Advertisement

أبحاث هيئة كبار العلماء 002


(1)
حكم تشريح جثة المسلم
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/7)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم تشريح جثة المسلم (1)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد ... فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ موضوع (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
حكم تشريح جثة المسلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثامنة المنعقدة بالرياض في شهر ربيع الآخر عام 1396 هـ من إعداد بحث في (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) وإدراج ذلك في جدول أعمال الدورة التاسعة - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الرابع، ص35 - 81، سنة 1398هـ.
(2/9)

والإفتاء بحثا في ذلك، وضمنته ما يأتي:
أولا: بيان حرمة المسلم، ووجوب تكريمه حيا وميتا، وعصمة دمه حيا.
ثانيا: بيان أقسام التشريح والحاجة الداعية إلى كل قسم منها، وما يترتب على ذلك من مصالح.
ثالثا: ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم، واقتضت شق جسمه أو جثته أو قطع عضو منه حيا أو ميتا.
رابعا: المقارنة بين ما أباحه علماء الإسلام من ذلك بدافع الضرورة وتحقيق المصلحة وما يجريه الأطباء على جثث الأموات لمصالح طبية أو مصالح عامة، كإثبات الحقوق وحفظ الأمن وتحقيق السلام والاطمئنان، ثم بيان ما يترتب على ذلك من منع التشريح أو إباحته.
والله الموفق.
(2/10)

بسم الله الرحمن الرحيم
الموضوع الأول: بيان حرمة المسلم ووجوب تكريمه حيا أو ميتا وعصمة دمه ووجوب حقنه حيا:
ثبتت عصمة دم المسلم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يحل لأحد أن يسفك دم مسلم أو يجني على بشرته أو عضو من أعضائه إلا إذا ارتكب من الجرائم ما يبيح ذلك منه أو يوجبه شرعا، كأن يقتل مؤمنا عمدا عدوانا، أو يزني وهو محصن، أو يترك دينه ويفارق الجماعة، أو يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادا، أو نحو ذلك مما أوجبت الشريعة فيه قصاصا أو حدا أو تعزيرا، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} (1) إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (2) وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (3)
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: «خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: أتدرون أي يوم هذا؟
__________
(1) سورة النساء الآية 92
(2) سورة النساء الآية 93
(3) سورة الإسراء الآية 33
(2/11)

قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلي. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذي الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (1) » .
وعن ابن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك الجماعة (2) » .
__________
(1) [صحيح البخاري بشرح فتح الباري] (3\453) طبع \ عبد الرحمن محمد.
(2) [صحيح البخاري] (8\ 38) .
(2/12)

كما وردت نصوص كثيرة في تكريمه ورعاية حرمته بعد موته: ففي [سنن أبي داود] وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا (1) » وثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس على القبور» .
إلى غير ذلك مما تدل على عصمة دم المسلم، ووجوب تكريمه حيا أو ميتا، حتى صار ذلك معلوما من الدين بالضرورة، فأغنى عن الاستدلال عليه.
ويلتحق بالمسلم في عصمة دمه وحرمته في الجملة من كان معاهدا، سواء كان عهده عن صلح أو أمان أو اتفاق على جزية، فلا يحل دمه ولا إيذاؤه ما دام في عهده، ولا تحل إهانته بعد وفاته؛ لعموم قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (2) {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (3)
وقوله: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (4) ولما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة (5) » .
وقال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما (6) »
__________
(1) سنن أبو داود الجنائز (3207) ، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1616) ، مسند أحمد بن حنبل (6/105) .
(2) سورة النحل الآية 91
(3) سورة النحل الآية 92
(4) سورة الإسراء الآية 34
(5) [سنن أبي داود] (3\191) رقم الحديث (2760) .
(6) [فتح الباري بشرح صحيح البخاري] (12\259) رقم الحديث (6914) .
(2/13)

وما ثبت في حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (1) » .
وما رواه أبو داود في [سننه] عن سليم بن عامر -رجل من حمير - أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية، فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء (2) » فرجع معاوية (3) .
بل جاء الإسلام بحقن دماء أولاد الكفار المحاربين ونسائهم، وتحريم التمثيل بقتلاهم في الجملة عدلا منه ورحمة، كما هو معروف في حديث بريدة بن الحصيب وغيره في ذلك.
وفي [سنن أبي داود] وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا! (4) » .
__________
(1) صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (7300) ، صحيح مسلم الحج (1370) ، سنن الترمذي الولاء والهبة (2127) ، سنن النسائي القسامة (4734) ، سنن أبو داود كتاب الديات (4530) ، سنن ابن ماجه الديات (2658) ، مسند أحمد بن حنبل (1/119) ، سنن الدارمي الديات (2356) .
(2) سنن الترمذي السير (1580) ، سنن أبو داود الجهاد (2759) ، مسند أحمد بن حنبل (4/113) .
(3) [سنن أبي داود] (3\190، 191) رقم الحديث (2759) .
(4) [سنن أبي داود] (3\543، 544) رقم الحديث (3207) .
(2/14)

الموضوع الثاني: بيان أقسام التشريح والضرورة الداعية إلى كل منها وما يترتب على ذلك من مصالح:
ينقسم التشريح من حيث الغرض منه إلى ثلاثة أقسام:
(أ) التشريح لمعرفة سبب الوفاة عند الاشتباه في جريمة، ويسمى الطب الشرعي.
(ب) التشريح لمعرفة سبب الوفاة عموما، ويسمى التشريح المرضي.
(ج) التشريح لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه وغير ذلك من أجل تعلم الطب عموما.
وليس المقصود من البحث الاستقصاء في معرفة تفاصيل ما كتب عن هذه الأقسام، إذ ليس الغرض تعلم أنواع التشريح أو نوع منه، وإنما المقصود معرفة الحاجة إليه ومداها، وما يترتب عليه من مصالح عامة أو خاصة تخول الحكم عليه بالمنع والجواز، فكان من المناسب الوقوف بالبيان عند الحد الذي يمكن معه الحكم.
ففي القسم الأول: يقوم الطبيب الشرعي بتشريح الجثة عند الاشتباه في جريمة؛ ليعرف ما إذا كانت الوفاة نتيجة اعتداء بخنق، أو وخز، أو ضرب بمحدد، أو سقي سم، أو غير ذلك من ألوان الاعتداء، فتثبت الجريمة في نفسها، ثم يبحث في المتهم عن أمارات قد تصله بالجريمة أو تنتهي إلى اعترافه بها، وفي هذا إثبات للحق والحد من الاعتداء، وردع من تسول له نفسه أن يقتل خفية أو بوسائل يرى فيها الخلاص من ضبطه وعقوبته، وبهذا تحقن الدماء وتحفظ النفوس، ويعم الأمن والاطمئنان.
(2/15)

وقد ينتهي التشريح بإثبات الوفاة بسبب عادي لا اعتداء فيه أو باعتداء من الشخص على نفسه، ويتأكد ذلك بمعرفة أحواله والأمور الملابسة له مما قد يحدث له أزمات ومضايقات نفسية، وبهذا تذهب الظنون والأوهام، ويخلى سبيل المتهم. وربما يعثر على بعض الجثة، بالبحث عن باقيها يعثر على أجزاء أخرى قد تكون منها وقد تكون من غيرها، فيعرف الطبيب الشرعي بالتشريح أوصاف كل جزء ومميزاته من حيث السن، والذكورة والأنوثة، وطول العظام وقصرها وخواص الجلد، وما إلى ذلك من الأوصاف المميزة، وقد يتوصل بذلك إلى أن الأجزاء من جثة واحدة أو أكثر، وربما انتهى الأمر بالبحث والاستقصاء إلى نتيجة تعود على أولياء الدم بالخير، وعلى الأمة بالأمن والاطمئنان.
وفي القسم الثاني: من التشريح يعرف الطبيب المرض الذي سبب الوفاة، وقد تكثر الوفاة بسبب هذا المرض، ويخشى على الأمة انتشار الوباء فيها، فيبلغ الطبيب أولياء الأمور ليقوموا بما يلزم للحد من انتشار هذا المرض أو القضاء عليه.
وفي القسم الثالث: يقوم الطلاب بتشريح أجسام الموتى تحت إشراف الأطباء لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة ومفاصلها، ومعرفة أجهزته ومكان كل جهاز منها ووظيفته وحجمه، ومقاسه صحيحا أو مريضا، وعلامة مرضه، وكيفية علاجه، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته طلاب كلية الطب في مراحل الدراسة للنهوض بهم علميا وعمليا، وإعدادهم لخدمة الأمة في مختلف الجوانب الصحية - وقاية منها، وتشخيصا وعلاجا لها.
(2/16)

هذه وغيرها هي الدواعي التي دعت المسئولين عامة وعلماء الطب خاصة إلى الإقدام على تشريح جثث الموتى، وترخص للمسلمين منهم في ذلك مع اعتقادهم حرمة المسلم ومن في حكمه ووجوب تكريمه، لكن هل يكفي ذلك مبررا للتشريح ومرخصا فيه أو موجبا له؟ هذا مما يتبين إن شاء الله بعد بحث الموضوعات التالية.
(2/17)

الموضوع الثالث: ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق جسمه حيا أو جثته أو قطع عضو منه حيا أو ميتا:
تمهيد:
نظرا إلى أن من أقدم على التشريح من علماء الطب والمسئولين في الأمم قد بنوا ذلك على ما شعروا به من الحاجة إليه، وما اعتقدوه من المصالح الخاصة والعامة المترتبة عليه، ونظرا إلى أن علماء الإسلام قد بنوا ما استثنوه من القاعدة العامة في عصمة دم المسلم ومن في حكمه، ووجوب رعاية حرمته على الحاجة والمصلحة - كان لزاما علينا أن نمهد بكلمة في أنواع المصلحة ومراتبها، ثم نتبع ذلك بأقوال علماء الإسلام في المسائل المستثناة؛ ليتبين بذلك ما ينهض من المصالح للاعتبار وبناء الأحكام عليه، وما ينزل منها عن درجة الاعتبار، فلا تبنى عليه الأحكام. فسر العلماء المصلحة: بجلب المنفعة أو دفع المضرة.
وقسموها من حيث شهادة نص معين لها بالاعتبار، أو عليها بالإلغاء،
(2/17)

أو عدم شهادته لها أو عليها ثلاثة أقسام:
الأول: مصلحة شهد لها نص معين بالاعتبار: كالحدود التي شرعت نصا لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فهذه مصلحة معتبرة شرعا.
والثاني: مصلحة شهد النص المعين بإلغائها: كإيجاب صيام شهرين متتابعين كفارة على من جامع من الملوك ومن في حكمهم عمدا في نهار رمضان وهو صائم، ولم ير العتق مجزئا، لكونه غير رادع لمثله؛ لسهولته بالنسبة له، فهذه مصلحة ملغاة.
والثالث: مصلحة لم يشهد نص معين باعتبارها ولا بإلغائها: ومثلوا لها بإلزام الولاة رعيتهم بدفع ضرائب عند شدة الحاجة إليها، ويسمى هذا القسم بـ: (المصلحة المرسلة) ، وفي الاحتجاج بها خلاف مشهور بين أئمة الفقهاء: فمنهم من اعتبرها، ومنهم من ألغاها، ومنهم من اعتبرها إذا كانت واقعة في رتبة الضرورات دون الحاجات والتحسينات.
وذلك أنها تقسم من حيث القوة إلى ثلاث مراتب: واقعة في رتبة الضرورات، وواقعة في رتبة الحاجات، وواقعة في رتبة التحسينات. فأقواها الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.
وقد ذكر الغزالي تفصيل ذلك، وفيما يلي نصه:
الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح:
وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة، ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها، فنقول: المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام:
(2/18)

(أ) قسم شهد الشرع لاعتبارها.
(ب) وقسم شهد لبطلانها.
(ج) وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها.
القسم الأول: أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة، ويرجع حاصلها إلى القياس، وهو: اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع، وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع (1) ، فإنه نظر في كيفية استثمار الأحكام من الأصول المثمرة، ومثاله: حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر؛ لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف، فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة (2) اهـ.
القسم الثاني: ما شهد الشرع لبطلانها، مثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي.
__________
(1) انظر [المستصفى] 02\101) .
(2) [المستصفى] (1\139) .
(2/19)

القسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وهذا في محل النظر، فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر، وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات، وإلى ما هي في رتبة الحاجات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات، وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات. ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها.
ولنفهم أولا معنى المصلحة، ثم أمثلة مراتبها:
أما المصلحة فهي: عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس.
وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب؛ إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب؛ إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا؛ إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق؛ إذ به يحصل حفظ الأموال
(2/20)

التي هي معاش الخلق، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق؛ ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر، أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة: فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء القصاص؛ لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: القليل من الخمر إنما حرم؛ لأنه يدعو إلى الكثير فيقاس عليه النبيذ، فهذا دون الأول؛ ولذلك اختلفت فيه الشرائع، أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة؛ لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد.
الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه يحتاج إليه في اقتناء المصالح، وتقييد الاكتفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في المأكل، وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله، فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها مصالح الخلق، أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل، بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر، والتظاهر بالأصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة إليها.
أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا: لا تزوج الصغيرة إلا من كفء بمهر مثل، فإنه أيضا مناسب، ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح؛ ولهذا اختلف العلماء فيه.
الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع
(2/21)

التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، من حيث إن العبد نازل القدر والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة.
أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات؛ لأن ذلك مناسب للمصلحة، إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة، فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل، أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى، ولكن قول القائل: سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقوله: سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، فإن ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا، وهذا لا ينفك عن الانتظام لو صرح به الشرع.
ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى، بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن يعتذر عنه، والمناسب قد يكون منقوصا فيترك، أو يحترز عنه بعذر أو تقييد كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفء، فهو في الرتبة الثالثة؛ لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد؛ لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على أحسن المناهج.
وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من قبيل الحاجات، ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة. وعلى الجملة فيلحق برتبة التحسينات، فإذا عرفت هذه
(2/22)

الأقسام فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، كأن يجري مجرى الضرورات فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس.
أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال.
فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذ بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف كلها ضرورية قطعية كلية، وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي الترس، إذ لا ضرورة وفينا غنية عن القلعة فنعدل عنها، إذ لم نقطع بظفرنا بها؛ لأنها ليست قطعية، بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا، وإلا غرقوا
(2/23)

بجملتهم؛ لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين؛ لأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة، ولا أصل لها. وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا، فلا رخصة فيه؛ لأن المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح، فإنه تنقدح الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به لمصلحته، وقد شهد الشرع للإضرار بشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما، وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد الطعام فهو كقطع اليد، لكن ربما يكون القطع لسبب ظاهرا في الهلاك، فيمنع منه؛ لأنه ليس فيه يقين الخلاص، فلا تكون المصلحة قطعية.
وبعد أن ذكر حكم الضرب في التهمة وقتل الزنديق ولو تاب، والساعي في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة وإغراء الظلمة بالناس وأموالهم وحرماتهم ودمائهم وإثارة الفتن ... قال: (فإن قيل) : فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على استئصال الإسلام لو لم يقصد الترس، بل يدرك ذلك بغلبة الظن (قلنا) : لا جرم، ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة، وعللوا بأن ذلك مظنون، ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو الظن القريب من القطع (1) ، والظن القريب من القطع إذا صار كليا، وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه. (فإن قيل) : إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك، وغلب ذلك على الظن بما عرف من
__________
(1) والظن: القريب من القطع.
(2/24)

طبيعته وعادته المجربة طول عمره (قلنا) : لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك، بل هو أولى من الترس، فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة وإن لم توجب القتل، وكأنه التحق بالحيوانات الضارية؛ لما عرف من طبيعته وسجيته (فإن قيل) : كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس، وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} (1) وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (2) وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟
فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها حظر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء للمسلمين، ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى (قلنا) : لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد، ولا يبعد المنع من ذلك، ويتأيد بمسألة السفينة، وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة؛ إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا، وتترس بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا في مخمصة إلى أكل واحد، وإنما نشأ
__________
(1) سورة النساء الآية 93
(2) سورة الأنعام الآية 151
(2/25)

هذا من الكثرة، ومن كونه كليا، لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد، وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح، ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل، ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم، وإن كان التحريم عاما، ولكن نخصصه بغير هذه الصورة، فكذلك هاهنا التخصيص ممكن.
وقول القائل: هذا سفك دم محرم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع، والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل. اهـ.
وبعد ما تقدم من التهميد بالحديث عن المصالح، وبيان ما يصلح منها للاعتبار وبناء الأحكام عليه، وما لا يصلح لذلك نذكر مسائل فقهية لا تعدو أن تكون نظرية اجتهادية، وقد بنى الفقهاء حكمهم فيها نفيا وإثباتا على رعاية المصلحة.
ومن هذه المسائل ضرب من تترس به الكفار من أسارى المسلمين مثلا في الحرب، وشق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي بالأمارات، ورمي أحد ركاب سفينة خشي عليهم الغرق، فيرمى أحدهم بقرعة لينجو الباقون، وأكل مضطر من جثة إنسان ميت إنقاذا لنفسه من الهلاك، وتبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الإهلاك به وفيهم النساء والصبيان.
وفيما يلي بيان أقوال فقهاء الإسلام في هذه المسائل، وما بنوه عليه من الدليل والمصلحة.
(2/26)

المسألة الأولى: ضرب أو رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين
سبق في التمهيد أن ذكر الغزالي هذه المسألة، وبين أنها مبنية على مصلحة واقعة في رتبة الضرورات، حيث إن رمي الكفار وقتلهم بما يستتبع قتل أسارى المسلمين أو إصابتهم فيه نصر المسلمين وحفظ دينهم وديارهم، ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذه من الضرورات التي اتفقت الشرائع على حفظها، وفيه أيضا تقديم المصلحة العامة للإسلام وللأمة على المصلحة الخاصة، وهي حفظ دماء المسلمين الذين تترس بهم الكفار، وهذا يتفق مع قاعدة تقديم أقوى المصلحتين عند تعارضهما، وارتكاب أدنى المفسدتين وأخفهما تفاديا لأشدهما، فكان رمي الكفار قصدا بما يستتبع قتل متترسهم من المسلمين متفقا مع مقاصد الشريعة، لكن لما تعارضت مصلحة حفظ دماء أسرى المسلمين أو من بين الكفار من المسلمين حين الحرب، ومصلحة الجهاد وما يترتب عليه من منافع، وما يترتب على تركه من مضار - كانت المسألة مثار خلاف بين الفقهاء، فرأى بعضهم قتال الكفار بما يعم كالرمي بالمنجنيق والإغراق والغازات الخانقة وأمثالها إن لم يتغلب عليهم إلا بذلك؛ رعاية للمصلحة العامة، ورأى آخرون: أنه لا يجوز رميهم بما يعم.
وفيما يلي نصوص يتبين منها خلاف الفقهاء في ذلك وما استند إليه كل منهم من دليل أو تعليل:
أ - قال السرخسي: ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب وإحراقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار.
وقال الحسن بن زياد رحمه الله: إذا علم أن
(2/27)

فيهم مسلما، وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له ذلك؛ لأن الإقدام على قتل المسلم حرام، وترك قتل الكافر جائز، ألا ترى أن للإمام ألا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه، ولكنا نقول: أمرنا بقتالهم، فلو اعتبرنا هذا المعنى لأدى إلى سد باب القتال معهم، فإن حصونهم ومدائنهم قل ما تخلو من مسلم عادة، ولأنه يجوز لنا أن نفعل ذلك بهم وإن كان فيهم نساؤهم وصبيانهم، وكما لا يحل قتل المسلم لا يحل قتل نسائهم وصبيانهم، ثم لا يمتنع ذلك لمكان نسائهم وصبيانهم فكذلك لمكان المسلم فلا يستقيم منع هذا، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم: نصب المنجنيق على الطائف وأمر أسامة بن زيد رضي الله عنه بأن يحرق، وحرق حصن عوف بن مالك.
وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم، وإن كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم، وعلى قول الحسن رضي الله عنه لا يحل له ذلك، وهو قول الشافعي؛ لما بينا أن التحرز عن قتل المسلم فرض، وترك الرمي إليهم جائز.
ولكنا نقول: القتال معهم فرض، وإذا تركنا ذلك لما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم، ولأنه يتضرر المسلمون بذلك فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين فيجترئون بذلك على المسلمين، وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين والضرر مدفوع، إلا أن على المسلم الرامي أن يقصد به الحربي؛ لأنه لو قدر على التمييز بين الحربي والمسلم فعلا كان ذلك مستحقا عليه، فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يميز بقصده؛ لأنه وسع مثله اهـ.
ب- وفي كتاب الجهاد من [بداية المجتهد] لابن رشد: اتفق عوام
(2/28)

الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمنجنيق، سواء كان فيها نساء وذرية أم لم يكن؛ لما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين) فقالت طائفة: يكف عن رميهم بالمنجنيق، وبه قال الأوزاعي، وقال الليث: وذلك جائز، ومعتمد من لم يجزه قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (1) وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة.
ج- وقال في [الأم] قال الشافعي رضي الله عنه: (إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون، فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها السكان إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصن، فلا بأس أن ترمى بيوته وجدرانه، فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون، وإذا تترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون - فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان، وإن كانوا غير ملتحمين أحببت له الكف عنهم حتى يمكنهم أن يقاتلوهم غير متترسين، وهكذا إن أبرزوهم فقالوا: إن رميتمونا وقاتلتمونا قتلناهم، والنفط والنار مثل المنجنيق، وكذا الماء والدخان) (2) اهـ.
د- وقال محمد الشربيني الخطيب الشافعي: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر أو نحوه جاز ذلك، أي: الرمي بما ذكر وغيره [على المذهب] ؛ لئلا
__________
(1) سورة الفتح الآية 25
(2) [الأم] (4\287) ط 1 عام 1381 هـ.
(2/29)

يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم، وقد لا يصيب المسلم وإن أصيب رزق الشهادة) .
تنبيه: تعبيره بالجواز لا يقتضي الكراهة، سواء اضطروا إلى ذلك أم لا. وملخص ما في [الروضة] ثلاثة طرق: المذهب: إن لم يكن ضرورة كره تحرزا من إهلاك المسلم، ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة كخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به - جاز قطعا، وكالمسلم الطائفة من المسلمين، كما قاله الرافعي، وقضيته عدم الجواز إذا كان في المسلمين كثرة وهو كذلك (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء) وخناثي (وصبيان) ومجانين منهم (جاز) حينئذ (رميهم) إذا دعت الضرورة إليه، ونتوقى من ذكر؛ لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، وطريقا إلى الظفر بالمسلمين؛ لأنا إن كففنا عنهم لأجل التترس بمن ذكر لا يكفون عنا، فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لمن ذكر (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم) وجوبا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة، وقد نهينا عن قتلهم، وهذا ما رجحه في [المحرر] .
والثاني: وهو المعتمد كما صححه في [زوائد الروضة] جواز رميهم، كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد، أو حيلة إلى استبقاء القلاع لهم، وفي ذلك فساد عظيم، واحترز المصنف بقوله: دفعوا بهم عن أنفسهم عما إذا فعلوا ذلك مكرا وخديعة لعلمهم بأن شرعنا يمنع من قتل نسائهم وذراريهم، فلا يوجب ذلك ترك حصارهم ولا الامتناع من رميهم، وإن أفضى إلى قتل من ذكر قطعا. قاله الماوردي. قال في [البحر] : وشرط جواز الرمي أن يقصد
(2/30)

بذلك التوصل إلى رجالهم.
(وإن تترسوا بمسلمين) ولو واحدا أو ذميين كذلك (فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم) وجوبا صيانة للمسلمين وأهل الذمة، وفارق النساء والصبيان على المعتمد بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد، فلم يجز رميهم بلا ضرورة، والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين، فجاز رميهم بلا ضرورة.
(وإلا) بأن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم حال التحام القتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم (جاز رميهم) حينئذ (في الأصح) المنصوص، ونقصد بذلك قتال المشركين، ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أعظم من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية.
والثاني: المنع إذا لم يتأت رمي الكفار إلا برمي مسلم أو ذمي، وكالذمي المستأمن. اهـ (1) .
هـ - وقال أبو محمد بن قدامة رحمه الله: (2) وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد، وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم
__________
(1) [مغني المحتاج] (4\223، 224) ط \ الحلبي.
(2) [المغني] (9\276، 277) .
(2/31)

يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب.
فصل: ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا؛ لما روى سعيد: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: «لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها، فقال: ها دونكم فارموها فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها» .
ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها؛ لأن ذلك من ضرورة رميها، وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال؛ لأنها في حكم المقاتل، وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع قتله منهم.
وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم؛ لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم؛ لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم؛ لقول الله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} (1) الآية. قال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه
__________
(1) سورة الفتح الآية 25
(2/32)

يفضي إلى تعطيل الجهاد. اهـ.
(و) وقال المرداوي في [الإنصاف] : قوله: (وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع، وظاهر كلامه: أنه إذا لم يخف على المسلمين، ولكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي: عدم الجواز. وهذا المذهب نص عليه، وقدمه في [الفروع] وجزم به في [الوجيز] ، وقال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب؛ لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد. وجزم به في [الرعاية الكبرى] (1) .
__________
(1) [الإنصاف] (4 \ 129) .
(2/33)

المسألة الثانية: شق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي: شق بطن الميتة لإخراج ولدها الحي فيه انتهاك لحرمتها، ومخالفة للأدلة التي دلت على وجوب تكريمها وحرمة إيذائها، لكن فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم، وترك شق بطنها فيه تكريمها والمحافظة على حرمتها، لكن يلزمه القضاء على حياته، ومخالفة للأدلة الدالة على ذلك، فكان هذا التعارض منشأ اختلاف بين الفقهاء: فمنهم من منع شق بطنها رعاية لمصلحة تكريمها، ورأى أنها لا تهان لمصلحة غيرها، ومنهم من أجاز أو أوجب شق بطنها إن لم يمكن إخراج الولد منها حيا إلا بذلك؛ إيثارا لجانب الحي على جانب الميت، ويمكن أن يقال: إن رعاية عصمة الدم آكد من رعاية حرمة الميت، فإن الاعتداء على الميت بقطع رقبته، أو عضو من أعضائه مثلا لا يوجب قصاصا ولا دية، وإنما يوجب تعمده
(2/33)

تعزيرا، بخلاف قتل الحي مسلما أو ذميا فإنه يوجب في الجملة قصاصا أو دية، والمسألة على كل حال اجتهادية. ويلتحق بذلك شق بطن من مات لإخراج ما قد بلعه من الدنانير أو الدراهم أو نحوهما، حيث وقع فيه الخلاف أيضا، فمنهم من منعه رعاية لحرمة الميت، ومنهم من أجازه رعاية لحق المال.
وفيما يلي أقوال بعض الفقهاء في ذلك:
أ - قال ابن المواق: (وبقر عن مال كثر ولو بشاهد ويمين) . سحنون: يبقر عن دنانير في بطن الميت إلا على ما قل، عبد الحق: في كون ما قل دون ربع دينار أو نصاب الزكاة خلاف. وأجاب أبو عمران عن مقيم شاهد على ميت لم يدفن أنه بلع دنانير يحلف ليبقر بطنه قائلا: اختلف في القصاص بشاهد واحد [لا عن جنين] من [المدونة] .
قال مالك: لا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها.
وقال سحنون: إن كملت حياته ورجي خلاصه بقر. وقال ابن عبد الحكم: رأيت رجلا مبقورا على ناقة مبقورة، قال سند: وإذا بقر فمن خاصرتها اليسرى، ابن يونس: الصواب عندي البقر، لأن الميت لا يؤلمه. وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة خوف وقوع صبي أو أعمى في بئر، وقطع الصلاة فيه إثم، ولكن أبيح لإحياء نفس، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته إن ترك، والواقع في البئر قد يحيا فكان البقر أولى، ويحمل قول عائشة: كسر عظام الميت ككسرها حيا: إذا فعل ذلك عبثا، وأما لأمر هو واجب فلا، ألا ترى الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عليه، ولم يكن آثما في فعل ذلك
(2/34)

بنفسه أو بولده أو عبده مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت؟ قال اللخمي: إن كان الجنين في وقت لو أسقطته وهي حية لم يعش لم يبقر، وإن كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر، وكان متى بقر عليه رجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه، وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ميت (وتؤولت أيضا على البقر إن رجي) .
أما اللخمي وابن يونس فقد اختارا البقر كما تقدم، مصرحين بأنه خلاف قول مالك، وذكر ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال (وإن قدر على إخراجه من محله فعل) قال مالك: إن قدر على أن يستخرج الولد من حيث يخرج في الحياة فعل. اهـ.
ب - قال أحمد الدردير: و (بقر) أي: شق بطن ميت (عن مال) له أو لغيره ابتلعه حيا (كثر) بأن كان نصابا (ولو) ثبت (بشاهد ويمين) ومحل التقييد بالكثير إذا ابتلعه لخوف عليه أو لمداواة، أما لقصد حرمان الوارث فيبقر ولو قل (لا) يبقر (عن جنين) رجي لإخراجه ولا تدفن به إلا بعد تحقق موته ولو تغيرت (وتؤولت أيضا على البقر) وهو قول سحنون، وقد تأولها عليه عبد الوهاب (إن رجي) خلاصه حيا وكان في السابع أو التاسع فأكثر (وإن - قدر على إخراجه من محله) بحيلة (فعل) اللخمي: وهو مما لا يستطاع. اهـ (1) .
__________
(1) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (1 \ 429) .
(2/35)

وقال النووي في [المجمع] على قول الشيرازي في المذهب: (وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها؛ لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت) .
(الشرح) هذه المسألة مشهورة في كتب الأصحاب وذكر صاحب الحاوي أنه ليس للشافعي فيها نص، قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وخلائق من الأصحاب: قال ابن سريج: إذا ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها وأخرج، فأطلق ابن سريج المسألة، قال أبو حامد والماوردي والمحاملي وابن الصباغ: قال بعض أصحابنا: ليس هو كما أطلقها ابن سريج، بل يعرض على القوابل، فإن قلن: هذا الولد إذا أخرج يرجى حياته، وهو أن يكون له ستة أشهر فصاعدا شق جوفها وأخرج، وإن قلن: لا يرجى بأن يكون له دون ستة أشهر لم يشق؛ لأنه لا معنى لانتهاك حرمتها فيما لا فائدة فيه. قال الماوردي: وقول ابن سريج هو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء (قلت) : وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والعبدري في [الكفاية] وذكر القاضي حسين والفوراني والمتولي والبغوي وغيرهم في الذي لا يرجى حياته وجهين: (أحدهما) يشق (والثاني) لا يشق، قال البغوي: وهو الأصح، قال جمهور الأصحاب: فإذا قلنا: لا نشق لم تدفن حتى تسكن حركة الجنين ويعلم أنه قد مات، هكذا صرح به الأصحاب في جميع الطرق. . . ومختصر المسألة: إن رجي حياة الجنين وجب شق جوفها وإخراجه وإلا فثلاثة أوجه (أصحها) لا تشق ولا تدفن حتى يموت (والثاني) تشق ويخرج (والثالث) يثقل بطنها بشيء ليموت وهو غلط، وإذا
(2/36)

قلنا: يشق جوفها شق في الوقت الذي يقال: إنه أمكن له، هكذا قال الشيخ أبو حامد (1) . اهـ.
ج - قال النووي في [الروضة] : ولو ابتلع في حياته مالا ثم مات وطلب صاحبه الرد شق جوفه ويرد، قال في [العدة] : إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا ينبش على الأصح، وقال القاضي أبو الطيب: لا ينبش بكل حال، ويجب الغرم في تركته، ولو ابتلع مال نفسه ومات فهل يخرج؟ وجهان: قال الجرجاني: الأصح يخرج. قلت: وصححه أيضا العبدري، وصحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في [كتاب المجرد] ، عدم الإخراج، وقطع به المحاملي في [المقنع] ، وهو مفهوم كلام صاحب [التنبيه] ، وهو الأصح. والله أعلم. وحيث قلنا: يشق جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشق ينبش كذلك (2) اهـ.
د - وقال أبو محمد بن قدامة: قال: (والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق بطنها عليه، ويسطو عليه القوابل فيخرجنه) .
معنى (يسطو القوابل) : أن يدخلن أيديهن في فرجها، فيخرجن الولد من مخرجه، والمذهب: أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركته، وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه، وتترك أمه حتى يتيقن موته ثم تدفن، ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا، ويحتمل أن يشق بطن الأم، إن غلب على
__________
(1) [المجموع] للنووي (1 \ 301) .
(2) [الروضة] للنووي (2 \ 140، 141) .
(2/37)

الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي، فجاز، كما لو خرج بعضه حيا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، ولأنه يشق لإخراج المال منه، فلإبقاء الحي أولى.
ولنا: أن هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم، وقد قال عليه السلام: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي (1) » رواه أبو داود، وفيه مثلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وفارق الأصل، فإن حياته منتفية، وبقاءه مظنون، فعلى هذا إن خرج بعض الولد حيا ولم يمكن إخراجه إلا بشق، شق المحل؛ وأخرج لما ذكرنا، وإن مات على تلك الحال فأمكن إخراجه أخرج وغسل، وإن تعذر غسله ترك، وغسلت الأم وما ظهر من الولد، وما بقي ففي حكم الباطن لا يحتاج إلى التيمم من أجله؛ لأن الجميع كان في حكم الباطن، فظهر البعض، فتعلق به الحكم، وما بقي فهو على ما كان عليه، ذكر هذا ابن عقيل، وقال: هي حادثة سئلت عنها، فأفتيت فيها.
فصل: وإن بلع الميت مالا، لم يخل من أن يكون له أو لغيره، فإن كان له لم يشق بطنه، لأنه استهلكه في حياته، ويحتمل أنه إن كان يسيرا ترك، وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج، لأن فيه حفظ المال عن الضياع، ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه، وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله، لأن صاحبه أذن في إتلافه، وإن بلعه غصبا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يشق بطنه، ويغرم من تركته؛ لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى.
والثاني: يشق إن كان كثيرا؛ لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله
__________
(1) سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1617) .
(2/38)

إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم، ويفارق الجنين من وجهين:
أحدهما: أنه لا يتحقق حياته، والثاني: أنه ما حصل بجنايته، فعلى هذا الوجه إذا بلي جسده، وغلب على الظن ظهور المال، وتخلصه من أعضاء الميت - جاز نبشه وإخراجه، وقد روى أبو داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا قبر أبي رغال، وآية ذلك أن معه غصنا من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس، فاستخرجوا الغصن (1) » ، ولو كان في أذن الميت حلق أو في إصبعه خاتم أخذ، فإن صعب أخذه، برد، وأخذ؛ لأن تركه تضييع للمال (2) اهـ.
__________
(1) سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3088) .
(2) [المغني] ، لابن قدامة (3 \ 497 - 499) .
(2/39)

هـ - وقال المرداوي في [الإنصاف] : قوله: (وإن ماتت حامل لم يشق بطنها) وهذا المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، قال الزركشي: هذا المنصوص، وعليه الأصحاب. وقوله: (ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيا) وهو وجه في ابن تميم وغيره. فعلى المذهب (تسطو عليه القوابل فيخرجنه) إذا احتمل حياته على الصحيح من المذهب، وقال القاضي في الخلاف: إن لم يوجد أمارات الظهور بانتفاخ المخارج وقوة الحركة فلا تسطو القوابل.
فعلى الأول: إن تعذر إخراجه بالقوابل: فالمذهب: أنه لا يشق بطنها، قاله في [المغني] و [الشرح] و [الفروع] وغيرها. وعليه أكثر الأصحاب، واختار ابن هبيرة: أنه يشق ويخرج الولد. قلت: وهو أولى. فعلى المذهب: يترك ولا تدفن حتى يموت. قال في [الفروع] : هذا الأشهر،
(2/39)

واختاره القاضي، والمصنف، وصاحب [التلخيص] ، وغيرهم وقدمه في [الرعايتين] ، و [الحاويين] ، وعنه: يسطو عليه الرجال، والأولى بذلك المحارم، اختاره أبو بكر، والمجد: كمداواة الحي، وصححه في [مجمع البحرين] ، وهو أقوى من الذي قبله. وأطلقهما ابن تميم ولم يقيده الإمام أحمد بالمحرم، وقيده ابن حمدان بذلك. اهـ (1) .
ووقال ابن حزم في [المحلى] :
مسألة: ومن بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة شق بطنه عنها؛ لصحة نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، ولا يجوز أن يجبر صاحب المال على أخذ غير عين ماله، ما دام عين ماله ممكنا؛ لأن كل ذي حق أولى بحقه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (2) » فلو بلعه وهو حي حبس حتى يرميه، فإن رماه ناقصا ضمن ما نقص، فإن لم يرمه ضمن ما بلع، ولا يجوز شق بطن الحي؛ لأن فيه قتله، ولا ضرر في ذلك على الميت ولا يحل شق بطن الميت بلا معنى، لأنه تعد، وقد قال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا} (3) اهـ المقصود (4) .
وقال أيضا (5) :
مسألة: ولو ماتت امرأة حامل والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق بطنها طولا ويخرج الولد؛ لقول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (6)
__________
(1) [الإنصاف] (2 \ 556) .
(2) صحيح البخاري الحج (1741) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) ، سنن ابن ماجه المقدمة (233) ، مسند أحمد بن حنبل (5/37) ، سنن الدارمي المناسك (1916) .
(3) سورة البقرة الآية 190
(4) [المحلى] لابن حزم (5 \ 166، 167) ط. منيرية.
(5) [المحلى] لابن حزم (5 \ 166، 167) ط. منيرية.
(6) سورة المائدة الآية 32
(2/40)

ومن تركه عمدا حتى يموت فهو قاتل نفس، ولا معنى لقول أحمد رحمه الله: تدخل القابلة يدها فتخرجه، لوجهين:
أحدهما: أنه محال لا يمكن ولو فعل ذلك لمات الجنين بيقين قبل أن يخرج، ولولا دفع الطبيعة المخلوقة المقدرة له وجر، ليخرج لهلك بلا شك.
والثاني: أن مس فرجها لغير ضرورة حرام. اهـ.
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على ذلك: أما إخراج الولد الحي من بطن الحامل إذا ماتت فإنه واجب، وأما كيف يخرج فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الأطباء والقوابل.
(2/41)

المسألة الثالثة: أكل المضطر لحم آدمي ميت إذا لم يجد شيئا غيره: ثبت بالأدلة الصحيحة أن للمسلم ومن في حكمه حرمة، وأنه يجب تكريمه حيا وميتا، ومقتضى ذلك أنه لا يباح للمضطر أن يأكل من جسمه حيا ولا من جثته ميتا، ولو لم يجد غيره، ولو أدى ذلك إلى هلاكه؛ لما في ذلك من انتهاك حرمته لمصلحة غيره، وثبت بالأدلة الصحيحة أيضا أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته، حتى إنه يجوز له أن يأكل حال الضرورة ما هو محرم عليه حال عدمها من ميتة الأنعام والدم ولحم الخنزير. . . إلخ، بل يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي على نفسه الهلاك، ومقتضى ذلك أنه يجوز له أو يجب أن يأكل ميتة الآدمي إبقاء على
(2/41)

حياته، وعلى هذا نجد بين الأمرين تعارضا، وهو مثار الخلاف بين الفقهاء في حكم هذه المسألة، حيث منع بعضهم أكل المضطر من ميتة آدمي ولو كانت ميتة ذمي، ترجيحا لحرمة الميت وإعمالا لأدلتها، وأجاز آخرون له الأكل منها إذا لم يجد غيرها؛ إيثارا لحق الحي على حق الميت.
وتقدم ما يمكن أن يعتبر مرجحا لهذا الجانب.
وفيما يلي ذكر بعض أقوالهم في حكم المسألة، مع توجيه كل منهم لما ذهب إليه: (والنص عدم جواز أكله) ابن القصار: المضطر إلى أكل لحم الميتة لا يجد إلا لحم آدمي لا يأكله وإن خاف التلف، ابن رشد: الصحيح: أن الميت من بني آدم ليس بنجس. . . ثم قال: والميت من بني آدم لا يسمى ميتة، فليس برجس ولا نجس، ولا حرم أكله لنجاسته، وإنما حرم أكله إكراما له، ألا ترى أنه لما لم يسم ميتة لم يجز للمضطر أن يأكله بإباحة الله له أن أكل الميتة على الصحيح من الأقوال. (وصحح أكله) ابن عرفة تعقب عبد الحق قول ابن القصار: المضطر لا يأكل ميتة آدمي. اهـ المقصود منه (1) .
أ - وقال أحمد الدردير في الشرح الكبير على مختصر خليل: النص المعول عليه (عدم جواز أكله) أي: أكل الآدمي الميت ولو كافرا (لمضطر) ولو مسلما لم يجد غيره، إذ لا تنتهك حرمة مسلم لآخر (وصحح أكله) ابن عرفة: أي: صحح ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر (2) . اهـ.
__________
(1) [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل] (3 \ 77) .
(2) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (1 \ 429) .
(2/42)

ب - وقال النووي في [الروضة] : ثبت المحرم الذي يضطر إلى تناوله قسمان: مسكر، وغيره، فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم، فيجوز للمضطر قتل الحربي والمرتد وأكله قطعا، وكذا الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة على الأصح منهم. ولو كان له قصاص على غيره، ووجده في حالة اضطرار، فله قتله قصاصا وأكله، وإن لم يحضره السلطان، وأما المرأة الحربية وصبيان أهل الحرب ففي [التهذيب] : أنه لا يجوز قتلهم للأكل، وجوزه الإمام، والغزالي؛ لأنهم ليسوا بمعصومين، والمنع من قتلهم ليس لحرمة أرواحهم؛ ولهذا لا كفارة فيهم.
قلت: الأصح: قول الإمام، والله أعلم.
والذمي، والمعاهد، والمستأمن معصومون، فيحرم أكلهم، ولا يجوز للوالد قتل ولده للأكل، ولا للسيد قتل عبده، ولو لم يجد إلا آدميا معصوما ميتا، فالصحيح حل أكله، قال الشيخ إبراهيم المروذي إلا إذا كان الميت نبيا، فلا يجوز قطعا. قال في [الحاوي] : فإذا جوزنا لا يأكل منه إلا ما يسد الرمق؛ حفظا للحرمتين، قال: وليس له طبخه وشيه، بل يأكله نيئا؛ لأن الضرورة تندفع بذلك، وطبخه هتك لحرمته، فلا يجوز الإقدام عليه، بخلاف سائر الميتات، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة، ولو كان المضطر ذميا، والميت مسلما، فهل له أكله؟
حكى فيه صاحب [التهذيب] وجهين.
قلت: القياس تحريمه، والله أعلم.
ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة وإن كانت لحم خنزير، وإن وجد المحرم صيدا ولحم آدمي أكل الصيد، ولو أراد المضطر أن يقطع قطعة من
(2/43)

فخذه أو غيرها ليأكلها، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد حرم، وإلا جاز على الأصح، بشرط أن لا يجد غيره، فإن وجد حرم قطعا، ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره قطعا، ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر. اهـ (1) .
ج - وقال ابن قدامة في [المغني] : (فصل) : وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا؛ لأنه مثله، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه، وهذا لا خلاف فيه، وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح، وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، وإن وجده ميتا أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته، وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا، وقال الشافعي وبعض الحنفية: يباح، وهو أولى؛ لأن حرمة الحي أعظم، قال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء، واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي (2) » .
واختار أبو الخطاب أن له أكله، قال: لا حجة في الحديث ههنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم. اهـ
د - وقال المرداوي في [الإنصاف] : فإن لم يجد إلا آدميا مباح الدم كالحربي والزاني المحصن - حل قتله وأكله، هذا المذهب وعليه جماهير
__________
(1) [روضة الطالبين] (3 \ 284، 285) .
(2) سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1617) .
(2/44)

الأصحاب، وقال في [الترغيب] : يحرم أكله وما هو ببعيد. قوله: وإن وجد معصوما ميتا ففي جواز أكله وجهان، وأطلقها في المذهب و [المحرر] و [النظم] :
أحدهما: لا يجوز، وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف والشارح: اختاره الأكثر، كذا قال في [الفروع] وجزم به في [الإفصاح] وغيره. قال في [الخلاصة] ، و [الرعايتين] ، و [الحاويين] : لم يأكله في الأصح، قال في [الكافي] : هذا اختيار غير أبي الخطاب، قال في [المغني] : اختاره الأصحاب.
الثاني: يجوز أكله، وهو المذهب على ما اصطلحناه، صححه في [التصحيح] ، واختاره أبو الخطاب في [الهداية] ، و [المصنف] أو [الشارح] ، قال في الكافي: هذا أولى. وجزم به في [الوجيز] و [المنور] ومنتخب الآدمي، وقدمه في [الفروع] .
فائدتان:
إحداهما: يحرم عليه أكل عضو من أعضائه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب وقطعوا به، وقال في [الفنون] عن حنبل: إنه لا يحرم، انتهى (1) .
هـ - وقال ابن حزم في [المحلى] : مسألة: وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم أو لحم سبع طائر أو ذي أربع أو حشرة أو خمر أو غير ذلك - فهو كله عند الضرورة حلال، حاشا
__________
(1) [الإنصاف] (10 \ 376) ، وانظر الفائدة الثانية في نفس الصفحة المذكورة (الناشر) .
(2/45)

لحوم بني آدم وما يقتل من تناوله، فلا يحل شيء من ذلك أصلا، لا بضرورة ولا بغيرها. . . وبعد أن ذكر وجه حل ذلك للمضطر قال: وأما استثناء لحوم بني آدم فلما ذكرنا قبل من الأمر بمواراتها فلا يحل غير ذلك. اهـ (1) .
__________
(1) [المحلى] (5 \ 426) .
(2/46)

المسألة الرابعة: إلقاء أحد ركاب سفينة خشي عليها العطب فيلقى أحدهم في البحر بقرعة لينجو الباقون:
الأصل في المسلمين أنهم سواء في عصمة الدم ووجوب المحافظة على حياتهم، فإذا ركب منهم جماعة سفينة ثم أحدق بها الخطر وخشي من فيها على أنفسهم الغرق وعلموا أو غلب على ظنهم أن لا نجاة لهم إلا بتخفيف السفينة بإلقاء واحد منهم بالقرعة، فهل يجوز لهم ذلك أو لا؟
هذا محل نظر واجتهاد:
لذا اختلف فيه العلماء: فبعضهم لا يرى القرعة في مثل هذه المسألة؛ لاستواء الركاب في عصمة الدم، ووجوب محافظة كل منهم على حياته، فيحرم على كل منهم أن يلقي بنفسه في اليم لإنقاذ الباقين، ويحرم عليهم جميعا أن يلقوا واحدا منهم بقرعة أو بدونها؛ لأن مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية، ونجاتهم بإلقائه ظنية لا قطعية، وبعضهم يرى إلقاء واحد منهم لإنقاذ الباقين؛ لأن المصلحة هنا وإن كانت جزئية فهي متضمنة للمحافظة على أقوى المصلحتين، وهو إنقاذ الجماعة التي لم تلق في اليم بتفويت مصلحة من ألقي فيه، وهذا مستلزم لارتكاب أخف المفسدتين وهو إلقاء أحدهم في اليم تفاديا لأشدهما، وهو هلاك الجميع إذا لم يلق أحدهم بالقرعة، وكون نجاة
(2/46)

من بقي ظنية لا تأثير له في منع إلقاء واحد ما دام ظنا غالبا لا وهما، فإن الظن الغالب تبنى عليه الأحكام، فإن القتل العمد العدوان يثبت به حق القصاص بشهادة عدلين، وشهادتهما إنما تفيد غلبة الظن، وكذا شهادة عدلين بالسرقة، وأربعة بزنا البكر والمحصن إلى غير هذا مما يفيد غلبة الظن وتثبت به الأحكام في الضروريات الخمس المعروفة.
أما اعتبار القرعة أصلا تبنى عليه الأحكام فهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه بعد ثبوته وبناء الأحكام عليه في الكتاب والسنة في مسائل كثيرة متنوعة، قد يفيد استقراؤها القطع بثبوت هذا الأصل.
وفيما يلي نقول عن بعض العلماء في العمل بالقرعة في مواضع كثيرة منها هذه المسألة.
أ - وقال في [نتائج الأفكار] : قوله: والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل. قال الشراح: هذا جواب الاستحسان، والقياس يأباها؛ لأن استعمال القرعة تعليق الاستحقاق بخروج القرعة وهو في معنى القمار، والقمار حرام؛ ولهذا لم يجوز علماؤنا استعمالها في دعوى النسب ودعوى الملك وتعيين العتق أو المطلقة، ولكنا تركنا القياس ههنا بالسنة والتعامل الظاهر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، وليس هذا في معنى القمار؛ لأن أصل الاستحقاق في القمار، يتعلق بما يستعمل فيه، أو فيما نحن فيه لا يتعلق أصل الاستحقاق بخروج القرعة؛ لأن القاسم لو قال: أنا عدلت في القسمة فخذ أنت هذا الجانب وأنت ذاك الجانب كان مستقيما، إلا أنه ربما يتهم في ذلك فيستعمل القرعة لتطييب قلوب الشركاء ونفي تهمة الميل عن نفسه، وذلك جائز، ألا يرى أن يونس
(2/47)

عليه السلام في مثل هذا استعمل القرعة مع أصحاب السفينة، كما قال الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} (1) ؛ وذلك لأنه علم أنه هو المقصود، ولكن لو ألقى نفسه في الماء ربما نسب إلى ما لا يليق بالأنبياء، فاستعمل القرعة، كذلك زكريا عليه السلام، استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم إلى نفسه مع علمه بكونه أحق بها منهم؛ لكون خالتها عنده تطييبا لقلوبهم، كما قال الله تعالى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (2) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرع بين نسائه إذا أراد السفر تطييبا لقلوبهن. انتهى كلامهم.
وعزى في [النهاية] و [معراج الدراية] هذا التفصيل إلى [المبسوط] .
أقول: بين أول كلامهم هذا وآخره تدافع؛ لأنهم صرحوا أولا بأن مشروعية استعمال القرعة ههنا جواب الاستحسان، والقياس يأبى ذلك؛ لكونه في معنى القمار، وقالوا آخرا: إن هذا ليس في معنى القمار، وبينوا الفرق بينه وبين القمار، وذكروا: ورود نظائر له في الكتاب والسنة فقد دل ذلك على أنه ليس مما يأباه القياس أصلا، بل هو مما يقتضيه القياس أيضا فتدافعا. اهـ.
ب - وقال في [كتاب الأم] (كتاب القرعة) : أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (3) إلى قوله: {يَخْتَصِمُونَ} (4) وقال الله عز وجل: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (5) {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (6) {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} (7) (قال الشافعي) رحمه الله تعالى:
__________
(1) سورة الصافات الآية 141
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة آل عمران الآية 44
(4) سورة آل عمران الآية 44
(5) سورة الصافات الآية 139
(6) سورة الصافات الآية 140
(7) سورة الصافات الآية 141
(2/48)

فأصل القرعة في كتاب الله في قصة المقترعين على مريم والمقارعي يونس مجتمعة، فلا تكون القرعة - والله أعلم - إلا بين قوم مستوين في الحجة ولا يعدو - والله تعالى أعلم - المقترعون على مريم أن يكونوا سواء في كفالتها فتنافسوها. ثم قال: فالقرعة تلزم أحدهما ما يدفع عن نفسه وتخلص له ما يرغب فيه لنفسه وتقطع ذلك عن غيره ممن هو مثل حاله، (قال) : وهكذا معنى قرعة يونس لما وقفت بهم السفينة فقالوا: ما يمنعها من أن تجري إلا علة بها، وما علتها إلا ذو ذنب فيها فتعالوا نقترع، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام فأخرجوه منها وأقاموا فيها، وهذا مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم؛ لأن حال الركبان كانت مستوية وإن لم يكن في هذا حكم يلزم أحدهم في حالة شيئا لم يلزم قبل القرعة، ويزيل عن آخر شيئا كان يلزمه، فهو يثبت على بعض حقا ويبين في بعض أنه بريء منه، كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم غرم وسقوط غرم، (قال الشافعي) : وقرعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل موضع أقرع فيه في مثل معنى الذين اقترعوا على كفالة مريم سواء لا يخالفه، وذلك أنه أقرع بين مماليك أعتقوا معا فجعل العتق تاما لثلثهم وأسقط عن ثلثيهم بالقرعة، وذلك أن المعتق في مرضه أعتق ماله ومال غيره، فجاز عتقه في ماله ولم يجز في مال غيره، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم العتق في ثلثه ولم يبعضه كما يجمع القسم بين أهل المواريث ولا يبعض عليهم، وكذلك كان إقراعه لنسائه أن يقسم لكل واحدة منهن في الحضر، فلما كان السفر كان منزلة يضيق فيها الخروج بكلهن، فأقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وسقط حق غيرها في غيبته بها، فإذا حضر عاد للقسم لغيرها ولم يحسب عليها أيام
(2/49)

سفرها، وكذلك قسم خيبر، فكان أربعة أخماسها لمن حضر ثم أقرع، فأيهم خرج سهمه على جزء مجتمع كان له بكماله وانقطع منه حق غيره وانقطع حقه عن غيره. أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن ابن المسيب، «أن امرأة أعتقت ستة مملوكين لها عند الموت ليس لها مال غيرهم، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (1) » . أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب عن رجل عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: «أن رجلا من الأنصار إما قال: أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين ليس له شيء غيرهم، وإما قال: أعتق عند موته ستة مملوكين ليس له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (2) » . إلى أن قال: (أخبرنا) ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن أبي الزناد: أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قضى في رجل أوصى بعتق رقيقه وفيهم الكبير والصغير، فاستشار عمر رجالا منهم خارجة بن زيد بن ثابت فأقرع بينهم. ثم قال أبو الزناد: حدثني رجل عن الحسن: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بينهم (3) » . . . ثم ساق كلاما، وقال بعده: (قال الشافعي) وبهذا كله نأخذ. وحديث القرعة عن عمران بن حصين وابن المسيب موافق قول ابن عمر في العتق لا يختلفان في شيء حكي فيهما ولا في واحد منهما، وذلك أن المعتق أعتق رقيقه عند الموت ولا مال له غيرهم، وإن كان أعتقهم عتق بتات في حياته فهكذا فيما أرى الحديث، فقد دلت السنة على معاني منها: إن أعتق البتات عند الموت إذا لم يصح المريض قبل أن يموت فهو وصية كعتقه بعد الموت، فلما أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فأعتق الثلث وأرق الثلثين، استدللنا
__________
(1) سنن أبو داود العتق (3958) ، مسند أحمد بن حنبل (5/341) .
(2) صحيح مسلم الأيمان (1668) ، سنن الترمذي الأحكام (1364) ، سنن النسائي الجنائز (1958) ، سنن أبو داود العتق (3958) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2345) ، مسند أحمد بن حنبل (4/428) .
(3) صحيح مسلم الأيمان (1668) ، سنن الترمذي الأحكام (1364) ، سنن النسائي الجنائز (1958) ، سنن أبو داود العتق (3958) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2345) ، مسند أحمد بن حنبل (4/446) ، موطأ مالك العتق والولاء (1506) .
(2/50)

على أن المعتق أعتق ماله ومال غيره، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ماله ورد مال غيره. اهـ المقصود (1) .
ج - وقال ابن حجر في [فتح الباري] (2) عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (3) الآية: أشار البخاري بذكر هذه الآية إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة، بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولا سيما إذا ورد في شرعنا ما يقرره، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله، وهذا منه. اهـ.
وقال في تفسير قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} (4) والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذه المسألة من هذا القبيل؛ لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض، وليس ذلك في شرعنا؛ لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها. اهـ.
وقال (5) : والمشهور عند الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض: هو مشهور عند مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الخطر والقمار،
__________
(1) [الأم] للشافعي (8 \ 3، 4) الطبعة الأولى 1381هـ
(2) [فتح الباري] (5\292) .
(3) سورة آل عمران الآية 44
(4) سورة الصافات الآية 141
(5) [فتح الباري] (9 \ 311)
(2/51)

وحكي عن الحنفية إجازتها. اهـ. وقد قالوا به في مسألة الباب، واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى. وقال القرطبي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحا بغير مرجح. اهـ. وفيه مراعاة للمذهب مع الأمن من رد الحديث أصلا لحمله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعنى.
(2/52)

وقال ابن حجر في [فتح الباري] : مشروعية القرعة مما اختلف فيه: والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل، وفسرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر، وتقع المشاحة فيه فيقرع لفصل النزاع، وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق، كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا، فيضم في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه، لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة ألا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الآخر فيقطع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية، وإما في تعيين الملك، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات
(2/52)

والمؤذنين والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم، والحاضنات إذا كن في درجة، والأولياء في التزويج، والاستباق إلى الصف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نقل المعدن، ومقاعد الأسواق، والتقديم بالدعوى عند الحاكم، والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في الخان المسبل ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القسم، والدخول في ابتداء النكاح، وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصى بعتقهم ولم يسعهم الثلث، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضا، وهو تعيين الملك، ومن صور تعيين الملك: الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة. اهـ (1) .
د - قال ابن القيم في [الطرق الحكمية] فصل القرعة: ومن طرق الأحكام الحكم بالقرعة، قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (2) قال قتادة: (كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرع زكريا، وكان زوج خالتها، فضمها إليه) ، وروي نحوه عن مجاهد، وقال ابن عباس: (لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها) وهذا متفق عليه بين أهل التفسير.
وقال تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (3) {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (4) {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} (5)
__________
(1) [فتح الباري] (5 \ 293، 294) .
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة الصافات الآية 139
(4) سورة الصافات الآية 140
(5) سورة الصافات الآية 141
(2/53)

أي: (فقارع فكان من المغلوبين) .
فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة، وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم.
وفي [الصحيحين] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا (1) » .
وفي [الصحيحين] أيضا عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه (2) » .
وفي [صحيح مسلم] عن عمران بن حصين: «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا (3) » .
وفي [صحيح البخاري] عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين، فسارعوا إليه، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين: أيهم يحلف (4) » . وفي سنن أبي داود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها، فليستهما عليها (5) » ، وفي رواية أحمد: «إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها (6) » ، وفيه أيضا «أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس لواحد منهما بينة، فقال: استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها (7) » .
وفي [الصحيحين] عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، يختصمان في مواريث لهما، لم تكن
__________
(1) صحيح البخاري الأذان (615) ، صحيح مسلم الصلاة (437) ، سنن الترمذي الصلاة (225) ، سنن النسائي الأذان (671) ، سنن أبو داود الأدب (5245) ، سنن ابن ماجه المساجد والجماعات (797) ، مسند أحمد بن حنبل (2/303) ، موطأ مالك النداء للصلاة (295) .
(2) صحيح البخاري كتاب المغازي (4141) ، صحيح مسلم كتاب التوبة (2770) ، سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (3180) ، سنن أبو داود الأدب (5219) ، سنن ابن ماجه الحدود (2567) ، مسند أحمد بن حنبل (6/198) ، سنن الدارمي النكاح (2208) .
(3) صحيح مسلم الأيمان (1668) ، سنن الترمذي الأحكام (1364) ، سنن النسائي الجنائز (1958) ، سنن أبو داود العتق (3958) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2345) ، مسند أحمد بن حنبل (4/431) ، موطأ مالك العتق والولاء (1506) .
(4) صحيح البخاري الشهادات (2674) ، سنن أبو داود الأقضية (3616) ، سنن ابن ماجه كتاب الأحكام (2329) ، مسند أحمد بن حنبل (2/489) .
(5) صحيح البخاري الشهادات (2674) ، سنن أبو داود الأقضية (3617) ، سنن ابن ماجه كتاب الأحكام (2329) ، مسند أحمد بن حنبل (2/524) .
(6) صحيح البخاري الشهادات (2674) ، سنن أبو داود الأقضية (3617) ، سنن ابن ماجه كتاب الأحكام (2329) ، مسند أحمد بن حنبل (2/524) .
(7) صحيح البخاري الشهادات (2674) ، سنن أبو داود الأقضية (3616) ، سنن ابن ماجه كتاب الأحكام (2329) ، مسند أحمد بن حنبل (2/524) .
(2/54)

لهما بينة إلا دعواهما، فقال: " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار (1) » رواه أبو داود في السنن، وفيه: «فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا (2) » .
فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها الكتاب، وفعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده. قال البخاري في [صحيحه] : (ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد) وقد صنف أبو بكر الخلال مصنفا في القرعة، وهو في جامعه، فذكر مقاصده. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة. وقال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال: إنها قمار؟ قال: إن كان ممن سمع الحديث فهذا كلام رجل له خبر يزعم أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قمار.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن ابن أكثم يقول: إن القرعة قمار، قال: هذا قول رديء خبيث، ثم قال: كيف؛ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدار ولم يرضوا قالوا: يقرع بينهم، وهو يقول: لو أن رجلا له أربع نسوة فطلق إحداهن وتزوج الخامسة ولم يدر أيتهن التي طلق، قال: يورثهن جميعا، ويأمرهن أن يعتددن جميعا، وقد ورث من لا ميراث لها. وقد أمر أن تعتد من لا عدة عليها، والقرعة تصيب الحق، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله، فقلت: إن بعض الناس ينكر القرعة ويقول: هي قمار اليوم، ويقول: هي
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2458) ، صحيح مسلم الأقضية (1713) ، سنن الترمذي الأحكام (1339) ، سنن النسائي كتاب آداب القضاة (5422) ، سنن أبو داود الأقضية (3583) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2317) ، مسند أحمد بن حنبل (6/320) ، موطأ مالك الأقضية (1424) .
(2) صحيح البخاري المظالم والغصب (2458) ، صحيح مسلم الأقضية (1713) ، سنن الترمذي الأحكام (1339) ، سنن النسائي كتاب آداب القضاة (5422) ، سنن أبو داود الأقضية (3583) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2317) ، مسند أحمد بن حنبل (6/320) ، موطأ مالك الأقضية (1424) .
(2/55)

منسوخة؟ فقال أبو عبد الله: من ادعى أنها منسوخة فقد كذب، وقال الزور، القرعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرع في ثلاثة مواضع: أقرع بين الأعبد الستة، وأقرع بين نسائه لما أراد السفر، وأقرع بين رجلين تدارأا في دابة، وهي في القرآن في موضعين.
قلت: يريد أنه أقرع بنفسه في ثلاثة مواضع، وإلا فأحاديث القرعة أكثر، وقد تقدم ذكرها. قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدار والأرضين أقرع بين القوم، فأيهم أصابته القرعة كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه.
وقال الأثرم. إن أبا عبد الله ذكر القرعة واحتج بها وبينها وقال: إن قوما يقولون: القرعة قمار، ثم قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم جهلوا، فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنن، قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن فقال: حديث أبي الزناد؛ فقلت: نعم، قال أبو عبد الله: قال أبو الزناد يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} (1) أي: أقرع فوقعت القرعة عليه، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه، فمن رد القرعة فقد رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاءه وفعله، ثم قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ويفتي بخلافه، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2) وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (3) قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير
__________
(1) سورة الصافات الآية 141
(2) سورة الحشر الآية 7
(3) سورة المائدة الآية 92
(2/56)

الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته التي قضى بها، وقضى بها أصحابه بعده. وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن: حديث أم سلمة: «أن قوما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في مواريث وأشياء درست بينهم فأقرع بينهم (1) » ، وحديث أبي هريرة حين تدارأا في دابة فأقرع بينهما، وحديث الأعبد الستة، وحديث: أقرع بين نسائه، وحديث علي، وقد ذكر أبو عبد الله من فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ابن الزبير وابن المسيب، ثم تعجب من أصحاب الرأي وما يردون من ذلك.
قال الميموني: وقال لي أبو عبيد القاسم بن سلام - وذاكرني أمر القرعة - فقال: أرى أنها من أمر النبوة، وذكر قوله تعالى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (2) وقوله: {فَسَاهَمَ} (3)
وقال أحمد في رواية الفضل بن عبد الصمد: القرعة في كتاب الله، والذين يقولون: القرعة قمار قوم جهال، ثم ذكر أنها في السنة، وكذلك قال في رواية ابنه صالح: أقرع النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة مواضع، وهي في القرآن في موضعين.
وقال أحمد في رواية المروزي: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة، قال: أخبرني ابن الزبير: «أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى قال: فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال: المرأة، المرأة
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2458) ، صحيح مسلم الأقضية (1713) ، سنن الترمذي الأحكام (1339) ، سنن النسائي كتاب آداب القضاة (5422) ، سنن أبو داود الأقضية (3583) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2317) ، مسند أحمد بن حنبل (6/320) ، موطأ مالك الأقضية (1424) .
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة الصافات الآية 141
(2/57)

قال الزبير: فتوهمت أنها أمي صفية، قال: فخرجت أسعى، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلهدت في صدري وكانت امرأة جلدة، وقالت: إليك عني لا أم لك، قال: فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك، فرجعت وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما، قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، قلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد في الثوب الذي صار له (1) » . وقال في رواية صالح وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم: وهو مختلف فيه. اهـ. وقد ذكر كيفية القرعة ومواضعها.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/165) .
(2/58)

المسألة الخامسة: تبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الإهلاك به وفيهم النساء والأطفال
الكفار بالنسبة للمسلمين، إما أهل حرب، أو أهل ذمة، فأهل الذمة يعاملون في الجملة معاملة المسلمين في عصمة الدم ورعاية حرمتهم أحياء وأمواتا، وإن كان ذلك في المسلمين للإسلام وفي الذميين للوفاء بالعهد. وقد سبق الكلام عنهم في المسألة الأولى والثانية والثالثة تبعا للحديث عن المسلمين.
أما الكفار المحاربون فدمهم هدر، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل من لا
(2/58)

شأن لهم في الحرب منهم كالنساء والصبيان، وقد سبق الكلام على تبييت المحاربين من الكفار وقتالهم بما يعم إهلاكه وفيهم نساؤهم وصبيانهم في المسألة الأولى تبعا لقتالهم بما يعم وفيهم مسلمون أسارى أو تجار فأغنى عن إعادته هنا.
(2/59)

وقد كتب إلى فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا سؤال عن حكم الطب المرضي: فأجاب بجوازه بناء على المصلحة.
وفيما يلي نص السؤال والجواب.
السؤال: ما هو الحكم في إحضار الحكيم المعمول به في بعض الممالك الإسلامية الشرقية لأجل الاطلاع على من يخبر بموته وشهادته بصحة الخبر واكتشاف سبب الموت حتى لا يدفن الإنسان حيا، ولا يخفى المرض المعدي، وفي ذلك مما يفيد الأمة في حالتها الصحية ما لا يخفى، فهل ذلك - رعاكم الله - مما لا يجوز مطلقا، ولو كان الحكيم مسلما ولم يستتبع الكشف على الميت أدنى عملية جراحية أو ما يوجب أقل إهانة لكرامة الميت ولو مع تخصيص حكيم لمباشرة الرجل وحكيمة لمباشرة المرأة، أو يسوغ مطلقا أم المقام فيه تفصيل، أفيدونا تؤجروا وترحموا؟ .
الجواب: ليس في هذه المسألة نص عن الشارع، وهي من المسائل الدنيوية التي تتبع فيها قاعدة: درء المفاسد وجلب المصالح، وحينئذ يختلف الحكم باختلاف الأموات، فإذا وقع الشك في موت من ظهرت عليه علامات الموتى وعلم أن الطبيب يمكنه أن يعرف الحقيقة بالكشف عليه - فإن الكشف عليه يكون متعينا، ويحرم دفنه مع بقاء الشك في موته وإبقائه عرضة للخطر، ويختار الطبيب الذي يوثق به للعلم ببراعته وأمانته
(2/59)

على غيره؛ لأن العبرة في ذلك بالثقة، فإذا لم يوجد طبيب مسلم يوثق به ووجد غيره اعتمد عليه، بل إذا وجد طبيب مسلم غير موثوق به وطبيب غير مسلم موثوق به بتكرار التجربة يرجح الاعتماد على الثاني؛ لأن المسألة ليست عبادة فيكون الترجيح فيها بالدين، بل أقول: إن من اشترط من الفقهاء إسلام الطبيب الذي يؤخذ بقوله في المرض الذي يبيح ترك الغسل والوضوء إلى التيمم ليس لاعتبار ذلك من أركان العدالة التي هي سبب الثقة، وقد صرحوا حتى في هذه المسألة الدينية بأن المريض إذا صدق الطبيب الكافر بأن الماء يؤذيه في مرضه كان له أن يعمل بقوله، وإذا كان من اشتبه في موته امرأة ووجدت طبيبة يوثق بها قدمت على الطبيب حتما، فإن لم توجد كشف عليها الطبيب، كما هو الشأن في جميع الأمراض، ومن درء المفاسد والقيام بالمصالح العامة ما تفعله (مصلحة الصحة) بمصر وحيث توجد من مقاومة أسباب الوباء والأمراض المعدية، ومن أعمالهم ما هو مفيد قطعا، ومنه ما تظن فائدته، فإذا علم أن في الكشف على الميت لمعرفة سبب مرضه مصلحة عامة - لم يكن ما يعبرون عنه بتكريم الميت مانعا من ذلك، نعم، إن إهانة الميت محظورة، ولكن الإهانة تكون بالقصد، وهو منتف هنا على أن درء المفاسد وحفظ المصالح العامة من الأصول التي لا تهدم بهذه الجزئيات، والمدار على العلم بأن هنا مفسدة يجب درؤها أو مصلحة يجب حفظها، فإذا علم أولو الأمر ذلك عملوا به والشرع عون لهم عليه.
(2/60)

وقد سئل فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف عن حكم إحراق جثث الموتى وتشريحهم؟ فأجاب جوابا مستفيضا بين فيه المصالح التي تدعو إلى
(2/60)

التشريح وتبرره.
وفيما يلي نص السؤال والجواب:
السؤال: طلبت إحدى المصالح الحكومية بيان حكم الشريعة الغراء في إحراق جثث الموتى من المسلمين في زمن الأوبئة وفي حالة الوصية بذلك من المتوفى؟ .
الجواب: اعلم أن تطبيب الأجسام وعلاج الأمراض أمر مشروع حفظا للنوع الإنساني حتى يبقى إلى الأمد المقدر له، وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه، وأمر به من أصابه مرض من أهله وأصحابه، وقال: «تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء (1) » ، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله (2) » ودرج بعده أصحابه على هديه في التداوي والعلاج.
فكان الطب تعلما وتعليما مشروعا بقول الرسول وفعله، بل بدلالة الآيات الواردة بالترخيص للمريض بالفطر تمكينا له من العلاج، وبعدا عما يوجب تفاقم العلة أو الهلاك، والترخيص لمن به أذى في رأسه في الإحرام، وهو علاج للعلة وسبب للبرء، والترخيص للمريض بالعدول عن الماء إلى التراب الطاهر حمية له أن يصيب جسده، في ذلك كله تنبيه على حرص الشارع على التداوي وإزالة العلل والحمية من كل ما يؤذي الإنسان من الداخل أو الخارج، كما أشار إليه الإمام ابن القيم في زاد المعاد، فكان فن الطب علما وعملا من فروض الكفاية التي يجب على الأمة قيام طائفة منها بها، وتأثم الأمة جميعها بتركه وعدم النهوض به، كما أن جميع ما تحتاج إليه الأمة من العلوم والصناعات في تكوينها وبقائها من
__________
(1) سنن الترمذي الطب (2038) ، سنن أبو داود الطب (3855) ، سنن ابن ماجه الطب (3436) .
(2) سنن ابن ماجه الطب (3438) ، مسند أحمد بن حنبل (1/443) .
(2/61)

فروض الكفاية التي أمر بها الشارع، وحث عليها، وحذر من التهاون فيها. ومن مقدمات فن الطب، بل من مقوماته تشريح الأجسام، فلا يمكن الطبيب أن يقوم بطب الأجسام وعلاج الأمراض بأنواعها المختلفة إلا إذا أحاط خبرا بتشريح جسم الإنسان علما وعملا، وعرف أعضاءه الداخلية وأجزاءه المكونة لبنيته واتصالاتها ومواضعها وغير ذلك، فهو من الأمور التي لا بد منها لمن يزاول الطب حتى يقوم بما أوجب الله عليه من تطبيب المرضى وعلاج الأمراض، ولا يمتري في ذلك أحد، ولا يقال: قد كان فيما سلف طب، ولم يكن هناك تشريح؛ لأنه كان طبا بدائيا لعلل ظاهرة، وكلامنا في طب واف لشتى الأمراض والعلل، والعلوم تتزايد، والوسائل تنمو وتكثر.
وإذا كان شأن التشريح ما ذكر كان واجبا بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وتعليمه ومباشرته بالعمل على الأمة لتقوم طائفة منها به، فإن من القواعد الأصولية: أن الشارع إذا أوجب شيئا يتضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشيء، فإذا أوجب الصلاة كان ذلك إيجابا للطهارة التي تتوقف الصلاة عليها، وإذا أوجب بما أومأنا إليه من الأدلة على الأمة تعلم فريق منها الطب وتعليمه ومباشرته، فقد أوجب بذلك عليهم تعلم التشريح وتعليمه ومزاولته عملا.
هذا دليل جواز التشريح من حيث كونه علما يدرس وعملا يمارس، بل دليل وجوبه على من تخصص في مهنة الطب البشري وعلاج الأمراض، أما التشريح لأغراض أخرى كتشريح جثث القتلى لمعرفة سبب الوفاة وتحقيق ظروفها وملابساتها، والاستدلال به على ثبوت الجناية على القاتل
(2/62)

أو نفيها عن متهم - فلا شبهة في جوازه أيضا إذا توقف عليه الوصول إلى الحق في أمر الجناية؛ للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام حتى لا يظلم بريء، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم.
وكم كان التشريح فيصلا بين حق وباطل، وعدل وظلم، فقد يتهم إنسان بقتل آخر بسبب دس السم له في الطعام، ويشهد شهود الزور بذلك، فيثبت التشريح أنه لا أثر للسم في الجسم، وإنما مات الميت بسبب طبيعي فيبرأ المتهم، ولولا ذلك لكان في عداد القاتلين أو المسجونين، وقد يزعم مجرم ارتكب جريمة القتل ثم أحرق الجثة أن الموت بسبب الحرق لا غير، فيثبت التشريح: أن الموت جنائي، والإحراق إنما كان ستارا أسدل على الجريمة فيقتص من المجرم، ولولا ذلك لأفلت من العقاب وبقي بين الناس جرثومة فساد. وهنا قد يثار حديث كرامة جسم الإنسان وما في كشفه وتشريحه من هوان فيظن جاهل أنه لا يجوز مهما كانت بواعثه، ولكن بقليل من التأمل في قواعد الشريعة يعلم أن مدار الأحكام الشرعية على رعاية المصالح والمفاسد، فما كان فيه مصلحة راجحة يؤمر به وما كان فيه مفسدة راجحة ينهى عنه، فلا شك أن الموازنة بين ما في التشريح من هتك حرمة الجثة وما له من مصلحة في التطبيب والعلاج وتحقيق العدالة، وإنقاذ البريء من العقاب، وإثبات التهمة على المجرم الجاني تنادي برجحان هذه المصالح على تلك المفسدة.
(2/63)

ثم أتبع فتواه بفتوى في موضوع التشريح لفضيلة الشيخ يوسف الدجوي: قال: وقد اطلعت بعد كتابة هذا على فتوى في هذا الموضوع لشيخنا العلامة المحقق الشيخ يوسف الدجوي رحمه الله قال فيها ما نصه:
(2/63)

