Advertisement

أبحاث هيئة كبار العلماء 003


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
فقد ظهرت في هذا العصر بعض المستجدات التي لم تكن موجودة، أو كانت موجودة ولكن الحاجة تتطلب البحث والتعمق فيها أكثر.
وفي ظل هذه الحاجة قامت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ببحث بعض هذه المسائل المهمة وإعطاء الرأي الراجح فيها بعد البحث والتقصي.
وهي أبحاث نافعة ومفيدة، مدعمة بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومن بعدهم، ومشتملة على الآراء الفقهية في المذاهب الأربعة، ومستنيرة برأي المختصين في تلك القضايا، وهي أبحاث يحتاجها طلبة العلم الذين تعرض لهم هذه القضايا وأمثالها.
واستكمالا لما سبق نشره فإنه يسر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء أن تقدم لطلبة العلم الجزءين: الثالث والرابع من هذه الأبحاث [أبحاث هيئة كبار العلماء] ، وهما يشتملان على موضوعات سبق نشر بعضها في [مجلة البحوث الإسلامية] والبعض الآخر لم ينشر بعد.
(3/3)

سائلا المولى عز وجل أن ينفع بها المسلمين.
كما أسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يثيب العاملين في إعداد وإخراج هذا الكتاب في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، وفي الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية، الذين قاموا بإعداد هذه الأبحاث وترتيبها وتصحيحها وطباعتها، وأن يرزقنا جميعا الإخلاص في القول والعمل، والمتابعة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والسير على نهج السلف الصالح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
(3/4)

(1)
إثبات الأهلة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/7)

بسم الله الرحمن الرحيم
ملحق لبحث إثبات الأهلة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
تمهيد
يتعلق بالكلام على اعتبار قول المنجمين والحساب في إثبات الأهلة وعدم اعتباره أمور عامة يحتاج إليها في تحرير محل الخلاف بين علماء الشريعة في هذه المسألة واستدلالهم عليها، فرأينا تقديم الكلام فيها على البحث في الموضوع.
أولا: الفرق بين الحاسب والمنجم: أن الحاسب: هو الذي يدعي معرفة الأوقات بمنازل القمر وسيره، والمنجم: هو الذي يزعم معرفة الأوقات والأحداث بسير الكواكب.
والتنجيم نوعان:
حسابي: وهو الذي يعرف به الأوقات؛ كطلوع الشمس، ودلوكها، وغروبها، ويعرف به كسوف الشمس، وخسوف القمر، وفصول السنة مثلا.
واستدلالي: وهو ما يزعمه المنجم من العلم بالحوادث التي ستقع في
(3/9)

المستقبل عن طريق معرفته بسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، وقد يعتقد أن لها تأثيرا في الأحداث، وهذا مع ما فيه من فساد العقيدة ليس من محل البحث.
ثانيا: الفرق بين الشهر القمري عند علماء الشريعة وعلماء النجوم والحساب: أن الشهر يبدأ عند علماء الشريعة من غروب شمس اليوم التاسع والعشرين إذا رئي الهلال بعد غروبها، أو كماله ثلاثين من تاريخ الرؤية السابقة إلى بدء الشهر الذي بعده بمثل هذا. فالمدار فيه على الرؤية بالفعل مع الغروب عند الجمهور، أو إمكان الرؤية عند جماعة من الفقهاء، ويبدأ عند علماء النجوم والحساب من ولادة القمر بمفارقته للشمس وتأخره عنها في السير إلى اجتماعه بها ولو كانت ولادته نهارا، فالعبرة عندهم بالافتراق والاجتماع، ولا يكون ذلك إلا مرة واحدة في كل شهر قمري.
وبهذا يتبين: أن بدءه عند علماء الشريعة ونهايته لا يكون إلا بغروب الشمس، بخلاف بدئه ونهايته عند علماء النجوم والحساب، فإنه قد يكون نهارا أو ليلا.
ثالثا: للهلال عند علماء النجوم ثلاث حالات:
حال يقطع فيها بوجوده وبإمكان رؤيته، وحال يقطع فيها بوجوده وبامتناع رؤيته، وحال يقطع فيها بوجوده واحتمال رؤيته، وهذا راجع إلى بعده من الشمس وقربه منها عند الغروب، بعد مفارقته إياها.
(3/10)

أقوال العلماء
في اعتبار كلام علماء النجوم والحساب في إثبات الأهلة
1 - اتفق الفقهاء على أنه لا يعتبر في ابتداء الشهر القمري مجرد ولادة القمر بمفارقته للشمس نهارا أو ليلا، وإنما يعتبر في ابتدائه غروب الشمس إذا رئي بعد غروبها بالفعل على رأي الجمهور، أو أمكنت رؤيته لولا المانع عند بعض الفقهاء؛ خلافا للمنجمين والحساب، حيث اعتبروا ولادته ليلا أو نهارا ابتداء للشهر، وقال بعض المعاصرين: أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس ولو بلحظة واحدة، فيجب إثبات الأهلة عنده بالحساب في كل الأحوال إلا لمن استعصى عليه العلم به.
2 - ذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب منهم: مالك، والثوري، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وعامة أهل الحديث ـ إلى اعتبار رؤية الهلال بالشهور القمرية ابتداء أو انتهاء في الصحو أو كمال العدة ثلاثين يوما، فإن حال دون رؤيته سحاب وجب إكمال العدة ثلاثين أيضا، إلا في رواية عن أحمد بجعل شعبان تسعة وعشرين يوما، واعتبار ليلة الثلاثين منه أول رمضان؛ احتياطا للصوم، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين.
ومنشأ الخلاف بينهم في ذلك: احتياطهم في الغيم خاصة للصيام واختلافهم في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فاقدروا له (1) » ، ففسره
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/11)

الجمهور بما ورد في الرواية الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلم «فأكملوا العدة ثلاثين (1) » ، وقال أحمد: معناه: فضيقوا؛ أخذا من قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (2) ومن قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} (3) فيقدر وجود الهلال وراء السحاب، وبذلك يعتبر شعبان ثلاثين يوما، ولم ير هؤلاء جميعا الاعتماد في ثبوت الشهور القمرية على علم النجوم والحساب، وألغوا قولهم بالكلية، فلو قال المنجمون والحساب: إن الهلال لا تمكن رؤيته، أو رئي قبل طلوع شمس اليوم التاسع والعشرين، أو غاب ليلة الثالث من تاريخ الرؤية قبل دخول وقت العشاء ـ لم يعول على قولهم في ذلك، ولا يعتد به معارضا لما ثبت بالرؤية.
وذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وابن قتيبة وأبو العباس بن سريج والقفال والقاضي أبو الطيب ومحمد بن مقاتل الرازي والقشيري والسبكي ـ إلى اعتبار قول علماء النجوم والحساب في جواز الصوم أو وجوبه على خلاف بينهم إذا كان هناك غيم أو نحوه ليلة الثلاثين، وعلم بالحساب تأخر الهلال عن الشمس عند غروبها مقدارا تمكن معه رؤيته لولا المانع.
ثم اختلفوا: هل يجوز لمن علم ذلك فقط بالحساب أن يصوم أو يجوز له ولمن صدقه وقلده، أو يجب عليه وحده الصوم، أو يجب عليه وعلى من قلده؟ إلى غير هذا من الخلاف في فروع المسألة.
وقالوا: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فاقدروا له (4) » قدروا له منازل القمر وسيره، أو
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1907) .
(2) سورة الأنبياء الآية 87
(3) سورة الطلاق الآية 7
(4) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/12)

سير الكواكب؛ لتعرفوا وجوده أو عدمه، وإمكان رؤيته لولا المانع أو عدم إمكان رؤيته. قال النووي في [المجموع]ـ بعد أن ذكر خلاف العلماء في اعتبار الحساب وإثبات الأهلة وعدم اعتباره وجواز الصوم بذلك أو وجوبه أو منعه، وما يترتب على ذلك من إجزاء صوم من صام بالحساب عن الفريضة وعدم إجزائه ـ ما نصه:
(فحصل في المسألة خمسة أوجه:
أصحها: لا يلزم المنجم ولا الحاسب ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
والثالث: يجوز للحاسب، ولا يجوز للمنجم.
والرابع: يجوز لهما ولغيرهما تقليدهما.
والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم) اهـ.
وليس يعنينا هنا ما ترتب على أصل الخلاف من تفريغ إجزاء صوم من صام عن فريضته أو عدم إجزائه عنها وإنما يعنينا هنا أصل الخلاف في اعتبار الحساب في إثبات الأهلة وعدم اعتباره، وأدلة كل قول، ثم بالتفريع والتطبيق يعرف حكم الجزيئات والفروع؛ لذا اكتفينا بذكر أصل الخلاف.
(3/13)

أدلة الأقوال ومناقشتها
أولا: أدلة من يقول بإثبات الشهور القمرية برؤية الهلال فقط:
أ - استدل الجمهور بأحاديث إثبات الهلال بالرؤية، ففيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم للرؤية والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا
(3/13)

لرؤيته (1) » ، ونهى عن كل منهما عند عدمها في قوله: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (2) » ، وأمرهم إذا كان غيم أو نحوه ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة ثلاثين، ولم يأمرهم بالحساب، ولا بالرجوع إلى الحساب، بل حصر بطريق النفي والإثبات الشهر بالرؤية، فدل على أنه لا اعتبار شرعا لما سواها في إثبات الأهلة، وهذا تشريع من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عام للحاضر والباد، أبدا إلى يوم القيامة، ولو كان هناك أصل آخر للتوقيت لأوضحه لعباده؛ رحمة بهم، وما كان ربك نسيا.
واعترض عليه: بأن تعليق الحكم بثبوت رمضان والخروج منه بالرؤية معلل بوصف الأمة بأنها أمة أمية لا تحسب ولا تكتب، وقد زال عنها وصف الأمية بكثرة علماء النجوم وحساب منازل القمر، فيزول تعليق الحكم بالرؤية أو بخصوص الرؤية، ويعتبر الحساب وحده أصلا أو يعتبر أصلا آخر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
وأجيب أولا: بأن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائما اليوم بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر في الأغلب والكثير منها، كما كان قائما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرون الأولى في الأغلب منها بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر، فقد كان العلم بذلك معروفا عند العرب، لكن العارفون به قلة، كما أن العارفين به اليوم قلة بالنسبة لغيرهم، ومع ذلك لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون أمر المسلمين اليوم في هذا الحكم على ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأجيب ثانيا: بأن الرؤية أمر عام؛ لتيسرها لسواد الأمة ومعظمها، فكان تعليق حكم صوم الشهر والإفطار منه بها أيسر للأمة، وأوفق بمقاصد
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1909) ، صحيح مسلم الصيام (1081) ، سنن الترمذي الصوم (684) ، سنن النسائي الصيام (2117) ، سنن ابن ماجه الصيام (1655) ، مسند أحمد بن حنبل (2/497) ، سنن الدارمي الصوم (1685) .
(2) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/14)

الشريعة، فإنها الحنيفية السمحة، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب، والعلماء به قليل بالنسبة لسواد الأمة، فإنه يلزمهم ما لا يخفى من الحرج الذي يتنافى مع مقاصد الشريعة.
واعترض عليها أيضا: بأن لفظ الرؤية وإن كان خاصا حسب ظاهره بما يكون بالبصر فإن معناه عام، إذا القصد العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال مفارقا للشمس بعد اجتماعه بها وتأخره عنها بعد الغروب أو بوجوده مع إمكان رؤيته، لا خصوص الرؤية بالبصر، فإن الرؤية اعتبرت لكونها وسيلة للعلم أو غلبة الظن، وهذا لا يمنع من أن تكون هناك وسيلة أخرى في معناها يعرف بها وجود الهلال فقط، أو وجوده مع إمكان رؤيته، فإذا وجدت اعتبرت، وقد تحقق هذا في علم النجوم ومنازل القمر.
ويمكن أن يجاب: بأن الرؤية في الحديث بصرية؛ لتعديها لمفعول واحد، ولأن الصحابة فهموا ذلك، وجرى عليه العمل في عهدهم، ولو كان معنى الرؤية أوسع من لفظها لكان الصحابة أفهم له منا، ولرجعوا عند الحاجة إلى الحساب؛ لوجودهم بين أظهرهم، وإن كانوا قلة.
قال ابن بزيزة: نهت الشريعة عن الخوض في علوم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع، ولا ظن غالب، مع أنها لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر، إذ لا يعرفها إلا القليل.
وقال ابن بطال وغيره: معنى الحديث: إننا لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم.
2 - واستدلوا أيضا: بقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1)
__________
(1) سورة البقرة الآية 189
(3/15)

قال ابن تيمية رحمه الله: فجعل الله تعالى الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة في الشرع ابتداء أو سببا من العبادة، وللأحكام التي تثبت بشروط العبد، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة، وخص الحج بالذكر؛ تمييزا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علما على الحول، كما كان الهلال علما على الشهر، ولهذا يسمون الحول حجة. اهـ. بتصرف.
لكن توجيه الاستدلال بالآية مجمل؛ ولذلك يمكن للمخالف أن يقول: الأهلة مواقيت للناس والحج عن طريق معرفة وجود الهلال بحساب النجوم ومنازل القمر، كما يحتمل أن تكون مواقيت عن طريق رؤية الهلال بالبصر، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، وإذا لا بد من الرجوع في الاستدلال بالآية إلى الأحاديث التي أوضحت أن ثبوت الشهر القمري إنما هو برؤية الهلال وألغت اعتبار ما سواه، كما تقدم في الدليل الأول.
3 - واستدلوا أيضا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإكمال العدة ثلاثين، إذا كان غيم أو نحوه مما يمنع عادة من رؤية الهلال، ولم يأمرهم بالحساب ولا بالرجوع إلى الحساب، ولو كان علم النجوم أو حساب سير القمر معتبرا شرعا وأصلا يرجع إليه ـ لعرفهم به، وأرشدهم إليه، إذ لا يجوز تأخير
(3/16)

البيان عن وقت الحاجة.
واعترض عليه: بأن في الحديث أمرا بالرجوع إلى الحساب إذا كان غيم ليلة الثلاثين، فإن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فاقدروا له (1) » : فإن حال دون الهلال سحاب أو نحوه فاقدروا منازل القمر وسير الكواكب، واعرفوا لحساب ذلك مفارقته الشمس بعد اجتماعه بها، وتأخره عنها بعد غروبها هذه الليلة.
وأجيب أولا: بأن تفسير هذه الرواية بما ورد في الرواية الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلم: «فأكملوا العدة الثلاثين (2) » يرد تفسيره بما ذكره المعترض.
وثانيا: بأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وخطابه للأمة يحمل على معهود العرب في كلامهم وخطابهم، ولم يعهد من الصحابة الرجوع إلى الحساب، ولا كان من عادتهم ذلك، فحمل كلامه على الأمر بتقدير سير الكواكب أو القمر بعيد عما ألف لديهم، وعما جرى به العمل عندهم.
4 - واستدلوا أيضا: بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب (3) » . . . الحديث.
قالوا: فلو جعل علم النجوم وحساب سير القمر ومعرفة منازله أصلا، يرجع إليه في بدء شهر الصوم ونهايته، وبدء شهر الحج ـ لكان فيه حرج ومشقة، والشريعة الإسلامية شريعة سمحة بنيت على التيسير ورفع الحرج، فلا تعلق أحكامها بما يشق على المسلمين معرفته؛ كعلم النجوم والحساب.
واعترض عليه بما تقدم في الاعتراض على الدليل الأول: من أن وصف الأمية قد زال؛ لكثرة علماء النجوم، وحساب منازل القمر، والحكم يدور
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(2) صحيح البخاري الصوم (1907) .
(3) صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43) .
(3/17)

مع علته وجودا وعدما، فوجب اعتبار علم النجوم والحساب فقط، أو اعتباره أصلا آخر في معرفة الشهور والسنين القمرية.
وأجيب عنه بما تقدم: قال ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث الاعتماد على الرؤية فقط في إثبات الشهور القمرية: (فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور:
أحدها: أن قوله: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب (1) » هو خبر تضمن نهيا، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط، أمية لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة، فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنهما، وهذا كقوله «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (2) » أي: هذه صفة المسلم، فمن خرج عنها خرج عن الإسلام، ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض) (3) .
ثم رد احتمال أن تكون هذه الجملة خبرا أريد به الإنشاء مجازا، وأن تكون خبرا محضا، واختار أن تكون خبرا حقيقة استلزم نهيا عن الاعتماد على كتابة الجداول وعلى حساب سير الكواكب؛ لمعرفة مواقيت العبادات ونحوها، وبين متى تكون الأمية محمودة ومتى تكون مذمومة.
ثم قال: (إذا تبين هذا فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب، كما
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43) .
(2) صحيح البخاري الإيمان (10) ، صحيح مسلم الإيمان (40) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (4996) ، سنن أبو داود الجهاد (2481) ، مسند أحمد بن حنبل (2/192) ، سنن الدارمي الرقاق (2716) .
(3) انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\164، 165)
(3/18)

قدمناه، فإن من كتب مسير الشمس والقمر بحروف (أبجد) ونحوها، وحسب كم مضى من مسيرها، ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار، ومتى يتقابلان ليلة الإبدار ونحو ذلك، فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة إلا ضبط المواقيت التي يحتاج إليها الناس في تحديد الحوادث والأعمال، ونحو ذلك، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم، فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب - كما يفعلونه بالجداول، أو بحروف الجمل، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر، ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الأوسط، حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار، وغير ذلك، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب، ولا نحسب هذا الحساب، فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه.
وقد قدمنا فيما تقدم: أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عاما، فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: "الشهر ثلاثون" و"الشهر تسعة وعشرون" بين أن المراد به: أنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط، ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه، فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر، وإنما يقربون ذلك، فيصيبون تارة، ويخطئون أخرى) (1) .
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\ 173، 174) .
(3/19)

5 - واستدلوا أيضا: بإجماع الأمة قبل وجود المخالفين على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور دون الحساب، فلم يعرف أن أحدا منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، وأما في الصحو فلم يعرف عن مسلم أنه قال باتباع الحساب في إثبات الأهلة، أو بتعليق عموم الحكم العام به (1) .
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\133) من (رسالة الهلال) .
(3/20)

ثانيا: أدلة من يعتبر الحساب في إثبات الشهور القمرية:
1 - استدل من اعتبر الحساب في إثبات الشهر: بأن الله تعالى جعل الشمس والقمر والنجوم آيات للناس، وامتن بذلك على عباده، ولفت النظر إلى الاعتبار بها والانتفاع بأحوالها وبجريانها بحساب لا خلل فيه ولا اضطراب، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (1) وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (2) وقال: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} (3) فإذا علم جماعة بالحساب وجود الهلال يقينا بعد غروب شمس التاسع والعشرين وتأخره عنها أو وجوده مع إمكان رؤيته لولا المانع، وأخبرنا عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر- وجب قبول خبرهم؛ لبناء علمهم على الحس والمشاهدة، ولأنهم لا يمكنهم التواطؤ على
__________
(1) سورة يونس الآية 5
(2) سورة الإسراء الآية 12
(3) سورة الرحمن الآية 5
(3/20)

الكذب؛ لبلوغ المخبرين منهم عدد التواتر، وعلى تقدير أن عددهم لم يبلغ مبلغ التواتر فخبرهم يفيد غلبة الظن بوجود الهلال، أو وجوده مع إمكان رؤيته بعد غروب الشمس، وغلبة الظن كافية لبناء العمل عليها، فوجب قبول قولهم، والتسليم لهم في التوقيت في العبادات والمعاملات.
وأجيب: بأنا نسلم أن الشمس والقمر والنجوم آيات للناس، وأن الاعتبار بها والانتفاع بالتفكير في أحوالها وفي جريانها بنظام واجب؛ لنجد في ذلك من الدلائل ما ينير القلوب، ويثبت العقيدة الصحيحة، ويبعث في النفوس الطمأنينة إلى ربها، ونعتبر بما نراه من مشاهد الكون وعجائبه، لكنه سبحانه لم يكلفنا بمعرفة حساب سيرها؛ لنعرف منه مواقيت عباداتنا ومعاملاتنا، وليكون علما على تجديدها؛ رحمة منه تعالى بعباده، فإن حساب سيرها خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، ومع ذلك يكثر فيه الغلط والاضطراب، فأناط الشارع التكاليف بعلامات أخرى؛ كرؤية الهلال، وطلوع الشمس وغروبها، ومغيب الشفق، وانفلاق الفجر ونحوها مما يظهر لعامة الناس ويضبطون به مواقيت عباداتهم، وآجال معاملاتهم ومواعيدهم، وبذلك يعرف عدد السنين والشهور والأيام، لا بحساب سير الكواكب.
أما علم جماعة من الحساب وجود الهلال يقينا على الحال التي ذكر المستدل لبناء علمهم على الحس والمشاهدة - فممنوع؛ لوجود الاختلاف والاضطراب في حسابهم، وهذا مما يدل على غلطهم، وليس علمهم الحساب مبنيا على حس ومشاهدة، إذ المشاهد الذي أحسوه إنما هو أجرام الكواكب، أما تقدير سيرها فمن عمل العقل لا الحس، وكثيرا ما يقع فيه
(3/21)

الخطأ والاضطراب، وعلى ذلك يكون إخبار عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر لا يفيد القطع واليقين بصحة ما أخبروا به؛ لأن من شرط إفادة المتواتر للقطع انتهاءه إلى الحس، وهؤلاء يستندون في خبرهم إلى تقدير سير الكواكب وحسابه، وهو عقلي لا يؤمن وقوع الغلط فيه، كما وقع في أخبار الفلاسفة بقدم العالم. ثم إعراض الشارع عنه دليل على إلغائه وعدم صلاحيته، وأنه لا يفيد ظنا غالبا، بل ينتهي بهم إلى خرص وتخمين في حسابهم وأحكامهم.
وإليكم جملة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (رسالة الهلال) (1) .
قال رحمه الله بعد بيان رأي من يعتمد في معرفة أول رمضان على معرفة رابع رجب في السنة أو معرفة خامس رمضان في العام السابق، أو يعتمد على جدول حسابي يصنعه لنفسه أو يصنعه غيره:
(وأما الفريق الثاني فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أن قوله: «فاقدروا له (2) » تقدير حساب بمنازل القمر، وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ منه العلم إلا وجدته يأكل، إلا رجلا كان يحسب ويأخذ الحساب، ولو لم يعلمه كان خيرا له، وقد قيل: إن الرجل: مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو رجل جليل القدر، إلا أن هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء.
وقد حكي هذا القول عن أبي العباس ابن سريج أيضا. وحكاه بعض المالكية عن الشافعي: أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (25\181-186) .
(2) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/22)

ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة، وغم عليه - جاز له أن يعتقد الصيام - ويبيته ويجزئه، وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه، بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة، وإنما كان قد حكي عن ابن سريج - وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي - نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائل بنصر مذهبه.
واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد، مع أن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب (1) » ، فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب. وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلا، بل أية طريقة سلكوها فإن الخطأ واقع فيها أيضا، فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما، بل لا يمكن أن يكون إلى معرفته طريق مطرد إلا الرؤية، وقد سلكوا طرقا كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد، وإنما هو تقريب، مثل أن يقال: إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام، وإن لم ير صبيحة ثمان وعشرين فهو ناقص. وهذا بناء على أن الاستسرار لليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى.
وهذا الذي قالوه إنما هو بناء على أنه كل ليلة لا يمكث في المنزلة إلا ستة أسباع ساعة لا أقل ولا أكثر، فيغيب ليلة السابع نصف الليل ويطلع ليلة أربعة عشر من أول الليل إلى طلوع الشمس، وليلة الحادي والعشرين يطلع من نصف الليل، وليلة الثامن والعشرين إن استسر فيها نقص وإلا كمل، وهذا غالب سيره، وإلا فقد يسرع ويبطئ.
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43) .
(3/23)

وأما العقل (1) : فاعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة، أو لا يرى البتة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك، أو لا يمكن بعض الأوقات؛ ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم، والهند، والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء، ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفا واحدا، ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام: مثل: كوشيار الديلمي، وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروزي القطان وغيره، وقالوا: إنه تشوق بذلك عند المسلمين، وإلا فهذا لا يمكن ضبطه.
ولعل من دخل في ذلك منهم كان مرموقا بنفاق، فما النفاق من هؤلاء ببعيد، أو يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال، ممن يحسن ظنه بالحساب، مع انتسابه للإسلام.
وبيان امتناع ضبط ذلك: أن الحاسب إنما يقدره على ضبط شبح الشمس والقمر، وجريهما أنهما يتحاذيان في الساعة الفلانية في البرج الفلاني في السماء المحاذي للمكان الفلاني من الأرض، سواء كان الاجتماع من ليل أو نهار وهذا الاجتماع يكون بعد الاستسرار، وقبل الاستهلال، فإن القمر يجري في منازله الثمانية والعشرين، كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستسر ليلة أو ليلتين؛ لمحاذاته لها، فإذا
__________
(1) معطوف على قوله قبل: أما السمع.
(3/24)

خرج من تحتها جعل الله فيه النور ثم يزداد النور، كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الإبدار، ثم ينقص كلما قرب منها، إلى أن يجامعها؛ ولهذا يقولون: الاجتماع والاستقبال، ولا يقدرون أن يقولوا: الهلال وقت المفارقة على كذا. يقولون: الاجتماع وقت الاستسرار، والاستقبال وقت الإبدار.
ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر وظهوره في أوله، وكمال نوره في وسطه، والحساب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار، فإن هذا يضبط بالحساب.
وأما الإهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط؛ لأنه لا يضبط بحساب يعرف كما يعرف وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله التي جعل لها إلا عند الاستسرار، إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة؛ وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة مضبوطة؛ لتحول الأرض بينه وبين الشمس فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد أن ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لا بد أن يطلع الهلال، وإنما يقع الشك ليلة الثلاثين.
فنقول: الحاسب غاية ما يمكنه إذا صح حسابه أن يعرف مثلا أن القرصين اجتمعا في الساعة الفلانية، وأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها القمر، إما بعشر درجات مثلا، أو أقل أو أكثر، والدرجة هي جزء من ثلاثمائة وستين جزءا من الفلك.
(3/25)

فإنهم قسموه اثني عشر قسما سموها: (الداخل) : كل برج اثنتا عشرة درجة، وهذا غاية معرفته، وهي بتحديد كم بينهما من البعد في وقت معين في مكان معين. هذا الذي يضبطه بالحساب.
أما كونه يرى أولا يرى فهذا أمر حسي طبيعي، ليس هو أمرا حسابيا رياضيا، وإنما غايته أن يقول: استقرأنا: أنه إذا كان على كذا وكذا درجة يرى قطعا أو لا يرى قطعا - فهذا جهل وغلط، فإن هذا لا يجري على قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفي والإثبات، بل إذا كان بعده مثلا عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية من وجوه.
ثم ذكر اختلاف الرؤية باختلاف حدة البصر وكلاله، وباختلاف كثرة المترائين وقلتهم، وباختلاف مكان الترائي ارتفاعا وانخفاضا، وباختلاف وقت الترائي، وباختلاف صفاء الجو وكدره، ثم قال: (فإذا كانت الرؤية حكما تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلا في حساب الحاسب، فكيف يمكنه مع ذلك أن يخبر خبرا عاما أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع أو ثمان درجات أو تسع، أم كيف يمكنه أن يخبر خبرا جزما أنه يرى إذا كان على تسعة أو عشرة مثلا؟ !) (1) إلى أن قال: (فتبين بهذا البيان: أن خبرهم بالرؤية من جنس خبرهم بالأحكام وأضعف) .
وبعد أن ذكر اعتراف حذاق المنجمين بأن أحكامهم مبناها على الحدس والوهم قال: (فتبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام من باب
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\186- 190) .
(3/26)

واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك، ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة؛ ولهذا قال من قال: إن كلام هؤلاء بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وأن بعض الظن إثم ولقد صدق، فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه في حساب الدقائق والثواني كان غايته ما لا يفيد، وإنما تعبوا عليه؛ لأجل الأحكام، وهي ظنون كاذبة) (1) اهـ.
2 - واستدلوا ثانيا: برجوع الفقهاء إلى أهل الخبرة في كثير من شئونهم، فنراهم يرجعون إلى الأطباء في جواز فطر المريض في رمضان، ويرجعون إلى علماء اللغة في فهم نصوص الكتاب والسنة، ورجعوا في تقدير مدة التأجيل في العنين والمعترض وتقدير سن اليأس- إلى الحساب، إلى غير هذا من أمور، فيجب عليهم أن يرجعوا في بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى حساب النجوم ومنازل القمر.
وأجيب: بوجود الفرق بين الرجوع إلى علماء الحساب والرجوع إلى الأطباء وعلماء اللغة فيما يخصهم.
وبيانه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في مسألتنا الرجوع إلى رؤية الأهلة ومنع الاعتماد على غيرها، فقال: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (2) » ، ولم يمنع من الرجوع إلى الأطباء في تشخيص الأمراض وتقدير خطورتها وعلاجها، ولم يمنع من الرجوع إلى اللغة في فهم النصوص، بل
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\200- 201) .
(2) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/27)

أقر ذلك وجرى العمل عليه في عهده وعهد الصحابة، وكيف تفهم نصوص القرآن والسنة بدون اللغة العربية، وهي الوسيلة الوحيدة لذلك، أما ادعاء رجوع الفقهاء في تقدير مدة التأجيل فيما ذكر وفي تقدير سن اليأس إلى الحساب- فممنوع إن أريد به حساب النجوم ومنازل القمر وسيره، ومسلم إن أريد به الرجوع في تقدير ما ذكر إلى عد الشهور القمرية بناء على رؤية أهلتها، ويتبع هذا معرفة السنين، فإن السنة اثنا عشر شهرا بنص القرآن، وأما معرفة الأيام فراجعة إلى أمر حسي هو طلوع الشمس وغروبها.
وبهذا يتبين: أن الشرع لم يدلهم في ضبط شئونهم على أمر خفي، كحساب سير النجوم، بل دلهم على أمر ظاهر عام؛ كالرؤية، وطلوع الشمس وغروبها ودلوكها.
3 - واستدلوا أيضا: بقياس التوقيت في ثبوت شهر الصوم ابتداء وانتهاء على توقيت الصلوات الخمس، فكما جاز الاعتماد في معرفة أوقات الصلوات الخمس على الحساب فليجز الاعتماد عليه في معرفة وقت ابتداء صوم رمضان والفطر منه جملة، بل يجب عليهم أن يرجعوا إلى علماء حساب النجوم ومنازل القمر في بدء الشهور القمرية ونهايتها، كما رجعوا إلى الساعات الفلكية واعتمدوا عليها في معرفة الأوقات في البلاد التي يكون الليل أو النهار فيها أكثر من أربع وعشرين ساعة.
وأجيب: بما حكاه السبكي عن المانعين:
أولا: أن الشارع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال الله تعالى:
(3/28)

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} (1) وفصلت السنة ذلك، وأناطه في الهلال برؤيته، فلم يعتبر وجوده في نفس الأمر.
وثانيا: أن مقدمات الهلال خفية، ويكثر الغلط فيها، بخلاف الأوقات، ولا محذور في أن الهلال يعرف بالحساب وجوده وإمكان رؤيته، ولا يكلفنا الشرع بحكمه، ولو عمل في الأوقات كذلك كان الحكم كذلك، لكنه أناطه بوجودها فاتبعنا في كل باب ما قرره الشرع فيه.
وأما من يستمر الليل أو النهار عندهم أربعا وعشرين ساعة فأكثر فالصوم والصلوات واجبة عليهم، وأوقاتها في هذه البلاد منوطة بأوقات الصوم والصلوات في أقرب البلاد التي تتميز فيها مواقيت العبادات إليهم، وكذا تقدير مدة الإيلاء والعدة والآجال ونحوها.
4 - واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (2) إذ المعنى: فمن علم منكم دخول شهر رمضان بوجود الهلال بالأفق بعد غروب الشمس متأخرا عنها - وجب عليه الصوم، سواء أكان علمه بذلك عن طريق الرؤية أم عن طريق الحساب، مع إمكان الرؤية لولا المانع، وسواء أكان علمه بنفسه أم بإخبار غيره ممن يثق بخبره، وسواء أبلغ ذلك حد اليقين أم كان غلبة ظن.
وأجيب: بأن الشهود بمعنى: الحضور لا العلم، بدليل ذكر مقابله بعده، وهو قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (3)
__________
(1) سورة الإسراء الآية 78
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) سورة البقرة الآية 185
(3/29)

وعلى تقدير تفسيره بالعلم - كما قيل- لم يكن في الآية حجة للمستدل؛ لأن المراد بالعلم: ما كان مستفادا من طريق الرؤية لا الحساب؛ لتعليق الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم والإفطار بالرؤية خاصة، ولجريان العمل على هذا خاصة، كما تقدم في أدلة من لا يعتبر علم الحساب في العبادات ونحوها.
5 - واستدلوا أيضا: بأن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان الاعتماد عليه في إثبات الأهلة ونحوها عند تيسره أقرب إلى الصواب في التوقيت، وأضمن لتحقيق الوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم، وأبعد عن الخلاف في معاملاتهم.
ويجاب بما تقدم: من أن اليقين في رؤيتهم للكواكب في السماء أو سماعهم بذلك، أما تقدير سيرها فعقلي عسير بعيد المنال وعر المسلك لخفائه؛ لهذا لم يعرفه إلا القليل، ووقع فيه الغلط والاضطراب فليس أقرب إلى الصواب، بل إنه لا يصلح الاعتماد عليه في إثبات الأهلة، وما وقع ويتوقع من الغلط ومن الاختلاف والاضطراب يمنع من تحقيقه للوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم ويبعد رفع الخلاف بينهم في المعاملات.
وأما ما ذهب إليه بعض المعاصرين من وجوب إثبات الأهلة بالحساب في كل الأحوال من صحو وغيم، إلا لمن استعصى عليه العلم به - فمردود بالإجماع، وبما تقدم من الأدلة.
(3/30)

قال ابن تيمية: (فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) . (1) .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
من أهم مراجع هذا البحث
1 -[المجموع] للنووي.
2 -[رسالة الهلال] لابن تيمية.
3 -[الموافقات] للشاطبي.
4 - البحث التاسع من [مجموع رسائل الشيخ محمد بخيت المطيعي] .
5 -[رسالة ابن عابدين في الأهلة] .
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\133) .
(3/31)

قرار رقم (2)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب المقام السامي رقم (22451) وتاريخ 6\11\1391هـ المتضمن إحالة موضوع الأهلة إلى هيئة كبار العلماء نظرا إلى أن الموضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في 15 شعبان عام 1391هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس، قررت الموافقة على القول: بعدم اعتبار اختلاف المطالع، إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي رأى التريث في الأمر، وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع.
بناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان عام 1392هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين:
أ- حكم اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
ب- حكم إثبات الهلال بالحساب.
وكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة المنعقدة في شهر شعبان عام 1391هـ، ومرفقه بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع. وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه، قرر ما يلي:
أولا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسا
(3/32)

وعقلا، ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه.
ثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجرا لاجتهاده.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره.
واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد، كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1) وبقوله صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته (2) » . . . الحديث وذلك لاختلاف الفهم في النص، وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به.
وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرا لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها. وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنا لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة
__________
(1) سورة البقرة الآية 189
(2) صحيح البخاري الصوم (1909) ، صحيح مسلم الصيام (1081) ، سنن الترمذي الصوم (684) ، سنن النسائي الصيام (2117) ، سنن ابن ماجه الصيام (1655) ، مسند أحمد بن حنبل (2/497) ، سنن الدارمي الصوم (1685) .
(3/33)

الأمية على رؤية واحدة - فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.
ثالثا: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب:
فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم- فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته (1) » الحديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (2) » الحديث.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... رئيس الدورة ... .
محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي ... محضار عقيل
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... .
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1909) ، صحيح مسلم الصيام (1081) ، سنن الترمذي الصوم (684) ، سنن النسائي الصيام (2117) ، سنن ابن ماجه الصيام (1655) ، مسند أحمد بن حنبل (2/497) ، سنن الدارمي الصوم (1685) .
(2) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/34)

قرار رقم (34) وتاريخ 14\2\1395هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء رقم (4680) وتاريخ 23\2\1394هـ المتضمن: أمر جلالة الملك بإحالة خطاب أمين عام هيئة الدعوة والإرشاد في (سورابايا) بشأن توحيد مواقيت الصلاة والصوم والحج إلى هيئة كبار العلماء، وإشارة لخطاب سعادة وكيل وزارة الخارجية رقم (300\5\6 \855\3) في 15\1\1394هـ ومشفوعاته: ما تبلغته سفارة جلالة الملك في الجزائر من وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية من وثائق حول الاعتماد على الحساب الفلكي لتحديد مواقيت العبادات.
وبناء على المحضر رقم (7) من محاضر الدورة الخامسة لمجلس هيئة كبار العلماء المشتمل على إعداد قرار مدعم بالأدلة يعرض على الهيئة في دورتها السادسة لإقراره.
وبعد دراسة المجلس للقرارات والتوصيات والفتاوى والآراء المتعلقة بهذا الموضوع وإعادة النظر في البحث الذي سبق أن أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع توحيد أوائل الشهور القمرية، والاطلاع على القرار الصادر من الهيئة في دورتها الثانية برقم (2) وتاريخ 13\2\1393هـ ومداولة الرأي في ذلك كله- قرر ما يلي:
(3/35)

أولا: أن المراد بالحساب والتنجيم هنا معرفة البروج والمنازل، وتقدير سير كل من الشمس والقمر وتحديد الأوقات بذلك؛ كوقت طلوع
(3/35)

الشمس ودلوكها وغروبها، واجتماع الشمس والقمر وافتراقهما، وكسوف كل منهما، وهذا هو ما يعرف بـ (حساب التسيير، وليس المراد بالتنجيم هنا الاستدلال بالأحوال الفلكية على وقوع الحوادث الأرضية؛ من ولادة عظيم أو موته، ومن شدة وبلاء، أو سعادة ورخاء، وأمثال ذلك مما فيه ربط الأحداث بأحوال الأفلاك علما بميقاتها، أو تأثيرا في وقوعها من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله، وبهذا يتحرر موضوع البحث.
(3/36)

ثانيا: أنه لا عبرة شرعا بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءا وانتهاء بإجماع ما لم تثبت رؤيته شرعا، وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات، ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله.
(3/36)

ثالثا: أن رؤية الهلال هي المعتبرة وحدها في حالة الصحو ليلة الثلاثين في إثبات بدء الشهور القمرية وانتهائها بالنسبة للعبادات فإن لم ير أكملت العدة ثلاثين بإجماع.
أما إذا كان بالسماء غيم ليلة الثلاثين: فجمهور الفقهاء يرون إكمال العدة ثلاثين؛ عملا بحديث: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (1) » ، وبهذا تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ: «فاقدروا له (2) » . وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه، وبعض أهل العلم إلى اعتبار شعبان في حالة الغيم تسعة وعشرين يوما احتياطا لرمضان، وفسروا رواية: «فاقدروا له (3) » : بضيقوا، أخذا من قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} (4) أي: ضيق عليه رزقه.
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1907) .
(2) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(4) سورة الطلاق الآية 7
(3/36)

وهذا التفسير مردود بما صرحت به رواية الحديث الأخرى الواردة بلفظ: «فاقدروا له ثلاثين (1) » ، وفي رواية أخرى: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (2) » .
وحكى النووي في شرحه على صحيح مسلم لحديث: «فإن غم عليكم فاقدروا له (3) » عن ابن سريج وجماعة، ومنهم مطرف بن عبد الله - أي: ابن الشخير - وابن قتيبة وآخرون- اعتبار قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري ابتداء وانتهاء، أي: إذا كان في السماء غيم.
وقال ابن عبد البر: روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه، ولو صح ما وجب اتباعه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب. ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعي، ثم قال ابن عبد البر: والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه وجمهور العلماء خلافه. انتهى.
وبهذا يتضح: أن محل الخلاف بين الفقهاء إنما هو في حال الغيم وما في معناه. وهذا كله بالنسبة للعبادات، أما بالنسبة للمعاملات فللناس أن يصطلحوا على ما شاءوا من التوقيت.
__________
(1) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن أبو داود الصوم (2320) .
(2) صحيح البخاري الصوم (1909) .
(3) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/37)

رابعا: أن المعتبر شرعا في إثبات الشهر القمري هو رؤية الهلال فقط دون حساب سير الشمس والقمر لما يأتي:
أ - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته (1) » ، وحصر ذلك فيها بقوله: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (2) » ، وأمر المسلمين إذا كان غيم ليلة
__________
(1) صحيح البخاري الصوم (1909) ، صحيح مسلم الصيام (1081) ، سنن الترمذي الصوم (684) ، سنن النسائي الصيام (2117) ، سنن ابن ماجه الصيام (1655) ، مسند أحمد بن حنبل (2/497) ، سنن الدارمي الصوم (1685) .
(2) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/37)

الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم، ولو كان قولهم أصلا وحده أو أصلا آخر في إثبات الشهر- لأمر بالرجوع إليهم، فدل ذلك على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (1) ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية - مردودة؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصرية لا علمية، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة، وجرى العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهدهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولا يصح أيضا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «فإن غم عليكم فاقدروا له (2) » أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية: «فاقدروا له ثلاثين (3) » وما في معناه، ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم، والحديث قيد القدر له بحالة الغيم.
ب - أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة، ودعوى زوال وصف الأمية في علم النجوم عن الأمة لو سلمت لا يغير حكم الشرع في ذلك.
ج - أن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحدا منهم رجع إليه في
__________
(1) سورة مريم الآية 64
(2) صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن أبو داود الصوم (2320) .
(3/38)

ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فلم يعرف عن أحد من أهل العلم أنه عول على الحساب في إثبات الأهلة أو علق الحكم العام به.
(3/39)

خامسا: تقدير المدة التي يمكن معها رؤية الهلال بعد غروب الشمس لولا المانع من الأمور الاعتبارية الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار أهل الحساب، وكذا تقدير المانع، فالاعتماد على ذلك في توقيت العبادات لا يحقق الوحدة المنشودة؛ ولهذا جاء الشرع باعتبار الرؤية فقط دون الحساب.
(3/39)

سادسا: لا يصح تعيين مطلع دولة أو بلد - كمكة مثلا - لتعتبر رؤية الهلال منه وحده، فإنه يلزم من ذلك أن لا يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من سكان جهة أخرى، إذ لم ير الهلال في المطلع المعين.
(3/39)

سابعا: ضعف أدلة من اعتبر قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري. ويتبين ذلك بذكر أدلتهم ومناقشتها:
أ- قالوا: إن الله أخبر بأنه أجرى الشمس والقمر بحساب لا يضطرب، وجعلهما آيتين وقدرهما منازل؛ لنعتبر، ولنعلم عدد السنين والحساب، فإذا علم جماعة بالحساب وجود الهلال يقينا وإن لم تمكن رؤيته بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو وجوده مع إمكان الرؤية لولا المانع، وأخبرنا بذلك عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر - وجب قبول خبرهم؛ لبنائه على يقين، واستحالة الكذب على المخبرين؛ لبلوغهم حد التواتر، وعلى تقدير أنهم لم يبلغوا حد التواتر وكانوا عدولا فخبرهم يفيد غلبة الظن، وهي كافية في بناء أحكام العبادات عليها.
(3/39)

والجواب: أن يقال: إن كونها آيات للاعتبار بها والتفكير في أحوالها للاستدلال على خالقها ومجريها بنظام دقيق لا خلل فيه ولا اضطراب، وإثبات ما لله من صفات الجلال والكمال - أمر لا ريب فيه.
أما الاستدلال بحساب سير الشمس والقمر على تقدير أوقات العبادات فغير مسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو أعلم الخلق بتفسير كتاب الله - لم يعلق دخول الشهر وخروجه بعلم الحساب، وإنما علق ذلك برؤية الهلال أو إكمال العدة في حال الغيم، فوجب الاقتصار على ذلك، وهذا هو الذي يتفق وسماحة الشريعة وسهولتها مع ما فيه من الدقة والضبط، بخلاف تقدير سير الكواكب فإن أمره خفي عقلي لا يدركه إلا النزر اليسير من الناس، ومثل هذا لا تبنى عليه أحكام العبادات.
ب - وقالوا: إن الفقهاء يرجعون في كثير من شئونهم إلى أهل الخبرة فيرجعون إلى الأطباء في فطر المريض في رمضان، وتقدير مدة التأجيل في العنين والمعترض، وإلى أهل اللغة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشئون، فليرجعوا في معرفة بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى علماء النجوم.
والجواب: أن يقال: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع إنما جاء بالرجوع إلى أهل الخبرة في اختصاصهم في المسائل التي لا نص فيها. أما إثبات الأهلة فقد ورد فيه النص باعتبار الرؤية فقط، أو إكمال العدة دون الرجوع فيه إلى غير ذلك.
ج- وقالوا: إن توقيت بدء الشهر القمري ونهايته لا يختلف عن توقيت الصلوات الخمس وبدء صوم كل يوم ونهايته، وقد اعتبر الناس حساب
(3/40)

المنازل علميا في الصلوات والصيام اليومي فليعتبروه في بدء الشهر ونهايته.
وأجيب: بأن الشرع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} (1) وقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (2) وفصلت السنة ذلك، وأناطت وجوب صوم رمضان برؤية الهلال ولم تعلق الحكم في شيء من ذلك على حساب المنازل، وإنما العبرة بدليل الحكم.
د- وقالوا: إن الله تعالى قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (3) إذ المعنى: فمن علم منكم الشهر فليصمه، سواء كان علم ذلك عن طريق رؤية الهلال مطلقا أو عن طريق علم حساب المنازل.
والجواب: أن يقال: إن معنى الآية: فمن حضر منكم الشهر فليصمه، بدليل قوله تعالى بعده: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (4) وعلى تقدير تفسير الشهود بالعلم، فالمراد: العلم عن طريق رؤية الهلال، بدليل حديث: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (5) » .
هـ- وقالوا: إن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان
__________
(1) سورة الإسراء الآية 78
(2) سورة البقرة الآية 187
(3) سورة البقرة الآية 185
(4) سورة البقرة الآية 185
(5) صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684) .
(3/41)

الاعتماد عليه في إثبات الشهور القمرية أقرب إلى الصواب وتحقيق الوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم.
وأجيب: بأن ذلك غير مسلم؛ لأن الحس واليقين في مشاهدة الكواكب لا في حساب سيرها، فإنه أمر عقلي خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، كما تقدم؛ لحاجته إلى دراسة وعناية، ولوقوع الغلط والاختلاف فيه، كما هو الواقع في اختلاف التقاويم التي تصدر في كثير من البلاد الإسلامية، فلا يعتمد عليه ولا تتحقق به الوحدة بين المسلمين في مواقيت عباداتهم.
ووقالوا: إن تعليق الحكم بثبوت الشهر على الأهلة معلل بوصف الأمة بأنها أمية، وقد زال عنها هذا الوصف، فقد كثر علماء النجوم، وبذلك يزول تعليق الحكم بالرؤية أو بخصوص الرؤية، ويعتبر الحساب وحده أصلا، أو يعتبر أصلا آخر إلى جانب الرؤية.
والجواب: أن يقال: إن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائما بالنسبة لعلم سير الشمس والقمر وسائر الكواكب، فالعلماء به نزر يسير، والذي كثر إنما هو آلات الرصد وأجهزته، وهي مما يساعد على رؤية الهلال في وقته، ولا مانع من الاستعانة بها علة الرؤية وإثبات الشهر بها، كما يستعان بالآلات على سماع الأصوات، وعلى رؤية المبصرات، ولو فرض زوال وصف الأمية عن الأمة في علم الحساب - لم يجز الاعتماد عليه في إثبات الأهلة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية، أو إكمال العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب واستمر عمل المسلمين على ذلك بعده.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
(3/42)

حرر في 14\2\1395هـ.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة السادسة
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الرزاق عفيفي
محمد بن جبير ... عبد المجيد حسن ... عبد الله بن منيع
له وجهة نظر مرفقة ... لي وجهة نظر مكتوبة ... له وجهة نظر مرفقة
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح
محمد الحركان ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد
صالح بن لحيدان ... عبد الله خياط ... راشد بن خنين
(3/43)

وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد:
فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثا في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك.
وقد رأينا في تلك البحوث من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلا لقبول قوله في قطعية النتائج أو ظنيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك.
وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضي برد الشهادة برؤية الهلال دخولا أو خروجا إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حسا وعقلا، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته - كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلا، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم
(3/44)

ولادة الهلال، كما أن القول بظنية النتائج يقضي بردها - أي: النتائج - واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنية النتائج الفلكية، وذلك في حال تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب.
ونظرا إلى أن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء - فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدعيه الطرفان، كما تقضي بذلك المادة () من لائحة أعمال المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم.
وعليه فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لتحقق دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حرر في 14\2\1395هـ.
عضو الهيئة ... عضو الهيئة ... عضو الهيئة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... محمد بن جبير ... عبد المجيد حسن
(3/45)

قرار رقم (108) وتاريخ 2\11\1403هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام 1403هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (4\ص\19524) وتاريخ 18\8\1403هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (2652\1\د) ، وتاريخ 1\9\1403هـ واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (6\2) وتاريخ 2\1\1403هـ، والمكونة من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء وأعضاء الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى، والشيخ محمد بن عبد الرحيم الخالد، ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد، والتي درست موضوع الاستعانة بالمراصد على تحري رؤية الهلال، وأصدرت في ذلك قرارها المؤرخ في 16\5\1403هـ المتضمن:
أنه اتفق رأي الجميع على النقاط الست التالية:
1 - إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعا.
(3/46)

2 - إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد.
3 - إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛ وذلك لقول الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (1) ولعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (2) » ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم (3) » . . . الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي.
4 - يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.
5 - يحسن إنشاء مراصد متكاملة الأجهزة للاستفادة منها في جهات المملكة الأربع، تعين مواقعها وتكاليفها بواسطة المختصين في هذا المجال.
6 - تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال. اهـ.
__________
(1) سورة البقرة الآية 185
(2) صحيح البخاري الصوم (1907) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن ابن ماجه الصيام (1654) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1690) .
(3) سنن النسائي الصيام (2117) .
(3/47)

وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (2) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394هـ في موضوع الأهلة قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعا لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة
عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد المجيد حسن ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
سليمان بن عبيد ... صالح بن غصون ... راشد بن خنين
عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان
محمد بن جبير ... عبد الله بن قعود ... .
أوافق على النقاط الخمس من قرار ... . ... .
اللجنة أما النقطة الثانية فلا أوافق عليها ... . ... .
(3/48)

(2)
بيان حكم إحياء
ديار ثمود
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/49)

بسم الله الرحمن الرحيم
بحث في بيان حكم إحياء ديار ثمود
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
هذا بحث في بيان حكم إحياء ديار ثمود: فمن العلماء من منعه، ومنهم من أجازه، ولكل منهما مستند.
وفيما يلي بيان لبعض القائلين بكل قول، وبيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، والمقارنة بين الأدلة، وذكر بعض النظائر، ويختم البحث بذكر حكمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول ديار ثمود، ثم بعد ذلك قائمة بأسماء المصادر التي أعد هذا البحث منها، والله ولي التوفيق.
أما القائلون بالمنع: فمنهم أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ومحمود بن أحمد العيني، ومحمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، والإمام أحمد، والحارثي وغيرهم، واستدلوا بما أخرجه البخاري في [صحيحه] بسنده، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر
(3/51)

قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي (1) » وأخرج أيضا بسنده، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثلما أصابهم (2) » .
وأخرج البخاري أيضا بسنده، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم (3) » .
وأخرج البخاري في [صحيحه] بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء (4) » .
وقال البخاري: ويروى عن سبرة بن معبد، وأبي الشموس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقاء الطعام (5) » ، وقال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اعتجن بمائه (6) » .
ثم ساق البخاري بسنده، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما أخبره: أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر،
__________
(1) [فتح الباري] ، الجزء 8، كتاب المغازي، غزوة تبوك 125، رقم الحديث (4419) .
(2) [فتح الباري] ، الجزء 8، كتاب المغازي، غزوة تبوك 125، رقم الحديث (4420) .
(3) [فتح الباري] (1 \ 530) ، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، رقم الحديث (433) .
(4) [فتح الباري] (6 \ 378) ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحا) وما بعدها، حديث رقم (3378) .
(5) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3378) .
(6) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3378) .
(3/52)

واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة، تابعه أسامة عن نافع.
ثم ساق البخاري بسنده، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل (1) » .
ثم ساق البخاري بسنده عن سالم، أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم (2) » .
هذه الأدلة التي سبقت؛ منها ما أخرجه البخاري مسندا، ومنها ما رواه معلقا بصيغة التمريض، ومنها ما رواه بصيغة الجزم، ومنها ما ذكره على سبيل المتابعة.
أما ما ذكره مسندا فقد أشير إليه فيما سبق، وأما ما رواه معلقا بصيغة التمريض فإنه ذكر حديثين بين ابن حجر رحمه الله اتصال سند كل منهما فقال: أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه عن جده سبرة - وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة - الجهني قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين
__________
(1) [فتح الباري] (6 \ 378) ، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحا) حديث رقم (3380) .
(2) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3381) ، صحيح مسلم الزهد والرقائق (2980) ، مسند أحمد بن حنبل (2/117) .
(3/53)

راح من الحجر: من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة، أو حاس به حيسا فليلقه» .
وأما حديث أبي الشموس - وهو بمعجمة، ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه، فوصل حديثه البخاري في [الأدب المفرد] والطبراني وابن منده من طريق سليم بن مطير عن أبيه عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك» - فذكر الحديث - وفيه «فألقى ذو العجين عجينه، وذو الحيس حيسه» ، ورواه ابن أبي عاصم، من هذا الوجه، وزاد «فقلت: يا رسول الله قد حسيت حيسة، أفألقمها راحتلي؟ قال: نعم» .
وأما المعلق بصيغة الجزم فهو حديث واحد، قال ابن حجر، وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه، «أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتوا على واد، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إنكم بواد ملعون، فأسرعوا وقال: من اعتجن عجينة أو طبخ قدرا فليكبها» الحديث، وقال: لا أعلمه إلا بهذا الإسناد.
وأما ما أخرجه البخاري على سبيل المتابعة فقد قال ابن حجر (1) . قوله: (تابعه أسامة) يعني: ابن زيد الليثي، (عن نافع) أي: عن ابن عمر روينا هذه الطريق موصولة في حديث حرملة عن ابن وهب قال: أخبرنا أسامة بن زيد - فذكر حديث عبيد الله، وهو ابن عمر العمري، وفي آخره: «وأمرهم أن ينزلوا على بئر ناقة صالح ويستقوا منها» .
هذه أدلة القائلين بالمنع، أما وجه استدلالهم بها فقد قال
__________
(1) [فتح الباري] (6 \ 380) ، كتاب أحاديث الأنبياء
(3/54)

الخطابي (1) : وفيه دلالة على أن مساكن هؤلاء لا تسكن بعدهم، ولا تتخذ وطنا؛ لأن المقيم المستوطن لا يمكنه دهره باكيا أبدا، وقد نهي أن تدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وفيه المنع من المقام بها والاستيطان.
انتهى بواسطة نقل الكرماني عنه.
وقال ابن حجر (2) : وفي الحديث الحث على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها.
وذكر العيني (3) وجه الدلالة، كما ذكره الخطابي، إلا أنه أبدل لفظة (مساكن) التي ذكرها الخطابي - أبدلها بقوله: (ديار) ، كما ذكر الجملة الأخيرة من كلام ابن حجر.
وقال ابن القيم (4) : ومنها: أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها، ولا يقيم بها، بل يسرع السير، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيا معتبرا.
وقال محمد بن مفلح (5) : وسأله مهنا عمن نزل الحجر أيشرب من مائها أو يعجن به؟ قال: لا، إلا من ضرورة، لا يقيم بها. انتهى.
وقال مرعي بن يوسف (6) ، ومصطفى السيوطي: (قال الحارثي: مساكن) ديار (ثمود) لا تملك؛ لعدم دوام البكاء مع السكنى، (ومع
__________
(1) [الكرماني على البخاري] (4 \ 95) ، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب.
(2) [فتح الباري] ، (1 \ 531) ، كتاب الصلاة.
(3) [عمدة القاري] (4 \ 191) كتاب الصلاة
(4) [زاد المعاد] (3 \ 26) غزوة تبوك.
(5) [الفروع] (6 \ 301) كتاب الأطعمة.
(6) [غاية المنتهى، وشرحها مطالب أولى النهي] (4 \ 179) ، باب إحياء الموات.
(3/55)

الانتفاع) على رواية الأظهر خلافها. انتهى.
وكما استدل بتلك الأدلة التي سبقت على منع إحياء ديار ثمود أخذا من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلا في حالة البكاء دائما ما دام فيها، وأن هذا متعذر، ومن كونه صلى الله عليه وسلم قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي فقد أخذ منها أيضا منع الأحياء من وجه آخر، وهو منع الصلاة فيها، والطهارة من مائها، والتيمم بترابها، واستعمال مائها للشرب والطبخ، وهذه الطائفة من كلام أهل العلم في ذلك:
قال البخاري (1) في [صحيحه] ، باب الصلاة في مواضع الخسف، العذاب، وذكر على أثر علي الدال على منع الصلاة في مواضع الخسف، ثم ذكر حديث النهي عن دخول ديار ثمود إلا في حالة البكاء.
فهذا يدل على أن البخاري يرى منع الصلاة فيها.
ونقله العيني (2) عن أبي بكر بن العربي المالكي.
وقال القرطبي (3) : منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط، وبقعة غضب.
وقد سبق قول الإمام أحمد رحمه الله (لا يقيم فيها) ، وهذا يدل على أن يرى منع الصلاة فيها.
هذا بالنسبة لمنع الصلاة فيها.
وأما عدم جواز استعمال مائها للطهارة والشرب والطبخ، وكذلك
__________
(1) [فتح الباري] (1 \ 530) .
(2) [عمدة القاري] (4 \ 190) ، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب.
(3) [تفسير القرطبي] (10 \ 47) سورة الحجر.
(3/56)

استعمال التراب للتيمم - فقد قال القرطبي (1) : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأنه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به؛ فرارا من سخط الله، وقال: اعلفوه الإبل. قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم، إذا لا تكليف عليها.
وقال النووي (2) بعد سياق الأدلة: قلت: فاستعمال ماء هذه الآبار المذكورة في طهارة وغيرها مكروه أو حرام إلا لضرورة؛ لأن هذه سنة صحيحة لا معارض لها، وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فيمنع استعمال آبار ثمود إلا بئر الناقة، ولا يحكم بنجاستها؛ لأن الحديث لم يتعرض للنجاسة، والماء طهور بالأصالة.
وقال موسى بن أحمد بن سالم المقدسي، ومنصور بن يونس البهوتي (3) : (ولا يباح ماء آبار) ديار (ثمود غير بئر الناقة) .
(فظاهره) أي: ظاهرة القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود (لا تصح الطهارة) أي: الوضوء والغسل (به) ؛ لتحريم استعماله كماء مغصوب أو) ماء (ثمنه المعين حرام) في البيع فلا يصح الوضوء بذلك ولا الغسل به؛ لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (4) » .
(فيتيمم معه) أي: مع ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود، ومع المغصوب وما ثمنه المعين الحرام (لعدم غيره) من المباح، ولا يستعمله؛ لأنه ممنوع
__________
(1) [تفسير القرطبي] (1 \ 46) ، سورة الحجر.
(2) [المجموع شرح المهذب] (1 \ 137) ، كتاب الطهارة.
(3) [الإقناع وشرحه] (1 \ 21، 22) كتاب الطهارة.
(4) صحيح مسلم الأقضية (1718) ، مسند أحمد بن حنبل (6/180) .
(3/57)

منه شرعا، فهو كالمعدوم حسا، انتهى.
وتقدم جواب الإمام أحمد رحمه الله لما سأله مهنا عمن نزل الحجر أيشرب من مائها أو يعجن به؟ قال: لا إلا من الضرورة، لا يقيم بها.
وحاصل ما سبق: أن من ذكر من العلماء استدل بالأدلة التي سبقت على عدم جوازها إحياء ديار ثمود، وأنه لا يجوز استعمال مائها للطهارة أو شرب أو طبخ، ولا يجوز التيمم بترابها، وأن الأدلة دلت على ذلك، وأن توجيه الاستدلال منها كما يأتي:
1 - نهى صلى الله عليه وسلم عن دخول ديار ثمود، إلا في حال البكاء، وأنه لا بد من ملازمة البكاء ما دام باقيا فيها، ولو أنه بقي في أي جزء منها بدون هذه الصفة صدق عليه أنه دخل ذلك الجزء وهو غير باك فيكون منهيا عن الدخول فيه، فكما أنه منهي عن الدخول ابتداء إلا وهو متصف بالبكاء فنهيه عن الاستمرار بدون البكاء من باب أولى، فهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي يقتضي التحريم والفساد، هذه هي القاعدة العامة في ذلك، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل يدل على ذلك، وكما صدر القول منه صلى الله عليه وسلم في النهي عن دخول ديارهم إلا في حالة الاتصاف بالبكاء، فقد قنع رأسه، وأسرع السير وهو على الرحل حتى اجتاز الوادي، والإحياء يترتب عليه البقاء فيها وبناء المساكن، ولا يمكن دوام البقاء مع ملازمة البكاء، ودوام البقاء مع ملازمة البكاء ممتنع، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم، فيمتنع الإحياء لامتناع البقاء مع ملازمة البكاء.
2 - أمره صلى الله عليه وسلم بعدم الشرب من مائها، وعدم الطبخ، وأمره صلى الله عليه وسلم بطرح العجين الذي عجنوا به من مائها، وبإهراق الماء الذي استقوا من الآبار،
(3/58)

وأمرهم بأن يستقوا من بئر الناقة.
والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل، ولا نعلم دليلا يصرفه عن أصله واستعماله للطهارة أولى من استعماله للشرب والطبخ فيمنع، وقيس التيمم بترابه على الطهارة من مائه فيمتنع التيمم بترابه.
والإحياء لهذه البقعة بالزرع وبغرس النخل والأشجار يترتب عليه استعمال البقعة، والبقاء فيها، واستعمال الماء لما ذكره، وهو مثل استعمال الماء الذي عجن به العجين، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بإلقاء العجين، فدل على أن فعلهم حرام، فيحرم استعمال الماء للإحياء، وأما البقاء فيها فقد سبق منعه إلا في حالة الاتصاف بالبكاء ما دام فيها، وأن استدامة البكاء متعذرة، وإذا كان الأمر على ما وصف فكيف الإحياء والبقاء؟ !
(3/59)

المذهب الثاني: جواز الإحياء، وهذا المذهب مأخوذ من عموم كلام الحنفية والمالكية، والشافعي، والثوري، والرملي، ونص عليه الماوردي، وهو أظهر الروايتين في مذهب أحمد.
أما المذهب الحنفي: فقد قال محمد أمين الشهير بابن عابدين قال في [الملتقي] : الموات: أرض لا ينتفع بها عادية، أو مملوكة في الإسلام ليس لها مالك معين مسلم أو ذمي، وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتا (1) . اهـ.
ومثله في [الدرر] ، و [الإصلاح] ، و [القدوري] ، و [الجوهرة] ،
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (5 \ 481) ، باب إحياء الموات.
(3/59)

وقوله: عادية أي تقدم خرابها، كأنها ضربت في عهد عاد. انتهى المقصود.
وأما المذهب المالكي: فقال خليل: موات الأرض: ما سلم عن الاختصاص بعمارة ولو اندرست إلا الإحياء، وبحريمها كمحتطب ومرعي. . (1) إلخ.
وقال محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب: والموات: بفتح الميم، ويقال: موتان بفتح الميم والواو: الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء ولا عمارة، ولا ينتفع بها إلا أن يجري إليها ماء، أو تستنبط فيها، أو يحفر فيها بئر. (2) .
والتعريف المذكور تبع المصنف فيه ابن الحاجب، وهو تبع ابن شاس، وهو تبع الغزالي، وهو قريب مما قال أهل اللغة في معناه، وقال ابن عرفة إحياء الموات لقب لتعمير داثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها، وموات الأرض، قال ابن رشد في رسم الدور من سماع يحيى بن القاسم، من كتاب [السداد والأنهار] : روى ابن غانم: موات الأرض هي التي لا نبات فيها؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (3) فلا يصح الإحياء إلا في البوار، انتهى المقصود.
ووجه دلالة هذا الكلام، وكلام الحنفية قبله على جواز إحياء ديار ثمود أنه لم يرد عنهم استثناء، فدل على أنها باقية على الأصل.
__________
(1) [مختصر خليل] (2 \ 202) .
(2) [مواهب الجليل على مختصر خليل] (5 \ 2) باب إحياء الموات.
(3) سورة الجاثية الآية 5
(3/60)

وأما المذهب الشافعي: فقد قال الشافعي: والموات الثاني: ما لم يملكه أحد في الإسلام بعرف ولا عمارة، ملك في الجاهلية، أو لم يملك، فذلك الموات الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحيا مواتا فهو له» (1) .
وقال النووي: وإن كانت عمارة جاهلية فقولان: ويقال وجهان: أحدهما: لا تملك بالإحياء؛ لأنها ليست بموات، وأظهرهما تملك كالركاز.
وقال ابن سريج وغيره: إن بقي أثر العمارة أو كان معمورا في الجاهلية قريبة لم تملك بالإحياء، وإن اندرست بالكلية وتقادم عهدها ملكت (2) .
وقال الرملي: وإن كانت العمارة جاهلية جهل دخولها في أيدينا فالأظهر أنه - أي: المعمور - يملك بالإحياء، إذ لا حرمة لملك الجاهلية، والثاني: المنع؛ لأنها ليست بموات (3) .
وقال الماوردي: والضرب الثاني من الموات: ما كان عامرا فخرب فصار مواتا عاطلا، وذلك ضربان: أحدهما: ما كان جاهليا كأرض عاد وثمود، فهي كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة ويجوز إقطاعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عادي الأرض لله ولرسوله، وثم هي لكم مني» ، يعني: أرض عاد (4) .
__________
(1) [الأم] (3 \ 264) ، باب إحياء الموات.
(2) [المجموع شرح المهذب] (5 \ 279) ، باب إحياء الموات.
(3) [نهاية المحتاج شرح المنهاج] (5 \ 233) ، باب إحياء الموات.
(4) [الأحكام السلطانية] ص 190، باب إحياء الموات.
(3/61)

وأما المذهب الحنبلي:
فقد قال عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة (1) :
النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي؛ كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوهم - فهذا يملك بالإحياء في أظهر الروايتين؛ لما ذكرنا من الأحاديث. إلخ. إلى أن قال: والرواية الثانية: لا تملك؛ لأنها إما لمسلم، أو ذمي أو بيت المال، أشبه ما لو تبين مالكه. انتهى المقصود.
وقال محمد بن الحسن الفراء الحنبلي (2) : الضرب الثاني من الموات: ما كان عامرا فضرب وصار مواتا عاطلا، فذلك ضربان: أحدهما: ما كان جاهليا؛ كأرض عاد وثمود، فهو كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز إقطاعه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» ، يعني: أرض عاد. انتهى.
وقال مصطفى السيوطي: (3) بعد ذكره جواز ملك ديار ثمود، وقول الحارثي: إنها لا تملك، وشيء من أدلة المذهب، وقال بعد ذلك: ولم يذكر القاضي في [الأحكام السلطانية] ، والموفق في [المغني] خلافا في جواز إحيائه، قال في [الإنصاف] : وهو طريقة صاحب المحرر والوجيز وغيرهما، قال الحارثي: وهو الحق والصحيح من المذهب، فإن أحمد وأصحابه لا يختلف قولهم في البئر العادية، وهو نص منه في خصوص النوع، وصحح الملك فيه بالإحياء صاحب [التلخيص والفائق والفروع
__________
(1) [المغني والشرح] وهذا النص من الشرح (6 \ 148) ، باب إحياء الموات.
(2) [الأحكام السلطانية] ص (212) ، باب إحياء الموات.
(3) [الغاية وشرحها المطالب] (4 \ 179، 180) ، باب إحياء الموات.
(3/62)

والتصحيح] وغيرهم. انتهى.
واستدل أهل هذا المذهب: بما ثبت في [صحيح البخاري] بسنده في المزارعة عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق (1) » .
وهذا الحديث ورد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة، ولكن معناها هو المعنى الذي دل عليه هذا الحديث، وكذلك ورد آثار بهذا المعنى، ترك ذكر الأحاديث والآثار اكتفاء بما أخرجه البخاري.
وجه الدلالة: أن هذا الحديث دل بعمومه على أن الأصل في الأرض كلها اتصافها بعدم المانع من تملكها، فمن أعمر أرضا، أي: أحياها فهو أحق بها من غيره، ويدخل في هذا العموم أرض الحجر فيجوز إحياؤها.
واعترض على الاستدلال بهذا الحديث: بأن الأحاديث التي دلت على المنع من دخول ديار ثمود إلا في حالة الاتصاف بالبكاء ما دام فيها، وعلى منع استعمال الماء، وقد سبق تقرير ذلك - جاءت تلك الأدلة خاصة، وهذا الدليل عام، والقاعدة المقررة: أنه إذا تعارض عام وخاص يخالف العام في الحكم فإنه يخرج الخاص من العام كذا هنا.
وأما من أجاز الصلاة فيها، والتوضؤ من مائها والتيمم بترابها فقد استدل بالعموم؛ كحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل (2) » ، وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (3) الآية.
__________
(1) صحيح البخاري كتاب المزارعة (2335) ، مسند أحمد بن حنبل (6/120) .
(2) صحيح البخاري التيمم (335) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (521) ، سنن النسائي المساجد (736) ، مسند أحمد بن حنبل (3/304) ، سنن الدارمي الصلاة (1389) .
(3) سورة المائدة الآية 6
(3/63)

