Advertisement

أبحاث هيئة كبار العلماء 006

بسم الله الرحمن الرحيم
(6/3)

(1) التجانية
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(6/7)

بسم الله الرحمن الرحيم
التجانية
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد.
فبناء على ما اقترحه سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من كتابة بحث مختصر عن الطريقة التجانية وإدراجه في أعمال الدورة العاشرة لمجلس هيئة كبار العلماء - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يلي:
1 - كلمة عن أحمد بن محمد التجاني منشئ هذه الطريقة وعن مصدرها.
2 - نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه.
3 - حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة.
الموضوع الأول: كلمة عن أحمد بن محمد التجاني وعن مصدر الطريقة التجانية:
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد التجاني،
(6/9)

ولد عام 1150 من الهجرة بقرية عين ماضي التي وفد إليها جده محمد، فاستوطن بها وتزوج من قبيلة فيها تدعى تجاني أو تجانا، فكانت أخوالا لأولاده، وإليها نسبوا.
نشأ أبو العباس بهذه القرية وحفظ بها القرآن ورحل في طلب العلم إلى بلاد عدة، وتأثر في أسفاره بمن التقى به من مشايخ الطرق الصوفية، وأخذ الطريق عن عدة منهم، ثم انتهت به رحلاته إلى أبي صيفون.
وهناك زعم أنه قد جاءه الفتح، وأنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، وأنه أذن له في تربية الخلق على العموم والإطلاق، وأخذ عنه الطريقة الصوفية مشافهة، وأمره أن يترك كل طريق أخذه عن مشايخ الصوفية اكتفاء بما أخذ عنه صلى الله عليه وسلم مشافهة، وعين له النبي صلى الله عليه وسلم الورد الذي يلقنه مريديه وهو: الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك سنة 1196 من الهجرة، وكمل له الورد بسورة الإخلاص على رأس المائة؛ ولذا سميت الطريقة الأحمدية والمحمدية كما سميت التجانية نسبة إلى القبيلة التي صاهرها جده محمد فنسبوا إليها.
وزعم أحمد التجاني بعد شهرته أنه شريف، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، ولم يشأ أن يعول في إثبات ذلك على وثائق مكتوبة ولا على أخبار الأعيان والآحاد، بل زعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وسأله عن نسبه، فأجابه بقوله: أنت ولدي حقا، وكررها (ثلاث مرات) ، ثم قال له: نسبك إلى الحسن صحيح. اهـ ملخصا من الباب الأول من [جواهر المعاني] لعلي حرازم (1) ومن الفصل الثامن
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 25 - 57) .
(6/10)

والعشرين (1) من كتاب [الرماح] لعمر بن سعيد الفوتي.
* هذا وإنه لم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة رضي الله عنهم أن أحدا منهم - وهم خير الخلق بعد الأنبياء - ادعى أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة: أن التشريع قد أكمل في حياته صلى الله عليه وسلم، وأن الله قد أكمل للأمة دينها، وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله صلى الله عليه وسلم إليه، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (2) فلا شك أن ما زعمه أحمد التجاني لنفسه من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وأنه أخذ عنه الطريقة التجانية يقظة مشافهة.
وأنه عين له الأوراد التي يذكر بها ويصلى على رسوله بها - لا شك أن هذا من البهتان والضلال المبين.
__________
(1) [الرماح] (1 \ 178 - 181) .
(2) سورة المائدة الآية 3
(6/11)

الموضوع الثاني: نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه:
نظرا إلى أن الدواعي التي دعت إلى إعداد بحث عن الطريقة التجانية ليعرض على هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة لا تعني مناقشة رؤساء هذه الطريقة ولا الرد عليهم وبيان الصواب لهم، إنما تعني ذكر نقول من كتبهم تتجلى فيها عقائدهم، ويمكن بعد الاطلاع عليها الحكم من خلالها عليهم بما تقضيه هذه النقول.
لهذا اقتصرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على مجموعة من النقول من بعض كتبهم استقصاء تتبين منها عقائدهم ويسهل
(6/11)

الحكم بمقتضاها عليهم، ولم تضف إليها من عندها إلا إشارات خفيفة، وفيما يلي ذكر نقول من كتاب [جواهر المعاني وبلوغ الأماني] لعلي حرازم، وكتاب [رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم] لعمر بن سعيد الفوتي:
قال علي حرازم (1) : (اعلم أن سيدنا رضي الله عنه سئل عن حقيقة الشيخ الواصل وما هو؟ فأجاب: أما ما هو حقيقة الشيخ الواصل فهو الذي رفعت له جميع الحجب عن كمال النظر في الحضرة الإلهية نظرا عينيا وتحقيقا يقينيا، فإن الأمر أوله محاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر كثيف، ثم مكاشفة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق، ثم مشاهدة وهو تجلي الحقائق بلا حجاب لكن مع خصوصية، ثم معاينة وهو مطالعة الحقائق بلا حجاب ولا خصوصية ولا بقاء للغير والغيرية عينا وأثرا، وهو مقام السحق والمحق والدك وفناء الفناء، فليس في هذا إلا معاينة الحق في الحق للحق بالحق:
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فما ثم موصول وما ثم واصل
ثم حياة وهي تمييز المراتب بمعرفة جميع خصوصياتها ومقتضياتها ولوازمها، وما تستحقه من كل شيء، ومن أي حضرة كل مرتبة منها، ولماذا وجدت، وماذا يراد منها وما يئول إليه أمرها، وهو مقام إحاطة العبد بعينه ومعرفته بجميع خصوصياته وأسراره ومعرفة ما هي الحضرة الإلهية وما هي عليه من العظمة والجلال والنعوت العلية، والكمال
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 160) .
(6/12)

معرفة ذوقية ومعاينة يقينية، وصاحب هذه المرتبة هو الذي تشق إليه المهامة في طلبه، لكن مع هذه الصفة فيه كمال أذن الحق إذنا خاصا في هداية عبيده وتوليته عليهم بإرشادهم إلى الحضرة الإلهية، فهذا هو الذي يستحق أن يطلب وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة: «سل العلماء وخالط الحكماء واصحب الكبراء» . وصاحب هذه المرتبة هو المعبر عنه بالكبير، ومتى عثر المريد على من هذا صفته فلازم في حقه أن يلقي نفسه بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا اختيار له ولا إرادة ولا عطاء له ولا إفادة، وليجعل همته منه تخليصه من البلية التي أغرق فيه إلى كمال الصفاء بمطالعة الحضرة الإلهية بالإعراض عن كل ما سواها، ولينزه نفسه عن جميع الاختيارات والمرادات مما سوى هذا، ومتى أشار عليه بفعل أو أمر فليحذر من سؤاله بلم وكيف وعلام ولأي شيء؟ فإنه باب المقت والطرد، وليعتقد أن الشيخ أعرف بمصالحه منه، وأي مدرجة أدرجه فيها فإنه يجري به في ذلك على ما هو لله بالله بما فيها إخراجه عن ظلمة نفسه وهواها. . .) إلخ.
ومن أمثلة غلو أتباع أحمد بن محمد التجاني فيه ما قاله علي حرازم ونصه (1) : (واعلم رحمك الله أني لا أستوفي ما لسيدنا وشيخنا ومولانا أحمد التجاني رضي الله عنه من المآثر والآيات والمناقب والكرامات أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ لأني كلما تذكرت فضيلة وجدت فضيلة أخرى، وكلما تذكرت آية رأيت أكبر من أختها إلى هلم جرا. . .) إلى أن
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 7 - 9) .
(6/13)

قال: (لأن مآثر هذا الشيخ لا تحصى، ومناقبه لا تستقصى، فقد شاعت بها الأخبار حيث سار الليل والنهار، وليس يوجد لها حد ولا مقدار، وإنما نورد صبابة منها وشظية من عدها فقد يكل عنها القرطاس والقلم، ويعيا في طلبها اليد والقدم. . .) إلخ.
وبعد أن أثنى على من نقل عنهم في كتابه [جواهر المعاني] قال: (جعلنا الله وإياكم من المنخرطين في سلكه ومن المحسوبين في حزبه، وممن عرف قدره وقدر محبه بجاه محمد وآله وصحبه، فإن من تشبث بأذيالهم بلغ المأمول، وكان فيما يرومه قريب الوصول، فابسط أيها المحب يد الضراعة عند ذكرهم، وقف متذللا عند بابهم، وقل بلسان الافتقار إليهم: ارحم عبيدك الضعيف، وإن كان بها على الجور والتطفيف، فقد قال تعالى على لسان رسوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» ) . . إلى أن قال: (وحاشا لمن تعلق بأذيالهم أن يهملوه أو تحيز لجنابهم أن يتركوه فإن طفيلي ساحتهم لا يرد، وعن بابهم لا يصد، ولله در قائلهم:
هم سادتي هم راحتي هم منيتي ... أهل الصفا حازوا المعالي الفاخرة
حاشا لمن قد حبهم أو زارهم ... أن يهملوه سادتي في الآخرة
)
وقال أيضا: (والفرق بين من يغلبه الحال لضعفه، ومن يغلبه لقوة الوارد عليه: أن الذي يغلبه الحال لضعفه علامته: ألا يمد غيره، وقصاراه على نفسه، والذي يغلبه الحال لقوته علامته: أن يمد غيره، وأقوى من ذلك أن يسلبه ما أعطاه، وقد شاهدناه غير ما فعل ذلك مع بعض الإخوان لسوء
(6/14)

أدبهم ولموجب آخر. . .) إلخ.
هذا وإن ما اشتملت عليه هذه الكلمات من الغلو الفاحش والشرك الفاضح لغني عن البيان، وقد تجاوز به قائله حدا لا يقبل معه تأويل، ولا ينفع معه اعتذار، اللهم إلا إذا قيل: إنه صدر من قائله في حال سلب فيها عقله، وصار إلى حال لا يحمد عليها، ولكن معظموه لا يرون ذلك ولا يقبلونه، بل يرونه محمدة له وكرامة.
ثم ذكر عن أحمد التجاني أن كلامه يحوم حول الفناء ووحدة الوجود، وأن شعور الولي بوجود نفسه يعتبر شركا.
وقال في وصفه أحمد التجاني (1) وحديثه عنه -: (وكثيرا ما يقرر هذا المعنى ويدل وعليه، ويرشد بحاله ومقاله إليه، وينشد بحاله على سبيل التمثيل -: أنا معي بدر الكمال، حيث يميل قلبي يميل، وذلك بأنه قد محا السوى فلا يشاهد مع الله غيرا، ولا يرى نفعا ولا ضرا، بل يشاهد الفعل من الله، وأنه هو المتصرف، والدال بفعله عليه والمتعرف، وأن أفعاله كلها مصحوبة بالحكمة، محفوفة بالرحمة، ويرى الخلق كالأواني المسخرة في يد غيره، ويعد شهود الإنسان نفسه اثنينية، ويتمثل بلسان حاله ويقول: إذا قلت: ما أذنبت. قالت مجيبة: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب.
وعلى هذا المعنى صارت حالته فلا ترى أفعاله وأقواله وتصريحاته وتلويحاته تحوم إلا على الفناء في الله والغيبة فيه عما سواه. . .) إلى أن
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 61، 62) .
(6/15)

قال في وصفه ص: 63: (يحيي القلوب ويبرئ من العيوب، يغني بنظرة ويوصل إلى الحضرة، إذا توجه أغنى وأقنى، وبلغ المنى، يتصرف في أطوار القلوب بإذن علام الغيوب. . .) إلخ. اهـ.
وهذا لون آخر من شدة غلو الشيخ في نفسه وغلو أصحابه فيه انتهى به وبهم إلى دعوى الفناء الممقوت، والقول بوحدة الوجود، إن ذلك لإلحاد في الدين، وبهتان وكفر مبين.
ثم زعم أن شيخه يعلم الغيب فقال (1) : (ومن كماله رضي الله عنه نفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات، وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات، فيعرف أحوال قلوب الأصحاب وتحول حالهم وإبدال أعراضهم، وانتقال أغراضهم، وحالة إقبالهم وإعراضهم وسائر عللهم وأمراضهم، ويعرف ما هو عليه ظاهرا وباطنا، وما زاد وما نقص، وبين ذلك في بعض الأحيان، وتارة يستره رفقا بهم من الاختبار والامتحان، واتفقت لغير واحد معهم في ذلك قضايا غير ما مرة) .
وقال في حصول شيخه على اسم الله الأعظم في تقدير ثوابه (2) : (وأما ثواب الاسم الأعظم. فقد قال سيدنا رضي الله عنه: أعطيت من اسم الله العظيم الأعظم صيغا عديدة، وعلمني كيفية أستخرج بها ما
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 63، 64) .
(2) [جواهر المعاني] (1 \ 68) .
(6/16)

أصيبت تراكيبه، وأخبره صلى الله عليه وسلم بما فيه من الفضل العظيم الذي لا حد له ولا حصر، وأخبره صلى الله عليه وسلم بخواصه العظام وكيفية الدعاء به وكيفية سلوكه، وهذا الأمر لم يبلغ لنا أحد أن بلغه غير سيدنا رضي الله عنه؛ لأنه قال رضي الله عنه: أعطاني سيد الوجود صلى الله عليه وسلم الاسم الأعظم الخاص بسيدنا علي كرم الله وجهه، بعد أن أعطاني الاسم الأعظم الخاص بمقامه هو صلى الله عليه وسلم. وقال الشيخ رضي الله عنه: قال سيد الوجود صلى الله عليه وسلم: هذا الاسم الخاص بسيدنا علي لا يعطى إلا لمن سبق عند الله في الأزل أنه يصير قطبا. ثم قال رضي الله عنه: ثم قلت لسيد الوجود صلى الله عليه وسلم: ائذن لي في جمع أسراره ومع ما احتوى عليه. ففعل صلى الله عليه وسلم، وأما ما أخبره به صلى الله عليه وسلم عن ثواب الاسم الأعظم الكبير الذي هو مقام قطب الأقطاب، فقال الشيخ رضي الله عنه حاكيا ما أخبره به سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه يحصل لتاليه في كل مرة سبعون ألف مقام في الجنة، في كل مقام سبعون ألفا من كل شيء في الجنة، كائن من الحور والقصور والأنهار إلى غاية ما هو مخلوق في الجنة ما عدا الحور وأنهار العسل فله في كل مقام سبعون حوراء، وسبعون نهرا من العسل، وكل ما خرج من فيه هبطت عليه أربعة من الملائكة المقربين فكتبوه من فيه وصعدوا به إلى الله تعالى وأروه له، فيقول الجليل جل جلاله: اكتبوه من أهل السعادة واكتبوا مقامه في عليين في جوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا في كل لفظة من ذكره، وله في كل مرة ثواب جميع ما ذكر الله به على ألسنة جميع خلقه في سائر عوالمه، وله في كل مرة ثواب ما سبح به ربنا على لسان كل مخلوق من أول خلق آدم إلى آخره. . .) إلى كثير من ذا الخرص والتخمين والرجم بالغيب في
(6/17)

تقدير الثواب بالآلاف المؤلفة. . . إلى أن قال علي حرازم: (ومما أملاه علينا رضي الله عنه قال: لو اجتمع ما تلته الأمة من القرآن من بعثته صلى الله عليه وسلم إلى النفخ في الصور لفظا فردا فردا في القرآن ما بلغ لفظة واحدة من الاسم الأعظم، وهذا كله بالنسبة للاسم كنقطة في البحر المحيط، وهذا مما لا علم لأحد به، واستأثر الله به عن خلقه، وكشفه لمن شاء من عباده.
وقال رضي الله عنه: إن الاسم الأعظم هو الخاص بالذات لا غيره، وهو اسم الإحاطة، ولا يتحقق بجميع ما فيه إلى واحد في الدهر وهو الفرد الجامع هذا هو الاسم الباطن، أما الاسم الأعظم الظاهر فهو اسم الرتبة الجامع لمرتبة الألوهية من أوصاف الإله ومألوهيته، وتحته مرتبة أسماء التشتيت، ومن هذه الأسماء فيوض الأولياء، فمن تحقق بوصف كان فيضه بحسب ذلك الاسم، ومن هذا كانت مقاماتهم مختلفة وأحوالهم كذلك وجميع فيوض المرتبة بعض من فيوض اسم الذات الأكبر، وقال رضي الله عنه: إذا ذكر الذاكر الاسم الكبير يخلق الله من ذكره ملائكة كثيرة، لا يحصي عددهم إلا الله، ولكل واحد من الألسنة بعدد جميع الملائكة المخلوقين من ذكر الاسم، ويستغفرون في كل طرفة عين للذاكر، أي: كل واحد يستغفر في كل طرفة عين بعدد جميع ألسنته، وهكذا إلى يوم القيامة، ثم قال رضي الله عنه: سألت سيد الوجود صلى الله عليه وسلم عن فضل المسبعات العشر، وأن من ذكرها مرة لم تكتب عليه ذنوب سنة، فقال لي صلى الله عليه وسلم: فضل جمع الأذكار وسر جميع الأذكار في الاسم الكبير.
(6/18)

فقال الشيخ رضي الله عنه: علمت أنه أراد صلى الله عليه وسلم جميع خواص الأذكار وفضائلها منطوية في الاسم الكبير، ثم قال رضي الله عنه: يكتب الذكر الاسم بكل ملك خلقه الله في العالم فضل عشرين من ليلة القدر، ويكتب له بكل دعاء كبير وصغير ستة وثلاثون ألف ألف مرة، بكل مرة من ذكر هذا الاسم الشريف، وقال رضي الله عنه: فمن قدر أن ذاكرا ذكر جميع أسماء الله في جميع اللغات تساوي نصف مرة من ذكر الاسم من ذكر كل عارف) (1) . اهـ.
وذكر عمر بن سعيد الفوتي في كتاب [الرماح] : (2) (إن الأولياء يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، وإنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وإنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل عنه شيء، وإنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها) ، ثم ذكر في هذا الفصل كثيرا من النقول عن جماعة من الصوفية فيها حكايات عن رؤية الأولياء للرسول صلى الله عليه وسلم يقظة، وذكر في هذا الفصل كثيرا من الغرائب والمنكرات حول مجالس الأنبياء والأقطاب في المسجد الحرام عند الكعبة بأجسادهم وتصرفهم بنفسهم ووكلائهم في الخلق.
وذكر فيه أيضا أن الأنبياء لا يبقون في قبورهم بعد الوفاة إلا
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 71، 72)
(2) [الرماح] الفصل الحادي والثلاثين (1 \ 198، 199) .
(6/19)

زمانا محدودا يتفاوت حسب تفاوت درجاتهم ومراتبهم، ثم ختم الفصل بقوله: (إذا نظرت وتحققت بجميع ما تقدم من أول الفصل إلى هنا ظهر لك ظهورا لا غبار عليه أن اجتماع القطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا أحمد بن محمد التجاني سقانا الله تعالى من بحره بأعظم الأواني، ورزقنا جواره في دار التهاني، رضي الله عنه وأرضاه، وعنا به بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، وأخذه رضي لله تعالى عنه وأرضاه، وعنا به وأعاد علينا من بركاته دنيا وبرزخا وأخرى وحضور النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم بأجسادهم وأرواحهم قراءة جوهرة الكمال وعند أي مجلس خير أو أي مكان شاءوا ولا ينكره إلا الطلبة الجهلة الأغبياء والحسدة المردة الأشقياء، لا مهدي إلا من هداه الله تعالى) .
وقد غلا عمر بن سعيد الفوتي في تعظيم شيخه أحمد بن محمد التجاني فزعم أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين، وأنه لا يتلقن واحد من الأولياء فيضا من نبي الله إلا عن طرقه من حيث لا يشعر به ذلك الولي قال:
(الفصل السادس والثلاثون في ذكر فضل شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به، وبيان أنه هو خاتم الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث، أنه قطب المكتوم والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بحيث لا يتلقن واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغر فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه من
(6/20)

حيث لا يشعر به ذلك الولي. . .) (1) .
إن هذه الكلمات ناطقة بالشرك الصريح، والكذب المكشوف، والغلو الممقوت، فقد جعل شيخه أعلى مرتبة من الصحابة وسائر القرون الثلاثة، من شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون بله من سواهم من الصالحين، ثم ذكر ما نصه: (2) : (أن بعض من لم يكن له في العلم ولا في نفحات أهل الله من خلاق قد يورد علينا إيرادين:
أولهما: أنه يقول: إن الشيخ رضي الله عنه وأرضاه مدح نفسه وزكاها وذلك مذموم.
ثانيهما: أنه يقول: إن قول الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعنا به: وإن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود تتلقاها ذوات الأنبياء وكل من فاض، وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، ويدخل فيه جميع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فيكون أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وذلك باطل، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: ولا يشرب ولي ولا يسقى إلى من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وكذلك قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته يسمعه كل من بالموقف: يا أهل المحشر، هذا إمامكم الذي كان ممدكم منه، وكذا
__________
(1) [الرماح] (2 \ 4) .
(2) [الرماح] (2 \ 5) .
(6/21)

قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: روحه صلى الله عليه وسلم وروحي هكذا، مشيرا بإصبعه السبابة والوسطى روحه صلى الله عليه وسلم تمد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور، وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به: إن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء، ولا يقاربه من كبر شأنه، ولا من صغر، وإن جميع الأولياء من الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: أعمار الناس كلها ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب الفاتح لما أغلق، فقد فازوا بالربح دنيا وأخرى ولا يشغل بها عمره إلا السعيد) .
وذكر علي حرازم عن أحمد بن محمد التجاني في سياق الكلام على المفاضلة بين تلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: (إن تلاوة القرآن أفضل من حيث إنه كلام الله ومن حيث ما دل عليه من العلوم والمعارف والآداب. . .) ثم قال ما نصه (1) : (إن هاتين الحيثيتين لا يبلغ فضل القرآن فيهما إلا عارف بالله قد انكشفت له بحار الحقائق، فهو أبدا يسبح في لججها، فصاحب هذه المرتبة هو الذي يكون القرآن في حقه أفضل من جميع الأذكار والكلام لحوز الفضيلتين؛ لكونه يسمعه من الذات
__________
(1) [من جواهر المعاني] (1 \ 176 - 179) .
(6/22)

المقدسة سماعا صريحا لا في كل وقت، وإنما ذلك في استغراقه وفنائه في الله تعالى.
والمرتبة الثانية في القرآن دون هذه: وهي من عرف معاني القرآن ظاهرا وألقى سمعه عند تلاوته كأنه يسمعه من الله يقصه عليه، ويتلوه عليه مع وفائه بالحدود، فهذا أيضا لاحق بالمرتبة الأولى إلا أنه دونها.
والمرتبة الثالثة: رجل لا يعلم شيئا من معانيه ليس إلا سرد حروفه ولا يعلم ما تدل عليه من العلوم والمعارف - فهذا إن كان مهتديا كسائر الأعاجم الذين لا يعلمون معاني العربية إلا أنه يعتقد أنه كلام الله ويلقي سمعه عند تلاوته معتقدا أن الله يتلو عليه تلاوة لا يعلم معناها، فهذا لاحق في الفضل بالمرتبتين إلا أنه منحط عنهما بكثير كثير.
والمرتبة الرابعة: رجل يتلو القرآن، وسواء علم معانيه أو لم يعلم، إلا أنه متجرئ على معصية الله غير متوقف عن شيء منها، فهذا لا يكون القرآن في حقه أفضل، بل كلما ازداد تلاوة ازداد ذنبا وتعاظم عليه الهلاك، يشهد له قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} (1) إلى قوله: {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} (2) وقوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (3) إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (4) . . . ثم قال ما نصه: (فمثل
__________
(1) سورة الكهف الآية 57
(2) سورة الكهف الآية 57
(3) سورة الجاثية الآية 7
(4) سورة الجاثية الآية 10
(6/23)

هذا لا يكون القرآن في حقه أفضل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحب المرتبة الرابعة: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في حقه أفضل من القرآن) وبعد أن بين ذلك قال ما نصه: (فإذا عرف ذلك بان للعارف به أن ما في طريق العامة غطاء غطى الله به أسرار القرآن وتركت أسرار القرآن ومذاقات أهل الخصوص من وراء أطوار الحس والعقل المدركان في أمر العامة، فيجب كتمه على كل من علمه إذ لم يرد سبحانه وتعالى إظهاره إلا للخاصة العليا من خلقه. قيل: إن أبا يزيد باسطه الحق في بعض مباسطته قال له: يا عبد السوء لو أخبرت الناس بمساويك لرجموك بالحجارة. فقال له: وعزتك لو أخبرت الناس بما كشفت لي من سعة رحمتك لما عبدك أحد. فقال له: لا تفعل. فسكن. انتهى ما أملاه علينا شيخنا أبو العباس التجاني) . ثم ذكر علي حرازم ما زعمه أحمد التجاني من مباسطة الرب لأبي يزيد مرة أخرى في [الجواهر] ص: 183.
وقال علي حرازم (1) . وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} (2) {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} (3) الآية، فأجاب رضي الله عنه بقوله: معنى البحرين: بحر الألوهية، وبحر الوجود المطلق، وبحر الخليقة، وهو الذي وقع عليه كن، وهو البرزخ بينهما صلى الله عليه وسلم لولا برزخيته صلى الله عليه وسلم لاحترق بحر الخليقة كله من هيبة جلال الذات. قال سيدنا رضي الله عنه: بحر
__________
(1) [جواهر المعاني] (1 \ 204، 205)
(2) سورة الرحمن الآية 19
(3) سورة الرحمن الآية 20
(6/24)

الخليقة بحر الأسماء والصفات فما ترى ذرة في الكون إلا وعليها اسم أو صفة من صفات الله، وبحر الألوهية هو بحر الذات المطلقة التي لا تكيف ولا تقع العبارة عنها. يلتقيان لشدة القرب الواقع بينهما. قال سبحانه وتعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} (1) ولا يختلطان: لا تختلط الألوهية بالخليقة ولا الخليقة بالألوهية، فكل منهما لا يبغي على الآخر للحاجز الذي بينهما، وهي البرزخية العظمى، التي هي مقامه صلى الله عليه وسلم، فالوجود كله عائش بدوام بقائه تحت حجابيته صلى الله عليه وسلم استتارا به عن سبحات الجلال التي لو تبدت بلا حجاب لاحترق الوجود كله وصار محض العدم في أسرع من طرفة عين، فالألوهية قائمة في حدودها، والخليقة قائمة في حدودها، كل منهما يلتقيان ولا يختلطان للبرزخية التي بينهما، لا يبغيان: أعني: لا يختلط أحدهما على الآخر، انتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه.
وسألته رضي الله عنه: عن دائرته صلى الله عليه وسلم، فأجاب رضي الله عنه بقوله: هي دائرة السعادة التي وقع عليها قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (2) قال البوصيري رضي الله عنه:
ولن ترى من ولي غير منتصر
. . . البيت.
كل من لم ينتصر بالنبي صلى الله عليه وسلم لا حظ له في ولاية الله، وهو معنى قول الشيخ رضي الله عنه: لن ترى من ولي. . .) إلخ. اهـ.
__________
(1) سورة الواقعة الآية 85
(2) سورة يونس الآية 62
(6/25)

هذه طامة أخرى، طامة التلاعب بآيات القرآن، وتحريفها عن مواضعها، وتأويل لها بما لا تدل عليه في لغة العرب، بل بما تمجه العقول السليمة ويسخر منه أولو الألباب.
ذكر عمر بن سعيد الفوتي: أن الشيخ أحمد التجاني قال ذات ليلة في مجلسه (1) : (أين السيد محمد الغالي؟ فجعل أصحابه ينادون أين السيد محمد الغالي؟ على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحدا، فلما حضر بين يدي الشيخ قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى. وقال سيدي محمد الغالي - وكان لا يخافه؛ لأنه من أكابر أحبابه وأمرائهم -: يا سيدي، أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: أنا في الصحو والبقاء وكمال العقل ولله الحمد. وقال: قلت: ما تقول بقول سيدي عبد القادر رضي الله عنه: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى؟ فقال: صدق رضي الله عنه، يعني: أهل عصره، وأما أنا فأقول: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور. قال: فقلت له: يا سيدي، فكيف تقول إذا قال أحد بعدك مثل ما قلت؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: لا يقول أحد بعدي، قال: فقلت: يا سيدي، قد حجرت على الله تعالى واسعا ألم يكن الله تعالى قادرا على أن يفتح على ولي فيعطيه من الفيوضات والتجليات والمنح والمقامات والمعارف والعلوم والأسرار والترقيات والأحوال أكثر مما أعطاك؟ فقال رضي الله
__________
(1) كتاب [الرماح] (2 \ 15 - 17) .
(6/26)

عنه وأرضاه وعنا به: بلى، قادر على ذلك وأكثر منه لكن لا يفعله؛ لأنه لم يرده ألم يكن قادرا على أن ينبئ أحدا ويرسله إلى الخلق ويعطيه أكثر مما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: بلى، لكنه تعالى لا يفعله؛ لأنه ما أراده في الأزل، فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: هذا مثل ذلك ما أراده في الأزل لم يسبق به علمه تعالى، فإن قلت: ما صورة برزخية القطب المكتوم المعبر عنه عند العارفين والصديقين وأفراد الأحباب وجواهر الأقطاب، بجواهر الجواهر، وبرزخ البرازخ والأكابر.
فالجواب والله تعالى الموفق للصواب: اعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه: أن الحضرات المستفيضة سبع:
الأولى: حضرة الحقيقة الأحمدية، وهي في [جواهر المعاني] غيب من غيوب الله تعالى، فلم يطلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات والأحوال العلية والأخلاق الزكية، فما ذاق منها أحد شيئا ولا جميع الرسل والنبيين اختص صلى الله عليه وسلم وحده بمقامه. . .) إلى أن قال: (فما نال أحد منها شيئا اختص بها صلى الله عليه وسلم لكمال عزها وغاية علوها.
والثانية: حضرة الحقيقة المحمدية، فمنها كما في [جواهر المعاني] كل مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين. . .) إلى أن قال: (وكل ما أدركه جميع الموجودات من العلوم والمعارف والفيوضات والتجليات والترقيات والأحوال والمقامات والأخلاق إنما هو كله من فيض حقيقته المحمدية.
(6/27)

والثالثة: الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأنبياء على اختلاف أذواقهم ومراتبهم وأهل هذه الحضرة هم الذين يتلقون كل ما فاض وبرز من حضرة الحقيقة المحمدية، كما قال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيرا إلى أهل الحضرة بقوله: إن الفيوض التي تفيض من ذات الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء إلا أن لخاتم الأولياء مشربا من النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا اطلاع له عليه، كما سيأتي الآن قريبا إن شاء الله تعالى.
والرابعة: حضرة خاتم الأولياء الذي يتلقى جميع ما فاض به من ذوات الأنبياء؛ لأنه رضي الله عنه وأرضاه وعنا به هو برزخ البرازخ، كما قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيرا إلى هذه الحضرة بقوله: إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا لله عز وجل بلا وساطة، وبقوله: أنا سيد الأولياء كما كان صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته حتى يسمع كل من في الموقف: يا أهل المحشر، هذا إمامكم الذي كان مددكم منه، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى: روحي وروحه صلى الله عليه وسلم
(6/28)

هكذا، روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: إن القطب المكتوم هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء، فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به من حيث لا يشعر به. ومدده الخاص به إنما يتلقاه منه صلى الله عليه وسلم ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به؛ لأن له مشربا معهم منه صلى الله عليه وسلم.
الخامسة: حضرة أهل طريقته الخاصة بهم، وإلى هذه الحضرة أشار الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به بقوله: ولو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا: يا ربنا، ما أعطيتنا شيئا، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: كل الطرائق تدخل عليها طريقتنا فتبطلها، وطابعنا يركب على كل طابع لا يحمل طابعنا غيره، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق آمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو الأموات، وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى، ولا يفلح أبدا، قلت: وهذه لأنه قد ثبت أول هذا الفصل أن صاحبها رضي الله عنه وأرضاه وعنا به هو الختم الممد الذي يستمد منه من سواه من الأولياء
(6/29)

والعارفين. . . . والصديقين والأغواث ومن ترك المستمد ورجع إلى الممد فلا لوم عليه ولا خوف، بخلاف من ترك الممد ورجع إلى المستمد بقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب، ولو عملوا من الذنوب ما عملوا، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه صلى الله عليه وسلم أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة.
قلت: ووجه تقديم حضرة أهل طريقته على الحضرة التي فيها حضرات الشيوخ الذين هم أهل الطرق من سادتنا الأولياء رضي الله عنهم ظاهر؛ لأن أهل طريقته هم أول من يفيض عليهم ما يستمده من الحضرة المحمدية ومن حضرات سادتنا الأنبياء عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأتم السلام، ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين.
السادسة: الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأولياء رضي الله عن جميعهم، وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا، وإليها يشير قول شيخنا أحمد رضي الله عنه وأرضاه وعنا به كما في [جواهر المعاني] لقوله: فلكل شيخ من أهل الله تعالى حضرة لا يشاركه فيها أحد.
السابعة: الحضرة التي فيها حضرات تلاميذهم) اهـ.
(6/30)

الموضوع الثالث: حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة:
إن ما تقدم في الإعداد من بدع التجانية قليل من كثير مما ذكره علي حرازم في كتابه [جواهر المعاني وغاية الأماني] وما ذكره عمر بن سعيد الفوتي في كتابه [رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم] وهما من أوسع كتب التجانية وأوثقها في نظر أهل هذه الطريقة.
إن ما ذكر في الإعداد إنما هو نموذج لأنواع من بدع التجانية تتجلى فيها عقائدهم وتكفي لمن عرضها على أصول الشريعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحكم على كل من يعتقد هذه العقائد المبتدعة المنكرة.
ونلخص فيما يلي جملة من عقائدهم التي تضمنها البحث:
1 - غلو أحمد بن محمد التجاني مؤسس الطريقة وغلو أتباعه فيه غلوا جاوز الحد، حتى أضفى على نفسه خصائص الرسالة، بل صفات الربوبية والإلهية وتبعه في ذلك مريدوه.
2 - إيمانه بالفناء ووحدة الوجود وزعمه ذلك لنفسه، بل زعم أنه في الذروة العليا من ذلك وصدقه فيه مريدوه فآمنوا به واعتقدوه.
3 - زعمه رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وتلقين النبي صلى الله عليه وسلم إياه الطريقة التجانية وتلقينه وردها يقظة والإذن له يقظة في تربية الخلق وتلقينهم هذا الورد واعتقاد مريديه وأتباعه ذلك.
4 - تصريحه بأن المدد يفيض من الله على النبي صلى الله عليه وسلم أولا، ثم يفيض منه على الأنبياء، ثم يفيض من الأنبياء عليه، ثم منه يتفرق على
(6/31)

جميع الخلق من آدم إلى النفخ في الصور، ويزعم أنه يفيض أحيانا من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ثم يفيض على سائر الخليقة، ويؤمن مريدوه بذلك ويعتقدونه.
5 - تهجمه على الله وعلى كل ولي لله وسوء أدبه معهم، إذ يقول: قدماي على رقبة كل ولي: فلما قيل له: إن عبد القادر الجيلاني قال: فيما زعموا: قدمي على رقبة كل ولي، قال: صدق ولكن في عصره، أما أنا فقدماي على رقبة كل ولي من آدم إلى النفخ في الصور. فلما قيل له: أليس الله قادرا على أن يوجد بعدك وليا فوق ذلك؟ قال: بلى، ولكن لا يفعل، كما أنه قادر على أن يوجد نبيا بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يفعل، ومريدوه يؤمنون بذلك ويدافعون عنه.
6 - دعواه كذبا أنه يعلم الغيب وما تخفي الصدور، وأنه يصرف القلوب، وتصديق مريديه ذلك وعده من محامده وكراماته.
7 - إلحاده في آيات الله، وتحريفها عن مواضعها بما يزعمه تفسيرا إشاريا كما سبق في الإعداد من تفسيره قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} (1) {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} (2) ويعتقد مريدوه أن ذلك من الفيض الإلهي.
8 - تفضيله الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوة القرآن بالنسبة لمن يزعم أنهم أهل المرتبة الرابعة وهي المرتبة الدنيا في نظره.
__________
(1) سورة الرحمن الآية 19
(2) سورة الرحمن الآية 20
(6/32)

9 - زعمه هو وأتباع أن مناديا ينادي يوم القيامة والناس في الموقف، بأعلى صوته: يا أهل الموقف، هذا إمامكم الذي كان منه مددكم في الدنيا. . إلخ.
10 - زعمه أن كل من كان تجانيا يدخل الجنة دون حساب ولا عذاب، مهما فعل من الذنوب.
11 - زعمه أن من كان على طريقته وتركها إلى غيرها من الطرق الصوفية تسوء حاله، ويخشى عليه سوء العاقبة والموت على الكفر.
12 - زعمه أنه يجب على المريد أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي المغسل لا اختيار له، بل يستسلم لشيخه فلا يقول: لم، ولا كيف، ولا علام، ولا لأي شيء. . . إلخ.
13 - زعمه أنه أوتي اسم الله الأعظم، علمه إياه النبي صلى الله عليه وسلم ثم هول أمره، وقدر ثوابه بالآلاف المؤلفة من الحسنات، خرصا وتخمينا ورجما بالغيب واقتحاما لأمر لا يعلم إلا بالتوقيف.
14 - زعمه أن الأنبياء والمرسلين والأولياء لا يمكثون في قبورهم بعد الموت إلا زمنا محدودا يتفاوت بتفاوت مراتبهم ودرجاتهم ثم يخرجون من قبورهم بأجسادهم كما كانوا من قبل إلا أن الناس لا يرونهم كما أنهم لا يرون الملائكة مع أنهم أحياء.
15 - زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر بجسده مجالس أذكارهم وأورادهم،
(6/33)

وكذا الخلفاء الراشدون. . . إلخ.
إلى غير ذلك مما لو عرض على أصول الإسلام اعتبر شركا وإلحادا في الدين، وتطاولا على الله ورسوله وتشريعه، وتضليلا للناس، وتبجحا منهم بعلمه الغيب. . . إلخ.
هذا ما تيسر والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(6/34)

حكم ورد التجانية
فتوى برقم 7 117 7 وتاريخ 3 \ 5 \ 1392 هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم من أحد السائلين وهو:
هل الورد الذي يقوم به التجانيون والتجانية صحيح في الإسلام؟ فقد سمع كثيرا من المدارس الإسلامية تعارضه والتجانيون يستعملونه بعد صلاة المغرب، فهم ينشرون قطعة قماش بيضاء في المسجد ويجلسون حولها ويتلون لا إله إلا الله وكلمتين أخريين مائة مرة، ويرجو مساعدته في إيضاح الحق؟
الجواب: حثت الشريعة الإسلامية على ذكر الله تعالى، ورغبت في ذلك كثيرا، وبينت أنه يحيي النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنشرح به الصدور، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} (1) {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (2) وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (3)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت (4) » رواه البخاري، وكما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الأمر
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 41
(2) سورة الأحزاب الآية 42
(3) سورة الرعد الآية 28
(4) صحيح البخاري الدعوات (6407) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (779) .
(6/35)

بالذكر والترغيب فيه مجملا فيهما مفصلا، فبين القرآن: أن ذكر الله يكون بالقلب؛ إجلالا لله، وهيبة ووقارا وخوفا منه، ورغبة إليه خفية وخيفة، دون الجهر من القول بالغدو والآصال، وبين أن الصلاة أعظم ذكر الله، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (2) وقال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (3) وفي الصلاة: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} (4)
وبينت السنة قولية وعملية أنواع الأذكار وأوقاتها وكيفيتها، فبينت أذكارا للصباح والمساء والشدة والبلاء، وعند النوم واليقظة، وعند الأسفار والعودة. . إلخ، وعينت كلماتها وكيفياتها. ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (5) » فمن ذكر الله تعالى كما جاء في بيان الكتاب والسنة من أنواع الذكر، وأوقاتها وكيفياتها فقد اتبع هدي الله تعالى، وهدي رسوله عليه الصلاة والسلام وكسب الأجر والمثوبة، ومن غير صيغ الأذكار وحرفها، أو بدل في كيفياتها والتزم فيها كيفيات لم يلتزمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق
__________
(1) سورة البقرة الآية 238
(2) سورة البقرة الآية 239
(3) سورة النساء الآية 103
(4) سورة الأعراف الآية 205
(5) صحيح البخاري الأذان (660) ، صحيح مسلم الزكاة (1031) ، سنن الترمذي الزهد (2391) ، سنن النسائي آداب القضاة (5380) ، مسند أحمد بن حنبل (2/439) .
(6/36)

ما قيده، أو قيد ما أطلقه والتزم طريقة في أداء الأذكار لم تعهد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن أصحابه، ولا القرون الثلاثة المشهود لها بالخير؛ فقد أساء وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله وحرم الأجر والثواب، ومن ذلك ما التزمه بعض أصحاب الطرق كالتجانية من نشر قطعة قماش بيضاء يلتف حولها الذاكرون بلا إله إلا الله ونحوها من الأذكار بعد الغروب، فالذكر مشروع وكلمة (لا إله إلا الله) أفضل ما قاله النبيون، والذكر بها من أفضل الأذكار، ولكن التزام نشر الرقعة البيضاء، والاجتماع حولها، وتخصيص ما بعد المغرب لذلك الذكر وإيقاعه جماعيا بدعة ابتدعوها لم يأذن بها الله ولا رسوله، وخير العمل ما كان اتباعا، وشره ما كان ابتداعا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة (1) » ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (2) » ، ومن ذلك الاجتماع قبل الفجر أو بعده أو بعد العشاء للتعبد بأوراد وضعوها من عند أنفسهم، أو لأذكار بهيئات مزرية وترنحات، هي إلى الألعاب والتمثيل أقرب وبه أشبه، ومن ذلك ذكرهم بكلمة " هو " وكلمة " آه " وليستا من أسماء الله، بل الأولى: ضمير غائب، والثانية: كلمة توجع، فالذكر بهما من البدع المنكرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) سنن أبو داود السنة (4607) ، سنن الدارمي المقدمة (95) .
(2) صحيح البخاري الصلح (2697) ، صحيح مسلم الأقضية (1718) ، سنن أبو داود السنة (4606) ، سنن ابن ماجه المقدمة (14) ، مسند أحمد بن حنبل (6/256) .
(6/37)

حكم الصلاة خلف الأئمة المبتدعين - كالتجانية
فتوى برقم 7 2089 7 وتاريخ 21 \ 9 \ 1398 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، والذي جاء فيه: لقد تضاربت أقوال الفقهاء في الصلاة خلف الأئمة المبتدعين، وأصحاب الطرق خصوصا التابعين للطريقة التجانية، وقد اطلعت على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن يوسف الأفريقي رحمه الله مدير دار الحديث بالمدينة المنورة سابقا [الأنوار الرحمانية في هداية الفرقة التجانية] حيث اتضح أن عقائد أصحاب هذه الطريقة هداهم الله إلى سواء الصراط غير صحيحة، وهم أقرب إلى الشرك والضلالة - والعياذ بالله - منهم إلى الإيمان والتصديق بكتاب الله، واتباع سنة رسوله المصطفى المختار عليه صلاة الله وسلامه. فهل تصح الصلاة خلف إمام مبتدع تابع للطريقة التجانية؟
وإذا كان الجواب لا، فهل للمسلم إقامة الصلاة في أهله وفي بيته إذا لم يجد في أي مسجد في المدينة التي يسكنها إماما غير مبتدع؟ وهل تجوز إقامة الصلاة في جماعة خاصة في المسجد بعد انتهاء المبتدع صاحب الطريقة التجانية من صلاته؟ وهذا سيؤدي إلى بلبلة في الأفكار وتفرقة
(6/38)

بين صفوف المسلمين؟
وأجابت اللجنة بما يلي:
الفرقة التجانية من أشد الفرق كفرا وضلالا وابتداعا في الدين لما لم يأذن به الله، فلا تصح الصلاة خلف من هو على طريقتهم وبإمكان المسلم أن يلتمس له إماما غير متبع لطريقة التجانية وغيرها من طرق المبتدعة ممن لا تتسم عباداتهم وأعمالهم بالمتابعة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا لم يجد إماما غير مبتدع فيقيم له جماعة في أي مسجد من مساجد المسلمين إذا أمن الفتنة والإضرار به من المبتدع، فإن كان في بلد يتسلط فيها مبتدع فيقيم الجماعة في أهله أو بأي مكان يأمن على نفسه، ومتى أمكنته الهجرة إلى بلد تقام فيها السنة وتحارب البدع وجب عليه ذلك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(6/39)

(2) من أحكام القرآن الكريم
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
(6/41)

بسم الله الرحمن الرحيم
من أحكام القرآن الكريم
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
1 - حكم السفر بالمصحف إلى أرض العدو.
2 - ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا (الطهارة من الحدث ومن الكفر) .
3 - ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن.
4 - حكم تعليم الكافر القرآن.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما ورد إلى سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من مدير عام التعليم بمنطقة الرياض برقم 35 \ 3 \ 2 \ 6231 \ 4 وتاريخ 1 \ 7 \ 1398 هـ. من السؤال: عما يجب أن يعامل به الطالب المسيحي الملتحق بالمدرسة بالنسبة لمادة القرآن الكريم ومواد التربية الإسلامية، باعتبار أنه لا يجوز مس المصحف لغير المسلمين. . انتهى.
(6/43)

وبناء على ما اقترحه سماحة الرئيس العام من إدراج هذا الموضوع ضمن جدول أعمال الدورة الثالثة عشرة، وجمع ما تيسر من النقول عن أهل العلم في الأمور الآتية:
أولا - ما جاء من النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو.
ثانيا - ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا (الطهارة من الحدث ومن الكفر) .
ثالثا - ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن.
رابعا - حكم تعليم الكافر القرآن.
(6/44)

أولا: ما جاء من النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو.
بناء على ذلك جمعت اللجنة ما تيسر من النقول عن أهل العلم فيما ذكر. . وبالله التوفيق.
أولا: اختلف أهل العلم في حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وفيما يلي ذكر أقوالهم وأدلتهم والمناقشة:
قال البخاري: (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) .
وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتابعه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن، حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
وقال ابن حجر: (قوله: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) سقط لفظ كراهية إلا للمستملي فأثبتها وبثبوتها يندفع الإشكال الآتي:
(قوله: وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله) هو ابن عمر (عن
(6/44)

نافع عن ابن عمر) وتابعه ابن إسحاق عن نافع أما رواية محمد بن بشر فوصلها إسحاق بن راهويه في [مسنده] عنه، ولفظه: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو.
قال الدارقطني والبرقاني: لم يروه بلفظ الكراهة إلا محمد بن بشر، وأما متابعة ابن إسحاق فهي بالمعنى؛ لأن أحمد أخرجه من طريقه بلفظ: (نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو) والنهي يقتضي الكراهة؛ لأنه لا ينفك عن كراهة التنزيه أو التحريم، (قوله: وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن) أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف؛ خشية أن يناله العدو لا السفر بالقرآن نفسه، وقد تعقبه الإسماعيلي: بأنه لم يقل أحد: إن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في دارهم، وهو اعتراض من لم يفهم مراد البخاري، وادعى المهلب: أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، والله أعلم، ثم ذكر المصنف حديث مالك في ذلك، وهو بلفظ: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) وأورده ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وزاد (مخافة أن يناله العدو) ورواه ابن وهب عن مالك: فقال: قال مالك: أراه مخافة فذكره، قال أبو عمر: كذا قال يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه، ولم يرفعوه وأشار إلى ابن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما قدمته من رواية ابن ماجه، وهذه الزيادة رفعها ابن إسحاق
(6/45)

أيضا كما تقدم، وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ: «فإني لا آمن أن يناله العدو (1) » . فصح أنه مرفوع وليس بمدرج، ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه.
قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء: أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه: فمنع مالك أيضا مطلقا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهية مع الخوف وجودا وعدما، وقال بعضهم كالمالكية، واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، وإنما وقع الاختلاف: هل يصح لو وقع الاختلاف (2) ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا (3) ؟
وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (4) » .
وحدثنا قتيبة، حدثنا ليث ح، وحدثنا ابن رمح أخبرنا الليث عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (5) » وحدثنا أبو الربيع العتكي وأبو كامل قالا: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول
__________
(1) صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) .
(2) هكذا في الأصل، والصواب: لو وقع العقد.
(3) [فتح الباري] (5 \ 133) رقم الحديث (2990) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(5) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/46)

الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو (1) » قال أيوب: فقد ناله العدو وخاصموكم به. حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل - يعني: ابن علية - ح، وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان والثقفي كلهم عن أيوب ح، وحدثنا ابن رافع حدثنا ابن أبي فديك، أخبرنا الضحاك - يعني: ابن عثمان - جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن علية والثقفي «فإني أخاف» وفي حديث سفيان وحديث الضحاك بن عثمان «مخافة أن يناله العدو (2) » .
وقال النووي قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (3) » ، وفي الرواية الأخرى «مخافة أن يناله العدو (4) » ، وفي الرواية الأخرى: «فإني لا آمن أن يناله العدو (5) » فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة، ولا منع منه حينئذ؛ لعدم العلة، هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون، وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقا، والصحيح عنه ما سبق، وهذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغلط بعض المالكية فزعم أنها من كلام مالك.
واتفق العلماء على أنه يجوز أن يكتب إليهم كتاب فيه آية أو آيات، والحجة فيه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، قال القاضي: وكره مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى وذكره سبحانه
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(5) صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) .
(6/47)

وتعالى.
وقال الأبي: قوله نهى: قلت: لا يدخل الخلاف المذكور في قول الراوي: نهى، لتصريحه بالنهي في الطريق الثاني.
قوله: أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (ع) المراد بالقرآن هنا المصحف، وكذا جاء مفسرا في بعض الأحاديث. قلت: لم يكن المصحف مكتوبا حينئذ فلعله من الإخبار عن مغيب أو لعله كان مكتوبا في رقاع فيصح ويتقرر النهي بالقليل؛ والكثير منه، لا سيما على القول أن القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير منه، وأما على القول بأنه اسم للجمع فيتعلق النهي بالقليل؛ لمشاركته الكل في القلة، فإن حرمة القليل منه كالكثير.
(ع) واختلف في السفر به: فمنعه مالك وقدماء أصحابه وإن كان الجيش كبيرا؛ لأنه قد ينسى أن يسقط، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة جوازه مطلقا، والصحيح عنه جوازه في الجيش الكبير دون السرايا؛ لأن نيل العدو إياه مع الجيش الكبير نادر لا يلتفت إليه. وأجاز الفقهاء الكتب إليهم بالآية ونحوها للدعاء إلى الإسلام والوعظ. انتهى (1) .
قال الأبي: قوله: «مخافة أن يناله العدو (2) » (ع) ظن بعض الناس وصحح أن هذا التعليل من قول مالك أو ما بعده من قوله: «فإني لا آمن أن يناله العدو (3) » . وفي الآخر: «إني أخاف أن يناله العدو فلن يرده (4) » ، فإنه
__________
(1) [الأبي على مسلم] (5 \ 216) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/48)

ظاهر أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم ومتصل به، واختلف في ذلك رواة الموطأ فرواه ابن مهدي وابن وهب والأكثر متصلا بكلامه صلى الله عليه وسلم ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير أنه من كلام مالك وهذه الرواية تحمل على أن مالكا شك في رفع هذه الزيادة فجعلها لتحريه من كلامه وإلا فهي رواية الثقات. انتهى. (1)
وجاء في [موطأ مالك] : حدثني يحيى عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (2) » فقال مالك: وإنما ذلك مخافة أن يناله العدو. انتهى.
وقال الباجي: قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (3) » يريد والله أعلم الصحف: لما كان القرآن مكتوبا فيها سماها قرآنا، ولم يرد ما كان منه محفوظا في الصدر؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو؛ وإنما ذلك لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي، وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به، وقد روي مفسرا «نهى أن يسافر بالمصحف (4) » رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (5) » .
فصل: والسفر واقع على الغزو وغيره، قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصحف إلى أرض العدو في الجيش الكبير كالطائفة ونحوها وأما السرية ونحوها فلا. قال
__________
(1) [الأبي على مسلم] (5 \ 217) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2879) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(5) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2879) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/49)

سحنون: لا يجوز ذلك؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك عاما ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه سحنون أنه لا قوة فيه على العدو، وليس مما يستعان به على حربه، وقد يناله لشغل عنه كما قال سحنون، وقد يناله بالغلبة أيضا.
مسألة: ولو أن أحدا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف؛ ليتدبره لم يرسل إليه به؛ لأنه نجس جنب، ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه، ذكره ابن الماجشون.
فصل: وقوله: «مخافة أن يناله العدو (1) » يريد أهل الشرك؛ لأنهم ربما تمكنوا من نيله، والاستخفاف به؛ فلأجل ذلك منع السفر به إلى بلادهم. انتهى (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر بالقرآن، فإني أخاف أن يناله العدو (3) » .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، يعني: ابن مهدي، حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (4) » .
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(2) [الموطأ على المنتقى] (3 \ 165، 166) .
(3) [المسند] (2 \ 6) .
(4) [المسند] (2 \ 7، 62، 63، 75)
(6/50)

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسافروا بالقرآن، فإني أخاف أن يناله العدو (1) » .
وجاء في [مختصر المنذري لسنن أبي داود] : عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (2) » .
قال مالك: أراد مخافة أن يناله العدو.
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، هكذا ذكره هاهنا أن قوله: مخافة أن يناله العدو، من قول مالك.
وأخرجه من رواية القعنبي عنه ووافق القعنبي على ذلك كأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ويحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير، ورواه بعضهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي والقعنبي عن مالك فأدرج هذه الزيادة في الحديث.
فقد اختلف على القعنبي في هذه الزيادة: فمرة يبين أنها قول مالك ومرة يدرجها في الحديث. ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك فلم يذكر الزيادة البتة، وقد رفع هذه الكلمات أيوب السختياني والليث بن سعد والضحاك بن عثمان الحزامي عن نافع عن ابن عمر.
وقال بعضهم: يحتمل أن مالكا شك هل هي من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فجعل [التحرية] هذه الزيادة من كلامه على التفسير وإلا فهي صحيحة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية الثقات.
والمراد بالقرآن هاهنا: المصحف، وكذا جاء مفسرا في بعض
__________
(1) [المسند] (2\ 10) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/51)

الحديث، ونيل العدو له استخفافه به وامتهانه إياه، فإذا أمنت العلة في الجيوش الكثيرة.
وقد قيل: ارتفع النهي وهو مذهب أبي حنيفة وغيره من العلماء، وأشار إليه البخاري وحملوا النهي على الخصوص. ولم يفرق مالك بين العسكر الكبير والصغير في النهي عن ذلك، وحكي عن بعضهم جواز السفر به مطلقا.
وقيل: إن نهيه - صلى الله عليه وسلم - فيه ليس على وجه التحريم والفرض، وإنما هو على معنى الندب والإكرام للقرآن، انتهى (1) .
وجاء في [طرح التثريب] : وعن نافع عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (2) » فيه فوائد:
1 - أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه من طريق مالك، وزاد في رواية ابن ماجه: «مخافة أن يناله العدو (3) » ، وفي رواية أبي داود: قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق الليث بن سعد بزيادة «مخافة أن يناله العدو (4) » ، وأخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني بلفظ «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو (5) » ، ومن طريق الضحاك بن عثمان بلفظ: «مخافة أن يناله العدو (6) » ، وعلقه البخاري من طريق محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر، ومن طريق ابن إسحاق ستتهم عن نافع عمر، وقال أبو بكر البرقاني: لم يقل
__________
(1) [مختصر المنذري] (3\ 414، 415) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(5) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/52)

كره إلا محمد بن بشر، ورواه أبو همام عن محمد بن بشر كذلك، ورواه عن عبيد الله بن عمر جماعة فاتفقوا على لفظة النهي، وقال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى بن يحيى والقعنبي وابن بكير وأكثر الرواة يعني: بلفظ قال مالك: «أراه مخافة أن يناله العدو (1) » ، ورواه ابن وهب عن مالك فقال في آخره: «خشية أن يناله العدو (2) » ، وفي سياقه الحديث لم يجعله من قول مالك [قلت] : وتقدم أنه في [سنن ابن ماجه] من رواية مالك في نفس الحديث، وهو عنده من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك قال: وكذلك قال عبيد الله بن عمر وأيوب والليث وإسماعيل بن أمية وليث بن أبي سليم وإن اختلفت ألفاظهم، قال: وهو صحيح مرفوع، وقال القاضي عياض في الرواية المشهورة عن مالك: يحتمل أنه شك هل هي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا؟ وقد روي عن مالك متصلا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كرواية غيره من رواية عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن وهب، وقال النووي: هذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وغلط بعض المالكية فزعم أنها من كلام مالك.
2 - فيه النهي عن السفر بالقرآن والمراد به المصحف إلى أرض العدو، وهذا محتمل للتحريم والكراهة، وفي لفظ مسلم: «لا تسافروا بالقرآن (3) » ، وظاهر هذا اللفظ التحريم، ولفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله «كره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (4) » وظاهره التنزيه فقط، وقد بوب عليه البخاري (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) ، وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتابعه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد سافر
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/53)

النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن. انتهى، وفي بعض نسخه باب السفر بدون ذكر الكراهة، وقد اعتمد في الكراهة على لفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر، وقد عرفت من كلام البرقاني أن المشهور لفظ النهي على أن لفظ الكراهة يحتمل التحريم أيضا، وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء: أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا، والعسكر الصغير المخوف عليه.
واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه، فلم يفرق مالك بين الصغير والكبير، وقال أبو حنيفة: لا بأس في السفر بالعسكر العظيم.
وقال النووي في [شرح مسلم] ،: إن أمنت العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع حينئذ؛ لعدم العلة هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون، وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقا، والصحيح عنه ما سبق. انتهى.
وقول البخاري رحمه الله: (قد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أرض العدو وهم يعلمون القرآن) إن قصد به معارضة النهي عن ذلك فلا تعارض بينهما؛ لأن النهي عن ذلك في المصحف؛ لئلا يتمكنوا منه فينتهكوا حرمته، وليس آدميا يمكنه الدفع عن نفسه بخلاف ما في صدور المؤمنين من القرآن، فإنهم عند العجز عن المدافعة عن أنفسهم لا يعد المهين لهم مهينا للمصحف؛ لأن الذي في صدورهم أمر معنوي والذي في المصحف مشاهد محسوس -والله أعلم.
(6/54)

3 - يستنبط منه منع بيع المصحف إلى الكافر؛ لوجود المعنى فيه، وهو تمكنه من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، ولكن هل يصح لو وقع، اختلف أصحابنا فيه على طريقين: (أصحهما) : القطع ببطلانه (والثاني) : إجراء الخلاف الذي في بيع العبد المسلم للكافر فيه، والفرق بينهما على عظم حرمة المصحف وأنه لا يمكنه دفع الذل عن نفسه بالاستعانة بخلاف العبد (1) .
وقال النووي: اتفقوا على أنه لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - في [الصحيحين] : أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (2) » .
واتفقوا: أنه يجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان وشبههما في أثناء كتاب؛ لحديث أبي سفيان - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (3) الآية (4) .
__________
(1) [طرح التثريب] (7\ 216، 217) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(3) سورة آل عمران الآية 64
(4) [المجموع شرح المهذب] : (2\78) .
(6/55)

ثانيا: ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا (الطهارة من الحدث ومن الكفر) .
اختلف أهل العلم في ذلك:
وفيما يلي نقول عن أهل العلم من المفسرين، والمحدثين والفقهاء وتشتمل على أقوالهم، وأدلتهم ومناقشتها:
(6/55)

1 - النقول من المفسرين:
1 - قال الجصاص: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (1) {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} (2) {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (3) روي عن سلمان أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون، فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء، وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال: فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرءون، فقالت: إنك رجس وأنه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه، وذكر الحديث، وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف، وعن ابن عمر مثله، وكره الحسن والنخعي مس المصحف على غير وضوء، وروي عن حماد: أن المراد الذي في اللوح المحفوظ {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (4) يعني: الملائكة، وقال أبو العالية في قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (5) قال: هو في كتاب مكنون ليس أنتم (6) من أصحاب الذنوب. وقال سعيد بن جبير وابن عباس: {الْمُطَهَّرُونَ} (7) الملائكة. وقال قتادة: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق. قال أبو بكر: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر، فالأولى: أن يكون المراد القرآن الذي عند الله، والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي، وإن كان في صورة الخبر، كان عموما فينا، وهذا أولى؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في
__________
(1) سورة الواقعة الآية 77
(2) سورة الواقعة الآية 78
(3) سورة الواقعة الآية 79
(4) سورة الواقعة الآية 79
(5) سورة الواقعة الآية 79
(6) كذا في الأصل، ولعله (أنتم أنتم) .
(7) سورة الواقعة الآية 79
(6/56)

أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم (ولا يمس القرآن إلا طاهر) ، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيها احتمال له (1) .
2 - وقال القرطبي: الخامسة: قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (2) اختلف في معنى {لَا يَمَسُّهُ} (3) هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في {الْمُطَهَّرُونَ} (4) من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم: فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. الكلبي: هم السفرة الكرام البررة. وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (5) أنها بمنزلة الآية التي في عبس وتولى {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} (6) {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} (7) {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} (8) {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} (9) {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} (10) يريد: أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة عبس: وقال معنى: {لَا يَمَسُّهُ} (11) لا ينزل به إلا المطهرون أي: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري. ابن
__________
(1) [أحكام القرآن] ، للجصاص: (3\ 511) .
(2) سورة الواقعة الآية 79
(3) سورة الواقعة الآية 79
(4) سورة الواقعة الآية 79
(5) سورة الواقعة الآية 79
(6) سورة عبس الآية 12
(7) سورة عبس الآية 13
(8) سورة عبس الآية 14
(9) سورة عبس الآية 15
(10) سورة عبس الآية 16
(11) سورة الواقعة الآية 79
(6/57)

العربي: وهذا باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال.
وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف فهو قول محتمل؛ وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا: وهو الأظهر.
وقد روى مالك وغيره: أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته: «من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد (1) » وكان في كتابه: «ألا يمس القرآن إلا طاهر (2) » . وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» ، وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (3) فقام واغتسل وأسلم. وقد مضى في أول سورة (طه) وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (4) من الأحداث والأنجاس. الكلبي: من الشرك. الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل معنى: {لَا يَمَسُّهُ} (5) لا يقرؤه {إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (6) إلا الموحدون، قال محمد بن فضيل وعبدة.
قال عكرمة: كان ابن عباس ينهى أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن.
وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون؛ أي: المؤمنون بالقرآن.
ابن العربي: وهو اختيار البخاري؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان
__________
(1) سنن النسائي القسامة (4853) ، سنن الدارمي الديات (2365) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) سورة الواقعة الآية 79
(4) سورة الواقعة الآية 79
(5) سورة الواقعة الآية 79
(6) سورة الواقعة الآية 79
(6/58)

من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا (1) » .
وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق.
وقال أبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلا السعداء. وقيل: المعنى لا يمس ثوابه إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع، أي: لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع؛ وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي.
وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. وقد مضى هذا المعنى في سورة (البقرة) ، المهدوي: يجوز أن يكون أمرا تكون ضمة السين ضمة إعراب. ويجوز أن يكون نهيا وتكون ضمة السين ضمة بناء والفعل مجزوم.
السادسة: واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء:
فالجمهور: على المنع من مسه؛ لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة:
فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما. وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر.
__________
(1) صحيح مسلم الإيمان (34) ، سنن الترمذي الإيمان (2623) ، مسند أحمد بن حنبل (1/208) .
(6/59)

ابن العربي: وهذا إن سلمه مما يقوي الحجة عليه؛ لأن تحريم الممنوع ممنوع. وفيما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه.
وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة.
وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل.
وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه.
وفي مس الصبيان إياه على وجهين:
أحدهما: المنع اعتبارا بالبالغ.
والثاني: الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثا (1) .
3 - وقال ابن كثير: وقال ابن جرير: حدثني موسى بن إسماعيل أخبرنا شريك عن حكيم هو ابن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (2) قال: الكتاب الذي في السماء، وقال
__________
(1) [تفسير القرطبي] (17\ 225-227) .
(2) سورة الواقعة الآية 79
(6/60)

العوفي عن ابن عباس: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (1) يعني: الملائكة، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر عن قتادة {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (2) قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، قال: وهي في قراءة ابن مسعود ما يمسه إلا المطهرون، وقال أبو العالية: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (3) ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن زيد زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} (4) {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} (5) {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} (6) وهذا القول قول جيد وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله.
وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (7) أي: من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها: الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (8) » .
__________
(1) سورة الواقعة الآية 79
(2) سورة الواقعة الآية 79
(3) سورة الواقعة الآية 79
(4) سورة الشعراء الآية 210
(5) سورة الشعراء الآية 211
(6) سورة الشعراء الآية 212
(7) سورة الواقعة الآية 79
(8) صحيح البخاري الجهاد والسير (2990) ، صحيح مسلم الإمارة (1869) ، سنن أبو داود الجهاد (2610) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/7) ، موطأ مالك الجهاد (979) .
(6/61)

واحتجوا في ذلك: بما رواه الإمام مالك في [موطئه] عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (1) » .
وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر (2) » ، وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منهما (3) نظر (4) .
4 - وقال القرطبي: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (5) ابتداء وخبر، واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: لأنه جنب، إذ غسله من الجنابة ليس بغسل.
وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ.
والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد، وأسقطه الشافعي.
__________
(1) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) كذا ولعل منهم.
(4) [تفسير ابن كثير] (4\298) .
(5) سورة التوبة الآية 28
(6/62)

وقال: أحب إلي أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس. وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال، رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده «وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حسن إسلام صاحبكم (1) » ، وأخرجه مسلم بمعناه.
وفيه أن ثمامة لما مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل. وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر. فإن كان إسلامه قبل احتلامه فغسله مستحب. ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة. هذا قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب (2) .
5 - وقال ابن كثير على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (3) أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر - رضي الله عنهما - عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا، وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (2/483) .
(2) [تفسير القرطبي] (8\103، 104) .
(3) سورة التوبة الآية 28
(6/63)

جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (1) إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة. وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا شريك عن الأشعث يعني: ابن سوار عن الحسن، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم (2) » تفرد به الإمام أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (3) وقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (4) ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما ورد في الصحيح «المؤمن لا ينجس (5) » ، وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (6) .
__________
(1) سورة التوبة الآية 28
(2) مسند أحمد بن حنبل (3/392) .
(3) سورة التوبة الآية 28
(4) سورة التوبة الآية 28
(5) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(6) [تفسير ابن كثير] (2\346) .
(6/64)

2 - النقول من المحدثين:
أ- قال الزيلعي: الحديث الخامس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر (1) » قلت: روي من حديث عمرو بن حزم ومن حديث ابن عمر،
__________
(1) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/64)

ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان.
أما حديث عمرو بن حزم فرواه النسائي في [سننه] ، في كتاب الديات، وأبو داود في [المراسيل] من حديث محمد بن بكار بن بلال عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (1) » انتهى.
وروياه أيضا من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود الخولاني، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده بنحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى (يعني قوله: سليمان بن داود) وإنما هو سليمان بن أرقم، قال النسائي: الأول أشبه بالصواب وسليمان بن أرقم متروك. انتهى.
وبالسند الثاني رواه ابن حبان في [صحيحه] في النوع السابع والثلاثين، من القسم الخامس، قال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون، انتهى، وكذلك الحاكم في [المستدرك] (2) وقال: هو من قواعد الإسلام وإسناده من شرط هذا الكتاب. انتهى. أخرجه
__________
(1) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(2) في باب زكاة الذهب (1\ 397) في حديث طويل.
(6/65)

بطوله، ورواه الطبراني في [معجمه] والدارقطني (1) ثم البيهقي في [سننهما] ، وأحمد في [مسنده] ، وابن راهويه.
طريق آخر: رواه الدارقطني في [غرائب مالك] من حديث أبي ثور هاشم بن ناجية عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده، قال: كان فيما أخذ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يمس القرآن إلا طاهر، قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن مبشر عن مالك، فأسنده عن جده، ثم رواه من حديث إسحاق الطباع، أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: كان في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » ، قال: وهذا الصواب عن مالك، ليس فيه عن جده. انتهى.
قال الشيخ تقي الدين في [الإمام] : وقوله فيه: عن جده أن يراد به جده الأدنى، وهو محمد بن عمرو بن حزم، ويحتمل أن يراد به جده الأعلى، وهو عمرو بن حزم، وإنما يكون متصلا إذا أريد الأعلى، لكن قوله: كان فيما أخذ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتضي أنه عمرو بن حزم؛ لأنه الذي كتب له الكتاب.
طريق آخر أخرجه البيهقي في [الخلافيات] من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب في عهده، «ولا يمس القرآن إلا طاهر (3) » ، انتهى.
__________
(1) ص: (45، 283) ، والبيهقي في [سننه] ص: 88، والدارمي في باب: لا طلاق قبل النكاح ص: (293) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/66)

قلت: لم أجده عند عبد الرزاق في [مصنفه] وفي تفسيره إلا مرسلا فرواه في [مصنفه] في (باب الحيض) أخبرنا معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: كان في كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث، ورواه في [تفسيره] في سورة الواقعة: أخبرنا معمر عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب لهم كتابا فيه: «ولا يمس القرآن إلا طاهر (1) » ، انتهى. ومن طريق عبد الرزاق، رواه الدارقطني ثم البيهقي في [سننهما] هكذا مرسلا. قال الدارقطني: هذا مرسل ورواته ثقات. انتهى.
طريق آخر، رواه البيهقي في [الخلافيات] أيضا من حديث إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر يخبرانه عن أبيهما عن جدهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. وأبو أويس صدوق، أخرج له مسلم في [المتابعات] ، وقد روى هذا الحديث من طرق أخرى مرسلة، وسيأتي في الزكاة وفي الديات بعض ذلك إن شاء الله تعالى، قال السهيلي في [الروض الأنف] (2) حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر (3) » مرسل لا يقوم به الحجة، وقد أسنده الدارقطني من طرق أقواها رواية أبي داود الطيالسي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه
__________
(1) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(2) في (فصل تطهير عمر ليمس القرآن) .
(3) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/67)

عن جده. انتهى.
وأما حديث ابن عمر، فرواه الطبراني في [معجمه] والدارقطني (1) ثم البيهقي من جهته في [سننهما] من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري، قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » انتهى.
وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه، فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وأما حديث حكيم بن حزام، فرواه الحاكم في [المستدرك] ، في كتاب الفضائل من حديث سويد بن أبي حاتم، ثنا مطر الوراق عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» انتهى.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، رواه الطبراني. والدارقطني، ثم البيهقي في [سننهما] .
وأما حديث عثمان بن أبي العاص، فرواه الطبراني في [معجمه] حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا هشام بن سليمان عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد، عن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، عن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر (3) » انتهى.
__________
(1) ص: (45) ، والبيهقي: ص: (88) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/68)