وليس عندنا في كتب الفقه نصوص شافية في هذا الموضوع، وقد يظن ظان أن ذلك محرم لا تجيزه الشريعة التي كرمت الآدمي وحثت على إكرامه وأمرت بعدم إيذائه، ولكن العارف بروح الشريعة وما تتوخاه من المصالح وترمي إليه من الغايات - يعلم أنها توازن دائما بين المصلحة والمفسدة فتجعل الحكم لأرجحهما على ما تقتضيه الحكمة ويوجبه النظر الصحيح، فيجب إذا أن يكون نظرنا بعيدا متمشيا مع المصلحة الراجحة التي تتفق وروح الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان الكفيلة بسعادة الدنيا والآخرة.
وإذن نقول: من نظر إلى أن التشريح قد يكون ضروريا في بعض الظروف؛ كما إذا اتهم شخص بالجناية على آخر وقد يبرأ من التهمة عندما يظهر التشريع أن ذلك الآخر غير مجني عليه، وقد يجنى على رجل ثم يلقى بعد الجناية عليه في بئر بقصد إخفاء الجريمة وضياع الجناية إلى غير ذلك مما هو معروف، فضلا عما في التشريح من تقدم العلم الذي تنتفع به الإنسانية كلها وينقذ كثيرا ممن أشفى على الهلكة أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه فهو يأتيه الموت في كل مكان وما هو بميت إلى غير ذلك مما لا داعي للإطالة فيه - نقول: من نظر إلى ذلك الإجمال وما يتبعه من التفصيل لم يسعه إلا أن يفتي بالجواز تقديما للمصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، ومتى كان تشريح الميت بهذا القصد لم يكن إهانة له ولا منافيا لإكرامه، على أن هذا أولى بكثير فيما نراه مما قرره الفقهاء ونصوا عليه في كتبهم من أن الميت إذا ابتلع مالا شق بطنه لإخراجه منه ولو كان مالا قليلا، ويقدره بعض المالكية بنصاب السرقة، أي: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وكلام الشافعية قريب من هذا، وربما كان الأمر عندهم أهون وأوسع في
(2/64)

تقدير المال الذي يبتلعه، فإذا قسنا ذلك المال الضئيل على ما ذكرنا من الفوائد والمصالح وجدنا الجواز لدرء تلك المفاسد وتحصيل تلك المصالح أولى من الجواز لإخراج ذلك المال القليل فهو قياس أولوي فيما نراه. انتهى.
غير أنا نرى أنه لا بد من الاحتياط في ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة فليقتصر فيه على قدر الضرورة، وليتق الله الأطباء وأولو الأمر الذين يتولون ذلك، وليعلموا أن الناقد بصير، والمهيمن قدير، والله يتولى هدى الجميع، والله أعلم.
(2/65)

ثم كتبت فتوى في جواز نقل عيون الموتى لترقيع قرنية الأحياء:
قامت بمصر مؤسسة علمية اجتماعية تسمى: دار الإبصار تأسست في شهر يناير سنة 1951م، ومن أغراضها إيجاد مركز لجمع العيون التي تصلح لعملية ترقيع القرنية وتوفيرها وإيجاد المواد الأخرى اللازمة لهذه العملية الخاصة باسترداد البصر وتحسينه وتوزيع العيون الواردة إلى الدار على الأعضاء، وطلبت الدار من مصلحة الطب الشرعي بتاريخ 31 أكتوبر 1951 م السماح لها بالحصول على العيون اللازمة لهذه العملية من دار فحص الموتى الملحقة بمصلحة الطب الشرعي، ونظرا إلى أن الجثث التي تنقل إلى دار فحص الموتى للتشريح لمعرفة أسباب الوفاة كلها خاصة بحوادث جنائية - طلبت المصلحة بكتابها المؤرخ 18 \ 2 \ 1952 م من قسم الرأي المختص إبداء الرأي في هذا الطلب من الوجهة القانونية، فأرسل إلينا مستشار الدولة كتاب القسم المؤرخ 3 أبريل 1952م برقم (103) المتضمن طلب بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع وأضاف إلى ذلك أن بالولايات المتحدة معاهد مؤسسة دار الإبصار المصرية تقوم بجمع
(2/65)

عيون الموتى وتوزيعها على من يطلبها من الأطباء بعد التأكد من صلاحيتها فنيا لعملية الترقيع القرني، وكذلك في إنجلترا وفرنسا وجنوب إفريقيا وبعض بلدان أوربا تشريعات خاصة لتسهيل الحصول على هذه العيون، وقد اطلعنا على قانون دار الإبصار، وعلى الكتب المشار إليها، وعلى بحث ضاف في هذا الموضوع لسعادة الدكتور محمد صبحي باشا طبيب العيون الشهير.
الجواب: إنه واضح مما ذكر أن الباعث على طلب هذه المؤسسة للحصول على عيون بعض الموتى إنما هو التوصل بها فنيا إلى دفع الضرر الفادح عن الأحياء المصابين في أبصارهم وذلك مقصد عظيم تقره الشريعة الإسلامية، بل تحث عليه، فإذن المحافظة على النفس من المقاصد الكلية الضرورية للشريعة الغراء، فإذا ثبت علميا أن ترقيع القرنية لهذه العيون هو الوسيلة الفنية لدرء خطر العمى أو ضعف البصر عند الإنسان - يجوز شرعا نزع عيون بعض الموتى لذلك بقدر ما تستدعيه الضرورة؛ لوجوب المحافظة على النفس؛ ولذا تقررت مشروعية التداوي من الأمراض؛ محافظة على النفس من الآفات، فقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ألم به من الأمراض، وأمر الناس بالتداوي لإزالة العلل والآلام فيما هو أقل شأنا مما نحن بصدده، وذلك يستلزم مشروعية وسائله وجواز استعمال ما تقتضيه ضرورة التداوي والعلاج، ولو كان محظورا شرعا إذا لم يقم غيره مما ليس بمحظور مقامه في نفعه، بأن تعين التداوي به، على أن الواجب شرعا على الأمة أن تختص منها طائفة بالطب والعلاج بقدر ما تستدعيه حاجتها، وبحسب تنوع أمراضها، فيجب أن يكون فيها أطباء في كل فروع الطب،
(2/66)

ومنهم أطباء العيون، سدا لحاجة الأمة في هذا الفرع بحيث إذا قصرت الأمة في ذلك كانت آثمة شرعا، وهذا الواجب هو المعروف في الأصول بالواجب الكفائي أو الفرض الكفائي، ويجب عليهم أن يحذقوا الفن حتى يؤدوا وظائفهم أكمل أداء، فإذا هدوا إلى علاج نافع لأمراض العيون يحفظ حاسة البصر أو يعيدها بعد الفقدان وجب عليهم أن ينفعوا الناس به، ووجب تمكينهم من وسائله بقدر ما تقتضيه الضرورة والحاجة، وللوسائل في الشرع حكم المقاصد؛ ولذلك جاز أن يباشر طلاب الطب وأساتذته تشريح جثث الموتى ما دام ذلك هو السبيل الوحيد لتعلم فن الطب وتعليمه والعمل به، وبدونه لا يكون طب صحيح ولا علاج مثمر، بل لا يعد طبيبا من لا يعرف فن التشريح علما وعملا، كما قرر ذلك جميع الأطباء.
فيجب أن يمكن أطباء هذه المؤسسة من القيام بهذه المهمة الإنسانية الجليلة وعلاج عيون الأحياء بعيون الموتى الصالحة لذلك كشفا للضر عنهم، ولا يمنع من ذلك ما يرى فيه من انتهاك حرمة الموتى، فإن علاج الأحياء من الضروريات التي يباح فيها شرعا بارتكاب هذا المحظور، هذا بتسليم أنه انتهاك لحرمة الموتى، ولكن من القواعد الشرعية أن الضروريات تبيح المحظورات؛ ولذا أبيح عند المخمصة أكل الميتة المحرمة، وعند الغصة إساغة اللقمة بجرعة من الخمر المحرمة إحياء للنفس إذا لم يوجد سواهما مما يحل، وجاز دفع الصائل ولو أدى إلى قتله، وجاز شق بطن الميتة لإخراج الولد منها إذا كانت حياته ترجى، بل قيل بجواز شق بطن الميت إذا ابتلع لؤلؤة ثمينة أو دنانير لغيره، وإباحة المحظورات تقديرا للضرورات قاعدة يقتضيها العقل والشرع، وفي الحديث: «لا ضرر ولا
(2/67)

ضرار (1) » وقد بني عليها كثير من الأحكام؛ ولذا قال الفقهاء: الضرر يزال، فعملا بهذه القاعدة يجوز نزع عيون بعض الموتى - مع ما فيه من المساس بحرمتهم - لإنقاذ عيون الأحياء من مضرة العمى والمرض الشديد.
ومن القواعد العامة: أن الحاجة تنزل منزل الضرورة عامة كانت أو خاصة؛ ولذا أجاز الفقهاء بيع السلم مع كونه بيع المعدوم دفعا لحاجة المفلسين، وأجازوا بيع الوفاء دفعا لحاجة المدينين، ولا شك أن حاجة الأحياء إلى العلاج ودفع ضرر الأمراض وخطرها بمنزلة الضرورة التي يباح من أجلها ما هو محظور شرعا، والدين يسر لا حرج فيه، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (2)
على أنه إذا قارنا بين مضرة ترك العيون تفقد حاسة الإبصار ومضرة انتهاك حرمة الموتى - نجد الثانية أخف ضررا من الأولى، ومن المبادئ الشرعية: أنه (إذا تعارضت مفسدتان تدرأ أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما ضررا، ولا شك أن الإضرار بالميت أخف من الإضرار بالحي، ويجب أن يعلم أن إباحة نزع هذه العيون لهذا الغرض مقيدة بقدر ما تستدعيه الضرورة؛ لما تقرر شرعا أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها فقط؛ ولذلك لا يجوز للمضطر لأكل الميتة إلا قدر ما يسد الرمق، وللمضطر لإزالة الغصة بالخمر إلا الجرعة المزيلة لها فقط، ولا يجوز أن تستر الجبيرة من الأعضاء الصحيحة إلا القدر الضروري لوضعها، ولا يجوز للطبيب أن ينظر من العورة إلا بقدر الحاجة الضرورية، وغير خاف أن ابتناء الأحكام
__________
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2340) ، مسند أحمد بن حنبل (5/327) .
(2) سورة الحج الآية 78
(2/68)

على المبادئ العامة والقواعد الكلية مسلك أصولي في تعريف الأحكام الجزئية للحوادث والوقائع النازلة التي لم يرد فيها بعينها نص عن الشارع، ولذلك نجد الشريعة الإسلامية لا تضيق ذرعا بحادث جديد، بل تفسح له صدرها وتشمله قواعدها الكلية ومبادئها العامة.
وإذ قد علم من هذا: أنه يجوز شرعا، بل قد يتعين نزع عيون بعض الموتى لهذا الغرض العلمي الإنساني بقدر ما تستدعيه الضرورة - يعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك بقانون عام يخضع له جميع الموتى على السواء؛ لأن ذلك - فضلا عن أنه لا تقتضيه الضرورة كما هو ظاهر - مفض إلى مفسدة عامة لا وزن بجانبها لمصلحة علاج مريض أو مرضى، مظهرها ثورة أولياء الموتى وأهليهم إذا أريد انتزاع عيون موتاهم قهرا ثورة جامحة عامة، فيجب أن يقتصر في ذلك على عيون بعض الموتى ممن ليس لهم أولياء ولا يعرف لهم أهل، ومن الجناة الذين يحكم عليهم بالإعدام قصاصا، والتحديد بهذا واف بالغرض دون اعتراض أحد أو مساس بحقه. والله أعلم.
(2/69)

ولفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي فتوى تتعلق بالموضوع رأينا إثباتها. وفيما يلي نصها (1) :
سؤال: هل يجوز أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه برضا من أخذ منه؟ .
جواب: جميع المسائل التي تحدث في كل وقت، سواء حدثت
__________
(1) [الفتاوى السعدية] للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ص 143 - 148.
(2/69)

أجناسها أو أفرادها - يجب أن تتصور قبل كل شيء، فإذا عرفت حقيقتها، وشخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورا تاما بذاتها ومقدماتها ونتائجها - طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية، فإن الشرع يحل جميع المشكلات: مشكلات الجماعات والأفراد، ويحل المسائل الكلية والجزئية، يحلها حلا مرضيا للعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد، حتى يتضح لنا اتضاحا تاما للجزم بأحد القولين.
فنقول: من الناس من يقول: هذه الأشياء لا تجوز؛ لأن الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه أو التمثيل به؛ لأنه أمانة عنده لله؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (1)
والمسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.
أما المال: فإنه يباح بإباحة صاحبه، وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لإباحة التملكات.
وأما الدم: فلا يباح بوجه من الوجوه، ولو أباحه صاحبه لغيره، سواء كان نفسا أو عضوا أو دما أو غيره، إلا على وجه القصاص بشروطه، أو في الحالة التي أباحها الشارع، وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسئول عنه.
ثم إن ما زعموه من المصالح للغير، معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل.
__________
(1) سورة البقرة الآية 195
(2/70)

ويؤيد هذا قول الفقهاء: من ماتت وهي حامل بحمل حي لم يحل شق بطنها لإخراجه، ولو غلب الظن، أو لو تيقنا خروجه حيا، إلا إذا خرج بعضه حيا فيشق للباقي، فإذا كان هذا في الميتة فكيف حال الحي؛ فالمؤمن بدنه محترم حيا وميتا.
ويؤخذ من هذا أيضا أن الدم نجس خبيث، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به، مع ما يخشى عند أخذ دم الإنسان من هلاك أو مرض، فهذا من حجج هذا القول.
ومن الناس من يقول: لا بأس بذلك؛ لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم للمحيط الشرعي - صارت من أوائل ما يدخل فيه، وأن ذلك مباح، بل ربما يكون مستحبا، وذلك أن الأصل: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه، وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المصالح، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصالح الراجحة. وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة، ومضارها إذا قدرت فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة.
ويؤيد هذا: أن حجة القول الأول، وهي: أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة، متى اعتبرنا فيه هذا الأصل، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به، فإنه يباح لمن وقعت فيه الآكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه، يجوز قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لا خطر في قطعها، ويجوز التمثيل في البدن بشق البطن أو غيره؛ للتمكن من علاج
(2/71)

المرض، ويجوز قلع الضرس ونحوه عند التألم الكثير، وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة أو دفع مضرة. وأيضا فإن كثيرا من هذه الأمور المسئول عنها، يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث، فما كان كذلك فإن الشارع لا يحرمه، وقد نبه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه، ومنه قوله عن الخمر والميسر: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (1)
فمفهوم الآية: أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه، فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه، وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء، وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير، كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة، وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون، بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك، فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف، بل ولا مرض، وربما كان في ذلك نفع له، إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا، أو صاحب حق كبير، أو أخذ عليه نفعا دنيويا ينفعه، أو ينفع من بعده.
ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات، وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار.
__________
(1) سورة البقرة الآية 219
(2/72)

ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور، كما هو معلوم مشاهد، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء، وأمر بالتداوي خصوصا وعموما، فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا، ووضعه في الآخر، من غير ضرر يلحق المأخوذ منه - فهو داخل فيما أباحه الشارع، وإن كان قبل ذلك، وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر، فيراعى كل وقت بحسبه؛ ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين: بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها، وتحريم التمثيل بها، فيقال: هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا، أو ربما أدى إلى الهلاك، وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته، فأما في هذا الوقت، فالأمران مفقودان: الضرر مفقود، وانتهاك الحرمة مفقود، فإن الإنسان قد رضي كل الرضا بذلك، واختاره مطمئنا مختارا، لا ضرر عليه، ولا يسقط شيء من حرمته، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما، والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة.
ونحن إنما أجزنا ذلك إذا كان المتولي طبيبا ماهرا، وقد وجدت تجارب عديدة للنفع وعدم الضرر، فبهذا يزول المحذور.
ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه إذا أشكل عليك شيء، هل هو حلال أم حرام، أو مأمور به أو منهي عنه؛ فانظر إلى أسبابه الموجبة وآثاره ونتائجه الحاصلة، فإذا كانت منافع ومصالح وخيرات وثمراتها طيبة، كان من قسم المباح أو المأمور به، وإذا كان بالعكس، كانت بعكس ذلك.
طبق هذه المسألة على هذا الأصل، وانظر أسبابها وثمراتها، تجدها
(2/73)

أسبابا لا محذور فيها، وثمراتها خير الثمرات.
وإذ قال الأولون: أما ثمراتها - (غير متيقنة) فنحن نوافق عليها، ولا يمكننا إلا الاعتراف بها، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا في أن الأصل في أجزاء الآدمي: التحريم، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث، فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة الآدمي، ودفع الانتهاك الفظيع، وهذا مفقود هنا.
وأما الدم فليس عنه جواب إلا أن نقول: إن مفسدته تنغمر في مصالحه الكثيرة، وأيضا ربما ندعي أن هذا الدم الذي ينقل من بدن إلى آخر ليس من جنس الدم الخارج الخبيث المطلوب اجتنابه والبعد عنه، وإنما هذا الدم هو روح الإنسان وقوته وغذاؤه، فهو بمنزلة الأجزاء أو دونها، ولم يخرجه الإنسان رغبة عنه، وإنما هو إيثار لغيره، وبذل من قوته لقوة مخيره، وبهذا يخف خبثه في ذاته، وتلطفه في آثاره الحميدة؛ ولهذا حرم الله الدم المسفوح، وجعله خبيثا، فيدل (هذا) على أن الدماء في اللحم والعروق، وفي معدنها قبل بروزها ليست محكوما عليها بالتحريم والخبث.
فقال الأولون: هذا من الدم المسفوح، فإنه لا فرق بين استخراجه بسكين أو إبرة أو غيرها، أو ينجرح الجسد من نفسه فيخرج الدم، فكل ذلك دم مسفوح محرم خبيث، فكيف تجيزونه، ولا فرق بين سفحه لقتل الإنسان أو الحيوان، أو سفحه لأكل، أو سفحه للتداوي به، فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل.
فقال هؤلاء المجيزون: هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة
(2/74)

أخذ جزء من أجزاء الإنسان لإصلاح غيره، إذا لم يكن فيه ضرر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (1) » و «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد (2) » .
فعموم هذا يدل على هذه المسألة، وأن ذلك جائز.
فإذا قلتم: إن هذا في التواد والتراحم والتعاطف، كما ذكره النبي لا في وصل أعضائه بأعضائه.
قلنا: إذا لم يكن ضرر، ولأخيه فيه نفع فما الذي يخرجه من هذا، وهل هذا إلا فرد من أفراده؛ كما أنه داخل في الإيثار، وإذا كان من أعظم خصال العبد الحميدة مدافعته عن نفس أخيه وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أو ماله - فهذه المسألة من باب أولى وأحرى، وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه، وإن طالت المشقة، وعظمت الشقة، فهذه كذلك وأولى.
ونهاية الأمر: أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن، فحيث انتقلت الحال إلى ضدها وزال الضرر والخطر، فلم لا يجوز؛ ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة.
ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل، ومجاراة الأحوال، إذا لم تخالف نصا شرعيا؛ لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون، وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه تركه ولم يلتزم.
فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر، ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك؛ لضعف الإيمان وعدم الرغبة في الخير، كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس: أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة، بل يجاري الأحوال والأزمان ويتتبع المنافع
__________
(1) صحيح البخاري الصلاة (481) ، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2585) ، سنن الترمذي البر والصلة (1928) ، سنن النسائي الزكاة (2560) ، سنن أبو داود الأدب (5131) ، مسند أحمد بن حنبل (4/405) .
(2) صحيح البخاري الأدب (6011) ، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2586) ، مسند أحمد بن حنبل (4/270) .
(2/75)

والمصالح الكلية والجزئية، فإن الملحدين يموهون على الجهال أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة، وهم في ذلك مفترون، فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كل وجه، الكلي والجزئي، وهو حلال لكل مشكلة خاصة أو عامة، وغير قاصر من جميع الوجوه.
(2/76)

الموضوع الرابع: المقارنة بين المصالح التي بني عليها تشريح جثث الآدمي والمصالح التي بني عليها فقهاء الإسلام الاستثناء من قاعدة عصمة دماء بني آدم ووجوب تكريمهم ورعاية حرمتهم:
إن شريعة الإسلام تنزيل من حكيم حميد، عليم بما كان وما سيكون، وأنزلها على خير الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وجعلها قواعد كلية، ومقاصد سامية شاملة، فكانت تشريعا عاما خالدا صالحا لجميع طبقات الخلق في كل زمان ومكان.
إن كثيرا من الجزئيات والوقائع التي حدثت لا نجدها منصوصا عليها نفسها في الكتاب أو السنة، وربما لم تكن وقعت من قبل فلا يعرف لسلفنا الصالح فيها حكم، لكن يتبين لبحث علماء الإسلام عنها أنها مندرجة في قاعدة شرعية عامة، ومن ثم يعرف حكمها، ومسألة تشريح جثث موتى بني آدم لا تعدو أن تكون جزئية من هذه الجزئيات التي لم ينص عليها في نص خاص، فشأنها شأن الوقائع التي جدت، لا بد أن تكون مشمولة بقاعدة كلية من قواعد الشريعة، وراجعة لمقصد عام من مقاصدها العالية: (ضرورة كمال الشريعة وشمولها، وصلاحيتها لجميع الخلق، وختمها
(2/76)

بمن أرسل رحمة للعالمين) قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (1) وقال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (2) وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (3) وثبت في الحديث «لا أحد أحب إليه العذر من الله (4) » .
من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وبالبحث عن مسألة التشريح تبين أنها مندرجة تحت قواعد الشريعة العامة، وراجعة إلى المصالح المعتبرة شرعا، وأن لها نظائر من المسائل التي حكم فيها الفقهاء مع اختلاف نظرهم واجتهادهم فيها، وهذا مما ينير الطريق، ويهدي الباحث في مسألة التشريح ويساعده على الوصول إلى ما قد يكون صوابا إن شاء الله.
إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال، فإن مصلحة حرمة الميت مسلما كان أو ذميا تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه، فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه، وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت، وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن، وردع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه
__________
(1) سورة مريم الآية 64
(2) سورة النساء الآية 165
(3) سورة المائدة الآية 3
(4) صحيح البخاري التوحيد (7416) ، صحيح مسلم اللعان (1499) ، مسند أحمد بن حنبل (4/248) ، سنن الدارمي النكاح (2227) .
(2/77)

الجريمة خفية، وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتا عاديا، وفي ذلك براءة المتهم، كما أن في التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء، ومعرفة نوعه، فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة، وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض، وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها، وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جريا على ما اقتضت به سنة الله شرعا وقدرا.
وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة، وتدريبهم على ذلك عمليا وتعريفهم بإصاباتها وطرق علاجها - في هذا وغيره مما تقدم بيانه في الموضوع الثاني، وما ذكر في فتوى فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف وما ذكره الأطباء - مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم، فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح فبني عليها الحكم منعا أو إباحة، وقد يقال: إن مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح لكونها كلية عامة، ولكونها قطعية، كما دل على ذلك الواقع والتجربة، وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس وحفظها من الضروريات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء، وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام، منها: المسائل الخمس التي تقدم ذكرها، فقد بحثوها وبينوا الحكم فيها على ما ظهر لهم، فمسألة تترس الكفار بأسرى المسلمين ونحوهم في الحرب رجح كثير منهم رمي الترس إيثارا للمصلحة العامة، وكذا رجح كثير منهم شق بطن
(2/78)

من ماتت وفي بطنها جنين حي، وأكل المضطر لحم آدمي ميت؛ إبقاء على حياته، وإيثار الجانب الحي على الجانب الميت، وبإلقاء أحد ركاب سفينة خيف عليهم الغرق ولا نجاة لهم إلا بإلقاء واحد منهم، إيثارا لمصلحة الجماعة على مصلحة الواحد، وقد سبق تفصيل ذلك، فلا يبعد أن يقال يجوز التشريح إلحاقا له بهذه النظائر في الحكم.
وقد يقال: إن الحوادث كانت منذ كان الناس، والطب قديم، والحاجة إلى تشخيص الأمراض ومعرفة أسبابها وطرق علاجها كان في العهود الأولى، ولم يتوقف شيء من ذلك على التشريح؛ ولهذا لم يقدم الأطباء قديما على التشريح، فلم نقدم عليه اليوم؟ وقد أورد فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف هذا السؤال على نفسه وأوضحه ثم أجاب عنه في فتواه التي سبق ذكرها.
وقد يقال أيضا: إن اقتضت المصلحة - ولا بد - تشريح إنسان ميت فليقتصر على تشريح المحاربين فإن دمهم هدر، ويستثنى منهم من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم كنسائهم وصبيانهم، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه من النهي عن التمثيل بقتلاهم فإن نهيه عنه مقيد بما إذا لم يوجد ما يقتضي التمثيل بهم، وهنا قد وجدت الضرورة، وبهذا يجمع بين مصلحة حرمة الميت المسلم والذمي ومصلحة الخدمات الطبية. وربما نوقش ذلك باحتمال عدم الكفاية بتشريح المحاربين أو عدم تيسر الحصول عليهم فيعود الأمر إلى البحث في تشريح جثث موتى المسلمين ومن في حكمهم، قد يقال: لا ضرورة تلجئ إلى تشريح جثث الموتى مطلقا، إذا يمكن أن يستغنى عن ذلك بتشريح الحيوانات بعد ذبح ما يذبح منها ذبحا شرعيا محافظة على المال.
(2/79)

ففي ذلك غنية عن تشريح جثث بني آدم وجمع بين مصلحة موتى الآدميين ومصلحة الخدمات الطبية، فإن لم يتيسر الاكتفاء بتشريحها فلا أقل من أن لا تشرح جثث بني آدم، إلا فيما لا يمكن الاكتفاء فيه بتشريح جثث الحيوانات، تقليلا للمفسدة ومحافظة على حرمة الموتى بقدر الإمكان.
وللدكتور محمد عبد الفتاح هدارة كلمة بين فيها أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان وجسم الحيوانات الأخرى القريبة الشبه به قد تعتبر جوابا عن ذلك من مختص في علم التشريح المقارن وفيما يلي نصها:
أوجه الشبه والخلاف
يستلزم تدريب الطبيب للممارسة الصحيحة للطب والجراحة أن يعرف حجم وشكل ومكان وتركيب كل عضو وما يجاوره من الأعضاء الأخرى في الجسم السليم، إذ يمكنه بعدئذ أن يعرف ما قد يطرأ من تغييرات على حجم وشكل ومكان وتركيب أي من هذه الأعضاء بسبب المرض.
فالمعرفة المذكورة المطلوبة معرفة تفصيلية دقيقة يصعب تصورها أو الحصول عليها دون تشريح الأجسام البشرية، ولا يمكن الاستعاضة في هذا المضمار عن الجسم البشري بجسم حيوان آخر.
فأقرب الحيوانات إلى شكل الإنسان هي مجموعة الأنواع التي تعرف بذوات الثدي أو الثدييات، وهي التي تلد وترضع أولادها، والشبه بينها وبين الإنسان عام، ولكن هناك الاختلافات الكثيرة، ولا تفيد دراسة تفاصيل جسم حيوان ثديي في فهم تفاصيل الجسم البشري التي تعين على تشخيص الأمراض في أحوال كثيرة.
(2/80)

فالاعتماد على تشريح الحيوانات الثديية وحدها، حتى أقربها إلى الإنسان شكلا لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل الجسم البشري، وقد يزرع في ذهن الأطباء عامة صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري تكون سببا في ارتكاب الأطباء للأخطاء الفنية. وخير ما يدل هو إبراز بعض أوجه الخلاف.
الهيكل العظمي وما يتصل به من مفاصل وعضلات:
يختلف هيكل الإنسان عن هيكل الثدييات الأخرى في مقاييس العظام المكونة له واعتداله، وتقوسات العمود الفقري، وشكل الحوض والقفص الصدري، كما تختلف نسب وأشكال عظام الأطراف والمفاصل التي بينها وخاصة اليد والقدم، وعظام العضوين المذكورين تختلف في عددها وطرق تفصيلها والعضلات المتصلة بها، وأما اليد فعضو إنساني بلغ في الإنسان مبلغا من الدقة لا يوجد في سائر الثدييات.
أما الرأس فنسب الأعضاء فيه مختلفة اختلافا كبيرا في سائر الثدييات فهيكل الفكين في الثدييات يكون جزءا كبيرا من الجمجمة في حين أن صندوق الدماغ فيها صغير نسبيا، ووضع تجاويف الأنف وحجاج العين يختلف في الثدييات عن الإنسان.
الأحشاء الداخلية: الأحشاء الداخلية سواء كانت في الصدر أم في البطن - تختلف في نسبها وشكلها العام في الإنسان عن سائر الثدييات، فمعدة الإنسان بسيطة، وقد تكون متعددة الأجزاء في الحيوانات المجترة، وأمعاؤه تخالف في الطول وفي الوضع أمعاء الثدييات الأخرى.
ورحم الإنسان بسيط، وقد يكون ذا قرنين معقدين في كثير من
(2/81)

الثدييات.
وكلية الإنسان ذات سطح ناعم لا أخاديد به رغم تعدد ما بها من الفصوص، وكلى الثدييات تختلف، فبعضها ذات فص واحد، وبعضها متعدد الفصوص، ولكن يفصل بين فصوصها أخاديد تبدو على سطحها.
ودماغ الإنسان أكبر بكثير من أدمغة الحيوانات الثديية التي تماثله حجما، بل والتي تكبره بكثير مع اختلاف شكل دماغ الإنسان ونسب أجزائه عن أدمغة الثدييات الأخرى.
وهناك فروق كثيرة في التركيب الميكروسكوبي لأعضاء الإنسان وأعضاء الثدييات، وإن كان الشبه بين أعضاء الثدييات عاما، بالإضافة إلى أن هناك فروقا في التركيب الميكروسكوبي للأعضاء السليمة والأعضاء المريضة في جسم الإنسان لا بد من معرفتها حتى يعرف طبيعة المرض.
هذا ما تيسر إعداده، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.
حرر في 21 \ 7 \ 1396 هـ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(2/82)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (47) وتاريخ 20 \ 8 \ 1396هـ
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396 هـ - جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم (3231 \ 2 \ خ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم (34 \ 1 \ 2 \ 13446 \ 3) وتاريخ 6 \ 8 \ 1395 هـ المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة - المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم، وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية.
كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التشريح لغرض التحقق عن دعوى جنائية.
الثاني: التشريح لغرض التحقق عن أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها.
الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلما وتعليما.
وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه - قرر المجلس ما يلي:
(2/83)

بالنسبة للقسمين الأول والثاني: فإن المجلس يرى: أن في إجازتهما تحقيقا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع: إجازة التشريح لهذين الغرضين، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا.
وأما بالنسبة للقسم الثالث: وهو التشريح للغرض التعليمي فنظرا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها.
وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان.
وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة: فإن المجلس يرى: جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة، إلا أنه نظرا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتا كعنايتها بكرامته حيا؛ وذلك لما روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا (1) » . ونظرا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة: فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين
__________
(1) سنن أبو داود الجنائز (3207) ، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1616) ، مسند أحمد بن حنبل (6/105) .
(2/84)

والحال ما ذكر.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
محمد بن علي الحركان
عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد الله بن خياط ... عبد الرزاق عفيفي
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
(2/85)

(2)
القسامة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/87)

بسم الله الرحمن الرحيم
القسامة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد (1) :
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام 1396 هـ موضوع (القسامة، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة، أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين؟) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء من أن يدرج موضوع القسامة ضمن المواضيع التي اتفق المجلس على إعداد بحوث فيها - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الرابع، ص83 - 181، سنة 1398 هـ.
(2/89)

يشتمل على العناصر التالية:
1 - بيان اشتقاق القسامة، وتحديد معناها في اللغة، والمراد بها عند الفقهاء.
2 - بيان مستند من عمل بالقسامة، ومستند من لم يعمل بها، ومناقشة كل منهما.
3 - ضابط اللوث وبيان صوره، واختلاف العلماء فيها، ومنشأ ذلك، مع المناقشة.
4 - هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا، أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما، مع ذكر الدليل والمناقشة.
5 - ذكر اختلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا، من مدع ومدعى عليه، ومستند كل مع المناقشة.
6 - ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة، وبيان ذلك، ومستند كل مع المناقشة، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أو لا؟
7 - خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول، مع الأدلة والمناقشة.
8 - ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية، وذكر مستند كل، مع المناقشة.
9 - خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليهم أكثر من واحد، وفي العدول عن القتل إلى دفع الدية، مع الأدلة والمناقشة.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(2/90)

الأول: معنى القسامة:
المراد بالقسامة في اللغة:
أ - قال أحمد بن فارس: (قسم) القاف والسين والميم أصلان صحيحان يدل أحدهما على جمال وحسن، والآخر على تجزئة شيء. . . وبعد كلامه على الأصل الأول قال: والأصل الآخر: القسم، مصدر قسمت الشيء قسما، والنصيب قسم بكسر القاف، فأما اليمين فالقسم، قال أهل اللغة: أصل ذلك من القسامة، وهي: الأيمان تقسم على أولياء المقتول إذا ادعوا دم مقتولهم على ناس اتهموهم به.
ب - وقال ابن منظور نقلا عن ابن سيده: والقسامة: الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون، ويمين القسامة منسوبة إليهم، وفي حديث: «الأيمان تقسم على أولياء الدم» .
وقال أيضا نقلا عن ابن زيد: جاءت قسامة الرجل، سمي بالمصدر، وقتل فلان فلانا بالقسامة، أي: باليمين، وجاءت قسامة من بني فلان وأصله اليمين ثم جعل قوما، وقال أيضا نقلا عن الأزهري: القسامة: اسم من الإقسام، وضع موضع المصدر، ثم يقال للذين يقسمون: قسامة (1) .
ج - وقال الحسين بن أحمد السيافي: وقد اختلف كلام أهل اللغة في معناها: فقيل: هي اسم للأيمان تقسم على خمسين رجلا من أهل المحلة التي يوجد فيها القتيل لا يعلم قاتله، وهي على هذا مأخوذة من التقسيم، وقيل: هي اسم للجماعة يقسمون على الشيء ويشهدون به ويمين القسامة
__________
(1) [لسان العرب] (15 \ 381، 382)
(2/91)

منسوبة إليهم ثم أطلقت على الأيمان نفسها، ذكره في [المحكم] ونحوه في [القاموس] ، وقيل: بل هي اسم للأيمان، وهي مصدر أقسم يقسم قسما وقسامة ... (1) .
__________
(1) [الروض النظير، (4 \ 285) .
(2/92)

المراد بالقسامة عند الفقهاء:
أ - قال الكاساني: هي: اليمين بالله تبارك وتعالى بسبب مخصوص، وعدد مخصوص، وعلى شخص مخصوص، وهو المدعى عليه، وعلى وجه مخصوص، وهو أن يقسم خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها بالله ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا، فإذا حلفوا يغرمون الدية، وهذا عند أصحابنا رحمهم الله تعالى (1) .
ب - وقال أحمد الشلبي: ثم القسامة عبارة عن الأيمان التي تعرض على خمسين رجلا من أهل المحلة أو الدار إذا وجد فيها قتيل لم يعرف قاتله، فإن لم يبلغ الرجال خمسين رجلا تكررت اليمين إلى أن تتم خمسين يمينا (2) .
ج - وقال خليل والدردير: والقسامة من البالغ العاقل خمسون يمينا متتالية، فلا تفرق على أيام أو أوقات بتا قطعا؛ بأن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو من ضربه مات، أو لقد قتله، واعتمد البات على ظن قوي، ولا يكفي قوله: أظن أو في ظني، وإن أعمى أو غائبا حال القتل لاعتماد كل على اللوث المتقدم بيانه يحلفها في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين وإن
__________
(1) [بدائع الصنائع، (5 \ 286) ، ويرجع أيضا إلى [فتح القدير] ، (8 \ 384) .
(2) [حاشية الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] (6 \ 169) .
(2/92)

واحدا أو امرأة ولو أختا لأم وتوزع على قدر الميراث؛ لأنها سبب في حصوله (1) .
د - وقال ابن حجر: وصفتها: أن يحلف أولياء الدم خمسين يمينا في المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس أن هذا قتله (2) .
هـ - وقال ابن حجر: وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم وخص القسم على الدم بلفظ القسامة (3) .
وقال الرملي: واصطلاحا: اسم لأيمانهم، وقد تطلق على الأيمان مطلقا إذ القسم اليمين (4) .
ووقال أبو محمد بن قدامة: والمراد بالقسامة هاهنا: الأيمان المكررة في دعوى القتل.
__________
(1) [مختصر خليل والشرح الكبير] ، وعليها [حاشية الدسوقي] (4 \ 260 - 261) .
(2) [قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية] ص 377.
(3) [فتح الباري] ، (12 \ 231) .
(4) [نهاية المحتاج] (7 \ 387) .
(2/93)

الثاني: بيان مستند من عمل بالقسامة ومستند من لم يعمل بها ومناقشة كل منهما:
اختلف أهل العلم في حكم القسامة:
فمنهم من عمل بها، ومنهم من لم يعمل بها.
وفيما يلي نذكر طائفة من كلام من عمل بالقسامة مع المناقشة، ثم نذكر طائفة من كلام من لم يعمل بها وأدلتهم مع المناقشة:
(2/93)

أ - قال السمرقندي: القسامة مشروعة في القتيل الذي يوجد به علامة القتل من الجراح وغيرها، ولم يعلم له قاتل بالأحاديث الصحيحة، وقضاء عمر رضي الله عنه، إجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ب - وقال القاضي عياض: وهذه الإيمان هي أيمان القسامة، وهي أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد أحكامه، وركن من أركان مصالح العباد، أخذ به علماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. بواسطة الأبي.
وقال محمد بن رشد: أما وجوب الحكم بها على الجملة: فقال به جمهور فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأحمد وسفيان وداود وأصحابهم، وغير ذلك من فقهاء الأمصار (1) .
ج - وقال الشافعي بعد ذكره لحديث محيصة وحويصة: وبهذا نقول (2) .
د - وقال البعلي: نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا
__________
(1) [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] (2 \ 304) .
(2) [الأم] (6 \ 78) .
(2/94)

كان مثل المدعى عليه يفعل هذا (1) .
__________
(1) [الاختيارات الفقهية] ص 295.
(2/95)

مستند القائلين بعدم العمل بالقسامة مع المناقشة:
استدلوا بالسنة والإجماع والأثر: أما السنة فدليلان: أحدهما: ما رواه مسلم في [الصحيح] بالسند المتصل إلى سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (1) » .
وفي رواية له أيضا عن ابن شهاب، وزاد - أي: عن رواية سليمان بن يسار -: «وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود (2) » .
والقسامة التي وقعت في الجاهلية أخرج البخاري صفتها في [الصحيح] بالسند المتصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؛ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؛ قال: فحذفه بعصا كان فيها أجله، فمر به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؛ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم
__________
(1) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1670) ، سنن النسائي القسامة (4707) ، مسند أحمد بن حنبل (5/432) .
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1670) ، سنن النسائي القسامة (4708) ، مسند أحمد بن حنبل (5/432) .
(2/95)

قال: فكنت: إذا أنت شهدت الموسم فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال، ومات المستأجر فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة: أن فلانا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: (فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف) (1) .
وقد أجاب الصنعاني عن الاستدلال بذلك فقال: هو إخبار عن القصة التي في حديث سهل بن أبي حثمة، وقد عرفت أنه صلى الله عليه وسلم: لم يقض بها فيه
__________
(1) [صحيح البخاري] (4 \ 236، 237) .
(2/96)

كما قررناه (1) . . . ثم قال:
(وقد عرفت من حديث أبي طالب أنها كانت في الجاهلية على أن يؤدي الدية القاتل لا العاقلة، كما قال أبو طالب: إما أن تؤدي مائة من الإبل. فإنه ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته، أو يحلف خمسون من قومك، أو تقتل، وهاهنا في قصة خيبر لم يقع شيء من ذلك، فإن المدعى عليهم لم يحلفوا ولم يسلموا الدية ولم يطلب منهم الحلف، وليس هذا قدحا في رواية الراوي من الصحابة، بل في استنباطه؛ لأنه قد أفاد حديثه أنه استنبط قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة من قصة أهل خيبر، وليس في تلك القصة قضاء، وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا، وإنما روايته للحديث بلفظه أو بمعناه هي التي يتعين قبولها) اهـ. وقد استشعر الصنعاني إيرادا على قوله: (وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا، فأجاب عنه بقوله:
وأما قول أبي الزناد: (قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان) .
فإنه قال في [فتح الباري] : (إنما نقله أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه روى عن عشرة من الصحابة فضلا عن ألف) .
قلت: لا يخفى أن تقريره لما رواه أبو الزناد؛ لثبوت ما رواه عن خارجة
__________
(1) سيأتي ما قرره جوابا عن الاستدلال بالدليل الثاني
(2/97)

ابن زيد الفقيه الثقة، وإنما دلس بقوله: (قتلنا) وكأنه يريد قتل معشر المسلمين وإن لم يحضرهم.
ثم لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من الصحابة وليس بإجماع حتى يكون حجة، ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة وإن اختلف عنه في القتل، وإنما نزاعنا في ثبوت فعل عمر وإن اختلف عنه في القتل، وإنما نزاعنا في ثبوت حكمه صلى الله عليه وسلم بها فإنه لم يثبت (1) .
ويمكن أن يجاب عن قول الصنعاني: أنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بالقسامة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في القسامة، ووجه كونه صلى الله عليه وسلم قضى بها أنه طلب من الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا، فبين لهم صلى الله عليه وسلم أن لهم على اليهود خمسين يمينا وتبرأ اليهود من دم الأنصاري فلم يقبل الأنصار أيمان اليهود، فلم يكن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكم لأولياء الدم لكون القسامة غير مشروعة، بل لإبائهم أن يحلفوا؛ لأنهم لم يشاهدوا الحدث ولم يقبلوا أيمان اليهود؛ لأنهم قوم كفار.
الثاني: قصة عبد الله بن سهل، فأخرج البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي، عن سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه - قال: «انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: " كبر كبر " - وهو أحدث القوم
__________
(1) [سبل السلام] (3 \ 257) .
(2/98)

- فسكت، فتكلما فقال: " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ ! قال: " فتبرئكم يهود بخمسين "، قالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار؛ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده (1) » .
وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " قالوا: يا رسول الله، (2) » . . . . وذكر الحديث نحوه.
وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمرين:
الأمر الأول: ما ذكره الصنعاني بقوله: أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم بها وإنما كانت حكما جاهليا، فتلطف بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الإسلام، وبيان أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا: وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد؟ لم يبين لهم أن هذا الحلف في القسامة من شأنه ذلك بأنه حكم الله فيها وشرعه، بل عدل إلى قوله: «يحلف لكم يهود (3) » فقالوا: ليسوا بمسلمين، فلم يوجب صلى الله عليه وسلم عليهم، ويبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم مطلقا مسلمين كانوا أو غيرهم، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده صلى الله عليه وسلم، ولو كان الحكم ثابتا لبين لهم وجهه، بل تقريره صلى الله عليه وسلم على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي - دليل على أنه لا حلف في القسامة، ولأنه لم يطلب اليهود للإجابة عن خصومهم في دعواهم، فالقصة منادية بأنها لم تخرج مخرج الحكم الشرعي، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهذا أقوى دليل بأنها ليست حكما شرعيا، وإنما تلطف صلى الله عليه وسلم في بيان أنها ليست بحكم شرعي بهذا التدريج المنادي بعدم ثبوتها شرعا، وأقرهم صلى الله عليه وسلم أنهم لا يحلفون على ما لا يعلمونه ولا شاهدوه
__________
(1) صحيح البخاري الجزية (3173) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(3) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/99)

ولا حضروه، ولم يبين لهم بحرف واحد أن أيمان القسامة من شأنها أن تكون على ما لا يعلم. انتهى المقصود (1) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن يقال: الرسول صلى الله عليه وسلم عرض على الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا، ثم بين لهم أن لهم على اليهود خمسين يمينا يحلفها خمسون منهم، فبينوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون أيمانهم، وهذا يدل على مشروعيتها، إذ لا يصح أن يحمل هذا التصرف منه صلى الله عليه وسلم على العبث والألغاز التي لا يرشد إليها الكلام، وإنما يحمل عليها الكلام بمجرد الظنون والأوهام.
الأمر الثاني: أن هذا الدليل مضطرب، والاضطراب علة مانعة عن العمل به فيكون مردودا، ويمكن أن نبين وجوه الاضطراب والجواب عن كل وجه بعده.
الوجه الأول: الاضطراب بالزيادة والنقص وفي البدء بتوجيه الأيمان، فإن هذا الحديث ليس فيه طلب البينة أولا من المدعين، كما أنه يدل على البدء بتوجيه الأيمان إلى المدعين، وقد جاء ما يخالف ذلك: فروى البخاري في الصحيح بسنده المتصل إلى بشير بن يسار، زعم أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة - وذكر الحديث وفيه - فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله " قالوا: ما لنا بينة، قال: " فيحلفون "، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود (2) » . . . . الحديث.
وقد أجاب ابن حجر عن ذلك بقوله: وطريق الجمع أن يقال: حفظ
__________
(1) [سبل السلام] (3 \ 257) .
(2) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/100)

أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا.
وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سلم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر، أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول صلى الله عليه وسلم: أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته قال: يا رسول الله، أنى أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم (1) » . . . الحديث، وهذا السند صحيح حسن، وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعين المصير إليه.
وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم " قال: لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا (2) » .
__________
(1) سنن النسائي القسامة (4720) ، سنن ابن ماجه الديات (2678) .
(2) [فتح الباري] (12 \ 234) .
(2/101)


الوجه الثاني: أن الحديث مضطرب لاختلاف العبارات، وقد وقع هذا في كثير من روايات الحديث لمن تأملها.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن الرواية بالمعنى جائزة، وما دام أن اختلاف الألفاظ لا يترتب عليه اختلاف تضاد في الحكم - فلا أثر له.
الوجه الثالث: أن الحديث مضطرب؛ لوجود الاختلاف في دفع الدية، ففي رواية البخاري: «فوداه مائة من إبل الصدقة (1) » ، وفي رواية مسلم: «فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده (2) » ، وفي رواية النسائي: «فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها (3) » .
ويجاب عن هذا: أولا بما قاله ابن حجر: قوله: (من إبل الصدقة) زعم بعضهم: أنه غلط من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: (من عنده) وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، أي: بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره، قلت: وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال: حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4523) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(3) سنن النسائي القسامة (4720) ، سنن ابن ماجه الديات (2678) .
(2/102)

أمره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم.
قال القرطبي في [المفهم] : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته، وجلبا للمصلحة، ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق، ورواية من قال: " من عنده " أصح من رواية من قال: " من إبل الصدقة ". وقد قيل: إنها غلط، والأولى: أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها، فذكر ما تقدم وزاد: أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم، واستجلابا لليهود. انتهى (1) .
ويجاب ثانيا عن رواية النسائي بأمرين:
أحدهما: من جهة السند والثاني: من جهة الدلالة.
أما من جهة السند: فإن النسائي رحمه الله تعالى ذكر هذه الترجمة (ذكر اختلاف الناقلين لخبر سهل فيه) وساق عدة روايات، وقال بعد ذلك: (خالفهم عمرو بن شعيب أخبرنا محمد بن معمر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. . . وذكر الحديث، وقال في آخره: «فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها (2) » .
وقال ابن القيم: قال النسائي: لا نعلم أحدا تابع عمرو بن شعيب على
__________
(1) [فتح الباري] (12 \ 235) .
(2) [سنن النسائي] (8 \ 12) .
(2/103)

هذه الرواية.
ويمكن أن يقال: إن عمرو بن شعيب انفرد بهذه الزيادة وهو مختلف في الاحتجاج به، فتكون هذه الزيادة مردودة.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه سبق ما ذكر عن بعض العلماء كالإمام أحمد وابن المديني وغيرهما أنهم يحتجون به.
وبناء على أنه حجة فيقال من جهة دلالته: يمكن الجمع بينه وبين ما جاء دالا على أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده، ووجه الجمع أن يقال: إن قول الراوي (فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته عليهم) أي: على اليهود، أي: على تقدير: أن يقروا بذلك، كأنه أرسل إلى يهود أن يقسم الدية عليهم ويعينهم بالنصف إن أقروا فلما لم يقروا وداه من عنده (1) .
الوجه الرابع: أن الحديث مضطرب؛ لوجود ذكر الحلف دون عدد الأيمان والحالفين في بعض الروايات، ففي رواية البخاري " أتحلفون؟ " فذكر الحلف ولم يذكر عدد الأيمان ولا عدد الحالفين، وفي رواية البخاري " أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ "، ففيها بيان عدد الحالفين، وفي رواية مالك في [الموطأ] " أتحلفون خمسين يمينا؟ " ففي هذا عدد الأيمان.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الروايات التي لم يذكر فيها عدد الأيمان وعدد الحالفين مجملة، والروايات التي جاء فيها عدد الحالفين
__________
(1) [شرح السيوطي لسنن النسائي] (8 \ 13) .
(2/104)

وعدد الأيمان مفسرة لهذا الإجمال، وذلك أن القصة واحدة فيكون المفسر مبينا للمجمل فيحدد معناه، وبهذا تجتمع الروايات وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه.
وأما الإجماع: فقد سبق ما نقل عن السمرقندي وهو قوله: وإجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1) .
وقول خارجة بن زيد: فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم ليقتلوه (2) .
قال ابن حجر: وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور، فأجمع أن القود إجماع (3) .
وقد تقدم ما نقله أبو الزناد عن خارجة من قوله: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان، وسبقت مناقشته.
ويرد دعوى الإجماع في عهد عمر بن عبد العزيز ما نقل عنه: أنه كان لا يرى القسامة؛ ولهذا نصب أبو قلابة للناس ليعلن أبو قلابة رأيه في عدم مشروعية القسامة.
ويرد على دعوى إجماع أهل المدينة: ما ذكره ابن حجر بقوله: وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فأخرج ابن المنذر عنه أنه كان يقول: (يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه،
__________
(1) انظر ص94 الحاشية رقم (1) .
(2) [الفتح] (12 \ 231) .
(3) [الفتح] (12 \ 232) .
(2/105)

لو كان لي من أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة) وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة، فإن سالما من أجل فقهاء المدينة (1) .
وأما الآثار: فقد وردت آثار عن الخلفاء الأربعة وغيرهم تدل على مشروعية القسامة، وبعضها لا يخلو من مقال
__________
(1) يرجع إلى [نصب الراية] (4 \ 393) وما بعدها، و [المحلى] (11 \ 65) .
(2/106)

القائلون بعدم العمل بالقسامة:
قال الأبي نقلا عن القاضي عياض: وأبطل الأخذ به - أي: بهذا الركن - فلم يثبت للقسامة حكما في الشرع سالم بن عبد الله، والحكم بن عيينة، وسليمان بن يسار، وقتادة، وابن علية، ومسلم بن خالد، وأبو قلابة، والمكيون، وإليه نحا البخاري، واختلف قول مالك في الأخذ به في قتل الخطأ.
ط - والشهير عنه إثباتها فيه، وعنه: أنه لا قسامة فيه (1) .
ونسبة البخاري إلى معاوية وعمر بن عبد العزيز، وستأتي مناقشة ما نسبه إليهما.
مستند القائلين بالعمل بالقسامة مع المناقشة:
احتجوا بالسنة والاستصحاب والأثر.
أما السنة: فقال ابن حزم: نظرنا فيما يمكن أن يحتج به فوجدناه من
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (4 \ 394) .
(2/106)

طريق نا طاهر نا ابن وهب عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (1) » ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (2) » ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك (3) » .
قالوا: فقد سوى الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام بين تحريم الدماء والأموال، وبين الدعوى في الدماء والأموال، وأبطل كل ذلك، ولم يجعله إلا بالبينة واليمين على المدعى عليه، فوجب أن يكون الحكم في كل ذلك سواء لا يفترق في شيء أصلا، لا فيمن يحلف ولا في عدد يمين ولا في إسقاط الغرامة إلا بالبينة ولا مزيد.
وهذا كله حق، إلا أنهم تركوا ما لا يجوز تركه مما فرض الله تعالى على الناس إضافته إلى ما ذكروا، وهو أن الذي حكم بما ذكروا وهو المرسل إلينا من الله تعالى - هو الذي حكم بالقسامة، وفرق بين حكمها وبين سائر الدماء والأموال المدعاة، ولا يحل أخذ شيء من أحكامه وترك سائرها، إذ كلها من عند الله تعالى وكلها حق، وفرض الوقوف عنده والعمل به، وليس بعض أحكامه علمه السلام أولى بالطاعة من بعض، ومن خالف هذا فقد دخل تحت المعصية وتحت قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (4) ولا فرق بين من ترك حديث «بينتك أو يمينه (5) » لحديث القسامة وبين من ترك حديث القسامة لتلك الأحاديث (6) .
__________
(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4552) ، صحيح مسلم الأقضية (1711) ، سنن الترمذي الأحكام (1342) ، سنن النسائي آداب القضاة (5425) ، سنن أبو داود الأقضية (3619) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2321) ، مسند أحمد بن حنبل (1/288) .
(2) صحيح البخاري الحج (1741) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) ، سنن ابن ماجه المقدمة (233) ، مسند أحمد بن حنبل (5/37) ، سنن الدارمي المناسك (1916) .
(3) صحيح مسلم الإيمان (139) ، سنن الترمذي الأحكام (1340) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3245) ، مسند أحمد بن حنبل (4/317) .
(4) سورة البقرة الآية 85
(5) صحيح مسلم الإيمان (139) ، سنن الترمذي الأحكام (1340) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3245) ، مسند أحمد بن حنبل (4/317) .
(6) [المحلى] (11 \ 77) .
(2/107)

ومما يوضح جواب ابن حزم رحمه الله ما قاله الخطابي رحمه الله، قال: هذا حكم خاص جاءت به السنة لا يقاس على سائر الأحكام، وللشريعة أن تخص كما لها أن تعم، ولها أن تخالف بين سائر الأحكام المتشابهة في الصفة، كما لها أن توفق بينها ولها نظائر كثيرة في الأصول (1) .
وجاء معنى ذلك عن ابن المنذر (2) وابن حجر (3) .
وقد أورد ابن حزم: رحمه الله اعتراضا على جوابه:
وأجاب عنه فقال: فإن قالوا: الدماء حدود ولا يمين في الحدود. قيل لهم: ما هي الحدود؟ لأن الحدود ليست بموكولة إلى اختيار أحد إن شاء أقامها وإن شاء عطلها، بل هي واجبة لله تعالى وحده، لا خيار فيها لأحد ولا حكم، وأما الدماء فهي موكولة إلى اختيار الولي؛ إن شاء استقاد، وإن شاء عفا، فبطل أن تكون من الحدود وصح أنها من حقوق الناس، وفسد قول من فرق بينهما وبين حقوق الناس من أموال وغيرها إلا حيث فرق الله تعالى ورسوله بين الدماء والحقوق وغيرها وليس ذلك إلا حيث القسامة فقط (4) .
وقد أجاب شيخ الإسلام: بأن القسامة من الحدود لا من الحقوق، فقال: وهذه الأمور - أي: أمثلة منها القسامة - من الحدود في المصالح العامة ليس من الحقوق الخاصة، وقال: فلولا القسامة في الدماء لأفضى
__________
(1) [معالم السنن] (6 \ 315) .
(2) [الجامع لأحكام القرآن] (1 \ 458) .
(3) [فتح الباري] (12 \ 197) .
(4) [المحلى] (11 \ 77) .
(2/108)

إلى سفك الدماء، فيقتل الرجل عدوه خفية، ولا يمكن لأولياء المقتول إقامة البينة، واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين (1) .
وقد أجاب ابن القيم: رحمه الله بجواب آخر عن هذا الدليل فقال: وأما حديث ابن عباس: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (2) » فهذا إنما يدل على أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله، وأما في القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم، بل البينة وهي ظهور اللوث وأيمان خمسين لا بمجرد الدعوى. وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى، وقاعدة الشرع: أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين؛ ولهذا يقضى للمدعي بيمينه إذا نكل المدعى عليه كما حكم به الصحابة؛ لقوة جانبه بنكول الخصم المدعى عليه؛ ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى (3) . انتهى المقصود.
وقد بسط ابن القيم رحمه الله هذا الجواب في موضع آخر (4) .
وجواب ثالث عن مالك بن أنس رحمه الله قال: إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق: أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما
__________
(1) [الفتاوى المصرية] (4 \ 291) .
(2) صحيح البخاري تفسير القرآن (4552) ، صحيح مسلم الأقضية (1711) ، سنن الترمذي الأحكام (1342) ، سنن النسائي آداب القضاة (5425) ، سنن أبو داود الأقضية (3619) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2321) ، مسند أحمد بن حنبل (1/288) .
(3) [تهذيب سنن أبي داود] (6 \ 235، 326) .
(4) [إعلام الموقعين] (2 \ 331، 332) .
(2/109)

يلتمس الخلوة، قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما ثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق - هلكت الدماء، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون بها فيها؛ ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك (1) .
أما الاستصحاب: فقال ابن رشد: وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها:
فمنها: أن الأصل في الشرع ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا، أو شاهد حسا، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر؛ ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا عليه.
فقال: ما تقولون في القسامة؟
فأضب القوم وقالوا: نقول: القسامة القود بها الحق، قد أقاد بها الخلفاء.
فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ - ونصبني للناس - فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك أشراف العرب ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه؟ !
قال: لا.
قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل أنه سرق
__________
(1) [المنتقى شرح موطأ الإمام مالك] للإمام الباجي (7 \ 61) .
(2/110)

بحمص ولم يروه أكنت تقطعه؟
قال: لا. وفي بعض الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أخذت بشهادتهم؟
قال: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة: أنهم إذا أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا، قالوا: ومنها: أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء، ومنها: أن من الأصول أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (1) .
والجواب عن هذا الدليل من وجوه:
أحدها: بأن التعليق في عدم اعتبار القسامة بأنها من قبيل الحلف على ما لا يعلمه الحالف وهو غير مشروع قد أجيب عنه بما يلي:
أ- قال الإمام الشافعي: (واحتج - أي: القائل بهذا - بأن قال: أحلفتهم على ما لا يعلمون؟ قلت: فقد يعلمون بظاهر الأخبار ممن يصدقون ولا تقبل شهادتهم، وإقرار القاتل عندهم بلا بينة، ولا يحكم بادعائهم عليه الإقرار وغير ذلك، قال: العلم ما رأوا بأعينهم أو سمعوا بآذانهم، قلت: ولا علم ثالث؛ قال: لا. قلت: فإذا اشترى ابن خمس عشرة سنة عبدا ولف بالمشرق منذ خمسين ومائة سنة ثم باعه فادعى الذي ابتاعه أنه كان آبقا فكيف تحلفه؟ قال: على البينة، قلت: يقول لك: تظلمني؛ فإن هذا ولد قبلي وببلد غير بلدي وتحلفني على البينة وأنت تعلم أني لا أحيط بأن لم يأبق قط علما، قال: يسأل، قلت: يقول لك: فأنت تحلفني على ما تعلم
__________
(1) [بداية المجتهد] (2 \ 427، 428) .
(2/111)

أني لا أبر فيه؟ قال: وإذا سئلت فقد وسعك أن تحلف، قلت: أفرجل قتل أبوه فغبي من ساعته فسأل أولى أن يعلم؟ قال: نعم، قال بعض من حضره: بل من قتل أبوه؟ فقلت: فقد عبت يمينه على القسامة ونحن لا نأمره أن يحلف إلا بعد العلم، والعلم يمكنه واليمين على القسامة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت برأيك يحلف على العبد الذي وصفت. اهـ.
وقال الشافعي أيضا: وإذا وجبت القسامة فلأهل القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبا عن موضع القتيل؛ لأنه قد يمكن أن يعلموا باعتراف القتيل أو بينة تقوم عندهم لا يقبل الحاكم منهم ومن غيرهم غير ذلك من وجوه العلم التي لا تكون شهادة بقطع، وينبغي للحاكم أن يقول: اتقوا الله ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات ويقبل أيمانهم متى حلفوا. اهـ (1) .
ب - وقال ابن قدامة: (قال القاضي: يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم (2) » وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه، كما أن من اشترى من إنسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه، وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز له أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده - كان له أن يحلف أنه باعه بريئا من العيب، ولا ينبغي أن
__________
(1) [الأم]] (6 \ 79) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/112)

يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة الظن (1) .
ج - ويمكن أن يقال: لا يلزم أن تكون اليمين على اليقين مطلقا، وتقرير ذلك أن شريعة الإسلام تبنى أحكامها على الظاهر، لا على الباطن. وعلى الظن لا على اليقين، وهذا جار في أسانيد الأدلة ودلالاتها وبقائها، وفي الجزئيات التطبيقية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبار الآحاد ظنية الثبوت، ودلالة العموم على جميع أفراده مع احتمال مخصص، ودلالة المطلق على بعض ما يتناوله مع احتمال مقيد، ودلالة النص على مقتضاه مع احتمال ناسخ، ودلالة الظاهر على معناه مع احتمال دليل صارف له عن ظاهره إلى التأويل. هذه الأمور كلها ظنية ومع ذلك يعمل بها، ولو ترك العمل بهذا الباب فقيل: لا يعمل إلا باليقينيات لتعطل كثير من مواضع تطبيق الشريعة. وأما من الناحية التطبيقية في حياته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قضية اللعان، فبعدما انتهى المتلاعنان قال صلى الله عليه وسلم: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ (2) » ثلاثا فهو صلى الله عليه وسلم قضى بمقتضى اللعان مع أن أحدهما كاذب يقينا، وهذا الاحتمال لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إجراء الحكم على الظاهر.
د - ويمكن أن يقال أيضا: إذا حلف أنه لم يقتل ولا يعلم قاتلا فهذا يقين في الظاهر من الجهتين، فإن قوله: (لم يقتله) هذا نفي لصدور القتل منه، وقوله: (ولا يعلم له قاتلا، هذا نفي لعلمه بالقاتل ومورد النفي في الصورتين مختلف، لكن كل منهما يقين في الظاهر بحسبه، وتحقق مطابقة الظاهر للباطن لا يتوقف عليه ربط الحكم الشرعي بالظاهر وإن كان مخالفا
__________
(1) [المغني] (8 \ 91 - 94) .
(2) صحيح البخاري تفسير القرآن (4747) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3179) ، سنن أبو داود الطلاق (2256) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2067) ، مسند أحمد بن حنبل (1/239) .
(2/113)

للباطن.
ثانيها: روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: إني أريد أن أدع القسامة: يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا وكذا فيحلفون، قال: فقلت له: ليس ذلك لك، قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده. وإنك إن تتركها أوشك الرجل أن يقتل عند بابك فيطل دمه فإن للناس في القسامة حياة (1) .
ثالثها: يمكن أن يقال: إن قصة أبي قلابة أكثر ما يقال فيها: إنها أثر تابعي فهل يصح أن يكون معارضا لقول معصوم؛ كلا، فلا عبرة بقول من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله صلى الله عليه وسلم.
رابعها: ويمكن أن يقال: إن قولهم: (الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء) غير صحيح؛ لأن المشرع هو الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطرق الإثبات في الشريعة كثيرة ومتنوعة وكل طريق منها أصل بنفسه والمشرع هو الذي جعله أصلا، فلا يصح أن تعارض هذه الأصول بعضها ببعض، بل كل أصل منها يعمل في موضعه، ومن ذلك القسامة الثابتة في قوله صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (2) » ، وفي رواية مسلم «فيسلم إليكم» .
خامسها: قولهم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، قد سبق الجواب عنه في معرض الإجابة عن الدليل الأول من أدلة القائلين بعدم العمل بالقسامة.
__________
(1) [المصنف] (10 \ 39) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2/114)

قال الممانعون من العمل بالقسامة: ومما يؤيد دليل الاستصحاب أن ما ورد من الأحاديث في الحكم بالقسامة ليس نصا في ذلك، بل هي محتملة يتطرق إليها التأويل، فلم تنهض لمقاومة الاستصحاب فوجب تأويلها لتتفق مع الأصول الأخرى.
قال ابن رشد: ومن حجتهم: أنهم لم يروا في تلك الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالقسامة، وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام.
ولذلك قال لهم: «أتحلفون خمسين يمينا (1) » أعني: لولاة الدم وهم الأنصار، «قالوا: كيف نحلف ولم نشاهد؟ قال: " فيحلف لكم اليهود " قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ (2) »
قالوا: فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشاهدوا لقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي السنة.
قالوا: وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة، والتأويل يتطرق إليها فصرفها بالتأويل إلى الأصول أولى (3) .
وأما الأثر فمن ذلك: ما قال البخاري في [صحيحه] : قال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية.
قال ابن حجر: وقد وصله حماد بن سلمة في [مصنفه] ، ومن طريقه ابن المنذر، قال حماد عن ابن أبي مليكة: سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة، فأخبرته: أن عبد الله بن الزبير أقاد بها، وأن معاوية - يعني: ابن أبي سفيان
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4712) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1631) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4716) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(3) [بداية المجتهد] (2 \420) .
(2/115)

- لم يقد بها، وهذا المسند صحيح.
واعترض عليه بما نسبه ابن حجر إلى ابن بطال قال: وقد توقف ابن بطال في ثبوته فقال: قد صح عن معاوية أنه أقاد بها، ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق، قلت - القائل ابن حجر -: هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان، ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ، فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه، فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه، فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا.
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بثلاثة أجوبة ذكرها بقوله: ويمكن الجمع: بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه، ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك، ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك، أو بالعكس (1) .
وقد أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة، لكن لم يصرح فيها بالقتل.
__________
(1) [فتح الباري] (12 \ 231، 232) .
(2/116)

ويمكن أن يجاب عن هذا الأثر بالأجوبة السابقة.
وقال البخاري في [صحيحه] : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة - في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة.
قال ابن حجر: وصله سعيد بن منصور حدثنا هشام حدثنا حميد الطويل قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز. . . . وذكر الأثر، وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن حميد قال: وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه، وهذا صحيح. وقد اعترض على هذا الأثر بقول ابن حجر: وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة، كما اختلف على معاوية، فذكر ابن بطال أن في [مصنف حماد بن سلمة] ، عن ابن أبي مليكة: أن عمر بن عبد العزيز أقاد بالقسامة في إمرته على المدينة (1) .
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بقوله: ويجمع بأنه كان يرى ذلك لما كان أميرا على المدينة، ثم رجع لما ولي الخلافة، ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة، حيث احتج على عدم القود بها فكأنه وافقه على ذلك (2) .
والقصة التي أشار إليها ابن حجر هي ما رواها البخاري في [الصحيح]
__________
(1) [فتح الباري] (12 \ 231، 232) .
(2) فتح الباري (12 \ 232) .
(2/117)

من حديث أبي قلابة الطويل وفيه: قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ - أي: في القسامة، ونصبني للناس - فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام (1) .
ومما يدل على أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يرى العمل بها ثم رجع: ما أخرجه ابن المنذر من طريق الزهري قال: قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع العمل بالقسامة، يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة (2) .
هذا وقد ذكر ابن حزم رحمه الله مجموعة من الآثار الدالة على أنه لا يقاد بالقسامة ولا يحكم بها، وناقشها، وقد تركنا ذكرها اختصارا واكتفاء بما سبق من الأدلة.
__________
(1) [فتح الباري] (12 \ 230) .
(2) [فتح الباري] (12 \ 232) ، و [المحلى] (11 \ 65 ـ 70) .
(2/118)

الثالث: ضابط اللوث وبيان صوره واختلاف العلماء فيها ومنشأ ذلك مع المناقشة:
ضابط اللوث
(أ) ضابط اللوث في اللغة:
قال الفيروزآبادي: اللوث: القوة، وعصبة العمامة، والشر، واللوذ، والجراحات والمطالبات بالأحقاد، وشبه الدلالة، واللوث بالضم: الاسترخاء والضعف، والالتياث: الاختلاط والالتفاف، والإبطاء، والقوة، والتلويث: التلطيخ والخلط والمرس كاللوث (1) .
قال الرملي: لوث بمثلثة من اللوث بمعنى القوة لقوة تحويله اليمين لجانب المدعي أو الضعف، لأن الأيمان حجة ضعيفة (2) .
(ب) ضابط اللوث عند الفقهاء:
ا- قال أحمد الشلبي: وسببها وجود قتيل لا يدرى قاتله في محلة أو دار أو موضع يقرب إلى القرية بحيث يسمع الصوت منه.
2 - وقال الأبي: واللوث: هي القرائن الظاهرة الدالة على قتل القاتل.
__________
(1) [القاموس المحيط] (1 \ 173، 174) ، وجاء ما يوافق ذلك في [لسان العرب] (2 \ 185، 186) .
(2) [نهاية المحتاج شرح المنهاج] (7 \ 379) .
(2/119)

3 - وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة تصدق المدعي بأن توقع في القلب صدقه في دعواه ولا بد من ثبوت هذه القرينة (1) .
4 - أما عند الحنابلة: ففي ضابطه روايتان: الأولى: قال ابن قدامة: هو العداوة الظاهرة، وعنه: أنه يغلب على الظن صحة الدعوى به (2) .
__________
(1) [المنهاج] وشرحه [نهاية المحتاج] (7 \ 389) .
(2) [المقنع] (3 \ 432، 433) .
(2/120)

3 - بيان صوره واختلاف العلماء فيها:
نذكر فيما يلي مجمل صور مما نص عليه المالكية، والشافعي رحمه الله، والحنابلة، ثم نتبعها بالكلام على كل صورة في حدود ما تيسر الاطلاع عليه.
مجمل الصور:
1 - قال ابن جزي: وشهادة الشاهد العدل على القتل لوث، واختلف في شهادة غير العدل وفي شهادة الجماعة إذا لم يكونوا عدولا، وفي شهادة النساء والعبيد، وشهادة العدلين على الجرح لوث، إذا عاش المجروح بعد الجرح وأكل وشرب، واختلف في شهادة عدل واحد على إقرار القاتل هل يقسم بذلك أم لا؟ ومن اللوث أن يوجد رجل بقرب المقتول ومعه سيف أو شيء من آلة القتل أو متلطخا بالدم، ومن اللوث أن يحصل المقتول في دار مع قوم فيقتل بينهم، أو يكون في محلة قوم أعداء له، ومن اللوث عند مالك وأصحابه التدمية في العمد، وهو قول المقتول: فلان قتلني، أو دمي عند فلان، سواء أكان المدمى عدلا أو مسخوطا، ووافقه الليث بن سعد
(2/120)

في القسامة بالتدمية، وخالفهما سائر العلماء، واختلف في المذهب في كون التدمية في الخطأ لوثا على قولين (1) .
وقال الباجي: وذكر أبو محمد في معونته قسما سادسا في فئتين اقتتلتا فوجد بينهما قتيل فيها روايتان (2) وساقهما، وذكر وجه كل منهما، وسيأتي ذلك في موضعه.
وقتيل الزحام نقله الأبي، كما سيأتي.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى بعد سياقه لقصة قتل عبد الله بن سهل قال: فإذا كان مثل هذا السبب الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالقسامة حكمنا بها وجعلنا فيها الدية على المدعى عليهم، فإذا لم يكن مثل ذلك السبب لم نحكم بها.
فإن قال قائل: وما مثل السبب الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: كانت خيبر دار يهود التي قتل فيها عبد الله بن سهل محضة لا يخلطهم غيرهم وكانت العداوة بين الأنصار واليهود ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر ووجد قتيلا قبل الليل، فكاد أن يغلب على من علم هذا أنه لم يقتله إلا بعض يهود، وإذا كانت دار قوم مجتمعة لا يخلطهم غيرهم وكانوا أعداء للمقتول أو قبيلته ووجد القتيل فيهم فادعى أولياؤه قتله فيهم فلهم القسامة، وكذلك إذا كان مثل هذا المعنى مما يطلب على الحاكم أنه كما يدعي المدعي على جماعة أو واحد، وذلك مثل أن يدخل نفر بيتا فلا يخرجون
__________
(1) [قوانين الأحكام الفقهية] ص 378.
(2) [المنتقى] (7 \ 56) .
(2/121)

منه إلا وبينهم قتيل، وكذلك إن كانوا في دار وحدهم أو في صحراء وحدهم؛ لأن الأغلب أنهم قتلوه أو بعضهم، وكذلك أن يوجد قتيل بصحراء أو ناحية ليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مختضب بدمه في مقامه ذلك، أو يوجد قتيل فتأتي بينة متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض، وإن لم يكونوا ممن يعدل في الشهادة، أو يشهد شاهد عدل على رجل أنه قتله؛ لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى ولي الدم أو شهد من وصفت وادعى ولي الدم، ولهم إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم معه دعوى، وإذا لم يكن معه ما وصفت لا يجب بها القسامة، وكذلك لا تجب القسامة في أن يوجد قتيل في قرية يختلط بهم غيرهم أو يمر به المارة - إذا أمكن أن يقتله بعض من يمر ويلقيه (1) .
وقال المزني زيادة عما تقدم نقله عن الشافعي قال: أو صفين في حرب أو ازدحام جماعة (2) .
3 - وقال موسى الحجاوي في الكلام على شروط القسامة: الثاني: اللوث، ولو في الخطأ وشبه العمد، واللوث: العداوة الظاهرة، كنحو ما كان بين
__________
(1) [الأم] (6 \ 78، 79) .
(2) [مختصر المزني] بهامش [الأم] (6 \ 147) .
(2/122)

الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن قتله. . . إلى أن قال: ويدخل في اللوث لو حصل عداوة بين سيد عبد وعصبته، فلو وجد قتيل في صحراء وليس معه غير عبده كان ذلك لوثا في حق العبد ولورثة سيده القسامة، فإن لم تكن عداوة ظاهرة ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو كان عصبته من غير عداوة ظاهرة، أو وجد قتيلا عند من معه سيف ملطخ بدم، أو في زحام أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان والفساق أو عدل واحد وفسقة، أو تفرق فئتان عن قتيل أو شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين، أو شهد أن هذا القتيل قتله أحد هذين أو شهد أحدهما أن إنسانا قتله والآخر أنه أقر بقتله، أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف والآخر بسكين، ونحو ذلك - فليس بلوث، ولا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتل غير العدو ولا أن يكون بالقتيل أثر القتل كدم في أذنه أو أنفه. وقول القتيل: قتلني فلان ليس بلوث، ومتى ادعى القتل عمدا أو غيره، أو وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه على قاتل مع عدم اللوث حلف المدعى عليه يمينا واحدا وبرئ، وإن نكل لم يقض عليه بالقود، بل بالدية (1) .
وقال ابن قدامة - بعد ذكر الرواية الأولى -: وعنه أنه ما يغلب على الظن
__________
(1) [متن الإقناع] (4 \ 238، 240) .
(2/123)

صحة الدعوى به كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ولطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان ونحو ذلك (1) .
3- بيان صوره واختلاف العلماء فيها مع المناقشة:
__________
(1) [المقنع] (3 \ 434، 435) .
(2/124)

الصورة الأولى: التدمية.
قال الأبي: (ع) وصور الشبهة سبعة: الأولى: قول الميت دمي عند فلان أو هو قتلني أو جرحني أو ضربني، وإن لم يظهر أثر ولا جرح أثبت مالك القسامة بذلك وقال: وعليه إجماع الأئمة في القديم والحديث، وشرط بعض أصحابنا ظهور الأثر والجرح إلا لم تكن قسامة، وخالف مالكا في ذلك سائر فقهاء الأمصار، ولم يوافقه عليه إلا الليث، وروي عن عبد الملك بن مروان.
واحتج أصحابنا لذلك: بأن القتل حال تطلب فيه الغيلة والاستتار، والمرء عند آخر عهده بالدنيا يتحرى الصدق، ويرد المظالم، ويتزود من البر.
واحتج مالك بقضية البقرة في قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} (1) فأحيي الرجل وأخبر بمن قتله. . . إلى أن قال:
قلت: ألغى القسامة بذلك ابن عبد الحكم ومن الأندلسيين عبد الرحمن بن بقي وعبيد الله بن يحيى، وقيل: إن ادعاه على من لا يليق به لفضله وصلاحه ألغيت تدميته وإلا أعملت، فالأقوال في المذهب
__________
(1) سورة البقرة الآية 73
(2/124)

