Advertisement

أبحاث هيئة كبار العلماء 001


الكتاب: أبحاث هيئة كبار العلماء
المؤلف: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
عدد الأجزاء: 7 أجزاء
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ـ[أبحاث هيئة كبار العلماء]ـ
المؤلف: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
عدد الأجزاء: 7 أجزاء
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(/)

(1)
حكم السعي
فوق سقف المسعى
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(1/15)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم السعي فوق سقف المسعى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد (1) :
فبناء على خطاب سمو نائب وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية رقم (26 \ 10612) وتاريخ 21 \ 3 \ 1393 هـ المتضمن رغبة وزارة الداخلية في دراسة موضوع السعي فوق سقف المسعى من قبل هيئة كبار العلماء بالمملكة.
وبناء على ما تقتضيه لائحة سير عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث علمي فيما يحتاج إلى بحث من المواضيع التي تتجه الرغبة إلى دراستها في الهيئة - قامت اللجنة بإعداد بحث في حكم السعي فوق سقف المسعى.
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الأول، ص 179 - 196، عام 1395 هـ.
(1/17)

وفيما يلي ما تيسر إعداده من النصوص والنقول التي يمكن أن يستعان بها في هذا الموضوع:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإنه قد عرض على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين 29 \ 10 \ 1393 هـ و 12 \ 11 \ 1393 هـ موضوع (حكم السعي فوق سقف المسعى) ؛ ليكون وسيلة لعلاج ازدحام الناس في المسعى أيام موسم الحج.
واطلعت الهيئة على البحث المقدم عنه من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. هذا نصه.
(1/18)

حكم السعي فوق سقف المسعى
الأمر الأول: قال البخاري في [صحيحه] : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني طلحة بن عبد الله: أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره: أن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع أرضين (1) » .
قال ابن حجر: وفي الحديث تحريم الظلم والغصب، وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض، وأنه من الكبائر، قاله القرطبي، وكأنه فرعه على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، وأن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من حفر تحتها سربا أو بئرا بغير رضاه، وفيه أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ثابتة وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء، ما لم يضر بمن يجاوره. اهـ. (2) .
وقال العيني: بعد أن ساق حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2452) ، صحيح مسلم المساقاة (1610) ، سنن الترمذي الديات (1418) ، مسند أحمد بن حنبل (1/190) ، سنن الدارمي البيوع (2606) .
(2) [صحيح] البخاري، مع شرحه [فتح الباري] ، (5 \ 38) .
(1/19)

أرضين (1) » :
ذكر ما يستفاد منه: فيه دليل على أن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سربا أو بئرا، سواء أضر ذلك بأرضه أو لا، قاله الخطابي، وقال ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها، وقال القرطبي: وقد اختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدنا أو شبهه فقيل: هو له، وقيل: بل للمسلمين، وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ.
وقال الأبي (2) : قوله: «من ظلم شبرا من الأرض (3) » . . . واستدل بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحته مما يقابله، فله منع من يتصرف فيه أو يحفر، وقد اختلف العلماء في هذا الأصل فيمن اشترى دارا فوجد فيها كنزا أو وجد في أرضه معدنا، فقيل: له، وقيل: للمسلمين.
ووجه الدليل من الحديث: أنه غصب شبرا فعوقب بحمله من سبع أرضين. . . إلى أن قال: وكذلك يملك ما قبل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ.
فدل ما تقدم على أن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن السعي فوق الطابق الذي جعل سقفا لأرض المسعى له حكم السعي على أرض
__________
(1) [صحيح] البخاري، مع شرحه [عمدة القاري] (12 \ 298) .
(2) [صحيح مسلم] ، مع شرحه [إكمال المعلم] (4 \ 313، 314) .
(3) صحيح البخاري بدء الخلق (3198) ، صحيح مسلم المساقاة (1610) ، سنن الترمذي الديات (1418) ، مسند أحمد بن حنبل (1/187) ، سنن الدارمي البيوع (2606) .
(1/20)

المسعى.
(1/21)

الأمر الثاني: وقد جاءت أحاديث في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير، (1) » ومن رواية أم سلمة: «شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي وأنت راكبة (2) » ، وقد بوب البخاري في [صحيحه] فقال: (باب المريض يطوف راكبا) ثم ساق الحديثين السابقين: حديث ابن عباس، وحديث أم سلمة، قال ابن حجر (3) : أن المصنف حمل سبب طوافه صلى الله عليه وسلم راكبا على أنه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس بلفظ: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته (4) » ، ووقع في حديث جابر عند مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا ليراه الناس وليسألوه. وطاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ ليراه الناس، ويشرف ليسألوه (5) » .
فيحتمل أن يكون فعل ذلك لأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها، والذي يترجح المنع، لأن طوافه صلى الله عليه وسلم وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، ووقع في حديث أم سلمة: «طوفي من
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1612) ، صحيح مسلم الحج (1272) ، سنن النسائي المساجد (713) ، سنن أبو داود المناسك (1877) ، سنن ابن ماجه المناسك (2948) ، مسند أحمد بن حنبل (1/215) .
(2) صحيح البخاري كتاب الصلاة (464) ، صحيح مسلم الحج (1276) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2925) ، سنن أبو داود المناسك (1882) ، سنن ابن ماجه المناسك (2961) ، مسند أحمد بن حنبل (6/319) ، موطأ مالك الحج (832) .
(3) [صحيح] البخاري، مع شرحه [الفتح] ، (3 \ 460) .
(4) تمام الحديث: كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجنه فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين، سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به، وقال البيهقي: في حديث يزيد بن أبي زياد لفظة لم يوافق عليها وهي قوله '' وهو يشتكي '' [مختصر السنن] (2 \ 377) .
(5) صحيح مسلم الحج (1273) ، سنن النسائي مناسك الحج (2975) ، سنن أبو داود المناسك (1880) .
(1/21)

وراء الناس (1) » ، وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، وإذا حوط المسجد امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط، بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في المسعى، وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار، وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها. اهـ.
وفي [صحيح البخاري] بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما. قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (2) » .
قال العيني: وأخرج مسلم عن أبي الطفيل: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن (3) » ، وروى مسلم عن جابر: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، ليراه الناس، وليشرف ليسألوه (4) » . . . قال: ذكر معناه قوله: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير (5) » . قال ابن بطال: استلامه بالمحجن راكبا يحتمل أن يكون لشكوى به. . . إلى أن قال: وقال النووي: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيا، ولا يركب إلا لعذر من مرض ونحوه، أو كان يحتاج إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. . . إلى أن قال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبا لعذر أجزأ ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف. اهـ (6) .
__________
(1) صحيح البخاري كتاب الصلاة (464) ، صحيح مسلم الحج (1276) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2925) ، سنن أبو داود المناسك (1882) ، سنن ابن ماجه المناسك (2961) ، مسند أحمد بن حنبل (6/319) ، موطأ مالك الحج (832) .
(2) صحيح البخاري الحج (1608) ، صحيح مسلم الحج (1272) ، سنن النسائي المساجد (713) ، سنن أبو داود المناسك (1877) ، سنن ابن ماجه المناسك (2948) ، مسند أحمد بن حنبل (1/248) .
(3) صحيح مسلم الحج (1275) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1879) ، سنن ابن ماجه المناسك (2949) ، مسند أحمد بن حنبل (5/454) .
(4) صحيح مسلم الحج (1273) ، سنن النسائي مناسك الحج (2975) ، سنن أبو داود المناسك (1880) .
(5) صحيح البخاري الحج (1608) ، صحيح مسلم الحج (1272) ، سنن النسائي المساجد (713) ، سنن أبو داود المناسك (1877) ، سنن ابن ماجه المناسك (2948) ، مسند أحمد بن حنبل (1/248) .
(6) [صحيح البخاري] مع شرحه [عمدة القاري] (6 \ 523) .
(1/22)

وقال السرخسي: وإن طاف راكبا أو محمولا؛ فإن كان لعذر من مرض أو كبر لم يلزمه شيء، وإن كان لغير عذر أعاده ما دام بمكة، فإن رجع إلى أهله فعليه الدم عندنا، وعلى قول الشافعي لا شيء عليه؛ لأنه صح في الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف للزيارة يوم النحر على ناقته واستلم الأركان بمحجنه (1) » .
ولكن نقول: المتوارث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا الطواف ماشيا، وهذا على قول من يجعله كالصلاة؛ لأن أداء المكتوبة راكبا من غير عذر لا يجوز، فكان ينبغي أن لا يعتد بطواف الراكب من غير عذر، ولكنا نقول: المشي شرط الكمال فيه، فتركه من غير عذر يوجب الدم؛ لما بينا، فأما تأويل الحديث فقد ذكر أبو الطفيل رحمه الله أنه طاف راكبا لوجع أصابه، وهو أنه وثبت رجله؛ فلهذا طاف راكبا، وذكر أبو الزبير عن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا لكبر سنه» ، وعندنا إذا كان لعذر فلا بأس به، وكذلك إذا طاف بين الصفا والمروة محمولا أو راكبا، وكذلك لو طاف الأكثر راكبا أو محمولا فالأكثر يقوم مقام الكل على ما بينا. اهـ (2) .
وقال ابن الهمام: على قول صاحب [الهداية] : (وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده) كالعرجون وغيره، ثم قبل ذلك فعل؛ لما روي: «أنه عليه السلام طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه (3) » ، وقوله: وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده أو يمسه بيده، ويقبل ما مس به - فعل،
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/237) .
(2) [المبسوط] (4 \ 45) .
(3) سنن الترمذي الحج (858) ، سنن ابن ماجه المناسك (2953) ، مسند أحمد بن حنبل (1/237) .
(1/23)

أما الأول فلما أخرج الستة إلا الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس ويشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه (1) » .
وأخرجه البخاري عن جابر إلى قوله: لأن يراه الناس، ورواه مسلم عن أبي الطفيل: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن (2) » ثم أورد إشكالا حديثيا وهو: أن الثابت بلا شبهة: أنه عليه السلام رمل في حجة الوداع، وطوافه راكبا على البعير ينافي ذلك. . . إلى أن قال: والجواب: أن في الحج للآفاقي أطوفة، فيمكن كون المروي من ركوبه كان في طواف الفرض يوم النحر ليعلمهم، ومشيه كان في طواف القدوم، وهو الذي يفيده حديث جابر الطويل؛ لأنه حكى ذلك الطواف الذي بدأ به أول دخوله مكة المكرمة، كما يفيده سوقه للناظر فيه.
فإن قلت: فهل يجمع بين ما عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: «إنما طاف راكبا ليشرف ويراه الناس فيسألوه (3) » وبين ما عن سعيد بن جبير: «أنه إنما طاف كذلك؛ لأنه كان يشتكي» كما قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان: أنه سعى بين الصفا والمروة مع عكرمة، فجعل حماد يصعد الصفا وعكرمة لا يصعد، ويصعد حماد المروة وعكرمة لا يصعد، فقال حماد: يا أبا عبد الله، ألا تصعد الصفا والمروة، فقال: هكذا كان طواف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال حماد: فلقيت سعيد بن جبير فذكرت له ذلك، فقال: إنما طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وهو شاك يستلم الأركان بمحجن، فطاف بين الصفا والمروة على
__________
(1) صحيح مسلم كتاب الحج (1273) ، سنن النسائي مناسك الحج (2975) ، سنن أبو داود المناسك (1880) .
(2) صحيح مسلم الحج (1275) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1879) ، سنن ابن ماجه المناسك (2949) ، مسند أحمد بن حنبل (5/454) .
(3) صحيح مسلم الحج (1273) ، سنن النسائي مناسك الحج (2975) ، سنن أبو داود المناسك (1880) .
(1/24)

راحلته، فمن أجل ذلك لم يصعد. اهـ (1) .
وقال الدسوقي: (قوله: إذ هو واجب. . . إلخ) .
حاصله: أن المشي في كل من الطواف والسعي واجب على القادر عليه، فلا دم على عاجز طاف أو سعى راكبا أو محمولا، وأما القادر إذا طاف أو سعى محمولا أو راكبا فإنه يؤمر بإعادته ماشيا ما دام بمكة المكرمة، لا يجبر بالدم حينئذ، كما يؤمر العاجز بإعادته إن قدر ما دام بمكة المكرمة، وإن رجع لبلده فلا يؤمر بالعودة لإعادته، ويلزمه دم، فإن رجع وأعاده ماشيا سقط الدم عنه، ثم قال: وهذا في الطواف الواجب، وأما الطواف غير الواجب فالمشي فيه سنة، وحينئذ فلا دم على تارك المشي فيه، قاله عج. اهـ (2) .
قال النووي: والأفضل: أن يطوف راجلا؛ لأنه إذا طاف راكبا زاحم الناس وآذاهم، وإن كان به مرض يشق معه الطواف راجلا لم يكره الطواف راكبا؛ لما «روت أم سلمة أنها قدمت مريضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوفي وراء الناس وأنت راكبة (3) » ، وإن كان راكبا من غير عذر جاز؛ لما روى جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا ليراه الناس وسألوه (4) » .
حديث أم سلمة رواه البخاري، وحديث جابر رواه مسلم، وثبت طواف النبي صلى الله عليه وسلم في [الصحيحين] من رواية غير هؤلاء، ولفظ حديث ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة
__________
(1) [شرح فتح القدير] (2 \ 147) .
(2) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (2 \ 40) .
(3) صحيح البخاري كتاب الصلاة (464) ، صحيح مسلم الحج (1276) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2925) ، سنن أبو داود المناسك (1882) ، سنن ابن ماجه المناسك (2961) ، مسند أحمد بن حنبل (6/319) ، موطأ مالك الحج (832) .
(4) سنن النسائي مناسك الحج (2975) .
(1/25)

الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (1) » رواه البخاري ومسلم، وفي حديث: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف ليسألوه، فإن الناس غشوه (2) » رواه مسلم. وعن عائشة قالت: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس (3) » رواه مسلم.
وأما الأحكام:
فقال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيا، ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله، فإن طاف راكبا بلا عذر جاز بلا كراهية، لكنه خالف الأولى، كذا قاله جمهور أصحابنا. . . إلى أن قال: (فرع) قد ذكرنا مذهبنا في طواف الراكب، ونقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب. اهـ (4) .
وقال أيضا: أما سنن الطواف وآدابه فثمان: أحدها: أن يطوف ماشيا، فإن طاف راكبا لعذر يشق معه الطواف ماشيا أو طاف راكبا ليظهر ويستفتى ويقتدى بفعله - جاز ولا كراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا في بعض أطوافه، وهو طواف الزيارة، ولو طاف راكبا بلا عذر جاز. اهـ.
وقال ابن حجر الهيتمي في حاشيته على الشرح قوله: وهو طواف الزيارة، أما ما أشار إليه من ركوبه صلى الله عليه وسلم فيه إنما كان ليظهر فيستفتى، هذا ما
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1608) ، صحيح مسلم الحج (1272) ، سنن النسائي المساجد (713) ، سنن أبو داود المناسك (1877) ، سنن ابن ماجه المناسك (2948) ، مسند أحمد بن حنبل (1/248) .
(2) صحيح مسلم كتاب الحج (1273) ، سنن النسائي مناسك الحج (2975) ، سنن أبو داود المناسك (1880) .
(3) صحيح مسلم الحج (1274) ، سنن النسائي مناسك الحج (2928) .
(4) [المهذب مع شرحه المجموع] للنووي (8 \ 29، 30) .
(1/26)

رواه مسلم، قال السبكي: وهذا أصح من رواية من روى أنه طاف راكبا لمرض، أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود على أن في إسناده من لا يحتج به، وقال البيهقي: في حديثه: لفظه لم يوافق عليها، وهي قوله: (وهو يشتكي) ، ومن ثمة قال الشافعي: لا أعلم أنه صلى الله عليه وسلم فعله ماشيا، وخبر مسلم أنه طاف في حجة الوداع راكبا على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة - لا ينافي ذلك، وإن كان سعيه في تلك الحجة إنما كان مرة واحدة وعقب طواف القدوم؛ لأن الواو لا تقتضي ترتيبا. اهـ (1) .
وقال في [الإيضاح] أيضا: ويجوز الطواف في أخريات المسجد، وفي أروقته وعند بابه من داخله وعلى أسطحته، ولا خلاف في شيء من هذا، لكن قال بعض أصحابنا: يشترط في صحة الطواف أن يكون البيت أرفع بناء من السطح، كما هو اليوم حتى لو رفع سقف المسجد فصار سطحه أعلى من البيت لم يصح الطواف على هذا السطح، وأنكره عليه الإمام أبو القاسم الرافعي. اهـ (2) .
وقال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر. . . إلى أن قال: فصل: فأما الطواف راكبا أو محمولا لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ، وهذا هو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة (3) » .
ولأنها عبادة تتعلق بالبيت
__________
(1) [متن الإيضاح في مناسك الحج للنووي مع شرحه] لابن حجر الهيتمي (11 \ 255) .
(2) [الإيضاح] للنووي (1 \ 239) مع شرحه للهيتمي.
(3) قال الزيلعي في [نصب الراية] (3 \ 57) : قلت: رواه ابن حبان في [صحيحه] في النوع السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في [المستدرك] من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: '' الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير '' انتهى. وسكت الحاكم عنه، وأخرجه الترمذي في كتابه عن جرير عن عطاء بن السائب به بلفظ: '' الطواف حول البيت مثل الصلاة '' قال: وروي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره عن طاووس موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب. انتهى، وعن الحاكم رواه البيهقي في [المعرفة] بسنده، ثم قال: وهذا حديث قد رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه وروي عنه موقوفا وهو أصح. اهـ.
(1/27)

فلم يجز فعلها راكبا لغير عذر كالصلاة، والثانية: يجزئه ويجبره بدم، وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة المكرمة، فإن رجح جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة من واجبات الحج فأشبه ما لو وقف بعرفة نهارا ودفع قبل غروب الشمس، والثالثة: يجزئه ولا شيء عليه. اختارها أبو بكر وهي مذهب الشافعي وابن المنذر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالطواف مطلقا فكيفما أتى به أجزأه ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل ثم قال: فصل فأما السعي راكبا فيجزئه لعذر ولغير عذر؛ لأن المعنى الذي منع الطواف راكبا غير موجود فيه. اهـ (1) .
وقال البهوتي (2) : ومن طاف أو سعى راكبا أو محمولا لغير عذر لم يجزئه الطواف ولا السعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة (3) » ، ولأنه عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبا كالصلاة، والسعي كالطواف، والطواف أو السعي راكبا أو محمولا لعذر يجزئ؛ لحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن، وعن أم سلمة قالت: «شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء
__________
(1) [المغني والشرح الكبير] (3 \ 415) .
(2) [كشاف القناع] (2 \ 433) .
(3) سنن النسائي مناسك الحج (2922) ، مسند أحمد بن حنبل (4/64) .
(1/28)

الناس راكبة (1) » متفق عليه، ولأن طوافه صلى الله عليه وسلم راكبا لعذر - كما يشير إليه قول ابن عباس - كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا تضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم، واختار الموفق والشارح: يجزئ السعي راكبا ولو لغير عذر. اهـ.
مما تقدم يتبين: أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق، ولا شيء عليه، أما غير المعذور فله أن يسعى راكبا لكن المشي له أفضل، وفي طوافه راكبا خلاف، فقيل: يجزئه ولا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طواف الزيارة راكبا، وقيل يجزئه وعليه دم جبرا؛ لأن الطواف له حكم الصلاة في الجملة، والمفترض لا يصلي محمولا، ولأن ركوبه صلى الله عليه وسلم في الطواف كان لوجع في رجله أو ليراه الناس فيسألوه، وقيل: لا يجزئه لحديث: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (2) » والمفترض لا تصح صلاته راكبا لغير عذر، وطواف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا كان لعذر كما تقدم.
وعلى هذا يمكن أن يقال بإجزاء السعي على سقف المسعى؛ بل بجوازه، وإن كان المشي أفضل لشبهه بالسعي راكبا بعيرا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وخاصة أنه لم يرد في السعي ما يلحقه بالصلاة في حكمها؛ بل أنه أولى من الطواف راكبا بالإجزاء، فإذا صح الطواف راكبا لعذر صح السعي فوق سقف المسعى لعذر، وفي سعيه فوقه لغير عذر يكون فيه الخلاف في جوازه وإجزائه، وأخيرا إن اعتبر في إجزاء
__________
(1) صحيح البخاري كتاب الصلاة (464) ، صحيح مسلم الحج (1276) ، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (2925) ، سنن أبو داود المناسك (1882) ، سنن ابن ماجه المناسك (2961) ، مسند أحمد بن حنبل (6/319) ، موطأ مالك الحج (832) .
(2) سنن النسائي مناسك الحج (2922) ، مسند أحمد بن حنبل (4/64) .
(1/29)

السعي فوق سقف المسعى أو جوازه وجود العذر نظر في زحام السعاة في الحج والعمرة، هل يقوم عذرا أو لا. والله الموفق.
(1/30)

الأمر الثالث: وقد يسترشد فيه بالقرآن وأقوال الفقهاء، قال الله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (1) في هذه الآية خطاب من الله للناس في كل مكان أن يولوا وجوههم قبل المسجد الحرام سواء منهم من كان بأرض منخفضة عن المسجد الحرام فيكون مستقبلا في صلاته لتخوم أرضه ومن كان منهم بمكان مرتفع عن سطح الكعبة، فيكون مستقبلا لما فوق الكعبة من الهواء، فدل ذلك على أن حكم ما تحت البيت الحرام من تخوم الأرض وما فوقه من الهواء في استقبال القبلة في الصلاة حكم استقبال البيت نفسه.
وفيما يلي نقول عن بعض أهل العلم في الموضوع:
قال السرخسي: ومن صلى على سطح الكعبة جازت صلاته عندنا، وإن لم يكن بين يديه سترة، وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون بين يديه سترة، بناء على أصله: أن البناء معتبر في جواز التوجه إليه للصلاة، ثم قال: وعندنا القبلة هي الكعبة، فسواء كان بين يديه سترة أو لم يكن فهو مستقبل القبلة، وبالاتفاق: من صلى على أبي قبيس جازت صلاته وليس بين يديه شيء من بناء الكعبة، فدل على أنه لا معتبر للبناء. اهـ. (2) .
__________
(1) سورة البقرة الآية 150
(2) [المبسوط] (2 \ 79) .
(1/30)

وقال المرغيناني (1) : (ومن كان غائبا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح؛ لأن التكليف بحسب الوسع) .
وقال ابن الهمام تعليقا على قول المرغيناني: (إصابة جهتها) قال: قوله: (إصابة جهتها) في [الدراية] عن شيخه ما حاصله: أن استقبال الجهة أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتا للكعبة أو لهوائها؛ لأن المقابلة إذا وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بما يزول به من الانحراف لو كانت مسافة قريبة، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت البعد وتبقى المسامة مع انتقال مناسب لذلك البعد، فلو فرض خط من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة. . . اهـ.
وقال الدسوقي (2) : قوله: (وبطل فرض على ظهرها) أي: على ظهر الكعبة قوله: (فيعاد أبدا، أي: على المشهور، ولو كان بين يديه قطعة من حائط سطحها بناء على أن المأمور به استقبال جملة البناء لا بعضه ولا الهواء، وهو المعتمد، وقيل: إنما يعاد بناء على كفاية استقبال هواء البيت أو استقبال قطعة من البناء ولو من حائط سطحه. اهـ.
وقد ذكر نحوا من ذلك الحطاب (3) .
__________
(1) [الهداية وعليها فتح القدير] (1 \ 189) .
(2) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (1 \ 299) .
(3) [مواهب الجليل على مختصر خليل] (1 \ 511 - 513) .
(1/31)

وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي: ملخصا حكم الصلاة على ظهر الكعبة: (فتحصل من كلام الشارح أن الفرض على ظهرها ممنوع اتفاقا، وأما النفل ففيه أقوال ثلاثة، الجواز مطلقا، والجواز إن كان غير مؤكد، والمنع وعدم الصحة مطلقا، قال شيخنا: وهذا الأخير هو أظهر الأقوال.
(تنبيه) : سكت المصنف عن حكم الصلاة تحت الكعبة في حفرة، وقد قدم أن الحكم بطلانها مطلقا، فرضا أو نفلا؛ لأن ما تحت المسجد لا يعطى حكمه بحال، ألا ترى أن الجنب يجوز له الدخول تحته، ولا يجوز له الطيران فوقه، كذا قرره شيخنا.
وكتب الشيخ محمد عليش في تقريره على [حاشية الدسوقي والشرح الكبير] ، للشيخ أحمد الدردير ما نصه: وإنما جاز على جبل أبي قبيس مع أنه أعلى من بنائها؛ لأن المصلى عليه مصل إليها وأما المصلي على ظهرها فهو فيها، انتهى (ضوء الشموع) .
وقال النووي (1) : أما حكم المسألة: فقال أصحابنا: ولو وقف على أبي قبيس أو غيره من المواضع العالية على الكعبة وبقربها صحت صلاته بلا خلاف؛ لأنه يعد مستقبلا وإن وقف على سطح الكعبة نظر إن وقف على طرفها واستدبر باقيها لم تصح صلاته بالاتفاق؛ لعدم استقبال شيء منها،
__________
(1) [المهذب مع شرحه المجموع] للنووي (3 \ 198) .
(1/32)

وهكذا لو انهدمت - والعياذ بالله - فوقف على طرف العرصة واستدبر باقيها لم تصح صلاته، ولو وقف خارج العرصة واستقبلها صح بلا خلاف، أما إذا وقف في وسط السطح أو العرصة فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص - لم تصح صلاته على الصحيح المنصوص، وبه قال أكثر الأصحاب، وقال ابن سريج: تصح، وبه قال أبو حنيفة وداود ومالك في رواية عنه، كما لو وقف على أبي قبيس، وكما لو وقف خارج العرصة واستقبلها، والمذهب الأول، والفرق أنه لا يعد هنا مستقبلا بخلاف ما قاس عليه، وهذا الوجه الذي لابن سريج جاز في العرصة والسطح كما ذكرنا، كذا نقله عنه إمام الحرمين وصاحب التهذيب وآخرون، وكلام المصنف يوهم أنه لا يقول به في السطح وليس الأمر كذلك. اهـ
وقال ابن قدامة: ولو صلى على جبل عال يخرج من مسامتة الكعبة صحت صلاته، وكذلك لو صلى في مكان ينزل عن مسامتتها؛ لأن الواجب استقبالها وما يسامتها من فوقها وتحتها بدليل ما لو زالت الكعبة - والعياذ بالله - صحت الصلاة إلى موضع جدارها. اهـ (1) .
وقال البهوتي: ولا يضر علو على الكعبة كما لو صلى على أبي قبيس، ولا نزوله عنها كما لو صلى في حفيرة تنزل عن مسامتتها؛ لأن العبرة بالبقعة لا بالجدران. اهـ (2) .
مما تقدم يتبين أن من صلى على مكان مرتفع عن سطح الكعبة مستقبلا
__________
(1) [المغني مع الشرح الكبير] (1 \ 463) .
(2) [متن الإقناع مع شرح كشاف القناع] (2 \ 79) .
(1/33)

ما فوق سطحها من هواء صحت إجماعا، كمن صلى فوق جبل أبي قبيس، أو في بلاد سطح أرضها أعلى من سطح الكعبة، ومن صلى الفريضة فوق الكعبة مستقبلا ما أمامه من هوائها أو مستقبلا سترة بين يديه ففي صحة صلاته خلاف، بناء على الاكتفاء باستقبال جزء من بناء الكعبة أو جزء من هوائها في صحة الصلاة، وعدم الاكتفاء بذلك؛ بل لا بد من شاخص أو استقبال جملة البناء أو جملة الهواء أما من على سطحها أو في جوفها فيقال فيه إنه مستدبر الكعبة أو هواءها باعتبار كما يقال أنه مستقبل باعتبار آخر، فلم يتحقق فيه شرط الاستقبال بإطلاق، فلا تصح صلاته، ومن صلى على طرفها وجعل هواءها وراءه بطلت صلاته؛ لأنه لم يستقبل شيئا من بنائها ولا من هوائها.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا كان استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها، فالسعي فوق سقف المسعى في حكم السعي على أرض المسعى.
(1/34)

الأمر الرابع: روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (1) » رواه أحمد ومسلم والنسائي (2) .
وما روى أبو داود وابن ماجه في [سننهما] ، عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي
__________
(1) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن النسائي مناسك الحج (3062) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(2) [المنتقى مع شرحه] للشوكاني (5 \ 70) .
(1/34)

الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس، وازدحم الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رأيتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف (1) » سكت أبو داود عن الحديث، وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد (2) .
وقال الشوكاني: قوله: (على راحلته) استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل، وبه قالت الشافعية، والحنفية، والناصر، والإمام يحيى، وقال الهادي والقاسم: إن رمي الراجل أفضل. اهـ (3) .
وقال ابن عابدين: وقوله: (وجاز الرمي راكبا. . . إلخ) عبارة المتلقي أخص وهي: وجاز الرمي راكبا، وغير راكب أفضل في جمرة العقبة. انتهى، وفي اللباب: والأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكبا وغيرها ماشيا في جميع أيام الرمي - إلى أن قال: والضابط: أن كل رمي يقف بعده فإنه يرميه ماشيا، وهو كل رمي بعده رمي، كما مر وما لا فلا، ثم هذا التفصيل قول أبي يوسف، وله حكاية مشهورة ذكرها (ط) وغيره وهو مختار كثير من المشايخ، كصاحب [الهداية] و [الكافي] و [البدائع] ، وغيرهم، وأما قولهما: فذكر في [البحر] : أن الأفضل الركوب في الكل على ما في الحاشية، والمشي في الكل على ما في الظهيرية، وقال: فتحصل أن في
__________
(1) سنن أبو داود المناسك (1966) ، سنن ابن ماجه المناسك (3028) .
(2) [مختصر سنن أبى داود] للمنذري (2 \ 415) .
(3) [نيل الأوطار] (5 \ 71) .
(1/35)

المسألة ثلاثة أقوال. . . ثم قال: (قوله: ورجحه الكمال) أي: بأن أداءها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع، وخصوصا في هذا الزمان، فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم بالزحمة، ورميه عليه السلام راكبا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبا. اهـ.
قال في [البحر] : ولو قيل بأنه ماشيا أفضل إلا في رمي جمرة العقبة وفي اليوم الأخير لكان له وجه؛ لأنه ذاهب إلى مكة المكرمة في هذه الساعة كما هو العادة، وغالب الناس راكب فلا إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له عليه الصلاة والسلام. اهـ (1) .
وقال السرخسي: وإن رماها راكبا أجزأه؛ لحديث جابر رضي الله عنه:
«أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمار راكبا» . اهـ. (2) .
وفي [المدونة الكبرى] : قلت: فهل يرمي الرجل الجمار راكبا أو ماشيا، قال: قال مالك: أما الشأن يوم النحر فيرمي جمرة العقبة راكبا كما يأتي على دابته يمضي كما هو يرمي، وأما في غير يوم النحر فكان يقول: يرمي ماشيا، قلت: فإن ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة أو مشى يوم النحر إلى جمرة العقبة فرماها ماشيا هل عليه لذلك شيء؟ قال: ليس عليه لذلك شيء. اهـ. (3) .
__________
(1) [رد المحتار على الدر المختار] (1 \ 254) .
(2) [المبسوط] (4 \ 69) .
(3) [المدونة الكبرى] (1 \ 325) .
(1/36)

وقال الدسوقي: (قوله: وإن راكبا، أي: إذا وصل إليها ماشيا؛ بل إن وصل إليها راكبا، وهذا من تعلقات الندب، أي: أنه يندب أن يرميها حين وصوله على الحالة التي وصل عليها من ركوب أو مشي فلا يصبر حتى ينزل إذا وصل راكبا ولا يصبر حتى يركب إذا وصل إليها ماشيا؛ لأن فيه عدم الاستعجال برميها. اهـ (1) .
وقال الشافعي: ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة وحدها ويرميها راكبا، وكذلك يرميها يوم النفر راكبا ويمشي في اليومين الآخرين أحب إلي. ثم قال: وإن ركب فلا شيء عليه ثم ساق رواية قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة على ناقته الصهباء وليس ضرب ولا طرد ولكن قيل: إليك إليك (2) » اهـ (3) .
وقال النووي (4) : (فرع) مذهبنا: أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا إن كان دخل منى راكبا، ويرمي في أيام التشريق ماشيا، إلا يوم النفر فراكبا، وبه قال مالك، قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة واستحبه أحمد، وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة. قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال إذا وقع في المرمى، دليلنا: الأحاديث الصحيحة السابقة. أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى
__________
(1) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (2 \ 45) .
(2) سنن الترمذي الحج (903) ، سنن النسائي مناسك الحج (3061) ، سنن ابن ماجه المناسك (3035) ، مسند أحمد بن حنبل (3/413) ، سنن الدارمي المناسك (1901) .
(3) [الأم] للشافعي (2 \ 213) .
(4) [المجموع] للنووي (8 \ 183)
(1/37)

جمرة العقبة راكبا يوم النحر والله أعلم.
وقال ابن قدامة (1) : ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها على راحلته رواه جابر، وابن عمر، وأم أبي الأحوص، وغيرهم، قال جابر: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (2) » .
وقال نافع: «كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا (3) » رواه أحمد في [المسند] ثم قال: وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها اهـ.
وقال البهوتي (4) : فإذا وصل إلى منى. . . بدأ بها راكبا؛ إن كان راكبا؛ لحديث ابن مسعود: أنه «انتهى إلى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب، يكبر مع كل حصاة (5) » . . . إلى أن قال: هاهنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة. رواه أحمد. وظاهر كلام الأكثر ماشيا وإلا - أي: لم يكن راكبا - رماها ماشيا. اهـ.
مما تقدم يتبين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة راكبا، وأن الفقهاء اتفقوا على أنه يجزئ الرمي راكبا وماشيا.
واختلفوا في الأفضل منهما، هل هو الرمي ماشيا؛ لأنه أقرب للتواضع
__________
(1) [المغني مع الشرح الكبير] (3 \ 449) .
(2) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن النسائي مناسك الحج (3062) ، سنن أبو داود المناسك (1970) .
(3) سنن الترمذي الحج (900) ، سنن أبو داود المناسك (1969) ، مسند أحمد بن حنبل (2/138) .
(4) [كشاف القناع] (2 \ 449)
(5) صحيح البخاري الحج (1751) ، صحيح مسلم الحج (1296) ، سنن الترمذي الحج (901) ، سنن النسائي مناسك الحج (3073) ، سنن أبو داود المناسك (1974) ، سنن ابن ماجه المناسك (3030) ، مسند أحمد بن حنبل (1/427) .
(1/38)

والبعد عن إيذاء المشاة، وإنما رماها صلى الله عليه وسلم راكبا؛ ليراه الناس ويسألوه ويقتدوا به، أو الرمي راكبا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها؛ بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. .
ونظرا إلى أن السعي فوق سقف المسعى لم نقف فيه على نصوص للفقهاء، وأن ما يرجع إليه من أقوالهم للاسترشاد بها على هذه المسألة ليس بكثير وليس الخلاف فيه كثيرا - اكتفينا بما نقلناه، سائلين الله التوفيق للجميع.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(1/39)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (21) وتاريخ 12 \ 11 \ 1393 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فبناء على الخطاب الوارد لفضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من معالي وزير العدل رقم (267) وتاريخ 23 \ 3 \ 1393هـ المبني على خطاب سمو نائب وزير الداخلية رقم (26 \ 10612) وتاريخ 21 \ 3 \ 1393 هـ بخصوص الرغبة في إبداء الحكم الشرعي في (حكم السعي فوق سقف المسعى) ليكون وسيلة من وسائل علاج ازدحام الحجاج أيام الموسم، وبناء على ما رآه فضيلته من إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة فقد تم إدراج ذلك، وفي تلك الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة المتعلقة بالاستفتاء، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد دراسة المسألة، واستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف والسعي والرمي راكبا، والصلاة إلى هواء الكعبة أو قاعها، وكذا حكم الطواف فوق أسطحة الحرم وأروقته، وحكمهم بأن من ملك أرضا ملك أسفلها وأعلاها.
وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضا لما يأتي:
(1/40)

1 - لأن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه.
2 - لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق، ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكبا بعيرا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكبا لغير عذر، فإن ازدحام السعاة في الحج يعتبر عذرا يبرر الجواز.
3 - أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها، بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه.
4 - اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكبا وماشيا، واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب.
5 - لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة؛ ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام، وقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (1) وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (2)
__________
(1) سورة البقرة الآية 185
(2) سورة الحج الآية 78
(1/41)

مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة، بل إن فيما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة.
وقد ذكر ابن حجر الهيتمي رحمه الله رأيه في المسألة: فقال في حاشيته على [الإيضاح] لمحيي الدين النووي ص (131) : (ولو مشى أو مر في هواء المسعى فقياس جعلهم هواء المسجد مسجدا، صحة سعيه) . اهـ.
أما المشايخ: محمد بن حركان، وعبد العزيز بن صالح، وسليمان بن عبيد، وصالح بن لحيدان، وعبد الله بن غديان، وراشد بن خنين - فقد توقفوا في هذه المسألة.
وأما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فيرى عدم جواز ذلك، وله وجهة نظر في المنع مرفقة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثالثة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط ... محمد الأمين الشنقيطي له وجهة نظر مخالفة ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(1/42)

وجهة نظر
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فإن لنا وجهة نظر مخالفة للقرار الصادر بالأغلبية من هيئة كبار العلماء في شأن جواز السعي فوق السقف الكائن فوق المسعى والصفا والمروة، وحاصل وجهة نظرنا في ذلك هو:
أنا لا نرى جواز تعدد المسعى وإباحة السعي في مسعيين: مسعى أسفل، ومسعى أعلى؛ وذلك للأمور الآتية:
الأمر الأولى: أن الأمكنة المحددة من قبل الشرع لنوع من أنواع العبادات لا تجوز الزيادة فيها ولا النقص إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
الأمر الثاني: أن الأمكنة المحددة شرعا لنوع من أنواع العبادات ليست محلا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة، ولأن تخصيص تلك الأماكن بتلك العبادات في دون غيرها من سائر الأماكن ليست له علة معقولة المعنى حتى يتحقق المناط بوجودها في فرع آخر حتى يلحق بالقياس، فالتعبدي المحض ليس من موارد القياس.
الأمر الثالث: هو أنه لا نزاع بين أهل العلم في أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الوارد لبيان إجمال نص من القرآن العظيم له حكم ذلك النص القرآني الذي ورد لبيان إجماله. فإن دلت آية من القرآن العظيم على وجوب حكم من
(1/43)

الأحكام وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم المراد منها بفعله - فإن ذلك الفعل يكون واجبا بعينه وجوب المعنى الذي دلت عليه الآية، فلا يجوز العدول عنه لبدل آخر. ومعلوم أن ذلك منقسم إلى قسمين كما هو مقرر في الأصول:
الأول منهما: أن تكون القرينة وحدها هي التي دلت على أن ذلك الفعل الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم وارد لبيان نص من كتاب الله، كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1) فإن الآية تحتمل القطع من الكوع، ومن المرفق، ومن المنكب؛ لأن لفظ اليد قد يستعمل في كل ما ذكر، وقد دلت القرينة على أن فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو: قطعه يد السارق من الكوع وارد لبيان قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (2) فلا يجوز العدول عن هذا الفعل النبوي الوارد لبيان نص من القرآن لبدل آخر إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
القسم الثاني من قسمي الفعل المذكور: هو أن يرد قول من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن ذلك الفعل الصادر منه صلى الله عليه وسلم بيان لنص من القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي (3) » فإنه يدل على أن أفعاله في الصلاة بيان لإجمال الآيات التي فيها الأمر بإقامة الصلاة، فلا يجوز العدول عن شيء من تلك الأفعال الصادرة منه صلى الله عليه وسلم لبيان تلك الآيات القرآنية إلا بدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم (4) » فإنه يدل على أن أفعاله في الحج بيان لإجمال آيات الحج، فلا يجوز العدول عن شيء منها لبدل آخر إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
__________
(1) سورة المائدة الآية 38
(2) سورة المائدة الآية 38
(3) صحيح البخاري أخبار الآحاد (7246) ، سنن الدارمي الصلاة (1253) .
(4) صحيح مسلم الحج (1297) ، سنن أبو داود المناسك (1970) ، مسند أحمد بن حنبل (3/337) .
(1/44)

وإذا علمت هذا فاعلم أن الله جل وعلا قال في كتابه العزيز: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (1) فصرح في هذه الآية بأن المكان الذي علمه الصفا، والمكان الذي علمه المروة من شعائر الله. ومعلوم أن الصفا والمروة كلاهما علم لمكان معين، وهو علم شخص لا علم جنس، بلا نزاع ولا خلاف بين أهل اللسان في أن العلم يعين مسماه - أي: يشخصه - فإن كان علم شخص كما هنا شخص مسماه في الخارج، بمعنى: أنه لا يدخل في مسماه شيء آخر غير ذلك الشخص، عاقلا كان أو غير عاقل، وإن كان علم جنس شخص مسماه في الذهن، وليس البحث في ذلك من غرضنا.
وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكر الله في الآية أنه من شعائر الله هو شخص الصفا وشخص المروة، أي: الحقيقة المعبر عنها بهذا العلم الشخصي، ولا يدخل شيء آخر البتة في ذلك لتعين المسمى بعلمه الشخصي دون غيره، كائنا ما كان، سواء كان الفراغ الكائن فوق المسمى المشخص بعلمه أو غير ذلك من الأماكن الأخرى. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الله تعالى رتب بالفاء قوله {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (2) على كونهما من شعائر الله، وفي قوله تعالى: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (3) إجمال يحتاج إلى بيان كيفية التطوف ومكانه ومبدئه ومنتهاه.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا النص القرآني بالسعي بين الصفا والمروة، مبينا أن فعله المذكور واقع لبيان القرآن العظيم المذكور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم (4) » وقوله: «أبدأ بما بدأ الله به (5) » يعني: الصفا في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} (6)
__________
(1) سورة البقرة الآية 158
(2) سورة البقرة الآية 158
(3) سورة البقرة الآية 158
(4) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(5) سنن ابن ماجه المناسك (3074) ، مسند أحمد بن حنبل (3/321) ، موطأ مالك الحج (836) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850) .
(6) سورة البقرة الآية 158
(1/45)

الآية، ومن جملة البيان المذكور بيان جواز السعي حالة الركوب على الراحلة، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سعيه بين الصفا والمروة مبينا لذلك مراد الله في كتابه لا يجوز العدول عنه في كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
ولا شك أن المسعى الجديد الكائن فوق السقف المرتفع الذي فوق المسعى النبوي المبين بالسعي فيه معنى القرآن غير المسعى النبوي المذكور، ومغايرته له من الضروريات؛ لأنه مما لا نزاع فيه أن المتضايفين اللذين تستلزمهما كل صفة إضافية متباينان تباين المقابلة لا تباين المخالفة، ومعلوم أن المتباينين تباين المقابلة بينهما غاية المنافاة؛ لتنافيهما في حقيقتيهما، واستحالة اجتماعهما في محل آخر.
ومعلوم أن المتباينات هذا التباين التقابلي التي بينها منتهى المنافاة أربعة أنواع: هي: التقابل بين النقيضين، والتقابل بين الضدين، والتقابل بين المتضايفين، والتقابل بين العدم والملكة، كما هو معلوم في محله. فكما أن الشيء الواحد يستحيل أن يتصف بالوجود والعدم في وقت واحد من جهة واحدة، وكما أن النقطة البسيطة من اللون يستحيل أن تكون بيضاء سوداء في وقت واحد، وأن العين الواحدة يستحيل أن تكون عمياء مبصرة في وقت واحد، فكذلك يستحيل أن يكون الشيء الواحد فوق هذا وتحته في وقت واحد. فالمسعى الذي فوق السقف يستحيل أن يكون هو المسعى الذي تحت السقف. فهو غيره قطعا، كما هو الشأن في كل متضايفين وكل متباينين تباين تقابل أو مخالفة.
وإذا حققت بهذا أن المسعى الذي فوق السقف مغاير في ذاته لحقيقة المسعى الذي تحت السقف، وعلمت أن السعي في المسعى الذي
(1/46)

تحت السقف هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مبينا بالسعي فيه مراد الله في كتابه قائلا: «خذوا عني مناسككم (1) » وأن أفعاله صلى الله عليه وسلم المبينة للقرآن لا يجوز العدول عنها لبدل آخر إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة - علمت بذلك أن العدول بالسعي عن المسعى النبوي إلى المسعى الجديد الكائن فوق السقف الذي فوق الصفا والمروة يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ويحتاج جدا إلى معرفة من أخذ عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرنا بأخذ مناسكنا عنه هو وحده صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن لنا في أخذها عن زيد ولا عمرو.
فعلينا أن نتحقق الجهة التي أخذنا عنها هذا المنسك الجديد؛ لأن المناسك مرهونة بأمكنتها وأزمنتها، ولا يجوز التحكم في مكان أو زمان غير الزمان والمكان المحدودين من قبل الشارع، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين الأمكنة التي أنيط بها النسك، وعمم البيان في ذلك، وجعله شاملا للأمكنة التي أقام فيها هو النسك، وغيرها من الأمكنة الصالحة للنسك، كقوله صلى الله عليه وسلم: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف (2) » ونظير ذلك في مزدلفة ومنى بالنسبة للنحر كما هو معلوم.
الأمر الرابع: أن السعي في المسعى الجديد خارج عن مكان السعي الذي دلت عليه النصوص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الظرف المكاني للسعي بالنسبة إلى الصفا والمروة هو ظرف المكان الذي يعبر عنه بلفظة: (بين) وأما المسعى الجديد فظرفه المكاني بالنسبة إلى الصفا والمروة هو لفظة (فوق) ومعلوم أن لفظ: (بين) ولفظ: (فوق) وإن كانا ظرفي مكان فمعناهما مختلف، ولا يؤدي أحدهما معنى الآخر؛ لتباين مدلوليهما، فالساعي في المسعى الأعلى الجديد لا يصدق عليه أنه ساع بين الصفا والمروة، وإنما هو ساع فوقهما، والساعي فوق شيئين ليس ساعيا بينهما؛ للمغايرة
__________
(1) سنن النسائي مناسك الحج (3062) .
(2) صحيح مسلم الحج (1218) .
(1/47)

الضرورية بين معنى: (فوق) و (بين) كما ترى.
ويزيد هذا إيضاحا ما ثبت في الصحيح من حديث - عائشة رضي الله عنها المرفوع، وإن ظن كثير من طلبة العلم أنه موقوف عليها. فقد روى البخاري عنها في جوابها لعروة بن الزبير في شأن السعي بين الصفا والمروة أنها قالت ما لفظه: «وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما؛ فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (1) » انتهى محل الغرض منه بلفظه.
فتأمل قولها وهي هي، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، وقولها: (فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) وتأمل معنى لفظة (بين) يظهر لك أن مفهوم كلامها: أن من سعى فوقهما لم يأت بما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك ليس له. وهذا المعنى ضروري للمغايرة الضرورية بين الظرفين، أعني: (فوق) و (بين) وفي لفظ عند مسلم عنها أنها قالت: «ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة (2) » انتهى محل الغرض منه، وهو يدل على أن من طاف فوقهما لا يتم الله حجه ولا عمرته؛ لأن الطائف فوقهما يصدق عليه لغة أنه لم يطف بينهما، وفي لفظ لمسلم عنها: أنها قالت: «فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة (3) » وقد علمت أن الساعي فوقهما لم يطف بينهما. وقد أقسمت على أن من لم يطف بينهما لا يتم حجه كما ترى.
واعلم أن ما يظنه بعض أهل العلم من أن حديث عائشة هذا الدال على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه، وأنه لا يتم بدونه حج ولا عمرة أنه موقوف عليهما غير صواب. بل هو مرفوع.
ومن أصرح الأدلة في ذلك أنها رتبت بالفاء قولها: (فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) على قولها:
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1643) ، سنن النسائي مناسك الحج (2968) ، سنن أبو داود المناسك (1901) ، مسند أحمد بن حنبل (6/144) .
(2) صحيح البخاري الحج (1790) ، صحيح مسلم الحج (1277) ، موطأ مالك الحج (838) .
(3) صحيح البخاري الحج (1643) ، صحيح مسلم الحج (1277) ، سنن ابن ماجه المناسك (2986) .
(1/48)

«قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما (1) » وهو صريح في أن قولها: (ليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) لأجل أنه صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما.
ودل هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنة: أنه فرضه بسنته، كما جزم به ابن حجر في [الفتح] مقتصرا عليه، مستدلا له بأنها قالت: (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة) فقولها: (إن النبي صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما) وترتيبها على ذلك بالفاء قولها: (فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة إلا بذلك - دليل واضح على أنها إنما أخذت ذلك مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا برأي منها كما ترى.
الأمر الخامس: أن إقرار المسعى الأعلى الجديد لا يؤمن أن يكون ذريعة لعواقب غير محمودة؛ وذلك من جهتين:
الأولى: أنه يخشى أن يكون سببا لتغييرات وزيادات في أماكن النسك الأخرى؛ كالمرمى، وكمطاف مماثل فوق الكعبة.
الثانية: أنه لا يؤمن أن يكون ذريعة للقال والقيل، وقد شوهد شيء من ذلك عند البحث في تأخير المقام لتوسعة المطاف، فلا يؤمن أن يقال: إن الهيئة الفلانية أو الجهة الفلانية بدأت تغير مواضع النسك التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون أربعة عشر قرنا، والدعايات المغرضة كثيرة، فسدا للذريعة إليها مما يستحسن - ولا يخفى أن إقرار هذا المسعى الأعلى الجديد يلزمه جواز إقرار مطاف أعلى جديد مماثل - فقد يقترح مقترح، ويطلب طالب جعل سقف فوق الكعبة الشريفة على قدر مساحة المطاف الأرضي، ويجعل فوق السقف المذكور علامات واضحة تحدد مساحة الكعبة تحديدا دقيقا، مع تحقيق كون مساحة الكعبة المحددة فوق
__________
(1) صحيح البخاري الحج (1643) ، صحيح مسلم الحج (1277) ، سنن النسائي مناسك الحج (2968) ، مسند أحمد بن حنبل (6/144) .
(1/49)

السقف مسامتة للكعبة مسامتة دقيقة، ويبقى صحن ذلك المطاف الأعلى واضحا متميزا عن قدر مساحة الكعبة من الهواء الذي فوق السطح، فيطوف الناس حول ذلك الهواء المسامت للكعبة؛ لتخف بذلك وطأة الزحام في المطاف الأرضي، ولا شك أن هذا المطاف الأعلى المفترض لو فرض جوازه فهو أقل مشقة على الطائفين من توسعة المطاف الأرضي؛ لأن المطاف الأرضي كلما اتسع كانت مسافة الشوط في أقصاه أكثر من مسافته فيما يقرب منه من الكعبة، وأما المطاف الأعلى فلا تزيد مسافة الشوط فيه عن مسافته في المطاف الأرضي؛ لاتحادهما في المساحة، فهو أخف على الطائف، ولا نعتقد أن لهذا المطاف الأعلى المفترض مستندا من الشرع، كما لا نعتقد أن بينه وبين المسعى الجديد فرقا.
وفي الختام فإن زيادة مكان نسك على ما كان عليه المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم تحتاج إلى تحر وتثبت ونظر في العواقب، ودليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع العلم بأن الزحام في أماكن النسك أمر لا بد منه، ولا محيص عنه بحال من الأحوال، والله الذي شرح ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم عالم بما سيكون، والعلم عند الله تعالى.
أملاه الفقير إلى رحمة ربه وعفوه.
حرر في 12 \ 11 \ 1393 هـ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي
(1/50)

(2)
حكم الأوراق النقدية
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(1/51)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم الأوراق النقدية
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه (1) .
وبعد: فقد عرض على هيئة كبار العلماء برئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية - موضوع (الورق النقدي) حيث تم إدراجه في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام 1393 هـ.
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الأول، ص 197 - 222، عام 1395 هـ.
(1/53)

وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه:
تعريف النقد.
نشأة النقود وتطورها.
قاعدة النقد الورقي.
سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل.
آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية.
الأوراق النقدية أسناد.
الأوراق النقدية عروض.
الأوراق النقدية فلوس. الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة وأجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها.
علة الربا في النقدين.
الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه.
(1/54)

حكم الأوراق النقدية
تعريف النقد:
يقول علماء الاقتصاد: إن للنقد ثلاث خصائص متى توفرت في مادة ما اعتبرت هذه المادة نقدا:
الأولى: أن يكون وسيطا للتبادل.
الثانية: أن يكون مقياسا للقيم.
الثالثة: أن يكون مستودعا للثروة.
وعلى هذا الأساس قيل: إن النقد هو أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون، وفي أقوال بعض أهل العلم الشرعي، ما قد يؤيد هذا التعريف، ففي [المدونة الكبرى] ، ما نصه: ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة. اهـ (1) .
قد يقال: إن كراهة مالك لذلك من باب الاحتياط، لا لأنه أنزلها منزلة الذهب والفضة حقيقة، بدليل ما جاء في [المدونة الكبرى] من كتاب الزكاة، قال ابن القاسم: سألت مالكا عن الفلوس تباع بالدارهم والدنانير نظرة ويباع الفلس بالفلسين؟ قال مالك: إني أكره ذلك وما أراه مثل الذهب
__________
(1) انظر: كتاب الصرف من [المدونة] .
(1/55)

والورق في الكراهية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به؛ بل الفرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد بنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها فلهذا كانت مقدرة بالأموال الطبيعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت. اهـ (1) وبهذا يمكن القول بأن النقد شيء اعتباري، سواء كان ذلك الاعتبار ناتجا عن حكم سلطاني أو عرف عام، وقد يقال: إن النقد ليس شيئا اعتباريا محضا ناتجا عن حكم سلطة الإصدار؛ بل يتوقف اعتباره نقدا على قيمة ذاتية أو غطاء كامل مع اعتبار السلطة لنقديته أو جريان العرف بذلك.
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (19 \ 551، 252) .
(1/56)

نشأة النقود وتطورها
الإنسان مدني بطبعه، قليل بنفسه كثير بغيره، فكل محتاج إلى ما عند غيره، ومن طبيعة الإنسان أن يضن ببذل ما عنده إلا بعوض، لذا نشأت الحاجة إلى ما يسمى بالمقايضة، ويذكر أن نظام المقايضة قد ساد وقتا ما إلا أن تطور الحياة وما في الأخذ بالمقايضة من صعوبات أدى إلى الأخذ بوسيط آخر يكون أيسر ويصلح وحده للمحاسبة ومقياسا للقيم، وخزانة
(1/56)

للثروة وقوة شرائية غير محدودة، إلا أن كل أمة اختارت وسيطا يناسب البيئة التي تعيشها، ولم يعد هذا الوسيط أن يكون سلعا متنوعة من الأصداف والخرز والرياش وأنياب الفيلة ونحوها، ولما تطورت الحياة البشرية ظهر عجز السلع عن مسايرة هذا التقدم، فاتجه الفكر إلى وسيط سهل الحمل عظيم القيمة له من المميزات ما يحفظه من عوامل التلف والتأرجح بين الزيادة والنقصان فاتخذوا الوسيط للتبادل من المعادن النفيسة على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة، غير أن اختلاف أنواعها وعدم وجود سكة لها أدى إلى التلاعب في وزنها، وإلى صعوبات في تقديرها عند التبادل، فتدخل ولاة الأمر، ورأوا احتكار إصدار الوسيط، وأن يكون قطعا متنوعة من المعادن معلومة الوزن مختوما على كل قطعة ما يدل على مسئولية الحاكم عنها.
وبهذا تحقق في النقد الثقة به والاطمئنان إليه والقدرة على إدارة التعامل به، إلا أن هذه القدرة غير تامة للصعوبة النسبية في حمله ونقله من مكان إلى آخر؛ لذلك اتجه الفكر إلى الأخذ بالعملات الورقية على أن الأخذ بالعملات الورقية لم يكن دفعة واحدة، وإنما كان على مراحل، فخوفا على ضياع النقد في الأسفار التجارية اختار التجار طريق التحويل لمن يريدون التعامل معه، ثم رأوا عدم تعيين أشخاصهم في الحوالة، ولما كثر التعامل بهذه الطريقة ووجدت الأوراق التحويلية قبولا أصدر الصيارفة أوراقا مصرفية جديدة بقدر الجزء المتداول في الأسواق.
وبهذا صارت جزءا من النقود لها قبول عام، وصارت خزائن للثروة
(1/57)

ومقياسا للقيم، وقوة شرائية مطلقة، لكن إصدارها كان مشوبا بالفوضى والتلاعب، فساءت سمعة هذه الأوراق وضعفت الثقة بها فتدخل ولاة الأمور في الإصدار ومراقبته وتحديده وتعيين شكل للورقة النقدية فاكتسبت بذلك قوة الإبراء التام، ثم جرى العمل على أن من طلب من جهة الإصدار والاستعاضة عما تعهدت به في الورقة بنقود معدنية دفع إليه، ثم تخلف الوفاء بهذا التعهد إلا إذا كان ما طلب استرجاعه كثيرا، وأخيرا تخلف الوفاء بما تعهد به إلا بمثله من الورق، وبذلك انقطعت العلاقة بين الورقة النقدية والنقد المعدني وصارت قيمة وحدة النقود الورقية قيمة مستقلة.
(1/58)

قاعدة النقد الورقي
لا شك أن أي نقد قابل للتداول العام كوسيط للتبادل لا بد أن يكون له ما يسنده ويدعو إلى الثقة به كقوة شرائية لا حد لها، هذا السند إما أن يكون في ذات النقد نفسه كالذهب والفضة إذ فيهما قيمتهما المقاربة لما يقدران به، أو يكون ركيزة تدعم النقد وتوحي بالثقة به.
ثم إن هذه الركيزة قد تكون شيئا ماديا محسوسا كالغطاء الكامل للأوراق النقدية من ذهب أو فضة أو عقار أو أوراق مالية من أسهم وسندات.
وقد تكون التزاما سلطانيا باعتبارها وضمان قيمتها، وتكون بذلك أوراقا وثيقية.
وقد تكون الركيزة المستند عليها النقد شيئا ماديا محسوسا والتزاما
(1/58)

سلطانيا معا فيغطي بعض النقد الورقي بقيمته المادية عينا ويلتزم السلطان في ذمته بقيمة باقيه دون أن يكون لهذا الباقي غطاء مادي محفوظ وقد يمثل هذا الباقي غالب النقد الورقي
(1/59)

سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل
لعلماء الاقتصاد ثلاث نظريات في سر قابلية النقد للتبادل العام، قد تكون كل منها صحيحة في فترة ما:
الأولى: النظرية المعدنية: إن النقد مادة لها قيمة في نفسها قبل اتخاذها وسيطا للتبادل فلذلك حصلت الثقة بها وكانت ذات قابلية - عامة للوساطة في التبادل، وهذه النظرية صحيحة حينما كان النقد معدنيا، أما اليوم فإن النقد كل ما لقي من الناس قبولا عاما وثقة في اعتباره وسيطا للتبادل فيدخل في ذلك النقد الورقي سواء أكان له غطاء حسي أم كان من اعتبار الحاكم له وسيطا وضمانه له.
الثانية: النظرية السلطانية: وهذه النظرية تقول بأن أمر السلطان هو الذي أكسب النقد قبولا عاما وثقة به ولاشك أن مجرد أمر السلطان لا يكفي في ذلك دون أن يستند إلى مبرر يضمن اطمئنان الأمة إلى هذا الوسيط؛ لتقف إلى جانب السلطان وتنفذ أمره طائعة مختارة.
الثالثة: النظرية النفسانية: بأن النقد هو الذي تطمئن النفس إلى اعتباره
(1/59)

قوة شرائية مطلقة ثقة به واطمئنانا إليه سواء أكان له غطاء أم لا، وسواء أكانت له قيمة ذاتية أم لا، وسواء أمر السلطان باعتباره أم حصل التراضي والتعارف على استعماله وقبوله.
مما تقدم يمكن أن يستنتج ما يلي:
1 - النقد هو كل شيء يلقى قبولا عاما كوسيط متبادل.
2 - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم حاملها قيمتها عند الطلب كان سابقا في وقت ما لاعتبار خاص بالأوراق النقدية، أما الآن فليس له من واقع التعامل به نصيب، وإنما هو الآن يحكي ما مضى ويعني التذكير بمسئولية الجهات المختصة تجاه قيمتها والحد من إصدارها بلا تقدير.
3 - من الجائز وجود كميات من الأوراق النقدية رعاية عن الغطاء العيني إلا أن الغالب ألا تزيد هذه الكميات عن 65% من مجموع الأوراق النقدية المتداولة.
4 - ليس متعينا أن تكون القاعدة للورق النقدي ذهبا أو فضة إذ لا مانع أن تكون من غيرها كعقار أو أوراق مالية.
5 - القابلية العامة للنقد من حيث هو نقد في الجملة ليس ناتجا عن قيمة ذاتية في النقد أو عن وازع سلطاني يفرض التعامل به فقط، وإنما هي الثقة العامة به كقوة شرائية مطلقة، سواء أكانت هذه الثقة صادرة عن تغطيتها بالمعدن النفيس أو عن الانقياد إلى حكم سلطاني باعتبارها أو عن أي اعتبار آخر يضمن هذه الثقة.
(1/60)

هذه الأمور المستنتجة يمكن أن تكون عونا في إدراك حقيقة الأوراق النقدية والقدرة على تكييفها فقهيا.
(1/61)

آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية
لم تكن الأوراق النقدية معروفة عند قدماء فقهاء الإسلام؛ لعدم تداولها في زمنهم، فلذا لم نجد منهم من تعرض لحكمها، ولما كثر تداولها في البلاد الإسلامية بعد ذلك بحثها الفقهاء من حيث الحقيقة والحكم، واختلفت أنظارهم في ذلك تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقتها.
وجملة ذلك خمسة أقوال:
القول الأول: الأوراق النقدية أسناد:
أن الأوراق النقدية أسناد بدين على جهة إصدارها، ويوجه أصحاب هذا القول قولهم بما يأتي:
(أ) التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه.
(ب) ضرورة تغطيتها بذهب، أو فضة، أو بهما معا في خزائن مصدريها.
(ج) انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق حيث إن المعتبر ما يدل عليه من العدد لا قيمتها الورقية.
(د) ضمان سلطات إصدارها قيمتها عند إبطالها، ومنع التعامل
(1/61)

بها.
مستلزمات هذا القول:
إن القول باعتبار الأوراق النقدية أسنادا على مصدريها يستلزم الأحكام الشرعية الآتية:
(أ) منع السلم بها فيما يجوز السلم فيه إذ يشترط في صحة السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد وقبض البائع الأوراق النقدية، والحال أنها أسناد يعتبر حوالة بها على صدريها.
(ب) عدم جواز صرفها بنقد معدني من ذهب أو فضة ولو كان يدا بيد لأن الورقة النقدية على رأي أصحاب هذا القول وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد.
(ج) يعتبر التعامل بالأوراق النقدية بموجب هذا القول من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم، فالمشهور في مذهب الشافعي - رحمه الله - عدم صحتها مطلقا؛ لاشتراط أن يكون الإيجاب والقبول فيها لفظيين وعلى فرض أن القول باعتبار المعاطاة موضع اتفاق بين أهل العلم فمن شروط الحوالة أن يستطيع المحال استيفاء حقه من المحال عليه وفي مسألتنا لا يمكن أن يستوفي المحال مقابل الورقة من رصيدها، كما يدل على ذلك
(1/62)

التطبيق العملي، فتعتبر الحوالة بذلك باطلة.
(د) القول باعتبارها أسنادا بديون على مصدريها يخضعها للخلاف بين أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده؟ وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوبها قبل قبض الدين لامتناع قبض مقابل هذه الأسناد.
(هـ) بطلان بيع ما في الذمة من عروض أو أثمان بهذه الأوراق؛ لكونها وثائق بديون غائبة؛ لأن ذلك من قبيل بيع الكالئ بالكالئ، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ.
مناقشة هذا القول: المبررات التي وجه بها أصحاب هذا القول قولهم يمكن الإجابة عنها بما يلي:
أولا: إن التعهد القاضي بتسليم المبلغ المرقوم على الورقة لحاملها وقت الطلب ليس له من حقيقة معناه نصيب إذ لا يختلف اثنان أن المرء لو تقدم لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق النقدية بورقة نقدية صادرة ممن تقدم إليه طالبا منه الاستعاضة عنها بما تحتويه من ذهب أو فضة لما وجد استجابة لذلك، ولا وفاء لهذا التعهد، وإنما يرجع الإبقاء على هذا المتعهد - بالرغم من أن الوفاء به لا يتم - إلى تأكيد مسؤوليته على جهات إصداره.
ثانيا: أما الاستدلال على سنديتها بضرورة تغطيتها جميعا بذهب أو فضة أو بهما معا فقد سبق القول بأن الحاجة إلى تغطيتها جميعها ليست
(1/63)

ملحة، وأنه يكفي تغطية بعضها، فإنا نجد أن الغالب في النقد الورقي أنه غير مغطى بنقد معدني، وإنما غطاؤه التزام سلطاني بضمان قيمته في حال تعرضه للبطلان، وإذن فلا يصلح هذا الدليل سندا لهذا القول.
ثالثا: أما انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق النقدية فقد سبق لنا تعريف النقد بأنه أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل، كما سبقت الإشارة إلى بعض أقوال أهل العلم الشرعي المؤيدة لهذا التعريف، وعليه فمتى ثبت للأوراق النقدية القابلية العامة لتكون وسيطا فلا فرق بين أن تكون قيمتها في ذاتها أو في خارج عنها، ويؤيد هذا أن سلطات سك النقود المعدنية جرت على أن تجعل للنقود المعدنية قيما أكثر من قيمتها الذاتية؛ حفاظا على بقائها ومنعا من صهرها سبائك معدنية، ومتى كنا نرى جزءا من قيمة النقد المعدني ليس له مقابل إلا الالتزام السلطاني، ولم نقل بأن الزيادة على قيمته الذاتية سند على الدولة فليبطل القول بأن الأوراق النقدية سند على الدولة على أن هذا القول لا يعني انتفاء مسئولية الدولة عن الهيمنة على ثبات قيمتها في حدود المستوى الاقتصادي العام أو ضمان قيمتها في حال إبطالها.
رابعا: أما ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها وتحريم التعامل بها، فهذا سر اعتبارها والثقة بتمولها وتداولها، إذ أن قيمتها ليست في ذاتها وإنما هي في ضمان السلطات لها وليس في هذا دلالة على اعتبارها أسنادا بديون على مصدريها ما دام الوفاء بسدادها نقدا معدنيا عند الطلب مستحيلا.
(1/64)

على أن في القول بسنديتها من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم ما يتنافى مع المقتضيات الشرعية، لا سيما بعد أن عم التعامل بهذه الأوراق بين الشعوب الإسلامية، وأصبحت هي العملة الوحيدة الرائجة السائدة، وما عداها من أنواع النقود فقد كاد ترك استعمالها وسيطا للتبادل يسلبها صفة النقد وأحكامه.
ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم ينص على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم ترجح جانب التخفيف على جانب التشديد {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (1) وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (3) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك، ورواه البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (4) » ، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه (5) » .
وفي لفظ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (6) » وفي الترمذي وغيره: «ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما (7) » ،
__________
(1) سورة الحج الآية 78
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) سورة النساء الآية 28
(4) صحيح مسلم الجهاد والسير (1732) ، سنن أبو داود الأدب (4835) ، مسند أحمد بن حنبل (4/412) .
(5) صحيح البخاري استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6927) ، صحيح مسلم السلام (2165) ، سنن الترمذي الاستئذان والآداب (2701) ، سنن الدارمي الرقاق (2794) .
(6) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2594) ، سنن أبو داود الأدب (4808) ، مسند أحمد بن حنبل (6/125) .
(7) صحيح البخاري الحدود (6786) ، صحيح مسلم الفضائل (2327) ، سنن أبو داود الأدب (4785) ، مسند أحمد بن حنبل (6/130) ، موطأ مالك الجامع (1671) .
(1/65)

القول الثاني: الأوراق النقدية عروض:
هذا القول: أن الأوراق النقدية عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام، ويوجهه القائلون به توجيهات نلخصها فيما يلي:
(1) الورق النقدي مال متقوم مرغوب فيه ومدخر ويشترى، وتخالف ذاته ومعدنه ذات الذهب والفضة ومعدنهما.
(ب) الورق النقدي ليس بمكيل ولا موزون، وليس له جنس من الأجناس الربوية المنصوص عليها.
(ج) ما كتب عليها من تقدير قيمتها وتعيين اسمها يعتبر أمرا اصطلاحيا مجازيا لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليست من جنس الذهب والفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية.
(د) انتفاء الجامع بين الورق النقدي والنقد المعدني في الجنس وإمكان التقدير والمماثلة: أما الجنس فالورق النقدي قرطاس والنقد المعدني معدن نفيس من ذهب أو فضة أو غيرهما من المعادن، وأما إمكان التقدير فالنقد المعدني موزون، أما القرطاس فلا دخل للوزن ولا للكيل فيه.
(هـ) الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع، وليس عندنا دليل يمنع ذلك
(1/66)

مستلزمات هذا القول:
إن القول بعرضية الأوراق النقدية يستلزم الأحكام الشرعية التالية:
(أ) عدم جواز السلم بها لدى من يقول باشتراط أن يكون رأس مال السلم نقدا من ذهب أو فضة أو غيرهما من أنواع النقد؛ لأن الأوراق النقدية بمقتضى هذا القول عروض وليست أثمانا.
(ب) عدم جريان الربا بنوعيه فيها فلا بأس ببيع بعضها ببعض متفاضلة، فيجوز بيع العشرة بخمسة عشر أو أقل أو أكثر كما يجوز بيع بعضها ببعض أو بثمن من الأثمان الأخرى كالذهب أو الفضة أو البرنز أو غيرها من المعادن النقدية نسيئة.
(ج) عدم وجوب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في العروض إعدادها للتجارة.
مناقشة هذا القول:
1 - إن في القول بعرضية الأوراق النقدية تفريطا تنفتح به أبواب الربا على مصاريعها، وتسقط به الزكاة عن غالب الأموال المتمولة في زماننا هذا، يتضح ذلك بالمثال الآتي:
مسلم يملك مليون جنيه إسترليني أودعه أحد المصارف بفائدة قدرها 8% لم يقصد بهذا المبلغ التجارة وإنما يريد باقيا عند البنك بصفة مستمرة على أن يأخذ فائدته ليقوم بصرفها على نفسه في شئون حياته مثلا، فلا بأس
(1/67)