وأما حديث ثوبان فلم أجده موصولا، ولكن قال ابن القطان في كتابه [الوهم والإيهام] : وروى علي بن عبد العزيز في [منتخبه] حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا مسعدة البصري عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر (1) » انتهى.
قال ابن القطان: وإسناده في غاية الضعف، أما النضر بن شفي، فلم أجد له ذكرا في شيء من مظانه، فهو مجهول جدا، وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، وأما مسعدة البصري، فهو ابن اليسع تركه أحمد بن حنبل، وخرق حديثه، ووصفه أبو حاتم بالكذب، وأما إسحاق بن إسماعيل فهو ابن عبد الأعلى يروي عن ابن عيينة وجرير وغيرهما، وهو شيخ لأبي داود، وأبو داود إنما يروي عن ثقة عنده، انتهى كلامه.
وفي الباب أثران جيدان:
أحدهما: أخرجه الدارقطني (2) عن إسحاق الأزرق، ثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر متقلدا بالسيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له: خباب وكانوا يقرءون (طه) فقال: أعطوني الذي عندكم فأقرأه - وكان عمر يقرأ الكتب- فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل، أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ
__________
(1) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(2) في [سننه] ص: (45، 46) ، والبيهقي كلاهما في ص: (88) ، والثاني من طريق الدارقطني أيضا.
(6/69)

الكتاب فقرأ (طه) انتهى.
ورواه أبو يعلى الموصلي في [مسنده] مطولا، قال الدارقطني: تفرد به القاسم بن عثمان، وليس بالقوي، وقال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. الثاني: أخرجه الدارقطني أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كنا مع سلمان، فخرج فقضى حاجته، ثم جاء فقلت: يا أبا عبد الله، لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات، قال: إني لست أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، انتهى. وصححه الدارقطني (1) .
ب- وقال ابن حجر: حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » أبو داود في المراسيل والنسائي من حديث عمرو بن حزم، في أثناء حديثه الطويل.
__________
(1) [نصب الراية] (1\ 196- 199) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/70)

وأخرجه الدارقطني (1) من طريق أبي ثور عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه عن جده، قال: كان فيما أخذ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » ، تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ عن مالك كذلك.
وأخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي من طريقه، عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمد عن أبيه عن جده نحوه.
وفي الباب: عن ابن عمر، أخرجه الطبراني والبيهقي. وعن حكيم بن حزام أخرجه الحاكم والطبراني والدارقطني. وعن عثمان (3) بن أبي العاص، أخرجه الطبراني.
وعن ثوبان رفعه: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر (4) » أخرجه علي بن عبد العزيز في [منتخب المسند] ، وإسناده
__________
(1) رواه الدارقطني في (غرائب مالك) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) وفيه إسماعيل بن رافع، ضعفه النسائي وابن معين، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث.
(4) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/71)

ضعيف. وعن أخت عمر أنها قالت له عند إسلامه: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، أخرجه أبو يعلى والطبراني. وعن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان: أنه قضى حاجته فخرج ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، أخرجه الدارقطني وصححه (1) .
وقال ابن حجر أيضا: حديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لحكيم بن حزام: «لا يمس المصحف إلا طاهر (2) » ، الدارقطني والحاكم في المعرفة من [مستدركه] . والبيهقي في [الخلافيات] والطبراني من حديث حكيم، قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن: قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» ، وفي إسناده سويد أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في [الأوسط] : أنه تفرد به، وحسن الحازمي إسناده.
واعترض النووي على صاحب [المهذب] في إيراده له عن حكيم بن حزام، بما حاصله أنه تبع في ذلك الشيخ أبا حامد، يعني: في قوله عن حكيم بن حزام، قال: والمعروف في كتب الحديث أنه عن عمرو بن حزم قلت: حديث عمرو بن حزم أشهر، وهو في الكتاب الطويل، كما سيأتي الكلام عليه في الديات إن شاء الله تعالى، ثم إن الشيخ محيي الدين في الخلاصة، ضعف حديث حكيم بن حزام وحديث عمرو بن
__________
(1) [الدراية، (1\ 86) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/72)

حزم جميعا، فهذا يدل على أنه وقف على حديث حكيم بعد ذلك. والله أعلم، وفي الباب عن ابن عمر رواه الدارقطني وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به، وعن عثمان بن أبي العاص، رواه الطبراني وابن أبي داود في المصاحف، وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف وعن ثوبان أورده علي بن عبد العزيز في [منتخب مسنده] ، وفي إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك، وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، وفي إسناده مقال، وفيه عن سلمان موقوفا، أخرجه الدارقطني والحاكم.
قوله: ويروى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهر» ، هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا يوجد ذكر حمل المصحف في شيء من الروايات، وأما المس ففيه الأحاديث الماضية.
حديث: «أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابا إلى هرقل، وكان فيه: (2) » الآية متفق عليه من حديث ابن عباس عن أبي
__________
(1) صحيح البخاري بدء الوحي (7) ، صحيح مسلم الجهاد والسير (1773) ، مسند أحمد بن حنبل (1/263) .
(2) سورة آل عمران الآية 64 (1) {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}
(6/73)

سفيان صخر بن حرب في حديث طويل (1) .
ج- وجاء في [بلوغ المرام] : وعن عبد الله بن أبي بكر: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » . رواه مالك مرسلا. ووصله النسائي وابن حبان وهو معلول.
د- وقال الصنعاني: وإنما قال في [المصنف] : إن هذا الحديث معلول؛ لأنه من رواية سليمان بن داود، وهو متفق على تركه، كما قال ابن حزم ووهم في ذلك، فإنه ظن أنه سليمان بن داود اليماني وليس كذلك، بل هو سليمان بن داود الخولاني وهو ثقة، أثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، واليماني هو المتفق على ضعفه، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول.
قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب.
وفي الباب من حديث حكيم بن حزام «لا يمس القرآن إلا طاهر (3) » وإن كان في إسناده مقال إلا أنه ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد] من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمس القرآن إلا طاهر (4) » قال الهيثمي: رجاله موثقون، وذكر له شاهدين ولكنه يبقى النظر في
__________
(1) [التلخيص الحبير] (1\ 131، 132) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(4) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/74)

المراد من الطاهر فإنه لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولا بد لحمله على معين من قرينة، وأما قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (1) فالأوضح أن الضمير للكتاب المكنون الذي سبق ذكره في صدر الآية، وأن المطهرون هم الملائكة (2) .
هـ- وجاء في [المنتقى] للمجد: وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه: «لا يمس القرآن إلا طاهر (3) » - رواه الأثرم والدارقطني. وهو لمالك في [الموطأ] مرسلا عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (4) » ، وقال الأثرم: واحتج أبو عبد الله -يعني: أحمد - بحديث ابن عمر: «ولا يمس المصحف إلا على طهارة» .
ووقال الشوكاني: الحديث أخرجه الحاكم في [المستدرك] ، والبيهقي في [الخلافيات] والطبراني، وفي إسناده سويد بن أبي حاتم، وهو ضعيف.
وذكر الطبراني في [الأوسط] : أنه تفرد به وحسن الحازمي إسناده، وقد ضعف النووي وابن كثير في إرشاده وابن حزم حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم جميعا. وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني والطبراني قال الحافظ: وإسناده لا بأس به، لكن فيه سليمان
__________
(1) سورة الواقعة الآية 79
(2) [سبل السلام] (1\70) .
(3) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(4) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/75)

الأشدق وهو مختلف فيه، رواه عن سالم عن أبيه ابن عمر قال الحافظ: ذكر الأثرم أن أحمد احتج به.
وفي الباب أيضا عن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني وابن أبي داود في المصاحف وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف، وعن ثوبان أورد علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده، وفي إسناده خصيب بن جحدر وهو متروك، وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنه رجس ولا يمسه إلا المطهرون، قال الحافظ: وفي إسناده مقال، وفيه عن سلمان موقوفا أخرجه الدارقطني والحاكم، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول.
قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة. والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة: ويدل لإطلاقه على الأول قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (1) وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: «المؤمن لا ينجس (2) » ، وعلى الثاني: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (3) وعلى الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين: «دعهما فإني أدخلتهما
__________
(1) سورة التوبة الآية 28
(2) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(3) سورة المائدة الآية 6
(6/76)

طاهرتين (1) » ، وعلى الرابع: الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرا، وقد ورد إطلاق ذلك في كثير فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا. والمسألة مدونة في الأصول وفيها مذاهب: والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين، وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود.
(استدل المانعون للجنب) بقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (2) وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعا إلى القرآن، والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة، ولو سلم عدم الظهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجنب من مسه- غير مسلمة؛ لأن المطهر من ليس بنجس والمؤمن ليس بنجس دائما؛ لحديث «المؤمن لا ينجس (3) » وهو متفق عليه، فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية، بل يتعين حمله على من ليس بمشرك، كما هو في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (4) لهذا الحديث، وحديث النهي عن السفر
__________
(1) رواه البخاري في باب إذا أدخل رجليه، وهما طاهرتان في المسح على الخفين، ورواه مسلم في المسح على الرأس والخفين، ورواه غيرهما.
(2) سورة الواقعة الآية 79
(3) صحيح البخاري الغسل (285) ، صحيح مسلم الحيض (371) ، سنن الترمذي الطهارة (121) ، سنن النسائي الطهارة (269) ، سنن أبو داود الطهارة (231) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (534) ، مسند أحمد بن حنبل (2/235) .
(4) سورة التوبة الآية 28
(6/77)

بالقرآن إلى أرض العدو، ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر، فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملا في معانيه فلا يعين حتى يبين: وقد دل الدليل هاهنا أن المراد به غيره؛ لحديث «المؤمن لا ينجس (1) » ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحا بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح؛ لوجود المانع وهو حديث «المؤمن لا ينجس (2) » .
واستدلوا أيضا بحديث الباب.
وأجيب: بأنه غير صالح للاحتجاج؛ لأنه من صحيفة غير مسموعة وفي رجال إسناده خلاف شديد، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر وقد عرفته.
قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا أو على بدنه نجاسة- (فإن قلت) : إذا تم ما تريد من حمل الطاهر على من ليس بمشرك فما جوابك فيما ثبت في المتفق عليه من حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل عظيم الروم: «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين
__________
(1) صحيح البخاري الغسل (285) ، صحيح مسلم الحيض (371) ، سنن الترمذي الطهارة (121) ، سنن النسائي الطهارة (269) ، سنن أبو داود الطهارة (231) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (534) ، مسند أحمد بن حنبل (2/235) .
(2) صحيح البخاري الغسل (285) ، صحيح مسلم الحيض (371) ، سنن الترمذي الطهارة (121) ، سنن النسائي الطهارة (269) ، سنن أبو داود الطهارة (231) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (534) ، مسند أحمد بن حنبل (2/235) .
(6/78)

وإلى قوله: (3) » مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب ووقوع اللمس منهم له معلوم.
(قلت) : أجعله خاصا بمثل الآية والآيتين فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك المقدار كدعائه إلى الإسلام. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه قد صار باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتب التفسير فلا تخصص به الآية والحديث: إذا تقرر لك هذا عرفت عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك، وقد عرفت الخلاف في الجنب.
وأما المحدث حدثا أصغر فذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله والهادوية، وقاضي القضاة وداود إلى أنه يجوز له مس المصحف.
وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإمام يحيى: لا يجوز، واستدلوا بما سلف وقد سلف ما فيه. (4) .
__________
(1) صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن (4553) ، صحيح مسلم الجهاد والسير (1773) ، سنن الترمذي الاستئذان والآداب (2717) ، سنن أبو داود الأدب (5136) ، مسند أحمد بن حنبل (1/263) .
(2) سورة آل عمران الآية 64 (1) {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ}
(3) سورة آل عمران الآية 64 (2) {مُسْلِمُونَ}
(4) [نيل الأوطار] (1\ 259-261)
(6/79)

3 - النقول من الفقهاء
أ- قال النووي: يحرم على المحدث مس المصحف وحمله سواء إن حمله بعلاقته أو في كمه أو على رأسه. وحكى القاضي حسين والمتولي وجها أنه يجوز حمله بعلاقته، وهو شاذ في المذهب وضعيف.
قال أصحابنا: وسواء من نفس الأسطر، أو ما بينهما أو الحواشي أو
(6/79)

الجلد فكل ذلك حرام. وفي مس الجلد وجه ضعيف أنه يجوز. وحكى الدارمي وجها شاذا بعيدا أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي ولا ما بين الأسطر، ولا يحرم إلا نفس المكتوب. والصحيح الذي قطع به الجمهور: تحريم الجميع.
وفي مس العلاقة والخريطة والصندوق إذا كان المصحف فيها وجهان مشهوران:
أصحهما: يحرم، وبه قطع المتولي والبغوي؛ لأنه متخذ للمصحف منسوب إليه كالجلد.
والثاني: يجوز واختاره الروياني في مس الصندوق. وأما حمل الصندوق وفيه المصحف فاتفقوا على تحريمه.
قال أبو محمد الجويني في [الفروق] : وكذا يحرم تحريكه من مكان إلى مكان، وأما إذا تصفح أوراقه بعود ففيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين:
أصحهما: - وبه قطع المصنف وسائر العراقيين- يجوز؛ لأنه غير مباشر له ولا حامل.
والثاني: لا يجوز، ورجحه الخراسانيون؛ لأنه حمل الورقة، وهي بعض المصحف ولو لف كمه على يده وقلب الأوراق بها فهو حرام. هكذا صرح به الجمهور منهم الماوردي المحاملي في [المجموع] وإمام الحرمين والغزالي والروياني وغيرهم، وفرقوا بينه وبين العود بأن الكم متصل به، وله حكم أجزائه في منع السجود عليه وغيره بخلاف العود.
قال إمام الحرمين: ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم، قال: ومن ذكر
(6/80)

فيه خلافا فهو غالط، وشذ الدارمي عن الأصحاب فقال: إن مسه بخرقة أو بكمه فوجهان، وإن مسه بعود جاز.
وأما إذا حمل المصحف في متاع فوجهان، حكاهما الماوردي والخراسانيون: أصحهما: - وبه قطع المصنف والجمهور، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي - يجوز؛ لأنه غير مقصود.
والثاني: يحرم؛ لأنه حامله حقيقة ولا أثر لكون غيره معه، كما لو حمل المصلي متاعا فيه نجاسة فإن صلاته تبطل. قال الماوردي: وصورة المسألة أن يكون المتاع مقصودا بالحمل، فإن كان بخلافه لم يجز، وإنما قاس المصنف على ما إذا كتب كتابا إلى دار الشرك فيه آيات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى دار الشرك كتابا فيه شيء من القرآن مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المسافرة بالقرآن إلى دار الكفر، فدل على أن الآيات في ضمن كتاب لا يكون لها حكم المصحف، والله سبحانه أعلم (1) .
وقال النووي أيضا: الثانية: كتاب تفسير القرآن إن كان القرآن فيها أكثر، كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه وحمله وجها واحدا، كذا ذكره الماوردي وغيره، ونقله الروياني عن الأصحاب، وإن كان التفسير أكثر كما هو الغالب ففيه أوجه:
أصحها: لا يحرم؛ لأنه ليس بمصحف، وبهذا قطع الدارمي وغيره.
والثاني: يحرم؛ لتضمينه قرآنا كثيرا.
والثالث: إن كان القرآن متميزا عن التفسير بخط غليظ حمرة أو
__________
(1) [المجموع شرح المهذب] (2\ 73) .
(6/81)

صفرة ونحو ذلك حرم وإلا فلا. وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وضعفه غيرهم، قال المتولي: وإذا لم يحرم كره، وأما كتب القراءات فجعلها الشيخ نصر المقدسي ككتب الفقه، وقطع هو بجوازها.
وأما كتب حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلق الماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم جواز مسها وحملها مع الحديث، وقال المتولي والروياني: يكره.
والمختار: ما قاله آخرون: إنه إن لم يكن فيها شيء من القرآن جاز، والأولى أن لا يفعل إلا بطهارة، وإن كان فيها قرآن فعلى وجهين في كتب الفقه (1) .
وقال أيضا: الخامسة: إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه. وحمله على البالغ المحدث هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون، وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم؛ لأنه لا يراد الدوام بخلاف المصحف، فعلى هذا يكره، قاله في التتمة، ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على الصحيح.
قال إمام الحرمين: لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله (2) .
وقال أيضا: الثامنة: لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق
__________
(1) [المجموع شرح المهذب] (2\ 76) .
(2) [المجموع شرح المهذب] (2\ 77) .
(6/82)

أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث. صرح به الدارمي وغيره، بل يجب ذلك؛ صيانة للمصحف، ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يلزمه التيمم له؛ لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر. وينبغي أن يجب التيمم؛ لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله (1) .
وقال أيضا: (فرع) في مذاهب العلماء في مس المصحف وحمله، ومذهبنا تحريمهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء. وعن الحكم وحماد وداود: يجوز مسه وحمله، وروي عن الحكم وحماد جواز مسه بظهر الكف دون بطنه.
واحتجوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن، وهرقل محدث، يمسه وأصحابه، ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار، ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى، وقاسوا حمله على حمله في متاع.
واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (2) {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} (3) {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (4) {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (5) فوصفه بالتنزيل، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا: المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، ولهذا قال: يمسه
__________
(1) [المجموع شرح المهذب] (2\ 77) .
(2) سورة الواقعة الآية 77
(3) سورة الواقعة الآية 78
(4) سورة الواقعة الآية 79
(5) سورة الواقعة الآية 80
(6/83)

بضم السين على الخبر، ولو كان المصحف لقال: يمسه بفتح السين على النهي.
فالجواب: أن قوله تعالى: {تَنْزِيلٌ} (1) ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح، وأما رفع السين فهو نهي بلفظ الخبر، كقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} (2) على قراءة من رفع، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبيع بعضكم على بيع أخيه (3) » بإثبات الياء، ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية، فإن قالوا: لو أريد ما قلتم لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، فالجواب: أنه يقال في المتوضئ: مطهر ومتطهر، واستدل أصحابنا بالحديث المذكور وبأنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر - رضي الله عنهم - ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
والجواب عن قصة هرقل: أن ذلك الكتاب فيه آية ولا يسمى مصحفا، وأبيح حمل الصبيان الألواح للضرورة وأبيحت القراءة للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت وحمله في المتاع؛ لأنه غير مقصود، وبالله التوفيق (4) .
ب- وجاء في [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] : وسئل عن رجل يقرأ القرآن وليس له على الوضوء قدرة في كل وقت: فهل له أن يكتب في اللوح ويقرأه إن كان على وضوء وغير وضوء. أم لا؟ وقد ذكر
__________
(1) سورة الواقعة الآية 80
(2) سورة البقرة الآية 233
(3) رواه البخاري في (كتاب البيوع) باب (لا يبيع على بيع أخيه) رقم الحديث في [فتح الباري] ، (2139) .
(4) [المجموع شرح الهذب] (2\ 79) .
(6/84)

بعض المالكية أن معنى قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (1) تطهير القلب، وأن المسلم لا ينجس، وقال بعض الشافعية: لا يجوز له أن يمس اللوح، أو المصحف على غير وضوء أبدا، فهل بين الأئمة خلاف في هذا أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، إذا قرأ في المصحف، أو اللوح، ولم يمسه جاز ذلك، وإن كان على غير طهور، ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء والله أعلم.
وسئل: هل يجوز مس المصحف بغير وضوء، أم لا؟
فأجاب: مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. كما قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » .
قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له، وهو أيضا قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف.
وسئل: عن الإنسان إذا كان على غير طهر، وحمل المصحف بأكمامه، ليقرأ به، ويرفعه من مكان إلى مكان، هل يكره ذلك؟
فأجاب: وأما إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس، ولكن لا يمسه بيديه.
وسئل: عمن معه مصحف، وهو على غير طهارة، كيف يحمله؟
فأجاب: ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه، وفي خرجه وحمله، سواء كان ذلك القماش لرجل، أو امرأة، أو صبي، وإن
__________
(1) سورة الواقعة الآية 79
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(6/85)

كان القماش فوقه أو تحته (1) .
وقال أيضا: وأما مس المصحف: فالصحيح أنه يجب له الوضوء، كقول الجمهور، وهذا هو المعروف عن الصحابة: سعد، وسلمان، وابن عمر. وفي كتاب عمرو بن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمس القرآن إلا طاهر (2) » .
وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، وقد أقر المشركين على السجود لله، ولم ينكره عليهم، فإن السجود لله خضوع: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} (3)
وأما كلامه فله حرمة عظيمة؛ ولهذا ينهى أن يقرأ القرآن في حالة الركوع والسجود، فإذا نهى أن يقرأ في السجود، لم يجز أن يجعل المصحف مثل السجود، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، والمسجد يجوز أن يدخله المحدث، ويدخله الكافر للحاجة، وقد كان الكفار يدخلونه، واختلف في نسخ ذلك، بخلاف المصحف فلا يلزم إذا جاز الطواف مع الحدث، أن يجوز للمحدث مس المصحف؛ لأن حرمة المصحف أعظم.
وعلى هذا فما روي عن عثمان وسعيد من أن الحائض تومئ بالسجود، هو لأن حدث الحائض أغلظ، والركوع هو سجود خفيف. كما قال تعالى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} (4) قالوا: ركعا، فرخص لها في
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (21\ 265- 267) .
(2) موطأ مالك النداء للصلاة (468) .
(3) سورة الرعد الآية 15
(4) سورة النساء الآية 154
(6/86)

دون كمال السجود (1) .
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (21\ 288) .
(6/87)

ثالثا: ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن:
اختلف أهل العلم في ذلك:
وفيما يلي نقول توضح أقوالهم وأدلتهم ومناقشتها:
1 - النقول عن المحدثين:
أ- قال البخاري: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية. ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه. وقالت أم عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون. وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} (1) الآية. وقال عطاء: عن جابر حاضت عائشة فنسكت المناسك كلها غير الطواف بالبيت ولا تصلي. وقال الحكم: إني لأذبح وأنا جنب، وقال الله عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (2) حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي فقال: " ما يبكيك؟ " قلت: لوددت -والله- أني لم أحج العام. قال: " لعلك نفست؟ " قلت: نعم. قال:
__________
(1) سورة آل عمران الآية 64
(2) سورة الأنعام الآية 121
(6/87)

" فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (1) » .
ب- وقال ابن حجر: (قوله: باب تقضي الحائض) أي: تؤدي (المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) ، قيل: مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار؛ أن الحيض وما في معناه من الجنابة لا ينافي جميع العبادات، بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيها، إلا الطواف فقط.
وفي كون هذا مراده نظر؛ لأن كون مناسك الحج كذلك حاصل بالنص فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعا لابن بطال وغيره أن مراده: الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة - رضي الله عنها -؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستثن من جيمع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه ومنع القراءة إن كان لكونه ذكر الله فلا فرق بينه وبين ما ذكر وإن كان تعبدا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل، كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري، وابن المنذر وداود؛ بعموم حديث: كان يذكر الله على كل أحيانه؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث
__________
(1) صحيح البخاري الحيض (305) ، صحيح مسلم الحج (1211) ، سنن الترمذي الحج (934) ، سنن النسائي مناسك الحج (2763) ، سنن أبو داود المناسك (1782) ، سنن ابن ماجه المناسك (2963) ، مسند أحمد بن حنبل (6/273) ، سنن الدارمي المناسك (1862) .
(6/88)

عائشة، وأورد المصنف أثر إبراهيم -وهو النخعي - إشعارا بأن منع الحائض من القراءة ليس مجمعا عليه، وقد وصله الدارمي وغيره بلفظ أربعة لا يقرءون القرآن: الجنب، والحائض، وعند الخلاء، وفي الحمام، إلا الآية ونحوها للجنب والحائض، وروي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروي عنه الجواز مطلقا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب، وقد قيل: إنه قول الشافعي في القديم ثم أورد أثر ابن عباس، وقد وصله ابن المنذر بلفظ: (أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب) ، وأما حديث أم عطية فوصله المؤلف في العيدين، وقوله فيه: (ويدعون) كذا لأكثر الرواة، وللكشميهني: (يدعين) بياء تحتانية بدل الواو، ووجه الدلالة منه: ما تقدم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها.
ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو موصول عنده في بدء الوحي وغيره، ووجه الدلالة منه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى الروم وهم كفار، والكافر جنب كأنه يقول: إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملا على آيتين فكذلك يجوز له قراءته، كذا قاله ابن رشيد وتوجيه الدلالة منه إنما هي من حيث إنه إنما كتب إليهم ليقرءوه فاستلزم جواز القراءة بالنص لا بالاستنباط، وقد أجيب عمن منع ذلك، وهم: الجمهور: بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة.
ونص أحمد: أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل؛ كالآية والآيتين.
(6/89)

قال الثوري: لا بأس أن يعلم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلمه الآية هو كالجنب، وعن أحمد: أكره أن يضع القرآن في غير موضعه، وعنه: إن رجي منه الهداية جاز وإلا فلا، وقال بعض من منع: لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن؛ لأن الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها وعرف أن الذي يقرأه قرآن، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أن من القرآن فإنه لا يمنع، وكذلك الكافر، وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى.
تنبيه: ذكر صاحب [المشارق] أنه وقع في رواية القابسي والنسفي وعبدوس هنا (ويا أهل الكتاب) بزيادة واو، قال: وسقطت لأبي ذر والأصيلي، وهو الصواب (قلت) : فافهم أن الأولى خطأ، لكونها مخالفة للتلاوة وليست خطأ وقد تقدم توجيه إثبات الواو في بدء الوحي، (قوله: وقال عطاء: عن جابر) هو طرف من حديث موصول عند المصنف في كتاب [الأحكام] وفي آخره: غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي، وأما أثر الحكم وهو الفقيه الكوفي فوصله البغوي في الجعديات من روايته عن علي بن الجعد عن شعبة عنه.
ووجه الدلالة منه: أن الذبح مستلزم لذكر الله بحكم الآية التي ساقها، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، ولكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه، واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق: أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد
(6/90)

فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعا بين الأدلة.
وأما حديث ابن عمر مرفوعا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (1) » فضعيف من جميع طرقه (2) .
ج- قال الزيلعي: الحديث الرابع: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن (3) » قلت: روي من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر.
أما حديث ابن عمر، فأخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (4) » انتهى. قال الترمذي: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، انتهى، ورواه البيهقي في [سننه] (5) ، وقال: قال البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق، ثم قال: وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح، انتهى.
وقال في [المعرفة] : هذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد بن حنبل،
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (131) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (596) .
(2) [فتح الباري] (1\ 323، 324) .
(3) سنن الترمذي الطهارة (131) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (596) .
(4) سنن الترمذي الطهارة (131) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (596) .
(5) [السنن الكبرى] (1\ 461) .
(6/91)

ويحيى بن معين، وغيرهما من الحفاظ. وقد روي هذا من غيره، وهو ضعيف، انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في [علله] (1) : سمعت أبي، وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال: خطأ، إنما هو قول ابن عمر، انتهى.
وقال ابن عدي في [الكامل] : هذا الحديث بهذا السند لا يرويه غير إسماعيل بن عياش، وضعفه أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه على ابن عمر، انتهى. وله طريقان آخران عند الدارقطني: (2) .
أحدهما: عن المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة به.
والثاني: عن محمد بن إسماعيل الحساني عن رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة به. وهذا مع أن فيه رجلا مجهولا، فأبو معشر رجل مستضعف إلا أنه يتابع عليه.
وأما حديث جابر: فرواه الدارقطني في [سننه] في (آخر الصلاة) من حديث محمد بن الفضل عن أبيه عن طاوس عن جابر مرفوعا نحوه، ورواه ابن عدي في [الكامل] ، وأعله بمحمد بن الفضل، وأغلظ في تضعيفه عن البخاري، والنسائي، وأحمد، وابن معين، ووافقهم حديث يمكن أن يستدل به الطحاوي في إباحة ما دون الآية للجنب، ورواه أحمد في [مسنده] (3) : حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن
__________
(1) [العلل] (1\49)
(2) [سنن الدارقطني] (1\ 43) .
(3) [المسند] (1\ 110) .
(6/92)

السمط عن أبي العزيف الهمداني قال: أتي علي بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه (1) ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ثم مسج برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ، ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية انتهى.
ولكن الدارقطني رواه في [سننه] (2) موقوفا بغير هذا اللفظ، فأخرجه عن عامر بن السمط ثنا أبو العزيف الهمداني، قال: كنا مع علي - رضي الله عنه - في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولا أحدث أم غائطا، ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرا من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابه فلا، ولا حرفا واحدا. انتهى.
قال الدارقطني: هو صحيح عن علي. انتهى.
حديث آخر. في منع القراءة للجنب، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عمر بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه -أو لا يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة، انتهى.
__________
(1) في [المسند] غسل يديه وذراعيه ثلاثا ثلاثا.
(2) [سنن الدارقطني] : (1\ 118) ، والبيهقي (1\ 146) .
(6/93)

قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في [صحيحه] ، والحاكم في [المستدرك] ، وصححه، قال: ولم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار الحديث عليه، انتهى. قال النووي في [الخلاصة] : قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: لأن مداره على عبد الله بن سلمة (بكسر اللام) وكان قد كبر، وأنكر حديثه وعقله، وإنما روى هذا بعد كبره، قاله شعبة. انتهى كلامه (1) .
د- وقال ابن حجر: حديث: روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقرأ الجنب، ولا الحائض، شيئا من القرآن (2) » ، الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها، وذكر البزار: أنه تفرد به عن موسى بن عقبة، وسبقه إلى نحو ذلك البخاري، وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني، من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى، ومن وجه آخر، فيه مبهم، عن أبي معشر، وهو ضعيف، عن موسى، وصحح ابن سيد الناس، طريق المغيرة وأخطأ في ذلك، فإن فيها عبد الملك بن مسلمة، وهو ضعيف، فلو سلم منه لصح إسناده، وإن كان ابن الجوزي ضعفه بمغيرة بن عبد الرحمن، فلم يصب في ذلك، فإن مغيرة ثقة، وأن ابن سيد الناس تبع ابن عساكر في قوله في الأطراف: أن عبد الملك بن مسلمة هذا هو القعنبي، وليس كذلك، بل هو آخر.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ،
__________
(1) [نصب الراية] (1\ 256- 258) .
(2) سنن الدارمي الطهارة (998) .
(6/94)

وإنما هو ابن عمر، قوله: وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: هذا باطل، أنكر على إسماعيل، وله شاهد من حديث جابر، رواه الدارقطني مرفوعا. وفيه محمد بن الفضل، وهو متروك، وموقوفا، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو كذاب، وقال البيهقي: هذا الأثر ليس بالقوي، وصح عن عمر، أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب، وساقه عنه في الخلافيات: بإسناد صحيح (1) .
وقال أيضا: حديث علي بن أبي طالب: لم يكن يحجب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القرآن شيء سوى الجنابة. وفي رواية: يحجزه، أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي، من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي.
وفي رواية للنسائي، عن الأعمش عن عمرو بن مرة نحوه، وألفاظهم مختلفة، وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في [شرح السنة] ، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، وقال البزار: لا يروى من حديث علي إلا عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عنه، وحكى الدارقطني في [العلل] أن بعضهم رواه عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي، وخطأ هذه الرواية، وقال الشافعي في سنن حرملة: إن كان هذا الحديث ثابتا، ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب، وقال في جماع كتاب الطهور: أهل الحديث لا يثبتونه،
__________
(1) [التلخيص الحبير] (1\ 138) .
(6/95)

قال البيهقي: إنما قال ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة.
وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث.
وقال النووي في [الخلاصة] : خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث، وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره، وقد قدمنا ذكر من صححه غير الترمذي، وروى الدارقطني عن علي موقوفا: «اقرءوا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته فلا ولا حرفا» ، وهذا يعضد حديث عبد الله بن سلمة لكن قال ابن خزيمة: لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكاية فعل، ولا يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة، وذكر البخاري عن ابن عباس، أنه لم ير بالقرآن للجنب بأسا، وذكر في الترجمة قالت عائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه (1) .
__________
(1) [التلخيص الحبير] (1\ 139) .
(6/96)

2 - النقول عن الفقهاء:
أ- قال النووي: (فرع) في مذاهب العلماء في قراءة الجنب والحائض، مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن قليلها وكثيرها حتى بعض آية، وبهذا قال أكثر العلماء، كذا حكاه الخطابي وغيره عن
(6/96)

الأكثرين، وحكاه أصحابنا عن عمر بن الخطاب وعلي وجابر - رضي الله عنهم - والحسن والزهري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق.
وقال داود: يجوز للجنب والحائض قراءة كل القرآن، وروى هذا عن ابن عباس وابن المسيب، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: واختاره ابن المنذر، وقال مالك: يقرأ الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ، وفي الحائض روايتان عنه:
إحداهما: تقرأ. والثانية: لا تقرأ. وقال أبو حنيفة: يقرأ الجنب بعض آية ولا يقرأ آية، وله رواية كمذهبنا.
واحتج من جوزه مطلقا بحديث عائشة - رضي الله عنها -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه (1) » رواه مسلم، قالوا: والقرآن ذكر ولأن الأصل عدم التحريم.
واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب، لكنه ضعيف كما سبق، وعن عبد الله بن سلمة -بكسر اللام- عن علي - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فيقرأ القرآن ولم يكن يحجبه، وربما قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة (2) » رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال غيره من الحفاظ المحققين: هو حديث ضعيف، ورواه الشافعي في (سنن حرملة) ثم قال: إن كان ثابتا ففيه دلالة على تحريم القراءة على الجنب.
قال البيهقي: ورواه الشافعي في كتاب جماع الطهور، وقال: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوته؛
__________
(1) صحيح مسلم الحيض (373) ، سنن الترمذي الدعوات (3384) ، سنن أبو داود الطهارة (18) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (302) ، مسند أحمد بن حنبل (6/70) .
(2) سنن الترمذي الطهارة (146) ، سنن النسائي الطهارة (265) ، سنن أبو داود الطهارة (229) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (594) ، مسند أحمد بن حنبل (1/107) .
(6/97)

لأن مداره على عبد الله بن سلمة، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر قاله شعبة، ثم روى البيهقي عن الأئمة تحقيق ما قال، ثم قال البيهقي: وصح عن عمر - رضي الله عنه - أنه كره القراءة للجنب، ثم رواه بإسناده عنه.
وروي عن علي: لا يقرأ الجنب القرآن ولا حرفا واحدا، وروى البيهقي عن عبد الله بن مالك الغافقي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل» وإسناده أيضا ضعيف.
واحتج أصحابنا أيضا بقصة عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - المشهورة: أن امرأته رأته يواقع جارية له، فذهبت فأخذت سكينا وجاءت تريد قتله، فأنكر أنه واقع الجارية، وقال: أليس قد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجنب أن يقرأ القرآن؟ قالت: بلى، فأنشدها الأبيات المشهورة فتوهمتها قرآنا فكفت عنه، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فضحك ولم ينكر عليه. والدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه قوله: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن. والثاني: أن هذا كان مشهورا عندهم يعرفه رجالهم ونساؤهم، ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع. وأجاب أصحابنا عن احتجاج داود بحديث عائشة: بأن المراد بالذكر غير القرآن، فإنه المفهوم عند الإطلاق.
وأما المذاهب الباقية فقد سلموا تحريم القراءة في الجملة، ثم ادعوا تخصيصا لا مستند له.
فإن قالوا: جوزنا للحائض خوف النسيان، قلنا: يحصل المقصود
(6/98)

بتفكرها بقلبها (1) .
ب- وقال الشيرازي: ويحرم قراءة القرآن؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن.
ج- وقال النووي: (الشرح) : هذا الحديث رواه الترمذي، والبيهقي من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - وضعفه الترمذي والبيهقي، وروي لا يقرأ بكسر الهمزة على النهي وبضمها على الخبر الذي يراد به النهي، وقد سبق بيانه في آخر باب ما يوجب الغسل، وهذا الذي ذكره من تحريم قراءة القرآن على الحائض هو الصحيح المشهور، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين، وحكى الخراسانيون قولا قديما للشافعي: أنه يجوز لها قراءة القرآن.
وأصل هذا القول أن أبا ثور رحمه الله قال: قال أبو عبد الله: يجوز للحائض قراءة القرآن. فاختلفوا في أبي عبد الله فقال بعض الأصحاب: أراد به مالكا وليس للشافعي قول بالجواز، واختاره إمام الحرمين والغزالي في [البسيط] ، وقال جمهور الخراسانيين: أراد به الشافعي وجعلوه قولا قديما.
قال الشيخ أبو محمد: وجدت أبا ثور جمعهما في موضع، فقال: قال أبو عبد الله ومالك. واحتج من أثبت قولا بالجواز اختلفوا في علته على وجهين:
أحدهما: أنها تخاف النسيان؛ لطول الزمان بخلاف الجنب.
__________
(1) [المجموع] (2\182- 183) .
(6/99)

والثاني: أنها قد تكون معلمة فيؤدي إلى انقطاع حرفتها، فإن قلنا بالأول جاز لها قراءة ما شاءت إذ ليس لما يخاف نسيانه ضابط، فعلى هذا هي كالطاهر في القراءة، وإن قلنا بالثاني لم يحل إلا ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض، هكذا ذكر الوجهين وتفريعهما إمام الحرمين وآخرون. هذا حكم قراءتها باللسان؛ فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب فجائز بلا خلاف، وأجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء، وقد تقدم إيضاح هذا مع جمل من الفروع المتعلقة به في باب ما يوجب الغسل والله أعلم.
(فرع) : في مذاهب العلماء في قراءة الحائض القرآن. قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور تحريمها، وهو مروي عن عمر وعلي وجابر - رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وإسحاق وأبو ثور. وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد روايتان: إحداهما: التحريم، والثانية: الجواز، وبه قال داود.
واحتج لمن جوز بما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ولأن زمنه يطول فيخاف نسيانها، واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر المذكور، ولكنه ضعيف وبالقياس على الجنب، فإن من خالف فيها وافق على الجنب إلا داود. والمختار عند الأصوليين: أن داود لا يعتد به في الإجماع والخلاف، وفعل عائشة - رضي الله عنها - لا حجة فيه على تقدير صحته؛ لأن غيرها من الصحابة خالفها، وإذا اختلفت الصحابة - رضي الله عنهم - رجعنا إلى القياس، وأما
(6/100)

خوف النسيان فنادر، فإن مدة الحيض غالبا ستة أيام أو سبعة، ولا ينسى غالبا في هذا القدر؛ ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب والله أعلم (1) .
د- وقال الخرقي: (ولا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء) .
هـ- وقال ابن قدامة: رويت الكراهة لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} (2) ، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} (3) وقال ابن عباس: يقرأ ورده. وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن أليس هو في جوفه؟ ! وحكي عن مالك: للحائض القراءة دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها من القراءة نسيت.
ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحجبه أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة، رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (4) » رواه أبو داود والترمذي، وقال: يرويه إسماعيل بن عياش عن نافع، وقد ضعف البخاري روايته عن أهل الحجاز، وقال: إنما روايته عن أهل الشام، وإذا ثبت هذا في الجنب ففي الحائض أولى؛ لأن حدثها آكد؛ ولذلك حرم الوطء ومنع
__________
(1) [المجموع شرح المهذب] (2\387، 388) .
(2) سورة الزخرف الآية 13
(3) سورة المؤمنون الآية 29
(4) سنن الترمذي الطهارة (131) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (596) .
(6/101)

الصيام وأسقط الصلاة وساواها في سائر أحكامها.
(فصل) : ويحرم عليهم قراءة آية، فأما إن كان بعض آية فإن كان مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية والحمد لله وسائر الذكر، فإن لم يقصد به القرآن فلا بأس به، فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى، ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم ولا يمكنهم التحرر من هذا. وإن قصدوا به القراءة أو كان ما قرأوه شيئا يتميز به القرآن عن غيره من الكلام ففيه روايتان:
(إحداهما) : لا يجوز، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن الجنب يقرأ القرآن، فقال: لا، ولا حرفا، وهذا مذهب الشافعي؛ لعموم الخبر في النهي، ولأنه قرآن فمنع من قراءته كالآية.
(والثانية) : لا يمنع منه وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يحصل به الإعجاز ولا يجزئ في الخطبة ويجوز إذا لم يقصد به القرآن وكذلك إذا قصد (1) .
ووأما قراءة الجنب والحائض للقرآن، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز لهذا ولهذا. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد.
وقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض. إما مطلقا، أو إذا خافت النسيان. وهو مذهب مالك. وقول في مذهب أحمد وغيره، فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء غير الحديث المروي عن
__________
(1) [مختصر الخرقي] ومعه [المغني] (1\135- 136) .
(6/102)

إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا (1) » رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة، بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر.
وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد، ولا يصلي ولا أن يقضي شيئا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ذكر العلماء: ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر، وان كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك. لكن المقصود: أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب.
فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه، لأجل العذر. وإن كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك.
وإن قيل: إنه نهى الجنب؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، ويقرأ
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (131) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (596) .
(6/103)

بخلاف الحائض، تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن، تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة، فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر والأصغر، والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص، واتفاق الأئمة.
والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب النجاسة، والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك، بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضع رأسه في حجر عائشة - رضي الله عنها - وهي حائض، وهو حديث صحيح، وفي [صحيح مسلم] ، أيضا: يقول الله عز وجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما، ويقظانا (1) » ، فتجوز القراءة قائما، وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا (2) .
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/162) .
(2) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] (21\459- 462) .
(6/104)

رابعا: حكم تعليم الكافر القرآن:
اختلف أهل العلم في ذلك: وفيما يلي نقول عنهم يتبين منها أقوالهم وأدلتهم ومنا قشتها.
1 - النقول من المفسرين:
أ- قال الجصاص: قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (1) وقد اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الإسلام؛ لأن قوله تعالى: {اسْتَجَارَكَ} (2) معناه: استأمنك، وقوله تعالى: {فَأَجِرْهُ} (3) معناه: فأمنه
__________
(1) سورة التوبة الآية 6
(2) سورة التوبة الآية 6
(3) سورة التوبة الآية 6
(6/104)

حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد والرسالة حتى يعتقدهما لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله وصحة نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة؛ لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع كلام الله، وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه شيئا من أمور الدين؛ لأن الكافر الذي استجارنا، ليسمع كلام الله إنما قصد التماس معرفة صحة الدين (1) .
ب- قال القرطبي: قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2) أي: من الذين أمرتك بقتالهم {اسْتَجَارَكَ} (3) أي: سأل جوارك، أي: أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي: يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه. وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم.
قال مالك: إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان، قال مالك: هذه أمور مشتبهة، وأرى أن يرد إلى مأمنه، وقال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول: ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع. وظاهر الآية: إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته (4) .
__________
(1) [أحكام القرآن] (3\103) .
(2) سورة التوبة الآية 6
(3) سورة التوبة الآية 6
(4) [تفسير القرطبي] (8\75، 76) .
(6/105)

ج- قال ابن كثير: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (1) يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2) الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم {اسْتَجَارَكَ} (3) أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله، أي: القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} (4) أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وفى وداره ومأمنه {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (5) أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء، ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إنسان يأتيك، ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء، ومن هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدا بعد واحد يترددون في القضية بينه وبين المشركين فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله
__________
(1) سورة التوبة الآية 6
(2) سورة التوبة الآية 6
(3) سورة التوبة الآية 6
(4) سورة التوبة الآية 6
(5) سورة التوبة الآية 6
(6/106)

من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا أيضا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: " أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ " قال: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك (1) » ، وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة وأمر به فضربت عنقه، لا رحمه الله ولعنه. والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلم: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله (2) .
__________
(1) سنن أبو داود الجهاد (2761) ، مسند أحمد بن حنبل (3/488) .
(2) [تفسير ابن كثير] (2\338) .
(6/107)

2 - النقل من البخاري وابن حجر:
أ- قال البخاري: (باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب؟ أو يعلمهم الكتاب) حدثنا إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أخبره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر وقال:
(6/107)

«فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (1) » .
ب- قال ابن حجر: (قوله: باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب) .
المراد بالكتاب الأول: التوراة والإنجيل، وبالكتاب الثاني: ما هو أعم منهما ومن القرآن وغير ذلك. وأورد فيه طرفا من حديث ابن عباس في شأن هرقل، وقد ذكره بعد بابين من وجه آخر عن ابن شهاب بطوله، وإسحاق شيخه فيه هو ابن منصور، وهذه الطريق أهملها المزي في الأطراف وإرشادهم منه ظاهر، وأما تعليمهم الكتاب فكأنه استنبطه من كونه كتب إليهم بعض القرآن بالعربية وكأنه سلطهم على تعليمه إذ لا يقرءونه حتى يترجم لهم ولا يترجم لهم حتى يعرف المترجم كيفية استخراجه، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف، فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن، ورخص أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي.
والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في الدين والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه، وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين والله أعلم. ويفرق أيضا بين القليل منه والكثير كما تقدم في أوائل كتاب الحيض (2) .
__________
(1) صحيح البخاري بدء الوحي (7) ، صحيح مسلم الجهاد والسير (1773) ، مسند أحمد بن حنبل (1/263) .
(2) [فتح الباري] ومعه [الصحيح] (6 \81) .
(6/108)

3- النقول من الفقهاء:
1 - قال العيني: قال أبو حنيفة: لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن
(6/108)

والعلم والفقه رجاء أن يرغبوا في الإسلام، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة بكتاب هرقل وبقوله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (1)
وروى أسامة بن زيد: «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابن أبي قبل أن يسلم، وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود فقرأ عليهم القرآن (2) » .
2 - وقال الأبي نقلا عن القاضي عياض: ومنع مالك تعليمهم شيئا من القرآن (3) .
3 - وقال الباجي: ولا يجوز أن يعلم أحد من ذراريهم القرآن؛ لأن ذلك سبب لتمكنهم منه، ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجا عليهم، ولا بأس أن يكتب لهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ، كما كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملك الروم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (4) انتهى. (5) .
واستدل به -أي: بحديث النهي عن السفر بالقرآن- على منع تعليم الكافر القرآن، وبه قال مالك مطلقا (6) 4 - وفصل بعض المالكية بين القليل؛ لأجل مصلحة قيام الحجة:
__________
(1) سورة التوبة الآية 6
(2) [العيني على البخاري] (4\207) ، و [الأبي على مسلم] (5\216) .
(3) [الأبي على مسلم] (5\216) .
(4) سورة آل عمران الآية 64
(5) [المنتقى للباجي على الموطأ] (3\165)
(6) [الزرقاني على الموطأ] (1\10) .
(6/109)

فأجازه، وبين الكثير فمنعه، ويؤيده كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل بعض آيات (1) .
5 - وقال الأبي: وحجة المانع: أنه نجس في الحال وعدو لله وكتابه فقد يعرضه للمهانة، انتهى (2) .
6 - قال النووي: الثانية عشرة: قال أصحابنا: لا يمنع سماع القرآن ويمنع مس المصحف، وهل يجوز تعليمه القرآن؟
ينظر إن لم يرج إسلامه لم يجز وان رجي جاز في أصح الوجهين، وبه قطع القاضي حسين، ورجحه البغوي وغيره.
والثاني: لا يجوز، كما لا يجوز بيعه المصحف، وإن رجي إسلامه. قال البغوي: وحيث رآه معاندا لا يجوز تعليمه بحال، وهل يمنع التعليم؟ فيه وجهان حكاهما المتولي والروياني. هما أصحهما: يمنع (3) .
7 - ومحل منع قراءة الجنب إذا كان مسلما، أما الكافر فلا يمنع منها؛ لعدم اعتقاده حرمتها، ولا يجوز تعليمه للكافر المعاند، ويمنع تعلمه في الأصح، وغير المعاند إن لم يرج إسلامه لم يجز تعليمه وإلا جاز، وإنما منع من مس المصحف؛ لأن حرمته آكد بدليل حرمة حمله مع الحدث، وحرمة مسه بنجس بخلافها، إذ تجوز مع الحدث وبفم نجس، وبذلك علم اندفاع ما في الإسعاد هنا أخذا من كلام المهمات من
__________
(1) [الفتح] (6\134) ، [العيني] (14\207) ، [والزرقاني] : (10\10) .
(2) [الأبي على مسلم] (5\216) .
(3) [المجموع] (2\78) .
(6/110)

قياسها عليها كما رد ذلك العلامة الجوجري. انتهى (1) .
8 - قوله: (أما الكافر فلا يمنع منها) أي: القراءة، بل يمكن منها، أما قراءته مع الجنابة فتحرم عليه؛ لأنه مخاطب بفروع الشريعة خطاب عقاب. انتهى زيادي.
وظاهر كلام الشارح أنه لا يمنع ولو كان معاندا، وعبارته على [البهجة] : نعم شرط تمكين الكافر من القراءة: أن لا يكون معاندا، أو رجي إسلامه كما في [المجموع] ، والقياس أيضا منعه من كتابة القرآن حيث منع من قراءته. قوله: (يمنع تعليمه) والقياس منعه من التلاوة حيث كان معاندا ولم يرج إسلامه. ولا يشترط في المنع كونه من الإمام، بل يجوز من الآحاد؛ لأنه نهي عن منكر وهو لا يختص بالإمام. قوله: (بخلافها) أي: القراءة.
قوله: (من قياسها) انظر مرجع الضمير فيه وفيما بعده، ولعله تثنية الضمير في عليهما وعليه فضمير قياسها للقراءة، وضمير عليهما لمس المصحف وحمله. انتهى (2) .
9 - وقال القليوبي: ويجوز تعليمه لكافر غير معاند ورجي إسلامه، سواء الذكر أو الأنثى، وهذا مراد من عبر بقراءته؛ لأنها بمعنى إقرائه؛ إذ قراءته لا يمنع منها مطلقا وعبروا في الكافر بعدم المنع من المكث والقراءة، ولم يعبروا بالجواز لبقاء الحرمة عليه؛ لأنه مكلف بفروع
__________
(1) [نهاية المحتاج] (1\221) .
(2) [حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج] (1\221) .
(6/111)

الشريعة، ويمنع من مس المصحف وحمله؛ لأن حرمته أبلغ؛ بدليل جواز قراءة المحدث دون نحو مسه (1) .
10 - وقال ابن قدامة: ولا يجوز تمكينه من شراء مصحف ولا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا فقه، فإن فعل فالشراء باطل؛ لأن ذلك يتضمن ابتذاله، وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى، قال مهنا: سألت أحمد أبا عبد الله هل تكره للرجل المسلم أن يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن؟ قال: إن أسلم فنعم، وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه، قلت: فيعلمه أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم. وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند أهل الذمة؛ قال: لا، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، اهـ (2) .
11 - ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى: أن من الشروط العمرية: (ولا نعلم أولادنا القرآن) .
12 - وقال ابن القيم: صيانة للقرآن أن يحفظه من ليس من أهله ولا يؤمن به، بل هو كافر به، فهذا ليس أهلا أن يحفظه ولا يمكن منه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم؛ فلهذا ينبغي أن يصان عن تلقينهم إياه، فإن طلب أحد منهم أن يسمعه منهم، فإن له أن يسمعه إياه إقامة للحجة عليهم، ولعله أن يسلم. انتهى (3) .
__________
(1) [حاشيتا قليوبي وعميرة على منهاج الطالبين] (1\ 95) .
(2) [المغني ومعه الشرح الكبير] (10\ 624، 625) .
(3) [أحكام أهل الذمة] (2\ 775) .
(6/112)

13 - ويمنع كافر من قراءته ولو رجي إسلامه (قياسا على الجنب وأولى) . انتهى (1) .
14 - ويمنع في المنصوص كافر القراءة (هـ) ولو رجي إسلامه (ش) ونقل مهنا أكره أن يضعه في غير موضعه، قال القاضي: جعله في حكم الجنب. انتهى (2) .
15 - الكافر كالجنب يمنع من قراءته ولو رجي إسلامه، نقل مهنا أكره أن يضعه في غير موضعه. انتهى (3) هذا ما تيسر ذكره من النقول.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
__________
(1) [مطالب أولي النهى] ومعه [الغاية] (1\172) .
(2) [الفروع] (1\203) .
(3) [المبدع على المقنع] (1\188) .
(6/113)

(3) حكم الأسورة المغناطيسية
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(6/115)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم الأسورة المغناطيسية
إعداد
اللجنة الدائمة للبعوث العلمية الإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما رأى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من إدراج موضوع ما يسمى بـ (الأسورة المغناطيسية) لعلاج الروماتزم ضمن جدول هيئة كبار العلماء في الدورة الثالثة عشرة وإعداد بحث في ذلك - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع يشتمل على ما يلي:
1 - ذكر قاعدة سد الذرائع.
2 - ذكر الأسباب المادية والأسباب الروحية.
3 - ذكر نصوص وآثار جزئية ونقول عن العلماء في ذلك.
وبالله التوفيق.
وفيما يلي ذكر ذلك.
(6/117)

1 - قاعدة سد الذرائع
الأصل الكلي في تحريم لبس الحلقة وتعليق التمائم والودع والخرز وربط الخيط وما في معنى ذلك من الحروز التي يستشفي بها الجهلة والمبتدعة سد الذرائع.
وقاعدة سد الذراع كلية يقينية ثبتت باستقراء أدلة الكتاب والسنة في جميع أبواب الشريعة عقائد وعبادات ومعاملات وغير ذلك.
وقد أطال ابن تيمية الكلام على الاستدلال عليها بأدلة من جميع أبواب الشريعة، فاستدل عليها بقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1) وبنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، وبالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعن الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله، وبالنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبالنهي عن بيع وسلف وعن اشتراء الإنسان السلعة ممن باعه إياها لأجل بأقل من ثمنها، وكفه عن قتل المنافقين خشية أن يقال: إن محمدا يقتل أصحابه، وبتحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها ولو في مصلحة دينية، وبتحريم خطبة المعتدة أو العقد عليها في العدة، وبحرمان القاتل من ميراث قتيله، وكقتل الجماعة بالواحد، وتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون صوما قد اعتاده فليصمه، وبإقامة الحدود والتعزيرات سدا للتذرع إلى المعاصي. . . إلى غير ذلك من الأدلة المتنوعة.
__________
(1) سورة الأنعام الآية 108
(6/118)

يتبين ذلك من كلمته وكلمة تلميذه ابن القيم فيما يلي، مع زيادة تفصيل في أنواع الذرائع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (1) (الوجه الرابع والعشرون) : إن الله سبحانه ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم؛ بأن حرمها ونهى عنها.
والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء. لكن صارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم. ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة؛ ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح، وهو وسيلة إلى فعل المحرم.
أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلا؛ كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء نفسه فسادا كالقتل والظلم فهذا ليس من هذا الباب. فإنا نعلم أنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادا بحيث تكون ضررا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة وهي مفضية إلى ضرر أكثر منه فتحرم، فإن كان ذلك الفساد فعلا محظورا سميت ذريعة. وإلا سميت سببا ومقتضيا، ونحو ذلك من الأسماء المشهورة.
ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالبا فإنه يحرمها مطلقا، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكن الطبع متقاض لإفضائها. وأما إن كانت إنما تفضي أحيانا فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا
__________
(1) [الفتاوى الكبرى] (3\256) وما بعدها.
(6/119)

الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضا. ثم هذه الذرائع منها ما يفضي إلى المكروه بدون قصد فاعلها. ومنها ما تكون إباحتها مفضية للتوسل بها إلى المحارم فهذا القسم الثاني يجامع الحيل بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة وقد لا يقترن، كما أن الحيل قد تكون بالذرائع وقد تكون بأسباب مباحة في الأصل ليست ذرائع فصارت الأقسام (ثلاثة) :
الأول: ما هو ذريعة وهو مما يحتال به، كالجمع بين البيع والسلف وكاشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن تارة وبأكثر أخرى. وكالاعتياض عن ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نسأ وكقرض بني آدم.
الثاني: ما هو ذريعة لا يحتال بها كسب الأوثان فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى، وكذلك سب الرجل والد غيره فإنه ذريعة إلى أن يسب والده، وإن كان هذان لا يقصدهما مؤمن.
الثالث: ما يحتال به من المباحات في الأصل، كبيع النصاب في أثناء الحول فرارا من الزكاة، وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة.
والغرض من هذا أن الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع.
وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا، فيصير ذريعة فيسد هذا الباب؛ لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا، ويقول القائل: لم أقصد به ذلك، ولئلا يدعو الإنسان فعله مرة إلى أن يقصد مرة أخرى،
(6/120)

ولئلا يعتقد أن جنس هذه المعاملة حلال ولا يميز بين القصد وعدمه، ولئلا يفعلها الإنسان مع قصد خفي يخفى من نفسه على نفسه.
وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر، لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس، وبما يخفى على الناس من خفي هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة، فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا وتلك العلة مقصودة فيه فاستباحه بهذا التأويل فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربه، وهو إن نجا من الكفر لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة.
أما شواهد هذه القاعدة فأكثر من أن تحصر، فنذكر منها ما حضر:
فالأول: قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1) حرم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبهم لله سبحانه وتعالى؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبنا لآلهتهم.
الثاني: ما روى حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (2) » ، متفق عليه. ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل
__________
(1) سورة الأنعام الآية 108
(2) صحيح البخاري الأدب (5973) ، صحيح مسلم الإيمان (90) ، سنن الترمذي البر والصلة (1902) ، سنن أبو داود الأدب (5141) ، مسند أحمد بن حنبل (2/216) .
(6/121)

والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (1) » ، فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل سابا لاعنا لأبويه إذا سب سبا يجزيه الناس عليه بالسب لهما وإن لم يقصده، وبين هذا والذي قبله فرق؛ لأن سب آباء الناس هنا حرام، لكن قد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكبر الكبائر، لكونه شتما لوالديه، لما فيه من العقوق، وإن كان فيه إثم من جهة إيذاء غيره.
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه، وهذا النفور حرام.
الرابع: أن الله سبحانه حرم الخمر؛ لما فيه من الفساد المترتب على زوال العقل، وهذا في الأصل ليس من هذا الباب. ثم إنه حرم قليل الخمر وحرم اقتناءها للتخليل وجعلها نجسة؛ لئلا تقضي إباحته مقاربتها بوجه من الوجوه لا لإتلافها على شاربها. ثم إنه قد نهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي لا نعلم بتخمير النبيذ فيها، حسما لمادة ذلك. وإن كان في بقاء بعض هذه الأحكام خلاف. وبين أنه إنما نهى عن بعض ذلك لئلا يتخذ ذريعة، فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» يعني صلى الله عليه وسلم: أن النفوس لا تقف عند الحد المباح في مثل هذا.
الخامس: أنه حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها ولو في مصلحة دينية، حسما لمادة ما يحاذر من تغير الطباع وشبه الغير.
السادس: أنه نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك،
__________
(1) صحيح البخاري الأدب (5973) ، صحيح مسلم الإيمان (90) ، سنن الترمذي البر والصلة (1902) ، سنن أبو داود الأدب (5141) ، مسند أحمد بن حنبل (2/216) .
(6/122)

ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها. ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا. وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصد، بل قصد خلافه سدا للذريعة.
السابع: أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وكان من حكمة ذلك: أنهما وقت سجود الكفار للشمس، ففي ذلك تشبيه بهم مشابهة الشيء لغيره ذريعة إلى أن يعطى بعض أحكامه، فقد يفضي ذلك إلى السجود للشمس أو أخذ بعض أحوال عابديها.
الثامن: أنه نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة: مثل قوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (1) » ، و «إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم (2) » ، وقوله صلى الله عليه وسلم في عاشوراء: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع (3) » ، وقال في موضع: «لا تشبهوا بالأعاجم» ، وقال فيما رواه الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا (4) » ، حتى قال حذيفة بن اليمان: من تشبه بقوم فهو منهم؛ وما ذلك إلا لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة ونوعا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب، وذلك يجر إلى فساد عريض.
التاسع: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو رضيت المرأة أن تنكح عليها أختها كما رضيت بذلك أم حبيبة لما طلبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج أختها درة لم يجز ذلك، وإنما زعمتا أنهما لا
__________
(1) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3462) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2103) ، سنن النسائي الزينة (5071) ، سنن أبو داود الترجل (4203) ، سنن ابن ماجه اللباس (3621) ، مسند أحمد بن حنبل (2/309) .
(2) سنن أبو داود الصلاة (652) .
(3) صحيح مسلم الصيام (1134) ، سنن أبو داود الصوم (2445) ، مسند أحمد بن حنبل (1/236) ، سنن الدارمي الصوم (1759) .
(4) سنن الترمذي الاستئذان والآداب (2695) .
(6/123)

تتباغضان بذلك؛ لأن الطباع تتغير فيكون ذريعة إلى فعل المحرم من القطيعة. وكذلك حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن الزيادة على ذلك ذريعة إلى الجور بينهن في القسم، وإن زعم أن العلة إفضاء ذلك إلى كثرة المئونة المفضية إلى أكل الحرام من مال اليتامى وغيرهن، وقد بين العلة الأولى بقوله تعالى {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (1) وهذا نص في اعتبار الذريعة.
العاشر: أن الله سبحانه حرم خطبة المعتدة صريحا، حتى حرم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس هو إلى المرأة، فإن إباحته الخطبة قد يجر إلى ما هو أكبر من ذلك.
الحادي عشر: أن الله سبحانه حرم عقد النكاح في حال العدة، وفي حال الإحرام؛ حسما لمادة دواعي النكاح في هاتين الحالتين، ولهذا حرم التطيب في هاتين الحالتين.
الثاني عشر: أن الله سبحانه اشترط للنكاح شروطا زائدة على حقيقة العقد تقطع عنه شبهة بعض أنواع السفاح به، مثل اشتراط إعلانه إما بالشهادة أو ترك الكتمان أو بهما. ومثل اشتراط الولي فيه. ومنع المرأة أن تليه. وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة.
وكان أصل ذلك في قوله تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} (2) و {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} (3) وإنما ذلك؛
__________
(1) سورة النساء الآية 3
(2) سورة النساء الآية 24
(3) سورة النساء الآية 25
(6/124)

لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح وزوال بعض مقاصد النكاح من حجر الفراش. ثم إنه وكد ذلك بأن جعل للنكاح حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء وأثبت له أحكاما من المصاهرة وحرمتها، ومن الموارثة زائدة على مجرد مقصود الاستمتاع، فعلم أن الشارع جعله سببا وصلة بين الناس بمنزلة الرحم كما جعل بينهما في قوله تعالى: {نَسَبًا وَصِهْرًا} (1) وهذه المقاصد تمنع اشتباهه بالسفاح وتبين أن نكاح المحلل بالسفاح أشبه منه بالنكاح حيث كانت هذه الخصائص غير متيقنة فيه.
الثالث عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح، ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح؛ وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا.
ومن العجب أن بعض من أراد أن يحتج للبطلان في مسألة مد عجوة، قال: إن من جوزها يجوز أن يبيع الرجل ألف دينار، ومنديلا بألف وخمسمائة دينار تبر، يقصد بذلك أن هذا ذريعة إلى الربا، وهذه علة صحيحة في مسألة مد عجوة، لكن المحتج بها ممن يجوز أن يقرضه ألفا ويبيعه المنديل بخمسمائة، وهي بعينها الصورة التي نهى عنها رسول - صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) سورة الفرقان الآية 54
(6/125)

والعلة المتقدمة بعينها موجودة فيها، فكيف ينكر على غيره ما هو مرتكب له؟ !
الرابع عشر: أن الآثار المتقدمة في العينة فيها ما يدل على المنع من عودة السلعة إلى البائع وإن لم يتواطأ على الربا وما ذاك إلا سدا للذريعة.
الخامس عشر: أنه تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منع المقرض قبول هدية المقترض إلا أن يحسبها له، أو يكون قد جرى ذلك بينهما قبل القرض. وما ذاك إلا لئلا تتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا إذا استعاد ماله بعد أن أخذ فضلا. وكذلك ما ذكر من منع الوالي والقاضي قبول الهدية ومنع الشافع قبول الهدية، فإن فتح هذا الباب ذريعة إلى فساد عريض في الولاية الشرعية.
السادس عشر: أن السنة مضت بأنه ليس لقاتل من الميراث شيء إما القاتل عمدا كما قال مالك، والقاتل مباشرة كما قاله أبو حنيفة على تفصيل لهما. أو القاتل قتلا مضمونا بقود أو دية أو كفارة. أو القاتل بغير حق أو القاتل مطلقا في هذه الأقوال في مذهب الشافعي وأحمد، وسواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده، فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقا؛ وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل فسدت الذريعة بالمنع بالكلية مع ما فيه من علل أخر.
السابع عشر: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت، حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان؛ لأن الطلاق ذريعة، وأما حيث لا يتهم ففيه خلاف معروف، مأخذ الشارع في ذلك أن المورث أوجب تعلق
(6/126)

حقها بماله فلا يمكن من قطعه أو سد الباب بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين.
الثامن عشر: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجمع بالواحد وإن كان قياس القصاص يمنع ذلك، لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء.
التاسع عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إقامة الحدود بدار الحروب، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اللحاق بالكفار.
العشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون صوما كان يصومه أحدكم فليصمه، ونهى عن صوم يوم الشك إما مع كون طلوع الهلال مرجوحا وهو حال الصحو، وإما سواء كان راجحا أو مرجوحا أو مساويا على ما فيه من الخلاف المشهور، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، وكذلك حرم صوم اليوم الذي يلي آخر الصوم وهو يوم العيد.
وعلل بأنه يوم فطركم من صومكم تمييزا لوقت العبادة من غيره، لئلا يفضي الصوم المتواصل إلى التساوي، وراعى هذا المقصود في استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور واستحباب الأكل يوم الفطر قبل الصلاة، وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها، وعن غيرها فكره للإمام أن يتطوع في مكانه وأن يستديم استقبال القبلة، وندب المأموم إلى هذا التمييز، ومن جملة فوائد ذلك سد الباب الذي قد يفضي إلى الزيادة في الفرائض.
الحادي والعشرون: أنه - صلى الله عليه وسلم - كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله
(6/127)

سبحانه، وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود ونحوه أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد إليه صمدا؛ قطعا لذريعة التشبيه بالسجود لغير الله سبحانه.
الثاني والعشرون: أنه سبحانه منع المسلمين من أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (راعنا) مع قصدهم الصالح؛ لئلا تتخذه اليهود ذريعة إلى سبه - صلى الله عليه وسلم -، ولئلا يتشبه بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا.
الثالث والعشرون: أنه أوجب الشفعة لما فيه من رفع الشركة، وما ذاك إلا لما يفضي إليه من المعاصي المعلقة بالشركة والقسمة سدا لهذه المفسدة بحسب الإمكان.
الرابع والعشرون: أن الله سبحانه أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بالظاهر مع إمكان أن يوحي إليه بالباطن، وأمره أن يسوي الدعاوى بين العدل والفاسق، وألا يقبل شهادة ظنين في قرابة وإن وثق بتقواه؛ حتى لم يجز للحاكم أن يحكم بعلمه عند أكثر الفقهاء؛ لينضبط طريق الحكم، فإن التمييز بين الخصوم والشهود يدخل فيه من الجهل والظلم ما لا يزول بحسم هذه المادة، وإن أفضت في آحاد الصور إلى الحكم بغير الحق، فإن فساد ذلك قليل إذا لم يتعمد في جنب فساد الحكم بغير طريق مضبوط من قرائن أو فراسة أو صلاح خصم أو غير ذلك، وإن كان قد يقع بهذا صلاح قليل مغمور بفساد كثير.
الخامس والعشرون: أن الله سبحانه منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان بمكة من الجهر بالقرآن، حيث كان المشركون يسمعونه فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به.
(6/128)

السادس والعشرون: أن الله سبحانه أوجب إقامة الحدود؛ سدا للتذرع إلى المعاصي إذا لم يكن عليها زاجر، وإن كان العقوبات من جنس الشر، ولهذا لم تشرع الحدود إلا في معصية تتقاضاها الطباع كالزنا والشرب والسرقة والقذف دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك، فإنه اكتفى قيه بالتعزير، ثم إنه أوجب على السلطان إقامة الحدود إذا رفعت إليه الجريمة، وإن تاب العاصي عند ذلك، وإن غلب على ظنه أنه لا يعود إليها؛ لئلا يفضي ترك الحد بهذا السبب إلى تعطيل الحدود مع العلم بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
السابع والعشرون: أنه - صلى الله عليه وسلم - سن الاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وفي صلاة الخوف وغير ذلك مع كون إمامين في صلاة الخوف أقرب إلى حصول الصلاة الأصلية لما في التفريق من خوف تفريق القلوب وتشتت الهمم، ثم إن محافظة الشارع على قاعدة الاعتصام بالجماعة وصلاة ذات البين وزجره عما قد يفضي إلى ضد ذلك في جميع التصرفات لا يكاد ينضبط، وكل ذلك يشرع لوسائل الألفة وهي من الأفعال، وزجر عن ذرائع الفرقة وهي من الأفعال أيضا.
الثامن والعشرون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم وكراهة إفراد يوم الجمعة، وجاء عن السلف ما يدل على كراهة صوم أيام أعياد الكفار، وإن كان الصوم نفسه عملا صالحا، لئلا يكون ذريعة إلى مشابهة الكفار، وتعظيم الشيء تعظيما غير مشروع.
التاسع والعشرون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت
(6/129)

تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها، لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكفار معاملة المسلم.
الثلاثون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي أرسل معه بهديه إذا عطب شيء منه دون المحل أن ينحره ويصبغ نعله الذي قلده بدمه ويخلي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته.
قالوا: وسبب ذلك أنه إذا جاز له أن يأكل أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعته نفسه إلى أن يقصر في علفها وحفظها؛ مما يؤذيها لحصول غرضه بعطبها دون المحل كحصوله ببلوغها المحل من الأكل والإهداء. فإذا أيس من حصوله غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إبلاغها المحل وأحسم لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف سد الذرائع.
والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما متفق عليه أو منصوص عليه أو مأثور عن الصدر الأول شائع عنهم، إذا الفروع المختلف فيها يحتج لها بهذه الأصول لا يحتج بها، ولم يذكر الحيل التي يقصد بها الحرام كاحيتال اليهود ولا ما كان وسيلة إلى مفسدة ليست هي فعلا محرما، وإن أفضت إليه كما فعل من استشهد للذرائع، فإن هذا يوجب أن يدخل عامة المحرمات في الذرائع، وهذا وإن كان صحيحا من وجه فليس هو المقصود هنا.
ثم هذه الأحكام في بعضها حكم آخر غير ما ذكرناه من الذرائع، وإنما قصدنا أن الذرائع مما اعتبرها الشارع إما مفردة أو مع غيرها، فإذا كان الشيء الذي قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم أو بأن لا يقصد به، يحرمه الشارع بحسب الإمكان ما لم يعارض ذلك
(6/130)

مصلحة توجب حله أو وجوبه، فنفس التذرع إلى المحرمات بالاحتيال أولى أن يكون حراما، وأولى بإبطال ما يمكن إبطاله منه إذا عرف قصد فاعله، وأولى بأن لا يعان صاحبه عليه، وهذا بين لمن تأمله. والله الهادي إلى سواء الصراط.
وقد اتبع ابن القيم شيخه ابن تيمية رحمهما الله في إثبات قاعدة سد الذرائع بأدلة الاستقراء من الكتاب والسنة، فقال رحمه الله.
"
فصل
" (1)
في سد الذرائع
لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها.
ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها؛ تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به.
وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسته ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3\ 175-183) .
(6/131)

أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه. وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها. والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء.
ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول: الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان:
أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر. وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية. والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ونحو ذلك. فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها.
الثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب. فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه.
فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك. والثاني: كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم أو يصلي بين يدي القبر لله. ونحو ذلك.
ثم هذا القسم من الذراع نوعان:
أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.
(6/132)

والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته.
فهاهنا أربعة أقسام:
الأولى: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة.
الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة.
الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم. ومثال الثالث: الصلاة في أوقات النهي ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم. وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها. وأمثال ذلك. ومثال الرابع: النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها (1) : يطبها. ويعاملها. وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ونحو ذلك.
فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. وجاء بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة.
بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:
الدلالة على المنع من وجوه:
__________
(1) قوله: يطؤها، كذا في الأصل، والصواب: يطبها.
(6/133)

الوجه الأول: قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1) فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين - مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم - لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى. وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه، بل كالتصريح على المنع من الجائز، لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.
الوجه الثاني: قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} (2) فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.
الوجه الثالث: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} (3) الآية.
أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة، لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة. ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها، وإن أمكن في تركه هذه المفسدة؛ لندورها وقلة الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة (4) .
__________
(1) سورة الأنعام الآية 108
(2) سورة النور الآية 31
(3) سورة النور الآية 58
(4) كذا بالأصل، وصوابه: كالمعدوم.
(6/134)

الوجه الرابع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} (1) نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلا من الرعونة فنهي المسلمون عن قولها سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.
الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} (2) {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (3) فأمر تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفرا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة فنهاهما عن الجائز، لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى.
الوجه السادس: أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد وأمرهم بالعفو والصفح، لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة.
الوجه السابع: أنه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.
__________
(1) سورة البقرة الآية 104
(2) سورة طه الآية 43
(3) سورة طه الآية 44
(6/135)

الوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (1) » متفق عليه. ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟! قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (2) » ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده.
الوجه التاسع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكف عن قتل المنافقين - مع كونه مصلحة - لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.
الوجه العاشر: أن الله تعالى حرم الخمر؛ لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه. لكن حرم القطرة الواحدة منها. وحرم إمساكها للتخليل ونجسها، لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب. ثم بالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين وعن شرب العصير بعد ثلاث. وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به؛ حسما لمادة قربان المسكر، وقد صرح - صلى الله عليه وسلم - بالعلة في تحريم القليل، فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» .
__________
(1) صحيح البخاري الأدب (5973) ، صحيح مسلم الإيمان (90) ، سنن الترمذي البر والصلة (1902) ، سنن أبو داود الأدب (5141) ، مسند أحمد بن حنبل (2/216) .
(2) صحيح البخاري الأدب (5973) ، صحيح مسلم الإيمان (90) ، سنن الترمذي البر والصلة (1902) ، سنن أبو داود الأدب (5141) ، مسند أحمد بن حنبل (2/216) .
(6/136)

الوجه الحادي عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين؛ سدا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع.
الوجه الثاني عشر: أن الله تعالى أمر بغض البصر - وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله - سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور.
الوجه الثالث عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد وعن الصلاة إليها وعندها وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا، وعن شد الرحال إليها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها، وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده، بل قصد خلافه سدا للذريعة.
الوجه الرابع عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة؟ .
الوجه الخامس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (1) » ، وقوله: «إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم (2) » ، وقوله: في عاشوراء: «خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله ويوما بعده» ، وقوله: «لا
__________
(1) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3462) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2103) ، سنن النسائي الزينة (5071) ، سنن أبو داود الترجل (4203) ، سنن ابن ماجه اللباس (3621) ، مسند أحمد بن حنبل (2/309) .
(2) سنن أبو داود الصلاة (652) .
(6/137)

تشبهوا بالأعاجم» ، وروى الترمذي عنه: «ليس منا من تشبه بغيرنا (1) » ، وروى الإمام أحمد عنه: «من تشبه بقوم فهو منهم (2) » ، وسر ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل.
الوجه السادس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة، كما علل به النبي - صلى الله عليه وسلم.
الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجور. وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المفضية إلى أكل الحرام. وعلى التقديرين فهو من باب سد الذرائع، وأباح الأربع - وإن كان لا يؤمن الجور في اجتماعهن - لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن فكانت مصلحة الإباحة أرجح من مفسدة الجور المتوقعة.
الوجه الثامن عشر: أن الله تعالى حرم خطبة المعتدة صريحا. حتى حرم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة، فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها.
الوجه التاسع عشر: أن الله تعالى حرم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام وإن تأخر الوطء إلى وقت الحل؛ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدا، فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم إلى الليل.
الوجه العشرون: أن الشارع حرم الطيب على المحرم؛ لكونه من
__________
(1) سنن الترمذي الاستئذان والآداب (2695) .
(2) سنن أبو داود اللباس (4031) .
(6/138)

أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سد الذريعة.
هذا فقد استمر رحمه الله في ذكر أدلة المنع حتى أوصلها تسعة وتسعين دليلا.) .
ثم قال: وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين. اهـ.
(6/139)

2 - الأسباب المادية والأسباب الروحية:
الأسباب نوعان: مادية عادية، وروحية.
فالمادية العادية: هي التي عرف كونها سبب باب التجارب وتكرار نشوء أشياء عن أخرى، فحكم بأنها مسببة عنها عادة بتقدير الله لا بنفسها استقلالا. مثل: حرث الأرض وسقيها وزرعها وغرسها طلبا للحبوب والثمار، وكالأدوية من حبوب وشراب ونحوهما لعلاج الأمراض، وليس منها الحلقة المسئول عنها، فإنها ليست سببا عاديا؛ لعدم ثبوت ما يدعى أن بها مادة تصلح لعلاج الروماتزم.
والناس في هذه الأسباب ثلاث طوائف: فمنهم: من غلا في إثباتها وتأثيرها، فزعم أنها يترتب عليها مسبباتها بطبيعتها استقلالا، وهذا شرك في الربوبية، ومنهم: من ألغاها ولم يعتبر لها شأنا في ترتيب مسبباتها عليها أصلا، وهذا مخالف لمقتضى العقل ولأدلة الشرع، ومنهم: من اعتبرها أسبابا عادية ينشأ عنها مسبباتها بتقدير من الله. فإذا وجد السبب
(6/139)

التام وانتفت الموانع ترتب عليه مسببه بإذن الله وتقديره لا استقلالا، وهذا هو الحق الذي شهدت له الأدلة وعليه أهل السنة والجماعة.
أما الأسباب الروحية فمصدر معرفتها الشرع؛ كالرقى، والأذكار الشرعية، واللجوء إلى الله وصدق التوكل عليه، والدعاء لتفريج كربة وشفاء مرض، وغير ذلك من الشدائد. فهذه قد وردت الأدلة باعتبارها أسبابا لجلب نفع ودفع ضر، وليس منها الحلقة المسئول عنها، فإنها لم يدل دليل على اعتبارها شرعا، ولا ثبت في مجاري العادات اعتبارها سببا عاديا، وعلى هذا يقال: إن لبسها رجاء الشفاء من مرض نوع من الشرك.
وفيما يلي نقول عن بعض العلماء في ذلك:
قال ابن القيم رحمه الله (1) :
ونحن نقول: إن هاهنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم بالطب: منهم من يقول: هو قياس، ومنهم من يقول: هو تجربة، ومنهم من يقول هو إلهامات، ومنامات وحدس صائب، ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم، تعمد إلى السراج فتلغ في الزيت تتداوى به، وكما رئيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض وقد غشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانح فتمر عيونها عليها، وكما عهد من الطير الذي
__________
(1) [زاد المعاد] (3\ 139\ 143) .
(6/140)

يحقن بماء البحر عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل هاهنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية، والروحانية وقوة القلب، واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه والتذلل له، والصدقة والدعاء، والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه.
وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية عند الأطباء، وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها، ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعاينها القلب البعيد منه المعرض عنه، وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به، وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، وأن
(6/141)

توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأعظمهم حجابا وأكثفهم نفسا وأبعدهم عن الله، وعن حقيقة الإنسانية، وسنذكر إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ الذي رقي بها فقام حتى كأن ما به قلبة، فهذان نوعان من الطب النبوي، ونحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة، ومبلغ علومنا القاصرة ومعارفنا المتلاشية جدا، وبضاعتنا المزجاة، ولكنا نستوهب من بيده الخير كله، ونستمد من فضله، فإنه العزيز الوهاب.
(فصل) روى مسلم في [صحيحه] من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل (1) » ، وفي [الصحيحين] عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء (2) » ، وفي [مسند الإمام أحمد] و [السنن] من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: «كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: " نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد " قالوا: ما هو؟ قال: " الهرم (3) » ، وفي لفظ: «إن الله لم ينزل داء إلا وضع له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله (4) » ، وفي [المسند] من حديث ابن مسعود يرفعه: «إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله (5) » ، وفي [المسند] و [السنن] عن أبي خزامة قال: «قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، وداوء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: " هي من قدر الله (6) » .
__________
(1) صحيح مسلم السلام (2204) ، مسند أحمد بن حنبل (3/335) .
(2) صحيح البخاري الطب (5678) ، سنن ابن ماجه الطب (3439) .
(3) سنن الترمذي الطب (2038) ، سنن أبو داود الطب (3855) ، سنن ابن ماجه الطب (3436) ، مسند أحمد بن حنبل (4/278) .
(4) سنن ابن ماجه الطب (3438) ، مسند أحمد بن حنبل (1/443) .
(5) سنن ابن ماجه الطب (3438) ، مسند أحمد بن حنبل (1/443) .
(6) سنن الترمذي القدر (2148) ، سنن ابن ماجه الطب (3437) .
(6/142)

فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء (1) » على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد، من الدواء به يعالج. فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية أو زاد في الكمية على ما ينبغي نقله إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرا ومتى لم يقع المداوي على الدواء (2) لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عاجزة عن حمله أو ثم مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء، لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة، حصل البرء بإذن الله ولا بد، وهذا أحسن المحملين في الحديث. والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كل لسان، ويكون المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء، وهذا كقوله تعالى
__________
(1) صحيح مسلم السلام (2204) ، مسند أحمد بن حنبل (3/335) .
(2) أو لم يقع الدواء على الداء.
(6/143)

في الريح التي سلطها على قوم عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (1) أي: كل شيء يقبل التدمير، ومن شأن الريح أن تدمره، ونظائره كثيرة، ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته وإتقانه ما صنعه وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغني بذاته، وكلما سواه محتاج بذاته، وفي هذه الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا، وفيها رد على من أنكر التداوي وقال: إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدر فكذلك، وأيضا فإن المرض حصل بقدر الله وقدر الله لا يدفع ولا يرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وبحكمته وصفاته من أن يوردوا
__________
(1) سورة الأحقاف الآية 25
(6/144)

مثل هذا، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكل من قدر الله: الدافع والمدفوع والدفع، ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة أو تدفع بها مضرة؛ لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه كالمشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} (1) والذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا} (2) فهذا قالوه دفعا لحجة الله عليهم بالرسل، وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبب، وإلا فلا، فإن قال: إن كان قدر لي السبب فعلته وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله، قيل له: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته فلا تلم من عصاك وأخذ مالك وضربك وقذف عرضك وضيع حقوقك،
__________
(1) سورة الأنعام الآية 148
(2) سورة النحل الآية 35
(6/145)

وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك؟
وقال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله (1) : ولنقدم قبل الشروع في المطلوب (مقدمة كلامية) مسلمة في هذا الموضع:
وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا. وليس هذا موضع ذلك. وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي: أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين. ولما اضطر في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك على أن العلل بمعنى: العلامات المعرفة للأحكام خاصة، ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة. والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (2) ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (3) وقال في أصل الخلقة: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (4) ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (5)
__________
(1) [الموافقات] (2\6، 7) .
(2) سورة النساء الآية 165
(3) سورة الأنبياء الآية 107
(4) سورة هود الآية 7
(5) سورة الذاريات الآية 56
(6/146)

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (1)
وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، كقوله بعد آية الوضوء: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} (2) وقال في الصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (3) وفي الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (4) وقال في القبلة: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} (5) وفي الجهاد: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} (6) وفي القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (7) وفي التقرير على التوحيد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (8) والمقصود التنبيه.
وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم
__________
(1) سورة الملك الآية 2
(2) سورة المائدة الآية 6
(3) سورة البقرة الآية 183
(4) سورة العنكبوت الآية 45
(5) سورة البقرة الآية 150
(6) سورة الحج الآية 39
(7) سورة البقرة الآية 179
(8) سورة الأعراف الآية 172
(6/147)

فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة. ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد فلنجر على مقتضاه، ويبقى البحث في كون ذلك واجبا أو غير واجب موكولا إلى علمه.
وقال القرطبي رحمه الله (1) : واختلف العلماء في حقيقة التوكل: فسئل عنه سهل بن عبد الله، فقال: قال فرقة: الرضا بالضمان وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التوكل: ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب. فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه اسم التوكل. قال سهل: من قال: إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله عز وجل يقول: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} (2) فالغنيمة: اكتساب. وقال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (3) فهذا عمل. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب العبد المحترف (4) » .
وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرضون على السرية.
وقال غيره: وهذا قول عامة الفقهاء، وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد الأسلحة
__________
(1) [تفسير القرطبي] (4\ 189، 190) .
(2) سورة الأنفال الآية 69
(3) سورة الأنفال الآية 12
(4) ذكر السيوطي في [الجامع الصغير] : أن هذا الحديث رواه الطبراني في [الكبير] والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ورمز له برموز الضعف.
(6/148)

واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعا ولا ضرا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم.
ثم المتوكلون على حالين:
الأول: حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر.
الثاني: حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية والبراهين القطعية والأذواق الحالية، فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين، ويلحقه بدرجات العارفين.
وجاء في [شرح العقيدة الطحاوية] : ومما ينبغي أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ومعنى التوكل والرجاء يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع.
وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل ولا بد له من شركاء وأضداد مع هذا كله. فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر.
(6/149)

3 - نصوص وآثار جزئية في موضوع البحث ونقول عن العلماء في ذلك:
ما سبق بيانه في الأمر الأول والثاني تقعيد كلي عام يندرج فيه موضوع البحث ونحوه، أما الأمر الثالث ففيه أدلة جزئية من السنة النبوية، وآثار عن الصحابة هي نص في الموضوع، ونقول عن العلماء في حكم ذلك نذكرها فيما يلي:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله على حديث أبي بشير الأنصاري - رضي الله عنه - في قطع القلادة (1) والوتر: قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم فأمروا بقطعها إعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا، وهذا قول مالك.
(قلت) : وقع ذلك متصلا بالحديث من كلامه في [الموطأ] وعند مسلم وأبي داود وغيرهما، قال مالك: أرى أن ذلك من أجل العين، ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: «من علق تميمة فلا أتم الله له (2) » أخرجه أبو داود أيضا، والتميمة: ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك، وقال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر، وذلك لا يجوز اعتقاده.
ثانيها: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة عن محمد بن الحسن
__________
(1) [فتح الباري] (6\106، 107) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(6/150)

صاحب أبي حنيفة وكلام أبي عبيدة يرجحه، فإنه قال: نهي عن ذلك؛ لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت بشجرة فاختنقت أو تعوقت عن السير.
ثالثها: أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس حكاه الخطابي، وعليه يدل تبويب البخاري، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أم حبيبة أم المؤمنين مرفوعا: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس (1) » أخرجه النسائي من حديث أم سلمة أيضا، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدارقطني من طريق عثمان بن عمر المذكور بلفظ: «لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع (2) » .
(قلت) : ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك إلا على القول الثالث فلم تجر العادة بتعليق الأجراس في رقاب الخيل، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الحساني رفعه: «اربطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار (3) » فدل على أن لا اختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب، وقد حمل النضر بن شميل الأوتار في هذا الحديث على معنى الثأر، فقال: معناه: لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية، قال القرطبي: وهو تأويل بعيد، وقال النووي: ضعيف، وإلى نحو قول النضر جنح وكيع، فقال: المعنى لا تركبوا الخيل في الفتن، فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به.
والدليل على أن المراد بالأوتار جمع الوتر بالتحريك لا الوتر بالإسكان: ما رواه أبو داود أيضا من حديث رويفع بن ثابت: «من عقد لحيته أو تقلد وترا فإن محمدا بريء منه (4) » ، فإنه عند الرواة أجمع بفتح المثناة. انتهى.
__________
(1) سنن أبو داود الجهاد (2554) ، مسند أحمد بن حنبل (6/327) ، سنن الدارمي الاستئذان (2675) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(3) سنن النسائي الخيل (3565) ، سنن أبو داود الجهاد (2553) ، مسند أحمد بن حنبل (4/345) .
(4) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(6/151)

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1) : باب (من الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه) وقول الله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (2)
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (3) » رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (4) » ، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك (5) » .
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (6)
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
__________
(1) [فتح المجيد] ص (116- 133) ، باستثناء الشرح الذي في ص (119) .
(2) سورة الزمر الآية 38
(3) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (4/156) .
(6) سورة يوسف الآية 106
(6/152)

الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة، بل تضر لقوله: «لا تزيدك إلا وهنا (1) » .
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة: أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، أي: ترك الله له.
قال حفيده عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: قوله: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو في دفعه) .
رفعه: إزالته بعد نزوله، ودفعه: منعه قبل نزوله.
قال: وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (2)
قال ابن كثير: أي: لا تستطيع شيئا من الأمر، {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} (3) أي: الله كافي من توكل عليه {عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (4) كما
__________
(1) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(2) سورة الزمر الآية 38
(3) سورة الزمر الآية 38
(4) سورة الزمر الآية 38
(6/153)

قال هود عليه السلام حين قال له قومه: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (1) {مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} (2) {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (3) قال مقاتل في معنى الآية: فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا، أي: لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها.
وإنما كانوا يدعونها على معنى: أنها وسائط وشفعاء عند الله، لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (4) {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} (5)
قلت: فهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وأن ذلك شرك بالله.
وفي الآية بيان أن الله تعالى وسم أهل الشرك بدعوة غير الله، والرغبة إليه من دون الله، والتوحيد ضد ذلك. وهو: أن لا يدعو إلا الله، ولا يرغب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وكذا جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن عمران بن حصين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة،
__________
(1) سورة هود الآية 54
(2) سورة هود الآية 55
(3) سورة هود الآية 56
(4) سورة النحل الآية 53
(5) سورة النحل الآية 54
(6/154)

قال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (1) » رواه أحمد بسند لا بأس به.
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا المبارك عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة- قال: أراها من صفر- فقال: ويحك، ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (2) » ، ورواه ابن حبان في [صحيحه] ، فقال: «فإنك إن مت وكلت إليها» ، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي.
وقال الحاكم: أكثر مشايخنا على أن الحسن سمع من عمران، وقوله في الإسناد: أخبرني عمران، يدل على ذلك.
قوله: (عن عمران بن حصين) أي: ابن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد- بنون وجيم مصغر- صحابي ابن صحابي، أسلم عام خيبر، ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.
قوله: (رأى رجلا) ، وفي رواية الحاكم: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر، فقال: ما هذه؟» الحديث. فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث.
قوله: (ما هذه؟) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهو أظهر.
قوله: (من الواهنة) قال أبو السعادات: الواهنة: عرق يأخذ في المنكب، وفي اليد كلها، فيرقى منها، وقيل: هو مرض يأخذ في
__________
(1) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(2) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(6/155)

العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهي عنها لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد.
قوله: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا (1) » ، النزع: هو الجذب بقوة، أخبر أنها لا تنفعه، بل تضره، وتزيده ضعفا، وكذلك كل أمر نهي عنه، فإنه لا ينفع غالبا، وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه.
قوله: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (2) » لأنه شرك، والفلاح: هو الفوز والظفر والسعادة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (3) » ، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك (4) » .
الحديث الأول: رواه الإمام أحمد، كما قال المصنف، ورواه أيضا أبو يعلى، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي.
قوله: (وفي رواية) أي: من حديث آخر رواه أحمد فقال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي منصور، عن دخين الحجري عن عقبة بن عامر الجهني: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وأمسكت عن هذا؟! فقال: إن عليه تميمة، فأدخل يده فقطعها، فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك (5) » ، ورواه الحاكم بنحوه، ورواته ثقات.
قوله: (عن عقبة بن عامر) صحابي مشهور، فقيه فاضل، ولي إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.
__________
(1) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(2) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/156) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (4/156) .
(6/156)

قوله: «من تعلق تميمة (1) » ، أي: علقها متعلقا بها قلبه في طلب خير أو دفع شر.
قال المنذري: خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة، إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى.
وقال أبو السعادات: التمائم: جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام.
قوله: «فلا أتم الله له (2) » دعاء عليه.
قوله: «ومن تعلق ودعة (3) » بفتح الواو وسكون المهملة، قال في [مسند الفردوس] الودع: شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين.
قوله: «فلا ودع الله له (4) » بتخفيف الدال: أي: لا جعله في دعة وسكون، قال أبو السعادات: وهذا دعاء عليه.
قوله: وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك (5) » .
قال أبو السعادات: إنما جعلها شركا؛ لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (6)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا، فقطعه أو
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (4/156) .
(6) سورة يوسف الآية 106
(6/157)

انتزعه، ثم قال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (1)
وابن أبي حاتم: هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي التميمي الحنظلي الحافظ، صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وحذيفة: هو ابن اليمان: واسم اليمان: حسيل- بمهملتين مصغرا- ويقال: حسل- بكسر ثم سكون- العبسي- بالموحدة- حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر، وأبوه أيضا صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي رضي الله عنه، سنة ست وثلاثين.
قوله: (رأى رجلا في يده خيط من الحمى) أي: عن الحمى، وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى، وروى وكيع عن حذيفة: أنه دخل على مريض يعوده، فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه، وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، وفيه: إنكار مثل هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها، وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك، مما تعلقه الجهال- فهو شرك، يجب إنكاره وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه.
قوله: وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (2)
__________
(1) سورة يوسف الآية 106
(2) سورة يوسف الآية 106
(6/158)

استدل حذيفة رضي الله عنه بالآية على أن هذا شرك، ففيه: صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزله الله في الشرك الأكبر، لشمول الآية له، ودخوله في مسمى الشرك، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره، والله أعلم.
وفي هذه الآثار عن الصحابة: ما يبين كمال علمهم بالتوحيد وما ينافيه، أو ينافي كماله.
وقال الشيخ رحمه الله في باب (ما جاء في الرقى والتمائم) : في الصحيح، عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه: «أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر- أو قلادة - إلا قطعت (1) » .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (2) » رواه أحمد وأبو داود.
" التمائم ": شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
و" الرقى ": هي التي تسمى: العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.
و" التولة ": شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئا وكل إليه (3) » رواه أحمد والترمذي.
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(2) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381) .
(3) سنن الترمذي الطب (2072) .
(6/159)

وروى أحمد عن رويفع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس: أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم- فإن محمدا بريء منه (1) » .
وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين، والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من علق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده: أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال حفيده رحمه الله: قوله: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) .
أي: من النهي، وما ورد عن السلف في ذلك.
__________
(1) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(6/160)

قال المصنف رحمه الله تعالى: (في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري: «أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر - أو قلادة - إلا قطعت (1) » .
هذا الحديث في [الصحيحين] .
قوله: (عن أبي بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة، قيل: اسمه قيس بن عبيد قاله ابن سعد، وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي، شهد الخندق، ومات بعد الستين، ويقال: إنه جاوز المائة.
قوله: (في بعض أسفاره) قال الحافظ: لم أقف على تعيينه.
قوله: (فأرسل رسولا) هو زيد بن حارثة روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في [مسنده] ، قاله الحافظ.
قوله: «أن لا يبقين (2) » بالمثناة التحتية والقاف المفتوحتين، و [قلادة] مرفوع على أنه فاعل، و [الوتر] بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب؛ اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين.
قوله: «أو قلادة إلا قطعت (3) » معناه: أن الرواي شك، هل قال شيخه: قلادة من وتر، أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيده؟ ويؤيد الأول ما روي عن مالك: أنه سئل عن القلادة؟ فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر.
ولأبي داود: «ولا قلادة (4) » بغير شك.
قال البغوي في [شرح السنة] : تأول مالك أمره عليه الصلاة والسلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(6/161)

الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا.
قال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار؛ لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها؛ إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا، وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
وقال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة بن عامر، رفعه «من تعلق تميمة فلا أتم الله له (1) » رواه أبو داود: وهي: ما علق من القلائد خشية العين، ونحو ذلك، انتهى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (2) » رواه أحمد وأبو داود.
وفيه قصة، ولفظ أبي داود: عن زينب - امرأة عبد الله بن مسعود - قالت: «إن عبد الله رأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقى كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (3) » ، ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(2) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381) .
(3) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381) .
(6/162)

قوله: «إن الرقى (1) » قال المصنف: (هي التي تسمى: العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة) ، يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله، وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله وصفاته وآياته، والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حسن: جائز، أو مستحب.
قوله: (فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة) كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد، وكذا رخص في الرقى من غيرها، كما في [صحيح مسلم] عن عوف بن مالك: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (2) » ، وفي الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان عليه السلام قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا أو قولا يدخله شرك.
قلت: من ذلك: ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم، وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به، فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا فليس من دين الإسلام.
__________
(1) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381) .
(2) صحيح مسلم السلام (2200) ، سنن أبو داود الطب (3886) .
(6/163)

وقال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
قوله: " والتمائم " قال المصنف: (شيء يعلق على الأولاد من العين) وقال الخلخالي: " التمائم ": جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وبأسمائه وصفاته.
قال المصنف: (لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود) .
اعلم أن العلماء- من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته: فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
قلت: هذا هو الصحيح؛ لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل.
الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم، الثاني: سد الذريعة،
(6/164)

فإذا يقضي إلى تعليق ما ليس كذلك، الثالث: أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك.
وتأمل هذه الأحاديث، وما كان عليه السلف رضي الله عنهم: يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة: من تعظيم القبور، واتخاذ المساجد عليها، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف جل الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات - التي هي حق الله تعالى - إليها من دونه، كما قال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (1) {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (2)
ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر.
قوله: «التولة شرك» قال المصنف: (هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته) .
وبهذا فسرها ابن مسعود راوي الحديث، كما في [صحيح ابن حبان] والحاكم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن) .
قال الحافظ: التولة - بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا - شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، والله أعلم.
وكان من الشرك لما يراد به دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى.
__________
(1) سورة يونس الآية 106
(2) سورة يونس الآية 107
(6/165)

قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا «من تعلق شيئا وكل إليه (1) » رواه أحمد والترمذي، ورواه أبو داود والحاكم.
وعبد الله بن عكيم: هو بضم المهملة مصغرا، ويكنى: أبا معبد الجهني الكوفي قال البخاري: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف له سماع صحيح، وكذا قال أبو حاتم، قال الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة وكان ثقة، وذكر ابن سعد عن غيره: أنه مات في ولاية الحجاج.
قوله: «من تعلق شيئا وكل إليه (2) » ، التعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما، «وكل إليه» أي: وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (3)
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: «لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود، أما وعزتي وعظمتي،
__________
(1) سنن الترمذي الطب (2072) .
(2) سنن الترمذي الطب (2072) .
(3) سورة الطلاق الآية 3
(6/166)

لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته: إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك» .
قال المصنف رحمه الله تعالى: وروى الإمام أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس: أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم - فإن محمدا بريء منه (1) » .
الحديث رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن إسحاق والحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن ابن لهيعة، وفيه قصة اختصرها المصنف، وهذا لفظ الحسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان قال: حدثنا رويفع بن ثابت قال: «كان أحدنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل والريش، وللآخر القدح، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . الحديث (2) » ثم رواه أحمد عن يحيى بن غيلان، حدثني المفضل، حدثنا عياش بن عباس: أن شييم بن بيتان أخبره: أنه سمع شيبان القتباني. . . الحديث، ابن لهيعة فيه مقال، وفي الإسناد الثاني: شيبان القتباني، قيل فيه: مجهول، وبقية رجالهما ثقات.
قوله: «لعل الحياة ستطول بك (3) » فيه علم من أعلام النبوة، فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة ست وخمسين، فمات ببرقة من أعمال مصر أميرا
__________
(1) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(2) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/108) .
(3) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(6/167)

عليها، وهو من الأنصار، وقيل: مات سنة ثلاث وخمسين.
قوله: «فأخبر الناس (1) » دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصا برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية، قاله أبو زرعة في [شرح سنن أبي داود] .
قوله: «أن من عقد لحيته (2) » بكسر اللام لا غير، والجمع: لحى بالكسر والضم، قاله الجوهري.
قال الخطابي: أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين:
أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم، يفتلونها ويعقدونها، قال أبو السعادات: تكبرا وعجبا.
ثانيهما: أن معناه: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث.
قال أبو زرعة بن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة، كما دلت عليه رواية محمد بن الربيع، وفيه: «أن من عقد لحيته في الصلاة (3) » .
قلت: وهذه الرواية لا تدل على تخصيصه في الصلاة، بل تدل على أن فعله في الصلاة أشد من فعله خارجها.
قوله: «أو تقلد وترا (4) » أي: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وفي رواية محمد بن الربيع: «أو تقلد وترا (5) » - يريد: تميمة.
فإذا كان هذا فيمن تقلد وترا، فكيف بمن تعلق بالأموات، وسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، الذي جاء النهي عنه وتغليظه في
__________
(1) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(2) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(3) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(4) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(5) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(6/168)

الآيات المحكمات؟!
قوله: «أو استنجى برجيع دابة أو عظم- فإن محمدا بريء منه (1) » قال النووي: أي: بريء من فعله، وهذا خلاف الظاهر، والنووي كثيرا ما يتأول الأحاديث بصرفها عن ظاهرها، فيغفر الله تعالى له، بل هو بريء من الفاعل وفعله.
وفي [صحيح مسلم] عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: «لا تستنجوا بالروث ولا العظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن (2) » ، وعليه لا يجزئ الاستنجاء بهما، كما هو ظاهر مذهب أحمد؛ لما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران.
» قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة، رواه وكيع.
هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي، ويكون هذا مرسلا؛ لأن سعيدا تابعي، وفيه: فضل قطع التمائم؛ لأنها شرك.
ووكيع: هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي، ثقة إمام، صاحب تصانيف، منها [الجامع] وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، مات سنة سبع وتسعين ومائة.
قوله: وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
وإبراهيم: هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي، يكنى: أبا عمران، ثقة من كبار الفقهاء، قال المزي: دخل على عائشة، ولم يثبت
__________
(1) سنن النسائي الزينة (5067) ، سنن أبو داود الطهارة (36) ، مسند أحمد بن حنبل (4/109) .
(2) صحيح مسلم الصلاة (450) ، سنن الترمذي الطهارة (18) ، مسند أحمد بن حنبل (1/459) .
(6/169)

له سماع منها، مات سنة ست وتسعين، وله خمسون سنة أو نحوها.
قوله: (كانوا يكرهون التمائم) إلى آخره، مراده بذلك: أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد، وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم، كما بين ذلك الحفاظ كالعراقي وغيره.
وقال الشيخ محمد صديق حسن رحمه الله (1) : فصل في شرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلايا ودفعها، ومعنى رفع الشيء: إزالته بعد نزوله، ومعنى دفع الشيء: منعه قبل نزوله.
عن عمران بن حصين رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة، (2) » وفي رواية الحاكم: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة من صفر،» فالمبهم في هذه الرواية هو: عمران راوي الحديث.
قال: (ما هذه؟) يحتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها أو يكون للإنكار وهو أظهر، قال: من الواهنة: قال أبو السعادات: (الواهنة) : عرق يأخذ بالمنكب وفي اليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء.
قال: (انزعها) نهي عنه؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد، والنزع: هو الجذب بقوة.
«فإنها لا تزيدك إلا وهنا (3) » ، أخبر أنها لا تنفعك، بل تضرك وتزيدك
__________
(1) [الدين الخالص] (2\ 130- 134) .
(2) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(3) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(6/170)

ضعفا، وكذلك كل أمر نهى عنه إنه لا ينفع غالبا وإن نفع بعضه في اعتقاده الكاذب فضرره أكبر من نفعه «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (1) » ؛ لأنه شرك استعان صاحبه بغير الله تعالى، و (الفلاح) : هو الفوز والظفر والسعادة.
وفي هذا شاهد لكلام الصحابة إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر وأنه لم يعذره بالجهالة، وفيه الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك، رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله رضي الله عنه عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة (2) » ، أي: علقها متعلقا بها في قلبه في طلب خير أو شر وضير.
قال المنذري: خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلال، إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى.
وقال أبو السعادات: التمائم: جمع تميمة وهي خرزة كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام، «فلا أتم الله له (3) » ، دعاء عليه، «ومن تعلق ودعة (4) » بفتح الواو وسكون المهملة، قال في [مسند الفردوس] : الودع: شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين، «فلا ودع الله له (5) » بتخفيف الدال، أي: لا جعله في دعة وسكون.
قال أبو السعادات: هذا دعاء عليه، وروى هذا الحديث أيضا أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وفي رواية لأحمد «من تعلق تميمة فقد أشرك (6) » ، وهذا أصرح من الأول، ورواه الحاكم أيضا بنحوه ورواته ثقات.
__________
(1) سنن ابن ماجه الطب (3531) ، مسند أحمد بن حنبل (4/445) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (4/154) .
(6) مسند أحمد بن حنبل (4/156) .
(6/171)

قال ابن الأثير: إنما جعلها شركا؛ لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه.
قال: ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (1)
وفي لفظ: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه ثم قال: {وَمَا يُؤْمِنُ} (2) إلخ.
كان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى، واستدل حذيفة بالآية على أن هذا شرك.
وفيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزل الله تبارك في الشرك الأكبر؛ لشمول الآية له، ولدخوله في مسمى الشرك.
وفي رواية عن حذيفة بلفظ: أنه دخل على مريض فلمس عضده فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهي عليك ما صليت عليك.
وفي إنكار مثل هذا وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.
وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهلة البطلة- فهو شرك، يجب إنكاره وإزالته بالقول وبالفعل وإن لم يأذن فيه صاحبه.
__________
(1) سورة يوسف الآية 106
(2) سورة يوسف الآية 106
(6/172)

وفي هذه الآثار عن الصحابة ما يبين كمال علمهم بالتوحيد وبما ينافيه من أنواع الشرك أو ينافي كماله.
وقال في فصل في رد شرك الرقى والتمائم:
عن أبي بشير الأنصاري «أنه كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره، (1) » قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه، «فأرسل رسولا» : هو زيد بن حارثة، رواه الحارث بن أبي أسامة في [مسنده] ، كما قال الحافظ: «أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر (2) » - بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره وقلدوا به الدواب، اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين- «أو قلادة إلا قطعت (3) » رواه الشيخان في [الصحيحين] .
والشك فيه من الراوي، هل قال شيخه: قلادة من وتر، أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيد، ويؤيد الأول ما روي عن مالك: أنه سئل عن القلادة، فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر.
ولأبي داود " قلادة " بغير شك.
قال البغوي في [شرح السنة] : تأول مالك أمره عليه السلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ ويظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا.
وقال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا، وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (3005) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2115) ، سنن أبو داود الجهاد (2552) ، مسند أحمد بن حنبل (5/216) ، موطأ مالك الجامع (1745) .
(6/173)

قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة المتقدم وهي ما علق من القلائد وخشية العين ونحو ذلك. اهـ.
وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (1) » رواه أحمد وأبو داود وفيه قصة.
ولفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود: أن عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ... إلخ.
فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقى كف عنها.
إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (2) » ، رواه أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي. سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: عن حكم استعمال الأسورة المغناطيسية؟
فأجاب حفظه الله: والذي أرى في هذه المسألة: هو ترك الأسورة المذكورة، وعدم استعمالها؛ سدا لذريعة الشرك، وحسما لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه؛ ثقة به واعتمادا عليه، واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة
__________
(1) سنن أبو داود الطب (3883) ، سنن ابن ماجه الطب (3530) ، مسند أحمد بن حنبل (1/381) .
(2) صحيح البخاري الطب (5750) ، صحيح مسلم السلام (2191) ، سنن ابن ماجه الطب (3520) ، مسند أحمد بن حنبل (6/45) .
(6/174)

إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم، وعما اشتبه أمره.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (1) » ، وقال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2) » .
ولا ريب أن تعليق الأسورة المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان، فهو إما من الأمور المحرمة الشركية أو من وسائلها، وأقل ما يقال فيه: أنه من المشتبهات، فالأولى بالمسلم والأحوط له: أن يترفع بنفسه عن ذلك، وأن يكتفي بالعلاج الواضح الإباحة البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين.
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه، والسلامة مما يخالف شرعه، إنه على كل شيء قدير، والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا ما تيسر جمعه، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
__________
(1) صحيح البخاري الإيمان (52) ، صحيح مسلم المساقاة (1599) ، سنن الترمذي البيوع (1205) ، سنن النسائي البيوع (4453) ، سنن أبو داود البيوع (3329) ، سنن ابن ماجه الفتن (3984) ، مسند أحمد بن حنبل (4/270) ، سنن الدارمي البيوع (2531) .
(2) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2518) ، سنن النسائي الأشربة (5711) ، مسند أحمد بن حنبل (1/200) ، سنن الدارمي البيوع (2532) .
(6/175)

(4) حكم استعمال المياه النجسة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
حكم استعمال المياه النجسة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
بناء على ما تقرر في الدورة الثانية لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض في النصف الثاني من ربيع الأول سنة 1396 هـ من إعداد بحث في [حكم استعمال المياه النجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها]- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على: تمهيد في بيان معنى الاستحالة، وإيضاح هذا المعنى بكلام أهل العلم في حكم استحالة النجس إلى طاهر بالإحراق أو غيره، وهل تطهر الخمر بالاستحالة؟ ثم بيان كلام أهل العلم في حكم استعمال المياه المتنجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها.
وبالله التوفيق.
أولا: التمهيد:
(أ) معنى الاستحالة: لغة: جاء في معنى حال:
(6/179)

كل شيء تغير عن الاستواء إلى العوج، فقد حال في معنى واستحال وهو مستحيل (1) .
ومعناها اصطلاحا: انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى (2) .
ب- استحالة النجس إلى حقيقة أخرى بالإحراق أو غيره هل تكسبه الطهارة؟:
اختلف أهل العلم في ذلك:
فذهب قوم إلى القول بالطهارة:
وممن قال بذلك: أبو حنيفة ومحمد وأكثر الحنفية والمالكية، وسواء عندهم ما هو نجس لعينه وما هو نجس لمعنى فيه، ووافقهم الشافعية في النجس لمعنى فيه كجلد الميتة، وأما الحنابلة فمنهم من يقول بالطهارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية.
وفيما يلي ذكر نصوصهم في ذلك وأدلتهم مع المناقشة:
جاء في [البحر الرائق] : من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين ... ومضى إلى أن قال: وإن كان في غيره- أي: الخسر- كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد (3) وقال أيضا: وضم إلى محمد أبا حنيفة في [المحيط] ، وكثير من المشايخ اختاروا قول محمد، وفي
__________
(1) [لسان العرب] (14\ 197) .
(2) [رد المحتار] (1\ 291) .
(3) [البحر الرائق] : (1\ 239)
(6/180)

[الخلاصة] وعليه الفتوى، وفي [فتح القدير] : أنه المختار (1) .
والمالكية يذهبون إلى أن ما استحال إلى صلاح فهو طاهر، وأن ما استحال إلى فساد كان نجسا، جاء في [الشرح الكبير] و [حاشية الدسوقي] عليه: من الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا لاستحالته إلى الصلاح (2) .
ثم جاء في موضع آخر: إذا تغير القيء وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة كان نجسا وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغير كان طاهرا (3) .
واعتبر المالكية كذلك: أن المسك طاهر، ففي [الحطاب] : الحكم بطهارة المسك؛ لأنها استحالة عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات وإلى اسم يختص به، وطهرت بذلك، كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرا، انتهى (4) .
وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه وما هو نجس لمعنى فيه، فأما الأشياء النجسة لمعنى فيها فإنها طاهرة، قال في [المهذب] : ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان:
__________
(1) [البحر الرائق] : (1\ 239) .
(2) [الشرح الكبير] مع [حاشية الدسوقي] ص (50) .
(3) المرجع السابق (1\ 57) .
(4) [مواهب الجليل] (1\ 97) .
(6/181)

أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، والثاني: الخمر (1)
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة (2) .
وقال المرداوي: وعنه بل تطهر وهي مخرجة من الخمرة إذا انقلبت بنفسها، خرجها المجد واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، فحيوان متولد من نجاسة كدود الجروح والقروح وصراصير الكنيف طاهر نص عليه (3) انتهى المقصود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة أو صارت رمادا أو صارت- الميتة والدم والصديد- ترابا كتراب المقبرة فهذا فيه خلاف، وبعد ذكره للخلاف قال: والصواب أن ذلك كله طاهر، إذا لم يبق شيء من النجاسة، لا طعمها ولا لونها ولا ريحها (4)
وقال ابن حزم: إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (5) .
وقال أيضا: إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر (6) .
__________
(1) [المهذب] : (1\ 48) .
(2) [المغني] ومعه [الشرح] (1\ 59) .
(3) [الإنصاف] (1\ 5، 31) وما بعده.
(4) [مجموع الفتاوى] (21\ 481) .
(5) [المحلى] (1\ 138) .
(6) [المحلى] (1\ 128) ، ويرجع أيضا إلى (1\ 118، 137، 162) من [المحلى]
(6/182)

واستدل لذلك بالكتاب والسنة والاستقراء والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (1)
وجه الدلالة: أن هذه الأشياء بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها صارت طيبة فهي طاهرة، وقد يعارض ذلك: بأن القول بأنها طيبة وهو محل النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل الخلاف.
وقد يجاب عن ذلك: بأن العبرة بالواقع لا بالدعوى وواقعها أنها طيبة فيسلم الدليل.
وأما السنة: فما ورد من الأدلة في طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ ونحو ذلك من الأدلة.
وأما الاستقراء: فقد ذكره شيخ الإسلام، فقال بعد كلام سبق: الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا وكذلك بيضها ولبنها والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر وغير ذلك فإنه يزول حكم التنجس ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه، فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق ولا التفات إلى موادها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادا ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا، ففيه خلاف مشهور، وللقول بالتطهير اتجاه
__________
(1) سورة الأعراف الآية 157
(6/183)

انتهى المقصود (1) .
وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة.
وأما المعنى: فقد جاء في [فتح القدير] أنه المختار؛ لأن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل؟! فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (2) ، انتهى المقصود.
القول الثاني: إن استحالة النجس وزوال أعراض النجاسة عنه وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا.
وممن قال بهذا القول: أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية، وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة.
جاء في [فتح القدير] : أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي [التجنيس] اختار قول أبي يوسف كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت ودفع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح، هذا قول أبي يوسف (3) ، انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهو أحد قولي أصحاب
__________
(1) [الفتاوى المصرية] (2\ 122) .
(2) [البحر الرائق] (1\ 239) ، وقد بسط ذلك ابن حزم في [المحلى] (1\ 137، 162) منه (1\ 118) منه أيضا.
(3) [فتح القدير] (1\ 139) .
(6/184)

مالك (1)
وقال الشيرازي: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ.
والثاني: الخمر.
ثم قال صاحب [المهذب] : وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (2)
وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب: أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (3) .
وقال المرداوي على قول ابن قدامة: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، قال: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (4)
واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة فتبقى النجاسة من وجه فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (5) .
وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستها- أي: العذرة والسرجين-
__________
(1) [المجموع] (21\ 72) .
(2) [المهذب] (1\ 10) .
(3) [المغني] مع شرحه (1\ 59) .
(4) [الإنصاف] (1\ 318) .
(5) [فتح القدير] (2\ 139) .
(6/185)

لعينهما (1) .
وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك: بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا وصديدا (2)
ج- هل تطهر الخمر بالاستحالة؟:
اتفق أهل العلم- فيما نعلم- على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة.
قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر (3)
وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء في ذلك:
فمنهم من يقول بطهارتها، ومنهم من يقول بنجاستها.
وممن قال بأنها طاهرة: الحنفية والمالكية وابن حزم ومن وافقهم.
جاء في [بداية المبتدي] وشرحها [الهداية] : وإذا تخللت الخمر حلت، سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلها (4)
وفي [الحطاب] : ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيها؛ كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقي فيه (5) .
__________
(1) [المهذب] (1\ 48) .
(2) [المغني] ومعه الشرح (1\ 744) .
(3) [مجموع الفتاوى] (21\ 475) وما بعدها.
(4) [البداية] وشرحها (4\ 113)
(5) [مواهب الجليل] (1\ 98) .
(6/186)

وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر وخللت فالخل حلال (1) .
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى:
أما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: «نعم الإدام الخل (2) » رواه مسلم والأربعة من حديث جابر.
وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم عم ولم يخص.
وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس، «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (3) » أخرجه مسلم، وعن أنس «أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا؟ قال: أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا (4) » .
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث: بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قصدا.
وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا.
وأما الدليل من جهة المعنى:
فقد جاء في [البداية] وشرحها: إنه بالتحليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والأقرياب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل؛ وذلك لما فيه
__________
(1) [المحلى] (1\ 124) .
(2) صحيح مسلم الأشربة (2052) ، سنن الترمذي الأطعمة (1839) ، سنن أبو داود الأطعمة (3820) ، مسند أحمد بن حنبل (3/371) ، سنن الدارمي الأطعمة (2048) .
(3) صحيح مسلم الأشربة (1983) ، سنن الترمذي البيوع (1294) ، سنن أبو داود الأشربة (3675) ، مسند أحمد بن حنبل (3/260) ، سنن الدارمي الأشربة (2115) .
(4) صحيح مسلم الأشربة (1983) ، سنن الترمذي البيوع (1293) ، سنن أبو داود الأشربة (3675) ، مسند أحمد بن حنبل (3/119) ، سنن الدارمي الأشربة (2115) .
(6/187)

من احترام حال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به.
وقد يجاب عن ذلك: بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص، ولا اجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم: «سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (1) » الحديث وقد سبق (2) .
القول الثاني: أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة.
وممن قال بهذا: الشافعية والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
قد جاء في [المهذب] : وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر (3) .
وقال ابن قدامة: (وإن خللت لم تطهر) .
وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب (4) .
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (5) .
واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى.
أما السنة:
فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس رضي الله عنه، «أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: أهرقها
__________
(1) صحيح مسلم الأشربة (1983) ، سنن الترمذي البيوع (1294) ، سنن أبو داود الأشربة (3675) ، مسند أحمد بن حنبل (3/260) ، سنن الدارمي الأشربة (2115) .
(2) [البداية] وشرحها (4\ 113) .
(3) [المهذب] (1\ 48) .
(4) [الإنصاف] (1\ 318) .
(5) [المجموع] (21\ 481) .
(6/188)

فقال: أفلا أخللها؟ قال: لا (1) » .
وجه الدلالة: أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز.
وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان وتقطيع الزقاق، رواه الطبراني في [معجمه] : حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث عن يحيى بن عباد عن أنس عن أبي طلحة قال: «قلت: يا رسول الله، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان (2) » انتهى.
ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في [مسنده] : حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب عن ابن عمر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة،» وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع، انتهى بواسطة الزيلعي (3) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل عليه ذلك، فإن وجد وإلا فالأصل بقاء دلالة الحديث على التحريم (4) ، كما سبق.
__________
(1) صحيح مسلم الأشربة (1983) ، سنن الترمذي البيوع (1294) ، سنن أبو داود الأشربة (3675) ، مسند أحمد بن حنبل (3/119) ، سنن الدارمي الأشربة (2115) .
(2) سنن الترمذي البيوع (1293) ، سنن أبو داود الأشربة (3675) ، مسند أحمد بن حنبل (3/119) .
(3) [نصب الراية] (4\ 311) .
(4) [نصب الراية] (4\ 311) .
(6/189)

وأما الأثر: فقول عمر رضي الله عنه: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل خمر أهل الذمة إذا ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها، انتهى، استدل به شيخ الإسلام، وذكر أنه صحيح (1)
وأما المعنى: فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (2)
__________
(1) [الفتاوى] (21\ 484) .
(2) [الفتاوى] (21\ 486) .
(6/190)

ثانيا: استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها:
استحالة المياه المتنجسة قد تكون بصب ماء طهور عليها أو نزح بعضه أو زوال التغير بنفسه، وقد تكون برمي تراب ونحوه فيها، وقد تكون بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها، وقد تكون بتبخيره وتقطيره مثلا.
وفيما يلي الكلام على كل نوع:
ا- استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها أو نزح بعضه أو زوال التغير بنفسه:
نذكر فيما يلي طريقة كل مذهب إجمالا ثم نتبعها بالتفصيل نظرا لاختلافهم من حيث الجملة في طريقة التطهير:
فالحنفية: يرون: أن نزح مقدار من ماء البئر المتنجس مطهر لما بقي
(6/190)

من الماء لكن يختلف مقدار ما ينزح لتحصل به الطهارة للباقي باختلاف نوع النجاسة واختلاف أحوالها.
وأما المالكية: فإذا زال تغيره بمكاثرة ما لمادة فيه أو يإدخال ماء آخر طهر، وإن زال بنفسه ففي [الإرشاد] : الظاهر عوده إلى أصله، وقيل: إن زال بالنقص المجرد فقولان أيضا.
وأما الشافعية: فإنهم يقسمون الماء ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون أكثر من القلتين، والثاني: أن يكون قلتين، والثالث: أن يكون دون القلتين.
فإن كان أكثر من قلتين فإنه يطهر بطرق ثلاثة: إضافة ماء إليه يزول به التغير وهذا متفق عليه، أو بأخذ بعضه حتى يزول التغير بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين وهذا بلا خلاف أيضا، أو بزوال التغير بنفسه، بطلوع الشمس والريح أو بدور الزمان، وهذا هو المذهب.
وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكر إلا بأخذ بعضه فإنه لا يطهر محل اتفاق.
وإن كان دون القلتين وكاثره بماء حتى بلغ قلتين طهر بلا خلاف عندهم.
وأما الحنابلة: فهم كالشافعية في تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، فإن كان أكثر من قلتين وهو غير متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة، وبنزح كثير يزول معه التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، وبزوال التغير بمكثه.
وإن كان قلتين وهو متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان
(6/191)

متغيرا بها طهر بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغاير أو بتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه.
وإن كان دون القلتين وهو متغير طهر بالمكاثرة بقلتين طاهرتين يزول بهما التغير، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة.
أما طريقتهم تفصيلا فهي ما يلي:
(6/192)

أ- طريقة الحنفية:
جاء في [بداية المبتدي] وشرحها: وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكذا نزح ما فيها طهارة لها بإجماع السلف، ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص- نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها، يعني: بعد إخراج الفأرة، لحديث أنس رضي الله عنه أنه قال: في الفأرة: إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا، والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها، والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب، فإن ماتت فيها حمامة ونحوها كالدجاجة والسنور: نزح ما بين أربعين دلوا إلى ستين.
وفي [الجامع الصغير] : أربعون أو خمسون، وهو الأظهر لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال في الدجاجة: إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا، وهذا لبيان الإيجاب، والخمسون بطريق الاستحباب، ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها، وقيل: دلو يسع فيها صاع ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز؛
(6/192)

لحصول المقصود.
وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء؛ لأن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم، فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر لانتشار البلة في أجزاء الماء.
وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وطريقة معرفته: أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلئ أو ترسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص فينزح لكل قدر منها عشر دلاء، وهذان عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمد رحمه الله، نزح مئتي دلو إلى ثلثمائة، فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده.
وعند أبي حنيفة رحمه الله في [الجامع الصغير] في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر القلة بشيء كما هو دأبه، وقيل: يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، وهذا تشبه بالفقه.
(6/193)

ب- طريقة المالكية:
قال الشيخ خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فأستحسن
(6/193)

الطهورية وعدمها أرجح.
وقد شرح الحطاب ذلك فقال: يعني: أن الماء إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره فلا يخلو؛ إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا:
فالأول: طهور باتفاق، قاله في [التوضيح] ، وذلك كالبئر ينزح منها حتى يزول التغير وكالصهريج يتغير بميتة فيترك حتى يكثر ماؤه بمطر ونحوه، وقد جهل أبو محمد بعضهم في قوله في ماجل قليل الماء وقعت فيه فأرة يطيق حتى يكثر ماؤه ثم يشرب، قال: فإن فعل شرب وتجهيله في تأخير طرحه.
الثاني: إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء ولم يذكره المصنف، وسيأتي حكمه، أو من نفسه فلا شيء ومنه ما إذا نزع من الماء الذي لا مادة له بعضه فزال تغيره فذكر المصنف تبعا لابن الحاجب وابن شاس وابن بشير وغيرهم في طهوريته قولين: استحسن بعض الشيوخ القول بالطهورية، ورجح ابن يونس عدم الطهورية فاعترض عليه ابن غازي فيما ذكره عن ابن يونس، وفي [التوضيح] بأنه لم يوجد في كلامه إلا الكلام على حكم زوال النجاسة إذا زال عينها بالماء المضاف وسيأتي.
وذكر ابن مرزوق في شرحه على المختصر نحو ذلك، وقال ما معناه: إن المصنف حمل كلام ابن يونس على نفس ما نحن فيه فهو وهم، وإن أراد أن يقيسه عليه فبعيد، وقد رأيت كلام ابن مرزوق شرح المفصلين الأولين من المختصر، وفيه نحو ما ذكره ابن غازي، وقال ابن غازي: لم يعرفه ذلك الإمام، ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره ممن قبل ابن بشير فقال: وقول ابن بشير في طهورية النجس يزول تغيره بلا نزح قولان
(6/194)

لا أعرفه، فبقي وجدان القولين معا في المذهب، وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، ولا يلتفت لما حكى أبو زيد القابسي من رد بعضهم على ابن عرفة بقول ابن يونس لا أن الراد مقلد لخليل في نقله، كالشارح نعم أغفل ابن عرفة ما ذكره ابن رشد في رسم القسمة من سماع عيسى، وذكر بعض كلام ابن رشد، ولنأت بأكثر مما يتضح به المقصود.
قال: وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء تموت فيه الدابة، وننشق والماء كثير لم يتغير منه إلا ما كان قريبا منها، فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة هل يتوضأ به ويشرب؟
قال: إذا خرجت الميتة فلينزح منه حتى يذهب دسمها والرائحة واللون إن كان به لون إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب إذا فعل ذلك به.
قال ابن القاسم: الأخير فيه ولم أسمع مالكا رخص فيه قط، ابن رشد قول ابن وهب وهو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه: أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه على ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في بئر بضاعة.
وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فمتغير لون الماء وريحه ثم يطيب بعد ذلك: أنه لا بأس به، انتهى، فظهر وجود القولين: أحدهما: قول ابن القاسم فيما نزح بعضه فأحرى إذا لم ينزح منه شيء؛ لأنه لما لم يعتبر ذهاب التغير مع النزح كان عدم اعتباره مع عدم النزح أولى، بناء على أن المعتبر
(6/195)

مخالطة المغير فيجب بقاء حكمه وإن زال التغير، والثاني: رواية ابن وهب وابن أبي أويس وقد صححه ابن رشد، وهو الذي ارتضاه صاحب الطراز وشيخه أبو بكر الطرطوشي بضم الطاءين وبينهما راء، قال الطراز: ولقد عاينت في صهريج دار الشيخ أبي بكر هرا قد انتفخ وتزلع وتغير منه ريح الماء وطعمه ولونه فنزع الهر وترك الصهريج حتى ينزح فأقام شهرا ثم رفع منه الماء فإذا هو سالم الأوصاف، فشرب ذلك الماء في داره، وفيها ما يزيد على سبعين من أهل العلم وطلبته ولم ينزح منه دلو. انتهى.
ولعل المصنف أشار إليهما بالاستحسان، ثم إن كليهما فيما لا مادة له أو لم ينزح منه شيء فماله مادة أو نزح بعضه أولى بالطهورية، وانظر ما الذي أنكره ابن عرفة هل القول بالطهورية، أو القول بعدمها؟ وليس في كلامه ما يدل على ذلك صريحا غير أن المتبادر من كلامه إنما هو إنكار القول بالطهورية، كما يفهم ذلك من كلام ابن ناجي في [شرح المدونة] في الكلام على من توضأ من ماء مات فيه دابة، وكذا ذكر ابن الفاكهاني في [شرح الرسالة] القولين وشبهة من عدم الطهورية، ونصه: وأما إن كان المخالط نجسا فإن غير أحد أوصاف الماء فلا خلاف في نجاسته قليلا كان أو كثيرا ما دام متغيرا، فإن زال تغيره بعد فقولان:
أحدهما: إنه كالبول فلا ينتقل حكمه، وهو المشهور.
والثاني: أنه يرجع إلى أصله من الطهارة أو التطهير، وكذلك إن أزيل بعض الماء وسلمت أوصافه فقولان، انتهى.
تنبيهات:
وبعد أن ذكر حكم الماء المتغير بطاهر قال: الثاني: إن زال تغيره
(6/196)

بمخالطة ماء مطلق قليل فظاهر كلام المصنف فيه قولان:
وقال البساطي في شرحه: ولو جعل المصنف محل النزاع إذا زال التغير بنفسه سلم من المطالبة بالنقل فيما إذا زال بقليل المطلق.
وقال في [المغني] بعد أن ذكر الخلاف فيما زال تغيره بنفسه: وألحق الشيخ خليل في مختصره به إذا زال التغير بمطلق يسير وهو في عهدته، انتهى.
قلت: وكلام ابن الإمام يقتضي ثبوت الخلاف فيه، فإنه قال: إذا كاثره الطهور حتى غلب عليه وزال به التغير، فالأظهر نفي الخلاف فيه إن انتهى إلى ما لو رفع فيه جملة هذا التغير كان كثيرا، أو ثبوته إن انتهى إلى ما لو وقع فيه كان قليلا.
وقد أطلق بعض من تكلم على هذه المسألة القول بطهوريته عند ذهاب التغير بالتكاثر ولا ينفى؛ لأن هذا الماء لما تغير لنجاسة كان نجسا فطروء ماء عليه كطروئه عليه فيجب لذلك أن يراعى كثرته وقلته، انتهى المقصود (1)
وقال ابن المواق على قول خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فأستحسن الطهورية، وعدمها أرجح (قال ابن عرفة: قول ابن بشير في طهوريته النجس يزول تغيره بلا نزح قولان لا أعرفه.
والذي ينبغي أن تكون به الفتوى، هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن أبي أويس عنه في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فتغير
__________
(1) [مواهب الجليل شرح مختصر خليل] (1\ 84) وما بعدها.
(6/197)

لونه وريحه لم يطيب الماء بعد ذلك أنه لا بأس به) . انتهى، فترك نقل هذه الرواية ونقل غيرها قصور (1)
__________
(1) [التاج والإكليل شرح مختصر خليل] (1\ 84) .
(6/198)

ج- طريقة الشافعية:
قال الشيرازي: إذا أراد تطهير الماء النجس نظر، فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه، وبأن يضاف إليه ماء آخر، وبأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير وقد زال.
وقال النووي شرحا لذلك: إذا زال تغير الماء النجس وهو أكثر من قلتين نظر؛ إن زال بإضافة ماء آخر إليه طهر بلا خلاف، سواء كان الماء المضاف طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا، وسواء صب الماء عليه أو نبع عليه، وإن زال بنفسه- أي: بأن لم يحدث فيه شيئا، بل زال تغيره بطلوع الشمس أو الريح أو مرور الزمان- طهر أيضا على المذهب، وبه قطع الجمهور.
وحكى المتولي عن أبي سعيد الإصطخري: أنه لا يطهر؛ لأنه شيء نجس فلا يطهر بنفسه، وهذا ليس بشيء؛ لأن سبب النجاسة التغير، فإذا زال طهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (1) » ، وإن زال بأخذ بعضه طهر بلا خلاف، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف، ويتصور زوال تغيره بأخذ بعضه بأن يكون كثيرا لا يدخله الريح، فإذا نقص دخلته وقصرته، وكذا الشمس فيطيب (2) .
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (67) ، سنن أبو داود الطهارة (63) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (517) ، مسند أحمد بن حنبل (2/107) ، سنن الدارمي الطهارة (731) .
(2) [المجموع شرح المهذب] (1\ 183) وما بعدها.
(6/198)

وقال الشيرازي أيضا: وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه، فإن لم يطهر؛ لأنه نقص عن القلتين وفيه نجاسة.
وعلق النووي عليه فقال: هذا الذي قاله متفق عليه.
وقال الشيرازي أيضا: وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة، وإن لم يبلغ قلتين طهر كالأرض النجسة طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، ومن أصحابنا من قال: لا يطهر؛ لأنه دون القلتين وفيه نجاسة، والأول: أصح؛ لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، وههنا ورد الماء عليها فلم ينجس إذ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء.
وعلق النووي على ذلك فقال: أما المسألة الأولى: وهي إذا كاثره فبلغ قلتين فيصير طاهرا مطهرا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (1) » . . . .
وأما المسألة الثانية: وهي إذا كوثر بالماء ولم يبلغ قلتين فهل يطهر، فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف.
وذكر دليلهما وهما مشهوران، لكن الأصح عند المصنف وسائر العراقيين: أنه يطهر، وبه قطع منهم شيخهم أبو حامد، وهو قول ابن سريج، والصحيح عند الخراسانيين: لا يطهر، وبه قطع منه القاضي حسين.
وقال إمام الحرمين: وإن صح عند ابن سريج قوله بالطهارة فهو من هفواته، إذ لا معنى لغسل الماء من غير أن يبلغ قلتين، قال: فلا يتمارى
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (67) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (517) ، سنن الدارمي الطهارة (731) .
(6/199)

في فساده، وكذا صحح البغوي والرافعي عن الطهارة، وهو الأصح (1) .
__________
(1) [المجموع شرح المهذب] (1\188)
(6/200)

د- طريقة الحنابلة:
قال عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة:
في تطهير الماء النجس: هو ثلاثة أقسام:
القسم الأولى: أحدها: ما دون القلتين فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين: إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه فيزول بها تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث ولا تنجس إلا بالتغير؛ ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها ما لم يتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به.
القسم الثاني: أن يكون وفق القلتين: فلا يخلو من أن يكون غير متغير بالنجاسة فيطهر بالمكاثرة المذكورة لا غير، الثاني: أن يكون متغيرا فيطهر بأحد أمرين: بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير، وبتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه.
القسم الثالث: الزائد عن القلتين فله حالان:
أحدهما: أن يكون نجسا بغير التغير فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة.
الثاني: أن يكون متغيرا بالنجاسة فتطهيره بأحد أمور ثلاثة: المكاثرة، أو زوال تغيره بمكثه، وأن ينزح منه ما يزول به التغير، ويبقى بعد ذلك
(6/200)

قلتان فصاعدا، فإنه إن بقي ما دون القلتين قبل زوال تغيره لم يبق التغير علة تنجيسه؛ لأنه تنجس بدونه، فلا يزول التنجيس بزواله؛ ولذلك طهر الكثير بالنزح وطول المكث ولم يطهر القليل، فإن الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا انقلبت خلا والقليل علة تنجيسه الملاقاة لا التغير فلم يؤثر زوال التنجيس، انتهى.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كلام في قاعدة التطهير للمياه وعدم الفرق بين المياه والمائع. والجواب على شبهة من فرق بينهما - قال:
إذا عرف أصل هذه المسألة فالحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالخمر لما كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة فإذا زالت بفعل الله تعالى طهرت بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل خمر من أهل الذمة إذا لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها؛ وذلك لأن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة.
وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها خمرا فهو لا يريد تخليلها، وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة.
(6/201)

وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها؛ لأن إفسادها ليس بمحرم كما لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ جلود الميتة، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها. والماء لنجاسته سببان: (أحدهما) : متفق عليه، والآخر مختلف فيه، فالمتفق عليه: التغير بالنجاسة، فمتى كان الموجب لنجاسته التغير فزال التغير كان طاهرا كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا (والثاني) : القلة، فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه نجاسة ففي نجاسته قولان للعلماء: فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه: أنه ينجس ما دون القلتين، وأحمد في الرواية المشهورة عنه: يستثني البول والعذرة المائية، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه، ومذهب أبي حنيفة: ينجس ما وصلت إليه الحركة، ومذهب أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة: أنه لا ينجس ولو لم يبلغ قلتين.
واختار هذا القول بعض الشافعية كالروياني.
وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب الشافعي، كما نصر الأول طائفة كثيرة من أصحاب أحمد، لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا: إن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولم يحدوا ذلك بقلتين.
وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول: فهؤلاء لا ينجسون شيئا إلا بالتغير، ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك كما قاله الزهري وغيره، فهؤلاء لا ينجسون شيئا من المائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري في
(6/202)

[صحيحه] ، لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء. وكذلك في المائعات إذا سويت به.
فنقول: إذا وقع في المائع القليل نجاسة فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن متغيرا، وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين وصار الجميع كثيرا فوق القلتين ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد:
(أحدهما) : وهو مذهب الشافعي في الماء: أن الجميع طاهر.
(والوجه الثاني) : أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا والمكاثرة المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس، ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا، وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا، وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة وكان الجميع كثيرا فوق القلتين كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل.
وفي ذلك الوجهان المتقدمان، وهذا القول الذي ذكرناه في المائعات كالماء هو الأظهر في الدلالة، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجس الأشربة والأطعمة؛ ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل، كما جاء في الحديث، ولم يأمر مالك بإراقته من الأطعمة والأشربة واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك؛ وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم، فإن في نجاستها من المشقة والحرج ما لا يخفى على الناس، وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، فإذا لم ينجسوا الماء الكثير للحرج فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة والحرج في ذلك أشق؟ !
(6/203)

ولعل المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة.
(فإن قيل) : الماء يدفع النجاسة عن غيره فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات.
(قيل) : الجواب من وجوه:
(أحدها) : أن الماء إنما دفعها عن غيره؛ لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة، وأما إذا سقطت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه، لا لكونه أزالها عن نفسه؛ ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة: إن المائعات كالماء في الإزالة، وهي كالماء في التنجيس، فإذا كانت كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زال معها أن يزيلها إذا كانت فيه.
ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل وتلك نجسة قبل طهارة المحل.
وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل هي طاهرة أو مطهرة أو نجسة.
وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال: الماء ينجس بوقوعها فيه وإن كان يزيلها عن غيره، كما ذكرناه.
فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة، كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء (1) » ، وقوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (2) » ، فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره، علم أنه لا ينجس بالملاقاة، إذ لو نجس بها لكان إذا صب على النجاسة ينجس بملاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت وإن استحالت زالت، فدل ذلك
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (66) ، سنن النسائي المياه (326) ، سنن أبو داود الطهارة (66) ، مسند أحمد بن حنبل (3/86) .
(2) سنن الترمذي الطهارة (67) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (517) ، سنن الدارمي الطهارة (731) .
(6/204)

على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس وإن لم تكن قد زالت عن المحل فإن من قال: إنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره فقد خالف المشاهدة. وهذا المعنى يوجد في سائر الأشربة من المائعات وغيرها.
الوجه الثاني: أن يقال: غاية هذا أنه يقتضي أن يمكن إزالة النجاسة بالمائع، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وأحمد جعله لازما لمن قال: إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة؛ وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره، كما ذكروه في الماء فيلزم جواز إزالة النجاسات بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول.
وهذا هو القياس، فنقول به على هذا التقدير، وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره؛ لكون الإحالة أقوى من الإزالة، فيلزم من قال: إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات كالماء، فإذا كان الصحيح في الماء: أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا، وإما مع الكثرة، فكذلك الصواب في المائعات.
وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين، وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات: الماء وغير الماء.
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية - تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة
(6/205)

وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس، ومن كان فقيها خبيرا بمأخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى تبين له ذلك، ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك، كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة فنفدت أزوادهم، فاستأذنوه في نحر ظهورهم، فأذن لهم، ثم أتى عمر رضي الله عنه فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقي الظهر، ففعل ذلك.
فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب، لا لأن الإبل محرمة؛ فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن، وعلف دواب الإنس والجن، ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها، بل لحرمتها، فالقول في المائعات كالقول في الجامدات.
(الوجه الثالث) : أن يقال: إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات، فإذا كان الماء لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى.
(الوجه الرابع) : أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا
(6/206)

لون ولا ريح فلا نسلم بأن يقال بنجاسته أصلا، كما في الخمر المنقلبة أو أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة.
فإن الجمهور على أن المستحيل من النجاسات طاهر، كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي.
(الوجه الخامس) : إن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص بالماء، بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره.
فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض؟ على قولين:
أحدهما: تطهر: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل.
فإنه قد ثبت عن ابن عمر أنه قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك، وفي [السنن] أنه قال: «إذا أتى أحدكم المسجد لينظر في نعليه، فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور (1) » .
وكان الصحابة - كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره - يخوضون في الوحل ثم يدخلون فيصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم. وأوكد من هذا «قوله صلى الله عليه وسلم في ذيول النساء إذا أصابت أرضا طاهرة بعد أرض خبيثة: " فتلك بتلك "، وقال: " يطهره ما بعده (2) » .
وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص عليه أحمد
__________
(1) سنن أبو داود الصلاة (650) ، مسند أحمد بن حنبل (3/20) ، سنن الدارمي الصلاة (1378) .
(2) سنن الترمذي الطهارة (143) ، سنن أبو داود الطهارة (383) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (531) ، مسند أحمد بن حنبل (6/290) ، موطأ مالك الطهارة (47) ، سنن الدارمي الطهارة (742) .
(6/207)

في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها كريم (1) بن يعقوب الجوزجاني، وهي من أجل المسائل؛ وهذا لأن الذيول تتكرر ملاقاتها للنجاسة فصارت كأسفل الخف وكمحل الاستنجاء.
فإذا كان الشارع قد جعل الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها لأجل الحاجة كما في الاستنجاء بالأحجار وجعل الجامد طهورا - علم أن ذلك وصف لا يختص بالماء (2) . وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة فالمائعات أولى وأحرى؛ لأن إحالتها أشد وأسرع.
__________
(1) في نسخة إبراهيم.
(2) [المجموع] (21\503) وما بعدها.
(6/208)

2 - الاستحالة برمي تراب ونحوه فيها:
اختلف أهل العلم في ذلك:
فمنهم من قال بعدم الطهارة.
ومنهم من قال بالطهارة.
وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة:
أما القائلون: بأنه لا يطهر: فبعض الشافعية وبعض الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم.
قال الشيرازي: وإن طرح فيه تراب أو جص فزال التغير ففيه قولان.
وقال النووي في [شرح المهذب] : وصحح الأكثرون: أنه لا يطهر وهو المختار. وقيد النووي صورة المسألة بأن يكون بكدر ولا تغير له أما إذا صفا فلا يبقى خلاف، بل إن كان التغير موجودا فنجس قطعا وإلا
(6/208)