ثلاثة، ثالثها: الفرق المذكور.
ابن عبد السلام: وإنما خالف مالكا والليث سائر الفقهاء؛ لأن فيه قبول الدعوى دون بينة، وقد علم أن الأموال أضعف حرمة من الدماء، ومع ذلك لم تقبل فيها الدعوى، فكيف تقبل دعوى القتل بهذه الحجة الضعيفة؟ !
فإن قلت: قيل: كما يحتاط للدماء أن تراق فكذلك يحتاط لها أن تضيع.
قلت: شتان ما بين الاحتياطين. الثاني: دم فات وهذا دم يراق، إلا أنه كما قال بعض المفتين: لأن يقال: ألم تقتله؟ أحب إلي من أن يقال: لم قتلته؟
فإن قلت: أفتى مالك بحضرة أصحابه بقتل رجل، فلما ذهب به ليقتل جعل مالك يتطاول بعنقه وقد اصفر لونه، ثم قال لأصحابه: لا تظنوا أني ندمت في فتياي، ولكنني خفت أن يذهب من أيديهم فتضيع حدود الله.
قلت: هذا مسلم؛ لأنه في قصاص ثبت، والقائل بإعمال التدمية وإن لم يظهر أثر- أصبغ، وهو ظاهر إطلاق الروايات، والقائل بإلغائها حتى يظهر الأثر - ابن كنانة، واختاره اللخمي وابن رشد، وبه العمل.
قال اللخمي: إلا أن يعلم أنه قد كان بينهما قتال ويلزم الفراش عقب ذلك أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض، وتمادى به ذلك حتى هلك.
وباختيار اللخمي هذا أفتيت في نازلة (وقعت من سنة خمس عشرة وثمانمائة أرسل بها إلي الخليفة المعظم أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة المرحوم أبي العباس أحمد الحفصي فأمر أن نفتي فيها بما ظهر لي صوابه)
(2/125)

والنازلة هي: أنه وقعت هوشة بين جماعتي مارغنة بالراء والغين المعجمة، ومزاتة بالزاي والتاء المثناة من فوق، وانكشف الجميع عن جرحى من الفريقين، فبعد أيام جاء رجل من مزاتة إلى العدول بسوسة، وادعى على جماعة مارغنة وليس به جرح ولا أثر ضرب حسبما ضمن ذلك شهود الرسم ثم مات من الغد، ونص فتياي: (الحمد لله، إذا لزم المدمى الفراش عقب الهوشة أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض ودام به ذلك حتى مات، وكان أعيان المارغنيين المدعى عليهم معروفة ولم تكن فئة المدمى هي المبتدئة والأخرى دافعة - فالتدمية صحيحة، وإن لم يكن بالمدمى جرح ولا أثر ضرب ويستحقون قتل واحد أو يقبلون الدية، إلا أن يكون الميت أوصى أن يقبل فيه [الدية] فليس إلا الدية) هذا اختيار اللخمي في المسألة، وليس ببعيد من الصواب. والله أعلم.
وليس من التدمية البيضاء، لأن البيضاء هي التي ليس فيها سبب حتى يستند إليه قول المدمى، وليس فيها إلا قول المدمى دمي عند فلان كقضية اللؤلئي، فإذا لم تكن من التدمية البيضاء فلترجع لتدمية قتيل الصفين. ولا يعترض على هذا بأنه قال في [المدونة] : ولا قسامة في قتيل الصفين؛ لأن معناه عند الأكثر، إذا كان ذلك بدعوى الأولياء، وأما بقول القتيل فإنه يقسم معه، وسئل عنها المعين للفتيا في التاريخ فأجاب: بأنها من التدمية البيضاء التي جرى العمل على إلغائها، وإليك الترجيح بين الجوابين والله أعلم بالصواب.
واختلف إذا قال الميت: دمي عند فلان خطأ: فلمالك في [المدونة] ، يقسم على قوله. وفي [الموازية] ، لا يقسم لتهمة أنه أراد غنى ورثته، وفي
(2/126)

[المدونة] : وإن ادعى الورثة خلاف دعوى الميت من عمد أو خطأ فليس لهم أن يقسموا إلا على قوله، ولم أسمعه من مالك. وفي [الموازية] إن ادعوا خلاف قول الميت فلا قسامة لهم وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت، وفي المدونة أيضا إذا قال: دمي عند فلان ولم يذكر عمدا أو خطأ، فما ادعاه ولاة الدم من عمد أو خطأ أقسموا عليه واستحقوا عليه واستحقوه.
ابن الحارث: وفي المجالس عن ابن القاسم: أحسن من هذا أن قوله باطل، وفي [المدونة] ، أيضا: قال بعضهم: عمدا، وقال بعضهم: خطأ، فإن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم وبطل الدم، فإن نكل مدعي الخطأ فليس لمدعي العمد أن يقسموا ولا دم ولا دية.
واختلف في تدمية الزوجة: فظاهر المذهب: أنها كالأجنبية، وذكر ابن عات عن ابن حزين أنه قال: لا قود على الزوج إلا أن يتعمد واحتج: بأن الله أذن له في ضرب الأدب في قوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ} (1) قال: فالذي يريد أن يدمى فيه أصله الجواز، ولا تقام الحدود إلا بأمرين؛ لحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات (2) » ، وكذلك معلمو الصبيان يضرب أحدهم فيما يجوز له فيتعدى طرف الشراك أو عود الدرة فيفقأ العين، وإنما عليه العقل إلا أن يتعمد، وكذلك على الزوج، قال: وهذا الذي تعلمنا من شيوخنا (3) .
__________
(1) سورة النساء الآية 34
(2) سنن الترمذي الحدود (1424) .
(3) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (4 \ 369 - 399) .
(2/127)

وقال الباجي: فأما قول القتيل: دمي عند فلان فهو عند مالك في الجملة لوث يوجب القسامة، خلاف لأبي حنيفة والشافعي.
قد استدل أصحابنا في ذكره بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (1) الآية.
ففي [المجموعة] و [الموازية] قال مالك: وما ذكره الله سبحانه وتعالى من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحيي فأخبر عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت.
فإن قيل: إن ذلك آية، قيل: إنما الآية في إحيائه، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه (2) .
وقال ابن العربي: فإن قيل: فإنما قتله موسى صلى الله عليه وسلم بالآية، قلنا: ليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل فقتله موسى بعلمه، كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بالمجذر بن زياد بإخبار جبريل عليه السلام له بذلك.
انتهى المقصود.
وقال الباجي أيضا: واستدل أصحابنا على ذلك بما روى هشام بن زيد عن أنس: «أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال: " أقتلك فلان؟ " فأشارت برأسها أن لا، ثم
__________
(1) سورة البقرة الآية 67
(2) [المنتقى على الموطأ] (7 \ 56) .
(2/128)

قال الثانية، فأشارت برأسها: أن نعم (1) » ، وهذا الحديث رواه قتادة عن أنس فزاد فيه، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتى أقر، فرض رأسه بالحجارة (2) أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما على اختلاف في الروايات مع الاتفاق على أصل القصة.
وجه الدلالة: قال المازري: استدل به- أي: بحديث الجارية المذكورة - بعضهم، أي: بعض المالكية- على التدمية؛ لأنها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجردا؛ لأنه خلاف الإجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة.
وقال النووي: ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح، واستدل بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قول باطل؛ لأن اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه.
ونازعه بعض المالكية فقال: لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: (فلان قتلني) لوث يوجب القسامة، فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور، واحتج من قال بالتدمية: أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهو وقت خلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا- يدل على أنه لا يقول إلا حقا، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين،
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6879) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672) ، سنن الترمذي كتاب الديات (1394) ، سنن النسائي القسامة (4740) ، سنن أبو داود الديات (4529) ، سنن ابن ماجه الديات (2666) ، مسند أحمد بن حنبل (3/171) ، سنن الدارمي الديات (2355) .
(2) [المنتقى على الموطأ] (7\56) .
(2/129)

انتهى بواسطة ابن حجر (1) .
وقد ناقش ابن حزم الاستدلال بهذا الحديث أيضا، فقال أبو محمد رحمه الله: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن هذا خبر رويناه بالسند المذكور إلى مسلم نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، نا معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس: «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، وأخذ فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت (2) » . وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار، كلاهما عن قتادة عن أنس.
فإن قالوا: إن شعبة زاد ذكر دعوى المقتول في هذه القصة وزيادة العدل مقبولة.
قلنا: صدقتم، وقد زاد همام بن يحيى عن قتادة، عن أنس في هذا الخبر زيادة لا يحل تركها كما روينا من طريق مسلم: نا هداب بن خالد، نا همام عن قتادة عن أنس: «أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بالحجارة (3) » . . فصح أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودي إلا بإقراره لا بدعوى المقتولة.
ووجه آخر: وهو أنه لو صح لهم ما لا يصح أبدا من أنه- عليه السلام- إنما قتله بدعواها- لكان هذا الخبر حجة عليهم، ولكانوا مخالفين له؛ لأنه ليس فيه ذكر قسامة أصلا وهم لا يقتلون بدعوى المقتولة البتة حتى يحلف
__________
(1) [فتح الباري] (12\199)
(2) صحيح البخاري الديات (6877) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672) ، سنن الترمذي كتاب الديات (1394) ، سنن النسائي القسامة (4742) ، سنن أبو داود الديات (4528) ، سنن ابن ماجه الديات (2666) ، مسند أحمد بن حنبل (3/203) ، سنن الدارمي الديات (2355) .
(3) صحيح البخاري الديات (6877) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672) ، سنن الترمذي كتاب الديات (1394) ، سنن النسائي القسامة (4742) ، سنن أبو داود الديات (4529) ، سنن ابن ماجه الديات (2666) ، مسند أحمد بن حنبل (3/203) ، سنن الدارمي الديات (2355) .
(2/130)

اثنان فصاعدا من الأولياء خمسين يمينا ولا بد.
وأيضا فهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ، والأظهر في هذا الخبر أنها كانت لم تبلغ؛ لأنه ذكر جارية ذات أوضاح، وهذه الصفة عن العرب- الذين بلغتهم تكلم أنس - إنما يوقعونها على الصبية لا على المرأة البالغة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر بكل وجه ولاح خلافهم في ذلك فوجب القول به، ولا يحل لأحد العدول (1) .
وقال الباجي أيضا: واستدلوا من جهة المعنى: بأن الغالب من أحوال الناس عند الموت ألا يتزودوا من الدنيا قتل النفس التي حرم الله، بل يسعى إلى التوبة والاستغفار، والندم على التفريط، ورد المظالم، ولا أحد أبغض إلى المقتول من القاتل، فمحال أن يتزود من الدنيا سفك دم حرام يعدل إليه ويحقن دم قاتله.
قال الباجي بعد ذكره لاستدلال المالكية بقصة البقرة والجارية: وهذا الدليل من المعنى. قال: وهذا عمدة ما يتعلق به أصحابنا في هذه المسألة وهي مسألة فيها نظر، والله أعلم وأحكم (2) .
2 - وقال ابن قدامة رحمه الله على قول الخرقي رحمه الله تعالى: (وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان، فليس ذلك بموجب القسامة ما لم يكن لوث) قال: هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث: هو لوث؛ لأن
__________
(1) [المحلى] لابن حزم (11\84) ، ويرجع أيضا إلى [شرح معاني الآثار] للطحاوي (2\190، 191) .
(2) [المنتقى] للباجي (7\ 56) .
(2/131)

قتيل بني إسرائيل قال: قتلني فلان فكان حجة. وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم (1) » ، ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي.
فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه، فإنه لا قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام، حيث أحياه الله تعالى بعد موته، وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه، ولم يكن الله ينطقه بالكذب بخلاف الحي، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين (2) .
وجاء في [حاشية المقنع] : ونقل الميموني: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا (3) .
__________
(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4552) ، صحيح مسلم الأقضية (1711) ، سنن الترمذي الأحكام (1342) ، سنن النسائي آداب القضاة (5425) ، سنن أبو داود الأقضية (3619) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2321) ، مسند أحمد بن حنبل (1/288) .
(2) [المغني] (8\498، 499) .
(3) [حاشية المقنع] (3\ 435) .
(2/132)

الصورة الثانية: شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل:
1 - قال الأبي: (ع) : الصورة الثانية: اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل. لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس وإن لم يكونوا عدولا لوث، وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث؟ وجعل بعض أصحابنا شهادة النساء والصبيان لوثا، وأباه أكثرهم، وجعل ربيعة ويحيى بن سعيد والليث
(2/132)

شهادة الذميين والعبيد لوثا (1) .
2 - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد: أي: إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث؛ لأنه يفيد الظن، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر أول الباب، فيعين الولي أحدهما أو كليهما ويقسم، وكذا عبيد أو نساء، يعني: إخبار اثنين فأكثر أن فلانا قتله، وفي [الوجيز] : أن القياس أن قول واحد منهم لوث، وجرى عليه في [الحاوي الصغير] فقال: وقول راو، وجزم به في [الأنوار] وهو المعتمد. وقيل: يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ، ورد بأن احتماله كاحتمال الكذب في إخبار العدل. وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح؛ لأن اجتماعهم على ذلك يؤكد ظنه. والثاني قال: لا اعتبار بقولهم في الشرع، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه مثلا: (قتله فلان) وكذبه الابن الآخر صريحا- بطل اللوث، فلا يحلف المستحق؛ لانخرام ظن الصدق بالتكذيب الدال على عدم قتله، إذ جبلة الوارث على التشفي، فنفيه أقوى من إثبات الآخر، بخلاف ما إذا لم يكذبه كذلك بأن صدقه أو سكت، أو قال: لا أعلم أنه قتله، أو قال: إنه قتله. وبحث البلقيني أنه لو شهد عدل بعد دعوى أحدهم خطأ أو شبه عمد- لم يبطل اللوث بتكذيب الآخر قطعا، فلمن لم يكذبه أن يحلف معه خمسين يمينا ويستحق، وفي قول: لا يبطل كسائر الدعاوى، ورد بما مر من الجبلة هنا، وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق، ويرد بما مر أيضا، إذ الجبلة لا فرق فيها بين الفاسق وغيره، ولو عين كل غير
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (4\ 399) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\56) .
(2/133)

معين الآخر من غير تعرض لتكذيب صاحبه أقسم كل الخمسين على ما عينه وأخذ حصته. انتهى (1) .
3 - قال ابن قدامة: السادس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه لوث؛ لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه العداوة. الثانية: ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به الكفار. وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا؟ على وجهين:
أحدهما: ليس بلوث؛ لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين.
والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد. وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها، وهذا مذهب الشافعي، ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب، فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث؛ لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبه العداوة.
وروي أن هذا ليس بلوث، وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام؛ لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل، ولا يجوز القياس؛ لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان؛ لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم، والظنون تختلف ولا تأتلف، وتتخبط ولا تنضبط، وتختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص، فلا يمكن ربط الحكم
__________
(1) [نهاية المحتاج] (7\391، 392) .
(2/134)

بها، ولا تعديته بتعديتها، ولأنه يعتبر في التعدية به والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى، ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها، فعلى هذه الرواية حكم هذه الصورة حكم غيرها مما لا لوث فيه (1) .
__________
(1) [المغني] (8\490) .
(2/135)

الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح، وعدل بالقتل:
1 - قال الأبي: (ع) : الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح وحيي بعده حياة بينة ثم مات بعده قبل أن يفيق منه، قال مالك وأصحابه والليث: ذلك لوث. واختلف عندنا في شهادة العدل الواحد هل هي لوث؟ والأصح: الأول، وأنه لا بد من شاهدين، ولم ير الشافعي والحنفية في هذا قسامة، ورأوا فيه القصاص إن ثبت بشاهدين، قلت: قال ابن الحارث: إلا أن يكون ما شهد به العدلان من الجرح قد أنفذ مقاتله، فإن أنفذها فلا قسامة فيه، وهو كمقتول، والمشهور في شهادة الواحد أنها لوث، نص على ذلك في [المدونة] وفي [العتبية] لا قسامة فيه.
واختلف في شهادة الواحد على إقرار القاتل بالقتل: فقال أشهب: فيه القسامة، وفي [الموازية] : لا قسامة فيه (1) .
2 - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد، أي: إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث؛ لأنه يفيد الظن، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر في أول الباب، فيعين الولي أحدهما
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 399، 400) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى شرح الموطأ] (7\56) .
(2/135)

أو كليهما ويقسمه (1) .
3 - وقال ابن قدامة: فصل: وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين - لم تثبت هذه الشهادة، ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا، قوله: وإن شهد رجلان أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين، أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله، أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف، وشهد الآخر أنه قتله بسكين- لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا، هذا قول القاضي واختياره، والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل، واختار أبو بكر ثبوت القتل هاهنا، وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين؛ لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته.
وقال الشافعي: هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين، وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد.
ولنا أنها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى (2) .
__________
(1) [نهاية المحتاج] (7\391) .
(2) [المغني] (8\490، 491) .
(2/136)

الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل أو عليه أثره:
1 - قال الأبي: (ع) : الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل وعليه أثر كالتلطخ بالدم وشبهه، فروى ابن وهب وقاله ابن عبد الحكيم هو لوث. وقال الشافعي: نحوه، قال ذلك إذا لم يوجد هناك أحد ولا به أثر سبع قال: ومنه إذا وجد في بيت أو صحراء وليس هناك
(2/136)

سواهم وتفرقوا عن قتيل، وهذا كله شبهة توجب القسامة. قلت: رواية ابن وهب ذكرها ابن الجلاب كأنها المذهب، قال: وإن وجد قتيل وبقربه رجل وبيده آلة القتل أو عليه شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل- فذلك لوث يقسم معه (1) .
2 - وقال ابن قدامة: الرابع: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، مثل: أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل، أو سبعا يحتمل ذلك فيه (2) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (3\400) ، أيضا إلى [المنتقى] (7\ 56) .
(2) [المغني] (8\ 489) .
(2/137)

الصورة الخامسة: قتيل الصفين:
1 - قال الأبي: (ع) الخامسة: قتيل الصفين، تقتتل الفئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله، ففيه عندنا روايتان:
الأولى: للأولياء أن يقسموا على من يعينونه منها أو على من يدعي عليه الميت كان منهما أو من غيرهما بالقسامة، قال الشافعي: وقال عقله على الفئة المنازعة، وإن عينوا رجلا ففيه القسامة.
قلت: الرواية الثانية في [المدونة] ، قال فيها: ولا قسامة في قتيل الصفين، لكن اختلف: فقيل: معنى قوله: لا قسامة إذا عينه الأولياء، وأما إذا عينه المقتول ففيه القسامة. وقيل: لا قسامة عينه المقتول أو الأولياء، وعلى الأول حمل [المدونة] ، الأكثر، ووجه ابن عات رواية القسامة بأن وجوده بينهما يغلب على الظن أن قتله لم يخرج عنهما، وذلك لوث،
(2/137)

ووجه الرواية الأخرى بأن القسامة لا تكون إلا مع لوث في مشار إليه معين، فإن اللوث إذا تعلق بواحد معين أثر في القسامة، أما إذا تعلق بجماعة على أن القاتل واحد منهم غير معين فلا يؤثر (1)
2 - وقال الشافعي: إذا اقتتل القوم فانجلوا عن قتيل فادعى أولياؤه على أحد بعينه أو على طائفة بعينها أو قالوا: قد قتلته إحدى الطائفتين ولا يدرى أيتهما قتلته، قيل لهم: إن جئتم بما يوجب القسامة على إحدى الطائفتين أو بعضهم أو واحد بعينه أو أكثر قيل لكم اقسموا على واحد، فإن لم تأتوا بذلك فلا عقل ولا قود، ومن شئتم أن نحلفه لكم على قتله أحلفناه ومن أحلفناه أبرأناه، وهكذا إن كان جريحا ثم مات ادعى على أحد أو لم يدع عليه، إذا لم أقبل دعواه فيما هو أقل من الدم، لم أقبلها في الدم وما أعرف أصلا ولا فرعا لقول من قال: تجب القسامة بدعوى الميت، ما القسامة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل إلا على خلاف ما قال، فيها دعوى ولا لوث من بينة.
3 - وقال ابن قدامة: الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل، فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه، ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (2) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 401) ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\56) .
(2) [المغني] (8\589) .
(2/138)

وقال ابن قدامة: الخامس: أن يقتتل فئتان، فيتفرقون عن قتيل من إحداهما- فاللوث على الأخرى ذكره القاضي، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل، هذا قول الشافعي.
وروي عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك، وقال ابن أبي ليلى. على الفريقين جميعا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه.
وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح، وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء؟ على وجهين، ذكرها ابن حامد (1) .
__________
(1) [المغني] (8\ 489، 490) .
(2/139)

الصورة السادسة: قتيل الزحام:
1 - قال الأبي: (ع) : الصورة السادسة: قتيل الزحام، قال مالك: دمه هدر، وقال الشافعي: فيه القسامة والدية، وقال الثوري وإسحاق: عقله في بيت المال، وعن عمر وعلي مثله، وقال الحسن والزهري: عقله على من حضر. قلت: الذي حكى أبو عمر عن الشافعي: إنما هو لا شيء فيه كقول مالك (1) .
وقال الباجي نقلا عن [الموازية] : وذلك أنه لا تتعلق التهمة بمعين ولا معينين (2) .
وقال النووي والرملي: أو تفرق عنه جمع محصور يتصور اجتماعهم
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\401) ، و [المنتقى] (7\114) .
(2) [المنتقى] (7\114) .
(2/139)

على قتله وإن لم يكونوا أعداءه في نحو دار أو ازدحام على الكعبة أو بئر، وإلا فلا قسامة حتى يعين منهم محصورين فيكن من الدعوى والقسامة، فلا بد من وجود أثر قتل وإن قل، وإلا فلا قسامة، وكذا في سائر الصور خلافا للأسنوي (1) .
وقال ابن قدامة: الثالث: أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد قتيل، فظاهر كلام أحمد: أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال، وهذا قول إسحاق. وروي ذلك عن عمر وعلي فإن سعيدا روى في [سننه] عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله، فقال علي: يا أمير المؤمنين. لا يطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال.
وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته، يعني: عداوة يؤخذون، فلم يجعل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث العداوة.
وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام: ديته على من حضر؛ لأن قتله حصل منهم، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه لا يعلم له قاتل، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله، فكتب إليهم: إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة، وهذا منها (2) .
__________
(1) [نهاية المحتاج] (7\390)
(2) [المغني] (8\489) .
(2/140)

الصورة السابعة: وجود قتيل في محلة:
1 - قال شمس الدين السرخسي رحمه الله تعالى. (وإذا وجد الرجل
(2/140)

قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا: ثم يغرمون الدية، بلغنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أحاديث مشهورة.
منها: حديث سهل بن أبي حثمة: «أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر، وتفرقوا بحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر يتشحط في دمه، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبروه فأراد عبد الرحمن - وهو أخو القتيل- أن يتكلم فقال: عليه الصلاة والسلام: الكبر الكبر، فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة، وهو الأكبر منهما، وأخبره بذلك قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود، قال: تبرئكم اليهود بأيمانها؟ فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه، قال عليه السلام: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد؟! فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة (1) » .
وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب: أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية، فقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود، وذكر الحديث. . . إلى أن قال: فألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الدية والقسامة.
وفي رواية: فكتب إليهم: «إما أن يدوه أو يأذنوا بحرب من الله (2) » وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر: أن هذا قتيل وجد بين أظهركم، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل الله على موسى عليه السلام أمرا، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك، فكتب إليهم:
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4716) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، موطأ مالك القسامة (1630) .
(2/141)

إن الله أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية قالوا: لقد قضيت فينا بالناموس، يعني: الوحي» .
وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان، فقال: اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، قال: وليس لي من أخي إلا هذا؟ قال: نعم، ومائة من الإبل» .
وفي الحديث: أن رجلا وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب فقضى عليهم عمر رضي الله عنه بالقسامة والدية، فقال حارث بن الأصبع الوادعي: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا، فقال: حقنتم دماءكم بأيمانكم وأغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم.
فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها ونوع من المعنى يدل عليه أيضا، وهو أن الظاهر أن القاتل منهم؛ لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ليقتل مختارا فيها، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم، فكانوا كالعاقلة، فأوجب الشرع الدية عليهم؛ صيانة لدم المقتول عن الهدر، وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذه الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني؛ ولهذا يستحلفون بالله: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. ثم على أهل كل محلة حفظ محلتهم عن مثل هذه الفتنة؛ لأن التدبير في محلتهم إليهم، فإنما وقعت هذه الحادثة؛ لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ومن غيرهم، فأوجب الشرع القسامة
(2/142)

والدية عليهم لذلك، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا. اهـ (1) .
قال الأبي: (ع) : الصورة السابعة: القتيل يوجد بمحلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والشافعي: دمه هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة قوم ليلطخهم به. قال الشافعي: إلا أن يكون مثل قضية الأنصار التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للعداوة الظاهرة بين الأنصار واليهود، وخيبر مختصة باليهود ليس فيها غيرهم، وخرج عبد الله بعد العصر فوجد مقتولا قبل الليل. وقال أحمد نحوه، وتأوله النسائي على مذهب مالك، وذهب أبو حنيفة ومعظم الكوفيين إلى أن للقتيل يوجد في القرية والمحلة القسامة ولا سبب عندهم من الوجوه السبعة للقسامة سواه؛ لأنها الصورة التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ويستحقون الدية على ما تقدم من مذهبهم في العمل بها، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر وإلا فلا قسامة فيه، وإن وجد القتيل في مسجد أهل المحلة فالدية في بيت المال إذا ادعوا بذلك على أهل المحلة. وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن فيه أثر على ما تقدم من مذهب.
وقال داود: لا قسامة إلا في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة والمدينة، وهم أعداء المقتول.
قلت في [المدونة] : وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرى من
__________
(1) [المبسوط] (26\106- 108) .
(2/143)

قتله - فدمه هدر، ولا دية في بيت المال ولا في غيره. ابن يونس: يريد إن لم يوجد معه، وإن وجد معه رجل عليه أثر قتله قتل به مع القسامة. ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زماننا الواجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره (1) .
وقال ابن حزم: واعترض المالكيون ومن لا يرى القسامة في هذا بأن قالوا: والقتيل قد يقتل ثم يحمله قاتله فيلقيه على باب إنسان أو في دار قوم.
فجوابنا وبالله تعالى التوفيق: أن هذا ممكن، ولكن لا يعترض على حكم الله تعالى وحكم رسوله - عليه السلام- بأنه يمكن أمر كذا، وبيقين يدري كل مسلم أنه قد يمكن أن يكذب الشاهد، ويكذب الحالف، ويكذب المدعي أن فلانا قتله هذا أمر لا يقدر أحد على دفعه. . . ومضى إلى أن أيد ذلك بقصة عبد الله بن سهل (2)
3 - وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة، تصدق المدعي، بأن توقع في القلب صدقه في دعواه. ولا بد من ثبوت هذه القرينة (بأن) أي: كأن، إذ القرائن لم تنحصر فيما ذكره، وجد قتيل أو بعضه وتحقق موته في محلة منفصلة عن بلد كبير أو في قرية صغيرة لأعدائه أو أعداء قبيلته دينا أو دنيا حيث كانت العداوة تحمل على الانتقام بالقتل، ولم يساكنهم غيرهم، كما صححه في [الروضة] وهو المعتمد، والمراد بغيرهم:
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\401، 402) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\ 52، 114) .
(2) [المحلى] (11\82، 83) .
(2/144)

من لم تعلم صداقته للقتيل، ولا كونه من أهله، أي: ولا عداوة بينهما، كما هو واضح، وإلا فاللوث موجود فلا تمتنع القسامة، قال ابن أبي عصرون وغيره، وهو ظاهر. قال الأسنوي تبعا لابن الرفعة: ويدل له قصة خيبر. فإن إخوة القتيل كانوا معه، ومع ذلك شرعت القسامة. قال العمراني وغيره. ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة، قال الأذرعي: ويشبه اشتراط ألا يكون هناك طريق جادة كثيرة الطارقين، وخرج بالصغيرة الكبيرة فلا لوث، بل وجد فيها قتيل فيما يظهر، إذ المراد بها من أهله غير محصورين، وعند انتفاء حصرهم لا تتحقق العداوة بينهم فتنتفي القرينة (1) .
4 - وقال ابن قدامة: واختلفت الرواية فيه- أي. في اللوث المشترط في القسامة - فروي عنه: أن اللوث: هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل البغي وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله.
نقل مهنا عن أحمد في من وجد قتيلا في المسجد الحرام، ينظر من بينه وبينه في حياته شيء- يعني: ضغنا- يؤخذون به، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة إلا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل، فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها، سواء كان القتلى بالتحام، أو مراماة بالسهام، وإن لم تبلغ السهام، فاللوث على طائفة القتيل.
إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو، نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها، وكلام الخرقي يدل
__________
(1) [المنهاج وشرحه نهاية المحتاج] (7\389، 390) .
(2/145)

عليه أيضا. واشترط القاضي: أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا اليهود، وجميعهم أعداء، ولأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير، ثم ناقض القاضي قوله، فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل: إن كان في القوم من بينهم وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله، لكونه بقربه- فهو لوث. فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو. ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار: هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين، يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها، وعمارتها، والاطلاع عليها، والامتيار منها، ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها، وقول الأنصار: (ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود) يدل على أنه قد كان بها غيرهم من ليس بعدو؛ ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله، فلأن يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى.
وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه، ولا ينافيه الاحتمال، ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان، ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره، ولا على الجماعة، لأنه يحتمل ألا يشترك الجميع في قتله.
والرواية الثانية عن أحمد: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق
(2/146)

المدعي، وذلك في دار أو غيرها، من وجوه: أحدها: العداوة المذكورة (1) وسنذكر البقية موزعة في مواضعها.
__________
(1) [المغني] (8\7-9) (الطبعة المشتركة مع الشرح الكبير)
(2/147)

تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف:
اتفق من يقولون بالقسامة على أنها لا تثبت بمجرد دعوى أولياء الدم، واتفقوا على أنها تثبت بالدعوى إذا اقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بمقتضاها، ثم اختلفوا في الصور التي تتحقق فيها هذه الشبهة، ومنشأ الخلاف في ذلك اختلافهم في تطبيق ضابط هذه الشبهة المسماة لوثا على هذه الصور، فمن رآها متحققة في صورة من الصور السبع المذكورة أو نحوها أثبت بها القسامة، ومن لم يجد في نفسه غلبة الظن توجب الحكم بها في صورة لم يثبت الحكم بها في تلك الصورة. اهـ (1) .
__________
(1) انظر [فتح الباري] (12\197) بتصرف.
(2/147)

الرابع: هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما، مع ذكر الدليل والمناقشة؟
لقد سبق الكلام على معنى اللوث وخلاف العلماء في صوره، وكان مما تقدم: أن القسامة عند الحنفية لا تكون إلا في صورة واحدة من الصور التي سبق الكلام عليها، وهي الواقعة بين الأنصار واليهود في خيبر، وتقدم النقل عنهم في هذه الصورة مستوفيا أدلتهم من السنة والآثار.
ومما تقدم يتبين: أن أبا حنيفة رحمه الله يرى: أن الدعوى في القتل تكون على مبهم، فتركنا إعادة ذلك النقل اكتفاء بما سبق ذكره، ومعلوم أن هذا
(2/147)

الرأي يخالف قوله صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم (1) » .
وأما المذاهب الثلاثة ففيما يلي تفصيل أقوالهم وما استندوا إليه، ومعلوم أن الأصل في هذا الباب هو قصة خيبر، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (2) » .
1 - قال مالك: (وإذا كان القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد. قال الباجي: هذا قول مالك وأكثر أصحابه. وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في القسامة، كان ذلك لقول الميت: دمي عند فلان أو فلان أو لشهادة شاهد على القتل أو شاهدين على الضرب ثم عاش أياما. وجه قول مالك: أنه لا يقتل في القسامة إلا واحد فلا معنى للقسامة على غيره. ووجه قول أشهب: أن القتيل إذا ادعى قتل جماعة له فيجب أن تكون القسامة على قدر ذلك؛ لأن الأيمان لا تكون إلا موافقة للدعوى (3) .
وقال الباجي في الكلام على من يستحق القتل بالقسامة: قال: وإذا قلنا: لا يقتل إلا واحد فهل يقسم على واحد أو على جماعة؟ ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يقسم إلا على واحد سواء ثبتت القسامة بدعوى الميت أو بلوث أو بينة على القتل أو بينة على الضرب ثم عاش أياما. وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على أكثر أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم.
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(3) [الموطأ بشرح المنتقى] (7\62) .
(2/148)

وجه القول الأول: أن القسامة فائدتها القصاص من المدعى عليه القتل فلا معنى للقسامة على من لا يقتل ولا تؤثر فيه القسامة حكما.
ووجه القول الثاني: أن القسامة إنما هي على قدر الدعوى محققة لها ولا يجوز أن يكون في بعضه، فإذا وجب لهم القصاص بالقسامة المطابقة لدعواهم كان لهم حينئذ تعيين من يقتص منه؛ لأن القسامة قد تناولته.
وقال سحنون فيما جاء في القسامة على الجماعة في العموم: قال: قلت: أرأيت إن ادعوا الدم على جماعة رجال ونساء؟ قال: قال مالك: إذا ادعوا الدم على جماعة أقسموا على واحد منهم وقتلوا إذا كان لهم لوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت البينة على أنهم ضربوه ثم عاش بعد ذلك ثم مات- قلت: فللورثة أن يقسموا على أيهم شاءوا ويقتلوه؟ قال: نعم، عند مالك. قلت: فإن ادعوا الخطأ وجاءوا بلوث من بينة على جماعة أقسم الورثة عليهم كلهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين؟ قال: نعم. وكذلك سألت مالكا فقال لي مثلما قلت لك، وقال لي مالك: ولا يشبه هذا العمد (1) وقال ابن رشد: واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة، هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء وهو
__________
(1) [المدونة الكبرى] (16\224) .
(2/149)

ضعيف. وقال المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل. وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف (1) .
2 - قال الشافعي في باب القسامة: ولهم- أي: ولاة الدم- إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (2) . . . . . وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم، قال: فإن ادعى أولياؤه- أي: القتيل- على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا: نحن ندعي أنه قتله، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم وهم مائة أو أكثر وفيهم نساء ورجال وعبيد مسلمون كلهم أو مشركون كلهم أو فيهم مسلم ومشرك أحلفوا كلهم يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين؛ وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين، ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد ولا العبيد من الأحرار ولا الرجال من النساء ولا النساء من الرجال، كل بالغ فيها سواء،
__________
(1) [بداية المجتهد] (2\432) .
(2) [الأم] (6\75) .
(2/150)

وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف، وإذا بلغ حلف فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه، ولا يحلف واحد منهم إلا واحد ادعوا عليه بنفسه، فإذا حلفوا برئوا.
وقال الشافعي: بيان ما يحلف عليه في القسامة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة: من صاحبك؟ فإذا قال فلان، قال: فلان وحده؟ فإن قال: نعم، قال: عمدا أو خطأ؟ فإن قال: عمدا سأله ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص ولو قامت بينة أحلفه على ذلك، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل- أحلفه على ذلك بعد إثباته، وإن قال: قتله فلان ونفر معه، لم يحلفه حتى يسمي النفر، فإن قال: (لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله) لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته، وكان له عليه ثلث الدية أو على عاقلته، وإن كانوا أربعة نفر فربعها، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه، ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله وفي الخطأ أنها على عاقلته، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد، ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية أو على عاقلته،
(2/151)

فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال: (قد أثبت هذا) أحلفه أيضا عدة ما يلزمه من الأيمان، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان ولم تعد عليه الأيمان الأولى، ثم كلما أثبت واحدا معه أعاد عليه ما يلزمه من الأيمان كما يبتدئ استحلافه على واحد لو كانت دعواه عليه منفردة، وإن كان له وارثان فأغفل الحاكم بعض ما وصفت أنه عليه أن يحلفه عليه، وأحلفه مغفلا خمسين يمينا، ثم جاء الوارث الآخر فحلف خمسا وعشرين يمينا، أعاد على الأول خمسا وعشرين عينا، لأنها هي التي تلزمه مع الوارث معه، وإنما أحلفه أولا خمسا وعشرين يمينا؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الدية إلا بها إذا لم تتم أيمان الورثة معه خمسين يمينا (1) .
3 - قال ابن قدامة: ذكر الخرقي من شروط القسامة: أن تكون الدعوى عمدا توجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد. وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية (2) .
وقال في [حاشية المقنع] : قوله: (وأن تكون الدعوى على واحد) : إذا كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وهذا بلا نزاع. قال الشارح: لا يختلف المذهب أنه لا يستحق
__________
(1) [الأم] (6\81) .
(2) [المقنع] (3 \ 432، 433) .
(2/152)

بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل جماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وقول أبي ثور نحو هذا.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (1) » فخص بها الواحد.
ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه وتبقى على الأصل.
وأما إن كانت الدعوى خطأ أو شبه عمد: فقال في [لإنصاف] فالصحيح من المذهب والروايتين ليس لهم قسامة ولا تشرع على أكثر من واحد وعليه جماهير الأصحاب منهم: الخرقي والقاضي وجماعة من أصحابه؛ كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي وابن البنا وابن عقيل، وغيرهم وجزم به في [الوجيز] و [المنور] و [منتخب الآدمي] ، وغيرهم، وقدمه في [المحرر] و [النظم] ، و [الحاوي الصغير] و [الفروع] وغيرهم. وعنه: لهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية، وهو الذي قاله المصنف هنا، وجزم به في [الهداية] و [المذهب] و [المستوعب] ، و [الخلاصة] وقدمه في [الرعايتين] ، وظاهر كلام المصنف هنا أن غير الخرقي ما قال ذلك، وتابعه الشارح وابن منجا وليس الأمر كذلك، فقد ذكرنا عن غير الخرقي من اختار ذلك. انتهى. قلت: والذي جزم به في [الإقناع] أن لهم القسامة في الخطأ كالعمد؛ لأن الخطأ أحد القتلين أشبه العمد، ويقسمون
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2/153)

على واحد معين كالعم158د، وهو معنى ما جزم به في [الإنصاف] (1) .
__________
(1) [حاشية المقنع] (3\433، 434)
(2/154)

الخامس: ذكر خلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا من مدع ومدعى عليه ومستند كل مع المناقشة:
اختلف أهل العلم القائلون بالقسامة فيمن توجه إليه أيمان القسامة ابتداء:
فذهبت طائفة منهم إلى أنه يبدأ بالمدعين فتوجه إليهم الأيمان.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا، والذي سمعت ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أنه يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون (1) .
وقال ابن رشد: قال الشافعي وأحمد وداود بن علي وغيرهم: يبدأ المدعون (2) .
وجاء في [المقنع] وحاشيته: ويبدأ بأيمان المدعين، فيحلفون خمسين يمينا، هذا المذهب، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرئوا، وهذا قول يحيى بن سعيد وربيعة وأبى الزناد والليث ومالك والشافعي (3) .
واستدلوا لذلك بالسنة والإجماع والاستصحاب والنظر والقياس:
أما السنة: فروى الشافعي قال: أخبرنا مالك عن
__________
(1) [المنتقى] على [الموطأ] (7\55) ، و [إكمال إكمال المعلم] (4\395) .
(2) [بداية المجتهد] (2\439) .
(3) [المقنع] وحاشيته (3\ 439) .
(2/154)

ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: «أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فتفرقا في حوائجهما فأتى محيصة فأخبر: أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير أو عين فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر ذلك لهم، فأقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول، فذهب محيصة يتكلم- وهو الذي كان بخيبر - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة كبر كبر يريد: السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكتبوا إليه: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا، قال: فتحلف يهود؟ قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء (1) » .
وعورض هذا الحديث: أولا: بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أحد بني حارثة، قال محمد بن إبراهيم: وايم الله ما كان سهل بأعلم منه، ولكنه كان أسن منه، قال: والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار: أنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أجاب ابن قدامة رحمه الله عن ذلك: فقال: ولنا حديث سهل،
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي كتاب القسامة (4710) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2/155)

وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في [موطئه] وعمل به، وما عارضه من الحديث لا يصح؛ لوجوه:
أحدها: أنه نفي فلا يرد به قول المثبت.
والثاني: أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى أنه قال: ركضتني ناقة من تلك الإبل، والأخرى يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة.
والثالث: أن حديثنا مخرج في [الصحيحين] متفق عليه، وحديثهم بخلافه.
والرابع: أنهم لا يعملون بحديثهم، ولا حديثنا، فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه (1) .
وعورض حديث سهل ثانيا: بما جاء في البخاري من رواية سعيد بن عبيد: فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة (2) » .
وما جاء في البخاري من رواية أبي قلابة، وفيه قال: «أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه، فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم، قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده (3) » .
وأجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض: بعد ذكره لمجموعة من الروايات
__________
(1) [المغني] (8\495، 496) .
(2) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(3) صحيح البخاري الديات (6899) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671) ، سنن الترمذي الطهارة (72) ، سنن النسائي الطهارة (305) ، سنن أبو داود الحدود (4364) ، سنن ابن ماجه الحدود (2578) ، مسند أحمد بن حنبل (3/163) .
(2/156)

فيها تقديم تحليف المدعين قال: كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا، وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم (1) فأبوا.
وقال أيضا: وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد - يعني: المذكورة في حديث الباب- بقول أهل الحديث: إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين؛ لكونه لم يذكر فيه رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي على من لم يعرفها. نقله ابن حجر عن القاضي عياض (2) .
وما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة» .
قال ابن حجر في الكلام على سند هذا الحديث: قوله: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إلا في القسامة (3) » الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، قال أبو عمر إسناده لين، وقد رواه عبد الرازق عن ابن جريج عن عمرو مرسلا، وعبد الرزاق أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق، ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن
__________
(1) [فتح الباري] (12\234) .
(2) [فتح الباري] (12\236)
(3) سنن الترمذي الأحكام (1341) .
(2/157)

محمد عن مسلم، عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وهو ضعيف أيضا، وقال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب فهذه علة أخرى (1) .
أما الإجماع: فقال البيهقي: وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار - وهو سكران- رجلا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهته، قال: فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه. قال خارجة بن زيد: فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص - فذكر- الحديث، وفيه فقال سعيد: أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين، فاغدوا على بركة الله، فغدونا عليه فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينا.
وفي بعض طرقه: وفي الناس يومئذ من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة. انتهى بواسطة ابن القيم (2) .
وأما الاستصحاب: فقد نقل الأبي عن القاضي عياض: أن القسامة أصل في نفسها شرعت لحياة الناس، وليرتدع المعتدي، والدعاوى في
__________
(1) [تلخيص الحبير] (4\39) .
(2) [شرح ابن القيم لسنن أبي داود] وعليها [عون المعبود] (12\254) .
(2/158)

الأموال على سننها فكل أصل صحيح في نفسه يتبع ولا تطرح سنة بسنة (1) .
وقد سبق ذكر هذا دليلا، ونوقش هناك، فأكتفي به عن إعادة مناقشته خشية الإطالة.
وأما النظر: فقال الأبي نقلا عن القاضي عياض: القسامة إنما تكون مع الشبهة القوية على القتل ومع الشبهة صارت اليمين له (2) .
وأما القياس: فقال ابن قدامة: ولأنها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين، كاللعان (3) .
ويمكن أن يقال: بأن هذا قياس مع النص، وهو ما ورد من الأدلة دالا على البدء بالمدعى عليهم بالأيمان. وسيأتي ذكرها.
ويمكن أن يعارض هذا الجواب: بالأدلة الدالة على البدء بالمدعين، وقد مضى الكلام في ذلك من جهة الجمع بين الأدلة المتعارضة ومن جهة الترجيح- فلا نطيل الكلام بإعادتها.
وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم إلى أنه يبدأ أولا بالمدعى عليهم، فتوجه إليهم الأيمان.
قال الأبي نقلا عن الإمام مالك رحمه الله: وقال الكوفيون وكثير من البصريين والمدنيين: ويروى عن عمر: أن المبدأ المدعى عليهم (4) .
ثم قال: قلت: واختلف هؤلاء:
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\395) .
(2) [إكمال إكمال المعلم] (4\395) .
(3) [المغني] (8\496) .
(4) [إكمال إكمال المعلم] (4\395) .
(2/159)

فقال بعضهم: إن حلفوا برئوا، وقال بعضهم: يحلفون وتكون الدية عليهم.
وقال ابن قدامة: وقال الحسن: يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا، ويبرءون، فإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن حقنا قبلكم، ثم يعطون الدية.
وقال أيضا: وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل: بالله ما قتلناه، ولا علمنا قاتلا، ويغرمون الدية (1) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بالسنة والأثر والقياس:
أما السنة: فمن ذلك ما أخرجه البخاري بالسند المتصل قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار. . . . الحديث إلى أن قال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة (2) » ، وفي رواية أبي قلابة قال: «أترضون نفل خمسين من اليهود مما قتلوه، فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم، قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده (3) » .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الأول: الجمع، وسبق ذكر ذلك في مناقشة الدليل الأول للقائلين بأنه
__________
(1) [المغني] (8\495) .
(2) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(3) صحيح البخاري الديات (6899) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671) ، سنن الترمذي الطهارة (72) ، سنن النسائي الطهارة (305) ، سنن أبو داود الحدود (4364) ، سنن ابن ماجه الحدود (2578) ، مسند أحمد بن حنبل (3/163) .
(2/160)

يبدأ بالمدعين.
الثاني: قال القاضي عياض: وما احتج به الآخرون من رواية من روى أنه بدأ بالمدعى عليهم: قال المحدثون هي وهم من راويها (1) .
ويمكن أن يناقش هذان الجوابان بما ذكره ابن رشد: من أن الذين يرون البدء بالمدعى عليهم بالأيمان قالوا: وأحاديثنا هذه أولى من التي تروى فيها تبدئة المدعين بالأيمان؛ لأن الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه.
ويناقش الجواب الثاني بما ذكره ابن رشد: من أن الأحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة (2) .
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة: بقول الحطاب: الرواية الصحيحة المستفيضة أنه إنما بدأ فيه بالمدعين (3) .
ومنها: ما رواه أبو داود في [سننه] قال: حدثنا الحسن بن محمد الصباح الزعفراني، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار: «زعم أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره: أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا؟ فقالوا: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، فانطلقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لهم: تأتون بالبينة على من
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)
(2) [بداية المجتهد] (2\ 430)
(3) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)
(2/161)

قتل هذا؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون لكم؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (1) » .
ورد هذا الحديث بقول النسائي: (لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار) . وبقول مسلم: (رواية سعيد بن عبيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه) .
وقال ابن القيم: والصواب: رواية الجماعة- الذين هم أئمة أثبات- أنه بدأ بأيمان المدعين، فلما لم يحلفوا ثنى باليهود، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهم (2) .
ويقول الخطابي في [المعالم] : في الحديث حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم، إلا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالا وأصح متونا.
وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بدأ في اليمين بالمدعين: سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج وسويد بن النعمان (3) .
هذا ويمكن أن تجرى فيه المناقشة التي مضت في الدليل الأول.
ومنها: ما رواه أبو داود في [سننه] ، قال: حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أنبأنا هشيم عن أبي حيان التيمي، أخبرنا عباية. بن رفاعة، «عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4523) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] ومعه [معالم السنن] للخطابي (12\ 249، 250)
(3) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] ومعه [معالم السنن] للخطابي (12\ 254) .
(2/162)

أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثم أحد من المسلمين، إنما هم اليهود، وقد يجترئون (يجترون) على أعظم من هذا، قال: " فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم"، فاستحلفهم فأبوا، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده (1) » .
ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأمرين:
أحدهما: ما مضى من المناقشة من جهة المتن والدرجة.
الثاني: أن هذا الحديث في سنن الحسن بن علي بن راشد، وقد رمي بشيء من التدليس، قاله ابن حجر (2) .
ويجاب عن المناقشة الثانية: بأنه جاء في السند: وأخبرنا هشيم، فزالت تهمة التدليس بذلك، وقد حسن ابن التركماني إسناده، فقال: ومنها ما أخرج أبو داود بسند حسن عن رافع بن خديج، وساق الحديث (3) .
ومنها: ما رواه أبو داود في [سننه] قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، أخبرنا (حدثني) محمد - يعني: ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عبد الرحمن بن بجيد قال: إن سهلا وإن أوهم الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى اليهود: أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه وما علمنا له قاتلا، قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة (4) » .
ورد هذا الحديث أولا بقول المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق
__________
(1) سنن أبو داود الديات (4524) .
(2) [أضواء البيان] (3\ 503)
(3) [الجوهر النقي على سنن البيهقي] لابن التركماني (8\ 120)
(4) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/163)

وقد تقدم الكلام فيه، وبقول الإمام الشافعي: فقال قائل: ما منعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد؟ قلت: لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن سمع منه فهو مرسل فلسنا وإياك نثبت المرسل، وقد علمت سهلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وساق الحديث سياقا لا يثبت به الإثبات فأخذت به كما وصفت. انتهى بواسطة المنذري. وفي الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن بجيد قال أبو بكر بن أبي داود: له صحبة، وقال ابن أبي حاتم: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جدته. وقال ابن حبان: يقال له صحبة، ثم ذكره في ثقات التابعين. وقال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا.
وقال ابن عمر: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه فيما أحسب وفي صحبته نظر؛ لأنه روى فمنهم من يقول: إن حديثه مرسل وكان يذكر بالعلم انتهى (1) .
ويجاب ثانيا بما أجيب به عن الحديث الأول من هذه الأدلة.
ومنها ما رواه أبو داود في [سننه] قال: حدثنا الحسن بن علي، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال (رجل) من الأنصار: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود - وبدأ بهم-: يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا، فقال للأنصار استحقوا (2) . فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله
__________
(1) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 252)
(2) سنن أبو داود الديات (4526) .
(2/164)

دية على يهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم» .
ورد هذا الحديث بقول المنذري: قال بعضهم: وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه، وقد قيل للإمام الشافعي رضي الله عنه: ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ فقال: مرسل والقتيل أنصاري والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم، إذ كان كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله ثقة. قال البيهقي رضي الله عنه: وأظنه أراد بحديث الزهري ما روى عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار، وذكر هذا الحديث (1) .
وقال ابن القيم: وهذا الحديث له علة، وهي: أن معمرا انفرد به عن الزهري وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري، بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى فيها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود) . ذكره البيهقي.
وفي قول الشافعي: إن حديث ابن شهاب مرسل نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين قد لقي جماعة من الصحابة، إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين (2) .
وأجيب عن هذا: بقول ابن رشد عند ذكره لهذا الحديث بسنده هذا، قال: وهو حديث صحيح الإسناد؛ لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة (3) .
__________
(1) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 254، 255)
(2) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 253، 254)
(3) [بداية المجتهد] (2\ 430)
(2/165)

ويناقش بما سبق من أن جميع الروايات التي فيها البدء بالمدعى عليهم قال المحدثون: هي وهم من راويها.
ومنها: ما رواه مسلم في [صحيحه] : «ولكن اليمين على المدعى عليه (1) » وفي لفظ: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (2) » رواه الشافعي في مسنده.
وقد أجاب ابن قدامة عن الاستدلال بهذا الحديث: فقال: اليمين على المدعى عليه لم ترد به هذه القضية؛ لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم، هاهنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه، فيجب تقديمه، ثم هو حجة عليهم؛ لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم، وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، إلا في القسامة» وهذه الزيادة يتعين العمل بها؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة (3) . وأجاب الخطابي أيضا، فقال: وأما عن الحديثين الآخرين: حديث «شاهداك أو يمينه (4) » ، «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر (5) » - فإن القسامة أصل في نفسها شرع الحكم بها لتعذر إقامة البينة حينئذ؛ لأن القاتل في الغالب إنما يقصد الخلوة والغيلة بخلاف سائر الحقوق.
وأيضا فإنها لم تخرج عن ذلك الأصل؛ لأنه إنما كان القول قول المدعى عليه في تلك الحقوق؛ لقوة جنبته بشهادة الأصل وهو أن الأصل
__________
(1) صحيح البخاري الرهن (2514) ، صحيح مسلم الأقضية (1711) ، سنن الترمذي الأحكام (1342) ، سنن النسائي آداب القضاة (5425) ، سنن أبو داود الأقضية (3619) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2321) ، مسند أحمد بن حنبل (1/363) .
(2) سنن الترمذي الأحكام (1341) .
(3) [المغني] (8\ 396)
(4) صحيح البخاري الرهن (2516) .
(5) صحيح البخاري تفسير القرآن (4552) ، صحيح مسلم الأقضية (1711) ، سنن النسائي آداب القضاة (5425) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2321) .
(2/166)

براءة الذمة، وهذا المعنى موجود هنا، فإنا لم نجعل القول قول المدعي إلا لقوة جنبته باللوث الذي يشهد بصدقه، فقد أهملنا ذلك الأصل ولم نطرحه بالكلية (1) .
وأما الأثر: فقال ابن رشد: واحتج هؤلاء القوم على مالك بما روي عن ابن شهاب الزهري عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك: أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دم وليه على رجل من بني سعد، وكان أجرى فرسه فوطئ على إصبع الجهني فنزي فيها فمات، فقال عمر للذي ادعى عليهم: أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا أن يحلفوا وتحرجوا، فقال للمدعين: احلفوا فأبوا، فقضى عليهم بشطر الدية (2) .
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنه أثر، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تقديم المدعين، فلا تعارض الأحاديث الصحيحة بالآثار.
وهناك آثار لا تخلو من مقال تركنا ذكرها اختصارا، ومن أراد الرجوع إليها فعليه بمراجعة: [نصب الراية] و [الدراية] و [تلخيص الحبير] و [شرح ابن القيم لسنن أبي داود] .
وأما القياس: فقال ابن الهمام: ولأن اليمين حجة في الدفع لا الاستحقاق وحاجة الولي إلى الاستحقاق؛ ولهذا لا يستحق بيمينه المال المبتذل فأولى ألا يستحق النفس المحترمة (3) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)
(2) [بداية المجتهد] (2\ 430) .
(3) [فتح القدير] (8\ 385)
(2/167)

ويمكن أن يجاب عن هذا القياس:
أولا: بأنه قياس مع الفارق، وقد بين ذلك الإمام مالك رحمه الله فقال: وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق: أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه حقه وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس وإنما يلتمس الخلوة. قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون فيها ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول (1) .
وثانيا: أنه قياس مع النص والقياس مع النص لا يصح والنص ما ورد من الأدلة الصحيحة على البدء بالمدعين.
__________
(1) [الموطأ على المنتقى] (7\ 61)
(2/168)

السادس: ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة ومستند كل مع المناقشة، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أم لا؟
1 - من يحلف من المدعين:
اختلف أهل العلم في ذلك:
فمنهم: من رأى أن الوارث هو الذي يقسم.
ومنهم: من رأى أن العصبة هم الذين يقسمون.
فمن القائلين: بأن الورثة هم الذين يقسمون الإمام الشافعي - رحمه الله- وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.
(2/168)

وفيما يلي ذكر بعض ما قالوه في ذلك مع الأدلة والمناقشة:
1 - قال الشافعي رحمه الله تحت ترجمة: (من يقسم فيه ويقسم عليه) قال: يحلف في القسامة الوارث البالغ غير المغلوب على عقله من كان منهم مسلما أو كافرا عدلا أو غير عدل ومحجور عليه، والقسامة في المسلمين على المشركين والمشركين على المسلمين والمشركين فيما بينهم مثلها على المسلمين لا تختلف؛ لأن كلا ولي دمه، ووارث دية المقتول وماله، إلا أنا لا نقبل شهادة مشرك على مسلم، ولا نستدل بقوله بحال؛ لأن من حكم الإسلام إبطال أخذ الحقوق بشهادة المشركين.
وقال الشافعي أيضا تحت ترجمة: (الورثة يقسمون) : وإذا قتل الرجل فوجبت فيه القسامة لم يكن لأحد أن يقسم عليه إلا أن يكون وارثا، كان قتله عمدا أو خطأ، وذلك أنه لا تملك النفس بالقسامة إلا دية المقتول ولا يملك دية المقتول إلا وارث، فلا يجوز أن يقسم على مال يستحق إلا من له المال بنفسه أو من جعل الله تعالى له المال من الورثة.
وقال الشافعي: ولو وجبت في رجل القسامة وعليه دين وله وصايا فامتنع الورثة من القسامة، فسأل أهل الدين أو الموصى لهم أن يقسموا لم يكن ذلك لهم، وذلك أنهم ليسوا المجني عليه الذي وجب له على الجانين المال، ولا الورثة الذين أقامهم الله تعالى مقام الميت في ماله بقدر ما فرض له منه.
وقال الشافعي: ولو ترك القتيل وارثين فأقسم أحدهما فاستحق به نصف الدية أخذها الغرماء من يده، فإن فضل منها فضل أخذ أهل الوصايا ثلثها من يده، ولم يكن لهم أن يقسموا ويأخذوا النصف الآخر، فإن أقسم
(2/169)

الوارث الآخر أخذ الغرماء من يده ما في يده حتى يستوفوا ديونهم، وإن استوفوها أخذ أهل الوصايا الثلث مما في يده، وإن كان للغرماء مائة دينار فاستوفوها من نصف الدية الذي وجب للذي أقسم أولا ثم أقسم الآخر رجع الأول على الآخر بخمسين دينارا ولا يرجع عليه في الوصايا؛ لأن أهل الوصايا إنما يأخذون منه ثلث ما في يده لا كله كما يأخذه الغرماء.
قال الشافعي: ولا يقسم ذو قرابة ليس بوارث ولا ولي يتيم من ولد الميت حتى يبلغ اليتيم، فإن مات اليتيم قام ورثته في ذلك مقامه، وإن طلب ذو قرابة وهو غير وارث القتيل: أن يقسم جميع القسامة لم يكن ذلك له فإن مات ابن القتيل أو زوجة له، أو أم، أو جدة فورثه ذو القرابة كان له أن يقسم؛ لأنه صار وارثا (1) .
وقد أورد الشافعي رحمه الله تعالى اعتراضا على تخصيصه الوارث، وأجاب عنه:
قال الشافعي: فإن قال قائل: ففي حديث ابن أبي ليلى ذكر أخي المقتول ورجلين معه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: تحلفون وتستحقون فكيف لا يحلف إلا وارث؟ قلت: قد يمكن أن يكون قال ذلك لوارث المقتول هو وغيره، ويمكن أن يكون قال ذلك لوارثه وحده: تحلفون لواحد، أو قال ذلك لجماعتهم يعني به: يحلف الورثة أن كان مع أخيه الذي حكى أنه حضر النبي صلى الله عليه وسلم وارث غيره، أو كان أخوه غير وارث له، وهو يعني بذلك: الورثة.
فإن قال قائل: ما الدلالة على هذا؟ فإن جميع حكم الله وسنن رسول الله
__________
(1) [الأم] (6\ 80)
(2/170)

صلى الله عليه وسلم فيما سوى القسامة أن يمين المرء لا تكون إلا فيما يدفع بها الرجل عن نفسه، كما يدفع قاذف امرأته الحد عن نفسه وينفي بها الولد، وكما يدفع بها الحق عن نفسه والحد من غيره، وفيما يأخذ بها الرجل مع شاهد ويدعي المال فينكل المدعى عليه، وترد عليه اليمين، فيأخذ بيمينه، ونكول صاحبه ما ادعى عليه، لا أن الرجل يحلف فيبرأ غيره، ولا يحلف فيملك غيره بيمينه شيئا، فلما لم يكن في الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها لغير وارث ويستحق بها الوارث لم يجز فيها- والله أعلم- إلا تكون في معاني ما حكم الله عز وجل من الأيمان ثم رسوله صلى الله عليه وسلم ثم المسلمون من أنه لا يملك أحد بيمين غيره شيئا.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا يجب على أحد حق في القسامة حتى تكمل أيمان الورثة خمسين يمينا، وسواء كثر الورثة أو قلوا، وإذا مات الميت وترك وارثا واحدا أقسم خمسين يمينا واستحق الدية، وإن ترك وارثين أو أكثر فكان أحدهما صغيرا أو غائبا أو مغلوبا على عقله، أو حاضرا بالغا فلم يحلف فأراد أحدهما اليمين- لم يحبس على غائب ولا صغير، ولم يبطل حقه من ميراثه من دمه بامتناع غيره من اليمين ولا إكذابه دعوى أخيه ولا صغره، وقيل للذي يريد اليمين: أنت لا تستوجب شيئا من الدية على المدعى عليهم ولا على عواقلهم إلا بخمسين يمينا، فإن شئت أن تعجل فتحلف خمسين يمينا وتأخذ نصيبك من الميراث لا يزاد عليه قبلت منك، وإن امتنعت فدع هذا حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه فتحلفان خمسين يمينا أو ورثته فتكمل أيمانكم خمسين يمينا، كل رجل منكم بقدر ما يجب عليه من الأيمان أو أكثر، ولا يجوز أن يزاد على وارث
(2/171)

في الأيمان على قدر حصته من الميراث إلا في موضعين:
أحدهما: ما وصفت من أن يغيب وارث أو يصغر أو ينكل فيريد أحد الورثة اليمين فلا يأخذ حقه إلا بكمال خمسين يمينا، فيزاد عليه في الأيمان في هذا الموضع، ولا يجبر على الأيمان، أو يدع الميت ثلاثة بنين فتكون حصة كل واحد منهم سبعة عشر يمينا إلا ثلث يمين فلا يجوز في اليمين كسر، ولا يجوز أن يحلف واحد ستة عشر يمينا وعليه ثلثا يمين، ويحلف آخر سبعة عشر (1) ، ولا سبعة عشرة زيادة، ويحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا، فيكون عليهم زيادة يمين بينهم، وهكذا من وقع عليه أو له كسر يمين جبرها.
وإن لم يدع القتيل وارثا إلا ابنه أو أباه أو أخاه أجزأه أن يحلف خمسين يمينا؛ لأنه مالك المال كله، وكل من ملك شيئا حلف عليه، وهكذا لو لم يدع إلا ابنته وهي مولاته حلفت خمسين يمينا، وأخذت الكل: النصف بالنسب، والنصف بالولاء، وهكذا لو لم يدع إلا زوجته وهي مولاته، وإذا ترك أكثر من خمسين وارثا سواء في ميراثه كأنهم بنون معا أو إخوة معا أو عصبة في القعدد إليه سواء، حلف كل واحد منهم يمينا وإن جازوا خمسين أضعافا؛ لأنه لا يأخذ أحد مالا بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه بلا يمين منه، ولا يملك أحد بيمين غيره شيئا، ولو كانت فيهم زوجة فورثت الربع أو الثمن حلفت ربع الأيمان ثلاثة عشر يمينا، يزاد عليها كسر
__________
(1) قوله: (ولا سبعة عشر) إلخ كذا في الأصل.
(2/172)

يمين أو ثمن الأيمان سبعة أيمان يزاد عليها كسر يمين، لما وصفت من أنه لا يجوز إذا كان على وارث كسر يمين إلا أن يأتي بيمين تامة (1) .
2 - قال ابن قدامة: والرواية الثانية: لا يقسم إلا الوارث، وتفرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم، هذا ظاهر قول الخرقي، واختيار أبي حامد، وقول الشافعي. فعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم، فإن انقسمت من غير كسر، مثل: أن يخلف المقتول اثنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسة وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة بنين، أو جدا وأخوين جبر الكسر عليهم، فحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا؛ لأن تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين، ولا حمل بعضهم لها عن بعض، فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم، فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان، ثم يجبر الكسر، فيكون عليه تسع أيمان، وعلى الأخ من الأب اثنان وأربعون، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه؛ لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى، وعن مالك أنه قال: ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط الآخر.
ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم (2) » .
__________
(1) [الأم] (6\ 80- 82)
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4712) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1631) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2/173)

وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون، ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين، وهذا خلاف النص، ولأنها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة.
ويفارق اليمين على المدعى عليه، فإنها ليست حجة للمدعي، ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد؛ كاليمين المنكسرة في القسامة، فإنها تجبر وتكمل في حق كل واحد؛ لكونها لا تتبعض، وما لا يتبعض يكمل؛ كالطلاق، والعتاق.
وما ذكره مالك لا يصح؛ لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها، فلم يجز، كما لو تساوى الكسران، بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها، أو على كل واحد من الثلاثة ثلثها، وبالقياس على من عليه أكثرها؛ ولأن اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد، ويستوي من له في المدعي كثير وقليل، كذا هاهنا؛ ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكثر (1) .
3 - قال الخرقي: (وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل؛ لأن القسامة توجب القود إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية) .
قال ابن قدامة: أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف، سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا، فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فاتهم اليهود بقتله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة.
__________
(1) [المغني، (10\ 27، 28) (الطبعة المشتركة مع الشرح الكبير)
(2/174)

وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا، وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله، وهو المماثل له في حاله- ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال الزهري والثوري ومالك والأوزاعي: لا قسامة في العبد؛ لأنه مال فلم تجب القسامة فيه، كقتل البهيمة. ولنا: أنه قتل موجب للقصاص، فأوجب القسامة كقتل الحر. وفارق البهيمة؛ فإنه لا قصاص فيها. ويقسم على العبد سيده؛ لأنه المستحق لدمه. وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة، كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم، وإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا، والحر يقتل عبدا- فلا قسامة فيه، في ظاهر قول الخرقي، وهو قول مالك؛ لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود.
وقال القاضي: فيهما القسامة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة.
ولنا: أنه قتل لا يوجب القصاص، فأشبه قتل البهيمة، ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه، بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص. ذكره القاضي؛ لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك، ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة (1) .
ومن القائلين بأن العصبة هم الذين يحلفون: الإمام مالك رحمه الله، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
__________
(1) [المغني] (8\ 504. 505)
(2/175)

وفيما يلي ذكر بعض ما قالوا في ذلك:
1 - قال مالك رحمه الله: والقسامة تصير إلى عصبة المقتول وهم ولاة الدم الذين يقسمون عليه والذين يقتل بقسامتهم. وقال مالك أيضا: يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا (1) .
وقال الباجي: قوله: (يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا، يحتمل أن يريد إن كان الولاة أكثر من خمسين حلف خمسون، فتكون (من) للتبعيض، ويحتمل أن يريد به يحلف من هذا الجنس خمسون، فتكون (من) للجنس إذا كان ولاة الدم خمسين فلا خلاف أن جميعهم يحلف، وإن كانوا أكثر من خمسين فقد حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين:
إحداهما: يحلف منهم خمسون خمسين يمينا.
والرواية الثمانية: يحلف جميعهم، والذي ذكر ابن عبدوس وابن المواز من رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك يحلف من الولاة خمسون، وقال المغيرة وأشهب وعبد الملك: وإن كانوا أكثر من خمسين وهم في العقد سواء، ففي [الموازية] كالإخوة وغيرهم فليس عليهم أن يحلف منهم إلا خمسون، وهذا المشهور من المذهب في كتب المغاربة من المالكيين، وإنما اختلفوا إذا كان الأولياء خمسين فأرادوا أن يحلف منهم رجلان خمسين يمينا، ففي [المجموعة] عن عبد الملك: لا يجزئهم ذلك، وهو كالنكول. وقال ابن المواز: ذهب ابن القاسم إلى أن يمين رجلين منهم خمسين يمينا يجزئ وينوب عمن بقي، قال محمد. وقول
__________
(1) [الموطأ] وعليه [المنتقى] (7\ 58)
(2/176)

ابن القاسم صواب؛ لأن أهل القسامة تجزئ أيمان بعضهم عن بعض، ولو لم يجوز ذلك لم يقل أشهب: إن كانوا ثلاثة يحلفون يمينا يمينا ثم يحلف عشرون منهم عشرين يمينا ولو كانوا مائة متساوين أجزأ يمين خمسين. قال: وأما إذا تشاح الأولياء ولم يرضوا أن يحمل بعضهم عن بعض- فلا بد من قول أشهب، وبه قال ابن القاسم.
فرع: وهذا إذا كان إمساك عن اليمين يحمل ذلك عنه، وأما أن امتنع عن اليمين فتسقط الدية. قاله ابن القاسم (1) .
قال الباجي: مسألة: ولا يحلف في القسامة على قتل العمد أقل من اثنين. قاله مالك في [المجموعة] و [الموازية] ، قال ابن القاسم: كأنه من ناحية الشهادة، إذ لا يقتل بأقل من شاهدين. قال أشهب: وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنا يمينا من الزوج في التعانه.
قال عبد الملك: ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد؛ لأنهن لا يشهدن فيه، وإنما عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة والجماعة اثنان فصاعدا، قال الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (2)
وأصل هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحارثيين: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (3) » وإنما كان ولي الدم رجلا واحدا، وهو عبد الرحمن بن سهل أخو المقتول عبد الله بن سهل، وإنما كان حويصة ومحيصة ابني عم، فلما علق النبي صلى الله عليه وسلم الأيمان بجماعتهم، ولم يقصرها على ولي الدم كان الظاهر
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 58، 59)
(2) سورة النساء الآية 11
(3) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/177)

أنها لا تثبت إلا في حكم الجماعة، وأقل الجماعة اثنان، وقد نص عليه ابن الماجشون واحتج عليه بآية الميراث {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (1) ولا خلاف أن الأخوين يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس كما يفعل الثلاثة الإخوة، ولا يحجبها الأخ الواحد؛ لأن اسم الإخوة لا يتناوله.
فرق: والفرق بين ولاة القتيل لا يقسم منهم أقل من اثنين ويقسم من جنبة القاتل واحد وهو القاتل- أن جنبة القتيل إذا عدم منهم اثنان وبطلت القسامة في جنبته فرجعت في جنبة القاتل، فإن لم يكن معه من يحلف معه من جهتهم كان للطالب بالدم ما يرجع إليه وهو أيمان القاتل وأولياؤه ولو لم يقبل من القاتل، وقد يعدم أولياء يحلفون معه لم يكن له ما يرجع إليه في تبرئة نفسه (2) .
قال الباجي: مسألة: فإن كان ولاة الدم اثنين حلف كل رجل منهم خمسا وعشرين يمينا؛ وليس لأحدهما أن يتحمل عن صاحبه شيئا من الأيمان، قال ابن المواز عن ابن القاسم: ووجه ذلك: أنه لا يجوز أن يحلف أحد في العمد أكثر من خمس وعشرين يمينا، قال ابن المواز عن ابن الماجشون: ولهما أن يستعينا بمن أمكنهما من العصبة، ويبدأ بيمين الأقرب فالأقرب، يحلفون بقدر عددهم مع المعينين، فإن حلف الأولياء أكثر مما ينوبهم في العدد مع المعينين جاز ذلك، وإن حلف المعينون أكثر لم يجز ذلك، ووجه ذلك عندي: أنه نوع من النكول.
وأما إذا تساووا على حسب العدد أو كانت أيمان الولاة أكثر فإنها على وجه العون للولاة، ولو حلف أحد الوليين خمسا وعشرين، ثم استعان
__________
(1) سورة النساء الآية 11
(2) [المنتقى على الموطأ] (7\ 59)
(2/178)

الآخر بأربعة وعشرين من العصبة لم يجزه أن يحلف إلا ثلاثة عشر يمينا؛ لأن المعينين تتوجه معونتهم إليه وإلى صاحبه كما لو حلفوا قبل أن يحلف الولي الأول.
قال الباجي: مسألة: فإن كان ولي الدم واحدا جاز له أن يستعين من العصبة بواحد وأكثر من ذلك ما بينه وبين خمسين رجلا.
والأصل في ذلك ما روى أبو قلابة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحارثيين اللذين ادعيا على اليهود: أتحلفون وتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم (1) » فكان الظاهر أن هذا العدد لا يزاد عليه، لأن عدد الأنصار كان أكثر من ذلك، وتكون الأيمان بينهم على ما تقدم من التفسير.
وقال مالك: القسامة في قتل الخطأ يقسم الذين يدعون الدم، ويستحقون بقسامتهم يحلفون خمسين يمينا تكون على قسم مواريثهم من الدية، فإن كان في الأيمان كسور، وإذا قسمت بينهم نظر إلى الذي يكون عليه أكثر تلك الأيمان إذا قسمت فيجبر عليه تلك اليمين.
قال الباجي: وهذا على ما قال أن ولاة الدم الذين يدعون الدم يقسمون في قتل الخطأ مع الشاهد على القتل. قال أشهب: وكذلك إذا قال: دمي عند فلان قتلني خطأ. وقال عبد الملك: ويؤخذ في ذلك بشهادة النساء فيمن علم الناس بموته. وقال ابن المواز: اختلف قول مالك في القسامة على قول القتيل في الخطأ.
وقال عيسى بن دينار: أخبرني من أثق به أن قول مالك في الغريم لا يقسم في الخطأ بقول الميت، ثم رجع فقال: يقسم مع قوله، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وجه القول الأولى أنه يتهم أن يريد غنى ولده وحرمة الدم أعظم.
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6899) .
(2/179)

ووجه القول الذي رجع إليه أنه معنى يوجب القسامة في العمد فأوجبها في الخطأ كالشاهد العدل.
(فرع) : فإذا قلنا: إنه يقسم مع قول القتيل فإنه يقسم مع قول المسخوط والرجال والنساء ما لم يكن صغيرا أو عبدا أو ذميا (1) .
قال الباجي: وقوله: (يحلفون خمسين يمينا) علق ذلك بالعدد؛ لأنها قسامة في دم فما اختصت بالخمسين كالعمد؛ ولهذا المعنى يبدأ فيها المدعون وتكون الأيمان على الورثة إن كانوا يحيطون بالميراث على قدر مواريثهم، فإن كان في الأيمان كسر فالقسامة على أكثرهم حظا منها، قاله مالك في [المجموعة] . قال عبد الملك. لا ينظر إلى كثرة ما عليه من الأيمان وإنما ينظر إلى تلك اليمين. قال ابن القاسم: إذا كان على أحدهم نصفها، وعلى الآخر ثلثها، وعلى الآخر سدسها- جبرت على صاحب النصف، وإن كان الوارث لا يحيط بالميراث فإنه لا يأخذ حصته من الدية حتى يحلف خمسين يمينا (2) .
قال مالك: فإن لم يكن للمقتول ورثة إلا النساء فإنهن يحلفن ويأخذن الدية، فإن لم يكن له وارث إلا رجل واحد حلف خمسين يمينا وأخذ الدية، وإنما يكون ذلك في قتل الخطأ ولا يكون في قتل العمد.
قال الباجي: وهذا على ما قال: أن حكم القسامة في قتل الخطأ غير حكمها في قتل العمد. . .؛ لأنها لما اختصت القسامة في الخطأ بالمال
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 63) . (2)
(2) [المنتقى على الوطأ] (7\ 63، 74)
(2/180)

