليغ الذي صورها في أبشع وأفظع صورة. ليحذرنا من الاعراض عن الحق والعناد له ويخوفنا بعاقبة ذلك على أهله.

تعليم:
لكل إنسان فطرته وعقله فعلينا إذا دعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما
(2/79)

راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الاغراض والاهواء والأوهام والشبهات. فإذا كان هلاك هولاء بعدم الاستفادة منهما فان النجاة عند ما تعرض الامور بالرجوع اليهما، وتجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة ليعلمنا الرجوع اليهما والاستفادة منهما.

من استوى عنده الانذار وعدم الانذار لا يرجى منه ايمان:
{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (1).

المناسبة:
لما ذكر- تعالى- عدم ايمانهم لما سبق من علم الله فيهم ذكر هنا سببا آخر لذلك، وهو استواء الإنذار وعدمه لديهم.

الترتيب:
ذكر هذا السبب أثر ما تقدم من وصفه حالهم في شدة الاعراض للتنبيه على أن من فسدت فطرته وانطمس عقله يسوي عنده الانذار وعدمه فلا يكون منه ايمان على كل حال.

المفردات والتراكيب:
سواء: بمعنى مستو. والهمزة الأولى أصلها للاستفهام، وليس مرادا هنا، وتسمى في مثل هذا التركيب همزة التسوية لوقوعها بعد لفظها ودخولها على الأول من أمرين يراد التسوية ما بينهما. وهي حينئذ من أدوات السبك، ولذا يكون تأويل الكلام هكذا: سواء عليهم انذارك وعدم انذارك.
__________
(1) 36/ 10 يس.
(2/80)

المعنى:
ان أكثر أهل مكة الذين حكم الله بعدم ايمانهم بلغوا من شدة الاعراض والعناد إلى حيث استوى عندهم الضدان الإنذار وعدم الإنذار، فمحقق منهم عدم الايمان ومأيوس من صدوره من ناحيتهم.

تحذير:
يذكر الله تعالى حالة هؤلاء الذين استوى عندهم الشيء وضده، يحذرنا منها ومما يؤدي اليها من اهمال الفطرة وترك النظر، فان الإنسان انما يمتاز على بقية الحيوان بتمييزه بين الحقائق بالفطرة والفكرة، وإدراكه الفوارق ما بينها. فإذا سلب هذه المزية التحق بالعجماوات بل كانت العجماوات خيرا منه لبقاء فطرتها سليمة لإدراك ما فيها استعداد لإدراكه.

تحذير الانذار للمنتفعين وتبشيرهم:
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (1)

المناسبة:
لما ذكر تعالى المأيوس من انتفاعهم بانذار النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ذكر الذين ينتفعون به تأنيسا له بهم وتقوية له بظهور ثمرة انذاره فيهم.

المفردات والتراكيب:
الذكر: القرآن، وهو من أسمائه التي تكررت في التنزيل،
__________
(1) 36/ 11 يس.
(2/81)

وأل فيه للعهد. الغيب: الخلوة عندما يغيب الإنسان عن عيون البشر، التبشير الاخبار بما يسر، المغفرة ستره الذنب بالتجاوز عنه وعدم المؤاخذة به. الأجر: الجزاء على العمل. الكريم: الطيب الشريف في نفسه النافع في أثره الذي لا يشوب ذاته نقص، ولا منفعته ضرر، وأفاد المضارع في تنذر تحديد الإنذار للمتبعين، وذكر اسم الرحمن ليفيد التركيب أنهم يخشونه مع العلم برحمته، وذلك يقتضي جمعهم بين الخوف والرجاء.

الترتيب:
ذكر المنتفعين بعد المأيوس من انتفاعهم ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، ولأنهم كالزبدة التي يحصل عليها بعد طرح غيرها، ولإراحة القلب من أولئك لتتوجه العناية التامة إلى هؤلاء، وذكرت الخشية بعد الاتباع لانها لا تحصل إلاَّ به. وجيء بعد بالتبشير مقرونا بالفاء لأنه إنَّما يكون لأهل الاتباع والخشية بسبب اتباعهم وخشيتهم. وذكر الأجر بعد المغفرة لأن التحلية بعد التخلية والتزين بعد ازالة الادران.

المعنى:
انما يتجدد انذارك وينتفع به الذين آمنوا وهم الذين اتبعوا القرآن وخافوا الله في خلواتهم لصدق ايمانهم خاشين نقمته راجين رحمته، وهؤلاء كما تنذرهم وينتفعون بانذارك بشرهم على اتباعهم للقرآن وخشيتهم بالغيب للرحمن بمغفرة ذنوبهم وجزاء شريف رفيع طيب نافع لا نقص فيه ولا تنغيص- على أعمالهم.

دفع إشكال:
أمر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بالإنذار العام، ثم كان ممن أنذرهم قوم مأيوس منهم، وهؤلاء هم المراد بقوله تعالى:
(2/82)

{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ} الآيات، وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ... } الآية (1). اذ لا فائدة من انذارهم، وكان قوم آخرون آمنوا وهؤلاء هم المرادون بقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} الآية. فلا منافاة بين قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} الذي يقتضي التعميم وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} الذي يقتضي التخصيص، لأن الأول في مقام الإنذار العام، والثاني في مقام تجديد الإنذار والانتفاع به. واما الاعراض فلا يكون الا عن المأيوس منه من الكافرين.

إرشاد:
طريق السلوك الشرعي انما هي اتباع القرآن وأكمل أحوال العبد أن يخشى الله ويرجو رحمته، وأهل الاتباع والخشية لا يستغنون عن تجديد الإنذار وذلك بدوام التذكير المشروع في الإسلام. وتذكير المؤمنين بانذارهم وتبشيرهم فلا يؤمنون من عذاب الله ولا يقنطون من رحمته.

صفة المؤمن من هذه الآيات:
المؤمن الكامل هو من سلمت فطرته، وصح إدراكه، واتبع القرآن في عقده وخلقه وعمله، واستوت خلوته وجلوته وسره وعلنه، وعبد الله راجيا رحمته خائفا عذابه، يخوفه الإنذار، وترجيه البشرى بالمغفرة والاجر الكريم.
ثبتنا الله والمسلمين على الايمان مع هذه الصفات إلى الممات آمين يا رب العالمين (2).
__________
(1) 53/ 29 النجم.
(2) ش: ج5، م10، ص 186 - 196 غرة محرم 1353هـ - افريل 1934م.
(2/83)

الحياة بعد الموت

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى} (1)
ــــــــــــــــــــــــــ
المناسبة:
اشتملت الآيات المتقدمة على ذكر الرسول وصفته، ورسالته التي جاء بها- وهي القرآن- ووصفها، والمرسل وهو العزيز الرحيم، والمرسل اليهم وتعميمهم بالنذارة وانقسامهم إلى معرضين معاندين ومقبلين متبعين. فجاءت هذه الآية مشتملة على ما تكون فيه نتيجة ذلك وثمرته وهو يوم القيامة. ووجه آخر وهو أن أمهات أصول العقائد ثلاثة: الايمان بالله والايمان برسول الله والايمان باليوم الآخر. وقد انتظمت الآيات المتقدمة تقرير الأصل الثاني بالقسم عليه على ما تقدم من البيان، وانتظمت الأصل الأول ضمنا بذكر العزيز الرحيم فجاءت هذه الآية لتقرير الأصل الثالث.

سؤال:
كيف لم يذكر الأصل الأول- وهو الأصل الأول- الا بما ذكر به من الذكر الضمني.

الجواب:
ذلك لأمرين: الأول أنَّ هذه الأصول الثلاثة تذكر في اكثر السور، غير أن بعض السور تخصص بالحديث على بعض الاصول
__________
(1) 36/ 12 يس.
(2/84)

أكثر من غيره ولا يذكر فيها غيره الا ضمنا كما هنا. الثاني أن تقرير الأصل الثاني هو تقرير للاصل الأول اذ جميع دلائل النبوة دلائل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.

المفردات:
الاحياء: ايجاد الحياة في الجسم ولا يكون الا من الله. والميت: الجسم الذي يقبل الحياة ولا حياة فيه سواء كانت فيه وزالت أم لم تكن فيه بعد كالجنين قبل نفخ الروح فيه.

التركيب:
أكدت الجملة (بأن) لان الخطاب مع منكري البعث والنشور. وأكد اسم ان بنحن ليفيد الاختصاص، فهو المحيي دون غيره- وعبر بنحيي فعلا مضارعا ليفيد تجديد الاحياء واستمراره فيشمل احياءه للأجنة في الدنيا واحياءه الأحياء الثاني في الأخرى، وكثيرا ما جاء في القرآن الاستدلال على الاحياء الثاني بالاحياء الأول، فتكون كلمة (نحيي) قد اشتملت على العقيدة وهي الاحياء الثاني ودليلها وهو الأحياء الأول.

المعنى:
يعرف الله- تعالى- عباده بأنه هو الذي يحيي الموتى دون غيره، ويذكرهم بما يشاهدونه من ذلك فيهم وهم أجنة في بطون أمهاتهم، فيؤمنون بأنه يحييهم كذلك بعد موتهم فيستعدون من حياتهم الأولى لحياتهم الثانية.

إحصاء الأعمال المباشرة وغير المباشرة:
{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}

المناسبة:
لما أعلم الخلق بأنهم يحيون بعد الموت أعلمهم بأن أعمالهم المباشرة
(2/85)

وغير المباشرة مكتوبة عليهم لأن حياتهم بعد الموت لنيل جزاء ما كتب عليهم من أعمالهم.

المفردات:
قدم الشيء: جعله قدامه، وأعمال المرء التي يباشرها قدمها قبله في طريقه إلى الآخرة فهي محفوظة حتى يلحقها. والأثر: ما يحصل من العمل كالذي يحصل على- وجه التراب من وضع الأقدام- ويبقى بعد رفعها. فآثار الإنسان ما يحصل من أعماله التي باشرها.

التراكيب:
عبر بنكتب مضارعا ليفيد التجدد والاستمرار، فما من عمل أو أثر يتجدد إلا ويكتب. وأسند الكتابة اليه، والكاتبون الملائكة لأنهم بأمره يكتبون.

المعنى:
يعلم الله- تعالى- عباده بأنه يكتب كل أعمالهم التي يعملونها ويباشرونها بأنفسهم ويكتب كذلك ما يعمله غيرهم إذا كان متسببا عن أعمالهم وأثرا لها.

تنظير:
مثل هذه الآية في الدلالة على ان العبد مؤاخذ بما عمل مباشرة وما عمله غيره وكان من آثار عمله قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (1). فالذي أخره هو أثره المذكور في هذه الآية.
__________
(1) 75/ 13 القيامة.
(2/86)

تأييد وبيان:
في صحيح مسلم من طريق جابر بن عبد الله- رضي الله عنهم- قال: جاء ناس من الاعراب إلى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم ان رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء».
وفيه من طريق أبي هريرة- رضي الله عنه-: ان رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: من دعا إلى هدىً كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثار من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
فتأيد بهذين الحديثين فهم المعنى المتقدم من الآية، وهو أن العبد له وعليه من آثار أعماله مما لم يباشره بنفسه مثل ماله وعليه من أعماله التي باشرها.
وبين الحديث الأول ان ما تسبب عن عمل المرء يعد أثرا لعمله عندما يعمل به في حياته مثلما يعمل به بعد مماته. اذ الذي جاء بالصرة أولا قد تسبب عن مجيئه مجيء من بعده على أثره، والحديث سيق في شأنهم، فتكون حالتهم أول ما يشمل كما بين الحديث الثاني ان أثر القول كأثر الفعل، اذ الكل عمل. وبين الحديثان ان نيل المرء جزاء عمله الذي لم يباشره ولا ينقص من جزاء العامل المباشر شيئا.

تنبيه:
من صورة الواقعة التي ورد فيها الحديث الأول علمنا ان المراد به:
(2/87)

من سن سنة حسنة أو سيئة هو من ابتدأ طريقا من الخير في أعمال البر والاحسان وما ينتفع به الناس من شؤون الحياة. ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات اذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتئات عليه واستنقاص له، وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة» «وكل ضلالة في النار».

تحذير:
على العاقل وقد علم انه محاسب عن أفعاله وعلى آثار أقواله أن لا يفعل فعلاً ولا يقول قولا حتى ينظر في عواقبه، فقد تكون تلك العواقب أضر عليه من أصل القول وأصل الفعل، فقد يقول القول مرة ويفعل الفعل مرة، ثم يقتدي به فيه آلاف عديدة في أزمنة متطاولة. حقا ان هذا لشيء تنخلع منه القلوب وترتعد منه الفرائض وصدق القائل من السلف- رضي الله عنهم-: السعيد من ماتت معه سيئاته.

الاحصاء العام في الكتاب الإمام:
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}

المناسبة:
لما أعلم العباد بأنه يكتب لهم وعليهم أعمالهم أعلمهم بأنه تعالى قد كتب كلَّ الأشياء لا خصوص أعمالهم تعميما بعد تخصيص.

المفردات:
الاحصاء: تحصيل الشيء بالعد وضبطه والاحاطة به. الامام: ما يؤتم ويقتدى به. والكتاب: إمام لأنه يتبع فيؤخذ بما فيه ويعتمد عليه. والمبين: المظهر لما فيه فكل ما فيه ظاهر فيه.
(2/88)

التراكيب:
أصل الكلام: أحصينا كل شيء أحصيناه، فحذف أحصينا الأول لدلالة الثاني، فكان هذا أقوى في ثبوت الاحصاء ووقوعه على كل شيء.

المعنى:
يعلم الله عباده بأنه حصل كل شيء من ذوات وأقوال وأفعال وجميع ما كان في العالم وما يكون، وأثبته فرداً فرداً في كتاب إمام معتمد مظهر للأشياء التي فيه فهي فيه ثابتة ظاهرة جلية.

إعتبار:
قد أحاط الله بكل شيء علما فهو غني بعلمه عن هذه الكتابة، ولكنه جعل هذا الكتاب اظهارا لعظمة ملكه وليعلم عباده الضبط والاحصاء في جميع أمورهم وليبالغوا في محاسبة أنفسهم وليعلموا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطاهم لم يكن ليصيبهم. فيزول من قلوبهم الخوف من الحوادث والمخلوقات وتعظم ثقتهم بالله وفي ذلك أعظم قوة في هذه الحياة وأكبر راحة للقلب من صروفها.
نسأل الله أن يقوي قلوبنا بالإيمان، وأن يريحنا باليقين، وان يعيذنا من الخوف إلاَّ منه، ومن الخضوع إلاَّ له. آمين يا رب العالين (1).
...
__________
(1) ش: ج 6، م 10، ص 244 - 250 غرة صفر 1353هـ - ماي 1934م.
(2/89)

الفرار إلى الله

{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}.
ــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد:
المقصود الأساسي من الآيات هو تحذير الخلق من الهلاك وترغيبهم في النجاة ولا سبيل إلى ذلك الا بالفرار إلى الله. فمهد لذلك بالآيات الثلاث الأول للترغيب فيه، وختم بالخامسة لبيان الفرار الصحيح المنجي عند الله.

الآية الأولى:
الألفاظ والتراكيب:
السماء: هي الجرم الأعظم الذي أحاط بالأجرام السابحة في الفضاء كلها وعلا عليها. بنيناها: ضممنا أجزاءها بعضها إلى بعض بغاية الدقة والإحكام فكانت كالقبة فوق الجميع. بأيد: بقوة. لموسعون: لمقتدرون ومطيقون، على احتمال أن يكون من الوسع، بمعنى القدرة.
__________
(1) 51/ 47 - 50 الذاريات.
(2/90)

والطاقة. أو لموسعون ومبعدون بين أرجائها على احتمال أن يكون من السعة. وقدمت السماء لأنها الشاهد المحسوس الذي تقوم به الحُجة. وليقع البناء عليها مرتين على لفظها وعلى ضميرها لأن الأصل: وبنينا السماء بنيناها. لتحقيق أنها مبنية وأن بناءها لم يكن إلاَّ من الله القادر الحكيم. ولذلك علق بالفعل قوله بأيدٍ. والجملة الحالية تدل على ان الاتساع ثابت له عند البناء فذلك البناء العظيم لم ينقص من قدرته أو لم يمنع من توسيعه.

المعنى:
ان هذه القبة التي أحاطت بكم من جميع الأرجاء نحن بنيناها بقدرتنا ذلك البناء المحكم المتقن، بنيناها ونحن على قوتنا وقدرتنا نقدر على بناء أعظم منها لو شئنا، أو، ونحن على قدرتنا وطاقتنا في افاضة الخيرات والبركات منها عليكم. - هذا على انه من الوسع- أو بنيناها وقد وسعنا أديمها حتى أحالت بهذه الأجرام السابحة التي منها ما لا يكون معه جرم الكرة الأرضية إلا كحمصة فوق مائدة كبيرة. - هذا على أنه من السعة-.

تحقيق آية كونية من الآيات القرآنية:
السماء في اللغة هي كل ما علاك. فكل ما علا الأرض من سحب وطبقات هواء وكواكب تسبح في الفضاء، وما وراء ذلك من القبَّة المحيطة الكبرى هو للأرض سماء، وكل هذه متقنة الصنع محكمة الوضع متلاحمة الأجزاء، مرتبط بعضها ببعض ارتباطا مقدرا بالمسافات المدققة التي لا يكون معها تصادم ولا ارتخاء. ووضعها على هذه الصورة المنظمة المحكمة هو البناء وعليها كلها ينبغي ان يحمل لفظ السماء في الآية المتقدمة.
وقد جاء لفط السماء في القرآن مراداً به القبة المحيطة في مثل:
(2/91)

{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} (1) {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} (2) وجاء مرادا به السحاب في مثل: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} (3) فإن المطر ينزل من السحاب لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} (4). وجاء مراداً به طبقات الجو في مثل: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} (4) والبرد يتكوَّرُ في طبقات الجو. والمتتبع لمواقع لفظة السماء من الكتاب العزيز يتحقق هذا.

الآية الثانية:
الألفاظ والتراكيب:
الأرض: هي هذه الكرة التي تعيش عليها. فرشناها: بسطناها بزينتها ومنافعها. الماهدون: من مهد الشيء وضعه وسواه وهيأه للنوم والجلوس والراحة. ويجري في تقديم الأرض ما تقدم في تقديم السماء. ومن يسير على هذا البساط المفروش ويطلع على ما هي فيه من أسباب الحياة لكل ما فيه من حيوان لا يتمالك أن ينطق بالمدح والثناء على من هيأ هذه التهيئة ومهد هذا التمهيد، ولذا قرنت الجملة الأخيرة بالفاء فقيل: فنعم الماهدون، ولا يغني فرش الأرض عن مهدها لأن المهد يتضمن ما حصل فيها من مرافق ومواد وأسباب للعيش على أديمها والتنعم بخيراتها.
__________
(1) 67/ 65 الملك.
(2) 37/ 6 الصافات.
(3) 43/ 11 الزخرف.
(4) 24/ 43 النور.
(2/92)

المعنى:
ان الأرض التي أنتم متمكنون من الوجود على ظهرها والسيْر في مناكبها والانتفاع بخيراتها نحن فرشناها لكم وهيأنا لكم أسباب الحياة والسعادة فيها على أكمل وجه وأنفعه وأبدعه. مما نستحق به منكم الحمد والثناء.

دقيقة كونية في الآية القرآنية:
شأن الفراش أن يكون ما تحته لا يصلح للجلوس والنوم عليه.
وما تحت وجه الأرض هو كذلك لا يصلح للحياة فيه، فان تحت القشرة العليا من الأرض المواد المصهورة والمياه المعدنية والأبحرة الحارة مما تنطق به البراكين المنتشرة على وجه الارض في أماكن عديدة فكانت القشرة العليا من الأرض مثل الفراش تماما.

الآية الثالثة:
الألفاظ والتراكيب:
من كل شيء: من كل جنس من الأجناس. خلقنا: كونا. زوجين: فردان متباينان يكمل أحدهما الآخر في عالم الحيوان وعالم النبات وعالم الجماد. تذكرون: تذكرون ما أودع في فطرتكم من المعرفة لا تنظرون بعقولكم في عجائب الخلق فتدركون ما له جلَّ جلاله من الألُوهية والربوبية والوحدانية. وقدم من كل شيء لأن الأشياء هي المستدل بها ولبعث الهمم على النظر فيها.

المعنى:
إنَّا خلقنا الأشياء التي تشاهدونها على الزوجية والتركيب من شيئين متضادين لتكونوا بحيث يرجى منكم أن تعلموا أنَّ النقص والعجز
(2/93)

عم المخلوقات كلها لحاجة كل شيء منها إلى ضده، وقصوره بنفسه. فالقدرة والكمال للخالق وحده فلا يستحق العبادة سواه فاعبدوه ووحدوه.

توسع في التذكر:
النظر في الأزواج مفض للعلم بما ذكرنا وللعلم بأن الخلق غير صادر عن طبيعة الأشياء، فان النار- مثلا- لا يصدر عنها التبريد والتسخين لأن السبب لا ينتج الضدين، فالمخلوقات كلها صادرة بطريق الخلق عن فاعل مختار وللعلم بوجوه كثيرة من احاطة علمه وشمول حكمته وعموم نعمته.

حقيقة نفسية، في نكتة بلاغية:
إذا نظر العاقل في هذه الأزواج وفكر انكشفت له وجوه سر دلائل الربوبية والألوهية والتوحيد وإذا حصل الانكشاف الأول تبعته انكشافات فإذا حصل منه التذكر أفضى به إلى تلك الوجوه الكثيرة. ولهذا نزل الفعل منزلة اللازم الذي لا يراد منه إلا حصول الحدث.

آية كونية في الآية القرآنية:
من الأزواج ما هو ظاهر مشاهد معلوم من قديم مثل السماء والأرض والليل والنهار والحر والبرد والذكر والأنثى في الحيوان وبعض النبات. ومنها ما كشفه العلم بما مهد الله له من أسباب كالجزء الموجب والجزء السالب في القوة الكهربائية وفي الذَّرة التي هي أصل التكوين فلا فردية الا لخالق هذه الازواج كلها الذي أنبأنا بها قبل ان تصل إلى تمام معرفتها العقول فكان من معجزات القرآن العلمية التي يفسرها الزمان بتقدم الإنسان في العلم والعمران.

بلاغة التنويع والتنزيل:
لما كانت السماء متلاحمة الأجزاء في العلاء ثابتة على حالة مستمرة
(2/94)

في هذه الدنيا على البقاء ناسبها لفط البناء، ولما كانت مظهر العظمة والجلال ناسبها لفط القوة. ولما كانت الأرض طرأ عليها التبديل والتغيير بما ينقص البحر من أطرافها ربما قد يتحول من سهولها وجبالها وبما يتعاقب عليها من حرث وغراسة وخصب وجدب ناسبها لفط الفراش الذي يبسط ويطوى ويبدل ويغير، ولما كانت أسباب الانتفاع بها الميسرة ضرورية للحياة عليها وكلها مهيأة وكثير منها مشاهد وغيره معد يتوصل إليه بالبحث والاستنباط- ناسب ذكر التمهيد-. ولما كانت الأزواج مكونا بعضها من بعض ناسبها لفظ الخلق ولما كان النظر في الزوجية هو نظر في أسباب التكوين لتلك المذكورات السابقة وهو محصل للعلم الذي يحصل من النظر فيها قرن بلفط التذكر.

الآية الرابعة:
الألفاظ والتراكيب:
الفاء: للترتيب لأن ما قبلها على ما فيه من عظمة وكمال وجمال فهي مخلوقة موسومة بسمة العجز والنقصان، فلا يصلح شيء منها للتعويل عليه، فلم يبق إلاَّ الخالق القادر ذو الجلال والاكرام، فهو الذي يفر اليه دون جميع المخلوقات. فروا: اهربوا. النذير: المعلم بما فيه هلاك لتجتنب الأسباب المؤدية اليه. المبين: الذى يوضح ما نذر منه والأسباب المؤدية اليه والوسائل المنجية منه. مع اقامة الحجة على صدقه ونصحه. وقدم لكم ليفيد اهتمامه بهم وذلك ليجلبهم اليه فيستمعوا لنصحه وبعده منه ليبين مصدر رسالته وذلك ليبين لهم أنه مأمور فلا يستكبروا عن قبول دعوته. وأكد الجملة لأنهم في مقام التردد أو الإنكار.

المعنى:
هذه المخلوقات كلها عاجزة في نفسها مفتقرة- ابتداء ودواما-
(2/95)

إلى خالقها فاهربوا من شرها إلى خالقها فهو الذي ينجيكم من شرها ويهديكم إلى خيرها ولا تغتروا بشيء منها فإنها لا تملك حفظا لنفسها فكيف تملكه لغيرها. إنني أحذركم الهلاك إذا اغتررتم بها وقطعتكم عن خالقها ولم تهربوا إلى الله منها وقد أبنت لكم مصدر الهلاك وطريق النجاة.

نكتة التنويع:
جاءت الثلاث الآيات الأول كما يكون قولها من الله، وجاءت هذه الآية كما يكون قولها من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- تنويعا للخطاب وتفننا، فإنه لما كان ما في هذه الآية هو المقصود حول أسلوب الكلام من الاخبار إلى الأمر تجديدا لنشاط السامع وبعثا لاهتمام المخاطبين وحثا لهم وتوكيدا عليهم. وفيه تنبيه على أن ما يقوله النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مثل ما يقوله الله في وجوب الإيمان والامتثال.

بيان وتوحيد:
هذا العالم بمائه وأرضه وأزواجه هو فتنة للإنسان بما فيه من لذائذ ومن جمال وما فيه من قوة وما فيه من سلطان. وقد ركبت في الإنسان شهواته وأهوائه وسلط عليه الشيطان يغويه ويزين له. فكل هذا العالم إذا ذهب فيه الإنسان مع أهوائه وشهواته تحت إغواء الشيطان وتزيينه فانه ينحط إلى أسفل سافلين ويصير عبدا لأهوائه وشهواته وشيطانه ولكل ما فتنه من العالم وذهب بلبه. وقد ينتهي به ذلك إلى عبادته من دون خالقه. فالعالم بهذا الاعتبار شر وبلاء وهلاك يجب الفرار والهروب منه ولا يكون هذا الفرار منه إلا إلى خالقه بالايمان به والتصديق لرسله، والدخول تحت شرعه، فبذلك يعرف الإنسان كيف يجعل جدا لاهوائه وشهواته وكيف يضبطها
(2/96)

بنطاق الشرع وزمامه، وكيف يدفع عنه كيد شيطانه، وكيف يتناول سماء العالم وأرضه وأزواجه بيد الشرع فيعرف ما فيها من نعمة وحكمة فيستغلها بهداية الشرع مفرقا علميا وعمليا- بين منافعها ومضارها، فيعظم بها انتفاعه ويزداد فيها اطلاعه واكتشافه فتتضاعف عليه منها الخيرات والبركات ويزداد علمه وعرفانه، ويقوى يقينه وايمانه ويعظم لله بره وشكرانه. فيكون له ذلك العالم جنة الدنيا وقنطرة لجنة الاخرى، ويفوز من الدارين بالمبتغى، كل هذا بفراره من المخلوقات إلى خالقها فسلم من شرها وفاز بخيرها فمن هرب من المخلوقات إلى خالقها نجا ومن فر من الخالق إلى شيء من مخلوقاته كان من الهالكين.

إرشاد وتعميم:
كل ما يصيب الإنسان من محن الدنيا ومصائبها وأمراضها وخصوماتها ومن جميع بلائها لا ينجيه من شيء منه إلاَّ فراره إلى الله. ففي العدالة الشرعية ما يقطع كلَّ نزاع، وفي المواعظ الدينية ما يهون كل مصاب، وفي الهداية القرآنية والسيرة النبوية ما ينير كل سبيل من سبل النجاة والسعادة في الحياة. يعرف ذلك الفقهاء القرآنيون السنيون، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

تنبيه على وهم:
ليس الفرار من الأمراض بمعالجتها، ومن المصائب بمقاومتها فرارا من الله لأنَّ الأمراض هو قدَّرها والأدوية هو وضعها ودعا إلى استعمالها والتعالج بها، وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مقاومتها فكلها منه بقدره والإنسان مأمور منه بأن يعالج ويقاوم فما فر من قدره إلاَّ إلى قدره ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر- رضي الله عنهما- في قصة الوباء: " أفراراً من قدر الله يا عمر! " قال عمر: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله". وفي الحقيقة كان الفرار من شرٍ في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره.
(2/97)

تحذير من الجهالة:
ليس المقصود بالفرار من الدنيا ترك السعي والعمل وتعاطي الأسباب المشروعة، لتحصيل القوت ورغد العيش وتوسيع العمران وتشييد المدنية بل المقصود الفرار من شرورها وفتنتها. وتناول ذلك كله على الوجه المشروع هو من الفرار اليه والدخول تحت شرعه كما قدمناه وقد ضل قوم فزعموا ذلك طاعة وعبادة فعطلوا الأسباب وخالفوا الشريعة وحادوا عمَّا ثبت من السنة، وفيهم سئل إمام الحديث والسنة أحمد بن حنبل رحمه الله، سئل عن القائل اجلس لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال: "هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي، وقوله: تغدو خماصا وتروح بطانا، وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة".

تطبيق:
إذا رأينا طائفتين من المؤمنين تنازعتا فأما أحداهما فالتجأت إلى السلطان تستغيثه وتستعين به وتحطب في حبله، فأغاثها وانتقم لها وأمدها وقربها وأدناها، وأما الأخرى فلم تستغث الا بالله ولم تستنصر الا به ولم تعتمد الا عليه ولم تعمل الا فيما يرضيه من نشر هداية الإسلام وما فيها من خير عام لجميع الانام وتحملت في سبيل ذلك كل ما تسببت لها فيه الطائفة الاخرى ومن تولته وهربت اليه، إذا رأينا هاتين الطائفتين عرفنا منهما- يقينا- الفارة من الله والفارة اليه فكنا- ان كنا مؤمنين- مع من فر إلى الله.

الآية الخامسة:
الألفاظ والتراكيب:
ولا تجعلوا: ولا تضعوا من عند أنفسكم ما لا وجود له.
(2/98)

إلهاً: معبودا تخضعون له وترجون منه التصرف في الكون ليجلب لكم النفع ويدفع عنكم الضر. وتقدمت ألفاظ آخر الآية.

المعني:
ولا تجعلوا في فراركم إلى الله شيئا معه من مخلوقات تعتمدون عليه وتلجئون إليه فتكونوا قد اشركتم به سواه فإني أحذركم ما في ذلكم من هلاككم بالشرك الذي لا يقبل الله معه من عمل والتي قد أبنت لكم لزوم توحيده في الفرار اليه، كما بينت لكم لزوم ذلك الفرار.

نكتة التكرير:
أعاد {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} مع الآية الخامسة ليبين لهم ان عبادة الله مع الاشراك به كتعطيل عبادته فهلاك المشرك كهلاك الجاحد. والنجاة أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا لا في ربوبيته ولا في ألوهيته.

تنبيه وتحذير:
جاء في الحديث فيما رواه أصحاب السنن ان الدعاء هو العبادة فمن دعا غير الله فقد عبده ومن دعا مخلوقا مع الخالق فقد اشرك فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحدا. وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. وإذا توسلت فتوسل بأعمالك بإيمانك وتوحيدك وباتباعك لمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- ومحبتك فيه واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

بيان نبوي قولي:
قال عليه الصلاة والسلام فيما يقال عند النوم: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» والملجأ هو المهرب الذي يهرب اليه، والمنجى هو مكان النجاة فبين لنا أنه لا يكون الهرب الا إلى الله، ولا تكون النجاة الا
(2/99)

بالهرب اليه فمن هرب لغيره كان من الهالكين. كما بين لنا ان كل ما يجري في هذا العالم فهو بقدره فلا مهرب ولا نجاة مما خلق وقدر إلا إليه.

بيان نبوي عملي:
روى أحمد وابن جرير عن حذيفة بن اليمان: ان رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- كان إذا حزبه أمر صلى. وفزع للصلاة. يعني إذا نزل به مهم أو أصابه غم فزع للصلاة، فبين لنا بالفعل أنَّ الفرار إلى الله بالتلبس بطاعته وصدق التوجه اليه، والدعاء والتضرع والخشوع له، والاستسلام لدينه وشرعه والاخلاص في عبادته والاعتماد عليه، وذلك كله موجود على أكمله في الصلاة التي هي عمود الدين ومظهر كماله. جعلنا الله والمسلمين من الفارين اليه والمقبولين لديه. آمين (1).
__________
(1) ش: ج1، م 15، ص2 - 10 غرة محرم 1358هـ - 1939م.
(2/100)

خُلَاصَةُ تَفْسِيرِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ
من درس الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي ختم به تفسير القرآن.
ــــــــــــــــــــــــــ
كلمة بين يدي التلخيص:
أكمل طرائق المتقدمين من علماء هذه الملة في تلقين العلوم- طريقة الإملاء. والإملاء نتيجة لاستحكام الملكة في العلم واستقلال الفكر فيه، أو سعة المحفوظ ورحابة آفاق الحافظة. واستحكام الملكة واستقلال الفكر وقوّة الحافظة مزايا تكاد تكون خالصة لعلماء سلف هذه الأمة لم يبلغ علماء الأمم الأخرى مدا حدهم (1) فيها ولا نصيبه.
وكانت وظيفة السامعين كتابة ما يُملى عليهم كلّه أو خلاصته، وكانت المحابر والأقلام والأوراق هي الأدوات اللازمة لروّاد مجالس العلم إلّا في مقامات مقابلة الأصول وضبطها. فهنا لا بدّ من إحضار النسخ الكاملة من الكتب.
ومن ثمرات تلك الطريقة المثلى في التلقين والتلقي كتب الأمالي في الحديث واللغة والأدب، وفي تراجم المحدثين والأدباء الشيء الكثير من ذلك، وإن لم يبق لنا الدَّهر منها إلّا الأقل من القليل.
ولما انتهى عصر الرواية بجمع روايات السلف في التفسير ورواياتهم للأحاديث والسنن ودونت أصول اللغة والأدب والعلوم المتفرعة عنها وجاء دور الاستغلال لها -نشأت عوامل الانحطاط في العلوم الإسلامية، وكان من أظهر مظاهرها جفاف
__________
(1) كذا بالأصل ولعلها مدى أحدهم
(2/101)

القرائح وجدب الأفكار وضعف القوى الحافظة، وانحطت طرائق التلقين تبعًا لذلك وانحصرت في الطريق الشائعة إلى اليوم. وهي التزام كتاب تتعدّد نسخه بتعدّد المتلقين له يحل الشيخ عباراته ويشرح معانيه. وانحطت وظيفة السامعين من الكتابة والتقييد إلى الاستماع المجرد.
ولسنا نعيب طريقة التزام الكتب وشرح معانيها بالكلام، فذلك في حقيقته نوع قاصر من الإملاء. وإنما ننعي على السامعين إهمالهم لكتابة ما يسمعون فتضيع عليهم الفوائد التي يلقيها الأستاذ وقد تكون قيّمة، كما تضيع في عصرنا هذه الخطب والمحاضرات المرتجلة التي لا يكتبها ملقيها ولا متلقيها.
ولسنا بصدد التأريخ لهذه الطرائق والمقارنة بينها وبيان وجوه النقص والكمال فيها وإنما ننبّه في هذا المقام إلى أن أسوأ أثر لهذه الطريقة الشائعة اليوم هو القضاء على الملكة العلمية، لأنها شغلت المعلم والمتعلم معًا بالكتاب عن العلم إذ أصبح همّهما كله مصروفًا إلى تحليل الكتاب وفكّ عباراته والقيام على اصطلاحاته الخاصة وفي بعض هذا ما يستغرق الوقت ولا يُبقي سعة لإدراك قواعد العلم وتطبيق جزئياته على كلّياته، وبعيد جدًا على من يدرس علمًا على هذه الطريقة أن تستحكم ملكته فيه، وكيف تستحكم ملكة الفقه مثلًا لمن يقرؤه من مثل مختصر خليل على هذه الطريقة فيمضي وقته في تحليل عباراته وتراكيبه المعقدة التي ذهب الاختصار بكثير من أجزائها وفي بيان التقديم والتأخير في الألفاظ وربط المعمولات بالعوامل البعيدة وإرجاع الضمائر المختلفة إلى مراجعها. والطفرة بالذهن من مذكور إلى مقدر، وهذا هو كل ما يشغل وقت المعلم والمتعلم، وهم في الحقيقة لا يدرسون علم الفقه وإنما يدرسون كتابًا في الفقه، ودراسة الكتب لذاتها أصبحت اليوم فنًّا كماليًّا من التَّاريخ لا أصلًا في تعلّم العلوم.
والدارس لتاريخ العلوم الإسلامية يتجلّى له هذا في تراجم علماء تلك العلوم، إذ يجد فيها دائمًا أشباه هذه العبارة:
(2/102)

كان أقوم الناس على كتاب الجمل للخونجي. أو على كتاب التهذيب للبرادعي، أو على كتاب الشامل لابن الصباغ. كان نافذا في إقراء المحصّل للرازي. كان سديد البحث في مختصر ابن الحاجب الأصلي كثير المناقشة لعباراته. وأين سداد البحث وكثرة المناقشة في عبارة كتاب من تحصيل الملكة في علم؟ إن الأصولي الحقيقي هو الذي ينفق مما عنده أو يقرئه من أي كتاب كان. ولا يفتتن بكتاب عين هذا الافتتان، وإن الفقيه الحقيقي هو الذي يفهم الفقه، لا الذي يفهم كتابًا في الفقه، وفي وقتنا هذا نسمع علماء المعاهد المشهورة يتمدحون بمثل هذا ويصفون من يحسن إقراء التنقيح للقرافي على هذه الطريقة بالأصولي المحقق ..
ولقد حاول جماعة من العلماء الحفّاظ في القرون الأخيرة إصلاح هذه الحالة وإحياء طريقة الأمالي فلم ينجحوا لافتتان جمهور المتعلمين بالكتب وانصرافهم عن العلم إلى كتب في العلم. حاول ذلك الحافظ ابن حجر وهو أهل لذلك، ولكن أهل زمانه لم يكونوا أهلًا له، ونعى معاصره ابن خلدون المؤرخ طرق التلقين في زمنه وكثرة المؤلفات والمختصرات في العلم وعدّها عائقة عن التحصيل، وحاول ذلك بعد ابن حجر تلميذه الحافظ السيوطي وهو أهل لذلك على ما فيه من تبجح واستطالة، وقد شكا في بعض رسائله إخفاقه في هذه المحاولة بعبارة مرّة، ووصف انصراف الجمهور عنها بأنه من غلبة الجهل وكلال الهمم وضعف العزائم.
نجمت في هذه العهود الأخيرة ناجمة اضطراب وتبرّم من طرائق التعليم المتبعة وكتبه الملتزمة. وارتفعت الأصوات بالشكوى من أضرارها وسوء عواقبها. وكان الأستاذ الإمام
الشيخ محمد عبده أعلى الحكماء صوتًا بلزوم إصلاحها وأبلغهم بيانًا لأضرارها وسوءاتها ومعايبها وأسدهم رَأيًا في تغييرها بما هو أجدى منها وأنفع وأكثرهم عملًا جديًّا في ذلك.
وكان من إصلاحاته العملية في هذا الباب درسه لكتاب الله بأسلوب حكيم لم يسبقه إليه سابق، وكان- رحمه الله- وهو من هو في استقلال الفكر واستنكار الطرائق
(2/103)

الجامدة يجاري الطريقة الأزهرية بعض المجاراة لاعتبارات خاصة، ومن هذه المجاراة السطحية أنه كان يلتزم في تلك الدروس العامرة بالحكم العليا تفسير الجلالين ويستهلها بقراءة عبارته.
ولكن السامعين لتلك الدروس- على كثرتهم وجلالة أقدارهم في العلم والمعرفة وتساويهم في الاعتقاد بأن تلك الدروس فيض من إلهام الله أجراه على قلب ذلك الإمام وعلى لسانه، وأنها ممّا لم تنطو عليه حنايا عالم ولا صحائف كتاب- لم تتسابق أقلامهم لتقييد تلك الدروس إلّا قليلا، ولو أنهم فعلوا لما ضاع من كلام ذلك الإمام حرف واحد. ولو لم يقيّض الله محمد رشيد رضا لهذا العمل الجليل لضاع كله ولكن الله وفقه لحفظ معاني تلك الدروس وسدّد قلمه في أدائها، ثم نهج نهجه بعد موته وسار على شعاع هديه في تفسير كلام الله فأبقى لهذه الأمة تلك الأسفار القيمة المعروفة بتفسير المنار.
مدّت حركة الاصلاح العلمي مدّها بعد موت الإمام، وانتشرت في الأقطار الإسلامية، وأسفرت عن إصلاح حقيقي لأساليب التعليم في المعاهد الحرّة، وعن إصلاح صوري في المعاهد الرسمية. ولا تزال الحرب قائمة في هذه المعاهد بين طلاب الإصلاح وبين أنصار الجمود، وستكون العاقبة للمصلحين بإذن الله. ولقد كان من حسن حظ الجزائر أن باعث النهضة العلمية فيها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس قد وضع أساس هذه النهضة على قواعد صحيحة من أول يوم، فسلك في درس كلام الله أسلوبا سلفي النزعة والمادة، عصري الأسلوب والمرمى، مستمدا من آيات القرآن وأسرارها أكثر ممّا هو مستمد من التفاسير وأسفارها. وقد قرأنا له في بعض افتتاحيات مجلة "الشهاب" أنه يعتمد في هذه الدروس على تفاسير مخصوصة في مواضيع مخصوصة، كالطبري في المأثور والكشاف للزمخشري في أسرار الإعجاز، وذلك صحيح ومفيد لمن يجعل فهوم الرجال مقاييس لفهمه ولا يعطيها أكثر من أنها فهوم تصيب وتخطيء، أما المعنى الصحيح لكتاب الله فيستجليه من البيان العربي والشرح النبوي ومن مقاصد
(2/104)

الدين وأسرار التشريع، ومن عجائب الكون وسنن الله فيه ومن أحكام الاجتماع الإنساني. ومن تصاريف الزمن ونتائج العقول وثمرات العلوم التجريبية وإذا كان من دواعي الغبطة ختم تفسير القرآن بها على هذه الطريقة في القطر الجزائري فإن من دواعي الأسف أنه لم ينتدب من مستمعي هذه الدروس من يقيّدها بالكتابة، ولو وجد من يفعل ذلك لربحت هذه الأمة ذخزاً لا يُقوم بمال، ولاضطلع هذا الجيل بعمل يباهي به جميع الأجيال، ولتمخض لنا ربع قرن عن تفسير يكون حجة هذا القرن على القرون الآتية. ومن قرأ تلك النماذج القليلة المنشورة في الشهاب باسم مجالس التذكير على أي علم ضاع وأي كنز غطى عليه الإهمال.
ولما كان اليوم المشهود بختم هذه الدروس جمع أحد الحاضرين ما وعته ذاكرته وأمكنه تقييده من معنى درس الختم في تفسير المعوذتين وتصرف في ألفاظه بما لا يخرج عن معانيه إذ لم يكن من الميسور أن يلتقط الألفاظ كلها. فجاء بهذه الخلاصة التي ننشرها على الناس في هذا العدد (الخاص بالاحتفال) لافتين أنظارهم إلى أن هذه الخلاصة محيطة بمعاني الدرس مع تصرف ضروري اقتضته مساوقة ما كتب لما قيل.
استهل الأستاذ الدرس بعد الاستعاذة والتسمية بالتحميد المأثور: الحمد لله إن الحمد لله. نحمده ونشكره ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل، ونشهد أن لا إله إلّا الله ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
ثم عقّب بما ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ به خطبته. وجرت عادة المحدثين والمفسرين أن يفتتحوا به مجالس التحديث والتفسير، وإن اختلفت الروايات في ألفاظه وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم قال توطئة للدخول في تفسير المعوذتين ما معناه مع تصرف وتوضيح:
(2/105)

بني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا وأن يشتبها وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بها دائرة بينهما موصوفة بأحدهما، ولا بد من قدر الله ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني، وحكمته المبينة في وجيه هي ابتلاء خلقه ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم بعد أن وهبهم العقل والتمييز وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلا منه تعالى ورحمة -وحكمة أخرى وهي تمرين هذا الإنسان في حياتيه العلمية والعملية وتدريب فكره على اختيار الأنفع على النافغ والناقغ على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه.
والإنسان يكتسب القوّة والدربة بتمرّسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره، وللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة وسائق لها ومهيىء لما يظهر أنه من بدواتها.
وهذا العمل الفكري تظهر قوته في نواح منها- وهو أهمها- التمييز بين الخير والشر وأدق منه التمييز بين خير الخيرين وشر الشرين. فإن الخير درجات وأنواع، والشر كذلك دركات وأنواع.
والإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه، وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر. وقد أمده الله بهذه المعونة من دينه الحق. ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد. وقد هداه الله إلى أسبابه ووسائله بما شرع له من المنبهات عند طروق الغفلة. والمبصرات عند عروض الشبهة والمعوذات المحصنات عند إلمام لمة الشيطان وطواف طائفه. ومن هذه المعوذات عقائد تدفع عن صاحبها الشكوك وهي شر، وحقائق تقي صاحبها الوهم وهو شر. وعبادات تربي مقيمها على الخير وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. وأعمال تثبت فاعلها على الحق. وأقوال يلفيها القلب العامر بتقوى الله والخوف من مقامه على الألسنة
(2/106)

لتكون شهادة لها وعنوانًا عليها. والألسنة تراجمة القلوب فكان ممّا شرع الله لنا في كتابه وعلى لسان نبيه التعوذ باللسان من الشر والباطل وأنزل الله عليه هاتين السورتين وفيهما الاستعاذة بالله من أنواع من الشرور هن أمهات لما عداهن. وكان نبينا عليه السلام يكثر التعوذ بالله وكلماته من أنواع أخرى من الشرور مفصلة في صحاح السنة.
أما السورتان فيكفي في فضلهما ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُر خير منهن قط قل أعوذ بربّ الفلق وقل أعوذ برب الناس». وفي رواية أخرى في مسلم عنه تسميتهما بالمعوذتين، وفي رواية أبي أسامة في مسلم أيضًا وصف عقبة بن عامر بأنه كان من رفعاء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. فتسمية هاتين السورتين بالمعوذتين تسمية نبوية مأثورة كأسماء جميع سور القرآن وقد يقال المعوذات ويراد بها ما يشمل سورة الإخلاص. وكفى بما فيها من أصول العقائد معاذًا من الشرك وهو أصل الشرور كلها ..
وحديث مسلم هو أصح ما ورد في نزولهما وأما ما يذكر في نزولهما في قصة سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك لم يصح سببًا لنزولهما. وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن الأعصم أصل ثابت في الصحيح وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما ولنا فيما صح غنية عما لم يصح.
وهذه الخيرية التي أثبتها لهما حديث عقبة عند مسلم هي خيرية نسبية في ناحية مخصوصة. وهي ناحية التعوذ بهما من الشرور العامة والخاصة المذكورة فيهما ودليل هذه النسبية ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عابس الجهني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له يا ابن عابس ألا أدلّك أو ألا أخبرك بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون قال بلى يا رسول الله، قال قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس هاتين السورتين.
(2/107)

فبيّن - صلى الله عليه وسلم - أن خيريتهما وأفضليتهما من جهة ما تشتملان عليه من معنى التعوذ وهو من المعاني الداخلة في دائرة ما كلفنا الله به.
ولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما، وهما كالسورة الواحدة. فما هي الحكمة في ختم القرآن بهما؟ وترتيب السور توقيفي ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة.
يستطيع ممارس القرآن ومتدبره ومتلقيه بالذهن المشرق والقريحة الصافية أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعًا ولكن أجلاها وأوضحها أنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن. وتحصين لهذه النعم المنشالة من القرآن عليه أن يكدِّرها عليه كيد كائد أو حسد حاسد، فإن من أوتي الشيء الكريم ورزق النعمة الهنية هو الذي تمتدُّ إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء وتقذفه عيونهم بالشرر وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء ويشتد عليه تكالبهم سعيًا في سلبه منه أو تكديره عليه وبقدر النعمة يكون الحسد، وعلى مقدار نفاسة ما تملك تكون هدفًا لمكائد الكائدين وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري ومن أوتي القرآن فقد طوى الوحي بين جنبيه وأوتي الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين ومهوى أفئدة الكائدين فكان حقيقًا وقد ختم القرآن حفظًا أو مدارسة أو تلاوة أن يلتجىء إلى الله طالبًا منه الحفظ والتحصين من شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم الذي كمل له وهذه النعمة الشاملة التي تمت عليه هذه حكمة.
وأخرى وهي أن من أوتي القرآن وتفقّه فيه فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب وأحاط بالعلم من أطرافه وملك كنزه الذي لا ينفذ. وان من آفات العلم اغترار صاحبه به وقد يتمادى به الغرور حتى يسول له أن ما أوتيه من العلم كاف في وقايته من الأضرار ونجاته من الأشرار فكان من رحمة الله
(2/108)

بصاحب القرآن ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به أن ختم بهاتين السورتين كتابه لتكونا آخر ما يستوقف القاريء المتفقه، وينبهه إلى أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلمها إلى الآن. وهي أنه مهما امتدّ في العلم باعه واشتد بالحكمة اضطلاعه. فإنه لا يستغني عن الله ولا بد له من الالتجاء إليه والاعتصام به يستدفع به شر الأشرار وحسد الحاسدين وكفى بهذه التربية قامعًا للغرور. وإنه لشر الشرور.
هذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتبًا ترتيبه التوقيفي وبين هاتين السورتين في اتحاد موضوعهما.
وأما المناسبة الخاصة بين السورتين وبين سورة الإخلاص فهي أن سورة الإخلاص قد عرَّفت الخلق بخالقهم بما فيها من التوحيد والتنزيه والتمجيد. فإذا قرأت القرآن وتدبّرتَه على ترتيبه ووجدت توحيد الله منبثًا في آياته وسوره متجليًّا ذلك التجلي الباهر بمعارضه وصوره مادا ببراهينه على النفوس كل ثنية وكل مطلع - كانت آخر مرحلة يقطعها فكرك من مراحل التوحيد في القرآن هذه السورة المعجزة على قصرها، فكأنها توكيد لما امتلأت به نفسك من معاني التوحيد وكأنها وصية مودعّ مشفق بمهمّ يخشى عليك نسيانه فليعمد فيها من الكلام إلى ما قلّ ودلّ ولم يملّ.
ومن صدقك في توحيدك لله في ربوبيته وإلهيته أن تنقطع عن هذا الكون وتكون منه وكأنك لست منه بصدق معاملتك لله وإخلاص توحيدك إياه. فأنت وقد آمنت وصدّقت وخرجت من سورة الإخلاص متشبعًا بمعانيها ومنها معنى الصمد - تستشعر أن العالم كله عجز وقصور، وأن خيراته مكدّرة بالشرور. وأن لا ملجأ إلّا ذلك الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد. فَتَجِيءُ المعوذتان بعد الإخلاص مبينتين لذلك الالتجاء الذي هو من تمام التوحيد.
ولأجل هذه المناسبة والارتباط بين السور الثلاث جمع بينهنَ التَسْمِيَةِ، ففي الصحيح عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث عن نفسه بالمعوذات وسياق النسائي لحديث عقبة بن عامر المتقدم أن رسول الله
(2/109)

قرأ وقرأت معه الإخلاص ثم قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس فلما ختمهن قال: ما تعوّذ بمثلهن أحد. وكما جمع - صلى الله عليه وسلم - بينهن في التسمية والتعوذ جمع بينهن عمليًّا في قراءة الوتر.
هذا إجمال المناسبة الخاصة بين السور الثلاث.
...

سُورَةُ الْفَلَقِ:
قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (1).
الأمر المفرد للنبي- عليه السلام-. ومن حسن الأدب في مقدرات القرآن أن تقدِّر في مثل هذا الأمر أيُّها الرسول أو أيُّها النبي، لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي- عليه السلام-، وأن لا نقدر يا محمد كما هو جار على الألسنة وفي التصانيف، فإن القرآن لم يخاطبه باسمه والأمر لنبيّنا أمر لنا لأننا المقصودون بالتكليف ولا دليل على الخصوصية فهو في قوّة: قل أنت، وقل لأمتك يقولون.
وأعوذ: أستجير وألتجيء ويتعدى هو وجميع تصاريفه بالباء، كأستجير. والعوذ والعياذ مصدران منه كالصوم والصيام، وفي القرآن مما جاء على المعنى اللغوي: يعوذون برجال من الجنّ (2) ومن كلام العرب: قد استعذت بمعاذٍ (3).
والرب: الخالق المكوّن المربي، ومواقع استعمال هذه الكلمة في القرآن هي التي تكشف كل الكشف عن معناها الكامل.
__________
(1) 113/ 1 الفلق.
(2) وتمام الآية: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} وهي 72/ 6 الجن.
(3) في الأساس (عوذ): لقد عذت بمعاد.
(2/110)

والفلق: الفجر المفلوق المفري، ومن لطائف هذه اللغة الشريفة أن الفتح والفلح والفجر والفلق والفرق والفتق والفري والفأ والفقأ والفقه كلها ذات دلالات واحدة، وتخصيصها بمتعلقاتها باب من فقه اللغة عظيم.
ومما وصف به ربنا نفسه في القرآن فالق الإصباح، وفالق الحَبّ والنوى، فهما من أسمائه تعالى.
ومواقع هذه الألفاظ التى تضاف إلى كلمة رب في القرآن كمواقع أسماء المخلوقات التى أقسم بها الله، كلاهما عجيب معجز، فكل لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوّة وفي معناه وضوحا وجلاء، وسر إضافة الفلق إلى ربّ هنا أن الفجر بمعناه العرفي هو تشقق الظلمة عن النور، فإن الليل يكون مجتمع الظلمات مسدول الأرواق. فإذا جاء الصبح حصل الانفلاق. والذي يبقى بعد ذلك الانفلاق هو النور الذي نفى الظلمة. ولا ينفي ظلمات الشر والضلال والباطل إلّا أنوار الخير والهدى والحق من خالقها، وفالق أنوارها. وكما أضيف الفلق، بمعنى الفجر، إلى كلمة رب هنا أقسم به في آية أخرى وهي قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ}.

{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (1).
من كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلّا كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم الناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق. ومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة. ومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت بحق ولحكمة فهي في نفسها خير، فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلا الخير فهي
__________
(1) 113/ 2 الفلق
(2/111)

الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحيانًا أو دائمًا فعملها هو الشر وهو المستعاذ منه. وتصخ نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين لا من حيث الرضى والتكليف، فالله لا يرضى بالشرّ ولا يكلف به، وقصارى إبليس -وهو مادة الشر في هذا الوجود- أن يزيد الشر ويلبسه بالخير. فالشر بيد الله خلقة وحكمة لا رِضًا وتكليفًا، والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمرًا.
وقد يكون الشرّ ذاتيًا لا ينفك، وقد يكون نسبيًّا باعتبار حالة تعرض واتجاه يقصد ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شرًا وبلاءً بسبب سوء تصرفهم فيها، كالمال الذي سماه الله خيرًا في القرآن - يكسبه صاحبه من الوجوه الشرعية وينفقه في الوجوه المشروعة. ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه فيكون خيرًا بذاته وبعمل صاحبه. ويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شرًا لا من ذاته بل من عمل صاحبه.
وهذا العالم الإنساني المكلف هو الذي يتجلّى الخير والشرّ في أعماله. ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقًا. وإنما عيب عليه الشر وقبح منه لأنه قادر على تمييزه واجتنابه ومكلف بذلك، وقد وضع له الدين قوانين ثابتة للخير والشر، وَوَضَّح له أن الخير ما نفع وأن الشر ما أضر. ولكنه وإن أُوتي قوّة التمييز لم يؤت قوّة الاستعصام ابتلاء من الله. فأما المخذول فيأتي الشر عامدًا متعمدًا وهو يعلم أنه شر، وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز، والخير والشر لا يوزنان بميزان حيي يستوي الناس كلهم في إدراكه وقد تَدِقُّ الفوارق بينهما حتى تخفى، وفي هذه المواقف يجب الالتجاء إلى الله ليرينا الخير خيرًا ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر فلا يلتبس علينا شيء بشيء، وبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح تندفع ألسنتنا ونقول:
(2/112)

{أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}.
وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين رب والفلق، فإن ربَّ الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم هو الذي تنكشف لعلمه سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فتُرَى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيغ البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالمًا فقد تخفى عليه حقائق المعقولات فيزيغ فكره ويطغى.
ومناسبة أخرى: وهي أنَّ الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام، ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه هو عين ما يضايقهم من ذلك في الشر.
هذا كله في الشر على عمومه، ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيبًا بديعًا لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في العرض على الأذهان.

هذه الثلاثة هي: الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد. والغاسق: الليل المظلم، والمراد هنا المصيبة تطرق ليلًا وعلى غرّة. ووقب: دخل في الوقب، وهو النقرة في الشيء. والنفاثات: السواحر ينفثن الريق واللفظ، جمع نفاثة، كثيرة النفث.
والعقد: جمع عقدة، بيان لعادة السواحر المعروفة من عقد الخيوط ونفث الريق عليها.
والجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء، فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الإخفاء تخييلًا وإيهامًا، والحسد داء دفين. فالثلاثة كما ترون شرها خفي،
(2/113)

وكل شر يخفي عمله أو يخفى أثره يجلّ خطبه ولعظم خطره. فيعسر التوقّي منه والاحتياط له. لأنك تتقي ما يظهر ويستعلن لا ما يخفى ويستتر. لا جرم كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص، أما نكتة الترتيب فإن الليل ليس شرًا في نفسه ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور. والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس قوية في الاعتبار مسبّبة للحكم على أحدهما بحكم الآخر. بخلاف النفاثات والحساد فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتيا لهما. ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي، كما أن بين الإثنين تفاوتا في ذاتية الشر وقوّته وعسر التوقِّي منه. فالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه، بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ فيظهر بمظهر الخير فشره أشد والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترقٍّ من الأخف إلى الأشد. ومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهرًا بين الثلاثة: الغاسق والنفاثات والحاسد، فإن الجميع ظلام، ظلام الزمن وظلام السحر وظلام الحسد. وفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد للمراد. الأول: أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظّلم وتكاثفها، فكأن بعض أجزائها يدخل بعضًا، والظلام يبدأ خفيفًا مشوبا باسفار من أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويحلو لك حتى يغطّي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب. والوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني. وفائدة القيد حينئذٍ أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة هي التي تقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم. فالطارق يطرق والسارق يسرق والحيات تنتهش، والضواري تفترس. وظلام الليل يستر ذلك كله ويعين عليه ويعوق عن الاستسراح والاستنجاد، والعرب تقول في ما يشير إلى هذا: اللَّيْلُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ.
فالمستعاذ منه على هذا الاحتمال شرٌ يقع في زمان، والاحتمال
(2/114)

الثاني أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسّيًّا فيقتضي ظرفًا مكانيًّا، وما هذا الظرف إلّا الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها ويكون دخوله فيها أبين من دخولها في الفضاء وملؤه إياها أشد، فالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء خصوصا من الآدميين، والمستعاذ منه شر يقع في مكان، وعلى الاحتمالين لما كان الليل معوانًا لذوي الشر على شرهم أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه. والنفاثات: صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلًا كان أو امرأة، وأما للنساء وخُصِّصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهُنَّ به أشهر. والنفث: إخراج الهواء من الفم مدفوعًا بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل، والنفث وإن كان عامًا لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطًا ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم وينفثون على كل عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور. {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. وما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلّا لأنه يؤثّر في بعض النفوس القابلة للتأثر به، حاش النفوس المعصومة كنفوس الأنبياء، فإن شرور الدنيا وأسوأها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم. ولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وما يوهمه لفظ الرواية فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني.
ونحن نعتقد دينًا أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده. ونقطع علمًا وتجربة أن للقوى النفسية تأثيرًا أعظم من تأثير القوى الجسمانية، وأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون وتأثير التنويم في المنوّم، وأن التأثير والتأثر النفسانيين
(2/115)

يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوّة وضعفًا، وأن تأثير العين ليس من ذاتها وإنما هو من النفس التي من وراء العين، ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تُحدث ذلك الأثر، وإن هذا التأثير لون من ألوان النفس، فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيرًا، وإن كانت شريرة كان شرًا. فالنفث المذكور في الآية إنْ أثَّر فإنما يؤثر بالقوّة النفسية التي من ورائه، والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلّا نفث الشر، لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق وإنما تنفث السم. وكالعدو يلقاك بطعن الأَسَل، لا بطعم العسل إذ كان ذلك من طبيعة العداوة. هذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة، وأما النفوس الخيرة الطيبة كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير. وفي الصحيح عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه جمع بين كفيه ثم نفث فيهما وهو يقرأ المعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من بدنه، يبدأ برأسه ووجهه، يفعل ذلك ثلاث مرات، فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله، ثم قالت في تمامه: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك. وفي رواية: كان يقرأ بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهذا وأمسح بيد نفسه رجاء بركتها. وفي رواية مسلم عنها: أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله.
فهذه الأحاديث- وهي ثابتة صحيحة- تثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يقرأ المعوذات وينفث حين القراءة نفث الخير قطعًا. وتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها. وأن النفث إيصال للقوة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيرًا وشرًا، ولولاهما لما كان النفث إلّا من فعل السحرة. والنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءًا من
(2/116)

روحانيتها على نفس أخرى أو على بدن، وكأن تحرلك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية واستدعاء لها حتى تتصل بالريق الذي ينفث كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادِّي. وقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثًا مجردًا بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة. ومن الشواهد لنفث الريق ما أخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي بأصبعه هكذا ((تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل)) ثم رفعها وقال: «بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا».
...

[بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث سكت لحظة كمن يستجمع خواطره ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع]:

إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة فلا يستقل بتفسيره إلّا الزمن، وكذلك كلام نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع لم تفهم أسرارها ومغازيها إلّا بتعاقب الأزمنة وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون، وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله - صلى الله عليه وسلم - في وصف القرآن: «لا تنقضي عجائبه».
والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونهما بالفكر الخامد والفهم الجامد، وإنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم، وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات، لم يأت مصداقها أو تأويلها
(2/117)

بعد. يعنون أنه آتٍ وأن الآتي به حوادث الزمان ووقائع الأكوان وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.
ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من أسبابه في هذا الحديث؟ فماذا تراهم يقولون؟
يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بِرِيق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - شفاء ما بعده من شفاء.
ويقول الطبيب المستغرب: هذا محال في التراب مكروب. وفي الريق مكروب. فأنَّى يشفيان مريضا أو ينفسان عن مكروب.
ويقول الكيمياوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.
ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدًا رسول الله. فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تشفي من القروح والجروح. ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له. وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به وليقرر لهم من منن الوطن منة كانوا عنها غافلين. فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تُغذي وتُروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تَشْفي، فليس هذا الحديث إرشادا لمعنى طبي ولكنه درس في الوطنية عظيم. ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب فإنه بباب حب الوطن أشبه، وما نرى رافع لعقيرة بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذْخر وجليل
وهل أرِدَنَّ يومًا مياه مجنة ... وهل يبدوَنَّ لي شامة وطفيل
(2/118)

إلّا سائرًا على شعاعه. وما نرى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟ فقال: شمة من تربة اصطخر. وشربة من ماء نهاوند إلّا من تلامذة هذا الدرس، ولقد زادنا إيمانًا به بعد ايمان أنه يقول: تربة أرضنا بريقة بعضنا، يقل: تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض، ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوطنية والقومية لا ما يتبجح به المفتونون.
ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها وتغذى بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوّها وهوائها. من ريقة منفوثة نفث الخير من نفس مؤمنة قوية الروحانية. فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تجلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.
ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول. وهكذا تأتي بعض المتون من كلام الله وكلام رسوله معجزة للعقول، فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون، والعلوم حرف العقول، والزمان من وراء الكل يصيح أن انتظروا ...

{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (1).
الحاسد: الذي قامت به صفة الحسد. وهو الذي يُحب أن تسلب النعم من غيره وقد تلج به هذه الصفة الذميمة فتزين له سلب النعم حتى من نفسه إذا توقف على ذلك سلبها من غيره، فهو لا يحب الخير لأحد
__________
(1) 113/ 5 الفلق
(2/119)

ويتمنى أن لا يبقى على وجه الأرض منعم عليه. وإنما ينشأ الحسد من العجب وحب الذات فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا محادة للمنْعِم.
والحسد شر تلازمه شرور، العجب والاحتقار والكِبْر، وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها حسد آدم عجْبا بنفسه: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} (1)، ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له فقال: أهذا الذي أكرمْتَ علي ثم تكبر ولم يسجد ورضي باللعنة والخزي، ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا.
والحسد شر على صاحبه قبل غيره لأنه ياكل قلبه ويؤرق جفنه ويقضّ مضجعه، ولا يكون شرًا على غيره إلا إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار أو ساعيًا فيه، ولهذا قال تعالى: {إِذَا حَسَدَ}. والمتمني للشيء لا يمنعه من إتيانه إلا العجز. وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين، ونعمة العافية والعلم، والجاه والحكم وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج، وقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج فصلتها كتب السنة وكتب الفقه النفسي ككتاب الإحياء للغزالي (1).
...
__________
(1) 7/ 11 الاعراف و 38/ 76 ص.
(2) 20/ 131 طه.
(3) ج 4، م4، ص 186 - 212
غرة ربيع الثانى وجمادى الأولى 1357 - جوان جوليت 1938
(2/120)

سُورَةُ النَّاسِ:
قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (1).
قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان) وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما. أما الاسم الخاص بهذه السورة فهو الناس، كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى: الفلق. والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام ومن ثلاثة أنواع منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر. وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.
والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام: قسم يصدر عنه الضرر ويعمله، وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول. وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح ومالك هديها، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فهو يحسن له الأشياء القبيحة ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح وإرادة الخير، ويزين للإنسان كل ما يرديه من القبائح ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، قريبا منه متصلا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك. ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا وأكثر شرًا وأخسر عاقبةً خصص التعوذ منه بسورة كاملة.
رب الناس: هو مربّيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود
(2/121)

ما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما منَّ به عليهم فيما ينفعهم، {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، وأصله من ربه يربه ربا، إذا قام على إنشائه وتعاهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال. ولفظه المصدر ولكن معنى اسم الفاعل كالعدل يراد به العادل.

ومَالِكِ النَّاسِ: هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، وبشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية.

وإِلَهِ النَّاسِ: هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.
وبلاغة الترتيب إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني، فالأول: طور التربية والإعداد، وهما من مظاهر الربوبية، والثانى: طور القوّة والتدبير، وهما من مظاهر الملك، والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية.
والمستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه. وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته، وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها أو بما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوّة الموسوسة مثل قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} (1) أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وخالقه كقوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. وكقوله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ
__________
(1) 2/ 267 البقرة.
(2) 38/ 82 ص.
(2/122)

إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} (1). وكقوله تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} (2). فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله بإفساد العقيدة الصحيحة فيه، أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها. والرب رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين، وإنما خص الناس بالذكر لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته. ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه. ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجّه الخطاب وإليهم يساق التحذير، وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما، فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم لتثبيت سنّة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.
ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربويين وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال. وقد ضلُّوا بالفعل في ربويية الله وفي ألوهيته .. ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ويصدّوهم بذلك عما شرع الله. وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.
واختير لفظ الناس من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية لأنه يَنُوسُ ويضطرب وينساق وهي صفات يلزمها التوجه ويسهل التوجيه فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة والتسديد فيها
(2/123)

ما دام لا يملك لنفسه ذلك وما دام محاسبًا عليه وما دامت هناك قوّة مسلطة تنزع به إلى الشر.
ففي تخصيص الناس بالذكر تنبيه إلى أنهم أحوج المربُويِينَ إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه، وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.
ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جُنَّة من استعباد الأقوياء.
ويجوز- إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها- أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل والأخيار منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب فإنهم كثيرًا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم وقد حملوا على هذا المعنى قوله تعالى: {آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} (1).
ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس، توضيح المعنى وإلفات النفس إليه وإيقاظ شعورها به والتسجيل على الناس بأن لهم ربًا هو مالكهم وإلههم.

{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} (2) - الوسواس هنا صفة الموسوس وإن خالف المعهود في أبنية الصفات، أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال والزلزلة، وأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء. والعرب
__________
(1) 2/ 13 البقرة.
(2) 114/ 4 الناس
(2/124)

تسمي حركة الحلي وسواسًا، وهذا المعنى واضح في المراد هنا فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكي الحيلة في ذلك ولا يرمي رميته إلّا في الخلوات. وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضرورًّيا من الفرق بين المصلحين والمفسدين أن الأولين يصدعون لكلمة الحق مجلجلة ويرسلون صيحته داوية ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا ويستترون إذا فعلوا ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات. ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.
والخناس: وصف مبالغة في الخانس من الخنوس وهو التأخر بعد التقدم ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقًا في الكيد وتقصيًا في التطور حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا وهجومًا وانتهازًا واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} (1). يرشدنا بذلك لنعِدَّ لكل حالة من حالاته عدتها. ولنُضيِّق عليه المسالك التي يسلكها، كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام. وإنما هو كالذباب تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية ثم دواليك حتى تملّ أو يملّ، وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد فهو مبالغة في التحذير منه لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.

{الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}: قال يوسوس
__________
(1) 7/ 16 الأعراف
(2/125)

بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها. وقال: فِي صُدُورِ النَّاسِ. والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستودع القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها ومجمع المضغ التي تحمل تلك القوى. والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر، وإنما هو فيه، ولذلك قال: {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (1).
ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا والحكم عليها بالشرح والحرج والضيق والشفاء والإخفإء والإكنان- ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية ولا أجزاءها المادية وإنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس يوجّه كيده ووسوسته دائمًا إلى هذه القلعة التي هي الصدر لأنها مجمع القوى.
وقال: {فِي صُدُورِ النَّاسِ} ولم يقل في قلوب الناس، لأن القلب مجلى العقل ومقر الإيمان، وقد يكون محصنًا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يظهره ولا يستطيع له نقبًا.

{مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}: الجِنَّة جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين. واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون في قوله تعالى: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} (2) ولما كان الموسوسون فريقين متعاونين على الشر ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة ليلتئم طرفا الكلام ويحصل التقصي الوصفي في المستعاذ به والمستعاذ منه.
وقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة،
__________
(1) 22/ 46 الحج
(2) 7/ 183 الأعراف
(2/126)

إلى قسمين: شياطين الإنس وشياطين الجن، وذكر أن بعضهم يوحي إلى بعضٍ زخرف القول، وشيطان الجن ميسر للشر فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله. ومن شياطين الإنس بطانة السوء وقرين السوء.
وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (1) وقال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} (2) وهو من باب توزيع الجمع على الجمع، أي لكل واحد قرين، فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن ثم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس يزينون له ما بين يديه وما خلفه ويصدّونه عن ذكر الله فماذا يصنع؟ ما عليه إلّا أن يلتجى إلى الله ويستعيذ به ويتذكر فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (3) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (4).
ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخِّر ذلك المقدم في آية أخرى لسرّ آخر، فيقدم السماء على الأرض في مقام ويؤخرها عليها في مقام آخر، ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن
__________
(1) 43/ 36 الزخرف.
(2) 41/ 25 فصلت.
(3) 7/ 199 الأعراف و41/ 36 فصلت.
(4) 7/ 200 الأعراف.
(2/127)

في آية الأنعام لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء وهي من الإنس أظهر ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. وفي آية (الناس) قدم الجنة على الناس لأن الحديث عن الوسوسة وهي من شياطين الجنّ أخفى وأدقّ وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمرَّ. فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد فيربى عليه ويكون شرا منه لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به، ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جِنِّيٌ لإنسي ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولّد منها فتن ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل، وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفّل كان شرّا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى وأوشك أن يكون خيرًا محضا لولا أن العصمة لم تكتب إلّا لطائفة منه وهم الأنبيإء عليهم الصلاة
والسلام.
فإلإنسإن إذا انحط يكون شرًا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك- أعني جنس الإنسان- ومن هذا الجنس كان محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال.
...

انتهى تلخيص الدرس وقد حرصنا على ما وعته الذاكرة من معانيه وقيده القلم من ألفاظه ثم تصرفنا في المواضيع التي طرقها الأستاذ بما لا يخرج عن مراده ولا يخالف طريقته في تفسير كلام الله والله ينفعنا بالقرآن ويوفقنا إلى خدمته (1).
__________
(1) ش: ج4، م14، ص 206 - 212
غرة ربيع الثاني وجمادى الأولى 1357 - جوان جويلية 1938.
(2/128)

حَوْلَ كَلِمَاتِ الْأُسْتَاذِ الْكَبِيرِ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الزِّيْنَةِ وَالسَّتْرِ

-1 -
نشرت جريدة " الزهرة " الغراء حديثا لفضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد بن يوسف المفتي الحنفي بحضرة تونس، أفضى به لأحد محرري جربدة " اللواء التونسي"، فرأينا في بعض ما قاله الاستاذ نظراً لا ينبغي السكوت عليه فكتبنا عليه ما يلي:
قال الحرر: " ثم تلا- الاستاذ- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ .. } (1) الآية، يقال للمرأة إذا زال ثوبها عن وجهها: أدني عليك من ثوبك، أي استري وجهك، وتلا قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .. } الآية قلت- المحرر- وما المراد من الزينة؟ قال: الزينة هي الوحه إذ الوجه هو مناط جمال المرأة".
فظاهر من مساق تلاوة الاستاذ للآية ان يستشهد بها على وجوب ستر الوجه. وظاهر من السؤال انه عن المراد بلفظ الزينة من:
__________
(1) 33/ 59 الأحزاب.
(2) 24/ 31 النور.
(2/129)

{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} وظاهر من الجواب أنه فسر الزينة بالوجه في قوله: {زِينَتَهُنَّ}.
ولو ذهبنا على هذا الرأي في الاستشهاد والجواب لكان تقدير الآية هكذا، ولا يبدين وجوههن الا ما ظهر من وجوههن. وهذا لا قائل به وتكاد لا تكون فائدة لمعناه.
والصواب: أن الذي فسر بالوجه والكفين-لا بالوجه فقط- هو لفظة "ما" في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وهي واقعة على الزينة الظاهرة. إذ الزينة منها باطن كالسوار للذراع والدملج للعضد والقُرط للأذن والقلادة للنحر والخلخال للساق، ومنها ظاهر كالكحل للعين والخاتم للأصبع. والزينة هي هاته الأشياء المتزين بها ونحوها. فتعلق بها هذا الخطاب باعتبار محالها فالمقصود محالها بدليل انها إذا لم تكن في محالها لا يتعلق بها هذا الخطاب وقد جاء تفسير الزينة الظاهرة عن السلف مرة بالوجه والكف ومرة بالكحل والخاتم، والثاني راجع للأول لأن الوجه محل الكحل والكف محل الخاتم، فالثاني فسر على حقيقة اللفظ والأول على المراد.
ولما قال الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} عمَّ اللفظ الباطنة والظاهرة. ولما قال: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} خص الظاهرة فجاز ابداؤها وبقيت الباطنة على المنع. وأفادت الآية منع كشف العنق والصدر والساق والذراع وجميع الباطن، وأباحت كشف الظاهر، وهو الوجه والكفان، إذ هما ليس بعورة من المرأة بإجماع.
فبان بهذا بطلان تفسير الأستاذ الزينة من {زِينَتَهُنَّ} الوجه، وبطلان استدلاله بالآية على وجوب ستره، إذ هي بالعكس دالة على جواز ابدائه بحكم الاستثناء الصريح.
(2/130)

ونرى أن نزيد المقام تقريراً وتوضيحاً بما ننقله عن إمامين كبيرين في الحديث والفتوى: الإمام الجصاص الحنفي والقاضي عياض المالكي. ثم عن إمام دار الهجرة.
قال الجصاص: - وهو يريد {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} -. "وقال أصحابنا: المراد الوجه والكفان، لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين. ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين، فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة. وإذا كان كذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة".
وقال عياض " في هذا كله- وهو يعني حديث نظر الفجأة- عند العلماء حجة انه ليس بواجب ان تستر المرأة وجهها وإنما ذلك استحباب وسنة لها. وعلى الرجل غض بصره عنها إلى ان قال: ولا خلاف ان فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. اهـ من الاكمال بنقل المواق. ونقل صدره النووي وأقره.
وفي الموطأ: (سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال: ليس بذلك بأس، إذا كان على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال. قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يواكله أو مع أخيها على مثل ذلك).
فمالك يرى جواز مواكلة المرأة للأجنبي إذا لم تكن في خلوة معه، بأن كان ذلك بحضرة زوجها أو أخيها مثلا. وهي تقتضي ابداء وجهها وكفيها للأجنبي إذ ذلك لازم عند المواكلة كما قاله الباجي وأقره.
فهذه النقول كلها مفيدة لما دلت عليه الآية من أن الوجه والكفين
(2/131)

ليسا بعورة وأنه لا يجب على المرأة سترهما. نعم نصَّ أكثر الفقهاء المتأخرين مع جميع المذاهب على أن المرأة يجب عليها ستر وجهها إذا خشيت منها الفتنة، وهذا حكم عارض معلل بهذه العلة، فيدور معها وجودا وعدما. ولذا لنا كانا نتحقق الفساد بسفور نساء المدن والقرى - وحالتنا هي حالتنا- لا نرى لهن جواز السفور ما دامت هاته الحال، ونعرف نساء جهات في بادية قطرنا لا يسترن وجوههن وليس بهن فساد ولم تقع بهن من فتنة، فلما سئلنا عن سفورهن اجبنا بتركهن على حالهن أخذاً بأصل الجواز.
إننا بما كتبنا أردنا اعتراض عبارة الأستاذ وبيان الحكم الأصلي لستر الوجه والكفين والحكم العارض، وتد بينا ذلك حسب المستطاع. وبقي الكلام على آية الإدناء التي ربما تظن معارضتها لآية الابداء المتقدمة وسنتكلم عليها في العدد الآتي إن شاء الله.

-2 -
نعيد اليوم- وقد عدنا إلى تمام هذا الوضوع- ما كنا صرحنا به في القسم الأول من قولنا: " ... فهذه النقول كلها مفيدة لما دلت عليه الآية من أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وأنه لا يجب على المرأة سترهما. نعم نص أكثر الفقهاء المتأخرين مع جميع المذاهب على أن المرأة يجب عليها ستر وجهها إذا خشيت منها الفتنة، وهذا حكم عارض معلَّل بهذه العلة فيدور معها وجوداً وعدماً. ولذا لما كنا نتحقق الفساد بسفور نساء المدن والقرى- وحالتنا هي حالتنا- لا نرى لهن جواز السفور ما دامت هاته الحال. ونعرف نساء جهات في بادية قطرنا لا يسترن وجوههن وليس بهن فساد ولم تقع بهن من فتنة فلما سئلنا عن سفورهن اجبنا بتركهن على حالهن أخذاً بأصل الجواز". نعيد هذا ليتقرر مما نريده عند قارئنا بجلاء تام.
(2/132)

قد فرغنا في القسم الأول من الكلام على آية الإبداء وهي آية قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ونريد أن نتكلم في هذا القسم على آية الإدناء وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}. وفي هذه الآية تفسيران أخذ الاستاذ بأحدهما وهو مرجوح في نظرنا بما نقيمه من الأدلَّة على مرجوحيته، وسنتكلم على الآية في ثلاثة مباحث.

المبحث الأول: في معنى الإدناء والجلابيب:
الإدناء من الدنو وهو القرب، فالإدناء التقريب، فيدنين عليهن من جلابيبهن بمعنى يقرِّبن عليهن، وأصل فعل دنا أن يتعدلى بمن، تقول: دنوت منه وأدنيته منه، وإنما يتعدى بعلى إذا كان في الكلام معنى الارخاء أو الضم كما في قوله تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} (1) وكما في: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ}.
والجلباب- على اختلاف عبارات اللغويين في تفسيره- هو الثوب الأعلى الذي تجعله المرأة فوق رأسها وترسله على بدنها كالملحفة ونحوها.
و"من" للتبعيض لأن الذي تدنيه عليها من ناحية وجهها. إنما هو بعض جلبابها.
فأفادت الآية طلب تقريب المرأة بعض جلبابها وإرخائها وضمه عليها
__________
(1) 76/ 14 الدهر.
(2/133)

من ناحية وجهها. وهذا محتمل لأن يكون بتغطية جميع الوجه وبتغطية بعضه. واختلاف المفسرين من السلف في معنى الآية دليل على وجود هذا الاحتمال. وما نقله الاستاذ بالمعنى من تفسير الزمخشري هو أحد الوجهين المحتملين وأجود ما نقل عن أئمة العربية في تفسير الآية قول الكسائي: "يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن" قال الزمخشري: "أراد بالانضماه معنى ادناء" والتقنع لا يقتضي ستر الوجه كله.

المبحث الثاني: في اختلاف المفسرين من السلف:
في الآية قولان لهم نقلهما ابن جرير في تفسيره الشهير.
الأول - هو أن يغطين وجوههن ورؤسهن فلا يبدين منهن إلاَّ عيناً واحدة. وهذا قول عبيدة وقول ابن عباس من طريق أبي صالح.
الثاني- أُمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن، وهو قول قتادة وقول ابن عباس من طريق محمد بن سعد.

المبحث الثالث: في الترجيح:
قد مضت آية الابداء مفيدة جواز إبداء الوجه والكفين على مقتضى ما تقدم من البيان، وجاءت بعدها هذه آية الادناء محتملة لطلب ستر الوجه كله كما في القول الأول. وتكون عليه معارضته لآية الابداء المتقدة. تلك تبيح كشف الوجه وهذه تُحْظره، ومحتملة لطلب الارخاء والضم لبعض الجلباب على بعض الوجه وهو الجبين كما في القول الثاني ولا تكون حينئذ معارضة لآية الابداء.
(2/134)

وحملها على ما لا تكون به معارضة بين الآيتين- وهو الوجه الثاني- أرجح وأولى إن لم يكن متعينا.
ثم ان قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} يفيد أن علة طلب الادناء هي تمييزهن عن الاماء اللاتي كن يمشين حاسرات أو بقناع مفرد فيتعرضن لهن أهل الشطارة والسفهاء. وفي الادناء على الوجه الثاني في الآية تحصيل لهذا المقصود من التمييز، فحملها عليه مناسب للعلة وسالم من المعارضة فهو المختار.
وبهذا التقرير تكون كل آية مفيدة معنى غير الذي أفادته الأخرى، فآية الابداء أفادت طلب ستر الأعضاء إلا الوجه والكفين، وآية الادناء أفادت طلب الستر الأعلى الذي يحيط بالثياب ويعم الرأس وما والاه من الوجه وهو الجبين وينضم على البدن، ليحصل به تمييز الحرائر بالمبالغة في التستر والاحتشام. وهذا هو المناسب لجوامع كلم القرآن والله أعلم (1).
__________
(1) ج 3، م 5، ص 19 - 21
غرة ذي القعدة 1347هـ - أفريل 1929.
(2/135)

كَلِمَةُ الْمُحْتَفَلِ بِهِ
ختم الاستاذ عبد الحميد بن باديس حفلة تكريمه بكمة بليغة شكر بها الوفود الحاضرة، وعاد بهم إلى الماضي فوزع معاني التمجيد والتكريم التي تجلت عنها الحفلة- على الأصول التي كونته. فكانت كلمته درسا في التواضع وعرفان الجميل عرف منه الحاضرون ناحية نفسية من أخلاق الأستاذ المحتفل به. وقد حافظنا ما استطعنا على معاني تلك الكلمة إذ فاتنا أن ننقل ألفاظها، قال حفظه الله (1):
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الإخوان:
أنتم ضيوف القرآن. وهذا اليوم يوم القرآن. وما أنا إلا خادم القرآن.
فاجتماعكم على تنائي الديار وتباعد الأقطار هو في نفسه تنويه بفضل القرآن ودعوة جهيرة إلى القرآن في وقت نحن أحوج ما نكون إلى دعوة المسلمين إلى قرآنهم. فهل علمتم أنكم باحتفالكم هذا قمتم بواجبات أهونها ما سميتموه احتفالا بشخصي.
إن أقوال خطبائكم وشعرائكم كلها في الحقيقة اشادة بيوم القرآن ووفود القرآن وكل ما لي من فضل في هذا فهو أنني كنت السبب فيه.

أيها الإخوان.
أنا رجل أشعر بكل ما له أثر في حياتي. وبكل من له يد في
__________
(1) كلمة ألقاها الأستاذ الإمام ابن باديس بمناسبة الاحتفال بختم القرآن.
(2/136)

[صورة]
الشيخ عبد الحميد يلقي كلمة شكر للمحتفين به بمناسبة ختم القرآن
----------
[صورة] تمثل تقديم الهدايا لفضيلة الأستاذ عبد الحميد بمناسبة الاحتفال بختم القرآن
(2/137)

تكويني. وان الانصاف الذي هو خير ما ربى عليه امرؤ نفسه- ليدعوني أن أذكر في هذا الموقف التاريخي العظيم بالتمجيد والتكريم كل العناصر التي كان لها الأثر في تكويني حتى تأخذ حظها مستوفى من كل ما أفرغتم على شخصي الضعيف من ثناء ومدح بالقول والفعل. فإني أشهد الله أنكم بالغتم في التحفي بي والتنويه بأعمالي، وأشهد أن هذا التحفي عسير عليَّ جزاؤه ثقيل علي حمله، فلعلي إذا ذكرت هذه العناصر ووفيتها حقها من الاعتراف لها بالفضل توزعت حصصها من التنويه وتقاضت حقوقها من الثناء الذي أثقلتم به كاهلي. فأكون بذلك قد أرضيت ضميري وخففت عن نفسي.
إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربَّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة. ورضي لي العلم طريقة اتبعها ومشربا أرده وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وراشني وحماني من المكاره صغيرا وكبيرا. وكفاني كلف الحياة فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر. ولأكل ما عجزت عنه من ذلك لله الذي لا يضيع جزاء العاملين.
ثم لمشائخي الذي علموني العلم وخطوا لي مناهج العمل في الحياة ولم يبخسوا استعدادي حقه، وأذكر منهم رجلين كان لهما الأثر البليغ في تربيتي وفي حياتي العملية، وهما من مشائخي اللذان تجاوزا بي حد التعليم المعهود من أمثالهما لأمثالي- إلى التربية والتثقيف والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة. أحد الرجلين الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني نزيل المدينة المنورة ودفينها، وثانيهما الشيخ محمد النخلي المدرس بجامع الزيتونة المعمور رحمهما الله.
وإني لأذكر للأول وصية أوصاني بها وعهداً عهد بي إليَّ وأذكر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي وتاريخي كله فأجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدَّد عليَّ أن لا أقرب الوظيفة ولا أرضاها ما حييت ولا أتخذ علمي مطية لها كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت.
(2/138)

صورة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أخذت له بمناسبة الاحتفال بختم القرآن.
(2/139)

وأذكر للثاني كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية وذلك انني كنت متبرماً بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال حتى في دين الله وكتاب الله. فذاكرت يوما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الأقوال المختلفة وهذه الآراء المضطربة يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح.
فوالله لقد فتح بهذه الكلمة القليلة عن ذهني آفاقاً واسعة لا عهد له بها.
ثم لأخواني العلماء الأفاضل الذين وازوني في العمل من فجر النهضة إلى الآن، فمن حظ الجزائر السعيد ومن مفاخرها التي تتيه بها على الأقطار أنه لم يجتمع في بلدٍ من بلدان الإسلام فيما رأينا وسمعنا وقرأنا مجموعة من العلماء وافرة الحظ من العلم مؤتلفة القصد والاتجاه مخلصة النية متينة العزائم متحابة في الحق مجتمعة القلوب على الإسلام والعربية قد ألف بينها العلم والعمل- مثل ما اجتمع للجزائر في علمائها الأبرار فهؤلاء هم الذين ورى بهم زنادي وتأثل بطارفهم تلادي، أطال الله أعمارهم ورفع أقدارهم، ثم لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير المنطوية على أصول الكمال ذات النسب العريق في الفضائل والحسب الطويل العريض في المحامد.
هذه الأمة التي ما عملت يوما- علم الله- لارضائها لذاتها. وإنما عملت وما أزال اعمل لارضاء الله بخدْمة دينها ولغتها ولكن الله سددها في الفهم وأرشدها إلى صواب الرأي فتبينت قصدي على وجهه وأعمالي على حقيقتها فأعانت ونشطت بأقوالها وأموالها وبفلذات
(2/140)

صورة أخذنت بمناسبة ختم القرآن في قاعة كلية الشعب يقسنطينة يوم الإثنين 14 ربيع الثاني 1357هـ - 1938م.
(2/141)

أكبادها. فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي.
ثم الفضل أولاً وأخيرً لله ولكتابه الذي هدانا لفهمه والتفقه في أسراره والتأدب بآدابه. وان القرآن الذي كوَّن رجال السلف لا يكثر عليه أن يكوِّن رجالاً في الخلف لو احسن فهمه وتدبره وحملت الأنفس على منهاجه.

أيها الاخوان.
إذا لم يكن لي في حياتي العلمية من لافت للقرآن إلا تلك الكلمة التي سمعتها من الشيخ النخلي، وقد فعلت فعلها في نفسي وأوصلتني في فهمي إلى الدرجة التي تحمدونها اليوم فإننا- والحمد لله- نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم وغايتنا التي ستتحقق أن يكوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها. وان أعز ما وصلنا إليه هو تبين الغاية وتلاقي الجهود وفقنا الله واياكم للأعمال الصالحة ورزقنا الإخلاص فيها والثبات عليها إنه سميع مجيب (1).

كلمة الأستاذ الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس (2)
أيها الاخوان:
الإسلام دين الحياة والعلم والفن، والحياة قوة وايمان وجمال،
__________
(1) ش: ج4، م14، ص 288 - 291
غرة جمادى الثانية وربيع الثاني 1357 - جوان وجويلية 1938
(2) كلمات قالها بمناسبة احتفال ختم تفسير القرآن أيضا.
(2/142)

أخذت هذه الصورة بمناسبة الاحتفال بختم الشيخ عبد الحميد لتفسير القرآن يوم الأحد 12 ربيع الثاني 1357هـ - 1938م في الجامع الأخضر بقسنطينة، وقد وقع الاحتفال في كلية الشعب.
(2/143)

والعلم يمثل القوة، والفن يمثل الجمال وبهذا تحتفل بكم- ياضيوف القرآن- جمعيات قسنطينة الحيوية التي تمثل القوة والايمان والجمالى.

أيها الاخوان:
إذا كنت استمد القوة والحياة فإنما استمدهما ممن أولوني شرف الثقة والإخلاص لديني ولأمتي وأخص منهم الأسود الكبار، وهم إخواني الأقوياء من رجال العلم الذين اجدني مهما وقفت موقفا إلا وجدتهم معي كالأسود. وأما الاشبال الصغار فهؤلاء الأبناء الذين تشاهدونهم يحتفلون بكم الليلة. ولقد جاءت قسنطينة تحييكم بكبارها وصغارها. فذكراكم يا ضيوف القرآن خالدة وهي منقوشة في قلبي لا تفنى ولا تنمحي.
انني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما، وأنها لواجبات ... وإنِّي سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم.
وأطلب منكم شيئا واحداً وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن.
انا زارع محبة، ولكن على أساس من العدل والانصاف والاحترام مع كل أحد من أي جنس كان ومن أي دين كان، من كل جنس من كل دين.
فاعملوا للأخوة ولكن مع كل من يعمل للأخوة فبذلك تكون الأخوة صادقة (1).
__________
(1) ش: ج 7، م 15، ص 346
غرة رجب 1358هـ - أوت 1939م.
(2/144)

آثار ابن باديس
قسم الحديث
(2/145)

الْفَنُّ الْأَدَبِيُّ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ.

كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الحَادِي، وَكَانَ يَحْدُو بِهِنَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ». قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ». رواه البخاري في باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه وفي باب المعاريض وغيرهما من طريق أبي قلابة وثابت البناني وقتادة ثلاثتهم عن أنس - رضي الله تعالى عنهم- وسقناه من مجموع ألفاظهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأشخاص:
انجشة غلام حبشي كان يحدو في السفر بالنساء كما كان البراء بن مالك يحدو بالرجال. أبو قلابة: إمام شهير من فقهاء التابعين نزل الشام ومات بها.

المفردات:
الحدو والحَداء: سوق الابل والغناء لها لتنشط وتسرع في السير. ويح: كلمة تقال لمن وقع في بلية أو توقعت له رحمة له، بخلاف ويل فإنها تقال لمن وقع في عذاب أو توقع له وهو يستحقه ولا يرحم فيه. وانجشة: هنا شارف أن يقع في بلية كسر القوارير فخوطب خطاب رحمة من الوقوع في ذلك. رويدك: مصدر مصغر
(2/147)

بمعنى امهال القوارير، جمع قارورة، وهي الزجاجة سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها. القوارير: النساء.

التراكيب:
ويحك: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف لم يستعمل، وتقدير الكلام: هلكت هلاكك الذي تستحق عليه الرحمة. رويدك مثله وتقديره أمهل امهالك. ونصب سوقك على التوسع بإسقاط الخافض أي في سوقك، ولما كان يدعوه إلى الرفق اقتضى الحال أن يعبر عن المطلوب الرفق به، وهن النساء بالقوارير على طريق الاستعارة التصريحية حيث شبهن بها بجامع الرقة واللطف والضعف، وحذف لفظ المشبه وذكر لفظ الشبه به. فكانت اللفظة المجازية بالغة غاية البيان عن حالة النساء وكان التركيب بها بالغا غاية البلاغة باشتماله على ما اقتضاه حال الدعاء إلى الرفق مما صورهن بصورة تدعو إلى الرفق وتستوجبه.

المعنى:
لما غنى انشجة للإبل وعلى ظهورها النساء نشطت واعنقت في السير فاتعبتهن فأشفق النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عليهن فأمر انجشة بالرفق بهن لأنهن ضعيفات عن تحمل شدة الاضطراب فوق ظهور الإبل المسرعة.

الفن:
إدراك صفات الشيء على ما هي عليه من حسن وقبح إدراكا صحيحا، والشعور بها كذلك شعورا صادقا والتصوير لها تصويرا مطابقا، بالتعبير عنها بعبارات بليغة في الإبانة والمطابقة للحال ذلك هو الفن الأدبي، والنفوس تميل إلى الحسن وتنشرح له وتنفر من
(2/148)

القبيح وتنقبض عنه، ولذا كان أكثر الفن الأدبي في تصوير الحسن وعرضه على الناس ليشاركوا الفنان في إدراك ذلك الحسن والشعور به والتذوق للذة ذلك الإدراك والشعور. وفي ذلك تربية لملكة الذوق الحسن في النفوس. وان النفوس لفي أشد الحاجة إلى تلك الملكة لتنعم بصور هذا الكون العظيم وما فيها من حسن فتقاوم بذلك ما تعانيه من متاعب الحياة وأوصابها وتدفع بلذة ذلك الشعور بالحسن ما تجده من آلامها، وإذا رجعت إلى القرآن العظيم فإنك تجد العدد العديد من آياته الكريمة يعرض علينا أنواعا من مخلوفات الله تعالى في صورها الحسنة الجذابة واقرأ في ذلك- مثلا- سورة الرحمن فإنك واجد ما قلناه. وكذلك في الأحاديث النبوية عدد كثير من مثل ذلك، ومنها هذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا، فقد صور النساء في صورة حسنة جذابة بما في القوارير من بياض ولمعان ودقة ولطف مع التصوير لحقيقة حالهن في الضعف الخلقي وفي الضعف القلبي وسرعة انكسار قلوبهن وعسر انجبارها، فكانت هذه العبارة آية من آيات الفن الأدبي، التي تدخل على النفوس بهجة وانشراحا وتثير فيها حاسة الذوق للحسن والجمال. وقد القى كعب بن زهير قصيدته المشهورة في حضرة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فوصف المرأة والماء الذي مزجت به الخمرة والناقة وصورها تصويرا فنيا ولم ينكر عليها (1) لأنه لم يكن يصف شخصا معينا يؤدي وصفه إلى اثارة الشهوة البهيمية نحوه وإنما كان يعرض صوراً من محاسن تلك الأشياء التي تلذ للنفوس البشرية صورها الجمالية وتنمي فيها قوة الشعور والذوق.

الرد على المتشددين:
علم أبو قلابة- رضي الله تعالى عنه- تشدداً وتنطعا مما كان
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: عليه.
(2/149)

حدثهم بهذا الحديث يحملانهم على الامتناع من الكلمات التي فيها بعض وصف النساء فرد عليهم بتكلم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بهذا (1) الكلمة التي لو تكلم بها أحدهم لعابوها عليه وبين لهم أن لا عيب فيها وفي مثلها مما لا فحش في لفظه ولا قبح في معناه ولا غاية سوء من ذكره.

فقه:
في الحديث سماع النساء لصوت الحادي وفيه للعناية بهن في السفر والرفق بهن فيه. وفيه التنبيه على المحافظة على قلوبهن وعواطفهن ليدوم ودَّهن وسلامتهن، ويدوم الهناء معهن والاستمتاع بهن لأنهن ضعيفات القلوب رقيقات العواطف شديدات الاحسان (2) يصبرن على كل شيء من الرجل إلا على كسر قلوبهن ومس عواطفهن، فهذا الحديث الشريف من الأحاديث الكثيرة التي جاءت في الوصاية بالنساء والمحافظة عليهن ومراعاة جانبهن، ويمتاز هذا الحديث بما فيه من ذكر السبب الذي يوجب ذلك ويقتضيه، على أبين تصوير وأبلغه فليكن دائما على بالنا، في معاملتنا للنساء وحياتنا معهن والله المستعان (3).
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: بهذه.
(2) كذا في الأصل والصواب: الاحساس.
(3) ش: ج 2، م 8 ص 75 - 79
غرة شوال 1350 هـ- فيفري 1932 م.
(2/150)

الرَّاعِي الْغَاشُّ لِرَعِيَّتِهِ.

((عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»)). (رواه مسلم)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الصحابي الجليل والأمير الظالم:
معقل بن يسار (رضي الله عنه): أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان. سكن البصرة وبها مات في خلافة معاوية- رضي الله عنه- وحفر نهرا بالبصرة بأمر عمر- رضي الله عنه- وإليه ينسب، وفيه جاء المثل: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل).

عبيد الله بن زياد: أبوه زياد بن سمية، ألحقه معاوية بأبي سفيان فنسب اليه. ولَّى (عبيدَ الله) معاويةُ البصرة وأقره عليها يزيد. وعبيد الله هذا هو الذي جهز الجيوش لقتال الحسين بن علي- رضي الله عنهما- وهو ألزمهم بقتاله- قتله الله- وقد قتله إبراههيم بن الأشعث بعد، وخبره مذكور ومعروف.

ترك الموعظة خوف المفسدة:
كان معقل بن يسار يرى من ظلم عبيد الله بن زياد وغشه للرعية
(2/151)

ولم يستطع ان يواجهه بما في هذا الحديث من الموعظة خوف أن يبطش به فتثور من أجل قتله أو إذايته ثائرة بالبصرة تؤدي إلى سفك دماء المسلمين دون ان تكف ابن زياد عن ظلمه فاتقاء لهذا لم يواجهه بالموعظة حتى جاء عبيد الله لعيادته وقد علم معقل أنه في مرض موته فاغتنم الفرصة وجابهه بالموعظة لما خلصت للمصلحة وأمن المفسدة.

ما الراعي وما الرعية:
الرعاية: حفظ الشيء وتفقد أحواله واعطاؤه ما يحتاج اليه وصرفه عما يؤذيه وما لا فائدة له فيه ووقايته مما يعدو عليه، وكل من جعل الله تحت يده شيئا من مخلوقاته فقد استرعاه ذلك الشيء أي: جعله في رعايته وطالبه وكلفه بأن يرعاه، فصار مسؤولا عنه عند الله، وما من بالغ عافل ذكرا أو انثى إلا وقد جعل الله شيئا في رعايته ولو لم يكن من ذلك إلا نفسه وعقله وبدنه، وأعظم بهما من شيء تجب رعايته. وهذا معنى التعميم في الحديث.

الواجب على الراعي في رعيته:
يجب على كل راع- بالتعميم المتقدم المستفاد من الحديث السابق- أن ينصح لما استرعاه الله من رعية في القول والعمل وان لا يدخر شيئا من جهده في حفظه وتفقد أحواله، واعطائه ما يحتاج اليه، وصرفه عما يؤذيه وما لا فائدة له فيه، ووقايته من كل ما يعدو عليه، وان يستصفي له من الآراء والأعمال والأقوال أبلغ ما يقدر عليه، فإذا قصر في شيء من هذا فقد غش رعيته بما يدخله عليها من الضرر في ولايته عليها وارتكب بذلك الكبيرة التي توعد عليها بالنار.

توجيه:
لما كانت أعظم الرعايات رعاية أمر العامة بالامرة والولاية حدَّث
(2/152)

معقل بن يسار بهذا الحديث عبيد الله بن زياد لأنه كان أميرا لمصر عظيم، فيكون من أول من يشمله عموم لفظ: (ما من أحد). وهذا هو وجه تخريج مسلم لهذا الحديث في كتاب الامارة. واما اللفط فهو على عمومه.

الوعيد- معناه وشرطه وعمومه:
توعد الله على لسان نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- الراعي الغاش بتحريم الجنة عليه. والتحريم هو المنع ويكون موقتا موقوتا ويكون مؤبدا، فإن مات الغاش مستحلا للغش أو عوقب على اصراره بسوء الخاتمة- عياذا بالله- فتحريمها عليه مؤبد، وان مات مسلما مصرا فتحريمها عليه كل وقت، يدخل النار بغشه ثم يخرج منها بما في قلبه من ايمان {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. وهذا المعنى- على تفصيله- عام بحسب صريح لفظه لكل راع غاش واقتضى قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث: «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته» أن هذا الوعيد فيمن مات مصراً ولم يتب، فأما من تاب ولم يمت يوم مات على غشه فليس داخلا في هذا الوعيد. نعم ينجو التائب من غقوبة الغش بتوبته ولكنه تبقى عليه تبعات العباد وما ألحق بهم من ضرر وهي حقوق أخرى جنى عليها زيادة على أصل الغش. فلهما عقوباتها والقصاص عليها.

تطبيق:
كل من تولى أمراً من أمور الأمة فهو من رعاتها المسؤولين عنها المتوعدين بهذا الوعيد الشديد إذا غشوها على أي وجه كانت تلك الولاية من الوجوه التي تختلف باختلاف الأمم وأوضاعها ومما هو من أعظم الولاية على الأمة اليوم بحسب وضعها، النيابة عنها والتكلم بلسانها من أدنى درجات تلك النيابة إلى أعلاها. فليعلم هذا من
(2/153)

يتقدم لهذه الولاية وليراقب الله فيها، كما على كل راع أن يعلم هذا الوعيد ويحذر ان يقتحمه.
نسأل الله لنا وللمسلمين أن يوفقنا إلى القيام بأحسن الرعاية في كل ما استرعانا من أنفسنا وغير أنفسنا (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 11، ص 204 - 206 ربيع الثاني 1354 هـ - جويليه 1935 م.
(2/154)

إِتِّحَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاوُنِهِمْ.

«الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، ومسلم عنه أيضا إلى قوله بعضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المفردات:
المؤمن، (ال) في اللفظين جنسية استغراقية، فالمراد جميع الأفراد. (للمؤمن): اللام لام الاختصاص. و (يشد): يقوي بعضه بعضا بالتضام والالتحام. (شبك): أدخل أصابع اليمنى بين أصابع اليسرى وأصابع اليسرى بين أصابع اليمنى.

التراكيب:
الجملة الأولى خبرية لفظا طلبية معنى، أي ليكن المؤمن للمؤمن كالبنيان، وجيء بالطلب على صورة الخبر تنبيها على أن هذا المطلوب هوالشأن الذي لا ينبغي أن يكون سواه، فهو بحيث يخبر عنه لا أن يطلب. والجملة الثانية استئنافية لبيان وجه التشبيه.

المعنى:
الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الآخر «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
(2/155)

زيادة بيان:
لقد قرر الحديث الشريف معنى الاتحاد الذي يجب أن يكون بين جميع أفراد المؤمنين على أكمل وجه في التصوير وأبلغه في التأثير، فقد شبههم بالبنيان وذلك وحده كاف في افادة الاتحاد، وزاد عليه التصريح بالشد والتقوية ليبين أن في ذلك الاتحاد القوة للجميع تأكيدا للزوم الاتحاد بذكر فائدته، ثم زاد عليه التصوير بالمحسوس لما شبك صلى الله عليه وآله وسلم بين أصابعه، هذا كله ليبين للمؤمنين لزوم الاتحاد وضرورته.

تبصر:
ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة والحجارة الصغيرة والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج اليه في تشييد البنيان، فكذلك بنيان المؤمنين فإنه متكون من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل حال أن يسد الثغرة التي من ناحيته مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه كما لا غناء له عن كل واحد منها، فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته بمقدار المركز الذي هو فيه والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وان كان أحقر حقير أن يخل بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير. ثم ألا ترى أصابعك وفيها القوي وفيها الضعيف حتى إذا شبكتها صارت كشيء واحد له قوة ومتانة زائدة، وكل أصبع منها يمكن أن يلوى ما دام وحده، فإذا شبكتها عسر ليها وقوي أمرها، فكذلك المؤمنين باتحادهم- وفيهم القوي وفيهم الضعيف- تكون لهم قوة عامة زائدة، وكل واحد منهم بمفرده يمكن قهره، فأما إذا اتحدوا فإنهم يكونون بقوة اتحادهم في مأمن من كل قهر.
(2/156)

تفقه:
لما قال صلى الله عليه وآله وسلم (المؤمن للمؤمن .. الخ) علق الحكم على الوصف فاقتضى ذلك أن هذا هو واجب كل مؤمن من حيث انه مؤمن مع كل مؤمن من حيث انه مؤمن، فيجب لهذا أن تطرح في مقام الاتحاد والتعاون جميع المفرقات من المذاهب والمشارب وينظر إلى وصف الايمان فقط، فهذه المذاهب وهذه المشارب أهلها كلهم أهل ايمان لا يدفع بعضهم بعضا عن ذلك، والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قد أمرهم بالاتحاد والتعاون باعتبار الوصف الأصلي الذين هم مشتركون فيه ليكون الاتحاد والتعاون في مكنتهم دون التفات إلى ما أحدثوه من مفرقاتهم. فمن تعامى عن وصف الايمان الموجب للاتحاد ونظر إلى مذهب أو مشرب من موجبات الافتراق فقد عصى أبا القاسم- صلى الله عليه وآله وسلم- وحاد الله ورسوله وأعرض عن دعوة الحق وأجاب داعي الشيطان.

سلوك:
علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد محتم علينا مع جميع المؤمنين، وأن فيه قوتنا وحياتنا وفي تركه ضعفنا وموتنا. وأن نعلن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا. وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا في كل ما يقتضيه وصف الايمان الجامع العام والله المستعان وعليه التكلان (1).
__________
(1) ش: ج 7، م 7، ص 429 - 431 ربيع الأول 1350هـ - جويلية 1931م.
(2/157)

دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الْكَلِمَةُ الْمُنْتِنَةُ.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» السند رواه الشيخان وغيرهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
كسعه: ضرب دبره بيده أو صدر قدمه. رجل ... رجلا: كان الرجلان من الموالي. يا للانصار، يا للمهاجرين: استغاثة من كل بقومه ومواليه لينصروه على الآخر. دعوى الجاهلية: الدعاء الذي كان يدعو به أهل الجاهلية بنعرة العصيبة لاثارة الحمية، يدعو الرجل قومه لينصروه ولو على الباطل. دعوها: اتركوها. منتنة: مكروهة في العقل والدين ككراهة الشيء النتن في الشم ومفرقة للجمع كما يفرق النتن المجتمعين.

المعنى:
كان الرجل في الجاهلية- إذا نزل له أمر- استنصر بقبيلته وتعضد بهم ودعاهم إلى معونته ونصرته، بما بينه وبينهم من عصبية قبلية فتثور حميتهم فيندفعون إلى مؤازرته فيؤيدونه ظالما أو مظلوما، فإذا كان ظالما زادوا في ظلمه وإذا كان مظلوما لم ينتهوا عند حد في الانتقام له من ظالمه، فلما جاء الإسلام أبطل الانتصار بالعصبية،
(2/158)

والتعضد على الانتقام بالقبيلة. وجعل الحكم بالقضاء الشرعي والتوصل إليه بالبينات والحكام. فلو أن ذلك المكسوع كان ممن تأدب بالإسلام وتغلغلت روح الإسلام في قلبه لكان دعا بدعوى الإسلام فقال: يامسلمون قد ضربني هذا. وأقام عليه البينة وساقه إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ليقتص له منه، ولما لم يكن كذلك وكانت الروح الجاهلية لا تزال منها عقابيل في صدره دعا بدعوى الجاهلية، وكان صاحبه مثله فقابله بمثلها، فلما سمع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك منهما سأل عن السبب الذي أثار تلك الدعوى فلما عرَّفوه بسببها نهى عنها وحذر منها فأبرزها في أقوى صورة تنفر منها ابرازا للمعقول في صورة المحسوس لأنه أبلغ فى التأثير على السامع فوصفها بأنها منتنة.

الدعويان وأثرهما:
دعوى الجاهلية- يا بني عمي، أو يا قومي، أو يا أهل بلدي، أو يا أهل وطني- انتقموا لي. فإذا دعا بها وقعت التفرقة بين عشيرة وعشيرة أو بين قوم وقوم، أو بين بلد وبلد، أو بين وطن ووطن، وأثارت الحمية في كل واحدة من الناحيتين على الأخرى ودفعت إلى الإسر اف والتعدي فأوسعت الظلم والشر وأبقث الإحن والأحقاد والتّرات مما يسترسل معه الظلم والفساد في المستقبل. أما دعوى الإسلام فهي: يا عباد الله، أو يا مسلمون، إني ظُلمت فأنقذوني اشهدوا لي. فإذا دعا بها كانت جامعة لا تفريق فيها، وأهابت بالسامعين كلهم كذاتٍ واحدَةٍ كلهم ينصرون الحق فيكفوا الظلم إن كان واقعا على المظلوم في الحال ويشهدون بالظلم عند الحاكم ليجري العدل مجراه. فأين تلك الآثار من هذه الآثار؟ ولقد ظهرت آثار الأولى في الأمة العربية في جاهليتها، وظهرت الثانية فيها بعد إسلامها فأرى الله العباد- عيانا
(2/159)

جهرة- اختلاف الأثرين في أمة واحدة في زمن قريب وأقام عليهم حجته. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تفرقة وتمييز:
كل من سعى إلى تحصيل شيء مستعينا بذوي عصبية له لنسبة جنس أو قبيلة أو بلد أو حرفة أو فكرة غير ناظر إلى أنه على حق أو على باطل، فقد دعا دعوى الجاهلية، وكل من أجابه فقد شاركه في دعواه. أما من عرف الحق وتيقن من نفسه الصدق في طلبه واستعان على تحصيله بمن تربطهم به روابط خاصة ولا يأبى أن يعينه عليه من لم يكن من جماعته، لأن قصده إلى تحصيل الحق بإعانة أي كان، فهذا لا يكون دعا دعوى الجاهلية بل دعا دعوى إسلامية لأنها لم تخرج عن التعاون على الحق وهو من التعاون على البر والتقوى.

استدلال:
ثبت في صحيح مسلم في غزوة حنين أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (أبا عباس ناد أصحاب السمُرة) فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ وكانت الدعوة: يا معشر الانصار يا معشر الانصار ثم قُصِرَت على بني الحرث بن الخزرج فصارت يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخنررج. فكانت الدعوة- في ذلك اليوم الشديد- لمن جمعتهم بيعة الرضوان، وهم أهل السمرة ثم لمن جمعهم اسم الانصار ثم لمن جمعهم اسم أب. وكان ذلك كله حقا لأنه دعوة إلى الحق.

تحذير وإرشاد:
ليحذر المسلم من كل كلمة مفرقة من كل ما يثير عصبية للباطل وحمية جاهلية، يدعو بها ولا يجيب من دعا إليها .. فإن بلاء كثيراً حل بنا وفتنة كثيرة أصابتنا من تلك الكلمات المفرقة.
(2/160)

ولتكن دعوته- إذا دعا- بالكلمات الجامعة التي تشعر بالأخوة العامة وتبعث على القيام بالواجب بأيد متشابكة وقلوب متحدة. حتى إذا دعا جماعة خاصة يعلم منه نفعا خاصا في مكان خاص، فليكن بما يفهمهم أنه إلى الحق دعاهم وعلى القيام به استعان بهم دون إباية من انضمام كل من ينضم إليهم، فإنه ما توجه قوم إلى نصرة الله- ورضا الله قصدهم- إلا كان الله معهم: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 13، ص 77 - 80 صفر 1356هـ- افريل 1937م.
(2/161)

تَكْثِيرُ السَّوَادِ .. !
((مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))

عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: ((قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ)). ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} رواه البخاري في كتاب الفتن.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
سواد القوم: أشخاصهم. قطع عليهم: بعث، فرض عليهم جيش يبعث للقتال. اكتتبت: كتب اسمه في جملة الجيش.

المعنى:
كان عبد الله بن الزبير قائما بمكة، وكان عبد الملك بن مروان، بالشام، والفتنة مشتعلة بين المسلمين، بسبب النزاع ما بينهما. فكان عبد الله بن الزبير يبعث البعوث من الحجاز إلى قتال عبد الملك بالشام ففرض على أهل المدينة جيشا، فكتب فيه أبو الأسود محمد ابن عبد الرحمن الأسدي اسمه ليكون من جملته. ثم لقي عكرمة مولى ابن عباس، فذكر ذلك له، فنهاه عكرمة عن أن يكون (1) في
__________
(1) في الأصل: أيكون.
(2/162)

ذلك الجيش، وأخبره عن ابن عباس، بما كان من سبب نزول قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} وهو أن قوما من المسلمين كان المشركون يخرجون معهم لا ليقاتلوا المسلمين، وإنما ليكثروا سواد المشركين، ويظهروا عظيم جيشهم، وكثرة عددهم في أعين المسلمين. فكانوا يقتلون بما يصيبهم من رمي السهام وضرب السيوف، فواخذهم الله لمجرد تكثيرهم سواد المشركين، وإن لم يشاركوهم في القتال، ولا حضروه طائعين، وانزل الآية الكريمة فيهم.

المطابقة:
ذكر عكرمة هذا لأبي الأسود لأنه أفاد حكم الله فيمن كثر سواد المقاتلين للمسلمين دون أن يقاتل، أو يكون راضيا أو طائعا بالحضور. فكيف بمن اكتتب للقتال مثل أبي الأسود؟ ولا فرق في المؤاخذة في قتال المسلمين بين أن يكون مع المشركين، أو مع المسلمين في الفتنة.

الأحكام:
من حضر مع قوم وكثر جمعهم فهو منهم وشريك لهم في عملهم، سواء أكان خيراً أم شرا، كما يفيده الحديث الذي جعلناه ترجمة. وهو في مسند أبي يعلي. فأما في الشر فالنص فيه حديث ابن عباس هذا، وأما في الخير فحديث أبي هريرة في الصحيح، في القوم الذين يجتمعون فيسبحون الله ويكبرونه ويهللونه ويحمدونه ويسألونه، ويستجيرونه ويستخبرونه ويستغفرونه فيقول الله للملائكة عليهم السلام، قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، فتقول الملائكة: ربِّ، فيهم فلان عبد أخطأ، إنما مر فجلس معهم فيقول تعالى: «وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».
(2/163)

الاهتداء:
فحق على المسلم أن يختار من يصاحب من رفقة، أو يجالس من جماعة، أو يكثر من سواد قوم فإنه محاسب على أعماله، ومن أعماله مجرد حضور بدنه.
جنبنا الله الفتن ودعاتها، والمظالم وأهلها، وكثر بنا سواد المؤمنين وحشرنا في زمرة الصالحين آمين (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 15، ص 166 - 168
غرة ربيع الثانى 1358هـ- ماي 1939م.
(2/164)

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي

السنة:
قَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومسلم يحيى عن ابن يحيى عن مالك.

المتن:
روي بوجهين ثابتين: الأول فهو أهلكُهم برفع الكاف، اسم تفضيل، والثاني بفتح الكاف فعل ماض.

الألفاظ:
الهلاك: الاستحالة إلى الفساد وذهاب حالة الصحة والاستقامة التي تصدر عنها الفوائد، ويكون بها الاستعداد، يقال هلك زيد إذا مات، وهلك الطعام إذا تغير واستحال. فهلاك الناس فسادهم في أحوالهم بفساد عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك عنوان ذهابهم واضمحلالهم. وأهلكُهم على الوجه الأول أشدهم هلاكا، وعلى الوجه الثاني أوقعهم في الهلاك.

المعنى على الوجه الأول:
إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس، يعيبهم وينقصهم ويحقر من
(2/165)

أمر جماعتهم، فقد صار بذلك أعظم هلاكا منهم لارتكابه معصية كبيرة تعدت إلى غيره وعمتهم، وهي معصية الكبر الذي هو احتقار المرء من عداه، فهذا قد تكبر على جميع الناس فكان عظم هلاكه على حسب عظم معصيته بهذا العموم في الكبر والاحتقار.

وعلى الوجه الثاني:
إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يثبطهم ويقنطهم فهو بذلك التثبيط والتقنيط أيْأسهم من رحمة الله وصدهم عن الرجوع إليه وبالتوبة ودفعهم إلى الاستمرار فيما هم عليه، فأوقعهم بكلمته تلك في الهلاك، هلاك اليأس والقنوط والاندفاع في الشر.

الأحكام:
على الوجه الأول: لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهراً بينهم فاشيا فيهم، لأنه حكم بدون علم، وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم. هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم.
وعلى الوجه الثاني: لا يجوز لمن رآى الناس في حالة سيئة أن يقنطهم من رحمة الله وإمكان تدارك أمرهم واصلاح حالهم. هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم في ظاهر أكثرهم وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدهم وتثبيطهم عن التوبة والأخذ بأسباب الإصلاح.

توجيه:
كان الحديث الشريف مفيدا لعدم الجواز لما ذكر، لأنه سيق مساق الذم لهذا القول ووصف قائله بأنه أعظم الناس هلاكا أو أوقع الناس في الهلاك وما أدى إلى أحد هذين لا يكون إلا ممنوعا.
(2/166)

ويؤيد هذا الحديث في المنع الأدلة الدالة على منع الحكم بدون علم. وظن السوء بالناس وتحقيرهم وتقنيطهم عن الخير وصدُّهم عنه.

تقييد وتعميم:
قد يقول الإنسان هلك الناس اشفاقا عليهم وتحزنا لما هم فيه فلا يكون مثل من قاله تحقيرا وتقنيطا غير أنه يبقى في عبارته ذلك التعميم الذي هو حكم بغير علم.
مع ما توقعه هذه العبارة من القنوط- خصوصا إذا تكررت- ولو لم يقصده القائل فلا ينبغي أن تقال هذه العبارة ومثلها من كل ما يفيد هلاك جميع الناس.

الآداب:
على الوجه الأول: على من يريد أن يرشد المسلمين ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة لا بعين الزراية والاحتنقار. فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء واستقصاء أنواع العلاج، بخلاف الزاري المحتقر فإنه يترفع بنفسه عن الناس ويتركهم فيما هم عليه وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره من استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله أو على إتقان القليل منه.
على أن الشفوق تشعر نفوس الأمة منه بتلك الشفقة فتقابله بمثلها وبالامتثال لما يأتيها منه لمعالجتها واثقة منه بنصحه منقادة لإرشاده راجية نيل الخير على يده.
والزاري المحتقر تشعر منه الأمة بذلك فتقابله بمثله وتنقبض نفوسها عنه وتقوي ريبتها في قوله وفعله وقد تصارحه ببعضه فتؤدي الحال
(2/167)

بينهما إلى العداوة والمقاطعة. ويكون خيرا له لو تركهم من أول الأمر وشأنهم.

وعلى الوجه الثاني: على مرشدي المسلمين أن يعانوا أدواءهم بالعلاجات النافعة ويشخصوها لهم عند الحاجة بالعبارات الرقيقة المؤثرة في رفق وهوادة مجتنبين كل ما فيه تقنيط أو تثبيط، وأن يعرِّفوهم بأنهم- وإن ساءت نواح من أحوالهم- فهنالك (1) نواح ما تزال صالحة. وهنالك علاجات من الإسلام قريبة ناجعة وأن يعرفوا ما فيهم من فضائل وما لهم من مجد، وما لهم بهذا الإسلام من قدر وعز ليثيروا فيهم النخوة ويبعثوهم على العمل والخير. وإذا ذكروا لهم سيئاتهم ذكروا لهم قرب السبيل إلى النجاة منها بالإقلاع عنها فيسرعون بالتوبة والإنابة.

أصل عام في التربية:
هذا الحديث أصل عظيم في التربية المبنية على علم النفس البشرية فإن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب. وعندما تشعر بحقارتها وعجزها تقعد عن العمل، وترجع إلى أحطِّ دركات السقوط. فجاء هذا الحديث الشريف يحذر من تحقير الناس وتقنيطهم، وذلك يقتضي أن المطلوب هو احترامهم وتنشيطهم وهذا الأصل العظيم الذي دل عليه هذا الحديث الشريف يحتاج إليه كل مرب سواء أكان مربِّيا للصغار أم للكبار، وللأفراد أم للأمم، إذ التحقير والتقنيط وقطع حبل الرجاء قتل لنفوس الأفراد والجماعات، وذلك ضد التربية، والاحترام والتنشيط وبعث الرجاء احياء لها وذلك هو غرض كل مرب ناصح في تربيته.
__________
(1) في الأصل: فهالك.
(2/168)

فاللهم صلي على هذا النبي الكريم العظيم الرحيم الذي علمته ما لم يكن يعلم وكان فضلك عليه وعلينا به عظيما، فكم من علوم وأسرار انطوت عليها أحاديثه الشريفة قد أتت على ما لم تعرفه البشرية إلاَّ بعد حين ولا عجب فهو الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (1).
__________
(1) ش: ج3، م 10، ص 99 - 102
غرة ذي القمدة 1352هـ- 15 فيفري 1935 م.
(2/169)

نَظَافَةُ الطُّرُقِ وَالْمَجَالِسِ
أَوْ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْبَلَدِيَّةِ.

" قَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رواه مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنهم).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المفردات:
اتقوا: اجتنبوا. اللعانين: الكثيرو اللعن، واللعن الابعاد من رحمة الله، واللعان في الحقيقة من يصدر منه اللعن بكثرة، وقيل في التخلي في الطريق والتخلي في الظل لعانان لأنهما سبب في صدور اللعن بكثرة من الناس لفاعلهما، فأسند ما في معنى الفعل إلى سببه مجازا. التخلي أصل معناه الذهاب إلى الخلاء، والمراد به هنا قضاء الحاجة البشرية من بول أو غائط، وأطلق التخلي عليها لأن الشأن أن تكون في الخلاء ففي اسمه أدب من آدابه.

المعنى:
إذا أردتم قضاء الحاجة فاجتنبوا الطرقات وانجتنبوا الأماكن التي اتخذها الناس للجلوس في ظلها، ومن تخلى في واحد من هذين فإنه يجلب على نفسه لعنا كثيرا.

الحكم:
التخلي في طرقات الناس وأماكن جلوسهم متعد عليهم مؤذ ظالم لهم فهو داخل في لعن الله للظالمين، وشأن الناس عندما يجدون القذر
(2/170)

في طرقاتهم وأماكن جلوسهم أن يلعنوا من آذاهم بذلك، وهم مظلومون منه، فيكون لعنهم من دعوة المظلوم، ودعوة المظلوم مستجابة، فصار المتخلي قد أوقع نفسه في لعنة الله ولعنة الناس المظلومين، والذنب الذي يؤدي إلى هذا اللعن لا يكون إلا من الكبائر. فالتخلي في طربق الناس أو في ظلهم كبيرة من الكبائر.

تعميم:
تشمل الطرق الطرق إلى البيوت والأسواق والقرى وموارد الماء والطرقات كلها ومثل المكان الذي اتخذه الناس للجلوس في ظله كل مكان اتخذوه للجلوس فيه لمنفعة من منافعهم فيدخل في ذلك الأسواق والمنتزهات وغيرها، فكل ذلك مما يحرم التخلي فيه ويلحق بالتخلي وضع القذر والوسخ والزبل والشوك وكل ما فيه مضرة لما في الجميع من التعدي والإذاية.

تتميم:
كما انتظم الحديث الصحيح المتقدم النهي عن تقذير الطرقات والأماكن العامة بذلك الترهيب الشديد كذلك جاء الترغيب في تنقيتها وإزالة الأذى عنها شاملا ذلك ما كان من المستقذرات وغيرها من كل ما فيه أذى، فقد ثبت في الصحيح اأن أبا برزة الأسلمي- رضي الله عنه- قال للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: يا نبي الله علمني شيئا انتفع به، فقال صلى الله عليه وسلم: «أعزل الأذى عن طريق المسلمين» وثبت قول صلى الله عليه وسلم: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخَّره فشكر الله له فغفر له. وإذا كانت إزالة الأذى عن الطريق- ومثلها كل مجتمع عام- فيها الأجر والمثوبة فوضع الأذى فيه الاثم والعقوبة.
(2/171)

تطبيق:
من أحسن المصالح التي يقوم عليها اجتماع الناس في التمدن الحاضر وألزمها، مصلحة التنظيف في الإدارات البلدية، وأنت ترى أن الأحاديث النبوية المتقدمة قد انتظمت ذلك التنظيف بالترهيب من التقذير وكل مؤذ، والترغيب في إزالتها، فوضع الإسلام بذلك أصل هذه المصلحة قبل أن يعرفها تمدن اليوم، فعلى المسلم أن يلتزم ذلك كأمر ديني يثاب عليه عند ربه ليكون دافعه إلى القيام به من نفسه ورقيبه في تنفيذه ضميره الديني وإيمانه، وقد شهد التاريخ لمدن الإسلام أيام مدنيته الزاهرة بانفرادها بين مدن عصرها النظافة وحسن المظهر، وما ذلك إلا من تطبيق مثل ما تقدم مما وضعه الإسلام من أصول المصالح التي تقوم عليها الحياة ويترقى بها المجتمع. فعلينا- معشر المسلمين- أن نعني بما دعتنا إليه هذه الأحاديث النبوية الشريفة لنكون بين الناس مثلا حسنا راقيا في النظافة البلدية لنفع أنفسنا ومجتمعنا ونرفع اسم ديننا ونفوز بالأجر والرضى من ربنا.
وفقنا الله لإحياء معالم الدين، ورفع اسم الإسلام والمسلمين (1).
__________
(1) ش: ج4، م 11،
ربيع الثانن 1354هـ - جويلية 1935م.
(2/172)

الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ
إِسْتِغْلَالَهُمَا وَالاِسْتِفَادَةَ مِنْهُمَا.

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». (البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهم).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اللغة:
النعمة: ما يفعل على وجه الإحسان ضد النقمة، وهي ما يفعل على وجه العقوبة. المغبون: المنقوص في حقه، أصله من غبن في البيع إذا نقص من حقه، ثم يستعمل في كل من نقص من حظه في كل شيء. الصحة: اعتدال المزاج وقوة البنية ضد المرض. الفراغ: الخلاء، ومصدر فرغ يفرغ إذا كان خاليا من الشغل، وهذا هو المراد.

التراكيب:
مغبون خبر مقدم لكثير والجملة نعمتان. والصحة والفراغ خبر لهما مقدر والجملة مستأنفة بيانيا.

المعنى:
إن كثيرا من الناس يكونون في صحة من أبدانهم وفراغ من أشغالهم ولا يعمرون أوقاتهم الفارغة بطاعة الله، ولا يستعملون أبدانهم الصحيحة فيها، فتضيع عليهم تلك الأوقات، وتلك الصحة باطلا فيخسرونهما، ولا يستفيدون منهما فيكون ما خسروه منهما نقصا في حظهم من حياتهم، وإذ كانت الحياة هي أغلى شيء عند
(2/173)

الإنسان يحافظ عليه، ولا يبذل شيئا منه إلا بحقه، فهؤلاء الذين نقصوا حظهم في حياتهم هم أعظم المغبونين.

فقه الحديث ومقصوده:
عمر الإنسان أنفس كنز يملكه، ولحظاته محسوبة عليه وكل لحظة ثمرة معمورة بعمل مفيد، فقد أخذ حظه منها وربحها، وكل لحظة تمر فارغة، فقد غبن حظه منها وخسرها. وكذلك بدنه فهو أنفس آلة عنده، وإنما فائدة الآلة بالعمل، فإذا كانت الآلة، في عمل فهو ربح وزيادة، وإذا كانت في بطالة فهو في نقص وخسران، فالرشيد الرشيد، هو من أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، وتلك الآلة العظيمة، فعمر وقته بالأعمال، وداوم على استعمال ذاته فيها فربحهما، والسفيه السفيه من أساء التصرف فيهما فأخلى وقته من العمل، وعطل ذاته عن الشغل فخسرها.
ولما كان الإنسان مضطرا إلى السعي في معاشه فيشغله ذلك عن وجوه الطاعات، من العلم ونوافل الصلاة والصوم والحج وغيرها. ومعرضا للأمراض فتمنعه منها، ولكنه لا يخلو من حالة يكون فيها فارغا من الشغل لمعاشه، ومعافى من المرض في بدنه، ذكره هذا الحديث الشريف بما عليه في هذه الحالة من المحافظة عليها وعمارتها بالطاعات حتى لا يخسرها وتنقص من عمره بلا فائدة فيكون مغبونا فيها.

تفريغ على الحديث:
فإذا عمَّر الإنسان وقت فراغه من الكد لعيشه، بطاعة من طاعات الله واستعمل بدنه مغتنما فرصة صحته فيها، ثم عرض شغل من اشغال عيشه فقطعه عنها، او طرأ عليه مرض فمنعه منها ونيته المداومة على تلك الطاعة لولا الشاغل والمانع، فإنه يكتب له في شغله وفي مرضه، ثواب ما كان يعمله في صحته وفراغه، ومن الدليل على ذلك حديث البخاري-
(2/174)

رضي الله عنه- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنهم- سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا، والسفر نوع من الشغل.

تفريغ آخر:
وإذا كان المؤمن عاملا في طاعة الله- تعالى- أيام صحته، وفراغه، ثم مرض فإن له أجرين أجرا على ما كان يعمل في صحته بدليل ما تقدم، وأجرا على مرضه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه». رواه البخاري- رضي الله عنه- وكذلك إذا شغل بالسعي على نفسه أو على العيال، فإن له أجرين أجر ما شغل عنه، وأجر سعيه على عياله، وأدلة ثواب الساعي على عياله كثيرة منها حديث الرجل الذي رأى الصحابة- رضي الله عنهم- من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله، لو كان في سبيل الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-: إن خرج يسعي على ولده صغارا فهو في سبييل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو فبي سبيل الله. رواه الطبراني بسند صحيح. ومثله من شغل بطاعة عن طاعة كمن شغل بالرباط عن نافلة الحج، مثلا لأنه إذا كان المشغول بالسفر المأذون فيه يكتب له ما كان يعمله مقيما لأن نيته المداومة لولا عارض السفر- فالمشغول بالطاعة عن طاعة كان ينوي فعلها لولا عروض الطاعة الأخرى- أحرى وأولى.

سلوك العاملين بهذه الأحديث:
يعمرون أوقاتهم كلها بالأعمال، أعمال القلب أو أعمال اللسان وأعمال
(2/175)

الجوارح فلا يشتغلون عن طاعة إلا بطاعة ولا يخرجون من عمل إلا إلى عمل فإذا مرضوا صبروا واحتسبوا وأتوا بما يستطيعون فتتضاعف أجورهم بأعمالهم وبنيانهم ويربحون جميع حياتهم، وأولئك هم الفائزون، سلك الله بنا وبالمسلمين مسلكهم بمنه وكرمه آمين (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 7، ص 84 - 86
غرة شوال 1349هـ- مارس 1931م.
(2/176)

نِظَامُ الْغِذَاءِ.

«مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ. فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رواه الترمذي وغيره وقال: حسن صحيح
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الإنسان بجزئه الترابي، وهو بدنه- مخلوق أرضي، وبجزئه النوراني- وهو روحه- مخلوق سماوي، فإذا جذبه جزؤه الترابي بزمام الشهوة إلى السفليات الارضية، طار به جزؤه النوراني على بساط العقل إلى علويات السماء. وهو لن يزال دائما بين هذا وذاك في انحطاط واعتلاء.
لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملأ الأعلى، وآخر كلمة قالها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» وإنما ينتهي إلى هذا بصفاء روحه واستنارة عقله، وما البدن الترابي إلا آلة لهما، لاستكمال قوتهما، ومظر لتلك الاستنارة وذلك الصفاء، وعيار على ما فيهما من قوة وضعف بما يكسبانه ويكتسبانه في طريق الاختبار والابتلاء. لينال الإنسان ما يستحقه على حسن تصرفه أو سوء تصرفه من عادل الجزاء، بعد خروجه من دار الفناء إلى دار البقاء.
فالجسد آلة بديعة للروح لازمة لها في الدنيا وملازمة لها في الأخرى، فمن العدل الإلهي أن يكون لها حظها هنالك، كما كان لها حظها هنا. ومن العدل الواجب على الإنسان أن يعطيها- كما يعطي الروح- حقها من الاعتناء، فكما يغذي روحه بما ينير عقلها
(2/177)

من العلوم والمعارف، وما يزكيها من الأخلاق والأداب، وما يقويها من صالح العمل، ومفيد السعي في وجوه الحياة ويحفظها من كل ما يغشى العقل من جهالات وأوهام، وما يدسي النفس من رذائل، وما يضعفها من كسل وبطالة، كذلك عليه أن يغذي بدنه بما ينميه وما يصلحه وما يقويه، ويحفظه من كل ما يفسده أو ينهكه أو يؤذيه.
يتوقف هذا البدن وصلاحه على الغذاء، وقد جعل الله فيه وعً، وأي وعاء، وهو المعدة، مخزن الغذاء وبيت الداء، وعلى حفط نظام هذا الوعاء تترتب الصحة والمرض والسقم والشفاء.
فإذا ملأ ابن آدم بطنه كان عليه شر وعاء، وانبعثت منه شر الأدواء: أسقام للبدن وأثقال على الروح وظلمات للعقل، فانقلب على الانسان مع انتفاع به إلى أصعب الشر وأقسى البلاء.
وإذا اقتصر على أكلات تقيم الصلب وتمسك البدن حصل من البدن على العمل، وسلم من آلام المرض، ونعم بالعافية، وكان انتفاعه بالآلة البدنية خالصا من شوائب الضرر.
واذا غلبته الشهوة، وكان- لا محالة- منقادا للذة، فليقف دون الشبع، ولا يملأ كل الملأ المعدة حتى لا تثقل حركتها في الهضم، وحتى لا تنتفخ في البطن فتسد مجاري النفس وبذلك يكون قد عدل بين أصول الحياة البدنية الثلاث: طعامه وشرابه ونفسه، فأعطى لكل واحد الثلث من بطنه.
غير أن الإنسان إذا كان هكذا تغلبه الشهوة، وتقوده اللذة، فإنه بمظنة أن يتجاوز- ولو في بعض الأحيان- العدل إلى الامتلاء. فشرع له الصوم ليقاوم شر ذلك بما فيه من راحة للمعدة ونقاء، وتربية على امتلاك زمام نفسه عن الشهوات واللذات وعلى استطاعة حملها على الجوع والعطش عند الاقتضاء، هذا للمعتدل وللمالئي للبطن الملوك للشهوة بالأحرى والأولى، اما ذاك المقتصر على الاكلات فهو له
(2/178)

زيادة في القوة ورسوخ لما تمكن منه من العادة المشروعة الحسنة.
فالصوم ضرورة لنظام الغذاء وحفظ الصحة البدنية وعون للإنسان على حسن استعماله لآلته الترابية الأرضية للترقي إلى آفاقه الروحية النورانية وكمالاته العلوية.
فالحمد لله الذي شرع لنا الصيام وفرض علينا رمضان ووفقنا إلى القيام به في كل عام. نسئله المزيد إنه الحميد المجيد.

ليس الخبز كل ما نريد:
نحن- المسلمين- ربينا تربية إسلامية على الفة الجوع، والتقلل من الأكل والاقتصار على قدر الحاجة، والمواساة في المطعم والمشرب. فطعام الواحد عندنا يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الثلاثة يكفي الستة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ونعتقد عن تجربة أن الرجل لا يهلك عن نصفه قوته.
بهذه التربية استطعنا أن نبقى ونعيش في مثل ما عليه حالة معظم الأمة الجزائرية من الفاقة والعوز والجوع والمسغبة، بينما هي تنظر إلى ما ينعم فيه غيرها من النعمة والرخاء، مما لو أصاب أمة أخرى لاجتاحها وأفناها، أو لأثارها ودفعها إلى موارد العذاب والردى.
وكما ربانا الإسلام هذه التربية من ناحية الغذاء فقد ربانا تربية أخرى من نواحي أخرى. ربانا على محبة العلم والمعرفة والرغبة فيهما والتلهف على ما فات منهما والاحترام لمن كان له حظ فيهما.
وبهذه التربية استطعنا، رغم الفاقة ورغم الجوع ورغم التثبيط والمعاكسة أن نحافظ على قرآننا وخطنا، وبقايا علوم لغتنا وديانتنا، وجملة معارفنا، واندفعنا إلى تأسيس المكاتب العربية رغم ما يحول بينها وبيننا واندفعنا إلى المكاتب الحكومية فضاقت عنا وبقيت مئات الآلاف في أنياب الجهل والفقر من أبنائنا.
(2/179)

ولولا تلك التربية الإسلامية التي زرعتها القرون فاستقرت في قرارات النفوس، وصارت من الخلق الموروث لكان ما نحن فيه من ظلم وتعاسة وتقديم كل أحد علينا في وطننا والترك لمعامل التجويع والتجهيل تخرج آلاتها الفتاكة المتنوعة للقضاء عليها، شاغلا لنا عن العلم وعن الشعور به وعن طلبه وعن المزاحمة عليه.
جهل قوم من ذوي السلطة هذا الخلق منا فحسبوا- وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة- أننا قوم لا نريد إلا الخبز، وأن الخبز عندنا هو كل شيء وأننا إذا ملئت بطوننا مهدنا ظهونا، وانهم إذا أعطونا الخبز فقد أعطونا كل ما نطلب، اذ الخبز- في زعمهم- هو كل ما نريد، فإذا حادثناهم في حالنا سكتوا عن كل شيء الا عن الجوع والخبز، وإذا رفعنا أصواتنا بمطالبتهم بحقوقنا لديهم، أو بإنجاز مواعيدهم خرجت المراسيم بتوزيع قناطير القمح أو الفرينة أو الدقيق أو سلفات البذر التي لا ينال المحتاج الحقيقي منها ما يسد حاجته وتذهب في أثناء توزيعها في تعاريج والتواءات أخرى ... فإذا صدرت تلك المراسم طبل المطبلون وزمر المزمرون-، وحسب المغرورون اننا قد رضينا وفرحنا وانتهى أمرنا.
يا قوم، إنتا أحياء، وإننا نريد الحياة وللحياة خلقنا، وأن الحياة لا تكون بالخبز وحده، فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلها ضروريات في الحياة. ونحن نفهم جيدا ضروريتها للحياة، وقد بذلنا فيها لكم ما كان- يوما- سببا قويا في حياتكم فلا تبخلوا علينا اليوم بما فيه حياتنا إن كنتم منصفين، وللأيام والأمم مقدرين. وإلا فالله يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين (1).
__________
(1) ش: ج9، م 12، ص394 - 396 غرة رمضان 1355هـ - ديسمبر 1936م.
(2/180)

أَثَرُ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ.

«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
أخرجه الشيخان في صحس جحهما
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
الأعمال: هي الأفعال التي تصدر عن الجوارح فتدخل فيها الأقوال، والغالب أن الأعمال أخص من الأفعال فهذه فيما كان عن قصد وغيره وتلك فيما كان عن قصد. النية: هي القصد إلى الفعل. الهجرة: الترك، والمراد هنا مفارقة دار الكفر إلى دار السلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من إقامته. يصيبها: يحصل عليها. ينكحها: يتزوجها.

التراكيب:
بالنيات يتعلق بمحذوف تقديره معتبرة، ودل هذا المتعلق الخاص ما جاء بعده من التفصيل بين الهجرتين والمقام الذي القى فيه الكلام. كما سنبينه في مورد الحديث. ونظيره في هذا التقدير قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، أي معتبر بهما. والمرء بأدبه، أي معتبر أو يعتبر به والباء سببية. وإنما للحصول والمحصور فيه هو الجار والمجرور وما أفادته الباء من معنى السببية أي لا سبب تعتبر به الأعمال إلا النيات نظيره إنما زيد قوي بقومه أي لا سبب لقوته إلا قومه. فأفاد التركيب حصر اعتبار الأعمال في نياتها والمقصود بها لا في صورها وظواهرها.
(2/181)

ولكل امرىء خبر ما نوى، أي نواه. قدم عليه ليحصر فيه بإنما فأفاد التركيب ان حظ كل عامل من عمله هو ما قصده أي عين ما قصده في كميته ومقداره دون ما لم يقصد فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي قصدا فهجرته إلى الله ورسوله أي وقوعا واعتبارا ففعل الشرط وجوابه لم يردا على معنى واحد. ومثل هذا يقال في الشرط الثاني وجوابه وذكر تزوج امرأة بعد دنيا يصيبها تخصيص بعد تعميم لأن ذلك الخاص هو سبب الحديث، واللام في الدنيا لام الأجل والعلة فتفيد أن طلب الدنيا أو طلب التزوج هو العلة الباعثة له دون قصد طاعة الله فلا يدخل فيه ما إذا كان الباعث هو الطاعة. وطلب هذه الأشياء، جاء على سبيل التبع.

سبب الورود:
قال القسطلاني: قد اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجال ثقات من رواية الأعمش. ولفظه: " عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس".

المعنى:
إن أعمال الناس قد تشترك في صورها ومظاهرها، حتى لا يكون في ذلك فرق بينها ولكنها بذلك التساوي الصوري الظاهري لا تكون متساوية في الاعتبار والحقيقة وما يتبعها من القبول والرد في نظر الشرع فقد هاجر مهاجر أم قيس كما هاجر سائر المهاجرين. الجميع قد كان منهم مفارقة الديار وترك دار الكفر إلى دار الإسلام واللحوق بالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فالعمل عمل واحد قطعا، ولكن القصد مختلف فقد كان قصدهم بهجرتهم طاعة الله ورسوله، وكان
(2/182)

قصده بهجرته التزوج بأم قيس فكانت هجرتهم واقعة عند الله- تعالى- موقعها محصلة لهم رضاء ومثوبته، وكانت هجرته لا موقع لها عند الله ولا حظ لها من ثوابه، وكانت معتبرة من عمله الدنيوي لا من عمله الديني ومثله كل من قصد بهجرته غرضا من أغراض الدنيا ما حمله على الهجرة إلا هو. هذا معنى الجملة الأولى من الحديث الشريف.
ومعنى الثانية: أن الأعمال المعتبرة عند الله التي قصد بها طاعته تتساوى أيضا في صورها ومظاهرها ولكنها لا تتساوى منازلها في الاعتبار والقبول والمثوبة، بل تتفاوت حظوظ أصحابها في ذلك بحسب تفاوتهم في مقاصدهم منها فيهاجر المهاجران- مثلا- كلاهما يقصد بهجرته طاعة الله ورسوله هذا لا يقصد إلا ذلك، وذاك يقصد معه على سبيل التبع غرضا دنيويا من تجارة أو تزوج. فحظ الأول من هجرته هو طاعة الله ورسوله وحدها غير متبعة بشيء وحظ الثاني هو الطاعة المتبعة بشيء. وثواب الأولى- قطعا- أعظم من ثواب الثانية. أو يكون أحدهما قصد الهجرة وما يكون معها من جهاد بالنفس والمال ومصاحبة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وخدمته وصحبته والتفقه عليه وتكثير سواد أصحابه وعمارة مدينته. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله عظيم وثوابه كثير على حسب كثرة مقاصده وتنوعها وحظ الثاني واحد وهو الهجرة، وثوابه عليها بالخصوص. وذلك على حسب قصده ونيته. ومثل هذين القاصدان للمسجد لأجل صلاة واحدهما يقصده مع ذلك عمارة المسجد وحبس الجوارح على الطاعة وإرشاد الضال وتنبيه الغافل وتعليم الجاهل، وتكثير الجماعة والتعاون على الخير بحضور مشاهده وبعث غيره على الاقتداء به فيه. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله وثوابه عليه أكثر بكثير من حظ الثاني وثوابه وإن كانا كلاهما في طاعة الله.
(2/183)

فالنيات والمقاصد كما تفرق بين المسلمين المتماثلين وتؤثر فيها بالقبول والرد، وهو مقتضى الجملة الأولى، كذلك تفرق بين العملين المقبولين وتؤثر فيهما باختلاف مقدار الثواب وحظ العامل منه وهو مقتضى الجملة الثانية، وهذا أثر كبير للنيات في الأعمال.

الأحكام:
أفاد الحديث إن العمل الديني لا يكون مقبولا حتى تقصد به طاعة الله وإن من قصد به غير ذلك فعمله مردود عليه وان أجر العامل يقل ويكثر على حسب نيته بعمله وأنه يمكنه أن يقصد مقاصد كثيرة من الخير بعمل واحد فيتضاعف ثوابه عليه بحسب نيته وإن لم يقع ذلك فعلا بعمله، كقصد إرشاد الضال في المسجد ولم يجده أو تعليم الجاهل ولم يلقه وقصد الجهاد من الهجرة ومات قبله وأمثال ذلد كثيرة.

تفريع:
كما أثرت النية في الأفعال التعبدية بالقبول والرد أو بتفاوت الأجر كذلك تؤثر في الأعمال المباحة فإن المباحات في نفسها لا يثاب ولا يعاقب عليها ولكنها بالنية والقصد منها يدخلها ذلك وتلحق بما أريد منها إلحاق الوسائل بمقاصدها. فالشيء- مثلا- مباح وقد ينوي به الذهاب إلى التعلم فيصير عمل طاعة فيثاب عليه ولو لم يجد المعلم فلم يتعلم، وقد ينوي به الذهاب إلى السرقة فيصير عمل معصية فيأثم به وإن حيل بينه وبين ما قصد فلم يسرق وكذا سائر المباحات.

إرشاد وترغيب:
كما حكينا أن نجتهد في تطهير أعمالنا من المخالفات وقصرها على الطاعات والمباحات، كذلك علينا أن نجتهد في طاعتنا أن تكون خالصة لوجه الله وأن نبعد عنا كل خاطر يلفتنا إلى غيره حتى يسلم لنا القصد
(2/184)

كله خالصا والعمل كاملا أو يسلم لنا القصد الأول الذي هو شرط القبول فإذا كان شيء آخر بعده يكون لاحقا وتابعا وأن نتفقه ونتدبر بعد ذلك في نيتنا بطاعتنا فنوفرها ونستثمرها ونقصد بها ما حضرنا من وجوه الخير التي يمكن أن تقصد بها. وأن ننظر مثل ذلك في أعمالنا المباحة كأكلنا وشربنا ونومنا ومشينا وراحتنا ورياضتنا فنقصد بها الإستعداد للطاعات والتقوى لفعل الخيرات وكل ما يمكن أن تؤدي إليه أو تعين عليه من معروف فتصير أعمالنا المباحات من قسم الطاعات فما أسعدنا حينئذ وما أعظم ثروتنا من الخير.
نحن لا نسلم من مخالفة وتقصير وفي ذلك علينا خسار كثير ولا يجبر ذلك الخسار إلا بسلوك هذا الطريق الشرعي القويم، فهلم أيها الإخوان في الله إليه، ففيه- والله- التجارة الرابحة، والحياة الناجحة وإرضاء الرحمن وإرغام الشيطان والسعادة في الدارين.

تنبيه وتحذير:
الأعمال إما طاعات لأنها مأمور بها وجوبا أو استحبابا، وإما مخالفات لأنها منهي عنها تحريما أو كراهة، واما مباحات لأنها غير مأمور بها ولا منهي عنها، فالمخالفات بقسميها لا تقبلها النيات طاعات لأنها في قسمها غير عمل صالح ولأننا علمنا بالنهي عنها ان قصد الشارع هو تركها وعدم وجودها فقصد المكلف مضاد لقصد الشارع فكان ساقطا لا عبرة به ولا أهلية له لقلب الموضع الشرعي ... والطاعات بقسميها هي التي تؤثر فيها النية بالقبول والرد بحسب قصد الله بها وقصد غيره أو بتفاوت درجات القبول وبحسب المقصود على ما تقدم وهي المقصودة بالقصد الأول من الحديث.
والمباحات مثلها تؤثر فيها النيات فتقبلها طاعة أو معصية لأن الشرع لما أباحها علمنا أنه لا قصد له لا في وجودها ولا في عدمها من حيث
(2/185)

ذاتها فكان لقصد المكلف حينئذ سبيل إلى التأثير فيها. وقد غفل عن هذه الحقيقة أقوام- عفا الله عنهم- فتراهم يستدلون على أعمالهم بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» قاصدين إلى تبريرها غير ملتفتين إلى كونها من قسم الطاعات أو المخالفات أو المباحات. وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذور لها وكالرقص وضرب الدف في بيوت الله وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات، ويتوكؤون في ذلك كله على «إنما الأعمال بالنيات» كلا، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب فإن البدع كلها من قسم المخالفات وأن المخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات.
فحذار أيها الأخوان في الله من هذا الجهل الذي أدى إلى تحريف الكلم عن مواضعه وإلى المداومة على المنكر والفرح به، ونعوذ بالله- لنا ولجميع إخواننا المسلمين- أن نكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ونسأله تعالى- لنا ولإخواننا المسلمين- أن نكون من الذين يرجون لقاء ربهم فيعملون الأعمال الصالحة ولا يشركون بعبادة ربهم أحدا (1).
__________
(1) ش: ج1، م 7، ص 6 - 11
رمضان 1349هـ - فيفري 1931م.
186
(2/186)

التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ.

قال أبو عيسى الترمذي: ((حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»، - هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر -وهو غير الخطمي))
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
محمود بن غيلان: ثقة من رجال البخاري ومسلم. عثمان بن عمر هو ابن فارس العبدي المتوفي سنة (209هـ) ثقة، روي عنه الستة، وهو الراوي عن شعبه. ولهم عثمان بن عمر بن موسى التيمي متقدم غير هذا. أبو جعفر، هكذا عند الترمذي غير منسوب وقال فيه: هو غير الخطمي، يعني أبا جعفر يزيد بن عمير الأنصاري الخطمي، لكن ابن ماجة قال: حدثنا أحمد بن منصور بن يسار، ثنا عثمان بن عمر، ثنا شعبة عن أبي جعفر المدني إلى آخر السند والمتن. فصرح بأن أبا جعفر هو المدني. وهذا هو أبو جعفر القاري يزيد بن القعقاع. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان إمام أهل المدينة في
(2/187)

القراءة فسمي القارئي لذلك. عمارة بن خزيمة بن ثابت الانصاري روي له أصحاب السنن الأربعة وثقه النسائي وابن حبان وابن سعد. عثمان بن حنيف هو الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور.

مخرجو الحديث:
رواه ابن ماجة في باب ما جاء في صلاة الحاجة من سننه والنسائي والحاكم والبيهقي وابن خزيمة والطبراني.

رتبة الحديث العلمية والعملية:
قال فيه الترمذي كما تقدم حسن صحيح غريب. فالصحيح ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى آخر سنده سالما من العلة والشذوذ فإذا خف الضبط في بعض رواته فهو الحسن. وما يقول فيه أبو عيسى الترمذي حسن صحيح أقوى مما يقول فيه حسن فقط، لأن وصفه بالصحة مع وصفه بالحسن يفيد أن خفة الضبط في بعض رجاله تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحبح التام. وأما الغريب فهو ما انفرد بروايته راو فقط وإذا كان ذلك المنفرد ثقة فذلك الانفراد لا يضر فالغرابة لا تنافي الصحة والحسن. وغرابته جاءته من انفراد أبي جعفر به كما تقدم. وصححه أيضا ابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني. فبعدما عرفنا من حال سنده وتصحيح هؤلاء الأئمة له حصل لنا العلم الكافي- وهو الظن الغالب- بثبوت. وحيث كان بهذه المنزلة من الثبوت فإنه صالح لاستنباط الأحكام الشرعية العملية منه.

ألفاظ المتن:
زاد ابن ماجة بعد قوله: ((فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه)) قوله ((ويصلي ركعتين)) ولذلك أخرجه في باب ما جاء في صلاة الحاجة.
(2/188)

وهذه زيادة عدل فهي مقبولة. والأمر بالوضوء مما يؤيدها. وزاد النسائي بعد قوله: اللهم شفعه في: وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره.

المفردات:
التوجه إلى الشيء: هو القصد إليه، فأتوجه إليك أي أقصد إليك. و (الباء) في بنبيك وفي اني توجهت بك هي باء الاستعانة، والمستعان به هو السبب الحصل للمستعان عليه ولذلك جعل بعضهم باء الاستعانة من باء السببية، فالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مستعان به على السؤال أي على نجح السؤال بحصول الشيء المسؤول من الله تعالى، ومستعان به على التوجه بمعنى القصد أي على نجح ذلك القصد بحصول المطلوب منه تعالى فهو متوصل به إلى نجح السؤال ونجح القصد، وكل ما يتوصل به إلى الشيء يقال فيه وسيلة إليه، فالسؤال به توسل به، فيمكن أن تسمي هذه الباء باء التوسل، وهي الداخلة على ما هو وسيلة في حصول شيء و (الهاء) في قوله (فادعه) هاء السكت أو ضمير عائد على الله تعالى. الشفاعة: سؤال الخير لغير السائل، فقوله شفعه فيّ أي اقبله في أي اقبل دعاءه وسؤاله لي.

التراكيب:
قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك. وقوله إني أتوجه بك يحتمل أن يكون على ظاهره، فالسؤال والتوجه والتوسل بذات النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- نظرا لمقامه عند الله تعالى ويكون هذا نظير قول القائل: أسألك بالله، من قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ}، وفي سنن أبي داود والنسائي مرفوعا: «وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» وقول القائل: أسألك بالرحم، من قوله تعالى:
(2/189)

{وَالْأَرْحَامٍ} بالجر في قراءة الشاميين، وقول عائشة لفاطمة رضي الله عنمها: "عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" ويحتمل أن يكون على تقدير مضاف هكذا بدعاء نبيك في العبارة الأولى وبدعائك في العبارة الثانية، لأنه إنما سأله أن يدعو لك، فيكون التوسل بدعائه ولقوله: فشفعه فيَّ أي اقبل دعاءه لي. وجملة (فشفعه) معطوفة على جملة (أسألك)، وجملة (اني توجهت بك) معترضة بين المتعاطفين.

المعنى:
هذا رجل أعمى جاء النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يسأله أن يدعو الله تعالى له أن يشفيه من العمى فخير بين أن يدعو له وأن يصبر على بلواه، وأخبره أن الصبر خير له من جهة الأجر والمثوبة، فاختار الرجل أن يدعو له فأمر أن يتوضأ وضوءاً حسنا مستكملا لفرائضه وفضائله في ظاهره وباطنه، وأن يصلي ركعتين ويدعو بالدعاء المذكور. والظاهر أنه بعد الفراغ من الركعتين مثل ما جاء في دعاء الاستخارة بعد ركعتيها، وكان الدعاء سؤالا من الله تعالى وتوجها إليه وتوسلا بنبيه أو بدعائه وثناءاً على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بما بعثه الله من الرحمة المناسب ذكرها غاية المناسبة في مقام الدعاء والتوسل وخطابا له عليه السلام بأنه توجه به إلى ربه لتقضى حاجته ثم رجوعا إلى سؤال الله تعالى أن يقبل فيه شفاعة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.

سؤال:
الرجل قد اختار أن يدعو له فأمره أن يتوضأ ويصلي ويدعو بذلك الدعاء ولم يدع هو له مع أنه قال له في التخيير إن شئت دعوت وإن شئت صبرت.
(2/190)

جوابه:
الظاهر أنه دعا له وإن لم يصرح بذلك في متن الحديث لقول الأعمى: (اللهم شفعه فيَّ) أي اقبل دعاءه وسؤاله لي.

الأحكام:
لم يدع الأعمى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يسأله أن يشفيه هو، لأن الدعاء لقضاء الحوائج وكشف البلايا ونجو ذلك هو العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع «الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ» رواه أحمد وأصحاب السنن. والعبادة لا تكون إلا لله لم يدعه لا وحده ولا مع الله، لأن الدعاء لا يكون إلا لله. وهذا بخلاف ما يفعله الجهال والضلال من طلبهم من المخلوقين من الأحياء والأموات أن يعطوهم مطالبهم ويكشفوا عنهم بلاياهم، وإنما سأله أن يدعو له الله تعالى أن يعافيه وهذا جائز أن يسأل المؤمن من أخيه في حال حياته أن يدعو الله تعالى له. ومن هذا حديث البخاري في سؤال أم أنس ابن مالك من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يدعو لأنس خادمه، فدعا له. ومن هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في العمرة فأذن لي وقال اشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا زاد في رواية الترمذي فقال: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. يعني قوله: أشركنا ... الخ ثم انه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب أو توسل بدعائه، وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم ان من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما
(2/191)

كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان- كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوَّز ومن أخذ بالثاني منع.

سؤال:
فان قلت قد عرفنا القولين وعرفنا مدركهما فما هو الراجح عندك منهما؟

جوابه:
الراجح هو الوجه الأول الذي يجيز السؤال بذات النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- نظرا لمقامه العظيم عند ربه لوجهين: الأول: ان ذلك هو ظاهر اللفط ولا موجب للتقدير ولا منافاة بين أن يكون في قوله أسالك وأتوجه اليك بنبيك وقوله اني توجهت بك قد سأل بذاته. وفي قوله: (اللهم شفعه فيَّ) قد سأل قبول دعائه له وسؤاله. والثانى: أنه لما كان جائزاً السؤال من المخلوقين بما له من مقام عظيبم عندهم فلا مانع من أن يسأل الله تعالى بنبيه بحسب مقامه العظيم عنده.

سؤال آخر:
بعدما رجحت جواز التوسل بذاته -صلى الله عليه وآله وسلم - نظرا لمقامه العظيهم عند الله تعالى فهل يقاس عليه غيره من كل ذي مقام عند الله تعالى فيتوسل به أو يكون هذا مقصورا عليه؟

جوابه:
القياس في باب العبادات ضعيف، وإذا ارتكب هنا فلا يقاس عليه الاَّ كلُّ ذي مقام محقق عند الله تعالى.

سؤال آخر:
بعد ما عرفنا حكم سؤال الله تعالى بأهل المكانة عنده من مخلوقاته.
(2/192)

فهل الأفضل هو سؤاله بمخلوقاته أو سؤاله بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في طاعاته؟

جوابه:
الأفضل هو سؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته، وذلك لوجهين: الأول: ان ذلك هو مقتضى النص القرءاني الصريح القطعي في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ويشمل ذلك تسميته بها ونداءه بها. الوجه الثاني: مما جاء في السنة العملية في أحاديث كثيرة ثابتة مستفيضة، كان سؤاله تعالى فيها كلها بأسمائه وصفاته منها حديث: «أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسد الخ» رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود، ومنها حديث رجل كان يصلي في المسجد فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم أسألك. فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق أنس، ومنها حديث: إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق. رواه النسائي والحاكم من طريق عمار بن ياس، وهكذا سائر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب كلها متواردة على دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهي كلها تحقيق وبيان لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. هذا كله في دعائه تعالى بأسمائه وصفاته. وأما ما جاء في دعائه والتوسل إليه بعمل العبد في أنواع طاعاته، فمنها حديث بريدة: أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد (والشهادة عمل العبد) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: لقد سألت الله بالإسم الأعظم
(2/193)

الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب. رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال: لقد دعوت الله باسمه الأعظم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، قال الحافظ عبد العظيم المنذري، قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه. ومنها حديث الثلاثة الذي (1) آووا إلى غار فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعله يفرجها عنكم فدعا أحدهم ببروره والديه، فانفرجت منها فرجة، ودعا الثاني بعفته عن الزنا بعد ما كاد فانفرجت فرجة، ودعا الثالث بوفائه لأجيره، فانفرجت البقية. وهذا حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما (2). ومن ذلك حديث سارة زوج إبراهيم عليه السلام لما مدَّ الجبار الظالم إليها يده يريدها على السوء، قامت تتوضأ وتصلي وقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله. فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل فعاد إليها وعادت إلى الدعاء كالمرة الأولى، وفي الثالثة تركها وقال: ارجعوها إلى إبراهيم. رواه مفصلا البخاري في كتاب البيوع من صحيحه من طريق أبي هريرة، فانظر إليها كيف توسلت لربها بإيمانها الذي هو أشرف أعمالها، وبعفتها
__________
(1) كذا فى الأصل وجوابه: الذين.
(2) رويت القصة باختلاف الالفاظ في كتاب الفرج بعد الشدة ص 28 - 29 وقال التنوخي صاحب الكتاب: هذا حديث مشهور رواه عن النبى- صلى الله عليه وآله وسلم- علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبى أوفى، والنعمان بن بشير الأنصاري، رضي الله عنهم. وعن كل واحد منهم عدة طرق. وقد اختلف في ألفاظه والمعنى واحد.
(2/194)

وإحصانها لفرجها ولم تتوسل إليه برسوله وخليله زوجها إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

سؤال آخر:
بعد ما عرفنا رجحان سؤاله تعالى بالأسماء والصفات والطاعات فهل ثبت عن الصحابة سؤالهم وتوسلهم بذاته؟

جوابه:
لم يثبت عن واحد منهم شيئا (1) من ذلك فيما لدينا من كتب السنة المشهورة، بل ثبت عدولهم عن ذلك في وقت مقتض له لو كانوا يفعلونه وذلك في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. ومعنى الحديث أنهم كانوا يتوسلون بالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يدعو لهم في الاستسقاء ويودعون، ثم صاروا يتوسلون بالعباس فيدعو لهم ويدعون، فالتوسل هنا قطعا بدعائهما لا بذاتهما. ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مرجوحية التوسل بالذات أن الصحابة لم يقولوا في موقفهم ذلك: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا أي بذاته ومقامه بل عدلوا عن ذلك إلى التوسل بالعباس يدعو لهم ويدعون كما كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يفعل في الاستسقاء. ولقد استدل بعضهم بعدول الصحابة عن التوسل بذات النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا المقام على منعه، ونحن لما بينا قبل من دليل جوازه إنما نستدل بعدولهم على مرجوحيته.
__________
(1) كذا في الأصل جوابه شيء.
(2/195)

سؤال آخر:
قد عرفنا فيما تقدم مشروعية سؤال المؤمن من أخيه المؤمن في حياته أن يدعو له فهل يشرع الذهاب إلى القبر وطلب الدعاء من الميت؟

جوابه:
لو كان هذا جائزا لفعله الصحابة في الحديث المتقدم ولذهبوا لقبر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يسألونه أن يدعو لهم كما كان يدعو لهم في حياته، ولم يرد في حديث عن واحد منهم أنه كان يذهب إلى القبر النبوي ويطلب منه- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يدعو له، بل جاء عن ابن عمر- وهو من عرف بشدة اتباعه وتحريه- أنه كان يقف فيسلم على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ثم على أبي بكر ثم على عمر رضي الله تعالى عنهما ثم ينصرف لا يزيد شيئا. أخرجه مالك في الموطأ.

تلخيص وتحصيل:
تحصل لنا من جميع ما تقدم: (1) أن دعاء المخلوق وحده أو مع الله ممنوع. (2) وأن التوسل بدعائه في حياته وهو من المؤمنين مطلوب ومشروع. (3) وأن التوسل بذات النبي- صلى الله عليه وآله ومسلم- جائز مرجوح. (4) وأن التوسل بذات غيره من أهل المكانة المحققة له وجه في القياس. (5) وأن التوسل بذات غيره ممن ليس لنا اليقين القاطع بمقامه لا وجه له. (6) وأن طلب الدعاء منه بعد موته بدعة لم يفعلها الصحابة. (7) وأن الراجح في التوسل إلى الله هو التوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته.
هذه سبع مسائل كثر فيها هذه الأيام القال والقيل، وتعرض لها من الكتّاب الأصيل والدخيل، وقد منَّ الله بتحريرها على هذا الوجه الذي لم أره لغيري، وقد كنت في تحريرها علم الله باحثاً منصفاً
(2/196)

متجرداً فما كان فيها من حق وصواب فهو من الله وما كان فيها - عياذاً بالله- من باطل وخطأ فهو مني وأستغفر الله والخير قصدت وحسبنا الله ونعم الوكيل (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 8، ص 145 - 155
غرة ذي القعدة 1350هـ - مارس 1932م.
(2/197)

حَقُّ النِّسَاءِ فِي التَّعْلِيمِ.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه-: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ" فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ. فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». رواه البخاري.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الشرح:
كان الرجال يلازمون النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فيحيطون به للتعلم فلا يستطيع النساء مزاحمتهم عليه وكن يجلسن في آخر صفوف المسجد، فإذا تحدث النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بالعلم بعد الصلاة لا يتمكن من كمال السماع، وكانت لهن رغبة في العلم مثل الرجال إذ كلهن يعلمن أنَّهنّ مكلفات بأحكام الشريعة مثلهم. فلذا سألن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعيِّن لهن يوما باختياره هو يخصصهن به. فأجابهن إلى ما طلبن ووعدهن يوما يعينه ووفى لهن بوعده، فلقيهن في ذلك اليوم وحدهن فوعظهن وأمرهن بأشياء مما عليهن من أمر الدين. وأخبرهن بأن كل واحدة منهن يموت لها ثلاثة من ولدها فتقدمهم قبلها فإن ذلك التقديم يكون لها حجابا ووقاية من النار لعظم الأجر بعظم المصيبة، فطمعت إحداهن في فضل الله وخافت أن يكون هذا الفضل محصورا فيمن قدمت ثلاثة فسألت عمن قدمت اثنتين فأخبرها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه لمن قدمت اثنتين أيضا.
(2/198)

الأحكام والفوائد:
النساء شقائق الرجال في التكليف، فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن وقد علمهن- صلى الله عليه وآله وسلم- وأقرهن على طلب التعلم، واعتنى بهن وتفقدهن كما في حديث ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم. وبلال يأخذ في طرف ثوبه.
لا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعلم، فأما أن يفردن بيوم كما في هذا الحديث، وإما أن يتأخرن عن صفوف الرجال كما مرَّ في حديث ابن عباس- رضي الله عنه- يجعل لتعليم (1) النساء يوم خاص بهن ويتكرر هذا اليوم بقدر الحاجة. ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها.
فيه عظيم أجر من أصيب في أفلاذ كبده إذا حزن ولم يقل قبيحا وجاء التنصيص على الرجال فهم مثل النساء في هذه المثوبة.
وفيه البداية في التعليم بما تشتد إليه حاجة المتعلم. فإن حنان النساء وضعفهن يحملانهن على الجزع الشديد وقد يخرج بهن إلى القبيح فذكر لهن ما يكون عدة لهن ووقاية عند نزول المصيبة.
وفيه ما ينبغي من تهيئة القلوب وتحضير النفوس لتلقي التكاليف الشرعية لتنشرح لها الصدور وتنشط فيها الجوارح ولذا قدم الوعظ على الأمر.

اقتداء:
إن الجهالة التي فيها نساؤنا اليوم هي جهالة عمياء، وأن على
__________
(1) في الأصل لتعيلم.
(2/199)

أوليائهن المسؤولين عنهن إثما كبيرا فيما هن فيه. وأن أهل العلم والإرث النبوي مسؤولون عن الأمة، رجالها ونسائها، فعليهم أن يقوموا بهذا الواجب العظيم في حقِّ النساء بتعليمهن خلف صفوف الرجال، وفي يوم خاص بهن اقتداء بالمعلم الأعظم: عليه وعلى آله الصلاة والسلام (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 15، ص 64 - 66. صفر 1358هـ - مارس 1939م.
(2/200)

تَعْلِيمُ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ.

عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ». رواه ابو داوود.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي فلم يخرج له فيهما، لكنه ثقة. وثقه أبو حاتم وابن نافع وابن حيان، وقد تابعه غيره. وخرج الحديث أيضا النسائي والبيهقي في السنن الكبرى والإمام أحمد.

المتن:
الأشخاص: الشفاء هي بنت عبد الله القرشية العدوية من السابقات والمهاجرات الأول- رضي الله عنها- وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله عنهما.

الألفاظ:
النملة قروح تخرج في الجنب، ورقيتها كلام كانوا يقولونه عليها مما لا محظور فيه فأقره النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-. ولم يذكر الرواة نصه.

المعنى:
عرف - صلى الله عليه وآله وسلم- أن الشفاء كانت علمت حفصة
(2/201)

الكتابة، وكانت الشفاء من عاقلات النساء وعارفاتهن، فدعاها إلى تعليم حفصة رقية النملة وحثها عليها، ونشطها لذلك بتذكيرها بتعليمها لها الكتابة، فمن كان من شأنه عمل من الأعمال خف عليه القيام به. مبينا لها بذلك أن تعليم هذه مثل تعليم تلك في النافع وفعل الخير.

الأحكام والفوائد:
فيه مشروعية الرقية وذلك بشرط أن تكون بالكلام المفهوم الذي لا محظور فيه كما دلت عليه الآثار، وإذا كانت الأدوية سببا للشفاء بخواصها فبعض الأقوال تكون في ذلك مثلها تلك من ناحية البدن وهذه من ناحية الروح وقد دلت على هذا وذاك التجربة وأقرَّت الجميع الشريعة.
وفيه تعلم الرقية وتعليمها مثل كل ما يمكن أن ينتفع به على الوجه المشروع وفيه حث العارف بشيء مما يحتاج إليه الناس أن ينشره بينهم ويعلمهم إياه.
وفيه تعليم النساء الكتابة واستدل به على ذلك جماعة من الأئمة منهم الخطابي في شارح السنن، وصاحب المنتقى.

توسع في الاستدلال:
وأقوى منه في الاستدلال العمومات القرآنية المتكاثرة الشاملة للرجال والنساء، فإن مذهب الجماهير وهو المذهب الحق أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص يخرجهن من نص إو إجماع أو بضرورة طبيعية. لأن النساء شقائق الرجال في التكليف ولا خلاف في أنه إذا اجتمع النساء والرجال ورد الخطاب أو الخبر مذكرا على طريقة التغليب.
وتأمل قوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}
(2/202)

وقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. كيف نص في الثانية على الرجال لما كان الحال مقتضيا لهم، وأطلق في الأولى فدل على أنه لا فرق بين أن يكون الكاتب رجلاً أو امرأة، وهو من أدلته مشروعية تعلم النساء الكتابة، وكل آية دعت للعلم، قد دعت للكتابة لأن الله قد بين لنا أنه علم بالقلم ليبين لنا أن القلم هو طريق العلم وآلة حفظه وتدوينه وأقسم بالقلم تنويها بشأنه وجاء ذلك كله على الخطاب العام الشامل للنساء شموله للرجال والعمومات إذا تكاثرت أفادت القطع ولهذا جعلنا هذا الطريق من الاستدلال أقوى من الاستدلال بالحديث الذي هو خبر آحاد وخبر الآحاد- من حيث ذاته- يفيد الظن وإن كان صحيحا. وحيث تواردت تلك العمومات وثبت هذا الحديث فقد بلغ الدليل بنصه وقطعيته غاية القوة والبيان.

الاقتداء:
فاستنادا إلى هذه الأدلة، وسيراً على ما استفاض في تاريخ الأمة، من العالمات الكاتبات الكثيرات- علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا في رجالنا ونسائنا على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة، وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم (1).
**
__________
(1) ش: ج 3، م 15، ص 110 - 112.
غرة ربيع الأول 1358 هـ- أفريل 1939م.
(2/203)

سِتْرُ وَجْهِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدِّينِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ.

((مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
هذا سند من بيت البركات على المسلمين: بيت الصديق رضي الله عنه، فعروة هو ابن الزبير وأمه أسماء. والمنذر أخوه شفيقه. وهشام وفاطمة زوجان وأبناء عم وجدتهما أسماء، رضي الله عنهم.

المتن:
خمير الوجه: تغطيته بغير النقاب وما في معناه مما يشد على الوجه. وذلك بأن تسدل الثوب على وجهها نازلا من رأسها. وجاء هذا مبينا في حديث عائشة الذي رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة وغيرهم، قالت: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- محرمات. فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجها، فإذا جاوزونا كشفناه)).

الاحتجاج:
أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما من أهل العلم والدين، فما كان يخفي عليها ما جاء من نهي المرأة عن النقاب وهي محرمة.
(2/204)

فلو كان التخمير مثله لما أقرتهن عليه وما كانت لتفرق بينهما برأيها، وفي كليهما ستر وتغطية لولا أنها على توقيف من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في التفريق ما بينهما. ولهذا احتج مالك رضي الله عنه بتقريرها فخرجه في موطئه.

التأييد:
يؤيد هذا حديث عائشة المتقدم وفيه تقرير النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لهن على ما فعلن. وهو حديث محتج به: والذي وقع فيه كلام من رواته- وهو يزيد بن أبي زياد- قد قبله مسلم وجعله ممن يشمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم. كما في مقدمة صحيحه.

الأحكام والاستدلال:
ستر وجه المرأة عن رؤية الأجنبي مشروع بالتقرير النبوي له في وقت الإحرام الذي هو وقت كشف وجه المرأة: ولذلك كن- كما في حديث عائشة- يكشفن وجوههن إذا جاوزهن الركبان. وما نهيت المرأة عن النقاب في الإحرام إلا وقد كان النقاب من شأنها وعادتها- والعادة التي يقرها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لمصلحة تصير من الدين باستنادها إلى التقرير النبوي الذي هو أصل من أصول التشريع، والمصلحة المراعاة هنا هي سد ذريعة افتتان الرجال بالنساء بسبب النظر، ودفع هذه الفتنة على اعتباره القول والفعل النبويان كما في حديث الخثعمية الآتي قريبا، ولما لم يكن وقوع الافتتان محققا دائما لم يكن ستر الوجه حتما لازما في كل حال بل يجوز للمرأة الكشف عند عدم تحقيقها كما في حديث الخثعمية أيضا على ما سيأتي من البيان.

حديث الخثعمية:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل بن عباس
(2/205)

رديف رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ا. هـ

المقصود منه:
رواه مالك والجماعة، وفي رواية الترمذي من طريق علي كرم الله وجهه قال: واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجز لي أن أحج عنه، قال: حجي عن أبيك، قال- علي- ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما. ففي قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- لم آمن عليهما الشيطان أن الفتنة لم تقع وإنما خاف وقوعها فسد ذريعتها، وفي قوله هذا وفعله دليل على مراعاة الفتنة، وسد ذريعتها، وفي عدم أمره للمرأة بستر وجهها دليل على جواز ذلك لها، وهذا بناء على أنها كانت مكشوفة الوجه، كما هو الظاهر من نظر الفضل إليها، ومن خوف الفتنة وهو الذي فهمه أكثر الناس، وإن احتمل أن تكون مستورة الوجه بما سدلته من رأسها كما قاله ابن العربي.

تحصيل:
ستر وجه المرأة مشروع راجح وكشفه عند أمن الفتنة جائز وعند تحققها واجب، وأمر الفتنة يختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأشخاص والأحوال فيختلف الحكم باختلاف ذلك ويطبق في كل بحسبه.

تطبيق:
من المسلمين اليوم أقوام- معظمهم من غير أهل المدن والقرى-
(2/206)

ألفوا خروج نسائهم سافرات فلا يلفتن أنظارهم بذلك، فهؤلاء لا يطالبن بستر الوجوه مع بقاء حكم غض البصر وحرمة تجديد النظر، ومن المسلمين أقوام- معظمهم من أهل المدن أو القرى- ألفوا ستر وجوه النساء فكشف المرأة بينهم وجهها يلفت الأنظار إليها، ويغري أهل الفساد بها، ويفتح بابا للقال والقيل في شأنها، وشأن أهلها، وعشيرتها، فهؤلاء يجب عليهن ستر وجوههن، اتقاء للشر والفتنة والوقيعة في الأعراض.
هذه أحكام عامة لنساء المؤمنين- ولأمهات المؤمنين زوجات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- أحكام خاصة بهم، على أنهن خير القدوة للنساء أجمعين.

تفرقة وتحذير:
هنا سفور إسلامي وهو كشف المرأة وجهها- دون شعرها وعنقها- عند أمن الفتنة، مع عدم إظهار الزينة، غير الوجه والكفين، وعدم إثارة الفتنة بروائح الطيب وخشخشة الحلي ورنين الخلخال.
وهنالك سفور إفرنجي فيه كشف الشعر والعنق والأطراف مع التبرج بالزينة وما إليها، فعلينا- معشر المسلمين- أن نوجه قوتنا كلَّها إلى منع السفور الافرنجي الذي قد طغى حتى على نساء أمراء الشرق المسلمين ووزرائه، وأن نحذر كل ما يؤدي إليه وأن نحافظ على الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة بسفورها- إذا كان سفوراً على ما فصلناه- في دائرة محدودة ليس فيها إثارة ولا إغراء.

توصية:
على المربين لأبنائنا وبناتنا أن يعلموهم ويعلموهن هذه الحقائق
(2/207)

الشرعية ليتزودوا وليتزودن بها وبما يطبعوهم ويطبعوهن (1) عليه من التربية الإسلامية العالية، لميادين الحياة فيكونوا ويكنَّ - إن شاء الله تعالى- مثال الطهر والعفاف، والصون للأجيال، حقق لله الآمال ويسر الصالح من الأعمال إنه عظيم الفضل كريم النوال (2).
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) ش: ج 1، م 13، ص 5 - 8.
غرة محرم 1356 هـ- 14 مارس 1937م.
(2/208)

النساء والكمال.

عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
رواه البخاري- ومسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد:
إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل، فهي أسس في الخلق الكريم، والسلوك الحميد، اللذين ينهض بهما بجلائل الأعمال ويبلغ بهما إلى أسمى غايات الشرف والكمال، والمرأة لما خلقت لقسم الحياة الداخلي أعطيت من القوى الثلاث القدر الذي تحتاج إليه منها وهو دون ما يحتاج إليه الرجل الذي خلق للقيام بقسم الحياة الخارجي فكانت بخلقتها أضعف منه في العلم والإرادة والعمل فكانت لذلك دونه في الكمال، وتقسيم الحياة إلى قسميها ضروري لبقاء النسل وحفظه وتقسيم وظيفة الحياة بين الرجل والمرأة، وإعطاء كل واحد منهما القدر الذي يحتاج إليه في وظيفته من بديع صنع الحكيم الخبير، فلو لم يعط الرجل ما أعطى من كمال القوى لما استطاع القيام بالأعمال الكبيرة في قسه ولو اعطيت المرأة مثل ما أعطى لما صبرت على البقاء في قسمها فأخلته فاختل النظام فحصل الفساد. ونحن نرى اليوم المرأة في المدنية الغربية ومقلديها لما خيل إليها أنها قوية مثل الرجل هجرت وظيفتها أو أهملتها وخرجت
(2/209)

تزاحم الرجل في وظيفته فأضرت بالقسم الداخلي من الحياة بإهماله واضطرابه وأضرت بالقسم الخارجي بمزاحمة الرجل وزحزحة قسم كبير منه عن العمل وتعريضه للفتن، والأمم الغربية اليوم تشكو مر الشكوى من تفكك نظام الاسرة وانحلال رباط الأخلاق الزوجية وبعضها عاجز عن تدارك أمره بما فيه من فوضى الآراء وتشعب الأهواء وتأصل الداء، وبعضها قد أخذ يعالج الحالة بما فرضه على العزابة من ضريبة مالية وما جعله من مكافآت المتزوجين والمتزوجات.

الإرشاد النبوي:
فأراد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعرفنا بهذا الضعف في جنس المرأة حتى لا نعدو بها ما خلقت له من وظيفة القسم الداخلي من الحياة فنظلمها ونظلم الحياة، وأراد أن يدلنا على ضعفها بدليل تاريخي مشاهد للأجيال، فذكر لنا تخلفها عن الرجل في بلوغ ذروة الكمال، فأخبرنا أنه قد كمل في الأمم الماضية من الرجال كثير وما كمل منهم من النساء غير امرأتين. وذكر فضل عائشة على نساء وقتها كفضل الثريد على الطعام من أطعمة العرب ليجمع بين الحديث على الأمم الماضية وأمته ويدل على استمرار الكمال في النساء مثل استمراره في الرجال كل بما قدر ويسر له.

إلى أي درجات الكمال بلغتا:
قد بينت درجات الكمال في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} وقد ذهب بعض الناس إلى أن كمال مريم وآسية ببلوغهما درجة النبوة، وذهب الأكثرون إلى أنهما لم تبلغا إليها وإنما بلغتا ما دونها من رتبة الصديقية، واستدلوا بما تقتضيه
(2/210)

رتبة النبوة من الظهور لهداية الناس وإرشادهم، وذلك غير ما خلقت له المرأة، وهذا الحديث ليس نصا في كمال النبوة فلا تقوم الحجة. وقد جاء في صحيح مسلم- من طريق علي- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة». فأخبر بخير نساء الدنيا في الأمم الماضية وخير نساء الدنيا في هذه الأمة، فكما لم تكن هذه نبية لم تكن تلك نبية، على ظاهر الفرق ما بينهما في الخيرية. وذهب قوم إلى نبوة مريم بدليل أن الملائكة خاطبتها باصطفاء الله لها وأمرها بالقنوت والسجود والركوع في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} وهذه هي النبوة: تبليغ الملائكة وحي الله بالاصطفاء والتكليف لمن يشاء من عباده. فهذا الدليل القوي دليل على خصوصية مريم البرة النقية عليها السلام بهذه المزية بين بنات حواء كلهن.

الاقتداء:
هؤلاء السيدات الكاملات كلهن قد كملن في الدين فمنهن أمُّ نبي ومنهن زوجة نبي ومنهن منقذة نبي. فعلينا أن نكمل النساء تكميلا دينيا يهيئن للنهوض بالقسم الداخلي من الحياة وإعداد الكاملين ومساعدتهم للنهوض بالقسم الخارجي منها. وبذلك تنتظم الحياة انتظاما طبيعيا تبلغ به الإنسانية سعادتها وكمالها (1).
__________
(1) ش: ج6، م 11، ص 346 - 348 جمادى الثانية 1354هـ - 1935م.
(2/211)

شَهِيدَةٌ فِي مَيْدَانِ الْوَغَى (1).

((مَالِك، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَا يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ -وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ- فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي فِي رَأْسِهِ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -يَشُكُّ إِسْحَقُ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، قَالَتْ: فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
ثبت عند البخاري من طريق الليث تصريح أنس بالرواية عن أم حرام خالته، فكان أنس مرة يصرح بها ومرة لا يصرح، وإذا روى الصحابي ما هو من أقوال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وشؤونه عن غيره فلا يقدح في حديثه عدم تصريحه بمن روى عنه لأن غيره
__________
(1) العنوان من وضع المعلق.
(2/212)

صحابي مثله، والصحابة كلهم عدول، ورواة هذا الحديث- غير مالك- أقارب، فإن اسحاق ابن عم أنس وأم حرام خالة أنس، وقد روى هذه القصة بلفظ أخصر عن أم حرام أو آخر عمير بن الأسود العنسي. أخرجه البخاري.

المتن:
جاء عنه بألفاظ متقاربة كلها متفقة على أصل المعنى، وخرجه البخاري بتلك الألفاظ في مواضع من صحيحه.

العربية:
فلي الرأس: تفتيشه لإخراج الهوام أو للتنظيف من غبار ونحوه، والمقصود هنا الثاني لأن الأخبار متواترة تواتراً معنويا بنظافة جسمه- صلى الله عليه وآله وسلم- وطيب ريحه وعرقه. وثبج البحر: وسطه، وهو معظمه ومحل هوله.

سؤال وجوابه:
ما وجه دخوله- صلى الله عليه وآله وسلم- عليها وتمكينها من فلي رأسه؟ كانت كل محرما له بالخؤولة أو بالرضاعة؛ حكاه الأئمة.

تحقيق تاريخي:
أول ما ركب المسلمون البحر للغزو في خلافة عثمان- رضي الله عنه- استأذنه معاوية- رضي الله عنه- فأذن له فغزا قبرص سنة سبع وعشرين. ذكره ابن الأثير وغيره، وأول ما غزا المسلمون القسطنطينية وركبوا إليها البحر كان في خلافة معاوية سنة 28هـ، وكان في ذلك الجيش أبو أيوب الأنصاري دفينها.

تطبيق على هذا الحديث:
خرجت أم حرام مع زوجها وركبت البحر في زمان معاوية، أي
(2/213)

في زمان إمارته، وكان ذلك أول جيش ركب البحر، وكانت هي معهم وتوفيت بعد خروجها من البحر ونزولها في أرض قبرص، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، وأما الجيش الثاني فهو الجيش الذي غزا القسطنطينية ولم تكن أم حرام معهم. وما جاء في صحيح البخاري صريح فيما قلناه من تعين الجيش الأول والجيش الثاني. ونصه من طريق عمير بن الأسود عن أم حرام قالت: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت: يا رسول الله، أنا فيهم، قال: أنت فيهم. ثم قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا.
فكانت مع أول جيش غزا البحر وهو جيش معاوية إلى قبرص لا غيره كما حققنا.

الأحكام:
فيه دخول الرجل على محرمة دون حضور الزوج. وفيه سنة إطعام الزائر، وفيه تصرف المرأة فيما تحت يدها من مال زوجها من الطعام بالمعروف. وفيه مباشرة محرم الرجل له في غير العورة. وفيه سنة القيلولة. وفيه سنة إظهار السرور بالنعم والطاعات، وفيه جواز سؤال من بدر منه ما لا يعرف سببه، وفيه الاهتمام بكل ما يصدر منه- صلى الله عليه وآله وسلم-، وفيه جواز ركوب البحر، وفيه جواز التوسع بالحلال، وفيه فضل الغزو في البحر، وفيه سؤال الشهادة، وفيه سنة طلب الدعاء ممن ترجى إجابته، وفيه الدعاء ممن طلب منه، وفيه غزو النساء مع الرجال.

الفوائد:
منها: أن رؤيا الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وحي محفوظ، وقد
(2/214)

كان الصحابة يعلمون هذا علما عاماً ولذلك سألت أم حرام أولا وثانيا سؤال المتيقن بوقوع الغزو على الوجه الذي ذكر- صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قد تكون رؤياهم بالمثال كما رأى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بقرة تنحر فأولها بمن قتل من أصحابه في غزوة أحد، وقد تكون بالصريح الذي لا يحتاج إلى التأويل كما هنا، ومنها تحقيق استجابة دعائه إذا دعا، ولهذا قال لها في الثانية- جازما-: أنت من الأولين. وهذا فيما لم يعلم بالمنع منه كما في حديث وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض، يعني أمته فمنعنيها. ومنها أن من معجزاته- صلى الله عليه وآله وسلم- إخباره بأمور غيبية لم يكن شيء مما يدل عليها أو يقتضي وقوعها يوم أخبر فوقعت كما أخبر فركب أصحابه البحر وغزوا الروم ومدينة قيصر من بعده بينما كانوا يوم أخبر بهذا من أبعد الأمم عن ركوب البحر والبراعة فيه وكانت أم حرام مع الطائفة الأولى كما أخبرها، وكانت منهم على أبلغ وجه حيث فازت بالثمرة المقصودة من الغزو وهي الشهادة وإن كان موتها في غير مباشرة القتال لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ومن قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. رواه مسلم ولقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.

الموعظة:
علم الله أن السيادة في البر لمن ساد في البحر، وأن أقسام الأرض المتقاطعة وأصناف الأمم المتباينة، لا يقرب بينها. ويفتح الطريق لتواصلها وتعارفها، وينقل مدنياتها من بعض إلى بعض منها إِلاَّ ركوب البحر وملك ناصيتها، فجاءت الآيات القرآنية العديدة في ذكر البحر
(2/215)

وصفاته ومنافعه وسفنه وبديع الصنعة فيه وعظيم النعمة به. وجاء هذا الحديث يبشر الأمة الإسلامية بما هيء لها من أسباب السيادة ويعرفها أنها أمة ملك وسلطان وقوة وأنها ستملك البحار، وتغزو الأمصار الكبار، يعرفها بهذا ويدعوها إليه لتعد له عدته وتأخذ له طريقه وتتوصل إليه بأسبابه. إذ لا يكون ملك إلا بأسباب الملك، ولا تكون قوة إلا بأسباب القوة ولا تكون السيادة إلا بأسباب السيادة، وقد علمت من دينها أن السيادة لا تكون إلا بالملك وأن الملك لا يكون إلا بالقوة: قوة الأبدان وقوة العقول وقوة الأخلاق وقوة المال- وبهذه يكون العدل الذي هو أساس الملك- وأن لا قوة إلا بالعلم والعمل والتهذب، فإذا دعاهم هذا الحديث إلى السيادة فقد دعاهم إلى هذا كله ونبههم على هذا التقدير المحكم الذي ارتبط بعضه ببعضه وعلى أنه لا سبيل إلى غايته إلاَّ بإتيانه من بدايته، وقد فهم المسلمون هذا دهرا فسلكوه فأنجز لهم الله وعده، وجهلوه أدهارا فتركوه فأذاقهم الله بأسه، وما ربك بظلام للعبيد. ولئن عادوا إليه ليعودن إليهم، ولن يخلف الله الميعاد (1).
__________
(1) ش: ج1، م 10، ص 9 - 14
غرة رمضان 1352هـ - فيفري 1934م.
(2/216)

خُرُوجُ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ.

((روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللهَ بْنَ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.))
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الشرح:
قد صح من السنة العملية والسنة القولية خروج النساء إلى المساجد وحضورهن مشاهد الخير، وثبت نهي الرجال عن منعهن من ذلك، ومنه ما في هذا الحديث. وعليهن قبل الخروج أن يستأذن الرجال كما هو مقتضى قوله إذا استأذنكم إليها، كما ثبت أيضا نهيهن عن مس الطيب إذا أردن الخروج وعليهن لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن وأن يدنين عليهن من جلابيبهن وهي ما يجعل فوق الثياب كلها كالملاءة ونحوها وأن لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فلا يسمع منها خشخشة الحلي ولا رنين الخلخال. وأن يمشين في حافات الطريق ولا يحاققن الطريق، أي لا يمشين في وسطه وهذه كلها مأخوذة من الآيات والأحاديث في هذا الباب ولما سمع بلال بن عبد الله أباه يحدث بهذا الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قابله بالرد وقال والله لنمنعهن فغضب أبوه غضبا شديدا وسبه وشتمه سبا سيئا مقابلا لقوله السيء ومقابلته للحديث النبوي بالمعارضة.
(2/217)

نفي تعارض:
ثبت عن عائشة أنها قالت: لو أن رسول الله- صلى الله عليه وآله ولسلم- رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل، وهذا لا يعارض ما تقدم، لأن الذي أحدثته هو الطيب والزينة وهو نهي عن منعهن ونهاهن عن مس الطيب عند إرادة الخروج فلو رأى ما أحدثن لمنعهن لإخلالهن بالشرط حتى يلتزمنه ولا يمنعهن منعا يكون إبطالا لنهيه الأول عن منعهن.

قدوة:
لما سمع عبد الله بن عمر ابنه بلالا يصارحه بمعارضة السنة ومخالفتها لم يملك نفسه واستشاط غضبا حتى سبه سبا سيئا لم يكن من عادة ابن عمر صدور مثله منه. وهكذا كل مسلم غيور على الإسلام والكتاب والسنة يسمع من أهل الإسلام التكذيب بهما أو التعدي عليهما أو المعارضة لهما بالرأي والهوى أو تحريفهما عن مواضعهما كذلك فإنه لا يملك نفسه أن يدافع عنهما وقد يملكه الغضب لله فيكون منه بعض ما ليس من عادته أن يصدر منه من قول.

تحذير وإرشاد:
هذا الذي وقع من بلال كثيرا ما يقع مثله أو نحوه من أهل الجهل والبدعة الذين شبوا عليهما وشاخوا حتى صارت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة فإذا ذكرت لهم الحكم الشرعي بدليله من الكتاب والسنة صدوا ونفروا وأبوا واستكبروا وصارحوا بالمخالفة أو سكتوا وأضمروا الخلاف. وما هذا شأن المؤمنين فحذار إذا سمعت حكما شرعيا ونصا قرآنيا أو حديثا صحيحا نبويا أن تقابل بالخلاف بل انشرح بذلك صدر ولا يكن في صدرك من حرج مما قضى الله ورسوله وسلم تسليما (1).
__________
(1) ش: ج5، م 8، ص 250 - 252
غرة محرم 1351هـ - ماي 1932م.
(2/218)

تَحْرِيمُ الْخُلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ خُصُوصًا عَلَى الْأَقَارِبِ.

((أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ»)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المفردات:
الحمو: على وزن دَلو قال الليث بن سعد: هو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، فالأحماء أقارب الزوج والأختان أقارب الزوجة والأصهار يقال عليهما.

التراكيب:
نصب إياكم على التحذير. أفرأيت معناه أخبرني. الحمو الموت تشبيه بليغ كزيد أسد، وفي الموت استعارة تصريحية شبه فساد البيوت وخرابها وانحلال روابطها بالموت بجامع الهلاك والزوال في كل. فجاء عليه وآله الصلاة والسلام بهذا التركيب البليغ البالغ للمبالغة في التحذير والبلوغ إلى غاية التأثير.

المعنى:
حذر عليه وآله الصلاة والسلام الرجال من الدخول على النساء، وكانوا يتساهلون في الدخول على نساء أقاربهم، فسأل هذا الأنصاري - رضي الله تعالى عنه-عن أقارب الزوج، فأجابه- صلى الله عليه وآله وسلم-
(2/219)

بأن الخوف منه أكثر والشر منه أقرب والفتنة به أشد، لأنه متمكن الدخول إلى بيت أخيه دون إنكار عليه، فيتوصل إلى المرأة ويخلو بها دون كلفة ولا مراقبة، بخلاف الأجنبي فهو بعيد عن الدار ينكر عليه دخولها ويخشى من مراقبة أهلها، فإذا كان الأجنبي ممنوعا من الخلوة بالأجنبية فأحرى وأولى قريب زوجها. وبيَّن عليه وآله الصلاة والسلام أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الهلاك والفتنة في الدين وإلى خراب البيت وفساد الأسرة واضمحلالها.

الأحكام:
حرم الحديث الخلوة بالأجنبية خصوصا على الأقارب أما المحرم كزوجة الإبن أو زوجة الأب فلا تحرم الخلوة بها للمحرمية وأما الدخول دون خلوة فإذا انتفت الريبة فهو غير ممنوع.

العمل بالحديث:
الناس- إلا من شاء الله- بهذا الحديث جاهلون، وعن سوء العاقبة التي حذر منها غافلون، وفي الهلاك الديني والعرضي واقعون، فحق على من قرأ هذا الحديث أن يعلمه للناس وينشره فيهم ويحث نفسه وإياهم على العمل به والسير على أدبه ولا يستعظمن ما يراه من جهل فإنه ما جاء إلا من قلة نشر العلم فإذا نشر العلم- ولو كان في أوله قليلا- فإنه لا يلبث بإذن الله أن يصير كثيرا، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (1).
**
__________
(1) ش: ج 9، م 8، ص 459 - 460
غرة جمادى الأولى 1351هـ - سبتمبر 1932م.
(2/220)

خَيْرُ النِّسَاءِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». رواه مسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
الحديث ثابت في الصحيحين وإنما انفرد مسلم بهذه الرواية التي فيها ذكر سبب ورود الحديث وهو خطبة النبي- صلى الله وآله وسلم- أم هانيء- رضي الله عنها- وما أجابت به.

الكلمات:
حنا عليه: يحنو حنوا عطف فالأحنى هو الأكثر عطفا. وحنت المرأة على ولدها حنوا فهي حانية إذ لم تتزوج بعد أبيه فإذا تزوجت فلا يقال فيها حانية. رعي الشيء يرعاه رعاية حفظه فالأرعى هو الأحفظ. وذات اليد هي الأموال لأنها صاحبة اليد تجعل فيها.

التراكيب:
ركبن الإبل: كناية عن نساء العرب وقصد بها التعميم أي خير نساء العرب كلهن. وجملة أحناه مستأنفه لبيان ما كن به خير النساء، وأفردَ الضمير في أحناه باعتبار الجنس.
(2/221)

الأشخاص:
أم هانيء بنت أبي طالب كانت تزوجت هبيرة بن عمر المخزومي أسلمت عام الفتح وهرب زوجها إلى نجران فأولادها منه هم العيال الذين اعتذرت به وأبت أن تتزوج عليهم فقبل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عذرها.

المعنى:
خير نساء العرب نساء قريش لجمعهن بين: الرأفة بالولد والشفقة عليه والعناية به في تربيته حتى يتركن التزوج من أجل التفرغ للقيام به، وحفظهن للمال وحسن التدبير فيه والأمانة عليه. فيكفين الزوج أعز شيء لديه وهو ماله وولده اللذان بهما حسن حاله وبقاء أثره.

تنبيه على استلزام:
لا تستطيع ترك التزوج بعد تأيمها للتفرغ لتربية أولادها إلا المرأة الكاملة العفاف الشديدة الرأفة التي أنساها حبها في أولادها والشفقة عليهن داعية النفس إلى الزواج وما استطاعت ذلك إلا بما عندها من ملكة العفاف فوصفها بأنها حانية يستلزم أنها عفيفة.

توجيه:
لا بقاء لأمة من الأمم إلا بانتظام أسرها وحفظ نسلها وقد خصص الله المرأة للقيام بهذين الأمرين العظيمين وزودها من الرحمة والشفقة ما يعينها عليهما، وإنما تقوم بهما إذا جمعت ما بين العفة في نمسها والاقتصاد في نفقتها والتفرغ للقيام بأولادها ولهذا لما جمع نسوة قريش ذلك كله كن خير نساء العرب.

إرشاد:
يبين لنا هذا الحديث الشريف ما خلقت له المرأة من العمل العظيم
(2/222)

في الحياة ويرشدنا بذلك لوجوب القيام عليها وتهيئتها لذلك بالتربية والتعليم فتكون تربيتنا وتعليمنا لها بما يقوي فيها هذه الصفات: العفة وحسن تدبير المنزل والنفقة فيه، والشفقة على الولد وحسن تربيته، وكل زيادة على هذه- بعد تهذيب أخلاقها وتصحيح دينها وتحبيبها في قومها- فهي ضارة بها أو مخرجة لها عن مهمتها العظيمة ملحقة الضرر بقومها فلنجعل هذا الحديث الشريف دليلنا ومرشدنا في كل ما نسعى إليه من تعليم النساء والبنات.

الأحكام:
امتنعت أم هانيء من التزوج للقيام بأولادها فأقرها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وأثنى على المتصفات به فدل ذلك على استحسانه لمن ملكت عفتها وقدرت عليه. وثناء النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على نساء قريش بوصفهن دليل على ما ينبغي من اختيار المرأة المتصفة بمثل هذا الوصف. ودليل ما ينبغي أن يتخير من معادن النساء في بيوتهن وأقوامهن فإن الأخلاق تتوارث والبنات متأثرات بالأمهات في الغالب.

تصديق:
إن نساء أنجبن من أنجبن من رجالات قريش في الجاهلية والإسلام وولدن محمدا- صلى الله عليه وآله وسلم- لهن خير نساء في كل ما توصف به النساء من خير فصدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وبرَّ وشهدت بصدقه الأيام (1).
**
__________
(1) ش: ج 9، م11، ص 496 - 498 رمضان 1354هـ - ديسمبر 1935م.
(2/223)

الآيه الخالدة لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم.

أَبُو هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه البخاري ومسلم وغيرهما
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لما كان المقصود من الرسالة هو هداية الخلق وإقامة الحجة عليهم كان الرسل- صلوات الله عليهم- أكمل الناس في أخلاقهم وأنزههم في سيرتهم، معروفين بذلك بين أقوامهم قبل نبوتهم، ثم إذا بعثهم الله تعالى آتاهم من العلم وقوة الإدراك ووضوح البيان ما تنهض به حجتهم وتتضح به دعوتهم ويقطع بكل من يعارضهم بشبهة ويموه بباطل، وإذا قرأت ما قصَّه علينا القرآن العظيم من مواقف الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم- رأيت كيف أنهم كانوا يدعون الناس بالحجج والبراهين والأدلة العقلية الجلية، وأنهم كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة ردوا الأمر إلى الله ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان بها إلا بإذن الله كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} فيظهر الله على أيديهم الآيات تأييدا لهم وتخويفا لأقوالهم وقطعا لمشاغبتهم، فيخضع لها بَعضهم ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنيياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما مثله في وضوحه، وظهوره والعجز عن
(2/224)

معارضته ما يؤمن عليه العباد، ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر». والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قد أوتي مثل هذه الآيات، وقد غفل الكثير منها كثير من أصحابه- رضي الله عنهم- واشتهرت عند أئمة الحديث والنقل، غير أن آيته الخالدة الدائمة كعموم رسالته ودوامها هي القرآن العظيم وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه، فهي المعول عليها في دوام الحجة على تعاقب العصور والأجيال، اذ لا يقوم غيرها مقامها في بقائها مشاهدة لجميع الناس، ولذا حصر آيته فيها فقال: «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي».

تفرقة وترجيح:
آيات الرسل- صلوات الله عليهم- كانت معجزات كونية لا يشهدها إلاَّ من حضرها، ثم تبقى أخبارا يمكن للجاحد إنكارها ويتأتي للمشاغب أن يصنع من الخزعبلات والمخارق ما يموه به على ضعفه العقول ويدعي مماثلتها.
وآية النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وهي القرآن العظيم معجزة علمية عقلية يخضع لسلطانها كل من يسمعها ويفهمها ولا يستطيع معارضتها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها، الذي عجزت عن معارضة أقصر سوره العرب، على ما كان من حميتها وانفتها وشدة رغبتها في إبطالها لو وجدت سبيلا إليها فقط- بل لا تستطاع معارضتها فيما اشتملت عليه من أصول العلوم التي يحتاج إليها البشر في كمالهم وسعادتهم أفرادا وجماعات، وأمما وما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة والحكم الباهرة في كل ما دعت إليه إلى ما اشتملت عليه من حقائق كونية كانت مجهولة عند البشر حتى كشفها العلم في هذا العصر مثل
(2/225)

انباء الخلق كله على أساس الزوجية في أشياء كثيرة. مصداق قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. فبهذا كانت آية النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أعظم الآيات وأبقاها، وكانت مغنية عن غيرها كافية عما عداها كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}.

تفريع:
لما بقيت هذه الآية الكبرى على العصور- وانبنت على الاحتجاج بالعلم والعقل كان لها في كل عصر اتباعها الكثيرون عن اقتناع واطمئنان ويزداد ويكثر عددهم بتوالي الأزمان. ويكثر الداخلون فيهم بقدر ما يزداد تقدم البشر في العلم والعرفان، وقد شوهد هذا اليوم وقبل اليوم. ونحن نرى في هذا العصر كيف ينتشر الإسلام تباعا لهذه الآية بين الأمم وفي علمائها دون نشر للدعوة من المسلمين تبينها ولا قوة لهم تؤيدها. وإنما بما فيه من علم وحجة وأدب وحكمة تخضع العقول وتجذب القلوب. ولهذا فرع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على كون آيته، وحيا رجاء أن يكون أكثر الأنبياء- صلوات الله عليهم- أتباعا يوم القيامة الذي تظهر فيه التابعية الصادقة فقال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

إنفراده- صلى الله عليه وآله وسلم- بالاتباع من يوم بعثته:
ليس المنتمون لموسى- صلى الله عليه وسلم- ولعيسى - صلى الله عليه وسلم- باتباع لهم، لأن دعوة الأنبياء- صلوات الله عليهم- واحدة ودينهم- وهو الإسلام- واحد وإن اختلفت بعض الفروع العملية في شرائعهم، فمن لم يؤمن بواحد منهم كمن لم
(2/226)

يؤمن بهم كلهم، وما كان محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- بدعا من الرسل وما جاء إلا بمثل ما جاؤا به، وما جاء إلا مصدقا لهم. فالذين لم يتبعوه من المنتمين إليهما عليهما السلام غير متبعين لهما فانقطعت تابعيتهما ببعثة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- فمن آمن به كان من اتباعه وإلا كان من الهالكين. وقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم- «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

إقتداء:
كل داع له من الأجر مثل أجور من اتبعه على دعوته لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، فرجا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كثرة أتباعه إذ في ذلك انتشار الهداية، وكان- صلى الله عليه وآله وسلم- أحرص الناس على هداية الناس، وفي ذلك مضاعفة أجره وجزائه عند الله، فلنا فيه الأسوة الحسنة بالحرص على نشر هدايته وتبليغ دعوته ورجاء كثرة الأجر والثواب بكثرة ما نوفر من اتباعه فليعمل العاملون لهذا وليجهدوا فيه.
وقد رجا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كثرة أتباعه لدوام وظهور آيته الخالدة، وهي القرآن العظيم، فعلى الناشربن لهدايته والمبلغين لدعوته أن يجعلوا القرآن أمامهم وحجتهم ومرجعهم، فإنه هو كتاب الدعوة، ومنشور الهداية، ومظهر الحجة. وأتباع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- هم أتباع القرآن وخلفاؤه في التبليغ، وورتثه في العلم هم الذين يبلغون القرآن ويتلون القرآن وينذرون بالقرآن كما كان هو- صلى الله عليه وآله وسلم- كذلك وكما قال الله فيه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}
(2/227)

{لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ}.
جعلنا الله ممن اتبعوا دينه، ونشروا هدَايته وبلغوا حجته غير مبدلين ولا مغيرين (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 11، ص 145 - 149 صفر 1354 هـ-3 جوان 1935م.
(2/228)

قِيمَةُ الرَّجُلِ بِقِيمَةِ قَوْمِهِ.

لما قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» (1) نبه على معنى عظيم في ارتباط كل فرد بأمته ارتباط الجزء بكله وهذا الارتباط يقتضي أمورا كثيرة منها ما جاء نصا في الحديث الشريف ومنها ما يؤخذ مما يقتضيه التشبيه ومن هذا أن الفرد منظور إليه في النظر الاجتماعي العام بما ينظر به إلى أمته، سواء أساواها في المستوى الذي هو فيه من رقي وانحطاط، أم كان أسمى منها أو أدنى فقيمته في النظر الاجتماعي العام هي قيمتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جمعتني ليلة بثلاثة من شبابنا المتعلم التعليم الأوروبي والمتأدب الأدب الإفرنجي ممن لا ينقصه شيء عن الطبقات الراقية منهم، وانساق بنا الكلام إلى ما تكتسب به الأمم والأفراد الاحترام في عين غيرها، واتفقنا على أن الأمة التي لا تحترم مقوماتها من جنسها ولغتها ودينها وتاريخها لا تعد أمة بين الأمم، ولا ينظر إليها إلا بعين الاحتقار مع القضاء عليها في ميادين الحياة بالتقهقر والاندحار. وان الفرد الذي لا يحافظ على ذلك من أمته لتأخرها في سير الزمان بما أحاط بها من ظروف الحياة وأن تحلى بأعظم وأحسن ما يتحلى به الراقون من أمة أخرى لا ينظر إليه إلا بالعين التي ينظر بها إلى أمته.
أخذ أولئك الشبان- وقد زالت عن أبصارهم غشاوة الغرور
__________
(1) رواه مسلم ولفطه: تداعى له سائر الجسد (المعلق).
(2/229)

والغفلة لما أقنعتهم بأن قيمة الرجل بقيمة أمته- يقصون علي من الوقائع التي وقعت لهم هم أنفسهم ما يثبت تلك الحقيقة ويؤيدنها. قلت لأولئك الأخوان- وقد اندهشت مما لم أكن أحسبه يقع-: لا تلوموا من عاملكم بما تقتضيه نظرة اجتماعية عامة، ولكن لوموا أنفسكم إن جهلتم هذه الحقيقة، وأنتم أبناء دين قررها من أول أيامه في مثل الحديث الشريف الذي افتنحنا به هذا المقال. واليوم- وقد تجلت لكم الحقيقة علميا وعمليا- عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنشلوها مما هي فيه بما عندكم من علم وما اكتسبتم من خبرة محافظين لها على مقوماتها سائرين بها في موكب المدنية الحقة بين الأمم، وبهذا تخدمون أنفسكم وتخدمون الإنسانية بإنهاض أمة عظيمة تاريخية من أممها، ثم لا يمنع هذا من أخذ العلم عن كل أمة وبأي لسان واقتباس كل ما هو حسن مما عند غيرنا ومد اليد إلى كل من يريد التعاون على الخير والسعادة والسلام (1).
__________
(1) ش: ج 8، م 11، ص 443 - 444 شعبان1354 هـ- نوفمبر 1935م.
(2/230)

مِنَ السُّنَّةِ تَعَلُّمُ اللُّغَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا.

زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ» قَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ. رواه الترمذي وحسنه ورواه غيره
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لما نزل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بالمدينة مهاجراً كان بها وبضواحيها مع الأوس والخزرج- رضي الله عنهم- اليهود، فأقرهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وكتب بينه وبينهم عهداً، وكانت الكتب تدور بينه وبينهم في الشؤون والمصالح من الطرفين. فكانوا يكاتبونه بالخط العبراني، كانت لغتهم العربية، ولكنهم كانوا يكتبون بالخط العبري، فأمر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كاتبه زيد بن ثابت- رضي الله عنه- أن يتعلم الخط العبري ليكتب له إليهم ويقرأ له ما يرد عليه منهم فيكون على يقين من كلامهم إليه وبلوغ كلامه إليهم، وما كان ليحصل له هذا اليقين- وهم ليسوا بمحل الثقة- لو تولى ذلك واحد منهم فقد لا يكتب عنه كل ما يقوله لهم وقد لا يقول له كل ما كتبوه إليه، فتعاطى زيد تعلم الخط العبراني، فما مضى عليه نصف شهر حتى حذقه وتولى الكتابة عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- والقراءة له.
(2/231)

الفوائد والأحكام:
الأولى: كل قوم تربط بينهم المصالح لا بد لهم من التعاون، ولا يتم التعاون إلا بالتفاهم والتفاهم بالمشافهة والكتابة، فعلى القوم المترابطين بالمصلحة أن يفهموا بعضهم لغة بعض وخطه، وبقدر ما تكثر الأقوام المترابطة بالمصلحة تكثر اللغات والخطوط ويلزم تعلمها، لأن العلة هي الحاجة. وسواء كانت المصلحة التي تربط الأقوام عمرانية أو علمية لأن المصلحة من حيث هي مصلحة محتاج إلى تحصيلها، والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أمر زيداً بتعلم الكتابة، لأن اللغة كانت عربية ولو كانت لغة أخرى لأمره بتعلمها لعلة الحاجة، والحكم يدور مع العلة. وقد جاء عن زيد من طريق أخرى- ذكرها الترمذي- أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أمره أن يتعلم السريانية. فنحن اليوم وقد ربطت بيننا وبين أمم أخرى مصالح علينا أن نعرف لغتهم وخطهم كما عليهم هم أن يعرفوا لغتنا وخطنا.
الثانية: هذه السنة أصل في اتخاذ الكتبة والتراجمة في الدولة وما يشترط فيهم من العلم والأمانة.
الثالثة: كان في إمكان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يكاتبهم بالخط العربي ويلزمهم أن يكاتبوه به ولكن تسامح الإسلام واحترامه لمحترمات الأمم في دينهم وقوميتهم قضيا بترك اليهود يكتبون ويكاتبون بخطهم، فأقرهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على ما أرادوا وكلف هو من تعلم خطهم. وتركها لاتباعه سنة بعده.
الرابعة: هذه السنة أصل في ضبط أمور الدولة بالكتابة فيما يصدر عنها وفيما يوجه إليها. ومثلها ضبط كل العاملات، فهي أصل في التسجيل على العموم. وهكذا تجد سنة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إذا تتبعتها- قد قررت - بالفعل- أصولا كثيرة
(2/232)

من أصول المدنية والعمران، ولهذا كان على قارئها أن يتناولها للفهم والاستنباط والتطبيق على الأحوال (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 11، ص 77 - 78 صفر 1354 هـ- 5 ماي 1935م.
(2/233)

التَّسَتُّرُ بِالنَّقَائِصِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ -وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ- فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
رواه البخاري في الأدب ومسلم في الزهد والرقائق
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمات:
المعافى: من العافية وهي السلامة، فالمعافى هو السالم. ويحتمل أن يكون المراد هنا سلامة العرض من القدح أو سلامة البدن من الحد أو سلامة العاقبة من المؤاخذة بالذنب. والمجاهر: هو المعلن بفسقه.

المعنى:
قد يرتكب المذنب المعصية مع شعوره بقبح ما أتى وخجله به من ربه وانكسار قلبه من أجل معصيته، فهو لذلك يتستر بذنبه فلا يطلع عليه غيره لا بقول ولا بفعل، فهذا قد سلم منه الناس فلم يؤذهم بشره ولم يدعهم إلى الاقتداء به، وسلم منه الشرع فلم يكسر من هيبته ولم ينقص عند الناس من حرمته، فسلم له هو عرضه من القدح وبدنه من الحد وسلم له أصل إيمانه، وهو حياؤه من الله وخوفه منه، واحترامه لدينه وبعضه لما يأتي من معصيته فيوشك بهذه الحياة التي في قلبه أن يقلع عن ذنبه ويتوب فيسلم عن المؤاخذة بسبب الثوبة، وقد يترجح
(2/234)

ما في قلبه من خوف وخجل واحترام وبغض للمعصية وتألم بها- على نفس المعصية- فيسلم من المؤاخذة بها عند الموازنة يوم القيامة. فصدق فيه هذا الوعد بأنه معافى من ذنبه وسالم من المؤاخذة به.
أما الذي يجاهر بمعصيته ويعلن بها فهذا قد تعدَّى على مجتمع الناس بما أظهر من فساد وما أوجد من قدوة سيئة وما عمل لمجاهرته على شيوع الفاحشة فيهم. وقد تعدى على الشرع بما انتهك من حرمته وجرأ من السفهاء عليه. وهو بمجاهرته قد دل على استخفافه بحق الله وحق عباده وعلى عناده للدين وخلو قلبه من الخوف والحياة، وأي إيمان يبقى بعدهما. ولما كانت المجاهرة بالمعصية تطلق في الغالب على من يعلن أمره للجماعات بين النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن مجاهرة الفرد كمجاهرة الجماعة من باب التنبيه على الجزئي الخفي من جزئيات المنهي عنه لأنه هو الذي شأنه أن لا يتنبه له فيتساهل فيه ومن تساهل في الجزئي الخفي أدَّاه ذلك إلى التساهل في غيره. وهذا الجزئي الخفي هو أن يعمل عملا يستره الله فيه ثم يحدث به رفيقه فيكشف ستر الله عنه.

إستنباط:
قد تبين ما في المجاهرة من المفاسد والظلم، وقد دل الحديث على أن أهلها غير معافين، فهم هالكون، فهي حرام، ومعصية زائدة في أصل المعصية، فالمجاهر بمعصيته ارتكب معصيتين: المعصية والمجاهرة بها، وقد تجر عليه المجاهرة آثاما كثيرة بما يتسبب عن معصيته من شيوع الفاحشة وسوء القدوة، ويستمر ذلك يكتب عليه من آثاره ما بقي متسبب عن آثاره إلى يوم القيامة. فيا لفداحة الحمل يوم الفزع الأكبر وكما يحرم تحدث الشخص بمعصية نفسه لما فيه من المجاهرة كذلك يحرم عليه أن يتحدث بمعصية غيره ولو كان هو الذي
(2/235)

حدثه لما في ذلك من إذاعة الفاحشة ومن الغيبة.

تنبيه وتحذير:
المجاهر بفسقه الذي لا يستتر من أحد يجوز ذكره بفسقه الذي جاهر به إذا كان في ذكره به مصلحة أو دفع مفسدة، ويجب أن يحذر من ذكره لغير ذلك فإنه من الغيبة وإذاعة الفاحشة.

إعتبار:
هذا في الأفراد، ومثلها الأمم، فالأمة التي تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتضرب على يد سفهائها وأهل الفساد منها وتهجرهم وتنبذهم من مجتمعها تسلم من الشرور والبلايا، وتقل أو تنعدم منها المفاسد والمنكرات، والأمة التي تسكت عن سفهائها وأهل الشر من كبرائها وتدعهم يتجاهرون فيها بالفواحش والقبائح، هي أمة هالكة متحملة جريرة المجاهرة، بالمعاصي، بالهلاك في الدين والعذاب في الآخرة.

تربية:
روى الحاكم في مستدركه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله). فليعمل المسلم على اجتناب المعاصي كلها. حتى إذا ألم بشيء منها فليجتهد في إخفائه وستره وليضرع إلى الله تعالى في سجوده أن يتوب عليه من ذنبه وليتوسل إليه- تعالى- بإيمانه به وحيائه وخوفه منه واحترامه لشرعه وعباده، فهو- جل جلاله- يحب التوابين ويحب المتطهرين (1).
__________
(1) ش: ج11، م 11، ص 591 - 593 غرة ذي القعدة 1354هـ- فيفري 1936م
(2/236)

الشِّرْكُ وَالْوَثَنِيَّةُ وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ.

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يعرف أصحابه بما يكون في أمته من بعده، وهو تعريف للأمة بما يكون فيها، يعرفهم بذلك ليحذروه ويجتنبوا أسبابه ويبادروا إلى معالجته عند وقوعه. لا يستبعد مسلم صدور الشرك والوثنية ودعوى النبوة من غير المسلمين، وإنما يستبعد ويستنكر أن يكون شيء من هذا ممن يقولون أنهم مسلمون. ولهذا قدم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- هذا التعريف والإنذار. حتى إذا وقع شيء من هذا من هذه الأمة بودر إلى إنكاره وعلاجه ولم يتساهل معهم في شيء من ذلك لأنهم يقولون أنهم مسلمون.

اللحوق بالمشركين:
من اعتقد مثل عقيدتهم أو فعل مثل أفعالهم أو قال مثل أقوالهم فقد لحق بهم، وقد يكون اللحوق تاما مخرجا عن أصل الإسلام، وقد يكون دون ذلك. فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله هو خلقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته، ولكنهم كانوا يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد
(2/237)

أنها هي تقربهم إلى الله. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم وتقف أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه. ويزيدون أنهم يتصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب. ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاءً لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر.
ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرة كما قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين».

عبادة الأوثان:
كانت عبادة الأوثان في الجاهلية بالخضوع والتذلل لها ورجاء النفع وخوف الضر منها، فينذرون لها النذور وينحرون لها النحائر يلطخونها بالدماء ويتمسحون لها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة لها أشجار ولها أحجار تسميها بأسماء وتذكرها بالتعظيم وتذبح عندها الذبائح وتوقد عليها الشموع وتحرق عندها البخور وتتمسح بها وتتمرغ عليها. مثل فعل الجاهلية أو تزيد. فصدق عليهم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: (وحتى يعبدوا الأوثان) هذا كله واقع في الأمة لا شك فيه. وكما كان من نصح نبيها- صلى الله عليه وآله وسلم- أن أنذرها بوقوعه فيها قبل وقوعه- فإن من نصح علمائها لها أن يعرفوها به اليوم بعد وقوعه ويصوروه لها على صورته
(2/238)

الشركية الوثنية التي ينفر منها المسلم بطبعه. ولو أن الأمة سمعت صيحات الإنكار من كل ذي علم لأقلعت عن ضلالها ورجعت إلى رشدها، فما أسعد من نصحها من أهل العلم وجاهد لإنقاذها. وما أشقى من غشها وزادها رسوخا في ضلالها وتماديا في هلاكها. فَحَيَّهَلَّا على العمل أيها المصلحون الناصحون المخلصون، فإنَّ عهد الغش والخديعة قد آذن بذهاب، وأن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.

دعوى النبوة:
قد ضلت وهلكت باتباع أشخاص ادعوا النبوة من هذه الأمة طوائف كثيرة، وقد كان منهم أول الإسلام مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، ثم كان المختار بن عبيد الثقفي، ثم كان منهم في عصرنا قبيله الباب، وإليه تنسب البابية، والبهاء وإليه تنسب البهائية، وغلام القادياني وإليه تنسب القاديانية، وقد كادت هذه القاديانية تدخل الجزائر على يد طائفة الحلول وشيخها لولا أن قام في وجوههم العلماء المصلحون وفضحوهم على صفحات (الشهاب) أيام كان أسبوعيا فردَّ الله كيدهم ووقى الله الجزائر شراً عظيما. وقد أخبر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عن هؤلاء الكذابين بأنهم ثلاثون فلا بد أن يصلوا إلى هذا العدد وقد تكون بقيتهم في أحشاء الأيام.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنهم كذابون وأنه لا نبي بعده، وقد صدق قوله صلى الله عليه وآله وسلم، فما من واحد منم إلا وقد ظهر من كذبه ما عسر تأويله على أصحابه، ومن غلطه وخلطه ما يدل على أنه لا مستند له من اليقين. فصلى الله على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين (1).
__________
(1) ش: ج1 - م11، ص 11 - 13 محرم 1354 هـ- أفريل 1935م.
(2/239)

كَلِمَاتُ الشِّرْكِ
(النَّهْيُ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ) (1).

قال الإمام ابن ماجة في سننه: " حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُهَا لَكُمْ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ»، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- بِنَحْوِهِ".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند الأول:
هشام ثقة أخرج له البخاري والأربعة. وابن عيينه أحد أئمة الإسلام المشهورين. وابن عمير روى له الستة وابن حراش مثله. وحذيفة الصَّحابي الشهير.

السند الثاني:
ابن أبي الشوارب ثقة روى عنه مسلم والترمذي والنسائي. وأبو عوانه أحد الأعلام روى له الستة. وعبد الملك وربعي تقدما. والطفيل صحابي.
__________
(1) ما بين الهلالين هو ما ترجم به ابن ماجة على الباب.
(2/240)

رتبة الحديث:
الحديث صحيح بسنديه مرفوع بهما، ولا يضر إبهام الرجل الرائي، لأن حذيفة قال: انه من المسلمين، والمسلمون يومئذ هم الصحابة، وكلهم عدول. ولأن حذيفة نقل بلوغ الرؤيا للنبي- صلى الله عليه وآله وسم- ونقل قوله عند سماعها.

مزيد بيان:
ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: " أن سفيان وشعبة وزائدة (يعني ابن قدامة ثقة روى له البخاري) وجماعة رووا عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل حديثه هذا. وقال أبو عمر: وفي حديث زائدة عن الطفيل أنه رأى في المنام أن قائلا يقول له من اليهود: نِعْمَ القوم أنتم لولا قولكم ما شاء الله وما شاء محمد. ثم رأى ليله أخرى رجلاً من النصارى فقال له مثل ذلك. فأخبر بذلك النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقام خطيبا فقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد وقولوا ما شاء الله وحد» وزاد بعضهم فيه: ثم ما شاء محمد". فأفادنا كلام ابن عبد البر تعدد الرواة عن عبد الملك، وبينت لنا رواية زائدة بن قدامة أن الرائي هو الطفيل بن سخبرة، وأن الرؤيا تكررت، وأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قام خطيبا في الناس لمزيد العناية والاهتمام بالأمر. وأنه قال ما شاء الله وحده.

الجمع:
لا تعاوض بين الروايات، فيعمل بها كلها، وقوله في رواية زائدة: (ما شاء الله وحده) لا ينافي. (ثم ما شاء محمد) فيكفي الاقتصار على ثم ما شاء محمد، كما عند ابن ماجة. والأحسن أن يزيد قبله لفظة وحده ليأتي بجميع الوارد.
(2/241)

الألفاظ:
تشركون: أي تقرنون بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق بعبارة تفهم التسوية، وهي العبارة المذكورة في الجملة التالية المبينة، وهي قوله: «تقولون ما شاء الله وشاء محمد» وهذه العبارة قد تكون في نحو قولهم: افعل ذلك ما شاء الله وشاء محمد، أو لا أفعله ما شاء الله وشاء محمد. وفي الاستثناء في اليمين نحو: إلا ما شاء الله وشاء محمد. وفي باب اليمين أورد الحديث ابن ماجة. إن كنت لأعرفها لكم، ان: نافية. واللام: في (لاعرفها) لام الجحود، والفعل بعدها منصوب، فنفى معرفته بهذه العبارة منهم على وجه يفيد أنها شيء ما كان ليخطر في باله لمنافاته لإيمانهم وتوحيدهم وعدم مناسبتها لحالهم، ثم: تفيد انحطاط مشيئة المخلوق عن مشيئة الخالق وتأخرها وتلك هي رتبتها، وقد شاء الله ما شاء وحده، ثم كانت مشيئة المخلوق. فلفظة وحده أصرح في استقلال مشيئة الله.

المعنى:
كان بعض من الصحابة يقولون هذه العبارة دون أن يعلم بهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فأراد الله أن يطلع عليها نبيه لينهاهم عنها، وكان من حكمتها أن اطلعهُ عليها بهذا الوجه، أرى بعض الصحابة رؤيا فيها تعبير لهم بالشرك الذي هو أبغض الأشياء إليهم من بعض أهل الكتاب، وهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيح ابن مريم ليكون ذلك أشد في الزجر وأعظم في التوبيخ، فذكرت الرؤيا للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وكانوا يقصُّون عليه رؤاهم فنفى علمه بصدور تلك العبارة منهم، وأظهر إنكاره وتعجبه من صدور تلك العبارة الشركية التي ما كان ليظن صدورها منهم، وفي هذا ما فيه من اللوم والتعنيف فقام
(2/242)

خطيبا فيهم فنهاهم عن العبارة الشركية الباطلة وبين عبارة التوحيد والحق الصحيحة وهي أن يقولوا (ما شاء الله وحده ثم ما شاء محمد) أو (ما شاء الله ثم ماشاء محمد).

الأحكام:
أفاد الحديث النهي عن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق. ومشيئة المخلوق بالواو وجواز القرن بينهما بثم، وأثبت للمخلوق مشيئة، ولكنها مقيدة ومتأخرة بخلاف مشيئة الخالق فإنها سابقة ومطلقة مستقلة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. وأفاد أن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق شرك وأن من فعل ذلك يقال له قد أشركت، لأنه لما قصت عليه الرؤيا وفيها قوله: لولا أنكم تشركون، أقر ذلك ولم ينكره، وأن كلمة الشرك لا يجوز أن تقال ولو كان قائلها لا يعتقد المساواة بين الخالق والمخلوق، كما هو حال الصحابة الذين لا يشك في عملهم بذلك وأن قائل كلمة الشرك هذه وإن كان يقال له أشركت كما تقدم لا يخرج بذلك من الإيمان حيث كان لا يعتقد التسوية، فإنه لم يحكم بردتهم بتلك الكلمة وإنما نهاهم عن قولها.

تأييد:
روى ابن ماجة في هذا الباب بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت» وهذا الحديث في معنى الحديث الذي تكلمنا عليه.

تفصيل أول:
الشرك يكون بالاعتقاد، وهذا مخرج عن الايمان ويكون بالقول مثل الكلمة المتقدمة، وهذا لا يخرج صاحبه من الإيمان وإنما يحرم عليه النطق به.
(2/243)

تفصيل ثان:
من الصفات ما يثبت لله على ما يليق بجلاله ويثبت للمخلوق على ما يليق بحدوثه وافتقاره كالمشيئة وكااعطاء عندما تكون للمخلوق أسباب فيها، فهذا يسند إليهما ويحرم أن يسوى بينهما في العبارة، ويجب الإتيان بعبارة صريحة في عدم التسوية، فأما المشيئة فقد تقدمت وأما العطاء فكأن تقول لمن أعطاك شيئا هذا من فضل الله ثم من فضلك، ومنها ما لا يجوز أن يجمع فيه بين الإسناد للمخلوق والخالق أبدا كالعطاء الذي لا دخل للمخلوق فيه لخروجه عن الأسباب الممكن هو منها، فلا يجوز أن تقول في غيث نزل مثلا هذا من الله ومن فلان ولا ثم من فلان، لأنه لا دخل لأحد فيما وراء الأسباب.

تطبيق:
إذا نظرنا في حالة السواد الأعظم منا معشر المسلمين الجزائريين فإننا نجهد هذه الكلمات شائعة بينهم. فاشية على ألسنتهم وهي (بربي والشيخ) وهم يعنون أن ما يفعلونه هو بالله وبتصرف الشيخ (بربي والصالحين)، (بربي والناس الملاح)، (إذا حب ربي والشيخ) (شوف ربي والشيخ)، وهي كلها من كلمات الشرك كما ترى، فأما قولهم: (بربي والشيخ) ونحوه فمما لا يجوز أن يذكر فيه المخلوق مع الخالق قطعا لأن ما تفعله هو بالله وحده أي بتقديره وتيسيره ولا دخل للمخلوق فيه، وأما قوله: (إذا حب الله والشيخ) فمما لا يجوز إلا بلفظة ثم. فيكون بمعنى إذا شاء الله ثم شاء الشيخ إذا كان هذا الشيخ حيا وكان الأمر مما يكن أن تدخل مشيئته فيه ولقد شب على هذه الكلمات ونحوها الصغير وشاب عليها الكبير وانقطع عنها النهي والتغييرحتى صارت كأنها من الكلمات المشروعة، وصار قلعها من الألسنة من أصعب الأمور وأصبحت كلمة بالله وحده ونحوها
(2/244)

مهجورة لديهم منسية عندهم ثقيلة على أسماعهم ثقل من يدعوهم إليها ويلهج بها على قلوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

العلاج:
على من عرف هذا الحديث النبوي أن يعمل به في نفسه وأن ينشره بين الناس وأن يعالجهم به بتفهيمهم فيه وتحذيرهم من مغبة مخالفته والإصرار على معاندته، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. فإلى التوحيد أيها المسلمون وإلى الإرشاد أيها العالمون والله مع الصابرين (1).
__________
(1) ش: ج 6، م 8، ص 306 - 311 غرة صفر 1351 هـ- جوان 1932م.
(2/245)

بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ
مَنْ فِعْلِ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

" عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»)).
رواه الشيخان رحمة الله عليهما
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الحديث أحد الأحاديت الكثيرة المستفيضة التي جاءت في التحذير من بناء المساجد على القبور، والتنبيه على أن ذلك يؤدي إلى عبادتها والتأكيد لذلك بذكر ما كان ممن قبلنا من ذلك وما أداهم إليه فأخبر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا الحديث أن أصحاب تلك الكنيسة كانوا يبنون المساجد على قبور صلحائهم ويصورون صورهم. وإنما يفعلون ذلك تعظيما لهم واستئناسا بصورهم وليعبدوا الله تعالى عند قبورهم تبركا بهم. فكانوا بسبب فعلهم من بناء المساجد على القبور ونحتهم للصور شرار الخلق عند الله يوم القيامة، لأن تعريف المسند إليه بالإشارة- وهو أولئك- يفيد أن المشار إليه الموصوف بصفات- وهي بناء المساجد على القبور وتصوير الصور- حقيق وجدير بما يذكر بعد اسم الإشارة- وهو قوله شرار الخلق- من أجل اتصافه بتلك الصفات. وذلك لأن القبر المعظم ببناء المسجد عليه والصورة المعظمة لتمثيلها ذلك الصالح يصيران مما يعبد ويعتقد
(2/246)

فيه النفع والشر والعطاء والمنع، فيدعو ويسأل ويطلب منه الحوائج وتخشع عنده القلوب وتنذر له النُّذور، وهذه من العبادة التي لا تكون إلا لله، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: أن وداً وسواعا ويغوث ويعوق ونسراً التي كانت أصناما لقوم نوح وعبدتها العرب من بعدهم، كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك- الذين نصبوها، وتنسخ، وتغير العلم- عبدت. فعلم من هذا أن ما يكون موضوعا في أصله بقصد حسن يمنع وينهى عنه إذا كان يؤدي بعد ذلك إلى مفسدة.

الأحكام:
هذا الحديث نص صريح في المنع من بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم وفيه الوعيد الشديد على ذلك. ونظيره حديث جندب- رضي الله عنه- عند مسلم- رضي الله عنه- سمع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقول- قبل أن يموت عليه السلام بخمسة أيام-: «ألا وأن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك».

تطبيق:
هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا. نجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون، فإن قيل إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم قلنا إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر بقطع النظر على قصد
(2/247)

صاحبه به، ولو كانت صورة البناء للتبرك مرادة بالنهي. لاستثناها الشرع فلما لم يستثنيها علمنا أن النهي على العموم، وذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها في مظنة أن تودي إلى ذلك في المآل. وذرائع الفساد تسد لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها وكيف كان مآلها، وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم وينذرون لهم ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها، فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا فكفانا عموم النهي وصراحته والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغتر بكل قول قيل.

إيمان وامتثال:
علينا أن نصدق بهذا الحديث بقلوبنا فنعلم أن بناء المساجد على القبور من عمل شرار الخلق كما وصفهم النبي- صلى الله عليه وآله وسام- وأن تنطق بذلك ألسنتنا كما نطق به هذا الحديث الشربيف وأن نبني عليه أعمالنا فلا نبني مسجداً على قبور ولا نعين عليه، وأن ننكره كما ننكر سائر المنكرات حسب جهدنا، ومن أعظم الإنكار تبليغ هذا الحديث بنصه وتذكير الناس به والعمل على نشره حتى يصير معروفا عند عامة الناس وخاصتهم، إذ لا دواء للبدع الشيطانية إلا نشر السنة النبوية، ولا نستعظم انتشار هذه البدعة وكثرة ناصريها فإنها ما انتشرت وكثر أهلها إلا بالسكوت عن مثل هذا الحديث والجهل به. ولنكن في إرشادنا مقتصرين على إيراد لفط الحديث وشرحه
(2/248)

على أنه واضح مفهوم بنفسه- دون أن نمس شيئا من شؤون أولئك المقبورين فإنهم إخواننا سبقونا بالإيمان فلهم علينا حق الدعاء والاستغفار. فإذا عملنا كلنا على هذا من حسن قصد ومحبة في الخير للمسلمين رجون! أن يؤيدنا الله تعالى ويجعل النفع بأيدينا. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (1).
__________
(1) ش: ج5، م 7، ص 295 - 297 محرم 1350 هـ- ماي 1931م.
(2/249)

النَّهْيُ عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ.

«نَهَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».
مسلم من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا حديث صحيح صريح في النهي عن البناء على القبر ومعضداته من السنة كثيرة. وهو من الظهور والصراحة بحيث لا يحتاج إلى تفسير، وإنما نسأل كل مؤمن بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} نسأل كل مؤمن بهذه الآيات أن يعمل بنهي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عن البناء على القبر فلا يبن على قبر ولا يعن بانيا، ويعلن هذا الحديث في الناس ويذكرهم به ولا يفتأ يقرع به أسماع الغافلين ويفتح به أعين الجاهلين {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (1)
__________
(1) ش: ج 2، م 9، ص 71
غرة شوال 1351 هـ- فيفري 1933 م.
(2/250)

لَعْنُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَى الْقُبُورِ.

«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لما أخبر عليه وآله الصلاة والسلام أن الله لعن اليهود والنصارى بين علة وسبب لعنهم، وهي اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد. وذلك بأن بنوا عليها المساجد أي أماكن العبادة كما هو صريح في حديث آخر هكذا ((بنوا على قبره مسجداً))، وسنذكره في الجزء الآتي إن شاء الله. فالمتخذ للمساجد على القبور ملعون بنص هذا الحديث الصحيح الصريح.
فيا أيها المؤمنون بمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- المصدقون لحديثه إياكم والبناء على القبور، إياكم واتخاذ المساجد عليها إن كنتم مؤمنين. وعليكم تبليغ هذا الحديث والتذكير به والتكرير لذكره يكن لكم أجر المجاهدين في سبيل رب العالمين وثواب العاملين لإحياء سنة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين (1).
__________
(1) ش: ج3، م9، ص 125
غرة ذي القعدة 1351 هـ - مارس 1933م.
(2/251)

بِنَاءً الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُوْرِ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

" أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»)).
البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا شرار الخلق بسبب بنائهم المساجد على قبور صالحيهم واتخاذ الصور لهم وكلاهما ذريعة الشرك والوثنية، وإن كان النصارى يقصدون التبرك بآثار الصالحين. ولا يقال أن هذا فيمن جمع بين البناء والتصوير لأنه قد جاء لعنهم على البناء وحده كما في الحديث المتقدم في جزء مضى ولا يقال أن هذا لأنهم نصارى لأن المقصود النهي عن مثل فعلهم هذا والتحذير منه ببيان العقاب المترتب عليه حتى لا يفعل المسلمون هذا الفعل فيترتب عليه عقابه.
فحذار أيها المسلم من فعل أهل الضلال ومشاكلة الأشرار ولا تغتر بكثرة الهالكين (2).
__________
(1) كرر شرح هذا الحديث في ج5، م 7، ص 295 - 297 وانظر ص 246 من هذا الجزء.
(2) ش: ج 6، م 9، ص 230
غرة محرم 1352 هـ- ماي 1923م.
(2/252)

تَأْكِيدُ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورَ مَسَاجِدَ.

" عَنْ جُنْدَبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام- خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
رواه مسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الحديث كالأحاديث الماضية صريح في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وذلك ببناء المساجد عليها كما تقدم في حديث أم حبيبة وأم سلمة- رضي الله عنهما- في الجزء الماضي، وبالصلاة إليها كما فيما سننقله في الجزء الآتي، وفي هذا الحديث تأكيد النهي بكلمة (ألا) مرتين، وبتكرير النهي المستفاد أولا من (لا) وثانيا من الجملة الأخيرة المصرح فيها بمادة النهي مع التأكيد بأن، وبعد هذا التأكيد في هذه الصراحة لا يبقى من يشك أو يشكك في معناه إلا من أعمى الله بصيرته واستولى الغرض والهوى على لبه وران كسبه على قلبه عياذا بالله. هذا وإننا بعد أن نفرغ من نقل متون هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة نأتي بكلام الأئمة من شراحها عليها ثم بكلام الأئمة من فقهائنا المالكية رحم الله الجميع ونفعنا بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم لا مبدلين ولا مغيرين آمين (1).
__________
(1) ش: ج 7، م 6، ص 267.
غرة صفر 1352 هـ - جوان 1933م.
(2/253)

مِنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا.

" عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: وَلَوْ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
رواه الشيخان واللفظ للبخاري.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أفادت عائشة- رضي الله عنها- أنهم لم يبرزوا قبره- صلى الله عليه وآله وسلم- للناس خوفا من أن يتخذ مسجدا بالصلاة إليه فاتخاذ القبور مساجد الذي تكرر النهي عليه ولعن مرتكبه يكون بالبناء عليها كما في الأحاديث الماضية وبالصلاة أيها كما في هذا الحديث (1).
__________
(1) كرر شرح هذا الحديث في ج3، م 9، ص 125 وانظر ص 251 من هذا الجزء.
(2) ش: ج 8، م 9، ص 308
غرة ربيع الأول 1352 هـ- جويلية 1933م.
، 25
(2/254)

حَدِيثُ تَزْكِيَةِ الْأَمْوَاتِ
لَا يُجْزَمُ لِأَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا بِنَصٍّ مِنَ الشَّارِعِ.

" قال ابن شهاب: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ العَلاَءِ -امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟» فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي.» فَقَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا" رواه البخاري في صحيحه من طرق في عدة أبواب.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المتن:
ثبت عند البخاري أيضا «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» وثبت عنده أيضا «ما أدري ما يفعل به».

ترجمة شخصي الحديث:
شخصا الحديث هما اللذان كانا سببا في وروده، وهما أم العلاء المزكية وعثمان المزكى، فأما أم العلاء فهي بنت الحارث بن ثابت الأنصارية الخزرجية، وهي أم خارجة بن زيد الراوي عنها. وأما عثمان بن مظعون فهو أبو السائب بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي
(2/255)

من السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، وهو أول من مات من الهاجرين بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم.

الشرح:
لما جاء المهاجرون إلى المدينة ولا أهل لهم ولا مال نزلوا على الأنصار من الأوس والخزرج، فاقتسمهم الأنصار بالقرعة فطار في قسمة بيت زيد بن ثابت، عثمان بن مظعون، فأنزلوه في أبياتهم فمرض مرضه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- فقامت أم العلاء في حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- تثني على عثمان فدعت له بالرحمة وشهدت له جازمة بأن الله أكرمه، أي بالجنة، لأنها هي دار كرامة الله لعباده. فأنكر عليها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وقال لها: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أي من أين علمت ذلك، ففدته بأبيها تادبا معه- صلى الله عليه وآله وسلم- في الخطاب، وقالت: فمن يكرمه الله، أي إذا لم يكن عثمان مع سابقيته وهجرته وبدريته فمن يمكرم، فبين لها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ما يجوز أن يقطع به وما لا يجوز أن يتعدى حد الظن، فقال لها: أما هو فقد أتاه اليقين، يعني الموت، وهذا مقطوع به، وإني لأرجو له الخير، وهذا هو الذي لا يجاوز حد الظن، ثم بين لها أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن البشر لا يعلمون الغيب حتى الأنبياء- عليهم السلام- فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم، فقال لها: «والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» فاهتدت إلى ما هداها إليه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وقالت: والله لا أزكي أحدا بعده أبداً، تعني مثل هذه التزكية التي قطعت له فيها بالكرامة.
(2/256)

توضيح:
ما في لفظ الحديث موافق لما في سورة الأحقاف المكية من قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ}. قال البيضاوي: أي في الدارين على التفضيل إذ لا علم بالغيب. يعني إلاَّ ما علمه الله وقد أعلمه الله بأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر في سورة الفتح المدنية، وأعلمه بما أخبره به في الصحيح من منازله الكريمة يوم القيامة ومقامه المحمود وغيره من أنواع الخصوصية والكرامة.

الأحكام:
في الحديث اقتسام أهل القدرة أهل العجز عند الضرورة والشدة، وفيه الدخول على الميت بعد تسجيته في أكفانه، وفيه الدعاء للميت بالرحمة، وفيه المنع من القطع لأحد بالجنة دون نص شرعي، وفيه المبادرة بإنكار القول الباطل في الدين فور سماعه، وفيه مراجعة المعلم بإبداء وجه النظر الذي وقع الخطأ فيه، وفيه جواز ظن ورجاء الخير لأهله.

تفرقة:
ذكر الميت بما علم من حاله في حياته ثناء عليه جائز والقطع له بالنجاة ممنوع، فأما هذا الثاني فدليل منعه من الحديث المذكور، وأما الأول فدليل جوازه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي عباس قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من وراءي فالتفت اليه فإذا هو علي. فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت أكثر، اسمع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: جئت أنا وأبو
(2/257)

بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما. وهذا في ذلك الجمع دليل على إجماعهم على جوازه وهو لم يخرج عن ذكره بما علمه منه في حياته وظن الخير له بذلك بعد مماته.

تحذير وإرشاد:
لقد ابتلى كثير من الناس بالغلو فيمن يعتقدون فيهم الصلاح فيجزمون لهم بما لا يعلمه إلا الله، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا مات في رتبة كذا وحصل عند الله على منزلته كذا، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا يشفع لأتباعه ويعديهم على الصراط أو يجعله في بطنه ويمر بهم وأنه يحضر لهم عند الموت ويحضر لهم عند السؤال ويكون معهم في مواقف يوم القيامة، وكل هذه الدعاوى انبنت على الجزم بأنه ممن أكرمه الله وأنه من أهل الجنة، ذلك الجزم الذي سمعت النهي والإنكار صريحين فيه من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على أم العلاء في رجل من السابقين الأولين البدريين، وليست هذه الدعاوى المبنية على المخالفة لهذا النهي النبوي الصريح قاصرة على العوام بل تجدها عند غيرهم وتسمعها ممن يرفعون أنفسهم عن طبقتهم وتقرأها في الكتب التي عدلت عن الأحاديث النبوية الصحيحة والطريقة النبوية الواضحة وذهبت في نيات الطريق فكانت بلاء على العامة وأشباههم ووبالا. فاحذر أيها الأخ المسلم من عقيدة الجزم بالكرامة والجنة لغير من نص عليه المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام، ومن تلك الدعاوى الباطلة التي انبنت عليها. ولا تجزم بالكرامة على الله لأحد غير المنصوص عليه وإن كان عظيما فإن قول رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أحق وأعظم وأنف من لا يقول هذا ولا يقبله مرغم. وكل من استعظمته ممن هو على جانب من الصلاح والخير فإنه لا يداني
(2/258)

مقام عثمان بن مظعون البدري في الصلاح والخير وقد سمعت ما سمعت من النهي النبوي عن القطع له بالكرامة، ومهما أعدنا القول في هذا فإننا لا نفيه حقه من الإنكار والاستئصال لما نعلمه من رسوخ هذه الضلالة وقدمها والتهاون فيها وعظيم التجري على الله بها، وهذا الحديث النبوي هو دواؤها والقاطع لها فليتأمله قراؤنا ولينشروه في المسلمين وليذيعوه بالتلاوة والتفسير والتأكيد والتقرير عسى أن يشفي الله به القلوب من داء الغلو والادعاء والغرور والتغرير وليظن المسلم الخير بأهل الخير وليرج لهم حسن الجزاء والمصير كما رجا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- الخير لعثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه- بعد ما نهى عن الجزم بالكرامة له وهذا هو دين الله الحق الوسط السالم من الغلو والتقصير والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقف بنا عند حدود الشرع الشريف، ويحفظنا من الغلو والتقصير والتحريف إنه هو الولي الحفيظ اللطيف (1).
__________
(1) ش: ج1، م 8، ص 592 - 594
غرة رجب 1351هـ- نوفمبر 1932م.
(2/259)

تَفَاوُتُ الصَّدَقَاتِ
بِنِسْبَتِهَا لَأَمْوَالِ الْمُتَصَدِّقِينَ.

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ دِرْهَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ».
رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له، والحاكم قال: صحيح على شرط مسلم، المنذري.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
السبق الوصول للغاية قبل غيره، وأصله في الأبدان، ويكون للعقول في الوصول للفهم وللأعمال في الوصول للأجر والفضيلة، ومنه هذا. العُرض- بضم العين- هو الجانب، كعرض الحائط أي جانبه.

المعنى:
يقول- صلى الله عليه وآله وسلم- إن درهما واحداً تصدق به صاحبه نال به من الأجر والفضل أعظم مما نال صاحب مائة ألف درهم تصدق بها. فبلغ درهمه إلى غاية من الأجر والفضل ولم يبلغ إليها الآخر. ولما خفي وجه هذا على السائل لأن المعروف أن ثواب الكثير أكثر بيَّن له- صلى الله عليه وآله وسلم- أن هذا حيث يكون الدرهم
(2/260)

بالنسبة لمال صاحبه كثيرا، فإن درهم ذى درهين هو شطر ماله، وتكون المائة ألف بالنسبة لمال صاحبها قليلة، فإنها لم تكن إلا من جانبه، وسلم أصله ومعظمه.

توجيه:
الأجرُ على قدر المشقة، والثواب على قدر النصب، وما يجده ذو الدرهمين من إنفاق أحدهما، وهما كل ما يملك من المشقة والنصب، أعظم مما يجده ذو المائة ألف، وهي بعض ماله الكثير، وذو الدرهمين كان عنده من الإيمان واليقين ما أنفق به شطر ماله فهو أعظم إيمانا ممن أنفق جزءا من مائة منه. وما عند ذى الدرهمين من خلق الإيثار والتضحية والبذل في سبيل الله أعظم بكثير مما عند ذى المائة ألف. فهو أعظم منه أجرا وفضلا، فقد كان أعظم منه مشقة.
فقد كان أعظم منه مشقة وأقوى منه إيمانا، وأبلغ منه تضحية وبذل جهد في سبيل الله وإيثارا. لا جرم كان أعظم منه فضلا واجرا.

تبصرة:
يقعد الشيطان للقليل المال في طريق الإنفاق فيزهده فيه. ومن مداخله عليه أنه يحقر له ما ينفقه من قليل بأنه لا غناء فيه فيقبض يده عن الصدقة بذلك القليل الذي يستطيعه فيفوته أجر كبير. فبصرنا نبينا- صلى الله عليه وآله وسلم- بالحقيقة، وبين لنا أن ذلك القليل بالنسبة لمال صاحبه هو كثير حتى أنه يسبق كثير غيره من أهل المال العظيم ليشارك فقيرنا غنينا بقليله فيكون من السابقين إلى الأجر الكثير.

تربية:
الأخلاق الفاضلة التي هي موجودة في فطرة الإنسان بأصولها،
(2/261)

وتنمو بحسن التربية وتنطمس بالإهمال- قد حفظهما الله تعالى علينا بما وفقنا إليه من الإسلام، وما علمنا من آداب وما شرعه لنا من أعمال. ومما ينمي تلك الأخلاق ويقويها المداومة على الأعمال التي تنشأ عنها. ومن أعظم تلك الأخلاق وأدخلها في باب النهوض بجلائل الأعمال وحفظ سعادة الاجتماع خلق البذل، فجاء هذا الحديث الشريف وغيره يبين لنا عظيم أجر صدقة المقل ليحثه على مشاركة الغني في العطاء بما استطاع فيكون البذل من الجميع عاما، والسخاء بينهم مشتركا، وآثاره عليهم ظاهرة فينمو خلقه بذللك في الأمة كلها وترسخ أصوله في نفوسها فتصبح وهي أمة سخية بما عندها في سبيل ما ينفعها متعاونة بالبذل في مهماتها مشتركة بجميع طبقاتها في كل مشروع خيري من مشاريعها، وإذا تربت الأمة على هذه الصفة وتدرجت إلى الكمال فيها فذلك عنوان نجحها وفوزها وبلوغها غاية آمالها، وسعادتها في الدارين وفقنا الله لبذل كل عزيز وغال في سبيله والمسلمين اجمعين (1).
__________
(1) ش: ج4، م 7، ص 230 - 231
غرة ذي الحجة 1349هـ- أفريل 1931م.
(2/262)

إِتْبَاعُ رَمَضَانَ بِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ.

" عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»)).
رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وجاء بمعناه عن ثوبان وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المفردات:
تقول العرب: اتبع الفرس لجامها، أي ألحقه بها في العطاء. يضرب مثلا في الأمر باستكمال المعروف واستتمامه، ويصدق هذا ولو كان بين العطاء الأول، والعطاء الثاني مهلة، وكذلك جاء قوله تعالى: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} أي ألحقنا بعض القرون ببعض في الهلاك الناشيء عن تكذيبهم مع أن بين كل قرن وقرن مدة طويلة، فالإتباع هو الإلحاق لشيء بشيء في أمر سواء، أكان عن اتصال أو عن انفصال. الدهر: أصل معناه مدة الدنيا، ويطلق على أمد من الزمان قل، أو كثر، والمراد به هنا السنة، كما جاء مصرحا به في بعض روايات الحديث.

التراكيب:
أفادت ثم أن الاتباع متأخر عن الصوم، وإن كان قد جاء من طريق غير أبي أيوب العطف بالواو. والضمير في (كان) عائد على عمل المفهوم من الكلام السابق، أي كان عمله، وهو صومه شهرا وستة أيام.
(2/263)

المعنى:
من صام رمضان وصام بعده ستة أيام من شوال كان ذلك من عمله كصيام الدهر، لأن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشر أشهر، وستة أيام بعده بشهرين، فذلك تمام السنة. وجاء هذا التفسير عند النسائي من طريق ثوبان مرفوعا.

توجيه كلام مالك:
تطبيق:
قد علمت ان الإتباع يصدق بالإلحاق متصلا أو منفصلا، والفصل هنا واجب بيوم الفطر للعلم بحرمة صومه، فمن فصل به فقط فهو متبع، ومن فصل بأكثر منه فهو متبع، ومقتضى الإطلاق في لفظة (ستا) أنه لا فرق في حصول الفضل بين أن تكون متوالية أو متفرقة، وما تقدم في فصل المعنى من حديث ثوبان يؤيد هذا الإطلاق، لأن المقصود تحصيل ستة أيام لتكون بمقتضى جزاء الحسنة بعشر ستين يوما، وهذا حاصل عند تفرقها وعند اجتماعها.

الأحكام:
ذهب الشافعية والحنابلة وغيرهم- وهو المصحح عند الحنفية- إلى استحباب صوم هذه الأيام محتجين بهذا الحديث الصحيح الصريح. وأما المالكية فقد قال يحيى إن يحيى راوي الوطأ: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون بذلك.
(2/264)

والذي يظهر من عبارات مالك أن المكروه هو صوم ستة أيام متوالية بيوم الفطر، كما يفهم من قوله: (في صيام ستة أيام بعد الفطر) ومن قوله (وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء) وإنما يخشى هذا الإلحاق إذا كانت متوالية ومتصلة بيوم الفطر. فالكراهة إذا عنده منصبة على صومها بهذه الصفة من التوالي والاتصال لا على أصل صومها. وهذا هو التحقيق في مذهبه.

فقه مالك واحتياطه:
أنبني فقه مالك واحتياطه على أصلين:

الأصل الأول: أن العبادة المقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهو أصل عام في جميع العبادات، وفي خصوص الصيام قد ثبت نهيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر أن وجه هذا النهي هو خوف أن يعدَّ ذلك من رمضان، فحمى الشارع بهذا النهي العبادة من الزيادة في أولها. فبنى مالك- بسعة علمه وبعد نظره- على ذلك حمايتها من الزيادة في آخرها فكره صوم تلك الأيام متوالية متصلة بيوم الفطر مخافة- كما قال-: (أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء) فكان احتياطه في الأخير مطابقا لاحتياط النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في الأول، وذلك كله لأجل المحافظة على بقاء العبادة المقدرة على حالها غير مختلطة بغيرها. وقد جاء نظير هذا الاحتياط في الصلاة، فقد روى أبو داود في سننه: أن رجلاً دخل إلى مسجد رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال له عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: اجلس خنى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا. فقال له عليه وآله الصلاة والسلام: (أصاب الله بك يا ابن الخطاب). يعني أن الذين كانوا قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فأدى ذلك إلى اعتقاد جهالهم وجوب الجميع
(2/265)

فأدى ذلك إلى تغيير شرع الله وهو سبب الهلاك. لا يقال أن مقدار العبادة معلوم من الدين بالضرورة فكيف يظن أنه قد يعتقد الجميع من الأصل والزيادة عبادة واحدة، لأننا نقول إذا دام وصل النافلة بالفريضة وطال العهد وخلفت الخلوف أدى ذلك أهل الجهالة إلى ذلك الاعتقاد، والاحتياط للعبادة يقتضي قطع ذلك الاعتقاد من أصله بالنهي عما يؤدي إليه وهو من سد الذرائع الذي هو أحد أصول مالك في مذهبه. ومع هذا فقد نقل الإمام القرافي، عن الإمام عبد العظيم المنذري أن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين (1) وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ا. هـ.
فلله مالك ما أوسع علمه، وما أدق نظره، وما أكثر اتباعه فرحمة الله تعالى عليه وعلى أئمة الهدى أجمعين.

الأصل الثاني: أن ما ورد من العبادة مقيداً بقيد يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه. والآتي بالعبادة المطلقة ملتزما فيه ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه، وهو أصل في جميع العبادات. ومثال ما ورد من العبادة مقيدا، التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة والختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فقيدت هذه العبادة المحددة بإيقاعها دبر كل صلاة، فالإتيان بها في غير دبر الصلوات مخالفة للوضع الشرعي ومثال ما ورد مطلقا (2) لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة (3) وسبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة فيلتزمها في وقت
__________
(1) كذا بالأصل ولعله القوالين.
(2) و (3) رواهما مالك في الوطأ.
(2/266)

معين من النهار فيخرج عن مقتضى الإطلاق في لفظ يوم من نص الحديث فيكون مخالفا للوضع الشرعي.
ولفظ الحديث الوارد في هذه الأيام جاء مطلقا في الاتباع، صادقا بالاتصال والانفصال، وفي لفظ ستة صادقا بتواليها وتفرقها فالتزام اتصالها وتواليها تقييد لما أطلقه الشرع وتزيد عليه.

اقتداء وتحذير:
هذان الأصلان اللذان قررنا بهما فقه مالك هما اصلاح مجمع عليهما كثيرة في الشريعة المطهرة أدلتهما والفروع التي تنبني عليهما فلنا في مالك وغيره من أئمة الهدى القدوة الحسنة في التمسك بهما. فنحتاط لعبادتنا حتى لا نخلط بين فرضها ونفلها. ونتقبل ما جاء من العبادات مقيدا أو محددا بقيده وحده، ونتقبل ما جاء منها مطلقا على إطلاقه فلا نلتزم فيه ما يخرجه عن الإطلاق. ولنحذر كل الحذر من الأخلاق بقيود الشارع أو التقييد لمطلقاته، ففي ذلك استظهار عليه وقلة أدب معه وتبديل لوضعه واختيار عليه وإنما الخير لله ولرسوله لا لأحد من الناس وأن الغالب على الناس أنهم لا يتعمدون الإخلال بالقيود وإنما يتعمدون التقييد للمطلقات وأنواع الالتزامات مع أنهما في المخالفة سواء فلنحذر من الوقوع في مثل هذا على الخصوص.

إمتثال:
نصوم هذه الستة كما رغبنا نبينا، طمعا في فضل ربنا، غير ملتزمين وصلها ولا موالاتها. والله يلهمنا والمسلمين أجمعين أنواع المبرات وإقامتها بمنه وكرمه آمين (1).
__________
(1) ش: ج3، م 7، ص 150 - 154
غرة ذي القعدة 1349هـ - مارس 1931
(2/267)

عَلَى رِسْلِكُمَا.

عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: " أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
تنقلب: ترجع إلى بيتها، يقلبها: يردها ويمشي معها، وما يزال هذا الفعل قلب بمعنى رد مستعملا في اللغة الدارجة بالقاف المعقودة، على رسلكما: على هينتكما، أي مشيتكما الهينة التي لا عجلة فيها، أي لا تسرعا. كبر عليهما: عظم وشق يبلغ مبلغ الدم يصل حيث يصل. أن يقذف: أن يرمي.

الأشخاص:
صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- سنة سبع من الهجرة سبيت في فتح خيبر فأعتقا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وتزوجها، توفيت في شهر رمضان سنة (50هـ).
(2/268)

المعنى:
كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فجاءته زوجته صفية ليلة تؤنسه وتحادثه فلما أرادت الانصراف إلى بيتها قام معها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يؤنسها إلى بيتها كما جاءت هي إليه، وبلغ معها باب المسجد فمر بهما رجلان من الأنصار فأسرعا في مشيهما واستحييا لما رأيا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-، فخشي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عليهما من وسوسة الشيطان المسلط على الإنسان بأن يلقي في قلوبهما شيئا من وجود امرأة مع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- والشيطان يقنع بالخطرة يلقيها في قلب المؤمن يؤلمه بها ولو كان صدق إيمانه يرد عنه كيد الشيطان، ويدفعه ويقنع بإذاية المؤمن ولو بخطرة السوء تمر بالقلوب تمسه في دينه أو عرضه، فأراد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يسد في وجه الشيطان باب الكيد لذينك الرجلين الصَّحابيين- رضي الله عنهما- ويقطع عليه طريق إذايتهما وإذايته معهما، فقال لهما تمهلا ولا تسرعا في مشيكما وأعلمهما بأنها زوجته صفية. وكان الصحابيان الجليلان لم يقع في قلوبهما شيء ولم يخطر أدنى خاطر منه في بالهما، فاستعظما وكبر عليهما واشتد عليهما أن يظن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فيهما خطور مثل هذا ببالهما، حتى يحتاج إلى تعريفهما، وهما كانا يريان أنفسهما بصدق إيمانهما أبعد ما يكون عن هذا. فبين لهما النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- الداعي الذي دعاه إلى تعريفهما بالواقع، وهو الخوف عليهما مما قد يكون بإلغاء الشيطان دون قصد منهما، لا شيء هو واقع منهما وبين لهما ما يعرفهما بإمكان ذلك وسهولته بما فعل للشيطان من التمكن من إلقاء الوسواس للإنسان وبلوغه منه في الإحاطة والتمكن مبلغ الدم.
(2/269)

الْأُسْوَةُ: وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
حماية الأعراض من التهم:
كما على المسلم أن يقي عرضه من طعنات الألسن بالسوء عليه أن يقيه من هواجس النفوس به فإن الهواجس مبادي الظنون والظنون مطايا الأقوال والأقوال سهام نافذة وقلما يثبت غرض على كثرة الرمي ومن خسر عرضه خسر قيمته وخسر كل شيء فلخطر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية.
فلا ينبغي للمسلم أن يرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجه عليه تهمة ولو كان عند نفسه بريئا وعما يرمي به بعيدا، فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه، وإذا تعرض للتهم خسر نفسه وخسره إخوانه، وأدخل على نفسه البلاء منهم وأدخل البلاء عليهم به. فكانت مصيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المؤمن يقتدى به ويرجع إليه فإن زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركان الدين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه.
وإذ وقف الإنسان موقفا مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه.
وليس لأحد، بعد رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يغتر بمنزلته عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم. بل ذو المنزلة
(2/270)

أحق بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقف استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: " في الحديث دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم".

مدافعة الشيطان عن القلوب:
علينا وقد علمنا أن الشيطان متمكن من الوسوسة لنا من جميع نواحينا متصلا بنا اتصالا، وقريبا منا قربا مثل اتصال وقرب الدم لا يمكننا الانفصال عنه كما لا يمكننا الانفصال عن الدم، أن نأخذ جميع الحيطة لرد كيده وإبطال تدبيره وإحباط وسوسته وذلك بالمبادرة إلى الاستعاذة بالله منه بالاستعاذة الثانية عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في الأحوال المختلفة وبمقابلة كل نوع من وسوسته بما يبطله من ذكر الله فإذا جاء من ناحية الإيمان بادرنا إلى لا إله إلا الله وإذا جاء من ناحية التنزيه بادرنا إلى سبحان الله، وإذا جاء من ناحية الإنعام: بادرنا إلى الحمد لله وإذا جاء من ناحية التخويف من الخلق بادرنا إلى " الله أكبر" وهكذا نبادر إلى رد ما يوسوس به من كلمات الباطل إلى ضدها من كلمات الحق.
وكما على المؤمن أن يدفع ذلك عن قلبه عليه أن يدفعه عن قلب أخيه بمصارحته بما يزيل إساءة الظن به، أو حمل شيء عليه، أو نفرة من ناحيته، أو إشغال لأمره، وأن يبين له ما يقصد بذلك من مدافعة الشيطان ورده عن نفسه وعن أخيه ليكون عينا له على قصده، فيرجع الشيطان عنهما مذموما مدحورا. وهذه المدافعة للشيطان وحماية
(2/271)

القلوب منه من أعظم الجهاد وأوجبه وألزمه بل هي أصل الجهاد كله فإنه هو أصل البلاء كله فالسلامة منه هي السلامة من كل سوء والتمكن من نيل كل خير والفوز بكل سعادة في الدنيا والآخرة (1).
__________
(1) ش: ب 2، م 10، ص 58 - 60
غرة شوال 1352 هـ- جانفي 1934 م.
(2/272)

إِنَّمَا يُؤْخَذُ الدِّينُ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

قَالَ عَلَيْه وَآلِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِهُ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»
رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الألفاظ:
الراهب: هو العابد، وكانت الرهبنة فيمن قبلنا بالانقطاع عن الناس والتفرغ للعبادة، ابتدعها أهلها دون أن يكتبها الله عليهم كما في سورة الحديد. ثم جاء الإسلام فشرع الجمعة والجماعة فأبطل الانقطاع عن الناس للعبادة إلا من فرَّ بدينه أيام الفتنة خوفا على نفسه منها. والعالم: من له دراية وملكة واشتغال بالعلم، والمقابلة
(2/273)

ما بينهما في الحديث تقتضي أن الراهب لم يكن عنده من العلم ما يقال في صاحبه عالم، والعالم لم يكن عنده من الانقطاع للعبادة ما يقال في صاحبه راهب. قال الإمام محمد السنوسي- رادا على الأبي-: تسمية النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- الرجل الثاني بالعالم والأول بالراهب يدل على أن الراهب ليس بعالم، والحجة فيما دل عليه لفظه صلى الله عليه وآله وسلم من أن كل واحد إنما ثبت له في نفس الأمر معنى الوصف الذي أطلقه عليه، وأما دلالة الدال على الراهب وهو إنما سئل عن العالم فليس فيه دليل على أن الراهب كان عالما لاحتمال أن يكون الدال رجلا جاهلا ولا يعرف العالم إلا من هو عالم، لاسيما والرهبانية كثيرا ما يعتقد الجهلة ملازمتها للعلم. والترهب إن سلم أنه يقتضي العلم فإنما يقتضي العلم بما يحتاج إليه في ترهبه وإلا فكم من مترهب جاهل.

المعنى:
هذا رجل جنى هذه الجنايات العديدة ثم ذكر الله تعالى فأراد الرجوع إليه فسأل عن أعلم أهل الأرض ليوجده سبيلا إلى ذلك فدله من دله على راهب لاعتقاد العامة العلم في كل مظهر للتعبد، فلم يجد عنده مخرجا من جنايته فكمل بقتله المائة محمولا على ذلك باليأس والجرأة والاستهانة بقتل النفس. ولكنه بقي مع ذلك يطمع أن يجد عند غيره سبيلا فدل على عالم فأفتاه بإمكان التوبة مستدلا بأنه لا شيء يحول بينه وبينها، وأشار عليه بمفارقة أرضة التي ضري فيها على الجنايات فإنها كانت أرض سوء عليه، وأمره أن يذهب إلى أخرى بها قوم صالحون يعبدون الله ويسيرون بطاعته فيصاحبهم ويعبد الله معهم لإصلاح نفسه بمعاشرة الصالحين وتحقيق توبته بالعمل الصالح معهم. فذهب الرجل على هذه النية وأدركه الموت قبل أن يصل إلى تلك الأرض، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وحجتهم نيته التي
(2/274)

خرج عليها، وملائكة العذاب وحجتهم أنه لم يعمل عملا صالحا، فكان القضاء لملائكة الرحمة تغليبا لجانب القصد والنية، وتأيدت النية بجده في السير إلى الأرض التي قصد حتى كان أقرب إليها من الأرض التي خرج منها.

الأحكام:
في الحديث لزوم السؤال للجهال. وفيه أن أهل العلم هم الذين يسألون عنه لا غيرهم، وإن كان أكثر عبادة. ولذا قال مالك رحمه الله: (لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه معلن السفه، وصاحب هوى يدعو إليه، ورجل معروف بالكذب في حديث الناس وإن كان لا يكذب على الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به). ذكره ابن عبد البر في جامع العلم، وفيه صحة توبة القاتل وهو مذهب جمهور السلف، وهذا الحديث من أدلتهم.

عبرة وتحذير:
العلم قبل العمل، ومن دخل في العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال، وربما اغتر به الجهال فسألوه فاغتر هو بنفسه فتكلم بما لا يعلم فضل وأضل. فهذا الراهب قد دل عليه من دل عليه يحسبه أعلم أهل الأرض فسئل فأجاب بما لا يعلم فعادت مصيبة ذلك عليه وعلى سائله، ولو دل هو سائله على غيره من العلماء لسلم هو وسلم السائل. فحذار من التقصير في العلم اللازم للعبادة، وحذار من الكلام في دين الله والإفتاء للناس بغير علم مؤهل لذلك، وحذار من صرف الناس عن العلم وأصله إذا رأيتهم قد افتتنوا بك.
(2/275)

إستشهاد:
جاء في حديث رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما عن ابن عباس- رضي الله عنهم- وخرجه ابن عبد البر في جامع العلم عنه وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- أن فقيها واحداً أشد على الشيطان من ألف عابد. وواقع هذا حديثنا مما يشهد لذلك فقد رأيت ماذا جر الراهب على نفسه وعلى غيره، وكيف أنقذ العالم ذاك الشرين من الهلاك.
نسأل الله الفقه في الدين وعمل الصالحين وتوبة الأوابين لنا ولجميع المسلمين آمين يا رب العالين (1).
__________
(1) ش: ج12، م 8، ص 616 - 618 شعبان 1351 هـ- ديسمبر 1932م.
(2/276)

فَضْلُ السُّجُودِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ.

" قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» ".
رواه مسلم، واللفظ له. وأبو داوود والطبراني في الكبير.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الراوي:
هو أبو فراس، قديم الصحبة، كان من أهل الصفة يلازم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في السفر والحضر مات سنة " ثلاث وستين".

الألفاظ:
مع: ظرف مكان مبهم واسع، وهو كان يبيت عند بابه كما في رواية الطبراني، وذالك هو المراد من مع هنا. حاجته: ما يحتاج إليه في الوضوء أو على وجه تسكنينها هي أو التي للتخيير أو للإضراب، وعلى وجه الواو هما كلمتان: همزة الاستفهام والواو العاطفة، هو: أي مسؤولي ذَاكَ أي المذكور وهو المرافقة. الإعانة: مشاركة الفاعل في العمل ليخف عليه ويسهل وينتهي منه إلى غرضه.

التراكيب:
حذف مفعول سل للتعميم وهو المناسب لمقام الافضال في النوال.
غير معطوف على موافقتك من عطف لفظ في كلام على لفط في كلام
(2/277)

آخر عند ما يقصد المتكلم ربط كلامه بكلام المتكلم قبله لنحو تلقينه، فيكون مجموع الكلام هكذا: أسألك مرافقتك في الجنة أو غير ذلك، والكلام وإن كان خبرا فهو في قوة الطلب ولذلك كانت أو للتخبير هذا كله على وجه أو التي للتخبير وإما إذا كانت للإضراب فتقدير الكلام بل اسأل غير ذلك. وأما إذا كانت الهمزة للاستفهام فإن الواو عطفت على جملة، وتقدير الكلام: أتترك ما سألت وتسأل غير ذلك. والإستفهام هنا المراد به الطلب، يطلب منه أن يترك سؤال المرافقة ويسأل غيره، هو ذاك: تفيد الحصر، أي مسؤولي هو المرافقة لا غيرها.

المعنى:
كان هذا الصحابي- رضي الله تعالى عنه- يخدم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ويبيت عند باب بيته ليأتيه بما يحتاج إليه من ماء يتوضأ به أو غيره، فأراد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يجازيه على خدمته فأمره أن يسأله ليعطيه، فأعرض هذا الصحابي عن جميع مطالب الدنيا وسأله أعز مطلب في الآخرة وهو مرافقته له في الجنة، ولما كانت هذه المرافقة تقتضي درجة رفيعة في الجنة أخص من مطلق دخول الجنة، وهذه الدرجة تقتضي العمل الشاق، حاول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- صرفه عن هذا السؤال الذي فيه العمل الشاق الذي ربما لا يطيقه إلى غيره مما هو أسهل من المطالب، فصمم الصحابي على سؤاله وأبى أن يسأل غيره، فقبل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- سؤاله على أن يعينه على نفسه لتحصيل المطلوب، وأرشده إلى ما هو وسيلة في رفع الدرجات، وهو كثرة السجود فإن العبد لا يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة كما ثبت في الصحيح.
(2/278)

زيادة بيان:
قد جاء هذا الحديث عند الطبراني بأبسط من رواية مسلم، وذكر الرواية المطولة. يوضح لنا الرواية المختصرة، ورواية الطبراني كما في (الترغيب والترهيب) هي هذه: (قال كعب: كنت أخدم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- نهاري فإذا كان الليل آويت إلى باب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فبت عنده فلا أزل أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان ربي، حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام، فقال، يوماً: يا ربيعة سلني فأعطيك؟ فقلت: أنظرني حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله، أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار ويدخلني الجنة، فسكت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال: من أمرك بهذا؟ قلت: ما أمرني به أحد ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بالمكان، الذي أنت منه، فأحببت أن تدعو الله لي. قال: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود).

النظر في الروايتين:
بينت المطولة أنه كان يخدمه بالنهار والليل وأنه ما سأل إلا بعد النظر والتفكر، وأنه لم يسأل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعطيه الجنة وإنما سأله أن يدعو الله تعالى له لعلمه أن دعاءه مستجاب، والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وعده بأنه يفعل ما طلبه منه، وهو دعاء الله تعالى له. غير أن الرواية المطولة فيها أنه سأله النجاة من النار ودخول الجنة، والرواية المختصرة فيها أنه سأل مرافقته له في الجنة وهي أخص من مطلق الدخول.

الجمع والترجيح:
كل ما في المطولة مما هو زائد على المختصرة غير معارض لشيء فيها فهو مع المختصرة حديث واحد روى مطولا ومختصرا وإن تفاوتت
(2/279)

طريقاه. وما جاء فيها معارضا لشيء في المختصرة وهو سؤال دخول الجنة المعارض لسؤال المرافقة فإننا نأخذ بما في المختصرة ترجيحا لها لقوة سندها.

توجيه:
المرافقة في الجنة لا تقتضي المساواة في المنزلة والكرامة، أصله قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ - إلى- وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ولهذا سألها هذا الصحابي. ولما كان من الملازمين للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في الدنيا توجهت همته إلى مرافقته في الأخرى فسأله ذلك.

فوائد الأحكام:
في الحديث جواز قبول التبرع بالخدمة من الناس، وخصوصا لأهل المقامات العامة في مصالح الناس، وفيه فضل القيام من جوف الليل، - من قوله آتيه بوضوئه - وفيه سنة مكافأة المحسن على إحسانه، وفيه مشروعية سؤال الدعاء، وخصوصا ممن ترجى له الاستجابة، وفيه عدم الاكتفاء بالدعاء وحده عن التوسل بالطاعات ونوافل الخيرات، وفيه فضل السجود والحث عليه، وفيه دليل لمن يقول بأفضلية كثرة السجود على طول القيام.

إرشاد وتحذير:
سأل هذا الصحابي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يدعو له الله ولم يسأله هو أن يعطيه الجنة لأن الذي يعطى هو الله تعالى ولأن الذي يسأل منه العطاء هو الله تعالى، كما قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لابن عباس فيما رواه (وإذا سألت فاسأل الله) فمن المخلوق تسأل الدعاء ومن الخالق تسأل العطاء، ومن أدلة الأول هذا
(2/280)

الحديث ومن أدلة الثاني حديث أبي عباس المذكور. وكثير من الناس يسألون ممن يعظمون نفس العطاء وخصوصا من الأموات- رحمهم الله- في قبورهم فأرشدهم بمثل ما سمعت وحذار أن تكون منهم.

بيان عقيدة وإبطال ادِّعاء:
لما سأل هذا الصحابي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وعده بالدعاء وأرشده إلى العمل الصالح وهو كثرة السجود، ولم يقل له النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إنني ضامن لك ذلك ولا أنت مضمون ولا أنت في ضماني، لأن العبد لا يجوز له أن يضمن على خالقه بدون إذنه شيئا، وإذا كانت الشفاعة التي هي طلب منه لا تكون عنده إلا بإذنه فكيف الضمان الذي هو التزام على القطع، فمن الغرور العظيم والجهل الكبير والجراءة الكبرى على الله تعالى قول بعض المدَّعين "روح راك مضمون" وقول آخرين (من دخل دار كذا فهو مضمون) و (أنا ضامني الشيخ) و (يا دار الضمان) ونحو ذلك، مما يقوله الجاهلون وينكره العالمرن ويبرأ منه الصالحون.

حقيقة نفسية:
العبد بين داعيين مختلفين دينه يدعوه إلى الحسنى وينهض به للعلاء ونفسه تدعوه إلى السوأى وتنحط به إلى الحضيض. ولا ينحط المسلم عن مقامات الكمال إلا بإجابته داعي نفسه واعراضه عن داعي دينه. فالنفس هي الجاذب القوي إلى دركات الانحطاط. ولما كان دعاء النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لهذا الصحابي سببا في رفع درجاته، وكانت نفسه إذا خلاها على هواها ما نفعه له من ذلك الرفع فصار الدعاء النبوي والنفس الأمارة كالمتنازعين فيه- أمره بأن يعينه على نفسه بكثرة السجود ولم يقل له أعني على مطلوبك أو
(2/281)

تحصيل مرادك، بل قال له أعني على نفسك. وفي هذا تنبيه له على أن النفس هي المعرقلة للعبد عن الصعود في سلم السعادة وأنه إذا قهرها وغلبها فقد تيسرت له أسباب الكمال (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 8، ص 205 - 210
غرة ذي الحجة 1350 هـ- أفريل 1932 م.
(2/282)

الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ أَيْنَ يَهْدِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

((قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».
رواه البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ لمسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المفردات:
عليكم: اسم فعل بمعنى تمسكوا. وإياكم: منصوب على التحذير في معنى احذروا. والصدق مطابقة الخبر للواقع وتصويره على ما هو عليه. والكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع وتصويره على خلاف مما هو عليه. يهدي إلى كذا: يعني يوصل إليه بتحري الشيء يقصده ويتعمده ولا ينحرف عنه. البر: اسم جامع للخير كله. والفجور: الانبعاث في الشر، الصدِّيق: الكثير الصدق. والكذاب: الكثير الكذب.

التراكيب:
عبر بالمضارع في يصدق ويكذب ويتحرى ليفيد التجدد، وأن ذلك هو شأنه الذي يتكرر منه.
(2/283)

المعنى:
تمسكوا بالصدق وألزموه فإن الصدق يوصل إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، وإن العمل الصالح يوصل إلى الجنة، وإن الرجل ليتكرر منه الصدق ويتكرر منه تعمد الصدق والقصد إليه والتزامه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة صديقا فيثاب ثواب الصديقين ويرضى عليه رضاهم. واحذروا الكذب واجتنبوه فإن الكذب يوصل إلى الشر والانبعاث فيه وأن الشر يوصل إلى النار. وأن الرجل ليتكرر منه الكذب ويتكرر منه تعمده والقصد إليه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة كذابا فيؤثم إثم الكذابين ويسخط عليه سخطهم.

تفصيل وتقسيم:
الصدق والكذب يكونان باللسان على ما تقدم من التفسير وهو الأصل في إطلاقهما، وعليه محمل الحديث. ويكونان في القلب من حيث الاعتمقاد فالعقد الحق الجازم صدق والعقد الباطل كذب ويكونان في الجوارح من حيث الأفعال، فالأفعال الموفر حقه الواقع على وجهه (1) صدق، والفعل الناقص الواقع على غير وجهه كذب، وجماعها كلها الحق والكمال في الصدق والباطل والنقص في الكذب فأقسام كل منهما مرتبط بعضها ببعض ارتباطا يكاد لا ينفصل ويكاد من التزم بعضها ألاَّ يفارق الآخر. ولا يكمل العبد في مقام الصديقة إلا بكماله في أقسام الصدق كلها، وبعده عن أقسام الكذب كلها.

توجيه وتعليل:
كان الصدق يوصل إلى البر والكذب يوصل إلى الفجور لوجوه: الأول: ما بيناه في الفصل السابق من الارتباط بين أقسام كل منهما
__________
(1) في الأصل (وجه).
(2/284)

ورجوعهما إلى أصل واحد. الثاني: أن إلتزام الصدق يحمل على الوفاء بالعقود والعهود والوعود في معاملة الناس، فتجري أعمال المرء مع غيره على سداد واستقامة والكذب بعد ذلك. الثالث: أن الملتزم للصدق يمسك نفسه عن أعمال السوء مخافة أن يسئل عنها فيصدق فيجر على نفسه سوءا أو يكذب وهو لا يرضى مواقعة الكذب فتجري أعماله على البر سالمة من الفجور. والملتزم للكذب الضاري عليه يرتكب العظائم ولا يبالي أن ينفي عن نفسه كاذبا. أما البر فيوصل إلى الجنة لأنها دار المتقين، وأما الفجور فيوصل إلى النار لأنها دار الفاسقين. وأما كتابة الملازم للصدق صديقا فجزاء له من جنس عمله، فإنه داوم على الصدق وثبت عليه حتى رسخ فيه وتمكن خلقا من أخلاقه، فأثبت اسمه كذلك في الصديقين ومثله ملازم الكذب.

إستفادتان:
الأولى: أن بين الخصال خصال البر وخصال الشر تناسبا وتوالداً أو هذا أصل يحتاج إليها في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس وعلاج أدوائها، فإن من عرف المرض الأصلي الذي نشأت منه أمراض أخرى سهل عليه إذا عالجه أن يقتلع- بإذن الله- الباقي، ومن عرف أصل الخير سهل عليه إذا تمسك به أن يحصل على فروعه. الثانية: إن تكرر العمل بمقتضى خلق من الأخلاق يقويه ويثبته وأن العمل على مقتضى ضده يضعه ويزيله، وهذا أصل عظيم أيضا في التربية يعلمنا أن التساهل في الأعمال السيئة ولو كانت في نظرنا طفيفة يفضي بنا إلى استعصاء داء الرذيلة، وأن القيام بالأعمال الحسنة ولو كانت طفيفة يبلغ بنا إلى رسوخ الفضيلة.

إستنتاج:
قد كتب الله مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض وجفَّت
(2/285)

الأقلام وجرت المقادير كما في الصحيح، فهذه الكتابة كناية أخرى من باب الجزاء للعامل على عمله يستحق بها صاصبها وصف الصدِّيقين وثوابهم، أو وصف الكذابين وعقابهم، ويظهر بذلك في الملا الأعلى عند ملائكة الرحمن ويكسي حلته بين الناس ويعرف به {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.

ترهيب:
إن من داوم على الكذب حتى كتب من الكذابين يخشى عليه أن يحرم من التوفيق إلى التوبة، وتلك هي أكبر مصيبة، فإن الله من فضله على هذه الأمة أن فتح أمامها أبواب التوبة، وإذا داوم العبد على الإعراض عن باب سيده، متهاونا بمخالفة أمره، حتى كتب عنده في سىجل الشريرين كان ذلك خطرا عظيما عليه في أن يسد في وجهه الباب ويضرب بسوط الحرمان. ففي هذا الحديث الشريف ترهيب شديد من سوء عاقبة هذه الحال.

تحذير:
مواطن الهزل ومجالس البسط مما يتساهل فيها الناس فيلقون فيها الكلام بلا ضبط، وتجري ألسنتهم بالكذب من غير مبالاة ولا احتياط فيقعون في الإثم على الكذب والإثم على التهاون بالمعصية، ويتعودون ذلك التساهل حتى يقعوا في الوعيد المذكور في هذا الحديث، فليحذر المسلم من مثل هذه الحال وليتفطن لنفسه في مثل هذه المقامات.

تحذير أوكد:
من قلة الاحتياط في الدين وعدم الاحترام للعلم ما يجري على ألسنة كثير من الناس قولهم: (قال رسول الله) - صلى الله عليه وآله وسلم -. دون معرفة برتبة الحديث عند أهله، ومصيبة بعض المتسمين
(2/286)

بالعلم والقائمين بالخطب الجمعية في هذا أشد وأضر لتعديها منهم إلى غيرهم ونشرهم الموضوعات الكثيرة في الناس، ولا يكفيهم أنهم سمعوا أو وجدوا، فقد قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في مقدمة صحيحه، والكذب عليه- صلى الله عليه وآله وسلم- عظيم، والتحري فيما دونه واجب فكيف به، خصوصا وقد قال هو عليه وآله الصلاة والسلام «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم». رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال الإمام سيدي محمد السنوسي- رحمة الله عليه- في شرحه لهذا الموضع: (وعلماء السوء والرهبان على غير أصل سنة كلهم داخلون في هذا المعنى وما أكثرهم في زماننا (القرن التاسع) نسأل الله تبارك وتعالى السلامة من شر هذا الزمان وشر أهله) انتهى كلامه.

سلوك:
على العاقل أن يضبط لسانه في الجد والهزل، وأن يحترس من الكذب في الجليل والحقير، وأن يتثبت فيما ينقل ويروي من حديث الناس، وأن يتثبت أكثر وأبلغ فيما يروي في الدين والعلم، وأن يتحرى الصدق وتصوير الحقائق، وأن يجعل ذلك من همه وأعظم قصده، وأن يبادر بالتوبة فيما يزل به لسانه إلى ربه، ويعمل دائما على أن يطابق بين عقدهِ بقلبه ونطقه بلسانه وعمله بجوارحه حتى يكون متحريا للصدق بجميع أقسامه ويكتب به- بفضل الله ورحمته- في الصديقين. وفقنا لهذا ويسرنا له نحن والمسلمين أجمعين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين (1)
__________
(1) ش: ج 10، م 8، ص 500 - 503
غرة جمادى الثانية 1351 هـ- أكتوبر 1932 م.
(2/287)

لَا لَوْمَ عَلَىَ صِدْقِ الْمَتَابِ
مُحَاجَّةِ آَدَمَ وَمُوَسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَحَجَّ آدَمُ، مُوسَى. قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ». رواه الأئمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد:
الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بعد موتهم الدنيوي أحياء حياة برزخية روحية أسمى وأرقى من حياة غيرهم بمقتضى كمالاتهم ومقاماتهم، فتتلاقى أرواحهم في العالم العلوي القدسي، ويكون بينهما التعارف والتخاطب. وعلى هذا الوجه وقعت هذه المحاجَّة بين آدم وموسى عليهما السلام، وقصها علينا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لنستفيد ما فيها من العلم ونقتدي بما فيها من عمل.

الألفاظ:
تحاج: تنازعا وذكر كل واحد حجته. فحج آدم موسى: غلبه في الحجة. أغويت الناس: أضللتهم، أي كنت سببا في إخراجهم إلى الأرض فأغويتهم وأضلتهم الشياطين. وأخرجتهم: أي كنت سببا في إخراجهم بأكلك من الشجرة. علم كل شيء: أي مما يحتاج إليه في
(2/288)

هداية الناس، واصطفاه على الناس من غير المرسلين. قدر علي أي سبق به علم الله ومضت به إرادته في الأزل.

المعنى:
إلتقى هذان النبيان الكريمان التقاء روحيا في العالم العلوي، فوجه موسى إلى آدم لومه على ما كان منه من الأكل من الشجرة والمخالفة مما أدى إلى إخراجه من الجنة فنسل ذريته بالأرض فكان سببا في خروجهم إليها وتمكنت منهم الشياطين في دار التكليف فأغوت وأضلت من أغوت وأضلت منهم وكان ذلك كله بسببه. فدفع آدم هذا اللوم بأن ما كان منه كان مقدرا عليه قبل أن يخلق فلا لوم عليه فيه، إذ لا دخل له في التقدير، وعرض آدم لموسى بأنه ما كان ينبغي له أن يكون منه هذا اللوم على المقدر، مع علو مقامه بالعلم والاصطفاء, فغلب آدم موسى وقامت حجته عليه.

بسط وبيان:
دلت الأدلة القطعية أن ما يكون من العبد سبق به علم الله ومضت به إرادته وكتب عليه قبل أن يخلق {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ}، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} كما دلت الأدلة القطعية على أن الإنسان موأخذ بعمله ملوم عليه لما عنده من التمكن وما له من الاختيار {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} وأنه لا مؤاخذة عليه بعد التوبة ولا لوم {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.
(2/289)

وآدم عليه السلام كانت منه المخالفة على التأويل وتاب الله عليه، وكل ذلك قد كان في حياته فلم يبق عليه لوم بعد ذلك المتاب، فلما لامه موسى لم يكن سبب اللوم من ناحيته- وهو المخالفة- قائما لزواله بما كان من التوبة، ولم يبق إلا التقدير السابق، وهو لا دخل له فيه، فكيف يلام. فقلت حجته على موسى بسبب انعدام ما يوجب عليه اللوم، وهو المخالة، فكان لوم موسى في غير محله.

دفع شبهة:
قد احتج آدم بالقدر السابق فنهضت حجته، فهل يحتج كل مخالف بالقدر السابق فتنهض حجته؟ كلا: فإن الأدلة القطعية المتقدمة تمنع من ذلك منعا قاطعا. والتحقيق أن المخالف له حالتان: حالة التوبة الصادقة التي أسقطت المؤاخذة، وهذه هي حالة آدم التي احتج فيها فنهضت حجته، وحالة عدم التوبة، وهذه لا حجة فيها بالقدر لوجود المؤاخذة بالعمل المكتسب. وآدم وإن لم يذكر توبته. بمقاله فهي مفهومة من حالة معروفة مما أنزله الله من كتبه على موسى وغيره.

دفع شبهة أخرى:
فإذا كان آدم لا لوم عليه لسقوط المؤاخذة بالتوبة فكيف لامه موسى؟ والجواب: أن موسى لا يجهل هذا ولكنه غفل عنه أو غفل عما كان من آدم من التوبة، وتجوز عليه الغفلة وهو ليس في دار التكليف ولا في مقام التبليغ، فلما ذكر آدم دليله ذكر موسى ما غفل عنه فسلم.

إقتداء:
المناظرة في العلم والدين والمحاجة بالحق عن الأصول الشرعية والكمالات الإنسانية لا يتعالى عنها كبير لكبره، ولا يحتقر فيها صغير
(2/290)

لصغره، فالحق هو الحق على أي لسان ظهر، والحجة هي الحجة من أي ناحية قامت. وعلى هذا الأصل حاج موسى آدم وهو أبوه.
ومن حق المناظر أن يذكر كل ما يراه من الحجة الحقة لإثبات قوله ولو كان فيه ثقل على خصمه، وعلى هذا الأصل نسب موسى لآدم الإغواء والإخراج- وإن لم يكن من فعله- لأنه متسبب عنه.
ومن الواجب على من لاح له الحق في حجة خصمه أن يسكت ويسلم. فقد علمنا أن النبيان الكريمان (1) كيف يعتمد (2) على الحجة في البداية وكيف يخضع (3) لها في النهاية والقدوة هما صلى الله وسلم عليهما (4).
__________
(1 و2 و3) كذا في الأصل ويبدو أن التعبىر مضطرب لنقص بعض الجمل أو لسقوطها حين الطبع.
(4) ش: ج5ـ، م 15، ص 208 - 211
غرة جمادى الأولى 1358هـ - جوان 1939م.
(2/291)

مَجَالِسُ الْعُلُومِ
الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا.

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
" بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلاَثَةٌ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَذَهَبَ وَاحِدٌ. فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- سَلَّمَا، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» ".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السند:
خرَّجه مالك وتلقاه من طريقه الأئمة البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي رضي الله عنهم.

ألفاظ المتن:
الفرجة: الخلل بين الشيئين. أوى:! أوى إلى منزله، نزله واستقر فيه، وأوى إلى الله لجأ إليه ودخل مجلس ذكره ومنزل أوليائه. آواه: أنزله منزله وأدخله مسكنه، وآواه الله قبله وضمه إلى أهل مجلس ذكره وأناله ما ينيلهم من رحمته. استحيا: الحياء تغير
(2/292)

وانكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يذم به أو يلام عليه فيمنعه منه. فاستحيا هذا معناه امتنع من الذهاب كما ذهب صاحبه أو ترك المزاحمة في الحلقة. فاستحيا الله منه: ترك عقابه ولم يحرمه من ثواب. أعرض: التفت إلى جهة أخرى فذهب إليها. فأعرض الله عنه: حرمه من الثواب.

البيان:
كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يجلس في المسجد النبوي لأصحابه ويجلسون إليه حلقة فيعلمهم القرآن، والحكمة، ويعظهم، ويرشدهم، فجاء هؤلاء الثلاثة من طرف المسجد والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في حلقته، فأقبل اثنان وذهب الثالث ودخل أحد الإثنين في الحلقة فسد فرجة وجلس الآخر خلف الحلقة فلما فرغ النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- من درسه أراد أن يعرف القوم بصنيع الثلاثة ليعلموا حكم عمل كل واحد منهم في الشرع، فبين لهم أن الأول نال الأجر والمدح بإقباله على مجلس العلم وسده الفرجة، وأن الثاني سلم من الذم ولم يكن له من الأجر للأول، وأن الثالث حرم من الأجر وتحمل الملامة.

تحرير:
فسر الإعراض بالغضب والسخط، وفسرناه بالحرمان من الأجر مع الملامة، لأن ترك الإتيان ليس تركا لواجب حتى يستوجب صاحبه الغضب والسخط الذي من مقتضاه الإثم، بدليل أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يمنعه من الذهاب. ويؤيد تفسيرنا ما جاء عن أنس عند الحاكم ولفظه (فاستغنى فاستغنى الله عنه) وهذا ظاهر أن معناه لم يقبل على ما فيه أجر وثواب فلم يعط أجرا ولا ثوابا.
وفسر بعضهم استحياء الثاني بأنه لم يدخل للحلقة، وفسره آخرون
(2/293)

بأنه استحيا من الذهاب عن الجلس، والتفسير الثاني أرجح لأن سد الفرجة مطلوب فلا يمدح بالاستحياء منه. ولأنه جاء في رواية أنس عند الحاكم (ومضى الثاني قليلا ثم جاء فجلس). وهذا نص في المراد.

الفوائد والأحكام:
الأولى: الجلوس في المساجد حلقا للتعلم والتعليم.
الثانية: تعليم الناس ووعظهم وإرشادهم في المساجد، وهذان مما أجمع عليه المسلمون في جميع الأعصار والأمصار وجرى عليه عملهم وعلم بالضرور عندهم فلا يتعرض لهم فيها إلا ظالم من شر الظالمين. له في الدنيا خزي وله في الآخرة عذاب عظيم.
الثالثة: التعليق للعلم وتنظيم الحلقة وسد فرجها فهي في ذلك كصفوف الصلاة فيجوز التخطي لسد الخلل كما فعل الأول ويجلس خلفها إذا لم يكن موضع فيها كما فعل الثاني.
الرابعة: فضل الإقبال على مجالس العلم وكراهة الإعراض عنها إلا لعذر.
الخامسة: بيان أحكام الأعمال التي تقع أمام الناس حين وقوعها ليرسخ علمها ويتعظ بما فيها.
السادسة: لوم من زهد في الخير ولم يحرص عليه وإن لم يكن ذلك الخير من الواجبات عليه في تلك الحال.

إهتداء:
إن من يؤمن بأنه يحاسب على مثاقيل (1) الذر من أعماله لا يكون إلا حريصا على الخير أقل القليل منه، ومن شأن الحريص على الخير
__________
(1) في الأصل ميثاقيل.
(2/294)

أن يسارع إليه ويسابق فيه فلا يرى موطنا يشغله بين أهله إلا ملأه ولا نقصا يمكنه تكميله إلا كمَّله. حتى إذا سبق إلى خير وقف عندما حصل وكان له بنيته أجر من سبق. فهذا المجلس النبوي الكريم مثله في المعنى جميع مواطن الخير ومشاهد الفلاح. بصرنا الله بالخير وحببنا فيه وأعاننا عليه وجعلنا من أهله (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 13، ص 121 - 124
غرة شعبان 1356هـ- 2 ماي 1937م.
(2/295)

دَرْسُ خَتْمِ الْمُوَطَّأِ (1)
كما نقله في وقت الإلقاء بعض التلامذة وقد اجتهد أن يؤدي أغلب المقصود.

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ. وَبِهِ ثِقَتِي وَأَسْتَعِينُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَسْعَدِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم تَسْلِيمًا.
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالسند المتصل إلى الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس- رضي الله عنه- قال: " أَسْمَاءُ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- " وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ».

السند:
روى مالك هذا الحديث مرسلا، ورواه عنه كذلك يحيى بن يحيى
__________
(1) ش: اكتفينا بهذا الدرس الجليل عن الحديث المعتار لمجالس التذكببر (المؤلف).
(2/296)

والأكثرون، وجاء مرويا عنه مسندا عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وكثيرا ما يروي مالك الحديث مسندا ومرسلا. ولا يرسل مالك ولا يأتي ببلاغ في الغالب إلا وهو على علم بمن يترك من السند أنه محل الثقة والقبول والاعتماد. فأما إذا شك فإنه يصرح بشكه. وتصريحه بالشك حين يشك يدلنا على ما عنده من العلم واليقين عندما يسكت دون أن يصرح بالراوي. ومن الدليل على أنه إذا كان على شك من الأمر يصرح ما تقدم لنا قريبا في باب التعفف عن المسألة، فلما روي عن العلاء بن عبد الرحمن قوله: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلاَّ عزَّ وما تواضع عبد إلا رفعه الله)) قال لا أدري أيرفع هذا الحديث إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أم لا.؟
ثم إن هذا الحديث قد جاء مسندا في الصحيحين وغيرههما.

المتن:
في قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- لي خمسة أسماء، مفهومان: مفهوم الحصر ومفهوم العدد. فأما الأول: فمن تقديم الجار والمجرور، وأما الثاني: فمن لفظ خمسة، لكن المفهومين ليسا سواء، فإن مفهوم العدد- غير معتبر كما هو أصح الأقوال، نعم يسئل عن وجه الاقتصار على هذا العدد إذ كان هناك غيره، فإن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- له أسماء كثيرة قد أنهاها بعضهم إلى الألف. فاقتصاره هنا على ذكر خمسة لا بد أن يكون لوجه اقتضى الاقتصار عليها. ووجه ذلك أنها هي التي سمي بها في الكتب المنزلة. وهي الخمسة التي يختص بها وليس لغيره ألفاظها ولا معانيها كما سيتبين. وإذا كان سمي بغيرها في الكتب المتقدمة فهذه هي الأشهر والأكثر وكفى بهذا الذي ذكرنا وجها لتخصيصها بالذكر.
(2/297)

وأما مفهوم الحصر في قوله لي خمسة أسماء أي ليست لغري فهو مفهوم معتبر وهو حصر صحيح ثابت من جهة المعنى ومن جهة اللفط.
فأما الأول: فإننا نجد معانيها ليست إلا له- صلى الله عليه وآله وسلم- مختصا بها بين أخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- وهم المشاركون له في الكمالات ولكن الله يفضل منهم من يشاء بما يشاء لا لنقص في الفضل عليه ولكن لخصائص زائدة في المفضل، وأما الثاني: فكذلك أيضا على ما سنبين.

«أَنَا مُحَمَّدٌ»: مشتق من الحمد، والحمد هو الثناء بذكر الكمالات والصفات الفاضلة المشتملة على ما هو من صفات الذات، أو من صفات الأفعال وعلى ما هو من باب الكمالات أو من باب الإنعام. وإنما يعبر من الثناء ما كان حقا وصدقا بمطابقته للواقع وبمطابقته لما في القلب. ومحمد: اسم مفعول من حمد المضاعف العين، وهو يقتضي التكثير، فالحمد هو ذو الخصال الكثيرة الحميدة التي تقتضي حمده مرة بعد أخرى. فالمحمود هو من وقع عليه الحمد ولو مرة وأما المحمد فالذي يكثر حمده. وهو في الأصل صفة وقد نقل من الوصفية إلى العلمية وجعل دالا على الذات المسماة بهذا الاسم.
والمسمي له بهذا الاسم هو جده عبد المطلب بإلهام من الله، - والإلهام من الله هو ما يوفق الله إليه العبد ويهديه إليه دون علم سابق ولا دليل ظاهر، وإنما هي هداية ربانية تكون بإرشاد القلب إلى الشيء الملهم إليه- فهذا الاسم النبوي علم منقول من الصفة وهو وإن كان موضرعا للذات، فإن الواضع يلاحظ عند الوضع معنى تلك الصفة التي نقل منها. ويدل لهذا ما جاء أن عبد المطلب لما سئل عن تسمية ابنه بهذا الاسم- ولم يكن من أسماء آبائه وأجداده، ومن عاداتهم أن يحيوا ذكر آبائهم وأجدادهم بتسمية أبنائهم بأسمائهم- أجاب
(2/298)

إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. فدل هذا على أن العربي الواضع للعلم الوصفي يلاحظ معناه لما كان صفة، وبهذا يكون الاسم وغيره- مع العلمية- منطويا ومشتملا على الثناء عليه. ولهذا يعبر القاضي عياض بقوله: "فمن خصائصه تعالى له- صلى الله عليه وآله وسلم- أن ضمن أسماءه ثناءه، فطوى أثناء ذكره، عظيم شكره" وما كانت الأسماء منطوية على الثناء إلا مع ملاحظة ما كانت عليه قبل العلمية.
والثناء الذي يشتمل عليه هذا الاسم الشريف هو ما دل عليه من كثرة خصاله التي يحمد عليها ويكون حمده عليها متجددا. وهذا قد تحقق وهو واقع مشاهد فإنه- صلى الله عليه وآله وسلم- قد حمده الخلق ويمحدونه دنيا وأخرى ويزداد ذلك في المواطن التي يزداد علم الناس بما أعطاه الله من كمالات وما أظهر على يده من إنعامات ويزداد علمهم بذلك بقدر ما يزداد تقدمهم في العلم والمعرفة، حتى أننا نرى في عصرنا هذا من غير المسلمين ممن ينصفونه فيذكرون من كمالاته والخير الذي أصاب البشرية على يده، فيشكرونه ويكررون الثناء عليه. فأما من أهل الإيمان به فهو كثير شهير، ثم إن الخلق كلهم يوم القيامة يحمدونه بما يشاهدون من النعم التي أعظمها وأجلها موقفه في الشفاعة العامة، فيحمدونه الحمد المتجدد المتكرر عندما يشاهدون ما لم يكونوا من قبل يعرفون.

«وَأَنَا أَحْمَدُ»: وهو مشتق أيضا من الحمد، غير أن فعله حمد السالم المسند إلى الفاعل، وهو علم منقول من اسم التفضيل، والأحمد هو الأكثر حمدا من غيره. وقد علمنا أن النقل تصحبه تلك الملاحظة، فقد سمي أحمد على اعتبار أنه أكثر الخلق حمدا لله، فالخلق كلهم يحمدون الله بلسان الحال أو بلسان المقال. وهو أكثرهم حمدا لله على كل حال.
(2/299)

هذا وقد ذهب قوم إلى أن أحمد من فعل حمد المبني للغائب على معنى أنه أكثر محمودية من غيره. وتنتفي مرادفته للأول بجعل الأول راجعا للملكية أي لكثرة الصفات التي يحمد عليها، وجعل هذا راجعا للكيفية أي أفضلية ما يحمد به. والذي يقرر هذا هو الإمام ابن قيم الجوزية ويقول في تقريره؛ لو كان أحمد من المبني للفاعل لكان الأولى أن يسمى حمَّادا لأنه هو الذي يفيد كثرة الحمد. وهذا من هذا الإمام على جلالته سهو وغفلة فإن أحمد عندما يكون منقولا من اسم التفضيل المسند للفاعل يفيد تفضيله على جميع الحامدين المقلين والمكثرين فهو الأكثر حمدا لله من كل من أقل أو كثر. وأما حماد فإنما يفيد كثرة حمده ومن كثر حمده قد يساويه أو يفوقه فيه غيره فأما أحمد فيفيد- خصوصا مع حذف المتعلق- أنه بلغ من كثرة الحمد إلى مقام كان فيه أكثر حمدا لله من كل حامد.
على أن- هنالك شيئا آخر لا بد من ملاحظته وهو أن الإسمين يراد بهما الدلالة على تكميل الله له من ناحيتين، الناحية التي يكون فيها في مقام التعظيم والتكريم بالثناء عليه وهو ما يقتضيه اسم محمد. والناحية التي يكون فيها في مقام الخضوع والخشوع بحمده لله تبارك وتعالى وثنائه عليه، وهو ما يقتضيه اسم أحمد المنقول من المسند للفاعل، فمحمد دلنا على مقامه الأول الذي يكثر فيه له الحمد، وأحمد دلنا على مقامه الثاني الذي يكثر فيه منه الحمد، ودلنا على أنه في هذا المقام قد فاق سواه وكان فيه لا تظير له. وهذا المعنى لا يمكن أبدا أن يستفاد من حماد. على أن أحمد المأخوذ من السند إلى الفاعل هو الذي يجري القياس، والمتبادر إلى الأذهان عند سماع اسم التفضيل هو الإسناد إلى الفاعل ولا يفهم الاسناد إلى المفعول إلا بقرينة.
وحمده الله الذي فاق فيه كل حامد لا يكون إلا عن إيمانه ومعرفته
(2/300)


لكلمات الله وإنعاماته فيقتضي أنه فاق فيهما جميع الخلق. والايمان والمعرفة يقتضيان الطاعات الظاهرة والباطنة فيكون قد فاق في الطاعة جميع الخلق وبهذا كان الاسم متضمنا لأكمل الثناء عليه بأنه أكمل عبد لله علما وعملا.
وهذان الاسمان الشريفان مرتبان في التسمية بهما للخلق والأسبق منهما عند قوم وهم الأكثرون هو أحمد وهو الذي سماه الله به في الإنجيل كما في سورة الصف: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. ثم محمد ااذي سماه به جده توفيقا من الله وهو اسمه في القرآن العظيم كما في سورة الفتح: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}. فالسابق إذا هو أحمد. والذين يذهبون إلى هذا يقولون أن الترتيب بينهما في التسمية على حسب الترتيب الذي بين المقامين المدلولين لهما فإن المقام الأول هو مقام عبوديته وحمده لله، والمقام الثاني هو مقام كماله بأخلاقه وصفاته وأعماله. فهو قد حمد الله أكثر الحمد في مقام عبوديته فجازاه على ذلك بأن كان محمودا مكررا حمده في مقام كمالاته والجزاء من جنس العمل فهو ما كان محمدا حتى كان أحمد وهذا ترتيب ظاهر وجيه. ويكون وجه تقديم اسم محمد في هذا الحديث على هذا القول أنه أشهر أسمائه وأنه اسمه في القرآن العظيم.
وذهب قوم إلى أسبقية اسمه محمد، وأنه سمي به في التوراة، واستدلوا على هذا بأدلة ونقلوا من التوراة نقولا. ووجه التقديم لاسم محمد على هذا القول أنه نظر إلى أنه يوجد على فطرة الكمال ويشب على الكمالات والأخلاق الفاضلة التي يتكرر حمده عليها وقد حمده أهله صبيا رضيا، وحمده قومه شابا سريا وسموه بالأمين ثم لما أنعم الله عليه بالنبوة كان أحمد الخلق لله بما كان له حينئذ من العلم بكمالات الله وإنعاماته. وهو وإن كان مفطورا على الإيمان والعلم والكمال
(2/301)

وقد كان حامدا لله من يوم إدراكه لكن حمد النبي الرسول ليس كحمد من لم يكن بعد نبيا رسولا. فعلى هذا النظر من الترتيب يظهر وجه الأسبقية لاسم محمد على هذا القول.

«وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ»: والمحو هو الإزالة. وفسر لنا- صلى الله عليه وآله وسلم- هذا الاسم دون الاسمين السابقين لأن اشتقاقهما كاف في ظهور معناهما، بخلاف الماحي فإنه قد يخفى المراد منه باعتبار الشيء الممحو ولذلك بينه بقوله الذي «يمحو الله بي الكفر».
وهذا المحو الذي كان به- صلى الله عليه وآله وسلم- علمي واما عملي وقد حصل المحو به- صلى الله عليه وآله وسلم- للكفر علميا وعمليا فأما الأول فقد جاء النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بأدلة قاطعة وبراهين ساطعة على صدقه في كل ما جاء به من الحق والهدى والنور جاء من ذلك بما لم يأت به غيره وكل ذلك محو وإزالة للكفر في العالم العالمي. وأما الثاني فإنه صلى الله عليه وآله وسلم جاء والأرض في ظلمة من الكفر بين ضلال أهل الكتاب ووثنية المشركين وأنواع أخرى من كفر الكافرين فدعا إلى الله وصبر وجاهد، فما مات - صلى الله عليه وآله وسلم- حتى انتشر الإسلام في جزبرة العرب كلها التي كانت سببا في إنقاذ البشربة ومصدرا لهدايتها فهذا محو عملي ومحو آخر وهو أنه- صلى الله عليه وآله وسلم- قد زويت وطويت له الأرض حتى شاهد مشارقها ومغاربها وقيل له أنه ستبلغ دعوته إلى ما زوي له منها وقد كان ذلك. ففي الأمد القصير ظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وامحى سلطان الكفر وانهدت عروش الجبابرة عرش القياصرة بالشام وعرش الأكاسرة بالعراق وتتابع المحْو والإزالة.
قال: يمحو الله، لأن الخالق إنما هو لله. ويقول: بي لأنه هو السبب. ويفيد المضارع أن المحو يتجدد وكذلك كان فما زال المحو
(2/302)

العلمي يتجدد فما نجمت ضلالة إلا وكان فيما جاء به حجة دامغة لها وما زال المحو العلمي كذلك يتجدد والإسلام ينتشر من نفسه انتشارا لا يلحقه فيه غيره ممن ينفقون في نشر نحلهم الأموال الطائلة ويسخرون القوات المتنوعة الهائلة وليس انتشاره في خصوص الأمم المنحطة بل في الأمم الراقية والذين سبقوا إليه منها هم علماء مما يدل على أن أكبر آيات الإسلام هي آياته العلمية الخالدة. فالمحو يتجدد تجددا مشاهدا مستمرا بهذا النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام.

«وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي» الحشر: الجمع وتقدير الكلام على أثر قدمي وجمع الناس على أثر قدمه كناية عن اتباعهم له. والمعنى: أن الله يجمع الناس كلهم على شريعته جمعا تشريعيا فلا يقبل من أحد شيئا إلا باتباعه في شريعته والسير على أثر إقدامه، سواء أكان من أهل الملل الأخرى أو من أهل ملته فلا نجاة لكافر من ضلال الكفر إلا باتباع شريعته، ولا نجاة لمسلم من ضلال البدعة إلا باتباع سنته.
ويفيد المضارع في قوله (يحشر) أن هذا الجمع متجدد لأن شريعته دائمة وسنته باقية فما من جيل إلا وهو مكلف بالسير على قدمه وذلك معنى تجدد جمع الناس جمعا تشريعيا على اتباعه. وأسند الحشر لنفسه في قوله الحاشر لأنه الكاسب المباشر المبلغ عن الله شرعه لعباده وقال يحشر بإسناد الحشر إلى الله وحذف الفاعل للعلم به من المعنى وسياق الكلام، لأنه هو الخالق المشرع. على أوزان قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}، وقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}.

«وَأَنَا الْعَاقِبُ»: هو الذي يخلف شيئا ويأتي بعده، وهو صلى الله عليه وآله وسلم جاء بعد جميع الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة
(2/303)

والسلام- وخلفهم. وقد جاء في رواية مسلم مفسرا فقال: «وأنا العاقب الذي لا نبي بعده» وعند غير مسلم «الذي لا نبي بعدي» وأفاد بالتفسير أنه لا يعقبه غيره فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
تقدم لنا في صدر الدرس أن قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- لي خمسة أساء يقتضي اختصاصه بها وهو اقتضاء صحيح ومطابق للواقع فهذه الأسماء ليست إلا له إذ لم يسم الله نبيا ولا رسولا بواحد منها فهو مختص بالتسمية بها من الله بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام-.
نعم قد سمى بعض العرب أبناءهبم محمدا قبل البعثة بقليل، وهم نفر قليل ولم يعرفوا بنبوة، ومنهم من أسلم فكان من أتباع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، فكان ذلك القليل النادر في حكم العدم، على أن القصود بتخصيصه تخصيصا من بين سائر الانبياء والشيء إنما يفضل بالنسبة لمن في منزلته. فمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- لما تذكر فضائله وخصوصياته إنما تذكر بالنسبة للأنبياء والمرسلين فإذا قلنا أن محمدا- صلى الله عليه وآله وسلم- خص بكذا بهذا الاسم مثلا فمعنى ذلك أننا لا نجده لمثله من الأنبياء والمرسلين. فهذا الاختصاص اللفظي بهذه التسمية.
وكذلك هو مختص بها من جهة معانيها فله من الكمالات التي يتحلى بها والإنعامات التي جعله الله سببا فيها والمواقف التي يقفها ما ليس لغيره، فليس ينال غيره من الحمد مثل ما يكون له من الله ومن الناس وهو يقابل تلك النعم الربانية عليه بالحمد، فلا يكون الحمد من أحد مثل الذي يكون منه لله. وكفى في هذا حديث الشفاعة الثابت المشهور فإنه لما يخر ساجدا لله يفتح عليه بأنواع من الحمد لم
(2/304)

يكن يعرفها هو من قبل فقد بلغ في حمده لله مقاما لم يبلغه أحد. ولما يتقبل الله شفاعته العامة في فضل القضاء يحمده أهل الموقف كلهم في ذلك المقام المحمود، فقد بلغ من حمد الناس له مقاما لم يبلغه غيره. فبان اختصاصه- صلى الله عليه وآله وسلم- بمعنى الإسمين الشريفين محمد وأحمد دون جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وكذلك الاسم الثالث فإنه مختص بمعناه. وإذا راجعنا تواريخ الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- فإننا لا نجد أحدا منهم محي به من الكفر ما محي بمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- ولنقتصر على هذين النبيين الكريمين موسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام- فأنتم تعرفون من القرآن ما قاسى موسى من بني إسرائيل الذين ما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهه آلهة. وما تقصه كتبهم يدل أنهم لم ترسخ لهم قدم في الإيمان، فأي محو هنا؟ وأما عيسى- عليه الصلاة والسلام- فقد رفعه الله إليه وما آمن به إلا أفراد ثم بقيت دعوته مغمورة. وما انتشرت النصرانية المنسوبة إليه باطلا إلا بعد ثلاثمائة سنة على يد ملك بيزنطا قسطنطين. على أنهما- عليهما الصلاة والسلام- لم يرسلا رسالة عامة حتى يعم المحو بهما وإنما أرسلا رسالة خاصة لبني إسرائيل كما لم يأتيا من الآيات بمثل ما أتى به لمحو كل كفر وباطل، وكفى بآية القرآن الخالدة على الزمان المتجددة على الأجيال. فهذا يبين لكم أن المحو العلمي والعملي بأكمله وأشمله إنما هو خصوصية له عليه الصلاة والسلام.
ولعلكم تقولون أن العرب قد ارتدت بعد موته- صلى الله عليه وآله وسلم- فأين هو المحو؟ فالجواب: أن الردة لم تكن عامة، فإن الأكثر والأظهر هم الذين ثبتوا على الإسلام والطاعة لخليفة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يبدلوا شيئا، وطائفة كثيرة
(2/305)

بقيت على الإسلام وإنما امتنعت عن أداء الزكاة، وهذه هي التي توقف عمر وغيره في قتالها وشرح الله صدر أبي بكر لقتالها ورجع الصحابة- رضي الله عنهم- إليه، وطائفة أخرى ارتدت عن الإسلام جملة كأصحاب طليحة وسجاح- راجعا الاسلام بعد- والأسود ومسيلمة وكان في غمار هؤلاء المرتدين أفراد من المؤمنين يقاومون وتوقفت طائفة تنتظر لمن تكون الغلبة.
وكان السر الأكمل في هذه الردة على تفصيلها أن يتبين للناس أن الذين اتبعوه اتبعوه لأنه نبي لا لأنه عربي.
لقد ثبت المحو به مباشرة في الأكثر الأظهر وثبت المحو بواسطة خليفته ومن معه ممن انطبق عليهم قول الله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. والمحو على يد هؤلاء السادة محو به. وهكذا كل محو يقع على يد أتباعه إلى يوم الدين فهو محو به وله مثل حسنات مباشريه على قاعد السابق للخير والبارىء به والداعي إليه.
وكذلك الإسم الرابع فهو مختص بمعناه لأن الله لم يجمع الناس جمعا تشريعيا على نبي قبله فقد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسل هو - صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الناس عامة.
وكذلك الإسم الخامس فهو المختصر، بختم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
هذه الأسماء الشريفة نأخذ منها حظ العلم وحظ العمل فأما حظ العلم فقد تقدم، وأما حظ العمل فعلينا إذ علمنا معنى اسمه محمد
(2/306)

أن نستكثر من الأخلاق الطيبة والأعمال النافعة والمواقف الشريفة مما ننال به الحمد من الله والناس.
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه أحمد أن نكثر من حمد الله على نعمه نعم الخلقة ونعم الهداية، فنحمده إجمالا وتفصيلا، ويتضمن هذا علمنا بهذا النعم وذلك يقتضي توسيع دائرة معلوماتنا بخلقه وبشرعه فنتناول كل ما نستطيع من العلوم والمعارف التي توصلنا إلى ذلك وقدلنا عليه.
وعلينا إذا علمنا معنى اسمه الماحي أن نعمل على محو الكفر والضلال والشر والباطل وكل ما ينهي عنه الإسلام وما ابتدعه المبتدعون وحملوه إياه. نمحو ذلك كله من أنفسنا وحيثما استطعنا ولا سبيل إلى هذا المحو إلا بالعلم والعمل وإظهار الإسلام بسلوكنا في الحياة أمام الناس في مظهره الصادق الصحيح فأعظم ما محى به الكفر سلفنا الصالح هو هديهم وسلوكهم وتطبيقهم للإسلام تطبيبقا صحيحا على الحياة في أنفسهم وفي غيرهم في جميع الأحوال.
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه الحاشر أن نتقيد بشريعته وسنته فلا نقول ولا نعمل ولا نعتقد إلا مالا يخرج عنهما فيكون قولنا دائما ماذا قال محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- وماذا فعل وكيف كان في مثل هذا الموقف في مثل هذا الحال في كل ما نقفه من مواقف وما يعترضنا من أحوال وبهذا نكون قد حشرنا أنفسنا على اثره. وعلينا أن ندعو الناس إلى اتباع شريعته وسنته بما نبين لهم من براهين الحق وأدلة الصدق وبما نذكر لهم من محاسنه ومحاسن ما جاء به وبذلك نكون قد عملنا على حشر ما استطعنا من الناس على شريعته وجمعنا ما أمكننا من القلوب على تعظيمه ومحبته، وفي ذلك الخير والسعادة للناس أجمعين.
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه العاقب وهو الخاتم أن نرد كل ما يحدثه
(2/307)

المحدثون من زيادة في شريعته، ونعد كل من يأتي ذلك ويتظاهر بالإسلام دجالا من الدجاجلة وقد أخبر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنه يكون بعده دجاجلة وكذابون وأولهم مسيلمة والمتنبؤون الكذبة فلا قول إلا قوله ولا هدى إلا هديه ولا إسلام إلا ما جاء به.
...

ها ان مالكا- رحمه الله تعالى ورضي عنه وجازاه عنا أحسن الجزاء- قد ختم كتابه الجليل بهذا الحديث الشريف المشتمل على هذه- الأسماء النبوية الكريمة فهل هنالك من نكتة؟
إن هذا الموطأ هو أقدم كتاب لنا ألفه إمام عظيم من أتباع التابعين، وهو كتاب يعلمنا العلم والعمل ويعرفنا كيف نفهم وكيف نستنبط وكيف نبني الفروع على الأصول، يعطينا هذا كله وأكثر منه بصريح بيانه وبأسلوب ترتيبه للأحاديث والآثار والمسائل. وإن شراح هذا الكتاب الجليل لم يوفوه حقه- في نظري القاصر- من هذه الناحية وهي من أعظم نواحيه.
ومما هو مشهور من ابتكار مالك في كتابه هذا الكتاب الجامع الذي ختم به الموطأ، فإنه نظر إلى مسائل عديدة من أمهات الشريعة في العقائد والأخلاق والآداب والأحكام وغيرها فنظمها في سلك واحد وسماها بالكتاب الجامع، وهذه الأصول التي نظمها في هذا الباب بنى عليها من جاء بعده فروعا وعقد عليها أبوابا كالبخاري وغيره.
وإن مالكا لم يذكر في موطئه كتابا خاصا بالسيرة النبوية كما فصل ذلك غيره ممن جاء بعده ولكنه ذكر أسماءه الشريفة- صلى الله عليه وآله وسلم- فكفاه وذكر أسمائه متضمنا لسيرته- صلى الله عليه وآله وسلم- فكفاه في ذكر حياته- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يذكر أسماءه.
(2/308)

ولما كانت سيرته من بدايتها إلى نهايتها هي المثال الصادق للشريعة كلها والسفر الجامع للدِّين الإسلامي كله- ختم كتابه بهذا الحديث المشتمل على هذه الأسماء المتضمنة لها. وهو كالتحصيل بعد التفصيل.
ونكتة أخرى وهو أن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية. والمثال الكامل لذلك كله هو حياة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- في سيرته الطيبة فهذا الحديث بعد ما تقدمه من الكتاب كله مثل الغاية من الوسيلة.
فسيرته- صلى الله عليه وآله وسلم- هي الجامعة لمحاسن الإسلام والغاية لكل كمال.
ومن أبدع المناسبة لختم الكتاب أن كان آخر هذه الأسماء الشريفة هو العاقب والعاقب هو الخاتم، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الآل والتابعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (1).
__________
(1) ش: ج7، م 15، ص 332 - 344 غرة رجب 1348هـ - أوت 1939م.
(2/309)

آثار وأخبار (1).

استقر رأي الأعضاء الإداريين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين على تخصيص الصفحة الأولى من جريدة الجمعية بهذا الباب: باب الآثار والأخبار.
والمنقول في هذا الباب هو الحديث المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-، والأثر المروي عن أحد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين-، والقول المنسوب إلى إمام من أئمة الدين أو صالح من صلحاء المؤمنين رحمة الله عليهم أجمعين.
ويختار من الآثار والأخبار ما قل لفظه ليسهل على القارىء حفظه، ودل مع ذلك على ترغيب أو ترهيب أو تربية أو تسلية.
وعلى القارىء أن يحفط ما يجده في هذا الباب من الآثار. وعلى الكاتب أن يعقب كل أثر بتعليق يشير فيه إلى ما حضره من فوائد تؤخذ من ذلك الأثر، ولا بأس أن يكون التعليق منقولا أيضا. فإن المقصود هو أن يحرص الكاتب على إفادة القارىء سواء في ذلك إفادته بما فهمه هو أو بما فهمه غيره.

1 - شكوى علماء الدين من الأرذال المفسدين:
روى ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عن الحسن البصري أحد كبار علماء التابعين أنه قال:
__________
(1) اخترنا أن نلحق هذه المقلات بقسم الحديث لأنها تدور حوله في أغلبها.
(2/310)

اللهم إليك نشكو هذا الغثاء الذي كنَّا نحدث عنه، إن أجبناهم لم يفقهوا، وإن سكتنا عنهم وكلناهم إلى عي شديد. والله لولا ما أخذ الله على العلماء في علمهم ما أنبأناهم بشي أبدا (1: 6).

تعليق:
الغثاء في الأصل ما يخالط زبد السيل من أعشاب وأوراق، والمراد به- هنا أرذال الناس وسقطهم.
وقد أفاد الأثر أولا: أن علماء الدين المرشدين كانوا من قديم الزمان يعانون متاعب في الإرشاد ويتحملون إذايات المفسدين، ويتلقون اعتراضات من أدعياء العلم المفتونين.
وثانيا: أن تلك المتاعب والإذايات والاعتراضات لا تسقط عن العالم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنجيه من تبعة الكتمان الثابتة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} وقوله- صلى الله عليه وآله وسلم-، «من سئل علما علمه فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» رواه ابن عبد الله في الجامع وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم بروايات متحدة المعنى متقاربة الألفاظ.
وثالثا: أن العلم أمانة عند العلماء، وهم مكلفون بأدائها لمستحقيها. وليس العلم ملكا لهم يستغلونه فيكتمونه إن رأوا الكتمان أوفق بمصالحهم الشخصية، وينشرون منه ما لا يصادم أهواء العامة بل يزيدهم جاها لديهم. ولا أبخس صفقة ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة.
(2/311)

2 - حكم طلب العلم:
روى ابن عبد البر في جامعه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- «أطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» (1: 7).

تعليق:
أفاد الحديث أمرين: أحدهما وجوب طلب العلم، وثانيهما عدم اعتبار المشقة في طلبه مانعا من وجوبه، بلغت المشتقة ما بلغت.
والحديث رواه ابن عبد البر من طرق متعددة ثم قال ( ... في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافا متقاربا).
ومثار الخلاف الذي أشار إليه ابن عبد البر ما في لفظة العلم من الإجمال، فإن المراد من العلم العلم الديني قطعا، لكن مسائل الدين منها ما هو فرض ومنها ما هو غير فرض ومنها ما هو فرض عيني ومنها ما هو فرض كفاءي.
وقد أورد ابن عبد البر أقوال الأئمة في معنى الحديث، فروى عن اسحاق بن راهويه أنه قال: " معناه أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته، إن كان له مال، وكذلك الحج وغيره، وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه، وما كان فضيلة لم يخرج إليه حتى يستأذن أبويه ".
وروى عن مالك أنه سئل: عن طلب العلم أهو فريضة على الناس فقال: لا، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه.
وروى عن ابن المبارك أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال: فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه.
(2/312)

وروى عن ابن عيينة أنه قال: فريضة على جماعتهم، ويجزىء فيه بعضهم عن بعض وتلا هذه الآية: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}.
ثم أورد ابن عبد البر جملة من المسائل الواجبة وجوبا عينيا، وجملة من الواجبات الكفائية، ونحن لا نرى لزوما للتفصيل فإنه يلوح من كلام الأئمة المتقدم أن طلب العلم على وجهين: أحدهما الاشتغال بتحصيل مسائله والانقطاع إلى تعلم قواعده. وهذا هو الواجب كفاية. وثانيهما السؤال عن حكم ما نزل به من أمر دينه واستفتاء أهل العلم فيه وهذا واجب عينا فاحفظ هذا الضابط واعتبر به مسائل دينك يسهل عليك الفرق بين ما هو واجب على عموم المسلمين يسقط عنهم بوجود عالم بينهم، وما هو واجب عليك في خاصة نفسك لا تبرأ منه ذمتك إلا بمعرفته (1).

3 - براءة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ممن غير دينه:
روى مالك في الموطأ، وروى غيره أيضا عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- خرج إلى القبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. فقالوا: يارسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: كلا أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. وأنا فرطهم على الحوض.
__________
(1) الصراط السنة الأولى العدد 12 يوم الإثنين 16 شعبان 1352هـ ديسمبر 1933م، ص1 ع1 و2 و3 ص2 ع1
(2/313)

فقالوا: يارسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قال يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء. وأنا فرطهم على الحوض. فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم: فيقال إنهم قد بدلوا بعدك؟ فأقول: فسحقا فسحقا فسحقا».

تعليق:
قد أتينا هذه المرة بحديث فيه طول. ولكن ما فيه من الفوائد نعتقد أنه يكون حافزا للقارىء إلى حفظه. وليس حفظ الحديث الجليل بكثير على همة المستفيدين.
وفوائد هذا الحديث أولاها: جواز زيارة القبور، غير أن الجواز مقيد بكونها على الصفة التي وقعت من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ومن أصحابه- رضوان الله عليهم-. وصفة الزيارة في هذا الحديث مركبة من ثلاثة أشياء: أحدها حق الدعاء للموتى، ثانيها الاعتبار بحالهم، ثالثها دعاء الزائر لنفسه بحسن الخاتمة. الأول مستفاد من جملة السلام عليكم. والثاني مستفاد من جملة وإنا بكم لاحقون. والثالث مستفاد من جملة إن شاء الله. فقد قال أبو القاسم الجوهري معناه: " لا نبدل ولا نغير، نموت على ما متم عليه إن شاء الله تعالى" نقله الباجي في شرح الموطأ.
الفائدة الثانية: تسميته- صلى الله عليه وآله وسلم- لمن لم يره من أمته بإخوانه. فنحن من أخوانه- صلى الله عليه وآله وسلم- وكفى بهذه النسبة شرفا. فما على المسلم إلا أن يعمل بسنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم- حتى تتحقق فيه هذه النسبة. وليس من الأدب ومن الإيمان أن يستضعف المسلم هذه النسبة ويحاول
(2/314)

تقويتها بنسبة أخرى إلى شخص آخر ككونه خوني فلان أو حبيبه أو درويشه (1).
وعدم تسميته- صلى الله عليه وآله وسلم- لأصحابه بالإخوان يدل على فضل الصحبة وإن لها مزية زائدة على مطلق الأخوة. وهذا لا خلاف فيه.
الفائدة الثالثة: عنايته- صلى الله عليه وآله وسلم- بأمته في الآخرة كما كان حريصا على هدايتهم في الدنيا يدل لهذه العناية قوله: وأنا فرطهم على الحوض. قال الباجي في شرحه: يريد أنه يتقدمهم إليه ويجدونه عنده. رواه ابن حبيب عن مالك. يقال فرطت القوم: إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيء لهم الماء والرشاء.
الفائدة الرابعة: إن عنايته- صلى الله عليه وآله وسلم- بأمته في الآخرة خاصة بالثابتين على سنته منهم، فأما المبتدعون الذين بدلوا سنته وأحلوا محلها بدعتهم فإنه- صلى الله عليه وآله وسلم- يبعدهم عنه بقوله: فسحقا فسحقا فسحقا.
ثم هذا الإبعاد معناه الحرمان من ماء الحوض في وقت شدة الحاجة إليه. فإن كان الابتداع والتبديل بالمروق من الدين فالإبعاد حرمان من الشفاعة أيضا، ويبقى ذلك المبتدع مخلدا في النار وإن كان الابتداع لا يخرج من الدين، فالإبعاد عن الحوض لا يمنع المبتدع أن تناله الشفاعة، غير أن في الإبعاد عن الحوض عذابا بالظمأ وخزيا بالطرد.
نسأل الله أن يحيينا على سنة رسوله الكريم وأن لا يحرمنا من ماء حوضه العذب ولا من شفاعته المرجوَّة (2).
__________
(1) خوني وحبيب ودرويش مترادفة معناها: مريد.
(2) الصراط: السنة الأولى العدد 13 يوم الإثنين 23 شعبان 1352 هـ الموافق 11 ديسمبر 1933م، ص1 ع1 و2 و3 بقية ص2 أسفلها. ص2 أسفلها.
(2/315)

4 - الترغيب في الذكر
قال الحسن البصري وأبو العالية والسدى والربيع بن أنس: «إن الله يذكر من ذكره ويشكر من شكره ويعذب من كفره».
نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره (1: 360).

تعليق:
الأحاديث والآثار في فضل الذكر والترغيب فيه كثيرة، وليس فيها على كثرتها ما يدل على احتياج الذاكر إلى إذن في ذكره من غيره. وليس فيها على كثرتها ما يدل على أن الله قد نصب بعض عباده لإعطاء الإذن في ذكره لمن يريده.
فاذكروا الله أيها المؤمنون. ولا تتخذوا وسطاء بينكم وبين الله في الإذن بالذكر ولا في قبوله. وما أصدق قول الناس: "باب الله ما عليه بواب".

5 - ما هو الذكر ومن هو الذاكر؟
عن خالد بن أبي عمران قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- «من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلَّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن».
أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، نقل ذلك السيوطي في الدر المنثور (1: 149).
وعن سعيد بن جبير أنه قال في جواب مسائل سأله عنها عبد الملك ابن مروان: "وتسأل عن الذكر فالذكر طاعة الله. فمن أطاع الله فقد ذكر الله،
(2/316)

ومن لم يطعه فليس بذاكر وأن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن". نقله ابن غيلان في شرحه على حلية الأبرار للنووي (1: 15).

تعليق:
قد جمعنا بين الحديث المرفوع والأثر الموقوف على سعيد بن جبير من كبار علماء التابعين لاتحادهما في المعنى وورودهما على غرض واحد، وقدمنا الحديث لأنه الأصل، وأخرنا الأثر لأنه الفرع الشاهد المقوي لسند ذلك الحديث ..
وقوله في الحديث: وإن قلت صلاته ... الخ. يريد صلاة التطوع وصيام التطوع، أما من قلت صلاته الواجبة أو صيامه الفرض فإنَّه عاص لا يوصف بالطاعة.
وبهذا الحديث وذلك الأثر تعلم المراد من الآيات الآمرة بالذكر. كقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} وقوله: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}. فليس المراد من الذكر في أمثال هاتين الآيتين خصوصا الذكر اللساني. بل المراد الطاعة بجميع أنواعها من صلاة وصيام وصدقة وتلاوة قرآن وتسبيح وتحميد وتهليل وغير ذلك. فإن المطيع إنما أطاع الله لكونه ذكره بقلبه أو بلسانه.
وغرضنا من تقديم هذين الحديث والأثر إلى القراء أن يعلموا أولا: أن معنى الذكر أوسع مما يتخيلون، وأن بعض من يمدونهم من العباد في غير الذاكرين هم في عرف الشرع من الذاكرين.
وأن يعلموا ثانيا: أن ما عليه كثير من العوام من الاعتماد على السبح (1) دون الطاعة هو غرور في غرور وأن كثيرا ممن يعد نفسه ويعده الناس من الذاكرين هو في عرف الشرع من الغافلين.
__________
(1) كذا في الأصل ولعله: التسبيح.
(2/317)

فيا أيها المسلمون تثبتوا في الحقائق الشرعية واطلبوا تفسيرها من صاحب الشريعة أو ممن قرب زمنه من زمنه. ولا تعتمدوا في فهم حقائق دينكم على عرفكم وعادتكم فإن الجهل بالسنة وخروج أمر العامة من يد العاملين بها مما ابتليت به الأمة الإسلامية قديما.

6 - هل ينفع الذكر مع تصدي حدود الله؟
عن أبي هند الداري عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- «قال الله اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فمن ذكرني وهو مطيع فحق عليَّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت».
أخرجه الديلمي وابن عساكر. ونقله السيوطى في الدر المنثور (1: 148).
وعن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه قيل له: أرات (1) قاتل النفس وشارب الخمر والزاني يذكر الله، وقد قال الله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}؟ قال: " إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت".
اخرجه عبد الله بن حميد وابن أبي حاتم نقله في الدر المنثور (1: 149)

تعليق:
إن في ذلك الحديث وهذا الأثر لذكرى لقوم يؤمنون. كثيرا ما يعظ المسلم أخاه وينكر عليه تكاسله في الواجبات ونشاطه في المنهيات فيجيبه بقوله إن الله غفور رحيم، أو نحن أخذنا الورد عن
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: أرأيت.
(2/318)

سيدي فلان وقد ضمن لمن يذكر ورده الجنة. فليعلم المسلمون أن ذكر الله على هاته الصفة ونحوها مما يوجب مقت الله ولعنته.
أيها المسلمون من وعظ منكم فليتعظ، ومن نهى عن منكر فلينته. ومن أمر بمعروف فليأتمر {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1).

7 - الحث على القرآن:
عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-:
«خيركم من تعلم القرآن وعلمه». أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن.

تعليق:
قد تقاصرت همم المسلمين في هذه المدة الأخيرة عن تعليم القرآن وتعلمه. فقل الحافظون له؛ فعلى كل من نصب نفسه لإرشاد المسلمين في دينم أن يحثهم على العناية بحفظ كتاب ربهم، وعلى الكتَّاب أن يطرقوا هذا الموضوع الكثير النواحي. هذا يأتيه من ناحية فضيلة القرآن- وذلك من ناحية اختيار المعلمين وما هي الصفات المطلوبة فيهم؟ والآخر من ناحية أسلوب التعليم وما هو الأقرب إلى التحصيل من أي الأساليب؟ ورابع من ناحية تحسين حال المعلمين وتوفير أجرتهم، وكل من هذه النواحي يلزم أن تتعدد فيها الكتابة حتى تحدث تأثيرا في المجتمع وتكون رأيا عاما في الموضوع. وحسبنا في هذا الباب باب الآثار والأخبار ما أرشدنا إليه.
__________
(1) الصراط السنة الأولى العدد 14 يوم الإثنين 1 رمضان 1352هـ 18 ديسمبر 1933م، ص 1ع 1 و2 و3 ص 2 ع1.
(2/319)

والحديث صريح في فضل من جمع بين تعلم القرآن وتعليمه لغيره وأنه خير من غيره، وإنما ثبتت له هذه المزية لأن المراد من متعلمه من حفظه وفهمه وعمل به والمراد من معلمه من يلقنه غيره ويفسره له ويرشده إلى العمل به. وإذا كان هذا النوع الممدوح في الحديث المفضل على غيره بشهادة الصادق المصدق مفقودا من بيننا أو كالمفقود، فالواجب علينا السعي في تكوينه ولهذا دعونا الكتاب إلى العناية بهذا الموضوع.
قال الحافظ ابن حجر في بيان وجه خيرية معلم القرآن ومتعلمه:
" ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى. - ولهذا كان أفضل. وهو من جملة من عنى سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهذا أشرف الجميع".
هذا كلام ابن حجر. ثم أفاد أن ليس المراد بهذا الحديث من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرأه أو يقرئه.

8 - الإعتصام بكتاب الله:
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «أتاني جبريل فقال يا محمد أمتك مختلفة بعدك! قال: فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فقال: في كتاب الله. به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا ومن تركه هلك (مرتن) قول فصل
(2/320)

وليس بالهزل. لا تخلقه الألسن ولا تفنى عجائبه. فيه نبأ من كان قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم».
أخرجه الإمام أحمد. نقله الحافط ابن كثير أوائل كتابه فضائل القرآن الذي ختم به تفسيره.

تعليق:
صدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فقد وقع الاختلاف. وقد دعونا الناس إلى المخرج وهو كتاب الله وسنة رسوله المبينة له. فقال المعاندون ما قالوا إلاَّ من كان يؤمن بأن محمدا رسول الله فليمتثل إرشاده. وقد أرشدنا إلى المخرج من هذا الاختلاف فلنعمل بإرشاده وهدانا إلى طريق الحق عند الإلتباس فلنهتد.
وقد وصف الله كتابه بقوله: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} فهو هدى بين واضح لا يلتبس على مديد الحق التماس الهدى منه.
وإذا كانت طباعنا العربية وسلائقنا في فهم لسان العرب قد حالت وفسدت وصعب علينا أو تعذر فهم كلام ربنا، فإن في تعلم اللغة العربية وعلومها ما يجعل لنا سلائق مكتسبة، وأن فيما كتبه أئمة التفسير قبلنا ما يجبر نقص السليقة الكسبية عن السليقة الفطرية.
وقد أوصل الجهل بكتاب الله بعض أدعياء العلم إلى أن جعلوا الدعوة إلى توحيد الله ونبذ ضروب الشرك طريقة خاصة بابن تيمية على معنى أنها بدعة حصلت بعد انعقاد الاجماع! فمن سلك هذه الطريقة فقد عرض دينه للخطر! ولو نظروا في كتاب الله وتأملوه لوجدوا جل آياته دعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك.
وإذا ذكرت لهم هذا قالوا-: تلك آيات نزلت في مشركي مكة،
(2/321)

فكيف تطبقونها على من يشهد الشهادتين. وهذا نوع آخر من جهالاتهم وتلبيس إبليس عليهم فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} قال المفسرون معناه من بلغه القرآن فتخصيص إنذاره بمشركي مكة تعطيل للقرآن.
قال الغزالي في الإحياء: " وينبغي للتالي أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن.
فإن سمع أمراً أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور. وكذا إن سمع وعدا أو وعيدا. وكذا ما يقف عليه من القصص فالمقصود به الاعتبار.
قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} وقال: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}. قال محمد بن كعب القرظي: "من كلمه القرآن فكأنما كلمه الله عز وجل" أ. هـ كلام الغزالي (1).

9 - مدح العامل بالقرآن:
عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-:
__________
(1) الصراط: السنة الأولى العدد 15 الاثنين 8 رمضان 1352هـ 25 ديسمبر 1933م، ص1، ع 1 و2 و3، ص 2 ع1 و1/ 2 من الثاني أسفله.
(2/322)

«المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنطة طعمها مر وريها مر». رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

تعليق:
جعل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- طيب الطعم دائرا مع العمل. وجعل طيب الرائحة صفة التلاوة. والمجدي على المرء هو عمله. أما التلاوة وحدها لا تجدي فالمنافق يتلو القرآن ولكنه في الدرك الأسفل من النار.
وقد دل الحديث على أن العمل بالقرآن درجتين (1) أعلاهما الجمع بين التلاوة والعمل. ودل على أن المخالفة لأوامره ونواهيه دركتين (2) أدناهما الجمع بين الأعراض عن حفظه والإضراب عما دعا إليه.
والعمل بالقرآن يقتضي فهم معانيه وكذلك كان المخاطبون بهذا الحديث فإن القرآن بلغتهم نزل. ولهذا لم يقل في الحديث:
((المؤمن الذي يقرأ القرآن ويفهمه ويعمل به)) لأن ذكر الفهم لأولئك المخاطبين حشو، تتحاشى عنه البلاغة النبوية.
فيا أيها القراء المؤمنون تطلبوا معاني ما تقرأون واعملوا بما تفهمون كي تكونوا أترجة، ويا أيها المؤمنون الأميون اسألوا أهل الذكر والعلم بكتاب ربكم وتحروا العمل بما دعاكم إليه كي تكونوا ثمرة.
وقد دلت مقابلة القارىء العامل بالقارىء المنافق على تسمية من يخالف ما يقرأه منافقا والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وهم
__________
(1 و2) كذا فى الأصل وصوابه: درجتان، دركتان.
(2/323)

أخس صنوف الكفار. ولكنا نجد من الناس من لا يختلف في إيمانه ثم هو يخالف ما يقرأه. وقد قال العلماء: إن هذا النوع من المؤمنين يسمي نفاقهم نفاق عمل لا نفاق كفر. ويسمون منافقين مجازا لأن فيهم خصلة من خصالهم وهي مخالفة للأوامر.
فالقارىء إن لم يعمل بما يقرأه فهو منافق حقيقة أو مجازا. أعاذنا الله وإياكم من النفاق حقيقته ومجازه وجعلنا ممن يتلو كتابه عالما بمعانيه عاملا بما يفهمه منه.

10 - ذم المباهي والمتعيش بالقرآن:
عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-:
«تعلموا القرآن واسالوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسأون به الدنيا. فإن القرآن يتعلمه ثلاتة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه لله (1).
رواه أبو عبيد في فضائل القرآن وصححه الحاكم، نقله الحافظ في فتح الباري (9: 82).

تعليق:
حديث أبي سعيد أخرجه الإمام أحمد بلفط آخر وفي آخره: ((ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر)) وفسر الراوي عن أبي سعيد الفاجر بمن يتأكل بالقرآن، فقوله في رواية أبي عبيد (ورجل يستأكل به) بمعنى الفاجر في رواية الإمام أحمد، ويكون حينئذ قوله في رواية أبي عبيد (رجل يباهي به) بمعنى قوله في الرواية الأخرى (ومنافق).
(2/324)

وقد دل الحديث على ذم المباهي بتلاوته. وكثيرا ما يقصد قراء زماننا المباهاة بأصواتهم والفخر بحفظهم، ولا سيما إذا كانوا يتلون مجتمعين بصوت واحد، فليحذر من يجد هذا من نفسه، وليعلم أن كتاب الله هداية تخشع لها القلوب وتستسلم إليها الجوارح.
ودل أيضا على ذم المسترزق بالقرآن وكثير من قراء زماننا لا يقصدون من حفظه إلا التوسل به للتلاوة على الموتى بأجرة ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية المحضة.
ولا يتناول هذا الذم من يأخذ الأجرة على تعليم القرآن إذا كانت في مقابلة تعبه وشغل وقته، ولم يتخذ تعليمه صناعة من الصناعات المادية المحضة بل على هذا المعلم- إن أراد السلامة من ذلك الذم- أن يكون هو نفسه عاملا بكتاب الله وأن يقصد من تعليمه الدعوة إلى العمل به.

11 - الغاية من قراءة القرآن:
عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه كان يقول: ((أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا درسه عملا. أن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به)).
نقله الثعالبي في تفسيره (1: 9)

تعليق:
ذم ابن مسعود من اتخذ تلاوة القرآن عملا. فكيف حال من آجر نفسه للتلاوة وباع عمله ذلك؟
وللفقهاء خلاف في حصول الأجر لمن يقرأ القرآن من غير فهم ولا
(2/325)

تأمل. وهذا إذا قصد التالي بتلاوته وجه الله تعالى لأن الإخلاص شرط شرعي لترتيب الثواب الأخروي فهل هذا الذي يتلو القرآن من غير فهم بأجرة مخلص لله في تلاوته حتى يختلف في إثابته على التلاوة؟
وقد فتحنا بابا للبحث في موضوع "الفداوي" (1) واللبيب يكفيه ما اقتصرنا عليه (2).

12 - معنى ليلة القدر:
قال الشوكاني:
" قيل: سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه وتعالى يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، وقيل: لعظيم قدرها وشرفها، وقيل: لأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ- أي ضيق-}.
تفسير الشوكاني (5: 459).

تعليق:
هذا كلام الشوكاني حذفنا منه كلمات قليلة لا تؤثر في فهم الرأي. والأقوال الثلاثة، الأول ذكرها أيضا محي السنة أبو محمد البغوي في تفسيره.
ولا أرى مانعا من صدق هذه الأقوال مجتمعة، فهي ليلة قدر
__________
(1) هو الذي يقرأ على الموتى.
(2) الصراط: السنة الأولى العدد 16 الاثنين 15 رمضان 1352هـ 1 جانفي 1934م، ص 1، ع 1 و2 و3، ص 2، ع 1
(2/326)

بمعنى تقدير الأرزاق والآجال وغيرها لوقوع هذا التقدير فيها، وهي ليلة قدر وشرف لنزول القرآن فيها. وللطاعات فيها قدر وفضل على الطاعات في غيرها، وهي ليلة تكثر فيها الملائكة بالأرض كثرة لا تكون في غيرها لقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا}. وعلى تفسير القدر بمعنى تقدير أمور الخلق يقال: كيف يتجدد هذا التقدير كل سنة وقدر الله أزلي؟ وقد نقل البغوي جواب هذا السؤال في تفسيره فقال:
" قيل للحسن بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم. قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذاً للقضاء المقدر". وقد استبان من هذا أن الليلة التي تقدر فيها أمور الخلق هي الليلة التي قال الله فيها: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. وسماها في آية الدخان مباركة إذ قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}. فليلة القدر والليلة المباركة إسمان لليلة واحدة، هي ليلة إنزال القرآن. وهذه الليلة في رمضان لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وليست في شعبان كما يظنه العوام الذين يفرقون (1) بين ليلة القدر والليلة المباركة ويعتقدون اعتقادا مخالفا للقرآن، أن الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وبعض العوام يسمون ليلة النصف من شعبان ((ليلة قسام الأرزاق)) ولهم في هذه الليلة خرافات يبنونها على أساس الجهالات. وغرضنا من هذا التنبيه إرشاد المسلمين إلى معرفة هذه الليلة معرفة صحيحة كما نطق الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبهذه المعرفة على هذا الوجه تتطهر عقولهم من خرافات وتزول عنهم جهالات.
__________
(1) في الأصل يفوقون.
(2/327)

13 - معنى خيرية ليلة القدر:
عن أنس قال: " العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر" أخرجه عبد الله بن حميد، نقله في الدر المنثور (6: 370).

تعليق:
بين هذا الأثر- وفي معناه آثار كثيرة- أن خيرية ليلة القدر راجعة إلى تفضيل الطاعة فيها والعمل الصالح على غيرها من الليالي والأيام. وهذا يفيد أن المسلم الذي يتطلب ليلة القدر إنما يتطلبها ليعمل صالحا ويجد في العبادة، فالمؤمن اإنما يطلبها للدين لا للدنيا، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

14 - الدعاء ليلة القدر:
عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني (1).
رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم. نقله ابن كثير في تفسيره (9: 261).

تعليق:
ليلة القدر من أوقات الاستجابة فينبغي للمؤمن أن يكثر فيها من
(2/328)

الدعاء ولهذا سألت عائشة- رضي الله عنها- عن صيغة تدعو بها تلك الليلة. وقد بيَّن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- لزوجه الكريمة عليه صيغة الدعاء، فيتعين أن يكرر المسلم هذا الدعاء ليلة القدر وأن يفضله على ما سواه لأنه لفظ أفضل الخلق الذي علمه لأحب زوجاته.
ثم هذا يؤكد ما قدمناه من أن ليلة القدر تراد للدين لا للدنيا، وكثير من العوام يتمنى لو يعلم ليلة القدر ليطلب بها دنياه فلتب إلى الله من وقع له هذا الخاطر السيء. فإن الله يقول في كتابه العريز: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}. وكثير من العوام يعتقدون في بعض البيوتات الغنية أن مؤسس ذلك البيت رأى ليلة القدر فسأل الله أن يجعل ماله ونسله خيرا من مال الناس ونسلهم فكان ذلك ثم يجعلون هذه الميزة الدنيوية دليل (1) على ولاية ذلك الداعي وصلاح ذريته.
وحديث عائشة- رضي الله عنها- وآية من كان يريد حرث الآخرة وما في معنى ذلك من الآيات والآثار شاهدة بفساد ذلك الاعتقاد وضلال تلك الأفكار، وأن الفرق بين التقي والفاجر هو الإقبال على الآخرة أو الإقبال على الدنيا.
ولسنا ننكر على من يطلب الدنيا بأسبابهها التي جعلها الله تعالى وإنما ننكر على من يكون همه الدنيا دون الآخرة حتى أنه يترصد ليلة القدر ليطلب فيها الدنيا غافلا عن الآخرة. ثم يعتقد أن من نال ثروة دنيوية بغير أسباب ظاهرة ليديه فإنما ذلك لولايته ودعائه ليلة القدر!.
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: دليلا.
(2/329)

15 - علامات ليلة القدر:
عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال في ليلة القدر:
«ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء».
أخرجه أبو داود الطيالسي نقله ابن كثير (9: 257)

تعليق:
الأحاديث في تعيين ليلة القدر كثيرة متضاربة، والصحيح أنها في رمضان. والراجح أنها في العشر الأواخر منه.
وهذه العلامات التي ذكرها الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- ليلة القدر ليس فيها أن السماء تنشق وأنه يظهر فيها ألوان من نور كل نور له لون خاص إلى غير ذلك من خرافات العوام.
وان مما يؤسف المؤمن ان الأوقات المفضلة في ديننا قد غمرناها بالخرافات وصرفنا نفوسنا عما يراد فيها من الطاعات، فحرمنا من خير كثير وقلما تجد وليا صالحاً أو وقتا فاضلا ألا وهو محاطا بخرافات تعين ابليس على إبراز قسمه في الاغراء. وتقف حجر عثرة أمام الداعي المرشد إلى الصراط المستقيم. وان مما يؤسف المؤمن ان هذا الشهر، شهر رمضان، الذي جمع الله لنا فيه بين الصيام والقيام، وأودع فيه أفضل ليالي العام يقطعه أكثرنا في اللهو والقمار والنوم والشجار.
أيها المسلمون: طهروا عقولكم من الخرافات ونوِّروا قلوبكم بالطاعات، وانتهزوا فرصة الأوقات المفضلات، ولا تهملوها فتعود عليكم بالحسرات.
(2/330)

اللهم صلي على من أنزلت عليه: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}.

انتهى بحمد الله الجزء الثاني من المجلد الأول ويليه الجزء الأول من المجلد الثاني
__________
(1) الصراط: السنة الأولى العدد 17 الاثنين 22 رمضان 1352هـ
8 جانفى 1934م، ص1 ع 1 و2 و 3 وص 2 ع 1 و2
(2/331)