فطاهر قطعا، صرح به المتولي وغيره، ولا فرق بين أن يكون التغير بالطعم أو اللون أو الرائحة، ففي الجميع قولان (1) .
وقال ابن قدامة: وإن كوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغير لم يطهر.
قال في [المبدع] تعليقا على ذلك: أي طهور أو بغير الماء كالتراب والخل ونحوهما لا مسك فأزال التغير لم يطهر على المذهب (2) ، وقال المرداوي: اعلم أن الماء النجس تارة يكون كثيرا وتارة يكون يسيرا، فإن كان كثيرا وكوثر بماء يسير أو بغير الماء لم يطهر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، انتهى المقصود (3) .
واستدل لهذا: بأنه كما أنه لا يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النجاسة فلا يطهر هنا، ونوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكافور يجوز أن تكون الرائحة باقية فيه دائما لم تظهر لغلبة رائحة الكافور والمسك، ذكر ذلك الشيرازي في [المهذب] .
واستدل أيضا: بأنه وقع الشك في زوال التغير، وإذا وقع الشك في سبب الإباحة، لم تثبت الإباحة، كما لو رأى شاة مذبوحة في موضع فيه مسلمون ومجوس، وشك هل ذبحها المجوسي أو المسلم لا تباح، ذكر ذلك النووي في شرح المهذب] ، وبأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره من باب أولى، ذكره في [المبدع] .
__________
(1) [المهذب] وشرحه (1\ 185) .
(2) [الإنصاف] (1\ 66) .
(3) [المبدع] (1\ 63) وما بعدها.
(6/209)

وبأنه يستر النجاسة، قاله ابن عقيل نقله عنه صاحب المبدع.
القول الثاني: أنه طاهر: وهذا قول المالكية إذا لم تظهر فيه أوصاف الملقى، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد.
جاء في [مواهب الجليل] : وأما إذا زال التغير بإلقاء تراب فيه أو طين، فقال في [الطراز] : إن لم يظهر فيه لون الطين ولا ريحه ولا طعمه وجب أن يطهر. انتهى (1) .
وقال الشيرازي: وقال - أي: الشافعي - في حرملة يطهر، وهو الأرجح (2) .
وعلق النووي على ذلك فقال: اختلف المصنفون في الأصح من القولين، فصحح المصنف هنا، وفي التنبيه، وشيخه القاضي أبو الطيب وأبو العباس الجرجاني والشاشي وغيرهم الطهارة، وهو اختيار المزني والقاضي أبي حامد (3) .
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن يطهر (4) .
وعلق على ذلك صاحب [المبدع] فقال: وقاله بعض أصحابنا (5) .
واستدل لذلك: بأن علة النجاسة زالت وهي التغير، أشبه ما لو زال بالمكاثرة (6) ، وبأنه لو زال بطول المكث طهر، فأولى أن يطهر، إذا كان
__________
(1) [مواهب الجليل] (1\ 85) .
(2) [المهذب] ومعه [المجموع] (1\ 185) .
(3) [المجموع] ومعه [المهذب] (1\ 185) .
(4) [المقنع] وعليه [المبدع] (1\ 63) .
(5) [المبدع] ومعه [المقنع] (1\ 63) .
(6) [المبدع] (1\ 63) .
(6/210)

يطهر بمخالطته لما دون القلتين (1) .
__________
(1) [الإنصاف] (1\ 66) .
(6/211)

3 - الاستحالة بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها:
أما الاستحالة بسقي النبات بها فقد تكلم أهل العلم في حكم ذلك: فمنهم من قال: إن هذه الزروع طاهرة مباحة، ومنهم من قال: إنها نجسة محرمة.
وممن قال بطهارتها: أبو حنيفة، وبعض المالكية، والشافعي، وهو قول في مذهب أحمد قال ابن المواق على قول خليل: (وزرع بنجس) ابن يونس: القمح النجس يزرع فينبت هو طاهر، وكذلك الماء النجس يسقى به شجر أو بقل، فالثمرة والبقلة طاهرتان (1) .
وقال ابن قدامة: قال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم بتنجيسها. . . وهذا قول أكثر الفقهاء منهم: أبو حنيفة، والشافعي (2) .
واستدل لهذا بالأثر والمعنى:
أما الأثر: فهو أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يدمل أرضه بالعذرة ويقول: مكتل عرة مكتل بر.
قال ابن قدامة: والعرة: عذرة الناس، استدل بهذا الأثر ابن قدامة (3) .
وأما المعنى: فإن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة كالدم
__________
(1) ابن المواق على متن خليل (1\ 97) ومعه [مواهب الجليل] .
(2) [المغني] ومعه [الشرح] (11\ 72، 73) .
(3) [المغني] ومعه [الشرح] (11\ 72، 73) .
(6/211)

يستحيل في أعضاء الحيوان ويصير لبنا (1) .
القول الثاني: إنها لا تطهر: وهو المقدم عند الحنابلة، وبه قال من وافقهم من أهل العلم.
قال ابن قدامة: وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات وسمدت بها (2) .
وقال المرداوي على قول ابن قدامة: (وما سقي بالماء النجس من الزروع والثمر محرم) قال: وينجس بذلك، وهو المذهب نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب (3) .
وقيد ذلك [بالمغني] فقال: فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة، إذا حبست وأطعمت الطاهرات (4) .
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى.
أما السنة: فما ذكره ابن قدامة في [المغني] ، قال: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس.
وأما المعنى: فإنها تتغذى بالنجاسات وتترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر (5) .
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح] (11\ 72، 73) .
(2) [الإنصاف] (2\ 10، 367) .
(3) [المغني] ومعه الشرح (11\ 72، 73) .
(4) [المغني] ومعه الشرح (11\ 72، 73) .
(5) [المغني] ومعه الشرح (11\ 72، 73) .
(6/212)

وأما شرب الحيوانات إياها، فإننا نذكر كلام العلماء وأدلتهم في حكم لحوم الجلالة وألبانها مع المناقشة:
ومن أوسع ما جاء في ذلك: ما ذكره ابن قدامة - رحمه الله - قال: قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في [المجرد] : هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها وفي بيضها روايتان، وإن كان يكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكونه أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير.
وقال الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع. وقال ابن موسى: في الجلالة روايتان: إحداهما: أنها محرمة: والثانية: أنها مكروهة غير محرمة، وهذا قول الشافعي، وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس.
ولنا ما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها (1) » رواه أبو داود، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلالة، وأن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» رواه الخلال
__________
(1) سنن الترمذي الأطعمة (1824) ، سنن أبو داود الأطعمة (3785) ، سنن ابن ماجه الذبائح (3189) .
(6/213)

بإسناده، ولأن لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة.
وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات وكذلك الكافر في الغالب، وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا.
واختلف في قدره:
فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا، سواء أكانت طائرا أو بهيمة، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا، وهذا قول أبي ثور؛ لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر كالذي نجس ظاهره. والأخرى تحبس الدجاجة ثلاثا، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين، وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو، ولأنهما أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير.
ومن هذا تبين: أن القول بطهارة النجاسات والمياه بالاستحالة في الحيوانات والنباتات إلى لحم وعظم ولبن وغير ذلك - هو قول أكثر الفقهاء، لتغيرها من فساد إلى صلاح وتبدل حقيقتها الخبيثة إلى حقيقة أخرى يشملها وصف الطيب في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} (1) وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (2) فكان ما تولد عنها بالاستحالة طاهرا حلالا أكله وشربه.
__________
(1) سورة الأعراف الآية 157
(2) سورة المائدة الآية 4
(6/214)

4 - حكم استعمال مياه المجاري بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة منها:
مما تقدم يتبين: أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره
(6/214)

بصب ماء طهور فيه باتفاق، أو بطول مكث، أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه، أو برمي تراب ونحوه فيه على الراجح عند الفقهاء؛ لزوال الحكم بزوال علته.
وعلى هذا: فإذا كانت مياه المجاري المتنجسة - وهي بلا شك كثيرة - تتخلص بالطرق الفنية الحديثة مما طرأ عليها من النجاسات، فإنه يمكن حينئذ أن يحكم بطهارتها لزوال علة تنجسها، وهي تغير لونها أو طعمها أو ريحها بالنجاسة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما وبذلك تعود هذه المياه إلى أصلها، وهو الطهورية ويجوز استعماله في الشرب ونحوه وفي إزالة الأحداث والأخباث وتحصل بها الطهارة من الأحداث والأخباث، إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع استعمالها فيما ذكر محافظة على النفس، وتفاديا للضرر، لا لنجاستها ولكن لو استعملها في إزالة الأحداث أو الأخباث صحت الطهارة.
وينبغي للمسلمين أن يستغنوا عن ذلك ويجتنبوه اكتفاء بالمياه الأخرى ما وجدوا إلى ذلك سبيلا؛ احتياطا للصحة، واتقاء للضرر، وتنزها عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع والفطر السليمة.
هذا ما تيسر، وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(6/215)

قرار رقم (64) في 25 \ 10 \ 1398هـ
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة الثالثة عشرة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الآخر من شهر شوال 1398 هـ بمدينة الطائف، وبناء على رغبة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في إحالة موضوع الاستفتاء الوارد إلى الرابطة من رئيس تحرير جريدة (مسلم نيوز) الصادرة بكيب تون إلى هيئة كبار العلماء؛ لإعداد بحث في الموضوع، وتقرير ما تراه الهيئة نحوه، والمتضمن الإفادة بأن المسلمين في تلك الجهة يواجهون مشكلة كبيرة بسبب ما أقدم عليه مجلس مشروع التحقيقات العالمية والصناعية الذي يعمل على إنتاج ماء للشرب النقي من مياه المجاري، وأنهم يسألون عن حكم استعمال هذه المياه بعد تنقيتها للوضوء.
بناء على ذلك فقد اطلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، كما اطلع المجلس على خطاب معالي وزير الزراعة والمياه رقم (1\ 1299) وتاريخ 30 \ 5 \ 1398 هـ وبعد البحث والمداولة والمناقشة قرر المجلس ما يلي:
بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه أو زال تغيره بطول مكث، أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك لزوال الحكم بزوال علته.
وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات، بواسطة
(6/216)

الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات، كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم.
لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يرى فيها تغير بنجاسة من طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك؛ محافظة على النفس، وتفاديا للضرر لا لنجاستها.
والمجلس إذ يقرر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل؛ احتياطا للصحة، واتقاء للضرر، وتنزها عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع.
والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة:
محمد بن علي الحركان
عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... عبد الرزاق عفيفي
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
(6/217)

(5) جباية الزكاة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(6/219)

بسم الله الرحمن الرحيم
جباية الزكاة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة العاشرة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض، في آخر ربيع الأول وأول ربيع الثاني - عام 1397 هـ، من إدراج موضوع جباية الزكاة، واللائحة التنفيذية للجباية، الوارد من المقام السامي برفق خطابه رقم 3 \ ش \ 293 وتاريخ 4 \ 1 \ 1397 هـ، وأن اللجنة تعد في ذلك بحثا يعرض على الهيئة في الدورة الحادية عشرة - كتبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بحثا مختصرا مشتملا على العناصر الآتية:
1 - حق ولي الأمر في تولي جباية الزكاة من الأموال الباطنة.
2 - النظر في زكاة عروض التجارة.
3 - زكاة الديون التي للإنسان على غيره.
4 - الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة؟
5 - التعزير بالمال.
(6/221)

وفيما يلي الكلام على هذه العناصر تباعا، والله الموفق.
(6/222)

أولا: حق ولي الأمر في تولي جباية الزكاة من الأموال الباطنة:
قد يكون الإمام عادلا، وقد يكون جائرا، وقد يكون جوره في توزيعها، وقد يكون في سائر عمله، وفي كل ذلك قد يطلبها، وقد يدفعها صاحبها إليه بدون طلب.
وفيما يلي نقول مختصرة عن فقهاء الإسلام في ذلك مع ما ذكروه من الأدلة والمناقشة.
1 - النقول من كتب الحنفية:
أ - قال الكاساني: وأما المال الباطن الذي يكون في المصر فقد قال عامة مشايخنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالب بزكاته وأبو بكر وعمر طالبا وعثمان طالب زمانا ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي تفتيشها ضررا بأرباب الأموال فوض الأداء إلى أربابها.
وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي - رحمه الله - وقال: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس يعطون ذلك، ومنهم من يحمل إلى الأئمة فيقبلون منه ذلك، ولا يسألون أحدا عن مبلغ ماله، ولا يطالبونه بذلك إلا ما كان من توجيه عمر رضي الله عنه العشار إلى الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - عمن بعد داره وشق عليه أن يحول صدقته إليه، وقد جعل في كل طرف من الأطراف عاشرا لتجار أهل الحرب والذمة، وأمر أن يأخذوا من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفا على المسلمين، إلا أن على الإمام مطالبة أرباب الأموال
(6/222)

العين وأموال التجارة بأداء الزكاة إليهم سوى المواشي والأنعام، وأن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحدهم إلى الإمام بشيء من ذلك فيقبله، ولا يتعدى عما جرت به العادة والسنة إلى غيره، انتهى المقصود (1) .
ب - قال الزيلعي: وأما أخذ الصدقات فإلى الإمام، كذا كان من أيامه عليه الصلاة والسلام وفي زمن أبي بكر وعمر، وفوض عثمان إلى أربابها في الأموال الباطنة إذا لم يمر بها على العاشر، فبقي ما وراءه على الأصل، وروي أن عمر أراد أن يستعمل أنس بن مالك على هذا العمل، فقال له: «أتستعملني على المكس من عملك؟ فقال: أفلا ترضى أن أقلدك ما قلدنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم» (2) .
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2\ 3635) ، ويرجع أيضا إلى [حاشية ابن عابدين] (2\ 5) .
(2) [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] (1\ 282) .
(6/223)

2 - النقول من كتب المالكية:
أ - جاء في [المدونة] : وقال مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع الرجل أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غير ذلك، ولكن يدفع زكاة الناض إلى الإمام ويدفعه الإمام، انتهى المقصود.
ب - قال ابن المواق: وأما عدم إجزاء الزكاة إن طاع لدفعها لجائر. فقال ابن العربي: هل يجوز أن يحتجز من زكاته عن الوالي ما يعطى للمحتاج؟
(6/223)

قولان: وبالجواز أقول؛ لأنه قادر على استخراج حق مسلم من يد غاصب فوجب عليه شرعا.
اللخمي: إذا كان الإمام غير عدل ومكنه صاحبه منها مع القدرة على إخفائها عنه لم تجزه ووجب إعادتها، انتهى.
ونحو هذا عبارة التونسي. ابن رشد: الأصح قوله في [المدونة] وأحد قوليه في سماع عيسى وقول ابن وهب وأصبغ: أن ما يأخذه الولاة من الصدقات تجزئ وإن لم يضعوها موضعها؛ لأن دفعها إليهم واجب لما في منعنا من الخروج عليهم المؤدي إلى الهرج والفساد، فإذا وجب أن تدفع إليهم وجب أن تجزئ. انتهى المقصود.
ج - قال القرطبي: وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غيره، وقد قيل: إن زكاة الناض على أربابه.
وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة، فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرق عليهم إلا الإمام. انتهى (1) .
د - وقال القرطبي على قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) اختلف في هذه الصدقة المأمور بها:
فقيل: هي صدقة الفرض.
__________
(1) [الجامع لأحكام القرآن] للقرطبي (8\ 177) .
(2) سورة التوبة الآية 103
(6/224)

قاله جويبر عن ابن عباس، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري.
وقيل: هو مخصوص بمن نزلت فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء؛ ولهذا قال مالك: إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث؛ متمسكا بحديث أبي لبابة.
وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته، وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق، وقالوا: إنه كان يعطينا عوضا منها: التطهير والتزكية والصلاة علينا، وقد عدمناها من غيره.
ونظم في ذلك شاعرهم فقال:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر
وإن الذي سألوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر
سنمنعهم ما دام فينا بقية ... كرام على الضراء في العسر واليسر
وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة، وفي حقهم قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
قال ابن العربي: أما قولهم: إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين؛ فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلف موارده: فمنها
(6/225)

خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} (1) وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (2) ونحوه.
ومنها: خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى، كقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} (3) وقوله: {خَالِصَةً لَكَ} (4) ومنها: خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا، كقوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (5) الآية. وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (6) وقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} (7) فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة.
وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة، وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة (بتلك الصفة) .
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (8) وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} (9)
__________
(1) سورة المائدة الآية 6
(2) سورة البقرة الآية 183
(3) سورة الإسراء الآية 79
(4) سورة الأحزاب الآية 50
(5) سورة الإسراء الآية 78
(6) سورة النحل الآية 98
(7) سورة النساء الآية 102
(8) سورة التوبة الآية 103
(9) سورة الأحزاب الآية 1
(6/226)

و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} (1) (2) .
وقال أيضا في تفسير قول تعالى: {وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} (3) هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها، وأن الحق له جل وعز، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة، فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده، والله عز وجل حي لا يموت، وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (4) ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم (5) .
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) [الجامع لأحكام القرآن] (8\244، 245)
(3) سورة التوبة الآية 104
(4) سورة التوبة الآية 103
(5) [الجامع لأحكام القرآن] (8\251) .
(6/227)

3 - النقول من كتب الشافعية
أ - جاء في [الأم] تحت عنوان: (باب جماع قسم المال من الوالي ورب المال) :
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: وجميع ما أخذ من مسلم من صدقة فطر وخمس ركاز وزكاة معدن وصدقة ماشية وزكاة مال وعشر زرع وأي أصناف الصدقات أخذ من مسلم - فقسمه واحد على الآية التي في براءة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (1) الآية. لا يختلف، وسواء قليلة وكثيرة على ما وصفت، فإذا قسمه الوالي ففيه سهم العاملين منه ساقط؛ لأنه لا عامل عليه يأخذه فيكون له أجره فيه والعاملون فيه عدم، فإن قال رب المال: فأنا إلى أخذه من نفسي وجمعه وقسمه فآخذ أجر
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(6/227)

مثلي قيل: إنه لا يقال لك: عامل نفسك، ولا يجوز لك إذا كانت الزكاة فرضا عليك أن يعود إليك منها شيء، فإن أديت ما كان عليك أن تؤديه وإلا كنت عاصيا لو منعته، فإن قال: فإن وليتها غيري قيل: إذا كنت لا تكون عاملا على غيرك لم يكن غيرك عاملا إذا استعملته أنت ولا يكون وكيلك فيها إلا في معناك أو أقل؛ لأن عليك تفريقها فإذا تحقق منك فليس لك الانتقاص منها لما تحققت بقيامه بها، قال: ولا أحب لأحد من الناس يولي زكاة ماله غيره؛ لأن المحاسب بها المسئول عنها هو فهو أولى بالاجتهاد في وضعها مواضعها من غيره، وأنه على يقين من فعل نفسه في أدائها، وفي شك من فعل غيره، لا يدري أداها عنه أو لم يؤدها، فإن قال: أخاف حبائي فهو يخاف من غيره مثل ما يخاف من نفسه، ويستيقن فعل نفسه في الأداء ويشك في فعل غيره. انتهى (1) .
ب - قال الشيرازي: ويجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه وهو الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز، لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عنده دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله، ويجوز أن يوكل من يفرق؛ لأنه حق مال جاز أن يوكل في أدائه كدين الآدميين، ويجوز أن تدفع إلى الإمام؛ لأنه نائب عن الفقراء، فجاز الدفع إليه كولي اليتيم.
وفي الأفضل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الأفضل أن يفرق بنفسه وهو ظاهر النص؛ لأنه على بينة من
__________
(1) [الأم] (2\66) .
(6/228)

أدائه وليس على ثقة من أداء غيره.
الثاني: أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلا كان أو جائزا؛ لما روي «أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف: كيف تصنع في صدقة مالي؟ قال: منها ما أتصدق به، ومنها ما أدفع إلى السلطان، فقال: وفيم أنت من ذلك؟ فقال: إنهم يشترون بها الأرض ويتزوجون بها النساء، فقال: ادفعها إليهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندفعها إليهم» ، ولأنه أعرف بالفقراء وقدر حاجاتهم، ومن أصحابنا من قال: إن كان عادلا فالدفع إليه أفضل، وإن كان جائرا فتفرقته بنفسه أفضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن سألها على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقه فلا يعطه (1) » ، ولأنه على ثقة من أدائه إلى العادل وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر؛ لأنه ربما صرفها في شهواته (2) .
ج - وقال النووي: الأثر المذكور عن عثمان صحيح رواه البيهقي في [سننه الكبير] في كتاب الزكاة في باب الدين مع الصدقة بإسناد صحيح عن الزهري عن السائب بن يزيد الصحابي: أنه سمع عثمان بن عفان خطيبا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة) .
قال البيهقي: ورواه البخاري في [الصحيح] عن أبي اليمان عن شعيب، وينكر على البيهقي هذا القول؛ لأن البخاري لم يذكره في [صحيحه] ، هكذا. وإنما ذكر عن السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن
__________
(1) صحيح البخاري الزكاة (1454) ، سنن النسائي كتاب الزكاة (2455) ، سنن أبو داود كتاب الزكاة (1567) ، مسند أحمد بن حنبل (1/12) .
(2) [المهذب] وعليه [المجموع] (6\161) .
(6/229)

عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزد على هذا ذكره في كتاب الاعتصام في ذكر المنبر. وكذا ذكره الحميدي في [الجمع بين الصحيحين] عن البخاري كما ذكرته، ومقصود البخاري به إثبات المنبر، وكأن البيهقي أراد أن البخاري روى أصله لا كله. والله أعلم.
وأما حديث المغيرة فرواه البيهقي في [السنن الكبير] بإسناد فيه ضعف يسير، وسمى في روايته مولى المغيرة، فقال: هو هنيد - يعني: بضم الهاء - وهو هنيد الثقفي مولى المغيرة.
وأما الحديث الآخر: فمن سئلها على حقها فهو صحيح في [صحيح البخاري] لكن المصنف غيره هنا وفي أول باب صدقة الإبل: وقد سبق بيانه هناك، وقد جاءت أحاديث وآثار في هذا المعنى منها: عن جرير بن عبد الله قال: «جاء أناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن أناسا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرضوا مصدقيكم (1) » رواه مسلم في [صحيحه] .
وعن أنس رضي الله عنه: «أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ ! ، فقال: " نعم، إن أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله، ولك أجرها وإثمها على من بدلها (2) » رواه الإمام أحمد بن حنبل في [مسنده] .
وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: اجتمع عندي نفقة فيها صدقة - يعني: بلغت نصاب الزكاة - فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها أو أدفعها إلى السلطان، فأمروني جميعا أن أدفعها إلى السلطان ما اختلف علي منهم أحد، وفي رواية
__________
(1) صحيح مسلم الزكاة (989) ، سنن الترمذي الزكاة (647) ، سنن النسائي كتاب الزكاة (2460) ، سنن أبو داود كتاب الزكاة (1589) ، سنن الدارمي الزكاة (1670) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (3/136) .
(6/230)

فقلت لهم: هذا السلطان يفعل ما ترون، فأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم، فادفعها، رواهما الإمام سعيد بن منصور في [سننه] .
وعن جابر بن عتيك الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم (1) » رواه أبو داود، والبيهقي وقال: إسناده مختلف.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها) رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن، وعن قزعة مولى زياد بن أبيه أن ابن عمر قال: ادفعوها إليهم وان شربوا بها الخمر. رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن.
قال البيهقي: وروينا في هذا عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، ومما جاء في تفريقها بنفسه ما رواه البيهقي بإسناد عن أبي سعيد المقبري واسمه كيسان قال: جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه زكاة مالي، قال: وقد عتقت؟ قلت: نعم، قال: اذهب بها أنت فاقسمها، والله أعلم.
وأما قول المصنف: لأنه حق مال فاحتراز من الصلاة ونحوها. (وقوله) : لأنه مال للإمام فيه حق المطالبة احتراز من دين الآدمي.
(أما) أحكام الفصل ففيه مسائل:
(إحداها) : قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله تعالى -: للمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه. وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1588) .
(6/231)

إجماع المسلمين، والأموال الباطنة هي الذهب الفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر، وفي زكاة الفطر وجه أنها من الأموال الظاهرة، حكاه صاحب [البيان] وجماعة، ونقله صاحب [الحاوي] عن الأصحاب، ثم اختار لنفسه أنها باطنة، وهذا هو المذهب وبه قطع جمهور الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه وصاحب الشامل والبغوي وخلائق وهو ظاهر نص الشافعي. وهو المشهور وبه قطع الجمهور، ذكر أكثرهم المسألة في باب زكاة الفطر.
قال أصحابنا: وإنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة وإن كانت ظاهرة؛ لكونها لا تعرف أنها للتجارة أم لا فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها. والله أعلم.
الثانية: له أن يوكل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه، فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام والساعي، وإن شاء في التفرقة على الأصناف، وكلاهما جائز بلا خلاف، وإنما جاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة؛ لأنه تشبه قضاء الديون، ولأنه قد تدعو الحاجة إلى الوكالة لغيبة المال وغير ذلك.
الثالثة: له صرفها إلى الإمام والساعي، فإن كان الإمام عادلا أجزأه الدفع إليه بالإجماع وإن كان جائرا أجزأه على المذهب الصحيح المشهور، ونص عليه الشافعي وقطع به الجمهور، وفيه الوجه السابق عن الحناطي والماوردي.
(6/232)

الرابعة: في بيان الأفضل، قال أصحابنا: تفريقه بنفسه أفضل من التوكيل بلا خلاف؛ لأنه على ثقة من تفريقه بخلاف الوكيل وعلى تقدير خيانة الوكيل لا يسقط الفرض عن المالك؛ لأن يده كيده، فما لم يصل المال إلى المستحقين لا تبرأ ذمة المالك بخلاف دفعها إلى الإمام، فإنه بمجرد قبضه تسقط الزكاة عن المالك.
قال الماوردي وغيره: وكذا الدفع إلى الإمام أفضل من التوكيل لما ذكرناه، وأما التفريق بنفسه والدفع إلى الإمام ففي الأفضل منهما تفصيل:
قال أصحابنا: إن كانت الأموال باطنة والإمام عادل ففيه وجهان:
أصحهما عند الجمهور: الدفع إلى الإمام أفضل للأحاديث السابقة، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به بخلاف تفريقه بنفسه فقد يصادف غير مستحق، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين وبالمصالح وقدر الحاجات وبمن أخذ قبل هذه المرة من غيره؛ ولأنه يقصد لها، وهذا الوجه قول ابن سريج وأبي إسحاق.
قال المحاملي في [المجموع والتجريد] : هو قول عامة أصحابنا وهذا المذهب، وكذا قاله آخرون.
قال الرافعي: هذا هو الأصح عند الجمهور من العراقيين وغيرهم، وبه قطع الصيدلاني وغيره.
والثاني: تفريقها بنفسه أفضل، وبه قطع البغوي، قال المصنف: وهو ظاهر النص يعني: قول الشافعي في [المختصر] : وأحب أن يتولى الرجل قسمها بنفسه ليكون على يقين من أدائها عنه. هذا نصه وهو ظاهر
(6/233)

فيما قاله المصنف. وتأوله الأكثرون القائلون بالأول على أن المراد أنه أولى من الوكيل لا من الدفع إلى الإمام وتعليله يؤيد هذا التأويل؛ لأن أداءها عنه يحصل بيقين بمجرد الدفع إلى الإمام وإن جار فيها لا إلى الوكيل.
أما إذا كان الإمام جائرا فوجهان حكاهما المصنف والأصحاب:
أحدهما: الدفع إليه أفضل لما سبق، وأصحهما التفريق بنفسه أفضل ليحصل مقصود الزكاة هكذا صححه الرافعي والمحققون. . .
فرع: قال الرافعي حكاية عن الأصحاب: لو طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وجب التسليم إليه بلا خلاف. وأما الأموال الباطنة فقال الماوردي: ليس للولاة نظر في زكاتها، بل أصحاب الأموال أحق بتفرقتها، فإن بذلوها طوعا قبلها الإمام منهم، فإن علم الإمام من رجل أنه لا يؤديها بنفسه فهل له أن يقول: إما أن تفرقها بنفسك وإما أن تدفعها إلي لأفرقها. فيه وجهان يجريان في النذور والكفارات.
قلت: أصحهما: له المطالبة، بل الصواب أنه يلزمه المطالبة، كما يلزمه إزالة المنكرات (1) .
__________
(1) [المهذب والمجموع] (6\161) وما بعدها.
(6/234)

4 - النقول من كتب الحنابلة
أ - قال الخرقي: ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام قهرا.
ب - وقال ابن قدامة: مقتضى كلام الخرقي: أن الإنسان متى دفع زكاته طوعا لم تجزئه إلا بنية، سواء دفعها إلى الإمام أو غيره، وإن أخذها الإمام منه قهرا أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر النية في حقه أسقط
(6/234)

وجوبها عنه كالصغير والمجنون، وقال القاضي: متى أخذها الإمام أجزأت من غير نية، سواء أخذها طوعا أو كرها، وهذا قول للشافعي؛ لأن أخذ الإمام بمنزلة القسم بين الشركاء، فلم يحتج إلى نية، ولأن للإمام ولاية في أخذها، ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقا ولو لم يجزئه لما أخذها أو لأخذها ثانيا وثالثا حتى ينفد ماله؛ لأن أخذها إن كان لإجزائها فلا يحصل الإجزاء بدون النية، وإن كان لوجوبها فالوجوب باق بعد أخذها.
واختار أبو الخطاب وابن عقيل: أنها لا تجزئ فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنية رب المال؛ لأن الإمام إما وكيله وإما وكيل الفقراء، أو وكيلهما معا، وأي ذلك كان فلا تجزئ نيته عن نية رب المال، ولأن الزكاة عبادة تجب لها النية فلا تجزئ عمن وجبت عليه بغير نية إن كان من أهل النية كالصلاة، وإنما أخذت منه مع عدم الإجزاء حراسة للعلم الظاهر كالصلاة، يجبر عليها ليأتي بصورتها ولو صلى بغير نية لم تجزئه عند الله تعالى.
قال ابن عقيل: ومعنى قول الفقهاء: يجزئ عنه: أي في الظاهر، بمعنى: أنه لا يطالب بأدائها ثانيا كما قلنا في الإسلام، فإن المرتد يطالب بالشهادة، فمتى أتى بها حكم بإسلامه ظاهرا، ومتى لم يكن معتقدا صحة ما يلفظ به لم يصح إسلامه باطنا.
قال: وقول أصحابنا لا تقبل توبة الزنديق معناه لا يسقط عنه القتل الذي توجه (1) عليه؛ لعدم علمنا بحقيقة توبته؛ لأن أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه وقد كان دهره يظهر إيمانه ويستر كفره، فأما عند الله عز وجل فإنها
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعلها: توجب عليها
(6/235)

تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة وصدق التوبة واعتقاد الحق، ومن نصر قول الخرقي قال: إن للإمام ولاية على الممتنع فقامت نيته مقام نيته كولي اليتيم والمجنون، وفارق الصلاة، فإن النيابة فيها لا تصح فلا بد من نية فاعلها، وقوله: لا يخلو من كونه وكيلا له أو وكيلا للفقراء أولهما.
قلنا: بل هو وال على المالك، وأما إلحاق الزكاة بالقسمة فغير صحيح، فإن القسمة ليست عبادة، ولا يعتبر لها نية بخلاف الزكاة.
(فصل) يستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، قال الإمام أحمد: أعجب إلي أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز، وقال: الحسن ومكحول وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران: يضعها رب المال في موضعها.
وقال الثوري: احلف لهم وأكذبهم ولا تعطهم شيئا إذا لم يضعوها مواضعها. وقال: لا تعطهم، وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها. فمفهومه: أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك.
وقال الشعبي وأبو جعفر: إن رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة من أهلها.
وقال إبراهيم: ضعوها في مواضعها، فإن أخذها السلطان أجزأك.
وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فرأيت أبا وائل وحده، فقال لي: ردها فضعها مواضعها.
وقد روي عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى
(6/236)

السلطان، وأما زكاة الأموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين.
فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة؛ وذلك لأن العشر قد ذهب قوم إلى أنه مؤونة الأرض فهو كالخراج يتولاه الأئمة بخلاف سائر الزكاة والذي رأيت في [الجامع] قال: أما صدقة الفطر فيعجبني دفعها إلى السلطان، ثم قال أبو عبد الله: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور، قال: ادفعوها إليهم.
وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو قول أصحاب الشافعي، وممن قال يدفعها إلى الإمام: الشعبي ومحمد بن علي وأبو رزين والأوزاعي؛ لأن الإمام أعلم بمصارفها ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا، ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنا؛ لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف وتزول عنه التهمة، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري.
وقد روي عن سهيل بن أبي صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى فما تأمرني؟ قال: ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك، ويروى نحوه عن عائشة رضي الله عنها. وقال مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد: لا يفرق
(6/237)

الأموال الظاهرة إلا الإمام؛ لقول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (1) ولأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه كولي اليتيم. وللشافعي قولان كالمذهبين.
ولنا على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه، فأجزأه كما لو دفع الدين إلى غريمه وكزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد نوعي الزكاة فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أن للإمام أخذها ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر لهم بها؛ لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها؛ لأن ذلك مختلف في إجزائه فلا تجوز المقاتلة من أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد فجاز الدفع إليهم بخلاف اليتيم.
وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه فلأنه إيصال الحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها، فكان أفضل كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل.
فإن قيل: فالكلام في الإمام العادل إذ الخيانة مأمونة في حقه، قلنا: الإمام لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما يفوضه إلى سعاته ولا تؤمن منهم
__________
(1) سورة التوبة الآية 103
(6/238)

الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شيء منها وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومواساته. وقولهم: إن أخذ الإمام يبرئه ظاهرا وباطنا، قلنا: يبطل هذا بدفعها إلى غير العادل، فإنه يبرئه أيضا، وقد سلموا أنه ليس بأفضل ثم إن البراءة الظاهرة تكفي، وقولهم: إنه تزول به التهمة، قلنا: متى أظهرها زالت التهمة، سواء أخرجها بنفسه أو دفعها للإمام، ولا يختلف المذهب إن دفعها إلى الإمام، سواء كان عادلا أو غير عادل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها، سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف، أو صرفها في مصارفها، أو لم يصرفها لما ذكرنا عن الصحابة رضي الله عنهم، ولأن الإمام نائب عنهم شرعا فبرئ بدفعها إليه كولي اليتيم إذا قبضها له، ولا يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه.
(فصل) إذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة أجزأت عن صاحبها، وحكى ابن المنذر عن أحمد والشافعي وأبي ثور في الخوارج: أنه يجزئ، وكذلك كل من أخذها من السلاطين أجزأت عن صاحبها، سواء عدل فيها أو جار وسواء أخذها قهرا أو دفعها إليه اختيارا، قال أبو صالح: سألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابرا وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة: فقلت: هذا السلطان يصنع ما ترون أفأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم. وقال إبراهيم: يجزئ عنك ما أخذ منك العشارون، وعن سلمة بن الأكوع أنه دفع صدقته إلى نجدة، وعن ابن عمر أنه سئل عن مصدق ابن الزبير ومصدق نجدة فقال: إلى أيهما دفعت أجزأ عنك،
(6/239)

وبهذا قال أصحاب الرأي فيما غلبوا عليه، وقالوا: إذا مر على الخوارج فعشروه لا يجزئ عن زكاته، وقال أبو عبيد في الخوارج يأخذون الزكاة: على من أخذوا منه الإعادة؛ لأنهم ليسوا بأئمة، فأشبهوا قطاع الطريق.
ولنا قول الصحابة من غير خلاف في عصرهم علمناه، فيكون إجماعا، ولأنه دفعها إلى أهل الولاية فأشبه دفعها إلى أهل البغي (1) .
ج - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك فإنه يسقط ذلك عن صاحبه.
إذا كان الإمام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء، فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها. فإن أكره على دفعها إلى الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء.
وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه (2) .
د - قال ابن قدامة: ويستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه.
هـ - وقال المرداوي على ذلك: سواء كانت زكاة مال أو فطرة، نص عليه، قال بعض الأصحاب منهم ابن حمدان - يشترط أمانته قال في
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (1\506) وما بعدها.
(2) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] (25\81) .
(6/240)

الفروع: وهو مراد غيره، أي: من حيث الجملة. انتهى.
وقال ابن قدامة: (وله دفعها إلى الساعي وإلى الإمام أيضا) .
ز - وقال المرداوي على ذلك: وهذا المذهب في ذلك كله مطلقا، وعليه أكثر الأصحاب، وهو من المفردات. قال ناظمها:
زكاته يخرج في الأيام ... بنفسه أولى من الإمام
وقيل: يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها وفاقا للأئمة الثلاثة.
وعنه يستحب أن يدفع إليه العشر، ويتولى هو تفريق الباقي.
وقال أبو الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل. واختاره ابن أبي موسى؛ للخروج من الخلاف وزوال التهمة.
وعنه: دفع الفطرة إليه أفضل: نقله المروذي، كما تقدم في آخر باب الفطرة.
وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام ولا يجزئ دونه.
فوائد:
الأولى: يجوز دفع زكاته إلى الإمام الفاسق، على الصحيح من المذهب، وقال القاضي في [الأحكام السلطانية] : يحرم عليه دفعها إن وضعها في غير أهلها، ويجب كتمها إذن عنه، واختاره في [الحاوي] .
قلت: وهو الصواب.
ويأتي في باب قتال أهل البغي: أنه يجزئ دفع الزكاة إلى الخوارج والبغاة، نص عليه في الخوارج.
الثانية: يجوز للإمام طلب الزكاة من المال الظاهر والباطن على
(6/241)

الصحيح من المذهب إن وضعها في أهلها.
وقال القاضي في [الأحكام السلطانية] : لا نظر له في زكاة المال الباطن إلا أن يبذل له، وقال ابن تميم فيها: تجب فيه الزكاة.
قال القاضي: إذا مر المضارب أو المؤذن له بالمال على عاشر المسلمين أخذ منه الزكاة، قال: وقيل: لا تؤخذ منه حتى يحضر المالك.
الثالثة: لو طلبها الإمام لم يجب دفعها إليه، وليس له أن يقاتله على ذلك إذا لم يمنع إخراجها بالكلية نص عليه، وجزم به ابن شهاب وغيره وقدمه في [الفروع] و [مختصر ابن تميم] وهو من المفردات.
وقيل: يجب عليه دفعها إذا طلبها إليه ولا يقاتل لأجله؛ لأنه مختلف فيه جزم به المجد في شرحه. قال في [الفروع] : وصححه غير واحد في الخلاف.
قلت: صححه في [الرعايتين] ، و [الحاويين] .
وقيل: لا يجب دفع الباطنة بطلبه، قال ابن تميم وجها واحدا.
وقال الشيخ تقي الدين: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه هنا، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله: لم يجوزه (1) .
ح - قال ابن مفلح:
يجوز لمن وجبت عليه الزكاة تفرقتها بنفسه (وش) ؛ لقول الله تعالى:
__________
(1) [الإنصاف] (3\191) .
(6/242)

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} (1) الآية، وكالدين، ولأن القابض رشيد قبض ما يستحقه والإمام وكيله ونائبه فجاز الدفع إليه كالموكل، ويحمل ما خالف ذلك على الجواز، أو أن الإمام أخذها أو على من لا يعرف مصارفها أو على من تركها جحودا أو بخلا، وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام، ولا يجزئ دونه (وهـ م) وزاد: وزكاة المال الباطن.
قال أبو حنيفة: وأموال التجار التي تسافر بها كالظاهرة، فيأخذ العاشر زكاتها إن بلغت نصابا للحاجة إلى حمايتها من قطاع الطريق، إلا أن يكون مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة فلا تعشر؛ لأن قطاع الطريق لا يقصدونه غالبا إلا اليسير منه للأكل، وعند أبي يوسف ومحمد: يعشر أيضا.
وله دفع الزكاة إلى إمام فاسق (وهـ) قال أحمد - رحمه الله تعالى -: الصحابة رضي الله عنهم يأمرون بدفعها وقد علموا فيما ينفقونها.
وفي [الأحكام السلطانية] : يحرم إن وضعها في غير أهلها، ويجب كتمها عنه إذن (وم ش) وتجزئ مطلقا (م ش) : لما رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك.
ولأحمد عن أنس مرفوعا: «إذا أديتها إلى رسولي فقد برأت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها على من بدلها (2) » ، وللإمام طلب الزكاة من
__________
(1) سورة البقرة الآية 271
(2) مسند أحمد بن حنبل (3/136) .
(6/243)

المال الظاهر والباطن إن وضعها في أهلها (و) ، ولو من بلد غلب عليه الخوارج فلم يؤد أهله الزكاة ثم غلب عليهم الإمام (هـ) ؛ لأنهم وقت الوجوب ليسوا تحت حمايته وفي الأحكام السلطانية لا نظر له في زكاة الباطن إلا أن تبذل وذكر ابن تميم فيما تجب فيها الزكاة: قال القاضي: إذا مر المضارب أو المأذون له بالمال على عاشر المسلمين أخذ منه الزكاة، قال: وقيل: لا تؤخذ منه حتى يحضر المالك، وإذا طلب الزكاة لم يجب دفعها إليه.
وليس له أن يقاتل على ذلك إذا لم يمنع إخراجها بالكلية نص عليه وجزم به ابن شهاب وغيره.
قال في [الخلاف] : نص عليه في رواية أحمد بن سعيد في صدقة الماشية والعين: إذا أبى الناس أن يعطوها الإمام قاتلهم عليها إلا أن يقولوا: نحن نخرجها وقيل: ويجب دفعها إليه إذا طالبها (و) ولا يقاتل لأجله؛ لأنه مختلف فيه، جزم به في [منتهى الغاية] وجمع به بين الأدلة وصححه غير واحد.
قال في [الخلاف] : لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد كالحكم بشفعة الجوار على من لا يراها، وقيل: لا يجب دفع الباطن بطلبه، وقال بعضهم: وجها واحدا، وذكر شيخنا: أن من أداها لم تجز مقاتلته، للخلاف في إجزائها، ثم ذكر نص أحمد فيمن قال: أنا أؤديها ولا أعطيها للإمام، لم يكن له قتاله، ثم قال: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوزه.
ويستحب تفرقة زكاته بنفسه، قال بعضهم: مع أمانته، وهو مراد
(6/244)

غيره، أي: من حيث الجملة، نص عليه، وقال أيضا: أحب إلي أن يقسمها هو. وقيل: دفعها إلى إمام عادل أفضل للخروج من الخلاف، وزوال التهمة، واختاره ابن أبي موسى وأبو الخطاب (وش) وقاله (هـ م) حيث جاز الدفع بنفسه، وعنه: دفع الظاهر أفضل، وعنه: يختص بالعشر، وعنه: بصدقة الفطر، ونقله المروذي، ويجوز الدفع إلى الخوارج والبغاة، نص عليه في الخوارج: إذا غلبوا على بلد وأخذوا منه العشر وقع موقعه.
وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل وقال في موضع آخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما، وظاهر كلامه في موضع من [الأحكام السلطانية] : لا يجزئ الدفع إليهم اختيارا، وعنه: التوقف فيما أخذه الخوارج من الزكاة، وقال القاضي: وقد قيل: تجوز الصلاة خلف الأئمة الفساق، ولا يجوز دفع عشر وصدقة إليهم ولا إقامة حد. وعن أحمد نحوه.
والظاهر: أن المراد بجواز الدفع الإجزاء؛ لأنه لا يجوز (1) الدفع إليهم في المنصوص، وإن أجزأ في المنصوص، وهل للإمام طلب النذر والكفارة؟ على وجهين: (م 6) أحدهما: له ذلك، نص عليه في كفارة الظهار، وقال الحنفية: إذا أخذ الخوارج زكاة السائمة، فقيل: تجزئ؛ لأن الإمام لم يحمهم، والجباية بالحماية، وقيل: لا؛ لأن مصرفها
__________
(1) في الطبعة الأولى: إلا أنه لا يجوز
(6/245)

للفقراء ولا يصرفونها إليهم، ولهم قول ثالث: إن نوى التصدق عليهم أجزأ، وكذلك الدفع إلى كل جائر (1) ؛ لأنهم - بما عليهم من التبعات - فقراء (2) .
وقد بسط القرضاوي الكلام على هذه المسألة في كتابه [فقه الزكاة] ، فمن أراد المزيد من الكلام فعليه الرجوع إلى الكتاب المذكور.
__________
(1) كلمة (جائر) لا توجد في مخطوط الأزهر ولا مخطوط الدار.
(2) [الفروع] (2\556) .
(6/246)

ثانيا: النظر في زكاة عروض التجارة:
جمهور أهل العلم يرى: أنها واجبة؛ لثبوت الأدلة.
والذين قالوا بوجوبها، منهم من أوجبها في كل حول، ومنهم من فرق بين المال الذي يدار والذي لا يدار، فأوجبها في كل حول في الأول، وأوجبها في حول واحد بعد البيع.
وفيما يلي ما تيسر من نصوص فقهاء الإسلام وأدلتهم وما تيسر من مناقشة بعضهم لبعض. ومن أهل العلم من لا يرى وجوب الزكاة فيها أصلا؛ لعدم الدليل.
1 - النقل عن الحنفية:
أ - قال الكاساني: وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم، أو عشرين مثقالا من ذهب، فتجب فيها الزكاة، وهذا قول عامة العلماء.
وقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها أصلا.
وقال مالك: إذا نضت زكاها لحول واحد.
(6/246)

وجه قول أصحاب الظواهر: أن وجوب الزكاة إنما عرف بالنص، والنص ورد بوجوبها في الدراهم، والدنانير، والسوائم، فلو وجبت بالقياس عليها والقياس ليس بحجة خصوصا في باب المقادير.
(ولنا) ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع» ، وروي عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في البر صدقة» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «هاتوا ربع عشر أموالكم (1) » .
فإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم؛ لأنه قال في آخره: «من كل أربعين درهما درهم (2) » .
فالجواب: أن أول الحديث عام وخصوص آخره لا يوجب سلب عموم أوله، أو نحمل قوله: من كل أربعين درهم على القيمة، أي: من كل أربعين درهما من قيمتها درهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «وأدوا زكاة أموالكم (3) » من غير فصل بين مال ومال، إلا ما خص بدليل، ولأن مال التجارة مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية، فيكون مال الزكاة كالسوائم، وقد خرج الجواب عن قولهم: إن وجوب الزكاة عرف بالنص؛ لأنا قد روينا بالنص في الباب على أن أصل الوجوب عرف بالعقل، وهو شكر لنعمة الله، وشكر نعمة القدرة في إعانة العاجز، إلا أن مقدار الواجب عرف بالسنة، وما ذكره مالك غير سديد؛ لأنه وجد سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول؛ فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه، كالسوائم والدراهم والدنانير، وسواء كان مال التجارة عروضا، أو عقارا، أو شيئا مما يكال أو يوزن؛
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1572) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1790) ، مسند أحمد بن حنبل (1/92) ، سنن الدارمي الزكاة (1629) .
(2) سنن الترمذي الزكاة (620) ، سنن النسائي الزكاة (2477) ، سنن أبو داود الزكاة (1572) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1790) ، مسند أحمد بن حنبل (1/92) ، سنن الدارمي الزكاة (1629) .
(3) سنن الترمذي الجمعة (616) ، مسند أحمد بن حنبل (5/251) .
(6/247)

لأن الوجوب في أموال التجار تعلق بالمعنى، وهو المالية والقيمة، وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد، وكذا يضم بعضها أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب؛ لما قلنا.
وإذا كان تقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة، وهو أن تبلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة، فلا بد من التقويم حتى يعرف مقدار النصاب، ثم بماذا تقوم؟
ذكر القدوري في شرحه [مختصر الكرخي] : أن يقوم بأوفى القيمتين من الدراهم والدنانير، حتى أنها إذا بلغت بالتقويم بالدراهم نصابا، ولم تبلغ بالدنانير قومت بما تبلغ به النصاب. وكذا روي عن أبي حنيفة في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء.
وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشتراها به، فإن اشتراها بالدراهم قومها بالدراهم، وإن اشتراها بالدنانير قومها بالدنانير، وإن اشتراها بغيرهما من العروض أو لم يكن اشتراها بأن كان وهب له فقبله ينوي به التجارة قومها بالنقد الغالب في ذلك الموضع وعند محمد يقومها بالنقد الغالب على كل حال.
وذكر في كتاب الزكاة: أنه يقومها يوم حال الحول إن شاء بالدراهم، وإن شاء بالدنانير.
وجه قول محمد: أن التقويم في حق الله تعالى يعتبر بالتقويم في حق العباد، ثم إذا وقعت الحاجة إلى تقويم شيء من حقوق العباد، كالمغصوب، والمستهلك، يقوم بالنقد الغالب في البلدة، كذا هذا.
وجه قول أبي يوسف: أن المشترى بدل، وحكم البدل يعتبر بأصله،
(6/248)

فإذا كان مشترى بأحد النقدين. فتقويمه بما هو أصله أولى.
وجه رواية كتاب الزكاة: أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية، والنقدان في ذلك سيان، فكان الخيار إلى صاحب المال يقومه بأيهما شاء. ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة وهي ما إذا بلغت مائتين، الخيار إلى صاحب المال، إن شاء أدى أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون، فكذا هذا.
وجه قول أبي حنيفة: أن الدراهم والدنانير وإن كانا في الثمنية والتقويم بهما سواء، لكنا رجحنا أحدهما بمرجح، وهو النظر للفقراء، والأخذ بالاحتياط أولى.
ألا ترى أنه لو كان بالتقويم بأحدهما يتم النصاب والآخر لا، فإنه يقوم بما يتم به النصاب؛ نظرا للفقراء واحتياطا، كذا هذا. ومشايخنا حلوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع في حق الفقراء بالتقويم بأيهما كان، جمعا بين الروايتين، وكيفما كان ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم أو الدنانير، وهي التي يكون الغالب فيها الذهب والفضة. وعلى هذا إذا كان مع عروض التجارة ذهب وفضة، فإنه يضمهما إلى العروض، ويقومه جملة؛ لأن معنى التجارة يشمل الكل. لكن عند أبي حنيفة يضم باعتبار القيمة، إن شاء قوم العروض وضمها إلى الذهب والفضة، وإن شاء قوم الذهب والفضة وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة، وعندهما يضم باعتبار الإجزاء فتقوم العروض، فيضم قيمتها إلى ما عنده من الذهب والفضة، فإن بلغت الجملة نصابا تجب الزكاة وإلا فلا، ولا يقوم الذهب والفضة
(6/249)

عندهما أصلا في باب الزكاة على ما مر.
(فصل) : وأما صفة هذا النصاب فهي: أن يكون معدا للتجارة، وهو أن يمسكها للتجارة، وذلك بنية التجارة مقارنة لعمل التجارة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، بخلاف الذهب والفضة فإنه لا يحتاج فيهما إلى نية التجارة؛ لأنها معدة للتجارة بأصل الخلقة فلا حاجة إلى إعداد العبد، ويوجد الإعداد منه دلالة على ما مر (1) .
ب - قال الكاساني في الكلام على الشرائط التي ترجع إلى المال:
ومنها: كون المال ناميا؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي، ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معدا للاستنماء بالتجارة أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح، فيقام السبب مقام المسبب، وتعلق الحكم به، كالسفر مع المشقة، والنكاح مع الوطء، والنوم مع الحدث، ونحو ذلك.
وإن شئت قلت: ومنها: كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق الغنا ومعنى النعمة، وهو: التنعم، وبه يحصل الأداء عن طيب النفس، إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيا عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء وقوام البدن، فكان شكره شكر نعمة البدن ولا يحصل الأداء عن طيب نفس فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2\20، 21) .
(6/250)

لقوله صلى الله عليه وسلم: «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم (1) » فلا تقع زكاة، إذ حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يعرف الفضل عن الحاجة؛ فيقام دليل الفضل عن الحاجة مقامه، وهو الإعداد للإسامة والتجارة، وهذا قول عامة العلماء.
وقال مالك: هذا ليس بشرط لوجوب الزكاة، وتجب الزكاة في كل مال، سواء كان ناميا فاضلا عن الحاجة الأصلية أو لا؛ كثياب البذلة والمهنة والعلوفة والحمولة والعمولة من المواشي وعبيد الخدمة والمسكن والمراكب وكسوة الأهل وطعامهم، وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ أو فرش ومتاع لم ينو به التجارة ونحو ذلك.
واحتج بعمومات الزكاة من غير فصل بين مال ومال، نحو قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) وقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} (3) {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (4) وقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (5) وغير ذلك؛ ولأنها وجبت شكرا لنعمة المال، ومعنى النعمة في هذه الأموال أتم وأقرب؛ لأنها متعلق البقاء فكانت أدعى إلى الشكر.
ولنا: أن معنى النماء والفضل عن الحاجة الأصلية لا بد منه لوجوب الزكاة؛ لما ذكرنا من الدلائل، ولا يتحقق ذلك في هذه الأموال، وبه تبين أن المراد من العمومات الأموال النامية الفاضلة عن الحوائج الأصلية. وقد خرج الجواب عن قوله: إنها نعمة؛ لما ذكرنا أن معنى
__________
(1) سنن الترمذي الجمعة (616) ، مسند أحمد بن حنبل (5/251) .
(2) سورة التوبة الآية 103
(3) سورة المعارج الآية 24
(4) سورة المعارج الآية 25
(5) سورة البقرة الآية 43
(6/251)

النعمة فيها يرجع إلى البدن؛ لأنها تدفع الحاجة الضرورية وهي حاجة دفع الهلاك عن البدن؛ فكانت تابعة لنعمة البدن، فكان شكرها شكر نعمة البدن، وهي العبادات البدنية من الصلاة والصوم وغير ذلك.
وقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (1) دليلنا؛ لأن الزكاة عبارة عن النماء، وذلك من المال النامي على التفسير الذي ذكرناه، وهو أن يكون معدا للاستنماء، وذلك بالإعداد للإسامة في المواشي والتجارة في أموال التجارة، إلا أن الإعداد للتجارة في الأثمان المطلقة من الذهب والفضة ثابت بأصل الخلقة؛ لأنها لا تصلح للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الأصلية، فلا حاجة إلى الإعداد من العبد للتجارة بالنية، إذ النية للتعيين وهي متعينة للتجارة بأصل الخلقة، فلا حاجة إلى التعيين بالنية، فتجب الزكاة فيها، نوى التجارة، أو لم ينو أصلا، أو نوى النفقة.
وأما فيما سوى الأثمان من العروض فإنما يكون الإعداد فيها للتجارة بالنية؛ لأنها كما تصلح للتجارة تصلح للانتفاع بأعيانها، بل المقصود الأصلي منها ذلك، فلا بد من التعيين للتجارة وذلك بالنية، وكذا في المواشي لا بد فيها من نية الإسامة؛ لأنها كما تصلح للدر والنسل تصلح للحمل والركوب واللحم فلا بد من النية، ثم نية التجارة الإسامة لا تعتبر ما لم تتصل بفعل التجارة والإسامة؛ لأن مجرد النية لا عبرة به في الأحكام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يفعلوا (2) » ثم نية التجارة قد تكون صريحا وقد تكون دلالة.
أما الصريح فهو أن ينوي عند عقد التجارة أن يكون المملوك به للتجارة، بأن اشترى سلعة ونوى أن تكون للتجارة عند الشراء فتصير
__________
(1) سورة البقرة الآية 43
(2) صحيح البخاري الطلاق (5269) ، صحيح مسلم الإيمان (127) ، سنن الترمذي الطلاق (1183) ، سنن النسائي الطلاق (3433) ، سنن أبو داود الطلاق (2209) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2044) ، مسند أحمد بن حنبل (2/491) .
(6/252)

للتجارة، سواء كان الثمن الذي اشتراها به من الأثمان المطلقة، أو من عروض التجارة، أو مال البذلة والمهنة، أو أجر داره بعرض بنية التجارة فيصير ذلك مال التجارة، لوجود صريح نية التجارة مقارنا لعقد التجارة.
أما الشراء فلا شك أنه تجارة وكذلك الإجارة؛ لأنها معاوضة المال بالمال وهو نفس التجارة؛ ولهذا ملك المأذون بالتجارة الإجارة، والنية المقارنة للفعل معتبرة.
ولو اشترى عينا من الأعيان ونوى أن تكون للبذلة والمهنة دون التجارة لا تكون للتجارة، سواء كان الثمن من مال التجارة أو من غير مال التجارة؛ لأن الشراء بمال التجارة إن كان دلالة التجارة فقد وجد صريح نية الابتذال، ولا تعتبر الدلالة مع الصريح بخلافها.
ولو ملك عروضا بغير عقد أصلا، بأن ورثها ونوى التجارة لم تكن للتجارة؛ لأن النية تجردت عن العمل أصلا؛ فضلا عن عمل التجارة؛ لأن الموروث يدخل في ملكه من غير صنعه. ولو ملكها بعقد ليس مبادلة أصلا، كالهبة والوصية والصدقة، أو بعقد هو مبادلة مال بغير مال؛ كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العبد وبدل العتق، ونوى التجارة، يكون للتجارة عند أبي يوسف، وعند محمد لا يكون للتجارة، كذا ذكر الكرخي، وذكر القاضي الشهيد الاختلاف على القلب، فقال في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف: لا يكون للتجارة، وفي قول محمد: يكون للتجارة.
وجه قول من قال: إنه لا يكون للتجارة: أن النية لم تقارن عملا هو تجارة، وهي مبادلة المال بالمال، فكان الحاصل مجرد النية؛ فلا تعتبر. ووجه القول الآخر: أن التجارة عقد اكتساب المال، وما لا يدخل في
(6/253)

ملكه إلا بقبوله فهو حاصل بكسبه، فكانت نيته مقارنة لفعله، فأشبه قرانها بالشراء والإجارة.
والقول الأول: أصح؛ لأن التجارة كسب المال ببذل ما هو مال، والقبول اكتساب المال بغير بدل أصلا، فلم تكن من باب التجارة، فلم تكن النية مقارنة عمل التجارة.
ولو استقرض عروضا ونوى أن تكون للتجارة اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يصير للتجارة؛ لأن القرض ينقلب معاوضة المال بالمال في العاقبة، وإليه أشار في [الجامع] : أن من كان له مائتا درهم لا مال له غيرها، فاستقرض قبل حولان الحول بيوم من رجل خمسة [أقفزة لغير التجارة] ، ولم تستهلك الأقفزة حتى حال الحول - لا زكاة عليه في المائتين، ويصرف الدين إلى مال الزكاة دون الجنس الذي ليس بمال الزكاة. فقوله: (استقرض لغير التجارة) دليل: أنه لو استقرض للتجارة يصير للتجارة.
وقال بعضهم: لا يصير للتجارة وإن نوى؛ لأن القرض إعارة، وهو تبرع لا تجارة، فلم توجد نية التجارة مقارنة للتجارة؛ فلا تعتبر.
ولو اشترى عروضا للبذلة والمهنة، ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك، لا تصير للتجارة ما لم يبعها، فيكون بدلها للتجارة.
فرق بين هذا وبين ما إذا كان له مال التجارة، فنوى أن يكون للبذلة، حيث يخرج من أن يكون للتجارة وإن لم يستعمله؛ لأن النية لا تعتبر ما لم تتصل بالفعل، وهو ليس بفاعل فعل التجارة، فقد عزبت النية عن فعل التجارة، فلا تعتبر للحال، بخلاف ما إذا نوى الابتذال؛ لأنه نوى
(6/254)

ترك التجارة، وهو تارك لها في الحال، فاقترنت النية بعمل هو ترك التجارة؛ فاعتبرت ونظير الفصلين: السفر مع الإقامة، وهو أن المقيم إذا نوى السفر لا يصير مسافرا ما لم يخرج عن عمران المصر، والمسافر إذا نوى الإقامة في مكان صالح للإقامة يصير مقيما للحال.
ونظيرهما من غير هذا الجنس: الكافر إذا نوى أن يسلم بعد شهر لا يصير مسلما للحال، والمسلم إذا قصد أن يكفر بعد سنين - والعياذ بالله - فهو كافر للحال.
ولو أنه اشترى بهذه العروض التي اشتراها للابتذال بعد ذلك عروضا أخر تصير بدلها للتجارة بتلك النية السابقة، وكذلك في الفصول التي ذكرنا أنه نوى للتجارة في الوصية والقرض ومبادلة مال بما ليس بمال إذا اشترى بتلك العروض عروضا أخر صارت للتجارة؛ لأن النية قد وجدت حقيقة إلا أنها لم تعمل للحال؛ لأنها لم تصادف عمل التجارة، فإذا وجدت التجارة بعد ذلك عملت النية السابقة عملها، فيصير المال للتجارة؛ لوجود نية التجارة مع التجارة، وأما الدلالة فيه أن يشتري عينا من الأعيان بعرض التجارة، أو يؤاجر داره التي للتجارة بعرض من العروض، فيصير للتجارة وإن لم ينو التجارة صريحا؛ لأنه لما اشترى بمال التجارة فالظاهر أنه نوى به التجارة.
وأما الشراء بغير مال التجارة فلا يشكل.
وأما إجارة الدار فلأن بدل منافع عين معدة للتجارة كبدل عين معدة للتجارة في أنه للتجارة، كذا ذكر في كتاب الزكاة من الأصل، وذكر في الجامع ما يدل على أنه لا يكون للتجارة إلا بالنية صريحا فإنه قال: وإن
(6/255)

كانت الأجرة جارية تساوي ألف درهم، وكانت عند المستأجر للتجارة، فأجر المؤجر داره بها، وهو يريد التجارة شرط النية عند الإجارة لتصير الجارية للتجارة، ولم يذكر أن الدار للتجارة أو لغير التجارة، فهذا يدل على أن النية شرط ليصير بدل منافع الدار المستأجرة للتجارة.
وإن كانت الدار معدة للتجارة فكان في المسألة روايتان، ومشايخ بلخ كانوا يصححون رواية الجامع، ويقولون: إن العين إن كانت للتجارة لكن قد يقصد ببدل منافعها المنفعة فيؤاجر الدابة لينفق عليها والدار للعمارة فلا تصير للتجارة مع التردد إلا بالنية.
وأما إذا اشترى عروضا بالدراهم أو الدنانير أو بما يكال أو يوزن موصوفا في الذمة فإنها لا تكون للتجارة ما لم ينو التجارة عند الشراء، وإن كانت الدراهم والدنانير أثمانا، والموصوف في الذمة من المكيل والموزون أثمان عند الناس؛ ولأنها كما جعلت ثمنا لمال التجارة، جعلت ثمنا لشراء ما يحتاج إليه للابتذال والقوت، فلا يتعين الشراء به للتجارة مع الاحتمال.
وعلى هذا لو اشترى المضارب بمال المضاربة عبيدا ثم اشترى لهم كسوة وطعاما للنفقة كان الكل للتجارة وتجب الزكاة في الكل؛ لأن نفقة عبيد المضاربة من مال المضاربة، فطلق تصرفه ينصرف إلى ما يملك دون ما لا يملك حتى لا يصير خائنا وعاصيا عملا بدينه وعقله، إن نص على النفقة.
وبمثله المالك إذا اشترى عبيدا للتجارة، ثم اشترى لهم ثيابا للكسوة وطعاما للنفقة فإنه لا يكون للتجارة؛ لأن المالك كما يملك الشراء
(6/256)

للتجارة يملك الشراء للنفقة والبذلة، وله أن ينفق من مال التجارة وغير مال التجارة، فلا يتعين للتجارة إلا بدليل زائد.
وأما الأجراء الذين يعملون للناس نحو الصباغين والقصارين والدباغين إذا اشتروا الصبغ والصابون والدهن ونحو ذلك مما يحتاج إليه في عملهم ونووا عند الشراء أن ذلك للاستعمال في عملهم، هل يصير ذلك مال التجارة؟ روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران ليصبغ ثياب الناس فعليه فيه الزكاة.
والحاصل: أن هذا على وجهين: إن كان شيئا يبقى أثره في المعمول فيه، كالصبغ والزعفران والشحم الذي يدبغ به الجلد، فإنه يكون مال التجارة؛ لأن الأجر يكون مقابلة ذلك الأثر، وذلك الأثر مال قائم، فإنه من أجزاء الصبغ والشحم، لكنه لطيف فيكون هذا تجارة.
وإن كان شيئا لا يبقى أثره في المعمول فيه مثل: الصابون والأشنان والقلي والكبريت فلا يكون مال التجارة؛ لأن عينها تتلف ولم ينتقل أثرها إلى الثوب المغسول حتى يكون له حصة من العوض، بل البياض أصلي للثوب يظهر عند زوال الدرن، فما يأخذ من العوض يكون بدل عمله لا بدل هذه الآلات فلم يكن مال التجارة.
وأما آلات الصناع وظروف أمتعة التجارة لا تكون مال التجارة؛ لأنها لا تباع مع الأمتعة عادة.
وقالوا في نخاس الدواب: إذا اشترى المقاود والجلال والبراذع: إنه إن كان يباع مع الدواب عادة يكون للتجارة؛ لأنها معدة لها، وإن كان لا
(6/257)

يباع ولكن تمسك وتحفظ بها الدواب فهي من آلات الصناع فلا يكون مال التجارة إذا لم ينو التجارة عند شرائها.
وقال أصحابنا في عبد التجارة قتله عبد خطأ فدفع به: إن الثاني للتجارة، لأنه عوض مال التجارة، وكذا إذا فدى بالدية من العروض والحيوان. وأما إذا قتله عمدا فصالح المولى من الدية على العبد القاتل أو على شيء من العروض لا يكون مال التجارة، لأنه عوض القصاص لا عوض العبد المقتول، والقصاص ليس بمال. والله أعلم (1) .
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2 \ 11) وما بعدها.
(6/258)

2 - النقل عن المالكية:
أ- جاء في [المدونة] تحت ترجمة: (في زكاة تجار المسلمين) :
(قلت) : أكان مالك يرى أن يؤخذ من تجارة المسلمين إذا تجروا الزكاة؟ فقال: نعم.
(قلت) : أفي بلادهم أم إذا خرجوا من بلادهم؟ (فقال) : في بلادهم عنده وغير بلادهم سواء، من كان عنده مال تجب فيه الزكاة زكاه. (قلت) : فيسألهم إذا أخذ منهم الزكاة هذا الذي يأخذ عما في بيوتهم من ناضهم فيأخذ زكاته مما في أيديهم.
(فقال) : ما سمعت من مالك في هذا شيئا، وأرى إن كان الوالي عدلا أن يسألهم عن ذلك، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق.
(قلت) : أفيسأل عن زكاة أموالهم الناض إذا لم يتجروا؟ (فقال) : نعم، إذا كان عدلا وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق، كان يقول للرجل إذا
(6/258)

أعطاه عطاءه: هل عندك من مال قد وجبت عليك فيه الزكاة.
فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، أسلم إليه عطاءه. ولا أرى أن يبعث في ذلك أحدا، وإنما ذلك إلى أمانة الناس، إلا أن يعلم أحد أن لا يؤدي فتؤخذ منه. ألا ترى أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم.
(قلت) : ما قول مالك أين ينصب هؤلاء الذين يأخذون العشور من أهل الذمة والزكاة من تجار المسلمين.
(فقال) : لم أسمع منه فيه شيئا، ولكني رأيته فيما يتكلم به أنه لا يعجبه أن ينصب لهذه المكوس أحد.
(قال) ابن القاسم: وأخبرني يعقوب بن عبد الرحمن من بني القارة حليف لبني زهرة عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل المدينة أن يضع المكس، فإنه ليس المكس ولكنه البخس، قال الله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} (1) ومن أتاك بصدقته فاقبلها منه، ومن لم يأتك بها فالله حسيبه والسلام.
(قلت) : أليس إنما تؤخذ من تجار المسلمين في قول مالك الزكاة في كل سنة مرة، وإن تجروا من بلد إلى بلد وهم خلاف أهل الذمة في هذا. (فقال) نعم. (قال) : ومن تجر ومن لم يتجر فإنما عليه الزكاة في كل سنة مرة.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا خرج من مصر بتجارة إلى المدينة أيقوم عليه ما في يديه فتؤخذ منه الزكاة. (فقال) : لا يقوم عليه، ولكن إذا باع أدى الزكاة.
__________
(1) سورة الأعراف الآية 85
(6/259)

(قال) : ولا يقوم على أحد المسلمين.
(قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم.
(قلت) : وأهل الذمة لا يقوم عليهم أيضا، فإذا باعوا أخذ منهم العشر. فقال: نعم. (قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا من المسلمين قدم بتجارة، فقال: هذا الذي معي مضاربة أو بضاعة أو علي دين أو لم يحل على ما عندي الحول أيصدق ولا يحلف في قول مالك؟ قال: نعم، يصدق ولا يحلف (1) .
وجاء في [المدونة] تحت عنوان: (زكاة السلع) :
(قال) : وقال مالك: إذا كان الرجل إنما يشتري النوع الواحد من التجارة أو الأنواع وليس ممن يدير ماله في التجارة، فاشترى سلعة أو سلعا كثيرة يريد بيعها فبارت عليه ومضى الحول فلا زكاة عليه فيها، وإن مضى لذلك أحوال حتى يبيع، فإذا باع زكى زكاة واحدة. وإنما مثل هذا مثل الرجل يشتري الحنطة في زمان الحصاد فيريد البيع في غير زمان الحصاد ليربح فتبور عليه فيحبسها فلا زكاة عليه فيها.
(وقال) علي بن زياد: قال مالك: الأمر عندنا في الرجل يكون له عند الناس من الدين ما تجب فيه الزكاة فيغيب عنه سنين ثم يقبضه، أنه ليس عليه فيه إذا قبضه إلا زكاة واحدة.
(قال) : والدليل على ذلك أنه ليس على الرجل في الدين يغيب عنه سنين ثم يقبضه أنه ليس عليه إلا زكاة واحدة، وفي العروض يبتاعها
__________
(1) [المدونة] (1 \ 239)
(6/260)

للتجارة فيمسكها سنين ثم يبيعها أنه ليس عليه إلا زكاة واحدة، أنه لو وجب على رب الدين أن يخرج زكاته قبل أن يقبضه لم يجب عليه أن يخرج في صدقة ذلك الدين إلا دينا يقطع به لمن يلي ذلك على الغرماء يتبعهم به، إن قبض كان له وإن تلف كان منه؛ من أجل أن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه ولا على رب العرض أن يخرج في صدقته إلا عرضا؛ لأن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه، (وإنما قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزكاة في العين والحرث والماشية» ، فليس في العروض شيء حتى تصير عينا.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت عنده دابة للتجارة فاستهلكها رجل فضمن قيمتها فأخذ منه رب الدابة سلعة بقيمتها التي وجبت له، أيكون عليه في قيمة هذه السلعة التي للتجارة الزكاة؟ (فقال) : إن كان نوى بالسلعة التي أخذ التجارة زكى ثمنها ساعة بيعها إن كان الحول قد حال على أصل هذا المال من يوم زكى أصل هذا المال وهو ثمن الدابة المستهلكة، وإن كان حين أخذ السلعة بقيمة الدابة المستهلكة لم ينو بها التجارة ونوى بها القنية فلا شيء عليه فيها.
(قال) : وإن باعها حتى يحول الحول على ثمنها من يوم باعها، وإن كان أخذ في قيمة الدابة المستهلكة دنانير أو دراهم وقد حال الحول على الأصل، زكى الدنانير والدراهم ساعة يقبضها، وإن لم يكن حال الحول ثم اشترى بتلك الدنانير والدراهم سلعة، فإن نوى بها التجارة فهي للتجارة، وإن نوى بها حين اشتراها القنية فهي على القنية لا زكاة عليه في ثمنها إذا باعها حتى يحول على ثمنها الحول.
(6/261)