كان ذلك للورثة رجالا كانوا أو نساء، قل عددهم أو كثر، ولا يحلف في ذلك إلا وارث، وأما قتل العمد فإن مقتضاه القصاص، وإنما يقوم به العصبة من الرجال، فلذلك تعلقت الأيمان بهم دون النساء (1) .
قال الأبي: (ع) : والأيمان في القسامة خمسون لا ينقص منها لنص الحديث يحلفها في الخطأ الورثة، فإن لم تكن إلا امرأة لم تأخذ فرضها حتى تحلف الخمسين، وكذلك إن لم تكن الورثة إلا نساء فإنهن لا يأخذن فرضهن حتى يحلفن الخمسين يمينا، وإن كانت الورثة جماعة وزعت الأيمان على قدر المواريث.
قال الأبي: قلت: وإنما وزعت كذلك؛ لأن الأيمان هي السبب في حصول الدية فتوزع كما توزع الدية، فإن انكسرت منها يمين أو أكثر فإن استوت الأجزاء أكملت اليمين على كل واحد من المنكسر عليهم، وإن اختلف كما لو كان الوارث ابنا فالمشهور: أنه إنما تكمل اليمين على صاحب الجزء الأكبر، وقيل: تكمل على كل واحد من المنكسر عليهم (2) .
قال الأبي: (ع) : فإن لم يحضر من الورثة إلا واحد وغاب الباقون لم يأخذ الحاضر نصيبه حتى يحلف الخمسين يمينا، فإذا قدم الغائب لم يأخذ حظه من الميراث حتى يحلف نصيبه من الأيمان، ولا يكتفي بحلف الحاضر (3) .
2 - قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد فيمن تجب عليه أيمان
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 64)
(2) [الأبي] (4\ 395، 396) .
(3) [الأبي] (4\ 396)
(2/181)

القسامة، فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا، كل واحد منهم يمينا واحدة، وهذا قول لمالك، فعلى هذا يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول.
فأما من عرف أنه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم، مثل: أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي، ولا يعرف كيفية نسبه منهم- فلا يقسم، لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ونوح، وكلهم يرجعون إلى أب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس، فإن لم يوجد من نسبه خمسون رددت الأيمان عليهم، وقسمت بينهم، فإن انكسرت عليهم جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين (1) .
جاء في [حاشية المقنع] : قوله: (وعنه يحلف من العصبة. . . إلخ) هذا قول لمالك ونصره جماعة من الأصحاب منهم الشريف وأبو الخطاب والشيرازي وابن البناء (2) .
__________
(1) [المغني] (8\ 501)
(2) [حاشية المقنع] (3\ 440)
(2/182)

2 - من يحلف من المدعى عليهم:
إذا لم يحلف المدعون حلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا، هذا في المذاهب الثلاثة، ويوافقهم المذهب الحنفي في أنه يحلف خمسون رجلا خمسين يمينا، وهذا إذا أمكن عند الجميع، وإذا لم
(2/182)

يمكن فسيأتي بيانه في رد الأيمان، وقد بسط الكاساني رحمه الله الكلام على تحليف المدعى عليهم مع بيان خلاف أئمة المذهب الحنفي، وفي مقدمتهم أبو حنيفة رحمه الله، فذكرنا كلامه مفصلا.
قال الكاساني: وأما بيان سبب وجوب القسامة والدية: فنقول: سبب وجوبهما هو التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ؛ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ- صار مقصرا بترك الحفظ الواجب، فيؤخذ بالتقصير زجرا عن ذلك، وحملا على تحصيل الواجب، وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية؛ لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ، ولأنه إذا اختص بالموضع ملكا أو يدا بالتصرف كانت منفعته له فكانت النصرة عليه، إذ الخراج الضمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال تبارك وتعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (1)
ولأن القتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة؛ إما بالملك أو باليد وهو التصرف فيه فيتهمون أنهم قتلوه، فالشرع ألزمهم القسامة دفعا للتهمة، والدية- لوجود القتيل بين أظهرهم. وإلى هذا المعني أشار سيدنا عمر رضي الله عنه حينما قيل: أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: (أما أيمانكم فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم) ، وإذا عرف هذا فنقول: القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهل المحلة، للأحاديث وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا.
__________
(1) سورة البقرة الآية 286
(2/183)

ولأن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم، وهم المتهمون في قتله فكانت القسامة والدية عليهم.
وكذلك إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة لما قلنا: فيحلف منهم خمسون، فإن لم يكمل العدد خمسين رجلا تكرر الأيمان عليهم حتى تكمل خمسين يمينا.
لما روي عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه: أنه حلف رجالا القسامة، فكانوا تسعة وأربعين رجلا، فأخذ منهم واحدا وكرر عليه اليمين حتى كملت خمسين يمينا، وكان ذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعا.
ولأن هذه الأيمان حق ولي القتيل فله أن يستوفيها ممن يمكن استيفاؤها منه، فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرجال الخمسين استوفى، وإن لم يمكن يستوفي عدد الأيمان التي هي حقه. وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر اليمين على بعضهم- ليس له ذلك، كذا ذكر محمد رحمه الله؛ لأن موضوع هذه الأيمان على عدد الخمسين في الأصل، لا على واحد، وإنما التكرار على واحد لضرورة نقصان العدد ولا ضرورة عند الكمال.
وإن كان في المحلة قبائل شتى؛ فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: عليهم وعلى المشترين جميعا.
وجه قوله: أن الوجوب على أهل الخطة باعتبار الملك، والملك ثابت للمشترين؛ ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطة أحد كانت القسامة على
(2/184)

المشترين.
وجه قولهما: أن أهل الخطة أصول في الملك؛ لأن ابتداء الملك ثبت لهم، وإنما انتقل عنهم إلى المشترين، فكانوا أخص بنصرة المحلة وحفظها من المشترين، فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم، وكان المشتري بينهم كالأجنبي، فما بقي واحد منهم لا ينتقل إلى المشتري.
وقيل: إن أبا حنيفة بنى الجواب على ما شاهد بالكوفة، وكان تدبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطة، وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف من أهل المحلة كانوا من أهل الخطة أو لا، فبنى الجواب على ذلك، فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهما عول على معنى الحفظ والنصرة.
فإن فقد أهل الخطة وكان في المحلة ملاك وسكان فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عليهم جميعا.
لما روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب القسامة على أهل خيبر وكانوا سكانا ولأن للسكان اختصاصا بالدار يدا، كما أن للمالك اختصاصا بها ملكا، ويد الخصوص تكفي لوجوب القسامة.
وجه قولهما: أن المالك أخص بحفظ الموضع ونصرته من السكان؛ لأن اختصاصه اختصاص ملك أنه أقوى من اختصاص اليد ألا يرى أن السكان يسكنون زمانا ثم ينتقلون.
وأما إيجاب القسامة على يهود خيبر فممنوع؛ لأنهم كانوا سكانا، بل كانوا ملاكا، فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام أقرهم على أملاكهم ووضع الجزية على رءوسهم، وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجزية
(2/185)

لا على سبيل الأجرة.
ولو وجد قتيل في سفينة؛ فإن لم يكن معهم ركاب فالقسامة والدية على أرباب السفينة وعلى من يمدها ممن يملكها أو لا يملكها، وإن كان معهم فيها ركاب فعليهم جميعا، وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجاب القسامة والدية على الملاك والسكان جميعا.
وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يفرقان بين السفينة والمحلة؛ لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكان، فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة إذا وجد عليها قتيل، بخلاف الدار فإنها لا تحتمل النقل والتحويل فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد، وكذا العجلة حكمها حكم السفينة، لأنها تنقل وتحول ولو وجد القتيل ومعه رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية؛ لأن القتيل في يده، ولو جريح معه وبه رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند أبي يوسف، وقال أبو يوسف: وفي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه يضمن.
وجه القياس: أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا، فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده، وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وكذلك إذا كان على دابة ولها سائق أو قائد وعليها راكب فعليه القسامة والدية؛ لأنه في يده وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعا؛ لأن القتيل في أيديهم فصار كأنه وجد في دارهم.
وإن وجد على دابة لا سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها؛ فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة والدية على المالك، وإن كان لا مالك له
(2/186)

فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصوت من الأمصار والقرى، وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم.
فإن وجدت الدابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة.
وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض فإنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكا لإنسان فالقسامة والدية عليه، وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه، وإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا، وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه يضاف إلى أقربهما.
لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يذرع بين قريتين في قتيل وجد بينهما (1) » .
وكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في قتيل وجد بين وادعة وأرحب وكتب إليه عامله بذلك، فكتب إليه سيدنا عمر رضي الله عنه: أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم، فوجد القتيل إلى وادعة أقرب، فألزموا القسامة والدية، وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل، كذا ذكر محمد في الأصل، حكاه الكرخي رحمه الله، والفقه ما ذكرنا فيما تقدم.
وكذا إذا وجد بين سكتين فالقسامة والدية على أقربهما، فإن وجد في المعسكر في فلاة من الأرض فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب فالقسامة والدية على أرباب الأرض؛ لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وهذا على أصلهما؛ لأن المعسكر كالسكان والقسامة على الملاك، فأما على أصل أبي يوسف
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/39) .
(2/187)

رحمه الله فالقسامة والدية عليهم جميعا، وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فسطاط، فعلى من يسكن الخباء والفسطاط وعلى عواقلهم القسامة والدية؛ لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار مع أهل المحلة، ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل المحلة، كذا ها هنا.
وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية، كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة والدية لما ذكرنا.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا وجد بين الخيام فالقسامة والدية على جماعتهم كالقتيل يوجد في المحلة، جعل الخيام المحمولة كالمحلة على هذه الرواية. . . هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا، فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا فلا قسامة ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم؛ لأنهم إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمين؛ إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضا.
ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية؛ لأن صاحب الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية فكان أولى بإيجاب القسامة والدية عليه كصاحب الدار مع أهل المحلة. . . ولو وجد قتيل في دار إنسان وصاحب الدار من أهل القسامة، فالقسامة والدية على صاحب الدار وعلى عاقلته. كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بينهما إذا كانت العاقلة حضورا أو غيبا، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله: أن
(2/188)

القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا قسامة على العاقلة هكذا ذكر فيه.
وقال الكرخي رحمه الله: أن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة وإن كانت غائبة، فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان، والدية عليه وعلى عاقلته.
أما دخول العاقلة في القسامة إذا كانوا حضورا فهو قولهما، وظاهر قول أبي يوسف: (لا قسامة على العاقلة) يقتضي ألا يدخلوا في القسامة.
وجه قول زفر رحمه الله: أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة كأهل المحلة، ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة، فلا تشاركه العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم.
ووجه قولهما: أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها. . . كما يلزم صاحب الدار، وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار، فقد شاركوه في سبب وجوب القسامة فيشاركونه في القسامة أيضا، وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ما ذكره الكرخي رحمه الله؛ لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب وكذا معنى النصرة، لئلا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلا أنه تجب عليهم الدية؛ لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة، فإنهم يتحملون عن القاتل المعين إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا، وسواء كانت الدار فيها ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار، وعلى عاقلته القسامة والدية.
أما على أصل أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما فظاهر؛ لأنهما
(2/189)

يعتبران الملك دون السكنى، فكان وجود السكنى فيها والعدم منزلة واحدة.
وأما أبو يوسف رحمه الله فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار يدا ولم يوجد ها هنا، وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا فالقسامة والدية على أرباب الملك لما قلنا، وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية، حتى لو كانت الدار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللأخر الثلث فالقسامة عليهما، وعلى عاقلتهما نصفان، ويعتبر في ذلك عدد الرءوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة؛ لأن حفظ الدار واجب على كل واحد منهما والحفظ لا يختلف، ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة؛ لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل وأنه لا يختلف باختلاف قدر الملك، وذكر في [الجامع الصغير] فيمن باع دارا ووجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري: أن القسامة والدية على البائع إذا لم يكن في البيع خيار، فإن كان فيه خيار فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد: الدية على مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له، وعند زفر رحمه الله: الدية على المشتري، إلا أن يكون للبائع خيار فتكون الدية عليه.
وجه قول زفر: أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار، وكذا إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشتري لا يمنع دخول المبيع في ملكه عنده، فإذا كان الخيار للبائع فالملك له؛ لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف.
وجه قولهما: أنه إذا لم يكن فيه خيار فالملك للمشتري وإنما للبائع
(2/190)

صورة يد من غير تصرف، وصورة اليد لا مدخل لها في القسامة، كيد المودع فكانت القسامة والدية على المشتري، وإذا كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له؛ لأنه إذا صارت للبائع فقد انفسخ البيع وجعل كأنه لم يكن، وإن صارت للمشتري فقد انبرم البيع، وتبين أنه ملكها بالعقد من حين وجوده.
وأما تصحيح مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فمشكل من حيث الظاهر؛ لأنه يعتبر الملك فيما يحتمل النقل والتحويل لا اليد، وإن كانت اليد يد تصرف كيد الساكن والثابت للبائع صورة يد من غير تصرف فأولى أن يعتبره، لكن لا إشكال في الحقيقة؛ لأن الوجوب بترك الحفظ، والحفظ باليد حقيقة، إلا أنه يضاف الحفظ إلى الملك؛ لأن استحقاق اليد به عادة فيقام مقام اليد فكانت الإضافة إلى ما به حقيقة أولى، إلا أن مطلق اليد لا يعتبر، بل اليد المستحقة بالملك وهذه يد مستحقة بالملك بخلاف يد الساكن، وإذا وجد رجل قتيلا في دار نفسه فالقسامة والدية على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وفي قولهما رحمهما الله: لا شيء فيه، وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله، وروي عن أبي حنيفة مثل قولهم.
وجه قولهم: أن القتل صادفه والدار ملكه، وإنما صار ملك الورثة عند الموت والموت ليس بقتل؛ لأن القتل فعل القاتل ولا صنع لأحد في الموت، بل هو من صنع الله تبارك وتعالى، فلم يقتل في ملك الورثة، فلا سبيل إلى إيجاب الضمان على الورثة وعواقلهم، ولأن وجوده قتيلا في دار نفسه بمنزلة مباشرة القتل بنفسه كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدرا.
ولأبي حنيفة رضي الله عنه: أن المعتبر في القسامة وقت ظهور القتيل
(2/191)

لا وقت وجود القتل، بدليل: أن من مات قبل ذلك لا يدخل في الدية، والدار وقت ظهور القتيل لورثته فكانت القسامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب كما لو وجد قتيلا في دار ابنه. فإن قيل: كيف تجب الدية عليهم وعلى عواقلهم وأن الدية تجب لهم فكيف تجب لهم وعليهم، وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضا، وفيه إيجاب لهم أيضا وعليهم، وهذا ممتنع؟
فالجواب: ممنوع أن الدية تجب لهم، بل للقتيل؛ لأنها بدل نفسه فتكون له، بدليل أنه يجهز منها وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه، ثم ما فضل عن حاجته تستحقه ورثته لاستغناء الميت عنه، والورثة أقرب الناس إليه، وصار كما لو وجد الأب قتيلا في دار ابنه أو في بئر حفرها ابنه أليس أقرب أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته، ولا يمتنع ذلك لما قلنا، كذا هذا.
وإن اعتبرنا وقت وجود القتيل فهو ممكن أيضا؛ لأنه تجب على عاقلته لتقصيرهم في حفظ الدار فتجب عليهم الدية حقا للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته، وذكر محمد: إذا وجد ابن الرجل أو أخوه في داره قتيلا فإن على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه؛ لما قلنا أن وجد القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل فيلزم عاقلته ذلك المقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرث، ولو وجد مكاتب قتيلا في دار نفسه فدمه هدر؛ لأن داره في وقت ظهور القتيل ليست لورثته، بل هي على حكم ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكتابة فصار كأنه قتل نفس فهدر دمه.
رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا
قال أبو يوسف: يضمن الآخر، وقال محمد: لا ضمان عليه.
(2/192)

وجه قوله: أنه يحتمل أنه قتل صاحبه، ويحتمل أنه قتل نفسه فلا يجب الضمان بالشك.
ولأبي يوسف: أن الظاهر أنه قتل صاحبه؛ لأن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهرا أو غالبا، واحتمال خلاف الظاهر ملحق بالعدم، ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثابت في قتيل المحلة ولم يعتبر (1)
إذا كان في المدعين والمدعى عليهم نساء وصبيان فهل عليهم قسامة؟
الأدلة والمناقشة:
1 - قال الكاساني: ولا تدخل المرأة في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها؛ لأن وجوبهما بطريق النصرة وهي ليست من أهلها، وإن وجد في دارها أو في قرية لها لا يكون بها غيرها عليها القسامة، فتستحلف ويكرر عليها الأيمان وهذا قولهما.
وقال أبو يوسف: عليها لا على عاقلتها.
وجه قوله: أن لزوم القسامة لزوم النصرة وهي ليست من أهل النصرة، فلا تدخل في القسامة؛ ولهذا لم تدخل مع أهل المحلة.
وجه قولهما: أن سبب الوجوب على المالك هو الملك مع أهلية القسامة وقد وجد في حقها، أما الملك فثابت لها، وأما الأهلية فلأن القسامة يمين، وأنها من أهل اليمين ألا يرى أنها تستحلف في سائر الحقوق.
ومعنى النصرة يراعى وجوده في الجملة لا في كل فرد كالمشقة في السفر، وهل تدخل مع العاقلة في الدية، ذكر الطحاوي ما يدل على أنها
__________
(1) [بدائع الصنائع] (7\290-294) .
(2/193)

لا تدخل، فإنه قال: لا يدخل القاتل في التحمل إلا أن يكون ذكرا عاقلا بالغا، فإذا لم تدخل عند وجود القتل منها عينا فهاهنا أولى. وأصحابنا رضي الله عنهم قالوا: إن المرأة تدخل مع العاقلة في الدية في هذه المسألة، وأنكروا على الطحاوي قوله.. وقالوا: إن القاتل يدخل في البداية بكل حال، ويدخل في القسامة والدية: الأعمى، والمحدود في القذف، والكافر؛ لأنهم من أهل الاستحلاف والحفظ، والله سبحانه وتعالى أعلم (1) .
وقال أيضا: الصبي والمجنون لا يدخلان في القسامة في أي موضع وجد القتيل، سواء وجد في غير ملكهما أو في ملكهما؛ لأن القسامة يمين وهما ليسا من أهل اليمين، ولهذا لا يستحلفان في سائر الدعاوى؛ ولأن القسامة تجب على من هو من أهل النصرة وهما ليسا من أهل النصرة فلا تجب القسامة عليهما، وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل في ملكهما؛ لتقصيرهم بترك النصرة اللازمة.
وهل يدخلان في الدية مع العاقلة؟ فإن وجد القتيل في غير ملكهما كالمحلة وملك إنسان لا يدخلان فيها وإن وجد في ملكهما يدخلان؛ لأن وجود القتيل في ملكهما كمباشرتهما القتل، وهما مؤاخذان بضمان الأفعال، وعلى قياس ما ذكره الطحاوي رحمه الله لا يدخلان في الدية مع العاقلة أصلا لكنه ليس بسديد؛ لأن هذا ضمان القتل والقتل فعل والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما (2) .
__________
(1) [بدائع الصنائع] (7\294، 295) .
(2) [بدائع الصنائع] (7\294) .
(2/194)

قال الشافعي: ومن وجبت له القسامة وهو غائب أو مخبول أو صبي فلم يحضر الغائب أو حضر فلم يقسم ولم يبلغ الصبي ولم يفق المعتوه، أو بلغ هذا وأفاق هذا فلم يقسموا ولم يبطلوا حقوقهم في القسامة حتى ماتوا - قام ورثتهم مقامهم في أن يقسموا بقدر مواريثهم منه (1) . فقوله: ولم يبلغ الصبي. نص منه رحمه الله أنه لا يرى دخوله في أيمان القسامة حتى يبلغ.
2 - قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو (2) .
قال الباجي: قوله: لا يحلف في قسامة العمد أحد من النساء، يريد أنه لا يقسم إلا الأولياء من الرجال ومن له تعصيب، وأما من لا تعصيب له من الخولة وغيرهم فلا قسامة لهم، وإذا كان للقتيل أم فإن كانت معتقة أو أعتق أبوها أو جدها أقسم مواليها في العمد قاله ابن القاسم في [الموازية] ، و [المجموعة] ، وإن كانت أمه من العرب فلا قسامة في عمده. قال محمد: لأن العرب خولته ولا ولاية للخولة، ومن شهد شاهد عدل بقتله عمدا، وقال: دمي عند فلان ولم يكن له عصبة وكان له من الأقارب نساء وخولة فإنه لا قسامة فيه، ويحلف المدعى عليهم القتل. انتهى المقصود (3) .
3 - سبق في كلام الشافعي رحمه الله: أن النساء يدخلن في القسامة.
4 - قال الخرقي: والنساء والصبيان لا يقسمون.
__________
(1) [الأم] (6\80) .
(2) [الموطأ] (7\62) .
(3) [المنتقى] على [الموطأ] (7\62) .
(2/195)

قال ابن قدامة: يعني: إذا كان المستحق نساء وصبيانا لم يقسموا؛ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون، سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم؛ لأن الأيمان حجة للحالف، والصبي لا يثبت بقوله حجة. ولو أقر على نفسه لم يقبل، فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى.
وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن، وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي.
وقال مالك: لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد، قال ابن القاسم: ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا، كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين.
وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ؛ لأنها يمين في دعوى، فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون رجلا منكم، وتستحقون دم صاحبكم (1) » . ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء، كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته، وإنما يثبت المال ضمنا، فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها، فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان مقصودها المال، فأما إن كانت المرأة مدعى عليها القتل، فإن قلنا: إنه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا؛ لأن ذلك مختص بالرجال، وإن قلنا: يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف؛ لأنها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا، وإنما هي لتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث.
فعلى هذا: إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2/196)

النساء، وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون، أو كان فيهم حاضرون وغائبون، فقد ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب. فكذا لا تثبت حتى يبلغ الصبي؛ لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة، والبينة أيمان الأولياء كلهم، والأيمان لا تدخلها النيابة، ولأن الحق إن كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه، فلا فائدة في قسامة الحاضر البالغ، وإن كان غيره فلا تثبت، وقد سبق كلام مالك رحمه الله في قسامة النساء في القتل الخطأ إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضا.
وقال القاضي: إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير، ولا الحاضر حتى يقدم الغائب؛ لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال، وإن كان موجبا للمال؛ كالخطأ وعمد الخطأ، فللحاضر المكلف أن يحلف، ويستحق قسطه من الدية، وهذا قول أبي بكر وابن حامد ومذهب الشافعي.
واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟
فقال ابن حامد: يقسم بقسطه من الأيمان، فإن كان الأولياء اثنين أقسم الحاضر خمسا وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا. وإن كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة يمينا، وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه؛ لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه وكذلك إذا غاب بعضهم، كما في سائر الحقوق، ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان.
وقال أبو بكر: يحلف الأول خمسين يمينا، وهذا قول الشافعي؛ لأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة والبينة هي الأيمان كلها؛ ولذلك لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه، ولأن
(2/197)

الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالا له فيه شركة له بعد شاهد لحلف يمينا كاملة، كذلك هذا. فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا، وجها واحدا عند أبي بكر؛ لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة. وقال الشافعي: فيه قول آخر: أنه يقسم خمسين يمينا أيضا؛ لأن أخاه إنما استحق بخمسين فكذلك هو، فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول أبي بكر يقسم سبع عشرة يمينا؛ لأنه يبني على أيمان أخويه، وعلى قول الشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يقسم سبع عشرة يمينا. والثاني: خمسين يمينا، وإن قدم رابع، كان على هذا المثال.
قال ابن قدامة: (فصل) فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال، وهو النساء سقط حكمه، فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها، وإن كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب قسمت الأيمان بين الأخوين على أحد عشر، على الأخ من الأم ثلاثة، وعلى الآخر ثمانية، ثم يجبر الكسر عليهما، فيحلف الأخ من الأب سبعا وثلاثين يمينا، والأخ من الأم أربع عشرة يمينا (1)
هل ترد الأيمان إذا نقص العدد أم لا؟
الأيمان قد تكون من المدعين، وقد تكون من المدعى عليهم، وفي كلتا الحالتين قد يكون العدد الذي اتجهت إليه الأيمان كافيا فيكون خمسين رجلا، وقد ينقص العدد، وعلى هذا الأساس فالرد يكون في جانب المدعين كما يكون في جانب المدعى عليهم.
__________
(1) [المغني] (8\502) .
(2/198)

وفيما يلي بعض من أقوال أهل العلم في ذلك:
الرد في جانب المدعين:
1 - قال الباجي: (مسألة) : ولا يحمل بعض الورثة عن بعض شيئا من الأيمان في الخطأ كما يتحملها بعض العصبة عن بعض في العمد إلا في جبر بعض اليمين، فإنها تجبر على أكثرهم حظا منها على ما تقدم، قاله ابن القاسم، قال ابن المواز؛ لأنه مال، ولا يتحمل أحد اليمين عن غيره كالديون (1)
2 - وقال مالك: لا يقسم في قتل العمد من المدعين إلا اثنان فصاعدا، فترد الأيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينا، ثم قد استحقا الدم، وذلك الأمر عندنا (2) .
قال الباجي: قوله: لا يقسم في قتل العمد من المدعين إلا اثنان فصاعدا، يريد أنه: إن لم يوجد من يستحق أن يحلف من الأولياء إلا واحد، فإن الأيمان لا تثبت في جنبتي القتيل، ولكن ترد على القاتل، فيحلف وحده بأن لم يوجد من يحلف معه، والفرق بينه وبينه: أن جنبة القتيل لا يحلف لإثبات الدم إلا اثنان، وفي جنبة القاتل يحلف لنفي الدم واحد؛ لأن جنبة القتيل إذا تعذرت القسامة فيها لم يبطل الحق؛ لأن رد الأيمان على جنبة القاتل فيه استيفاء حقهم، وجنبة القاتل لو لم تقبل أيمانه وحده مع كثرة وجود ذلك لم يكن لما فاته من الحق بدل يرجع إليه؛ لأن الأيمان ترد إلى جنبة القتيل بانتقالها إلى جنبة القاتل، والله أعلم (3) .
__________
(1) [المنتقى] على [الموطأ] (7\64) .
(2) [المنتقى] على [الموطأ] (7\62) .
(3) [المنتقى] على [الموطأ] (7 \62)
(2/199)

3 - وأما رد الأيمان في المدعين إذا كانوا أقل من خمسين عند الشافعي: فقد مضى في الكلام على من يحلف من الورثة.
4 - قال ابن مفلح: فانفرد واحد منهم- أي: المدعين الذين توجهت إليهم اليمين- حلفها، نص عليه ونقل عنه الميموني أنه قال: لا اجترئ عليه، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحلف خمسون منكم على رجل منهم، قلت: فبم يأخذ من قال بذلك، قال: بحديث معاوية فإنه قصرها على ثلاثة، وكذا ابن الزبير، وفي [مختصر ابن رزين] يحلف الولي يمينا وعنه خمسين، انتهى المقصود (1) .
وقد مضى أيضا الكلام على رد الأيمان في أثناء الكلام على من يحلف من الورثة.
ترديد الأيمان على المدعى عليهم:
1 - قال شمس الدين السرخسي: (فإن لم يكن العدد خمسين رجلا كررت عليهم الأيمان حتى يكملوا خمسين يمينا، لما روي أن الذين جاءوا إلى عمر رضي الله عنه من أهل وادعة كانوا تسعة وأربعين رجلا منهم، فحلفهم ثم اختار منهم واحدا فكرر عليه اليمين؛ وهذا لأن عدد اليمين في القسامة منصوص عليه، ولا يجوز الإخلال بالعدد المنصوص عليه.
وقال: (وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى تتم خمسين) .
لما روي أن عمر رضي الله عنه لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة
__________
(1) [الفروع] (3\455) .
(2/200)

وأربعون رجلا فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين، ثم قضى بالدية، وعن شريح والنخعي رحمهما الله مثل ذلك، ولأن الخمسين واجب بالسنة، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطالب فيه الوقوف على الفائدة لثبوتها بالسنة، ثم فيه استعظام أمر الدم، فإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك؛ لأن المصير إلى التكرار ضرورة الإكمال (1) .
قال الزيلعي: (قوله: روي عن عمر أنه قضى بالقسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلا، فكرر اليمين على رجل منهم حتى يتم خمسين، ثم قضى بالدية، وعن شريح والنخعي مثل ذلك. قلت: أما حديث عمر فرواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] بنقض، فقال: حدثنا وكيع، ثنا سفيان عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي مليح أن عمر بن الخطاب رد عليهم الأيمان حتى وفوا. انتهى.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] بتغيير، فقال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب استحلف امرأة خمسين يمينا على مولى لها أصيب ثم جعل عليها الدية، ثم قال الزيلعي: حديث مرفوع في الباب رواه عبد الرزاق في [مصنفه] أخبرنا ابن جريج عن عبد العزيز: أن في كتاب عمر بن عبد العزيز: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في القسامة أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد يبلغ الخمسين ردت الأيمان عليهم بالغا ما بلغوا» . اهـ.
أثر عن أبي بكر رواه الواقدي في كتاب الردة: حدثني الضحاك بن عثمان الأسدي عن المقبري عن نوفل بن مساحق العامري
__________
(1) [المبسوط] (26\110) . اهـ
(2/201)

عن المهاجر بن أبي أمية قال: كتب إلي أبو بكر: أن افحص لي عن داودي، وكيف كان أمر قتله إلى أن قال: فكتب أبو بكر إلى المهاجر أن ابعث إلي بقيس بن مكشوح في وثاق، فلما دخل عليه جعل قيس يتبرأ من قتل داودي، ويحلف بالله: ما قتله، فأحلفه أبو بكر خمسين يمينا عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم مردودة عليه: بالله ما قتله ولا يعلم له قاتلا، ثم عفا عنه أبو بكر، مختصر. . . وهو بتمامه في قصة الأسود العنسي (1) باب قسامة النساء.
ثم قال الزيلعي: (قوله: وعن شريح والنخعي مثل ذلك، قلت: حديث شريح رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن ابن سيرين بلغ عن شريح قال: جاءت قسامة فلم يوفوا خمسين فردد عليهم القسامة حتى أوفوا. اهـ.
حدثنا وكيع ثنا سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن شريح، قال: إذا كانوا أقل من خمسين رددت عليهم الأيمان. انتهى.
وحديث النخعي رواه عبد الرزاق في [مصنفه] أخبرنا الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: إذا لم تبلغ القسامة كرروا حتى يحلفوا خمسين يمينا. انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن حماد عن إبراهيم نحوه سواء. انتهى.
2 - قال الباجي: (فصل) وقوله: (فإن لم يبلغوا - أي: المدعى عليهم -
__________
(1) [نصب الراية] (4\395، 396) ، والحديث عند عبد الرازق [المصنف] (10\49)
(2/202)

خمسين رجلا ردت عليهم الأيمان) يحتمل أن يريد به إن لم يكن من يجوز أن يحلف من أولياء القاتل من يبلغ خمسين رجلا يريد- وكان من وجد منهم اثنان فزائد- ردت الأيمان على من وجد منهم حتى يستوفوا خمسين يمينا، قال ابن الماجشون في الواضحة: لهم أن يستعينوا بولاتهم وعصبتهم وعشيرتهم كما كان ذلك لولاة المقتول وقاله المغيرة وأصبغ.
وقال مطرف عن مالك: لا يجوز للمدعى عليه واحدا كان أو جماعة أن يستعينوا بمن يحلف معهم، كما يفعل ولاة المقتول؛ لأنهم إنما يبرئون أنفسهم وقد تقدم ذكره. ويحتمل أن يريد به فإن لم يبلغ الذين تطوعوا بالأيمان معه خمسين رجلا؛ لأن غيره ممن كان يصح أن يحلف معه أبوا من ذلك فإن الخمسين يمينا ترد على من تطوع بذلك.
قال الباجي: (فصل) وقوله: فإن لم يجد المدعى عليه القتل من يحلف معه حلف وحده خمسين يمينا وبريء.
والفرق بين الأيمان والحالفين: أن الأيمان لا ضرورة تدعو إلى التبعيض فيها عن العدد المشروع، وقد يعدم في الأغلب عدد الحالفين (1) .
3 - قال المزني: وقال الشافعي: وإذا وجد قتيل في محلة قوم يخالطهم غيرهم أو في صحراء أو في مسجد أو في سوق فلا قسامة، وإن ادعى وليه على أهل المحلة لم يحلف إلا من أثبتوه بعينه، وإن كانوا ألفا فيحلفون يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين، فإن لم يبق منهم إلا واحد حلف خمسين يمينا وبرئء. فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين
__________
(1) [المنتقى] (7\60، 61)
(2/203)

يمينا، واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمدا، على عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأ (1) 4 - قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (فصل) إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم وكان عمدا- لم تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يمينا.
وإن كانت عن غير عمد؛ كالخطأ، وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي: أنه لا قسامة في هذا؛ لأن القسامة من شرطها اللوث، والعداوة إنما أثرها في تعمد القتل لا في خطئه، فإن احتمال الخطأ في العمد وغيره سواء.
وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة، وهو قول الشافعي؛ لأن اللوث لا يختص العداوة عندهم، فعلى هذا تجوز الدعوى على الجماعة، فإذا ادعي على جماعة لزم كل واحد منهم خمسون يمينا.
وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلا أنها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأن المدعى عليهم متساوون فيها فهم كبني الميت.
وللشافعي قولان كالوجهين.
والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تبرئكم يهود بخمسين يمينا (2) » .
وفي لفظ قال: «فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرءون من دمه (3) » .
ولأنهم أحد المتداعين في القسامة فتسقط الأيمان على عددهم كالمدعين. وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل
__________
(1) [مختصر المزني] بهامش [الأم] (5\152) .
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4714) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/3) .
(2/204)

خمسين يمينا، فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف وحده خمسين يمينا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا (1) » .
ولنا: أن هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعى على كل واحد وحده قتيل.
ولأنه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد؛ ولأن كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين، فإن أيمانهم على شيء واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله ومقصوده (2) .
ولابن حزم رحمه الله كلام فيمن يحلف وكم يحلف، مع ذكر المذاهب والأدلة ومناقشتها - رأت اللجنة أن تختم هذه الفقرة بذكره.
5 - قال ابن حزم: فيمن يحلف بالقسامة، قال أبو محمد رحمه الله: اتفق القائلون بالقسامة على أنه يحلف فيها الرجال الأحرار البالغون العقلاء من عشيرة المقتول الوارثين له، واختلفوا فيما وراء ذلك في وجوه، منها: هل يحلف من لا يرث من العصبة أم لا؟ وهل يحلف العبد في جملتهم أم لا؟ وهل تحلف المرأة فيهم أم لا؟ وهل يحلف المولى من فوق أم لا؟ وهل يحلف المولى الأسفل فيهم أم لا؟ وهل يحلف الحليف أم لا؟ فوجب لما تنازعوا ما أوجبه الله تعالى علينا عند التنازع، إذ يقول تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (3) ففعلنا، فوجدنا رسول الله
__________
(1) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4712) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) [المغني] (8\503، 504) ،
(3) سورة النساء الآية 59
(2/205)

صلى الله عليه وسلم في حديث القسامة الذين لا يصح عنه غيره، كما قد تقصيناه قبل: «تحلفون وتستحقون، ويحلف خمسون منكم (1) » فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة عصبة المقتول، وبيقين يدري كل ذي معرفة أن ورثة عبد الله بن سهل رضي الله عنه لم يكونوا خمسين، وما كان له وارث إلا أخوه عبد الرحمن وحده، وكان المخاطب بالتحليف ابني عمه: محيصة، وحويصة، وهما غير وارثين له، فصح أن العصبة يحلفون، وإن لم يكونوا وارثين، وصح أن من نشط لليمين منهم كان ذلك له، سواء كان بذلك أقرب إلى المقتول أو أبعد منه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب ابني العم كما خاطب الأخ خطابا مستويا لم يقدم أحدا منهم، وكذلك لم يدخل في التحليف إلا البطن الذي يعرف المقتول بالانتساب إليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخاطب بذلك إلا بني حارثة الذي كان المقتول معروفا بالنسب فيهم، ولم يخاطب بذلك سائر بطون الأنصار؛ كبني عبد الأشهل، وبني ظفر وبني زعورا، وهم أخوة بني حارثة، فلا يجوز أن يدخل فيهم من لم يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو محمد رحمه الله: فإن كان في العصبة عبد صريح النسب فيهم إلا أن أباه تزوج أمة لقوم فلحقه الرق لذلك فإنه يحلف معهم إن شاء؛ لأنه منهم ولم يخص عليه السلام إذ قال: «خمسون منكم (2) » حرا من عبد إذا كان منهم، كما كان عمار بن ياسر رضي الله عنه من طينة عنس، ولحقه الرق لبني مخزوم، وكما كان عامر بن فهيرة أزديا صريحا فلحقه الرق؛ لأن أباه تزوج فهيرة أمة أبي بكر رضي الله عنه، وكما كان المقداد بن عمرو بهرانيا قحا ولحقه الرق من قبل أمه، وبالله تعالى التوفيق.
وأما المرأة فقد ذكرنا قبل: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحلف
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4713) ، سنن أبو داود الديات (4520) .
(2/206)

امرأة في القسامة وهي طالبة، فحلفت، وقضى لها بالدية على مولى لها. وقال المتأخرون: لا تحلف المرأة أصلا.
واحتجوا: بأنه إنما يحلف من تلزمه له النصرة، وهذا باطل مؤيد بباطل؛ لأن النصرة واجبة على كل مسلم، بما روينا من طريق البخاري نا مسدد نا معتمر بن سليمان عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما كان أو مظلوما. قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه (1) » ، وروينا من طريق مسلم، نا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير: هو ابن معاوية -نا أشعث - هو: ابن أبي الشعثاء - ني معاوية بن سويد بن مقرن قال: دخلنا على البراء بن عازب فسمعته يقول: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام (2) » فقد افترض الله تعالى نصر إخواننا، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (3) نعم، ونصر أهل الذمة فرض، قال الله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} (4) فقد صح أنه ليس أحد أولى بالنصرة من غيره من أهل الإسلام، فوجب أن تحلف المرأة إن شاءت، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحلف خمسون منكم (5) » وهذا اللفظ يعم النساء والرجال، وإنما ذكرنا حكم عمر لئلا يدعوا لنا الإجماع، فأما الصبيان والمجانين فغير مخاطبين أصلا بشيء من الدين، قال صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2444) ، سنن الترمذي الفتن (2255) ، مسند أحمد بن حنبل (3/99) .
(2) صحيح البخاري النكاح (5175) ، صحيح مسلم اللباس والزينة (2066) ، سنن الترمذي الأدب (2809) ، سنن النسائي الجنائز (1939) ، مسند أحمد بن حنبل (4/284) .
(3) سورة الحجرات الآية 10
(4) سورة الأنفال الآية 72
(5) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4713) .
(2/207)

ثلاثة فذكر الصبي والمجنون (1) » مع إنه إجماع أن لا يحلفا في القسامة متيقن لا شك فيه، وأما المولى من فوق، والمولى من أسفل، والحليف، فإن قوما قالوا: قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مولى القوم منهم، (2) » «ومولى القوم من أنفسهم (3) » وأثبت الحلف في الجاهلية قالوا: ونحن نعلم يقينا أنه كان لبني حارثة موال من أسفل وحلفاء، ولا شك في ذلك ولا مرية، فوجب أن يحلفوا معهم.
قال أبو محمد رحمه الله: أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم ومن أنفسهم (4) » فصحيح، وكذلك كون بني حارثة لهم الحلفاء والموالي من أسفل بلا شك إلا أننا لسنا على يقين من أن بني حارثة إذ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحلفون وتستحقون، ويحلف خمسون منكم (5) » حضر ذلك القول في ذلك المجلس حليف لهم أو مولى لهم، ولو أيقنا أنه حضر هذا الخطاب مولى لهم أو حليف لهم لقلنا بأن الحليف والمولى يحلفون معهم، وإذ لا يقين عندنا أنه حضر هذا الخطاب حليف ومولى، فلا يجوز أن يحلف في حكم منفرد برسمه إلا من نحن على يقين من لزوم ذلك الحكم له. فإن قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم (6) » يغني عن حضور الموالي هنالك، والحليف أيضا يسمى في لغة العرب مولى، كما قال عليه السلام للأنصار أول ما لقيهم: «أمن موالي يهود» يريد: من حلفائهم، قلنا: وبالله تعالى التوفيق:
قد قال عليه الصلاة والسلام ما ذكرتم، وقال أيضا: «ابن أخت القوم منهم (7) » وقد أوردناه قبل بإسناده في كتاب العاقلة ولا خلاف في أنه لا حفص مع أخواله، فنحن نقول: إن ابن أخت القوم منهم حق؛ لأنه متولد من امرأة
__________
(1) سنن الترمذي الحدود (1423) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2042) ، مسند أحمد بن حنبل (1/140) .
(2) سنن الترمذي كتاب الزكاة (657) ، سنن النسائي الزكاة (2612) ، سنن أبو داود الزكاة (1650) ، مسند أحمد بن حنبل (6/390) .
(3) صحيح البخاري الفرائض (6761) .
(4) سنن الترمذي كتاب الزكاة (657) ، سنن النسائي الزكاة (2612) ، سنن أبو داود الزكاة (1650) ، مسند أحمد بن حنبل (6/390) .
(5) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4715) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(6) سنن الترمذي كتاب الزكاة (657) ، سنن النسائي الزكاة (2612) ، سنن أبو داود الزكاة (1650) ، مسند أحمد بن حنبل (6/390) .
(7) صحيح البخاري المناقب (3528) ، صحيح مسلم الزكاة (1059) ، سنن الترمذي المناقب (3901) ، سنن النسائي الزكاة (2611) ، مسند أحمد بن حنبل (3/246) ، سنن الدارمي السير (2527) .
(2/208)

هي منهم بحق الولادة، والحليف والمولى أيضا منهم؛ لأنهما من جملتهم، وليس في هذا القول منه عليه السلام ما يوجب أن يحكم للمولى والحليف بكل حكم وجب للقوم، وقد صح إجماع أهل الحق على أن الخلافة لا يستحقها مولى قريش ولا حليفهم ولا ابن أخت القوم وإن كان منهم، والقسامة في العمد والخطأ، سواء فيما ذكرنا فيمن يحلف فيها ولا فرق. انتهى المقصود (1) .
وقال أيضا: كم يحلف في القسامة؟ اختلف الناس في هذا.
فقالت طائفة: لا يحلف إلا خمسون، فإن نقص من هذا العدد واحد فأكثر بطل حكم القسامة، وعاد الأمر إلى التداعي.
وقال آخرون: إن نقص واحد فصاعدا رددت الأيمان عليهم حتى يبلغوا اثنين، فإن كان الأولياء اثنين فقط بطلت القسامة في العمد، وأما في الخطأ فيحلف فيه واحد خمسين، وهو قول روي عن علماء أهل المدينة المتقدمين منهم.
وقال آخرون: يحلف خمسون، فإن نقص من عددهم واحد فصاعدا ردت الأيمان عليهم حتى يرجعوا إلى واحد، فإن لم يكن للمقتول إلا ولي واحد بطلت القسامة وعاد الحكم إلى التداعي، وهذا قول مالك.
وقال آخرون: تردد الأيمان، وإن لم يكن إلا واحد فإنه يحلف خمسين يمينا وحده، وهو قول الشافعي، وهكذا قالوا في أيمان المدعى عليهم: أنها تردد عليهم وإن لم يبق إلا واحد، ويجبر الكسر عليهم، فلما اختلفوا
__________
(1) [المحلى] (11\89 - 91) .
(2/209)

وجب أن ننظر فوجدنا من قال بترديد الأيمان من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الأيمان أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد عصبته تبلغ خمسين رددت الأيمان عليهم بالغا ما بلغوا» .
ومن طريق ابن وهب، أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسين يمينا ثم يحق دم المقتول إذا حلف عليه، ثم يقتل قاتله، أو تؤخذ ديته، ويحلف عليه أولياؤه من كانوا قليلا أو كثيرا، فمن ترك منهم اليمين ثبتت على من بقي ممن يحلف، فإن نكلوا كلهم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا: ما قتلناه ثم يطل دمه، وإن نكلوا كلهم عقله المدعى عليهم، ولا يطل دم مسلم إذا ادعي إلا بخمسين يمينا.
قال أبو محمد رحمه الله: هذا لا شيء؛ لأنهما مرسلان والمرسل لا تقوم به حجة، أما حديث عمر بن عبد العزيز ففيه أن يحلف الأولياء وهذا لا يقول به الحنفيون، فإن تعلق به المالكيون، والشافعيون قيل للمالكيين: هو أيضا حجة عليكم؛ لأنه ليس فيه أن لا يحلف إلا اثنان، وأيضا فليس هو بأولى من المرسل الذي بعده من طريق ابن وهب، وهو مخالف لقول جميعهم؛ لأن فيه إن نكل الفريقان عقله المدعى عليهم ولا يقول به مالكي، ولا شافعي، وفيه القود بالقسامة، ولا يقول به حنفي ولا شافعي، وفيه ترديد الأيمان جملة دون تخصيص أن يكونا اثنين، كما يقول مالك (1)
__________
(1) [المحلى] (11\91، 92) .
(2/210)

السابع: خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول مع الأدلة والمناقشة:
لا يخلو أمر النكول من أحوال: فإما أن ينكل المدعون جميعهم عن الأيمان، أو ينكل بعضهم، وفي هذه الحال لا يخلو؛ إما أن يكون الناكل وارثا بالفعل أو بالإمكان. إما أن ينكل المدعى عليهم عن الأيمان جميعهم أو ينكل بعضهم.
وفيما يلي بعض من أقوال أهل العلم في ذلك:
أ- نكول المدعين عن الأيمان أو نكول بعضهم:
سبق فيما تقدم: أن الحنفية لا يرون البدء بالمدعين في الأيمان كما يراه غيرهم من الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد؛ ولهذا لا تأتي عندهم مسألة نكول المدعين أو بعضهم إلا في حال الرد عليهم بعد نكول المدعين.
1 - المذهب المالكي:
(أ) قال الباجي: مسألة: لو نكل ولاة الدم عن القسامة وقد وجبت لهم، زاد أبو زيد عن ابن القاسم: يحلف المدعى عليهم وبرئوا، وقد قال ابن المواز: فعلى المدعين الجلد والسجن، قال: ولم يختلف أصحاب مالك إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد ولا سجن وليحلف كل من ادعي عليه القتل خمسين يمينا، ويسلم من الضرب والسجن، ومن لم يحلف حبس أبدا حتى يحلف.
وجه القول الأول: أن العقوبة قد ثبتت بما أوجب القسامة فالضرب
(2/211)

والسجن حق الله تعالى، قاله عبد الملك بن الماجشون، والقتل حق الأولياء، فإن أسقط الأولياء حقهم بالنكول من القصاص لم يملكوا إسقاط حق الله تعالى كما لو عفوا أو عفا السلطان عن الجلد،: إنه لا يملك ذلك.
ووجه القول الثاني: أن القتل يثبت قبله فيجب عليه عقوبته، ونكول الأولياء يبطل ما ادعوه من القتل، فلا تجب فيه عقوبة سجن ولا ضرب (1)
ب- قال الباجي: في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحلف لكم يهود (2) » قال: يحتمل أن يكون على وجه رد الأيمان على المدعى عليهم حين نكول المدعين، وهي السنة عند مالك والشافعي: أن يبدأ المدعون بالأيمان، فإن نكلوا ردت على المدعى عليهم، وقال أبو حنيفة: يبدأ المدعى عليهم بالأيمان فإن أقسموا برئوا وإن نكلوا ردت على المدعي، والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارثيين: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود (3) » قال القاضي أبو محمد: قلنا: من هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه بدأ المدعين بالأيمان.
والثاني: أنه نقلها عند نكولهم إلى المدعى عليهم وقد روى أبو قلابة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدعين بالأيمان،» وهو حديث مقطوع وما رواه مسند من رواية أهل المدينة.
ومن جهة المعنى: أن اليمين إنما تثبت في إحدى الجنتين واللوث، وهو الشاهد العدل قد قوى جهة المدعين فتثبت الأيمان في
__________
(1) [المنتقى] (7\127) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(3) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2/212)

جنبتهم (1)
قال الإمام مالك: يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن قل عددهم أو نكل بعضهم ردت الأيمان عليهم، إلا أن ينكل أحد من ولاة المقتول ولاة الدم الذين يجوز لهم العفو عنه، فإن نكل أحد من أولئك فلا سبيل إلى الدم إذا نكل أحد منهم. قال يحيى: قال مالك: وإنما ترد الأيمان على من بقي منهم إذا نكل أحد ممن لا يجوز لهم العفو عن الدم، وإن كان واحدا فإن الأيمان لا ترد على من بقي من ولاة الدم إذا نكل أحد منهم عن الأيمان، ولكن الأيمان إذا كان ذلك ترد على المدعى عليهم فيحلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن لم يبلغوا خمسين رجلا ردت الأيمان على من حلف منهم، فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف هو خمسين يمينا وبرئ.
قال الباجي: قوله: فإن قل عددهم أو نكل بعضهم ردت الأيمان عليهم، يريد: إن قل عدد المعينين من العصبة أو نكل بعضهم، فإن كانوا أكثر من اثنين فنكل بعضهم عن معونه الولاة فإن من بقي مع الولاة ترد عليهم الأيمان حتى يستوفوا خمسين يمينا، فلا تبطل القسامة بنكول بعض المعينين من العصبة مع بقاء الولاء أو الأولياء عن القيام بالدم والمطالبة به.
ولو نكل الولي لم يكن للمعينين القسامة ولا المطالبة بالدم، وكذلك لو كان الأولياء جماعة فنكل واحد منهم لم يكن لغيرهم قسامة في المشهور من المذهب؛ لأنه لا قسامة لغيرهم، وترد الأيمان على المدعى عليهم.
__________
(1) [المنتقى] (7\55) . اهـ.
(2/213)

وجه القول الأول: أنهم لما تساووا في الحق لم يكن نكول بعضهم مؤثرا في سقوط حق الباقين أصله قتل الخطأ.
ووجه الرواية الثانية: أن الحق لجماعتهم وليس بعضهم أولى ببعض بإثباته وهو لا يتبعض.
(فرع) قال القاضي أبو محمد: وهذا في العصبة، وأما البنون والإخوة فرواية واحدة أن من نكل منهم ردت الأيمان على المدعى عليهم.
ووجه ذلك: أن البنين والإخوة يردون الأم من الثلث إلى السدس فكان لقرابتهم مزية، والله أعلم.
وترد الأيمان على المدعى عليهم وفي [العتبية] وغيرها لابن القاسم ورواية عن مالك إذا نكل ولاة الدم عن القسامة ثم أرادوا أن يقسموا لم يكن ذلك لهم إن كان نكولا بينا، ومن نكل عن اليمين فقد أبطل حقه.
ووجه ذلك أن نكول من يجب عليه اليمين توجب رد اليمين على المدعى عليه كالمدعي حقا يشهد له شاهد فينكل عن اليمين مع شاهده فإن اليمين ترد على المدعى عليه.
(مسألة) وإذا حلف الأولياء مع المعينين لهم من العصبة بدئ بالولي، ولا يبدأ بأيمان المعينين لهم، قاله في [المجموعة] و [الموازية] ابن القاسم قال: وإنما يعين الولي من قرابته منه معروفة يلتقي معه إلى جد يوارثه، فأما من هو من عشيرته من غير نسب معروف فلا يقسم كان للمقتول أو لم يكن (1)
__________
(1) [المنتقى] (6\60) . .
(2/214)

قال الباجي: (فصل) وقوله: ولكن ترد الأيمان على المدعى عليهم، فيحلف منهم خمسون رجلا، يريد أنه يحلف الجماعة في النكول كما يحلف الجماعة في الدعوى؛ لأن أيمان القسامة لما لم يحلف فيها إلا اثنان فما زاد من المدعى عليهم. وقد روى ابن حبيب عن مطرف عن مالك أنه لا يحلف إلا المدعى عليه وحده بخلاف المدعي، وقال مطرف: لأن الحالف المدعى عليه إنما يبرئ نفسه.
ووجه رواية ابن القاسم: ما روى أبو قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمدعين: «أترضون خمسين يمينا من اليهود ما قتلوه (1) » فمقتضى ذلك أن القسامة مختصة بهذا العدد ولا يزاد عليه؛ لأن اليهود كانوا أكثر من خمسين، ومن جهة المعنى أنه لما جاز أن يحلف مع ولي الدم المدعي له غيره جاز أن يحلف مع المدعى عليه المنكر له غيره.
ووجه آخر: أن الدماء مبنية على هذا، وهو: أن يتحملها غير الجاني مع الجاني كالدية في قتل الخطأ، فإن الأيمان لما كانت خمسين وكانت اليمين الواحدة لا تتبعض- لم يجز أن يكون الحالفون أكثر من خمسين.
(مسألة) : فإذا قلنا: يحلف غيره من عصبته فقد قال ابن القاسم، ورواه هو وابن وهب عن مالك: يحلف خمسون من أولياء المقتول خمسين يمينا وإن لم يكن منهم من يحلف إلا اثنان حلفا خمسين يمينا وبرئ المدعى عليه، ولا يحلف هو معهم فيحلف هو بعضها وهم بعضها، فإن لم يوجد من يحلف من عصبته إلا واحد لم يحلف معه وحلف المدعى عليه وحده خمسين يمينا.
وقال عبد الملك: يحلف هو ومن استعان به من عصبته على السواء،
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6899) .
(2/215)

وله أن يحلف هو أكثر منهم، فإن لم يوجد من يعينه حلف هو وحده خمسين يمينا.
قال محمد: قول ابن القاسم أشبه بقول مالك في [موطئه] ، وإنما أراد محمد قول مالك: يحلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا.
قال الباجي: (فصل) وقوله: خمسين يمينا، وجه ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا (1) » ، ومن جهة المعنى: أن الأيمان المردودة يعتبر بعدتها فيما انتقلت عنه كأيمان الحقوق، فكذلك الأيمان الثانية في الخمسين، فإن عددها فيها سواء كأيمان اللعان (2) .
قال ابن المواق على قول خليل: ونكول المعين غير معتبر بخلاف غيره ولو بعد، انظر قوله: فسيأتي أن أولياء الدم كانوا أعماما أو أبعد منهم، فإن مالكا حلفهم مرة كالبنين ومرة قال: إن رضي اثنان إن كان لهما أن يحلفا ويستحقا حقهما من الدية، قال ابن شاس: إن كان الولي واحدا استعان ببعض عصبته ثم نكول المعين غير معتبر، فأما نكول أحد الأولياء فمسقط للقود، وعن ابن يونس قال ابن القاسم: إن أكثر أولياء الدم أجزأ أن يحلف اثنان إذا تطاوعا ولم يترك باقيهم اليمين نكولا، قال في [المدونة] : فإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفوا فلا سبيل إلى القتل كانوا اثنين أو أكثر، قال محمد: فرق مالك بين نكول أحد الأولياء عن القسامة أو بعد أن حلف جماعتهم فقال: إن نكل منهم من له العفو قبل القسامة فلا قسامة لبقيتهم، ولا دم ولا دية، ويحلف المدعى عليه خمسين
__________
(1) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4712) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) [المنتقى] (7\60) .
(2/216)

يمينا إن لم يجد من يحلف معه، وإن نكل بعد يمين جماعتهم لم يسقط حظ من بقي من الدية، ونكول هذا كعفوه راجعه فيه ابن عرفة، قول ابن شاس: نكول المعين لغو واضح؛ لعدم استحقاقه ما يحلف عليه (1) انتهى المقصود.
2 - المذهب الشافعي:
قال الشافعي رحمه الله تحت ترجمة نكول الورثة واختلافهم في القسامة ومن يدعى عليهم.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فإذا كان للقتيل وارثان فامتنع أحدهما من القسامة لم يمنع ذلك الآخر من أدن يقسم خمسين يمينا ويستحق نصيبه من الميراث، وكذلك إذا كان الورثة عددا كثيرا ونكلوا إلا واحدا (2) .
3 - المذهب الحنبلي:
1 - قال الخرقي: (فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ) .
2 - وقال ابن قدامة: -على ذلك- هذا ظاهر المذهب، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث والشافعي وأبو ثور، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد: أنهم يحلفون ويغرمون الدية لقضية عمر وخبر سليمان بن يسار، وهو قول أصحاب الرأي.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم (3) » أي: يتبرءون
__________
(1) [التاج والإكليل على مواهب الجليل] (6\274) .
(2) [الأم] (6\82) .
(3) صحيح البخاري الأدب (6142) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4712) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، مسند أحمد بن حنبل (4/142) ، موطأ مالك القسامة (1631) .
(2/217)

منكم، وفي لفظ قال: «فيحلفون خمسين يمينا ويبوءون من دمه (1) » . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود، وأنه أداها من عنده.
ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الأيمان؛ ولأن ذلك إعفاء لمجرد الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل، فإن قول الإنسان لا يقبل على غيره بمجرده كدعوى المال وسائر الحقوق، ولأن في ذلك جمعا بين اليمين والغرم فلم يشرع كسائر الحقوق (2) .
3 - قال الخرقي: (فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال) .
4 - وقال ابن قدامة: - على ذلك- يعني: أدى ديته' لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فأبى الأنصار أن يحلفوا، وقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهة أن يطل دمه.
فإن تعذر فداؤه من بيت المال لم يجب على المدعى عليهم شيء؛ لأن الذي يوجبه عليهم اليمين، وقد امتنع مستحقوها من استيفائها فلم يجب لهم غيرها كدعوى المال (3) .
5 - قال ابن مفلح: (وإن نكلوا أو كانوا نساء، أي: المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ، وعنه يغرم الدية من ماله، وعنه من بيت المال، اختاره أبو بكر، وقدم في [الموجز] : أنه يحلف يمينا واحدة، وهو رواية في [التبصرة] . . . فإن لم يرض الأولياء بيمين المدعى عليه فداه الإمام
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/3) .
(2) [المغني] (8\497) .
(3) [المغني] (8\498) .
(2/218)

من بيت المال (1) .
نكول المدعى عليهم:
أ- قال شمس الدين السرخسي: (فإن نكلوا -أي: المدعى عليهم- عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا؛ لأن الأيمان في القسامة حق مقصود لتعظيم أمر الدم ومن لزمه حق مقصود لا تجري النيابة في إيفائه، فإن امتنع منه فإنه يحبس ليوفي ككلمات اللعان) (2) .
ب- وقال أيضا: (وإذا أبى الذين وجد فيهم القتيل أن يقسموا حبسوا حتى يقسموا؛ لأن القسامة عليهم باعتبار تهمة القتيل وقد ازدادت بنكولهم والأيمان مقصوده هاهنا فيحبسون لإيفائها) (3) .
ج- قال ابن الهمام على قول صاحب المتن: (ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف) لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيما لأمر الدم؛ ولهذا يجمع بينه وبين الدية بخلاف النكول في الأموال؛ لأن اليمين بدل عن أصل حقه؛ ولهذا يسقط ببذل المدعى، وفيما نحن فيه لا يسقط ببذل الدية، هذا الذي ذكرنا إذا ادعى الولي القتل على جميع أهل المحلة، وكذا إذا ادعى على البعض لا بأعيانهم، والدعوى في العمد أو الخطأ؛ لأنهم لا يتميزون عن الباقي. ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه عمدا أو خطأ، فكذلك الجواب يدل عليه إطلاق الجواب في الكتاب هكذا الجواب في [المبسوط] ، وعن أبي يوسف في غير رواية الأصل: أن في القياس تسقط
__________
(1) [الفروع] (3\456) .
(2) [المبسوط] (26\111) .
(3) [المبسوط] (26\121) .
(2/219)

القسامة والدية عن الباقين من أهل المحلة، ويقال للولي: ألك بينة؟ فإن قال: لا، يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة، ووجهه أن القياس يأباه؛ لاحتمال وجود القتل من غيرهم، وإنما عرف بالنص فيما إذا كان في مكان ينسب إلى المدعى عليهم والمدعي يدعي القتل عليهم، وفيما وراءه بقي على أصل القياس وصار كما إذا ادعى القتل على واحد من غيرهم.
وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة؛ لأنه لا فصل في إطلاق النصوص بين دعوى ودعوى فنوجبه بالنص لا بالقياس، بخلاف ما إذا ادعى على واحد من غيرهم؛ لأنه ليس فيه نص، فلو أوجبناهما لأوجبناهما بالقياس وهو ممتنع، ثم حكم ذلك أن يثبت ما ادعاه إذا كان له بينة، وإن لم تكن استحلفه يمينا واحدة؛ لأنه ليس بقسامة لانعدام النص وامتناع القياس، ثم إن حلف برئ، وإن نكل والدعوى في المال ثبت به، إن كان في القصاص فهو على اختلاف مضى في كتاب الدعوى (1)) . .
قال قاضي زاده على صاحب المتن: (ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف) : قال تاج الشريعة: هذا إذا ادعى الولي القتل عمدا، أما إذا ادعاه خطأ فنكل أهل المحلة فإنه يقضي بالدية على عاقلته، ولا يحبسون ليحلفوا انتهى.
(وأما سائر الشراح فلم يقيد أحد منهم هاهنا مثل ما قيده تاج الشريعة إلا أن صاحبي [النهاية] و [العناية] قالا في صدر هذا الباب: حكم القسامة القضاء بوجوب الدية إن حلفوا والحبس حتى يحلفو إن أبوا لو ادعى الولي العمد، ولو ادعى الخطأ فالقضاء بالدية عند النكول) انتهى.
__________
(1) [فتح القدير] (8\388، 389
(2/220)

ولا يخفى أن ظاهر ما ذكراه يطابق تاج الشريعة هنا. أقول: لا يذهب عليك أن الظاهر من إطلاقه جواب مسألة الكتاب هنا، ومن اقتضاء دليلها الذي ذكره المصنف ومن دلالة قوله فيما بعد، هذا الذي ذكرناه إذا ادعى الولي القتل على جميع أهل المحلة، وكذلك إذا ادعى على البعض لا بأعيانهم والدعوى في العمد والخطأ أن يكون الحبس إلى أن يحلف الناكل موجب النكول في كل واحدة من صورتي دعوى العمد ودعوى الخطأ، ومن هذا ترى أصحاب المتون قاطبة أطلقوا جواب هذه المسألة، وكذا أطلقه الإمام قاضي خان في [فتاواه] حيث قال: فإن امتنعوا عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا. انتهى.
وكذا حال سائر ثقات الأئمة في تصانيفهم، وكأن صاحب العناية تنبه لهذا حيث قال في صدر هذا الباب: حكم القسامة القضاء بوجوب الدية على العاقلة في ثلاث سنين عندنا وعند الشافعي إذا حلفوا برئوا، وأما إذا أبوا القسامة فيحبسون حتى يحلفوا أو يقروا. انتهى، فإنه جرى في بيان حكمها أيضا على الإطلاق كما ترى.
ثم أقول: التحقيق هاهنا هو أن في جواب هذه المسألة روايتين إحداهما أنهم إن نكلوا حبسوا حتى يحلفوا على الإطلاق وهو ظاهر الروايتين عن أئمتنا الثلاثة، والأخرى أنهم إن نكلوا لا يحبسون، بل يقضي بالدية على عاقلتهم في ثلاث سنين بلا تقييد بدعوى الخطأ، وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي يوسف، وقد أفصح عنه في المحيط البرهاني، حيث قال: ثم في كل موضع وجبت القسامة، وحلف القاضي خمسين رجلا فنكلوا عن الحلف حبسوا حتى يحلفوا، هكذا ذكر في الكتاب، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه قال: لا يحبسون ولكن يقضي
(2/221)

بالدية على عاقلتهم في ثلاث سنين، وقال ابن أبي مالك: هذا قوله الآخر، وكان ما ذكر في هذه الرواية قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، إلى هنا لفظ المحيط.
ثم أقول: بقي هاهنا إشكال وهو أنه قد مر في باب اليمين من كتاب الدعوى أن من ادعى قصاصا على غيره فجحد استحلف بالإجماع، ثم إن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لزمه الأرش في النفس وفيما دونها. انتهى.
فمقتضى إطلاق ذلك أن يكون موجب النكول في القسامة أيضا هو القضاء بالدية دون الحبس عند أبي يوسف ومحمد، وإن ادعى ولي القتيل القصاص مع أن المذكور في عامة الكتب أن يكون موجب النكول في القسامة هو الحبس إلى الحلف بلا خلاف فيه من أبي يوسف ومحمد، كما هو ظاهر الرواية، نعم، قد ذكر أيضا في المحيط والذخيرة. أنه روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: أنه يقضى بالدية في القسامة أيضا عند النكول. لكن يبقى إشكال التنافي بين ما ذكر في المقامين على قول أبي يوسف في ظاهر الرواية، وعلى قول محمد مطلقا، فتأمل في الدفع (1) .
وقال أيضا على قوله: (وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة؛ لأنه لا فصل في إطلاق النصوص بين دعوى ودعوى فتوجبه بالنص لا بالقياس) قوله فيه بحث؛ لأنه إن أراد بإطلاق النصوص إطلاقها
__________
(1) [نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار] ، وهو تكملة [فتح القدير] (8\388، 389) .
(2/222)

بحسب لفظها فهو مسلم، لكن لا يجدي هنا نفعا، إذ من القواعد المقررة عندهم أن النص الوارد على خلاف القياس يختص بمورده، والنصوص فيما نحن فيه واردة على خلاف القياس كما صرحوا به، فلا بد وأن تكون مخصوصة بموردها، وهو ما إذا وجد القتيل في مكان ينسب إلى المدعى عليهم، والمدعي يدعي القتل عليهم، كما ذكر في وجه القياس، وإن أراد إطلاقها بحسب المورد أيضا فهو ممنوع، إذ لم يسمع في حق القسامة نص ورد فيما إذا ادعى الولي القتل على بعض أهل المحلة بعينه كما لا يخفى على من تتبع النصوص الواردة في هذا الباب. (1) .
المذهب المالكي:
قال الباجي: (فصل) وقوله: فإن لم يجد المدعى عليه القتل من يحلف معه حلف وحده خمسين يمينا وبرئ. . وقوله: وبرئ: يريد: برئ من الدم، وعليه جلد مائة وسجن عام، قاله مالك وابن القاسم.
وإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف، وفي النوادر: وقد ذكر ابن القاسم فيه عن مالك قولا لم يصح عند غيره؛ أن المدعى عليهم إذا ردت عليهم الأيمان فنكلوا - فالعقل عليهم في مال الجارح خاصة، ويقتص منه في الجرح، يريد: فيمن ثبت جرحه واحتيج إلى القسامة أنه من ذلك الجرح مات، وقال القاضي أبو محمد: في المدعى عليه القتل، وأتى المدعون بما يوجب القسامة، ونكلوا عن اليمين حلف المدعى عليه القتل، وتسقط عنه الدعوى نكل ففيها روايتان:
__________
(1) [نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار] ، وهو تكملة [فتح القدير] (8\389، 390) .
(2/223)

إحداهما: يحبس إلى أن يحلف. والثانية: تلزمه الدية في ماله وأراه أشار لرواية ابن القاسم (فرع) فإذا قلنا: أنه يحبس إلى أن يحلف، فإن حبس وطال حبسه فقد روى القاضي أبو محمد: يخلى سبيله، وفي [العتبية] ، و [الموازية] : يحبس حتى يحلف، قال ابن المواز: فقد اتفقوا على أن هذا إن نكل سجن أبدا حتى يحلف (1) .
المذهب الشافعي:
قال الشافعي في كلامه على المدعى عليهم في القسامة: (فإذا حلفوا برئوا، وإذا نكلوا عن الأيمان حلف ولاة الدم خمسين يمينا واستحقوا الدية إن كانت عمدا، ففي أموالهم ورقاب العبيد منهم بقدر حصصهم فيها، وإن كانت خطأ فعلى عواقلهم، وإن كان ولي القتيل ادعى على اثنين منهم فحلف أحدهما وامتنع الآخر من اليمين - برئ الذي حلف وحلف ولاة الدم على الذي نكل، ثم لزمه نصف الدية في ماله إن كان عمدا، وعلى عاقلته إن كان خطأ، أنهم إنما ادعوا أنه قاتل مع غيره وسواء في النكول عن اليمين المحجور عليه وغير المحجور عليه إذا نكل منهم واحد حلف المدعى عليه) (2) .
وقال الشافعي في (باب الإقرار والنكول والدعوى في الدم) : وإذا ادعوا على عشرة فيهم صبي رفعت حصة الصبي عنهم من الدية إن استحقت، وإن نكلوا حلف ولاة الدم وأخذوا منه تسعة أعشار الدية، فإذا بلغ الصبي
__________
(1) [المنتقى] (6\61) .
(2) [الأم] (6\85) في اختلاف المدعي والمدعى عليه في الدم.
(2/224)

حلف فبرئ أو نكل فحلف الولي وأخذ منه العشر إذا كان القتل عمدا، قال الشافعي: وإذا ادعوا على جماعة فيهم معتوه فهو كالصبي لا يحلف، وذلك أنه لا يؤخذ بإقراره على نفسه، فإن أفاق من العته أحلف وتسعه اليمين بعد مسألته عما ادعوا عليه، وإن نكل حلف ولاة الدم واستحقوا عليه حصته من الدية، وإن ادعوا على قوم فيهم سكران لم يحلف السكران حتى يفيق ثم يحلف، فإن نكل حلف أولياء الدم واستحقوا عليه حصته من الدية.
المذهب الحنبلي:
1 - قال ابن قدامة: وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا، وعن أحمد رواية أخرى: أنهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول أبي حنيفة، ولنا: أنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان، إذا ثبت هذا فإنه لا يجب القصاص بالنكول؛ لأنه حجة ضعيفة فلا يشاط بها الدم، كالشاهد واليمين، قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال، نص عليه أحمد، وروى عنه حرب بن إسماعيل: أن الدية تجب عليهم، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا كسائر الدعاوى، ولأن وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره، فلم يجز كسائر الدعاوى، ولأنها يمين توجهت في دعوى أمكن إيجاب المال
(2/225)

بها، فلم تخل من وجوب شيء على المدعى عليه، كما في سائر الدعاوى، وها هنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله، ولم يجبر على اليمين؛ لخلا من وجوب شيء عليه بالكلية، وقال أصحاب الشافعي: إذا نكل المدعى عليهم ردت الأيمان على المدعين، إن قلنا: موجبها المال، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا فلا شيء لهم.
وإن قلنا: موجبها القصاص فهل ترد على المدعين؟ فيه قولان:
وهذا القول لا يصلح؛ لأن اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي، فلا ترد عليه كما لا ترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعوى، ولأنها يمين مردودة على أحد المتداعيين، فلا ترد على من ردها كدعوى المال (1) .
2 - قال ابن مفلح: وإن نكل - أي: المدعى عليه - فعنه كذلك - أي: فداه الإمام من بيت المال - وعنه: أنه يحبس حتى يقر أو يحلف، وعنه يلزمه الدية، وهي أظهر، ولو رد اليمين على المدعي فليس له أن يحلف، وفي [الترغيب] على القول بالرد فيه وجهان وهما في كل نكول عن اليمين مع القود إليها في مقام آخر، هل له ذلك لتعدد المقام؟ أو لا لنكوله مرة (2) .
قال علي بن سليمان المقدسي: مسألة (6، 7) قوله: وإن لم يرض الأولياء يمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال، وإن نكل فعنه كذلك، وعنه يحبسه حتى يقر أو يحلف، وعنه تلزمه الدية، وهي أظهر.
__________
(1) [المغني] (8\ 498) .
(2) [الفروع] (3\ 456) .
(2/226)

انتهى، اشتمل كلامه على مسألتين.
المسألة الأولى: إذا طلبوا أيمانهم ونكلوا فهل يحبس حتى يقر أو يحلف أم لا؟ أطلق الخلاف وأطلقه الزركشي:
(أحدهما) : لا يحبس، وهو الصحيح، جزم به في [الهداية] و [المذهب] و [الخلاصة] ، و [المقنع] و [الهادي] و [الوجيز] وغيرهم، وقدمه في [المغني] و [الشرح] و [النظم] و [الرعايتين] و [الحاوي الصغير] ، وغيرهم.
(الرواية الثانية) : يحبس حتى يقر أو يحلف.
تنبيه: ظهر أن في إطلاق المصنف شيئا، وأن الأولى أنه كان يقدم أنه لا يحبس.
المسألة الثانية: إذا قلنا: لا يحبس فهل تلزمه الدية، أو تكون في بيت المال؟ أطلق الخلاف وأطلق في [الهداية] و [المذهب] و [مسبوك الذهب] و [المستوعب] و [الخلاصة] و [الهادي] و [الزركشي] وغيرهم:
(إحداهما) : تلزمه الدية، وهو الصحيح. قال المصنف هنا: وهو أظهر، واختاره أبو بكر، والشريف، وأبو الخطاب، والشيخ الموفق وغيرهم، وصححه الشارح، والناظم، وقدمه في [الرعايتين] .
والرواية الثانية: (يكون في بيت المال قدمه في [المحرر] و [الحاوي الصغير] ) (1)
__________
(1) [الفروع] (3\ 456) . .
(2/227)

الثامن: ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية وذكر مستند كل مع المناقشة:
اختلف القائلون بمشروعية القسامة:
فمنهم من ذهب إلى أن القسامة توجب القود، ومنهم: من ذهب إلى أنه لا يجب بها إلا الدية.
أما القائلون بوجوب القود فقالوا: إن دعوى القتل إما أن تكون موجهة على أنه عمد أو خطأ، فإذا كان القتل خطأ فليس فيه إلا الدية اتفاقا، وإذا كان القتل عمدا:
أ- فقال الأبي (ع) : وعلى إثباتها فالمستحق بها في الخطأ الدية، واختلف في العمد، فقال مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه: يجب فيها القصاص (1) .
ب- وقال النووي: نقلا عن القاضي عياض: واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود، وهو قول الشافعي في القديم وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان (2) .
__________
(1) [الأبي] (4\ 395) .
(2) [شرح النووي على مسلم] (11\ 143، 144) ، ويرجع أيضا إلى [المغني] (8\ 416) .
(2/228)

ج- وقال ابن مفلح: ويجب القود في قسامة العمد بشرطه، نص عليه كسائر قتل العمد، قال أحمد: الذي يدفع القتل في هذا قد يبيحه بأيسر منه فيبيحه بغلبة الظن، فلو حمل عليه السلاح ليأخذ متاعه أليس دمه هدرا؟ وإنما هو شيء وقع في نفسه لم ينله بشيء، فكذا بما دفع في أنفسهم وعرفوه ويقسمون عليه (1) .
د- وأجاب شيخ الإسلام - رحمه الله - عن سؤال وجه إليه فقال: إذا شهد لأولياء المقتول شاهدان ولم يثبت عدالتهما فهذا لوث إذا حلف معه المدعون خمسين يمينا - أيمان القسامة - على واحد بعينه حكم لهم بالدم، وإن أقسموا على أكثر من واحد ففي القود نزاع، وأما إن ادعوا أن القتل كان خطأ أو شبه عمد، مثل: أن يضربوه بعصا ضربا لا يقتل مثله غالبا، فهنا إذا ادعوا على الجماعة أنهم اشتركوا في ذلك فدعواهم مقبولة، ويستحقون الدية (2) .
واحتجوا على ذلك بالسنة والأثر:
أما السنة:
فقوله - صلى الله عليه وسلم -: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم.
قال الباجي: نص على أن المستحق هو الدم، ولا خلاف أنه أظهر في القصاص (3) .
وقال ابن قدامة: أراد دم القاتل، لأن دم القتيل ثابت لهم قبل
__________
(1) [الفروع] (3\ 454) .
(2) [مجموع الفتاوى] (34\ 150، 151) .
(3) [المنتقى شرح الموطأ] (7\ 55) .
(2/229)