قال القرطبي (1) : الصحيح - إن شاء الله - الذي يدل عليه النظر والخبر: أن الصلاة بكل موضع طاهر جائزة صحيحة، وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا واد به شيطان (2) » ، وقد رواه معمر عن الزهري فقال: واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة، وقول علي: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة (3) » وقوله عليه الصلاة والسلام حين مر بالحجر من ثمود: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين (4) » ، ونهيه عن معاطن الإبل. . إلى غير ذلك مما في هذا الباب، فإنه مردود إلى الأصول المجتمع عليها، والدلائل الصحيح مجيئها.
قال الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: المختار عندنا في هذا الباب: أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيه نجاسة متيقنة تمنع من ذلك، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، وموضع ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة، وكل ما روي في هذا الباب من النهي عن الصلاة في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل، وغير ذلك مما في هذا المعنى - كل ذلك عندنا منسوخ ومرفوع؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا (5) » ، وقوله صلى الله عليه وسلم مخبرا أن ذلك من فضائله ومما خص به، وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص - قال صلى الله عليه وسلم «أوتيت خمسا (6) » وقد روي: «ستا» وقد روي «ثلاثا» و «أربعا (7) » وهي تنتهي إلى أزيد من تسع. قال فيهن: «لم يؤتهن أحد قبلي: بعثت إلى
__________
(1) [الجامع لأحكام القرآن] (10 \ 48، 49) ، تفسير سورة الحجر.
(2) موطأ مالك وقوت الصلاة (26) .
(3) سنن أبو داود الصلاة (490) .
(4) صحيح البخاري الصلاة (433) ، صحيح مسلم الزهد والرقائق (2980) .
(5) صحيح البخاري التيمم (335) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (521) ، سنن النسائي المساجد (736) ، مسند أحمد بن حنبل (3/304) ، سنن الدارمي الصلاة (1389) .
(6) مسند أحمد بن حنبل (5/145) ، سنن الدارمي كتاب السير (2467) .
(7) صحيح البخاري الإيمان (34) ، صحيح مسلم الإيمان (58) ، سنن الترمذي الإيمان (2632) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5020) ، سنن أبو داود السنة (4688) ، مسند أحمد بن حنبل (2/189) .
(3/64)

الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، وجعلت أمتي خير الأمم، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (1) » اهـ.
ويورد على دعوى النسخ: أن النسخ لا يثبت إلا بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع.
ونقل القرطبي (2) عن ابن العربي أنه قال: فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (3) » ، فلا يجوز التيمم بترابها، ولا الوضوء من مائها، ولا الصلاة فيها. انتهى المقصود.
ذكر القرطبي هذا الكلام عن ابن العربي بعد قوله: منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط وبقعة غضب.
وأما النظائر فمن ذلك:
1 - إسراعه صلى الله عليه وسلم حينما مر بوادي محسر في حجة الوداع بعد دفعه من مزدلفة، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر (4) » ، رواه داود والنسائي والترمذي، قال ابن الأثير: أوضع: إذا أسرع السير.
قال ابن القيم (5) : فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه.
وكذلك فعل في سلوكه الحجر (ديار ثمود) فإنه تقنع بثوبه، وأسرع
__________
(1) صحيح البخاري التيمم (335) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (521) ، سنن النسائي الغسل والتيمم (432) ، مسند أحمد بن حنبل (3/304) ، سنن الدارمي الصلاة (1389) .
(2) [الجامع لأحكام القرآن] (10 \ 47، 48) ، تفسير سورة الحجر.
(3) صحيح البخاري التيمم (335) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (521) ، سنن النسائي المساجد (736) ، مسند أحمد بن حنبل (3/304) ، سنن الدارمي الصلاة (1389) .
(4) سنن الترمذي الحج (886) ، سنن أبو داود المناسك (1944) ، سنن ابن ماجه المناسك (3023) ، سنن الدارمي المناسك (1899) .
(5) [زاد المعاد] (1 \ 474) .
(3/65)

السير.
2 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} (1) إلى قوله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} (2)
قال ابن القيم رحمه الله (3) : ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه - لما كان بناؤه إضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا، ومأوى للمنافقين المحاربين لله ورسوله، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطليه؛ إما بهدمه وتحريقه، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. انتهى.
3 - ثبت في [صحيح مسلم] عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة (4) » قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد.
وأما الحكمة، فقد قال ابن حجر (5) :
قول: (لا يصيبكم) بالرفع على أن لا نافية، والمعنى: لئلا يصبكم، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهي بمعنى الخبر، وللمصنف في أحاديث الأنبياء (أن يصيبكم) أي: خشية أن يصيبكم
__________
(1) سورة التوبة الآية 107
(2) سورة التوبة الآية 108
(3) [زاد المعاد] (3 \ 35) ، غزوة تبوك، فقه الغزوة.
(4) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2595) ، سنن أبو داود الجهاد (2561) ، مسند أحمد بن حنبل (4/431) ، سنن الدارمي الاستئذان (2677) .
(5) [فتح الباري] (1 \ 530، 531) كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب.
(3/66)

ووجه هذه الخشية: أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك.
والتفكر أيضا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له، فمن مر عليهم، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم. انتهى.
هذا ما تيسر ذكره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(3/67)

مصادر بحث حكم إحياء ديار ثمود:
1 -[تفسير القرطبي]- طبع دار الكتب المصرية سنة 1365 هـ.
1 -[فتح الباري]- طبع المطبعة السلفية ومكتبتها بمصر.
2 -[الكرماني على البخاري]- طبع مؤسسة المطبوعات الإسلامية - مصر.
3 -[عمدة القاري على البخاري]- طبع دار الطباعة المنيرية.
4 -[حاشية ابن عابدين] .
5 -[الأم] .
6 -[المجموع شرح المهذب] .
7 -[نهاية المحتاج] .
8 -[الأحكام السلطانية والولات الدينية] .
9 -[الإقناع وشرحه] .
10 -[المغني والشرح الكبير] .
11 -[مطالب أولى النهي] .
12 -[زاد المعاد] .
13 -[الأحكام السلطانية] .
14 -[كتاب الأموال] .
(3/68)

قرار رقم (7)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وآله وصحبه. وبعد:
اطلعت هيئة كبار العلماء على المعاملة المتعلقة بموضوع دراسة حكم إحياء أرض ديار ثمود الواردة إلى فضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد رفق خطاب المقام السامي رقم (5576) وتاريخ 26 \ 3 \ 1392هـ المحالة إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، بخصوص رغبة جلالة الملك حفظه الله في أن تقوم هيئة كبار العلماء بدراسة (حكم إحياء أرض ديار ثمود) وموافاة جلالته بما يتقرر.
جرى عرض ذلك على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في أول شهر شعبان حتى 13 منه عام 1392 هـ.
كما استعرض المجلس ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع، وبعد دراسة مجلس الهيئة لذلك، ولما أعد فيه من بحث، وبعد تداول الرأي قرر ما يلي:
أولا: الاتفاق على أنه لا يجوز إحياء أراضي ديار ثمود، للأحاديث الصحيحة الدالة على النهي، ولعدم ورود أدلة تدفعها.
ثانيا: نظرا لعدم وجود تحديد واضح للمحظور إحياؤه من غيره رأى المجلس تأجيل البت في تحديد الممنوع إحياؤه، حتى يقدم له بحث مستوفى من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعد تطبيق ذلك على واقع الأرض، بواسطة أهل الخبرة في تلك الجهات،
(3/69)

وبالاشتراك مع بعض الفنيين لرسم ذلك بما يجري بعد ذلك دراسته في دورة قادمة؛ ليتم البت في تحديد الممنوع إحياؤه من غيره.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... رئيس الدورة ... .
محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي ... محضار عقيل
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... .
(3/70)

قرار رقم (9)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين 1 \ 4 \ 1393 هـ و 17 \ 4 \ 93 هـ، وبناء على ما جاء في الفقرة الثانية من القرار رقم (7) الصادر من هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية لمجلسها المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام 1392 هـ من إرجاء تحديد الممنوع إحياؤه من ديار ثمود حتى يقدم للمجلس بحث مستوفى من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعد تطبيق ذلك على واقع الأرض بواسطة أهل الخبرة في تلك الجهات، وبالاشتراك مع بعض الفنيين لرسم ذلك؛ ليتم البت في تحديد الممنوع إحياؤه من غيره.
وبناء على البحث المقدم من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعد شخوصها إلى أرض الحجر ومشاهدتها إياها، واتصالها بأهل الخبرة في تلك الجهات، وما اشتمل عليه البحث من وصف كامل لمشاهدتها ومن خارطة تقريبية لها، ولما فيها من آثار وجبال ووديان ومزارع وغير ذلك في الدورة الثالثة لمجلس الهيئة - جرى استعراض النصوص الواردة في ذلك؛ والتي يمكن أن يستند عليها في التحديد، وهي ما يلي:
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1)
__________
(1) سورة الأعراف الآية 74
(3/71)

وقال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} (1)
وروى البخاري في [صحيحه] بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بأرض الحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين. ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي (2) » ، وروى أيضا بسنده عن نافع، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره: «أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة (3) » .
وأخرج معلقا بصيغة الجزم، قال ابن حجر في [الفتح] : وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه: «أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتوا على واد، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم بواد ملعون، فأسرعوا، وقال: من اعتجن بمائه أو طبخ قدرا فليكبها» الحديث، وروى مسلم في [صحيحه] بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، حذر أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر فأسرع حتى خلفها (4) » .
__________
(1) سورة الفجر الآية 9
(2) صحيح البخاري المغازي (4419) ، صحيح مسلم الزهد والرقائق (2980) ، مسند أحمد بن حنبل (2/117) .
(3) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3379) ، مسند أحمد بن حنبل (2/117) .
(4) صحيح البخاري الصلاة (433) ، صحيح مسلم الزهد والرقائق (2980) .
(3/72)

قال النووي في شرحه، قوله: (ثم زجر فأسرع حتى خلفها) أي: زجر ناقته، فحذف ذكر الناقة للعلم به، ومعناه: ساقها سوقا كثيرا حتى خلفها وهو بتشديد اللام، أي: جاوز المساكن.
وروى الإمام أحمد في [المسند] بسنده عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كان يشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول اله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا قال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم (1) » .
قال ابن كثير في [البداية والنهاية] بعد سياقه هذا الحديث: وهذا الحديث إسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجاه. اهـ.
وبناء على ذلك، وحيث إن موارد النهي من هذه الأحاديث تأتي على أمرين:
أحدهما: دخول مساكنهم، سواء ما كان منها في الجبال أو كان في السهول مما في تلك الأرض.
الثاني: الاستقاء من آبارهم، وقد وجد بين الآثار في الجبال والسهول آبار قديمة تواترت الأخبار فيما بين أهل المنطقة أنها آبار ثمودية.
كما أن بعض هذه الأحياء يدل على الأمر بالإسراع في الوادي عند المرور به حتى يتم اجتيازه وعلى التقنع فيه.
وحيث إن الهيئة لم تجد نصوصا صريحة تحدد المنقطة تحديدا
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (2/117) .
(3/73)

لا يكون للاجتهاد فيه مجال، وحيث إن ما ذكره بعض أهل العلم بالتفسير والسير - كابن إسحاق وغيره - من تحديد أرض الحجر بثمانية عشر ميلا أو بخمسة أميال لا يمكن الاعتماد عليه في تحليل أو تحريم ما لم يكن معتمدا على ما ثبت من كتاب أو سنة.
وحيث إن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل ينقل ذلك الأصل عن حكمه.
بناء على ذلك فإن الهيئة تقرر ما يأتي:
(3/74)

أولا: منع الإحياء والسكني فيما يلي:
أ - ما كان فيه آثار من جبال وسهول.
ب - الآبار الثمودية.
ج - مجرى الوادي ومفرشه.
وبناء على ما جاء في وصف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ضوء مشاهداتها لتلك المنقطة، ما ذكرته في وصفها من آثار ومسميات وجبال ووديان ومساحات وآبار، وحيث إن آخر بئر ثمودية ظهرت في الجهة الجنوبية من أرض الحجر هي البئر التي بجوار أحد جبال الصينيات، وأن آخر بئر ثمودية ظهرت في الجهة الشمالية هي (بئر مزيلقة) وأن آخر جبل من الجهة الشرقية فيه آثار قائمة هو (جبال الأثالث) وأن آخر أثر سكني ظهر في الجهة الغربية هو في (جبال الخريمات) وحيث إن الوادي يأخذ مسماه بعد التقاء روافده السبعة، فيكون تحديد الممنوع إحياؤه والسكني فيما يلي:
يحد جنوبا بجبل الصينيات، ويمتد الحد شرقا بانعطاف إلى الشمال
(3/74)

حتى يتصل بجبال الأثالث، بحيث تكون هي وجبال الصانع وبثينة وأبو لوحة وغيرها مما فيه آثار داخلة في الحد، ثم يمتد الحد من الشرق إلى الشمال بشكل دائري متمش مع حافة مفرش الوادي حتى يتصل بآخر بئر من آبار مزيلقة، بحيث يكون مفرش الوادي وآبار مزيلقة داخلين في هذا الحد، ثم يمتد الحد غربا بانعطاف نحو الجنوب حتى يتصل بحافة الوادي الشمالية، ثم يمتد حتى يتصل بمجمع روافد الوادي السبعة، ويكون هذا الملتقى حدا غربيا للممنوع، ثم ينعطف الحد نحو الشرق، ممتدا مع حافة الوادي الجنوبية، حتى يتصل بمفيض الوادي إلى أرض العذيب ثم يتجه الحد جنوبا مارا بجبال الخريمات بحيث تكون داخلة في المحدود حتى يتصل بجبال الصينيات.
أما بئر الناقة فقد وردت الأحاديث الصحيحة في جواز الاستقاء منها والنزول حولها للاستقاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نزل بأصحابه عندها، واستقوا من مائها، وكذلك المرور من أرض الحجر فقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كثير من أصحابه في طريقهم إلى تبوك، إلا أنه ينبغي الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقد قنع رأسه، وزجر راحلته حتى اجتاز الوادي.
(3/75)

ثانيا: ما عد ذلك مما كان خارجا عما هو منوه عنه أعلاه وداخلا في محيط سلسلة الجبال القائمة - فإن الهيئة تقرر بالأكثرية جواز إحيائه والسكنى فيه؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل الحظر، وبالله التوفيق.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(3/75)

هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... محمد الأمين الشنقيطي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر
عبد العزيز بن باز ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد الله بن منيع
سليمان العبيد ... محمد الحركان ... محمد بن جبير
صالح بن لحيدان
إنني متوقف فيما زاد عن ما حدد بمنطقة الآثار إلى مجتمع الأودية من الجهة الغربية وموافق على ما فيه الآثار والآبار ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون لي وجهة نظر مرفقة
. ... عبد الله بن غديان مع توقف فيما زاد عن المحدود داخل سلسلة الجبال المحيطة ... .
(3/76)

وجهة نظر
الحمد لله: خلاصة رأيي في موضوع ديار ثمود.
بعد البحث والمراجعة أرى أن ما تناولت الأحاديث النبوية لا يجوز إحياؤه ولا سكناه، غير أنه لم يظهر لي من الأحاديث ما يقضي بتحديد منقطة معينة؛ لأن الأحاديث ليست صريحة، ولأن الأصل الإباحة، ولأن أهل العلم لم يذكروا حدودا معلومة، ولأن بئر الناقة من أبرز المعالم الموجودة في المنطقة، ولم أقف على دليل بتعيينها، ولأنه لا يجوز الحكم مع وجود شك أو تردد.
لهذا وغيره من الاعتبارات حررت رأيي، وأسأل الله للجميع التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
عضو هيئة كبار العلماء
صالح بن علي بن غصون
(3/77)

(3)
تحديد الممنوع إحياؤه
من ديار ثمود
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/79)

بسم الله الرحمن الرحيم
تحديد الممنوع إحياؤه من ديار ثمود
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان سنة 1392 هـ من ضرورة تقديم بحث مستوفي في تحديد الممنوع إحياؤه من أرض ديار ثمود من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعد تطبيق ذلك على واقع الأرض بواسطة أهل الخبرة في تلك الجهات، وبالاشتراك مع بعض الفنيين لرسم ذلك؛ ليجري دراسة ذلك في الدورة القادمة إن شاء الله.
بناء على ذلك قامت اللجنة بما ذكر، وأعدت فيه بحثا تشتمل على نصوص من الكتاب والسنة، وعلى نقول من أقوال العلماء، وعلى أقوال أهل الخبرة والمعرفة من سكان تلك الجهات، وعلى مشاهدات اللجنة وما رسم تحت إشرافها بيد فني موظف ببلدية العلا شارك اللجنة في جولاتها في الوادي وأرض الحجر، مع الأدلاء من أهل الخبرة بالمواقع وأسمائها في ديار ثمود.
وفيما يلي بيان ذلك:
(3/81)

أولا النصوص:
قال الله تعالى {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1) وقال: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} (2) وقال {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (3) وقال: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} (4)
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (5) » .
وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى في دواوين السنة، وتقدم ذكرها في بحث النهي عن إحياء ديار ثمود، فاستغنينا بذلك عن إعادتها.
ومن هذه النصوص يتبين أن مساكن ثمود كانت بيوتا منحوتة في الجبال، وقصورا مبنية في السهول، وسواء أكانت سكناهم فيهما كل العام أم كانت سكناهم في القصور أيام الصيف، وفي البيوت المنحوتة أيام الشتاء، ومن شاهد الجوبة الفسيحة التي بداخل السلسلة الجبلية وجد السهول منتشرة بها، وبهذا لا يستطيع أن يقطع بأن قصورهم كانت في المنطقة الأثرية الظاهرة اليوم فقط، بل يمكن أن يكون بعض قصورهم وآبارهم
__________
(1) سورة الأعراف الآية 74
(2) سورة الحجر الآية 82
(3) سورة الشعراء الآية 149
(4) سورة الفجر الآية 9
(5) انظر كتاب المغازي، من [صحيح البخاري] (5 \ 135) .
(3/82)

الأثرية لا تزال مدفونة بالرمال التي سفتها عليها الرياح على مر السنين، بدليل ما انكشف أخيرا منها بعد هطول الأمطار العام الماضي، والوادي منفرج بين الجبال أو تلال أو آكام، كما في [القاموس المحيط] .
وذكر القرطبي في تفسير آية: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} (1) أن كل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل، ومنفذا فهو واد، اهـ. وعلى هذا يكون كل ما انفرج بين سلسلة جبال الحجر واديا.
__________
(1) سورة الفجر الآية 9
(3/83)

ثانيا: ما ذكره أئمة اللغة التفسير وشراح الحديث وعلماء التاريخ مما يتعلق بتحديد ديار ثمود: 1 - قال ابن منظور في [لسان العرب] : والحجر ديار ثمود ناحية الشام عند وادي القرى.
2 - وقال الجوهري في [الصحاح] : والحجر منازل ثمود ناحية الشام عند وادي القرى.
3 - وقال ابن جرير: في تفسير سورة الأعراف عند كلامه على قصة ثمود: وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وكذا قال ابن كثير في تفسير سورة الأعراف.
4 - وقال القرطبي في [تفسيره] (ج 17، ص 238) : وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وكذا قال كل من الشوكاني وأبي السعود في [تفسيره] .
5 - وقال القرطبي أيضا في تفسيره سورة الحجر بعد بيانه لمعاني كلمة الحجر: والحجر: ديار ثمود، وهو المراد هنا، أي: المدينة، وقال الأزهري
(3/83)

6 - وقال ابن الجوزي في [تفسيره] (ج 4، ص411) : قال ابن عباس: كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام.
ثم قال ابن الجوزي: وفي الحجر قولان:
أحدهما: أنه اسم الودي الذي كانوا به، قاله قتادة والزجاج.
والثاني: اسم مدينتهم، قاله الزهري ومقاتل.
7 - ونقل ابن جرير في تفسيره سورة الأعراف عن ابن إسحاق خبرا طويلا عن ثمود، وفيه: (وكانت منازلهم الحجر إلى قرح، وهو وادي القرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشام) .
ونقل عنه أيضا في نفس القصة من طريق آخر كلاما كثيرا: وفيه: (وتخلف رجل من أصحاب صالح يقال له: مبدع بن هرم فنزل قرح - وهو: وادي القرى - وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا) .
8 - وقال السفاريني: في [شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد] (1 \ 51) : وكانت منازلهم الحجر، وبين الحجر وبين قرح ثمانية عشر ميلا، - قرح: هي وادي القرى -.
9 - وقال ياقوت الحموي في [معجم البلدان] ، (ج 6، ص 221) : الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، قال: الإصطخري: الحجر قرية صغيرة قليلة السكان، وهو من وادي القرى على يوم بين جبال، وبه كانت منازل ثمود قال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (1) وقال: ورأيتها بيوتا مثل بيوتنا في
__________
(1) سورة الشعراء الآية 149
(3/84)

أضعاف جبال، وتسمى تلك الجبال: الأثالث، وهي جبال إذا رآها الرائي من بعد ظنها متصلة، فإذا توسطها رأي كل قطعة منها منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف، وحواليها الرمل، لا تكاد ترتقي كل قطعة قائمة بنفسها، لا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة، وبها بئر ثمود التي قال الله تعالى فيها وفي الناقة: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} (1)
قال جميل:
أقول لداعي الحب والحجر بيننا ... ووادي القرى لبيك لما دعانيا
فما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
10 - وقال صفي الدين البغدادي في [مراصد الاطلاع] (1 \ 381) :
الحجر: بالكسر ثم السكون وراء: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، كانت مساكن ثمود، وفي بيوت منحوتة في الجبال مثل المقابر، تسمى تلك الجبال: الأثالث، كل جبل منقطع عن الآخر يطاف حوله، وقد نقر فيه بيوت كثيرة، وتقل على قدر الجبال التي تنقر فيها، وهي بيوت في غاية الحسن، فيها بيوت وطيقان محكمة الصنعة، وفي وسطها البئر التي تردها الناقة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب منها. اهـ.
لعله يريد من آبار ثمود، وإلا فهو تحريف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في الشرب من بئر الناقة وأمر بإهراق ما استقي من غيرها
__________
(1) سورة الشعراء الآية 155
(3/85)

11 - وقال الفيروزآبادي في [المغانم المطابة] ، ص 106: والحجر بالكسر أيضا قرية على يوم من وادي القرى بين جبال، وبها كانت منازل ثمود، بيوتها في أضعاف جبال تسمى: الأثالث، إذا رآها الرائي من بعد ظنها متصلة، فإذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف، وحواليها رمل لا يكاد يرتقى إلا بمشقة شديدة، وهناك بئر ثمود التي قال الله تعالى فيها وفي الناقة: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} (1)
12 - وذكر القرطبي في تفسير سورة الفجر: أن ثمود أول من نحت الجبال والصخور والرخام، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة، كلها من الحجارة، ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف كلها من الحجارة، وكانوا ينقبون بيوتا بالوادي، أي: بوادي القرى.
13 - ونقل الحافظ ابن حجر في [الفتح] (6 \ 380) عن شيخة البلقيني أنه سئل: من أين علمت تلك البئر - يعني: بئر الناقة؟
فقال: بالتواتر، إذ لا يشترط فيه الإسلام.
ثم قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعد ذلك. اهـ.
14 - وقال ابن القيم في [زاد المعاد] (3 \ 28) : وكانت البئر معلومة باقية إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا يرى الراكب بئرا غيرها، وهي مطوية محكمة البناء.
__________
(1) سورة الشعراء الآية 155
(3/86)

واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية لا تشتبه بغيرها.
15 - وقال السفاريني في [شرح ثلاثيات المسند] (1) : جزم علماؤنا بأنه لا يباح من ماء آبار ثمود غير بئر الناقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي البئر الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الأزمنة.
16 - وقال العباسي في [عمدة الأخبار] ، ص 261: والحجر أيضا قرية على يوم من وادي القرى بين جبال، وبها كانت منازل ثمود وبيوتها، وهناك بئر ثمود التي قال الله تعالى فيها وفي الناقة: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} (2)
17 - وقال ابن بليهد في [صحيح الأخبار] (3) والحجر: هو الموضع الذي ذكره القرآن الكريم في شأن قوم صالح عليه السلام، وبه بئر الناقة، وهو يعد من وادي القرى معروف بهذا الاسم إلى هذا العهد، ثم ذكر بيتي جميل المتقدمين، ثم قال: وموضعه قرب العلا بينه وبين تبوك.
18 - وقال الحاكم في [مستدركه] ما نصه (4) : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن معين، ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد عن نوف الشامي: أن صالحا النبي صلى الله عليه وسلم من العرب، لما أهلك الله عادا وانقضى أمرها عمرت ثمود
__________
(1) انظر (1 \ 52) .
(2) سورة الشعراء الآية 155
(3) انظر (2 \ 36)
(4) انظر (3 \ 565)
(3/87)

بعدها، فاستخلفوا في الأرض، فانتشروا ثم عتوا على الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا، وهو من أوسطهم نسبا، وأفضلهم موضعا، وكانت منازلهم الحجر إلى قرع - وهو: وادي القرى - ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجر إلى الحجاز، فبعثه الله غلاما شابا. . إلى آخر الآثر.
19 - وقال الهمداني في [صفة جزيرة العرب] ص 131: وأما نجد ما بين مكة والمدينة من ذات عرق فإلى الجبلين، فالمعدن معدن سليم فراجعا: إلى وادي القرى إلى الحجر موضع ثمود والناقة مرحلة، وفيه آثار عظيمة، وما بينهما العيص.
20 - وقال ابن بطوطة في رحلته: وفي الخامس من أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر حجر ثمود، وهي كثيرة الماء، ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم؛ اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته، وأمر ألا يستقي منها أحد، ومن عجن به أطعمة الجمال، وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة لها عتب منقوشة، يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة، ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك، وبينها أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا نصف يوم أو دونه. اهـ.
21 - وقال الحطاب في كتابه [مواهب الجليل] في معرض كلامه على مياه آبار ثمود (1) : قال الشيخ زروق: وأمرهم بالتيمم وترك استعمالها لم
__________
(1) (1 \ 48)
(3/88)

أقف عليه في الحديث، وهو ما نقله ابن فرحون في [الألغاز] عن ابن العربي في باب التيمم، ونصه: فإن قلت: أرض طاهرة مباحة مسيرة خمسة أميال لا يجوز التيمم منها، قلت: هي أرض ديار ثمود، نص ابن العربي في أحكامه على أنه لا يجوز التيمم منها.
22 - وقال السمهودي في كتابه [وفاء الوفاء] (1) : سبق أن حجر ثمود على يوم من وادي القرى، وأن العلا بناحية وادي القرى: وقال (2) : والحجر بالكسر أيضا: قرية على يوم من وادي القرى، بين جبال كانت بها منازل ثمود، وبيوتها في أضعاف جبال تسمى: الأثالث، وهناك بئر ثمود، وقال (3) : قال أبو زياد: تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام.
23 - وقال أبو إسحاق الفارسي المعروف بالكرخي في كتابه [المسالك والممالك] ص 24 ما نصه: والحجر: قرية صغيرة قليلة السكان، وهي من وادي القرى على يوم بين جبال، وبها كانت ديار ثمود الذين قال الله فيهم: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} (4) ورأيت تلك الجبال ونحتهم الذين قال الله عنهم: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (5) - ورأيتها بيوتا مثل بيوتنا في أضعاف جبال، وتسمى
__________
(1) (2 \ 1328)
(2) انظر (2 \ 1184)
(3) (2 \ 1159)
(4) سورة الفجر الآية 9
(5) سورة الشعراء الآية 149
(3/89)

تلك الجبال: الأثالث - إلى أن قال: - وتبوك بين الحجر وبين أول الشام على أربع مراحل نحو نصف طريق الشام.
24 - وقال المقدسي في كتابه [أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم] ص 84: الحجر قرية صغيرة حصينة، كثيرة الآبار والمزارع، ومسجد صالح بالغرب على نشزة مثل الصفة، قد نقر في صخرة، وثم عجائب ثمود وبيوتهم.
25 - وذكر الأستاذ صلاح البكري: في مقال نشر في مجلة (قافلة الزيت) تحت عنوان (الآثار في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية) عن حاجي خليفة من كتابه [جهان نما]- أنه على مسيرة نصف يوم تقريبا من العلا يوجد مسجد النبي صالح، وهو منقور في الصخر، وعن محمد أديب في كتابه [المنازل]- أن الحجر تعرف بـ: (مدائن صالح) أو (قرى صالح) أو (عدال) ، والمساكن في مدائن صالح منحوتة في الصخر: ولا يسكنها أحد، ويقول: إن هناك جبلا يعرف باسم (أنان) في مرتفع منه يوجد مسجد صالح عليه الصلاة والسلام، وهو منقور في الصخر.
صورة فتوى الشيخ عبد الله بن بليهد بصدد أرض الحجر.
يحظى ويتشرف بمطالعة عالي الجناب الشيخ المكرم عبد الله بن سليمان بن بليهد أدام الله تعالى بقاءه.
أما بعد: هذا سلام عليك ورحمة الله وبركاته على الدوام، أدام الباري علينا وعليكم نعمته وإحسانه.
بعده، نرفع لجنابك العزيز بأن إحنا هاجرنا في وادي العذيب المعروف
(3/90)

بـ: (وادي الحشيش) ، اعترض علينا بعض الناس حيث قالوا: أنتم في وادي العذاب التابع لمدائن صالح، فإنا نسترحمكم أن تأمرونا في سكناه، أو تنهانا نرحل نرحل عنه، جزيتم خيرا.
وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
11 جمادى الثانية \ 1345 هـ.
مقدمه
متعب بن صالح الفقير
سلمك الله: أذنا له ينزل بالهجرة إذا كان ما فيه من طرف الشرع شيء، المقصود سلمك الله عرفوه بالحدود المحرمة.
عبد العزيز بن مساعد
الختم
(3/91)

بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب: إن الذي تحصل لنا من كلام المؤرخين: أن وادي الحجر الذي فيه ديار ثمود مقدار ثمانية عشر ميلا هي عبارة عن مسافة تسعة ساعات بدبيب الأقدام وسير الأثقال، فإذا اعتبر المواضع المذكور من شمالي الحجر إلى الموضع وكان خارجا عن هذه المسافة - فلا بأس بسكناه والاستسقاء من مياهه. يكون معلوما.
رئيس القضاء
عبد الله بن بليهد
الختم
صورة طبق الأصل
مما تقدم يتبين ما يلي:
أولا - أن اسم الحجر يطلق على جميع الذي كانت ثمود تسكن به، ويطلق على نفس مدنهم التي كانت بالحجر، وهو بالمعنى الأول أعم منه بالمعنى الثاني.
ثانيا - أن وادي القرى طويل ممتد يمر ببلاد أماكن كثيرة، وتسمى بأسمائها، فيسمى بـ: (وادي الحجر) عند مروره به، وبـ: (وادي القرح) وبـ: (وادي العلا) عند مروره بهما.
ثالثا - اختلف التعبير في بيان موقع ديار ثمود من وادي القرى: فمرة يعبر بأنها عند وادي القرى، ومرة يعبر بأنها إلى وادي القرى ومرة بأنها بوادي القرى، والذي يظهر: أنه لا تنافي بينهما؛ لإمكان الجمع بأنه إن أريد بالوادي مجرى سيله فديار ثمود عنده وإلى جانبه، وإن أريد
(3/92)

بالوادي المنفرج الذي بين الجبال فديار ثمود به.
رابعا - قدر الوادي بثمانية عشر ميلا، وبخمسة أميال وبمرحلة أو مسير يوم، وهذه التقادير مبنية على أن المراد بالحجر المنفرج بين الجبال، أي: الوادي الذي كانت ثمود تسكن به، ولا تنافي بين هذه التقادير؛ لإمكان الجمع بحمل أحد التقادير على العرض والآخرين على الطول.
خامسا - قال ابن إسحاق: كانت منازلهم الحجر إلى قرح، وهو وادي القرى وبين ذلك 18 ميلا، وقال الحاكم في [المستدرك] : كانت منازلهم الحجر إلى قرح - وهو: وادي القرى - 18 ميلا، ويمكن أن يقال: إن الظاهر هو ما ذكره الحاكم من أن طول الحجر 18 ميلا، وما نقل عن ابن إسحاق؛ إما محرف، وإما مئول بأن بين قرح ومبدأ الحجر شمالا 18 ميلا. والله أعلم.
(3/93)

ثالثا: أقوال أهل الخبرة ومشاهدات اللجنة:
قامت اللجنة بجولات فيما يسمى بـ (أرض الحجر) وما يسمى بـ: (أرض العذيب) ومعها خبراء بالمواقع وبأسمائها: وبالحدود المشهورة عند أهل هذه الجهات حاليا، ومع اللجنة مندوب فني أيضا من بلدية العلا، وأشرفت على هذه الأراضي وما فيها من جبال ووديان ومزارع وآثار وما يحيط بذلك من سلسلة الجبال، وأخذت مقادير المسافات التي قد يحتاج إليها في التحديد عند مقارنتها بما ذكر من التقدير في النقول عن العلماء.
(3/93)

وفيما يلي بيان لما شاهدته اللجنة في جولاتها:
1 - يحيط بأرض المنطقة سلسلة جبال متصل بعضها ببعض إلا في منافذ محدودة يأتي بيانها، وتبدأ هذه السلسلة من الجنوب من عند مفيض وادي المعتدل في نخيل العلا متجهة نحو الجنوب الشرقي، ثم إلى الشرق ثم إلى الشمال الشرقي، ثم إلى الشمال، ثم إلى الشمال الغربي، وإلى هنا تعرف بـ (جبال الركب) ، ثم تتجه غربا، ثم إلى الجنوب الغربي، ثم إلى الجنوب إلى ما يسمى من هذه السلسلة بـ: (بأبي القناطير) ، وهو يوازي كثيب الرمل المسمى بـ: (النثلة) عند مفيض وادي المعتدل، ويسمى هذا الجزء من السلسلة بـ: (حرة عويرض) .
2 - يوجد فيما يسمى بـ (جبال الركب) المنافذ الآتية على الترتيب:
مصيعب، فالشجرة، فأم عاذر، فمهج ظفير، فمهج ظفير، فأبو حماطة، فالرماحية، فأبو الحمام، فأم جرفان، فالمقتل، فالفج، فمزيلقة، فمزيلقة الثانية، فالشليل، فالمزحم، فخور الحمار، ومنه تخرج سكة حديد من الحجر إلى الشام، ثم وادي الصريط، فالبويب، وبه ينتهي ما يسمى من السلسلة بـ: (الركب) ويبدأ ما يسمى من السلسلة بـ: (حرة عويرض) ، وبها وادي الصدير فوادي حوضاء، فوادي ثربة، فوادي المنقى الأول، فوادي المنقى الثاني، فوادي شلال، وينزل من تلاع هذه السلسلة في الجنوب الغربي منها وادي عشار.
وبهذا يتبين أن المنقطة كلها تحد من جميع جهاتها بسلسلة جبال.
(3/94)

3 - يفيض في أرض هذه المنطقة ثمانية وديان: وادي الصريط، ويأتي من خارج سلسلة جبال الركب من الجهة الشمالية منها، ووادي الصدير، فوادي حوضاء، فوادي ثربة، فوادي المنقى الأول، فوادي المنقى الثاني، فوادي شلال، وهذه الوديان الستة تفيض على أرض الحجر، من تلاع داخل حرة عويرض من الجهة الشمالية الغربية والجهة الغربية منها لأرض الحجر، وتجتمع هذه الوديان السبعة في مفرش واسع في الشمال الغربي من أرض الحجر، ثم يتفرع من هذا المفرش ثلاثة وديان: اثنان منها غرب سكة الحديد، وما يسمى بـ: (بئر الناقة) وواحد منها يتجه إلى الجهة الشرقية من أرض الحجر، ثم ينعطف جنوبا، ثم إلى الجنوب الغربي إلى أن يجتمع بالواديين في مفرش غرب سكة الحديد، فيما بين الخريمات غربا وجبل بثنية وجبال الأثالث شرقا، ويتكون منها واد واحد جنوب هذا المفرش يتجه جنوبا مع تعرجات فيه، حتى يلتقي بمفيض وادي المعتدل، ويفيض وادي عشار من الجهة الغربية من حرة عويرض، ويلتقي بمضيق وادي الحجر قبل أن يفيض على العلا، ويبدأ وادي المعتدل من الجهة الشرقية تقريبا متجها إلى الغرب حتى يلتقي بوادي الحجر، ويكون معه واديا واحدا يتجه إلى العلا جنوبا.
4 - يقع في الأرض المحاطة بسلسلة الجبال المتقدمة كثير من الجبال المتفرقة المنتشرة من أشهرها: جبال الأثالث، وجبل بثينة، وجبل بيت الصانع، وجبل أبي لوحة، وجبال الخريمات، وبكل من هذه الجبال المشهورة بيوت منحوتة، ومن أشهرها جبل عكما،
(3/95)

وجبل دنان، وبكل منها كتابة أثرية، ومن أشهرها أيضا: جبل الحوارة، وجبل الحوير، وجبل الجميل، وجبال الصقليات، وجبال الصينيات، ومما بداخل السلسلة أيضا من الآثار: بئر الناقة، وخريبة الحجر التي أظهرها السيل العام الماضي، على ما قاله مأمور مركز الحجر وغيره، وتقع هذه الخريبة قريبا من جبال الأثالث، وبثنية كما هو موضح بالرسم، كما أن بأرض الحجر مزارع وأشجار وآبارا حديثة وقديمة أثرية، ويوجد قريبا من جنوب مفيض وادي المعتدل مكان أثري يعرف بـ: (خريبة العلا) ، وبخشم الجبل المشرف عليها وعلى مفيض المعتدل نحوت وكتابة أثرية.
5 - إن أريد بأرض الحجر جميع الأرض التي أحاطت بها سلسلة جبال الركب وحرة عويرض - فحده من الجهات الأربع طبيعي - وقد تبين مما تقدم - وعلى هذا أخذت اللجنة المساحة من الشمال إلى الجنوب بكيلو السيارة فوجدتها (34.5) أربعة وثلاثين كيلو مترا ونصف كيلو مع وجود تعرجات اقتضاها خط سير السيارة، وهذا التقدير بعد طرح التعرجات يقرب من تقدير أهل العلم لها قديما بثمانية عشر ميلا، وهو الذي بنى عليه الشيخ عبد الله بن بليهد فتواه في تحديد الحجر.
أما إن أريد بأرض الحجر خصوص ما به بناء أثري وآبار أثرية وجبال أثرية - فالتحديد يحتاج إلى القيام بحفريات في جميع الأراضي التي تحيط بها سلسلة الجبال التي تقدم ذكرها للوقوف على ما اندفن من البيوت والآثار والأسوار، وعند ذلك يمكن التحديد بغير سلسلة الجبال، وإن أريد بالحجر مجرى الوادي فحده طبيعي واضح.
(3/96)

6 - تقسيم المنطقة التي بداخل سلسلة الجبال المتقدمة إلى ما يسمى بـ: (أرض الحجر) ، وما يسمى: بـ (أرض العذيب) تقسيم حديث، كما سيجيء بيانه في إجابة عرفاء البلاد في جهة المنطقة.
رابعا - رأت اللجنة بعد أن جالت في المنطقة وعرفت جماعة من أهل الخبرة بالمواقع وأسمائها من سكان هذه الجهات - أن تدعوهم إلى الاجتماع لسؤالهم عن المواقع وأسمائها، وعن المتعارف عليه عندهم في حدود الحجر؛ زيادة في الإيضاح، وتأكيدا لما عرفته في جولاتهم مع الأدلاء في الحجر، ورأت أن يكون المجتمعون من العلا، ومما يسمى بـ: (العذيب) ، وما يسمى بـ: (الحجر) ، فاجتمع كل جماعة من جهة في جهتهم، وسألت اللجنة كلا منهم على انفراد.
وفيما يلي بيان أسمائهم وما سئلوا عنه وأجوبتهم:
الأسماء:
1 - صحن بن شلاش الفقير - وعمره ثمانون سنة تقريبا.
2 - دبشي بن سلطان الفقير - وعمره ستون سنة تقريبا.
3 - عبد المهدي بن محمد بن جبل الفقير - وعمره 48 سنة تقريبا.
4 - حاكم بن شهاب الفقير - وعمره 65 سنة تقريبا.
5 - صياح بن بندر الفقير - وعمره 65 سنة تقريبا.
6 - فلاح بن مفلح الفقير - وعمره 65 سنة تقريبا.
7 - مطلق بن منور الخالد التيمائي - وعمره 45 سنة تقريبا، (أمير مركز العذيب) من ثلاث سنوات، وعمل في خدمة إمارة العلا من عام
(3/97)

1361 هـ.
8 - عبد الرشيد بن عبد الرحمن الإمام - وعمره 60 سنة تقريبا.
9 - سعد بن أحمد بن يوسف - وعمره 66 سنة تقريبا.
10 - محمد بن إبراهيم طعيمة - وعمره 80 سنة تقريبا.
11 - محمد أحمد عتيق - وعمره 84 سنة تقريبا.
12 - موسى بن محمد بن عيسى العمر - وعمره 51 سنة تقريبا.
13 - فيحان المطيري (أمير مركز الحجر) - وعمره 55 سنة تقريبا.
14 - محمد بن دليحان من أهل ضرماء (أمير مركز الحجر) سابقا - وعمره 70 سنة تقريبا.
الأسئلة التي وجهت إلى كل منهم:
1 - ما المتعارف عليه المشهور بينكم في تحديد الحجر من الجهات الأربع؟
2 - ما المتعارف عليه المشهور بينكم في تحديد ما يسمى بـ: (العذيب) من الجهات الأربع؟
3 - هل عرف بينكم حد الحجر من الجنوب بالصينيات، ومتى بدأ ذلك، وعلى أي أساس بنيت هذه المعرفة؟
4 - هل ما يسمى بـ: (شلال) وما يسمى: ثربة تابعان لمسمى الحجر فيما عرف عندكم؟
5 - أين بئر الناقة، وأين المزحم فيما تعرف؟
6 - ما أبعد بئر عادية في الشمال والجنوب والشرق والغرب فيما يسمى بـ: (الحجر) حسبما اشتهر عندكم؟
(3/98)

7 - ما أبعد أثر من آثار ثمود في الحجر من الشمال والجنوب والشرق والغرب فيما يسمى بـ: (الحجر) حسبما اشتهر عندكم؟
8 - هل يوجد فيما يسمى بـ: (العذيب) آبار ثمودية، سواء أكانت محياة أم لا؟
الأجوبة:
اتفقت إجابتهم في أن شلال وثربة ليستا من الحجر، وإن كان سيلهما يفيض في الحجر، وفي أن بئر الناقة يقع عند المحطة الكبرى لسكة الحديد تحت القلعة، أنهم لا يعرفون بئرا أخرى سواها تعرف بـ: (بئر الناقة) وفي أن الحجر في المتعارف عليه عندهم يحد من الجنوب الشرقي: بأم الشجرة، ثم مهج الظفير، ثم مهج الظفير، ومن الشرق والشمال: بالجبال المتصلة المسماة بـ (الراكبة) أو (الركب) ، ومن الغرب والجنوب الغربي: بالجبال المتصلة، والمسماة بـ (حرة عويرض) ، ومن الجنوب يحد قديما بكثيب من الرمال يسمى: (النثلة) وهو يقع عند مفيض المعتدل في طرف نخيل العلا شمالا عند خروج الوادي من الحجر: أما حد الحجر من الجنوب: بما يسمى بـ: (جبال الصينيات) فهو حد حديث لم يعرف إلا بعد استفتاء سلطان الفقير عن أرض العذيب وإجابة الشيخ ابن بليهد له، ومنح أرض العذيب لدبشي بن سلطان الفقير، فعند ذلك قامت لجنة حكومية وحددت العذيب شمالا: بما يسمى بـ: (جبال الصينيات) ، وجنوبا: بـ: (النثلة) عند مفيض المعتدل ونهاية نخيل العلا شمالا، كما اتفقوا على أنه لا توجد آبار ثمودية فيما يسمى بـ: (العذيب) - حسبما يعرفون - وإنما توجد عيون قديمة ومجاري عيون، وما فيه من الآبار كلها محدثة، واتفقوا
(3/99)

أيضا على أنه لا يوجد في الشمال الشرقي من أرض الحجر آبار قديمة مندفنة، عند مزيلقة، وكذا عند جبال الصقليات يغلب على الظن وجود آبار قديمة مندفنة، ولكن لم يظهر شيء منها إلى الآن، كما اتفقوا على أنه يوجد آبار كثيرة قديمة وحديثة عند جبال الأثالث وبثينة، ولا يوجد شمال الحجر بعد الوادي شيء من الآبار فيما نعرف، وأما الجهة الجنوبية الشرقية والتي جعل بعضها مطارا فليس فيه آبار حسب علمنا: وأما الآثار فهي في مدخل الحجر شمال العلا في منطقة تسمى: (الخريبة) ، وفي جبال الأثالث، وبثينة، وأبي لوحة، والخريمات، وخريبة الحجر.
8 - مع البحث خريطة تقريبية لأرض المنطقة، ولسلسلة الجبال المحيطة بها، وما بهذه السلسلة من منافذ، وما بداخلها من الجبال والآثار والوديان والآبار.
ونسأل الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبيا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع مع الاحتفاظ بحقي في تقديم وصف للمنطقة بصورة أشمل ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(3/100)

وصف ديار ثمود
من إعداد فضيلة الشيخ: عبد الله بن سليمان بن منيع
الحمد لله وحده، وبعد:
فبناء على ما ذكره أهل العلم من أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبناء على ما قررته هيئة كبار العلماء في أن تقوم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالشخوص إلى الحجر وتطبيق النقول على طبيعة الأرض، ونظرا إلى أن النقول عن أهل العلم في تحديد هذه المنطقة غير واضحة لإمكان تطبيقها، وإنما يتطرقها الاحتمال ـ فقد ظهر لي أن مهمة اللجنة في الدرجة الأولى تكاد تنحصر في وصف مشاهدتها المنطقة، وصفا يتمكن فيه من تكييف أي احتمال يكون في تحديد ما لا يجوز إحياؤه شرعا منها، ونظرا إلى أن الوصف المقدم في البحث لم يكن في رأيي مستغرقا ما في نفسي مما شاهدته فيها مع الزملاء ولم يكن لدى الزملاء استعداد في بسط الوصف بالطريقة التي أراها؛ ولذلك فقد رأيت التقدم للهيئة بالوصف التالي للمنطقة:
1 - أن المنطقة محاطة بسلسلة جبال سود تتخللها منافذ تخرج منها. هذه المنافذ تسمى: مصيعيب، فخرم الشجرة، فأم عاذر، ثم مهج ظفير، ثم مهج ظفير ثم أبو حماطة، فالرماحية، فأبو الحمام، فأم الجرفان، فالمقتل، فالفج، فمزيلقة، ثم مزيلقة الثانية، فالشليل، فالمزحم، فخور الحمار، ومنه مخرج سكة الحديد، ثم الصريط، ثم بويب، وتبدأ هذه
(3/101)

الجبال من الجهة الجنوبية بالنسبة للواقف في وسط المنطقة، ثم تمتد نحو الجنوب الشرقي، ثم إلى الشرق، ثم إلى الشمال الشرقي، ثم إلى الشمال، ثم إلى الشمال الغربي، وتسمى هذه الجبال بـ (الركب) . ثم يفصلها واد صغير يعتبر أحد روافد وادي الحجر، ويسمى بـ: (الصريط) ، ثم تقوم الجبال السود، وتستمر في الامتداد نحو الغرب، ثم الجنوب الغربي، ثم الجنوب، إلى أن تقابل نقطة الابتداء في مكان يسمى: (أبا القناطير) وتسمى هذه السلسلة الثانية من الجبال بـ: (حرة عويرض) ، وبين ابتداء محيط هذه السلسلة وانتهائه الطرف الشمالي لمدينة العلا.
2 - أقسام المنطقة: تنقسم هذه المنطقة حاليا إلى قسمين:
القسم الأول: ويسمى بـ: (العذيب) وهو الجزء الجنوبي منها، وفيه مركز إمارة تابع لإمارة العلا، ويعتبر ثلث المنطقة تقريبا، وهو محدود من الجهة الجنوبية: بالعلا، ومن الجنوب الشرقي والجنوب الغربي: بسلسلة الجبال القائمة، ومن الشمال: بجبال تسمى: (جبال الصينيات) ، وفيه مجموعة من المزارع التي تسقى على آبار محدثة، كما أن فيه آثار مجاري عيون أثرية معطلة، وفي جزئه الجنوبي فيما يسمى بـ: (عكمة) و (جبل دنان) كتابات أثرية، وقد استصدر دبشي بن سلطان الفقير أمرا ساميا بإقطاعه إياه، وأخذ بذلك الإقطاع صكا شرعيا من محكمة العلا.
وقد بحثت في بعض معاجم البلدان فلم أجد له تسمية فيها. مما يؤكد الظن أن تسميته بـ: (العذيب) كان في وقت متأخر.
ويجري في العذيب ثلاثة وديان: أحدها: يسمى المعتدل، ويأتي من الجهة الشرقية مما يلي الجنوب الشرقي لسلسلة الجبال المحيطة بالمنطقة،
(3/102)

ويمتد غربا، ويتصل بأدنى نخل من نخيل العلا من الجهة الشمالية، يسمى: الزهراء، ثم يستمر في الامتداد حتى يتصل بمضيق وادي الحجر.
الثاني: يضيق وادي الحجر ويأتي من الجهة الشمالية من مفرش وادي الحجر، ويمتد جنوبا حتى يتصل به وادي المعتدل، ليشكلا وادي العلا.
الثالث: وادي عشار، وهو يأتي من الجهة الغربية، ويمتد شرقا حتى يتصل بمفيض وادي الحجر قبل اتصال المفيض بوادي المعتدل.
وفي العذيب مجموعة جبال متقطعة متناثرة بيض اللون، أشهرها: عكمة ودنان، وفيهما آثار كتابات قديمة، وفي جنوبيه مما يتصل بشمال العلا قطعة أرض تسمى: (الخريبة) فيها آثار قديمة، منها ما يسمى بـ: (محلب الناقة) ، وفي الجبال الواقعة في الجنوب الشرقي منها نحوت وتماثيل وكتابات، وينقسم العذيب حاليا إلى قسمين: الوسيطى، وقرقرى، وهي تسميات محدثة حسبما أخبرنا بذلك بعض أهلها.
القسم الثاني: الحجر: وهو محدود من الجهات الشرقية والشرقية الشمالية والشمال والشمال الغربي والغرب بسلسلة الجبال القائمة، ومن الجنوب بجبال الصينيات وما حاذاها غربا وشرقا، وفيه مركز إمارة تابع إمارة العلا.
وهو يمثل ثلثي ما أحاطت به سلسلة الجبال القائمة وهو يحتوي على ما يلي:
أ- الوديان: هذه الوديان عبارة عن واد واسع، له روافد سبعة: الصريط، ويأتي من خارج السلسلة الجبلية من الجهة الشمالية للحجر، ثم وادي صدير، ثم وادي حوضا، ثم وادي ثربة، ثم وادي المنقى الأول، ثم
(3/103)

المنقى الثاني، ثم وادي شلال، وهذه الستة تفيض على أرض الحجر من تلاع داخل هذه السلسلة الجبلية من الجهة الشمالية الغربية، ومن الجهة الغربية لأرض الحجر، تجتمع هذه الروافد السبعة ليتشكل منها واد واسع المجرى، يقدر عرضه قبل انفراشه بثلاثة كيلو مترات، ينحدر هذا الوادي من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وقد قسنا عرضه قبل اتصال وادي ثربة والمنقى الأول والمنقى الثاني وشلال به- فبلغ كيلوين وربع كيلو، ثم ينفرش في أرض واسعة، تقدر مساحتها بستة كيلو مترات تقريبا في مثلها، ثم يخرج من هذا المفرش واد يتجه نحو الجنوب الغربي يتراوح عرضه بين الثمانين مترا والمائة متر، وهو ما سبقت الإشارة إليه بتسميته بـ: (مفيض وادي الحجر) وغالب مجراه واقع فيما يسمى بـ: (العذيب) . وتجدر الإشارة إلى أن نهاية تلعتي ثربة وشلال وراء سلسلة الجبال القائمة قريتين: إحداهما: ثربة، والأخرى: شلال، في كل واحدة منهما مزارع ونخيل.
ب- الجبال: هذه الجبال عبارة عن مجموعة جبال متناثرة متقاطعة بيض اللون، ومن أشهرها: جبال بثينة، والأثالث، وأبو لوحة، والخريمات، وجبال الصقليات، وجبل الحوارة، وجبل الحوير، وجبال الصينيات، تتخلل هذه الجبال كثبان من الرمال.
ج- الآثار: توجد الآثار ظاهرة للعيان الآن في منطقة تقدر مساحتها بستة كيلو مترات في أربعة، وهي عبارة عن أمور ثلاثة:
أحدها: نحو بيوت في جبال الأثالث، وبثينة، وأبو لوحة، والخريمات، وما بينها من جبال قد تدخل في مسمى: جبال الأثالث.
(3/104)

الثاني: آبار بعضها عثرت عليه البادية هناك، وأقاموا عليها مزارعهم، بعض هذه الآبار منحوت حتى الماء، وبعضها مطوي، وغالبها في مفرش الوادي وبعضها خارج عنه من الجنوب، كبئر بجوار جبل الصينية، ومن الشمال كآبار مزيلقة، وقد حفر بعضها ثم دفن بأمر من الحكومة -أعزها الله- حتى يبت في موضوع الحجر.
الثالث: آثار قصور في مفرش الوادي في جهته الجنوبية، وقد كشف سيل العام الماضي عنها، وهي محاطة بآثار سور، يظهر أنه سور مدينة، يقدر طول هذا السور بكيلو متر وعرضه نصف كيلو تقريبا، تحيط به الجبال التي فيها نحوت من جهاته الغربية والجنوبية والشرقية.
كما أن في مفرش الوادي في الجهة الشمالية منه بئرا عند محطة سكة الحديد، وعندها مبنى يقال بأنه كان معدا لاستراحة الحجاج قبل بناء محطة سكة الحديد، وحوله بركة محفورة يقدر طولها باثني عشر مترا في مثلها في عمق مترين ونصف تقريبا، يقال: بأن هذه البئر هي بئر الناقة، وأهل المنطقة لا يختلف بعضهم على بعض في أنها هي بئر الناقة، وليس في واقعها المشاهد آثار قديمة، ولعل آثار حفرها وطيها مطمور، وهي الآن عبارة عن بئر ضيقة داخل المبنى تتصل بها بئر خارجة عن المبنى تبعد عنها قرابة عشرين مترا وبجوار هذه البئر حفر مطمور يقال: بأنه البئر الثالثة، كما يقال: بأن هذه الآبار الثلاث عبارة عن بئر واحد واسعة الأرجاء، تصرفت فيها الحكومة التركية حتى صارت إلى ما هي عليه الآن.
د- المزارع والسكان: يوجد في هذا الجزء من أرض الحجر مجموعة كبيرة من المزارع والبساتين، تزيد على مائة مزرعة، غالبها تسقى من آبار
(3/105)

ثمودية، كما يوجد بها مجموعة من السكان، غالبهم بادية، وهم يشتغلون في مزارعهم ورعي مواشيهم، وفي الأوراق المتعلقة بالمسألة بيان تعدادي للمزارع قامت بإعداده اللجنة السابقة المكونة من الشيخ عبد الرحمن الخيال والشيخ محمد بن قعود.
3 - المساحات: قامت اللجنة بأخذ مساحات تقريبية بكيلو السيارة، أهمها ما يلي:
من الصينية إلى المزحم - المزحم: منفذ يخرج من محيط الحجر شمالا، يقال: بأن الناقة كانت تزحمها جباله إذا صدرت منه - واحد وعشرون كيلو متر تقريبا.
عرض مجرى الوادي قبل اجتماع أربعة من روافده كيلوان وربع، ويقدر عرضه بعد اجتماع روافده وقبل انتشاره بثلاثة كيلو متر تقريبا، ويقدر مفرش الوادي في سهول الحجر بستة كيلو مترات تقريبا في مثلها، من حافة الوادي الشمالية إلى السلسلة الجبلية شمالا يتراوح بين المتر وأربعة كيلو مترات، بمعنى: أن هذه المساحة تشكل شبه مثلث طرفا ضلعيه في الغرب.
من مدخل الحجر في شمال العلا إلى مفرش الوادي ستة عشر كيلو متر تقريبا.
طول الوادي من مفيض الصدير إلى منعرج الوادي لجهة العذيب ثلاثة وعشرون كيلو متر تقريبا.
من مدخل الحجر شمال العلا إلى المزحم - وهو أحد مخارج جبال الركب شمال الحجر - أربعة وثلاثون كيلو متر ونصف.
(3/106)

من مفيض ثربة غرب الحجر حتى مهج ظفير شرق الحجر سبعة وثلاثون كيلو متر تقريبا.
ويلاحظ أن المسافات الطويلة التي أخذت بكيلو السيارة فيها تعاريج اقتضاها خط سير السيارة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين في المائة. مما سجله عداد السيارة.
4 - الجهة الشرقية: هذه الأرض تحيط بها سلسلة الجبال القائمة، وتبلغ مساحتها عشرين كيلو متر طولا من الشمال إلى الجنوب في عشرة كيلو متر من الشرق إلى الغرب تقريبا، وهذه الأرض ليس فيها آثار ظاهرة ولا مزارع ولا سكان، والجبال فيها قليلة جدا، وقد اقتطع جزء منها ليكون مطارا للمنطقة، وليس فيها وديان غير مجرى وادي المعتدل في نهاية جنوبها، وقد سبقت الإشارة إليه في وصف الوديان الواقعة فيما يسمى بـ: (العذيب) من المنطقة.
هذا ما تيسر ذكره. وأسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
تحريرا في 6 \ 3 \ 1393هـ
عضو اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن سليمان بن منيع
(3/107)

قرار رقم (30) وتاريخ 21 \ 8 \ 1394 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على برقية سمو نائب وزير الداخلية رقم (13879) وتاريخ 11 \ 4 \ 1394 هـ الصادرة بعد صدور قرار هيئة كبار العلماء بتحريم إحياء ديار ثمود الصادر في دورتها الثالثة برقم (9) في شهر ربيع الآخر عام 1393 هـ، الموجهة لرئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بشأن الاستفسار عما يجب اتخاذه في ثمار ديار ثمود ومنتجاتها التي تم نضجها وحصادها قبل إبلاغهم بالمنع، وهل تلحق المواشي والدواجن بالثمار؟
وبناء على إدراج هذا الموضوع ضمن جدول أعمال الدورة الخامسة لهيئة كبار العلماء -عرض الموضوع في هذه الدورة المنعقدة في مدينة الطائف فيما بين 5 \ 8 \ 1394 هـ و22 \ 8 \ 1394 هـ.
وبعد دراسة الموضوع وتداول الرأي قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: لا يشمل الحكم بتحريم إحياء ديار ثمود وسكناها وتحريم مياهها- ما نشأ فيها أو جلب إليها من المواشي والدواجن، وإن تغذى بما فيها من مزارع ونبات وشرب من مياهها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعلفوا ركائبهم العجين الذي عجنوه بماء آبار ثمود، ولو كان ذلك يوجب تحريم ركائبهم عليهم ما أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يعلفوها ذلك العجين.
(3/108)

ثانيا: لا يلزم من تحريم مياهها وإحياء أرضها تحريم ثمارها؛ لأن أعيان المياه والتربة قد استحالت لأعيان أخرى هي الثمار والزروع، والاستحالة تقتضي تغيير الخواص والأحكام ونظير ذلك طهارة ما سمد من الأشجار والزروع بالنجاسات، وحل ثمارها بسبب الاستحالة، ونظيره أيضا طهارة ما تخلل بنفسه من الخمر وحل الائتدام به وبيعه وشرائه، وغيرها من أنواع الانتفاع بعد أن كان خمرا محرما شربها وبيعها وشراؤها، وذلك بسبب الاستحالة.
وأيضا للزراع فيها كسب وتسبب يوجب ملك الثمار والزروع، ومال المسلم معصوم كدمه وعرضه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه (1) » .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء. .
رئيس الدورة الخامسة
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد الرزاق عفيفي
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد
صالح اللحيدان ... عبد الله بن منيع
مخالف وله وجهة نظر مرفقة ... راشد بن خنين
__________
(1) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564) ، مسند أحمد بن حنبل (2/277) .
(3/109)

وجهة نظر في حكم ثمار ديار ثمود
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي [صحيح البخاري] سنده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وفيه بسنده إلى ابن عمر، أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
إن المتأمل في علة المنع من الاستقاء من هذه الآبار سيخرج بأحد أمرين: إما لنجاسة الماء، أو لوصف لازم له يوجب تحريمه، وجمهور أهل العلم متفقون على القول بطهارة مياه تلك الآبار؛ لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء (1) » رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: حديث بئر بضاعة صحيح. فتعين القول بأن علة المنع من ذلك وصف قائم فيه لازم له يوجب تحريمه.
وإلى نحو ذلك أشار القرطبي رحمه الله في تفسير سورة الحجر فقال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأنه ماء
__________
(1) سنن الترمذي الطهارة (66) ، سنن النسائي المياه (326) ، سنن أبو داود الطهارة (66) ، مسند أحمد بن حنبل (3/86) .
(3/110)

سخط فلم يجز الانتفاع به؛ فرارا من سخط الله، وقال: "أعلفوه الإبل" قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم، إذ لا تكليف عليها. اهـ.
وفي [الإقناع وشرحه] ما نصه: ولا يباح ماء آبار ديار ثمود غير بئر الناقة. . . إلى أن قال: فظاهره، أي: ظاهر القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود لا تصح الطهارة، أي: الوضوء والغسل به؛ لتحريم استعماله؛ كماء مغصوب، أو ماء ثمنه المعين حرام في البيع، فلا يصح الوضوء بذلك، ولا الغسل به؛ لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (1) » . . . إلى أن قال: ولا يستعمله؛ لأنه ممنوع منه شرعا فهو كالمعدوم حسا. اهـ.
وحيث اتجه القول إلى أن علة المنع: اشتماله على وصف لازم له، وهو كونه ماء سخط، فإن الثمار الناتجة من مزارع وبساتين تلك الديار المسقاة بتلك الآبار شبيهة بالطحين المعجون بماء هذه الآبار، إن لم تكن أولى منها. ذلك أن العجين بمائها مركب من أمرين: مباح، هو: الطحين، ومحرم، هو: الماء، أما الثمار فمحتواها لا يخرج عن تربة تلك الديار، ومياه آبارها، والقول باستحالة حرمة هذه المياه حينما تحولت إلى ثمار قياسا على النجاسة غير صحيح -فيما أرى- قياس مع الفارق، فإن الشيء المتنجس يزول بغسله، أو باستحالته، أما التحريم فلا يزول إلا بزوال الوصف الموجب له، كاستحالة الخمر إلى خل، فإن الوصف الموجب لتحريمها الإسكار، وباستحالتها إلى خل زال ذلك الوصف، فصارت حلالا. وتحريم مياه هذه الآبار -لكونها مياه سخط أو لأي وصف آخر-
__________
(1) صحيح مسلم الأقضية (1718) ، مسند أحمد بن حنبل (6/180) .
(3/111)

موجب للتحريم، والوصف الموجب لتحريم مياه آبار ديار ثمود وصف ملازم لها، سواء اختلطت بغيرها -كالعجين- أو شكلت مع غيرها أجساما أخرى كالثمار.
يدل على أن الحرمة لا تزول عن الشيء المحرم -وإن انتقل من حال إلى حال إلا بزوال الوصف الموجب لها- ما روى الجماعة عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه (1) » ، وما روى ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه (2) » رواه أحمد وأبو داود.
فإن حرمة الشحوم على اليهود انسحبت على أثمان أدهانها، ولم تنفعهم حيلتهم لاستباحتها، بل بقي التحريم قائما، فاستحقوا بذلك لعنة الله لاستباحته.
كما يدل على ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من أنه ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له. فذكر أن من أسباب رد الدعاء وعدم الاستجابة- أكل الحرام، وشربه، والتغذية به، مع أن أعيان هذه الأشياء المحرمة تستحيل إلى مواد أخرى بعد أكلها أو شربها، ومع ذلك لم تكن استحالتها مانعة من ملازمة الحرمة لها، ومن كون ملازمة
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2236) ، صحيح مسلم المساقاة (1581) ، سنن الترمذي البيوع (1297) ، سنن النسائي الفرع والعتيرة (4256) ، سنن أبو داود البيوع (3486) ، سنن ابن ماجه التجارات (2167) ، مسند أحمد بن حنبل (3/326) .
(2) سنن أبو داود البيوع (3488) ، مسند أحمد بن حنبل (1/247) .
(3/112)

الحرمة لها سببا في رد الدعاء ومنع الاستجابة؛ لأن الوصف الموجب لحرمتها ملازم لها.
لذلك كله فإني أرى أن لثمار مزارع وبساتين ديار ثمود حكم الطحين المعجون بمائها، وهو إطعامه الدواب.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الطائف في 20 \ 8 \ 1394 هـ
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن سليمان بن منيع
(3/113)

(4)
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء
في المعاملات وإلزام القضاة
بالحكم به
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/115)

بسم الله الرحمن الرحيم
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء
في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فبناء على ما نقله سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عن جلالة الملك فيصل -رحمه الله- بموجب خطاب سماحته رقم 11471 \ 1 \ ط وتاريخ 29 \ 6 \ 1392 هـ الموجه إلى فضيلة الأمين العام لهيئة كبار العلماء، وبناء على القرار رقم (5) وتاريخ 13 \ 8 \ 1392 هـ الصادر عن الهيئة -أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به، وضمنته الكلام على ما يأتي على الترتيب:
الأول: تمهيد.
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض.
ب- حكم تولية كل منهم القضاء.
(3/117)

ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا.
الثاني: الدواعي التي دعت إلى تأليف كتاب بعبارة سهلة يقتصر فيه على القول الراجح من أقوال الفقهاء على هيئة مواد، وإلزام القضاة العمل بما فيه.
الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا.
الرابع: أقوال فقهاء الإسلام قديما وحديثا في إلزام ولاة الأمور القضاة أن يحكموا بمذهب معين أو رأي معين فيما يرفع إليهم من الخصومات مع الأدلة.
الخامس: الآثار التي تترتب على البقاء مع الأصل، والتي تترتب على العدول عنه للدواعي الطارئة؛ لما يظن أنه المصلحة.
السادس: هل يمكن إيجاد حل لهذه المشكلة القائمة سوى إلزام القضاة أن يحكموا بما يراد تدوينه من الأقوال الراجحة، أو يتعين إلزامهم بذلك طريقا لعلاج الموقف وحل المشكلة.
السابع: مدى تصرف إمام المسلمين في الإلزام، مع أمثلة في مجال إلزامه توضح ذلك.
والله الموفق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
(3/118)

الأول: التمهيد: وفيه ثلاثة أمور:
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض.
ب- حكم تولية كل منهم القضاء.
(3/118)

ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا.
أ- الفرق بين المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمقلد المحض:
1 - قال (1) ابن عابدين نقلا عن ابن كمال باشا: الفقهاء على سبع طبقات:
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة، من غير تقليد لأحد، لا في الفروع ولا في الأصول.
الثانية: طبقات المجتهدين في المذهب؛ كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب؛ كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي -إلى أن قال-: فإنهم لا يقدرون على مخالفة الإمام، لا في الأصول ولا في الفرع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه،
__________
(1) [مجموعة رسائل ابن عابدين] ، رسالة رسم المغني (11 \ 12) .
(3/119)

فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، وعن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقاييس على أمثاله ونظائره من الفروع وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوال والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة؛ كصاحب [الكنز] ، وصاحب [المختار] ، وصاحب [الوقاية] ، وصاحب [المجمع] ، وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل.
2 - قال (1) الآمدي: أما الاجتهاد فهو في اللغة: عبارة عن استفراغ
__________
(1) [الأحكام] للآمدي (4 \ 162) .
(3/120)

الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. . ثم قال: وأما في اصطلاح الأصوليين: فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد عليه -وبعد أن شرح التعريف قال-: وأما المجتهد: فهو من اتصف بصفة الاجتهاد -وبعد أن ذكر الشرط الأول من شرطي المجتهد المطلق قال- الشرط الثاني: أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها المعتبرة فيها على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها وكيفية استثمار الأحكام منها قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال من الاعتراضات الواردة عليها. . . إلى أن قال: هذا كله يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها، ولا يضره جهله في ذلك بما لا تعلق له به مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية. كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المستكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر.
3 - قال (1) محمد الأمين الجنكي الشنقيطي ما حاصله: المجتهد المطلق الناظر في الأدلة الشرعية من غير التزام مذهب إمام معين؛ كالأئمة
__________
(1) [مراقي السعود وشرحها] ، طبعة المدني.
(3/121)

الأربعة، وأما مجتهد المذهب فهو مجتهد أصوله أصول إمام مذهبه، سواء كانت منصوصة للإمام المقلد أم مستنبطة من كلامه، فكثيرا ما يستخرج أهل المذهب الأصول- أي: القواعد وفاقية أو خلافية -من كلام إمامهم وشرطه المحقق له: أن يكون له قدرة على استنباط الأحكام من نصوص ذلك الإمام الملتزم هو له، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه؛ لوجود معنى ما نص عليه فيه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى أو استنبطه هو من كلامه، أو كأن يستخرج حكم المسكوت عنه من عموم ذلك أو قاعدة ذكرها، وأما مجتهد الفتيا فهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من أن يرجح قولا على قول آخر لم ينص ذلك الإمام على ترجيح واحد منهما، والمجتهد في المذهب أعلى رتبة من مجتهد الفتوى، والمقلد هو القائم بحفظ المذهب وفهمه في الواضح والمشكل العارف بعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، المستوفي لحفظ ما فيه من الروايات والأقوال، وعلم خاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها. قال: نحو هذا نقله الخطاب، وقال: العلم بذلك متعذر، والظاهر أنه يكفي في ذلك غلبة الظن بأن وجد المسألة في التوضيح، وفي ابن عبد السلام. انتهى كلامه، وهذا له أن يفتي في حدود ما نقل مستوفى، وفيما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق وكذا ما يعلم اندراجه تحت قاعدة من مذهبه، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به، ولا بد أيضا من شدة الفهم وكونه ذا حظ كبير من الفقه.
(3/122)

4 - قال (1) شيخ الإسلام نقلا عن ابن الصلاح، وذلك بعد أن ذكر كلاما في المجتهد المطلق يتفق مع ما ذكره الآمدي قال:
وللمفتي المنتسب أحوال أربع:
أحدهما: ألا يكون مقلدا لإمامه، لا في المذهب ولا في دليله، وإنما انتسب إليه؛ لسلوك طريقه في الاجتهاد. . إلخ، وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل ويعتبر بها في الإجماع والخلاف.
الحال الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه، يستقل بتقرير مذهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، ولا بد أن يكون عالما بأصول الفقه، لكنه قد أخل ببعض الأدوات؛ كالحديث واللغة، فإذا استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له، ولا يستوفي النظر في شروطه، وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها، كما يفعل المجتهد المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه. قال: والذي رأيت من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا، قال: وأقول: يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى، ولا يتأدى به إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى؛ لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ على جواز تقليد الميت وهو الصحيح، وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة، أو باب خاص، ويجوز له أن يفتي فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع
__________
(1) [المسودة] ص (546) ، ويرجع أيضا إلى [المجموع شرح المهذب] (1 \ 70) وما بعدها.
(3/123)