(قلت) : وهذا قول مالك.
(فقال) : قول مالك في البيع مثل هذا، ورأيت أنا هذه المسألة في الاستهلاك مثل قول مالك في البيع.
(قلت) : فلو أن رجلا كانت عنده سلعة للتجارة فباعها بعدما حال عليها الحول بمائة دينار.
(فقال) : إذا قبض المائة زكاها مكانه.
(قلت) : فإن أخذ بالمائة قبل قبضها ثوبا قيمته عشرة دنانير، (فقال) لا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه.
(قلت) : فإن باع الثوب بعشرة دنانير. قال: لا شيء عليه فيها وقد سقطت الزكاة عنه، إلا أن يكون له مال قد جرت فيه الزكاة إذا أضافه كان فيهما الزكاة.
(قلت) : فإن باعها بعشرين دينارا. فقال: يزكي، يخرج ربع عشرها نصف دينار.
(قلت) : وهذا قول مالك. قال: نعم.
(قلت) : أرأيت عبدا اشتراه رجل للتجارة فكاتبه فمكث عنده سنين يؤدي فاقتضى منه مالا ثم عجز فرجع رقيقا فباعه مكانه، أيؤدي من ثمنه زكاة التجارة أم هو لما رجع إليه رقيقا صار فائدة.
(فقال) : إذا عجز ورجع رقيقا رجع على الأصل فكان للتجارة ولا تنقض الكتابة ما كان ابتاعه له؟ لأن ملكه لم يزل عليه، وإنما مثل ذلك عندي مثل ما لو أنه باع عبدا له من رجل فأفلس المشتري فأخذ عبده، أو أخذ عبدا من غريمه في دينه فإنه يرجع على الأصل ويكون للتجارة كما
(6/262)

كان.
(قال) : وكذلك لو أن رجلا اشترى دارا للتجارة فأجرها سنين ثم باعها بعد ذلك فإنها ترجع إلى الأصل ويزكيها على التجارة ساعة يبيع.
(قلت) : أرأيت الرجل يتكارى الأرض للتجارة ويشتري الحنطة فيزرعها يريد بذلك التجارة.
(قال) : قال مالك في هذا: إذا اكترى الرجل الأرض واشترى حنطة فزرعها يريد بذلك التجارة فإذا حصد زرعه أخرج منه العشر إن كان مما يجب فيه العشر، أو نصف العشر إن كان مما يجب فيه نصف العشر.
(فإن مكثت) الحنطة عنده بعدما حصده وأخرج منه زكاة حصاده حولا ثم باعه فعليه الزكاة يوم باعه، وإن كان باعه قبل الحول فلا زكاة عليه فيه حتى يحول الحول عليه من يوم أدى زكاة حصاده.
(قال) : وإن كان تكارى الأرض وزرعها بطعامه فحصده وأدى زكاته حين حصده ورفع طعامه فأكل منه وفضلت منه فضلة فباعها كانت فائدة ويستقبل بها حولا من يوم قبض الثمن في يديه.
(قال) : وإن كانت الأرض له فزرعها للتجارة فإنه إذا رفع زرعه وحصده زكاه مكانه ولم يكن عليه إذا باع في ثمنه زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم قبض ثمنه.
(قلت) : أرأيت من اكترى أرضا للتجارة فاشترى حنطة وهو ممن يدير التجارة فزرع الأرض أيكون عليه عشر ما أخرجت الأرض؟ فقال: نعم.
(قلت) : فإن هو أخرج عشر ما أخرجت الأرض فحال عليه الحول
(6/263)

أيزكي زكاة التجارة وهو ممن لا يدير ماله في التجارة؟
(فقال) : لا، حتى يبيع الحنطة بعد الحول فإذا باع زكى الثمن مكانه.
(قلت) : فمن أين تحتسب السنة، أمن يوم اشترى الحنطة للتجارة واكترى الأرض، أو من يوم أدى زكاة الزرع؟
(فقال) : من يوم أدى زكاة الزرع.
(قلت) : فإن هو باع الحنطة من قبل أن يحول عليها الحول من يوم أدى زكاة عشر ما أخرجت الأرض.
(فقال) : ينتظر به حتى تأتي السنة من يوم أخرج العشر.
(قلت) : فإن كان هذا يدير ماله في التجارة.
(فقال) : إذا رفع زرعه زكى العشر ويستقبل من يوم زكى الزرع سنة كاملة، فإذا جاءت السنة فإن كان له مال سوى هذا الناض ناض في سنته هذه زكى هذه الحنطة وإن لم يبعها، وهذا مخالف للذي لا يدير ماله؟ لأن الذي يدير ماله هذه الحنطة في يده للتجارة وعنده مال ناض غير هذه الحنطة، فلما حال الحول على هذه الحنطة لم يكن له بد من أن يقوم هذه الحنطة.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا اشترى عروضا للتجارة فبدا له فجعل ذلك لجمال بيته واقتناه أتسقط عنه زكاة التجارة؟ . فقال: نعم.
(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
قال ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: إن بار عليه العرض ولم يخلص إليه ماله فليس عليه صدقة حتى يخلص إليه، وإنما فيه إذا خلص العرض والدين صار عينا ناضا صدقة واحدة.
(6/264)

(وقال) عطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد مثل قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن (1) .
وجاء في [المدونة] تحت عنوان: (في زكاة الذي يدير ماله) : (قال) : وقال مالك: إن كان رجل يدير ماله في التجارة، فكلما باع
اشترى، مثل الحناطين والبزازين والزياتين ومثل التجار الذين يجهزون الأمتعة وغيرها إلى البلدان.
(قال) : فليجعلوا لزكاتهم من السنة شهرا، فإذا جاء ذلك الشهر قوموا ما عندهم مما هو للتجارة وما في أيديهم من الناض فزكوا ذلك كله.
(قال) : فقلت لمالك: فإن كان له دين على الناس؟ (قال) : يزكيه مع ما يزكي من تجارته يوم يزكي تجارته إن كان دينا يرتجى اقتضاؤه.
(قال) : فقلت له: فإن جاءه عام آخر ولم يقتضه.
(فقال) : يزكي أيضا. ومعنى قوله في ذلك: أن العروض والدين سواء؛ لأن العروض لو بارت عليه وهو ممن يقوم - يريد: يدير التجارة - زكى العرض السنة الثانية، فالدين والعرض في هذا سواء؛ فلو لم يكن على الدين شيء في السنة الثانية لم يكن على العرض في السنة الثانية شيء؛ لأنه لا زكاة في عرض على من لا يدير التجارة حتى يبيع، ولا في دين حتى يقبض، فلما كان الذي يدير التجارات الذي لا يشتري إلا باع يزكي عروضه التي عنده، فكذلك يزكي دينه الذي يرتجي قضاءه.
(قال) : وقال: مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة فجاء يومه
__________
(1) [المدونة] (1 \ 214) وما بعدها
(6/265)

الذي يقوم فيه وله دين من عروض أو غير ذلك على الناس لا يرجوه.
(فقال) : إذا كان لا يرجوه لم يقومه وإنما يقوم ما يرتجيه من ذلك.
(قال) مالك: ويقوم الرجل الحائط إذا اشتراه للتجارة إذا كان ممن يدير ماله.
(قال) ابن القاسم: ولا يقوم الثمر؛ لأن الثمر فيه زكاة فلا يقومه مع ما يقوم من ماله.
(قال) سحنون: ولأنه غلة بمنزلة خراج الدار وكسب العبد وإن اشترى رقابها للتجارة، وبمنزلة غلة الغنم ما يكون من صوفها ولبنها وسمنها وإن كان رقابها للتجارة أو للقنية.
(قلت) : أرأيت رجلا كان يدير ماله للتجارة ولا ينض له شيء فاشترى بجميع ما عنده حنطة، فلما جاء شهره الذي يقوم فيه كان جميع ماله الذي يتجر فيه حنطة، فقال: أنا أؤدي إلى المساكين ربع عشر هذه الحنطة كيلا ولا أقوم.
(فقال) لي مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة ولا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض، فهذا لا يقوم، ولا شيء عليه، ولا زكاة ولا تقويم حتى ينض له بعض ماله.
(قال) : وقال مالك: من باع بالعرض والعين فذلك الذي يقوم.
(قال) سحنون: وكذلك روى ابن وهب عن مالك في الذي لا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض.
(قلت) : أرأيت إن كان يدير ماله للتجارة فحالت عليه أحوال لا ينض له منه شيئا ثم إنه باع منها بدرهم واحد ناض.
(6/266)

(فقال) : إذا نض مما في يديه من العروض بعد الحول وإن كان درهما واحدا، فقد وجبت فيه الزكاة ويقوم العرض مكانه حين نض هذا الدرهم فيزكيه كله، ويستقبل الزكاة من ذي قبل.
(قلت) : فإن أتت السنة من ذي قبل وليس عنده من الناض شيء، وماله كله في العرض وقد كان في وسط السنة وفي أولها وفي آخرها قد كان ينض له، إلا أنه لما حال الحول ذلك اليوم لم يكن عنده من الناض شيء فكان جميع ما في يديه عرضا.
(قال) : يقوم ويزكي؛ لأن هذا قد كان يبيع في سنته بالعين والعرض.
(قلت) : فإن هو باع من ذي قبل بالعرض ولم ينض له شيء حتى أتى الحول وجميع ما عنده عرض أيقوم. فقال: لا يقوم؛ لأن هذا لم ينض له شيء في سنته هذه، وإنما كان رجل يبيع العرض بالعرض فلا تقويم عليه، ولا زكاة حتى ينض له مما في يديه شيء من يوم زكى إلى أن يحول الحول من ذي قبل.
(قلت) : فإن باع بعد الحول فنض له وإن درهم واحد زكاه؟ قال: نعم. (قلت) : ويكون هذا اليوم الذي زكى فيه وقته، ويستقبل حولا من ذي قبل ويلغي الوقت الأول.
(فقال) : نعم؛ لأن مالكا قال لي: لا يقوم على من يبيع العرض بالعرض ولا ينض له شيء.
(قال) ابن وهب عن الليث بن سعد وعمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه حماس: أنه كان يبيع الجلود
(6/267)

والقرون، فإذا فرغ منها اشترى مثلها، فلا يجتمع عنده أبدا ما تجب فيه الزكاة، فمر به عمر بن الخطاب وعليه جلود يحملها للبيع، فقال له: زك مالك يا حماس، فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة، فقال: قوم مالك، فقوم ما عنده ثم أدى زكاته.
قال سحنون: قال عمرو بن الحارث وقال يحيى بن سعيد: إنما هذا الذي يدير ماله، فلو أنه كان لا يقوم ماله لم يزك أبدا، وأما الذي تكسد سلعته فلا زكاة عليه.
قال سحنون: يعني حتى يبيع، وقال: قال ذلك مالك بن أنس رضي الله عنهما (1) .
ب - قال ابن رشد - الجد - تحت ترجمة: (في افتراق حكم الأموال في الزكاة) : والأموال في الزكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم الأغلب فيه إنما يراد لطلب الفضل والنماء فيه لا للاقتناء، وهو العين من المذهب والورق وأتبارهما والمواشي وآنية الذهب والفضة وكل ما لا يجوز اتخاذه منها، فهذا تجب فيه الزكاة، اشتراه أو ورثه أو تصدق به عليه، نوى به التجارة أو القنية أو ما نوى به. وقسم ثان الأغلب منه إنما يراد للاقتناء لا لطلب الفضل والنماء، وهي العروض كلها، الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي تجب في رقابه الزكاة، فهذا يفرق فيه بين الشراء والفائدة، فما أفاده من ذلك بهبة أو ميراث، أو بما أشبه ذلك من وجوه الفوائد فلا زكاة عليه فيه، نوى به التجارة أو القنية حتى يبيعه
__________
(1) [المدونة] (1 \ 217) وما بعدها
(6/268)

ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وما اشترى من ذلك فهو على ما نوى فيه، إن أراد به القنية فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل به حولا من يوم باعه، وإن أراد به التجارة كان للتجارة وزكاه عن سنة التجارة. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية هل يرجع إلى حكمها بالنية أم لا؟ فقال ابن القاسم: يرجع إلى القنية ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وقبض ثمنه إن باعه، ورواه عن مالك. وقال أشهب: لا يرجع إلى القنية بالنية وهو على ما اشتراه عليه من نية التجارة، فإن باعه زكاه ساعة باعه وقبض ثمنه إن كان الحول قد حال على أصل الثمن، ورواه عن مالك. ولم يختلفا أنه إذا اشتراه للقنية أو أفاده بميراث أو غيره ثم نوى به التجارة، أنه لا ينتقل إليها بالنية واختلفا أيضا إذا اشتراه للوجهين جميعا، فغلب ابن القاسم القنية على أصله فيما اشتراه للتجارة أنه يرجع إلى القنية بالنية؛ لأنها الأصل، وغلب أشهب التجارة على أصله أن القنية والتجارة أصلان لا يرجع أحدهما إلى صاحبه بالنية، فلما اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطا كالبينتين إذا أثبتت إحداهما الحكم ونفته الأخرى، وكقول مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق أنه متمتع. وقسم ثالث يراد للوجهين جميعا، للاقتناء وطلب النماء، وهو حلي الذهب والفضة، فهذا لا يفرق فيه بين الفائدة والشراء، وهو في الوجهين معا على ما نوى، إن أراد به التجارة زكاه، وإن أراد به الاقتناء ليلبسه أهله وجواريه، أو هي إن كانت امرأة فلا زكاة عليها فيه.
(6/269)

واختلف فيما يتخذ منه للكراء هل يخرج بذلك عن حكم الاقتناء وتجب فيه الزكاة أم لا؟ على قولين: وقال أيضا تحت ترجمته: (في افتراق حكم التجارة في الزكاة) : والتاجر ينقسم إلى قسمين: مدير، وغير مدير. فالمدير: هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجى قبضها فيزكي ذلك مع ما عنده من الناض، وأما غير المدير: وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده أحوالا (1) . ج- قال ابن رشد- الحفيد -: والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على مذهبهم هو النصاب في العين، إذ كانت هذه هي قيم المتلفات ورؤوس الأموال، وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال: إذا باع العروض زكاه لسنة واحدة كالحال في الدين، وذلك عنده في التاجر الذي تنضبط له أوقات شراء عروضه. وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ولا يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض ثم يضم إلى ذلك ما بيده
__________
(1) [المقدمات] مع [المدونة] (1\ 123) وما بعدها
(6/270)

من العين، وما له من الدين الذي يرتجى قبضه إن لم يكن عليه دين مثله، وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا أدى زكاته، وسواء نض له في عامه شيء من العين أو لم ينض، بلغ نصابا أو لم يبلغ نصابا، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: إذا لم يكن له ناض وكان يتجر بالعروض لم يكن عليه في العروض شيء، فمنهم من لم يشترط وجود الناض عنده، ومنهم من شرطه، والذي شرطه منهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك. وقال المزني: زكاة العروض تكون من أعيانها لا من أثمانها. وقال الجمهور- الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم-: المدير وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضا للتجارة فحال عليه الحول قومه وزكاه.
وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته. وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا؛ لأن الحول إنما يشترط في عين المال لا في نوعه.
وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير، وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه.
(6/271)

ومالك رحمه الله يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها (1) . د- جاء في [أقرب المسالك على مذهب الإمام مالك] و [الشرح الصغير] ، له: (وإنما يزكي عرض تجارة) لا قنية، فلا زكاة فيه إلا إذا باعه بعين أو ماشية، فيستقبل بثمنه حولا من قبضه، كما تقدم في الفائدة.
وقوله: (عرض) أي: عوض، فيشمل قيمة عروض المدير وثمن عروض المحتكر حيث باعها بشروط خمسة:
أشار لأولها بقوله: (إن كان لا زكاة في عينه) كالثياب والرقيق، وأما ما في عينه زكاة كنصاب ماشية أو حلي أو حرث فلا يقوم على مدير، ولا يزكي ثمنه محتكر، بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه، إلا إذا قرب الحول وباعه فرارا من الزكاة فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم.
ولثانيها بقوله: (وملك) العرض (بشراء) لا إن ورثه، أو وهب له، أو أخذه في خلع أو أخذته صداقا ونحو ذلك من الفوائد. وقولنا (بشراء) أحسن من قوله (بمعاوضة) ؛ لأنه يشمل الصداق والخلع فيحتاج إلى تقييده بقولنا: مالية؛ لإخراجهما. وشمل هذا الشرط والذي قبله الحب المشترى للتجارة، فإنه لا زكاة في عينه. وعلم بذلك أن المراد بالعرض ما يشمل المثليات.
ولثالثها بقوله: (بنية تجر) أي: إن ملك بشراء مع نية تجر مجردة حال الشراء (أو مع نية غلته) بأن ينوي عند شرائه للتجارة أن يكريه إلى أن
__________
(1) [بداية المجتهد] (1\ 245)
(6/272)

يجد ربحا، (أو مع) نية (قنية) بأن ينوي عند الشراء ركوبه أو سكناه أو حملا عليه إلى أن يجد فيه ربحا فيبيعه (لا) إن ملكه (بلا نية) أصلا (أو نية قنية) فقط، (أو) نية (غلة) فقط، (أو هما) ، أي: بنية القنية والغلة معا، فلا زكاة.
ولرابعها بقوله: (وكان ثمنه) الذي اشترى به ذلك العرض (عينا أو عرضا كذلك) أي: ملك بشراء، سواء كان عرض تجارة أو قنية، كمن عنده عرض مقتنى اشتراه بعين، ثم باعه بعرض نوى به التجارة، فيزكي ثمنه إذا باعه لحوله من وقت اشترائه. بخلاف ما لو كان عنده عرض ملك بلا عوض كهبة وميراث فيستقبل بالثمن.
ولخامسها بقوله: (وبيع منه) أي: من العرض وأولى بيعه كله (بعين) نصابا فأكثر في المحتكر أو أقل. (ولو درهما في المدير) . فإن توفرت هذه الشروط زكى (كالدين) أي: كزكاة الدين المتقدمة، أي: لسنة من أصله إن قبض ثمنه عينا نصابا فأكثر كمل بنفسه، ولو قبضه في مرات أو مع فائدة تم حولها، أو معدن. وهذا (إن رصد) ربه (به) أي: بالعرض المذكور (الأسواق) أي: ارتفاع الأثمان، وهو المسمى بالمحتكر، فقوله: (كالدين) خاص بالمحتكر، والشروط الخمسة المتقدمة عامة فيه وفي المدير، فكأنه قال: إن توفرت الشروط زكاه كزكاة الدين إن كان محتكرا شأنه يرصد الأسواق. (وإلا) يرصد الأسواق بأن كان مديرا وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره؛ كأرباب الحوانيت والطوافين بالسلع (زكى عينه) التي عنده (ودينه) أي: عدده (النقد) الذي أصله عرض (الحال)
(6/273)

أي: الذي حل أجله أو كان حالا أصالة (المرجو) خلاصه ولو لم يقبضه بالفعل، وما تقدم في زكاة الدين- من أنه إنما يزكى بعد قبضه مع بقية الشروط- ففي غير المدير أو في المدير إذا كان أصله قرضا، كما تقدمت الإشارة إليه، وكما سيأتي قريبا إن شاء الله. (وإلا) يكن نقدا حالا- بأن كان عرضا أو مؤجلا- مرجوا فيهما، فالنفي راجع لقوله النقد الحال فقط بدليل ما بعده. ومرادنا بالعرض: ما يشمل طعام السلم (قومه) على نفسه قيمة عدل (كل عام) وزكى القيمة؛ لأن الموضوع أنه مرجو فهو في المدير في قوة المقبوض (كسلعه) أي: المدير، أي: كما يقوم كل عام سلعه التي للتجارة (ولو بارت) سنين إذ بوارها بضم الباء، أي: كسادها لا ينقلها لاحتكار ولا قنية، وأما البوار بفتح الباء، فمعناه: الهلاك (1) . (لا إن لم يرجه) بأن كان على معدم أو ظالم لا تأخذه الأحكام فلا يقومه فإن قبضه زكاه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة (أو كان) أي: ولا إن كان دينه الذي على المدين (قرضا) أي: كان أصله سلفا - ولو مرجوا- فلا يقومه على نفسه ليزكيه لعدم النماء فيه فهو خارج عن حكم التجارة (فإن قبضه زكاه لعام) واحد. وإن أقام عند المدين سنين إلا أن يؤخره فرارا من الزكاة فلكل عام مضى. (وحوله) أي: والمدير الذي يقوم فيه سلعه لزكاتها مع عينه ودينه الحال المرجو (حول أصله) أي: المال الذي اشترى به السلع؛ فيكون
__________
(1) وقوله: بوار بالضم، كذا في الأصل، وفي [القاموس] الفتح فقط.
(6/274)

ابتداء الحول من يوم ملك الأصل أو زكاه. ولو تأخرت الإدارة عنه، كما لو ملك نصابا أو زكاه في المحرم ثم أداوه في رجب، أي: شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب فحوله إلى محرم، وقيل: حوله وسط بين حول الأصل ووقت الإدارة كربيع الثاني. (ولا تقوم الأواني) التي توضع فيها سلع التجارة كالزلع، (والآلات) ؟ كالمنوال والمنشار والقدوم والمحراث (وبهيمة العمل) من حمل وحرث وغيرهما؛ لبقاء عينها فأشبهت القنية.
(وإن اجتمع) لشخص (احتكار) في عرض (وإدارة) في آخر (وتساويا أو احتكر الأكثر) وأدار في الأقل (فكل) من العرضين (على حكمه) في الزكاة (وإلا) بأن أدار أكثر سلعه واحتكر الأقل (فالجميع للإدارة) وبطل حكم الاحتكار.
(6/275)

3 - النقل عن الشافعية:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة (باب زكاة التجارة) : (أخبرنا) الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس: أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عنقي آدمة أحملها، فقال عمر: (ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟) فقلت: يا أمير المؤمنين، مالي غير هذه التي على ظهري واهبة في القرظ، فقال: (ذاك مال فضع) فوضعتها
(6/275)

بين يديه، فحسبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة. (أخبرنا) الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان قال حدثنا ابن عجلان عن أبي الزناد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه مثله، أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن رزيق (1) بن حكيم: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: (أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئا) . (قال الشافعي) : ويعد له حتى يحول عليه الحول فيأخذ، ولا يأخذ منهم حتى يعلموا أن الحول قد حال على ما يأخذ منه. (قال الشافعي) : ونوافقه في قوله: فإن نقصت ثلث دينار فدعها. ونخالفه في أنها إذا نقصت عن عشرين دينارا أقل من حبة لم نأخذ منها شيئا؛ لأن الصدقة إذا كانت محدودة بأن لا يؤخذ إلا من عشرين دينارا، فالعلم يحيط أنها لا يؤخذ من أقل من عشرين دينارا بشيء ما كان الشيء. (قال الشافعي) : وبهذا كله نأخذ، وهو قول أكثر من حفظت عنه وذكر لي عنه من أهل العلم بالبلدان.
__________
(1) ويقال: زريق، ثقة من السادسة، وأبوه بالتكبير والتصغير، كذا في التقريب.
(6/276)

(قال الشافعي) : والعروض التي لم تشتر للتجارة من الأموال ليس فيها زكاة بأنفسها، فمن كانت له دور أو حمامات لغلة أو غيرها أو ثياب كثرت أو قلت، أو رقيق كثر أو قل فلا زكاة فيها، وكذلك لا زكاة في غلاتها حتى يحول عليها الحول في يدي مالكها، وكذلك كتابة المكاتب وغيره لا زكاة فيها إلا بالحول له، وكذلك كل مال ما كان ليس بماشية ولا حرث ولا ذهب ولا فضة يحتاج إليه، أو يستغني عنه، أو يستغل ما له غلة منه، أو يدخره ولا يريد بشيء منه التجارة فلا زكاة عليه في شيء منه بقيمة، ولا في غلته ولا في ثمنه لو باعه إلا أن يبيعه أو يستغله ذهبا أو ورقا، فإذا حال على ما نض بيده من ثمنه حول زكاه، وكذلك غلته إذا كانت مما يزكى من سائمة إبل أو بقر أو غنم أو ذهب أو فضة، فإن أكرى شيئا منه بحنطة أو زرع مما فيه زكاة فلا زكاة عليه فيه، حال عليه الحول أو لم يحل؛ لأنه لم يزرعه فتجب عليه فيه الزكاة، وإنما أمر الله عز وجل أن يؤتى حقه يوم حصاده، وهذا دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع.
(قال الربيع) : قال أبو يعقوب: وزكاة الزرع على بائعه؟ لأنه لا يجوز بيع الزرع في قول من يجيز بيع الزرع إلا بعد أن يبيض.
(قال أبو محمد الربيع) : وجواب الشافعي فيه على قول من يجيز بيعه، فأما هو فكان لا يرى بيعه في سنبله إلا أن يثبت فيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتبع.
(قال الشافعي) : ولا اختلاف بين أحد علمته أن من أدى عشر أرضه ثم حبس طعامها أحوالا لم يكن عليه فيه زكاة.
(6/277)

(قال الشافعي) : ومن ملك شيئا من هذه العروض بميراث أو هبة أو وصية أو أي وجوه الملك ملكها به إلا الشراء، أو كان متربصا يريد به البيع، فحالت عليه أحوال فلا زكاة عليه فيه؛ لأنه ليس بمشترى للتجارة.
(قال الشافعي) : ومن اشترى من العروض شيئا مما وصفت أو غيره مما لا تجب فيه الزكاة بعينه بذهب أو ورق أو عرض، أو بأي وجوه الشراء الصحيح كان أحصى يوم ملكه ملكا صحيحا، فإذا حال عليه الحول من يوم ملكه وهو عرض في يده للتجارة فعليه أن يقومه بالأغلب من نقد بلده، دنانير كانت أو دراهم، ثم يخرج زكاته من المال الذي قومه به.
(قال الشافعي) : وهكذا إن باع عرضا منه بعرض اشتراه للتجارة قوم العرض الثاني بحوله يوم ملك العرض الأول للتجارة، ثم أخرج الزكاة من قيمته، وسواء غبن فيما اشتراه منه أو غبن عامة إلا أن يغبن بالمحاباة وجاهلا به؛ لأنه بعينه لا اختلاف فيما تجب عليه الزكاة منه. (قال الشافعي) : وإذا اشترى العرض بنقد تجب فيه الزكاة أو عرض تجب في قيمته الزكاة حسب ما أقام المال في يده ويوم اشترى العرض، كأن المال أو العرض الذي اشترى به العرض للتجارة أقام في يده ستة أشهر، ثم اشترى به عرضا للتجارة فأقام في يده ستة أشهر فقد حال الحول على المالين معا، الذي كان أحدهما مقام الآخر، وكانت الزكاة واجبة فيهما معا، فيقوم العرض الذي في يده فيخرج منه زكاته.
(قال الشافعي) : فإن كان في يده عرض لم يشتره، أو عرض اشتراه
(6/278)

لغير تجارة ثم اشترى به عرضا للتجارة لم يحسب ما أقام العرض الذي اشترى به العرض الآخر، وحسب من يوم اشترى العرض الآخر، فإذا حال الحول من يوم اشتراه زكاه؛ لأن العرض الأول ليس مما تجب فيه الزكاة بحال.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا للتجارة بدنانير أو بدراهم أو شيء تجب فيه الصدقة من الماشية، وكان أفاد ما اشترى به ذلك العرض من يومه لم يقوم العرض حتى يحول الحول يوم أفاد ثمن العرض ثم يزكيه بعد الحول.
(قال الشافعي) : ولو أقام هذا العرض في يده ستة أشهر، ثم باعه بدراهم أو دنانير فأقامت في يده ستة أشهر زكاه، وكانت كدنانير أو دراهم أقامت في يده ستة أشهر؛ لأنه لا يجب في العرض زكاة إلا بشرائه على نية التجارة؛ فكان حكمه حكم الذهب والورق التي حال عليها الحول في يده.
(قال الشافعي) : ولو كانت في يده مائتا درهم ستة أشهر، ثم اشترى بها عرضا فأقام في يده حتى يحول عليه حول من يوم ملك المائتي درهم التي حولها فيه لتجارة عرضا، أو باعه بعرض لتجارة فحال عليه الحول من يوم ملك المائتي درهم، أو من يوم زكى المائتي درهم قومه بدراهم ثم زكاه لا يقومه بدنانير إذا اشتراه بدراهم، وإن كانت الدنانير الأغلب من نقد البلد، وإنما يقومه بالأغلب إذا اشتراه بعرض للتجارة.
(قال الشافعي) : ولو اشتراه بدراهم ثم باعه بدنانير قبل أن يحول الحول عليه من يوم ملك الدراهم التي صرفها فيه، أو من يوم زكاه فعليه
(6/279)

الزكاة من يوم ملك الدراهم التي اشتراه بها إذا كانت مما تجب فيه الزكاة، وذلك أن الزكاة تجوز في العرض بعينه فبأي شيء بيع العرض ففيه الزكاة، وقوم الدنانير التي باعه بها دراهم ثم أخذ زكاة الدراهم، ألا ترى أنه يباع بعرض فيقوم فتؤخذ منه الزكاة ويبقى عرضا فيقوم فتؤخذ منه الزكاة، فإذا بيع بدنانير زكيت الدنانير بقيمة الدراهم.
(قال الربيع) : وفيه قول آخر: أن البائع إذا اشترى السلعة بدراهم فباعها بدنانير، فالبيع جائز ولا يقومها بدراهم ولا يخرج لها زكاة من قبل أن في الدنانير بأعيانها زكاة، فقد تحولت الدراهم دنانير فلا زكاة فيها.
وأصل قول الشافعي: أنه لو باع بدراهم قد حال عليها الحول إلا يوم بدنانير لم يكن عليه في الدنانير زكاة حتى يبتدئ لها حولا كاملا، كما لو باع بقرا أو غنما بإبل قد حال الحول على ما باع إلا يوم استقبل حولا بما اشترى إذا كانت سائمة.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا لا ينوي بشرائه التجارة فحال عليه الحول أو لم يحل ثم نوى به التجارة لم يكن عليه فيه زكاة بحال حتى يبيعه ويحول على ثمنه الحول؛ لأنه إذا اشتراه لا يريد به التجارة كان كما ملك بغير شراء لا زكاة فيه.
(قال الشافعي) : ولو اشترى عرضا يريد به التجارة فلم يحل عليه حول من يوم اشتراه حتى نوى به أن يقتنيه ولا يتخذه لتجارة، لم يكن عليه فيه زكاة كان أحب إلي لو زكاه، وإنما يبين أن عليه زكاته إذا اشتراه يريد به التجارة، ولم تنصرف نيته عن إرادة التجارة به، فأما إذا انصرفت نيته عن إرادة التجارة فلا أعلمه أن عليه فيه زكاة.
(6/280)

وهذا مخالف لماشية سائمة أراد علفها فلا ينصرف عن السائمة حتى يعلفها. فأما نية القنية والتجارة فسواء، لا فرق بينهما إلا بنية المالك.
(قال الشافعي) : ولو كان لا يملك إلا أقل من مائتي درهم أو عشرين مثقالا، فاشترى بها عرضا للتجارة، فباع العرض بعدما حال عليه الحول أو عنده أو قبله بما تجب فيه الزكاة - زكى العرض من يوم ملك العرض لا يوم ملك الدراهم؛ لأنه لم يكن في الدراهم زكاة لو حال عليها الحول وهي بحالها.
(قال الشافعي) : ولو كانت الدنانير أو الدراهم التي لا يملك غيرها التي اشترى بها العرض أقامت في يده أشهرا لم يحسب مقامها في يده؛ لأنها كانت في يده لا تجب فيها الزكاة، وحسب للعرض حول من يوم ملكه، وإنما صدقنا العرض من يوم ملكه أن الزكاة وجبت فيه بنفسه بنية شرائه للتجارة إذا حال الحول من يوم ملكه، وهو مما تجب فيه الزكاة؛ لأني كما وصفت من أن الزكاة صارت فيه نفسه ولا أنظر فيه إلى قيمته في أول السنة ولا في وسطها؛ لأنه إنما تجب فيه الزكاة إذا كانت قيمته يوم تحل الزكاة مما تجب فيه الزكاة، وهو في هذا يخالف الذهب والفضة. ألا ترى أنه لو اشترى عرضا بعشرين دينارا وكانت قيمته يوم يحول الحول أقل من عشرين سقطت فيه الزكاة؛ لأن هذا بين أن الزكاة تحولت فيه وفي ثمنه إذا بيع لا فيما اشترى به.
(قال الشافعي) : وسواء فيما اشتراه لتجارة كل ما عدا الأعيان التي فيها الزكاة بأنفسها من رقيق وغيرهم؛ فلو اشترى رقيقا لتجارة فجاء عليهم الفطر وهم عنده - زكى عنهم زكاة الفطر إذا كانوا مسلمين وزكاة
(6/281)

التجارة بحولهم، وإن كانوا مشركين زكى عنهم التجارة وليست عليه فيهم زكاة الفطر.
(قال) : وليس في شيء اشتري لتجارة زكاة الفطر غير الرقيق المسلمين، وزكاته غير زكاة التجارة. ألا ترى أن زكاة الفطر على عدد الأحرار الذين ليسوا بمال، وإنما هي طهور لمن لزمه اسم الإيمان.
(قال الشافعي) : ولو اشترى دراهم بدنانير أو بعرض أو دنانير بدراهم أو بعرض يريد بها التجارة فلا زكاة فيما اشترى منها إلا بعدما يحول عليه الحول من يوم ملكه، كأنه ملك مائة دينار أحد عشر شهرا ثم اشترى بها مائة دينار أو ألف درهم. فلا زكاة في الدنانير الآخرة ولا الدراهم، حتى يحول عليها الحول من يوم ملكها؛ لأن الزكاة فيها بأنفسها.
(قال الشافعي) : وهكذا إذا اشترى سائمة من إبل أو بقر أو غنم بدنانير أو دراهم أو غنم أو إبل أو بقر، فلا زكاة فيما اشترى منها حتى يحول عليها الحول في يده من يوم ملكه، اشتراه بمثله أو غيره مما فيه الزكاة. ولا زكاة فيما أقام في يده ما اشتراه ما شاء أن يقيم؛ لأن الزكاة فيه بنفسه لا بنية للتجارة ولا غيرها.
(قال الشافعي) : وإذا اشترى السائمة لتجارة زكاها زكاة السائمة لا زكاة التجارة، وإذا ملك السائمة بميراث أو هبة أو غيره زكاها بحولها زكاة السائمة، وهذا خلاف التجارات.
(قال الشافعي) : وإذا اشترى نخلا وأرضا للتجارة زكاها زكاة النخل والزرع، وإذا اشترى أرضا فيها غراس غير نخل أو كرم أو زرع غير حنطة (قال أبو يعقوب والربيع) : وغير ما فيها الركاز لتجارة زكاها زكاة
(6/282)

التجارة؛ لأن هذا مما ليس فيه بنفسه زكاة وإنما يزكى زكاة التجارة.
(قال الشافعي) : ومن قال: لا زكاة في الحلي ولا في الماشية غير السائمة، فإذا اشترى واحدا من هذين للتجارة ففيه الزكاة، كما يكون في العروض التي تشترى للتجارة (1) .
ب - قال الشيرازي: تجب الزكاة في عروض التجارة لما روى أبو ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته (2) » ، ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية.
ج - وقال النووي على ذلك: هذا الحديث رواه الدارقطني في [سننه] والحاكم أبو عبد الله في [المستدرك] والبيهقي بأسانيدهم، ذكره الحاكم بإسنادين، ثم قال: هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم.
(قوله) : «وفي البز صدقته» هو بفتح الباء وبالزاي، هكذا رواه جميع الرواة، وصرح بالزاي الدارقطني والبيهقي، ونصوص الشافعي - رضي الله عنه - القديمة والجديدة متظاهرة على وجوب زكاة التجارة.
قال أصحابنا: (قال الشافعي - رضي الله عنه - في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة:
فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة، وهذا أحب إلينا) . هذا نصه.
__________
(1) [الأم] (2 \ 39) وما بعدها
(2) مسند أحمد بن حنبل (5/179) .
(6/283)

فقال القاضي أبو الطيب وآخرون: هذا ترديد قول، فمنهم من قال في القديم: قولان في وجوبها، ومنهم من لم يثبت هذا القديم، واتفق القاضي أبو الطيب وكل من حكى هذا القديم على أنه الصحيح في القديم أنها تجب، كما نص عليه في الجديد، والمشهور للأصحاب الاتفاق على أن مذهب الشافعي (رض) وجوبها، وليس في هذا المنقول عن القديم إثبات قول بعدم وجوبها، وإنما أخبر عن اختلاف الناس، وبين أن مذهبه الوجوب بقوله: وهذا أحب إلي، والصواب الجزم بالوجوب، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين.
قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال: رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وطاوس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، والنخعي ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان وأصحابه، وأحمد وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد.
وحكى أصحابنا عن داود وغيره من أهل الظاهر أنهم قالوا: لا تجب. وقال ربيعة ومالك: لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير، فإذا نضت لزمه زكاة عام واحد.
واحتجوا: بالحديث الصحيح: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة (1) » وهو في [الصحيحين] ، وقد سبق بيانه، وبما جاء عن ابن
__________
(1) سنن النسائي الزكاة (2469) .
(6/284)

عباس أنه قال: لا زكاة في العروض.
واحتج أصحابنا بحديث أبي ذر المذكور، وهو صحيح كما سبق، وعن سمرة قال: (أما بعد: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع (1) » رواه أبو داود في أول كتاب الزكاة، وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم، ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده.
وعن حماس - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم وآخره سين مهملة - وكان يبيع الأدم قال: (قال لي عمر بن الخطاب: يا حماس، أد زكاة مالك، فقلت: ما لي مال، إنما أبيع الأدم، قال: قومه، ثم أد زكاته، ففعلت) رواه الشافعي وسعيد بن منصور الحافظ في [مسنده] والبيهقي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح.
وأما الجواب عن حديث: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة (2) » : فهو محمول على ما ليس للتجارة، ومعناه: لا زكاة في عينه بخلاف الأنعام، وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث، وأما قول ابن عباس فهو ضعيف الإسناد ضعفه الشافعي رضي الله عنه والبيهقي وغيرهما، قال البيهقي: ولو صح لكان محمولا على عرض ليس للتجارة ليجمع بينه وبين الأحاديث والآثار السالفة، ولما روى ابن المنذر عنه من وجوب زكاة التجارة كما سبق (3)
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1562) .
(2) سنن النسائي الزكاة (2469) .
(3) [المهذب] ، و [المجموع] (6 \ 43) .
(6/285)

د - قال الشيرازي: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: (أحدهما) : أن يملكه بعقد فيه عوض كالبيع والإجارة والنكاح والخلع. (والثاني) : أن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة، وأما إذا ملكه بإرث أو وصية أو هبة من غير شرط الثواب فلا تصير للتجارة بالنية، وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة.
وقال الكرابيسي من أصحابنا: إذا ملك عرضا ثم نوى أنه للتجارة صار للتجارة، كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية والمذهب الأول؛ لأنه ما لم يكن للزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى إسامتها، ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة؛ لأن القنية هي الإمساك بنية القنية، وقد وجد الإمساك والنية، والتجارة هي التصرف بنية التجارة، وقد وجدت النية ولم يوجد التصرف فلم يصر للتجارة.
هـ- قال النووي: (الشرح) قوله: من أصله، احتراز من حلي الذهب والفضة إذا قلنا: لا زكاة فيه، فنوى استعماله في حرام أو نوى كنزه واقتناه فإنه يجب فيه الزكاة كما سبق؛ لأن أصله الزكاة.
قال أصحابنا: مال التجارة هو كل ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة. وتفصيل هذه القيود: أن مجرد نية التجارة يصير به المال للتجارة. فلو كان له عرض قنية ملكه بشراء أو غيره فجعله للتجارة لم يصر للتجارة، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وقال الكرابيسي: يصير للتجارة، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر المصنف دليل الوجهين.
(6/286)

أما إذا اقترنت نية التجارة بالشراء، فإن المشترى يصير للتجارة ويدخل في الحول بنفس الشراء، سواء اشتراه بعرض أو نقد أو دين حال أو مؤجل، وإذا صار للتجارة استمر حكمها، ولا يحتاج في كل معاملة إلى نية أخرى بلا خلاف، بل النية مستصحبة كافية، وفي معنى الشراء ما لو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عوض بنية التجارة فإنه يصير للتجارة بلا خلاف، سواء كان الدين قرضا أو ثمن مبيع أو ضمان متلف، وهكذا الاتهاب بشرط الثواب إذا نوى به التجارة صار للتجارة. صرح به البغوي وغيره.
وأما الهبة بلا ثواب والاحتطاب والاحتشاش والاصطياد فليست من أسباب التجارة ولا أثر لاقتران النية بها، ولا يصير العرض للتجارة بلا خلاف، لفوات الشرط، وهو المعاوضة، وهكذا الرد بالعيب والاسترداد. فلو باع عرض قنية بعرض قنية ثم وجد بما أخذه عيبا فرده واسترد الأول على قصد التجارة، أو وجد صاحبه بما أخذ عيبا فرده فقصد المردود عليلا بأخذه للتجارة- لم يصر للتجارة.
ولو كان عنده ثوب قنية فاشترى به عبدا للتجارة ثم رد عليه الثوب بالعيب انقطع حول التجارة ولا يكون الثوب للتجارة، بخلاف ما لو كان الثوب للتجارة أيضا فإنه يبقى حكم التجارة فيه، كما لو باع عرض التجارة واشترى بثمنه عرضا آخر، وكذا لو تبايع التاجران ثم تعاملا - يستمر حكم التجارة في المالين.
ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبد للقنية، فرد عليه الثوب بالعيب لم يعد إلى حكم التجارة؛ لأن قصد القنية حول التجارة، وليس الرد
(6/287)

والاسترداد من التجارة، كما لو قصد القنية بمال التجارة الذي عنده فإنه يصير قنية بالاتفاق. فلو نوى بعد ذلك جعله للتجارة لا يؤثر حتى تقترن النية بتجارة جديدة. ولو خالع وقصد بعرض الخلع التجارة في حال المخالعة، أو زوج أمته أو تزوجت الحرة ونويا حال العقد التجارة في الصد اق، فطريقان:
(أصحهما) : - وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين - يكون مال تجارة، وينعقد الحول من حينئذ؛ لأنها معاوضة ثبتت فيها الشفعة كالبيع.
(والثاني) : وهو مشهور في طريقة الخراسانيين، وذكر بعض العراقيين، فيه وجهان: (أصحهما) : هذا، (والثاني) : لا يكون للتجارة؟ لأنهما ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة، وطرد الخراسانيون الوجهين في المال المصالح به عن الدم، والذي أجر به نفسه أو ماله إذا نوى بهما التجارة، وفيما إذا كان يصرفه في المنافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤجرها للتجارة، فالمذهب في الجميع مصيره للتجارة. هذا كله فيما يصير به العرض للتجارة، ثم إذا صار للتجارة ونوى به القنية صار للقنية وانقطع حكم التجارة بلا خلاف؟ لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى (1) .
__________
(1) [المهذب] ، و [المجموع] (6 \ 45) وما بعدها.
(6/288)

4 - النقل عن الحنابلة:
أ - قال الخرقي: (والعروض إذا كانت لتجارة قومها إذا حال عليها
(6/288)

الحول وزكاها) .
ب- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: العروض: جمع عرض، وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال. فمن ملك عرضا للتجارة فحال عليه حول، وهو نصاب قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته. ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول.
وقد دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1) » .
إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول.
وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي.
وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد، إلا أن يكون مدبرا؛ لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه، فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عينا. ولنا: أنه مال تجب الزكاة فيه في الحول الأول لم ينقص عن النصاب، ولم تتبدل صفته فوجبت زكاته في الحول الثاني، كما لو نص في أوله. ولا نسلم أنه إذا لم يكن في أوله عينا لا تجب الزكاة فيه، وإذا اشترى عرضا للتجارة تعرض للقنية جرى في حول الزكاة من حين اشتراه. (فصل) : ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: أحدهما: أن يملكه بفعله؛ كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات؛ لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة
__________
(1) سنن الترمذي الزكاة (632) .
(6/289)

بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم، ولا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض. ذكر ذلك أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأنه ملكه بفعله أشبه الموروث. والثاني: أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة، فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وإن نواه بعد ذلك، وإن ملكه بإرث، وقصد أنه للتجارة لم يصر للتجارة؛ لأن الأصل القنية، والتجارة عارض، فلم يصر إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر، لم يثبت له حكم بدون الفعل. وعن أحمد رواية أخرى أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية؛ لقول سمرة: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع (1) » ، فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله، ولا أن يكون في مقابلة عوض، بل متى نوى به التجارة صار للتجارة (2) وقال ابن قدامة: تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس.
وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي.
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1562) .
(2) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (2 \ 623) .
(6/290)

وحكي عن مالك وداود: أنه لا زكاة فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (1) » .
ولنا: ما روى أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «يأمرنا أن نخرج مما نعده للبيع (2) » ، وروى الدارقطني عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته (3) » قال: بالزاي، ولا خلاف أنها لا تجب في عينه، وثبت أنها في قيمته.
وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: (أمرني عمر، فقال: أد زكاة مالك. فقلت: مالي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قومها ثم أد زكاتها) رواه الإمام أحمد وأبو عبيد.
وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا. وخبرهم المراد به: زكاة العين لا زكاة القيمة، بدليل ما ذكرنا، على أن خبرهم عام وخبرنا خاص فيجب تقديمه (4) . ج - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو
__________
(1) سنن الترمذي الزكاة (620) ، سنن النسائي الزكاة (2477) ، سنن أبو داود الزكاة (1574) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1790) ، مسند أحمد بن حنبل (1/132) ، سنن الدارمي الزكاة (1629) .
(2) سنن أبو داود الزكاة (1562) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (5/179) .
(4) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (2 \ 622)
(6/291)

عبيد. وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود، عن سمرة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم «يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (1) » وروي عن حماس قال: (مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك، فقلت: ما لي إلا جعاب وأدم، فقال: قومها ثم أد زكاتها) ، واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع.
وأما مالك، فمذهبه: أن التجار على قسمين: متربص ومدير. فالمتربص: وهو الذي يشتري السلع ينتظر بها الأسواق، فربما أقامت السلع عنده سنين- فهذا عنده لا زكاة عليه، إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد.
وحجته: أن الزكاة شرعت في الأموال النامية، فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن شرائها فيتضرر. فإذا زكيت عند البيع، فإن كانت ربحت فالربح كان كامنا فيها. فيخرج زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب، ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل.
وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول، فلا يستقر بيده سلعة، فهذا يزكي في السنة الجميع، يجعل لنفسه شهرا معلوما يحسب ما بيده من السلع والعين، والدين الذي على المليء الثقة، ويزكي الجميع. هذا إذا كان ينض في يده في أثناء السنة، ولو درهم، فإن لم يكن يبيع بعين أصلا، فلا زكاة عليه عنده (2)
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1562) .
(2) [مجموع الفتاوى] (25 \ 15، 16) .
(6/292)

د - قال ابن مفلح: وهي واجبة، واحتج الأصحاب - رحمهم الله - بما روي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني حبيب بن سليمان ابن سمرة عن أبيه سليمان بن سمرة قال: (أما بعد، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان «يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع (1) » رواه أبو داود.
وروي أيضا بهذا السند نحو ستة أخبار، منها: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) . ومنها: (من كتم غالا فإنه مثله) وهذا الإسناد لا ينهض مثله لشغل الذمة؛ لعدم شهرة رجاله ومعرفة عدالتهم، وحبيب تفرد عنه جعفر ووثقه ابن حبان. وقال ابن حزم: جعفر وحبيب مجهولان. وقال الحافظ عبد الحق: حبيب ضعيف وليس جعفر ممن يعتمد عليه. وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله (2) وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم. وأفرد الحافظ عبد الغني المقدسي بقوله: إسناده مقارب عن أبي ذر مرفوعا: «وفي البز صدقة» رواه أحمد، ورواه الحاكم عن طريقين، وصحح إسنادهما، وأنه على شرطهما، ورواه الدارقطني وعنده قاله بالزاي.
وذكر بعضهم: أن جميع الرواة رووه بالزاي، وفي صحة هذا الخبر نظر، ويدل على ضعفهما أن أحمد إنما احتج بقول عمر رضي الله عنه
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1562) .
(2) في الطبعة الأولى: وقال ابن القطان: (هو ممن لا يعرف حاله) والتصويب من المخطوطين.
(6/293)

لحماس: أد زكاة مالك، فقال: ما لي إلا جعاب وأدم. قال: قومها ثم أد زكاتها. رواه أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه.
ورواه (سعيد، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني أبو عمرو ابن حماس أن أباه أخبره) .
ورواه أبو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما وهو مشهور.
وسأل الميموني أبا عبد الله عن قول ابن عباس في الذي يحول عنده المتاع للتجارة، قال: يزكيه بالثمن الذي اشتراه فقلت: ما أحسنه! فقال: أحسن منه حديث: (قومه) ، وروى ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد الله عن نافع (1) عن ابن عمر قال: يعمل في العروض زكاة إلا عرضا (2) في تجارة.
ورواه سعيد بمعناه في طريق آخر، وهذا صحيح عن ابن عمر، وأما (أبو عمرو) (3) عن أبيه، فحماس لا تعرف عدالته، واحتج صاحب [المحرر] بأنه إجماع متقدم، واعتمد على قول ابن المنذر، وإنما قال: أجمع عامة أهل العلم على أن في العروض التي تراد للتجارة الزكاة. وذكر الشافعي في القديم: أن الناس اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم:
__________
(1) في الطبعة الأولى: (عبيد الله عن عبد الله عن نافع) ، والتصويب من المخطوطين.
(2) في مخطوط الأزهر: إلا عرض.
(3) أبو عمرو: زيادة منا.
(6/294)

لا زكاة، وقال بعضهم: تجب. قال: وهو أحب إلينا، ومن أصحابه (1) من أثبت له قولا في القديم لا تجب، وحكى أحمد هذا عن مالك وهو قول داود، واحتج بظواهر العفو عن صدقة الخيل والرقيق والحمر، ولأن الأصل عدم الوجوب.
ويتوجه هنا ما سبق في زكاة العسل، وقد يتوجه تخريج من نية الأضحية مع الشراء لا تصير أضحية فلم تؤثر النية مع الفعل في نقل حكم الأصل.
وفرق القاضي من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن أن ينوي بها أضحية بعد حصول الملك فهذا لم يصح مع الملك، وهنا لا تصح نية التجارة بعد حصول الملك، فلهذا صح أن ينوي مع الملك.
والثاني: أن الشراء يملك به، ونية الأضحية سبب يزيل الملك فلم يقع الملك، وسبب زواله بمعنى واحد، والزكاة لا تزيل الملك ولا هي سبب في إزالته والشراء يملك به؛ فلهذا صح أن ينوى بها الزكاة حين الشراء، كذا قال وفيهما نظر (2) وقال ابن مفلح: ومن طولب بالزكاة فادعى أداءها أو بقاء الحول أو نقص النصاب أو زوال ملكه أو تجدده قريبا أو أن ما بيده لغيره، أو أنه
__________
(1) في الطبعة الأولى: ومن أصحابنا.
(2) [الفروع] (2 \ 502) .
(6/295)

منفرد أو مختلط أو نحو ذلك - قبل قوله (و) بلا يمين، نص عليه، قاله بعضهم، وظاهر كلامه لا يشرع. نقل حنبل: لا يسأل المتصدق عن شيء ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعا.
قال في [عيون المسائل] : ظاهر قوله: (لا يستحلف الناس على صدقاتهم) لا يجب ولا يستحب؛ لأنها عبادة مؤتمن عليها، كالصلاة والكفارة بخلاف الوصية للفقراء بمال، ويأتي ما يتعلق بهذا في آخر باب الدعاوى.
وقال ابن حامد: يستحلف في الزكاة في ذلك كله ويتوجه احتمال إن اتهم (وم) .
وفي [الأحكام السلطانية] : إن رأى العامل أن يستحلفه فعل، وإن نكل لم يقض عليه بنكوله، وقيل: بلى، وكذلك الحكم في من مر بعاشر وادعى أنه عشره آخر.
قال أحمد رحمه الله: إذا أخذ منه المصدق كتب له براءة، فإذا جاء آخر أخرج إليه براءته.
قال القاضي: وإنما قال ذلك لنفي التهمة عنه. وهل يلزمه الكتابة؟ يأتي فيمن سأل الحاكم أن يكتب له ما ثبت عنده، وإن ادعى التلف بجائحة فسبق في زكاة الثمر، وإن أقر بقدر زكاته ولم يذكر قدر ماله صدق، والمراد وفي اليمين الخلاف (1)
__________
(1) [الفروع] (2 \ 546) ، ويرجع إلى [الإنصاف] (3 \ 190) .
(6/296)

ثالثا الديون التي للإنسان على غيره هل تجب فيها الزكاة؟
قد يكون الدين على مليء، وقد يكون على معسر ومن في حكمه، وقد يكون لازما أو غير لازم، وإذا كان لازما فقد يكون ماشية أو دراهم ودنانير وعروض تجارة. . . إلى غير ذلك من التفاصيل التي يكشفها ما يأتي من النصوص عن فقهاء الإسلام، مع ذكر مستندهم وما ذكروه من المناقشات:
1 - النقل عن الحنفية:
قال الكاساني في الكلام على الشرائط التي ترجع إلى المال:
ومنها: الملك المطلق، وهو: أن يكون مملوكا له رقبة ويدا، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: اليد ليست بشرط.
وهو قول الشافعي، فلا تجب الزكاة في المال الضمار عندنا خلافا لهما، وتفسير مال الضمار: هو كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام الأصل الملك، كالعبد الآبق، والضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم صار له بينة بأن أقر عند الناس، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه، فإن كان مدفونا في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع، وفي المدفون في الكرم والدار الكبيرة اختلاف المشايخ احتجا بعمومات الزكاة من غير فصل، ولأن وجوب الزكاة يعتمد الملك دون اليد بدليل ابن السبيل، فإنه تجب الزكاة في ماله، وإن كانت يده فائتة لقيام ملكه، وتجب الزكاة في الدين
(6/297)

مع عدم القبض، وتجب في المدفون في البيت، فثبت أن الزكاة وظيفة الملك، والملك موجود، فتجب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لعجزه عن الأداء لبعد يده عنه، وهذا لا ينفي الوجوب كما في ابن السبيل.
ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه موقوفا عليه، ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا زكاة في مال الضمار» ، وهو المال الذي لا ينتفع به مع قيام الملك - مأخوذ من البعير الضامر الذي لا ينتفع به لشدة هزاله مع كونه حيا- وهذه الأموال غير منتفع بها في حق المالك لعدم وصول يده إليها؛ فكانت ضمارا، ولأن المال إذا لم يكن مقدور الانتفاع به في حق المالك لا يكون المالك به غنيا، ولا زكاة على غير الغني بالحديث الذي روينا، ومال ابن السبيل مقدور الانتفاع به في حقه بيد نائبه، وكذا المدفون في البيت؛ لأنه يمكنه الوصول إليه بالنبش، بخلاف المفازة؛ لأن نبش كل الصحراء غير مقدور له، وكذا الدين المقر به إذا كان المقر مليا فهو ممكن الوصول إليه، وأما الدين المجحود فإن لم يكن له بينة فهو على الاختلاف، وإن كان له بينة اختلف المشايخ فيه.
قال بعضهم: تجب الزكاة فيه؟ لأنه يمكن الوصول إليه بالبينة، فإذا لم يقم البينة فقد ضيع القدرة فلم يعذر.
وقال بعضهم: لا تجب؛ لأن الشاهد قد يفسق إلا إذا كان القاضي عالما بالدين؛ لأنه يقضي بعلمه فكان مقدور الانتفاع به، وإن كان المديون يقر في السر ويجحد في العلانية فلا زكاة فيه، كذا روي عن أبي يوسف؛ لأنه لا ينتفع بإقراره في السر، فكان بمنزلة الجاحد سرا
(6/298)

وعلانية، وإن كان المديون مقرا بالدين لكنه مفلس، فإن لم يكن مقضيا عليه بالإفلاس تجب الزكاة فيه في قولهم جميعا.
وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه؛ لأن الدين على المعسر غير منتفع به فكان ضمارا. والصحيح قولهم؛ لأن المفلس قادر على الكسب والاستقراض مع أن الإفلاس محتمل الزوال ساعة فساعة إذ المال غاد ورائح وإن كان مقضيا عليه بالإفلاس فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا زكاة فيه.
فمحمد مر على أصله؛ لأن التفليس عنده يتحقق وأنه يوجب زيادة عجز؛ لأنه يسد عليه باب التصرف؛ لأن الناس لا يعاملونه، بخلاف الذي لم يقض عليه بالإفلاس، وأبو حنيفة مر على أصله؛ لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في حال الحياة والقضاء به باطل، وأبو يوسف وإن كان يرى التفليس، لكن المفلس قادر في الجملة بواسطة الاكتساب، فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة، فكان أثر التفليس في تأخير المطالبة إلى وقت اليسار، فكان كالدين المؤجل، فتجب الزكاة فيه. ولو دفع إلى إنسان وديعة ثم نسي المودع، فإن كان المدفوع إليه من معارفه فعليه الزكاة فيما مضى إذا تذكر؛ لأن نسيان المعروف نادر، فكان طريق الوصول قائما، وإن كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى، لتعذر الوصول إليه.
ولا زكاة في دين الكتابة والدية على العاقلة؛ لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة؛ لأنه لا يجب للمولى على عبده دين؛ فلهذا لم تصح الكفالة به، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، إذ هو ملك المولى من
(6/299)

وجه، وملك المكاتب من وجه؛ لأن المكاتب في اكتسابه كالحر، فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقا، بل كان ناقصا، وكذا الدية على العاقلة، ملك ولي القتيل فيها متزلزل، بدليل أنه لو مات واحد من العاقلة سقط ما عليه، فلم يكن ملكا مطلقا، ووجوب الزكاة وظيفة الملك المطلق.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في الدين الذي وجب للإنسان لا بدلا عن شيء رأسا؛ كالميراث الدين، والوصية بالدين، أو وجب بدلا عما ليس بمال أصلا، كالمهر للمرأة على الزوج، وبدل الخلع للزوج على المرأة، والصلح، عن دم العمد: أنه لا تجب الزكاة فيه.
وجملة الكلام في الديون: أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة:
دين قوي، ودين ضعيف، ودين وسط.
كذا قال عامة مشايخنا.
أما القوي: فهو الذي وجب بدلا عن مال التجارة، كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة وعبيد التجارة أو غلة مال التجارة، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما، أدى درهما واحدا، وعند أبي يوسف ومحمد كلما قبض شيئا يؤدي زكاته قل المقبوض أو كثر.
وأما الدين الضعيف: فهو الذي وجب له بدلا عن شيء وجب له بغير صنعه كالميراث، أو بصنعه كالوصية، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن القصاص وبدل الكتابة، ولا زكاة فيه ما
(6/300)

لم يقبض كله ويحول عليه الحول بعد القبض، وأما الدين الوسط: فما وجب له بدلا عن مال ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة وثمن ثياب البذلة والمهنة، وفيه روايتان عنه، ذكر في الأصل أنه تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض وهو أصح الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية تجب الزكاة فيها قبل القبض، إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلا ما لم تقبض ويحول عليها الحول. وجه قولهما: أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملك صاحب الدين ملكا مطلقا رقبة ويدا لتمكنه من القبض بقبض بدله وهو العين؟ فتجب فيه الزكاة كسائر الأعيان المملوكة ملكا مطلقا، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لأنه ليس في يده حقيقة، فإذا حصل في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض، كما هو مذهبهما في العين فيما زاد على النصاب، بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ليس بملك مطلق، بل هو ملك ناقص على ما بينا. والله أعلم.
ولأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الدين ليس بمال، بل هو فعل واجب، وهو فعل تمليك المال وتسليمه إلى صاحب الدين، والزكاة إنما تجب في المال، فإذا لم
(6/301)

يكن مالا لا تجب فيه الزكاة، ودليل كون الدين فعلا من وجوه ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في [الخلافيات] كان ينبغي أن لا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول، إلا أن ما وجب له بدلا عن مال التجارة أعطي له حكم المال؟ لأن بدل الشيء قائم مقامه كأنه هو، فصار كأن المبدل قائم في يده وأنه مال التجارة وقد حال عليه الحول في يده.
والثاني: إن كان الدين مالا مملوكا أيضا لكنه مال لا يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال حقيقة، بل هو مال حكمي في الذمة وما في الذمة لا يمكن قبضه فلم يكن مالا مملوكا رقبة ويدا، فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار، فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها، لنقصان الملك بفوات اليد، إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض؛ لكونه بدل مال التجارة، قابل للقبض، والبدل يقام مقام المبدل، والمبدل عين قائمة قابلة للقبض، فكذا ما يقوم مقامه، وهذا المعنى لا يوجد فيما ليس ببدل رأسا، ولا فيما هو بدل عما ليس بمال، وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة أنه لا تجب فيه الزكاة ما لم يقبض قدر النصاب ويحول عليه الحول بعد القبض؛ لأن الثمن بدل مال ليس للتجارة فيقوم مقام المبدل، ولو كان المبدل قائما في يده حقيقة لا تجب الزكاة فيه، فكذا في بدله، بخلاف بدل مال التجارة.
وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه الزكاة على نحو الكلام في المال العين إذا كان زائدا على قدر النصاب وحال عليه الحول: فعند أبي حنيفة لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن
(6/302)

أربعين درهما فهاهنا أيضا لا يخرج شيئا من زكاة المقبوض ما لم يبلغ المقبوض أربعين درهما، فيخرج من كل أربعين درهما يقبضها درهما، وعندهما يخرج قدر ما قبض قل المقبوض أو كثر، كما في المال العين إذا كان زائدا على النصاب، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وذكر الكرخي أن هذا إذا لم يكن له مال سوى الدين، فأما إذا كان له مال سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة المستفاد، فيضم إلى ما عنده، والله أعلم (1) .
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2\9) .
(6/303)

2 - النقل عن المالكية:
أ- جاء في [المدونة] تحت عنوان: (زكاة القرض وجميع الدين) :
(قلت) : أرأيت لو أني أقرضت رجلا مائة دينار وقد وجبت علي زكاتها ولم أخرج زكاتها حتى أقرضتها فمكثت عند الذي أقرضتها إياه سنتين ثم ردها ماذا يجب علي من زكاتها.
(فقال) : زكاة عامين وهي الزكاة التي كانت وجبت عليك وزكاة عام بعد ذلك أيضا، وهو قول مالك.
(قلت) : أرأيت دينا لي على رجل، أقرضته مائة دينار فأقام الدين عليه أعواما فاقتضيت منه دينارا واحدا أترى لي أن أزكي هذا الدينار. فقال: لا.
(قلت) : فإن اقتضيت منه عشرين دينارا.
(فقال) : تزكي نصف دينار.
(6/303)

(قلت) : فإن اقتضيت دينارا بعد العشرين دينارا.
(فقال) : تزكي من الدينار ربع عشره.
(قلت) : فإن كان قد أتلف العشرين كلها ثم اقتضى دينارا بعد ما أتلفها.
(فقال) : نعم، يزكيه وإن كان أتلف العشرين؛ لأنه لما اقتضى العشرين صار مالا تجب فيه الزكاة فما اقتضى بعد هذا فهو مضاف إلى العشرين، وإن كانت العشرون قد تلفت.
(قلت) : ولم لا يزكي إذا اقتضى ما دون العشرين.
(فقال) : لأنا لا ندري لعله لا يقتضي غير هذا الدينار، والزكاة لا تكون في أقل من عشرين دينارا.
(قلت) : أليس يرجع هذا الدينار إليه على ملكه الأول وقد حال عليه الحول فلم لا يزكيه.
(فقال) : لأن الرجل لو كانت عنده مائة دينار فمضى لها حول لم يفرط في زكاتها حتى ضاعت كلها إلا تسعة عشر دينارا لم يكن عليه فيها زكاة؛ لأنها قد رجع إلى ما لا زكاة فيه، فكذلك هذا الدين حين اقتضى منه دينارا؛ قلنا له: لا زكاة عليك حتى تقبض ما تجب فيه الزكاة؛ لأنا لا ندري لعلك لا تقتضي غيره فتزكي عن مال لا تجب فيه الزكاة، وإن اقتضى ما تجب فيه الزكاة زكاه ثم يزكي ما اقتضى من الدين من قليل أو كثير.
(قلت) : أرأيت إن كانت عنده عشرون دينارا أو له مائة دينار دين على الناس أيزكي العشرين إن كان الدين قد حال عليه الحول ولم يحل على العشرين الحول؟ فقال: لا.
(6/304)

(قلت) : فإن اقتضى من الدين أقل من عشرين دينارا أيزكيه مكانه؟
قال: لا.
(قلت) : لم؟
(قال) : لأن العشرين التي عنده ليست من الدين وهي فائدة لم يحل عليها الحول.
(قلت) : فإن حال الحول على العشرين التي عنده وقد كان اقتضى من الدين أقل من عشرين دينارا.
(فقال) : يزكي العشرين الدينار الآن وما اقتضى من الدين جميعا.
(قلت) : فإن كان عنده العشرون ولم يقتض من الدين شيئا حتى حال الحول على العشرين ثم اقتضى من الدين دينارا واحدا أيزكي الدينار الذي اقتضى؟ فقال: نعم.
(قلت) : فإن تلفت العشرون بعد الحول فاقتضى بعدها دينارا أيزكيه؟
قال: نعم.
(قلت) : وما الفرق بين ما اقتضى من الدين وبين الفائدة، جعلت ما اقتضى من الدين تجب فيه الزكاة يزكي كل ما اقتضى بعد ذلك، وإن كان الذي اقتضى أولا قد تلف، وجعلته في الفائدة إن تلفت قبل أن يحول عليها الحول ثم اقتضى من الدين شيئا لم يزكه إلا أن يكون قد اقتضى من الدين ما تجب فيه الزكاة.
(فقال) : لأن الفائدة ليست من الدين إنما تحسب الفائدة عليه من يوم ملكها وما اقتضى من الدين يحسب عليه من يوم ملكه، وقد كان ملكه لهذا الدين قبل سنة فهذا فرق ما بينهما.
(6/305)

(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
(قال) ابن القاسم: ولو أن رجلا كانت له مائة دينار فأقامت في يديه ستة أشهر ثم أخذ منها خمسين دينارا فابتاع بها سلعة فباعها بثمن إلى أجل- فإن بقيت الخمسون حتى يحول عليها الحول زكاها، ثم ما اقتضى بعد ذلك من ثمن تلك السلعة من قليل أو كثير زكاه، وإن كانت الخمسون قد تلفت قبل أن يحول عليها الحول وتجب فيها الزكاة فلا زكاة عليه فيما اقتضى حتى يبلغ ما اقتضى عشرين دينارا، فإن بقيت الخمسون في يديه حتى يزكيها ثم أنفقها بعد ذلك فأقام دهرا ثم اقتضى من الدين دينارا فصاعدا فإنه يزكيه؛ لأن هذا الدينار من أصل مال قد وجبت فيه الزكاة وهي الخمسون التي حال عليها فزكاها فالدين على أصل تلك الخمسين؟ لأنه حين وجبت الزكاة في الخمسين صار أصل الدين وأصل الخمسين واحدا في وجوب الزكاة، ويفترقان في أحوالهما، فإنما مثل ذلك مثل الرجل يبيع السلعة بمائة دينار ولا مال له غيرها فتقيم سنة في يدي المشتري ثم يقتضي منها عشرين دينارا فيخرج منها نصف دينار ثم يستهلكها ثم يقتضي بعد ذلك من ذلك الدين شيئا- فما اقتضى من قليل أو كثير فعليه فيه الزكاة؛ لأن أصله كان واحدا.
(قال) : وكل مال كان أصله واحدا أقرضت بعضه أو ابتعت ببعضه سلعة فبعتها بدين وتبقي بعض المال عندك وفيما أبقيت ما تجب فيه الزكاة فلم تتلفه حتى زكيته فهو والمال الذي أقرضت أو ابتعت به سلعة فبعت السلعة بدين فهو أصل واحد يعمل فيه كما يعمل فيه لو ابتيع به كله، فإذا اقتضى مما ابتيع به كله عشرين دينارا وجب فيه نصف دينار وما
(6/306)

اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير ففيه الزكاة، وإن كان قد استهلك العشرين التي اقتضى.
قال: وهو قول مالك.
(قال) ابن القاسم: وكل مال كان أصله واحدا فأسلفت بعضه أو ابتعت ببعضه سلعة وأبقيت منه في يديك مالا تجب الزكاة فيه فحال عليه الحول وهو في يديك ثم أتلفته- فإنه يضاف ما اقتضيت إلى ما كان في يديك مما لا زكاة فيه، فإذا تم ما اقتضيت إلى ما كان في يديك مما أنفقت بعد الحول- فإنه إذا تم عشرين دينارا فعليك فيه الزكاة، ثم ما اقتضيت بعد ذلك من قليل أو كثير فعليك فيه الزكاة.
(قال) : وكل مال كان أصله واحدا فابتعت ببعضه أو أسلفت بعضه وأبقيت في يديك ما لا تجب فيه الزكاة ثم استهلكته قبل أن يحول عليه الحول- فإنه لا يضاف شيء من مالك كان خارجا من دينك إلى شيء منه، وما اقتضيت منه قبل أن يحول عليه الحول فاستهلكته قبل أن يحول عليه الحول- فهو كذلك أيضا لا يضاف إلى ما بقي لك من دينك، ولكن ما حال عليه الحول في يديك مما تجب فيه الزكاة أو لا زكاة فيه فإنه يضاف إلى دينك، فإن كان الذي في يديك مما تجب فيه الزكاة فإنك تزكي ما اقتضيت من قليل أو كثير من دينك وإن كنت قد استهلكته، وإن كان مما لا تجب فيه الزكاة مما حال عليه الحول فاستهلكته بعد الحول- فإنك لا تزكي ما اقتضيت حتى يتم ما اقتضيت، وما استهلكت بعد الحول عشرين دينارا فتخرج زكاتها، ثم ما اقتضيت بعد ذلك من قليل أو كثير فعليك فيه الزكاة.
(6/307)

(قلت) : ما قول مالك في الدين يقيم على الرجل أعواما لكم يزكيه صاحبه إذا قبضه؟ فقال: لعام واحد.
(قلت) : وإن كان الدين مما يقدر على أخذه فتركه، أو كان مفلسا لا يقدر على أخذه منه فأخذه بعد أعوام أهذا عند مالك سواء؟
(قال) : نعم، عليه زكاة عام واحد إذا أخذه، وهذا كله عند مالك سواء.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت له دنانير على الناس فحال عليها الحول فأراد أن يؤدي زكاتها من ماله قبل أن يقبضها؟
(قال) : لا يقدم زكاتها قبل أن يقبضها.
(قال) : وقد قال لي مالك في رجل اشترى سلعة للتجارة فحال عليها الحول قبل أن يبيعها فأراد أن يقدم زكاتها.
(قال) : فقال مالك: لا يفعل ذلك.
(فقال) : فقلت له: إن أراد أن يتطوع بذلك.
(قال) : يتطوع في غير هذا ويدع زكاته حتى يبيع عرضه والدين عندي مثل هذا.
(قال) ابن القاسم: وإن قدم زكاته لم تجزئه، قال: فرأيت الدين مثل هذا.
(قال) أشهب عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر: أن عبد الله بن دينار حدثه عن عبد الله بن عمر: أنه قال: ليس في الدين زكاة حتى يقبض، فإذا قبض فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
(قال) أشهب: قال: وأخبرني ابن أبي الزناد وسليمان بن بلال
(6/308)