اليمين (1) .
وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي:
1 - أجاب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة عنه بقوله: إنما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (2) » يعني: بالدية ليس بالقود، وإنما يدل ذلك على أنه إنما أراد الدية دون القود، قوله في أول الحديث: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب (3) » فهذا يدل على آخر الحديث وهو قوله: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (4) » لأن الدم قد يستحق بالدية كما يستحق بالقود؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لهم: تحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، فيكون هذا على القود، وإنما قال لهم: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فإنما عنى به: تستحقون دم صاحبكم بالدية؛ لأن أول الحديث يدل على ذلك وهو قوله: إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب وقد قال عمر بن الخطاب: القسامة توجب العقل، ولا تشيط الدم في أحاديث كثيرة فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
2 - وأجاب السرخسي بقوله: أما قوله: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (5) » فلا تكاد تصح هذه الزيادة، وقد قال جماعة من أهل الحديث: أوهم سهل بن أبي حثمة، ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (6) » (7) .
__________
(1) [المغني] (8\ 497) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(3) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، موطأ مالك القسامة (1630) .
(4) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(5) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(6) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(7) [المبسوط] (26\ 8109) .
(2/230)

3 - وأجاب أيضا بقوله: (ولو ثبت فإنما قال ذلك على طريق الإنكار لا على طريق الأمر لهم بذلك، فإنه لو كان على سبيل الأمر لكان يقول: أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم) فأما قوله: أتحلفون وتستحقون؟ فعلى سبيل الإنكار، كقوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} (1) {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} (2) الآية، وكذلك قوله: تحلفون معناه: أتحلفون، كقوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (3) معناه: أتريدون، وكان - عليه الصلاة والسلام - رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: (لا نرضى بأيمان قوم كفار) فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما رأوا كراهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد (4) . وقد أيد ذلك الطحاوي (5) .
4 - وأجاب أيضا بقوله: (ثم يحتمل أن يكون اليهود ادعوا عليهم بنقل القتيل من محلة أخرى إلى محلتهم فصاروا مدعى عليهم فلهذا عرض عليهم اليمين (6) .
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (7) » .
قال القاضي عياض: أي: بالحبل الذي ربط به هذا أصله ثم استعمل فيمن دفع للقود (8) .
__________
(1) سورة الشعراء الآية 165
(2) سورة الشعراء الآية 166
(3) سورة الأنفال الآية 67
(4) [المبسوط] (26\ 8109) .
(5) [شرح معاني الآثار] (3\ 302) وما بعدها.
(6) [المبسوط] (26\ 8109) .
(7) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(8) [مشارق الآثار على صحاح الآثار] (1\ 291) .
(2/231)

وقال ابن دقيق العيد: يستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ فيها وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر (1) .
وقال ابن قدامة بعد أن ذكره دليلا لوجوب الدم قال: والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود (2) .
وأجيب عن الاستدلال بهذا الدليل: بقول النووي: وتأوله القائلون لا قصاص بأن المراد أن يسلم؛ ليستوفي منه الدية؛ لكونه ثبتت عليه (3) .
ومن ذلك ما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك.
ومن هذا الطريق رواه البيهقي (4) ، وأورده المنذري، وبناء على هذا الطريق: فقد أعله البيهقي بالانقطاع، والمنذري بقوله: (هذا معضل، وعمرو بن شعيب اختلف في الاحتجاج بحديثه) .
ويجاب عن هذا الاعتراض بوجوه:
أحدها: أن هذا الحديث ورد في [سنن أبي داود] هكذا: حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد، قالا: نا، ح، ونا محمد بن الصباح بن سفيان أنا الوليد، عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الحديث.
__________
(1) [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام] ، وعليه [العدة] (4\ 311) ، و [المغني] (8\ 77) .
(2) [المغني] (8\ 77) .
(3) [شرح النووي على مسلم] (11\ 149) .
(4) [السنن الكبرى] للبيهقي (8\ 127) .
(2/232)

الثاني: أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة. قال بذلك ابن العربي (1) والدارقطني وابن عبد البر (2) ، قال البخاري: رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به (3) .
ومنها: ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر (4) » .
واعترض عليه بقول ابن حجر: وهذا - أي: الاستدلال بهذا الحديث على القود - يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة (5) . ويجاب عن هذا: بقول البيهقي: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الله، أنبأنا أحمد بن عبيد، حدثنا ابن ملحان، حدثنا يحيى هو ابن بكير، أنبأنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود (6) » .
__________
(1) [أحكام القرآن] (1\ 12) .
(2) [الجامع لأحكام القرآن] (1\ 459) .
(3) [سنن الدارقطني] (2\ 310) .
(4) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1670) ، سنن النسائي القسامة (4708) ، مسند أحمد بن حنبل (4/62) .
(5) [فتح الباري] (12\ 198) .
(6) [السنن الكبرى] للبيهقي (8\ 122) .
(2/233)

وأما الأثر:
فمن ذلك ما ذكره البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الرفاء البغدادي بخسرو جرد، أنبأ أبو عمرو عثمان بن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي أويس وعيسى بن مينا قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم، يعني: من أهل المدينة يقولون: يبدأ باليمين في القسامة الذين يجيئون من الشهادة على اللطخ والشبهة الخفية ما لا يجيء خصماؤهم وحيث كان ذلك كانت القسامة لهم. قال أبو الزناد: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أن رجلا من الأنصار قتل وهو سكران رجلا ضربه بشوبق ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبهة ذلك وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالقسامة ويرونها للذي يأتي به من اللطخ والشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ثم قال البيهقي: (ورواه ابن وهب عن ابن أبي الزناد وزاد فيه: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكرنا له حقا أن يحلفنا على القاتل ثم يسلم إلينا. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن هشام بن عروة أخبره أن رجلا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينهم وبين رجل من آل صهيب منازعة فذكر الحديث في قتله قال: فركب يحيى بن عبد الرحمن
(2/234)

ابن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب فثنى عليهم الأيمان، فطلب آل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما، فأبى عبد الملك إلا أن يحلفوا على واحد ليقتلوه، فحلفوا على الصهيبي فقتلوه. قال هشام: فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق. وروينا فيه عن الزهري وربيعة ويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير أنهما أقادا بالقسامة) (1) اهـ كلام البيهقي.
وما ذكره عن أبي الزناد من القتل بالقسامة بمحضر عدد كبير من الصحابة - رضي الله عنهم - ذكره القاضي عياض بلفظ: (وقتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان) وقد علق الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: (قلت: إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف) (2) .
وأما ما ذكره البيهقي عن معاوية أنه أقاد بالقسامة، فقد نقل الحفاظ عن ابن بطال أنه قال: وصح عن معاوية بن أبي سفيان أنه أقاد بالقسامة، ذكر ذلك عن أبي الزناد في احتجاجه على أهل العراق، ثم قال الحافظ بن حجر العسقلاني: (قلت: هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، ومن طريقه أخرجه البيهقي قال: - أي: أبو الزناد - حدثني خارجة بن زيد بن ثابت
__________
(1) [السنن الكبرى] (8\ 137) .
(2) [فتح الباري] (12\ 197) .
(2/235)

قال: قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ - فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه، فركبت إلى معاوية في ذلك، فكتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقا، فافعل ما ذكروه، فدفعت الكتاب إليه فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا) (1) .
وقد جمع الحافظ بين ما رواه حماد بن سلمة في [مصنفه] ومن طريق ابن المنذر قال: عن ابن أبي مليكة: سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة، فأخبرته: أن عبد الله بن الزبير أقاد بها، وأن معاوية - يعني: ابن أبي سفيان - لم يقد بها، وهذا سند صحيح، وجاء في باب القسامة من [صحيح البخاري] بلفظ: (وقال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية) جمع الحافظ بين هذا وبين ما تقدم عن معاوية أنه أقاد بها، بقوله: (قلت: يمكن الجمع بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك) قال: (ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك أو بالعكس) (2) .
وأما ما ذكره البيهقي عن ابن الزبير أنه أقاد بالقسامة، فقد قال ابن حزم: (صح عنه من أجل إسناد أنه أقاد بالقسامة وأنه رأى القود بها في قتيل وجد، وأنه رأى الحكم للمدعين بالأيمان، وأنه رأى أن يقاد بها من الجماعة للواحد، وروى ذلك عنه أوثق الناس سعيد بن المسيب، وقد شاهد تلك
__________
(1) [فتح الباري] (12\ 193) .
(2) المرجع السابق (12\ 193) .
(2/236)

القصة كلها عبد الله بن أبي مليكة قاضي ابن الزبير) (1) .
أما ما ذكره البيهقي عن عمر بن عبد العزيز أنه أقاد بالقسامة، فقد قال ابن حزم: (صح عنه - أي: عن عمر بن عبد العزيز - أنه أقاد بالقسامة صحة لا مغمز فيها (2) .
وقد مضت مناقشة ما نقل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز عند الكلام عن حكم القسامة.
وقال النووي نقلا عن القاضي عياض: وقال الكوفيون والشافعي - رضي الله عنه - في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية، وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وعثمان الليثي (3) والحسن بن صالح، وروي أيضا عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية - رضي الله عنهم - (4) .
واحتجوا لذلك بالسنة والأثر:
أما السنة: ما رواه مالك في [الموطأ] عن ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره رجال من كبراء قومه: «أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر: أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه،
__________
(1) [المحلى] (11\ 70) .
(2) [المحلى] (11\ 111) .
(3) كذا في الأصول.
(4) [شرح النووي على مسلم] (11\ 144) ، ويرجع أيضا إلى [المغني] (8\ 416) .
(2/237)

وعبد الرحمن، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كبر كبر يريد: السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب فكتب إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا، قال: أفتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا مسلمين. فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار (1) » ، قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء) (2) .
قال القرطبي: (قالوا: - أي: الذين لا يرون سوى الدية في القسامة - هذا يدل على الدية لا على القود) (3) .
ومنها: ما رواه البخاري في (باب القسامة) قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثني أبو رجاء من آل أبي قلابة: حدثني أبو قلابة، أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق وقد أقاد بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي كتاب القسامة (4710) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) [الموطأ بشرح الزرقاني] (4\ 52) من رواية يحيى الليثي.
(3) [الجامع لأحكام القرآن] (1\ 159) .
(2/238)

على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، قلت: فوالله ما قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا قط إلا في ثلاث، فقال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. إلى آخر الحديث (1) .
ووجه الاستدلال من هذا الحديث الطويل: ما جاء في رواية أبي قلابة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم.
__________
(1) [صحيح البخاري] (12\200-204) .
(2/239)

وأما قصة الهذليين فليس فيها تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية؟ كذا في [فتح الباري] (12\ 204) ثم وجدنا في [مصنف عبد الرزاق] (10\ 48) ما يدل على أن عمر حكم بالدية في هذه القضية، فقد روى عبد الرزاق في (باب الخلع) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: (خلع قوم هذليون سارقا منهم كان يسرق الحاج، قالوا: قد خلعناه فمن وجده يسرق فدمه هدر، فوجدته رفقة من أهل اليمن يسرقهم، فقتلوه، فجاء قومه عمر بن الخطاب فحلفوا بالله: ما خلعناه، ولقد كذب الناس علينا، فأحلفهم عمر خمسين يمينا، ثم أخذ عمر بيد رجل من الرفقة فقال: أقرنوا هذا إلى أحدكم حتى تؤتوا بدية صاحبكم، ففعلوا، فانطلقوا حتى دنوا من أرضهم. . . أصابهم مطر شديد فاستنزوا بجبل طويل وقد أمرسوا، فلما نزلوا كلهم انقض الجبل عليهم فلم ينج منهم أحد ولا من ركابهم إلا التريك وصاحبه، فكان يحدث بما لقي قومه) اهـ.
(2/239)

ومما أجيب به عن قوله - صلى الله عليه وسلم - للحارثيين: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب (1) » .
وما ذكره الباجي قال: يحتمل أن يريد بقوله: أن تدوا صاحبكم إعطاء الدية؛ لأنه قد جرى في كلام الحارثيين أنهم طلبوا الدية دون القصاص، ويحتمل أنهم لم يكونوا ادعوا حينئذ قتله عمدا، ويحتمل أنهم لما لم يعينوا القاتل، وإنما قالوا: إن بعض يهود قتله، ولا يعرف من هو - لم يلزم في ذلك قصاص، وإنما يلزم فيه الدية، كالقتيل بين الصفين لا يعرف من قتله، ولا يقول: دمي عند فلان، ولا يشهد شاهد بمن قتله، فإن ديته على الفرقة المنازعة له دون قسامة؛ ولذلك لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بالقسامة في هذا المقام، ولعل هذا كان يكون الحكم إن لم يقطع يهود بأنها لم تقتل ولم تنف ذلك عن أنفسها وتقول: لا علم لنا، وإنما أظهر في المقام ما يجب من الحق إن لم يقع النفي للقتل الموجب للقسامة أن عليهم أن يؤدوا الدية، فإن امتنعوا من الواجب عليهم في ذلك فلا بد من محاربتهم في ذلك حتى يؤدوا الحق ويلتزموا من ذلك حكم الإسلام (2) . اهـ.
ومنهم من طعن في هذا الحديث لما جاء فيه: وإما أن تؤذنوا بحرب قال الخطابي: وقد أنكر بعض الناس قوله: وإما أن تؤذنوا بحرب وقال: إن الأمة على خلاف هذا القول، فدل على أن خبر القسامة غير معمول به.
وقد أجاب الخطابي عن هذا بقوله بعد ما ذكرت (قلت: ووجه الكلام بين، وتأويله صحيح، وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، موطأ مالك القسامة (1630) .
(2) [المنتقى شرح الموطأ] (8\ 53) .
(2/240)

فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنون بها إذا منعوا الجزية) .
وأما استدلال أبي قلابة بترك القود بالقسامة، لقوله: «فوالله ما قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا قط إلا في ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، ورجل حارب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وارتد عن الإسلام (1) » . فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: (لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاث لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفس وهو أحد الثلاثة، وإنما النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك) (2) .
وأما قول أبي قلابة: «وقد كان في هذا سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان تحدث معنا فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من تظنون أو ترون قتله؟ قالوا: نرى أن اليهود قتلته، فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا قالوا: لا، قال: أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: فتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده - قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهلية فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6899) .
(2) [فتح الباري] (12\ 204) .
(2/241)

فانتبه له رجل منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم (1) » إلخ.
فقد أجاب البيهقي عن ذلك بقوله: (وحديث - أي: أبي قلابة - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القتيل مرسل، وكذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قصة الهذلي (2) .
ومما استدلوا به من السنة: ما رواه أبو داود في المراسيل، عن هارون بن زيد عن أبي الزرقاء عن أبيه عن محمد بن راشد بن مكحول: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقض في القسامة بقود» . ومن هذا الطريق أخرجه البيهقي في باب ترك القود بالقسامة، قال: أخبرنا محمد بن محمد، أنبأنا الفسوي، ثنا اللؤلؤي، ثنا أبو داود فذكره (3) .
والجواب عن هذا الحديث: أنه منقطع، قال ابن القيم: وأما حديث محمد بن راشد المكحول عن مكحول: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقض في القسامة بقود» - فمنقطع (4) .
وما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في [مسانيدهم] والبيهقي في [سننه] من طريق أبي إسرائيل الملائي، واسمه: إسماعيل بن إسحاق عن عطية عن أبي سعيد الخدري: «أن قتيلا وجد بين حيين، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاس إلى أقربهما فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر (5) » ، قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقى ديته عليهم، ورواه
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6899) .
(2) [السنن الكبرى] (8\ 129) .
(3) المرجع السابق (8\ 129) .
(4) [تهذيب سنن أبي داود] (6\ 352) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (3/89) .
(2/242)

ابن عدي والعقيلي في كتابيهما بلفظ: فألقى ديته على أقربهما (1) .
والجواب قد أعله ابن عدي والعقيلي في كتابيهما بأبي إسرائيل، فضعفه ابن عدي عن قوم ووثقه عن آخرين، وقال فيه البزار: أبو إسرائيل قال النسائي فيه: ليس بثقة، كان يسب عثمان - رضي الله عنه - قال: وثقه ابن معين (2) .
وقال ابن حجر: قال العقيلي: لا أصل له (3) .
وقال ابن حزم: هالك؛ لأنه انفرد به عطية بن سعيد العوفي، وهو ضعفه هشيم وسفيان الثوري ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وما ندري أحدا وثقه، وذكر عن أحمد بن حنبل: أنه كان يأتي الكلبي الكذاب فيأخذ عنه الأحاديث ثم يكنيه بأبي سعيد، ويحدث بها عن أبي سعيد فيوهم الناس أنه الخدري، وهذا من تلك الأحاديث. والله أعلم، فهو ساقط، ثم أيضا من رواية أبي إسرائيل الملائي هو إسماعيل بن إسحاق فهو بلية عن بلية، والملائي هذا ضعيف جدا، وليس في الذرع بين القريتين خبر غير هذا لا مسندا ولا مرسلا (4) .
وقال البيهقي تحت عنوان (باب ما روي في القتيل يوجد بين القريتين ولا يصح) : أخبرنا أبو بكر بن فورك، أنبأنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا أبو إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد: «أن قتيلا
__________
(1) [نصب الراية] (4\ 396) .
(2) المرجع السابق (4\ 396، 397) .
(3) [التلخيص الحبير] (4\ 39) .
(4) [المحلى] (11\ 86) .
(2/243)

وجد بين حيين فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر (1) » ، قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقى ديته عليهم. وأخبرنا أبو سعد الماليني، أنبأ أبو أحمد بن عدي، أنبأ الفضل ابن الحباب، ثنا أبو الوليد الطيالسي عن أبي إسرائيل الملائي بنحوه.
تقول به أبو إسرائيل عن عطية العوفي.
وكلاهما لا يحتج بروايتهما. اهـ نص كلامه في [السنن الكبرى] (2) . وقال في [المعرفة] : (إنما روى هذا الحديث أبو إسرائيل الملائي عن عطية العوفي، وكلاهما ضعيف) اهـ (3) .
وقال ابن القيم: (وأما حديث أبي سعيد الخدري: «أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاس إلى أيهما أقرب فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر فألقى ديته عليهم (4) » - فرواه أحمد في [مسنده] وهو من رواية أبي إسرائيل الملائي عن عطية العوفي فيه ضعف) . اهـ. .
ولو لم يكن في إسناد هذا الحديث سوى البلية أبي إسرائيل لكفى ذلك في تضعيفه، فقد قال ابن عدي: حدثنا الآجري، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عفان قال: قال لي بهز: قال لي أبو إسرائيل الملائي: عثمان كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، روى ذلك الحافظ الذهبي
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/89) .
(2) [السنن الكبرى] (8\ 126) .
(3) [نصب الراية] (4\ 397) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (3/89) .
(2/244)

عن ابن عدي بسنده إليه (1) .
هذا وعند ابن عدي هذا الحديث أيضا من رواية الصبي بن أشعث بن سالم السلولي، سمعت عطية العوفي عن الخدري به، ولكن الصبي هنا لينه ابن عدي، وقال: إن في بعض حديثه ما لا يتابع عليه، قال: ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، ورواه عن عطية أبو إسرائيل. اهـ (2) .
وقال ابن القيم: لا تجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به، وهو ابن صبيح الذي لم يسفر صباح صدقه (3) .
وأما الآثار:
فمنها ما ذكره ابن حزم قال:
قال ابن أبي شيبة: نا عبد السلام بن حرب عن عمرو هو ابن عبيد عن الحسن البصري، أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة.
وما ذكره البيهقي قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، أنبأنا أبو نصر العراقي، أنبأنا سفيان بن محمد الجوهري، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط
__________
(1) [ميزان الاعتدال] (4\ 390) .
(2) [نصب الراية] (4\ 397) .
(3) [تهذيب السنن] (6\ 324) .
(2/245)

الدم (1) .
وما ذكره ابن حزم: قال أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: (انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب فوجداه قد صدر عن البيت عامدا إلى منى فطاف بالبيت، ثم أدركاه فقصا عليه قصتهما، فقالا: يا أمير المؤمنين، إن ابن عم لنا قتل، نحن إليه شرع سواء في الدم، وهو ساكت لا يرجع إليهما شيئا حتى ناشداه الله، فحمل عليهما، ثم ذكراه الله فكف عنهما، قال عمر بن الخطاب: ويل لنا إذا لم نذكر بالله، وويل لنا إذا لم نذكر الله. فيكم شاهدان ذوا عدل يجيئان به على من قتله فنقيدكم منه. وإلا حلف من بيدكم بالله: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، فإن نكلوا حلف منكم خمسون ثم كانت لكم الدية. إن القسامة قد تستحق بها الدية ولا يقاد بها (2) .
وما ذكره ابن حجر قال: أخرج الثوري في [جامعه] وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر: قيسوا ما بينهما، وأيهما وجدتموه إليه أقرب، فحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي: أن عمر كتب في قتيل بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر، فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية فقال: حقنت
__________
(1) [السنن الكبرى] (8\ 129) .
(2) نقله ابن حزم عن ابن أبي شيبة في [المحلى] (11\ 65) .
(2/246)

أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم (1) .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن عمرو وغيره عن الحسن قال: يستحقون بالقسامة الدية، ولا يستحقون بها الدم (2) .
ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر قال: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر. قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فلم تجترئون عليها؟ فسكت (3) .
والجواب عنه:
أولا: أنه معارض بما أخرجه أبو عوانة في [صحيحه] وأصله عند الشيخين من طريق حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف عن أبي رجاء: أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم: هي حق قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقضى بها الخلفاء.
وثانيا: أن من قال: إنه قضى بها مثبت، ومن قال: لم يقض بها ناف، والمثبت معه زيادة علم فيقدم على النافي.
وثالثا: كونه لا يعلم، لا يلزم منه عدم الوقوع، فعدم علمه ليس بدليل.
ورابعا: هو معلول بالإرسال، قال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه مرسل، إنما هو عن عبيد الله بن عمر بن حفص.
وما أخرجه الدارقطني، ومن طريقه البيهقي، قال الدارقطني: نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا هشام بن يونس، نا محمد بن يعلى، عن
__________
(1) [فتح الباري] (12\ 198، 199) .
(2) [المصنف] (10\ 41) .
(3) [فتح الباري] (12\ 199) .
(2/247)

عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حيان، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب: أنه قال: لما حج عمر حجته الأخيرة التي لم يحج غيرها، غودر رجل من المسلمين قتيلا في بني وادعة، فبعث إليهم عمر، وذلك بعدما قضى النسك، فقال لهم: هل علمتم لهذا القتيل قاتلا منكم؟ قال القوم: لا، فاستخرج منهم خمسين شيخا، فأدخلهم الحطيم، فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام، ورب هذا البلد الحرام، ورب هذا الشهر الحرام أنكم لم تقتلوه، ولا علمتم له قاتلا، فحلفوا بذلك، فلما حلفوا قال: أدوا دية مغلظة في أسنان الإبل أو من الدنانير والدراهم دية وثلثا، فقال رجل منهم، يقال له: سنان: يا أمير المؤمنين، أما تجزيني من مالي؟ قال: لا، إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فأخذ ديته دنانير دية وثلث دية (1) .
والجواب عن هذا الحديث: بأن فيه عمر بن صبيح، وهو متروك، قال ذلك الدارقطني والبيهقي وابن القيم، فقال الدارقطني: في سنده عمر بن صبيح، متروك (2) .
وقال البيهقي: رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: قوله: (إنما قضيت فيكم بقضاء نبيكم) منكر، وهو مع انقطاعه من رواية من أجمعوا على تركه (3) . ونقل الزيلعي عن البيهقي أنه قال في كتاب [المعرفة] : أجمع أهل الحديث على ترك الاحتجاج بعمر بن صبيح، وقد خالفت روايته هذه
__________
(1) [سنن الدارقطني] (2\ 355) .
(2) المرجع السابق (2\ 355) .
(3) [السنن الكبرى] (8\ 125) .
(2/248)

رواية الثقات الأثبات (1) .
وذكر ابن حزم: أن ذلك صحيح عن الحسن ونصه: وأما الحسن فصح عنه أنه قال: لا يقاد بالقسامة، لكن يحلف المدعى عليهم بالله: ما فعلنا، ويبرءون، فإن نكلوا حلف المدعون وأخذوا الدية، هذا في القتيل يوجد، كما ذكر ابن حزم أنه صح عن قتادة: أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها. اهـ (2) .
والجواب عن هذه الآثار ما يأتي:
أما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري: أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة فهو مرسل. قال: إنه لا يصح، لأنه عن الحسن وفي طريق الحسن عبد السلام بن حرب (3) .
وأما ما رواه الثوري عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم - فقد قال البيهقي فيه: (هذا منقطع) (4) ، وقال ابن القيم: أما ما رواه الثوري في [جامعه] عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم - فمنقطع موقوف (5) . اهـ كلام
__________
(1) [نصب الراية] (4\ 395) .
(2) [المحلى] (11\ 70، 71) .
(3) المرجع السابق (11\ 69) .
(4) [السنن الكبرى] (8\ 129) .
(5) [تهذيب السنن] (6\ 324) .
(2/249)

ابن القيم.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن حزم قال ابن أبي شيبة: نا وكيع، نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب، فذكر الحديث المتقدم، وفيه: (أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها) .
ثم ذكر ابن حزم: في رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عمر بن الخطاب منقطعة قال: لم يولد والد القاسم إلا بعد موت عمر) (1) .
وأما الأثر الذي أخرجه الثوري في [جامعه] وابن أبي شيبة عن منصور بسند صحيح إلى الشعبي: أنه وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال: عمر: قيسوا ما بينهما، الحديث، وأخرجه الشافعي، وفي روايته: تسمية الحيين: خيوان ووادعة - فقد قال فيه ابن حزم: (إنه مرسل؛ لأنه عن عمر من طريق الشعبي ولم يولد إلا بعد موت عمر بأزيد من عشرة أعوام أو نحوها) (2) .
وقال البيهقي في الجواب عنه من ناحية ما فيه من مخالفة النصوص الدالة على البدء بولاة الدم في الأيمان - قال: أما الأثر الذي أخبرنا أبو حازم الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن خميرويه، أنبأ أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عامر - يعني: الشعبي - أن قتيلا وجد
__________
(1) [المحلى] (11\ 69) .
(2) المرجع السابق (11\ 69) .
(2/250)

في خربة وادعة همدان فرفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأحلفهم خمسين يمينا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، ثم غرمهم الدية ثم قال: يا معشر همدان، حقنتم دماءكم بأيمانكم فما يطل دم هذا الرجل المسلم. وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، ثنا سفيان عن منصور عن الشعبي: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة: أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا، قال عمر - رضي الله عنه -، كذلك الأمر. قال الشافعي: وقال غير سفيان عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: حقنتم بأيمانكم دماءكم ولا يطل دم مسلم. فقد ذكر الشافعي - رحمه الله - في الجواب عنه ما يخالفون عمر - رضي الله عنه - في هذه القصة من الأحكام ثم قيل له: أفثابت هو عندك؟ قال: لا، إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث مجهول، ونحن نروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإسناد الثابت أنه بدأ بالمدعين، فلما لم يحلفوا قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا وإذا قال: تبرئكم فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصاريون أيمانهم وداه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجعل على يهود والقتيل بين أظهرهم شيئا، قال الربيع: أخبرني بعض أهل العلم عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: حارث الأعور كان كذابا، وروي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر - رضي الله عنه - ومجالد غير محتج به. وروى عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع عن عمر، وأبو
(2/251)

إسحاق لم يسمع من الحارث بن الأزمع، قال علي بن المديني عن أبي زيد عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: أن قتيلا وجد بين وادعة وخيوان فقلت: يا أبا إسحاق، من حدثك؟ قال: حدثني مجالد عن الشعبي عن الحارث بن الأزمع، فعادت رواية أبي إسحاق إلى حديث مجالد، واختلف فيه على مجالد في إسناده، ومجالد غير محتج به والله أعلم. هذا كلام البيهقي في [السنن الكبرى] (1) .
وأخرج في [المعرفة] عن ابن عبد الحكم أنه قال: سمعت الشافعي يقول: سافرت إلى خيوان ووادعة أربع عشرة سفرة وأنا أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل وأنا أحكي لهم ما روي فيه، فقالوا: هذا شيء ما كان ببلدتنا قط (2) . اهـ.
وفي هذا دليل على عناية الشافعي - رحمه الله - بحالة هذا الأثر.
وقد ناقش ابن التركماني ما ذكره البيهقي في [السنن الكبرى] عن الشافعي من ناحية كون الأثر من رواية الحارث الأعور، وادعوا جهالته فقال: قلت: لم يذكر أحد فيما علمنا: أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي، ولم يذكر سنده في ذلك، وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي عن الحارث الوادعي، هو ابن الأزمع، وسيأتي: أن مجالدا رواه عنه الشعبي كذلك. ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث هذا عن عمر أمارة على أنه الواسطة، لا الحارث الأعور، كما زعم الشافعي، ورواه أيضا عبد الرزاق (3)
__________
(1) [السنن الكبرى] (8\ 124) .
(2) [نصب الراية] (4\ 355) .
(3) [المصنف] (10\ 35) .
(2/252)

عن الثوري عن منصور عن الحكم عن الحارث بن الأزمع، والحارث هذا ذكره أبو عمر وغيره في الصحابة وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم إن الحارث الأعور وإن تكلموا فيه فليس بمجهول كما زعم الشافعي، بل هو معروف روى عنه الطحاوي والشعبي والسبيعي وغيرهم (1) . اهـ.
__________
(1) [الجوهر النقي] بذيل [السنن الكبرى] (8\ 120) .
(2/253)

التاسع: خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فمنهم من ذهب إلى أنه لا يقتل إلا واحد، ومنهم من ذهب إلى أنه يستحق بها قتل جماعة، ومنهم من ذهب إلى العدول إلى الدية.
أما المذهب الأول: فقال مالك - رحمه الله -: لا يقتل في القسامة إلا واحد، لا يقتل فيها اثنان، وقال الباجي - رحمه الله - على ذلك: لا خلاف في المذهب: أنه لا يستحق بالقسامة إلا قتل رجل واحد، خلافا للشافعي في أحد قوليه.
والدليل على ما نقوله: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم (1) » .
ومن جهة المعنى: أن القسامة أضعف من الإقرار والبينة وفي قتل الواحد ردع، قاله القاضي أبو محمد (2) .
وقال ابن قدامة - رحمه الله -: لا يختلف المذهب: أنه لا يستحق بالقسامة
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4718) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، موطأ مالك القسامة (1630) .
(2) [المنتقى] (7\ 54) ويرجع إلى [عارضة الأحوذي] (7 \ 193) .
(2/253)

أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي - قال بعد ذكر مذهب آخر سيأتي.
ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (1) » فخص بها الواحد، ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه ويبقى الأصل فيما عداه، وبيان مخالفة الأصل بها أنها ثبتت باللوث، واللوث شبهة فغلبه على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها؛ ولأن الأيمان في سائر الدعاوى تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه، وهذا بخلافه، وبيان ضعفها: أنها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره فلأن يمنع منه قبول قوله وحده في إثبات حقه أولى وأحرى (2) .
أما المذهب الثاني: فقال ابن قدامة - رحمه الله -، وقال بعضهم - أي: بعض أصحاب الشافعي -: يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وهذا نحو قول أبي ثور.
وقد ناقش ابن قدامة ذلك فقال: وفارق البينة فإنها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين وفي كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقا ولا نفعا ولا يدفعوا عنها ضرا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه؛ ولهذا لا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنفي الشبهات (3) .
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن الترمذي الديات (1422) ، سنن النسائي القسامة (4711) ، سنن أبو داود الديات (4520) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، موطأ مالك القسامة (1630) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(2) [المغني] (8\ 506) .
(3) المرجع السابق (8\ 508) .
(2/254)

وأما المذهب الثالث: فقال النووي: قال الشافعي: إذا ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول: إنه يجب القصاص (1) .
وقد مضى أن الشافعي - رحمه الله - لم يوجب الدم في القسامة، ومضت أدلة ذلك ومناقشتها. هذا ما تيسر ذكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) [شرح النووي على صحيح مسلم] (11\ 149) .
(2/255)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (41) وتاريخ 13\4\1396هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وآله وصحبه، وبعد.
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام 1396 هـ - اطلع المجلس على ما سبق أن أجله من الدورة السابعة إلى الدورة الثامنة من بحث القسامة، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين عقلاء؟ .
وبعد استماع المجلس ما سبق أن أعد في ذلك من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها وتداول الرأي - قرر المجلس بالأكثرية: أن الذي يحلف من الورثة هم الذكور البالغون العقلاء ولو واحدا، سواء كانوا عصبة أو لا؛ لما ثبت في [الصحيحين] من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة قتل اليهود لعبد الله بن سهل: «أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ، قالوا: لا - وفي رواية -: يقسم منكم خمسون رجلا (1) » ، ولأنها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين كسائر الأيمان.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثامنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
متوقف
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
متوقف
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان
عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192) ، سنن النسائي كتاب القسامة (4710) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) ، موطأ مالك القسامة (1630) .
(2/256)

(3)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/257)

(3)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/259)

بسم الله الرحمن الرحيم
هدي التمتع والقران (1)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام 1396 هـ موضوع (هدي التمتع والقران، ووقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
هدي التمتع والقران
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الرابع، ص 183- 231، سنة 1398 هـ.
(2/261)

الطائف في شعبان عام 1395 هـ من الموافقة على إعداد بحث (هدي التمتع والقران) - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على الأمور الآتية:
أولا: ابتداء وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة.
ثانيا: نهاية وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة.
ثالثا: الذبح ليلا مع الأدلة والمناقشة.
رابعا: مكان الذبح مع الأدلة والمناقشة.
خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته مع الأدلة.
سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
(2/262)

أولا: ابتداء وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة
اختلف أهل العلم في تحديد ابتداء وقت ذبح هدي التمتع والقران هل يجوز ذبحه قبل يوم النحر أو أنه لا يجوز إلا ابتداء من يوم النحر؟
القول الأول: يبتدئ وقت ذبحه يوم النحر بعد طلوع الشمس وصلاة العيد أو مضي قدرها عند الحنابلة، وبعد رمي جمرة العقبة عند مالك، ويوم النحر عند الحنفية.
قال النسفي والزيلعي: وخص ذبح هدي المتعة والقران بيوم النحر فقط، وفي [بداية المبتدئ] : (ولا يجوز ذبح هدي المتعة والقران إلا في يوم النحر) وجاء معنى ذلك في كثير من كتب الحنفية، تركنا ذكرها اختصارا.
(2/262)

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: أما مذهب مالك فالتحقيق فيه أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبا تاما إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة.
وقال ابن العربي: ولو ذبحه قبل يوم النحر لم يجزه.
وقال الباجي: ولا يجوز أن ينحره قبل يوم النحر.
وقال المزني: فإن كان معتمرا نحر بعد ما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة وحيث نحر من فجاج مكة أجزأه، وإن كان حاجا نحره بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يحلق. انتهى المقصود.
وقال الرملي: (ووقته -أي: وقت ذبح الهدي- كوقت ذبح الأضحية على الصحيح. وصححه أيضا النووي والرافعي ... وقال الفتوحي: ووقت ذبح أضحية وهدي نذر وتطوع ومتعة وقران من بعد أسبق صلاة العيد بالبلد أو قدرها لمن لم يصل. انتهى كلامه.
ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب: أنه يجب إذا طلع الفجر يوم النحر؛ لأنه وقت إخراجه فكان وقت وجوبه.
واستدل للقول بأنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى:
أما الكتاب فمنه دليلان:
الأول: قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1)
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/263)

وجه الدلالة: ما ذكره الباجي رحمه الله بقوله: لو جاز قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، ولا سيما على القول بدليل الخطاب، ولا خلاف بينهم في القول به إذا علق بالغاية، وهو قول القاضي أبي بكر وأكثر شيوخنا.
ومما يدل على هذا حديث حفصة وهو قولها: «يا رسول الله، ما بال الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟! فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (1) » .
وهذا يفيد أنه تعذر النحر عليه فوجب لامتناعه من الحلاقة ولو كان النحر مباحا لعلل امتناع الإحلال بغير تأخير النحر ولما صح اعتلاله به.
ويمكن أن يناقش الاستدلال بالآية: بأنها في الإحصار، فإن قبلها قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) والكلام في هدي التمتع والقران لا الإحصار.
الثاني: قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (3)
وجه الدلالة: أن الآية مطلقة من جهة تحديد وقت ذبح الهدي، وقد جاء ما يدل على تحديده وهو قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (4) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (5) الآية.
وجه الدلالة: ما ذكره الجصاص وغيره من أن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر، ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هدي
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1566) ، صحيح مسلم الحج (1229) ، سنن النسائي مناسك الحج (2781) ، سنن أبو داود المناسك (1806) ، سنن ابن ماجه المناسك (3046) ، موطأ مالك الحج (897) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(3) سورة البقرة الآية 196
(4) سورة الحج الآية 28
(5) سورة الحج الآية 29
(2/264)

البدن دل أنها بدن القران والتمتع؛ لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال، وأن له أن ينحرها متى شاء فثبت بذلك أن هدي المتعة غير مجز قبل يوم النحر.
وقد نوقش هذا الاستدلال: بقول الجصاص رحمه الله: (إذا كان الصيام بدلا من الهدي، والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر فكيف جاز الصوم؟) .
وأجاب عن ذلك بقوله: لا خلاف في جواز الصيام قبل يوم النحر، وقد ثبت بالسنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر، وأحدها: ثابت بالاتفاق، وبدليل قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (1) والآخر: ثابت بالسنة فالاعتراض عليهما بالنظر ساقط.
وأيضا: فإن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان: أحدهما: إتمام العمرة والحج في أشهر الحج، والثاني: ألا يجد حتى يحل فإذا وجد المعنيان صح الصوم عن المتعة وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون الصوم متعة وصار تطوعا، وأما الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة، فلذلك اختص بيوم النحر.
واعترض على ذلك بما قاله الجصاص من أن الله تعالى قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (2) فلا يجوز تقديمه على الحج.
وأجاب عن ذلك بقوله: لا يخلو قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (3) من أحد معان: إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة الحج وما سماه
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) سورة البقرة الآية 196
(3) سورة البقرة الآية 196
(2/265)

النبي صلى الله عليه وسلم حجا وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه قال: «الحج عرفة (1) » أو في أشهر الحج؛ لأن الله قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (2)
وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به؛ لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال، ويستحيل صوم الثلاثة الأيام منه، ومع ذلك فلا خلاف في جوازه قبل يوم عرفة، فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج أو في أشهر الحج، وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان؛ لمطابقته اللفظ في الآية. وأيضا قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (3) معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه، فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه للعمرة وجب أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية، كما أن قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (4) دال على جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (5) » لم يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب، فكذلك قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (6) غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي جاز فعله في الحج.
ثم نقده رحمه الله بقوله: لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه ولما كان الصوم بدلا عن الهدي لم يجز تقديمه عليه.
وأجاب عن ذلك بقوله: هذا اعتراض على الآية؛ لأن نص التنزيل قد
__________
(1) سنن الترمذي الحج (889) ، سنن النسائي مناسك الحج (3016) ، سنن أبو داود المناسك (1949) ، سنن ابن ماجه المناسك (3015) ، مسند أحمد بن حنبل (4/335) ، سنن الدارمي المناسك (1887) .
(2) سورة البقرة الآية 197
(3) سورة البقرة الآية 196
(4) سورة النساء الآية 92
(5) سنن الترمذي الزكاة (632) .
(6) سورة البقرة الآية 196
(2/266)

أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر.
وأيضا: فإننا لم نجد ذلك فيما تقدم البدل كله على وقت المبدل عنه، وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليها؛ لأنه تعالى قال: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (1) فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما يحل به يوم النحر إذا لم يجد الهدي، وهدي العمرة يصح إيجابه بعد العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب المنع من الإحلال إلى أن يذبحه. انتهى كلامه.
ونوقش الاستدلال بالآية على أن (ثم) للتراخي فربما يكون الذبح قبل يوم النحر وقضاء التفث فيه) .
وأجيب عنه: بأن موجب ثم بالتراخي يتحقق بالتأخير ساعة فلو جاز الذبح قبل يوم النحر جاز قضاء التفث بعده بساعة وليس كذلك.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة نكتفي منها بما يأتي:
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا، فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (2) » الحديث.
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) صحيح البخاري الحج (1692) ، صحيح مسلم الحج (1227) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2732) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1805) .
(2/267)

ولهما عن جابر رضي الله عنه قال: «أهللنا بالحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فقال: "يا أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم" قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج (1) » .
ولهما عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال: "بم أهللت؟ " قال: قلت: أهللت بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "سقت من هدي؟ "، قلت: لا، قال: "فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل" فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي (2) » .
وروى البخاري «عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعمرتنا، وعلينا الهدي، كما قال تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (3) » .
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1216) ، مسند أحمد بن حنبل (3/302) .
(2) صحيح البخاري الحج (1724) ، صحيح مسلم الحج (1221) ، سنن الدارمي المناسك (1815) .
(3) سورة البقرة الآية 196
(2/268)

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج (1) » .
وروى البزار في [مسنده] عن أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا، فهابوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلوا، فلولا أن معي الهدي لأحللت، فحلوا حتى خلوا إلى النساء (2) » .
وروى أبو داود عن أنس قال: «بات رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: بذي الحليفة - حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، فحمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما، فلما قدم أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج نحر سبع بدنات بيده قياما (3) » . وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن قرط: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الأيام عند الله عز وجل يوم النحر ثم يوم القر (4) » قال ثور: وهو اليوم الثاني، قال: وقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات (خمس أو ست) فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، قال. فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفيفة لم أسمعها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع.
وروى مسلم في [صحيحه] عن جابر بن عبد الله رضي عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن نسائه في حجه بقرة (5) » .
وفي رواية: قال: «نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر (6) » .
وروى البخاري ومسلم في [الصحيحين] عن عمرة بنت عبد الرحمن
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1247) ، مسند أحمد بن حنبل (3/5) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (3/142) .
(3) صحيح البخاري الحج (1551) ، سنن النسائي مناسك الحج (2931) ، سنن أبو داود المناسك (1796) ، مسند أحمد بن حنبل (3/268) .
(4) سنن أبو داود المناسك (1765) ، مسند أحمد بن حنبل (4/350) .
(5) سنن أبو داود الأطعمة (3747) ، مسند أحمد بن حنبل (3/301) .
(6) صحيح مسلم الحج (1319) .
(2/269)

قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل (1) » . قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتك بالحديث على وجهه. ولهما «عن عائشة رضي الله عنها قالت: فلما دخلنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي (2) » قالت: «وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر (3) » .
وروى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "اذبح ولا حرج" ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج " فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "ولا حرج (4) » .
وروى مسلم في [صحيحه] عن جابر رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (5) » .
وروى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بالحج، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم (6) » .
وله أيضا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «خرجنا محرمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1709) .
(2) صحيح البخاري الحج (1560) ، سنن أبو داود المناسك (1782) ، مسند أحمد بن حنبل (6/219) .
(3) سنن أبو داود المناسك (1782) ، مسند أحمد بن حنبل (6/219) ، سنن الدارمي المناسك (1904) .
(4) صحيح البخاري الأيمان والنذور (6665) ، صحيح مسلم الحج (1306) ، سنن الترمذي الحج (916) ، سنن أبو داود المناسك (2014) ، سنن ابن ماجه المناسك (3051) ، مسند أحمد بن حنبل (2/217) ، موطأ مالك الحج (959) ، سنن الدارمي المناسك (1907) .
(5) صحيح مسلم الحج (1318) ، سنن ابن ماجه الأضاحي (3132) .
(6) صحيح مسلم الحج (1239) ، سنن النسائي مناسك الحج (2871) ، سنن أبو داود المناسك (1804) .
(2/270)

لم يكن معه هدي فليحل فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل (1) » .
وروى مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، أنه قال: «أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: يا رسول الله، حل ماذا؟ قال: "الحل كله " فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية (2) » الحديث.
وله أيضا من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا وبالمروة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يكن معه هدي فليحل. قلنا: يا رسول الله، أي الحل؟ فقال: "الحل كله " قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج (3) » الحديث.
وروى الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: «خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت بين الحج والعمرة (4) » .
وله أيضا، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأصحابه مهلين بالحج، فقال: "من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي " قالوا: يا رسول الله، أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا؟ قال: "نعم ". وسطعت المجامر (5) » .
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1236) ، سنن النسائي مناسك الحج (2992) ، سنن ابن ماجه المناسك (2983) ، مسند أحمد بن حنبل (6/350) .
(2) صحيح مسلم كتاب الحج (1213) ، سنن النسائي مناسك الحج (2763) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1785) .
(3) صحيح مسلم الحج (1213) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1785) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (3/148) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (2/28) .
(2/271)

وله أيضا وابن ماجه، عن البراء بن عازب قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: " اجعلوا حجكم عمرة". قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه القول فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر الأمر فلا أتبع (1) » .
وروى أبو داود عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بعسفان، قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: "إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي (2) » .
فهذه الأحاديث منها: ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى، ومنها: ما يدل عليه بمفهوم أو مع أمره صلى الله عليه وسلم أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى ونحر أصحابه كذلك، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى، فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة.
وأما الإجماع: فقد قال ابن عابدين على قول صاحبي [تنوير الأبصار] وشرحه [الدر المختار] : ويتعين يوم النحر، أي: وقته، هو والأيام الثلاثة لذبح المتعة والقران فقط، فلم يجز قبله قال: (فلم يجزئ) أي: بالإجماع وهو بضم أوله من الإجزاء.
وأما الأثر: فقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: روي عن غير
__________
(1) سنن ابن ماجه المناسك (2982) .
(2) سنن أبو داود المناسك (1801) ، مسند أحمد بن حنبل (3/405) .
(2/272)

واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس.
وأما المعنى: فقد ذكره ابن قدامة بقوله: لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح الهدي للمتمتع كمثل التحلل من العمرة (1) .
القول الثاني: أنه يجوز قبل يوم النحر، وهو منقول عن بعض المالكية، وبه قال الشافعي وبعض أصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض أصحابه.
والذين قالوا بهذا القول: منهم من يرى جواز ذبحه إذا قدم به قبل العشر، وهو رواية عن أحمد، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا حل من العمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج.
وفيما يلي نقول عن القائلين بهذا القول مع مناقشتها ثم نتبع ذلك بأدلتهم ومناقشتها:
أ- نقل الأبي عن القاضي عياض رحمه الله - في الكلام على قول جابر رضي الله عنه (فأمرنا إذا أحللنا) - أنه قال: في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل- من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهو إحدى الروايات عندنا -أي: المالكية - والأخرى: أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا.
والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث، وعلى تقديم الزكاة على الحول.
__________
(1) [المغني] (5\ 359، 360) .
(2/273)

وقد يفرق بين هذه الأصول، والأول ظاهر الأحاديث؛ لقوله: (فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي) .
وقد ناقش محمد بن أحمد بن يوسف الرهوني، ما نقله الأبي عن القاضي عياض، فقال: وأما ما نقله، ويعني: أبا عبد الله الأبي عن عياض فليس فيه أن الرواية بالجواز هي المشهورة أو الراجحة أو مساوية للأخرى على أن قوله: وفي الحديث حجة لمن نحر هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وإن كان في الأبي كذلك (نحر بالنون والحاء والراء) مخالفا لما وجدته لعياض في [الإكمال] فإن الذي وجدته فيه تقليد هدي التمتع (بالتاء والقاف واللام والياء والدال) كذا وجدته في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة لم أجد في الوقت غيرها، ويؤيد ما وجدته في أنه ذكر المسألة في موضوع آخر فلم يذكر فيها جواز ذلك (أي: النحر بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج) عند أحد لا من أهل المذهب ولا من غيره، ونصه: وقوله للمتمتعين: فمن لم يجد هديا فليصم {ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (1) نص في كتاب الله تعالى مما يلزم المتمتع.
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة:
فقال جماعة من السلف: ما استيسر من الهدي شاة، وهو قول مالك، وقال جماعة أخرى منهم: بقرة دون بقرة، وبدنة دون بدنة، وقيل: المراد: بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، وهذا عند مالك للحر والعبد، إذ لا يهدي إلا أن يأذن له سيده، وله الصوم وإن كان واجدا الهدي، ولا يجوز عند مالك وأبي حنيفة نحره قبل يوم النحر، وأجاز ذلك الشافعي بعد إحرامه بالحج. اهـ منه بلفظه.
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/274)

ونقله الأبي نفسه مختصرا (عن القاضي عياض) وسلم ذكره قبل كلامه الذي نقله محمد البناني بنحو كراسين في كلامه (أي: القاضي عياض) يفيد اتفاق الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم على أنه لا يجوز نحره قبل الإحرام بالحج، وكذا بعده مالك وأبو حنيفة، خلافا للشافعي، فكيف يذكر بعد ذلك الروايتين عند مالك في جواز نحره قبل الإحرام بالحج؟!
ويؤيد ذلك أيضا: أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر، ونصه: (ولا يقلد هدي المتعة إلا بعد الإحرام بالحج وكذلك القارن، واختلف: إذا قلد وأشعر قبل إحرام بالحج فقال أشهب وعبد الملك في كتاب ابن حبيب: لا يجزئه، وقال ابن القاسم: يجزئه، فلم يجزئ في القول الأول، لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج وإذا قلد وأشعره قبل ذلك كان تطوعا، والتطوع لا يجزئ عن الواجب، وأجزأ في القول الأخير قياسا على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة إذا قرب الحول، والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك) اهـ منه بلفظه.
ولا يخفى على منصف وقف على كلام اللخمي هذا، وعلى كلام عياض: أن الصواب هو ما وجدته في [الإكمال] لا ما نقله عنه الأبي، ونص [الإكمال] قوله: (فأمرنا حين أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم لوجوب الهدي على المتمتع، كما قال الله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1) ؛ لأن هؤلاء صاروا بإحلالهم في أشهر الحج وانتظارهم الحج متمتعين.
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/275)

وقد تقدم الكلام عليها في أول الكتاب، ويحتج به من يجيز الاشتراك في الهدي الواجب ومن يجيز تقليد هدي التمتع عند التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى لا يجوز إلا بعد الإحرام؛ لأنه حينئذ صار متمتعا ووجب عليه الدم، والقول الأول على أصل تقديم الكفارة قبل الحنث وتقديم الزكاة قبل الحول على من يقول بها، وقد يفرق بين هذه الأصول إذ ظاهر الحديث يدل على ما قلناه. اهـ محل الحاجة منه بلفظه.
ب- قال خليل: (ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله) :
لقد ناقش الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله هذه الجملة عن خليل فقال: واعلم أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله، كما هو ظاهر قول خليل في [مختصره] الذي قال في [ترجمته] مبينا لما به الفتوى (ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله) فقد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي.
والتحقيق: أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة، وبه جزم ابن رشد وابن العربي وصاحب [الطراز] وابن عرفة، قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات- يعني: المتمتع- قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه) ابن رشد، لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره وهو بعد رمي جمرة العقبة فإن مات قبله لم يجب عليه، ابن عرفة، قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد بن القاسم وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر ولم يرم فقد لزمه دم، ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من
(2/276)

مات قبل وقوفه، ولا أعلم في سقوطه خلافا، ولعبد الحق عن ابن الكاتب عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. انتهى من الخطاب.
فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور: أنه لا يجب على من مات إلا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة، وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة.
أما لو مات قبل الوقوف بعرفة فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية، وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره أو قلده قبل إحرام الحج كان هدي تطوع فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. اهـ، وعن ابن القاسم أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع وعليه فالمراد بقول خليل: وأجزأ قبله، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده وإشعاره على إحرام الحج، هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج أو بعده قبل وقت النحر فقد غلط غلطا فاحشا.
قال الشيخ المواق في [شرحه] : قول خليل: وأجزأ قبله. ما نصه: ابن عرفة يجزئ تقليده وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضا قبله على قول ابن القاسم. انتهى.
وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في [مختصره] ، ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله ما نصه: فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف بعرفة أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة
(2/277)

الوجوب هنا. قلت: يظهر في جواز تقليده وإشعاره بعد الإحرام للحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه فلا يجزئ إلا إذا قلد بعد كمال الأركان.
وقال الشيخ الحطاب أيضا: والحاصل: أن دم التمتع والقران يجوز تقليدها قبل وجوبها على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف، فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة، لا سيما على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإحرام بالحج، تظهر ثمرة الوجوب في ذلك ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبا غير متحتم؛ لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب فلا يسقط بالموت، كما نقول في كفارة الظهار: أنها تجب بالعود وجوبا غير متحتم، بمعنى: أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة وطلقها. إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك، والله أعلم، ونصوص المذهب شاهدة لذلك.
قال القاضي عبد الوهاب في [المعونة] : ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، خلافا للشافعي، لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1) .
وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/278)

محله إلا يوم النحر، وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقال في [التلقين] : الواجب بكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر وله مثله في [مختصر عيون المجالس] ، ثم قال الحطاب رحمه الله: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حيث يحرم بالحج، واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج.
ودليلنا: أن الهدي متعلق بالتحلل وهو المفهوم من قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1) اهـ. منه، وكلام العلماء المالكية بنحو هذا كثير معروف.
والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران عند مالك وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وإن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج لا شيء آخر فيما نقل عن عياض وغيره من المالكية مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر، كله غلط، إما من تصحيف الإشعار والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق ولا تغتر بغيره.
قال الشافعي: وإذا ساق المتمتع الهدي أو القارن لمتعته أو قرانه فلو تركه حتى ينحره يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأه من قبل أن على الناس فرضين: فرضا في الأبدان فلا يكون إلا بعد الوقت، وفرضا في الأموال فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض، وهكذا
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/279)

إن ساقه مفردا متطوعا به، والاختيار إذا ساقه معتمرا أن ينحره بعدما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة، وحيث نحره من فجاج مكة أجزأه، والاختيار في الحج أن ينحره بعد أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يحلق.
وقال الشيرازي: ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج، وفي وقت جوازه قولان: أحدهما: لا يجوز قبل أن يحرم بالحج، والثاني: يجوز بعد فسخ الإحرام من العمرة، وقال النووي: ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف، وأما وقت جوازه فقال أصحابنا: لا يجوز قبل الشروع بالعمرة بلا خلاف، ويجوز بعد الإحرام بالحج بلا خلاف، ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران، لكن الأفضل ذبحه يوم النحر.
وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج؟ فيه قولان مشهوران، وحكاهما جماعة وجهين والمشهور قولان وذكرهما المصنف- يريد: الشيرازي في كتابه [المهذب]- بدليليهما أصحهما الجواز.
فعلى هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة؟ فيه طريقان:
أحدهما: لا يجوز قطعا، وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين، ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه.
والثاني: فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز، والثاني: يجوز بوجود بعض السبب حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان.
فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه: أحدها: بعد الإحرام بالعمرة، وأصحها: بعد فراغها، والثالث: بعد الإحرام بالحج.
قال ابن قدامة: أما وقت وجوبه: فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج،
(2/280)

وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة وهو قول مالك واختيار القاضي وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي- قال: ينحره بمكة، وإن قدم قبل العشر نحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق وكذلك قال عطاء: وإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على إحرامه وكان قارنا ... انتهى، وقال أيضا: وقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج. انتهى.
وذكر صاحب [الفروع] رواية عن الإمام أحمد أنه يجب بإحرام العمرة.
وقال صاحب [الفروع] أيضا: أما وقت ذبحه فجزم جماعة منهم [المستوعب] و [الرعاية] : أنه لا يجوز نحره قبل وقت وجوبه، وقاله القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحو (و، هـ، م) فظاهره يجوز إذا وجب.
أدلة هذا القول:
نظرا إلى اختلاف القائلين بهذا القول في تحديد بدء وقت جواز ذبحه فإننا نذكر أدلة كل قول على حدة مع المناقشة:
أ- أما رواية أبي طالب عن الإمام أحمد: أنه إن قدم به قبل عشر ذي الحجة جاز ذبحه، وإن قدم به بعد دخول العشر فإنه لا يذبحه إلا يوم النحر، فهذه الرواية مبنية على مصلحة مرسلة، وذلك أنه جاء في رواية أبي
(2/281)

طالب كما في [المغني] ، أنه قال: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي، قال: ينحره بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق. انتهى المقصود.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور ثلاثة:
أحدها: أن العمل بالمصلحة المرسلة مشروط بعدم مخالفتها نصا، وقد خالفت النص هنا، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر ذبح الهدي إلى يوم النحر قصدا، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (1) » .
الثاني: أنها منتقضة، فإن التعليل بخوف الموت والضياع والسرقة وارد أيضا على الهدي إذا قدم به بعد دخول العشر؛ لأن العشر يحتمل أن يموت فيها الهدي أو يضيع أو يسرق.
الثالث: أن التحديد بالعشر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ب- وأما من قال بجواز ذبحه بعد الإحرام بالعمرة، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول أبي الخطاب من الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم، فاستدل له بالكتاب، وهو قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2)
وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي وغيره: أن هدي التمتع والقران له سببان: هما العمرة والحج في تلك السنة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإتيان بالمسبب كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(2/282)

كفى في وجوب الصوم وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع من وجوب سابقه في الجملة.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، ومن القواعد المقررة في باب الاجتهاد: أنه لا يجوز الاجتهاد مع النص، والنص هو قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (1) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2) وقد سبق الاستدلال بهذه الآية مع مناقشتها في القول الأول فلا نطيل الكلام بالإعادة.
ج- وأما من قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهو قول للشافعية ومن وافقهم من أهل العلم، فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (3) ووجه الاستدلال بها مع المناقشة يقال فيه ما قيل عند الاستدلال بها للقول قبل هذا.
وأما السنة: فما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2) سورة الحج الآية 29
(3) سورة البقرة الآية 196
(2/283)

نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية (1) » وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.
وجه الدلالة: قال النووي: فيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بثلاثة أمور:
أحدها: أن يقال: لا منافاة بين هذا الحديث وبين ما سبق من أدلة السنة للقول الأول وما جاء في معناها؟ فإن جميعها يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المفرد والقارن اللذين لم يسوقا الهدي بالتحلل، وأمر بالهدي وأمر باشتراك السبعة في البدنة، إلا أنه في هذا الحديث نسق أمرهم بالهدي، وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمره إياهم بالفسخ بدون فاصل؛ متبعا ذلك قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) وليس في تلك الأحاديث هذه اللفظة ولا ذلك التنسيق؛ فمن هنا نشأ الخطأ في استدلال من استدل بهذا الحديث حيث لم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وبين زمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله: (وذلك) إلى زمن الذبح وإنما هي إشارة إلى زمن الأمر، والمراد: أن زمن الأمر بالفسخ وزمن الأمر بالهدي والاشتراك فيها زمن واحد، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم، وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج ألبتة قبل يوم النحر، فيكون الحديث حجة عليهم لا لهم وهذا يسمى عند الأصوليين بالقلب.
الثاني: أنه على تقدير أن قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) هذا الحديث مخالف لما سبق، فيقال فيه: إن هذه الزيادة شاذة، ووجه شذوذها مخالفتها لما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1318) .
(2/284)

الزيادة، ومدارها على محمد بن بكر البرساني، وقد رواه عن جابر عدول عن طريق أبي الزبير المكي أئمة: مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو خيثمة ومطر الوراق وسفيان بن عيينة، وجميع رواياتهم خالية من هذه الزيادة.
الثالث: أن هذا من الأمور التي تتوافر الهمم والداوعي على نقلها، فلو وقع أمره صلى الله عليه وسلم للصحابة بأن يذبحوا الهدي بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج- لسارعوا إلى الامتثال، كما سارعوا إلى امتثال أوامره من لبس الثياب والتطيب ومجامعة النساء وغير ذلك، ولو وقع ذلك لنقل، فلما لم ينقل دل على عدم وقوعه ولم يأمرهم بالتحلل من العمرة إلا أنهم ليس معهم هدي.
وأما المعنى: فقال الشيرازي: إنه حق مالي يجب بشيئين، فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب.
ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص ولا اجتهاد مع النص، وقد مضى ذلك.
د- وأما من قال من الشافعية ومن وافقهم بأنه يجوز بعد الإحرام بالحج فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1)
وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي وغيره من أن الله أوجب الهدي على المتمتع، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا، فوجب حينئذ؛ لأنه يطلق على المتمتع وقد وجد، ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (2) فالصيام ينتهي بأول جزء من
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) سورة البقرة الآية 187
(2/285)

الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام.
ويجاب عن الاستدلال بهذه الآية: بما أجيب به عن الاستدلال بها لمن قال بجواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة أو بعد تحلله منها وقد سبق.
ويجاب أيضا: بأن المتمتع لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال أن الحج قد يفوته بسبب عائق عن الوقوف بعرفة؛ لأنه لو فاته لا يسمى متمتعا.
أما السنة فقد استدلوا بأدلة:
الأول: ما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية (1) » وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.
وجه الدلالة: قد يقال: إن هذا الحديث يدل على جواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، فيدل بطريق الأولى على جوازه بعد الإحرام بالحج.
وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به لمن قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة، وبهذا يتبين أنه لا دلالة فيه، ويجاب ثانيا بما أجيب به من الوجه الثاني عن الاستدلال بالآية.
الدليل الثاني: ما أخرجه الحاكم في [المستدرك] قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء، عن جابر بن عبد الله قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1318) .
(2/286)

أمرنا بالإحلال ... الحديث إلى أن قال: قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اصرخ، أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا؟» الحديث ثم قال الحاكم بعد إخراجه هذا الحديث: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.
ومحل الشاهد من هذا الحديث: قوله: (فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ... ) إلخ.
وجه الدلالة قد يقال: إن عطف الوقوف بالفاء على ذبح سعد تيسه عن نفسه يدل على جواز ذبح الهدي بعد الإحرام بالحج.
والجواب: أن ذبح سعد للتيس كان يوم النحر، بدليل ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] قال: (حدثنا حجاج بن محمد عن
ابن جريج قال: أخبرني عكرمة مولى ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنما يوم النحر في أصحابه، وقال: اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس (1) » وقد ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد] وقال: أخرجه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح، فرواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم، حينئذ لا دلالة في الحديث.
وأما المعنى فمن وجوه:
أحدها: ما ذكره الشيرازي بقوله: إن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به، انتهى.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/307) .
(2/287)

ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي ولا اجتهاد مع النص، وقد سبق ما يدل على خلاف ذلك عند الكلام على أدلة المذهب الأول.
الثاني: ويجاب أيضا: بما أجيب به من الوجه الثاني عن الآية التي استدل بها أهل هذا القول. ما سبق من المناقشة لاستدلال أهل القول الأول بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1) والمحل المقصود من المناقشة جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر قياسا على جواز الصيام؛ لأنه بدله، والبدل له حكم المبدل منه.
الثالث: ويجاب عنه هنا بما أجيب به عنه هناك، تركنا إعادته هنا اختصارا. ما ذكره النووي بقوله: (ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران) .
ويناقش ذلك: بما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه [زاد المعاد] ، من أنه دم شكران لا دم جبران (2)
ويمكن أن يناقش ثانيا: بأنه قياس مع النص، فقد وردت أدلة دالة على ذبحه يوم النحر وسبقت من أدلة القول الأول، فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار.
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) [زاد المعاد] (1\ 217) .
(2/288)

ثانيا: نهاية وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة:
اختلف أهل العلم في تحديد نهاية أيام النحر: هل هي يوم العيد ويومان بعده، أو يوم العيد وثلاثة أيام بعده، أو يوم العيد فقط؟.. إلخ ما ستأتي الإشارة إليه من الأقوال التي لا تعتمد على دليل شرعي.
(2/288)

وفيما يلي ذكر المذاهب ومن قال بكل مذهب منها ومستنده مع المناقشة في حدود ما يسره الله:
القول الأولى: ينتهي وقت النحر بغروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، وممن قال بهذا القول: الحنفية وهو مذهب مالك وأحمد.
قال الجصاص: ذهب أصحابنا والثوري إلى أنه يوم العيد ويومان بعده.
وقال القرطبي: قال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده.
وقال ابن قدامة: قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن القيم: هذا مذهب أحمد.
وقال في [الإنصاف] ،: هذا هو الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (1)
وجه الدلالة: ما ذكره القرطبي بقوله: (وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به) .
وأما السنة: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث.
وجه الدلالة: ما ذكره الباجي بقوله: ومعلوم أنه أباح الأكل منها في أيام الذبح فلو كان اليوم الرابع منها لكان قد حرم على من ذبح في ذلك اليوم أن
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2/289)

يأكل من أضحيته. انتهى كلام الباجي، وليس هناك فرق بين الأضحية والهدي بالنسبة لانتهاء وقت الذبح.
وأما الإجماع: فقد قرره الجصاص بقوله- بعد ذكره هذا الرأي عن بعض الصحابة قال: قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ثلاثة، واستفاض ذلك عنهم، وغير جائز لمن بعدهم خلافهم إذ لم يرد عن أحد من نظرائهم خلافه فثبتت حجته.
وأيضا: فإن سبيل تقدير النحر التوقيف أو الاتفاق، إذ لا سبيل إليها من طريق القياس فلما قال: من ذكرنا قوله من الصحابة الثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض، وتقدير المهر، ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق، وإذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته، وكان ذلك توقيفا.
وأما الأثر: فقد نقله الجصاص وغيره عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب.
وأما المعنى: فمن وجهين:
أحدها: ما ذكره الجصاص بقوله: قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ لأنه لو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق، وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر فلما وجدنا الرمي في يوم النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر يوم النحر، وقال قائلون: إلى آخر أيام التشريق، وقلنا نحن: يومان بعده وجب أن نوجد فرقا بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها.
الثاني: ما ذكره الباجي بقوله: هو يوم مشروع النفر قبله فلم يكن من أيام
(2/290)

الذبح كالخامس.
القول الثاني: أن وقت الذبح ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق.
وبهذا قال الشافعي: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشافعي: والأضحية جائزة يوم النحر وأيام منى كلها. وقال المرداوي في [الإنصاف] : قال في [الإيضاح] : آخره آخر يوم من أيام التشريق، واختاره ابن عبدوس في [تذكرته] بأن آخره آخر اليوم الثالث من أيام التشريق واختاره الشيخ تقي الدين قاله في [الاختيارات] وجزم به ابن رزين في [نهايته] . والظاهر أنه مراد صاحب [النهاية] فإن كلامه محتمل.
وقال ابن القيم في [زاد المعاد] : وهو مذهب إمام أهل الهجرة الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي رحمه الله، واختاره ابن المنذر.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (1) الآية.
وجه الدلالة: أن المراد بالمعلومات أيام النحر، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، واستدلوا لهذا التوجيه بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (2) الآية.
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2) سورة البقرة الآية 203
(2/291)

قال ابن القيم رحمه الله: هذه الأيام الثلاثة تختص بأنها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق، ويحرم صيامها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع؟ !
وأما السنة: فقد استدلوا بأدلة:
الأول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه يوم النحر ضحى» .
وجه الدلالة: ما ذكره الشافعي بقوله: فلما لم يحظر على الناس أن ينحروا بعد يوم النحر بيوم أو يومين لم نجد اليوم الثالث مفارقا لليومين قبله؛ لأنه ينسك فيه ويرمى كما ينسك ويرمى فيهما.
الثاني: ما رواه سليمان بن أبي موسى، عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عرفات موقف، وارتفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح (1) » .
وهذا نص في الدلالة أن كل أيام النحر بأنها ثلاثة بعد العيد.
وأجيب عن هذا الحديث: بما نقله الرازي عن الإمام أحمد: أنه قال جوابا لمن سأله عن هذا الحديث قال: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم، وأكثر روايته عنه سهو.
قال الرازي: وقد قيل: إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء يسمع قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (2) » فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه: " وكل
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(2) سنن أبو داود المناسك (1937) ، سنن ابن ماجه المناسك (3048) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1879) .
(2/292)

أيام التشريق ذبح "، ويشبه أن يكون الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه؛ لأنه لم يذكره.
وأجاب ابن القيم عن ذلك بقوله: وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح (1) » ، وروي من حديث جبير بن مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون. انتهى.
وقد تكلم الزيلعي على هذا الحديث في [نصب الراية] فقال: رواه أحمد في [مسنده] وابن حبان في [صحيحه] في النوع الثالث والأربعين من القسم الثالث من حديث عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أيام التشريق ذبح، وعرفة كلها موقف (2) » إلى آخره، وقد ذكرناه بتمامه في الحج، ورواه البزار في [مسنده] وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، ورواه البيهقي في [المعرفة] ، ولم يذكر فيه انقطاعا، وأخرجه الدارقطني في [سننه] عن أبي معيد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار عن جبير بن مطعم مرفوعا، وأبو معيد بمثناة فيه لين، وأخرجه هو والبزار عن سويد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا، قال البزار: لا نعلم قال فيه عن نافع بن جبير عن أبيه إلا سويد بن عبد العزيز، وهو ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب، مع أن ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم. انتهى.
وأخرجه أحمد أيضا والبيهقي عن سليمان بن موسى عن جبير بن
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(2/293)

مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال البيهقي: وسليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم، وأخرج ابن عدي في [الكامل] عن معاوية بن يحيى الصدفي عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق كلها ذبح» انتهى.
وضعف معاوية بن يحيى عن النسائي والسعدي وابن معين وعلي بن المديني ووافقهم، وقال ابن أبي حاتم في [كتاب العلل] قال أبي: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد. انتهى. وقيل: معاوية محمد بن شعيب.
وأما الأثر: فقد أخرج البيهقي عدة آثار في ذلك عن ابن عباس والحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى، وذكر ابن قدامة أنه مروي عن علي.
وأما المعنى: فإنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين، ذكر ذلك ابن قدامة.
وأما ما عدا هذين القولين من الأقوال فقد تركنا ذكرها؛ لعدم جدوى البحث فيها، فإنها أقوال مبنية على مدارك اجتهادية ولا محل للاجتهاد مع الأدلة، قال ابن عبد البر: ولا يصح عندي في هذا إلا قولان. أحدهما: قول مالك والكوفيين، والثاني: قول الشافعي والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة وما خرج عن هذين فمتروك. انتهى المقصود. بواسطة نقل القرطبي عنه في [جامعه] .
(2/294)

ثالثا: ذبح الهدي ليلا مع الأدلة والمناقشة:
اختلف أهل العلم في جواز الذبح ليلا: فمنهم من يرى أنه لا يجوز،
(2/294)

ومنهم من قال بجوازه.
وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة:
القول الأول: لا يجوز الذبح ليلا.
وممن قال به مالك وأصحابه إلا أشهب، وهو رواية عن أحمد وهي ظاهر كلام الخرقي، قال الباجي: ولا يجوز نحر الهدي ليلا، وعلى هذا قول مالك وأصحابه، إلا أشهب فقد روى عنه ابن الحارث أنه يجوز نحر الهدي أو ذبحه ليلا، وقال ابن قدامة: ولا يجزئ- أي: الذبح- في ليلتهما في قول الخرقي، قال: واختلفت الرواية عن أحمد في الذبح في ليلتي يومي التشريق ففيه لا يجزئ نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية الأثرم.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (1)
وجه الدلالة: قد يقال: إن الله ذكره بلفظ الأيام وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك. ومن وجه آخر قال الباجي: إن الشرع ورد بالذبح في زمن مخصوص وطريق تعلق النحر والذبح بالأوقات الشرعية لا طريق له غير ذلك، فإذا ورد الشرع بتعلقه بوقت مخصوص؛ كقوله تعالى: {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (2) وبنحر النبي صلى الله عليه وسلم وذبحه أضحيته نهارا علمنا جواز ذلك نهارا، ولم يجز أن نعديه إلى الليل إلا بدليل.
وقد طلبنا في الشرع فلم نجد دليلا، ولو كان لوجدناه مع البحث
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2) سورة الحج الآية 28
(2/295)

والطلب، فهذا من باب الاستدلال بعدم الدليل فيما تتوقف شرعيته على وجود الدليل.
وأجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال بقوله: هذا إيهام منهم يمقت الله عليه؛ لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية ذبحا ولا تضحية ولا نحرا، لا في نهار ولا في ليل، إنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات، أفترى يحرم ذكره في لياليه إن هذا لعجب! ومعاذ الله من هذا، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل ونهار في العام كله، ولا يختلفون فيمن حلف ألا يكلم زيدا ثلاثة أيام أن الليل يدخل في ذلك مع النهار.
وأما السنة: فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح ليلا.
وهذا نص في الدلالة على عدم جواز الذبح ليلا.
وقد أجاب عنه ابن حزم بقوله: وذكروا حديثا لا يصح رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالليل» وبقية ليس بالقوي، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدا ثم هو مرسل. انتهى كلام ابن حزم. وقال ابن حجر في مبشر بن عبيد: هو متروك.
ويجاب عن ذلك: بأن البيهقي أخرج في [سننه] حديثا فيه النهي عن الذبح ليلا قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفار، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حفص بن عياش عن شيث بن عبد الملك عن الحسن قال: «نهى عن جذاذ الليل وحصاد الليل والأضحى بالليل» .
(2/296)

وأجاب عنه البيهقي بقوله: إنما كان ذلك من شدة حال الناس كان الرجل يفعله ليلا فنهى عنه ثم رخص في ذلك.
وأما المعنى: فمن وجهين ذكرهما عبد الرحمن بن قدامة:
أحدهما: أنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر.
الثاني: أن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود. وأجاب ابن حزم عن الدليل الأول فقال: هذا قياس، والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا من عين الباطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا يجوز فيه التضحية، فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية فلا يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم، وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك منع من التضحية ليلا.
القول الثاني: أنه يجوز الذبح ليلا بمنى:
قال ذلك أبو حنيفة، وروي عن مالك: إن فعل ذلك أجزأه، وقال به أشهب من المالكية، والشافعي، وهو رواية عن أحمد، وقول أكثر الصحابة، وبه قال ابن حزم، قال الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن: وقد روي عن مالك فيمن فعل ذلك أجزأه، ونقل الباجي القول عن أشهب فيه: أنه يجوز الذبح ليلا، وقال الشافعي رحمه الله: ويذبح في الليل والنهار، وإنما أكره ذبح الليل لئلا يخطئ رجل في الذبح، أو لا يوجد مساكين حاضرون، فأما إذا أصاب الذبح ووجد مساكين فسواء.
(2/297)

وقال النووي مذهبنا جواز الذبح ليلا ونهارا في هذه الأيام، لكن يكره ليلا، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور والجمهور، وهو الأصح عن أحمد.
وقال ابن قدامة بعد ذكره لرأى الخرقي: وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي التشريق الأوليين، وهو أكثر الفقهاء، وقال في الشرح، وروي عن أحمد: أن الذبح يجوز ليلا اختاره أصحابنا المتأخرون، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه، انتهى كلامه.
واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (1)
وجه الدلالة: يمكن أن يقال: إن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمل الآية على ظاهرها، وهو أنها تتناول الأيام دون الليالي أحوط من حملها على تناول الليل والنهار.
وأما المعنى: فمن وجهين ذكرهما عبد الرحمن بن قدامة:
أحدهما: أن هاتين الليلتين داخلتان في مدة الذبح، فجاز الذبح فيهما كالأيام.
الثاني: أن الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار.
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2/298)

رابعا: مكان ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة:
لم نطلع على كلام أحد من أهل العلم، أن هدي التمتع والقران يجوز ذبحه خارج الحرم، ولم يرد في القرآن، ولم نطلع على شيء من السنة يدل
(2/298)