بمقتضى هذا القول بصنيعه هذا؛ لأن هذا المبلغ ليس نقدا فيجري فيه الربا ولا زكاة فيه؛ لكونه عرضا لم يقصد به التجارة.
2 - إذا عمدت الجهات المختصة إلى نوع من جنس الورق فأخرجت للناس منه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والصور والكتابات وقررت التعامل بها وتلقاها الناس بالقبول فقد انتقل هذا الورق من جنسه باعتبار وانتفى عنه حكم جنسه لذلك الاعتبار لانتفاء فوائد الانتفاع به ورقا يكتب فيه وتحفظ فيه الأشياء، فإذا كان الناس يحرصون على الحصول عليه ويرضونه ثمنا لسلعهم سواء أكانت سلعا عينية أو خدمات فليس؛ لأنه مال متقوم مرغوب فيه بعد تقطيعه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والكتابة والصور؛ بل لأنه انتقل إلى جنس ثمني بدليل فقده قيمته كليا في حال إبطال السلطان التعامل به.
أما مخالفة ذاته ومعدنه ذات النقدين والفضة ومعدنهما، فالجواب عن ذلك فرع عن تحقيق القول في علة الربا في النقدين هل هي الثمنية كما هو رأي المحققين من أهل العلم فينتفي الفارق المؤثر بينهما لاشتراكهما فيها أم أن العلة غيرها.
3 - أما القول بأن قيمتها النقدية وتعيين اسمها اصطلاح مجازي لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليس له جنس الذهب ولا الفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية فيمكن أن يجاب عن ذلك بأن تسمية هذه الأوراق بريال أو جنيه أو دولار أو دينار أو غيرها تعتبر حقائق عرفية لا مجازية لا سيما في وقتنا هذا الذي اختفى فيه الذهب والفضة عن الأسواق
(1/68)

كنقد سائد في التداول وحلت هذه المسميات محلها في الثمنية.
4 - وأما القول بانتفاء الجامع بينهما في الجنس وإمكان التقدير فيمكن أن يجاب عنه بعد تحقيق القول في علة الربا في النقدين فإذا كانت العلة في ذلك الثمنية كما سيأتي بيانه وتوضيحه فالجامع موجود.
5 - وأما القول بأن الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع فيجاب بالتسليم بهذه القاعدة إلا أن دليل المنع وارد بناء على أن علة الربا في النقدين الثمنية.
(1/69)

القول الثالث: الأوراق النقدية فلوس:
يتلخص هذا الرأي في أن الأوراق النقدية كالفلوس في طروء الثمنية عليها، فما ثبت للفلوس من أحكام الربا والزكاة والسلم وغيرها ثبت للأوراق النقدية مثلها، ويوجه أصحاب هذا القول رأيهم بأن الأوراق النقدية عملة رائجة أعيانها بما رقم عليها رواج النقدين بقيمتها المرقومة عليها وليست ذهبا ولا فضة، وإنما هي كالفلوس.
ولكنهم اختلفوا في مقتضيات هذا القول: فمنهم من لم يلحقها بالنقدين مطلقا، فلم يوجب فيها الزكاة إلا بنية التجارة ولم يجر فيها الربا بنوعيه، ومنهم من فصل فألحقها بالنقدين في وجوب الزكاة وجريان ربا النسيئة فيها؛ للإجماع على حرمته، واعتراف من حرم ربا الفضل بأن حرمة ربا النسيئة أشد إثما من ربا الفضل، ولدخول النسيئة في الأنواط في عموم قوله تعالى؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (1)
__________
(1) سورة آل عمران الآية 130
(1/69)

ولأن مفسدة بيع عشرة أنواط باثني عشر منها، أو بأحد النقدين إلى أجل لا تقل عن مفسدة بيع عشرة دنانير ذهبا باثني عشر دينارا، وتكاد معرفة الفساد فيهما تكون ضرورية.
وأباح هؤلاء ربا الفضل في الأنواط، فأجازوا بيع بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان ذلك يدا بيد؛ لأن ربا الفضل حرم تحريم الوسائل، ولكونها غير نقود حقيقية ولموضع الحاجة، ونظير هذا أن بعض العلماء أجاز بيع الفلوس بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان يدا بيد ومنع من ذلك مؤجلا، ولأن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كبيع العرايا، ولأن بعض العلماء أجاز بيع الحلي من الذهب بالدنانير، وبيع الحلي من الفضة بالدراهم متفاضلا يدا بيد، فجعلوا للصنعة أثرا.
مناقشة هذا القول:
1 - إن قياس الأوراق النقدية بالفلوس قياس مع الفارق.
ويتبين ذلك فيما يأتي:
(أ) الأوراق النقدية بمزيد قبولها، وكثرة رواجها في المعاملات، وطغيانها على سائر الأثمان في سوق المعاوضات - صارت موغلة في الثمنية إيغالا لا تقصر دونه الفلوس، بل نقود الذهب والفضة بعد ندرة
(1/70)

التعامل بهما في المعاوضات.
(ب) في انتقال الأوراق النقدية من أصلها العرضي إلى الثمنية قوة أفقدتها القدرة على رجوعها إلى أصلها في حال إبطالها، بخلاف الفلوس فهي إذا كسدت أو أبطل السلطان التعامل بها فلها قيمة في نفسها كسائر العروض.
(ج) الأوراق النقدية في غلاء قيمتها كالنقدين، بل إن بعضا من الورق النقدي يعجز عن اللحاق بقيمته أكبر قطعة نقدية من ذهب أو فضة.
(د) تستخدم الفلوس في تقييم المحقرات من السلع، وهذه المحقرات مما تعم الحاجة إليها، فالتخفيف في أحكامها أمر حاجي تقتضيه المصلحة العامة كالعرايا والتجاوز عن يسير الغرر والجهالة.
(هـ) نظرا لتفاهة قيمة الفلوس فإن الصفقات ذات القيمة العالية لا تتم بها، وإنما تتم بالنقدين أو بالأوراق النقدية والربا في الغالب لا يكون إلا في صفقات ذات قيمة عالية نسبيا.
هذه الفروق لها أثرها في إعطاء الأوراق النقدية مزيد فضل على الفلوس تختلف به عنها في الأحكام وتجعلها في معنى النقدين: الذهب والفضة في الثمنية، وفي جريان الأحكام.
2 - على فرض التسليم بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس فقد بحث العلماء رحمهم الله مسألة الفلوس، واختلفوا في تكييفها، وانقسموا في ذلك الاختلاف قسمين تبعا لعاملين يتجاذبانها: عامل أصلها، وهو العرضية
(1/71)

وعامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية، فبعضهم اعتبر أصلها وهو العرضية ففرق بينها وبين النقدين، فأثبت لها أحكام أصلها ومنع عنها أحكام النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها، والبعض الآخر اعتبرها نقدا، وأثبت لها ما للنقدين من أحكام في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها، وبمزيد من العمق في دراسة مسألة الفلوس والموازنة بين الرأيين - يظهر وجاهة القول باعتبارها نقدا، لها ما للنقدين الذهب والفضة من أحكام.
(1/72)

القول الرابع: الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة:
يتلخص هذا القول في: أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه، وهما النقدان: الذهب، والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقا، ويوجهه أصحابه بأن هذه الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة حالة محلها، جارية مجراها، معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منهما، والأمور الشرعية بمقاصدها، يؤيد القول بثمنيتها أنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي بعد
(1/72)

إبطالها شيئا مما كانت تساويه قبل الإبطال، ويلزم سلطة الإصدار تعويض حاملها إما بمقابلها من جنس رصيدها، وإما بأوراق أخرى تقوم مقام مقابلها من الرصيد ما تراه الدولة من المصلحة.
مستلزمات هذا الرأي:
يستلزم هذا الرأي ما يأتي:
(أ) جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية.
(ب) ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها مائتي درهم فضة أو عشرين مثقالا ذهبا إذا استكملت شروط وجوب الزكاة في النقدين، مع ملاحظة أن ما كان بدلا عن ذهب فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الذهب، وما كان بدلا عن فضة فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الفضة.
(ج) جواز السلم بها.
(د) اعتبارها بغض النظر عن أشكالها وأسمائها وجنسياتها متفرعة عن جنسين هما: الذهب والفضة، فما كان عن ذهب فله حكم الذهب، وما كان عن فضة فله حكم الفضة.
(هـ) إذا بودل بين نوعين من الورق النقدي متفرعين عن ذهب أو فضة - امتنع التفاضل بينهما، وإذا بودل بين جنسين من الورق أحدهما متفرع عن ذهب والثاني متفرع عن فضة - جاز فيهما التفاضل إذا كان يدا بيد، وامتنع فيهما التأخير.
(1/73)

مناقشة هذا القول:
هذا الرأي مبني على افتراض أن الأوراق النقدية مغطاة غطاء كاملا بذهب أو فضة، وحيث إن الواقع خلاف ذلك، وأن غالب الأوراق النقدية مجرد أوراق وثيقية قيمتها مستمدة من سن الدولة التعامل بها، وتلقي الناس إياها بالقبول، وأن القليل المغطى لا يلزم أن يعطى بالذهب أو الفضة؛ بل قد يغطى بغيرهما من عقار أو أوراق مالية من أسهم أو سندات لا تقدر قيمتها بذهب ولا فضة وإنما تقدر بعمل ورقية، فضلا عن الحرج والمشقة في القول بهذا الرأي في مسائل الصرف عند اشتراط المماثلة في الجنس، وذلك إذا صح ما قيل بانتفاء أي نقد ورقي غطاؤه فضة.
ويمكن أن يورد على هذا النقاش ما يلي:
إن رصيد الأوراق النقدية وإن كان مختلفا فبعضه ذهب أو فضة وآخر منه عقار أو أوراق مالية من أسهم وأسناد إلا أن ما كان منه عقارا أو أوراقا مالية لم يعتبر رصيدا بنفسه، وإنما اعتبر بما قدر به من العمل المتعامل بها سابقا في دولة الإصدار، ذهبا كانت أم فضة، وكذا ما كان أوراقا وثيقية عمادها التزام سلطة الإصدار ليست قيمتها من مجرد سن الدولة التعامل بها؛ لما سبق في بيان السبب الثاني من أسباب سر قابلية النقد وسيطا في التبادل وإنما كسبت الأوراق الوثيقية ثقة الناس بها وقبولهم إياها وسيطا في التعامل مع ملاءة سلطة الإصدار القائمة مقام الذهب أو الفضة مع سنها التعامل بها، فعاد الأمر إلى قيمة ما كان به مليئا من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما، وبذلك كان بعض الرصيد ذهبا أو فضة بالفعل، وبعضه الآخر في
(1/74)

حكم الذهب أو الفضة تبعا لنوع العمل المتعارف عليها في الدولة قبل إصدار الأوراق النقدية، أما ما قيل من أن هذا الرأي يستلزم الحرج والمشقة في مسائل الصرف لاشتراط المماثلة في الجنس فغير مسلم، فإن ما اشترط من المماثلة في حال معاوضة بديل الذهب مثلا بعضه ببعض قد اشترط في حال معاوضة الذهب نفسه بعضه ببعض ولم يعتبر ذلك حرجا، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا، ويؤيد ما ذكر من البدلية واعتبار الرصيد قائما أن قيمة الأوراق النقدية لا تخضع في صعودها وهبوطها لحالة السوق التجارية عرضا وطلبا فقط، بل تخضع في ذلك أيضا لحالة رصيدها قوة وضعفا، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة لدولة أخرى مليئة معتبرة كعملة الدولار أو الإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وعلت قيمتها، وإلا تزلزلت وهبطت قيمتها، ومن هنا قيل هذه عملة صعبة، وقيل في أخرى ليست صعبة، ويشهد لذلك حالة الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان صاعدا مرتفعا سعره في السوق العالمية.
ويؤيد اعتبار الرصيد أيضا وأنه لم يزل قائما أن الدولة إذا أبطلت نوعا من الأوراق النقدية لزمها تعويض من بيده الأوراق إما بأصل الرصيد أو بأوراق أخرى تقوم مقام نصيبها من الرصيد، وإنما منعت الدولة التعويض عن الأوراق بما يقابلها من نفس الرصيد محافظة على خاماتها الثمينة وحماية لها من تلاعب الناس فيها أو تهريبها، إلى غير هذا من أنواع العبث، وقد
(1/75)

يكون احتفاظها بالرصيد لمعنى اقتصادي جعل الدولة تحل الأوراق محل الذهب أو الفضة.
(1/76)

القول الخامس: الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه:
يتلخص هذا القول: في أن الورق النقدي نقد قائم بنفسه؛ كالذهب والفضة، وغيرهما من الأثمان مما يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل بين الناس، وأن العملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها.
توجيه هذا القول:
ويمكن أن يوجه هذا القول بما يأتي:
1 - ما عليه البلاد من حال اقتصادية.
2 - ثقة الناس بها ثقة تامة جعلتها صالحة لتكون مستودعا عاما للادخار، وقوة للشراء، ومقياسا للقيم (1) 3 - قانونيتها بسن الدولة لها، وحمايتها إياها، والاعتراف بذلك أكسبها قوة الإبراء العام (2) 4 - لا يحتم قانون إصدار الأوراق النقدية تغطيتها جميعها، فيكفي تغطية بعضها بغطاء مادي له قيمة في نفسه ولو لم يكن ذهبا ولا فضة، على
__________
(1) انظر ص 6، 7 من [الموجز في اقتصاديات النقود] ، للأستاذ ج. ف. كرواذ.
(2) انظر ص 98، 99 من كتاب [قصة النقود] .
(1/76)

أن يكون الباقي أوراقا وثيقية لا غطاء لها إلا التزام سلطة الإصدار سجل بما سجل عليها عند إبطالها.
5 - التعهد المسجل على هذه الأوراق لا يقصد إلا تذكير المسئولين عن مسئوليتهم تجاهها والحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة بها، وإذن فليست أسنادا وليس التعهد بها سر قبولها.
6 - ليس للأوراق النقدية قيمة في نفسها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها فليست عروضا.
7 - رجحان القول بأن علة الربا في النقدين الثمنية مع الاعتراف بثمنية الأوراق النقدية.
8 - تحقق الشبه بينها وبين الذهب والفضة المسكوكتين في الثمنية وفي وقوع الظلم والعدوان والاضطراب في المعاملات إذا جعل كل من هذه الأثمان سلعا كالعروض تباع وتشترى فأعطيت حكمها لا حكم العروض.
9 - اختلاف جهات الإصدار فيما تتخذه من أسباب الثقة بالأوراق النقدية لتحل محل الذهب والفضة وتكسب قبولا عاما وإبراء تاما، واختلاف هذه الجهات أيضا قوة وضعفا وسعة وضيقا في الاقتصاد والسلطان وغير ذلك مما يقضي بأنها أجناس مختلفة باختلاف جهات إصدارها، فكما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف كل منهما عن الآخر في القيمة الذاتية، فكذلك العملات الورقية أجناس لاختلاف كل منها عن الأخرى بما تقدرها به جهات إصدارها وفيما تتخذه من أسباب لقبولها
(1/77)

وإحلال الثقة بها.
10 - في القول بتفرع الأوراق النقدية عن الذهب والفضة مجانبة للواقع، وفي العمل به حرج ومشقة حينما تعتبر الأوراق النقدية جنسا واحدا.
وحيث كان سر قبول الأوراق النقدية ثقة الناس به لا التعهد المسجل على كل ورقة بتسليم حاملها ما سجل عليها وقت الطلب، ولا أن جميعها مغطى بذهب أو فضة، ولا لأن سلطة الإصدار ألزمت الناس التعامل بها، وحيث أنها أشبهت الذهب والفضة في الثمنية وتقويم الأشياء بها، واطمئنان النفوس إلى تمولها وادخارها، وفي اضطراب أحوال المعاملات وانتشار الظلم والعدوان باتخاذها سلعا تباع وتشترى، وكان الراجح في علة جريان الربا في الذهب والفضة الثمنية، وتبين أنها ليست أسنادا ولا عروضا وأن الفلوس جارية مجرى الذهب والفضة في أحكامها وأنها ليست متفرعة عن الذهب والفضة، وأن قيمة الأوراق الثمنية وقوتها الشرائية تختلف باختلاف جهات الإصدار في حالتها الاقتصادية، وقوتها وضعفها، وسعتها وضيقها في الاحتياط لحفظ كيان هذه الأوراق وفي نوع ما تسندها ثبت أنها نقد قائم بنفسه، وأنها أجناس مختلفة تبعا لاختلاف جهات إصدارها، وأن لها ما للذهب والفضة من أحكام
(1/78)

مستلزمات هذا القول:
يستلزم هذا القول الأحكام الشرعية الآتية:
(1) جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان.
(ب) عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض أو بيع جنس منها بغيره من الأجناس الثمنية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة.
(ج) عدم جواز بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض متفاضلا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد.
(د) جواز بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض متفاضلا، إذا اختلف الجنس وكان يدا بيد، فيجوز بيع الريال الفضة بريالين من الورق مثلا، وبيع الليرة بريال سعودي فضة كان أو ورقا، وبيع الدولار بخمسة ريالات أو أقل أو أكثر إذا كان يدا بيد.
(هـ) وجوب زكاتها إذا بلغت أدنى النصابين من ذهب أو فضة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها وحال عليها الحول.
(و) جواز السلم بها.
مناقشة هذا القول:
ويمكن أن تناقش هذه التوجيهات بما يأتي:
أما الأول: فيناقش بأن تغير أسعار الورق النقدي ونحوه ارتفاعا وانخفاضا لا يخضع فقط لحالة السوق التجارية طلبا وعرضا وكثرة الإنتاج
(1/79)

وقلته وكثرة الأثمان وقلتها، بل يخضع أيضا لحالة رصيد هذه الأوراق قوة وضعفا، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة أخرى مليئة ولها رصيد معتبر كعملة الدولار والإسترليني في الوقت الحاضر، أثبتت وجودها وغلت قيمتها وإلا تزلزلت وهبط سعرها في الأسواق العالمية، ومن هنا قيل: عملة صعبة وعملة ليست صعبة، ويشهد لذلك واقع الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني هبط بعد أن كان مرتفعا سعره في السوق العالمية.
ويناقش الثاني والثالث: بأن ثقة الناس بها وقانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها والاعتراف بذلك إنما أكسبها قوة الشراء والإبراء العام وجعلها مقياسا للقيم من أجل ما استندت إليه من رصيد لا يزال اعتباره قائما، يدل على ذلك ما جاء في التوجيه الرابع والخامس والسادس والتاسع، وما تقدم في بيان سر قابلية النقد الورقي للتبادل والإبراء العام.
ويناقش الرابع: بأنه وإن لم يتعين تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة لكن لا بد من التغطية ولو بعقار يقدر بالعملة المتعارف عليها في دولة الإصدار حتى يمكن الوقوف عند حد معقول اقتصاديا في إصدار الأوراق النقدية يتناسب مع الرصيد، وما كان غير مغطى منها قام فيه التزام جهة الإصدار المليئة مقام الغطاء بالعملة المتعارف عليها سابقا، وبذلك كان الغطاء من عقار والتزام مثلا في حكم الذهب والفضة وكانت ثقة الناس بهذه الأوراق وكانت قوة الشراء والإبراء العام.
(انظر التعليق على مناقشة القول الرابع) .
(1/80)

ويناقش الخامس: بأنه يحمل رده في طيه حيث ذكر فيه أن مما يقصد بالتعهد المسجل على الأوراق الحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة، واستكمال أسباب الثقة إنما يكون بزيادة الرصيد بنسبة ما يراد زيادة إصداره من الأوراق النقدية، وبذلك يتبين أن اعتبار الرصيد ولو اختلف نوعه لا يزال قائما، وإنما لم يسلم العوض ذهبا أو فضة عند إبطال عملة الأوراق واكتفي بتسليم عملة أخرى من الأوراق لمصلحة رآها ولي الأمر، كالمحافظة على المعادن النفيسة من تهريبها مثلا، أو الرغبة في الانتفاع بها فيما يعود على الدولة بالخير مع قيام أوراق نقدية لا تكلفه شيئا سوى إصدارها مع دعمها بالتزام الوفاء ورصيد يتصرف فيه رجاء فائدة تعود إلى الحكومة والأمة.
ويناقش السادس: بأنه يحمل رده في طيه أيضا كالخامس؛ بل هذا أوضح، حيث صرح فيه بأن قيمة الأوراق النقدية في أمر خارج عنها لا في نفسها، فدل ذلك على اعتبار الرصيد قائما وإن لم يستجب إلى من طلبه من حملة الأوراق النقدية ولم يدفع إليه شيء من الرصيد بعينه، لما تقدم بيانه في رد الوجه الخامس.
ويناقش السابع والثامن: بأنه إن صح القول بأن الثمنية علة الربا في النقدين وصح قياس الأوراق النقدية عليها دل ذلك على أنها فرع عنهما لا على استقلالها جنسا أو أجناسا قائمة بنفسها، فما كان منها متفرعا عن الذهب ألحق به وما كان منها متفرعا عن الفضة أعطي حكمها في كل ما يتعلق بالربا والزكاة ونحوهما.
(1/81)

ويناقش التاسع بأمرين:
الأول: أن فيه التصريح باتخاذ رصيد لهذه الأوراق، وأنه سبب الثقة بها وحلولها محل الذهب أو الفضة وكسبها القبول العام والإبراء التام فدل على أنها فرع عما دعمت به من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما من عقار ونحوه، فكانت بدلا عن أصلها الذي حلت محله لا جنسا أو أجناسا مستقلة بنفسها.
الثاني: أن اختلاف جهات الإصدار قوة وضعفا وسلطانا وسعة وضيقا واختلافها في نوع ما تدعم به عملتها الورقية لا تأثير له في اختلاف رصيده منهما أو مما قدر بهما فيكون بعض الورق تبعا للفضة وبعضها تبعا للذهب لا غير، يدل على ذلك أن جهات إصدار نقد من الذهب أو الفضة لا يؤثر اختلافها ولا وحدتها في جنس كل من الذهب والفضة، بل هما جنسان اتحدت الجهة أو اختلفت.
ويناقش العاشر: بأنه لا حرج ولا مشقة في القول بتفرعها عن الذهب والفضة، فإن ما اشترط فيها من المماثلة في بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض قد اشترط فيما هي بديل عنه من الذهب أو الفضة ولم يعتبر ذلك حرجا، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا.
(1/82)

علة الربا في النقدين:
نظرا إلى أن الأوراق النقدية أصبحت تلقى قبولا عاما في دنيا
(1/82)

المعاوضات كوسيط للتبادل، وأنها بذلك حلت محل الذهب والفضة في الثمنيه، وحيث أن السنة النبوية نصت على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، ونظرا إلى أن أهل العلم اختلفوا في تعيين علة لجريان الربا فيهما، نظرا إلى ذلك كله كان من المناسب أن يشتمل هذا البحث على بيان أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين ونقاش ما استند إليه كل قول مما يقبل النقاش.
لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة: فمن نفى التعليل أو تعذر عليه إقامة دليل يرضاه لإثبات علة التحريم: قصر العلة فيهما مطلقا سواء كانا تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين.
وهذا مذهب أهل الظاهر ونفاة القياس وابن عقيل من الحنابلة، حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها، فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ولا في غيرها مما يعد نقدا، وتحريم الربا فيهما عندهم تعبدي، وأما غيرهم فقد استنبط مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا إلا أتهم اختلفوا في تخريج المناط.
ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة أقوال:
الأولى: يتلخص القول الأول في أن علة الربا في النقدين الوزن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (1) » ، ولقوله: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل (2) »
__________
(1) أخرجه مسلم برقم (1584) (77) وأبو داود برقم (3353) والنسائي في [المجتبى] ، برقم (5470) .
(2) أخرجه أحمد (2 \ 262) و (6 \ 19) ومسلم برقم (1588) (84) والنسائي في [المجتبى] ، برقم (4569) .
(1/83)

وقوله: «ما وزن مثلا بمثل (1) » ، وقوله: «بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا (2) » .
وقال في [الميزان] ، مثل ذلك (3) ، فجعل ضابط ما يجري فيه الربا وتجب فيه المماثلة الوزن في الموزونات، وطرد أصحاب هذا القول القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن؛ كالحديد، والنحاس، والرصاص، والصفر، والصوف، والقطن والكتان، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. ويمكن أن يورد على هذا القول ما يلي:
(أ) الوزن وصف طردي محض لا مناسبة فيه (4) .
(ب) العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، وفي جواز ذلك نقض للعلة.
(ج) أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن؛ بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا ولا يتعامل به وزنا، كالفلوس، والورق النقدي، فإن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي وبشكل واضح في غالبه تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في
__________
(1) رواه الدارقطني برقم (58) .
(2) صحيح البخاري البيوع (2202) ، صحيح مسلم المساقاة (1593) ، سنن النسائي البيوع (4553) ، موطأ مالك البيوع (1314) .
(3) [صحيح البخاري] ، (3 \ 35، 61) و (5 \ 83، 84) .
(4) انظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 137) .
(1/84)

التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات المائة ريال والألف دولار.
الثاني: ويتلخص هذا القول في أن علة الربا في النقدين غلبة الثمنية، وهذا القول هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي فالعلة عندهما قاصرة على الذهب والفضة، والقول بغلبة الثمنية احتراز عن الفلوس إذا راج رواج النقدين فالثمنية طارئة عليها فلا ربا فيها.
ويمكن أن يورد على هذا الرأي ما يلي:
(أ) أن العلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم منقوضة طردا بالفلوس؛ لأنها أثمان وعكسا بالحلي (1)
(ب) أن حكمة تحريم الربا في النقدين ليست مقصورة عليهما؛ بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان كالفلوس والورق النقدي.
الثالث: ويتلخص في أن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية.
وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة.
قال أبو بكر من أصحاب أحمد: روى ذلك عن أحمد جماعة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما من محققي أهل العلم (2)
__________
(1) انظر [مجموع النووي] ، (9 \ 445) ، وانظر الفروع، (2 \ 545) .
(2) انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] ، (29 \ 473، 474) ، وانظر إعلام الموقعين] ، (2 \ 137) .
(1/85)

وقد أورد ابن مفلح على هذا القول إيرادا ملخصه: بأن التعليل بالثمنية تعليل بعلة قاصرة لا يصلح التعليل بها في الأكثر منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي (1) .
ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأنه لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية، أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين، بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا كما يجري فيهما، كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة؛ لأن الصناعة قد نقلته من جنس الثمنية إلى أجناس السلع والثياب؛ ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور في مذهب الإمام أحمد مع أنه من الذهب والفضة (2) .
كما يمكن أن يورد على القائلين بمطلق الثمنية إيراد ملخصه: بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، سواء أكانا سبائك أو مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه؛ لكونه ثمنا وإنما الإشكال في جريان الربا في سبائكهما مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأن الثمنية موغلة في الذهب والفضة وشاملة لسبائكهما، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا، وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن.
__________
(1) انظر [الفروع] ، وتصحيحه (2 \ 545) .
(2) انظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 145 - 142) ، وانظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (29 \ 453) .
(1/86)

ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس قال: «جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: " زن وارجح» ، ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «يا بلال أقضه وزده (1) » فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا (2) .
هذا ما تيسر إيراده. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
__________
(1) صحيح البخاري كتاب الوكالة (2309) ، صحيح مسلم المساقاة (715) ، مسند أحمد بن حنبل (3/314) .
(2) انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] ، (19 \ 248) ، وانظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 140) .
(1/87)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (10) وتاريخ 17 \ 8 \ 1393هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأمين العام لهيئة كبار العلماء - بدراسة موضوع الورق النقدي من قبل هيئة كبار العلماء؛ استنادا إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر، أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة - فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1 \ 4 \ 1393 هـ و 17 \ 4 \ 1393 هـ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسنادا، أو عروضا، أو فلوسا، أو بدلا عن ذهب أو فضة، أو نقدا مستقلا بذاته، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية - جرى تداول الرأي فيها، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها:
(1/88)

وحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية، فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحدا أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم - فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أنور علي، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:
س1: هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقدا قائما بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها، كما هو مدون على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا؟
س2: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدريها، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية، وما هو الحد الأدنى لها؟
س 3: ما نوع غطاء العملات الورقية، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة، وله هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقا؟
س4: المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها، فما هي مقومات هذه القيمة؟
(1/89)

س5: نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلى؟
س6: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟
س7: ما يسمى بالدينار، والجنيه هل هو مغطى بالذهب، ولذا سمي دينارا أو جنيها رمزا لما غطي به، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعمل المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة؟
س8: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعا لم يسبق له نظير؟
وأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي.
ثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ - قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا
(1/90)

شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثمانا. . . إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت) اهـ (1) .
وذكر نحو ذلك الإمام مالك في [المدونة] ، من كتاب الصرف حيث قال: (ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة) اهـ (2) .
وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولا عاما في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياسا للقيم ومستودعا للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملا لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزء من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهبا، بل يجوز أن يكون من أمور عدة كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاء كليا أو جزئيا لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار
__________
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] ، (29 \ 251) .
(2) [المدونة الكبرى] ، للإمام مالك (3 \ 5) توزيع \ مكتبة دار الباز بمكة المكرمة.
(1/91)

غطاء للعملات الورقية.
وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلا، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك وأبي حنيفة وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولا: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما - نسيئة مطلقا، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالا سعوديا ورقا.
(1/92)

(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا، إذا كان ذلك يدا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
. ... . ... محمد الأمين الشنقيطي
متوقف
عبد الرزاق عفيفي
لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بيانا إن شاء الله ... عبد الله بن حميد
متوقف ... عبد الله خياط
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان
متوقف ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان
متوقف ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
(1/93)

(3)
{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1)
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(1/95)

بسم الله الرحمن الرحيم
بيان المراد من قول الله تعالى في
آية مصارف الزكاة: وفي سبيل الله (1)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده وبعد:
فقد عرض على هيئة كبار العلماء في دورتها الخامسة المنعقدة بمدينة الطائف فيما بين يوم 5\ 8\ 1394 هـ ويوم 22\ 8\ 1394 هـ موضوع بيان المراد من قوله تعالى في آية مصارف الزكاة: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر من إدراج بيان المراد من قوله تعالى في آية مصارف الزكاة: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3) في جدول أعمال هيئة كبار العلماء لدورتها الخامسة هل هو خاص بالجهاد في سبيل الله أو عام في كل وجه من وجوه البر- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مشتملا على أقوال أهل العلم في ذلك، مع ذكر مستند كل قول ومناقشته:
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الثاني، ص 23- 60، عام 1395 هـ.
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سورة التوبة الآية 60
(1/97)

{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1)
اختلف العلماء رحمهم الله في تعيين المقصود من قوله تعالى في آية حصر أهل الزكاة {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) على ثلاثة أقوال:
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سورة التوبة الآية 60
(1/98)

القول الأول: إن المقصود بذلك الغزاة في سبيل الله، وقد قال بهذا القول جمهور العلماء من المفسرين والمحدثين والفقهاء.
وفيما يلي نقل لبعض أقوالهم:
قال ابن جرير الطبري: وأما قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) فإنه يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) قال: الغازي في سبيل الله. حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، وفي سبيل الله، وابن السبيل، أو رجل كان له جار تصدق عليه فأهداها له (3) » (4) اهـ.
وقال القرطبي: الثانية والعشرون: قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5)
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) [جامع البيان] ، (14\ 320) تحقيق محمود شاكر.
(5) سورة التوبة الآية 60
(1/98)

هم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء، وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله (1) اهـ.
وقال ابن العربي: (المسألة التاسعة عشرة) قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا: الغزو، ومن جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج، والذي يصح عندي من قولهما: أن الحج من جملة السبل مح الغزو؛ لأنه طريق بر فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر، وقد قال علماؤنا: ويعطى منها الفقير بغير خلاف؛ لأنه قد سمي في أول الآية، ويعطى الغني عند مالك بوصف سبيل الله تعالى، ولو كان غنيا في بلده أو في موضعه الذي يأخذ به لا يلتفت إلى غير ذلك من قوله الذي يؤثر عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: غاز في سبيل الله (3) » .
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا، وهذه زيادة على النص. وعنده أن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ في القرآن إلا بقران مثله أو بخبر متواتر، وقد بينا أنه فعل مثل هذا في الخمس في قوله: {وَلِذِي الْقُرْبَى} (4) فشرط في قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر، وحينئذ يعطون من الخمس، وهذا كله ضعيف حسبما بيناه.
__________
(1) [الجامع لأحكام القرآن] ، (9\ 185) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) سورة الأنفال الآية 41
(1/99)

وقال محمد بن عبد الحكم: يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة؟ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة مائة ناقة في نازلة سهل بن حثمة إطفاء للثائرة (1) اهـ.
وقال الجصاص: قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) روى ابن أبي ليلى عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له (3) » واختلف الفقهاء في ذلك: فقال قائلون: هي للمجاهدين الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي.
وقال الشافعي: لا يعطى منها إلا الفقراء منهم ولا يعطى الأغنياء من المجاهدين فإن أعطوا ملكوها وأجزأ المعطي وإن لم يصرفه في سبيل الله، لأن شرطها تمليكه، وقد حصل لمن هذه صفته فأجزأ، وقد روي «أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك فأراد أن يشتريه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعد في صدقتك (4) » فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم المحمول على الفرس من بيعها ... إلى أن قال:
وروي عن أبي يوسف فيمن أوصى بثلث مآله في سبيل الله أنه للفقراء الغزاة.
فإن قيل: فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لأغنياء الغزاة أخذ الصدقة بقوله: «لا تحل
__________
(1) [أحكام القرآن] ، (1 \ 396، 397) الطبعة الأولى] ، عام 1331 هـ.
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) صحيح البخاري الزكاة (1489) ، صحيح مسلم الهبات (1620) ، سنن الترمذي الزكاة (668) ، سنن النسائي الزكاة (2617) ، سنن أبو داود الزكاة (1593) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2392) ، مسند أحمد بن حنبل (2/55) ، موطأ مالك الزكاة (624) .
(1/100)

لغني إلا في سبيل الله (1) » .
قيل له: قد يكون الرجل غنيا في أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأثث به في بيته وخادم يخدمه وفرس يركبه وله فضل مائتي درهم أو قيمتها- فلا تحل له الصدقة، فإذا عزم على الخروج في سفر غزو واحتاج من آلات السفر والسلاح والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته فينفق الفضل عن أثاثه وما يحتاج إليه في مصره على السلاح والآلة والعدة- فتجوز له الصدقة، وجائز أن يكون الفضل عما يحتاج إليه من دابة الأرض أو سلاح أو شيء من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر، فيمنع ذلك جواز إعطائه الصدقة إذا كان ذلك يساوي مائتي درهم، وإن هو خرج للغزو فاحتاج إلى ذلك جاز أن يعطى من الصدقة وهو غني في هذا الوجه، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تحل للغازي الغني» اه (2)
وقال السيوطي في تفسير قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3) أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) قال: هم المجاهدون، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) قال: الغازي في سبيل الله. اهـ (6)
وقال الخازن: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (7) يعني: وفي النفقة في سبيل الله، وأراد به الغزاة فلهم سهم من مال الصدقات فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد من النفقة والكسوة والسلاح
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(2) [أحكام القرآن] ، (3\ 156، 157) المطبعة البهية، عام 1347 هـ.
(3) سورة التوبة الآية 60
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) سورة التوبة الآية 60
(6) [الدر المنثور] (3\ 352) .
(7) سورة التوبة الآية 60
(1/101)

والحمولة فيعطون ذلك وإن كانوا أغنياء. اهـ (1) .
وقال الشوكاني في [تفسيره] : {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء وهذا قول أكثر العلماء. اهـ (3) .
وقال ابن حجر العسقلاني: وأما {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيا كان أو فقيرا، إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. اهـ (5) .
وقال بدر الدين العيني: قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6) وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، ومنقطع الحاج عند محمد، وفي [المبسوط] ، {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (7) فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد فقراء الحاج.
وقال ابن المنذر: وفي الإشراف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: سبيل الله هو: الغازي غير الغني وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج وذكر ابن بطال: أنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ومثله النووي في [شرح المهذب] ، وقال صاحب [التوضيح] : وأما قول أبي حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجا فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (8) وأما السنة فروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن
__________
(1) [لباب التأويل في معاني التنزيل] ، (3\ 92) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) [فتح القدير] (2\ 373) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) [فتح الباري] ، (3\ 59) .
(6) سورة التوبة الآية 60
(7) سورة التوبة الآية 60
(8) سورة التوبة الآية 60
(1/102)

أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو لغاز في سبيل الله أو غني اشتراها بماله أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني أو غارم (1) » .
(قلت) : ما أحسن الأدب سيما مع الأكابر، وأبو حنيفة لم يخالف الكتاب ولا السنة وإنما عمل بالسنة فيما ذهب إليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني (2) » . وقال: المراد من قوله: «لغاز في سبيل الله (3) » هو الغازي الغني بقوة البدن والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي بدليل حديث معاذ: وردها إلى فقرائهم. اهـ (4)
وقال أبو الحسن المباركفوري: اختلفوا في المراد من سبيل الله في آية المصارف فقيل: المراد به الغزاة وعليه الجمهور، قال الباجي: هو الغزو والجهاد قاله مالك وجمهور الفقهاء، وقال الخرقي: وسهم في سبيل الله هم الغزاة. قال ابن قدامة: هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو. اهـ، ثم اختلف أهل هذا القول فقال الأكثر: إنهم يعطون ما ينفقون في غزوهم وإن كانوا أغنياء.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به.
قال الحافظ: أما سبيل الله فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيا كان أو
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(2) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) [عمدة القاري] ، (9\ 45) .
(1/103)

فقيرا إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج- ثم ذكر الأقوال الأخرى في المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) ثم قال: والقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد به الغزو والجهاد خاصة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه.
قال ابن العربي في [أحكام القرآن] ، قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو؛ لحديث عطاء بن يسار الذي نحن في شرحه، وهو حديث صريح مفسر لقوله في سبيل الله في الآية، فيجب حمله عليه، ولم أر عنه جوابا شافيا من أحد، وإليه ذهب ابن حزم، إذ قال: وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق، ثم ذكر حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد من طريق أبي داود (3) ، وهو الذي رجحه ابن قدامة حيث قال: وهذا أصح؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به. انتهى، وهو الذي صححه الخازن في [تفسيره] ، حيث قال: والقول الأول هو الصحيح؛ لإجماع الجمهور عليه ورجحه أيضا العلامة القنوجي اليوناني في [تفسيره] ، إذ قال: والأول أولى؛ لإجماع الجمهور عليه وبه فسر الشوكاني في [فتح القدير] ، ورجحه، واختاره أيضا غيرهم من المفسرين. اهـ.
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) حديث عطاء بن يسار: ''لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة '' الحديث وقد تقدم ذكره.
(1/104)

وقال أبو سليمان الخطابي في معرض تعليقه على حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (1) » ما نصه:
قلت: فيه بيان أن للغازي وإن كان غنيا أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه، وهو من سهم سبيل الله، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وقال أصحاب الرأي: لا يجوز أن يعطى للغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعا به.
قلت: سهم السبيل غير سهم ابن السبيل، وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو الذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر فقال: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} (2) والمنقطع به هو: ابن السبيل، فأما سهم السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب، وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكد أمره فلا وجه للذهاب عنه (3) اهـ.
قال ابن الأثير: وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه (4) .
وقال البابرتي على عبارة [الهداية] ،: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) منقطع الغزاة
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) [معالم السنن] ، (2\ 234، 235) .
(4) [النهاية في غريب الحديث] ، (2\ 145) .
(5) سورة التوبة الآية 60
(1/105)

عند أبي يوسف رحمه الله: وقوله: منقطع الغزاة، أي: فقراء الغزاة ... ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا؛ لأن المصرف هو للفقراء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم (1) » .
وقال الشافعي: يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (2) » من جملتهم الغزاة في سبيل الله وتأويله الغني بقوة البدن، ومعناه: أن المستغني بكسبه لقوة بدنه لا يحل له طلب الصدقة إلا إذا كان غازيا فيحل له لاشتغاله بالجهاد عن الكسب. اهـ (3)
وفي [الفتاوى الهندية] ، ما نصه: ومنها: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) وهم: منقطعو الغزاة الفقراء منهم عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وعند محمد رحمه الله تعالى: منقطعو الحاج الفقراء منهم، هكذا في [التبيين] ، والصحيح: قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، كذا في [المضمرات] ، (5) اهـ.
وقال أبو البركات أحمد دردير في [شرحه] : وأشار للسابع بقوله: ومجاهد، أي: المتلبس به إن كان ممن يجب عليه؟ لكونه حرا مسلما ذكرا بالغا قادرا، ولا بد أن يكون غير هاشمي، ويدخل فيه المرابط وآلته كسيف ورمح تشترى منها، ولو كان المجاهد غنيا حين غزوه كجاسوس يرسل للاطلاع على عورات العدو يعلمنا بها فيعطى ولو كافرا، ولا تصرف الزكاة في سور حول البلد؟ لتحفظ به من الكفار، ولا في عمل مركب يقاتل فيها
__________
(1) صحيح البخاري المغازي (4347) ، صحيح مسلم الإيمان (19) ، سنن الترمذي الزكاة (625) ، سنن النسائي الزكاة (2435) ، سنن أبو داود الزكاة (1584) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1783) ، مسند أحمد بن حنبل (1/233) ، سنن الدارمي الزكاة (1614) .
(2) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(3) [العناية على الهداية] ، هامش على [فتح القدير] ، (2\ 17، 18) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) [الفتاوى الهندية] (1\ 188) .
(1/106)

العدو. اهـ (1) .
وقال المواق ومجاهد: وآلته ولو غنيا. ابن عرفة: من الثمانية الأصناف التي تصرف الزكاة فيها سبيل الله. أبو عمرو: ذلك الجهاد والرباط. اللخمي: ويعطى الغازي الفقير حيث غزوه الغني ببلده ويعطى الغزاة المقيمون في نحر العدو وإن كانوا أغنياء حيث غزوهم.
واختلف إذا كان غنيا بالموضع الذي هو به: فقيل: يعطى لحديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز (2) » . . . الحديث؛ ولأن أخذه في معنى المعاوضة والأجرة إذا كان أوقف نفسه لذلك، ولأن في إعطائه ضربا من الاستئلاف لمشقة ما يكلفون من بذل النفوس. اهـ (3) .
وقال الإمام الشافعي: ويعطى من سهم سبيل الله جل وعز من غزا من جيران الصدقة فقيرا كان أو غنيا، ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين. اهـ (4) .
وقال النووي على [المهذب] : قال المصنف رحمه الله تعالى: وسهم في سبيل الله، وهم: الغزاة إذا نشطوا غزوا، وأما من كان مرتبا في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة؛ لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء. قال النووي: ومذهبنا: أن سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة يصرف إلى الغزاة الذين لا حق
__________
(1) [الشرح الكبير] ، هامش على [حاشية الدسوقي] ، (1\ 456) .
(2) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(3) [التاج والإكيل لمختصر خليل، هامش على [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل] ، (2\ 351) .
(4) [الأم] ، للإمام الشافعي (2\ 60) .
(1/107)

لهم في الديوان، بل يغزون متطوعين، وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. اهـ (1) .
وقال النووي أيضا في معرض الاحتجاج بما عليه المذهب الشافعي من أن سهم سبيل الله يصرف إلى الغزاة: واحتج أصحابنا بأن المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو: الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن كذلك، واحتج الأصحاب أيضا بحديث أبي سعيد السابق في فصل الغارمين (2) : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (3) » فذكر منهم الغارم، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى. اهـ (4) .
وقال ابن قدامة: السابع: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) وهم: الغزاة الذين لا ديوان لهم، ولا يعطى منها في الحج. اهـ. وقال في [حاشية المقنع] ، على قوله: السابع في سبيل الله: لا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنهم الغزاة؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6) وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (7) وإنما يستحق هذا الاسم الغزاة الذين لا ديوان لهم، وإنما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا، وهم الذين لا ديوان لهم، أي: لا حق لهم في الديوان؛ لأن من له رزق راتب فهو مستغن به
__________
(1) [المجموع] ، (6\ 211) الطبعة الأولى.
(2) أي: من [المجموع] .
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) [المجموع وحاشيته] ، (1\ 249) .
(5) سورة التوبة الآية 60
(6) سورة البقرة الآية 190
(7) سورة الصف الآية 4
(1/108)

فيدفع إليهم كفاية غزوهم وعودهم. . . إلى أن قال: قوله: (ولا يعطى منها في الحج) في رواية اختارها في [المغني] ، وصححها في [الشرح] ، وقاله أكثر العلماء، منهم: مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن سبيل الله تعالى حيث أطلق ينصرف إلى الجهاد غالبا، والزكاة لا تصرف إلا لمحتاج إليها كالفقير، أو من يحتاجه المسلمون كالعامل، والحج لا نفع فيه للمسلمين، ولا حاجة بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمته فيسقطه، وإن أراد به التطوع فتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة أو صرفها في مصالح المسلمين أولى. اهـ (1)
وقال المرداوي في أثناء الكلام على أصناف أهل الزكاة: قوله السابع: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) وهم: الغزاة الذين لا ديوان لهم، فلهم الأخذ منها بلا نزاع، لكن لا يصرفون ما يأخذون إلا لجهة واحدة، كما تقدم في المكاتب والغارم (3) . تنبيه: ظاهر قوله: (وهم الذين لا ديوان لهم) أنه لو كان يأخذ من الديوان لا يعطى منها وهو صحيح، لكن بشرط أن يكون فيه ما يكفيه، فإن لم يكن فيه ما يكفيه فله أخذ تمام ما يكفيه. قاله في [الرعاية] ، وغيرها.
... إلى أن قال: قوله: (لا يعطى منها في الحج) هذا إحدى الروايتين. اختاره المصنف والشارح، وقالا: هي أصح، وجزم به في [الوجيز] ، اهـ. (4)
__________
(1) [المقنع وحاشيته] ، (1\ 349) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) أي: من [الإنصاف] ، للمرداوي.
(4) [الإنصاف] (3\ 235) .
(1/109)

وقال ابن حزم: وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق، حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا ابن السليم، حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا أبو داود، وحدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني (1) » .
وقد روي هذا الحديث عن غير معمر فأوقفه بعضهم ونقص بعضهم مما ذكر فيه معمر، وزيادة العدل لا يحل تركها.
فإن قيل: قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن «الحج من سبيل الله (2) » وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج. قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص، وهو الذي ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق. اهـ (3) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: 1 - أن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه؛ لأن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4)
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(3) [المحلى] ، (6\ 151) المطبعة المنيرية.
(4) سورة التوبة الآية 60
(1/110)

عليه؛ لأن الظاهر إرادته، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (2)
2 - أن حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله (3) » الحديث، وهو حديث صريح مفسر لقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) فيجب حمله عليه.
3 - ما ورد من الآثار الدالة على أن المقصود بسبيل الله: الجهاد ومن ذلك: ما ذكره الطبري في [تفسيره] قال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) قال: الغازي في سبيل الله. وما ذكره السيوطي في تفسيره [الدر المنثور] ، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6) قال: هم: المجاهدون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (7) قال: الغازي في سبيل الله.
__________
(1) سورة البقرة الآية 190
(2) سورة الصف الآية 4
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) سورة التوبة الآية 60
(6) سورة التوبة الآية 60
(7) سورة التوبة الآية 60
(1/111)

القول الثاني: أن المراد بسبيل الله: الغزاة والحجاج والعمار، وقد قال بهذا القول مجموعة من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء.
وفيما يلي بعض من أقوالهم:
قال ابن كثير: وأما في سبيل الله، فمنهم: الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله؟ للحديث. اهـ (1)
__________
(1) [تفسير القرآن العظيم] ، (2\ 366) .
(1/111)

وقال الخازن في تفسير قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم سبيل الله إلى الحج يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. اهـ (2)
وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3) وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله. اهـ (4)
وقال القرطبي: الثانية والعشرون: قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) وهم الغزاة وموضع الرباط ... إلى أن قال: وقال ابن عمر: الحجاج والعمار. ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: سبيل الله الحج. وفي البخاري: ويذكر عن أبي لاس: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج (6) » . ويذكر عن ابن عباس: ويعتق من (زكاة) ماله ويعطى في الحج. خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ، حدثنا محمد بن محمد الخياش، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم ويكنى أبا الحكم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله، قال ابن عمر: فهو كما قال في سبيل الله، فقلت: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما، قال: فما تأمرني يا ابن أبي نعم، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) [لباب التأويل في معاني التنزيل] ، (3\ 92) .
(3) سورة التوبة الآية 60
(4) [فتح القدير] (2\ 373) .
(5) سورة التوبة الآية 60
(6) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(1/112)

فيعتدون في الأرض ويقطعون السبيل؟ قال: قلت: فما تأمرها؟ قال: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان، ثلاثا يقولها. قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفد الشيطان؟ قال: قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فينمون إليهم الحديث، ويسعون في المسلمين بالكذب فيجازون الجوائز ويعطون عليه العطايا اهـ (1) .
وقال الجصاص: وإن أعطى حاجا منقطعا به أجزأ أيضا، وقد روي عن ابن عمر: أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله، فقال ابن عمر: إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه، وقال محمد بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به، وهذا يدل على أن قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) قد أريد به عند محمد الحاج المنقطع به، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحج والعمرة من سبيل الله (3) » اهـ (4) .
وقال البخاري: باب قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج، ثم تلا: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} (6) الآية، في أيهما أعطيت أجزأت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالدا احتبس أدراعه في
__________
(1) [الجامع لأحكام القرآن] ، (8\ 185) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سنن الدارمي الوصايا (3304) .
(4) [أحكام القرآن] ، (3\ 156) المطبعة البهية.
(5) سورة التوبة الآية 60
(6) سورة التوبة الآية 60
(1/113)

سبيل الله (1) » ويذكر عن أبي لاس: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج (2) » اهـ (3) .
وقال المجد تحت باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل: وعن ابن لاس الخزاعي قال: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة إلى الحج (4) » رواه أحمد، وذكره البخاري تعليقا. وعن أم معقل الأسدية «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله، وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له، فأمره أن يعطيها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج والعمرة في سبيل الله (5) » رواه أحمد.
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت: «لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من حجته جئته فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي؟ " قلت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال: فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبيل الله (6) » رواه أبو داود.
قال الشوكاني: حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه. وحديث أم معقل أخرجه بنحو الرواية الأولى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وفي إسناده رجل مجهول، وفي إسناده أيضا إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد، وقد اختلف على أبي بكر بن
__________
(1) صحيح البخاري الزكاة (1468) ، صحيح مسلم الزكاة (983) ، سنن النسائي الزكاة (2464) ، سنن أبو داود الزكاة (1623) ، مسند أحمد بن حنبل (2/323) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(3) [صحيح البخاري] ، (2\ 104) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(5) سنن أبو داود المناسك (1988) ، مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(6) سنن أبو داود المناسك (1989) .
(1/114)

عبد الرحمن فيه، فروي عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها، وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة، وروى عنه عن أبي معقل، والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود في إسنادها محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف.
قوله: (ابن لاس) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ (ابن) والذي في البخاري (أبي لاس) وكذا في [التقريب] ، من ترجمة عبد الله بن عنمة، ولاس؛ بسين مهملة خزاعي، اختلف في اسمه فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عنمة - بمهملة ونون مفتوحتين-، وقيل غير ذلك، له صحبة وحديثان هذا أحدهما، وقد وصله مع أحمد: ابن خزيمة، والحاكم وغيرهما من طريقه، قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق؛ ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته.
وأحاديث الباب تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه، وتدل أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدي الحج والعمرة اهـ (1)
وقال المباركفوري في معرض كلامه عن المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) وقيل: المراد منه: منقطع الحاج، وبه قال محمد، وروي
__________
(1) نيل الأوطار، (4\ 180، 181) الطبعة الثانية- 1371هـ.
(2) سورة التوبة الآية 60
(1/115)

عن أحمد وإسحاق: أن الحج أيضا من سبيل الله يعني: أن الحج من جملة السبل مع الغزو؟ لأنه طريق بر إلى أن قال:
قلت: واحتج للقول الثاني بما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن امرأة قالت لزوجها: احججني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جملك فلان، قال: (ذاك حبيس في سبيل الله) الحديث، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (1) » ، وبما روي عن أم معقل الأسدية: «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت الحج.. الحديث، وفيه: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها البكر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج من سبيل الله (2) » أخرجه أحمد وغيره، وبما روي عن أبي لاس قال: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة للحج (3) » ذكره البخاري تعليقا بصفة التمريض، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم، وقال الشوكاني: حديث أم معقل، وحديث أبي لاس يدلان على أن الحج من سبيل الله، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج عليه، ويدلان أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة على قاصدين الحج. انتهى، وبما روى أبو عبيد في [الأموال] ، عن أبي معاوية، وابن أبي شيبة في [مصنفه] عن أبي جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق منه الرقبة، وبما روي عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: (أما إنه من سبل الله) أخرجه أبو عبيد بإسناد
__________
(1) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(1/116)

صحيح عنه. اهـ (1) .
وقال الكسائي في معرض كلامه عن المراد من قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) وقال محمد: المراد منه: الحاج المنقطع؛ لما روي «أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل عليه الحجاج» . اهـ (3) .
وقال أبو الفرج ابن قدامة في معرض كلامه عن المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) وروي عنه أن الفقير يعطى قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه، يروى إعطاء الزكاة في الحج عن ابن عباس وعن ابن عمر، الحج من سبيل الله، وهو قول إسحاق؛ لما روي: «أن رجلا جعل ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (5) » اهـ (6) .
وقال البهوتي: والحج من السبيل أيضا، روي عن ابن عباس وابن عمر، لما روى أبو داود: «أن رجلا جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (7) » فيأخذ إن كان فقيرا من الزكاة ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة أو يستعين به فيه، أي: في فرض الحج والعمرة؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض، وأما التطوع فله عنه مندوحة، وذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصححه بعضهم؛ لأن كلا من سبيل الله، والفقير
__________
(1) [المرآة على المشكاة] ، (3\ 117) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) [بدائع الصنائع] ، (2\ 45) الطبعة الأولى.
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(6) [الشرح الكبير] (2\ 702) .
(7) سنن أبو داود المناسك (1988) ، مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(1/117)

لا فرض عليه فهو منه كالتطوع. اهـ (1) .
وقال النووي ناسبا القول بكون الحج من سبيل الله إلى الإمام أحمد ما نصه: وقال أحمد رحمه الله تعالى في أصح الروايتين عنه: يجوز صرفه إلى مريد الحج، وروي مثله عن ابن عمر رضي الله عنهما.
واستدل له بحديث أم معقل الصحابية رضي الله عنها قالت: «لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض فهلك أبو معقل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته، فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي معنا؟ " قالت: قلت: لقد تهيأنا، فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله. قال: "فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله " (2) » .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحججني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندي ما أحججك عليه، فقالت: أحججني على جملك فلان، قال: ذلك حبيس في سبيل الله عز وجل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، إنها سألتني الحج معك، قالت: أحججني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما عندي ما أحججك عليه، فقالت: أحججني على جملك فلان، فقلت: ذلك حبيس في سبيل الله، فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (3) » [قال] ، (4) : «وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك، قال
__________
(1) [كشاف القناع عن متن الإقناع] ، (2\ 256) .
(2) سنن أبو داود المناسك (1989) .
(3) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(4) الزيادة من [المجموع] ، (6\159) تحقيق وتكميل\ محمد نجيب المطيعي (الناشر) .
(1/118)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرئها السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأخبرها أنها تعدل حجة (1) » يعني: عمرة في رمضان، رواهما أبو داود في [سننه] ، في أواخر كتاب الحج في باب العمرة، والثاني: إسناده صحيح، وأما الأول: حديث أم معقل فهو من رواية محمد بن إسحاق وقال فيه: (عن) وهو مدلس، والمدلس إذا قال: (عن) لا يحتج به بالاتفاق. اهـ (2) .
واستدل أصحاب هذا الرأي بما استدل به أصحاب القول الأول بالنسبة لإرادة الغزاة من كلمة (في سبيل الله) .
وأما بالنسبة لدخول الحجاج والعمار في ذلك فقد استدلوا عليه بما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن امرأة قالت لزوجها: أحججني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جملك الفلاني، قال: ذاك حبيس في سبيل الله ... الحديث، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (3) » ، وبما روي عن أم معقل الأسدية «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله، وأنها أرادت الحج.. وفيه: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها البكر وقال: الحج من سبيل الله (4) » أخرجه أحمد وغيره، وبما روي عن أبي لاس قال: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة للحج (5) » ذكره البخاري تعليقا، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم، وبما روى أبو عبيد في [الأموال] ، عن أبي معاوية وابن أبي شيبة في [مصنفه] ، عن أبي جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وبما روي عن ابن عمر أنه سئل عن
__________
(1) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(2) [المجموع، (6\ 212، 213) المطبعة المنيرية.
(3) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(5) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(1/119)

امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: (أما إنه من سبيل الله) أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح عنه.
وقال القرطبي في [تفسيره] : خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ، حدثنا محمد بن محمد الخياش، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم، ويكنى: أبا الحكم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر، فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله، قال ابن عمر: (فهو كما قال في سبيل الله) ، فقلت: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما، قال: (فما تأمرني يا ابن أبي نعم؟ ! آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيعتدون في الأرض ويقطعون السبيل) ! قال: قلت: فما تأمرها؟ قال: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان، ثلاثا يقولها.
وقد أجيب بما يلي:
بأن المتبادر إلى الأفهام من كلمة {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) في آية المصارف: هو: الغزو.
وقال المباركفوري: وأما الأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني فقد أجيب عنها بوجهين:
الأول: الكلام فيها إسنادا، فإن حديث ابن عباس في إسناده عامر بن
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(1/120)

عبد الواحد الأحول، وقد تكلم فيه أحمد والنسائي، وقال الحافظ: صدوق يخطئ، وقد روى الشيخان عن ابن عباس نحو هذه القصة، وليس عندهما أنه جعل جمله حبيسا في سبيل الله، ولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (1) » ، وأما حديث أم معقل ففيه اضطراب كثير واختلاف شديد في سنده ومتنه حتى تعذر الجمع والترجيح مع ما في بعض طرقه من راو ضعيف ومجهول ومدلس قد عنعن، وهذا مما يوجب التوقف فيه، وذلك لا شك فيه، من ينظر في طرق هذا الحديث في [مسند الإمام أحمد] ، وفي السنن، مع حديث ابن عباس عند الشيخين وأبي داود وابن أبي شيبة، ومع قصة أم طليق عند ابن السكن وابن منده والدولابي، وقد حمل ذلك بعضهم على وقائع متعددة ولا يخفي بعده، وأما حديث أبي لاس، فقال الحافظ في [الفتح] ،: رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق؟ ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. اهـ.
ويشير بذلك ما حكي عنه أنه قال: إن ثبت حديث ابن لاس قلت بذلك، قال الحافظ: وتعقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة ولم يتملكوها. انتهى.
وأما أثر ابن عباس فهو أيضا مضطرب صرح به أحمد، كما في [الفتح] ، وقد بين اضطرابه الحافظ؛ ولذلك كف أحمد عن القول بالإعتاق من الزكاة تورعا، وقيل: بل رجع عن هذا القول.
والثاني: أنه لا ينكر أن الحج من سبيل الله، بل كل فعل خير من سبل الله، لكن لا يلزم من هذا أن يكون السبيل المذكور في هذه الأحاديث هو
__________
(1) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(1/121)

المذكور في الآية، فإن المراد في هذه الأحاديث المعنى الأعم، وفي الآية نوع خاص منه وهو الغزو والجهاد؛ لحديث أبي سعيد وإلا فجميع الأصناف من سبيل الله بذلك المعنى.
قال ابن حزم: فإن قيل: قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «الحج من سبيل الله،» وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضح إلا حيث بين النص، وهي الذي ذكرنا. انتهى.
وقال ابن قدامة: هذا- أي: عدم صرف الزكاة في الحج- أصح؛ لأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم وابن السبيل، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقط ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وأما الخبر (يعني: حديث أن «الحج في سبيل الله» فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله، والمراد بالآية غيره لما ذكرنا. انتهى.
وقال ابن الهمام متعقبا على الاستدلال المذكور: ثم فيه نظر؛ لأن المقصود ما هو المراد بسبيل الله المذكور في الآية؟ والمذكور في الحديث لا يلزم كونه إياه لجواز أنه أراد الأمر الأعم وليس ذلك المراد في الآية، بل
(1/122)

نوع مخصوص، وإلا فكل الأصناف في سبيل الله بذلك المعنى انتهى. وقال صاحب تفسير [المنار] ، بعد الكلام في سند حديث أم معقل ما لفظه: وأقول من جهة المعنى: أولا: إن جعل أبي معقل جمله في سبيل الله أو وصيته به صدقة تطوع وهي لا يشترط فيها أن تصرف في هذه الأصناف التي قصرتها عليها الآية. وثانيا: إن حج امرأته عليه ليس تمليكا لها يخرج الجمل عن بقائه على ما أوصى به أبو معقل ويقال مثل هذا في حديث أبي لاس. وثالثا: أن الحج من سبيل الله بالمعنى العام للفظ، والراجح المختار: أنه غير مراد في الآية. انتهى (1)
وقال أبو الفرج ابن قدامة: ولأن الزكاة إنما تصرف لأحد رجلين: محتاج إليها؛ كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون؛ كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج للفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضا؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفعه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو صرفه في مصالح المسلمين أولى. اهـ (2) .
__________
(1) [المرآة على المشكاة] ، (3\ 117، 118) .
(2) [الشرح الكبير] ، (2\ 701) (الطبعة المشتركة مع المغني) .
(1/123)

القول الثالث: أن المراد بذلك: جميع وجوه البر؛ لأن اللفظ عام فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل صحيح، ولا دليل على ذلك، ولقد قال
(1/123)

بهذا القول مجموعة من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء.
وفيما يلي بعض من أقوالهم:
قال الفخر الرازي: إن ظاهر اللفظ في قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) لا يوجب القصر على الغزاة - ثم قال: فلهذا المعنى نقل القفال في [تفسيره] ، عن بعض الفقهاء: أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد؛ لأن قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) عام في الكل. اهـ (3) .
وقال الخازن في [تفسيره] : وقال بعضهم: إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على الغزاة فقط؛ ولهذا أجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، قال: لأن قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) عام في الكل فلا يختص بصنف دون غيره. اهـ (5) .
وقال محمد جمال الدين القاسمي: ثم ذكر تعالى الإعانة على الجهاد بقوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6) فيصرف على المتطوعة في الجهاد، ويشترى لهم الكراع والسلاح، قال الرازي: لا يوجب قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (7) القصر على الغزاة، ولذا نقل القفال في [تفسيره] ، عن بعض الفقهاء جواز صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى،
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) [تفسير الرازي] ، (16\ 113) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) [لباب التأويل في معاني التنزيل] ، (3\ 92) .
(6) سورة التوبة الآية 60
(7) سورة التوبة الآية 60
(1/124)

وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) عام في الكل. انتهى.
ولذا ذهب الحسن وأحمد وإسحاق إلى أن الحج من سبيل الله فيصرف للحجاج منه.
قال في [الإقناع] ، وشرحه: والحج من سبيل الله نصا، وروي عن ابن عباس وابن عمر؛ لما روى أبو داود: «أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (2) » فيأخذ إن كان فقيرا من الزكاة ما يؤدي به فرض حج أو عمرة أو يستعين به فيه وكذا في نافلتهما؛ لأن كلا من سبيل الله. انتهى.
قال ابن الأثير: وسبيل الله عام، يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه انتهى.
وقال في [التاج] ،: كل سبيل أريد به الله عز وجل- وهو بر- داخل في سبيل الله. اهـ (3) .
وقال أحمد مصطفى المراغي: في [تفسيره] ، قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) وسبيل الله: هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به:
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) مسند أحمد بن حنبل (6/406) .
(3) [محاسن التأويل] ، (8\ 3181) مطبعة الحلبي.
(4) سورة التوبة الآية 60
(1/125)

الغزاة، والمرابطون للجهاد، وروي عن الإمام أحمد أنه جعل الحج من سبيل الله، ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد ونحو ذلك.
والحق: أن المراد بسبيل الله: مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد؛ كتأمين طرق الحج، وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج، وإن لم يوجد مصرف آخر، وليس منها حج الأفراد؛ لأنه واجب على المستطيع فحسب. اهـ (1) .
وقال الألوسي: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) أريد بذلك عند أبي يوسف: منقطعو الغزاة، وعند محمد: منقطعو الحجيج، وقيل: المراد: طلبة العلم، واقتصر عليه في [الفتاوى الظهيرية] ، وفسره في [البدائع] ، بجميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبل الخير (3) اهـ.
وقال السيد رشيد رضا في تفسيره: [المنار] ، بعد استعراضه الأقوال التي قيلت في المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) ما نصه: والتحقيق أن سبيل الله هنا مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد، وأن حج الأفراد ليس منها؛ لأنه واجب على المستطيع دون غيره، وهو من الفرائض العينية بشرطه؛ كالصلاة والصيام لا من المصالح الدينية الدولية.. ولكن شعيرة الحج وإقامة الأمة لها منها، فيجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة
__________
(1) [تفسير المراغي] ، (10\ 745) مطبعة الحلبي.
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) [روح المعاني] ، (10\ 123) المطبعة المنيرية.
(4) سورة التوبة الآية 60
(1/126)

للحجاج إن لم يوجد لذلك مصرف آخر. اهـ (1) .
وقال أيضا: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) وهو يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاك أمر الدين والدولة وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح وأغذية الجند وأدوات النقل وتجهيز الغزاة ... إلى أن قال: ومن أهم ما ينفق في سبيل الله في زماننا هذا: إعداد الدعاة إلى الإسلام وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي. اهـ (3) .
وقال سيد قطب رحمه الله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة تحقق كلمة الله، وفي أولها: إعداد العدة للجهاد، وتجهيز المتطوعين، وتدريبهم، وبعث البعوث للدعوة إلى الإسلام، وبيان أحكامه وشرائعه للناس أجمعين، وتأسيس المدارس والجامعات التي تربي الناشئة تربية إسلامية صحيحة، فلا نكلهم إلى مدارس الدولة تعلمهم كل شيء إلا الإسلام، ولا مدارس المبشرين تعتدي على طفولتهم وحداثتهم وهم لا يملكون رد العدوان. اهـ (5)
وقال الحسين السيافي في معرض كلامه على قول زيد رحمه الله:
لا يعطى من الزكاة في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا تعتق منها رقبة. قال: وذهب من أجاز ذلك إلى الاستدلال بدخولهما في صنف سبيل
__________
(1) [تفسير المنار] ، (10\ 585) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) تفسير المنار (10\ 587) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) [في ظلال القرآن] ، (10| 82) .
(1/127)

الله إذ هو طريق الخير على العموم وإن كثر استعماله في فرد من مدلولاته وهو الجهاد؛ لكثرة عروضه في أول الإسلام كما في نظائره لكن لا إلى حد الحقيقة المعرفية فهو باق على الوضع الأول فيدخل فيه جميع أنواع القرب على ما يقتضيه النظر في المصالح العامة والخاصة إلا ما خصه الدليل، وهو ظاهر عبارة البحر في قوله: قلنا: ظاهر سبيل الله العموم إلا ما خصه الدليل. اهـ (1) .
وقال صديق حسن خان: أما سبيل الله فالمراد هنا الطريق إليه عز وجل والجهاد، وإن كان أعظم الطرق إلى الله عز وجل لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به، بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله عز وجل، هذا معنى الآية لغة، والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل هنا شرعا. اهـ (2) .
وقال الصنعاني في الكلام على حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (3) » الحديث: كذلك الغازي يحل له أن يتجهز من الزكاة وإن كان غنيا؛ لأنه ساع في سبيل الله.
قال الشارح: ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين، كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنيا، وأدخل أبو عبيد من كان في مصلحة عامة في العاملين، وأشار إليه البخاري حيث قال: (باب رزق الحاكم والعاملين عليها) وأراد بالرزق ما يرزقه الإمام من بيت المال
__________
(1) [الروض النضير شرح مسند الإمام زيد] ، (2\ 622) الطبعة الثانية.
(2) [الروضة الندية] ، (1\ 206) .
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(1/128)

لمن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاء والفتيا والتدريس فله الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا. اهـ. المقصود (1) .
وقال المباركفوري: وقيل: اللفظ عام، فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، نقل ذلك القفال عن بعض الفقهاء من غير أن يسميه كما في حاشية [تفسير البيضاوي] لشيخ زاده، وإليه مال الكاساني، إذ فسره بجميع القرب، قال في [البدائع] : سبيل الله عبارة عن جميع القرب، ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا. وقال النووي في [شرح مسلم] : وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، وتأول عليه هذا الحديث- أي: ما روى البخاري في القسامة «أنه صلى الله عليه وسلم وداه- أي: الذي قتل بخيبر - مائة من إبل الصدقة (2) » . اهـ (3) .
وقال الكاساني: وأما قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) عبارة عن جميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا. (5) اهـ.
وذكر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله: أن معنى {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6) أنه: المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد، والتي لا يختص بالانتفاع بها
__________
(1) [سبل السلام] (2 \ 198) مطبعة الاستقامة.
(2) صحيح البخاري الديات (6898) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669) ، سنن النسائي القسامة (4719) ، سنن أبو داود الديات (4523) ، مسند أحمد بن حنبل (4/3) ، سنن الدارمي الديات (2353) .
(3) [المرآة على المشكاة] (3 \ 117) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) [بدائع الصنائع] (2 \ 245) .
(6) سورة التوبة الآية 60
(1/129)