المفتين من مدد مديدة، وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة، وهو أقدر والمستفتي فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له، قطع به أبو المعالي، قال: وأنا أقول: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي (في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبيه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا؟) .
والذي اختاره أبو إسحاق: أنه لا ينسب إليه؛ قال: وتخريجه تارة من نص معين، وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه، والأولى إذا وجد نص بخلافه يسمى ما خرجه: قولا مخرجا، وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك ينسى وجها، وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا، وإن لم يعلم العلة الجامعة، كالأمة مع العبد في السراية، ومهما أمكن الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما، وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق.
الحال الثالثة: أن يكون حافظا للمذهب، عارفا بأدلته، لكنه قصر عن درجة المجتهدين في المذهب؛ لقصور في حفظه أو تصرفه أو معرفته بأصول الفقه، وهي مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة، قصروا عن الأولين في تمهيد المذهب، وأما في الفتوى فبسطوا بسط أولئك، وقاسوا على المنقول والمسطور غير مقتصرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق.
الحال الرابعة: أن يحفظ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها غير أنه مقتصر في تقرير أدلته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في
(3/124)

نصوص الإمام وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه، وما لم يجده منقولا؛ فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فصل يمكن، كالأمة بالنسبة للعبد في سراية العتق، أو علم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب- جاز له إلحاقه والفتوى به، وإلا فلا، قال: ويندر عدم ذلك، كما قال أبو المعالي، بعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هو في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه، ولا بد في هذا أن يكون فقيه النفس يصور المسائل على وجهها، وينقل أحكامها بعد استتمام تصويرها، جليها وخفيها، قال: ولا تجوز الفتوى لغير هؤلاء الأصناف في الفقه: أنه يجب عليه الاستفتاء. انتهى.
5 - قال (1) علي بن سليمان المرداوي ما ملخصه: المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام:
مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.
القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء على ما تقدم هناك، إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها، ولا يتقيد بمذهب أحد، وقيل يشترط أن يعرف أكثر الفقه،
__________
(1) [الإنصاف] (12 \ 258) وما بعدها.
(3/125)

وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك. وقيل: المفتي: من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يسر من غير تعلم آخر.
القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره:
وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه. . . وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
الحالة الثاني: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه، مستقلا بتقريره بالدليل، ومضى في الكلام. . . إلى أن قال: والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط. فهذه صفة المجتهدين أرباب الأوجه والتخاريج والطرق.
الحالة الثالثة: ألا يبلغ به رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره ونصرته، يصور ويحرر، ويمهد ويقوي، ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك؛ إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن طرف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإما
(3/126)

لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف، بها يشتغل الناس اليوم غالبا، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب.
وأما فتاويهم فقد كانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو نحوه ويقيسون غير المنقول على المنقول والمسطور. . ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه. وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه، أو احتمال، وفتاويهم مقبولة.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه، من منصوصات إمامه، وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. . . ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس. . . ويكفي استحضاره أكثر المذاهب، مع قدرته على مطالعة بقيته.
القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم، فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره، وعليه الأصحاب.
القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو مسألة وليس له الفتوى في غيرها.
6 - قال ابن القيم (1) : المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى -أربعة
__________
(1) [إعلام الموقعين] (4 \ 184) .
(3/127)

أقسام.
أحدهم: العالم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت. . . إلخ.
النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه في الحكم ولا في الدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. . . إلخ.
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكنه لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البتة. . . إلخ.
النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه، فأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. . . إلخ.
ففتاوى القسم الأول: من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني: من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث، والرابع: من جنس توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعطه متشبه بالعلماء، محاك للفضلاء.
(3/128)

ب- حكم تولية كل منهم القضاء
أما حكم تولية كل منهم القضاء فمختلف تبعا لاختلاف أحوالهم:
(3/128)

أ- المذهب الحنفي:
1 - قال (1) علي بن خليل الطرابلسي في الكلام على الركن الأول في شروط القضاء- قال: وإذا أراد الإمام تولية أحد اجتهد لنفسه وللمسلمين. . . ومضى إلى أن قال: وأهل القضاء: من كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين بعثه قاضيا إلى اليمن: «بم تقضي يا معاذ؟ (2) » . . . الحديث، ولأن القاضي مأمور بالقضاء بالحق، إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن الحوادث ممدودة، والنصوص معدودة فلا يجد القاضي في كل حادثة نصا يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك إذ كان عالما بالاجتهاد. . . ومضى إلى أن قال: ولا ينبغي أن يكون صاحب حديث لا فقه عنده، أو صاحب فقه لا حديث عنده، عالما بالفقه والآثار، وبوجه الفقه الذي يؤخذ منه الحكم.
قال عمر بن عبد العزيز: من راقب الله تعالى فكانت عقوبته أخوف في نفسه من الناس وهبه الله السلامة.
2 - قال (3) الكاساني في الكلام على من يصلح للقضاء بعد أن ذكر جملة من الشروط: وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز، بل شرط الندب والاستحباب، وعند أصحاب الحديث كونه عالما بالحلال والحرام وسائر الأحكام، مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك- شرط جواز التقليد، كما قالوا
__________
(1) [معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام] ص (13) .
(2) سنن الترمذي الأحكام (1327) ، سنن أبو داود الأقضية (3592) ، مسند أحمد بن حنبل (5/236) ، سنن الدارمي المقدمة (168) .
(3) [بدائع الصنائع] (7 \ 3) .
(3/129)

في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به -وبعد سياقه الحديث: "القضاة ثلاثة" قال: إلا أنه لو قلد جاز عندنا؛ لأنه يقدر على القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده جائزا في نفسه، فاسد المعنى في غيره، والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم عندنا مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع، وهو كالبيع الفاسد، إنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم كذا هذا. انتهى.
3 - قال (1) عثمان بن علي الزيلعي على قول صاحب [الكنز] : (والاجتهاد شرط الأولوية- قال: - لأنه أقدر على الحكم بالحق، واختلفوا في حد الاجتهاد. قيل: أن يعلم الكتاب بمعانيه، والسنة بطرقها، والمراد يعلمها على ما يتعلق به الأحكام منه، ومعرفة الإجماع والقياس؛ ليمكنه استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها بطريقها.
ولا يشترط معرفة الفروع التي استخرجها المجتهدون بآرائهم، وقال بعضهم: يشترط مع هذا: أن يكون عارفا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف؛ كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما من المجتهدين، وقال بعضهم: من حفظ المبسوط ومذهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد، والأشبه أن يقال: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه يعرف معاني الآثار،
__________
(1) [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] (4 \ 176) .
(3/130)

وصاحب فقه له معرفة بالحديث؛ كيلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: لا بد مع هذا من أن يكون صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس؛ لأن كثيرا من الأحكام مبني عليها. انتهى.
ب- المذهب المالكي:
1 - يشترط (1) في القاضي أن يكون مجتهدا، فلا تنعقد إلا له إن وجد، وإلا فمقلد، ويجب عليه العمل بالمشهور في مذهب إمامه، واعلم أنه أراد بالمجتهد المطلق، وأما غير المطلق فهو داخل في المقلد، وهو قسمان: مجتهد مذهب، وهو الذي يقدر على إقامة الأدلة، ومجتهد الفتوى، وهو الذي يقدر على الترجيح، وما ذكره من أن تولية المقلد مع وجود المجتهد باطل قول، والقول الآخر: أنها صحيحة، وعليه طائفة أيضا، كالمازري وغيره، وعليه العمل في زمن مالك وغيره ممن قبله وممن بعده من المجتهدين، فكان ينبغي الاقتصار عليه.
2 - يشترط في صحة تعيين القاضي: أن يكون مجتهدا مطلقا إن وجد، وإلا فمجتهد مذهب أو فتوى، وهو الذي يضبط المسائل المنقولة ويقوى على استخراج ما ليس فيه نص بقياس على المنقول في مذهب إمامه وباعتبار قاعدة كلية، وقيل: الاجتهاد المطلق شرط كمال التولية وتقديم الأمثل، وهو مجتهد المذهب على المقلد المحض ليس بشرط صحة في
__________
(1) [حاشية علي الصعيدي في باب الأقضية على أبي الحسن على الرسالة] لابن أبي زيد (2 \ 278) وما بعدها.
(3/131)

التولية على الأصح، بل قال بعضهم: يصح تولية غير العالم حيث شاور العلماء.
ج- المذهب الشافعي:
1 - قال الماوردي: ولا يجوز أن يقلد القضاء من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده، وينفذ بها حكمه وهي سبعة. . . إلى أن قال: والشرط السابع: أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، وعلمه يشتمل على أصولها، والارتياض بفروعها. ثم فصل الكلام بما ينطبق على المجتهد المطلق. ثم قال بعد ذلك: فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي، وجاز له أن يستفتى ويستقضى، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطأ كان تقليده باطلا، وحكمه -وإن وافق الصواب- مردود، وتوجه الحرج فيما قضى به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء، وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد؛ ليستفتى في أحكامه وقضاياه، والذي عليه جمهور الفقهاء: أن ولايته باطلة، وأحكامه مردودة، ولأن التقليد في فروع الشريعة ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه. ثم قال: ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة؛ لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه. فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي
(3/132)

حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة، ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضاء والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة، وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور، والاجتهاد فيها مستحق. وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أداه اجتهاده إليه، وإن خالف ما تقدم من حكمه، فإن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في المشتركة بالتشريك في عام، وترك التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي؟ فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي.
2 - وبعد (1) أن ذكر الرملي: أن الاجتهاد شرط في تولية القضاء، قال بعد ذلك: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد وهو: من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى. . . ومضى إلى أن قال: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، إما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد، كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له
__________
(1) [نهاية المحتاج] (8 \ 240) .
(3/133)

الاجتهاد مع النص (فإن تعذر جمع هذه الشروط) أو لم يتعذر، كما هو ظاهر مما يأتي فذكر التعذر تصوير لا غير (فولى السلطان أو من له شوكة) . . . (فاسقا أو مقلدا) (ولو جاهلا) نفذ قضاؤه الموافق لمذهبه المعتد به، وإن زاد فسقه (للضرورة) لئلا تتعطل مصالح الناس. . . ويجب عليه رعاية الأمثل فالأمثل؛ رعاية لمصلحة المسلمين، وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد، وإلا نفذت تولية المقلد، ولو من غير ذي الشوكة. . . ومعلوم أنه يشترط في غير الأهل معرفة طرف من الأحكام. . . ويلزم قاضي الضرورة بيان مستنده في سائر أحكامه، كما أفتى بذلك الوالد رحمه الله، ولا يقبل قوله: حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وكأنه لضعف ولايته. انتهى المقصود.
د- المذهب الحنبلي:
1 - قال (1) في [المنتهى وشرحه] : فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا. . . إلى أن قال: وعلى الإمام أن يختار لذلك أفضل من يجده علما وورعا؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح لهم.
2 - وقال (2) أيضا: وله أن يولي قاضيا من غير مذهبه.
3 - وقال (3) أيضا بعد ذكره لشروط الاجتهاد: فمن عرف أكثر ذلك فقد صلح للفتيا والقضاء؛ لتمكنه من الاستنباط والترجيح بين الأقوال، قال في
__________
(1) [المنتهى وشرحه] (3 \ 459) ، ويرجع أيضا إلى [الإنصاف] (12 \ 155) .
(2) [المنتهى وشرحه] (3 \ 463) .
(3) [المنتهى وشرحه] (3 \ 467) .
(3/134)

(آداب المفتي) : ولا يضر جهله بذلك؛ لشبهة أو إشكال، لكن يكفيه معرفة وجوه دلالة الأدلة، وكيفية أخذ الأحكام من لفظها ومعناها، وزاد ابن عقيل في [التذكرة] ، ويعرف وجوه الاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبه المخالف، وإقامة الدليل على مذهبه.
4 - وقال (1) أبو يعلى: فأما ولاية القضاء فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت فيه سبع شرائط. . . ومضى إلى أن قال: فإذا عرف ذلك صار من أهل الاجتهاد، ويجوز له أن يفتي ويقضي، ومن لم يعرف ذلك لم يكن من أهل الاجتهاد، ولم يجز له أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء كان حكمه باطلا، وإن وافق الصواب؛ لعدم الشرط.
5 -قال (2) الخرقي رحمه الله: ولا يولى قاض حتى يكون بالغا عاقلا مسلما حرا عادلا عالما فقيها ورعا.
6 - قال (3) ابن قدامة رحمه الله: الشرط الثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين.
ولنا قول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (4) ولم يقل
__________
(1) [الأحكام السلطانية] (45، 46) .
(2) [المغني والشرح] (11 \ 380) .
(3) [المغني والشرح] (11 \ 382) وما بعدها.
(4) سورة المائدة الآية 49
(3/135)

بالتقليد، وقال: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (1) وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (2) وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار (3) » رواه ابن ماجه. والعامي يقضي على جهل.
ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى. . . ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم.
وبعد أن شرح الاجتهاد قال: وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه. فإن قيل: هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز اشتراطها؟ قلنا: ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وخير الناس بعده في حال إمامتهما يسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة يسألان الناس فيخبران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل
__________
(1) سورة النساء الآية 105
(2) سورة النساء الآية 59
(3) سنن أبو داود الأقضية (3573) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2315) .
(3/136)

الناس، ثم قام فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدة؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. وسأل عمر عن إملاص المرأة؟ فأخبره المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة، ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم، فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة الاجتهاد، فلا تكون شرطا له، وهو سابق عليها.
وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل. . . ثم قال: وإنما المعتبر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا، له الفتيا وولاية الحكم إذا وليه. انتهى.
7 - يشترط (1) فيمن يولى القضاء: أن يكون مجتهدا مطلقا إن تيسر وإلا جاز تولية مجتهد مذهب للحاجة، فإن لم يتيسر جاز تولية المقلد للحاجة، وإلا تعطلت أحكام الناس. اهـ.
8 - جاء في [الكشاف] (2) في أثناء الكلام على شروط القاضي (مجتهدا) إجماعا ذكره ابن حزم؛ ولأنهم أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله؛ لأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله، ولا المفتي (3) لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا، فالحاكم أولى (ولو) كان اجتهاده (في مذهب
__________
(1) [الإنصاف] (11 \ 177، 178) .
(2) [كشاف القناع عن متن الإقناع] (6 \ 237) .
(3) قوله: (ولا المفتي) ، وفي [المغني] : (ثم المفتي) .
(3/137)

إمامه) (إذا لم يوجد غيره) (لضرورة) لكن في [الإفصاح] : أن الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم، ثم ذكر أن الصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: إنه لا يجوز تولية غير مجتهد فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقرت عليه هذه المذاهب.
وقال الموفق في خطبة [المغني] : النسبة إلى إمام في الفروع، كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة (واختار في [الإفصاح والرعاية] : أو مقلدا) .
قال في [الإنصاف] : (وعليه عمل الناس من مدة طويلة، وإلا تعطلت أحكام الناس، وكذا المفتي) .
قال ابن يسار: ما أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها، وظاهر نقل عبد الله مفت غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة (فيراعي كل منهما ألفاظ إمامه) و (يراعي من أقواله) متأخرا، ويقلد كبار مذهب في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ولا يخرج عن الظاهر عنه.
9 - وقال (1) شيخ الإسلام ابن تيمية: وسئل بعض العلماء إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟
فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (28 \ 259) .
(3/138)

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا، أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا أو يجوز أن يكون مقلدا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما يتيسر؟ على ثلاثة أقوال. . . إلخ.
10 - وقال (1) أيضا: وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان. . . كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وجاء (2) معنى ذلك عن ابن القيم رحمه الله.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (28 \ 388) ، ويرجع أيضا إلى [السياسة الشرعية] ص (66) .
(2) [إعلام الموقعين] (1 \ 114) ، وما بعدها، طبعة المدني.
(3/139)

ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا.
أ- المذهب الحنفي:
1 - قال (1) ابن عابدين: لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا نفذ عنده، وفي العامد روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح. قال في [الفتح] : والوجه الآن: أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، أما القاضي المقلد، فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم.
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (4 \ 498) .
(3/139)

2 - وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير مذهبه ما نصه: وحاصل هذه المسألة: أنه يشترط لصحة القضاء: أن يكون موافقا لرأيه -أي: لمذهبه- مجتهدا كان أو مقلدا، فلو قضى بخلافه لا ينفذ، لكن في [البدائع] : إذا كان مجتهدا ينبغي أن يصح، ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير. انتهى.
3 - وقال (1) أيضا تحت مطلب الحكم بما خالف الكتاب والسنة والإجماع: قلت: لكن قد علمت: أن عدم النفاذ في متروك التسمية بني على أنه لم يختلف فيه السلف، وأنه لا اعتبار بوجود الخلاف بعدهم، وحينئذ فلا يفيد احتمال الآية أوجها من الإعراب. نعم على ما يأتي من تصحيح اعتبار اختلاف من بعدهم يقوي ما في هذا البحث ويؤيده ما في الخلاصة من أن القضاء بحل متروك التسمية عمدا جائز عندهما، لا عند أبي يوسف، وكذا ما في [الفتح] عند [المنتقى] من أن العبرة في كون المحل مجتهدا فيه اشتباه الدليل لا حقيقة الخلاف.
4 - (ويأخذ) (2) القاضي، كالمفتي (بقول أبي حنيفة على الإطلاق، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر والحسن بن زياد (وهو الأصح) منية وسراجية وعبارة النهر، ثم بقول الحسن فتنبه، وصحح في [الحاوي] اعتبار قوة المدرك، والأول أضبط. نهر (ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، بل المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه، وينقض، هو المختار للفتوى، كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . .
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (5 \ 400) .
(2) [تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار، عليه حاشية ابن عابدين] (5 \ 360، 361) .
(3/140)

وفي القهستاني وغيره.
اعلم أن كل موضع قالوا: الرأي فيه للقاضي، فالمراد: قاضي له ملكة الاجتهاد. انتهى، وفي الخلاصة: وإنما ينفذ القضاء في المجتهد فيه إذا علم أنه مجتهد فيه وإلا فلا.
5 - قال ابن عابدين على قول صاحب الدر: (والأول أضبط) قال: لأن ما في [الحاوي] خاص فيمن له اطلاع على الكتاب والسنة، وصار له ملكة النظر في الأدلة، واستنباط الأحكام منها، وذلك هو المجتهد المطلق، أو المقيد، بخلاف الأول، فإنه يمكن لمن هو دون ذلك.
وقال أيضا على قول صاحب [تنوير الأبصار] : (ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا) أي: لا يجوز له مخالفة الترتيب المذكور، إلا إذا كان له ملكة يقتدر بها على الاطلاع على قوة المدرك، وبهذا رجع القول الأول إلى ما في [الحاوي] من العبرة في المفتي المجتهد؛ لقوة المدرك، نعم فيه زيادة تفصيل سكت عنها [الحاوي] ، فقد اتفق القولان على أن الأصح: هو أن المجتهد في المذهب من المشايخ الذين هم أصحاب الترجيح لا يلزمه الأخذ بقول الإمام على الإطلاق، بل عليه النظر في الدليل وترجيح ما رجح عنده دليله، ونحن نتبع ما رجحوه واعتمدوه، كما لو أفتوا في حياتهم. . إنه إن لم يكن مجتهدا فعليه تقليدهم واتباع رأيهم، فإذا قضى بخلافه لا ينفذ حكمه.
6 - قال (1) الكاساني: فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن عرف
__________
(1) [بدائع الصنائع] (7 \ 5) .
(3/141)

أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق- عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد: فمن أصحابنا من قال: له أن يأخذ بقوله، ونرجو ألا يكون عليه شيء؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه مست الضرورة إلى الأخذ بقوله، قال الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1) ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه قضى بما هو باطل عنده في اعتقاده فلا ينفذ، كما لو كان مجتهدا فترك رأي نفسه وقضى برأي مجتهد يرى رأيه باطلا - فإنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه قضى بما هو باطل في اجتهاده، كذا هنا، ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء على ظن أنه مذهب نفسه ثم تبين أنه مذهب خصمه ذكر في [شرح الطحاوي] : أن له أن يبطله، ولم يذكر الخلاف؛ لأنه إذا لم يكن مجتهدا تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقا فتبين أنه وقع باطلا، كما لو قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه.
7 - قال (2) علي بن خليل الطرابلسي في معرض بحثه الركن الثاني من أركان القضاء، والمقضي به، واجتهد القاضي في القضاء- قال ما نصه: ثم لا بد من معرفة فصلين: أحدهما: إذا اتفق أصحابنا في شيء قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله: لا ينبغي للقاضي أن يخالفهم
__________
(1) سورة النحل الآية 43
(2) [معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام] ص (26) ، طبعة بولاق.
(3/142)

برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم، فإن أبا يوسف كان صاحب حديث حتى روي أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان يحفظ من المنسوخ هذا القدر، فما ظنك بالناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضا، ومحمد صاحب قريحة يعرف أحوال الناس وعاداتهم، وصاحب فقه ومعنى؛ ولهذا قل رجوعه في المسائل، وكان مقدما في معرفة اللغة، وله معرفة في الأحاديث أيضا.
وأبو حنيفة رحمه الله كان مقدما في ذلك كله، إلا أنه قلت روايته لمذهب خاص له في باب الحديث، وهو أنه إنما تحل رواية الحديث عنده إذا كان يحفظ الحديث من حين سمع إلى أن يروى. ثم ذكر بعد ذلك طريقة الأخذ فيما إذا اختلف بعضهم عن بعض.
8 - وقال (1) أيضا في معرض بحثه نقض القاضي أحكام نفسه- قال ما نصه:
وذكر القاضي أبو بكر الرازي الخلاف فيما إذا قضى بخلاف مذهبه وقد نسيه، فأما متى حكم بخلاف مذهبه حال ذكر مذهبه لا يجوز حكمه بالإجماع. . أما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره، ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى هل ينقض قضاؤه؟ قال محمد: ينقض قضاؤه؛ لأن رأيه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص؛ لأنه
__________
(1) [معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام] ص (28) ، طبعة بولاق.
(3/143)

يوجب القضاء عليه، كالنص، ولو قضى برأيه ثم تبين نص بخلافه ينقض قضاؤه، فكذا هذا، وقال أبو يوسف: لا ينقض.
ب- المذهب المالكي:
1 - ويجب (1) على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي، فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم - فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه، حتى قيل: ليس مقلده رسولا أرسل إليه، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة.
2 - وسئل القرافي: هل يجب على الحاكم ألا يحكم إلا بالراجح عنده، كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده، أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده؟
فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور من مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده، مقلدا في رجحان القول المحكوم به
__________
(1) [الشرح الكبير والدسوقي على مختصر خليل] (4 \ 130) .
(3/144)

إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا، فحرام إجماعا. . . إلخ.
3 - جاء في [الشرح الكبير والدسوقي] ما ملخصه: ونقض القاضي ما تبين له خطؤه من أحكامه أو أحكام غيره وبين السبب، فهذا إما مطلقا أو مجتهد مذهب، وذلك فيما إذا خالف نصا قاطعا أو جليا من كتاب أو سنة أو خالف إجماعا، وله أمثلة كثيرة، منها: ما لو خرج عن رأيه إذا كان مجتهدا وادعى أنه أخطأ؛ فينقضه فقط. وأما لو ثبت ببينة أنه أخطأ أو بقرينة؛ فإنه ينقضه هو وغيره، أو خرج المقلد عن رأي إمامه خطأ وادعى أنه أخطأ وصار ما حكم به قول عالم وقد كان قاصدا الحكم بقول غيره وكان مفوضا في الحكم بأي قول قوي من أقوال علماء مذهبه- فينقضه فقط.
وأما إن صادف حكمه قول غير عالم لم يقصد الحكم بقول عالم معين، أو قصد الحكم بقول عالم فحكم بغيره- فينقض حكمه هو وغيره، وإن تجدد المماثل فالاجتهاد فيها مطلوب إن كان الحاكم مجتهدا، وإن كان مقلدا فلا يتعدى حكمه الأول أيضا إلى المماثل، بل يحكم بمثل ما حكم به أولا؛ لحكمه بقول إمامه دائما، إلا أن يكون من أهل الترجيح في المذهب فله مخالفة الأول، إن ترجح عنده مقابله.
ج- المذهب الشافعي:
1 - قال (1) النووي وجلال الدين المحلي: (ويحكم باجتهاده إن كان
__________
(1) [المحلى على المنهاج] (4 \ 297) .
(3/145)

مجتهدا أو اجتهاد مقلده) بفتح اللام (إن كان مقلدا) بكسرها حيث ينفذ قضاء المقلد.
2 - وقال (1) قليوبي على قول النووي: (أو اجتهاد مقلده) أي: المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده، ولا يجوز له الحكم بغير مذهبه.
3 - وقال (2) الرملي على قول النووي: (مجتهد) قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد. . . ومضى إلى أن قال بعد بيان صفة المجتهد المطلق: اجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد، كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص.
4 - قال (3) الإمام فخر الدين في كتابه [ملخص البحر] : لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي، واقتصر عليه في الروضة وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه، فإن فعل نقض لفقد الاجتهاد، وكذا في أدب القضاء للغزي كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من
__________
(1) [قليوبي على المنهاج] (4 \ 298) .
(2) [نهاية المحتاج على المنهاج] (8 \ 240) ، ويرجع أيضا إلى ص (242) .
(3) [مجموع المنقور] (2 \ 152) .
(3/146)

حفظ مذهب إمام ونصوصه، لكن عاجز عن تقويم -وفي نسخة تقديم- أدلته غير عارف بغوامضه. اهـ بواسطة المنقور.
د- المذهب الحنبلي:
سبقت نقول عن ابن قدامة رحمه الله وغيره من الحنابلة على هذه المسألة في أثناء الكلام على حكم التولية للمجتهد ومن ذكر معه.
وفيما يلي نقول أخرى:
1 - وعلى المقلد (1) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه، كمخالفة المفتي نص الشارع.
وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعا، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له أو عليه إجماعا.
2 - فوائد (2) ملخصها: لو أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره إجماعا، وإن لم يجتهد لم يجز أن يقلد غيره أيضا مطلقا، على الصحيح من المذهب.
قال ابن مفلح في أصوله: قاله أحمد وأكثر أصحابه. وعنه يجوز مع ضيق الوقت، وقيل: يجوز تقليد من هو أعلم منه، وفي هذه المسألة للعلماء عدة أقوال غير ذلك، وليس لمن انتسب إلى مذهب إمام في مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير فيعمل أو يفتي بأيهما شاء، بل إن علم
__________
(1) [الإنصاف] (11 \ 179) .
(2) [الإنصاف] (11 \ 184) وما بعدها.
(3/147)

بتاريخ القولين عمل بالمتأخر منهما. إذا وجد من ليس أهلا للتخريج والترجيح بالدليل اختلافا بين أئمة المذهب في الأصح من القولين أو الوجهين- فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة؛ لزيادة الثقة بآرائهم. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: الناظر المجرد يكون حاكيا لا مفتيا.
وقال في [آداب عيون المسائل] : إن كان الفقيه مجتهدا يعرف صحة الدليل كتب الجواب عن نفسه، وإن كان ممن لا يعرف الدليل، وقال: مذهب الإمام أحمد كذا. مذهب الشافعي كذا، فيكون مخبرا لا مفتيا.
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: طاعة غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع، وقال أيضا: إن خالفه لقوة الدليل وزيادة علم أو تقوى فقد أحسن ولا يقدح في عدالته بلا نزاع، وقال أيضا: بل يجب في هذه الحال، وأنه نص الإمام أحمد رحمه الله، وهو ظاهر كلام ابن هبيرة.
3 - ومن حاشية (1) ابن قندس قوله: (فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه. . . إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليد غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليد غيره وهذا هو اللائق لقضاة
__________
(1) [مجموع المنقور] (2 \ 188) .
(3/148)

الزمان؛ ضبطا للأحكام، ومنعا من الحكم بالتشهي، فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكمه بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء، ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية، فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك، فيرتفع الخلاف. . . إلى أن قال: وظاهره: أن المقلد يجب عليه العمل بقول من يقلده وهو إمامه، وأن لا يخرج عن قوله. . . إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص الشارع. . . إلى أن قال: قال النووي في [الروضة] : فرع: إذا استقضى مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء، بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء لا ينقض، ثم قال: الذي تقرر: أن مذهبنا إن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه، بخلاف الشافعية فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قاله شيخنا) .
4 - قال شيخ الإسلام: وأولو الأمر صنفان: الأمراء، والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله
(3/149)

ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة- كان هو الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت وعجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك- فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.
(3/150)

الخلاصة
يتلخص من النقول المتقدمة ما يأتي:
أولا: إن المجتهد المطلق هو: من لديه قدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، بناء على أصول ارتضاها لنفسه، وليس تابعا فيها لغيره، فكان بذلك أهلا للإفتاء والقضاء، وكان رأيه معتدا به في الوفاق والخلاف، وإذا ولاه إمام المسلمين أو نائبه القضاء وجب عليه أن يحكم بما وصل إليه باجتهاده فيما رفع إليه من القضايا، ونفذ فيه حكمه، وارتفع به الخلاف في القضايا الاجتهادية التي حكم فيها.
ثانيا: المجتهد المنتسب: هو من انتمى إلى مجتهد مستقل لسلوكه طريقه في الاجتهاد، من غير أن يكون مقلدا له في قوله أو في دليله، وحكمه حكم المجتهد المطلق في أهليته للقضاء والحكم في القضايا باجتهاده. . . إلى آخر ما تقدم في المجتهد المطلق.
ثالثا: المقلد المتعلم هو: المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من تقرير أدلته على ما عرف عن إمامه أو عن أصحابه، العارف بمطلق الآراء في المذهب ومقيدها، عامها وخاصها، وغامضها وواضحها، لكنه لم يبلغ
(3/150)

درجة التخريج أو الترجيح، وهذا يجوز أن يولى القضاء للضرورة، وعليه أن يحكم بالراجح في مذهب إمامه الذي انتسب إليه وعرف تفاصيل مذهبه، فإن فعل ذلك نفذ حكمه، وإن حكم بالضعيف في مذهب إمامه أو حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه؛ لبطلانه، فإنه يعتقد صحة مذهب إمامه، وتقديم الراجح في مذهبه، فإذا حكم بخلاف ذلك كان حاكما بغير ما يعتقد، فكان حكمه باطلا، وعليه أن يبين مستنده في جميع أحكامه، وقيل: لا يجوز توليته القضاء، فإن قلده الإمام القضاء كانت توليته القضاء باطلة، وكان حكمه باطلا، وإن وافق الراجح في مذهب إمامه، وكانت التبعة في ذلك عليه؛ لقبوله ما ليس أهلا له وعلى من ولاه لتوليته إياه، وذهب الماوردي وجماعته إلى جواز حكم المقلد بغير مذهب إمامه، وجمع بينهما الأذرعي بحمل كل من القولين على حال من أحوال المقلد.
رابعا: مجتهد المذهب وهو: من له قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي انتسب إليه، أو استنباطها من قواعد إمامه منصوصة أو مستنبطة من كلامه، أو استنباطها بالقياس على منصوصه لشبه معتبر بينهما، أو لعدم وجود فارق مؤثر، وله قدرة أيضا على الترجيح بين الروايات والأقوال والوجوه.
وهذا بأنواعه له شبه بالمجتهد المطلق من ناحية قدرته على استنباط الأحكام في الجملة، وله شبه بالمقلد من ناحية وقوفه عند أصول إمامه، والتزامه لطريقته في التخريج والترجيح؛ ولذا اختلف في حكم توليته القضاء: فمن غلب جهة شبهه بالمجتهد المطلق أجاز توليته القضاء، ولو مع وجود المجتهد
(3/151)

المطلق، فتصح ولايته، ويقضي ما ترجح لديه من الآراء، وحكمه نافذ ورافع للخلاف فيما حكم فيه من القضايا، ومن غلب فيه جهة شبهه بالمقلد، وسماه: مقلدا، وإن كان تقليده غير محض، لم يصحح ولايته إلا عند عدم وجود مجتهد مطلق، والمعتمد الأول عند كثير من الفقهاء، ولكن ينبغي تولية الأمثل فالأمثل. خامسا: مجتهد الفتوى وهو: من لديه قدرة على الترجيح بين الأقوال أو الروايات والوجوه المروية عن الإمام أو أصحابه، ولا قوة له على التخريج على أقوالهم أو من القواعد والأصول المعتبرة في المذهب إلا ما كان قياسا مع عدم الفارق المؤثر، وما وضح اندراجه في قواعد المذهب وأصوله، وما كان تفصيلا لقول مجمل ذي وجهين وحكم محتمل لأمرين منقول عن إمام المذهب أو أحد أصحابه المجتهدين فإنه يقوى على مثل ذلك.
وهذا القسم وإن كان في المرتبة دون من قبله من مجتهدي المذهب، إلا أنه ملحق به في حكم توليته القضاء، وما يحكم به ونفاذ حكمه ورفعه للخلاف في القضية التي حكم فيها.
(3/152)

الثاني: الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به:
لما كان علماء الصحابة والتابعين من ذوي البصيرة وكمال الفقه في الشريعة والأمانة في الدين، وكانوا أبعد الناس عن اتباع الهوى ومواطن الريبة، ولم تكن شقة الخلاف بينهم واسعة، ولا التباين في الآراء كثيرا فاشيا- وثق الناس بفتواهم، واطمأنت نفوسهم إلى قضائهم، ورضوا بحكمهم فيما بينهم من نزاع في المعاملات، وبذلك انحلت
(3/152)

مشاكلهم، ولم تداخلهم الريب والظنون، ولم يفكر أحد من العلماء أو الحكام في تدوين أحكام تختار، ليلزم القضاة بالحكم بها في قضايا النزاع، والفصل على ضوئها في الخصومات.
ولما ضعفت القريحة، وقصر النظر، وبعدت شقة الخلاف بين العلماء، وكثرت آراؤهم، وتباينت فتاواهم وأحكامهم في القضايا وجدت الريبة في الأحكام، والشك في العلماء طريقا إلى القلوب وتسلطت الظنون على النفوس؛ ولهذا وغيره فكر بعض من يعنيهم الأمر في تدوين أحكام مختارة من آراء الفقهاء في المعاملات، يرجع إليها القضاة في أحكامهم، ويلزمون الحكم بمقتضاها؛ منعا للاضطراب في الأحكام، وإزالة للأوهام والشكوك من نفوس المتحاكمين إلى المحاكم الشرعية، وقضاء على الظنون الكاذبة في الشريعة الإسلامية وفي علمائها، وتبرئة لها مما وصمت به زورا وبهتانا من أنها غير صالحة للفصل بها في الخصومات وحل مشاكل الناس، وحماية للأمة وحكومتها من العدول عن التحاكم إلى المحاكم الشرعية إلى التحاكم للقوانين الوضعية.
وفيما يلي نقل في بيان الدواعي إلى تدوين أحكام فقهية وإلزام القضاة أن يحكموا بها.
قال محمد سلام مدكور في بيان منشأ الضرورة إلى ذلك ودواعيه (1) : الذي نراه أن منشأ ذلك إنما كان راجعا في عصورهم لشيء من الاضطراب في التطبيق القضائي لعدم معرفة الحكم الواجب التطبيق مع تعداد الأحكام
__________
(1) انظر [المدخل للفقه الإسلامي] ص (380) وما بعده.
(3/153)

في المسألة الواحدة نتيجة اختلاف آراء المجتهدين، وذلك جدير أن يبلبل أفكار الناس، وألا يسير بهم في جادة مستقيمة ومشرع واضح للجميع، ولقد كان من آثار ذلك الاضطراب في الماضي واختلاف القضاة المجتهدين في أحكام المسألة الواحدة في البلد الواحد- أن يضل الناس في شئون حياتهم رغم تحريهم الهداية والرشاد، ولكن عدم معرفة الحكم الواجب التطبيق بينهم على سبيل التعيين في المسألة الاجتهادية جعلهم قاطبة عرضه للخطأ في نظر القضاء.
ولعل هذا هو السر في أن كثيرا من الأصوليين والعلماء أقفلوا باب الاجتهاد؛ سدا لذريعة الفوضى والاضطراب والحكم بالهوى المقنع بالاجتهاد ووجهة النظر، وكانوا محقين إذ ذاك حتى يغلق باب الشرور ويكون القاضي في أحكامه ملزما بأحكام مذهبه فلا يحيد عنه وملزما للناس بها حتى يعرفوها. ويقدر كل إنسان في تصرفاته حكم تصرفه أمام القضاء بحيث يستطيع أن يفهم إن كان في تصرفه حكم القضاء أم لا، وقد ترتب على هذا بحث الفقهاء في تقييد القاضي بمذهب معين، بل بالرأي الراجح من المذهب، كما بحثوا أمر تقييد السلطان لقضائه بالمذهب الذي ينبغي أن يستمد منه القاضي أحكامه، وقد كان هذا الاتجاه نواة وأساسا للتفكير في وضع الأحكام الشرعية في مواد قانونية محدودة واضحة ما أمكن، لا يلتبس الناس غالبا في شيء من أمرها. . .
إلى أن قال: أما القضاة فوظيفتهم هي تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها بسلطان القضاء، ولا شك في أن الأحكام الواجبة التطبيق إذا كانت محدودة مبينة معروفة للقاضي وللمتقاضي- كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس،
(3/154)

وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاء، فلم يكن بد من وضع الأحكام الشرعية القضائية في صيغ قانونية تتولاها طائفة من فقهاء الأمة من أهل الرأي والاجتهاد، وقد بينا عند الكلام عن الاجتهاد: أن العصر لا يخلو منهم ثم تصبح قانونا واجب الاتباع والتنفيذ، ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الأحكام مستمدة من الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآرائه، ومسايرة لمصالح الناس، ولا ضير في أن تعتبر هذه القوانين، كالنصوص القطعية، من ناحية عدم مخالفة القاضي لها وإلزامه باتباعها، فليس هناك مجال إذا لاجتهاد القاضي معها إلا في حدود ضيقة، وهي:
عند وجود إبهام في انطباقها على بعض النوازل والأحداث، ومع هذا فإن العدل إذا كان مصدره هو النصوص التشريعية وما أجمع عليه من أحكام- القاضي عند التطبيق فيما يحتاج إلى اجتهاد يعتبر أيضا مصدرا من مصادر العدالة. اهـ.
مما تقدم يتبين أن الدواعي إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة به هي:
1 - وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة، أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون، أو برميهم بالقصور في علمهم أو تطبيقهم لما عرفوا من الأحكام الشرعية على ما رفع إليهم من القضايا الجزئية المتنازع فيها.
2 - عدم وجود كتاب سهل العبارة في المعاملات يتعرف منه الناس أحكام المعاملات؛ ليراعوا تطبيقاتها، ويوافقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم وإدانتهم إذا حصل النزاع
(3/155)

ورفعت القضية للقضاء، وإضافة إلى ذلك يكون هذا الكتاب عونا للقضاة على أداء مهمتهم، وأدعى إلى وحدة الأحكام وتناسقها بدلا من تضاربها.
3 - تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية؛ نتيجة لما تقدم ذكره، والخوف من أن يتزايد ذلك حتى ينتهي- عياذا بالله- إلى استبدال قوانين وضعية بالأحكام الشرعية.
لذا فكر بعض المسلمين في إلزام القضاة أن يحكموا بأقوال في المعاملات تختار لهم، وتدون في كتاب مع أدلتها، أو إلزامهم أن يحكموا بالراجح والمعتمد من مذهب معين؛ إعانة للقضاة على التمكن من معرفة ما يحكمون به في القضايا، وتقريبا بين معارفهم في الأحكام، ومنعا للتناقض فيها ولتبلبل أفكار الأمة، وإبعادا للتهمة عنهم، وقضاء على ما يزعم بعض الناس من اتباع بعض القضاة للهوى، وتمكينا للجمهور من أن يوافقوا بين أعمالهم وبين ما دون؛ ليكون مرجعا للقضاة في الأحكام، فيكونوا بذلك على بصيرة فيما يقدمون عليه من أعمل قد يكون فيها خصومة.
وستأتي مناقشة الدواعي عند مناقشة الأدلة.
(3/156)

الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا:
أ- محاولة (1) ابن المقفع في القرن الهجري الثاني في بدء العهد
__________
(1) [رسالة الصحابة من المجموعة الكاملة] (206- 208) .
(3/156)

العباسي: كتب ابن المقفع إلى أبي جعفر المنصور رسالة جاء فيها: ومما ينظر فيه أمير المؤمنين من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي- اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال. . . ومضى إلى أن قال: فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة وقياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم عليه عزما وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب ذلك كتابا جامعا- لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، لرجونا أن يكون اجتماع السير قرينة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر الدهر إن شاء الله. انتهى.
قال (1) محمد سلام مدكور تعليقا على ذلك: غير أن هذا الاقتراح لم يجد له رواجا في ذلك الحين؛ لإباء الفقهاء أن يتحملوا تبعة إجبار الناس على تقليدهم، وهم الذين يحذرون تلاميذهم من التعصب لآرائهم، كما أنهم تورعوا وخافوا أن يكون في اجتهادهم خطأ، ليس هذا تقنينا وضعيا، وإنما هم بصدد شريعة سماوية.
ب- محاولة الخليفتين: أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد مع الإمام مالك بن أنس.
1 - لما حج أبو جعفر المنصور سنة 148هـ اجتمع بالإمام مالك ودار
__________
(1) [المدخل للفقه الإسلامي] (107) .
(3/157)

بينهما بحث هذا الموضوع، ونحن نسوق ذلك:
قال (1) عيسى بن مسعود الزواوي في أثناء الكلام الذي دار بين الإمام مالك وبين أبي جعفر المنصور، قال مالك: ثم قال لي: قد أردت أن أجعل هذا العلم علما واحدا، أكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعلمون به، فمن خالف ضربت عنقه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أو غير ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمة فكان يبعث السرايا، وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيرا حتى قبضه الله عز وجل ثم قام أبو بكر رضي الله عنه فلم يفتح من البلاد كثيرا حتى قبضه الله عز وجل، ثم قام عمر رضي الله عنه ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بدا أن يبعث أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابرا عن كابر إلى يومنا هذا، فإن ذهبت تولهم عما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرا، فأقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم، وخذ هذا العلم لنفسك، فقال لي: ما أبعدت هذا القول، اكتب هذا العلم لمحمد.
وقال الزواوي أيضا نقلا عن الشافعي (2) : بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك لما قدم المدينة، فقال له: إن الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتابا تجمعهم عليه، فوضع [الموطأ] ، وقال الزواوي أيضا: (وقال غيره) أي: الشافعي: إن أبا جعفر لما قال لمالك: ضع كتابا في العلم نجمع الناس عليه، قال له مع ذلك: اجتنب فيه شواذ ابن عباس وشذوذ ابن عمر ورخص ابن مسعود، فقال له مالك: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين أن
__________
(1) [مناقب الإمام مالك] وهو [فقه المدونة] (1 \ 25، 26) .
(2) [تزيين الممالك بمناقب مالك مع المدونة] (1\ 46) .
(3/158)

تحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب، وإنما الحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تفرقت أصحابه في البلدان، وقلد أهل كل بلد من صار إليهم، فأقر أهل كل بلد على ما عندهم. وقال الزواوي تعليقا على ذلك: فانظر إنصاف مالك رضي الله عنه، وصحة دينه، وحسن نظره للمسلمين، ونصيحته لأمير المؤمنين، ولو كان غيره من الأغبياء المقلدين، والعتاة المتعصبين، والحسدة المتدينين- لظن أن الحق فيما هو عليه، ومقصور على من ينسب إليه، وأجاب أمير المؤمنين إلى ما أراد، وأثار بذلك الفتنة وأدخل الفساد.
2 - وفي سنة 163هـ وقد ذهب أبو جعفر المنصور للحج مرة أخرى فأعاد عرض فكرته الأولى على الإمام مالك فاقتنع مالك رحمه الله، ووافقه أبو جعفر رحمه الله، يبين ذلك ما نقله جلال الدين السيوطي قال: وقال ابن سعد في [الطبقات] : أخبرنا الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه فحادثته، فسألني فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتابك هذا الذي وضعته- يعني: [الموطأ]- فينسخ منه نسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدونه إلى غيره، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أهل العلم رواة أهل المدينة علمهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورددوا روايات، وأخذ كل قوم مما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وأن ردهم عما اعتقدوا شديد فندع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد منهم
(3/159)

لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به.
3 - وأخرج أبو نعيم في [الحيلة] عن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق [الموطأ] في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه. . . إلخ، فقلت: يا أمير المؤمنين، أما تعليق [الموطأ] في الكعبة فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع فافترقوا في البلدان، وكل عند نفسه مصيب. . إلخ فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله.
وأخرج الخطيب في رواة مالك عن إسماعيل بن أبي المجالد قال: قال هارون الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله، نكتب هذه الكتب ونفرقها في آفاق الإسلام فنحمل هذه الأمة على ما فيها، فقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله والدار الآخرة.
ج- محاولة (1) محمد عالمكير: قال محمد سلام مدكور: وفي القرن الحادي عشر الهجري ألف السلطان محمد عالمكير أحد ملوك الهند لجنة من مشاهير علماء الهند برياسة الشيخ نظام؛ لتضع كتابا جامعا لظاهر الروايات التي اتفق عليها في المذهب الحنفي، فجمعوا ذلك في كتاب معروف بـ[الفتاوى الهندية] ، ومع هذا فلم يكن هذا الجمع شبه الرسمي ملزما للمفتين والقضاة، كما أن الجمع والتدوين والتبويب لم يكن على نمط التقنين، وإنما هي فروع فقهية واقعية ومفترضة، تذكر فيها الآراء، ثم
__________
(1) [المدخل للفقه الإسلامي] ص (108) .
(3/160)

يتبع ذلك بالقول الذي تختاره اللجنة للفتوى.
د- بدء تنفيذ الفكرة: ظهور (مجلة الأحكام العدلية) وقانون المعاملات وغير ذلك.
1 - قال (1) . الأستاذ مصطفى الزرقاء: ولما بدئ بتأسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية، وأصبح يعود إليها اختصاص النظر في أنواع من الدعاوى كانت قبل ذلك ترجع إلى المحاكم الشرعية، ودعت الحاجة إلى تيسير مراجعة الأحكام الفقهية على الحكام غير الشرعيين، وتعريفهم بالأقوال القوية المعمول بها من الضعيفة المتروكة دون أن يغوصوا على ذلك في كتب الفقه الواسعة النطاق _ صدرت إدارة سنية سلطانية بتأليف لجنة لوضع مجموعة من الأحكام الشرعية التي هي أكبر من غيرها دورانا في الحوادث.
فوضعت اللجنة في سنة (1286 للهجرة) هذه المجموعة منتقاة من قسم المعاملات من فقه المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة. . . وقد أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب للمصلحة الزمنية التي اقتضتها. . . وقد صدرت الإدارة السنية السلطانية في شعبان (1293هـ) بلزوم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة.
2 - وقال (2) . أيضا تحت فقرة (82) بدء تنفيذ الفكرة في تقنين الأحوال الشخصية قال: ثم بدئ رسميا بتنفيذ هذه الفكرة- فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية
__________
(1) (المدخل الفقهي العام) (1 \ 197) وما بعدها.
(2) (المدخل الفقهي العام) (1\ 207) وما بعدها.
(3/161)

أواخر العهد العثماني، إذ وضعت الحكومة العثمانية قانون حقوق العائلة في سنة (1333 رومية) ، وأخذت فيه من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم المنصوص عليه في القرآن عند اختلافهما، وتوسعت فيه.
3 - وقال (1) . أيضا: في سنة (1929م) خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الاجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة فأصدرت قانونا تحت رقم (25) ألغت فيه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما اعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة؛ عملا برأي ابن تيمية، ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر. انتهى المقصود.
4 - وقال (2) . محمد سلام مدكور تحت عنوان (مصر وتقنين الفقه الإسلامي والنهوض بدراسته) قال: لم تختلف مصر عن غيرها في النهضة الفقهية ومحاولة تقنين الأحكام الفقهية التي تهم الناس في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية وإخراجها في مواد حتى يسهل الرجوع إليها، وحتى تنصرف الأذهان عن التطلع إلى الغرب، ورفض الخديوي إسماعيل الأخذ بقانون (مجلة الأحكام العدلية) ؛ حبا في الاستقلال، وتخلصا من التبعية للدولة العثمانية، واتجه إلى قانون نابليون، بحجة أن كتب الفقه الإسلامي بوضعها لا يمكن التقنين منها، فأحدث ذلك ضجة في الرأي العام، وظهر رأي بإمكان التقنين من الفقه الإسلامي، وقام الفقيه القدير قدري باشا
__________
(1) (المدخل الفقهي العام) (1\ 208) .
(2) (المدخل للفقه الإسلامي) ص (110) .
(3/162)

بعمل مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي مسترشدا في عمله ب (مجلة الأحكام العدلية) .
5 - وقال (1) . أيضا تحت عنوان (القوانين المصرية المختارة من الفقه الإسلامي) : عملت الحكومة على تأليف لجنة من كبار الفقهاء والمشرعين لوضع قوانين تؤخذ من الفقه الإسلامي من غير تقيد بمعنى معين، مع مراعاة روح العصر. فألفت لجنة من أكبر علماء المذاهب الأربعة برئاسة وزير الحقانية في ذلك العهد لوضع قانون الأحوال الشخصية، فوضعت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق وما يتعلق بهما طبع سنة (1916م) ، ثم أعيد طبعه بعد تنقيح فيه سنة (1917) ، ومع هذا فقد كانت المعارضة في إخراجه قوية من بعض رجل الدين ومن تأثروا بهم؛ لذا لم يخرج هذا المشروع إلى التنفيذ ولم يصدر به القانون، وإنما اكتفي ولاة الأمر بمعالجة بعض الأمور التي وضح عدم مطابقة المذهب الحنفي فيها لمصالح الناس، فصدر القانون رقم (25) سنة (1920) ، والقانون رقم (56) سنة (1923م) بوضع حد أدنى لسن الزواج، والقانون (25) سنة (1929م) ، وكل هذه القوانين نظمت بعض مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج وبالنفقة والعدة والطلاق والنسب والمهر والحضانة والمفقود وما إلى ذلك، وإن كان القانون الأول (25) سنة (1920م) أخذ من المذاهب الأربعة، فإن القانونين الآخرين الصادرين في سنة (1923م) وسنة (1929م) لم يتقيدا بالمذاهب الأربعة، فقد أخذ القانون (56) لسنة
__________
(1) (المدخل للفقه الإسلامي) ص (111) وما بعدها
(3/163)

(1923م) برأي آخر للإمام أبي حنيفة، وبفتوى عبد الله بن شبرمة، وعثمان البتي، وأبي بكر الأصم، وأما القانون (25) سنة (1929م) فقد جاء في مذكرته التفسيرية بأنه موافق لآراء بعض المسلمين، ولو من غير أهل المذاهب الأربعة، وأنه ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بقول غيرهم خصوصا إذا ترتب عليه نفع عام، وفي سنة (1931م) صدر القانون (78) بتنظيم المحاكم الشرعية، وقد احتوى على بعض القوانين غير مقيد فيها بمذهب معين، ثم خطت مصر خطوة جديدة نحو التخلص من التقيد المذهبي، ففي 9 ديسمبر سنة (1936م) وافق مجلس الوزراء على مذكرة لوزارة العدل اقترحت فيها تشكيل لجنة بها، تقوم بوضع مشروع قانون لمسائل الأحوال الشخصية، وما يتفرع عنها، والأوقاف، والمواريث والوصية، وغيرهما، ولا تتقيد بمذهب دون آخر، بل تأخذ من آراء الفقهاء ما هو أكثر ملاءمة لمصالح الناس وللتطور الاجتماعي، ولها أن تبدأ بما ترى أن الشكوى منه أعم، والحاجة إليه أمس، وقد بدأت بالنظر في مشروع قانون المواريث؛ لأن التغيير فيه ضئيل، فخرج في سنة (1913م) برقم (77) شاملا لجميع أحكام الإرث حتى ما كان مأخوذا من أحكام قطعية، كالخاصة بأصحاب الفروض والعصبات، وهذه لم يكن للجنة فيها إلا الصياغة فقط، أما الحكم نفسه فلم تتعرض له، ولم تكن تملك أن تتعرض له، ومن أهم القواعد التي جاء بها القانون مغايرا ما كان عليه العمل توريث الإخوة والأخوات مع الجد الصحيح، بعد أن كان حاجبا لهم، وكذلك الرد على أحد الزوجين بما بقي بعد فرضه إذا لم يوجد للمتوفى أي قريب يرثه، فهو أولى بما بقي من العاصب السببي.
(3/164)

كما اعتبر القانون التسبب في القتل مانعا من الإرث دون القتل الخطأ وما جرى مجراه، بعكس ما كان عليه العمل، إلى غير ذلك مما يدرس تفصيلا في موضعه.
ثم في سنة (1946م) صدر القانون رقم (48) معدلا لبعض أحكام الوقف، وقد أخذ هذا القانون في الغالب أحكامه من مختلف أقوال الفقهاء في سائر المذاهب، متوخيا ما يحقق مصلحة الناس، ولا يعرقل نظمهم الاقتصادية، ومن أهم قواعد هذا القانون أنه قرب أحكام الوقف من أحكام الميراث، وعلى كل فقد ألغي الوقف الأهلي كله بالقانون (180) لسنة (1952م) .
ثم صدر القانون (71) في سنة (1946م) أيضا بأحكام الوصية دون تقيد بمذهب معين، ولا حتى بالمذاهب الأربعة، ومن أهم قواعده القول بالوصية الجبرية، وهي: أن يكون للأحفاد الذين حجبوا عن الميراث من جدهم أو جدتهم حق واجب في التركة، هو نصيب أصلهم لو كان حيا، بحيث لا يزيد على ثلث التركة، وألا يكون أوصى لهم جدهم أو جدتهم بشيء، وقد أخذ هذا الحكم من فقهاء التابعين ومن فقه الإباضية، كما أجاز القانون الوصية للوارث في حدود ثلث التركة دون توقف على إجازة باقي الورثة. . انتهى المقصود.
6 - قال صبحي محمصاني بعد أن بسط الكلام على مراحل التدوين ملخصا ذلك، قال (1) : إن التدوين مر بمراحل خمس:
أولا: مرحلة التبني للمذهب الرسمي، وكانت مرحلة صعبة لم ينجح
__________
(1) [مقدمة في إحياء علوم الشريعة] المحاضرة السادسة مراحل التدوين الفقهي ص (140)
(3/165)

فيها ابن المقفع ولا أبو جعفر المنصور، ولكن نجحت فيها الدولة العثمانية وغيرها من الدول العربية على غرارها.
المرحلة الثانية: كانت مرحلة جمعت المؤلفات، لا على شكل قانون رسمي، بل في شكل كتاب شبه رسمي يسهل المطالعة وفهم الأمور على الطالبين من قضاة وعلماء وتلامذة، وهذا قد ذكرت له أمثلة، وهي: ملتقى الأبحر، والفتاوى الهندية، وسيدي خليل، ومدونات قدري باشا.
ثم المرحلة الثالثة: دون المذهب الرسمي في مدونات رسمية إلزامية، كـ[مجلة الأحكام العدلية العثمانية] التي أخذت عن المذهب الحنفي وحده.
ثم مرحلة رابعة اتبعت طريقة أخرى، وهي: أن يؤخذ مذهب واحد كأصل الاقتباس من المذاهب الأخرى في بعض المسائل: مثاله ما جرى في قانون حقوق العائلة العثمانية، ومجلة الجنايات والأحكام العرفية التونسية القديمة، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية، وما جرى في مدونات الأحوال الشخصية في البلاد العربية التي أشرنا إليها، وقد ذكرنا أن بعضها أيضا قد ابتعد عما جرى في الشريعة، كما فعلت العراق في مسائل المواريث التي نوهنا بها- أي: في هذا المحاضرة.
وأخيرا في المرحلة الخامسة اقتبست بعض القوانين عن المدونات الغربية، فكان هذا الاقتباس أحيانا موفقا بحيث لم يخالف روح التشريع الإسلامي، وأحيانا كان مخالفا لما جاء في هذا التشريع. انتهى.
وسيأتي ما في هذه النقول من المناقشة عند المناقشة لأدلة الأقوال في إلزام القضاة الحكم بالراجح.
(3/166)

الرابع - أقوال فقهاء الإسلام قديما وحديثا في إلزام ولاة الأمور القضاء أن يحكموا بمذهب معين أو رأي معين.
تمهيد:
تقدم ذكر الدواعي إلى تدوين أحكام يلزم القضاة أن يحكموا بها فيما يرفع إليهم من القضايا، وأن التفكير في ذلك بدأ في القرن الثاني من الهجرة في خلافة أبي جعفر المنصور حين عرض عليه عبد الله بن المقفع ذلك، وتكلم أبو جعفر مع الإمام مالك فيها، وقد وضع كل منهما الأمر في نصابه، حيث رفعه الأول إلى المسئولين عن الأمة من ولاة الأمور وأهل السلطة فيها، ورده الخليفة إلى أهل العلم والفقه في الدين، ولم يكن تأثير الدواعي على النفوس قاصرا في ذلك العهد على ابن المقفع، بل تجاوز إلى غيره، فقد نقل فقهاء المالكية أن سحنون بن سعيد التنوخي ولى رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة، فهذا قد تمكنت منه الفكرة أكثر ممن سبقه، واستمر تأثيرها في العلماء وغيرهم جيلا بعد جيل، حتى وقتنا الحاضر، مع تفاوت في مدى تأثره بها، فمنهم من لم يستجب لها، ومنهم من استسلم لها فقال بها، ودافع عنها، وعمل بمقتضاها عندما أتيحت له الفرصة، ولكل وجهته.
وفيما يأتي ذكر أقوال الفقهاء، وما استندوا إليه من المناقشة، وبالله التوفيق.
أ- المذهب الحنفي:
ب- قال (1) ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه، كما
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (4\ 369)
(3/167)

في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه.
2 - وقال (1) أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه؛ كيلا يتخذ العبيد الإباق وسيلة للتخلص من خدمة الجيش، ثم قال: وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد، بل يؤخذون من مشتريهم ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني، فليحفظ فإنه مهم.
3 - وقال (2) أيضا على قول صاحب [الدر] : (ولو قضى بجواز بيعها لم ينفذ، بل يتوقف على قضاء قاض آخر إمضاء وإبطالا) .
قال: أي: قضى به حنفي مثلا على إحدى الروايتين عن الإمام من أن القاضي لو قضى بخلاف رأيه ينفذ قضاؤه ما لم يقيده السلطان بمذهب خاص.
4 - وقال (3) أيضا على قول صاحب [تنوير الأبصار] في صلاة العيدين: (ويصلي بهم الإمام ركعتين مثنيا قبل الزوائد، وهي ثلاث تكبيرات في كل ركعة) قال: هذا مذهب ابن مسعود وكثير من الصحابة ورواية عن ابن عباس، وبه أخذ أئمتنا الثلاثة، وروي عن ابن عباس أنه يكبر في الأولى سبعا، وفي الثانية ستا، وفي رواية خمسا، منها ثلاثة
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (3\ 325)
(2) [حاشية ابن عابدين] (3\51)
(3) [حاشية ابن عابدين] (1\ 779، 780) .
(3/168)

أصلية، وهي: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، والباقي زوائد: في الأولى خمس، وفي الثانية خمس أو أربع، ويبدأ بالتكبير في كل ركعة.
قال في [الهداية] : وعليه عمل العامة اليوم؛ لأمر الخلفاء من بني العباس به، والمذهب الأول. قال في [الظهيرية] : وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد أنهما فعلا ذلك؛ لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده، ففعلا ذلك؛ امتثالا له لا مذهبا واعتقادا. قال في [المعراج] : لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة.
(3/169)

ب- المذهب المالكي:
قال (1) محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه، كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة، ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده قال في [التوضيح] : للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه، كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا ولو شرط الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا في [الجواهر] عن الطرطوشي، قال غيره: العقد غير جائز وينبغي فسخه ورده، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد- لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب
__________
(1) [مواهب الجليل شرح مختصر خليل] (6\98) وما بعدها.
(3/169)

مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي هذا القاضي منه ولي عليهم، وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. انتهى المقصود.
2 - قال (1) ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أخبرنا القاضي أبو الوليد الباجي: أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم، يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل عياض، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب. . وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق فشرط عليه سحنون ألا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . قال (2) ابن رشد: وهذا يؤيد ما ذكره الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر فكيف يقول ذلك والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه؛
__________
(1) [تبصرة الحكام] (1\84) وما بعدها.
(2) [الدسوقي على مختصر خليل] (4\130)
(3/170)

ليحكم بينهم بمذهب مالك؟ ! انتهى المقصود.
3 - قال الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه فيقبل لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط لمصلحة. انظر (ح\3) (1) .
4 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (2) : لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى بالأندلس والولاة يستشيرونه فكانوا يأمرون القضاة ألا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره، فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك؛ لأجل من عمل بها، وقد تكون مرجوحة في المذهب، وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية [الموطأ] الذي هو متواتر عن مالك، وما زال يحدث به إلى أن مات؛ لرواية ابن القاسم، وإن كان طائفة من المالكية أنكروا ذلك، فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك، لا على مالك. انتهى المقصود منه.
5 - قال محمد عليش (3) وفي آخر أحكام ابن سهل وأول [المدارك] للقاضي عياض، واللفظ للمدارك، وفي كتاب الحاكم المستنصر إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحاكم ممن طالع الكتاب ونقر عن أخبار الرجال تنقيرا لم يبلغ فيه شيئا كثيرا من أهل العلم، فقال في كتابه: (وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه من رين على قلبه وزين له سوء عمله وقد نظرت طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأت ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا فلم أر
__________
(1) قوله: انظر (ح) هذه الإشارة لـ[مواهب الجليل شرح مختصر خليل] للحطاب
(2) [تفضيل مذهب أهل المدينة] ، 38 ج.
(3) [فتح العلي المالك] (65) .
(3/171)

مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه، وإن فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة وإلا مذهب مالك ما سمعت أن أحدا ممن يتقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله، ولغيره عن الخليفة الحاكم المستنصر بالله تعالى: من خالف مذهب مالك بالفتوى، وبلغنا خبره- أنزلنا به من النكال ما يستحقه، وجعلناه عبرة لغيره، فقد اختبرت فوجدت مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا فيمن تقلد بمذهبه غير معتقد للسنة والجماعة، فليستمسك الناس بهذا، ولينهوا أشد النهي عن تمسكهم في العمل بمذهب جميع المخالفين له) (1) .
__________
(1) لكن مالكا رحمه الله لم يرض أن يحمل الناس على مذهبه أو كتابه، كما تقدم
(3/172)

ج- المذهب الشافعي:
1 - قال الماوردي (1) : فلو شرط المولي وهو حنفي المذهب على من ولاه القضاء - ألا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام فهذا شرط باطل، سواء كان موافقا لمذهب المولي أو مخالفا له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطا فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي رحمه الله على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي- كانت الولاية صحيحة والشرط
__________
(1) [الأحكام السلطانية] ص (68) .
(3/172)

فاسدا، سواء تضمن أمرا أو نهيا، ويجوز أن يحكم بما أداه اجتهاده إليه، سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط المولي لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحا إن جهل، لكن لا يصح مع الجهل به أن يكون موليا ولا واليا، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة - كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط.
والضرب الثاني: أن يكون الشطر خاصا في حكم بعينه، فلا يخلو الشرط من أن يكون أمرا أو نهيا، فإن كان أمرا فقال له: أقد من العبد (1) بالحر. . . كان أمره بهذا الشرط فاسدا، ثم إن جعله شرطا في عقد الولاية فسدت، وإن لم يجعله شرطا فيها صحت، وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه.
وإن كان نهيا فهو على ضربين:
أحدهما: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه- فهذا جائز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ذلك خارجا عن نظره.
والضرب الثاني: ألا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء في القصاص. فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه؟ على وجهين:
__________
(1) قوله (أقد من العبد بالحر) كذا من أصل المنقول منه ولعل الصواب كذا (أقد من الحر بالعبد) .
(3/173)

أحدهما: أن يكون صرفا عن الحكم فيه وخارجا عن ولايته فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه.
والثاني: أنه لا يقتضي الصرف عنه، ويجري عليه حكم الأمر به، ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه.
2 - قال (1) . جلال الدين المحلي على قول النووي في [المنهاج] : (ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه) - قال: أي خلاف الحكم باجتهاد أو اجتهاد مقلده، وقضية ذلك: أنه لو شرطه لم يصح الاستخلاف، كذا لو شرطه الإمام في تولية القاضي لم تصح توليته.
3 - قال (2) قليوبي على قوله: (أن يشترط) : خرج بالشرط الأمر والنهي، نحو احكم بمذهب كذا، أو لا تحكم، فيلغو ولا تبطل التولية، ويعتبران في التفويض.
4 - وقال (3) إبراهيم بن على الشيرازي: ولا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه؛ لقوله عز وجل: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (4) والحق ما دل عليه الدليل، وذلك لا يتعين في مذهب بعينه، فإن قلد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنه علقها على شرط، وقد بطل الشرط، فبطلت التولية.
__________
(1) [شرح المحلي على المنهاج] (4\ 297، 298)
(2) [قليوبي على المنهاج] (4\ 298) .
(3) [المهذب] (2\291) طبعة حلبية.
(4) سورة ص الآية 26
(3/174)

د- المذهب الحنبلي:
1 - قال (1) ابن قدامة: ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي، ولم أعلم فيه خلافا؛ لأن الله تعالى قال: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (2) والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
2 - قال (3) أبو يعلى: (فإن كان المولي على مذهب فشرط على من ولاه القضاء ألا يحكم إلا بمذهبه- فهذا شرط باطل، وهل تبطل الولاية؟ نظرت:
فإن لم يجعله شرطا فيه، لكن أخرجه مخرج الأمر والنهي، بأن قال له: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب أحمد على وجه الأمر، ولا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي فالولاية صحيحة والشرط فاسد. وإن أخرجه مخرج الشرط في عقد الولاية، فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب أحمد. فهذا عقد شرط فيه شرطا فاسدا فهل يبطل العقد؟ على روايتين: بناء على البيع إذا قارنه شرط فاسد، فإن كان الشرط خاصا في حكم بعينه نظرت أيضا، فإن لم يخرجه مخرج الشرط لكن أخرجه مخرج الأمر، فقال: أقد من العبد بالحر (4) ، ومن المسلم بالكافر-
__________
(1) [المغني ومعه الشرح الكبير] (11\ 482) ، و [الإقناع وشرحه] (6\ 235) .
(2) سورة ص الآية 26
(3) [الأحكام السلطانية] ص (47، 48) .
(4) قوله: (أقد من العبد بالحر) كذا من الأصل المنقول منه، ولعل الصواب كذا (أقد من الحر بالعبد) .
(3/175)

فالشر باطل والعقد صحيح، وإن جعله شرطا فهل يبطل العقد؟ على الروايتين: وإن كان نهيا، فإن نهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، وألا يقضي فيه بوجوب القود، ولا بإسقاطه- جاز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه، وإن لم ينهه عن الحكم فيه ونهاه عن القضاء بالقصاص احتمل أن يكون صرفا عن الحكم، فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه. ويحتمل ألا يقتضي الصرف، ويجري عليه حكم الأمر به. فيبطل حكم الأمر، ويثبت صحة النظر إذا لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم بما يؤديه اجتهاده إليه.
3 - قال شيخ الإسلام (1) : ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين- بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان، ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط فعلوا. فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير- كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما.
4 - وقال (2) أيضا جوابا عن سؤال وجه إليه عمن ولي أمرا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (31\ 73) وما بعدها.
(2) [مجموع الفتاوى] (30\ 79- 81) .
(3/176)

في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار، وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذا المسائل منعه من ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم، وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه (كتاب الاختلاف) ولكن سمه (كتاب السعة) ؛ ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.
ونظائر هذه المسائل كثيرة. . . وبعد أن ذكر أمثلة كثيرة لهذا من المعاملات قال: ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها؛ ولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز، ثم يفرع على القول بجوازها، ويقول: إن الناس لا
(3/177)

يأخذون بقولي في المنع؛ ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها، كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعي وغيره.
5 - وقال عنه البعلي أيضا (1) : ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي، كان جاهلا ضالا، ومن كان متبعا الإمام فخالفه في بعض المسائل؛ لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى- فقد أحسن، (وقال أبو العباس) في موضوع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه، ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.
6 - وقال أيضا في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة في الفصل الذي عقده لإحالة الحكم في قضيته إلى الحاكم، قال (2) : أنا لم يدع علي دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق، مثل: قتل أو قذف أو مال أو نحوه، بل في مسائل العلم الكلية مثل: التفسير، والحديث، والفقه وغير ذلك، وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة، وفيه ما تنازعت فيه، والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبري أو طلبي- لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم، فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة، ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (3) هو: الحيض، أو الأطهار، ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس قوله، أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (4)
__________
(1) [الفتاوى المصرية] .
(2) [مجموع الفتاوى] (3\238) .
(3) سورة البقرة الآية 228
(4) سورة النساء الآية 43
(3/178)

هو الوطء، أو المباشرة فيما دونه، أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج، أو الأب والسيد، وهذا لا يقوله أحد. . .، ومضى إلى أن قال: وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع قول بلا حجة يجب الرجوع إليها، فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم، الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. نعم، للحاكم إثبات ما قال زيد أو عمرو، ثم بعد ذلك إن كان القول مختصا به كان مما يحكم به الحاكم، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس، فأما كون هذا القول ثابتا عند زيد ببينة أو إقرار أو خط فهذا يتعلق بالحكام.
7 - وقال (1) أيضا: الأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لا تحتاج فيها إلى الإمام، وإنما الإمام منفذ لما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) [المنتقى] للذهبي [مختصر منهاج السنة] لشيخ الإسلام ص (540) .
(3/179)

هـ ـ نقول عن بعض الفقهاء المعاصرين الذين يدعون إلى هذه الفكرة:
1 - قال (1) محمد رشيد رضا: وأما الاجتهاد في المعاملات والقضاء فهو الاجتهاد الحقيقي الذي يعجز عنه أكثر الناس، ولا يقوم به إلا طائفة تتفرغ للاستعداد للقضاء والفتوى والتعليم، ويلزم الإمام أو السلطان سائر الناس بالعمل باجتهادهم على ما بينته تبيينا، فإن أصاب هؤلاء الحق والعدل فلهم
__________
(1) مجلة المنار (4\ 368) .
(3/179)

أجران، وإن أخطئوا بعد التحري وبذل الجهد في المعرفة فلهم أجر واحد، ويعذرون هم ومقلدوهم العاملون بمقتضى اجتهادهم.
2 - قال (1) أيضا: فما أجمعوا عليه من أمر الدين فهو الذي لا يسع مسلما تركه، وما اختلفوا فيه يرد إلى الكتاب والسنة، كما أمر الله تعالى بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2) أي: مآلا وعاقبة، والرد في الأمور العامة منوط بأولي الأمر، وفي الوقائع الخاصة يعمل كل فرد بما ظهر له الدليل على صحته. . إلخ.
3 - وسئل (3) : ما قولكم دام فضلكم في أحكام السياسة والقوانين التي أنشأها سلطان البلد أو نائبه، وأمر وألزم حكام بلده وقضائه بإجرائها وتنفيذها، هل يجوز لهم إطاعته وامتثاله لإطلاق قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (4) الآية، أم كيف الحكم؟ أفتونا مأجورين؛ لأن هذا شيء قد عم البلدان والأقطار؟
فأجاب: إذا كانت تلك الأحكام والقوانين عادلة غير مخالفة لكتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم - وجب علينا أن نعمل بها إذا وضعها أولو الأمر منا، وهم أهل الحل والعقد، مع مراعاة قواعد المعادلة والترجيح والضرورات، وإن كانت جائزة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي لا
__________
(1) [فتاوى المنار] رقم (522) ص (1466) .
(2) سورة النساء الآية 59
(3) [فتاوى المنار] رقم (406) .
(4) سورة المائدة الآية 92
(3/180)

خلاف فيها- لم تجب الطاعة فيها؛ للإجماع على أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1) » وهذا نص حديث رواه بهذا اللفظ أحمد والحاكم، عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري، وصححوه بلفظ: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (2) » ، ولا يشترط أن تكون هذه القوانين موافقة لاجتهاد الفقهاء فيما أصلوه أو فرعوه برأيهم؛ لأنهم صرحوا بأن الاجتهاد من الظن، ولا يقوم دليل من الكتاب والسنة ولا من العقل والحكمة على أنه يجب على الناس أن يتبعوا ظن عالم غير معصوم، فلا يخرجوا عنه ولو لمصلحة تطلب، أو مفسدة تجتنب، ولا بغير هذا القيد.
وكذلك يطاع السلطان فيما يضعه- هو أو من يعهد إليه ممن يثق بهم - من القوانين التي ليس فيها معصية للخالق، وإن لم يكونوا من أولي الأمر الذين هم أهل الحل والعقد لأجل المصلحة، لا عملا بالآية، ولكن إذا اجتمع أهل الحل والعقد ووضعوا غير ما وضعه السلطان وجب على السلطان أن ينفذ ما وضعوه دون ما وضعه هو؛ لأنهم هم نواب الأمة، وهم الذين لهم حق انتخاب الخليفة ولا يكون إماما للمسلمين إلا بمبايعتهم، فإن خالفهم وجب على الأمة تأييدهم عليه لا تأييده عليهم.
وبناء على هذه القاعدة التي لا خلاف فيها عند سلف الأمة؛ لأنها مأخوذة من نصوص القرآن الحكيم. قال الخليفة الأول في خطبته الأولى: (وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني) ، وقال الخليفة الثاني على المنبر أيضا: (من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه) ، وله كلام آخر في تأييد هذه القاعدة، وقال الخليفة الثالث على المنبر أيضا: (أمري لأمركم تبع) ، وقال الخليفة الرابع في أول
__________
(1) صحيح مسلم الإمارة (1840) ، سنن النسائي البيعة (4205) ، سنن أبو داود الجهاد (2625) ، مسند أحمد بن حنبل (1/131) .
(2) صحيح مسلم الإمارة (1840) ، سنن النسائي البيعة (4205) ، سنن أبو داود الجهاد (2625) ، مسند أحمد بن حنبل (1/94) .
(3/181)

خطبة له وكانت بعدما علمنا من الأحداث والفتن: (ولئن رد إليكم أمركم إنكم لسعداء، وأخشى أن تكونوا في فترة) ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1)
قال (2) . الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا: والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها، أو يأمر بالعمل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك، فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا، وفقا لقاعدة (المصالح المرسلة) ، وقاعدة (تبدل الأحكام بتبدل الزمان) . ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي- أي: قابل للاجتهاد، غير مصادم للنصوص القطعية في الشريعة- كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا، فلو منع بعض العقود لمصلحة طارئة واجبة الرعاية، وقد كانت تلك العقود جائزة نافذة شرعا- فإنها تصبح بمقتضى منعه باطلة، وموقوفة على حسب الأمر.
5 - وقال (3) أيضا تعليقا على ذلك: جاء في كتاب الوقف من [الدر المختار] وحاشيته [رد المحتار] نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية، ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين: سليمان وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين، المعول على فتاويهم وترجيحاتهم- أنه: صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف
__________
(1) سورة الشورى الآية 38
(2) [المدخل الفقهي العام] (1\191) ، ونسبه إلى [رد المحتار] (1\55)
(3) [المدخل الفقهي العام] (1\191) وما بعدها.
(3/182)

المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله، قطعا لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم؛ لتهريبها من وجه الدائنين.
وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الوقف المدين، ولو كان دينا محيطا بجميع أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه. . . ومضى إلى أن قال: والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه؛ لما له من تأثير ذي بال في شتى الأحكام. . .
ومضى إلى أن قال تحت عنوان (مشكلة إعطاء هذه الصلاحية لولاة الأمور والحل الصحيح لها) قال: بقي أن يقال: إن إعطاء هذه الصلاحية لولي الأمر العام يؤدي إلى إمكان أن يتصرف هذا الحاكم بحسب هواه في تغيير الأحكام الاجتهادية وتقييدها بأوامر أو قوانين زمنية يصدرها. .
إلى أن قال: والجواب: أن هذا النصوص الفقهية مفروضة في إحدى حالتين: إما أن يكون الحاكم نفسه من أهل العلم والتقوى والاجتهاد في الشريعة، كما كان في الصدر الأول من العهد العباسي. . وإما ألا يكون عالما مجتهدا، وعندئذ لا يكون لأوامره هذه الحرمة الشرعية، إلا إذا صدرت بعد مشورة أهل العلم في الشريعة وموافقتهم.
6 - قال (1) محمد سلام مدكور تحت عنوان: (تقييد القاضي على أن يحكم بمذهب أو رأي معين) قال: إذا قيد الحاكم القاضي أن يقضي بخلاف مذهبه وبالضعيف من مذهبه - فهذا التقييد باطل، ولم نقف على
__________
(1) [المدخل للفقه الإسلامي] ص (378) وما بعدها.
(3/183)

خلاف في هذا بين المتقدمين من فقهاء المذاهب، والدليل على ذلك: أن القاضي مأمور أن يحكم بالحق، والحق ما يعتقده صحيحا، سواء كان الاعتقاد عن طريق بذل الجهد والنظر، أم عن طريق الاقتناع برأي إمامه والعلم بمذهبه. وهذا يتفق مع قولهم: إن من شرط صحة القضاء أن يحكم القاضي برأيه من غير تفرقة بين ما إذا قيده السلطان أو لم يقيده، ولا بين ما إذا كان القاضي مجتهدا أو مقلدا؛ لأن المقلد رأيه هو رأي إمامه الذي هو مذهبه.
وفي (1) [رسائل ابن عابدين] عن أنفع الوسائل: أن القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر في المذهب، إلا أن ينص الفقهاء على أن الفتوى على غير ذلك، وفي (2) [حاشية ابن عابدين على الدر] : (ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه، كما في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه) ، وهذان النقلان يشعران بأنه إذا قيده بغير مذهبه لا يتقيد بعد بطريق الأولى، كما يشعران بأن هذا التقييد لا يتجه إلى المجتهد أيضا بطريق الأولى. كما (3) أن ابن قدامة الحنبلي يقول: إنه لا يجوز أن يقلد القضاء الواحد على أن يحكم بمذهب بعينه عند أحمد والشافعي ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن الحق لا يتعين في مذهب، وهذا يشعر أيضا بالإطلاق بالنسبة للقاضي مجتهدا أو مقلدا هذا الإطلاق المستفاد من كلمة (أن يقلد القضاء الواحد) ، وقد
__________
(1) [رسائل ابن عابدين] (2\ 75) .
(2) [حاشية ابن عابدين] (4\ 369) .
(3) [المغني] (9\ 106) .
(3/184)

فصل (1) الماوردي الكلام في هذا التقييد وقال: إنه إما أن يكون بالنسبة لجميع الأحكام أو لبعضها، وقد نقل (2) مثله ابن فرحون عن بعض فقهاء المالكية، وهذا التفصيل لا نرى فيه فرقا أكثر من أن ذلك الشرط إذا كان يقصد به عدم سماع القاضي بعض الدعاوى- فإنه يتقيد به، وهذا غير ما نتكلم عنه من تقييد ولي الأمر للقاضي أن يقضي بمذهب أو رأي، ومما يؤيد وجهتنا في عدم أثر هذه التفرقة ما علق به (3) ابن فرحون على ما نقله إذ يقول: (إن جميع تلك التقييدات لا يجوز للإمام اشتراطها؛ لأنه اشتراط ما لا يجوز، ومن كان لا يقتضي إلا بما أمره به من ولاه فليس بقاض على الحقيقة) ، ولما قيد القانون في مصر من زمن بعيد القضاء في المحاكم الشرعية بالمذهب الحنفي فيما لم يرد به قانون خاص فقد استلزم ذلك أن يكون القضاء فيها مقصورا على من كان حنفي المذهب، حتى لا يحكم القاضي بخلاف مذهبه بأمر من سلطان، وبعد أن اتفق الفقهاء (4) على بطلان تقييد السلطان للقاضي على أن يقضي بمذهب معين فقد تناولوا عقد التولية نفسه على هذا القيد بما خلاصته: أنه إذا كان تم العقد على اشتراطه، سواء أكان في صيغة العقد أو متقدما عليه- فإن عقد التولية باطل عند غير الأحناف، صحيح عندهم، وإذا كان غير مشروط في صيغة العقد فعقد التولية صحيح إجماعا.
__________
(1) [الأحكام السلطانية] ، ص (64) .
(2) [تبصرة الحكام] (1\16، 17) .
(3) [تبصرة الحكام] (1\16) .
(4) انظر [المغني] (9\109) .
(3/185)

مما تقدم يتبين:
أولا: الفرق بين الولاة والعلماء والرعية في القرون الأولى، والولاة والعلماء والرعية في القرون الأخيرة لهذه الأمة الإسلامية؟ لاختلاف أحوالهم علما وأمانة وعدلا، وفي قوة الثقة وضعفها، وكثرة المشاكل وقلتها، يترتب على هذا الأمر الثاني.
ثانيا: الفرق بين القاضي المجتهد والمقلد. فالقاضي المجتهد يجب عليه أن يحكم فيما يرفع إليه من القضايا بما وصل إليه باجتهاده، ولا يجوز للحاكم العام إلزامه حين التولية أو بعدها أن يحكم بمذهب معين أو قول معين، فإن ألزمه بطل الشرط وصحت التولية، وقيل: يبطل الشرط والتولية جميعا، وإن كان الإلزام بعد التولية بطل الإلزام، وقضى بموجب اجتهاده. . أما القاضي المقلد فقيل فيه بما ذكر من الخلاف في حكم المجتهد، ويلزمه العمل بما قيد به ولو خالف اعتقاده.
ثالثا: الفرق بين المسائل العلمية الكلية، والقضايا الجزئية، فحكم القاضي أو ولي الأمر لا يرفع الخلاف في الأولى، فيبقى لغيره حق النظر والحكم فيها بما يراه عن اجتهاد، ويرفع الخلاف في الثانية، فليس لأحد أن ينقض حكم ولي الأمر أو القاضي فيها بعينها، إلا إذا خالف نص الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع.
رابعا: عموم التشريع وشموله، فلا يحتاج إلى أحد سوى الله ورسوله في التشريع، وإلى ولاة الأمور من العلماء والأمراء وأئمة المسلمين الفهم والتنفيذ لا غير، وإذا عرفت الأقوال فنشرع في الأدلة ومناقشتها:
(3/186)

أولا: أدلة من قال بالمنع:
استدل من قال بمنع الإلزام بأدلة الكتاب والسنة والإجماع:
أ- أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (1) فأوجب سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيما شجر بين الناس بما أعلمه الله في كتابه، وما فهمه من الوحي المنزل عليه. ومن المعلوم أنه يجب على ولاة الأمر بعده أن يحكموا بما حكم به، وإلزام القاضي ونحوه أن يحكم بما دون من القول الراجح، أو بمذهب معين، وإن كان على خلاف ما اقتنع به يتنافى مع ذلك فوجب رده؟ عملا بمقتضى الآية، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (2) والأقوال الراجحة في مسائل الخلاف إنما هي راجحة في نظر مرجحيها دون مخالفيهم، فلا يتعين أن تكون هي الحق الذي أنزله الله، وأمر بالحكم به بين الناس فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم بها إذا كانت أو كان بعضها على خلاف ما يعتقده حقا في نظره بناء على اجتهاده، أو ثقته بمن قلده، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك حين التولية، أو يلزم به بعدها. وقال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (3) فأمر تعالى من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بين الناس بالحق، والحق لا يتعين في مذهب أو رأي بعينه، ولا في قول رجحه بعض الفقهاء، فلا يلزم القاضي
__________
(1) سورة النساء الآية 105
(2) سورة المائدة الآية 48
(3) سورة ص الآية 26
(3/187)

ونحوه الحكم أو الفتوى به، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك في التولية أو بعدها لجواز أن يفهم غير هذا الراجح ويقتنع به، أو يقتنع به ثقة بمن رجحه من المجتهدين، فيكون حكمه بما ألزم به حكما بغير ما اعتقده حقا، وهو حرام {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (1) فأوجب سبحانه الرجوع إلى حكمه الذي أوحاه إلى رسوله في الكتاب أو السنة الثابتة دون الرجوع إلى الراجح عند بعض المجتهدين في مسائل الخلاف.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2) فأوجب سبحانه طاعته وطاعة رسوله في كل الأمور، وأوجب طاعة أولي الأمر من الحكام والعلماء فيما وضح أمره وظهر حكمه دون اشتباه والتباس، بدليل المقابلة بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (3) 30 الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف (4) » رواه البخاري ومسلم، فعند الاختلاف في حكم من الأحكام العلمية الكلية في أصول الدين أو فروعه يجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط؛ ليتبين الحق في محل الخلاف، وأكد سبحانه ذلك بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (5) ولم يشرع لنا سبحانه الرجوع فيما اختلفنا فيه إلى القول الراجح في نظر بعض
__________
(1) سورة الشورى الآية 10
(2) سورة النساء الآية 59
(3) سورة النساء الآية 59
(4) صحيح البخاري أخبار الآحاد (7257) ، صحيح مسلم الإمارة (1840) ، سنن النسائي البيعة (4205) ، سنن أبو داود الجهاد (2625) .
(5) سورة النساء الآية 59
(3/188)

العلماء المجتهدين دون بعض؛ لأنه لم يتعين أن يكون هو الحق حتى يتفق عليه من يعتد بهم في الإجماع فيمكن أن يرجع إليه، لكونه إجماعا في نظر بعض الأصوليين، هذا وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة، اجتزأنا عنها بما ذكر.
ب- وأما السنة: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (1) » رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ومن عرف الحق حسب اجتهاده واقتنع به، أو اقتنع به واعتقده؛ ثقة لمقلده، وتحسينا للظن به، ثم حكم بغير ما ظهر له أنه الحق- فقد جار وأثم، وكان من أهل النار، فلا يصح أن يشترط عليه في التولية، أو يؤمر بعدها أن يحكم بغير ما ظهر له أنه الحق، وفي معنى هذا كثير من الأحاديث الصحيحة.
ج- وأما الإجماع: فقد جرى العمل على ما تقدم في تولية رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاة وإمضائه ما اختلف فيه من الأعمال، بناء على اختلاف فهم المجتهدين في المسائل النظرية التي يعذر في مثلها من أخطأ، ثم جرى العمل على هذا في عهد الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من ولاة وعلماء القرون المشهود لها بالخير إلى ما شاء الله، فكان هذا إجماعا عمليا يلزم الوقوف معه والعمل بمقتضاه، فلا يصح أن يلزم من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بغير ما رجح عنده عن اجتهاد أو عن ثقة بمن قلده من المجتهدين، وإن كان ما ألزم به راجحا عند غيره.
__________
(1) سنن الترمذي الأحكام (1322) ، سنن أبو داود الأقضية (3573) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2315) .
(3/189)

المناقشة:
نوقش أولا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة من وجوب الحكم بما أنزل الله، وما جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم من الحق، ولكن لا نسلم أن ما ألزم الحكم به ليس شرعا يجوز العمل به، إذ هو إلزام بما يسمى شرعا مؤولا، فهمه الفقهاء مما يسمى شرعا منزلا، وكلاهما يصح العمل بموجبه والحكم بمقتضاه، وقد يجاب: بأن مناط الاستدلال إلزام من تولى القضاء أو الإفتاء أن يحكم أو يفتي بخلاف ما يعتقده حقا لا مطلق جواز العمل أو الحكم بما يسمى: شرعا مؤولا، ولا يلزم من جواز الثاني جواز الأول.
ونوقش ثانيا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة في القاضي أو المفتي المجتهد، أما المقلد فلا رأي له، بل هو مخير فيمن يتبعه من أئمة الاجتهاد، فلولي الأمر أن يلزمه بقول من أقوال من في اتباعهم خير؛ رعاية للمصلحة، وقد يجاب: بأنه وإن كان مخيرا فيمن يتبعه من الفقهاء إلا أنه قد يثق بمجتهد بناء على معرفته بسيرته وأحواله ويعتقد رجحان رأيه، فلا يجوز إلزامه القضاء أو الإفتاء بغير ما يعتقده.
ونوقش ثالثا: بأن مضرة عدم إلزام القاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك، فلولي الأمر أن يلزمه بقول معين، ولو خالف عقيدته في المسائل الاجتهادية؛ رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين؛ تفاديا لأشدهما، وقد يقال: إن معرفة ذلك تتوقف على معرفة الآثار المترتبة على كل منهما، وسيأتي بحث ذلك.
ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:
استدل من قال بجواز إلزام القاضي أو المفتي بمذهب أو قول معين-
(3/190)

بالدواعي والأسباب الطارئة التي اقتضت ضرورة تدوين أحكام المعاملات وإلزام القضاة والمفتين أن يعملوا بموجبها. . كما استدلوا بآثار عن السلف ووقائع قضوا فيها، ومن لم يثبت عنه قول في ذلك ولا عمل به سكت ولم ينكر، فكان سكوته تقريرا، وصار ذلك إجماعا على مشروعية الإلزام.
(3/191)

وفيما يلي تفصيل ذلك مع المناقشة.
أولا: الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:
أ- وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون. . إلخ، ويمكن أن يناقش ذلك بأن أحكام القضاة التي قيل فيها: إنها متناقضة قد يكون اختلاف الحكم فيها ناشئا عن اختلاف الظروف والأحوال في القضيتين، وتابعا للملابسات والدلائل والأمارات المختلفة فيهما، فيظن من نظر إلى أصل القضيتين دون ما أحاط بهما تماثل القضيتين، ويحكم بتناقض الحكم فيهما حسب نظره، والواقع أنه لا تناقض، بل هذا من اختلاف الحكم لاختلاف الملابسات، وقد يكون تقابل الحكمين واختلافهما ناشئا عن اختلاف اجتهاد القاضيين، أو عن تغير اجتهاد القاضي، وهذا سائغ شرعا، بل الواجب على القاضي أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده حين الفصل في القضية الحاضرة، ولو خالف اجتهاده فيها اجتهاده في قضية سابقة مماثلة، وإن قدر أنه لم يفعل ذلك كان آثما، ولهذا نظير في أحكام الخلفاء الراشدين، بل اختلف الحكم في قضاء الصحابي الواحد، مثاله: ما حكم به عمر بن الخطاب في قضية ميراث، ومثيلتها من حرمان الإخوة الأشقاء أولا من الميراث في قضية وتشريكهم مع الإخوة للأم في الثلث بعد ذلك في مثيلة
(3/191)

الأولى، ولم يبعث ذلك ريبة في القاضي للثقة بعلمه وعدله وأمانته، ولم يحملهم ذلك على التفكير في اختيار رأي واحد يلتزمون القضاء به، وقد يكون الاختلاف ناشئا من قصور القاضي في علمه أو في تطبيقه أو غير ذلك، فيكون طريق الخلاص من ذلك النهوض بالقضاة علميا، وتدريبهم على التطبيق، إلى غير هذا مما سيأتي بيانه.
ب- عدم وجود كتاب في المعاملات سهل العبارة يتعرف منه الناس أحكام المعاملات التي يفصل بها في الخصومات؟ ليراعوها، ويوفقوا بينها وبين أعمالهم. . إلخ ما تقدم في الدواعي.
ونوقش ذلك بما يأتي:
1 - الخلاف بين الفقهاء في الأحكام الفقهية قديم، وكان القاضي يعين منهم، وليس له فقه مدون فيقضي باجتهاده، وأحيانا يعين حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا فيقضي بالفقه المدون، في مذهب الإمام الذي انتسب إليه، وقد يؤديه اجتهاده إلى القضاء بقول في غير مذهب إمامه، ولم يتوقف وجوب رجوع المتخاصمين في الحقوق إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية على معرفة الرعية بشيء من الأحكام قبل بدئهم في العمل أو قبل التقاضي أكثر من أن القاضي سيحكم بينهم بما أداه إليه اجتهاده أو اجتهاد إمامه في الكتاب والسنة وما تفرع عنهما، فكان ذلك منهم إلغاء لاعتبار هذا السبب في تدوين الراجح عند بعض الفقهاء وإلزام القضاة العمل به.
2 - إن هذا الداعي أو السبب مجرد فرض ومحض تقدير.
وبيانه: أن القوانين الوضعية مدونة، ولها لوائح تفسيرية، ومع ذلك يجهلها السواد الأعظم من الأمة قبل العمل وقبل التقاضي عند الخلاف،
(3/192)

وإنما يعرفها القليل من المتعلمين؛ ولهذا يوكلهم السواد الأعظم في التقاضي، لجهلهم بمراجع القضاء في الحكم وقصورهم عن الدفاع، فكان ما ذكر مجرد تقدير لا يتفق مع واقع الأمم.
3 - إنه على تقدير معرفة الناس بأحكام كلية حددت لهم فهي مما تختلف فيه الأفهام في التطبيق على جزئيات القضايا والوقائع، وخاصة إذا اختلفت الظروف والملابسات التي تحيط بالقضايا، فلا يزول ما تصور من الإشكال بالتدوين الخاص والإلزام بما فيه.
4 - إذا رضي السواد الأعظم في كل أمة تتحاكم إلى القوانين الوضعية بالتقاضي إلى محاكمهم مع جهلهم بهذه القوانين- وجب أن يرضوا بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية مع جهلهم بتفاصيل مراجعهم في المعاملات، بل الرضا بهذه المحاكم أولى؛ لأن مراجعها أعدل وأحكم، إذ هي مستقاة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقضاة المحاكم الشرعية أقرب إلى الخير والعدالة، وأحرص على الحق، وأكثر تحريا له، وأبعد عن الهوى وبواعث الجور.
ج- تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية. . إلى آخر ما تقدم في الدواعي. . ويمكن أن يناقش بأن التهرب من المحاكم الشرعية ليس ناشئا من عدم تدوين الأحكام، فإنها مدونة ميسور الاطلاع عليها وفهمها وتحقيق الحق منها لمن راض نفسه على البحث فيها، وليس من ترك الاقتصار على الراجح وإلزام القضاة به خاصة. فإن القوانين الوضعية قد دونت وجعلت أحكاما موحدة منظمة معها أرقامها، وألزم قضاتها بالعمل بها، فمع ذلك اختلفوا
(3/193)

في فهمها أحيانا وفي تطبيقها أكثر، ووقع في الحكم بها اختلاف وأخطاء ونقض بعضها في محاكم الاستئناف، فلم يكن الاقتصار على أحكام موحدة في دولة ما، ولا الإلزام بها مانعا من الاختلاف ولا من الخطأ في فهمها أو تطبيقها، ولا من الخطأ عن إهمال أو هوى، وإذن فما وقع من الخطأ في الأحكام القضائية ليس مرده عدم الإلزام بقول واحد، وإنما مرده إلى عدم النهوض بالقضاة علميا، وقلة تدريبهم على تطبيق الأحكام على الوقائع. . إلى غير هذا من عدم توفر الوسائل والنظم التي لا بد منها؛ لتفادي الأخطاء أو تقليلها، فبذلك ضعفت الثقة عند بعض الناس، وتمكنت الريبة فيهم، فكان ما قيل من التهرب من التقاضي أمام المحاكم الشرعية واللجوء إلى غيرها.
أما الأجانب فيلزمون بما ذكر في عقودهم من الشروط الخاصة بعقدهم، وهم أدرى بمقتضاه فنيا، ويطبق عليهم ذلك كما يطبق عليهم ما ذكر في العقد الموحد من الخضوع للأحكام المعمول بها في المملكة، وقد دخلوا على ذلك عند التعاقد باختيارهم مع عقل ورشد، فيلزم كل بما التزم به، وليس لدولته التدخل في ذلك مع معرفته إجمالا بما دخل عليه، فيجب حل الإشكال بما أشير إليه من قبل إجمالا، وسيأتي شرحه دون اللجوء إلى التدوين والإلزام بما دون من القول الراجح.
وقد يقال: إن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة ولا على الإلزام برأي معين؛ لقوة العلماء في ذلك العهد وكفايتهم وقلة الاختلاف في الأحكام، وندرة المشاكل، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة وأمنت الفتنة؛ فلهذا وأمثاله لم تلجئهم حاجة
(3/194)

إلى ما ذكر من التدوين ولا إلى إلزام القضاة بقول معين، أما اليوم وقد صار أمر الناس إلى خلاف ذلك، فالحاجة ملحة، والضرورة إلى التدوين على الطريقة المقترحة والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون- أمر لا بد منه؛ رعاية للمصلحة، وحفظا لحقوق الأمة، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية.
ويقال أيضا: إن الخطأ في الفصل في الخصومات وإن كان لا يزال متوقعا بعد الاقتصار على القول الراجح إلا أنه أقل وأخف خطرا؛ لأنه بالتزام العمل بالقول الراجح تنحصر الأخطاء في تطبيقه على الوقائع بعد تحقيقها وتشخيصها، ومن المعلوم شرعا: أن المفاسد إذا لم يمكن القضاء عليها وجب بذل الجهد لتقليلها.
ثانيا: استدل من قال بجواز الإلزام بأدلة من الكتاب والسنة والآثار:
أ- أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (1) فأمر سبحانه بطاعة أولي الأمر، وهم: الأمراء والعلماء، وقرن حق طاعتهم بحق طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا أن حق طاعة الله وطاعة رسوله عام في كل شيء وفي كل حال، وحق طاعة أولي الأمر خاص بالمعروف، فتجب طاعتهم فيما وافق الكتاب والسنة، وفيما لم يكن فيهما لكنه لم يتعارض معهما إذا أمروا به؛ رعاية للمصلحة.
ونوقش ذلك: بما تقدم بيانه من أن طاعتهم فيما وضح حكمه، واتفقت عليه الأمة، أما ما اشتبه أمره واختلف فيه العلماء فالمرجع في فصل النزاع
__________
(1) سورة النساء الآية 59
(3/195)

فيه الكتاب والسنة بدليل قوله تعالى في نفس الآية: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (1) الآية، ولذا استدل علماء الأصول بهذه الآية على حجية الإجماع، وبذلك تكون الآية دليلا على المنع لا على الجواز، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (2) وقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (3) فأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستشير أصحابه في الأمر ينزل به أو بالمسلمين، وأثنى على خيار المؤمنين بأن من شأنهم أن يتشاوروا بينهم، وقرن ذلك بثنائه عليهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبالتناصر عند البغي عليهم؛ ردا للعدوان، ونصرة للحق، وغير هذا من الأفعال الواجبة، والصفات الحميدة، ولا شك أن القضاء والفصل في الخصومات من أهم شئون المسلمين فينبغي تعاون القضاة مع كبار العلماء في حل مشاكل القضاء والعمل بمشورتهم، ليكون القاضي على بصيرة فيما يحكم به بدلا من أن يستقل في ذلك بنفسه، فيكون عرضة لكثرة الخطأ والتناقض في أحكامه، ويكفيه أن يتحمل مشقة البحث في تشخيص القضايا وعناء تطبيق ما اختاره كبار العلماء من الأقوال على الوقائع والقضايا الجزئية بعد تحقيقها.
ب- وأما السنة: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في شئونه وشئون الأمة، من ذلك أنه استشار الصحابة في أمر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما هو معروف في قصة الإفك، ومنها استشارته إياهم في غزواته:
__________
(1) سورة النساء الآية 59
(2) سورة آل عمران الآية 159
(3) سورة الشورى الآية 38
(3/196)

في غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وغيرها مما لا يكاد ينكره أحد، وعمل بمشورة أم سلمة حينما دخل عليها في صلح الحديبية مغضبا، وقد أمر أصحابه أن ينحروا هديهم، ويتحللوا من إحرامهم فلم يفعلوا، فأشارت عليه أن يبدأ في ذلك بنفسه فقبل مشورتها، وكان في قبولها الخير، إلى غير هذا من الاستشارات والمشورات الكثيرة التي تواتر معناها، ومنها فيما ذكروا ما جاء في الأثر: «إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه نص من كتاب ولا سنة، فقال: اجمعوا له العالمين، ولا تقضوا فيه برأي واحد» . فثبت بهذا أن الشورى أصل شرعي فيجب على العلماء وضع كتاب فقهي مشتمل على الأقوال الراجحة؛ ليسهل على الجميع معرفة الأحكام منه، وبالتالي يلزم القضاة الحكم بمقتضاه؛ تفاديا لمفاسد الاختلاف، وقضاء على التناقض في الأحكام، وإلا تعطلت الشورى، واستشرى الفساد، وتفاقم التناقض.
ونوقش: بأن الشورى مشروعة باتفاق، وعليها قامت الأدلة من الكتاب والسنة، وعمل خير القرون من هذه الأمة، لكنها غير ملزمة لمن استشار إلا إذا وافق اجتهاده اجتهاد من أشار عليه واقتنع به، ولا يصح أن يلزم بما أشير به عليه من آراء خالفت اجتهاده، وإن كان فردا، والمشيرون عليه كثرة؛ لأن الحق ليس وقفا على الكثرة، وليست الكثرة ميزانا يفرق به بين الحق والباطل. وأيضا الصحابة كانوا أحرص الناس على الشورى وأكثرهم عملا بها، ولم يلزموا المستشير أن يعمل بما أشير به عليه، ولم تتعطل الشورى، من ذلك أن عمر أشار على أبي بكر رضي الله عنهما: أن يفاوت بين الناس في العطاء من بيت المال، فيعطي كلا منهم حسب درجته ونصرته للإسلام
(3/197)

وسبقه إليه، فأبى أبو بكر إلا أن يسوي بينهم في العطاء، لاختلاف نظرهما في مقتضى العطاء. ومن ذلك ما أشار به الصحابة- وهم كثرة- على أبي بكر بترك قتال المرتدين ومانعي الزكاة، فأبى إلا أن يقاتلهم، ومضى فيما عزم عليه، وكان خيرا للمسلمين من رأي مخالفيه.
ومن ذلك: أن عمر استشار الصحابة في دخول أرض علموا أن بها طاعونا وعدوله عن الدخول فيها، ثم خالف مشورتهم وعدل عن الدخول فيها، وهم كثرة، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبره بما حفظه في ذلك من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيه تأييد لرأي عمر رضي الله عنه.
وبالجملة: فالأمر كما تقدم من أن الشورى ليست ملزمة، ولا حرج على الواحد في مخالفة الكثرة والعمل بمقتضى اجتهاده، بل هذا هو الواجب، وأصول الشريعة تشهد لصحته.
ولقائل يقول: إن ما ذكر في المناقشة إنما ينطبق على المجتهد؛ لأن له قولا أداه إليه اجتهاده واعتقد صحته، أما المقلد المحض فلا رأي له وهو لعجزه عن استنباط الأحكام مخير في اتباع إمام من الأئمة المجتهدين، فمثل هذا قد يقال: بأن إمام المسلمين له أن يلزمه إذا تولى القضاء أن يحكم بمذهب أو قول معين؛ رعاية لما تقدم بيانه من المصلحة، ولا ضرر في ذلك؟ لأنه تابع على كل حال، فليكن تابعا لما أمره به ولي الأمر في الشئون العامة والحقوق المشتركة بين الأمة، وقد استدل بعض المعاصرين بأن الصحابة قالوا: «إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه كتاب ولا سنة، فقال: اجمعوا له العالمين، ولا تقضوا فيه برأي واحد» على الإلزام، ولكن الاستدلال به يتوقف على إثبات كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه لم يصح، فقد
(3/198)

ذكره الخطيب البغدادي في باب القول في الاحتجاج بصحيح القياس ولزوم العمل به من كتاب الفقيه والمتفقه، قال: أنا أبو القاسم علي بن محمد بن موسى البزار، وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل قالا: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، أنا محمد بن الربيع بن بلال العامري، أنا إبراهيم بن أبي الفياض، أنا سليمان بن بزيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، «عن علي بن أبي طالب قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء، قال: اجمعوا له العابدين من أمتي، واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد» .
وساق ابن حجر في [لسان الميزان] هذا الحديث في ترجمة سليمان بن بزيع، ثم قال: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان ليسا بالقويين، ولا يحتج بهما.
قلت: وقال الدارقطني في [غرائب مالك] : لا يصح، تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض، عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف، وساقه الخطيب في [كتاب الرواة] عن مالك من طريق إبراهيم، عن سليمان، وقال: لا يثبت عن مالك. . والله أعلم. انتهى.
ثم هو مخالف لما جرى عليه العمل قرونا كثيرة حيث كان كل من المجتهدين يعمل بمقتضى اجتهاده ويحكم به، وكان الصحابة، بل الرسول صلى الله عليه وسلم يقبلون مشورة الواحد ويعملون بها، ولم يكن من شأنهم أن يجمعوا العالمين في كل ما نزل بهم، ثم لو ثبت لم يزد على أن يكون نصا
(3/199)

من نصوص المشورة، وتقدم أنها غير ملزمة إلا إذا وافقت اجتهاد المستشير، وإلا عمل باجتهاد نفسه، كما تقدم بيانه في النقل عن الصحابة رضي الله عنهم.
ج- وأما الآثار فكثيرة:
1 - منها: إجماع الصحابة على جمع القرآن وتدوينه في نسخة واحدة؛ حفظا للقرآن من أن يذهب بذهاب القراء، وهذا وإن كان في بادئ الأمر أمرا جديدا وعملا محدثا، حيث إنه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه واجب؛ لاتفاقه مع روح الشريعة ومقاصدها، فكذا إلزام القضاة أن يحكموا بالقول الراجح من أقوال الفقهاء، فإنه وإن كان يبدو أمرا محدثا إلا أنه لا يخالف كتابا ولا سنة، بل هو مقتضى المصلحة؛ لما فيه من دفع الريبة والقضاء على الاضطراب والتناقض في الأحكام، فكان واجبا.
ونوقش: بأن القرآن كان مكتوبا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، والأمة مأمورة بحفظ الدين وإبلاغه بالنصوص المتواترة، ولم يزد الصحابة على أن جمعوا ما كان مفرقا؛ عملا بمقصد ضروري من مقاصد الشريعة، وهو وجوب حفظ الدين وإبلاغه، بخلاف إلزام القضاة بالحكم بالراجح من أقوال الفقهاء، فإنه مخالف لمقتضى النصوص، ولما جرى عليه العمل في القرون التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير.
2 - ومنها: جمع عثمان رضي الله عنه الأمة على حرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن، وقصر الناس على القراءة بهذا الحرف وتحريقه المصاحف الأخرى التي تخالف مصحف الإمام، وقد كتب من هذا المصحف نسخا وأرسل بها إلى أمهات البلاد الإسلامية،
(3/200)

واستمرت القراءة لهذا اليوم. فكذا إلزام القضاة بالقول الراجح من أقوال الفقهاء، بل هو أولى بأن أقوال الفقهاء شرع مؤول يحتمل كل منها الخطأ أو الصواب، والقراءات شرع منزل كلها حق لا يحتمل الخطأ، فكان الإلزام واجبا؛ رعاية للمصلحة.
ونوقش هذا بأمور:
الأول: أن عثمان ومن وافقه من الصحابة استندوا إلى مصلحة شهدت لها أصول الشريعة، فإن في قصره على حرف واحد، حفظا للدين بحفظ أصله- وهو القرآن- من الاختلاف فيه، وحفظا للنفوس، وبيانه: أن حذيفة أخبره بأن الصحابة اختلفوا في القراءة اختلافا تخشى منه الفتنة ووقوع القتال بينهم، وفي اختلافهم واقتتالهم ضياع للدين، وقضاء على وحدة المسلمين وقوتهم، بل قضاء على نفوسهم، وحفظ الدين والنفوس من الضروريات الخمس، فوجب إيثار ذلك على بقاء القراءات؛ لأن بقاءها كمالي للاستغناء عنها بقراءة منها؛ لتضمنها ما في القراءات الأخرى من المعاني والأحكام، بخلاف إلزام القضاة أن يحكموا بقول راجح اختير من قولين أو أقوال للفقهاء، فإن ما ظن فيه من المصلحة غير معتبر؛ لشهادة الأدلة السابقة بعدم اعتباره، ولأن القراءات كلها معصومة متحدة الأحكام والمقاصد، فصح الاكتفاء بواحدة منها، بخلاف أقوال الفقهاء، فإنها مختلفة في مقاصدها وأحكامها، ولا ينحصر الحق في واحد منها - فلم يجز الاقتصار على ما يرى جماعة من العلماء أنه الراجح منها وإلزام الناس به، فقد يكون الحق فيما ترك.
الثاني: أنه منع من القراءة بما يخالف مصحفه، أما الاحتجاج
(3/201)

بالقراءات الأخرى فلم يمنع منه؛ ولذا لا يزال الاحتجاج بما صح منها قائما باقيا عند جماعة من الأئمة المجتهدين؛ إما على أنها أخبار آحاد، أو قول صحابي عند من يعتبره حجة.
الثالث: إن القراءة بالأحرف السبعة كانت على التخيير لا الإلزام؛ تيسيرا للقراءة على الناس لاختلاف ألسنتهم، فلما لانت بها ألسنتهم لكثرة اجتماعهم والاختلاط بينهم، وكان ما كان من الاختلاف فيها- كان بقاؤها كماليا عارضه مصلحة ضرورية، فقدمت على مصلحة بقاء القراءات، ولم يفت المسلمين شيء من أحكام القرآن بذلك لاجتماعها في المصحف الإمام، بخلاف الاقتصار على قول من أقوال الفقهاء، فإنه لا يدري عما اختير، هل هو متضمن للحق والصواب أو الحق فيما ترك من الأقوال.
3 - ومنها: ما رواه سعيد بن منصور في سننه،، وابن أبي شيبة في [المصنف] : أن معاوية كتب إلى زياد أن يأمر شريحا بتوريث المسلم من الكافر دون العكس، فلما أمره زياد قضى بقوله، فكان إذا قضى بذلك يقول: هذا قضاء أمير المؤمنين، فهذا من معاوية وشريح دليل على جواز إلزام القضاة أن يحكموا بقول معين، وعلى التزام القاضي بذلك، ولو كان مجتهدا.
ونوقش أولا: بأن في سند هذا الأثر مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.
وثانيا: بأن قضاء شريح بقول معاوية يحتمل أن يكون من باب الخبر، بدليل: أنه كان يقول بعد قضائه: هذا قضاء أمير المؤمنين.
4 - ومنها: كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما في شئون القضاء، وفيه (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك) فأمره
(3/202)

عمر أن يحكم بالقياس، وأن يجتهد في ذلك، وكلاهما مجتهد، وقد يكون رأي أبي موسى في أصل العمل بالقياس مخالفا لرأي عمر رضي الله عنهما، ففي الأثر تقييد الإمام لقاضيه المجتهد برأيه، حيث أمره أن يقيس الأمر بما يشبهه، ويحكم بمقتضاه، فدل على جواز إلزام القضاة - ولو كانوا مجتهدين - برأي معين.
وقد يناقش بما ذكره ابن حزم في الجزء السابع من [كتاب الأحكام] من أن هذا الحديث روي من طريقتين:
الأولى: فيها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، قال ابن حزم: عبد الملك متروك الحديث، ساقط بلا خلاف، وأبوه مجهول.
وذكر أن في الطريق الثانية أربعة مجهولين، وأنها منقطعة، وقد ناقشه ابن القيم في ذلك في كتاب [إعلام الموقعين] ، وقد يناقش أيضا: بأن هذا من باب إجابة الإمام لمن استرشده من أمرائه وعماله والنصيحة والتوجيه له في القيام بعمله، ثم هو مجتهد فيما يحكم به، قاض بمقتضى نظره، وليس من باب تقييد القاضي وإلزامه أن يحكم بقول معين وإن كان مجتهدا؛ لقيام الدليل على أن كل مجتهد يجب عليه العمل باجتهاده.
5 - وفي معنى ما تقدم من الآثار تدوين السنة، وسائر العلوم العربية والدينية وإنشاء المعاهد والمدارس والجامعات العلمية والمصانع والمصحات ودور العجزة والأيتام، وتدوين الدواوين ونحوها مما يدخل في عموم تصرفات ولاة الأمور؛ رعاية لمصلحة الأمة في دينها ودنياها، وحفظا لحقوقها العامة والخاصة، وسيأتي إن شاء الله بيان مدى تصرف إمام المسلمين، وبيان ما إذا كان يدخل فيه إلزام القضاة أن يحكموا بقول أو
(3/203)

مذهب معين أو لا يدخل في ذلك.
(3/204)

الخامس: الآثار التي تترتب على البقاء مع الأصل، والتي تترتب على العدول عنه إعمالا للدواعي الطارئة:
لما كان الترجيح بين الأقوال المختلفة لا يتوقف على أدلة كل منها فقط، بل يتوقف أيضا على ذكر لوازم الأقوال وما يترتب على العمل بكل منها من الآثار- وجب ذكر الآثار للنظر فيها إلى جانب الأدلة المتقدمة، وبعد المقارنة من هيئة كبار العلماء بين الأدلة والآثار يمكنها الترجيح، ويحسن قبل ذكر الآثار ذكر تمهيد لها في الفرق بين الشرع المنزل والمؤول، والمبدل.
تمهيد: في الفرق بين الشرع المنزل، والمؤول، والمبدل:
من المعلوم أن ما يسمى شرعا يكون منزلا، ومؤولا، ومبدلا، فالمنزل: ما أراده الله من الكتاب، وما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم من السنة، والمؤول: ما فهمه العلماء من الشرع المنزل؛ ولذا انقسموا إلى قسمين: مصيبون، ومخطئون، فالمصيبون: هم الذين أصابوا مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع المنزل، والمخطئون بخلافهم، وأما المبدل: فهو ما لم يرجع في وضعه إلى الكتاب والسنة من القوانين الوضعية ونحوها مما خالف الحكم فيه الكتاب والسنة الصحيحة، أو إجماع الأمة، وهذا القسم ليس بمقصود في بحثنا للإجماع على تحريمه.
وفيما يلي بيان الآثار المترتبة على كل منهما:
(3/204)

أ- الآثار المترتبة على البقاء مع الأصل:
ا- في البقاء مع الأصل حفاظ تام على الشرع المنزل، وإعمال الأفكار
(3/204)

في فهم أحكامه من عبادات ومعاملات، وأخلاق، وتدبر آياته ومواعظه إلى غير ذلك مما جاء به من هداية البشر وصلاح الناس أجمعين.
2 - في البقاء مع الأصل ربط القلوب به، وزيادة الثقة فيه، وإذكاء روح الغيرة عليه في النفوس، وتربية المهابة والإجلال في القلوب.
3 - في البقاء مع الأصل السلامة من الزيادة والنقص في التشريع والأمن من التغيير والتبديل، ومن المعلوم أن سد الذرائع واجب شرعا.
4 - العناية بالفقه المؤول الذي دونه أسلافنا، وكان من خير ما ورثنا عنهم، ومن المعلوم أن مصادر التشريع لم تكن جميعها معلومة لكل واحد منهم، وأن الفقه لم يكن وقفا على جماعة من العلماء دون غيرهم، ولا كان الحق من آراء الفقهاء متعينا في قول جماعة منهم دون سائرهم، فكان البقاء مع الأصل، وترك الباب مفتوحا لدراسة الفقه المؤول ومقارنته بمصادر الشريعة، وتطبيقه على جزئياته نظريا وعمليا في الحياة الخاصة والعامة- أوفق ليسر الشريعة وكمالها وإحاطتها بجميع الأحكام.
5 - من المعلوم أن المسائل العلمية منها ما هو موضع إجماع، وهذا لا إشكال فيه، ومنها: ما هو موضع خلاف، وهذه للخلاف فيها أسباب متعددة:
منها: ما يرجع إلى بقاء الدليل من عدمه.
ومنها: ما يرجع إلى طريق الأدلة.
ومنها: ما يرجع إلى متن الدليل.
ومنها: ما يرجع إلى دلالته، ومنها: ما يرجع إلى ما يحيط به من اختلاف في التقعيد، فنراهم في بعض المذاهب يحبذون فهم الأدلة الشرعية وحكم المسائل الجزئية على التقعيد المذهبي، هذا من جهة،
(3/205)

ومن جهة أخرى هم مختلفون في مسالك الترجيح بناء على اختلافهم في التقعيد، فتجد مرجوحا عند الشافعية راجحا عند الحنفية وهكذا، ومن جهة ثالثة وصف القول بأنه راجح من حيث التقعيد الشرعي، لا من حيث التقعيد المذهبي، وصفه بذلك ليس من الأوصاف اللازمة، فقد يكون راجحا في وقت بالنظر لما يحيط به من ظروف وملابسات من اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والأشخاص، ويكون مقابله على هذا الأساس مرجوحا، فتتغير الأمور ويكون المرجوح راجحا، والراجح مرجوحا، وهذا كما يجري في الظاهر ومقابله، يجري أيضا في المسائل ذات الأقوال المتساوية في ظن المجتهد، فإن هذا قد يكون بالنسبة لوقت، ويأتي وقت آخر يوجد فيه من القرائن ما يجعل واحدا منها راجحا، فراجحية القول في المسائل الخلافية إنما تظهر بعد دراسة واقع المسألة وتطبيقها على موضعها من الشرع، ومن ثم تبرز راجحية القول، هذا من جهة فقه القضاء، وهذا أمر يورثه الله فيمن يشاء من عباده ولا يدخل تحت حصر البشر.
6 - ما تقدم ذكره من الدواعي التي دعت إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة الحكم به.
(3/206)

ب- الآثار التي تترتب على العدول عن الأصل:
ا- إلزام القضاة أن يحكموا بالقول الراجح من أقوال الفقهاء ينتهي على مر الأيام إلى فصل أهل العلم عن فقه الكتاب والسنة فصلا يتدرج بهم إلى هجرهما، وعدم الرجوع إليهما في هذا المجال؛ اكتفاء بهذه المواد التي يقال: إنها هي القول الراجح.
2 - القضاء على التراث الإسلامي قضاء نهائيا في مجال البيان لأحكام
(3/206)

المعاملات؛ اكتفاء بهذه المواد المدونة، ومعلوم أن الفقه الإسلامي المدون هو أعظم ثروة، فتجب المحافظة عليها، والعناية بالبحث فيها، والرجوع إليها.
3 - التضييق على الناس بحملهم على قول واحد بصفة مستديمة وإهدار الأقوال الأخرى.
4 - كونه مدخلا لتغيير الشريعة بزيادة أو نقص، وتبديل، وتعديل.
5 - إماتة الفكر الفقهي، والحجر عليه، بحيث لا يكون قابلا للقوة والنماء والتوسع والعمق في التفكير؛ لأنه جعل في دائرة من العلم محدودة.
6 - حمل القضاة على الحكم بخلاف ما يعتقدون في بعض المسائل وهذا غير جائز شرعا.
7 - وبالتالي فهو نقطة تحول عما كانت عليه الأمة الإسلامية، وعدول عن أمر جرت عليه أربعة عشر قرنا، منها القرون المفضلة، وفي هذا مخالفة للإجماع العملي.
منا قشة الآثار المترتبة على إلزام القضاة الحكم بقول معين:
يناقش الأول والثاني: بأن سبب انصراف الكثير من المتعلمين عن فقه الكتاب والسنة، والمراجع الكبيرة في الفقه الإسلامي هو: ضعف الهمة، والملكات العلمية، والوازع الديني، والتعصب المذهبي في السواد الأعظم ممن يشتغل بالعلوم الدينية، بدليل انصرافهم عن فقه الكتاب والسنة مع دراسة التفسير والحديث، وعنايتهم بدراسة المختصرات الفقهية لمعرفة الأقوال دون تجشم لمتاعب الاستدلال حتى في الدول التي لم تلزم قضاتها الحكم بقول معين.
(3/207)

ويناقش الثالث بأن الأقوال الأخرى لا تهدر نهائيا، بل لا تزال دراستها موضع عناية في دور التعليم، وإنما قسر القضاة على الحكم بالراجح لمصلحة دفع مضرة التناقض في الأحكام الراجحة على ما يدعى من التيسير في بقاء الأمر على ما كان.
ويناقش الرابع: بأن المدخل في التبديل.. . إلخ يرجع إلى ضعف الوازع الديني، لا إلى قسر القضاة على الحكم بما اختير لهم من القول الراجح، وربما قيل: إن تناقض الأحكام الناشئ من اختلاف أقوال الفقهاء في مراجع القضاة مدعاة إلى النفرة من الثروة الفقهية جملة، وإلى التبديل الشامل، كما تقدم بيانه في الدواعي.
ويناقش الخامس: بما تقدم في الأول والثاني والثالث.
ويناقش السادس: بأنه قد يسلم هذا بالنسبة للمجتهد المطلق أو مجتهد المذهب دون المقلد المحض فإنه تابع لغيره مخير فيمن يتبعه، والمتعلمون اليوم يغلب فيهم طابع التقليد المحض، فللإمام العام أن يلزم من تولى القضاء منهم بقول من الأقوال المخير بينها، تحقيقا للمصلحة على أن الحكم بأن هذا غير جائز هو محل النزاع.
ويناقش السابع: بأنه من استصحاب الإجماع في محل النزاع، وهو مختلف في الاحتجاج به، وبيانه: أن ما ذكر من الإجماع العملي كان في قرون قويت فيها الملكات العلمية، وكثر فيها المجتهدون في الشريعة، أما بعد أن ضعفت الملكات العلمية، وطغى التقليد المحض على المتعلمين- فلا إجماع، بل النزاع قائم على أشده، كما تقدم في سرد الأقوال في الإلزام، فتعين أن ذلك قول باستصحاب إجماع في قرون نيط فيها بأحوال
(3/208)

إلى محل نزاع في قرون تلاشى فيها مناطه لاختلاف الظروف والأحوال.
(3/209)

السادس - هل إلزام القضاة الحكم بمذهب معين أو قول معين ضروري لحل مشاكل القضاء أو يمكن تفاديه بحل آخر؟ من المسلم به وجود مشاكل حول القضاء، والفصل بين الناس في الخصومات، ومن المسلم به أيضا أنه يجب بذل الجهود من الجهات المعنية، والتعاون بينها لإيجاد حل ناجح لهذه المشاكل حتى يسهل على القضاة القيام بمهمتهم على خير حال، ولا يتهرب من العمل في حقل القضاء أحد من المؤهلين عند تعيينه من قبل أولي الأمر للعمل فيه، وحتى يطمئن من بينهم خصومات إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية، وتذهب عنهم الريب والظنون، وإذن لا بد من تحديد هذه المشاكل وبيان منشئها، ثم بيان وسائل حلها ورسم طريق الخلاص منها على ضوء معرفتها ومعرفة أسبابها.
أ- أما المشاكل فقد يقال فيها: إنها ما تقدم بيانه في دواعي إلزام القضاة أن يحكموا بقول معين من التناقض في الأحكام سببه: قصور القضاة، واختلاف الأقوال في المصادر الفقهية التي يرجعون إليها في أحكامهم، فنشأ من هذا: الاضطراب في الأحكام والريبة والاتهام باتباع الهوى والانصراف عن المحاكم الشرعية، وعلى هذا قيل: إن طريق الخلاص من هذه المشاكل إلزام القضاة الحكم بأقوال معينة راجحة تختارها جماعة كبار العلماء، وتقدمها منظمة بعبارة سهلة، معها أدلتها ولائحة تفسيرها، وأمثلة فرضية أو مأخوذة من الواقع يسهل تطبيقها، ولا يلزم مما ذكر التقنين الوضعي، ولا إغلاق باب الاجتهاد في وجوه الأقوياء من القضاة، بل إذا
(3/209)

رأوا رجحان قول يخالف ما قد اختير لهم عرض على هيئة كبار العلماء، فإن أيدوه جعلوه بدلا مما اختير من قبل، وإلا مضوا على ما كان.
وقد تقدم مناقشة هذه الفكرة وبيان الآثار المرتبة عليها، ويزاد هنا أن الإلزام ينافي تخويل الاجتهاد للقاضي المتأهل للترجيح وحسن الاختيار على تقدير أن الهيئة لم تقنع برأيه، وأبقت على ما رآه ضعيفا وعرضه عليها، أما على تقدير اقتناعها برأيه والتعديل على مقتضى ما رجح عنده- فيلزم اختلاف الحكم وتناقضه في قضيتين متماثلتين حكم في إحداهما قبل التعديل وفي الأخرى بعده، وقد يتكرر مثل هذا الاجتهاد، ويوافق عليه، وتعدل! المادة، فيزداد ما سمي من قبل تناقضا، وتعود المشكلة جذعة، ويتكرر ما سمي مأساة ومدعاة للتهرب من القضاء أمام المحاكم الشرعية، وسببا لإباء الأجانب من التحاكم إليها، ولم يطمئن بذلك من وفق أعماله قبل الإقدام عليها مع الأقوال الراجحة؛ لتوقعه التعديل والتغيير. . إلخ، وربما كان استمرار التعديل ذريعة إلى تعديل بعض الأقوال الفقهية بقوانين وضعية- لا سمح الله- كما حصل في بعض الدول الأخرى على ما سبق ذكره في النبذة التاريخية لمراحل التدوين، والأدلة الشرعية دالة دلالة قاطعة على وجوب سد الذرائع، والقضاء على وسائل الشر ومسالكه.
ب- وقد يقال: إن المشكلة نشأت من أسباب كثيرة، من قصور بعض القضاة، ومن التوسع في تعيينهم حتى في قرى ربما يكفيها متعلم يقوم بالوعظ والإرشاد، وإمامة المسجد، وخطبة الجمعة، وعقود الأنكحة ونحو ذلك، ومن قضايا جديدة في نوعها ربما يقال: إنها لم يسبق لها نظير ولم يتبين لها حلول، إلى غير ذلك مما يشابهه.
(3/210)

وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الطريق للإصلاح هو:
أولا: إعداد القضاة، والعناية بتأهيلهم علميا، وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء، ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل إن لم يمكن تفريغه لإعداده والنهوض به.
ثانيا: تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق مثلا، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى؛ ليقوموا بشئون المساجد، وعقود الأنكحة، والوعظ الإرشاد، وكتابة الوثائق ونحو ذلك، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم، ووجود مرافق في المدن يرتفق بها الغريب، ويستريح فيها، ولو أقام أياما، وهذا مما يسهل على القضاة في المدن الاجتماع للاشتراك في دراسة القضايا وهضمها، ويمنع من رفع قضايا تافهة لأقل الأسباب، ويدعو إلى الصلح في كثير من القضايا، وهو خير من التقاضي، واستمرار النزاع حتى يفصل في الخصومة.
ثالثا: حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم، ورجاحة عقل وحلم وأناة، وبعد نظر، وصدق وأمانة، وبعد عن مظان الريبة. . إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي ينبغي أن تتوفر فيمن يولى هذا المنصب، ومما يساعد على سهولة حسن الاختيار ما تقدم من تركيز المحاكم.
رابعا: مراعاة أحوال القضاة في توزيع القضايا عليهم، أو تخصيص كل منهم بنوع منها، والاشتراك في القضايا المهمة، والتشاور فيما فيه التباس، وهذا يتيسر إذا تم تركيز المحاكم في المدن، وعواصم المناطق.
خامسا: تأليف لجنة من العلماء، لبحث المسائل القضائية المعضلة،
(3/211)

وإيضاح غامضها، وحل مشكلها من جهة تحقيق الحكم فيها، ومن جهة توضيح تطبيقها بأمثلة، وخاصة القضايا التي جدت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم إن اقتنعوا به، وليكون نموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها، والدقة في تطبيقها، وبهذا تضيق شقة الخلاف، وتتحقق الدقة في الأحكام إن شاء الله، أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار الأقوال الراجحة؛ لما تقدم بيانه من اختلاف الناس في المدارك والأفهام، واختلاف أحوال القضايا وما يحيط بها من قرائن وأمارات، فبذلك تختلف أفهامهم للمادة العلمية، ويختلف تطبيقهم لما فهموه على ما رفع إليهم من الخصومات.
من هذا يتبين أنه قد لا يكون هناك حل آخر لهذه المشكلة سوى الإلزام.
7 - مدى تصرف المسلمين في مجال الإلزام مع أمثلة توضح ذلك:
تمهيد:
لما كان لولي المسلمين العام حق التصرف في أمور كثيرة من شئون الأمة بمقتضى الإمامة الكبرى، والخلافة العامة؛ رعاية لمصلحة الأمة، وحفظا لكيان الدولة، وجب بيانها ليتبين ما إذا كان منها إلزام القضاة والمفتين أن يحكموا، أو أن يفتوا بمذهب معين أو قول معين، من أقوال فقهاء الإسلام أولا.
وحيث إن فقهاء الإسلام قد بحثوا هذه الحقوق وبينوا ما يختص منها بولي الأمر العام، وما لا يختص به- كان من الضروري ذكر ما قالوه في هذا الأمر؛ ليعرف مصدره من الشريعة، والسر في تخصيص ولاة الأمور
(3/212)

ومنحهم إياه، ولنسترشد به فيما نحن بصدده.
وفيما يلي ذكر كلام الفقهاء فيما لهم وما عليهم، وما على الأمة لهم من الحقوق، مع الإيجاز والاجتزاء ببعض النقول عن بعض؛ خشية الطول، وبعدا عن التكرار؛ ولذا أشير إلى المراجع؛ ليرجع إليها في شرح الغامض ومعرفة ما تفرع عنه النقل وما تفرع عليه.
1 - قال القرافي (1) : تصرفه صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالإمامة؛ كالإقطاع، وإقامة الحدود، وإرسال الجيوش ونحوها.
وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء؛ كإلزام أداء الديون، وتسليم السلع، ونقد الأثمان، وفسخ الأنكحة ونحو ذلك.
وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالفتيا؛ كإبلاغ الصلوات وإقامتها، وإقامة النسك، ونحوها.
وقسم وقع منه صلى الله عليه وسلم مترددا بين هذه الأقسام، اختلف العلماء فيه على أيها يحمل؛ وفيه مسائل.. . إلخ.
2 - وقال (2) أيضا: وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس.
3 - وقال (3) أيضا: فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة، كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب
__________
(1) [الأحكام] ص (96، 97)
(2) [الأحكام] ص (93)
(3) [الأحكام] ص (95)
(3/213)

الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في القرى ونحو ذلك- فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعا مقررا؛ لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (1) انتهى ما قاله القرافي. لكن مع ثبوت اختصاص الإمام بالتصرف في هذه الأمور وأمثالها لا يجوز له أن يتصرف فيها بمحض عقله أو هواه، بل يطبق فيها حكم الشريعة، وبذلك لم ينشئ حكما كليا.
4 - وقال (2) أيضا: بل الحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء، وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما، فقد يفوض إليه التنفيذ، وقد لا يندرج في ولايته، فصارت السلطة العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث هو حكم. انتهى كلام القرافي.
يريد بذلك: أن القاضي له إصدار الحكم في القضايا الجزئية التي رفعت إليه حسب ما فهمه من الشريعة، ولا يملك التنفيذ إلا إذا أعطاه إياه من له السلطة: من ولي الأمر العام ومن في حكمه.
5 - قال (3) الماوردي: والذي يلزمه من الأمور عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة..إلخ.
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين،
__________
(1) سورة الأعراف الآية 158
(2) [الأحكام] ص (93) .
(3) [الأحكام السلطانية] للماوردي ص (15، 16) .
(3/214)

حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم. . إلخ.
الرابع: إقامة الحدود. . إلخ.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة. . إلخ.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة..إلخ.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف.
الثامن: تقدير العطايا، وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأموال وتصفح الأحوال. . إلخ.
(3/215)

وقال (1) أيضا: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة، ما لم يتغير حاله.
6 - وقال (2) القرافي: تصرفات الحكام والأئمة بغير الحكم أنواع كثيرة
__________
(1) [الأحكام السلطانية] ص (17)
(2) [الأحكام] ص (177) وما بعدها.
(3/215)

أنا ذاكر منها إن شاء الله عشرين نوعا، وهي عامة تصرفاتهم فيسلم من الغلط فيها:
أ- العقود، كالبيع والشراء في أموال الأيتام. . إلخ.
2 - إثبات الصفات نحو ثبوت العدالة عند حاكم. . إلخ.
3 - ثبوت أسباب المطالبات، نحو ثبوت مقدار قيمة المتلف في المتلفات. . إلخ.
4 - إثبات الحجاج الموجبة لثبوت الأسباب الموجبة للاستحقاق، نحو كون الحاكم ثبت عنده التحليف ممن تعين عليه الحلف. . إلخ.
5 - إثبات أسباب الأحكام الشرعية نحو الزوال. . إلخ.
6 - الفتاوى في الأحكام في العبادات وغيرها. . إلخ.
7 - تنفيذات الأحكام الصادرة عن الحكام فيما تقدم الحكم فيه من غير المنفذ، بأن يقول: ثبت عندي أنه ثبت عند فلان من الحكام كذا وكذا. . إلخ.
8 - تصرفات الحكام بتعاطي أسباب الاستخلاص ووصول الحقوق إلى مستحقيها من الحبس والإطلاق. . إلخ.
9 - التصرف في أنواع الحجاج بأن يقول: لا أسمع البينة؛ لأنك حلفت قبلها مع قدرتك على إحضارها. . إلخ.
10 - تولية النواب عنهم في الأحكام. . إلخ.
11 - إثبات الصفات الموجبة للمكنة من التصرف في الأموال؛ كالترشيد في الصبيان والبنات.
12 - الإطلاقات من بيت المال وتقدير مقاديرها في كل عطاء. . إلخ.
(3/216)

13 - اتخاذ الأحمية من الأراضي المشتركة بين عامة المسلمين ترعى فيها إبل الصدقة وغيرها. . إلخ.
14 - تأمير الأمراء على الجيوش والسرايا. . إلخ.
15 - تعيين أحد الخصال في الحرابة لعقوبة المحاربين. . إلخ.
16 - تعيين مقدار من التعزير إذا رفع لغيره قبل تنفيذه فرأى خلاف ذلك فله تعيينه وإبطال الأول. . إلخ.
17 - الأمر بقتل الجناة وردع الطغاة إذا لم ينفذ. . إلخ.
18 - عقد الصلح بين المسلمين وبين الكفار ليس من المختلف فيه، بل جوازه عند سببه مجمع عليه. . إلخ.
19 - عقد الجزية للكفار لا يجوز نقضه ولا تغييره. . إلخ.
20 - تقرير الخراج على الأرضين وما يؤخذ من تجار الحربيين. . إلخ.
7 - وقال (1) أيضا: الضابط الذي يرجع إليه في ترتيب الأحكام على أسبابها من غير حكم حاكم، وما يفتقر لحكم الحاكم: أن الموجب للافتقار لحكم الحاكم ثلاثة أسباب:
السبب الأول: كون ذلك الحكم يحتاج إلى نظر وتحرير وبذل جهد من عالم بصير حكم عدل في تحقيق سببه ومقدار مسببه وله مثل:
أ- الطلاق بالإعسار.
2 - التعزيرات.
3 - التطليق على المولى.
__________
(1) [الأحكام] ص (146) وما بعدها.
(3/217)

4 - إذا حلف ليضربن عبده ضربا مبرحا فالقضاء بالعتق عليه يفتقر للحاكم.
السبب الثاني: الموجب لافتقار ترتيب الحكم على سببه إلى حكم الحاكم ومباشرة ولاة الأمور: كون تفويضه لجميع الناس يفضي إلى الفتن والشحناء والقتل والقتال وفساد النفس والمال وله مثل:
ا- الحدود.
2 - قسمة الغنائم.
3 - جباية الجزية وأخذ الخراج من أرض العنوة وغيرها من مال المسلمين.
السبب الثالث: قوة الخلاف مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق، وله مثل:
1 - من أعتق نصف عبده لا يكمل عليه بقيته إلا بالحكم.
2 - العتق بالمثلة.
3 - بيع من أعتقه المديان.
فهذه الأسباب الثلاثة هي الموجبة للافتقار للحاكم وولاة الأمور، فإذا لم يوجد شيء منها تبع الحكم سببه الشرعي حكم به حاكم أم لا. ولأجل هذه القاعدة انقسمت الأحكام ثلاثة أقسام:
1 - منها: ما يتبع سببه بالإجماع، ولا يفتقر لحكم؛ لقوة بعده عن اشتماله على أحد تلك الأسباب الثلاثة الموجبة للافتقار.
2 - ومنها: ما يفتقر للحاكم إجماعا؛ للجزم باشتماله على أحد الأسباب الثلاثة أو اثنين منها.
(3/218)

3 - ومنها: ما اختلف فيه هل هو من القسم الأول أو من القسم الثاني؛ لما فيه من وجوه الإحالة باشتماله على أحد الأسباب أو عدم اشتماله، فلحصول التردد في الاشتمال حصل التردد في الافتقار.
ثم ذكر أمثلتها.
8 - وقال (1) أيضا في أثناء الكلام على أي شيء ما يفيد الإنسان أهلية أن ينشئ حكما في مواطن الخلاف فيجب تنفيذه، ولا يجوز نقضه فهل ذلك لكل أحد، أو إنما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص، وما هو ذلك السبب، وهل هو واحد أو أنواع كثيرة؟ قال: إنه لا خلاف بين العلماء أن ذلك ليس لكل أحد، بل إنما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص، وهو ولاية خاصة ليس كل الولاية تفيد ذلك.
فمن الولايات ما لا يفيد أهلية شيء من الأحكام. ومنها: ما يفيد أهلية الأحكام كلها. . إلخ. وبعد أن ذكر: أن الولاية لها طرفان ووسط، وأن لها خمس عشرة مرتبة، قال: الرتبة الأولى: الإمامة الكبرى، فأهلية جميع أنواع القضاء في الأموال والدماء وغيرها جزؤها، وهي صريحة في ذلك، فتتناول بصراحتها أهلية القضاء، وأهلية السياسة العامة.
9 - وقال (2) أيضا: كيف يمكن أن يقال: إن الله جعل لأحد أن ينشئ حكما على العباد؛ وهل ينشئ الأحكام إلا الله تعالى؛ فهل لذلك نظير وقع
__________
(1) [الأحكام] ص (156) وما بعدها.
(2) [الأحكام] ص (26- 28) .
(3/219)

في الشريعة، وما يؤنس هذا المكان ويوضحه؟ فأجاب عن هذا السؤال: لا غرو في ذلك ولا نكير، بل الله تعالى قرر الواجبات، والمندوبات والمحرمات، والمكروهات، والمباحات، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (1)
ومع ذلك قرر في أصل شريعته: أن للمكلف أن ينشئ الوجوب فيما ليس بواجب في أصل الشرع، فينقل أي مندوب شاء، فيجعله واجبا عليه، وخصص ذلك بالمندوبات، وخصص الطريق الناقل للمندوبات إلى الواجبات بطريق واحد وهو النذر، فالنذر إنشاء للوجوب في المندوب. وقرر الله تعالى أيضا الإنشاء للمكلف في صورة أخرى. . له أن ينشئ السببية في المندوبات، والواجبات، والمحرمات، والمكروهات، والمباحات، وما ليس فيه حكم شرعي البتة، كفعل النائم. . إلخ.
ومع ذلك فلكل مكلف أن يجعل أي ذلك شاء سببا لطلاق امرأته، أو عتق عبده. . إلخ، فعمم صاحب الشرع في هذا الباب جميع الأشياء في المجعول سببا، وخصص في الطريق المجعول به، فعينه في التعليق، وفي الباب الأول خصص فيهما، فعين المجعول فيه في المندوب، وخصص الطريق بالنذر، فهذا الباب خاص، والأول خاص وعام.
وإذا تقرر أن الله تعالى جعل لكل مكلف، وإن كان عاميا جاهلا الإنشاء في الشريعة لغير ضرورة- فأولى أن يجعل الإنشاء للحكام مع علمهم
__________
(1) سورة المائدة الآية 3
(3/220)

وجلالتهم؛ لضرورة درء العناد، ودفع الفساد، وإخماد النائرة، وإبطال الخصومة. انتهى كلام القرافي.
ليس فيما ذكر من الصورتين إنشاء العبد لحكم شرعي، وضعي أو تكليفي، فإن الذي وقع من العبد في الصورة الأولى مجرد النذر لمندوب، وهو محل للحكم، وليس حكما، والله هو الذي جعل النذر سببا لما بناه عليه سبحانه من الحكم بوجوب الوفاء، وهو الذي جعل القابلية لذلك في المندوب وليس إلى غير الله إنشاء في هذه الثلاثة.
وأما الصورة الثانية فالذي من العبد التعليق للعتق أو الطلاق مثلا على شيء مما ذكر في هذه الصورة، والتعليق الذي هو فعل العبد محل للحكم وليس حكما، ولا إنشاء للحكم، والله سبحانه الذي عم في المعلق عليه، فجعله أيا كان قابلا لأن يكون سببا لترتيب الحكم على تحققه، وعلى ذلك يتبين بطلان ما ذكره من أن الله تعالى جعل لكل مكلف، ولو عاميا جاهلا إنشاء الأحكام في الشريعة لغير ضرورة، وبطلان ما رتبه عليه من أن للحكام من باب أولى إنشاء أحكام كلية في الشريعة، وإنما الذي إليهم فهم الشريعة وتطبيقها على الوقائع والقضايا الجزئية، كما دلت على ذلك أدلة اختصاص الله بالتشريع.
10 - قال (1) القرافي في الفرق بين المفتي والحاكم، وبين الإمام الأعظم في تصرفاته - قال: إن الإمام نسبته إليهما كنسبة الكل لجزئه، والمركب لبعضه، فإن للإمام أن يقضي، وأن يفتي كما تقدم، وله أن يفعل
__________
(1) [الأحكام] ص (32) .
(3/221)

ما ليس بفتيا ولا قضاء؛ كجمع الجيوش، وإنشاء الحروب، وحوز الأموال، وصرفها في مصارفها، وتولية الولاة، وقتل الطغاة، وهي أمور كثيرة يختص بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي، فكل إمام قاض ومفت، والقاضي والمفتي لا يصدق عليهما وصف الإمامة الكبرى.
11 - وقال (1) أيضا: وظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة، وأن تصرف الإمامة الزائد على هذين يعتمد المصلحة الراجحة أو الخالصة في حق الأمة.
12 - قال (2) ابن القيم في مبحث غزوة حنين بعد كلام في حديث: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه (3) » قال: ومأخذ النزاع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام والحاكم والمفتي، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة، كقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (4) » ، وقوله: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته (5) » ، وكحكمه بالشاهد واليمين، وبالشفعة فيما لم يقسم.
وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد شكت إليه شح زوجها، وأنه لا يعطيها ما يكفيها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (6) » فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البينة.
__________
(1) [الأحكام] ص (41) .
(2) [زاد المعاد] (3 \ 489- 491) .
(3) صحيح البخاري فرض الخمس (3142) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير (1751) ، سنن الترمذي السير (1562) ، سنن أبو داود الجهاد (2717) ، موطأ مالك كتاب الجهاد (990) .
(4) صحيح البخاري الصلح (2697) ، صحيح مسلم الأقضية (1718) ، سنن أبو داود السنة (4606) ، سنن ابن ماجه المقدمة (14) ، مسند أحمد بن حنبل (6/256) .
(5) سنن الترمذي الأحكام (1366) ، سنن أبو داود البيوع (3403) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2466) ، مسند أحمد بن حنبل (3/465) .
(6) صحيح البخاري النفقات (5364) ، صحيح مسلم الأقضية (1714) ، سنن النسائي آداب القضاة (5420) ، سنن أبو داود البيوع (3533) ، سنن ابن ماجه التجارات (2293) ، مسند أحمد بن حنبل (6/206) ، سنن الدارمي النكاح (2259) .
(3/222)

وقد يقوله بمنصب الإمامة فتكون مصلحة الأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ومكانا وحالا.
ومن هاهنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه صلى الله عليه وسلم، كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلا فله سلبه (1) » هل قاله بمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما؛ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له (2) » هل هو شرع عام لكل أحد أذن فيه الإمام، أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟ على قولين: فالأول: للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما.
والثاني: لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاح فيه الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول. . انتهى.
__________
(1) صحيح البخاري فرض الخمس (3142) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير (1751) ، سنن الترمذي السير (1562) ، مسند أحمد بن حنبل (5/306) ، موطأ مالك كتاب الجهاد (990) .
(2) سنن الترمذي الأحكام (1379) ، مسند أحمد بن حنبل (3/356) ، سنن الدارمي البيوع (2607) .
(3/223)

مما تقدم يتبين ما يأتي:
ا- تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم أنواع:
أ- تصرفه باعتباره رسولا، وهو قسمان:
القسم الأول: أن يحكم حكما شرعيا بوحي من الله تعالى، والأصل في هذا أن يكون حكما كليا وتشريعا عاما في الأعيان والأزمان إلا ما خصه الدليل، وهذا القسم خاص به فلا يشاركه في التشريع أحد من الأمة لا الراعي ولا الرعية، وهو فيه معصوم.
القسم الثاني: إبلاغ هذا التشريع وإرشاد الناس به وحثهم عليه، وهذا
(3/223)

واجب عليه، هو معصوم فيه، وليس مختصا به، بل يرثه عنه العلماء فيجب عليهم البلاغ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أنهم غير معصومين في بلاغهم وفهمهم له.
ب- تصرفه صلى الله عليه وسلم باعتباره قاضيا، فبهذا الاعتبار يفصل في الخصومات ويحكم فيها بمقتضى طرق الإثبات من البينات ودلائل الأحوال والأمارات. . إلخ. وهذا المنصب ورثه عنه ولي الأمر العام، ويكون لغيره بإذنه وتنصيبه إياه، فيحكمون بين الناس على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالهوى ومحض الرأي.
ج- تصرفه صلى الله عليه وسلم باعتباره إماما أعظم للمسلمين، فإليه بهذا الاعتبار إبرام العهود الدولية، وقسمة الغنائم، وإقامة الحدود. . إلى آخر ما ذكر في النقول من هذا الجنس، وهذا المنصب يرثه عنه ولي أمر المسلمين العام، فله ما للرسول صلى الله عليه وسلم من التصرف بحكم الإمامة.
2 - معنى كون هذه التصرفات للإمام بحكم الإمامة الكبرى: أنها مختصة به لا يقوم بها غيره إلا بإذنه ممن يرى فيه الأهلية لها، وليس معنى كونها له أنه يشرع فيها شرعا جديدا، بل يجب عليه أن يقوم بها باعتباره مسئولا عن الأمة، وعليه أن يتبع فيها حكم الشرع ويطبقه فيها تطبيقا يكفل لهم المصلحة الخالصة، أو الراجحة، ويدفع المضرة أو يخففها عنهم. فإنه صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله كان يقوم بها على مقتضى ما أمره الله وفق المقاصد الشرعية، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (1) الآية، وقال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (2)
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 21
(2) سورة الأعراف الآية 158
(3/224)

3 - للإمام العام سلطة البلاغ والإرشاد، وسلطة الحكم والقضاء، وسلطة التنفيذ، بخلاف غيره، فإنه لا يملك سلطة القضاء أو التنفيذ إلا بإذنه وتنصيبه في ذلك، ومن ذلك يعرف: أن من تصرفات الإمام ما يكون بطريق القضاء، وقد ذكر القرافي ثلاثة ضوابط لما يكون فيه ذلك، وأوضحها بالأمثلة، ومنها: ما يكون بغير طريق الحكم والقضاء، وقد ذكر القرافي منها عشرين نوعا مع الإيضاح بالأمثلة.
4 - قد يكون للناس الخيار بين أمرين أو أمور فيما يأتون وما يذرون من شئون معاشهم ونظام حياتهم، وقد تنشأ مضرة عن تخلية سبيلهم؛ ليختار كل لنفسه ما شاء مما هو مباح له، أو فوضى عامة شاملة، فيجب على ولي الأمر ومن أنابه عنه أن يحملهم على أحد الأمرين أو الأمور، ويلزمهم بالوقوف عنده؛ رعاية للمصلحة العامة، ودفعا للمضرة، ومن خالف ذلك فله تعزيره بما يتناسب مع خطر اعتدائه، ويراه كافيا في تأديبه وردع أمثاله، مثال ذلك: أن للتاجر زيادة السعر ونقصانه وعرض السلع بالأسواق واحتكارها، فلإمام المسلمين إذا رأى من التاجر التواطؤ على الاحتكار ورفع الأسعار وانتهاز الفرص ورأى ما يلحق المستهلكين من المضرة بسبب صنيع هؤلاء - أن يحدد الأسعار ويمنع الاحتكار على وجه يكفل العدالة والرحمة، ويقضي على الأثرة والأزمة والغلاء المصطنع، ومن ذلك التعليم، ودوام
(3/225)

الموظفين بالنسبة للأوقات، وطرق المواصلات بالنسبة للسيارات والقطارات، فلولي الأمر العام أن يضع نظاما يحدد أوقات العمل، وينظم سير المواصلات.
وأخيرا فهذا ما ذكره العلماء فيما لولي الأمر العام أن يتصرف فيه من شئون الأمة بالإمامة والفتيا والقضاء، وليس فيه ذكر لإلزام القضاة أن يحكموا بمذهب أو قول معين، لكن يمكن أن يقال: إن هذه التصرفات لم تذكر على وجه الحصر بدليل ما تقدم في البحث من قول بعض العلماء بإلزام القضاة بذلك، وقد سبقت أدلته مع المناقشة.
ويمكن أن يقال أيضا: إنه وإن لم يذكر صريحا لكنه شبيه بما ذكر في البناء على رعاية مصلحة الأمة والمحافظة على الشريعة واستمرار الحكم بها، أو يقال: إنه مندرج تحت تصرف الإمام بالإلزام بأمر من أمرين أو أمور للأمة فيها الخيار؛ رعاية للمصلحة، ومنعا للفوضى، فإن التقليد في المسائل الفقهية غالب على أهل زماننا، والمقلد مخير في من يتبعه من الأئمة المجتهدين، وعليه لا يأتي الإلزام لمن كان مجتهدا ولو في المذهب.
هذا ما تيسر جمعه وإعداده مع الاجتزاء ببعض النقول عن بعض لكونه في معناه، والى أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء النظر وترجيح ما يرونه.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(3/226)

"مصادر البحث"
(أ) كتب المذهب الحنفي:
1 -[بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] للكاساني، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام 1327 هـ.
2 -[تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] لعثمان بن علي الزيلعي، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام 1314 هـ.
3 -[تنوير الأبصار] ، و [الدر المختار] ، و [رد المحتار] الشهير بـ[حاشية ابن عابدين] ، الطبعة الأولى بالمطبعة الميمنية بمصر عام 1318 هـ، وكذلك اعتمد على نسخة أخرى.
4 -[معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام] للطرابلسي، طبعة أولى بالمطبعة الأميرية سنة 1300 هـ.
5 -[رسالة رسم المفتي] ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، طبع بالآستانة بالمطبعة العثمانية عام 1321 هـ.
(ب) كتب المذهب المالكي:
1 -[مختصر خليل] وعليه [مواهب الجليل] للحطاب، الطبعة الأولى، بالمطبعة الأميرية.
2 -[مختصر خليل] وعليه [الشرح الكبير] للدردير، و [حاشية الدسوقي] طبعة حلبية.
3 -[فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك] للشيخ عليش.
(3/227)

4 -[حاشية علي الصعيدي على شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد] ، طبع مطبعة محمد عاطف.
5 -[تزيين الممالك بمناقب مالك] للسيوطي.
6 -[مناقب الإمام مالك] لعيسى بن مسعود الزواوي. كلاهما في أول [المدونة] طبعة أولى بالمطبعة الخيرية عام 1335 هـ.
7 -[تبصرة الحكام] لابن فرحون، طبع بالمطبعة البهية بمصر عام 1302 هـ.
8 -[الإحكام في أصول الأحكام] للآمدي، طبع بمطبعة مؤسسة النور.
9 -[الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام] للقرافي، الناشر مكتبة المطبوعات الإسلامية، طبع سنة 1387 هـ.
10 -[مراقي السعود وشرحها] لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي، طبع بمطبعة المدني.
(ج) كتب المذهب الشافعي:
1 -[المجموع شرح المهذب] للنووي، طبع مطبعة العاصمة بالقاهرة.
2 -[نهاية المحتاج، شرح المنهاج] للرملي، طبعة حلبية.
3 -[المحلى على المنهاج] ، طبعة حلبية.
4 -[قليوبي على شرح المنهاج] ، طبعة حلبية.
5 -[المهذب] للشيرازي، طبعة حلبية.
6 -[الفقيه والمتفقه] ، طبع مطابع القصيم.
7 -[الأحكام السلطانية والولايات الدينية] للماوردي، الطبعة الأولى بالمطبعة الحلبية عام 1380 هـ.
(3/228)

(د) كتب المذهب الحنبلي:
1 -[المغني والشرح الكبير] .
2 -[الإقناع] وشرحه [الكشاف] .
3 -[المنتهى وشرحه] .
4 -[الإنصاف]
5 -[الفتاوى المصرية] .
6 -[مجموع فتاوى شيخ الإسلام] .
7 -[تفضيل مذهب أهل المدينة] ، طبع مطبعة الإمام.
8 -[المنتقى] للذهبي [مختصر منهاج السنة] طبع المطبعة السلفية ومكتبتها عام 1374 هـ.
9 -[مسودة آل تيمية] .
10 -[إعلام الموقعين] .
11 -[الأحكام السلطانية] لأبي يعلى.
12 -[السياسة الشرعية] .
13 -[زاد المعاد] .
(هـ) كتب أخرى:
1 - مجلة المنار.
2 -[فتاوى المنار] .
3 -[المدخل الفقهي العام] للزرقاء.
4 -[المدخل للفقه الإسلامي] لمدكور.
(3/229)

5 -[مقدمة في إحياء علوم الدين] للمحمصاني.
6 -[رسالة الصحابة] ضمن [المجموعة الكاملة] لابن المقفع.
(3/230)

قرار هيئة كبار العلماء رقم (8) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان السالكين لمنهجهم القويم.
وبعد: فبناء على أمر جلالة الملك - وفقه الله - بالنظر من قبل هيئة كبار العلماء في أمر جواز تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به.
وقبل الدخول في صلب البحث وتقرير ما هو الحق الذي تشهد به قواعد الشريعة وعليه عمل السلف رحمهم الله نقول:
أولا: إنه مما لا شك فيه لدى كل عارف أن إمام المسلمين وفقه الله وثبته على الحق ونصره به - لم يكن له من هدف في هذا الأمر سوى الخير والحرص على جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ولما بلغه - حفظه الله - أن فيما يصدر من بعض القضاة ما يلفت النظر، ويدعو إلى البحث من صدور أحكام قد يظن بعض الناس أنها متناقضة، مع أن قضاياها متماثلة، وهي في الحقيقة ليست كذلك، كما قد يدعو إلى اتهام القضاة باتباع الهوى، أو رميهم بالقصور في تطبيق أحكام الشريعة على ما
(3/231)

يرفع لهم من القضايا، وأن ذلك ربما كان من أجل عدم وجود كتاب على قول واحد يحكم به القضاة ويتعرف الناس منه أحكام المعاملات؛ ليوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام على عمل ما حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم عند حدوث ترافع قضائي، وأنه قد يدعو إلى تهرب بعض الناس من رفع قضاياهم للمحاكم الشرعية في المملكة والذهاب بها لمحاكم في دول أجنبية.
من أجل هذا، وحرصا من جلالة الملك - وفقه الله - على صيانة الشريعة وبقاء الحكم بها بين الناس أمر - حفظه الله - بعرض موضوع التدوين المشار إليه لإلزام القضاة والحكم به على هيئة كبار العلماء؛ ليبينوا حكم الشريعة في جواز ذلك أو عدمه.
ثانيا: يحسن أن نذكر شيئا مما من الله به على هذه البلاد من باب التحدث بنعمة الله التي غمرنا بها - فنقول: إنه غير خاف على أحد من أهل المعرفة ما كانت عليه بلادنا قبل تأسيس هذه الدولة المباركة من الفوضى والاضطراب، واللصوصية المغرقة، والخوف المتفاقم والفرقة المتمكنة، حتى هيأ الله سليل بيت المجد والسؤدد: الملك عبد العزيز - رحمه الله - فقام بلم شعثها، وجمع شملها المتفرق، وبناء كيانها على أساس من منهج السلف الصالح الذي ورثه عن آبائه الكرام حماة الدعوة السلفية، وبناة حصونها في هذه البلاد، وهذه الدعوة وهي الدعوة التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فضرب الأمن في ربوع الجزيرة أطنابه بعد أن كان مفقودا، وانتشر العدل بين الناس، وأمنوا على أنفسهم وأموالهم، واتصلوا بالعالم الخارجي اتصالا واسعا، وعرفت حال البلاد عند سائر الدول،
(3/232)

وتعامل أهلها مع أولئك منذ مدة طويلة والبلاد في تقدم مستمر ولله الحمد، لم يضرها بقاؤها في منهاج القضاء على ما كان عليه السلف الصالح - رحمهم الله وفهم نظامها القضائي لدى سائر أمم الأرض المتحضرة، واشتهر الأمن فيها حتى صار مضرب المثل ومثار العجب عند كل مصنف، رغم اتساع رقعة البلاد وعدم تعلم غالبية أهلها، وما ذاك إلا بفضل الله سبحانه، ثم بفضل تمسك هذه الدولة بشريعة الإسلام وسيرها على محجة سلف الأمة الذين نشروا الإسلام وساسوا العباد بالعدل وحكموا فيهم الشرع، وفوضوا إلى قضاتهم الحكم بما فهموه من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما استنبطه العلماء منها فصلحت بذلك أحوالهم، واستقامت أمورهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقد اشتهرت نزاهة القضاء في بلادنا ولله الحمد، وعدالته وبساطته، ومسايرته للفطرة، وتمشيه مع مقتضى المصلحة الحقة، حتى صار معلوما عند الموافق والمخالف، ولا يسعنا إزاء هذه النعمة العظيمة التي من الله علينا بالتمسك بها حين تخلى عنها الأكثرون إلا أن نشكره جل وعلا، ونسأله أن يثبتنا على ما نحن عليه من الحق، ويرزقنا الإعانة والتوفيق.
ثالثا: نظرت الهيئة في الموضوع، فرأت أن دواعي الإصلاح قائمة، وأنه لا بد من إيجاد حل للمشكلة، وإصلاح لما تخشى عواقبه، غير أن الهيئة بأكثريتها ترى: أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به؛ لأنه ليس طريقا للإصلاح، ولا يحل المشكلة، ولا يقضي على الخلاف في الأحكام، أو على ظنون بعض الناس في القضاة ما دام هناك محكوم عليه، لأن اتهام القاضي في حكمه لم يسلم منه
(3/233)

أحد حتى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فقد قال له بعض الناس: اعدل، فإنك لم تعدل، وفي رواية: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. ومع ذلك فإن التدوين المراد يفضي إلى ما لا تحمد عاقبته؛ وذلك لأمور:
1 - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما اختير لهم مما يسمى بالقول الراجح عند من اختاره يقتضي أن يحكم القاضي بخلاف ما يعتقد، ولو في بعض المسائل، وهذا غير جائز، ومخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، ومن بعدهم السلف الصالح، ويسبب التحول عن سبيلهم، ولقد سبق أن وجدت هذه الفكرة في خلافة بني العباس، وعرضها أبو جعفر المنصور على الإمام مالك رضي الله عنه فردها وبين فسادها، فهي فكرة مرفوضة لدى السلف، ولا خير في شئ اعتبر في عهد السلف من المحدثات.
2 - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما يدعى أنه القول الراجح فيه حجر عليهم، وفصل لهم في قضائهم عن الكتاب والسنة وعن التراث الفقهي الإسلامي، وتعطيل لهذه الثروة التي هي خير تراث ورثناه عن السلف الصالح، وفي ذلك أيضا مخالفة صريحة لما دل عليه كتاب الله تعالى من وجوب الرجوع فيما اختلف فيه من الأحكام إلى الكتاب والسنة، وإن عدم الرد إليهما عند الاختلاف ينافي الإيمان بالله تعالى، قال سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (1)
__________
(1) سورة النساء الآية 59
(3/234)

3 - إن الإلزام بما يدون يفضي إلى نفس النتيجة التي وصل إليها من سبقنا إلى هذه التجربة من الدول الإسلامية المتأخرة، فقد جربوا هذا التقنين، وألزموا القضاة العمل به، فلم يأتهم بخير، ولم يرفع اختلاف القضاة في الأحكام، وإنما أدى بهم إلى الحكم بالقوانين الوضعية فيما عدا الأحوال الشخصية، وبعض العقوبات؛ فسدا لذريعة الفساد، ومحافظة على البقاء في التحاكم إلى شريعة الله، وإبقاء على إظهار شعار أمتنا الإسلامية - يجب علينا أن نفكر في طريق آخر للإصلاح سليم من العواقب الوخيمة.
4 - إن إيجاد كتاب يشتمل على قول واحد هو الراجح في نظر من اختاره يكون موحد الأرقام مسلسل المواد - لا يمكن أن يقضي على الخلاف، ويوجد الاتفاق في الأحكام في كل القضايا؛ لاختلاف القضاة في مداركهم وفي فهم المواد العلمية، ومدى انطباقها على القضايا التي ترفع لهم، ولاختلاف ظروف القضايا وما يحيط بها من أمارات، ويحف بها من أحوال - فقد اختلف الناس في مدلول بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مع وضوحها وجلائها، وعلم مصدرها الذي ليس علمه كعلم من يختار القول الراجح المراد.
5 - المحاكم المدنية في الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دونت قوانينها على هيئة مواد موحدة، مسلسلة الأرقام، ومع ذلك اختلفت أحكام قضاتها، ووقع في بعضها التناقض والخطأ، واستؤنفت بعض الأحكام، فنقض في محاكم الاستئناف، فلم يكن ذلك التنظيم والإلزام به مانعا من الخطأ والتناقض، واتهام القضاة، ونقض الأحكام
(3/235)

ما دام القضاة متفاوتين في الأفكار والأفهام، وبعد النظر والقدرة على تطبيق الأحكام على القضايا والوقائع.
6 - لا يصلح للتخلص من الآثار السيئة التي ترتبت على إلزام القضاة بما يدون لهم - إعطاؤهم حق الرفع فيما يخالف فيه اعتقادهم ما دون إلى مرجعهم، فإن ذلك يعود إلى التواكل، وتدافع القضايا والتهرب من المسئولية، وتعويق المعاملات، وتكديسها، وفتح باب الاحتيال للتخلص من بعض القضايا؛ لأمر ما، ولا يعدم من أراد ذلك أن يجد في وجهة نظر المخالفين لما دون ما يسند رأيه؛ لأن الرجحان أمر نسبي مختلف فيه، ولكل قول وجهته.
7 - الواقع يشهد بأن معرفة الخصوم لما يرجع إليه القاضي تفصيلا ليس بضروري، ولا شرط لقبول حكم القاضي، ولا نفاذه لا من جهة الشرع ولا من جهة القانون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يحكمون بين الناس في الخصومات، ولم يكن الفقه مدونا وكثير من المتخاصمين لا يحفظ القرآن كله، ولا كثيرا من السنة، وإنما يعرفون إجمالا: أن القاضي سيحكم فيما يرفع إليه من القضايا مما فهمه من الكتاب والسنة، كما أن الدول التي تحكم بقوانين وضعية لا يعرف السواد الأعظم فيها ما يرجع إليه القضاة من القوانين؛ ولذلك يقيمون المحامين ليرافعوا عنهم في قضاياهم، فلم يكن تدوين الأحكام على النهج المقترح ليوافق المتحاكمون أعمالهم معها ضروريا، ومع ذلك فالأحكام الشرعية مدونة، ومن أرادها أمكنه الوصول إليها ومعرفتها، ومع معرفته لها فإنه لا يأمن أن يخالفه القاضي في فهمها وتطبيقها على
(3/236)

قضيته، سواء في ذلك من يرجع في تحاكمه إلى الشرع ومن يرجع إلى القانون الوضعي؛ لأن الأحكام لو دونت لا يكون فيها ذكر جميع الجزئيات من القضايا، وإنما يجتهد كل قاض في تطبيق النص على القضية التي ترفع إليه.
فيما سبق ذكره وغيره مما لم يذكر من الآثار السيئة التي تنشأ عن إلزام القضاة الحكم بما يختار لهم - يجب التماس طريق آخر لعلاج الوضع.
وحل المشكلة وهو ما يلي:
1 - إعداد القضاة، والعناية بهم، وتأهيلهم علميا، وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء، ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل.
2 - تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى؛ ليقوموا بشئون المساجد، وعقود الأنكحة، والوعظ والإرشاد، وكتابة الوثائق، وتلقي استخلافات القضاة ونحو ذلك، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم ووجود مرافق في المدن يستريح فيها الغريب، ويرتفق بها، ولو أقام أياما، ويسهل ذلك على القضاة في المدن الاجتماع لدراسة القضايا وهضمها، ويمنع من الترافع في الأمور التافهة البسيطة، ويدعوا إلى الصلح بين الناس، وهو أنفع من التمادي في الخصومات حتى البت في القضايا.
3 - حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم، ورجاحة في العقل، مع حلم وأناة، وبعد نظر، وصدق وأمانة، وابتعاد عن مظان الريبة. . إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في القاضي،
(3/237)

وسيساعد على سهولة الاختيار الاقتصار على تركيز المحاكم في المدن، كما أشرنا إليه سابقا.
4 - تأليف لجنة من العلماء؛ لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة، فتبين بالأدلة وجه الحكم فيها، وتوضح تطبيقها بأمثلة، خاصة القضايا التي حدثت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم، ونموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها، والدقة في تطبيق الأحكام فيها، فبذلك تضيق شقة الخلاف، وتتحقق المصلحة المرجوة.
أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار قول واحد وألزم القضاة الحكم به؛ لما تقدم بيانه.
ومع ذلك فإن الحكومة - وفقها الله - قد بذلت مجهودا تشكر عليه، فجعلت محاكم تمييز تدرس الأحكام الصادرة من المحاكم، وتوجه القضاة فيما تراهم قد قصروا فيه، وجعلت وراء ذلك هيئة قضائية عليا تدقق الأحكام التي يحصل حولها اختلاف بين القضاة وهيئات التمييز - كل ذلك حرصا من ولي الأمر - وفقه الله - على براءة الذمة، وإراحة الناس، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
5 - إن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى من القاضي الواحد في قضيتين متماثلتين ظهر له في الثانية ما لم يظهر له في الأولى، فحكم به، ولم ينقض حكمه السابق، ولم يكن ذلك داعيا إلى التفكير في مثل التدوين المقترح، ولا إلزام
(3/338)

القضاة لحكم بقول واحد، وهم كانوا أحرص منا على حفظ الدين، وعلى سمعته وسمعة المسلمين ما وسعهم، ولا يجوز أن يكون هذا الاختلاف مثار ريبة وتهمة للقاضي، فالأصل فيمن يختار للقضاء: أن يكون عالما أمينا على مستوى المسئولية.
6 - مما تقدم يعلم أن العلاج للمشكلة في غير التدوين المذكور الذي لا تؤمن عاقبته، ونتيجته غير مضمونة، ويفضي إلى فصل الناس عن مصادر شريعتهم وثروة أسلافهم الفقهية، كما سبق بيانه، فتعين سلوك الطريق السليم العاقبة، المأمون النتيجة، الذي استقامت عليه حياة الأمة الإسلامية وأحوالها في قرونها السالفة.
ونسأل الله أن يحفظ لأمتنا دينها، ويتم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ويثبت إمام المسلمين، ويسدده ويعينه بالبطانة الصالحة، ويمد في أجله على عمل صالح، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
. ... . ... محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله بن حميد ... صالح بن محمد اللحيدان ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... عبد الله خياط مخالف وله وجهة نظر ... عبد الله بن منيع له وجهة نظر
محمد بن جبير مخالف، وله وجهة نظر ... راشد بن خنين لي وجهة نظر وليس فيها إلزام القاضي بالحكم بخلاف ما يعتقد ... صالح بن غصون
(3/239)

وجهة نظر
أحمد الله، وأصلي وأسلم على رسوله، وأسأل الله أن يهدينا جميعا سواء السبيل. . وبعد:
فمما لا شك فيه أن هذا الأمر الذي نبحثه أمر خطير، وله شأن كبير، وآمل أن تنظره هذه الهيئة نظرة فاحصة مبنية على ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وقد ظهر لي من إثارة هذا البحث ومما سمعته من كلام بعض من حضره - أن هناك اتجاها لتدوين الأحكام الشرعية على شكل مواد، وأخشى أنه إذا رفضت هذه الهيئة الإشراف على هذا الأمر، أو وضع بديل عنه - أن يسند إلى غيرها فتحصل مفسدة أكثر، وفي نظري أنه لو تولى هذا الأمر أهل العلم بالشريعة، وأخذوا بزمامه، واشترطوا إشرافهم عليه، وقيدوه بالقيود الشرعية، أو اقترحوا له بديلا - لكان ذلك أصلح، وأكثر محافظة على تحكيم الشريعة في كل شيء.
وبناء على ما تقدم، وعلى ما هو معلوم لدى الجميع من ضعف المستوى العلمي لدى كثير من القضاة، بحيث لا يمكن اعتبارهم من أهل الاجتهاد والترجيح مع وجود قضايا كثيرة جدت في هذا الزمن، وهي غير منصوص عليها في كتب المذهب، بالإضافة إلى وجود اختلاف الأحكام في كثير من المسائل المتساوية، من أجل ترجيح قول على قول، أو رواية في المذهب على أخرى، لا من أجل اختلاف وقائع القضية أو ملابساتها - فإنني أرى أن تبحث من قبل هذه الهيئة في دوراتها القادمة المسائل التي فيها
(3/240)

الخلاف المشهور، مع المسائل المستجدة، وتقرر فيها ما تراه راجحا بالدليل، ويعمم على المحاكم للعمل به، ويترك ما عدا ذلك على ما هو عليه من الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ويؤكد على المحاكم بالتزام ذلك، وأن من ظهر له الحكم في مسألة ما بخلاف ذلك فعليه رفع وجهة نظره، مع بيان مستنده لمجلس القضاء، فإن ظهر للمجلس صحة وجهة نظره وافقه على ذلك، وعممه على المحاكم، وإن لم تظهر له صحة وجهة نظره نبهه على ذلك، فإن اقتنع اعتبر الموضوع منتهيا، وإن لم يقتنع أحيلت المسألة إلى غيره، فإن لم تر هذه الهيئة دراسة المسائل الخلافية والمستجدة ووضع حد لاختلاف الأحكام، والحالة ما ذكر - فإنني أرى أنه لا مانع من تدوين الأحكام الشرعية على القول الراجح بدليله، ويعمم على المحاكم للعمل به، وإذا ظهر لأحد منهم الحكم في مسألة ما بخلاف ما هو مدون فيرفع عن ذلك لمجلس القضاء على ما هو موضح في الرأي الأول.
وأسأل الله أن يوفق الجميع لمعرفة الحق واتباعه، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
حرر في 5\ 4\ 1393 هـ
مقدمه عضو الهيئة
راشد بن صالح بن خنين
(3/241)

خلاصة رأيي
الحمد لله وحده. . .
أرى أن يستغنى عن تدوين الأحكام بإلزام القضاة بأن يكون الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله، حسبما هو مدون في [الإقناع] و [المنتهى] مع وضع حد لمسائل الخلاف في المذهب، وتوحيد الحكم فيها، وهذا في نظري أفضل إجراء يقلل من اختلاف القضاة في أحكامهم، أما إذا بقي وضع القضاة كما هو الآن - فإنني لا أرى مانعا من تدوين الأحكام الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة؛ وذلك تفاديا لما يعرفه الجميع من وقوع تفاوت في الأحكام في قضايا متماثلة، بالإضافة إلى ضعف المستوى العلمي لدى الكثيرين من القضاة، وما لذلك من آثار على القضاء والمشرفين عليه والبلاد عامة.
وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
وحرر في 6\ 4\ 1393 هـ.
صالح بن علي بن غصون
عضو هيئة كبار العلماء
(3/242)

وجهة نظر
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فلقد كانت مسألة تدوين الأحكام الشرعية الراجحة في كتاب يعمم على المحاكم وإلزام القضاة التمشي بموجبه - موضع دراسة من قبل هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة؛ بناء على رغبة المقام السامي.
وبعد الاطلاع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث حول تلك المسألة وتبادل الرأي بشأنها - أسفرت الدراسة عن انقسام الرأي في المسألة بين مانع ومجيز.
وحيث أننا نحن الموقعين أدناه نرى جواز ذلك؛ تحقيقا للمصلحة العامة - وقد أدلى كل منا في المسألة برأيه مقتضبا حينما جرى استطلاع الآراء - دون ذكر للاستنادات والمبررات والاعتبارات التي بنينا فيها آرائنا - فإننا نوضح ذلك فيما يلي:
أولا: هناك مجموعة اعتبارات يحسن بنا قبل البدء في توجيه ما نراه إيرادها.
أ- ما أجمع عليه المعنيون بالدراسات الاجتماعية
من أن القضاء يعتبر عنوانا لما عليه البلاد من حال، فإن كان قويا مهيبا دقيقا في تحقيق العدل والإنصاف - كان ذلك دليلا على قوة البلاد وحسن إدارتها، وإن كان غير ذلك دل على ضعفها واضطرابها، وفوضويتها، كما أجمعوا على أن أول ما تفقده البلاد عند اضطرابها وتزعزعها النزاهة في المرافق القضائية.
(3/243)

ب- ما عليه بلادنا من اتصالات مختلفة بالبلدان الأجنبية الأخرى، سواء ما كانت بلادنا متصلة بها أو كانت هي متصلة ببلادنا، مما كان لذلك أثره في قيام علاقات مختلفة معها، وما تبع هذا من قيام اتفاقيات وتبادل معلومات وخدمات.
ج- إدراك الظروف والعوامل التي برزت للجهات المسئولة عندنا إيجاد وحدات قضائية لها استقلالها الكامل من الناحية الإدارية عن الجهة الإدارية للقضاء؛ كمحاكم العمل والعمال، ومكافحة الرشوة، وفض المنازعات التجارية، ومحاكم التأديب وغيرها. مما كان لذلك أثره في تفتت الوحدة الإدارية للقضاء في بلادنا، وبالتالي تقلص الاختصاص القضائي من المحاكم الشرعية.
د- الوضع القائم الآن، ومنذ استتباب الأمن لحكومتنا الرشيدة مبني على الالتزام بالحكم الراجح من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكان ذلك امتدادا لما كانت عليه الحكومة التركية من التزام محاكمها بالحكم الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة، هذا بالنسبة إلى الحجاز وغيره من المناطق التي كانت خاضعة للحكم التركي سابقا. أما بالنسبة لنجد وتوابعها فقد كان الحكم في محاكمها طبقا للراجح من مذهب الإمام أحمد، وذلك قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حتى وقتنا هذا.
هـ- ما عليه قضاة زماننا بالنسبة للمراتب العلمية التي ذكرها أهل العلم مما جاء في بحث اللجنة الدائمة من أن من يمكن إسناد القضاء إليه لا يخلو من أربع حالات: إما أن يكون مجتهدا مطلقا، كالأئمة
(3/244)

الأربعة، أو مجتهدا منتسبا، كشيخ الإسلام ابن تيمية، أو مجتهدا في المذهب ممن له قدرة على التخريج والترجيح واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي أنتسب إليه، كمتقدمي أصحاب الأئمة، أو مقلدا متعلما، كأصحاب الأئمة المتأخرين ممن تبحروا في مذاهب أئمتهم وتمكنوا من تقرير أدلتهم، إلا أنهم لم يبلغوا درجة الترجيح والتخريج.
وانتشار الوعي الحقوقي في البلاد وتطلع تلك الفئات الواعية إلى التعرف على المسالك القضائية وعجزها عن حصر تلك المسالك في إطار واضح المعالم وما نتج عن ذلك من تساؤلات وتعريضات بنزاهة القضاء وخضوعه لتأثيرات خارجية واعتبارات شخصية.
ثانيا: أن أمر إثبات الراجح من أقوال أهل العلم وتدوين ذلك في كتاب وتعميمه على المحاكم الشرعية للعمل بمقتضاه - ليس أمرا محدثا، وإنما كانت الفكرة موضع إثارة وبحث الجهات المعنية بالمرافق القضائية، وذلك منذ أكثر من عشرة قرون.
وقد أوردت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في بحثها الموضوع فصلا تاريخيا للفكرة، وكيف أنها برزت من حيز التفكير إلى نطاق العمل، بعد أن تكاثرت الأسباب الملحة في الأخذ بها فنجتزئ بذلك ونكتفي بإيراد حلقة تاريخية للفكرة لم تشر إليها اللجنة في بحثها. ذلك أن جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله وغفر له، أراد أن يحمل القضاة على الأخذ بأحكام مختارة يجري تدوينها ثم تعميمها على المحاكم، فقد جاء في افتتاحية (أم القرى) في عددها الصادر بتاريخ 28\ 2\ 46 هـ ما نصه:
(3/245)

إن جلالة الملك حفظه الله يفكر في وضع مجلة للأحكام الشرعية، يعهد إلى لجنة من خيار علماء المسلمين الاختصاصيين استنباطها من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة. وهذه المجلة ستكون مشابهة لمجلة الأحكام التي كانت الحكومة العثمانية وضعتها عام 1293 هـ، ولكنها تختلف عنها بأمور: أهمها عدم التقيد حين الاستنباط بمذهب دون آخر، بل تأخذ ما تراه في صالح المسلمين من أقوى المذاهب حجة ودليلا من الكتاب والسنة. وجاء فيها ما نصه:
فأصدر أمره إلى هيئة المراقبة القضائية بالشروع في عملها على الطريقة التالية:
إذا اتفقت المذاهب الأربعة على حكم من الأحكام فيكون هذا الحكم معتبرا وملزما لجميع المحاكم والقضاة. والمذاهب الأربعة هي متفقة في الأحكام الأساسية وفي كثير من الأحكام الفرعية. أما المسائل الخلافية فيشرع في تدوينها منذ اليوم، وفي وكل أسبوع تجتمع هيئة مراقبة القضاء مع جملة من فطاحل العلماء، وينظرون فيما يكون اجتمع لدى الهيئة من المسائل الخلافية وأوجه حكم كل مذهب من المذاهب فيها، وينظر في أقوى المذاهب حجة ودليلا من كتاب الله وسنة رسوله - فيصدر قرار الهيئة على إقراره والسير على مقتضاه، وبهذه الوسيلة تجتمع لدى الهيئة معظم المسائل الخلافية التي هي منشأ الصعوبة في التأليف بين أحكام المذاهب، ويصدر القرار بشأنها، ويكون هذا القرار ملزما لسائر المحاكم الشرعية والقضاة، وأساسا قويا لتوحيد الأحكام وتأليفها. اهـ. المقصود، ثم تحولت الفكرة إلى أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على
(3/246)

المفتى به من مذهب الإمام أحمد، فقد صدر قرار الهيئة القضائية رقم (3) في 17\1\1347هـ المقترن بالتصديق العالي بتاريخ 24\3\1347هـ بما يأتي:
أ- أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتى به من مذهب الإمام أحمد ابن حنبل؛ نظرا لسهولة مراجعة كتبه، والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله.
ب- إذا صار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتى به من المذهب المذكور، ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم- يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة، ويقرر السير فيها على ذلك المذهب؛ مراعاة لما ذكر.
ج- يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب الآتية:
1 -[شرح المنتهى] .
2 -[شرح الإقناع] .
فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلف فيه فالعمل على ما في [المنتهى] ، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي [الزاد] ، أو [الدليل] إلى أن يحصل بها الشرحان، وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح المذكورة طلب نصها في كتب المذهب المذكور التي هي أبسط منها، وقضى بالراجح. اهـ.
ولم يكن الإلزام بالعمل الراجح من المذهب ابتداء من ولي الأمر،
(3/247)

وإنما كان بمشورة هيئة علمية هي الهيئة القضائية، فالتزم القضاة التابعون لرئاسة القضاة بذلك، واستمر الالتزام به حتى وقتنا هذا، ويندر من أحدهم الخروج عن المذهب، فإن خرج نقض حكمه، كما كان الحال بالنسبة للحكم الصادر من رئيس وقضاة محكمة الرياض بعدد (57\1) وتاريخ 2\8\1386هـ في قضية قسامة، فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بالرياض بعدد (6\3) وتاريخ 6\ 10 \ 1387هـ؛ لعدة أسباب منها: الخروج بذلك عن المذهب، وتأيد النقض من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله موجب خطابه رقم (3798\2\1) في 17\11\87هـ، وكذا بالنسبة للحكم الصادر من محكمة الرياض بعدد (86\1) وتاريخ 9\6\1388هـ في قضية قسامة، فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بعدد (7\3) وتاريخ 26\3\1390هـ كما صدر من سماحة رئيس القضاة ومفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله خطابه رقم (1492) وتاريخ 21\9\1380هـ، ويتضمن الاعتراض على الفتوى باعتبار الثلاث في الطلاق واحدة. وقد جاء فيه ما نصه:
نفيدكم: أن الذي عليه الفتوى وقوع مثل هذا الطلاق ثلاثا، هو الذي عليه الجماهير من أهل الفتوى.. . إلى أن قال: فلا ينبغي لأحد أن يفتي بخلاف ما عليه الفتوى في عموم المحاكم في سائر أنحاء المملكة؛ لما في ذلك من الاختلاف الذي هو شر. إلى آخره.
وأخيرا: فإن هيئة التمييز بالمنطقة الوسطى قد أصدرت قرارا برقم (88\2) باريخ 20\3\1391هـ بصدد قضية رجل قتل غيلة، وحكم
(3/248)

على قاتله بالقتل دون التفات إلى عفو الورثة، جاء فيه نصه:
أولا: أن هذا الحكم مخالف للمفتى به في مذهب أحمد، أو مخالف لمذهبه بالكلية، وقد صرح العلماء: أن المقلد إذا خالف مذهب إمامه ينقض حكمه. . إلى أن قالت:
ثانيا: أن إمام المسلمين أصدر التعليمات المقيدة لأحكام القضاة بأن تكون على المفتى به من مذهب أحمد، وفي بعض الأوامر قيد الحكم في ذلك في كتب معينة، ولا يخفى أن هذا تعيين مشترط، والمسلمون عند شروطهم، والقاضي إذا أقدم على الحكم بشيء لم يعينه إمامه فيه، ولم يسمح له يكون قد حكم بغير ما ولي فيه، ومعروف حكم ذلك، وقد وقع القرار المشار إليه رئيس الهيئة الشيخ عبد العزيز بن رشيد، وأعضاؤها المشايخ: محمد البواردي ومحمد بن سليم ومحمد بن عودة وصالح بن غصون،: كما أن هيئة التمييز بالمنطقة الغربية قد أصدرت قرارها رقم (505) وتاريخ 15\4\90هـ حول قضية وقف انتهت فيه إلى أن المادة (121) والمادة (122) من مجموعة النظم قد جاء فيه: أنه إذا لم يكن للوقف أو الوصية شرط ثابت أو عمل يستأنس به يجري النظر في دعوى المستحقين على بعض على المفتى به من مذهب الواقف أو الموصي إن علم، وإلا فيجري النظر على المذهب الذي كان الحكم بمقتضاه في زمن الواقف. وقالت الهيئة: إن القاضي يتخصص فيما يخوله ولي الأمر له.
ومن هذا الاستعراض التاريخي القريب لهذه الفكرة، وما ذكر من الوقائع ـ يتضح بأنها من حيث العموم موضع التنفيذ، وأن العمل جار على اعتبارها في مجالات القضاء والإفتاء والتدريس. وأن ما يرغب ولي الأمر
(3/249)

حفظه الله إعطاء الرأي نحوه لا يخرج عن كونه تنظيما لهذا الوضع القائم، مع الخروج عن التقيد المذهبي، وذلك بتعيين الأقوال الراجحة من قبل هيئة علمية على مستوى يسمح لها بذلك، وتدوينها في كتاب يجري تعميمه على المحاكم للعمل به، بدلا من أن يكون الراجح من المذهب موضع ادعاء يجد كل مدع في كتب المذهب ما يؤيده ويسند دعواه، مما كان لذلك أثره الواضح في اختلاف الأحكام في القضايا المتشابهة، مما في أحكامها الخلاف القوي؛ كمسائل الشفعة والرهن والقسامة وإجبار الأب ابنته البكر البالغ على الزواج، والإقطاع من حيث اعتباره اختصاصا أو تمليكا ومسألة الجد مع الإخوة واشتراط مطالبة المسروق منه في القطع وتكرار الإقرار فيه مرتين: إلى غير ذلك من مسائل الخلاف، بل قد يقع اختلاف الأحكام من القاضي نفسه، كما كان الحال من أحدهم حيث حكم في قضيتي رهن لم يقبض بلزومه في إحداهما وعدم لزومه في الأخرى، وقد لا يتجه الإيراد على ذلك بما قاله عمر رضي الله عنه: (ذلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي) ، إذ أن قضاة زماننا لا يمكن لأحد منهم مهما كانت حصيلته العلمية أن يكون في درجة عمر رضي الله عنه وأضرابه رضي الله عنهم، ممن هم في مستوى يمكنهم من الاجتهاد المطلق، بل قد يكون التردد في إلحاق أغلبهم بمرتبة علمية يجوز لأصحابها تقلد القضاء والفتوى، وقد كان للضرورة حكمها في قبول ذلك.
ثالثا: مما سبق يتضح أن المسألة ليست وليدة التفكير، وأن إلزام القضاة بالحكم بمذهب إمام بعينه كان موضع التنفيذ في أماكن من البلاد الإسلامية مختلفة، وفي أعصار متفاوتة، ولا يزال العمل بذلك حتى وقتنا هذا، بل
(3/250)

وفي بلادنا بالذات.
(3/251)

وأقوال أهل العلم في اعتبار ذلك وإجازته كثيرة، نذكر منها ما يلي:
المذهب الحنفي:
قال (1) ابن عابدين: لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا - نفذ عنده، وفي العامد، روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح، وقال في [الفتح] : والوجه الآن أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، وأما القاضي المقلد فإنما ولاه؛ ليحكم بمذهب أبي حنيفة، فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم.
وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير مذهب ما نصه:
وحاصل هذه المسألة: أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأيه ـ أي: لمذهبه ـ مجتهدا كان أو مقلدا، فلو قضي بخلافه لا ينفذ، لكن في [البدائع] : إذا كان مجتهدا ينبغي أن يصح، ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير.
ويأخذ (2) القاضي كالمفتي بقول أبي حنيفة على الإطلاق ثم بقول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد، وهو الأصح وصحح في [الحاوي] اعتبار قوة المدرك، والأول أضبط [نهر] ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، بل المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه،
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (4\498) .
(2) [حاشية ابن عابدين] (5\400) .
(3/251)

وينقض، هو المختار للفتوى، كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . وفي القسهتاني وغيره.
وقال (1) ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زمننا ـ تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه.
وقال (2) أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه كيلا يتخذ العبيد الإباق وسيلة للتخلف من خدمة الجيش، ثم قال: وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد، بل يؤخذون من مشتريهم، ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني فليحفظ فإنه مهم.
وقال في [حاشية ابن عابدين] صفحة (408) ج (5) : فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. انتهى. . قال في (الشر نبلاليه) : عن [البرهان] : وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ. أهـ.
وقال في [النهر] : وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف ـ نفذ. وأقوى ما تمسك به ما في البزازية إذا لم يكن القاضي مجتهدا أو قضى بالفتوى على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه، وله نقضه كذا عن محمد، وقال الثاني: ليس له نقضه. . انتهى.
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (4\369) .
(2) [حاشية ابن عابدين] (3\325)
(3/252)

وما في [الفتح] يجب أن يعول عليه في المذهب، وما في البزازية محمول على روايتين عنهما إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناسي لمذهبه وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ، فالمقلد أولى.
المذهب المالكي:
ويجب (1) على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه، لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه حتى قيل: ليس مقلده رسولا أرسل إليه، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة [الشرح الكبير والدسوقي على مختصر خليل] .
وسئل (2) القرافي: هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده؟ .
فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به
__________
(1) [الشرح الكبير والدسوقي] (4\130) .
(2) [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام] (79)
(3/253)

إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعا. . إلخ.
قال (1) محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة، ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال في [التوضيح] : للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه، كالمالكي يولي شافعيا أو حنيفا ولو شرط ـ أي: الإمام ـ على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له ـ كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا في [الجواهر] عن الطرطوشي، وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه ورده، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد ـ لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره أن لا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي فيه هذا القاضي، وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره أن لا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. . انتهى المقصود.
قال (2) ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أخبرنا القاضي أبو الوليد الباجي: أن الولاة بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في
__________
(1) [مواهب الجليل] (6\98) .
(2) [تبصرة الحكام] (1\48) .
(3/254)

سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم، يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان، فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب.
وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق، فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . . قال (1) ابن رشد: وهذا يؤيد الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر، فكيف يقول ذلك، والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه؛ ليحكم بينهم بمذهب مالك؟! انتهى المقصود.
قال (2) الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أن لا يحكم إلا بمذهب إمامه: فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة.
المذهب الشافعي:
قال: (3) النووي وجلال الدين المحلي: (ويحكم باجتهاده إن كان
__________
(1) [الدسوقي على مختصر خليل] (4\130) .
(2) [مواهب الجليل] .
(3) [المحلي على المنهاج] (4\29) .
(3/255)

مجتهدا، أو اجتهاد مقلده ـ بفتح اللام ـ أن كان مقلدا ـ بكسرها ـ حيث ينفذ قضاء المقلد) .
وقال (1) قليوبي على قول النووي: (واجتهاد مقلده) أي: المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده لا يجوز له الحكم بغير مذهبه.
وقال (2) الرملي على قول النووي: (مجتهد) قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد. . . ومضى إلى أن قال بعد بيان صفة المجتهد المطلق: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه. أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص.
قال (3) الإمام فخر الدين في كتابه: [ملخص البحر] : لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي واقتصر عليه في [الروضة] وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه، فإن فعل نقض؛ لفقد الاجتهاد، وكذا في [أدب القضاء] للغزي ـ كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من حفظ مذهب إمام ونصوصه لكن عاجز عن تقويم ـ وفي
__________
(1) [قليوبي على المنهاج] (4\298) .
(2) [نهاية المحتاج] (8\240) .
(3) [مجموع المنقور] (2\152) .
(3/256)

نسخة: تقديم ـ أدلته غير عارف بغوامضه أهـ. بواسطة ـ المنقور.
المذهب الحنبلي:
وعلى المقلد (1) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه كمخالفة المفتي نص الشارع [الإنصاف] ، ومن حاشية ابن قندس قوله: (فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها) ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه، ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه. . إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليده غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليده غيره، وهذا هو اللائق لقضاة الزمان؛ ضبطا للأحكام، ومنعا من الحكم بالتشهي. فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا، وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكم بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء، ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك فيرتفع الخلاف. . . إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص
__________
(1) [الإنصاف] (11\179) .
(3/257)

الشارع. . . إلى أن قال: قال النووي في [الروضة] : (فرع) : إذا استقضى مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء، بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء لا ينقض. . ثم قال: الذي تقرر: أن مذهبنا: أن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه، بخلاف الشافعية فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قال شيخنا. .
قال (1) شيخ الإسلام ابن تيمية: وأولو الأمر صنفان: الأمراء، والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله ويفعله؛ طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك - فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.
وقال: ثم قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب، وبعد ذلك يكون للحاكم مذهب آخر. . كما يكون في العراق وغيرها من بلاد الإسلام فإنهم كانوا يولون القضاء تارة لحنفي، وتارة لمالكي، وتارة لشافعي، وتارة لحنبلي. وهذا القاضي يولي في الأطراف من يوافقه على مذهبه تارة، أو يخالفه أخرى، ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان.
__________
(1) [فتاوى شيخ الإسلام] (21\73، 74) .
(3/258)

ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط (فعلوا) ، فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير - كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولكن هذا لا يسوغ لواقف أن يجعل النظر في الوقف إلا لذي مذهب معين دائما، مع إمكان إلا أن يتولى في ذلك المذهب، فكيف إذا لم يشرط ذلك؛ ولهذا كان في بعض بلاد الإسلام يشرط على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب معين، كما صار أيضا في بعضها بولاية قضاة مستقلين، ثم عموم النظر في عموم العمل، وإن كان في كل من هذا نزاع معروف، وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان: هل يعين الأقرب أو بالقرعة؟ فيه نزاع معروف، وهذه الأمور التي فيها اجتهاد إذا فعلها ولي الأمر نفذت.
(3/259)

أما العلماء المعاصرون الذين يرون التدوين والإلزام فإننا نورد أقوالهم كما يلي:
قال (1) الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء: والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها، ويأمر بالعدل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك، فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا وفقا لقاعدة: (المصالح المرسلة) ، وقاعدة: (تبدل الأحكام بتبدل الزمان) ، ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي - أي: قابل للاجتهاد، غير مصادم للنصوص القطعية في
__________
(1) [المدخل الفقهي العام] (1\391) ، ونسبه إلى [رد المحتار] (1\55) .
(3/259)

الشريعة - كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا.
وقال (1) أيضا تعليقا على ذلك: جاء في كتاب الوقف من [الدر المختار] ، وحاشيته [رد المحتار] نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية، ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين: سليمان، وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين، المعول على فتاويهم وترجيحاتهم - أنه إذا صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله عليه قطعا؛ لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم؛ لتهريبها من وجه الدائنين.
وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الموقف شرعا، وقد كانت النصوص في أصل المذهب صريحة في نفاذ وقف المدين، ولو كان دينا محيطا بجميع أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه. . . ومضى إلى أن قال: والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه؛ لما له من تأثير ذي بال في شتى الأحكام.
وقال الدكتور أحمد موافي في كتابه [الفقه الجنائي المقارن] : ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية: أن لولي الأمر ولاية حمل الناس على ما يختاره لهم من الأحكام، وصياغتها في نصوص مكتوبة يلتزم بها القضاة. وينهي الدكتور أحمد موافي بحثه بقوله: وهكذا نخلص مما تقدم إلى: 1 - أن تدوين الأحكام في الشرع عمل سائغ.
__________
(1) [المدخل الفقهي العام] (1\392) وما بعدها.
(3/260)

2 - أن الأحكام موجودة من قبل التدوين على عكس القوانين الوضعية، فإنها لا تعتبر قائمة إلا من بعد تدوينها.
3 - وأن غير المدون في القوانين لا يعتبر حكما، ولكنه في الشرع يستدل عليه بالاجتهاد، ويستنبط بالطرق المرسومة لذلك في علم الأصول.
4 - وأنه يمكن مسايرة التطور بالبحث عن حكم الله وصياغته في مواد كلما دعت حاجة المجتمع ومصلحته إلى ذلك؛ لأنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله.
5 - وأن لولي الأمر ولاية حمل الناس على إلزامهم باتباع حكم بذاته غير مقيد في ذلك المجتمع ومصلحته، مادام يرى المصلحة في ذلك.
هذا وقد أسلفنا أن الشرع الإسلامي من وضع الله سبحانه وتعالى فكل حكم في الشريعة الإسلامية منه جلت قدرته، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (1) فقد أنزل الله الشريعة على رسوله بالقرآن الكريم، وبما أوحاه إليه من أحكام، وبما أقره عليه من اجتهاد، وفي ذلك يقول سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (2)
وقال الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر المتوفى عام 1365 هـ، وكان رئيسا لمحكمة مصر الشرعية العليا: القاضي لا ينفذ قضاؤه، بخلاف مذهب متبوعه عامدا أو ناسيا؛ لأنه إنما ولي ليحكم بمذهب متبوعه - كأبي حنيفة مثلا - فهو معزول عن الحكم بغير هذا
__________
(1) سورة الأنعام الآية 57
(2) سورة الجاثية الآية 18
(3/261)

المذهب، وللسلطان أن يحكم ويقضي بين الخصوم على المفتى به، ومتى صادف مجتهدا فيه نفذ أمره، ولا شبهة في أن علة عدم نفاذ حكم القاضي بخلاف مذهبه، سواء كان مجتهدا أم مقلدا - انحصرت في أمرين:
الأول: اتباع الهوى.
الثاني: عزله عن خلاف مذهبه.
ونحن لا نخالف في هذا، ونصرح بأن الحكم بالهوى باطل. ونصرح بأن الحكم بخلاف ما أذن به القاضي من الحاكم الذي ولاه باطل، ولكن الذي نتحدث عنه شيء وراء هذا كله، ذلك أننا نتحدث عن شيء سيضعه الحاكم ويلزم فيه القضاة باتباع مذاهب معينة غير مذاهبهم لمصلحة رآها، ورآها المسلمون، ونحن نصرح بأن هذا جائز شرعا، وأن القاضي يجب عليه شرعا أن يقضي في مثل هذا بما يقيده به الحاكم، ولا يجوز له أن يقضي بغير ما قيده به الحاكم، وإلا كان قضاؤه باطلا؛ وذلك لأن القاضي نائب عن الحاكم في الحكم، وقد كان يجوز للحاكم أن يقضي بالأقوال التي يريد تقييد قضائه بها، فيجب عليهم اتباع شروط التوكيل عنه. . . إلى أن قال: والمجتهد يحرم عليه شرعا أن يعمل بغير رأيه، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهدا في مسألة، أو مسائل خاصة، والمقلد الذي يستطيع النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض - يجب عليه أن يعمل بما يترجح عنده بالدليل، ولا يجوز له أن يتخير، ومن يستطيع الترجيح يتخير أو يعمل بما يطمئن إليه قلبه.
والقاضي والمفتي لا يحيدان عن هذا، غير أن القاضي يمتاز عمن يريد العمل لنفسه ذلك أنه عندما يقلد القضاء من الحاكم يجب عليه اتباع شروط
(3/262)

الحاكم الذي ولاه، فإن ولاه على أن يحكم بمذهب إمام معين - كأبي حنيفة مثلا - وجب عليه امتثاله، وإن حتم عليه العمل بالراجح وجب عليه امتثاله، وإن نص في منشوره على العمل بأقوال قيل إنها مرجوحة في مسائل معينة - وجب عليه امتثاله، وإن نص في منشوره على العمل بغير مذهب أبي حنيفة في مسائل معينة وجب عليه امتثاله، ومتى حكم القاضي بما يقيده له الحاكم الذي ولاه لا يمكن أن يقال: إن حكمه للهوى والغرض، ولا أنه حكم بأخذ المال.
أما الشيخ أبو الأعلى المودودي فقد دعا في كتابه [القانون الإسلامي] إلى تدوين الأحكام الفقهية على شكل مواد وفق الأسلوب الحديث؛ لتنفذها المحاكم، وتدرسها كليات الحقوق.
ومن هذه الأقوال التي نقلناها عن عدد من علماء المذاهب الأربعة وما اطلعنا عليه ضمن بحث اللجنة الدائمة نستطيع أن نقول: إن الإجماع يكاد يكون منعقدا على أن من توفرت فيه من القضاة شروط الاجتهاد التي ذكرها العلماء في كتبهم فإنه لا يجوز إلزامهم بالحكم بمذهب معين، أما إذا كان القاضي مقلدا ولا يتصف بأي شروط من شروط الاجتهاد - كما هو حال قضاتنا - فإن الأقوال طافحة وصريحة بأن إلزام أمثال هؤلاء بالحكم بمذهب معين - أمر سائغ. والذين لا يجيزون الإلزام بالحكم بمذهب معين فإنهم لا يقولون بأن غير المجتهد من القضاة لا يصح إلزامه؛ لأنهم يرون أن تولية القضاء غير المجتهد غير صحيحة، وهو رأي فيه من الحرج والضيق الشيء الكثير، وما أحسن قول شهاب الدين بن عطوة في هذا المقام حيث يقول: فإن ولاية الحكام في وقتنا ولايات صحيحة؛ لأنهم سدوا من ثغور
(3/263)

الإسلام ثغرا سده فرض كفاية، ولو أهملنا هذا القول ومشينا على طريقة التفاؤل التي يمشي عليها من مشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتابه شروطا في القاضي إذا قلنا به - لم يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام - فهذه إحالة، أو كالتناقض وكانت تعطيلا للأحكام وسدا للباب وألا ينفذ حق ولا يكاتب فيه، ولا تقام بينة إلى غير ذلك من القواعد الشرعية - فكان هذا غير صحيح. اهـ.
رابعا: لئن كان للإلزام بالحكم بقول معين بعض المآخذ التي قد يكون من أهمها: تبلد الفكر، والجمود بالبحث، فإن في ذلك من المصالح العامة التي تعود على الضروريات الخمس بالعناية والرعاية والحفاظ ما يدعو إلى التغاضي عن هذه المآخذ؛ تطبيقا لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، فالدواعي إلى الأخذ بذلك كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أ - ما عليه غالب القضاة من مستوى علمي ضعيف لا يستطيعون به الاجتهاد لأنفسهم، ولا إدراك الراجح من مذهب من هم منتسبون إليه من بين الأقوال المبثوثة في كتب المذهب، لا سيما وفي الكتب المؤلفة في المذهب أقوال مختلفة يذكر كل مؤلف في الغالب: أن ما ذكره في هذه المسألة مثلا هو المذهب، كما هو الأمر بالنسبة لـ[المنتهى] و [الإنصاف] وغيرهما من كتب الحنابلة.
ب - ما نتج عن إطلاق الأمر للقاضي في تعيينه الراجح من المذهب أو إطلاق الأمر إليه في الاجتهاد في الحكم بما يراه من الاختلاف في
(3/264)

الأحكام الصادرة من المحاكم، ومن الاختلاف في اتجاهاتها - فهذه تحكم بصرف النظر عن دعوى القسامة مثلا؛ لعجز المدعي عن إحضار خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا على قتل المدعى عليه صاحبهم، والأخرى تحكم بقتل المدعى عليه؛ لحلف ورثة القتيل خمسين يمينا، فيترك الأول ويقتل الثاني، كما أن إحدى المحاكم تحكم بقطع يد السارق بغض النظر عن مطالبة المسروق منه ذلك، بينما تشترط المحكمة الأخرى للحكم بقطع يده مطالبة المسروق منه بذلك، فتقطع يد الأول وتترك يد الثاني، وهذه تحكم بالشفعة، وهذه تمنعها، وهذه تحكم بملكية المقطع، والأخرى تحكم بالاختصاص دون التملك؛ مما كان لذلك أثره السيئ في نفوس كثير من الناس قد يكون منه اتهام القضاة في أحكامهم بالهوى والتشفي والاستهانة بالحقوق ومجريا.
ج - كثرة الشكاوى من فئات مختلفة داخل البلاد وخارجها من أن القضاء في البلاد غير واضح المعالم حتى لطلبة العلم أنفسهم، إذ أن أحدهم يمكن أن يكون طرفا في خصومة عند أحد القضاة، وقد يكون مستواه العلمي أعلى من مستوى القاضي نفسه، ومع ذلك لا يدري بما يحكم القاضي به، وقد كان لذلك أثره السيئ في تبرم البعض من حال القضاء لدينا، وفي الطعن فيه من بعضهم بأنه - بحكم أنه غير واضح المعالم في تحقيق العدل وفض النزاع - ليس موضع ثقة.
د - القضاء على التعللات التي كانت تبريرا لإيجاد محاكم مستقلة عن الجهة الإدارية للقضاء لدينا؛ كمحاكم الرشوة والتزوير، ومكافحة
(3/265)

المخدرات، وفض المنازعات التجارية وغيرها مما هو موجود أو في طريقه إلى الوجود، مما كان له أثره في تفتت الوحدة القضائية، وتقلص اختصاص المحاكم الشرعية.
هـ - منع الجائز لدى بعض أهل العلم قد يترتب عليه حصول مفسدة ويخشى أن في الإبقاء على الوضع القائم ما يدعو إلى ما لا تحمد عقباه. وفي التاريخ من ذلك عبر.
واستحالة تنفيذ الرأي الذي أشار إليه بعض الزملاء في إعطاء بعض القضاة الحرية فيما يحكمون به؛ للثقة بقدراتهم العلمية، وتقييد الآخرين بالراجح من مذهب الإمام أحمد؛ لاستحالة تصنيف القضاة إلى هذين القسمين.
ز - اختلاف وجهات النظر حتى لدى محكمتي التمييز في الرياض ومكة، ونذكر لذلك مثالا، فقد سبق أن قامت محكمة التمييز بالرياض بنقض حكم بالقسامة صادر من محكمة الرياض، لأنه كان مبنيا على قول مرجوح في المذهب بينما كانت محكمة التمييز في مكة المكرمة تشير إلى المحكمة الكبرى بمكة في قضية قتل بأن تحكم فيها بالقسامة بالقول المرجوح الذي قامت محكمة التمييز في الرياض بنقض الحكم المبني عليه.
ح - أن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة، وعلى الإلزام برأي معين؛ لقوة العلماء في ذلك العهد، وكفايتهم، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة، وأمنت الفتنة، فلم يكن ثم حاجة إلى التدوين والإلزام به. أما في زمننا هذا وما قبله من
(3/266)

أزمان بعد أن طرأ الضعف على الكيان الإسلامي - فالحاجة ملحة إلى التدوين بالطريقة المقترحة، والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون - أمر لا بد منه؛ رعاية للمصلحة، وحفظا للحقوق، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية.
ط - حدوث مسائل جديدة ليس في الكتب الفقهية المعتمدة لدى القضاة لها ذكر، كالمعاملات المصرفية، ومسائل المقاولات والمناقصات، وشروط الجزاء، ومشاكل الاستيراد والتصدير والتأمين بمختلف جوانبه، ونحو ذلك مما لا قدرة لغالب القضاة على معرفة الحكم الذي يحكمون به في الخلاف حولها، مما كان سببا في إيجاد محاكم أخرى لها جهة إدارية مستقلة عن الجهة الإدارية للمحاكم الشرعية، وفي اشتمال هذه المحاكم على قضاة قانونيين يشتركون مع القضاة الشرعيين، وذلك؛ كمحاكم الرشوة، وفض المنازعات التجارية وغيرها.
ي - هناك مجموعة من الحكومات الإسلامية ممن أبعدها الاستعمار عن روح الشريعة، فبعد أن استقلت وتنفست الصعداء من ثقل وطأة المستعمر عليها - راحت تخطط لعودتها إلى الحكم بالشريعة الإسلامية إلا أنها تقرر العجز في اختيار ما تراه، وليس أمامها شيء ميسور يمكن أن تسير عليه، ونمثل لذلك بباكستان. وأن الغيورين على الشريعة الإسلامية أخذوا في الآونة الأخيرة يطالبون بوضع قانون إسلامي مستمد من الشريعة الإسلامية، وعقدت لأجل ذلك المؤتمرات؛ ولذلك فإن على بلادنا أن تأخذ بزمام المبادرة، وتقدم
(3/267)

للعالم الإسلامي أحكاما إسلامية مدونة، وبلادنا أقدر البلاد الإسلامية على مثل تلك المبادرة؛ لعدم وجود أي سيادة أو فكر للقانون الوضعي. والحمد لله.
خامسا: أن الإلزام بقول معين كان موضع الاعتبار والتنفيذ من الصدر الأول في الإسلام. ففي عهد عثمان رضي الله عنه جمع القرآن على حرف واحد، ومنع القراءة بالحروف الأخرى، وأحرق المصاحف المخالفة؛ وذلك تحقيقا لمصلحة المسلمين، وحفاظا على وحدة القرآن أن يكون موضع اختلاف، وكان الخير فيما فعل، ولا يرد ما قيل بأن الرسم العثماني كان مشتملا على جميع القراءات السبع حسب العرضة الأخيرة، فإن العرضة الأخيرة لم يشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا زيد بن ثابت، وليس في أمر عثمان للأربعة الأفاضل الذين عهد إليهم بالمهمة أن يكون الجمع طبقا للعرضة الأخيرة. ثم إن تنقيط المصحف كان في القرن الأول من قرون الإسلام قام به الحجاج بن يوسف، وقد تلقاه الناس بالقبول والارتياح، واعتبرت هذه مزية كريمة للحجاج، مع أن التنقيط يستلزم إلغاء القراءات الأخرى في الرسم العثماني، على افتراض أن يشملها بدون تنقيط. وفي عهد معاوية ألزم بتوريث المسلم من الكافر دون العكس، فكان شريح يقضي بذلك ويقول: هذا قضاء أمير المؤمنين، وفي زمننا صدرت عن الجهة المسئولة في القضاء لدينا مجموعة تعاميم لاعتبارها في المحاكم والتمشي بموجبها، ومن ذلك الاستشمام ومقادير الديات ونظام المساييل وغيرها.
سادسا: ما يقال بأن التدوين خطوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية،
(3/268)

والاستدلال على ذلك بأن حكومة ما دونت الراجح من مذهب من هي منتسبة إليه في مواد، وألزمت العمل بذلك في محاكمها ثم ألغت الشريعة مطلقا - فهذا مردود؛ لأن تلك الحكومة لم يقتصر تنكرها للدين على المسلك القضائي في المحاكم، وإنما نفضت يدها من الدين مطلقا، وانتقلت إلى دولة علمانية، ثم إن هناك مجموعة من الحكومات الإسلامية ليست دولة أو دولتين لم يكن لها مواد مدونة من الشريعة الإسلامية، وإنما كانت محاكمها تحكم بالراجح من مذهب إمام ما من أئمة المسلمين فكان منها - والعياذ بالله - أن ألغت العمل بالشريعة الإسلامية، وأخذت بقوانين أوروبا وغيرها، وتركت التعاليم الإسلامية عن القضاء خاصة بالأحوال الشخصية. نقصد بذلك أن التدوين ليس وسيلة إلى تحقق ما بدت المخاوف منه.
وأما القول بأن في التدوين تبليدا للفكر، وجمودا به عن البحث والاستقصاء - فيجاب عن ذلك بأمرين:
الأمر الأول: أن الإلزام بمذهب معين كان موضع التنفيذ لدى كثير من ولاة أمر المسلمين على مختلف الأمصار والأعصار، ولم يكن هذا مانعا من الاتساع الفقهي، بل إن مطولات الكتب في الفقه لم توجد إلا في هذه الفترات.
الأمر الثاني: أن الإلزام ليس شاملا للجهات العلمية المختلفة، وإنما هو خاص بالقضاة فيما يحكمون به، مع أن القاضي إذا كان لديه الأهلية في البحث والاستقصاء والاجتهاد فإن الجهة المختصة به إداريا ستعير اجتهاده ما يستحقه، كما أن تدوين الأحكام لا يمكن أن يكون شاملا لجميع القضايا
(3/269)

فإن الأمر كما قيل: (القضايا ممدودة، والأحكام محدودة) فللقضاة مجال البحث والتحقيق في قياس ما لم ينص عليه على ما نص عليه، وذلك بالرجوع إلى المصادر الشرعية المستقى منها هذا التدوين. ثم إن طبيعة العمل القضائي لا سيما في العصور المتأخرة تقتضي تبلد الفكر، وركود الحصيلة، والقضاة يقررون ذلك، ويكثرون من الشكوى منه، وقد روي عن الإمام أبي حنيفة أنه لا يرى أن يتولى القاضي القضاء أكثر من سنتين خشية ضياع علمه.
سابعا: أن النهوض بالمرفق القضائي يتطلب مجموعة عوامل يعتبر التدوين في نظرنا أحدها، لا أنه العامل الوحيد للنهوض بمستواه. بمعنى: أن الاقتصار عليه لا يعطي نتيجة مرضية في ذلك.
لذلك كله وبحكم ممارسة أكثرنا للأعمال القضائية مدة طويلة - حكما وتدقيقا - وما نتج عن ذلك من إدراك لأحوال القضاة، واطلاع على جوانب النقص في أحكام غالبيتهم، وتحسبا لما نخشى وقوعه في حال رفض هذه الفكرة - فإننا نرى جواز تدوين الأحكام الشرعية المختارة من أرجح أقوال العلماء دليلا في كتاب يجري تعميمه على المحاكم وإلزام القضاة الحكم بموجبه، وإلى أن يتم التدوين نرى أن يؤكد ما سبق صدوره في عهد الملك عبد العزيز - رحمه الله - من أن الحكم يكون بالراجح من مذهب الإمام أحمد، ما عدا المسائل التي يصدر فيها قرار من هيئة كبار العلماء، أو مجلس القضاء الأعلى بأن الراجح فيها من حيث الدليل خلاف الراجح في المذهب. وإذا ظهر لأحد القضاة وجه للحكم في قضية بخلاف ذلك فعليه الرفع عن وجهة نظره مع ذكر مستنده إلى مرجعه؛ لدراسة ذلك في مجلس
(3/270)

القضاء الأعلى.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
عضو هيئة كبار العلماء
صالح بن غصون
احتفاظي بالتفصيل الذي
جاء في رأيي المدون بالمحضر
والتقيد بما ورد فيه
...
عضو هيئة كبار العلماء
عبد المجيد حسن
عضو هيئة كبار العلماء
محمد بن جبير
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن منيع
...
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله خياط
عضو هيئة كبار العلماء
راشد بن خنين
مع احتفاظي بالتفصيل الذي جاء
في رأيي المدون بالمحضر والمرفقة صورته
(3/271)

(5)
إقامة طابق على شارع الجمرات
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/273)

بسم الله الرحمن الرحيم
إقامة طابق على شارع الجمرات
إعداد
اللجنة الدائمة للبعوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على كتاب صاحب الفضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد رقم (127\1) وتاريخ 12\1\1393 هـ، المحال إلى الأمين العام لهيئة كبار العلماء نحو عرض الاستفتاء المرفق على مجلس الهيئة؛ لأن هذا الموضوع من المواضيع الهامة، فأحاله فضيلة الأمين إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبرفقه خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة رقم (59\5\7\ أم) وتاريخ 4\1\1393 هـ الموجه إلى معالي وزير العدل، والذي يطلب فيه ما ذكره بقوله: نظرا لتزايد أعداد الحجاج في كل عام، وخاصة في القفزة الكبيرة التي قفزها العدد في موسم حج هذا العام 1392 هـ وما يصادفه الحجاج من ازدحام شديد عند الرجم، وبدراسة الوضع من قبل لجنة الحج العليا - اقترح إحداث طابق ثان على شارع الجمرات، ورفع الشاخص وحوض كل جمرة إلى منسوب يمكن الرجم من الطابق الثاني؛ وذلك لإتاحة المجال للرجم من أسفل ومن أعلى؛ تخفيفا للضغط، وحفاظا
(3/275)

على الأرواح التي قد تزهق نتيجة لهذا الضغط، وأن يتم التنفيذ إذا كان ذلك يتفق والوجهة الشرعية، وقد أوصت اللجنة بالكتابة لمعاليكم لإبداء الوجهة الشرعية في ذلك، وطلب الجواب على ذلك، بناء على ذلك، وعلى البرقية عدد (أم \141) وتاريخ 7\1\1393 هـ، والتي فيها اقتراح اللجنة العليا للحج بناء حوض خارجي عن الحوض الحالي للجمار مع بقاء الحوض الأول؛ ليجتمع فيه للحصى الذي لا يستوعبه الحوض الأول. . أعدت اللجنة ما يأتي:
أن هذه الاقتراحات تشتمل على أربعة أمور: على بناء طابق على شارع الجمرات، وعلى رفع شاخص الجمرات وجدار الحوض، وعلى رمي الجمرات من أعلى الطابق، وتوسعة حوض المرمى بوضع حوض خارجي مع بقاء الأول.
1 - أما رمي الجمرات من فوق الطابق، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رمى جمرة العقبة من فوقها خشية الزحام، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما ما روى عبد الرحمن بن يزيد من أنه مشى مع عبد الله بن عمر وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي أعرضها فرماها، فقيل له: إن ناسا يرمونها من فوقها، فقال: «من ها هنا والذي لا إله إلا هو رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رماها (1) » متفق عليه - فإنه حث على الفضيلة في الرمي من جهة بطن الوادي عند السعة، فإذا رماها الحاج في الحوض من فوق طابق أقيم على بطن الوادي - ولو في السعة - فقد أتى بالفضيلة، فإنه رمى من الجهة التي رمى منها النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب
__________
(1) صحيح مسلم كتاب الحج (1296) ، سنن الترمذي الحج (901) ، سنن النسائي مناسك الحج (3073) ، سنن أبو داود المناسك (1974) ، سنن ابن ماجه المناسك (3030) .
(3/276)

راحلته، والذي استنكر إنما هو رمي جمرة العقبة في الحوض من الخلف والناس في سعة، وأما عند الضيق وشدة الزحام فللحاج أن يرمي في الحوض ولو من غير جهة بطن الوادي، سواء كان في مكان مساو لبطن الوادي أو أعلى منه، ثم إن القاعدة المقررة عند الفقهاء: أن من ملك أرضا ملك تخومها وما فوقها من الفضاء، فما فوق بطن الوادي تبع له، فمن رمى من أعلى الطابق الذي بني على الوادي فهو في حكم من رمى من بطن الوادي، وبهذا يكون قد أتى بفضيلة الرمي من الجهة التي رمى منها صلى الله عليه وسلم.
2، 3 - وأما بناء طابق على شارع الجمرات ورفع الشاخص وجدار الجمرة. . فيمكن أن يقال: ليس فيه مخالفة للشريعة، بل سماحة الشريعة توجبه وتقتضيه في هذه السنوات التي تزايد فيها عدد الحجاج إلى حد يوقع في الحرج، بل تزهق فيه الأرواح، ففي إقامة مثل هذا الطابق دفع للحرج، وحفظ للنفوس، وتيسير لأداء النسك على حجاج بيت الله الحرام.
وليس هذا البناء من جنس البناء بمنى للتملك أو الارتفاق الخاص، بل هو من المرافق العامة التي تسهل أداء نسك الرمي مع الراحة وسلامة النفوس، وفي رفع الشاخص وجدار حوض الجمرة إلى حد يمكن معه الرمي من أعلى الطابق ومن أسفله إعانة لمن فوق الطابق على معرفة مكان رمي الحصيات، وسهولة رميها من غير أن يخل ذلك بسهولة الرمي على من كان أسفل الطابق.
4 - وأما توسعة دائرة المرمى بحيث تتسع لوقوف أكثر عدد ممكن من
(3/277)

الحجاج، وأن تبقى دائرة المرمى الحالية كما هي عليه من السابق، أي: أن المقصود هو عمل حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها الحوض الحالي - فإن حكم ذلك يتبين من الكلام على سبب مشروعية الرمي وبيان موضع الرمي، والأصل في مشاعر الحج، وبيان المستند لبقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار مساحة الأرض - لهو الأساس لامتناع بناء حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها الحوض الحالي.
وفيما يلي بيان ذلك:
(3/278)

1 - سبب المشروع:
من المعلوم أن الله جل وعلا ما شرع شيئا إلا لحكمة، وليس هذا هو الغرض الذي يراد بيانه، وإنما الذي يراد بيانه ما رواه الإمام أحمد في [المسند] قائلا: حدثنا سريج ويونس قالا: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة - عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس - وساق الحديث إلى أن قال -: «ويزعم قومك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة، قال: صدقوا، إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له شيطان - قال يونس: الشيطان - فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات - ثم ساق بقية الحديث إلى أن قال: قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه
(3/278)

بسبع حصيات حتى ذهب (1) » - الحديث (2) .
درجة هذا الحديث وبيان طبقات رجاله، وذكر من أخرجه غير الإمام أحمد:
قال أحمد شاكر في بيان درجته: إسناده صحيح، أبو عاصم الغنوي ثقة، وثقه ابن معين، وترجمه البخاري في [الكنى] كعادته رقم (527) ، وأشار إلى هذا الحديث كعادته في إشاراته الدقيقة، قال: (أبو عاصم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: الذبيح، قال حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة) ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وصححه الهيتمي (3) .
بيان طبقات سنده:
الأولى: سريج بن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلؤي، قال (4) ابن حجر: قال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو داود: ثقة حدثنا عنه أحمد بن حنبل، غلط في أحاديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن مسعد: كان ثقة. . . قال ابن حجر: قلت: وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن حبان في [الثقات] : يكنى أبا الحارث، ورمز له ابن حجر بأنه روى له البخاري والأربعة.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/298) .
(2) [المسند] (4\247-249) ، طبعة شاكر.
(3) [المسند] ، (4\247-248) ، طبعة شاكر.
(4) [تهذيب التهذيب] (3\457) .
(3/279)

الثانية: حماد بن سلمة، قال (1) ابن حجر: حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة.
الثالثة: أبو عاصم الغنوي، قال (2) ابن حجر: أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس في الرمل وغيره، وعنه حماد بن سلمة، قال أبو حاتم: لا أعرف اسمه ولا أعرفه، ولا حدث عنه سوى حماد، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة (د) .
وقال (3) ابن حجر أيضا: أبو عاصم الغنوي: بالمعجمة والنون مقبول من الخامسة، وقال (4) الخزرجي: أبو عاصم الغنوي: بفتح المعجمة والنون عن أبي الطفيل، وعنه حماد بن سلمة فقط، وثقه ابن معين (د) .
الرابعة: أبو الطفيل، وهو أحد الصحابة كما ذكره ابن حجر (5) ، واسمه عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، أبو الطفيل، ذكر من أخرجه غير الإمام أحمد: أخرجه (6) الحاكم بسنده مختصرا عن ابن عباس رفعه، وقال بعد إخراجه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورمز له الذهبي في [تلخيصه لمستدرك الحاكم] بأنه على شرط
__________
(1) [تقريب التهذيب] صـ (135) .
(2) [تهذيب التهذيب] (12\143) .
(3) [التقريب] صـ (596) .
(4) [خلاصة تهذيب تهذيب الكمال] صـ (453) .
(5) [التقريب] صـ (239) .
(6) [المستدرك] (1\466) .
(3/280)

مسلم، وأخرجه (1) البيهقي من طرق بعضها موقوف وبعضها مرفوع، وذكره الهيتمي في [مجمع الزوائد] في موضعين: الأول: في (3\259) ، وقال بعده: رواه أحمد والطبراني في [الكبير] ورجاله ثقات، والثاني: في (8\200، 201) ، وقال بعده: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة، وساقه ابن كثير (2) في تفسيره عن الإمام أحمد من طريقين عن ابن عباس، ولم يتعرض للإسنادين بشيء.
ونسبه (3) السيوطي إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في [شعب الإيمان] ، عن ابن عباس، وذكر الساعاتي (4) : أنه أخرجه الإمام أحمد في [المسند] أيضا عن ابن عباس، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.
__________
(1) [سنن البيهقي] (5\153) .
(2) [تفسير ابن كثير] (4\15) .
(3) الدر المنثور، (5\280) .
(4) [ترتيب المسند] (12\168) .
(3/281)

2 - موضع الرمي: وبتأمل ما سبق ذكره على هذا الحديث يظهر أنه يدل على أنه حجة، وهو حجة أيضا على بدء مشروعية الرمي، وعلى بيان مواضع الرمي، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم رمى الجمار في هذه المواضع في حجة الوداع، وهو صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم (1) » ، فصار رميه الجمار في هذه المواضع شرعا دائما إلى يوم القيامة، وقد تلقاه الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
وفيما يلي بيان كلام ابن منظور في موضع الجمار، ونبذة من كلام بعض
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(3/281)

فقهاء المذاهب الأربعة مرتبة حسب الترتيب الزمني لنشأة المذاهب.
قال (1) ابن منظور: والجمرة: اجتماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر القبائل، ومن هذا قيل لمواضع الجمار التي ترمى بمنى: جمرات؛ لأن كل مجمع حصى منها جمرة، وهي ثلاث جمرات.
قال (2) القاري: ولو وقف الحصى على الشاخص أي: أطراف الميل الذي هو علامة للجمرة - أجزأه، ولو وقف على قبة الشاخص ولم ينزل عنه؛ فالظاهر أنه لا يجزيه للبعد، كما في [النخبة] بناء على ما ذكره من أن محل الرمي الموضع الذي عليه الشاخص وما حوله، لا الشاخص.
وقال (3) الحطاب: قال الباجي: الجمرة: اسم لموضع الرمي، قال ابن فرحون في [شرحه على ابن الحاجب] : وليس المراد بالجمرة البناء القائم، وذلك البناء قائم وسط الجمرة علامة على موضعها، والجمرة اسم للجميع.
وقال (4) النووي: قال الشافعي رحمه الله تعالى: الجمرة: مجتمع الحصى، لا ما سال من الحصى، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب مسايل الحصى الذي ليس هو بمجتمعه لم يجزه، والمراد: مجتمع الحصى في موضعه المعروف، وهو الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلو حول ورمى الناس في غيره واجتمع فيه الحصى لم يجزه.
__________
(1) [لسان العرب] (5\226) .
(2) [إرشاد الساري إلى مناسك ملا علي قاري] صـ (164) .
(3) [مواهب الجليل شرح مختصر خليل 3\134] .
(4) [الإيضاح وشرحه] ، صـ (410) ، ويرجع أيضا إلى [نهاية المحتاج شرح المنهاج] (3\313) .
(3/282)

قال الهيتمي على قول النووي: الجمرة: مجتمع الحصى، حده الجمال الطبري بأنه ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع فقط، وهذا التحديد من تفهمه، وكأنه قرر به مجتمع الحصى غير السائل، والمشاهدة تؤيده، فإنه مجتمعه غالبا، لا ينقص عن ذلك.
وقال أيضا على قول النووي: والمراد: مجتمع الحصى. . . إلخ يدل على أن مجتمع الحصى المعهود الآن بسائر جوانب الجمرتين الأوليين، وتحت شاخص جمرة العقبة - هو الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم، وليس ببعيد، إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يعرف خلافه. . . . . إلخ.
وقال (1) البهوتي: قد علمت مما سبق أن المرمى: مجتمع الحصى - كما قال الشافعي - لا نفس الشاخص ولا مسيله.
وقال (2) صاحب [شفاء الغرام] نقلا عن الأزرقي بشأن جمرة العقبة تحت هذه الترجمة (ذكر ما غير من فرش أرض الكعبة) : وكانت الجمرة زائلة عن موضعها أزالها جهال الناس برميهم الحصى، وغفل عنها حتى أزيحت من موضعها شيئا يسيرا منها، ومن فوقها، فردها إلى موضعها الذي لم يزل عليه، وبنى من ورائها جدارا أعلاه عليها ومسجدا متصلا بذلك الجدار؛ لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها. . . ومضى إلى أن قال: والذي أشار إليه الأزرقي بقوله: (فردها) وبقوله: (وبنى) هو: إسحاق بن سلمة الصائغ الذي أنفذه المتوكل العباسي لعمل أمور تتعلق
__________
(1) [الكشاف] ، (2\450) .
(2) [شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام] ، (1\294) .
(3/283)

بالكعبة وغير ذلك.
(3/284)

3 - الأصل في تحديد المشاعر التوقيف: فلا دخل للعقل فيها بزيادة أو نقص أو تغيير عن مواضعها، إذ أن تعيين هذه المواضع وتحديدها من قبل الشرع، ومواضع رمي الجمار من ذلك، فلا يزاد فيها عما كان عليه الأمر منذ أن جعلها الله مواضع لأداء العبادات التي شرع أداؤها فيها، وهذا كتحديد أوقات الصلوات الخمس، وتعيين ما لكل صلاة من الوقت، وكذلك أعداد الصلوات وكلمات الأذان.
(3/284)

4 - المستند لبقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار مساحة الأرض هو استصحاب العكس أو الاستصحاب المقلوب (1) .
وحقيقته: ثبوت أمر في الزمن الماضي بناء على ثبوته في الزمن الحاضر، وهو حجة، وهذه المسألة مدار البحث من المسائل المندرجة تحت هذا النوع، إذ إن هذه المواضع المشاهدة هي متحددة الآن، والأصل أنها لم يطرأ عليها تغيير، فثبت لها ذلك في الزمن الماضي، بناء على ثبوته في الوقت الحاضر.
__________
(1) [مراقي السعود وشرحها] ، صـ (210) ، و [فصول البدائع في أصول الشرائع] (2\388) .
(3/284)

5 - قد يقال: لا يجوز بناء حوض خارجي أوسع من الحالي: ومستند المنع هو: قاعدة سد الذرائع، إذ أن بناء هذا الحوض يؤدي إلى التباس المرمى على الناس، فيرمون فيه، والرمي فيه ممتنع؛ لأن هذه القطعة ليست من المرمى، وقاعدة سد الذرائع معلومة من القرآن والسنة، وقد عمل بها أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن احتذى
(3/284)

حذوهم، ويذكرها الأصوليون في باب الاستدلال، وقد (1) قررها ابن القيم في [إعلام الموقعين] وبين منها ما يمتنع وما لا يمتنع، وساق لتأييد ما ذكره تسعة وتسعين وجها.
ومما يشهد لتوقع التباس المرمى الصحيح على الناس بالحوض الذي سيزاد - ما حصل من الالتباس على الناس حينما أزيل الجبل الواقع شرق العقبة، والذي كان متصلا بها، حيث صار بعض الناس يرمون هذه الجمرة من الجهة الشرقية في غير المرمى.
ويمكن أن يستخلص مما تقدم ما يلي:
1 - يجوز بناء طابق على شارع الجمرات ورفع الشاخص وجدار الجمرة بناء على قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) .
2 - يجوز رمي الجمرة من فوق الطابق؛ لفعل عمر رضي الله عنه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه محمول على الأفضلية، ولأن من ملك أرضا ملك تخومها وهواءها، هذا هو المقرر شرعا.
3 - بدء مشروعية الرمي، وبه تحدد موضع الرمي، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمار الثلاث في حجة الوداع والصحابة معه، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (2) » ، وتلقى الصحابة رضوان الله عليهم ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وتلقى ذلك عن الصحابة التابعون ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
4 - ما سبق من النقول يدل على أن المرمى هو مجتمع الحصى.
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3\119) .
(2) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(3/285)

5 - ما قرره الطبري من تحديد مجتمع الحصى بأنه ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع.
6 - أن الأصل في تحديد المشاعر التوقيف: ومن نظائر ذلك أوقات الصلوات الخمس.
7 - مما يدل على بقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار المساحة استصحاب العكس.
8 - لا يجوز بناء حوض خارجي أوسع من الحالي بناء على قاعدة سد الذرائع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(3/286)

قرار رقم (11)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
فبناء على خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة، ورئيس لجنة الحج العليا رقم (59\5\7\ أم) ، وتاريخ 4\1\1393 هـ، الوارد إلى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عن طريق وزارة العدل، والذي يطلب فيه إبداء الوجهة الشرعية، وبيان الحكم فيما اقترحته لجنة الحج العليا من بناء طابق على شارع الجمرات، ورفع شاخص الجمرات، ورفع جدار حوض كل جمرة إلى منسوب يمكن معه رمي حصى الجمار من أعلى الطابق ومن أسفله بسهولة.
بناء على ذلك درست هيئة كبار العلماء هذا الموضوع، وما أعدته اللجنة الدائمة من البحث عليه، ورأت بالاتفاق أن يؤجل النظر فيه والبت في حكمه إلى دورة أخرى حتى يصل الرسم الهندسي لهذا العمل، والذي سبق أن طلبته الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء؛ لتعرف الهيئة منه تفاصيل الأمر المطلوب وهل يحقق هذا الاقتراح مصلحة من غير استلزام مفسدة
(3/287)

أم لا؟ .
وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
. ... . ... محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(3/288)

(6)
حكم تمثيل الصحابة
رضي الله عنهم
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/289)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم تمثيل الصحابة
رضي الله عنهم
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أحيل إلى هيئة كبار العلماء في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية - في دورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الآخر عام 1393هـ موضوع تصوير حياة (بلال) مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فيلم سينمائي.
وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:
فهذا بحث يتعلق بمسألة حكم تمثيل الصحابة في شكل رواية مسرحية أو فيلم سينمائي قامت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداده تمهيدا لعرض المسألة على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها القادمة إنفاذا لأمر المقام السامي رقم 24\93 وتاريخ 1\1\1393هـ. والله الموفق.
(3/291)

حكم تمثيل الصحابة
في مسرحية أو فيلم سينمائي
يحسن بنا قبل تقديم ما تيسر الحصول عليه من أقوال أهل العلم في حكم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم - أن نشير إلى اعتبارات تحسن ملاحظتها أثناء بحث المسألة:
الأول: ما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المكانة العليا في الإسلام:
بحكم معاصرتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامهم بواجب نصرته وموالاته، والتفاني في سبيل الله ببذلهم أموالهم وأولادهم ونفوسهم، فقد اتفق أهل العلم على أنهم صفوة هذه الأمة وخيارها، وأن الله شرفهم وخصهم بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليهم في كتابه الكريم بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (1) الآية، وجاءت الأحاديث الصحيحة بتسجيل فضلهم، وأن لهم قدم صدق عند الله، ففي [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون لهم: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من
__________
(1) سورة الفتح الآية 29
(3/293)

الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: نعم، فيفتح لهم (1) » .
وفي [صحيح البخاري] عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، "ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن (2) » .
وفي [الصحيحين] عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأن بعض أصحابه رضوان الله عليهم: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه (3) » .
__________
(1) صحيح البخاري المناقب (3649) ، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2532) ، مسند أحمد بن حنبل (3/7) .
(2) صحيح البخاري المناقب (3650) ، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2535) ، سنن الترمذي الفتن (2222) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3809) ، سنن أبو داود السنة (4657) ، مسند أحمد بن حنبل (4/427) .
(3) صحيح مسلم فضائل الصحابة (2540) ، سنن ابن ماجه المقدمة (161) .
(3/294)

الثاني: النظرة العامة إلى مشاهدة التمثيل:
من أنه حال من أحوال اللهو والتسلية وشغل فراغ الوقت، فمشاهده في الغالب لا يريد من المشاهدة ما فيه مجال للعظة والتأمل، وإنما يقصد من ذلك إشباع غرائزه بما يشرح النفس، وينسي الهموم، وينقل المرء من حال الجد إلى حال العبث والهزل.
(3/294)

الثالث: حال محترفي التمثيل من المناحي المسلكية:
إن المتتبع لحياة الممثلين يخرج بنتيجة هي: أن غالبهم سقط من الناس ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة، ولا للأخلاق الإسلامية والعربية محل في دائرة أخلاقهم، ولا للقيم الإنسانية اعتبار عندهم، فإذا
(3/294)

تقمص أحدهم شخصية صالح أو نبيل أو شهم أو عفيف أو جواد - فذلك لأجل ما سيتقاضاه ثمنا لذلك، ثم يعود إلى سيرته الأولى ضاحكا لاهيا ساخرا معرضا عن الجوانب المشرقة في حياتهم.
(3/295)

الرابع: أغراض التمثيل:
قد لا يختلف اثنان في أن الهدف الأول لأرباب المسارح في إقامة التمثيل فيها المكاسب المادية، ومكاسبهم المادية لا تحصل إلا بمداعبة غرائز المشاهدين وشهواتهم، فإذا عرفنا أن غالب المشاهدين لا يقصدون من مشاهدتهم التمثيل إلا قضاء فراغ أوقاتهم بما فيه العبث واللهو والتسلية، وفهمنا أن الهدف الأول والأخير من التمثيل الكسب المادي - أدركنا أن القائمين على التمثيل سيحرصون على إنماء رصيد مشاهدي مسرحياتهم بتحقيق رغبة المشاهد في إشباع غرائزه العاطفية، وعرض ذلك على شاشات التمثيل وخشبات المسارح.
(3/295)

الخامس: اعتياد كثير من المؤرخين في مؤلفاتهم التاريخية على التساهل في تحقيق الوقائع التاريخية:
يضاف إلى أن مجموعة من ذوي الميول المنحرفة والأهواء المغرضة قد نفثوا سمومهم في التاريخ الإسلامي ما بين وقائع تاريخية كاذبة، وتعليلات للجوانب التاريخية في الإسلام ترمي إلى التقليل من القيمة العليا لتضحية المسلمين في سبيل الله، فإذا كانت مادة التمثيل من التاريخ وليس هناك مرجع غيره أمكن تصور وجود الكذب والافتراء على السلف الصالح، لا سيما صفوة هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3/295)

قرار رابطة العالم الإسلامي
وقد صدر قرار من رابطة العالم الإسلامي بخصوص تمثيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في فيلم - استعرض حكم تمثيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نصه:
وكما يحرم ذلك كله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم يحرم تمثيل الصحابة الأكرمين رضي الله عنهم أجمعين باتفاق أهل العلم؛ لشرفهم بالصحبة العظيمة، واختصاصهم بها دون من عداهم من الناس، ولكرامتهم عند الله تعالى وثنائه عليهم في القرآن الكريم، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (1) الآية، فهم أحقاء إجماعا بالتكريم والتعظيم والتوقير؛ ولذلك أجمع أهل العلم على حرمة تصويرهم في الأفلام أو على المسارح؛ لما فيه من المنافاة الصارخة لكل ذلك. اهـ.
كما صدر قرار من المنظمات الإسلامية العالمية المنعقدة في دورتها في مكة المكرمة في ذي الحجة سنة 1390هـ، جاء فيه ما نصه: قرر المؤتمر استنكاره الشديد لمحاولة إخراج فيلم سينمائي يمثل فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأية صورة من الصور أو كيفية من الكيفيات، كما يستنكر تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم، ويناشد المؤتمر كل الحكومات الإسلامية أن تقضي على هذه المحاولة في مهدها.
__________
(1) سورة الفتح الآية 29
(3/296)

فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا
كما صدر ثلاث فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في حكم التمثيل الأخلاقي.
الأولى: في حكم التمثيل الأخلاقي وهذا نصها مع سؤالها (1) من صاحب الإمضاء الحرفي في (دمشق الشام) ع. . .
س: سيدي الأستاذ صاحب المنار الأغر: ما رأي الأستاذ حفظه الله في تمثيل الروايات الأخلاقية التي لا يشوبها ضروب الخلاعة، أو من ظهور النساء حاسرات على المسارح، والتي تحبب الحضور بالفضيلة، وتنفرهم من الرذيلة؟ يجوز لنا أن نعتبر التمثيل غيبة فنحرمه بدعوى أن الغيبة محرمة؟ وهل ورد في النصوص الشرعية تصريحا أو تلميحا ما يدل على حرمة التمثيل الأخلاقي، أو يشير إلى اجتنابه، وعهدنا بهذا النوع من التمثيل أنه خير ما يغرس في النفوس حب الفضائل وكره الرذائل؟
أرجو إجابتي على هذه الأسئلة حتى لا يبقى مجال لتغرير المسلمين باسم الشريعة، ورميها بسهام غير سديدة، هدانا الله بمناركم الوضاح إلى أقوم طريق.
الجواب: جاءنا مثل هذا السؤال أيضا من دمشقي آخر أشار إلى اسمه بحرفي (م. ن) ، وجاء في سؤاله: أن للسؤال واقعة حال في دمشق،
__________
(1) انظر [فتاوى رشيد رضا] (3\1090) ، و [المنار] (14) (1911) \827 - 830.
(3/297)

وهي: أن تلاميذ المدرسة العثمانية بدمشق مثلوا قصة زهير الأندلسي التي تشرح كيفية انقراض المسلمين من الأندلس، فقام بعض الحشوية من طلاب الشهرة، وأصحاب الدعوى يشنعون على المدرسة، ويكفرون تلاميذها ومعلميها، ويزعمون أنهم حاولوا هدم الإسلام بتذكير المسلمين بأسباب انقراض المسلمين من مملكة إسلامية كانت زينة ممالك الأرض بالعلوم والفنون والآداب، وخطبوا بذلك على المنابر في رمضان، وصدق فيهم قول من قال: إن لمتعصبي دمشق في كل رمضان ثورة.
أشار السائل الذي نشرنا نص سؤاله إلى ما صرح به السائل الآخر من احتجاج محرمي التمثيل على تحريمه بأنه يتضمن الغيبة، وقال هذا المصرح: إن بعضهم حرم قراءة الجرائد والمجلات بمثل هذا الدليل.
نقول: إن صح قولهم: أن تلك القصة أو الواقعة التي مثلت في دمشق، كانت متضمنة لشيء من الغيبة - وهو ما يستبعد جدا - فالمحرم فيها هو الغيبة لا جميع القصة، ولا القصص التي تمثل ولا التمثيل نفسه. وكان الأظهر أن يقولوا: أنها تتضمن الكذب في بعض جزئياتها، وكأنهم فطنوا إلى كون الكذب غير مقصود فيها، ولا يتحقق إلا بالنسبة إلى مجموع القصة إذا كان ما تقرره وتودعه في الأذهان من مغزاها المراد غير صحيح، كأن تصور قصة زهير لقرائها، وحاضري تمثيلها: أن الإسبانيين اضطهدوا المسلمين، وفتنوهم عن دينهم، وخيروهم بين الكفر والخروج من الوطن، ويكون هذا الذي تصوره لم يقع أو وقع ضده.
هذه القصص التمثيلية من قبيل ما كتبه علماؤنا المتقدمون من المقامات التي تقرأ في المدارس الدينية وغير الدينية؛ كمقامات البديع، ومقامات
(3/298)

الحريري، وقد كان الحريري رحمه الله تعالى توقع أن يوجد في عصره أمثال أولئك المتنطعين الذين حرموا قصة زهير الأندلسي، فرد عليهم بقولهم في فاتحة مقاماته:
على أني وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عني المحب المحابي، لا أكاد أخلص من غمر جاهل، أو ذي غمر (حقد) متجاهل، يضع مني لهذا الوضع، ويندد بأنه من مناهي الشرع، ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأمعن النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، وأثم رواتها في وقت من الأوقات، ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على من أنشأ ملحا (1) للتنبيه، لا للتموين، ونحا بها منحى التهذيب، لا الأكاذيب، وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من انتدب لتعليم، وهدي إلى صراط مستقيم (2) .
فهو يقول: إنه لم يعرف عن أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب [كليلة ودمنة] وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة، وصورة الخير في جزئياتها غير مرادة، وما سمعنا بعده أيضا أن أحدا من العلماء حرم قراءة مقاماته، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام، يتجرءون على تحريم ما لم يحرمه
__________
(1) وردت في المنار (مقامات) .
(2) [مقامات الحريري] تحقيق سلفستر دي ساسي. باريس - دار الطباعة الملكية 1822 صـ (11، 12) .
(3/299)

الله ورسوله، ولا حرم مثله أحد من علماء الملة، وهم مع هذا يتبرءون بألسنتهم من دعوى الاجتهاد واسم الاجتهاد، ويشنعون على من يقول: إنه يمكننا أن نعرف الأحكام بأدلتها الشرعية، فهم يعترفون بأنهم ليسوا أهلا للاستدلال، ولا لمعرفة حكم بدليله، ويدعون أنهم مقلدون لبعض الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم، فليأتونا بنص من أولئك الأئمة على تحريم ما حرموه إن كانوا صادقين.
ثم نقول من باب الدليل: قد فسر الحرام في بعض كتب الأصول بأنه: خطاب الله المقتضي للترك اقتضاء جازما، فليأتونا بخطاب الله المقتضي بتحريم تمثيل الوقائع الوعظية والتهذيبية، أما أصول المحرمات في الكتاب، فقد بينها الله تعالى بالإجمال في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (1) أفلا يخشى أولئك المتجرئون أن يكونوا من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، الذين قال فيهم أيضا: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (2) وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس (3) » الحديث، وهو في [الصحيحين] والسنن كلها من حديث خيار الآل والصحب علي وولده الحسين والعبادلة الثلاثة وعمار والنعمان بن بشير رضي الله عنهم. فإذا كان الحرام بينا، فكيف يخفى منه مثل هذا الحكم
__________
(1) سورة الأعراف الآية 33
(2) سورة النحل الآية 116
(3) صحيح البخاري الإيمان (52) ، صحيح مسلم المساقاة (1599) ، سنن الترمذي البيوع (1205) ، سنن ابن ماجه الفتن (3984) ، مسند أحمد بن حنبل (4/270) ، سنن الدارمي البيوع (2531) .
(3/300)

على جميع المسلمين في هذه القرون الطويلة، ولا يهتدي إليه إلا أولئك المضيقون في هذا العام؟ ‍!
إننا لا نرى وجها ما لهذا التحريم، ولو سلمنا أن في القصة الممثلة كلاما يصح أن يعد غيبة أو كذبا، فإنا نعلم أن في كثير من كتب الحديث والفقه والوعظ أحاديث موضوعة، ولم يقل أحد أن ذلك يقتضي تحريم تأليف تلك الكتب وقراءتها وطبعها، وفي كتب الحديث طعن في الرجال فهل نحرم علم أصول الحديث؟ ألا إنه ليحزننا أن يكون لأمثال هؤلاء المفتاتين المتنطعين كلمة تسمع في مدينة دمشق الفيحاء التي هي أجدر البلاد بأن تكون ينبوعا لحياة الدين والعلم والارتقاء في سورية وجزيرة العرب كلها، وما آفتها إلا نفر من المتنطعين قد جعلوا الدين عقبة في طريق الارتقاء العلمي والعملي، فنسأل الله تعالى أن يلهمهم الرشد، ويهديهم طريق القصد، وأن يبصر العامة كالخاصة في تلك المدينة الزاهرة بحقيقة أمرهم حتى لا تتبع كل ناعق منهم.
والثانية: في حكم تمثيل حياة بعض الصحابة، وهذا نصها مع سؤالها:
السؤال: هل يجوز تمثيل حياة بعض الصحابة على شكل رواية أدبية خلقية تظهر محاسن ذلك الصحابي الممثل؛ لأجل الاتعاظ بسيرته ومبادئه العالية مع التحفظ والتحري لضبط سيرته دون إخلال بها من أي وجهة كانت أم لا؟
الجواب: لا يوجد دليل شرعي يمنع تمثيل الصحابة أو أعمالهم الشريفة بالصفة المذكورة في السؤال (1) .
__________
(1) انظر [فتاوى رشيد رضا] (6\2348) .
(3/301)

والثالثة: في حكم التمثيل العربي وتمثيل قصص الأنبياء، وهذا نصها (1) :
التمثيل العربي: اشتغال المرأة المسلمة به وتمثيل قصص الأنبياء [المنار] (20 (1917) \ 310- 316) . من صاحب الإمضاء بمصر محمد محمد سعفان طالب بمدرسة القضاء الشرعي.
بسم الله الرحمن الرحيم: إلى فضيلة مولانا وراشدنا السيد رشيد رضا. جمعتني النوادي بطائفة من المتعلمين الذين قلما يخلو مجلسهم من البحث، وبأية مناسبة - دار بيننا ذكر التمثيل العربي، وبسطنا على بساط بحثنا (2) المرأة المسلمة والتمثيل؛ تمثيل روايات الأنبياء عليهم السلام عموما، وخاتمهم خصوصا، فقر رأى فريق منا على جواز ذلك كله؛ إذ لا تتم أدوار التمثيل وفصوله إلا بالمرأة، فإذا جوزنا التمثيل جوزنا ظهور المرأة المسلمة على مسارح التمثيل، وأي مانع يمنع تمثيل روايات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، عموما وخاتمهم خصوصا، وهو لم يخرج عن كونه درس وعظ على طريقة التأثير النافع الذي ينشده مشاهير الوعاظ، وقل ممن يصادفه أو يجد له أثرا، ومنع فريق آخر ذلك وعده نوعا من التقليد الإفرنجي الذي يستحوذ على بعض البسطاء فيعدونه مفتاح تمدن الأمة، في حين أنه شر عليها وعلى أخلاقها الذاتية.
فهذا ما كان من الفريقين، أما أنا كاتب هذه السطور فقد أعلنت الحيدة حتى أسترشد برشدكم أو أستنير بفتيا
__________
(1) انظر [فتاوى رشيد رضا] (4\1418) .
(2) [المنار] (20 (1917) \310 - 316)
(3/302)

مناركم، والسلام.
الجواب: قلت: هدانا الله وإياك بحجة الصواب في الحكم، وعصمنا أن نقفو ما ليس لنا به علم:
إن بعض الأندية جمعك بطائفة من المتعلمين البحاثين، وأنهم ذكروا (التمثيل العربي) فاختلفوا في جواز اشتغال المرأة المسلمة به، وفي جواز تمثيل قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عامة وخاتمهم خاصة، فقالت طائفة منهم: بجواز الأمرين، وعللوا الأول: بأن أدوار التمثيل وفصوله لا تتم إلا بالمرأة، فإذا جوزنا التمثيل جوزنا ظهور المرأة المسلمة على مسارح التمثيل، وعللوا الثاني: بأنه درس وعظ على طريقة التأثير النافع الذي ينشده مشاهير الوعاظ، وقل من يصادفه أو يجد له أثرا، وقالت طائفة أخرى بمنع الأمرين، وعدوه من التقليد الإفرنجي الضار، الذي يغتر به الأغرار، وقلت: إنك وقفت حتى تستفتي المنار، فهاك ما أفهمه في المسألتين بالاختصار.
لم يأت فريق المجيزين بشيء من العلم، يدل على ما جزموا به من الحكم، فإن سلمنا لهم أن التمثيل لا يتم إلا بالمرأة لا نسلم لهم أن جوازه يستلزم جواز اشتغال المرأة المسلمة به، بل نسألهم ماذا يعنون بهذا التمام؟ وهل يعتد به شرعا؟ ولماذا لا يستغنى فيه بالمرأة غير المسلمة التي تستبيح من أعماله ما لا يباح للمسلمة؟ وبأي حجة جعلوا القول بجواز التمثيل الذي ينقصه وجود المرأة المسلمة أصلا بنوا عليه القول بجواز اشتغالها بالتمثيل، وهل يعدو التمثيل المطلق أن يكون مباحا أو مستحبا بشرط خلوه من فعل الحرام وذرائع الفساد، واشتماله على الوعظ النافع والإرشاد؟ أو ليس الصواب أن يقال - والأمر كذلك-: إن التمثيل الذي يتوقف على قيام
(3/303)

المرأة المسلمة ببعض أعماله على الوجه المعروف في دور التمثيل بمصر غير جائز؛ لأن ما توقف على غير الجائز فهو غير جائز، أو لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؟
(3/304)

اشتغال المرأة المسلمة بالتمثيل
إن اشتغال المرأة المسلمة بالتمثيل المعروف يشتمل على منكرات محرمة، منها:
ظهورها على أعين الرجال متبرجة كاشفة ما لا يحل كشفه لهم من أعضائها؛ كالرأس والنحر وأعالي الصدر والذراعين والعضدين، وتحريم هذا مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فلا حاجة إلى ذكر النصوص فيه.
ومنها: الاشتراك مع الرجال الممثلين في أعمال تكثر في التمثيل، وإن لم تكن من لوازمه في كل قصة؛ كالمعانقة، والمخاصرة، والملامسة، بغير حائل.
ومنها: غير ذلك من المنكرات التي تشتمل عليها بعض القصص دون بعض؛ كالتشبه بالرجال، وتمثيل وقائع العشق والغرام المحرم، بما فيه من الأعمال المحرمة لذاتها، أو لكونها ذريعة إلى المحرم لذاته.
ولا أنكر أنه يمكن للكاتب العالم بأحكام الشرع وآدابه أن يكتب قصة تمثيلية يودع بعض فصولها أعمالا شريفة، وأقوالا نافعة، إذا مثلتها امرأة مسلمة تبرز في دار التمثيل غير متبرجة بزينة، ولا مبدية لشيء مما حرم الله إبداءه من بدنها، ولا آتية بشيء من أعمال الفساد ولا من ذرائعه - فإن
(3/304)

تمثيلها يكون بهذه الشروط مباحا أو مستحبا.
مثال ذلك: أن تؤلف قصة في الترغيب في الحروب للدفاع عن الحقيقة وحماية البلاد عند وجوبها باعتداء الأعداء عليها، ويذكر فيها ما روي عن الخنساء رضي الله عنها في حث أبنائها على القتال بالنظم والنثر، فمن ذا الذي يتجرأ على القول بتحريم ظهور امرأة تمثل الخنساء في مثل تلك الحال، التي هي مثال الفضيلة والكمال؟! ولكن إمكان وضع مثل هذه القصة وهو من الممكنات التي لم تقع لا يبنى عليه القول بإطلاق جواز ما هو واقع من التمثيل المشتمل على ما ذكرنا وما لم نذكر من المنكرات المحرمة والمكروهة شرعا.
وأما تمثيل قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد عللوه بأنه درس وعظ مؤثر، يعنون أن كل ما كان كذلك فهو جائز، وهذه الكلية المطوية ممنوعة، وتلك المقدمة الصريحة غير متعينة، فإن هذه القصص قد توضع وضعا منفرا، فلا تكون وعظا مؤثرا، وإن من الوعظ المؤثر في النفوس ما يكون كله أو بعضه باطلا، وكذبا وبدعا، أو مشتملا على مفسدة أو ذريعة إليها، ويشترط في جواز الوعظ أن يكون حقا لا مفسدة فيه، ولا ذريعة إلى مفسدة.
وبناء على هذا الأصل ننظر في هذه المسألة من وجوه:
أحدها: أن العرف الإسلامي العام يعد تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إهانة لهم أو مزريا بقدرهم، ومما أعهد من الوقائع في ذلك أن بعض النصارى كانوا أرادوا أن يمثلوا قصة يوسف عليه السلام في بعض المدن السورية فهاج المسلمون لذلك، وحاولوا منعهم بالقوة، ورفع الأمر
(3/305)

إلى الآستانة، فصدرت إرادة السلطان عبد الحميد بمنع تمثيل القصة وأمثالها.
فإن قيل: إن بعض مسلمي مصر كأولئك المتعلمين القائلين بالجواز لا يعدون ذلك إهانة ولا إزراء، إذ لا يخفى على مسلم أن إهانة الأنبياء أو الإزراء بهم أقل ما يقال فيه: إنه من كبائر المعاصي، وقد يكون كفرا صريحا وردة عن الإسلام.
نقول: إنما العبرة في العرف بالجمهور الذي تربى على آداب الإسلام وأحكامه، لا بالأفراد القلائل، ومن غلبت عليهم التقاليد الإفرنجية، حتى صاروا يفضلونها على الآداب الإسلامية، كذلك القاضي الأهلي الذي حكم ببراءة أستاذ مدرسة أميرية غازل امرأة محصنة وتصباها، وكاشفها بافتتانه بجمالها، حتى هجره الرقاد، وواصله السهاد، فشكت المحصنة هذه الوقاحة إلى زوجها فرفع الزوج الأمر إلى قاضي العقوبات طالبا تعزير ذلك العادي المفتات، فكان رأي القاضي أن مغازلة المحصنات الحسان وتصبيهن، يحتمل ذلك الكلام الذي يفسدهن على أزواجهن، لا يقتضي سجنا ولا غرامة، ولا تأنيبا، ولا ملامة؛ لأنه إظهار لحب الحسن والجمال، وهو من ترقي الذوق وآيات الكمال، ولكن ما رآه هذا القاضي المتفرنج حسنا وكمالا، رآه السواد الأعظم من المسلمين نقصا قبيحا، وأنكره عليه في الجرائد، حتى منعتها مراقبة المطبوعات من التمادي في الإنكار، واستأنف الزوج الحكم فنقضه الاستئناف، وحكم بأن كلام ذلك الأستاذ جريمة منافية للآداب. ولو حاول بعض أجواق التمثيل تمثيل قصة أحد الرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام- لرأوا من إنكار العلماء
(3/306)

والجرائد ما لا يخطر ببال أولئك الأفراد الذين يرون جوازه، ولو وقع مثل ذلك في بلد لم تذلل أهله سيطرة الحكام لما كان إلا مثارا للفتنة، ولتصدي الناس لصد الممثلين بالقوة، بل يغلب على ظني أن أكثر الناس يعدون تمثيل الأمراء والسلاطين، وكبار رجال العلم والدين، مما يزري بمقامهم، ويضع من قدرهم، وأن أحدا من هؤلاء الكبراء لا يرضى لنفسه ذلك.
الوجه الثاني: أن أكثر الممثلين لهذه القصص من سواد العامة، وأرقاهم في الصناعة- لا يرتقي إلى مقام الخاصة، فإن فرضنا أن جمهور أهل العرف لا يرون تمثيل الأنبياء إزراء بهم على إطلاقه، أفلا يعدون من الإزراء والإخلال بما يجب لهم من التعظيم: أن يسمى: (السي فلان) أو (الخواجة فلان) إبراهيم خليل الله، أو موسى كليم الله، أو عيسى روح الله، أو محمدا خاتم رسل الله؟ فيقال له في دار التمثيل: يا رسول الله، ما قولك في كذا. . . فيقول كذا. . . ولا يبعد بعد ذلك أن يخاطبه بعض الخلعاء بهذا اللقب في غير وقت التمثيل على سبيل الحكاية، أو من باب التهكم والزراية، كأن يراه بعضهم يرتكب إثما، فيقول له: مدد يا رسول الله! ألا إن إباحة تمثيل هؤلاء الناس للأنبياء قد تؤدي إلى مثل هذا، وكفى به مانعا لو لم يكن ثم غيره.
الوجه الثالث: تمثيل الرسول في حالة أو هيئة تزري بمقامه ولو في أنفس العوام، وذلك محظور، وإن كان تمثيلا لشيء وقع.
مثل ذلك: أن يمثل بعض هؤلاء الممثلين المعروفين يوسف الصديق عليه السلام بهيئة بدوي مملوك تراوده سيدته عن نفسه وتقد قميصه من
(3/307)

دبره، ثم يمثله مسجونا مع المجرمين، ويتجلى النظر في هذا الوجه ببيان مسألة من أعظم المسائل يغفل عنها أمثال أولئك الباحثين الذين ذكرهم المستفتي، وهي: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بشر، ميزهم الله تعالى بما خصهم به من الوحي، وهداية الخلق إلى الحق، وقد كانت بشريتهم حجابا على أعين الكافرين حال دون إدراك خصوصيتهم، فأنكروا أن يكون الرسول بشرا مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
وروي عن المسيح عليه السلام: أن النبي لا يهان إلا في وطنه وقومه، وقال بعض العلماء في المعنى: أزهد الناس في الولي أهله وجيرانه، أي: لأنهم قلما يرون منه إلا ما هو مشارك لهم فيه من الصفات والعادات، وأما ما يمتاز به من دقائق الورع والتقوى والمعرفة بالله تعالى فمنه ما هو سلبي لا يفطنون له، ومنه ما هو خفي لا يدركونه؛ ولذلك احتيج في إيمان أكثر الناس بالرسل قبل الارتقاء العقلي إلى الآيات الكونية، وبعده إلى الآيات العلمية، (كالقرآن الحكيم من الأمي) ، والذين يؤمنون بالرسل من بعدهم يسمعون من أخبار آياتهم وخصائصهم وفضائلهم أكثر مما يسمعون من أخبار عاداتهم وصفاتهم البشرية، وبذلك يكون تعظيمهم وإجلالهم لهم غير مشوب بما يضعف الإيمان بهم من تصور شئونهم البشرية، على أن الواجب أن يعرفوا منها ما يحول دون الغلو في التعظيم والإطراء الذي يدفع به الغلاة الأنبياء إلى مقام الربوبية والإلهية، والتفريط في ذلك كالإفراط.
فتمثيل أحوال الأنبياء وشئونهم البشرية بصفة تعد زراية عليهم، وازدراء بهم، أو مفضية إلى ضعف الإيمان والإخلال بالتعظيم المشروع - مفسدة من المفاسد التي يحظرها الشرع، فكيف إذا أضيف إليها كون التمثيل في
(3/308)

حد ذاته يعد في العرف العام تنقيصا أو إخلالا ما بما يجب من التكريم - وكون الممثلين من عوام الناس، وقد علمت ما في هذا وذاك.
الوجه الرابع: أن من خصائص القصص التمثيلية: الكذب، وأن الكذب على الأنبياء ليس كالكذب على غيرهم، فإذا جاز أن يسند إلى أسماء لا مسميات لها كلام تقصد به العظة والفائدة، كما يحكون مثل ذلك عن ألسنة الطير والوحش، وهو ما احتج به الحريري في فاتحة مقاماته على جواز وضعه لها، وإذا صح أن يقاس على ذلك إسناد مثل ذلك الكلام إلى أناس معروفين من الملوك وغيرهم فيما لا ضرر فيه، ولا إفساد في التاريخ ولا غيره من الحقائق - إذا جاز ما ذكر وصح القياس فلا يظهر جواز مثله في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، على أن في المسألة نصا خاصا لا محل للقياس مع مورده، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (1) » رواه الشيخان في الصحيحين وغيرهما من حديث سعيد بن زيد، وروي عجزه - وهو: "من كذب علي" إلخ متواترا، وروى أحمد من حديث عمر مرفوعا: «من كذب علي فهو في النار (2) » وهو مطلق لم يقيد بالتعمد، وإسناده صحيح، وقياس الكذب على غيره من إخوانه الرسل عليه الصلاة والسلام - جلي، فهو أقرب من قياس الكذب على الرسل على الكذب على العجماوات الذي احتج به الحريري، وأشار إلى اتفاق العلماء على جوازه، والكذب عليهم يشمل ما يحكى عنهم من أقوال لم يقولوها، وما يسند إليهم من أعمال لم يعملوها.
فإن قيل: إنه يمكن وضع قصة لبعض الرسل يلتزم فيها الصدق في كل
__________
(1) صحيح البخاري الجنائز (1291) ، صحيح مسلم مقدمة (4) ، مسند أحمد بن حنبل (4/252) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (1/47) .
(3/309)

ما يحكى عنه أو يسند إليه.
قلنا: إن النقل الذي يعتد به عند المسلمين هو نقل الكتاب والسنة، ولا يوجد قصة من قصص الأنبياء في القرآن يمكن فيها ذلك إلا قصة يوسف، وكذا قصة موسى، وقصة سليمان مع ملكة سبأ، إذا جعل التطويل فيهن في غير الحكاية عنهم، والأولى هي التي يرغب فيها الممثلون، ويرجى أن يقبل على حضور تمثيلها الكثيرون، وفيها من النظر الخاص ما بيناه في الوجه الثالث، وأما السنة فليس في أخبارها المرفوعة ولا الموقوفة ما يبلغ أن يكون قصة تصلح للتمثيل إلا وقائع السيرة المحمدية الشريفة، والعلماء بها لا يكاد أحد منهم يقدم على جمع طائفة منها وجعلها قصة تمثيلية، وإذا فتح هذا الباب ووجد منهم من يدخله على سبيل الندرة، لا يلبث أن يسبقه إليه كثير من الجاهلين بالسنة، المتقنين لوضع هذه القصص بالأسلوب الذي يرغب فيه الجمهور، فيضعون من قصص الأنبياء المشتملة على الكذب ما يكون أروج عند طلاب الكسب بالتمثيل، فيكون وضع الصحيح ذريعة إلى هذه المفسدة.
فعلم من هذه الوجوه: أن جواز تمثيل قصة رسول من رسل الله عليهم السلام - يتوقف على اجتناب جميع ما ذكر من المفاسد وذرائعها؛ بحيث يرى من يعتد بمعرفتهم وعرفهم من المسلمين أنه لا يعد إزراء بهم، ولا منافيا لما يجب من تعظيم قدرهم، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى من اهتدى بهم.
(3/310)

قرار لجنة الفتوى بالأزهر
كما صدرت فتوى مستفيضة من اللجنة المختصة بالفتوى في (مجلة الأزهر) في عددها الصادر في رجب عام 1374هـ في حكم تمثيل الأنبياء قد يكون في مبررات القول بمنع تمثيلهم ما يصلح مبررا للقول بمنع تمثيل الصحابة، وهذا نص المقصود منه:
التمثيل في المسرح:
تشخيص الأفراد الذين تتألف منهم القصة أو الرواية التي يراد عرضها على النظارة - تشخيصا يحكيها طبق أصلها الواقع أو المتخيل، أو هو بعبارة موجزة: ترجمة حية للقصة وأصحابها.
وقد تلتقط صورة للممثلين في المسرح على شريط خاص يسمونه (الفلم) ليعرض على النظارة في شاشة السينماء.
هل يمكن تمثيل الأنبياء؟
لندع القصص المكذوبة على أنبياء الله جانبا، ولنفترض أن التمثيل لا يتناول إلا القصص الحق الذي قدمنا شذرات منه عاجلة، ثم نتساءل:
1 - كيف يمثل آدم أبو البشر وزوجه وهما يأكلان من الشجرة؟ وما هي هذه الشجرة؟ أهي شجرة الحنطة؟ أم هي شجرة التين؟ أم هي النخلة؟ . . .
وعلى أي حال نمثلهما وقد طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة؟ وهل نمثل الله تعالى وقد ناداهما: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (1) ؟ ! أو نترك تمثيله تعالى وهو
__________
(1) سورة الأعراف الآية 22
(3/311)

ركن في الرواية ركين؟ ! سبحانك سبحانك، نعوذ بك من سخطك ونقمتك ومن هذا الكفر المبين؟ ؟ ! !
2 - وكيف يمثل موسى وهو يناجي ربه؟ وكيف يمثل وقد وكز المصري فقتله؟ بل كيف يمثل وقد أحاط به فرعون والسحرة، ورماه فرعون بأنه مهين، ولا يكاد يبين؟ وكيف تمثل العقدة التي طلب من الله أن يحلها من لسانه؟ وما مبلغ كفر النظارة والممثلين إذا أفلتت - ولا بد أن تفلت - منهم فلتة مضحكة أو هازئة حينما يتمثلون الرسولين وقد أخذ أحدهما برأس الآخر وجره إليه؟ وما مبلغ التبديل والتغيير لخلق الله الفطري ليطابق هذا الخلق الصناعي وقد عملت فيه أدوات الأصباغ والعلاج عملها؟
3 - وكيف يمثل يوسف الصديق وقد همت به امرأة العزيز وهم بها لولا أن رأى برهان ربه؟ وما تفسير الهم في لغة الفن؟
4 - وكيف يمثل أنبياء الله وأقوامهم يرمونهم بالسحر تارة، وبالكهانة والجنون تارة أخرى؟ بل كيف يمثلون حينما كانوا يرعون الغنم " وما من نبي إلا رعاها "؟ بل كيف يمثلون وقد آذاهم المشركون ولم يستح بعضهم أن يرمي القذر والنجس على خاتم النبيين وهو في الصلاة والكفار يتضاحكون؟ سيقول السفهاء من النظارة - وما أكثرهم - مقالة المستهزئين الكافرين من قبل: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} (1) ؟ وسيغضب فريق لأنبياء الله ورسله فيقاتلون السفهاء، وينتقمون منهم، وتقوم المعارك الدينية لا محالة {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (2) .
__________
(1) سورة الفرقان الآية 41
(2) سورة الشعراء الآية 227
(3/312)

تمثيل الأنبياء تنقيص لهم
لسنا بحاجة بعد هذا إلى بيان أن من قصص الأنبياء ما لا يستطاع تشخيصه، وأن ما يستطاع تشخيصه من قصصهم فهو تنقيص لهم، وزراية بهم، وحط من مقامهم، وانتهاك لحرماتهم وحرمات الله الذي اختارهم لرسالته واصطفاهم لدعوته. . . لا ريب في ذلك كله ولا جدال. .
وهذا كله في القصص الحق الذي قصه الله علينا ورسوله، وأما القصص الباطل - وما أكثره - فهو زور على زور، وكفر على كفر، وهو البلاء والطامة. . وما نظن أن أحدا يستطيع أن يجادل في هذه الحقائق الناصعة. . . وأكبر علمنا أن أول من يخضع لها ويؤمن بها هم أهل الفن أنفسهم، فإنهم أرهف حسا، وأشد إدراكا لمقتضيات التمثيل وملابساته.
على أنا لو افترضنا محالا، أو سلمنا جدلا بأن تمثيل الأنبياء لا نقيصة فيه ولا مهانة، فلن نستطيع بحال أن نتجاهل أنه ذريعة إلى اقتحام حمى الأنبياء وابتذالهم، وتعريضهم للسخرية والمهانة، فالنتيجة التي لا مناص منها ولا مفر: أن تشخيص الأنبياء تنقيص لهم، أو ذريعة إلى هذا التنقيص لا محالة.
سد الذرائع
وسد الذرائع ركن من أركان الدين والسياسة، فقد أجمع العلماء أخذا من كتاب الله وبيان رسوله، على أن من أعمال الناس وأقوالهم ما حرمه الله تعالى؛ لأنه يشتمل على المفسدة من غير وساطة؛ كالغصب والقذف والقتل بغير حق، وأن من الأعمال والأقوال ما حرمه الله سبحانه؛ لأنه
(3/313)

ذريعة إلى المفسدة، ووسيلة إليها، وإن لم يكن هو في نفسه مشتملا على المفسدة، ومن ذلك مناولة السكين لمن يسفك بها دما معصوما، فالمناولة في نفسها عارية عن المفسدة، ولكنها وسيلة إليها، ومن ذلك سب معبودات المشركين وهم يسمعون، فهو في نفسه جائز، ولكنه منع لجره إلى مفسدة، وهي إطلاق ألسنة المشركين بسب الله تعالى؛ ولهذا نهانا الله سبحانه عن هذا السب فقال: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1)
ومن هذا القبيل تفضيل بعض الأنبياء على بعض، هو نفسه جائز، فقد فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، ولكنه يمنع حينما يجر إلى الفتنة والعصبية، وقد تخاصم مسلم ويهودي في العهد النبوي، ولطم المسلم وجه اليهودي؛ لأنه أقسم بالذي اصطفى موسى على العالمين، وأقسم المسلم بالذي اصطفى محمدا على العالمين، فلما بلغت الخصومة خاتم النبيين صلى الله وسلم عليهم أجمعين - غضب حتى عرف الغضب في وجهه، وقال: «لا تخيروني على موسى (2) » ، ثم أثنى عليه بما هو أهله، ونهاهم أن يفضلوا بين أنبياء الله تعالى؛ سدا لذريعة الفتن، وحرصا على وقارهم صلوات الله وسلامه عليهم، وإذا كانت الدول تشدد في سد الذرائع وترى ذلك ركنا من أركان السياسة والأمن والنظام والمعاملات الدنيوية، فإنه في العقائد أخلق، وفي مقام النبوة أوجب وأحق.
__________
(1) سورة الأنعام الآية 108
(2) صحيح البخاري الرقاق (6517) ، صحيح مسلم الفضائل (2373) ، سنن أبو داود السنة (4671) ، مسند أحمد بن حنبل (2/264) .
(3/314)

مفاسد تمثيل الأنبياء
ومفاسد تمثيل الأنبياء كثيرة نكتفي منها بهذه الأمثلة:
1 - تشكيك المؤمنين في عقائدهم، وتبديد ما وقر في نفوسهم من تمجيد هذه المثل العليا، إذ أنهم قبل رؤية هذه المشاهد يؤمنون حقا بعظمة الأنبياء ورسالتهم، ويتمثلونهم حقا في أكمل مراتب الإنسانية وأرفع ذراها - إذا هم بعد العرض قد هانت في نفوسهم تلك الشخصيات الكريمة، وهبطت من أعلى درجاتها إلى منازل العامة والأخلاط، وقد تقمصهم الممثلون في صور وأشكال مصطنعة مما يتقلص معه ظل الدين والأخلاق.
2 - إثارة الجدل والمناقشة والنقد والتعليق حول هذه الشخصيات الكريمة وممثليها من أهل الفن والمسرح تارة، ومن النظارة تارة أخرى، وها نحن أولا نرى صفحات للفن والمسرح ومجادلات في التعليق والنقد، وأنبياء الله ورسله مثل كلام الله عز وجل، فوق النقد والتعليق.
3 - التهاب المشاعر، وتحزب الطوائف، ونشوب الخصام والقتال بين أهل الأديان كما وقع بين المسلم واليهودي في العصر النبوي، وما أحوجنا إلى الأمن والاستقرار وإطفاء الفتن وتسكينها لا إثارتها وإشعالها.
4 - الكذب على الله ورسله؛ لأن التمثيل أو التخييل ليسا إلا ترجمة للأحوال والأقوال والحركات والسكنات، ومهما يكن فيهما من دقة وإتقان فلا مناص من زيادة أو نقصان، وذلك يجر طوعا أو كرها إلى الكذب والضلال، والكذب على الأنبياء كذب على الله تعالى، وهو
(3/315)

كفر وبهتان مبين، والعياذ بالله.
هذه أمثلة من مفاسد تمثيل الأنبياء. . فماذا تفيد الإنسانية من هذا التمثيل إلا الضلال والنكال، وإذا كان الله جلت قدرته قد أعجز الشياطين عن أن يتشبهوا بالأنبياء توقيرا وإعظاما لهم عليهم الصلاة والسلام، كما يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي (1) » ، وسبق أن قلنا: إن الأنبياء إخوة يمس كل واحد منهم ما يمس أخاه، نقول: إذا كان الله سبحانه قد حال بين الشياطين وبين التمثيل بالأنبياء مع أنه أعطاهم القدرة على التشكل كما يهوون، فكيف يستبيح الإنسان لنفسه أن يكون أخبث من الشيطان بتمثيل الأنبياء؟ ! ثم ماذا يكون الشأن إذا اجترأ إنسان على التمثل بالنبي محمد أو غيره واهتاج الناس وأثار شعورهم استياء من الجرأة على قداسة النبوة وخاصة في نفوس النظارة المتدينين؟ !
إن حقا محتوما علينا أن نجل الأنبياء، وأن نجل آل الأنبياء وأصحاب الأنبياء عن التمثيل والتشخيص، واحتراما وإجلالا للأنبياء أنفسهم؛ لأن حرمتهم مستمدة من حرمة الأنبياء، كما أن حرمة الأنبياء مستمدة من حرمة الله عز وجل، وهذا بعض حقهم على الإنسانية جزاء ما صنعوا لها من جميل، وأدوا إليها من إحسان.
وجملة القول: أن أنبياء الله تعالى ورسله معصومون بعصمة الله لهم من النقائص الخلقية والخلقية، وأن تمثيلهم تنقيص لهم، أو ذريعة إلى التنقيص لا محالة، وكلاهما مفسدة أو مؤد إلى المفسدة التي من شعبها إثارة العصبيات والفتن التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى.
__________
(1) سنن الترمذي الرؤيا (2276) ، سنن ابن ماجه تعبير الرؤيا (3900) ، مسند أحمد بن حنبل (1/400) ، سنن الدارمي الرؤيا (2139) .
(3/316)

وإن في الأدب والتاريخ وتصوير الفضائل ومكارم الأخلاق لميدانا فسيحا للفن والتمثيل، فليتجه إليها الفن ما شاء له الاتجاه، وليبتكر ما شاء له الابتكار، وليدع أنبياء الله ورسله محفوفين - كما حفهم الله تعالى - بالجلال والوقار، وليعمل على أن يكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر، فطوبى لمن كان كذلك، والويل ثم الويل لمن يثير غضب الله وسخطه وانتقامه وغيرته لأنبيائه.
في قصص الأنبياء كفاية
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1) وأن العبرة لا تزال ماثلة في مواطنها، واضحة في معالمها، ينتفع بها في القرآن الكريم، وصادق الأخبار، ولو شئنا لأطلنا، ولكن في هذا بلاغا.
النتيجة
من أجل ما قدمنا تقرر في إثبات واطمئنان أنه لا ينبغي ولا يحل بحال أن يشخص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في المسرح، ولا على شاشة السينما.
والله نسأل أن يجمع قلوبنا على محبته، وتوقير أنبيائه ورسله، وأن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. والسلام عليكم ورحمة الله
__________
(1) سورة يوسف الآية 111
(3/317)

وبركاته.
10 من جمادى الآخرة سنة 1374 هـ الموافق 3 من فبراير سنة 1955م.
عبد اللطيف السبكي
مدير التفتيش وعضو جماعة كبار العلماء
طه محمد الساكت ... حافظ محمد الليثي
من مفتشي العلوم الدينية والعربية ... عبد الكريم جاويش
(3/318)

كما صدرت فتوى من لجنة الفتوى بالأزهر نشر في (مجلة الأزهر) في عددها الصادر بتاريخ محرم سنة 1379هـ عن حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية، هذا نصه:
حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية، ومن لم يثبت إسلامهم ولهم عون أكيد للنبي الكريم في دعوته.
السؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية فيمن يمثل الشخصيات الآتية على شاشة التليفزيون؟ :
1 - الصحابة، وهل منهم من يجوز ظهور من يمثله، علما بأن بلالا قد ظهر من يمثله في فيلم (ظهور الإسلام) وخالد بن الوليد في فيلم (خالد بن الوليد) .
2 - بنات النبي صلى الله عليه وسلم.
3 - أبا طالب ممن لم يثبت إسلامهم، وكان لهم عون أكيد للنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وكذلك التابعين وتابع التابعين.
4 - مسلمين ومسلمات لم تثبت صحبتهم للرسول وعلى الأخص طالب بن أبي طالب؟
الجواب: إن التمثيل في ذاته وسيلة ثقافية سواء كان على المسارح أو الشاشة أو التليفزيون، فإن كثيرا من وقائع التاريخ، وأحداث السياسة، ومواقف الأبطال في ساحات الجهاد، والدفاع عن الأوطان ينبغي أن يتجدد ذكرها وينادى بها؛ لتكون فيها القدوة الحسنة للأجيال الحديثة، وخير وسيلة لإحياء تلك الذكريات: أن يكون القصص عنها بتمثيلها
(3/319)

تمثيلا واقعيا، غير أن التمثيل قد يتجاوز الأهداف الجدية، ويتخذ وسيلة للترفيه الممنوع، وبث الدعاية نحو أغراض غير كريمة، وخاصة فيما يتعلق بالتاريخ حول شخصيات من السابقين، والتاريخ يكون مشوبا بما يحتاج إلى تمحيص من العصبيات.
وبما أن السابقين من الصحابة رضي الله عنهم لهم مقام كريم، وشأن خاص بين جماعة المسلمين، وبما أن تمثيلهم على المسارح أو الشاشة قد ينحرف بهم إلى ما يمس بشخصياتهم أو عن تاريخهم الحق؛ لما يتعرضون له أحيانا من أكاذيب القصاصين، أو أهواء المتعصبين لبعض ضد البعض الآخر من جراء الفتن والخلافات التي قامت حولهم في أزمانهم، وانقسام الناس في تبعيتهم إلى طوائف وأشياع، بسبب الدسائس بينهم - فإن اللجنة إزاء هذه الاعتبارات تفتي بما يأتي:
أولا: عدم جواز من يمثل كبار الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين ومعاوية وأبنائهم رضي الله عنهم جميعا؛ لقداستهم، ولما لهم من المواقف التي نشأت حولها الخلافات وانقسام الناس إلى طوائف مؤيدين ومعارضين. . أما من لم ينقسم الناس في شأنهم؛ كبلال وأنس وأمثالهما - فيجوز ظهور من يمثل شخصياتهم بشرط أن يكون الممثل غير متلبس بما يمس شخصية من يمثله.
ثانيا: عدم جواز ظهور من يمثل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته؛ لأن حرمتهم من حرمته عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى في شأن نسائه:
(3/320)

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} (1) وبناته بذلك أولى.
ثالثا: من لم تثبت صحبته من الرجال المسلمين، وكذلك التابعين وأتباعهم - لا مانع من ظهور من يمثل شخصياتهم متى روعي في التمثيل ما من شأنه ألا يخل بكرامة المسلم.
وأما النساء المسلمات فيجب الاحتياط في تمثيلهن أكثر مما يحتاط في تمثيل الرجال المسلمين الذين لم نثبت صحبتهم، وعلى المرأة التي تقوم بالتمثيل ألا يوجد مع تمثيلها اختلاط بأجنبي عنها من الرجال، ولا يصحبه كشف ما يحرم كشفه من جسمها، ولا يكون معه تكسر في صوتها، ولا حركات مثيرة للغرائز، ولو مع ستر الجسم، إذا كان الأمر كذلك فلا حرمة في التمثيل، خصوصا إذا كان التمثيل لغرض علمي يعود على الأفراد والأمة بالفائدة.
وأما إن صحبه اختلاط بالرجال الأجانب، أو كشف ما لا يحل كشفه من جسمها، أو وجد معه تكسر في صوتها أو حركات مثيرة للغرائز بجسمها ولو مع ستره، أو كان لباسها يحدد مفاتن جسمها - فإن التمثيل حينئذ يكون محرما على من تقوم بهذا التمثيل.
رابعا: من لم يثبت إسلامه كأبي طالب وغيره ممن له عون أكيد في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ونصرته - لا مانع من ظهور من يمثله إذا روعيت صلة عودته للنبي عليه الصلاة والسلام، بحيث لا يكون في تمثيله ما يخدش مقامه؛ تقديرا لما كان منه نحو الرسول عليه السلام من مناصرة وعون أكيد. اهـ.
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 32
(3/321)

قصص الأنبياء في السينما
صدر بحث للأستاذ محمد علي ناصف نشر في (مجلة الأزهر) في عددها الصادر بتاريخ المحرم عام 1382هـ بعنوان (قصص الأنبياء في السينما) هذا نصه:
اعترضت مشيخة الأزهر على فكرة إنتاج فيلم سينمائي يتناول حياة يوسف عليه السلام، وحاول الأستاذ محمد التابعي في مقالين بجريدة الأخبار أن يثبت:
أولا: أن رأي رجال الدين في هذا الموضوع لم يتطور، ولم يختلف عن آراء لهم قديمة.
ثانيا: أنهم ناقضوا أنفسهم فلم يحتجوا على حديث نشرته صحيفة (الأهرام) في عام 1955م جاء فيه: أن سيسل دي ميل، يبحث عن ممثل يسند إليه القيام بتسجيل (صوت الله) باللغة العربية في الطبعة التي ستوزع على البلاد الإسلامية من فيلم (الوصايا العشر) الذي يخرجه.
ويبدو لي أن الأستاذ التابعي على قدر اتصاله بالمشتغلين بصناعة السينما ليس لديه الوقت لمشاهدة إنتاجهم؟ وإلا كان حكمه - وهو الناقد الأريب - أن صناعة السينما عندنا لم تتطور هي الأخرى حتى تتطور الآراء بالنسبة إليها، وحتى يطمئن ويثق رجال الدين والدنيا في مهارة القائمين بها وفي ائتمانهم على إخراج موضوع جدي عن حياة أحد الأنبياء، لقد عاصر الأستاذ التابعي صناعة السينما في مصر
(3/322)

خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ولعله لا يعترض كثيرا حين أذكر أن تسعين في المائة من الإنتاج الحالي يهبط في مستواه الفني عن أول فيلم أخرجه (ستديو مصر) مثلا، وإذا كانت هذه حال السينما عندنا فيجب أن نتردد ونتريث طويلا عن طلب إقحام قصص الأنبياء والرسل في سوق يضرب فيه الفوضى والجهل والارتجال بأوفر سهم.
إن الأفلام الدينية لا يجب الترخيص بموضوعاتها بمثل البساطة التي ترخص بها لموضوعات الأفلام الأخرى لأسباب كثيرة:
أولها: مكانة مصر في العالم الإسلامي، واعتبار ما يصدر عنها مثلا يحتذى، ولقد سمعت من أحد الدبلوماسيين: أن بعض الأفلام المصرية التي عرضت في أندونيسيا كان لتفاهتها أسوأ الأثر في نفوس الذين شاهدوها؛ لدرجة اضطرت معها سفارتنا هناك إلى التدخل والنصح باتباع سياسة معينة في هذا الشأن، فما بالك إذا كانت هذه الأفلام تعالج موضوعات لها قداستها وجلالها.
أفلام دينية يروج لها أعداء الإسلام
إن بعض الأفلام الدينية التي رخصنا بصنعها ولا تزال تعرض حتى الآن - لا يرغب أعداء المسلمين في أكثر من الحصول على حق توزيعها، وليت أشك في إخلاص معظم منتجي هذه الأفلام، ولكن الإخلاص وحسن النية لا يعالج بهما القصور الفني، ولقد حشدنا كل الإخلاص والنيات الحسنة في فيلم (خالد بن الوليد) مثلا: ولكني أعتقد أننا نلنا من شخصية
(3/323)

خالد في هذا الفيلم ما عجز عن نيله الروم والفرس، وقد يقال: إن قصة الفيلم مكتوبة في أسلوب وهيكل رائعين، ولكن الكتابة الممتازة لا تكفي وحدها، فمسرحيات (شكسبير) هي هي بنصها على مسرح (الأولدفيك) ، وعلى مسرح (الانشراح) في بغداد، ولكن الفارق بين الأدائين هو نفس الفارق بين ترجمة حياة ينتجها للسينما كل من ستوديو (متروجو لدوين) وستوديو (شبرا) ، والتمثيل الممتاز لا يكفي كذلك وحده ولا يكفي الإخراج، أو التصوير. . إلخ. . فإن العمل السينمائي يتألف من عشرات الحلقات المتصلة التي يجب أن تكون جميعها قوية متماسكة، وفي مستوى متقارب. . ونحن للأسف لم نصل بعد إلى الدرجة التي ننتج فيها فيلما خطيرا تصل نسبة الكمال فيه إلى درجة عالية؛ ولذلك يجب أن تقتصر تجاربنا على الموضوعات العادية، ولا نقحم الدين في هذه التجارب.
إن أفلام (الوصايا العشر) و (الرداء) و (كوفاديس) التي ضرب الأستاذ التابعي المثل بها قد تكلف الواحد منها بين ستة ملايين و13 مليونا من الدولارات، وعبئت من أجلها أقوى الطاقات الفنية، ولا يزال أناس يتصدون بالقول، إنما نصنع أفلاما ممتازة على مستوى الأفلام العالمية.
والدليل على ذلك: أن أصحاب هذه الأفلام لا يجدون متفرجين لها حتى في بلادنا، ويطالبون الحكومة بأن توفر لهم جمهورا بقوة القانون، والدليل الآخر: أن فيلما واحدا من هذه الأفلام لم ينل جائزة من الدرجة الثالثة في أي مهرجان دولي أو شبه دولي.
ويقول فريق أكثر اعتدالا: إن علينا أن نستعين بالخبراء الأجانب في إخراج أفلام عن ظهور الإسلام وفتوحاته وحضارته وأبطاله.
(3/324)

وهذا رأي غير مدروس، فقد ثبت بالتجربة أن العمل الفني عن دين ما يجب أن يضطلع به رجل يعتنق هذا الدين ويؤمن به في قرارته، ولقد كنت في الولايات المتحدة عند عرض فيلم (الوصايا العشر) والذي لا يعرفه أكثر الناس أن النقاد اليهود قابلوا الفيلم بجفوة، ووصفوه بأنه جنسيا أكثر منه دينيا، ونقموا على مخرج الفيلم اختياره لتمثيل دور فرعون نجما محبوبا (يول برينز) أكثر من الذي قام بدور موسى (شارلتون هستون) ، ولو أن (سيسل ديميل) كان يهوديا لتلافى هذا النقد، أو لما كان عمله موضع شبهة. وشبيه بذلك ما قرأته أخيرا عن رفض مدينة (سلبي) بمقاطعة (يوركشير) الإنجليزية تمثالا ضخما للسيد المسيح من صنع المثال اليهودي (أبشتاين) بحجة أن ملامح التمثال تدل على القسوة والفظاظة، إنني أول من يمني النفس بكتابة قصة عمر رضي الله عنه للسينما، ولكن في الوقت ذاته أعتقد أن قصورنا الفني لن يحقق في الوقت الحالي مثل هذه الأمنية، حينما نستطيع أن نخرج أفلاما عن أمجادنا الدينية في نفس المستوى الذي يخرج فيه الغرب أمثال هذه الأفلام عن أمجاده، فإن التردد والاعتراض يكونان وقتئذ خطأ كبيرا.
من أجل ذلك أعتقد أن مشيخة الأزهر كانت موفقة في رأيها الخاص في قصة (يوسف الصديق) ، كما كانت كذلك غير متناقضة مع نفسها حينما لم تبادر فتعترض على حديث نشر في (الأهرام) عام 1955م جاء فيه: أن (سيسل ديميل) يبحث عن ممثل يسند إليه القيام بتسجيل (صوت الله) باللغة العربية في الطبعة التي ستوزع من فيلم (الوصايا العشر) في البلاد الإسلامية؛ لأنه ونحن الآن في عام 1959م لم يعرض الفيلم المذكور بعد
(3/325)

في أي بلد إسلامي، وأعتقد أنه لن يعرض أبدا في جمهوريتنا لأسباب أخرى غير الدين، وأغلب الظن أن (حديث الأهرام) المشار إليه لم يكن صحيحا؟ لأنني- للمصادفة- لازمت (مستر ديميل) خلال السنوات الثلاث التي أنتج فيها هذا الفيلم ووقفت على خطته ورأيه في هذا الشأن. . اهـ
وقصارى القول: أن من جرم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ نظرا إلى ما لهم من مكانة عالية عند الله بوأهم إياها في محكم كتابه، وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته، مع ما هو الشأن في التمثيل من اللهو والمجون، وما عليه أكثر الممثلين من الاستهتار والولع بالخيال الكاذب، وعدم تحري الحقائق التاريخية، وما عرف عنهم من مجاراة رواد المسارح وعشاق التمثيل؛ تحقيقا لرغباتهم، وإرضاء لأهوائهم، وإشباعا لميولهم وغرائزهم المنحرفة، أملا في زيادة الكسب بكثرة الوافدين إليهم- ففي تمثيلهم الصحابة مدعاة إلى انتقاصهم، والحط من قدرهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم، وفي هذا منافاة للكرامة التي أكرمهم الله بها، ومناقضة للثناء الذي أثنى به عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا مانعا من الدخول لهم هذا المدخل الكريه.
ومن أجاز من العلماء تمثيل الصحابة فإنما بنى فتواه على ما جاء في السؤال من أن القصد إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ. ومن عرف حال الممثلين وما لهم من أغراض، وحال الوافدين إلى المسارح، وما يهدفون إليه- عرف أن هذا النوع من
(3/326)

التصوير للتمثيل مجرد فرض وتقدير يأباه واقع الممثلين وروادهم، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.
هذا ما تيسر جمعه وإعداده، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.
اللجة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(3/327)

قرار هيئة كبار العلماء رقم (13) وتاريخ 16\ 4 \ 1393 هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1\ 4 \ 1393هـ، و 10\4\1393 هـ قد اطلعت على خطاب المقام السامي رقم (44\ 93\ 1) وتاريخ 1\ 1\ 1393 هـ، الموجه إلى رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والذي جاء فيه ما نصه: نبعث إليكم مع هذا الرسالة الواردة إلينا من طلال ابن الشيخ محمود البسني المكي مدير عام شركة لونا فيلم من بيروت بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونرغب إليكم بعد الاطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة:
وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي فيه- قررت الهيئة بالإجماع ما يلي:
1 - أن الله سبحانه وتعالى أثنى على الصحابة، وبين منزلتهم العالية، ومكانتهم الرفيعة. وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله تعالى عليهم
(3/328)

به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها.
2 - أن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعا للسخرية والاستهزاء به، ويتولاه أناس غالبا ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة، والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي، وأنه مهما حصل من التحفظ فيشتمل على الكذب والغيبة، كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعا مزريا، فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم، والجدل والمناقشة في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله، ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الإسلام، ولا شك أن هذا منكر، وكما يتخذ هدفا لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم، وكتاب ربهم، وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
3 - ما يقال من وجود مصلحة، وهي: إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه؛ رغبة في العبرة والاتعاظ- فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين، ورواد التمثيل، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.
4 - من القواعد المقررة في الشريعة: أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته
(3/329)

راجحة؛ فرعاية للمصلحة، وسدا للذريعة، وحفاظا على كرامة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يجب منع ذلك.
وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمدا صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتا في هذا الفيلم- لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير (بلال) وأمثاله من الصحابة إنما كان لضعف مكانتهم، ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم، فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلا يخصه وهم مشتركون جميعا في فضل الصحبة وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند الله جل وعلا، وهذا القدر المشترك بينهم وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
. ... . ... محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(3/330)

قرار رقم (107) وتاريخ 3 \ 11\ 1403هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة العشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من 25\ 10\ 1402هـ حتى 6\ 11\ 1402هـ اطلع المجلس على الأمر السامي رقم (1244) وتاريخ 26\ 7\ 1402 هـ المتضمن الرغبة الكريمة في قيام مجلس هيئة كبار العلماء بالنظر في موضوع تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتمثيل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وحكم تمثيل الأنبياء وأتباعهم من جانب، والكفار من جانب آخر.
بعد صدور الفتوى رقم (4723) وتاريخ 11\ 7\ 1402هـ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بتحريم ذلك؛ لأن الموضوع من الأمور المهمة والحساسة، ولا يقتصر أثره على هذه الدولة، بل يتعداها إلى سواها من الدول الإسلامية الأخرى، ولأنه سبق أن أجيز مثل هذا العمل من عدد من مشايخ الدول الإسلامية، وبما أنه سوف يترتب على البت فيه كثير من الأمور التي لها مساس بوسائل الإعلام المختلفة، وما يترتب على ذلك إنتاج وبث كثير من البرامج أو منعها نهائيا، ولأن بعض الدول الإسلامية قد تأخذ المملكة قدوة في ذلك إذا درس من قبل مجلس هيئة كبار العلماء.
ولما استمع المجلس إلى فتوى اللجنة الدائمة رأى أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل فأجل البت فيه إلى دورة أخرى.
وفي الدورة الثانية والعشرين المنعقدة بمدينة الطائف من العشرين من
(3/331)

شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام 1403 هـ أعاد المجلس النظر في الموضوع ورجع إلى قراره السابق رقم (13) وتاريخ 16\ 4\1393هـ، وإلى الكتاب المرفوع من المجلس بتوقيع رئيس الدورة الخامسة إلى جلالة الملك فيصل رحمه الله برقم (1875 / 1) وتاريخ 27\ 8\ 1394 هـ المتضمن تأييد مجلس هيئة كبار العلماء لما قرره مؤتمر المنظمات الإسلامية من تحريم إظهار فيلم محمد رسول لله، وإخراجه، ونشره، سواء فيما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو بأصحابه الكرام رضي الله عنهم؛ لما في ذلك من تعريض مقام النبوة، وجلال الرسالة، وحرمة الإسلام، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم للازدراء والاستهانة والسخرية، وبعد المناقشة وتداول الرأي قرر المجلس تأييد رأيه السابق الذي تضمنه القرار والكتاب المشار إليهما آنفا.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة
. ... . ... عبد العزيز بن صالح
عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن ... راشد بن خنين
عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان
. ... . ... عبد الله بن قعود
(3/332)

(7)
إقامة أكشاك في منى
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/333)

بسم الله الرحمن الرحيم
إقامة أكشاك في منى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على المعاملة الواردة من وزارة الداخلية برقم (17\ 23301) وتاريخ 29\ 6\ 1393 هـ بخصوص طلب بعض المطوفين إقامة أكشاك في منى من دورين لاستيعاب قدر أكبر من الحجاج، وتوجيه جلالة الملك حفظه الله في خطابه رقم (13212) وتاريخ 4\6\ 1393 هـ بأن يؤخذ رأي المشايخ في هذا الخصوص.
وبناء على ما تقرر من عرض الموضوع على هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة، وبناء على المادة (7) من لائحة سير العمل لدى الهيئة. أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيما يتعلق بذلك.
ونظرا لعدم ورود نص صريح في الكتاب والسنة يتبين منه حكم ذلك- رأت اللجنة أن تشير إلى ما كان عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرت عليه الأمة بعده من ضرب خيام بمنى في موسم الحج، وأن تذكر ما ورد في السنة من النهي عن البناء في منى، وأن منى مناخ من سبق، وتذكر طرفا من كلام الفقهاء؟ عسى أن يكون في المقارنة بين إقامة الأكشاك،
(3/335)

وبين ما ذكر تقريب للحكم في هذه المسألة، وفيما يلي بيان ذلك:
من المعلوم أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة نص صريح يدل على حكم إقامة أكشاك من خشب ونحوه بمنى في موسم الحج؛ رغبة في التوسعة على الحجاج، وحلا لمشكلة الزحام التي تزداد باطراد في منى كل عام أيام رمي الجمرات، لكن ثبت أن الخيام كانت تضرب بمنى أيام النزول؛ لأداء النسك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، واستمر العمل على ذلك إلى يومنا، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البناء في منى، وأنه قال: «منى مناخ من سبق (1) » ، وكره أهل العلم قديما وحديثا البناء بها، ونصوا على المنع من ذلك.
وعلى هذا فيمكن لقائل أن يقول: إن إقامة أكشاك بمنى إن كان على وجه يصعب معه حلها بعد تركيبها، أو لا يتأتى معه حلها بعد تركيبها إلا بعناء- فإقامتها أشبه بالبناء منها بالخيام، وهي إليه أقرب؛ لغلبة القصد إلى الدوام في مثل ذلك، فتعطى حكم البناء، وإن كانت إقامتها على حال يسهل معها الحل بعد التركيب- فهي إلى ضرب الخيام أقرب، وبه أشبه، فتعطى حكم الخيام، فإن كلا منهما يغلب فيه عدم القصد إلى الدوام والاستقرار، ويبعد أن ينتهي إلى دعوى التملك والاختصاص، إنما أقيم مؤقتا؛ لينزل به الحجاج أياما معدودة.
ولقائل آخر أن يقول: إن إقامة الأكشاك بمنى ملحق بالبناء على كل حال، أما إلحاقها به في الحال الأولى فلما ذكر من قوة شبهها به في القصد إلى الدوام، والإشعار بالتملك أو الاختصاص، إذ لا فرق فيما أقيم على هذا الوجه بين أن يكون من حجارة أو أخشاب أو نحوهما.
وأما الحالة
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(3/336)

الثانية فإنها وإن كانت شبيهة بضرب الخيام من جهة سهولة فكها بعد تركيبها، وإزالتها بعد إقامتها- غير أنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في سكناها، ودعوى تملكها أو الاختصاص بها، ومن القواعد العامة في الشريعة: سد ذرائع المحظورات، والقصد إلى حماية الناس من المحرمات، والتحذير من الحوم حول حماها خشية الوقوع فيها، كما دل عليه حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه (1) » . . . إلى آخر الحديث. فينبغي منع ذلك.
وجملة القول: أن المسألة نظرية للاجتهاد فيها مجال؛ لترددها بين مباح ومحظور، وأخذها بطرف من الشبه بكل منهما، شأنها في ذلك شأن كثير من مسائل الفقه التي تندرج تحت قياس الشبه، أو يرجع في بيان حكمها إلى القاعدة القائلة: (الأمور بمقاصدها) ، ومنها: سد ذرائع المحظورات.
وفيما يلي ذكر ما ورد من السنة في حكم البناء بمنى، وطرف من كلام الفقهاء في ذلك:
في [مسند الإمام أحمد] : حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا إسرائيل وزيد بن الحباب، قال: أخبرني إسرائيل - المعني- عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة: ألا نبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟
__________
(1) صحيح البخاري الإيمان (52) ، صحيح مسلم المساقاة (1599) ، سنن الترمذي البيوع (1205) ، سنن النسائي البيوع (4453) ، سنن أبو داود البيوع (3329) ، سنن ابن ماجه الفتن (3984) ، مسند أحمد بن حنبل (4/270) ، سنن الدارمي البيوع (2531) .
(3/337)

فقال: «لا، إنما هو مناخ لمن سبق إليه (1) » .
قال الشيخ أحمد البنا: جاء في رواية ابن ماجه: (بيتا) ، وفي رواية الترمذي: (بناء) ، وفي رواية أبي داود: (بيتا أو بناء) ، كما هنا. أي: لا تبنوا لي بناء بمنى، لأنه ليس مختصا بأحد دون آخر من الناس، إنما هو موضع العبادة من الرمي والذبح والحلق ونحوها يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به صلى الله عليه وسلم، فتضيق على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومواضع الأسواق.
وعند الإمام أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة قهرا، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد. كذا في [المرقاة] . اهـ.
وروى أبو داود بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا، أو بناء يظلك من الشمس؟ «فقال: "لا، إنما هو مناخ من سبق إليه " (2) » .
وقال أبو الطيب شمس الحق في شرحه لهذا الحديث: (ألا نبني) من البناء، أي: نحن معاشر الصحابة، "مناخ" بضم الميم، موضع الإناخة، «"من سبق إليه (3) » ، والمعنى: أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء.
وقال الطيبي: معناه: أتأذن أن نبني لك بيتا في منى؛ لتسكن فيه؟ فمنع وعلل: بأن منى موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق، يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به، فتضيق
__________
(1) [الفتح الرباني] (13\ 220- 223) الطبعة الأولى
(2) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .
(3) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .
(3/338)

على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومقاعد الأسواق.
قال المنذري. وأخرجه الترمذي وابن ماجه عن أمه مسيكة، وذكر غيرهما أنها مكية. اهـ (1) .
وقال ابن القيم: قال ابن القطان: وعندي أنه ضعيف، لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة، وهي مجهولة، لا نعرف روى عنها غير ابنها. والصواب: تحسين الحديث، فإن يوسف بن ماهك من التابعين، وقد سمع أم هانئ، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وقد روى عن أمه، ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث، وأمه تابعية قد سمعت عائشة (2) اهـ.
وقال ابن ماجه: باب النزول بمنى، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا؟ «قال: " لا، منى مناخ من سبق (3) » . حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا يظلك؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (4) » .
وقال الترمذي: باب ما جاء أن منى مناخ من سبق، حدثنا يوسف بن عيسى ومحمد بن أبان قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن
__________
(1) [عون المعبود، شرح سنن أبي داود] (2\161) الطبعة الهندية.
(2) [تهذيب سنن أبي داود] (2\438) مطبعة السنة المحمدية.
(3) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(4) [سنن ابن ماجه] ص (222) .
(3/339)

مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: قلنا يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (1) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال ابن العربي: باب منى مناخ من سبق- مسألة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلنا: يا رسول الله، ألا أنشئ لك بيتا يظلك من منى؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (2) » . قال ابن العربي: قال أبو عيسى. هذا حديث حسن. وهو يقتضي بظاهره أن لا استحقاق لأحد بمنى إلا بحكم الإناخة بها؛ لقضاء النسك في أيامها، ثم يبنى بعد ذلك بها ولكن في غير موضع النسك، ثم خربت فصارت قفراء، وكنت أرى بمدينة السلام يوم الجمعة كل أحد يأتي بحصيره وخمرته فيفرشها في جامع الخليفة، فإذا دخل الناس إلى الصلاة تحاموها حتى يأتي صاحبها فيصلي عليها، فأنكرت ذلك، وقلت لشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي: أيوطن أحد في المسجد وطنا أو يتخذ منه مسكنا؟ قال: لا. ولكن إذا وضع مصلاه كان أحق بذلك الموضع من غيره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «منى مناخ من سبق (3) » . فإذا نزل رجل بمنى برحله ثم خرج لقضاء حوائجه لم يجز لأحد أن ينزع رحله لمغيبه منه.
قال ابن العربي: وهذا أصل في جواز كل مباح للانتفاع به، خاصة الاستحقاق والتملك (4) . اهـ.
وقال عبد الرحمن المباركفوري: قوله: (عن يوسف بن ماهك) بفتح هاء وبكاف ترك صرفه، وعند الأصيلي مصروف- كذا في [المغني] ثقة من
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(2) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(3) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(4) [صحيح الترمذي] (4\111، 112) . ومعه العارضة
(3/340)

الثالثة (عن أمه مسيكة) بالتصغير: المكية لا يعرف حالها من الثالثة، كذا في [التقريب] ، وذكرها الذهبي في [الميزان] في المجهولات. قوله: (ألا نبني لك بناء) ، وفي رواية لابن ماجه: (بيتا) ، (قال: لا) أي لا تبنوا بناء بمنى؛ لأنه ليس مختصا بأحد، إنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يملكها أحد، (منى) مبتدأ «مناخ من سبق (1) » خبر مبتدأ، والمناخ: بضم الميم، موضع إناخة الإبل. قوله: هذا حديث حسن وأخرجه ابن ماجه والحاكم أيضا، ومدار هذا الحديث على مسيكة، وهي مجهولة كما عرفت (2) .
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(2) [تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي] (2\99) الطبعة الهندية. اهـ
(3/341)

وقال الطحاوي: فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء، لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء، ولا يحتجز منه موضعا. وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك، وجميع الناس فيها سواء.
ألا ترى أن عرفة لو أراد رجل أن يبني في المكان الذي يقف فيه الناس فيها بناء لم يكن ذلك له. وكذلك منى لو أراد أن يبني فيها دارا كان من ذلك ممنوعا، وكذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا الحكم بن مروان الضرير الكوفي، قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نتخذ لك بمنى شيئا تستظل به؟ «فقال: "يا عائشة، إنها مناخ
(3/341)

لمن سبق (1) » . أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم أن يجعلوا له فيها شيئا يستظل به؛ لأنها مناخ من سبق، ولأن الناس كلهم فيها سواء. حدثنا حسين بن نصر قال: حدثنا الفريابي. ح. وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، وكانت تخدم عائشة أم المؤمنين، فحدثته عن عائشة مثله. قال: وسألت أمي مكان عائشة رضي الله عنها بعد ما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أن تعطيها إياه. فقالت لها عائشة: لا أحل لك، ولا لأحد من أهل بيتي أن يستحل هذا المكان، تعني: منى. قال أبو جعفر: فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء، ولا ملك لأحد عليها. اهـ المقصود [ (2) .
وقال النووي في إجابته عن أدلة من منع بيع أرض مكة، وما في حكمها وكراء دورها: وأما حديث: «منى مناخ من سبق (3) » فمحمول على مواتها ومواضع نزول الحجيج منها. اهـ (4) .
وقال عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي بعد أن ذكر الخلاف في منع بيع دور مكة وكرائها بناء على أنها فتحت عنوة وجواز ذلك بناء على أنها فتحت صلحا: قال ابن عقيل: وهذا الخلاف في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك- كموضع المسعى والرمي - فحكمه حكم المساجد بغير خلاف. اهـ (5) .
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(2) شرح معاني الآثار] (2\224) .
(3) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(4) [المجموع] (9\251) الطبعة الأولى.
(5) [الشرح الكبير] (4\21) .
(3/342)

وقال المرداوي: وعلى الرواية الثانية في أصل المسألة يجوز البيع والإجارة بلا نزاع. لكن يستثنى من ذلك بقاع المناسك؟ كالمسعى، والرمي، ونحوها- بلا نزاع. والطريقة الثانية: إنما يحرم بيع رباعها وإجارتها؛ لأن الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، وقد جعله الله {لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (1) فلا يجوز لأحد التخصص بملكه وتحجيره، لكن إن احتاج إلى ما في يده منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج إليه، وهو مسلك ابن عقيل في نظرياته، وسلكه القاضي في خلافه، واختاره الشيخ تقي الدين، وتردد كلامه في جواز البيع فأجازه مرة ومنعه أخرى. اهـ (2) .
وقال القاضي أبو يعلى: فأما ما طاف بمكة من نصب حرمها فحكمه في تحريم البيع والإجارة حكمها، قال في رواية مثنى الأنباري وقد سأله: هل يشترى من المضارب- يعني: التي بمنى؟ - قال: لا يعجبني أن يشترى ولا يباع، وكذلك الحرم كله. فقد بين أن جميع الحرم حكمه حكم مكة. وقال في رواية أبي طالب: لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئا. فإذا اتخذوا فلا يدخله أحد إلا بإذنه، قد كان سفيان اتخذ بها حائطا وبنى فيه بيتين. وربما قال لأصحاب الحديث: بقوها فلا يدخل رجل مضرب رجل إلا بإذنه. وظاهر هذا أنه قد أجاز البناء بمنى على وجه ينفرد به.
وقال في رواية ابن منصور: (أما البناء بمنى فإني أكرهه) . فظاهر هذا: المنع.
__________
(1) سورة الحج الآية 25
(2) [الإنصاف، (4\ 289، 290] الطبعة الأولى
(3/343)

فهذا كله إذا قلنا: إنها فتحت عنوة.
فأما إذا قلنا: إنها فتحت صلحا فإنه يجوز بيعها وإجارتها. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب فيما تقدم: إذا كانت أرضا حرة مثل مكة وخراسان - فعليهم الصدقة، لأنهم يملكون رقبتها. فقد نص على ملك رقبة مكة، وشبهها بخراسان، ومعلوم أن أرض خراسان يجوز بيعها. اهـ (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد حدثنا بعض الوفد أنهم كانوا يجمعون ببعض أرضكم، ثم إن بعض أهل العراق أفتاهم بترك الجمعة، فسألناه عن صفة المكان، فقال: هنالك مسجد مبني بمدر، وحوله أقوام كثيرون، مقيمون مستوطنون، لا يظعنون عن المكان شتاء ولا صيفا، إلا أن يخرجهم أحد بقهر، بل هم وآباؤهم وأجدادهم مستوطنون بهذا المكان، كاستيطان سائر أهل القرى، لكن بيوتهم ليست مبنية بمدر، إنما هي مبنية بجريد النخل ونحوه، فاعلموا- رحمكم الله- أن مثل هذه الصورة تقام فيها الجمعة، فإن كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا- تقام فيه الجمعة إن كان مبنيا بما جرت به عادتهم من مدر وخشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر ويتنقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا، وهذا مذهب جمهور العلماء.
__________
(1) [الأحكام السلطانية] ص (175) .
(3/344)

وبقصة أرضكم احتج الجمهور على أبي حنيفة حيث قال: لا تقام الجمعة في القرى - بالحديث المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بالبحرين بقرية يقال لها جواثى من قرى البحرين، وبأن أبا هريرة رضي الله عنه، وكان عامل عمر رضي الله عنه على البحرين فكتب إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في إقامة الجمعة بقرى البحرين فكتب إليه عمر: أقيموا الجمعة حيث كنتم. ولعل الذين قالوا لكم: إن الجمعة لا تقام، قد تقلدوا قول من يرى الجمعة لا تقام في القرى، أو اعتقدوا أن معنى قول الفقهاء في الكتب المختصرة: إنما تقام بقرية مبنية بناء متصلا أو متقاربا بحيث يشمله اسم واحد. فاعتقدوا أن البناء لا يكون إلا بالمدر من طين أو كلس أو حجارة أو لبن، وهذا غلط منهم، بل قد نص العلماء على أن البناء إنما يعتبر بما جرت به عادة أولئك المستوطنين من أي شيء كان، قصب أو خشب ونحوه.
ولهذا فالعلماء الأئمة إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمد، وبين المقيمين، بأن أولئك يتنقلون ولا يستوطنون بقعة، بخلاف المستوطنين، وقد كان قوم من السلف يبنون لهم بيوتا من قصب، والنبي صلى الله عليه وسلم سقف مسجده بجريد النخل، حتى كان يكف المسجد إذا نزل المطر. قالوا: يا رسول الله، لو بنينا لك- يعنون: بناء مشيدا- فقال: بل عريش كعريش موسى. وقد نص على مسألتكم بعينها- وهي: البيوت المصنوعة من جريد أو سعف- غير واحد من العلماء منهم أصحاب الإمام أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن الآمدي، وابن عقيل، وغيرهم- فإنهم ذكروا أن كل بيوت مبنية من آجر أو طين أو حجارة أو خشب أو قصب أو
(3/345)

جريد أو سعف فإنه تقام عندهم الجمعة، وكذلك ذكرها غير واحد من أصحاب الشافعي- رضي الله عنهم- من الخراسانيين، كصاحب [الوسيط] فيما أظن، ومن العراقيين أيضا أن بيوت السعف تقام فيها الجمعة. وخالف هؤلاء الماوردي في [الحاوي] ، فذكر أن بيوت القصب والجريد لا تقام فيها الجمعة، بل تقام في بيوت الخشب الوثيقة.
وهذا الفرق ضعيف مخالف لما عليه الجمهور والقياس، ولما دلت عليه الآثار وكلام الأئمة، فإن أبا هريرة كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أن جمعوا حيثما كنتم، وذهب الإمام أحمد إلى حديث عمر هذا.
وعن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل- فلا ينكر عليهم. فهذا عمر يأمر أهل البحرين بالتجميع حيث استوطنوا، مع العلم بأن بعض البيوت تكون من جريد. ولم يشترط بناء مخصوصا، وكذلك ابن عمر أقر أهل المنازل التي بين مكة والمدينة على التجميع، ومعلوم أنها لم تكن من مدر، وإنما هي إما من جريد أو سعف.
وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة؛ لأفهم ينتقلون، فعلل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطنا لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى.
والفرق بين هؤلاء وبين أهل الخيام من وجهين:
أحدهما: أن أولئك في العادة الغالبة لا يستوطنون مكانا بعينه، وإن استوطن فريق منهم مكانا فهم في مظنة الانتقال عنه، بخلاف هؤلاء
(3/346)

المستوطنين الذين يحترثون ويزدرعون، ولا ينتقلون إلا كما ينتقل أهل أبنية المدر. إما لحاجة تعرض، أو ليد غالبة تنقلهم كما تفعله الملوك مع الفلاحين.
الثاني: أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا، فصارت من المنقول لا من العقار، بخلاف الخشب والقصب والجريد، فإن أصحابها لا ينقلونها؛ ليبنوا بها في المكان الذي ينتقلون إليه، وإنما يبنون في كل مكان بما هو قريب منه. مع أن هذا ليس موضع استقصاء الأدلة في المسألة، وهذه المسألة- إقامة الجمعة بالقرى - أول ما ابتدأت من ناحيتكم، فلا تقطعوا هذه الشريعة من أرضكم فإن الله يجمع لكم جوامع الخير. اهـ المقصود (1) .
والمشاهد من نقل كلام شيخ الإسلام: أن لا اعتبار لنوع ما أقيم به المسكن، فإن الحكم لا يختلف باختلاف نوعه، وإنما الاعتبار بنية من أقامه أو النازل من حيث القصد إلى الاستقرار أو عدمه، وغلبة أحد الأمرين عليه، سواء كان من مدر أم خشب أم قصب أو خيام أو نحو ذلك، وعلى هذا فلا أثر لكون ما أقيم من المنازل في منى من خيام أو خشب أو قصب أو نحوها، وإنما الأثر لما يغلب على الظن من اتخاذ ذلك من الدوام والاستقرار أو الظعن والارتحال عن المكان.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (24\166- 170) .
(3/347)

وقال ابن القيم: وأما مكة فإن فيها شيئا آخر يمنع من قسمها، ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي أنها لا تملك، فإنها دار النسك
(3/347)

ومتعبد الخلق، وحرم الرب سبحانه وتعالى الذي جعله {لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (1) فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيه سواء، «ومنى مناخ من سبق، (2) » قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (3) والمسجد الحرام هنا المراد به: الحرم كله؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (4) فهذا المراد به: الحرم كله، وقوله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} (5) وفي الصحيح: أنه أسري به من بيت أم هانئ، وقال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (6) وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة، وإنما هو حضور الحرم، والقرب منه، وسياق آية الحج تدل على ذلك فإنه قال: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (7) وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعا، بل المراد به الحرم كله، فالذي {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (8) هو الذي توعد من صد عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه. فالحرم ومشاعره، كالصفا والمروة والمسعى ومنى وعرفة ومزدلفة - لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم، فهي مسجد من
__________
(1) سورة الحج الآية 25
(2) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(3) سورة الحج الآية 25
(4) سورة التوبة الآية 28
(5) سورة الإسراء الآية 1
(6) سورة البقرة الآية 196
(7) سورة الحج الآية 25
(8) سورة الحج الآية 25
(3/348)

الله وقفه ووضعه لخلقه؛ ولهذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر، وقال: «منى مناخ من سبق (1) » . اهـ (2) .
وقال الحافظ محمد بن أحمد الفاسي: ذكر حكم البناء بمنى: أخبرني إبراهيم بن محمد الدمشقي سماعا بالمسجد الحرام: أن أحمد بن أبي طالب أخبره قال: أخبرنا ابن الليثي قال: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا الداودي قال: أخبرنا ابن حمويه قال: أخبرنا عيسى بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا إسحاق قال: أخبرنا وكيع قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة - وأثنى عليها خيرا- عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا يظلك؟ «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو مناخ من سبق (3) » أخرجه أحمد بن حنبل في [مسنده] بهذا الإسناد، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا أو بناء يظلك؟ «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو مناخ من سبق (4) » أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي، قال أبو اليمن بن عساكر بعد إخراجه لهذا الحديث: ومفهوم هذا الخطاب يدل على أنه لا يجوز إحياء شيء من مواتها، ولا تملك جهة من جهاتها، فلا ينبغي لأحد أن يختص بمكان من أماكنها دون غيره، فيحظر عليه حظارا، أو يتخذه دارا، وأهل مكة وسواهم في ذلك سواء، قال الله سبحانه: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (5) والضمير في قوله: فيه مختلف بين أهل العلم: فمن قال: أراد به جميع الحرم - وهو الأكثر- منع
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/207) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(2) [زاد المعاد] (2\413، 414) مطبعة السنة المحمدية.
(3) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .
(4) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .
(5) سورة الحج الآية 25
(3/349)

من جواز إحياء مواتها وتملكها، ومن ملك منها شيئا قبل ذلك كان هو وسواه في منافعه سواء، فلا يجوز له بيعه ولا كراؤه، ثم قال: ومن تأول الآية على المسجد أجاز بيع دورها وكراءها، وبه قال أبو يوسف والشافعي، وكره مالك على جميعهم البيع والكراء، وفي جواز إحياء موات عرفة ومزدلفة اختلاف بين أهل العلم، وما ذكرنا في منى أولى بالمنع؛ «لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما هو مناخ لمن سبق (1) » ، و (إنما) في كلام العرب لإثبات المذكور، ولنفي ما سواه، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى باختصار من كلامه عن بعض ما استدل به على عدم الاختصاص في ذلك.
وقال المحب الطبري في القرى لما تكلم على هذا الحديث: وقد احتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها، ثم قال: قلت: فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصا بمنى؛ لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق بها، فلم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد اقتطاع موضع فيها لبناء ولا غيره، بل الناس فيها سواء، وللسابق حق السبق، وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقا بها. انتهى.
وجزم النووي في [المنهاج] من زوائده بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتهما، كعرفة، والله أعلم. انتهى.
ونقل عن الشافعي: أنه بنى بمنى مضربا ينزل فيه أصحابه إذا حجوا. روى ذلك عنه أبو ثور، وهو أحد رواة القديم، وتمسك به بعضهم على جواز البناء بمنى، وفي العمل به على تقدير صحته عن الشافعي نظر لأمرين:
أحدهما: أن الشافعي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والحديث
__________
(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .
(3/350)

الوارد في النهي عن البناء بمنى تقوم به الحجة، لأن الترمذي حسنه، وأبا داود سكت عنه، فهو في معنى الصحيح؛ لقيام الحجة به على ما هو مقرر في علم الحديث، فالشافعي حينئذ يقول به ويصير ذلك مذهبه وصحبه، ومثل هذا لا ينكر؛ لأنه وقع للنووي مثله في غير مسألة، ولعل هذا فيما ذكره من عدم جواز إحياء موات منى ومزدلفة مع قياسهما على عرفة، لمشاركتهما لعرفة في علة الحكم، والله أعلم.
والأمر الثاني: أنه لا ريب في أن الشافعي على تقدير ثبوت بنائه بمنى لم يكن يحجر بناءه بمنى عن أحد، ولا يأخذ على النزول فيه أجرا، وأن بناءه بمنى لأجل الارتفاق به من جهة الظل، وصيانة الأمتعة، وشبه ذلك، فلا يقاس عليه من لم يقصد ببنائه إلا الاختصاص بنزوله وأخذ الأجرة على نزوله، كما هو الغالب من أحوال أهل العصر، وإلحاق من هو بهذه الصفة لمن حسنت نيته عند الشافعي لا يحسن. والله أعلم.
وسمعت قاضي الحرم - جمال الدين أبا حامد بن ظهيرة أبقاه الله- يقول: إن جدي لأمي قاضي مكة، أبا الفضل النويري كان ينكر على البناء بمنى، ويشدد فيه، وينهى أشد النهي. انتهى بالمعنى.
وأما ما أفتى به الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الشافعي مؤلف [مختصر الروضة] من أن منى كغيرها في جواز بيع دورها وإجارتها - فإن ذلك غير سديد نقلا ونظرا:
أما النقل؛ فلمخالفته مقتضى الحديث، وكلام النووي، وابن عساكر، والمحب الطبري وغيرهم، وأما النظر؛ فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به في ذلك كون موات الحرم يجوز إحياؤه، ومنى من الحرم فيملك ما أحيي فيها، ويجري فيها أحكام الملك، وهذا
(3/351)

لا يستقيم؛ لأن في منى أمرا زائدا يقتضي عدم إلحاقها بموات الحرم، وهو كونها متعبدا ونسكا لعامة المسلمين- فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق في النزول لا بالبناء. إذ هو ممتنع فيه.
فالبناء بمنى ممتنع حينئذ، ولا يملك، ولا يكون كغيره مما يصح تملكه، ويجرى حكم البناء بمنى على حكم البناء بعرفة؛ لمساواتها لعرفة في السبب الذي لأجله امتنع البناء بعرفة على الأصح، فمنى كذلك. والله أعلم. اهـ (1)
هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حرر في 22\ 9\ 1393 هـ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) [شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام] (1\ 321، 322) مطبعة الحلبي.
(3/352)

قرار رقم (20) وتاريخ 12\ 11\ 1393هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على المعاملة المتعلقة بطلب المطوف سراج عمر أكبر السماح له بإقامة أكشاك خشبية في منى من دورين لاستيعاب حجاجه، المشتملة على الأمر الملكي الكريم رقم (13212) وتاريخ 4\ 6\ 1393 هـ القاضي بأخذ رأي المشايخ في هذا الخصوص والإفادة.
فقد جرى إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة، وفي هذه الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة بما في ذلك صورة المخطط المعد للأكشاك، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي رأى المجلس بأغلبية الأصوات أنه لا يجوز إقامة أكشاك بمنى على الصفة الموضحة بالمخطط المرفق بالمعاملة، فإنها متى أقيمت على هذه الصفة، وكان تأسيسها مبينا على تصميمات فنية، وأسس قوية يرتاح إلى متانتها وتحملها، كما جاء في قرار لجنة الحج العليا رقم (6) وتاريخ 23\ 2\ 1393 هـ فهي إذن في حكم البناء، إذ لا فرق فيما أقيم على وجه من شأنه الثبات والدوام بين أن يكون من حجارة أو لبن أو أخشاب أو غير ذلك، ومع هذا فإنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في تملكها أو الاختصاص بها على الأقل، ودعوى أنها لا تكون ثابتة، وأنها
(3/353)

يسهل فكها بعد تركيبها - لا تتفق مع إقامتها على الصفة الموضحة في المخطط، ولا مع الشرط الذي ذكرته لجنة الحج العليا في قرارها، بل إقامتها كذلك من شأنه ثباتها وبقاؤها؛ تفاديا من متاعب إقامتها كل عام، وحرصا على عدم النفقات المتكررة، وحفظا للمال من الخسائر التي تنشأ عن تلف بعض ما أقيم على هذه الصفة عند فكها، وطمعا في الانتفاع بها، ثم الوصول إلى دعوى الاختصاص بها على الأقل.
أما الشيخان عبد المجيد حسن وعبد الله بن منيع فإنهما لا يريان في ذلك مانعا شرعيا، ولهما وجهة نظر مرفقة.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الرابعة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط ... محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(3/354)

وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإذا كان الأمر كما جاء في قرار لجنة الحج العليا من أن هذه الأكشاك بديل عن الخيام فقط، وأنها تزال بعد انتهاء موسم الحج من كل عام، فإذا لم يكن فيها تعريض لحجاج بيت الله الحرام للأذى والمضرة، سواء الساكن فيها وغيره من الحجاج - إذا كان الأمر كذلك ولم يكن في هذا الإجراء مضرة ولا أذى، فلا يظهر لنا مانع شرعي يحول دون جواز ذلك؛ لأن للحاج الارتفاق بالأرض التي يحلها في منى أيام الحج بأي وجه يراه، مما لا يتعارض مع المقاصد الشرعية، فإذا انقضت أيام الحج انتهى حقه في الارتفاق بتلك الأرض ذلك العام، ولا يظهر لنا وجه القول بأن هذا وسيلة إلى التملك أو الاختصاص لثلاثة أمور:
أحدها: أن إزالة هذه الأكشاك كل عام بعد انتهاء الحج كما تزال الخيام يمنع الاحتجاج بالاختصاص على فرض وروده شرعا، مع أن احتمال دعوى الاختصاص غير واردة؛ لمعرفة الخاص والعام: أن منى مناخ من سبق. وألا اختصاص لأحد فيها بغير السبق.
الثاني: ما عليه جمهور أهل العلم من منع التملك في منى مما هو مشهور ومعلوم لدى العموم، حيث لا يمكن تصور قيام أحد بدعوى التملك فيها شرعا، ولا يرد على ذلك واقع ما في منى من أبنية يتمسك أهلها بدعوى تملك ما هي عليه، فإن دعوى تملكها دعوى باطلة. وقد بنت الحكومة أيدها الله بنصره - على بطلان دعوى التملك في تعويضها- ما
(3/355)

قامت بهدمه من هذه المباني، حيث قصرت التعويض على الأنقاض فقط.
الثالث: أن مجموعة من الحجاج والمطوفين قد اعتادوا أن ينزلوا في منى في أماكن معينة منذ سنين طويلة، ولم يكن هذا الاعتبار شافعا لأحدهم بدعوى الاختصاص فيما لو سبقه غيره في ذلك المنزل وفوق ذلك كله فإن للحكومة - أعزها الله وأدام تمكينها - من الهيبة والقوة والحرص على رعاية مصالح حجاج بيت الله الحرام، والعناية وتمام الاهتمام بالمشاعر المقدسة بحال تقطع على أهل النوايا السيئة كل هدف وتفكير.
والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء
عبد المجيد حسن ... عبد الله بن سليمان بن منيع
(3/356)

(8)
مقام إبراهيم
عليه السلام
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/357)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقام إبراهيم عليه السلام
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
فتوى سماحة مفتى الديار السعودية
في جواز نقل مقام إبراهيم عليه السلام حيث وجد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل في كتابه الكريم: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (1) والصلاة والسلام على خاتم رسله الذي أتى بالحنيفية السمحة، وعلى آله وصحبه، ومن لسبيلهم نهج.
وبعد: فإنه لما كثر الوافدون إلى بيت الله الحرام في عصرنا هذا الذي توفر فيه من وسائل نقلهم ما لم يتوفر قبل، وازدادوا زيادة لم تعهد فيما مضى- أدى ذلك إلى وقوع الطائفين في حرج شديد فيما بين المقام وبين البيت؛ ولذلك قدمت الرابطة الإسلامية رغبتها إلينا في أن نكتب رسالة في حكم تأخير المقام عن ذلك الموضع إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له؛ رفعا للحرج، فاستخرت الله تعالى، وكتبت إجابة لها هذه الرسالة، ورتبتها على ما يلي:
__________
(1) سورة الحج الآية 78
(3/359)

1 - بيان موضع المقام في عهد النبوة، وأن أول من أخره عنه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
2 - إيراد أدلة القائلين بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة، والجواب عنها.
3 - سرد العلل التي علل بها تأخير عمر المقام، وترجيح التعليل برفع الحرج عن الطائفين.
4 - بيان حكم تأخير المقام اليوم عن موضعه إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له.
والله أسأل أن يكون هذا الجواب خالصا لوجهه الكريم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب:
بيان موضع المقام في عهد النبوة وأن أول من أخره عمر بن الخطاب:
ثبت عن السلف الصالح: أن مقام إبراهيم - عليه السلام - كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر - رضي الله عنه - في سقع البيت، وأن أول من أخره عن ذلك الموضع عمر بن الخطاب، وممن ثبت ذلك عنه من أعيانهم المذكورون في ما يلي:
1 - أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها - عند البيهقي، قال في [سننه] : أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل
(3/360)

السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن المقام كان زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وزمان أبي بكر - رضي الله عنه - ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه» -. اهـ صحح الحافظ ابن كثير إسناده في [تفسيره] في الكلام على آية المقام، وقواه الحافظ في [فتح الباري] ، في كتاب التفسير في الكلام على تلك الآية، قال ج (8) ص (137) : أخرج البيهقي عن عائشة مثله، أي: مثل ما روى عن عطاء وغيره من التصاق المقام بالبيت إلى أن أخره عمر بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر ا. هـ كلام [الفتح] ، ولا يرد على جزم رواية أبي ثابت المذكورة.
(3/361)

شك رواية يعقوب بن حميد بن كاسب عند الفاكهي قال يعقوب: حدثنا عبد العزيز بن محمد بن هشام بن عروة عن أبيه قال عبد العزيز: أراه عن عائشة: أن المقام كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سقع البيت، فإن يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء.
قال ابن أبي حاتم في [الجرح والتعديل] : قرئ على العباس بن محمد الدوري أنه سأل يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب فقال: (ليس بشيء) ، وقال أيضا: سمعت أبي يقول: (هو ضعيف الحديث) ، وقال النسائي: في [الضعفاء والمتروكين] : يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء، مكي، وقال العقيلي في [الضعفاء] : حدثنا زكريا الحلواني قال: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، وسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدفعنا ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها. اهـ.
2 - عروة بن الزبير، قال عبد الرزاق في [مصنفه] : عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون صقع البيت حتى صلى عمر خلف المقام» . وأصرح من هذه الرواية ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في [العلل] عن أبي زرعة، عن أبي ثابت، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أن المقام كان في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه» -، وتقدم أن هذا الحديث رواه أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي عن أبي ثابت عن الدراوردي عن
(3/362)

هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والروايتان ثابتتان، فدل ذلك على أن عروة روى هذا الحديث عن خالته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، فكان يحدث به عنها تارة، ويتكلم به تارة أخرى من غير أن يسنده إليها فروي عنه بالوجهين.
3 - عطاء وغيره من أصحاب ابن جريج عند عبد الرزاق، قال في [مصنفه] : عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام، فوضعه موضعه الآن، وإنما كان في قبل الكعبة، صحح الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناده في [فتح الباري] ج (8) ، ص (137) ، قال في كلامه على المقام في كتاب التفسير: (كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] بسند صحيح عن عطاء وغيره. اهـ. ومعنى قول ابن جريج: (يزعمون) : (يقولون) من باب استعمال الزعم في القول المحقق، نظير ما رواه البخاري في صحيحه في باب إذا حرم طعاما، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} (1) قال البخاري: (حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: زعم عطاء: أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا (2) » . . . .) الحديث، وذكر الحافظ في شرح قول الراوي: (زعم عطاء أن أهل الحجاز يطلقون الزعم بمعنى: القول، وقرر الحافظ هو والنووي
__________
(1) سورة التحريم الآية 1
(2) صحيح البخاري الطلاق (5267) ، سنن النسائي الطلاق (3421) ، سنن أبو داود الأشربة (3714) ، مسند أحمد بن حنبل (6/221) .
(3/363)

أن ذلك الاستعمال كثير، قال النووي في شرح قول ضمام بن ثعلبة: (يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك) قال: قوله: (زعم) و (تزعم) مع تصديق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه دليل على أن (زعم) ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه، بل يكون أيضا في القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "زعم جبريل كذا"، وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: (زعم الخليل) (زعم أبو الخطاب) يريد بذلك: القول المحقق، وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبو عمرو الزاهد في [شرح الفصيح] عن شيخه أبي العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين. اهـ.
وقال الحافظ في [الفتح] في كتاب العلم في شرح قول ضمام بن ثعلبة المتقدم: إن الزعم يطلق على القول المحقق أيضا، كما نقله أبو عمرو الزاهد في شرح فصيح ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: (زعم الخليل) في مقام الاحتجاج.
ومما استدل به الحافظ في [فتح الباري] لاستعمال الزعم بمعنى القول المحقق قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في حديثه في (المواقيت) : ويزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم (1) » يعني: ابن عمر بقوله: (يزعمون) : الصحابة. قلت: ويشهد لكون (يزعمون) في رواية عبد الرزاق المتقدمة عن ابن جريج، عن عطاء وغيره من أصحاب ابن جريج بمعنى: القول المحقق- رواية عبد الرزاق الأخرى التي ذكرها
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1525) ، سنن النسائي مناسك الحج (2652) ، سنن أبو داود المناسك (1737) ، سنن ابن ماجه المناسك (2914) ، مسند أحمد بن حنبل (2/47) ، موطأ مالك الحج (734) ، سنن الدارمي المناسك (1790) .
(3/364)

الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) فإنه (قال عبد الرزاق: حدثني ابن جريج عن عطاء وغيره من أصحابنا قالوا: أول من نقله- أي: المقام - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) فقول ابن جريج في هذه الرواية: (قالوا) يفسر في الرواية الأولى (يزعمون) .
4 - مجاهد عند عبد الرزاق قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) (قال عبد الرزاق: عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) صححه الحافظ في [فتح الباري] في (كتاب التفسير) ج (8) ، ص (137) ، وذكر ابن كثير في تفسيره: أنه أصح مما في رواية ابن مردويه عن مجاهد، من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوله. وعبارة
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) سورة البقرة الآية 125
(3/365)

ابن كثير بعد ذكر أثر مجاهد هذا (هذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاده بما تقدم) . اهـ. يعني ابن كثير بما تقدم: الآثار التي أوردها قبل ذلك بأسانيد قوية عن عائشة وعطاء وغيره من أصحاب ابن جريج وسفيان ابن عيينة.
(3/366)

5 - بعض مشايخ مالك، ففي [المدونة] في ج (2) في رسم في قطع شجر الحرم من كتاب الحج ما نصه (قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب لما ولي وحج ودخل مكة أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، وكان ملصقا بالبيت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وقبل ذلك، وكان قدموه في الجاهلية مخافة أن يذهب به السيل، فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت، إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. اهـ.
6 - سفيان بن عيينة عند ابن أبي حاتم في [تفسيره] ، قال في تفسير قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/366)

سفيان: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1)
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/367)

قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقا بها أم لا. صحح الحافظ في [فتح الباري] ، إسناده في (كتاب التفسير) ، ج (8) ، ص (137) في شرح باب قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) وصحح هذا الحديث قبل صاحب [فتح الباري] الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم إيراده في تفسيره الذي ذكر في أوله: أن جماعة من إخوانه طلبوا منه تفسيرا مختصرا بأصح الأسانيد وحذف الطرق، ثم قال: (فأجبتهم إلى مسألتهم، وبالله التوفيق، وإياه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادا، وأشبهها متنا، فإذا وجدت التفسير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أذكر معه أحدا من الصحابة، ممن أتى بمثل ذلك، وإذا وجدته عن الصحابة، فإن كانوا متفقين ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الإسناد، وسميت موافقيهم بحذف الإسناد، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذلك أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم) . اهـ. ما ذكره ابن أبي حاتم في مقدمة تفسيره، وهو دليل على صحة هذا الحديث.
7 - الواقدي عند ابن جرير الطبري بتاريخه، قال في حوادث سنة ثمان عشرة: (وزعم- أي: الواقدي - أن عمر - رضي الله عنه - حول المقام في هذه السنة في ذي القعدة إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت قبل ذلك.
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/368)

اهـ. وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه [البداية والنهاية] : أن الواقدي لم ينفرد بهذا وعبارته ج (7) ص (93) : (قال الواقدي وغيره: في هذه السنة - أي: سنة ثمان عشرة في ذي الحجة منها - حول عمر المقام، وكان ملصقا بجدار الكعبة وأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين ثم قال ابن كثير: (قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر، ولله الحمد والمنة) .
8 - مشايخ ابن سعد، قال في [الطبقات الكبرى] في ترجمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (قالوا: وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت) . اهـ.
هذه جملة من أعيان السلف الذين صرحوا بأن المقام كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صقع البيت، وأن أول من أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد جزم بما صرحوا به غير واحد من أئمة المتأخرين، منهم: الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ، والحافظ ابن كثير في [التفسير] و [البداية والنهاية] ، والشوكاني في [فتح القدير] ، قال الحافظ في [الفتح] ج (8) ، ص (137) في باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) من (كتاب التفسير) : (كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر - رضي الله عنه - إلى المكان الذي هو فيه الآن) أخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضا، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: «أن المقام كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي زمن أبي
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/369)

بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر» ، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوله، والأول أصح، وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: «كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقا بالبيت أم لا» . اهـ.
وبهذا ظهر رجوع الحافظ عما كتبه في باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) من كتاب الصلاة، فإنه كتب ما نصه: (قد روى الأزرقي في [أخبار مكة] بأسانيد صحيحة: أن المقام كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأتي به ربط إلى أستار الكعبة، حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول، فأعاده إليه، وبنى حوله، فاستقر، ثم إلى الآن اهـ. وهذا الذي كتبه الحافظ في (كتاب الصلاة) سبق قلم نبه على رجوعه عنه بالصواب الذي ذكره في (كتاب التفسير) ، وكان يصنع ذلك تارة فيما سبق به القلم ويصرح تارة بالرجوع عما كتبه أولا، ومما صرح فيه بالرجوع ما يلي:
1 - قوله في ج (8) ص (16) في الباب الذي بعده (باب منزل النبي - صلى الله عليه وسلم -) يوم الفتح بالكلام على حديث أبي شريح العدوي في تعظيم مكة قال: (قوله العدوي) : كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في الحج أنه
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/370)

من حلفاء بني كعب؛ وذلك لأني رأيته في طريق أخرى الكعبي نسبة إلى كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي بن عمرو بن لحي، وهم إخوة كعب، ويقع هذا في الأنساب كثيرا.
2 - قوله في شرح حديث عباد بن تميم عن عمه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد مستلقيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى (1) » في باب الاستلقاء، في ج (11) ، ص (68) : (تقدم بيان الحكم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة، وذكرت هناك قول من زعم أن النهي عن ذلك منسوخ، وأن الجمع أولى، وأن محل النهي حيث تبدو العورة، والجواز حيث لا تبدو، وهو جواب الخطابي ومن تبعه، ونقلت قول من ضعف الحديث الوارد في ذلك وزعم أنه لم يخرج في الصحيح، وأوردت عليه بأنه غفل عما في (كتاب اللباس) من الصحيح، والمراد بذلك [صحيح مسلم] ، وسبق القلم هناك، فكتبت [صحيح البخاري] ، وقد أصلحته في أصلي) .
3 - قوله في باب الدعاء على المشركين، ج (11) ، ص (162) في الكلام على قول البخاري: (حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، حدثنا محمد بن سيرين، حدثنا عبيدة، حدثنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا (2) » الحديث. قال الحافظ: (قوله: حدثنا هشام بن حسان) يرجح قول من قال في الرواية التي مضت في الجهاد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا هشام) أنه ابن حسان، وكنت ظننت أنه الدستوائي ورددت على الأصيلي حيث جزم بأنه ابن حسان، ثم نقل تضعيف هشام بن
__________
(1) صحيح البخاري الاستئذان (6287) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2100) ، سنن الترمذي الأدب (2765) ، سنن النسائي المساجد (721) ، سنن أبو داود الأدب (4866) ، مسند أحمد بن حنبل (4/39) ، موطأ مالك النداء للصلاة (418) ، سنن الدارمي الاستئذان (2656) .
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2931) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (627) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (2984) ، سنن أبو داود الصلاة (409) ، سنن ابن ماجه الصلاة (684) ، مسند أحمد بن حنبل (1/113) ، سنن الدارمي الصلاة (1232) .
(3/371)

حسان يروم رد الحديث فتعقبته هناك، ثم وقفت على هذه الرواية فرجعت عما ظننت إلخ.
ويدل على رجوع الحافظ عما كتبه في (كتاب الصلاة) إلى ما بينه في (كتاب التفسير) تعذر الجمع بين تصحيح الحافظ أسانيد تلك الروايات الأزرقية التي تذكر: أن المقام كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، وهو الذي رده إليه عمر بعدما ذهب به السيل وبين تصحيحه في (كتاب التفسير) أسانيد روايات كون المقام لزق البيت إلى أن أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأن الروايات الأزرقية التي أشار إليها ليس فيها شيء صحيح صريح، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى عند الكلام على تلك الروايات، مع ذكر كلام الحافظ فيمن تكلم فيه من رواتها؛ ليتبين أن ما ذكره في (كتاب الصلاة) في الروايات الأزرقية كما لا يتفق ما في (كتاب التفسير) لا يتفق مع كلامه في رواية تلك الروايات الأزرقية في كتبه في [الجرح والتعديل] وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه [البداية والنهاية] ج (1) ص (162) تحت عنوان: (ذكر بناية البيت العتيق) في الكلام على مقام إبراهيم - عليه السلام -: (قد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فأخره عن البيت قليلا؛ لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت) ، وقال في الجزء السابع من التاريخ المذكور [البداية والنهاية] ص (13) في الكلام على حوادث سنة ثمان عشرة: (قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام، وكان ملصقا بجدار
(3/372)

الكعبة، أخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين وقال في [التفسير] في الكلام على قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) (قلت: قد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر، يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل - عليه السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، وأنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر (2) » وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين-) ، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (3) (قد كان- أي: المقام - ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) سنن الترمذي المناقب (3662) ، سنن ابن ماجه المقدمة (97) ، مسند أحمد بن حنبل (5/382) .
(3) سورة آل عمران الآية 97
(3/373)

قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) اهـ ما جمعناه من تاريخ ابن كثير وتفسيره.
وقال العلامة الشوكاني في [فتح القدير] في تفسير آية: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) وهو: أي المقام الذي كان ملصقا بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب، كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. اهـ.
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) سورة البقرة الآية 125
(3/374)

أدلة القائلين بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة والجواب عنها:
استدل القائلون: بأن موضع مقام إبراهيم - عليه السلام - هذا الذي هو فيه اليوم هو موضعه في عهد النبوة: بأمور نذكرها مع الإجابة عنها فيما يلي:
الأول: ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه قال: أخبرنا ابن عمر، وهو: أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم، وهو: ابن أبي إياس في تفسيره، أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى موضعه هذا، (2) » قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن) .
والجواب عن هذا: ما ذكره الحافظان: ابن كثير في تفسيره، وابن حجر العسقلاني في [فتح الباري] .
__________
(1) صحيح البخاري الصلاة (402) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (2959) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1009) ، سنن الدارمي المناسك (1849) .
(2) سورة البقرة الآية 125 (1) {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
(3/374)

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره الآية الكريمة: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) بعد ذكر هذا الأثر الذي رواه ابن مردويه: (هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم اهـ.
وقال الحافظ في [الفتح] ج (8) ص (137) في باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) من (كتاب التفسير) : أخرج ابن مردويه بسند ضعيف، عن مجاهد: أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوله،» والأول أصح) . اهـ.
ووجه ضعف سنده: أن فيه شريكا النخعي، وإبراهيم بن المهاجر، وهما ضعيفان؛ أما شريك، فقد روى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد تضعيفه جدا، وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن شريك شيئا، وروى محمد بن يحيى القطان عن أبيه قال: رأيت تخليطا في أصول شريك، وقال ابن المبارك: ليس حديثه بشيء، وقال الجوزجاني: سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، ومائل، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ شريك في أربعمائة حديث، وقال الدارقطني: ليس شريك بالقوي فيما ينفرد به، وقال عبد الجبار بن محمد: قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أن شريكا إنما خلط بآخره قال: ما زال مخلطا. نقل هذا عن
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) سورة البقرة الآية 125
(3/375)

هؤلاء الأئمة الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] . وأما إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي - فقد قال العقيلي في [الضعفاء] : حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي، قال: قلت ليحيى: إن إسرائيل روى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة حديثا، قال إبراهيم بن المهاجر: لم يكن بالقوي، حدثنا محمد، حدثنا صالح، عن علي قال: سئل يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن المهاجر وأبي يحيى القتات فضعفهما. حدثنا عبد الله قال: سألت أبي عن إبراهيم بن المهاجر فقال: كان كذا وكذا، (وقال النسائي في [الضعفاء والمتروكين] : إبراهيم بن المهاجر الكوفي ليس بالقوي) ، ونقل الحافظ في [تهذيب التهذيب] عن النسائي أنه صرح أيضا في [الكنى] بأنه ليس بالقوي في الحديث، قال الحافظ: (وقال ابن حبان في [الضعفاء] : هو كثير الخطأ، وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فإبراهيم بن المهاجر! قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة، قال: بلى، حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمزه شعبة أيضا) قال الحافظ: وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، هو وحصين وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟) قال: كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابا ما
(3/376)

شئت) . اهـ. ما في [تهذيب التهذيب] .
الثاني: مما استدل به القائلون بأن موضع مقام إبراهيم - عليه السلام - اليوم: هو موضعه في عهد النبوة: ما في مغازي موسى بن عقبة في سياق خبر فتح مكة بلفظ: (وأخر- أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - المقام إلى مقامه اليوم، وكان ملتصقا بالبيت) .
والجواب عن هذا: أن هذا المنقول من مغازي موسى بن عقبة يخالف ما تقدم عن عائشة وعروة شيخ موسى بن عقبة ومشايخ ابن جريج هو: أن أول من حول المقام إلى مقامه اليوم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ ولذلك لم يلتفت الحافظ ابن كثير الذي نقل هذا عن مغازي موسى بن عقبة إليه، بل جزم بخلافه.
الثالث: مما استدلوا به: ما رواه الأزرقي في [تاريخ مكة] قال: حدثني جدي، قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الذي هو فيه اليوم: هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر، فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس) .
والجواب عنه بأمرين:
أحدهما: أن راوي هذا عن ابن أبي مليكة عبد الجبار بن الورد، وهو وإن كان ثقة يخالف في بعض حديثه، قال البخاري في [تاريخه الكبير] : (يخالف في بعض حديثه) ، واعتمد العقيلي على كلام البخاري هذا، فذكره في [الضعفاء] ثم قال: (حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري قال: (عبد الجبار بن الورد المكي يخالف في بعض حديثه) . اهـ
(3/377)

كلام العقيلي. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في [تقريب التهذيب] في عبد الجبار بن الورد: صدوق يهم) .
الثاني: أن ما قاله ابن أبي مليكة على فرض ثبوته عنه لم يأخذه عن الصحابة فيما يرى المحب الطبري صاحب [القرى] ، بل إنما فهمه من سياق رواية كثير بن المطلب عن أبيه قصة احتمال سيل أم نهشل المقام) ، ولا يسعنا ما دام الأمر كذلك أن نقدم ذلك الفهم على تصريح أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - «بأن المقام كان ملصقا بالبيت في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمان أبي بكر، ثم أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه» - (1) ، وكلمة: (أين موضعه) ؟ التي فهم منها ابن أبي مليكة ذلك- يفسرها ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند صحيح، عن ابن عيينة أنه قال: (كان المقام في سقع البيت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه) ، الحديث المتقدم، فإن هذا يدل على أن الموضع الذي سأل عنه عمر، ليرد المقام إليه: الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أول مرة، لا موضعه في عهد النبوة.
الرابع: مما استدل به القائلون بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة- ما رواه الأزرقي في [تاريخ مكة] قال: حدثني جدي قال: حدثنا سليم بن مسلم (3) عن ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن السائب - وكان يصلي بأهل مكة - فقال: أنا أول من صلى خلف
__________
(1) روى حديث عائشة المشار إليه هنا البيهقي بسند صحيح، كما تقدم
(2) سورة البقرة الآية 125
(3) ضبط الحافظ الذهبي سليم بن مسلم في [المشتبه] بفتح السين، وقال: (واه) .
(3/378)

المقام حين رد في موضعه هذا، ثم دخل عمر وأنا في الصلاة فصلى خلفي صلاة المغرب) . وجه الاستدلال به: أن قول عبد الله بن السائب: (حين رد في موضعه هذا) يفهم منه: أن له موضعا قبل التحويل، فيلزم عنه أنه موضعه في عهد النبوة.
والجواب عن هذا: أن سياق عبد الرزاق أحسن من سياق سليم بن مسلم، فقد قال عبد الرزاق في [مصنفه] : عن ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر وعمر بن عبد الرحمن بن صفوان وغيرهما، أن عمر قدم فنزل في دار ابن سباع، فقال: يا أبا عبد الرحمن، صل بالناس المغرب، فصليت وراءه، وكنت أول من صلى وراءه حين وضع، ثم قال: فأحسست عمر وقد صليت ركعة، فصلى ورائي ما بقي. اهـ. فكلمة (حين وضع) في رواية عبد الرزاق هذه هي التي غيرها سليم بن مسلم بقوله: (حين رد في موضعه هذا) : وسليم بن مسلم غير مأمون، لا على عقيدته ولا على الحديث، كما بينه الأئمة، قال العقيلي في [الضعفاء] : حدثنا محمد قال: حدثنا عباس، قال: سمعت يحيى ذكر سليم بن مسلم المكي فقال: كان ينزل مكة، وكان جهميا خبيثا. اهـ. وقال النسائي في [الضعفاء والمتروكين] : (سليم بن مسلم الخشاب متروك الحديث) . اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في [لسان الميزان] : (سليم بن مسلم المكي الخشاب الكاتب عن ابن جريج - قال ابن معين: جهمي خبيث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئا) . قال الحافظ: (وقال أبو حاتم في ترجمة سليم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بقوي، وقال مرة: متروك) .
(3/379)

اهـ. المراد من كلام الحافظ في [لسان الميزان] .
(3/380)

الخامس: مما استدلوا به: ما ذكره الأزرقي في [تاريخ مكة] بعدما ساق حديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح في وجه الكعبة حذو الطرقة البيضاء: روى عن جده أنه قال: قال داود: وكان ابن جريج يشير لنا إلى هذا الموضع، ويقول: هذا الموضع الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الموضع الذي جعل فيه المقام حين ذهب به سيل أم نهشل إلى أن قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فرده إلى موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وفي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله عنه - وبعض خلافة عمر - رضي الله عنه - إلى أن ذهب به السيل.
والجواب عن هذا: أن ما ذكره الأزرقي عن ابن جريج يخالف ما صح عن مشايخ ابن جريج عطاء وغيره من رواية ابن جريج عنهم، فقد تقدم أن عبد الرزاق روى في [مصنفه] بسند صحيح: أنهم قالوا: إن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن
السادس: مما استدلوا به: ما رواه الأزرقي في [تاريخ مكة] قال: حدثني جدي، حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن أبيه، عن جده، قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر بن الخطاب
(3/380)

الردم الأعلى، وكان يقال لهذا الباب: باب السيل، قال: فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه، وربما نحته إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يقال له: سيل أم نهشل، إنما سمي بأم نهشل؛ لأنه ذهب بأم نهشل ابنة عبيدة بن أبي أحيحة سعيد بن العاص، فماتت فيه، فاحتمل المقام من موضعه هذا، فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتى به فربطه إلى أستار الكعبة في وجهها، وكتب في ذلك إلى عمر - رضي الله عنه -، فأقبل عمر فزعا فدخل بعمرة في شهر رمضان، وقد غبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط، وعندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي وأرسل إليها، وأتى بها فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس فشاورهم، فقالوا: نعم، هذا موضعه، فلما استثبت ذلك عمر - رضي الله عنه - وحق عنده أمر ربه فأعلم ببناء ربطه تحت المقام، ثم حوله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم. اهـ.
(3/381)

والجواب عنه: أن المراد بالموضع المذكور في هذا الخبر الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أول مرة، وهو الذي سأل عنه؛ ليضعه في المرة الثانية، بدليل رواية ابن أبي حاتم المتقدمة، عن أبيه، عن ابن أبي عمر العدني، عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) الآية، قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.. الخبر المتقدم.
السابع: مما استدلوا به: ما رواه الأزرقي في [أخبار مكة] قال: حدثني ابن أبي عمر قال: حدثنا ابن عيينة، عن حبيب ابن أبي الأشرس قال: كان سيل أم نهشل قبل أن يعمل عمر الردم بأعلى مكة احتمل المقام من مكانه، فلم يدر أين موضعه، فلما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل من يعلم موضعه؟ فقال المطلب بن أبي وداعة: أنا يا أمير المؤمنين، قد كنت قدرته، وذرعته بمقاط، وتخوفت عليه، هذا من الحجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة إليه، فقال: إيت به فجيء به فوضعه في موضعه هذا، وعمل عمر الردم عند ذلك، قال سفيان: فذلك الذي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه: أن المقام كان عند سقع البيت، فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن، وأما ما يقول الناس: أنه كان هناك موضعه فلا. قال سفيان: وقد ذكر عمرو بن دينار نحوا من حديث ابن أبي الأشرس هذا، لا أميز أحدهما عن صاحبه.
والجواب عن هذا: أن ما ذكره ابن أبي الأشرس، وذكر عمرو بن دينار نحوه من سؤال عمر عن موضع المقام - لا يدل على أن مراد عمر موضع
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/382)

المقام في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل الذي دلت عليه رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن سفيان بن عيينة: أن سؤال عمر - رضي الله عنه - إنما هو عن الموضع الذي وضعه فيه أول مرة؛ ليضعه فيه المرة الثانية مع أن أمر حبيب ابن أبي الأشرس هين؛ لأنه لا يحتج به، قال البخاري في [التاريخ الصغير] : (قال أحمد: متروك، وقال في [الضعفاء الصغير] : (منكر الحديث، وقال النسائي في [الضعفاء والمتروكين] : حبيب بن حسان، وهو حبيب بن أبي الأشرس كوفي متروك الحديث) ، وقال العقيلي في [الضعفاء] : حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن سفيان عن حبيب بن حسان بن أبي الأشرس شيئا. حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عباس بن محمد قال: سمعت يحيى بن معين قال: حبيب بن أبي الأشرس كوفي ليس حديثه بشيء، وقال في موضع آخر: حبيب بن حسان ليس بثقة، وكانت له جاريتان نصرانيتان فكان يذهب معهما إلى البيعة.
وقال في موضع آخر: حبيب بن حسان بن الأشرس هو حبيب بن هلال ليس بشيء، حدثنا الخضر بن داود قال: حدثني أحمد بن محمد بن هانئ قال: سألت أبا عبد الله، وذكر حبيب بن حسان، فقال: متروك الحديث، حدثني آدم بن موسى قال: سمعت البخاري قال: حبيب بن حسان الكوفي هو حبيب بن أبي الأشرس منكر الحديث) . اهـ. وقال ابن أبي حاتم في [الجرح والتعديل] قرئ على العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب بن حسان بن أبي الأشرس، وهو حبيب بن هلال، روى عنه مروان الفزاري، وليس بثقة، وقال: سمعت أبي يقول: حبيب
(3/383)

بن حسان موجه صالح البغدادي، وليس بقوي، منكر الحديث أحيانا. اهـ.
وقال ابن حبان في [كتاب المجروحين] في حبيب بن أبي الأشرس: (منكر الحديث جدا، وكان قد عشق امرأة نصرانية، وقد قيل: إنه تنصر وتزوج بها، وأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح. أنبأ مكحول: سمعت جعفر بن أبان يقول: سئل يحيى بن معين - وأنا شاهد- عن حبيب بن حسان، فقال: ليس بثقة، كان يذهب مع جاريتين له إلى البيعة. اهـ. وفي [لسان الميزان] للحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة حبيب بن أبي الأشرس: (قال أبو داود: ليس حديثه بشيء، روى عنه سفيان ولا يصرح به، وقال أبو بكر بن عياش: لو عرف الناس حبيب بن حسان لضربوا على بابه الختم. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. اهـ.
وأما رواية الأزرقي عن عروة أنه قال: (فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن) إلخ.. فيعارضها ما روى عبد الرزاق في [مصنفه] عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون صقع البيت، حتى صلى عمر بن الخطاب خلف المقام) ، وما روى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن أبي ثابت، عن عبد العزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن المقام كان في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ولا شك في أنه إذا وقع التعارض بين رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة وبين روايتي: عبد الرزاق، وابن أبي حاتم - نقدم رواية عبد الرزاق وابن أبي حاتم على رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة؛
(3/384)

لأنهما يحملان شهادات أئمة الحديث في زمانهما بالإمامة في الحديث، وأما أبو الوليد الأزرقي مؤرخ مكة فلم نر شهادة أي معاصر له، ولم يرها قبلنا الفاسي على سعة اطلاعه؛ ولذلك يقول في [العقد الثمين] ،: (لم أر من ترجمه، وإني لأعجب من ذلك) ، وأما الذين لم يعاصروه فأقدم من رأيناه تعرض له منهم ابن النديم صاحب [الفهرست] ، قال فيه بعد ذكر نسبه: (أحد الأخباريين وأصحاب السير، وله من الكتب [كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها، كتاب كبير) . ا. هـ. وهذا لا يغني شيئا؛ لأمرين:
أحدهما: أن الغالب على الأخباريين والسيريين عدم الاعتناء بالروايات، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي في [ألفية السيرة] .
وليعلم الطالب أن السيرا ... تجمع ما صح وما قد أنكرا
الثاني: أن ابن النديم قال الحافظ ابن حجر في [لسان الميزان] ،: (هو غير موثوق به ومصنفه المذكور- يعني [الفهرست]- ينادي على مصنفه بالاعتزال والزيغ، نسأل الله السلامة) ثم قال الحافظ: (لما طالعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي، فإنه يسمي أهل السنة: الحشوية، ويسمي الأشاعرة: المجبرة، ويسمي كل من لم يكن شيعيا: عاميا، وذكر في ترجمة الشافعي شيئا مختلقا ظاهر الافتراء) ا. هـ.
ومراد الحافظ بذلك الشيء المختلق الظاهر الافتراء: قول ابن النديم في [الفهرست] ، ص (294، 295) : (بخطه- يعني: أبا القاسم الحجازي - أيضا قرأت: قال: ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية المغرب، فحمل إلى هارون الرشيد ومعه الشافعي، فقال الرشيد للهبي: سمت بك نفسك إلى هذا، قال: وأي الرجلين كان أعلى ذكرا وأعظم قدرا جدي أم جدك أنت؟
(3/385)

ليس تعرف قصة جدك وما كان من أمره، وأسمعه كل ما كره؛ لأنه استقبل، قال: فأمر بحبسه، ثم قال للشافعي: ما حملك على الخروج معه؟ قال أنا رجل أملقت، وخرجت أضرب في البلاد طلبا للفضل، فصحبته لذلك، فاستوهبه الفضل بن الربيع فوهبه، فأقام بمدينة السلام مدة فحدثنا محمد بن شجاع الثلجي قال: كان يمر بنا في زي المغنين على حمار وعليه رداء محشا وشعره مجعد) ثم وصف ابن النديم الشافعي وذكر حكاية عن أخريين من نوع الافتراء الذي ذكر أولا. ثم بعد ابن النديم الحافظ عبد الكريم بن محمد السمعاني صاحب كتاب [الأنساب] ، قال في [الأنساب] ،: (الأزرقي هو: أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي صاحب كتاب [أخبار مكة] ، وأحسن في تصنيف ذلك الكتاب غاية الإحسان، روى عن جده، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وغيرهما، روى عنه أبو محمد إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي. ا. هـ. وليس في هذا كبير فائدة من ناحية ترجمة أبي الوليد الأزرقي؛ لأن في إمكان كل من نظر في كتابه [أخبار مكة] أن يتحصل على مشايخه وعلى من روى ذلك الكتاب عنه؛ لأن جميع ذلك موجود في [أخبار مكة] ، ومجرد كلمة روى فلان عن فلان، وروى عنه فلان، وأخرج له فلان- لا يروي الغلة، ولا يشفي العلة، كما بينه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه [تهذيب التهذيب] ، وأما ثناء السمعاني على كتاب [أخبار مكة] ، فلا يوصله إلى درجة تقديم ما فيه على ما في مصنفات الإمامين الشهيرين: عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، ثم بعد ابن السمعاني الإمام النووي قال في الكلام على حجر إسماعيل عليه السلام:
(3/386)

(قد وصفه الإمام أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة، فأحسن وأجاد) ، وقد بحثنا عن قول النووي هذا فوجدناه يعتقد في مؤرخ مكة: أنه هو جده الإمام أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، بدليل قوله في [المجموع] ج (7) ص (464) بعد ذكر حدود الحرم، (هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في [كتاب مكة] وأبو الوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه، الذين رووا عنه الحديث والفقه) ، وقد نبه العلامة الفاسي في [العقد الثمين] ، على وهم الإمام النووي في هذا قال: (وهم النووي في قوله في [شرح المهذب] بعد أن ذكر في حدود الحرم نقلا عن أبي الوليد الأزرقي هذا: أنه أخذ عن الشافعي وصحبه، وروى عنه، وإنما كان ذلك وهما لأمرين:
أحدهما: أن الذين صنفوا في طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا في أصحاب الشافعي إلا أحمد بن محمد بن الوليد، جد أبي الوليد هذا.
والأمر الثاني: لو أن أبا الوليد هذا روى عن الإمام الشافعي لأخرج عنه في تاريخه؛ لما له من الجلالة والعظمة، كما أخرج عن جده، وابن عمر العدني وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم الإمام الشافعي، ثم قال الفاسي: (والسبب الذي أوقع النووي في هذا الوهم: أن أحمد الأزرقي جد أبي الوليد هذا يكنى بأبي الوليد، فظنه النووي هو والله أعلم. وإنما
(3/387)

نبهت على ذلك لئلا يغتر بكلام النووي، فإنه ممن يعتمد عليه، وهذا مما لا ريب فيه) . اهـ المراد من كلام الفاسي؟
وأما تاريخ وفاة مؤرخ مكة الأزرقي فقد بيض السمعاني في الأنساب لما بعد المائتين منها، وتعرض لتاريخ وفاته بعده محمد بن عمر بن عزم التونسي، وصاحب [كشف الظنون] ، وصاحب [هداية العارفين] ، لكن أخطأوا فيها، وبيان ذلك فيما يلي. أما محمد بن عمر بن عزم فيقول في [دستور الإعلام بمعارف الأعلام] ،: (الأزرقي إلى جده الأزرق صاحب [تاريخ مكة] محمد بن عبد الله بن أحمد سنة مائتين وأربع، وجده أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمر بن الحارث بن أبي شمر الغساني المكي، روى عن سفيان بن عيينة، وداود بن عبد الرحمن العطار، روى عنه حفيده سنة مائتين واثني عشر. ا. هـ. وهذا غير صحيح لا من ناحية الجد ولا من ناحية الحفيد، أما الجد؛ فلأنه حدث بواقعة بعد تاريخ مائتين واثني عشر، ففي الجزء الأول من [تاريخ الحفيد] ، ص (194) ما نصه: (قال أبو الوليد: قال جدي: أول من أثقب النفاطات بين الصفا والمروة في ليالي الحج وبين المأزمين- مأزمي عرفة - أمير المؤمنين إسحاق المعتصم بالله طاهر بن عبد الله بن طاهر، سنة تسع عشرة ومائتين، فجرى ذلك إلى اليوم. ا. هـ.
وأما الحفيد مؤرخ مكة فقد وجدناه حدث بحادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين، ففي الجزء الأول من تاريخه ص (171) ما نصه: قال أبو الوليد:
(3/388)

(أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بإذالة (1) القميص القباطي حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين) . ا. هـ. وأما صاحب [كشف الظنون] فقد قال في الكلام على تواريخ مكة، منها: تاريخ الإمام أبي الوليد محمد بن عبد الكريم المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين) . ا. هـ. وهذا غلط في اسم والد مؤرخ مكة، فإن اسمه عبد الله لا عبد الكريم، وغلط في تاريخ وفاته، لما تقدم في الرد على التونسي، وقد تبع صاحب [كشف الظنون] في الغلط التاريخي إسماعيل باشا في [هداية العارفين] ، وتنبه الكتاني لغلط صاحب [كشف الظنون] في تاريخ وفاة أبي الوليد الأزرقي، ذكر عنه في [الرسالة المستطرفة] ، أنه أرخ وفاته بسنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم قال: (لكن جده - أي: جد أبي الوليد - أحمد المذكور ذكر في [التقريب] ،: أنه توفي سنة سبع عشرة، وقيل: اثنتين وعشرين ومائتين، فيبعد عليه أن يكون حفيده مؤرخ مكة توفي في السنة المذكورة أولا يصح ذلك بالكلية) ، ولم يذكر الكتاني من ناحية الأزرقي شيئا يجدي.
__________
(1) الإذالة: بالذال المعجمة: الإسبال.
(3/389)

لماذا أخر عمر بن الخطاب المقام؟
علل تأخير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المقام بأربعة أشياء، نذكرها مع الكلام عليها:
1 - خشية عمر لما كثر الناس أن يطأوه بأقدامهم؛ لما رواه الفاكهي كما في [شفاء الغرام] ج (1) ص (307) قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال:
(3/389)

حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البيت، فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطأوه بأقدامهم، فأخره إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة. ا. هـ.
وهذا في سنده سليم بن مسلم الراوي عن ابن جريج، وقد تقدم أنه جهمي خبيث متروك الحديث.
2 - مما علل به تأخير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مقام إبراهيم - عليه السلام - عن موضعه الأول: رده إلى الموضع الذي كان فيه في عهد النبوة، وقد بينا فيما تقدم: أن صريح ما يستند إليه هذا التعليل غير صحيح، وغير الصريح يفسره ما تقدم عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه) فإن هذا يدل على أن عمر إنما رده إلى الموضع الذي وضعه فيه أول مرة.
3 - مما علل به تأخير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المقام: رده إلى موضعه في عهد إبراهيم الخليل - عليه السلام؛ لما في رواية [المدونة] ، المتقدمة بلفظ: (فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر، فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. ا. هـ. وهذا تعارضه رواية الفاكهي عن عثمان بن أبي
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/390)

سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سياق قصة بناء البيت بلفظ: (فلما بلغ- أي: إبراهيم عليه السلام- الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقا بالبيت) ، كما يعارضه ما ذكره الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ج (8) ص (137) في باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) من (كتاب التفسير) قال: (كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت، إلى أن أخره عمر - رضي الله عنه - إلى المكان الذي هو فيه الآن. أخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] ، بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضا،. ا. هـ.
فهاتان الروايتان هما المانعتان من قبول ما في رواية [المدونة] ، ولا يقال: إن رواية [المدونة] تتأيد برواية ابن الجوزي في [تاريخ عمر بن الخطاب] ، في باب ذكر ما خص به في ولايته مما لم يسبق إليه: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان مقام إبراهيم لاصقا بالكعبة، حتى كان زمن عمر بن الخطاب، فقال عمر: إني لأعلم ما كان موضعه هنا، ولكن قريش خافت عليه من السيل فوضعته هذا الموضع، فلو أني أعلم موضعه الأول لأعدته فيه، فقال رجل من آل عايذ بن عبد الله بن عمر
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/391)

بن مخزوم: أنا والله يا أمير المؤمنين أعلم موضعه الأول، كنت لما حولته قريش أخذت قدر موضعه الأول بحبل، وضعت طرفه عند ركن البيت الأول أو الركن أو الباب، ثم عقدت في وسطه عند موضع المقام فعندي ذلك الحبل، فدعا عمر بالحبل فقدروا به، فلما عرفوا موضعه الأول أعاده عمر فيه، قال عمر: إن الله عز وجل يقول: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1)
فإن هذه الرواية يمنع من اعتبارها: أن ابن الجوزي لم يذكر سندها إلى عبد الرحمن بن أبي الزناد - وما في عبد الرحمن بن أبي الزناد من المقال- ففي [الجرح والتعديل] حدثنا عبد الرحمن حدثنا محمد بن إبراهيم قال: سمعت عمرو بن علي قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. حدثنا عبد الرحمن، حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل قال: قلت لأبي: عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ قال: مضطرب الحديث. حدثنا عبد الرحمن، قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الرحمن بن أبي الزناد دون الدراوردي، لا يحتج بحديثه، حدثنا عبد الرحمن، سئل أبي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الرجال، ومن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وورقاء، والمغيرة بن عبد الرحمن، وشعيب بن أبي حمزة، من أحب إليك ممن يروي عن أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الزناد) . ا. هـ. ما في [الجرح والتعديل] . وقال النسائي في [الضعفاء
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(3/392)

والمتروكين] ،: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف. ا. هـ. وفي كتاب [المجروحين] ، لابن حبان في ترجمة عبد الرحمن بن أبي الزناد: أنه كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات، قال: وكان ذلك من سوء حفظه، وكثرة خطئه، فلا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد) ، وفي [الميزان] : أن من مناكيره حديث: «من كان له شعر فليكرمه (1) » ، وحديث: «الهرة من متاع البيت (2) » ، ومما يمنع اعتبار رواية ابن أبي الزناد المذكورة ما روى عبد الرزاق، عن معمر عن حميد، عن مجاهد قال: كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه عافية السيول، وكانوا يطوفون خلفه، فقال عمر للمطلب بن أبي وداعة السهمي: هل تدري أين موضعه الأول؟ قال: نعم، قدرت ما بينه وبين الحجر الأسود، وما بينه وبين الباب، وما بينه وبين زمزم، وما بينه وبين الركن عند الحجر، قال: تأتي بمقدار، فجاء بمقداره، فوضعه موضعه الأول) . ا. هـ. فإن في هذه الرواية: أن الذي دل عمر بن الخطاب على موضعه الأول: سهمي، لا مخزومي، وهذا أشهر من رواية ابن الجوزي عن ابن أبي الزناد.
4 - مما علل به تأخير عمر المقام مخافة التشويش على الطائفين، قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة- أي: سنة ثماني عشرة- في ذي الحجة منها حول عمر منها المقام، وكان ملصقا بجدار الكعبة، فأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين، نقله عن الواقدي وغيره الحافظ ابن كثير في الجزء السابع من تاريخه [البداية والنهاية] ص (93) ثم قال الحافظ ابن كثير: (قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر، ولله الحمد والمنة) . ا. هـ. إلى هذه العلة مال الحافظان ابن
__________
(1) سنن أبو داود الترجل (4163) .
(2) سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (369) .
(3/393)

كثير في [التاريخ] ، وابن حجر في [فتح الباري] في (كتاب التفسير) . قال ابن كثير في التاريخ المذكور ج (1) ص (164) : (قد كان هذا الحجر- أي: مقام إبراهيم عليه السلام- ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فأخره عن البيت قليلا؛ لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت) .
وقال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ، ج (8) ص (137) : كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم عليه السلام - يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج. ا. هـ.
(3/394)

حكم تأخير المقام اليوم نظرا للحرج
أثبتنا فيما تقدم أن مقام إبراهيم - عليه السلام - كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر الصديق وبعض خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة، ومادام الأمر كذلك فلا مانع من تأخير المقام اليوم عن ذلك الموضع إلى موضع آخر في المسجد الحرام يحاذيه ويقرب منه، نظرا إلى ما ترتب اليوم على استمراره في ذلك الموضع من حرج أشد على الطائفين من مجرد التشويش عليهم الذي حمل ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أن يؤخره عن الموضع الذي كان فيه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بتأخيره؛ نظرا لما ذكرنا نكون مقتدين بعمر بن الخطاب المأمور بالاقتداء به، ونرفع الحرج من ناحية أخرى عن الأمة المحمدية التي دلت النصوص القطعية على رفع الحرج عنها، قال الشاطبي
(3/394)

في [الموافقات] : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (1) وسائر ما يدل على هذا المعنى، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (3) وقوله تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} (4) وقوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (5) ' قال الشاطبي: (وقد سمي هذا الدين: الحنيفية السمحة؛ لما فيه من التسهيل والتيسير) ، وأطال الشاطبي في ذلك، وذكر أن قصد الشارع من مشروعية الرخص رفع الحرج عن الأمة، وقال السيوطي في [الإكليل] ،: (قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (6) هو أصل القاعدة: (المشقة تجلب التيسير) ، وقال أبو بكر بن العربي في [أحكام القرآن] ، في تفسير الآية الكريمة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (7) قال: (كانت الشدائد والعزائم في الأمم، فأعطى الله هذه الأمة من المسامحة واللين ما لم يعط أحدا قبلها) ، وقال عبد الرزاق في تفسيره: (أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (8) قال: من ضيق، وقال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (9)
__________
(1) سورة الحج الآية 78
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) سورة النساء الآية 28
(4) سورة الأحزاب الآية 38
(5) سورة الأعراف الآية 157
(6) سورة الحج الآية 78
(7) سورة الحج الآية 78
(8) سورة الحج الآية 78
(9) سورة الحج الآية 78
(3/395)

يقال للنبي: أنت شهيد على قومك، وقال الله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (1) ويقال للنبي: سل تعط، وقال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (2) ا. هـ. وفي كلام الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ما يدل على أن تأخير عمر بن الخطاب المقام عن موضعه الأول إلى موضعه اليوم من قبيل رفع الحرج عن الأمة، ونصه ج (8) ص (137) : (كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم عليه السلام - في الموضع الأول، يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج) . ا. هـ. ومثل نظر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في شأن المقام إلى رفع الحرج نظره إليه أيضا في شأن المطاف حينما كثر الناس فوسعه، وتبعه في ذلك عثمان، ففي [الأحكام السلطانية] ، للماوردي ما نصه: (كان- أي: المسجد الحرام - فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - جدار يحيط به، فلما استخلف عمر - رضي الله عنه - وكثر الناس، وسع المسجد، واشترى دورا هدمها، وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع لهم الأثمان، حتى أخذوها بعد ذلك، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، وكان عمر - رضي الله عنه - أول من اتخذ جدارا للمسجد، فلما استخلف عثمان - رضي الله عنه - ابتاع منازل فوسع بها المسجد، وأخذ منازل قوم ووضع لهم أثمانها فضجوا منه عند البيت، فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر - رضي الله عنه - هذا، فأقررتم ورضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس، حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسد، فخلى سبيلهم، وبنى للمسجد
__________
(1) سورة البقرة الآية 143
(2) سورة غافر الآية 60
(3/396)

الأروقة، فكان عثمان - رضي الله عنه - أول من اتخذ للمسجد الأروقة) . ا. هـ. المراد من كلام الماوردي في [الأحكام السلطانية] وهو آخر البحث. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
محمد بن إبراهيم آل الشيخ
(3/397)

قرار رقم (35) وتاريخ 14\ 2\ 1395هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب المقام السامي رقم (30560) وتاريخ 9\ 10\ 1394 هـ الموجه من جلالة الملك حفظه الله إلى فضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بخصوص عرض الرسالة التي هي من تأليف الشيخ\ علي الصالحي، الخاصة بنقل مقام إبراهيم - عليه السلام -، والبناء بمنى، وبعض المقترحات في المسجد الحرام - على هيئة كبار العلماء لدراسة المقترحات التي تضمنتها الرسالة، وبيان الرأي فيها.
وفي الدورة السادسة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر صفر عام 1395 هـ جرى من مجلس الهيئة استعراض الرسالة المذكورة، فوجدت تتلخص فيما يأتي:
أ- اقتراح بنقل المقام من مكانه الحالي إلى مكان آخر؛ ليتسع المطاف للطائفين أيام الحج.
ب- اقتراح بالبناء في منى بصفة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح.
ج- اقتراح ببناء طرق معلقة في المسعى فوق الساعين تنفذ إلى الحرم دون أن يتأذوا أو يتأذى الساعون.
د- اقتراح باستغلال هواء المطاف بتسقيفه بطريقة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح، واقتراحات بربط مبنى الحرم القديم بالجديد، وتبليط
(3/398)

حصوات الحرم.
ثم جرى من المجلس مناقشة هذه المقترحات، ومداولة الرأي فيها، وتقرر ما يلي:
أولا: بالنسبة لموضوع نقل المقام، فمما لا شك فيه أن وضعه الحالي يعتبر من أقوى الأسباب فيما يلاقيه الطائفون في موسم الحج من المشقة العظيمة والكلفة البالغة التي قد تحصل بالبعض إلى الهلاك أو تقارب، وذلك بسبب الزحام والصلاة عنده، وقد سبق أن بحث موضوع نقله، وصدر من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- فتوى بجواز نقله شرعا، إلا أنه رؤي الاكتفاء بتجربة تتلخص في إزالة الزوائد المحيطة بالمقام، ويبقى في مكانه، فإن كان ذلك كافيا ومزيلا للمحذور استمر بقاؤه في مكانه، وإلا تعين النظر في أمر نقله.
وحيث مضى على هذه التجربة عدة سنوات، واتضح أن بقاءه في مكانه الحالي لا يزال سببا في حصول الزحام والمشقة العظيمة به، ونظرا إلى أن من قواعد الشريعة الإسلامية: أن المشقة تجلب التيسير، وأن النصوص الشرعية قد تضافرت في رفع الحرج عن هذه الأمة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (1) وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (3)
وقد تتبعت الهيئة الآثار الواردة في تعيين مكان مقام إبراهيم - عليه السلام - في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذكره بعض أهل التفسير والحديث والتاريخ أمثال: الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والشوكاني وغيرهم-
__________
(1) سورة الحج الآية 78
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) سورة النساء الآية 28
(3/399)

فترجح لديها أن مكانه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وبعض من خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة؛ مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة.
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) بعد ذكره الأحاديث الواردة في الصلاة عنده- قال: قلت: وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل - عليه السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا- والله أعلم- أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر (2) » ، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -.
قال عبد الرزاق: عن ابن جريج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقال عبد الرزاق أيضا: عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقال الحافظ أبو بكر أحمد
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) سنن الترمذي المناقب (3662) ، سنن ابن ماجه المقدمة (97) ، مسند أحمد بن حنبل (5/382) .
(3/400)

بن الحسين بن علي البيهقي، أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: «أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه،» وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان- يعني: ابن عيينة - وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه، وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، وقال سفيان: لا أدري أكان لاصقا بها أم لا.
فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر، وهو: أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم، هو: ابن أبي إياس في [تفسيره] ، أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: «قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا، (3) » قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي، فينزل به القرآن، هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من
__________
(1) سورة البقرة الآية 125
(2) صحيح البخاري الصلاة (402) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (2959) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1009) ، سنن الدارمي المناسك (1849) .
(3) سورة البقرة الآية 125 (2) {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
(3/401)

أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم. اهـ.
وقال رحمه الله في معرض تفسيره قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (1) قد كان- أي المقام - ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من [الفتح] ،: كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم عليه السلام - يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج. اهـ.
وقال الشوكاني في تفسيره [فتح القدير] ، على قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (3) وهو- أي: المقام - الذي كان ملتصقا بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. اهـ.
وبناء على ذلك كله: فإن الهيئة تقرر بالإجماع جواز نقله شرعا إلى موضع مسامت لمكانه من الناحية الشرقية؛ نظرا للضيق والازدحام الحاصل في المطاف، والضرورة إلى ذلك، ما لم ير ولي الأمر تأجيل ذلك لأمر مصلحي.
__________
(1) سورة آل عمران الآية 97
(2) سورة البقرة الآية 125
(3) سورة البقرة الآية 125
(3/402)

ثانيا: بالنسبة إلى البناء في منى فلا يخفى أن منى مشعر من المشاعر المقدسة، وأنها مناخ من سبق، وأن أهل العلم رحمهم الله قد منعوا البناء فيها؛ لكون ذلك يفضي إلى التضييق على عباد الله حجاج بيته الشريف.
ونظرا إلى أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحجاج فيها أيام منى، وأنه يمكن أن تستغل هذه السفوح بطريقة تحقق المصلحة العامة، ولا تتعارض مع العلة في منع البناء في منى - فإن المجلس يقرر بالأكثرية: جواز البناء على أعمدة في سفوح الجبال المطلة على منى على وجه يضمن المصلحة للحجاج، ولا يعود عليهم بالضرر، ويكون هذا البناء مرفقا عاما، وما تحته لمن سبق إليه من الحجاج كبقية أراضي منى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة.
وقد توقف في ذلك صاحبا الفضيلة الشيخان: صالح اللحيدان، وعبد الله بن غديان..
ثالثا: بالنسبة لما يتعلق بتسقيف المطاف فيرى المجلس أنه لا حاجة إلى ذلك، ولما فيه من المضرة والمضايقات.
رابعا: بالنسبة لبقية المقترحات؟ كبناء الجسور في المسعى، وتبليط حصوات الحرم، وتخطيط منى، وربط مبنى الحرم القديم بالبناء الجديد - فما كان منها محققا للنفع فإن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودفع المضار، فتحال إلى الجهة المختصة لدراستها، وتقرير ما يحقق المصلحة
(3/403)

في ذلك منها.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة السادسة. .
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان
ومتوقف في البناء في سفوح الجبال بمنى ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان
متوقف في أمر البناء في السفوح ... عبد الله بن منيع ...
(3/404)

(9)
قتل الغيلة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(3/405)

بسم الله الرحمن الرحيم
قتل الغيلة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السادسة المنعقدة في شهر صفر عام 1395 هـ من إعداد بحث في قتل الغيلة، ليدرج في جدول أعماله بالدورة السابعة- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته بيان معنى قتل الغيلة في اللغة، وخلاف الفقهاء في ضابطه شرعا، وخلافهم فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا، وبيان ما يترتب على هذا الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدم قبوله، مع ذكر أدلة القولين ومناقشتها. وختمت البحث بخلاصة عن ذلك. والله الموفق.
(3/407)

ا- معنى قتل الغيلة في اللغة وضابطه عند الفقهاء:
أ- قتل الغيلة: لغة:
قال الإمام اللغوي إسماعيل بن حمد الجوهري: (غاله الشيء واغتاله: إذا أخذه من حيث لم يدر) (1) ، قال: (واغتاله: قتله غيلة، والأصل
__________
(1) [الصحاح] ، (5\ 1785) طبعة دار الكتاب العربي بمصر
(3/407)

الواو) (1) هكذا ذكر الجوهري في مادة (غول) المعتلة العين بالواو، وقال في مادة: (غيل) المعتلة العين بالياء (والغيلة: بالكسر الاغتيال، يقال: قتله غيلة، وهو: أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله) (2) .
وقال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (غول) : الغين والواو واللام أصل صحيح يدل على ختل وأخذ من حيث لا يدري، يقال: غاله يغوله: أخذه من حيث لم يدر. قالوا: والغول بعد المفازة؛ لأنه يغتال من مر به، قال: به تمطت غول كل ميل.
والغول من السعالي: سميت؛ لأنها تغتال، والغيلة: الاغتيال، والياء واو في الأصل، والمغول: سيف دقيق له قفا، وأظنه سمي مغولا؛ لأنه يستر بقراب حتى لا يدرى ما فيه (3) .
وقال الزمخشري في (الغيلة) : (هي: فعلة من الاغتيال، وياؤها عن واو؛ لأن الاغتيال من (غالته الغول) وتغوله غولا، وأورد هناك أثرا (أن صبيا قتل بصنعاء غيلة فقتل به عمر سبعة، وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم) (4) .
وقال المجد الفيروزآبادي: (والغول: الهلاك والإهلاك خفية، غاله واغتاله بمعنى) (5) .
__________
(1) [الصحاح] (5\1786)
(2) [الصحاح] (5 \1787)
(3) معجم مقاييس اللغة، (4\ 402) طبعة دار إحياء الكتاب العربي الأولى
(4) الفائق في غريب الحديث (2 \ 118) طبعة حيدرأباد
(5) [بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز] ، (4\ 154)
(3/408)

وقال المجد الفيروزآبادي في معاني الغيلة بكسر الغين: والخديعة والاغتيال، وقتله غيلة: خدعه فذهب به إلى موضع فقتله. وعلق الزبيدي على هذه العبارة بقوله: (نقله الجوهري وقد اغتيل. وقال أبو بكر: الغيلة في كلام العرب: إيصال الشر أو القتل إليه من حيث لا يعلم ولا يشعر، وقال أبو العباس: قتله غيلة إذا قتله من حيث لا يعلم. وفتك به: إذا قتله من حيث تراه وهو غار غافل غير مستعد) (1) .
__________
(1) [القاموس وشرحه تاج العروس] ، (8\ 53) .
(3/409)

ب- قتل الغيلة شرعا:
اختلف العلماء في ضابط قتل الغيلة: هل يخص القتل عمدا عدوانا على مال ونحوه، أو يعم كل قتل عمد عدوان على غرة، أو مع خداع بحيث يتعذر معه الخلاص؟
وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك:
قال العلامة علي بن سلطان القاري في قتل الغيلة: (هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة: فعلة من الاغتيال، وفي المغرب: الغيلة: القتل خفية، وفي القاموس: الغيلة بالكسر: الذريعة والاغتيال، وقتله غيلة، أي: خدعه فذهب به إلى موضع فقتله) (1) .
وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي: (أصحابنا- أي: المالكية- يوردونه- أي: قتل الغيلة- على وجهين:
أحدهما: القتل على وجه المحيل والخديعة.
__________
(1) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] (4\ 19) طبعة بمبي
(3/409)

والثاني: على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ) (1) .
وقال العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القروي: (قال الفاكهاني عن أهل اللغة: قتل الغيلة: هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع خفي، فإذا صار فيه قتله) ومر إلى أن قال: (ونقل عن بعض أصحابنا- وأظنه البوني رحمه الله تعالى- أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال- وأما الثائرة، وهي: العداوة بينهما، فيجوز العفو فيه. قلت: ما ظنه عن البوني مثله نقل الباجي عن العتبية والموازية قال: قتل الغيلة حرابة، وهو: قتل الرجل خفية لأخذ ماله، قال: (ومن أصحابنا من يقول: هو القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، وقبله ابن زرقون) (2) .
وقال الشيخ أحمد بن أحمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق: (قال أهل اللغة: قتل الغيلة: أن يخدعه بالقول حتى يأمن فيمشي به إلى موضع فيقتله، يريد لأخذ ماله لا لثائرة بينهما، وإلا فليس بغيلة، وفي النوادر عن الموازية: قتل الغيلة من الحرابة، أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخل موضعا فيقتله ويأخذ ما معه. وقال اللخمي: من أخذ مال رجل بالقهر ثم قتله خوفا من أن يطلبه بما أخذ لم يكن محاربا، وإنما هو مغتال، ثم هذا إذا فعل ذلك خفية وإلا فليس بغيلة. اهـ (3)
وقال الحطاب: (قال: - أي: خليل - في التواضيح في باب الحرابة: الغيلة: أن يخدع غيره؛ ليدخله موضعا ويأخذ ماله. وقال أيضا: قال ابن
__________
(1) [المنتقى شرح الموطأ، للباجي] (7\ 116) طبعة مطبعة العادق الأولى
(2) [شرح الرسالة] لابن ناجي بهامش شرح زروق (2\ 228، 229)
(3) [شرح الرسالة] لزروق (2\ 228، 229) طبعة المطبعة الجمالية.
(3/410)

رشد في رجل مرض وله أم ولد من سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين: إن قتل الغيلة: هو القتل على مال.
وقال القاضي علي بن عبد السلام التسولي: (فأما الغيلة فهي من أنواع الحرابة، وهي: أن يقتله؛ لأخذ ماله أو زوجته أو ابنته، وكذا لو خدع كبيرا أو صغيرا فيدخله موضعا خاليا؛ ليقتله ويأخذ ماله، أو يخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه) (1) .
وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي في شرح قول خليل في باب الحرابة من مختصره: (ومخادع أو غيره ليأخذ ما معه) ، قال الدسوقي بعد أن ذكر أن هذا القتل قتل غيلة: (وقتل الغيلة من الحرابة، ونص الجواهر: قتل الغيلة من الحرابة، وهي: أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة) اهـ.
قال طغى: تفسيرها- الغيلة- بما ذكر يدل على أن القتل ليس شرطا فيها، وأن قتل الغيلة من الحرابة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قوله: (قتل غيلة) بكسر أوله، أي: خديعة، والاغتيال: الأخذ على غفلة) (2) .
__________
(1) [البهجة في شرح التحفة] ، (2\ 342)
(2) [هدي الساري] (1\ 123) طبعة المنار
(3/411)

وقال الفقيه مصطفى السيوطي الرحيباني: (وقتل الغيلة، بكسر الغين المعجمة، وهو: القتل على غرة، كالذي يخدع إنسانا فيدخله بيتا أو نحوه أو غيره) (1) .
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: (أما إذا كان يقتل النفوس سرا؛ لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب، أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله- فهذا يسمى: القتل غيلة) (2) .
__________
(1) [مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى] (6\39)
(2) [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية] ، ص (84) طبعة دار الكتاب العربي بمصر- ط: الثالثة
(3/412)

2 - خلاف الفقهاء فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا وبيان ما يترتب على الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدمه:
اختلف أهل العلم فيما يوجبه قتل الغيلة، ولمن الأمر فيه على قولين:
أحدهما: القصاص أو الدية، على حسب اختيار أولياء المقتول.
والثاني: القتل، ويرجع فيه إلى السلطان، وفيما يلي ذكر نقول عن بعض من قال بكل واحد منهما، وأثر الخلاف، مع الأدلة والمناقشة.
المذهب الأول: أن من قتل رجلا عمدا غيلة أو غير غيلة، فذلك إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا، وبهذا قال أبو حنيفة (1) ،
__________
(1) الأم، (7\ 299)
(3/412)

والشافعي (1) ، وابن قدامة (2) ، وابن حزم، ومن وافقهم من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (3) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (4)
قال محمد بن الحسن الشيباني في توجيه الاستدلال بالآيتين قال: فلم يسم في ذلك قتل الغيلة ولا غيرها.
وقال ابن حزم بعد ذكره للآيتين وحديث: «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين (5) » . . . قال: (إن الله تعالى لو أراد أن يختص من ذلك قتل الغيلة أو الحرابة لما أغفله ولا أهمله، ولبينه صلى الله عليه وسلم) (6) .
أما السنة: فما أخرجه الترمذي بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعفو، وإما أن يقتل (7) » . قال الترمذي: وفي الباب عن وائل بن حجر وأنس وأبي شريح خويلد بن
__________
(1) [الأم] (7\299)
(2) [المغني] (7\648) وما بعدها
(3) سورة الإسراء الآية 33
(4) سورة البقرة الآية 178
(5) سنن الترمذي الديات (1406) ، سنن أبو داود الديات (4504) .
(6) [المحلى] 7\521
(7) صحيح البخاري العلم (112) ، صحيح مسلم الحج (1355) ، سنن الترمذي الديات (1405) ، سنن النسائي القسامة (4785) ، سنن أبو داود الديات (4505) ، سنن ابن ماجه الديات (2624) .
(3/413)

عمرة، ثم ساق بسنده إلى أبي شريح الكعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما (1) » ... إلى أن قال: «ثم إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل (2) » ، قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
وقال السهيلي في حديث أبي شريح: حديث صحيح، وإن اختلفت الرواة (3) .
وممن استدل بحديث أبي شريح ابن حزم وابن قدامة.
قال ابن حزم في توجيه الاستدلال: فذكر الدية أو القود أو المفاداة، والدية لا تكون إلا بالعفو عن القود بلا شك، فعمم عليه الصلاة والسلام ولم يخص، وذكر أيضا: أن قتل الغيلة لو كان مخصوصا من ذلك لبينه صلى الله عليه وسلم (4) .
وما أخرجه البخاري وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (5) إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} (6) فالعفو: أن تقبل الدية في العمد {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (7) مما كتب على من كان قبلكم {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} (8) قتل بعد قبول الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (9)
__________
(1) صحيح البخاري العلم (104) ، صحيح مسلم الحج (1354) ، سنن الترمذي الديات (1406) ، سنن النسائي مناسك الحج (2876) ، مسند أحمد بن حنبل (4/32) .
(2) سنن الترمذي الديات (1406) ، سنن أبو داود الديات (4504) .
(3) [الروض الأنف] (2\278)
(4) [المحلى] (10\520)
(5) سورة البقرة الآية 178
(6) سورة البقرة الآية 178
(7) سورة البقرة الآية 178
(8) سورة البقرة الآية 178
(9) سورة البقرة الآية 178
(3/414)

وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني في كلامه على رواية البخاري لهذا الحديث: استدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد ولو كان غيلة (1)
ويمكن أن الجمهور استدلوا بالحديث لما ذكره ابن حجر أخذا من عمومه في قتل الغيلة وغيره، وأنهم لم يطلعوا على مخصص يخرج قتل الغيلة من هذا العموم، فبقي العموم على أصله.
وأما الأثر: فما رواه الإمام الشافعي عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل قد قتل عمدا، فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء، فأمر بقتله، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: كانت لهم النفس، فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصة الذي عفا، فقال عمر: وأنا أرى ذلك (2) .
أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن النخعي قال: من عفا من ذي سهم فعفوه عفو.
وجه الدلالة: ما قاله الشافعي عن محمد بن الحسن: فقد أجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألوا: أقتل غيلة كان ذلك أو غيره؟ (3)
__________
(1) [فتح الباري] (12\176) وما بعدها.
(2) الرد على محمد بن الحسن للشافعي ضمن كتاب [الأم] ، (7\299)
(3) الرد على محمد بن الحسن للشافعي ضمن كتاب [الأم] ، (7\299)
(3/415)

وقال الشافعي بعد سياقه لهذين الأثرين ولكلام محمد بن الحسن:
كل من قتل في حرابة أو صحراء أو مصر أو مكابرة أو قتل غيلة على مال أو غيره أو قتل ثائرة - فالقصاص والعفو إلى الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء، إلا الأدب إذا عفا الولي (1) .
وأما المعنى: فقال ابن قدامة: إنه قتيل في غير المحاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتل (2) .
المذهب الثاني: أنه لا يجوز العفو في قتل الغيلة، وإذا عفا الأولياء قتله السلطان، وممن قال بهذا القول: مالك ومن وافقه على ذلك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذ سماحة مفتي الديار السعودية رحمه الله بهذا القول.
وفيما يلي ذكر طائفة من النقول في ذلك عن بعض أهل العلم نذكر بعدها الأدلة:
قال الشافعي: وقال أهل المدينة: إذا قتله قتل غيلة من غير ثائرة ولا عداوة فإنه يقتل، وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل (3)
وقال ابن حجر: وألحقه مالك بالمحارب فإن الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه، وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل إذا
__________
(1) الرد على محمد بن الحسن للشافعي ضمن كتاب [الأم] ، (7\299)
(2) [المغني] ، (7\ 649)
(3) الرد على محمد بن الحسن للشافعي ضمن كتاب [الأم] (7\ 299) .
(3/416)

رآه الإمام (1)
وقال ابن القاسم: (قتل الغيلة أيضا من الحرابة، مثل: أن يغتال رجل صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة)
وقال سحنون: (قلت- أي: لابن القاسم -: أرأيت إن قتل رجل وليا لي قتل غيلة، فصالحته على الدية، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا، إنما ذلك إلى السلطان، ليس لك ها هنا شيء، وترد ما أخذت منه، ويحكم عليه السلطان بحكم المحارب، فيقتله السلطان بضرب عنقه، أو يصلبه إن أحب حيا فيقتله مصلوبا. قلت: وهذا قول مالك. قال: أما في القتل فكذلك قال لي مالك وفي الصلب، وأما في الصلح فإنه لا يجوز، وهو رأي؛ لأن مالكا قال: ليس لولاة الدم فيه قيام بالدم مثل العمد، وإنما ذلك إلى الإمام يرى فيه رأيه، يقتله على ما يرى من أشنع ذلك) .
وقال أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النغراوي المالكي على قول ابن أبي زيد: (لا عفو فيه) - قال: لا للأولياء، ولا للسلطان، ولا للمقتول أيضا، ولو بعد إنفاذ مقاتله، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما (2) .
وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي في [شرح الرسالة] على قوله:
__________
(1) [فتح الباري] (12\210)
(2) [كفاية الطالب شرح رسالة ابن أبي زيد] ، (2\ 229)
(3/417)

(وقتل الغيلة لا عفو فيه) - قال: لا للمقتول، ولا للأولياء، ولا للسلطان، ظاهر كلامه: ولو كان المقتول كافرا، وهو كذلك في [المدونة] (1) .
وقال به أحمد بن جزي (2) وأحمد الدردير (3) ، وأحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق (4) ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا يصح العفو في قتل الغيلة؛ لتعذر الاحتراز كالقتل (5)
__________
(1) [شرح رسالة ابن أبي زيد] ، لزروق (2\ 299)
(2) [قوانين الأحكام] ، ص (375)
(3) [شرح مختصر خليل] (4\211) ومعه [حاشية الدسوقي] .
(4) [شرح مختصر خليل] (4\ 211) ومعه [حاشية الدسوقي]
(5) [الفروع] (5\69) .
(3/418)

وقال ابن القيم: قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، قال أيضا: وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به (1)
وأما سماحة مفتي الديار السعودية رحمه الله فقد كتب في قضية امرأة قتلت زوجها غيلة خطابا إلى إمارة منطقة الرياض بعدد (365) وتاريخ 21\6\1379هـ جاء فيه ما نصه:
إنه بناء على اعترافها، وكون قتلها للرجل غيلة فإنه يتحتم قتلها، وحيث الحال ما ذكره فإنه لا يلتفت إلى ما أبداه الأولياء ووكيل الأم، بل لا بد من قتلها شرعا؛ لأجل حق الله، ثم ساق كلام شيخ الإسلام وابن القيم السابق.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى:
__________
(1) [زاد المعاد] (3\79)
(3/418)

أما الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} (1)
قال ابن القاسم: وقتل الغيلة من الحرابة (2) وهو قول مالك.
وقد أجاب ابن حزم عن ذلك فقال: وجدنا أن الله تعالى قد حد الحرابة: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (3) فلا تخلو هذه الآية أن تكون على الترتيب أو التخيير، فإن كانت على الترتيب فالمالكيون لا يقولون بهذا، وإن كانت على التخيير- وهو قولهم- فليس في الآية ما يدعونه من أن قاتل الحرابة والغيلة لا خيار فيه لولي القتيل، فخرج قولهم: أن يكون له متعلق أو سبب يصح فبطل ما قالوه (4) .
وأما السنة: فمن ذلك ما يلي:
أ- ما أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «لما قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم اجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأخذوا، فقطع
__________
(1) سورة المائدة الآية 33
(2) [تبصرة الحكام] (2\243)
(3) سورة المائدة الآية 33
(4) [المحلي] (10\520)
(3/419)

أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا (1) » .
قال ابن القيم: وهذا الحديث- أيضا- يدل على أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة (2) .
وقد أجاب ابن حزم عن الاستدلال بهذا الحديث بعد جوابه عن حديث اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين- فقال: وأما حديث العرنيين فلا حجة لهم فيه أيضا لما ذكرنا في هذا الخبر، سواء بسواء، من أنه ليس فيه أنه عليه الصلاة والسلام لم يشاور أولياء الرعاة إن كان لهم أولياء، ولا أنه قال لا خيار في هذا لولي المقتول، فإذا ليس فيه شيء من هذا، فلا حجة لهم ولا لنا بهذا الخبر في هذه المسألة خاصة، فوجب علينا طلب حكمها بموضع آخر.
ثم هذا الخبر حجة عليهم؛ لما روينا من طريق مسلم، نا يحيى بن يحيى التميمي، نا هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس: أن أناسا من عرينة قدموا، وذكر الحديث، وفيه: أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإسلام- وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
قال أبو محمد: فهؤلاء ارتدوا عن الإسلام، والمالكيون هم على خلاف هذا الحكم من وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه لا يقتل المرتد عنده، ولا عندنا هذه القتلة أصلا.
والثاني: لا يقتص عندهم من المرتد، وإنما هو عندهم القتل أو الترك إن تاب.
__________
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3018) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671) ، سنن الترمذي الأطعمة (1845) ، سنن النسائي تحريم الدم (4025) ، سنن أبو داود الحدود (4364) ، سنن ابن ماجه الحدود (2578) ، مسند أحمد بن حنبل (3/186) .
(2) [زاد المعاد] (3\79)
(3/420)

والثالث: أنهم يقولون باستتابة المرتد، وليس في هذا الحديث ذكر استتابته البتة، فعاد حجة عليهم، ومخالفا لقولهم في هذه المسألة وغيرها (1) .
وذكر جوابا آخر بقوله: قد يمكن أن يكونوا غرباء لا ولي لهم (2)
ب- ما ثبت في الصحيحين، عن أنس بن مالك: «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين (3) » .
قال ابن القيم في أثناء الكلام على فقه هذا الحديث- قال: وإن قتل الغيلة لا يشترط فيه إذن الولي؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتما.
وأورد رحمه الله اعتراضا، وأجاب عنه، فقال: ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح، فإن ناقض العهد لا يرض رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف (4)
وقد يقال: إن هذا الحديث يدل على قتل الرجل بالمرأة قصاصا.
وأجاب عن ذلك الأبي فقال: في الاحتجاج به على ذلك ضعف؛ لأن قتله لها إنما كان غيلة، وقتل الغيلة حرابة (5) .
وقد أجاب ابن حزم أيضا عن الاحتجاج بهذا الحديث فقال: أما حديث اليهودي الذي رضخ رأس الجارية على أوضاحها فليس فيه أن رسول الله
__________
(1) [المحلى] (10\520)
(2) [المحلى] (10\521)
(3) صحيح البخاري الخصومات (2413) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672) ، سنن الترمذي كتاب الديات (1394) ، سنن النسائي القسامة (4779) ، سنن أبو داود الديات (4529) ، سنن ابن ماجه الديات (2666) ، مسند أحمد بن حنبل (3/203) ، سنن الدارمي الديات (2355) .
(4) [زاد المعاد] (2\200)
(5) [إكمال أكمل المعلم شرح صحيح مسلم] (4\413، 414)
(3/421)

صلى الله عليه وسلم لم يشاور وليها، ولا أنه شاوره، ولا أنه قال: أختار لولي المقتول في الغيلة أو الحرابة، فإذا لم يقل ذلك عليه الصلاة والسلام فلا يحل لمسلم أن ينسب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكذب عليه، ويقول عليه ما لم يقل، فكيف وهذا الخبر حجة عليهم، فإنهم لا يختلفون في أن قاتل الغيلة أو الحرابة لا يجوز البتة أن يقتل رضخا في الرأس بالحجارة وحدها، وهذا لا يقوله أحد من الناس، فصح يقينا إذ قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم رضخا بالحجارة أنه إنما قتله قودا بالحجارة، وإذا قتله قودا بها فحكم قتل القود: أن يكون بالخيار في ذلك، أو العفو للولي. وإذ ذلك كذلك بلا شك، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين (1) » . . . إلى آخره، فنحن على يقين من أن فرضا على كل أحد أن يضم هذا الحكم إلى هذا الخبر، وليس سكوت الرواة عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وليها يسقط ما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل من تخيير وليه، بل بلا شك في أنه عليه الصلاة والسلام لم يخالف ما أمر به. ولا يخلو هذا مما ذكرنا من قبول الزيادة المروية في سائر النصوص أصلا. ولو كان هذا الفعل تخصيصا أو نسخا؛ لبينه عليه الصلاة والسلام، فبطل تعلقهم به (2) .
وذكر جوابا آخر بقوله: قد يكون للأنصارية ولي صغير لا خيار له فاختار النبي صلى الله عليه وسلم القود. لو صح أنه عليه الصلاة والسلام لم يخير الولي فكيف وهو لا يصح أبدا؟! (3)
__________
(1) سنن الترمذي الديات (1406) ، سنن أبو داود الديات (4504) .
(2) [المحلى] (10\520)
(3) [المحلى] (10\521)
(3/422)

ج- ما رواه البيهقي بسنده إلى الواقدي، وسنده عند الواقدي: حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة في ذكر من قتل بأحد من المسلمين، قال: «مجذر بن زياد قتله الحارث بن سويد غيلة، وكان من قصة مجذر بن زياد أنه قتل سويد بن الصامت في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت، فشهدا بدرا، فجعل الحارث يطلب مجذرا؛ ليقتله بأبيه، فلم يقدر عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع أتاه جبريل عليه السلام فأخبره: أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره بقتله، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، فلما رآه دعا عويم بن ساعدة فقال: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بالمجذر بن زياد، فإنه قتله يوم أحد غيلة، فأخذه عويم، فقال الحارث: دعني أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى عليه عويم، فجابذه يريد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يركب- إلى أن قال: - حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم، فاضرب عنقه، فضرب عنقه (1) » .
وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بقول الشافعي: ولو كان حديثه- أي: حديث مجذر هذا- مما يثبت قلنا به، فإن ثبت فهو كما قالوا، ولا أعرفه إلى يومي هذا (2) .
__________
(1) [السنن الكبرى] ، (8\57) وقد بسطت القصة في [مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم] للواقدي ص (234- 236)
(2) [السنن الكبرى] (8\56)
(3/423)

وقول البيهقي: إنما بلغنا قصة مجذر بن زياد من حديث الواقدي منقطعا وهو ضعيف (1) .
وأما الآثار: فمن ذلك ما يلي:
أ- ما روى مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا (2)
وقد ذكره البخاري من طريق آخر، فقال: قال لي ابن بشار: حدثنا يحيى بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غلاما قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به
ب- ما رواه ابن حزم قال: وذكروا ما حدثناه أحمد بن عمر، نا الحسين بن يعقوب، نا سعيد بن فلحون، نا يوسف بن يحيى المعافري، نا عبد الملك بن حبيب، عن مطرف، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب الهذلي: أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان: أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله، فكتب إليه عثمان أن اقتله به، فإن هذا قتل غيلة على الحرابة.
ج- وبه- أي: بالسند السابق- إلى عبد الملك بن حبيب، عن مطرف، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن: أن رجلا مسلما في زمان أبان بن عثمان
__________
(1) [السنن الكبرى] (8\57)
(2) [الموطأ] ، رواية يحيى بن يحيى الليثي بشرح الباجي (7\ 115)
(3/424)

بن عفان قتل نبطيا بذي حميت على مال معه، فرأيت أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي؛ لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضرب عنقه.
د- وعن عبد الملك بن حبيب، عن مطرف بن أبي الزناد، عن أبيه أنه شهد أبان بن عثمان إذ قتل مسلما بنصراني قتله غيلة.
وقد أجاب ابن حزم عن أثر عثمان بقوله: وأما الرواية عن عثمان فضعيفة جدا؛ لأنها عن عبد الملك بن حبيب، وهو ساقط الرواية جدا، ثم عن مسلم بن جندب، ولم يدرك عثمان، وأيضا فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم قصة خالفوا فيها عثمان رضي الله عنه بأصح من هذا السند؛ كقضائه في ثلث الدية فيمن ضرب آخر حتى سلح، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، ومن المحال أن يكون ما لم يصح عنه حجة في إباحة الدماء، ولا يكون ما صح عنه حجة في غير ذلك (1)
وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله. وكل حق تعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه، كالزكاة وغيرها (2) ؛ لأنه يتعذر الاحتراز منه، كالقتل مكابرة (3) .
وقد تبين مما تقدم أن أثر الخلاف بين الفريقين: قبول العفو من أولياء الدم بناء على القول بأنه يقتل قصاصا، وعدم قبول العفو بناء على القول بأنه يقتل حدا.
__________
(1) [المحلى] (10\521)
(2) [شرح الرسالة] ، لابن أبي زيد القيرواني لزروق (2\ 229)
(3) [الفروع] (5\669)
(3/425)

الخلاصة
قتل الغيلة:
تطلق الغيلة لغة: على أخذ الشيء من حيث لا يدري، فهي متضمنة معنى الختل والغرة والخداع والخفاء، وهي اسم هيئة من الغول بمعنى: الاغتيال والإهلاك، يقال: غاله يغوله، إذا أخذه من حيث لم يدر، ومن ذلك سمي السيف الدقيق مغولا، لأنه يستتر بقراب حتى لا يدرى ما فيه، وسميت المفازة المتباعدة الأطراف غولا، لأنها تغتال من مر بها، وتطلق لغة أيضا على رضاع الولد المرأة الحامل أو التي جامعها زوجها مثلا.
والقتل غيلة: في اللغة: هو القتل على غرة، أو مع ختل وخداع، يقال: قتله غيلة إذا ختله وخدعه فقتله من حيث لا يعلم.
أما عند الفقهاء: فقد اختلف رأيهم فيه: فمنهم من خصه بالقتل خفية لأخذ المال، ومنهم من قال: هو قتل شخص لأخذ ما معه من مال أو زوجة أو أخت ونحو ذلك، ومنهم من توسع فيه، فقال: إنه القتل على وجه التحيل والخديعة، أو على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ، ويمكن أن يقال: إن هذا الأخير هو مذهب مالك وأصحابه، وما نقل عنهم من التعبير بالقتل على مال محمول على التمثيل لا الحصر، بدليل تعميمهم في كثير من عباراتهم، وتصريح ابن القاسم بجعل القتل على مال مثالا للقتل غيلة (1) ، وإدخالهم القتل على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ في
__________
(1) السطر الأول من ص 25 من [الإعداد]
(3/426)

قتل الغيلة، كقتل المدلجي ولده؛ ولذا أوجب فيه مالك قتل الوالدين لولدهما؛ لكونه قتل غيلة عندهم وإن لم يكن على مال. وأما من اشترط من المالكية في قتل الغيلة: أن يكون على مال فهو بعض المتأخرين (1) ، ومقتضى استدلال ابن تيمية التعميم، حيث علل ذلك بقوله: لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة، فيمكن أن يحمل ما نقل عنه من ذكر المال ونحوه على التمثيل.
وكذا تسمية العلماء ما جاء في أثر عمر من قتل الجماعة للغلام خشية أن يفضحهم قتل غيلة. ولم يكن ذلك على مال ولا لأخذ شيء من الغلام، وقد استدل المالكية بهذا الأثر على مطلوبهم من أن من قتل غيره غيلة يقتل حدا، ولم ينكر من خالفهم أنه غيلة، وإنما تأولوا الأثر بما يتفق مع ما ذهبوا إليه من أن قتلهم كان قصاصا.
هذا ومهما يكن من الاختلاف في ضابط قتل الغيلة فلا أثر له بالنسبة لمن لم يفرق بين أنواع القتل العمد العدوان في إيجابها القصاص دون الحد، وقبول عفو أولياء الدم في ذلك، إنما يظهر أثر الاختلاف في ضابط قتل الغيلة بالنسبة لمن فرق بين جزاء من قتل غيلة ومن قتل عمدا غير غيلة، فقد يكون قتل غيلة تترتب عليه آثاره عند بعضهم ما لا يكون غيلة عند آخرين فلا تترتب عليه آثاره.
__________
(1) ص 17 من [الإعداد]
(3/427)

الخلاف بين الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة:
اختلف الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة: فقال الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: إنه يوجب القتل قصاصا كسائر أنواع القتل عمدا عدوانا،
(3/427)

وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم من ورثة القتيل أو عصبته، فيجب تنفيذه إن اتفقوا على ذلك، ويسقط بعفوهم أو عفو بعضهم، وقال أبو الزناد ومالك وابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم: إنه يوجب قتل الجاني حدا لا قودا، فيتولى تنفيذه السلطان أو نائبه، ولا يسقط بعفو أحد، لا السلطان ولا غيره.
استدل من قال: إنه يقتل قصاصا بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (1) قالوا: جعل الله سبحانه الحق في الدم لأولياء القتيل من ورثة أو عصبة دون غيرهم، وعمم في ذلك فلم يخص قتلا دون قتل، والأصل بقاء النص على عمومه حتى يرد ما يصلح لتخصيصه.
وأيضا عموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (2)
فحكم تعالى في عموم القتلى بوجوب القصاص إلا ما خصه الدليل، فأوجب فيه الدية أو لم يوجب فيه شيئا، كما عمم تعالى في العفو بقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (3) فلم يخص به قتلا دون قتل، فوجب تعميمه في كل قتل عمد عدوان، غيلة كان
__________
(1) سورة الإسراء الآية 33
(2) سورة البقرة الآية 178
(3) سورة البقرة الآية 178
(3/428)

أم غير غيلة.
ونوقش الاستدلال بالآيتين: بأنهما وإن كان ظاهرهما العموم إلا أنه قد ورد ما يصلح لتخصيص عمومهما، وسيأتي مناقشة المخصص عند الاستدلال به للقول الثاني.
ونوقش الاستدلال بالآية الثانية: بأنها نزلت في مقاصة بين قتلى بالفعل في حرب فتنة بين المسلمين، فمن بقي له قتلى بعد المقاصة أخذ ديتهم، وليست في القصاص من جان معين لقتيله، ممن اختار تفسيرها بذلك ابن تيمية رحمه الله.
وأما السنة: فعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل، أو أن يقتلوا (1) » ، فجعل عليه الصلاة والسلام الخيرة لأهل القتيل بين العقل والقصاص في كل قتل، غيلة كان أم غير غيلة.
وأما الإجماع: فما رواه أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل قد قتل عمدا فأمر بقتله بعد عفو بعض الأولياء، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: كانت لهم النفس فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصة الذي عفا، فقال عمر: وأنا أرى ذلك، فأجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألا: أقتل غيلة كان ذلك أم غيره، ولم يعرف لهما في ذلك مخالف، فكان إجماعا.
ونوقش: بأنه منقطع، لأن إبراهيم- هو ابن يزيد النخعي ولد سنة 50 هـ،
__________
(1) سنن الترمذي الديات (1406) ، سنن أبو داود الديات (4504) .
(3/429)

وعمر مات سنة 23 هـ وعليه فما ادعي من الإجماع غير صحيح؛ لأنه سكوتي لا قولي ولا عملي، والسكوتي هنا فرع ثبوت القضية وهي لم تثبت، ويمكن أن يناقش أيضا: بأن عدم الاستفسار بناء على أن الأصل عموم القصاص في كل قتل عمد عدوان.
وأيضا ما روى عبد الرزاق عن سماك بن الفضل: أن عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل خنق صبيا على أوضاح له حتى قتله فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بذلك، فكتب: أن ادفعوه لأولياء الصبي، فإن شاءوا قتلوه. ولم يسأل عمر عن صفة القتل أهو غيلة أم لا؟ ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا.
ونوقش: بأن فيه عنعنة عبد الرزاق بن همام وهو مدلس.
ونوقش الأثران: بأن كلا منهما واقعة عين لا عموم لها، ودعوى ترك السؤال مجرد احتمال لا دليل عليه، إذ ليس في كل من الأثرين ثبوت السؤال ولا نفيه، ومع تساوي الاحتمالين يسقط الاستدلال.
أما القياس: فقالوا فيه: إنه قتل في غير حرابة، فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص وقبول العفو؛ لعدم الفارق.
ونوقش: بوجود الفارق، بأنه من الحرابة أو كالحرابة، ويتبين ذلك مما يأتي في الاستدلال للقول الثاني إن شاء الله.
واستدل من قال: إن قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدا لا قودا فلا يسقط بالعفو من السلطان أو غيره بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أما الكتاب: فإن قتل الغيلة نوع من الحرابة، فوجب به القتل حدا لا قودا؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} (1) الآية.
__________
(1) سورة المائدة الآية 33
(3/430)

ونوقش: بمنع كونه نوعا من الحرابة.
وأما السنة: أ- ما ثبت أن جارية وجدت قد رض رأسها بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ ‍‍‍ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضوا رأسه بالحجارة.
قالوا: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل اليهودي، ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لكان الحق لأوليائها، ولم يضرب عنهم صفحا، فدل ذلك على أنه قتله حدا لا قودا.
ب- ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة قتل حرابة وغيلة، ولم ينقل أنه جعل لأولياء الرعاة الخيار، ولو كان قتله إياهم قصاصا لشاورهم وطلب رأيهم، فدل على أنه قتلهم حدا لا قودا.
وبذلك يتبين أن قتل الغيلة له حكم خاص يختلف عن حكم سائر القتل العمد العدوان.
ونوقش الاستدلال بالحديثين: بأن عدم نقل مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أولياء الجارية والرعاة لا يدل على عدم المشاورة ولا على ثبوتها، فلا يصح أن يخصص هذان الحديثان أدلة عموم القصاص بالقتل العمد العدوان، ثم إن العرنيين جمعوا بين جريمة القتل والسرقة والتمثيل أو الردة فقتلوا حدا، ولا يلزم منه أن يقتل حدا كل من لم يحصل منه إلا القتل وحده وإن كان غيلة. ثم مراعاة المماثلة في تنفيذ العقوبة دليل على أن قتل اليهودي
(3/431)

بالجارية كان قصاصا.
ج- مما رواه الواقدي قال: حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة قال: دفن ثلاثة نفر يوم أحد في قبر: النعمان بن مالك، ومجذر بن زياد وعبدة بن الحسحاس، ثم ذكر قصة قتل مجذر بن زياد، وفيها: أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد يوم أحد غيلة بأبيه سويد بن الصامت الذي قتله مجذر بن زياد في الجاهلية غدرا، وكان ذلك مما هيج وقعة بعاث، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحارث قتل مجذرا غيلة، وأمره بقتله، فلما جاء الحارث بن سويد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة أن يضرب عنقه بقتله مجذرا غيلة، وبنو مجذر حضور عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستشر أحدا منهم. قال المستدلون بالقصة: دل ذلك على أن القاتل غيلة يقتل حدا لا قودا، ولا عفو فيه لأولياء الدم ولا للسلطان.
ونوقش: بأن الواقدي مختلف فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون، بل رماه جماعة بالكذب في الحديث ووضعه، منهم أحمد بن حنبل والنسائي، وأيضا في سنده اليمان بن معن وهو مجهول، وأيضا في سنده انقطاع (1) .
وعلى ذلك لا تقوم به حجة، ولا يصلح لتخصيص عموم أدلة القول الأول.
وأما الآثار: فمنها أولا: ما ثبت أن عمر رضي الله عنه أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام غيلة بصنعاء وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم
__________
(1) يرجع إلى الصحفة (31) من [الإعدد]
(3/432)

به، وفي رواية: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولم ينقل أنه استشار أحدا من أولياء الدم، ولو كان لهم حق العفو لرد الأمر إليهم، وطلب رأيهم، ولم ينقل أن أحدا من الصحابة أنكر عليه فكان إجماعا.
ونوقش: بأنه لا يلزم من عدم النقل عدم الاستشارة. ولا عدم وجود من ينكر، فلا يتم الاستدلال بالأثر على إسقاط حق أولياء الدم في العفو، ولا على ثبوت الإجماع. وتأول ابن قدامة قول عمر: لأقدتهم به) على معنى: لأمكنت الولي من استيفاء القود منهم.
ثانيا: ما روي أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله. فكتب إليه عثمان أن اقتله به، فإن هذا قتل غيلة.
ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وهو ضعيف، وفي سنده أيضا مسلم بن جندب الهذلي، ولم يدرك عثمان، فكان الأثر منقطعا.
ثالثا: ما روي أن رجلا مسلما في زمن أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي؛ لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضربت عنقه، ولم ينقل أنه استشار أولياء الدم، ولا أن أحدا أنكر عليه فكان إجماعا.
ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب، وهو ضعيف، كما أن فيه ما تقدم من مناقشة الاستدلال بأمر عمر.
وأما القياس: فإن القتل غيلة لما كان في الغالب عن ختل وخداع وأخذ على غرة- تعذر التحفظ منه، فكان كالقتل حرابة ومكابرة في أن عقوبة كل
(3/433)

منهما من الحدود لا القود والقصاص. وأيضا في ذلك سد لذريعة الفساد والفوضى في الدماء، والقضاء على الاحتيال والخديعة وسائر طرق الاغتيال، وبذلك يخصص عموم النص في وجوب القتل قصاصا، فيحمل على ما عدا قتل الغيلة.
وهنا إيراد على كلا الفريقين، وهو أن ما ادعاه كل منهما من الإجماع على ما أورده من القضايا في الآثار مردود بأنه مجرد سكوت ممن بلغه ذلك عند المعارضة في حكم صدر من ولي الأمر العام أو نائبه في قضايا أعيان من المسائل الاجتهادية، ومثل ذلك يتعين حمله على الموافقة، فقد يكون من سمع ذلك أو بلغه من العلماء مخالفا فيه، لكنه لم ينكر؛ لما تقرر عند العلماء من أن حكم الحاكم في واقعة عين اجتهادية يرفع الخلاف ويجب إمضاؤه، وعلى هذا لا تصح دعاوى الإجماع فيما تقدم ذكره في الآثار من الأحكام، ولهذا أمثلة كثيرة: منها: قضاء عمر في المشركة أولا بحرمان الأشقاء؛ لاستغراق الفروض كل التركة، وقضاؤه في مثلها ثانيا بتشريك الأشقاء مع الإخوة من الأم في سهمهم، ولم يكن سكوت الصحابة عن حكمه الأول إجماعا؛ وكذا لم يكن سكوتهم عن حكمه الثاني إجماعا، ولذا استمر الخلاف بين العلماء حتى اليوم في حكم هذه المسألة، فمنهم من رأى الصواب في حكمه الأول، ومنهم من رأى الصواب في حكمه الثاني.
ومن ذلك ما ورد في المدونة، في مسألة الغيلة من أن سحنونا قال لابن القاسم: أرأيت من قتل قتل غيلة، ورفع إلى قاض من القضاة فرأى ألا يقتله، وأن يمكن أولياء المقتول منه. ففعل، فعفوا عنه، ثم استقضى غيره
(3/434)

فرفع إليه، أفترى أن يقتله القاضي الثاني أم لا يقتله؛ لأنه قد حكم به قاض قبله في قول مالك، قال:
(لا أرى أن يقتله؛ لأنه مما اختلف الناس فيه) اهـ (1) .
فهذا ابن القاسم مع كونه يرى أن عقوبة القاتل غيلة من باب الحدود لا القصاص- منع أن يحكم قاض بحد من قتل غيلة بعد أن حكم قبله قاض يخالفه في الرأي بقبول العفو.
فكيف يصح مع ذلك وأمثاله دعوى الإجماع بمجرد السكوت على حكم في قضايا الأعيان؟!
هذا ما تيسر، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) [المدونة] ، (16\ 104) تحت عنوان: الذين يسقون السيكران
(3/435)

قرار رقم (38) وتاريخ 11\ 8\ 1395 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة (السادسة) لهيئة كبار العلماء، بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الغيلة، وقد أعدته وأدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف من 2\8\ 1395 هـ إلى 11\8\ 1395 هـ.
وقد عرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس ومناقشة المجلس لكلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة وعند الفقهاء، وما ذكر من المذاهب والأدلة والمناقشة في عقوبة القاتل قتل غيلة هل هو القصاص أو الحد؟ وتداول الرأي، وحيث إن أهل العلم ذكروا أن قتل الغيلة ما كان عمدا عدوانا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، سواء كان على مال أو لانتهاك عرض، أو خوف فضيحة وإفشاء سرها، أو نحو ذلك، كأن يخدع إنسان شخصا حتى يأمن منه ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر ثم يقتله؛ خوفا من أن يطالبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه- مثلا- للتخلص منه، أو العكس ونحو ذلك.
لذا قرر المجلس بالإجماع- ما عدا الشيخ صالح بن غصون - أن القاتل قتل غيلة يقتل حدا لا قصاصا، فلا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى:
(3/436)

أما الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} (1) الآية.
وقتل الغيلة نوع من الحرابة فوجب قتله حدا لا قودا.
وأما السنة: فما ثبت في [الصحيحين] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين.
فأمر صلى الله عليه وسلم بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لرد الأمر إليهم؛ لأنهم أهل الحق، فدل أن قتله حدا لا قودا.
وأما الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا.
فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلا يدل على أنه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم على أنه يقتل حدا لا قودا.
وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة.
__________
(1) سورة المائدة الآية 33
(3/437)

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة السابعة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن باز
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز صالح ... محمد الحركان
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... صالح بن غصون
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... (له وجهة نظر)
محمد بن جبير ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
(3/438)

وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه وبعد:
فبناء على إدراج موضوع قتل الغيلة في جدول أعمال الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء، وبعد الاطلاع على البحث المعد من قبل اللجنة الدائمة ومناقشة المجلس للموضوع- أرى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، وأنه لا يجوز العفو فيه، غير أنه لم يظهر لي أن ما يحدث من قتل بسبب خصومة أو عداوة أو ثائرة- يعتبر قتل غيلة، وقد نص على ذلك غير واحد من علماء المالكية في كتبهم.
كما وإن شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر قتل الغيلة، قال بعده ما نصه: (بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين) . اهـ. ص: 310- 311 ج 28 من [المجموع] .
وله كلام في هذا الموضع ص 316، 317 من المجلد المذكور، جاء في آخره: (واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان- كقتلة عثمان وقاتل علي رضي الله عنهما- هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم؛ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لأن في قتله فسادا عاما) . اهـ. وهذا واضح أنه رحمه الله لم يعتبر قتل الإمام علي رضي الله عنه غيلة، رغم أنه قتل عمدا على سبيل الخفية، كما هو معلوم.
هذا ما تبين لي. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
صالح بن علي بن غصون
عضو هيئة كبار العلماء
(3/439)