على جواز ذبحه خارج الحرم، وقد جاءت أدلة من القرآن، خاصة في غير هدي التمتع والقران وجاءت آية دالة بعمومها على محل هدي التمتع والقران، وجاءت أدلة من السنة تدل على ذبحه في أي موضع من الحرم.
وفيما يلي بيان هذه الأدلة:
قال تعالى في المحصر: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1) وفسر محله بأنه الحرم عند القدرة على إيصاله، وقوله تعالى في جزاء الصيد: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (2) ومعلوم أنه لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، وقال: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (3)
وهذا عام في الهدايا، ومنها هدي التمتع والقران.
وأما الأحاديث فقد روى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (4) » .
ولتمام الفائدة نورد ما ذكره الزيلعي على هذا الحديث قال: روي من حديث جابر ومن حديث أبي هريرة، فحديث جابر أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (5) » انتهى بلفظ أبي داود، ومثله لفظ ابن ماجه.
إلا أن فيه تقديما وتأخيرا، ولاختلاف لفظهما فرقهما ابن عساكر في موضعين من ترجمة عطاء عن جابر في أطرافه فجعلها حديثين وليس
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) سورة المائدة الآية 95
(3) سورة الحج الآية 33
(4) سنن أبو داود المناسك (1937) ، سنن ابن ماجه المناسك (3048) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1879) .
(5) سنن أبو داود المناسك (1937) ، سنن ابن ماجه المناسك (3048) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1879) .
(2/299)

بجيد، والصواب: ما فعله شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه، فإنه ذكره في ترجمة واحدة، والشيخ زكي الدين المنذري قلد ابن عساكر فلم يعزه في [مختصر السنن] لابن ماجه، والله أعلم.
وأسامة بن زيد الليثي قال في [التنقيح] : روى له مسلم متابعة فيما أرى، ووثقه ابن معين في روايته، انتهى. فالحديث حسن. واعلم أن بعض الحديث في مسلم أخرجه عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم (1) » .
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود في الصوم، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع موقف (2) » انتهى.
قال المنذري في [مختصره] : قال ابن معين: محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: أبو زرعة لم يلق أبا هريرة، انتهى.
ورواه البزار في [مسنده] وقال: محمد بن المنكدر لا نعلمه سمع من أبي هريرة. انتهى.
وروى الواقدي في كتاب [المغازي] : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عمرة القضية- وهديه عند المروة -: «هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر (3) » فنحر عند المروة، انتهى كلام الزيلعي.
وقال ابن حجر في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي مولاهم
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1218) ، مسند أحمد بن حنبل (3/321) .
(2) سنن الترمذي الصوم (697) ، سنن أبو داود الصوم (2324) ، سنن ابن ماجه الصيام (1660) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (1/98) .
(2/300)

أبو إسماعيل المدني: ضعيف من السابعة، روى له أبو داود والترمذي والنسائي.
(2/301)

خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته مع الأدلة والمناقشة:
دل الكتاب والسنة والإجماع وسد الذرائع على أنه لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (1)
وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه، فإذا لم يجد هديا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام، ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه وما كان ربك نسيا، وقد بين الله ما يجب على المريض إذا عجز مطلقا عن الصيام من الإطعام- بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (2)
وإذا كان قادرا على القضاء فقد بين حكمه بقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (3)
وبين في كفارة اليمين: أنه يجب العتق أو الإطعام أو الكسوة، وعند العجز يصوم ثلاثة أيام متتاليات، وبين في كفارة من أصيب بمرض أو أذى في رأسه واحتاج إلى ارتكاب محظور؛ ليتخلص مما أصيب به- بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (4)
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) سورة البقرة الآية 184
(3) سورة البقرة الآية 185
(4) سورة البقرة الآية 196
(2/301)

وقال في كفارة القتل خطأ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (1) إلى أن قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (2)
وقال في كفارة الظهار: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (3) {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} (4) الآية.
وأما السنة: فإن أدلتها في هذا الموضوع متفقة مع القرآن.
وأما الإجماع: فإن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين أخذوا بما دل عليه القرآن ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن، فإذا لم يجد هديا أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن قال بالتصدق فإنه يطالب بدليل يخالف ذلك.
وأما سد الذرائع: فإنه لو أجيز القول بالاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته- لأدى ذلك إلى التوسع في أبواب الشريعة، فمثلا يقال: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج نظرا لصعوبته في هذا العصر.
وهناك شبه قد يتعلق بها من تسول له نفسه القول بالجواز نذكرها فيما يلي، ثم نتبع كل شبهة بجوابها.
__________
(1) سورة النساء الآية 92
(2) سورة النساء الآية 92
(3) سورة المجادلة الآية 3
(4) سورة المجادلة الآية 4
(2/302)

الشبهة الأولى: قد يقال بالجواز نظرا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر مع بقاء المفسدة على حالها، بل وربما زادت مع تزايد عدد الحجاج.
ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بأمور:
أحدها: أن سوء تطبيق الناس لأمر كلفوا به لا يجوز نقلهم عنه إلى أمر لم يشرع لهم بدعوى أنه يسهل عليهم تطبيقه، بل يجب السعي في تسهيل الذبح عليهم وحسن تطبيقه.
الثاني: أن هذا حكم مبني على مصلحة ملغاة، وقد قرر العلماء على أن المصالح ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة فيعمل بها بالإجماع، ومصلحة ملغاة فلا يعمل بها بالإجماع، ومصلحة مرسلة، وفي العمل بها خلاف، والمصلحة المذكورة هنا مصلحة ملغاة، فإن الشرع لم يعتبرها بعد ذكره للهدي، وفي حالة عدم القدرة عليه أو على ثمنه ينتقل إلى الصيام.
الثالث: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم، وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (1) وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول.
الشبهة الثانية: ما يجري عليه بعض الحجاج من تسليم ثمن الهدي الواجب عليهم للمطوفين وعمالهم بأنفسهم بصفة التوكيل حيث لا يباشرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم؛ لتعذر
__________
(1) سورة الحج الآية 37
(2/303)

ذلك عليهم، وخوف الهلاك من ممدة الازدحام أو المشقة والحرج.
ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الأولى، ويضاف إلى ذلك أن الحاج إذا وكل شخصا يشتري عنه هديا ويذبحه ويوزعه على المستحقين على الصفة الشرعية- فقد خرج بذلك عن عهدة الهدي، وصارت العهدة على من صار وكيلا للقيام بالشراء والذبح والتصدق، فإن هذا مما يجوز التوكيل فيه شرعا.
الشبهة الثالثة: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبالتالي فإن هذا درء للمفاسد عن الأمة وجلب لمصالحها.
ويجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الشبهة الأولى، ويضاف إلى ذلك:
أولا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لكن لا يصح أن يقال: أن ذبح الهدايا مفسدة، وأن درءها بما ذكروه من إلغاء هذه الشعيرة والتصدق بثمنها؛ لأن من القواعد المقررة في الشريعة: أن المفاسد درجات، وأن المصالح درجات، وأنه يجوز تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكاب أخف المفسدتين لاجتناب كبراهما، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح فيما ليس فيه دليل شرعي، وفيما إذا كانت المفسدة أرجح من المصلحة وما نحن فيه ليس كذلك، بل قام الدليل على خلافه، والمصلحة أرجح مما ظن مفسدة بتحريف النصوص عن مواضعها ومقاصدها.
ثانيا: أن هذا يفتح باب تلاعب في الشريعة، فلا يكون للنصوص قيمة، وإنما القيمة لما يصدر من سفهاء العقول من تصورات يزعمون أنها مصالح
(2/304)

تستحق أن تقدم على الأدلة.
ثالثا: أن النسك عبادة، والعبادات مبنية على التوقيف، فلا يجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي موجب للعدول عنه، وكل تشريع مبني على التوقيف فإنه لا يدخله الاجتهاد ومنه القول بالمصلحة المدعاة هنا.
رابعا: أن من وجب عليه الهدي يجب عليه إيصاله إلى مستحقه، كما في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ} (1) وكذلك سائر ما يجب عليه من الحقوق؛ كالزكاة والنذر والكفارات وغيرها.
خامسا: أن الشارع لم يمنع الذبح في أي محل من الحرم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر (2) » فالحاج ينحره في أي موضع من فجاج مكة ويوزعه على الفقراء.
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2) صحيح مسلم الحج (1218) .
(2/305)

سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى:
مشكلة اللحوم يمكن أن تعالج بالأمور الآتية:
الأول: الكشف على ما يباع للتأكد من صلاحيته هديا من حيث السن والسمن والسلامة من الأمراض وموانع الإجزاء، وتوضع علامة يعرف بها أن هذه الذبيحة تجزئ وما عدا ذلك يمنع.
الثاني: التوسع في توعية الحجاج ببيان المجزئ وما لا يجزئ حتى لا يقدموا إلا على بصيرة.
الثالث: الإكثار من عدد المجازر في أماكن مختلفة من منى، وفجاج مكة، وإرشاد الناس إليها.
(2/305)

رابعا: تسهيل طريق الحصول على هذه اللحوم للفقراء، وذلك بما يأتي:
أ- إيصاله إليهم إن أمكن.
2 - معاونتهم على إيصاله إلى منازلهم.
3 - التوسع في توزيع ما زاد على فقراء الحرم خارج الحرم، ويكون إعطاء الفقراء الذين هم خارج الحرم بمنزلة دفع الزكاة لفقراء بلد المال إذا أعطى فقراء بلد المال حاجتهم ولم يوجد أحد يستحق، فكذلك الهدي ينقل إلى فقراء البلدان المجاورة لمكة.
التوسع في التوكيل على ذبح الهدي بطرق منظمة تضمن مصلحة صاحب الهدي ومصلحة الفقير والمصلحة العامة، ويكون فيه أناس يشرفون من قبل الدولة على تطبيق ذلك.
هذا ما تيسر ذكره.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(2/306)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (43) وتاريخ 13 \ 4 \ 1396 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
بناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في النصف الأول من شعبان عام 1395 هـ من إدراج موضوع (هدي التمتع والقران) في جدول أعمال الدورة الثامنة، وإعداد بحث في ذلك، فقد اطلعت الهيئة في الدورة الثامنة المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام 1396 هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في وقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم.
وبعد تداول الرأي تقرر بالإجماع ما يلي:
1 - لا يجوز أن يستعاض عن ذبح هدي التمتع والقران بالتصدق بقيمته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على منع ذلك مع أن المقصود الأول من ذبح الهدي هو التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء، كما قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (1) ؛ ولأن من القواعد المقررة في الشريعة سد الذرائع، والقول بإخراج القيمة يفضي إلى التلاعب بالشريعة فيقال- مثلا-: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج لصعوبته في هذا العصر، ولأن المصالح ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة بالإجماع،
__________
(1) سورة الحج الآية 37
(2/307)

ومصلحة ملغاة بالإجماع، ومصلحة مرسلة، والقول بإخراج القيمة مصلحة ملغاة؛ لمعارضتها للأدلة، فلا يجوز اعتبارها.
2 - قرر المجلس بالأكثرية أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، ويجوز الذبح في ليالي أيام التشريق؛ لقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (1) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2)
فإن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر، ولما رتب هذه الأفعال على ذبح الهدي دل على أنه هدي القران والتمتع؛ لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال، ولأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذبح هديه يوم العيد، وكذلك ذبح هدي التمتع والقران عن نسائه يوم العيد، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه ذبح قبل يوم العيد ولا بعد أيام التشريق، ولما روى سليمان بن موسى، عن ابن أبي حسين، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل عرفات موقف (3) » الحديث. . . إلى أن قال: «وكل أيام التشريق ذبح (4) » .
قال ابن القيم رحمه الله روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر، انتهى المقصود.
3 - لا يخصص الذبح بمنى، بل يجوز الذبح في مكة، وفي أي موضع من الحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (5) » .
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2) سورة الحج الآية 29
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(5) سنن أبو داود المناسك (1937) ، سنن ابن ماجه المناسك (3048) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1879) .
(2/308)

4 - ما ترك من اللحوم في المجازر فإن على الحكومة حفظه على وجه يحفظ نفعه حتى يوزع بين فقراء الحرم.
5 - يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل: الجلد والعظام والصوف، ونحو ذلك بما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم مما يتركه أهله رغبة عنه.
6 - ينبغي للحكومة- وفقها الله- أن تعنى بتكثير المجازر في منى ومكة وبقية الحرم على وجه يمكن الحجاج من ذبح هداياهم بيسر وسهولة، وأن يستفيدوا من لحومها ما شاءوا.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثامنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن لي وجهة نظر لابتداء وانتهاء وقت ذبح هدي التمتع والقران ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع لي وجهة نظر بالنسبة لوقت ذبح هدي التمتع والقران
(2/309)

وجهة نظر
لصاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع
إن وجهة نظري تتلخص في الملاحظات الآتية:
أولا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث الاستدلال على تحديد وقت ذبح هدي التمتع والقران بالإطلاق في قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1) وبالتقييد في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (2) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (3) الآية، ولا شك أن بعض أهل العلم استدل بهذا، ولكن الأمانة العلمية تقتضي مناقشة هذا الاستدلال.
إذ يمكن مناقشته بما يلي:
إن كمال الآية المراد بها تقييد عموم قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (4) وقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (5) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (6) الآية، وقد ذكر جمع كثير من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء: أن المراد بالأيام المعلومات عشر ذي الحجة، فقد ذكر الجصاص في كتابه [أحكام القرآن] أنه روى عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق، وهو قول الجمهور من التابعين منهم:
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2) سورة الحج الآية 28
(3) سورة الحج الآية 29
(4) سورة البقرة الآية 196
(5) سورة الحج الآية 28
(6) سورة الحج الآية 29
(2/310)

الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم، وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق (1)
وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي أنه قال: الأيام المعلومات: أيام العشر كلها، والمعدودات: أيام منى فقط. اهـ (2)
وقال النووي في [المجموع] : وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. . . إلى أن قال: وقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي في [تفسيره] : قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. اهـ (3)
فعلى هذا لا حجة في الآية على قول بتحديد وقت الذبح بيوم النحر وأيام التشريق، بل قد يكون فيه دليل على القول بذبح هدي التمتع والقران في الأيام المعلومات التي هي العشر الأوائل من ذي الحجة؛ لأن المقصود بذكر الله على بهيمة الأنعام في هذه الآية التسمية عند ذبحها، وعلى القول الآخر لأهل العلم بأن المقصود بالمعلومات: يوم النحر وأيام التشريق فليس في الآية أمر صريح بتحديد وقت الذبح، وإذا كان الدليل يفهم من ترتيب قضاء التفث على ذكر الله على بهيمة الأنعام- فإن هذا يعني بطلان أعمال الحج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة إذا فعل ذلك قبل الذبح أو النحر. ولا يخفى ما عليه إجماع أهل العلم قاطبة من أن
__________
(1) [أحكام القرآن] (5 \ 67) .
(2) [أحكام القرآن] للشافعي، جمع البيهقي (1 \ 134) .
(3) [المجموع] (8 \ 295) .
(2/311)

الترتيب فيها مستحب، وأنه لا حرج في تقديم واحد منها على الآخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعض قال: «افعل ولا حرج (1) » فدل ذلك على أن غاية الأمر أن يكون مفهوم الترتيب الاستحباب، وبذلك ينتفي الاستدلال بالآية.
ثانيا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث مناقشة الجصاص الاعتراض على منع تقديم ذبح هدي التمتع والقران بإجازة الصوم الذي هو بدل عنه قبل يوم النحر، وقد كانت مناقشة في حاجة إلى مناقشة بما يلي:
أ- جاء في قوله: إنه ثبت في السنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر.
ويرد على ذلك: بأنه لو كان الأمر كما ذكر من ثبوت امتناع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر بالسنة لما حصل الخلاف كما هو الحال في الأضحية، فقد ثبت بالسنة بدء وقت ذبحها، فانتفى الخلاف في ذلك.
والثابت بخصوص الهدي إنما هو في الهدي المسوق تطوعا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، أما هدي المتعة والقران فإن القائلين بجواز ذبحه قبل يوم النحر يطالبون بالنص الصريح الثابت في امتناع ذبحه قبل يوم النحر من كتاب أو سنة، بل إنهم يستدلون بهما على جواز ذلك.
ب- ما ذكر: بأن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان إلى آخر قوله) . هذا القول يمكن أن يقال في هدي المتعة. وأيضا فإذا وجد المعنيان إتمام الحج والعمرة صح الهدي عن المتعة، وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون هدي متعة وصار هدي تطوع كصيام التطوع.
ج- قوله: بأن الهدي رتب عليه أفعال أخرى من حلق وقضاء تفث وطواف زيارة فلذلك اختص بيوم النحر. مناقشة ذلك ما مر في الملاحظة
__________
(1) صحيح البخاري العلم (124) ، صحيح مسلم الحج (1306) ، سنن الترمذي الحج (916) ، سنن أبو داود المناسك (2014) ، سنن ابن ماجه المناسك (3051) ، مسند أحمد بن حنبل (2/202) ، موطأ مالك الحج (959) ، سنن الدارمي المناسك (1907) .
(2/312)

الأولى.
ثالثا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث ما نصه: فهذه الأحاديث منها ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى، ومنها ما يدل عليه بمفهومه أو مع أمره صلى الله عليه وسلم أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى، ونحر أصحابه كذلك، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة.
إن ذلك ممكن أن يناقش بما يلي:
أ- إن المتتبع لجميع ألفاظ الأحاديث الواردة في البحث لا يجد فيها نصا على تحديد بدء وقت نحر هدي التمتع والقران بيوم الأضحى، وإنما النص في بعضها على أن من ساق الهدي فلا يجوز له الإحلال حتى ينحر هديه، ولا شك أن الهدي الذي ساقه صلى الله عليه وسلم وساقه بعض أصحابه ودخلوا به مكة في حجهم معه صلى الله عليه وسلم- هدي تطوع، دخل فيه هدي التمتع أو القران، فهو متصل به اتصال الجزء بكله بحيث لا يمكن فصله عنه.
ب- إن القول: بأن منها- أعني: الأحاديث الواردة في البحث- ما يدل مع أمره صلى الله عليه وسلم أن نأخذ عنه مناسكنا على بدء التحديد بيوم النحر- يرد عليه بإجماع الأمة على جواز ذبح هدي التمتع أو القران في اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق، وهو صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد وقال: «خذوا عني مناسككم (1) » فلو كان عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (2) » واردا على ذلك- لكان الذبح في أيام التشريق غير جائز للمخالفة، وقد لا يمكن القول بأن العموم مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم: «وكل أيام التشريق ذبح (3) » فقد تكلم رجال الحديث في
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/82) .
(2/313)

هذه الزيادة بما لا يتسع المقام لذكره، وبما يبطل الاستدلال به للتخصيص، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (1) » عام في جميع أفعال النسك من ركن وواجب ومستحب، وفي قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) تخصيص لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (3) » .
ج- إن ما نحره نفسه هو هديه الذي ساقه صلى الله عليه وسلم تطوعا ودخل به مكة محرما،. وكان سوقه سبب امتناع عن الإحلال، وأما نحره صلى الله عليه وسلم عن أزواجه في حجه فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك أضحية منه عنهن.
قال ابن حزم: ووجدنا ما رويناه من طريق مسلم، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فقدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بالحج " قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللت بعمرة، وقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم (4) » . . . إلى أن قال: فإن قيل: قد صح أنه عليه السلام أهدى عن نسائه البقر، قلنا: نعم، وقد بين معنى ذلك الإهداء سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنه
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(3) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(4) صحيح البخاري الحج (1786) ، صحيح مسلم الحج (1211) .
(2/314)

كان أضاحي، لا هدي متعة، ولا هديا عن قران. اهـ (1) .
وعلى فرض أن ما ذبحه صلى الله عليه وسلم عن نسائه هدي تمتع أو قران فقد فعل الأفضل، ولا شك أن الأفضل ذبح ذلك يوم العيد.
د- وأما القول بأنه لم يعرف أحد من أصحابه نحر هدي تمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى- فإنه يمكن مناقشته: بأن عدم معرفة أحد من الصحابة نحر هديه قبل يوم الأضحى لا يعني منع ذلك، ولا نفي أن أحدا من الصحابة فعله، ثم إن الحديث الذي أخرجه الحاكم في [مستدركه] وذكر أنه على شرط مسلم، وأقره الذهبي - صريح في أن سعد بن أبي وقاص ذبح هديه قبل يوم النحر، وقد أخرجه الطبراني في [الكبير] وذكر: أن رجاله ثقات، وسيأتي مزيد من نقاش لهذا الحديث والاعتراض عليه بما في [مجمع الزوائد] عن عكرمة.
رابعا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج لذلك القول بالإجماع بما ذكره ابن عابدين، ويمكن أن يناقش ذلك بما يلي:
لعل ابن عابدين رحمه الله يقصد بالإجماع: إجماع أهل مذهبه، مع أن ابن قدامة رحمه الله نسب إلى أبي حنيفة القول بوجوب هدي التمتع بالإحرام بالحج، وذلك في كتاب [المغني] كما نسب ذلك إليه ابن العربي في كتاب [أحكام القرآن] وابن مفلح في كتابه [الفروع] .
أما أن يقصد ابن عابدين إجماع الأمة على منع ذلك فبعيد جدا؛ لوجود الخلاف القوي في المسألة بين العلماء من مالكيين، وشافعيين، وحنابلة،
__________
(1) [المحلى] (7 \ 193، 194) .
(2/315)

وغيرهم، ولأن مثل ابن عابدين لا يخفى عليه الخلاف في المسألة، لا سيما وهو خلاف مشهور، وعلى فرض أن ابن عابدين يقصد بالإجماع إجماع الأمة فما ذكره غير صحيح، والخلاف في ذلك مشهور يعرفه الخاص والعام.
خامسا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج بالمعنى بما ذكره ابن قدامة رحمه الله بقوله: لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الأضحية فيه. . . إلى آخره.
ويمكن نقاش ذلك بما ذكره ابن قدامة نفسه توجيها للقول بجواز تقديم ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حيث قال:
ووجه جوازه: أنه دم يتعلق بالإحرام وينوب عنه الصيام، فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب، واللباس؛ ولأنه يجوز إبداله قبل يوم النحر فجاز أداؤه قبله كسائر الفديات. اهـ (1)
وبما ذكره في توجيه رواية الوجوب بعد الإحرام بالحج بقوله؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) وهذا قد فعل ذلك؛ ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (3) .
وبما ذكره الشافعي رحمه الله بقوله: وإذا ساق المتمتع الهدي معه أو
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (3 \ 505) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(3) سورة البقرة الآية 187
(2/316)

القارن لمتعته أو قرانه، فلو تركه حتى ينحره يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأ عنه من قبل أن على الناس فرضين: فرضا في الأبدان، فلا يكون إلا بعد الوقت، وفرضا في الأموال، فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض، اهـ (1) .
وبما ذكره ابن رجب في [قواعده] قال: العبادات كلها- سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما- لا يجوز تقديمها على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب، أو قبل شرط الوجوب، ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة، وذكر منها ما ذكرتم قال: ومنها صيام التمتع والقران، فإن سببه العمرة السابقة للحج في أشهره، فبالشروع في إحرام العمرة قد وجد السبب فيجوز الصيام بعده، وإن كان وجوبه متأخرا عن ذلك، وأما الهدي فقد التزمه أبو الخطاب في انتصاره، ولنا رواية: أنه يجوز ذبحه لمن دخل قبل العشر لمشقة حفظه عليه إلى يوم النحر. اهـ (2) .
كما أنه يمكن مناقشة ما ذكره ابن قدامة رحمه الله من قياسه الهدي على الأضحية بما ذكره ابن مفلح في [الفروع] حيث قال: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى. اهـ (3)
سادسا: جاء في الصفحة التاسعة من البحث: اعتراض الرهوني على ما ذكره الأبي عن القاضي عياض في شرحه رواية مسلم: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من
__________
(1) [الأم] للشافعي (2 \ 217) .
(2) [القواعد] لابن رجب ص 6، 7.
(3) الفروع، (2 \ 249) .
(2/317)

حجهم. مع أن في الحديث حجة لمن يجيز للمتمتع نحر هديه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلى آخره، حيث ذكر الرهوني أن لديه نسخة عتيقة مظنونا فيها الصحة، وليس فيها جواز نحر هدي المتمتع بعد التحلل من العمرة، وإنما ذكر فيها جواز تقليد الهدي قبل الإحرام بالحج إلى آخر ما ذكره الرهوني.
ويمكن مناقشة ذلك بما يلي:
أ- إن عبارة القاضي عياض في جواز نحر الهدي قبل الإحرام بالحج قد تناقلها شيوخ كبار في مذهب الإمام مالك، فقد نقلها عنه الأبي والسنوسي والدسوقي والبناني ومحمد عابد - فلم يعترض عليها واحد منهم، بل احتج بها بعضهم على رد تأويلات بعض شراح مختصر خليل في قوله: وأجزأ- أي: دم التمتع- قبله- أي: قبل يوم النحر- حينما قال بعضهم: إن المقصود بذلك تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه.
ب- إن احتجاج الرهوني لدعواه التصحيف بما لديه من نسخة يدعي قدمها والوثوق بها- فيه نظر، ولو سلم له احتجاجه لكان ذلك من أقصر الطرق لرد آراء العلماء وأقوالهم بإنكار نسبتها إليهم بالتصحيف فيما كتب عنهم، ثم هل يمكن أن تكون نسخة الرهوني هي الصحيحة الثابتة دون ما عداها مما لدى شيوخه وشيوخهم، إن العكس هو القريب الممكن المعقول.
ج- إن اللجنة أيدت دعوى التصحيف بما ذكره بأن اللخمي ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر، وهذه الحجة ليست أكثر عجبا من سابقتها، فإن عدم ذكر الشخص الشيء لا يعني نفيه من الوجود واللخمي
(2/318)

كغيره من عباد الله ينطبق عليه القول: (علمت شيئا وغابت عنك أشياء) .
على أن المرء يقف حائرا في تكييف وجه الخلاف بين علماء المذهب المالكي في جواز تقليد الهدي وإشعاره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلا أن يكون المراد بذلك مآل التقليد والإشعار، وهو الذبح حسبما يفهم من التمثيل على جواز ذلك بقياسه على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة قبل الحول، وأن ذلك مما تقتضيه السنة توسعة في جميع ذلك، فإن اقتضاء السنة التوسعة على العباد لا يعني الحرج وإيجاد العسر والمشقة في رعاية الهدي المقلد والمشعر حتى يأتي يوم النحر، فإن الحاج في شغل عنه بتهيئة أسباب حجه، من زاد وراحلة وغير ذلك، وإنما التوسعة عليه في إراحته من ملازمته ورعايته بذبحه بعد وجوبه، ولا شك أن المتتبع بإنصاف لنصوصهم يقوى لديه الظن بأنهم يقصدون بذلك الذبح؛ لما في جميع ذلك من التوسعة التي تقتضيها السنة.
د- إن الرهوني تعقب ما نقله الأبي عن المازري من قوله: مذهبنا: أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج وفي وقت جوازه ثلاثة أوجه: فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج. اهـ (1) .
فقال: ليس فيه أن المراد بالجمهور جمهور أهل المذهب، وقد تقدم: أن المراد بهذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير: جمهور المجتهدين، وإن كانت تشمل الإمام مالكا، لكن لا تصريح بنسبة ذلك
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (3 \ 451) .
(2/319)

إليه. اهـ (1) .
وهذا ما يفرح به القائلون بتقديم ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، فلأن يكون هذا القول قول جمهور المجتهدين من علماء الإسلام أمثال الإمام مالك أحب إليهم من أن يكون قول جمهور المالكيين من أمثال الرهوني وأترابه.
هـ- إن المتتبع لحواشي الرهوني يخرج من تتبعها بالحكم عليه بأنه ليس في مستوى قيادي في مذهبه يريد أن يقلل من شأن القول بجواز الذبح قبل يوم النحر بإنكار أن الجمهور القائلين به حسبما ذكره المازري جمهور المالكيين، وإنما هم جمهور المجتهدين أمثال مالك وغيره، وهذا تقوية للقول من حيث لا يدري مع أن المتتبع لقول المازري يخرج من تتبعه أنه يتحدث عن مذهبه وعن فقهاء مذهبه وأقوالهم، مما يدل على أن ما ذكرنا في الرهوني وارد، وإذا كان الرهوني على مستوى يسمح باعتباره إماما في مذهبه ومحققا، وإذا كانت نسخته هي المظنون بها الصحة، فكيف لنا تفسير نقله من نسخته، هذه التي لم يجد غيرها في ذلك الوقت حسبما ذكر، نقله آية من كتاب الله تعالى وأوردت خطأ دون أن يشير إلى تصحيحها، فقد جاء في [حاشيته] ونقلته اللجنة عنه في السطر الثامن من الصفحة التاسعة من البحث ما نصه: ونصه: وقوله للمتمتعين: (فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) نص في كتاب الله تعالى مما يلزم التمتع. إن صحة الآية: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (2)
__________
(1) [حاشية الرهوني على شرح عبد الباقي مختصر خليل] (2 \ 434) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(2/320)

سابعا: جاء في الصفحتين العاشرة والحادية عشرة من البحث نقل طويل لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - وفيه يشير إلى تغليط من يجيز على المذهب المالكي ذبح الهدي قبل الإحرام بالحج بعد أن أورد مجموعة نصوص لشراح [مختصر خليل] يؤولون قوله: وأجزأ بما قبله.
ويمكن مناقشة ما ذكره بعض شراح المختصر من التأويلات بما قاله الدسوقي بعد أن أورد قول بعضهم: إن المراد بذلك: تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه.
قال: فيه نظر، فقد قال الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ما نصه: (عياض) في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد الإحلال بالعمرة وقبل الإحرام بالحج، وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى: أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا، وذكر بعضهم: أنه بعد الإحرام بالعمرة. اهـ.
وبه تعلم أنه يتعين صحة إبقاء كلام المصنف - أي: خليل - على ظاهره، وسقوط تعقب الشراح عليه، وتأويلهم له من غير داع لذلك. اهـ (1) .
__________
(1) [حاشية الدسوقي على شرح الدردير على مختصر خليل] (2\ 27) .
(2/321)

وقال الشيخ محمد عابد في شرح قول الماتن: ولا يجوز نحر هدي التمتع. قال: تبع في ذلك الحطاب في [مناسكه] والدردير وعبد الباقي على خليل عند قوله: وأجزأ قبله، حيث قال كل منهم: أي: إشعاره وتقليده لا نحره إذ لم يقل به أحد، وفي البناني ما يخالف ذلك، وحاصل ما فيه: أنه أطبق كثير من شراح خليل على تأويل قوله: أجزأ قبله - أي: الإشعار والتقليد - محتجين بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ، وهو غير ظاهر؛ لقول الأبي في [شرح مسلم] على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي: وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ما نصه: عياض في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، ثم ساق بقية كلام القاضي (عياض) وكلام المازري عن طريق الأبي (1) .
ثامنا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الرواية عن الإمام أحمد بجواز ذبح هدي من قدم به مكة قبل العشر خشية ضياعه أو سرقته، ويمكن نقاش ذلك بأن هذه المسألة خارجة عن موضوعنا؛ لأنها خاصة فيمن قدم مكة ومعه هدي، وموضوعنا خاص فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج فاستوجب الهدي أيذبحه بعد وجوبه أم يؤخر ذبحه حتى يوم النحر؟
تاسعا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال على جواز الذبح قبل يوم النحر بآية: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2)
__________
(1) [هداية المناسك] .
(2) سورة البقرة الآية 196
(2/322)

بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، هو قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (1) الآية.
وقد سبق مناقشة الاستدلال بهذه الآية في الملاحظة الأولى مما يغني عن إعادته.
عاشرا: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث أبي الزبير عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم.
في هذا الحديث أمور ثلاثة يمكن أن تناقش بما يلي:
أ - التسليم بنفي التعارض بينه وبين الأحاديث الواردة في البحث، إذ ليس فيها ما يدل بصريح العبارة على منع تقديم ذبح هدي التمتع أو القران على يوم النحر، وقد سبقت مناقشة القول بدلالتها على المنع في الملاحظة الثالثة، وعليه فإن دلالة الحديث على إجازة الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج - قد فهمها علماء كبار من رجال الحديث وشراحه، أمثال: النووي والقاضي عياض والمازري والأبي والسنوسي وغيرهم.
ب - إن القول: بأن المقصود بقول جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي. التحلل من الحج يرده مزيد التأمل والتدبر في نهاية الحديث، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم، فلقد أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين أحرموا بالحج معه أن يحلوا منه إلى عمرة واشتد غضبه صلى الله عليه وسلم على قوم ترددوا في الأخذ
__________
(1) سورة الحج الآية 28
(2/323)

بقوله وأمره. أما التحلل من الحج يوم العيد فإنه لا يكون بأمر، وإنما يحصل بأفعال يفعلها الحاج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة، وفضلا عن ذلك كله فإن راوي الحديث عن جابر - وهو: أبو الزبير - قد أبان المقصود من ذلك، فقد ذكر أبو عبد الله الأبي في شرحه [صحيح مسلم] عند كلامه على حديث جابر ما نصه: ويعني بقوله حين أمرهم: يعني: إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ.
إن القول: بأن في الحديث زيادة شاذة لمخالفتها ما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة، وأن مدارها على محمد بن بكر البرساني - يمكن أن يناقش بما يلي:
1 - نفي الشذوذ في هذه الزيادة، إذ هي لم تخالف غيرها من الروايات، فليس هناك حديث صحيح ينص على بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر، وإنما غاية ما في الأمر مفاهيم لا يجوز أن يحكم بها على زيادة من عدل رواها مسلم في [صحيحه] إذ الزيادة من العدل مقبولة.
2 - إن القول: بأن مدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني غير صحيح، فقد روى الإمام أحمد في [مسنده] هذا الحديث بكامل هذه الزيادة عن محمد بن بكر وروح بن عبادة القيسي فقال: حدثنا محمد بن بكر وروح قالا: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في البدنة وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجتهم (1) » . اهـ (2) .
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/378) .
(2) [مسند الإمام أحمد] (3\ 378) .
(2/324)

وروح هو: روح بن عبادة القيسي، قال الحافظ ابن حجر: كان أحد الأئمة، وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وأبو عاصم وابن سعد والبزار، وأثنى عليه أحمد وغيره، وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: زعموا أن ابن القطان كان يتكلم فيه فقال: باطل ما تكلم فيه. . إلى أن قال الحافظ: قلت: احتج به الأئمة كلهم. اهـ. (1) .
وقال الحافظ ابن حجر في محمد بن بكر ما نصه: وثقه أبو داود والعجلي، وقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق. إلى آخر ما قال (2) .
وقال في [تهذيب التهذيب] : قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدوري عن ابن معين: ثنا البرساني، وكان والله ظريفا صاحب أدب، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود والعجلي: ثقة. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة ثلاث ومائتين، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة وكان ثقة، وذكر الحافظ أنه أجاب عن قول الذهبي في البرساني، روى عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة في حديث بسرة في مس الذكر: أو أنثييه أو فرجه فرفع الزيادة، وإنما هي من قول عروة قال: قد أوضحت ذلك في المدرج وذكرت فيه من شاركه في رفع هذه الزيادة لكن عن غير شيخه وبينت سبب الإدراج ومستنده (3) .
__________
(1) [هدي الساري] (2\ 127) .
(2) [هدي الساري] (2\ 159) .
(3) [تهذيب التهذيب] (9\ 78) .
(2/325)

3 - إن هذه الزيادة غير شاذة، ففضلا عن أن محمد بن بكر لم ينفرد بها، بل اشترك معه في روايتها عند أحمد روح بن عبادة وأنه ليس في الروايات الأخرى نص صريح في مخالفتها فقد تأيدت بما روى الحاكم في [مستدركه] والطبراني في [الكبير] من «أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحلال من الحج وفسخه إلى عمرة إلا من ساق معه الهدي، ثم قسم صلى الله عليه وسلم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه (1) » . وسيأتي مزيد نقاش لحديث الحاكم.
ج - إن القول: بأن مسألة ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر من الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها لو كان فيها نص بالجواز، يمكن نقاشه: بأن الهمم والدواعي تتوافر أيضا على نقل ما فيها من نصوص تقتضي المنع لو كانت هناك نصوص في ذلك، وحيث لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صريح في منع ذلك، وتعيين البدء بيوم النحر حتى يمكن أن يكون مخصصا لعموم قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) - تعين الأخذ بعموم الآية، مع ما هناك من أدلة أخرى تسند الجواز، فمتى دخل الحاج في معنى التمتع وجب عليه الهدي، واستقر في ذمته حتى يؤديه؛ كاستقرار الكفارات في ذمة مستوجبها، وكوجوب الدماء في ذمة من استوجبها.
الحادية عشرة: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث الاستدلال للقائلين بجواز تقديم الذبح قبل يوم النحر بما ذكره الشيرازي. ولو أضيف
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/307) .
(2) سورة البقرة الآية 196
(2/326)

إليه ما ذكره الشافعي في [الأم] وابن قدامة في [المغني] وابن رجب في [قواعده] مما تقدم لنا ذكره في الملاحظة الخامسة - لكان ذلك من إيفاء البحث حقه. ومع ذلك فإن مناقشته بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص قد تقدم ردها بالمطالبة بالنص الصريح الثابت من كتاب أو سنة أو قول صحابي في تحديد بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر.
جاء في الصفحة السادسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بآية {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (1) في أن التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام إلى آخره. من أن التمتع قد لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال فوات الوقوف بعرفة.
ويمكن نقاش ذلك: بأن هذا لا يمنع من لم يجد هديا أن يعدل إلى بدله وهو الصوم مع احتمال عدم التمكن من إكمال التمتع، فإذا جاز ذلك في البدل جاز في المبدل عنه.
الثانية عشرة: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث الحاكم بما رواه الإمام أحمد في [مسنده] عن طريق عكرمة مولى ابن عباس، وفيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ غنما يوم النحر في أصحابه وقال: " اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ (2) » إلى آخره. من أن رواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم.
ويمكن مناقشة ذلك بما يلي: إن الروايتين لا يصلح أن تكون إحداهما مفسرة للأخرى؛ لانتفاء الإجمال في رواية الحاكم، فإنها صريحة في أن
__________
(1) سورة البقرة الآية 187
(2) مسند أحمد بن حنبل (1/307) .
(2/327)

النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنم في أصحابه بعد الإحلال من العمرة وقبل الوقوف بعرفة، كما يتضح ذلك من سياق الحديث الذي لم تذكره اللجنة بتمامه. وتأسيسا عليه في النقاش فإنه يتعين ذكر نصه بتمامه. روى الحاكم في [مستدركه] قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا حمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء عن جابر بن عبد الله قال: «كثرت القالة من الناس: فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل أمرنا بالإحلال، فيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام خطيبا فقال: " أبالله تعلموني أيها الناس، فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا، ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هديا فلينحر " فكنا ننحر الجزور عن سبعة، قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اصرخ أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا؟ ! (1) » إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " أبالله تعلموني أيها الناس ". . . إلى قوله: " ومن وجد هديا فلينحر " صريح في الأمر بالنحر في ذلك الوقت الذي ألقى فيه كلمته التوجيهية. وقول جابر: فكنا ننحر الجزور عن سبعة، صريح في الامتثال
__________
(1) صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (7367) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2805) ، مسند أحمد بن حنبل (3/366) .
(2/328)

لأمره صلى الله عليه وسلم يومئذ. وقول ابن عباس: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه (1) » - بين أن ذلك هو زمن أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلل من الحج وفسخه إلى عمرة، ويؤيد ذلك روايتا مسلم وأحمد عن أبي الزبير عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم.
ورواية عكرمة عن ابن عباس صريحة في أن الغنم التي قسمها صلى الله عليه وسلم في أصحاب سعد كان يوم النحر.
وبذلك يتضح التعارض بين الروايتين ويتعين المصير إلى الترجيح.
وعليه فيمكننا ترجيح رواية الحاكم على رواية الإمام أحمد بالأمور الآتية:
أ - إن رواية الحاكم فيها قصة، ورجال الحديث وحفاظه متفقون على أن القصة في الحديث من أدلة حفظه. قال ابن القيم - رحمه الله - في معرض توجيهه القول بالأخذ بحديث عائشة في إنكارها على زيد بن أرقم بيعه بالعينة - قال: وأيضا فإن في الحديث قصة. وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ (2) .
ب - إن دلالة رواية الحاكم على أن سعد بن أبي وقاص ذبح تيسه بعد إحلاله من العمرة - مؤيدة برواية مسلم وأحمد عن جابر: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. قال أبو الزبير راوي الحديث عن جابر: ويعني بقوله: حين
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/307) .
(2) [إعلام الموقعين] (3\ 217) .
(2/329)

أمرهم، يعني: إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ.
ج - إن رجال رواية الحاكم ثقات، وعلى شرط مسلم، كما ذكر ذلك الحاكم، وأقره الذهبي، وفيهم عطاء أفقه الناس في المناسك، ومن أكثرهم علما وورعا وتقى. وقد روى صدرها عن جابر عطاء ومجاهد، وروى عجزها عن ابن عباس عطاء.
د - إن رواية الحاكم مؤيدة بما روى الطبراني عند الهيثمي في [مجمع الزوائد] في باب الخطب في الحج حيث قال: وعن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته وكان رجلا صيتا، فقال: " اصرخ: أيها الناس، أتدرون أي شهر هذا؟ !» . . . إلى آخره، قال الهيثمي: رواه الطبراني في [الكبير] ورجاله ثقات (1) ، فقد رتب رواية وقوفه صلى الله عليه وسلم بعرفة وخطبته في الناس على رواية تقسيمه صلى الله عليه وسلم الغنم في أصحابه وإصابة سعد بن أبي وقاص تيسا منها وذبحه، كما هو الحال في رواية الحاكم.
هـ - إن رواية الإمام أحمد التي فيها: قسم غنما يوم النحر في أصحابه. من طريق عكرمة مولى ابن عباس، ولا يخفى ما لعطاء على عكرمة من الفضل والتقديم والثقة. فإن عكرمة وإن اعتبره بعض أهل العلم، فيكفينا لرد الاحتجاج بروايته إذا عارضت رواية رجال ثقات أمثال عطاء وغيره ممن اعتبرهم أهل العلم ووثقوهم - يكفينا لذلك ما ذكره الحافظ الذهبي في
__________
(1) [مجمع الزوائد] (3\271) .
(2/330)

كتابه [ميزان الاعتدال] حيث قال عن عكرمة ما يلي:
قال محمد بن سيرين: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب، وقال ابن المسيب لمولاه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقال وهيب: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري ذكر عكرمة فقال: كذاب. وروى جرير عن يزيد بن أبي زيادة عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد الله، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت له: ألا تتق الله، فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي. وقال ابن أبي ذئب: رأيت عكرمة وكان غير ثقة. وقال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكا يكره أن يذكر عكرمة ولا رأى أن يروى عنه.
قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكا حدث بشيء لعكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة، رواه عن ثور عن عكرمة. وقال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير الحديث والعلم بحرا من البحور، وليس يحتج بحديثه ويتكلم الناس فيه، وقال خالد بن خداش: شهدت حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط؛ لأني أكره أن ألقى الله ولم أحدث به. سمعت أيوب يحدث عن عكرمة أنه قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به، قلت - القائل الحافظ الذهبي -: ما أسوأها عبارة وأخبثها، بل أنزله ليهدي به ويضل الفاسقين، وقال قطر بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين. فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين وإن دخلت الغائط، قال عطاء: والله إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزئ، وثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال في عكرمة: كان يرى رأي الصفرية، وقال ابن
(2/331)

المديني: كان يرى رأي نجدة الحروري، وقال عطاء: كان أباضيا. وقال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج. وقال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب، قال: فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا. إلى آخر ما ذكره (1) .
وما في رواية عكرمة من الإشكال في قوله: " اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ " إذ ليس على العمرة دم، والتمتع والقران لا يسمى أحدهما عمرة فما نوع هذه العمرة المستوجبة للدم؟ ثم إن التعبير بلفظ: فإنها تجزئ، تعبير رديء ركيك ساذج ينزه الأسلوب النبوي عن مستواه. إنه يشبه من يقدم لشخص جائع طعاما ثم يقول له: كله فإنه يرفع الجوع ويدفعه. اللهم إلا أن يكون الغرض من ذلك أنه قسم غنما رديئة لا يجزئ مثلها هديا فاعتبر لها حكما خاصا في الإجزاء كعناق خال البراء بن عازب. وهذا مما لا نستطيع اعتباره والقول به، فمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع وأعلى من أن يرتضي لربه نسائك رديئة يتقرب بها إليه. وقد تقرب صلى الله عليه وسلم لربه بهدي جزل بلغ مائة بدنة.
الثالثة عشرة: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة ما ذكره الشيرازي من الأمر المعنوي في جواز الذبح قبل يوم النحر بأمور ثلاثة يمكن نقاش أحدها بنفي وجود النص الصريح المقتضي منع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حتى يقال بمصادمته للاجتهاد فضلا عن أن القول بالجواز مؤيد بالكتاب والسنة وعمل الصحابة، وقد مر بسط ذلك
__________
(1) [ميزان الاعتدال] (3\ 93 - 96) .
(2/332)

مما يغني عن إعادته.
كما يمكن نقاش الأمر الثاني بما ذكره في الملاحظة الثانية.
ويمكن نقاش الأمر الثالث بأن ما يذكره ابن القيم - رحمه الله - أو غيره من أهل العلم لا يكون حجة حتى يستند قوله على ما يؤيده من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح. أما إذا كان قوله مجرد رأي فإنه رجل وغيره رجال.
الرابعة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشرة من البحث نفي الفرق بين الأضحية والهدي في الوقت.
ويمكن نقاش ذلك: بأنه قياس مع الفارق، فالأضحية عبادة مستقلة جاء النص الصريح بتحديد بدء وقت جواز ذبحها، وكاد الإجماع ينعقد على تحديد نهاية الوقت بنهاية اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق على خلاف بين أهل العلم، أما الهدي الواجب للتمتع أو القران فليس عبادة مستقلة، وإنما هو جزء من أعمال الحج لم يرد نص صريح من كتاب أو سنة بتحديد انتهاء وقته، وقد جاء النص بوجوبه عند حصول التمتع، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فقد وجب عليه الهدي واستقر في ذمته حتى يؤديه، قال ابن حزم - رحمه الله - بعد أن ذكر أن هدي التمتع يجب بالإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة - قال ما نصه:
وأما ذبحه ونحره بعد ذلك فلأن هذا الهدي قد بين الله تعالى أول وقت وجوبه، ولم يحدد آخر وقت وجوبه بحد، وما كان هكذا فهو دين باق أبدا حتى يؤدى، والأمر به ثابت حتى يؤدى، ومن خصه بوقت محدود فقد قال
__________
(1) سورة البقرة الآية 196
(2/333)

على الله ما لم يقله عز وجل، وهذا عظيم جدا. اهـ (1) .
وقد رد بعض أهل العلم قياس هدي التمتع والقران على الأضحية أو هدي التطوع، فقال ابن مفلح: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى (2) . اهـ.
وقال النووي: ويخالف الأضحية؛ لأنه منصوص على وقتها. اهـ (3) .
الخامسة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشرة الاحتجاج على تحديد وقت انتهاء الذبح باليوم الثاني من أيام التشريق بالإجماع بما ذكره الجصاص عن بعض الصحابة، وأنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم.
ويمكن نقاش ذلك بأمرين:
أحدهما: أن المقصود بالذبح ذبح هدي التطوع والأضاحي لا ذبح هدي المتعة والقران؛ لورود النص فيهما دون هدي المتعة والقران ولاختلافه عنهما.
الثاني: استبعاد أن الجصاص يقصد بقوله: وأنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم؛ انعقاد الإجماع على ذلك، وعلى فرض أنه يقصد الإجماع فإن النقل عن بعض الصحابة في حكم مسألة لا يعني إجماع كل الصحابة على القول به حتى يرد النص بنفي الخلاف بينهم فيها ما لم تكن مبنية على نص صريح ثابت من كتاب أو سنة.
السادسة عشرة: جاء في الصفحة الثانية من البحث نقول عن الرملي
__________
(1) [المحلى] (7\ 155) .
(2) [الفروع] (2\ 249) .
(3) [المجموع] (7\ 180) .
(2/334)

والفتوحي من الشافعية: بأن وقت ذبح الهدي محدود بوقت ذبح الأضحية على الصحيح، وصحح ذلك النووي والرافعي.
ويمكن نقاش ذلك: بأن مقصود الرملي والنووي والرافعي بالهدي هو هدي التطوع.
وفيما يلي بعض النصوص في بيان ذلك:
قال النووي: (فرع) في وقت ذبح الأضحية والهدي المتطوع بهما والنذور، فيدخل وقتهما إذا مضى قدر صلاة العيد وخطبتين معتدلتين بعد طلوع الشمس يوم النحر، سواء صلى الإمام أو لم يصل، وسواء صلى المضحي أو لم يصل، ويبقى إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق، ويجوز في الليل لكنه مكروه. . . إلى أن قال: وأما الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتع أو القران أو اللبس أو غير ذلك من فعل محظور أو ترك مأمور، فوقتها من حين وجوبها بوجود سببها، ولا تختص بيوم النحر ولا غيره. اهـ (1) .
وقال في موضع آخر: ووقت وجوب دم التمتع إذا أحرم بالحج، فإذا وجب جازت إراقته ولم يتوقت بوقت كسائر دماء الجبرانات. اهـ. (2) .
وقال الشربيني: وسيأتي في آخر الباب محرمات الإحرام على الصواب ما نصه: ووقته وقت الأضحية على الصحيح هذا بناه المصنف على ما فهمه من أن مراد الرافعي بالهدي هنا المساق تقربا إلى الله تعالى فاعترضه
__________
(1) [الإيضاح] ص 375، 376.
(2) [الإيضاح] ص 522.
(2/335)

هنا، وفي [الروضة] و [المجموع] واعترض الأسنوي المصنف بأن الهدي يطلق على دم الجبرانات والمحظورات، وهذا لا يختص بزمان، وهو المراد هنا، وفي قوله: أولا ثم يذبح من معه هدي، وعلى ما يساق تقربا إلى الله، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر باب محرمات الإحرام فلم يتوارد الكلامان على محل واحد حتى يعد ذلك تناقضا. وقد أوضح الرافعي ذلك في باب الهدي من [الشرح الكبير] فذكر: أن الهدي يقع على الكل، وأن الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، لكنه لم يفصح في [المحرر] عن المراد كما أفصح عنه في [الكبير] فظن المصنف - هو النووي - أن المسألة واحدة فاستدرك عليه، وكيف يجيء الاستدراك مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؟ ! . اهـ (1) .
وبهذا يتضح أن النووي والرافعي والرملي يقصدون بتوقيت ذبح الهدي بوقت الأضحية ما يساق هديا تقربا إلى الله تعالى على سبيل التطوع أو النذر، أما هدي المتعة والقران فنصوصهم صريحة متضافرة على جواز ذبحها بعد وجوبها.
هذا ما تيسر إيراده، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
__________
(1) [مغني المحتاج] (1\ 504) .
(2/336)

مصادر ومراجع هذا البحث (باب الهدي من كتاب الحج)
1 - المذهب الحنفي: [أحكام القرآن] للجصاص، [لباب المناسك] للسندي، [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] ، [مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر] ، [المبسوط] للسرخسي، [كتاب الآثار] لأبي يوسف، [فتح القدير] .
2 - المذهب المالكي: [المدونة] للإمام مالك، [المنتقى] للباجي، [حاشية الرهوني على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل] ، [أحكام القرآن] للقرطبي، [أضواء البيان] للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، [شرح الرسالة] لابن أبي زيد، [شرح الأبي على مسلم] .
3 - المذهب الشافعي: [الأم] للشافعي، [شرح صحيح مسلم] للنووي، [فتح الباري] ، [المجموع شرح المهذب] ، [الإيضاح] للنووي، [المنهاج] وشرحه [مغني المحتاج] ، [الأشباه والنظائر] للسيوطي، [أحكام القرآن] للشافعي، [القرى لقاصد أم القرى] للطبري.
4 - المذهب الحنبلي: [تفسير ابن كثير] ، [المغني] لابن قدامة، [الشرح الكبير] لابن قدامة، [حاشية المقنع] ، [زاد المعاد] لابن قدامة، [الإنصاف] للمرداوي، [مسائل الإمام أحمد] لابنه عبد الله، [القواعد] لابن رجب، [الفروع] لابن مفلح، [المحرر] لمجد الدين أبي البركات، [تحفة الودود في أحكام المولود] لابن قيم الجوزية، [القياس في الشرع الإسلامي] .
(2/337)

5 - كتب أخرى: [المحلى] لابن حزم، [السنن الكبرى] للبيهقي، [سنن الدارقطني] ، [نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية] للزيلعي، [التلخيص الحبير] لابن حجر العسقلاني، [الدراية] ، [شرح معاني الآثار] للطحاوي، [سنن أبي داود] ، [معالم السنن] للخطابي، [بلوغ المرام] لابن حجر العسقلاني.
(2/338)

(4)
حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
وحكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال
وحكم الرمي ليالي أيام التشريق
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/339)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
وحكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال
وحكم الرمي ليالي أيام التشريق
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد (1) :
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية المنعقدة في مدينة الرياض في المدة من 1\ 8\ 1392 هـ إلى 13\ 8\ 1392 هـ.
موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق. وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال. وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الخامس، ص 19 - 50، عام 1405 هـ.
(2/341)

أما بعد: فهذا بحث في بيان حكم رمي جمرة العقبة ليلة النحر، ورميها ليلة القر، وتقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق، والرمي في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر، وبيان أدلة الترخيص للرعاة.
وطريقة البحث هي: تحرير محل الخلاف، وذكر المذاهب، وبعض القائلين بكل مذهب وبيان مآخذهم، ومناقشة هذه المآخذ، والمقارنة بينها على القدر الذي يسره الله جل وعلا وترك الترجيح لأصحاب السماحة والفضيلة أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء.
وقد روعي في إعداد هذا البحث نسبة كل قول إلى من قال به مع ذكر المصدر الذي أخذ منه.
وسيكون في آخر البحث قائمة تشتمل على بيان كاف للمصادر التي أخذ منها حتى يتيسر الأمر لمن أراد الاطلاع عليها.
والله ولي التوفيق.
(2/342)

رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد
ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق
المسألة الأولى: حكم رمي جمرة العقبة ليلة العيد
القول الأول: اختلف العلماء متى يبتدئ وقت رميها:
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز رميها بعد منتصف الليل من ليلة النحر، وممن قال به الشافعي (1) ، وقال المرداوي (2) : وهو الصحيح من المذهب مطلقا، وقول أكثر الأصحاب، وقال ابن قدامة (3) : وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: « (أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم، اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم) تعني: عندها (4) » . رواه أبو داود وسكت عنه. قال أبو حازم (5) : قال أبو داود في رسالته لأهل مكة: وليس في كتاب [السنن] الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وقال ابن كثير (6) : انفرد به أبو داود، وهو إسناد
__________
(1) [الأم] (2\ 180) .
(2) [الإنصاف] (4\ 37) .
(3) [المغني والشرح] (3\ 49) .
(4) سنن أبو داود المناسك (1942) .
(5) [شروط الأئمة الخمسة] ص 54.
(6) [البداية والنهاية] (5\ 182) .
(2/343)

جيد، وقال ابن حجر (1) : إسناده صحيح، وقال ابن قدامة (2) : واحتج به أحمد.
وجه الدلالة: قال الشافعي (3) : وهذا لا يكون إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة.
وقد اعترض على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ودلالته:
أما الاعتراض عليه من جهة سنده: فإنه روي مرسلا وموصولا مسندا، قال القرطبي (4) : روى معمر قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة: أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها (5) » قال أبو عمر: اختلف على هشام في هذا الحديث؛ فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا، كما رواه معمر، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمر أم سلمة بذلك) مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا، وكلهم ثقاة. انتهى.
قال العراقي (6) : إذا اختلف الثقات في حديث فرواه بعضهم متصلا وبعضهم مرسلا فاختلف أهل الحديث هل الحكم لمن وصل أو لمن أرسل أو للأكثر أو للأحفظ؟
على أربعة أقوال: أحدها: الحكم لمن وصل، وهو الأظهر الصحيح،
__________
(1) [الدراية في تخريج أحاديث الهداية] (2\ 24) .
(2) [المغني والشرح] (3\ 49) .
(3) [الأم] (2\ 180) .
(4) [تفسير القرطبي] (3\ 625) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (6/291) .
(6) [شرح ألفية العراقي] (1\ 174) .
(2/344)

كما صححه الخطيب، وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح في الفقه أصوله، وقد اعتضد هذا الحديث بما رواه الخلال (1) بسنده عن سليمان بن داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: «قدمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى» .
قال ابن القيم: قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني، ويقال: ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. انتهى.
قال ابن حجر (2) : قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني، من أهل دمشق ثقة مأمون، وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، ثم قال أيضا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب أنه صدوق. انتهى.
قال الخطيب البغدادي (3) : إذا عدل جماعة رجلا وجرحه أقل عدد من المعدلين فإن الذي عليه جمهور العلماء: أن الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ؛ لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر، ويقولون: عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره، وقد اعتلت هذه الطائفة بأن كثرة المعدلين تقوي حالهم وتوجب العمل بخبرهم، وقلة الجارحين تضعف خبرهم،
__________
(1) [زاد المعاد] (1\ 470) .
(2) [تهذيب التهذيب] (4\ 189، 190) .
(3) [الكفاية في علم الرواية] ص 107.
(2/345)

وهذا بعد ممن توهمه؛ لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك، وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح؛ لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه فثبت ما ذكرناه. وقال أيضا: والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما.
وقد أبطل ابن القيم - رحمه الله - حديث أم سلمة بما ثبت في [الصحيحين] عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة، قالت: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به (1) » .
وجه الدلالة: أن الحديث الصحيح يبين: أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه.
وقد رد هذا الاستدلال بما رواه الدارقطني وغيره، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع، فيرمين الجمرة، ثم تصبح في منزلها، وكانت تصنع ذلك حتى ماتت (2) » .
وقد أجاب ابن القيم - رحمه الله - عن هذا الرد فقال: يرده محمد بن حميد أحد رواته، كذبه غير واحد، ويرده أيضا: حديثها الذي في [الصحيحين] وقولها: (وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة) .
__________
(1) [زاد المعاد] (1\470، 471) .
(2) سنن النسائي مناسك الحج (3066) .
(2/346)

وقد أورد على جواب ابن القيم: بأنه ثبت في [صحيح مسلم] عن أم حبيبة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل (1) » .
فأجاب عنه: بأنها من الضعفة التي قدمها صلى الله عليه وسلم.
ثم أورد ابن القيم اعتراضا فقال: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم (بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر) (2) » .
فأجاب عنه بقوله: قيل: نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد والترمذي وصححه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله، وقال: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (3) » ، ولفظ أحمد فيه: «قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا، من جمع - قال سفيان: بليل - فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: أي بني، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (4) » لأنه أصح منه، وفيه «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس» وهو محفوظ بذكر القصة فيه، والحديث الآخر: إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر. انتهى كلام ابن القيم.
وأما الاعتراض عليه من جهة متنه:
فقال ابن القيم: وأما حديث عائشة رضي الله عنها - «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) » تعني: عندها، رواه أبو داود - فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره، ومما يدل على إنكاره أن فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة) وفي رواية: (توافيه بمكة، وكان يومها فأحب أن توافيه) وهذا من المحال قطعا، قال
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1292) ، مسند أحمد بن حنبل (6/427) ، سنن الدارمي المناسك (1885) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (1/320) .
(3) سنن الترمذي الحج (893) ، سنن أبو داود المناسك (1941) .
(4) سنن أبو داود المناسك (1940) ، سنن ابن ماجه المناسك (3025) ، مسند أحمد بن حنبل (1/311) .
(5) سنن أبو داود المناسك (1942) .
(2/347)

الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة (1) » لم يسنده غيره وهو خطأ، وقال وكيع عن أبيه مرسلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا، وهذا أعجب، أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة؟ ينكر ذلك، قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته، فقال عن هشام عن أبيه (أمرها أن توافي) ليس (توافيه) قال: وبين ذين فرق، قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال: هكذا سفيان عن هشام عن أبيه، قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع (توافيه) وإنما قال وكيع: (توافي منى) وأصاب في قوله: (توافي) كما قال أصحابه وأخطأ في قوله: (منى) . انتهى المقصود.
فقد اعتمد ابن القيم - رحمه الله - في إنكار هذا الحديث على إنكار الإمام أحمد، كما اعتمد عليه ابن التركماني (2) ، والطحاوي (3) .
ولكن يرد استنكار الإمام أحمد - رحمه الله - لهذا الحديث قول ابن قدامة (4) - رحمه الله - بعد ذكره لهذا الحديث: واحتج به أحمد. وقد سبق ذكر طائفة من أهل العلم بالحديث ورجاله أنهم صححوه، واعتماد ابن القيم - رحمه الله -، وكذلك الطحاوي وابن التركماني على استنكار الإمام أحمد غير صحيح فقد تبين أنه احتج به فبطل الأصل، وببطلانه يبطل قول من اعتمد عليه. وصرح ابن حجر (5) في [التلخيص الحبير] بسلامته من الزيادة
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (6/291) .
(2) [الجوهر النقي على سنن البيهقي] (5\ 132) .
(3) [شرح معاني الآثار] (2\ 221) .
(4) [المغني والشرح الكبير] (3\ 449) .
(5) [التلخيص الحبير] (2\ 258) .
(2/348)

التي استنكرها الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -، أي: سلامة رواية أبي داود.
وأما الاعتراض على حديث أم سلمة من ناحية الدلالة فمن وجهين:
أحدهما: أنه خاص بها.
قال الخطابي (1) : وقال غيره - أي: الشافعي - إنما هذا رخصة خاصة لها فلا يجوز أن يرمى قبل الفجر.
وقال الزرقاني (2) : ويؤيده كون ذلك اليوم يوم نوبتها منه صلى الله عليه وسلم، وله أن يخص من شاء بما شاء.
ويجاب عن هذا: بأن القاعدة المقررة في علم الأصول: أن خطاب المواجهة يعم إلا إذا أول الدليل على الخصوص (3) .
ويرد ذلك: بورود الأدلة الدالة على نهي ابن عباس وأمثاله عن الرمي قبل طلوع الشمس، وكذلك رميه صلى الله عليه وسلم ضحى مع قوله: «خذوا عني مناسككم (4) » .
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن حديث عائشة محمول على الجواز، وحديث ابن عباس محمول على الأفضل.
أو أن حديث ابن عباس محمول على غير أهل الأعذار، وحديث عائشة محمول على أهل الأعذار.
الوجه الثاني: أن الرخصة لأم سلمة رضي الله عنها أن ترمي في الليل
__________
(1) [معالم السنن] (2\ 405) .
(2) [شرح المواهب اللدنية (8\ 188) .
(3) [روضة الناظر] (2\ 100، 101) .
(4) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2/349)

عام في النساء فقط، لكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن (1) .
وقد يفهم تخصيص ذلك بالنساء من تصرف النسائي حيث ترجم هذه الترجمة (الرخصة في ذلك للنساء) وساق حديث عائشة، وذلك بعد روايته لحديث ابن عباس الذي في (النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس) .
وقال محمد شمس الحق العظيم أبادي (2) : وهذا الحكم مختص بالنساء، فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت؛ لورود الأدلة بخلاف ذلك، لكنه يجوز لمن ذهب معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن، ويجري في هذا الوجه من المناقشة والمقارنة ما جرى في الوجه الذي قبله.
الدليل الثاني: عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي فصلت، ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم حلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: (فارتحلوا) فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني، إن رسول الله قد أذن للظعن (3) » هذا لفظ البخاري، وعن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: إن مولاة أسماء بنت أبي بكر أخبرته قالت: «جئنا
__________
(1) [الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير] للسياغي (3\ 53) .
(2) [عون المعبود] (2\ 139) .
(3) صحيح البخاري الحج (1679) ، مسند أحمد بن حنبل (6/347) .
(2/350)

مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما منى بغلس، قالت: فقلت لها: لقد جئنا منى بغلس، فقالت: (كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك (1) » أخرجه مالك في [الموطأ] والنسائي في [السنن] .
وأخرج أبو داود: قال عطاء: أخبرني مخبر «عن أسماء: أنها رمت الجمرة قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: (إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) » وقول أسماء رضي الله عنها: (كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك) و (كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) له حكم الرفع، كما هو مقرر في علم أصول الحديث (3) .
وجه الدلالة (4) : في هذا الحديث دليل على أنه يجوز للنساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل (5) ، وحد القبلية: نصف الليل بشهادة العرف وظاهره، سواء كان ثمة عذر أم لا، ولذلك قالت أسماء: كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب المواجهة يعم كما سبق، وقد سبق في رواية البخاري (قد أذن للظعن) .
وقد رد هذا الوجه: بأن أسماء إنما رمت بعد طلوع الفجر فلا حجة فيه لمن استدل به على جواز رميها قبل طلوع الفجر.
قال ابن القيم (6) : ليس في هذا - يعني: حديث أسماء - دليل على جواز رميها - أي: جمرة العقبة - بعد نصف الليل، فإن القمر يتأخر في الليلة
__________
(1) موطأ مالك كتاب الحج (889) .
(2) سنن أبو داود المناسك (1943) .
(3) [شرح ألفية العراقي] (1\ 128) .
(4) [عون المعبود] (2\ 139) .
(5) [الروض النضير] (3\ 53) .
(6) [تهذيب السنن] (2\ 406) .
(2/351)

العاشرة إلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عليه، ومع هذا فهي رخصة للظعن، وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. انتهى.
وقال الطحاوي (1) متعقبا الاستدلال بحديث أسماء على جواز الرمي بعد نصف الليل قال: فقد يحتمل - أي: قول مولى أسماء لها: قد غلسنا - أن يكون أراد التغليس في الدفع من مزدلفة، ويجوز أن يكون أراد التغليس في الرمي، فأخبرته أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في التغليس لما سألها عن التغليس به من ذلك، وقال بعد ذلك في (باب رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر) قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب حديث - أسماء أنها رمت ثم رجعت إلى منزلها فصلت الفجر، فقلت لها: قد غلسنا، فقالت: (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للظعن) فأخبرت: أن ما قد كان رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك للظعن هو الإفاضة من المزدلفة في وقت ما يصيرون إلى منى في حال مآلهم أن يصلوا صلاة الصبح. انتهى.
وتعقبه أيضا ابن كثير (2) فقال: إن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس؛ لأن إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط؛ فلهذا أمر الغلمان بألا
__________
(1) [شرح معاني الآثار] (2\ 216 - 218) .
(2) [البداية والنهاية] (5\ 182) .
(2/352)

يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس؛ لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر، وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها، لكن يقوي الأول قول أبي داود. . . «عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: (إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (1) » انتهى كلام ابن كثير.
والغلس: - محركة- ظلمة آخر الليل (2) ، والليل والليلات من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس (3) . انتهى. وإذا كان رميها قد وقع قبل الفجر فتجري فيه المناقشة والمقارنة التي مضت في الجواب عن الاعتراض الثاني على حديث أم سلمة من جهة دلالته.
الدليل الثالث: القياس، ونصه: ولأنه وقت للدفع من مزدلفة وكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس (4) .
ويجاب عن (5) هذا: بأن أوقات المناسك لا تعرف قياسا.
__________
(1) سنن أبو داود المناسك (1943) .
(2) [القاموس المحيط] (2\ 232) .
(3) [القاموس المحيط] (4\ 48) .
(4) [المغني] لابن قدامة (3\ 449) .
(5) [بدائع الصنائع] (2\ 138) .
(2/353)

القول الثاني: لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر، ومن رماها قبل طلوع الفجر أعادها.
وقال القرطبي (1) : قال الإمام مالك: لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل طلوع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 5) .
(2/353)

الفجر أعادها. انتهى كلام القرطبي.
وكذلك قال بالمنع أبو حنيفة وأصحابه (1) .
واستدل لهذا القول بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: عن كريب عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين» أخرجه البيهقي في [السنن الكبرى] والطحاوي في [شرح معاني الآثار] .
وعن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في الثقل وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا (2) » أخرجه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] .
وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن رمي جمرة العقبة إذا قدموا منى حتى يصبحوا (3) ، إذ المعنى: حتى تدخلوا في الصباح وهو يحصل بأول الفجر، ورد (4) هذا الاستدلال بأن اللفظ مطلق يدل على فرد شائع مما يحتمله اللفظ، ومن جملة ما تصح إرادته الوقت الذي بعد طلوع الشمس لدخوله في مطلق الإصباح فيكون مجملا، وقد بين بفعله صلى الله عليه وسلم حيث رماها ضحى، فكان هو المراد، ولا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تطلع الشمس (5) » لعدم التفاوت بين طلوعها ووقت الضحى الذي هو انبساطها وإشراق نورها إذ فيه تحقيق للبعدية. انتهى.
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2\ 137) ، و [المغني والشرح] (3\ 449) .
(2) سنن الترمذي الحج (893) ، سنن أبو داود المناسك (1941) .
(3) [الروض النضير] (3\ 53) .
(4) [الروض النضير] (3\ 54) .
(5) سنن الترمذي الحج (893) ، سنن أبو داود المناسك (1941) .
(2/354)

الدليل الثاني: وأما قول مالك رحمه الله: (لم يبلغنا) يعارض بما سبق في حديث أم سلمة وأسماء.
القياس، وهو (1) : أن النصف الآخر من الليل وقت الوقوف فلم يكن وقتا للرمي كالنصف الأول.
ويجاب عنه: بأن (2) أوقات المناسك لا تعرف قياسا.
__________
(1) [المنتقى] للباجي (2\22)
(2) [بدائع الصنائع] (2\ 138)
(2/355)

القول الثالث: أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو قول النخعي والثوري (1) ، واختيار ابن القيم (2) .
واستدل لهذا القول بأدلة:
الدليل الأول: عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (3) » رواه مسلم.
وجه الدلالة: قال النووي (4) : وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا مناسككم (5) » فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي. مناسككم، فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، وهذا الحديث
__________
(1) [المغني والشرح] (3\ 449)
(2) زاد المعاد (1\ 471)
(3) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن النسائي مناسك الحج (3062) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(4) [شرح النووي على صحيح مسلم] (9\ 43)
(5) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن النسائي مناسك الحج (3062) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(2/355)

أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي (1) » انتهى.
الدليل الثاني: عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (2) » . رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي (3) والنووي (4) وابن القيم (5) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، وقد مضى إيراد ابن القيم على هذا الحديث ودفعه ومناقشته لحديث أم سلمة وأسماء.
الدليل الثالث: حديث أسماء المتفق عليه، وقد سبق، قال فيه: قالت: (يا بني هل غاب القمر؟) قلت: نعم، قالت: (فارتحلوا) فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت: «يا بني، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن (6) » اهـ.
وجه الدلالة: هذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس وهو بقية الظلام.
وصرحت بأنه صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك للظعن، ومفهومه: أنه لم يأذن للذكور الأقوياء (7) انتهى.
وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به للمذهب الأول.
__________
(1) صحيح البخاري أخبار الآحاد (7246) ، سنن الدارمي الصلاة (1253) .
(2) سنن الترمذي الحج (893) ، سنن أبو داود المناسك (1941) ، سنن ابن ماجه المناسك (3025) .
(3) [جامع الترمذي مع التحفة] (2\ 103)
(4) [المجموع شرح المهذب] (8\ 180)
(5) [زاد المعاد] (1\ 471)
(6) صحيح البخاري الحج (1679) ، صحيح مسلم الحج (1291) ، مسند أحمد بن حنبل (6/347) .
(7) [أضواء البيان] (5\ 279)
(2/356)

الدليل الرابع: حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، وفيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (رخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وجه الدلالة (1) : حديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس، كما ترى ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك.
وقد جمع ابن القيم بين أدلة هذا الباب فقال (2) : لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق معه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. انتهى.
وبعد سرده للمذاهب في هذه المسألة قال (3) : والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر؛ لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (4) : الذي يقتضي الدليل رجحانه
__________
(1) [أضواء البيان] (5\ 279) .
(2) [زاد المعاد] (1\ 471) .
(3) [زاد المعاد] (1\ 472) .
(4) [أضواء البيان] (5\ 280) .
(2/357)

في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس؛ لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم - أعني: الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر- فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في علم الأصول هي: أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز، وله وجه من النظر.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. انتهى المقصود.
(2/358)

المسألة الثانية: حكم رمي جمرة العقبة ليلة النفر
في هذه المسألة مذهبان:
المذهب الأول: إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فإنه يرميها.
قال الطحاوي: وقال أبو حنيفة: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم
(2/358)

النحر ثم رماها في الليلة التي بعدها فلا شيء عليه وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ (1) . انتهى.
وقال الكاساني: فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأ، ولا شيء عليه في قول أصحابنا (2) . انتهى.
هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وأما مذهب مالك فقد جاء في [المدونة] ، (3) هذا النص: ما قول مالك فيمن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل؟ قال مالك: من أصابه مثل ما أصاب صفية حين احتبست على ابنة أخيها، فأتت بعد ما غابت الشمس فرمت، ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرهما في ذلك بشيء. . . قال مالك: وأما أنا فأرى على من كان في مثل حال صفية ولم يرم حتى غابت الشمس أن عليه الدم. . . قال مالك: من ترك رمي جمرة العقبة حتى تغيب الشمس فعليه دم.
قلت: أرأيت إن ترك بعض رمي جمرة العقبة من يوم النحر ترك حصاة أو حصاتين حتى غابت الشمس؟ قال: قال مالك: يرمي ما ترك من رميه ولا يستأنف جميع الرمي ولكن يرمي ما نسي من عدد الحصا، قلت: فهل عليه دم؟ قال ابن القاسم: قد اختلف قوله في هذا وأحب إلي أن يكون عليه دم.
__________
(1) [شرح معاني الآثار] ، (1\ 415) .
(2) [بدائع الصنائع] (2\ 137) .
(3) [المدونة] (1\ 323) .
(2/359)

قلت: فيرمي ليلا في قول مالك هذا الذي ترك من رمي جمرة العقبة شيئا أو ترك الجمرة كلها؟ قال: نعم، يرميها في قول مالك ليلا، قلت فيكون عليه الدم؟ قال: كان مالك مرة يرى ذلك عليه ومرة لا يرى ذلك عليه. انتهى.
وأما المذهب الشافعي: فقد نص الشافعي (1) على أنه يرمي ليلا ولا شيء عليه، وقال النووي (2) : لو ترك رمي جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على أيام التشريق، ويكون أداء على الأصح، وإذا قلنا بالأصح: إن المتدارك أداء لا قضاء كان تعجيل كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة. انتهى.
هذا ما تيسر تفصيله للمذاهب الثلاثة، فهم متفقون على رميها، لكن هل هو قضاء أو أداء، وهل فيه دم أو لا شيء فيه؟ بينهم خلاف كما سبق. واستدل لقولهم بجواز رميها بعد غروب الشمس بأدلة:
الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: "لا حرج"، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج " فقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: " لا حرج (3) » رواه البخاري.
وقد بسط الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (4) الكلام على هذا الدليل
__________
(1) [الأم] للشافعي (2\ 181)
(2) [الإيضاح] ص406
(3) صحيح البخاري الحج (1735) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) ، مسند أحمد بن حنبل (1/291) .
(4) [أضواء البيان] (5\ 281- 285) .
(2/360)