أحد، فملكها لله، ومنفعتها لخلق الله، وأولاها وأحقها: التكوين الحربي الذي ترد به الأمة البغي وتحفظ الكرامة، ويشمل العدد والعدة على أحدث المخترعات البشرية، ويشمل المستشفيات عسكرية ومدنية، ويشمل تعبيد الطرق، ومد الخطوط الحديدية، وغير ذلك مما يعرفه أهل الحرب والميدان، ويشمل الإعداد القوي الناضج لدعاة إسلاميين يظهرون جمال الإسلام وسماحته، ويفسرون حكمته، ويبلغون أحكامه، ويتعقبون مهاجمة الخصوم لمبادئه بما يرد كيدهم إلى نحورهم، وكذلك يشمل العمل على دوام الوسائل التي يستمر بها حفظة القرآن الذي تواتر- ويتواتر- بهم نقله كما أنزل، من عهد وحيه إلى اليوم، وإلى يوم الدين إن شاء الله (1) . اهـ.
وأفتى من سأله عن جواز صرف الزكاة في بناء المساجد، فكان جوابه:
(إن المسجد الذي يراد إنشاؤه أو تعميره إذا كان هو المسجد الوحيد في القرية أو كان بها غيره ولكن يضيق بأهلها ويحتاجون إلى مسجد آخر- صح شرعا صرف الزكاة لبناء هذا المسجد أو إصلاحه، والصرف على المسجد في تلك الحال يكون المصرف الذي ذكره في آية المصارف الواردة في سورة التوبة باسم سبيل الله) .
وهذا مبني على اختيار أن المقصود بكلمة (سبيل الله) المصالح العامة التي ينتفع بها المسلمون كافة ولا تخص واحدا بعينه، فتشمل المساجد
__________
(1) [الإسلام عقيدة وشريعة] ص 97، 98 الأزهر.
(1/130)

والمستشفيات ودور التعليم ومصانع الحديد والذخيرة وما إليها، مما يعود نفعه على الجماعة. وأحب أن أقرر هنا أن المسألة محل خلاف بين العلماء.
ثم ذكر ما نقله الرازي في [تفسيره] عن القفال من صرف الصدقات في جميع وجوه الخير.
ثم قال: وهذا ما أختاره وأطمئن إليه وأفتي به، ولكن مع القيد الذي ذكرناه بالنسبة للمساجد، وهو أن يكون المسجد لا يغني عنه غيره وإلا كان الصرف إلى غير المسجد أولى وأحق (1) . اهـ.
وسئل الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق عن جواز الدفع لبعض الجمعيات الخيرية الإسلامية من الزكاة، فأفتى بالجواز، مستندا إلى ما نقله الرازي عن القفال وغيره في معنى سبيل الله (2) .
وقد استدل أصحاب هذا القول على قولهم بما يأتي:
إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على بعض أفراده دون سائرها إلا بدليل ولا دليل على ذلك، وما قيل بأن حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (3) » وذكر منهم غاز في سبيل الله يعين أن سبيل الله هو الغزو فغير صحيح، ذلك أن غاية ما يدل عليه الحديث هو أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في
__________
(1) [الفتاوى] لمحمود شلتوت، ص219.
(2) [فتاوى شرعية] حسنين مخلوف (1 \ 296) ط \ مطبعة المدني بمصر.
(3) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(1/131)

سبيل الله.
جاءت الأحاديث والآثار بتطبيق العموم في مدلول قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) فقد اعتبرت السنة الحج والعمرة من سبيل الله، يتضح ذلك من حديث أبي لاس وحديث أم معقل وحديث ابن عباس وفيه: «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (2) » .
وقد جاءت الآثار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار الحج سبيلا من سبل الله، فقد ذكر أبو عبيد في كتابه [الأموال] بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله للحج، وما أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله فقيل له: أتجعل في الحج قال: (أما إنه من سبيل الله) ، وما ذكره القرطبي في [تفسيره] من أن عبد الرحمن بن أبي نعم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله. . . وفيه: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين إلى حجاج بيت الله الحرام أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن.
كما اعتبرت السنة إشاعة الألفة بين المسلمين وتطييب خواطرهم وحفظ حقوقهم سبيلا من سبل الله. . ففي [صحيح البخاري] في باب القسامة قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار: «زعم أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة، أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلا، وقالوا للذي
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سنن أبو داود المناسك (1990) .
(1/132)

وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا، فقال: " الكبر الكبر " فقال لهم: " تأتون بالبينة على من قتله "؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: " فيحلفون " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (1) » .
قال ابن حجر: ووقع في رواية ابن أبي ليلى: فوداه من عنده. وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأن المراد من قوله: من عنده، أي: بيت المال المرصد للمصالح، قال ابن حجر: وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره. قلت: وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة (2) ، في الكلام على حديث أبي لاس قال: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة في الحج (3) » ، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم، قال القرطبي في [المفهم] : فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه، وحسن سياسته، وجلبا للمصلحة، ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق. اهـ (4) .
وذكر النووي في معرض شرحه حديث القسامة قال: وقال الإمام أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6898) ، سنن أبو داود الديات (4521) ، سنن ابن ماجه الديات (2677) .
(2) أي: من [صحيح البخاري] .
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/221) .
(4) [فتح الباري] (12 \ 235) المطبعة السلفية.
(1/133)

فأخذ بظاهره. اهـ (1) .
ورأى حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه يجوز الإعتاق من الزكاة، ففي [صحيح البخاري] تحت: باب قول الله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطى في المجاهدين والذي لم يحج ثم تلا: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} (3) الآية في أيها أعطيت أجزأت.
قال ابن حجر: ووصله أبو عبيد في كتاب [الأموال] من طريق حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عنه: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق منه الرقبة، وأخرجه عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: أعتق من زكاة مالك. اهـ (4) .
تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بمن التبعيضية في حديث أم معقل في قوله: «فإن الحج من سبيل الله» يشعر أن سبيل الله الوارد في آية مصارف الزكاة على عمومه وأنه يتناول مجموعة من الأمور وأن الحج منها، وبمثل تعبيره صلى الله عليه وسلم عبر ابن عمر، فقال عن الحج: (أما إنه من سبيل الله) .
وقد أجيب عن القول بعموم اللفظ بأجوبة منها ما ذكره المباركفوري حيث قال:
وأما القول الثالث فهو أبعد الأقوال؛ لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا
__________
(1) [شرح صحيح مسلم] (11 \ 147) .
(2) سورة التوبة الآية 60
(3) سورة التوبة الآية 60
(4) [فتح الباري] (3 \ 331) المطبعة السلفية.
(1/134)

من سنة صحيحة أو سقيمة، ولا من إجماع، ولا من رأي صحابي، ولا من قياس صحيح أو فاسد؛ بل هو مخالف للحديث الصحيح الثابت، وهو حديث أبي سعيد، ولم يذهب إلى هذا التعميم أحد من السلف إلا ما حكى القفال في [تفسيره] عن بعض الفقهاء المجاهيل والقاضي عياض عن بعض العلماء غير المعروفين.
قال صاحب تفسير [المنار] : أما عموم مدلول هذا اللفظ فهو يشمل كل أمر مشروع أريد به مرضاة الله تعالى بإعلاء كلمته وإقامة دينه وحسن عبادته ومنفعة عباده، ولا يدخل فيه الجهاد بالمال والنفس إذا كان لأجل الرياء والسمعة، وهذا العموم لم يقل به أحد من السلف ولا الخلف، ولا يمكن أن يكون مرادا هنا؛ لأن الإخلاص الذي يكون للعمل في سبيل الله أمر باطني لا يعلمه إلا الله تعالى فلا يمكن أن تناط به حقوق مالية دولية، وإذا قيل: إن الأصل في كل طاعة من المؤمن أن تكون لوجه الله تعالى فيراعى هذا في الحقوق؛ عملا بالظاهر اقتضى هذا أن يكون كل مصل وصائم ومتصدق وتال للقرآن وذاكر لله تعالى ومميط الأذى عن الطريق، مستحق بعمله هذا للزكاة الشرعية، فيجب أن يعطى منها، ويجوز له أن يأخذ منها وإن كان غنيا، وهذا ممنوع بالإجماع أيضا وإرادته تنافي حصر المستحقين في الأصناف المنصوصة؛ لأن هذا الصنف لأحد جماعاته فضلا عن أفراده وإذا وكل أمره إلى السلاطين والأمراء تصرفوا فيه بأهوائهم تصرفا تذهب حكمة فرضية الصدقة من أهلها. انتهى.
وأما ما يذكر للاحتجاج لذلك من رواية البخاري في دية الأنصاري
(1/135)

الذي قتل بخيبر مائة من إبل الصدقة- فهو مخالف لما روى البخاري أيضا في قصته أنه وداه من عنده، وجمع بين الروايتين بأنه اشتراه من أهل الصدقة بعد أن ملكوها ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل، حكاه النووي عن الجمهور، وعلى هذا فلا حجة فيه لمن ذهب إلى التعميم.
وإذا تقرر هذا فلا يجوز صرف الزكاة في عمارة المساجد والمعاهد الدينية، وبناء الجسور، وإصلاح الطرق والشوارع، وتكفين الموتى، وقضاء ديونهم وغير ذلك من أنواع البر؛ لأنه ليس هذا في شيء من المصارف المنصوصة، وهو مذهب أحمد، كما يظهر من [المغني] (1) ، ومالك كما في [المدونة] (2) ، وسفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء، كما في [الأموال] لأبي عبيد. (3) .
هذا وقد ألحق بعض العلماء بالغازي من كان قائما بمصلحة من مصالح المسلمين؛ كالقضاء، والإفتاء، والتدريس، وإن كان غنيا وأدخله بعضهم في العاملين، فأجاز له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا ولا يخفى ما فيه.
وقال صاحب المنار: إن سبيل الله هنا مصالح المسلمين الشرعية التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد والأشخاص، وأن الحج ليس منها، قال: وأولها وأولاها بالتقديم: الاستعداد للحرب بشراء السلاح، وأغذية
__________
(1) [المغني] (2 \ 667) .
(2) المدونة، (2 \ 59) .
(3) [الأموال] ص 610.
(1/136)

الجند، وأدوات النقل، وتجهيز الغزاة، قال: ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية والخيرية وإشراع الطرق وتعبيدها ومد الخطوط الحديدية العسكرية لا التجارية، ومنها: بناء البوارج المدرعة والمنطادات والطيارات الحربية والحصون والخنادق، قال: ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة، وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ما داموا يؤدون وظائفهم المشروعة التي ينقطعون بها عن كسب آخر، ولا يعطى عالم غني لأجل علمه وإن كان يفيد الناس به. انتهى.
قلت: حديث أبي سعيد ينافي هذا التعميم؛ لكونه كالنص في أن المراد بسبيل الله المطلق في الآية هم: الغزاة والمجاهدون خاصة، فيجب الوقوف عنده. اهـ (1) .
ومنها ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي حيث قال ما نصه:
ولكن الرد الصحيح على القائلين بهذا الرأي يكون بتحديد المراد من (سبيل الله) هل هو خاص بالغزو والقتال -كما هو رأي الجمهور- أم هو عام يشمل كل بر وخير وقربة-كما هو رأي من ذكرنا- وكما يدل عليه عموم اللفظ.
ولكي نحدد هذا المراد تحديدا دقيقا، علينا أن نستعرض موارد هذه الكلمة في القرآن، لنبين ماذا يراد بها حيث وردت، فخير ما يفسر القرآن
__________
(1) [المرآة على المشكاة] (3 \ 118، 119) .
(1/137)

بالقرآن.
(1/138)

سبيل الله في القرآن:
ذكرت كلمة: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) في القرآن العزيز بضعا وستين مرة (2) ، وقد جاء ذكرها على طريقين:
1 - فتارة تجر بحرف في {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3) كما في آية مصارف الزكاة هذه، وهو أكثر ما ورد في القرآن، وتارة تجر بحرف (عن) " عن سبيل الله " وذلك في ثلاثة وعشرين موضعا من القرآن.
وفي هذه المواضع جاءت بعد واحد من فعلين:
إما الصد: مثل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا} (4) ، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (5)
وإما الإضلال: مثل {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (6)
2 - وحينما تجر بـ (في) - وهو أكثر ما ورد في القرآن- يكون ذلك بعد فعل الإنفاق {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (7) أو الهجرة
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) راجع [المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم] مادة (سبل) .
(3) سورة التوبة الآية 60
(4) سورة النساء الآية 167
(5) سورة الأنفال الآية 36
(6) سورة لقمان الآية 6
(7) سورة البقرة الآية 195
(1/138)

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) أو الجهاد {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) أو القتال أو القتل: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (3) ، {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} (4) أو المخمصة أو الضرب وما يشبهها.
__________
(1) سورة الحج الآية 58
(2) سورة البقرة الآية 218
(3) سورة التوبة الآية 111
(4) سورة البقرة الآية 154
(1/139)

فما المراد بسبيل الله في القرآن:
إن السبيل في اللغة هو: الطريق، وسبيل الله هو: الطريق الموصل إلى رضاه ومثوبته، وهو الذي بعث الله النبيين ليهدوا الخلق إليه، وأمر خاتم رسله بالدعوة إليه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (1) النحل، وأن يعلن في الناس {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (2)
وهناك سبيل آخر مضاد هو سبيل الطاغوت. وهو الذي يدعو إليه إبليس وجنوده، وهو الذي ينتهي بصاحبه إلى النار وسخط الله، وقد قال الله تعالى مقارنا بين الطريقين وأصحابهما: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} (3)
وسبيل الله دعاته قليلون، وأعداؤه الصادون عنه كثيرون
__________
(1) سورة النحل الآية 125
(2) سورة يوسف الآية 108
(3) سورة النساء الآية 76
(1/139)

{يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (1) ، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (2) ، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (3) هذا إلى أن تكاليف هذا الطريق تجعل أهواء النفوس مخالفة له صادة عنه؛ ولهذا جاء التحذير من اتباع الهوى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (4)
وإذا كان أعداء الله يبذلون جهودهم وأموالهم ليصدوا عن (سبيل الله) فإن واجب أنصار الله من المؤمنين أن يبذلوا جهودهم، وينفقوا أموالهم في (سبيل الله) وهذا ما فرضه الإسلام، فجعل جزءا من الزكاة المفروضة يخصص لهذا المصرف الخطير {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) كما حث المؤمنين بصفة عامة على إنفاق أموالهم في (سبيل الله) .
__________
(1) سورة الأنفال الآية 36
(2) سورة لقمان الآية 6
(3) سورة الأنعام الآية 116
(4) سورة ص الآية 26
(5) سورة التوبة الآية 60
(1/140)

معنى سبيل الله إذا قرن بالإنفاق:
والمتتبع لكلمة (سبيل الله) مقرونة بالإنفاق يجد لها معنيين:
1 - معنى عام- حسب مدلول اللفظ الأصلي-: يشمل كل أنواع البر والطاعات وسبل الخيرات، وذلك كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (1) وقوله:
__________
(1) سورة البقرة الآية 261
(1/140)

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (1) فلم يفهم أحد من هذه الآية خاصة أن سبيل الله فيها مقصور على القتال وما يتعلق به بدليل ذكر المن والأذى، وهما إنما يكونان عند الإنفاق على الفقراء وذوي الحاجة وبخاصة الأذى، وكذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (2) فالمراد بسبيل الله في هذه الآية المعنى الأعم - كما قال الحافظ ابن حجر (3) - لا خصوص القتال، وإلا لكان الذي ينفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ونحوها- دون خصوص القتال- داخلا في دائرة الكانزين المبشرين بالعذاب. وزعم بعض المعاصرين: أن كلمة {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) إذا قرنت بالإنفاق كان معناها الجهاد جزما ولا تحتمل غيره مطلقا، وهو زعم غير مبني على الاستقراء التام لموارد الكلمة في الكتاب العزيز، وآيتا البقرة والتوبة المذكورتان تردان عليه.
2 - والمعنى الثاني معنى خاص، وهو: نصرة دين الله، ومحاربة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض، {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} (5) والسياق هو الذي يميز هذا المعنى الخاص من المعنى العام السابق، وهذا المعنى هو الذي يجيء بعد القتال والجهاد مثل: {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (6)
__________
(1) سورة البقرة الآية 262
(2) سورة التوبة الآية 34
(3) [فتح الباري] (3 \ 172) .
(4) سورة التوبة الآية 60
(5) سورة البقرة الآية 193
(6) سورة آل عمران الآية 167
(1/141)

{وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) ومن ذلك قوله تعالى بعد آيات القتال في سورة البقرة: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (2) فالإنفاق هنا إنفاق في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته على أعدائه المحاربين له الصادين عنه.
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (3) فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا كالإنفاق في الآية السابقة.
وفي سورة الأنفال قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (4)
فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله في الآية هو محاربة أعداء الله ونصرة دين الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (5) » .
__________
(1) سورة البقرة الآية 218
(2) سورة البقرة الآية 195
(3) سورة الحديد الآية 10
(4) سورة الأنفال الآية 60
(5) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري [صحيح البخاري] (1 \ 40) و [صحيح مسلم] برقم (1904) .
(1/142)

وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر عنه أحيانا بالجهاد والغزو، وتفسيرنا له بنصرة الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) جاهدوا في الجهاد.
__________
(1) سورة البقرة الآية 218
(1/143)

" سبيل الله" في آية مصارف الزكاة:
وإذا كان لسبيل الله مع الإنفاق هذان المعنيان: العام والخاص- كما ذكرنا- فما المراد به معنا في الآية التي حددت مصارف الزكاة، والإنفاق ملحوظ فيها وإن لم يذكر لفظه؟
إن الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا؛ لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلا عن أشخاصها، وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية، كما هو ظاهر الآية، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء (1) » ، كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى؛ لأنها جميعها من البر وطاعة الله، فما الفرق إذا بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه؟
إن كلام الله البليغ المعجز يجب أن ينزه عن التكرار بغير فائدة، فلا بد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور، فصرفوا معنى سبيل الله إلى الجهاد، وقالوا: إنه المراد به عند إطلاق اللفظ؛ ولهذا قال ابن الأثير: إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه، كما نقلنا عنه في أول الفصل، ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير؛ ما رواه الطبراني: إن الصحابة كانوا يوما مع رسول الله
__________
(1) سنن أبو داود الزكاة (1630) .
(1/143)

صلى الله عليه وسلم فرأوا شابا جلدا، فقالوا: لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؟ " (1) . يريدون. في الجهاد ونصرة الإسلام.
وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة (سبيل الله) هو الجهاد، كقول عمر رضي الله عنه في الحديث الصحيح: (حملت على فرس في سبيل الله) يعني: في الجهاد، وحديث الشيخين: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (2) » ، وحديث البخاري: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة (3) » يعني: حسنات، وحديث الشيخين؛ «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا (4) » وحديث النسائي والترمذي وحسنه: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبعمائة ضعف (5) » وحديث البخاري: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار (6) » (7) وغيرها كثير. ولم يفهم أحد من سبيل الله فيها إلا الجهاد.
فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من (سبيل الله) في الآية المصارف: هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيد ذلك حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (8) » . . . وذكر منهم الغارم والغازي في (سبيل الله) اهـ (9) .
__________
(1) قال المنذري في [الترغيب] : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، (3 \ 4) ط المنيرية.
(2) صحيح البخاري الجهاد والسير (2792) ، صحيح مسلم الإمارة (1880) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1651) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2824) ، مسند أحمد بن حنبل (3/264) .
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2853) ، سنن النسائي الخيل (3582) ، مسند أحمد بن حنبل (2/374) .
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2840) ، صحيح مسلم الصيام (1153) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1623) ، سنن النسائي الصيام (2248) ، سنن ابن ماجه الصيام (1717) ، مسند أحمد بن حنبل (3/26) ، سنن الدارمي الجهاد (2399) .
(5) سنن الترمذي فضائل الجهاد (1625) ، سنن النسائي الجهاد (3186) .
(6) صحيح البخاري الجهاد والسير (2811) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1632) ، سنن النسائي الجهاد (3116) ، مسند أحمد بن حنبل (3/479) .
(7) خرج هذه الأحاديث كلها المنذري في [الترغيب] ج (2) كتاب الجهاد.
(8) سنن أبو داود الزكاة (1635) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1841) ، مسند أحمد بن حنبل (3/56) ، موطأ مالك الزكاة (604) .
(9) [فقه الزكاة] للقرضاوي (2 \ 652-657) ط \ الأولى.
(1/144)

هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(1/145)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (24) وتاريخ 21 \ 8 \ 1394 هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وآله وصحبه وبعد:
قد جرى اطلاع هيئة كبار العلماء في دورتها الخامسة المعقودة بمدينة الطائف بين يوم 5 \ 8 \ 1394 هـ ويوم 22 \ 8 \ 1394 هـ على ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء من بحث في المراد بقول الله تعالى في آية مصارف الزكاة {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) هل المراد بذلك الغزاة في سبيل الله وما يلزم لهم، أم عام في كل وجه من وجوه الخير؟
وبعد دراسة البحث المعد والاطلاع على ما تضمنه من أقوال أهل العلم في هذا الصدد- ومناقشة أدلة من فسر المراد بسبيل الله في الآية: بأنهم الغزاة وما يلزم لهم، وأدلة من توسع في المراد بالآية، ولم يحصرها في الغزاة فأدخل فيه بناء المساجد والقناطر وتعليم العلم وتعلمه وبث الدعاة والمرشدين وغير ذلك من أعمال البر- رأى أكثرية أعضاء المجلس الأخذ بقول جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء من أن المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) الغزاة المتطوعون بغزوهم، وما يلزم لهم من استعداد، وإذا لم يوجدوا صرفت الزكاة كلها للأصناف الأخرى، ولا يجوز صرفها في شيء من المرافق العامة إلا إذا لم يوجد لها مستحق من
__________
(1) سورة التوبة الآية 60
(2) سورة التوبة الآية 60
(1/146)

الفقراء والمساكين وبقية الأصناف المنصوص عليهم في الآية الكريمة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الخامسة
عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد الله خياط مخالف وله وجهة نظر ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد الحركان ... مخالف وله وجهة نظر ...
. ... عبد المجيد حسن مخالف وله وجهة نظر ... عبد العزيز بن صالح مخالف وله وجهة نظر
صالح بن غصون مخالف وله وجهة نظر ... . ... .
. ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
. ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع مخالف وله وجهة نظر
(1/147)

(4)
الشرط الجزائي
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
(1/149)

بسم الله الرحمن الرحيم
الشرط الجزائي
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد: (1)
فقد عرض على هيئة كبار العلماء في دورتها الخامسة المنعقدة فيما بين 5 و22 \ 8 \ 1394 هـ بمدينة الطائف موضوع الشرط الجزائي هذا نصه.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر من إدراج موضوع (الشرط الجزائي) في جدول أعمال الدورة (الخامسة) لهيئة كبار العلماء- فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في موضوع الشرط الجزائي يشتمل على بيان المراد منه ونشأته ونماذج من صوره، وما ذكره بعض أهل العلم من ضوابط للشروط والعقود الصحيحة والفاسدة، وبيان ما يمكن اندراجه تحتها من ذلك، وذكر مسائل وصور يمكن أن يكون الشرط الجزائي نظيرا لها.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الثاني، ص 59- 144، عام 1395 هـ.
(1/151)

الشرط الجزائي
1 - المراد بالشرط الجزائي والداعي إليه:
الشرط الجزائي لم يكن معروفا بهذا الاسم لدى فقهائنا الأقدمين، وإنما جاء ذكره في صور مسائل فقهية.
ولعل أول وجود له في الفقه الإسلامي ما روى البخاري في [صحيحه] بسنده عن ابن سيرين أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا أو كذا فلك مائة درهم فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه، وقال أيوب عن ابن سيرين: أن رجلا باع طعاما وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع فلم يجئ، فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه. اهـ.
أما الفقهاء المعاصرون فقد تعرضوا لبحثه في كتبهم بهذا الاسم، وبينوا العوامل التي أدت إلى التوسع في الأخذ به.
فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء (1) :
في أواخر العهد العثماني اتسعت في الدولة التجارة الخارجية مع أوربا وتطورت أساليب التجارة الداخلية والصنائع وتولدت في العصر الحديث أنواع من الحقوق لم تكن معهودة؛ كامتياز المؤلف والمخترع وكل ذي أثر فني جديد في استثمار مؤلفاته، أو مخترعاته، أو آثاره الفنية مما سمي
__________
(1) [المدخل الفقهي العام] ص 713- 714، ف 386.
(1/152)

بالملكية الأدبية والصناعية، واحتاج أصحاب هذه الحقوق والامتيازات إلى بيعها والتنازل عنها لغيرهم من القادرين على استثمارها.
إلى أن قال: واتسع مجال عقود الاستصناع في التعامل بطريق الإيصاء على المصنوعات مع المعامل والمصانع الأجنبية وكذا عقود المتعهد بتقديم اللوازم والأرزاق والمواد الأولية إلى الدوائر الحكومية والشركات والمعامل والمدارس مما سمي (عقود التوريد) وكل ذلك يعتمد على المشارطات في شتى صورها.
وقد ازدادت أيضا قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية، فأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضرا بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل، فلو أن متعهدا بتقديم المواد الصناعية إلى صاحب معمل تأخر عن تسليمها إليه في الموعد المضروب لتعطل العمل وعماله.
ولو أن بائع بضاعة لتاجر تأخر في تسليمها حتى هبط سعرها لتضرر التاجر المشتري بخسارة قد تكون فادحة، وكذا تأخر الصانع عن القيام بعمله في وقته، وكل متعاقد إذا تأخر أو امتنع عن تنفيذ عقده في موعده.
ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي؛ لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة، ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاونا منه أو امتناعا، وهذا قد ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه، ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي
(1/153)

"الشرط الجزائي " اهـ.
وذكر الدكتور عبد الرزاق السنهوري تعريف الشرط الجزائي وسبب تسميته بذلك فقال (1) : يحدث كثيرا أن الدائن والمدين لا يتركان تقدير التعويض إلى القاضي كما هو الأصل بل يعمدان إلى الاتفاق مقدما على تقدير هذا التعويض، فيتفقان على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بالتزامه، وهذا هو التعويض عن عدم التنفيذ، أو على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه، وهذا هو التعويض عن التأخير، هذا الاتفاق مقدما على التعويض يسمى بالشرط الجزائي، وسمي بالشرط الجزائي؛ لأنه يوضع عادة كشرط ضمن شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه. اهـ.
وفي [الموسوعة العربية الميسرة] ، ما نصه: (شرط جزائي) : اتفاق يقدر فيه المتعاقدان سلفا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه. اهـ.
__________
(1) [الوسيط القسم الثاني نظرية الالتزام] ص 851 ف 477.
(1/154)

2 - ما للشرط الجزائي من صور مختلفة:
الشرط الجزائي وإن كان يعني اشتراط التعويض عن الضرر اللاحق في طريقة تنفيذ العقد إلا أنه له صورا مختلفة باختلاف العقود والالتزامات، وقد أشار الدكتور عبد الرزاق السنهوري إلى شيء من هذه الصور فقال (1) :
__________
(1) [الوسيط القسم الثاني نظرية الالتزام] ص 852 ف 477.
(1/154)

والأمثلة على الشرط الجزائي كثيرة ومتنوعة: فشروط المقاولة قد تتضمن شرطا جزائيا يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو عن كل أسبوع أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه، ولائحة المصنع قد تتضمن شروطا جزائية تقتضي بخصم مبالغ معينة من أجرة العامل جزاء له على الإخلال بالتزاماته المختلفة.
وتعريفة مصلحة السكك الحديدية أو مصلحة البريد قد تتضمن تحديد مبلغ معين هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد معها في حالة فقد طرد أو فقد رسالة. واشتراط حلول جميع أقساط الدين إذا تأخر المدين في دفع قسط منها هو أيضا شرط جزائي، ولكن من نوع مختلف، إذ هو هنا ليس مقدارا معينا من النقود قدر به التعويض، بل هو تعجيل أقساط مؤجلة. اهـ.
وقال في [الحاشية] في الصفحة نفسها ما نصه: (هذا والأصل في الشرط الجزائي هو أن يكون تقديرا مقدما للتعويض كما أسلفنا، ولكن قد يستعمله المتعاقدان لأغراض أخرى: من ذلك أن يتفقا على مبلغ كبير يزيد كثيرا على الضرر الذي يتوقعانه فيكون الشرط الجزائي بمثابة تهديد مالي، وقد يتفقان على مبلغ صغير يقل كثيرا عن الضرر المتوقع فيكون الشرط الجزائي بمثابة إعفاء أو تخفيف من المسئولية. . وقد يكون الغرض من الشرط الجزائي تأكيد التزام المتعهد عن الغير بتحديد مبلغ التعويض الذي يكون مسئولا عنه إذا لم يقم بحمل الغير على التعهد، وقد يوضع شرط جزائي في الاشتراط لمصلحة الغير لتقدير التعويض المستحق للمشترط
(1/155)

في حالة إخلال المتعهد بالتزامه نحو المنتفع، فيمثل الشرط الجزائي في هذه الحالة المصلحة المادية للمشترط في اشتراطه لمصلحة الغير. اهـ.
وجاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودي ما نصه:
(إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملا في المواعيد المحددة ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعيا لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى أي تنبيه للمقاول ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي:
1 % عن الأسبوع الأول 1.5% عن الأسبوع الثاني 2% عن الأسبوع الثالث 2.5% عما زاد عن ثلاثة أسابيع 3% عن أية مدة تزيد على أربعة أسابيع. اهـ (1) .
__________
(1) انظر: ص 107 [نظام المناقصات] .
(1/156)

3 - ما يندرج تحته الشرط الجزائي من أنواع الشروط التي تشترط في عقود المعاملات أو إجارة أو نحو ذلك مع بيان وجه الاندراج:
نستعرض فيما تحت هذا العنوان ما ورد من الأحاديث والآثار في الشروط المقترنة بالعقود من حيث الجملة وما ذكره بعض العلماء في تفسيرها وما بنوه عليها من تقسيم الشروط إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة، وما وضعوه من الضوابط لكل منهما؛ ليتسنى معرفة ما يندرج تحته الشرط الجزائي من هذه الضوابط، وما يلتحق به من المسائل
(1/156)

التي يشبهها وأدرجوها تحتها، أو جعلوها أمثلة شارحة لها.
روى البخاري في [صحيحه] تحت باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله عن عروة: «أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أن بريرة جاءت تستفتيها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا. فقالت لها عائشة: (ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت) فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق " قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق (1) » ، وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أرادت عائشة رضي الله عنها أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها: على أن ولاءها لنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق (2) » .
قال ابن حجر في [الفتح] : قوله: (باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله) ، جمع في هذه الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني، وأن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، وسيأتي في كتاب [الشروط] (3) : أن المراد بما ليس في كتاب الله ما خالف كتاب الله، وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا: حكمه؛ من كتابه، أو سنة رسوله،
__________
(1) صحيح البخاري كتاب العتق (2561) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(2) صحيح البخاري كتاب العتق (2562) ، سنن النسائي البيوع (4644) ، مسند أحمد بن حنبل (2/30) .
(3) أي: من [صحيح البخاري] .
(1/157)

أو إجماع الأمة، وقال ابن خزيمة: (ليس في كتاب الله) أي: ليس في كتاب الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروطا من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل.
قال النووي: قال العلماء: الشروط في البيع أقسام:
أحدها: يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.
الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا.
والثالث: اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور؛ لحديث عائشة وقصة بريرة.
الرابع: ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل.
وقال القرطبي: قوله: (ليس في كتاب الله) ، أي: ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا، ومعنى هذا: أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع، وكذلك القياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا. . . إلى أن قال: وقال القرطبي: قوله: (ولو كان مائة شرط) ، يعني: أن الشروط الغير مشروعة باطلة ولو
(1/158)

كثرت. اهـ (1) .
وقال البخاري في [صحيحه] (باب الشروط التي لا تحل في الحدود) .
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما: أنهما قالا: «إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل"، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت (2) » .
قال ابن حجر في [الفتح] : وقد ترجم له في الصلح (3) : إذا اصطلحوا على جور فهو مردود.
ويستفاد من الحديث: أن كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله فهو باطل، وكل صلح وقع فيه فهو مردود. اهـ (4) .
وروى البخاري في [صحيحه] عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (5) » .
__________
(1) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (5 \ 142) .
(2) صحيح البخاري الشروط (2725) ، صحيح مسلم الحدود (1698) ، سنن الترمذي الحدود (1433) ، سنن النسائي آداب القضاة (5411) ، سنن أبو داود الحدود (4445) ، سنن ابن ماجه الحدود (2549) ، مسند أحمد بن حنبل (4/115) ، موطأ مالك الحدود (1556) ، سنن الدارمي الحدود (2317) .
(3) أي: من [صحيح البخاري] .
(4) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (5 \ 347) .
(5) صحيح البخاري الصلح (2697) ، صحيح مسلم الأقضية (1718) ، سنن أبو داود السنة (4606) ، سنن ابن ماجه المقدمة (14) ، مسند أحمد بن حنبل (6/256) .
(1/159)

قال ابن حجر: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع؛ لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه
وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه؛ لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث
وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه: أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل: أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح؛ فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذا حديث الباب نصف أدلة الشرع، والله أعلم.
وقوله: "رد" معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل: خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ، وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به.
واللفظ الثاني وهو قوله: من "عمل" أعم من اللفظ الأول وهو قوله: "من أحدث"، فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن
(1/160)

المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها
ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر؛ لقوله: "ليس عليه أمرنا"، والمراد به: أمر الدين وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد. اهـ (1) .
__________
(1) [صحيح البخاري] مع شرحه [فتح الباري] (5 \ 331) .
(1/161)

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة عامة في العقود والشروط فيها، فقال (1) :
القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا. والذي يمكن ضبطه فيها قولان:
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته، فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا وكثير من أصول الشافعي وطائفة من أصول أصحاب مالك وأحمد، فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس، كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل
أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع، وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله، وطردوا ذلك
__________
(1) [القواعد النورانية] ص 184- 220.
(1/161)

طردا جاريا، لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.
وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي: أنه يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها في المطلق، وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه؛ ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار، ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال؛ ولهذا منع بيع العين المؤجرة وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته
وإنما جوز الإجارة المؤخرة؛ لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة، أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به، أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره، ولم يصحح في النكاح شرطا أصلا؛ لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ، ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما، ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقا، وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر، وهو عنده موضع استحسان.
والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص، فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث، ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع، حتى منع الإجارة المؤخرة؛ لأن موجبها- وهو القبض- لا يلي العقد
ولا يجوز أيضا ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلا العتق، لما فيه من السنة والمعنى، ولكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع، كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه، وكبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك
ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض، ولا يجوز
(1/162)

اشتراطها دارها أو بلدها، وأن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها، وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه، وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار، وانفساخه بالشروط التي تنافيه؛ كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار، بخلاف فساد المهر ونحوه.
وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ونحو ذلك من المصالح، فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل، إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين.
وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي، فقد يوافقونه في الأصل، ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى، كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثنى للمعارض.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر
وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة، وهو ما خرجاه في [الصحيحين] عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقلت: (إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي
(1/163)

فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خذيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق (1) »
وفي رواية للبخاري: «اشتريها فأعتقيها، وليشترطوا ما شاءوا فاشترتها فأعتقتها، واشترط أهلها ولاءها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط (2) » وفي لفظ: «شرط الله أحق وأوثق (3) »
وفي [الصحيحين] عن عبد الله بن عمر: «أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يمنعنك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق (4) »
وفي [صحيح مسلم] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا يمنعنك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق (5) » .
ولهم من هذا الحديث حجتان:
إحداهما: قوله: ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسطة
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2168) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(2) صحيح البخاري كتاب الشروط (2726) .
(3) صحيح البخاري البيوع (2155) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(4) صحيح البخاري كتاب البيوع (2169) ، سنن النسائي البيوع (4644) ، مسند أحمد بن حنبل (2/100) ، موطأ مالك العتق والولاء (1520) .
(5) صحيح مسلم العتق (1505) .
(1/164)

دلالته على اتباع السنة والإجماع.
ومن قال بالقياس- وهم الجمهور- قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة، أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله.
الحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء؛ لأن العلة فيه؛ كونه مخالفا لمقتضى العقد، وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات، وهذا نكتة القاعدة، وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع
ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين- لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها، فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر، ومتابعة لعبد الله بن عمر، حيث كان ينكر الاشتراط في الحج ويقول: (أليس حسبكم سنة نبيكم؟) وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (1) وقوله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (2)
قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود الله، وزيادة في الدين، وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ، كما قاله بعضهم في شروط
__________
(1) سورة المائدة الآية 3
(2) سورة البقرة الآية 229
(1/165)

النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين عام الحديبية، أو قالوا: هذا عام أو مطلق، فيخص بالشرط الذي في كتاب الله.
واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط» وقد ذكره جماعة من المسلمين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه.
وأجمع الفقهاء المعروفون- من غير خلاف أعلمه من غيرهم- أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتبا أو صانعا، أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصا أو قياسا عند من يقول به، وأصول أحمد المنصوصة عنه أكثرها يجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه.
وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يشتبه بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص، وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة، فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف دلالته
وكذلك قد يضعف
(1/166)

ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط (1) ، كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا، فمالك يجوزه بقدر الحاجة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا
ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان نحوه، ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط ما لم يتضمن مخالفة الشرع، كما سأذكره إن شاء الله.
فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع؛ كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، وإذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، اتباعا لحديث جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله، واستثنى ظهره إلى المدينة.
ويجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما؛ اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة، واشترطت عليه خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش.
ويجوز على عامة أقواله: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها، كما في حديث صفية، وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة، كأنه أعتقها واستثنى منفعة البضع، لكنه استثناها بالنكاح؛ إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز، بخلاف منفعة الخدمة.
__________
(1) أي: في [القواعد النورانية] .
(1/167)

واستمر رحمه الله في ذكر الأمثلة إلى أن قال:
وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، يجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، وجوز أيضا استثناء بعض التصرفات.
وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقا؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك، وإن أراد الثاني: لم يسلم له، وإنما المحذور: أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط الطلاق في النكاح، أو اشتراط الفسخ في العقد، فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده، هذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي.
أما الكتاب: فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) والعقود هي العهود، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} (2) وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (3) وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} (4)
__________
(1) سورة المائدة الآية 1
(2) سورة الأنعام الآية 152
(3) سورة الإسراء الآية 34
(4) سورة الأحزاب الآية 15
(1/168)

فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود وهذا عام، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد، وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه، بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ} (1) فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه، وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع، إنما أمر بالوفاء به.
ولهذا قرنه بالصدق في قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} (2) ؛ لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر، والوفاء بالعهد يكون في القول المعلق بالمستقبل، كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} (3) {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (4) {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (5) .
واستمر رحمه الله في ذكر آيات في الحث على الوفاء بالعهود والتحذير من نقضها.
إلى أن قال: والأحاديث في هذا كثيرة، مثل ما في [الصحيحين] عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر (6) » .
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 15
(2) سورة الأنعام الآية 152
(3) سورة التوبة الآية 75
(4) سورة التوبة الآية 76
(5) سورة التوبة الآية 77
(6) صحيح البخاري الإيمان (34) ، صحيح مسلم الإيمان (58) ، سنن الترمذي الإيمان (2632) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5020) ، سنن أبو داود السنة (4688) ، مسند أحمد بن حنبل (2/189) .
(1/169)

وفي [الصحيحين] عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة (1) » .
وفي [صحيح مسلم] عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة (2) » وفي رواية: «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة (3) » .
وفي [صحيح مسلم] عن بريدة بن الحصيب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (4) » . . الحديث، فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول.
وفي [الصحيحين] عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم: (هل يغدر؟ فقال: لا يغدر، ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة. وقال هرقل في جوابه: سألتك: هل يغدر؟ فذكرت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر) فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين.
وفي [الصحيحين] عن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج (5) » فدل على استحقاق الشروط بالوفاء، وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها.
__________
(1) صحيح البخاري الفتن (7111) ، صحيح مسلم الجهاد والسير (1735) ، سنن الترمذي السير (1581) ، سنن أبو داود الجهاد (2756) ، مسند أحمد بن حنبل (2/70) .
(2) صحيح مسلم الجهاد والسير (1738) ، سنن الترمذي الفتن (2191) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2873) ، مسند أحمد بن حنبل (3/61) .
(3) صحيح مسلم الجهاد والسير (1738) ، سنن الترمذي الفتن (2191) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2873) ، مسند أحمد بن حنبل (3/61) .
(4) صحيح مسلم الجهاد والسير (1731) ، سنن الترمذي السير (1617) ، سنن أبو داود الجهاد (2612) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2858) ، مسند أحمد بن حنبل (5/358) ، سنن الدارمي السير (2439) .
(5) صحيح البخاري الشروط (2721) ، صحيح مسلم النكاح (1418) ، سنن الترمذي النكاح (1127) ، سنن النسائي النكاح (3281) ، سنن أبو داود النكاح (2139) ، سنن ابن ماجه النكاح (1954) ، مسند أحمد بن حنبل (4/150) ، سنن الدارمي النكاح (2203) .
(1/170)

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره (1) » فذم الغادر، وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر.
فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك.
ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشرع- لم يجز أن يؤمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا، كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه، لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح، بخلاف ما كان جنسه واجبا؛ كالصلاة والزكاة، فإنه يؤمر به مطلقا، وإن كان لذلك شروط وموانع، فينهى عن الصلاة بغير طهارة، وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك
وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض، ويجب السكوت أو التعريض.
وإذا كان جنس الوفاء، ورعاية العهد مأمورا به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصود العقد: هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة.
وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال، حدثنا
__________
(1) صحيح البخاري الإجارة (2270) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2442) ، مسند أحمد بن حنبل (2/358) .
(1/171)

كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم (1) » وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في رواية: هو ثقة وضعفه في رواية أخرى.
وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما (2) » قال الترمذي: حديث حسن صحيح
وروى ابن ماجه منه الفصل الأول، لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة، وضرب أحمد على حديثه في [المسند] فلم يحدث به، فعلل الترمذي له بروايته من وجوه.
وقد روى أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس على شروطهم ما وافق الحق» وهذه الأسانيد- وإن كان الواحد منها ضعيفا- فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا.
وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة المذهب، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه الله، فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله
وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله، وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه
فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما، وعدم الإيجاب ليس نفيا بالإيجاب حتى يكون المشترط مناقضا للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا، فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من
__________
(1) سنن أبو داود الأقضية (3594) ، مسند أحمد بن حنبل (2/366) .
(2) سنن الترمذي الأحكام (1352) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2353) .
(1/172)

الإقباض ما لم يكن واجبا، ويباح أيضا لكل منهما ما لم يكن مباحا، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراما
وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها: فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك.
وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط، قال؛ لأنها إما أن تبيح حراما، أو تحرم حلالا، أو توجب ساقطا، أو تسقط واجبا، وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع
وأوردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حراما بدون الشرط: فالشرط لا يبيحه؛ كالربا، وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق، فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو ملك يمين، فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك، بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز، وكذلك الولاء.
فقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته) وجعل الله الولاء كالنسب، يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (1) » وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من تبني الرجل ابن غيره، وانتساب المعتق إلى غير مولاه، فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط، فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما
وأما ما كان مباحا بدون الشرط: فالشرط يوجبه، كالزيادة في المهر والثمن والرهن، وتأخير الاستيفاء، فإن الرجل له أن يعطي المرأة،
__________
(1) سنن الترمذي الوصايا (2121) ، سنن ابن ماجه الوصايا (2712) ، مسند أحمد بن حنبل (4/238) ، سنن الدارمي السير (2529) .
(1/173)

وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار، ونحو ذلك، فإذا شرطه صار واجبا، وإذا وجب فقد حرمت (1) المطالبة التي كانت حلالا بدونه؛ لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط، فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقا، فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره.
وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا: فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله، وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة ولم يحرمه مطلقا لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله، وإن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم، لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب، وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب.
فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب، لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع وآثار الصحابة توافق ذلك، كما قال عمر رضي الله عنه: (مقطع الحقوق عند الشروط) .
وأما الاعتبار فمن وجوه: أحدها: أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية، والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل ذلك على التحريم، كما أن الأعيان الأصل فيها عدم التحريم، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (2) عام في الأعيان والأفعال، وإذا لم يكن حراما لم تكن فاسدة، وكانت صحيحة.
__________
(1) قال المعلق على [القواعد الفقهية] : كذا في الأصلين ولعله (وجبت) .
(2) سورة الأنعام الآية 119
(1/174)

وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت حله بعينه، وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة، وأن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا، كالأعيان التي لم تحرم.
وغالب ما يستدل به على الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله، فإنه يستدل به على عدم تحريم العقود والشروط فيها، سواء سمي ذلك حلالا أو عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم
فإن ما ذكره الله في القرآن من ذم الكفار على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان، ومنه ما سببه تحريم الأفعال كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري، إلا أن يعيره أحمسي ثوبه، ويحرمون عليه الدخول تحت سقف، كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا كانت مجبية، ويحرمون الطواف بالصفا والمروة، وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي عقدوها بلا شرع، فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم.
فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة، وإن لم يثبت حلها بشرع خاص، كالعهود التي عقدها في الجاهلية وأمر بالوفاء بها، وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا
(1/175)

ما حرمه الله؛ لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه الله
فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله، بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله، فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين ما لم يأذن به، فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله
والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر، وإن كان فيها قربة من وجه آخر، فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع كالعتق والصدقة.
فإن قيل: العقود تغير ما كان مشروعا؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال: فقد غير ما كان مشروعا، بخلاف الأعيان التي لم تحرم، فإنه لا يعتبر في إباحتها.
فيقال: لا فرق بينهما، وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون، فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع إلى غيره لا يغيرها، وهو من باب العقود، وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه هو فعل من الأفعال مغير لحكمها، بمنزلة العقود.
وأيضا فإنها قبل الزكاة محرمة، فالزكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال، فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والزكاة الأصل فيه الحل، وإن غير حكم العين، فكذلك أفعالنا في الأملاك في العقود ونحوها الأصل فيها الحل وإن غيرت حكم الملك.
وسبب ذلك: أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك
(1/176)

البضع الثابت بالنكاح، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام، والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا، لم يثبته ابتداء، كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة، فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم، ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم يحرم علينا رفعه
فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره؛ لإثباته سبب ذلك، وهو الملك الثابت بالبيع
وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه، كمن أعطى رجلا مالا فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه، وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ما لم يمنع مانع، وهذا نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها، وهو أن الأحكام الجزئية- من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو- لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا، وإنما شرعها شرعا كليا.
مثل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (1) وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (2) وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (3)
وهذا الحكم الكلي ثابت، سواء وجد هذا البيع المعين أو لم يوجد، فإذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا، فهذا المعين سببه فعل العبد، فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع لفعل العبد سببه فقط؛ لأن الشارع أثبته ابتداء.
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة النساء الآية 24
(3) سورة النساء الآية 3
(1/177)

وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام، وليس كذلك، فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته الشارع، وأما هذا المعين فإنما ثبت؛ لأن العبد أدخله في المطلق، فإدخاله في المطلق إليه، فكذلك إخراجه، إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا، مثل أن يقول: هذا الثوب بعه أو لا تبعه، أو هبه أو لا تهبه
وإنما حكمه على المطلق الذي إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين، فتدبر هذا، وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله في المطلق، وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد
وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع، فإنما وجب الوفاء بها لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل، على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل والعقلاء جميعهم
وقد أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي، ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم الشارع، والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذن، ولإيجاب العقل أيضا.
وأيضا فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (1) وقال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} (2)
فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء
__________
(1) سورة النساء الآية 29
(2) سورة النساء الآية 4
(1/178)

بشرطه فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات قياسا عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن.
وكذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (1) لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك، فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة، أو طابت نفس المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله، كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.
وأيضا فإن العقد له حالان: حال إطلاق، وحال تقييد. ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود
فإذا قيل هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فإن أريد به ينافي العقد المطلق: فكذلك كل شرط زائد، وهذا لا يضره، وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد احتاج إلى دليل على ذلك.
وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد، فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود فقد جمع بين المتناقضين: بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق، بل هو مبطل للعقد عندنا.
__________
(1) سورة النساء الآية 29
(1/179)

والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها تنافي مقصود الشارع، مثل اشتراط الولاء لغير المعتق، فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصود الملك، والعتق قد يكون مقصودا للعقد، فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا،
(1/179)

فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد، وإنما ينافي كتاب الله وشرطه، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (1) » فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا، وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله.
فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله: فلا وجه لتحريمه، بل الواجب حله؟ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه، فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه، ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج.
وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلو، إما أن يقال: لا يحل ولا يصح (2) ، إن لم يدل على حلها دليل شرعي خاص، من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور، كما ذكرناه من القول الأول، أو يقال: لا تحل وتصح (3) حتى يدل على حلها دليل سمعي وإن كان عاما أو يقال: تصح ولا تحرم إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام.
والقول الأول: باطل؛ لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التي وقعت في حال الكفر، وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم، فقال سبحانه في آية الربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) فأمرهم بترك ما بقي لهم من الربا في الذمم، ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا، بل
__________
(1) صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) .
(2) هكذا في النسخة المطبوعة من [القواعد النورانية] (الناشر) .
(3) هكذا في النسخة المطبوعة من [القواعد النورانية] (الناشر) .
(4) سورة البقرة الآية 278
(1/180)

مفهوم الآية- الذي اتفق العمل عليه- يوجب أنه غير منهي عنه.
ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم، ولم يأمرهم برد المقبوض وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام (1) » وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية، ولم يستفصل: هل عقد به في عدة أو غير عدة؟ بولي أو بغير ولي؟ بشهود أو بغير شهود؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته، إلا أن يكون السبب المحرم موجودا حين الإسلام كما أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن، وكما أمر فيروز الديلمي الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى، وكما أمر الصحابة من أسلم من المجوس أن يفارق ذوات المحارم.
ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين، وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع، ولو كانت العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكين فيه بشرع.
فإن قيل: فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله: مضت، ولم يؤمروا باستئنافها؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، فليس ما عقدوه بغير شرع دون ما عقدوه مع تحريم الشرع، وكلاهما عندكم سواء.
قلنا: ليس كذلك، بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا
__________
(1) سنن أبو داود الفرائض (2914) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2485) .
(1/181)

اتصل به التقابض، وأما إذا أسلموا قبل التقابض فإنه يفسخ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ لا قبل القبض ولا بعده، ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في النكاح القبض، بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده؛ لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه، وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها، كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما وإن كان بغير نكاح، فلما كان كل واحد من العقد والوطء مقصودا في نفسه وإن لم يقترن بالآخر أقرهم الشارع على ذلك، بخلاف الأموال، فإن المقصود بعقودها هو التقابض، فإذا لم يحصل التقابض لم يحصل مقصودها، فأبطلها الشارع لعدم حصول المقصود.
فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم؛ لأنه لا يصححه إلا بتحليل.
وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا تحريمها ولا تحليلها، فإن الفقهاء جميعهم- فيما أعلمه- يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها، وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا بتقليد، ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد العاقد أن الشارع أحله، فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود: لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد، فإنه آثم، وإن كان قد صادف الحق.
وأما إن قيل: لا بد من دليل شرعي يدل على حلها، سواء كان عاما أو خاصا، فعنه جوابان:
(1/182)

أحدهما: المنع كما تقدم.
والثاني: أن نقول: قد دلت الأدلة الشرعية العامة على حل العقود والشروط جملة، إلا ما استثناه الشارع، وما عارضوا به سنتكلم عليه إن شاء الله (1) ، فلم يبق إلا القول الثالث وهو المقصود.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (2) » فالشرط يراد به المصدر تارة، والمفعول أخرى، وكذلك الوعد والخلف، ومنه قولهم: درهم ضرب الأمير، والمراد به هنا- والله أعلم-: المشروط لا نفس التكلم.
ولهذا قال: إن كان مائة شرط أي: وإن كان قد شرط مائة شرط، وليس المراد تعديد التكلم بالشرط، وإنما المراد: تعديد الشرط، والدليل على ذلك قوله: كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى.
وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله، فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: (كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق) فيكون المعنى: من اشترط أمرا ليس في حكم الله ولا في كتابه بواسطة وبغير واسطة: فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط، حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط.
ولما لم يكن في كتاب الله: أن الولاء لغير
__________
(1) أي: في [القواعد النورانية] .
(2) صحيح البخاري البيوع (2168) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(1/183)

المعتق أبدا كان هذا المشروط- وهو ثبوت الولاء لغير المعتق- شرطا ليس في كتاب الله، فانظر إلى المشروط إن كان أصلا أو حكما، فإن كان الله قد أباحه؛ جاز اشتراطه ووجب، وإن كان الله لم يبحه: لم يجز اشتراطه، فإذا شرط الرجل أن لا يسافر بزوجته فهذا المشروط في كتاب الله؛ لأن كتاب الله يبيح أن لا يسافر بها، فإذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله.
فمضمون الحديث: أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال: ليس في كتاب الله، أي: ليس في كتاب الله نفيه (1) ، كما قال: «سيكون أقوام يحدثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم (2) » أي: بما تعرفون خلافه، وإلا فما لا يعرف كثير.
ثم نقول: إذا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن العقود والشروط التي لم يبحها الشارع تكون باطلة، بمعنى أنه لا يلزم بها شيء لا إيجاب ولا تحريم: فإن هذا خلاف الكتاب والسنة، بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام، فإن الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه، وسماه منكرا من القول وزورا، ثم إنه أوجب به على من عاد: الكفارة، ومن لم يعد: جعل في حقه مقصود التحريم من ترك الوطء أو ترك العقد، وكذا النذر: فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، كما ثبت ذلك عنه من حديث أبي هريرة وابن عمر فقال: «إنه لا يأتي بخير (3) » ثم أوجب الوفاء به، إذا كان طاعة في قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (4) » .
__________
(1) هكذا في النسخة المطبوعة من [القواعد النورانية] (الناشر) .
(2) صحيح مسلم مقدمة (7) ، مسند أحمد بن حنبل (2/321) .
(3) صحيح مسلم النذر (1639) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3801) ، مسند أحمد بن حنبل (2/86) .
(4) صحيح البخاري الأيمان والنذور (6696) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1526) ، سنن النسائي الأيمان والنذور (3807) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3289) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2126) ، مسند أحمد بن حنبل (6/36) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1031) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2338) .
(1/184)

فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم، نعم لا يكون سببا لإباحة، كما أنه لما نهى عن بيوع الغرر وعن عقد الربا وعن نكاح ذوات المحارم ونحو ذلك لم يستفد المنهي بفعله لما نهى عنه الاستباحة؛ لأن المنهي عنه معصية، والأصل في المعاصي: أنها لا تكون سببا لنعمة الله ورحمته، والإباحة من نعمة الله ورحمته، وإن كانت قد تكون سببا للإملاء ولفتح أبواب الدنيا، لكن ذلك قدر ليس بشرع، بل قد يكون سببا لعقوبة الله والإيجاب، والتحريم قد يكون عقوبة، كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (1) وإن كان قد يكون رحمة أيضا، كما جاءت شريعتنا الحنيفية.
والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما لم يؤذن فيه إذن خاص: فهو عقد حرام، وكل عقد حرام فوجوده كعدمه، وكلا المقدمتين ممنوعة كما تقدم.
وقد يجاب على هذه الحجة بطريقة ثانية، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد الشروط التي لم يبحها- وإن كان لم يحرمها- باطلة، فنقول:
قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والشروط عموما، وأن المقصود هو وجوب الوفاء بها، وعلى هذا التقدير فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون مباحة، فإنه إذا وجب الوفاء بها لم تكن باطلة، وإذا لم تكن باطلة كانت مباحة، وذلك لأن
__________
(1) سورة النساء الآية 160
(1/185)

قوله: ليس في كتاب الله إنما يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه، إنما ما دل كتاب الله على إباحته بعمومه فإنه في كتاب الله؛ لأن قولنا: (هذا في كتاب الله) يعم ما هو فيه بالخصوص أو بالعموم، وعلى هذا معنى قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (1) وقوله تعالى: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (2) وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (3) على قول من جعل الكتاب هو القرآن، وأما على قول من جعله اللوح المحفوظ: فلا يجيء هاهنا.
يدل على ذلك: أن الشرط الذي بينا جوازه بسنة أو إجماع: صحيح بالاتفاق، فيجب أن يكون في كتاب الله، وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه، لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين، فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار؛ لأن جامع الجامع جامع، ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار.
يبقى أن يقال على هذا الجواب: فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط عموما فشرط الولاء داخل في العموم، فيقال: العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفه دليل خاص، فإن الخاص يفسر العام، وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن هبته وقوله: «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (4) » .
ودل الكتاب
__________
(1) سورة النحل الآية 89
(2) سورة يونس الآية 37
(3) سورة الأنعام الآية 38
(4) سنن الترمذي الوصايا (2121) ، سنن ابن ماجه الوصايا (2712) ، مسند أحمد بن حنبل (4/238) ، سنن الدارمي السير (2529) .
(1/186)

على ذلك بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (1) {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (2) فأوجب علينا دعاءه لأبيه الذي ولده، دون من تبناه، وحرم التبني، ثم أمر عند عدم العلم بالأب بأن يدعى أخاه في الدين ومولاه، كما «قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة أنت أخونا ومولانا (3) » ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يلبس (4) » .
فجعل سبحانه الولاء نظير النسب، وبين سبب الولاء في قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} (5) فبين أن سبب الولاء: هو الإنعام بالإعتاق، كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد، فإذا كان قد حرم الانتقال عن المنعم بالإيلاد فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالإعتاق؛ لأنه في معناه، فمن اشترط على المشتري أن يعتق ويكون الولاء لغيره فهو كمن اشترط على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره.
وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنما الولاء لمن أعتق (6) » .
وإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه: لم يدخل في العهود التي أمر الله بالوفاء بها؛ لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه، مع أن الذي يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 4
(2) سورة الأحزاب الآية 5
(3) صحيح البخاري الصلح (2700) .
(4) صحيح البخاري العتق (2545) ، صحيح مسلم الأيمان (1661) ، سنن الترمذي البر والصلة (1945) ، سنن أبو داود الأدب (5157) ، سنن ابن ماجه الأدب (3690) ، مسند أحمد بن حنبل (5/161) .
(5) سورة الأحزاب الآية 37
(6) صحيح البخاري البيوع (2156) ، سنن النسائي البيوع (4644) ، مسند أحمد بن حنبل (2/100) .
(1/187)

الأول وهو إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله، والتقدير: من اشترط شيئا لم يبحه الله، فيكون المشروط قد حرمه؛ لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه، أو من اشترط ما ينافي كتاب الله، بدليل قوله: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق (1) » .
فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط جملة وصحتها أصلان: الأدلة الشرعية العامة، والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرم، فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة: هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟
أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي: فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مفسر لهذا الاستصحاب، فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك.
وأما إذا كان المدرك هو النصوص العامة؛ فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به، إلا بعد البحث عن تلك المسألة: هل هي من المستخرج أو من المستبقى؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه، وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه، أو علم تخصيص صور معينة فيه: هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له؟
فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وذكروا عن
__________
(1) صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) .
(1/188)

أحمد فيه روايتين، وأكثر نصوصه: على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم، وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره، فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه، فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه، وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض، سواء جعل عدم المعارض جزءا من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة- كما يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم- أو جعل المعارض باب المانع للدليل فيكون الدليل هو الظاهر، لكن القرينة مانعة لدلالته، كما يقوله من يقول بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم، وإن كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي، أو إطلاق لفظي، أو اصطلاح جدلي، لا يرتفع إلى أمر علمي أو فقهي.
فإذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة لحلها: مخصوصة بجميع ما حرمه الله ورسوله من العقود والشروط، فلا ينتفع بهذه القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع، فهي بأصول الفقه- التي هي الأدلة العامة- أشبه منها بقواعد الفقه التي هي الأحكام العامة.
نعم، من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة خلافية أو حادثة انتفع بهذه القاعدة، فنذكر من أنواعها قواعد حكمية مطلقة.
(1/189)

فمن ذلك: ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع والخلع أو تبرع كالوقف والعتق: أن يستثني بعض منافعها، فإن كان مما لا يصلح فيه القربة- كالبيع- فلا بد أن يكون المستثنى معلوما؛ لما روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي «عن جابر قال: (بعته- يعني بعيره- من النبي صلى الله عليه وسلم واشترطت حملانه إلى أهلي) (1) » وإن لم يكن كذلك كالعتق والوقف فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش سيده أو عاش فلان، ويستثني غلة الوقف ما عاش الواقف.
ومن ذلك: أن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد: صح ذلك في ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لحديث بريرة، وإن كان عنهما قول بخلافه.
ثم وهل يصير العتق واجبا على المشتري، كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله الحاكم إذا امتنع، أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من العتق، كما يملك الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع؛ على وجهين في مذهبهما، ثم الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس؛ لما فيه من منع المشتري من التصرف في ملكه بغير العتق، وذلك مخالف لمقتضى العقد فإن مقتضاه الملك الذي يملك صاحبه التصرف مطلقا.
قالوا: وإنما جوزته السنة؛ لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره، ولذلك أوجب فيه السراية، مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره، وإذا كان مبناه على التغليب والسراية والنفوذ في ملك الغير لم
__________
(1) سنن أبو داود البيوع (3505) .
(1/190)

يلحق به غيره، فلا يجوز اشتراط غيره.
وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح، وإن كان فيه منع من غيره، قال ابن القاسم: قيل لأحمد: الرجل يبيع الجارية على أن يعتقها؟ فأجازه، فقيل له: فإن هؤلاء- يعني: أصحاب أبي حنيفة - يقولون: لا يجوز البيع على هذا الشرط، قال: لم لا يجوز؟ قد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بعير جابر واشترط ظهره إلى المدينة، واشترت عائشة بريرة على أن تعتقها، فلم لا يجوز هذا؟ قال: وإنما هذا شرط واحد، والنهي إنما هو عن شرطين، قيل له: فإن شرط شرطين أيجوز؟ قال: لا يجوز.
فقد نازع من منع منه، واستدل على جوازه باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ظهر بعير لجابر، وبحديث بريرة، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن شرطين في بيع، مع أن حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع وهو نقص لموجب العقد المطلق، واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد المطلق.
فعلم أنه لا يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك، واستدلاله بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله، ولو كان العتق على خلاف القياس لما قاسه على غيره، ولا استدل عليه بما يشمله وغيره.
وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان: سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكا واشترط هو حر بعد موتي؟ قال: هذا مدبر. فجوز اشتراط
(1/191)

التدبير كالعتق، ولأصحاب الشافعي في شرط التدبير خلاف، صحح الرافعي أنه لا يصح.
وكذلك جوز اشتراط التسري، فقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية بشرط أن يتسرى بها، تكون نفيسة، يحب أهلها أن يتسرى بها، ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به، فلو كان التسري للبائع وللجارية فيه مقصود صحيح جوزه.
وكذلك جوز أن يشترط باع الجارية ونحوها على المشتري أنه لا يبيعها لغير البائع، وأن البائع يأخذها إذا أراد المشتري بيعها بالثمن الأول، كما رووه عن عمر وابن مسعود وامرأته زينب.
وجماع ذلك: أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه يملكان اشتراط الزيادة عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (1) » فجوز للمشتري اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق، وهو جائز بالإجماع. ويملكان اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق، وهو جائز بالإجماع، ويملكان اشتراط النقص منه بالاستثناء كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن (الثنيا إلا أن تعلم) فدل على جوازها إذا علمت، وكما استثنى جابر ظهر بعيره إلى المدينة.
وقد أجمع المسلمون- فيما أعلمه- على جواز استثناء الجزء الشائع، مثل: أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها، واستثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ضرر، مثل: أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها، أو الثياب أو العبيد أو الماشية- التي قد رأياها- إلا شيئا منها قد عيناه.
__________
(1) صحيح البخاري الشروط (2716) ، صحيح مسلم البيوع (1543) ، سنن الترمذي البيوع (1244) ، سنن النسائي البيوع (4636) ، سنن أبو داود البيوع (3433) ، سنن ابن ماجه التجارات (2211) ، مسند أحمد بن حنبل (2/82) ، موطأ مالك البيوع (1302) .
(1/192)

واختلفوا في استثناء بعض المنفعة كسكنى الدار شهرا، أو استخدام العبد شهرا، أو ركوب الدابة مدة معينة أو إلى بلد بعينه، مع اتفاق الفقهاء المشهورين وأتباعهم وجمهور الصحابة على أن ذلك قد يقع، كما إذا اشترى أمة مزوجة، فإن منفعة بضعها التي يملكها الزوج لم تدخل في العقد، كما اشترت عائشة بريرة وكانت مزوجة، لكن هي اشترتها بشرط العتق، فلم تملك التصرف فيها إلا بالعتق، والعتق لا ينافي نكاحها، فلذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما- وهو ممن روى حديث بريرة - يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة تأويلا لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (1) قالوا: فإذا ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها يمينه فتباح له، ولا يكون ذلك إلا بزوال ملك الزوج، واحتج بعض الفقهاء على ذلك: بحديث بريرة.
فلم يرض أحمد هذه الحجة؛ لأن ابن عباس رواه وخالفه، وذلك- والله أعلم- لما ذكرته من أن عائشة لم تملك بريرة ملكا مطلقا.
ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك فيها- ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك وكان مالكها معصوم الملك- لم يزل عنها ملك الزوج، وملكها المشتري ونحوه إلا منفعة البضع.
ومن حجتهم: أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك، فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه، ولا يكون الملك
__________
(1) سورة النساء الآية 24
(1/193)

الثابت للمشتري أتم من ملك البائع، والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه، بخلاف المسبية، فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه، لكون أهل الحرب تباح دماؤهم وأموالهم، وكذلك ما ملكوه من الأبضاع.
وكذلك فقهاء الحديث وأهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ثمره- كالنخل المؤبر- فثمره للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه، فيكون البائع قد استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح، وكذلك بيع العين المؤجرة- كالدار والعبد- عامتهم يجوزه، ويملكه المشتري دون المنفعة التي للمستأجر.
ففقهاء الحديث كأحمد وغيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد، كما في صور الوفاق، وكاستثناء بعض أجزائه معينا ومشاعا، وكذلك يجوزون استثناء بعض أجزائه معينا، إذا كانت العادة جارية بفصله، كبيع الشاة واستثناء بعضها، سواء قطعها من الرأس والجلد والأكارع، وكذلك الإجارة، فإن العقد المطلق يقتضي نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان، كما لو استأجر أرضا للزرع أو حانوتا لتجارة فيه أو صناعة أو أجيرا لخياطة أو بناء ونحو ذلك: فإنه لو زاد على موجب العقد المطلق أو نقص عنه فإنه يجوز بغير خلاف أعلمه في النكاح، فإن العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق الذي يقتضيه العرف حيث شاء ومتى شاء، فينقلها إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر، إلا ما استثناه من الاستمتاع المحرم الذي هو مهر المثل، وملكها للاستمتاع في الجملة، فإنه لو كان مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف والفقهاء المشاهير، ولو آلى منها ثبت لها
(1/194)

فراقه إذا لم يفئ بالكتاب والإجماع، وإن كان من الفقهاء من يوجب عليه الوطء وقسم الابتداء، بل يكتفي بالباعث الطبيعي، كمذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد، فإن الصحيح من وجوه كثيرة أنه يجب عليه الوطء والقسم كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار، وقيل: يتقدر الوطء الواجب بمرة في كل أربعة أشهر اعتبارا بالإيلاء، ويجب أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها بالمعروف، فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف: أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة، وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف، كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (1) والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (2) » ، وإذا تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم باجتهاده، كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة، ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير الشافعي النفقة، إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد، وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء بعيد عن معاني الكتاب والسنة والاعتبار، والشافعي إنما قدره طردا للقاعدة التي ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على المنع من بيع الغرر، فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة طردا لذلك، وقد تقدم
__________
(1) سورة البقرة الآية 228
(2) صحيح البخاري النفقات (5364) ، صحيح مسلم الأقضية (1714) ، سنن النسائي آداب القضاة (5420) ، سنن أبو داود البيوع (3533) ، سنن ابن ماجه التجارات (2293) ، مسند أحمد بن حنبل (6/206) ، سنن الدارمي النكاح (2259) .
(1/195)