والزنجي مسلم بن خالد: أن عمرا مولى المطلب حدثهم أنه سأل سعيد بن المسيب عن زكاة الدين، فقال: ليس في الدين زكاة حتى يقبض فإذا قبض فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
(قال) ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب عن مالك عن يزيد بن خصيفة: أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة؟ فقال: لا.
(قال) ابن وهب عن نافع وابن شهاب: أنه بلغه عنهما مثل قول سليمان.
(قال) ابن وهب عن يزيد بن عياض عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب مثله.
(قال) ابن وهب عن عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح: أنه كان يقول: ليس في الدين زكاة وإن كان في ملاء حتى يقبضه صاحبه.
(قال) سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس في الدين إذا لم يأخذه صاحبه زمانا ثم أخذه أن يزكيه إلا مرة واحدة.
(قال) ابن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن مثله.
(قال) أشهب: قال مالك: والدليل على أن الدين يغيب أعواما ثم يقضيه صاحبه فلا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة: العروض تكون عند الرجل للتجارة فتقيم أعواما ثم يبيعها فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة، فكذلك الدين، وذلك أنه ليس عليه أن يخرج زكاة ذلك الدين أو
(6/309)

العروض من مال سواء لا تخرج زكاة من شيء عن شيء غيره (1)
ب- قال ابن رشد الجد تحت عنوان: (في زكاة الديون) :
الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام:
دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة.
فأما الدين من الفائدة: فإنه ينقسم على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع وما أشبه ذلك- فهذا لا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبض ويحول الحول عليه من بعد القبض ولا دين على صاحبه يسقط عنه الزكاة فيه، وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة لم يوجب ذلك عليه فيه الزكاة.
والثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفوائد- فهذا لا زكاة فيه حتى يقبض ويحول الحول عليه بعد القبض، وسواء كان باعه بالنقد أو بالتأخير.
وقال ابن الماجشون والمغيرة: إن كان باعه بثمن إلى أجل فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه، فإن ترك قبضه فرارا من الزكاة تخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يزكيه لما مضى من الأعوام.
والثاني: أنه يبقى على حكمه فلا يزكيه حتى يحول عليه الحول من بعد قبضه أو حتى يقبضه إن كان باعه بثمن إلى أجل على الاختلاف الذي
__________
(1) [المدونة] (1\219) .
(6/310)

ذكرناه في ذلك.
والثالث: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية- فهذا إن كان باعه بالنقد لم تجب عليه فيه زكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض، وإن كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه، وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة زكاه لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في وجه من وجوه هذا القسم.
الرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة- فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني.
وإن كان قبضه بعد استيفاء العمل مثل أن يؤجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارا فيقبضها معجلة ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يزكي إذا حال الحول ما يجب له من الإجارة وذلك عشرون دينارا؛ لأنه قد بقيت في يده منذ قبضها حولا كاملا، ثم يزكي كل ما مضى له من المدة شيء له بال ما يجب له من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين لانقطاع الثلاثة الأعوام، وهذا يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم، وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة، في مسألة هبة الدين هو عليه بعد حلول الحول عليه.
والثاني: أنه يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار وهو نص ما قاله ابن المواز على قياس القول الأول.
والثالث: أنه لا زكاة عليه في شيء من السنين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر زكى عشرين؛ لأن ما ينوى بها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا بعد شيء فوجب استئناف حول آخر بها منذ
(6/311)

سقوط الدين عنها.
وأما الدين من الغصب ففيه في المذهب قولان: أحدهما: وهو المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القراض. والثاني: أنه يستقبل حولا مستأنفا من يوم يقبضه كدين الفائدة، وقد قيل: إنه يزكيه للأعوام الماضية، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله في مال قبضه بعض الولاة ظلما ثم عقب بعد ذلك بكتاب آخر أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة؛ لأنه كان ضمارا.
وأما دين القرض فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
واختلف هل يقومه المدير أم لا؟
فقيل: إنه يقومه وهو ظاهر ما في [المدونة] .
وقيل: إنه لا يقومه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف فيمن له مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر؛ لأن المدير إذا أقرض من المال الذي يدير قرضا فقد أخرجه بذلك عن الإدارة.
وأما دين التجارة فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة، يقومه المدير ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام كما يقوم المدير عروض التجارة، ولا يزكيها غير المدير حتى يبيع فيزكيها زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، وإذا قبض من الدين أقل من نصاب أو باع من العروض بعد أن حال عليه الحول بأقل من نصاب- فلا زكاة عليه حتى يقبض تمام النصاب، أو يبيع بتمامه، فإذا كمل عنده تمام
(6/312)

النصاب زكى جميعه، كان ما قبض أولا قائما بيده، أو كان قد أنفقه.
واختلف إن كان تلف من غير سببه:
وقال محمد بن المواز: لا ضمان عليه فيه؛ لأنه بمنزلة مال تلف بعد حلول الحول عليه من غير تفريط، فعلى قياس قول مالك في هذه المسألة التي نظرها بها يسقط عنه زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب، وعلى قول محمد بن الجهم فيها يزكي الباقي إذا قبضه، وإن كان أقل من نصاب، وهو الأظهر؛ لأن المساكين نزلوا معه بمنزلة الشركاء فكانت المصيبة فيما تلف منه ومنهم، وكان ما بقي بينه وبينهم قل أو كثر.
وقال ابن القاسم وأشهب: يزكي الجميع، وهذا الاختلاف إنما يكون إذا تلف بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه الزكاة لضمنه، وأما إن تلف بفور قبضه فلا اختلاف في أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب.
وقول ابن المواز أظهر؛ لأن ما دون النصاب لا زكاة عليه فيه فوجب أن لا يضمنه في البعد كما لا يضمنه في القرب.
ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب من أنه يضمن ما تلف بغير سببه في البعد مراعاة على قول من يوجب الزكاة في الدين، وإن لم يقبض فهو استحسان، فإذا تخلل الاقتضاء فوائد وكان كلما اقتضى من الدين شيئا أنفقه، وكلما حال الحول على فائدة أفادها أنفقها.
فمذهب أشهب في ذلك: أن يضيف كل ما اقتضى من الدين وكل ما حل من الفوائد إلى ما كان اقتضى قبله من الدين وأنفقه وإلى ما كان حل عليه الحول من الفوائد قبله فأنفقه.
(6/313)

وأما ابن القاسم فمذهبه: أن يضيف الدين إلى ما أنفقه من الدين وإلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها، ولا يضيف الفائدة التي حال الحول عليها إلى ما أنفقه من الدين بعد اقتضائه ولا إلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها.
مثال ذلك: أن يقتضي من دين له خمسة دنانير فينفقها وله فائدة لم يحل عليها الحول وهي عشرة دنانير فينفقها بعد حلول الحول عليها ثم يقبض من دينه عشرة فإنه يزكيها مع العشرة الفوائد التي أنفقها ولا يزكي الخمسة الأولى التي اقتضى من الدين حتى يقتضي خمسة أجزاء، وبالله التوفيق (1) .
ج- وقال ابن رشد الحفيد: وأما المال الذي هو في الذمة - أعني: في ذمة الغير وليس هو بيد المالك- وهو الدين فإنهم اختلفوا فيه أيضا:
فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال الليث، أو هو قياس قوله.
وقوم قالوا: إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين.
وقال مالك: يزكيه لحول واحد وإن أقام عند المديان سنين إذا كان أصله عن عوض.
وأما إذا كان عن غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول.
__________
(1) [المقدمات] بهامش [المدونة] (1\ 245) وما بعدها.
(6/314)

وفي المذهب تفصيل في ذلك (1) .
د- جاء في [أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك] و [الشرح الصغير، له: (ويزكي الدين) بعد قبضه- كما يأتي- السنة) فقط وإن أقام عند المدين أعواما، وتعتبر السنة (من يوم ملك أصله) بهبة ونحوها، أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه (أو) من يوم (زكاه) إن استمر عنده عاما. ومحل تزكيته لسنة فقط إذا لم يؤخره فرارا من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى عند ابن القاسم.
ولزكاته لسنة شروط أربعة:
أولها: أن يكون أصله عينا بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل، وإليه أشار بقوله: (إن كان) الدين الذي هو على المدين (عينا، كائنة (من قرض أو) ثمن (عروض تجارة) لمحتكر، أي: سببه أحد هذين الأمرين، لا إن كان الدين عرضا فلا يزكى إلا على ما سيأتي في المدير.
الشرط الثاني: أن يقبض من المدين، وإليه أشار بقوله (وقبض) لا إن لم يقبض فلا يزكى، اللهم إلا أن يكون أصله ثمن عرض تجارة لمدير فلا يزكى بتمام شروطه الآتية في المدير.
الشرط الثالث: أن يقبض (عينا) ذهبا أو فضة لا إن قبضه عرضا، فلا زكاة حتى يبيعه على ما سيأتي من احتكار أو إدارة، إذا كان القابض له رب الدين، بل (ولو) كان القابض له (موهوبا له) من رب الدين (أو
__________
(1) [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] (1\ 247) .
(6/315)

أحال) ربه به من له عليه دين على المدين، فإن ربه المحيل يزكيه من غيره بمجرد قبول الحوالة، ولا يتوقف على قبضه من المحال عليه؛ ولذا عبرنا بالفعل المعطوف على كان المحذوفة بعد لو، والمعنى وقبضه عينا، ولو أحال به فإن الحوالة تعد قبضا، بخلاف ما ولو وهبه فلا بد من زكاته على ربه الواهب من قبض الموهوب له بالفعل، خلافا لما يوهمه قول الشيخ: ولو بهبة أو إحالة، فقولنا: ولو أحال، في قوة ولو إحالة أي: ولو كان القبض إحالة فيزكيه المحيل. وأما المحال فيزكيه أيضا منه لكن بعد قبضه، وأما المحال عليه فيزكيه أيضا من غيره بشرط أن يكون عنده ولو من العروض ما يفي بدينه.
الشرط الرابع: أن يقبض نصابا كاملا ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة ثم عشرة فيزكيه عند قبض ما به التمام، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب، وإليه أشار بقوله (وكمل) المقبوض (نصابا، بنفسه ولو على مرات بل (وإن) كمل (بفائدة) عنده (ثم حولها) كما لو قبض عشرة وعنده عشرة حال عليها الحول، فيزكي العشرين (أو كمل) المقبوض نصابا (بمعدن) ؛ لأن المعدن لا يشترط فيه الحول على ما سيأتي:
(و) ولو اقتضى من دينه دون نصاب، ثم اقتضى ما يتم به النصاب في مرة أو مرات كان (حول المتم) بفتح التاء اسم مفعول وهو: ما قبض أولا (من) وقت (التمام) فإذا قبض خمسة فخمسة فعشرة، فحول الجميع وقت قبض العشرة فيزكي العشرين حينئذ (ثم زكى المقبوض) بعد ذلك (ولو قل) كدرهم حال قبضه ويكون كل اقتضاء بعد التمام على
(6/316)

حوله لا يضم لما قبله ولا بعده ولو نقص النصاب بعد تمامه لاستقرار حوله بالتمام (1) .
__________
(1) [أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك] وشرحه [الشرح الصغير] (2\ 155) وما بعدها، مطبعة الحلبي.
(6/317)

3 - النقل عن الشافعية
:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة: (باب زكاة الدين) :
(قال الشافعي) رحمه الله تعالى: وإذا كان الدين لرجل غائبا عنه فهو كما تكون التجارة له غائبة عنه، والوديعة، وفي كل زكاة.
(قال) : وإذا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحول لم يجز أن يجعل زكاة ماله إلا في حول؛ لأن المال لا يعدو أن يكون فيه زكاة، ولا يكون إلا كما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لا يكون فيه زكاة، فيكون كالمال المستفاد.
(قال الشافعي) : وإذا كان لرجل على رجل دين فحال عليه حول، ورب المال يقدر على أخذه منه بحضور رب الدين وملائه وأنه لا يجحده ولا يضطره إلى عدوى- فعليه أن يأخذ منه أو زكاته كما يكون ذلك عليه في الوديعة هكذا، وإن كان رب المال غائبا، أو حاضرا لا يقدر على أخذه منه إلا بخوف أو بفلس له إن استعدى عليه، وكان الذي عليه الدين غائبا، حسب ما احتبس عنده حتى يمكنه أن يقبضه، وإذا قبضه أدى زكاته لما مر عليه من السنين لا يسعه غير ذلك. وهكذا الماشية تكون للرجل غائبة لا يقدر عليها بنفسه ولا يقدر له عليها، وهكذا الوديعة، والمال يدفنه فينسى موضعه لا يختلف في شيء.
(6/317)

(قال الشافعي) : وإن كان المال الغائب عنه في تجارة يقدر وكيل له على قبضه حيث هو، قوم حيث هو، وأديت زكاته ولا يسعه إلا ذلك، وهكذا المال المدفون والدين، وكلما قلت لا يسعه إلا تأدية زكاته بحوله وإمكانه له، فإن هلك قبل أن يصل إليه وبعد الحول وقد أمكنه فزكاته عليه دين، وهكذا كل مال له يعرف موضعه ولا يدفع عنه، فكلما قلت له: يزكيه فلا يلزمه زكاته قبل قبضه حتى يقبضه فهلك المال قبل أن يمكنه قبضه فلا ضمان عليه فيما مضى من زكاته؛ لأن العين التي فيها الزكاة هلكت قبل أن يمكنه أن يؤديها.
(قال الشافعي) : فإن غصب مالا فأقام في يدي الغاصب زمانا لا يقدر عليه ثم أخذه أو غرق له مال فأقام في البحر زمانا ثم قدر عليه أو دفن مالا فضل موضعه فلم يدر أين هو ثم قدر عليه- فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين: أن لا يكون عليه فيه زكاة لما مضى ولا إذا قبضه حتى يحول عليه حول من يوم قبضه؛ لأنه كان مغلوبا عليه بلا طاعة منه كطاعته في السلف والتجارة والدين، أو يكون فيه الزكاة إن سلم؛ لأن ملكه لم يزل عنه لما مضى عليه من السنين.
(قال الربيع) : القول الآخر أصح القولين عندي؛ لأن من غصب ماله أو غرق لم يزل ملكه عنه، وهو قول الشافعي.
(قال الشافعي) : وهكذا لو كان له على رجل مال أصله مضمون أو أمانة فجحده إياه ولا بينة له عليه أوله بينة غائبة لم يقدر على أخذه منه بأي وجه ما كان الأخذ.
(قال الربيع) : إذا أخذه زكاه لما مضى عليه من السنين، وهو معنى
(6/318)

قول الشافعي.
(قال الشافعي) : فإن هلك منه مال فالتقطه منه رجل أو لم يدر التقط أو لم يلتقط- فقد يجوز أن يكون مثل هذا، ويجوز أن لا يكون عليه فيه زكاة بحال؛ لأن الملتقط يملكه بعد سنة على أن يؤديه إليه إن جاءه، ويخالف الباب قبله بهذا المعنى.
(قال الشافعي) : وكل ما أقبض من الدين الذي قلت عليه فيه زكاة زكاه إذا كان في مثله زكاة لما مضى، ثم كلما قبض منه شيئا فكذلك.
(قال الشافعي) : وإذا عرف الرجل اللقطة سنة ثم ملكها فحال عليها أحوال ولم يزكها ثم جاء صاحبها فلا زكاة على الذي وجدها وليس هذا كصداق المرأة؛ لأن هذا لم يكن لها مالكا قط حتى جاء صاحبها، وإن أدى عنها زكاة منها ضمنها لصاحبها.
(قال الشافعي) : والقول في أن لا زكاة على صاحبها الذي اعترفها، أو أن عليها الزكاة في مقامها في يدي غيره كما وصفت أن تسقط الزكاة في مقامها في يدي الملتقط بعد السنة؛ لأنه أبيح له أكلها بلا رضا من الملتقط، أو يكون عليه فيها الزكاة؛ لأنها ماله، وكل ما قبض من الدين الذي قلت عليه فيه زكاة زكاه إذا كان في مثله زكاة لما مضى فكلما قبض منه شيئا فكذلك، وإن قبض منه ما لا زكاة في مثله فكان له مال أضافه إليه، وإلا حسبه فإذا قبض ما تجب فيه الزكاة معه أدى زكاته لما مضى عليه من السنين (1) .
__________
(1) [الأم] (2\ 43) .
(6/319)

ب- قال الشيرازي: (وإن كان له دين نظرت، فإن كان دينا غير لازم كمال الكتابة لم يلزمه زكاته؛ لأن ملكه غير تام عليه، فإن العبد يقدر أن يسقطه، وإن كان لازما نظرت، فإن كان على مقر مليء لزمه زكاته؛ لأنه مقدور على قبضه فهو كالوديعة، وإن كان على مليء جاحد، أو مقر معسر فهو كالمال المغصوب، وفيه قولان، وقد بيناه في زكاة الماشية، وإن كان له دين مؤجل، ففيه وجهان. قال أبو إسحاق: هو كالدين الحال على فقير أو مليء جاحد، فيكون على قولين. وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب فيه الزكاة، فإذا قبضه استقبل به الحول؛ لأنه لا يستحقه، ولو حلف أنه لا يستحقه كان بارا، والأول أصح؛ لأنه لو لم يستحقه لم ينفذ فيه إبراؤه، وإن كان له مال غائب، فإن كان مقدورا على قبضه وجبت فيه الزكاة إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه، وإن لم يقدر عليه فهو كالمغصوب) .
ج- وقال النووي في شرح ذلك: قال أصحابنا: الدين ثلاثة أقسام: (أحدها) : غير لازم كمال الكتابة، فلا زكاة فيه بلا خلاف؛ لما ذكره المصنف.
(الثاني) : أن يكون لازما وهو ماشية بأن كان له في ذمة إنسان أربعون شاة سلما أو قرضا، فلا زكاة فيها أيضا بلا خلاف؛ لأن شرط زكاة الماشية السوم. ولا توصف التي في الذمة بأنها سائمة.
(الثالث) : أن يكون دراهم أو دنانير أو عرض تجارة، وهو مستقر، ففيه قولان مشهوران: (القديم) لا تجب الزكاة في الدين بحال؛ لأنه غير معين. (والجديد) الصحيح باتفاق الأصحاب وجوب الزكاة في الدين
(6/320)

على الجملة.
وتفصيله: أنه إن تعذر استيفاؤه لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته، فهو كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه طرق تقدمت في باب زكاة الماشية، والصحيح وجوبها، وقيل: تجب في الممطول والدين على مليء غائب بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما سواهما. وبهذا الطريق قطع صاحب [الحاوي] وغيره، وليس كذلك، بل المذهب طرد الخلاف.
فإن قلنا بالصحيح: وهو الوجوب لم يجب الإخراج قبل حصوله بلا خلاف، ولكن (1) في يده أخرج عن المدة الماضية، هذا معنى الخلاف.
وأما إذا لم يتعذر استيفاؤه بأن كان على مليء باذل أو جاحد عليه بينة أو كان القاضي يعلمه، وقلنا: القاضي يقضي بعلمه؛ فإن كان حالا وجبت الزكاة بلا شك ووجب إخراجها في الحال، وإن كان مؤجلا فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليليهما:
(أصحهما) : عند المصنف والأصحاب: أنه على القولين في المغصوب: (أصحهما) : تجب الزكاة.
(الثاني) : لا تجب، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي.
والطريق الثاني: طريقة ابن أبي هريرة: لا زكاة فيه قولا واحدا، كالمال الغائب الذي يسهل إحضاره.
فإن قلنا بوجوب الزكاة، فهل يجب إخراجها في الحال؟
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ولكن إذا حصل. . . إلخ
(6/321)

فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون: (أصحهما) : لا يجب، وبه قطع الجمهور كالمغصوب.
قال إمام الحرمين: ولأن الخمسة نقدا تساوي ستة مؤجلة، ويستحيل أن يسلم أربعة نقدا تساوي خمسة مؤجلة، فوجب تأخير الإخراج إلى القبض، قال: ولا شك أنه لو أراد أن يبرئ فقيرا عن دين له عليه، ليوقعه عن الزكاة لم يقع عنها؛ لأن شرط أداء الزكاة أن يتضمن تمليكا محققا. والله تعالى أعلم.
وأما المال الغائب فإن لم يكن مقدورا عليه؛ لانقطاع خبره فهو كالمغصوب، هكذا قال المصنف والجمهور، وقيل: تجب الزكاة قطعا؛ لأن تصرفه فيه نافذ، بخلاف المغصوب، ولا خلاف أنه لا يجب الإخراج عنه قبل عوده وقبضه، وإن كان مقدورا على قبضه وجبت الزكاة منه بلا خلاف، ووجب إخراجها في الحال بلا خلاف، ويخرجها في بلد المال، فإن أخرجها في غيره ففيه خلاف نقل الزكاة، هذا إذا كان المال مستقرا، فإن كان سائرا غير مستقر لم يجب إخراج زكاته قبل أن يصل إليه، فإذا وصل أخرج عن الماضي بلا خلاف، هذا هو الصواب في مسألة الغائب، وما وجدته خلافه في بعض الكتب فنزله عليه، ومما يظن مخالفا قول المصنف: (فإن كان مقدورا على قبضه وجبت فيه الزكاة، إلا إنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه) ، هكذا قاله ابن الصباغ، وكلامهما محمول على ما ذكرنا إذا كان سائرا غير مستقر، هكذا صرح به أبو المكارم في العدة وغيره، وجزم الشيخ أبو حامد بأنه يخرجها في الحال، هو محمول على ما إذا كان المال مستقرا في بلد. والله تعالى أعلم.
(6/322)

قال أصحابنا: كل دين وجب إخراج زكاته قبل قبضه، وجب ضمه إلى ما معه من جنسه لإكمال النصاب، ويلزمه إخراج زكاتهما في الحال، وكل دين لا يجب إخراج زكاته قبل قبضه ويجب بعد قبضه.
فإن كان معه من جنسه ما لا يبلغ وحده نصابا، ويبلغ بالدين نصابا، فوجهان مشهوران: (أحدهما) وبه قطع صاحب البيان: لا يلزمه زكاة ما معه في الحال، فإذا قبض الدين لزمه زكاتهما عن الماضي (وأصحهما) عند الرافعي وغيره: يجب إخراج قسط ما معه. قالوا: وهما مبنيان على أن التمكن شرط في الوجوب أو في الضمان، إن قلنا بالأول لا يلزمه لاحتمال أن لا يحصل الدين، وإن قلنا بالثاني لزمه. والله تعالى أعلم.
وكل دين لا زكاة فيه في الحال ولا بعد عوده عن الماضي، بل يستأنف له الحول إذا قبض، فهذا لا يتم به نصاب ما معه، وإذا قبضه لا يزكيهما عن الماضي بلا خلاف، بل يستأنف لهما الحول. والله تعالى أعلم.
أما إذا كان له مائة درهم حاضرة ومائة غائبة فإن كانت الغائبة مقدورا عليها لزمه زكاة الحاضرة في الحال في موضعها والغائبة في موضعها، وإن لم يكن مقدورا عليه فإن قلنا: لا زكاة فيه إذا عاد فلا زكاة في الحاضر؛ لنقصه عن النصاب، وإن قلنا: تجب زكاته فهل يلزمه زكاة الحاضر في الحال؛ فيه الوجهان السابقان في الدين بناء على أن التمكن شرط في الوجوب أم الضمان، فإن لم نوجبها في الحال أوجبناها فيه، وفي الغائب إن عاد وإلا فلا (1) .
__________
(1) [المهذب] و [المجموع] (6\ 19) وما بعدها
(6/323)

4 - النقل عن الحنابلة
:
أ- قال الخرقي: (وإذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه ويؤدي لما مضى) .
ب - وقال ابن قدامة: وجملة ذلك: أن الدين على ضربين:
أحدهما: دين على معترف به باذل له فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال عثمان وابن عمر وجابر رضي الله عنهم، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه إخراج زكاته كالوديعة.
وقال عكرمة: ليس في الدين زكاة، وروي ذلك عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم؛ لأنه غير نام فلم تجب زكاته كعروض القنية. وروي عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وأبي الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
ولنا: أنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كما لو كان على معسر، ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
وأما الوديعة فهي بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظه ويده كيده، وإنما يزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به
(6/324)

فلزمته زكاته كسائر أمواله.
الضرب الثاني: أن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل به، فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين:
إحداهما: لا تجب، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به أشبه مال المكاتب.
والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري، وأبي عبيد؛ لما روي عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون، قال: إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى.
وروي نحوه عن ابن عباس، رواهما أبو عبيد. ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على المليء.
وللشافعي قولان: كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والأوزاعي ومالك: يزكيه إذا قبضه لعام واحد.
ولنا: أن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد؛ فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها، كسائر الأموال، ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن أو فيهما.
(فصل) وظاهر كلام أحمد: أنه لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن البراءة تصح من المؤجل، ولولا أنه مملوك لم تصح البراءة منه، لكن يكون في حكم الدين على المعسر؛ لأنه لا يمكن قبضه في الحال (1) .
ج- قال الخرقي: (وإذا غصب مالا، زكاه إذا قبضه لما مضى في
__________
(1) [المغني] (3\42) .
(6/325)

إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، والرواية الأخرى قال: ليس هو كالدين الذي متى قبضه زكاه، وأحب إلي أن يزكيه) .
د- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: قوله: (إذا غصب مالا) أي: إذا غصب الرجل مالا، فالمفعول الأول المرفوع مستتر في الفعل، والمال هو المفعول الثاني، فلذلك نصبه، وفي بعض النسخ: (وإذا غصب ماله) وكلاهما صحيح، والحكم في المغصوب والمسروق والمجحود والضال واحد، وفي جميعه روايتان:
إحداهما: لا زكاة فيه، نقلها الأثرم والميموني. ومتى عاد صار كالمستفاد يستقبل به حولا، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في قديم قوليه؛ لأنه مال خرج عن يده وتصرفه، وصار ممنوعا منه، فلم يلزمه زكاته، كمال المكاتب.
والثانية: عليه زكاته؛ لأن ملكه عليه تام، فلزمته زكاته، كما لو نسي عند من أودعه، أو كما لو أسر، أو حبس، وحيل بينه وبين ماله، وعلى كلتا الروايتين لا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه.
وقال مالك: إذا قبضه زكاه لحول واحد؛ لأنه كان في ابتداء الحول في يده، ثم حصل بعد ذلك في يده، فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد. وليس هذا بصحيح؛ لأن المانع من وجوب الزكاة إذا وجد في بعض الحول، يمنع كنقص النصاب.
هـ- قال الخرقي: (واللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط استقبل بها حولا ثم زكاها، فإن جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها) .
(6/326)

ووقال ابن قدامة في شرح ذلك: ظاهر المذهب: أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف، واختار أبو الخطاب أنه لا يملكها حتى يختار. وهو مذهب الشافعي - يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى- ومتى ملكها استأنف حولا، فإذا مضى وجبت عليه زكاتها. وحكى القاضي في موضع، أنه إذا ملكها وجب عليه مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن مثلية.
وهذا مذهب الشافعي، ويذكر في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومقتضى هذا أن لا تجب عليه زكاتها؛ لأنه دين فمنع الزكاة كسائر الديون.
وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا تجب الزكاة فيها لمعنى آخر، وهو أن ملكه غير مستقر عليها، ولصاحبها أخذها منه متى وجدها.
والمذهب ما ذكره الخرقي، وما ذكره القاضي يفضي إلى ثبوت معاوضة في حق من لا ولاية عليه بغير فعله ولا اختياره، ويقتضي ذلك أن يمنع الدين الذي عليه الميراث والوصية كسائر الديون والأمر بخلافه.
وما ذكره ابن عقيل يبطل بما وهبه الأب لولده وبنصف الصداق فإن لهما استرجاعه، ولا يمنع وجوب الزكاة.
فأما ربها إذا جاء فأخذها، فذكر الخرقي أنه يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها، وهو حول التعريف، وقد ذكرنا في الضال روايتين، وهذا من جملته.
وعلى مقتضى قول الخرقي: أن الملتقط لو لم يملكها مثل من لم يعرفها، فإنه لا زكاة على ملتقطها، وإذا جاء ربها زكاها للزمان كله
(6/327)

وإنما تجب عليه زكاتها إذا كانت ماشية بشرط كونها سائمة عند الملتقط، فإن علفها فلا زكاة عليه على ما ذكرنا في المغصوب.
ز- قال الخرقي: (والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى) .
ح- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: وجملة ذلك: أن الصداق في الذمة دين للمرأة، حكمه حكم الديون على ما مضى، إن كان على مليء به فالزكاة واجبة فيه، إذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على معسر أو جاحد فعلى الروايتين.
واختار الخرقي وجوب الزكاة فيه، ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده؛ لأنه دين في الذمة، فهو كثمن مبيعها، فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول، وأخذت النصف فعليها زكاة ما قبضته دون ما لم تقبضه؛ لأنه دين لم تتعوض عنه، ولم تقبضه، فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحد، وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه لانفساخ النكاح بأمر من جهتها، فليس عليها زكاته؛ لما ذكرنا، وكذلك القول في كل دين يسقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه، أو يئس صاحبه من استيفائه.
والمال الضال إذا يئس منه فلا زكاة على صاحبه؛ فإن الزكاة مواساة فلا تلزم المواساة إلا مما حصل له.
وإن كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثم سقط نصفه وقبضت النصف، فعليها زكاة النصف المقبوض؛ لأن الزكاة وجبت فيه ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به؛ فاختص السقوط به. وإن مضى عليه حول قبل قبضه ثم قبضته كله زكته لذلك الحول.
(6/328)

وإن مضت عليه أحوال قبل قبضه، ثم قبضته زكته لما مضى كله ما لم ينقص عن النصاب. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليها الزكاة ما لم تقبضه؛ لأنه بدل عما ليس بمال فلا تجب الزكاة فيه قبل قبضه، كدين الكتابة.
ولنا: أنه دين يستحق قبضه، ويجبر المدين على أدائه، فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع. يفارق دين الكتابة، فإنه لا يستحق قبضه، وللمكاتب الامتناع من أدائه ولا يصح قياسهم عليه، فإنه عوض عن مال.
(فصل) : فإن قبضت صداقها قبل الدخول، ومضى عليه حول فزكته، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع فيها بنصفه وكانت الزكاة من النصف الباقي لها. وقال الشافعي في أحد أقواله: يرجع الزوج بنصف الموجود ونصف قيمة المخرج؛ لأنه لو تلف الكل رجع عليها بنصف قيمته، فكذلك إذا تلف البعض.
ولنا: قول الله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (1) ولأنه يمكنه الرجوع في العين فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم يتلف منه شيء، ويخرج على هذا ما لو تلف كله، فإنه ما أمكنه الرجوع في العين، وإن طلقها بعد الحول وقبل الإخراج، لم يكن له الإخراج من النصاب؛ لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة لم تتعلق به على وجه الشركة، لكن تخرج الزكاة من غيره أو يقتسمانه (2) ، ثم تخرج الزكاة من حصتها، فإن طلقها قبل الحول ملك النصف مشاعا، وكان حكم ذلك كما لو باع نصفه قبل الحول مشاعا، وقد بينا حكمه.
__________
(1) سورة البقرة الآية 237
(2) في ب، م: (يقسمانه) .
(6/329)

(فصل) : فإن كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول، ففيه روايتان:
إحداهما: عليها الزكاة؛ لأنها تصرفت فيه، فأشبه ما لو قبضته.
والرواية الثانية: زكاته على الزوج؛ لأنه ملك ما ملك عليه، فكأنه لم يزل ملكه عنه، والأول أصح، وما ذكرنا لهذه الرواية لا يصح؛ لأن الزوج لم يملك شيئا وإنما سقط الدين عنه. ثم لو ملك في الحال لم يقتض هذا وجوب زكاة ما مضى. ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما لما ذكرنا في الزوج، والمرأة لم تقبض الدين؛ فلم تلزمها زكاته، كما لو سقط بغير إسقاطها وهذا إذا كان الدين مما تجب فيه الزكاة إذا قبضه، فأما إن كان مما لا زكاة فيه، فلا زكاة عليها بحال.
وكل دين على إنسان أبرأه صاحبه منه بعد مضي الحول عليه فحكمه حكم الصداق فيما ذكرنا.
قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها وقد مضى له عشر سنين، فإن زكاته على المرأة؛ لأن المال كان لها. وإذا وهب رجل لرجل مالا فحال الحول، ثم ارتجعه الواهب فليس له أن يرتجعه، فإن ارتجعه فالزكاة على الذي كان عنده.
وقال في رجل باع شريكه نصيبه من داره فلم يعطه شيئا، فلما كان بعد سنة قال: ليس عندي دراهم فأقلني فأقاله.
قال: عليه أن يزكي؛ لأنه قد ملكه حولا (1) .
__________
(1) [المغني] (3\44) وما بعدها.
(6/330)

ط- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا بد في الزكاة من الملك. واختلفوا في اليد، فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تجب في كل دين وكل عين، وإن لم تكن تحت يد صاحبها، كالمغصوب والضال، والدين المجحود، وعلى معسر أو مماطل، وأنه يجب تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه، كالدين على الموسر. وهذا أحد قولي الشافعي، وهو أقواهما (1) .
وسئل رحمه الله: عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار، أو يدفع إليها الصداق بعد مدة من السنين، فهل تجب زكاة السنين الماضية؟ أم إلى أن يحول الحول من حين قبضت الصداق؟ فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة فيها للعلماء أقوال:
قيل: يجب تزكية السنين الماضية، سواء كان الزوج موسرا أو معسرا. كأحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد، وقد نصره طائفة من أصحابهما.
وقيل: يجب مع يساره وتمكنها من قبضها، دون ما إذا لم يمكن تمكينه من القبض. كالقول الآخر في مذهبهما.
وقيل: تجب لسنة واحدة. كقول مالك، وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا تجب بحال. كقول أبي حنيفة، وقول في مذهب أحمد.
وأضعف الأقوال: من يوجبها للسنين الماضية، حتى مع العجز عن
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (25\ 45) .
(6/331)

قبضه، فإن هذا القول باطل، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء، فهذا ممتنع في الشريعة، ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال، ثم إذا نقص النصاب. وقيل: إن الزكاة تجب في عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل يمتنع إتيان الشريعة به.
وأقرب الأقوال: قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه، وهذا وجه، وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما قيل به في مذهب أحمد. والله أعلم (1) .
ي- قال ابن مفلح: ويعتبر تمام ملك النصاب في الجملة (و) فلا زكاة في دين الكتابة (و) لعدم استقرارها، ولهذا لا يصح ضمانها، وفيه رواية، فدل على الخلاف هنا، ولا في دين مؤجل، أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد قبضه، ومغصوب، ومسروق، ومعرف، وضال رجع، وما دفنه ونسيه، وموروث، أو غيره وجهله، أو جهل عند من هو، وفي رواية صححها صاحب التلخيص وغيره، ورجحها بعضهم، واختارها ابن شهاب وشيخنا (وهـ) . وفي رواية: تجب، اختاره الأكثر، وذكر صاحب [الهداية] و [المحرر] : ظاهر المذهب (وم ش) وجزم به جماعة في المؤجل (م 5) (وهـ) (2) لصحة الحوالة به والإبراء، فيزكي ذلك إذا قبضه لما مضى من السنين، خلافا لرواية عن مالك.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (25\ 47)
(2) في مخطوط الدار: (و) .
(6/332)

وقال أبو الفرج: إذا قلنا: تجب في الدين وقبضه، فهل يزكيه لما مضى؟ على روايتين، ويتوجه ذلك في بقية الصور، وقيد في [المستوعب] المجحود ظاهرا وباطنا.
وقال أبو المعالي: ظاهرا.
وقال غيرهما: ظاهرا أو باطنا أو فيهما، وإن كان به بينة فوجهان (م 6) .
وقيل: تجب في مدفون بداره، ودين على معسر ومماطل، والروايتان في وديعة جحدها المودع، وجزم في [الكافي] بوجوبها في وديعة جهل عند من هي (م 7) ولا يخرج المودع إلا بإذن (1) ربها، نص عليه وقيد الحنفية المدفون بمغارة (2) ، وعكسه المدفون في البيت، وفي المدفون في كرم أو أرض اختلاف المشايخ.
وتجب عندهم في دين على معسر، أو جاحد عليه بينة، أو علم به القاضي، وعلى مقر مفلس عند أبي حنيفة؛ لأن التفليس لا يصح عنده، وعند محمد: لا تجب لتحقق الإفلاس بالتفليس عنده، وقاله أبو يوسف، وقال في حكم الزكاة كقول أبي حنيفة، رعاية للفقراء.
ولو وجبت في نصاب، بعضه دين على معسر أو غصب أو ضال، ففي وجوب إخراج زكاة ما بيده قبل قبض الدين والغصب وجهان (م 8 و 9) فإن قلنا: لا، وكان الدين على مليء، فوجهان.
__________
(1) في مخطوط الدار: بلا إذن.
(2) في مخطوط الدار: بمفازة.
(6/333)

ومتى قبض شيئا من الدين أخرج زكاته ولو لم يبلغ نصابا، نص عليه (وش) خلافا للقاضي وابن عقيل ومالك، وخلافا لأبي حنيفة إن كان الدين بدلا عن مال غير زكوي ولم يقبض منه أربعين درهما أو أربعة دنانير، ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة، لنقصه بيده كتلفه، وإن غصب رب المال بأسر أو حبس ومنع من التصرف في ماله لم تسقط زكاته في الأصح؛ لنفوذ تصرفه ولو حمل إلى دار الحرب؛ لأن عصمته بالإسلام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (1) » ، وعند أبي حنيفة تسقط؛ لأن العاصم دار الإسلام فلا يضمن بإتلاف ويملك باستيلاء، ومن دينه حال على مليء باذل زكاه على الأصح، وفاقا، إذا قبضه، وعنه: أو قبله (2) (وم ش) ويزكيه لما مضى، قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة (و) أم لا (م) ، وعنه: لسنة واحدة، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء، ولم يوجد فيما مضى، ويجزئه إخراج الزكاة قبل قبضه (م) لزكاة (3) سنين، ولو منع التعجيل لأكثر من سنة لقيام الوجوب، وإنما لم تجب رخصة.
ولو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة زكى النقد لتمام حوله والمؤجل إذا قبضه.
وإذا ملك الملتقط اللقطة (4) استقبل بها (حولا) وزكى، نص عليه؛ لأنه لا شيء في ذمته.
__________
(1) سنن الترمذي تفسير القرآن (3341) ، مسند أحمد بن حنبل (3/332) .
(2) في الطبعة الأولى: أو قيل.
(3) في مخطوط الدار: كزكاة.
(4) في الطبعة الأولى: وإذا ملك اللقطتان لقطة.
(6/334)

وقيل: لا يلزمه؛ لأنه مدين بها، فإن ملك ما يقابل قدر عوضها زكى (1) .
وقيل: لا (وم) لعدم استقرار ملكه، وإذا ملكها الملتقط وزكى فلا زكاة إذا على ربها على الأصح، وهل يزكيها ربها حول التعريف كبعده (2) إذا لم يملكها الملتقط؟ فيه الروايتان في المال الضال، فإن لم يملك اللقطة وقلنا يتصدق بها، لم يضمن حتى يختار ربها الضمان، فيثبت حينئذ في ذمته كدين مجدد، وإن أخرج الملتقط زكاتها عليه منها ثم أخذها ربها رجع عليه بما أخرج.
وقيل: لا، إن قلنا: لا تلزم ربها زكاتها. قال بعضهم: لوجوبها على الملتقط إذا.
ويستقبل (3) بالصداق وعوض الخلع والأجرة بالعقد حولا، عينا كان ذلك أو دينا مستقرا أو لا، نص عليه (وش) وكذلك مالك في غير نقد، للعموم، ولأنه ظاهر إجماع الصحابة، وعنه: حتى يقبض ذلك (وهـ) ، وعنه: لا زكاة في صداق قبل الدخول حتى يقبض فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الدخول.
قال صاحب [المحرر] بالإجماع، مع احتمال الانفساخ، وعنه: تملك قبل الدخول نصف الصداق، وكذا في الخلاف: في اعتبار القبض في كل دين لا في مقابلة مال أو مال غير زكوي عند الكل كموصى به
__________
(1) في الطبعة الأولى: فإن مالك ما يقابل قدره عوضها زكى.
(2) في الطبعة الأولى: (لعبده) وفي تصحيحاتها: بعيدة.
(3) في الطبعة الأولى: وليستقل بالصداق.
(6/335)

وموروث وثمن مسكن، وعنه: لا حول لأجرة، اختاره شيخنا (خ) وقيدها بعضهم بأجرة العقار (خ) نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة، وعنه: ومستفاد.
وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة، فعلى الأول لا يلزمه الإخراج قبل القبض، وإن كان دينا من بهيمة الأنعام فلا زكاة (و) لاشتراط السوم فيها، بخلاف سائر الديون، فإن عينت زكيت كغيرها، وكذا الدية الواجبة لا تزكى (و) لأنها لم تتعين مالا زكويا؛ لأن الإبل في الدية فيها أصل أو أحدها، وتجب في قرض ودين وعروض تجارة (و) وكذا في مبيع قبل القبض، خلافا لرواية عن أبي حنيفة، جزم به صاحب [المحرر] وغيره، فيزكيه المشتري، ولو أزال ملكه عنه أو زال أو انفسخ العقد بتلف مطعوم قبل قبضه.
ويزكي المبيع بشرط الخيار أو في خيار المجلس من حكم له بملكه ولو فسخ العقد، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا، وثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما ولو انفسخ العقد (1) ، جزم بذلك كله جماعة؛ لأن الطارئ لا يضعف ملكا تاما، كمال الابن معرض لرجوع أبيه وتملكه، وفي [الرعاية] : إنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض، وعنه: أو مميز لم يقبض، قال: وفيما (صح) تصرف ربه (فيه) قبل قبضه أو ضمنه بتلفه، وفي ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهما، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا والمبيع في
__________
(1) في مخطوط الدار: ولو انفسخ البعض.
(6/336)

مدة الخيار قبل القبض، روايتان، وللبائع إخراج زكاة مبيع فيه خيار منه، فيبطل البيع في قدره، وفي بقيته روايتا تفريق الصفقة، وفي أيهما يقبل قوله في قيمة المخرج؟ وجهان.
وقال ابن حامد: إذا دلس البائع العيب فرد عليه فزكاته عليه، فأما مبيع غير متعين ولا متميز فيزكيه البائع، وكل دين سقط قبل قبضه لم يتعوض عنه سقطت زكاته (و) وقيل: هل يزكيه من سقط عنه؟ يخرج على روايتين، وإن أسقطه زكاه (1) نص عليه (م) لأنه أتلف ما فيه الزكاة، فقيرا كان المدين أو غنيا، وعنه: يزكيه المدين المبرأ؛ لأنه [ملك] ، ما عليه، وحملها صاحب [المحرر] على أن بيد المدين نصابا منع الدين زكاته (وم) وإلا فلا شيء عليه.
وقيل: لا زكاة عليها (خ) (2) وإن أخذ ربه [به] ، عوضا أو أحال أو احتال- زاد بعضهم: وقلنا الحوالة وفاء- زكاه كعين وهبها، وعنه: زكاة التعويض على المدين، وقيل في ذلك وفي الإبراء: يزكيه ربه إن قدر وإلا المدين، والصداق كالدين.
__________
(1) في الطبعة الأولى: وإن أسقط ربه زكاة.
(2) في الطبعة الأولى: (هـ) .
(6/337)

(و) وقيل: سقوطه كله؛ لانفساخ النكاح من جهتها، كإسقاطها، وإن زكت صداقها كله ثم تنصف بطلاقها (1) رجع فيما بقي بكل حقه. وقيل: إن كان مثريا (2) ، (3) وإلا فبقيمة حقه.
وقيل: يرجع ونصف ما بقي ونصف بدل ما أخرجت.
وقيل: يخير بين ذلك ونصف قيمة ما أصدقها يوم العقد أو مثله، ولا تجزئها زكاتها منه بعد طلاقه؛ لأنه مشترك، وقيل: بلى: عن حقها وتغرم له نصف (4) ما أخرجت، ومتى لم تزكه رجع بنصفه كاملا وتزكيه هي، فإن تعذر فيتوجه: لا يلزم الزوج، وفيها- في [الرعاية]- بلى، ويرجع عليها إن تعلقت بالعين، وقيل: أو بالذمة، ويزكي المرهون على الأصح (و) ويخرجها الراهن منه بلا إذن إن عدم، كجناية رهن على دينه.
وقيل: منه مطلقا، وقيل: إن تعلقت بالعين.
وقيل: يزكي راهن موسر. وإن أيسر معسر جعل بدله رهنا.
وقيل: لا، وفي مال مفلس محجور عليه روايتا مدين، عند أبي المعالي والأزجي، وعند القاضي والشيخ كمغصوب.
وقيل: يزكي سائمة؛ لنمائها بلا تصرف، قال أبو المعالي: إن عين حاكم لكل غريم شيئا فلا زكاة، لضعف ملكه إذا، وإن حجر عليه بعد
__________
(1) في الطبعة الأولى: كله لم ينصف بطلاقها.
(2) في مخطوط الدار: مليئا.
(3) الصواب: إن كان مثليا كما يدل عليه السياق والمعنى.
(4) في الطبعة الأولى: وقيل بلى في حقها وتعدم نصف.
(6/338)

وجوبها لم تسقط.
وقيل: بلى إن كان قبل تمكنه من الإخراج، وهل له إخراجها منه؟ فيه وجهان، ولا يقبل إقراره بها، جزم به بعضهم، وعنه: يقبل، كما لو صدقه الغريم، فأما قبل الحجر فإن الدين وإن لم يكن من جنس المال يمنع وجوب الزكاة في قدره في الأموال الباطنة (وم) قال أبو الفرج: وهي الذهب والفضة، وقال غيره: وقيمة عروض التجارة، وفي المعدن وجهان، وعنه: لا يمنع الدين الزكاة (وش) وعنه: يمنعها الدين الحال خاصة، جزم به في [الإرشاد] وغيره، ويمنعها في الأموال الظاهرة، كماشية وحب وثمرة أيضا، نص عليه، واختاره أبو بكر والقاضي وأصحابه، والحلواني وابن الجوزي وغيرهم.
قال ابن أبي موسى: هذا الصحيح من مذهب أحمد، وعنه: لا يمنع (وم ش) وعنه: يمنع ما استدانه للنفقة على ذلك أو كان من ثمنه، وعنه: خلا الماشية، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب ابن عباس، لتأثير ثقل المؤنة في المعشرات وعند (هـ) كل دين مطالب به يمنع إلا في المعشرات؛ لأن الواجب فيها ليس بزكاة عنده، ومتى أبرأ المدين أو قضى مال مستحدث ابتدأ حولا؛ لأن ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول (1) ، وقطعه، وعنه: يزكيه (وم) فيبني إن كان في أثناء الحول. وبعده يزكيه في الحال. ولا يمنع الدين خمس الركاز (2) ، ويمنع أرش
__________
(1) في الطبعة الأولى: مع انعقاد الحول.
(2) في الطبعة الأولى: خمس الزكاة.
(6/339)

جناية عند التجارة زكاة قيمته؛ لأنه وجب جبرا لا مواساة، بخلاف الزكاة، وجعله بعضهم كالدين، ومن له عرض قنية يباع لو أفلس يفي بدينه. فعنه: يجعل في مقابلة ما معه ويزكي (1) ما معه من المال الزكوي (وم) جمعا بين الحقين، وهو أحظ، وعنه: يجعل في مقابلة ما معه ولا يزكيه (وهـ) لئلا تحتمل المواساة ولأن عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيهما، فكذا فيما يمنعها، وكذا الخلاف فيمن بيده ألف دينا- والمراد على مليء وجزم به بعضهم- وعليه مثلها، يزكي ما معه على الأولى (وم) لا الثانية فإن كان العرض للتجارة فنص في رواية أبي الحارث والمروذي: يزكي ما معه بخلاف ما لو كان للقنية، وحمله القاضي على أن الذي عنده للقنية فوق حاجته (2) ، وقيل: إن كان فيما معه من المال الزكوي جنس الدين جعل في مقابلته، وحكى رواية: وإلا اعتبر الأحظ (وقيل: يعتبر) الأحظ للفقراء مطلقا، فمن له مائتا درهم وعشرة دنانير قيمتها مائتا درهم، جعل الدنانير قبالة دينه وزكى ما معه، ومن له أربعون شاة وعشرة أبعرة، ودينه قيمة أحدهما جعل قبالة الغنم وزكى بشاتين.
ونقد البلد أحظ للفقراء، وفوق نفعه زيادة المالية، ودين المضمون عنه يمنع الزكاة بقدره في ماله، دون الضامن، خلافا لما ذكره أبو المعالي، كنصاب غصب من غاصبه وأتلف فإن المنع يختص بالثاني
__________
(1) في الطبعة الأولى: ما عليه معه ويزكي.
(2) في الطبعة الأولى: وفق حاجته.
(6/340)

مع أن للمالك طلب كل منهما (و) ولو استأجر لرعي غنمه بشاة موصوفة صح، وهي كالدين في منعها للزكاة، وحيث منع دين الآدمي، فعنه: دين الله من كفارة ونذر مطلق ودين الحج ونحوه كذلك، صححه صاحب [المحرر] و [الرعاية] (وم) وجزم به ابن البنا في خلافه في الكفارة والخراج، وقال: نص عليه، وهو الذي احتج له القاضي في الكفارة. وعنه: لا يمنع، وفي [المحرر] : الخراج من دين الله، وقدم أحمد الخراج على الزكاة، ويأتي في اجتماع العشر والخراج في أرض العنوة، وعند (هـ) ، لا يمنع إلا دين زكاة وخراج؛ لأن لهما مطالبا بهما، وأجاب القاضي بأن الكفارة عندنا على الفور، فإن منعها (1) وعلم الإمام بذلك طالبه بإخراجها كالزكاة، نص عليه في رواية إبراهيم بن هانئ: يجبر المظاهر (2) على الكفارة، على أن هذا لا يؤثر في الحج، كذا الكفارة، ولأن الإمام لا يطالب بزكاة مال باطن، والدين يمنع منه، ويأتي في من منع الزكاة.
وإن نذر الصدقة بمعين (3) قال: لله علي أن أتصدق بهذا، أو هو صدقة، فحال الحول، فلا زكاة لزوال ملكه أو نقصه، وعند ابن حامد: تجب، فقال في قوله: إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة فشفي ثم حال الحول قبل الصدقة وجبت الزكاة، وفي [الرعاية] : إن نذر التضحية بنصاب معين- وقيل: أو قال: جعلته ضحايا- فلا زكاة
__________
(1) في مخطوط الدار: فإن علمها.
(2) في الطبعة الأولى: لخبر المظاهر.
(3) في الطبعة الأولى: لمعين.
(6/341)

ويحتمل وجوبها إذا تم حوله قبلها، وإن قال: لله علي الصدقة بهذا النصاب إذا حال الحول، فقيل: لا زكاة. وقيل: بلى، فتجزئه الزكاة منه في الأصح، ويبرأ بقدرها من الزكاة والنذر إن نواهما معا، لكون الزكاة صدقة، وكذا لو نذر الصدقة ببعض النصاب، هل يخرجها أو يدخل النذر في الزكاة وينويهما؟ وذكر ابن تميم إذا نذر الصدقة بنصاب إذا حال الحول، فقيل: لا زكاة.
وقيل: بلى، فيجزئ إخراجها منه، ويبرأ بقدرها من الزكاة والنذر، ويحتمل أن لا يجزئ إخراجها منه، وإن نذر الصدقة ببعض النصاب وجبت الزكاة ووجب إخراجهما معا.
وقيل: يدخل النذر في الزكاة وينويهما معا.
ولا زكاة في الفيء والخمس وكذا الغنيمة المملوكة إذا كانت أجناسا؛ لأن للإمام أن يقسم بينهم قسمة تحكيم، فيعطي كل واحد منهم من أي الأصناف شاء، فما تم ملكه على معين بخلاف الميراث، وإن كانت صنفا فكذلك عند أبي بكر والقاضي، والأشهر ينعقد الحول عليها إن بلغت حصة كل واحد نصابا، وإلا ابتنى على الخلطة، ولا يخرج قبل القبض، كالدين، ولا زكاة في وقف على غير معين أو على المساجد والمدارس والربط ونحوها (هـ م) (1) ، قال أحمد في أرض موقوفة على المساكين: لا عشر؛ لأنها كلها تصير إليهم، وسبق في الفصل الثاني خلاف الحنفية في العشر، ولم يصرحوا في الوقف على فقهاء مدرسة أو
__________
(1) في مخطوط الدار: ونحوها (و) .
(6/342)

نحوها، ويتوجه الخلاف، وإن وقف سائمة أو أسامها الموقوف عليه على معينين كأقاربه ففيها الزكاة، نص عليه.
وقيل: لا؛ لنقص ملكه، وكما لو قلنا: الملك لله، ولا يخرج منها لمنع نقل الملك في الوقف، وإن وقف أرضا أو شجرا عليه وجبت في الغلة، نص عليه، لجواز بيعها.
وقيل: تجب مع غنى الموقوف عليه، جزم به أبو الفرج والحلواني وابنه صاحب [التبصرة] ، ولعله ظاهر ما نقله ابن سعيد وغيره، ومن وصى بدراهم في وجوه البر، أو ليشتري بها ما يوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع المال فيما وصى، ولا زكاة فيهما، ويضمن إن خسر، نقل ذلك الجماعة، وقيل: ربحه إرث، ويأتي كلام صاحب [الموجز] وشيخنا في آخر الشركة، والمال الموصى به يزكيه من حال الحول على ملكه، وإن وصى بنفع نصاب سائمة زكاها مالك الأصل، ويحتمل: لا زكاة إن وصى به أبدا، ولا زكاة في حصة المضارب، ولا ينعقد الحول قبل استقراره، نص عليه.
واختاره: أبو بكر والقاضي والشيخ وغيره، وذكره في الوسيلة ظاهر المذهب، لعدم الملك أو لضعفه؛ لأنه وقاية رأس المال، واختار أبو الخطاب وغيره- وقدمه في [المستوعب] وغيره- تجب الزكاة وينعقد حوله بملكه بظهور الربح (وهـ ش) أو بغيره، على خلاف يأتي، كمغصوب ودين على مفلس، وأولى ليده وتنميته، فعلى هذا يعتبر بلوغ حصته نصابا، ودونه ينبني على الخلطة، ومذهب (م) يزكيها.
وإن قلت بحول المالك، ولا يلزمه عندنا إخراجها قبل القبض
(6/343)

كالدين، ولا يجوز له إخراجها من مال المضاربة بلا إذن، نص عليه؛ لأنه وقاية.
وقيل: يجوز لدخولهما على حكم الإسلام، صححه صاحب المستوعب والمحرر.
وقيل: يزكيها رب المال (هـ) (1) بحول أصله؛ لأنه نماؤه، والعامل لا يملكه على هذا.
وأوجب أبو حنيفة فيمن اشترى بألف المضاربة عبدين فصار يساوي كل منهما ألفا زكاة قيمتهما على المالك، لشغل رأس ماله كلا منهما، كشغل الدين ذمة الضامن والمضمون، فلم يفضل ما يملكه المضارب، ولهذا لو أعتق المالك أحدهما عتق كله، واستوفى رأس ماله، وعندنا أن ذلك ممنوع، والحكم كعبد واحد مطلقا (وش) ويزكي رب المال حصته - نص عليه (و) كالأصل؛ لأنه يملكه بظهوره، زاد بعضهم: في أظهر الروايتين، وهو سهو- قبل قبضها، وفيه احتمال، ويحتمل سقوطها قبله لتزلزله، وإذا أداها من غيره فرأس المال باق، وإن أدى منه حسب من المال والربح، ذكره القاضي وتبعه صاحب [المستوعب] و [المحرر] وغيرهما.
وفي [المغني] : تحتسب من الربح ورأس المال باق؛ لأنه وقاية ولا يقال مؤنة (2) كسائر المؤن؛ لأنه يلزم أن يحسب عليهما.
__________
(1) في مخطوط الدار: رب المال (خ) .
(2) في الطبعة الأولى: ولا مال مؤنة.
(6/344)

وفي [الكافي] : هي من رأس المال، ونص عليه أحمد؛ لأنه واجب عليه كدينه، وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال إلا بإذنه، نص عليه، ومن شرط منهما زكاة حصته على الآخر جاز؛ لأنه شرط لنفسه نصف الربح وثمن عشره.
ولا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح؛ لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح، قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (1) ، وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا، كذا قال.
قال الشيخ في [فتاويه] : ويصح شرطها في المساقاة على العامل؛ لأنه جزء من النماء المشترك، فمعناه القدر المسمى [لك] مما يفضل عنها، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنا لا نعلم هل يوجد من الثمرة ما فيه العشر أولا؟ فيصير نصيبه مجهولا، ولأنه يفضي (2) إلى أن يصح له القليل إذا كثرت الثمرة، والكثير إذا قلت، ولا نظير له (3) .
ك- جاء في [الإنصاف] : قوله: (ومن كان له دين على مليء- من صداق أو غيره- زكاه إذا قبضه) .
هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وعنه: لا تجب فيه الزكاة، فلا يزكيه إذا قبضه. وعنه: يزكيه إذا قبضه أو قبل قبضه. قال في [الفائق] :
__________
(1) في الطبعة الأولى: إذا لم يثمر عن ربح الشجر.
(2) في الطبعة الأولى: ولأنه يفضل.
(3) لفروع (2\323) وما بعدها.
(6/345)

وعنه يلزمه في الحال. وهو المختار.
تنبيه: قوله: (على مليء) من شرطه أن يكون باذلا.
فائدة: الحوالة به والإبراء منه كالقبض. على الصحيح من المذهب. وقيل: إن جعلا وفاء فكالقبض، وإلا فلا.
قوله: (زكاه إذا قبضه لما مضى) .
يعني: من الأحوال. وهذا المذهب، سواء قصد ببقائه الفرار من الزكاة أو لا. وجزم به في [المغني] ، و [الشرح] ، و [الوجيز] وغيرهم. وقدمه في [الفروع] وغيره. وعليه الأصحاب. وعنه يزكيه لسنة واحدة، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء. ولم يوجد فيما مضى.
فوائد:
إحداها: يجزئه إخراج زكاته قبل قبضه لزكاة سنين، ولو منع التعجيل لأكثر من سنة؛ لقيام الوجوب، وإنما لم يجب الأداء رخصة.
الثانية: لو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة، زكى النقد لتمام حوله، وزكى المؤجل إذا قبضه.
الثالثة: حول الصداق من حين العقد. على الصحيح من المذهب، عينا كان أو دينا، مستقرا كان أو لا، نص عليه. وكذا عوض الخلع والأجرة. وعنه: ابتداء حوله من حين القبض لا قبله.
وعنه: لا زكاة في الصداق قبل الدخول حتى يقبض. فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الحول.
قال المجد: بالإجماع مع احتمال الانفساخ. وعنه: تملك قبل الدخول نصف الصداق.
(6/346)

وكذا الحكم خلافا ومذهبا في اعتبار القبض في كل دين، إذا كان في غير مقابلة مال، أو مال زكوي عند الكل، كموصى به وموروث وثمن مسكن.
وعنه: لا حول لأجرة، فيزكيه في الحال كالمعدن.
اختاره الشيخ تقي الدين، وهو من المفردات. وقيدها بعض الأصحاب بأجرة العقار. وهو من المفردات أيضا، نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة له.
وعنه أيضا: لا حول لمستفاد. وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة، فعلى الأول لا يلزمه الإخراج قبل القبض.
الرابعة: لو كان عليه دين من بهيمة الأنعام فلا زكاة لاشتراط السوم فيها، فإن عينت زكيت لغيرها. وكذا الدية الواجبة، لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها لم تتعين مالا زكويا؛ لأن الإبل في الذمة فيها أصل أو أحدها.
تنبيه: شمل قول المصنف: (من صداق أو غيره) القرض ودين عروض التجارة، وكذا المبيع قبل القبض. جزم به المجد وغيره، فيزكيه المشتري، ولو زال ملكه عنه، أو زال، أو انفسخ العقد بتلف مطعوم قبل قبضه. ويزكي المبيع بشرط الخيار، أو في خيار المجلس من حكم له بملكه. ولو فسخ العقد. ويزكي أيضا دين السلم إن كان للتجارة، ولم يكن أثمانا.
ويزكي أيضا ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهم، ولو انفسخ العقد. قال في [الفروع] : جزم بذلك جماعة. وقال في [الرعاية] :
(6/347)

وإنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض. وعنه: أو مميز لم يقبض. ثم قال: قلت: وفيما صح تصرف ربه فيه قبل قبضه، أو ضمنه بتلفه. وفي ثمن المبيع، ورأس مال المسلم قبل قبض عوضهما، ودين السلم إن كان للتجارة ولم يكن أثمانا، وفي المبيع في مدة الخيار قبل القبض، روايتان.
وللبائع إخراج زكاة مبيع فيه خيار منه؛ فيبطل البيع في قدره، وفي قيمته روايتا تفريق الصفقة، وفي أيهما تقبل.
قوله: (وفي قيمة المخرج وجهان) .
وأطلقهما في [الفروع] ، وابن تميم.
قلت: الصواب قول المخرج.
فأما مبيع غير متعين ولا متميز فيزكيه البائع.
الخامسة: كل دين سقط قبل قبضه، ولم يتعوض عنه، تسقط زكاته، على الصحيح من المذهب. وقيل: هل يزكيه من سقط عنه؟ يخرج على روايتين. وإن أسقطه ربه زكاه. نص عليه. وهو الصحيح من المذهب، كالإبراء من الصداق ونحوه.
وقيل: يزكيه المبرأ من الدين؛ لأنه ملك عليه. وقيل: لا زكاة عليهما. وهو احتمال في الكافي وهو من المفردات.
وإن أخذ ربه عوضا، أو أحال أو احتال- زاد بعضهم وقلنا: الحوالة وفاء- زكاه. على الصحيح من المذهب كعين وهبها. وعنه زكاة التعويض على الدين.
وقيل في ذلك وفي الإبراء: يزكيه ربه إن قدر وإلا المدين.
(6/348)

السادسة: الصداق في هذه الأحكام كالدين فيما تقدم. على الصحيح من المذهب.
وقيل: سقوطه كله لانفساخ النكاح من جهتها كإسقاطها. وإن زكت صداقها.
قال الزركشي: وقيل: لا ينعقد الحول؛ لأن الملك فيه غير تام.
وقيل: محل الخلاف فيما قبل الدخول.
هذا إذا كان في الذمة. أما إن كان معينا فإن الحول ينعقد من حين الملك. نص عليه. انتهى. وإن زكت صداقها كله، ثم تنصف بطلاق، رجع فيما بقي بكل حقه. على الصحيح من المذهب.
وقيل: إن كان مثليا وإلا فقيمة حقه.
وقيل: يرجع بنصف ما بقي، ونصف بدل ما أخرجت.
وقيل: يخير بين ذلك ونصف قيمة ما أصدقها يوم العقد أو مثله. ولا تجزيها زكاتها منه بعد طلاقه؛ لأنه مشترك.
وقيل: بلى عن حقها، وتغرم له نصف ما أخرجت، ومتى لم تزكه رجع بنصفه كاملا، وتزكيه هي. فإن تعذر، فقال في [الفروع] : يتوجه، لا يلزم الزوج. وقال في [الرعاية] : يلزمه، ويرجع عليها إن تعلقت بالعين. وقيل: أو بالذمة.
فائدة: لو وهبت المرأة صداقها لزوجها، لم تسقط عنها الزكاة. على الصحيح من المذهب. قاله القاضي وغيره. وعنه: تجب على الزوج. وفي [الكافي] احتمال بعدم الوجوب عليها.
قوله: (وفي الدين على غير المليء، والمؤجل، والمجحود
(6/349)

والمغصوب، والضائع، روايتان) .
وكذا لو كان على مماطل، أو كان المال مسروقا، أو موروثا، أو غيره، جهله، أو جهل عند من هو، وأطلقهما في [الفروع] ، و [الشرح] ، و [الرعايتين] ، و [الحاويين] و [المستوعب] ، و [المذهب الأحمد] ، و [لمحرر] .
إحداهما: كالدين على المليء، فتجب الزكاة في ذلك كله إذا قبضه. وهو الصحيح من المذهب. قال في [الفروع] : اختاره الأكثر. وذكره أبو الخطاب، والمجد ظاهر المذهب. وصححه ابن عقيل، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد في [شرحه] ، وصاحب [الخلاصة] ، و [تصحيح المحرر] . ونصرها أبو المعالي.
وقال: اختارها الخرقي وأبو بكر. وجزم به في [الإيضاح] و [الوجيز] .
وجزم به جماعة في المؤجل؛ وفاقا للأئمة الثلاثة لصحة الحوالة به والإبراء. وشمله كلام الخرقي. وقطع به في [التلخيص] ، و [المغني] ، و [الشرح] .
والرواية الثانية: لا زكاة فيه بحال. صححها في [التلخيص] وغيره. وجزم به في العمدة في غير المؤجل ورجحها بعضهم، واختارها ابن شهاب والشيخ تقي الدين. وقدمه [ابن تميم] و [الفائق] .
وقيل: تجب في المدفون في داره، وفي الدين على المعسر والمماطل. وجزم في [الكافي] بوجوبها في وديعة، جهل عند من هي.
وعليه: ما لا يؤمل رجوعه؛ كالمسروق المغصوب والمجحود لا
(6/350)

زكاة فيه. وما يؤمل رجوعه كالدين على المفلس أو الغائب المنقطع خبره فيه الزكاة. قال الشيخ تقي الدين: هذه أقرب.
وعنه: إن كان الذي عليه الدين يؤدي زكاته، فلا زكاة على ربه، وإلا فعليه الزكاة. نص عليه في المجحود. ذكرهما الزركشي وغيره.
فعلى المذهب: يزكي ذلك كله إذا قبضه لما مضى من السنين. على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وجزموا به.
وقال أبو الفرج في [المبهج] : إذا قلنا تجب في الدين وقبضه، فهل يزكيه لما مضى أم لا؛ على روايتين. قال في [الفروع] : ويتوجه ذلك في بقية الصور.
تنبيه: قوله: (المجحود) يعني: سواء كان مجحودا باطنا أو ظاهرا أو ظاهرا وباطنا. هذا المذهب. وعليه الأكثر. وقيده في [المستوعب] بالمجحود ظاهرا وباطنا. وقال أبو المعالي: ظاهرا.
فوائد:
منها: لو كان بالمجحود بينة، وقلنا: لا تجب في المجحود. ففيه هنا وجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] . وقال: ذكرهما القاضي) .
أحدهما: تجب. وهو الصحيح. جزم به المجد في [شرحه] . وقدمه في [الفائق] و [الرعايتين] و [الحاويين] .
الثاني: لا تجب.
ومنها: لو وجبت في نصاب بعضه دين على معسر، أو غصب أو ضال ونحوه، ففي وجوب إخراج زكاة ما بيده قبل قبض الدين والغصب
(6/351)

والضال وجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] .
أحدهما: يجب إخراج زكاة ما بيده. وهو المذهب قدمه في [الرعايتين] و [الحاويين] . وهو ظاهر ما قدمه المجد في شرحه. فلو كانت إبلا خمسا وعشرين، منها خمس مغصوبة أو ضالة، أخرج أربعة أخماس بنت مخاض.
والثاني: لا يجب حتى يقبض ذلك. فعلى هذا الوجه لو كان الدين على مليء، فوجهان. وأطلقهما في [الفروع] و [ابن تميم] و [الرعايتين] و [الحاويين] .
قلت: الصواب وجوب الإخراج.
ومنها: لو قبض شيئا من الدين، أخرج زكاته ولو لم يبلغ نصابا. على الصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور. وقال: يخرج زكاته بالحساب ولو أنه درهم. وعليه أكثر الأصحاب. وقدمه في [الفروع] والمجد في شرحه. و [الفائق] وغيرهم. وقال القاضي في [المجرد] وابن عقيل في [الفصول] : لا يلزمه ما لم يكن المقبوض نصابا، أو يصير ما بيده ما يتمم به نصابا.
ومنها: يرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة لنقصه بيده كتلفه.
ومنها: لو غصب رب المال بأسر أو حبس، ومنع من التصرف في ماله، لم تسقط زكاته. على الصحيح من المذهب؛ لنفوذ تصرفه فيه. وقيل: تسقط.
قوله: (وقال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها) .
(6/352)

اللقطة قبل أن يعلم ربها حكمها حكم المال الضائع. على ما تقدم خلافا ومذهبا. وعند الخرقي: أن الزكاة تجب فيها إذا وجدها ربها لحول التعريف. وذكر المصنف الخرقي تأكيدا لوجوب الزكاة فيما ذكره.
فوائد:
إذا ملك الملتقط اللقطة بعد الحول، استقبل بها حولا وزكاها. على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به الخرقي وغيره. وقدمه في [الفروع] وغيره.
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه مدين بها. وحكي عن القاضي لا زكاة فيها؛ نظرا إلى أنه ملكها مضمونة عليه بمثلها، أو قيمتها. فهي دين عليه في الحقيقة. انتهى. ولذلك قال ابن عقيل: لكن نظر إلى عدم استقرار الملك فيها. انتهى.
فعلى القول الثاني: لو ملك قدر ما يقابل قدر عوضها زكى. على الصحيح.
وقيل: لا؛ لعدم استقرار ملكه لها. وتقدم كلام ابن عقيل.
وإذا ملكها الملتقط وزكاها فلا زكاة إذن على ربها. على الصحيح من المذهب. وعنه، بلى. وهل يزكيها ربها حول التعريف أو بعده، إذا لم يملكها الملتقط؟ فيه الروايتان في المال الضال.
وإن لم يملك اللقطة - وقلنا: له أن يتصدق بها - لم يضمن حتى يختار ربها الضمان، فتثبت حينئذ في ذمته، كدين تجدد. فإن أخرج الملتقط زكاتها عليه منها، ثم أخذها ربها، رجع عليه بما أخرج على الصحيح من
(6/353)

المذهب. وقال القاضي: لا يرجع عليه، إن قلنا: لا يلزم ربها زكاتها. قال في [الرعاية] : لوجوبها على الملتقط إذن (1) .
__________
(1) [الإنصاف] ، (3 \ 18) وما بعدها.
(6/354)

رابعا: الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة؟
الديون التي على الإنسان قد تكون لآدمي، وقد تكون لله تعالى، وقد يكون الدين حالا أو مؤجلا.
وفيما يلي نصوص فقهاء الإسلام تبين أقوالهم وأدلتهم مع المناقشة:
1 - النقل عن الحنفية:
أ- قال الكاساني: ومنها: أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا، فإن كان فإنه يمنع وجوب الزكاة بقدره، حالا كان أو مؤجلا. وعند الشافعي: هذا ليس بشرط، والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان، احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير فصل، ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب، وشرطه أن يكون معدا للتجارة أو للإسامة وقد وجد.
أما الملك فظاهر؛ لأن المديون مالك لماله؛ لأن دين الحر الصحيح يجب في ذمته ولا يتعلق بماله، ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء. وأما الإعداد للتجارة أو الإسامة؛ فلأن الدين لا ينافي ذلك، والدليل عليه أنه لا يمنع وجوب العشر.
(ولنا) : ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه خطب في شهر رمضان وقال في خطبته: ألا إن شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه
(6/354)

دين فليحسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله. وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعا منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين.
وبه تبين أن مال المديون خارج عن عمومات الزكاة، ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة؛ لأنه لا يتحقق به الغنى، «ولا صدقة إلا عن ظهر غنى (1) » على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد خرج الجواب عن قوله: إنه وجد سبب الوجوب وشرطه؛ لأن صفة الغنى مع ذلك شرط ولا يتحقق مع الدين مع ما (2) أن ملكه في النصاب ناقص، بدليل أن لصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذه من غير قضاء ولا رضاء.
وعند الشافعي: له ذلك في الجنس وخلاف الجنس وذا آية عدم الملك، كما في الوديعة والمغصوب. فلأن يكون دليل نقصان الملك أولى.
وأما العشر: فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر فيمنع على هذا الرواية، وأما على ظاهر الرواية؛ فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فلا يعتبر فيه غنى المالك، ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا حتى يجب في الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب، بخلاف الزكاة، فإنه لا بد فيها من غنى المالك، والغنى لا
__________
(1) صحيح البخاري النفقات (5355) ، سنن النسائي الزكاة (2534) ، سنن أبو داود الزكاة (1676) ، مسند أحمد بن حنبل (2/230) ، سنن الدارمي الزكاة (1651) .
(2) كذا في الأصل. ولعل (ما) زائدة، أو تكون بعد أن.
(6/355)

يجامع الدين، وعلى هذا يخرج مهر المرأة، فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا معجلا كان أو مؤجلا؛ لأنها إذا طالبته يؤاخذ به.
وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل لا يمنع؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجل فيطالب به عادة فيمنع.
وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه يمنع، وإن لم يكن على عزم القضاء لا يمنع؛ لأنه لا يعده دينا، وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام.
وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري في الإجارة الطويلة التي تعارفها أهل بخارى أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر؛ لأنه ملكه قبل الفسخ وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ. وقال بعض مشايخنا: إنه يجب على المستأجر أيضا؛ لأنه يعد ذلك مالا موضوعا عند الآجر.
وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل سمرقند وهو بيع الوفاء: إن الزكاة على البائع في ثمنه إن بقي حولا؛ لأنه ملكه.
وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يلزم المشتري أيضا؛ لأنه يعده مالا موضوعا عند البائع فيؤاخذ بما عنده.
وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع: إنه إن كان في الحول يمنع؛ لأن المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب، فأما إذا استحق بعد الحول لا يسقط الزكاة؛ لأنه دين حادث؛ لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق وإن كان الضمان سببا حتى اعتبر من جميع المال، وإذا اقتصر وجوب الدين لم يمنع وجوب الزكاة قبله.
(6/356)

وأما نفقة الزوجات فما لم يصر دينا إما بفرض القاضي أو بالتراضي لا يمنع؛ لأنها تجب شيئا فشيئا؛ فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي، وتمنع إذا فرضت بقضاء القاضي أو بالتراضي لصيرورته دينا.
وكذا نفقة المحارم تمنع إذا فرضها القاضي في مدة قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير دينا، فأما إذا كانت المدة طويلة فلا تصير دينا، بل تسقط؛ لأنها صلة محضة، بخلاف نفقة الزوجات.
إلا أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة المحارم أيضا لكن الضرورة ترتفع بأدنى المدة.
وقال بعض مشايخنا: إن نفقة المحارم تصير دينا أيضا بالتراضي في المدة اليسيرة.
وقالوا: دين الخراج يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه مطالب به. وكذا إذا صار العشر دينا في ذمته بأن أتلف الطعام العشري صاحبه.
فأما وجوب العشر فلا يمنع؛ لأنه متعلق بالطعام يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه، والطعام ليس مال التجارة حتى يصير مستحقا بالدين.
وأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من العين إلى الذمة - فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد، سواء كان في الأموال الظاهرة أو الباطنة.
وقال زفر: لا يمنع كلاهما.
وقال أبو يوسف: وجوب الزكاة في النصاب يمنع، فأما دين الزكاة فلا يمنع.
هكذا ذكر الكرخي قول زفر ولم يفصل بين الأموال الظاهرة والباطنة.
(6/357)

وذكر القاضي في شرحه [مختصر الطحاوي] : أن هذا مذهبه في الأموال الباطنة من الذهب والفضة، وأموال التجارة.
ووجه هذا القول ظاهر؛ لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها، فلم يكن لزكاتها مطالب من جهة العباد، سواء كانت في العين أو في الذمة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كديون الله تعالى من الكفارات والنذور وغيرها، بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأن الإمام يطالب بزكاتها.
وأما وجه قوله الآخر فهو: أن الزكاة قربة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كدين النذور والكفارات.
ولأبي يوسف: الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها هو: أن دين الزكاة في الذمة لا يتعلق بالنصاب، فلا يمنع الوجوب؛ كدين الكفارات والنذور.
وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب، إذ الواجب جزء من النصاب، واستحقاق جزء من النصاب يوجب النصاب؛ إذ المستحق كالمصروف. وحكي أنه قيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؟ فقال: ما حجتي على من يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! والأمر على ما قاله أبو يوسف؛ لأنه إذا كان له مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة، يؤدي إيجاب الزكاة في المال أكثر منه بأضعافه وأنه قبيح.
ولأبي حنيفة ومحمد: أن كل ذلك دين مطالب به من جهة العباد.
أما زكاة السوائم فلأنها يطالب بها من جهة السلطان عينا كان أو دينا؛ ولهذا يستحلف إذا أنكر الحول، أو أنكر كونه للتجارة أو ما أشبه ذلك،
(6/358)

فصار بمنزلة ديون العباد. وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضا تقديرا؛ لأن حق الأخذ للسلطان.
وكان يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى زمن عثمان رضي الله عنه. فلما كثرت الأموال في زمانه وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام. ألا ترى أنه قال: من كان عليه دين فليؤده وليترك ما بقي من ماله.
فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها، لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك؛ لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
وبيان ذلك: أنه إذا كان لرجل مائتا درهم أو عشرون مثقال ذهب فلم يؤد زكاته سنتين يزكي السنة الأولى وليس عليه للسنة الثانية شيء عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: يؤدي زكاة سنتين، وكذا هذا في مال التجارة، وكذا في السوائم إذا كان له خمس من الإبل السائمة مضى عليها سنتان ولم يؤد زكاتها - أنه يؤدي زكاة السنة الأولى، وذلك شاة، ولا شيء عليه للسنة الثانية.
ولو كانت عشرا وحال عليها حولان، يجب للسنة الأولى شاتان، وللثانية شاة.
(6/359)

ولو كانت الإبل خمسا وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض، وللسنة الثانية أربع شياه، ولو كان له ثلاثون من البقر السوائم يجب للسنة الأولى تبيع أو تبيعة، ولا شيء للسنة الثانية.
وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة، وللثانية تبيع أو تبيعة وإن كان له أربعون من الغنم عليه للسنة الأولى شاة، ولا شيء للسنة الثانية. وإن كانت مائة وإحدى وعشرين عليه للسنة الأولى شاتان، وللسنة الثانية شاة.
ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول، هل ينقطع حكم الحول؟ قال أبو يوسف: لا ينقطع، حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول.
وقال زفر: ينقطع الحول بلحوق الدين. والمسألة مبنية على نقصان النصاب في خلال الحول؛ لأن بالدين ينعدم كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ فتنعدم صفة الغنى في المالك، فكان نظير نقصان النصاب في أثناء الحول.
وعندنا نقصان النصاب في خلال الحول: لا يقطع الحول، وعند زفر: يقطع على ما نذكر، فهذا مثله. وأما الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات كالنذور والكفارات وصدقة الفطر ووجوب الحج ونحوها لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن أثرها في حق أحكام الآخرة وهو الثواب بالأداء والإثم بالترك فأما لا أثر له في أحكام الدنيا، ألا ترى أنه لا يجبر ولا يحبس فلا يظهر في حق حكم من أحكام الدنيا فكانت ملحقة بالعدم في حق أحكام الدنيا.
(6/360)

ثم إذا كان على الرجل دين وله مال الزكاة وغيره من عبيد الخدمة وثياب البذلة ودور السكنى فإن الدين يصرف إلى مال الزكاة عندنا سواء كان من جنس الدين أو لا، ولا يصرف إلى غير مال الزكاة وإن كان من جنس الدين.
وقال زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن لم يكن مال الزكاة، حتى إنه لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه وله مائتا درهم وخادم فدين المهر يصرف إلى المائتين دون الخادم عندنا، وعنده يصرف إلى الخادم.
وجه قول زفر: أن قضاء الدين من الجنس أيسر؛ فكان الصرف إليه أولى.
ولنا: أن عين مال الزكاة مستحق كسائر الحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها، فكان الصرف إليه أيسر وأنظر بأرباب الأموال، لهذا لا يصرف إلى ثياب بدنه وقوته وقوت عياله، وإن كان من جنس الدين لما قلنا.
وذكر محمد في الأصل: أرأيت لو تصدق عليه لم يكن موضعا للصدقة.
ومعنى هذا الكلام: أن مال الزكاة مشغول بحاجة الدين؛ فكان ملحقا بالعدم، وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة، فكان فقيرا، ولا زكاة على الفقير.
ولو كان في يده من أموال الزكاة أنواع مختلفة من الدراهم والدنانير وأموال التجارة والسوائم، فإنه يصرف الدين إلى الدراهم والدنانير وأموال التجارة دون السوائم؛ لأن زكاة هذه الجملة يؤديها أرباب الأموال، وزكاة السوائم يأخذها الإمام، وربما يقصرون في الصرف إلى الفقراء ظنا بما
(6/361)

لهم، فكان صرف الدين إلى الأموال الباطنة ليأخذ السلطان زكاة السوائم نظرا للفقراء، وهذا أيضا عندنا.
وعلى قول زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن كان من السوائم، حتى إن من تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة بغير أعيانها وله أموال التجارة وإبل سائمة - فإن عنده يصرف المهر إلى الإبل، وعندنا يصرف إلى مال التجارة لما مر.
وذكر الشيخ الإمام السرخسي: أن هذا إذا حضر المصدق، فإن لم يحضر فالخيار لصاحب المال، إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما سواء لا يختلف، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم؛ فلهذا إذا حضر صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة.
فأما إذا لم يكن له مال الزكاة سوى السوائم فإن الدين يصرف إليها ولا يصرف إلى أموال البذلة لما ذكرنا.
ثم ينظر إن كان له أنواع مختلفة من السوائم، فإن الدين يصرف إلى أقلها زكاة حتى يجب الأكثر نظرا للفقراء، بأن كان له خمس من الإبل وثلاثون من البقر وأربعون شاة، فإن الدين يصرف إلى الإبل أو الغنم دون البقر حتى يجب التبيع؛ لأنه أكثر قيمة من الشاة. وهذا إذا صرف الدين إلى الإبل والغنم بحيث لا يفضل شيء منه، فأما إذا استغرق أحدهما وفضل منه شيء وإن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء - فإنه
(6/362)

يصرف إلى البقر؛ لأنه إذا فضل شيء منه يصرف إلى الغنم فانتقص النصاب بسبب الدين فامتنع وجوب شاتين.
ولو صرف إلى البقر وامتنع وجوب التبيع تجب الشاتان؛ لأنه لو صرف الدين إلى الغنم يبقى نصاب الإبل السائمة كاملا، والتبيع أقل قيمة من شاتين، ولو لم يكن له إلا الإبل والغنم.
ذكر في [الجامع] : أن لصاحب المال أن يصرف الدين إلى أيهما شاء، لاستوائهما في قدر الواجب، وهو الشاة.
وذكر في نوادر الزكاة أن للمصدق أن يأخذ الزكاة من الإبل دون الغنم؛ لأن الشاة الواجبة في الإبل ليست من نفس النصاب؛ فلا ينتقص النصاب بأخذها. ولو صرف الدين إلى الإبل يأخذ الشاة من الأربعين فينتقص النصاب فكان هذا أنفع للفقراء.
ولو كان له خمس وعشرون من الإبل وثلاثون بقرا وأربعون شاة، فإن كان الدين لا يفضل عن الغنم يصرف إلى الشاة؛ لأنه أقل زكاة، فإن فضل منه ينظر إن كان بنت مخاض وسط أقل قيمة من الشاة وتبيع وسط يصرف إلى الإبل، وإن كان أكثر قيمة منها يصرف إلى الغنم والبقر؛ لأن هذا أنفع للفقراء، فالمدار على هذا الحرف.
فأما إذا لم يكن له مال للزكاة فإنه يصرف الدين إلى عروض البذلة والمهنة أولا ثم إلى العقار؛ لأن الملك مما يستحدث في العروض ساعة فساعة، فأما العقار فمما لا يستحدث فيه الملك غالبا؛ فكان فيه مراعاة
(6/363)

النظر لهما جميعا. والله أعلم (1) .
ب- قال الزيلعي: وأما كونه فارغا عن الدين وعن حاجته الأصلية؛ كدور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنازل وآلات المحترفين وكتب الفسقة لأهلها، فلأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم؛ ولهذا يجوز التيمم مع الماء المستحق بالعطش.
وقال الشافعي في الجديد: الدين لا يمنع وجوب الزكاة للعمومات، والحجة عليه ما رويناه، وهو قول عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر، وكفى بهم قدوة، وكان عثمان رضي الله عنه يقول: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تخلص أمواله فيؤدي منها الزكاة) بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا، ولأن الزكاة تجب على الغني لإغناء الفقير، ولا يتحقق الغنى بالمال المستقرض ما لم يقضه، ولأن ملكه ناقص حيث كان للغريم أن يأخذه إذا ظفر بجنس حقه، فصار كمال المكاتب، ولا يلزم على هذا الموهوب له حيث تجب عليه الزكاة وإن كان للواهب أن يرجع فيه؛ لأنه ليس له أن يأخذه إلا بقضاء القاضي أو برضا الموهوب له، فلا يصح رجوعه بدونهما.
وفيما قال الشافعي: يلزم تزكية مال واحد في سنة واحدة مرارا بأن كان لرجل عبد يساوي ألفا فباعه من آخر بدين ثم باعه الآخر كذلك حتى تداولته عشرة أنفس مثلا فحال عليه الحول، يجب على كل واحد منهم زكاة ألف، والمال في الحقيقة واحد حتى لو فسخت البياعات بعيب
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2 \ 6) وما بعدها.
(6/364)

رجع إلى الأول فلم يبق لهم شيء. ولا فرق في الدين بين المؤجل والحال.
والمراد بالدين: دين له مطالب من جهة العباد حتى لا يمنع دين النذر والكفارة، ودين الزكاة مانع حال بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص به النصاب، وكذا بعد الاستهلاك، خلافا لزفر رحمه الله فيهما، ولأبي يوسف في الثاني؛ لأنه مطالب به من جهة الإمام في الأموال الظاهرة، ومن جهة نوابه في الباطنة؛ لأن الملاك نوابه، فإن الإمام كان يأخذها إلى زمن عثمان رضي الله عنه، وهو فوضها إلى أربابها في الأموال الباطنة، قطعا لطمع الظلمة فيها، فكان ذلك توكيلا منه لأربابها.
وقيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؛ فقال: ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! ومراده إذا كان لرجل مائتا درهم وحال عليها ثمانون حولا.
ولو طرأ الدين في خلال الحول يمنع وجوب الزكاة عند محمد، كهلاك النصاب كله، وعند أبي يوسف لا يمنع، كنقصان النصاب في أثناء الحول، ثم لا فرق بين أن يكون الدين بطريق الكفالة والأصالة حتى لا تجب عليهما الزكاة، بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب، حيث تجب على الغاصب في ماله دون غاصب الغاصب، والفرق أن الأصيل والكفيل كل واحد منهما مطالب به؛ أما الغاصبان فكل واحد منهما غير مطالب به، بل أحدهما.
وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصابا بالفراغة عن الدين، وإن كان له نصب يصرف الدين إلى أيسرها قضاء.
(6/365)

مثاله: إذا كان له دراهم ودنانير وعروض التجارة وسوائم من الإبل ومن البقر والغنم وعليه دين، فإن كان يستغرق الجميع فلا زكاة عليه، وإن لم يستغرق صرف إلى الدراهم والدنانير أولا، إذ القضاء منهما أيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى بيعهما، ولأنه لا تتعلق المصلحة بعينهما، ولأنهما لقضاء الحوائج وقضاء الدين منها، ولأن للقاضي أن يقضي الدين منهما جبرا، وكذا للغريم أن يأخذ منهما إذا ظفر بهما وهما من جنس حقه، فإن فضل عنهما الدين أو لم يكن له منهما شيء، صرف إلى العروض؛ لأنهما عرضة للبيع، بخلاف السوائم؛ لأنها للنسل والدر والقنية، فإن لم يكن له عروض أو فضل الدين عنها صرف إلى السوائم، فإن كانت السوائم أجناسا صرف إلى أقلها زكاة نظرا للفقراء، وإن كان له أربعون شاة وخمس من الإبل يخير لاستوائهما في الواجب، وقيل: يصرف إلى الغنم لتجب الزكاة في الإبل في العام القابل (1) .
__________
(1) [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] (1 \ 253) وما بعدها.
(6/366)

2 - النقل عن المالكية:
أ- جاء في [المدونة] تحت عنوان (زكاة المديان) : (قلت) : أرأيت الرجل تكون له الدنانير فيحول عليها الحول وهي عشرون دينارا، وعليه دين وله عروض، أين يجعل دينه؟
(فقال) : في عروضه، فإن كانت وفاء دينه زكى هذه العشرين الناضة التي حال عليها الحول عنده.
(قلت) : أرأيت إن كانت عروضه ثياب جسده وثوبي جمعته وسلاحه
(6/366)

وخاتمه وسرجه وخادما تخدمه ودارا يسكنها.
(فقال) : أما خادمه وداره وسلاحه وسرجه وخاتمه فهي عروض يكون الدين فيها، فإن كان فيها وفاء الدين زكى العشرين التي عنده، قال: وهو قول مالك وأصل هذا لما جعلنا من قول مالك أنه ما كان للسلطان أن يبيعه في دينه فإنه يجعل دينه في ذلك، ثم يزكي ما كان عنده بعد ذلك من ناض، وإذا كان على الرجل الدين، فإن السلطان يبيع داره وعروضه كلها، ما كان من خادم أو سلاح أو غير ذلك، إلا ما كان من ثياب جسده مما لا بد له منه، ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام. (قلت) : أرأيت ثوبي جمعته أيبيع عليه السلطان ذلك في دينه؟
(فقال) : إن كانا ليس لهما تلك القيمة فلا يبيعهما، وإن كان لهما قيمة باعهما.
(قلت) : أتحفظ هذا عن مالك؟ فقال: لا، ولكن هذا رأيي.
(قلت) : أرأيت من له مال ناض وعليه من الدين مثل هذا المال الناض الذي عنده وله مدبرون قيمتهم أو قيمة خدمتهم مثل الدين الذي عليه؟
(فقال) : يجعل الدين الذي عليه في قيمة المدبرين.
(قلت) : قيمة رقابهم أم قيمة خدمتهم.
(فقال) : قيمة رقابهم ويزكي الدنانير الناضة التي عنده.
(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي.
(قلت) : فإن كانت له دنانير ناضة وعليه من الدين مثل الدنانير وله مكاتبون، فقال: ينظر إلى قيمة الكتابة.
(6/367)

(قلت) : وكيف ينظر إلى قيمة الكتابة؟
(فقال) : يقال: ما قيمة ما على هذا المكاتب من هذه النجوم على محلها بالعاجل من العروض ثم يقال: ما قيمة هذه العروض بالنقد؛ لأن ما على المكاتب لا يصلح أن يباع إلا بالعرض، إذا كان دنانير أو دراهم فينظر إلى قيمة المكاتب الآن بعد التقويم، فيجعل دينه فيه؛ لأنه مال له لو شاء أن يتعجله تعجله، وذلك أنه لو شاء أن يبيع ما على المكاتب بما وصفت لك فعل، فإذا جعل دينه في قيمة ما على المكاتب زكى ما في يديه من الناض إن كانت قيمة ما على المكاتب مثل الدين الذي عليه. (قال) : وكانت الدنانير التي في يديه هذه الناضة تجب فيها الزكاة، فإن كانت قيمة ما على المكاتب أقل مما عليه من الدين جعل فضل دينه فيما في يديه من الناض، ثم ينظر إلى ما بقي بعد ذلك، فإن كان ذلك مما تجب فيه الزكاة زكاه، وإن كان مما لا تجب فيه الزكاة لم يكن عليه فيها شيء.
(قلت) : وهذا قول مالك في هذه المسألة في المكاتب.
(فقال) : لم أسمع منه هذا كله، ولكن قال مالك: لو أن رجلا كانت له مائة دينار في يديه، وعليه دين مائة دينار، وله مائة دينار دينا، رأيت أن يزكي المائة الناضة التي في يديه، ورأيت ما عليه من الدين في الدين الذي له إن كان دينا يرتجيه وهو على مليء.
(قلت) : فإن لم يكن يرتجيه؟
(قال) : لا يزكيه فمسألة المكاتب عندي على مثل هذا؛ لأن كتابة المكاتب في قول مالك لو أراد أن يبيع ذلك بعرض مخالف لما عليه كان
(6/368)

ذلك له وهو مال للسيد كأنه عرض في يديه لو شاء أن يبيعه باعه. (قلت) : أرأيت إن كان عليه دين وله عبيد قد أبقوا وفي يديه مال ناض، أيقوم العبيد الأباق فيجعل الدين فيهم؟ قال: لا.
(قلت) : لم؟ قال: لأن الأباق لا يصلح بيعهم ولا يكون دينه فيهم. (قلت) : أتحفظ هذا عن مالك؟ قال: لا، ولكن هذا رأيي.
(قلت) : فما فرق ما بين الماشية والثمار والحبوب والدنانير في الزكاة؟
(فقال) : لأن السنة إنما جاءت في الضمار، وهو المال المحبوس في العين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز كانوا يبعثون الخراص في وقت الثمار فيخرصون على الناس لإحصاء الزكاة، ولما للناس في ذلك من تعجيل منافعهم بثمارهم الأكل والبيع وغير ذلك، ولا يؤمرون فيه بقضاء ما عليهم من دين ليحصل أموالهم، وكذلك السعاة يبعثونهم فيأخذون من الناس مما وجدوا في أيديهم ولا يسألونهم عن شيء من الدين، وقد قال أبو الزناد: كان من أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهي إلى قولهم، منهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل، وربما اختلفوا في الشيء فأخذ يقول أكثرهم أنهم كانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه، لا ينظر إلى غير ذلك.
(6/369)

(وقال) أبو الزناد: وهي السنة. قال أبو الزناد: وإن عمر بن عبد العزيز ومن قبله من الفقهاء يقولون ذلك.
(قال) ابن وهب: وقد كان عثمان بن عفان يصيح في الناس: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة. فكان الرجل يحصي دينه ثم يؤدي مما بقي في يديه إن كان ما بقي تجب فيه الزكاة.
(قال) ابن مهدي: عن أبي عبد الرحمن عن طلحة بن النضر قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كانوا لا يرصدون الثمار في الدين وينبغي للعين أن ترصد في الدين. (قال) ابن مهدي: عن حماد بن يزيد عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: كان المصدق يجيء فأينما رأى زرعا أو إبلا قائمة أو غنما قائمة أخذ منها الصدقة. (قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت في يديه مائة دينار ناضة فحال عليها الحول وعليه مائة دينار مهر لامرأته أيكون عليه فيما في يديه الزكاة؛ فقال: لا.
(قلت) : وهو قول مالك. فقال: قال لي مالك: إذا أفلس زوجها حاصت الغرماء، فإن مات زوجها حاصت الغرماء فهو دين، وهذا مثله.
(قلت) : أرأيت لو أن رجلا كانت عنده مائة دينار فحال عليها الحول وعليه زكاة قد كان فرط فيها لم يؤدها من زكاة المال والماشية وما أنبتت الأرض، أيكون عليه فيما في يديه الزكاة؟
(فقال) : لا يكون عليه فيما في يديه الزكاة إلا أن يبقى في يديه بعد أن يؤدي ما كان فرط فيه من الزكاة ما تجب فيه الزكاة عشرون دينارا فصاعدا، فإن بقي في يديه عشرون دينارا فصاعدا زكاه.
(6/370)

(قلت) : وهذا قول مالك. فقال: هذا رأيي؛ وذلك؛ لأن مالكا قال لي في الزكاة: إذا فرط فيها الرجل ضمنها، وإن أحاطت بماله فهذا عندي مثله.
(قلت) : أرأيت رجلا له عشرون دينارا قد حال عليها الحول وعليه عشرة دراهم لامرأته نفقة شهر قد كان فرضها عليه القاضي قبل أن يحول الحول بشهر.
(فقال) : يجعل نفقة المرأة في هذه العشرين الدينار، فإذا انحطت فلا زكاة عليه فيها.
(قلت) : أرأيت إن لم يكن فرض لها القاضي ولكنها أنفقت على نفسها شهرا قبل الحول ثم تبعته بنفقة الشهر وعند الزوج هذه العشرون الدينار. فقال: تأخذ نفقتها ولا يكون على الزوج فيها زكاة.
(قلت) : ويلزم الزوج ما أنفقت من مالها وإن لم يفرض لها القاضي.
(فقال) : نعم، إذا كان الزوج موسرا، فإن كان غير موسر فلا يضمن لها ما أنفقت، فمسألتك أنها أنفقت وعند الزوج عشرون دينارا، فالزوج يتبع بما أنفقت يقضى لها عليه بما أنفقت من مالها فإذا قضى لها بذلك عليه حطت العشرون الدينار إلى ما لا زكاة فيها فلا يكون عليه زكاة.
(قلت) : وهذا قول مالك.
(قال) : قال مالك: أيما امرأة أنفقت على نفسها وزوجها في حضر أو في سفر وهو موسر، فما أنفقت فهو في مال الزوج إن اتبعته على ما أحب أو كره الزوج مضمونا عليه. فلما اتبعته به كان ذلك دينا عليه، فجعلته في هذه العشرين فبطلت الزكاة عنه.
(6/371)

(قلت) : أرأيت إن كانت هذه النفقة التي على هذا الزوج الذي وصفت لك إنما هي نفقة والدين أو ولد. فقال: لا تكون نفقة الوالدين والولد دينا أبطل به الزكاة عن الرجل؛ لأن الوالدين والولد إنما تلزم النفقة لهم إذا ابتغوا ذلك، وإن أنفقوا ثم طلبوه بما أنفقوا لم يلزمه ما أنفقوا وإن كان موسرا، والمرأة تلزمه ما أنفقت قبل أن تطلبه بالنفقة إن كان موسرا.
(قلت) : فإن كان القاضي قد فرض للأبوين نفقة معلومة فلم يعطهما ذلك شهرا وحال الحول عليها عند هذا الرجل بعد هذا الشهر، أتجعل نفقة الأبوين ههنا دينا فيما في يديه إذا قضى به القاضي. قال: لا.
(قال) أشهب: أحط عنه به الزكاة وألزمه ذلك إذا قضى به القاضي عليه في الأبوين؛ لأن النفقة لهما إنما تكون إذا طلبا ذلك، ولا يشبهان الولد، ويرجع على الأب بما تداين به الولد، أو أنفق عليه إذا كان موسرا، ويحط بذلك عنه الزكاة، كانت بفريضة من القاضي أو لم تكن؛ لأن الولد لم تسقط نفقتهم عن الوالد إذا كان له مال من أول ما كانوا حتى يبلغوا، والوالدين قد كانت نفقتهما ساقطة فإنما ترجع نفقتهما بالقضية، والحكم من السلطان. والله أعلم.
(قلت) لابن القاسم: أرأيت رجلا كانت عنده دنانير قد حال عليها الحول تجب فيها الزكاة وعليه إجارة أجراء قد عملوا عنده قبل أن يحول على ما عنده الحول، أو كراء إبل أو دواب، أيجعل ذلك الكراء والإجارة فيما في يديه من الناض ثم يزكي ما بقي؟
(فقال) : نعم إذا لم يكن له عروض.
(6/372)

(قلت) : وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
(قال) : وسألت مالكا عن العامل إذا عمل بالمال قراضا سنة فربح ربحا وعلى العامل المقارض دين فاقتسماه بعد الحول، وأخذ العامل ربحه، هل ترى على العامل في حظه زكاة وعليه دين؟
(فقال) : لا إلا أن تكون له عروض فيها وفاء بدينه، فيكون دينه في العروض ويكون في ربحه هذا الزكاة. قال: فإن لم تكن له عروض فلا زكاة عليه في ربحه إذا كان الدين يحيط بربحه كله، وقال غيره: فيه الزكاة.
(قال) ابن وهب وسفيان بن عيينة: إن ابن شهاب حدثهما عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة.
(قال) أشهب: عن ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان على المنبر وهو يقول: هذا شهر زكاتكم الذي تؤدون فيه زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض في دينه، فإن فضل عنده ما تجب فيه الزكاة فليؤد زكاته، ثم ليس عليه شيء حتى يحول عليه الحول.
(قال) ابن القاسم وابن وهب وأشهب: عن مالك أن يزيد بن خصيفة حدثه أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة؟ قال: لا.
(قال) ابن وهب: وأخبرني غير واحد عن ابن شهاب ونافع مثل قول سليمان بن يسار.
(6/373)

(قال) ابن مهدي: عن أبي الحسن عن عمرو بن حزم قال: سئل جابر بن يزيد عن الرجل يصيب الدراهم وعليه دين أكثر منها. فقال: لا زكاة عليه حتى يقضي دينه (1) .
ب- قال ابن رشد - الجد - تحت ترجمة (في تقسيم الديون التي تسقط الزكاة) : والديون التي تسقط زكاة العين تنقسم عند ابن القاسم على ثلاثة أقسام:
قسم منها يسقط الزكاة، وهو دين الزكاة، كانت له عروض تفي به أو لم تكن، مرت به سنة من يوم استدانه: مثل: أن يكون له عشرون دينارا فيحول عليها الحول فلا يخرج زكاتها ويمسكها حتى يحول عليها حول آخر فإنه لا يجب عليه فيها زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة العام الأول، أو لم تمر به سنة من يوم استدانه: مثل: أن يفيد عشرين دينارا فتقيم عنده عشرة أشهر ثم يفيد عشرين أخرى فيحول حول العشرين الأولى فلا يزكيها وينفقها أو تتلف ثم يحول الحول على العشرين الأخرى فإنه لا يجب عليه فيها زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة الفائدة الأولى.
وقسم منها يسقط الزكاة، مرت به سنة من يوم استدانه أو لم تمر، إلا أن تكون له عروض تفي به يجعل الدين فيها، وهو ما استدانه في غير ما بيده من مال الزكاة.
وقسم يسقط الزكاة إن لم تمر به سنة من يوم استدانه، كانت له
__________
(1) المدونة، ومعها (المقدمات) (1 \ 234) .
(6/374)

عروض أو لم تكن، ويسقطها إن مرت به سنة من يوم استدانه، إلا أن تكون له عروض يجعله فيها، وهو ما استدانه فيما بيده من مال الزكاة، كان الدين من سلف أو مبايعة.
فكونه من سلف: هو مثل أن تكون له عشرة دنانير فيتسلف عشرة أخرى ويتجر بالعشرين حولا، فهذا يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي عليه دينا من السلف، فإن بقيت العشرة التي بيده عشرة أشهر فتسلف عشرة أخرى فتجر في العشرين إلى تمام الحول لم يجب عليه زكاتها، وإن كان له من العروض ما يفي بالعشرة التي عليه من السلف حتى يحول الحول عليه من يوم تسلفها. وكونه من مبايعة: هو مثل أن تكون له عشرة دنانير فيأخذ عشرة دنانير سلما في سلعة، فتجر بالعشرين حولا فإنه يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي عليه من السلم، ولو بقيت العشرة التي له بيده عشرة أشهر فأخذ عشرة دنانير سلما في سلعة فتجر في العشرين إلى تمام الحول لم يجب عليه زكاتها وإن كان له من العروض ما يفي بالدين الذي عليه من السلم حتى يحول الحول من يوم أخذ العشرة دنانير في السلم.
وأشهب يساوي بين دين الزكاة وغير الزكاة، فالدين ينقسم في هذا عنده على قسمين. وقد قيل: إن الدين يسقط الزكاة العين على كل مال وفي كل دين، وإن كانت له عروض لم يجعله فيها على ظاهر حديث
(6/375)

عثمان بن عفان المذكور، إذ لم يفرق فيه بين دين الزكاة من غيره، ولا شرط عدمه للعروض. وبالله التوفيق (1) .
وقال أيضا تحت عنوان: (زكاة الديون) : الدين لا يسقط زكاة ما عدا العين من الأموال التي تجب فيها الزكاة.
والدليل على ذلك: أن الله تبارك وتعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (2) وقال: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) فعم ولم يخص من عليه دين ممن لا دين عليه في مال من الأموال، والعموم محتمل للخصوص، فخصص أهل العلم من ذلك من عليه دين في المال العين بإجماع الصحابة على ذلك، بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: يا أيها الناس، هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى يحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة. وبقي ما سوى ذلك على العموم، فلا يسقط الدين زكاة الحرث ولا الماشية، وكذلك زكاة الفطر عن العبد على الصحيح من الأقوال، وهو قول ابن وهب عن مالك خلاف ظاهر ما في المدونة، ونص ما في كتاب ابن المواز.
وقد فرق أيضا بين العين وغيرها في وجوب إسقاط الدين بتفاريق من جهة المعنى لا تخلص من الاعتراض، وقد يحتمل أن يكون حذر عنها
__________
(1) المقدمات، ومعها [المدونة] (1 \ 219) وما بعدها.
(2) سورة التوبة الآية 103
(3) سورة الأنعام الآية 141
(6/376)

الإجماع. وبالله التوفيق (1) .
ج- قال ابن رشد الحفيد: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال قوم: لا زكاة في مال حبا كان أو غيره حتى تخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زكي وإلا فلا.
وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المبارك وجماعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب ويمنع ما سواها.
وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه فإنه لا يمنع، وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلا. والسبب في اختلافهم: اختلافهم هل الزكاة عبادة أو حق مرتب في المال للمساكين؟
فمن رأى أنها حق لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدين؛ لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي بيده. ومن قال: هي عبادة، قال: تجب على من بيده مال؛ لأن ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف، سواء كان عليه دين أو لم يكن، وأيضا فإنه قد تعارض هناك حقان: حق لله وحق للآدمي، وحق الله أحق أن يقضى، والأشبه بغرض
__________
(1) [المقدمات] ومعها [المدونة] (1 \ 306- 310) .
(6/377)

الشرع إسقاط الزكاة عن المديان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «فيها صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم (1) » . والمدين ليس بغني.
وأما من فرق بين الحبوب وغير الحبوب وبين الناض وغير الناض فلا أعلم له شبهة بينة، وقد كان أبو عبيد يقول: إنه إن كان لا يعلم أن عليه دينا إلا بقوله لم يصدق، وإن علم أن عليه دينا لم يؤخذ منه. وهذا ليس خلافا لمن يقول بإسقاط الدين الزكاة، وإنما هو خلاف لمن يقول يصدق في الدين كما يصدق في المال (2) .
د- جاء في [أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك] وشرحه الصغير: (ولا يسقط الدين) ولو عينا (زكاة حرث وماشية ومعدن) لتعلق الزكاة بعينها (بخلاف العين) الذهب والفضة (فيسقطها) الدين (ولو) كان الدين (مؤجلا أو) كان (مهرا، عليه لامرأته أو مؤخرا (أو) مقدما أو كان (نفقة كزوجة) أو أب أو ابن (تجمدت) عليه (أو) كان (دين زكاة) وانكسرت عليه، (لا) دين (كفارة) ليمين أو غيره كظهار، وصوم، (و) لا دين (هدي) وجب عليه في حج أو عمرة فلا يسقطان زكاة العين (إلا أن يكون له) أي: لرب العين المدين (من العروض ما) أي: شيء (يفي به) أي: بدينه فإنه يجعله في نظير الدين الذي عليه ويزكي ما عنده من العين. ولا تسقط عنه الزكاة بشرطين: أشار لأولهما بقوله: (إن حال حوله) أي: العرض (عنده) ، وللثاني بقول: (وبيع) ذلك العرض: أي: وكان مما يباع (على المفلس) كثياب ونحاس وماشية، ولو دابة ركوب أو ثياب
__________
(1) صحيح البخاري الزكاة (1395) ، صحيح مسلم الإيمان (19) ، سنن الترمذي الزكاة (625) ، سنن النسائي الزكاة (2435) ، سنن أبو داود الزكاة (1584) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1783) ، مسند أحمد بن حنبل (1/233) ، سنن الدارمي الزكاة (1614) .
(2) [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] (1 \ 236) .
(6/378)

جمعة أو كتب فقه، لا ثوب جسده أو دار سكناه، إلا أن يكون فيها فضل عن ضرورته.
فإن كان عنده من العرض ما يفي ببعض ما عليه نظر للباقي، فإن كان فيه الزكاة زكاه، كما لو كان عنده أربعون دينارا وعليه مثلها وعنده عرض يفي بعشرين زكى العشرين.
(والقيمة) لذلك العرض تعتبر (وقت الوجوب) أي: وجوب الزكاة آخر الحول (أو) يكون (له دين مرجو ولو مؤجلا) فإنه يجعله فيما عليه ويزكي ما عنده من العين (لا غير مرجو) كما لو كان على معسر أو ظالم لا تناله الأحكام، (ولا) إن كان له (آبق) فلا يجعل في نظير الدين الذي عليه (ولو رجي) تحصيله؛ لعدم جواز بيعه بحال.
(فلو وهب الدين له) أي: لمن هو عليه - بأن أبرأه ربه منه ولم يحل حوله من يوم الهبة - فلا زكاة في العين التي عنده؛ لأن الهبة إنشاء لملك النصاب الذي بيده، فلا تجب الزكاة فيه، إلا إذا استقبل حولا من يوم الهبة (أو) وهب له (ما) أي: شيء من العرض أو غيره، أي: وهب له إنسان ما: أي: شيئا (يجعل فيه) أي: في نظير الدين، (ولو لم يحل حوله) أي: حول الشيء الموهوب عند رب العين (فلا زكاة) في العين التي عنده حتى يحول الحول؟ لما تقدم في الذي قبله، وهذا التصريح بمفهوم قوله: (إن حال حوله) (1) .
__________
(1) [أقرب المسالك] وشرحه [الشرح الصغير] (1 \ 647) .
(6/379)

3 - النقل عن الشافعية:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة (باب الدين مع الصدقة) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة.
(قال الشافعي) : رحمه الله تعالى: وحديث عثمان يشبه والله تعالى أعلم أن يكون إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال في قوله: هذا شهر زكاتكم، يجوز أن يقول: هذا الشهر الذي إذا مضى حلت زكاتكم، كما يقال: شهر ذي الحجة وإنما الحجة بعد مضي أيام منه.
(قال الشافعي) : فإذا كانت لرجل مائتا درهم وعليه دين مائتا درهم فقضى من المائتين شيئا قبل حلول المائتين، أو استعدى عليه السلطان قبل محل حول المائتين فقضاها فلا زكاة عليه؛ لأن الحول حال وليست مائتين.
(قال) : وإن لم يقض عليه بالمائتين إلا بعد حولها فعليه أن يخرج منها خمسة دراهم، ثم يقضي عليه السلطان بما بقي منها.
(قال الشافعي) : وهكذا لو استعدى عليه السلطان قبل الحول فوقف ماله ولم يقض عليه بالدين حتى يحول عليه الحول - كان عليه أن يخرج زكاتها ثم يدفع إلى غرمائه ما بقي.
(قال الشافعي) : ولو قضى عليه السلطان بالدين قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء - لم يكن عليه فيه زكاة؛ لأن المال صار للغرماء دونه قبل الحول. وفيه قول ثان: أن عليه فيه الزكاة من قبل أنه لو
(6/380)

تلف كان منه، ومن قبل أنه لو طرأ له مال غير هذا كان له أن يحبس هذا المال وأن يقضي الغرماء من غيره.
(قال الشافعي) : وإذا أوجب الله عز وجل عليه الزكاة في ماله فقد أخرج الزكاة من ماله إلى من جعلها له فلا يجوز عندي - والله أعلم - إلا أن يكون كمال كان في يده فاستحق بعضه فيعطي الذي استحقه ويقضي دينه من شيء إن بقي له.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في الذهب والورق والزرع والثمرة والماشية كلها لا يجوز أن يخالف بينها بحال؛ لأن كلا مما قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في كله إذا بلغ ما وصف صلى الله عليه وسلم الصدقة.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في صدقة الإبل التي صدقتها منها، والتي فيها الغنم وغيرها، كالمرتهن بالشيء، فيكون لصاحب الرهن ما فيه، ولغرماء صاحب المال ما فضل عنه، وفي أكثر من حال المرتهن وما وجب في مال فيه الصدقة من إجارة أجير وغيرها أعطي قبل الحول.
(قال الشافعي) : ولو استأجر الرجل على أن يرعى غنمه بشاة منها بعينها فهي ملك للمستأجر، فإن قبضها قبل الحول فهي له، ولا زكاة على الرجل في ماشيته، إلا أن يكون ما تجب فيه الصدقة بعد شاة الأجير، وإن لم يقبض الأجير الشاة حتى حال الحول ففي غنمه الصدقة على الشاة حصتها من الصدقة؛ لأنه خليط بالشاة.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في الرجل يستأجر بتمر نخلة بعينها أو نخلات لا يختلف إذا لم يقبض الإجارة.
(قال الشافعي) : فإن استؤجر بشيء من الزرع قائم بعينه لم تجز
(6/381)

الإجارة به؛ لأنه مجهول، كما لا يجوز بيعه، إلا أن يكون مضى خبر لازم بجواز بيعه؛ فتجوز الإجارة عليه، ويكون كالشاة بعينها وتمر النخلة والنخلات بأعيانهن.
(قال الشافعي) : وإن كان استأجره بشاة بصفة، أو تمر بصفة، أو باع غنما، فعليه الصدقة في غنمه وتمره وزرعه، ويؤخذ بأن يؤدي إلى الأجير والمشتري منه الصفة التي وجبت له من ماله الذي أخذت منه الزكاة أو غيره.
(قال الشافعي) : وسواء كانت له عروض كثيرة تحمل دينه أو لم يكن له شيء غير المال الذي وجبت فيه الزكاة.
(قال الشافعي) : ولو كانت لرجل مائتا درهم فقام عليه غرماؤه فقال: قد حال عليها الحول، وقال الغرماء: لم يحل عليها الحول، فالقول قوله، ويخرج منها الزكاة ويدفع ما بقي منها إلى غرمائه إذا كان لهم عليه مثل ما بقي منها أو أكثر.
(قال الشافعي) : ولو كان له أكثر من مائتي درهم فقال: قد حالت عليها أحوال ولم أخرج منها الزكاة، وكذبه غرماؤه، كان القول قوله ويخرج منها زكاة الأحوال، ثم يأخذ غرماؤه ما بقي منها بعد الزكاة أبدا أولى بها من مال الغرماء؛ لأنها أولى بها من ملك مالكها.
(قال الشافعي) : ولو رهن رجل رجلا ألف درهم بألف درهم أو ألفي درهم بمائة دينار فسواء، وإذا حال الحول على الدراهم المرهونة قبل أن يحل دين المرتهن أو بعده فسواء، ويخرج منها الزكاة قبل دين المرتهن.
(6/382)

(قال الشافعي) : وهكذا كل مال رهن وجبت فيه الزكاة (1) .
ب- وجاء في [الأم] أيضا تحت هذه الترجمة (باب الدين في الماشية) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كانت لرجل ماشية فاستأجر عليها أجيرا في مصلحتها بسن موصوفة أو ببعير منها لم يسمه فحال عليها حول ولم يدفع منها في إجارتها شيء ففيها الصدقة، وكذلك إن كان عليه دين أخذت الصدقة وقضي دينه منها ومما بقي من ماله. ولو استأجر رجل رجلا ببعير منها أو أبعرة منها بأعيانها فالأبعرة للمستأجر، فإن أخرجها منه فكانت فيها زكاة زكاها، وإن لم يخرجها منه فهي إبله، وهو خليط بها يصدق مع رب المال الذي فيها وفي الحرث والورق والذهب سواء، وكذلك الصدقة فيها كلها سواء (2) .
ج- قال الشيرازي: فإن كان ماشية أو غيرها من أموال الزكاة وعليه دين يستغرقه أو ينقص المال عن النصاب ففيه قولان، (قال في القديم) : لا تجب الزكاة فيه؛ لأن ملكه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء.
(وقال في الجديد) : تجب الزكاة فيه؛ لأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة؛ فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدين وأرش الجناية.
وإن حجر عليه في المال ففيه ثلاث طرق:
أحدها: إن كان المال ماشية وجبت فيه الزكاة؛ لأنه قد حصل له
__________
(1) [الأم] (2 \ 42) وما بعدها.
(2) [الأم] (2 \ 22) .
(6/383)

نماؤه، وإن كان غيرها فقيل: قولان كالمغصوب.
والثاني: تجب الزكاة فيه قولا واحدا؛ لأن الحجر لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على السفيه والمجنون.
والثالث: وهو الصحيح: أنه على قولين كالمغصوب؛ لأنه حيل بينه وبينه فهو كالمغصوب.
وأما قول الأول: أنه حصل له النماء من الماشية فلا يصح؛ لأنه وإن حصل النماء إلا أنه ممنوع من التصرف فيه ويحول دونه. وقول الثاني: لا يصح؛ لأن حجر السفيه والمجنون لا يمنع التصرف؛ لأن وليهما ينوب عنهما في التصرف، وحجر المفلس يمنع التصرف فافترقا.
د- وقال النووي: الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عند الأصحاب، وهو نص الشافعي رضي الله عنه في معظم كتبه الجديدة: تجب. والثاني: لا تجب، وهو نصه في القديم، وفي اختلاف العراقيين من كتبه الجديدة، وذكر المصنف دليل القولين. الثالث: حكاه الخراسانيون: أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، وهي: الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة، وهي: الزروع والثمار والمواشي والمعادن، والفرق: أن الظاهرة نامية بنفسها. وبهذا القول قال مالك.
قال أصحابنا: وسواء كان الدين حالا أو مؤجلا، وسواء كان من جنس المال أو من غيره، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور.
وقال جماعة من الخراسانيين: القو أبحاث هيئة كبار العلماء body {font-family: verdana, arial, helvetica, sans-serif; font-size: 14px;} h1 {font-size:18px} a:link {color:#33c} a:visited {color:#339} /* This is where you can customize the appearance of the tooltip */ div#tipDiv {position:absolute; visibility:hidden; left:0; top:0; z-index:10000; background-color:AntiqueWhite; border:1px solid #336; padding:4px; color:#000; font-size:11px; line-height:1.2;} /* These are optional. They demonstrate how you can individually format tooltip content */ div.tp1 {font-size:12px; color:#336; font-style:italic} div.tp2 {font-weight:bolder; color:#337; padding-top:4px}
أبحاث هيئة كبار العلماء
تصفح برقم المجلد > المجلد السادس - إصدار: سنة 1423 هـ > جباية الزكاة > الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة > النقل عن الشافعية
(6/384)

3 - النقل عن الشافعية:
أ- جاء في [الأم] تحت ترجمة (باب الدين مع الصدقة) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة.
(قال الشافعي) : رحمه الله تعالى: وحديث عثمان يشبه والله تعالى أعلم أن يكون إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال في قوله: هذا شهر زكاتكم، يجوز أن يقول: هذا الشهر الذي إذا مضى حلت زكاتكم، كما يقال: شهر ذي الحجة وإنما الحجة بعد مضي أيام منه.
(قال الشافعي) : فإذا كانت لرجل مائتا درهم وعليه دين مائتا درهم فقضى من المائتين شيئا قبل حلول المائتين، أو استعدى عليه السلطان قبل محل حول المائتين فقضاها فلا زكاة عليه؛ لأن الحول حال وليست مائتين.
(قال) : وإن لم يقض عليه بالمائتين إلا بعد حولها فعليه أن يخرج منها خمسة دراهم، ثم يقضي عليه السلطان بما بقي منها.
(قال الشافعي) : وهكذا لو استعدى عليه السلطان قبل الحول فوقف ماله ولم يقض عليه بالدين حتى يحول عليه الحول - كان عليه أن يخرج زكاتها ثم يدفع إلى غرمائه ما بقي.
(قال الشافعي) : ولو قضى عليه السلطان بالدين قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء - لم يكن عليه فيه زكاة؛ لأن المال صار للغرماء دونه قبل الحول. وفيه قول ثان: أن عليه فيه الزكاة من قبل أنه لو
(6/380)

تلف كان منه، ومن قبل أنه لو طرأ له مال غير هذا كان له أن يحبس هذا المال وأن يقضي الغرماء من غيره.
(قال الشافعي) : وإذا أوجب الله عز وجل عليه الزكاة في ماله فقد أخرج الزكاة من ماله إلى من جعلها له فلا يجوز عندي - والله أعلم - إلا أن يكون كمال كان في يده فاستحق بعضه فيعطي الذي استحقه ويقضي دينه من شيء إن بقي له.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في الذهب والورق والزرع والثمرة والماشية كلها لا يجوز أن يخالف بينها بحال؛ لأن كلا مما قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في كله إذا بلغ ما وصف صلى الله عليه وسلم الصدقة.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في صدقة الإبل التي صدقتها منها، والتي فيها الغنم وغيرها، كالمرتهن بالشيء، فيكون لصاحب الرهن ما فيه، ولغرماء صاحب المال ما فضل عنه، وفي أكثر من حال المرتهن وما وجب في مال فيه الصدقة من إجارة أجير وغيرها أعطي قبل الحول.
(قال الشافعي) : ولو استأجر الرجل على أن يرعى غنمه بشاة منها بعينها فهي ملك للمستأجر، فإن قبضها قبل الحول فهي له، ولا زكاة على الرجل في ماشيته، إلا أن يكون ما تجب فيه الصدقة بعد شاة الأجير، وإن لم يقبض الأجير الشاة حتى حال الحول ففي غنمه الصدقة على الشاة حصتها من الصدقة؛ لأنه خليط بالشاة.
(قال الشافعي) : وهكذا هذا في الرجل يستأجر بتمر نخلة بعينها أو نخلات لا يختلف إذا لم يقبض الإجارة.
(قال الشافعي) : فإن استؤجر بشيء من الزرع قائم بعينه لم تجز
(6/381)

الإجارة به؛ لأنه مجهول، كما لا يجوز بيعه، إلا أن يكون مضى خبر لازم بجواز بيعه؛ فتجوز الإجارة عليه، ويكون كالشاة بعينها وتمر النخلة والنخلات بأعيانهن.
(قال الشافعي) : وإن كان استأجره بشاة بصفة، أو تمر بصفة، أو باع غنما، فعليه الصدقة في غنمه وتمره وزرعه، ويؤخذ بأن يؤدي إلى الأجير والمشتري منه الصفة التي وجبت له من ماله الذي أخذت منه الزكاة أو غيره.
(قال الشافعي) : وسواء كانت له عروض كثيرة تحمل دينه أو لم يكن له شيء غير المال الذي وجبت فيه الزكاة.
(قال الشافعي) : ولو كانت لرجل مائتا درهم فقام عليه غرماؤه فقال: قد حال عليها الحول، وقال الغرماء: لم يحل عليها الحول، فالقول قوله، ويخرج منها الزكاة ويدفع ما بقي منها إلى غرمائه إذا كان لهم عليه مثل ما بقي منها أو أكثر.
(قال الشافعي) : ولو كان له أكثر من مائتي درهم فقال: قد حالت عليها أحوال ولم أخرج منها الزكاة، وكذبه غرماؤه، كان القول قوله ويخرج منها زكاة الأحوال، ثم يأخذ غرماؤه ما بقي منها بعد الزكاة أبدا أولى بها من مال الغرماء؛ لأنها أولى بها من ملك مالكها.
(قال الشافعي) : ولو رهن رجل رجلا ألف درهم بألف درهم أو ألفي درهم بمائة دينار فسواء، وإذا حال الحول على الدراهم المرهونة قبل أن يحل دين المرتهن أو بعده فسواء، ويخرج منها الزكاة قبل دين المرتهن.
(6/382)

(قال الشافعي) : وهكذا كل مال رهن وجبت فيه الزكاة (1) .
ب- وجاء في [الأم] أيضا تحت هذه الترجمة (باب الدين في الماشية) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كانت لرجل ماشية فاستأجر عليها أجيرا في مصلحتها بسن موصوفة أو ببعير منها لم يسمه فحال عليها حول ولم يدفع منها في إجارتها شيء ففيها الصدقة، وكذلك إن كان عليه دين أخذت الصدقة وقضي دينه منها ومما بقي من ماله. ولو استأجر رجل رجلا ببعير منها أو أبعرة منها بأعيانها فالأبعرة للمستأجر، فإن أخرجها منه فكانت فيها زكاة زكاها، وإن لم يخرجها منه فهي إبله، وهو خليط بها يصدق مع رب المال الذي فيها وفي الحرث والورق والذهب سواء، وكذلك الصدقة فيها كلها سواء (2) .
ج- قال الشيرازي: فإن كان ماشية أو غيرها من أموال الزكاة وعليه دين يستغرقه أو ينقص المال عن النصاب ففيه قولان، (قال في القديم) : لا تجب الزكاة فيه؛ لأن ملكه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء.
(وقال في الجديد) : تجب الزكاة فيه؛ لأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة؛ فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدين وأرش الجناية.
وإن حجر عليه في المال ففيه ثلاث طرق:
أحدها: إن كان المال ماشية وجبت فيه الزكاة؛ لأنه قد حصل له
__________
(1) [الأم] (2 \ 42) وما بعدها.
(2) [الأم] (2 \ 22) .
(6/383)

نماؤه، وإن كان غيرها فقيل: قولان كالمغصوب.
والثاني: تجب الزكاة فيه قولا واحدا؛ لأن الحجر لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على السفيه والمجنون.
والثالث: وهو الصحيح: أنه على قولين كالمغصوب؛ لأنه حيل بينه وبينه فهو كالمغصوب.
وأما قول الأول: أنه حصل له النماء من الماشية فلا يصح؛ لأنه وإن حصل النماء إلا أنه ممنوع من التصرف فيه ويحول دونه. وقول الثاني: لا يصح؛ لأن حجر السفيه والمجنون لا يمنع التصرف؛ لأن وليهما ينوب عنهما في التصرف، وحجر المفلس يمنع التصرف فافترقا.
د- وقال النووي: الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عند الأصحاب، وهو نص الشافعي رضي الله عنه في معظم كتبه الجديدة: تجب. والثاني: لا تجب، وهو نصه في القديم، وفي اختلاف العراقيين من كتبه الجديدة، وذكر المصنف دليل القولين. الثالث: حكاه الخراسانيون: أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، وهي: الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة، وهي: الزروع والثمار والمواشي والمعادن، والفرق: أن الظاهرة نامية بنفسها. وبهذا القول قال مالك.
قال أصحابنا: وسواء كان الدين حالا أو مؤجلا، وسواء كان من جنس المال أو من غيره، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور.
وقال جماعة من الخراسانيين: القولان إذا كان ماله من جنس الدين، فإن خالفه وجبت قطعا، وليس بشيء.
(6/384)

فالحاصل: أن المذهب وجوب الزكاة، سواء كان المال باطنا أو ظاهرا، من جنس الدين أم غيره.
قال أصحابنا: سواء دين الآدمي ودين الله عز وجل، كالزكاة السابقة والكفارة والنذر وغيرها.
وأما مسألة الحجر الذي ذكرها المصنف قال أصحابنا: إذا قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، فأحاطت برجل ديون وحجر عليه القاضي - فله ثلاثة أحوال:
أحدها: يحجر ويفرق ماله بين الفرق الغرماء فيزول ملكه، ولا زكاة.
الثاني: أن يعين لكل غريم شيئا من ملكه، ويمكنهم من أخذه، فحال الحول قبل أخذه، فالمذهب: أنه لا زكاة أيضا، وبه قطع الجمهور؛ لضعف ملكه.
وحكى الشيخ أبو محمد الجويني وآخرون من الخراسانيين وجها: أن وجوب الزكاة فيه يخرج على الخلاف في المغصوب؛ لأنه حيل بينه وبينه. وقال القفال: يخرج على الخلاف في اللقطة في السنة الثانية؛ لأنهم تسلطوا على إزالة ملكه تسلط الملتقط في السنة الثانية بخلاف المغصوب.
والصحيح: ما سبق عن الجمهور.
والفرق: أن تسلط الغرماء أقوى من تسلط الملتقط؛ لأنهم أصحاب حق على المالك ولأنهم مسلطون بحكم حاكم، فكان تسليطهم مسنده ثبوت المال في ذمة المالك، وهو أقوى، بدليل: أنهم إذا قبضوه لم يرجع فيه المفلس بوجه ما، بخلاف الملتقط، فإن للمالك إذا رجع أن
(6/385)

يرجع في عين اللقطة على أحد الوجهين.
(الحال الثاني) : (1) أن لا يفرق ماله ولا يعين لأحد شيئا، ويحول الحول في دوام الحجر. وهذه هي الصورة التي أرادها المصنف. وفي وجوب الزكاة هنا ثلاثة طرق ذكرها المصنف بدلائلها:
أصحها: أنه على الخلاف في المغصوب.
والثاني: القطع بالوجوب. والثالث: القطع بالوجوب في الماشية، وفي الباقي الخلاف كالمغصوب. والله أعلم.
إذا ثبت هذا فقد قال الشافعي رضي الله عنه في [المختصر] : ولو قضى عليه بالدين وجعل لهم ماله حيثما وجدوه قبل الحول ثم جاء الحول قبل أن يقبضه الغرماء - لم يكن عليه زكاة؛ لأنه صار لهم دونه قبل الحول. فمن الأصحاب من حمله على الحالة الأولى، ومنهم من حمله على الثانية.
وقال الشافعي في الحالة الثانية: وللغرماء أن يأخذوا الأعيان التي عينها لهم الحاكم حيث وجدوها.
فاعترض الكرخي عليه، وقال: أباح الشافعي لهم نهب ماله.
فأجاب أصحابنا عنه فقالوا: هذا الذي توهمه الكرخي خطأ منه؛ لأن الحاكم إذا عين لكل واحد عينا جاز له أخذها حيث وجدها؛ لأنه يأخذها بحق. والله أعلم.
(فرع) : قال صاحب [الحاوي] وآخرون من الأصحاب: إذا أقر قبل
__________
(1) كذا في الأصل. ولعل الصواب: (الحال الثالث) .
(6/386)

الحجر بوجوب الزكاة عليه فإن صدقه الغرماء ثبتت، وإن كذبوه فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين.
وحينئذ هل تقدم الزكاة أم الدين أم يستويان؟
فيه الأقوال الثلاثة المشهورة في اجتماع حق الله تعالى، ودين الآدمي. وإن أقر بالزكاة بعد الحجر ففيه القولان المشهوران في المحجور عليه إذا أقر بدين بعد الحجر، هل يقبل في الحال ويزاحم به الغرماء أم يثبت في ذمته ولا تثبت مزاحمته؟
(فرع) إذا قلنا: الدين يمنع الزكاة فقد ذكرنا أنه يستوي دين الله تعالى ودين الآدمي، قال أصحابنا: فلو ملك نصابا من الدراهم أو الماشية أو غيرهما فنذر التصدق بهذا المال أو بكذا من هذا المال فمضى الحول قبل التصدق - فطريقان:
أصحهما: القطع بمنع الزكاة لتعلق النذر بعين المال.
والثاني: أنه على الخلاف في الدين. ولو قال: جعلت هذا المال صدقة أو هذه الأغنام ضحايا أو لله علي أن أضحي بهذه الشاة، وقلنا: يتعين التضحية بهذه الصيغة، فالمذهب: أنه لا زكاة قطعا، وطرد إمام الحرمين وبعضهم فيه الخلاف.
قال الإمام: والظاهر: أنه لا زكاة؛ لأن ما جعل صدقة لا تبقى فيه حقيقة ملك، بخلاف الصورة السابقة، فإنه لم يتصدق، وإنما التزم التصدق، ولو نذر التصدق بأربعين شاة أو بمائتي درهم ولم يضف إلى دراهمه وشياهه - فهذا دين نذر. فإن قلنا: دين الآدمي لا يمنع، فهذا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما عند إمام الحرمين: لا يمنع؛ لأن هذا
(6/387)

الدين لا مطالبة به في الحال، فهو أضعف، ولأن النذر يشبه التبرعات، فإن الناذر مخير في ابتداء نذره، فالوجوب به أضعف.
ولو وجب عليه الحج وتم الحول على نصاب في ملكه. قال إمام الحرمين والغزالي: فيه الخلاف المذكور في مسألة النذر قبله. والله أعلم.
(فرع) : إذا قلنا: الدين يمنع الزكاة، ففي علته وجهان: أصحهما وأشهرهما: - وبه قطع كثيرون أو الأكثرون - ضعف الملك لتسلط المستحق.
والثاني: أن مستحق الدين تلزمه الزكاة. فلو أوجبنا على المديون أيضا لزم منه تثنية الزكاة في المال الواحد (1) .
__________
(1) [المهذب] و [المجموع] (5 \ 317) وما بعدها.
(6/388)

4 - النقل عن الحنابلة:
أ- قال الخرقي: وإذا كان معه مائتا درهم وعليه دين فلا زكاة عليه.
ب- وقال ابن قدامة في شرح ذلك: وجملة ذلك: أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، وهي الأثمان وعروض التجارة، وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في جديد قوليه: لا يمنع الزكاة؛ لأنه حر مسلم ملك نصابا حولا، فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه.
(6/388)

ولنا: ما روى أبو عبيد في [الأموال] : حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم) . وفي رواية: (فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقية ماله) . قال ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكروه؟ فدل على اتفاقهم عليه.
وروى أصحاب مالك عن عمير بن عمران عن شجاع عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه» وهذا نص؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم» .
فدل على أنها إنما تجب على الأغنياء، ولا تدفع إلا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة فيكون فقيرا فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنها لا تجب إلا على الأغنياء؟ للخبر، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى (1) » ، ويخالف من لا دين له عليه فإنه غني يملك نصابا، يحقق هذا: أن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكرا لنعمة الغنى، والمدين يحتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لحاجة غيره ولا حصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول (2) » .
(فصل) : فأما الأموال الظاهرة، وهي: السائمة والحبوب والثمار فروي عن أحمد: أن الدين يمنع الزكاة أيضا فيها؟ لما ذكرناه في الأموال الباطنة.
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، ولا يكون على أحد
__________
(1) صحيح البخاري النفقات (5355) ، سنن النسائي الزكاة (2534) ، سنن أبو داود الزكاة (1676) ، مسند أحمد بن حنبل (2/230) ، سنن الدارمي الزكاة (1651) .
(2) صحيح مسلم الزكاة (997) ، سنن النسائي البيوع (4652) ، سنن أبو داود العتق (3957) ، مسند أحمد بن حنبل (3/305) .
(6/389)

دينه أكثر من ماله صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع ولا زكاة.
وهذا قول عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق؛ لعموم ما ذكرنا.
وروي أنه لا يمنع الزكاة فيها.
وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي.
وروي عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس. فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله ويزكي ما بقي.
وقال الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته ويزكي ما بقي.
وإليه أذهب أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة ويزكي ما بقي؛ لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلا أو بقرا أو غنما لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين، وليس المال هكذا.
فعلى هذه الرواية لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة إلا في الزرع والثمار فيما استدانه للإنفاق عليه خاصة.
وهذا ظاهر قول الخرقي؛ لأنه قال في الخراج: يخرجه ثم يزكي ما بقي. جعله كالدين على الزرع.
وقال في الماشية المرهونة: يؤدي منها إذا لم يكن له مال يؤدي عنها، فأوجب الزكاة فيها مع الدين.
وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة يمنع في سائر الأموال إلا الزرع والثمار. بناء منه على أن الواجب فيها ليس صدقة. والفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة أن تعلق الزكاة الظاهرة آكد؛ لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها.
(6/390)

ولهذا يشرع إرسال من يأخذ صدقتها من أربابها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السعاة فيأخذون الصدقة من أربابها، وكذلك الخلفاء بعده.
وعلى منعها قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يأت عنه أنهم استكرهوا أحدا على صدقة الصامت، ولا طالبوه بها إلا أن يأتي بها طوعا، ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين؛ فدل على أنه لا يمنع زكاتها.
ولأن تعلق أطماع الفقراء بها أكثر والحاجة إلى حفظها أوفر فتكون الزكاة فيها أوكد.
(فصل) : وإنما يمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب، أو ما لا يستغني عنه، مثل أن يكون له عشرون مثقالا وعليه مثقال أو أكثر أو أقل مما ينقص به النصاب إذا قضاه به، ولا يجد له قضاء من غير النصاب، فإن كان له ثلاثون مثقالا وعليه عشرة فعليه زكاة العشرين، وإن كان عليه أكثر من عشرة فلا زكاة عليه، وإن كان عليه خمسة فعليه زكاة خمسة وعشرين، ولو كان له مائة من الغنم وعليه ما يقابل ستين فعليه زكاة الأربعين، فإن كان عليه ما يقابل إحدى وستين فلا زكاة عليه؛ لأنه ينقص النصاب، وإن كان له مالان من جنسين وعليه دين جعله في مقابلة ما يقضي منه، فلو كان له خمس من الإبل ومائتا درهم، فإن كانت عليه سلما أو دية ونحو ذلك مما يقضى بالإبل جعلت الدين في مقابلتها، ووجبت عليه زكاة الدراهم، وإن كان أتلفها أو غصبها جعلت قيمتها في مقابلة الدراهم؛ لأنها تقضى منها، وإن كانت قرضا خرج على الوجهين فيما يقضى منه.
(6/391)

فإن كانت إذا جعلناها في مقابلة أحد المالين فضلت منها فضلة تنقص النصاب الآخر، وإذا جعلناها في مقابلة الآخر لم يفضل منها شيء كرجل له خمس من الإبل ومائتا درهم وعليه ست من الإبل قيمتها مائتا درهم فإذا جعلناها في مقابلة المائتين لم يفضل من الدين شيء ينقص نصاب السائمة، وإذا جعلناها في مقابلة الإبل فضل منها بعير نقص نصاب الدراهم، أو كانت بالعكس.
مثل: أن يكون عليه مائتان وخمسون درهما وله من الإبل خمس أو أكثر تساوي الدين، أو تفضل عليه جعلنا الدين في مقابلة الإبل هاهنا، وفي مقابلة الدراهم في الصورة الأولى؛ لأن له من المال ما يقضي به الدين سوى النصاب، وكذلك لو كان عليه مائة درهم وله مائتا درهم وتسع من الإبل، فإذا جعلناها في مقابلة الإبل لم ينقص نصابها؛ لكون الأربع الزائدة عنه تساوي المائة وأكثر منها، وإن جعلناه في مقابلة الدراهم سقطت الزكاة منها فجعلناها في مقابلة الإبل كما ذكرنا في التي قبلها، ولأن ذلك أحظ للفقراء.
وذكر القاضي نحو هذا فإنه قال: إذا كان النصابان زكويين جعلت الدين في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته، وإن كان من غير جنس الدين.
فإن كان أحد المالين لا زكاة فيه والآخر فيه الزكاة كرجل عليه مائتا درهم وله مائتا درهم وعروض للقنية تساوي مائتين، فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض. وهذا مذهب مالك وأبي عبيد.
قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله؛ لأنه مالك لمائتين زائدة
(6/392)

عن مبلغ دينه؟ فوجبت عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا.
وظاهر كلام أحمد رحمه الله: أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضى منه، فإنه قال في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف: إن كانت العروض للتجارة زكاها، وإن كانت لغير التجارة فليس عليه شيء.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ويحكى عن الليث بن سعد؛ لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح، فجعل الدين في مقابلته أولى، كما لو كان النصابان زكويين.
ويحتمل أن يحمل كلام أحمد هاهنا على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته الأصلية، ولم يكن فاضلا عن حاجته فلا يلزمه صرفه في وفاء الدين؛ لأن الحاجة أهم، ولذلك لم تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، ويكون قول القاضي محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته وهذا أحسن؛ لأنه في هذه الحال مالك لنصاب فاضل عن حاجته، وقضاء دينه، فلزمته زكاته كما لو لم يكن عليه دين.
فأما إن كان عنده نصابان زكويان وعليه دين من غير جنسهما ولا يقضى من أحدهما - فإنك تجعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته.
(فصل) : فأما دين الله كالكفارة والنذر ففيه وجهان:
أحدهما: يمنع الزكاة كدين الآدمي؛ لأنه دين يجب قضاؤه، فهو كدين الآدمي، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دين الله أحق أن يقضى (1) » .
والآخر: لا يمنع؛ لأن الزكاة أكد منه لتعلقها بالعين، فهو كأرش
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1953) ، صحيح مسلم الصيام (1148) ، سنن الترمذي الصوم (716) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3816) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3310) ، سنن ابن ماجه الصيام (1758) ، مسند أحمد بن حنبل (1/362) ، سنن الدارمي الصوم (1768) .
(6/393)

الجناية، ويفارق دين الآدمي لتأكده وتوجه المطالبة به. فإن نذر الصدقة بمعين فقال: لله علي أن أتصدق بهذه المائتي درهم إذا حال الحول. فقال ابن عقيل: يخرجها في النذر ولا زكاة عليه؛ لأن النذر آكد لتعلقه بالعين، والزكاة مختلف فيها، ويحتمل أن تلزمه زكاتها، وتجزئه الصدقة بها، إلا أن ينوي الزكاة بقدرها، ويكون ذلك صدقة تجزئه عن الزكاة؛ لكون الزكاة صدقة، وسائرها يكون صدقة لنذره وليس بزكاة، وإن نذر الصدقة ببعضها وكان ذلك البعض قدر الزكاة أو أكثر فعلى هذا الاحتمال يخرج النذور وينوي الزكاة بقدرها منه.
وعلى قول ابن عقيل يحتمل أن تجب الزكاة عليه؛ لأن النذر إنما تعلق بالبعض بعد وجود سبب الزكاة وتمام شرطه فلا يمنع الوجوب، لكون المحل متسعا لهما جميعا. وإن كان المنذور أقل من قدر الزكاة وجب قدر الزكاة ودخل النذر فيه في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب إخراجهما جميعا.
(فصل) : إذا قلنا: لا يمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، فحجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة لم يملك إخراجها؛ لأنه قد انقطع تصرفه في ماله وإن أقر بها بعد الحجر لم يقبل إقراره، وكانت عليه في ذمته كدين الآدمي، ويحتمل أن تسقط إذا حجر عليه قبل إمكان أدائها كما لو تلف ماله. فإن أقر الغرماء بوجوب الزكاة عليه أو ثبت ببينة، أو كان قد أقر بها قبل الحجر عليه - وجب إخراجها من المال، فإن لم
(6/394)

يخرجوها فعليهم إثمها.
(فصل) : وإذا جنى العبد المعد للتجارة جناية تعلق أرشها برقبته منع وجوب الزكاة فيه إن كان ينقص النصاب؛ لأنه دين، وإن لم ينقص النصاب منع الزكاة في قدر ما يقابل الأرش (1) .
ج- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كان على مالك الزرع والثمار دين فهل تسقط الزكاة؛ فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا تسقط بحال. وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، ورواية عن أحمد.
وقيل: يسقطها. وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والنخعي، والليث، والثوري، وإسحاق. وكذلك في الماشية: الإبل، والبقر، والغنم.
وقيل: يسقطها الدين الذي أنفقه على زرعه، ولا يسقطها ما استدانه لنفقة أهله. وقيل: يسقطها هذا وهذا. الأول قول ابن عباس. اختاره أحمد بن حنبل وغيره. والثاني قول ابن عمر (2) .
وقال شيخ الإسلام أيضا: والدين يسقط زكاة العين: عند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبي ثور.
__________
(1) [المغني] ، ومعه الشرح الكبير (2 \ 635) وما بعدها.
(2) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] (25 \ 27) .
(6/395)

واحتجوا بما رواه مالك في [الموطأ] ، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان رضي الله عنه يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة. وعند مالك إن كان عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها في مقابلة الدين، وهي التي يبيعها الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته. وإن كان له دين على مليء ثقة جعله في مقابلة دينه أيضا، وزكى العين. فإن لم يكن إلا ما بيده سقطت الزكاة (1) .
د- قال ابن مفلح: تجب الزكاة في عين المال، نقله واختاره الجماعة، قال الجمهور: هذا ظاهر المذهب، حكاه أبو المعالي وغيره (وهـ م ق) . (2) ، وعنه: تجب في الذمة، اختاره الخرقي وأبو الخطاب وصاحب [التلخيص] ، قال ابن عقيل: هو الأشبه بمذهبنا (وهـ ق) . فعلى الأول: لو لم يزك نصابا حولين فأكثر لزمه زكاة واحدة (وهـ ق) (3) ولو تعدى بالتأخير، وعلى الثانية يزكي لكل حول. أطلقه أحمد وبعض الأصحاب.
قال ابن عقيل وغيره: لو قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة لم تسقط هنا؛ لأن الشيء لا يسقط نفسه، وقد يسقط غيره. واختار جماعة منهم صاحب [المحرر] : إن سقطت الزكاة بدين الله تعالى، وليس له سوى النصاب فلا زكاة للحول الثاني، لأجل الدين، لا للتعلق بالعين.
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] ص (19) .
(2) في الطبعة الأولى (وهـ م ق ش) .
(3) في الطبعة الأولى (وهـ ش) .
(6/396)

زاد صاحب [المستوعب] : متى قلنا: يمنع الدين فلا زكاة للعام الثاني، تعلقت بالعين أو بالذمة، وإن أحمد حيث لم يوجب زكاة العام الثاني فإنه بنى على رواية منع الدين؛ لأن زكاة العام الأول صارت دينا على رب المال، والعكس بالعكس، جعل فوائد الروايتين إخراج الراهن الموسر من الرهن بلا إذن إن علقت بالعين، واختاره في سقوطها بالتلف وتقديمها على الدين، وقال غيره خلافه، وإنه إن كان فوق نصاب، فإن وجبت في العين نقص من زكاته لكل حول بقدر نقصه بها، فإذا نقص بذلك عن نصاب فلا زكاة لما بعد ذلك، وإن وجبت في الذمة زكاه جميعه لكل حول، ما لم تفن الزكاة المال. وقال ابن تميم: إن قلنا: تجب في العين فهل تكرر الزكاة بتكرر الأحوال؟ فيه وجهان، والشاة في الإبل تتكرر بتكرر الأحوال إن قلنا: دين الزكاة لا يمنع، كذا قال، وكذا عند زفر تتعلق بالعين وتتكرر، كما لو كانت دينا فأتلف نصابا وجبت فيه، ثم حال عنده حول على نصاب آخر فالمنع ورد على رواية (1) ثم التعلق بالعين أقوى؛ ولهذا يمنع النذر المتعلق بالعين، ولا يمنع إذا كان في الذمة على رواية، فعلى المذهب: في مائتين وواحدة من الغنم خمس، ثلاث للأول، واثنتان للثاني (وق) (2) ، وعلى الثاني ست لحولين، ولو لم يزك خمسين من الغنم اثني عشر حولا زكى إحدى عشرة شاة وفي الثانية عشرة الخلاف، أما لو كان الواجب من غير الجنس
__________
(1) في مخطوط الدار: كما لو كان دينا بأن أتلف نصابا. . . آخر ورد بالمنع على رواية.
(2) في الطبعة الأولى: وهو قول (ش) .
(6/397)

كالإبل المزكاة (1) بالغنم، فنص أحمد أن الواجب فيه في الذمة، وأن الزكاة تتكرر، فرق بينه وبين الواجب من الجنس (وم ش) ؛ لأن الواجب هنا (2) ليس بجزء من النصاب، وظاهر كلام أبي الخطاب واختاره صاحب [المستوعب] و [المحرر] أنه كالواجب من الجنس (وهـ ش) على ما سبق من العين والذمة؛ لأن تعلق الزكاة كتعلق الأرش بالجاني والدين بالرهن، فلا فرق إذا، فعلى النص: لو لم يكن له سوى خمس من الإبل ففي امتناع زكاة الحول الثاني لكونها دينا الخلاف.
قال القاضي في الخلاف: هذه المسألة لا تلزمه؛ لأن أحمد علل في المال (بما) إذا أدى منه نقص، فاقتضى ذلك إذا أدى من الغنم ما يحصل عليه به دين لم يلزمه؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة، وحمل كلام أحمد على أنه عنده من الغنم ما يقابل الحولين، فعلى النص في خمس وعشرين بعيرا في ثلاثة أحوال: حول (3) بنت مخاض، ثم ثمان شياه لكل حول، وعلى كلام أبي الخطاب أنها تجب في العين مطلقا كذلك لأول حول ثم الثاني، ثم إن نقص النصاب بذلك من عشرين بعيرا إذا قومناها فللثالث ثلاث شياه، وإلا أربع، وهل يمنع التعلق بالعين انعقاد الحول الثاني قبل الإخراج؟ يأتي في الفصل الثالث من الخلطة (4) .
هـ- جاء في [المقنع] وشرحه [الإنصاف] : قوله: (ولا زكاة في مال
__________
(1) في الطبعة الأولى: الزكاة.
(2) في الطبعة الأولى: لأن الواجب هذا
(3) في مخطوط الدار: لأول حول بنت مخاض '' لكن ناقل التصحيح لم يذكرها بالهامش ''.
(4) [الفروع] ، (2 \ 343) وما بعدها.
(6/398)

من عليه دين ينقص النصاب) .
هذا المذهب، إلا ما استثني. وعليه أكثر الأصحاب. وعنه: لا يمنع الدين الزكاة مطلقا، وعنه: يمنع الدين الحال خاصة. جزم به في [الإرشاد] ، وغيره.
قوله: (إلا في الحبوب والمواشي) . في إحدى الروايتين. وقدمه في [الفائق] .
والرواية الثانية: يمنع أيضا. وهي المذهب، نص عليه. وعليه جماهير الأصحاب.
قال الزركشي: هذا اختيار أكثر الأصحاب.
قال ابن أبي موسى: هذا الصحيح من مذهب أحمد.
قلت: اختاره أبو بكر، والقاضي، وأصحابه، والحلواني، وابن الجوزي، وصاحب [الفائق] ، وغيرهم، وجزم به في [العمدة] ، وقدمه في [المستوعب] ، و [الفروع] ، وصححه في [تصحيح المحرر] ، وأطلقهما في [الشرح] ، و [المحرر] و [الرعايتين] ، و [الحاويين] .
وعنه: يمنع ما استدانه للنفقة على ذلك، أو كان ثمنه. ولا يمنع ما استدانه لمؤنة نفسه، أو أهله.
قال الزركشي: فعلى رواية عدم المنع: ما لزمه من مؤنة الزرع من أجرة حصاد وكراء أرض ونحوه يمنع. نص عليه. وذكره ابن أبي موسى وقال: رواية واحدة. وتبعه صاحب [التلخيص] .
وحكى أبو البركات رواية: أن الدين لا يمنع في الظاهر مطلقا.
قال الشيخ تقي الدين: لم أجد بها نصا عن أحمد. انتهى.
وعنه: يمنع، خلا الماشية. وهو ظاهر كلام الخرقي.
(6/399)

فوائد:
الأولى: في الأموال: ظاهرة، وباطنة:
فالظاهرة: ما ذكره المصنف من الحبوب والمواشي، وكذا الثمار.
والباطنة: كالأثمان، وقيمة عروض التجارة، على الصحيح من المذهب. وعليه الأكثر.
وقال أبو الفرج الشيرازي: الأموال الباطنة: هي الذهب والفضة فقط. انتهى.
وهل المعدن من الأموال الظاهرة، أو الباطنة؛ فيه وجهان: وأطلقها في [الفروع] و [ابن تميم] و [الرعايتين] ، و [الحاويين] :
أحدهما: هو من الأموال الظاهرة. وهو ظاهر كلام الشيرازي على ما تقدم.
الثاني: هو من الأموال الباطنة.
قلت: وهو الصواب؛ لأنه أشبه بالأثمان، وقيمة عروض التجارة. قال في [المغني] : الأموال الظاهرة: السائمة، والحبوب، والثمار.
قال في الفائق،: ولمنع في المعدن (1) وقيل: لا.
الثانية: لا يمنع الدين خمس الركاز، بلا نزاع.
الثالثة: لو تعلق بعد تجارة أرش جناية، منع الزكاة في قيمته؛ لأنه وجب جبرا لا مواساة، بخلاف الزكاة. وجعله بعضهم كالدين. منهم صاحب [الفروع] ، في حواشيه.
__________
(1) كذا في الأصل. ولعله (ويمنع) .
(6/400)

الرابعة: لو كان له عرض قنية يباع لو أفلس يفي بما عليه من الدين، جعل في مقابلة ما عليه من الدين وزكى ما معه من المال، على إحدى الروايتين.
قال القاضي: هذا قياس المذهب.
ونصره أبو المعالي اعتبارا بما فيه الحظ للمساكين. وعنه: يفعل في مقابلة ما معه ولا يزكيه. صححه ابن عقيل. وقدمه ابن تميم وصاحب [الحواشي] ، و [الرعايتين] ، و [الحاويين] ، وأطلقهما في [الفروع] ، و [شرح المجد] ، و [الفائق] .
وينبني على هذا الخلاف ما إذا كان بيده ألف، وله ألف دينار على مليء، وعليه مثلها، فإنه يزكي ما معه على الأولى لا الثانية. قاله في [الفروع] . وقدم في [الفائق] ، و [الرعايتين] ، و [الحاويين] هنا، جعل الدين مقابلا لما في يده، وقالوا: نص عليه، ثم قالوا: أو قيل: مقابلا للدين.
الخامسة: لو كان له عرض تجارة بقدر الدين الذي عليه، ومعه عين بقدر الدين الذي عليه، فالصحيح من المذهب: أنه يحمل الدين في مقابلة العرض، ويزكي ما معه من العين. نص عليه في رواية المروذي وأبي الحارث، وقدمه في [الفروع] ، و [الحواشي] ، و [ابن تميم] .
وقيل: إن كان فيما معه من المال الزكوي جنس الذي جعل في مقابلته، وحكاه ابن الزاغوني رواية، وتابعه في [الرعايتين] ، و [الحاويين] ، وغيرهم. وإلا اعتبر الأحظ. وأطلقهما في [الرعايتين] ، و [الحاويين] .
وقيل: يعتبر الأحظ للفقراء مطلقا. فمن له مائتا درهم وعشر (دنانير) قيمتها مائتا درهم، جعل الدنانير قبالة دينه، وزكى ما معه. ومن له
(6/401)

أربعون شاة وعشرة أبعرة، ودينه قيمة أحدهما، جعل قبالة دينه الغنم وزكى شاتين.
السادسة: دين المضمون عنه، يمنع الزكاة بقدره في ماله، دون الضامن. على الصحيح من المذهب، خلافا لأبي المعالي.
السابعة: لا تجب الزكاة في المال الذي حجر عليه القاضي للغرماء، كالمال المغصوب؛ تشبيها للمنع الشرعي بالمنع الحسي.
هذا الصحيح من المذهب. اختاره المصنف، والشارح، والقاضي، وقدمه في [الرعايتين] .
وقال الأزجي في [النهاية] : هذا بعيد، بل إلحاقه بمال الديون أقرب. اختاره أبو المعالي. وظاهر الفروع: إطلاق الخلاف.
وقيل: إن كان المال سائمة زكاها لحصول النماء والنتاج من غير تصرف، بخلاف غيرها.
وقال أبو المعالي: إن قضى الحاكم ديونه من ماله، ولم يفضل شيء من ماله. فهو الذي ملك نصابا وعليه دين. قال: وإن سمى لكل غريم بعض أعيان ماله، فلا زكاة عليه مع بقاء ملكه؛ لضعفه بتسليط الحاكم لغريمه على أخذ حقه. انتهى.
وإن حجر عليه بعد وجوبها، لم تسقط الزكاة. على الصحيح من المذهب.
وقيل: تسقط إن كان قبل تمكنه من الإخراج.
قال في [الحواشي] ، و [ابن تميم] : وهو بعيد. ولا يملك إخراجها من المال؛ لانقطاع تصرفه. قاله المصنف والشارح.
(6/402)

وقال ابن تميم: والأولى أن يملك ذلك كالراهن. وهما وجهان. وأطلقهما في [الفروع] . فإنه قال: لا يقبل إقراره بها. وجزم به بعضهم. ولا يقبل إقرار المحجور عليه بالزكاة. وتتعلق بذمته، كدين الآدمي. ذكره المصنف، والشارح، وأبو المعالي. وهو ظاهر ما قدمه في [الفروع] وعنه: يقبل كما لو صدقه الغريم.
ويأتي زكاة المرهون في فوائد الخلاف الآتي آخر الباب. قوله: (والكفارة كالدين في أحد الوجهين) وحكاهما [أكثرهم] روايتين. وأطلقهما في [الهداية] ، و [المغني] ، و [الشرح] ، و [الحاويين] ، [والفائق] ، [والفروع] ، [والحواشي] ، [وابن تميم] ، [والمحرر] : إذا لم يمنع دين الآدمي الزكاة، فدين الله- من الكفارة والنذر المطلق، ودين الحج ونحوه- لا يمنع بطريق أولى. وإن منع الزكاة، فهل يمنع دين الله؛ فيه الخلاف.
أحدهما: هو كالدين (الذي) للآدمي. وهو الصحيح من المذهب. صححه المجد، وابن حمدان في [رعايته] . وهو قول القاضي وأتباعه. وجزم به ابن البنا في خلافه في الكفارة والخراج. وقال: نص عليه. وهو الذي احتج به القاضي في الكفارة.
الوجه الثاني: لا يمنع وجوب الزكاة.
فائدتان:
إحداهما: النذر المطلق، ودين الحج ونحوه كالكفارة، كما تقدم. وقال في [المحرر] : والخراج من دين الله، وتابعه في [الرعايتين] ، [والحاويين] ، وغيرهم. قاله القاضي، وابن البنا، وغيرهما. ففيه الخلاف
(6/403)

في إلحاقه بديون الآدميين.
وأما الإمام أحمد، فقدم الخراج على الزكاة.
وقال الشيخ تقي الدين: الخراج ملحق بديون الآدميين. ويأتي، لو كان الدين زكاة، هل يمنع؟ عند فوائد الخلاف (في الزكاة هل تجب) في العين أو في الذمة؟
الثانية: لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا، أو هو صدقة، فحال الحول، فلا زكاة فيه. على الصحيح من المذهب.
وقال ابن حامد: فيه الزكاة. فقال في قوله: (إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة) فشفي، ثم حال الحول قبل أن يتصدق بها: وجبت الزكاة.
وقال في [الرعاية] : إن نذر التضحية بنصاب معين.
وقيل: أو قال: جعلته ضحايا، فلا زكاة. ويحتمل وجوبها إذا تم حولها قبلها. انتهى.
ولو قال: (علي لله أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال الحول) وجبت الزكاة على الصحيح من المذهب. اختاره المجد في شرحه. وقيل: هي كالتي قبلها. اختاره ابن عقيل، وأطلقهما [ابن تميم] ، و [الفروع] .
فعلى الأول: تجزئه الزكاة (منه) على أصح الوجهين. ويبرأ بقدرها من الزكاة والنذر إن نواهما معا؛ لكون الزكاة صدقة. وكذا لو نذر الصدقة ببعض النصاب، هل يخرجهما، أو يدخل النذر في الزكاة وينويهما؟
وقال ابن تميم: وجبت الزكاة ووجب إخراجهما معا. وقيل: يدخل
(6/404)

النذر في الزكاة وينويهما معا. انتهى (1) .
__________
(1) [الإنصاف] (3\ 24) وما بعدها.
(6/405)

خامسا: التعزير بالمال:
اختلف العلماء في التعزير بالمال.
وفيما يلي ذكر أقوالهم ومداركهم مع ما تيسر من مناقشات بعضهم لبعض:
1 - النقل عن المالكية:
أ- قال الشاطبي: إن الإمام لو أراد أن يعاقب بأخذ المال على بعض الجنايات فاختلف العلماء في ذلك، حسبما ذكره الغزالي. على أن الطحاوي حكى أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ، فأجمع العلماء على منعه.
فأما الغزالي فزعم أن ذلك من قبيل الغريب الذي لا عهد به في الإسلام، ولا يلائم تصرفات الشرع. مع أن هذه العقوبة الخاصة لم تتعين لشرعية العقوبات البدنية بالسجن والضرب وغيرهما.
قال: فإن قيل: فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاطر خالد بن الوليد في ماله، حتى أخذ رسوله إحدى نعله وشطر عمامته.
قلنا: المظنون من عمر أنه لم يبتدع العقاب بأخذ المال على خلاف المألوف من الشرع، وإنما ذلك لعلم عمر باختلاط ماله بالمال المستفاد من الولاية، وإحاطته بتوسعته، فلعله ضمن المال، فرأى شطر ماله من فوائد الولاية، فيكون استرجاعا للحق، لا عقوبة في المال؛ لأن هذا من
(6/405)

الغريب الذي لا يلائم قواعد الشرع. هذا ما قال. ولما فعل عمر وجه آخر غير هذا، ولكنه لا دليل فيه على العقوبة بالمال، كما قال الغزالي.
وأما مذهب مالك: فإن العقوبة في المال عنده ضربان:
(أحدهما) : كما صوره الغزالي، فلا مرية في أنه غير صحيح. على أن ابن العطار في [رقائقه] صغى إلى إجازة ذلك. فقال في إجازة أعوان القاضي إذا لم يكن بيت مال أنها على الطالب، فإن أدى المطلوب كانت الإجازة عليه. ومال إليه ابن رشد. ورده عليه ابن النجار القرطبي وقال: إن ذلك من باب العقوبة في المال، وذلك لا يجوز على حال.
(والثاني) : أن تكون جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فالعقوبة فيه عنده ثابتة، فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه: إنه يتصدق به على المساكين قل أو كثر.
وذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إلى أنه يتصدق بما قل منه دون ما كثر، وذلك محكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه أراق اللبن المغشوش بالماء.
ووجه ذلك: التأديب للغاش. وهذا التأديب لا نص يشهد له، لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة، وقد تقدم نظيره في مسألة تضمين الصناع.
على أن أبا الحسن اللخمي قد وضع له أصلا شرعيا، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أمر بإكفاء القدور التي أغليت بلحوم الحمر قبل أن تقسم. وحديث العتق بالمثلة أيضا من ذلك.
ومن مسائل مالك في المسألة: إذا اشترى مسلم من نصراني خمرا
(6/406)

فإنه يكسر على المسلم، ويتصدق بالثمن أدبا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه. وعلى هذا المعنى فرع أصحابه في مذهبه، وهو كله من العقوبة في المال، إلا أن وجهه ما تقدم (1) .
ب- قال ابن فرحون في أثناء الكلام على التعزير: ومنها: إباحته صلى الله عليه وسلم بسلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده. ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بكسر دنان الخمر وشق ظروفها.
ومنها: أمره لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بتحريق الثوبين المعصفرين.
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الأهلية، ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم، فدل على جواز الأمرين؛ لأن العقوبة بالكسر لم تكن واجبة.
ومنها: هدمه صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار.
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بتحريق متاع الذي غل من الغنيمة.
ومنها: إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر. ومنها إضعاف الغرم على كاتم الضالة.
ومنها: أخذه شطر مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى.
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم لابس خاتم الذهب بطرحه، فلم يعرض له أحد.
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بقطع نخيل اليهود إغاظة لهم.
ومنها: تحريق عمر رضي الله عنه المكان الذي يباع فيه الخمر.
__________
(1) [الاعتصام] للشاطبي (2\ 123) .
(6/407)

ومنها: تحريق عمر رضي الله عنه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وصار يحكم في داره.
ومنها: مصادرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عماله بأخذ شطر أموالهم، فقسمها بينهم وبين المسلمين.
ومنها: أنه رضي الله عنه ضرب الذي زور على نقش خاتمه وأخذ شيئا من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة.
ومنها: أن عمر رضي الله عنه لما وجد مع السائل من الطعام فوق كفايته وهو يسأل أخذ ما معه وأطعمه إبل الصدقة.
ومنها: أنه رضي الله عنه أراق اللبن المغشوش. وغير ذلك مما يكثر تعداده. وهذه قضايا صحيحة معروفة (1) .
__________
(1) [تبصرة الحكام] على هامش [فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك] (2\ 261) .
(6/408)

2 - النقل عن الشافعية:
أ- قال الشيرازي: وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض، وعزره على المنع والغلول. وقال في القديم: يأخذ الزكاة وشطر ماله، ومضى توجيه القولين في أول الزكاة.
قال النووي في شرح ذلك: إذا لزمته زكاة فمنعها أو غلها- أي: كتمها - وخان فيها أخذ الإمام أو الساعي الفرض منه، والقول الصحيح الجديد أنه لا يأخذ شطر ماله. وقال في القديم: يأخذه، وسبق شرح القولين بدليلهما وفروعها في أول كتاب الزكاة.
(6/408)

قال الشافعي في [المختصر] في آخر باب صدقة الغنم السائمة: ولو غل صدقته عزر إذا كان الإمام عادلا، إلا أن يدعي الجهالة، ولا يعزر إن لم يكن الإمام عادلا. هذا نصه.
قال أصحابنا: إذا كتم ماله أو بعضه عن الساعي أو الإمام ثم اطلع عليه أخذ فرضه، فإن كان الإمام أو الساعي جائرا في الزيادة، بأن يأخذ فوق الواجب أو لا يصرفها مصارفها لم يعزره، لأنه معذور في كتمه، وإن كان عادلا فإن لم يدع المالك شبهة في الإخفاء عزره؛ لأنه عاص آثم بكتمانه، وإن ادعى شبهة بأن قال: لم أعلم تحريم كتمانها، أو قال: ظننت أن تفرقتي بنفسي أفضل أو نحو ذلك، فإن كان ذلك محتملا في حقه لقرب إسلامه أو لقلة اختلاطه بالعلماء ونحوهم لم يعزره.
قال السرخسي: فإن اتهمه فيه حلفه، وإن كان ممن لا يخفى عليه لاختلاطه بالعلماء ونحوهم لم يقبل قوله وعزره (1) .
ب- قال ابن حجر: حديث: «في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء (2) » أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقد قال يحيى بن معين في هذه الترجمة: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز ثقة.
وقال أبو حاتم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.
__________
(1) [المهذب] وعليه [المجموع] (6\ 172، 173) .
(2) سنن النسائي الزكاة (2444) ، سنن أبو داود الزكاة (1575) ، مسند أحمد بن حنبل (5/4) ، سنن الدارمي الزكاة (1677) .
(6/409)

وقال الشافعي: ليس بحجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به. وكان قال به في القديم.
وسئل عنه أحمد، فقال: ما أدري ما وجهه. فسئل عن إسناده، فقال: صالح الإسناد.
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا، ولولا هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا.
وقال ابن الطلاع في [أوائل الأحكام] : بهز مجهول.
قال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة. وهو خطأ منهما، فقد وثقه خلق من الأئمة، وقد استوفيت ذلك في [تلخيص التهذيب] .
وقال البيهقي وغيره: حديث بهز هذا منسوخ. وتعقبه النووي بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في الأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ.
والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي، فإنه قال في سياق هذا المتن: لفظة وهم فيها الراوي، وإنما هو: «فإنا آخذوها من شطر ماله، (1) » أي: نجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدق، ويأخذ الصدقة من خير الشطرين؛ عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا. نقله ابن الجوزي في [جامع المسانيد] عن الحربي. والله الموفق (2) .
__________
(1) سنن النسائي الزكاة (2449) ، سنن أبو داود الزكاة (1575) ، سنن الدارمي الزكاة (1677) .
(2) [تلخيص الحبير] (2\ 160، 161) .
(6/410)

3 - النقل عن الحنابلة:
أ- قال ابن قدامة: وإن منعها معتقدا وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها وعزره ولم يأخذ زيادة عليها في قول أكثر أهل العلم. منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم. وكذلك إن غل ماله وكتمه حتى لا يأخذ الإمام زكاته فظهر عليه.
وقال إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله؛ لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «في كل سائمة الإبل في كل أربعين بنت لبون، لا تفرق عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن أباها فإني آخذها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء (1) » .
وذكر هذا الحديث لأحمد فقال: ما أدري ما وجهه؟ وسئل عن إسناده؟ فقال: هو عندي صالح الإسناد. رواه أبو داود والنسائي في سننهما.
ووجه الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في المال حق سوى الزكاة (2) » .
ولأن منع الزكاة كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع توفر الصحابة رضي الله عنهم، فلم ينقل أحد عنهم زيادة ولا قولا بذلك.
واختلف أهل العلم في العذر عن هذا الخبر:
فقيل: كان في بدء الإسلام، حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخ بالحديث الذي رويناه.
وحكى الخطابي عن إبراهيم الحربي أنه يؤخذ منه السن الواجبة عليه
__________
(1) سنن النسائي الزكاة (2444) ، سنن أبو داود الزكاة (1575) ، مسند أحمد بن حنبل (5/4) ، سنن الدارمي الزكاة (1677) .
(2) سنن الترمذي الزكاة (659) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1789) ، سنن الدارمي الزكاة (1637) .
(6/411)

من خيار ماله من غير زيادة في سن ولا عدد، لكن ينتقي من خير ماله ما تزيد به صدقته في القيمة بقدر شطر قيمة الواجب عليه، فيكون المراد بماله ها هنا الواجب عليه من ماله فيزاد عليه في القيمة بقدر شطره (1) .
ب- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: و (التعزير بالعقوبات المالية) مشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك. كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل «أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، وقال له: أغسلهما؟ قال: لا، بل أحرقهما» ، وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن. فإنه «لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: " افعلوا (2) » .
فدل ذلك على جواز الأمرين؛ لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة.
ومثل: هدمه لمسجد الضرار، ومثل: تحريق موسى للعجل المتخذ إلها، ومثل: تضعيفه صلى الله عليه وسلم الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل: ما روي من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير.
ومثل: أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (2\ 435) .
(2) صحيح البخاري كتاب الأدب (6148) ، صحيح مسلم الجهاد والسير (1802) ، سنن النسائي الجهاد (3150) ، سنن ابن ماجه الذبائح (3195) ، مسند أحمد بن حنبل (4/48) .
(6/412)

الذي يباع فيه الخمر، ومثل: أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل: تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرقه عليه، فذهب فحرقه عليه.
وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك، ونظائرها متعددة.
ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما.
ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان فقد قال قولا بلا دليل.
ولم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ.
وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه. وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث.
ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليس العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة.
وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة
(6/413)

لبعض النصوص (1) توهمه ترك العمل إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع، والإجماع دليل على النسخ.
ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له؛ ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا. ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء.
وأيضا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات، كالصلاة والزكاة والصوم. وعقوبات؛ إما مقدرة، وإما مفوضة. وكفارات. وكل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى بدني وإلى مالي، وإلى مركب منهما.
فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام. والمالية: كالزكاة. والمركبة: كالحج.
والكفارات المالية: كالإطعام. والبدنية: كالصيام. والمركبة: كالهدي يذبح.
والعقوبات البدنية: كالقتل والقطع. والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه، وكقتل
__________
(1) لعله (إلا بعض نصوص) إلخ.
(6/414)

الكفار وأخذ أموالهم.
وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعا عن المستقبل كقتل القاتل، فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر. وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير.
فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها مثل: الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها. فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها، وكذلك آلات الملاهي، مثل الطنبور، يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء. وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد.
ومثل ذلك: أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتخريقها. والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم.
واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد. وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر، رواه أبو عبيد وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية. وهذا أيضا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما.
ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء للبيع فأراقه عليه. هذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل؟ وذلك لما
(6/415)

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع، وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر.
ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجا رديئا أنه يجوز تمزيقها وتحريقها؛ ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير مزقه عليه، فقال الزبير: أفزعت الصبي، فقال: لا تكسوهم الحرير. وكذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق، وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر. وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء، كالخبز والطعام الذي لم ينضج، وكالطعام المغشوش، وهو الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك- يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه.
وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع، فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه.
وعمر أتلفه؛ لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في
(6/416)

المدينة إما قليلا وإما معدومين.
ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه، ففي [المدونة] عن مالك بن أنس: أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبا لصاحبه. وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به، وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء.
وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية، وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا. لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه، ونفع المساكين بإعطائهم إياه، ولا يهراق.
قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك، إذا كان هو غشه فهو كاللبن.
قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه، فأما إذا كثر منه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام، يريد في الصدقة بكثيره.
قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره، وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا، وذلك إذا كان هو الذي غشه.
وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك.
وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان. قال في
(6/417)

الملاحف الرديئة النسج: تحرق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال: تقطع خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا. وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين.
فأنكر عليه ابن القطان، وقال: لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه.
قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين. وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله.
وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وإما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره.
قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب.
قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به، ويكسر الخبز إذا كثر ويسلم لصاحبه، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله، ويبين له غشه، هكذا العمل فيما غش من التجارات.
(6/418)

قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم (1) .
ج- قال ابن القيم: وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي.
وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بذلك في مواضع:
منها: إباحته صلى الله عليه وسلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده.
ومثل: أمره صلى الله عليه وسلم بكسر دنان الخمر وشق ظروفها.
ومثل: أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين.
ومثل: أمره صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية ثم استأذنوه في غسلها، فأذن لهم، فدل على جواز الأمرين؛ لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر.
ومثل: هدمه مسجد الضرار.
ومثل: تحريق متاع الغال.
ومثل: حرمان السلب الذي أساء على نائبه.
ومثل: إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر.
ومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة.
ومثل: أخذ شطر مال مانع الزكاة، عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى.
ومثل: أمره لابس خاتم الذهب بطرحه، فطرحه فلم يعرض له أحد.
ومثل: تحريق موسى عليه السلام العجل وإلقاء برادته في اليم.
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] (28\ 109) وما بعدها.
(6/419)

ومثل: قطع نخيل اليهود إغاظة لهم.
ومثل: تحريق عمر وعلي رضي الله عنهما المكان الذي يباع فيه الخمر.
ومثل: تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية.
وهذه قضايا صحيحة معروفة، وليس يسهل دعوى نسخها.
ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا، فأكثر هذه المسائل ساغ في مذهب أحمد وغيره، وكثير منها سائغ عند مالك.
وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطل أيضا لدعوى نسخها.
والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها.
فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد. وإذا ارتفع عن هذه الطبقة ادعى أنها منسوخة بالإجماع. وهذا خطأ أيضا. فإن الأمة لم تجمع على نسخها ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ.
قال ابن رشد في كتاب [البيان] له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل أو غير ذلك من السلع بما ذكره أهل العلم في ذلك.
فقد قال مالك في [المدونة] . (إن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن
(6/420)

المغشوش في الأرض) أدبا لصاحبه.
وكره ذلك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به.
ومنع من ذلك في رواية أشهب، وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان، وإن قتل نفسا.
وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الذي غش اللبن- مثل الذي تقدم في رواية أشهب.
قال ابن حبيب: فقلت لمطرف وابن الماجشون: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما غش من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يهراق ولا ينهب.
قال ابن حبيب: ولا يبدده الإمام، وليأمر ثقته ببيعه عليه ممن يأمن أن لا يغش به، ويكسر الخبز إذا كثر ثم يسلمه لصاحبه، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله، ويبين له غشه، وهكذا العمل في كل ما غش من التجارات، وهو إيضاح ما استوضحته من أصحاب مالك وغيرهم.
وروي عن مالك: أن المستحسن عنده أن يتصدق به؟ إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه، ونفع المساكين بإعطائهم إياه. ولا يهراق.
وقيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك، إذا كان هو الذي غشه فهو كاللبن.
قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف ثمنه، فأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام، تزيد
(6/421)

في الصدقة بكثير.
قال ابن رشد: قال بعض الشيوخ: وسواء- على مذهب مالك - كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه يسوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره.
وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا. وذلك إذا كان هو الذي غشه. فأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا خلاف أنه لا يتصدق بشيء من ذلك. والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا به، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران يباع على الذي غشه.
وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك، لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، وذلك أمر كان في أول الإسلام.
ومن ذلك: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة: «إنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا (1) » ، وروي عنه في جريبة النخل: «أن فيها غرامة مثلها وجلدات نكال (2) » ، وما روي عنه: «أن من وجد يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن وجده سلبه (3) » .
ومثل هذا كثير، نسخ ذلك كله. والإجماع على أنه لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا. والقياس: أنه لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير، انتهى كلامه.
__________
(1) سنن النسائي الزكاة (2449) ، سنن أبو داود الزكاة (1575) ، سنن الدارمي الزكاة (1677) .
(2) سنن النسائي قطع السارق (4959) .
(3) صحيح مسلم الحج (1364) ، سنن أبو داود المناسك (2037) ، مسند أحمد بن حنبل (1/170) .
(6/422)

وقد عرفت أنه ليس مع من ادعى النسخ نص ولا إجماع.
والعجب أنه قد ذكر نص مالك وفعل عمر، ثم جعل قول ابن القاسم أولى، ونسخ النصوص بلا ناسخ. فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة. فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدا، ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم، وهم يقرونه ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به.
وقد أفتى ابن القطان في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بتقطيعها خرقا وإعطائها للمساكين إذا تقدم لمستعملها فلم ينته. ثم أنكر ابن القطان ذلك وقال: لا يحل هذا في مال مسلم بغير إذنه، يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق.
وأنكر ذلك القاضي أبو الأصبغ على ابن القطان وقال: هذا اضطراب في جوابه، وتناقض من قوله، لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطائها للمساكين، قال: وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله.
وفي [تفسير ابن مزين] ، قال عيسى: قال مالك في الرجل يجعل في مكياله زفتا: إنه يقام من السوق، فإنه أشق عليه. يريد: من أدبه بالضرب والحبس (1) .
__________
(1) [الطرق الحكمية] ص (266) وما بعدها.
(6/423)

الخلاصة:
أولا: حق ولي الأمر في الجباية:
مما تقدم يتبين ما يأتي:
1 - الأموال الظاهرة بالنسبة لما تجب فيه الزكاة هي: بهيمة الأنعام والحبوب والثمار. والأموال الباطنة هي: النقدان وعروض التجارة. أما زكاة الفطر فقيل من الظاهرة وقيل من الباطنة.
2 - يجب على ولي الأمر جباية الزكاة ممن امتنع من إخراجها، فإن أبى أن يعطيها لعمال الإمام أيضا وجب قتاله حتى تؤخذ منه؛ لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (1) » . . . الحديث، ولقتال أبي بكر رضي الله عنه من منعها، مع تسليم الصحابة رضي الله عنهم ذلك له، وقتالهم معه، والمحافظة على حقوق مستحقيها، وإقامة هذه الشعيرة التي هي من أعظم أركان الإسلام، ولإنكار المنكر.
3 - إذا طلب ولي الأمر دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى عماله وكان عادلا وجب على أرباب هذه الأموال دفعها إلى جباتها إجماعا، وإذا طلب دفع زكاة الأموال الباطنة فقيل: يجب دفعها إلى عماله؛ لعموم آية: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) ولعموم الأحاديث الواردة في ذلك، ولما في منعها بعد طلبها من شبهة الخروج عليهم المؤدي إلى الهرج والفساد، ولأنه طلب أمرا جائزا له فوجبت طاعته فيه، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به بخلاف توزيعها من قبل رب المال بنفسه أو وكيله بعد طلبها منه، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين
__________
(1) صحيح البخاري الإيمان (25) ، صحيح مسلم الإيمان (22) .
(2) سورة التوبة الآية 103
(6/424)

وبالمصالح وبقدر الحاجات وبمن أخذ من قبل، ولأنه يقصد لها.
وقيل: يجوز لرب المال، أن يفرقها بنفسه أو وكيله، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها.
4 - إذا كان الإمام عادلا ولم يطلب زكاة الأموال الباطنة فقيل: الأفضل أن يفرقها رب المال بنفسه.
وقيل: الأفضل أن يسلمها لعمال الإمام، وتعليل القولين ما تقدم في الفقرة الثالثة.
والاختلاف بين ما ذكر في الفقرتين إنما هو في الوجوب والأفضلية بناء على وجود طلب من الإمام وعدمه.
5 - إذا طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وكان جائرا فقد قيل: يجب دفعها إليه؛ لعموم الأدلة ولدرء الفتنة، على ما تقدم، وبذلك تبرأ ذمة دافعيها، والإثم على من خان فيها من الإمام أو عماله، وقيل: لا يدفعها له، بل يحتال لإخفائها منه، ثم يخرجها بنفسه، أو وكيله الأمين ويضعها في مصارفها الشرعية، وإن طلب زكاة الأموال الباطنة ففي وجوب دفعها ومنعها خلاف.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله أنه ينبغي ألا يدفعها له، ويجب توزيعها على مستحقيها، فإن أكره على أخذها منه في الأموال الظاهرة والباطنة أجزأته وبرئت منها ذمته، وإن لم يطلبها لم تدفع له، وبل يجب على رب المال تفريقها في مصارفها الشرعية.
6 - ليس للإمام ولا لعماله تتبع الأموال الباطنة والتنقيب عنها، بل يتقبل من أربابها ما بينوه، وتؤخذ منهم الزكاة على ما أقروا به؛ لأنهم
(6/425)

مؤتمنون على أموالهم، إلا إذا دلت الأمارات وقرائن الأحوال على خيانتهم وكتمانهم ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فيقوم بالبحث والاستقصاء حتى يعرف الواقع ويأخذ بمقتضاه.
ثانيا: زكاة عروض التجارة.
مما تقدم يتبين ما يأتي:
1 - العروض جمع عرض، فقيل: هو ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة.
وقيل: هو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من الثياب والحيوان والعقار وسائر المال، إذا قصد به التجارة.
2 - ذهب أهل الظاهر إلى أن العروض لا زكاة فيها؛ لحديث «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (1) » ولأن الزكاة عبادة من العبادات مبنية على التوقيف، والنص إنما ورد في الدراهم والدنانير والسوائم والحبوب والثمار، وبقي ما عدا ذلك على الأصل، ولا يثبت بالقياس؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا زكاة في العروض.
ويجاب: عن الأول بحمله على ما ليس للتجارة. ومعناه: لا زكاة في عينه، بخلاف الأنعام، وهذا التأويل متعين؛ ليجمع بينه وبين الأحاديث.
وعن الثاني بأنه ورد النص.
وعن الثالث بأنه قد ضعفه الشافعي والبيهقي وغيرهما، فلا حجة فيه. وعلى فرض صحته فهو محمول على عرض ليس للتجارة؛
__________
(1) سنن الترمذي الزكاة (620) ، سنن النسائي الزكاة (2477) ، سنن أبو داود الزكاة (1574) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1790) ، مسند أحمد بن حنبل (1/132) ، سنن الدارمي الزكاة (1629) .
(6/426)

جمعا بينه وبين الأحاديث وبين الرواية الأخرى عنه.
وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لعموم أدلة القرآن، ولدلالة السنة والأثر والمعنى، كما سبق في الإعداد ص: (36، 40، 45) .
3 - اختلف القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة. فمنهم من أوجبها في كل حول؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في المال إذا حال عليه الحول ولا مخصص لها.
وذهب الإمام مالك رحمة الله إلى أن التاجر ينقسم إلى قسمين:
مدير وغير مدير، فالمدير هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجي قبضها فيزكي ذلك على ما عنده من الناض.
وأما غير المدير وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، وكذلك من كسدت سلعته، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى بيعها، وإن قامت أحوالا، فإذا باعها زكاها لحول واحد ص: (26) وما بعدها.
وحجته: أن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه؛ فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عين.
ويجاب عن ذلك: بأن سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول متوفران، فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه كالسوائم وبأنه دليل اجتهادي مقابل للنص، ولا اجتهاد مع النص.
(6/427)

4 - يشترط الحنفية ومن وافقهم لوجوب الزكاة كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية، ولا يشترط مالك، وحجته العمومات.
والجواب: أنها محمولة على الفاضل عن الحوائج الأصلية. ويرجع إلى ص (22) . ويشترطون أيضا نية التجارة مقارنة لعمل التجارة.
أما المالكية فلهم شروط خمسة: أن لا يكون مما في عينه زكاة كالفضة، وأن يكون مملوكا بالشراء، وأن ينوي به التجارة عند الشراء، وأن يكون الثمن الذي اشترى به ذلك العرض عينا وعرضا ملك بشراء، وأن يبيع من العرض بعين نصابا فأكثر في المحتكر أو أقل لو درهما في المدير. ص (34) .
ويشترط الشافعية: أن يملكه بعقد فيه عوض كالبيع، وأن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة. ص (42)
أما الحنابلة: فيشترطون أن يملكه بفعله كالبيع، وأن ينوي عند تملكه أنه للتجارة، وعن أحمد رواية أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية، وعليه فلا يعتبر أن يملكه بفعله ولا أن يكون في مقابله عروض، بل متى نوى به التجارة صار للتجارة، ومما تقدم يعلم أن النية شرط عند الجميع.
5 - تقوم عروض التجارة بالأحظ للفقراء، وقيل: بما اشتريت به، فإن لم تكن دخلت عليه بأحد النقدين فإنه يقومها بالنقد الغالب. وقيل: يقومها بالنقد الغالب مطلقا. وقيل: يقومها بما شاء: ومدارك هذه الأقوال الاجتهاد. ص (21، 22) .
(6/428)

6 - تضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة، أو يقوم الذهب والفضة ويضمهما إلى قيمة العروض بالقيمة أو بالإجزاء، ومدرك كل من القولين الاجتهاد ص: (20) .
7 - إذا ادعى من طلبت منه الزكاة أن ما بيده من العروض لم ينو به التجارة، أو أنه أدى زكاته، أو لم يحل عليه الحول، فقيل: يقبل؛ لأنه عبادة كالصلاة، فهو مؤتمن عليها: وقيل: لا يقبل إن اتهم؛ بناء على العمل بقاعدة القرائن؛ لما سبق في رقم (6) من ملخص الأمر الأول.
ثالثا: الدين الذي للإنسان على غيره هل تلزمه زكاته؟
1 - قسم أبو حنيفة الديون ثلاثة أقسام: قوي، وضعيف، ومتوسط فالقوي: هو الذي وجب بدلا عن مال التجارة، ولا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما أدى درهما واحدا.
والضعيف: ما وجب له بدلا عن شيء وجب له بغير صنعه كالميراث أو بصنعه كالوصية، أو وجب عما ليس بمال كالمهر، فيزكيه إذا قبضه كله وحال عليه الحول بعد القبض.
والوسط: ما وجب له بدلا عما ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة وثمن ثياب البذلة والمهنة، فقال: تجب فيه الزكاة قبل القبض ولا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى، وقال: لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض. وهو أصح الروايتين عنه. ومدركه
(6/429)

اجتهادي يرجع إليه في ص: (53) .
2 - الديون عند المالكية تنقسم إلى أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة.
فأما الدين من الفائدة فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث ونحوه، فلا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبضه ويحول عليه الحول من بعد القبض.
الثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده، فإذا قبضه، وحال عليه الحول بعد القبض زكاه.
الثالث: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية، فهذا إن كان باعه بالنقد لم تجب عليه فيه الزكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض، وإن كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه.
الرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني، وإن كان قبضه بعد استيفاء العمل كما إذا أجر نفسه ثلاث سنين بستين دينارا فيقبضها معجلة.
فقيل: يزكي إذا حال ما يجب له من الإجارة، وذلك عشرون دينارا.
وقيل: يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار.
وقيل: لا زكاة عليه في شيء من الستين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر زكى عشرين؛ لأن ما ينوي بها من العمل دين عليه، فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا بعد شيء، فوجب استئناف حول آخر بها منذ تم سقوط الدين عنها.
(6/430)

وأما الدين من الغصب ففيه في المذهب قولان:
أحدهما: وهو المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القراض.
الثاني: أنه يستقبل حولا مستأنفا من يوم قبضه كدين الفائدة، وقد قيل: إنه يزكيه للأعوام الماضية.
وأما دين القرض: فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
وأما المدير فقيل: يقومه، وقيل: لا يقومه، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف فيمن له مالان، يدير أحدهما، ولا يدير الآخر؛ لأن المدير إذا أقرض من المال الذي يدير أخرجه بذلك عن الإدارة.
وأما دين التجارة: فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة يقومه المدير، ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، ولزكاة الدين لسنة واحدة أربعة شروط:
أن يكون أصله عينا بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل.
وأن يقبض من المدين.
وأن يكون المقبوض عينا ذهبا أو فضة، ولو كان القابض له موهوبا له من رب الدين أو أحال ربه به ممن له عليه دين على المدين.
وأن يقبض نصابا كاملا ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة ثم عشرة فيزكيه عند قبض ما به التمام، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب.
(6/431)

3 - قسم الشافعية الديون إلى ثلاثة أقسام:
غير لازم: كدين الكتابة، ولا زكاة فيه بلا خلاف عندهم.
ولازم: وهو ماشية، ولا زكاة فيه بلا خلاف؛ لأن ما في الذمة لا توصف بأنها سائمة، والسوم شرط.
والثالث: أن يكون دراهم أو دنانير أو عروض تجارة وهو مستقر، ففيه قولان مشهوران.
القديم: لا تجب الزكاة في الدين بحال؛ لأنه غير معين.
والجديد الصحيح باتفاق الأصحاب: وجوب الزكاة في الدين على الجملة، وفيه تفصيل يرجع إليه ص: (65) .
4 - قسم الحنابلة الدين إلى قسمين:
دين على معترف به باذل له، فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى؛ لأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل القبض، كما لو كان على معسر؛ ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به، وإنما يزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به؛ فلزمته زكاته كسائر الأموال.
وقيل: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه؛ فلزمه إخراج زكاته كالوديعة. ورد بالفرق، فإن الوديعة بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظها فيده كيده. وقيل: ليس في الدين زكاة؛ لأنه غير نام؛ فلم تجب زكاته كعروض القنية.
الضرب الثاني: أن يكون على معسر أو جاحدا أو مماطل به، ففي
(6/432)

وجوبها روايتان:
إحداهما: لا تجب؛ لأن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد؛ فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الأموال.
الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ لما روي عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون، قال: إذا كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى.
وروي نحوه عن ابن عباس، رواهما أبو عبيد، ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه؛ فوجبت زكاته لما مضى كالدين على مليء. ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن أو فيهما. وظاهر كلام أحمد: لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن البراءة تصح من المؤجل.
رابعا: هل الدين يمنع وجوب الزكاة؟
مما تقدم يتبين ما يلي:
1 - منع الدين للزكاة:
أـ يشترط الحنفية ومن يوافقهم: أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد حالا أو مؤجلا، والحجة في ذلك أثر عثمان رضي الله عنه: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم) . وفي رواية: (فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقية ماله) . قاله بمحضر من الصحابة ولم يعارض؛ فكان إجماعا.
وروى أصحاب مالك عن عمير بن عمران عن شجاع عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذ كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه» وهذا نص: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم» .
(6/433)

ووجه الدلالة ظاهر، ولأن ملكه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء، ولأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم.
ب- وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط، إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه فإنه لا يمنع، والحجة عمومات أدلة وجوب الزكاة، كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) فعم ولم يخص من عليه دين ممن لا دين عليه في مال من الأموال، والعموم محتمل للخصوص، فخصص أهل العلم ذلك من عليه دين في المال العين بإجماع الصحابة على ذلك، بدليل أثر عثمان رضي الله عنه ص: (98) .
ج- مذهب الشافعية: وجوب الزكاة، سواء كان المال باطنا أو ظاهرا، من جنس الدين أو غيره، وسواء دين الله ودين الآدمي، كالزكاة السابقة والكفارة والنذر ص: (104) .
وهذا إحدى الروايات الثلاث في المذهب.
والحجة عمومات أدلة وجوب الزكاة، ولأنه مسلم ملك نصابا حولا فوجب عليه الزكاة كمن لا دين عليه. ويجاب عن الأول بأن العمومات خصصها أثر عثمان رضي الله عنه، وعن الثاني بأنه يخالف من لا دين عليه، فإنه غني يملك نصابا ص: 107.
د- أما الحنابلة ومن يوافقهم: فإن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، والحجة لهذا القول ما سبق من أدلة الحنفية.
وأما الأموال الظاهرة فروي عن أحمد:
أن الدين يمنع الزكاة أيضا فيها؛ لما سبق من الأدلة.
__________
(1) سورة التوبة الآية 103
(6/434)

والرواية الثانية: لا يمنع الزكاة فيها، لما سبق من الأدلة.
والفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة: أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها.
وفي رواية ثالثة: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة إلا في الزرع والثمار فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة ص (107) .
وأما دين الله كالكفارة ففيه وجهان:
أحدهما: يمنع الزكاة كدين الآدمي؛ لما سبق من الأدلة، ولأنه دين يجب قضاؤه، فهو كدين الآدمي، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «دين الله أحق أن يقضى (1) » . ويناقش ذلك بالفرق، فإن دين الآدمي آكد، والمطالبة تتوجه به.
والآخر: لا يمنع؛ لأن الزكاة آكد لتعلقها بالعين، فهو كأرش الجناية ص: (58) وما بعدها.
2 - يمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب، أو ينقص ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب أو ما لا يستغنى عنه.
وإذا كان له مالان وأحدهما لا زكاة فيه، والآخر فيه الزكاة، كرجل عليه مائتا درهم وله مائتا درهم وعروض للقنية تساوي مائتين، فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض، وهذا مذهب مالك وأبي عبيد.
قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله، لأنه مالك لمائتين زائدة عن مبلغ دينه، فوجب عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا.
وظاهر كلام أحمد: أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضى منه، فإنه قال
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1953) ، صحيح مسلم الصيام (1148) ، سنن الترمذي الصوم (716) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3816) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3310) ، سنن ابن ماجه الصيام (1758) ، مسند أحمد بن حنبل (1/362) ، سنن الدارمي الصوم (1768) .
(6/435)

في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف، إن كانت العروض للتجارة زكاها، وإن كانت لغير التجارة فلا شيء عليه.
وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح، فجعل الدين في مقابلته أولى، كما لو كان النصابان زكويين.
ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته الأصلية، وإن لم يكن فاض عن حاجته فلا يلزم صرفه لوفاء الدين؛ لأن الحاجة أهم.
3 - بناء على قول من يقول: الدين يمنع وجوب الزكاة، وأحاطت برجل ديون وحجر عليه القاضي، فإذا أقر بوجوب الزكاة قبل الحجر فإن صدقه الغرماء ثبتت وأخذت، وإن كذبوه فالقول قوله بيمينه؛ لأنه أمين. وحينئذ هل تقدم الزكاة أم الدين أم يستويان؟
فيه ثلاثة أقوال في اجتماع حق الله تعالى، ودين الآدمي، ومداركها اجتهادية.
وإذا أقر بالزكاة بعد الحجر، فقيل: يقبل في الحال ويزاحم به الغرماء. وقيل: يثبت في ذمته ولا تثبت مزاحمته.
وفي ذلك تفاصيل ذكرت في الإعداد يمكن الرجوع إليها، وقد تركناها اختصارا.
خامسا: التعزير:
اتفق الفقهاء على جواز التعزير بالضرب والسجن والنفي ونحوها من العقوبات البدنية عند وجود ما يقتضيها.
واختلفوا في جوازه بالعقوبات المالية:
(6/436)

فقال بعضهم: بالمنع؛ لأن العقوبات المالية من قبيل الغريب الذي لا عهد به في الإسلام ولا يلائم تصرفات الشرع، وتأولوا ما ورد من أخذ عمر شطر مال خالد رضي الله عنهما بأنه أخذ ما رأى أن خالدا استفاده بالولاية. وأقر جماعة بأن التعزير بالمال قد كان أول الإسلام، ثم زعموا أنه نسخ بالإجماع على تركه.
واستشهدوا لذلك: بأن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة حتى أخذها منهم، ولم ينقل عنه أنه زاد عليها، ولو كان لنقل، فدل ذلك على الإجماع على تركها. وستأتي مناقشة ذلك إن شاء الله.
وقال بعضهم: يجوز لولي الأمر التعزير بالعقوبات المالية.
واستدلوا على ذلك بوقائع كثيرة:
منها: ما كان تأديبا بها من النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: ما كان من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، دون نكير من أحد من الصحابة رضي الله عنهم، حتى من نزلت به العقوبة.
وعلى هذا فدعوى المانعين أن ذلك من قبيل الغريب الذي لا عهد للشريعة به ولا يلائم تصرفات الشرع دعوى يكذبها الواقع الكثير.
وكذا ما زعموه من النسخ أو الإجماع على الترك باطل بوجود ذلك في تصرفات الخلفاء الراشدين على مشهد من الصحابة دون نكير، وبوجود الخلاف بعدهم في ذلك بين أئمة الفقهاء.
ورأى بعضهم أن التعزير بالمال في المال الذي وقعت فيه الإساءة وتوابعه بإتلافه أو مصادرته وحرمانه منه ونفع المساكين ونحوهم به، غير
(6/437)

أنهم اختلفوا هل يقتصر في التعزير على اليسير أو يعم القليل والكثير؟
هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(6/438)

قرار رقم 63 في 25\ 10\ 1398هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء المنعقد في مدينة الطائف في الفترة ما بين يوم 14\ 10\ 1398 هـ حتى نهاية يوم 25\ 10 \ 1398 هـ. قد أعاد النظر في اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة وما أعد بشأنها من بحث علمي من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء، وذلك بناء على ما ورد من المقام السامي إلى الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء الدعوة والإرشاد برقم 3\ ش\ 293 في 4\ 1\ 1397 هـ.
وبعد تداول الرأي والنظر في أقوال أهل العلم وأدلتهم ولعدم وجود أدلة شرعية تدل على وجوب قيام ولي الأمر بمطالبة الناس بزكوات أموالهم الباطنة ومحاسبتهم على ذلك، بل إن كلام أهل العلم يدل على خلاف ذلك، فأكثر العلماء يقول: إن زكاة الأموال الباطنة وهي النقود وعروض التجارة موكول أمر إخراجها لأصحاب الأموال وهم مصدقون في ذلك فلا يحاسبون ولا يتهمون بأنهم قاموا بإخفاء شيء منها، بل ذلك أمر بينهم وبين الله سبحانه، ولكن إذا طلبها ولي الأمر فدفعوها له برئت ذمتهم منها.
لما تقدم فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى بالأكثرية ما يلي:
1 - الاكتفاء بما نص عليه أهل العلم من ترك أمر محاسبة الناس على أموالهم أو مطالبتهم ببيانات عما يملكونه من نقود وعروض تجارة، بل يؤخذ منهم ما دفعوه من الزكاة اتباعا لما درج عليه سلف الأمة في ذلك وما كان عليه العمل في عهد جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله، وما سبقه من عمل الدولة السعودية منذ نشأتها.
2 - إبقاء العمل على ما هو عليه في جباية زكاة الحبوب والثمار وأن
(6/439)

يوكل إلى لجنة فيها مندوب من المحكمة والإمارة وهيئة الأمر بالمعروف تتولى جبايتها وصرفها على مستحقيها ويبقى العمل في جباية زكاة الماشية على ما كان عليه ويعطون مكافأة على عملهم ولو من الزكاة.
3 - كل من تحقق لدى ولاة الأمر أنه لا يدفع الزكاة أو يجحد شيئا منها فإن ولي الأمر يجري ما يلزم نحو أخذها منه وتعزيره التعزير الشرعي جزاء ما ارتكب بعد ثبوت ذلك عليه.
4 - يوصي المجلس بإيجاد صندوق خاص يودع فيه ما يورد لصندوق الدولة من زكاة وتصرف منه بعد ورودها على مستحقيها بواسطة لجنة من أهل الثقة والأمانة في كل بلد.
ولا شك أن ولاة الأمر -وفقهم الله- إذا انتهجوا ما أوضح في هذا القرار فإن ذمتهم بريئة، وسوف يكون لذلك أثره الحميد وعواقبه الطيبة؛ لأن الخير والبركة في اتباع سلفنا الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. وبالله التوفيق.. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن علي الحركان
عبد الله بن منيع لي وجهة نظر ... عبد العزيز بن صالح غائب ... صالح بن غصون متوقف ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد المجيد حسن
عبد الله بن قعود متوقف فيما عدا الفقرة الرابعة ... صالح بن لحيدان
(6/440)

"وجهة نظر"
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فبعد الاطلاع على خطاب سمو نائب رئيس مجلس الوزراء رقم 3\ ش\ 293 وتاريخ 4\ 1\ 1397هـ وعلى مشروع اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة المقدم لمجلس الوزراء لدراسته وبعد التأمل والدراسة ظهر لي أن هذه اللائحة ليست لائحة تنفيذية بالمعنى الاصطلاحي المعروف لدى خبراء الإدارة والتنظيم بحيث تكون خاصة بالأعمال الإدارية لجباية الزكاة وإنما تشتمل اللائحة على مواد تشريعية، ومنها المواد الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، وعلى مواد تنفيذية إدارية.
وحيث إن المواد التشريعية في مشروع اللائحة ليست شاملة لأحكام الزكاة حتى يقال ببقائها للفائدة، وليست شاملة لأهم أحكام الزكاة حتى يقال بالاكتفاء بالأهم عن المهم، مع أن بعض ما تناولته موضع خلاف بين أهل العلم كما هو الحال في الديون على من تجب عليه الزكاة هل يسقط من الزكاة ما يقابلها من الأموال مطلقا أم أن ذلك خاص بالأموال الباطنة أو أنها لا تسقط من الزكاة شيئا، وكذلك الأمر بالنسبة للديون المملوكة للمكلف بالزكاة على مليء أو غيره هل يزكيها مطلقا، ومتى يزكيها، وهل تقابل بما يزيد عند المكلف بها عن حاجته من أموال القنية غير الأثمان.
وحيث إن الأمور التشريعية يرجع إليها في مصادرها كالحال بالنسبة لمسائل العبادات والمعاملات وما تقتضيه الخصومات من أحكام قضائية ومتى أشكل منها على الجهة المختصة بجبايتها ما يقتضي الأمر استجلاءه أمكن الرجوع إلى الجهة المختصة بالإفتاء.
وعليه فإنني أرى استبعاد كل ما يتعلق بالأمور التشريعية من اللائحة لما ذكر وليصدق عليها أنها لائحة تنفيذية لجباية الزكاة مفروض في جميع موادها أن
(6/441)

تكون إدارية محضة.
وحيث إن غالب المواد التنفيذية الإدارية في هذه اللائحة مبني على المواد التشريعية المذكورة فيها فإن بقاءها بعد استبعاد المواد التشريعية فيها لا يستقيم إلا بعد إعادة النظر فيها وصياغتها صياغة إدارية لا تنبني على ما استبعد منها. وتستند على الأسس التالية:
أ- إن لولي الأمر أن يطلب من الزكاة ما يرى المصلحة العامة تقتضي طلبه.
ب- الأصل في المسلم أنه مؤتمن على شئون دينه من صلاة وزكاة وصوم وغير ذلك.
ج- متى توفرت القرائن لاتهام من يتساهل أو يتلاعب بأداء الزكاة أو بعضها بأي طريق من طرق الاحتيال أو التهرب عن أدائها فإن للقضاء الفصل في عدوانه بما يقتضيه الوجه الشرعي. وللجهة المختصة بجبايتها بذل الجهد في تحصيل ما يدعم الادعاء.
د- تعيين الجهة المختصة بجباية الزكاة وإعطائها من الصلاحيات ما تستطيع به إنفاذ ما وكل إليها.
هـ- الرجوع في تقدير العقوبات الجزائية إلى القضاء المختص.
والأخذ بالأصل في أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء.
هذا ما ظهر لي، والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عضو الهيئة
عبد الله بن سليمان بن منيع
24 \ 10 \ 1398 هـ
(6/442)

(6)
ملاحظة بعض التجار
على جباية الزكاة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(6/443)

بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظة بعض التجار
على جباية الزكاة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:
فبناء على ما جاء في كتاب معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء 3\ م\ 11256 وتاريخ 11\ 5\ 96 هـ. إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من الرغبة في دراسة ما لاحظه بعض التجار على جباية الزكاة الشرعية التي يدفعونها لمصلحة الزكاة والدخل، وكذا التأمينات الاجتماعية التي تستحصلها الدولة من غير السعوديين العاملين بالمملكة، وبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة المنعقدة بالرياض آخر ربيع الأول وأول ربيع الآخر عام 1397 هـ من إعداد بحث في ذلك الموضوع أعدت اللجنة الدائمة فيه بحثا يتضمن ما يأتي:
أولا: حق ولي الأمر العام في جباية الزكاة.
ثانيا: مناقشة ما لاحظه التجار على ضوئه.
(6/445)

ثالثا: مناقشة أو دراسة ما لاحظه التجار على استحصال تأمينات اجتماعية من غير السعوديين الذين يعملون في المملكة.
وفيما يلي الكلام على ذلك، والله الموفق.
(6/446)

أولا- حق ولي الأمر في الجباية:
1 - الأموال الظاهرة بالنسبة لما تجب فيه الزكاة هي بهيمة الأنعام والحبوب والثمار، والأموال الباطنة هي النقدان وعروض التجارة، أما زكاة الفطر فقيل من الظاهرة وقيل من الباطنة.
2 - يجب على ولي الأمر جباية الزكاة ممن امتنع من إخراجها، فإن أبى أن يعطيها لعمال الإمام أيضا وجب قتاله حتى تؤخذ منه، لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (1) » الحديث، ولقتال أبي بكر رضي الله عنه من منعها مع تسليم الصحابة رضي الله عنهم ذلك له وقتالهم معه والمحافظة على حقوق مستحقيها وإقامة هذه الشعيرة التي هي من أعظم أركان الإسلام، ولإنكار المنكر.
3 - إذا طلب ولي الأمر دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى عماله وكان عادلا وجب على أرباب هذه الأموال دفعها إلى جباتها إجماعا، وإذا طلب دفع زكاة الأموال الباطنة فقيل يجب دفعها إلى عماله، لعموم آية {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) الآية، ولعموم الأحاديث الواردة في ذلك، ولما في منعها بعد طلبها من شبهة الخروج عليهم المؤدي إلى الهرج والفساد، ولأنه طلب أمرا جائزا له فوجبت طاعته فيه، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به بخلاف توزيعها من قبل رب المال بنفسه أو وكيله بعد طلبها منه، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين وبالمصالح وبقدر الحاجات
__________
(1) صحيح البخاري الإيمان (25) ، صحيح مسلم الإيمان (22) .
(2) سورة التوبة الآية 103
(6/446)

وبمن أخذ من قبل، ولأنه يقصد لها، وقيل: يجوز لرب المال أن يفرقها بنفسه أو وكيله، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها.
4 - إذا كان الإمام عادلا ولم يطلب زكاة الأموال الباطنة، فقيل: الأفضل أن يفرقها رب المال بنفسه، وقيل: الأفضل أن يسلمها لعمال الإمام وتعليل القولين ما تقدم في الفقرة الثالثة، والاختلاف بين ما ذكر في الفقرتين إنما هو في الوجوب والأفضلية بناء على وجود طلب من الإمام وعدمه.
5 - إذا طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وكان جائرا فقد قيل: يجب دفعها إليه؛ لعموم الأدلة ولدرء الفتنة على ما تقدم، وبذلك تبرأ ذمة دافعيها والإثم على من خان فيها من الإمام أو عماله، وقيل: لا يدفعها له، بل يحتال لإخفائها عنه، ثم يخرجها بنفسه أو وكيله الأمين ويضعها في مصارفها الشرعية، وإن طلب زكاة الأموال الباطنة ففي وجوب دفعها ومنعها خلاف.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه ينبغي ألا يدفعها له، ويجب توزيعها على مستحقيها، فإن أكره على أخذها منه في الأموال الظاهرة والباطنة أجزأته وبرئت منها ذمته، وإن لم يطلبها لم تدفع له، بل يجب على رب المال تفريقها في مصارفها الشرعية.
6 - ليس للإمام ولا لعماله تتبع الأموال الباطنة والتنقيب عنها، بل يتقبل من أربابها ما بينوه وتؤخذ منهم الزكاة على ما أقروا به، لأنهم مؤتمنون على أموالهم إلا إذا دلت الأمارات وقرائن الأحوال على خيانتهم وكتمانهم ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فيقوم بالبحث والاستقصاء حتى يعرف الواقع ويأخذ بمقتضاه.
(6/447)

ثانيا: مناقشة ما لاحظه التجار على ضوئه.
بناء على ما تقدم في بيان حق ولي الأمر العام العادل في جباية زكاة
(6/447)

الأموال الظاهرة والباطنة، وما جاء فيه من أنه ليس له ولا لعماله التنقيب عن أموال الزكاة الباطنة، بل يأخذ من أربابها زكاتها على ما أقروا به؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك إلا إذا دلت الأمارات وقرائن الأحوال على خيانتهم وكتمانهم بعض ما تجب فيه الزكاة، فيقوم بالبحث والاستقصاء عنها حتى يتبين له الواقع ويأخذ الزكاة بمقتضاه.
وبناء على ما جاء في كتاب معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني رقم (7296\ 95) وتاريخ 23\ 10\ 95 هـ إلى معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء، وكتابه إليه أيضا رقم........ وتاريخ........ أنه لوحظ على بعض التجار عدم إخراج الزكاة وعلى بعض المؤسسات والشركات أنها لا تقدم حسابات نظامية يركن إليها في تحديد مقدار الزكاة الواجبة عليها بالضبط فاضطرت الجهة المختصة إلى اتباع طريقة لتحديد الأموال الخاضعة للزكاة عن طريق حصر حجم مستوردات تلك المؤسسات والشركات والاسترشاد بذلك قصدا إلى إيجاد قاعدة واحدة تطبق على الجميع وتزيل أسباب معاملة التجار بطرق مختلفة.
بناء على ما تقدم يمكن أن يقال: إن من واجب ولي الأمر في مثل هذه الأحوال جباية زكاة الأموال الباطنة واختيار أقوم الطرق وأقربها إلى تقدير الأموال التي تجب فيها الزكاة تحقيقا للعدل بين أرباب الأموال والمستحقين للزكاة.
وقد فعل ذلك ولي الأمر لوجود مقتضيه فاختار من طرق التقدير ما أشار به المختصون وترك بعض ما وجب من الزكاة إلى التجار ليوزعوه على المستحقين من الأقارب والجيران ومن يقصدهم لذلك، وهذا من حقه وتصرفاته شرعا، ومن وجد من التجار تعسفا من العمال فليرفع بيانا بذلك إلى ولي الأمر ليزيل شكاته.
(6/448)

ثالثا: ملاحظات بعض التجار على تحصيل تأمينات اجتماعية من غير السعوديين الذين يعملون في المملكة.
إن ما ذكره التجار من الملاحظات في ذلك ينحصر في أربعة أمور:
الأول: أن ما تنفقه الدولة على الجباية أكثر مما تأخذه.
الثاني: أنه يؤخذ مبلغ 5% على الموظف و 8% على المؤسسات والشركات تأمينات اجتماعية وهو كثير.
الثالث: أن العمال غير السعوديين يشترطون عند تعاقد المؤسسات والشركات معهم ألا تخضع مرتباتهم لاستقطاع زكاة منها أو تأمينات اجتماعية فتقبل المؤسسات والشركات هذا الشرط لحاجتها إليهم، وتتحمل هذه الاستقطاعات عنهم، وهذا مما يعوق الإنتاج الصناعي، ويضعف القدرة على منافسة السلع المستوردة.
الرابع: أن الحكومة لا تتحمل مسئولية لغير السعودي ولا تعمل له شيئا؟ لأنه يغادر المملكة خلال سنة أو سنتين فلا يستطيع استرجاع ما دفعه، وهذه أحدثت بلبلة في البلد.
وبعد دراسة اللجنة لذلك كتبت ما يلي:
أولا: إن المقارنة بين ما تنفقه الدولة على جباية الزكاة وما تأخذه ومعرفة أيهما أكثر عملية حسابية تتعلق بأمر اقتصادي والنظر في مثل هذا إلى ولي الأمر العام فهو الذي ينظر في ذلك بنفسه أو بأجهزته المختصة، ويرتب على ذلك ما يراه مصلحة من الاستمرار في جباية الزكاة؛ إقامة لهذه الشعيرة ومحافظة عليها أو ترك إخراجها وتوزيعها على مستحقيها إلى أرباب الأموال مع الرقابة.
ثانيا: إن النظر في كثرة ما يستقطع من الموظف ومن المؤسسات
(6/449)

والشركات وقلته من حق ولي الأمر والأجهزة المختصة التي يسند إليها النظر في مثل هذا، وقد فعل، فقد قامت لجنة وزارية ببحث هذا الموضوع وانتهت بالتوصية بعدم تعديل ما يتعلق بخضوع العمال الأجانب لنظام التأمينات الاجتماعية وصدرت الموافقة السامية على هذه التوصية برقم 18693 وتاريخ 4\ 8\ 93، أما النظر في حل ما يستقطع أو تحريمه فإنه يرجع إلى مجلس الهيئة.
ثالثا: إن النظر في تأثير ما يستقطع من المؤسسة أو الشركة من أجل عمالها- سواء ما يخصها من النسبة وما يخص العامل الأجنبي- على الإنتاج وتعويقه إياه، وإضعافه القدرة على منافسة السلع المستوردة من الأمور الفنية الاقتصادية التي يرجع فيها ولي الأمر إلى المتخصصين في ذلك.
رابعا: إذا كان العمال الأجانب قد اشترطوا عند التعاقد معهم ألا تخضع مرتباتهم للاستقطاع فلهم شرطهم ويلزم الوفاء به من اشترط عليهم من أرباب المؤسسات أو الشركات، وإذا تم الوفاء لهم بهذا الشرط، فلا توجد منهم بلبلة، ولا يصح أن يقال: إن الحكومة لا تتحمل مسئولية لغير السعودي؛ لأنه لا يسترجع شيئا مما دفعه. وإنما ذلك دفاع من المؤسسات والشركات عن نفسها لا عن عاملها وشكاية منها لا منه. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(6/450)