فنسوق المقصود من كلامه: فقالوا: قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل.
ورد هذا الاستدلال بأن مراد السائل بقوله: (بعدما أمسيت) يعني به:
بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل.
قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى) الحديث.
فتصريحه بقوله (يوم النحر) يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن الإمساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل.
قال ابن حجر في [فتح الباري] في شرح الحديث المذكور، قال: (رميت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام فلم يتعين؛ لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى.
وقال ابن منظور في [لسان العرب] : المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل.
قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل، وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا.
وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة:
الأول: منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «"لا حرج (1) » بعد قول السائل: (رميت بعدما أمسيت) ، يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب،
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1721) ، صحيح مسلم الحج (1307) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) ، مسند أحمد بن حنبل (1/291) .
(2/361)

ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار.
الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور ما هو أعم من يوم النحر وهو صادق قطعا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيه لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في بعض أيام التشريق: (رميت بعدما أمسيت) لا ينصرف إلا إلى الليل؛ لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي.
قال أبو عبد الرحمن النسائي في [سننه] : أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال: حدثنا يزيد- هو: ابن زريق- قال: حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أيام منى فيقول: "لا حرج "، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "لا حرج "، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: "لا حرج (1) » وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى؛ لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في [صحيحه] ، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: (أيام منى) بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل. . . فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري، فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصيصه به، ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود وابن ماجه؛ لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإفراد.
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1735) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) .
(2/362)

فالجواب: أن المقرر في الأصول: أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه على مذهب الجمهور خلافا لأبي ثور (1) ، سواء كان العام وبعض أفراده المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين.
وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول: «"لا حرج (2) » وأنه «سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: "لا حرج (3) » ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت؟ وعموم أيام منى صادق بيوم النحر، وقد بينت رواية البخاري: أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر أيام منى، ولا ينافي ذلك أنه قال: «"لا حرج (4) » في أشياء أخر في بقية أيام منى، وغاية ذلك أن أيام منى عام، ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: (رميت بعدما أمسيت) .
الثالث: هو ما قدمناه في [الموطأ] عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الرمي ليلا جائز. انتهى.
وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر؛ لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها (5) . انتهى المقصود.
الدليل الثاني: عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنة أخ لصفية بنت أبي
__________
(1) يريد بذلك. أنه لا يخصصه إذا كان متفقا معه في حكمه.
(2) صحيح البخاري الحج (1721) ، صحيح مسلم الحج (1307) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) ، مسند أحمد بن حنبل (1/291) .
(3) صحيح البخاري الحج (1735) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) .
(4) صحيح البخاري الحج (1721) ، صحيح مسلم الحج (1307) ، سنن النسائي مناسك الحج (3067) ، سنن أبو داود المناسك (1983) ، سنن ابن ماجه المناسك (3050) ، مسند أحمد بن حنبل (1/291) .
(5) [أضواء البيان] (5\ 285- 288) .
(2/363)

عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرها عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا. رواه مالك في [الموطأ] ، وابن أبي شيبة في [المصنف] وقد سبق بيان وجه الاستدلال منه.
الدليل الثالث: عن ابن جريج عن عمرو قال: أخبرني من رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ترمي غربت أو لم تغرب، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في [المصنف] .
الدليل الرابع: ما رواه الثوري عن رجل عن نافع، قال: قال ابن عمر: (إذا نسيت رمي الجمرة يوم النحر إلى الليل فارمها بالليل، وإذا كان من الغد فنسيت الجمار حتى الليل فلا ترمي حتى يكون من الغد عند زوال الشمس ارم الأول فالأول) ، ورواه عبيد الله عن نافع عن عمر مختصرا بلفظ: «من نسي أيام الجمار وقال: رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد» رواه البيهقي في [السنن الكبرى] .
الدليل الخامس: عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراعي يرمي بالليل ويرمى بالنهار» رواه البيهقي في [السنن] والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (1) ، وأورد على هذا الاستدلال بأنه رخص لهم للعذر.
وأجيب (2) : بأنه ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكن أن يستنيب بعضهم
__________
(1) [المنتقى] (3\ 51) .
(2) [بدائع الصنائع] (2\ 137) .
(2/364)

بعضا فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر فيدل على الجواز مطلقا.
(2/365)

المذهب الثاني: إذا غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فلا يرميها إلا من الغد بعد الزوال، وهذا مذهب أحمد والرواية الثانية عن الشافعي.
واستدل لهذا: بأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد) وقد سبق أنه رواه البيهقي، وهذا الأثر معارض بما تقدم ذكره عن ابن عمر، ففيه فرق بين رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي غيرها، وهو الدليل الرابع من أدلة القائلين بجواز رميها في ليلة القدر.
(2/365)

المسألة الثالثة: حكم تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة:
وفيه مذاهب:
المذهب الأولى: لا يجوز تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة، ومن رمى قبل الزوال أعاده، وممن ذهب إلى هذا مالك (1) ، والشافعي (2) ، وهو الصحيح من مذهب أحمد (3) .
ويستدل لهذا المذهب بما يأتي:
الدليل الأول: ما جاء في خطبته صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر من حديث جابر
__________
(1) [المدونة] (2\ 183)
(2) [الأم] (2\ 180)
(3) [المغني والشرح] (3\ 476) ، و [الإنصاف] (4\ 45)
(2/365)

رضي الله عنه «لتأخذوا عني مناسككم (1) » .
وقد مضى بيان معنى هذه الجملة وهو وجه الاستدلال من الحديث بصفة عامة، وأن هذه اللام لام الأمر، وقد (2) جاء في بعض الروايات التصريح بالأمر، وكونه صلى الله عليه وسلم يؤخر الرمي حتى تزول الشمس في هذه الأيام الثلاثة. هذا بيان لوقت بدء الرمي، وهذا داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم «لتأخذوا عني مناسككم (3) » وقد تقرر في علم الأصول: أن البيان تابع للمبين في الحكم، والحكم هنا هو الأمر، والأمر في الأصل يقتضي الوجوب إلا بقرينة تصرفه عنه، فيكون الرمي بعد الزوال واجبا، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فلا يجوز الرمي قبل الزوال.
ومن الأدلة الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرم في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال: ما رواه جابر رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال (4) » رواه مسلم في الصحيح، ورواه الترمذي والنسائي وأبو داود، وقال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح، وأخرجه البخاري تعليقا بصيغة الجزم.
قال ابن حجر (5) : وقد وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر. اهـ.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها «ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات (6) » الحديث رواه أحمد في [المسند] ، وأبو داود والبيهقي في [السنن الكبرى]
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(2) [فتح الباري] (3\ 579)
(3) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(4) صحيح مسلم الحج (1299) ، سنن الترمذي الحج (894) ، سنن النسائي مناسك الحج (3063) ، سنن أبو داود المناسك (1971) ، سنن ابن ماجه المناسك (3053) ، سنن الدارمي المناسك (1896) .
(5) [فتح الباري] (3\579)
(6) سنن أبو داود المناسك (1973) ، مسند أحمد بن حنبل (6/90) .
(2/366)

والحاكم في [المستدرك] ، وابن حبان في [صحيحه] .
الدليل الثاني: عن وبرة بن عبد الرحمن السلمي قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما: متى أرمي الجمار؟ قال: (إذا رمى إمامك) فأعدت عليه المسألة قال: (كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا) أخرجه البخاري في [الصحيح] .
ورواية مالك في [الموطأ] عن ابن عمر رضي الله عنهما: لا ترمى الجمار حتى تزول الشمس. وجه الاستدلال قال ابن الأثير (1) : (نتحين) تحينت الوقت، أي: طلبت الحين وهو الوقت. وقال ابن حجر (2) : فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) [جامع الأصول] (3\ 278) .
(2) [الفتح] (3\ 580)
(2/367)

المذهب الثاني: يجوز رمي الجمار في هذه الأيام الثلاثة قبل الزوال مطلقا: ونسب ابن حجر (1) والعيني (2) هذا المذهب إلى عطاء وطاوس، ولكن بالنسبة لعطاء قد ورد عنه ما يدل على خلاف هذا المذهب المنسوب إليه، فقد روى الحاكم في [المستدرك] بسنده عن ابن جريج عن عطاء: أنه قال: (لا أرمي حتى تزيغ الشمس: إن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي يوم النحر قبل الزوال، فأما بعد ذلك فعند الزوال (3) » قال الحاكم بعد سياق سنده ومتنه: هذا صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في تلخيصه.
__________
(1) [الفتح] (3\ 580)
(2) [عمدة القاري] (10\ 86)
(3) صحيح مسلم الحج (1299) ، سنن الترمذي الحج (894) ، سنن النسائي مناسك الحج (3063) ، سنن أبو داود المناسك (1971) ، سنن ابن ماجه المناسك (3053) ، سنن الدارمي المناسك (1896) .
(2/367)

المذهب الثالث: مذهب أبي حنيفة، وفيه تفصيل، هذا بيانه مع المستند، وجوابه عن أدلة الجمهور.
قال الكاساني (1) : وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي- فبعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة: أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز.
ووجه هذه الرواية: أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر، فكذا في اليوم الثاني والثالث " لأن الكل أيام النحر.
وجه الرواية المشهورة: ما روي عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (2) » وهذا باب لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيف. وأما وقت الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق- وهو اليوم الرابع من أيام الرمي- فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز، واحتجا بما روي عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم «رمى الجمرة يوم النحر ضحى، ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (3) » وأوقات المناسك لا تعرف قياسا، فدل أن وقته بعد الزوال، ولأن هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق.
__________
(1) [بدائع الصنائع] (2\ 136، 137)
(2) صحيح مسلم الحج (1299) ، سنن الترمذي الحج (894) ، سنن النسائي مناسك الحج (3063) ، سنن أبو داود المناسك (1971) ، سنن ابن ماجه المناسك (3053) ، سنن الدارمي المناسك (1896) .
(3) صحيح مسلم الحج (1299) ، سنن الترمذي الحج (894) ، سنن النسائي مناسك الحج (3063) ، سنن أبو داود المناسك (1971) ، سنن ابن ماجه المناسك (3053) ، سنن الدارمي المناسك (1896) .
(2/368)

ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال (إذا انتفخ النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي) ، والظاهر أنه قاله سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر رضي الله عنه بهذا الحديث، أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب، ولأن له أن ينفر قبل الرمي، ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا، فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى. انتهى.
قال الزيلعي (1) : ورواية البيهقي عن ابن عباس (إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر) انتهى في [مسند طلحة بن عمر] وضعفه البيهقي، قال: والانتفاخ: الارتفاع. انتهى.
وقال ابن منظور (2) : وانتفخ النهار علا قبل الانتصاف بساعة.
وقال البابرتي (3) : قوله في المشهور من الرواية احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان من قصده أن يتعجل في النفر الأول- فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده فلا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج؛ لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل موضع المنزل.
__________
(1) [نصب الراية] (3\85)
(2) [لسان العرب] (4\ 31)
(3) [العناية على الهداية] (2\ 185)
(2/369)

وقال ابن الهمام (1) : وقوله في المشهور من الرواية احتراز عما روي عن أبي حنيفة رحمه الله: قال: أحب إلي ألا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه.
وحمل المروي من قوله عليه السلام على اختيار الأفضل، وجه الظاهر: ما قدمناه من وجوب اتباع المنقول؛ لعدم المعقولية، ولم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك لينفتح باب التخفيف بالتقديم وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده. انتهى.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطى (2) : بعد سياقه للأدلة الدالة على أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال في أيام التشريق، قال: وبهذه النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه - كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك خالف في الترخيص أبا حنيفة صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يفعله.
__________
(1) [فتح القدير] (2\ 185)
(2) [أضواء البيان] (5\ 295)
(2/370)

المسألة الرابعة: حكم رمي الجمار في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر عن اليوم الذي قبلها:
في هذه المسألة مذهبان:
المذهب الأول: الجواز. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
أما الحنفية: فقال السندي (1) : (ولو لم يرم يوم النحر) أي: اليوم الأول أو (الثاني أو الثالث رماه في الليلة المقبلة) أي: الآتية لكل من الأيام الماضية (ولا شيء عليه سوى الإساءة) أي: لتركه السنة (إن لم يكن عذر) أي: ضرورة (ولو رمى ليلة الحادي عشر أو غيرها من غدها) أي: من أيامها المقبلة لم يصح؛ لأن الليالي (في الحج) أي: في حقه (في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة) أي: فيجوز رمي اليوم الثاني من أيام النحر ليلة الثالث، ولا يجوز فيها رمي اليوم الثالث، كما أن الوقوف جائز في ليلة العاشر، ولا يجوز فيها من أفعال ذلك اليوم من الوقوف بمزدلفة والرمي ونحوهما (ولو لم يرم في الليل) أي: من ليالي أيامها الماضية أداء (رماه في النهار) أي: في نهار الأيام التالية على التأليف (قضاء) أي: اتفاقا (وعليه الكفارة) الدم عند الإمام ولا شيء عليه عندهما. انتهى.
وأما المالكية: ففي [المدونة] (2) قلت: فإن ترك رمي جمرة من الجمار في اليوم الذي بعد يوم النحر ما عليه في قول مالك؟ قال: قد اختلف قول مالك: مرة يقول: من نسي رمي الجمار حتى تغيب الشمس فليرم ولا شيء
__________
(1) [لباب المناسك وشرحه المسلك في المنسك المتوسط] ص 161.
(2) [المدونة] (1\ 323)
(2/371)

عليه، ومرة قال: ليرم وعليه دم، قال: وأحب إلي أن يكون عليه الدم، قلت: وكذلك اليوم الذي بعده؟ قال: نعم. انتهى.
وفي [الموطأ] (1) : قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهارا. انتهى المقصود.
وفي [مختصر خليل وشرحه] للدردير (2) : (والليل) عقب كل يوم (قضاء) لذلك اليوم الذي يجب فيه الدم.
وقال الباجي (3) بعد سياقه للدليل الدال على مشروعية الرمي بعد الزوال وكلامه عليه- قال: إذا ثبت ذلك فإن أول أداء الرمي لكل يوم من أيام التشريق زوال الشمس منه وآخره غروب الشمس، ووقت القضاء: من غروب الشمس إلى بقية أيام التشريق، الليل والنهار سواء في القضاء، يبين ذلك ما روي عن مالك في رمي رعاء الإبل الجمار أنهم لا يرمون اليوم الذي يلي يوم النحر إلا في اليوم الذي بعده " لأنه لا يقضي شيء حتى يجب، فإذا وجب ومضى كان القضاء بعد ذلك.
وأما الشافعية: فقال النووي (4) : إذا ترك شيئا من الرمي نهارا فالأصح أنه يتدراكه ليلا أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمدا أو سهوا، وإذا تداركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء. انتهى المقصود.
__________
(1) [الموطأ مع المنتقى] (3\ 53) .
(2) [مختصر خليل وشرحه] للدردير (2\ 48) .
(3) [المنتقى] (3\ 51) .
(4) [الإيضاح] ، ص 406.
(2/372)

وقال الرملي (1) : وإذا ترك رمي يوم أو يومين من أيام التشريق عمدا أو سهوا أو جهلا تداركه في باقي الأيام منها في الأظهر بالنص في الرعاء وأهل السقايا وبالقياس في غيرهم، إذ لو كانت بقية الأيام غير صالحة للرمي لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره، كما في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، والمتدارك أداء كما مر، ولو تدارك قبل الزوال أو ليلا أجزأه، كما جزم به في الأول في أصل [الروضة] و [المجموع] و [المناسك] واقتضاه نص الشافعي رحمه الله، وبالثاني لابن الصباغ في [شامله] وابن الصلاح والمصنف في [مناسكهما] ، وإن جزم ابن المقري تبعا لجمع بخلافه فيهما إذ جملة أيام الرمي كوقت واحد وكل يوم لرميه وقت اختيار، لكن لا يجوز تقديم رمي كل يوم عن زوال شمسه كما مر. انتهى.
الأدلة: قد بنى الحنفية مذهبهم على الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا، وعندهم أنه ليس خاصا بهم، بل هو عام، كما سيأتي في الكلام على أدلة الرخصة للرعاة، وهي المسألة الخامسة.
وبنوه أيضا على أن الليلة في حكم اليوم الذي قبلها في الحج كما سبق عن السندي.
وأما المالكية: فأما مالك فإنه يقوله في الناسي فقط، حسبما اطلعنا عليه.
وقد بناه قياسا على من نسي صلاة أخذا من حديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (2) » الحديث.
__________
(1) [نهاية المحتاج] (2\315)
(2) سنن الترمذي الصلاة (177) ، سنن النسائي المواقيت (615) ، سنن ابن ماجه الصلاة (698) .
(2/373)

وأما الباجي ومن وافقه: فقد استدل بحديث الرعاء، وسيأتي في كلام الباجي مع بيان وجه الاستدلال به عند الكلام على أدلة الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا.
وأما الشافعية: فإنهم يقولون به بالنص للرعاء وأهل السقاية، وبالقياس في غيرهم، وسيأتي الكلام على أحاديث الرخصة للرعاء ومناقشتها.
وأما أهل السقاية: فإن الرخصة التي وردت في حقهم هي الرخصة في المبيت لا الرخصة في الرمي هذا حسبما وقفنا عليه، وفي حالة عدم ثبوت دليل يدل على الرخصة لهم في الرمي فلا يصح القياس عليهم، وقد مضت مناقشة الاستدلال بالقياس في العبادات، ويمكن أن يستدل للقول بجواز الرمي ليلا عن اليوم الذي قبله- برواية النسائي التي سبقت، وقد جاء فيها: كان يسأل أيام منى، فسأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت؟ قال: «ارم ولا حرج (1) » ، وقد مضى الكلام على هذا الدليل.
المذهب الثاني: ومن غربت عليه الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من أيام التشريق وهو لم يرم الجمار لذلك اليوم فإنه يرميها من الغد بعد الزوال.
وهذا مذهب أحمد ومن وافقه، واستدل به (2) ابن قدامة في [المغني] بقول ابن عمر رضي الله عنهما: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. وقد مضى هذا الأثر.
__________
(1) صحيح البخاري العلم (83) ، سنن الترمذي الحج (916) ، سنن أبو داود المناسك (2014) ، مسند أحمد بن حنبل (2/217) ، موطأ مالك الحج (959) ، سنن الدارمي المناسك (1907) .
(2) كذا بالأصل، ولعلها: (واستدل له) . الناشر.
(2/374)

قال المرداوي (1) : وقال ابن عقيل: نصه للرعاة خاصة الرمي ليلا، نقله ابن منصور. انتهى.
__________
(1) [الإنصاف] (4\ 37)
(2/375)

المسألة الخامسة: أدلة الترخيص للرعاة في الرمي:
عن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (1) » ، هذا لفظ [الموطأ] .
قال مالك: (تفسير ذلك فيما نرى- والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، ويرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك " لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم في النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا) وأخرجه في [الموطأ] .
قال الباجي (2) : قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يقتضي أن هناك منعا خاصا هذا منه؛ لأن لفظة: رخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرا في الكون مع الظهر الذي لا بد من مراعاته والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، وقد قال تعالى:
__________
(1) سنن الترمذي الحج (955) ، سنن النسائي مناسك الحج (3069) ، سنن أبو داود المناسك (1975) ، سنن ابن ماجه المناسك (3037) ، موطأ مالك الحج (935) ، سنن الدارمي المناسك (1897) .
(2) [المنتقى] (3\ 51)
(2/375)

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} (1) فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى. انتهى.
قال الكاساني (2) : ولا يقال: إنه رخص لهم ذلك لعذر، لأنا نقول ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر، فيدل على الجواز مطلقا، فلا يجب الدم. انتهى المقصود.
وقال الباجي (3) : وقوله: يرمون يوم النحر: أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافة إلى غيره، ثم يرمون الغد يريد أنه يرمي لليومين، فقال: يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، فذكر الأيام التي يرمي لها وهي الغد من يوم النحر وبعد الغد، وهما أول أيام التشريق وثانيهما، ولم يذكر وقت الرمي، وإنما يرمي لهما في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال؛ ولذلك جمع بينهما في اللفظ، فقال: ليومين، وقد فسر ذلك مالك على ما تقدم ذكره، وفي رواية الترمذي قال: أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما.
قال: قال مالك: ظننت أنه قال في الأول منهما ثم يرمون يوم النفر، وفي أخرى له ولأبي داود والنسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (4) » .
__________
(1) سورة النحل الآية 7
(2) [بدائع الصنائع] (2\ 137) .
(3) [المنتقى] (3\ 51) .
(4) سنن الترمذي الحج (954) ، سنن أبو داود المناسك (1976) ، سنن ابن ماجه المناسك (3036) ، مسند أحمد بن حنبل (5/450) .
(2/376)

وفي أخرى للنسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونه في أحدهما (1) » .
قال ابن الأثير (2) : إسناد هذا الحديث في [الموطأ] عن أبي البداح عاصم بن عدي عن أبيه، وفي نسخة أخرى عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه.
وفي الترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، وقال: وقد روى مالك بن أنس عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، قال الترمذي: ورواية مالك أصح.
وأخرجه أبو داود عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه، وأخرجه هو أيضا، والترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه الرواية الثانية.
وأخرج النسائي مرة عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه.
قال صاحب [التحفة] (3) عند الكلام على رواية الترمذي (رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما) قال: يعني: يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رميهم لليوم الثالث، وفيه تفسير ثان: وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما
__________
(1) سنن الترمذي الحج (955) ، سنن النسائي مناسك الحج (3069) ، سنن ابن ماجه المناسك (3037) .
(2) [جامع الأصول] (3\ 281، 282) .
(3) [تحفة الأحوذي شرح الترمذي] (2\ 121) .
(2/377)

فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم، كما تقدم، وكلاهما جائز. كذا في النيل.
وقال صاحب [عون المعبود] (1) عند الكلام على رواية أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين ويرمون يوم النفر (2) » قال: فظاهر الحديث أنهم يرمون بعد يوم النحر، وهو اليوم الحادي عشر لذلك اليوم، ولليوم الآتي وهو الثاني عشر ويجمعون بين رمي يومين بتقديم الرمي على يومه، وفي الترمذي والنسائي وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه في أحدهما، (3) » وهذا الظاهر خلاف ما فسره مالك لهذا الحديث.
ويدل لفهم الإمام مالك رواية سفيان الآتية بلفظ: «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (4) » .
قال الخطابي: أراد يوم النفر هاهنا النفر الكبير. انتهى المقصود.
قال أيضا (5) : وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمى فيه: فقال مالك: يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك " وذلك لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه.
__________
(1) [عون المعبود] (2\ 148) .
(2) سنن أبو داود المناسك (1975) ، سنن ابن ماجه المناسك (3037) ، موطأ مالك الحج (935) ، سنن الدارمي المناسك (1897) .
(3) سنن الترمذي الحج (955) ، سنن النسائي مناسك الحج (3069) .
(4) سنن الترمذي الحج (954) ، سنن أبو داود المناسك (1976) ، سنن ابن ماجه المناسك (3036) ، مسند أحمد بن حنبل (5/450) .
(5) [عون المعبود] (2\ 148) .
(2/378)

وقال الشافعي نحوا من قول مالك، وقال بعضهم: هم بالخيار؛ إن شاءوا قدموا، وإن شاءوا أخروا. انتهى.
وقد وردت أدلة تدل على أن الرعاء يرمون ليلا في ليالي أيام التشريق، فروى مالك في [الموطأ] عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمعه يذكر أنه رخص للرعاء أن يرموا بالليل يقول: في الزمان الأول.
قال الباجي (1) : إنما أبيح لهم؛ ذلك؛ لأنه أرفق بهم، وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه الإبل ولا تنتشر، فيرمون في ذلك الوقت.
وقال ابن المواز: إن رعوا بالنهار ورموا بالليل فلا بأس به، ويحتمل أيضا: أن يرموا على هذا في كل ليلة لاستغنائهم في ذلك الوقت عن حفظ الإبل على وجه الرعي، ويحتمل إن كان ذلك عليهم مشقة أن يكون رميهم بالليل على حكم رميهم بالنهار من الجمع.
وقال الباجي أيضا (2) : وقوله: في الزمان الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أول زمان هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسل.
ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء، فيكون موقوفا متصلا.
وقال الزرقاني (3) على قوله: (يقول: في الزمان الأول) أي: زمن الصحابة وبهم القدوة، وبهذا قال محمد بن المواز، وهو كما قال بعضهم: وفاقا للمذهب؛ لأنه إذا أرخص لهم في تأخير اليوم الثاني فرميهم
__________
(1) [المنتقى] (3\ 52) .
(2) [المنتقى] (3\ 52)
(3) [شرح الزرقاني على الموطأ] (2\ 260) .
(2/379)

بالليل أولى.
وقال القرطبي (1) بعد سياقه لرواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء المتقدمة وكلام الباجي قال: (قلت: هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه الدارقطني وغيره، وقد ذكرناه في [المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس] ) . انتهى المقصود.
والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه الدارقطني (2) بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأي ساعة من النهار شاءوا (3) » .
وقد أعل هذا الحديث بما نقله الزيلعي بقوله (4) : قال ابن القطان في كتابه: وإبراهيم بن يزيد هذا إن كان هو الخوزي فهو ضعيف، وإن كان غيره فلا يدرى من هو؟ وبكر بن بكار قال فيه ابن معين: ليس بالقوي، ودون بكر بن بكار جعفر بن محمد الشيرازي، لا خالد، قال: وروى البزار هذا الحديث عن ابن عمر بإسناد أحسن من هذا.
والحديث الذي أشار إليه ابن القطان: أن البزار رواه قد أخرجه الزيلعي (5) فقال: وأما حديث ابن عمر فرواه البزار في [مسنده] . . . (عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل (6) » .
وقد أعل هذا الحديث بما نقله الزيلعي بقوله (7) : قال ابن القطان: ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي ضعفه قوم، ووثقه آخرون. قال
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 5) ط\ دار إحياء التراث العربي.
(2) [سنن الدارقطني] (2\ 276)
(3) موطأ مالك الحج (936) .
(4) [نصب الراية] (3\86) .
(5) [نصب الراية] (3\86) .
(6) موطأ مالك الحج (936) .
(7) [نصب الراية] (3\ 86) .
(2/380)

البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث.
وقال ابن حجر (1) : رواه البزار بإسناد حسن والحاكم والبيهقي. انتهى. وذكر الزيلعي (2) : أن الطبراني رواه، وذكر الحديث بسند الطبراني.
وقال الهيثمي (3) : رواه الطبراني في [الكبير] وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. انتهى.
وقال الزيلعي (4) : ورواه ابن أبي شيبة في [مسنده] حدثنا محمد بن الصباح عن خالد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم. . . إلى آخره، وفيه أن يرموا الجمار، رواه في [مصنفه] : حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا. انتهى.
قال ابن حجر (5) : وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء مرسلا مثله ووصله في [مسنده] بذكر ابن عباس، لكنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء، ولم يسمع عبد الرحمن من عطاء، وإنما رواه عن إسحاق بن أبي فروة أحد المتروكين، رواه مسدد والطبراني عن طريقه. انتهى.
وإلى هنا انتهى ما يسره الله جل وعلا من الكلام على هذا البحث.
__________
(1) [تلخيص الحبير] (2\ 263)
(2) [نصب الراية] (3\ 85، 86)
(3) [مجمع الزوائد] (3\ 260)
(4) [نصب الراية] (3\ 86)
(5) [الدراية في تخريج أحاديث الهداية] (2\28، 29) .
(2/381)

وترى اللجنة أن يضاف إلى هذا البحث ما كتبه سماحة المفتي رحمه الله في رسالته التي سماها [تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك] وحيث إن الرخصة للرعاة فرع من فروع قاعدة (المشقة تجلب التيسير) وأنه قد يتمسك بالمشقة في مناسك الحج ويجري فيها التغيير عما تقتضيه الأدلة الشرعية- فقد رأت اللجنة أن تلحق بهذا البحث خاتمة تشتمل على أصل هذه القاعدة، وأسباب تخفيف المشقة، وأقسام المشقة، وضابط المشقة المؤثرة، وموضع اعتبار الحرج والمشقة، وأنواع تخفيفات الشرع، وموارد هذه القاعدة من الشريعة.
(2/382)

المشقة تجلب التيسير أصل هذه القاعدة الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} (1) ، وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (2)
وأما السنة: فعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (3) » رواه البخاري ومسلم.
قال ابن حجر: وقال النووي: لو اقتصر على "يسروا" لصدق على من يسر مرة وعسر كثيرا، فقال: "ولا تعسروا" لنفي التعسير في جميع الأحوال.
وأخرجه أحمد في [المسند] من حديث جابر وأبي أمامة رضي الله
__________
(1) سورة المائدة الآية 6
(2) سورة البقرة الآية 286
(3) صحيح مسلم الجهاد والسير (1732) ، سنن أبو داود الأدب (4835) ، مسند أحمد بن حنبل (4/412) .
(2/382)

عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفية السمحة (1) » .
وأخرج أحمد في [مسنده] والطبراني والبزار وغيرهما عن ابن عباس قال: «قيل: يا رسول الله، أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة (2) » ، وروى أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «إن دين الله يسر (3) » ثلاثا، وروى أحمد أيضا من حديث الأعرابي بسند صحيح: «خير دينكم أيسره (4) » .
أسباب التخفيف:
ذكر ابن نجيم (5) أنها سبعة: وهي: السفر، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص، وأمثلتها ظاهرة.
أقسام المشقة: قال القرافي (6) : المشاق قسمان:
أحدهما: لا تنفك عنه العبادة؟ كالوضوء والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد، ونحو ذلك، فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة؛ لأنه قرر معها.
وثانيهما: المشاق التي تنفك عنها العبادة، وهي ثلاثة أنواع:
في الرتبة العليا؛ كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/266) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (1/236) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (5/69) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (3/479) .
(5) [لأشباه والنظائر] ص 75- 82.
(6) [الفروق] (1\ 118، 119) .
(2/383)

ونوع في المرتبة الدنيا: كأدنى وجع في إصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة؛ لشرف العبادة وخفة هذه المشقة.
النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين: فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يختلف فيه؟ لتجاذب الطرفين، فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. انتهى.
ثم قال: فائدة (1) : قال بعض العلماء: المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات، فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، فإن العموم بكثرته يقوم مقام العظم، كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب التكرار؛ كثوب المرضع، ودم البراغيث، وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم " لكثرة عدم الماء والحاجة إليه، أو العجز عن استعماله، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة، وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من العبادات وأبواب الفقه، وكما جدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام: متفق على عدم اعتباره، ومتفق على اعتباره، ومختلف فيه، فكذلك تجده في الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة، والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل، وغضب الحكام وجورهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك، وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام، واعتبر ذلك في
__________
(1) [الفروق] (1\ 119)
(2/384)

جميع أبواب الفقه. انتهى.
وقد بسط العز بن عبد السلام (1) الكلام على أقسام المشاق الموجبة للتخفيف في الشريعة.
ضابط المشقة المؤثرة: قال القرافي (2) : يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة، فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما رود عليه بعد ذلك من المشاق، مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا، وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق.
موضوع اعتبار الحرج والمشقة قال ابن نجيم (3) : المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وجوز أبو حنيفة رعيه للحرج، ورد عليه بما ذكرنا. انتهى.
أنواع تخفيفات الشرع:
ذكر العز بن عبد السلام (4) ستة أنواع:
__________
(1) [قواعد الأحكام في مصالح الأنام] ص 9- 17.
(2) [الفروق] (1\120) .
(3) [الأشباه والنظائر] ص 83.
(4) [قواعد الأحكام في مصالح الأنام] (2\8، 9) .
(2/385)

1 - تخفيف الإسقاط؛ كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفة.
2 - تخفيف التنقيص؛ كقصر الصلاة، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات؛ كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك.
3 - تخفيف الأبدال؛ كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار.
4 - تخفيف التقديم؛ كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها.
5 - تخفيف التأخير؛ كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، ورمضان إلى ما بعده.
6 - تخفيف الترخيص؛ كصلاة التيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع أو بالإجابة مع قيام الحاظر.
مورد هذه القاعدة من الشريعة:
قال الشاطبي (1) : وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات
__________
(1) [الموافقات] (2\ 11) .
(2/386)

والجنايات، ففي العبادات؛ كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وفي العادات؛ كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، وما أشبه ذلك، وفي المعاملات، كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات؛ كثمرة الشجرة ومال العبد، وفي الجنايات، كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(2/387)

قرار هيئة كبار العلماء رقم (3) وتاريغ 13\ 8\ 1393 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه. وبعد:
بناء على خطاب المقام السامي رقم (22310) تاريخ 4\ 11\ 1391 هـ المتضمن الموافقة على اقتراح سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بحث موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق، وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال، وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) من قبل هيئة كبار العلماء- عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان عام 1392 هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع الرمي المشتمل على المسائل الآتية:
أ- حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد.
ب- حكم رمي جمرة العقبة ليلة القر.
ح- حكم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال.
د- حكم رمي الجمار ليلتي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق.
وبعد دراسة المجلس للمسائل المذكورة واطلاعه على أقوال أهل العلم وتداوله الرأي فيها قرر- ما يلي:
1 - جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة يوم النحر للضعفة من النساء وكبار السن والعاجزين ومن يلازمهم للقيام بشؤونهم؛ لما ورد من
(2/388)

الأحاديث والآثار الدالة على جواز ذلك.
2 - عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله: «خذوا عني مناسككم (1) » ، ولقول ابن عمر أيام التشريق: كنا نتحين الرمي فإذا زالت الشمس رمينا.
ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس وأنصح الناس وأرحمهم، فلو كان ذلك جائز قبل الزوال لبينه - صلى الله عليه وسلم -.
3 - أما ما عدا ذلك من المسائل الخلافية من أعمال المناسك المشار إليها أعلاه، فإن الخلاف فيها معروف بين العلماء، ومدون في كتب المناسك وغيرها، وما زال عمل الناس جاريا على ذلك، وينبغي للحاج أن يحرص على التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عني مناسككم (2) » .
ويرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته وعلمه في تلك المسائل، ومذهب العامي مذهب من يفتيه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الرزاق عفيفي
محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الله بن حميد ... محضار عقيل
عبد العزيز بن باز ... عبد المجيد حسن ... عبد الله خياط
محمد الحركان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن منيع ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2/389)

مصادر البحث وملحقاته
1 -[الجامع لأحكام القرآن] للإمام القرطبي: طبعة دار الكتب المصرية سنة 1936 م.
2 -[أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن] للإمام الشنقيطي.
3 -[صحيح البخاري مع فتح الباري] لابن حجر العسقلاني، طبعة المطبعة السلفية ومكتبتها.
4 -[صحيح البخاري مع فتح الباري] عمدة القاري للبدر العيني طبعة منيرية.
5 -[صحيح مسلم] وعليه [شرح النووي] الطبعة الأولى بالمطبعة المصرية بالأزهر سنة 1347 هـ.
6 -[موطأ مالك] وعليه [شرح الزرقاني] طبع مطبعة الاستقامة بمصر والأزهر، الأولى عام 1332 هـ.
7 -[المنتقى على موطأ مالك] للإمام الباجي، طبع مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى عام 1332 هـ.
8 -[تهذيب السنن على المختصر] لابن القيم، طبعة مطبعة السنة المحمدية، سنة 1367 هـ.
9 -[معالم السنن] للخطابي على [مختصر السنن] طبعة مطبعة أنصار السنة المحمدية سنة 1367 هـ.
10 -[عون المعبود على سنن أبي داود] لمحمد شمس الحق آبادي نشر صاحب دار الكتاب العامة، ببيروت لبنان (مصور) .
(2/390)

11 -[جامع الأصول] لابن الأثير، نشر وتوزيع مكتبة الحلواني ومطبعة الملاح ومكتبة دار البيان، سنة 1390 هـ.
12 -[جامع الترمذي] مع [التحفة] لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوي طبعة حيدر آباد، سنة 1346 هـ.
13 -[سنن البيهقي] وعليها [الجوهر النقي] لابن التركماني، طبعة حيدر آباد.
14 -[سنن الدارقطني] طبعة دار المحاسن للطباعة بالقاهرة، سنة 1386 هـ.
15 -[شرح معاني الآثار] لأحمد بن محمد الأزدي الطحاوي طبع مطبعة الأنوار المحمدية بالقاهرة.
16 -[شرح المواهب اللدنية] للقسطلاني طبع المطبعة الأزهرية المصرية، عام 1328 هـ.
17 -[نصب الراية لأحاديث الهداية] للزيعلي، الطبعة الأولى المجلس العلمي، سنة 1357 هـ. طبع مطبعة دار المأمون.
18 -[التلخيص الحبير] لابن حجر العسقلاني طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة.
19 -[الدراية في تخريج أحاديث الهداية] طبع مطبعة الفجالة الجديدة، سنة 1384 هـ.
20 -[البداية والنهاية] لابن كثير طبع مطبعة السعادة، الطبعة الأولى، سنة 1351 هـ.
21 -[الكفاية في علم الرواية] للخطيب البغدادي، طبع دائرة
(2/391)

المعارف العثمانية، سنة 1357 هـ.
22 -[شرح ألفية العراقي] له- طبع بالمطبعة الجديدة بطالعة فاس عدد 64 سنة 1354 هـ.
23 -[شروط الأئمة الخمسة] لأبي حازم، ومعه [شروط الأئمة الستة] نشر مكتبة القدسي بالقاهرة، سنة 1357 هـ. 24-[تهذيب التهذيب] لابن حجر، طبع بمطبعة دائرة المعارف النظامية بالهند، عام 1326 هـ.
25 -[بدائع الصنائع] للكاساني طبع في مطبعة شركة المطبوعات العلمية بمصر، الطبعة الأولى عام 1327 هـ.
26 -[فتح القدير على الهداية] لابن الهمام، الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، سنة 1315 هـ.
27 -[العناية على الهداية] مع [فتح القدير] للبابرتي.
28 -[المسلك المتقسط في المنسك المتوسط] لباب المناسك، الأصل للسندي، والشرح لملا علي قاري، وعليه حاشية تسمى [إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي قاري] .
29 -[المدونة] للإمام مالك الطبعة الأولى.
30 -[مختصر خليل وشرحه] للدردير، طبعة الحلبي.
31 -[الأم] للإمام الشافعي، الطبعة الأولى طبعة أميرية، سنة 1331 هـ.
32 -[الإيضاح] للنووي، الطبعة الثانية، مطبعة دار التأليف.
33 -[المجموع شرح المهذب] مطبعة التضامن الأخوي بمصر.
(2/392)

34 -[نهاية المحتاج] للرملي، الطبعة الحلبية، سنة 1386 هـ.
35 -[المغني والشرح الكبير] لابن قدامة الطبعة الأولى بمطبعة المنار سنة 1346 هـ.
36 -[الإنصاف] للمرداوي الطبعة الأولى، عام 1375 هـ.
37 -[زاد المعاد] لابن قيم الجوزية مطبعة السنة المحمدية.
38 -[الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير] للسباعي الطبعة الأولى مطبعة السعادة، سنة 1348 هـ.
39 -[روضة الناظر] وعليها [حاشية بدران] .
40 -[الأشباه والنظائر] لابن نجيم، الناشر مؤسسة الحلبي، عام 1387 هـ.
41 -[الفروق] للقرافي، طبعة أولى بمطبعة دار إحياء الكتب العربية عام 1344 هـ.
42 -[الموافقات] للشاطبي، طبع مطبعة الشرق الأدنى.
43 -[قواعد الأحكام في مصالح الأنام] للعز بن عبد السلام، طبعت بمطبعة دار الشرق للطباعة، عام 1388 هـ. 44-[لسان العرب] لابن منظور، الطبعة الأميرية، عام 1300 هـ.
45 -[القاموس المحيط] للفيروز آبادي طبع بالمطبعة الأميرية، عام 1301 هـ.
(2/393)

(5)
الطلاق المعلق
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/395)

بسم الله الرحمن الرحيم
الطلاق المعلق (1)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد ...
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة المنعقدة في مدينة الرياض في الفترة من 29 / 10 / 1393 هـ إلى 12 / 11 / 1393 هـ. موضوع (حكم الطلاق المعلق) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الطلاق المعلق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على اقتراح اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن يصدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في حكم الطلاق المعلق- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الطلاق المعلق، هل يعتبر ويقع عند وقوع المعلق عليه طلاقا أو يمينا تلزم فيها الكفارة، أو يكون لغوا؟
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الخامس، ص 58- 94، سنة 1400 هـ.
(2/397)

وقد تضمن البحث ما تيسر مما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك وأقوال فقهاء المذاهب الأربعة، وفيما يلي ذكر ذلك على الترتيب:
(2/398)

أولا: ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار:
أ- قال نافع (1) : طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس (بشيء) رواه البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر معلقا بصيغة الجزم، استدل بهذا الأثر من قال باعتبار تعليق الرجل طلاق زوجته على شيء وبوقوعه عند حصول المعلق عليه، وحمله ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما على ما إذا قصد الزوج الطلاق لا الحلف؛ جمعا بين الآثار الواردة في ذلك.
ب- وروى البيهقي من طريق سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق، فتفعله، قال: هي واحدة، وهو أحق بها.
نوقش هذا الأثر: بأنه منقطع؛ لأن إبراهيم الراوي عن ابن مسعود هو ابن يزيد النخعي، وقد ولد بعد وفاة ابن مسعود بسبع عشرة سنة تقريبا، وبأنه على تقدير قبوله وهو مرسل يمكن حمله على قصد الرجل الطلاق بتعليقه دون الحلف.
ج- وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن الرفا، أخبرنا عثمان بن بشر، أخبرنا إسماعيل القاضي، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الستة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيما رجل
__________
(1) باب الطلاق في الإغلاق والكره.. إلخ
(2/398)

قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت، أو قال ذلك في غلامه فخرج قبل الليل بغير علمه- طلقت امرأته، وعتق غلامه؛ لأنه ترك أن يستثني، لو شاء قال: إلا بإذني لكنه فرط في الاستثناء فإنما يجعل تفريطه عليه.
ونوقش: بأن في سنده إسماعيل بن أويس، وقد ضعفه غير واحد من أئمة الحديث، بل رماه بعضهم بوضع الحديث، وبأنه اعترف بأنه كان يضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، وعابوا على الشيخين إخراجهما حديثه في [صحيحيهما] ، قال ابن حجر: لعل ذلك كان منه في شبيبته ثم انصلح، قال: وأما الشيخان فما أظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات.. انظر بقية الكلام عليه في [تهذيب التهذيب] وفي مقدمة [فتح الباري] لابن حجر؛ لاستيفاء ما قيل فيه من توثيق وتجريح، وفي سنده أيضا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وقد ضعفه ابن معين وابن المديني وابن مهدي وغيرهم، وقال فيه أحمد: إنه مضطرب الحديث، وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة يعني الفقهاء وقال: أين كنا عن هذا.. انظر ترجمته في [تهذيب التهذيب] .
د- وقال البيهقي (1) : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الحسن بن علي بن عفان، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في رجل قال لامرأته:
__________
(1) السنن الكبرى، للبيهقي (7\ 356) باب الطلاق بالوقت والفصل.
(2/399)

هي طالق إلى سنة، قال: هي امرأته يستمتع منها إلى سنة، ويروى مثل ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وبه قال عطاء وجابر بن زيد. اهـ.
ونوقش بأن الإمام أحمد قال: حماد بن سلمة عنده عن حماد بن أبي سليمان تخليط كثير. وقال شعبة في حماد بن أبي سليمان: كان لا يحفظ. وقال حبيب بن أبي ثابت: كان حماد يقول: قال إبراهيم، فقلت: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو أن إبراهيم ليخطئ، وقال الذهبي فيه: كثير الخطأ والوهم، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، واختلط في آخر أمره.. انظر بقية ترجمته في [تهذيب التهذيب] ، وقد وثقه بعض أئمة الحديث، إلا أن الجرح إذا بين كما هنا مقدم على التعديل، ومع ذلك فهذا مما قصد به الطلاق من غير شك دون الحلف فلو صح لم يكن معارضا لما قيل من أن تعليق الطلاق يعتبر طلاقا عند القصد إلى الطلاق.. أما إن قصد الحث أو المنع فيعتبر يمينا تلزم فيها الكفارة.
وجملة القول: أن هذه الآثار استدل بها من قال باعتبار تعليق الطلاق على شيء وبوقوعه طلاقا عند حصول المعلق عليه، وقد عرف ما تأولها به من فصل بين قصد الطلاق وقصد الحلف وما قيل في أسانيدها، وسيأتي..
هـ وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (1) عن ابن التيمي عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية
__________
(1) [المصنف] (8\486) .
(2/400)

إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بفقه ذكرت زينب، قال: فجاءت معي إليها، فقالت: أفي البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب - جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، قال: فكأنها لم تقبل ذلك، قال: فأتيت حفصة، فأرسلت معي إليها، فقالت أم المؤمنين- جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: فقالت حفصة: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، فكأنها أبت، فأتيت عبد الله بن عمر فانطلق معي إليها، فلما سلم عرفت صوته، فقالت: بأبي أنت وبآبائي أبوك، فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أم من أي شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي منهما، قالت: يا أبا عبد الرحمن، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: يهودية ونصرانية؟ كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته. اهـ.
وقد ذكر ابن القيم: أن له طرقا أخرى تدل على أن التيمي لم ينفرد برواية هذا الأثر، وسيأتي تمام البحث في هذا الأثر في التعليق على مذهب الحنابلة.
وجه الدلالة: أن هذا الأمر وإن لم يكن فيه ذكر للطلاق إلا أن من تمسك به في اعتبار الطلاق المعلق لغوا أو يمينا مكفرة قاس الطلاق على ما ذكر فيه من المال والعتق في أنه لم يلزمه المعلق عند تحقق ما علق عليه، بل كان لغوا إن اعتبرنا سكوت حفصة وزينب - رضي الله عنهما - عن الإلزام به،
(2/401)

أو بكفارة دليلا على الإلغاء، أو تلزم فيه الكفارة إن نظرنا إلى ما أفتى به ابن عمر - رضي الله عنهما -.
وفيما يأتي من أقوال الفقهاء استدلال بآيات وأحاديث وآثار أخرى مع مناقشتها إن شاء الله ... والله الموفق.
(2/402)

ثانيا: أقوال فقهاء المذاهب الأربعة:
أ- مذهب الحنفية:
1 - قال البرهان علي بن أبي بكر المرغيناني في [الهداية] : وإذا أضافه- أي: الطلاق- إلى شرط وقع عقيب الشرط مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، قال الشارح (1) : وهذا بالاتفاق؛ لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط، فيصبح يمينا أو إيقاعا.
قال ابن الهمام في [فتح القدير] : فيصبح يمينا أو إيقاعا، أي: فيصح التعليق المذكور يمينا عندنا؛ لأنه لا يعمل عندنا في الحال، أو إيقاعا عند الشافعي؛ لأنه عنده سبب في الحال) . اهـ.
2 - وفي [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر] ما نصه: (إنما يصح التعليق حال كونه في الملك- أي: القدرة على التصرف في الزوجية بوصف الاختصاص وذلك عند وجود النكاح أو العدة مع حل العقد، فإنه لو وجد أحدهما والمرأة مدخولة محرمة بالمصاهرة- لم يصح التعليق فيه، فمن بعض الظن تأويل الملك بوجود النكاح والمتبادر أن الملك لم يشترط لصحة التنجيز وليس كذلك، وبقاء الملك في عدة الرجعي مما لا خلاف
__________
(1) [الهداية] (3\128) .
(2/402)

فيه، وأما في عدة البائن ففيه خلاف، كما في القهستاني - كقوله لمنكوحته أو لمعتدته: إن زرت فأنت طالق- فيقع بعد وجود الشرط وهو الزيارة ولو كان المعلق عاقلا عند التعليق ثم جن عند الشرط؛ لأنه إيقاع حكما، ألا يرى أنه لو كان عنينا أو مجنونا يفرق بينهما، ويجعل طلاقا (أو مضافا إلى الملك) بأن يعلق على نفس الملك، نحو: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، أو على سبب، كقوله لأجنبية: إن نكحتك- أي: تزوجتك- فأنت طالق، فإن النكاح سبب للملك؛ فاستعير السبب للمسبب- أي: ملكتك بالنكاح- فيقع إن نكحها، لوجود الشرط، وفي الزاهدي: قد ظفرت بروايتين عن محمد أنه لو أضاف إلى سبب الملك لم يصح التعليق، كما قال بشر المريسي؛ لأن الملك يثبت عقيب سببه، والجزاء يقع عقيب شرطه، فلو صح تعليقه به لكان الطلاق مقارنا لثبوت الملك، والطلاق المقارن لثبوت الملك أو زواله لم يقع، كما لو قال: أنت طالق مع نكاحك أو في نكاحك أو مع موتي أو مع موتك، (وتمامه في التبيين فليطالع) ، ولا فرق بين ما إذا خصص أو عمم كقوله كل امرأة خلافا لمالك فإنه قال إذا لم يسم امرأة بعينها أو قبيلة أو أرضا أو نحو هذا فلا يلزمه ذلك.
وقال الشافعي: (لا يصح التعليق المضاف إلى الملك) .
مما تقدم يتبين:
1 - أن تعليق الطلاق صحيح عند وجود النكاح أو العدة مع حل العقد، وأنه يقع المعلق عند وجود المعلق عليه باتفاق عند الحنفية، وأنه يصح تعليق الطلاق على ملك الطلاق، مثل: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، وتعليقه على سبب الملك، كقوله: إن تزوجتك فأنت طالق، ويقع الطلاق
(2/403)

إن نكحها أو ملك طلاقها، وخالف محمد بن الحسن في اعتبار التعليق على ملك الطلاق أو النكاح- فلم يوقع الطلاق عند حصول المعلق عليه، لما ذكر من التعليل بمقارنة الطلاق، لوجود الملك والطلاق المقارن غير معتبر.
2 - أنه لا فرق في التعليق على الملك بين ما إذا عمم في النساء أو خصص خلافا للمالكية في التعميم، أما إذا خصص امرأة أو قبيلة مثلا فمعتبر ويقع الطلاق عند وقوع المعلق عليه عندهم كالحنفية..
(2/404)

ب- مذهب المالكية:
قال ابن رشد (1) : فصل: فأما ما يلزمه باتفاق فاليمين بالطلاق لا اختلاف بين أحد من العلماء: أن الرجل حلف بطلاق امرأته على نفسه أو على غيره أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله: أن اليمين لازمة له، وأن الطلاق واقع عليه في زوجته إذا حنث في يمينه؛ لأن الحالف بالطلاق أن لا يفعل فعلا أو أن يفعله إنما هو مطلق على صفة ما، فإذا وجدت الصفة التي علق بها طلاق امرأته لزمه ذلك، إلا ما روي عن أشهب في الحالف على امرأته بطلاقها أن لا تفعل فعلا فتفعله قاصدة لتحنيثه أن لا شيء عليه، وهو شذوذ، وإنما الاختلاف المعلوم فيمن قال لعبده: (أنت حر إن فعلت كذا وكذا) ففعله، وبالله سبحانه التوفيق.
ثم قال ابن رشد (2) في الفصل الذي عقده لما لا يلزمه باتفاق: وأما ما لا يلزمه باتفاق فما يوجب على نفسه بشرط أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله مما
__________
(1) [المقدمات] (2\ 119، 120) .
(2) [المقدمات] (2\ 122، 123) .
(2/404)

ليس لله بطاعة ولا يتقرب به إليه كان مباحا أو معصية كقوله في المعصية: علي ضرب فلان أو إني أفعل كذا وكذا، أو في المباح: علي المشي إلى السوق إن لم أفعل كذا وكذا، أو ما أشبه ذلك ما عدا الطلاق، فإن اليمين به تلزمه، وإن كان من المباح الذي ليس لله فيه طاعة ولا معصية للمعنى الذي قدمت ذكره، وهو: أن الحالف به مطلق على صفة ما.
ثم عقد ابن رشد فصلا خاصا فيما ينقسم إليه الطلاق من الوجوه (1) ، وقسم فيه الطلاق إلى مطلق وإلى مقيد بالصفة قال فيه: وأما الطلاق المقيد بصفة فإنه ينقسم إلى وجهين:
أحدهما: أن يقيد ذلك فيها بلفظ الشرط.
والثاني: أن يقيده فيها بلفظ الوجوب.
فأما إذا قيده بلفظ الشرط مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا أو أن لا أفعله، فإن الفقهاء يسمون ذلك يمينا بالطلاق على المجاز؛ لما فيه من معنى اليمين بالله تعالى، وهو: أن الطلاق يجب عليه بالشرط كما تجب الكفارة على الحالف بالله تعالى بالحنث، فاستويا جميعا في القصد إلى الامتناع مما يجب به الطلاق أو الكفارة دون القصد إلى الطلاق أو الكفارة، ومن ذلك أيضا: أنه ينعقد في المستقبل من الأزمان كما تنعقد الأيمان بالله تعالى، ويكون في الماضي إما واقع كذا وإما ساقط، كاليمين بالله الذي يكون في الماضي إما لغو، أو حالف على صدق لا تجب فيه كفارة، وإما غموس أعظم من أن يكون فيه كفارة، يأثم إذا حلف على الغيب، أو على الكذب،
__________
(1) [المقدمات] (2\ 122، 123) .
(2/405)

أو على الشك، كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك وليس بحقيقة، وإنما بحقيقة اليمين بالطلاق قول الرجل: وحق الطلاق لأفعلن كذا وكذا، وبالله سبحانه التوفيق.
ثم قال ابن رشد (1) : فصل فيما تقسم إليه اليمين بالطلاق من الوجوه، وهو - أعني اليمين بالطلاق - على ما ذكرته من المجاز تنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يحلف بالطلاق على نفسه.
والثاني: أن يحلف على غيره.
والثالث: أن يحلف على مغيب من الأمور.
فالأول: وهو حلفه بالطلاق على نفسه، فهو ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا، فيقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا.
والثاني: أن يحلف به أن يفعل فعلا، فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا.
فأما الوجه الأول: وهو أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الفعل مما يمكنه فعله وتركه.
والثاني: أن يكون مما لا يمكنه تركه.
والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله.
__________
(1) من كتاب [المقدمات] (2\ 122، 123) .
(2/406)

فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه فلا خلاف في أنه لا طلاق عليه إلا أن يفعل ذلك الفعل، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن ضربت عبدي، أو دخلت الدار، أو ركبت الدابة، أو ما أشبه ذلك، إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقول: امرأتي طالق إن وطئتك فإن لها تفصيلا، وفيها اختلاف، وهو مذكور في الأمهات، وسيأتي تحصيل القول عليه في كتاب الإيلاء (1)
وأما إذا كان مما لا يمكنه تركه فقيل: إنه يجعل عليه الطلاق، وهو قول سحنون، وقيل: إنه لا طلاق عليه حتى يفعل ذلك الفعل كالوجه الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في [المدونة] مثال ذلك: أن يقول: امرأتي طالق إن أكلت أو شربت أو صمت أو صليت وما أشبه ذلك.
وأما إذا كان مما لا يمكنه فعله فقيل: إنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم في [المدونة] ، وقيل: إن الطلاق يعجل عليه؛ لأنه يعد نادما وهو قول سحنون، وروي مثله عن ابن القاسم، مثال ذلك: أن يقول: امرأتي طالق إن مسست السماء أو ولجت في سم الخياط وما أشبه ذلك.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق أن يفعل فعلا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله وتركه.
والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله في الحال.
والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله على حال ... وقال أيضا:
فصل: فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه، مثل قوله: أنت طالق إن لم
__________
(1) من كتاب [المقدمات] . (الناشر) .
(2/407)

أدخل الدار وإن لم أضرب عبدي وما أشبه ذلك فإنه يمنع من الوطء؛ لأنه على حنث ولا يبر إلا بفعل ذلك الشيء، فإن رفعت امرأته أمرها ضرب له أجل المولي وطلق عليه عند انقضائه إلا أن يبر بفعل ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه أو تحب البقاء معه بغير وطء، فإن اجترأ ووطئ سقط أجل الإيلاء واستؤنف لها ضربه إن رفعت ذلك، ولا يقع عليه طلاق بترك ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه؛ لأنه طلاق لا يكشفه إلا الموت، وإن أراد أن يحنث نفسه بالطلاق دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء كان ذلك له إلا أن يضرب أجلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا إلى وقت كذا وكذا، ولا يكون له أن يحنث نفسه بالطلاق ويطأ إلى الأجل على اختلاف من قول ابن القاسم، ويضرب له أجل الإيلاء على القول الذي يقول: لا يطأ إذا كان الأجل أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكم هذا القسم إلا في مسألتين:
إحداهما: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها.
والثانية: يقول: امرأتي طالق إن لم أحبلها.
فأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أطلقها ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الطلاق يعجل عليه ساعة حلف.
ووجه ذلك: أنه حمله على التعجيل والفور، فكأنه قال: أنت طالق إن لم أطلقك الساعة.
والثاني: أن الطلاق يعجل عليه إلا أن ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه على الوجه.
والثالث: أنه لا يطلق عليه إن رفعته امرأته ويضرب له أجل الإيلاء، فإن طلقها وإلا طلق عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله ولم يمكن من الوطء؛ لأنه
(2/408)

لا يجوز له من أجل أنه على حنث وإن اجترأ فوطيء سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له ثانية إن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان، وفائدة ضرب أجل الإيلاء على هذا القول- وإن لم يمكن من الفيء بالوطء- رجاء أن ترضى في خلال الأجل بالبقاء معه على العصمة دون وطء.
وأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها، فإنه يطأ أبدا حتى يحبلها؛ لأن بره في إحبالها، وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك، له أن يطأها؛ لأن بره في وطئها، فإن وقف عن وطئها كان موليا عند مالك والليث فيما روي عنهما، وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
فصل: وأما إذا كان ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال، مثل: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء الآن، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من [المدونة] ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من [العتبية] .
والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك الفعل.
والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل.
والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوت فعل ذلك الفعل.
وقال أيضا: فصل: فإذا قلنا: إنه يطأ حتى يمكنه فعل ذلك الفعل فأمسك عن الوطء بإمكان الفعل له ثم فات الوقت- ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرجع إلى الوطء أبدا.
والثاني: أنها تطلق عليه.
والثالث: أنه يرجع إلى الوطء حتى يمكنه الفعل مرة أخرى وقد زدنا
(2/409)

هذه الأوجه بيانا في كتاب الإيلاء (1)
وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله على حال لعدم القدرة عليه مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس السماء وإن لم ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك أو لمنع الشرع منه، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أقتل فلانا أو إن لم أشرب الخمر وما أشبه ذلك فإنه يعجل عليه الطلاق إلا أن يجترئ على الفعل الذي يمنعه منه الشرع فيفعله قبل أن يعجل عليه الطلاق فإنه يبر في يمينه ويأثم في فعله، ولا اختلاف في هذا الوجه، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق على غيره فإنه ينقسم أيضا على وجهين:
أحدهما: أن يحلف عليه أن لا يفعل فعلا.
والثاني: أن يحلف عليه ليفعلنه، فأما إذا حلف عليه أن لا يفعل فعلا، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعل فلان كذا وكذا، فهو كالحالف على فعل نفسه، سواء في جميع الوجوه، وقد تقدم تفسير ذلك، وأما إذا حلف أن يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا وكذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كالحالف على فعل نفسه أن يفعل فعلا يمنع من الوطء، ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه يتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، واختلف: هل يطأ
__________
(1) من كتاب [المقدمات] (الناشر) .
(2/410)

في هذا التلوم أم لا؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب له أجل؛ لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء.
والثالث: الفرق بين أن يحلف على حاضر أو غائب، وهو الذي يأتي على ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يحلف بالطلاق على مغيب من الأمور فإن كان مما له طريق إلى معرفته لم يعجل عليه بالطلاق حتى يعلم صدقه من كذبه كالقائل امرأتي طالق إن لم يجئ فلان غدا، فإن مضى الأجل ولم يعلم صدقه من كذبه حمل من ذلك ما تحمل، وإن كان مما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه الطلاق ولم يستأذن به، واختلف إن غفل عن الطلاق عليه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه، فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يطلق عليه.
والثاني: أنه لا يطلق عليه.
والثالث: أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن كان حلف على ما ظهر عليه بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو على تعمد الكذب طلق عليه.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يقيد طلاقه بالصفة بلفظ الوجوب، وهو أن يقول: امرأتي طالق إن كان كذا وكذا، فإنه ينقسم على أربعة أقسام:
أحدها: أن تكون الصفة آتية على كل حال.
(2/411)

والثاني: أن تكون الصفة غير آتية على كل حال.
والثالث: أن تكون مترددة بين أن تأتي وأن لا تأتي من غير أن يغلب أحد الوجهين على الآخر أو يكون الأغلب منهما أنها لا تأتي.
والرابع: أن تكون مترددة بين أن تأتي أو لا تأتي، والأغلب منهما أنها تأتي.
فالأول: يعجل عليه فيها الطلاق باتفاق.
والثاني: يتخرج على قولين.
والثالث: لا يعجل عليه الطلاق باتفاق.
والرابع: يختلف فيه على قولين منصوصين، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. اهـ نص [مقدمات ابن رشد] .
مما تقدم: يتبين أنه لا خلاف بين المالكية في اعتبار تعليق الزوج الطلاق على أمر ما فعل أو ترك، مباح أو معصية، ماض أو مستقبل، ولا خلاف بينهم أيضا في وقوع الطلاق عند حصول ما علق عليه، سواء أكان المعلق عليه من فعله أو فعل غيره إلا فيما نقل عن أشهب بن عبد العزيز في الحالف على امرأته بالطلاق ألا تفعل فعلا ففعلته قاصدة لتحنيثه أنه لا شيء عليه، بناء منه على قاعدة المعاملة بنقيض القصد، وقد اعتبر المالكية ذلك منه شذوذا، وما ذكر من الخلاف في فروع هذه المسألة وتفاصيل وجوهها فإنما هو في تعجيل حنثه أو كونه على بر حتى يحنث وفي اعتباره موليا أو غير مول من زوجته، ونحو ذلك مما لا تعلق له بأصل البحث الذي نحن بصدد إعداده، وكذا يعتبر تعليق الرجل طلاق امرأة أجنبية منه على زواجه بها، كما لو قال: إن تزوجت فلانة أو من قبيلة كذا أو من بلد كذا فهي
(2/412)

طالق، فيقع الطلاق عند عقد النكاح عليها، ولو عمم في التعليق لم يعتد به، لا لأن التعليق من حيث هو غير معتبر؛ بل لأن الأمر كلما ضاق اتسع، فإلغاء التعليق خاص بصورة التعميم لما ذكر.
(2/413)

ج- مذهب الشافعية:
1 - قال النووي (1) بعد ذكره لأدوات التعليق: ولا يقتضين فورا إن علق بإثبات في غير خلع، إلا (أنت طالق إن شئت) ، ولا تكرارا، ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق ثم طلق أو علق بصفة فوجدت فطلقتان، أو كلما وقع طلاقي فطلق فثلاث في ممسوسة، وفي غيرها طلقة ... ولو علق بنفي فعل فالمذهب: أنه إن علق ب (إن) كإن لم تدخلي، وقع عند اليأس من الدخول، أو بغيرها فعند مضي زمن يمكن فيه ذلك الفعل ولو قال: أنت طالق إن دخلت أو أن لم تدخل بفتح (أن) وقع في الحال. قلت: إلا في غير نحوي فتعليقة في الأصح.
2 - وقال (2) أيضا: خطاب الأجنبية بطلاق وتعليقه بنكاح وغيره لغو، والأصح صحة تعليق العبد ثالثة، كقوله إن عتقت، أو إن دخلت فأنت طالق ثلاثا فيقع إذا عتق أو دخلت بعد عتقه، ويلحق رجعية لا مختلعة. انتهى المقصود.
3 - قال الشيرازاي (3) : إذا علق الطلاق بشرط لا يستحيل كدخول الدار ومجيء الشهر تعلق به فإذا وجد الشرط وقع، وإذا لم يوجد لم يقع: لما
__________
(1) [المنهاج] ص (422، 423) .
(2) [المنهاج] ص 413.
(3) [المهذب] وعليه [شرح المجموع] (16\ 152) .
(2/413)

روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمنون عند شروطهم» ولأن الطلاق كالعتق؛ لأن لكل واحد منهما قوة وسراية، ثم العتق إذا علق بشرط وقع بوجوده ولم يقع وجوده فكذلك الطلاق.
4 - قال تقي الدين السبكي (1) : مسألة: إذا علق الرجل طلاق زوجته على شرط قاصدا اليمين، إما لحث أو منع، أو تصديق، ثم وجد ذلك الشرط- وقع الطلاق وبيان ذلك: أن مقتضى القضية الشرطية الحكم بالمشروط على تقدير الشرط خبرية كانت أو إنشائية، والمعلق فيها هو نسبة أحد الجزءين إلى الآخر لا الحكم بتلك النسبة الذي هو منقسم إلى الخبر والإنشاء؛ لأن كلا منهما يستحيل تعليقه، فالمعلق في مسألتنا هو الطلاق، وأما التطليق فهو فعل الزوج، يوقعه منجزا أو معلقا، ويوصف التعليق بكونه تطليقا عند وجود الشرط حقيقة، فإن لم يجز التعليق يخرج الذي حصل مقتضاه عن الشرط، ويشهد لذلك أحكام الشريعة كلها المعلقة بالشروط.
ومن منع تعليق الطلاق بالصفات مطلقا فقد التبس عليه التعليق بتعليق الإنشاء فظن أن تعليق الطلاق من الثاني وإنما هو من الأول.. وقد علق الله إحلال المرأة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - على هبتها نفسها له وإرادته استنكاحها، وإن خرج مخرج اليمين فالأمر كذلك لوجوه:
أحدها: أنه تعليق خاص فيجب ثبوت حكم التعليق العام له.
الثاني: قوله تعالى: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (2)
__________
(1) انظر [المحقق في الطلاق المعلق] ص 56 ضمن مجموعة [رسائل السبكي] .
(2) سورة النور الآية 7
(2/414)

ووجه الاستدلال: أن الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق فهو خارج مخرج اليمين، ومع ذلك فهو موجب اللعنة والغضب على تقدير الكذب بدليل قوله: أنها موجبة، وبأنه لو كان المترتب على ذلك الكفارة لكان الإتيان بالقسم أولى.
الثالث: أن في القرآن والسنة وأشعار العرب الفصحاء من التعليقات التي فيها الحث أو المنع أو التصديق ما لا يحصى مع القطع بحصول الشروط فيها.
الرابع: أن تسمية التعليق يمينا لا يعرفه العرب، ولم يتفق عليه الفقهاء، ولم يرد به الشرع، وإنما سمي بذلك على وجه المجاز، فلا يدخل تحت النصوص الواردة في الأيمان، وأنها قابلة للتكفير.
الخامس: أن هذا التعليق وإن قصد به المنع فالطلاق مقصود به على ذلك التقدير، ولذلك نصبه الزوج مانعا له من ذلك الفعل، ولولا ذلك لما امتنع، ولا استحالة في كون الطلاق غير مقصود للزوج في نفس الأمر، ومقصودا له على تقدير، وإذا كان مقصودا ووجد الشرط وقع الطلاق على مقتضى تعليقه وقصده.
السادس: أنه عند الشرط يصح اسم التطليق؛ لما تقدم، فيندرج تحت قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (1)
__________
(1) سورة البقرة الآية 230
(2/415)

السابع: أن التطليق مفوض إلى العبد بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) وهو أعم من المنجز والمعلق فيندرج المعلق تحت الآية.
5 - وقال (2) أيضا: وقد نقل إجماع الأمة على ذلك، أي: إيقاع الطلاق المعلق، سواء كان على وجه اليمين أو لا- أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم، فمن ذلك الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، وناهيك به قال: وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضا، وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإجماع أبو بكر بن المنذر، ونقله أيضا الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد بن نصر المروزي، ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه [التمهيد] و [الاستذكار] وبسط القول فيه على وجه لم يبق لقائل مقالا، ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب [المقدمات] له، ونقله الإمام الباجي في [المنتقى] وغير هؤلاء من الأئمة.
وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق، وهذا مستقر بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصا عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخلها الكفارة، وذكر
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) [الدرة المضيئة] ص13، طبع مطبعة الترقي بدمشق\ 12.
(2/416)

العتق وذكر الأثر الذي استدل به ابن تيمية فيه، وهو خبر ليلى بنت العجماء الذي يبني ابن تيمية حجته عليه، ورده بأثر آخر صح عنده، وهو أثر عثمان بن حاضر، وفيه فتوى ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر رضي الله عنهم: بإيقاع العتق على الحانث في يمينه، ولم يعمل بأثر ليلى بنت العجماء ولم يبق في المسألة إلباسا، رضي الله عنه.
6 - وقال السبكي أيضا (1) : فإن قلت: يرد عليك أمران:
أحدهما: طلب الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج عند من جعله يتخلص منه بكفارة يمين.
والثاني: في دعوى الإجماع، وقد نقل بعض الناس قولين آخرين: أنه لا يلزمه به شيء، والثاني: أنه يلزمه به كفارة.
قلت: أما الأول: فالجواب عنه: أن الطلاق إسقاط حق لا يشترط فيه قصد القربة وفي اللجاج لم يوجد هذا الشرط، ولم يأذن الشرع فيه، وليس للعبد إيجاب ولا تحريم إلا بإذن الله، وأيضا فإن الدليل قد قام على ما قلناه وهو على وفق الأصل، فإن دل دليل على خروج اللجاج عنه بقي ما عداه على الأصل، وأما أن يجعل اللجاج المختلف فيه الخارج عن الأصل أصلا، ويلحق به الجاري على وفق الأصل فغير سديد.
وأما الثاني: فإن القول بعدم الوقوع ما قاله أحد من الصحابة ولا من التابعين، إلا أن طاوسا نقل عنه لفظ محتمل؛ لذلك أولناه، ولا ممن بعدهم إلا الشيعة ومن وافقهم ممن لا يعتد بخلافه، وأما القول بالكفارة في
__________
(1) انظر [الملحق في الطلاق المعلق] ص 57، 58
(2/417)

ذلك فلم يثبت عن أحد من المسلمين قبل ابن تيمية، وإن كان مقتضى كلام ابن حزم في مراتب الإجماع نقل ذلك، إلا أن ذلك مع إبهامه وعدم تعيين قائله ليس فيه أنه في مسألة التعليق، فيجوز أن يحمل على غيرها من صور الحلف. . . انتهى.
وقول السبكي بشأن رأي طاوس (أولناه) يريد: تأويله في [الدرة المضيئة] بالإكراه (1) ، يقول: ذكره عبد الرزاق في طلاق المكره، وذكر أنه قد أجاب عنه أجوبة كثيرة غير هذا في بعض مصنفاته، كما ذكر أن طاوسا قد صح النقل عنه بخلاف ذلك، قال: قد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة، ونقل ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها [كتاب السنن] لسعيد بن منصور، ومنها [مصنف عبد الرزاق] .
وقال (2) أيضا: بعد ذكر الوارد عن الصحابة في الوقوع قال: (فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الوقوع، وأما التابعون رضي الله عنهم فأئمة العلم منهم معدودون معروفون، وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم) قال: (وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة كـ[جامع عبد الرزاق] و [مصنف ابن أبي شيبة] و [سنن سعيد بن منصور] و [السنن الكبرى] للبيهقي، وغيرها- فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكلهم بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين، ولم يقضوا بالكفارة وهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وشريح، وسعيد
__________
(1) [الدرة المضيئة] ص15
(2) المرجع السابق ص18
(2/418)

ابن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وأبو مخلد، والفقهاء السبعة- فقهاء المدينة - وهم. عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن يسار، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدما على غيرهم، وأصحاب ابن مسعود السادات، وهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة السلماني، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وطارق بن شهاب، وزر بن حبيش وغير هؤلاء من التابعين، مثل: ابن شبرمة، وأبي عمرو الشيباني، وأبي الأحوص، وزيد بن وهب، والحكم، وعمر بن عبد العزيز، وخلاس بن عمرو، وكل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في ذلك، ومنهم علماء التابعين غير هؤلاء، فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالإيقاع، ولم يقل أحد: أن هذا مما يجري به الكفارة، وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة، كلها تشهد بصحة هذا القول؛ كأبي حنيفة، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن جرير الطبري، وهذه مذاهبهم منقولة بين يدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة.
يتبين مما تقدم أمران:
الأول: أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء فتعليقه معتبر ويقع طلاقه عند وجود ما علق به، سواء قصد بذلك إيقاع الطلاق أم قصد اليمين حثا أو منعا أو تصديقا لخبر أو تكذيبا له.
(2/419)

واستدلوا على ذلك بأدلة:
منها: حديث: «المؤمنون عند شروطهم» .
ومنها: قياس الطلاق على العتق بجامع ما لكل منهما من قوة وسراية.
ومنها: اعتبار الكتاب والسنة للتعليقات مطلقا من القطع بحصول المشروع فيها عند وجود شرطه.
ومنها: ما نقله الأئمة من إجماع الأمة على إيقاع الطلاق المعلق عند وجود المعلق محليه سواء كان التعليق على وجه اليمين أم لا. . . إلى آخر الوجوه التي ذكرها تقي الدين السبكي في الاستدلال على ما تقدم، ويناقش ذلك بما يأتي نقله عن ابن تيمية وابن القيم.
الأمر الثاني: أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على نكاحها فتعليقه لغو، ولا يقع طلاقه عند زواجه بها بناء على أنها أجنبية منه وقت التعليق، وأن التعليق إيقاع لا يمين، كما تقدم بيانه نقلا عن ابن الهمام عند ذكر مذهب الحنفية. وما وراء هذا من اقتضاء صيغ التعليق للفور أو التكرار وعدم اقتضائها لذلك، ومن وقوع المعلق على نفي الفعل عند اليأس منه أو عند مضي زمن يمكن فيه الفعل فلا تعلق له بأصل البحث المطلوب إعداده.
(2/420)

د- المذهب الحنبلي:
1 - قال شيخ الإسلام (1) : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: (إن كلمتك فامرأتي طالق، وعبدي حر) قال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ذلك في الغضب والرضا.
__________
(1) [القواعد النورانية] ص 258، تحقيق\ محمد حامد الفقي- ط \ مكتبة المعارف.
(2/420)

2 - وقال (1) أيضا: وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد، فقال المروزي: قال أبو عبد الله: إذا قال: كل مملوك له حر، فيعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة، وقال: ليس يقول: كل مملوك لها حر- في حديث ليلى بنت العجماء - حديث أبي رافع أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب، وذكرت العتق، فأمروها بالكفارة إلا التيمي، وأما حميد وغيره فلم يذكروا العتق، قال: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي رافع - قصة حلف مولاته ليفارقن امرأته، وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين - قلت: فيها شيء؟ قال: نعم، أذهب إلى أن فيه كفارة يمين، قال أبو عبد الله: ليس يقول فيه (كل مملوك) إلا التيمي، قلت: فإذا حلف بعتق مملوكه فحنث؟ قال: يعتق، كذا يروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: (الجارية تعتق) ثم قال: ما سمعناه إلا من عبد الرزاق عن معمر. قلت: فإيش إسناده؟ قال: معمر عن إسماعيل عن عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس، وقال إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى: وهما مكيان، وقد فرقا بين الحلف بالطلاق والعتق، والحلف بالنذر؟ لأنهما لا يكفران، واتبع ما بلغه في ذلك عن ابن عمر وحفصة وزينب مع انفراد التيمي بهذه الزيادة، وقال صالح بن أحمد: قال أبي: وإذا قال: جاريتي حرة إن كان كذا وكذا، قال: قال ابن عمر وابن عباس: تعتق، وإذا قال: كل مالي في المساكين لم يدخل فيه جاريته، فإن هذا لا يشبه هذا، ألا ترى أن ابن عمر فرق بينهما: العتق والطلاق لا يكفران.
__________
(1) المرجع السابق ص 259، 260.
(2/421)