التنبيه على هذا الأصل.
وكذلك يوجب العقد المطلق: سلامة الزوج من الجب والعنة عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء كالرتق وسلامتها من الجنون والجذام والبرص، وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله كخروج النجاسات منه أو منها أو نحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره، دون الجمال ونحو ذلك، وموجبه كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك.
ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة؛ كالمال والجمال والبكارة ونحو ذلك صح ذلك، وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عند أحمد أو أصح وجهي أصحاب الشافعي وظاهر مذهب مالك، والرواية الأخرى: لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين، وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان، سواء كان المشترط هو المرأة في الرجل أو الرجل في المرأة، بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك: لا أصل له.
وكذلك لو اشترط بعض الصفة المستحقة بمطلق العقد، مثل: أن يشترط الزوج أنه مجبوب أو عنين، أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة صح هذا الشرط باتفاق الفقهاء، فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد واختلفوا في شرط الزيادة عليه في هذا الموضع، كما ذكرته لك، فإن مذهب أبي حنيفة: أنه لا يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح،
(1/196)

وأما المهر فإنه لو زاد على مهر المثل أو نقص جاز بالاتفاق.
كذلك يجوز أكثر السلف- أو كثير منهم- وفقهاء الحديث ومالك - في إحدى الروايتين- أن ينقص ملك الزوج، فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من دارها، وأن يزيدها على ما تملكه بالمطلق صرفوا عليها نفسه (1) فلا يتزوج عليها ولا يتسرى، وعند طائفة من السلف وأبي حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى: لا يصح هذا الشرط، لكنه له عند أبي حنيفة والشافعي أثر في تسمية المهر.
والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث: أن اشتراط الزيادة على مطلق العقد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع منه الشرع، فإذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها، والنقص من ذلك على ما ذكرت- فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك، فإذا شرط على المشتري أن يعتق العبد، أو يقف العين على البائع أو غيره، أو أن يقضي بالعين دينا عليه لمعين أو غير معين، أو أن يصل به رحمه ونحو ذلك فهو اشتراط تصرف مقصود، ومثله: التبرع المفروض والتطوع.
وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه الشارع- فضعيف، فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه، فإن صلة ذي الرحم المحتاج أفضل منه، كما نص عليه أحمد، «فإن ميمونة زوج النبي
__________
(1) كذا في المطبوع
(1/197)

صلى الله عليه وسلم، أعتقت جارية لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركتيها لأخوالك لكان خيرا لك (1) » ؛ ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كان الوصية لهم أولى من الوصية بالعتق، وما أعلم في هذا خلافا، وإنما أعلم الاختلاف في وجوب الوصية لهم، فإن فيه عن أحمد روايتين:
إحداهما: تجب، كقول طائفة من السلف والخلف.
والثانية: لا تجب، كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم، ولو وصى لغيرهم دونهم: فهل تسري تلك الوصية على أقاربه دون الموصى له، أو يعطي ثلثها للموصى له وثلثاها لأقاربه، كما تقسم التركة بين الورثة والموصى له؛ على روايتين عن أحمد، وإن كان المشهور عند أكثر أصحابه هو القول بنفوذ الوصية، فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد الفضيلة.
وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل، كما لو كان عليه دين لله من زكاة أوكفارة أو نذر أو دين لآدمي، فاشترط عليه وفاء دينه من ذلك المبيع، أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي عليه من الثمن ونحو ذلك، فهذا أوكد من اشتراط العتق.
وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية، وقد شرع مثل ذلك في الأموال، وهو حق الشفعة فإنها شرعت لتكميل الملك للمشتري، لما في الشركة من الضرار، ونحن نقول: شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة، فإن أمكن قسمة العين، وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك فتكميل العتق نوع من ذلك، إذ الشركة تزول بالقسمة تارة
__________
(1) صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2592) ، صحيح مسلم الزكاة (999) ، سنن أبو داود الزكاة (1690) ، مسند أحمد بن حنبل (6/332) .
(1/198)

وبالتكميل أخرى.
وأصل ذلك: أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف، بمنزلة القدرة الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا، كما يثبت ذلك حسا، ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا، كما أن القدرة تتنوع أنواعا، فالملك التام يملك فيه التصرف في القربة بالبيع والهبة، ويورث عنه، ويملك التصرف في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك، ثم قد يملك الأمة المجوسية أو المحرمات عليه بالرضاع فلا يملك منهن الاستمتاع، ويملك المعاوضة عليه بالتزويج، بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا، وقد يملك أم الولد ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين، ويملك وطأها واستخدامها باتفاقهم، وكذلك تملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة عند أكثرهم، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، ويملك المرهون، ويجب عليه مؤونته، ولا يملك من التصرف ما يزيل حق المرتهن لا ببيع ولا هبة، وفي العتق خلاف مشهور.
والعبد المنذور عتقه والهدي والمال الذي قد نذر الصدقة بعينه ونحو ذلك مما استحق صرفه إلى القربة قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: هل يزال ملكه عنه بذلك أم لا؟ وكلا القولين خارج عن قياس الملك المطلق، فمن قال: لم يزل ملكه عنه- كما قد يقوله أكثر أصحابنا- فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى الجهة المعينة بالإعتاق أو النسك أو الصدقة وهو نظير العبد المشترى بشرط العتق أو الصدقة أو الصلة، أو الفدية المشتراة بشرط الإهداء إلى الحرم، ومن قال: زال ملكه عنه فإنه
(1/199)

يقول: هو الذي يملك عتقه وإهداءه والصدقة به، وهو أيضا خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع.
وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين: هل يصير الموقوف ملكا لله، أو ينتقل إلى الموقوف عليه، أو يكون باقيا على ملك الواقف؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.
وعلى كل تقدير: فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع أو الهبة، وكذلك ملك الموهوب له، حيث يجوز للواهب الرجوع، كالأب إذا وهب لابنه عند فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد: نوع مخالف لغيره، حيث سلط غير المالك على انتزاعه منه وفسخ عقده.
ونظيره سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه، كالمبيع بشرط عند من يقول انتقل إلى المشتري كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما، وكالمبيع إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز، وكالمبيع الذي ظهر فيه عيب أو فوات صفة عند جميع المسلمين، فهنا في المعاوضة والتبرع يملك العاقد انتزاعه، وملك الأب لا يملك انتزاعه، وجنس الملك يجمعهما، وكذلك ملك الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذي اتبعوا فيه معنى الكتاب وصريح السنة.
وطوائف من السلف يقولون: هو مباح للأب مملوك للابن، بحيث يكون للأب كالمباحات التي تملك بالاستيلاء، وملك الابن ثابت عليه، بحيث يتصرف فيه تصرفا مطلقا.
(1/200)

فإذا كان الملك يتنوع أنواعا، وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته، وما لم أصفه: لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان، يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له، ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه، والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض، فإذا لم يكن فيه فساد أو كان فساده مغمورا بالمصلحة لم يحظره أبدا (1) اهـ.
__________
(1) إلى هنا انتهى ما نقل من [القواعد النورانية] لابن تيمية (الناشر) .
(1/201)

وقال ابن حزم: مسألة: وكل شرط وقع في بيع منهما أو من أحدهما برضى الآخر فإنهما إن عقداه قبل عقد البيع أو بعد تمام البيع بالتفرق بالأبدان أو بالتخيير أو في أحد الوقتين- يعني: قبل العقد أو بعده- ولم يذكراه في حين عقد البيع؛ فالبيع صحيح تام والشرط باطل لا يلزم (1) ، فإن ذكرا ذلك الشرط في حال عقد البيع (2) فالبيع باطل مفسوخ، والشرط باطل، أي شرط كان لا تحاش شيئا إلا سبعة شروط فقط فإنها لازمة والبيع صحيح إن اشترطت في البيع، وهي اشتراط الرهن فيما تبايعاه إلى أجل مسمى، واشتراط تأخير الثمن إن كان دنانير أو دراهم إلى أجل مسمى، واشتراط أداء الثمن إلى الميسرة وإن لم يذكرا أجلا، واشتراط صفات المبيع التي يتراضيانها معا ويتبايعان ذلك الشيء على أنه بتلك الصفة، واشتراط أن لا خلابة، وبيع العبد أو الأمة فيشترط المشتري مالهما أو بعضه مسمى معينا أو جزءا منسوبا مشاعا في جميعه، سواء كان مالهما
__________
(1) في النسخة رقم 16 (فلم يلزم) .
(2) في النسخة رقم 16 في حال العقد.
(1/201)

مجهولا كله، أو معلوما كله، أو معلوما بعضه مجهولا بعضه، أو بيع أصول نخل فيها ثمرة قد أبرت قبل الطيب أو بعده، فيشترط المشتري الثمرة لنفسه أو جزءا معينا منها أو مسمى مشاعا في جميعها، فهذه ولا مزيد وسائرها باطل كما قدمنا، كمن باع مملوكا بشرط العتق أو أمة بشرط الإيلاد، أو دابة واشترط ركوبها مدة مسماة، قلت أو كثرت، أو إلى مكان مسمى قريب أو بعيد، أو دارا واشترط سكناها ساعة فما فوقها، أو غير ذلك من الشروط كلها.
برهان ذلك: ما رويناه من طريق مسلم بن الحجاج، نا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، نا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - نا هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني عائشة أم المؤمنين فذكرت حديثا قالت فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه [بما هو أهله] (1) ثم قال: «أما بعد فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (2) » ، وذكر باقي الخبر، ومن طريق أبي داود، حدثنا القعنبي وقتيبة بن سعيد قالا جميعا: نا الليث - هو: ابن سعد - عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير قال: إن عائشة أم المؤمنين أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق (3) »
__________
(1) الزيادة من [صحيح مسلم] (1 \ 440) .
(2) صحيح البخاري العتق (2563) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن الترمذي الوصايا (2124) ، سنن النسائي الطلاق (3451) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) ، مسند أحمد بن حنبل (6/82) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(3) الحديث في [سنن أبي داود] مطولا اختصره المؤلف.
(1/202)

فهذا الأثر كالشمس صحة وبيانا يرفع الإشكال كله، فلما كانت الشروط كلها باطلة غير ما ذكرنا كان عقد من بيع أو غيره عقد على شرط باطل باطلا ولا بد؛ لأنه عقد على أنه لا يصح (1) إلا بصحة الشرط، والشرط لا صحة له فلا صحة لما عقد بأن لا صحة له إلا بصحة ما لا يصح.
قال أبو محمد: وأما تصحيحنا الشروط السبعة التي ذكرناها فإنها منصوص على صحتها، وكل ما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه (2) فهو في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3) وقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (4) {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (5) وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (6) فأما (7) اشتراط الرهن في البيع إلى أجل مسمى فلقوله تعالى: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} (8) وأما اشتراط الثمن إلى أجل مسمى فلقول الله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (9) وأما اشتراط أن لا خلابة فقد ذكرنا الخبر في ذلك قبل هذا المكان بنحو أربع مسائل (10) ، وأما اشتراط الصفات التي يتبايعان عليها من السلامة أومن أن لا خديعة ومن صناعة العبد أو الأمة أو سائر صفات المبيع- فلقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (11) فنص تعالى على التراضي منهما والتراضي لا يكون إلا على
__________
(1) في النسخة رقم 14 (لأنه عقد ما لا يصح) .
(2) سقط لفظ (عليه) من النسخة رقم 14.
(3) سورة النحل الآية 44
(4) سورة النجم الآية 3
(5) سورة النجم الآية 4
(6) سورة النساء الآية 80
(7) في النسخة رقم 14 (وأما) .
(8) سورة البقرة الآية 283
(9) سورة البقرة الآية 282
(10) ذكر في (8 \ 376) من [المحلى] (الطبعة المنيرية) .
(11) سورة النساء الآية 29
(1/203)

صفات المبيع، وصفات الثمن ضرورة، وأما اشتراط الثمن إلى الميسرة، فلقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (1) وروينا من طريق شعبة أخبرني عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن عائشة أم المؤمنين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي قدمت عليه ثياب ابعث إلي بثوبين إلى الميسرة» وذكر باقي الخبر، وأما مال العبد أو الأمة واشتراطه واشتراط ثمر النخل المؤبر- فلما روينا من طريق عبد الرزاق، نا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ومن باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (2) » .
قال أبو محمد: ولو وجدنا خبرا يصح في غير هذه الشروط باقيا غير منسوخ لقلنا به ولم نخالفه، وسنذكر إن شاء الله تعالى حكم هذين الشرطين إذ قد ذكرنا غيرهما والحمد لله رب العالمين، وقد ذكرنا رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كل بيع فيه شرط فليس بيعا.
قال علي: فإن احتج معارض لنا بقول الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (3) وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} (4) وبما روي: «المسلمون عند شروطهم» قلنا وبالله تعالى التوفيق (5) : أما أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود لا يختلف اثنان في أنه ليس على عمومه ولا على ظاهره، وقد جاء القرآن بأن نجتنب نواهي الله تعالى ومعاصيه فمن عقد على معصية فحرام عليه الوفاء بها فإذ لا شك في هذا فقد صح أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى
__________
(1) سورة البقرة الآية 280
(2) صحيح البخاري المساقاة (2379) ، صحيح مسلم البيوع (1543) ، سنن الترمذي البيوع (1244) ، سنن النسائي البيوع (4636) ، سنن أبو داود البيوع (3433) ، سنن ابن ماجه التجارات (2211) ، مسند أحمد بن حنبل (2/9) .
(3) سورة المائدة الآية 1
(4) سورة النحل الآية 91
(5) الزيادة من النسخة الحلبية.
(1/204)

فهو باطل والباطل محرم فكل محرم فلا يحل الوفاء به، وكذلك قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} (1) فلا يعلم ما هو عهد الله إلا بنص وارد فيه، وقد علمنا أن كل عهد نهى الله عنه فليس هو عهد الله تعالى؛ بل هو عهد الشيطان فلا يحل الوفاء به، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والباطل لا يحل الوفاء به.
وأما الأثر في ذلك فإننا رويناه من طريق ابن وهب حدثني سليمان بن بلال، نا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم (2) » ورويناه أيضا من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي حدثني الحزامي عن محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم (3) » ومن طريق ابن أبي شيبة يحيى بن أبي زائدة عن عبد الملك عن عطاء، بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون عند شروطهم» ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن الحجاج بن أرطأة عن خالد بن محمد عن شيخ من بني كنانة سمعت عمر يقول: (المسلم عند شرطه) ، ومن طريق ابن أبي شيبة، نا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال عمر بن الخطاب: (إن مقاطع الحقوق عند الشروط) ومن طريق ابن أبي شيبة، نا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال: (المسلمون عند شروطهم) .
قال أبو محمد: كثير بن زيد هو كثير بن عبد الله بن
__________
(1) سورة النحل الآية 91
(2) سنن أبو داود الأقضية (3594) ، مسند أحمد بن حنبل (2/366) .
(3) سنن أبو داود الأقضية (3594) ، مسند أحمد بن حنبل (2/366) .
(1/205)

عمرو (1) بن زيد هالك متروك باتفاق، والوليد بن رباح مجهول، والآخر عبد الملك بن حبيب هالك، ومحمد بن عمر هو الواقدي مذكور بالكذب، وعبد الرحمن بن محمد مجهول لا يعرف، ومرسل أيضا، والثالث مرسل أيضا، والذي من طريق عمر فيه الحجاج بن أرطاة وهو هالك، وخالد بن محمد مجهول، وشيخ من بني كنانة، والآخر فيه إسماعيل بن عبيد الله ولا أعرفه، وخبر علي مرسل، ثم لو صح كل ما ذكرنا لكان حجة لنا وغير مخالف لقولنا؛ لأن شروط المسلمين هي الشروط التي أباحها الله لهم لا التي نهاهم عنها، وأما التي نهوا عنها فليست شروط المسلمين، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط، أو اشترط مائة مرة، وأنه لا يصح لمن اشترطه، فصح أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فباطل، فليس هو من شروط المسلمين، فصح قولنا بيقين، ثم إن الحنفيين والمالكيين والشافعيين أشد الناس اضطرابا وتناقضا في ذلك؛ لأنهم يجيزون شروطا ويمنعون شروطا كلها سواء في أنها باطل ليست في كتاب الله عز وجل ويجيزون شروطا ويمنعون شروطا كلها سواء حق؛ لأنها في كتاب الله تعالى، فالحنفيون والشافعيون يمنعون اشتراط المبتاع مال العبد وثمرة النخل المؤبر، ولا يجيزون له ذلك البتة إلا بالشراء على حكم البيوع، والمالكيون والحنفيون والشافعيون لا يجيزون البيع إلى الميسرة، ولا شرط قول: لا خلابة عند البيع، وكلاهما في كتاب الله عز وجل لأمر
__________
(1) في النسخة رقم 14 (بن عمر) وهو غلط.
(1/206)

النبي (1) صلى الله عليه وسلم بهما وينسون هاهنا (2) : «المسلمون عند شروطهم» وكلهم يجيز بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها بشرط القطع وهو شرط ليس في كتاب الله تعالى، بل قد صح النهي عن هذا البيع جملة، ومثل هذا كثير.
قال أبو محمد: ولا يخلو كل شرط اشترط في بيع أو غيره من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما إباحة مال لم يجب في العقد، وإما إيجاب عمل، وإما المنع من عمل، والعمل يكون بالبشرة أو بالمال فقط، وكل ذلك حرام بالنص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام (3) » وأما المنع من العمل فإن الله تعالى يقول: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} (4) فصح بطلان كل شرط جملة إلا شرطا جاء النص من القرآن أو السنة بإباحته، وهاهنا أخبار نذكرها ونبينها إن شاء الله تعالى لئلا يعترض بها جاهل أو مشغب.
حدثني محمد بن إسماعيل العذري القاضي بسرقسطة، نا محمد بن علي الرازي المطوعي، نا محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري نا جعفر بن محمد الخلدي، نا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير نا محمد بن سليمان الذهلي، نا عبد الوارث - هو: ابن سعيد التنوري - قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عمن باع بيعا واشترط شرطا، فقال: (البيع باطل والشرط باطل) ، ثم سألت ابن أبي ليلى عن ذلك؟ فقال: (البيع جائز والشرط باطل) ، ثم سألت ابن شبرمة عن ذلك؟
__________
(1) في النسخة رقم 16 (أمر النبي) .
(2) في النسخة رقم 14هنا.
(3) صحيح البخاري الفتن (7078) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) ، مسند أحمد بن حنبل (5/37) ، سنن الدارمي المناسك (1916) .
(4) سورة التحريم الآية 1
(1/207)

فقال: (البيع جائز والشرط جائز) فرجعت إلى أبي حنيفة فأخبرته بما قالا فقال: (لا أدري ما قالا، حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع وشرط» ، البيع باطل والشرط باطل) ، فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بما قالا: فقال: (لا أدري ما قالا، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشتري بريرة واشترطي لهم الولاء (1) » ، البيع جائز والشرط باطل) ، فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قالا فقال: (لا أدري ما قالا، نا مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله (أنه باع من رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة) البيع جائز والشرط (جائز) .
وهاهنا خبر رابع رويناه من طريق أحمد بن شعيب، أنا زياد بن أيوب، نا ابن علية، نا أيوب السختياني، نا عمرو بن شعيب، حدثني أبي عن أبيه عن أبيه (2) حتى ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن (3) » ، وبه أخذ أحمد بن حنبل فيبطل البيع إذا كان فيه شرطان ويجيزه إذا كان فيه شرط واحد، وذهب أبو ثور إلى الأخذ بهذه الأحاديث كلها فقال: إن اشترط البائع بعض ملكه كسكنى الدار مدة مسماة أو دهره كله أو خدمة العبد كذلك أو ركوب الدابة كذلك أو لباس الثوب كذلك جاز البيع والشرط؛ لأن الأصل له والمنافع له فباع ما شاء وأمسك ما شاء، وكل بيع اشترط فيه ما يحدث في ملك المشتري فالبيع جائز والشرط باطل كالولاء ونحوه،
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2168) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(2) سقط لفظ (عن أبيه) الثاني من [سنن النسائي] (7 \ 295) .
(3) سنن الترمذي البيوع (1234) ، سنن النسائي البيوع (4611) ، سنن أبو داود البيوع (3504) ، سنن الدارمي البيوع (2560) .
(1/208)

وكل بيع اشترط فيه عمل أو مال على البائع أو عمل المشتري فالبيع والشرط باطلان معا.
قال أبو محمد: هذا خطأ من أبي ثور؛ لأن منافع ما باع البائع من دار أو عبد أو دابة أو ثوب أو غير ذلك فإنما هي له ما دام كل ذلك في ملكه، فإذا خرج من ملكه فمن الباطل والمحال أن يملك ما لم يخلقه الله تعالى بعد من منافع ما باع، فإذا أحدثها الله تعالى فإنما أحدثها الله تعالى في ملك غيره فهي ملك لمن حدثت (عنده) (1) في ملكه فبطل توجيه أبي ثور، وكذلك باقي تقسيمه؛ لأنه دعوى بلا برهان.
وأما قول أحمد فخطأ أيضا؛ لأن تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرطين (2) في بيع ليس مبيحا لشرط واحد ولا محرما له لكنه مسكوت عنه في هذا الخبر فوجب طلب حكمه في غيره فوجدنا قوله صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل (3) » فبطل الشرط الواحد وكل ما لم يعقد إلا به، وبالله تعالى التوفيق.
وبقي حديث بريرة وجابر في الجمل فنقول وبالله تعالى التوفيق: إننا روينا ما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات، نا محمد بن أحمد بن مفرج، نا عبد الله بن جعفر بن الورد، نا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ونا يحيى بن بكير، نا الليث بن سعد عن هشام بن عروة عن عروة «عن عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني،
__________
(1) الزيادة من النسخة رقم 16.
(2) في النسخة رقم 14 (للشرطين) .
(3) صحيح البخاري العتق (2563) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن النسائي الطلاق (3451) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) ، مسند أحمد بن حنبل (6/213) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(1/209)

فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون لي ولاؤك فعلت، فعرضتها عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فسألها فأخبرته فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية في الناس فحمد الله عز وجل، ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عز وجل، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق (3) » وذكر باقي الخبر.
ومن طريق البخاري، نا أبو نعيم، نا عبد الواحد بن أيمن، نا أبي قال: «دخلت على عائشة [رضي الله عنها] فقالت: دخلت بريرة - وهي مكاتبة- وقالت: اشتريني وأعتقيني، قالت: نعم، قالت: لا تبيعوني حتى يشترطوا ولائي، فقالت عائشة: لا حاجة لي بذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتريها وأعتقيها، ودعيهم يشترطون ما شاءوا فاشترتها عائشة فأعتقتها واشترط أهلها الولاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق وإن كان مائة شرط (5) » .
قال أبو محمد: فالقول في هذا الخبر هو على ظاهره دون تزيد ولا ظن كاذب مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحريف اللفظ، وهو إن اشترط الولاء على المشتري في المبيع للعتق كان لا يضر البيع شيئا، وكان البيع على هذا
__________
(1) صحيح البخاري العتق (2563) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(2) في النسخ كلها (أن أحبوا أهلك) . (1)
(3) في النسخة رقم 14 أن يكون لهم الولاء. (2)
(4) صحيح البخاري كتاب العتق (2565) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(5) الزيادة من [صحيح البخاري] كتاب [المكاتب] باب (5) (3 \ 304) والحديث فيه مطول اختصره المصنف. (4)
(1/210)

الشرط جائزا حسنا مباحا وإن كان الولاء مع ذلك للمعتق، وكان اشتراط البائع الولاء لنفسه مباحا غير منهي عنه ثم نسخ الله عز وجل ذلك وأبطله إذ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كما ذكرنا فحينئذ حرم أن يشترط هذا الشرط أو غيره جملة إلا شرطا في كتاب الله تعالى لا قبل ذلك أصلا، وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (1) وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (2)
برهان ذلك أنه عليه السلام قد أباح ذلك وهو عليه السلام لا يبيح الباطل ولا يغر أحدا ولا يخدعه، فإن قيل: فهلا أجزتم البيع بشرط العتق في هذا الحديث؟ قلنا: ليس فيه اشتراطهم عتقها أصلا (3) ولو كان لقلنا به، وقد يمكن أنهم اشترطوا ولاءها إن أعتقت يوما ما أو إن أعتقها، إذ إنما في الحديث أنهم اشترطوا ولاءها لأنفسهم فقط ولا يحل أن يزاد في الأخبار شيء لا لفظ ولا معنى فيكون من فعل ذلك كاذبا إلا أننا نقطع ونبت أن البيع بشرط العتق لو كان جائزا لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وبينه، فإذ لم يفعل فهو شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولا فرق بين البيع بشرط العتق وبين بيعه بشرط الصدقة أو بشرط الهبة أو بشرط التدبير وكل ذلك لا يجوز.
وأما حديث جابر فإننا رويناه من طريق [البخاري] نا أبو نعيم، نا زكريا سمعت عامرا الشعبي يقول: «حدثني جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فدعا له فسار سيرا ليس يسير مثله
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 36
(2) سورة الأحزاب الآية 6
(3) في النسخة رقم 14 عتقا أصلا
(4) صحيح البخاري الشروط (2718) ، صحيح مسلم المساقاة (715) ، مسند أحمد بن حنبل (3/314) .
(1/211)

ثم قال: بعنيه بأوقية قلت: لا، ثم قال: بعنيه بأوقية فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرف فأرسل على أثري فقال: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك فهو مالك (1) » .
ومن طريق [مسلم] نا ابن نمير، نا أبي نا زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن عامر الشعبي، حدثني جابر بن عبد الله، فذكر هذا الخبر وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «بعنيه فبعته بأوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت فأرسل في أثري فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك ودراهمك فهو لك (3) » .
ومن طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن العلاء نا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله فذكر هذا الخبر وفيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ما فعل الجمل، بعنيه، قلت: يا رسول الله بل هو لك قال: لا بل بعنيه، قلت: بل هو لك، قال: [لا، بل] بعنيه، قد أخذته بأوقية، اركبه فإذا قدمت المدينة فأتنا به فلما قدمت المدينة جئته به فقال لبلال: [يا بلال] زن له أوقية وزده قيراطا (7) » هكذا رويناه من طريق عطاء عن جابر.
قال أبو محمد: روي هذا أن ركوب جابر الجمل كان تطوعا من رسول
__________
(1) في [صحيح البخاري] (4 \ 30) فسار يسير. (4)
(2) صحيح مسلم المساقاة (715) ، مسند أحمد بن حنبل (3/376) .
(3) في النسخة رقم 16 (ثم إني رجعت) وما هنا موافق لما في {صحيح مسلم] (1 \ 470) . (2)
(4) صحيح مسلم الرضاع (715) ، سنن النسائي البيوع (4639) .
(5) في [سنن النسائي] (7 \ 299) قلت: بل هو لك يا رسول الله. (4)
(6) الزيادة من [سنن النسائي] . (5)
(7) الزيادة من [سنن النسائي] (6)
(1/212)

الله صلى الله عليه وسلم واختلف فيه على الشعبي وأبي الزبير فروي عنهما عن جابر أنه كان شرطا من جابر، وروي عنهما أنه كان تطوعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نسلم له أنه كان شرطا.
ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق: إنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أخذته بأوقية (1) » ، وصح عنه عليه السلام أنه قال: «أتراني ماكستك لآخذ جملك، ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك فهو مالك (2) » كما أوردنا آنفا، فصح يقينا أنهما أخذان: أحدهما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر لم يفعله؛ بل انتفى عنه، ومن جعل كل ذلك أخذا واحدا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه.
وهذا كفر محض، فإذا لا بد من أنهما أخذان؛ لأن الأخذ الذي أخبر به عليه السلام عن نفسه هو بلا شك غير الأخذ الذي انتفى عنه البتة، فلا سبيل (3) إلى غير ما يحمل عليه ظاهر الخبر، وهو أنه عليه السلام أخذه وابتاعه ثم تخير قبل التفرق ترك (4) أخذه، وصح أن في حال المماكسة كان ذلك أيضا في نفسه عليه السلام؛ لأنه عليه السلام أخبره أنه لم يماكسه ليأخذ جمله، فصح أن البيع لم يتم فيه قط، فإنما اشترط جابر ركوب جمل نفسه فقط.
وهذا هو مقتضى لفظ الأخبار إذا جمعت ألفاظها، فإذ قد صح أن ذلك البيع لم يتم ولم يوجد في شيء من ألفاظ ذلك الخبر أصلا أن البيع تم بذلك
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/314) .
(2) صحيح مسلم المساقاة (715) .
(3) في النسخة رقم 16 (إذ لا سبيل) .
(4) في النسخة رقم 14 (وترك) .
(1/213)

الشرط فقد بطل أن يكون في هذا الخبر حجة في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها أصلا، وبالله تعالى التوفيق.
فأما الحنفيون والشافعيون: فلا يقولون بجواز هذا الشرط أصلا، فإنما الكلام بيننا وبين المالكيين فيه فقط، وليس في هذا الخبر تحديد يوم ولا مسافة قليلة من كثيرة ومن ادعى ذلك فقد كذب، فمن أين خرج لهم تحديد مقدار دون مقدار؟ ويلزمهم إذ لم يجيزوا بيع الدابة على شرط ركوبها شهرا ولا عشرة أيام، وأبطلوا هذا الشرط وأجازوا بيعها واشتراط ركوبها مسافة يسيرة أن يحدوا المقدار الذي يحرم به ما حرموه من ذلك المقدار الذي حللوه، هذا فرض عليهم، وإلا فقد تركوا من اتبعهم في سخنة عينه وفي ما لا يدري لعله يأتي حراما (1) أو يمنع حلالا.
وهذا ضلال مبين، فإن حدوا في ذلك مقدارا ما سئلوا عن البرهان في ذلك إن كانوا صادقين، فلاح فساد هذا القول بيقين لا شك فيه، ومن الباطل المتيقن أن يحرم الله تعالى علينا ما لا يفصله لنا من أوله لآخره لنجتنبه ونأتي ما سواه، إذا كان تعالى يكلفنا ما ليس في وسعنا من أن نعلم الغيب وقد أمننا الله تعالى من ذلك.
(فإن قالوا) : إن في بعض ألفاظ الخبر أن ذلك كان حين دنوا من المدينة، قلنا: الدنو يختلف، ولا يكون إلا بالإضافة، فمن أتى من تبوك فكان من المدينة على ست مراحل أو خمس فقد دنا منها، ويكون الدنو أيضا على ربع ميل وأقل أو أكثر، فالسؤال باق عليكم بحسبه، وأيضا فإن
__________
(1) في النسخة رقم 14 (يأتي محرما)
(1/214)

هذه اللفظة إنما هي في رواية سالم بن أبي الجعد، وهو إنما روى أن ركوب جابر كان تطوعا من النبي صلى الله عليه وسلم وشرطا (1) ، وفي رواية المغيرة عن الشعبي عن جابر دليل على أن ذلك كان في مسيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة، وأيضا فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من ذلك الشرط إلا في مثل تلك المسافة فإذا لم يقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات، فلا تقيسوا على تلك الطريق سائر الطرق (2) ، ولا تقيسوا على اشتراط ذلك في ركوب جمل سائر الدواب، وإلا فأنتم متناقضون متحكمون بالباطل، وإذا قستم على تلك الطريق سائر الطرق، وعلى الجمل سائر الدواب فقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات، كما فعلتم في صلاته عليه السلام راكبا متوجها إلى خيبر إلى غير القبلة فقستم على تلك المسافة سائر المسافات، فلاح أنهم لا متعلق لهم في هذا الخبر أصلا.
وبالله تعالى التوفيق.
وقد جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم آثار في الشروط في البيع خالفوها، فمن ذلك: ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وددنا لو أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قد تبايعا حتى ننظر (3) أيهما أعظم جدا في التجارة، فاشترى عبد الرحمن بن عوف من عثمان فرسا بأرض
__________
(1) كذا في الأصل، ولعله (لا شرطا) .
(2) في النسخة رقم 16 (سائر الطريق) .
(3) في النسخة 14 (حتى نعلم) .
(1/215)

أخرى بأربعين ألفا أو نحوها إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم أجاز قليلا ثم رجع فقال: (أزيدك ستة آلاف إن وجدها رسولي سالمة) ، قال: (نعم) ، فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت وخرج منها بالشرط الآخر، قيل للزهري: فإن لم يشترط؟ قال: فهي من البائع، فهذا عمل عثمان وعبد الرحمن بحضرة الصحابة رضي الله عنهم وعلمهم، لا مخالف لهم يعرف منهم، ولم ينكر ذلك سعيد وصوبه الزهري، فخالف الحنفيون والمالكيون والشافعيون كل هذا، وقالوا: لعل الرسول يخطئ أو يبطئ أو يعرضه عارض فلا يدري متى يصل، وهم يشنعون مثل هذا إذا خالف تقليدهم.
ومن طريق وكيع نا محمد بن قيس الأسدي عن عون بن عبد الله عن عتبة بن مسعود قال: إن تميما الداري باع داره واشترط سكناها (1) حياته وقال: (إنما مثلي مثل أم موسى رد عليها ولدها وأعطيت أجر رضاعها) .
ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن مرة بن شراحيل قال: باع صهيب داره من عثمان واشترط سكناها، وبه يأخذ أبو ثور، فخالفوه، ولا مخالف لذلك من الصحابة ممن يجيز الشرط في البيع، وقد ذكرنا قبل ابتياع نافع بن عبد الحارث دارا بمكة للسجن من صفوان بأربعة آلاف على إن رضي عمر فالبيع تام فإن لم يرض فلصفوان أربعمائة، فخالفوهم كلهم.
ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر، أخبرني نافع
__________
(1) في النسخة 16 (سكناه) .
(1/216)

عن ابن عمر أنه اشترى بعيرا بأربعة أبعرة على أن يوفوه إياها بالربذة، وليس فيه وقت ذكر الإيفاء فخالفوه.
ومن طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد قال: أصاب عمار بن ياسر مغنما فقسم بعضه وكتب إلى عمر يشاوره، فتبايع الناس إلى قدوم الراكب، وهذا عمل عمار والناس بحضرته فخالفوه وأما نحن فلا حجة عندنا في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالله التوفيق.
وحكم علي بشرط الخلاص.
وللحنفيين والمالكيين والشافعيين تناقض عظيم فيما أجازوه من الشروط في البيع وما منعوا منه فيها قد ذكرنا بعضه ونذكر في مكان آخر إن شاء الله تعالى ما يسر الله تعالى بذكره؛ لأن الأمر أكثر من ذلك.
وبالله تعالى التوفيق. اهـ (1)
__________
(1) [المحلى] (8 \ 412- 420) المطبعة المنيرية.
(1/217)

ضوابط الشروط المقترنة بالعقد
هذا وقد نقل الدكتور عبد الرزاق السنهوري عن فقهاء الإسلام ضوابط للشروط المقترنة بالعقد صحيحها وفاسدها، وذكر عنهم كثيرا من المسائل، وأمثلة للقسمين، وقارن بين ما نقله عنهم فاستحسنت اللجنة نقله مع حذف ما يغني عنه غيره مما ذكره.
قال الدكتور عبد الرزاق ما نصه (1) :
__________
(1) [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] (3 \ 117 - 153، 167- 194) .
(1/217)

1 - الشرط الصحيح
متى يكون الشرط صحيحا؟
يتبين مما قدمناه أن الشرط المقترن بالعقد يكون صحيحا، فيصح معه العقد، إذا كان:
(أ) شرطا يقتضيه العقد.
(ب) أو شرطا يلائم العقد.
(ج) أو شرطا جرى به التعامل بين الناس.
(أ) الشرط الذي يقتضيه العقد:
النصوص في [البدائع] (1) : (وأما الشرط الذي يقتضيه العقد فلا يوجب فساده، كما إذا اشترط أن يتملك المبيع، أو باع بشرط أن يتملك الثمن، أو باع بشرط أن يحبس المبيع حتى يقبض الثمن، أو اشترى على أن يسلم المبيع، أو اشترى جارية على أن تخدمه، أو دابة على أن يركبها، أو ثوبا على أن يلبسه، أو حنطة في سنبلها وشرط الحصاد على البائع، ونحو ذلك فالبيع جائز؛ لأن البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط، فكان ذكرها في معرض الشرط تقريرا لمقتضى العقد، فلا توجب فساد العقد) اهـ.
وجاء في [الخرشي] (2) : (وبقي شرط يقتضيه العقد، وهو واضح
__________
(1) [البدائع] (5\171) .
(2) [الخرشي] (5 \ 8) .
(1/218)

الصحة، كشرط تسليم المبيع والقيام بالعيب ورد العوض عند انتقاض البيع، وهو لازم دون شرط، فشرطه تأكيد) اهـ.
وجاء في [المهذب] (1) : (إذا شرط في البيع شرطا نظرت، فإن كان شرطا يقتضيه البيع كالتسليم والرد بالعيب وما أشبههما، لم يبطل العقد؛ لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد، فلم يبطله) اهـ.
وجاء في [المغني] (2) : (والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام (أحدها) : ما هو من مقتضى العقد، كاشتراط التسليم وخيار المجلس والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه لا يفيد حكما ولا يؤثر في العقد) اهـ.
صحة الشرط الذي يقتضيه العقد أمر بديهي:
ويتبين من النصوص المتقدمة الذكر أن الشرط الذي يقتضيه العقد لا خلاف في صحته، بل إن صحته أمر بديهي، إذ هو محض تقرير لمقتضى العقد، ومقتضى العقد لازم دون شرط، فشرطه تأكيد وبيان.
__________
(1) [المهذب] (5\268) .
(2) [المغني] (5\285) .
(1/219)

(ب) الشرط الذي يلائم العقد:
النصوص:
جاء في [البدائع] (1) : (وكذلك الشرط الذي لا يقتضيه العقد، لكنه ملائم للعقد لا يوجب فساد العقد أيضا؛ لأنه مقرر لحكم العقد من حيث
__________
(1) [بدائع الصنائع] (5\171) .
(1/219)

المعنى مؤكد إياه على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فيلحق بالشرط الذي هو من مقتضيات العقد، وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشتري بالثمن رهنا أو كفيلا، والرهن معلوم والكفيل حاضر فقبل.
وجملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن: أن الرهن لا يخلو؛ إما أن يكون معلوما أو مجهولا، فإن كان معلوما فالبيع جائز استحسانا، والقياس ألا يجوز؛ لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسدا، إلا أنا استحسنا الجواز؛ لأن هذا الشرط لو كان مخالفا مقتضى العقد صورة فهو موافق له معنى؛ لأن الرهن بالثمن شرع توثيقا للثمن، وكذا الكفالة فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة، فكان كل واحد منهما مقررا لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن، وأنه لا يوجب فساد العقد، فكذا هذا، ولو قبل المشتري المبيع على هذا الشرط ثم امتنع من تسليم الرهن لا يجبر على التسليم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يجبر عليه.
وجه قوله: أن الرهن إذا شرط في البيع فقد صار حقا من حقوقه، والجبر على التسليم من حقوق البييع فيجبر عليه.
ولنا أن الرهن عقد تبرع في الأصل، واشتراطه في البيع لا يخرجه عن أن يكون تبرعا، والجبر على التبرع ليس بمشروع، فلا يجبر عليه، ولكن يقال له: إما أن تدفع الرهن أو قيمته أو تؤدي الثمن أو يفسخ البائع البيع؛ لأن البائع لم يرض بزوال البيع عن ملكه إلا بوثيقة الرهن أو بقيمته لأن قيمته تقوم مقامه؛ ولأن الدين يستوفى من مالية الرهن وهي قيمته، وإذا أدى الثمن فقد حصل المقصود فلا معنى للفسخ، ولو امتنع المشتري من هذه
(1/220)

الوجوه فللبائع أن يفسخ البيع لفوات الشرط والغرض، وإن الرهن مجهولا فالبيع فاسد؛ لأن جواز هذا الشرط- مع أن القياس يأباه لكونه ملائما للعقد- مقررا لمقتضاه معنى، لحصول معنى التوثيق والتأكد للثمن، ولا يحصل ذلك إلا بالتسليم وأنه لا يتحقق في المجهول، ولو اتفقا على تعيين رهن في المجلس جاز البيع؛ لأن المانع هو جهالة الرهن وقد زال، فكأنه كان معلوما معينا من الابتداء؛ لأن المجلس له حكم حالة واحدة، وإن افترقا عن المجلس تقرر الفساد، وكذا إذا لم يتفقا على تعيين الرهن ولكن المشتري نقد الثمن جاز البيع أيضا؛ لأن المقصود من الرهن هو الوصول إلى الثمن وقد حصل فيسقط اعتبار الوثيقة، وكذلك البيع بشرط إعطاء الكفيل؛ لأن الكفيل إن كان حاضرا في المجلس وقبل جاز البيع استحسانا، وإن كان غائبا فالبيع فاسد، وكذا إذا كان حاضرا ولم يقبل؛ لأن الجواز على مخالفة القياس ثبت لمعنى التوثيق وتوكيد الثمن، لما فيه من تقرير موجب العقد ما بينا، فإذا كان الكفيل غائبا أو حاضرا ولم يقبل لم تصح الكفالة، فلم يحصل معنى التوثيق، فبقي الحكم على ما يقتضيه القياس، وكذا إذا كان الكفيل مجهولا فالبيع فاسد؛ لأن كفالة المجهول لا تصح، ولو كان الكفيل معينا وهو غائب ثم حضر وقبل الكفالة في المجلس- جاز البيع؛ لأنه جازت الكفالة بالقبول في المجلس، وإذا حضر بعد الافتراق تأكد الفساد، ولو شرط المشتري على البائع أن يحيله بالثمن على غريم من غرمائه أو على أن يضمن الثمن لغريم من غرماء البائع فالبيع فاسد؛ لأن شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد، والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل إلا إذا كان فيه تقرير موجب العقد
(1/221)

وتأكيده، والحوالة إبراء عن الثمن وإسقاط له فلم يكن ملائما للعقد، بخلاف الكفالة والرهن. اهـ.
وجاء في الحطاب (1) : قال في البيوع الفاسدة: (منها: وإن بعته على حميل لم تسمياه ورهن لم تصفاه جاز، وعليه الثقة ورهن وحميل، وإن سميتما الرهن أجبر على أن يدفعه إليك إن امتنع، وليس هذا من الرهن الذي لم يقبض، وكذلك إن تكلفت به على أن يعطيك عبده رهنا فإن امتنع من دفعه إليك أجبر. اهـ.
قال اللخمي في كتاب [الرهن] : البيع على غير رهن معين جائز، وعلى الغريم أن يعطيك الصنف المعتاد، والعادة في الخواص أن ترهن ما يغاب عليه كالثياب والحلي وما لا يغاب عليه كالدور وما أشبهها، وليس العادة العبيد والدواب، وليس على المرتهن قبول ذلك وإن كان مصدقا في تلفه؛ لأن في حفظه مشقة وكلفة ... اهـ، وقال ابن الحاجب في باب الرهن: ويجبر البائع وشبهه في غير معين في التوضيح، تعني من باع سلعة بثمن مؤجل على شرط أن يأخذ منه رهنا به، فإن كان الرهن المشترط غير معين وأبى المشتري من دفعه خير البائع وشبهه من وارث وموهوب له في فسخ البيع وإمضائه، وهكذا قال ابن الجلاب مقتصرا عليه، والذي نقله ابن المواز عن أشهب ونقله اللخمي وابن راشد أنه يجبر على دفع رهن يكون فيه الثقة باعتبار ذلك الدين (ابن عبد السلام) وهو المذهب) اهـ.
__________
(1) [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل] (4\ 375، 376) .
(1/222)

وجاء في [شرح المنهاج] للرملي (1) : والرهن للحاجة إليه لا سيما في معاملة من لا يعرف حاله، وشرطه العلم به، إما بالمشاهدة أو الوصف بصفات السلم، ثم الكلام هنا في وصف لم يرد على عين معينة، فهو مساو لما مر من أن الوصف لا يجزئ عن الرؤية؛ لأنه في معين لا موصوف في الذمة خلافا لمن وهم فيه، وأن يكون غير البيع، فلو شرط برهنه إياه ولو بعد قبضه فسد؛ لأنه لا يملكه إلا بعد البيع، فهو بمنزلة استثناء منفعة في البيع، فلو رهنه بعد قبضه بلا شرط مفسد صح والكفيل للحاجة إليه أيضا، وشرطه العلم به بالمشاهدة.. أو باسمه ونسبه ولا يكفي وصفه بموسر ثقة، إذ الأحرار لا يمكن التزامهم في الذمة لانتفاء القدرة عليهم، بخلاف المرهون فإنه يثبت في الذمة، فإن لم يرهن المشتري ما شرط عليه رهنه وإن أتى برهن غير المعين ولو أعلى قيمة منه، أو لم يتكفل المعين بأن امتنع أو مات قبله وإن أقام المشتري ضامنا غيره ثقة فللبائع الخيار، ولا يجبر من شرط عليه ذلك على القيام بالمشروط لزوال الضرر بالفسخ ويتخير أيضا فيما إذا لم يقبضه الرهن لهلاكه أو غيره. اهـ.
وجاء في [الشرح الكبير للمقنع] (2) : (الثاني شرط من مصلحة العقد، كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن أو الضمين، أو الشهادة، أو صفة في المبيع مقصودة نحو كون العبد كاتبا أو خطيبا أو صانعا أو مسلما أو الأمة بكرا أو الدابة هملاجة أو الفهد صيودا، فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به،
__________
(1) [شرح المنهاج] (3\436- 438) .
(2) [الشرح الكبير] (4\48) .
(1/223)

فإن لم يف به فللمشتري الفسخ والرجوع بالثمن) اهـ.
(1/224)

ما يجب لصحة الشرط الذي يلائم العقد:
الأمثلة التي وردت في النصوص المتقدمة عن الشرط الذي يلائم العقد هي:
1 - شرط أخذ الرهن بالثمن.
2 - شرط أخذ الكفيل بالثمن.
3 - شرط الحوالة بالثمن.
وكلها شروط تلائم العقد، فهي وإن كان العقد لا يقتضيها إلا أنها لا تتعارض معه ولا تتنافى مع أحكامه، بل هي من مصلحة العقد وتتعلق بها مصلحة العاقدين.
والمذهب الحنفي: يقتصر كما رأينا على القول بأن الشرط يلائم العقد، أما المذاهب الأخرى فالتعبير فيها أقل تحفظا، تقول المالكية: الشرط الذي لا يقتضيه العقد ولا ينافيه وهو من مصلحته. وتقول أيضا: لأن ذلك كله مما يعود على البيع بمصلحة ولا معارض له من جهة الشرع.
وتقول الشافعية: شرط لا يقتضيه العقد ولكن فيه مصلحة وتدعو الحاجة إليه.
وتقول الحنابلة: شرط من مصلحة العقد وتتعلق به مصلحة العاقدين.
على أن هذه المذاهب تختلف عندما تقرر ما يجب لصحة الشرط الذي يلائم العقد، فأضيقها في ذلك هو: المذهب الحنفي، وأوسعها هو:
(1/224)

المذهب المالكي.
ففي المذهب الحنفي: إذا كان الرهن الذي يتوثق الثمن به مجهولا، أو كان الكفيل مجهولا أو كان غير حاضر في المجلس أو كان حاضرا ولم يقبل الكفالة: فإن الشرط يكون فاسدا ويفسد معه البيع، أما في الرهن فلأن جواز هذا الشرط- مع أن القياس يأباه لكونه ملائما للعقد- مقررا لمقتضاه معنى لحصول معنى التوثيق والتأكد للثمن، ولا يحصل ذلك إلا بالتسليم وأنه لا يتحقق في المجهول، وأما في الكفيل فلأن الجواز على مخالفة القياس ثبت لمعنى التوثيق وتوكيد الثمن لما فيه من تقرير موجب العقد.
فإذا كان الكفيل غائبا أو حاضرا ولم يقبل لم تصح الكفالة، فلم يحصل معنى التوثق، فبقي الحكم على ما يقتضيه القياس، وكذا إن كان الكفيل مجهولا فالبيع فاسد لأن كفالة المجهول لا تصح، فلا بد إذن لصحة الشرط الملائم للعقد أن يكون تاما نافذ الأثر وقت العقد، فيقبل الكفالة بالثمن، وسلم المشتري الرهن للبائع، وذلك كله قبل انفضاض مجلس العقد، على أنه يجوز أن يكون الرهن- لا الكفيل- غائبا عن المجلس ما دام معلوما إذا كان عينا معينة، أو ما دام يمكن ضبطه بالوصف إذا كان شيئا غير معين إلا بالنوع، ففي هذه الحالة يصح شرط الرهن ويصح معه العقد، ويجب على المشتري تسليم الرهن أو قيمته إلى البائع بعد العقد، وإلا كان البائع بالخيار، إذا لم ينقد الثمن بين فسخ العقد أو إبقائه، ولكن لا يجبر المشتري على تسليم الرهن خلافا لقول زفر إذ يذهب إلى أن الرهن إذا شرط في العقد فقد صار حقا من حقوقه ويجبر المشتري على تنفيذه،
(1/225)

والفرق بين الكفالة والرهن في هذا الصدد إذ يشترط حضور الكفيل وقبول الكفالة ولا يشترط حضور الرهن على ما بينا.
ويوضحه صاحب [فتح القدير] إذ يقول: الآن وجوب الثمن في ذمة الكفيل يضاف إلى البيع فيصير الكفيل كالمشتري، فلا بد من حضور العقد بخلاف الرهن لا تشترط حضرته، لكن ما لم يسلم للبائع لا يثبت فيه حكم الرهن وإن انعقد عقد الرهن بذلك الكلام، فإن سلم معنى العقد على ما عقدا، وإن امتنع عن تسليمه لا يجبر عندنا، بل يؤمر بدفع الثمن، فإن لم يدفع الرهن ولا الثمن خير البائع في الفسخ) .
والظاهر من النصوص: أن الشافعية والحنابلة كالحنفية في وجوب تعيين المرهون وتعيين الكفيل بالذات، فلا يكفي وصف الكفيل بموسر ثقة، ولكن يبدو أن الشافعية والحنابلة لا يتشددون تشدد الحنفية في وجوب أن يكون الكفيل حاضرا في مجلس العقد، وأن يقبل الكفالة قبل انفضاض المجلس، فيكفي أن يكون كل من الرهن والكفيل معينا معلوما على الوجه الذي قدمناه، فإن لم يسلم المشتري الرهن للبائع قبل العقد أو لم يقبل الكفيل الكفالة أو مات قبل القبول خير البائع إذا لم ينقده المشتري الثمن.
ويقول الرملي في هذا الصدد: فإن لم يرهن المشتري ما شرط عليه رهنه وإن أتى برهن غير معين ولو أعلى قيمة منه أو لم يتكفل المعين بأن امتنع أو مات قبله، وإن أقام المشتري ضامنا غيره ثقة: فللبائع الخيار ... ولا يجبر من شرط عليه ذاك على القيام بالمشروط؛ لزوال الضرر بالفسخ،
(1/226)

ويتخير أيضا فيما إذا لم يقبضه الرهن لهلاكه أو غيره.
أما المذهب المالكي: فهو كما قدمنا أوسع المذاهب في هذه المسألة، فعنده يصح الشرط حتى لو لم يكن الرهن أو الكفيل معينا، ويقول الحطاب: (وإن بعته على حميل لم تسمياه ورهن لم تصفاه جاز) ، ليس هذا فحسب، بل أيضا إذا عين الرهن بعد العقد وامتنع المشتري عن تسليمه أجبر على ذلك، ولا يقتصر الأمر على إعطاء البائع حق الفسخ إذا لم ينقد الثمن، وإذا لم يعين الرهن أجبر المشتري على أن يعطي الصنف المعتاد: ثيابا أو حليا أو دارا أو نحو ذلك، ولا يجبر البائع على قبول ما في حفظه مشقة وكلفة كالعبيد والدواب.
ويقول الحطاب أيضا في ذلك: (وإن سميتما الرهن أجبر على أن يدفعه إليك إن امتنع، وليس هذا من الرهن الذي لم يقبض.. والبيع على رهن غير معين جائز، وعلى الغريم أن يعطيك الصنف المعتاد، والعادة في الخواص أن ترهن ما يغاب عليه كالثياب والحلي وما لا يغاب عليه كالدور وما أشبهها، وليس العادة العبيد والدواب، وليس على المرتهن قبول ذلك وإن كان مصدقا في تلفه؛ لأن في حفظه مشقة وكلفة ... والذي نقله ابن المواز عن أشهب ونقله اللخمي وابن راشد أنه يجبر على دفع رهن يكون فيه الثقة باعتبار ذلك الدين ... وهو المذهب) .
ونرى من ذلك أن المذهب الحنفي لا يكتفي في صحة الشرط بمجرد التزام المشتري بتقديم رهن أو كفيل، بل يجب أن يكون عقد الرهن أو عقد الكفالة قد انعقد مع انعقاد البيع، وتكتفي الشافعية والحنابلة بمجرد التزام
(1/227)

المشتري بتقديم رهن أو كفيل على أن يكون الرهن أو الكفيل معينا وقت العقد، أما المالكية فيكتفون هم أيضا بمجرد التزام المشتري بتقديم رهن أو كفيل.. ويزيدون على ذلك أنهم لا يشترطون أن يكون الرهن أو الكفيل معينا وقت العقد، ثم إنهم في الرهن يجبرون المشتري على تسليمه إذا كان معينا، أو على تسليم الصنف المعتاد إذا كان غير معين.
بقي شرط الحوالة، ونلاحظ أن كتب الحنفية قد تضاربت في صحة هذا الشرط، فقد جاء في [البدائع]- كما رأينا-: (ولو شرط المشتري على البائع أن يحيله بالثمن على غريم من غرمائه أو على أن يضمن الثمن لغريم من غرماء البائع فالبيع فاسد، لأن شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد، والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل إلا إذا كان فيه تقرير موجب العقد وتأكيده، والحوالة إبراء عن الثمن وإسقاط له فلم يكن ملائما للعقد بخلاف الكفالة والرهن) ، والفرض أن يرد الشرط في عقد البيع قاضيا بحوالة الثمن الذي في ذمه المشتري حوالة دين إلى ذمة شخص آخر قد يكون مدينا للمشتري (غريما من غرمائه) ، فيصبح هذا المدين وقد تحمل الدين بالثمن نحو البائع وتبرأ ذمة المشتري من الثمن، هذا الشرط لا يقتضيه العقد، ثم هو يلائم العقد؛ لأن الحوالة إبراء لذمة المشتري من الثمن كما يقول صاحب [البدائع] ، ولكن إذا كانت الحوالة إبراء عن الثمن وإسقاطا له من وجه فهي من وجه آخر تقرير لوجوب الثمن وتأكيد له، فإن الإبراء لا يكون إلا عن شيء واجب، هذا إلى أن الحوالة ليست إبراء فحسب، إذ هي إبراء لذمة المحيل- إبراء غير كامل- وشل لذمة المحال عليه، وفي هذا أيضا تقرير لوجوب الثمن وتأكيد له.
(1/228)

ولا يختلف الأمر إذا ضمن المشتري الثمن لغريم من غرماء البائع أي لدائن من دائنيه ولو كان ذلك عن طريق حوالة الدين الذي في ذمة البائع لدائنه إلى ذمة المشتري، فإن المشتري بقبوله هذه الحوالة إنما تؤكد وجوب الثمن في ذمته وبدلا من أن يدفعه للبائع يكون واجبا عليه أن يدفعه لدائن البائع، فالشرط كما نرى ملائم لمقتضى عقد البيع كل الملاءمة، ويعدل في ذلك شرط الرهن وشرط الكفالة.
من أجل ذلك نرجح الأخذ بما جاء في [فتح القدير] من أن (شرط الحوالة كالكفالة) وبما جاء في [المبسوط] من أن (شرط الحوالة في هذا كشرط الكفالة) ؛ لأنه لا ينافي وجود أصل الثمن في ذمة المشتري، فإن الحوالة تحويل ولا يكون ذلك إلا بعد وجود الثمن في ذمة المشتري، بخلاف ما لو شرط وجوب الثمن ابتداء على غير المشتري بالعقد فإن ذلك ينافي موجب العقد فكان مفسدا للعقد) .
(1/229)

الشرط الذي يلائم العقد يصح استثناء على سبيل الاستحسان عند الحنفية ويصح أصلا في المذاهب الأخرى
لم تجز الحنفية الشرط الذي يلائم العقد إلا استثناء على سبيل الاستحسان، ملحقين إياه في المعنى بالشرط الذي يقتضيه العقد، وإلا فإن الشرط ولو لاءم العقد ما دام العقد لا يقتضيه لا يجوز على مقتضى القياس عند الحنفية، فإن فيه زيادة منفعة لا يقتضيها العقد، فيكون عقدا في عقد وهذا لا يجوز.
(1/229)

وإنما صح هذا الشرط على سبيل الاستحسان كما قدمنا، لأنه مقرر لحكم العقد من حيث المعنى، مؤكد إياه، فاشتراط الرهن أو الكفالة بالثمن يؤكد وجوب استيفاء الثمن، واستيفاء الثمن ملائم للعقد، ومثل هذا الاشتراط يكون بمثابة اشتراط صفة الجودة في الثمن.
جاء في [المبسوط] (1) : (وإن شرط أن يرهنه المبتاع هذا بعينه: ففي القياس العقد فاسد، لما بينا (2) أنه شرط عقد في عقد، وفي الاستحسان يجوز هذا العقد؛ لأن المقصود بالرهن الاستيفاء، فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء.
وشرط استيفاء الثمن ملائم للعقد، ثم الرهن بالثمن للتوثق بالثمن، فاشتراط ما يتوثق به كاشتراط صفة الجودة في الثمن) اهـ.
وقد رأينا صاحب [البدائع] يقول في هذا المعنى: (وكذلك الشرط الذي لا يقتضيه العقد لكنه ملائم للعقد لا يوجب فساد العقد أيضا؛ لأنه مقرر لحكم العقد من حيث المعنى مؤكد إياه. فيلحق بالشرط الذي هو من مقتضيات العقد، وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشتري بالثمن رهنا ... فإن كان معلوما فالبيع جائز استحسانا، والقياس ألا يجوز؛ لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى صورة العقد فكان مفسدا، إلا أننا استحسنا الجواز؛ لأن هذا الشرط لو كان مخالفا مقتضى العقد صورة فهو موافق له
__________
(1) [المبسوط] (13\19) .
(2) أي: في [المبسوط] .
(1/230)

معنى؛ لأن الرهن بالثمن شرع توثيقا للثمن وكذا الكفالة فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة، فكان كل واحد منهما مقررا لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن وأنه لا يوجب فساد العقد، فكذا هذا) اهـ (1) .
أما في المذهب الشافعي: فالظاهر أن الشرط الذي يلائم العقد يصح أصلا لا استثناء؛ بخلاف المذهب الحنفي فالشرط فيه لا يصح إلا على سبيل الاستثناء كما قدمنا.
وأما المذهبان المالكي والحنبلي: فيبدو أنهما يجيزان الشرط الملائم للعقد على اعتبار أن هذا الشرط إذا كان العقد لا يقتضيه فإنه لا ينافي مقتضى العقد وهو من مصلحته، وما لا ينافي مقتضى العقد وإن كان العقد لا يقتضيه فهو جائز ما دامت فيه مصلحة للعقد وللمتعاقدين.
ويظهر أن الفرق بين المذهب الحنفي وهذين المذهبين في هذا الصدد أن الحنفية يوجبون لصحة الشرط في الأصل أن يكون العقد يقتضيه، ثم هم يجيزون استثناء- على سبيل الاستحسان لا على سبيل القياس- الشرط الذي يلائم العقد؛ لأنه يشبه في المعنى الشرط الذي يقتضيه العقد فيلحق به، أما المذهبان الآخران فعندهما أنه ليس من الضروري لصحة الشرط أن يكون العقد يقتضيه، بل يكفي أن يكون الشرط لا ينافي مقتضى العقد، فيصح الشرط الذي يقتضيه العقد، كما يصح الشرط الذي يلائم العقد؛
__________
(1) بدائع الصنائع (5\171) .
(1/231)

لأنه لا ينافي ما يقتضيه، والصحة في هذا الشرط وفي ذاك إنما ترد على سبيل الأصل لا على سبيل الاستثناء.
وقد رأينا الخرشي في المذهب المالكي يقول في هذا المعنى: (ولما أنهى الكلام على الشرط المناقض وترك المؤلف ذكر ما لا يقتضيه العقد لوضوحه أخذ يذكر ما لا يقتضيه ولا ينافيه وهو من مصلحته بقوله مشبها له بالحكم قبله، وهو الصحة كشرط رهن وحميل وأجل، يعني: أن البيع يصح مع اشتراط هذه الأمور، وليس في ذلك فساد ولا كراهية، لأن ذلك كله مما يعود على البيع بمصلحته، ولا معارض له من جهة الشرع) .
ثم رأينا ابن قدامة المقدسي في المذهب الحنبلي يقول في [الشرح الكبير] : (الثاني شرط من مصلحة العقد ... فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به) .
(1/232)

(ج) الشرط الذي يجري به التعامل:
النصوص:
جاء في [المبسوط] (1) : (وإن كان شرطا لا يقتضيه العقد وفيه عرف ظاهر، فذلك جائز أيضا، كما لو اشترى نعلا وشراكا بشرط أن يحذوه البائع، لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجا بينا) .
__________
(1) [المبسوط] (13\14) .
(1/232)

وجاء في [البدائع] (1) : (كذلك إن كان مما لا يقتضيه العقد ويلائم العقد أيضا، لكن للناس فيه تعامل- فالبيع جائز، كما إذا اشترى نعلا على أن يحذوه البائع أو جرابا على أن يخرزه له خفا أو ينعل خفه، والقياس ألا يجوز، وهو قول زفر رحمه الله.
وجه القياس: أن هذا شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين وأنه مفسد، كما إذا اشترى ثوبا بشرط أن يخيطه البائع له قميصا ونحو ذلك، ولنا: أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع) .
ولا يزال الشرط الذي يجري به التعامل إنما تثبت له الصحة في المذهب الحنفي على سبيل الاستحسان، أما في القياس فهو لا يجوز؛ لأن فيه زيادة منفعة لا يقتضيها العقد فيكون عقدا في عقد.
وقد رأينا صاحب [البدائع] يقول: (والقياس ألا يجوز، وهو قول زفر رحمه الله، وجه القياس: أن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين وأنه مفسد، كما إذا اشترى ثوبا بشرط أن يخيطه البائع له قميصا ونحو ذلك.
ولنا: أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس بتعامل الناس، كما سقط في الاستصناع) .
__________
(1) [بدائم الصنائع] (5\172) .
(1/233)

الشرط الفاسد
المذهب الحنفي والمذاهب الثلاثة الأخرى:
ولما كان المذهب الحنفي هو أضيق المذاهب في إباحة الشروط المقترنة بالعقد كما قدمنا، ومن ثم كان الشرط الفاسد في هذا المذهب واسع المدى، لذلك نبدأ ببحث المذهب الحنفي وحده، ثم نعقب بتأصيل هذا المذهب وتطور الفقه الإسلامي في المذاهب الثلاثة الأخرى وفي المذهب الحنفي نفسه، فهناك اتصال وثيق بين هاتين المسألتين.
أولا: المذهب الحنفي:
التمييز بين حالتين:
يجب التمييز في المذهب الحنفي بين حالتين:
(أ) حالة فيها الشرط الفاسد يفسد العقد.
(ب) وحالة فيها الشرط الفاسد يلغو دون أن يفسد العقد، فيسقط الشرط ويبقى العقد.
(أ) شرط فاسد يفسد العقد:
النصوص:
جاء في المبسوط (1) : (وإن كان شرطا لا يقتضيه العقد وليس فيه عرف
__________
(1) [المبسوط] (13\15- 18) .
(1/234)

ظاهر، قال: (فإن كان فيه منفعة لأحد المتعاقدين فالبيع فاسد) ؛ لأن الشرط باطل في نفسه والمنتفع به غير راض بدونه، فتتمكن المطالبة بينهما بهذا الشرط، فلهذا فسد به البيع، وكذلك إن كان فيه منفعة للمعقود عليه، وذلك نحو ما بينا أنه إذا اشترى عبدا على أنه لا يبيعه، فإن العبد يعجبه ألا تتناوله الأيدي، وتمام العقد بالمعقود عليه حتى لو زعم أنه حر كان البيع باطلا، فاشتراط منفعته كاشتراط منفعة أحد المتعاقدين.. قال: (وإذا اشترى عبدا على أنه يعتقه فالبيع فاسد) ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن البيع جائز بهذا الشرط، وهو قول الشافعي، لحديث بريرة رضي الله عنها فإنها جاءت إلى عائشة رضي الله عنها تستعينها في المكاتبة، قالت: إن شئت عددتها لأهلك وأعتقك، فرضيت بذلك، فاشترتها وأعتقتها، وإنما اشترتها بشرط العتق، وقد أجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لها.. ولأن العتق في المبيع قبض.. والقبض من أحكام العقد، فاشتراطه في العقد يلائم العقد ولا يفسده، وحجتنا في ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، ولأن في هذا الشرط منفعة للمعقود عليه والعقد لا يقتضيه فيفسد به العقد كما لو شرط ألا يبيع، يوضحه أنه لو شرط في الجارية أن يستولدها أو في العبد أن يدبره كان العقد فاسدا، فإذا كان اشتراط حق العتق لها يفسد البيع فاشتراط حقيقة العتق أولى، ودعواه أن هذا الشرط يلائم العقد لا معنى له فإن البيع موجب للملك والعتق مبطل له فكيف يكون بينهما ملاءمة، ثم هذا الشرط يمنع استدامة الملك فيكون ضد ما هو المقصود بالعقد، وبيع العبد لسمة لا يكون بشرط العتق، بل يكون ذلك وعدا من المشتري ثم البيع بعقد مطلقا، وهو تأويل حديث عائشة رضي الله عنها
(1/235)

فإنها اشترت بريرة رضي الله عنها مطلقا ووعدت لها أن تعتقها لترضى هي بذلك فإن بيع المكاتبة لا يجوز بغير رضاها..
وإذا اشتراه على أن يقرض له قرضا أو يهب له هبة أو يتصدق عليه صدقة أو على أن يبيعه بكذا وكذا من الثمن فالبيع في جميع ذلك فاسد؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف وعن بيعتين في بيعة.. وإن اشترى شيئا وشرط على البائع أن يحمله إلى منزله أو يطحن الحنطة أو يخيط الثوب فهو فاسد، لأن فيه منفعة لأحد المتعاقدين والعقد لا يقتضيه؛ لأنه إذا كان بعض البدل بمقابلة العمل المشروط عليه فهو إجارة مشروطة في العقد، وإن لم يكن بمقابلته شيء من البدل فهو إعارة مشروطة في البيع وهو مفسد للعقد، وكذلك لو اشترى دارا على أن يسكنها البائع شهرا، فهذه إعارة مشروطة في البيع وهو مفسد للعقد، أو هذا شرط أجل في العين والعين لا تقبل الأجل) .
وجاء في [البدائع] (1) : (ومنها شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع، أو للمشتري، أو للمبيع إن كان من بني آدم كالرقيق، وليس بملائم للعقد، ولا مما جرى به التعامل بين الناس، ونحو ما إذا باع دارا على أن يسكنها البائع شهرا ثم يسلمها إليه، أو أرضا على أن يزرعها سنة، أو دابة على أن يركبها شهرا، أو ثوبا على أن يلبسه أسبوعا، أو على أن يقرضه المشتري قرضا، أو على أن يهب له هبة، أو يزوج ابنته منه، أو يبيع منه بكذا، ونحو ذلك، أو اشترى ثوبا على أن يخيطه البائع قميصا، أو حنطة على أن يطحنها، أو ثمرة على أن يجذها، أو ربطة قائمة على الأرض على أن
__________
(1) [البدائع] (5\69- 173) .
(1/236)

يجذها، أو شيئا له حمل ومؤونة على أن يحمله البائع إلى منزله نحو ذلك: فالبيع في هذا كله فاسد؛ لأنه زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون ربا؛ لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وهو تفسير الربا، والبيع الذي فيه الربا فاسد أو فيه شبهة الربا، وأنها مفسدة للبيع كحقيقة الربا، وكذا لو باع جارية على أن يدبرها المشتري أو على أن يستولدها فالبيع فاسد؛ لأنه شرط فيه منفعة للمبيع وأنه مفسد، وكذا لو باعها بشرط أن يعتقها المشتري فالبيع فاسد في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه جائز، وبه أخذ الشافعي رحمه الله.. وكذا لو باع عبدا أو جارية بشرط ألا يبيعه وألا يهبه وألا يخرجه من ملكه فالبيع فاسد؛ لأن هذا شرط ينتفع به العبد والجارية بالصيانة عن تداول الأيدي فيكون مفسدا للبيع.
ولو اشترى شيئا بشرط أن يوفيه في منزله فهذا لا يخلو: إما أن يكون المشتري والبائع بمنزلهما في المصر، وإما أن يكون أحدهما في المصر والآخر خارج المصر، فإن كان كلاهما في المصر فالبيع بهذا الشرط جائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا، إلا إذا كان في تصحيح الشرط تحقيق الربا، كما إذا تبايعا حنطة بحنطة وشرط أحدهما على صاحبه الإيفاء في منزله، وعند محمد البيع بهذا الشرط فاسد، وهو القياس؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للمشتري فأشبه ما إذا اشترى بشرط الحمل إلى منزله أو بشرط الإيفاء في منزله وأحدهما في المصر والآخر خارج المصر، ولهما أن الناس تعاملوا البيع بهذا الشرط إذا كان المشتري في المصر، فتركنا القياس لتعامل الناس، ولا تعامل فيما إذا لم يكونا في المصر، ولا في
(1/237)

شرط الحمل إلى المنزل فعملنا بالقياس فيه.. وأما بيع الثمر على الشجر بعد ظهوره وبيع الزرع في الأرض إن اشتري بشرط الترك فالعقد فاسد بالإجماع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ولا يلائم العقد ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع لما ذكرنا؛ لأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجرة والأرض: وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطا الإعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة وأنه منهي عنه.
ونستعرض استخلاصا من النصوص المتقدمة مسائل ثلاث:
1 - الصور المختلفة للشرط الفاسد الذي يفسد العقد.
2 - الأسباب التي دعت المذهب إلى القول بفساد الشرط والعقد في هذه الصور.
3 - العقود التي يكون فيها الشرط الفاسد مفسدا للعقد.
(1/238)

1 - الصور المختلفة للشرط الفاسد الذي يفسد العقد:
يمكن القول بوجه عام أن الشرط الفاسد الذي يفسد العقد هو الذي فيه منفعة لها صاحب يطالب بها، وهذه المنفعة إما أن تكون للمبيع إذا كان رقيقا أو للبائع أو للمشتري أو لأجنبي غير المتعاقدين.
فمثل المنفعة التي تكون للمبيع إذا كان رقيقا: أن يشتري عبدا على ألا يبيعه أو يهبه أو يخرجه من ملكه بحال، أو على أن يبيعه من فلان دون غيره، أو على ألا يخرجه من بلد معين أو على أن يدبره أو يكاتبه، أو على
(1/238)

أن يعتقه على خلاف بين المذاهب، أو يشتري أمة على أن يستولدها، ففي هذه الأمثلة نرى الرقيق المبيع قد صارت له منفعة بعقد البيع يستوفيها من المشتري، فمن مصلحة الرقيق ألا يباع أو يخرج من ملك المشتري حتى لا تتداوله الأيدي أو في القليل ألا يباع إلا إلى شخص بالذات فيتحدد بذلك مجال التعامل فيه، أو أن يبقى في بلد معين له في الاستقرار فيه مصلحة ومن مصلحته أن يدبر أو يكاتب، أو يستولد إذا كان أمة، فهذا هو طريقه إلى العتق، ومن مصلحته بالأولى أن يشترط البائع عتقه.
والمنفعة التي تكون للبائع إما أن تكون منفعة تتعلق بالمبيع ذاته أو منفعة مستقلة عن المبيع.
فمثل المنفعة التي تتعلق بالمبيع أن يبيع عبدا ويشترط على المشتري أن يبقى في خدمته وقتا من الزمن، أو يبيع دارا ويشترط أن يسكنها شهرا، أو يبيع أرضا ويشترط أن يزرعها سنة، أو يبيع دابة ويشترط أن يركبها إلى مكان معين، أو يبيع ثوبا ويشترط أن يلبسه أسبوعا، ونرى في هذه الأمثلة أن البيع يتضمن إجارة أو إعارة، فيتضمن إجارة إن كان للشرط مقابل من الثمن فإن لم يكن له مقابل فالبيع يتضمن إعارة.
ومثل المنفعة المستقلة عن المبيع أن يشترط البائع على المشتري أن يقرضه قرضا، أو أن يهب له هبة، أو أن يتصدق عليه بصدقة، أو أن يشتري منه شيئا آخر أو أن يبيع له كما اشترى منه، أو أن يزوج منه ابنته، ونرى في هذه الأمثلة أن عقد البيع قد تضمن عقدا آخر: قرضا أو هبة أو صدقة أو بيعا أو زواجا.
(1/239)

والمنفعة التي تكون للمشتري تكون هي أيضا إما منفعة تتعلق بالبيع ذاته أو منفعة مستقلة عن المبيع.
فمثل المنفعة التي تتعلق بالمبيع أن يشتري حنطة ويشترط على البائع أن يطحنها أو ثوبا ويشترط على البائع أن يخيطه، أو محصولا ويشترط على البائع أن يحصده، أو يشترط أن يتركه في الأرض حتى ينضج، أو ربطة قائمة على الأرض ويشترط على البائع أن يجذها، أو يشتري ما له حمل ومؤونة ويشترط على البائع أن يحمل المبيع إلى منزله، وفي هذه الأمثلة نرى البيع قد اقترن بعقد آخر هو في أغلبها إجارة عمل البائع، وهو إعارة الأرض أو إجارتها في شرط ترك المحصول في الأرض حتى ينضج.
ومثل المنفعة المستقلة عن المبيع أن يشترط المشتري على البائع أن يقرضه قرضا، أو يهب له هبة، أو أن يتصدق عليه بصدقة، أو أن يبيع له شيئا آخر، أو أن يشتري منه كما باع له، أو أن يتزوج ابنته، وهذه هي نفس الأمثلة التي أوردناها في منفعة البائع المستقلة عن المبيع، وإنما جعلناها هنا لمصلحة المشتري لا لمصلحة البائع.
وقد تكون المنفعة لأجنبي غير المتعاقدين، كما إذا باع ساحة على أن يبني المشتري فيها مسجدا، أو باع طعاما على أن يتصدق به المشتري، أو باع دارا واشترط على المشتري أن يهبها لفلان أو يبيعها منه بكذا من الثمن، ويلاحظ أن هذه الصورة في الفقه الإسلامي تعدل في الفقه الغربي صورة الاشتراط لمصلحة الغير، ولما كان الشرط فاسدا في هذه الحالة فقد أقفل باب الاشتراط لمصلحة الغير في الفقه الحنفي.
(1/240)

2 - الأسباب التي دعت المذهب إلى القول بفساد الشرط والعقد في هذه الصور:
وقد رأينا النصوص الفقهية المتقدمة تعلل فساد الشرط والعقد في هذه الصور بعلتين مختلفتين:
العلة الأولى: أن الشرط يتضمن منفعة تجوز المطالبة بها، يكون زيادة منفعة مشروطة في عقد البيع وهي زيادة لا يقابلها عوض، فهي ربا أو فيها شبهة الربا، والمبيع الذي فيه الربا أو شبهة الربا فاسد.
العلة الثانية: أن الشرط لا يقتضيه العقد حتى يصح قياسا، ولا هو ملائم للعقد أو يجري به التعامل حتى يصح استحسانا، وقد تضمن منفعة تجوز المطالبة بها، فصار في ذاته عقدا آخر- إجارة أو إعارة أو بيعا أو قرضا أو هبة أو غير ذلك- تضمنه عقد البيع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وعن بيعتين في بيعة واحدة، وعن صفقتين في صفقة واحدة.. ومهما يكن من شأن صحة بعض هذه الأحاديث فقد أخذ بها المذهب الحنفي، وقد رأينا صاحب [المبسوط] يقول في هذا المعنى: (إن الشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين والعقد لا يقتضيه؛ لأنه إن كان بعض البدل بمقابلة العمل المشروط عليه فهو إجارة مشروطة في العقد، وإن لم يكن بمقابلته شيء من البدل فهو إعارة مشروطة في البيع، وهو مفسد للعقد.. لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف وعن بيعتين في بيعة) .
ورأينا صاحب [البدائع] يقول: (إن اشترى بشرط الترك فالعقد فاسد بالإجماع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ولا
(1/241)

يلائم العقد ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع لما ذكرنا، ولأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجرة والأرض وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطا للإعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة وأنه منهي عنه) .
ورأينا صاحب [فتح القدير] يقول: (وكذلك لو باع عبدا على أن يستخدمه البائع شهرا أو دارا على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري دراهم فهو فاسد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، وقد ورد في عين بعضها نهي خاص وهو نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف، أي: قرض، ثم خص شرطي الاستخدام والسكنى بوجه معنوي، فقال: ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن بأن يعتبر المسمى ثمنا بإزاء المبيع، وبإزاء أجرة الخدمة والسكنى- يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة) .
(1/242)

3 - العقود التي يكون فيها الشرط الفاسد مفسدا للعقد:
والظاهر من نصوص [فتح القدير] التي قدمناها: أن الشرط الفاسد لا يفسد العقد إلا إذا كان مبادلة مال بمال، كالبيع والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال (1) .
وقد ورد في المادة 323 من [مرشد الحيران] : (كل ما كان مبادلة مال بمال كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والمزارعة والمساقاة والقسمة
__________
(1) أكتفي فيما تقدم عما في [فتح القدير] بما نقل عن [المبسوط] و [البدائع] لاشتمالهما عليه.
(1/242)

والصلح عن مال.. لا يصح اقترانه بالشرط الفاسد ولا تعليقه به، بل تفسد إذا اقترنت أو علقت به.. ومثل ذلك إجازة هذه العقود فإنها تفسد باقترانها بالشرط الفاسد وبتعليقها به) .
أما ما كان مبادلة مال بغير مال كالنكاح والخلع على مال، أو كان من التبرعات كالهبة والقرض، أو من التقييدات كعزل الوكيل والحجر على الصبي من التجارة، أو من الإسقاطات المحضة كالطلاق والعتاق وتسليم الشفعة بعد وجوبها، أو من الإطلاقات كالإذن للصبي بالتجارة، وكذلك الإقالة والرهن والكفالة والحوالة والوكالة والإيصاء والوصية، ففي هذه التصرفات كلها إذا اقترن العقد بالشرط الفاسد- صح العقد، ولغى الشرط (1)
ويتضح مما تقدم أن الشرط الفاسد إذا اقترن بعقد هو مبادلة مال بمال تغلغل في صلبه فأفسده معه، والسبب في ذلك أن الشرط لما كان فاسدا فقد سقط، ولما كان العاقد قد رضي بمبادلة مال بمال المتعاقد الآخر على هذا الشرط وقد فات عليه فيكون غير راض بالمبادلة فيفسد العقد.
وفي هذا يقول صاحب [المبسوط] : (لأن الشرط باطل في نفسه، والمنتفع به غير راض بدونه) ، وهذا السبب لا يقوم في التصرفات الأخرى ومن ثم يسقط الشرط؛ لأنه فاسد، ولكن يبقى العقد على صحته.
__________
(1) انظر المواد 324- 326 من [مرشد الحيران] .
(1/243)

(ب) شرط فاسد يسقط ويبقى العقد
النصوص:
جاء في [البدائع] (1) : (إذا باع ثوبا على ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه أو دابة على ألا يبيعها أو يهبها، أو طعاما على ألا يأكله ولا يبيعه ذكر في المزارعة ما يدل على جواز البيع، فإنه قال: لو شرط أحد المزارعين في الزراعة على ألا يبيع الآخر نصيبه ولا يهبه فالمزارعة جائزة والشرط باطل، وهكذا روى الحسن في [المجرد] عن أبي حنيفة رحمه الله، وفي الإملاء عن أبي يوسف أن البيع بهذا الشرط فاسد، ووجهه أنه شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا جرى به التعارف بين الناس، فيكون مفسدا كما في سائر الشرائط المفسدة، والصحيح ما ذكر في المزارعة؛ لأن هذا الشرط لا منفعة فيه لأحد فلا يوجبه الفساد، وهذا لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض ولم يوجد في هذا الشرط؛ لأنه لا منفعة فيه لأحد، إلا أنه شرط فاسد في نفسه لكنه لا يؤثر في العقد، فالعقد جائز والشرط باطل.
ولو باع ثوبا على أن يحرقه المشتري، أو دارا على أن يخربها: فالبيع جائز والشرط باطل؛ لأن شرط المضرة لا يؤثر في البيع على ما ذكرنا) .
وجاء في [فتح القدير] (2) : (أما لو كان المبيع ثوبا أو حيوانا غير آدمي،
__________
(1) [البدائع] (5\170) .
(2) [فتح القدير] (5 \ 215، 216) .
(1/244)

فقد خرج الجواز مما ذكرنا في المزارعة من أن أحد المزارعين إذا شرط في المزارعة ألا يبيع الآخر نصيبه أو يهبه أن المزارعة جائزة والشرط باطل؛ لأنه ليس لأحد العاملين فيه منفعة. وكذا ذكر الحسن في [المجرد] ، قال المصنف: وهو الظاهر من المذهب؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاستحقاق انعدمت المطالبة والمنازعة، فلا يؤدي إلى الربا، وما أبطل الشرط الذي فيه المنفعة للبيع إلا لأنه يؤدي إليه؛ لأنه زيادة عارية عن العوض في عقد البيع وهو معنى الربا.
(1/245)

شرط لا منفعة فيه لأحد وهو شرط فاسد فيسقط
يتبين مما قدمناه من النصوص أن هناك شرطا لا يقتضيه العقد ولا هو يلائم مقتضى العقد ولم يجر به التعامل، وهو مع ذلك لا منفعة فيه لأحد، ومن الأمثلة على هذا الشرط التي وردت في النصوص: يبيع ثوبا أو دابة أو حيوانا غير الرقيق ويشترط على المشتري ألا يبيع أو لا يهب ما اشتراه، يشترط أحد المزارعين على المزارع الآخر ألا يبيع أو لا يهب نصيبه من المزارعة، يبيع طعاما ويشترط على المشتري ألا يأكله ولا يبيعه، يبيع ثوبا ويشترط على المشتري أن يحرقه، يبيع دارا ويشترط على المشتري أن يخربها.
ففي هذه الأمثلة يذهب الفقه الحنفي إلى أن الشرط المقترن بعقد البيع لا منفعة فيه لأحد، ولما كان هذا الشرط لا يقتضيه العقد ولا هو يلائم مقتضى العقد ولم يجر به التعامل- فليس ثمة ما يبرر تصحيحه، ومن ثم كان فاسدا فيسقط، ولكن العقد يبقى صحيحا.
(1/245)

على أن هذا الشرط الفاسد الذي لا منفعة فيه لأحد لما لم يكن له مطالب لانعدام منفعته- والمطالبة إنما تتوجه بالمنفعة- فهو شرط لم يتمكن في صلب العقد حتى يسري فساده إلى العقد، ومن ثم يبقى العقد صحيحا بالرغم من سقوط الشرط، فالشرط من حيث أنه فاسد يسقط، ومن حيث إنه لا منفعة فيه لأحد يستبقي العقد صحيحا، وهذا هو الظاهر في المذهب الحنفي.
ويذكر المذهب لهذا الحكم علتين:
العلة الأولى: أن الشرط الذي يفسد العقد؛ إنما أفسده لأن فيه زيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض، إذ هو شرط فيه منفعة على النحو الذي بيناه، فكان في ذلك ربا أو شبهة الربا، والربا وشبهته يفسدان العقود، أما الشرط الذي نحن بصدده فليس فيه منفعة لأحد ولا مطالب له، فلم يوجد فيه معنى الزيادة التي يقابلها عوض، فانعدمت فيه شبهة الربا، فلم يعد هناك مبرر لفساد العقد، فيبقى العقد صحيحا مع سقوط الشرط لفساده.
العلة الثانية: أن الشرط الذي يفسد العقد إنما أفسده من جهة أخرى؛ لأن فيه منفعة لها مطالب، فكان صفقة في صفقة أو عقدا تضمنه عقد آخر، وهذا لا يجوز، أما الشرط الذي لا منفعة فيه لأحد وليس له مطالب فهو ليس بصفقة أو عقد، فلم يتضمن البيع باقترانه به صفقة في صفقة، أو عقدا في عقد، فارتفع سبب الفساد عن البيع، فبقي على صحته مع سقوط الشرط لفساده.
(1/246)

ثانيا تأصيل المذهب الحنفي وتطور الفقه الإسلامي
أ- سبب فساد العقد في المذهب الحنفي.
ب- السبب الحقيقي في فساد العقد إذا اقترن بالشرط.
ج- علتان تنتهيان إلى علة واحدة تعدد الصفقة.
رأينا أن الفقه الحنفي يعلل كيف يفسد الشرط الفاسد العقد بعلتين:
علة الربا، وعلة تعدد الصفقة، وتكاد العلتان تتعادلان في كتب الفقهاء، بل لعل علة الربا هي التي ترجح كفتها.
ولكن المتأمل فيما يورد الفقهاء عادة من أمثلة للشروط الفاسدة يرى أن فكرة الربا إنما اتخذت تكئة لتعزيز فكرة تعدد الصفقة، وإن فكرة تعدد الصفقة هي التي يجب أن نقف عندها، ولكن لما كانت هذه الفكرة إنما تمت إلى محض الصناعة الفقهية، فإن تعليل فساد العقد بها يكاد يكون خفيا، وهو على كل حال لا يبلغ من الوضوح ما يبلغه التعليل بفكرة الربا، فإن الربا في الفقه الإسلامي لا يكاد يلقي ظله على شيء إلا ويفسده، ومن ثم كان الأيسر على الفقهاء أن يلجئوا في تعليل فساد العقد إلى فكرة الربا، والواقع من الأمر أن فكرة تعدد الصفقة هي الفكرة التي تسيطر على فساد العقد المقترن بالشرط، بل إن فكرة الربا نفسها- لو سلمنا بها جدلا- ترد في النهاية إلى فكرة تعدد الصفقة، ذلك أن كل مثل يورده الفقهاء للشرط الفاسد الذي يفسد العقد يتضمن حتما صفقتين في صفقة واحدة
(1/247)

ولا يتحتم أن يتضمن فكرة الربا، فالشرط الفاسد هو في ذاته صفقة تضمنها عقد البيع، وقد يكون إجارة أو إعارة أو بيعا آخر أو هبة أو صدقة أو زواجا أو غير ذلك، فإذا ما اقترن البيع بهذا الشرط أصبح صفقتين في صفقة واحدة.
والشرط الفاسد قد لا يكون له مقابل من الثمن أو يكون له هذا المقابل، فإن لم يكن له مقابل من الثمن فهنا تأتي فكرة الربا.
إذ يقول الفقهاء: أن الشرط يكون زيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض فيفسد العقد للربا، ولكن إذا صح أن تقوم فكرة الربا هنا فإنه مع ذلك يمكن الاستغناء عنها بفكرة تعدد الصفقة، ويمكن القول بأن العقد الذي تضمن هذه الزيادة المشروطة في المنفعة دون عوض إنما تضمن صفقة أخرى فأصبح صفقتين في صفقة.
أما إذا كان الشرط له مقابل من الثمن فإن فكرة الربا لا تقوم، إذ تصبح زيادة المنفعة المشروطة في العقد يقابلها عوض، فلا يمكن تعليل فساد العقد عندئذ إلا بفكرة تعدد الصفقة.
ومن هنا نتبين أن فكرة الربا لا تصلح لتعليل جميع الأحوال التي يفسد الشرط الفاسد فيها العقد، فقد رأيناها لا تصلح إلا لتعليل بعض هذه الأحوال، وحتى في هذا البعض يمكن الاستغناء عنها بفكرة تعدد الصفقة، أما فكرة تعدد الصفقة فتصلح تعليلا لفساد العقد المقترن بالشرط الفاسد في جميع الأحوال دون استثناء.
(1/248)

على أن هناك ما هو أبعد مدى من ذلك، فإن التعليل بالربا حتى في بعض الأحوال دون بعض قد لا يستقيم، فالربا لا يكون إلا في الأموال الربوية، وهي: المكيلات والموزونات عند الحنفية، فإذا كان البيع الذي اقترن بشرط فاسد لم يقع على مال ربوي- لم تقم علة الربا بشطريها: وهما القدر، والجنس، فلا يصح تعليل فساد العقد في هذه الحالة بفكرة الربا. ففكرة تعدد الصفقة تجب- إذن- فكرة الربا، وهي وحدها- في رأينا التي ضيقت المذهب الحنفي، وجعلت العقد يفسد إذا اقترن بالشرط، ففي هذا المذهب لا يجوز أن يتضمن العقد الواحد أكثر من صفقة واحدة، فإذا أضيف إلى هذه الصفقة صفقة أخرى، ولو في صورة شرط فإن العقد يضيق بالصفقتين ويفسد، فتسقط الصفقتان معا.
(1/249)

السبب في تحريم تعدد الصفقة - وحدة العقد.
ويبقى بعد ذلك أن نسأل: ولماذا لا يجوز تعدد الصفقة في العقد الواحد؟ هنا نجد نصوص المذهب الحنفي تتذرع بأحاديث كثيرة عن النبي عليه السلام، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع وشرط، وعن بيع وسلف.
على أنه فضلا عن أن بعض هذه الأحاديث موقوفة كالنهي عن صفقتين في صفقة، وقد أمكن على كل حال تأويله على وجه آخر وكالنهي عن بيع وشرط، فإن هناك أحاديث أخرى صحت عن النبي عليه السلام تجيز اقتران الشرط بالعقد.
(1/249)

ونطالع هنا صفحة من [المبسوط] ترددت في كتب كثيرة، نرى فيها كيف تعددت الأحاديث في هذه المسألة، وبعضها يجيز الشرط فيجيز معه العقد، وبعضها يسقط الشرط ويجيز العقد، وبعضها يسقط الشرط والعقد معا.
قال السرخسي في [المبسوط] (1) : (حكي عن عبد الوارث بن سعيد قال: حججت فدخلت بمكة على أبي حنيفة وسألت عن البيع بالشرط، فقال: (باطل) ، فخرجت من عنده ودخلت على ابن أبي ليلى وسألته عن ذلك، فقال: (البيع جائز والشرط باطل) فدخلت على ابن شبرمة، وسألته عن ذلك، فقال: (البيع جائز والشرط جائز) ، فقلت: هؤلاء من فقهاء الكوفة، وقد اختلفوا علي في هذه المسألة كل الاختلاف، فعجزني أن أسأل كل واحد منهم عن حجته، فدخلت على أبي حنيفة فأعدت السؤال عليه، فأعاد جوابه، فقلت: إن صاحبيك يخالفانك، فقال: (لا أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط» ... ) فدخلت على ابن أبي ليلى، فقلت له مثل ذلك، فقال: (لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه «عن عائشة رضي الله عنها: أنها لما أرادت أن تشتري بريرة رضي الله عنها أبى مواليها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلوات الله عليه وسلامه: اشتري واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بالى أقوام يشترطون شروطا ليست
__________
(1) [المبسوط] للسرخسي (13 \ 13) .
(1/250)

في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق (1) » فدخلت على ابن شبرمة وقلت له مثل ذلك، فقال: (لا أدري ما قالا، حدثني محارب بن دثار عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه ناقة في بعض الغزوات، وشرط له ظهرها إلى المدينة) اهـ.
فالأحاديث كما نرى مختلفة متضاربة، ولا بد من التوفيق بينها، وكان من الممكن أن يكون هذا التوفيق لمصلحة اقتران الشرط بالعقد، لا سيما أن أدلة المانعين الكثيرة منها متكلف، فما الذي جعل المذهب الحنفي يؤثر النهي عن الشرط، ويجعله هو المسيطر في هذه المسألة، ويدع الأحاديث الأخرى؟
والواقع من الأمر أن فكرة النهي عن تعدد الصفقة- فضلا عن أنها وردت في أحاديث عن النبي عليه السلام- هي الفكرة الطبيعية التي تتفق مع تطور القانون، فهي الفكرة الأولى التي يقف عندها نظام قانوني ناشئ في توخيه الدقة في التعاقد بتحري البساطة في العقد، وتكون وحدة العقد مبدأ جوهريا من مبادئه، ومن ثم لا يجوز أن يتضمن العقد أكثر من صفقة واحدة وإلا أخل ذلك بوحدته، بل لعل الفقه الإسلامي استغنى بهذه الفكرة وأمثالها- كفكرة اللفظية وفكرة مجلس العقد- عن الشكلية في العقود، تلك الشكلية التي بدأت في القانون الروماني رسوما وأوضاعا ساذجة، وجاءت في الفقه الإسلامي ضربا من الشكلية أكثر تهذيبا.
ولعل فكرة وحدة الصفقة في العقد الواحد لم يخلص منها أي نظام
__________
(1) صحيح البخاري العتق (2563) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن الترمذي الوصايا (2124) ، سنن النسائي الطلاق (3451) ، سنن أبو داود العتق (3929) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) ، مسند أحمد بن حنبل (6/82) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(1/251)

قانوني مهذب في مراحله الأولى من التطور، فإنها الفكرة التي تلائم العقل القانوني عندما يبدأ في تشييد صرح من النظم القانونية، فهو يتحرى لها الثبات والاستقرار عن طريق وحدة العقد، إذ أن حاجة القانون إلى الثبات والاستقرار تسبق في تاريخ تطوره حاجته إلى المرونة والتجدد ... إلى أن قال:
(1/252)

تطور الفقه الإسلامي في الشروط المقترنة بالعقد
تطور الفقه الإسلامي في المذاهب الأربعة
على أن الفقه الإسلامي لم يلبث جامدا عند المرحلة الأولى للفكر القانوني، بل خطا خطوات واسعة في طريق التطور، تطور في المذهب الحنفي نفسه، وفي المذهب الشافعي، وتطور تطورا أسرع في المذهبين المالكي والحنبلي.
1 - تطور الفقه الإسلامي في المذهب الحنفي:
رأينا مما قدمناه من نصوص الفقه الحنفي: أن فقهاء هذا المذهب، بالرغم من أنهم يقررون كمبدأ عام: وجوب وحدة الصفقة- يحدثون مع ذلك في هذا المبدأ ثغرات هامة، فيدفعون المذهب إلى طريق من التطور يوطئ أكنافه، ويوسع ما ضاق منه؛ سدا لحاجات التعامل.
1 - فأول ما يقررونه- لا على سبيل الاستثناء من المبدأ، بل مطاوعة لطبائع الأشياء- أن الشرط الذي يقتضيه العقد هو شرط صحيح يصح معه العقد، وبديهي أن ما يقررون من ذلك غني عن أن يذكر، فإن ما يقتضيه
(1/252)

العقد صحيح معمول به، سواء ذكر في صورة شرط أو لم يذكر أصلا، ولكنهم لا يقصدون من تقرير هذه القاعدة الحكم في ذاته، بل يقصدون التمهيد بذلك للاستثناءات الحقيقية من مبدأ وحدة الصفقة، فيبنون على هذه القاعدة الأولى قاعدة أخرى.
2 - ومن ثم يقررون: أن الشرط يلائم العقد، وإن لم يكن العقد يقتضيه صورة هو من مقتضى العقد حقيقة، فيلحق بالشرط الذي يقتضيه العقد، ويكون استحسانا شرطا صحيحا يصح معه العقد، وقد سبق بسط هذه المسألة في تفصيلاتها وما ورد فيها من الأمثلة.
3 - ثم ينتقلون بعد ذلك إلى شرط جرى به التعامل، وهذا هو الباب الواسع الذي يدخل منه التطور السريع، فيجيزون شرطا فيه منفعة مطلوبة، دون أن يقتضيه العقد، ودون أن يلائم العقد إذا كان التعامل قد جرى به، فيصح الشرط في هذه الحالة استحسانا ويصح معه العقد.
4 - ثم يقررون الشرط الذي ليست فيه منفعة مطلوبة لا تتحقق فيه معنى الصفقة، ولا يجعل العقد ينطوي على صفقتين، ومن ثم يلغو الشرط؛ لعدم إمكان المطالبة به، ولكن يبقى العقد صحيحا.
5 - ثم إنهم في الشرط الذي فيه منفعة مطلوبة دون أن يقتضيه العقد، ودون أن يلائم العقد- وهذا هو الشرط الفاسد الذي يجعل العقد متعدد الصفقة- يميزون بين أنواع العقود المختلفة: فيقصرون تحريم الصفقتين في الصفقة الواحدة على عقود المعاوضات المالية دون التبرعات والإسقاطات والإطلاقات والتقييدات على ما قدمنا، ففي المعاوضات
(1/253)

المالية يتحقق معنى تعدد الصفقة كاملا، أما في غير المعاوضات المالية فالأمر يختلف، إذ يمكن إلغاء الشرط الفاسد دون أن يمس ذلك كيان العقد الأصلي، فيلغو الشرط ويصح العقد.
هذه هي حلقات متلاصقة في سلسلة من الاستثناءات أوردها المذهب الحنفي على مبدأ ضيق هو مبدأ وحدة الصفقة، فوسع فيه، وأنقذ كثيرا من ضروب التعامل، وخطا خطوات محسوسة في طريق التطور، وكل هذا باسم الاستحسان، هذا المصدر الخصب الذي كان من أهم أسباب تطور المذهب الحنفي.
(1/254)

2 - تطور الفقه الإسلامي في المذهب الشافعي.
مذهب الشافعي يقرب كثيرا من المذهب الحنفي في الأصل الذي تمسك به، وهو: منع تعدد الصفقة وفي الاستثناءات التي أوردها على الأصل.
فالشرط الذي يقتضيه العقد صحيح بداهة؛ لأنه معمول به من غير حاجة إلى أن يذكر.
والشرط الذي يلائم العقد- ويدعى في الفقه الشافعي بالشرط الذي فيه مصلحة للعقد، أو الشرط الذي تدعو إليه الحاجة- صحيح أيضا ويصح معه العقد، وليس ذلك سبيل الاستثناء- كما هو الأمر في المذهب الحنفي - بل هو أصل يقوم بذاته، وقد تقدم بيان ذلك، ومن أمثلة الشرط الذي فيه مصلحة للعقد اشتراط الإشهاد على العقد، واشتراط كتابته في صك،
(1/254)

واشتراط الرهن أو الكفيل بالثمن.
ولعل الفقه الشافعي لا يميز بين الشرط الذي يلائم العقد والشرط الذي تدعو إليه حاجة التعامل، فهما عنده شيء واحد، إذ هو يتحدث عن الشرط الذي يلائم العقد تحت اسم الشرط الذي فيه مصلحة للعقد، أو الشرط الذي تدعو إليه الحاجة، ولا يورد أمثلة خاصة للشرط الذي تدعو إليه حاجة التعامل.
ثم إن الفقه الشافعي يذهب إلى أن الشرط الذي لا غرض فيه ولا منفعة منه- يلغو ويصح العقد.
ويتمسك الفقه الشافعي بعد ذلك بالأصل المعروف، فيمنع البيع والشرط، ما دام الشرط فيه منفعة مطلوبة ولا يقتضيه العقد ولا يلائم مقتضى العقد، فلا يجوز أن يشتري زرعا ويشترط على البائع أن يحصده، أو ثوبا ويشترط على البائع أن يخيطه، ولا يجوز أن يبيع دارا بألف على أن يقرضه المشتري قرضا بمائة، ولا يجوز للعاقد أن يشترط ما ينافي مقتضى العقد، فلا يجوز للراهن أن يشترط على المرتهن ألا يبيع العين المرهونة أصلا أو ألا يبيعها حتى يمضي شهر من وقت حلول الدين، أو أن يكون المرتهن أسوة الغرماء، أو أن يضمن المرتهن هلاك العين كلها، ولا يقتصر على ضمان ما زاد من قيمتها على الدين، ولا يجوز أن يشترط أحد الشركاء أن يكون له نصيب في الربح دون خسارة، أو أن يكون له مبلغ معين من الربح، فقد تربح الشركة أكثر من هذا المبلغ، أو قد لا تربح شيئا، ولا يجوز أن يشترط رب المال في القراض أن يكون رأس المال في يده، أو أن يشترك
(1/255)

مع العامل في التجارة، أو أن تكون يد العامل يد ضمان.
ويمنع الفقه الشافعي البيعتين في بيعة، ويتأول الحديث الوارد في النهي عن ذلك على وجهين لا يجيز أيا منهما، فلا يصح أن يشتري بألف نقدا أو بألفين نسيئة، كما لا يصح أن يبيع العبد بألف على أن يبيع منه المشتري أو أجنبي الدار بألفين.
ويبدو أن الشرط الذي فيه منفعة مطلوبة دون أن يقتضيه العقد أو يلائم مقتضى العقد يبطل في مذهب الشافعي المعاوضات والتبرعات على السواء.
ويتبين مما تقدم: أن مذهب الشافعي قد تطور على نحو يكاد يضاهي فيه المذهب الحنفي، وإن كان يتسع عنه في جهة ويضيق دونه في جهة أخرى.
(1/256)

3 - تطور الفقه الإسلامي في المذهب المالكي:
التطور في المذهب المالكي أبعد مدى من التطور في المذهب الحنفي، وفي مذهب الشافعي، وقد تطور الفقه الإسلامي في مذهب مالك تطورا أبعد مدى من تطوره في مذهبي: أبي حنيفة، والشافعي، فمالك يجيز من الشروط ما يجيزه المذهبان الآخران، ثم هو يجيز منها كثيرا مما لا يجيزانه.
وعنده: أن الأصل في الشرط: أن يكون صحيحا، ويصح معه العقد، وقد يقع الشرط فاسدا على سبيل الاستثناء.
(1/256)

ونستعرض في مذهبه الشرط الصحيح ثم الشرط الفاسد، وذلك في شيء من التنسيق والترتيب لا نجده عادة في كتب المذهب (1) ، فهذه تتعدد فيها التقسيمات ويتداخل بعضها في بعض، وقد نوه بذلك ابن رشد في [بداية المجتهد] .
__________
(1) هكذا في الأصل (الناشر) .
(1/257)

الشرط الصحيح في مذهب مالك:
الشرط الصحيح في مذهب مالك أوسع بكثير من الشرط الصحيح في مذهب أبي حنيفة:
(أ) فكل شرط يقتضيه العقد صحيح، وفي هذا يتفق المذهبان، فيصح الشرط والعقد إذا اشترط البائع أن يدفع المشتري الثمن، أو اشترط المشتري أن يسلم البائع المبيع، أو أن يضمن العيب، أو اشتراط الدائن المرتهن أن يكون له الحق في بيع العين المرهونة إذا لم يستوف الدين أو يكون مقدما على سائر الغرماء، أو اشترطت الزوجة أن ينفق عليها الزوج وأن يكسوها.
(ب) ولا يصح- فحسب- في مذهب مالك كل شرط يقتضيه العقد، بل يصح أيضا كل شرط لا يناقض مقتضى العقد، وفي هذا يتسع مذهب مالك عن مذهب أبي حنيفة، إذ يحل في حكم الصحة عند مالك الشرط الذي يلائم العقد، والشرط الذي جرى به التعامل وهما صحيحان في مذهب أبي حنيفة، ويدخل أيضا الشرط الذي فيه منفعة معقولة لأحد
(1/257)

المتعاقدين، ولو لم يكن العقد يقتضيه أو يلائمه، ما دام الشرط نفسه لا يناقض مقتضى العقد، ومثل هذا الشرط يفتح الباب واسعا للتعامل، وهو كما رأينا صحيح عند مالك فاسد عند أبي حنيفة.
فيصح في المذهبين أن يشترط البائع على المشتري تقديم رهن أو كفيل أو محال عليه بالثمن، وهذا شرط يلائم مقتضى العقد ولا يقتصر على عدم مناقضته.
ويصح في مذهب مالك دون مذهب أبي حنيفة.
1 - أن يشترط البائع على المشتري أن يعتق العبد المبيع، أو يقف الأرض المبيعة، أو يبني فيها مسجدا، أو غير ذلك مما يتضمن إيقاع معنى في المبيع هو من معاني البر.
2 - أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه أو يهبه أو يعتقه حتى يعطي الثمن المؤجل، وفي هذا إيقاع معنى في المبيع لضمان حق البائع.
3 - أن يبيع الدار ويشترط سكناها مدة معقولة، أو الدابة ويشترط ركوبها ثلاثة أيام أو الوصول بها إلى مكان قريب، أو الثوب ويشترط عليه المشتري أن يخيطه، أو الحنطة ويشترط عليه أن يطحنها، وغير ذلك من الشروط التي فيها منفعة معقولة لأحد المتعاقدين.
(1/258)

الشرط الفاسد في مذهب مالك:
ولا يكون الشرط فاسدا عند مالك إلا في موضعين:
(1/258)

1 - إذا كان الشرط يناقض مقتضى العقد، كما إذا اشترط البائع على المشتري ألا يتصرف في المبيع، أو اشترط الزوج على الزوجة ألا ينفق عليها، أو ألا ترثه، أو اشترط بائع الرقيق على مشتريه أنه إذا أعتقه كان الولاء للبائع، وسبب فساد الشرط هنا واضح، فإن العقد لا يسلم مع وجود الشرط ما دام الشرط يناقض مقتضاه، أو كما يقول الحطاب وهو شرط: (لا يتم معه المقصود من العقد) .
2 - إذا كان الشرط يخل بالثمن، وذلك كبيع وسلف، أي: بيع يتضمن قرضا، وكبيع الثنيا، وصورته: أن يبتاع سلعة على أن البائع متى ما رد الثمن فالسلعة له (وهذا هو بيع الوفاء في القانون الحديث وهو بيع معلق على شرط لا مقترن بشرط (وكبيع يشترط البائع فيه: أنه إذا باع المشتري السلعة فهو أحق بها بالثمن الذي باع به للمشتري. وسبب فساد الشرط هنا: أنه اشترط لمصلحة البائع أو المشتري، وقد روعي فيه نقص الثمن بقدر غير معلوم إذا كان لمصلحة البائع، كما في بيع الثنيا، أو زيادة الثمن بقدر غير معلوم إذا كان الشرط لمصلحة المشتري، كما في بيع وقرض للمشتري من البائع، وفي الحالتين تلحق الجهالة بالثمن أو كما يقول الخرشي: إن الشرط يعود جهله في الثمن إما بزيادة إن كان الشرط من المشتري أو بنقص إن كان من البائع.
والشرط الفاسد يبطل في جميع الأحوال ولا يعمل به، أما أثره في العقد:
1 - فتارة يبطله.
(1/259)

2 - وطورا يبطل الشرط وحده ويبقى العقد.
3 - وثالثة يبطل الشرط والعقد معا إلا إذا نزل المشترط عن الشرط فيسقط الشرط ويبقى العقد.
1 - أما أن الشرط الفاسد يبطل العقد: فيقع ذلك عادة إذا كان الشرط يناقض مقتضى العقد، بحيث إذا أعمل الشرط كان لا بد للعقد حتما من أن يختل، فيبطل كل من الشرط والعقد إذا اشترط الواهب ألا يقبض الموهوب له الهبة، أو اشترط المقرض أن يرد له المقترض أحسن مما اقترض، أو اشترط الراهن أن يستبقي الرهن تحت يده، أو أنه يخرج من الرهن بعد مدة معلومة، أو أن الرهن لا يباع، أو اشترط رب المال في القراض أن يستبقي المال تحت يده، أو أن يضمنه العامل، أو أن يجعل مع العامل أمينا، أو يشترط الزوج ألا ينفق على الزوجة أو ألا ترثه، أو تشترط الزوجة أنها بالخيار إلى مدة معلومة، أو أن الزوج إذا لم يأت بالمهر في مدة معلومة فلا زواج.
2 - وأما أن الشرط الفاسد يبطل هو وحده ويبقى العقد: فيبدو أن ذلك يقع إذا ناقض الشرط مقتضى العقد، ولكن العقد لا يختل إذا أعمل الشرط، فما دام العقد لا يختل بالشرط أو بدونه فإنه يبقى، أما الشرط فيسقط؛ لأنه شرط فاسد يناقض مقتضى العقد، فهو أقرب إلى أن يكون مخالفا للنظام العام في لغة الفقه الغربي، فيبطل الشرط ويبقى العقد إذا اشترطت الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها، أو ألا يطلقها، أو لا ينقلها من بلدها أو من دارها، أو اشترط بائع الرقيق على مشتريه أنه إذا أعتقه كان
(1/260)

الولاء للبائع، أو اشترط البائع ألا حق للمشتري في حط جز من الثمن إذا أصابت الثمار آفة، أو اشترط رب الوديعة على حافظها أن يضمن هلاكها.
3 - وأما أن الشرط الفاسد يبطل هو والعقد معا إلا إذا نزل عنه المشترط فيسقط ويبقى العقد: فإن ذلك يتحقق في حالة ما إذا كان الشرط يخل بالثمن، كما رأينا في البيع والسلف وبيع الثنيا والبيع مع اشتراط البائع أنه أحق بالبيع إذا باعه المشتري، ويتحقق ذلك أيضا فيما إذا كان الشرط يناقض مقتضى العقد عن طريق إيقاعه معنى في البيع ليس من معاني البر، وذلك كأن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه أو يهبه، وهذا إذا عمم أو استثنى قليلا كقوله: على ألا تبيعه جملة، أو لا تبيعه إلا من فلان، وأما إذا خصص ناسا قليلا فيجوز الشرط ويصح البيع.
تقدير مذهب مالك:
ولا شك في أن الفقه الإسلامي فيما يتعلق باقتران العقد بالشرط قد تطور في مذهب مالك تطورا ملحوظا نحو الإباحة، فالمذهب المالكي- خلافا للمذهبين الحنفي والشافعي- يجيز الشرط الذي فيه منفعة مطلوبة، فيتخطى بهذه الإباحة العقبة التي ترجع في المذهبين الآخرين إلى مبدأ وحدة الصفقة.
ثم إن الشرط الفاسد عند مالك لا يجاوز في أكثر صوره منطقة معقولة، وهذا واضح في الشرط الفاسد الذي يبطل العقد والشرط الفاسد الذي يبطل وحده ويبقى العقد.
(1/261)

أما الشرط الفاسد الذي يبطل ويبطل العقد معه إلا إذا نزل عنه المشترط فهو في إحدى صورتيه، وهي صورة المنع من التصرف في البيع لا يجاوز أيضا حدودا معتدلة، إذ الشرط يصح إذا قيد بقيود معقولة، كما إذا نهى البائع المشتري عن التصرف لناس قليلين وترك باب التصرف مفتوحا لأكثر الناس، ويصح كذلك إذا كان له مسوغ مشروع، كما إذا اشترط البائع ألا يتصرف المشتري في المبيع حتى يعطي الثمن المؤجل، وكما إذا كان المنع من التصرف يتضمن إيقاع معنى في البيع هو من معاني البر.
وتبقى الصورة الأخرى لهذا الشرط الفاسد، وهي التي يخل بها الشرط بالثمن، كما في بيع وسلف، ففي هذه نرى مذهب مالك قد وقف جامدا ولم يتابع التطور إلى غايته، وكأنه اصطدم هنا بمبدأ وحدة الصفقة، فلم يستطع أن يتخطاه في البيع والسلف، فإن العقد الذي يتضمن بيعا وسلفا لا يتميز في الواقع من الأمر إلا بأنه عقد واحد تضمن صفقتين.
(1/262)

4 - تطور الفقه الإسلامي في المذهب الحنبلي.
المذهب الحنبلي أبعد المذاهب تطورا في تصحيح الشروط: وأبعد تطور للفقه الإسلامي في مسألة اقتران الشرط بالعقد كان في مذهب أحمد بن حنبل، لا سيما إذا استكملنا هذا المذهب بما أضافه إليه ابن تيمية، وهو من أكبر فقهائه.
فالمذهب الحنبلي كالمذهب المالكي، تخطى مبدأ وحدة الصفقة ولم يتقيد بهذا المبدأ كما تقيد به المذهبان: الحنفي، والشافعي، ومن ثم
(1/262)

استطاع أن يسير أشواطا بعيدة في طريق التطور.
والحنابلة كالمالكية؛ الأصل عندهم في الشرط: أن يكون صحيحا ويصح معه العقد، بل هم يسيرون في هذا الأصل إلى مدى أبعد من المالكية في تصحيح الشروط، ويقع الشرط عند الحنابلة فاسدا على سبيل الاستثناء، إذا كان ينافي مقتضى العقد، أو كان قد ورد بالنهي عنه نص خاص.
فنستعرض في المذهب الحنبلي الشرط الصحيح ثم الشرط الفاسد، ثم ننظر ما أضاف ابن تيمية إلى المذهب من مزيد توسعة في تصحيح الشروط.
(1/263)

الشرط الصحيح في مذهب الحنابلة:
الأصل في مذهب الحنابلة كما قدمنا- هو: أن يكون الشرط صحيحا، ونساير صاحب [المغني] في الترتيب الذي جرى عليه في استعراض الشروط:
أ- فكل شرط يقتضيه العقد صحيح، وفي هذا تتفق المذاهب الأربعة، فيصح اشتراط المشتري التسليم على البائع والتقابض في الحال، ويصح لكل من المتعاقدين أن يشترط خيار المجلس، فكل هذه الشروط يقتضيها العقد، وهي معمول بها حتى لو لم تشترط.
ب- ويصح أيضا كل شرط يلائم العقد، ويكون من مصلحته، فتتعلق به مصلحة المتعاقدين؛ كالرهن، والضمين، والشهادة، وفي هذا أيضا
(1/263)

تتفق المذاهب الأربعة.
ج- ويصح أخيرا الشرط الذي ليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته، ولكنه لا ينافي مقتضى العقد.
وهنا نلحظ المدى البعيد من التطور الذي سار فيه المذهب الحنبلي، كما لحظنا ذلك في مذهب مالك، وهذا خلافا لمذهبي أبي حنيفة والشافعي، فما دام الشرط لا ينافي مقتضى العقد فهو في الأصل صحيح، سواء كان العقد يقتضيه أو لا يقتضيه، وسواء لاءم مقتضى العقد أو لم يلائمه، والشرط صحيح حتى لو تضمن منفعة مطلوبة، وفي هذا يتخطى المذهب الحنبلي مبدأ وحدة الصفقة كما تخطاه المذهب المالكي، بل هو ينكر صحة الحديث الذي نهى عن بيع وشرط، ثم إنه لا حاجة في صحة الشرط إلى جريان التعامل به، خلافا لما يذهب إليه الفقه الحنفي.
ومن ثم نرى المذهب الحنبلي- خلافا لمذهبي أبي حنيفة والشافعي - يصحح أكثر الشروط التي فيها منفعة لأحد المتعاقدين كما يصححها المذهب المالكي، ونورد ما جاء في هذا الصدد في [الشرح الكبير على المقنع] (1) (والثالث: أن يشترط نفعا معلوما في المبيع؛ كسكنى الدار شهرا، وحملان البعير إلى موضع معلوم، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع؛ كحمل الحطب أو تكسيره، أو خياطة الثوب أو تفصيله، ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، مثل أن يبيع دارا ويستثني
__________
(1) [الشرح الكبير على المقنع] ، (4\ 49- 51) .
(1/264)

سكناها سنة، أو دابة ويشترط ظهرها إلى مكان معلوم، أو عبدا ويستثني خدمته مدة معلومة، نص عليه أحمد، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وابن المنذر، وقال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يصح؛ لأنه روي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط» . . ولنا ما «روى جابر: أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة (1) » ولم يصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، وإنما «نهى عن شرطين في بيع (2) » ، فمفهومه إباحة الشرط الواحد. . ويصح أن يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، مثل: أن يشتري ثوبا ويشترط على بائعه خياطته قميصا، أو بغلة ويشترط حذوها نعلا، أو حزمة حطب ويشترط حملها إلى موضع معلوم) .
ويتوسع المذهب الحنبلي في إباحة الشروط في عقد الزواج بوجه خاص، ويفوق في ذلك سائر المذاهب، وفيها مذهب مالك نفسه، فيجوز في الزواج من الشروط ما يكون فيه للزوجين منفعة مقصودة ما دامت لا تعارض الشرع ولا تنافي المقصود من عقد الزواج، ويقول ابن تيمية في ذلك (3) : (ويجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في [الصحيحين] «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج (4) » فلا يقتصر مذهب أحمد على أن يكون لكل من الزوجين أن يشترط في الآخر صفة يصح قصدها، فيشترط الزوج في زوجته البكارة أو الجمال مثلا، وتشترط الزوجة في زوجها المال أو حرفة معينة أو موردا معينا من العيش، ويكون للمشترط أن
__________
(1) سنن الترمذي المناقب (3852) .
(2) سنن الترمذي البيوع (1234) ، سنن النسائي البيوع (4611) ، سنن أبو داود البيوع (3504) ، سنن الدارمي البيوع (2560) .
(3) [مجموع الفتاوى] ، (3\ 327- 332) ، [نظرية العقد] ، ص (155) .
(4) صحيح البخاري النكاح (5151) ، صحيح مسلم النكاح (1418) ، سنن الترمذي النكاح (1127) ، سنن النسائي النكاح (3281) ، سنن أبو داود النكاح (2139) ، سنن ابن ماجه النكاح (1954) ، مسند أحمد بن حنبل (4/150) ، سنن الدارمي النكاح (2203) .
(1/265)

يفسخ الزواج إذا فات عليه ما اشترطه، ولا فرق في هذا أن يكون المشترط هو الرجل أو المرأة، وهذا هو أصح روايتي أحمد، وأصح وجهي أصحاب الشافعي، وظاهر مذهب مالك (1) ، بل يجوز أيضا في مذهب أحمد: أن تشترط الزوجة على زوجها ألا يخرجها من بلدها أو من دارها، أو لا يتسرى، أو ألا يتزوج عليها، فإن لم يف لها بشرطها كان لها أن تفسخ الزواج (2) . وقد رأينا أن هذه الشروط غير جائزة في مذهب مالك.
__________
(1) [مجموع الفتاوى] ، (3\ 346) ، [نظرية العقد] ص (156-157) .
(2) [نظرية العقد] ، لابن تيمية ص (16، 34، 161- 162) و [الفتاوى] ، (3\ 327) .
(1/266)

الشرط الفاسد في مذهب الحنابلة:
ولا يكون الشرط فاسدا عند الحنابلة إلا في موضعين:
أ- إذا كان الشرط ينافي مقتضى العقد، مثل ذلك: أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه أو يهبه أو يعتقه، أو يشترط عليه إن أعتقه أن يكون الولاء للبائع، فهذه الشروط كلها تنافي مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد حرية المشتري في التصرف في المبيع بعد أن صار ملكه، يبيعه أو لا يبيعه، ويهبه أو لا يهبه، وإذا كان رقيقا فأعتقه فإن الولاء يكون له هو لا للبائع لأنه هو المعتق والولاء لمن أعتق.
بقي أن يشترط بائع الرقيق على مشتريه أن يعتقه، فهل يصح الشرط؟ في المذهب روايتان:
أحدهما: الشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى العقد شأنه في ذلك شأن ما
(1/266)

قدمناه من الشروط.
والرواية الأخرى: الشرط صحيح؛ لحديث بريرة المعروف.
ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد عند الحنابلة: أن يشترط المشتري إن أغضبه غاضب أن يرجع على البائع بالثمن، ومنها: أن يشترط البائع: أن يكون أحق بالمبيع بثمنه إن باعه المشتري؛ لأنه يكون بذلك قد اشترط ألا يبيعه من غيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو اشترط ألا يبيعه إلا من فلان، وهذا يقيد حرية المشتري في التصرف فينافي مقتضى العقد، وقيل أيضا: في مذهب أحمد أن هذا الشرط يتضمن شرطين، فيكون غير جائز على ما سنرى؛ لأن البائع شرط أن يبيعه إياه وأن يبيعه بالثمن الأول، فهما شرطان (1) .
وقد رأينا أن هذا الشرط غير جائز في المذهب المالكي لأنه يخل بالثمن.
ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد أيضا ما جاء في [الشرح الكبير على المقنع] ، (2) : (وإذا قال: بع عبدك من فلان بألف على أن علي خمسمائة فباعه بهذا الشرط فالبيع فاسد؛ لأن الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري، فإذا شرط كون بعضه على غيره لم يصح لأنه لا يملك المبيع والثمن على غيره، ولا يشبه هذا ما لو قال: أعتق عبدك أو طلق امرأتك وعلي خمسمائة لكون هذا عوضا في مقابلة فك الزوجة ورقبة العبد؛ ولذلك لم يجز في النكاح.
__________
(1) الشرح الكبير على المقنع (4\ 55) .
(2) المرجع السابق (4\ 58) .
(1/267)

أما في مسألتنا فإنه معاوضة في مقابلة نقل الملك، فلا يثبت؛ لأن العوض على غيره، وإن كان هذا القول على وجه الضمان: صح البيع ولزم الضمان) .
ولما كان الشرط الذي ينافي مقتضى العقد فاسدا فإنه يبطل ولا يعمل به.
أما حكم العقد الذي اقترن به الشرط ففيه روايتان:
الأولى: أن العقد صحيح، وهذا هو المنصوص عن أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي، فيسقط الشرط ويبقى العقد (وللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط؛ لأن البائع إنما سمح بالبيع بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط، والمشتري إنما سمح له بزيادة الثمن من أجل شرطه، فإذا لم يحصل غرضه ينبغي أن يرجع بما سمح به كما لو وجده معيبا، ويحتمل أن يثبت الخيار ولا يرجع بشيء، كمن شرط رهنا أو ضمينا فامتنع الراهن والضمين؛ لأن ما ينقصه الشرط من الثمن مجهول فيصير الثمن مجهولا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم لأرباب بريرة بشيء مع فساد الشرط وصحة البيع (1) .
والرواية الثانية: أن الشرط الفاسد يبطل البيع؛ لأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا، ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري
__________
(1) [الشرح الكبير على المقنع] ، (4\ 55) .
(1/268)

كذلك إذا كان الشرط منه، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي (1) .
ونرى مما تقدم أن المذهب الحنبلي والمذهب المالكي لا يختلفان كثيرا في الشرط الذي ينافي مقتضى العقد، ففي كلا المذهبين الشرط فاسد، ولكن مذهب مالك يتدرج في ترتيب الجزاء على هذا الشرط الفاسد، فتارة يبطل الشرط والعقد معا، وطورا يبطل الشرط ويستبقي العقد صحيحا، وثالثة يبطل الشرط والعقد معا إلا إذا نزل المشترط عن شرطه فيسقط الشرط ويبقى العقد، وقد مر ذكر ذلك.
ب- ويكون الشرط فاسدا أيضا إذا ورد في النهي عنه نص خاص، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع وسلف، «وقال عليه السلام: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك (2) » فهناك إذن نص خاص في النهي عن الجمع بين شرطين في العقد، وفي النهي عن الجمع بين بيع وسلف.
أما الجمع بين شرطين في العقد فممنوع في مذهب أحمد، كما قدمنا، والشرطان المنهي عنهما هما الشرطان اللذان فيهما منفعة لأحد المتعاقدين دون أن يقتضيهما العقد أو يلائماه، ولو انفرد أي منهما كان صحيحا، مثل ذلك: من اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله، فاجتماع الشرطين في العقد يبطل الكل: الشرطان
__________
(1) [الشرح الكبير] ، (4\ 54) .
(2) سنن الترمذي البيوع (1234) ، سنن النسائي البيوع (4611) ، سنن أبو داود البيوع (3504) ، مسند أحمد بن حنبل (2/179) ، سنن الدارمي البيوع (2560) .
(1/269)

باطلان والعقد باطل، أما إن شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو مما يلائم العقد، مثل: أن يبيعه بشرط الرهن أو الضمين وبشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن- فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر.
وأما الجمع بين بيع وسلف فممنوع أيضا، ومعناه في مذهب أحمد: أن يشترط أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر عقدا ثانيا مستقلا في مقابل العقد الأول، وليس معناه مجرد اجتماع صفقتين في عقد واحد، فقد قدمنا أن مجرد اجتماع صفقتين في عقد واحد يجوز، كما إذا اشترط سكنى الدار أو حمل الحطب أو خياطة الثوب، وقد جاء في [المغني] ، (1) : (والثاني: أن يشترط عقدا في عقد؛ نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر أو يشتري منه أو يؤجره أو يزوجه أو يسلفه أو يصرف له الثمن أو غيره- فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري) ثم جاء فيه: (ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا إلا أن مالكا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع، ولنا ما روى عبد الله بن عمرو: أن «النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف (2) » . أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ «لا يحل بيع وسلف (3) » ؛ ولأنه اشترط عقدا في عقد ففسد كبيعتين في بيعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن
__________
(1) [المغني] ، (4\ 285) .
(2) سنن الترمذي البيوع (1232) ، سنن النسائي البيوع (4611) ، سنن أبو داود البيوع (3504) ، سنن ابن ماجه التجارات (2188) ، مسند أحمد بن حنبل (2/175) ، سنن الدارمي البيوع (2560) .
(3) سنن النسائي البيوع (4611) ، سنن أبو داود البيوع (3504) .
(1/270)

القرض وربحا له، وذلك ربا محرم، ففسد لو صرح به، ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا، كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما) (1) .
هذا ويحتمل أن يبطل الشرط وحده، ولكن المشهور في مذهب أحمد: أن هذا الشرط الفاسد يبطل العقد.
ويبدو أن المذهب الحنبلي في منعه الجمع بين شرطين في العقد والجمع بين بيع وسلف إنما يحتفظ ببقايا من مبدأ وحدة الصفقة، كما فعل المذهب المالكي في منعه الجمع بين بيع وسلف، وإنما تخطى المذهبان الحنبلي والمالكي مبدأ وحدة الصفقة في البيع والشرط الواحد؛ لأن خطب الشرط الواحد يسير وهو تابع للعقد ومتمم له، فلا يخل بوحدته إخلالا جسيما، أما إذا كان لتعدد الصفقة مظهر أوضح بأن اجتمع في العقد شرطان لا شرط واحد عند أحمد أو بأن اجتمعت صفقتان متقابلتان في عقد واحد عند أحمد ومالك فهذا تعدد جسيم في الصفقة لا يجوز احتماله، وما احتمل منه اليسير لا يحتمل منه الكثير.
فالمذهبان المالكي والحنبلي وقفا جامدين هنا، ولم يتخطيا مبدأ وحدة الصفقة تخطيا تاما ولم يجيزا تعدد الصفقة في صورته السافرة.
وننظر الآن ماذا فعل ابن تيمية؟
__________
(1) [المغني] ، (4\ 290، 291) .
(1/271)

استكمال المذهب الحنبلي بأقوال ابن تيمية:
يقول ابن تيمية: إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا
(1/271)

يحرم ويبطل منها إلا ما دل على تحريمه وإبطاله نص أو قياس عند من يقول به، وأصول أحمد رضي الله عنه المنصوصة عنه أكثرها يجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه (1) .
ويستدل ابن تيمية لصحة ما يقول بالنقل والعقل:
أما النقل: فلقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (2) ولقوله عليه السلام «. . . والمسلمون على شرطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما (3) » .
وأما العقل: فإنه يقول: إن العقود والشروط من باب الأفعال العادية- أي: ليست من العبادات- والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم، كما أن الأعيان: الأصل فيها عدم التحريم، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (4) عام في الأعيان والأفعال، وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة؛ لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم، وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة (5) . فالوفاء بالشرط إذن واجب بالنقل والعقل، وبخاصة بعد أن رضيها المتعاقد مختارا، فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، ونتيجتها هي ما
__________
(1) [الفتاوى] ، (29\ 132، 133) .
(2) سورة المائدة الآية 1
(3) سنن الترمذي الأحكام (1352) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2353) .
(4) سورة الأنعام الآية 119
(5) [الفتاوى] ، (3\ 334) .
(1/272)

أوجباه على نفسيهما بالتعاقد، لقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (1) وقال: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} (2) فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له، وإذا كان طيب النفس هو المبيح الصداق فكذلك سائر التبرعات، قياسا بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن.
وكذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (3) لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان أو طابت نفس المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك (4) .
ويستخلص ابن تيمية من هذه المقدمات: أن الأصل في الشرط أن يكون صحيحا، ويصح معه العقد، سواء كان ذلك في المعاوضات، أو في التبرعات.
ففي المعاوضات: يجوز للبائع أن يشترط منفعة المبيع؛ كأن يسكن الدار شهرا أو ينتفع بزراعة الأرض سنة، ويجوز للمشتري أن يشترط على البائع أن يخيط له الثوب، أو يحمل المبيع إلى داره، أو يحصد الزرع، ويجوز أن يشترط البائع إذا باع الرقيق أن يعتقه المشتري، ولكن لا يجوز أن يشترط البائع أن يكون الولاء له عند الإعتاق؛ لأن هذا شرط يحلل حراما.
__________
(1) سورة النساء الآية 29
(2) سورة النساء الآية 4
(3) سورة النساء الآية 29
(4) الفتاوى، (3\ 336، 337) .
(1/273)

وفي التبرعات: يجوز لمن أعتق عبدا أن يشترط عليه أن يخدمه طول حياته، حياة العبد أو السيد، وقد ورد أن أم سلمة أعتقت عبدها سفينة، واشترطت عليه أن يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم ما عاش (1) .
ويجوز للواهب أو الواقف أن يشترط لنفسه منفعة ما يهبه أو يقفه مدة معينة أو طول حياته (2) ، بل يصح أن تكون المنفعة التي استثناها المتبرع وأضافها لنفسه منفعة غير معلومة، إذ يجوز في التبرعات من الغرر ما لا يجوز في المعاوضات، كما تقدم القول.
وفي هذا يقول ابن تيمية: (يجوز لكل من أخرج عينا عن ملكه بمعاوضة كالبيع والخلع، أو تبرع كالوقف والعتق أن يستثني بعض منافعها، فإن كان مما لا يصح فيه الغرر كالبيع فلا بد أن يكون المستثنى معلوما، لما روي عن جابر، وإن لم يكن كذلك كالعتق والوقف فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش عبده أو عاش فلان، أو يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف) (3) .
ويبني ابن تيمية على ما تقدم أن الشرط لا يفسد على سبيل الاستثناء، إلا في موضعين:
الأولى: إذا كان الشرط ينافي المقصود من العقد، مثل أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه أو يؤجره، ذلك أن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره ثم شرط العاقد فيه ما ينافي هذا المقصود- فقد جمع
__________
(1) [الفتاوى] ، (3\ 327) .
(2) [نظرية العقد] ، لابن تيمية ص (16) ، و [الفتاوى] ، (3\ 389، 390) .
(3) [الفتاوى] ، (3\ 342، 343) .
(1/274)

بين المتناقضين، بين إثبات المقصود ونفيه، فمثل هذا الشرط باطل.
ويقول ابن تيمية في تفسيره للمعنى المراد بالشرط الذي ينافي المقصود في العقد وفي تمييزه بين هذا الشرط والشرط الذي يناقض الشرع- ما يأتي: (إن العقد له حالان: حال إطلاق، وحال تقييد، ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود. فإذا قيل: هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فإن أريد به: ينافي العقد المطلق، فكذلك كل شرط زائد، وهذا لا يضره، وإن أريد: ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد احتاج إلى دليل على ذلك، وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد. فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود فقد جمع بين المتناقضين، بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق، بل هو مبطل للعقد عندنا.
والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع، مثل: اشتراط الولاء لغير المعتق، فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده، فإن مقصوده الملك، والعتق قد يكون مقصودا للعقد، فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا، فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد، وإنما ينافي كتاب الله وشرطه، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق (1) » فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا، وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله، فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما: إذا لم يكن لغوا، ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه، بل الواجب حله؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه، إذ
__________
(1) صحيح مسلم العتق (1504) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2521) .
(1/275)

لولا حاجتهم إليه لما فعلوه، فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه، ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج (1) .
الثاني: الشرط الذي يناقض الشرع فيحل الحرام، ويبدو أن ابن تيمية يبدأ بالتمييز بين منطقة الحرام ومنطقة المباح، فلا يستطيع الشرط في منطقة الحرام أن يجعل الحرام حلالا، بل كل ما كان حراما بدون الشرط فالشرط لا يبيحه، كالزنا، وكثبوت الولاء لغير المعتق، وأما ما كان مباحا بدون الشرط؛ كالزيادة في مهر المثل، وكالتبرع برهن لتوثيق الثمن- فيصح أن يوجب الشرط فعله بعد أن كان تركه مباحا، بل كان تركة هو الأصل المعمول به ما دام الشرط الموجب لفعله لم يوجد، وليس في ذلك تحريم للحلال أو تحليل للحرام، فيكون الشرط الموجب لفعل المباح شرطا مشروعا، ومن ثم يكون صحيحا. ويقول ابن تيمية في هذا المعنى ما يأتي:
فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله. وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما. . وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا. . وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك، وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشرط، قالوا: لأنها إما أن تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا، وذلك لا
__________
(1) [مجموع الفتاوى] ، لابن تيمية (29\ 155، 156) .
(1/276)

يجوز إلا بإذن الشارع. . وليس كذلك، بل كل ما كان حراما بدون الشرط فالشرط لا يبيحه، كالزنا وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق، فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو يمين، فلو أراد رجل أن يعير أمته للوطء لم يجز له ذلك، بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز، وكذلك الولاء «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته (1) » ، وجعل الله الولاء كالنسب يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد. . . فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط، فلا يبيح الشرط ما كان حراما، وأما ما كان مباحا بدون الشرط يوجبه، كالزيادة في المهر والثمن والمثمن والراهن.
ونرى من ذلك أن ابن تيمية لا يجعل الشرط فاسدا إلا إذا كان منافيا للمقصود من العقد، وهذا طبيعي، وإلا إذا كان مناقضا للشرع فيحل حراما، وهذا أشبه في الفقه الغربي بالشرط الذي يخالف القانون أو النظام العام. ولم يعرض ابن تيمية لتحريم اجتماع الشرطين ولا لتحريم اجتماع البيعتين في بيعة أو اجتماع البيع والسلف، ومن ثم يكون تطور الفقه الإسلامي في تصحيح الشروط قد وصل على يد ابن تيمية إلى غاية تقرب مما وصل إليه الفقه الغربي الحديث.
__________
(1) صحيح البخاري الفرائض (6756) ، صحيح مسلم العتق (1506) ، سنن الترمذي الولاء والهبة (2126) ، سنن النسائي البيوع (4657) ، سنن أبو داود الفرائض (2919) ، سنن ابن ماجه الفرائض (2747) ، مسند أحمد بن حنبل (2/107) ، موطأ مالك العتق والولاء (1522) ، سنن الدارمي البيوع (2572) .
(1/277)

مقارنة بين المذاهب الأربعة في تصحيح الشروط المقترنة بالعقد:
مقارنة إجمالية:
يتبين مما قدمناه: أن المذاهب الأربعة من ناحية تصحيح الشروط المقترنة بالعقد يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين:
1 - قسم يضيق في تصحيح الشروط ويلتزم مبدأ وحدة الصفقة، فلا يبيح
(1/277)

إلا شرطا اقتضاه العقد، أو لاءم العقد، أو جرى به التعامل، وهذان هما: المذهب الحنفي والمذهب الشافعي.
2 - وقسم يتوسع في تصحيح الشروط، ولا يلتزم مبدأ وحدة الصفقة، فيبيح الشروط ما لم تكن منافية لمقتضى العقد أو مناقضة للشرع، وهذان هما: المذهب المالكي، والمذهب الحنبلي.
فتطور الفقه الإسلامي نحو تصحيح الشروط ونبذ مبدأ وحدة الصفقة الذي كان أساسا من أسس الصناعة القانونية في المراحل الأولى من تطور القانون- أوضح وأبرز في القسم الثاني منه في القسم الأول، على أنه يبدو لنا أن المذهب الحنفي على ضيقه في تصحيح الشروط وتأخره في التطور من هذه الناحية- هو أكثر المذاهب تقدما من ناحية تنسيق الصناعة القانونية، فنظريته في فساد العقد تفوق في وضوحها وتسلسلها المنطقي نظائرها في المذاهب الأخرى.
مقارنة تفصيلية:
على أن هناك فروقا تفصيلية ما بين المذهب الحنفي ومذهب الشافعي اللذين ينتظمها القسم الأول، وكذلك ما بين المذهب المالكي والمذهب الحنبلي اللذين ينتظمها القسم الثاني.
فالمذهب الحنفي ومذهب الشافعي: يبيحان جميعا الشرط الذي يقتضيه العقد، ويبيحان كذلك الشرط الذي يلائم العقد، إلا أن المذهب الحنفي يبيحه استثناء على سبيل الاستحسان، ومذهب الشافعي يبيحه
(1/278)

أصلا لا استثناء. ثم يتميز المذهب الحنفي على مذهب الشافعي بإفساحه المجال للشرط الذي جرى به التعامل، ويبيحه استحسانا كذلك، فيدخل العرف من هذا الباب عنصرا مرنا يطور الفقه الإسلامي، أما المذهب الشافعي فلا تكاد تلمح فيه باب جريان التعامل مفتوحا، إنما يتحدث المذهب عن شرط تدعو إليه الحاجة فهو شرط لمصلحة العقد، ويمزج بينه وبين الشرط الذي يلائم العقد، ولكن مذهب الشافعي - من جهة أخرى - يصحح شروطا لا يصححها المذهب الحنفي، ومن ذلك اشتراط بائع الرقيق على مشتريه أن يعتقه، ومن ذلك ما يشترط الزوج في زوجته من بكارة أو جمال أو غير ذلك، وما تشترط الزوجة في زوجها من مال أو حرفة أو مورد للعيش.
أما المذهبان المالكي والحنبلي: فيصدران جميعا عن مبدأ واحد وهو: أن الأصل في الشروط الصحة، والفساد هو الاستثناء، فينبذان بذلك إلى حد كبير مبدأ وحدة الصفقة، وقد يزيد المذهب الحنبلي على المذهب المالكي في تصحيح الشروط، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية حين قال: (وأصول أحمد رضي الله عنه المنصوصة يجري أكثرها على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه) ، فيجوز في مذهب أحمد مثلا، أن تشترط الزوجة على زوجها ألا يخرجها من بلدها أو من دارها، أو لا يتسرى، أو ألا يتزوج عليها، فإن لم يف لها بشرطها كان لها أن تفسخ الزواج، وهذه الشروط غير جائزة في مذهب مالك.
(1/279)

ولكن التميز الحقيقي للمذهب الحنبلي على المذهب المالكي ليس في الشروط الصحيحة، وإنما هو في الشروط الفاسدة، على أننا إذا أخذنا المذهب الحنبلي كما كان قبل أن يجدد فيه ابن تيمية لما كان يتميز عن المذهب المالكي في ذلك، ففي المذهبين يفسد الشرط إذا كان مناقضا لمقتضى العقد، أو كان صفقة أخرى تقابل الصفقة الأصلية كبيع وسلف، فيخل الشرط بالثمن، كما يقول المذهب المالكي، أو ينهى عن الشرط نص خاص كما يقول المذهب الحنبلي، وفي هذا النوع الثاني من الشرط الفاسد نلمح في المذهبين أثرا لمبدأ وحدة الصفقة، فهما يستبقيان هذا المبدأ في صورة من صوره، بل إن المذهب الحنبلي يزيد على المذهب المالكي بتحريم اجتماع الشرطين في عقد واحد.
أما إذا أخذنا المذهب الحنبلي بعد تجديد ابن تيمية فإننا نراه يتقدم تقدما كبيرا في التطور، فينبذ مبدأ وحدة الصفقة، ويضيق من منطقة الشروط الفاسدة، فلا يكون الشرط فاسدا إلا إذا كان منافيا لمقتضى العقد، أو إلا إذا كان مناقضا للشرع. اهـ.
ويمكننا على ضوء ما تقدم من تقسيم الشروط في العقود إلى: صحيح وفاسد- أن ننظر هل الشرط الجزائي من الشروط الصحيحة في العقود أم
(1/280)

من الفاسدة؟ وفي حال القول بفساده هل ينحصر الفساد فيه أم يتعداه إلى العقد نفسه فيبطل ببطلانه؟
لقد ذكر أهل العلم رحمهم الله: أن الشروط في العقود قسمان: صحيح وفاسد.
أما الصحيح فثلاثة أنواع:
أحدها: شرط يقتضيه العقد؛ كالتقابض، وحلول الثمن، ويظهر أن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع لإمكان تحقق العقد بدونه.
الثاني: شرط من مصلحة العقد؛ كاشتراط صفة في الثمن؛ كالتأجيل أو الرهن أو الضمين به، أو صفة في المثمن؛ ككون العبد خصيا أو مسلما، والأمة بكرا، والدابة هملاجة، وحكمه: أنه صحيح وأن المشروط عليه إن وفى بالشرط لزم البيع، وإن لم يف به فإن تعذر الوفاء تعين الأرش لصاحب الشرط، وإن لم يتعذر الوفاء به ففيه وجهان:
الأول: أن صاحب الشرط مخير بين الفسخ والأرش، وهو الصحيح من المذهب.
والثاني: أنه ليس له إلا الفسخ.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي من مصلحة العقد؛ لأنه حافز لمن شرط عليه أن ينجز لصاحب الشرط حقه ومساعد له على الوفاء بشرطه، فكان شبيها باشتراط الرهن والكفيل في الوفاء لصاحب الشرط بشرطه، وإذن يصح الشرط ويلزم الوفاء به، فإن لم يف وتعذر استدراك ما
(1/281)

فات تعين لمن اشترط شرطا جزائيا الأرش، وقد اتفق عليه عند العقد بتراضيهما، وإن لم يتعذر الاستدراك فلصاحب الشرط الخيار بين فسخ العقد والأرش مع بقائه.
الثالث: شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته، وليس منافيا لمقتضاه؟ كاشتراط البائع سكنى الدار شهرا، أو اشتراط المشتري خياطة الثوب، وفي حكمه خلاف: قيل: يصح وقيل: لا يصح، ويظهر أن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع من الشروط، فهو مرتبط بالعقد حيث إنه تقدير للضرر المتوقع حصوله في حالة عدم الوفاء بالالتزام.
وأما الفاسدة فثلاثة أنواع:
أحدها: أن يشترط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدا آخر؛ كبيع أو إجارة أو نحو ذلك- فهذا الشرط غير صحيح، وهل يبطل العقد لبطلان الشرط أم يصح العقد ويبطل الشرط؟ قولان لأهل العلم: أشهرها: القول ببطلان العقد لبطلان الشرط؟ لكونه من قبيل بيعتين في بيعة المنهي عنها، وفي القول بصحة العقد وبطلان الشرط رواية عن الإمام أحمد سنده فيها: «حديث عائشة، حيث أرادت أن تشتري بريرة للعتق فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتريها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق (1) » متفق عليه، فصحح الشراء مع إبطال الشرط.
ويمكن أن يقال: بأن الشرط الجزائي من هذه الشروط الفاسدة المترتب على فسادها على المشهور لدى بعض أهل العلم فساد العقود المشتملة
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2168) ، صحيح مسلم العتق (1504) ، موطأ مالك العتق والولاء (1519) .
(1/282)

عليها، وتوجيه ذلك: أن الشرط الجزائي يعتبر عقد معاوضة مغاير للعقد الأصلي، فهو من مسائل بيعتين في بيعة المنهي عنها، ويمكن أن يرد هذا: بأن الشرط الجزائي ليس مستقلا عن العقد الأصلي، وإنما هو من قبيل الاحتياط في إكماله بالوفاء بالشرط أو التعويض عما يترتب على الإخلال به من ضرر، فليس من قبيل بعتك على أن تقرضني أو تزوجني أو تؤجرني؛ لأن كل واحد من هذه العقود يمكن أن يقع مستقلا عن العقد الأصلي بخلاف الشرط الجزائي فإنه لا يقع مستقلا.
الثاني: من الشروط الفاسدة: شرط ينافي مقتضى العقد، كأن يشترط في المبيع أن لا خسارة عليه أو ألا يبيع ولا يهب ولا يعتق، فهذه الشروط باطلة، وهل تبطل العقود المشتملة عليها؟ قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: لا يبطل العقد، وهو المذهب، اختاره في [المغني] ، ونصره في [الشرح] ، وجزم به في [الوجيز] ، وقدمه في [الفروع] ؛ لحديث بريرة، وإذا ألغي الشرط لبطلانه كان لصاحبه الخيار بين الفسخ وما نقص من الثمن.
وقيل: ليس له إلا الفسخ أو الإمضاء ولا أرش له.
ويمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع من الشروط، لأنه منافاة بين نفاذه وبين العقد المشتمل عليه.
الثالث: من الشروط الفاسدة: شرط يعلق به العقد، كقوله: بعتك إن
(1/283)

جئتني بكذا أو إن رضي فلان، أو بقول الراهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك، فلا يصح المبيع، وهذا هو المذهب؛ لأن مقتضى العقد انعقاد البيع، وهذا الشرط يمنعه، وللإمام أحمد رحمه الله رواية في تصحيح البيع والشرط، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه لم يخالف نصا، ويمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي من هذا النوع من الشروط، باعتباره عقد معاوضة مستقلا، وعلى هذا الاعتبار فهو عقد معاوضة معلق على حصول الإخلال بالتزام في العقد الأصلي، فتجري فيه أحكام هذا النوع من الشروط، إلا أن القول ببطلان العقد لبطلانه لا يأتي على العقد الأصلي المشتمل عليه؛ لأن تحقق العقد الأصلي ليس مرهونا بوجود الشرط، وإنما يعتبر الشرط الجزائي عقد معاوضة مستقلا معلقا نفاذه على الإخلال بالعقد الأصلي؛ ذلك لأن النص في عقد المقاولة مثلا بعبارة: (إن تأخر إكمالك العمل عن شهر كذا فعليك عن كل شهر تتأخر مبلغ كذا) يعتبر عقدا يشبه في الجملة عقد الرهن المتضمن قول الراهن: (إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك) ويمكن أن يرد على هذا: بأن الشرط الجزائي ليس مستقلا عن العقد الأصلي، وإنما هو من قبيل الاحتياط في إكماله بالوفاء بالشرط أو التعويض عما يترتب على الإخلال به من ضرر، فليس من قبيل: بعتك على أن تقرضني أو تؤجرني أو تزوجني؛ لأن كل واحد من هذه العقود يمكن أن يقع مستقلا عن العقد الأصلي بخلاف الشرط الجزائي فإنه لا يقع مستقلا.
ونذكر جملة من العقود التي اقترن بها شرط، وكان ذلك مثار خلاف بين
(1/284)

أئمة الفقهاء:
أ- بيع العربون: وهو: أن يشتري السلعة ويدفع إلى البائع مبلغا من المال على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فهو للبائع.
وقد بحث علماء المذاهب الإسلامية المعتبرة هذا النوع من البيوع، واختلفوا فيه على قولين:
فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى القول بتصحيحه.
قال أبو محمد بن قدامة رحمه الله (1) : والعربون في البيع هو: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع، يقال: عربون وأربون وعربان وأربان، قال أحمد: لا بأس به، وفعله عمر رضي الله عنه، وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، وقال أحمد: هذا في معناه.
واختار أبو الخطاب: أنه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن؛ لأن «النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع العربون) » رواه ابن ماجه، ولأنه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد
__________
(1) [المغني] ، (4\ 232\ 233) طبعة المنار.
(1/285)

المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما، وهذا هو القياس، وإنما صار أحمد فيه إلى ما روى فيه عن نافع بن عبد الحارث: (أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا) قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه، قال: (أي شيء أقول؟ هذا عمر رضي الله عنه) ، وضعف الحديث المروي. روى هذه القصة الأثرم بإسناده.
فأما إن دفع إليه قبل البيع درهما وقال: (لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك) ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدأ، وحسب الدرهم من الثمن- صح؛ لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه، فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس، والأئمة القائلين بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم؛ لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه، ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله؛ لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالمبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة. اهـ.
وقد لخص الدكتور السنهوري أدلة القولين، ورد أدلة القائلين ببطلان بيع العربون - فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة رحمه الله ما نصه (1) .
__________
(1) [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] ، (2\ 101، 102) .
(1/286)

ويمكن أن نستخلص من النص المتقدم ما يأتي:
إن الذين يقولون ببطلان بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن بيع العربون؛ ولأن العربون اشترط للبائع بغير عوض، وهذا شرط فاسد، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهم.
إن أحمد يجيز بيع العربون، ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر، وضعف الحديث المروي في النهي عن بيع العربون وإلى القياس على صورة متفق على صحتها هي: أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئا. قال أحمد: هذا في معناه.
ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطلان بيع العربون، فالعربون لم يشترط للبائع بغير عوض، إذ العوض هو الانتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة، وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول، إذ المشتري إنما يشترط خيار الرجوع في البيع مع ذكر مدة معلومة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار. اهـ.
ويمكن أن يقال: بأن الشرط الجزائي يشبه بيع العربون في أن كلا منهما شرط يوجب على من أخل بالشرط عقوبة مالية يجري تعيينها قبل حصول ذلك.
(1/287)

ونوقشت المقارنة والترجيح بما يأتي:
أولا: في سند الأثر الذي فيه شراء نافع من صفوان دار السجن: عبد الرحمن بن فروخ السعد مولى عمر، وهو مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه إلا عمرو بن دينار؛ ولذا ترك مسلم الرواية عنه في [صحيحه] ، ولم يرو عنه البخاري إلا في التعليقات، اللهم إلا أن يقال: إن الشهرة تقوم مقام راو آخر، ذكر معنى ذلك ابن حجر في [تهذيب التهذيب] ، عن الحاكم.
ثانيا: هذا الأثر يحتمل متنه أن يكون عقد الشراء قد أبرم فعلا بين نافع وصفوان، ويحتمل أن يكون مجرد وعد من نافع لصفوان بالشراء، ثم كان العقد بعد العرض على عمر ورضاه.
ثالثا: دعوى الاتفاق على ما قاله ابن سيرين من أنه لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا- تحتاج إلى إثبات حتى يتأتى قياس بيع العربون عليه، وإلا فمجرد قول ابن سيرين ليس بأصل يرجع إليه في الاستدلال، والإمام أحمد ليس بمجتهد مذهب حتى يقال: إن هذا من باب التخريج على مسألة في المذهب، بل هو مجتهد مطلق، ويرجع في اجتهاده إلى الأصول الشرعية.
رابعا: ذكر الأستاذ السنهوري: أن العربون عوض عن انتظار البائع أو عن تفويت فرصة البيع عليه، فهل الانتظار أو تفويت الفرصة مما يقوم بمال حتى يستحق البائع العربون عوضا عنه، هذا محل نظر، فالمخالف لا يوافقه على ذلك كما مر في النقل عن ابن قدامة رحمه الله.
(1/288)

خامسا: لم يذكر في تعريف بيع العربون تعيين مدة، فكان شبهه بالخيار المجهول ثابتا.
ب- مسألة: ما إذا أعطى الرجل الخياط ثوبه فقال له: (إن خطته اليوم فبعشرة، أو خطته غدا فبتسعة) ، فهذه المسألة بحثها الفقهاء رحمهم الله، ومنهم أبو الحسن المرداوي الحنبلي فقد قال ما نصه:
قوله: إن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين: وأطلقهما في [الهداية] و [المذهب] ، و [المستوعب] ، و [الخلاصة] ، و [المغني] ، و [الشرح] ، و [الفائق] ، و [شرح ابن منجا] ، و [الحاوي الصغير] ، إحداهما: لا يصح، وهو المذهب، والرواية الثانية: يصح وقدمه في [الرعايتين] ، اهـ (1) .
ج- مسألة: ما إذا أكرى لأحد الناس دابة فقال: (إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة، وإن رددتها غدا فكراؤها عشرة) ، فقال أحمد في رواية عبد الله: لا بأس به، قال في [الفائق] : صح في الروايتين وجزم في [الوجيز] والمذهب، وقدمه في [الرعايتين] ، و [الخلاصة] ، و [الحاوي الصغير] ، و [النظم] (2) .
فعلى رأي القائلين بصحة العقد في المسألتين (ب، ج) يكونون قد صححوا اقتطاع جزء من كامل الأجرة جزاء التأخير، وهذا يشبهه الشرط
__________
(1) [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف] ، (6\ 18) .
(2) المرجع السابق (6\ 20) .
(1/289)

الجزائي من حيث إن كلا منهما يوجب على المتسبب في الإخلال بالاتفاق غرامة مالية يجري تقديرها سلفا في مبدأ العقد.
وقد يرد على ذلك: بأن العقد في كلتا الصورتين ليس مشتملا على شرط التنجيز بخياطة الثوب أو رد الدابة، وإنما هو عقد تخييري لحالين، أي: حال منهما يقع عليها الاختيار يتعين العقد بموجبها، وعليه فليس فيه اقتطاع جزء من كامل الأجرة.
د- مسألة: ما إذا قال: (من خاط لي هذا الثوب في هذا اليوم فله كذا) فإذا خاطه في اليوم الثاني مثلا فهل يستحق الجعل أو أجرة المثل أو لا يستحق شيئا؟
هذه المسألة ذكرها ابن قدامة رحمه الله في [المغني] ، فقال في معرض تفريقه بين الإجارة والجعالة في حكم الجمع بين تقدير المدة والعمل: وإن علقه بمدة معلولة فقال: (من رد لي عبدي من العراق إلى شهر فله دينار) ، أو (من خاط قميصي هذا في اليوم فله درهم) صح؛ لأن المدة إذا جازت مجهولة فمع التقدير أولى. . . إلى أن قال: فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به فيها استحق الجعل، ولا يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا شيء له. اهـ (1) .
وذكرها البهوتي رحمه الله في [الكشاف] ، فقال:
ويصح الجمع بين تقدير العمل والمدة، كأن يقول: (من خاط لي هذا
__________
(1) [المغني] ، (6\ 28) مطبعة الإمام.
(1/290)

الثوب في يوم فله كذا، فإن أتي به فيها استحق الجعل ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له) اهـ (1) .
فعلى القول بأنه يستحق أجرة المثل إن لم يكن أكثر من الجعل، ففي حال نقص أجرة المثل عن الجعل فإن الفرق بينهما في مقابلة التأخير، وعليه فيمكن أن يقال: بأن الشرط الجزائي يشبهه من حيث إن استحقاق الشرط الجزائي في مقابلة الإخلال بالالتزام ومنه التأخير.
هـ- المسألة التي حكم فيها القاضي شريح: والتي سبق ذكرها في أول البحث ونصها: روى البخاري في [صحيحه] ، بسنده عن ابن سيرين: أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرجوا فقال شريح: (من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه) اهـ.
فهذه المسألة صريحة في أنها من أنواع الشروط الجزائية.
ويمكن أن يقال: بتصحيح الشرط الجزائي بناء على اعتباره عقوبة مالية في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، ولأن في تصحيحه ووجوب الوفاء به سدا لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسببا من أسباب الحفز على الوفاء بالوعود والعهود؛ تحقيقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (2)
__________
(1) [كشاف القناع عن متن الإقناع] ، (4\ 173) .
(2) سورة المائدة الآية 1
(1/291)

هذا ومن الجدير بالذكر: أن اللجنة بنت ما ذكرته من احتمالات في تطبيق الضوابط، وفي الإلحاق بالنظائر على أوسع المذاهب في ذلك، وأقربها إلى قوة الدليل، فإن سلم ذلك وظهر الحكم فالحمد لله، وإلا فالشرط الجزائي أبعد عن الحكم فيه بالجواز إذا طبقت عليه ضوابط الشروط الصحيحة والفاسدة في المذاهب الفقهية الأخرى؛ كالمذهب الحنفي والشافعي، اللهم إلا أن ينظر إلى ما نقل عن الحنفية من اعتبار ما جرى به التعامل وتعارفه الناس في معاملاتهم وكان غير مناقض لمقتضى العقد، فبهذا يمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي يتسع له هذا الضابط، فيعد من الشروط الصحيحة.
هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق. وصلى على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(1/292)

قرار هيئة كبار العلماء
رقم (25) وتاريخ 31\ 8\ 1394هـ.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين 28\ 10 و 14\ 11 \ 1393\هـ من الرغبة في دراسة موضوع (الشرط الجزائي) - فقد جرى إدراجه في جدول أعمال الهيئة في دورتها الخامسة، المنعقدة فيما بين 5 و 22\ 8 \ 1394 هـ في مدينة الطائف.
ثم جرى دراسة الموضوع في هذه الدورة بعد الاطلاع على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد مداولة الرأي والمناقشة، واستعراض المسائل التي يمكن أن يقاس عليها الشرط الجزائي، ومناقشة توجيه قياسه على تلك المسائل والإيراد عليه، وتأمل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا (2) » ولقول عمر رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط) والاعتماد على القول الصحيح: من أن الأصل في الشروط الصحة، وأنه لا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا
__________
(1) سورة المائدة الآية 1
(2) سنن أبو داود الأقضية (3594) ، مسند أحمد بن حنبل (2/366) .
(1/293)

أو قياسا.
واستعراض ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى:
صحيحة، وفاسدة، وتقسيم الصحيحة إلى ثلاثة أنواع: أحدها: شرط يقتضيه العقد؛ كاشتراط التقابض، وحلول الثمن.
الثاني: شرط من مصلحة العقد؛ كاشتراط صفة في الثمن؛ كالتأجيل، أو الرهن، أو الكفيل به، أو صفة في المثمن، ككون الأمة بكرا.
الثالث: شرط فيه منفعة معلومة، وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته، ولا منافيا لمقتضاه؛ كاشتراط البائع سكنى الدار شهرا.
وتقسيم الفاسدة إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدا آخر؛ كبيع، أو إجارة، أو نحو ذلك.
الثاني: اشتراط ما ينافي مقتضى العقد، كأن يشترط في المبيع ألا خسارة عليه، أو ألا يبيع أو يهب ولا يعتق.
الثالث: الشرط الذي يتعلق به العقد، كقوله: بعتك إن جاء فلان.
وبتطبيق الشرط الجزائي عليها، وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد، إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، والاستئناس بما رواه البخاري في [صحيحه] بسنده عن ابن سيرين: أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم
(1/294)

فلم يخرج، فقال شريح: (من شرط على نفسه طائعا غير مكروه فهو عليه) .
وقال أيوب عن ابن سيرين: أن رجلا باع طعاما وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ، فقال شريح للمشتري: (أنت أخلفت) فقضى عليه، وفضلا عن ذلك فهو في مقابلة الإخلال بالالتزام، حيث إن الإخلال به مظنة الضرر، وتفويت المنافع، وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود؟ تحقيقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1)
لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع:
أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعا، فيكون العذر مسقطا لوجوبه حتى يزول.
وإذا كان الشرط الجزائي كثيرا عرفا، بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدا عن مقتضى القواعد الشرعية- فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف، على حسب ما فات من منفعة، أو لحق من مضرة.
ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر؛ عملا بقوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (2) وقوله سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (3)
__________
(1) سورة المائدة الآية 1
(2) سورة النساء الآية 58
(3) سورة المائدة الآية 8
(1/295)

وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار (1) » .
وبالله التوفيق وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الخامسة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
__________
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2340) ، مسند أحمد بن حنبل (5/327) .
(1/296)

(5)
حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
(1/297)

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد (1)
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد، وآله وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء مسألة (حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد) .
وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بحثا في الموضوع، ونصه:
الحمد لله وحده، وبعد:
فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، في دورته الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني، عام 1393 هـ من البحث في الدورة الرابعة عن (حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد) .
وبناء على ما تقتضيه لائحة عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث علمي عن المسألة التي تقرر عرضها على
__________
(1) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الثالث، ص 27- 124، لعام 1397 هـ.
(1/299)

الهيئة- قامت اللجنة الدائمة بإعداد بحث في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، اشتمل على ما يلي:
1 - حكم الإقدام على جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.
2 - ما يترتب على إيقاع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/300)

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
المسألة الأولى: حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة وفيه قولان:
القول الأول: أنه محرم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول شيخ الإسلام وابن القيم:
أما المذهب الحنفي: فقال الكاساني في الكلام على طلاق البدعة (1) : وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا جماع فيه، سواء كان على الجمع: بأن أوقع الثلاث جملة واحدة، أو على التفاريق واحدا بعد واحد، بعد أن كان الكل في طهر واحد. وهذا قول أصحابنا:
ولنا الكتاب والسنة والمعقول:
أما الكتاب: فقوله عز وجل: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (2) أي: في أطهار عدتهن، وهو الثلاث في ثلاثة أطهار، كذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا فيما تقدم أمر بالتفريق، والأمر بالتفريق يكون نهيا عن الجمع، ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان نهيا عن ضده- وهو: الجمع- نهي تحريم، وإن كان أمر ندب، كان نهيا عن ضده- وهو: الجمع- نهي ندب، وكل
__________
(1) [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] ، (3\ 94، 95) .
(2) سورة الطلاق الآية 1
(1/301)

ذلك حجة على المخالف؛ لأن الأول يدل على التحريم، والآخر يدل على الكراهة، وهو لا يقول بشيء من ذلك.
وقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1) أي: دفعتان، ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين، لم يجز أن يقول أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين.
وجه الاستدلال: أن هذا إن كان ظاهره الخبر، فإن معناه: الأمر؛ لأن الحمل على ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف، لأن الطلاق على سبيل الجمع قد يوجد، وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الأمر، قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} (2) أي: ليرضعن، ونحو ذلك، كذا هذا، فصار كأنه سبحانه وتعالى قال: طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع؛ لأنه ضده، فيدل على كون الجمع حراما أو مكروها على ما بينا.
فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم؛ لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس الطلاق ثلاث، والثلاث إذا وقع دفعتين، كان الواقع في دفعة طلقتان، فيدل على كون الطلقتين في دفعة مسنونتين.
فالجواب: أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق الثلاث؛ لأنه أمر بالرجعة عقب الطلاق مرتين- أي: دفعتين- بقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} (3) أي: وهو الرجعة، وتفريق الطلاق- وهو إيقاعه
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 233
(3) سورة البقرة الآية 229
(1/302)

دفعتين- لا يتعقب الرجعة، فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق كل جنس الطلاق وهو الثلاث، والأمر بتفريق طلاقين من الثلاث يكون نهيا عن الجمع بينهما.
وأما السنة: فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن (1) » ، نهى صلى الله عليه وسلم عن الطلاق، ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه؛ لأنه قد بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي، فعلم أن هاهنا غيرا حقيقيا ملازما للطلاق يصلح أن يكون منهيا عنه، فكان النهي عنه لا عن الطلاق، ولا يجوز أن يمنع من الشرع لمكان الحرام الملازم له، كما في الطلاق في حالة الحيض، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وغير ذلك.
وقد ذكر عن عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا، وأجاز ذلك عليه، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعا.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها؛ أن النكاح عقد مصلحة؛ لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال له، وإبطال المصلحة مفسدة، وقد قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (2) وهذا معنى الكراهة الشرعية
__________
(1) رواه ابن عدي في [الكامل] من طريق علي بن أبي طالب، وقال السيوطي في [الجامع الصغير] : ضعيف.
(2) سورة البقرة الآية 205
(1/303)

عندنا: أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به، إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة؛ لعدم توافق الأخلاق، وتباين الطبائع، أو لفساد يرجع إلى نكاحها، بأن علم الزوج أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة، أو أن المقام معها يسبب فساد دينه ودنياه، فتنقلب المصلحة في الطلاق ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى، إلا أن احتمال أنه لم يتأمل. حق التأمل، ولم ينظر حق النظر في العاقبة قائم، فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر، وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية، حتى إن التباين والفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق، وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه، أنه هل يمكنه الصبر عنها؛ فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها، وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني ثانيا، ويجرب نفسه، ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحة ظاهرا وغالبا؛ لأنه لا يلحقه الندم غالبا، فأبيحت الطلقة الواحدة أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة، وصيرورة المصلحة في الطلاق، فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة في حالة الغضب، وليست حالة الغضب حالة التأمل، لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة، فكان الطلاق إبطالا للمصلحة من حيث الظاهر، فكان مفسدة.
والثاني: أن النكاح عقد مسنون، بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح، فكان الطلاق قطعا للسنة، وتفويتا للواجب، فكان الأصل هو الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص للتأديب أو للتخليص، والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية؛ لأن التباين أو الفساد إذا كان من قبلها، فإذا ذاقت
(1/304)

مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار، والثابت بالرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة، وحق الضرورة صار مقضيا بما ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد، فبقي ذلك على أصل الحظر. والثالث: أنه إذا طلقها ثلاثا في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال الله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (1) قيل في التفسير: أي: ندامة على ما سبق من فعله، أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح، فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام، وليس في الامتناع ذلك، والتحرز عن مثله واجب شرعا وعقلا، بخلاف الطلقة الواحدة؛ لأنها لا تمنع التدارك بالرجعة، وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار؛ لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهرا؛ لأنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم. انتهى المقصود.
وقال السرخسي: وعلى هذا الأصل- أي: توجيه إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار - قال علماؤنا رحمهم الله: إيقاع الثلاث جملة بدعة.
وبعد أن ساق مذهب الشافعي في إباحته وأدلته (2) ، ساق الدليل على تحريمه، وهو قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) قال: معناه: دفعتان، كقوله: أعطيته مرتين، وضربته مرتين، والألف واللام للجنس، فيقتضي
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) [المبسوط] (6\4) وما بعدها، ويرجع أيضا إلى [فتح القدير] ، (3\ 26) وما بعدها.
(3) سورة البقرة الآية 229
(1/305)

أن يكون كل الطلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} (1) أو في قوله عز وجل: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير، وفي حديث محمود بن لبيد رحمه الله تعالى: «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا. فقال: أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم (3) » .
واللعب بكتاب الله: ترك العمل به، فدل أن موقع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد من قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (4) تفريق الطلقات على عدد أقراء العدة، ألا ترى أنه خاطب الزوج بالأمر بإحصاء العدة؟ وفائدته: التفريق، فإنه قال: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (5) أي: يبدو له فيراجعها، وذلك عند التفريق لا عند الجمع.
وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه «أن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفا. فقال صلى الله عليه وسلم: بانت امرأته بثلاث في معصية الله تعالى، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة» .
وإن «ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته في حالة الحيض، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، فقال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت
__________
(1) سورة البقرة الآية 230
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سنن النسائي الطلاق (3401) .
(4) سورة الطلاق الآية 1
(5) سورة الطلاق الآية 1
(1/306)

تحل لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا، بانت منك وهي معصية (1) » .
وبعد أن بين وجه الرد على استدلال الشافعي رحمه الله بقصة لعان عويمر العجلاني، وأنه طلق ثلاثا ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم قال: ولنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد روي عن علي، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة، وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم: كراهة إيقاع الطلاق الثلاث بألفاظ مختلفة.
وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: لو أن الناس طلقوا نساءهم كما أمروا لما فارق الرجل امرأته وله إليها حاجة، إن أحدكم يذهب فيطلق امرأته ثلاثا ثم يقعد فيعصر عينيه، مهلا مهلا بارك الله عليكم، فيكم كتاب الله وسنة رسوله، فماذا بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا الضلال ورب الكعبة؟
قال الكرخي: لا أعرف بين أهل العلم خلافا: أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، إلا قول ابن سيرين، وإن قوله ليس بحجة.
ثم ساق الرد على ما استدل به الشافعي من الآثار، ثم ذكر بعد ذلك دليلا من جهة المعنى، وقد سبق ما يوافقه عن الكاساني.
وقال الطحاوي (2) : حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد: أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة؟ فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك
__________
(1) صحيح البخاري الطلاق (5332) ، صحيح مسلم الطلاق (1471) ، سنن الترمذي الطلاق (1175) ، سنن النسائي الطلاق (3392) ، سنن أبو داود الطلاق (2179) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) ، موطأ مالك الطلاق (1220) ، سنن الدارمي الطلاق (2262) .
(2) [شرح معاني الآثار] (2\30) .
(1/307)

لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، من يتق الله يجعل له مخرجا، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1)
المذهب المالكي:
أما المذهب المالكي فهذه بعض نقول عنه:
قال سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات في مجلس واحد؟ قال: نعم، كان يكرهه أشد الكراهية (2) .
وقال محمد بن أحمد بن رشد: وكذلك لا يجوز عند مالك أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه ذلك، بدليل قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} (3) وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (4) وهي: الرجعة، فجلعها فائتة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم يلزمه لم تفته الزوجة، ولا كان ظالما لنفسه (5) انتهى المقصود.
وقال الباجي (6) : فأما العدد فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين أو ثلاثا فقد طلق بغير سنة. . . والدليل على ما نقوله قوله
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) [المدونة] (2\66) .
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) سورة الطلاق الآية 1
(5) [المقدمات] وهي مع [المدونة] (2\78) .
(6) [المنتقى] (4\3) .
(1/308)

تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (1)
ولا يخلو أن يكون أمرا بصفة الطلاق، والأمر يقتضي الوجوب، أو يكون إخبارا عن صفة الطلاق الشرعي، ومن أصحابنا من قال: إن الألف واللام تكون للحصر، وهذا يقتضي أن لا يكون الطلاق الشرعي على غير هذا الوجه.
فإن قيل: المراد بذلك الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وأن ما زاد عليه ليس برجعي، قالوا: يدل على ذلك أنه قال بعد ذلك: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) ثم أفرد الطلقة الثالثة لما لم تكن رجعية وفارق حكم الطلقتين، فقال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (3) وإذا كان المراد ما ذكرناه من الإخبار عن الطلاق الرجعي لم يدل ذلك على أن هذا هو الطلاق الرجعي دون غيره.
فالجواب: أن هذا أمر أضمر في الكلام مع استقلاله دونه بغير دليل؛ لأنكم تضمرون الرجعي، وتقولون: معناه: الطلاق الرجعي مرتان، وإذا استقل الكلام دون ضمير لم يجز تعديها إلا بدليل.
وجواب ثان: وهو: أنه لو أراد الإخبار عما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان؛ لأن ذلك يقتضي أنه الطلاق الرجعي أوقعهن مجتمعتين أو مفترقتين، فلما قال: {مَرَّتَانِ} (4) - ولا يكون ذلك إلا لإيقاع الطلاق مفترقا-
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 230
(4) سورة البقرة الآية 229
(1/309)

ثبت أنه قصد الإخبار عن صفة إيقاعه، لا الإخبار عن عدد الرجعي منه.
فإن قالوا: إن لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به العدد دون تكرار الفعل، يدل على ذلك قوله تعالى: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (1) ولم يرد في تفريق الأجر، وإنما أراد تضعيف العدد.
فالجواب: أن قوله: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (2) حقيقة فيما ذكرناه من تكرار الفعل دون العدد، ولا فرق في ذلك بين أن يعلق على فعل أو اسم، يدل على ذلك أنك تقول: لقيت فلانا مرتين، فيقتضي تكرار الفعل، وكذلك قوله: دخلت مصر مرتين، فإذا كان ذلك أصله وحقيقته ودل الدليل في بعض المواضع على العدول به عن حقيقته واستعماله في غير ما وضع له- لم يجز حمله على ذلك في موضع آخر إلا بدليل.
وجواب آخر: وهو أن الفضل قال: معنى {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (3) (مرة بعد مرة في الجنة) . فعلى هذا لم يخرج اللفظ عن بابه، ولا عدل به عن حقيقته.
وإن قلنا: إن معناه: التضعيف في ماله وأجره: فالفرق بينهما: أن قوله تعالى: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (4) يفيد التضعيف، ويمنع الاقتصار على ضعف واحد، ولو كان معنى قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (5) يريد به: التضعيف، لمنع من إيقاع طلقة واحدة، وإلا بطل معنى التضعيف، وهذا باطل باتفاقنا.
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 31
(2) سورة الأحزاب الآية 31
(3) سورة الأحزاب الآية 31
(4) سورة الأحزاب الآية 31
(5) سورة البقرة الآية 229
(1/310)

ودليلنا من جهة السنة: ما روى مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: «أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقال: فعلته لاعبا؟ ثم قال: تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (1) » ؟ !
ودليلنا من جهة القياس: أن هذا معنى ذو عدد يقتضي البينونة فوجب تحريمه كاللعان.
أما مذهب الحنابلة: فقد قال ابن قدامة: والرواية الثانية: أن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم، اختارها أبو بكر وأبو حفص، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
قال علي رضي الله عنه: لا يطلق أحد للسنة فيندم، وفي رواية قال: يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض فمتى شاء راجعها. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا.
وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس قال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان، فلم يجعل الله له مخرجا.
ووجه ذلك: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} (2) إلى قوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (3)
__________
(1) سنن النسائي الطلاق (3401) .
(2) سورة الطلاق الآية 1
(3) سورة الطلاق الآية 1
(1/311)

ثم قال بعد ذلك: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1) ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (2) ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولا يجعل الله له مخرجا، ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد، وقد سبق في استدلال المالكية، وفي حديث ابن عمر قال: «قلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: إذا عصيت ربك، وبانت منك امرأتك (3) » .
وروى الدارقطني بإسناده، عن علي قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب، وقال: تتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا أو لعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره» .
ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى؛ لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما كان وسيلة إلى عودة إليها حراما أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم، وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياما يسيرة، أو الطلاق في طهر مسها فيه، الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل، فإن ضرر جمع
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(2) سورة الطلاق الآية 4
(3) سنن النسائي الطلاق (3557) ، مسند أحمد بن حنبل (2/6) .
(1/312)

الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة، فالتحريم ثم تنبيه على التحريم هاهنا.
ولأنه قول من سمينا من الصحابة، رواه الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا (1) .
وقال شيخ الإسلام: وأما جمع (الطلقات الثلاث) ففيه قولان:
القول الأول: محرم أيضا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واختاره أكثر أصحابه، وقال أحمد: تدبرت القرآن، فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي- يعني: طلاق المدخول بها- غير قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (2)
وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار، فيطلقها في كل طهر طلقة؟
فيه قولان، هما روايتان عن أحمد.
إحداهما: له ذلك، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة.
والثانية: ليس له ذلك، وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه؟ كأبي بكر عبد العزيز، والقاضي أبي يعلى وأصحابه.
__________
(1) [المغني مع الشرح الكبير] (8\240، 241)
(2) سورة البقرة الآية 230
(1/313)

القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم، بل هو ترك الأفضل، وهو مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي.
واحتجوا: بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وأجاب الأكثرون: بأن حديث فاطمة، وامرأة رفاعة، إنما طلقاهما ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح: أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا، يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة، فهذا كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو بخلاف الدليل.
وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف: أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت
(1/314)

عليه حتى تنكح زوجا غيره.
وامتنع حينئذ أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين، ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا، فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية، فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا، فأنفذه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه احتاج إلى إنفاذ النبي صلى الله عليه وسلم واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أنه تحرم عليه أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
واستدل الأكثرون: بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي، وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} (1) إلى قوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (2) {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (3) وهذا إنما يكون في الرجعي. وقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (4)
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة الطلاق الآية 1
(3) سورة الطلاق الآية 2
(4) سورة الطلاق الآية 1
(1/315)

يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة: أي: لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة، ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين. فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر، فإن هذا قول ضعيف؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن بحاجة إلى أن يراجعها، والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار.
ودل على أنه كان مستقرا عند الله: أن العدة لا تستأنف بدون رجعة، سواء كان ذلك؛ لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة، أو يقع ولا يستأنف له العدة، وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة. فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة، إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد، وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزا. فلم يكن ذلك طلاقا للعدة، ولأنه تعالى قال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (1) فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(1/316)

العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان.
وقد قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (1) فهذا يقتضي: أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق، ثم قال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) أي: هذا الطلاق المذكور (مرتان) ، وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول: سبحان الله مرتين، بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا أو مرتين لم يجز أن يقال: ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال: طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، ثم قال سبحانه بعد ذلك: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (3) فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (4) وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع. ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، كما هو مبسوط في موضعه.
وسبب ذلك أن (الأصل في الطلاق الحظر) وإنما أبيح منه قدر الحاجة
__________
(1) سورة البقرة الآية 228
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 230
(4) سورة البقرة الآية 232
(1/317)

كما ثبت في [الصحيح] عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت أنت ويلتزمه (1) » .
وقد قال تعالى في ذم السحر: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} (2) وفي [السنن] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات (3) » . وفي [السنن] أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (4) » . ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وإذا كان إنما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باق على الحظر. اهـ (5) .
وقال ابن القيم: فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة. قد تقدم حديث محمود بن لبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (6) » وإسناده على شرط مسلم، قال ابن وهب: قد رواه مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه. قال: سمعت محمود بن لبيد، فذكره، ومخرمة ثقة بلا شك. وقد احتج مسلم في [صحيحه] بحديثه عن أبيه.
والذين أعلوه، قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب:
__________
(1) صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (2813) ، مسند أحمد بن حنبل (3/315) .
(2) سورة البقرة الآية 102
(3) سنن النسائي الطلاق (3461) ، مسند أحمد بن حنبل (2/414) .
(4) سنن الترمذي الطلاق (1187) ، سنن أبو داود الطلاق (2226) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2055) ، مسند أحمد بن حنبل (5/283) ، سنن الدارمي الطلاق (2270) .
(5) [مجموع الفتاوى] (33\ 76-81)
(6) سنن النسائي الطلاق (3401) .
(1/318)

سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير، فقال: هو ثقة ولم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب مخرمة، فنظر فيه كل شيء يقول: (بلغني عن سليمان بن يسار) فهو من كتاب مخرمة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر. وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظ مضبوط، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها.
وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث بكتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله، وعملت به الأمة. وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوب إليه: كتب إلي فلان: أن فلانا أخبره.
ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة ولا
(1/319)

تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة: أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله، بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كاتبه.
الجواب الثاني: أن قول من قال: (لم يسمع من أبيه) معارض بقول من قال: (سمع منه) ومعه زيادة علم وإثبات. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن مخرمة بن بكير؟ فقال: صالح الحديث. قال: وقال ابن أبي ذئب: وحدث في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه، فحلف لي: ورب هذه البنية- يعني: المسجد- سمعت من أبي.
وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشيء اليسير، ولم أجد أحدا في المدينة ومخرمة يخبرني عن مخرمة بن بكير: أنه كان يقول في شيء من حديثه: (سمعت أبي) ومخرمة ثقة. . انتهى. ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في [موطئه] وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا.
وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو؟ قال: مخرمة بن بكير، وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم. وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان
(1/320)

مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به.
وفي [صحيح مسلم] قول ابن عمر للمطلق ثلاثا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به، وتفسير الصحابي حجة، وقال الحاكم: هو عندنا مرفوع.
ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول، هو الطلاق الذي تملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1)
ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين (2) » ونظائره، فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال، يتلو بعضه بعضا، فلو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين- بهذا اللفظ- لكان ثلاث مرات فقط، وأصرح من هذا قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} (3) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات بالله، إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} (4) فلو قالت:
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (597) ، سنن أبو داود الصلاة (1504) ، مسند أحمد بن حنبل (2/371) ، موطأ مالك النداء للصلاة (488) .
(3) سورة النور الآية 6
(4) سورة النور الآية 8
(1/321)

أشهد بالله أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين كانت واحدة.
وأصرح من ذلك قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} (1) فهذا مرة بعد مرة. ولا ينقض هذا بقوله تعالى: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين (3) » . فإن المرتين هنا: هما: الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (4) وقوله تعالى: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} (5) أي: ضعف ما يعذب به غيرها، وضعف ما كانت تؤتي، ومن هذا قول أنس: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين (6) » أي: شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: «انشق القمر فلقتين (7) » وهذا أمر معلوم قطعا: أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزءين ومرتين في المضاعفة، فالثاني يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك.
ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة، أنه قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (8) إلى أن قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} (9) فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق
__________
(1) سورة التوبة الآية 101
(2) سورة الأحزاب الآية 31
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (3011) ، صحيح مسلم الإيمان (154) ، سنن الترمذي النكاح (1116) ، سنن النسائي النكاح (3344) ، سنن ابن ماجه النكاح (1956) ، مسند أحمد بن حنبل (4/405) ، سنن الدارمي النكاح (2244) .
(4) سورة الأحزاب الآية 30
(5) سورة البقرة الآية 265
(6) صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (2802) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3286) ، مسند أحمد بن حنبل (3/275) .
(7) صحيح البخاري تفسير القرآن (4864) ، صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (2801) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3285) ، مسند أحمد بن حنبل (1/447) .
(8) سورة البقرة الآية 228
(9) سورة البقرة الآية 228
(1/322)

أحق فيه بالرجعة، سوى الثالثة المذكورة بعد هذا.
وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) إلى قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (2) فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله سبحانه أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، وذكر طلاق الفدا الذي هو الخلع، وسماه: فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق الرجعي الذي يحق للمطلق فيه الرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.
وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما، على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة، وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة، كانت رجعية، ويلغو وصفها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض، وأما أبو حنيفة فقال: تبين بذلك؛ لأن الرجعة حق له وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها، وبذلها العوض، وسؤالها أن تفتدي نفسها بغير عوض في أحد القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض، وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض- فخلاف النص والقياس.
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة الطلاق الآية 2
(1/323)

قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها، وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة، فنسخ سبحانه ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها، وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها، كان خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، فالزائد عليها غير مأذون له فيه.
قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف ما شرعه.
ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين:
(أحدهما) : طلاق غير المدخول بها.
(والثاني) : الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة. هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور، منهم: الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر.
قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها- وساقها رحمه الله-
(1/324)

هل هي ثلاث، أو خلع بدون عوض، أو واحدة بائنة؟ (1) .
وقد أجاب ابن حزم رحمه الله في كتابه [المحلى] عن ذلك بقوله (2) : أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط، ثم نسألهم عمن طلق مرة، ثم راجع، ثم مرة، ثم راجع ثانية، ثم ثالثة، أببدعة أتى؟ فمن قولهم: لا، بل بسنة، فنسألهم: أتحكمون له بما في الآيات المذكورات؟ فمن قولهم: لا، بلا خلاف.
فصح أن المقصود- في الآيات، المذكورات- من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا، فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا.
وأما قولهم: معنى قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) أن معناه: مرة بعد مرة، فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى: {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (4) أي: مضاعفا معا، وهذه الآية أيضا تصلح لما دون الثلاث من الطلاق، وهو حجة لنا عليهم؛ لأنهم لا يختلفون- يعني: المخالفين لنا- في أن طلاق السنة هو: أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم: أن يطلقها في كل طهر طلقة، وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل: طلاق سنة، فبطل تعلقهم بقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (5)
__________
(1) [زاد المعاد] (4\100) وما بعدها.
(2) انظر [المحلى] لابن حزم (10\167، 168) .
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) سورة الأحزاب الآية 31
(5) سورة البقرة الآية 229
(1/325)

وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل، ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا.
ويعني ابن حزم بالإرسال: ما قرره الحافظ ابن حجر (1) ، وهو: أن محمود بن لبيد، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت له منه سماع وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية. . وقد ترجم له أحمد في [مسنده] وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.
وقال الحافظ (2) : ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقة قليل الحديث، كما ذكر الحافظ: أن الترمذي قال فيه: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام صغير) .
وقال ابن أبي حاتم: قال البخاري: له صحبة، فسخط أبي عليه، وقال: لا يعرف له صحبة، روى عن ابن عباس، روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة: سمعت أبي يقول ذلك. سئل أبو زرعة عن محمود بن لبيد؟ فقال: روى عن ابن عباس، وروى عنه الحارث بن فضيل، مديني أنصاري ثقة، وفي رواية مخرمة عن أبيه كلام كثير. اهـ (3)
__________
(1) انظر [فتح الباري] (9\ 97) .
(2) انظر [تهذيب التهذيب] (10\ 66) .
(3) انظر [الجرح والتعديل] للإمام الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (8\290، 298) .
(1/326)

الثاني من قولي العلماء في الإقدام على جمع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة: أنه ليس بمحرم ولا بدعة، بل سنة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة من أهل الظاهر، كما في [زاد المعاد] ، ونكتفي بإيراد كلام الشافعي في [الأم] ، وابن حزم في [المحلى] .
قال الإمام الشافعي: (الخلاف في الطلاق الثلاث) :
عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة (1) » .
قال الشافعي رحمه الله: وأبو عمرو رضي الله عنهما طلق امرأته البتة وعلم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط نفقتها؛ لأنه لا رجعة له عليها، والبتة التي لا رجعة له عليها ثلاث، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم طلاق الثلاث، وحكم فيما سواها من الطلاق بالنفقة والسكنى. فإن قال قائل: ما دل على أن البتة ثلاث فهو لو لم يكن سمى أبو عمرو رضي الله عنهما ثلاثا البتة، أو نوى بالبتة ثلاثا، كانت واحدة يملك الرجعة وعليه نفقتها.
ومن زعم أن البتة ثلاث بلا نية المطلق، ولا تسمية ثلاث، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يعب الطلاق الذي هو ثلاث دليل على أن الطلاق بيد الزوج، ما أبقى منه أبقى لنفسه، وما أخرج منه من يده لزمه غير محرم
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، موطأ مالك الطلاق (1234) .
(1/327)

عليه، كما لا يحرم عليه أن يعتق رقبة، وألا يخرج من ماله صدقة، وقد يقال له: لو أبقيت ما تستغني به عن الناس كان خيرا لك.
فإن قال قائل: ما دل على أن أبا عمرو لا يعدو أن يكون سمى ثلاثا، أو نوى بالبتة ثلاثا؟ قلنا: الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لركانة: «والله ما أردت إلا واحدة؟ (1) » فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان رضي الله عنهما.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أنه أخبره: «أنه تلاعن عويمر وامرأته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع الناس، فلما فرغا من ملاعنتهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) » . قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين.
قال الشافعي رحمه الله: فقد طلق عويمر ثلاثا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك محرما لنهاه عنه، وقال: إن الطلاق وإن لزمك فأنت عاص بأن تجمع ثلاثا، فافعل كذا، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يأمر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حين طلق امرأته حائضا، أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فلا يقر النبي
__________
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2206) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(2) صحيح البخاري الطلاق (5259) ، صحيح مسلم اللعان (1492) ، سنن أبو داود الطلاق (2245) ، موطأ مالك كتاب الطلاق (1201) .
(1/328)

صلى الله عليه وسلم بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه؛ لأنه العلم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره.
قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته فتلا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} (1) ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته قال: أمسك عليك امرأتك، فإن الواحدة تبت.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للتوءمة مثل ما قال للمطلب.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان:
أن رجلا من بني زريق طلق امرأته البتة، قال عمر: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف.
قال الشافعي رحمه الله: أراه قال، فردها عليه. قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمطلب: ما أردت بذلك؟ يريد: أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة، وهي أقل
__________
(1) سورة النساء الآية 66
(1/329)

الطلاق، وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} (1) لو طلق فلم يذكر البتة، إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق، فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني، فطهرت وهو مريض فآذنته، فطلقها ثلاثا.
قال الشافعي رحمه الله: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول: طالق البتة ينوي ثلاثا، وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه.
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها،
__________
(1) سورة النساء الآية 66
(1/330)

فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن ذلك؟ فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
قال الشافعي رحمه الله: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه، فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل: بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو: عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاض، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس
(1/331)

وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال ابن عباس مثيل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث ولا عائشة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة: أن مولاة لبني عدي يقال لها: زيراء، أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت، فقالت: فأرسلت إلي حفصة فدعتني يومئذ، فقالت: إني مخبرتك خبرا ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا. ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. فعثمان رضي الله عنه يخبره: أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة؟ بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن عمر بن عبد العزيز
(1/332)

رضي الله عنه قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجلعها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى.
قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلافهم في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا.
قال الشافعي: قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا، وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت.
قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا، وخير رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل؛ لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره: أن رجلا أتى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس رضي الله عنه: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج: أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ
(1/333)

ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا، ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ (1) .
المذهب الحنبلي
وأما المذهب الحنبلي: فقد قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي؛ لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: «كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) » متفق عليه. ولم ينقل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن عائشة: «أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي (3) » متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات، ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء (4)
__________
(1) [الأم] للإمام الشافعي (5\ 122- 124) .
(2) صحيح البخاري الطلاق (5259) ، صحيح مسلم اللعان (1492) ، سنن النسائي الطلاق (3402) ، سنن أبو داود الطلاق (2245) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2066) ، موطأ مالك كتاب الطلاق (1201) ، سنن الدارمي النكاح (2229) .
(3) صحيح البخاري الطلاق (5260) ، صحيح مسلم النكاح (1433) ، سنن الترمذي النكاح (1118) ، سنن النسائي الطلاق (3409) ، سنن ابن ماجه النكاح (1932) ، مسند أحمد بن حنبل (6/226) ، سنن الدارمي الطلاق (2267) .
(4) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] ، (8\ 240) .
(1/334)

وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا:
فقال: وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه.
ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو غيره، ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.
وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك لينكر عليه. على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث. ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه، وموافقة لقول السلف، وأمنا من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها. (1)
وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (2)
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (8\ 242) .
(2) سورة البقرة الآية 230
(1/335)

فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص.
وكذلك قوله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} (1) عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة. وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} (2) فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا.
ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث التعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها) فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو محمد: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى، لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة.
وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي
__________
(1) سورة الأحزاب الآية 49
(2) سورة البقرة الآية 241
(1/336)

امرأته، فليس هذا قولكم؛ لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية. فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته: ولا يشك أنها في عصمته فقط. فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة. فقلنا: نعم، هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة.
ومن طريق البخاري، نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (1) » فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك. وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: «أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن ابن حفص طلق امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لها نفقة وعليها العدة (2) » وذكر باقي الخبر.
__________
(1) صحيح البخاري الطلاق (5261) ، صحيح مسلم النكاح (1433) ، سنن ابن ماجه النكاح (1932) ، مسند أحمد بن حنبل (6/226) ، سنن الدارمي الطلاق (2267) .
(2) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، سنن النسائي الطلاق (3405) ، سنن أبو داود الطلاق (2290) ، مسند أحمد بن حنبل (6/373) ، سنن الدارمي النكاح (2177) .
(1/337)

ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: «قلت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا وأنا أخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت (1) » . ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا قال: ليس لها سكنى ولا نفقة (2) » .
فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا (3) ، وبأنه عليه الصلاة والسلام حكم في المطلقة ثلاثا، ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه.
فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر، فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر.
قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها، وإن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته. وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1482) ، سنن النسائي الطلاق (3547) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2033) .
(2) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، سنن النسائي الطلاق (3404) ، سنن أبو داود الطلاق (2290) ، مسند أحمد بن حنبل (6/373) .
(3) كذا في الأصل المنقول عنه.
(1/338)

هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه عليه الصلاة والسلام سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته، فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه عليه الصلاة والسلام، وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و (طلقها البتة) و (طلقها طلاقا باتا) و (طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه عليه الصلاة والسلام على ما صح أنه أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط.
وأما الصحابة رضي الله عنهم فإن الثابت عن عمر رضي الله عنه الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث. فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها.
ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا. فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك. . فلم ينكر جمع الثلاث.
ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث:. . فلم ينكر الثلاث.
(1/339)

ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا. فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا. فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد، والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم، إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية.
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين. فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان.
وهذا خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا، وإنما أنكر الزيادة على الثلاث.
ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود، فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث.
فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى.
(1/340)

قلنا: نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة. فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها فمتى شاء راجعها.
قلنا: هذا منقطع عنه؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة لا يعلم عن الصحابة رضي الله عنهم غير ما ذكرنا. وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة. فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.
فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع.
قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين، لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سنة هو قول الشافعي وأبي ذر وأصحابهما (1) .
وقال ابن أبي شيبة (2) : (من رخص للرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس) .
__________
(1) انظر [المحلى] (10\ 170-173)
(2) انظر [مصنف ابن أبي شيبة] (5\ 11) .
(1/341)

حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد. قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك.
حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا. حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.
(1/342)

المسألة الثانية: ما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفي ذلك مذاهب:
المذهب الأول: أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا.
ذكر من قال بهذا القول:
1 - قال الكاساني: وأما حكم طلاق البدعة (1) : فهو أنه واقع عند عامة العلماء، وقد ذكر هذا بعد سياقه للألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة، وذكر منها: الثلاث بلفظ واحد.
2 - قال ابن الهمام: وذهب جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى أنه يقع ثلاثا (2)
__________
(1) [بدائع الصنائع] (3\ 96) .
(2) [فتح القدير] (3\ 25) .
(1/342)

3 - قال الطحاوي بعد سياقه لأدلة وقوعها ثلاثا: فهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهم أجمعين (1) 4 - قال سحنون بن سعيد التنوخي: قلت: أرأيت إن طلقها ثلاثا وهي حامل في مجلس واحد أو مجالس شتى، أيلزمه ذلك أم لا؟ قال: قال مالك: يلزمه ذلك (2) 5 - قال الحطاب: (تنبيه) قال أبو الحسن في شرح كلام [المدونة] المتقدم صورته: أن يقول لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق في مجلس واحد، فإن كان على غير هذه الصفة كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا في كلمة واحدة، فقال عبد الحميد الصائغ: ثلاث تطليقات في كلمة أشد منه في ثلاثة مجالس، وفي ثلاثة مجالس أشد منه في ثلاثة أطهار، وكلما طلق يلزمه. . . انتهى (3) .
6 - قال الباجي: إذا ثبت ذلك- أي: كلامه على تحريم إيقاع الثلاث بلفظ واحد- فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة الفقهاء (4) .
7 - قال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور
__________
(1) [شرح معاني الآثار] (3\ 59) .
(2) [المدونة] (2\ 68) .
(3) [مواهب الجليل] (4\ 39) .
(4) [المنتقى] (4\ 3) .
(1/343)

السلف (1) .
8 - قد سبق أدلة كثيرة عن الإمام الشافعي رحمه الله في الكلام على المسألة الأولى، وأنه يوقعها ثلاثا.
9 - قال الشيرازي: وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها (2)
10 - قال ابن قدامة: وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم (3)
11 - قال المرداوي: وإن طلقها ثلاثا مجموعة قبل رجعة مرة واحدة طلقت ثلاثا، وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة رحمهم الله وأصحابهم في الجملة (4) .
12 - قال شيخ الإسلام في أثناء الكلام على بيان المذاهب في ذلك:
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 129) .
(2) [المهذب] (2\ 84) .
(3) [المغني] (8\ 243) .
(4) [الإنصاف] (8\ 453) .
(1/344)

الثاني: أنه طلاق محرم لازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين (1)
13 - قال ابن القيم: فاختلف الناس فيها- أي: وقوع الثلاث بكلمة واحدة- على أربعة مذاهب:
أحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين وكثير من الصحابة (2)
14 - قال يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الهادي: الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا: هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما سيأتي، وهذا القول مجزوم به في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد، كالخرقي، و [المقنع] و [المحرر] و [الهداية] وغيرهم، من كتب أصحاب الإمام أحمد ولا يعدل عنه.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: (كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر واحدة) بأي شيء تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباس: أنها ثلاث، وقدمه في [الفروع] وجزم به في [المغني] ، وأكثرهم لم يحك غيره، والله أعلم بالصواب (3)
15 - قال أيضا: الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول ومن أفتى به:
قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان،
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\ 8) .
(2) [زاد المعاد] (4\ 104) .
(3) [سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ص 70.
(1/345)

وعلي، وابن مسعود، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأنس (1) ، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وقال به من أصحابنا الخرقي، وأبو بكر، وابن حامد، وابن عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين - وليس مطلقا كما سيأتي- والشريف، حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول.
وفي إجماع ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع ليس بصريح فيه.
وهذا القول اختاره ابن رجب. وقد صنف ردا على من قال بخلافه. والله أعلم بالصواب (2)
16 - قال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام- شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد (3)
17 - وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وعلى هذا القول- أي: اعتبارها ثلاثا- جل الصحابة وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. اهـ (4)
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: مالك بن أنس.
(2) [سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ص 70.
(3) [سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ص 77.
(4) [أضواء البيان] (1\ 176) .
(1/346)

وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس.
أما الكتاب:
فأولا: قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (1)
قال أبو بكر الرازي تحت عنوان: (ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا) قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) الآية يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنه؛ وذلك لأن قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) قد أبان عن حكمة إذا أوقع اثنتين بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، في طهر واحد، وقد بينا أن ذلك خلاف السنة، فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما.
وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (4) فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور.
فإن قيل: قد دللت في معنى الآية: أن المراد بها: بيان المندوب إليه والمأمور به من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك،
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) سورة البقرة الآية 230
(1/347)

فكيف تحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنهما على هذا الوجه؟
قيل له: قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث لغير السنة، وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار، وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك. ألا ترى أنه لو قال: طلقوا ثلاثا في الأطهار، وإن طلقتم جميعا معا وقعن، كان جائزا، وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما.
فإن قيل: معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) وقد بين الشارع الطلاق للعدة؛ وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث، ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه.
قيل له: نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من أحكامهما، فنقول: إن المندوب إليه والمأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في هذه الآية، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (3) إذ ليس في قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ} (4) نفي لما اقتضته هذه الآية الأخرى، على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، وهو قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (5)
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 230
(4) سورة الطلاق الآية 1
(5) سورة الطلاق الآية 1
(1/348)

إلى قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (1) فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه، ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه.
وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (2) يعني- والله أعلم- أنه إذا وقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة، وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (3) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك؛ ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته.
فإن قيل: لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع، إذ ليس هو الطلاق المأمور به، كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم يقع إذا جمعهن في طهر واحد.
قيل له: أما كونه عاصيا في الطلاق فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف، ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكرا من القول وزورا، وحكم مع ذلك بصحة وقوعه، فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام، ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق امرأته،
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة الطلاق الآية 2
(3) سورة الطلاق الآية 2
(1/349)

وقد نهاه الله من مراجعتها ضرارا بقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (1) فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته.
وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو: أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر، وليس يطلق لنفسه ولا يملك ما يوقعه. ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق وأحكامه، فلما لم يكن مالكا لما يوقعه، وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر، وأما الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا، ألا ترى أنه لو وطأ أم امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته، وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك. اهـ.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) ترجم البخاري على هذه الآية باب من أجاز الطلاق الثلاث لقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (3) وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه (4) اهـ.
__________
(1) سورة البقرة الآية 231
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) انظر [تفسير القرطبي] (3\ 128) .
(1/350)

وقال العيني: وجه الاستدلال به أن قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1) معناه: مرة بعد مرة، فإذا جاز الجمع بين اثنتين جاز بين الثلاث وأحسن منه أن يقال: إن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) عام متناول لإيقاع الثلاث دفعة واحدة. وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه، أنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين يقول: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (3) أين الثالثة؟ قال: (التسريح بالإحسان) » . هذا إسناده صحيح، ولكنه مرسل، ورواه ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسلا قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن خالد، حدثنا ابن عائشة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (4) » . اهـ (5) .
وقد سبقت مناقشة ابن القيم لهذه الآية، وبين أنها دليل على عدم وقوع الثلاث، وذلك عند الكلام عليها في المسألة الأولى.
وقال الشيخ جمال الدين الإمام ردا على الاستدلال بقوله تعالى:
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) سورة البقرة الآية 229
(5) انظر: [عمدة القاري] (9\538) .
(1/351)

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1) وبين أنها لا تدل على وقوع الثلاث، قال (2) : فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعا ولغة في الطلاق الثلاث وغيره: أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام: طلقتك طلاقا، ومعنى المصدر في الكلام: طلقتك تطليقات ثلاث، ومعنى المصدر في الكلام: إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل.
والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبرا عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي، وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكا، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه اتبع بالمصدر مطلقا.
وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ سواء قيل: إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك فإن أريد حقيقة العقد أو الفسخ اتبع المصدر مطلقا مثل: طلقتها تطليقا، وأما إن تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة بعد مرة وأتبع بالعدد وحده، أو مضافا إلى المصدر المجموع، مثل طلقتك ثلاثا وقصد به التعدد، أو قال في اللعان أشهد بالله خمسا، أو خمس شهادات، أو قال في القسامة: أقسم بالله خمسين يمينا أو قال بعد الصلاة: (سبحان الله) مرة ثم قال: (ثلاثا وثلاثين) وكذا (الحمد لله) ، وكذا (الله أكبر) وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة (سبحان الله وبحمده) وأتبعها (مائة مرة) لم يكن بتكراره في الأيام
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) بواسطة [سير الحاث] لابن عبد الهادي، ص (93، 94) .
(1/352)

والأوقات والعدد، فأما غير الطلاق فلا خلاف فيه، وأما الطلاق فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة.
ثانيا: قال النووي: واحتج الجمهور بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (1)
قالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعيا فلا يندم (2) .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه. فقال: ينطق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، الله قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (3) وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها (ومن يتق الله) ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره، وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) [صحيح مسلم بشرح النووي] (10\70، 71) .
(3) سورة الطلاق الآية 2
(1/353)

مفسر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم علمه التأويل (1) » (2) .
ثالثا: قال ابن عبد الهادي نقلا عن ابن رجب: قوله في سياق آيات: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (3)
قال الحسن: كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يطلق ويقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: كنت لاعبا، ويزوج ابنه ويقول: كنت لاعبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من قالهن لاعبا جائزات عليهم: العتاق، والطلاق، والنكاح» فأنزل الله: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (4)
وقال ابن عبد الهادي ردا على ابن رجب في استدلاله بالآيات التي سبقت (5) : وأما استدلاله بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (6) إلى قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (7) قال: فليس بمسلم؛ لأن في حديث ركانة لما قال له: " راجعها " تلا هذه الآية، فهذه الآية دليل لنا لا لكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى له بهذا استدل بالآية، فلو كان فيها دليل عليه لم يستدل بها، واستدلاله بالآية بقول ابن عباس، فإن ابن عباس قد صح عنه أنه كان يفتي بهذا القول- أي: واحدة، كما تقدم- فليس لكم في الآية دليل.
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/266) .
(2) [أضواء البيان] (1\ 175، 176) .
(3) سورة البقرة الآية 231
(4) سورة البقرة الآية 231
(5) [سير الحاث] ص 89، 90.
(6) سورة الطلاق الآية 1
(7) سورة الطلاق الآية 2
(1/354)

وأما استدلاله بقوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (1) - واستدلاله بالحديث- أي: حديث الحسن وقد مضى مع الآية- فالآية والحديث ليس فيهما دليل له؛ لأنه لم يثبت طلاق الثلاث بالكلية، وإنما كان يطلق ويقول: كنت لاعبا فنزلت هذه الآية، إن الطلاق لا لعب فيه فليس في هذا دليل.
وأما استدلاله بالآية الأخرى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) فليس فيها دليل أيضا؛ لأن الطلاق هنا لم يذكر أنه بلفظة واحدة، بل الآية فيها إذا أتى بالطلاق مرة بعد أخرى، وليس في الآيات دليل له، بل كلها دليل عليه.
وأما السنة: فقد استدلوا بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: ما ثبت في [الصحيحين] (3) في قصة لعان عويمر وزوجته وفيه: «فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، (4) » قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. متفق عليه.
قال النووي (5) : واستدل به أصحابنا على أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما، وموضع الدلالة أنه لم ينكر عليه إطلاق لفظ
__________
(1) سورة البقرة الآية 231
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) [فتح الباري] (9\ 391) و [صحيح مسلم بشرح النووي] (10\ 123) .
(4) صحيح البخاري الطلاق (5259) ، صحيح مسلم اللعان (1492) ، سنن النسائي الطلاق (3402) ، سنن أبو داود الطلاق (2245) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2066) ، مسند أحمد بن حنبل (5/331) ، موطأ مالك كتاب الطلاق (1201) ، سنن الدارمي النكاح (2229) .
(5) [صحيح مسلم بشرح النووي] (10\ 122) ، ويرجع أيضا إلى [الفتح] (9\ 367) .
(1/355)

الثلاث.
وقد يعترض على هذا فيقال: إنما لم ينكره عليه؛ لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له ولا نفوذا.
ويجاب عن هذا الاعتراض: بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه، وقال له: كيف ترسل لفظ الطلاق الثلاث مع أنه حرام، والله أعلم.
وقال ابن نافع من أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان؛ لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه قد حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد، وكيف يستحب للإنسان أن يطلق من صارت أجنبية.
وقال محمد بن أبي صفرة المالكي: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر، وبقوله: إن أمسكتها، وتأوله الجمهور كما سبق، والله أعلم.
وأما قوله: (قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين) فقد تأوله ابن نافع المالكي على أن معناه: استحباب الطلاق بعد اللعان كما سبق، وقال الجمهور: معناه حصول الفرقة بنفس اللعان.
وقال شيخ الإسلام (1) : وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\77، 78) ويرجع أيضا إلى [زاد المعاد] (4\115) ، و [إغاثة اللهفان] (1\314) .
(1/356)

والنبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وامتنع حينئذ أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين.
ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا. فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا، بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
وقول سهل بن سعد: فأنفذه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه محتاج إلى إنفاذ النبي صلى الله عليه وسلم واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص، ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه- أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد ذكره لاستدلال البخاري بحديث عويمر: ووجه الدلالة والاعتراض عليها، والجواب عن الاعتراض من وجهين، وكل ذلك سبق نقله عن النووي إلا الوجه الثاني،
(1/357)

قال (1) : وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب ولا سنة صريحة ولا إجماع.
وبعد أن عرض بعض مذاهب العلماء وأدلتهم ومناقشتها في اللعان هل تحصل به الفرقة أم لا؟ قال: واختلف في هذا اللفظ- أي: ما جاء في الحديث المتقدم من قوله: فكانت سنة المتلاعنين- هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلا، وبه قال جماعة من العلماء، أو هو من كلام سهل فهو مرفوع متصل، ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري: عن ابن شهاب عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة، قال سهل: (حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا) هذا الحديث سكت عليه أبو داود والمنذري.
قال الشوكاني في نيل الأوطار،: ورجاله رجال الصحيح، قال مقيده عفا الله عنه: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور- واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري رحمه الله يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه
__________
(1) [أضواء البيان] (1\ 162) وما بعدها.
(1/358)

الرواية الثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته صلى الله عليه وسلم وتقريره له، بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى. . . وبعد سياقه لبقية المذاهب في الفرقة باللعان قال: وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا حتى ترد به دلالة تقرير النبي صلى الله عليه وسلم عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ ذلك.
وبعد أن عرض مذاهب العلماء في نفقة البائن وسكناها قال:
فإن قيل: إنفاذه صلى الله عليه وسلم الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (1) » كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين: الأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت ولادته في عهده صح وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، فقد ترجم له أحمد في [مسنده] وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صريح فيه بالسماع.
__________
(1) سنن النسائي الطلاق (3401) .
(1/359)

الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير - يعني: ابن الأشج - عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه. قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا. قال ابن حجر في [التقريب] : روايته عن أبيه وجادة من كتابه.
قال مقيده عفا الله عنه:
أما الإعلال الأول: بأنه مرسل فهو مردود بأنه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة، كما قال ابن حجر في [التقريب] وغيره.
والإعلال الثاني: بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلما أخرج في [صحيحه] عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، والحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.
الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل، كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة بحديث محمود هذا.
ووجه استدلاله به: أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
(1/360)

الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: (باب من أجاز الطلاق الثلاث) .
وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.
الوجه الرابع: هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام.
وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره صلى الله عليه وسلم عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته صلى الله عليه وسلم لا دليل فيه، بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.
الدليل الثاني: ثبت في [الصحيحين] عن عائشة رضي الله عنها «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم أتحل للأول؟ قال: حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (1) » .
وجه الدلالة: ذكر البخاري هذا الحديث تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق ثلاثا) وقال ابن حجر (2) والعيني (3) : هو ظاهر في كونها مجموعة.
__________
(1) صحيح البخاري الطلاق (5261) .
(2) [فتح الباري] (9\ 301) .
(3) [عمدة القاري] (9\ 541) .
(1/361)

وقال ابن القيم (1) : في وجه استدلالهم بالحديث: فلم ينكر صلى الله عليه وسلم، ذلك وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها، إذ لو لم يقع لم يتوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها.
وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بهذا الدليل (2) ، فقال: وأما استدلالكم بحديث عائشة - وساق الحديث- فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم، هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال: ثلاثا، إلا لمن فعل، وقال: مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (3) : واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا: أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة. انتهى.
ومقصوده (4) ببعض الروايات هي رواية مسلم: (أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى) .
ثم قال:
ورد هذا الاعتراض: بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع
__________
(1) [زاد المعاد] (4 \ 108) .
(2) [زاد المعاد] (4\ 114) .
(3) [أضواء البيان] (1\ 167) .
(4) [أضواء البيان] (1\ 163) .
(1/362)

لرفاعة فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي، ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب. . . اهـ.
الدليل الثالث: ثبت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه (فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي. . .) الحديث، وقد أخرجه البخاري تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق الثلاث) .
وجه الدلالة: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1) : إن قولها: (فبت طلاقي) ظاهر في أنه قال لها: أنت طالق البتة.
وأجاب عن ذلك فقال: قال مقيده: عفا الله عنه- الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر؛ لأن مرادها بقولها فبت طلاقي أي: بحصول الطلقة الثالثة.
ويبينه أن البخاري ذكر في [الأدب المفرد] من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: (فبت
__________
(1) [أضواء البيان] (1\ 166) .
(1/363)

طلاقي وأنه لم يكن دفعة واحدة.
وقال شيخ الإسلام (1) : وأجاب الأكثرون بأن حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح: أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا، لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة وهو المشهور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم إنما يقع قليلا فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو خلاف الدليل.
الدليل الرابع: ثبت في [الصحيحين] من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: «أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لها نفقة وعليها العدة (2) » .
وفي [صحيح مسلم] في هذه القصة قالت فاطمة: «فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كم طلقك؟ قلت: ثلاثا. فقال: صدق، ليس لك نفقة (3) » . . .
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33 \ 77)
(2) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، سنن أبو داود الطلاق (2290) ، مسند أحمد بن حنبل (6/373) ، موطأ مالك الطلاق (1234) ، سنن الدارمي النكاح (2177) .
(3) صحيح مسلم الطلاق (1480) .
(1/364)

وفي لفظ له: «قالت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا وإني أخاف أن يقتحم علي» . وفي لفظ له عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في المطلقة ثلاثا: ليس لها نفقة ولا سكنى (1) » .
وفي [الصحيحين] أيضا عن فاطمة بنت قيس: أن أبا حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب. . . الحديث. وقد جاء تفسير هذه البتة بأنها ثلاث كما سبق. . .
وفي [المسند] أن هذه الثلاث كانت جميعا (فروي من حديث الشعبي «أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة، فقال: ما لك ولابنة قيس قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعا (2) » . وذكر الحديث.
وجه الدلالة: أن لفظ البتة جاء مفسرا بأنه طلقها ثلاثا وأنها مجموعة، فدل على اعتبار وقوع الثلاث مجموعة إذ لو لم يكن ذلك واقعا لبين صلى الله عليه وسلم بقاءها في عصمة زوجها فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم.
وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بحديث فاطمة بنت قيس فقال (3) :
أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث، مع أن أكثر المنازعين لنا في هذه المسألة قد خالفوه، ولم يأخذوا به، فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسكنى، ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به وهذا قول أبي حنيفة
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، سنن الترمذي النكاح (1135) ، سنن النسائي النكاح (3244) ، سنن أبو داود الطلاق (2288) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2036) ، مسند أحمد بن حنبل (6/373) ، موطأ مالك الطلاق (1234) ، سنن الدارمي الطلاق (2274) .
(2) مسند أحمد بن حنبل (6/417) .
(3) [إغاثة اللهفان] (1\ 311- 313) .
(1/365)

وأصحابه.
وأما الشافعي ومالك: فأوجبوا لها السكنى، والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به، فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظا؛ بل هو غلط- كما قال بعض المتقدمين- فليس حجة علينا في جمع الثلاث، فأما أن يكون لكم على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من الإنصاف والعدل.
هذا مع أننا نتنزل عن هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به، فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك، ثم طلقها آخر ثلاث، هكذا جاء مصرحا به في [الصحيح] فروى مسلم في [صحيحه] عن عبيد الله بن عتبة - أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. . . الحديث، فهذا المفسر يبين ذلك المجمل وهو قوله: (طلقها ثلاثا) .
وقال الليث: عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت تحت أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث وذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري.
ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله
(1/366)

قال: أرسل مروان إلى فاطمة، فسألها، فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وذكر الحديث بتمامه، والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب، كذلك ذكره أبو داود في طريق أخرى. فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس.
قالوا: ونحن أخذنا به جميعه، ولم نخالف شيئا منه إذ كان صحيحا صريحا لا مطعن فيه ولا معارض له فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار. وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ (طلقها ثلاثا) و (طلقها البتة) و (طلقها آخر تطليقات) و (أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها) ، و (طلقها ثلاثا جميعا) هذه جملة ألفاظ الحديث. . . وبالله التوفيق.
فأما اللفظ الخامس: وهو قوله: (طلقتها ثلاثا جميعا) فهذا؛ أولا من حديث مجالد عن الشعبي، ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره، مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي، فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله: (ثلاثا جميعا) وعلى تقدير صحته فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال: طلقها ثلاثا جميعا، فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد، وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع في الآن الواحد؛ لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} (1) فالمراد: حصول الإيمان من الجميع
__________
(1) سورة يونس الآية 99
(1/367)

لا إيمانهم كلهم في آن واحد سابقهم ولاحقهم (1) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد سياقه بعض روايات الحديث وتوجيه الاستدلال ورد التوجيه: قال (2) : ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث- يعنون: لفظ البتة- والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة، لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ: طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ: طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ: فطلقني آخر ثلاث تطليقات، فلم تخص لفظا منها عن لفظ؛ لعلمها بتساوي الصيغ، ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه.
قالوا: والشعبي قال لها: حدثيني عن طلاقك، أي: عن كيفيته وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده من إجمال من غير أن يستفسر عنه؟ ! وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث، فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأن الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده، هكذا ذكر بعض الأجلاء، والظاهر: أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى، كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
وقد سبق في آخر الكلام على الدليل الثالث جواب مشترك لشيخ
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\ 311-313) .
(2) [أضواء البيان] (1\ 170) .
(1/368)

الإسلام عن الحديث الثالث، وعن هذا الحديث فيرجع إليه.
الدليل الخامس: ما رواه الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم «عن ركانة بن عبد يزيد: أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) » .
ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف ركانة، أنه ما أراد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه، وممن استدل بهذا الحديث لمذهب الجمهور أبو بكر الرازي الجصاص قال: لو لم تقع الثلاث إذا أرادها لما استحلفه بالله ما أردت إلا واحدة. اهـ (2) .
وكذلك ابن قدامة قال: ومتى طلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو بكلمات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره؛ لما روي أن «ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فقال: هو ما أردت فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) » . رواه الترمذي والدارقطني وأبو داود وقال: الحديث صحيح. فلو لم تقع الثلاث لم يكن للاستحلاف معنى.
__________
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2206) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(2) [أحكام القرآن] (1\ 459) .
(3) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2206) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(1/369)

اهـ (1) .
وحديث ركانة هذا وإن تكلم فيه بعض أهل العلم فقد قبله غير واحد منهم. قال أبو الحسن علي بن محمد الطنافسي: (ما أشرف هذا الحديث) (2) .
روى ذلك عنه ابن ماجه في (باب طلاق البتة) من سننه، بعد أن ساقه من طريق الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه عن جده.
وقال الحاكم بعد روايته من طريق الزبير بن سعيد هذه (3) : قد انحرف الشيخان عن الزبير بن سعيد الهاشمي في الصحيحين.
غير أن لهذا الحديث متابعا من بيت ركانة بن عبد يزيد المطلبي، فيصح به الحديث، حدثناه أبو العباس محمد بن محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أخبرني محمد بن علي بن شافع، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمان عثمان رضي الله عنهم (4) » ، فقد صح الحديث بهذه الرواية، فإن الإمام الشافعي قد أتقنه وحفظه عن أهل بيته، والسائب بن عبد يزيد أبو الشافع بن السائب، وهو أخ ركانة بن عبد يزيد، ومحمد بن علي بن شافع عم
__________
(1) [الكافي] (2\ 786) .
(2) [سنن ابن ماجه] (1\ 632) .
(3) [المستدرك] (1\ 199، 200) .
(4) سنن أبو داود الطلاق (2206) .
(1/370)

الشافعي شيخ قريش في عصره. انتهى كلام الحاكم، وصححه أيضا ابن حبان، كما في [التلخيص الحبير] للحافظ ابن حجر، هذا بالنسبة لرواية الزبير بن سعيد.
أما رواية نافع بن عجير فقد صححها أبو داود، كما جاء في [سنن الدارقطني] (1) فقد قال بعد أن ساقها: (قال أبو داود: هذا حديث صحيح) .
ونقل ذلك عن الدارقطني أبو بكر ابن العربي (2) ، وجزم به في [العارضة] والمنذري في [مختصر سنن أبي داود] والقرطبي في [تفسيره] (3) واعتمد عليه وتعقب به دعوى الاضطراب في هذا الحديث.
وكذلك قال الحافظ ابن حجر في [التلخيص الحبير] (صححه أبو داود) وممن ارتضى مسلك الإمام أبي داود في هذه الرواية الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، فقد قال: كما في [تفسير القرطبي] (4) رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف، وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم) اهـ.
وأما الحافظ ابن كثير فيرى: أن الحديث حسن حسبما نقله عنه
__________
(1) [سنن الدارقطني] (2\ 439) .
(2) [العارضة على الترمذي] (5\ 135) .
(3) [تفسير القرطبي] (3\ 132) .
(4) [تفسير القرطبي] (3\ 132) .
(1/371)

الشوكاني في [نيل الأوطار] بهذا كله ظهرت قوة رواية نافع بن عجير. .
وأما إعلال رواية نافع بن عجير بدعوى جهالته فلا وجه له؛ لأن نافعا هذا بعيد من الجهالة، إذ هو نافع بن عجير بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف، القرشي، فأخو ركانة ذكره ابن حبان في [الثقات] ، وذكره بعض من صنف في الصحابة. قال الحافظ ابن حجر في [تهذيب التهذيب] : ذكره ابن حبان أيضا في الصحابة، وكذا أبو القاسم البغوي وأبو نعيم وأبو موسى في [الذيل] وغيرهم، وقد بينت أمره في مختصري في الصحابة. اهـ.
ويعني الحافظ مختصره في الصحابة [الإصابة في تمييز الصحابة] وقد ذكره فيه قال: (ذكره البغوي في الصحابة) وذكر له حديثه في (البتة) وتكلم على رواياته ثم قال: (وذكره ابن حبان في الصحابة) اهـ.
وممن جزم بتصحيح أبي داود لهذا الحديث المجد ابن تيمية في [المنتقى] إلا أنه عزا إليه التحسين والتصحيح معا، ونصه (1) . (قال أبو داود - أي: في حديث نافع بن عجير -: هذا حديث حسن صحيح) وفي جزمه هو وابن العربي والمنذري والقرطبي والحافظ ابن حجر بتصحيح أبي داود لهذه الرواية- الرد على من قال: بأن أبا داود لم يحكم بصحة حديث نافع بن عجير، وإنما قال فيه: (هذا أصح من حديث ابن جريج. . . إلخ) ، وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وحديث نافع بن عجير ضعيف، وإنما يعني أبو داود أنه أصح الضعيفين عنده) اهـ.
__________
(1) [المنتقى] مع شرحه [نيل الأوطار] (6\ 227)
(1/372)

ومما يقوي حديث نافع بن عجير في البتة صنيع الأئمة الذين أوردوه في مصنفاتهم في الحديث، فقد قال الدارمي في [مسنده] : (باب في الطلاق البتة) وقال أبو داود: ما جاء في (البتة) وقال الترمذي: (باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة) .
الجواب عن حديث ركانة:
أما حديث ركانة فقد ضعف الإمام أحمد بن حنبل جميع طرقه، كما ذكره المنذري، وكذلك ضعفه البخاري، قال الترمذي في (باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة) من [سننه] بعد أن ساقه من طريق الزبير بن سعيد بن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده قال (1) : (وسألت محمدا- يعني: البخاري - عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، ويروى عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا) اهـ.
وذكر الترمذي في موضع آخر (2) : أن حديث ركانة مضطرب فيه، تارة قيل فيه (ثلاثا، وتارة قيل فيه (واحدة) .
فعلى قول هذين الإمامين أحمد بن حنبل والبخاري لا احتجاج برواية (ثلاثا) ولا برواية (البتة) بل غاية ما في الأمر أن تتساقط الروايتان المتعارضتان فيرجع إلى غيرهما، كما ذكره الزرقاني.
وعلى غير ذلك المسلك الذي سلكه الإمامان: أحمد بن حنبل،
__________
(1) [مختصر سنن أبي داود] (3\ 122) .
(2) [جامع الترمذي] (5\ 132) .
(1/373)

والبخاري نقول: إن لهذا الحديث روايتين:
إحداهما: عند الإمام أحمد بن حنبل: (ثنا سعد بن إبراهيم، ثني أبي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت (1) » قال: فراجعها فكان ابن عباس يرى: إنما الطلاق عند كل طهر.
وقد أجيب عن هذه الرواية: فقال البيهقي: (إن هذا الإسناد لا تقوم به الحجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما فتياه بخلاف ذلك، ومع رواية أولاد ركانة: أن طلاق ركانة كان واحدة) يعني البيهقي بأولئك الثمانية: الذين رووا فتيا ابن عباس بخلاف ذلك: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهدا، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري، وقد ذكر رواياتهم عنه (2) في (باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك) ويعني برواية أولاد ركانة: روايتهم: أن ركانة إنما طلق امرأته البتة التي جزم أبو داود بأنها أصح؛ لأنهم أهله وهم أعلم بخبره، كما سيأتي.
الثانية: ما أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدثنا أحمد بن صالح
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/265) .
(2) [السنن الكبرى] للبيهقي (7\ 337) .
(1/374)

حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانه، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه [كذا وكذا من عبد يزيد، وفلان يشبه منه] كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها ففعل، ثم قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته قال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد علمت راجعها وتلا: (2) » .
وقد أجيب عن هذه الرواية بما يلي:
1 - إعلالها بجهالة بعض بني أبي رافع: قال الخطابي (في إسناد هذا الحديث مقال؛ لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع ولم يسمه والمجهول لا تقوم به الحجة) (3) .
وقال ابن حزم: هذا لا يصح؛ لأنه عن غير مسمى من بني أبي رافع، ولا حجة في مجهول، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله
__________
(1) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(2) سورة الطلاق الآية 1 (1) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
(3) [معالم السنن] (3\ 126) .
(1/375)

وحده، وسائرهم مجهولون (1) .
وقال ابن القيم (2) : إن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة، عن ابن عباس، ولأبي رافع بنون، ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله بن أبي رافع، ولا نعلم هل هو هذا أو غيره؛ ولهذا- والله أعلم- رجح أبو داود حديث نافع بن عجير عليه. اهـ.
وقد يقال: بأن في هذا الإعلال؛ نظرا لأن كلام أبي داود في غاية التصريح، بأن ترجيحه لحديث نافع بن عجير إنما هو لأنهم أهل بيت ركانة وأهل بيت الشخص أعلم بخبره. . . وقد استجاز الحافظ زين الدين العراقي أن يكون ذلك المجهول الفضل بن عبيد الله بن رافع (3) وتبعه في ذلك ابن حجر في [تقريب التهذيب] والخزرجي في [الخلاصة] لكن ذكر الحافظ ابن رجب في [مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة] أن ذلك الرجل الذي لم يسم في رواية عبد الرزاق: هو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال ابن رجب: وهو رجل ضعيف الحديث بالاتفاق، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك فسقط هذا الحديث حينئذ. اهـ.
وأورد له الذهبي في [ميزان الاعتدال] عدة مناكير من روايته عن أبيه عن جده وقال: قال فيه يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم:
__________
(1) [المحلى] (11\ 462) .
(2) [تهذيب سنن أبي داود] (3\ 121) .
(3) [المستفاد من مبهمات المتن والاسناد] ص 66.
(1/376)

منكر الحديث جدا، وقال ابن عدي: هو في عداد شيعة الكوفة اهـ.
2 - إن رواية محمد بن ثور الثقة العابد الكبير ليس فيها أنه طلقها ثلاثا وإنما فيها (إني طلقتها) وهي عند الحاكم في تفسير سورة الطلاق، قال الحاكم (1) : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا يزيد بن المبارك، ثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون كذا من كذا؟ فقال: رسول الله لعبد يزيد: طلقها ففعل، فقال لأبي ركانة: ارتجعها فقال: يا رسول الله، إني طلقتها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت ذلك فارتجعها فنزلت: (3) » .
ويرى ابن رجب تقديم رواية محمد بن ثور هذه على رواية عبد الرزاق، محتجا بأن عبد الرزاق حدث في آخر عمره بأحاديث منكرة جدا في فضائل أهل البيت وذم غيرهم، قال: وكان له ميل إلى التشيع، وهذا الحكم مما يوافق هوى الشيعة.
3 - إن في حديث ابن جريج غلطا لأن عبد يزيد لم يدرك الإسلام،
__________
(1) [المستدرك] (2\ 291) .
(2) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(3) سورة الطلاق الآية 1 (2) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
(1/377)

نبه على ذلك الحافظ الذهبي في كتابيه [تلخيص المستدرك] و [التجريد لأسماء الصحابة] وقال (1) تعقيبا لقول الحاكم في حديث محمد بن ثور عن ابن جريج المتقدم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) قال: (محمد- أي: ابن عبيد الله بن أبي رافع - واه، والخبر خطأ وعبد يزيد لم يدرك الإسلام) وقال: (2) عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف: أبو ركانة طلق أم ركانة وهذا لا يصح والمعروف أن صاحب القصة ركانة. اهـ.
4 - حصل الحديث على أنه من قبيل الرواية بالمعنى وذلك أن الناس قد اختلفوا في البتة فقال بعضهم: هي ثلاثة، وقال بعضهم: هي واحدة، وكان الراوي ممن يذهب مذهب الثلاث. فحكي أنه قال: (طلقتها ثلاثا، يريد (البتة) التي حكمها عنده حكم الثلاث ذكر ذلك الخطابي (3) . . .
وقال النووي في [شرح صحيح مسلم] : (ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ (البتة) يقتضي الثلاث فرواه بالمعنى الذي فهمه وغلط في ذلك) اهـ.
5 - أن حديث عبد الرزاق لو صح متنه ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، فيحمل على أنه طلقها ثلاثا في مرات متعددة، وتكون هذه الواقعة قبل حصر عدد الطلاق في الثلاث، ذكر هذا المسلك الحافظ ابن رجب في
__________
(1) [تلخيص المستدرك] (2\ 491) .
(2) [التجريد] ص 388.
(3) [معالم السنن] (3\ 122) .
(1/378)

كتابه [مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة)
6 - أن قضية ركانة من باب خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فإن له أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام، فقد قال ضمن الأحكام التي خص بها من شاء، قال: (وإعادة امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثا من غير محلل) اهـ.
7 - أن رواية أهل بيت ركانة أن ركانة طلق امرأته البتة أولى بالتقديم على رواية من يروي أنه إنما طلقها ثلاثا، وهذا مسلك أبي داود وابن عبد البر والقرطبي. قال أبو داود في (باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) من [سننه] (1) : حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة. فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية (2) » . . إلى آخر الحديث المتقدم، ثم قال: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده «أن ركانة طلق امرأته البتة، فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم (3) » أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به «إن ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة (4) » . اهـ.
وأوضح الأمر غاية الإيضاح في (باب في البتة) فقال: (حدثنا ابن السرح، وإبراهيم بن خالد الكلبي أبو ثور في آخرين: قالوا: ثنا محمد بن
__________
(1) [سنن أبي داود] (1\ 507، 508) .
(2) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(3) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(4) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(1/379)

إدريس الشافعي، حدثني عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبيد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة: «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر رضي الله عنه، والثالثة في زمان عثمان رضي الله عنه (1) » . قال أبو داود: أوله لفظ إبراهيم، وآخره لفظ ابن السرح.
حدثنا محمد بن يونس النسائي: أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما حدثهم عن محمد بن إدريس، حدثني عمي محمد بن علي عن ابن السائب، عن نافع بن عجير، عن ركانة بن عبد يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث.
حدثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده، «أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أردت؟ قال: واحدة، قال: آلله؟ ! ، قال: آلله، قال: هو على ما أردت (2) » .
قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس. اهـ.
وقال ابن عبد البر في رواية الشافعي (3) : رواية الشافعي لحديث ركانة
__________
(1) سنن أبو داود الطلاق (2206) .
(2) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2208) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(3) [تفسير القرطبي] (3\ 131) .
(1/380)

عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بني المطلب بن عبد مناف، وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. اهـ.
وقال القرطبي بعد أن ذكر رواية الدارقطني حديث الشافعي من طريق أبي داود (1) : فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا، وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج بغيره، والله أعلم. اهـ.
وممن قوى هذا المسلك الحافظ ابن حجر قال (2) : (إن أبا داود رجح: أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق آل ركانة، وهو تعليل قوي؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل (البتة) على الثلاث فقال: (طلقها ثلاثا) فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية مناقشة لحديث ركانة هذا، ذكرها في كلامه على المقارنة الإجمالية بين أدلة الفريقين تركنا ذكرها هنا وستذكر في آخر البحث.
وقد أجاب ابن القيم أيضا عن حديث ركانة فقال (3) : وأما حديث نافع ابن عجير الذي رواه أبو داود: «أن ركانة طلق امرأته البتة، فأحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا واحدة (4) » ، فمن العجب تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة، ولا يدرى من هو (ولا ما هو) على ابن جريج ومعمر
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 131) .
(2) [فتح الباري] (9\ 297) .
(3) [زاد المعاد] (4\ 115، 116) ، و [إغاثة اللهفان] (1\ 415، 316) .
(4) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2206) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(1/381)

وعبد الله بن طاوس في قصة أبي الصهباء، وقد شهد إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا. هكذا قال الترمذي في [الجامع] ، وذكر عنه في مواضع أنه مضطرب، فتارة يقول: (طلقها ثلاثا) وتارة يقول: (واحدة) وتارة يقول: (البتة) وقال الإمام أحمد: وطرقه كلها ضعيفة، وضعفه أيضا البخاري حكاه المنذري عنه. ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواته على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع، وأبو رافع هذا وأولاده تابعيون وإن كان عبيد الله أشهرهم، وليس فيهم متهم بالكذب؟ ! .
وقد روى عنه ابن جريج، ومن يقبل رواية المجهول، أو يقول: رواية العدل عنه تعديل له فهذا حجة عنده، فأما أن يضعفه ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة أو أشد- فكلا، فغاية الأمر أن يتساقط روايتا هذين المجهولين ويعدل إلى غيرهما وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم فوجدناه صحيح الإسناد، وقد زالت علة تدليس محمد بن إسحاق بقوله: (حدثني داود بن الحصين) ولكن رواه أبو عبد الله الحاكم في [مستدركه] وقال: إسناده صحيح، فوجدنا الحديث لا علة له.
وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع، وقد صحح هو وغيره بهذا لإسناد بعينه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا) وأما داود بن الحصين عن عكرمة فلم تزل الأئمة تحتج به، وقد احتجوا به في حديث العرايا فيما شك فيه، ولم يجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها، مع كونها على خلاف الأحاديث التي نهى
(1/382)

فيها عن بيع الرطب بالتمر، فما ذنبه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون- جاءكم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمة الحديث من روايته، وارتضاه البخاري لإدخال حديثه في [صحيحه] .
(1/383)

الدليل السادس: روى الدارقطني من حديث الحسن البصري قال: «حدثنا عبد الله: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخراوين عند القرءين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن عمر، ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة: أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء، قال: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فراجعتها ثم قال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو أني طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية (1) » .
وأجيب: بمعارضته بما رواه الدارقطني في سننه: نا محمد بن أحمد بن يوسف بن يزيد الكوفي أبو بكر ببغداد، وأبو بكر أحمد بن دارم، قالا: نا أحمد بن موسى بن إسحاق، نا أحمد بن صبيح الأسدي، نا ظريف بن ناصح عن معاوية، عن عمار الدهني، «عن أبي الزبير، قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض؟ فقال: أتعرف ابن عمر؟ قلت: نعم. قال: طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة، ففيه دليل على أنه طلقها ثلاثا بالفعل وردت إلى الواحدة (2) » .
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1471) ، سنن النسائي الطلاق (3392) ، سنن أبو داود الطلاق (2185) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) .
(2) سنن الترمذي الطلاق (1175) .
(1/383)

وأجاب القرطبي وابن رجب عن حديث تطليق ابن عمر امرأته ثلاثا وهي حائض ورد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إلى السنة: قال القرطبي: (1) ما نصه: قال الدارقطني - أي: في رواته - كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة، وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع: أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذلك قال الزهري عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير، والشعبي، والحسن. انتهى كلام القرطبي.
وممن ذكر رواية الليث بن سعد مسلم بن الحجاج في [صحيحه] قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، وابن رمح، واللفظ ليحيى قال قتيبة: حدثنا ليث، وقال الآخران: أخبرنا الليث بن سعد، عن نافع «عن عبد الله أنه طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (2) » . وزاد ابن رمح في روايته: «وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 130) .
(2) صحيح البخاري الطلاق (5332) ، صحيح مسلم الطلاق (1471) ، سنن النسائي الطلاق (3392) ، سنن أبو داود الطلاق (2185) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) ، موطأ مالك الطلاق (1220) ، سنن الدارمي الطلاق (2262) .
(1/384)

طلاق امرأتك (1) » .
قال مسلم: جود الليث في قوله (تطليقه واحدة) يعني مسلم بذلك كما بينه النووي: أن الليث حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره، ولم يهمله كما أهمله غيره، ولا غلط فيه وجعله ثلاثا كما غلط فيه غيره.
وقد أطال الدارقطني في سرد الروايات عن الأئمة المذكورين، وأتى في ذلك بما لا يدع مجالا للشك في أن تطليقة ابن عمر لامرأته كانت واحدة، كما صرح النووي في [شرح صحيح مسلم] ، بأن الروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره: أن ابن عمر إنما طلق امرأته واحدة.
وقال (2) الحافظ ابن رجب في الرد على رواية الثلاث أيضا: قد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه؛ لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض، وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار الدهني عنه، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه، وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال: عن جابر: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد، وتفرد بقوله: (فإنها امرأته) ولا يدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه.
__________
(1) صحيح البخاري الطلاق (5332) ، صحيح مسلم الطلاق (1471) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) .
(2) [جامع العلوم والحكم] ص (56، 57) شرح حديث من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
(1/385)

فروى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهمهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة. خرجه مسلم.
وفي رواية: قال له ابن سيرين: فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه. وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم، أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا الزبير من هذا القبيل. ولذلك كان نافع يسأل كثيرا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثا أو واحدة؟ ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك.
واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له. قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض، وقال أبو عبيدة: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم ويمنهم وشامهم وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم.
وقد أجاب ابن القيم عن حديث ابن عمر من رواية الحسن فقال (1) : وأما
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\ 318) .
(1/386)

حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف. قال الدارقطني: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الحافظ، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا يعلى بن منصور، حدثنا شعيب بن زريق، أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر -فذكره- وشعيب وثقه الدارقطني، وقال أبو الفتح الأزدي: فيه لين، وقال البيهقي وقد روى هذا الحديث: وهذه الزيادات انفرد بها شعيب وقد تكلموا فيه.
ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر فلم يأت أحد منهم بما أتى به شعيب البتة، ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحاح، ولا السنن.
الدليل السابع: روى الدارقطني من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده، قال: «طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق امرأته ألفا، فهل له من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه» .
قال ابن القيم: (1) وأما حديث عبادة بن الصامت الذي رواه الدارقطني فقد قال عقيب إخراجه: رواته مجهولون وضعفاء، إلا شيخنا وابن عبد الباقي.
الدليل الثامن: روى الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\ 317) .
(1/387)

عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معاذ، من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته» .
ورد بأن في إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف.
قال ابن القيم: وأما حديث معاذ بن جبل فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث الباطل، والدارقطني إنما رواه للمعرفة، وهو أجل من أن يحتج به، وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذراع، يرويه عن حماد قال الدارقطني بعد روايته: إسماعيل بن أمية ضعيف متروك الحديث.
الدليل التاسع: روى الدارقطني من حديث زاذان، عن علي رضي الله عنه قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب، وقال: أتتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا أو لعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره» .
ورد هذا الحديث بأن فيه إسماعيل بن أمية القرشي، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف.
وقال ابن القيم: قلت: وفي إسناده مجاهيل وضعفاء.
وأما الإجماع: فقد نقله كثير من العلماء في مسألة النزاع، وقالوا: إنه مقدم على خبر الواحد، قال الشافعي: الإجماع أكثر من الخبر المنفرد، وذلك أن الخبر مجوز الخطأ والوهم على راويه بخلاف الإجماع فإنه معصوم ... وممن حكى الإجماع على لزوم الثلاث في الطلاق بكلمة
(1/388)

واحدة، أبو بكر الرازي، والباجي، وابن العربي وابن رجب.
قال أبو بكر الرازي (1) : فالكتاب والسنة وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معا وإن كان معصية.
وقال الباجي: من أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظاهر لا يلزمه شيء، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق.
والدليل على ما نقوله: إجماع الصحابة؛ لأن هذا مروي عن ابن عمر وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، ولا مخالف لهم، وما روي عن ابن عباس في ذلك من رواية طاوس، قال فيه بعض المحدثين: هو وهم، وقد روى ابن طاوس عن أبيه وكذا عن ابن وهب خلاف ذلك، وإنما وقع الوهم في التأويل. اهـ (2) .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ضمن أجوبته عن حديث ابن عباس قال: إنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة، ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان، والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن
__________
(1) [أحكام القرآن] (1\ 459) .
(2) [المنتقى] (4\ 3) .
(1/389)

أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا. اهـ (1) .
وقال بعد ما بين أن المراد بالطلاق في الآية الكريمة {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) المشروع قال: قد نقول بأن غيره ليس بمشروع لولا تظاهر الأخبار (3) ، وقال ابن رجب في (بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة) : (اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام - شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد) اهـ.
__________
(1) [الناسخ والمنسوخ] .
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) [أحكام القرآن] (1\ 81) .
(1/390)

وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بالإجماع مبينا وجوه نقضه فقال: وبيان هذا من وجوه:
أحدها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد، فهي واحدة) وهذا الإسناد على شرط البخاري ... وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عيينة على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا؟ فقال: سئل عن ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا
(1/390)

غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاووسا وهو في المسجد، فأكب عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهري، قال: فرأيت طاووسا رفع يديه تعجبا من ذلك وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة.
أخبرنا ابن جريج قال: وأخبرني حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: (إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، ولم يجمع، كن ثلاثا، قال: فأخبرت طاووسا، فقال: أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة) .
فقوله: (إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا) أي: إذا كن متفرقات، فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة. ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان عن ابن عباس بلا شك.
الوجه الثاني: أن هذا مذهب طاوس، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وأنه كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها. . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن علية عن ليث عن طاوس وعطاء أنهما قالا: (إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة) .
الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبي رباح. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا: (إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة) .
(1/391)

الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم.
الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، حكاه عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم، ولفظه: حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس «أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة (1) » قال أبو عبد الله: (وكان هذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة، فيرد إلى السنة) .
الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه في البكر. قال محمد بن نصر المروزي في كتاب [اختلاف العلماء] له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاوس عن ابن عباس «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر يجعل واحدة (2) » على هذا قال: (فإن قال لها -ولم يدخل بها-: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإن سفيان وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد، وأبا عبيد قالوا: بانت منه بالأولى، وليست الثنتان بشيء؛ لأن غير المدخول بها تبين بواحدة، ولا عدة عليها) .
وقال مالك، وربيعة، وأهل المدينة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: (إذا قال لها ثلاث مرات: أنت طالق، نسقا متتابعة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإن هو سكت بين التطليقتين، بانت بالأولى، ولم تلحقها الثانية) . فصار في وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين، ومن بعدهم:
__________
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2208) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(2) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(1/392)

أحدها: أنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.
الثاني: أنها ثلاث، سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.
الثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهي ثلاث. وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهي واحدة.
الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول، قال ابن المنذر في كتابه [الأوسط] : وكان سعيد بن جبير، وطاووس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: (من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة) .
الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه، إنما هو مذهب سعيد بن جبير.
الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصري الذي استقر عليه. قال ابن المنذر: واختلف في هذا الباب عن الحسن، فروى عنه كما رويناه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر قتادة، وحميد، ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، فقال: واحدة بائنة. وهذا الذي ذكره ابن المنذر، رواه عبد الرزاق في [المصنف] ، فقال: أخبرنا معمر عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال الحسن (1) : وما بعد الثلاث؟ فقال: صدقت، وما بعد الثلاث؟ فأفتى الحسن بذلك زمنا، ثم رجع
__________
(1) في المطبوعة (ويحطها مقالة جناية) وعلى كل حال فالجملة غير واضحة، فلتحرر.
(1/393)

فقال: واحدة تبينها ... ويخطبها، فقال به حياته (1) .
الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار، قال عبد الرزاق: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير عن يعمر بن أبي عياش قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال: إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أنت قاص، الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. فذكر عطاء مذهبه، وعبد الله بن عمرو مذهبه.
الوجه الحادي عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف عنه.
الوجه الثاني عشر: أنه مذهب مقاتل الرازي (2) حكاه عنه المازري في كتابه [المعلم بفوائد مسلم] قال الخطيب: حدث عن عبد الله بن المبارك، وعباد بن العوام، ووكيع بن الجراح، وأبي عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد، والبخاري في [صحيحه] وكان ثقة.
الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك. حكاها عنه جماعة من المالكية، منهم التلمساني صاحب [شرح الخلاف] ، وعزاها إلى ابن أبي زيد: أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا في مذهب مالك، وجعله شاذا.
الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكي حكاه في كتاب [الوثائق] وهو
__________
(1) وقد صحح نص الأثر من نسخة المصنف نفسه (6\ 332) .
(2) قوله -مقاتل الرازي- كذا بالأصل المطبوع.
(1/394)

مشهور عند المالكية، عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثا: كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا، ولم يطلق إلا واحدة، كما لو قال: حلفت ثلاثا، كانت يمينا واحدة، ثم ذكر حججهم من الحديث.
الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم اللخمي المشيطي صاحب كتاب [الوثائق] الكبير الذي لم يصنف في الوثائق مثله، حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية أنفسهم، فقال: وأما من قال: أنت طالق ثلاثا فقد بانت منه، قال (البتة) أو لم يقل ... قال: وقال بعض الموثقين -يريد المصنفين في الوثائق-: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذي لا شك فيه ... قال: وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس، قال: واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة، وأحاديث مسطورة أضربنا عنها، واقتصرنا على الصحيح منها، فمنها: ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: «أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا في مجلس واحد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي واحدة، فإن شئت فدعها، وإن شئت فارتجعها» ثم ذكر حديث أبي الصهباء وذكر بعض تأويلاته التي ذكرناها.
الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوي حكى القولين في كتابه [تهذيب الآثار] فقال: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا- ثم ذكر حديث
(1/395)

أبي الصهباء - ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا، فقد وقعت عليها واحدة، إذا كانت في وقت سنة، وذلك أن تكون طاهرا في غير جماع، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا: لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة، فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم، ألا ترى لو أن رجلا أمر رجلا أن يطلق امرأته في وقت فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به ... ؟ ثم ذكر حجج الآخرين، والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف مخالفيهم والبحث معهم، ولم يسلك طريق جاهل ظالم معتد، يبرك على ركبتيه ويفجر عينيه ويعول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه، ويقول: القول بهذه المسألة كفر يوجب ضرب العنق ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله تعالى عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل.
الوجه السابع عشر: أن شيخنا حكى عن جده أبي البركات: أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرا، وقال في بعض [مصنفاته] : هذا قول بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد.
قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم، وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه محمد بن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة، وأما بعض أصحاب أحمد فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا، وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم.
(1/396)

الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن النسفي (1) في [وثائقه] وقد ذكر الخلاف في المسألة ثم قال: ومن بعض حججهم أيضا في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أمر بتفريق الطلاق بقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) وإذا جمع الإنسان ذلك في كلمة، كان واحدة وكان ما زاد عليها لغوا، كما جعل مالك رحمه الله رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرة واحدة، وبنى عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وابن زنباع، مع غيرهم من نظرائهم هذا لفظه.
الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي صاحب كتاب [مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام] ذكر الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة، حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك نفسه، وذكر من كان يفتي بها من المالكية، والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جدا.
ونحن نذكر نصه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن مغيث، ثم نتبعه كلامه، ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم، وأن من قصر في العلم باعه وطال في الجهل والظلم ذراعه يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة، جهلا منه وظلما، ويحق له وهو الدعي في العلم وليس منه أقرب رحما.
__________
(1) في نسخة الواسطي.
(2) سورة البقرة الآية 229
(1/397)

قال ابن هشام: قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة، فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه، وطلاق البدعة نقيضه، وهو: أن يطلقها في حيض أو نفاس، أو ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق.
ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟
فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله: ثلاثا لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله في (ثلاث) إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاثا، يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح. ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، لكان كاذبا، وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، فالطلاق مثله ومثله.
قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما روينا ذلك كله عن ابن وضاح، وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع، شيخ هدى، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة.
وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق،
(1/398)

فقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (1) يريد: أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف، وهو: الرجعة في العدة، ومعنى قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفي ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما، قال الله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (3) يريد الندم على الفرقة، والرغبة في المراجعة، وموقع الثلاث غير محسن؛ لأنه ترك المندوحة التي وسع الله تعالى بها ونبه عليها، فذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الطلاق مفرقا، فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، فتدبره.
وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك.
من ذلك قول الرجل: ما لي صدقة في المساكين: أن الثلث من ذلك يجزيه ... هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه. أفترى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين، وذنبهم عند أهل العمى أهل التقليد: كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون، فردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) .
الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر: داود وأصحابه، وذنبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ونبذهم القياس، وراء ظهورهم، فلم يعبأوا به شيئا، وخالفهم أبو محمد بن حزم في ذلك،
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة الطلاق الآية 1
(1/399)

فأباح جمع الثلاث وأوقعها.
فهذه عشرون وجها في إثبات النزاع في هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير. وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن علي، وابن مسعود، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس. ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلي وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك. فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق.
وأما الآثار ففتاوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن أبي شيبة في [مصنفه] : نا علي بن مسهر، عن شقيق بن أبي عبد الله، عن أنس قال: كان عمر إذا أتي برجل قد طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا وفرق بينهما.
نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب: أن رجلا بطالا كان بالمدينة طلق امرأته ألفا فرجع إلى عمر فقال: إنما كنت ألعب فعلا عمر رأسه بالدرة وفرق بينهما.
نا وكيع، والفضل بن دكين، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: جاء رجل إلى عثمان فقال: إني طلقت امرأتي مائة، قال:
(1/400)

ثلاث تحرمها عليك وسبعة وتسعون عدوان.
نا وكيع عن الأعمش عن حبيب قال: جاء رجل إلى علي فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، قال: بانت منك بثلاث، واقسم سائرها بين نسائك.
نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن رجل من أهل مكة، قال: جاء رجل إلى علي فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، قال: الثلاث تحرمها عليك واقسم سائرهن بين أهلك.
نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين مرة، قال: (فما قالوا لك؟) قال: قد حرمت عليك، قال: فقال عبد الله: (لقد أرادوا أن يبقوا عليك، بانت منك بثلاث وسائرهن عدوان) .
نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة تطليقة؟ قال: حرمتها ثلاث، وسبعة وتسعون عدوان.
نا وكيع، عن سفيان عن منصور والأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني طلقت امرأتي مائة فقال: (بانت منك بثلاث، وسائرهن معصية) .
نا محمد بن فضيل، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن علقمة عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: إنه كان بيني وبين امرأتي كلام فطلقتها عدد النجوم، قال: (تكلمت بالطلاق؟) قال: نعم. قال: قال عبد الله: (قد بين
(1/401)

الله الطلاق فعمن أخذته؟ فمن طلق كما أمره الله فقد تبين له، ومن لبس على نفسه جعلنا به لبسه، لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون) .
نا أسباط بن محمد، عن أشعث، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه امرأته.
نا محمد بن بشر أبي معشر قال: نا سعيد المقبري قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر وأنا عنده فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه طلق امرأته مائة مرة قال: (بانت منك بثلاث، وسبعة وتسعون يحاسبك الله بها يوم القيامة) .
نا ابن نمير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس، أتاه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال: (إن عمك عصى الله فأندمه فلم يجعل له مخرجا) .
نا عباد بن العوام عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس، إنه طلق امرأته مائة مرة، وإنما قلتها مرة واحدة فتبين مني بثلاث أم هي واحدة؟ فقال: (بانت بثلاث وعليك وزر سبعة وتسعين) .
نا وكيع عن سفيان قال: حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفا ومائة قال: (بانت منك بثلاث، وسائرهن وزر اتخذت آيات الله هزوا.
نا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب عن عمرو، سئل ابن عباس عن رجل
(1/402)

طلق امرأته عدد النجوم؟ فقال: (يكفيك من ذلك رأس الجوزاء) .
نا سهيل بن يوسف عن حميد عن واقع بن سحبان قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس؟ فقال: (أثم بربه وحرمت عليه امرأته) .
نا غندر، عن شعبة عن طارق، عن قيس بن أبي حازم، أنه سمعه يحدث عن المغيرة بن شعبة أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة فقال: (ثلاث يحرمنها عليه وسبعة وتسعون فضل) .
وقال سعيد بن منصور (1) : نا خالد بن عبد الله عن سعيد الجريري، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: (لقد هممت أن أجعل إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكن أقواما جعلوا على أنفسهم فألزم كل نفس ما ألزمه نفسه، من قال لامرأته: أنت علي حرام فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثا فهي ثلاث) . اهـ.
وقال ابن عبد الهادي (2) : وقد جعل ابن رجب في آخر كتابه هذا في إحداث عمر للطلاق وأنه مقبول قوله فقال: فصل: أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فإنه
__________
(1) [سنن سعيد بن منصور] القسم الأول، (3\ 259) .
(2) [سير الحاث] ص 79، 80.
(1/403)

عمر (1) » ، وفي رواية ذكرها تعليقا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يتكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر (2) » وأخرج مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب (3) » ، وعنده قال ابن وهب: محدثون (ملهمون) وقال الترمذي عن ابن عيينة: قال: يعني: مفهمين. وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه يا رسول الله، كيف محدث؟ قال: «الملائكة على لسانه» والله أعلم.
فصل: قال ابن رجب في آخر كتابه: اعلم أن ما قضى به عمر على قسمين:
أحدهما: ما جمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه فأجمعوا معه عليه، فهذا لا يشك أنه الحق كهذه المسألة، والعمريتين، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ومسائل كثيرة.
الثاني: ما لم يجمع الصحابة فيه مع عمر، بل مختلفين فيه في زمنه، وهذا يسوغ فيه الاختلاف كمسائل الجد مع الإخوة.
ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه قضاء بخلاف قضاء عمر، وهو على أربعة أنواع:
أحدها: ما رجع فيه عمر إلى قضاء النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا عبرة فيه بقول عمر الأول.
__________
(1) صحيح البخاري المناقب (3689) ، مسند أحمد بن حنبل (2/339) .
(2) صحيح البخاري المناقب (3689) ، مسند أحمد بن حنبل (2/339) .
(3) صحيح مسلم فضائل الصحابة (2398) ، سنن الترمذي المناقب (3693) ، مسند أحمد بن حنبل (6/55) .
(1/404)

الثاني: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه حكمان، أحدهما ما وافق لقضاء عمر، فإن الناسخ من النصين ما عمل به عمر.
الثالث: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في أنواع من جنس العبادات، فيختار عمر للناس ما هو الأفضل والأصلح، ويلزمهم به، فهذا يمنع من العمل بغير ما اختاره.
الرابع: ما كان قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لعلة، فزالت العلة فزوال الحكم بزوالها ووجد مانع يمنع من ذلك الحكم.
قال: فهذه المسألة؛ إما أن تكون من الثاني، وإما أن تكون من الرابع.
وقال: لا يعلم من الأمة أحد خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكما ولا قضاء ولا علم ولا إفتاء، ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جدا، وقد أنكره عليهم من عاصره غاية الإنكار، وكان أكثرهم يشخص بذلك ولا يظهره، فكيف يكون إجماع الأمة على أخفى (1) دين الله الذي شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، واتباعهم اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك؟! هذا لا يحل اعتقاده البتة، وهذه الأمة كما أنها معصومة من الاجتماع على ضلالة فهي معصومة من أن يظهر أهل الباطل منهم على أهل الحق، ولو كان ما قاله عمر في هذا حقا (2) للزم في هذه المسألة ظهور أهل الباطل على أهل الحق في كل زمان ومكان، وهذا باطل قطعا.
__________
(1) في الهامش: لعل صوابه (إخفاء) .
(2) قوله: (حقا) كذا في المطبوعة.
(1/405)

وقد أجاب ابن القيم رحمه الله عن فعل عمر رضي الله عنه، وكذلك عن فتاوى الصحابة في ذلك: فقال (1) : ولكن رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدر من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله - ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم، فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله فهو حقيق أن يعاقب، ويلزم بما التزمه ولا يقر على رخصة الله وسعته، وقد صعبها على نفسه ولم يتق الله ويطلق كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه؛ رحمة منه وإحسانا ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد. فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان.
وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر رضي الله عنه وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك.
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3\ 29- 31) .
(1/406)

فقال عبد الله بن مسعود: (من أتى الأمر على وجهه فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله منكم، هو كما تقولون) .
فلو كان وقوع الثلاث ثلاثا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لكان المطلق قد أتى الأمر على وجهه، ولما كان قد لبس على نفسه، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن فعل ذلك «تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (1) » ، ولما توقف عبد الله بن الزبير في الإيقاع، وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته فقد جاءتك معضلة، ثم أفتياه بالوقوع.
فالصحابة رضي الله عنهم ومقدمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه، ولبسوا على أنفسهم، ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم، وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حد لهم ألزموهم بما التزموا، وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه، ولا ريب أن من فعل هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه إذ لم يقبل رخصة الله تعالى وتيسيره ومهلته.
ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مائة طلقة: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (2)
__________
(1) سنن النسائي الطلاق (3401) .
(2) سورة الطلاق الآية 2
(1/407)

وأتاه رجل فقال: إن عمي طلق ثلاثا فقال: (إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا) ، فقال: أفلا تحللها له؟ فقال: (من يخادع الله يخدعه) ، فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق فحرمت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا.
فلما ركب الناس الأحموقة وتركوا تقوى الله ولبسوا على أنفسهم، وطلقوا على غير ما شرعه لهم - أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه شرعا وقدرا إلزامهم بذلك، وإنفاذه عليهم، وإبقاء الإصر الذي جعلوه في أعناقهم كما جعلوه.
وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان.
وقال أيضا مبينا عذر عمر رضي الله عنه (1) : الناس طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر رضي الله عنه ومن وافقه، وطائفة اعتذرت عن عمر رضي الله عنه ولم ترد الأحاديث فقالوا: الأحكام نوعان:
النوع الأول: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\ 330) وما بعدها.
(1/408)

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، وساق رحمه الله طائفة من الأمثلة. ثم قال: ومن ذلك: أنه رضي الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة - فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم؛ ليكفوا عنها. وذلك:
إما من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس، وينفي عن الوطن، وكما منع النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم، فهذا له وجه.
وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعا بشرط وقد زال، كما ذهب إلى ذلك في متعة الحج إما مطلقا وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر.
وإما لقيام مانع قام في زمنه، منع من جعل الثلاث واحدة، كما قام عنده مانع من بيع أمهات الأولاد، ومانع من أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وغير ذلك فهذا وجه ثالث.
ومضى إلى أن قال: فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثا، بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره، علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم، وبغضه له فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلق ثلاثا جميعا بأن ألزمه بها وأمضاها عليه.
فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ويحرمه
(1/409)

عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله، لئلا يقع المحذور الذي يترتب عليه؟ قيل: لعمر الله! قد كان يمكنه ذلك، ولذلك ندم عليه في آخر أيامه، وود أنه كان فعله. قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في [مسند عمر] : أخبرنا أبو يعلى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: قال عمر رضي الله عنه (ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح) .
ومن المعلوم أنه رضي الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعي، الذي أباحه الله تعالى، وعلم بالضرورة من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم جوازه، ولا الطلاق المحرم الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض وفي الطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول الذي قال الله تعالى فيه: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (1)
هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر رضي الله عنه أراده فتعين قطعا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث، فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك؛ ولذلك قال: (إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم) . وهذا كالتصريح في أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه؛ لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى في التفريق، فرغب عما فسح الله
__________
(1) سورة البقرة الآية 236
(1/410)

تعالى له إلى الشدة والتغليظ، فأمضاه عمر رضي الله عنه عليه، فلما تبين له ما فيه من الشر والفساد ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه، وهذا هو مذهب الأكثرين: مالك وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله.
فرأى عمر رضي الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم، فلما تبين له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة، أخبر أن الأولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وأول خلافة عمر رضي الله عنهما أولى من ذلك كله، ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة. اهـ.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية جواب عن فعل عمر رضي الله عنه، وكذلك من وافقه من الصحابة ترك ذكره هنا، وسيأتي كلامه في آخر البحث.
وأما القياس:
فقال ابن قدامة (1) : ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك. اهـ.
وقد أجاب ابن القيم عن هذا القياس: فقال (2) :
وقولكم: إن المطلق ثلاثا قد جمع ما فسح له في تفريقه: هو إلى أن
__________
(1) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (8\ 243) .
(2) [إغاثة اللهفان] (1\ 306) .
(1/411)

يكون حجة عليكم أقرب، فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقا لا مجموعا، فإذا جمع ما أمر بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه؛ ولهذا قال من قال من السلف: (رجل أخطأ السنة، فيرد إليها فهذا أحسن من كلامهم وأبين وأقرب إلى الشرع والمصلحة) ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله تعالى العبد، وأذن فيه متفرقا، فأراد أن يجمعه؛ كرمي الجمار الذي إنما شرع له مفرقا، واللعان الذي شرع كذلك، وأيمان القسامة التي شرعت كذلك، ونظير قياسكم هذا أن له أن يؤخر الصلوات كلها ويصليها في وقت واحد؛ لأنه جمع ما أمر بتفريقه، على أن هذا قد فهمه كثير من العوام يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع في وقت واحد، ويحتجون بمثل هذه الحجة بعينها، ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها.
وقال القرطبي: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو: أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال: أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. نقله عنه ابن حجر العسقلاني (1) .
ويرد عليه بأن من قال: أحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة
__________
(1) [فتح الباري] (9\ 365) .
(1/412)

فليكن المطلق مثله، وتعقب باختلاف الصيغتين فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته وقد جعل أمر طلاقها ثلاثا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا. اهـ.
(1/413)

المذهب الثاني (1) : أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت واحدة دخل بها أو لا:
1 - قال ابن الهمام (2) : وقال قوم: يقع به واحدة هو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال إسحاق، ونقل عن طاووس وعكرمة أنهم يقولون: خالف السنة فيرد إلى السنة.
2 - قال الباجي: (3) : وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة. وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق. انتهى المقصود.
3 - قال شيخ الإسلام في أثناء الكلام على ذكر المذاهب في ذلك (4) :
الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم
__________
(1) يلاحظ أن المذهب الأول سبق في ص 342 من هذا الكتاب.
(2) [فتح القدير] (3\ 65) .
(3) [المنتقى شرح الموطأ] (4\ 3) .
(4) [مجموع الفتاوى] (33\ 8)
(1/413)

مثل: طاووس، وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وهو قول داود وأكثر أصحابه، ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد؛ ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل. اهـ.
4 - قال ابن القيم (1) : وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. اهـ.
5 - قال المرداوي (2) : وحكى -أي: شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) - عدم وقوع الطلاق الثلاث جملة، بل واحدة، في المجموعة أو المتفرقة عن جده المجد، وأنه كان يفتي به سرا أحيانا. اهـ.
6 - قال ابن القيم (3) : المثال السابع: أن المطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خليفته أبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما- كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة. وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا؛ ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن إلى يومنا هذا.
فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس، كما رواه حماد
__________
(1) [زاد المعاد] (4\ 105) .
(2) [الإنصاف] (8\ 453) .
(3) [إعلام الموقعين] (4\ 24، 28، 29) .
(1/414)

بن زيد، عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق ثلاثا، بفم واحد فهي واحدة، وأفتى أيضا بالثلاث، أفتى بهذا وهذا، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضاح، وعن علي كرم الله وجهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس.
وأما التابعون: فأفتى به عكرمة رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه، وأفتى به طاووس.
وأما أتباع التابعين: فأفتى به محمد بن إسحاق حكاه الإمام أحمد وغيره عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي.
وأما أتباع تابعي التابعين: فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه حكاه عنهم أبو العكلي وابن حزم وغيرهما.
وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية، وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل.
وأفتى به بعض أصحاب أحمد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه قال: وكان يفتي به أحيانا.
وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر واحدة بأي شيء تدفعه، قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، فقد صرح بأنه ترك القول به لمخالفة
(1/415)

راويه له.
وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها: أن الحديث إذا صح لم يرده لمخالفة راويه، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقا وترك رأيه، وعلى أصله يخرج له قول: أن الثلاث واحدة، فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة الراوي، وصرح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث. خرج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرجون على مذهبه أقوالا دون ذلك بكثير. اهـ.
7 - قال يوسف بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد الهادي (1) : الفصل الرابع: في أنه إنما يقع بالثلاث للفظ الواحد واحدة، وهذه رواية عن أحمد، روايتها باطلة، لكنها قول في المذهب، حكاه الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه [إعلام الموقعين] ، وذكره في [الفروع] ، وقال: إنه اختيار شيخه، وهو اختياره بلا خلاف، وهو الذي إليه جنح الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتبه [الهدي] ، و [إعلام الموقعين] ، و [إغاثة اللهفان] وقواه جدنا جمال الدين الإمام، وقد صنف فيه مصنفات، وهو اختيار شيخه الشيخ تقي الدين بن تيمية، وحكاه أيضا عن جده الشيخ مجد الدين وغيره. اهـ.
وقال أيضا: (2) : الفصل الخامس -فيمن قال بهذا القول وأفتى به-
__________
(1) [سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ضمن مجموعة علمية ص 81.
(2) [سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ضمن مجموعة علمية ص 82، 83.
(1/416)

وبعد أن ذكر ما سبق ذكره عن ابن القيم من [إعلام الموقعين] قال: قلت: وقد كان يفتي به فيما يظهر لي ابن القيم، وكان يفتي به شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه- بلا خلاف، وكان يفتي به جدنا جمال الدين الإمام، ولم يرو عنه أنه أفتى بغيره.
قلت: وقد كان يفتي به في زماننا الشيخ علي الدواليبي البغدادي، وجرى له من أجله محنة ونكاية فلم يدعه، وقد سمعت بعض شيوخنا يقويه، وظاهر إجماع (1) ابن حزم أنه إجماع لكن لم يصرح به. اهـ.
وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والقياس:
الدليل الأول: قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (2) إلى قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (3)
وجه الاستدلال: قال ابن عبد الهادي (4) : قال الشيخ جمال الدين الإمام في أول أحد كتبه: فقد حكم الله تعالى في هذه الآيات الكريمات في هذه المسألة ثلاثة أحكام، فمن فهمها وتصورها على حقيقة ما هي عليه -وقد أراد الله هدايته إلى قبول الحق إذا ظهر له- صح كلامه.
واعلم أن كتاب الله نص صريح: أن الطلاق الثلاث واحدة شرعا لا يحتمل خلافا صحيحا، وهذا هو النص شرعا، فإن كل كلام له معنى لا
__________
(1) قبله (وظاهر إجماع ابن حزم. إلخ) هكذا بالأصل المطبوع.
(2) سورة البقرة الآية 228
(3) سورة البقرة الآية 230
(4) [سير الحاث] ص 90 وما بعدها، ويرجع إلى ما ذكره ابن القيم في [الإغاثة] : (1\ 301) .
(1/417)

يحتمل غيره فهو نص فيه، فإن كان لا يحتمل غيره لغة فهو نص لغة، وإن كان لا يحتمل غيره شرعا فهو نص شرعا، وكتاب الله في هذه الآيات لا يحتمل شرعا غير أن الطلاق الثلاث واحدة. والألف واللام في قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1) للعهد، والمعهود هنا هو: الطلاق المفهوم من قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (2) وهو الرجعي بقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (3) فصار المعنى: الطلاق الذي الزوج أحق فيه بالرد مرتان فقط، فقد تقيد الرد الذي كان مطلقا في كل مرة من الطلاق بمرتين منه فقط فلم يعرف (4) ، ولا فرق في الآية بين قوله في كل مرة: طلقتك واحدة، أو ثلاثا، أو ثلاثين ألفا.
ثم قال: فصل: الكلام هنا على معنى الآيات الكريمات في حكم الطلاق الثلاث جملة سواء كانت ثلاث مرات أو مائة مرة أو ثلاثين ألفا.
ثم قال: وذلك أن ضمير الآيات في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} (5) أي: إن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له بعدها، المفهوم من قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (6) لا يجوز فيه شرعا غير ذلك، وهذا الحكم مختص به شرعا: أي: بتحريم المطلقة عليه حتى تنكح زوجا غيره، ويلزم أن يكون التحريم فيما بعد المرتين الأوليين، فإن كل واحدة من الأوليين له فيها الخيار بين الإمساك والتسريح بنص الآية، فيكون التقدير: فإن طلقها مرة ثالثة فلا
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 228
(3) سورة البقرة الآية 228
(4) قوله: (يعرف) كذا في الأصل المطبوع.
(5) سورة البقرة الآية 230
(6) سورة البقرة الآية 229
(1/418)

تحل له، هذا لا يحتل خلافا.
قلت: هذه الآية صريحها على هذا: أن الثلاث متفرقات، والله أعلم.
ثم قال: ويدل على التقدير لزوم أنه لا يجوز في الآية أن يقال: فإن طلقها فلا تحل له لا يجوز أن يكون مستقلا بنفسه، منفصلا عما قبله؛ لما في ذلك من لزوم نسخ مشروعية الرجعة في الطلاق من دين الإسلام ولا قائل به، وذلك لما فيه من عود الضمير المطلق فيه إلى غير موجود في الكلام قبله، معين له، مختص بحكمه، فيكون عاما في كل مطلق ومطلقة، ولا قائل به، وذلك أن قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} (1) جملة مفيدة، والجملة نكرة، وهي في سياق شرط ونفي، فتعم كل مطلق ومطلقة، فيكون ذلك ناسخا لمشروعية الرد في الطلاق في دين الإسلام، ولا قائل به، فتعين أن يكون قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} (2) إتماما لما قبله، أي: متصلا به، ويكون الضمير فيه عائدا على موجود في الكلام قبله، ومعين له، مختص بحكم تحريمه في طلاقه إن طلق، وليس فيما قبله ما يصلح عود هذا الضمير إليه، واختصاصه بهذا الحكم من التحريم شرعا إلا المطلق المفهوم من قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) لأنه لو عاد إلى من يطلق في صورة المفاداة المذكورة قبله كان التحريم مختصا بطلاق المفاداة، ولا قائل به، ولو عاد إلى من يطلق في صورة الإيلاء المذكورة قبل هذه الآيات - كان التحريم مختصا بطلاق المولي، ولا قائل به، فتعين أن يكون الضمير
__________
(1) سورة البقرة الآية 230
(2) سورة البقرة الآية 230
(3) سورة البقرة الآية 229
(1/419)

عائدا إلى المطلق المفهوم من قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1) وهو في نظم الكلام متعين له شرعا، لا يجوز عوده إلى غيره شرعا، وأن يكون تقدير الكلام: فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقد تبين أن معنى هذا الكلام وتقديره: أن الطلاق الرجعي مرتان، فإن طلقها بعدهما مرة ثالثة فلا تحل له بعدهما حتى تنكح زوجا غيره، فلم يشرع الله التحريم إلا بعد المرة الثالثة من الطلاق، والمرة الثالثة لا تكون إلا بعد مرتين شرعا ولغة وعرفا وإجماعا، إلا ما وقع في هذه المسألة بقضاء الله وقدره. انتهى.
وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في المسألة الأولى، والإجابة عنه في كلام الباجي ص 308، وما ذكر عن شيخ الإسلام في ص 313 وكلام ابن القيم في ص 318- 320.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} (2) إلى قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (3)
قال ابن القيم: الاستدلال بالآية من وجوه:
الوجه الأول: أنه سبحانه وتعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها، أي: لاستقبال عدتها فتطلق طلاقا يعقبه شروعها في العدة؛ ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته في حيضها أن يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيرا للمراد بها، وأن المراد بها الطلاق في قبل العدة، وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر؛ ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة الطلاق الآية 1
(3) سورة الطلاق الآية 2
(1/420)


الثلاث: أنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى في ذلك الطهر؛ لأنه غير مطلق للعدة فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة، ثم قال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة؛ لأن العدة تنقطع بذلك، فإذا طلقها بعد ذلك أخرى، طلقها للعدة، وقال في رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية في الطهر الثاني، ويطلقها الثالثة في الطهر الثالث، وهو قول أبي حنيفة، فيكون مطلقا للعدة أيضا؛ لأنها تبنى على ما مضى والصحيح هو الأول، وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة أو العقد؛ لأن الطلاق الثاني لم يكن لاستقبال العدة، بل هو طلاق لغير العدة فلا يكون مأذونا فيه، فإن العدة إنما تجب من الطلقة الأولى؛ لأنها طلاق العدة، بخلاف الثانية والثالثة. ومن جعله مشروعا، قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها وكلاهما طلاق للعدة.
وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة: الطلاق لاستقبالها، كما في القراءة الأخرى التي تفسر القراءة المشهورة: (فطلقوهن في قبل عدتهن) .
قالوا: فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد، فأن لا يشرع جمعه معه أولى وأحرى، فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه، ولهذا يسوغ الإرداف في الأطهار من لا يجوز الجمع في الطهر الواحد.
وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم الثلاث بهذه الآية وساق الأثر عن ابن عباس وقد سبق.
(1/421)

الوجه الثاني من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} (1) وهذا إنما هو في الطلاق الرجعي، فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي لا مطعن في صحتها الصريحة التي لا شبهة في دلالتها فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله؛ ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض.
وأبو حنيفة قال: يملك ذلك؛ لأن الرجعة حقه وقد أسقطها.
والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقا له فلها عليه حقوق الزوجية فلا يملك إسقاطها إلا بمخالصة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن.
الوجه الثالث: أنه قال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (2) فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما.
الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (3) وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن -وهم: الصحابة- أن الأمر هاهنا هو: الرجعة، قالوا: وأي أمر يحدث بعد الثلاث.
الوجه الخامس: قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (4)
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة الطلاق الآية 1
(3) سورة الطلاق الآية 1
(4) سورة الطلاق الآية 2
(1/422)

فهذا حكم كل طلاق شرعه الله، إلا أن يسبق بطلقتين قبله، وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) كما تقدم -قصده رحمه الله الأثر الذي أشرنا إليه سابقا- وهذا حق، فإن الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاق الطلاق في طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم؛ لأنه يكون مطلقا في غير قبل العدة فلأن تدل على تحريم الجمع أولى وأحرى.
ومضى رحمه الله إلى أن قال: فهذه الوجوه ونحوها مما بين الجمهور -أن جمع الثلاث غير مشروع- هي بعينها تبين عدم الوقوع، وأنه إنما يقع المشروع وحده وهي الواحدة. اهـ.
وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في المسألة الأولى.
وأما السنة: فقد استدلوا بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: روى مسلم في [صحيحه] من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (1) » .
وفي [صحيحه] أيضا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس:
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(1/423)

(هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟)
فقال: (قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم) وفي لفظ لأبي داود: «أن رجلا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من إمارة عمر رضي الله عنهما، فقال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من إمارة عمر رضي الله عنهما فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجروهن عليهم (1) » .. هكذا في هذه الرواية قبل أن يدخل بها.
وفي [مستدرك الحاكم] من حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة، «أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: (أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحدة؟) قال: (نعم) » قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.
وقد أجاب القائلون بأن الثلاث بلفظ واحد تقع ثلاثا عن حديث ابن عباس بأجوبة:
الجواب الأول: أنه منسوخ، وهو قول الشافعي وأبي داود والطحاوي.
قال الشافعي (2) : بعد سياقه لحديث أبي الصهباء: وأثر ابن عباس في
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(2) [الأم] اختلاف الحديث: (7\ 301- 305) .
(1/424)

الذي طلق امرأته ألفا وأفتاه بوقوع الثلاث، والذي طلق مائة وقد سبقت، قال بعد ذلك: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة يعني: أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئا فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟
قيل: لا يشبه أن يكون يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي فيه خلافه.
فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر.
قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلافه؟!
فإن قيل: فلم لم يذكره؟
قيل: فقد يسأل الرجل عن الشيء فيجيب فيه ولا يتقصى فيه الجواب، ويأتي على الشيء ويكون جائزا له كما يجوز له، لو قيل: أصلى الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم، وإن لم يقل ثم حولت القبلة.
قال: فإن قيل: فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر؟
قيل - والله أعلم-: وجوابه حين استفتي يخالف ذلك ما وصفت.
فإن قيل: فهل من دليل تقوم به الحجة في ترك أن تحسب الثلاث واحدة في كتاب أو سنة أو أمر أبين مما ذكرت؟
(1/425)

قيل: نعم، أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال: والله لا آويك.. ولا تخلين أبدا، فأنزل الله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (1) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان منهم طلق أو لم يطلق.
وذكر بعض أهل التفسير هذا فلعل ابن عباس أجاب: أن الثلاث والواحدة سواء، وإذا جعل الله عدد الطلاق إلى الزوج وأن يطلق متى شاء، فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضي بطلاقه.
قال الشافعي: وحكم الله في الطلاق أنه مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} (2) يعني: والله أعلم الثلاث {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (3) فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، وجعل حكمه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث وجعل الطلاق إلى زوجها فطلقها ثلاثا مجموعة أو مفرقة حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجا غيره كما كانوا مملكين عتق رقيقهم، فإن أعتق واحدا أو مائة في كلمة لزمه ذلك كما يلزمه كلها، جمع الكلام فيه أو فرقه، مثل قوله لنسوة له: أنتن طوالق، ووالله لا أقربكن، وأنتن علي كظهر أمي، وقوله: لفلان علي كذا، ولفلان
__________
(1) سورة البقرة الآية 229
(2) سورة البقرة الآية 230
(3) سورة البقرة الآية 230
(1/426)

علي كذا، ولفلان علي كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني، جميعه كلام فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه.
فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا؟
قيل: نعم، حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة: أنه سمعها تقول: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله، فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته قال: وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر، ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) » .
قال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بت طلاقها في مرات. قلت: ظاهره في مرة واحدة (وبت) إنما هي ثلاث إذا احتملت ثلاثا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عسيلتك (2) » ولو كانت عائشة حسبت طلاقها بواحدة كان لها أن ترجع إلى رفاعة بلا زوج.
فإن قيل: أطلق أحد ثلاثا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟
قيل: نعم، عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثا قبل أن يخبره النبي أنها تحرم عليه باللعان فلما أعلم النبي نهاه.
وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي صلى الله عليه وسلم: أن زوجها بت طلاقها: تعني والله
__________
(1) صحيح البخاري كتاب اللباس (5825) ، صحيح مسلم النكاح (1433) ، سنن الترمذي النكاح (1118) ، سنن النسائي الطلاق (3408) ، سنن أبو داود الطلاق (2309) ، سنن ابن ماجه النكاح (1932) ، مسند أحمد بن حنبل (6/38) ، سنن الدارمي الطلاق (2267) .
(2) صحيح البخاري الطلاق (5260) ، صحيح مسلم النكاح (1433) ، سنن الترمذي النكاح (1118) ، سنن النسائي الطلاق (3409) ، سنن ابن ماجه النكاح (1932) ، مسند أحمد بن حنبل (6/226) ، سنن الدارمي الطلاق (2267) .
(1/427)

أعلم: أنه طلقها ثلاثا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك عليه نفقة (1) » لأنه -والله أعلم- لا رجعة له عليها، ولم أعلمه عاب طلاقها ثلاثا معا، قال الشافعي: فلما كان حديث عائشة في رفاعة موافقا ظاهر القرآن وكان ثابتا - كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ليس بالبين فيه جدا.
قال الشافعي: ولو كان الحديث الآخر له مخالفا كان الحديث الآخر يكون ناسخا، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبين فيه جدا. اهـ.
وقال أبو داود في [سننه] (باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) : حدثنا أحمد بن سعيد المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} (2) وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) ثم أورد أبو داود في نفس الباب حديث ابن طاوس عن أبيه: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم (4) » .
وقال الطحاوي (5) في (باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا) : حدثنا روح بن الفرج، ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1480) ، سنن الترمذي النكاح (1135) ، سنن النسائي النكاح (3222) ، سنن أبو داود الطلاق (2284) ، سنن ابن ماجه النكاح (1869) ، مسند أحمد بن حنبل (6/373) ، موطأ مالك الطلاق (1234) ، سنن الدارمي النكاح (2177) .
(2) سورة البقرة الآية 228
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2200) .
(5) [شرح معاني الآثار] (2\ 32) .
(1/428)

جريج، قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أن الثلاث، كانت تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم (1) » .
وقال الطحاوي بعد استعراض بعض الآراء في المسألة: وفي حديث ابن عباس ما لو اكتفينا به كانت حجة قاطعة، وذلك أنه قال: فلما كان زمان عمر رضي الله عنه قال: أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وأنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه. حدثنا بذلك ابن أبي عمران.
قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرنا عبد الرزاق -ح- وحدثنا عبد الحميد بن عبد العزيز قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس مثل الحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب، غير أنهما لم يذكرا أبا الصهباء ولا سؤاله ابن عباس رضي الله عنهما، وإنما ذكرا مثل جواب ابن عباس رضي الله عنهما الذي في ذلك الحديث، وذكرا بعد ذلك من كلام عمر رضي الله عنه ما قد ذكرناه قبل هذا الحديث، فخاطب عمر رضي الله عنه بذلك الناس جميعا، وفيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، الذين قد علموا ما تقدم من ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه منهم منكر، ولم يدفعه دافع، فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك؛ لأنه لما كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا فعلا يجب به الحجة كان كذلك أيضا إجماعهم على القول إجماعا يجب به الحجة، وكما كان إجماعهم على النقل بريئا من الوهم والزلل كان كذلك إجماعهم على الرأي بريئا من الوهم والزلل، وقد رأينا أشياء قد كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على معان فجعلها
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(1/429)

أصحابه رضي الله عنهم من بعده على خلاف تلك المعاني، لما رأوا فيه مما خفي على من بعدهم، فكان ذلك حجة ناسخا لما تقدمه، من ذلك تدوين الدواوين، والمنع من بيع أمهات الأولاد، وقد كن يبعن قبل ذلك، والتوقيت في حد الخمر، ولم يكن فيه توقيت قبل ذلك، فلما كان ما عملوا به من ذلك ووقفنا عليه لا يجوز لنا خلافه إلى ما قد رأيناه مما تقدم فعلهم له، كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معا: أنه يلزم لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك. انتهى المراد من كلام الطحاوي.
وقال الطحاوي بعد كلامه في النسخ (1) : (ثم هذا ابن عباس رضي الله عنهما قد كان من بعد ذلك يفتي من طلق امرأته ثلاثا معا: أن طلاقه قد لزمه وحرمها عليه.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأثمه الله وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. فقلت: كيف ترى في رجل يحلها له؟ فقال: من يخادع الله يخادعه.
حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب: أن مالكا أخبره عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق
__________
(1) [شرح معاني الآثار] (3\ 33) .
(1/430)

رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تتزوج زوجا غيرك، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب: أن مالكا أخبره عن يحيى بن سعيد: أن بكير بن الأشج أخبر عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه من قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، فاسألهما، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير: أن رجلا سأل ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر عن طلاق البكر ثلاثا وهو معه، فكلهم قالوا: حرمت عليك.
حدثنا يونس قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وابن عباس أنهما قالا في الرجل يطلق البكر ثلاثا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
(1/431)

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير: أن رجلا سأل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: ثلاث تحرمها عليه وسبعة وتسعون في رقبته، إنه اتخذ آيات الله هزوا.
حدثنا علي بن شيبة، حدثنا أبو نعيم، قال ثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله.
حدثنا ابن مرزوق، ثنا ابن وهب، قال: ثنا شعبة عن ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد، أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (2) انتهى المراد من كلام الطحاوي.
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(2) سورة الطلاق الآية 1
(1/432)

وممن ارتضى هذا المسلك الذي هو مسلك النسخ: الحافظ ابن حجر العسقلاني في نهاية بحثه الطويل في هذه المسألة قال (1)
: وفي الجملة: فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني: قول جابر: أنها كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث؛ للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود
__________
(1) [فتح الباري] (9\ 299) .
(1/432)

ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. اهـ.
واعترض المازري على ذلك، قال: (زعم بعضهم: أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط فإن عمر لا ينسخ ولو نسخ وحاشاه لبادر الصحابة إلى إنكاره. وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر.
قال: فإن قيل: فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك، قلنا: إنما يقبل ذلك؛ لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله؛ لأنه إجماع على الخطأ، وهم معصومون عن ذلك. قال: فإن قيل: فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر، قلنا: هذا أيضا غلط؛ لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر وليس انقراض العصر شرطا في صحة الإجماع على الراجح. هذا ما أورده المازري.
وأجاب عليه الحافظ بقوله (1) : (هو متعقب في مواضع:
أحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ) أي: اطلع على ناسخ الحكم الذي رواه مرفوعا؛ ولذلك أفتى بخلافه،
__________
(1) [فتح الباري] (9\ 298) .
(1/433)

وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.
الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما.
الثالث: أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ، وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيء هنا؛ لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر، بل ولا عمر، فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين وهم في زمن أبي بكر وعمر، بل وبعدهما طبقة واحدة) . انتهى كلام الحافظ.
وقد أجاب ابن القيم عن دعوى النسخ فقال (1) : وأما دعواكم لنسخ الحديث فموقوف على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا؟
وأما حديث عكرمة عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث فلو صح لم يكن فيه حجة فإنما فيه (أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد) فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة. فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد؟ ثم كيف يستمر المنسوخ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر لا تعلم به الأمة، وهو من
__________
(1) [زاد المعاد] (4\ 117، 118) .
(1/434)

أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج؟! ثم كيف يقول عمر: (إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة) وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟ ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وضعفه معلوم.
وقد أجاب عن ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فقال (1) : وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلما روى عن جابر رضي الله عنه أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقا.. فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما ويدعي استحالته في الأخرى مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر في مسألة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر، ومن أجاز نسخ نكاح المتعة وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له: ما لبائك تجر وبائي لا تجر؟
فإن قيل: نكاح المتعة صح النص بنسخه؟
قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.
وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث
__________
(1) [أضواء البيان] (1\ 186، 187) .
(1/435)

تطليقات وأكثر، قال في [سننه] : (باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) ثم ساق بسنده حديث ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} (1) الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك، وقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) الآية، وأخرج نحوه النسائي، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في [التقريب] : صدوق يهم.
وروى مالك في [الموطأ] عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (3) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان طلق منهم أو لم يطلق.
ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم وعلمهم وورعهم.
يؤيده أن كثيرا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك كابن عباس وعمر وابن عمر وخلق لا يحصى. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (4) كما جاء
__________
(1) سورة البقرة الآية 228
(2) سورة البقرة الآية 229
(3) سورة البقرة الآية 229
(4) سورة البقرة الآية 229
(1/436)

مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر، مع أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضا، كما جاء في رواية عند مسلم، ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (1) {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (2)
ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية. والذين قالوا بالنسخ قالوا: معنى قول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، أن المراد بالأناة: أنهم كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم: أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث، وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله: (فلو أمضيناه عليهم) يعني: ألزمناهم بمقتضى ما قالوا، ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة: (فنهانا عنها عمر) ، فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر والنسخ ثابت فيهما كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة.
أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة فتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها ثلاثا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فلا يخفى بعده، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
__________
(1) سورة المؤمنون الآية 5
(2) سورة المؤمنون الآية 6
(1/437)

الجواب الثاني: حمل الحديث على أن الناس اعتادوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر إيقاع المطلق الطلقة الواحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة وتتابعوا فيه. فمعنى الحديث على هذا كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه المطلق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، فالحديث على هذا إخبار عن الواقع لا عن المشروع. وهذا جواب أبي زرعة، والباجي، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب، ونقل القرطبي عن الكيا الطبري أنه قول علماء الحديث ورجحه ابن العربي، وذكره ابن قدامة.
أما أبو زرعة الرازي فقد نقله عنه البيهقي بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبا زرعة يقول: (معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما) (1) .
وأما الباجي فقال (2) : (معنى الحديث: أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث طلقات، قال: ويدل على صحة هذا التأويل: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كان لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك من أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله وما عاب
__________
(1) [السنن الكبرى] (7\ 338) .
(2) [المنتقى] (4\ 4) .
(1/438)

عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، ويدل لصحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، فإن كان معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن طاوس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع ... انتهى كلام الباجي.
وأما القاضي فقد نقل عنه القرطبي أنه قال (1) : (معناه: أن الناس. كانوا يقتصرون على طلقة واحدة ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث قال: قال القاضي: وهذا هو الأشبه بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم، معناه ألزمهم حكمها) . انتهى.
وأما ما نسب إلى علماء الحديث فقد قال القرطبي بعد ذكره تأويل الباجي حديث ابن عباس وما أوله به أبو زرعة، قال: قلت: ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث، أي: أنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هو الذي تطلقون ثلاثا، أي: ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة. انتهى كلام القرطبي.
وأما ترجيح ابن العربي فقد نقله عنه ابن حجر (2) .
وأما ذكر ابن قدامة له فقد قال (3) : قيل: معنى حديث ابن عباس أن
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\ 130) .
(2) [الفتح] (9\ 299) .
(3) [المغني ومعه الشرح] (7\ 304) .
(1/439)

الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وإلا فلا يجوز أن يخالف عمر ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ولا يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفتي بخلافه.
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال (1) : وأما قول من قال: إن معناه: كان وقوع الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، فإن حقيقة هذا التأويل كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلقون واحدة وعلى عهد عمر صاروا يطلقون ثلاثا، والتأويل إذا وصل إلى هذا الحد كان من باب الألغاز والتحريف لا من باب بيان المراد، ولا يصح ذلك بوجه ما، فإن الناس ما زالوا يطلقون واحدة وثلاثا، وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فمنهم من رد إلى واحدة كما في حديث عكرمة عن ابن عباس، ومنهم من أنكر عليه وغضب وجعله متلاعبا بكتاب الله، ولم يعرف ما حكم به عليهم، وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه بالثلاث؛ لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث. فلم يصح أن يقال: إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر فطلقوا ثلاثا، ولا يصح أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فنمضيه عليهم ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عهده بوجه ما، فإنه ماض منكم على عهده بعد عهده، ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة (ألم تعلم أنه من طلق ثلاثا جعلت واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ؟ ولفظ أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها
__________
(1) [زاد المعاد] (4\ 119) .
(1/440)

جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر؟ فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من إمارة عمر فلما رأى الناس -يعني: عمر - قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم) هذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد، وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما. ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب فاعتقد ثم استدل، وأما من جعل المذهب تبعا للدليل واستدل ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل. اهـ.
الجواب الثالث: حمل الحديث على غير المدخول بها:
فقد سلك أبو عبد الرحمن النسائي في [سننه] في الحديث مسلكا آخر وقوى جانبها عنده فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، ثم ساقه فقال: حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: «أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ترد إلى الواحدة قال: نعم (1) » .
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك: فقال (2) : وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون والحديث لون آخر، وكأنه لما أشكل عليه لفظ
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(2) [إغاثة اللهفان] (1\ 298) .
(1/441)

الحديث حمله على ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طلقت واحدة، ومعلوم أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما، ثم يتغير في خلافة عمر رضي الله عنه، ويمضي الثلاث بعد ذلك على المطلق، فالحديث لا يندفع بمثل هذا البتة. اهـ.
وهناك توجيه آخر للحديث قال ابن حجر (1) : وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية.
ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال ثلاثا لغى العدد لوقوعه بعد البينونة.
وتعقبه القرطبي بأن قوله: أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل فكيف جعله كلمتين؟ وتعطي كل كلمة حكما؟
وقال النووي: أنت طالق معناه: أنت ذات الطلاق، وهذا اللفظ يصح تفسيره بالواحدة وبالثلاث وغير ذلك. انتهى كلام ابن حجر.
وأجاب ابن القيم عن الرواية التي فيها ذكر غير المدخول بها: فقال (2) : ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس في شيء منها قبل الدخول، وإنما حكى ذلك طاوس عن سؤال أبي الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه، ولعله إنما بلغه جعل الثلاث واحدة في حق مطلق قبل
__________
(1) [فتح الباري] (9\ 363) .
(2) [إغاثة اللهفان] (1\ 285، 286) .
(1/442)

الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس وقال: (كانوا يجعلونها واحدة) ؟ فقال له ابن عباس: (نعم) أي: الأمر ما قلت، وهذا لا مفهوم له فإن التقييد في الجواب وقع في مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه.
نعم، لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسؤول الجواب كان مفهومه معتبرا، وهذا كما إذا سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: (إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوه) لم يدل ذلك على تعيين الحكم بالسمن خاصة، وبالجملة فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء، فذكر النساء مطلقا في أحد الحديثين وذكر بعض أفرادهن في الحديث الآخر لا تعارض بينهما.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1) : وحجة هذا القول: أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا، قال في [مراقي السعود] :
وحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب
وما ذكره الأبي رحمه الله من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما، وما ذكره الشوكاني رحمه الله في [نيل الأوطار] من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد
__________
(1) [أضواء البيان] (1\ 196- 198) .
(1/443)

بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا.
نعم، لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا من غير المدخول بها فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال.
وقد تقرر في الأصول: أن من موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني: مفهوم المخالفة كون الكلام واردا جوابا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال فلا يتعين كونه لإخراج المفهوم عن المنطوق، وأشار إليه في [مراقي السعود] في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
وجهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤال أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤال.
وقد قدمنا: أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني عن غير واحد عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو لا يصح الحكم بروايته، ولذا قال النووي في [شرح مسلم] ما نصه: وأما هذه الرواية لأبي داود فضعيفة رواها أيوب عن قوم
(1/444)

مجهولين عن طاوس عن ابن عباس فلا يحتج بها، والله أعلم انتهى منه بلفظه.
وقال المنذري في [مختصر سنن أبي داود] بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاوس فيها.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [زاد المعاد] بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد. انتهى محل الغرض منه بلفظه فانظره مع ما تقدم. انتهى كلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
الجواب الرابع: ليس في الحديث ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل ذلك ولا أنه علم به وأقر عليه، وهذا جواب ابن المنذر وابن حزم ومن وافقهما.
قال ابن القيم (1) : وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك من علم النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أمره، قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يفتي بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس رضي الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أمره، إذ لو كان ذلك عن علم النبي صلى الله عليه وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه، أو يكون ذلك منسوخا استدلالا بفتيا ابن عباس.
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\ 291) .
(1/445)

وقال ابن حزم (1) : وأما حديث طاوس عن ابن عباس الذي فيه: أن الثلاث كانت واحدة وترد إلى الواحدة وتجعل واحدة فليس شيء منه أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي جعلها واحدة أو ردها إلى الواحدة، ولا أنه عليه الصلاة والسلام علم بذلك فأقره، ولا حجة إلا فيما صح أنه عليه الصلاة والسلام قاله أو فعله أو علمه فلم ينكره، وإنما يلزم هذا الخبر من قال في قول أبي سعيد الخدري «كنا نخرج في زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من كذا، وأما نحن فلا (2) » ) . انتهى كلام ابن حزم.
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك: فقال (3) : سبحانك هذا بهتان عظيم أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ودينه وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام وتحريمه على من هو عليه حلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير الخلق، وهم يفعلونه ولا يعلمونه ولا يعلمه هو، والوحي ينزل عليه وهو يقرهم عليه، فهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمه، وأصحابه يعلمونه ويبدلون دينه وشرعه، والله يعلم ذلك ولا يوحيه إلى رسوله ولا يعلمه به، ثم يتوفى الله رسوله والأمر على ذلك، فيستمر هذا الضلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها، ويعمل به ولا يغيره إلى أن فارق الصديق الدنيا، واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر حتى رأى بعد ذلك رأيه أن يلزم الناس بالصواب، فهل في الجهل بالصحابة وما كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من
__________
(1) [المحلى، (10\ 462، 463) .
(2) صحيح البخاري الزكاة (1506) ، صحيح مسلم الزكاة (985) ، سنن الترمذي الزكاة (673) ، سنن النسائي الزكاة (2513) ، سنن أبو داود الزكاة (1616) ، سنن ابن ماجه الزكاة (1829) ، مسند أحمد بن حنبل (3/98) ، موطأ مالك الزكاة (628) ، سنن الدارمي الزكاة (1664) .
(3) [زاد المعاد] (4\ 120) .
(1/446)

هذا؟ وتالله لو كان جعل الثلاث واحدة خطأ محضا لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويل الذي تأولتموه، ولو تركتم المسألة بهيأتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة.
وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1) ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه صلى الله عليه وسلم وأقره.
الجواب الخامس: ما ذكره المجد قال: وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق - فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد، وثلاثا إذا قصد تكرير الإيقاع، فكان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار، لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد فلما رأى عمر في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صورة التكرير إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) . انتهى كلام المجد.
وهذا جواب ابن سريح كما قاله الخطابي (2) والمنذري (3) .
__________
(1) [أضواء البيان] (1\ 196) .
(2) [معالم السنن] (3\ 27) .
(3) [المختصر] للمنذري (3\ 1126) .
(1/447)

وقال ابن حجر (1) : هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النووي: إنه أصح الأجوبة.
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال (2) : وأما حملكم الحديث على قول المطلق: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ومقصوده التأكيد بما بعد الأول فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده، فإن هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلف على عهده وعهد خلفائه، وهلم جرا ... آخر الدهر، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم مطلقا برا كان أو فاجرا.
وأيضا فإن قوله: (إن الناس قد استعجلوا وتتابعوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم) إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فسحة منه وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم ورفقا وأناة لهم؛ لئلا يندم مطلق فيذهب حبيبه من يده من أول وهلة فيعز عليه تداركه فجعل له أناة ومهلة يستعتبه فيها ويرضيه، ويزول ما أحدثه الغضب الداعي إلى الفراق ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومهلة وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر أن يلزمهم ما التزموا عقوبة لهم، فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول
__________
(1) [الفتح] (9\ 298) .
(2) [زاد المعاد] (4\ 118، 119) .
(1/448)

مرة بجمعه الثلاث كف عنها ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث ... هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره فأين هذا من تأويلكم المستنكر المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث بل تنبو عنه وتنافره؟!
ويمكن أن يجاب عن جواب ابن القيم بما قاله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قال (1) : وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة:
الأول: أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات في وقت واحد فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات.
وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة: من أين أخذت كونها بكلمة واحدة، فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟
فإن قال: لا يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة وعلى ما أوقع بكلمات متعددة وهو أسعد بظاهر اللفظ.
__________
(1) [أضواء البيان] (1\180-183) .
(1/449)

قيل له، وإذا فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع.
ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة: أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث- إلا أن المراد بطلاق الثلاث لفظه: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات؛ ولذا ترجم في [سننه] لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث، وقد سبق في الوجه الثالث ثم قال: فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي - رحمه الله - من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم - رحمه الله - في [زاد المعاد] في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة بحديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت الحديث.
فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا. اهـ. بلفظه.
وهو دليل واضح لصحة ما فهمه النسائي - رحمه الله - من الحديث، لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة
(1/450)

كما أوضحه ابن القيم في حديث عائشة آنفا. . . وبعد أن نقل كلام ابن سريج وأن القرطبي ارتضى هذا الجواب، ونقل عن النووي جوابه عنه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك كله في أول الجواب.
ثم قال: قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه لجواز تغيير الحال عند تفسير القصد؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا.
وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور: أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم من حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال: بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب كما هو ظاهر. انتهى كلام الشيخ الشنقيطي.
الجواب السادس: عن حديث طاوس عن ابن عباس: أن سائر أصحاب ابن عباس رووا عنه إفتاءه بخلاف ذلك، وما كان ابن عباس ليروي
(1/451)

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يخالفه إلى رأي نفسه، بل المعروف عنه أنه كان يقول: (أنا أقول لكم: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) قاله في فسخ الحج وغيره؛ ولهذا اتجه الإمام أحمد بن حنبل إلى دفع حديث طاوس هذا بما رواه سائر أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - طلاق الثلاث واحدة بأي شيء تدفعه، قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور. ذكر جميع ذلك الإمام ابن القيم (1)
وجاء في مسودة آل تيمية ما نصه (2) : (وفيه، أي: معاني الحديث للأثرم أيضا في حديث ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال أبو عبد الله: أدفع هذا الحديث بأنه قد روي عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه، أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا) اهـ.
وقال البيهقي في (باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك) (3) : هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس. . . ومنها: ما أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، نا أبو العباس
__________
(1) [إغاثة اللهفان] (1\158، 159) .
(2) [المسودة] (242) .
(3) [السنن الكبرى] (7\337، 338) .
(1/452)

محمد بن يعقوب، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد: أن سعيد بن جبير أخبره، أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: تأخذ ثلاثا وتدع تسعمائة وسبعا وتسعين، ورواه عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لرجل طلق امرأته ثلاثا: حرمت عليك.
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا: نا أبو العباس، نا الربيع، نا الشافعي، نا مسلم بن خالد وعبد المجيد عن ابن جريج عن مجاهد قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي مائة، قال: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو عمرو بن مطر، نا يحيى بن محمد، نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة عن ابن أبي نجيح وحميد الأعرج، عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1) (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وعبيد بن محمد بن محمد بن مهدي قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن رافع، عن عطاء: أن رجلا قال لابن عباس: طلقت امرأتي مائة فقال: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين، وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق أنا حسين بن محمد، نا
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(1/453)

جرير بن حازم، عن أيوب عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم فقال: إنما يكفيك رأس الجوزاء.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو العباس بن يعقوب، نا الحسن بن علي بن عفان، نا ابن نمير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس قال: أتاني رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله فأندمه الله وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. قال: أفلا يحللها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه.
أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أنا أبو بكر بن جعفر المزكي، نا محمد بن إبراهيم البوشنجي، نا ابن بكير، نا مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير أنه قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك فقالا له: لا نرى أن تنكحها حتى تزوج زوجا غيرك. قال: فإنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير، ورواية عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري كلهم عن ابن عباس، أنه أجاز الطلاق بالثلاث وأمضاهن. . . انتهى كلام البيهقي - رحمه الله تعالى -.
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال (1) : لا يترك الحديث الصحيح
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3\31) وما بعدها.
(1/454)

المعصوم لمخالفة راويه له فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بريرة على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها، وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة: «من استقاء فعليه القضاء (1) » ، وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه- وذكر جملة أمثلة نسبها إلى الحنابلة والحنفية والمالكية والشافعية، إلى أن قال - رحمه الله -: والذي ندين الله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قدر بانتفاء ذلك كله ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه لم يكن الراوي معصوما، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. اهـ.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي تعليقا على هذا الوجه (2) : قال مقيده- عفا الله عنه-: فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده وتغير عقائده أبو عبد الله
__________
(1) سنن الترمذي كتاب الصوم (720) ، سنن أبو داود الصوم (2380) ، سنن ابن ماجه الصيام (1676) ، مسند أحمد بن حنبل (2/498) ، سنن الدارمي الصوم (1729) .
(2) [أضواء البيان] (1\189- 191) .
(1/455)

أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -، قال للأثرم وابن منصور: أنه رفض حديث ابن عباس قصدا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - وهو هو- ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك.
فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس والمرفوع لا يعارض بالموقوف.
فالجواب: أن الصحابي إذا خالف ما روى ففيه للعلماء قولان، وهما روايتان عن أحمد - رحمه الله -: الأولى: أنه لا يحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به وهو عدل عارف وعلى هذه الرواية فلا إشكال.
وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء: أن العبرة بروايته لا بقوله فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا، فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويا؛ لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج.
فالحاصل: أن ترك ابن عباس لجعل ثلاث بفم واحد واحدة يدل على
(1/456)

أن معنى الحديث الذي روى ليس كونها بلفظ واحد. . . واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى بالثلاث بفم واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة: أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحافظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة. انتهى.
(1/457)

الجواب السابع: حمل الثلاث فيه على أن المراد بها: لفظ البتة، وكان يراد بها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أراد بها ركانة ثم تتابع الناس فأرادوا بها الثلاث فألزمهم عمر إياها.
وهذا جواب الخطابي وقواه ابن حجر، قال الخطابي (1) : ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفا إلى طلاق البتة؛ لأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ركانة أنه جعل البتة واحدة، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يراها واحدة، ثم تتابع الناس في ذلك فألزمهم الثلاث وإليه ذهب غير واحد من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه جعلها ثلاثا، وكذلك روي عن ابن عمر، وكان يقول: أبت الطلاق طلاق البتة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد بن
__________
(1) [معالم السنن] (3\237، 238) .
(1/457)

حنبل، وهذا كصنيعه بشارب الخمر فإن الحد كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر أربعين، ثم إن عمر لما رأى الناس تشايعوا في الخمر واستخفوا بالعقوبة فيها قال: أرى أن تبلغ فيها حد المفتري؛ لأنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وكان ذلك على ملأ من الصحابة فلا ينكر أن يكون الأمر في طلاق (البتة) على شاكلته. انتهى كلام الخطابي.
وقال ابن حجر (1) : هو قوي ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها (البتة) والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن (البتة) إذا أطلقت حملت على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل فكأن بعض رواته حمل لفظ (البتة) على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما فرواها بلفظ الثلاث وإنما المراد لفظ البتة وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
الجواب الثامن: حمل الحديث على أنه شاذ وقد حمله على ذلك جماعة من أهل العلم، فقال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب في كتاب [مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة] وساق حديث ابن عباس، ثم قال (2) : هذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان:
أحدهما: وهو مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، ويرجع الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد
__________
(1) [فتح الباري] (9\299) .
(2) [سير الحاث] ص 74.
(1/458)

الراوي بالحديث، وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين؛ كالإمام أحمد ويحيى القطان ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس غير طاوس، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس، يعني: رووا عنه خلاف ما روى طاوس.
وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، قال: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا. قال المصنف: ومتى أجمع الأمة على إطراح العمل بحديث وجب اطراحه وترك العمل به، وقال ابن مهدي: لا يكون إماما في العلم من عمل بالشاذ.
وقال النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة فإن عرف وإلا فدعه، وعن مالك قال: (شر العلم الغريب) وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس وفي هذا الباب شيء كثير لعدم جواز العمل بالغريب وغير المشهور.. قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس - وهو راوي الحديث - أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي، كما ذكره في [المغني] ، وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد ضم إليها علة الشذوذ والإنكار وإجماع الأمة؟!
وقال القاضي إسماعيل في كتاب [أحكام القرآن] : طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يعجب
(1/459)

من كثرة خطأ طاوس
وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث.
قال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل. انتهى المقصود.
الثاني: أنه منسوخ، وقد سبق ما يغني عن إعادته.
ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال (1) : رواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب.. قال: وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس.
ونقل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن ابن العربي المالكي ما يختص بحديث ابن عباس هذا فقال (2) : فإن قيل: ففي [صحيح مسلم] ، عن ابن عباس وذكر حديث أبي الصهباء المذكور؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه [منها] (3) :
الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على إجماع الأمة ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل، ولا
__________
(1) [تفسير القرطبي] (3\129) .
(2) [أضواء البيان] (192) .
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من الناشر. ا. هـ.
(1/460)

تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يرد إلا عن ابن عباس ولم يرو عنه إلا عن طريق طاوس فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس، وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟ انتهى محل الغرض من كلام ابن العربي انتهى.
وقال ابن حجر (1) : الجواب الثاني: دعوى شذوذ رواية طاوس وهي طريقة البيهقي فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أن يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. انتهى.
وقال ابن التركماني: وطاووس يقول: إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجل وأعلم منه، وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. انتهى.
وقد أجاب ابن القيم عن ذلك: فقال بعد عرضه لهذا المسلك (2) وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات
__________
(1) [الفتح] (9\363) .
(2) [إغاثة اللهفان] (1\295، 296) .
(1/461)

بمثل هذا، فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره وقبلته الأمة كلهم فلم يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء.
قد تفرد الزهري بنحو ستين سنة، لم يروها غيره، وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده، هذا مع أن عكرمة روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما- حديث ركانة وهو موافق لحديث طاوس عنه، فإن قدح في عكرمة أبطل وتناقض، فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه.
فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله أن يتوقف فيه ولا يجزم بصحته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به، لم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذا. وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده، ولا مسوغا له.
قال الشافعي: (وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات) قاله في مناظرته لبعض من رد الحديث بتفرد الراوي به.. ثم إن هذا القول لا يمكن أحدا من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طرده، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم،
(1/462)

والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم وذلك أشهر وأكثر من أن يعد.
وبعد ما ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كلاما يتفق مع ما سبق ذكره عن ابن القيم قال (1) : نعم، لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه- أن ذلك يدل على عدم صحته، ووجهه: أن توفر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار، فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول أشار إليها في [مراقي السعود] بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر: (وخبر الآحاد في السنى) .
حيث دواعي نقله تواترا ... نرى لها لو قاله تقررا
وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب [جمع الجوامع] عاطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ منه بلفظه.
ومراده: أن مما يجزم بعدم صحته الخبر المنقول آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله.
وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوافر الدواعي على نقله وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. محل
__________
(1) [أضواء البيان] (1\193-195) .
(1/463)

الغرض منه بلفظه. وفي المسألة مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول.
قال مقيده- عفا الله عنه-: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في زمن أبي بكر وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والمسلمون من بعده متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره؛ لأن (1) يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس يدل دلالة واضحة على أحد أمرين:
أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج، وعليه فلا إشكال؛ لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم، والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (2) » ، فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ونوى التأكيد فواحدة، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث، واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه؛ لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: «وإنما لكل امرئ ما نوى (3) » .
__________
(1) قوله: (لأن) كذا بالأصل المطبوع.
(2) صحيح البخاري بدء الوحي (1) ، صحيح مسلم الإمارة (1907) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647) ، سنن النسائي الطهارة (75) ، سنن أبو داود الطلاق (2201) ، سنن ابن ماجه الزهد (4227) ، مسند أحمد بن حنبل (1/43) .
(3) صحيح البخاري بدء الوحي (1) ، صحيح مسلم الإمارة (1907) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647) ، سنن النسائي الطهارة (75) ، سنن أبو داود الطلاق (2201) ، سنن ابن ماجه الزهد (4227) ، مسند أحمد بن حنبل (1/43) .
(1/464)

والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله. والأول أولى وأخف من الثاني.
وقال القرطبي في [المفهم] في الكلام على حديث طاوس المذكور: وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. اهـ. بواسطة نقل ابن حجر في [فتح الباري] عنه وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى. انتهى.
الجواب التاسع: أن الحديث مضطرب، نقل هذا الجواب ابن حجر عن القرطبي (1)
وذكر ابن القيم هذا الجواب وناقشه: فقال (2) : وسلك آخرون في رد الحديث مسلكا آخر، فقالوا: هو حديث مضطرب لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخاري، وترجم في [صحيحه] على خلافه فقال: (باب في من جوز الطلاق الثلاث في كلمة) لقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (3) ثم ذكر حديث اللعان وفيه: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ولم يغير عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وهو لا يقر على باطل) .
__________
(1) [فتح الباري] (9\364) .
(2) [إغاثة اللهفان] (1\293- 295)
(3) سورة البقرة الآية 229
(1/465)

قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يروي عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس فهذا اضطرابه من جهة السند.
وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة يقول: (ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة) وتارة يقول: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، فهذا يخالف اللفظ الآخر، وهذا المسلك من أضعف المسالك ورد الحديث به ضرب من التعنت ولا يعرف أحد من الحفاظ قدح في هذا الحديث ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأي شيء ترده؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس خلافه.
ولم يرده بتضعيف ولا قدح في صحته، وكيف يتهيأ القدح في صحته، ورواته كلهم أئمة حفاظ، حدث به عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاووس، وحدث به ابن طاوس عن أبيه، وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن، وطاووس من أخص أصحاب ابن عباس، ومذهبه: أن الثلاث واحدة، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس، فلم ينفرد به عبد الرزاق ولا ابن جريج ولا عبد الله بن طاوس، فالحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية البخاري له لا يوهنه وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلا يطول كتابه فإنه سماه: [الجامع المختصر الصحيح] ، ومثل هذا العذر لا يقبله من له حظ من العلم.
(1/466)

وأما رواية من رواه عن أبي الجوزاء فإن كانت محفوظة فهي مما يزيد الحديث قوة وإن لم تكن محفوظة- وهو الظاهر- فهي وهم في الكنية انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، فإنه كان سيئ الحفظ، والحفاظ قالوا: (أبو الصهباء) وهذا لا يوهن الحديث، وهذه الطريق عند الحاكم في [المستدرك] ، وأما رواية من رواه مقيدا (قبل الدخول) فإنه تقدم أنه لا تناقض رواية الآخرين على أنها عند أبي داود عن أيوب عن غير واحد ورواية الإطلاق عن معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، فإن تعارضا فهذه الرواية أولى، وإن لم يتعارضا فالأمر واضح.
وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صريح في كون الثلاث واحدة في حق المدخول بها وعامة ما يقدر في حديث أبي الصهباء أن قوله: (قبل الدخول) زيادة من ثقة فيكون الأخذ بها أولى، وحينئذ فيدل أحد حديثي ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت في حق البكر، وحديثه الآخر على أنه ثابت في حكم الثيب أيضا فأحد الحديثين يقوي الآخر ويشهد بصحته، وبالله التوفيق.
الجواب العاشر: أن حديث ابن عباس معارض بالإجماع، والإجماع أقوى من خبر الواحد كما ذكر ذلك الشافعي وغيره، وقد سبق استدلال الجمهور بالإجماع مع ذكر أدلتهم لمذهبهم وبيان من قال به ومناقشة ابن القيم له، فاكتفي بذلك عن الإعادة هنا.
الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد في [المسند] قال: حدثنا سعد بن
(1/467)

إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، فقال: فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت قال: فراجعها (1) » ، فكان ابن عباس يروي الطلاق عند كل طهر.
قال ابن القيم (2) ، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (رد ابنته على ابن أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد) : هذا حديث ضعيف، أو قال: واه لم يسمعه الحجاج عن عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي، والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الذي رواه: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقرها على النكاح الأول، وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد، هذا وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره أو أقوى منه؟ ثم ساق رواية أبي داود وستأتي، وهي الدليل الثالث، ثم قال ابن القيم: قال شيخنا - رضي الله عنه -: وأبو داود لما لم يرو في [سننه] الحديث الذي في [مسند أحمد] يعني: الذي ذكرناه آنفا فقال: حديث البتة أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته،
__________
(1) سنن أبو داود الطلاق (2196) ، مسند أحمد بن حنبل (1/265) .
(2) [إعلام الموقعين] (3\40) .
(1/468)

ولكن الأئمة الأكابر العارفين بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ضعفوا حديث البتة وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت حديث الثلاث وبين أنه الصواب وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون الثلاث البتة. قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة فضعفه انتهى.
وقد سبق الكلام على رواية الإمام أحمد لحديث ركانة وكذلك رواية الزبير بن سعيد، ورواية نافع بن عجير عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية.
الدليل الثالث: قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد- أبو ركانة وإخوته- أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا لابنه الآخر يشبه من كذا وكذا"؟ قالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: "طلقها" ففعل فقال: "راجع امرأتك أم ركانة وإخوته" فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: وتلا
(1/469)

(2) » .
وقد سبقت مناقشة رواية أبي داود عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية فاكتفي بما هناك عن إعادته هنا.
الدليل الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، وقد سبقت مناقشة حديث ابن عمر برواياته، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، وذلك عند الكلام على الدليل السادس فاكتفي بما ذكر هناك عن إعادته هنا.
وأما الإجماع فممن ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء، فقد بينوا أن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة في عهد أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر.
ويمكن أن يجاب عنه بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة في أن الثلاث بلفظ واحد تكون ثلاثا وقد سبقت.
وأما القياس فقد قال ابن القيم (3) : وأما القياس فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} (4) ثم قال: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} (5) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات أني صادق، وقالت: أشهد بالله
__________
(1) سنن أبو داود الطلاق (2196) .
(2) سورة الطلاق الآية 1 (1) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
(3) [إغاثة اللهفان] (1\289)
(4) سورة النور الآية 6
(5) سورة النور الآية 8
(1/470)

أربع شهادات أنه كاذب: كانت شهادة واحدة ولم تكن أربعا، فكيف يكون قوله: أنت طالق ثلاثا ثلاث تطليقات، وأي قياس أصح من هذا؟! وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه؛ ولهذا لو قال المقر بالزنا: إني أقر بالزنا أربع مرات كان ذلك مرة واحدة، وقد قاله الصحابة لماعز: (إن أقررت أربعا رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فلو قال: أقر به أربع مرات كان مرة واحدة فهكذا الطلاق سواء.
وقد أجاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن هذا القياس فقال (1) : وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعا، وحصلت بها البيونة بانقضاء العدة إجماعا.
وأما الآثار: فما جاء عن الصحابة في ذلك، فقد روى طاوس وعكرمة عن ابن عباس الإفتاء بذلك، ورواية طاوس عند أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ، ورواية عكرمة عند أبي داود من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، وحكى ابن وضاح وعنه ابن مغيث الإفتاء بكون الطلاق الثلاث في كلمة واحدة واحدة عن علي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف. وجاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر قال: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا
__________
(1) [أضواء البيان] (1\195، 196) .
(1/471)

صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: (ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح) ، وكذلك ما نقل من الآثار عن أهل البيت.
ويضاف إلى هذه الآثار ما سبق ذكره من الآثار مما لم يذكر هنا، وذلك في الكلام على وفي استدلال الجمهور بالإجماع.
وأجيب عن تلك الآثار بما يأتي:
أما ما روى طاوس عن ابن عباس أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إنما تلزمه طلقة واحدة فقد اعتبره أبو جعفر النحاس من مناكير طاوس التي خولف فيها طاوس (1) قال: وطاووس وإن كان رجلا صالحا فعنده عن ابن عباس مناكير يخالف عليها ولا يقبلها أهل العلم، منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا: إنما تلزمه واحدة ولا يعرف هذا عن ابن عباس إلا من روايته، والصحيح عنه وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما: أنها ثلاث، كما قال الله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} (2) أي: الثالثة.
وأما ما روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: (إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة) فقد تعقبه أبو داود في [سننه]
__________
(1) [الناسخ والمنسوخ] ص71
(2) سورة البقرة الآية 230
(1/472)

بقوله: ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، ولم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة. وعلى فرض ثبوتها فقد رجع ابن عباس عن ذلك، كما صرح أبو داود قال (1) : وصار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، وهذا حديث أحمد قالا: نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس: أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا، فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال أبو داود: وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن الأشج عن معاوية بن أبي عياش: أنه شهد هذه القصة حين جاء محمد بن إياس بن البكير إلى ابن الزبير وعاصم بن عمر فسألهما عن ذلك فقالا: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة - رضي الله عنها - ثم ساق هذا الخبر. قال أبو داود: وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث يبينهما من زوجها، مدخولا بها أو غير مدخول بها- لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. هذا مثل خبر الصرف قال فيه: ثم إنه رجع عنه، يعني: ابن عباس. اهـ (2) .
وقد ساق في الباب الذي أورد فيه ذلك وهو باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث آثارا عن سائر أصحاب ابن عباس بخلاف ما ذكر عن طاوس وعكرمة، حيث قال: حدثنا حميد بن مسعدة، نا إسماعيل، أنا
__________
(1) [عون المعبود شرح سنن أبي دواد] (2\226، 227) .
(2) [عون المعبود شرح سنن أبي دواد] (2\226، 227) .
(1/473)

أيوب، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، قال: فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1) وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك، وإن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (2) قال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس ورواه شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأيوب وابن جريج جميعا عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن جريج، عن عبد الحميد بن رافع عن عطاء عن ابن عباس، ورواه الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس، وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس كلهم قالوا في الطلاق الثلاث: إنه أجازها، قال: وبانت منك، نحو حديث إسماعيل عن أيوب عن عبد الله بن كثير. اهـ.
وقال الباجي: بخصوص ما نقل عن ابن عباس من فتواه بأن الثلاث بفم واحد واحدة (3) ما نصه: قد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع. اهـ.
وأما ما نقله أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي عن ابن وضاح، من أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(2) سورة الطلاق الآية 1
(3) [المنتقى] (4\4) .
(1/474)

وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - قد أفتوا بأن من طلق ثلاثا في كلمة واحدة لا يلزمه سوى طلقة واحدة، فيتوقف الاستدلال به على ثبوت السند إليهم بذلك ولم يثبت.
وقد تعقبه أبو بكر بن العربي في كتابه [الناسخ والمنسوخ] ونقله عنه ابن القيم قال (1) : قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (2) زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم، وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا، كما لو قال: طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة.
ومر أبو بكر بن العربي إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد، وقد أدخل مالك في [موطئه] عن علي: أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها!؟ وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة.
قال ابن العربي: لم يعرف في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان بالاتفاق على لزوم الثلاث،
__________
(1) [مختصر سنن أبي دواد ومعه التهذيب والمعالم] (3\128) .
(2) سورة البقرة الآية 229
(1/475)

فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا. اهـ.
ذكر ابن القيم ذلك في [إغاثة اللهفان] (1) بقوله: (لعله إحدى الروايتين عنهم وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلي وابن عباس الإلزام بالثلاث إن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك؛ فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق) انتهى. كلام ابن القيم.
وقال البيهقي في [السنن الكبرى] في عزو ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (2) ، أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، نا محمد بن عبد الوهاب بن هشام، نا علي بن سلمة اللبقي، نا أبو أسامة عن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ يقول: سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة والناس عنقا واحدا إذ ذلك يأتونه ويسمعون منه، قال: فأتيته فقرعت عليه الباب، فخرج إلي شيخ فقلت له: كيف سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: فيمن طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد؟ قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة،
__________
(1) [إغاثة اللهفان] ص 179.
(2) [السنن الكبرى] (7\339، 340) .
(1/476)

قال. فقلت له: أين سمعت هذا من علي - رضي الله تعالى عنه -؟ قال أخرج إليك كتابا، فأخرج فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قال: فقلت: ويحك هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك) اهـ.
وأما ما روى أبو يعلى عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - من قوله: (ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق) ... إلخ، فلا يصلح الاحتجاج به على أن عمر قد ندم آخر حياته على إمضاء الثلاث لأمرين:
أحدهما: أن يزيد بن أبي مالك لم يدرك عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وقد قال الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] ، في يزيد بن أبي مالك: صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك. وذكره الحافظ ابن حجر في [تعريف أهل التقديس بالموصوفين بالتدليس] وقال: وصفه أبو مسهر بالتدليس.
الثاني: أن خالد بن يزيد بن أبي مالك وهاه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: غير ثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي عن ابن أبي عصمة عن أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: خالد بن يزيد بن أبي مالك ليس بشيء، وقال ابن أبي الحواري: سمعت ابن معين يقول بالعراق: كتاب ينبغي أن يدفن: كتاب [الديات]
(1/477)

لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة، قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته العطار فأعطى الناس فيه حوائج. وفي [تهذيب التهذيب] للحافظ ابن حجر: قال ابن حبان: كان صدوقا في الرواية، ولكنه كان يخطئ كثيرا، وفي حديثه مناكير لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد عن أبيه، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: متروك الحديث، وذكره ابن الجارود والساجي والعقيلي في الضعفاء. اهـ.
وأجيب عما نقل عن أهل البيت النبوي في اعتبار الطلاق الثلاث في كلمة واحدة: بما رواه البيهقي (1) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السمان ببغداد، أنا حنبل بن إسحاق بن حنبل، نا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نا مسلمة بن جعفر الأحمسي، قال: قلت لجعفر بن محمد: إن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة يجعلونها واحدة يروونها عنكم؟ قال: معاذ الله ما هذا من قولنا: (من طلق ثلاثا فهو كما قال) وأخبرنا أبو عبد الله، نا أبو محمد الحسن بن سليمان الكوفي ببغداد، نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا إسماعيل بن بهرام، نا الأشجعي عن بسام الصيرفي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق امرأته ثلاثا بجهالة أو علم فقد بانت منه. اهـ.
ونقل السياغي عن صاحب [الأمالي] أنه قال (2) : حدثنا أبو كريب عن
__________
(1) [السنن الكبرى] (7\340) .
(2) [الروض النظير] (4\387) .
(1/478)

حفص بن غياث قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق ثلاثا فهي ثلاث، وهو قولنا: أهل البيت) ثم ذكر رواية البيهقي عن شيخه الحاكم المتقدمة.
وقال السياغي من [الروض النضير] ، في وقوع الطلاق بائنا بإرساله ثلاثا بلفظ واحد قال (1) : وهو مذهب جمهور أهل البيت، كما حكاه محمد بن منصور عنهم في [الأمالي] بأسانيده، وروى في [الجامع الكافي] عن الحسن بن يحيى قال: رويناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن علي - عليه السلام - وعلي بن الحسين، وزيد بن علي، ومحمد بن علي الباقر، ومحمد بن عمر بن علي، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله، وخيار آل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ثم قال الحسن: أجمع آل الرسول على أن الذي يطلق ثلاثا في كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه، وسواء كان قد دخل بها الزوج أو لم يدخل، ورواه في [البحر] عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة وعن علي - عليه السلام - والناصر والمؤيد بالله وتخريجه، والإمام يحيى والفريقين ومالك وبعض الإمامية.
قال ابن القيم: وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. اهـ.
وذهب إليه ابن حزم في [المحلى] وأطال الاحتجاج عليه. انتهى المراد من [الروض النضير] .
__________
(1) [الروض النظير] (4\379) .
(1/479)

المذهب الثالث: يقع في المدخول بها ثلاثا وبغير المدخول بها واحدة:
وذكر ابن القيم أنه أخذ بالحديث الوارد في التفرقة: إسحاق بن راهويه وخلق من السلف جعلوا الثلاث واحدة في غير المدخول بها.
وهذا المذهب مبني على ما رواه أبو داود في [سننه] : أن رجلا يقال له: أبو الصهباء وكان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما -؟ فقال ابن عباس: (بلى «كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما - فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجروهن عليهم (1) » .
قال ابن القيم: رأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث أبي بالصهباء في غير المدخول بها، قالوا: ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس. انتهى.
وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في الجواب الثالث من الأجوبة على حديث ابن عباس، وهو الدليل الأول للمذهب الثاني. . .
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(1/480)

المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا:
لأن إيقاع الطلاق على ذلك الوجه بدعة محرمة فهو مردود لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (1) » وقد حكي هذا القول للإمام أحمد فأنكره وقال: (هو قول الرافضة) ، كما نص عليه ابن القيم في [زاد المعاد] وذكر بأن القول بعدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية، قال: وحكوه عن جماعة من أهل البيت، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (الفرق بين الطلاق الحلال والحرام) أن القول بعدم الوقوع محدث مبتدع، قاله بعض المعتزلة والشيعة ولا يعرف عن أحد من السلف. اهـ.
وقال ابن رجب في كتابه [جامع العلوم والحكم] في شرحه لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (2) » : قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به فقال: (هذا قول سوء رديء) ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.
وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم، ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم. اهـ.
__________
(1) صحيح مسلم الأقضية (1718) ، مسند أحمد بن حنبل (6/180) .
(2) صحيح مسلم الأقضية (1718) ، مسند أحمد بن حنبل (6/180) .
(1/481)

وفيما يلي كلام مجمل لابن تيمية في المسألتين:
قال (1) : (الأصل الثاني) أن الطلاق المحرم الذي يسمى (طلاق البدعة) إذا أوقعه الإنسان هل يقع، أم لا؟ فيه نزاع بين السلف والخلف، والأكثرون يقولون بوقوعه مع القول بتحريمه، وقال آخرون: لا يقع، مثل طاووس، وعكرمة، وخلاس، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وأهل الظاهر كداود وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، وهو قول أهل الظاهر: داود وأصحابه، لكن منهم من لا يقول بتحريم الثلاث، ومن أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع مجموع الثلاث إذا أوقعها جميعا، بل يقع منها واحدة.
ولم يعرف قوله في طلاق الحائض ولكن وقوع الطلاق جميعا قول طوائف من أهل الكلام والشيعة، ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول: إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا، لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وطوائف من أهل الكلام والشيعة، لكن ابن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث، فلذا يوقعها، وجمهورهم على تحريمها وأنه لا يقع إلا واحدة.
ومنهم من عرف قوله في الثلاث ولم يعرف قوله في الطلاق في الحيض، كمن ينقل عنه من أصحاب أبي حنيفة ومالك. وابن عمر روي عنه من وجهين أنه لا يقع، وروي عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت أنه
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (33\81 - 98) .
(1/482)

يقع. وروي ذلك عن زيد.
وأما (جمع الثلاث) فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة، روي الوقوع فيها عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمران بن حصين وغيرهم، وروي عدم الوقوع فيها عن أبي بكر، وعن عمر صدرا من خلافته، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس أيضا، وعن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذي سماه: [المقنع في أصول الوثائق وبيان ما في ذلك من الدقائق] : وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -: يلزمه طلقة واحدة، وكذا قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وذلك لأن قوله: (ثلاثا) لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات؛ لأنه إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاث مرات، يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت منه، فذلك يصح، ولو طلقها مرة واحدة فقال: طلقتها ثلاث مرات لكان كاذبا، وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثا، يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف بالله تعالى فقال: أحلف بالله تعالى ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، والطلاق مثله. قال: ومثل ذلك قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، روينا ذلك كله عن ابن وضاح، يعني: الإمام محمد بن وضاح
(1/483)

الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة؛ ويحيى بن معين، وسحنون بن سعيد، وطبقتهم، قال: وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن عبد السلام الحسيني فقيه عصره، وابن بقي بن مخلد، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة، وذكر هذا عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس.
قلت: وقد ذكره التلمساني رواية عن مالك، وهو قول محمد بن مقاتل الرازي من أئمة الحنفية حكاه عن المازني وغيره، وقد ذكر هذا رواية عن مالك، وكان يفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية، وهو وغيره يحتجون بالحديث الذي رواه مسلم في [صحيحه] وأبو داود وغيرهما عن طاووس، عن ابن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - رضي الله تعالى عنهما - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: (إن الناس قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم) فأمضاه عليهم (1) » .
وفي رواية: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم وأجازه (2) » .
والذين ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة، وكذلك كل حديث فيه: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة، أو أن أحدا في زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك، مثل حديث يروى عن
__________
(1) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(2) صحيح مسلم الطلاق (1472) ، سنن النسائي الطلاق (3406) ، سنن أبو داود الطلاق (2199) .
(1/484)

علي، وآخر عن عبادة بن الصامت، وآخر عن الحسن عن ابن عمر، وغير ذلك، فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنها موضوعة، كما هو مبسوط في موضعه.
وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا: ثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى بلزوم الثلاث، وجواب المستدلين: أن ابن عباس روي عنه من طريق عكرمة أيضا أنه كان يجعلها واحدة، وثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وموقوفا على ابن عباس، ولم يثبت خلاف ذلك عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فالمرفوع «أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فردها عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -) (1) » قال الإمام أحمد بن حنبل في [مسنده] : حدثنا سعيد بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كيف طلقتها؟ "قال: فقال: طلقتها ثلاثا، قال: " في مجلس واحد "؛ قال: نعم، فقال: "فإنها تلك واحدة، فارجعها إن شئت " قال: فراجعها (2) » ، وكان ابن عباس يقول: إنما الطلاق عند كل طهر.
قلت: وهذا الحديث قال فيه ابن إسحاق: حدثني داود، وداود من شيوخ مالك ورجال البخاري، وابن إسحاق إذا قال: حدثني، فهو ثقة عند أهل الحديث، وهذا إسناد جيد، وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود في
__________
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق (1177) ، سنن أبو داود الطلاق (2208) ، سنن ابن ماجه الطلاق (2051) ، سنن الدارمي الطلاق (2272) .
(2) سنن أبو داود الطلاق (2196) ، مسند أحمد بن حنبل (1/265) .
(1/485)

[السنن] ، ولم يذكر أبو داود هذا الطريق الجيد، فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا أصح، وليس الأمر كما قاله، بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك وهو كما قال أحمد. وقد بسطنا الكلام على ذلك في موضع آخر.
وهذا المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من وجهين، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس من وجهين عن عكرمة، وهو أثبت من رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، ونافع بن عجير: أنه طلقها البتة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحلفه، فقال: (ما أردت إلا واحدة) ؟ فإن هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم، وليسوا فقهاء، وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وابن حزم، وغيرهم، وقال أحمد بن حنبل: حديث ركانة في البتة ليس بشيء، وقال أيضا: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس (أن ركانة طلق امرأته ثلاثا) ، وأهل المدينة يسمون (ثلاثا) البتة، فقد استدل أحمد على بطلان حديث البتة بهذا الحديث الآخر الذي فيه أنه طلقها ثلاثا، وبين أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة، وهذا يدل على ثبوت الحديث عنده، وقد بينه غيره من الحفاظ وهذا الإسناد وهو قول ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: هو إسناد ثابت عن أحمد وغيره من العلماء.
وبهذا الإسناد روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رد ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول) وصحح ذلك أحمد وغيره من العلماء، وابن إسحاق إذا قال:
(1/486)

حدثني، فحديثه صحيح عند أهل الحديث، إنما يخاف عليه التدليس إذا عنعن، وقد روى أبو داود في [سننه] هذا عن ابن عباس من وجه آخر، وكلاهما يوافق حديث طاوس عنه، وأحمد كان يعارض حديث طاوس بحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا، ونحوه.
وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا، ثم رجع أحمد عن ذلك، وقال: تدبرت القرآن فوجدت الطلاق الذي فيه هو الرجعي، أو كما قال، واستقر مذهبه على ذلك، وعليه جمهور أصحابه، وتبين من حديث فاطمة أنها كانت مطلقة ثلاثا متفرقات لا مجموعة، وقد ثبت عنده حديثان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن من جمع ثلاثا لم يلزمه إلا واحدة، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يخالف ذلك، بل القرآن يوافق ذلك، والنهي عنده يقتضي الفساد، فهذه النصوص والأصول الثابتة عنه تقتضي من مذهبه: أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعدوله عن القول بحديث ركانة وغيره كان أولا لما عارض ذلك عنده من جواز جمع الثلاث، فكان ذلك يدل على النسخ، ثم إنه رجع عن المعارضة، وتبين له فساد هذا المعارض، وأن جمع الثلاث لا يجوز، فوجب على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض، وليس يعل حديث طاوس بفتيا ابن عباس بخلافه، وهذا علمه في إحدى الروايتين عنه، ولكن ظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه: أن ذلك لا يقدح في العمل بالحديث، لا سيما وقد بين ابن عباس عذر عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في الإلزام بالثلاث، وابن عباس عذره هو العذر الذي ذكره عن عمر - رضي الله تعالى عنه -، وهو: أن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله تعالى عليهم استحقوا العقوبة على ذلك
(1/487)

فعوقبوا بلزومه، بخلاف ما كانوا عليه قبل ذلك، فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم، وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها، كان عمر يضرب فيها ثمانين، وينفي فيها، ويحلق الرأس، ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكما قاتل علي بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، والتفريق بين الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به أحيانا: إما مع بقاء النكاح، وإما بدونه، فالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرق بين الثلاثة الذين خلفوا وبين نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق، والمطلق ثلاثا حرمت عليه امرأته حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق.
وعمر بن الخطاب ومن وافقه- كمالك وأحمد في إحدى الروايتين- حرموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدا؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده، والحكمان لهما عند أكثر السلف أن يفرقا بينهما بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالما معتديا، لما في ذلك من منعه من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة، ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، وهو قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وإلزام عمر بالثلاث لما أكثروا منه: إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة، إما أن يكون رآه شرعا لازما، لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا قليلا.
وهكذا كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعة: هل كان نهي اختيار؛ لأن إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة كان أفضل من التمتع، أو
(1/488)

كان قد نهى عن الفسخ، لاعتقاده أنه كان مخصوصا بالصحابة؟ وعلى التقديرين فالصحابة قد نازعوه في ذلك، وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم: في المتعة وفي الإلزام بالثلاث، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى، ونازعه في ذلك كثير من الصحابة، وأكثر العلماء على قولهم، وكان هو وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما: عمار، وأبو موسى، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء، لما كان معهم الكتاب والسنة، والكلام على هذا كثير مبسوط في موضع آخر (1) ، والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به.
والذين لا يرون الطلاق المحرم لازما يقولون: هذا هو الأصل الذي عليه أئمة الفقهاء: كمالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وهو: أن إيقاعات العقود المحرمة لا تقع لازمه؛ كالبيع المحرم، والنكاح المحرم، والكتابة المحرمة؛ ولهذا أبطلوا نكاح الشغار، ونكاح المحلل، وأبطل مالك وأحمد البيع يوم الجمعة عند النداء، وهذا بخلاف الظهار المحرم، فإن ذلك نفسه محرم، كما يحرم القذف وشهادة الزور، واليمين الغموس، وسائر الأقوال التي هي في نفسها محرمة: فهذا لا يمكن أن ينقسم إلى صحيح وغير صحيح، بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال، فعوقب المظاهر بالكفارة، ولم يحصل ما قصده به من الطلاق، فإنهم كانوا يقصدون به الطلاق وهو موجب لفظه، فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول
__________
(1) أي: في [الفتاوى] أو غيرها من كتب شيخ الإسلام. اهـ. (الناشر)
(1/489)

محرم، وأوجب فيه الكفارة.
وأما الطلاق فجنسه مشروع: كالنكاح والبيع، فهو يحل تارة، ويحرم تارة، فينقسم إلى صحيح وفاسد، كما ينقسم البيع والنكاح، والنهي في هذا الجنس يقتضي فساد المنهي عنه، ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول محرم: كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق، إلا فهم كانوا يقصدون الطلاق بلفظ الظهار كلفظ الحرام، وهذا قياس أصل الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد.
ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوه لما بلغهم من الآثار، فلما ثبت عندهم عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التي طلق امرأته وهي حائض قالوا: هم أعلم بقصته، فاتبعوه في ذلك، ومن نازعهم يقول: ما زال ابن عمر وغيره يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها، فإن الاعتبار بما رووه، لا بما رأوه وفهموه، وقد ترك جمهور العلماء قول ابن عمر الذي فسر به قوله: (فاقدروا له) وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره لحديث: «البيعان بالخيار (1) » مع أن قوله هو ظاهر الحديث، وترك جمهور العلماء تفسيره لقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (2) وقوله: نزلت هذه الآية في كذا، وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه، كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن عباس: أن بيع الأمة طلاقها، مع أنه روى حديث بريرة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرها بعد أن بيعت وعتقت، فإن الاعتبار بما رووه، لا ما رأوه وفهموه، ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2079) ، صحيح مسلم البيوع (1532) ، سنن الترمذي البيوع (1246) ، سنن النسائي البيوع (4464) ، سنن أبو داود البيوع (3459) ، مسند أحمد بن حنبل (3/402) ، سنن الدارمي البيوع (2547) .
(2) سورة البقرة الآية 223
(1/490)

ألزموا بالثلاث المجموعة قالوا: لا يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع، واعتقد طائفة لزوم هذا الطلاق وأن ذلك إجماع، لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا، لا سيما وصار القول بذلك معروفا عن الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق.
قال المستدلون: هؤلاء الذين هم بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام يقولون: جامع الثلاث لا يقع به شيء، هذا القول لا يعرف عن أحد من السلف، بل قد تقدم الإجماع على بعضه وإنما الكلام هل يلزمه واحدة؟ أو يقع ثلاث؟ والنزاع بين السلف في ذلك ثابت لا يمكن رفعه، وليس مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها: من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وإن كان بعضهم قد احتج على هذا بالكتاب، وبعضهم بالسنة، وبعضهم بالإجماع، وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر من ذلك، لكن المنازع يبين أن هذه كلها حجج ضعيفة، وأن الكتاب والسنة والاعتبار إنما تدل على نفي اللزوم، وتبين أنه لا إجماع في المسألة، بل الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته شرعا لازما، كما شرع تحري المرأة بعد الطلقة الثالثة، بل كانوا مجتهدين في العقوبة بإلزام ذلك إذا كثر ولم ينته الناس عنه.
وقد ذكرت أن الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث من عصى الله تعالى بإيقاعها جملة، فأما من كان يتقي الله فإن الله يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1) {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (2)
__________
(1) سورة الطلاق الآية 2
(2) سورة الطلاق الآية 3
(1/491)

فمن لا يعلم التحريم حتى أوقعها ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم- فهذا لا يستحق أن يعاقب، وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته محرمة على الغير بيقين، وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه، وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله.
و (نكاح التحليل) لم يكن ظاهرا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل، بل (لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له) (ولعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه) ولم يذكر في التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الولي؛ لأن التحليل الذي كان يفعل كان مكتوما بقصد المحلل، أو يتواطأ عليه هو والمطلق المحلل له، والمرأة ووليها لا يعلمون قصده، ولو علموا لم يرضوا أن يزوجوه، فإنه من أعظم المستقبحات والمنكرات عند الناس؛ ولأن عاداتهم لم تكن بكتابة الصداق في كتاب، ولا إشهاد عليه، بل كانوا يتزوجون ويعلنون النكاح، ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين وقت العقد، كما هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإشهاد على النكاح حديث صحيح، هكذا قال أحمد بن حنبل وغيره.
فلما لم يكن على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - تحليل ظاهر، ورأى في إنفاذ الثلاث زجرا لهم عن المحرم- فعل ذلك باجتهاده، أما إذا كان الفاعل لا يستحق العقوبة، وإنفاذ الثلاث يفضي إلى وقوع التحليل المحرم- بالنص
(1/492)

وإجماع الصحابة- والاعتقاد، وغير ذلك من المفاسد، لم يجز أن يزال مفسدة حقيقية بمفاسد أغلظ منها، بل جعل الثلاث واحدة في مثل هذا الحال، كما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر أولى؛ ولهذا كان طائفة من العلماء- مثل: أبي البركات - يفتون بلزوم الثلاث في حال دون حال، كما نقل عن الصحابة، وهذا؛ إما لكونهم رأوه من (باب التعزير) الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر والنفي فيه، وحلق الرأس، وإما لاختلاف اجتهادهم: فرأوه تارة لازما وتارة غير لازم.
وبالجملة: فما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته (شرعا لازما) إنما (1) لا يمكن تغييره؛ لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا، لا سيما الصحابة، لا سيما الخلفاء الراشدون، وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال؛ كالرافضة والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه، ولو قدر أن أحدا فعل ذلك لم يقره المسلمون على ذلك، فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك، وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة.
وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم: أن الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخا، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم، كما
__________
(1) هكذا في (فتاوى شيخ الإسلام) - (33\93) ولعل حذفها أولى. اهـ (الناشر) .
(1/493)

تقول النصارى: من أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم، ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران، ويخطئ فيكون له أجر واحد.
وما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - (شرعا معلقا بسبب) إنما يكون مشروعا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نسخ؛ لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك.
و (متعة الحج) قد روي عن عمر أنه نهى عنها، وكان ابنه عبد الله بن عمر وغيره يقولون: لم يحرمها، وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل، وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج، فإن هذه العمرة أفضل من عمرة المتمتع والقارن باتفاق الأئمة، حتى إن مذهب أبي حنيفة وأحمد منصوص عنه: أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج وأفرد الحج في أشهره: فهذا أفضل من مجرد التمتع والقران، مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد.. ومن الناس من قال: إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة، قالوا (1) : إن هذا محرم به لا يجوز، وأن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من
__________
(1) القول الأول
(1/494)

الفسخ كان خاصا بهم، وهذا قول كثير من الفقهاء: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا، وقالوا (1) : بل الفسخ واجب، ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعا، متبدئا أو فاسخا، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في حجة الوداع، وهذا قول ابن عباس وأصحابه ومن اتبعه من أهل الظاهر والشيعة. و (القول الثالث) : أن الفسخ جائز، وهو أفضل، ويجوز أن لا يفسخ، وهو قول كثير من السلف والخلف؛ كأحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث، ولا يمكن الإنسان أن يحج حجة مجمعا عليها إلا أن يحج متمتعا ابتداء من غير فسخ.
فأما حج المفرد والقارن: ففيه نزاع معروف بين السلف والخلف كما تنازعوا في جواز الصوم في السفر، وجواز الإتمام في السفر، ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة.
وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة، كعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، بخلاف نهيه عن متعة النساء، فإن عليا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك؛ وأنكر علي على ابن عباس إباحة المتعة، قال: إنك امرؤ تائه، «إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حرم متعة النساء، وحرم لحوم الحمر الأهلية عام خيبر، (2) » فأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباس إباحة الحمر، وإباحة متعة النساء؛ لأن ابن عباس كان يبيح هذا وهذا، فأنكر عليه علي ذلك. وذكر له: «أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حرم المتعة، وحرم الحمر الأهلية (3) » :
__________
(1) القول الثاني
(2) صحيح البخاري المغازي (4216) ، صحيح مسلم النكاح (1407) ، سنن الترمذي النكاح (1121) ، سنن ابن ماجه النكاح (1961) ، مسند أحمد بن حنبل (1/142) ، سنن الدارمي النكاح (2197) .
(3) صحيح البخاري النكاح (5115) ، صحيح مسلم النكاح (1407) ، سنن الترمذي النكاح (1121) ، سنن ابن ماجه النكاح (1961) ، مسند أحمد بن حنبل (1/142) ، سنن الدارمي النكاح (2197) .
(1/495)

ويوم خيبر كان تحريم الحمر الأهلية.. وأما تحريم المتعة، فإنه عام فتح مكة، كما ثبت ذلك في الصحيح، وظن بعض الناس أنها حرمت، ثم أبيحت، ثم حرمت، فظن بعضهم أن ذلك ثلاثا، وليس الأمر كذلك.
فقول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم: هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن ينفذ عليهم الثلاث، فهذا إما أن يكون كالنهي عن متعة الفسخ، لكون ذلك كان مخصوصا بالصحابة وهو باطل، فإن هذا كان على عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -، ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك، وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة النساء، وإن قدر أن عمر رأي ذلك لازما فهو اجتهاد منه اجتهده في المنع من فسخ الحج؛ لظنه أن ذلك كان خاصا، وهذا قول مرجوح قد أنكره غير واحد من الصحابة، والحجة الثابتة هي مع من أنكره، وهكذا الإلزام بالثلاث، من جعل قول عمر فيه شرعا لازما قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة، فإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح.
وإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة، وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من (وجهين) : من جهة: أن العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره، كتحريق علي الزنادقة بالنار، وقد أنكره عليه ابن عباس، وجمهور الفقهاء مع ابن عباس، ومن جهة: أن العقوبة إنما تكون لمن
(1/496)

يستحقها، فمن كان من (المتقين) استحق أن يجعل الله له فرجا ومخرجا، لم يستحق العقوبة، ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلا طلاقا سنيا فإنه من (المتقين) . في باب الطلاق، فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة، بل يلزم بواحدة منها، وهذه المسائل عظيمة، وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر من مجلدين (1) ، وإنما نبهنا عليها هنا تنبيها لطيفا.
والذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين:
إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة؛ كالزيادة على أربعين في الخمر.
وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما، وتارة غير لازم.
وأما القول بكون لزوم الثلاث شرعا لازما، كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم فيه دليل شرعي، وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته، ولا يلزمه شيء؛ لكونها كانت حائضا، إذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة.
__________
(1) أي: من مؤلفات ابن تيمية رحمه الله تعالى (الناشر) .
(1/497)

الخلاصة
اتفق الفقهاء: على أن طلاق السنة بالنسبة لعدد الطلاق: أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة مدخولا بها أم غير مدخول بها، ثم له أن يمسك المدخول بها فيراجعها ما دامت في العدة، وله أن يتركها، فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وهذا هو التسريح لها بإحسان.
واتفقوا أيضا: على أنه إذا عاد إلى مطلقته برجعة أو عقد ثم طلقها طلقة واحدة فطلاقه طلاق سنة، ولو فعل مثل هذا مرة ثالثة كان طلاقه طلاق سنة باتفاق.
واختلفوا فيما لو طلق امرأته ثلاثا: بأن قال لها: أنت طالق ثلاثا مثلا هل هو طلاق بدعة أو لا؟
واختلفوا أيضا: فيما لو طلق المدخول بها طلقة ثم أتبعها أخرى في نفس الطهر أو الطهر الثاني أو الثالث قبل أن يراجعها، هل هو طلاق بدعة أو لا؟
ومحل البحث ما لو قال لها في لفظ واحد: أنت طالق ثلاثا مثلا، هل هو بدعة ممنوعة أو لا؟ وهل يعتد به أو لا؟
فهاتان مسألتان في كل منهما خلاف بين العلماء.
وفيما يلي خلاصة القول فيهما:
(1/498)

المسألة الأولى: حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة
وفيه قولان:
1 - القول الأولى: وهو قول الحنفية، والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول ابن تيمية، وابن القيم.
وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعنى والقياس:
أما القرآن: فمنه قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) إلى قوله {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ} (2) قيل: المراد الأمر بتفريق الطلقات الثلاث على أطهار العدة الثلاثة، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع نهي تحريم أو نهي كراهة، فكان جمع الثلاث في طهر واحد بدعة ممنوعة.
وذكر ابن تيمية: أن الله لم يبح في هذه الآية إلا الطلاق الرجعي، لقوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (3) والأمر: هو الندم على الطلاق، والرغبة في الرجعة، ولقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (4)
فخير سبحانه بين الرجعة قبل انقضاء العدة دون مضارة للزوجة وبين
__________
(1) سورة الطلاق الآية 1
(2) سورة الطلاق الآية 2
(3) سورة الطلاق الآية 1
(4) سورة الطلاق الآية 2
(1/499)

تركها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وأنه سبحانه لم يبح فيها إلا الطلاق للعدة، فإرداف الطلاق للطلاق في العدة ولو في طهر آخر ممنوع، لقوله تعالى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) إذ المعنى: الأمر بطلاقهن مستقبلات عدتهن، ومن طلق زوجته الطلقة الثانية ف