3 - وقال (1) أيضا: وأما قول القائل: إن العتق انفرد به التيمي فعنده جوابان:
أحدهما: أنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه أشعث، وجسر بن الحسن، وأحمد ذكر أنه لم يبلغه العتق إلا من طريق التيمي وقد بلغ غيره من طريق أخرى ثانية، ومن طريق ثالثة أيضا شاهدة وعاضدة.
الثاني: أن التيمي أجل من روى هذا الأثر عن بكر وأفقههم فانفراده به لا يقدح فيه، ألا ترى أن منهم من ذكر فيه ما لم يذكره الآخرون، ومنهم من بسطه، ومنهم من استوفاه، وقد روى عن التيمي مثل يحيى بن سعيد القطان، ومثل ابنه المعتمر وغيرهما، واتفقوا عنه على لفظ واحد، فدل على ضبطه وإتقانه.
4 - وقال (2) أيضا: وأما أحمد فبلغه أثر في الحلف بالعتق في حديث ليلى بنت العجماء، لكن لم يبلغه إلا من وجه واحد، فظن أن التيمي انفرد به، فكان ذلك علة فيه عنده، وعارضه بأثر آخر روي عن ابن عمر وابن عباس.
وقد ذكرت في غير هذا الموضع حديث ليلى بنت العجماء، وأنه روي من ثلاثة أوجه، وأنه على شرط [الصحيحين] ، وممن رواه أبو بكر الأثرم في [مسائله] عن أحمد. . . إلخ.
5 - وقال (3) أيضا: وأما معارضة ذلك بما روي عن ابن عمر وابن
__________
(1) [نظرية العقد] ص 136، 137.
(2) المرجع السابق ص 118.
(3) نفس المرجع ص 137- 139.
(2/422)

عباس فعنه أجوبة- هذا ملخصها:
أحدها: أن ذلك المنقول ليس فيه حجة، فإن فيه: أنها حلفت بالعتق وأيمان أخرى فأفتيت في الجميع باللزوم ليس فيه أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بالفرق بين العتق وبين غيره من الأيمان، بل فيه أنهم سووا بين ذلك، وفي بعض طرقه: أنه كان معهم ابن الزبير. . . إلخ.
الثاني: أن هذا الحديث هو الذي ذكره الهندواني من الحنفية. أن لزوم نذر اللجاج والغضب هو قول العبادلة. ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وأنكر الناس ذلك عليه، وطعنوا في ذلك، فإن كان هذا الحديث صحيحا ثبت ما نقله الهندواني، وإن لم يكن صحيحا لم يكن لأحد أن يحتج به.
الثالث: أنه- بتقدير ثبوته- يكون الصحابة متنازعين في جنس هذه التعليقات التي هي من جنس نذر اللجاج والغضب. . . إلخ.
الرابع: أن هؤلاء الذين نقل عنهم في هذا الجواب: أنهم ألزموا الحالف ما حلف به. قد ثبت عنهم نقيض ذلك، فثبت عن ابن عباس من غير وجه. أنه أفتى بكفارة يمين في هذه الأيمان، وكذلك ابن عمر فغاية الأمر أن يكون عنهما روايتان، وأما عائشة وحفصة وزينب وعمر بن الخطاب فلم ينقل عنهم إلا أنها أيمان مكفرة، فمن اختلف عنه سقط قوله، ويبقى الذين لم يختلف عنهم.
الخامس: أن هذا الحديث لا تقوم به حجة؛ لأن راويه لم يعلم أنه حافظ وإنما كان قاصا، وإذا لم يثبت حفظ الناقل لم يؤمن غلطه، فلا يقبل ما ينفرد به، لا سيما إذا خالف الثقات.
السادس: أنه قد ثبت عن هؤلاء الصحابة بنقل الثقات من الطرق
(2/423)

المتعددة: ما يخالف نقل عثمان بن حاضر، فدل ذلك على أنه غلط فيما رواه.
السابع: أن غاية هذا: أنه نقل عن بعض الصحابة الفرق بين العتق وغيره، وقد نقل عن هذا وعن غيره التسوية بينهما، فلو كان النقلان ثابتين لكان مسألة نزاع بين الصحابة، فكيف إذا كان هذا النقل؟ ! أثبت والصحابة الذين فيه أكثر وأفضل؟ ! والذين في ذلك هم هذا وزيادة.
الثامن: أن فيه من الخطأ ما يدل على أنه لم يحفظ، فلفظ حديث عبد الرزاق. . . وساقه إلى آخره.
وقال بعد ذلك: وهذا اللفظ فيه: (أنهما أفتيا بلزوم ما حلفت به) فأوقعا العتق، وقالا في المال بإجزاء زكاته لا بكفارة يمين.
وهذا القول لا يعرف عن أحد قبل ربيعة بن أبي عبد الرحمن، بل أهل العلم بأقوال العلماء كالمتفقين على أنه لم يقله أحد قبل ربيعة.
وقد ثبت بالنقول الصحيحة عن ابن عباس: أنه كان يأمر في ذلك بكفارة يمين، وكذلك عن ابن عمر.
6 - قال ابن قدامة (1) : اختلف أصحابنا في الحلف بالطلاق: فقال القاضي في [الجامع] وأبو الخطاب هو تعليقه على شرط، أي شرط كان، إلا قوله: إذا شئت فأنت طالق ونحوه فإنه تمليك، وإذا حضت فأنت طالق فإنه طلاق بدعة، وإذا طهرت فأنت طالق فإنه طلاق سنة، وهذا قول أبي حنيفة؟ لأن ذلك يسمى حلفا عرفا فيتعلق به الحكم، كما لو قال: إن دخلت
__________
(1) [المغني ومعه الشرح] (8\ 334) .
(2/424)

الدار فأنت طالق، ولأن في الشرط معنى القسم من حيث كونه جملة غير مستقلة دون الجواب فأشبه قوله: والله وبالله وتالله، وقال القاضي في [المجرد] : هو تعليقه على شرط يقصد به الحث على الفعل أو المنع منه كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو إن لم تدخلي فأنت طالق، أو على تصديق خبره مثل قوله: أنت طالق قدم زيد أو لم يقدم، فأما التعليق على غير ذلك، كقوله: أنت طالق إن طلعت الشمس أو قدم الحاج أو إن لم يقدم السلطان- فهو شرط محض ليس بحلف؛ لأن حقيقة الحلف القسم، وإنما سمي تعليق الطلاق على شرط حلفا تجوزا لمشاركته الحلف في المعنى المشهور، وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر، نحو قوله: والله لأفعلن أو لا أفعل أو قد فعلت أو لم أفعل، وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا يصح تسميته حلفا وهذا مذهب الشافعي، فإذا قال لزوجته: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق لم تطلق في الحال على القول الثاني؛ لأنه ليس بحلف، وتطلق على الأولى؛ لأنه حلف، وإن قال: كلما كلمت أباك فأنت طالق طلقت على القولين جميعا؛ لأنه علق طلاقها على شرط يمكن فعله وتركه فكان حلفا، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم أعاد ذلك طلقت واحدة كلما أعاد مرة طلقت حتى تكمل الثلاث؛ لأن كل مرة يوجد بها شرط الطلاق وينعقد شرط طلقة أخرى، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: ليس ذلك بحلف، ولا يقع الطلاق بتكرار؛ لأنه تكرار للكلام فيكون تأكيدا حلفا. . . ولنا: أنه تعليق للطلاق على شرط يمكن فعله وتركه فكان حلفا، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. وقوله:
(2/425)

إنه تكرار للكلام حجة عليه، فإن تكرار الشيء عبارة عن وجوده مرة أخرى، فإذا كان في الأولى حلفا فوجد مرة أخرى فقد وجد الحلف مرة أخرى، وأما التأكيد فإنما يحمل عليه الكلام المكرر إذا قصده، وهاهنا إن قصد إفهامها لم يقع بالثاني شيء، كما لو قال. أنت طالق أنت طالق، يعني بالثانية إفهامها، فأما إن كرر ذلك لغير مدخول بها بانت بطلقة، ولم يقع أكثر منها، فإذا قال لها ثلاثا بانت بالمرة الثانية ولم تطلق بالثالثة، فإن جدد نكاحها ثم أعاد ذلك لها، أو قال لها: إن تكلمت فأنت طالق أو نحو ذلك -لم تطلق بذلك؛ لأن شرط طلاقها إنما كان بعد بينونتها.
7 - وقال أيضا: باب تعليق الطلاق بالشروط. يصح ذلك من الزوج، ولا يصح من الأجنبي فلو قال: إن تزوجت فلانة، أو إن تزوجت امرأة فهي طالق- لم تطلق إذا تزوجها، وعنه تطلق، وإن قال لأجنبية: إن قمت فأنت طالق فتزوجها ثم قامت لم تطلق، رواية واحدة.
8 - ومن [حاشية المقنع] ما نصه (1) : قوله: ولا يصح من الأجنبي، فلو قال. . . إلخ، اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله تعالى في هذه المسألة، فالمشهور عنه أنه لا يقع، وهو المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال عطاء والحسن، وعروة، وجابر بن زيد، وسوار القاضي، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، ورواه الترمذي عن علي رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين وشريح، وروي عن أحمد ما يدل على وقوع الطلاق، قال في
__________
(1) [المقتع وحاشيته] بخط الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (3\ 177)
(2/426)

الفروع،: وعنه صحة قوله لزوجته: من تزوجت عليك فهي طالق أو قوله لعتيقته: إن تزوجتك فأنت طالق، أو قال لرجعيته: إن راجعتك فأنت طالق ثلاثا أراد التغليظ عليها، وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأنه يصح تعليقه على الإخطار، فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية، والأول أصح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق ولا عتاق لابن آدم فيما لا يملك (1) » رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب، قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء في الباب، ورواه الدارقطني وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وزاد: «وإن عينها» ، وعن المسور مرفوعا قال: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك (2) » رواه ابن ماجه بإسناد حسن، قال أحمد رحمه الله تعالى: هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أصحابه.
9 - وقال علي بن سليمان المرداوي على قول الموفق: (ولا يصح من الأجنبي إلخ) (3) قال: هذا المذهب، وعليه الأصحاب، ونص عليه ثم ساق ما يدل على الوقوع.
10 - وقال عبد الله بن محمد بن مفلح (4) : (يصح مع تقدم الشرط) و (كعتق على وجه النذر) (5) أولا، وكذا إن تأخر، وعنه يتنجز. ونقله ابن هانئ في العتق، قال شيخنا: وتأخر القسم، كأنت طالق لأفعلن كالشرط، وأولى بأن لا يلحق، وذكر ابن عقيل في أنت طالق وكرره أربعا ثم قال عقب الرابعة: إن قمت طلقت ثلاثا؛ لأنه لا يجوز تعليق ما لم يملك
__________
(1) سنن الترمذي الطلاق (1181) ، سنن أبو داود الطلاق (2190) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2047) ، مسند أحمد بن حنبل (2/190) .
(2) سنن ابن ماجه الطلاق (2048) .
(3) [الإنصاف] (9\ 59) .
(4) [الفروع] (5\ 424) وما بعدها.
(5) أشار بها صاحب كتاب [الفروع] إلى أنها علامة ما أجمع عليه.
(2/427)

بشرط، ويصح بصريحه وبكنايته، مع قصده من زوج، وتعليقه من أجنبي كتعليقه عتقا بملك والمذهب لا يصح مطلقا، قاله القاضي وغيره، وعنه صحة قوله لزوجته: من تزوجت عليك فهي طالق، أو لعتيقته: إن تزوجتك فأنت طالق، أو لرجعيته: إن راجعتك فأنت طالق ثلاثا وأراد التغليظ عليها، وجزم به في [الرعاية] وغيرها في الأوليين، قال أحمد في العتيقة قد وطئها والمطلق قبل الملك لم يطأ، وظاهر أكثر كلام أصحابه التسوية، ويقع بوجود شرطه نص عليه، وقال: الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان، واحتج بابن عمر وابن عباس، وأن حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع لم يقل فيه: وكل مملوك لها حر، وأنهم أمروها بكفارة يمين، إلا سليمان التيمي انفرد به، واحتج في رواية أبي طالب بهذا الأثر على أن من حلف بالمشي إلى بيت الله، وهو محرم بحجة وهو يهدي وماله في المساكين صدقة يكفر واحدة، وأن فيه اعتقي جاريتك، ولا أعلم أحدا قال فيه: يجزئ عنه في العتق والطلاق كفارة يمين، ورواه أيضا الأثرم من حديث أشعث الحمراني بإسناد صحيح، وذكر ابن عبد البر أنهما تفردا به، وذكر ابن حزم وغيره: أنه صحيح فيه، وذكر البيهقي وغيره: أنه روى عنهما فيه: أما الجارية فتعتق. فكأن الراوي اختصر. واختار شيخنا إن أراد الجزاء بتعليقه كره الشرط أولا، وكذا عنده الحلف به، وبعتق، وظهار، وتحريم، وأن عليه دل كلام أحمد، وقال: نقل حرب أنه توقف عن وقوع العتق، وما توقف فيه يخرجه أصحابه على وجهين، قال: ومنهم من يجعله رواية، قال شيخنا: كما سلم الجمهور أن الحالف بالنذر ليس ناذرا، ولأنه لو علق إسلامه أو كفره لم يلزمه، وإن قصد الكفر تنجز وما لزم
(2/428)

منجزا مع تعليقه أبلغ، فإذا كان هذا إذا قصد اليمين به معلقا لا يلزم فذاك أولى، فعلى هذا إذا حنث فإنه في العتق إن لم يختره لزمه كفارة يمين، وفي غيره مبني على نذره فيكفر وإلا التزم ذلك بما يحدثه من قول أو فعل يكون موفيا لموجب عقده، ولا يجيء التخيير بينه وبين الكفارة عند من يوجب الكفارة عينا في الحلف بنذر الطاعة، وأما إنه لا شيء عليه ولا تطلق قبله (1) ذهب أحمد إلى قول أبي ذر: أنت حر إلى الحول، وعنه: بلى مع تيقن وجوده، وخصها شيخنا بالثلاث؛ لأنه الذي يصير كمتعة، ونقل مهنا في هذه الصورة تطلق إذن، قيل له فتتزوج في: قبل موتي بشهر؟ قال: لا، ولكن يمسك عن الوطء حتى يموت وذكر في [الرعاية] تحريمه وجها. انتهى المقصود.
__________
(1) في الهامش بعد قوله: (قبله) في مخطوط الدار: (وإن قال) .
(2/429)

11 - قال شيخ الإسلام (1) : وأما صيغة القسم، فهو أن يقول: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره، أو منع لنفسه أو لغيره، أو على تصديق خبر أو تكذيبه فهذا يدخل في مسائل الطلاق والأيمان، فإن هذا يمين باتفاق أهل اللغة فإنها صيغة قسم، وهو يمين أيضا في عرف الفقهاء، لم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا ولكن تنازعوا في حكمها، فمن الفقهاء من غلب عليها جانب الطلاق فأوقع به الطلاق إذا حنث، ومنهم من غلب عليها جانب اليمين فلم يوقع به الطلاق، بل قال: عليه كفارة يمين، أو قال: لا شيء عليه بحال.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\ 45) .
(2/429)

12 - وقال (1) أيضا: والثالث صيغة تعليق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ويسمى هذا طلاقا بصفة، فإما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة، وأما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة.
فالأول: حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء، ولو قال: إن حلفت يمينا فعلي عتق رقبة، وحلف بالطلاق- حنث، بلا نزاع نعلمه بين العلماء المشهورين، وكذلك ما يعلق بالشرط لقصد اليمين، كقوله: إن فعلت كذا فعلي عتق رقبة، أو فعبيدي أحرار، أو فعلي الحج، أو علي صوم شهر، أو فمالي صدقة، أو هدي ونحو ذلك- فإن هذا بمنزلة أن يقول: العتق يلزمني لأفعل كذا، أو علي الحج لا أفعل كذا، أو نحو ذلك، لكن المؤخر في صيغة الشرط مقدم في صيغة القسم، والمنفي في هذه الصيغة مثبت في هذه الصيغة.
وقال أيضا: والثاني: وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة، كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف، وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق، ولم يعلم فيه خلاف قديم، لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق، وهو قول الإمامية، مع أن ابن حزم ذكر في [كتاب الإجماع] إجماع العلماء على أنه يقع به الطلاق، وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه مخرج اليمين،
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\45)
(2/430)

هل يقع الطلاق أو لا يقع أو لا شيء عليه؟ أو يكون يمينا مكفرة على ثلاثة أقوال، كما أن نظائر ذلك من الأيمان فيها هذه الأقوال الثلاثة، وهذا الضرب وهو الطلاق المعلق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها وليس فيها معنى الحض أو المنع كقوله: إن طلعت الشمس فأنت طالق هل هو يمين؟ فيه قولان: أحدهما: هو يمين، كقول أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد، والثاني: أنه ليس بيمين، كقول الشافعي، والقول الآخر في مذهب أحمد، وهذا القول أصح شرعا ولغة، وأما العرف فيختلف.
ثم ذكر (1) أنواع الأيمان جملة، وتكلم على كل نوع منها تفصيلا قال: والثاني: أن يكون مقصوده الحض أو المنع، أو التصديق أو التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج، وصوم سنة، ومالي صدقة، وعبيدي أحرار، ونسائي طوالق - فهذا الصنف يدخل في مسائل (الأيمان) ويدخل في مسائل (الطلاق والعتاق والنذر والظهار) وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه ما حلف به إذا حنث؛ لأنه التزم الجزاء عند وجود الشرط، وقد وجد الشرط، فيلزمه كنذر التبرر المعلق بالشرط.
والقول الثاني: هذه يمين غير منعقدة، فلا شيء فيها إذا حنث لا كفارة ولا وقوع؛ لأن هذا حلف بغير الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت (2) » وفي رواية في الصحيح: «لا تحلفوا إلا بالله (3) » .
والقول الثالث: إن هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\ 49) وما بعدها.
(2) صحيح البخاري الشهادات (2679) ، صحيح مسلم الأيمان (1646) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249) ، مسند أحمد بن حنبل (2/11) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1037) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341) .
(3) سنن النسائي الأيمان والنذور (3769) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3248) .
(2/431)

ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب وهو الحلف بالنذر، وما عقده لله من تحريم وهو الحلف بالطلاق والعتاق، فقالوا في الأول: عليه كفارة يمين إذا حنث، وقالوا في الثاني: يلزمه ما علقه، وهو الذي حلف به إذا حنث؛ لأن الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك والملتزم في الثاني وقوع حرمة، وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة.
والقول الثالث: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجملة، كما بسط ذلك في موضعه، وذلك أن الله تعالى قال في كتابه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (1) إلى قوله {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (2) وقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (3)
وثبت في [الصحيحين] عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (4) » .
وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى: أما اللفظ: فلقوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (5) وقوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} (6)
وهذا خطاب للمؤمنين، فكل ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا، والحلف بالمخلوقات شرك ليس من أيمانهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك (7) » رواه أهل [السنن] أبو داود وغيره، فلا تدخل هذه في أيمان
__________
(1) سورة المائدة الآية 89
(2) سورة المائدة الآية 89
(3) سورة التحريم الآية 2
(4) صحيح مسلم الأيمان (1650) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1034) .
(5) سورة التحريم الآية 2
(6) سورة المائدة الآية 89
(7) سنن أبو داود الأيمان والنذور (3251) ، مسند أحمد بن حنبل (2/69) .
(2/432)

المسلمين، وأما ما عقده بالله والله فهو من أيمان المسلمين فيدخل في ذلك؛ ولهذا لو قال: أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني ونوى دخول الطلاق والعتاق - دخل في ذلك، كما ذكر ذلك الفقهاء، ولا أعلم فيها نزاعا، ولا يدخل في ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من المخلوقات، وإذا كانت من أيمان المسلمين تناولها الخطاب.
أما من جهة المعنى: فهو أن الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين لئلا تكون اليمين موجبة عليهم أو محرمة عليهم، لا مخرج لهم كما كانوا عليه في أو ل الإسلام قبل أن تشرع الكفارة، لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء باليمين فلو كان من الأيمان ما لا كفارة فيه كانت المفسدة موجودة.
وأيضا: فقد قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} (1) نهاهم الله أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم من فعل ما أمر به لئلا يمتنعوا عن طاعته باليمين التي حلفوها، فلو كان في الأيمان ما ينعقد ولا كفارة فيه لكان ذلك مانعا لهم من طاعة الله إذا حلفوا به.
وأيضا: فقد قال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (3) (والإيلاء) هو الحلف والقسم، والمراد بالإيلاء هنا: أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، وهو إذا حلف بما عقده بالله كان موليا، وإن حلف بما عقده
__________
(1) سورة البقرة الآية 224
(2) سورة البقرة الآية 226
(3) سورة البقرة الآية 227
(2/433)

لله؛ كالحلف بالنذر والظهار والطلاق والعتاق- كان موليا عند جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي - في قوله الجديد- وأحمد.
ومن العلماء من لم يذكر في هذه المسألة نزاعا، كابن المنذر وغيره، وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء، والله سبحانه وتعالى قد جعل المولي بين خيرتين: إما أن يفيء، وإما أن يطلق، والفيئة: هي الوطء، خير بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، فإن فاء فوطئها حصل مقصودها، وقد أمسك بمعروف، وقد قال تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) ومغفرته ورحمته للمولي توجب رفع الإثم عنه وبقا امرأته، ولا تسقط الكفارة، كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (3)
فبين أنه غفور رحيم بما فرضه من تحلة الأيمان، حيث رحم عباده بما فرضه لهم من الكفارة وغفر لهم بذلك نقضهم لليمين التي عقدوها فإن موجب العقد الوفاء لولا ما فرضه من التحلة التي جعلها تحل عقدة اليمين وإن كان المولي لا يفيء، بل قد عزم على الطلاق فإن الله سميع عليم، فحكم المولي في كتاب الله: أنه إما أن يفيء، وإما أن يعزم الطلاق، فإن فاء فإن الله غفور رحيم لا يقع به طلاق، وهذا متفق عليه في اليمين بالله تعالى.
وأما اليمين بالطلاق فمن قال: إنه يقع به الطلاق فلا يكفر، فإنه يقول:
__________
(1) سورة البقرة الآية 226
(2) سورة التحريم الآية 1
(3) سورة التحريم الآية 2
(2/434)

إن فاء المولي بالطلاق وقع به الطلاق، وإن عزم الطلاق فأوقعه وقع به الطلاق، فالطلاق على قوله لازم، سواء أمسك بمعروف أو سرح بإحسان، والقرآن يدل على أن المولي مخير: إما أن يفيء، وإما أن يطلق، فإذا فاء لم يلزمه الطلاق، بل عليه كفارة الحنث إذا قيل: بأن الحلف بالطلاق فيه الكفارة، فإن المولي بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث عند جمهور العلماء، وفيه قول شاذ: أنه لا شيء عليه بحال، وقول الجمهور أصح، فإن الله بين في كتابه كفارة اليمين في سورة المائدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (1) » .
فإن قيل: المولي بالطلاق إذا فاء غفر الله له ما تقدم من تأخير الوطء للزوجة، وإن وقع به الطلاق، ورحمه بذلك.
قيل: هذا لا يصح، فإن أحد قولي العلماء القائلين بهذا الأصل: أن الحالف بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ امرأته لا يجوز له وطؤها بحال، فإنه إذا أولج حنث، وكان النزاع في أجنبية، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد وأحد القولين في مذهب مالك.
والثاني: يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها، وتحرم بها عليه امرأته، ومعلوم: أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة في الوطء، والمرأة لا تختار وطأة يقع بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له فلا يحصل مقصودها بهذا الفيئة.
وأيضا فإنه على هذا التقدير لا فائدة في التأجيل، بل تعجيل الطلاق أحب إليها لتقضي العدة لتباح لغيره، فإن كان لا بد لها من الطلاق على
__________
(1) صحيح مسلم الأيمان (1650) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1034) .
(2/435)

التقديرين كان التأجيل ضررا محضا لها، وهذا خلاف مقصود الإيلاء الذي شرع لنفع المرأة لا لضرها.
وما ذكرته من النصوص قد استدل به الصحابة وغيرهم من العلماء في هذا الجنس، فأفتوا من حلف فقال: إن فعلت كذا فمالي هدي، وعبيدي أحرار، ونحو ذلك- بأن يكفر عن يمينه، فجعلوا هذا يمينا مكفرة، وكذلك غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا هذا متناولا للحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك من الأيمان، وجعلوا كل يمين يحلف بها الحالف ففيها كفارة يمين وإن عظمت، وقد ظن طائفة من العلماء: أن هذا الضرب فيه شبه من النذر والطلاق والعتاق وشبه من الأيمان، وليس كذلك، بل هذه أيمان محضة.
وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضة كما قرر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما في الحلف بالنذر، ولكن هي أيمان علق الحنث فيها على شيئين:
أحدهما: فعل المحلوف عليه.
الثاني: عدم إيقاع المحلوف به.
فقول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج هذا العام بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا لأحجن هذا العام، وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا إذا فعل ولم يحج ذلك العام، كذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أحج هذا العام إنما تلزمه الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام، وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق عبدي أو أطلق امرأتي- فإنه لا تلزمه الكفارة إلا فعله ولم يطلق ولم يعتق، ولو قال: والله إن فعلت كذا فوالله لأطلقن امرأتي
(2/436)

ولأعتقن عبدي، وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق وعبدي حر- هو بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا ليقعن بي الطلاق والعتاق، ولأوقعن الطلاق والعتاق، وهو إذا فعله لم تلزمه الكفارة وإلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق، وإذا لم يوقعه لم يقع لأنه لم يوجد شرط الحنث؛ لأن الحنث معلق بشرطين والمعلق بالشرط قد يكون وجوبا، وقد يكون وقوعا، فإذا قال: إن فعلت كذا فعلي صوم شهر فالمعلق وجوب الصوم، وإذا قال: فعبدي حر وامرأتي طالق، فالمعلق وقوع العتاق والطلاق، وقد تقدم أن الرجل المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط وقع، كما إذا كان قصده أن يطلقها إذا أبرأته من الصداق فقال: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق فهنا إذا وجدت الصفة وقع الطلاق.
وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره وقوع الجزاء عند الشرط فهذا حالف، كما لو قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا.
وأما قول القائل: إنه التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه فهذا باطل من أوجه:
أحدها: أن الحالف بالكفر والإسلام- كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم- هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط، ولا يلزمه ذلك بالاتفاق؛ لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط، بل قصد الحلف به، وهذا المعنى موجود في سائر أنواع الحلف بصيغة التعليق.
الثاني: أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي لم يلزمه أن يطلقها بالاتفاق إذا فعله.
الثالث: أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين:
(2/437)

أحدهما: أن يكون الملتزم قربة.
الثاني. أن يكون قصده التقرب إلى الله به لا الحلف به فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل والشرب لم يلزمه، ولو التزم قربة كالصلاة والصيام والحج على وجه الحلف بها لم يلزمه، بل تجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد، وآخر الروايتين عن أبي حنيفة، وقول المحققين من أصحاب مالك.
وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين، وهو يكره وقوعه إذا وجد الشرط، كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به، وكما يكره وجوب تلك العبادات إذا حلف بها.
وأما قول القائل: إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة.
فيقال. النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات، ولهذا جعله شركا؛ لأنه عقد اليمين بغير الله فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله؛ ولهذا كان النذر أبلغ من اليمين، فوجوب الكفارة فيما عقد لله أولى من وجوبها فيما عقد بالله.
13 - وقال أيضا (1) : فصل: في التفريق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والتعليق الذي يقصد به اليمين.
فالأول: أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط، وإن كان الشرط مكروها له، لكنه إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق؛ لكون الشرط أكره إليه من الطلاق، فإنه وإن كان يكره طلاقها ويكره الشرط، لكن إذا وجد الشرط
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\64)
(2/438)

فإنه يختار طلاقها: مثل: أن يكون كارها للتزوج بامرأة بغي أو فاجرة أو خائنة أو هو لا يختار طلاقها، لكن إذا فعلت هذه الأمور اختار طلاقها، فيقول: إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق، ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها: إما عقوبة لها، وإما كراهة لمقامه معها على هذا الحال، فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف، ووقوع الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة كابن مسعود وابن عمر، وعن التابعين وسائر العلماء وما علمت أحدا من السلف قال في مثل هذا: أنه لا يقع به الطلاق، ولكن نازع في ذلك طائفة من الشيعة، وطائفة من الظاهرية، وهذا ليس بحالف، ولا يدخل في لفظ اليمين المكفرة الواردة في الكتاب والسنة، ولكن من الناس من سمى هذا حالفا، كما أن منهم من يسمي كل معلق حالفا، ومن الناس من يسمي كل منجز للطلاق حالفا، وهذه الاصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل في اللغة ولا في كلام الشارع، ولا كلام الصحابة وإنما سمي ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين من القدر المشترك عند المسمي وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة.
وأما التعليق الذي يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم بخلاف النوع الأول، فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم، وهذا القسم إذا ذكره بصيغة الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء، وهو أكره إليه من الشرط فيكون كارها للشرط، وهو للجزاء أكره، ويلتزم أعظم المكروهين عنده ليمتنع به من أدنى المكروهين، فيقول: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبيدي أحرار أو علي الحج، ونحو ذلك، أو يقول لامرأته: إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق، يقصد: زجرها أو تخويفها باليمين، لا إيقاع الطلاق إذا فعلت؛ لأنه يكون مريدا لها، وإن يقصد ذلك لكون
(2/439)

طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال، فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع، لا لقصد الإيقاع، فهذا حالف ليس بموقع، وهذا الحالف في الكتاب والسنة، وهو الذي تجزئه الكفارة، والناس يحلفون بصيغة القسم، وقد يحلفون بصيغة الشرط التي في معناها فإن علم هذا وهذا سواء باتفاق العلماء.
14 - وقال أيضا (1) : إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا أو نحو ذلك وله زوجة- ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف، ولكن القول الراجح: أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق، وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده، ولو قال: أنت علي كظهر أمي وقصد به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا، والإيلاء طلاقا، فرفع الله ذلك كله وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر- فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، كذلك قال كثير من السلف والخلف- إنه إذا كان متزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا، وهذا مذهب أحمد، وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث في يمينه أجزأته
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\ 74)
(2/440)

الكفارة في مذهبه، لكن قيل: إن الواجب كفارة ظهار، سواء حلف أو أوقع، وهو المنقول عن أحمد، وقيل بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره، فالحلف بالحرام يجزيه كفارة يمين، كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة، كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ فيه أيضا كفارة يمين كما أفتى به جماعة من السلف والخلف، والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك، بل معناه يوافقه، فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم ففيها كفارة يمين، كما دل عليه الكتاب والسنة، وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر، فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين.
(2/441)

15 - وقال ابن القيم (1) : ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في [صحيح البخاري] عن نافع قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء، فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من يفصل بين القسم المحض،
__________
(1) [إعلام الموقعين] لابن قيم الجوزية - تحقيق وضبط عبد الرحمن الوكيل (3\ 69- 80) .
(2/441)

والتعلق الذي يقصد به الوقوع، فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب، فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وقد صح عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب: ما أفتوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم، ويترك بعضها. فأما الوقوع: فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي عن إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحق بها على أنه منقطع (1) .
وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يستمتع بها إلى سنة، ومن هذا قول أبي ذر لامرأته، وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال: إن عدت سألتيني فأنت طالق.
فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق.
وأما الآثار عنهم في خلافه: فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفر عن يمينها، ولا تفرق بينهما.
قال الأثرم في [سننه] ،: ثنا عارم بن الفضل، ثنا معمر بن سليمان، قال أبي: ثنا بكر بن عبد الله، قال: أخبرني أبو رافع، قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية،
__________
(1) في سنده الجراح بن المنهال، ضعفه غير واحد، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر.
(2/442)

وهي نصرانية، إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال. فأتيت زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب، قال: فأتيتها، فجاءت معي إليها، فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب - جعلني الله فداك- إنها قالت: إن كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: (يهودية ونصرانية! خلي بين الرجل وامرأته) فأتيت حفصة أم المؤمنين، فأرسلت إليها، فأتتها، فقالت: يا أم المؤمنين، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية! ؟ ، فقالت: (يهودية ونصرانية! ؟ خلي بين الرجل وامرأته) ، قالت: فأتيت عبد الله بن عمر، فجاء معي إليها، فقام معي على الباب، فسلم فقالت. بأبي أنت وبأبي أبوك، فقال: (أمن حجارة أنت، أم من حديد أنت، أم أي شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين، فلم تقبلي فتياهما) فقالت: يا أبا عبد الرحمن - جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال. (يهودية ونصرانية! ؟ كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته) .
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في المترجم له: ثنا صفوان بن صالح، ثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، قال: حدتني حسن بن الحسن قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني، قال: حدثني رفيع، قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار، فحلفت بالهدي والعتاقة: أن تفرق بيننا، فأتيت امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت لها ذلك، فأرسلت إليها أن كفري عن يمينك، فأبت، ثم أتيت زينب وأم سلمة، فذكرت ذلك
(2/443)

لهما، فأرسلتا إليها. أن كفري عن يمينك، فأبت، فأتيت ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها ابن عمر: أن كفري عن يمينك، فأبت، فقام ابن عمر فأتاها، فقال: أرسلت إليك فلانة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وزينب أن تكفري عن يمينك، فأبيت، قالت: يا أبا عبد الرحمن، إني حلفت بالهدي والعتاقة. قال: وإن كنت قد حلفت بهما.
وقال الدارقطني. ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، ثنا أشعث، ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع: أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهم، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفر عن يمينها، وتخلي بينهما.
وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري: ثنا أشعث، ثنا بكر، عن أبي رافع: أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. رواه روح والأنصاري واللفظ له، وحديث روح مختصر.
وقال النضر بن شميل: ثنا أشعث، عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع، عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفر يمينها.
(2/444)

وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي: ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع: أن ليلى بنت العجماء مولاته، قالت: هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي إن لم يطلق امرأته إن لم تفرق بينهما فذكر القصة، وقال: فأتيت ابن عمر، فجاء معي، فقام بالباب، فلما سلم قالت: بأبي أنت وأبوك، قال: أمن حجارة أنت أم من حديد؟ أتتك زينب، وأرسلت إليك حفصة، قالت: قد حلفت بكذا وكذا. قال: كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته.
فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعل بها حديث ليلى هذا، وهي تفرد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: لم يقل: (وكل مملوك لها حر) إلا التيمي، وبرئ التيمي من عهدة التفرد.
وقاعدة الإمام أحمد: أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القول بهذا الأثر؛ لصحته وانتفاء علته.
فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفت بكذا وكذا، وكل مملوك لها حر، فأفتيت بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته، وأيمان، فقال: أما الجارية فتعتق.
قلت: يريد بهما: ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر قال: حلفت امرأة من آل ذي أصبح فقالت: مالها في سبيل الله، وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها
(2/445)

أن لا تفعله، فسأل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: مالي في سبيل الله فتتصدق بزكاة مالها، فقيل: لا ريب أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان.
هذا وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادا وأصح من حديث عثمان، فإن رواته حفاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان، وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفر يمينه، وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة.
قال أبو محمد بن حزم: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، وعن ابن عمر: أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك- كفارة يمين واحدة. فإذا صح هذا عن الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول أثر عثمان بن حاضر في قول الحالف: عبده حر إن فعل، أنه يجزيه كفارة يمين، وإن لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى، فإن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى، وكيف وقد أفتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الحالف بالطلاق: أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف.
قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف بابن بزيزه في شرحه لأحكام عبد الحق: (الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه) وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال أمير المؤمنين علي كرم
(2/446)

الله وجهه وشريح وطاوس: لا يلزمه من ذلك شيء ولا يقضى بالطلاق على من حلف به بحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، هذا لفظه بعينه، فهذه فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق.
وقد قدمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط، ولا تعارض بين ذلك، فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خص منع نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منع نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله، وإخراجه مخرج اليمين بما لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه، وهذه علة صحيحة، فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا فرق البتة، والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دل ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم، بل لزوم الإعتاق، والتطليق، بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى، أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين، وعدم قصد وقوعها فالطلاق أولى، وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء، وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق، فإذا كان قصد اليمين قد منع ثلاثة أشياء: وهي: وجوب التطليق، وفعله، وحصول أثره، وهو الطلاق، فلأن يقوى على منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى.
أما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة، وبالقول تارة، وبالشك تارة، ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه، فلأن يمنع من
(2/447)

وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره، ويحصل بالملك والفعل قد منع قصد اليمين من وقوعه، كما أفتى به الصحابة، فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع، وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلف: (أيمان المسلمين تلزمني) عند من ألزمها بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (1) أولى وأحرى.
وإذا دخلت في قول الحالف: إن حلفت يمينا فعبدي حر، فدخولها في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير (2) » أولى وأحرى.
وإذا دخلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك (3) » فدخولها في قوله: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (4) » أولى وأحرى، فإن الحديث أصح وأصرح.
وإذا دخلت في قوله: «من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان (5) » فدخولها في قوله تعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (6) أولى وأحرى بالدخول أو مثله.
__________
(1) سورة التحريم الآية 2
(2) صحيح مسلم الأيمان (1651) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3786) ، سنن ابن ماجه كتاب الكفارات (2108) ، مسند أحمد بن حنبل (4/378) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2345) .
(3) سنن الترمذي النذور والأيمان (1532) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2104) .
(4) صحيح مسلم الأيمان (1650) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1034) .
(5) صحيح البخاري المساقاة (2357) ، صحيح مسلم الإيمان (138) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (2996) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3243) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2323) ، مسند أحمد بن حنبل (1/379) .
(6) سورة المائدة الآية 89
(2/448)

وإذا دخلت في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} (1)
فلو حلف بالطلاق كان موليا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى؛ لأن الإيلاء نوع من اليمين، فإذا دخل في الحلف في الطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس.
وإذا دخلت في قوله: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك (2) » فكيف لا يدخل في بقية نصوص الأيمان، وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص؟! وإذا دخلت في قوله: «إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق (3) » فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين؟ وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا أو لغة؟ وإذا دخلت في قوله {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (4) فهلا دخلت في قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (5)
وإذا دخلت في قول الحالف: (أيمان البيعة تلزمني) وهي الأيمان التي رتبها الحجاج، فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟! فإذا كانت يمين الطلاق يمينا شرعية بمعنى: أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطى حكم الأيمان، وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع، فلا يلزم الحالف بها شيئا، كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: (ليس الحلف بالطلاق شيئا)
__________
(1) سورة البقرة الآية 226
(2) صحيح مسلم الأيمان (1653) ، سنن الترمذي الأحكام (1354) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3255) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2121) ، مسند أحمد بن حنبل (2/228) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2349) .
(3) صحيح مسلم المساقاة (1607) ، سنن النسائي البيوع (4460) ، سنن ابن ماجه التجارات (2209) ، مسند أحمد بن حنبل (5/297) .
(4) سورة المائدة الآية 89
(5) سورة المائدة الآية 89
(2/449)

وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود بن علي في تفسيره عنه: أنها من خطوات الشيطان، لا يلزم بها شيء، وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود: أنها لا يلزم بها طلاق، وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه، وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: إن كلمت فلانا فأنت طالق، فقال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت، وإن شاءت أمسكت، وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يلزمني أو لازم لي أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية.
الوجه الثاني: أنه صريح فلا يحتاج إلى نيته، وهذا اختيار الروياني، ووجهه: أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا اختيار القفال في [فتاويه] .
ووجهه: أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة، كقوله: أنت طالق، أو طلقتك، أو قد طلقتك، أو يقول: امرأتي طالق أو فلانة طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني؛ ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك، فقالت: أنت طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاقا، وقال عطاء: الله بوأها، وتبعه على ذلك الأئمة، فإذا قال: الطلاق يلزمني لم يكن لازما له إلا أن يضيفه إلى محله، وإن لم يضفه فلا
(2/450)

يقع، والموقعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومن ضرورة لزومه إضافته إلى المحل فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم، ولمن نصر قول القفال: أن يقول: إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقع الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه؛ لأنه نذر أن يطلق، ولا تطلق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع.
وقوله: الطلاق يلزمني التزام لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق، وقوله: (الطلاق يلزمني) لا يصلح أن يكون سببا (إذ) لم يضف فيه الطلاق إلى محله (فهو كما لو قال: (العتق يلزمني) ولم يضف فيه العتق إلى محله) (1) بوجه، ونظير هذا أن يقول له: بعني أو أجرني، فيقول: البيع يلزمني، أو الإجارة تلزمني، فإنه لا يكون بذلك موجبا لعقد البيع أو الإجارة حتى يضيفهما إلى محلهما، وكذلك لو قال: الظهار يلزمني لم يكن ذلك مظاهرا حتى يضيفه إلى محله، كما لو قال: العتق يلزمني، ولم يضف فيه العتق إلى محله، وهذا بخلاف ما لو قال: الصوم يلزمني أو الحج، أو الصدقة، فإن محله الذمة، وقد أضافه إليها.
فإن قيل: وهاهنا محل الطلاق والعتاق الذمة؟
قيل: هذا غلط، بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد، وإنما الذمة محل وجوب ذلك، وهو التطليق والإعتاق، وحينئذ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق وذلك لا يوجب الوقوع، والذي يوضح هذا: أنه لو
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من نسخة دار الفكر 1397 هـ (الناشر) .
(2/451)

قال: أنا منك طالق، لم تطلق بذلك؛ لإضافة الطلاق إلى غير محله.
وقيل: تطلق إذا نوى طلاقها هي بذلك؛ تنزيلا لهذا اللفظ منزلة الكنايات، فهذا كشف سر هذه المسألة.
وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في [شرح التنبيه] . انتهى المقصود.
وقال ابن القيم (1) أيضا: قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان:
إحداهما: إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق.
والثانية: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وإن الخلاف في الصيغتين قديما وحديثا.
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3\83) .
(2/452)

16 - قال السبكي: ردا على استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الفصل الثالث في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل:
أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (1) وساق الآية إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2) ثم قال: وإنما الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (3) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه، والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة، قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} (4) وساق الآية إلى قوله تعالى: {عَلِيمٌ} (5) ثم قال: وللمفسرين في معنى قوله تعالى:
__________
(1) سورة المائدة الآية 89
(2) سورة المائدة الآية 89
(3) سورة المائدة الآية 89
(4) سورة البقرة الآية 224
(5) سورة البقرة الآية 224
(2/452)

{وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} (1) قولان:
أحدهما: أن المراد: لا تجعلوا اليمين بالله تعالى عرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فتحلفوا، لا تفعلوا فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البر والتقوى، فنهاهم الله عن اليمين على ذلك، ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا للحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير (2) » .
والقول الثاني: أن المراد: لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء، وقوله: {أَنْ تَبَرُّوا} (3) معناها: إرادة أن تبروا، يعني: إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم، ولا شك أن اليمين بالله تعالى مرادة في الآيتين، وهي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا، فإذا قال: (والله لا أفعل) أو (والله لأفعلن) فقد أكد عقده بهذا الاسم المعظم؛ ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء: أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها.
ومن هنا قال أهل الظاهر: لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك، وممن قال بهذا القول: الشعبي والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن، نقله ابن عبد البر وقال: هو الصواب عندنا والحمد لله.
__________
(1) سورة البقرة الآية 224
(2) صحيح البخاري كتاب كفارات الأيمان (6721) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3780) .
(3) سورة البقرة الآية 224
(2/453)

وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الإلحاق بها لوجود علة وجوب الكفارة عندهم، هذه أقوال المعتبرين من العلماء. . . هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:
أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها، ولو قلنا: هي يمين.
والثاني: أن عموم الآية مخصوص، فلا تجب الكفارة في كل ما يطلق عليه اسم اليمين لغة، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يمينا في اللغة لم تبق الآية الكريمة مجراة على عمومها، وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء، فإذا كان للفظ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه، ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع، فإن تعذر حملناه على معناه في اللغة والعرف، وهاهنا في الآية زيادة وهي: أن الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سلم من التخصيص أو كان أقل تخصيصا كان أولى فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي، واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به، أو لم يكره ولم يحرم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من
(2/454)

كان حالفا فلا يحلف إلا بالله (1) » وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: «لا تحلفوا بآبائكم (2) » وفي [سنن النسائي] من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون (3) » فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عز وجل وما نهى عنه لم يكن شرعيا، ولا فرق بين اليمين باسم الله عز وجل أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا، والكل شرعي ينعقد، فقد «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول: "لا، ومقلب القلوب (4) » «وفي حديث صفة الجنة: أن جبريل قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها (5) » «ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا: ورب الكعبة (6) » فكل أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله: أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله عز وجل، فبأي اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته حلف لم يكن معظما لغير الله تعالى، فإذا كانت اليمين الشرعية: هي اليمين بالله عز وجل أو صفاته كانت الآية محمولة على ذلك، فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي، فيحمل على المعنى الشرعي، وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية، فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية، وهي: الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته، ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.
__________
(1) صحيح البخاري المناقب (3836) ، صحيح مسلم الأيمان (1646) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249) ، مسند أحمد بن حنبل (2/76) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341) .
(2) صحيح البخاري المناقب (3836) ، صحيح مسلم الأيمان (1646) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3766) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2094) ، مسند أحمد بن حنبل (2/76) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1037) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341) .
(3) سنن النسائي الأيمان والنذور (3769) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3248) .
(4) صحيح البخاري القدر (6617) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1540) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3761) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3263) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2092) ، مسند أحمد بن حنبل (2/68) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2350) .
(5) سنن النسائي الأيمان والنذور (3763) ، سنن أبو داود السنة (4744) ، مسند أحمد بن حنبل (2/333) .
(6) سنن النسائي الأيمان والنذور (3773) .
(2/455)

ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فألحقوه بذلك؛ لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله، وعند هذا اختلف نظرهم: فمنهم من يلحق أنواعا كثيرة، ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم ويوجد هذا الاختلاف بالصحابة والتابعين ومن بعدهم...... ومضى إلى أن قال: قد أجمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة، فلا معدل عن الإجماع، إذ لا يعارض الإجماع بدليل غيره، هذا أيضا لم يقله أحد من المسلمين، ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها تسمى أيمانا، قال ابن عبد البر: وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر، وإنما هو طلاق بصفة أو عتق بصفة إذا أوقعه موقعا وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء كل على أصله، وقول المتقدمين: الأيمان بالطلاق والعتق إنما هو كلام خرج على الامتناع والمجاز والتقريب، وأما الحقيقة فإنما هو طلاق على وصف وعتق على وصف ما، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عز وجل، فقد تبين خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة.
(2/456)

وأما الآية الثانية: وهي: قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (1) فإن المستدل تعلق بها بناء على أن الكفارة وجبت في التحريم، خاصة وأن الله سبحانه جعله يمينا وأجراه مجرى اليمين في الكفارة، ونبه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك، فإن هذه الواقعة قد قيل: إنها في قصة مارية، وقيل: في قصة العسل، ومن العلماء من لم يذكر فيها يمينا بالله تعالى، وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب مما تقدم، والنبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال، فلو كان الحرام يسمى حقيقة لعلم دخوله في الآية الأولى فلما احتاج إلى إعلام الله إياه دل على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي، وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء، وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق، فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي، هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريما.
وأما من لم يقل بذلك فيقول: الكفارة ليمين بالله اقترنت بالتحريم، وقد قال بعض من استدل بالآية على أن التحريم يمين: (من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم حلف مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحد) وقد روى البيهقي بإسناده إلى
__________
(1) سورة التحريم الآية 2
(2/457)

عائشة رضي الله عنها قالت: «آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة (1) » . وروى أبو داود مرسلا عن قتادة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فدخلت فرأت معه جاريته فقالت: في بيتي وفي يومي، فقال: أسكتي، فوالله لا أقربها وهي علي حرام» وروى البيهقي مرسلا أيضا عن مسروق أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته، وقال: "هي علي حرام " فنزلت الكفارة ليمينه، وأمر أن لا يحرم ما أحل الله (2) » .
وأما قصة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية، فروى البيهقي: «أن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة تخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند
__________
(1) الاستدلال بهذا الحديث على اقتران التحريم في هذه القصة بيمين - مردود لأمور: أ- أن الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة إما العسل وإما مارية القبطية، والذي في هذا الحديث أنه حرم نساءه، ومارية ليست من زوجاته ولا هي جماعة. ب- أن الواقعة التي آلى فيها من نسائه شهرا قد أعتزل فيها نساءه شهرا وأمضى ما حلف عليه وعلى هذا لم يكن فرضا عليه أن يتحلل من يمينه بكفارة. ج- أن هذا الحديث من رواية مسلمة بن علقمة المازني عن داود بن علي عن عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة مرفوعا، وقد خالفه في ذلك علي بن مسهر وغيره عن داود عن الشعبي مرسلا، وعلي بن مسهر ومن شاركه في رواية هذا الحديث عن داود أوثق، فكان وصل مسلمة له شاذا، قال أبو عيسى الترمذي: حديث مسلمة بن علقمة عن داود رواه علي بن مسهر وغيره عن داود عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وليس فيه: وهذا أصح عن مسروق عن عائشة من حديث مسلمة بن علقمة. د- مسلمة بن علقمة المازني ضعفه غير واحد، ذكره العقيلي في [الضعفاء] وقال: له عن داود مناكير، وما لا يتابع عليه من حديثه كثير. وذكر له ابن عدي أحاديث، وقال: وله غير ما ذكرت مما لا يتابع عليه، وبذلك يكون وصله لهذا الحديث منكرا؛ لمخالفته من أرسله من الثقات.
(2) ما ذكره من مرسل قتادة ومسروق لا حجة فيهما لمطلوبه؛ لما فيهما من الإرسال.
(2/458)

زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: "بل شربت عسلا عند زينب، ولن أعود له " فنزلت: إلى لعائشة وحفصة لقوله: " بل شربت عسلا (4) » قال البيهقي: رواه البخاري في [الصحيح] عن الحسن بن محمد ورواه مسلم عن محمد بن حاتم كلاهما عن حجاج قال البخاري وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء في هذا الحديث «ولن أعود له، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا (5) » قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} (6) «والله لا أشرب العسل بعدها،» فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله، وهذا معنى قول عائشة، «فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة، (7) » فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى، ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية، انتهى المقصود.
__________
(1) صحيح البخاري الطلاق (5267) ، صحيح مسلم الطلاق (1474) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3795) ، سنن أبو داود الأشربة (3714) ، مسند أحمد بن حنبل (6/221) .
(2) سورة التحريم الآية 1 (1) {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}
(3) سورة التحريم الآية 4 (2) {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ}
(4) سورة التحريم الآية 3 (3) {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا}
(5) صحيح البخاري الأيمان والنذور (6691) .
(6) سورة التحريم الآية 1
(7) سنن الترمذي الطلاق (1201) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2072) .
(2/459)

يتلخص المقصود مما تقدم في أمور:
الأول: الاختلاف في ضابط ما يسمى حلفا بالطلاق، فقيل: هو كل طلاق علق على شرط أيا كان هذا الشرط، وقيل: كل طلاق علق على شرط، وقصد به الحث على الفعل أو المنع منه، أو قصد به تصديق خبر أو تكذيبه، مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإلا كان شرطا محضا، مثل: إن طلعت الشمس فأنت طالق، والحلف بالطلاق على الأول أعم منه على الثاني، وذكر ابن تيمية أن الضابط الثاني أصح لغة وشرعا، وأما العرف
(2/459)

فيختلف.
الثاني: أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء اعتبر تعليقه، ووقع الطلاق عند وجود المعلق عليه، ولو كان قاصدا الحث على فعل أو المنع منه أو تصديق خبر أو تكذيبه، ولا كفارة عليه في ذلك، واستدل الإمام أحمد لذلك: بما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم من اعتبار التعليق ووقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه، ورد ما زاده سليمان بن طرخان التيمي في روايته لقصة ليلى بنت العجماء من قوله فيها: (كل مملوك لها حر) لتفرده بهذه الزيادة، وعارضه بما رواه عبد الرزاق من طريق عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعلى ذلك لا يتم لمن جعل الطلاق المعلق يمينا تلزم فيها الكفارة قياسه على ما جاء من الفتوى في قصة ليلى بنت العجماء في لزومه الكفارة دون وقوع الطلاق.
ونوقش: بأن سليمان لم ينفرد بالزيادة، وبأنه على تقدير تفرده فهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة ما لم تعارض رواية من هو أوثق منه معارضة لا يمكن معها الجمع، ونوقشت المعارضة بإمكان الجمع، وعلى تقدير عدم إمكانه فرواية سليمان أرجح من رواية عثمان بن حاضر؛ لما سبق من النقل عن ابن تيمية وابن القيم من مبررات الترجيح.
الثالث: أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على زواجه بها كان تعليقه لغوا، ولا تطلق بذلك إذا تزوجها؛ إما لأنها أجنبية منه وقت التعليق كما علل به الشافعية، وإما لمقارنة وقوع الطلاق عقد الزواج، كما علل به محمد بن الحسن من الحنفية.
وروي عن الإمام أحمد: أنه يصح تعليق طلاق الأجنبية على الزواج
(2/460)

بها؛ لأنه يصح تعليقه على الإخطار فيصح تعليقه على الملك كالوصية، وهذه الرواية موافقة لمذهب المالكية والحنفية سوى محمد بن الحسن.
هذا وجملة القول: أنه لم يثبت نص صريح لا في الكتاب ولا في السنة باعتبار الطلاق المعلق طلاقا عند الحنث وعدم اعتباره، فكانت المسألة نظرية، للاجتهاد فيها مجال، من أجل هذا اختلفت الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في حكمها، فمن قائل: إن تعليق الطلاق على شرط لغو؛ لأنه حلف خالف ما جاءت به الأحاديث من النهي عن الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، ومن قائل: إنه معتبر، ويقع به الطلاق عند حصول المعلق عليه؛ لقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) ولحديث «المسلمون عند شروطهم» وللآثار الواردة في اعتباره طلاقا، بل ادعى أنه مجمع عليه، وقد سبقت مناقشته، ومن قائل: إنه داخل في جنس الأيمان إن قصد به الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه دون إيقاع الطلاق، فتلزم فيه الكفارة عند الحنث، كما تلزم في سائر الأيمان، واستندوا إلى القياس على ما ورد في قصة ليلى بنت العجماء، ورأوا أن الإلزام بالكفارة فيه جمع بين ما ورد عن السلف من الآثار المختلفة، فكان أولى من إلغائه أو اعتباره طلاقا، إلى آخر ما تقدم من الاستدلال ومناقشة كل فريق لمخالفه. هذا ما تيسر جمعه.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) سورة المائدة الآية 1
(2/461)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (16) وتاريخ 12\11\1393 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (14) الصادر عنها في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1\4\1393 هـ و 17\4\1393 هـ القاضي بتأجيل دراسة موضوع الطلاق المعلق إلى الدورة الرابعة لمجلس الهيئة- فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة الرابعة المنعقد فيما بين 29\10\1393 هـ و12\11\1393 هـ، وفي هذه الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد دراسة الموضوع وتداول الرأي، واستعراض كلام أهل العلم في ذلك، ومناقشة ما على كل قول من إيراد، مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يثبت نص صريح لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله باعتبار الطلاق المعلق طلاقا عند الحنث وعدم اعتباره، وأن المسألة نظرية للاجتهاد فيها مجال- بعد ذلك توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه، سواء قصد من علق طلاقه على شرط الطلاق المحض، أو كان قصده الحث أو المنع، أو تصديق خبر أو تكذيبه؛ وذلك لأمور أهمها ما يلي:
(2/462)

1 - ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك، ومنه ما أخرجه البخاري في [صحيحه] معلقا بصيغة الجزم من أن رجلا طلق امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. وما روى البيهقي بإسناده عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق. فتفعله، قال: هي واحدة وهو أحق بها، وما رواه أيضا بإسناده إلى أبي الزناد عن أبيه: أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت طلقت امرأته، إلى غير ذلك من الآثار، مما يقوي بعضها بعضا.
2 - لما أجمع عليه أهل العلم إلا من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل مع القطع بأنه لم يقصد الطلاق، وذلك استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول من أن «ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والعتاق (1) » . فإن كلا من الهازل والحالف بالطلاق قد عمد قلبه إلى ذكر الطلاق وإن لم يقصده، فلا وجه للتفريق بينهما بإيقاعه على الهازل به وعدم إيقاعه على الحالف به.
3 - لقوله تعالى: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (2) ووجه الاستدلال بها: أن الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق، ومع ذلك فهو موجب اللعنة والغضب على تقديم الكذب.
4 - إن هذا التعليق وإن قصد به المنع فالطلاق مقصود به على تقدير الوقوع، ولذلك أقامه الزوج مانعا له من وقوع الفعل، ولولا ذلك لما امتنع.
__________
(1) سنن الترمذي الطلاق (1184) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2039) .
(2) سورة النور الآية 7
(2/463)

5 - إن القول بوقوع الطلاق عند حصول الشرط المعلق عليه قول جماهير أهل العلم وأئمتهم، فهو قول الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو المشهور في مذاهبهم، قال تقي الدين السبكي في رسالته [الدرة المضيئة] : وقد نقل إجماع الأمة على ذلك أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم، فمن ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه وناهيك به. وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهم، وكذلك نقله أبو ثور، وهو من الأئمة أيضا، وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإجماع أبو بكر بن المنذر، ونقله أيضا الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد بن نصر المروزي، ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه: [التمهيد] و [الاستذكار] وبسط القول فيه على وجه لم يبق لقائل مقالا، ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب [المقدمات] له، ونقله الإمام الباجي في [المنتقى] . . . إلى أن قال: وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر بين الأئمة، والإمام أحمد أكثرهم نصا عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخلها الكفارة. اهـ.
وقد أجاب من يرى خلاف ذلك عما ذكره السبكي رحمه الله من الإجماع بأنه خاص فيما إذا قصد وقوع الطلاق بوقوع الشرط.
وفي [القواعد النورانية] لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه:
(2/464)

قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل الرجل يقول لابنه: إن كلمتك فامرأتي طالق وعبدي حر قال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ذلك في الغضب والرضا. اهـ.
وقال أيضا: وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد. فقال المروزي: قال أبو عبد الله: إذا قال: كل مملوك له حر فيعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة. اهـ.
أما المشايخ: عبد الله بن حميد، وعبد العزيز بن باز، وعبد الله خياط، وعبد الرزاق عفيفي، وإبراهيم بن محمد آل الشيخ، ومحمد بن جبير، وصالح بن لحيدان - فقد اختاروا القول باعتبار الطلاق المعلق على شرط يقصد به الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه، ولم يقصد إيقاع الطلاق يمينا مكفرة، ولهم في ذلك وجهة نظر مرفقة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة
. ... . ... عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط ... محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(2/465)

وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على دراسة موضوع تعليق الطلاق من قبل مجلس هيئة كبار العلماء، واختيار أكثرية الأعضاء وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه، سواء قصد الزوج الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه أو قصد إيقاع الطلاق.
وقد وجه مختارو هذا القول اختيارهم، وذكروا مستندهم من كلام أهل العلم إذ لا نعلم وجود نص من كتاب ولا سنة في الموضوع؛ ولذلك حصل الاختلاف في وقوع الطلاق من عدمه.
ورأينا نحن الموقعين أدناه: أن الطلاق المعلق إن قصد الزوج بتعليقه على شيء وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه - اعتبر طلاقا، كقوله: إن طلعت الشمس فأنت طالق. وإن قصد بتعليق الطلاق الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه - لم يقع الطلاق عند حصول المعلق عليه، وإنما يكون يمينا تجب فيها الكفارة للأمور الآتية:
الأول: أنه لم يقصد الطلاق، وإنما قصد الحث أو المنع مثلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (1) » .
الثاني: الطلاق المعلق لقصد المنع أو الحث يسمى يمينا في اللغة وفي عرف الفقهاء؛ ولذا دخل في أيمان البيعة، وفي عموم اليمين في حديث
__________
(1) صحيح البخاري بدء الوحي (1) ، صحيح مسلم الإمارة (1907) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647) ، سنن النسائي الطهارة (75) ، سنن أبو داود الطلاق (2201) ، سنن ابن ماجه الزهد (4227) ، مسند أحمد بن حنبل (1/43) .
(2/466)

الاستثناء في اليمين، وفي عموم اليمين في حديث التحذير من اقتطاع مال امرئ مسلم بيمين فاجرة، وفي عموم الإيلاء، وفي عموم حديث: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك (1) » وفي عموم حديث: «إياكم والحلف في البيع (2) » كما ذكر ذلك: العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما من المحققين، وإذا كان يمينا دخل في عموم قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (3) وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (4) الآية فتجب فيها الكفارة.
الثالث: قياس الطلاق المعلق لقصد الحث أو المنع على ما ورد في قصة ليلى بنت العجماء، وهي ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة. إلخ- ثم ذكر أنه أتى حفصة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وكلهم أفتاها بأن تكفر عن يمينها، وتخلي بين الرجل وامرأته، مع أن الهدي والصدقة والعتق أمور محبوبة لله تعالى يثيب فاعليها، ولم يأمرها أولئك بإنفاذ مقتضى حلفها، بل اكتفوا منها بالكفارة، فكيف يقال: إن الطلاق الذي هو مكروه عند الله تعالى، ولا يحبه من عباده- يقع عند التعليق للحث والمنع. . . إلخ.
ولا يقع العتق والصدقة والهدي المحبوبة لله تعالى يكون ذلك يمينا.
__________
(1) صحيح مسلم الأيمان (1653) ، سنن الترمذي الأحكام (1354) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3255) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2121) ، مسند أحمد بن حنبل (2/228) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2349) .
(2) صحيح مسلم المساقاة (1607) ، سنن النسائي البيوع (4460) ، سنن ابن ماجه التجارات (2209) ، مسند أحمد بن حنبل (5/297) .
(3) سورة التحريم الآية 2
(4) سورة المائدة الآية 89
(2/467)

مكفرة، وقد اختار عدم وقوع الطلاق المعلق إذا أريد به الحث أو المنع مثلا جماعات من المحققين من السلف والخلف، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهما هما في العلم والمعرفة والبصيرة.
الرابع: ما قيل عن تفرد سليمان التيمي بزيادة العتق في يمين ليلى بنت العجماء مردود برواية هذه الزيادة من طريقين غير طريق سليمان التيمي، ولو فرضنا تفرد سليمان التيمي بهذه الزيادة لم يضره ذلك؛ لأن زيادة الثقة مقبولة كما هو معلوم في مصطلح أهل الأثر، كيف وهو لم ينفرد بها؟! ومع ذلك فهو أجل من روى أثر ليلى بنت العجماء عن بكر بن عبد الله وأفقههم.
وما قيل من التعارض بين رواية عثمان بن حاضر للقصة دون هذه الزيادة وبين رواية سليمان التيمي التي فيها الزيادة- فمردود بأن هذا لا يسمى تعارضا؛ لأن الزيادة التي ثبتت في رواية سليمان التيمي لا تتنافى مع أصل الأثر، ولو فرض وجود التعارض، فإن رواية سليمان أرجح من رواية عثمان.
وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم البحث في هذا المقام بحيث لم يبق معه لباحث مجال، وقد ذكر بعضه في إعداد البحث.
الخامس: ما ورد من الآثار عن الصحابة من الفتوى بوقوع الطلاق المعلق عند حصول المعلق عليه، فإنه إما غير صحيح نقلا، وإما صحيح معارض بمثله، وإما صحيح لكنه فيما قصد به إيقاع الطلاق لا الحث على الفعل أو المنع منه، فهو في غير محل النزاع، فلا يكون فيه حجة على ما نحن بصدده، والصواب التفصيل كما ذكرنا.
(2/468)

وعلى هذا لا تصح دعوى الإجماع على وقوع الطلاق المعلق.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
1 - عبد الله خياط
عضو هيئة كبار العلماء
2 - عبد الرزاق عفيفي
عضو هيئة كبار العلماء
3 - عبد العزيز بن باز
عضو هيئة كبار العلماء
4 - عبد الله بن حميد
عضو هيئة كبار العلماء
5 - صالح بن لحيدان
عضو هيئة كبار العلماء
6 - محمد بن جبير
عضو هيئة كبار العلماء
7 - إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عضو هيئة كبار العلماء
(2/469)

(6)
تحديد المهور
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(2/471)

بسم الله الرحمن الرحيم
تحديد المهور
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد (1) :
فبناء على ما ورد من المقام السامي برقم (4\هـ24185) وتاريخ شوال 1396 هـ الموجه إلى سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من عرض موضوع تحديد المهور على هيئة كبار العلماء في الدورة القادمة- فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مختصرا في ذلك، مشتملا على العناصر الآتية:
أولا: مهر زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وبناته.
ثانيا: ما عرف مهرها من سائر زوجات أصحابه رضي الله عنهم.
ثالثا: هل وجد في نصوص الشريعة حد للمهور؟
رابعا: قصة عمر مع من أنكرت عليه حديثه في تحديد المهور.
خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور.
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الخامس، ص 95- 108، سنة 1400 هـ
(2/473)

سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه.
سابعا: هل تحديد المهور علاج واقعي ناجح وإن لم يكن فما العلاج؟
(2/474)

تحديد المهور
أولا: مهر زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم:
روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «قال: سألت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم (1) » .
وقال عمر رضي الله عنه: «ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية، (2) » قال الترمذي: حديث صحيح. انتهى.
وروى أبو داود والنسائي، عن أم حبيبة رضي الله عنها: «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة، (3) » وفي رواية: «أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم على صداق أربعة آلاف درهم، وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل، (4) » وعند النسائي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، وكان مهور
__________
(1) صحيح مسلم النكاح (1426) ، سنن النسائي النكاح (3347) ، سنن أبو داود النكاح (2105) ، سنن ابن ماجه النكاح (1886) ، مسند أحمد بن حنبل (6/94) ، سنن الدارمي النكاح (2199) .
(2) سنن الترمذي النكاح (1114) ، سنن أبو داود النكاح (2106) ، سنن ابن ماجه النكاح (1887) ، سنن الدارمي النكاح (2200) .
(3) سنن النسائي النكاح (3350) ، سنن أبو داود النكاح (2107) ، مسند أحمد بن حنبل (6/427) .
(4) سنن النسائي النكاح (3350) ، سنن أبو داود النكاح (2108) ، مسند أحمد بن حنبل (6/427) .
(2/474)

نسائه أربعمائة درهم (1) » .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية بنت حيي، وجعل عتقها صداقها (2) » . أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي، وهو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم.
__________
(1) سنن النسائي النكاح (3350) ، سنن أبو داود النكاح (2086) ، مسند أحمد بن حنبل (6/427) .
(2) صحيح البخاري النكاح (5086) ، صحيح مسلم النكاح (1365) ، سنن الترمذي النكاح (1115) ، سنن أبو داود النكاح (2054) ، سنن ابن ماجه النكاح (1957) ، مسند أحمد بن حنبل (3/181) ، سنن الدارمي النكاح (2243) .
(2/475)

ثانيا: من عرف مهرها من سائر زوجات أصحابه رضي الله عنهم:
روى البخاري في [صحيحه] بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي. قال: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال: "وهل عندك من شيء؟ " قال: لا، والله يا رسول الله. فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ " فذهب ثم رجع. فقال: لا والله ما وجدت شيئا. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر ولو خاتما من حديد"، فذهب ثم رجع. فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري. قال سهل: ماله رداء، فلها نصفه. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا فأمر به فدعي، فلما جاء. قال: "ماذا معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا وسورة كذا عددها، فقال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن (1) » .
__________
(1) صحيح البخاري النكاح (5087) ، صحيح مسلم النكاح (1425) ، سنن الترمذي النكاح (1114) ، سنن النسائي النكاح (3280) ، سنن أبو داود النكاح (2111) ، سنن ابن ماجه النكاح (1889) ، مسند أحمد بن حنبل (5/336) ، موطأ مالك النكاح (1118) ، سنن الدارمي النكاح (2201) .
(2/475)

هذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في [الصحيح] ومالك في [الموطأ] وأبو داود والترمذي في [السنن] وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لأبي داود أيضا، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نحو هذه القصة، ولم يذكر الإزار والخاتم، إلى أن قال: «وما تحفظ من القرآن؟ " قال سورة البقرة والتي تليها قال: " قم، فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك (1) » وفي سنده: أبو قرة البصري وهو ضعيف، ولكن للحديث شواهد بمعناه، فهو حسن.
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل (2) » وفي رواية: قال: «كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة (3) » ، وفي سنده موسى بن مسلم وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في [التلخيص] : وروي موقوفا وهو أقوى، وقال المنذر في [مختصر سنن أبي داود] : في إسناده موسى بن مسلم، وهو ضعيف، وذكر أبو داود أن بعضهم رواه موقوفا وقال: رواه أبو عاصم عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر، ثم ذكر الرواية الأخرى، قال أبو داود: رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر على معنى أبي عاصم، وهذا الذي رواه أبو داود معلقا قد أخرجه مسلم في [صحيحه] من حديث ابن جريج عن أبي الزبير قال: «سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) » ، وقال أبو بكر البيهقي: وهذا وإن كان في نكاح المتعة، ونكاح المتعة قد صار منسوخا،
__________
(1) سنن أبو داود النكاح (2111) .
(2) سنن أبو داود النكاح (2110) ، مسند أحمد بن حنبل (3/355) .
(3) [سنن أبي داود] (2\585) .
(4) صحيح مسلم النكاح (1405) .
(2/476)

فإنما نسخ منه شرط الأجل، فأما ما يجعلونه صداقا فإنه لم يرد فيه النسخ.
وروى الترمذي عن عبد الله بن عامر عن أبيه: «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه (1) » . أخرجه الترمذي، وفي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح، قال الحافظ في [بلوغ المرام] بعد أن حكى تصحيح الترمذي هذا: إنه خولف في ذلك.
وروى النسائي في [سننه] قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم، قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما، وفي رواية: أخبرنا محمد بن النضر بن مساور، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره فأسلم، وكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم، الإسلام، فدخل بها فولدت له.
وروى أبو داود بسنده، عن أنس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران. فقال صلى الله عليه وسلم: "مهيم؟ "، فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة، قال "ما أصدقتها؟ " قال: وزن نواة من
__________
(1) سنن الترمذي النكاح (1113) ، سنن ابن ماجه النكاح (1888) .
(2/477)

ذهب، قال: " أولم ولو بشاة (1) » وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (2) .
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فأعني على مهرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا"، قال: قد نظرت إليها، قال: "على كم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق، قال: "وعلى أربع أواق؟ كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه ". قال: فبعث بعثا إلى بني عبس فبعثه معهم (3) » .
وروى أبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أترضى أن أزوجك من فلانة؟ " قال: نعم، وقال للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا؟ " قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا. ولم يعطها شيئا، (4) » وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة- يعني: امرأته- ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وأني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذته فباعته بعد موته بمائة ألف، قال أبو داود: وزاد عمر بن الخطاب (وحديثه أتم) في أول الحديث، «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير النكاح أيسره (5) » وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل، ثم ساق معناه.
قال أبو داود: يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا؛ لأن الأمر على غير هذا.
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2049) ، صحيح مسلم النكاح (1427) ، سنن الترمذي البر والصلة (1933) ، سنن النسائي النكاح (3373) ، سنن أبو داود النكاح (2109) ، سنن ابن ماجه النكاح (1907) ، مسند أحمد بن حنبل (3/205) ، موطأ مالك النكاح (1157) ، سنن الدارمي النكاح (2204) .
(2) (الردع) . هو أثر الطيب. (مهيم) : أي: ما شأنك أو ما هذأ؟ أو هي كلمة استفهام مبنية على السكون.
(3) صحيح مسلم النكاح (1424) .
(4) سنن أبو داود النكاح (2117) .
(5) سنن أبو داود النكاح (2117) .
(2/478)

ثالثا: هل وجد في نصوص الشريعة حد للمهور:
لا نعلم دليلا لا من القرآن ولا من السنة يدل على تحديد المهور، فالأدلة التي جاءت في القرآن: منها: ما فيه التنبيه على جواز دفع المهر الكثير، ومنها: ما هو عام يشمل القليل والكثير، والأدلة التي جاءت من السنة دالة على تفسير هذا العموم بجوازه بالقليل والكثير.
ونحن نذكر فيما يلي نقولا عن أهل العلم بعدم التحديد ثم نتبعها بالأدلة من القرآن ثم الأدلة من السنة:
أما النقول عن أهل العلم فمن ذلك:
1 - قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن لا تحديد في أكثرالصداق (1) .
2 - قال ابن قدامة: وأما أكثر الصداق فلا توقيت فيه بإجماع أهل العلم، قاله ابن عبد البر (2) انتهى.
وأما الدليل من القرآن المنبه على جواز كثرة المهر: فهو قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (3) الآية.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: فهو دليل على جواز المغالاة في
__________
(1) [الجامع لأحكام القرآن] (5\101) .
(2) [المغني] (7\138) .
(3) سورة النساء الآية 20
(2/479)

المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح (1) انتهى.
وقال ابن كثير: في الآية دليل على جواز الإصداق بالمال الكثير (2) انتهى.
وأما ما جاء من القرآن عاما يشمل القليل والكثير، فمن ذلك قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (3)
وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (4)
فإن لفظ الأموال ولفظ الأجور عام يشمل القليل والكثير.
وأما الأدلة التي جاءت من السنة دالة على وقائع مختلفة حصل فيها تفاوت كبير في المهور، كمهر زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وبناته رضي الله عنهن، وما عرف من مهور زوجات أصحابه رضي الله عنهم، كالتزويج على ما مع المتزوج من القرآن، والتزويج على النعلين، وعلى وزن نواة من ذهب، وعلى أربع أواق، فقد سبق ذكر ذلك في الأمرين الأول والثاني.
__________
(1) [تفسير القرطبي] (5\99) .
(2) [تفسير ابن كثير] (2\466) .
(3) سورة النساء الآية 24
(4) سورة المائدة الآية 5
(2/480)

رابعا: قصة عمر مع من أنكرت عليه حديثه في تقليل المهور:
روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر يوما فقال: (ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من نسائه ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية) هذه رواية أبي داود.
وفي رواية الترمذي بعد قوله: (كان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية) .
وأخرج النسائي الأولى، وزاد عليها: (وإن الرجل ليغلي بصدقة المرأة حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة - وكنت غلاما عربيا مولدا فلم أدر ما علق القربة) انتهى المقصود.
وقال القرطبي في [تفسيره] : وخطب عمر فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة، فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؛ أليس الله سبحانه وتعالى يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (1) قال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية: فأطرق عمر. ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان.
__________
(1) سورة النساء الآية 20
(2/481)

وترك الإنكار، أخرجه أبو حاتم البستي في [صحيح مسنده] عن أبي العجفاء السلمي، قال: خطب عمر الناس فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر: فقامت امرأة إلى آخره، وأخرجه ابن ماجه في [سننه] عن أبي العجفاء، وزاد بعد قوله: أوقية: وإن الرجل ليغلي صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: وقد كلفت إليك علق القربة أو عرق القربة وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة (1) .
وقال ابن كثير في [تفسيره] : وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة، ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء، واسمه هرم بن سيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
طريق أخرى عن عمر، قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: ركب
__________
(1) [تفسير القرطبي] (5\99) .
(2/482)

عمر بن الخطاب منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن، قال: وأي ذلك. قالت: أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} (1) الآية فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي، طريق أخرى قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن