Advertisement

موجز تاريخ كل شيء تقريبًا

Table of Contents
المحتويات 2
حول المؤلف 2
عرفان بالجميل 6
مقدمة 7
الباب الأول 11
ضائعون في الكون 11
الفصل الأول 12
كيف نبني كوناً 12
الفصل الثاني أهلاً بكم في المنظومة الشمسية 17
الفصل الثالث 23
كون الموقرإيفانز 23
الباب الثاني: حجم الأرض 28
الفصل الرابع 28
قياس الاشياء 28
الفصل الخامس 41
كسارة الحجارة 41
الفصل السادس 52
التنافس العلمي العنيف 52
الفصل السابع مسائل عناصرية 61
الباب الثالث: فجر عصر جديد 71
الفصل الثامن 71
كون آينشتاين 71
الفصل التاسع 81
الذرّة الجبّارة 81
الفصل العاشر 89
التخلص من الرصاص 89
الفصل الحادي عشر 95
كواركات مستر مارك 95
الفصل الثاني عشر الأرض تتحرك 102
الباب الرابع: كوكب خطر 109
الفصل الثالث عشر 109
انفجار 109
الفصل الرابع عشر 120
النار في الباطن 120
الفصل الخامس عشر 129
جمال خطر 129
الباب الخامس: الحياة نفسها 137
الفصل السادس عشر 137
كوكب وحيد 137
الفصل السابع عشر 145
داخل التروبوسفير(الطبقة السفلى من الغلاف الجوي) 145
الفصل الثامن عشر 151
البحر المتّسع 151
الفصل التاسع عشر:عالم صغير 162
الفصل العشرون: الحياة تستمر 174
الفصل الواحد والعشرون وداعاً لكل هذا 182
الفصل الثاني والعشرون غنى الوجود 192
الفصل الثالث والعشرون الخلايا 203
الفصل الرابع والعشرون بدعة دارون 209
الفصل الخامس والعشرون مادة الحياة 217
الباب السادس الطريق إلينا 230
الفصل السادس والعشرون الزمن الجليدي 230
الفصل السابع والعشرون ثنائي الأقدام الغامض 239
الفصل الثامن والعشرون وداعاً 247
شكر وتقدير لأعضاء المكتبة العربية للكندل تليقرام 252




المحتويات

حول المؤلف
ولد بيل برايسون في دي موا بولاية آيوا سنة 1951، واستقر في إنكلترة في 1977، وعاش سنوات طويلة مع زوجته الإنكليزية وأبنائه الأربعة في نورث يوركشاير، ثم انتقل هو وأسرته إلى أمريكة لبضع سنوات، ولكنه عاد فيما بعد إلى المملكة المتحدة. ألف كتباً حققت أفضل المبيعات: كتاب (القارة المفقودة)، وكتاب (اللغة الأم)، وكتاب (لا هنا ولا هناك)، و(مذكرات من جزيرة صغيرة)، وكتاب (نزهة في الغابات)، و(مذكرات من بلاد كبيرة)، وكتاب هناك في الأسفل، وألف أخيراً كتاب (موجز تاريخ كل شيء)، والكتاب الذي حقق أفضل المبيعات، (يوميات إفريقية)، وهو كتاب تم تأليفه لصالح وكالة كير الدولية الخيرية.


تقريظ نقدي لكتاب موجز تاريخ كل شيء تقريبا
إن برايسون يجعل دراسة العلم تبدو ودية جداً.
نيوساينتست
أتحدى أن يشعر أي قارئ بالملل أو التعب من صفحة واحدة من محتويات هذا
الكتاب. إنه كتاب جدير بالقراءة.
سندي تايمز
حاول تحقيق إنجازه الأكبر حتى الآن، وأظنه نجح.
إيفننغ ستاندارد
شبكة صيد كبيرة مصنوعة بعناية، ومكتوب بوضوح كبير، وبطاقة وحماس.
تايم أوت
يثير الحماس بنحو حقيقي. دليل سفر في تاريخنا الخاص يستحوذ عليك .
آيرش نيوز
رحلة طموحة وصعبة ومنظمة عبر أسس عالمنا.
آيرش تايمز
ألف هذا الكتاب بحس فكاهته الذي هو علامته التجارية الخاصة، وهذا هو البلسم التام لكل من يجدون الكتابة العلمية غير قابلة للفهم.
ومن آند هوم
شهادة مؤثرة لدوافع وقوى الفهم.
ديلي تلغراف
أحد أذكى كتب المؤلف ويستحق قراءة جدية.
بالتيمور سن
هناك كثير من اللحظات التي تثير الضحك في هذا الكتاب... لقد ألف برايسون مجلداً يضئ ... قدّم لنا كتاباً يمكن أن يوجّه الناس إلى هذا الشيء المثير الذي يُدعي العلم.
الكرستيان ساينس مونيتور
يتحرك بسرعة كأنه عِلمٌ على مزلقة... يثير برايسون إحساساً مستمراً بالتساؤل و الدهشة... دقيق بنحو مدهش، موسوعي على نحو متألق وفصيح بنحو ظريف... باختصار، إنه راو موهوب تجرا على ان يروي القصة الاكبر للعالم.
سياتل تايمز
إنه كتاب غني، ممتع. وحين ننتهي منه نشعر بقيمة الوقت الذي أمضيناه في
رفقة جيدة.
الأوستراليان
محاولة طموحة لفك شفرة ألغاز الكون بخفة وبمصطلحات عالم.
هيرالد سند (ملبورن)
إن جميع أنواع الأشخاص سيجدون هذا الكتاب ممتعاً ومحفزاً.
سدني مورنينغ هيرالد
محاولة طموحة لجعل العلم حياً.
ويست أستراليان
ذو أسلوب، قراءته ممتعة، ويتحدث عن كل شيء تقريباً.
أدفرتايزر (أدليد)
في أكثر من خمس مئة صفحة بقليل فعل ما رغب أن يفعله دوماً مدرّس مادة العلم في المرحلة الثانوية. جعل العلم سهلاً ومسلياً، وذلل صعوبته.
نيوزيلاند هيرالد
هنا رجل يستطيع القيام بالمستحيل، ويجعل ما لا يفهم واضحاً ومركزاً، ويبعث الحياة في الموضوعات الأكثر بلادة كغرفة للثرثرة... كتاب ممتع من البداية إلى النهاية. أشك إن كان هناك كتاب يضاهي هذا الكتاب.
التيمارو هيرالد
يدعونا برايسون إلى عالم مثير مليء بعلماء كثيري التشكّي، ومنمّقين، ومنطوين، وبارعين وخجولين في مقدمة البحث في أزمنتهم... باختصار، إنه يبعث الحياة في العلم، ويجعله ممتعاً وجذاباً لأي إنسان عادي.
الديلي بوست
يصور برايسون العلم على أنه نشاط إنساني جداً، ويصور مكتشفاته ونظرياته المحورية على أنها تلهم الروع بنحو حقيقي... هذا الكتاب الأعظم من جميع الأدلة الأخرى يمكن أن يكون الأفضل حتى الآن.
ويكاتو تايمز
كُتب كي يُمتع، وكي لا يخيّب الامل... ويتدفق كله دون جهد بحس فكاهة برايسون وأسلوبه المعتادين.
أوتاغوديلي تايمز
برايسون كاتب متألق، ويتوهج هذا الكتاب بحس الفكاهة والطرافة.
ثاوسلاند تايمز


قال عالم الفيزياء ليوزيلارد Leo Szilard مرة لصديقه هانز بيث عندما كان يفكر بتأليف يوميات: «لا أريد أن أنشرها. كل ما سأفعله هو تسجيل الحقائق من أجل اطلاع المطَّلع عليها».. سأله بيث: «وألا تعتقد أن المطلع عليها يعرف الحقائق»، أجاب زيلارد: «نعم، يعرف الحقائق، ولكنه لا يعرف هذه النسخة من الحقائق».
هانز كريستيان فون بايير، ترويض الذرّة


عرفان بالجميل
أجلسن هنا، في سنة في003م، وأمامي صفحات من مخطوط، عليها ملحوظات مشجعة ولبقة من (أيان تاترسال)، الذي يعمل في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، وهي تشير – بين أشياء أخرى – إلى أن بريجيو perigueux ليست منطقة منتجة للنبيذ، وأنه لأمر مبتكر مني، ويعكس لمسة غير أرثوذكسية أن أؤكد أن التقسيمات التصنيفية هي أعلى من مستوى الجنس والنوع، وأنني أخطأت دوماً في كتابة كلمة أولورجيسيلي (وهو مكان كنت أزوره باستمرار مؤخراً) وإلى ما هنالك في خط مشابه عبر فصلين من نص يغطي مجال تخصصه: البشر الأوائل.
لا أعرف كم توجد من هفوات في هذا الكتاب، ولكن بفضل الدكتور تاترسال وكل الذين سأذكرهم تخلصت من مئات الأخطاء. لا أعرف كيف أشكر بنحو ملائم الذين ساعدوني في التحضير للكتاب. أنا مدين، بخاصة للذين كانوا كرماء ولطيفين وصابرين دوماً، الذين كانوا يجيبون عن سؤال واحد بسيط كرر بلا نهاية: «أنا آسف، لكن هل تستطيع شرح هذا مرة أخرى؟».
في إنكلترة: ديفد كابلان من د. إمبريال كوليج، لندن؛ رتشارد فورتي، ولين إليسس وكاثي وي من متحف التاريخ الطبيعي؛ مارتن راف من يونيفرستي كوليج، لندن: روزاليند هاردنغ من مؤسسة الأنثروبولوجيا البيولوجية في أكسفورد؛ الدكتور لورنس سماجي، سابقاً من مؤسسة ويلكوم؛ وكيث بلاكمور من التايمز.
في الولايات المتحدة: إيان تاترسال من متحف التاريخ الطبيعي الأميركي في نيويورك : جون ثورستنسن، وماري كي. هدسون وديفد بلانشفلاور من كلية دارتماوث في هانوفر، ونيومهامبشير؛ الدكتور ويليم عبدو، والدكتور برايان مارش من المركز الطبي دارتماوث هتشكوك في لبانون، ونيومهامبشير: ري أندرسون وبريان وتزكي من قسم آيوا للمصادر الطبيعية، وآيوا سيتي، ومارك فور هايس من جامعة نبراسكا وآشفيل فوسل بدز ستيت بارك قرب أورشارد، ونبراسكا، تشك اوفنبرجر من جامعة بوينا فستا، وستورم ليك، آيوا ؛ كين رانكورت، مدير البحث، ومرصد ماونت واشنطن، وجورمهم، ونيومهامبشير؛ بول دوز، عالم الجيولوجيا -في يلوستون ناشنال بارك؛ فرانك آسارو من جامعة كاليفورنيا في بيركلي: أوليفر بين ولين أديسون من الجمعية الجغرافية الوطنية؛ جيمسس أو. فارلو، جامعة إنديانا بوردو: روجر ل. لارسون، أستاذ الجيوفيزياء البحرية، جامعة رود آيلاند؛ جيف جوين من صحيفة ستار تلغرام -في فورت ورث: جيري كاستن من دالاس، تكساس، موظفو الجمعية التاريخية في آيوا في دي موا.
في أسترالية: الموقر روبرت إيفانز من هيزلبروك، نيوساوث ويلز، الدكتور جيلي كيني، المكتب الأسترالي لعلم الأرصاد الجوية؛ آلن ثورن وفكتوريا بنت من الجامعة القومية الأسترالية في كانبيرا؛ لويس بيرك وجون هاولى من كانبيرا؛ آن ميلن من سدني مورنينغ هيرالد؛ أيان نواك، سابقاً من الجمعية الجيولوجية لغرب أسترالية: توماس هـ. ريتش من متحف فكتوريا: تيم فلانيري، مدير المتحف الأسترالي الجنوبي في أدليد؛ ناتالى بابورث وآلن مكفادين من الحدائق النباتية الملكية التسمانية، هوبارت؛ والموظفون المساعدون جداً من مكتبة الولاية في نيو ساوت ويلز في سدني.
وفي أمكنة أخرى: سو سوبرفيل، مدير مركز المعلومات في متحف نيوزلندة في ولنغتون: والدكتورة إيما مابوا، الدكتور كوين مايس وجيلاني نجالا من متحف كينيا الوطني في نيروبي.
وأنا مدين بنحو عميق ومتنوع لباتريك جانسون سميث وجيرالد هوارد وماريان فيلمانز وأليسون توليت وجيليان سومرسكيل ولاري فنلي وستيف روبن وجيد ماتز وكارول هيتون وتشارلز إليوت وديفد برايسون وفليسيتي برايسون ودان مكلين ونيلك ساوثرن وجيرالد إنجلبرتسين وباتريك كالاجهر ولاري آشميد وموظفو مكتبة هاو في هانوفر، مهامبشير، الذين لا مثيل لهم والمرحون دوماً.
وقبل كل شيء، ودوماً أقدم شكري الأعمق لزوجتي العزيزة الصابرة التي لا تضاهى، سنثيا.



مقدمة
أهلاً بكم. تهانينا. يسرني أنكم استطعتم فعلها. أعرف أن الوصول إلى هنا ليس بالأمر السهل. والواقع أنه كان أكثر صعوبة بقليل مما أدركتم.
بداية، كي تكونوا هنا كان ينبغي أن تتجمع ترليونات من الذرات المندفعة بطريقة معقدة نوعاً ما، واضطرارية بنحو يثير الاستغراب كي تصنعكم. إنه ترتيب متخصص ومحدّد، حيث إنه لم يُجرّب من قبل أبداً ولن يوجد إلا هذه المرة. وفي كثير من السنوات الآتية (كما نأمل) ستنخرط هذه الجزيئات البالغة الصفر، دون شكوى في بلايين الجهود البارعة والتعاونية الضرورية لإبقائكم سليمين، وترككم تجربون الحالة المستساغة جداً، ولكن غير المقدّرة عامة، التي يُطلق عليها اسم الوجود.
أما لماذا تبذل الذرات هذا الجهد فهو لغز؛ فكونك أنت ليس تجربة ممتعة على المستوى الذري: فبالرغم من كل حرصها وإخلاصها، فإن ذراتك في الواقع لا تأبه بك ولا تعرف أنها موجودة. إنها جزيئات بلا عقل في النهاية، وهي ليست حية. (إنها لفكرة آسرة قليلاً أنه إذا فككت نفسك بملقط، وانتزعت ذرة في كل مرة، فإنك ستنتج كومة من الغبار الذري الرائع، لم يكن حياً في السابق ولكن كله كان أنت مرة). مع ذلك، إن الذرات تستجيب في مدة وجودك نوعاً ما، لدافع وحيد صارم: أن تبقيك على ما أنت عليه.
أما الأخبار السيئة فهي أن الذرات متقلبة وزمن إخلاصها قصير وعابر. إن
أطول حياة إنسانية تصل إلى 650,000 ساعة فقط. وحين يومض ذلك المعلم الوقور في مدى النظر، أو في نقطة أخرى ما قريبة من ذلك المكان، فإن ذراتك سوف تقضي عليك لسبب مجهول، ثم تتفكك بصمت وتتلاشى؛ كي تصبح أشياء اخرى. وهذا ما سيحدث لك.
مع ذلك، يمكن أن تغتبط من حدوث هذا بأي حال. إذا ما تحدثنا بصورة عامة فإن هذا لا يحدث في الكون، كما نعرف حتى الآن. وهذا غريب بلا جدال؛ لأن الذرات التي تجتمع سوية بحرية وتجانس كي تشكل الأشياء الحية للأرض هي بالضبط الذرات نفسها، التي ترفض فعل ذلك في مكان آخر. ومهما كان الأمر، فإن الحياة على مستوى الكيمياء هي دنيوية بنحو خيالي (فنتازي): كربون، وهيدروجين، وأوكسجين ونتروجين، وقليل من الكالسيوم، ولمسة من الكبريت ورشة خفيفة من عناصر أخرى عادية جداً، ما من شيء لا تجده في أي صيدلية عادية وهذا كل ما تحتاج إليه. والشيء الوحيد الخاص حيال الذرات التي تصنعك هي أنها تصنعك. وهذه هي، (بالطبع)، معجزة الحياة.
وسواء كانت الذرات تصنع الحياة في زوايا أخرى من الكون أم لا، فإنها تصنع كثيراً من الأمور الأخرى؛ وهي في الواقع تصنع كل شيء آخر. فمن دونها لن يكون هناك ماء ولا هواء ولا صخور ولا نجوم ولا كواكب، ولا سحب غازية بعيدة أو سديم يدور مشوشاً، أو أي من الأشياء الأخرى التي تجعل الكون مادياً، هكذا بنحو مستساغ. فالذرات كثيرة وضرورية إلى درجة أننا نهمل بسهولة عدم حاجتها إلى الوجود ألبتة. إذ ليس هناك قانون يقتضي أن يملأ الكون نفسه بجزيئات صغيرة من المادة، كي ينتج الضوء والجاذبية والخواص الأخرى التي يتعلق بها وجودنا. ذلك أنه ليس هناك حاجة لوجود كون ألبتة. ولم تكن هناك حاجة لوجوده لوقت طويل جداً. لم تكن هناك ذرات ولا كون تطوف فيه. لم يكن هناك شيء، لا شيء على الإطلاق في أي مكان.
إن النوع العادي لا يستمر على الأرض إلا نحو أربعة ملايين عام، وهكذا إذا رغبت في أن تكون موجوداً لبلايين الأعوام ينبغي أن تكون متقلباً على غرار الذرات التي صنعتك. يجب أن تكون مستعداً لتغيير كل شيء فيك: الشكل والحجم واللون وروابط النوع، وكل شيء، وأن تفعل ذلك بنحو متكرر. ولكن قول هذا أسهل بكثير من فعله؛ وذلك لأن عملية التغير عشوائية. فتحولك من (كرة ذرية صغيرة بدائية بروتوبلازمية) (كما يعبر جلبرت وسوليفان) إلى إنسان حديث منتصب عاقل اقتضى منك أن تكتسب سمات جديدة مرة بعد أخرى بطريقة تحدث في الوقت المناسب بدقة لمدة طويلة جداً. وهكذا في مدد متنوعة من الـ 3.8 بليون عام الأخيرة مقتُّ الأوكسجين ثم شغفتُ به، نمت لك زعانف وأعضاء أوزعانف تشبه الشراع، وضعت البيض، وضربت الجو بلسان متشعب، وكنت أملس الشعر، أو عليك فراء، وعشت تحت الأرض، وعشت في الأشجار، وكنت كبيراً كأيِل وصغيراً كفأر، ومليون شيء آخر. ولو انحرفت انحرافاً ضئيلاً عن أي من هذه الأساسيات التطورية، لكان من المحتمل أنك تلعق الآن الطحالب عن جدران الكهوف، أو تسترخي كالفظ (حيوان بحري كالفقمة) على الشاطئ الحجري، أو تخرج الهواء من ثقب في قمة رأسك قبل أن تغوص ستين قدماً من أجل حفنة لذيذة من ديدان الرمال*.


(*) يبدو أن المؤلف هنا يلمح لنظرية النشوء والارتقاء التي لا يقرها علم ولا دين (المراجع).


يتحدث هذا الكتاب عن كيف حدث الأمر، ولا سيما كيف أتينا من هناك، حيث كنا عدماً، إلى هنا حيث نشكل شيئاً ما، ثم كيف أن قليلاً من ذلك الشيء تحول وصار نحن، ثم أيضاً بعض ما حدث في غضون ذلك ومنذ ذلك الوقت. هذا كثير على كتاب كي يغطيه، ولهذا كان عنوان الكتاب: «موجز تاريخ كل شيء تقريباً» بالرغم من أنه ليس كذلك حقاً، ولا يمكن أن يكون. ولكن إذا حالفنا الحظ وأنهيناه يمكن أن يمنح شعوراً بأنه يمكن أن يكون كذلك.
كانت نقطة انطلاقي الخاصة – من أجل هذه الأمور المهمة – مقرراً مدرسياً علمياً كان عندي حين كنت في الصف الرابع أو الخامس. كان الكتاب مقرراً للجميع في الخمسينيات، وكان مكروهاً وكبيراً وثقيلاً على نحو مزعج، ولكن في بدايته كان هناك رسم سحرني فوراً: قطعٌ يظهرُ باطن الأرض كما سيبدو إذا قطعت الكوكب بسكين كبيرة، وسحبت بعناية قطعة تمثل نحو ربع حجمه.
من الصعب تصديق أنه كان هناك وقت لم أر فيه رسماً كهذا من قبل، ولكن من الواضح أنني لم أشاهده؛ لأنني أذكر بوضوح أنه جعلني أتسمّر. وأعترف، بصدق، أن اهتمامي الأول كان منصباً على صورة خاصة لجداول من سائقي سيارات غير متوقعين، متجهين شرقاً في الولايات السهلية الأميركية، مندفعين على حافة جرف مفاجئ يبلغ ارتفاعه أربعة آلاف ميل يمتد بين أمريكة الوسطى والقطب الشمالي، ولكن انتباهي تحوّل بالتدريج وبطريقة أكثر مدرسية إلى الأهمية العلمية للرسم وإدراك أن الأرض تتألف من طبقات منفصلة، تنتهي في المركز بكرة متوهجة من الحديد والنيكل، وهو حار كسطح الشمس بحسب التعليق على الصورة، وأتذكر أنني فكرت بدهشة حقيقية: (كيف يعرفون هذا؟).
لم أشكك بصحة المعلومات للحظة، فأنا ما أزال أميل إلى الثقة بأقوال العلماء، كما أثق بالجراحين والمشتغلين بالسمكرة وأصحاب المعلومات المبهمة وذات الامتياز، ولكنني لم أستطع أن أفهم كيف يمكن لأي ذهن بشري أن يعرف كيف يمكن أن تبدو مسافات من آلاف الأميال التي تحتنا، ومن ماذا تصنع والتي لا يمكن لعين أن تراها أو لأشعة إكس أن تخترقها. كان ذلك بالنسبة لي معجزة فحسب. وكان هذا موقفي من العلم منذ ذلك الحين.
أخذت الكتاب إلى المنزل مبهتاجاً، وفتحته قبل العشاء وقد دفع هذا الفعل أمي إلى أن تضع يدها على جبيني، وتسألني إن كنت على ما يرام وبادئاً بالصفحة الأولى، قرأت.
لم أشعر بالإثارة مطلقاً، ولم أفهم أي شيء. فضلاً عن ذلك، لم يجب الكتاب على أي من الأسئلة التي أثارتها الصورة في عقل سوي مستقص: كيف صارت هناك شمس في باطن كوكبنا، وكيف نعرف كم هي حارة؟ وإذا كانت تشتعل النار في الأسفل فلماذا ليست الأرض التي تحت أقدامنا حارة؟ ولماذا ليست بقية باطن الأرض ذائبة، أم هي ذائبة؟ وحين تحرق النواة نفسها، هل سيسقط بعض الأرض في الفراغ تاركاً ثقباً عميقاً على السطح؟ وكيف تعرف هذا؟ كيف اكتشفت هذا؟
كان المؤلف صامتاً بنحو غريب حيال تفاصيل كهذه، بل كان في الواقع صامتاً حيال كل شيء سوى الطيات المحدّبة والطيات المقعرة والصدوع المحورية وغيرها. وبدا الأمر كأنه يريد أن يبقي المادة الجيدة سرية، جاعلاً منها كلها عصية على السبر. ومع مرور الأعوام، بدأت أشك أن هذا لم يكن كله دافعاً خاصاً. بدا كأن هناك مؤامرة كونية غامضة بين مؤلفي المقررات المدرسية، كي يتأكدوا من أن المادة التي تعاملوا معها يجب ألا تقترب من مملكة ما هو مسل ومريح، وتظل دوماً عصية على الوضوح كما لو أنها مكالمة هاتفية مثيرة من مكان بعيد.
أعرف الآن أن هناك كثيراً من الكتاب العلميين، الذين يؤلفون النثر الأكثر وضوحاً وإثارة: تيموثي فيريس، ورتشارد فورتي وتيم فلانيري يتشابهون في الأسلوب، ناهيك عن المرحوم العظيم ريتشارد فينمان، ولكن من المثير للحزن أنه لم يؤلف أي منهم أي مقرر مدرسي سبق واستخدمته.
كانت كل مقرراتي من تأليف رجال كانوا دوماً رجالاً يؤمنون بالفكرة الممتعة، التي مفادها أن كل شيء يصير واضحاً إذا عُبّر عنه عبر صيغة، معتقدين بشكل خادع ومسل بأن أطفال أمريكة سيقدّرون الحصول على فصول تنتهي بمقطع من الأسئلة، التي يستطيعون التفكير بها ملياً في وقتهم الخاص. وهكذا كبرت مقتنعاً بأن العلم بليد جداً، ولكنني شككت بعدم حاجته ليكون هكذا، ولم أفكر مطلقاً إن كنت أستطيع مساعدته. وكان هذا موقفي لوقت طويل.
ثم، في وقت متأخر جداً منذ أربع أو خمس سنوات، على ما أظن كنت في رحلة طويلة فوق المحيط الهادئ، أنظر بكسل من النافذة إلى المحيط الذي ينعكس عليه ضوء القمر، حينها خطر لي بشكل غير مريح أنني أجهل الشيء الأول عن الكوكب الوحيد الذي أعيش فيه. لم تكن لدي فكرة مثلاً، لماذا المحيطات مالحة ولماذا البحيرات الكبرى حلوة. لم أكن أمتلك أدنى فكرة. لم أعرف إن كانت المحيطات تصبح أكثر ملوحة، أو تقل ملوحتها مع مرور الوقت، وإن كانت مستويات ملوحة البحر أمراً ينبغي أن يهمني أم لا. (يسرني كثيراً أن أخبركم أن العلماء لم يعرفوا الإجابات عن هذه الأسئلة أيضاً حتى أواخر السبعينيات. فأفكارهم غير معروفة جيداً).
كانت ملوحة البحر، (بالطبع) تمثل مجرد ذرة جهلي. لم أكن أعرف ما هو البروتون، أو البروتين، ولم أكن أميّز بين الكوارك1 والكوازار (شبه النجم)، لم أفهم كيف يستطيع علماء الجيولوجيا النظر إلى طبقة صخرية في جدار واد ويحددون لك عمرها: لم أكن أعرف أي شيء بالفعل. ووقعت في شباك دافع ملح هادئ وغير عادي لمعرفة قليل عن هذه المسائل وكي أفهم قبل كل شيء كيف اكتشف الناس هذه الأمور. وبقي هذا بالنسبة لي أعظم حالات الدهشة: كيف يستنتج العلماء الأمور. كيف يعرف أي شخص كم وزن الأرض وعمر صخورها، أو ما الذي هناك في مركزها؟ كيف يستطيعون معرفة (كيف؟ ومتى؟) بدأ الكون وكيف كان يبدو آنذاك؟ كيف يعرفون ما يجري داخل الذرة؟ وكيف يبدو العلماء كأنهم يعرفون غالباً تقريباً كل شيء، ولكنهم مع ذلك غير قادرين على التنبؤ بالزلزال، أو أن يقولوا لنا: إن كان ينبغي أن نأخذ مظلة إلى السباقات يوم الأربعاء القادم؟
وهكذا قررت أن أخصص جزءاً من حياتي وهو ثلاث سنوات، كما تبين الآن لقراءة الكتب والمجلات والعثور على خبراء صابرين كالقديسين، مستعدين للإجابة عن كثير من الأسئلة غير المطروحة. وكانت الفكرة أن أرى إن كان من الممكن فهم واستيعاب والإعجاب والاستمتاع، حتى بأعجوبة وإنجازات العلم على مستوى ليس تقنياً جداً أو متطلباً، ولكن ليس سطحياً في الوقت نفسه.
كانت هذه فكرتي وأملي، وهذا هدف الكتاب. على أي حال، لدينا أرض واسعة بحاجة للتغطية، وليس أقل من 650,000 ساعة لفعل ذلك، إذاً، لنبدأ.


الباب الأول
ضائعون في الكون
إنهم جميعاً في الطائرة نفسها. وكلهم يدورون في الاتجاه نفسه... هذا تام، كما تعرفون. هذا فائق الجمال. إنه تقريباً خارق للطبيعة.
عالم الفلك جيوفري مارسي يصف النظام الشمسي


الفصل الأول
كيف نبني كوناً
مهما بذلتم من جهد، فإنكم لن تتمكنوا أبداً من فهم: «لماذا البروتون في غاية الصغر و يشغل حيزاً متواضعاً »؟ إنه صغير جداً فحسب.
إن البروتون جزء متناهي الصغر من الذرة التي هي نفسها بالطبع شيء واه. فالبروتونات صغيرة جداً، بحيث إن نقطة حبر صغيرة كالنقطة التي على حرف أبجدي يمكن أن تحتوي على 500,000,000,000 من الذرات، أو على أكثر من عدد الثواني التي تستغرق صناعة نصف مليون عام. وهكذا فإن البروتونات بالغة الصغر بنحو كبير، هذا إذا قلنا أقل شيء.
والآن تخيلوا إن استطعتم (وبالطبع لن تستطيعوا) تقليص أحد هذه البروتونات إلى جزء من بليون من حجمه الطبيعي في مكان صغير يجعل البروتون يبدو كبيرا. والآن اجمعوا في ذلك المكان الصغير جداً نحو أونصة من المادة. ممتاز أنتم مستعدون لإطلاق كون.
إنه لمن الغرور بالطبع أن ترغبوا ببناء كون تضخّمي. وإذا فضلتم بدلاً من ذلك بناء كون أكثر قدماً، كون عادي ناجم عن الانفجار العظيم، فإنكم ستحتاجون إلى مواد إضافية. ستحتاجون في الواقع إلى جمع كل ما هو متوافر، كل ذرة أو جزيء أخير من المادة بين هنا، وحافة الخلق وحصره في بقعة متراصة بشكل متناهي الصغر لا أبعاد لها على الإطلاق. إنها تعرف باسم النقطة المفردة.
في كلتا الحالتين، استعدوا لانفجار كوني حقيقي. ستتمنون أن تنسحبوا إلى مكان أمن؟ كي تراقبوا المشهد. ولسوء الحظ، فليس هناك مكان تنسحبون إليه؛ لأنه خارج هذه النقطة المفردة لا يوجد مكان. وحين يبدأ الكون بالتوسع، فإنه لا يكون في حال انتشار لملء فراغ أكبر؛ فالمكان الوحيد الذي يوجد هو المكان الذي يخلقه فيما يتحرك.
من الطبيعي، ولكن من الخطأ تصور النقطة المفردة، بوصفها نوعاً من النقطة الحبلى المعلقة في فراغ مظلم بلا حدود. ولكن ليس هنالك مكان، ليس هنالك ظلمة، فالنقطة المفردة لا محيط حولها. ليس لها مكان تشغله، ولا مكان لها كي تكون. لا نستطيع حتى أن نسأل كم كانت هناك، فيما إذا كانت قد بزغت إلى الوجود أخيراً، على غرار فكرة جيدة، أو إن كانت هناك إلى الأبد، تنتظر بهدوء اللحظة المناسبة. فالزمن لا يوجد. فلا ماضي له كي يبزغ منه.
وهكذا، بدأ الكون من عدم.
وفي خفق مفاجئ يسبب العمى، في لحظة من المجد سريعة جداً تعجز اللغة عن التعبير عنها، تتخذ النقطة المفردة أبعاداً سماوية، مكاناً خارج التصور. إن الثانية الحية الأولى (وهي ثانية سيكرس كثير من علماء الكون حياتهم المهنية لتقسيمها إلى أجزاء أكثر روعة) تنتج الجاذبية والقوى الأخرى التي تحكم الفيزياء؛ ففي أقل من دقيقة يصبح عرض الكون أكثر من مليون بليون ميل وينمو بسرعة. هناك كثير من الحرارة الأن، عشرة بلايين درجة منها، ما يكفي لتشغيل ردود الفعل الذرية التي تخلق العناصر الأكثر خفة، وبشكل رئيس الهيدروجين والهليوم، مع نثرة من (نحو ذرة واحدة في مئة مليون) من الليثيوم. وفي ثلاث دقائق يتشكل %98 من كل المادة الموجودة أو التي سيحدث ويتم إنتاجها. لدينا كون. إنه مكان الاحتمال الأكثر روعة ومدعاة للسرور، وهو جميل أيضاً. وقد أنجز هذا كله في الوقت الذي يستغرقه إعداد شطيرة تقريبا.
ولكن موعد حدوث هذه اللحظة مسألة مثيرة للجدل. فقد جادل علماء نشوء الكون طويلاً في أن كون لحظة الخلق، قد حدثت منذ عشرة بلايين سنة أو أكثر من ذلك بمرتين أو فيما بين ذلك. ويبدو أن الإجماع يتجه إلى رقم هو نحو 13.7 بليون عام، ولكن من الصعب قياس هذه الأمور كما هو معروف، وكما سنرى فيما بعد. وكل ما يمكن أن يقال حقاً هو إنه في نقطة ما غير محددة في الماضي البعيد، ولأسباب غير معروفة، جاءت لحظة يسميها العلم 0 = t. نحن في طريقنا.
ثمة أمور كثيرة نجهلها، كما نجهل كثيراً مما نظن أننا نعرفه، أو اعتقدنا أننا نعرفه لوقت طويل. حتى نظرية الانفجار العظيم2 هي نظرية حديثة تماماً.
وكانت الفكرة تحاول شق طريقها منذ العشرينيات، حين اقترحها بتردد جورج ليمتر Georges Lemaitre، وهو كاهن وباحث بلجيكي، ولكنها لم تصبح في الحقيقة نظرية فاعلة -في الكوزمولوجيا حتى منتصف الستينيات، حين قام اثنان من علماء الفلك الإشعاعي3 الشبان باكتشاف فائق للعادة وغير مقصود.
كان اسماهما آرنو بنزياس وروبرت ولسون. وفي عام 1965 كانا يحاولان استخدام هوائي ضخم للاتصالات كانت تملكه مختبرات بيل في هولمودل، ونيوجرسي، ولكن ضايقتهما ضجة من الخلفية، (الصوت الخفي) ثابت متدفق جعل أي عمل تجريبي مستحيلاً. كانت الضجة لا تلين وغير مركزة. كانت تأتي من جميع النقاط في السماء، نهاراً وليلا، عبر جميع الفصول. وطوال عام فعل عالما الفلك الشابان كل ما كان بمقدورهما التفكير به لتعقب الضجيج والتخلص منه. اختبرا جميع الأنظمة الكهربائية. أعادا بناء الأدوات، وفحصا الدارات، واختبرا الأسلاك، ومسحا الغبار عن القوابس. تسلقا إلى الصحن اللاقط ووضعا شريطاً لقياس الهواء فوق كل برشام وطبقة. تسلقا من جديد إلى الصحن بالمكانس وفراشي التنظيف ونظفاه بعناية مما أشارا إليه في صفحة ثانية بأنه (مادة بيضاء عازلة)، أو مما هو معروف بنحو أكثر شيوعاً بأنه زرق الطيور. لكن محاولاتهما لم تجد نفعاً.
كان هناك فريق من العلماء مجهول من قبلهما على بعد نحو50 كيلومتراً في جامعة برنستون يقوده روبرت ديك، ويعمل من أجل العثور على الشيء ذاته الذي يحاولان جاهدين العثور عليه؛ كي يتخلصا منه. كان باحثو برنستون يدرسون فكرة طرحها في الأربعينيات عالم الفيزياء الفلكية المولود في روسية جورج جامو، ومفادها أنه إذا نظرت عميقاً في الفضاء فستجد خلفية إشعاع كونية تركها الانفجار العظيم. وقد حسب جامو أنه في الوقت الذي سيعبر فيه الإشعاع رحابة الكون، فإنه سيصل إلى الأرض في شكل موجات كهرطيسية. وفي بحث أحدث عهداً اقترح أيضاً أداة يمكن أن تؤدي العمل: هوائي بيل في هولموديل. ولسوء الحظ، لم يقرا بنزياس ولا ولسون ولا فريق برنستون دراسة جامو.
كان الضجيج الذي سمعه جامو وبنزياس هو الضجيج الذي كان قد سلّم به جامو بالطبع. لقد اكتشفا حافة الكون، أو على الأقل الجزء المرئي منها، على بعد تسعين بليون ترليون ميل. كانا يشاهدان (الفوتونات) الأولى (وحدات الطاقة الضوئية) الضوء الأكثر قدماً في العالم، بالرغم من أن الزمن والمسافة قد حولاها إلى موجات كهرطيسية قصيرة نسبياً، تماماً كما تنبأ جامو. يقدم آلن جوث في كتابه الكون التضخمي، مثالا يساعد على توضيح هذا الاكتشاف. إذا نظرت إلى أعماق الكون كما تنظر من الطابق المئة لمبنى الإمبايرستيت، مفترضاً أن الطابق المئة يمثل (الآن) ومستوى الشارع يمثل (لحظة الانفجار الكوني)؛ فالمجرات المكتشفة الأكثر بعداً كانت في وقت اكتشاف بنزياس وولسون في الطابق الستين تقريباً، وكانت الأشياء الأكثر بعداً الكوازار (النجم الزائف) في الطابق العشرين. إن اكتشاف بنزياس وولسون طور معرفتنا بالكون المرئي إلى درجة كبيرة.
كان ولسون وبنزياس لا يزالان يجهلان سبب الضجيج، حين اتصلا بالعالم ديل -في برنستون، ووصفا له مشكلتهما، آملين إمكانية اقتراح حل. وأدرك ديك حالا ما اكتشفه الشابان. وقال لزملائه فيما كان يضع السماعة: «حسناً يا فتيان، لقد سبقونا».
نشرت مجلة فيزيكال أسترونومي (الفيزياء الفلكية) مقالين في الحال:
أحدهما بقلم بنزياس وولسون يصف تجربتهما مع الهسيس، وآخر أعده فريق ديك يشرح طبيعته. وبالرغم من أن بنزياس وولسون لم يكونا يبحثان عن إشعاع كوني خلفي، ولم يعرفا ما هو حين اكتشفاه، ولم يصفا أو يفسرا طبيعته في أي

مقال، فإنهما حصلا على جائزة نوبل في الفيزياء في سنة 1978. لم يحظ فريق برنستون إلا بالتعاطف. وكما قال دنس أوفرباي في كتاب القلوب الوحيدة للكون، لم يفهم بنزياس ولا ولسون أهمية ما اكتشفاه إلى أن قرأ عنه في نيويورك تايمز.
بالمناسبة، جربنا جميعاً إزعاج الإشعاع الكوني الخلفي. افتح تلفازك على أي محطة لا يتلقاها، وسترى أن 1% من الشواش الراقص تفسره البقايا القديمة من الانفجار الكوني. وفي المرة الآتية التي تشكو فيها من أنه لا يوجد شيء على الشاشة، تذكر أنك تستطيع دوماً أن تشاهد ولادة الكون.
بالرغم من أن الجميع يدعونه بالانفجار الكوني، فإن كثيراً من الكتب تحذرنا من ألا نفكر به كانفجار بالمعنى التقليدي. كان توسعاً سريعاً مفاجئاً على نطاق هائل. لكن، ما الذي سببه ؟
هناك آراء تقول: إن هذا الشذوذ الفريد ناجم عن انهيار كون سابق، وإن كوننا هو مجرد واحد من دورة أبدية من أكوان تتوسع وتنهار، على غرار كيس هواء آلة الأوكسجين. ويعزوآخرون الانفجار الكوني إلى ما يسمونه بـ(الفراغ المزيف) أو (المجال اللاموجّه) أو(طاقة فراغ) وهذه صفة ما أو شيء، على أي حال، أدخل درجة من عدم الاستقرار في العدم الذي كان. يبدو مستحيلاً أنك تستطيع الحصول على شيء ما من لا شيء، ولكن حقيقة أنه كان هناك مرة كون ويوجد الأن كون برهان واضح على أنك تستطيع ذلك. من المحتمل أن كوننا هو مجرد جزء من أكوان كثيرة أكبر، بعضها له أبعاد مختلفة، وأن الانفجارات الكونية تحدث طوال الوقت في كل أرجاء المكان. أو من المحتمل أن المكان والزمان كان لهما أشكال أخرى قبل الانفجار الكوني: أشكال غريبة جداً بحيث لا نستطيع تصورها، وأن الانفجار الكوني يمثل طور تحوّل من نوع ما، حيث انتقل الكون من شكل لا نستطيع فهمه إلى شكل نستطيع فهمه تقريباً. وقد قال الدكتور أندريه لند Andrei Linde - العالم بالكوزمولوجيا في ستانفورد – لصحيفة نيويورك تايمز في 2001: «إن هذه المسائل قريبة جداً إلى المسائل الدينية».

إن نظرية الانفجار الكوني ليست عن الانفجار نفسه، وإنما عما حدث بعد الانفجار. ولكن ليس بعده بوقت طويل. فمن خلال القيام بكثير من الرياضيات والمراقبة الدقيقة لما يجري في مسرعات الجسيمات، اعتقد العلماء أنهم يستطيعون أن يركزوا أفكارهم على 10 ثوان بعد لحظة الخلق، حين كان الكون ما يزال صغيراً، بحيث إنك ستكون بحاجة إلى المجهر للعثور عليه. يجب ألا يثيرنا أي شيء فائق للعادة نراه، ولكن ربما كان الأمر يستحق أن نتمسك بواحد بين وقت وآخر فقط؛ كي يتم تذكيرنا بضخامته غير القابلة للفهم والمذهلة. وهكذا فإن رقم 10 هو
0,000000000000000000000000 000000000000000001
أو جزء من واحد من عشرة ملايين ترليون ترليون ترليون من الثانية(*).
يعود الفضل في معظم ما نعرفه او نعتقد اننا نعرفه عن اللحظات الاولى من الكون, إلى فكرة تدعى نظرية التضخم كان أول من طرحها في سنة 1979 هو عالم فيزياء جسيمات شاب كان آنذاك في ستنافورد، وهوالآن في الإم أي تي، يُدعى آلن جوث، كان عمره اثنين وثلاثين عاماً، وكما أقر، لم يفعل كثيراً أبداً من قبل. وكان من المرجح ألا يصل إلى نظريته العظيمة لو لم يحضر محاضرة عن الانفجار الكوني ألقاها (روبرت ديكي. ألهمت المحاضرة جويث كي يهتم بالكزمولوجيا، وخاصة ولادة الكون.
(*) ملاحظة عن الترميز العلمي: بما أن الأعداد الضخمة مرهقة للكتابة ومن المستحيل قراءتها تقريباً، يستخدم العلماء قوى اختزال متضمنة (أو مضاعفات) لرقم 10 فيه، على سبيل المثال، 10,000,000,000 يكتب ويصبح رقم 6,500,000: 6,5 × 106. ويستند المبدأ بنحو بسيط جداً إلى مضاعفات رقم 10: 10 × 10 (أو100) تصبح 102 10 × 10 × 10 أو(1000) هي 103؛ وإلى ما هنالك، بنحو واضح وبلا نهاية. إن العدد الصغير المرفوع يشير إلى عدد الأصفار التي تتبع العدد الرئيس الأكبر. وتقدم الترميزات السلبية جوهرياً صورة مرآة، بالرقم المرفوع يشير إلى عدد الفراغات التي إلى يمين النقطة العشرية (هكذا 104 تعني 0.0001). وبالرغم من أنني أثني على المبدأ يدهشني أن أي شخص يرى 1.4 km3 109 x سيرى في الحال أن هذا يشير إلى 1.4 بليون كيلومتر مكعب، وليس أقل عجباً أنه سيختارون السابق بدلاً من اللاحق في الطباعة (خاصة في كتاب مصمّم للقارئ العام، حيث عثر على المثال). ومفترضاً أن كثيراً من القراء هم غير مختصين بالرياضيات مثلي، نادراً ما سأستخدم الترميز، برغم أنه لا يمكن تجنبه أحياناً، في فصل يتناول أموراً كونية.

كانت النتيجة النهائية هي نظرية التضخم، التي تقول: إنه في جزء من لحظة بعد فجر الخلق، خضع الكون لتوسع درامي مفاجئ. لقد تضخم بالنتيجة، مضاعفاً حجمه في كل 10، ربما لم تستمر الحادثة كلها أكثر من
ثانية جزء من مليون مليون مليون مليون من الثانية ولكنها حولث الكون من شيء تستطيع أن تمسكه بيديك إلى شيء هو على الأقل أكبر ب 10,000,000,000,00 0,000,000,000,000 مرة. وتشرح نظرية التضخم التموجات والدوامات التي جعلت الكون ممكناً. فمن دون التضخم لن يكون هناك تكتلات من المادّة وهكذا لن يكون هناك نجوم، وإنما غاز مندفع وظلمة أبدية فحسب.
تقول نظرية جوث: إنه في جزء من عشرة ملايين ترليون ترليون ترليون
من الثانية، ظهرت الجاذبية. وبعد فاصل موجز غريب مضحك انضمت إليها
الكهرطيسية والقوى الذرية القوية والضعيفة: مادة الفيزياء. وقد انضمت إلى
هذه بعد لحظة حشود من الجسيمات البسيطة: مادة المادة. ومن العدم، ظهرت فجأة حشود من الفوتونات، والإلكترونات، والنترونات وأشياء أخرى كثيرة بين من كل منها، بحسب نظرية الانفجار الكوني العادية.
لا يمكن استيعاب كميات كهذه بالطبع. ويكفي أن نعرف أنه في لحظة انفجار واحدة عظيمة وهبنا كوناً رحباً يبلغ عرضه مئة مليون سنة ضوئية على الأقل؛ بحسب النظرية، ولكن من الممكن أن يكون الحجم لامتناهياً ومهيئاً بنحو تام لخلق النجوم، والمجرات وأنظمة أخرى معقدة.
ما هو فائق للعادة من وجهة نظرنا هو كيف أن الأمور سارت بنحو جيد بالنسبة لنا فلو أن الكون تشكل على نحو مختلف ولو بشكل ضئيل، لوكانت الجاذبية أقوى أو أضعف بنحو ضئيل، لو أنّ التوسّع سبق قليلاً ببطء أكبر أو أسرع لما كان هناك إذاً عناصر مستقرة لصناعتك وصناعتي ولصناعة الأرض التي نقف عليها. فلو كانت الجاذبية أقوى بنحو ضئيل، لكان من الممكن أن ينهار الكون كخيمة مشيدة

بنحو سيئ من دون القيم الصحيحة بدقة؛ لمنحها الأبعاد الضرورية والكثافة وأجزاء مكونة. ولو كانت أضعف لما التأم أي شيء. لكان بقي الكون إلى الأبد فراغاً بليداً ومبعثراً.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت الخبراء يعتقدون أن من المحتمل أن انفجارات كونية أخرى حدثت - ربما ترليونات وترليونات منها - وانتشرت عبر الفسحة الكبيرة للأبدية، وأن سبب وجودنا في هذا الكون المحدّد هو أن هذا هو الكون الذي استطعنا أن نوجد فيه. وكما عبر مرة عن الأمر إدوارد بي. تريون من جامعة كولومبيا: «إجابة عن سؤال لماذا حدث، أقدم الاقتراح المتواضع بأن كوننا هو مجرد أحد تلك الأشياء التي تحدث بين وقت وآخر). ويضيف جوث إلى هذا: «بالرغم من أن خلق كون يمكن أن يكون غير محبذ، شدّد تريون Tryon أنه ما من أحد أحصى المحاولات الخائبة».
يعتقد مارتن ريسس عالم الفلك وعضو الجمعية الملكية في بريطانية أن هناك أكواناً كثيرة، في مركبات مختلفة، ومن الممكن أن هناك عدداً لا نهائياً منها، وكل منها بمواصفات مختلفة، وأننا فقط نعيش في كون يمزج الأشياء بطريقة تسمح لنا بالوجود. يشبه الأمر بمخزن ملابس ضخم جداً: «إذا كان هناك مخزون كبير من الألبسة لن يفاجئك العثور على بذلة تناسبك. وإذا كانت هناك أكوان كثيرة، وكل تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام، فسيكون هناك واحد حيث توجد مجموعة من الأرقام الملائمة للحياة. ونحن في هذا الواحد».
يؤكد ريس أن ستة أرقام تحكم كوننا، وأنه إذا غيرت أي من هذه القيم الأشياء
حتى بشكل ضئيل فإن الأمور لا يمكن أن تبقى كما هي. على سبيل المثال: من أجل أن يوجد الكون كما هو الآن يقتضي أن يتحول الهيدروجين إلى هليوم بطريقة دقيقة، ولكن ضخمة نسبياً بطريقة تحول سبعة آلاف جزء من كتلته إلى طاقة. اخفض هذه القيمة قليلاً من 0.07 إلى 0.06%، مثلاً فلن يحدث تحوّل: سيتألف الكون من هيدروجين فقط. ارفع القيمة بنحو ضئيل إلى 0.08 وستكون العلاقة قوية بحيث

يكون الهيدروجين قد استنفد منذ وقت طويل. في كلتا الحالتين، إذا حدث أدنى تعديل للأرقام فإن الكون كما نعرفه ونحتاج إليه أن يكون، لن يكون هنا.
ينبغي أن أقول: إن كل شيء صحيح حتى الآن. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يتكشف أن الجاذبية أقوى بقليل؛ فيوماً ما يمكن أن توقف الجاذبية توسع الكون، وتدفعه إلى الانهيار على نفسه، ويتحول إلى نقطة مفردة أخرى، ربما لبدء العملية كلها من جديد. من ناحية أخرى، إذا كانت الجاذبية ضعيفة جداً، فسيواصل الكون الاندفاع بعيداً إلى الأبد إلى أن يصبح كل شيء منفصلاً، بحيث لا تكون هناك فرصة للتفاعلات المادية، ويصبح الكون مكاناً واسعاً جداً، لكنه بليد وميت. أما الخيار الثالث فهو أن الجاذبية متناغمة بنحو كامل (الكثافة الحرجة)، هو المصطلح الذي يستخدمه علماء الكوزمولوجيا للتعبير عن ذلك، وأنها ستجعل الكون متماسكاً تماماً في الأبعاد الصحيحة كي تسمح للأشياء بأن تتواصل إلى ما لا نهاية. ويدعو علماء الكوزمولوجيا هذا أحياناً – في لحظات مرحهم - تأثير جولديلوكس (Goldilocks effect)، أي أن كل شيء صحيح. (تعرف هذه الأكوان الثلاثة المحتملة في السجل على التعاقب بأنها مغلقة، ومفتوحة ومسطحة).
إن المسألة التي خطرت لنا جميعاً في نقطة ما: ما الذي سيحدث لوسافرت إلى حافة الكون ونظرت عبر الستائر؟ أين سيكون رأسك إذا لم يعد في الكون؟ ما الذي ستجد في الماوراء؟ إن الإجابة – بنحو مخيب للأمل – هي أنك لا تستطيع أن تصل إلى حافة الكون أبداً. ليس لأن الوصول إلى هناك سيستغرق وقتاً طويلاً بالرغم من أنه بالطبع سيستغرق، ولكن لأنه حتى لو سافرت إلى الخارج في خط مباشر بلا نهاية وثابت، فإنك لن تصل أبداً إلى حدّ خارجي. بدلاً من ذلك، ستعود إلى النقطة التي بدأت منها (من المفترض أنك ستفقد الشجاعة لمواصلة التمرين وتتوقف عند هذه النقطة). إن السبب في ذلك هو أن الكون ينحني، بطريقة لا تستطيع تصورها بنحو صحيح، كما تفيد نظرية النسبية لدى أينشتاين (التي سنصل إليها في الوقت المناسب). الآن يكفي أن نعرف أننا لسنا هائمين في فقاعة ما ضخمة تتوسع باستمرار. إن الفضاء ينحني بطريقة تسمح له بأن يكون بلا حدود ومتناهياً. لا يمكن أن يقال: إن الفضاء يتوسع لأنه كما يقول عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل ستيفن واينبرغ: «إن الأنظمة الشمسية والمجرات لا تتوسع، والفضاء نفسه لا يتوسع). إن المجرات تندفع منفصلة. إن الكل هو شيء يتحدّى الحدس. أو، كما قال عالم البيولوجيا جي. بي. إس. هالدن: «ليس الكون أكثر غرابة مما نفترض فحسب؛ إنه أكثر غرابة مما نستطيع أن نفترض». إن المثال الذي يُقدّم عادة لشرح انحناء الفضاء هو محاولة تخيل أحد ما من كون من الأسطح المنبسطة، لم ير أبداً كرة صارت أرضاً. مهما تجول على سطح الكوكب فلن يعثر أبداً على الحافة. يمكن أن يعود في النهاية إلى النقطة التي بدأ منها، وسيذهل بنحو كامل، بحيث لا يستطيع شرح كيف حدث هذا. حسناً، نحن في الموقع نفسه في الفضاء على غرار زميلنا المرتبك على الأرض المسطحة، نحن مذهولون من بعد أعلى فحسب.
وكما أنه ليس هناك مكان تستطيع العثور فيه على حافة الكون، ليس هناك أيضاً مكان تستطيع أن تقف فيه في المركز وتقول: «هنا بدأ كل شيء. هذه هي النقطة المركزية لكل شيء. نحن جميعاً في مركز كل شيء. وبالفعل، لا نعرف هذا بالتأكيد. لا نستطيع إثباته رياضياً. ويفترض العلماء فقط أننا لا يمكن أن نكون مركز الكون فكروا ما الذي سينطوي عليه هذا، ولكن الظاهرة ينبغي أن تكون نفسها لجميع الراصدين في جميع الأمكنة.
يتوسع الكون بالنسبة لنا بقدر ما سافر الضوء طيلة بلايين الأعوام منذ أن شكل الكون فحسب. إن هذا الكون المرئي الكون الذي نعرفه ونستطيع التحدث عنه هو بعرض مليون مليون مليون مليون ميل. ولكن - وكما تقول معظم النظريات - إن الكون الكبير الميتاكون، كما يدعى أحياناً ما يزال هائل الاتساع. وبحسب ريس، إن عدد السنوات الضوئية إلى حافة هذا الكون اللامرئي الأكبر لا يكتب بعشرة أصفار، ولا بمئة وإنما بملايين الأصفاره. باختصار، هناك المزيد من الفضاء أكثر مما بوسعك التخيل قبل تحمل عبء القيام بتصور ما وراء إضافي.

كان هناك خلل استمر طويلاً في نظرية الانفجار الكوني أزعج كثيراً من الناس، وهو أنها لم تستطع شرح كيف وصلنا إلى هنا. فبالرغم من أن الانفجار الكوني أنشأ 98% من المادة التي توجد، فإن تلك المادة تألفت حصرياً من غازات خفيفة: الهليوم، والهيدروجين والليثيوم التي ذكرناها سابقاً. لم يظهر أي جسيم من المادة الثقيلة الحيوية لوجودنا الكربون والنتروجين والأوكسجين وكل ما تبقى من الشراب الغازي للخلق. ولكن وهنا النقطة المزعجة من أجل توليد هذه العناصر الثقيلة تحتاج إلى نوع الحرارة والطاقة الناجمين عن انفجار كوني. مع ذلك حدث انفجار كوني واحد ولم ينتجها. وهكذا من أين أتت إذأ? من اللافت أن الرجل الذي عثر على إجابة السؤال، كان عالم كوزمولوجيا احتقر الانفجار الكوني بوصفها نظرية، ونحت مصطلح الانفجار الكوني بوصفها طريقة للسخرية منه.
سنصل إليه بعد قليل، ولكن قبل ذلك سنعود إلى سؤال كيف وصلنا إلى هنا،
ربما يستحق الأمر بضع دقائق للتفكير بماذا يعنيه بالضبط (هنا).

الفصل الثاني أهلاً بكم في المنظومة الشمسية
يستطيع علماء الفلك في هذه الأيام أن يقوموا بالأمور الأكثر دهشة. إذا أشعل أحد عود ثقاب على القمر فإنهم يستطيعون تحديد مكان اللهب. وعبر الخفقان والارتعاش الأصغر للنجوم البعيدة يستطيعون استنتاج حجم وشخصية، وإمكانية السكن على كواكب بعيدة جداً لا يمكن أن تُرى، بل نحتاج إلى نصف مليون عام: كي نصل إليها في مركبة فضائية. يمكنهم أن يشاهدوا بتلسكوباتهم المذياعية حزم إشعاع باهتة بنحو مناف للعقل، بحيث إن الكمية الكلية للطاقة التي جمعوها كلّهم من خارج النظام الشمسي منذ أن بدأ الجمع (في سنة 1951) «هي أقل من طاقة ندفة ثلج واحدة تضرب الأرض)، كما عبر كارل ساغان.
باختصار، ليست هناك أشياء كثيرة تحدث في الكون لا يستطيع علماء الفلك العثور عليها حين يفكرون فيها. لهذا السبب من اللافت التفكير أنه حتى عام 1978 لم يلاحظ أحد أن لبلوتو قمراً. ففي صيف ذلك العام، كان هناك عالم فلك شاب يدعى جيمس كريستني – في مرصد لويل في فلاجستاف أريزونا – يقوم بفحص روتيني لصور فوتوغرافية لبلوتو، فشاهد أن هناك شيئاً ما؛ شيئاً باهتاً وغير واضح ولكن من المؤكد أنه شيء آخر غير بلوتو. وحين استشار زميلاً يُدعى روبرت هارنغتون استنتج أن ما كان ينظر إليه هوقمر. كان هذا القمر القريب من الكوكب أكبر قمر في المنظومة الشمسية. كان يشكل شيئاً كالضربة لوضع بلوتو بوصفه كوكبا، الذي لم يكن أبداً وطيداً على أي حال. وبما أنه اعتقد في السابق أن المكان الذي يحتله القمر والمكان الذي يحتلّه بلوتو هما المكان نفسه، كان هذا يعني أن بلوتو أصغر بكثير مما افترض الجميع، أصغر حتى من عُطارد. والواقع أن هناك سبعة أقمار في المنظومة الشمسية، بما فيه قمرنا، هي أكبر.

الآن، إن السؤال الطبيعي الذي يجب أن يطرح هو: لماذا استغرق الأمر وقتاً طويلاً بالنسبة للجميع للعثور على قمر في منظومتنا الشمسية؟ والإجابة إن هذه مسألة تتعلق جزئياً بالمكان الذي يوجّه إليه علماء الفلك أدواتهم، وبالمادة التي تصنع منها هذه الأدوات الراصدة، وبأن هذا الكوكب هو بلوتو فحسب، والسبب الأكبر هو الجهة التي يوجهون إليها أدواتهم. وكما عبر عالم الفلك كلارك تشامبان: «يعتقد معظم الناس أن علماء الفلك يخرجون في الليل إلى المراصد، ويفحصون السماوات. هذا ليس صحيحاً. إن جميع التلسكوبات في العالم تقريباً مصممة للتحديق في قطع صغيرة جداً من سماء بعيدة لرؤية نجم زائف أو فحص الثقوب السوداء أو للنظر إلى مجرة بعيدة. إن شبكة التلسكوبات الوحيدة الحقيقية التي تفحص السماء صممها وأنشأها الجيش).
أفسدتنا تأويلات الفنانين، بحيث دفعتنا إلى تخيل وضوح لأبعاد الصورة غير موجود في علم الفلك الحقيقي. فبلوتو في صورة كريستي باهت ومشوش قطعة من الضوء الكوني، وقمره ليس الجرم السماوي المصور بنحو واضح والمضاء من الخلف رومانسياً الذي ستراه منشوراً في مجلة ناشنال جيوغرافيك، وإنما لمحة صغيرة غير واضحة من التشوش الإضافي. هكذا كان التشوش - في الحقيقة - بحيث استغرق الأمر مع العلماء سبع سنوات لتحديد مكان القمر ثانية، وهكذا كي يؤكدوا
بنحو مستقل وجوده.
كانت إحدى اللمسات الجميلة في اكتشاف كريستي هي أنه حدث في فلاجستاف، فهناك اكتشف بلوتو في عام 1930 في البداية. ويعود الفضل في هذا الحدث العظيم في علم الفلك إلى عظمة عالم الفلك برسيفال لويل. وهب لويل، الذي جاء من إحدى أعرق وأغنى العائلات في بوسطن العائلة المذكورة في الأنشودة المشهورة عن بوسطن التي هي موطن الفاصولياء وسمك القدّ، حيث كان آل لويل يتحدثون فقط مع آل كابوت المتعصبين دينياً وكانوا مثلهم المرصد الشهير الذي يحمل اسمه، ولكنه يذكر بشكل دائم من أجل اعتقاده بأن المريخ مليء بقنوات شقها سكانه

المجتهدون، من أجل نقل الماء من المناطق القطبية إلى الأراضي الجافة والمنتجة، الأقرب إلى خط الاستواء.
كان اعتقاد لويل الراسخ الآخر أنه كان يوجد في مكان ما وراء نبتون، كوكب تاسع غير مكتشف، أطلق عليه اسم الكوكب إكس. واستند لويل في اعتقاده هذا إلى الحالات الشاذة التي رصدها في مداري أورانوس ونبتون، وخصص الأعوام الأخيرة من حياته لمحاولة العثور على العملاق الغازي الذي كان متأكداً من وجوده هناك. ولسوء الحظ، وافته المنية فجأة في عام 1916، بعد أن استنفده بحثه. عُلّق البحث بينما كان ورثة لويل يتنازعون على أملاكه. على أي حال، في عام 1929، وفي محاولة لصرف الانتباه بعيداً عن حكاية قناة المريخ (التي صارت الآن إحراجاً جدياً) قرر مديرو مرصد لويل استئناف البحث، ووظفوا من أجل هذه الغاية شاباً من كانساس يدعى كلايد تومبو.
لم يتلق تومبو تدريباً رسمياً بوصفه عالم فلك، ولكنه كان مجتهداً وذكياً، وبعد بحث صبور استغرق عاماً اكتشف نوعاً ما موقع بلوتو، وكان نقطة ضوء باهتة في سماء متألقة. كان اكتشافاً إعجازياً، وما جعله أكثر دهشة هوأن عمليات الرصد التي تنبأ على أساسها لويل بوجود كوكب وراء نبتون برهنت أنها غير صحيحة. استطاع تومبو أن يرى في الحال أن الكوكب الجديد لم يكن شيئاً مثل كرة الغاز الضخمة، التي سلّم بها لويل ولكن تحفظاته أو تحفظات أي شخص آخر عن شخصية الكوكب الجديد رميت جانباً في الحال؛ بسبب الاهتياج الذي يرافق تقريباً أي قصة تحدث دوياً إعلامياً في تلك السن التي تُثار بسهولة. كان هذا أول كوكب اكتشفه الأميريكيون، ولن تضلل أي شخص فكرة أنه كان في الواقع مجرد نقطة جليدية بعيدة. دُعي بلوتو، على الأقل جزئياً؛ لأن الحرفين الأولين يشكلان علامة ترمز إلى الحرفين الأولين من اسمه واسم أسرته. ولقد أشيد بلويل بعد وفاته في كل مكان بوصفه عبقرياً من المرتبة الأولى، ونسي تومبو بنحو كبير إلا بين علماء الفلك المختصين بالكواكب، الذين يميلون إلى توقيره.

يواصل بعض علماء الفلك الاعتقاد بأنه يمكن أن يكون هناك كوكب إكس في الفضاء الخارجي، شيء ضخم حقيقي، ربما أكبر بعشر مرات من حجم المشتري، ولكنه بعيد، بحيث لا يمكن أن يتبدّى لنا. (سيتلقى قليل من ضوء الشمس، بحيث لن يكون كافياً كي يعكسه). والفكرة هي أنه لن يكون كوكباً تقليدياً على غرار المشتري أو زحل إنه بعيد جداً بحيث لا يمكن أن يكون مثلهما، فنحن نتحدث ربما عن 4,5 ترليون ميل، وإنما سيبدو أكثر كشمس لم تصنعه أبداً. إن معظم المنظومات النجمية في الكون ثنائية (مضاعضة النجوم)، مما يجعل شمسنا المنعزلة شيئاً شاذاً وغريباً.
لا أحد يعرف بنحو مؤكد حجم بلوتو أو من ماذا صنع، وأي سماء له، أو حتى ما هو في الواقع. ويعتقد كثير من علماء الفلك أنه ليس كوكباً على الإطلاق، وإنما فقط الشيء الأكبر الذي عُثر عليه حتى الآن في منطقة حطام مجرّي تعرف باسم حزام كويبر Kuiper beit. وقد ذكر حزام كويبر في نظرية عالم فلك يدعى ف.سي. ليونارد في 1930، ولكن الاسم أطلق على شرف جيرارد كويبر - وهو هولندي يعمل في أمريكة – الذي وسع الفكرة. إن حزام كويبرهومصدر ما يُعرف بالنيازك العابرة تلك التي تسقط بانتظام التي كان مذنب هالي الأكثر شهرة بينها. أما النيازك طويلة الأمد والأكثر عزلة (التي من بينها الزائران الأخيران هيل بوب وهياكوتاكي) فتأتي من سحابة أورت Oort الأكثر بعداً، التي سنستفيض في الحديث عنها حالأ.
من المؤكد أن بلوتو لا يعمل كثيراً كالكواكب الأخرى. فهو ليس قزماً وغامضاً فحسب، وإنما متنوّع في حركاته أيضاً، بحيث لا أحد يستطيع أن يقول لك: أين سيكون بلوتو بعد قرن من الآن. وبينما تدور الكواكب الأخرى على المستوى نفسه تقريباً، فإن ممرّ بلوتوالمداري يميل (كما يحدث) خارج الصف في زاوية من 17 درجة، كحافة قبعة مائلة على نحو خليع على رأس أحدهم. إن مداره شاذ، بحيث إنه يكون لأوقات طويلة في كل من دوراته الوحيدة حول الشمسس أقرب إلينا من

نبتون. وفي معظم الثمانينيات والتسعينيات، كان نبتون في الحقيقة الكوكب الذي قذف إلى أبعد. ولم يعد بلوتو إلى المجاز الخارجي إلا في 11 شباط 1999، كي يبقى هناك طيلة الأعوام المئتين والثمانية والعشرين الآتية.
وهكذا إذا كان بلوتو كوكباً، فهو بالتأكيد كوكب غريب. إنه صغير جداً: لا يشكل إلا ربعاً من 1% من حجم الأرض. فإذا ما وضعته فوق الولايات المتحدة فإنه لن يغطي نصف الولايات الثماني والأربعين السفلى. وهذا وحده يجعله شاذاً بنحو كبير؛ مما يعني أن نظامنا الكوكبي يتألف من أربعة كواكب داخلية صخرية، وأربعة كواكب خارجية غازية عملاقة، وكرة جليدية صغيرة منعزلة. فضلاً عن ذلك، هناك جميع الأسباب التي تدعو لافتراض أننا يمكن أن نبدأ حالأ بالعثور على سماوات أخرى جليدية أكبر في القسم نفسه من السماء. وعندها سنواجه المشكلات. فبعد أن حدّد كريستي مكان قمر بلوتو، بدأ علماء الفلك ينظرون إلى هذا الجزء من الكون بانتباه أكبر، وفي أوائل كانون الأول 2002 اكتشفوا أكثر من ست مئة من الأشياء العابرة لنبتون أو بلوتينوس كما دُعيت باستمرار. إن أحد هذه الأشياء التي دُعيت فارونا هي بحجم قمر نبتون تقريباً. ويعتقد علماء الفلك الآن أنه يمكن أن يكون هناك بلايين من هذه الأشياء. وتمثل الصعوبة في أن كثيراً منها مظلمة بنحو مخيف. ولها ألبيد (نصوع) أو انعكاس، ويشبه 4% منها فحسب قطعة من الفحم، وتبعد قطع الفحم هذه أكثر من ستة بلايين عام.
كم هذا بعيد بالضبط ؟ إنه تقريباً وراء التصور. فالفضاء – كما تعلمون – ضخم جداً. إنه ضخم جداً فحسب. لنتخيل – لأهداف تثقيفية أو من أجل التسلية - أننا على وشك الذهاب في رحلة في مركبة صاروخية. لن نذهب بعيداً جداً، وانما إلى حافة منظومتنا الشمسية فحسب. ولكننا يجب أن ننتبه إلى أن الفضاء مكان كبير، ونحن لا نشغل منه إلا جزءاً صغيراً.
والآن إليكم الأنباء السيئة، أنا خائف من أننا لن نصل إلى المنزل من أجل العشاء. حتى ولوانطلقنا بسرعة الضوء (300,000 كيلومتر في الثانية) سيستغرق

الأمر سبع ساعات للوصول إلى بلوتو. ولكننا لا نستطيع أن نسافر في أي شيء بهذه السرعة. علينا أن ننطلق بسرعة المركبة الفضائية، وهذه المراكب أكثر بطئاً. إن أفضل السرعات التي توصل إليها حتى الآن أي اختراع بشري هي سرعة المركبتين الفضائيتين فويجر 1و2، اللتين تطيران الآن بسرعة 56,000 كيلومتر في الساعة.
كان سبب إطلاق مركبة فويجري في آب وأيلول 1977 هو أن المشترى وزحل وأورانوس ونبتون، كانوا متراصفين بطريقة لا تحدث إلا مرة واحدة كل 175 سنة. وقد مكن هذا مركبتي فويجر من استخدام تقنية (مساعدة جاذبية) قذفت بواسطتها المركبة بنجاح من كوكب غازي عملاق، إلى الذي يليه في نوع من النسخة الكونية عن التلويح بالسوط. وحتى هكذا، استغرق الوصول إلى أورانوس تسع سنوات واستغرق عبور مدار بلوتواثنتي عشرة سنة. وكانت الأنباء الطيبة هي أننا إذا انتظرنا حتى كانون الثاني 2006 (الموعد الذي حدد مؤقتاً لإطلاق مركبة ناسا الفضائية نيوهورايزونز إلى بلوتو) نستطيع الاستفادة من موقع أفضل للمشترى، ومن بعض التقدم في التكنولوجيا، كي نصل إلى هناك فيما يقارب عقداً، على الرغم من أن العودة إلى الوطن ثانية ستستغرق وقتأ أطول. أنا خائف.
في كل الأحوال، ستكون رحلة طويلة.
إن الشيء الأول الذي من المرجّح أن تدركه الآن هو أن الفضاء سمّي بشكل جيد جداً وهو هادئ بنحو مخيف. إن منظومتنا الشمسية يمكن أن تكون الشيء الأكثر حياة على بعد ترليونات من الأميال، ولكن كل المادة المرئية فيها بما فيه الشمس، والكواكب وأقمارها والصخور البليون المتشقلبة لحزام الكوكيبات، والنيازك أو أنواع الحطام الأخرى المندفعة لا تملأ إلا أقل من جزء من واحد ترليون من الفضاء المتاح. ستدركون بسرعة أيضاً أن لا خريطة من الخرائط التي سبق ورأيتموها للمنظومة الشمسية تعبر عن الحقيقة. فمعظم الخرائط المدرسية تظهر الكواكب تتعاقب واحداً بعد الآخر في أوقات منفصلة متجاورة، إن الكواكب العملاقة الخارجية تلقي بالفعل ظلالاً فوق بعضها بعضاً في كثير من الرسوم،

لكن هذه خدعة ضرورية لوضعها كلها على قطعة الورق نفسها. فنبتون في الواقع ليس وراء المشترى، إنما يقع بعيداً في مكان ما وراءه وهو أبعد بخمس مرات عن المشترى من بعد المشترى عنا، وهكذا فهو بعيد في الخارج بحيث إنه لا يتلقى من
ضوء ا لشمس إلا 3% بقدر ما يتلقى المشتري.
هكذا هي المسافات في الواقع، بحيث إنه من المستحيل - بأي معنى عملي – رسم المنظومة الشمسية بحسب مقياس. فحتى لوأضفت كثيراً من الصفحات المطوية لمقرراتك المدرسية، أو استخدمت ورقة طويلة من ورق الملصقات، فإنك
لن تقترب من رسم دقيق. وفي رسم بياني للمنظومة الشمسية بحسب مقياس مدرّج – يختزل الأرض إلى قطر حبة بازلاًء تقريباً – سيكون المشترى على بعد 300 متر، وسيكون بلوتوعلى بعد كيلومترين ونصف (وبحجم بكتيريا، بحيث لن تكون قادراً على رؤيته بأي حال). وعلى المقياس نفسه، فإن قنطورس القريب (proxima Centauri) نجمنا الأقرب، سيكون على بعد ستة عشر ألف كيلومتر. حتى لوقلصت كل شيء بحيث إن المشترى يصغر كالنقطة، التي في نهاية هذه الجملة - ولا يكون بلوتو أكبر من جزيء – فإن بلوتو سيظل على بعد عشرة أمتار.
إن المنظومة الشمسية هي حقاً ضخمة جداً. ففي الوقت الذي نصل فيه إلى بلوتو، فإننا نكون قد قطعنا مسافة طويلة، بحيث إن الشمس شمسنا العزيزة الدافئة الملوحة للجلد والمانحة للحياة تتقلص إلى حجم رأس دبوس. إنها أصغر من نجم مشع. وفي فراغ وحيد كهذا تستطيعون البدء بفهم كيف أن الأشياء الأكثر أهمية من قمر بلوتو، على سبيل المثال غابت عن الانتباه. في هذا الصدد، بالكاد كان بلوتو وحيداً. فقد اعتقد أن لنبتون قمرين إلى أن بدأت رحلات فويجر التي عثرت على ستة أقمار أخرى. حين كنت فتى، كان يُعتقد أن المنظومة الشمسية تحتوي على ثلاثين قمراً. أما العدد الكلي الآن فهو تقريباً تسعون، اكتشف ثلثها تقريباً في السنوات العشر الماضية. والنقطة التي يجب أن نتذكرها طبعاً حين نفكر بالكون عامة هي أننا لا نعرف في الواقع ما هو موجود في منظومتنا الشمسية.

إن الشيء الآخر الذي ستلاحظونه الآن ونحن نسرع عبر بلوتو هو أننا نسرع
عبر بلوتو. إذا فحصتم خط رحلتكم، فستلاحظون أن هذه رحلة إلى حافة منظومتنا الشمسية، وأخشى أننا لم نصل إلى هناك بعد. وفي الواقع، لا تقترب الرحلة من الانتهاء هناك. لن نصل إلى حافة المنظومة الشمسية إلا بعد أن نعبر سحابة أورت Oort، التي هي مملكة سماوية شاسعة من النيازك المندفعة، ولن نصل إلى سحابة أورت لمدة، أنا آسف حيال هذا عشرة آلاف عام، بعيداً عن
تحديد حافة المنظومة الشمسية الخارجية - كما تتضمن تلك الخرائط المدرسية
بعجرفة – فإن بلوتو يبعد بصراحة نحو 51 كيلومتراً عن الطريق.
ليسس لدينا احتمال للقيام برحلة كهذه بالطبع. إن رحلة 386,000 كيلومتر إلى القمر لا تزال تُعدّ مهمة صعبة جداً علينا. إن رحلة بشرية إلى المريخ، دعا إليها الرئيس بوش الأب في لحظة من الطيش العابر، تم التخلي عنها بصمت حين استنتج أحدهم أنها ستكلف 450 بليون دولار، وستنتهي على الأرجح بموت الطاقم كله (ذلك أن الـ (DNA) الخاص بهم سيتمزق إلى أشلاء من قبل الجسيمات الشمسية ذات الطاقة العالية، التي لا يمكن أن يتدرّعوا ضدها).
وعلى أساس ما نعرفه الآن وما نستطيع أن نتخيله بنحوعقلاني ليس هناك مطلقاً احتمال، بأن أي كائن بشري يستطيع أن يسافر إلى حافة منظومتنا الشمسية أبداً. إنها بعيدة جداً. ولا نستطيع حتى بتلسكوب هبل أن نرى ما بداخل سحابة أورت وهكذا لا نستطيع ان نعرف بالفعل أنها هناك. ان وجودها مرجح
ولكنه فرضي بنحو كامل(*). إن كل ما يمكن أن يُقال عن سحابة أورت بثقة، هي أنها تبدأ في مكان ما وراء (بلوتو)، وتمتد نحو سنتين ضوئيتين في الكون. إن وحدة القياس الأساسية في
(*) تدعى بنحو ملائم سحابة أوبيك. أورت، وقد سميت على اسم عالم الفلك الأستوني إرنست
أوبك، الذي افترض وجودها في 1932، وعلى اسم عالم الفلك الهولندي جان أورت، الذي صقل الحسابات بعد ثماني عشرة سنة فيما بعد.

المنظومة الشمسية هي الوحدة الفلكية، التي تمثل المسافة من الشمس إلى الأرض. إن بلوتو على بعد نحو40 وحدة فلكية منا، ويبعد قلب سحابة أورت نحو خمسين ألف وحدة فلكية. باختصار، إنها بعيدة.
لنتظاهر ثانية أننا وصلنا إلى سحابة أورت. إن الشيء الأول الذي يمكن أن نلاحظه هو كم الجو هادئ هناك. نحن نبعد مسافة طويلة عن أي مكان الآن؛ نبعد كثيراً عن شمسنا بحيث إنها لا تبدو النجم الأكثر تألقاً في السماء. وإنها لفكرة مهمة أن هذا الوميض الصغير البعيد يمتلك ما يكفي من الجاذبية؛ كي يحفظ كل تلك النيازك في مدار. لكنه ليس عقداً قوياً جداً، وهكذا فإن الشهب تندفع بطريقة مهيبة، لا تتحرك إلا ما يقارب 220 ميلاً في الساعة. وبين وقت وآخر يدفع اضطراب طفيف في الجاذبية أو نجم عابر أحد هذه النيازك الوحيدة خارج مداره الطبيعي. وتارة تدفع النيازك إلى الفراغ الكوني – ولا ترى ثانية أبداً – ولكنها تسقط تارة أخرى في مدار طويل حول الشمس. تعبر نحو ثلاثة أو أربعة نيازك من هذه في العام – وتعرف باسم النيازك طويلة الأمد – داخل المنظومة الشمسية الداخلية. أحياناً يصطدم هؤلاء الزوار الضالون بشيء صلب، كالأرض. ولهذا خرجنا إلى هنا الآن؛ لأن النيزك الذي جئنا لنراه بدأ لتوه سقوطاً طويلاً نحو مركز المنظومة الشمسية. إنه متوجه – من بين جميع الأمكنة – إلى مانسون، آيوا. سيستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى هناك ثلاثة أو أربعة ملايين سنة على الأقل وهكذا سنتركه الآن، ونعود إليه فيما بعد.
هذا هو نظامكم الشمسي. ما الذي يوجد أيضاً هناك في الخارج، وراء المنظومة الشمسية؟ حسناً، لا شيء وأشياء كثيرة جداً، وهذا يعتمد على كيفية نظركم إلى الأمر.
إنه لا شيء على المدى القصير. فالفراغ الأكثر كمالاً الذي سبق وخلقه البشر ليس فارغاً كفراغ الفضاء (البينجمي(*)). وهناك كثير من هذا الـ(لاشيء) إلى أن تصل إلى القطعة اللاحقة من شيء ما. إن جارنا الأقرب في الكون، قنطورس

القريب، الذي هو جزء من عنقود النجوم الثلاثة المعروفة باسم الرجل الجبار، هو على بعد 4,3 ملايين سنة ضوئية، وهذا ضخم بالمصطلحات المجرية، ولكنه ما يزال أبعد بمئة مليون مرة من رحلة إلى القمر. سيستغرق الوصول إليه بالمركبة الفضائية خمسة وعشرين ألف سنة على الأقل، حتى لوقمت بالرحلة فإنك لن تكون في أي مكان باستثناء مجموعة منعزلة من النجوم وسط لا مكان شاسع. وكي تصل إلى المعلم المهم الآتي، (الشعرى اليمانية) سيستغرق الأمر 4,6 سنوات ضوئية من السفر. وهكذا سيكون الأمر إذا حاولت شق طريقك بين النجوم عبر الكون. إن الوصول إلى مركز مجرتنا فحسب سيستغرق وقتأ أطول مما يستغرقه
وجودنا بوصفنا كائنات.
دعوني أكرّر الفضاء شاسع. إن المسافة العادية بين النجوم التي هناك في الأعلى هي أكثر من ثلاثين مليون مليون كيلومتر. وحتى بسرعات تقارب سرعة الضوء، فإن هذه مسافات متحدية بنحو خيالي لأي فرد مسافر. وبالطبع، من الممكن أن تسافر المخلوقات الفضائية بلايين الأميال، كي تسلي نفسها بزراعة المحاصيل في ويلتشير أو تبث الذعر في شخص مسكين في شاحنة بيك آب على طريق مهجورة في أريزونا (لا بد أن لديهم مراهقين، في النهاية)، ولا يبدو هذا من غير المرجّح.
تقول الإحصاءات: إن احتمال وجود كائنات مفكرة أخرى هنالك في الخارج قائم. فلا أحد يعرف عدد النجوم في الطريق اللبنية، وتتراوح التقديرات من مئة بليون أو ما يقارب هذا العدد إلى أربع مئة مليون، والطريق اللبنية هي واحدة فحسب من مئة وأربعين بليون أو ما يقارب ذلك من المجرات، ومعظمها أكبر من طريقنا. استنبط بروفسور في جامعة كورنيل – يدعى فرانك دريك - في الستينيات بعد أن أثارته أعداد ضخمة كهذه، معادلة مشهورة مصممة لحساب فرص الحياة المتقدمة الموجودة في الكون، على أساس سلسلة من الاحتمالات المتناقصة.
فبحسب معادلة دريك قسم عدد النجوم في بقعة منتقاة من الكون على عدد النجوم، التي من المرجّح أن لها منظومات كوكبية تستطيع نظرياً دعم الحياة:

قسم هذا على العدد الذي به تتقدم الحياة، وقد نشأت، إلى حالة من الذكاء؛ وهكذا دواليك. لدى كل عملية قسمة كهذه، يتقلص العدد بنحو كبير. مع ذلك حتى بالمعطيات الأكثر محافظة، فإن عدد الحضارات المتقدمة في الطريق اللبنية يصل دوماً إلى الملايين.
يا لها من فكرة ممتعة ومثيرة يمكن أن نكون واحدة من الحضارات الملايين المتقدمة. ولسوء الحظ – بما أن الفضاء واسع – فإن معدل المسافة بين اثنتين من أي من تلك الحضارات يُقدّر بأنه على الأقل مئتا سنة ضوئية، الأمر الذي هو أكثر من مجرد القول: إن هذا يجعله معقولاً. هذا يعني – كبداية – أنه حتى لوكانت هذه الكائنات تعرف أننا هنا وقادرة نوعاً ما على رؤيتنا بتلسكوباتها، فإنها تراقب الضوء الذي غادر الأرض منذ مئتي عام. وهكذا فإنها لا تراني ولا تراك. إنها تراقب الثورة الفرنسية وتوماس جفرسون وأشخاصاً يرتدون الجوارب الحريرية والشعور المستعارة المبودرة، أشخاصاً لا يعرفون ما هي الذرة، أو الجينة، الذين يصنعون كهرباءهم بحك قضيب من الكهرمان بقطعة من الفراء، ويعتقدون أن هذه خدعة. إن أي رسالة نتلقاها من أولئك المراقبين من المرجح أن تبدأ ب «عزيزي»، وتهنئنا على جمال أحصنتنا وإتقاننا لاستخراج زيت الحيتان. إن مئتي سنة ضوئية مسافة بعيدة خارج متناولنا.
وهكذا حتى إذا لم نكن فعلاً وحيدين، فإننا وحيدون بجميع المعاني العملية. فقد حسب كارل ساغان عدد الكواكب المرجحة في الكون بأنها نحو عشرة بلايين ترليون: وهذا عدد خارج التصور بشكل كبير. ولكن ما هو خارج التصور بنحو مساو هو كمية الفضاء، التي تتبعثر فيها هذه الكواكب بخفة. قال ساغان: «لو أقحمنا في الكون عشوائياً فإن فرص أن نكون على، أو قرب كوكب ستكون أقل من واحد من بليون ترليون ترليون». أي ، أو 1 يأتي بعده 33 صفراً».
ربما لهذا السبب كان قرار الاتحاد الفلكي الدولي الرسمي في شباط 1999 بأن (بلوتو) كوكب أنباء جيدة. فالكون كبير ووحيد. نستطيع التماشي مع كل الجيران الذين نحصل عليهم.

الفصل الثالث
كون الموقرإيفانز
حين تصحو السماء ويتألق ضوء القمر، كان الموقر روبرت إيفانز -الرجل الهادئ والمبتهج – يجرّ تلسكوباً ضخماً إلى السطح الخلفي المشمس لمنزله في جبال أستراليا الزرقاء، إلى الغرب من سيدني بنحو 80 كيلومتراً، ويقوم بأمر فائق للعادة. ينظر عميقاً في الماضي ويعثر على نجوم ميتة.
إن النظر إلى الماضي هو الجزء الأهم بالطبع. حدقوا في سماء الليل وسترون التاريخ والغالب منه: (لا النجوم كما هي الآن وإنما كما كانت حين غادرها ضوؤها). إن كل ما نعرفه، هو أن النجم القطبي – رفيقنا المخلص– يمكن أنه احترق في كانون الثاني الماضي أو في 1854 أو في أي وقت منذ أوائل القرن الرابع عشر، لكن هذه الأنباء لم تصل إلينا بعد. إن أفضل ما نستطيع قوله (الذي نستطيع قوله أبداً): إنه كان يحترق في هذا التاريخ منذ 680 عاماً. ذلك أن النجوم تموت طوال الوقت. إن ما يفعله بوب إيفانز بنحو أفضل من أي شخص آخر سبق وحاول ذلك هو تحديد هذه اللحظات من الوداع السماوي.
في النهار، إيفانز قس لطيف وشبه مستقيل في كنيسة أستراليا التوحيدية، يقوم بعمل مؤقت ويبحث في تاريخ الحركات الدينية في القرن التاسع عشر. ولكنه في الليل - وبطريقته المتواضعة- يكون عملاق السماوات. إنه يصطاد المستشعر الفائق.4
يتشكل المستشعر الفائق حين ينهار كوكب عملاق، أكبر من شمسنا بكثير، ثم ينفجر بنحو هائل مطلقاً في لحظة طاقة مئة بليون شمس، مشتعلاً لمدة بشكل أكثر تألقاً من كل النجوم في مجرته. يقول إيفانز" فإنه كمثل انفجار ترليون قنبلة هيدروجينية في وقت واحد».
وإذا ما حدث انفجار المستشعر الضوئي على بعد خمس مئة سنة ضوئية منا، فإننا سنتلاشى، وكما عبر إيفانز بمرح: إنه (سيحطم المشهد). ولكن الكون شاسع والمستشعرات الضوئية بعيدة جداً في العادة، بحيث لا تستطيع أن تلحق بنا الأذى. وفي الواقع إن معظمها بعيد بشكل لا يمكن تخيله بحيث إن ضوؤها يصل إلينا كوميض باهت. وفي الشهر الذي تكون فيه مرئية، فإن كل ما يميزها عن النجوم الأخرى في السماء هي أنها تحتل نقطة في الفضاء لم تشغل من قبل. إنها تلك الثقوب الشاذة – التي تحدث بين مدة وأخرى كثيراً – في القبة المزدحمة لسماء الليل هي التي يكتشفها الموقر إيفانز.
كي نفهم عظمة هذا العمل، تخيلوا طاولة عشاء عادية مغطاة بغطاء أسود، وانثروا عليها حفنة من الملح. يمكن أن يُعتقد أن الحبيبات المتناثرة هي مجرة. والآن تخيلوا ألفاً وخمس مئة طاولة أخرى كالأولى ما يكفي لصناعة طاولة واحدة بطول ميلين، وكل منها عليها كمية من الملح المبعثرة بطريقة عشوائية. والآن أضيفوا حبة ملح واحدة إلى أي طاولة ودعوا بوب إيفانز يسير بينها. في لحظة سيحدد مكان الحبة. إن حبة الملح هذه هي المستشعر الضوئي.
يتمتع إيفانز بموهبة استثنائية، بحيث إن أوليفر ساكس في كتابه (عالم أنثروبولوجيا على المريخ)، يخصص له نصاً في فصل عن العلماء المتوحدين، مضيفاً بسرعة أنه «ليس هناك اقتراح بأنه متوحد».
أما إيفانز الذي لم يلتق بساكس، فقد سخر من القول بأنه يمكن أن يكون إما متوحداً أو عالماً، لكنه لم يمتلك مقدرة كي يشرح تماماً من أين أتت موهبته.
«أبدو كأنني أمتلك موهبة لحفظ مسارات النجوم فحسب»، هذا ما أخبرني به بنظرة اعتذار صريحة حين زرته هو وزوجته إيلين في كوخهما الذي يشبه صورة كوخ في كتاب، الذي يقع على حافة هادئة لقرية هيزلبروك، في الخارج حيث تنتهي سيدني، ويبدأ الدغل الأسترالي الذي لا حدود له. أضاف: «لست جيداً في أمور أخرى. ولا أذكر الأسماء جيداً».
«ولا أين يضع الأشياء» أضافت إيلين من المطبخ. هز رأسه بصراحة وابتسم، وسألني إن كنت أحب أن أشاهد التلسكوب؟ توقعت أن يكون لدى إيفانز تلسكوب ملائم في فنائه الخلفي نسخة مصغرة من جبل ولسون أو بالومار، بسقف مقوس كالقبة وبكرسي آلي جيد للمناورة. لكنه لم يقدني إلى الخارج وإنما إلى مخزن مكتظ بعيد عن المطبخ حيث يحفظ كتبه وأوراقه وتلسكوبه في أسطوانة بيضاء تشبه خزاناً منزلياً للماء الساخن، وتعادله في الحجم الذي يتوضع على حامل متنقل من خشب المعاكس قام بصناعته. حين يرغب بالرصد - ينقله في رحلتين – إلى سطح مشمس بعيد عن المطبخ. وبين الجزء المتدلي من السقف والقمم الريشية لأشجار اليوكالبتوس التي تنمو في المنحدر في الأسفل، يمتلك فقط مجالاً لرؤية السماء بحجم صندوق البريد، ولكنه يقول: إنه أكثر من جيد لأهدافه. وهناك - حين تصفو السماء ويخف بريق القمر - يعثر على مستشعره الضوئي.
نحت مصطلح (المستشعر الضوئي) في الثلاثينيات عالم فيزياء فلكية غريب ومشهور يدعى (فريتز زويكي)، ولد في بلغاريا ونشأ في سويسرا، ثم جاء إلى مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا في العشرينيات وهنالك برز على الفور بشخصيته المثيرة للسخط ومواهبه الشاذة. لم يكن يبدو متألقاً، وعدّه كثيرون من زملائه مجرد (مهرج مزعج). كان متعصباً لكمال الأجسام، وكان يرتمي في غالب الأحيان على أرضية صالة العشاء في كالتيك أو في منطقة عامة أخرى، ويقوم بتمارين الدفع الصاعد بذراع واحدة؛ كي يُظهر رجولته لأي شخص يبدو أنه يميل إلى الشك بها.
كان عدوانياً بنحو مشهور، وصار سلوكه في النهاية مخيفاً، بحيث إن معاونه الخاص - وهو رجل لطيف يدعى والتر بادي - رفض أن يُترك وحده معه. وبين أمور أخرى، اتهم زويكي بادي – الذي كان ألمانياً – بأنه نازي، بالرغم من أنه لم يكن كذلك. وفي مناسبة واحدة على الأقل، هدّد زويكي بقتل بادي، الذي كان يعمل في أعلى الهضبة – في مرصد ولسون – إذا رآه في حرم كالتيك.
كان زويكي يمتلك ذكاء عميقاً ومدهشاً. ركز انتباهه في أوائل الثلاثينيات على مسألة أزعجت علماء الفلك طويلاً: الظهور بين فينة وأخرى لنقاط ضوئية غير قابلة للشرح، نجوم جديدة.
تساءل إن كان النيوترون الجزيء الدوذرّي، الذي كان قد اكتشفه لتوه في إنكلترا جيمس تشادويك، وكان جديداً وذائع الصيت يمكن أن يكون في قلب الأشياء. وخطر له أنه إذا انهار النجم وتحطم إلى أنواع الكثافة التي توجد في قلب الذرة، فإن النتيجة ستكون جوهراً متراضاً بشكل لا يمكن تخيله. إن الذرات ستسحق معاً، وتجبر إلكتروناتها على الدخول في النواة التي تشكل النيترونات. ستكون النتيجة نجماً نيترونياً. تخيلوا مليون قذيفة مدفع ثقيلة الوزن تضغط إلى حجم كرة رخامية، بالرغم من أن هذا لا يعبر عن الأمر بشكل كامل.
سيكون لب النجم النيتروني كثيفاً جداً، بحيث إن ملعقة من المادة منه ستزن 90 بليون كيلوغرام. ملعقة! ولكن كان هناك أكثر. أدرك زويكي أنه بعد انهيار نجم كهذا سيكون هناك كمية كبيرة من الطاقة المتبقية، ما يكفي لإحداث الانفجار الأكبر في الكون. وقد دعا هذه الانفجارات الناجمة المستشعرات الضوئية. ستكون الأحداث الأكبر في الخلق.
نشرت مجلة (فيزيكال ريفيو) في 15 كانون الثاني 1934 خلاصة موجزة لمحاضرة ألقاها (زويكي وبادي) الشهر الماضي في جامعة ستانفورد. وبالرغم من إيجازه الشديد فقرة واحدة من 24 سطراً احتوى الملخص على كمية ضخمة من العلم الجديد: قدم الإشارة الأولى إلى المستشعرات الضوئية والنجوم النيترونية: شارحاً بنحو مقنع طريقة تشكلها، وحاسباً بدقة وزن انفجارها؛ وكنوع من العلاوة الختامية، ربط انفجارات المستشعرات الضوئية بإنتاج ظاهرة ملغزة جديدة تُدعى الأشعة الكونية التي عُثر عليها أخيراً متدفقة عبر الكون. كانت هذه الأفكار ثورية، هذا إذا قلنا: أقل شيء. ولن يؤكد وجود النجوم النيترونية إلا بعد مضي أربعة وثلاثين عاماً. إن فكرة الأشعة الكونية لم تؤكد بعد، بالرغم من أنها اعتبرت قابلة للتصديق. كان الملخص، كما قال عالم الفيزياء الفلكية في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا (كيب. س. ثورن): «إحدى الوثائق الأكثر علماً بالغيب في تاريخ الفيزياء وعلم الفلك».
والمهم في الأمر أن زويكي لم يكن يفهم لماذا سيحدث أي من هذا. فبحسب
ثورن: «لم يكن يفهم قوانين الفيزياء بما يكفي كي يكون قادراً على إثبات
أفكاره». كانت موهبة زويكي خاصة بالأفكار الكبيرة. وقد ترك آخرون كبادي مثلاً للقيام بالعمليات الرياضية.
كان (زويكي) أول من عرف أيضاً أنه لم يكن هناك تقريباً كتلة مرئية كافية في الكون لحمل المجرات معاً، وأنه لا بد أن هناك تأثير جاذبية آخر، وهو ما نسميه الآن بالمادة السوداء. وكان الشيء الذي لم يتمكن من رؤيته هو أنه إذا تقلص نجم نيتروني بما يكفي، فإنه سيصبح كثيفاً جداً بحيث إن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينجو من دفعه الجاذبي الهائل. ستحصلون على ثقب أسود. ولسوء الحظ، كان معظم زملاء زويكي يزدرونه بحيث إن أفكاره لم تشد انتباه أحد. وحين انتبه روبرت أوبنهايمر العظيم بعد خمس سنوات إلى النجوم النيترونية في محاضرة تعد معلماً، لم يقم بأي إشارة إلى عمل زويكي، بالرغم من أن زويكي اشتغل لسنوات على المشكلة نفسها في مكتب في أسفل الردهة. لم تجذب استنتاجات زويكي حول المادة السوداء انتباهاً جاداً إلا بعد أربعة عقود تقريباً. نستطيع الافتراض فحسب أنه قام بكثير من تمارين الدفع الصاعد في تلك المدة.
من المفاجئ أن قليلاً من الكون مرئي لنا حين نرفع رؤوسنا إلى السماء. ليس بوسع العين المجردة أن ترى إلا ستة آلاف نجم من الأرض، ويمكن رؤية ألفي نجم فقط من أي بقعة واحدة. وبمنظار ثنائي العين، فإن عدد النجوم التي يمكن أن تشاهدها من موقع واحد يرتفع إلى الخمسين ألف، وبتلسكوب صغير يبلغ طوله 2 إنش يقفز العدد إلى ثلاث مئة ألف. وبالتلسكوب الذي يبلغ طوله 16 إنشاً – كالذي يستخدمه إيفانز – تبدأ بالعد لا بالنجوم وإنما بالمجرات. ويفترض إيفانز أنه يستطيع أن يشاهد من مصطبته بين خمسين ألفاً ومئة ألف مجرة، وكل منها تحتوي على عشرات البلايين من النجوم. وهذه بالطبع أرقام ضخمة، ولكن حتى بكثير من الذي تشتمل عليه، فإن المستشعرات الضوئية نادرة. يمكن أن يشتعل النجم لبلايين السنين، ولكنه ينطفئ مرة واحدة وبسرعة، ولا تنفجر إلا بعض النجوم المطفأة. ويتلاشى كثير منها بهدوء، على غرار نار معسكر في الفجر. وفي مجرة عادية، تتألف من مئة بليون نجم، فإن معدل حدوث المستشعر الضوئي هو مرة في كل مئتين أوثلاث مئة سنة. كان البحث عن المستشعر الضوئي يشبه قليلاً الوقوف على منصة مرصد مبنى الإمباير ستيت بتلسكوب، والنظر إلى النوافذ في منهاتن آملين العثور مثلاً، على شخص يشعل شموع كعكة عيد ميلاده الواحد والعشرين.
وهكذا حين اتصل وزير معسول الكلام وحالم وسأل إن كانت لدى الجمعية الفلكية أي خرائط ميدانية مفيدة لاصطياد المستشعرات الضوئية؟ اعتقد أعضاؤها أنه مجنون. وفي الوقت الذي كان فيه لدى إيفانز تلسكوب طوله 10 إنشات، وهذا حجم كبير جداً للتحديق الناضج بالنجوم، ولكنه ليس النوع الذي يمكن القيام به ببحث جدي في الكوزمولوجيا، كان يقترح العثور على إحدى ظواهر الكون الأكثر ندرة.
ففي تاريخ علم الفلك كله – وقبل أن يبدأ إيفانز النظر عام 1980 – اكتُشف أقل من ستين مستشعراً ضوئياً. (حين زرته، في آب 2001، كان قد سجل لتوه اكتشافه الرابع والثلاثين، وتبعه الخامس والثلاثون بعد ثلاثة أشهر، ثم تبعه السادس والثلاثون في أوائل 2003).
كان لإيفانز بعض الميزات على أي حال. إن معظم الراصدين – هم على غرار معظم الناس عامة - موجودون في نصف الكرة الشمالي وهكذا كان لديه كثير من السماء، وخاصة في البداية. كان لدى إيفانز سرعة أيضاً وذاكرة خارقة للطبيعة. إن التلسكوبات الضخمة ثقيلة ويستهلك معظم وقتها العملياتي نقلها إلى الموقع المناسب. يستطيع إيفانز أن يؤرجح تلسكوبه الصغير الذي يبلغ طوله 16 إنشاً ويدوره كما في قتال المهارشة القريب، ولا يمضي أكثر من ثانيتين في أي نقطة معينة في السماء. من ثم، ربما يستطيع أن يرى أربع مئة مجرة في المساء بينما سيكون تلسكوب مهني محظوظاً إذا شاهد خمسين أوستين.
إن البحث عن المستشعرات الضوئية هو تقريباً طريقة لعدم العثور عليها. فمن عام 1980 إلى 1996 حقق معدّل اكتشافين في العام، وهذه ليست مكافأة كبيرة مقابل التحديق المتواصل لمئات من الليالي. مرة حقق ثلاثة اكتشافات في خمسة عشر يوماً، ولكنه أمضى في وقت آخر ثلاث سنوات دون تحقيق أي شيء.
قال: «هناك بالفعل قيمة معينة في عدم العثور على أي شيء. هذا يساعد علماء الكوزمولوجيا على معرفة معدل سرعة نشوء المجرات. إنه إحدى المجالات النادرة حيث غياب الدليل هو دليل).
وعلى طاولة إلى جانب التلسكوب كانت أكداس الصور والأوراق المتعلقة بأبحاثه، وقد أراني بعضها. إذا حدث ونظرتم إلى المنشورات الفلكية الشعبية – ويجب أن تفعلوا هذا أحياناً - ستعرفون أنها مليئة بصور ضوئية ملونة للسديم البعيد وأمور أخرى مشابهة: سحابات من الضوء السماوي ذات جمال خارق ومؤثر. إلا أن صور (إيفانز) العاملة ليست مثل هذه. إنها مجرد صور غائمة بالأبيض والأسود بنقاط صغيرة من التألق الذي كالهالة. مرة أراني صورة حشد من النجوم ذات وهج ضعيف كان علي أن أقربها من عيني كي أميزها. قال لي إيفانز: إن هذا كان نجماً في كوكبة تدعى فورناكس من مجرة يسميها علم الفلك باسم إن جي سي 1365 (ويعني اختصار إن جي سي الكتالوج الجديد العام)، حيث سجّلت هذه الأمور. كان مرة كتاباً ثقيلاً على مكتب أحدهم في دبلن، أما اليوم – من النافل القول - إنه قاعدة معطيات). سافر الضوء من الانطفاء المدهش لهذا النجم الميت عبر الفضاء طوال ستين مليون عام دون توقف، حتى وصل في إحدى الليالي في آب 2001 إلى الأرض في شكل وميض متوهج، أو تألق باهت، في سماء الليل. كان روبرت إيفانز هو الذي حدّده من على رابيته التي تفوح بشذى اليوكالبتوس.
قال إيفانز هناك شيء ما مُرضٍ – على ما أعتقد – حيال فكرة سفر الضوء لملايين الأعوام عبر الفضاء وتماماً في اللحظة المناسبة، التي يصل فيها إلى الأرض ينظر المرء إلى القطعة المناسبة من السماء ويراه. إن حدثاً بهذه الأهمية يجب أن يُشاهده.
إن المستشعرات الضوئية تفعل أكثر بكثير من مجرد منح إحساس بالدهشة. فهي تأتي في أنماط عدّة ( اكتشف أحدها إيفانز)، ومن بين هذه الأنماط، هناك واحد، يُعرف باسم المستشعر الضوئي إيا ia، وهو مهم لعلم الفلك لأن هذه المستشعرات الضوئية تنفجر دوماً بالطريقة نفسها، وبالكتلة الحساسة نفسها. لهذا السبب يمكن استخدامها كـ (شموع عادية)، وكمقاييس يمكن قياس التألق بها (ومن ثم المسافة النسبية) للنجوم الأخرى، ومن ثم قياس نسبة تمدّد الكون.
في سنة 1987 انطلق سول بيرلمتر من مختبر لورنس بيركلي في كاليفورنيا - الذي كان بحاجة إلى اكتشاف مستشعرات ضوئية Ia أكثر من التي كانت تقدمها عمليات الرصد - للعثور على طريقة أكثر منهجية في البحث عنها. اخترع بيرلمتر نظاماً رائعاً مستخدماً كمبيوترات متطورة وأدوات مضاعفة الشحن وكاميرات رقمية جيدة حقاً. أتمت البحث عن المستشعرات الضوئية. تستطيع التلسكوبات الآن أن تلتقط آلاف الصور وتجعل الكمبيوتر يفحص البقع الواشية، التي تحدد انفجار مستشعر ضوئي. وفي غضون خمس سنوات - وبسبب التقنية الجديدة - اكتشف بيرلمتر وزملاؤه في بيركلي اثنين وأربعين مستشعراً ضوئياً. والآن يكتشف حتى الهواة المستشعرات الضوئية بأدوات مضاعفة الشحن. «تستطيع أن توجّه التلسكوب بواسطة CDDS إلى السماء، وتذهب إلى مشاهدة التلفزيون»، قال إيفانز بإحساس بالمقت: «لقد جردت هذه الأدوات الأمر من الرومانس».
سألته إن كان قد أُغري كي يتبنى التكنولوجيا الجديدة فقال: «كلا. أنا أستمتع بطريقتي كثيراً. بالإضافة إلى ذلك، هز رأسه مشيراً إلى صورة مستشعره الضوئي الأخير وابتسم: « ما أزال أستطيع التغلب عليها أحياناً».
إن السؤال الذي يطرح نفسه بنحو طبيعي هو: كيف سيكون الأمر إذا انفجر النجم في منطقة قريبة؟ إن جارنا النجمي الأقرب – كما رأينا – هو القنطورس الألفاوي؛ وهو على بعد 4,3 سنوات ضوئية. وقد تخيلت أنه لو تم انفجار هناك فإنه سيكون لدينا 3 و4 سنوات لمشاهدة ضوء هذا الحدث الرائع ينتشر عبر السماء، وكأنه ينسكب من علبة عملاقة. كيف سيكون الأمر لوكان لدينا أربع سنوات وأربعة أشهر لمراقبة قدر لا يمكن النجاة منه يتقدم نحونا، عارفين أنه حين يصل في النهاية فإنه سينفجر نازعاً جلودنا عن عظامنا؟ هل سيظل الناس يذهبون إلى العمل؟ هل سيزرع الفلاحون المحاصيل؟ هل سيرسلها أحد إلى الحوانيت؟
بعد أسابيع – في بلدة في نيومها مشير حيث كنت أعيش حينها – طرحت هذه الأسئلة على جون ثورستنسن، عالم الفلك في كلية دارتماوث. قال ضاحكاً: «آه، كلا، إن أنباء أحداث كهذه تسافر بسرعة الضوء، وهكذا يفعل الدمار، وهكذا ستعرف عنه وتموت منه في اللحظة نفسها. ولكن لا تقلق، لأنها لن تحدث».
كي يقتلك انفجار المستشعر الضوئي – كما قال - يجب أن تكون «قريباً، عشرة أعوام ضوئية أو ما يقارب ذلك. «سيكون الخطر أنواعاً متعددة من الإشعاع: أشعة كونية أو إلى ما هنالك». ستنتج هذه أشفاقاً خرافية، وستائر متألقة من الضوء الشبحي تغمر السماء. لن يكون هذا أمراً جيداً. إن أي شيء قوي بما يكفي كي يصنع مشهداً كهذا سيفجر الغلاف المغنطيسي، المنطقة المغناطيسية المرتفعة فوق الأرض التي تحمينا عادة من الأشعة فوق البنفسجية وهجمات كونية أخرى. فمن دون الغلاف المغنطيسي فإن أي شخص غير محظوظ يخطو في ضوء الشمس، سيتخذ بسرعة مظهر قطعة بيتزا مطبوخة أكثر من اللازم.
إن السبب الذي يجعلنا واثقين بشكل عقلياً من أن حدثاً كهذا لن يحدث في زاويتنا من المجرة – كما قال ثورستنسن – هو أن الأمر يتطلب نوعاً معيناً من النجوم كي يصنع مستشعراً ضوئياً في البداية. ويجب أن يكون النجم المرشح أكبر من شمسنا من عشر إلى عشرين مرة، و«ليس لدينا أي شيء بهذا الحجم اللازم قريب إلى هذا الحد. فالكون كبير جداً بنحو رحيم». أضاف أن المرشح المحتمل الأكبر، هو منكب الجوزاء5 ، الذي أوحت فرقعاته المتنوعة لسنوات بأن شيئاً ما غير مستقر بنحو غير ممتع يجري هناك. ولكن منكب الجوزاء هو على بعد خمسين ألف سنة ضوئية.
كانت المستشعرات الضوئية قريبة بما يكفي كي تكون مرئية للعين المجردة ست مرات في التاريخ المدوّن فحسب. كانت إحداها انفجاراً حدث في سنة 1051 أنشأ سديم السرطان. حدث الانفجار الآخر في 1604 وجعل نجماً متألقاً بما يكفي كي يُرى بالعين المجردة لأكثر من ثلاثة أسابيع. وكان الأحدث بينها في 1987، حين شع مستشعر ضوئي في منطقة من الكون تعرف باسم سحابة ماجلان6 الضخمة، ولكن هذا نادراً ما كان مرئياً وكان يُشاهد في نصف الكرة الجنوبي فحسب, وكان آمنا بنحو مريح لأنه يبعد 169,000 سنة ضوئية.
إن المستشعرات الضوئية مهمة لنا بطريقة أخرى محورية حاسمة. فمن دونها لن نكون هنا. تتذكرون اللغز الكوني الذي أنهينا به الفصل الأول: أن الانفجار الكوني أنشأ كثيراً من الغازات الخفيفة لكنه لم ينتج عناصر ثقيلة. جاءت هذه فيما بعد، ولكن لم يستطع أحد الوقت طويل جداً أن يستنتج كيف جاءت فيما بعد. كانت المشكلة أنك تحتاج إلى شيء ما حار فعلاً أكثر حرارة حتى من أكثر النجوم حرارة لتوليد الكربون والحديد والعناصر الأخرى، التي من دونها سنكون لا ماديين بنحو مكرب. قدمت المستشعرات الضوئية الشرح، وكان الذي استنتج ذلك هو عالم كوزمولوجيا إنكليزي متوحد على غرار فريتز زويكي.
كان رجلاً من يوركشير يدعى فريد هويل. وهويل، الذي وافته المنية في سنة 2001، ووصف في نعوته المنشورة في مجلة نيتشر بأنه «عالم كوزمولوجيا وبارع في الجدل»، وكان فعلاً يمتلك هاتين الصفتين. كان - بحسب نعوة مجلة نيتشر - (متورطاً في الجدل معظم حياته»، و«ذيل اسمه على كثير من القمامة». زعم على سبيل المثال، ودون إيراد دليل - أن المستحاثات الموجودة في متحف العلوم الطبيعية لطائر الأركيوبتركس 7هي مزورة على غرار خدعة بلتداون (الإنسان القبتاريخي)، مسبباً كثيراً من السخط لعلماء الإحاثة في المتحف، الذين اضطروا إلى قضاء أيام للرد على مكالمات هاتفية من صحفيين في أنحاء العالم كله. اعتقد أيضاً أن الفضاء لم يمنح الأرض الحياة فقط وإنما كثير من أمراضها مثل الأنفلونزا والطاعون الدّبلي، وقال مرة إن البشر طوّروا أنوفاً ناتئة بوجود المنخرين في الأسفل لتكون طريقة لمنع سقوط البكتيريا الكونية فيها.
كان هو من نحت مصطلح الانفجار الكوني، في لحظة مزاح، لمذيع إذاعة في 1952. وقد قال إنه لا شيء في فهمنا للفيزياء يمكن أن يفسر لماذا كل شيء، جُمع إلى نقطة، وسيبدأ فجأة وبنحو درامي بالتمدد. وقد فضل نظرية الحالة المستقرّة8 التي فيها يتمدد الكون باستمرار، ويخلق باستمرار مادة جديدة فيما هو ينطلق. أدرك هويل أيضاً أنه لو أن النجوم انفجرت داخلياً فإنها ستحرر كميات ضخمة من الحرارة، 100 مليون درجة أو أكثر، ما يكفي للبدء بتوليد العناصر الأكثر ثقلاً في عملية تعرف باسم التركيب النواتي. وحين كان يعمل مع آخرين في سنة 1957 أظهر هويل كيف تم تشكيل العناصر الأكثر ثقلاً في انفجارات المستشعرات الضوئية. من أجل هذا العمل، منح أحد معاونيه، وهو دبليو إي. فاولر جائزة نوبل. ومن العار أن هويل لم يحصل عليها.
تقول نظرية هويل: إن انفجار النجم سيولد ما يكفي من الحرارة كي ينشئ جميع العناصر، وينشرها في الكون حيث ستشكل سحابات غازية الأداة (البينجمية)، كما تعرف التي يمكن في النهاية أن تتحد في منظومات شمسية جديدة. وبولادة النظريات الجديدة صار من الممكن أخيراً إنشاء سيناريوهات قابلة للتصديق عند كيفية ذهابنا إلى هناك. ما نعتقد الآن أننا نعرفه هو الآتي:
منذ نحو 4,6 بليون سنة تراكمت دوامة من الغاز والغبار عرضها 24 بليون كيلومتر في الفضاء، حيث نحن الآن وبدأت تتكتل. والواقع أن 99,9% من كتلة المنظومة الشمسية ذهب لصناعة الشمس. ومن المادة العائمة التي بقيت سبحت حبتان صغيرتان جداً، واقتربتا من بعضهما بما يكفي، واندمجتا بفعل قوى "

شحنات كهربائية ساكنة. كانت هذه لحظة بداية كوكبنا. كان الشيء نفسه يحدث في كل أنحاء المنظومة الشمسية غير المكتملة. فقد شكلت حبات الرمل المتصادمة كتلاً أكبر فأكبر. كبرت الكتل في النهاية بما يكفي كي تدعى كويكبات. وفيما كانت هذه تتقافز وتتصادم بلا نهاية، تشظت أو انشقت أو مزجت من جديد في تبدّلات عشوائية لا نهاية لها، ولكن في كل لقاء كان هناك رابح، ونما بعض الرابحين بما يكفي، كي يهيمنوا على المدار الذي كانوا يسافرون حوله.
من اللافت أن كل هذا حدث بسرعة. واعتقد أن النمو من عنقود صغير من الحبيبات إلى كوكب طفل بعرض مئات الكيلومترات، لم يستغرق أكثر من بضعة عشرات الآلاف من الأعوام. وفي غضون 200 مليون عام أو أقل، شكلت الأرض، بالرغم من أنها كانت ما تزال ذائبة وخاضعة لقصف مستمرّ من الحطام الذي كان يطوف حولها.
عند هذه النقطة، ومنذ نحو 4.4 بليون عام، اصطدم جرم بحجم المريخ بالأرض مفجراً ما يكفي من المادّة لتشكيل كوكب مرافق هو القمر. وفي غضون أسابيع – كما اعتقد – أعادت المادة المقذوفة تجميع نفسها ككتلة واحدة، وفي غضون سنة تحولت إلى الصخرة الكوكبية التي ترافقنا حتى الآن. إن معظم المادة القمرية جاءت – كما يُظن – من قشرة الأرض، وليس من لبها، ولهذا السبب ليس في القمر سوى قليل من الحديد بينما لدينا كثير. وبالمصادفة، غالباً ما قدّمت النظرية بوصفها نظرية حديثة، ولكن في الحقيقة كان أول من أبدعها في الأربعينيات ريجينال دالي من هارفارد.
حين كانت الأرض في ثلث حجمها النهائي، كانت قد بدأت على الأرجح بتشكيل كوكب، معظمه من ثاني أكسيد الكربون والنتروجين والميثان والكبريت. لم يكن هذا نوع المادة التي سترتبط بالحياة، ومع ذلك تشكلت الحياة من هذه اليخنة المزعجة. إن ثاني أكسيد الكربون هو غاز يحافظ على الحرارة. كان هذا شيئاً جيداً؛ لأن الشمس كانت بنحو ملحوظ أكثر بهوتاً آنذاك. فلولم نحصل على فائدة

أثر المخضرة الدفينة(*) لكانت الأرض قد تجمّدت باستمرار، ولما حصلت الحياة أبداً على موطئ قدم. ولكن الحياة فعلت ذلك نوعاً ما.
وفي الأعوام الخمس مئة مليون الأتية ظلت النيازك والشهب وحطام مجرات أخرى تحيط بالأرض الفتية بشكل لا يلين، أحضرت المياه لملء المحيطات والمركبات الضرورية للتشكل الناجح للحياة. كانت بيئة معادية جداً، ومع ذلك واصلت الحياة
نموها. انتفضت سلة صغيرة من المواد الكيماوية وصارت حية. كنا في طريقنا.
بعد أربعة بلايين سنة، بدأ البشر يتساءلون كيف حدث كل هذا. وهذا موضوع
قصتنا الآتية.

(*) اثر غلاف الأرض الجوي في الاحتفاظ بحرارة الشمس.

الباب الثاني: حجم الأرض
الفصل الرابع
قياس الاشياء
إذا كان عليك اختيار الرحلة العلمية الميدانية الأقل مرحاً في جميع الأزمنة، فإنك ستفعل على الأرجح ما هو أسوأ مما فعلته رحلة أكاديمية العلوم الملكية الفرنسية إلى البيرو في سنة 1735. فهذه الرحلة التي قادها عالم بالمائيات يُدعى بيير بوجويروجندي وعالم بالرياضيات يُدعى تشارلز ماري دولاكوندامين، ضمّت فريقاً من العلماء والمغامرين الذين سافروا إلى البيرو من أجل مسح المسافات عبر تقسيمها إلى مثلثات عبر الأنديز.
كانت تحدو الناس في ذلك الوقت رغبة هائلة لفهم الأرض ومعرفة عمرها، وكبرها، وأين هي معلقة في الفضاء، وكيف حدث ذلك. وكان هدف الفريق الفرنسي هو المساعدة في حسم مسألة محيط الكوكب عبر قياس طول درجة واحدة من خط الزوال (أودرجة من 360 درجة من المسافة حول الكوكب) على طول خط يمتد من ياروكي – قرب كويتو، إلى ما وراء سوينكا – في ما يُدعى الآن بالإكوادور، ويبلغ نحو 320 كيلومترا(*).

(*) كان المسح المثلثي، منهجهم المختار، تقنية شعبية تستند إلى الحقيقة الهندسية القائلة، بأنك إذا عرفت طول ضلع من مثلث وزوايا زاويتين، فإنك تستطيع استنتاج كل أبعاده الأخرى دون أن تفادر كرسيك. افترض – على سبيل المثال – أنني أنا وأنت قرّرنا أن نعرف كم تبعد الطريق إلى القمر. إذا استخدمنا المسح المثلثي، فإن الشيء الأول الذي يجب أن نفعله هووضع مسافة ما بيننا، وهكذا دعنا نقول على سبيل الجدل أنك تمكث في باريس وأنا أذهب إلى موسكو وننظر كلانا الى القمر في الوقت نفسه. والآن، إذا تخيلت خطاً يصل بين عناصر هذا التمرين. أي، أنت وأنا والقمر - فإنه يشكل مثلثاً. وإذا قست طول الخط القاعدي بينك وبيني وبين زوايا زاويتينا يمكنك حساب البقية بسهولة. (لأن الزوايا الداخلية للمثلث تصل دوماً إلى 180 درجة، فإذا عرفت حاصل اثنتين من الزوايا تستطيع أن تحسب على الفور الثالثة، ومعرفة الحجم الدقيق للمثلث وطول أحد الأضلاع يخبرك عن طول الأضلاع الأخرى. كان هذا في الحقيقة هو المنهج الذي استخدمه عالم فلك يوناني يُدعى هيباركوس النيقي Nicaea في 150 قبل الميلاد؛ كي يعرف بعد القمر عن الأرض. أما على مستوى الأرض، فإن مبادئ المسح المثلثي هي نفسها، باستثناء أن المثلثات لا تصل إلى الفضاء وإنما بالأحرى تقع جنباً إلى جنب على الخريطة. فلقياس درجة من خط الزوال، سينشىء الماسحون نوعاً من سلسلة من المثلثات التي تتقدّم عبر المشهد الطبيعي.

بدأت الأمور فجأة تنحوباتجاه الخطأ، وبشكل هائل أحياناً. ففي كويتو، أغضب
الزائرون السكان المحليين فطردوا من البلدة من قبل رعاع مسلحين بالأحجار. بعد هذا حالأ، قتل طبيب الحملة بسبب سوء فهم متعلق بامرأة. وفقد عالم النبات عقله. مات آخرون من الحمى ومن السقطات. وهرب العضو الرئيس الثالث في الفريق، وهو رجل يدعى جان غودن مع فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، ولم ينجح إغراؤه بالعودة.
عند هذه النقطة كان على المجموعة أن تعلّق العمل لثمانية أشهر، بينما رحل لا كوندامين إلى ليما، كي يحل مشكلة تتعلق بأذونهم. في النهاية اختلف مع بوجوير وامتنعا عن التحدث ورفضا العمل سوية. وفي كل مكان ذهب إليه الفريق المتناقص قوبل بأعمق الشبهات من المسؤولين، الذين وجدوا صعوبة في تصديق أن مجموعة من العلماء الفرنسيين سيقطعون نصف المسافة حول العالم كي يقيسوه. لم يكن لهذا أي معنى على الإطلاق. ولكن بعد قرنين ونصف، ما تزال تبدو المسألة معقولة. لماذا لم يقم الفرنسيون بقياساتهم في فرنسة وينقذوا أنفسهم من إزعاج ونكد مغامرتهم الأندية؟
تكمن الإجابة جزئياً في حقيقة أن علماء القرن الثامن عشر – وخاصة الفرنسيين – نادراً ما فعلوا الأشياء ببساطة إذا توافر لديهم بديل، ويعود السبب أيضاً إلى مشكلة عملية واجهها أولاً عالم الفلك الإنكليزي إدموند هالي قبل سنوات كثيرة، قبل أن يحلم بوجويرولاكوندامين بالذهاب إلى أمريكة الجنوبية بوقت طويل، وبالإضافة إلى ذلك كانوا يمتلكون سبباً لفعل هذا.
كان هالي شخصية استثنائية. ففي مجرى مهنة طويلة ومنتجة، كان قبطاناً بحرياً، ورسام خرائط وأستاذاً للهندسة في جامعة أكسفورد، ونائب كبير المحاسبين في دار سك العملة الملكية، وكان عالم فلك في الجمعية الملكية، ومخترعاً لناقوسس الغواصين. وقد ألف عن المغنطيسية، والمد والجزر وحركات الكواكب أبحاثاً يُعتد بها، وكتب بولع عن تأثيرات الأفيون. واخترع خريطة الطقس وجدول خبراء التأمين، واقترح طرقاً لاستنتاج عمر الأرض وبعدها عن الشمس، حتى إنه استنبط منهجاً عملياً لإبقاء السمك طازجاً بعد صيده. كان الشيء الوحيد الذي لم يفعله هواكتشاف المذنب، الذي يحمل اسمه. اعترف فقط أن المذنب الذي شاهده في 1682 كان هو نفسه الذي رآه آخرون في 1456 و1531 و1607. ولم يصبح مذنب هالي إلا في 1758، بعد ستة عشر عاماً من وفاته.
وعلى الرغم من كل إنجازاته، فإن إسهام هالي الأعظم في المعرفة البشرية هو أنه أدى دوراً في رهان علمي متواضع مع اثنين آخرين أكفاء من عصره هما روبرت هوك الذي ربما يذكر الآن بنحو أفضل على أنه الشخصس الوحيد الذي وصف الخلية، والأخر هو العظيم والمهيب السير كريستوفر رين الذي كان بالفعل عالم فلك أولاً ومهندساً معمارياً ثانياً، بالرغم من أن هذا لا يذكر كثيراً الآن. في 1683 كان هالي وهولك ورين يتناولون العشاء في لندن حين انتقلت المحادثة إلى حركات الأجرام السماوية. كان من المعروف أن الكواكب تميل إلى الدوران في مسار إهليلجي معين يُعرف باسم القطع الناقص بـ (منحنى محدد ودقيق جداً)، ولكن لم يُفهم لماذا. عرض رين بكرم جائزة قدرها 40 شلنغاً (ما يعادل أجر يومين) لأي من الرجال الذي يستطيع تقديم حل.
زعم هوك - الذي كان من المعروف جيداً أنه يحصل على الثناء من أجل أفكار ليست له بالضرورة – أنه حل المشكلة لكنه زعم أنه يرفض أن يبين ذلك الآن: خشية أن يجرد الآخرين من متعة اكتشاف الإجابة بأنفسهم. قال إنه: «لم يفصح عن الحل لبعض الوقت، كي يعرف الآخرون كيف يقوّمونه». إذا حدث وفكر مرة أخرى بالمسألة، فإنه لم يورد دليلاً عليها. صار هالي على أي حال مستغرقاً في العثور على الإجابة، إلى درجة أنه سافر في العام الآتي إلى كمبريدج، وتجرأ على زيارة بروفسور الرياضيات إسحاق نيوتن، آملاً أنه يستطيع مساعدته.
كان نيوتن شخصاً غريباً من غير ريب: كان متألقاً بشكل يفوق القياس، ولكنه منعزل وكئيب وحسّاس إلى درجة جنون الارتياب، وكان من المعروف عنه الشرود
(فحين يدلي ساقيه من السرير في الصباح يقال: إنه يجلس أحياناً لساعات مشلولاً من الاندفاع المفاجئ للأفكار في رأسه)، كان قادراً على الغرابة الأكثر إثارة. شيّد مختبره الأول في كمبريدج، وانخرط في أكثر أنواع التجارب غرابة. مرة أدخل مخرزاً في محجر عينه وحك الموضع الذي حوله «بين عيني والعظم إلى قرب الجانب الخلفي من العين قدر استطاعتي» فقط لأرى ما الذي سيحدث. وبفعل معجزة لم يصب بأذى دائم. في مناسبة أخرى حدّق بالشمس قدر ما. يستطيع التحمّل؛ كي يحدّد ما التأثير الذي ستحدثه في عينه. ومرة أخرى نجا من الأذى الدائم، بالرغم من أنه كان عليه أن يمضي بعض الأيام في غرفة مظلمة. قبل أن تسامحه عيناه.
كان يعلوفوق هذه المعتقدات الغريبة والصفات عقل بعبقرية لا يعلى عليها،
وبالرغم من أن نيوتن كان يعمل في قنوات تقليدية فإنه كان دوماً يُظهر ميلاً إلى التفرّد. وحين كان طالباً – وقد أحبطته حدود الرياضيات التقليدية – ابتكر شكلاً جديداً كلياً، وهو حساب التفاضل والتكامل، ولكنه لم يطلع أحداً عليه طوال 27 عاماً. وبطريقة مماثلة، قام باكتشاف في حقل البصريات حول فهمنا للضوء ووضع الأساس لعلم التحليل الطيفي، ومرة أخرى اختار ألا يفصح عن النتائج لثلاثة عقود.
وبالرغم من كل تألقه لم يشغل العلم الحقيقي إلا جزءاً من اهتماماته. فقد
أمضى نيوتن نصف حياته تقريباً في العمل في الكيمياء والاهتمامات الدينية المتقلبة. ولم تكن هذه مجرد تسليات ملهية وإنما عبادات صادقة. كان تابعاً سرياً لطائفة هرطوقية خطرة تدعى الآريوسية، وكان معتقدها الرئيس هوأنه لم يكن هناك ثالوث أقدس (وهذا مثير للسخرية قليلاً بما أن كلية نيوتن في كمبريدج كان اسمها الثالوث الأقدس). أمضى ساعات لا نهاية لها في دراسة خطة أرضية معبد سليمان المفقود في القدس (وتعلم اللغة العبرية في أثناء ذلك، لأنه من الأفضل فحص النصوص الأصلية) معتقداً أنه يحتوي على مفاتيح رياضية لمواعيد المجيء الثاني للمسيح ونهاية العالم. ولم تكن صلته بالسيمياء أقل حماسة. ففي عام

1936 اشترى عالم الاقتصاد جون مينارد كينيز صندوقاً من أوراق نيوتن في مزاد علني، وفاجأه اكتشاف أنها لم تكن تدور حول البصريات أو حركات الكواكب، وإنما حول بحث عقلي فردي لتحويل المعادن الوضيعة إلى ثمينة. وبين تحليل شعرة من شعر نيوتن في السبعينيات أنه يحتوي على الزئبق، وهذه مادة يهتم بها السيميائيون، وصانعوالقبعات وموازين الحرارة، ولا أحد آخر تقريباً، وكان تركيزه أعلى بأربعين مرة من المستوى الطبيعي. ربما كان هذا هوسبب معاناته من مشكلة في تذكر النهوض في الصباح.
لا نستطيع سوى أن نخمّن ما توقع هالي أن يحصل عليه منه تماماً حين قام بزيارته غير المعلنة في آب 1684. ولكن بفضل قصة صاحب لنيوتن فيما بعد يُدعى أبرامهم دوموافري لدينا سجل لأحد لقاءات العلم الأكثر أهمية في التاريخ:
في 1684 جاء الدكتور هالي للزيارة في كمبريدج وبعد أن أمضيا بعض الوقت سوية سأله الدكتور ما رأيه بالمنحنى، الذي تسلكه الكواكب، مفترضين أن قوةالجذب نحو الشمس هي مقلوب مربع بعدها عنها.
كانت هذه إشارة إلى قطعة رياضيات تعرف باسم قانون التربيع العكسي(*) الذي كان هالي مقتنعاً أنه يكمن في قلب الشرح، بالرغم من أنه لم يكن متأكداًبالضبط كيف.
أجاب السير إسحاق على الفور أنه سيكون قطعاً ناقصاً. فسأله الطبيب الذي صعقه الفرح والدهشة، كيف عرف ذلك. أجاب: «لماذا؟ لقد حسبتها»، على إثر ذلك سأله الدكتور هالي عن حسابه دون تأخير. بحث السير إسحاق بين أوراقه لكنه لم يستطع العثور عليه.
كان هذا مدهشاً، على غرار شخص يقول إنه عثر على علاج للسرطان ولكنه لا يذكر أين وضع الصيغة. وبضغط من هالي، وافق نيوتن على القيام بالحسابات

(*) قانون تتغير بموجبه شدّة الطاقة الواردة من مصدر ما بتغير المسافة الفاصلة عن ذلك المصبدر


مرة أخرى وألف بحثاً. وفعل كما وعد، ولكنه عندئذ فعل أكثر من ذلك. تقاعد مدة عامين منصرفاً إلى التأمل والتأليف، وأخيراً أنجز رائعته المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية، الذي يُعرف بنحو أفضل باسم كتاب المبادئ.
يحدث مرة في كل مدة طويلة، أو بضع مرات في التاريخ، أن يبدع عقل بشري عملاً ذكياً جداً ومفاجئاً، ولا يستطيع البشر أن يحددوا تماماً ما هو الأكثر إدهاشاً. الحقيقة أم التفكير بها. كان ظهور كتاب المبادئ هو إحدى تلك اللحظات. فقد جعل نيوتن مشهوراً على الفور. وأحيط لبقية حياته بالإعجاب والتكريم، وكان - بين أمور أخرى كثيرة – أول شخص في بريطانية يمنح وسام الفارس من أجل إنجازه العلمي. حتى عالم الرياضيات الألماني الكبيرغوتفريد فون لايبنتز، الذي خاضس معه نيوتن صراعاً طويلاً ومريراً حول أسبقية ابتكار حساب التفاضل والتكامل، اعتقد أن إسمهمه في الرياضيات يعادل كل العمل المتراكم الذي سبقه. «لا يستطيع فانٍ أن يقترب من الآلهة» كتب هالي بشعور ردّد صداه بنحولا نهائي معاصروه وكثيرون منذ ذلك الوقت.
وبالرغم من أن كتاب المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية دُعي «أحد أعقد الكتب التي سبق وتم تأليفها» تقصّد نيوتن جعله صعباً، بحيث لا يضايقه علماء الرياضيات «المهذارون» - كما دعاهم - فإنه كان ضوء الهداية للذين ساروا على خطاه. لم يشرح مدارات الأجرام السماوية رياضياً فحسب، وإنما حدّد أيضاً القوة الجاذبة التي جعلت الكواكب تتحرك في المقام الأول: الجاذبية. فجأة شرحت جميع الحركات في الكون.
وفي قلب كتاب المبادئ كانت قوانين نيوتن الثلاثة الخاصة بالحركة التي تحدّد - بشكل مخيف جداً- أن الشيء يتحرك إلى جهة يُدفع إليها؛ أي أنه يواصل الحركة في خط مستقيم إلى أن تعمل قوة أخرى كي تبطئه أو تعطله؛ وأن كل حركة لهارد فعل مضاد ومساو. كان فيه أيضاً قانونه الكوني الخاص بالجاذبية الذي
يفيد أن كل شيء في الكون يمارس جاذبية على كل شيء آخر. يمكن ألا يبدو الأمر
هكذا، ولكن فيما أنت جالس الآن فأنت تجذب كل شيء حولك: الجدران والسقف والمصباح والقطة نحوك عبر مجال جاذبيتك الخاص بك الذي هو محدود جداً. وتجذبك هذه الأشياء أيضاً. كان نيوتن هو الذي أدرك أن جاذبية أي شيئين هي - إذا اقتبسنا كلام فينمان ثانية – «متناسبة طرداً مع كتلة كل منهما وتتنوع بنحو معكوس لمقلوب مربع المسافة بينهما». وبصيغة أخرى، إذا ضاعفت المسافة بين شيئين، فإن الجذب بينهما يصبح أضعف بأربع مرات. يمكن التعبير عن هذا
بصيغة: F = G Mm .
لا أحد منا يستطيع أن يقوم باستخدام عملي له، ولكننا نستطيع على الأقل أن ندرك أنه محكم بنحو رشيق. عمليتا ضرب موجزتان، عملية تقسيم واحدة، وضربة حظ، وتعرف موقع جاذبيتك أينما ذهبت. كان أول قانون جاذبية سبق وقدّمه عقل بشري ولهذا يحترم نيوتن في كل مكان احتراماً عميقاً.
لم يحدث تأليف كتاب المبادئ من دون دراما. ومما أثار رعب هالي هو أنه فيما كان الكتاب يقترب من الانتهاء دخل نيوتن وهوك في نزاع حول من له الأسبقية في اكتشاف قانون التربيع العكسي، ورفض نيوتن أن ينشر الجزء الثالث الحاسم، الذي من دونه لن يكون للجزأين الأولين سوى أهمية قليلة. وعبر بعض الدبلوماسية المكوكية المسعورة والتطبيقات الأكثر ليبرالية للمداهنات، استطاع هالي في النهاية أن ينتزع الجزء النهائي من البروفسور الشارد.
لم تنته صدمات هالي تماماً. فقد وعدت الجمعية الملكية بنشر العمل، ولكن الوعد سحب فيما بعد، لأسباب مالية مربكة. في العام الماضي، دعمت الجمعية شيئاً مخفقاً ومكلفاً جداً هو كتاب تاريخ الأسماك، واشتبهت بأن السوق من أجل كتاب عن المبادئ الرياضية سيكون محدوداً. نشر هالي والذي لم تكن إمكانياته كبسيرة – الكتاب على نفقته الخاصة. ولجعل الأمور أسوأ، كان هالي قد قبل هذه المرة منصباً كموظف في الجمعية، وتم إبلاغه بأن الجمعية لم تعد تستطيع أن
تقدم له الراتب الموعود، وهوخمسون جنيهاً في السنة. وقررت أن تدفع له بدلاً من ذلك نسخاً من كتاب تاريخ الأسماك.
شرحت قوانين نيوتن كثير من الأشياء منها المد والجزر، وحركات الكواكب، ولماذا قذائف المدفعية تتبع مساراً معيناً قبل أن تندفع إلى الأرض، ولماذا لا تقذف في الفضاء فيما الكوكب يدور تحتنا بسرعة مئات الكيلومترات في الساعة(*) وقد استغرقت معانيها الضمنية بعض الوقت لكي تتسرب. ولكن كشفاً واحداً صار على الفور مثيراً للجدل.
كان هذا اقتراحاً بأن الأرض ليست دائرية تماماً. فبحسب نظرية نيوتن، إن القوة النابذة لدوران الأرض يجب أن تنتج تسطحاً ضئيلاً في القطبين وانتفاخاً عند خط الاستواء، مما سيجعل الكوكب مفلطحاً قليلاً. كان هذا يعني أن طول درجة خط الزوال لن تكون نفسها في إيطالية كما كانت في أسكتلندة. وسيقصر الطول حين تبتعد عن القطبين. كانت هذه أنباء طيبة لأولئك الأشخاص الذين كانت قياساتهم للكوكب تستند إلى افتراض أنه كرة تامة، وكان الجميع يأخذون بذلك.

حاول الناس طوال نصف قرن استنتاج حجم الأرض، وذلك عبر القيام بجميع القياسات الدقيقة تقريباً. كان أحد أول تلك القياسات قد تم على يد عالم رياضيات بريطاني يدعى رتشارد نورود. حين كان نورود شاباً سافر إلى جزيرة برمودا ومعه ناقوس الغواصين المصنوع بحسب نموذج ناقوس هالي، ناوياً أن يجني ثروة من استخراج اللآلئ من حوض البحر. أخفقت الخطة لأنه لم يكن هناك لآلئ وعلى أي حال لم يعمل ناقوس نورود، ولكن نورود لم يكن من الأشخاص الذين يضيعون تجربة. كانت برمودا في أوائل القرن السابع عشر معروفة جيداً بين قباطنة السفن بأنه من الصعب تحديد مكانها. كانت المشكلة هي أن المحيط كبير، وبرمودا صغيرة وكانت أدوات الملاحة غير ملائمة للتعامل مع هذا التغاير
(*) تعتمد سرعة دورانك على أين أنت. وتتنوع سرعة دوران الأرض من أكثر من 1600 كيلومتر غة الساعة في خط الاستواء إلى صفر في القطبين. وفي لندن السرعة هي 998 كيلومتراً في الساعة.

بنحويبعث على اليأس. لم يكن هناك طول متفق عليه للميل البحري. وبسبب اتساع المحيط تصبح الأخطاء الحسابية الأصغر كبيرة، بحيث إن السفن غالباً ما تفقد أهدافاً بحجم برمودا بهوامش كبيرة بشكل كريه. قرر نورود، الذي كان حبه الأول هو علم المثلثات، ومن ثم الزوايا، أن يدخل بعض الصرامة الرياضية إلى
علم الملاحة، ومن أجل تلك الغاية صمم أن يحسب طول الدرجة.
مبتدئاً بإدارة ظهره إلى برج لندن، أمضى نورود عامين وهويتقدّم 208 أميال شمالاً إلى يورك، وهو يمدد المقياس السلسلي ويقيس به وهو ذاهب، وكان طوال الوقت يقوم بالتعديلات الأكثر وسوسة لارتفاع وانخفاض الأرض وتعرجات الطريق. وكانت الخطوة الأخيرة هي قياس زاوية الشمس في يورك في الوقت نفسه من اليوم وفي الوقت نفسه من السنة كما قام بقياسه الأول في لندن. استنتج من هذا أنه يستطيع تحديد طول درجة من خط زوال الأرض، ومن ثم حساب المسافة حول الكل. كانت عملية طموحة بنحو مضحك تقريباً ذلك أن الخطأة أدنى جزء من الدرجة سيؤدي إلى خطأ أميال كثيرة ولكن في الحقيقة – وكما قال نورود متباهياً – كان القياس صحيحاً «إلى مقدار ضئيل»، أو بدقة أكبر، إلى نحوست مئة ياردة. وبلغ رقمه بالمصطلحات المترية 110.72 لكل درجة من القوس.
نشر كتاب نورود العظيم عن فن الملاحة في 1637. حمل عنوان ممارسة البحار وعثر على شهرة فورية. طبع سبع عشرة طبعة وظل يطبع مدة خمس وعشرين سنة بعد موته. عاد نورود إلى برمودا مع أسرته، حيث صار مزارعاً ناجحاً وكرّس ساعات فراغه لحبه الأول، علم المثلثات. عاش هناك ثمانية وثلاثين عاماً ونتمنى لوكان بوسعنا القول: إنه عاش هذه المدة في سعادة وإطراء. ولكنه لم يفعل ذلك. فحسين خرج من إنكلترة وضع ولديه في كبين مع الموقر ناثانييل وايت مما ألحق الأذى بالكاهن الشاب، المدة بحيث كرس ما تبقى من حياته المهنية لاضطهاد نورود بأي طريقة صغيرة يستطيع التفكير بها.

سببت ابنتا نورود لأبيهما ألماً إضافياً ناجماً عن زواجهما غير الموفق. فقد قام أحد الأزواج بتحريض من الكاهن باتهامات وضيعة متواصلة ضد نورود في المحكمة، مسبباً له كثير من الغضب واضطره إلى رحلات متكررة عبر برمودا، كي يدافع عن نفسه. أخيراً في خمسينيات القرن السادس عشر وصلت محاكمات السحر إلى برمودا، وأمضى نورود سنواته الأخيرة في قلق حادّ بحيث إن أوراقه عن علم المثلثات، برموزها المبهمة فُسترت كاتصالات مع الشيطان ونفذ به حكم الإعدام المقيت. وهكذا فإن القليل معروف عن نورود بحيث يمكن القول: إنه كان يستحق سنواته الأخيرة الشقية. وما هو صحيح بنحو مؤكد هو أن هذا ما حدث له.
في غضون ذلك، انتقل زخم تحديد محيط الأرض إلى فرنسا. هناك، استنبط عالم الفلك جان بيكار منهجاً معقداً ومهماً في القياس المثلثاتي يتضمن ذوات الرّبع(*) والساعات ذات الرقاصات، وأجزاء عليا من السماء وتلسكوبات (الرصد حركات قمر المشتري). وبعد عامين من التدحرج والقياس المثلثاتي في طريقه عبر فرنسا، أعلن في 1669 قياساً أكثر صحة هو110.46 كيلومتراً لدرجة واحدة من القوس. كان هذا مصدراً عظيماً لفخر الفرنسيين ولكنه كان محمولاً على فرضية أن الأرض كانت كرة كاملة؛ الأمر الذي رفضه نيوتن.
ومن أجل تعقيد المسائل، بعد وفاة بيكار كرر فريق الأب والابن، جيوفاني وجاك كاسيني، تجارب بيكار وكانت النتيجة اقتراحاً بأن الأرض ليست أضخم عند خط الاستواء، وإنما في القطبين: بمعنى آخر، إن نيوتن مخطئ. هذا ما حثّ أكاديمية العلوم على إرسال بوجويرولاكوندامين إلى أمريكا الجنوبية؛ كي يقوما
بقياسات جديدة.
اختارا الأنديز لأنهما كانا بحاجة إلى القياس قرب خط الاستواء، لتحديد إن كان حقاً هناك فرق في التكوّر هناك، ولأنهما استنتجا أن الجبال ستزوّدهما بإطلالات جيدة. والواقع أن جبال البيرو ضائعة باستمرار في الغيوم، بحيث إن

(*) أداة تستخدم في الفلك والملاحة لقياس الارتفاع وتتألف من قوس سم إلى 90 درجة.



الفريق كان مضطراً للانتظار أسابيع من أجل مسح واضح مدة ساعة. فضلاً عن ذلك، اختارا منطقة هي من بين الأصعب على وجه الأرض. يشير البيروفيون إلى مشهدهم الطبيعي باسم muy accidentado أي كثير الحوادث وهو كذلك بالتأكيد. ولم يكن على الفرنسيين أن يتسلقا بعض أصعب الجبال في العالم, الجبال التي استعصت حتى على بغليهما فحسب وإنما كان عليهما أيضاً كي يصلا إلى الجبال أن يجتازا أنهاراً وحشية، ويشقا طريقهما وسط الأدغال، ويقطعا أميالأ من الصحراء الحجرية المرتفعة، معظمها لا خرائط له وبعيد عن أي مصدر للمؤن. ولكن بوجويرولاكوندامين كانا عنيدين وقد تمسكا بالمهمة طيلة تسعة أعوام ونصف طويلة وكئيبة وحارقة. وقبل وقت قصير من إتمام المشروع، سمعا أن الفريق الفرنسي الثاني – الذي يقوم بالقياسات في شمال إسكندينافيا (ويواجه صعوبات مماثلة، من المستنقعات الراكدة إلى قطع الجليد الطافية) - اكتشف أن درجة كانت في الواقع أطول قرب القطبين، كما وعد نيوتن. إن الأرض هي أضخم بثلاثة وأربعين كيلومتراً حين تقاس استوائياً مما هو الأمر حين تقاس
من القمة إلى القاع حول القطبين.
وهكذا أمضى بوجويرولاكوندامين عقداً من الزمن تقريباً يعملان من أجل نتيجة لم يرغبا باكتشافها، كي يعلما فقط أنهما ليسا أول من اكتشفها. أتما مسحهما بكسل، مما أكد أن الفريق الفرنسي الأول كان على صواب. ثم – (وكانا ما يزالان لا يتكلمان) - عادا إلى الساحل واستقلا سفينتين منفصلتين إلى الوطن.
هناك شيء آخر حدسه نيوتن في كتاب المبادئ وهو أن خيط فادن معلق قرب جبل سيميل بشكل ضئيل جداً نحو الجبل، متأثراً بالكتلة المغنطيسية للجبل وكذلك بكتلة الأرض. كانت هذه أكثر من حقيقة مثيرة للفضول. إذا قستم الانحراف بنحو صحيح واستنتجتم كتلة الجبل، فإن بوسعكم حساب الثابت الجاذبي الكوني أي القيمة الأساسية للجاذبية المعروف باسم (ج) ومعها كتلة الأرض.
حاول بوجويسر ولا كوندامين القيام بهذا في جبل شمبورازو في بيرو، ولكنهما لم يفلحا بسبب الصعوبات التقنية وشجارهما، وهكذا بقيت الفكرة معلقة طوال ثلاثين سنة أخرى إلى أن بعثها في إنكلترة نيفيل ماسكيلين، عالم الفلك الملكي. وفي كتاب دافا سوبل المشهور خط الطول، يُصور ماسكيلين بالمغفل والوغد؛ لأنه أخفق في تقدير تألق صانع الساعة جون هاريسون، ويمكن أن يكون هذا صحيحاً، ولكننا مدينون له بطرق أخرى لم تذكرها سويل في كتابها، ومنها خطته الناجحة لوزن الأرض.
أدرك ماسكيلين أن لب المشكلة يكمن في العثور على جبل له شكل منتظم بما يكفي من أجل الحكم على كتلته. وبإلحاح منه، وافقت الجمعية الملكية على دعوة شخص جدير بالثقة؛ كي يسافر إلى الجزر البريطانية، ويرى إن كان يمكن العثور على جبل كهذا. عرف ماسكيلين تماماً هذا الشخص: إنه عالم الفلك والماسح تشارلز ماسون.
صار ماسكيلين وماسون صديقين قبل إحدى عشرة سنة، بينما كانا منخرطين في مشروع لقياس حدث فلكي له أهمية عظيمة: مرور كوكب الزهرة أمام الشمس. وقد اقترح إدموند هالي – الذي لا يتعب – قبل سنوات أنك إذا قست عمليات العبور هذه من نقاط مختارة على الأرض، تستطيع استخدام مبادئ المسح المثلثي لاستنتاج المسافة من الأرض إلى الشمس، ومن ثم كي تعاير المسافات إلى كل الأجرام الأخرى في المنظومة الشمسية.
إن عبور كوكب الزهرة - كما هو معروف - حدث غير منتظم لسوء الحظ. ويحصل مرتين كل ثماني سنوات، ومن ثم يغيب لقرن أو ما يقارب ذلك، ولم يحدث في مدة حياة هالي* . ولكن الفكرة احتدمت، وحين حدث العبور اللاحق في حينه في 1761 - تقريباً بعد عقدين من وفاة هالي – كان العالم العلمي في الواقع أكثر استعداداً مما كان عليه من قبل من أجل حدث فلكي.
انطلق العلماء إلى أكثر من مئة موقع في أنحاء الكوكب بغريزة المحنة، التي وسمت ذلك العصر: إلى سيبيريا والصين وإفريقية الجنوبية وإندونيسيا وغابات وسكنسون، بين أمكنة أخرى كثيرة. أرسلت فرنسة اثنين وثلاثين راصداً، وأرسلت بريطانيا ثمانية عشر، وانطلق آخرون من السويد وروسية وإيطالية وألمانية وأيرلندة وأمكنة أخرى.
كانت هذه أول مغامرة علمية تعاونية في التاريخ، وقد واجهت المشكلات في معظم الأمكنة. عانى كثير من الراصدين من الحرب أو المرض أو غرقت سفنهم. وصل آخرون إلى وجهاتهم ولكنهم حين فتحوا صناديقهم وجدوا أن أجهزتهم محطمة أو أفسدتها الحرارة الاستوائية. ومرة أخرى بدا كأنه مقدر على الفرنسيين أن يقدموا معظم المشاركين غير المحظوظين المذكورين. فقد أمضى جان تشاب Jean Chappe شهوراً يسافر إلى سيبيريا بالعربة، والقارب ومركبة الجليد، معتنياً بأجهزته الحسّاسة عند كل قفزة مهلكة، فقط كي يجد المرحلة الأخيرة مسدودة بأنهار هائجة، نتيجة أمطار ربيعية غزيرة، التي سارع المحليون كي يحملوه مسؤوليتها بعد أن رأوه يوجه أدوات غريبة نحو السماء. ولكن تشاب هرب ناجياً بحياته ولكن دون أدوات مفيدة.
وكان حظ غيوم لوجنتل أكثر سوءاً وقد لخص تجاربه بشكل رائع تيموثي فيريز
في كتابه بلوغ سن الرشد في الطريق اللبنية. انطلق لوجنتل من فرنسة قبل سنة من الموعد؛ كي يرصد العبور من الهند ولكن نكسات مختلفة أبقته في البحر في يوم العبور – في أسوأ مكان – بما أن القياسات الثابتة مستحيلة في سفينة مهتزة.
واصل لوجنتل طريقه إلى الهند بشجاعة، كي ينتظر العبور اللاحق في 1796. وبما أنه كان أمامه ثماني سنوات كي يستعد، شيّد محطة رصد من المرتبة الأولى، واختبر وأعاد اختبار أجهزته ووضع كل شيء في حالة استعداد تامة. وفي صباح العبور اللاحق، 4 حزيران 1796، استيقظ في يوم رائع، ولكن، حين بدأ كوكب الزهرة عبوره، انزلقت سحابة أمام الشمس وبقيت هناك طوال مدة العبور التي هي ثلاث ساعات وأربع عشرة دقيقة وسبع ثوان.
حزم لوجنتل أدواته بوقار وانطلق إلى أقرب ميناء، ولكنه أصيب على الطريق بالزحار وظل مستلقياً طيلة سنة. كان ما يزال ضعيفاً، ولكنه أخيراً صعد إلى سفينة. وكانت على وشك التحطم بسبب إعصار مقابل الساحل الإفريقي. حين وصل أخيراً إلى الوطن، بعد إحدى عشرة سنة ونصف من انطلاقه – ودون أن ينجز أي شيء - اكتشف أن أقرباءه أعلنوا أنه مات في أثناء غيابه وقاموا بنهب
مزرعته.
بالمقارنة، كانت خيبات الأمل التي واجهها الراصدون البريطانيون الثمانية عشرة المبعثرون خفيفة. رافق ماسون ماسح شاب يدعى جريمياه دكسون وكانت علاقتهما على ما يبدو جيدة، إذ أنهما شكلا شراكة دائمة. كانت التوجيهات تقتضي أن يسافرا إلى سومطرة ويضعا خريطة للعبور من هناك، ولكن بعد ليلة واحدة في البحر هاجمت فرقاطة فرنسية سفينتهما (وبالرغم من أن العلماء كانوا في مزاج تعاون دولي، فإن الأمم لم تكن كذلك). أرسل ماسون ودكسون رسالة إلى الجمعية الملكية منبهين أن الأمر خطير بنحوكريه في أعالي البحار، وتساءلا إن كان ينبغي أن يتم الأمر). لكنهما تلقيا إجابة سريعة يحتوي على توبيخ بارد، وأنه تم الدفع لهما وأن الجماعة العلمية تعتمد عليهما، وأن إخفاقهما في المتابعة سيؤدي إلى فقدانهما الذي لا يُعوّض لسمعتهما. اضطرا إلى الإبحار، ولكن على الطريق وصلهما أن سومطرة وقعت في يد الفرنسيين، وهكذا رصدا العبور بشكل غير كاف من رأس الرجاء الصالح. وفي طريق العودة إلى الوطن عرجا على جزيرة القديسة هيلينا الأطلسية المعزولة، حيث قابلا ماسكيلين، الذي أعاقت السحابة رصده. شكل ماسون وماسكيلين صداقة قوية وأمضيا أسابيع ممتعة ومفيدة في رسم خرائط المد والجزر.
بعد ذلك حالاً، عاد ماسكيلين إلى إنكلترة، حيث أصبح عالم فلك ملكياً، أما ماسون ودكسون اللذان هما الآن على ما يبدو أكثر تأقلماً، فقد أمضيا أربع سنوات طويلة مهلكة يمسحان طريقهما عبر 244 ميلاً من البرية الأميركية الخطرة: كي يحلا نزاعاً على الحدود بين مستعمرتي وليم بن واللورد بالتيمور الشخصيتين بنسلفانيا وماريلاند. كانست النتيجة خط ماسون دكسون الشهير، الذي اكتسب فيما بعد أهمية رمزية كخط يفصل بين الولايات الحرة وولايات العبيد. (بالرغم من أن الخط كان مهمتهما الرئيسة، فإنهما أيضاً أسهما في مسوحات فلكية عديدة، وبينها أكثر القياسات صحّة في القرن لدرجة خط الزوال، وكان هذا إنجازاً حقق لهما من الشهرة في إنكلترة أكثر بكثير من حل نزاع على الحدود بين أرستقراطيين فاسدين).
حين عاد إلى أوروبة، أجبرماسكيلين ونظراؤه في ألمانية وفرنسة على قبول خاتمة أن قياسات العبور في 1761 كانت جوهرياً خائبة. وكانت المفارقة أن إحدى المشكلات هي كثرة عمليات الرصد، التي حين جُمعت سوية، غالباً ما برهنت أنها متناقضة ومن المستحيل حلّها. وقام بالقياس الناجح لعبور كوكب الزهرة قبطان بريطاني غير معروف ولد في يوركشير يدعى جيمس كوك James Cook، الذي راقب العبور الذي تم في سنة 1769 من قمة هضبة مشمسة في تاهيتي، ثم ذهب كي يضع خريطة لأسترالية وطالب بإلحاقها بالتاج البريطاني. لدى عودته كان هناك ما يكفي من المعلومات العالم الفلك الفرنسي جوزيف لالاند Joseph Lalande كي يحسب أن متوسط البعد من الأرض إلى الشمس كان أكثر بقليل من 150 مليون كيلومتر. (حدث عبوران آخران في القرن التاسع عشر سمحا لعلماء الفلك أن يجعلوا الرقم 149.59 مليون كيلومتر، حيث بقي منذ ذلك الوقت). ونعرف الآن أن المسافة الدقيقة هي 149.59780691 مليون كيلومتر. صار للأرض أخيراً موقع في الفضاء.

عاد ماسون ودكسون إلى إنكلترة كبطلين علميين، ولكنهما حلا شراكتهما
لأسباب مجهولة. وبالرغم من تكرّر بروزهما في الأحداث الإبداعية في علم القرن التاسع عشر، فإنه من الغريب أنه لم يُعرف عنهما سوى قليل. لا يوجد صور لهما ولم يبق إلا بعضى الإشارات المدونة.
ويقول قاموس السير الذاتية القومية عن دكسون بنحو خادع إنه قيل: «إنه ولد في منجم للفحم»، ثم يترك الأمر لخيال القارئ كي يقدم ظرفاً تفسيرياً قابلاً للتصديق، ويضيف أنه مات في دور مهم عام 1777. وبغض النظر عن اسمه وصداقته الطويلة مع ماسون، لا شيء أكثر من هذا كان معروفا عنه.
كان ماسون أقل غموضاً بنحوضئيل. نعرف أنه قبل عام 1772 وبطلب من ماسكيلين مهمة العثور على جبل ملائم من أجل تجربة الانحراف الجاذبي، وأخيراً أجاب أن الجبل الذي يحتاجون إليه موجود في الأراضي الأسكتلندية الوسطى المرتفعة، تماماً فوق (لوتش تي)، وكان يُدعي (تشيهاليون). لا شيء، على أي حال، سيغويه كي يمضي الصيف في مسحه. لم يعد أبداً إلى الميدان مرة
ثانية. كانت حركته اللاحقة المعروفة في 1786 حين - بنحو مفاجي وغامض - ظهر في فيلادلفيا مع زوجته وأطفاله الثمانية، وكان على ما يبدو على شفا الفقر المدقع. ولم يعد إلى أمريكة منذ أن أكمل مسحه هناك قبل ثماني عشرة سنة، ولم يكن لديه سبب معروف لوجوده هناك، ولم يكن هناك أي أصدقاء أورعاة كي يرحبوا به. بعد بضعة أسابيع وافته المنية.
بعد أن رفض ماسون مسح الجبل، وقع العمل على عاتق ماسكيلين. وهكذا عاشس ماسكيلين مدة أربعة أشهر في صيف 1774 في خيمة في واد أسكتلندي ضيق ومنعزل وبعيد وأمضى أيامه يدير فريقاً من الماسحين الذين قاموا بمئات القياسات من جميع المواضع الممكنة. واقتضى الأمر للعثور على كتلة الجبل من كل هذه الأرقام كمية كبيرة من الحسابات المملة، التي انخرط فيها عالم رياضيات يُدعى تشارلز هتون Charles Hutton. غطى الماسحون خريطة بأعداد كبيرة من الأرقام، وكل منها يُحدّد ارتفاعاً في نقطة ما في الجبل أو حوله. كانت كتلة مشوّشة من الأرقام، ولكن هتون لاحظ أنه إذا استخدم قلم رصاص كي يصل بين النقاط ذات الارتفاع المتساوي، فإنها ستصبح كلّها أكثر ترتيباً. وبالفعل، يستطيع المرء أن يفهم على الفور حجم الجبل الكلي ومنحدره. لقد ابتكر الخط الكفافي.

مقدّراً من قياساته لجبل تشيهاليون، حسب هتون كتلة الأرض بأنها تبلغ خمسة آلاف مليون مليون طن، ويمكن أن يستنتج منها بنحو معقول حجم كل الأجرام الرئيسية في المنظومة الشمسية. وهكذا من هذه التجربة عرفنا حجم الأرض والشمسر والقمر والكواكب الأخرى وأقمارها، وحصلنا على خطوط كفافية في الصفقة، وهذا ليس سيئاً مقابل عمل الصيف.
لم يقتنع الجميع بالنتائج، على أي حال. إن تجربة قياس تشيهاليون هو أنه لم
يكن من الممكن الحصول على رقم صحيح دون معرفة الكثافة الفعلية للجبل. من
أجل التبسيط، افترض هتون أن للجبل كثافة الصخور العادية نفسها، وأكبر من كثافة الماء بمرتين ونصف، ولكن هذا التخمين لم يكن علمياً.
كان أحد الأشخاص الذين ركزوا تفكيرهم على المادة ريفياً يدعى جون متشيل John Mitchel، سكن في قرية يوركشير المنعزلة ثورنهيل. وبالرغم من موقعه البعيد نسبياً والمتواضع، كان ميتشيل أحد أعظم المفكرين العلميين في القرن الثامن عشر، وقد حظي باحترام كبير من أجل هذا.
فهم ميتشيل – بين أمور أخرى كثيرة جداً – الطبيعة التموجية للزلازل، وقام بكثير من البحث الأصيل في المغناطيسية والجاذبية، وتصور بنحوفائق للعادة تماماً، احتمال وجود الثقوب السوداء قبل 200 عام من أي شخص آخر، وكانت هذه قفزة حتى نيوتن لم يستطع القيام بها. وحين قرر الموسيقار المولود في ألمانية ويليم هرشل William Herschel أن اهتمامه الأساسي في الحياة هو علم الفلك، استدار إلى ميتشيل كي يرشده في صناعة التلسكوبات، وكان هذا لطفاً أصبح علم الكواكب مديناً له به منذ ذلك الوقت*.
ولكن من بين كل ما أنجزه ميتشيل، لا شيء كان أكثر براعة وتأثيراً من آلة صممها وبناها لقياس حجم الأرض. ولسوء الحظ، وافته المنية قبل أن يتمكن من القيام بالتجارب، وعُهد بكل من الفكرة والأجهزة الضرورية إلى عالم لندني متألق ومتقاعد يدعى هنري كافندش Henry Cavendish.
يشكل كافندش كتاباً بنفسه. فقد ولد في حياة من الترف الشهوي. كان جداه دوقين، على التعاقب، لكل من ديفونشيروكينت وكان أكثر العلماء الإنكليز موهبة في عصره، ولكنه كان أغربهم أيضاً. ولقد عانى – كما عبر أحد كتاب سيرته – من الخجل، «إلى درجة تقارب المرض». وكان أي اتصال بشري بالنسبة له مصدراً للتعب الأكبر.
مرة فتح بابه ليعثر على معجبه النمساوي – وقد وصل لتوه من فيينا - عند العتبة. بدأ النمساوي مثاراً يطري له المديح. تلقى كافندش الإطراءات لعدة لحظات وكأنها ضربات من شيء حادّ، وحين لم يقدر على تلقي أي إطراء إضافي، هرب سالكاً الممر ثم خرج من البوابة، تاركاً الباب الأمامي مفتوحاً على مصراعيه. ومرت عدة ساعات قبل أن يقبل العودة إلى ملكيته. حتى إن خادمه اتصل به مرسلاً رسالة.
كان يغامر أحياناً ويخرج إلى المجتمع وخصص وقتاً للسهرات العلمية، التي كان يستضيفها عالم الطبيعة العظيم السير جوزف بانكس Sir Joseph Banks. وكان يتم التوضيح دوماً للضيوف الآخرين أنه يجب ألا ينظر إلى كافندش، أو يتم الاقتراب منه مهما كان السبب. نُصح الذين جذبتهم أفكاره بأن يقتربوا منه وكأن ذلك تم بالمصادفة وبأن «يتحدثوا وكأن الأمر في فراغ»، إذا كانت ملاحظاتهم جديرة علمياً يمكن أن يتلقوا إجابة مغمغمة، ولكنهم كانوا في غالب الأحيان يسمعون صوتاً قصيراً حاداً مزعجاً (يبدو أن لصوته نبرة عالية)، ويستديرون ليجدوا فراغاً فعلياً ومشهد كافندش هارباً إلى زاوية أكثر هدوءاً.
سمحت له ثروته وميوله إلى العزلة أن يحول منزله في (كلابمهم) إلى مختبر ضخم حيث استطاع ان يبحث دون ان يزعجه احد في جميع فروع العلوم الفيزيائية: الكهرباء, والحرارة, والجاذبية, والغازات, واي شيء يتعلق بتركيب المادة.
كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر يتميز بميل العقول العلمية إلى الاهتمام الكبير بالمواصفات الفيزيائية للأشياء الجوهرية الغازات والكهرباء خاصة، وبدؤوا يرون ما يمكن أن يفعلوه بها، وغالباً بحماس أكبر من العقل. ففي
أمريكية، جازف بنجامين فرانكلين بحياته كما هو معروف عبر تطيير طائرة ورقية في عاصفة كهربائية. وفي فرنسة اختبر كيماوي يُدعى بيلاتر دوروسازييه Pilatre de Rosazier اشتعال الهيدروجين عن طريق ابتلاع كمية ونفخها على اللهب المكشوف، مبرهناً بضربة أن الهيدروجين قابل للاشتعال بنحو انفجاري وأن الحاجبين ليسا بالضرورة سمة دائمة للوجه. وبدوره، أجرى كافندش تجارب أخضع فيها نفسه لصدمات كهربائية متدرجة، منتبهاً بذكاء إلى المستويات المتزايدة للألم إلى درجة أنه لم يعد يستطيع التحكم بوشيعته أووعيه. وفي مجرى حياة طويلة، قام كافندش بسلسلة من الاكتشافات الرائعة بين أمور كثيرة، كان الشخص الأول الذي عزل الهيدروجين وأول من مزج بين الهيدروجين والأوكسجين كي يشكل الماء. وكانت الأمور التي فعلها غريبة مثله. وكان يلمح دوماً في أعماله المنشورة إلى نتائج تجارب لم يخبر أحداً عنها مما سبب السخط الدائم لزملائه العلماء. لم يكن يشبه نيوتن في سريته فحسب، وإنما تجاوزه بقوة. وقد سبقت تجاربه في توصيل الكهرباء زمنها بقرن، ولكن لسوء الحظ بقيت غير مكتشفة إلى أن مرّ ذلك القرن. وبالفعل لم يعرف الجزء الأكبر مما فعله حتى أواخر القرن التاسع عشر، حين تولى عالم الفيزياء من كمبريدج جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Mxwell مهمة تحقيق أبحاث كافندش، وفي ذلك الوقت كانت تعزى اكتشافاته للآخرين دوماً.

ومن بين كثير من الأمور، ودون أن يخبر أحداً، اكتشف كافندش أو توقع قانون
بقاء الطاقة*، وقانون أوم، وقانون دالتون عن الضغوط الجزئية، وقانون رختر عن النسب المتبادلة، وقانون لوللغازات، ومبادى التوصيل الكهربائي. كانت هذه
بعضس إنجازاته فحسب. وقال المؤرخ العلمي ج.غ. غروسرJ.G.Growther ان كافندش أشار إلى «عمل كلفن وج. هـ. دارون عن تأثير الاحتكاك المدي في إبطاء دوران الأرض، واكتشاف لامور، الذي نشر في 1915، عن تأثير التبريد الجوي المحلي... وعمل بيكرينج عن خلائط التجميد ، وبعض عمل روسبوم عن التوازن المغاير». وأخيراً، ترك مفاتيح قادت مباشرة إلى اكتشاف مجموعة العناصر المعروفة بالغازات الخاملة **، التي كان بعضها مخادعاً، بحيث إنه لم يكتشف آخر غاز منها حتى 1962. ولكن اهتمامنا ينصب هنا على تجربه كافندش الأخيرة المعروفة – حين في أواخر صيف 1797، وفي عمر السابعة والستين – أدار انتباهه إلى صناديق الأجهزة التي تركها له جون ميتشل بسبب احترامه العلمي له.
حين تم تجميع أجهزة ميتشل لم تبد كونها نسخة من القرن الثامن عشر من آلة نوتيلوس للتدريب على الأثقال. كانت تحتوي على الأوزان، والأوزان المضادة، والبندولات والمقابض والأسلاك الالتوائية. وفي قلب الآلة كان هناك كرتان من الرصاص يبلغ وزنهما 350 رطلاً، تتدليان قرب كرتين أصغر. وكانت الفكرة هي قياس الانحراف الجاذبي للكرتين الأصغر بواسطة الكرتين الأكبر، مما سيؤدي إلى القياس الأول للقوة المخادعة المعروفة باسم الثابت الجاذبي، الذي منه يمكن أن يُستنتج وزن الأرض (بحصر المعنى كتلتها)*.
ولأن الجاذبية تحفظ الكواكب في مدارها وتجعل الأشياء الساقطة تسقط وتنفجر، نميل إلى التفكير بها بوصفها قوة جبارة، لكنها ليست كذلك في الحقيقة.
إنها فقط جبارة بمعنى جمعي، حين يصدم شيء ضخم كالشمس، جرماً آخر كبيراً كالأرض. وفي مستوى أولي الجاذبية غير قوية بنحوفائق للعادة. ففي كل مرة تلتقط فيها كتاباً عن الطاولة أو قطعة نقدية عن الأرض، فإنك تتغلب دون جهد على الجهد الجاذبي لكوكب بأكمله. ما كان كافندش يحاول فعله هوقياس
الجاذبية على هذا المستوى الذي هو بوزن الريشة.
كانت الرهافة هي الكلمة الأساسية. لا يمكن السماح لهمسة مزعجة بالدخول إلى غرفة تحتوي على الأجهزة، بحيث إن كافندش اتخذ موقعاً في غرفة مجاورة، وقام بأرصاده بتلسكوب موجه عبر ثقب. كان العمل دقيقاً بنحولا يُصدق، وتضمّن سبعة عشر قياساً حساساً ومتداخلاً، استغرق إنجازها عاماً كاملاً. وحين أنهى أخيراً حساباته، أعلن كافندشس أن وزن الأرض يبلغ أكثر بقليل من 13.000.000.000.000.000.000.000 رطل، أو ستة بلايين ترليون طن متري*، إذا استخدمنا القياس الحديث.
يمتلك العلماء اليوم تحت تصرفهم آلات دقيقة جداً، بحيث يستطيعون معرفة وزن بكتيريا واحدة وحساسة جداً، وبحيث إن القراءات يمكن أن يزعجها شخص يتثاء على بعد خمسة وسبعين قدماً، لكنها ليست أفضل بكثير من أجهزة كافندش في 1797. إن التقدير الأفضل الحالي لوزن الأرض هو 5.9725 بليون ترليون طن، والفرق هو نحو 1% عن رقم كافندش. المهم، هو أن هذا أكد التقديرات التي قام بها نيوتن قبل 110 أعوام من كافندش دون أي دليل تجريبي مطلقاً.
على أي حال، عرف العلماء في أواخر القرن التاسع عشر بدقة كبيرة حجم الأرض وأبعادها وبعدها عن الشمس والكواكب، والآن، قدّم لهم كافندش - حتى
دون ان يغادر منزله – وزنها. وهكذا يمكنكم أن تفكروا أن تحديد عمر الأرض
دقيق بشكل نسبي. فقد كانت المواد الضرورية متوافرة لهم في الواقع. ولكن كلا. إن البشر سيشطرون الذرّة ويخترعون التلفاز، والنايلون والقهوة السريعة قبل أن
يستطيعوا تخمين عمر كوكبهم.
كي نفهم لماذا، ينبغي أن نسافر شمالاً إلى أسكتلندة ونبدأ مع رجل متألق وعبقري، لم يسمع به سوى قلة، هو الذي كان قد أبدع لتوه علماً يُدعى الجيولوجيا.

الفصل الخامس
كسارة الحجارة
في الوقت الذي كان فيه هنري كافندش يكمل تجاربه في لندن، كان هناك على بعد أربع مئة ميل في أدنبرة نوع آخر من لحظة ختامية، كانت على وشك أن تحدث مع موت جيمس هتون. كانت هذه أنباء سيئة لهتون بالطبع، لكنها أنباء طيبة للعلم بما أنها فتحت الطريق لرجل يدعى جون بليفر John Playfair كي يعيد كتابة
عمل هتون دون خوف من الارتباك.
كان هتون – كما تفيد جميع الروايات – رجل الاستبصارات الأكثر عمقاً والأحاديث الأكثر حيوية، وكانت رفقته ممتعة، ولا يضاهيه أحد حين يتعلق الأمر بفهم العمليات الغامضة البطيئة التي صاغت الأرض. ولسوء الحظ، لم يكن قادراً على وضع أفكاره في صيغة قابلة للفهم. كان، كما قال أحد كتاب السيرة بحسرة: «غير موهوب لغوياً». وكان كل سطر كتبه يسبب النعاس. وهذا واضح في كتابه العظيم الذي نشر 1795، بعنوان نظرية للأرض ببراهين ورسوم توضيحية، الذي يناقش... حسناً، شيئاً ما:
«إن العالم الذي نعيش فيه مؤلف من مواد، وليس من الأرض التي كانت الوريث
المباشر للحاضر، ولكن من الأرض التي كانت الوريث، في صعودها من الحاضر نعدّها بأنها
الثالثة، التي سبقت الأرض التي كانت فوق سطح البحر، بينما كانت أرضنا الحالية ما تزال تحت مياه المحيط».
مع ذلك، أنشأ وحده، وببراعة، علم الجيولوجيا وغير فهمنا للأرض. ولد
هتون عام 1726 لأسرة أسكتلندية ثرية، وتمتع بالراحة المادية التي سمحت له أن يمضي مدة طويلة من حياته في دورة موسعة عبقرية من العمل الخفيف والتحسن الفكري. درس الطب، لكنه لم يشعر بميل نحوه واختار بدلاً من ذلك الزراعة،

التي عمل فيها بطريقة مسترخية وعلمية في عزبة العائلة في برويكشير، متعباً من الحقل والماشية، انتقل في 1768 إلى أدنبرة، حيث أسس عملاً ناجحاً منتجاً ملح النشادر من سخام الفحم، وشغل نفسه باهتمامات علمية متنوعة. كانت ادنبرة في ذلك الوقت مركزاً للنشاط الفكري وقد استفاد هتون من جوها الغني. صار عضواً بارزاً في جمعية دُعيت نادي أويستر، حيث كان يمضي أمسياته في رفقة رجال مثل عالم الاقتصاد آدم سميث، وعالم الكيمياء جوزف بلاك والفيلسوف ديفد هيوم، وكذلك بعض الشرارات الزائرة مثل بنجامين فرانكلين وجيمس واط.
وبحسب تقاليد تلك الأيام، اهتم هتون بكل شيء تقريباً، من علم المعادن إلى الميتافيزيقيا. وقام بتجارب في المواد الكيماوية، واستقصى طرق تعدين الفحم الحجري وشق القنوات، وزار مناجم الملح، وتأمل في آليات الوراثة، وجمع المستحاثات وقدّم نظريات عن الأمطار، وبنية الهواء وقوانين الحركة، بين أمور كثيرة. ولكن اهتمامه الأساسي انصب على الجيولوجيا.
ومن بين المسائل التي شدّت الانتباه في ذلك العصر الاستقصائي بنحو مسعور كانت مسألة حيرت البشر مدة طويلة، وأعني لماذا كان يُعثر على أصداف البطلينوس ومستحاثات بحرية أخرى غالباً في قمم الجبال. كيف حصل ووصلت إلى هناك ؟ إن الذين اعتقدوا أن لديهم حلاً انقسموا إلى معسكرين مختلفين. كان أحد المعسكرين يعرف باسم النبتونيين Neptunists، الذين اقتنعوا أن كل شيء على الأرض – بما فيه الأصداف البحرية في الأماكن المرتفعة – يمكن أن يشرح عن طريق ارتفاع وانخفاض مستويات البحر. اعتقدوا أن الجبال والتلال والسمات الأخرى قديمة قدم الأرض، ولم تتغير إلأ حين اندفعت المياه فوقها في أثناء مدد من الطوفان العالمي.
ولكن كان يعارضهم البلوتونيون PlutoniStS الذين قالوا: إن البراكين والزلازل - بين وسائط أخرى حية – تغير باستمرار وجه الكوكب ولكنها لا تدين بأي شيء للبحار المتقلبة. طرح البلوتونيون أيضاً أسئلة مهمة مثل: إلى أين تذهب المياه

كلّها حين لا تطوف. لوكان هناك ما يكفي منها أحياناً لغمر جبال الألب، إذاً أين هى – بحق اللّه – في أثناء أوقات الهدوء، مثل الآن ؟ اعتقدوا أن الأرض خاضعة لقوى داخلية عميقة، كما هو الأمر لقوى سطحية. على أي حال، لم يستطيعوا أن
يشرحوا بنحو مقنع كيف وصلت كل أصداف البطلينوس إلى هناك.
في أثناء الحيرة من كل تلك الأمور وصل هتون إلى سلسلة من الاكتشافات العميقة. فعبر النظر إلى أرض مزرعته، استطاع أن يرى أن التربة ناجمة عن حت الصخور وأن جزيئات هذه التربة تذهب بعيداً باستمرار، وتنقلها الجداول والأنهار، وتعيد إيداعها في أمكنة أخرى. وأدرك أنه لواستمرت هذه العملية إلى خاتمتها الطبيعية لتأكلت الأرض وصغرت. مع ذلك، في كل مكان حوله، كان هناك تلال. وعلى ما يبدو يجب أن تكون هناك عملية إضافية، نوع من التجديد والترقي، ينشئ تلالاً وجبالاً جديدة لجعل الدورة تستمر. إن المستحاثات البحرية على قمم الجبال – كما قال – لم تودع في أثناء الطوفانات، وإنما نهضت مع الجبال نفسها. وقد استنتج أيضاً أن الحرارة التي في باطن الأرض هي التي خلقت الصخور والقارات ورفعت سلاسل الجبال. ولا نبالغ إذا قلنا: إن علماء الجيولوجيا لم يفهموا التعقيدات الكاملة لهذه الفكرة إلا بعد مئتي عام، حين تبنوا في النهاية مفهوم الألواح التكتونية للأرض(*). قبل كل شيء، ما اقترحته نظريات هتون هو أن العمليات التي شكلت الأرض تتطلّب زمناً طويلاً جداً، أكثر مما حلم به أي شخص بكثير. كان هناك ما يكفي من الاستبصارات هنا لتغيير فهمنا للكوكب بشكل كامل.
في عام 1785 عبر هتون عن أفكاره في مقالة طويلة قرئت في اجتماعات متتالية للجمعية الملكية في أدنبرة. لكنها لم تشدّ انتباه أحد مطلقاً. وليس من الصعب معرفة السبب في ذلك. ونوضح لكم هنا جزئياً كيف قدّمها للقراء:
"*" فرع من الجيولوجيا يبحث في المعالم التركيبية الكبرى للأرض وأسبابها. المترجم.

في إحدى الحالات، إن علة التشكيل هي في الجرم المنفصل؛ ذلك أنه، بعد أن حفزت الحرارة الجرم، فإنه بفعل رد فعل المادّة الملائمة تشكل الصدع الذي شكل الشق. وفي الحالة الأخرى مرة ثانية، إن العلة عرضية بالعلاقة مع الجرم الذي تشكل فيه الصدع. لقد حدث التمزق والانكسار الأكثر عنفاً، ولكن العلة ما تزال غير مكتشفة، ولا تظهر في الشق؛ إذ ليس في كل تمزق وتصدّع للجرم الصلب لأرضنا، يُعثر على المعادن، أو المواد الملائمة للعروق المعدنية.
من نافلة القول: إنه لا أحد تقريباً من الجمهور امتلك أدنى فكرة عما كان يتحدث عنه هتون. وحين شجعه أصدقاؤه كي يوسع نظرياته، آملين أن يعبر عن الوضوح في صيغة أكثر شمولاً، أمضى هتون السنوات العشر اللاحقة في تحضير أعظم كتبه، الذي نشر في جزأين سنة 1795.
وصل المجلدان إلى ألف صفحة تقريباً، وكانا – بنحو ملحوظ – أسوأ حتى مما خشي منه أصدقاؤه الأكثر تشاؤماً. فبغض النظر عن أي شيء آخر، تألف نصف العمل المنجز من اقتباسات من مصادر فرنسية، وباللغة الفرنسية. كان المجلّد الثالث غير مغر، بحيث إنه لم يُنشر حتى عام 1899، بعد أكثر من قرن على وفاة هتون، ولكن الجزء الرابع الختامي لم يُنشر أبداً. إن كتاب هتون نظرية الأرض يعد أقل الكتب العلمية قراءة (أو على الأقل سيكون كذلك إن لم يكن هنالك كتب أخرى كثيرة). أقر حتى تشارلز ليل Charles Lyell، أعظم علماء الجيولوجيا في القرن اللاحق – الذي قرأ كل شيء – أنه لا يستطيع مواصلة قراءته.
ولحسن الحظ، كان لدى هتون كاتب سيرة يدعى جون بليفر John Playfair؛ كان أستاذ الرياضيات في جامعة أدنبرة وصديقاً حميماً لهتون، الذي لم يكتب بنثر جميل فحسب وإنما بفضل قضاء سنوات كثيرة إلى جانب هتون فهم أيضاً ما الذي كان هتون يحاول قوله، معظم الوقت. وفي 1802، بعد خمس سنوات من وفاة هتون، ألف بليفر شرحاً مبسطاً للمبادئ الهتونية تحت عنوان توضيحات للنظرية الهتونية في الأرض. وتم تلقي الكتاب بامتنان من قبل أولئك الذين كانت لديهم

اهتمامات حقيقية في الجيولوجيا، الذين لم يكن عددهم كبيراً في سنة 1802. وكان هذا على وشك التغير، على أي حال.
في شتاء 1807 اجتمع ثلاثون شخصاً لهم هدف مشترك في لندن في فندق فريماسونس في لونج إيكر، وكوفنت بارك، لتشكيل نادي عشاء دعي الجمعية الجيولوجية. اتفقوا على اللقاء مرة في الشهر كي يتبادلوا الأفكار الجيولوجية في أثناء تناول كأس أو اثنين من نبيذ جزيرة ماديرا وعشاء مرح. وقد رفع ثمن العشاء قصداً إلى 15 شلناً؛ كي لا يأتي أولئك الذين لا يمتلكون سوى اهتمامات فكرية. وتوضح حالاً أنه كان هناك طلب لشيء أكبر، ولمقر دائم حيث يستطيع الناس أن يجتمعوا لمناقشة مكتشفات جديدة. وصل عدد الأعضاء إلى أربع مئة في مدة عقد تقريباً وكلهم سادة، بالطبع وكانت الجمعية الجيولوجية تهدّد بأن تطغى
على الجمعية الملكية كجمعية علمية رئيسة في البلاد.
كان الأعضاء يلتقون مرتين في الشهر من تشرين الثاني إلى حزيران، حيث كان كل واحد منهم يسافر لقضاء الصيف في القيام بعمل ميداني. لم يكن هؤلاء أشخاصاً يمتلكون اهتمامات مالية بالمعادن - أو حتى أكاديميين – وإنما مجرّد سادة يمتلكون الثروة والوقت للانغماس في هواية على مستوى مهني تقريباً. وبحلول 1830 كان هناك 745 منهم، ولن يشهد العالم مثيلاً لذلك.
من الصعب أن نتصور هذا الآن، ولكن الجيولوجيا أثارت القرن التاسع عشر استحوذت عليه بالمعنى الإيجابي بطريقة لم يفعلها أي علم من قبل أو فيما بعد. وفي 1839 ، حين نشر رودرك مرتشيسون Roderick Murchison كتابه النظام السليوري(*)، وهو دراسة مباشرة وجدّية إلى حد الملل لنمط من الصخور يُدعى صخور الطين البازلتية الرمادية، حقق على الفور أفضل المبيعات، وطبع أربع طبعات، بالرغم من أن النسخة كانت تكلف ثمانية جنيهات، وكان أسلوبه مستعصياً على القراءة على غرار أسلوب هتون. (وكما قال داعم مرتشيسون،
(*) صفة للعصر الثالث من الدهر القديم. المترجم.

كانت تنقصه «الجاذبية الأدبية»). وحين، – في عام 1841 – سافر العظيم تشارلز ليل إلى أمريكة؛ كي يلقي سلسلة من المحاضرات في بوسطن، كان يحضرها جمهور مؤلف من ثلاثة آلاف شخص كل مرة في مؤسسة لويل؛ كي يستمعوا إلى وصفه المهدّى للزيوليت(*) البحري والاضطرابات الزلزالية في كامبانيا.
وفي أنحاء العالم الحديث المفكر – ولا سيما في بريطانية – غامر رجال العلم وذهبوا إلى الريف؛ كي يقوموا بقليل من «تكسير الأحجار»، كما سمّوا الأمر. وكانت هذه عملية أخذت على محمل الجد وكانوا يميلون إلى أن يلبسوا - بوقار ملائم - قبعات وبذلات سوداء، ما عدا الموقر وليم بكلاند William Buckland من أكسفورد، الذي كان من عادته أن يقوم بعمله الميداني مرتدياً زيه الأكاديمي.
لقد جذب الميدان كثيراً من الشخصيات الفائقة للعادة، وليس فحسب مرتشيسون الذي ذكر سابقاً، الذي أمضى الثلاثين سنة الأولى من حياته يعدو وراء الثعالب، محولاً الطيور إلى أشلاء من الريش المتطاير بالخردق، ولم يظهر رشاقة ذهنية أكثر من الحاجة لقراءة صحيفة التايمز أولعب دورة من ألعاب الورق. ثم اكتشف اهتمامه بالصخور وصار عملاقاً في التفكير الجيولوجي بسرعة
مذهلة.
كان هنالك أيضاً الدكتور جيمس باركنسون James ParkinSOn، الذي كان -2 بداية حياته اشتراكياً ومؤلفاً لكثير من النشرات التحريضية بعناوين مثل «ثورة دون سفك دماء. وفي 1794 تورط في مؤامرة بدت جنونية دُعيت (مؤامرة بندقية الهواء(**)، خطط فيها لإطلاق سهم مسموم على الملك جورج الثالث في العنق وهو يجلس في مقعده في المسرح. استدعي باركنسون للتحقيق أمام مجلس شورى الملك وكان على شفا النفي مقيداً إلى أسترالية قبل أن تُسقط عنه التهم. متبنياً
(*) أي من مجموعة من سليكات الألومنيوم المائية تشتمل على صوديوم أو كلسيوم أو بوتاسيوم أو باريوم وعلى نسبة كبيرة من الماء.والزيوليتات معادن لينة نسبياً وتكون في الصخور البركانية ولا سيما البازلت. المترجم.
مي عه كم
(**) بندقية دمية للأطفال تطلق فلينة وتحدثك صوتاً مفرقعاً. المترجم.

مقاربة للحياة أكثر محافظة، وطوّر اهتماماً بالجيولوجيا وصار أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية الجيولوجية ومؤلف نص جيولوجي مهم بعنوان البقايا العضوية للعالم السابق، الذي ظل ينشر لنصف قرن. لم يسبّب أبداً أي مشكلات مرة ثانية. واليوم – على أي حال - نتذكره من أجل دراسته التي أحدثت نقطة تحول في المرض الذي دُعي آنذاك به الشلل الارتجافي، الذي عُرف بمرض باركنسون. كان لباركنسون سبب آخر ضئيل للشهرة. ففي 1785 أصبح أول شخص في التاريخ يكسب متحف تاريخ طبيعي في عملية بيع بالقرعة. والمتحف الذي يقع في حي ليشستر بلندن، أسسه السير آشتون ليفر، الذي دفع نفسه إلى الإفلاس بسبب جمعه غير المكبوح للعجائب الطبيعية. حافظ باركنسون على المتحف حتى عام
1805 ، حين لم يعد يستطيع دعمه تم تحطيم المجموعة وبيعها.
لم تكن شخصية تشارلز ليل مهمة على غرار الآخرين لكنه كان أكثر تأثيراً منهم كلهم مجتمعين. ولد ليل في العام الذي توفي فيه هتون على بعد سبعين ميلاً فقط، في قرية كينوردي. وبالرغم من أنه أسكتلندي المولد، فقد ترعرع في الجنوب الأقصى البريطاني، في الغابة الجديدة لمهمبشير، لأن أمه اقتنعت أن الأسكتلنديين كانوا سكارى عقيمين. وكما كان نمط السادة العلماء في القرن التاسع عشر عامة، جاء ليل من خلفية الثروة المريحة والحيوية الفكرية. وكان والده - الذي اسمه تشارلز أيضاً – يمتلك الميزة غير العادية بكونه مرجعاً أساسياً عن الشاعر دانتي وعن الطحالب. (وسمي Orthotricium lyelli الذي جلس عليه معظم زوار الريف الإنكليزي على اسمه). اكتسب ليل من والده اهتماماً بالتاريخ الطبيعي ولكن هناك في أكسفورد حدث ووقع تحت تأثير الموقر وليم بكلاند الذي كان يرتدي العباءة الفضفاضة بحيث بدأ ليل الشاب اهتمامه، الذي استمر مدى الحياة بالجيولوجيا.
كان بكلاند شخصية غرائبية ساحرة. حقق بعض الإنجازات الحقيقية، ولكنه يُذكر بالقدر نفسه من أجل عاداته الغريبة. وقد نوّه به بنحوخاض من أجل مجموعة من الحيوانات البرية، بعضها ضخم وخطر، سمح لها بأن تتجوّل في منزله

وحديقته، ومن أجل رغبته بمعرفة جميع حيوانات الخلق. وبحسب النزوات والمواد المتوفرة، كان يمكن أن يقدم للضيوف في منزل بكلاند لحم الخنزير الغيني، أو لحم الفئران في مخيض لين وبيض، والقناف المشوية أو الخيشوم المسلوق الآسيوي الجنوبي الشرقي. كان بكلاند يعدّها كلها جيدة، باستثناء خلد الحديقة الشائع، الذي أعلن أنه مقرف، أصبح المرجع الرئيس في التجوالمستحجر(*) وقد كان لديه طاولة مصنوعة بنحو كامل من مجموعته من العينات.
أظهر فذاذة حتى حين قام بأبحاث علمية جدّية على طريقته. مرة استيقظت السيدة بكلاند مهتزة في منتصف الليل، وكان زوجها يصرخ مثاراً: «يا عزيزتي، أعتقد أن آثار أقدام التشيروثيريوم Cheirotherium هي دون شك كآثار أقدام السلاحف». فأسرعا إلى المطبخ في ثياب النوم. صنعت السيدة بكلاند عجيناً من الطحين، ومددته على الطاولة، بينما أحضر الموقر بكلاند سلحفاة الأسرة. وضعها على العجين، جعلاها تمشي إلى الأمام واكتشفا بمتعة أن آثار أقدامها تطابق فعلاً تلك المستحاثة التي كان بكلاند يدرسها. اعتقد تشارلز دارون أن بكلاند مهرج كانت هذه هي الكلمة التي استخدمها، ولكن ليل وجده ملهماً وأحبّه بما يكفي كي يذهب معه في جولة إلى أسكتلندة في 1824. قرر ليل حالأبعد هذه الرحلة أن يهجر مهنة القانون ويكرس نفسه للجيولوجيا بشكل كامل.
كان ليل حسير البصر وواصل معظم حياته بحولي مؤلم، مما منحه جواً مزعجاً.
(أخيراً فقد بصره). كانت خصوصيته الأخرى هي أنه حين تشغله فكرة يتخذ وضعيات غير متوقعة على الأثاث فيستلقي على كرسيين أو «يريح رأسه على مقعد كرسي بينما هوواقف» (كما قال صديقه دارون). وحين يستغرق في التفكير ينزل عن الكرسي بحيث إن الردفين يلامسان الأرض. كان عمل ليل الوحيد الحقيقي تدريسس الجيولوجيا في كلية كينج في لندن من عام 1831 إلى 1833. ففي هذا الوقت تماماً ألف كتاب مبادئ الجيولوجيا، الذي طبع في ثلاثة أجزاء بين عام
(*) روث حيوانات متحجر في طبقات الصخور. المترجم.

1830 و1833، وقوى وأوضح بطرق عديدة الأفكار التي عبر عنها أولاً هتون قبل جيل. (بالرغم من أن ليل لم يقرأ النصوص الأصلية لهتون، فإنه كان تلميذاً ألمعياً للنسخة التي أعاد بليفر صياغتها).
نشأ جدل جيولوجي بين زمن هتون وزمن ليل، الذي عُلّق بنحو كبير، وغالباً ما كان يخلط بالجدل النبتوني البلوتوني القديم. وصارت المعركة الجديدة جدلاً بين نظرية الجوائح(*) ومبدأ الاطراد(**) : وهذان مصطلحان غير جذابين لجدل مهم استمر طويلاً. فالقائلون بنظرية الجوائح – كما يمكن أن تتوقع من الاسم - اعتقدوا أن الأرض شكلتها حوادث مفاجئة جائحية كالطوفانات – بنحورئيس - لهذا غالباً ما يُجمع بنحو خاطئ بين النبتونية ونظرية الجوائح. كانت نظرية الجوائح مريحة بنحو خاص لرجال دين مثل بكلاند، لأنها سمحت لهم أن يدرجوا طوفان نوح التوراتي في مناقشات علمية جادّة. بالمقابل، اعتقد القائلون بمبدأ الاطراد بأن التغيرات التي طرأت على الأرض كانت تدريجية، وأن كل عمليات الأرض تقريباً حدثت ببطء، في مدد شاسعة من الزمن. كان (هتون) والد الفكرة قبل ليل بوقت طويل، ولكن ليل هوالذي قرأه معظم الناس، وهكذا أصبح في أذهان معظم البشر – آنذاك والآن – أب الفكر الجيولوجي الحديث.
اعتقد ليل أن تبدّلات الأرض كانت منتظمة وثابتة، وأن كل ما حدث في الماضي يمكن شرحه بأحداث ما تزال تحدث اليوم. لم يزدر ليل وأتباعه نظرية الجوائح فحسب، وإنما مقتوها. اعتقد القائلون بنظرية الجوائح أن الانقراضات كانت جزءاً من سلسلة استؤصلت فيها الحيوانات بنحو متكرّر واستبدلت بمجموعات جديدة، وهذا اعتقاد شبهه عالم الطبيعة بنحو ساخر بالدورات الثلاثية المتعاقبة
للعبة الهويست، التي في نهايتها يقوم اللاعبون بقلب الطاولة ويطلبون ورقاً جديداً.

"*" نظرية تذهب إلى القول: إن الكثرة الكبرى من معالم الأرض لا تعدو أن تكون ثمرة لعدّة أحداث
مفاجئة عالمية الانتشار.
"*") القول: إن كل الظواهر الجيولوجية يمكن ردّها إلى القوى الموجودة في عصرنا الحاضر التي
ما فتئت تعمل بانتظام منذ نشأة الأرض. المترجم.

وقد كانت طريقة ملائمة جداً لشرح المجهول. وقد قال ليل بازدراء: «لم يكن هناك أبداً عقيدة قطعية محسوبة كهذه تولّد الكسل، وتثلم شفرة الفضول الحادّة».
لم تكن أخطاء (ليل) غير المقصودة دون أهمية. فقد أخفق في أن يشرح بشكل
مقنع كيفية تشكل سلاسل الجبال، وأهمل جبال الجليد كعوامل تغيير. رفض قبول فكرة أجاسيز AgaSSiz عن العصور الجليدية – «تبريد الكوكب)، كما سماه رافضاً وكان واثقاً أن الحيوانات الثديية «سيعثر عليها في أقدم مواقع المستحاثات». ورفضن فكرة أن الحيوانات والنباتات عانت من دمار مفاجئ، واعتقد أن جميع المجموعات الحيوانية الرئيسة: الثدييات والزواحف والأسماك وهكذا دواليك، تعايشت منذ فجر الزمن. ولكنه كانت يحتاج إلى البراهين في كل هذه الأمور التي ذهب إليها.
لانبالغ حين نتحدث عن تأثير (ليل) الكبير. فقد طبع كتاب مبادئ الجيولوجيا.
12 طبعة في أثناء حياته واحتوى على أفكار صاغت التفكير الجيولوجي حتى القرن العشرين. أخذ دارون نسخة من الطبعة الأولى معه في رحلة البيجل، وكتب فيما بعد أن «الأهمية العظيمة لكتاب مبادئ الجيولوجيا هي أنه غيرنبرة عقل المرء برمتها، ومن ثم حين يرى المرء شيئاً لم يره (ليل) من قبل أبداً، فإن المرء يراه بعينيه نوعاً ما. باختصار، اعتقد أنه إله تقريباً، كما فعل كثيرون في جيله. وهذه شهادة على قوة تحكم ليل بحيث إنه في الثمانينيات، حين كان على علماء الجيولوجيا أن يتخلوا عن جزء فحسب من نظريته؛ كي يكيفوا تأثير نظرية الانقراضات، فإن هذا قتله تقريباً. ولكن هذا يحتاج إلى فصل آخر.
في غضون ذلك كان لدى الجيولوجيا كثير من الفرز، ولولم يحدث كله بهدوء.
فمن البداية حاول الجيولوجيون تصنيف الصخور بحسب المدة التي توضعت فيها، ولكن في غالب الأحيان كان هناك كثير من الخلافات المرة عن: أين توضع الخطوط الفاصلة ولكنها لم تكن أطول من الجدل الذي استمرّ طويلاً، ودّعي بالجدل الديفوني العظيم (منسوب إلى ديفنشير في إنكلترة). وقد أثيرت المسألة

حين زعم الموقرآدم سدجويك من كمبرديج أن للعصر الكمبري طبقة من الصخر اعتقد رودريك مرتشيسون أنها تنتمي مباشرة إلى العصر السيلوري. استمر الجدل سنوات وحمي بشكل كبير. إن دي لا بيتش De la Beche كلب قذر، هذا ما
كتبه مرتشيسون إلى صديق في نوبة غضب نموذجية.
يمكن الحصول على إحساس ما بقوة المشاعر عبر عناوين فصول كتاب مارتن ج.س. رودويك الممتاز والرزين عن المسألة، الجدل الديفوني العظيم. كان هناك عناوين مسالمة مثل « ساحات جدل السادة) و«الكشف عن جريويك»، وعناوين أخرى مثل «جريويك مدافعاً عنه ومُهاجماً»،« توبيخات واتهامات مضادّة»، «انتشار شائعات كريهة»، «ويفر يرتد على هرطقته»، «وضع الريفي الجلف في مكانه»، وفي حال كان هناك أي شك بأن هذه حرب نجد عنواناً مثل «مرتشيسون يفتتح حملة أرض الراين». حسم القتال أخيراً في عام 1879 حين قامت البعثة البسيطة باكتشاف عصر جديد يُدعى العصر الأوردفيشي الذي وضع بين العصر الكمبري والعصر السيلوري.
ولأن البريطانيين كانوا الأكثر نشاطاً في الأعوام الأولى في هذا الفرع من المعرفة، فإن الأسماء البريطانية كانت مهيمنة في المعجم الجيولوجي. وكلمة ديفوني هي بالطبع من المنطقة الإنكليزية التي تدعى ديفونشير. أتت كلمة كمبري من الاسم الروماني لويلز، بينما أتت كلمة الأوردفيشي والسيلوري من قبيلتين ويلزيتين هما الأوردفيشيون والسيلوريون. ولكن مع تصاعد التنقيب الجيولوجي في أمكنة أخرى، بدأت الأسماء تزحف من جميع الأنحاء. تشير كلمة جوراسي الى جبال جورا على الحدود بين فرنسة وسويسرا. وتذكر كلمة البرمي Permian بالمنطقة الروسية السابقة (بيرم) في جبال الأورال. وجاءت كلمة طباشيري cretace (من كلمة طباشير اللاتينية) ونحن مدينون لعالم جيولوجيا بلجيكي ذي اسم طريف هو جي دي أوماليوس دي هالوي J. J.d\Omalius d'Halloy..

قسم التاريخ الجيولوجي في البداية إلى أربع مدد من الزمن: الأول والثاني
والثالث والرابع. وقد كان المنهج دقيقاً جداً بحيث استمر، وأسهم علماء الجيولوجيا في الحال بتقسيمات جديدة بينما أزالوا أخرى. وخرجت المدة الأولى والثانية من الاستخدام معاً، بينما نبذ بعضهم الرابعة واحتفظ بها بعضهم الآخر. ولم يبق اليوم سوى المدة الثالثة كتسمية عامة في كل مكان، بالرغم من أنها لم تعد تمثل
مدة ثالثة من أي شيء .
أدخل ليل في كتابه المبادئ وحدات إضافية تدعى حقب أو سلاسل كي يشمل
مدة منذ عصر الديناصورات، وبينها العصر الحديث الأقرب (البلستوسيني)، والعصر الحديث القريب (البليوسيني)، والعصر الثلثي الأوسط (الميوسيني) وذلك الغامض بنحو محبب الذي يدعى العصر الحديث اللاحق. وقد قصد ليل بالأصل أن يستخدم كلمة SynchronouS لنهاياته، مقدماً لنا تسميات هشة مثل MeiOSynchronous وPleioSynchronous. وقام الموقر (وليم ويويل) – وكان رجلاً ذا نفوذ – بالاعتراض على أسس اشتقاقية إيتمولوجية واقترح بدلاً من ذلك نسق «an-eOuS)، منتجاً MeioneouS وPleioneous وهكذا دواليك. وكانت
اللاحقة - cene نوعاً من التسوية.
وفي هذه الأيام – إذا ما تحدّثنا عموماً – يقسم الزمن الجيولوجي إلى أربعة. أقسام تعرف باسم الدهور: الدهر ما قبل الكمبري، والدهر القديم، والدهر الوسيط والدهر الحديث. وتقسم هذه الدهور الأربعة أيضاً إلى عشرين مجموعة فرعية، تدعى عادة العصور بالرغم من أنها أحياناً تُسمّى الأنظمة. وهي معظمها. معروفة بشكل معقول: العصر الطباشيري، والعصر الجوراسي، والعصر الترياسي أو الثلاثي، والعصر السيلوري، وهكذا دواليك(*).
(*) لن يحدث اختبارهنا، ولكن إن كان مطلوباً منك أن تحفظها غيباً يمكن أن ترغب بتذكر نصيحة
جون والفورد المساعدة للتفكير بالدهور (ما قبل الكمبري، والقديم، والوسيط، والحديث) كفصول في سنة والعصور (البرمي، الترياسي، والجوراسي. . . إلخ.) على أنها الشهور.

ثم جاءت حقب ليل العصر الحديث الأقرب (البلستوسيني)، والعصر الثلثي الأوسط (الميوسيني) التي لا تنطبق إلا على السنوات الخمسة وستين مليون الأحدث (ولكن الأكثر انشغالا على المستوى الإحاثي)؛ لدينا أخيراً التقسيمات الفرعية الأروع التي تعرف باسم المراحل أو العصور. وسمّيت معظمها بنحو متردّد دوماً، على أسماء أمكنة مثل الديموانية نسبة إلى دي موا، والإلينية نسبة إلى ولاية إلينيوي، والكرواكية والكيميريدية، وهكذا دواليك. قال جون مكفي: إن عددها يصل إلى (عشرات الدزينات». ولحسن الحظ، إذا لم تكن الجيولوجيا مهنتك فإنك لن تسمع بأي من هذه مرة أخرى.
ما يزيد المسألة تعقيداً هو أن المراحل أو العصور في أمريكا الشمالية لها أسماء مختلفة عن أسماء المراحل في أوروبا ، وتتقاطع معها في الغالب أحياناً في الزمن. وهكذا فإن المرحلة الأميركية الشمالية السنسناتية تتواشج في معظم الأحيان مع المرحلة الأشغيلية Ashgillian في أوروبا ، إضافة إلى مدة قصيرة من المرحلة الكاردوسية Caradocian الأبكر بقليل.
يتغير كل هذا أيضاً من مقرر مدرسي إلى آخر ومن شخص إلى آخر، بحيث إن بعض المرجعيات تصف سبع حقب، بينما ترضى أخرى بأربع. وستجد في بعض الكتب أيضاً أنه تم حذف الثالث والرابع، واستبدلا بعصرين وبأطوال مختلفة يدعيان الباليوجيني Palaeogene والنيوجيني Neogene. ويقسم آخرون ما قبل الكمبري إلى حقبتين، السحيق Archaean والفجري ProterOZOic. وسترى أحياناً أن مصطلح الفانيروزي phanerozoic يشمل العصر الجينوزوي GenOZOic والميسوزي Mesozoic، والباليوزي Palaeozoic.
فضلا عن ذلك، لا ينطبق كل هذا إلا على وحدات الزمن. فالصخور تقسم
إلى وحدات تامة الانفصال تعرف باسم الأنساق، والسلاسل والمراحل. ويحدث فرق أيضاً بين الأخير والمبكر (إشارة إلى الزمن) والأعلى والأدنى (إشارة إلى طبقات الصخور). ويمكن أن يصبح كل هذا مشوشاً بنحو مرعب لغير المختصين،



ولكن بالنسبة لعالم الجيولوجيا يمكن أن تكون هذه المسائل مسائل هيام». لقد رأيت أشخاصاً ناضجين يتوهجون احمراراً من الغضب من هذه الميلثانية في تاريخ الحياة»، هذا ما كتبه عالم الإحاثة البريطاني رتشارد فورتي عن جدل في القرن العشرين استمر طويلاً عن: أين يقع الحد الفاصل بين العصر الكمبري والأردفيشي.
نستطيع على الأقل أن نحضر اليوم تقنيات تأريخ معقدة إلى الطاولة. ففي معظم القرن التاسع عشر، لم يستطع علماء الجيولوجيا الاعتماد على أي شيء سوى التخمين الأمل. وكان الموقف المخيب آنذاك أنه بالرغم من أنهم يستطيعون وضع الصخور المتنوعة والمستحاثات بالترتيب حسب العمر، غير أنهم لم يعرفوا كم كان طول أي من هذه العصور. وحين تأمل بكلاند قدم هيكل عظمي لزحافة الإكصور(*) لم يستطع أن يفعل أي شيء سوى أن يقترح أنها عاشت منذ عشرة آلاف أو أكثر من عشرات الآلاف» من السنين.
جاءت إحدى أفضل الأفكار في وضع موعد لخلق الكوكب من إدموند هالي الموثوق دوماً، الذي اقترح في 1717 أنك إذا قسمت الحاصل الكلي للملح في بحار العالم على الكمية التي تضاف كل يوم، فإنك ستحصل على عدد الأعوام التي وجدت فيها البحار، مما سيمنحك فكرة تقريبية عن عمر الأرض. كان المنطق رائقاً، ولكن لسوء الحظ لم يعرف أحد كم من الملح كان في البحر أو كم يزداد كل عام، مما جعل التجربة غير عملية. إن محاولة القياس الأولى التي يمكن أن تدعى علمية بنحو كبير قام بها الفرنسي جورج لويس لوكليرGeorgeS – LOuiS LeClerc، وكونت دي بفون Comte de Buffon، في سبعينيات القرن الثامن عشر. كان من المعروف لوقت طويل أن الأرض تصدر كميات قابلة للتقدير من الحرارة كانت واضحة لكل من ينزل إلى منجم للفحم الحجري، ولكن لم تكن هنالك أي طريقة لتقدير نسبة
__
(*) زحافة بحرية منقرضة من رتبة الإكصوريات عاشت في الدهر الوسيط.




التبدّد (فقد الطاقة). عمدت تجربة بفون إلى تسخين الأجواء إلى أن تتوهج، وتصبح شديدة الاتقاد ثم تقدير نسبة فقدان الحرارة عن طريق لمسها (من المفترض بشكل خفيف جداً في البداية) وهي تبرد. وقد خمّن من هذا أن عمر الأرض بين 75,000 و168,000 سنة. كان هذا بالطبع تقديراً بخساً بشكل كبير، ولكنه كان فكرة راديكالية، ووجد بفون نفسه مهدداً بالحرم الكنسي للتعبير عنه. وبما أنه رجل عملي، فقد اعتذر حالأ عن هرطقته الطائشة، ثم كرّر بمرح
التأكيدات في كتاباته اللاحقة.
في منتصف القرن التاسع عشر اعتقد جميع العلماء أن عمر الأرض هو بضعة ملايين من السنين على الأقل، وربما نحو عشرات الملايين من السنين، وليس أكثر من هذا على الأرجح. وهكذا كان الأمر مفاجئاً حين أعلن تشارلز دارون في عام 1859 في كتابه أصل الأنواع أن العمليات الجيولوجية التي أنشأت الويلد the Weald - وهي منطقة في جنوب إنكلترا - تمتد عبر كينت وسوري وسيكس، استغرقت – وفق حساباته – 306,662,400 عاماً كي تكتمل. وكان التأكيد لافتاً للانتباه قليلاً؛ لأنه محدّد بنحو آسر ولكنه كان أكثر لفتاً للنظر؛ لأنه عارض الحكمة السائدة عن عمر الأرض(*) . وقد برهن هذا أنه مثير للجدل بحيث إن دارون سحبه من الطبعة الثالثة لكتابه. ولكن المشكلة بقيت في قلبه على أي حال. كان دارون وأصدقاؤه الجيولوجيون بحاجة إلى أن تكون الأرض قديمة، ولكن لم يستطع أحد أن يبتكر طريقة لجعلها هكذا.
***
لسوء حظ دارون، وحظ التقدّم، انتبه إلى المسألة اللورد كلفن العظيم (الذي بالرغم من أنه كان عظيماً بنحو لا سبيل إلى الشك فيه)، كان لا يزال آنذاك وليم
طومسون البسيط؛ ولم يرفع إلى سجل النبالة حتى 1892 حين كان في الثامنة
_
(*) كان دارون يحسب الأرقام الدقيقة. ففي عمله اللاحق، أعلن أن عدد الديدان التي يمكن العثور
عليها في دونم عادي من التربة الريفية الإنكليزية هو 53,767.


والستين من عمره ويقترب من نهاية وظيفته، (ولكنني سأتبع التقليد هنا وأستخدم الاسم ارتجاعياً). كان كلفن أحد الشخصيات الأكثر خرقاً للعادة في القرن التاسع . عشر وبالفعل، في أي قرن. وكتب العالم الألماني هرمان فون هيلمهولتز Herman Von Helmholtz، الذي لم يكن غير كفء على المستوى الفكري، إن كلفن يمتلك حتى الآن أعظم «ذكاء ووضوح، وحراك فكري» من أي رجل سبق وقابله. «كنت أشعر أحياناً بالغباء التام إلى جانبه»، أضاف بقليل من الكآبة.
إن هذا الشعور قابل للفهم، ذلك أن كلفن كان حقاً نوعاً من السوبرمان : الفكتوري. ولد عام 1824 في بلفاست، لأب كان أستاذاً للرياضيات في المؤسسة الأكاديمية الملكية الذي نقل حالاً إلى غلاسكو. وهناك برهن كلفن أنه طفل . عبقري، بحيث قبل في جامعة غلاسكو تحت سن العاشرة. وفي الوقت الذي . وصل فيه إلى أوائل العشرينيات، درس في مؤسسات في لندن وباريس، وتخرّج من كمبريدج (حيث فاز بجوائز الجامعة الأولى في سباق التجديف والرياضيات، وعثر نوعاً ما على الوقت؛ كي يؤسس جمعية موسيقية أيضاً)، وانتخب زميلاً في بيترهاوس، وكتب بالإنكليزية والفرنسية دزينات من المحاضرات في الرياضيات : الصرفة والتطبيقية تمتلك أصالة مدهشة، بحيث اضطر إلى نشرها دون اسم: خوفاً من مضايقة رؤسائه. وفي سن الثانية والعشرين عاد إلى غلاسكو كي يُعين أستاذاً جامعياً في الفلسفة الطبيعية، وكان هذا منصباً شغله في السنوات الثلاث
والخمسين اللاحقة.
وفي مجرى وظيفة طويلة (عاش حتى 1907)، كتب 661 محاضرة، وراكم 69 براءة اختراع (جعلته ثرياً جداً) وحظي بالشهرة في جميع فروع العلوم : الفيزيائية تقريباً. وبين أمور أخرى كثيرة، اقترح المنهج الذي قاد مباشرة إلى ابتكار التبريد، واخترع مقياس درجة الحرارة المطلقة(*) الذي لا يزال يحمل
(*) وهي درجة الحرارة المقيسة على أساس الصفر المطلق، أي حالة فقدان الطاقة الحرارية فقداناً كاملاً. وثمة مقياسان للحرارة المطلقة: أولهما مقياس كلفن وهو مبني على أساس الدرجة المئوية



اسمه، واخترع مضخمات التردد اللاسلكي التي سمحت للبرقيات أن تُرسل عبر المحيطات، وقام بتحسينات لا تُحصى للشحن وفن الملاحة، عبر اختراع بوصلة بحرية شعبية وابتكار أول مسبار للأعماق. وكانت هذه مجرد إنجازات عملية له.
إن عمله النظري في الكهرومغناطيسية والديناميكا الحرارية والنظرية الموجية، كان ثورياً بنحو مساو(*). ولم يرتكب إلا خطأ واحداً وكان هذا عدم القدرة على حساب العمر الصحيح للأرض. وقد شغلت المسألة كثيراً النصف الثاني من مهنته، ولكن لم يقترب من الصحة في ذلك أبداً. وقام بمحاولته الأولى في 1862 ونشر مقالة في مجلة شعبية تدعى ماكميلانز قال فيها: إن عمر الأرض 98 مليون سنة أو 400 مليون. وبذكاء لافت أقر بأن حساباته يمكن أن تكون غير صحيحة إذا كانت «المصادر التي هي الآن مجهولة بالنسبة لنا قد جهزت في مخزن كبير للخلق». ولكن كان واضحاً أنه اعتقد أن هذا غير مرجّح.
مع مرور الوقت سيصبح كلفن أكثر مباشرة في تأكيداته وأقل صحة. راجع
باستمرار تقديراته نزولاً من حد أعلى هو400 مليون عام إلى مئة مليون عام، ثم إلى 50 مليوناً، وأخيراً في 1879 إلى 24 مليون عام. لم يكن كلفن عنيداً. كان الأمر ببساطة أنه لم يكن هناك أي شيء في الفيزياء يستطيع شرح كيف أن جرماً بحجم الشمس يمكن أن يحترق باستمرار لأكثر من بضع عشرات الملايين من الأعوام
___
(*) أوضح بنحو خاص القانون الثاني للديناميكا الحرارية. تحتاج مناقشة هذه القوانين إلى كتاب كامل، ولكنني أقدم هنا هذا الملخص البسيط الذي قام به عالم الكيمياء بي. دبليو. أتكينز، فقط لتبسيطها: «هنالك أربعة قوانين. القانون الثالث منها، وهو القانون الثاني، عُرف في البداية: الأول، القانون الصفري، صيغ فيما بعد؛ كان القانون الأول ثانياً، والقانون الثالث يمكن حتى ألا يكون قانوناً بالمعنى نفسه كالقوانين الأخرى»، وباختصار، يقول القانون الثاني: إن قليلاً من الطاقة يبدّد دوماً. لا تستطيع الحصول على أداة حركة دائمة لأنها مهما كانت فاعلة، فإنها ستفقد الطاقة دوماً وترهق في النهاية. يقول القانون الأول: إنك لا تستطيع أن تخلق الطاقة ويقول الثالث: إنك لا تستطيع اختزال الحرارة إلى الصفر المطلق: سيكون هنالك دوماً حرارة متبقية. وكما ينوه دينيسس أوفرباي: إن القوانين الثلاثة الرئيسة يعبر عنها أحياناً بمزاح مثل (1) لا تستطيع أن تربح، (2) لا تستطيع حتى أن ترتاح، و(3) لا تستطيع الخروج من اللعبة.


دون أن يستنفد وقوده. يتبع من ثم أن الشمس وكواكبها كانت نسبياً، وبنحو لا
مهرب منه فتيين.
وكانت المشكلة هي أن جميع أدلة المستحاثات تتناقض مع ذلك، وفجأة كان
هناك في القرن التاسع عشر كثير من أدلة المستحاثات



الفصل السادس
التنافس العلمي العنيف
في عام 1787، اكتشف شخص في نيوجيرسي - يبدو كأنه نُسي الآن - عظم فخذ ضخماً وناتئاً عند ضفة جدول في مكان يُدعى وُدبري كريك. لم يكن العظم ينتمي إلى أي نوع من المخلوقات الحية، ولا سيما في نيوجيرسي. وقليلاً من الذي يُعرف الآن، يُظنّ أنه لهيدروصور، وهو ديناصور ضخم. كانت الديناصورات وفي
ذلك الوقت مجهولة.
أُرسل العظم إلى الدكتور كاسبار ويستر، عالم التشريح الأبرز في البلاد، الذي وصفه في اجتماع للجمعية الفلسفية الأميركية في فيلادلفية في ذلك الخريف. ولسوء الحظ، أخفق ويستر بنحو كامل في التعرف على أهمية العظم، وقام فقط ببعض الملاحظات غير الملهمة بحيث كانت كذبة كبيرة. وهكذا خسر الفرصة كي يكون مكتشف الديناصورات قبل أي شخص آخر بنصف قرن. والواقع أن العظم لم يثر إلا انتباهاً قليلاً فوضع في غرفة للخزن واختفى في النهاية. وهكذا فإن عظم الديناصور الأول الذي سبق واكتُشف كان أيضاً أول من نُسي.
إذا لم يكن العظم قد لفت انتباهاً أكبر، فإن هذا أكثر من محير؛ لأن ظهوره تم في وقت كانت فيه أمريكة في أوج الإثارة حيال بقايا الحيوانات القديمة الضخمة. وكان سبب هذه الإثارة تأكيداً غريباً قام به عالم الطبيعة الفرنسي العظيم كونت دي بفون، الذي كان يسخّن الأجواء كما ذكرنا في الفصل السابق مفاده، أن الأشياء الحية في العالم الجديد هي أدنى من تلك التي في العالم القديم. وكتب بفون في كتابه الضخم والمحترم كثيراً: «التاريخ الطبيعي» أن أمريكة أرضٌ مياهها آسنة، وتربتها عقيمة، وحيواناتها صغيرة الحجم وقليلة الحيوية، ومركّباتها ضعيفة بسبب «الأبخرة المزعجة» المنبعثة من مستنقعاتها النتنة وغاباتها المعتمة. ففي بيئة كهذه حتى السكان الأصليون الهنود يفتقرون إلى الرجولة. وقال بفون: «ليس للرجال لحية أو شعر على أجسادهم ولا تثيرهم الأنثى». وكانت أعضاؤهم التناسلية «ضامرة وضعيفة».

ومن المفاجئ أن ملاحظات بفون عثرت على مناصرين متحمّسين بين الكتاب الآخرين، ولا سيما أولئك الذين لم تكن استنتاجاتهم تستند إلى معرفة فعلية بالبلاد. وأعلن هولندي يُدعى كورنيل دي بو في كتاب شعبي يدعى «أبحاث فلسفية» عن الأميركيين، أن الذكور الأمريكيين المحليين ليسوا ضعيفين تناسلياً فحسب، وإنما أيضاً «يفتقرون إلى الرجولة، بحيث إنه يوجد حليب في أثدائهم». حظيت وجهات نظر كهذه باستمرارية غير مرجحة وقد تكررت أو ترددت أصداؤها حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريباً.
وبنحو غير مفاجئ، قوبلت شتائم كهذه باستياء في أمريكة. وقد قام توماس جيفرسون برد غاضب (وإذا لم يفهم سياقه فإنه كان محيّراً أيضاً) في ملاحظات عن ولاية فرجينية، وأقنع صديقه الذي من مهمبشير الجنرال جون سوليفان بإرسال عشرين جندياً إلى الغابات الشمالية للعثور على بلموظ؛ كي يُقدم لبفون برهاناً على قوة وهيبة رباعيات الأرجل في أمريكة. وبحث رجلان لمدة أسبوعين للعثور على شيء مناسب. وحين أطلقت النار على البلموظ كان يفتقر لسوء الحظ لقرنين مهيبين وصفهما جيفرسون، ولكن سوليفان أحضر عن دراية قرني ذبيحة من إلكة أو أيّل مقترحاً إرسالهما بدلاً من البلموظ. فمن في فرنسة سيعرف في النهاية؟
في غضون ذلك، بدأ علماء الطبيعة في فيلادلفيا مدينة ويستر بجمع عظام مخلوق ضخم يشبه الفيل عُرف في البداية باسم «المجهول الأمريكي العظيم»، ولكنه سُمّيَ فيما بعد – ولكن ليس بنحو صحيح – الماموث. واكتُشفت العظام الأولى في مكان يُدعى بيغ بون ليك في كنتكي، ولكن في الحال كانت تظهر عظام أخرى الأنحاء جميعها. وتبين أن أمريكة كانت مرة موطن مخلوق قوي حقاً؛ مخلوق سيبطل بالتأكيد سجالات بفون الغالية الحمقاء.
وفي محاولاتهم لشرح ضخامة ووحشية الحيوان المجهول تبين أن علماء الطبيعة الأمريكيين أمعنوا في الشطح. فقد ضخموا حجمه ستة أضعاف ومنحوه مخالب مخيفة، التي هي في الحقيقة لميجالونيكس Megalonyx أو حيوان أرضي

ضخم يُدعى الكسلان، عُثر عليه في الجوار. ومن اللافت أنهم أقنعوا أنفسهم أن الحيوان يتمتع «برشاقة النمر ووحشيته»، وصوّروه في رسوم وهو ينقضُّ برشاقة السنّور على الفريسة من فوق الجلاميد. وحين اكتُشفت الأنياب، وُضعت قسراً في رأس الحيوان بعدد من الطرق المبتكرة. وقام أحدهم بتثبيت الأنياب مقلوبة، مثل القط مسيّف الأنياب، مما منحه مظهراً عدوانياً بنحو مرضٍ. ورتب آخر الأنياب بحيث إنها التوت إلى الخلف بحسب النظرية القائلة بأن المخلوق كان مائياً واستخدمها، كي يرسو على الأشجار حين يكون نائماً. وكان الاعتبار الأكثر ارتباطاً بالحيوان المجهول هو أنه تبين أنه منقرض، وكانت هذه حقيقة تمسّك بها
بفون بمرح كبرهان على طبيعته المنحطّة غير القابلة للجدل.
توفي بفون في عام 1788، ولكن الجدل استمرّ. ففي 1795 شقت عظام مختارة طريقها إلى باريس، حيث فحصها النجم الصاعد لعلم الإحاثة، الشاب الأرستقراطي جورج كوفييه Georges Cuvier. كان كوفييه يدهش الناس نظراً لعبقريته في تحويل أكوام العظام المتنافرة إلى أشكال. قال: إنه يستطيع وصف منظر وطبيعة حيوان من سن واحد أوقطعة من الفك، وغالباً ما يسمّي النوع والجنس في الصفقة. مدركاً أنه لم يفكر أحد في أمريكة بتأليف وصف رسمي للوحش المدوّي، فعل كوفييه هذا، وهكذا أصبح مكتشفه الرسمي. وقد سماه المستودون* (مما يعني، بنحو غير متوقع أنه من القوارض).
ألف كوفييه عام 1796 في المهم من الجدل، مقالة عدّت معلماً عنوانها ملاحظة عن نوع الفيلة الحية والمستحاثيّة، التي ذكر فيها للمرة الأولى نظرية رسمية عن الانقراضات. اعتقد أنه بين مدة وأخرى تمر الأرض في كوارث كوكبية تنقرض فيها مجموعات الكائنات. وأثارت الفكرة لدى المتدينين – وكان كوفييه منهم - معاني ضمنية غير مريحة بما أنها افترضت حالة عرضية غير قابلة للتفسير من قبل العناية الإلهية. من أجل أي غاية يخلق الله الأنواع؛ كي يقضي عليها فيما بعد؟
(*) حيوان ثديي منقرض يُعدّ السلف الأول للفيل. المترجم.

كانت الفكرة مناقضة للإيمان بسلسلة الوجود الكبرى، التي مفادها أن العالم مرتب بعناية وأن كل مخلوق حي داخله له مكان وهدف، وكان له هذا دائماً ودائماً سيكون له. لم يستطع جيفرسون تحمل فكرة أن الأنواع كلّها سوف يُسمح لها بالتلاشي (أو بالتطور). وهكذا حين قيل له: إنه يمكن أن يكون هناك قيمة علمية وسياسية في إرسال فريق، لاستكشاف الداخل الأميركي وراء المسيسبي قفز مثاراً من الفكرة، آملاً أن المغامرين الجسورين سيعثرون على قطعان من المستودونات ذات الصحة الجيدة وكائنات أخرى أكبر ترعى في السهول الخصبة. واختير
سكرتير جيفرسون الشخصي وصديقه الموثوق ميريويزر لويس كقائد مشترك، مع وليم كلارك، وعالم طبيعة رئيس للبعثة. أما الشخص الذي اختير كي ينصحه بما يبحث عنه بخصوص الحيوانات الحية والميتة فلم يكن سوى كاسبار ويستر.
في العام نفسه في الحقيقة، في الشهر نفسه الذي كان فيه الأرستقراطي المحتفى به كوفييه يشرح نظرياته عن الانقراض في باريس، كان هنالك في الجانب الآخر من القناة الإنكليزية رجل إنكليزي امتلك فهماً عميقاً لقيمة المستحاثات، التي ستكون لها أيضاً تشعبات مستمرة. كان وليم سميث مراقب بناء شاباً في قناة سومرست كول. وفي مساء الخامس من كانون الثاني 1796، كان يجلس في نزل للمسافرين في سومرست حين أتته فكرة صنعت شهرته. من أجل تأويل الصخور لا بد من وسيلة تواشج، من أساس تستطيع وفقاً له أن تقول: إن هذه الصخور الكربونية من ديفون هي أصغر في العمر من الصخور الكمبرية في ويلز. وكان سميث يعتقد أن الإجابة تكمن في المستحاثات. فلدى كل تغيّر في طبقات الصخور تختفي أنواع معينة من المستحاثات، بينما تنقل أخرى إلى مستويات لاحقة. وعبر معرفة الأنواع التي ظهرت في الطبقات المختلفة، بوسعك استنتاج الأعمار النسبية للصخور أينما ظهرت. معتمداً على معرفته كماسح، بدأ سميث فوراً وضع خريطة لطبقات الصخور في بريطانية، التي نشرت بعد محاكمات عديدة في 1815، وصارت حجر زاوية للجيولوجيا الحديثة. (وقد رويت القصة بنحو شامل في كتاب سيمون وينشستر المشهور الخريطة التي غيرت العالم).

ولسوء الحظ – بعد أن قام باكتشافه – كان سميث غير مهتم بنحو يثير الفضول بفهم لماذا الصخور موضوعة في الوضعية التي هي فيها. «لقد تركت التساؤل عن
أصل طبقات الصخور، وأرضيت نفسي بمعرفة أنها هكذا»، كما قال: «إن اللماذات والأسئلة عن الأمكنة (عمَّ، ممَّ) ليست ضمن مجال ماسح معادن».
زاد اكتشاف سميث بخصوص طبقات الصخور من الارتباك الأخلاقي بخصوص الانقراضات. فقد أكد أن اللّه يقضي على الكائنات ليس بالمصادفة وإنما بنحو متكرّر. وجعله هذا يبدو ليس غير مكترث بقدر ما هو عدواني. وجعل هذا من الضروري بنحو غير ملائم شرح لماذا تنقرض بعض الأنواع بينما تستمر أخرى دهوراً متعاقبة. ومن الواضح أن الانقراضات تنطوي على أكثر مما يمكن أن يفسره طوفان نوحيّ واحد، كما كانت القصة التوراتية معروفة. حل كوفييه المسألة بطريقة أرضته، مقترحاً أن سفر التكوين لا ينطبق إلا على الطوفان الأحدث. وتبين أن اللّه لم يرغب بأن يضلل أويرعب موسى بأنباء عن انقراضات أولى سابقة لا علاقة لها بالموضوع.
وهكذا- في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر – حظيت المستحاثات بأهمية معينة لا يمكن الهرب منها، مما جعل إخفاق (ويستر) في اكتشاف أهمية عظم الديناصور ينطوي على ما هو أكثر من الحظ السيئ. وفجأة بدأت العظام تظهر في جميع الأمكنة. وسنحت عدة فرص جديدة للأميركيين كي يزعموا أنهم من اكتشف الديناصورات، ولكنها ضُيِّعت كلها. وفي عام 1806 مرت بعثة لويس وكلارك في هيل كريك فورميشن في مونتانا، وهي منطقة كان يسير فيها صيادو المستحاثات فوق الديناصورات فيما بعد، فحصوا ما كان بوضوح عظام ديناصورات منطمرة في الصخور ولكنهم فشلوا في الاستفادة منها. وعُثر على عظام وآثار أقدام مستحاثية أخرى في وادي نهر كنيكتيكت في نيوإنجلاند، بعد أن قام فتى مزرعة يدعى بلينوس مودي باكتشاف آثار قديمة على سلسلة صخرية في ساوث هادلي، وماساتشوسيتس. بقيت بعض هذه العظام – ولا سيما عظام
الانكسيصوروسس Anchisaurus - ضمن المجموعة الخاصة بمتحف بيبودي في

بيل. وكانت العظام التي اكتشفت في 1818، عظام الديناصورات الأولى التي فُحصت وأِنقذت، ولكن لسوء الحظ لم تُعرف هويتها إلى عام 1855. وفي ذلك العام نفسه، 1818، توفي كاسبار ويستر، ولكنه حظي بخلود معيّن غير متوقع حين سمّى عالم نبات يُدعى توماس نوتال شجيرة متسلقة باسمه. وما يزال بعض النباتيين المتمسكين بالأعراف يصرون على لفظها كالآتي: وستاريا.
في ذلك الوقت – على أي حال – انتقل زخم علم الإحاثة إلى إنكلترة. ففي 1812 كان هناك في لايم ريجيس على ساحل دورسيت طفلة فائقة للعادة تدعى ماري آننغ. كانت في الحادية عشرة من عمرها، أو في الثانية أو الثالثة عشرة، كما تقول المصادر المختلفة. عثرت على مستحاثة وحش بحري غريب طوله سبعة عشر قدماً ويُعرف الآن باسم الإكصور، وكان مطموراً في الجروف المنحدرة والخطرة على طول القناة الإنكليزية.
كان هذا بدء وظيفة لافتة للنظر. وقد أمضت آننغ السنوات الخمس والثلاثين اللاحقة وهي تجمع المستحاثات، وكانت تبيعها للزوّار. (وهنالك اعتقاد شائع بأنها مصدر المقولة المشهورة: «تبيع الأصداف البحرية على شاطئ البحر». وقد عثرت أيضاً على البلصور*، وهو واحد من أوائل وأفضل التيرودكتيلات (الزواحف المجنحة). وبالرغم من أن أياً من هذه لم يكن ديناصوراً بالمعنى التقني، لم يكن لهذا أي معنى في ذلك الوقت بما أن الجميع لم يكونوا يعرفون ما هو الديناصور. كان يكفي الإدراك أن العالم كان فيه مرة كائنات لا تشبه بشكل واضح أي شيء يمكن أن نجده الآن.
لم يكن الأمر أن آننغ كانت جيدة في العثور على المستحاثات فحسب بالرغم من أنه لم يكن يضاهيها أحد في ذلك، وإنما كانت قادرة على انتزاعها بالرشاقة الأفضل ودون أن تتأذّى. إذا حدث وسنحت لكم فرصة لزيارة قاعة الزواحف البحرية القديمة في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، ألح عليكم أن تنتهزوها،
(*) ضرب من الزواحف البحرية المنقرضة. المترجم.

إذ ما من طريقة أخرى لتقدير وزن وجمال ما أنجزته تلك الشابة دون مساعدة من الأدوات الأكثر أساسية في ظروف مستحيلة تقريباً. وقد استغرق البلصور وحده عشرة أعوام من التنقيب الصبور. وبالرغم من أن أننغ كانت غير مدرّبة، إلا أنها كانت قادرة على تقديم رسوم وتوصيفات تنافسية للباحثين. ولكن بالرغم من مهارتها، كانت الاكتشافات المهمة نادرة وأمضت معظم حياتها في فقر مدقع.
سيكون من الصعب التفكير بشخص أهمل أكثر من ماري آننغ في تاريخ علم الإحاثة، ولكن كان هناك واحد قريباً من حالتها بنحو مؤلم. كان اسمه جيديون ألجرنون مانتل وكان طبيباً ريفياً في سيكس.
كان مانتل خليطاً هزيلاً مليئاً بالعيوب. كان مغروراً، ومستغرقاً في شؤونه الذاتية، ومتزمتاً ومهملاً لأسرته. ولكن لم يكن هناك عالم إحاثة أكثر التزاماً منه. كان محظوظاً بامتلاكه لزوجة مخلصة ومتنبهة. ففي 1822 – وبينما كان يقوم بزيارة منزلية إلى مريض -2 ريف سيكس - ذهبت السيدة مانتل 2 نزهة في زقاق في الجوار وعثرت في كومة من الحطام –تُركت لملء حفر في الطريق على شيء مثير للفضول. كان حجراً بنياً ملتوياً، بحجم جوزة. ولأنها تعرف اهتمام زوجها بالمستحاثات، وظنت أنها يمكن أن تكون هذه واحدة منها، أخذتها إليه. عرف مانتل على الفور أنه سن مستحاثي، وبعد قليل من الدراسة تأكد أنه من حيوان أكل للعشب وزاحف وضخم جداً طوله عشرة أقدام وهو من العصر الطباشيري. وكان مصيباً في جميع التفاصيل، ولكن هذه كانت استنتاجات جسورة بما أنه لا شيء من هذا القبيل شوهد أوتم تصوّره من قبل.
مدركاً أن اكتشافه سوف يقلب رأساً على عقب ما فهم عن الماضي، وبعد أن حثه صديقه الموقر (وليم بكلاند) الجامعي الذي يملك ميلاً تجريبياً أن يواصل بحذر، كرس (مانتل) ثلاث سنوات مؤلمة؛ بحثاً عن الدليل لدعم استنتاجاته. أرسل السن إلى (كوفييه) في باريس التماساً لرأيه، ولكن الفرنسي العظيم عدّه سناً من فرس نهر. (اعتذر كوفييه فيما بعد بلباقة من أجل هذا الخطأ الفادح).

في أحد الأيام – وبينما كان يقوم بالبحث في متحف هنتريان في لندن - دخل مانتل في حديث مع زميل في البحث أخبره أن السن يبدو شبيهاً بأسنان الحيوانات التي كان يدرسها، وهي الإغوانات الأميركية الجنوبية. وأكدت مقارنة سريعة التشابه. وهكذا أصبح مخلوق مانتل هو الإغواندون (ديناصور ضخم عاشب)، على اسم عظاية استوائية لا يمت إليها بأي صلة.
حضر مانتل كلمة كي يلقيها في الجمعية الملكية. ولسوء الحظ، تبين أنه تم اكتشاف ديناصور آخر في مقلع للحجارة في أوكسفورشير، وقد وصف لتوه رسمياً من قبل الموقر بكلاند، الرجل نفسه الذي حثه على ألا يعمل بسرعة. كان الميغالوصوروسس megalosaurus، وقد اقترح الاسم بالفعل على بكلاند من قبل صديقه الدكتور جيمسس باركنسون، الراديكالي المدّعي، الذي يُنسب إليه مرض باركنسون. ويمكن تذكر أن بكلاند، كان قبل أي شيء آخر عالم جيولوجيا، وقد أظهر ذلك في عمله على الميغالوصوروس megalosaurus. وفي تقريره لمحاضر جلسات الجمعية الجيولوجية في لندن قال: إن أسنان الكائن ليست مركبة مباشرة على عظم فكه، كما في العظايات، ولكنها موضوعة في تجاويف، على طريقة التماسيح. ولكن بالرغم من أنه لاحظ ذلك كثيراً، أخفق بكلاند في إدراك ما كان يعنيه: أعني أن الميغالوصوروس كان نمطاً جديداً تماماً من المخلوقات. وهكذا فإن اكتشاف خط الكائنات القديم صار من حظ بكلاند بالرغم من أن مانتل يستحقه أكثر منه.
غير مدرك أن الخيبة ستظل سمة مستمرة في حياته، واصل مانتل بحثه عن المستحاثات وعثر على عملاق آخر، يدعى الهايليوصوروس hylaeosaurus، عام 1833. واشترى مستحاثات أخرى من الحجارين والمزارعين إلى أن صار لديه ربما أكبر مجموعة من المستحاثات في بريطانية. كان مانتل طبيباً ممتازاً وصياد عظام موهوباً، ولكن لم يكن قادراً على دعم الموهبتين. وبينما نما هوسه بالجمع، أهمل ممارسته الطبية. وفي الحال ملأت المستحاثات منزله كله في برايتون واستهلكت

معظم دخله. وذهب جزء لا بأس به من دخله المتبقي إلى تمويل نشر كتب لم تكترث بها سوى قلة. وقد باع كتاب توضيحات عن جيولوجيا سيكس، الذي طبع في 1827 خمسين نسخة وجعله يخسر 300 باوند وكان هذا مبلغاً يحسب حسابه
في تلك الأزمنة.
وفي حالة من اليأس خطرت لمانتل فكرة تحويل منزله إلى متحف يتقاضى أجراً مقابل دخوله، ثم أدرك متأخراً أن عملاً مرتزقاً كهذا سيدمر مركزه بوصفه سيداً، ناهيك عن مركزه باعتباره عالماً. وهكذا سمح للناس أن يزوروا المنزل مجاناً. جاؤوا بالمئات، أسبوعاً بعد آخر، مقاطعين مهنته وحياته المنزلية. في النهاية أجبر على بيع معظم مجموعته؛ كي يسدّد ديونه. بعد ذلك حالأ، هجرته زوجته آخذة معها أبناءه الأربعة. ومن اللافت أن مشكلاته كانت تبدأ فحسب.
في مقاطعة سندمهم في جنوب لندن، وفي مكان يُدعى كريستال بالاس بارك، ينتصب مشهد غريب ومنسي. نماذج لديناصورات بحجمها الطبيعي. لا يسافر كثير من الناس إلى هناك هذه الأيام، ولكن كان هذا المكان مرة الأكثر جاذبية في لندن. وكما قال رتشارد فورتي: كان أول حديقة ملاه موضوعية في العالم. غير أن تفاصيل كثيرة في النماذج غير صحيحة. فقد وضع إبمهم الإغواندون على أنفه، على أنه نوع من الرزة، وينتصب على أربع أرجل قوية، مما جعله يبدو ككلب ضخم ومفرط النموّ. (في الحقيقة لم يكن الإغواندون يدل على أربع أرجل، وإنما كان ثنائي القدمين). فإذا ما نظرت إليها اليوم من النادر أن تخمن أن هذه الوحوش الغريبة التي تتحرك بتثاقل يمكن أن تسبب حقداً كبيراً ومرارة، ولكنها فعلت. ربما لا شيء في التاريخ الطبيعي كان في مركز أحقاد أشد قوة، واستمرارية أكثر من الوحوش القديمة المعروفة باسم الديناصورات.
وفي وقت بناء الديناصورات، كانت (سندمهم) على حافة لندن وعدّت حديقتها الفسيحة مكاناً مثالياً لإعادة بناء قصر الكريستال المثالي، البناء المؤلف من الزجاج وحديد الزهر الذي كان واسطة العقد في المعرض الكبير عام 1851،

الذي أخذت منه الحديقة اسمها بنحو طبيعي. وشكلث الديناصورات التي بنيت من الإسمنت نوعاً من الجاذبية الإضافية. وفي مساء عيد رأس السنة عام 1853 أعد عشاء لواحد وعشرين عالماً بارزاً داخل الإغوادون غير المنتهي. وإن جديون مانتل – الرجل الذي اكتشف وعرف الإغوادون – لم يكن بينهم. وكان الشخص الذي على رأس المائدة النجم الأعظم لعلم الإحاثة الفتي، كان اسمه رتشارد أوين وفي ذلك الوقت كان قد خصص عدة أعوام مثمرة في جعل حياة (جديون مانتل) جحيما.

ترعرع أوين في لانكستر، في شمال إنكلترة، حيث تدرّب على الطب. كان عالم تشريح بالولادة ومخلصاً لدراساته، بحيث إنه أحياناً كان يستعير بنحو غير شرعي أعضاء من الجثث، ويأخذها إلى المنزل؛ كي يشرحها من أجل اللهو، مرة، بينما كان يحمل كيساً فيه رأسس بخار إفريقي انزلق أوين على حصى الرصيف المبللة، وراقب بهلع الرأسس وهو يقفز بعيداً عنه في الزقاق ويدخل الباب المفتوح لكوخ، حيث استقر في الردهة الأمامية. ويمكن تصور ما سيقوله أصحاب المنزل لدى رؤية رأس مقطوع تدحرج وتوقف عند أقدامهم. يفترض المرء أنهم لم يشكلوا أي استنتاجات مرعبة مقدماً، بعد لحظة اندفع إلى الداخل شاب بدا مذعوراً، استرد الرأس دون أن يتفوه بكلمة وخرج مسرعاً.
في 1825، وفي سن الحادية والعشرين فحسب، انتقل أوين إلى لندن وانشغل في الحال بعد ذلك مع الكلية الملكية للجراحين؛ كي يساعد في تنظيم مجموعاتهم الكبيرة ولكن غير المنسقة من العينات الطبية والتشريحية. وقد ترك معظمها للمؤسسة جون هنتر؛ الجراح المميز والجامع الذي لا يكلل للأشياء الطبية الغريبة، ولكنها لم تجدول أبداً أوتنظم، ويعود السبب في ذلك إلى أن العمل الورقي الذي يشرح أهمية كل منها ضاع بعد وفاة هنتر.
برز أوين بسرعة بسبب قواه في التنظيم والاستنتاج. وفي الوقت نفسه بين أنه عالم تشريح لا نظير له، يمتلك غرائز لإعادة البناء مساوية تقريباً لكوفييه العظيم

في باريس. وصارخبيراً في تشريح الحيوانات بحيث منح حق الشفعة(حق قبول شيء أورفضه قبل عرضه على الآخرين) في البداية عن أي حيوان ينفق في حدائق الحيوانات في لندن، وكان يرسل إلى منزله كي يفحصه. ومرة عادت زوجته إلى المنزل فشاهدت كركدناً نافقاً يملأ الصالة. وصار أوين بسرعة خبيراً بارزاً في جميع أنواع الحيوانات الحية والمنقرضة، من خلود الماء، وقنافذ النمل وجرابيات مكتشفة حديثاً إلى طيور الدودوسيئة الحظ والطيور العملاقة المنقرضة التي تدعى المؤة التي طافت في نيوزلندة إلى أن قضى عليها الماووريون(سكان نيوزلندة الأصليون). كان أوين أول من وصف الطائر الأولي (الأركيوبتريكس) بعد اكتشافه في بافاريا في 1861، وأول من كتب مرثية رسمية لطائر الدودو. وقد ألف قريباً من ست مئة بحث في التشريح، وكانت هذه محصلة غزيرة.
ولكن أوين يُذكر بسبب عمله مع الديناصورات. وقد نحت مصطلح ديناصوريا dinsauraia عام 1841. وتعني «الزاحف المروع»، وكان هذا اسماً غير ملائم بنحو غريب. إن الديناصورات كما نعرفها اليوم لم تكن كلها مروعة: فبعضها لم يكن أكبر من الأرانب، وعلى الأرجح كانت منطوية بنحو كبير، والشيء الوحيد الذي لم تكنه بنحو مؤكد هو العظايات، التي هي بالفعل من نسب أقدم (بثلاثين مليون عام). كان أوين يعرف جيداً أن الكائنات من الزواحف وكان تحت تصرفه كلمة يونانية جيدة herpeton، ولكنه اختار لأحد الأسباب ألا يستخدمها. والخطأ الآخر الأكثر قابلية للعذر (بسبب ندرة العينات آنذاك) كان فشله في أن ينتبه إلى أن الديناصورات لا تشكل نسقاً واحداً من الزواحف، بل اثنين: وهي الزواحف
الطائرة والعظاءات.
لم يكن أوين شخصاً جذاباً في مظهره أو مزاجه. وتكشف صورة له حين كان في منتصف العمر أنه كان كئيباً وشريراً، كالوغد في ميلودراما فكتورية، بشعر طويل سبسط وعينسين منتفختين، كان وجهه يخيف الأطفال. وقد كان بارداً ومتغطرساً.

وكان دون وازع في تعزيز طموحه. وكان الشخص الوحيد الذي عُرف ان تشارلز دارون لا يطيقه. وحتى ابن أوين (الذي انتحر فيما بعد) شكا من «برودة قلب والده».
ولكن مواهبه الفذة كونه عالم تشريح سمحت له بأن يمر بأكثر الأكاذيب صفاقة. ففي 1857 كان عالم الطبيعة ت. هـ. هكسلي يقلب في طبعة جديدة من دليل تشرشل الطبي، فانتبه إلى أن أوين مسجل كبروفسور في التشريح المقارن والفسيولوجيا في المدرسة الحكومية في ماينز، مما أدهش هكسلي بما أنه كان هذا هو المنصب الذي يشغله هو. ولدى التحقق من كيفية ارتكاب تشرشل لهذا الخطأ الجوهري، قيل له: إنهم حصلوا على المعلومات من الدكتور أوين نفسه. كان هناك عالم طبيعة زميل يدعى هيوفالكونر أمسك بأوين وهو يقتنص التكريم من أجل أحد اكتشافاته. واتهمه آخرون باستعارة عينات، ثم بإنكار ذلك فيما بعد. وقد دخل أوين في نزاع مرير مع طبيب أسنان الملكة حول استحقاق نظرية تتعلق بفسيولوجيا الأسنان.
لم يتردد أوين في اضطهاد أولئك الذين كرههم. وباكراً في مهنته استخدم نفوذه في الجمعية الحيوانية؛ كي يطرد شاباً يدعى روبرت جرانت، الذي كانت جريمته الوحيدة أنه أظهر وعداً بأن يصبح عالم تشريح. ودّهش جرانت حين اكتشف فجأة أنه منع من الحصول على العينات التشريحية التي يحتاج إليها للقيام بأبحاثه. فلم يقدر على مواصلة عمله، ودخل في إحباط غامض قابل للفهم.
لم يعان أحد مثل (جيديون مانتل) سيئ الحظ والمأساوي من مجاملات أوين غير اللطيفة. فبعد أن فقد زوجته وأبناءه ومهنته الطبية ومعظم مجموعته من المستحاثات، انتقل مانتل إلى لندن. وهناك، في عام 1841 ؛ العام المشؤوم الذي أنجز فيه أوين مجده الأعظم لتسمية وتحديد الديناصورات، تعرض مانتل لحادث مروع. فبينما كان يعبر (كلابمهم كومون) في عربة سقط من مقعده، وعلق بالأعنة وجَرّ بسرعة على الأرض الوعرة من قبل الأحصنة المسعورة. وقد تركه الحادث محنياً ومشلولاً وفي ألم مزمن، بعمود فقري مخرب لا يعالج.

انطلق أوين مستثمراً حالة مانتل الضعيفة، بشكل منهجي ؛ كي يحذف إسهاماته من السجل، ويعيد تسمية الأنواع التي سمّاها مانتل قبل سنوات ويدعي حق اكتشافها لنفسه. واصل مانتل القيام بالبحث الأصيل، ولكن أوين استخدم نفوذه في الجمعية الملكية لضمان رفض معظم أبحاثه. وفي 1852 انتحر مانتل غير قادر على تحمل المزيد من الألم أو الاضطهاد، أزيل عموده الفقري المشوّه وأرسل إلى الجمعية الملكية للجراحين حيث – وهنا مفارقة لكم- وضع في رعاية رتشارد أوين؛ مدير متحف هنتريان في الكلية.
لكن الإهانات لم تنته تماماً. حالاً بعد وفاة مانتل، ظهرت نعرة شريرة بنحو لافت في ليتراري جازيت، صور فيها مانتل عالم تشريح عادي، اقتصرت إسهاماته المتواضعة في علم الإحاثة على «حاجة إلى المعرفة الدقيقة». وقد أزال في النعوة حتى اكتشاف الإغوادون من أعماله، ومنحه بدلاً من ذلك لكوفييه وأوين، من بين آخرين. وبالرغم من أن المادة لم تذيل باسم الكاتب إلا أن الأسلوب كان أسلوب أوين، ولم يشك أي شخص في عالم العلوم الطبيعية بالمؤلف.
في هذه المرحلة –على أي حال – بدأت انتهاكات أوين تؤثر عليه. وبدأ سقوطه حين قررت لجنة الجمعية الملكية التي كان رئيسها أن تمنحه جائزتها الأعلى، وهي الوسام الملكي، من أجل بحث كتبه عن حيوان رخوي يدعى السيجارية: وهي محارة متحجرة أشبه بالسيجار. وكما تقول ديبوراه كادبري في كتابها الممتاز الذي يؤرخ لتلك المدة بعنوان «الزاحف المروع»: «على أي حال لم يكن هذا البحث أصيلاً». وتبين أن الشيجارية قد اكتُشفت قبل أربع سنوات على يد عالم طبيعي يدعى تشاننج بيرس، وقد أذيع الاكتشاف بشكل كامل في اجتماع للجمعية الجيولوجية. كان أوين حاضراً في ذلك الاجتماع، لكنه امتنع عن ذكر ذلك حين قدّم تقريراً إلى الجمعية الملكية، وأعاد فيه -بشكل مقصود – تسمية الكائن باسم سيجارية أوين belemnites Owenii مانحاً لنفسه شرف الاكتشاف. وبالرغم من أنه سمح لأوين بالاحتفاظ بالوسام الملكي، فإن الحادثة لطخات سمعته بشكل دائم، حتى بين داعميه المتبقين.
أخيراً نجح هكسلي في أن يفعل لأوين ما فعله أوين مع كثيرين آخرين: جعلهم يصوتون على طرده من مجالس الجمعيات الحيوانية والملكية. وكي يتوج العقوبة أصبح هكسلي الأستاذ الجديد في الكلية الملكية للجراحين.
لم يقم أوين بعد ذلك بأي أبحاث مهمة، ولكنه كرّس النصف الأخير من حياته العملية من أجل إنجاز واحد يعلو على النقد والاعتراض، يمكن أن نكون جميعنا ممتنين له من أجله. ففي 1856 صار رئيس قسم التاريخ الطبيعي في المتحف البريطاني، وصار القوة المحركة وراء إنشاء متحف التاريخ الطبيعي في لندن. إن ذلك المجمّع المهيب والجميل والقوطي في ساوث كنسنغتون، افتُتح عام 1880، ويشهد بشكل كامل على رؤيته.
قبل أوين، كانت المتاحف مصممة لاستخدام وتثقيف النخبة، وكانوا يجدون صعوبة في الدخول إليها. وفي الأيام الأولى للمتحف البريطاني، كان على الزوار المحتملين أن يقدّموا طلباً مكتوباً، ويخضعوا لمقابلة موجزة لتحديد إن كانوا ملائمين؛ كي يسمح لهم بالدخول. ثم كان عليهم أن يعودوا مرة ثانية كي يأخذوا بطاقة هذا، إذا نجحوا في المقابلة ثم يأتون مرة ثالثة للنظر إلى كنوز المتحف. حتى آنذاك كانوا يتجولون في جماعات ولا يسمح لهم بالتريث. كانت خطة أوين هي الترحيب بالجميع، إلى درجة تشجيع الموظفين على الزيارة في الليل، وتخصيص معظم مساحة المتحف للعروضن الشعبية. واقترح – على نحو جذري – أن يضع لصقات تحتوي على معلومات في كل مادة معروضة؛ كي يستطيع الناس معرفة ما يشاهدونه. ولكن على نحو غير متوقع، عارضه في ذلك ت. هـ. هكسلي، الذي عتقد أن المتاحف يجب أن تكون مؤسسات بحث في الدرجة الأولى. وبتحويل متحف العلوم الطبيعية إلى مؤسسة للجميع، حوّل أوين توقعاتنا حول هدف المتاحف.
مع ذلك، إن إيثاره للبشر لم يحرفه عامة عن المزيد من الخصومات الشخصية. وكانت آخر أفعاله الرسمية هي حشد الدعم ضد اقتراح لتشييد تمثال في ذكرى
تشارلز دارون. لكنه أخفق في ذلك، بالرغم من أنه حقق انتصاراً متأخراً غير مقصود. واليوم يقوم تمثاله بإطلالة متقنة من سلم القاعة الرئيسة لمتحف العلوم الطبيعية، بينما وضع تمثالا دارون وهكسلي لسبب غامض نوعاً ما في مقهى المتحف، حيث ينظران بجدية فوق بشر يشربون الشاي ويأكلون الكعك المحلى.
سيكون من المعقول افتراض أن خصومات روبرت أوين التافهة تشرح الأهمية المنخفضة لعلم الإحاثة في القرن التاسع عشر، ولكن الأسوأ، جاء هذه المرة من وراء البحار. ففي أمريكا، وفي العقود الأخيرة للقرن نشأت خصومة أكثر سمية -هذا إن لم تكن أكثر تدميراً- بين رجلين غريبين لا يرحمان هما إدوارد درينكر كوب وأوثنييل تشارلز مارش.
كانا يشتركان في أمور كثيرة. كلاهما كان مفسداً من الدلال، ومقوداً، وأنانياً، وميالاً إلى النزاع، وفاقداً للثقة، وغيوراً غير سعيد ودائماً. وتبادلا فيما بينهما
عالم علم الإحاثة.
بدأ صديقين معجبين ببعضهما بعضاً، وكان يسميان عينات المستحاثات باسميهما، وأمضيا أسبوعاً ممتعاً سوية في عام 1868. على أي حال، حدث خطأ ما بينهما لا أحد متأكد ما هو وفي العام الآتي نشأت بينهما عداوة تحولت إلى حقد استهلك ما في العقود الثلاثة اللاحقة. إنه لآمن من الأرجح القول: إنه لم يكن هناك اثنان في العلوم الطبيعية احتقرا بعضهما بعضاً أكثر منهما.
كان مارش -الأكبر بثمانية أعوام – شخصاً منعزلاً وقارئاً، لحيته مشذبة وأنيق، وكان يمضي وقتاً قليلاً في العمل الميداني، ونادراً ما كان جيداً جداً في العثور على أشياء حين يكون هنالك. ففي زيارة إلى حقول الديناصورات المشهورة كومو بلوف، في ويومنغ، لم ير العظام التي كانت –كما عبّر أحد المؤرخين – وتتناثر في كل مكان كالحطب». ولكن كان لديه المال لشراء أي شيء يريده تقريباً. وبالرغم من أنه جاء من خلفية متواضعة كان والده مزارعاً في الجزء الشمالي من نيويورك، فقد كان عمه الغني الكبير والممول المسرف جورج بيبودي. وحين أظهر مارش ميلاً إلى التاريخ الطبيعي، بنى له بيبودي متحفاً في ييل وقدم له تمويلاً كافياً؛ كي يملأه بكل ما يهواه.
ولد كوب مباشرة في جوغني كان والده رجل أعمال غنياً من فيلادلفيا، وكان الأكثر ميلاً بين الاثنين إلى المغامرة. ففي صيف 1876 في مونتانا، بينما كان جورج أرمسترونغ كستر وقواته يقتلون في ليتل بيك هورن، كان كوب يبحث عن العظام في الجوار. وحين قيل له: إن هذا ليس الوقت الأفضل لأخذ الكنوز من الأراضي الهندية، فكر كوب للحظة وقرر أن يتابع بأي حال. كان يمر في موسم جيد جداً. فقد صادف فريقاً من هنود الكراوالمثيرين للريبة، ولكنه نجح في ربحهم بإخراجه المتكرر لطقم أسنانه وإدخاله.
بعد عقد تقريباً، أخذت كراهية مارش وكوب المتبادلة شكل التعريض الصامت،
ولكن في عام 1877 حلقت إلى ذروات جديدة.في ذلك العام عثر مدرس من كولورادو يدعى آرثر ليكس على عظام قرب موريسون بينما كان يتنزه مع صديق. وبعد أن عرف أن العظام هي لـ«زاحف عملاق» أرسل ليكس بعد تفكير عينات منها إلى مارش وكوب. أرسل كوب المسرور 100 دولار إلى ليكس؛ لقاء أتعابه، وطلب منه ألا يخبر أحداً عن الاكتشاف، وخاصة مارشل. طلب ليكس مشوشاً، من مارش أن يرسل العظام إلى كوب. فعل مارش هذا، ولكن هذه كانت إهانة لن ينسها أبداً.
حدد هذا أيضاً بداية حرب بين الاثنين صارت مريرة بنحو متزايد، وماكرة وسخيفة في غالب الأحيان. وقد انحدرت مرة إلى مستوى أن حفاري أحد الفريقين كانوا يرمون الصخور على حفاري الفريق الآخر. وقد قبض على كوب مرة وهو يسرق معلومات من الصناديق المفتوحة التي يملكها مارش. وقد أهانا بعضهما في مؤلفاتهما وازدريا مكتشفات بعضهما بعضاً. نادراً ما دُفع العلم بسرعة ونجاح أكبر من قبل العداوة. ففي السنوات العديدة اللاحقة زاد الاثنان من عدد أنواع الديناصورات المعروفة في أمريكا من تسعة إلى مئة وخمسين تقريباً. وقد عثرا تقريباً على جميع الديناصورات التي يعرفها الإنسان العادي، عثرا على الأسطغوروس، والبرونتوصور، والديبلودوكوس، وثلاثي القرون. ولسوء الحظ عملا بسرعة طائشة، بحيث إنهما أخفقا في غالب الأحيان في ملاحظة أن اكتشافاً جديداً كان معروفاً في السابق. ونجحا سوية في «اكتشاف» نوع يُدعى Uintatheres anceps ليس أقل من اثنتين وعشرين مرة. استغرق الأمر سنوات لحل بعض أخطاء التصنيف التي ارتكباها. وبعضها لم يحل بعد.
كان تراث كوب العلمي أكثر أهمية من تراث مارشل. فقد ألف طوال حياة مهنية مجهدة ساحرة نحو1400 بحث علمي ووصف تقريباً 1300 نوع من المستحاثات (من جميع الأنواع، وليس الديناصورات فقط). وكان هذا أكثر من ضعفي محصلة مارش في كلتا الحالتين. كان من الممكن أن يفعل كوب أكثر من ذلك، ولكن لسوء الحظ انحدر بشكل متهور في سنواته الأخيرة. بعد أن ورث ثروة في 1875، استثمر دون حكمة في الفضة وخسر كل شيء. وانتهى به الأمر إلى الحياة في غرفة واحدة في مثوى في فيلادلفية، محاطاً بالكتب والأوراق والعظام. بالمقابل، انتهى الأمر بمارش إلى منزل رائع في نيو هيفن. توفي كوب في 1897، ومات مارش
بعده بعامين.
طور كوب في أعوامه الأخيرة اهتماماً آخر ممتعاً. كانت رغبته الجدية هي أن يُعلن بوصفه نموذجاً طرازيا للإنسان الحديث، أي أن تكون عظامه عينة رسمية للسلالة البشرية. عادة يكون النموذج الطرازي لنوع ما هو أول مجموعة عظام يتم العثور عليها، وبما أنه لم توجد مجموعة أولى من عظام الإنسان الحديث، كان هناك فراغ، رغب كوب بملئه. كانت رغبة غريبة وعبثية، ولكن لا أحد يستطيع التفكير بأي أسس لمعارضته. من أجل هذه الغاية، أوصى أن تمنح عظامه لمؤسسه وليستر. وهي جمعية علمية في فيلادلفيا وهبها المنحدرون من كاسبار ويستر، الذي يبدو أنه لا يمكن الهرب من تأثيره. ولسوء الحظ –بعد أن جهزت عظامه وجمعت- اكتشف أن فيها أعراض سفلس أولية، ولهذا لن يرغب المرء بحفظها على أنها نموذج طرازي للبشر الحديثين.
أما بالنسبة للممثلين الآخرين في هذه المسرحية، فقد توفي أوين في 1892، قبل كوب ومارش ببضع سنوات. أصيب بكلاند بالجنون وأنهى أيامه حطاماً مهذاراً في مشفى للمجانين في كلابمهم، غير بعيد عن المكان الذي تعرض فيه مانتل للحادث الذي أدّى إلى شلله. وبقي عمود مانتل الفقري الملتوي معروضاً في متحف هنتاريان تقريباً مدة قرن قبل أن تطمسه برحمة قنبلة ألمانية في البليتز، ما بقي من مجموعة مانتل بعد موته انتقل إلى أولاده ونقل كثير منه إلى نيوزلندة من قبل ولده والتر، الذي هاجر إلى هناك في 1840. أصبح والتر مواطناً نيوزلندياً مميزاً، وحصل في النهاية على منصب وزير الشؤون المحلية. وفي 1865 تبرع بالعينات الرئيسة من مجموعة والده، وبينها سن الإغوادون المشهور، إلى المتحف الكولونيالي (الذي هو الآن متحف نيوزلندة) في ولنغتون، حيث بقيت هنالك منذ ذلك الوقت. إن سن الإغوادون الذي بدأ الأمر كله والذي يُعدّ بنحو مثير للجدل أهم سنة علم الإحاثة لم يعد معروضاً.
لم ينته البحث عن الديناصورات بوفيات صيادي المستحاثات العظام في القرن التاسع عشر. فقد بدأ لتوه إلى درجة مفاجئة. ففي عام 1898 –العام الذي يقع بين وفاة كوب ومارش - تم اكتشاف كنز هو الأعظم بين كل ما عثر عليه حتى الآن، في مكان يُدعى بون كيبن كواري، لا يبعد إلا عدة أميال عن أرض صيد مارش الرئيسة في كومو بلف، ويومنغ. هناك، مئات ومئات من العظام المستحاثية اكتُشفت ناتئة من التلال. كانت كثيرة جداً – في الحقيقة- بحيث إن أحداً ما بنى كوخاً منها ومن هنا جاء الاسم. استخرج في الموسمين الأولين فحسب مئة ألف رطل من العظام القديمة من الموقع، وجاءت عشرات الآلاف من الأطنان الأخرى في السنوات التي أعقبت ذلك.
وفي مستهل القرن العشرين كان علماء الإحاثة يمتلكون أطناناً من العظام القديمة؛ كي يفحصوها. المشكلة هي أنهم لا يزالون يجهلون كم عمر أي من هذه العظام. والأسوأ، إن الأعمار المتفق عليها للأرض لا تستطيع أن تدعم بنحو مريح أعداد الدهور والعصور والحقب، التي احتوى عليها الماضي بوضوح. فلو كان عمر

الأرض في الحقيقة فقط 20 مليون عام أو ما يقارب ذلك، كما ألح اللورد كلفن العظيم، لكانت أنظمة الكائنات القديمة كلها يجب أن تكون قد وجدت، وانقرضت مرة ثانية عملياً في اللحظة الجيولوجية نفسها. وليس لهذا أي معنى.
فكر علماء آخرون على غرار كلفن في المشكلة وخرجوا بنتائج عمقت عدم اليقين فقط. وأعلن سامويل هوتون –عالم الجيولوجيا المحترم، في كلية ترينيتي في دبلن - عمراً مقدّراً للأرض وهو2,300 مليون عام تجاوز كل ما اقترحه الجميع. حين جذب هذا انتباهه، أعاد الحساب مستخدماً المعطيات نفسها وجعل الرقم 135 مليون عام. وفكر جون جولي: الذي كان هو أيضاً في ترينيتي، أن يجرب فكرة إدموند هالي عن أملاح المحيط، ولكن منهجه استند إلى كثير من الافتراضات المغلوطة، بحيث لم يصل إلى نتيجة. حسب أن عمر الأرض 89 مليون عام، وهذا عمر انسجم بما يكفي مع افتراضات كلفن، ولكنه لم يكن حقيقياً لسوء الحظ.
هكذا كان التشوش بحيث إنه عند اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، وبحسب المصادر المتنوعة، يمكنكم أن تعرفوا أن عدد السنوات التي فصلت بيننا وبين فجر الحياة المعقدة في العصر الكامبري كان 3 ملايين، 18 مليوناً، 600 مليون، 794 مليوناً، أو 2.4 بليون، أو عدد ما آخر داخل التسلسل. وفي أواخر 1910، جعلت أحد أكثر التقديرات احتراماً، التي قام بها الأميركي جورج بيكر، عمر الأرض 55 مليون سنة
وحين بدت الأمور مشوشة جداً جاء رقم آخر فائقاً للعادة بمقاربة جديدة. قدم فتى مزرعة نيوزلندي ذكي ومتألق – يدعى إرنست رزرفورد – دليلاً غير قابل للدحض بأن عمر الأرض كان على الأقل مئات كثيرة من ملايين الأعوام، وربما أكثر. وبنحو لافت، استند دليله على الخيمياء(*) التي كانت طبيعية، وتلقائية، وقابلة للتصديق علمياً وغير خفية بنحو كامل ولكنها كانت كيمياء. وتبين أن نيوتن لم يكن مخطئاً في النهاية. كيف صار هذا واضحاً بدقة هو قصة أخرى بالطبع.

الفصل السابع مسائل عناصرية
غالباً ما يقال: إن الكيمياء كعلم جدي ومحترم بدأت في 1661، حين نشر روبرت بويل من أكسفورد كتابه عالم الكيمياء الشكاك، العمل الأول الذي ميز بين الكيميائيين والخيميائيين، ولكن هذا كان تحولاً بطيئاً وعشوائياً في غالب الأحيان. وفي القرن الثامن عشر كان الباحثون يشعرون بالارتياح بنحو غريب في كلا المعسكرين، على غرار الألماني جوهان بيكر Johann Becher الذي ألف عملاً رصيناً يعلو على النقد عن علم المعادن يدعى فيزياء باطن الأرض، والذي كان متأكداً أيضاً أنه لو توافرت المواد المطلوبة لاستطاع جعل نفسه غير مرئي.
ربما لا شيء يصور الطبيعة الغريبة والعرضية في غالب الأحيان لعلم الكيمياء في أيامه الأولى أكثر من اكتشاف قام به ألماني يدعى هينج براند Hennig Brand في 1675. صار براند مقتنعاً أن الذهب يمكن أن يستخرج من البول البشري. (وبدا كأن التشابه في اللون كان عاملاً في استنتاجه). جمع خمسين دلواً من البول، وحفظه لشهور في قبوه. وعبر عمليات مبهمة متنوعة، حوّل البول في البداية إلى عجينة كريهة ثم إلى مادة شمعية شفافة. لم ينتج الذهب، بالطبع، ولكن حدث شيء غريب وممتع. بعد مدة، بدأت المادة بالتوهج. فضلاً عن ذلك، حين تعرضت هذه المادة للهواء، اشتعلت على الفور.
لم يضيع التجار المتلهفون احتمال تسويق المادة التي صارت في الحال تعرف باسم الفوسفور، من الجذر اللاتيني واليوناني، الذي يعني «حامل الضوء، ولكن صعوبة التصنيع جعلتها مكلفة جداً. كان سعر أونصة من الفسفور ستة باوندات ربما 300 جنيه بعملة اليوم وكانت أغلى من الذهب. في البداية، كان الجنود يستدعون لتقديم المادّة الخام، ولكن ترتيباً كهذا بالكاد كان مفضياً إلى إنتاج على المستوى الصناعي. وفي خمسينيات القرن الثامن عشر،

اخترع عالم كيمياء سويدي يدعى كارل سكيبل Carl Scheele طريقة لصناعة الفوسفور بكميات كبيرة دون تلوث أو رائحة البول. وربما بسبب إتقان صناعة الفسفور صارت السويد – وما تزال – الأولى في إنتاج أعواد الثقاب.
كان سكيل شخصاً فائقاً للعادة وسيئ الحظ بنحو فائق للعادة في آن واحد. فهذا الصيدلي المتواضع الذي لم يكن يملك سوى القليل من الأجهزة المتطورة، اكتشف ثمانية عناصر: الكلورين والفلورين والمنغنيز والباريوم والموليبدنوم، والتنغستين، والنتروجين والأوكسجين ولم يحصل على شرف اكتشاف أي منها. وفي كل حالة، إما أهملت مكتشفاته أونُشرت بعد قيام شخص آخر بالاكتشاف نفسه بنحو مستقل. وقد اكتشف أيضاً كثيراً من المركبات المفيدة وبينها الأمونيا والغلسيرين وحمض التنيك، وكان أول من عرف الإمكانية التجارية للكلورين
كمبيض، وكانت هذه كلها فتوحات جعلت بشراً آخرين أثرياء بنحو يفوق الوصف.
كان خطأ سكيل الوحيد الملحوظ هو إصراره الغريب على تذوق قليل من كل شيء عمل عليه، بما فيه مواد غير متفقة كالزئبق وحمض الهيدروسيانيك (اكتشاف آخر له)، وهو مزيج سام واسع الشهرة بحيث إن إروين شروندجر اختاره بعد 150 عاماً في تجربة فكرية مشهورة (انظر ص 190). وأخيراً أودى تهور سكيل به. ففي 1786 -وفي سن الثالثة والأربعين– عُثر عليه ميتاً على مقعد عمله محاطاً بحشد من المواد الكيماوية السامة، وأي منها يمكن أن يفسر النظرة المدهوشة والمهلكة على وجهه.
لوكان العالم عادلاً ويتكلم السويدية لتمتع سكيل بشهرة كونية. وكما حدث،
كانت الاحتفاءات من حظ علماء الكيمياء، وكان معظمهم من العالم الناطق بالإنكليزية. لقد اكتشف سكيل الأوكسجين في 1772، ولكن لعدة أسباب معقدة ومحطمة للقلب لم يستطع نشر أبحاثه في وقت مناسب. ذهب الشرف بدلأ من ذلك إلى جوزف بريستلي، الذي اكتشف العنصر نفسه على نحو مستقل، ولكن فيما بعد، وفي صيف عام 1774. وكان من اللافت أكثر هو عدم تلقي سكيل لشرف

اكتشاف الكلورين. وما تزال جميع النصوص تقريباً تعزو اكتشاف الكلورين إلى همفري ديفي، الذي اكتشفه بالفعل، ولكن بعد ستة وثلاثين عاماً من سكيل. وبالرغم من أن الكيمياء قد قطعت شوطاً طويلاً في القرن الذي فصل نيوتن وبويل عن سكيل وبريستلي وهنري كافندشس، كان لا يزال أمامها طريق طويل. وحتى الأعوام الختامية للقرن الثامن عشر (وفي حالة بريستلي بعد ذلك بقليل) بحث العلماء في كل مكان، واعتقدوا أحياناً أنهم عثروا بالفعل على أشياء لم تكن هناك فحسب: أجواء فاسدة، وبقايا بحرية محترقة، وأحماض، وأعشاب معمرة، ونثار معادن، ومزفورات يابسية مائية، وقبل كل شيء، اللأهوب، المادة التي اعتقد أنها العامل الفاعل في الاحتراق. وفي مكان ما في كل هذا، اعتقد أنه تكمن أيضاً القوة الخلاقة: القوة التي أحيت الأشياء. لم يعرف أحد مكمن هذا الجوهر الأثيري، وكان هناك شيئان مرجحان: إنك تستطيع أن تحيي الشيء الميت بصدمة كهربائية (الفكرة التي استغلتها ماري شيللي من أجل نتائجها النهائية في روايتها فرانكشتاين)؛ وإنها توجد في بعض المواد ولكن ليس في أخرى، ولهذا انتهينا بفرعين من الكيمياء: العضوية (لتلك المواد التي اعتقد أنها تحتوي عليها) واللاعضوية (لتلك التي لم تحتوِ عليها).
كانت هناك حاجة إلى شخص مبدع؛ كي يجدد الكيمياء في العصر الحديث، وكان الفرنسيون هم الذين قدّموه. كان اسمه أنطوان لوران لافوازييه. ولد في عام 1743، وكان عضواً من النبلاء الثانويين (أمن والده لقباً للأسرة). وفي عام 1768 اشترى حصة جيدة في مؤسسة مزدراة جداً تدعى المزرعة العامة، كانت تجمع الضرائب والأجور لصالح الحكومة. وبالرغم من أن لافوازييه كان بحسب كل الروايات لطيفاً وغير متحيز، لم تكن المؤسسة التي عمل فيها هكذا. ذلك أنها لم تفرض الضرائب على الأغنياء بل على الفقراء، وغالباً بنحواعتباطي. بالنسبة للافوازييه، كانت جاذبية المؤسسة هي أنها قدمت له الثروة؛ كي يواصل ملاحقة العلم الذي كرّس له حياته. في أوج عمله، كان دخله الفردي 150,000 ليفر(*) في العام، ما يعادل ربما 12 مليون جنيه بعملة اليوم.
(*) وحدة نقد في فرنسية قديمة. المترجم.

بعد ثلاث سنوات من الانخراط في هذه المهنة المربحة، تزوج من ابنة أحد رؤسائه التي تبلغ الرابعة عشرة من عمرها. كان الزواج اجتماعاً للعقل والقلب. كانت المدام لافوازييه تمتلك ذكاء حاداً وصارت في الحال تعمل بنحو مثمر مع زوجها. وبالرغم من متطلبات عمله وحياته الاجتماعية المشغولة، نجحا في معظم الأيام في أن يخصصا خمس ساعات للعلم، اثنتين في الصباح الباكر، وثلاثاً في المساء، بالإضافة إلى يوم الأحد كله، الذي سمّياه يوم السعادة. ونوعاً ما عثر لافوازييه أيضاً على الوقت؛ كي يكون مفوّض البارود، ويشرف على بناء سور حول باريس لردع المهربين، وساعد في اكتشاف النظام المتري وشارك في تأليف منهج الترميز الكيميائي الذي صار توراة للإقرار بأسماء العناصر.
وبوصفه عضواً بارزاً في الأكاديمية الملكية للعلوم، طلب منه أيضاً أن يهتم بطريقة فاعلة بكل ما كان ذا علاقة بالأحداث الجارية: التنويم المغناطيسي، وإصلاح السجن، وتنفس الحشرات، وتزويد باريس بالماء. وبسبب تمتعه بقدرات كهذه تفوّه في عام 1780 ببعض الملاحظات ضد نظرية الاحتراق الجديدة، التي قدّمها إلى الأكاديمية عالم شاب طموح ورفضها. كانت النظرية خاطئة بالفعل، ولكن العالم لم يسامحه أبداً. كان اسمه جان بول مارا Jean-Paul Marat.
كان الشيء الوحيد الذي لم يفعله لافوازييه أبداً هواكتشاف عنصر في وقت بدا فيه أن أي شخص تقريباً لديه كوب الصيدلي، ولهب وبعض المساحيق المهمة، يستطيع أن يكتشف شيئاً جديداً. حينها، كان ثلثا العناصر دون اكتشاف وأخفق لافوازييه في اكتشاف عنصر واحد. لم يكن الأمر بالتأكيد بسبب الحاجة إلى كؤوس الصيادلة. كان لافوازييه يملك منها ثلاثة عشر ألفاً فيما كان –إلى درجة خارقة- أروع مختبر خاص في الوجود.
بدلاً من ذلك قام باكتشاف عناصر أخرى وجعلها مفهومة. رمى جانباً الفلوجستين والأجواء السامة وحدد طبيعة الأوكسجين والهيدروجين وأعطى كليهما اسميهما الحديثين. باختصار، أدخل الدقة والوضوح والمنهجية إلى الكيمياء.

جاءت أجهزته الخيالية بسهولة. شغل نفسه طيلة أربع سنوات هو وزوجته بدراسات عالية الدقة تتطلب أفضل المقاييس. حدّدا (مثلاً) أن الشيء الذي يصدأ لا يفقد الوزن، كما افترض الجميع الوقت طويل، ولكنه يكسب وزناً. وكان هذا اكتشافاً فائقاً للعادة. حين يصدأ الشيء، فإنه يجذب جسيمات أولية من الجو. كان هذا هو الإدراك الأول بأن المادّة يمكن أن تُحوّل لكن لا تزال. إذا أحرقت هذا الكتاب الآن، فإن مادته ستتحول إلى رماد ودخان، ولكن الكمية الصافية للمادة في الكون ستكون نفسها. وصار هذا معروفاً باسم بقاء المادة، وقد كان هذا مفهوماً ثورياً. ولسوء الحظ، تزامن مع نمط آخر من الثورة هو الثورة الفرنسية وفي هذه كان لافوازييه في الجهة الخطأ.
لم يكن عضواً في المزرعة العامة المكروهة فحسب، وإنما بنى أيضاً بحماس السور الذي أحاط بباريس، هذا الصرح الذي كره إلى درجة أنه كان الشيء الأول، الذي هوجم من قبل المواطنين المتمرّدين. استثمر مارا هذا في 1791 وبعد أن صار صوتاً بارزاً في المجلس الوطني. شجب لافوازييه وقال: إنه لم يفت الوقت على شنق لافوازييه، بعد ذلك في الحال أغلقت المزرعة العامة. ولم يمض وقت طويل على هذا حتى قتل مارا في حمامه على يد شابة محزونة اسمها شارلوت كوردي، ولكن
في هذا الوقت كان الوقت متأخراً جداً بالنسبة للافوازييه.
وفي عام 1793 وصل عهد الإرهاب الذي كان قوياً إلى أوجه. وفي تشرين الأول
سيقت ماري أنطوانيت إلى المقصلة. وفي الشهر اللاحق – وفيما كان هو وزوجته يضعان خططاً متأخرة للهرب إلى أسكتلندة- اعتقل لافوازييه. وفي أيار مثل هو وواحد وثلاثون زميلاً من المزرعة العامة أمام المحكمة الثورية (في قاعة محكمة يرأسها تمثال مارا الصدري). أعفي عن ثمانية ولكن لافوازييه والآخرين أخذوا إلى ساحة الثورة (التي هي الآن ساحة الكونكورد)، وهو موقع أكثر المقاصل الفرنسية انشغالأ، راقب لافوازييه والد زوجته فيما كان رأسه يقطع، ثم خطا إلى
الأمام وقبل مصيره. بعد أقل من ثلاثة أشهر، في 27 تموز، أرسل روبسبير إلى


بعد مئة عام من موته، شيد تمثال للافوازييه في باريس وأعجب به الكثير إلى أن أشار أحدهم أنه لا يشبهه. ولدى التحقق، اعترف النحات أنه استخدم رأس الرياضي والفيلسوف الماركيز (دو كوندورسيت) على ما يبدو كان لديه بديل، آملاً أنه لا أحد سيلاحظ ذلك وإن لاحظ فلن يأبه. وكان محقاً في الأمر الثاني. فقد سمح لتمثال لافوازييه المتحد مع كوندورسيت بالبقاء في مكانه لنصف قرن آخر حتى الحرب العالمية الثانية، حين سرق في صباح أحد الأيام، وتم تذويبه إلى خردة.
وفي أوائل الثمانينيات انتشرت في إنكلترة عادة استنشاق الأكسيد النتري (مخدّر)، أو الغاز الضاحك، فبعد اكتشافه تم استخدامه «بحماسة عالية ومتعة كبيرة». وبقي في نصف القرن اللاحق المخدر المفضل للشبان. ولكن هيئة علمية أخرى تدعى جمعية أسكسيان كانت مكرسة لشيء آخر. وعرضت المسارح «أمسيات الغاز الضاحك» حيث كان المتطوعون ينعشون أنفسهم باستنشاق قوي، ثم يمتعون الجمهور بحركاتهم الكوميدية المذهلة.
لم يكتشف أحد استخداماً عملياً للأكسيد النتري كمخدّر حتى عام 1846. ولا أحد يعرف إلا اللّه كم عانت آلاف كثيرة من البشر من آلام غير ضرورية من سكين الجراح، لأنه لم يفكر أحد بالاستخدام العملي الأكثر وضوحاً للغاز.
أذكر هذا كي أشير إلى أن الكيمياء – بعد أن وصلت إلى هذا الحد، في القرن الثامن عشر- ضلّت سبيلها في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، كما فعلت الجيولوجيا في الأعوام الأولى للقرن العشرين. وكان السبب هو محدودية الأجهزة لم يكن هناك –على سبيل المثال – أدوات تعمل وفقاً لمبدأ القوة النابذة حتى النصف الثاني من القرن، مما قيد بحدّة كثيراً من أنواع التجارب وكان السبب أيضاً اجتماعياً. وإذا ما تحدثنا بصورة عامة، كانت الكيمياء علماً لرجال الأعمال، أولئك الذين عملوا في الفحم الحجري والبوتاس والأصبغة، وليس للسادة، الذين شدّوا إلى الجيولوجيا، والتاريخ الطبيعي والفيزياء. (كان هذا أقل صحة بنحو طبيعي في أوروبة القارية منه في بريطانية، ولكن فقط بنحو ضئيل).

كان أهم اكتشاف في القرن هو الحركة البراونية (*)، التي أسست الطبيعة الفاعلة للجزيئات، الذي لم يقم به كيميائي وإنما عالم نبات أسكتلندي يُدعى روبرت براون. (ما لاحظه براون في 1827 هو أن حبات صغيرة من غبار الطلع المنحلة في الماء، تبقى في حركة دائمة مهما حاولت جعلها تستقر. كان سبب هذه الحركة الدائمة وأعني فعل الجزيئات اللا مرئية لغزاً لوقت طويل). يمكن أن تكون الأمور أسوأ لولا شخصية رائعة ومفاجئة تدعى الكونت فون رمفورد، الذي – بالرغم من مهابة لقبه- بدأ حياته في وبرن، ماساتشوسيتس، في 1753 باسم بنجامين تومسون البسيط. كان تومسون مندفعاً وطموحاً، «أنيق الشكل والشخصية»، وكان بين فينة وأخرى شجاعاً ومتألقاً بنحو مفرط، ولكن لم يردعه أي وازع. تزوج في سن التاسعة عشرة من أرملة تكبره بأربعة عشر عاماً، ولكن حين نشبت الثورة في المستعمرات انضم دون حكمة إلى الموالين، وتجسس لصالحهم لبعض الوقت. وفي عام 1776 المشؤوم، كان معرضاً للاعتقال بتهمة «فقدان الحماسة في قضية الحرية»، فهجر زوجته وطفله وهرب أمام رعاع من المضادين للموالين مسلحين بدلاء من القار الساخن، وحقائب من الريش ورغبة جدية لتزيينه بكليهما.
هرب في البداية إلى إنكلترة ثم إلى ألمانية، حيث خدم كمستشار عسكري لحكومة بافاريا، ولأنه أثار إعجاب السلطات قُلِّد عام 1791 لقب الكونت فون رمفورد من الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بينما في ميونخ صمم أيضاً وأنشأ الحديقة المشهورة المعروفة باسم الحديقة الإنكليزية.
وفيما بين هذه الحوادث عثر نوعاً ما على الوقت كي يقوم بكمية جيدة من الأبحاث العلمية. صار المرجع الأول في العالم في الدّيناميكا الحرارية، وأول من فسّر مبادئ الحمل الحراري للسوائل ودوران تيارات المحيط. ابتكر أيضاً أشياء
(*) ظاهرة فيزيائية اكتشفها عالم النبات البريطاني روبرت براون قوامها تذبذب الجسيمات العالقة في سائل أو غاز تذبذباً سريعاً، وذلك بسبب اصطدامها بجزيئات الوسط المحيط بها. وهذه الظاهرة تُعدّ دليلاً لا يدحض على وجود الحركة الجزيئية.

عديدة مفيدة، بينها جهاز تقطير لصناعة القهوة، ولباس داخلي حراري وموقد ما يزال يُعرف باسم موقد رمفورد. وفي 1805 - في أثناء إقامة مؤقتة في فرنسة - تودد إلى المدام لافوازييه وتزوّجها، وكانت أرملة أنطوان لوران. لم ينجح الزواج وانفصلا في الحال. بقي رمفورد في فرنسة حيث وافته المنية في 1814، وقدّر كونياً من الجميع عدا زوجاته السابقات.
إن هدفنا من ذكره هنا هو أنه في 1799 - وفي أثناء فاصل قصير نسبياً في لندن - أسس المؤسسة الملكية، وهي واحدة من مؤسسات علمية أخرى كثيرة ظهرت إلى الوجود في أنحاء بريطانية كافة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. كانت لبعض الوقت المؤسسة الوحيدة تقريباً التي عززت بنحو فاعل علم الكيمياء الفتي، ويعود الفضل في ذلك بشكل كامل إلى شاب متألق يدعى همفري ديفي، الذي عُيّن أستاذاً للكيمياء في المؤسسة بعد وقت قصير من افتتاحها، وحظي بسرعة بالشهرة كمحاضر متميز ومجرّب مثمر.
بعد أن تولى منصبه حالًا بدأ ديفي ينتج عناصر جديدة واحداً بعد آخر البوتاسيوم، والصوديوم، والمغنيزيوم، والكالسيوم، والإسترنشيوم، والألومينوم أو الأملنيوم، وهذا يعتمد على فرع الإنكليزية الذي تفضله(*). اكتشف عناصر كثيرة ليس لأنه كان ذكياً فحسب، بل لأنه طور تقنية بارعة في استخدام الكهرباء على مادة مذابة، الطريقة المعروفة باسم الكهرلة أو التحليل الكهربائي. وقد اكتشف دزينة من العناصر شكلت خمس العدد الكلي المعروف في زمنه. كان بوسع ديفي أن ينجز أكثر من هذا ولكن لسوء الحظ طوّر باعتباره شاباً ارتباطاً قوياً بمتع
(*) إن التشوش في تهجية الألومينوم والألمنيوم يعود إلى صفة غير مميزة لعدم الحزم لدى ديفي. حين عزل العنصر لأول مرة في 1808، دعاه ألومينوم. لسبب ما فكّر بهذا بنحو أفضل وسمّاه الألمنيوم بعد أربع سنوات. تبنى الأميركيون مطيعين المصطلح الجديد، لكن كثيراً من البريطانيين كرهوا الكلمة، مشيرين إلى أنها تقاطع نموذج الـ ium الذي أسسه الصوديوم
والكالسيوم والإسترنشيوم، وهكذا أضافوا حرفاً صائتاً وآخر ساكناً. بين إنجازاته الأخرى، اخترع ديفي أيضًا مصباح الأمان الخاص بالمعدنين.

الأكسيد النتري. وقد ارتبط بهذا الغاز بحيث كان يستخدمه ثلاث أو أربع مرات في اليوم. أخيرًا، في 1928، اعتُقد أنه قتله.
لحسن الحظ، كانت شخصيات أكثر رصانة تعمل في أمكنة أخرى. ففي 1808 صار صاحبي صارم يدعى جون دالتون الشخص الأول الذي أعلن طبيعة الذرة (وهذا تقدم سيناقش بنحو كامل فيما بعد) وفي 1811 قام إيطالي ذو اسم أوبرالي رائع هولورنزو رومانو أماديو كارلو أفوغادرو، كونت كواريكا وسيريتو باكتشاف سيبرهن على أنه مهم جداً على المدى الطويل، وهو أن حجمين متساويين من الغاز من أي نوع، إذا حُفظا في الضغط والحرارة نفسيهما، سيحتويان على أعداد
متساوية من الجزيئات.
كان هناك شيئان واضحان في مبدأ أفوغادرو البسيط بشكل مغرٍ، كما صار يُعرف: أولاً: قدّم أساساً لقياس حجم ووزن الذرات بشكل أكثر صحة. فباستخدام رياضيات أفوغاردو، كان علماء الكيمياء في النهاية قادرين على استنتاج، (مثلاً) أن ذرة عادية لها قطر من 0.00000008 سم، وهذا قليل جداً بالفعل. وثانياً: لم يعرف أحد عنها تقريباً لخمسين سنة (*).
ويعود السبب في هذا جزئياً إلى أن أفوغادرو كان شخصاً منطوياً. كان يعمل وحده، ونادراً ما يتواصل مع زملائه العلماء، لم ينشر سوى أبحاث قليلة ولم يحضر أي اجتماعات؛ لأنه لم تكن هناك اجتماعات كي يحضرها أو مجلات كيميائية
(*) قاد المبدأ فيما بعد إلى التبني الكثير لرقم أفوغادو، وهي وحدة قياس أساسية في الكيمياء، سميت على اسم أفوغادو بعد موته بوقت طويل. إن عدد الجزيئات التي اكتشفت في 2.016 غرام من غاز الهيدروجين (أو كمية مساوية من أي غاز آخر) وضعت قيمته في ?10?^23×6.0221367، وهذا رقم ضخم جداً. تسلّى طلاب الكيمياء لوقت طويل بحساب كم هورقم كبير، وهكذا أستطيع أن أفيد أنه مساوٍ لعدد من حبات البوشار كافٍ لتغطية الولايات المتحدة كلها على عمق تسعة أميال، أو مساوٍ لأكواب الماء في المحيط الهادئ، أو علب مشروبات باردة، التي إذا خزنت بنحو مستوٍ، فستغطي الأرض على عمق 200 ميل. إن عدداً مساوياً من البنسات الأميركية سيكون كافياً لجعل كل شخص على الأرض بليونيراً. إنه عدد كبير.

كافية كي ينشر فيها. وهذا حقيقة فائقة للعادة. فقد دفعت الثورة الصناعية بنحو كبير بتطورات في الكيمياء، وبالرغم من ذلك فإن الكيمياء كعلم منظّم نادراً ما وجدت لعقود.
لم تتأسس الجمعية الكيميائية في لندن حتى 1841 ولم تبدأ بإنتاج مجلة منتظمة حتى 1848، وفي ذلك الوقت كان عمر معظم الجمعيات العلمية في بريطانية الجيولوجية والجغرافية والحيوانية والجنانيّة واللينييوسيّة (*) (الخاصة بعلماء الطبيعة والنبات) عشرين عاماً على الأقل وفي عدة حالات أكثر بكثير. ولم تتأسس المدرسة المنافسة في الكيمياء حتى 1877، بعد عام من تأسيس الجمعية الكيميائية الأميركية. ولأن الكيمياء كانت بطيئة التنظيم، لم تنتشر الأنباء عن فتوحات أفوغادرو في 1811 حتى مؤتمر الكيمياء الأول في كارلسروهي Karlsruhe في 1860.
كانت التقاليد بطيئة الظهور؛ لأن الكيميائيين عملوا طويلاً في عزلة. وحتى النصف الثاني من القرن، كانت صيغة H_2 O_2 يمكن أن تعني الماء العالم كيمياء وقد تعني بيروكسيد الهيدروجين (**) لآخر. كان يمكن أن تشير C_2 H_4 إلى الإثيلين أو غاز الميثان. بالكاد يوجد جزيء مُثِّل بشكل منتظم في مكان آخر.
استخدم الكيميائيون أيضاً تنوعاً محيراً من الرموز والاختصارات، وغالباً ما كانت مبتكرة ذاتياً. فقد أدخل العالم السويدي ج.ج. برزليوس مقياساً مطلوباً جداً لترتيب المسائل قائلاً: إن العناصر تُختصر على أساس أسمائها اللاتينية واليونانية، لهذا اختصار الحديد هو FE من الكلمة اللاتينية ferrum واختصار الفضة هوAG (من الكلمة اللاتينية argentums). وبما أن كثيراً من الاختصارات
(*) منسوبة إلى عالم النبات السويدي كارولوس لينييوس أو إلى طريقته في تقسيم النباتات. المترجم.
(**) سائل ثقيل، عديم اللون والرائحة، يتألف من ذرتي هيدروجين وذرتي أوكسجين ويذوب بسرعة في الماء وفي الكحول أيضاً. المترجم.

الأخرى تنسجم مع أسمائها الإنكليزية (N للنتروجين و H للهيدورجين وإلى ما هنالك ) فإنها تعكس طبيعة إنكليزية لاتينية، لا طبيعتها الرفيعة. وللإشارة إلى عدد الذرات في جزيء استخدم برزليوس ترميزاً مرقوماً في الأعلى H^2 O. فيما بعد - ودون سبب خاص - صارت الموضة هي التعبير عن الرقم كترميز مرقوم في الأسفل:H_2 O.
وبالرغم من محاولات التنظيم بين فينة وأخرى كانت الكيمياء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مشوشة، لهذا كان الجميع مسرورين من بروز بروفسور مجنون وغريب المنظر في 1869 في جامعة سينت بتسبرغ يدعى ديميتري إفانوفيتش مندلييف.
ولد مندلييف في 1834 في توبولسك، في الغرب الأقصى من سيبيريا، لأسرة ضخمة جداً ومتعلمة جيداً ومزدهرة. كانت الأسرة كبيرة، بحيث إن التاريخ لم يعرف عددها: تقول بعض المصادر: إنه كان هناك 14 ولداً، وبعضها الآخر يقول: 17. ويتفق الجميع أن ديمتري كان أصغرهم. لم يحالف الحظ هذه العائلة دوماً. فحين كان ديمتري صغيراً أصيب والده - الذي كان مدير مدرسة - بالعمى فاضطرت أمه للذهاب إلى العمل. كانت على ما يبدو امرأة فائقة للعادة، وصارت فيما بعد مديرة لمعمل زجاج ناجح. وسارت الأمور على ما يرام حتى عام 1848، حين احترق المعمل وحل الفقر بالأسرة. - مصممة على تعليم ابنها الأصغر - قطعت السيدة مندلييف هي وابنها أربعة آلاف ميل إلى سان بطرسبرغ، وهذا يعادل السفر من لندن إلى غينيا الاستوائية ووضعته في مؤسسة علم أصول التدريس. ماتت بعد ذلك في الحال منهكة من جهودها.
أكمل مندلييف دراساته ومُنح في النهاية منصباً في الجامعة المحلية. صار عالم كيمياء كُفئاً ولكنه لم يكن متميزاً جداً وكان روفاً من شعره ولحيته الفوضوية التي كان يحلقها مرة واحدة في العام، أكثر مما عُرف من مواهبه في المختبر.



على أي حال، في عام 1869 -وفي سن الخامسة والثلاثين- بدأ يتسلى بطريقة لترتيب العناصر. في ذلك الوقت، كانت العناصر تجمع عادة بطريقتين: إما بالوزن الذري (باستخدام مبدأ أفوغاردو) أو بالمواصفات الشائعة (سواء كانت معادن أو غازات، على سبيل المثال). وكان فتح مندلييف هو رؤية إن كان الاثنان يمكن جمعهما في جدول واحد.
وكما كان شائعاً في العلم، توقع المبدأ قبل ثلاث سنوات عالم كيمياء هاو في إنكلترة هوجون نيولاندز. فقد اقترح أنه حين ترتب العناصر بالوزن فإنها على ما يبدو تكرر مواصفات معينة بمعنى ما، كي تتناغم في كل مكان ثمانية على الميزان. دعا نيولاندز المبدأ قانون الجواب وشبه الترتيب بالنغمات الثماني على لوح البيانو بشكل غير حكيم جزئياً، ذلك أن هذه كانت فكرة لم يحن وقتها بعد تماماً. ربما كان هناك شيء ما في شرح نيولاندز، ولكن الفكرة عدّت منافية للعقل وسخر منها على نحو واسع. ففي الاجتماعات، كان أعضاء الجمهور الأكثر سخرية يطلبون منه إحضار عناصره؛ كي يعزف لهم لحناً قصيراً. تخلى نيولاندز عن الفكرة محبطاً، وغاب عن البصر أيضاً.
استخدم مندلييف مقاربة مختلفة قليلاً، واضعاً عناصره في مجموعات سباعية، ولكنه طبق جوهرياً الفرضية نفسها. فجأة بدت الفكرة متألقة وقابلة للإدراك بنحو رائع. ولأن المواصفات كررت نفسها دورياً، عُرف الابتكار باسم الجدول الدوري.
قيل: إن مندلييف أُلهِم من لعبة ورق تُدعى السوليتير في أمريكة الشمالية والصبر في أمكنة أخرى، التي بمقتضاها ترتب الأوراق أفقياً بالنقش وعمودياً بالعدد. مستخدماً مفهوماً مشابهاً بنحو كبير، رتب العناصر في صفوف أفقية دعيت الدورات وفي أعمدة عمودية دُعيت المجموعات. أظهر هذا فوراً مجموعة واحدة من العلاقات حين تقرأ إلى الأعلى والأسفل، ومجموعة أخرى حين تقرأ من جانب إلى آخر. وبنحو محدد، إن الأعمدة العمودية تجمع سوية مواد كيماوية

لها مواصفات مشابهة. وهكذا يجلس النحاس على قمة الفضة وتجلس الفضة على قمة الذهب بسبب قرابتها كونها معادن، بينما الهليوم، والنيون والأرجون ففي فئة الغازات. (إن المحدد الفعلي الرسمي في الترتيب هو شيء يدعى تكافؤاتها الإلكترونية، وإذا أردت أن تفهمها فسيجب عليك أن تسجل في الدروس المسائية). إن الصفوف الأفقية -في غضون ذلك- ترتب المواد الكيماوية في ترتيب تصاعدي وفق عدد البروتونات - في نواتها، ما يُعرف باسم عددها الذري.
سأشرح بُنية الذرات وأهمية البروتونات في فصل لاحق؛ أما الآن فكل ما هو ضروري هو فهم المبدأ المنظم: الهيدروجين له بروتون واحد فقط، وهكذا فإن له العدد الذري 1 ويأتي أولاً على الجدول؛ اليورانيوم له 92 بروتوناً وهكذا فهو يقترب من النهاية وله الرقم الذري 92. بهذا المعنى – وكما أشار فيليب بويل- إن الكيمياء هي في الحقيقة مسألة إحصاء فقط. (إن الرقم الذري – بالمصادفة – يجب ألا يخلط مع الوزن الذري، الذي هو عدد البروتونات بالإضافة إلى عدد النيترونات - في عنصر مفترض).
كان لا يزال هناك كمية كبيرة غير معروفة أو مفهومة. إن الهيدروجين هو العنصر الأكثر شيوعاً في الكون، ومع ذلك لم يخمن أحد هذا إلا بعد ثلاثين عاماً آخر. والهليوم –العنصر الثاني الأكثر غزارة- اكتُشف قبل عام فقط ولم يُشتبه بوجوده قبل ذلك، ثم ليس على الأرض، وإنما في الشمس، حيث اكتُشف بمنظار التحليل الطيفي في أثناء كسوف شمسي، ولهذا يكرم إله الشمس اليوناني هليوس بهذا الاسم. ولم يعزل حتى عام 1895. وحتى هكذا، وبفضل اختراع مندلييف، حصلت الكيمياء الآن على موطئ قدم صلب.

إن الجدول الدوري -بالنسبة لمعظمنا- شيء جميل على المستوى التجريدي، ولكنه بالنسبة للكيميائيين أسس ترتيباً ووضوحاً فوريين لا ينطويان على مبالغة. (إن الجدول الدوري للعناصر الكيميائية هو -دون شك – الخريطة التنظيمية الأكثر رشاقة التي سبق واختُرعت)، كما قال روبرت ي. كريبس في كتابه تاريخ

واستخدام العناصر الكيماوية لكوكبنا الأرضي، وبوسعكم العثور على عواطف مشابهة فعلياً في جميع الكتب التي أرّخت للكيمياء.
لدينا اليوم 120 عنصراً معروفاً، يتشكل 92 منها بنحو طبيعي وهناك دزينتان تبتكران في المخابر. إن العدد الفعلي مثير للجدل قليلاً؛ لأن العناصر الثقيلة المركبة لا توجد إلا لجزء من المليون من الثانية، ويجادل الكيمائيون أحياناً فيما إذا تم فحصها أم لا. في زمن مندلييف لم يُعرف سوى 63 عنصراً، ولكن ذكاءه جعله يدرك أن العناصر المعروفة آنذاك لم تصنع صورة كاملة، وأن كثيراً من القطع كانت مفقودة. تنبأ جدوله، بدقة تبعث على السرور، أين ستأخذ العناصر مكانها حين تكتشف.
لا أحد يعرف -بالمصادفة- إلى كم يمكن أن يرتفع عدد العناصر، بالرغم من أن أي شيء يتجاوز 168 كوزن ذري يُعد <مجرد تأملي>؛ ولكن ما هو مؤكد هو أن أي شيء يكتشف فإنه سيتلاءم مع خطة مندلييف العظيمة.
تمخض القرن التاسع عشر عن مفاجأة أخيرة مهمة لعلماء الكيمياء. بدأت في 1896 حين ترك هنري بيكويريل في باريس بإهمال مجموعة من أملاح اليورانيوم على لوح فوتوغرافي مغلف في درج. حين أخرج اللوح بعد مدة فوجئ أن الأملاح أحرقت طبعة في اللوح، وكأن اللوح كان معرضاً للضوء. كانت الأملاح تطلق أشعة من نوع ما. مفكراً بأهمية ما اكتشفه قام بيكويريل بشيء غريب جداً. أرسل المادة إلى طالبة متخرجة؛ كي تتحقق منها. ولحسن الحظ كانت الطالبة مهاجرة حديثة العهد من بولونيا تدعى ماري كوري. فيما كانت تعمل مع زوجها بيير، اكتشفت كوري أن أنواعاً معينة من الصخور تصدر كميات متواصلة وفائقة للعادة من الطاقة، دون أن يتقلص حجمها أو أن تتغير بأي طريقة قابلة للرصد. ما لم يستطع أن تعرفه هي وزوجها ما لم يستطع أن يعرفه أحد إلى أن شرح آينشتاين الأمور في العقد الآتي، هو أن الصخور كانت تحول الكتلة إلى طاقة بطريقة فاعلة بنحو مفرط. سمت ماري كوري التأثير (الإشعاعية). وفي سيرورة عملهما، عثرت كوري

وزوجها أيضاً على عنصرين جديدين هما البولونيوم الذي سمته باسم بلدهما، والمذياعم. وفي عام 1903 حصلت كوري وزوجها على جائزة نوبل في الفيزياء مع بيكويريل. (فازت ماري كوري بجائزة ثانية، في الكيمياء، في 1911؛ وكانت الشخص الأول الذي فاز بالجائزة في كل من الكيمياء والفيزياء).
و في جامعة مكجيل McGil في مونريال أصبح الشاب المولود في نيوزلندة إرنست رزرفورد مهتماً بالمواد الإشعاعية الجديدة. واكتشف مع زميل يدعى فردريك سودي أن احتياطيات ضخمة من الطاقة، كانت مقيدة في تلك الكميات الصغيرة من المادة، وأن الانحلال الإشعاعي لهذه الاحتياطيات يمكن أن يفسر دفء الأرض كلّه. اكتشفا أيضاً أن العناصر الإشعاعية انحلت في عناصر أخرى، أنه في أحد الأيام لديك ذرة من اليورانيوم، (مثلاً) وفي اليوم الآتي لديك ذرة من الرصاص. كانت كيمياء صافية وبسيطة؛ ولم يسبق أن تصور أحد أن شيئاً كهذا يمكن أن يحدث بنحو طبيعي وتلقائي.
كان رزرفورد البراغماتي أول من رأى أنه يمكن أن يكون هناك تطبيق عملي قيم في هذا. لاحظ أنه في أي عينة من المادة الإشعاعية، فإن الأمر دوماً يستغرق كمية الوقت نفسها لنصف العينة، كي يقضي على نصف الحياة المحتفى به(*) ، وأن هذه النسبة الثابتة الموثوقة من الانحلال يمكن أن تستخدم بوصفها نوعاً من أنواع الساعات. وعبر الحساب إلى الوراء كم من الإشعاع تمتلك مادة الآن

(*) لو سبق وتساءلت كيف تحدّد الذرّات أي 50% ستموت وأي 50% ستحيا حتى الجلسة اللاحقة، فإن الإجابة هي أن نصف الحياة هو في الحقيقة مجرد وسيلة إحصائية، نوع من الجدول الفعلي للأشياء العنصرية. تخيل أن لديك عينة من المادة بنصف حياة 30 ثانية. ألا يعني هذا أن كل ذرة في العينة ستوجد بالضبط 30 ثانية أو 60 ثانية أو 90 ثانية أو لمدة محددة أكثر. ستحيا كل ذرة في الحقيقة لمدة عشوائية من الزمن لا علاقة لها بمضاعفات الرقم 30. يمكن أن تستمر لثانيتين من الآن، أو يمكن أن تتذبذب بعيداً لسنوات أو عقود أو قرون قادمة. لا أحد يعرف. ولكن ما نستطيع قوله هو: إنه من أجل العينة ككل فإن نسبة الاختفاء ستكون هكذا، بحيث إن نصف الذرات ستختفي في كل 30 ثانية. إنها نسبة عادية، بتعبير آخر، ويمكنك تطبيقها على أي عينة ضخمة. استنتج أحدهم مرة – على سبيل المثال –أن الدايمات الأميركية لها نصف حياة يبلغ 30 عاماً. المؤلف.

وكم تنحل بسرعة، تستطيع أن تستنتج عمرها. اختبر قطعة من البتشبلند(*) واكتشف أن عمرها 700 مليون سنة، أكثر بكثير من العمر، الذي كان معظم الناس مستعدين كي يمنحوه للأرض.
في ربيع 1904 سافر رزرفورد إلى لندن؛ كي يلقي محاضرة في المؤسسة الملكية، المؤسسة الجليلة التي أسسها الكونت فون رمفورد قبل 105 سنوات، بالرغم من أن عصر اللمات المستعارة و(البودرة) بدا الآن كأنه يبعد مسافة دهر بالمقارنة مع فظاظة رفع الأكمام لدى الفكتوريين المتأخرين. كان رزرفورد هناك كي يتحدّث عن نظريته الجديدة في الانحلال الشعاعي، وبذكاء أحضر من أجل هذه الغاية قطعة البتشبلند. ذلك أن كلفن الكهل كان حاضراً، وإن لم يكن مستيقظاً طوال الوقت نوّه رزرفورد أن كلفن نفسه كان قد اقترح أن اكتشاف مصدر آخر للحرارة سيقضي على حساباته. لقد اكتشف رزرفورد ذلك المصدر. وبفضل الإشعاعية يمكن أن يكون عمر الأرض ومن الواضح أن عمرها كان أكثر من الرقم الذي وضعته حسابات كلفن الأخيرة: الذي هو 25 مليون سنة.
ابتسم كلفن من شرح رزرفورد المحترم، لكنه في الحقيقة لم يتأثر. لم يقبل أبداً الأرقام المنقحة وصدق حتى يوم وفاته أن عمله بما يتعلق بعمر الأرض هو إسهامه الأكثر ذكاء وأهمية في هذا العلم، وأعظم بكثير من عمله على الديناميكا الحرارية.
وكما هو الأمر مع معظم الثورات العلمية، لم يرحّب باكتشافات رزرفورد العلمية عالمياً. فقد أصرّ جون جولي الدّبلني بقوة حتى الثلاثينيات أن عمر الأرض ليس أكثر من 89 مليون سنة، ولم يوقفه عن ذلك سوى وفاته. وبدأ آخرون يتضايقون من أن رزرفورد منحهم الآن كثيراً من الوقت. ولكن حتى بالتأريخ المذياعمتري -كما صار اسم القياسات الانحلالية- ستمر عقود قبل أن ندخل في بليون عام أو ما يقارب ذلك من عمر الأرض الفعلي. كان العلم في المسار الصحيح، ولكنه كان لا يزال بعيداً.
(*) معدن داكن لماع يعد مصدراً مهماً من مصادر اليورانيوم والراديوم. المترجم.

توفي كلفن عام 1907. وشهد ذلك العام أيضاً وفاة دمتري مندلييف. وعلى غرار كلفن، كان عمله المثمر خلفه بعيداً، ولكن أعوام انحداره كانت أقل جدية. وفيما كان يكتهل، صار مندلييف غريب الأطوار ورفض أن يقرّ بوجود الإشعاع أو الإلكترون أو أي شيء آخر كان كثيراً، وجديداً، وصعباً. أمضى عقوده الأخيرة يندفع خارجاً من المختبرات وقاعات المحاضرات في أنحاء أوروبة كلها. وفي 1955، سمي العنصر العاشر بالمندليفيوم على شرفه. وقال بول ستراثم: «بنحو ملائم، إنه عنصر غير مستقرّ».
تواصل الإشعاع بالطبع دوماً- بشكل حقيقي وبطرق لم يتوقعها أحد. وفي أوائل التسعينيات بدأ بيير كوري يعاني من إشارات مرضية واضحة ناجمة عن الإشعاع، وعلى ما يبدو آلام بليدة في عظامه وشعور مزمن بالإعياء، الذي دون شك كان سيتقدم بنحو غير سار. ولن نعرف أبداً بنحو مؤكد؛ لأنه في 1906 دهسته عربة وقتلته، فيما كان يعبر شارعاً في باريس.
أمضت ماري كوري ما تبقى من حياتها وهي تعمل بتميّز في هذا الميدان، وساعدت في تأسيس مؤسسة المذياعم في جامعة باريس في 1914. وبالرغم من حصولها على جائزتي نوبل، لم تنتخب أبدا عضواً في أكاديمية العلوم، والسبب في ذلك هو أنه بعد وفاة بيير أقامت علاقة -مع عالم فيزياء متزوج – كانت غير محتشمة بما يكفي كي تفضح حتى الفرنسيين، أو على الأقل العجائز الذين أداروا الأكاديمية، التي ربما هي مسألة أخرى.
افترض لوقت طويل أن أي شيء يتمتع بالطاقة بنحو إعجازي كالإشعاعية يجب أن يكون مفيداً. ولسنوات، كان صانعو معجون الأسنان ومليّنات الأمعاء يضعون الثوريوم الإشعاعي في منتجاتهم، وعلى الأقل حتى أواخر العشرينيات عرض جلن سبرينغ أوتل في فنجر ليكس في نيويورك بفخر النتائج العلاجية (لينابيعه المعدنية الإشعاعية). ولم تُمنع في المواد الاستهلاكية حتى 1938. وفي ذلك الوقت كان هذا متأخراً جداً لماري كوري، التي ماتت من اللوكيميا، في 1934. إن الإشعاع هو

في الحقيقة ماكر ويستمر طويلاً، بحيث إن أوراقها من ثمانينيات القرن التاسع عشر، وحتى كتب الطبخ لديها خطرة جداً حتى الآن. فقد حَفظت كتب مختبرها في صناديق مخططة بالرصاص، والذين يرغبون برؤيتها يجب أن يلبسوا ثياباً واقية.
وبفضل العمل المخلص والمجازف جداً بنحو غير متعمّد العلماء الذرة الأوائل، صار من الواضح في الأعوام الأولى للقرن العشرين، أن الأرض مقدّسة بنحو غير قابل للتشكيك، بالرغم من أن نصف قرن آخر من العلم يجب أن ينجز قبل أن يستطيع أي شخص أن يقول بثقة كم هي مقدّسة. كان العلم – في غضون ذلك على وشك الحصول على عصر خاص به، هو العصر الذري.
الباب الثالث: فجر عصر جديد
الفصل الثامن
كون آينشتاين
فيما كان القرن التاسع عشر يقترب من نهايته، استطاع العلماء أن يحلوا معظم ألغاز العالم المادي: الكهرباء، والمغناطيس، والغازات، والبصريات، والصوتيات، وعلم الحركة والميكانيكا الإحصائية، هذا إذا لم نسم إلا قلة، تم اكتشافها من قبل. اكتشفوا أشعة إكس، والشعاع المهبطي، والإلكترون والإشعاعية، واخترعوا الأوم والواط، والكلفن والجول والمكبر والأرغ الصغير.
وإذا كان هناك من شيء يمكن أن يتذبذب أو يُسرّع أو يُشوّش أو يقطر أو يمزج أو يوزن أو يجعل غازياً فقد قاموا بذلك، وأنتجوا في أثناء ذلك مجموعة من القوانين الكونية الكبيرة والمهيبة، بحيث ما نزال نميل إلى كتابتها بالأحرف الكبيرة: نظرية الحقل الكهرومغناطيسي، وقانون ريختر للنسب المتبادلة، وقانون تشارلز للغازات، وقانون مزج الأحجام، وقانون زيروث، ومفهوم فالنس، وقانون أفعال الكتلة، وأخرى لا تحصى. لقد تغيّر العالم برمته وسمّن بالآلات والأدوات التي أنتجتها براعتهم. واعتقد الكثير من الحكماء أنه لم يبق الكثير أمام العلم كي يفعله.
وفي 1875 فيما كان شاب ألماني في كيل اسمه (ماكس بلانك) يقرر إن كان سيكرس حياته للرياضيات أو للفيزياء. تم حثه بشكل صادق ألا يختار الفيزياء؛ لأن جميع الفتوحات قد تمت في هذا الميدان. وقد تم التأكيد له أن القرن القادم سيكون قرن تقوية وصقل وليس قرن ثورة. لم يصغِ بلانك. درس الفيزياء النظرية وكرس نفسه جسداً وروحاً للعمل في الأنتروبيا (القصور الحراري)، وهي عملية في قلب الديناميكا الحرارية، التي بدت كأنها تحمل كثيراً من الوعد لشاب طموح(*). وفي
(*) وبنحو محدد إنها مقياس للعشوائية أو الفوضى في نظام. فدارل إبنج في مقرره المدرسي الكيمياء العامة، يقترح بشكل مفيد جداً التفكير بمجموعة ورق لعب. علبة جديدة من الورق، مرتبة بحسب النقش من الأس إلى الملك. يمكن أن يقال: إنها في حالتها المرتبة. الخلط الورق وضعه دون ترتيب.
إن الأنتروبيا هي طريقة لقياس فوضوية تلك الحالة ولتحديد احتمال النتائج المعينة مع خلط آخر للورق. كي تفهم الأنتروبيا جيداً من الضروري أيضاً فهم مفاهيم مثل اللا انتظامات الحرارية، ومسافات الشبيكيّة وعلاقات رياضية كيميائية، ولكن هذه هي الفكرة العامة.

عام 1891 أعطى أُكله ولكن أمله خاب حين سمع أن العمل المهم في الأنتروبيا كان في الواقع قد أنجزه سابقاً باحث متقاعد في جامعة ييل يدعى ج. ويلارد جيبز.
ربما كان جيبز أذكى شخص سبق وسمع به البشر. كان خجولاً إلى درجة أنه يقترب من اللامرئية، فقد أمضى معظم حياته -عدا ثلاث سنوات أمضاها في الدراسة في أوروبة- في منطقة مساحتها ثلاثة فراسخ يحدها منزله وحرم ييل في نيو هيفن، كونيكتيكت. وفي سنواته العشر في ييل لم يزعج نفسه حتى بالحصول على راتب. (كانت له وسائله الخاصة). ومن عام 1871، حين انضم إلى الجامعة بوصفه بروفسورًا إلى وفاته في 1903، لم يحضر دروسه أكثر من تلميذ في الفصل الدراسي. كان عمله المكتوب صعب التتبع وقد استخدم شكلاً خاصاً في الترميز وجده كثيرون غير قابل للفهم. ولكن بين صيغه المبهمة دفنت استبصارات من أرفع أنواع الذكاء.
وبين 1875 و1878 أنتج جيبز سلسلة من الأبحاث، وضع لها عنوان جمعي هو في توازن المواد غريبة المنشأ، التي أوضحث بنحو مذهل المبادئ الديناميكية الحرارية لكل شيء تقريباً: «الغازات والخلائط والسطوح والمواد الصلبة وتغيرات الطور... ردود الفعل الكيميائية والخلايا الإلكتروكيميائية، والترسّب والتناضح»، هذا إذا اقتبسنا رأي (وليم هـ. كوبر). إن ما فعله جيبز جوهرياً، هو أنه بيّن أن الديناميكا الحرارية لا تنطبق ببساطة على الحرارة والطاقة من نوع الوزن الضخم والصاخب للآلة البخارية، ولكنه كان أيضاً حاضراً ومؤثراً على المستوى الذري لردود الفعل الكيماوية. دعي كتاب جيبز «مبادئ الديناميكا الحرارية»، ولكن لأسباب مجهولة اختار جيبز أن ينشر هذه الملاحظات المهمة في محاضر أكاديمية كنيكتيكت للفنون والعلم، وهي مجلة ظلت غير معروفة في كنيكتيكت، ولهذا لم يسمع بها بلانك حتى وقت متأخر جداً.

بشجاعة حسناً، ربما بشجاعة قليلة استدار بلانك إلى أمور أخرى(*). سوف نسلط الضوء على هذه الأمور بأنفسنا بعد لحظة، ولكن يجب أولاً أن نلتفت قليلاً إلى كلفلاند، بأوهايو، وإلى مؤسسة كانت تعرف آنذاك باسم كلية كيس للعلوم التطبيقية. هناك، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان عالم فيزياء متوسط العمر اسمه ألبرت متشلسون، يساعده صديقه عالم الكيمياء إدوارد مورلي، وقد قام بسلسلة من التجارب التي سيكون لها تشعبات عظيمة في كثير مما سيتبع.
ما فعله متشلسون ومورلي -دون أن يقصدا ذلك فعلاً- هو تقويض إيمان استمر طويلاً بشيء ما دعي (الأثير الساطع)، وهو أداة مستقرة لا مرئية لا وزن لها ولا تُجزأ. وهي لسوء الحظ خيالية بنحو كامل واعتقد أنها تتخلل الكون. هذا الأثير الذي تصوره ديكارت وآمن به نيوتن وبجّله الجميع منذ ذلك الوقت، احتل موقعاً مركزياً في فيزياء القرن التاسع عشر كطريقة لشرح كيفية سفر الضوء عبر فراغ الفضاء. كانت هناك حاجة خاصة له في العقد الأول من القرن التاسع عشر؛ لأن الضوء والكهرومغناطيسية كان يُنظر إليها آنذاك على أنها موجات، أي أنماط من التذبذب. يجب أن تحصل التذبذبات في شيء ما؛ ومن هنا الحاجة إلى الأثير والإخلاص المستمر له. وفي نهاية 1909، كان عالم الفيزياء البريطاني العظيم ج.ج. طومسون يلح: «إن الأثير ليس خلقاً فنتازياً للفيلسوف المتأمل، إنه جوهري لنا كالهواء الذي نتنفسه» هذا بعد أكثر من أربعة أعوام من البرهنة بنحو لا يقبل الجدل أنه لا يوجد. كان الناس – باختصار – مرتبطين جداً بالأثير.
(*) كان بلانك غير محظوظ في حياته في غالب الأحيان. فقد توفيت زوجته الأولى التي أحبها باكراً في 1909، وقتل ولده الأصغر بين ولديه في الحرب العالمية الأولى. كان لديه ابنتان توءم أحبهما كثيراً. توفيت واحدة منهما في أثناء الولادة. وما تبقى على قيد الحياة من التوءم اعتنت بالطفل ووقعت في حب زوج أختها. تزوجا وبعد عامين توفيت في أثناء الولادة. وفي 1944 حين كان بلانك في الخامسة والثمانين، سقطت قنبلة للحلفاء على منزله وفقد كل شيء: أوراقه ويومياته، وما راكمه طول حياته. في العام اللاحق قُبض على ابنه الوحيد مشتركاً في مؤامرة لاغتيال هتلر وأُعدم.

إذا كنت بحاجة لإيضاح فكرة أن أمريكة كانت في القرن التاسع عشر أرضاً للفرص، فإنك لن تستطيع الاستفادة من حياة ألبرت متشلسون الذي ولد في 1852 على الحدود الألمانية البولونية لأسرة من التجار اليهود الفقراء، وهاجر إلى الولايات المتحدة مع أسرته وهو رضيع وترعرع في مخيم تعدين في ريف كاليفورنيا، الذي كان يعج بطالبي الثروة حيث أدار والده عملاً تجارياً بسيطاً. كان فقيراً جداً بحيث لم يستطع دفع قسط التسجيل في الكلية، فسافر إلى واشنطن العاصمة وبدأ يتسكع أمام باب البيت الأبيض لعله يصادف (أو ربما يحصل على) منحة يوليسيس س. جرانت حين يخرج الرئيس من أجل نزهته الصحية. (كان العصر أكثر براءة كما يبدو). وفي مجرى نزهاته، فاز متشلسون بالحظوة لدى الرئيس، بحيث إن جرانت وافق على أن يؤمن له مكاناً مجانياً في الأكاديمية البحرية الأميركية. وهناك تعلم متشلسون الفيزياء.
بعد عشر سنوات، وقد أصبح الآن أستاذاً في كلية كيس في كلفلاند، صار متشلسون مهتماً في محاولة قياس شيء يدعى انسياق الأثير، وهو نوع من الريح الرأسية تنتجها الأشياء المتحركة، هي تتقدم بجهد عبر الفضاء. إن أحد تنبؤات الفيزياء النيوتونية هي أن سرعة الضوء، وهي تندفع عبر الأثير يجب أن تتنوع بالنسبة للمراقب بحسب إن كان المراقب يتحرك نحو مصدر الضوء أو بعيداً عنه. ولكن لم يعرف أحد طريقة لقياس ذلك. وخطر لمتشلسون أن الأرض تندفع نحو الشمس لنصف السنة وتبتعد عنها في النصف الآخر، واستنتج أنه إذا قام المرء بقياسات دقيقة في فصول متناقضة، وقارن سفر الضوء بين الاثنتين، فإنه سيحصل على الإجابة.
تحدث متشلسون مع ألكسندر جراهام بيل – مخترع الهاتف الذي صار ثرياً من جديد – كي يقدم الأموال لبناء أداة بارعة وحساسة من اختراع متشلسون تدعى مقياس التداخل، التي يمكن أن تقيس سرعة الضوء بدقة هائلة. ثم، وبمساعدة من مورلي الكريم ولكن الغامض، أمضى متشلسون أعواماً وهو يقوم بالقياسات الموسوسة. كان العمل حساساً ومرهقاً، فاضطر إلى تعليقه لبعض الوقت بسبب انهيار عصبي قصير ولكنه شامل، ولكن في عام 1887 أعطت القياسات أُكلها. ولم يكن مطلقا ما توقعه العالمان.

وكما قال عالم الفيزياء الفلكية في كالتيك Caltech (كيب سس. ثورن): «تبيّن أن سرعة الضوء هي نفسها في الاتجاهات والفصول جميعها». كان هذا هو التلميح الأول طوال 200 عام بأن قوانين نيوتن يمكن ألا تنطبق طول الوقت في كل مكان. وصارت نتيجة متشلسون مورلي، كما عبر وليم هـ. كوبر، «النتيجة السلبية الأكثر شهرة في تاريخ الفيزياء على الأرجح». مُنح متشلسون جائزة نوبل في الفيزياء من أجل هذا الإنجاز، كان أول أميركي حصل عليها ولكن ليس لمدة عشرين سنة. في غضون ذلك، ستحوم تجارب متشلسون مورلي بشكل غير مريح، كرائحة عفونة، في خلفية الفكر العلمي.
وبالرغم من اكتشافاته، حين اقترب القرن العشرون، عدّ متشلسون نفسه بين أولئك الذين اعتقدوا أن عمل العلم يقترب من نهايته، «وليس هناك إلا بضعة أبراج وقمم يجب ان تضاف، وبضع حواش زخرفية يجب أن تحفر»، كما عبر كاتب في مجلة نيتشر.
كان العالم على وشك دخول قرن من العلم لن يفهم فيه كثير من الناس أي شيء ولن تفهم قلة كل شيء. وحالًا سيجد العلماء أنفسهم في مملكة محيرة من الجزيئات والجزيئات المضادة، حيث تقفز الأشياء إلى الوجود وتقفز إلى خارجه في مراحل زمنية تجعل النانوثواني (جزء من بليون من الثانية) تبدو متثاقلة وغير مستوية، حيث كل شيء يبدو غريباً. كان العلم ينتقل من عالَم فيزياء الأشياء الكبيرة؛ حيث يمكن أن تُرى الأشياء وتُمسك وتُقاس، إلى عالَم الفيزياء البالغة الصفر؛ حيث تحصل الأحداث بسرعة غير قابلة للإدراك على موازين من الكبر تفوق حدود التصور بشكل كبير. نحن على وشك دخول عصر الكم، وكان الشخص الأول الذي دفع الباب هو السيئ الحظ حتى الآن ماكس بلانك.
في عام 1900، كان بلانك آنذاك عالم فيزياء نظرية في جامعة برلين، وفي عمر متقدم نوعاً ما في الثانية والأربعين كشف بلانك عن نظرية جديدة هي (نظرية الكم)، التي أثبتت أن الطاقة ليست شيئاً متواصلاً كالماء المتدفق، وإنما تأتي في مجموعات فردية دعاها (الكمات). كان هذا مفهوماً جديداً، وجيداً.

وسيساعد على المدى القصير في تقديم حل للغز تجارب متشلسون مورلي؛ لأنه أوضح أن الضوء لا يحتاج إلى أن يكون موجة في النهاية. وعلى المدى الطويل، ستضع النظرية الأساس لكل الفيزياء الحديثة. كانت – في كل حال – المفتاح الأول بأن العالم كان على وشك التغير.
ولكن الحدث المعلم الذي شكل فجر عصر جديد جاء في 1905 حين ظهرت في مجلة الفيزياء الألمانية أنالين دير فيزيك Annalen der Physik سلسلة من الأبحاث ألفّها بيروقراطي سويسري شاب لم تكن له صلة بالجامعة، أو مدخل إلى المخبر أو الاستخدام المنتظم لأي مكتبة سوى مكتبة مكتب الاختراعات القومي في برن، حيث تم توظيفه بوصفه فاحصاً تقنياً من الدرجة الثالثة. (وقد رفضت أخيراً ترقيته إلى فاحص تقني من الدرجة الثانية).
كان اسمه ألبرت آينشتاين، وفي ذلك العام الزاخر بالأحداث قدم إلى مجلة الفيزياء الألمانية خمسة أبحاث، كان بينها ثلاثة، بحسب سي. بي. سنو، (هي الأعظم في تاريخ الفيزياء). يشرح الأول التأثير الكهرضوئي بواسطة نظرية الكم الجديدة التي ابتكرها بلانك، ويشرح الثاني سلوك الجزيئات الصغيرة في التعلق (ما يعرف باسم الحركة البراونية)، ويلخص الثالث نظرية النسبية الخاصة.
جعل الأول مؤلفه يحصل على جائزة نوبل وهويشرح طبيعة الضوء (وساعد أيضاً في جعل اختراع التلفاز ممكناً، بين أمور أخرى)(*). وقدم الثاني دليلاً على أن الذرات توجد بالفعل وهذه حقيقة، كان هناك تنازع حولها، بنحو مفاجئ. لقد غير البحث الثالث العالم.
(*) لقد كرّم آينشتاين، نوعاً ما بنحو غامض، من (أجل خدمات للفيزياء النظرية). كان عليه أن ينتظر ست عشرة سنة، حتى عام 1921، كي يحصل على الجائزة. وهذا وقت طويل جداً، كل شيء فكر به، ولكن لا شيء على الإطلاق، بالمقارنة مع فردريك راينز. الذي اكتشف النيوترينو في 1957 ولكنه لم يحصل على جائزة نوبل حتى 1995، بعد ثمان وثلاثين سنة، أو الألماني إرنست روسكا، الذي اخترع ميكروسكوب الإلكترونية 1932 وحصل على نوبل في 1986، بعد أكثر من نصف قرن. وبما أن جوائز نوبل لا تُمنح أبداً بعد الوفاة، فإن طول العمر يمكن أن يكون عاملاً مهماً كالإبداء في الحصول على واحدة.

ولد آينشتاين في أولم، جنوب ألمانية، عام 1879، ولكنه ترعرع في ميونخ. لم تكن بداية حياته توحي كثيراً بالعظمة التي حققها. كان من المعروف أنه لم يتعلم الكلام إلى أن بلغ الثالثة من العمر. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، وبعد أن فشل عمل والده في الكهرباء، انتقلت الأسرة إلى ميلان، ولكن ألبرت –الذي كان آنذاك مراهقاً- ذهب إلى سويسرا؛ كي يواصل دراسته، بالرغم من أنه فشل في امتحانات دخول الكلية في المحاولة الأولى. وفي 1896 تخلى عن جنسيته الألمانية؛ كي يتجنب التجنيد الإلزامي ودخل معهد البولي تكنيك في زيوريخ في برنامج مدته أربع سنوات مصمم لتخريج مدرسي ثانوية للمواد العلمية. كان متألقاً لكنه لم يكن متفوقاً بوصفه طالباً.
تخرج عام 1900 وبعد بضعة أشهر بدأ يسهم بمقالات في مجلة الفيزياء الألمانية. ظهر بحثه الأول، عن فيزياء السوائل في العدد نفسه الذي نشرت فيه نظرية الكم لبلانك. ومن 1902 إلى 1904 أنتج سلسلة من الأبحاث عن الميكانيكا الإحصائية، فقط كي يكتشف أن المنتج الصامت جي. ولارد جيبز في كونيكتيكت فعل هذا العمل أيضاً في كتابه المبادئ الأولية للميكانيكا الإحصائية في 1901.
وقع ألبرت في غرام طالبة زميلة له، وهي هنغارية اسمها ميلفا ماريك. وفي 1901 أنجبا طفلة خارج الزواج، وُضعت في التبني بنحو مخزٍ. لم يرَ آينشتاين ابنته أبداً. بعد عامين، تزوج من ماريك. وبين هذه الأحداث، في 1902، حصل آينشتاين على عمل في مكتب الاختراعات السويسري، حيث بقي لمدة سبعة أعوام. استمتع بالعمل: كان متحدياً بما يكفي لتشغيل ذهنه، ولكن ليس إلى درجة حرف انتباهه عن الفيزياء. كانت هذه هي الخلفية التي أنتج فيها نظرية النسبية في 1905.
إن بحث (في الديناميكا الحرارية للأجرام المتحركة) هو أهم الأبحاث العلمية التي سبق ونشرت، وذلك بسبب كيفية تقديمه ولما قاله. ليس فيه هوامش أو اقتباسات، لا يحتوي على رياضيات تقريباً، ولا يذكر أي عمل أثر به أو سبقه، ولم يقر إلا بمساعدة شخص واحد، وهو زميل سعة مكتب تسجيل الاختراعات يدعى

ميشيل بيسو. كتب سي. بي.سنو، قائلاً: «وكأن آينشتاين «وصل إلى استنتاجات بالفكر المحض، دور مساعدة، ودون إصغاء إلى آراء الآخرين». وإلى حد مفاجئ، هذا ما فعله بالضبط».
إن معادلته الشهيرة E=mc^2 لم تظهر في البحث، ولكنها جاءت في ملحق موجز تبعها بعد بضعة أشهر. وكما ستذكرون من أيام المدرسة، إن E في المعادلة اختصار لكلمة طاقة، أما m فهي اختصار لكلمة كتلة وc^2 فهي مربع سرعة الضوء.
بتعبير مبسط، ما تقوله المعادلة هو أن الكتلة والطاقة متكافئتان. إنهما شكلان للشيء نفسه: الطاقة هي مادة محررة: المادة هي طاقة تنتظر الحدوث. بما أن c^2 (سرعة أوقات الضوء نفسها) هي في الحقيقة عدد ضخم جداً كمية ضخمة بالفعل من الطاقة المقيدة في كل ما هو مادي (*).
يمكن ألا تشعر أنك قوي بنحو مميز، ولكن إن كنت راشداً في الحجم العادي فستحتوي داخل إطارك المتواضع على ما لا يقل عن 7×?10?^18 جول من الطاقة الكامنة، وهي كافية للانفجار بقوة ثلاثين قنبلة هيدروجينية كبيرة جداً، مفترضين أنك تعرف كيف تحرّرها وفعلاً ترغب بأن تقوم بذلك. إن كل شيء يمتلك هذا النوع من الطاقة الحبيسة في داخله. ولكننا لسنا جيدين في إخراجها. حتى قنبلة من اليورانيوم الأكثر طاقة في إنتاجنا حتى الآن تطلق أقل من 1% من الطاقة، التي يمكن أن تطلقها فقط لوكنا أكثر حنكة.
شرحت نظرية آينشتاين -بالإضافة إلى أمور أخرى كثيرة- كيفية عمل الإشعاع: كيف تستطيع كتلة من اليورانيوم أن تطلق جداول مستمرة من الطاقة العالية المستوى دون أن تذوب كقطعة ثلج. (يمكنها فعل ذلك عبر تحويل المادة
(*) كيف صارت C رمز سرعة الضوء لا يزال لغزاً، ولكن ديفد بودانيس يقترح أنها ربما جاءت من الكلمة اللاتينية celeritas وتعني السرعة. إن قاموس أكسفورد الذي نشر قبل عقد من نظرية أينشتاين يعترف بـ C على أنها رمز لأشياء كثيرة، من الكربون إلى الجدجد، ولكنه لا يذكرها على أنها رمز للضوء أو السرعة.

إلى طاقة بشكل كبير بما يكفي من خلال E=mc^2). شرحت النظرية كيف يمكن أن تحترق النجوم لبلايين الأعوام دون أن ينتهي وقودها. (كذا). بشخطة قلم، وفي صيغة بسيطة، منح أينشتاين علماء الجيولوجيا وعلماء الفلك ترف بلايين الأعوام. وقبل كل شيء، أظهرت نظرية النسبية الخاصة أن سرعة الضوء مستمرة ومتفوقة. لا شيء يستطيع أن يسبقها. لقد أدخلت نظريته الضوء (ما من تورية مقصودة هنا) إلى قلب فهمنا لطبيعة الكون. حلت كذلك مشكلة الأثير الساطع عبر إيضاح أنه لم يوجد. لقد منحنا آينشتاين كوناً لا يحتاج إلى هذا الأثير.
إن الفيزيائيين كقاعدة ليسوا مفرطي الانتباه إلى إعلانات موظفي مكتب تسجيل الاختراعات السويسري وهكذا، بالرغم من وفرة الأنباء المفيدة التي قدمتها أبحاث آينشتاين فإنها لم تجذب سوى انتباه قليل. فبعد أن حلّت عدداً من أعقد الألغاز في الكون، قدم آينشتاين من أجل الحصول على عمل محاضر في الجامعة ولكن طلبه رُفض، ثم قدم من أجل منصب مدرسة ثانوية لكن طلبه رفض أيضاً. وهكذا عاد إلى عمله كتقني من الدرجة الثالثة، ولكنه واصل التفكير بالطبع. ذلك أنه لم ينته بعد.
حين سأل الشاعر بول فاليري مرة أينشتاين إن كان يحتفظ بدفتر لتسجيل أفكاره، نظر إليه آينشتاين بدهشة خفيفة ولكنها أصيلة. وأجاب: «آه، هذا غير ضروري. نادراً ما أحمل دفتراً، ولكنه حين حصل على واحد كان جيداً. كانت فكرة أينشتاين اللاحقة هي أعظم فكرة سبق أن خطرت لأحد، والواقع أنها كانت الأعظم، بحسب بورسس وموتز وويفر في كتابهما الجيد الذي يؤرخ للعلم الذري. قالا: «كما أنها من إبداع ذهن واحد، فهي دون شك أعلى إنجاز فكري في تاريخ البشرية»، وهذا أفضل إطراء يمكن الحصول عليه.
وفي 1907، أو ما يقارب ذلك، قيل أحياناً: إن ألبرت آينشتاين رأى عاملاً يسقط عن السطح وبدأ يفكر بالجاذبية. للأسف، وعلى غرار كثير من القصص الجيدة تبدو هذه وكأنها مشكوك في صحتها. فبحسب آينشتاين نفسه، كان يجلس على كرسي حين خطرت له مشكلة الجاذبية.

والواقع أن ما خطر في ذهن آينشتاين هو شيء أقرب إلى بداية حل لمشكلة الجاذبية، بما أنه كان واضحاً له من البداية أن الشيء الوحيد الناقص في نظرية النسبية هو الجاذبية. ما كان (خاصاً، حيال النظرية هو أنها تعاملت مع أمور تتحرك دون عقبات. ولكن ما الذي يحدث حين يصادف شيء متحرك ألا وهو الضوء عائقاً كالجاذبية؟ كانت هذه مسألة شغلت أفكاره في معظم العقد اللاحق وقادت في بداية 1917 إلى نشر بحث بعنوان «اعتبارات كونية حول نظرية النسبية الخاصة). كانت نظرية النسبية الخاصة لعام 1905 عملاً مهماً وعميقاً، بالطبع: ولكن، كما قال سي. بي. سنومرة، لو أن آينشتاين لم يفكر بها لكان قد فعل ذلك شخص آخر، على الأرجح في غضون خمس سنوات؛ فقد كانت هذه فكرة تنتظر الحدوث. ولكن نظرية النسبية العامة كانت شيئاً آخر تماماً. وقال سنو في 1979: «من دونها، لكان من المحتمل أننا ما نزال ننتظر النظرية اليوم».
بغليونه، وطريقته اللطيفة الحيية وشعره المكهرب، كان آينشتاين شخصاً رائعاً، بحيث لم يبق غامضاً بشكل مستمر. وفي 1919 - حين وضعت الحرب أوزارها – اكتشفه العالم فجأة. وتقريباً في الحال حصلت نظريتاه في النسبية على شهرة بأنه من المستحيل على الشخص العادي أن يفهمهما. لم تتوضح المسائل - كما يشير ديفيد بودانيس في كتابه الممتاز E=mc^2 - حين قررت النيويورك تايمز أن تنشر قصة، ولأسباب أثارت الدهشة أرسلت مراسل الصحيفة لرياضة الجولف، هنري كراوتش، للقيام بالمقابلة.
لم يكن كراوتش عميقاً، وأخطأ في كل شيء تقريباً. وكان من الأخطاء الأكثر فداحة في تقريره الجزم، بأن آينشتاين عثر على ناشر جريء بما يكفي؛ كي ينشر كتاباً لا يستطيع إلا اثنا عشر شخصاً سفي العالم فحسب أن يفهموه. لم يكن هناك كتاب كهذا، أو ناشر كهذا، ولا دائرة من الرجال المتعلمين كهذه، ولكن الفكرة انتشرت بأي حال. وحالاً اختُزل عدد الأشخاص الذين يستطيعون فهم النسبية إلى أكثر من ذلك في المخيلة الشعبية. ويجب أن يقال: إن المؤسسة العلمية، فعلت القليل؛ كي تزعج هذه الأسطورة.

حين سأل صحفي عالم الفلك البريطاني السير آرثر إدنغتون: إن كان صحيحاً أنه كان أحد الأشخاص الثلاثة في العالم، الذين يستطيعون فهم نظرية النسبية لأينشتاين، فكر إدنغتون لحظة بعمق وأجاب: «أنا أحاول أن أفكر من هو الشخص الثالث». في الحقيقة، إن المشكلة مع النسبية لم تكن أنها شملت كثيراً من المعادلات التفاضلية، وتحولات لورينتز ورياضيات أخرى معقدة بالرغم من أنها فعلت ذلك، حتى آينشتاين، كان يحتاج إلى المساعدة في بعض منها، بل إنها كانت تماماً غير حدسية بنحو كامل.
ما تقوله النسبية في الجوهر هو أن الزمان والمكان غير مطلقين، وإنما نسبيان لكل من الراصد والشيء الذي يرصد، وكلّما تحرك المرء بنحو أسرع كلما أصبحت هذه التأثيرات أكثر وضوحاً. لا نستطيع أبداً أن نسرّع أنفسنا إلى سرعة الضوء، وكلما حاولنا بجد أكبر (كلما تحركنا بسرعة أكبر) كلما صرنا أكثر تشوّهاً، نسبياً لراصد خارجي.
حاول الذين يجعلون العلم جماهيرياً أن يستنبطوا في الحال طرقاً لجعل هذه المفهومات متاحة لفهم الجمهور الأوسع. كانت إحدى أكثر المحاولات نجاحاً تجارياً على الأقل هي كتاب ألف باء النسبية، الذي ألفه الرياضي والفيلسوف برتراند رسل. وفي هذا الكتاب وظف رسل صورة استخدمت مرات كثيرة منذ ذلك الوقت. طلب من القارئ أن يتصور قطاراً طوله 100 ياردة يتحرك بنسبة 60% من سرعة الضوء. بالنسبة لشخص يقف على منصة ويراقبه وهو يمر، سيظهر القطار على أنه بطول 80 ياردة فقط وكل شيء فيه سيبدو مضغوطاً بنحو مشابه. إذا استطعنا سماع المسافرين في القطار يتحدثون، فستبدو أصواتهم مجمجمة وضعيفة، كشريط مشغل بسرعة بطيئة جداً، وستبدو حركاتهم بنحو مشابه غير رشيقة. حتى الساعات في القطار ستبدو كأنها تمر في أربعة أخماس سرعتها الطبيعية.
على أي حال وهنا الأمر لن يمتلك ركاب القطار إحساساً بهذه التشويشات. بالنسبة لهم كل شيء في القطار سيبدو طبيعيًا تمامًا. أما نحن الذين على

المنصة فهم الذين سيبدون مضغوطين بنحو غريب وبطيئين. وكل هذا يتعلق -كما ترون- بموقعكم بالنسبة إلى الشيء المتحرك.
يحدث هذا التأثير فعلياً في كل مرة تتحركون فيها. طيروا عبر الولايات المتحدة وستنزلون من الطائرة أصغر بجزء من واحد كوينزليون من الثانية من أولئك المتروكين في الخلف. حتى حين تسيرون عبر الغرفة ستبدلون بنحو ضئيل جداً تجربتكم الخاصة في الزمان والمكان. فقد حسب أن كرة قاعدة تُرمى بسرعة 160 كيلومتراً في الساعة سوف تلتقط 0.000000000002 غرام من الكتلة في طريقها إلى الهدف. وهكذا فإن تأثيرات النسبية حقيقية وتم قياسها. والمشكلة هي أن تغييرات كهذه صغيرة جداً، بحيث لا تبدو مهمة لنا، لكنها مسائل مهمة بالنسبة لأمور أخرى في الكون.
وهكذا إذا بدت أفكار النسبية غريبة، فإن هذا يعود فقط إلى أننا لا نجرّب هذه الأنواع من التفاعلات في الحياة العادية. على أي حال، لنعد إلى بودانيس مرة ثانية. نقابل جميعنا أنواعاً أخرى من النسبية -على سبيل المثال- بخصوص الصوت. إذا كنت في حديقة وكان هناك أحد يعزف موسيقى مزعجة، فأنت تعرف أنك إذا انتقلت إلى بقعة أبعد فإن الموسيقى تصبح أخف بالطبع، وهذا يعني أن موقعك بالنسبة لها قد تغير. بالنسبة لشيء صغير جداً وبليد بحيث لا يستطيع أن يقوم بهذه التجربة لنقل سلحفاة قد تكون غير معقولة فكرة أن صندوقاً موسيقياً يمكن أن يبدو لراصدين، كأنه ينتج لحنين مختلفين من الموسيقى في آن واحد.
إن الأكثر تحدياً ولا حدسية من كل المفهومات في نظرية النسبية هو فكرة أن الزمان جزء من المكان. تميل غريزتنا إلى عد الزمان أبدياً ومطلقاً وثابتاً، ونعتقد أن لا شيء يستطيع أن يزعج ثباته. وفي الحقيقة، وبحسب آينشتاين، إن الزمن متنوع ومتغير ودائماً له شكل. إنه مقيد «مترابط داخلياً بنحو لا يمكن فصله»، كما عبر ستيفن هوكينغ مع الأبعاد الثلاثة للمكان في بعد مثير للفضول يدعى (الزمكان).

يُشرح الزمكان عادة عبر الطلب منك أن تتخيل شيئاً مستوياً لكنه مطواع، أو فرشة، أو قطعة من المطاط، يستقر عليها شيء دائري ثقيل، ككرة حديدية. إن وزن الكرة الحديدية يسبب تمدد المادة التي يستقر عليها فترتخي قليلاً. وهذا متناظر تقريباً مع التأثير الذي يحدثه شيء كبير كالشمس (الكرة الحديدية) في الزمكان (المادة): إنها تمدده وتحنيه وتغلّفه. الآن، إذا دحرجت كرة أصغر عبر الورقة، فإنها تحاول الانطلاق في خط مستقيم كما تقتضي قوانين نيوتن الخاصة بالحركة، ولكن حين تقترب من الشيء الكبير ومنحدر النسيج المرتخي، فإنها تنحدر نحو الأسفل مشدودة بنحو يتعذّر اجتنابه إلى الشيء الأضخم. هذه هي الجاذبية: نتاج انعطاف الزمكان.
إن كل ما له كتلة يخلق قليلاً من الانخفاض (الضعف) في نسيج الكون. وهكذا فإن الكون –كما عبّر دينيس أوفرباي – هو «الفرشة المرتخية المطلقة». والجاذبية - في هذا المنظور- لم تعد شيئاً كنتيجة: «ليست قوة وإنما نتاج فرعي للزمكان المنحرف»، كما عبر عالم الفيزياء ميشيوكاكو، الذي تابع القول: «بمعنى ما، الجاذبية لا توجد؛ ما يحرك الكواكب والنجوم هو تشوّه المكان والزمان».
إن مثال الفرشة المرتخية يستطيع أن يأخذنا فقط بعيداً؛ لأنه لا يستطيع أن يدمج تأثير الزمن. ولكن عندئذ، تستطيع أدمغتنا أن تأخذنا فقط حتى الآن؛ لأنه تقريباً من المستحيل تصوّر بُعد يضم ثلاثة أجزاء مكان إلى جزء زمن واحد، وكله متشابك كخيوط في نسيج مربّع النقش. على أي حال، أعتقد أننا نستطيع أن نتفق أن هذه كانت فكرة كبيرة بنحو مزعج بالنسبة لشاب يحدق من نافذة مكتب تسجيل الاختراعات في عاصمة سويسرا.
اقترحت نظرية النسبية لأينشتاين -بين أمور أخرى كثيرة- أن الكون إما هو يتمدّد وإما هو يتقلّص. ولكن آينشتاين لم يكن عالماً بالكوزمولوجيا وقبل الحكمة السائدة بأن الكون ثابت وأبدي. أدخل في معادلاته بنحو انفعالي تقريباً شيئاً يدعى الثابت الكوني، الذي وازن بنحو اعتباطي تأثيرات الجاذبية، خادماً كنوع من زر التوقف الرياضي. إن الكتب التي تتحدث عن تاريخ العلم تغفر لأينشتاين

دوماً هذا الخطأ، ولكنه كان في الواقع قطعة من العلم مخيفة حقاً وكان يعرفها. دعاها: «الخطأ الفادح في حياتي».
في الوقت الذي كان فيه آينشتاين يضم ثابتاً كونياً إلى نظريته، كان هناك في مرصد لويل في آريزونا عالم فلك يتمتع باسم بيمجري مبهج هو فيستوسليفر (كان في الحقيقة من إنديانا)، وكان يقوم بقراءات طيفية للنجوم البعيدة ويكتشف أنها تبدو وكأنها تتحرك بعيداً عنا. لم يكن الكون ثابتاً. فالنجوم التي رصدها سليفر أبدت إشارات لا تخطي لما يسمى بـ «إزاحة دوبلر»: كالصوت المميز المتطاول الذي تصدره السيارات حين تمر بسرعة على مسار سباق (*). تنطبق الظاهرة أيضاً على الضوء، وفي حالة تراجع المجرات يعرف هذا باسم الانزياح الأحمر*(**) (لأن الضوء الذي يتحرك بسرعة بعيداً عنا ينزاح إلى الأحمر في نهاية الطيف: مقترباً من انزياحات الضوء إلى الأزرق).
كان سليفر أول من لاحظ هذا التأثير في الضوء وأدرك أهميته الكامنة لفهم حركات الكون. ولسوء الحظ، لا أحد لاحظه كثيراً. فقد كان مرصد لويل –كما يمكن أن تتذكروا– مكاناً غريباً بسبب هوس برسيفال لويل بالقنوات المريخية، التي جعلته في العقد الأول من القرن العشرين قاعدة أمامية للمسعى الفلكي. لم يكن سليفر مطلعاً على نظرية النسبية لأينشتاين وكان العالم غير مدرك بنحو مساوٍ السليفر. وهكذا فإن اكتشافه لم يكن له تأثير.
(*) سمي على اسم جوهان كريستيان دوبلر، العالم النمساوي، الذي كان أول من لاحظ التأثير في 1842. فبنحو موجز، ما يحدث هو أن شيئاً يتحرك يقترب من شيء ثابت، فإنها أمواجه الصوتية تصبح أكثر تردداً وهي تحتشد إزاء أي أداء تتلقاها (لنقل أذنيك)، تماماً كما تتوقع من أي شيء يدفع من الخلف نحو شيء ثابت. هذا التردد يدركه المستمع على أنه نوع من الصوت المتطاول (اليي). وفيما يمر مصدر الصوت، فإن موجات الصوت تنتشر وتطول، جاعلة الإيقاع يهبط فجأة (اليم).
(**) انزياح الخطوط الطيفية لبعض النجوم والمجرات نحو اللون الأحمر، وذلك من جرّاء تباعد تلك النجوم والمجرات عن الأرض. المترجم.

سيحظى بالمجد بدلاً من ذلك كتلة ضخمة من الأنانية تدعى إدوين هبل. ولد هبل في 1889، بعد عشر سنوات من ولادة آينشتاين، في بلدة صغيرة في ولاية ميسوري على حافة الأوزاركس OZarks وترعرع هناك في (ويتن، إيلينوي)، وهي ضاحية في شيكاغو. كان والده مدير ضمان ناجحاً، ولهذا كانت حياته مريحة دوماً، وتمتع إدوين بثروة من العطايا الجسدية، أيضاً. كان رياضياً قوياً وموهوباً، وساحراً وذكياً وجميل المنظر بنحو كبير. كان «أنيقاً بشكل معيب تقريباً، كما وصفه وليم هـ. كوبر، ودعاه معجب آخر بـ «أدونيس». وكما يروي عن نفسه، أدخل في سيرة حياته أعمالاً جسورة متواصلة كإنقاذ السباحين الغارقين، وقيادة الرجال الخائفين إلى الأمان عبر ساحات المعركة في فرنسة، مزعجاً أبطال العالم في الملاكمة بضربات قاضية في جولات العرض. بدا كل هذا جيداً بحيث تم تصديقه. وبالإضافة إلى كل مواهبه، كان هبل كاذباً كبيراً أيضاً.
وهذا أكثر من غريب، ذلك أن حياة هبل كانت مليئة من سن مبكرة بمستوى من التميز الأصيل، الذي كان أحياناً ذهبياً بشكل يدعو إلى السخرية. ففي مسابقة سية الثانوية في 1906، فاز بالقفز العالي، وفي رمي الكرة الحديدية، والقرص، ورمي المطرقة، والقفزة العالية وقوفاً والقفزة العالية ركضاً، وكان في فريق البدل للفريق الفائز. وكان الثالث في القفز الطويل. وفي العام نفسه، سجل رقماً قياسياً في ولاية إلينيوي في القفز المرتفع.
كان بارعاً في البحث بنحو مساو، ولم تواجهه مشكلة في الحصول على قبول جامعي لدراسة الفيزياء وعلم الفلك في جامعة شيكاغو (حيث -بالمصادفة- كان رئيس القسم آنذاك ألبرت متشلسون). وقد اختير هناك؛ كي يكون واحداً من باحثي رودس الأوائل في أكسفورد. وعلى ما يبدو قلبت رأسه ثلاثة أعوام من الحياة الإنكليزية، ذلك أنه عاد إلى ويتون في 1913 يعتمر قبعة، ويدخن الغليون ويتحدث بلكنة جهورية مميّزة ليست إنكليزية تماماً، ولكنها ليست غير إنكليزية تماماً بقيت معه طوال حياته. وبالرغم من أنه زعم فيما بعد أنه أمضى معظم

العقد الثاني من القرن يمارس القانون في كنتكي، فإنه عمل في الحقيقة كمدرس في ثانوية ومدرب كرة سلة في نيو ألباني، وإنديانا، قبل أن يحصل متأخراً على شهادة الدكتوراه ويخدم في الجيش لمدة وجيزة. (وصل إلى فرنسة قبل شهر من الهدنة ومن المؤكد أنه لم يسمع طلقة نارية واحدة أطلقت في حالة غضب).
وفي 1919 -وقد بلغ الثلاثين من العمر- انتقل إلى كاليفورنيا وحصل على منصب في مرصد جبل ولسون قرب لوس أنجلس. وبسرعة -وبنحو أكثر من مفاجئ بقليل- أصبح عالم الفلك الأبرز في القرن العشرين.
يستحق الأمر أن نتوقف قليلاً؛ كي نفكّر كم كان القليل معروفاً عن الكون في هذا المكان. يعتقد علماء الفلك اليوم أن هناك على الأرجح 140 بليون مجرة في الكون المرئي. هذا عدد ضخم، أكبر بكثير من مجرد القول: إنه سيقودك إلى الافتراض. لو كانت المجرات بازلاء مجمدة، لكانت كافية لملء مدرج كبير، ولنقل حديقة بوسطن القديمة أو قاعة ألبرت الملكية. (وقد حسب ذلك عالم فيزياء فلكية يدعى بروس غريغوري). في 1919، حين ركز هابل تفكيره على العدسة، كان عدد المجرات المعروفة لنا واحداً: الدرب اللبنية. اعتُقد أن كل شيء آخر هو إما جزء من الدرب اللبنية أو غاز من الغازات المحيطة. شرح هبل بسرعة خطأ ذلك الاعتقاد.
في العقد اللاحق، عالج هبل اثنين من أهم الأسئلة في الكون: كم عمره، وكم حجمه؟ ومن أجل الإجابة عن السؤالين من الضروري معرفة أمرين: كم تبعد مجرّات معينة وكم سرعة طيرانها عنا (ما يُعرف باسم سرعتها الانسحابية). إن الانزياح الأحمر يقدم السرعة التي تنسحب بها المجرات، ولكنه لا يخبرنا مسافة البعد التي تبدأ بها. ذلك أننا بحاجة إلى ما يدعى بـ «الشموع القياسية (*)»، نجوم يمكن أن يُحسب تألقها بنحو موثوق ويستخدم على أنه نقاط ارتكاز لقياس التألق (ومن هنا المسافة النسبية) لنجوم أخرى.
(*) وحدات لقياس شدّة التألق. المترجم.

حالف هيل الحظ بسرعة بعد أن استنتجت امرأة بارعة اسمها هنرييتا سوان ليفت طريقة للعثور على هذه النجوم. عملت ليفت في مرصد كلية جامعة هارفارد بوصفها حاسوباً، كما كانت تعرف. وكانت «الحواسيب»، تمضي حياتها في دراسة ألواح الصور الفوتوغرافية للنجوم والقيام بالحسابات، ومن هنا جاء الاسم. كان عملاً أكثر مشقة بقليل لوكان لها اسم آخر، ولكنها كانت قريبة كما بوسع النساء الاقتراب من علم الفلك الحقيقي في هارفارد أو بالفعل، في أي مكان آخر في تلك الأيام. وبالرغم من أن النظام غير عادل فإنه امتلك فوائد غير متوقعة: كان هذا يعني أن نصف العقول الأروع المتاحة وجّهت إلى العمل الذي كان سيجذب القليل من الانتباه والتأمل وضمن أن النساء صرن يستوعين البنية الرائعة للكون، التي فاتت غالباً النظراء من الذكور.
استخدمت أحد «كمبيوترات هارفرد»، آني جمب كانون، معرفتها بالنجوم كي تخترع نسقًا من التصنيفات النجميّة ما يزال يُستخدم حتى الآن. ولكن إسهام ليفت كان أكثر عمقاً. لاحظت أن نمطاً من النجوم المعروف باسم النجوم من القيفاوية (*) (على اسم كوكبة قيفاوس، حيث حَدّد الأول) تنبض بإيقاع منتظم؛ نوع من خفقان القلب النجمي. كانت النجوم القيفاوية نادرة، ولكن واحداً منها على الأقل معروف جيدًا لمعظمنا. لإن نجم القطب هو قيفاويّ.
نعرف الآن أن النجوم القيفاويّة تنبض؛ لأنها نجوم كبيرة عبرت «طور تعاقبها الرئيس» -في اصطلاحات علماء الفلك- وصارت عمالقة حمراً. إن كيمياء العمالقة الحمر ثقيلة جداً بالنسبة لأهدافنا هنا (تتطلب فهماً لمواصفات ذرات الهليوم المؤيّنه بنحو فردي «المحولة إلى أيونات»، بين أمور أخرى كثيرة)، ولكن إذا عبّرنا ببساطة فإن هذا يعني أنها تحرق وقودها المتبقي بطريقة تنتج تألقاً وبهوتاً إيقاعيين وموثوقين جداً. تجلّت عبقرية ليفت في إدراكها أننا إذا قارنا بين الأحجام النسبية للنجوم القيفاوية في نقاط مختلفة من السماء، نستطيع أن
(*) أي من مجموعة من النجوم المتغيّرة التي يُنسب تغيّر لمعانها إلى تقلّص حجمها وتمدّده على نحو متعاقب.

نستنتج مواضعها عن طريق العلاقة بين بعضها. يمكن أن تُستخدم على أنها شموع للقياس، وهذا مصطلح نحتته هي ولا يزال شائعاً. لم يقدم المنهج إلا المسافات النسبية، مغفلاً المسافات المطلقة، ولكن كانت هذه أول مرة ابتكر فيها أحد طريقة مفيدة لقياس الكون الضخم.
(ومن أجل أن نضع هذه الاستبصارات في منظور، ربما كان من الجدير بالذكر أنه في الوقت الذي كانت فيه ليفت وكانون تستنتجان مواصفات جوهرية للكون من لطخ نجوم بعيدة على ألواح فوتوغرافية، كان عالم الفلك في هارفارد وليم هـ. بيكرينغ -الذي كان بوسعه أن ينظر عبر التلسكوب الذي من الصنف الأول كلما أراد – كان يطور نظريته الرشيميّة بأن البقع السوداء التي على القمر ناجمة عن حشود حشرات تهاجر موسمياً.
مازجاً عصا ليفت اليارديّة بالإنزياحات الحمراء الملائمة الخاصة بفيستو سليفر، بدأ هبل يقيس نقاطاً منتقاة في الفضاء بعين جديدة. وفي 1923 أظهر أن نفخة من لعاب الشمس في كوكبة أندروميدا يعرف باسم إم31 ليس سحابة غازية مطلقاً، وإنما علامة نجوم، ومجرة، تبعد ثلاث مئة سنة ضوئية في الجانب الآخر، وتبعد على الأقل تسع مئة ألف سنة ضوئية. كان الكون أرحب، أرحب بكثير مما سبق وافترض أي شخص. وفي 1924 ألّف هبل بحثاً مهماً، بعنوان «النجوم القيافويّة في المجرة اللولبية»، مظهراً أن الكون لا يتألف من الدرب اللبنية فحسب؛ بل من كثير من المجرات المستقلة: «جزر أكوان»، كثير منها أكبر من الدرب اللبنية وأكثر بعداً.
كان هذا الاكتشاف وحده سيضمن الشهرة لهبل، ولكنه استدار الآن إلى مسألة استنتاج كم هو الكون أكبر، وقام حتى باكتشاف أكثر قوة. بدأ هبل يقيس أطياف المجرات البعيدة، وكان هذا هو العمل الذي شرع به سليفر في آريزونا. مستخدماً تلسكوب هوكر الجديد في جبل ولسون، الذي بطول 100 إنش وبعض الاستنتاجات الذكية، اكتشف في أوائل الثلاثينيات أن جميع المجرات التي في السماء (عدا

عنقودنا المحلي) تتحرك بعيداً عنا. فضلاً عن ذلك، إن سرعتها وبعدها متناسبان تقريباً، فكلما ابتعدت المجرة، كلما زادت سرعة حركتها.
كان هذا مدهشاً بحق. كان الكون يتمدّد بسرعة في جميع الاتجاهات. ولم يحتج الأمر إلى كمية كبيرة من التخيل للقراءة نحو الخلف انطلاقاً من هذا، وإدراك أنه بالآتي يجب أن يكون قد بدأ من نقطة مركزية ما. بعيداً عن كونه الفراغ المستقر والثابت والأبدي الذي افترضه الجميع دوماً، كان هذا كوناً له بداية.
إن الأعجوبة -كما قال ستيفن هوكينغ- هي أنه لا أحد اكتشف فكرة تمدد الكون من قبل. كون الكون ثابتاً كان مبدأً جلياً لنيوتن وجميع علماء الفلك المفكرين، وسينهار على نفسه. كانت هناك أيضاً مشكلة أنه إذا كانت النجوم تشتعل بنحو دائم في كون ثابت، فإنها ستسبب ارتفاع حرارة لا يُحتمل، وهي بالتأكيد حرارة عالية جداً بالنسبة لأشباهنا. لقد حلّ الكون المتمدد كثيراً من هذه الأمور بجرّة قلم.
كان هبل راصداً أكثر مما هو مفكر ولم يدرك على الفور المعاني الضمنية لما اكتشفه. ويعود هذا في جزء منه إلى أنه كان يجهل بنحو مخيف نظرية النسبية، التي أبدعها آينشتاين. كان هذا فاقعاً، لسبب واحد؛ لأن آينشتاين ونظريته عمت شهرتهما العالم. فضلا عن ذلك، قبل ألبرت متشلسون -الذي كان آنذاك في أعوامه الأخيرة إلا أنه كان الأكثر تيقظاً وتقديراً بين العلماء- وظيفة في جبل ولسون؛ كي يقيس سرعة الضوء بمقياس التداخل الذي اخترعه، ومن المؤكد أنه ذكر له إمكانية تطبيق نظرية آينشتاين على اكتشافاته.
على أي حال، أخفق هبل في اغتنام الفرصة النظرية حين سنحت. بدلاً من ذلك، ترك الأمر لباحث وقس بلجيكي (يحمل الدكتوراه من الإم آي تي) يدعى جورح ليميتر GeorgeS Lemaitre كي يجمع الخيطين في نظريته عن «الألعاب النارية»، التي اقترحت أن الكون بدأ مثل نقطة هندسية، مثل «ذرة أوليّة»، انفجرت إلى العظمة وكانت تتحرك منفصلة عن بعضها منذ ذلك الوقت. كانت فكرة توقعت المفهوم الحديث عن الانفجار العظيم، ولكنها كانت سابقة لزمانها، بحيث

إنّ ليميتر نادراً ما حصل على أكثر من الجملة أو الجملتين اللتين منحناهما له هنا. واحتاج العالم إلى عقود إضافية، وإلى الاكتشاف غير المقصود للإشعاع الخلفي الكوني، الذي قام به بنزياس وولسون في هوائيهما الذي أصدر هسيساً في نيوجرسي، قبل أن ينتقل الانفجار الكوني من فكرة ممتعة إلى نظرية أصيلة.
لم يكن هبل ولا آينشتاين جزءاً كبيراً من تلك القصة الكبيرة. وبالرغم من أنه لم يحضر القصة أحد في ذلك الوقت، فإن الرجلين قد أنجزا كثيراً.
في 1936 نشرهبل كتاباً شعبياً بعنوان (مملكة المجرات)، شرح فيه بأسلوب مسلّ إنجازاته المعتبرة. وأظهر في هذا الكتاب أخيراً أنه اطلع على نظرية آينشتاين، إلى نقطة ما، على أي حال: لم يخصص لها إلا صفحتين من قرابة 200 صفحة.
توفي هبل إثر نوبة قلبية في 1953. وكانت تنتظره غرابة صغيرة واحدة. فالأسباب يكتنفها الغموض، رفضت زوجته إعداد جنازة له ولم تكشف أبداً ما فعلته بجثته. بعد نصف قرن لا يزال مكان جثة أعظم عالم فلك مجهولاً. يجب أن تنظروا إلى السماء وإلى تلسكوب هبل الفضائي الذي أطلق في عام 1990 تخليداً لذكراه.

الفصل التاسع
الذرّة الجبّارة
فيما كان آينشتاين وهبل يشرحان البنية الضخمة للكون، كان آخرون يصارعون لفهم شيء أكثر قرباً، الذرة الصغيرة والغامضة على الدوام.
قال عالم الفيزياء العظيم الذي من كالتيك Caltech رتشارد فينمان في إحدى المرات: إذا أردتم اختزال التاريخ العلمي إلى مقولة واحدة مهمة فستكون: «إن جميع الأشياء مصنوعة من الذرة». إنها في جميع الأمكنة وتؤلّف كل شيء. انظروا حولكم. كل شيء ذرات. ليس الأشياء الصلبة كالجدران والطاولات والمقاعد فحسب، وإنما الجو الذي في الداخل. وهي هناك في أعداد لا تستطيعون إحصاءها.
إن الترتيب الأساسي العامل للذرات هو الجزيء (وهو كلمة مشتقة من اللاتينية تعني «الكتلة الصغيرة»). ويتألف الجزيء من ذرّتين أو أكثر تعملان في ترتيب ثابت تقريباً. أضف ذرتين من الهيدروجين إلى ذرة أوكسجين وستحصل على جزيء ماء. ويميل الكيميائيون إلى التفكير من زاوية الجزيئات لا العناصر، كما يفكر الكتاب من زاوية الكلمات لا الأحرف، وهكذا فهم يحصون الجزيئات وهذه كثيرة جداً في أقل تقدير. فعلى مستوى البحر، وفي درجة حرارة تبلغ الصفر على المقياس السنتغرادي، إن سنتمتراً مكعباً من الهواء (أي فراغ بحجم قطعة سكر) يحتوي على 45 بليون جزيء. والجزيئات موجودة في كل سنتمتر مكعب ترونه حولكم. فكروا كم هنالك من السنتمترات المكعبة في العالم خارج نافذتكم، وكم سيحتاج الأمر إلى مكعبات سكر لملء ذلك المنظر. ثم فكروا كم سيحتاج الأمر إلى بناء كون. إن الذرات هي -باختصار- وافرة جداً.
إن الذرات مستمرة بشكل يفوق الخيال. ولأن حياتها طويلة، فإنها في الواقع تنتشر حولنا. فكل ذرة تمتلكونها مرت بالتأكيد عبر العديد من النجوم، وكانت

جزءاً من ملايين من المتعضيّات في طريقها لتصبح أنتم. فنحن غزيرون جداً على الصعيد الذري ويعاد تصنيعنا بقوة عند الموت بحيث إن عدداً كبيراً من ذراتنا بليون لكل منا، كما قيل كان على الأرجح مرة لشكسبير. وجاءت بلايين أخرى من بوذا وجنكيز خان وبيتهوفن، وأي شخصية تاريخية تهتم بتسميتها. (وعلى ما يبدو يجب أن تكون الشخصيات تاريخية بما أن الأمر يستغرق عدة عقود بالنسبة للذرات؛ كي توزع بنحو كامل؛ ومهما رغبت بالأمر، فإنك لست متوحداً مع ألفيس بريسلي).
وهكذا فإننا جميعاً تجسّدات جديدة، بالرغم من أن حياتنا قصيرة. فحين نموت، تتفرق ذرّاتنا وتنتقل للعثور على استخدامات جديدة في مكان آخر كجزء من ورقة أو كائن بشري آخر أو قطرة ندى. والذرات نفسها -على أي حال- تستمر عملياً إلى الأبد. ولا أحد يعرف بالفعل كم يمكن أن تحيا ذرة، ولكن بحسب مارتن ريس فإنها تحيا على الأرجح ?10?^35 أعوام، وهذا رقم كبير جداً بحيث إنني سعيد للتعبير عنه بترميز رياضي.
فضلاً عن ذلك، إن الذرات صغيرة: صغيرة جداً بالفعل. إن نصف مليون منها إذا تراصف إلى جانب بعضه بعضاً يستطيع أن يختفي خلف شعرة. وعلى ميزان كهذا من المستحيل تخيل ذرة وحيدة جوهرياً، ولكننا نستطيع أن نحاول بالطبع.
ابدؤوا بالمليمتر، الذي هو خط بهذا الطول. تخيّلوا الآن أن هذا الخط مقسم إلى ألف قطعة مساوية. إن كلاً من هذه القطع هو ميكرون (*). وهذا هو ميزان المتعضّي المجهري. إن برامسيوم عادي، على سبيل المثال وهو أحادي الخلية يعيش في المياه العذبة يبلغ عرضه نحو 2 ميكرون، 0.002 مليمتر، وهذا حقاً صغير جداً. إذا أردتم أن تروا بأعينكم المجردة هذا الحيوان وهو يسبح في قطرة ماء، فعليكم أن تكبّروا هذه القطرة إلى تصبح بعرض 12 متراً. على أي حال، إذا أردتم أن تروا الذرات في القطرة نفسها، فعليكم أن تجعلوا القطرة بعرض 24 كيلومتراً.
(*) جزء من المليون من المتر. المترجم.

بتعبير آخر، توجد الذرات على ميزان من الصغر من نظام آخر تماماً. وللنزول إلى مستوى الذرات، عليك أن تأخذ كلاً من هذه القطع الميكرونية وتقطعها إلى عشرة آلاف قطعة أكثر صغراً. هذا هو قياس الذرة: جزء من عشرة ملايين من المليمتر. إن هذه درجة من الصغر تتجاوز مقدرة مخيلاتنا، ولكنكم تستطيعون أن تأخذوا فكرة عن النسب إذا وضعتم في أذهانكم أن ذرة واحدة، هي بالنسبة لخط الميليمتر ذلك في الأعلى بسماكة الورقة بالنسبة لارتفاع مبنى الإمبايرستيت.
إن الوفرة والاستمرارية المفرطة للذرات هي التي تجعلها مفيدة، أما صغرها فيجعل من الصعب رصدها وفهمها. إن إدراك أن الذرات هي هذه الأمور الثلاثة: صغيرة، وافرة، وغير قابلة للتدمير عملياً، وأن جميع الأشياء تصنع منها، لم يخطر في البداية لأنطوان لوران لافوازييه، كما يمكن أن تتوقعوا، أو حتى لهنري كافندش أو همفري ديفي، وإنما خطرت لصاحبي بريطاني نادر وجيد الثقافة يُدعى جون دالتون، تحدثنا عنه في الفصل السابع.
ولد دالتون في 1766 عند حافة مقاطعة ليك، قرب كوكرماوث، لأسرة من النساجين الصاحبيين الفقراء والمتدينين. (بعد أربع سنوات جاء الشاعر وليم وردزورث إلى العالم في كوكرماوث) كان دالتون طالباً ذكياً على نحو استثنائي ومتألقاً جداً، بحيث إنه في ذلك السن الفتي في الثانية عشرة وضع تحت مسؤولية المدرسة الصاحبيّة المحلية. وربما يتحدث هذا عن المدرسة بقدر ما يتحدث عن إدراك دالتون السّبقي، ولكن ربما لا فنحن نعرف من يومياته أنه في هذا الوقت كان يقرأ كتاب المبادئ لنيوتن في أصله اللاتيني بتعبير آخر، كان يتمتع بطبيعة متحدية بنحو مشابه. وفي الخامسة عشرة -وكان ما يزال يدرّس في المدرسة حصل على عمل في بلدة كندال القريبة، وبعد عقد من هذا انتقل إلى مانشستر حيث نادراً ما غادرها في السنوات الخمسين المتبقية من حياته. وفي مانشستر، صار زوبعة فكرية، وألّف الكتب والأبحاث عن موضوعات تتسلسل من علم الأرصاد الجوية إلى النحو. إن عمى الألوان -الذي عانى منه- دعي الوقت طويل باسم

الدالتونية بسبب دراساته. لكنّ كتاباً مهماً بعنوان: منهج جديد لفلسفة الكيمياء الذي نشر في 1808 هو الذي صنع شهرته.
في هذا الكتاب -وفي فصل قصير مؤلف من خمس صفحات فحسب (من كتاب يتألف من أكثر من 900 صفحة)- تعرّف رجال العلم لأول مرة على الذرات بطريقة قريبة إلى مفهومهم الحديث. كان استبصار دالتون البسيط هو أنه في جذر المادة كلها ثمة جزيئات مفرطة الصغر غير قابلة للاختزال. «نستطيع إدخال كوكب جديد في المنظومة الشمسية أو أن ندمر آخر موجوداً، ولا نستطيع أن تدمر أو نخلق جزيئاً من الهيدروجين» كما قال.
لم تكن فكرة الذرات ولا المصطلح نفسه جديدين تماماً. فقد طور كليهما اليونانيون. وكان إسهام دالتون هو أن يفكر في الأحجام النسبية ومواصفات هذه الذرات وكيف تتلاءم سوية. كان يعرف - على سبيل المثال - أن الهيدروجين هو أخف عنصر، بحيث أعطاه الوزن الذري 1. اعتقد أيضاً أن الماء يتألف من سبعة أجزاء من الأوكسجين مقابل واحد من الهيدروجين، وهكذا منح الأوكسجين الوزن الذري 7. كان قادراً بوسائل كهذه على الوصول إلى الأوزان النسبية للعناصر المعروفة. ولم يكن دائماً مصيباً جداً، إن الوزن الذري للأوكسجين هو في الحقيقة 16، وليس 7 ولكن المبدأ كان صحيحاً ووضع أساساً للكيمياء الحديثة كلها ولكثير من بقية العلم الحديث.
جعل هذا العمل دالتون مشهوراً، بالرغم من أن شهرته كانت شهرة محدودة، على غرار الصاحبي الإنكليزي. ففي 1826، سافر عالم الكيمياء الفرنسي ب.ج. بليتييه P.J. Pelletier إلى مانشستر لمقابلة البطل الذري. توقع (بليتييه) أن يجده متمتعاً بحدس مهيب ما، ولكنه دُهش حين اكتشف أنه يعلّم مبادئ الحساب الأولى للفتيان في مدرسة صغيرة في شارع خلفي. وبحسب المؤرخ العلمي يج-هولميارد، تلعثم بليتييه المشوش لدى رؤية الرجل العظيم:

هل لي الشرف بمقابلة السيد دالتون؟ إذ بالكاد صدق عينيه أن عالم الكيمياء ذا الشهرة الأوروبية، كان يعلم فتى مبادئه الأولى الأربعة. «نعم»، قال الصاحبي العملي.
«هل يمكن أن تجلس؛ حتى أوضح هذه الفكرة الحسابية لهذا الفتى؟».
وبالرغم من أن دالتون حاول أن يتجنب جميع التكريمات، فقد انتُخب في الجمعية الملكية ضد رغباته، وتدفقت عليه الأوسمة ومنح معاشاً حكومياً جيداً. وحين وافته المنية في 1844، نظر أربعون ألف شخص إلى الكفن وامتد موكب الجنازة ميلين. أما مدخله في قاموس السيرة الذاتية القومية فهو الأطول، ولا يبذه في طوله بين مداخل علماء القرن التاسع عشر سوى المدخلين الخاصين بدارون وليل.
بعد أن قدم دالتون اقتراحه، بقي فرضياً بشكل كامل طوال قرن، وشكك بعض العلماء البارزين ومنهم عالم الفيزياء الفييني إرنست ماخ Ernest Mach، الذي سجّل له اكتشاف سرعة الصوت بوجود الذرات. «لا يمكن إدراك الذرات بالحواس... إنها أمور خاصة بالفكر»، كما كتب. هكذا كان الارتياب الذي نظر به إلى وجود الذرات في العالم الناطق بالألمانية خاصة، الذي قيل: إنه أدى دوراً في انتحار عالم الفيزياء النظرية العظيم والمتحمس الذري لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann في 1906.
كان آينشتاين هو الذي قدّم الدليل الأول غير القابل للدحض عن وجود الذرات في بحثه المتعلق بالحركة البراونية في 1905، ولكن هذا لم يجذب انتباهاً يُذكر، وعلى أي حال كان آينشتاين مستهلكاً من عمله في نظرية النسبية العامة. وهكذا فإن البطل الحقيقي الأول للعصر الذري - هذا إن لم يكن الشخصية الأولى في المشهد - هو إرنست رزرفورد.
ولد رزفورد في 1871 في المباني الخلفية في نيوزلندة لوالدين هاجرا من أسكتلندة: كي يزرعا قليلاً من نبات الكتان وينجبا كثيراً من الأولاد (بحسب ستيفن واينبرغ). ولأنه نشأ في جزء بعيد من بلاد بعيدة، كان بعيداً عن الاتجاه

السائد للعلم، ولكن في عام 1895 حصل على منحة أخذته إلى مختبر كافندش في جامعة كمبردج، الذي صار أكثر الأماكن أهمية في العالم للعمل في الفيزياء. كان علماء الفيزياء يحتقرون بنحو مشهور العلماء في ميادين أخرى. فحين
قامت زوجة عالم الفيزياء النمساوي العظيم ولفانغ بولي بتركه من أجل عالم كيمياء، صُعق غير مصدّق. وقال متعجبًا لصديق: «لوانها تزوجت مصارع ثيران لفهمت الأمر، ولكن كيميائياً...!!».
كان هذا شعوراً سيفهمه رزرفورد. فقد قال مرة في سطر استخدم مرات كثيرة منذ ذلك الوقت: «إن العلم هو إما الفيزياء أو جمع الطوابع). وكانت المفارقة أنه حصل على جائزة نوبل في 1908 في الكيمياء وليس في الفيزياء.
كان رزرفورد رجلاً محظوظاً وعبقرياً، وكان أكثر حظاً؛ لأنه عاش في وقت كانت فيه الفيزياء والكيمياء مثيرتين جداً ومتطابقتين (هذا ما شعر به). ولكنهما لن يتطابقا أبداً بعد الآن.
وبالرغم من كل نجاحه، لم يكن رزرفورد شخصاً متألقاً وكان سيئاً جداً في الرياضيات. وغالباً في أثناء المحاضرات كان يضيع في معادلاته بحيث كان يتوقف في منتصفها، ويطلب من التلاميذ أن يحلوها بأنفسهم. وبحسب زميله لوقت طويل جيمس تشادويك - مكتشف النيوترون – لم يكن ذكياً حتى في التجريب. كان عنيداً ومنفتح الذهن. وبدلاً من التألق كان لديه المكر ونوع من الجسارة. وكان ذهنه، على حد قول كاتب سيرته الذاتية: «يعمل دوماً على تخطي الحدود قدر استطاعته، وتجاوز في هذا معظم الرجال الآخرين». فحين تواجهه مشكلة عسيرة، كان يعمل عليها بجد ويخصص لها وقتًا أطول مما يخصصه لها الجميع، وكان أكثر انفتاحاً على الشروح غير الأرثوذكسية. وحقق فتحه العلمي الأعظم لأنه كان مستعداً لقضاء ساعات طويلة مملة جداً جالساً إلى شاشة يحصي إيماضات الجسيمات الألفاوية؛ كما كانت تدعى. وكان هذا نوعاً من العمل يعهد عادة لشخص آخر. كان أول من رأى أنه إذا تمت السيطرة على القوة الكامنة في الذرة، فإنها ستصنع قنابل قوية بما يكفي «لجعل هذا العالم القديم يتلاشى في الدخان».

كان رزفورد كبيراً ومزدهراً على المستوى الفيزيائي، بصوت جعل الجبناء يجفلون. مرة حين قيل لزميل: إن رزرفورد كان على وشك صناعة بث إذاعي عبر المحيط الأطلسي، سأل بجفاف: «لماذا استخدام المذياع؟»، كان لديه أيضاً كمية كبيرة من الثقة الطيبة. حين قال له أحدهم: إنه يبدو دوماً في أعلى الموجة، أجابه: وحسناً – في النهاية- أنا صنعت الموجة، أليس كذلك؟، وتذكر (سي. بي. سنو) كيف أنه في محل للخياطة في كمبردج، سمع رزرفورد يقول: «كل يوم يكبر مقاس خصري وكذلك عقلي). ولكن كثيراً من المقاس والشهرة كانا ينتظرانه في 1895 حين أمضى وقته في مخبر كافندش (*). كانت هذه مدة زاخرة جداً بالأحداث بالنسبة للعلم. ففي عام وصول رزرفورد إلى كمبردج، اكتشف فيلهلم روينتجن أشعة إكس في جامعة وزربورغ في ألمانية؛ في العام اللاحق، اكتشف هنري بكويريل الإشعاعية. وكان مختبر كافندش على وشك الوصول إلى مدة من العظمة. ففي 1897، اكتشف ج.ج.تومسون وزملاؤه الإلكترون هناك، وفي 1911 أنتج هناك (سي.ت.ر. ولسون) فاحص الجزيء الأول (كما سنرى)، وفي 1932 اكتشف جيمس تشادويك النيترون. وفيما بعد، (في 1953)، اكتشف جيمس واطسون وفرانسيس كريك بنية (DNA) في كافندش.
عمل رزرفورد في البداية على موجات المذياع، حقق بعض التميز حين نجح في بث إشارة موجزة إلى أبعد من ميل، وكان هذا إنجازاً معقولاً جداً في ذلك الوقت، ولكنه تخلى عن ذلك حين أقنعه زميل أن للمذياع مستقبلاً غير ذي أهمية. في المجمل، وعلى أي حال لم يزدهر رزرفورد في كافندش، وبعد ثلاثة أعوام شعر أنه ضيع وقته هناك، فتولى منصباً في جامعة مجيل في مونتريال، حيث بدأ صعوده الطويل والمطرد إلى العظمة. وفي الوقت الذي حصل فيه على جائزة نوبل (من أجل «استقصاءات في تحلل العناصر، وكيمياء المواد المشعة»، كما أورد رسمياً)
(*) أتى الاسم من آل كافندش الذي انحدر منهم هنري. كان هذا وليم كافندش، الدوق السابع لديفونشير، وكان رياضياً موهوباً وبارون فولاذ في إنكلترة الفكتورية. وفي 1870 منح الجامعة 6.300 جنيه إسترليني لبناء مختبر للتجارب.

انتقل إلى جامعة مانشستر، وهناك – في الحقيقة – قام بعمله الأكثر أهمية وهو تحديد بنية الذرة وطبيعتها.
كان من المعروف في أوائل القرن العشرين أن الذرات مصنوعة من أجزاء كما بين اكتشاف طومسون للإلكترون، ولكن لم يكن معروفاً كم عدد الأجزاء أو كيف تلاءمت معاً أو الشكل الذي اتخذته. اعتقد بعض علماء الفيزياء أن الذرات يمكن أن تكون مكعبة الشكل؛ لأن المكعبات تجمع سوية بأناقة دون أن تضيع أي فراغ. أما الصورة الأكثر عمومية -على أي حال – فهي أن الذرة كانت تشبه أكثر كعكة المشمش أو فطيرة الخوخ: شيء كثيف وصلب يحمل شحنة موجبة ولكنه مزود بإلكترونات ذات شحنات سلبية، على غرار المشمش في الكعكة.
وفي 1910 (وبمساعدة من طالبه هانز جيجر، الذي سيخترع فيما بعد راصد الإشعاع الذي حمل اسمه) قام رزرفورد بإطلاق ذرات الهليوم المؤينة، أو جزيئات ألفا، على رقاقة من رقاقات الذهب (*)، بما فاجأ رزرفورد، هو أن الجزيئات ارتدت إلى الخلف. كان الأمر كما قال كما لو أنه أطلق قذيفة طولها 15 إنشاً على لوح فارتدت عائدة إلى حضنه. كان من غير المفترض أن يحدث هذا. وبعد تأمل معتبر أدرك أنه لا يمكن أن يكون هناك إلا شرح واحد ممكن: إن الجزيئات التي ارتدت إلى الخلف كانت تضرب شيئاً ما صغيراً وكثيفاً في قلب الذرة، بينما الجزيئات الأخرى أبحرت دون عائق. كانت الذرة -كما أدرك رزرفورد- فضاء فارغاً تقريباً، بنواة كثيفة جداً في مركزها. كان هذا اكتشافاً مجزياً جداً، ولكنه طرح مشكلة فورية. بحسب جميع قوانين الفيزياء التقليدية، يجب من ثم ألا توجد الذرات.
دعونا نتوقّف للحظة ونفكر ببنية الذرّة كما نعرفها الآن. إن كل ذرة هي مصنوعة من ثلاثة أنواع من الجزيئات الأولية: البروتونات، التي تحتوي على شحنة
(*) صار جيجر فيما بعد نازياً مخلصاً، وخان دون تردد زملاءه اليهود، وبينهم كثيرون من الذين ساعدوه.

كهربائية موجبة؛ والإلكترونات، التي تملك شحنة كهربائية سالبة؛ والنيوترونات التي لا تملك أي شحنة. إن البروتونات والنيوترونات موجودة في النواة، بينما الإلكترونات تدور حولها في الخارج. إن عدد البروتونات هو الذي يمنح الذرة هويتها الكيماوية. فذرة ببروتون واحد هي ذرة هيدروجين، التي باثنين هي ذرة هليوم، والتي بثلاثة بروتونات هي ذرة لثيوم، وإلى ما هنالك على المقياس. وفي كل مرة تضيف بروتوناً تحصل على عنصر. (لأن عدد البروتونات في ذرة يتوازن دوماً بعدد مساوٍ من الإلكترونات، سترون أحياناً أنه مكتوب أن عدد الإلكترونات هو الذي يحدد عنصراً، وهذا يعني الشيء نفسه. إن الطريقة التي شرح بها الأمر لي هو أن البروتونات تمنح الذرة هويتها، أما الإلكترونات فتمنحها شخصيتها).
لا تؤثر النيوترونات على هوية الذرة، ولكنها تضيف إلى كتلتها. فعدد النيوترونات هو عادة مساو لعدد البروتونات، ولكنه يمكن أن يتنوع زيادة أو نقصاً بنحو ضئيل. أضيفوا أو أنقصوا نيوتروناً أو اثنين وتحصلون على نظير. إن المصطلحات التي تسمعون بها تشير إلى تقنيات التأريخ في الأركيولوجيا تشير إلى النظائر كربون 14 على سبيل المثال، التي هي ذرة من الكربون بستة بروتونات وثماني نيوترونات (و14 هو حاصل جمع الاثنين).
تحتل النيوترونات والبروتونات نواة الذرة. ونواة الذرة صغيرة جداً لا تشكل إلا جزءاً من مليون من بليون من الحجم الكلي لذرة، ولكنها كثيفة بنحو يفوق التصور، بما أنها تحتوي في الواقع على كتلة الذرة كلها. وكما عبر كروبر عن الأمر، إذا ما تم توسيع الذرة إلى حجم كاتدرائية، فإن النواة لن تكون إلا بحجم ذبابة ولكنها ذبابة أثقل بآلاف المرات من الكاتدرائية. كان هذا الاتساع هذا الفراغ الباهر غير المتوقع هو الذي جعل رزرفورد يحك رأسه في 1910.
لا يزال من المذهل أن نفكر في أن الذرات فضاء فارغ تقريباً، وفي أن الصلابة التي نجرّبها في كل مكان حولنا وهم. فحين يجتمع شيئان في العالم الواقعي غالباً ما تستخدم كرات البلياردو بوصفها مثالًا للتوضيح، فإنهما في الحقيقة لا

يصطدمان. بل كما يشرح تيموثي فيريس: «إن الحقول المشحونة سلبياً للكرتين تدفع بعضها... ولولا شحناتها الكهربائية فإنها تستطيع -على غرار المجرات- أن تمر عبر بعضها دون أن تصاب بأذى». وحين تجلس على كرسي، فأنت في الحقيقة لا تجلس عليه، وإنما ترتفع فوقه بارتفاع أنغستروم (جزء من مئة مليون جزء من السنتيمتر)، فإلكتروناتك وإلكتروناته معارضة بشكل عنيد لأي علاقة حميمية.
إن الصورة التي يتخيلها الجميع عن الذرة هي إلكترون أو اثنان يطيران حول نواة، كالكواكب التي تدور حول الشمس. ابتكرت الصورة في 1904، وكانت مستندة إلى أكثر من تخمين قام به عالم فيزياء ياباني يدعى هانتاروناجوكا. إنها صورة مغلوطة، ولكنها استمرت طويلاً. وكما أحب إسحاق أسيموف أن ينبه: «لقد ألهمت أجيالًا من كتاب قصص الخيال العلمي لإبداع قصص عن عوالم داخل عوالم، تصبح فيها الذرات منظومات شمسية صغيرة مسكونة أو يتبين أن منظوماتنا الشمسية ذرة في خطط أكثر ضخامة». وتستخدم الهيئة الأوروبية للأبحاث النووية حتى الآن صورة ناجوكا شعاراً على موقعها على الإنترنت. وفي الحقيقة –وكما أدرك علماء الفيزياء حالًا– إن الإلكترونات ليست كالكواكب الدائرة مطلقاً، ولكنها تشبه أكثر شفرات المراوح الدائرة، وتملأ كل جزء من الفراغ في مداراتها بنحو متزامن (ولكن بفرق حاسم هو أن شفرات المراوح قد تبدو كأنها في كل مكان في الوقت نفسه؛ أما الإلكترونات فلا).
من المفيد القول: إن كثيراً من هذا فهم في 1910 أو في كثير من السنوات التي أعقبت ذلك. لقد طرح اكتشاف رزرفورد مشكلات فورية ضخمة، ومنها أنه يجب ألا يكون أي إلكترون قادراً على الدوران حول نواة دون أن يتحطم. فبحسب نظرية الديناميكا الحرارية التقليدية إن إلكتروناً طائراً يجب أن تنتهي طاقته بسرعة كبيرة في لحظة، أو ما يقارب ذلك ويتجه لولبياً إلى النواة مسبباً نتائج كارثية للاثنين. كان هناك أيضاً مشكلة هي كيف تستطيع البروتونات، بشحناتها الموجبة، أن تجتمع سوية داخل النواة دون أن تفجّر نفسها وبقية الذرة. ومن الواضح أن ما

يحدث في عالم ما هو متناهي الصغر ليس محكوماً بالقوانين، التي تطبق في عالم ما هو كبير كما نتوقع.
وعندما بدأ علماء الفيزياء يغوصون في هذا الحقل الدُوذري، أدركوا أنه لم يكن مختلفاً عن أي شيء نعرفه فحسب، بل مختلف عن أي شيء سبق وتم تصوره. وقد قال رتشارد فينمان مرة: «لأن السلوك الذري مختلف عن التجربة العادية، من الصعب جداً أن نعتاد عليه ويبدو فريداً وغامضاً للجميع؛ لعالم الفيزياء المبتدئ وللمجرب في آن واحد». حين قام فينمان بهذا التعليق، كان علماء الفيزياء قد استغرقوا نصف قرن للتكيف مع غرابة السلوك الذري. وهكذا فكروا كيف كان شعور رزرفورد وزملائه في العقد الأول من القرن العشرين حين كان كل هذا جديداً تماماً.
كان أحد الأشخاص الذين يعملون مع رزرفورد شاباً رقيقاً ودمثاً من الدانمرك يُدعى نيلز بوهر Niels Bohr. في 1913، وفيما كان يفكر في بنية الذرة، خطرت لبوهر فكرة مثيرة بحيث أجّل شهر عسله؛ كي يكتب ما صار بحثاً وعدّ نقطة تحوّل.
ولأن علماء الفيزياء لم يستطيعوا رؤية أي شيء بصغر الذرة، اضطروا إلى محاولة استنتاج بنيتها من سلوكها حين يفعلون أشياء بها، كما فعل رزرفورد حين أطلق جزيئات ألفا على لوح معدني. أحياناً - وبنحو غير مفاجئ - كانت نتائج هذه التجارب محيرة. وكان أحد الألغاز الذي خيم لوقت طويل يتعلق بالقراءات الطيفية للأطوال الموجية للهيدروجين. وقد أنتجت هذه نماذج تظهر أن ذرات الهيدروجين انبعثت منها طاقة في أطوال موجية معينة، ولكن ليس في أخرى. بدا الأمر وكأن شخصاً خاضعاً للمراقبة واصل الظهور في أمكنة معينة ولكنه لم يُر أبداً يتنقل بينها. لم يستطع أحد أن يفهم لماذا يحدث هذا.
وفي اثناء التفكير المحيّر بهذه المشكلة صعق بوهر حين وصل إلى حل، وأنتج بحثه المشهور الذي دعي «في بنى الذرات والجزيئات»، الذي شرح «كيف تحمي

الإلكترونات نفسها من السقوط في النواة» مقترحاً أنها تحتل مدارات محددة جيداً فحسب. وبحسب النظرية الجديدة، إن إلكتروناً يتحرّك بين المدارات سيختفي من واحد ويظهر في آخر على الفور دون أن يزور الفراغ الذي بينهما. إن هذه الفكرة الوثبة الكمية الشهيرة هي بالطبع غريبة جداً، ولو أنها لم تكن صحيحة لكان هذا أفضل. لم تمنع الإلكترونات من السقوط اللولبي بنحو كارثي في النواة فحسب، وإنما شرحت أيضاً الأطوال الموجية المحيرة للهيدروجين. لقد ظهرت الإلكترونات في مدارات معينة فحسب؛ لأنها وجدت فقط في مدارات معينة. كان هذا اكتشافاً صاعقاً أدى إلى منح بوهر جائزة نوبل في الفيزياء في 1922، بعد عام من حصول آينشتاين على الجائزة.
في غضون ذلك، ابتكر رزرفورد الذي لا يكلّ، الذي عاد الآن إلى كمبريدج، كي يخلف ج.ج. طومسون؛ ليكون رئيساً لمخبر كافندش، نموذجاً يشرح لماذا لا تنفجر النواة. فقد رأى أن الشحنة الإيجابية للبروتونات يجب أن تكون فرعاً من نمط معين من الجزيئات المعطلة، التي دعاها بالنيوترونات. كانت الفكرة بسيطة ومغرية، ولكن لم يكن من السهل إثباتها. وخصص معاون رزرفورد - جيمس تشادويك - أحد عشر عاماً من العمل المكثف في البحث عن النيوترونات إلى أن نجح في النهاية في عام 1932. منح هوأيضاً جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1935. وكما يشير بورس وزملاؤه في كتابهم الذي يؤرخ للموضوع، كان التأخر في الاكتشاف شيئاً جيداً جداً على الأرجح، بما أن التحكم بالنيوترون كان جوهرياً لتطوير القنبلة الذرية. (لأن النيوترونات لا تمتلك شحنة، فإن الحقول الكهربائية التي في قلب الذرة لا تصدّها وهكذا يمكن أن تطلق كطوربيدات صغيرة إلى نواة ذرية، مطلقة العملية التدميرية المعروفة باسم الانشطار). وقالوا: إنه لو تم عزل النيوترون في العشرينيات، «لكانت القنبلة الذرية قد طوّرت أولاً في أوروبة، على يد الألمان دون شك».

وكما حدث، حاول الأوروبيون جاهدين فهم السلوك الغريب للإلكترون. وكانت المشكلة الرئيسة التي واجهوها هي: إن الإلكترون كان يتصرف أحياناً مثل جزيء وأحياناً مثل موجة. دفعت هذه الثنائية المنافية للعقل علماء الفيزياء إلى الجنون تقريباً. وفي العقد اللاحق، وفي أنحاء أوروبة كلها، فكروا بجنون، وكتبوا، وقدموا فرضيات متنافسة. ففي فرنسة، اكتشف الأمير لويس فكتور دي بروغلي Louis Victor de Broglie -سليل أسرة من الدوقات- أن بعض الشذوذات في سلوك الإلكترونات تختفي حين ينظر إليها المرء بوصفها موجات. أثارت هذه الملاحظة انتباه النمساوي إرفن شرودنغر Erwin Schrodinger، الذي قام ببعض عمليات الصقل الرائعة وابتكر منهجاً ملائماً يدعى الميكانيكا الموجية. وفي الوقت نفسه تقريباً، ابتكر عالم الفيزياء الألماني فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg نظرية منافسة تدعى matrix mechanics. كانت معقدة منهجيا، بحيث لم يستطع فهمها أي شخص، حتى هايزنبرغ نفسه (لا أعرف حتى ما هي matrix)، هذا ما قاله هايزنبرغ يائساً لصديق)، ولكن بدا كأنها تحل مشكلات معينة فشلت في شرحها موجات شرودنغر.
كانت النتيجة أن الفيزياء اشتملت على نظريتين، تستندان إلى فرضيتين متصارعتين، أنتجتا النتيجة نفسها. كان موقفاً محيراً.
وأخيراً في عام 1922، وصل هايزنبرغ إلى التسوية المحتفى بها، منتجاً نظاماً جديداً عُرف باسم ميكانيكا الكم. في قلبها كان هناك مبدأ هايزنبرغ الذي يُدعى مبدأ اللايقين، الذي يقرأن الإلكترون جزيء ولكنه جزيء يمكن أن يوصف من زاوية الموجات. إن اللايقين الذي بُنيت حوله النظرية هو أننا نستطيع معرفة الممر الذي يسلكه إلكترون وهو يتحرك عبر فضاء، أو نستطيع أن نعرف أين هو في لحظة مفترضة، ولكننا لا نستطيع معرفة كليهما (*). إن أي محاولة لقياس واحد
(*) هناك قليل من عدم اليقين حيال استخدام كلمة الشك بخصوص مبدأ هايزنبرغ. فقد قال مايكل فرايان – في مقدمة لاحقة لمسرحيته كوبنهاجن –: إن عدة كلمات في الألمانية استخدمت من قبل المترجمين، ولكنهم لم يعثروا على كلمة تعادل كلمة عدم اليقين. ويقترح فرايان أن اللا تحديدية ستكون كلمة أفضل للمبدأ. أما هايزنبرغ، فقد استخدم كلمة عدم اليقين.

ستزعج الآخر بشكل لا يمكن تجنبه. ليست هذه مسألة الحاجة إلى أدوات أكثر دقة؛ إنها صفة ثابتة للكون.
ما يعنيه هذا عملياً هو أنك لا تستطيع أن تتنبأ أبداً أين سيكون الإلكترون في أي لحظة مفترضة. تستطيع أن تسجل احتمال كونه هناك فحسب. بمعنى ما -وكما عبّر دينس أوفر بأي عن الأمر – إن الإلكترون لا يوجد إلى أن يرصد. أو إذا عبّرنا عن الأمر بنحو مختلف قليلاً، إن الإلكترون يجب أن يُعدّ على أنه «في كل مكان وليس في أي مكان»، إلى أن يرصد.
إذا بدا هذا مشوّشاً، يمكن أن تريحكم قليلاً معرفة أنه كان مشوشاً لعلماء الفيزياء، أيضاً. وقال أوفرباي: «قال بوهر مرة: إن الشخص الذي لا يغضب لدى سماعه للمرة الأولى بنظرية الكم فهو لم يفهم ما قيل». وحين سُئل هايزنبرغ كيف يمكن أن يتصور المرء ذرة، أجاب: «لا تحاول».
وهكذا تبين أن الذرة مختلفة عن الصورة التي كانت سائدة لدى معظم البشر. فالإلكترون لا يحلق حول النواة كما يدور كوكب حول الشمس، ولكن بدلاً من ذلك يأخذ الشكل غير المحدد لغيمة. إن «صدفة» الذرة ليست علبة صلبة مشعة -كما تشجعنا الرسوم أحياناً على الافتراض- وإنما الجزء الأقصى من هذه السحب الإلكترونية غير الواضحة. إن الغيمة نفسها هي جوهرياً منطقة من الاحتمالية الإحصائية فكما حساب، تحدّد المنطقة التي وراءها يضل الإلكترون في أحيان نادرة جداً. هكذا، إن الذرة –إذا استطعتم رؤيتها– تبدو ككرة تنس غامضة جداً أكثر مما تبدو ككرة معدنية حادّة الحواف (ولكنها لا تشبه أياً منهما كثيراً، أو - في الواقع - لا تشبه أي شيء سبق ورأيتموه، فنحن -في النهاية- نتعامل هنا مع عالم مختلف جداً عن الذي نراه حولنا).
يبدو كأنه لا يوجد نهاية للغرابة. للمرة الأولى – كما عبر جيمس تريفيل عن الأمر – واجه العلماء «منطقة في الكون ليست أدمغتنا مجهزة لفهمها». أو، كما عبر فينمان: «إن الأشياء على ميزان صغير تتصرف بشكل مختلف عن الأشياء على ميزان كبير. وكلما غاص علماء الفيزياء إلى أعمق، أدركوا أنهم يكتشفون

عالماً لا تستطيع فيه الإلكترونات أن تقفز من مدار إلى آخر دون أن تسافر عبر أي فضاء فاصل فحسب، بل حيث تستطيع المادة أيضاً أن تقفز إلى الوجود من العدم تماماً، «مفترضين» – بكلمات آلن لا يتمان في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا وأنها تختفي تماماً بسرعة كافية».
ربما ما هو أكثر سحراً في اللا احتماليات الكوانتية هو الفكرة، التي نشأت من مبدأ العزل الذي وضعه ولفانغ بولي في 1925، الذي يقول: إن أزواجاً معينة من الجزيئات الذوذرية، حتى حين تفصل بالمسافات الأكثر اعتباراً، يستطيع كل منها أن ويعرفه على الفور ما الذي يفعله الآخر. تمتلك الجزيئات صفة تعرف باسم الدوران، وبحسب النظرية الكمية، في اللحظة التي تحدد فيها دوران جزيء ، فإن شقيقه -مهما كان بعيداً- سيبدأ على الفور بالدوران في الجهة المعاكسة وبالسرعة نفسها.
يبدو الأمر، كما عبر الكاتب العلمي لورنس جوزف – «كأنه لديك كرتا بليارد، واحدة في أوهايو والأخرى في فيجي، وأنه في اللحظة التي تضرب فيها واحدة وتجعلها تدور فإن الأخرى ستدور على الفور في اتجاه معاكس بالسرعة نفسها تماماً.. وعلى نحو لافت للنظر، برهنت الظاهرة في 1997 حين أرسل علماء الفيزياء في جامعة جنيف الفوتونات سبعة أميال في جهة معاكسة، وبينوا أن التدخل في واحد أثار استجابة فورية في آخر.
وصلت الأمور إلى درجة أنه في أحد المؤتمرات قال بوهر عن النظرية الجديدة:
إن المسألة ليست إن كانت جنونية، وإنما إن كانت مجنونة بما يكفي. ولإيضاح الطبيعية غير الحدسية للعالم الكوانتي، قام شرودنغر بتجربة نظرية مشهورة توضع بمقتضاها قطة افتراضية في علبة، مع ذرة واحدة من مادة إشعاعية مربوطة بقارورة من حمض الهايدروسيانيك. إذا انحلّت الذرة في غضون ساعة، فإنها ستطلق آلية ستكسر القارورة وتسمم القطة. إذا لم تنحل، فستعيش القطة. ولكننا لا نستطيع أن نعرف أي حالة ستسود، وهكذا لم يكن هنالك خيار، (علمياً)

سوى أن نعدّ القطة 100% حية و100% ميتة في الوقت نفسه. هذا يعنى، كما قال ستيفن هوكينغ بلمسة من الإثارة القابلة للفهم: «إن المرء لا يستطيع التنبؤ بالحوادث المستقبلية بدقة إذا كان لا يستطيع قياس الحالة الحاضرة للكون بدقة!).

الفصل العاشر
التخلص من الرصاص
في أواخر الأربعينيات، كان طابب متخرج من جامعة شيكاغو يدعى كلير باترسون الذي كان -على الرغم من الاسم الأول - فتى مزرعة في آيوا يستخدم منهجاً جديداً، وهو قياس نظير الرصاص للحصول على عمر محدد للأرض. لسوء الحظ، كانت جميع عيناته الصخرية ملوثة جداً. كان معظمها يحتوي على كمية من الرصاص أكبر بـ 200 مرة من مستويات الرصاص المتوقعة عادة. ستمر أعوام كثيرة قبل أن يدرك باترسون أن سبب هذا هو مخترع من أوهايو مثير للأسى يدعى توماس ميد جلي، الابن.
كان ميدجلي مهندساً مدرباً وما من شك أن العالم كان سيظل أكثر أماناً لو بقي هكذا. بدلاً من ذلك، طور اهتماماً في التطبيقات الصناعية للكيمياء. وفي 1921، وبينما كان يعمل لدى شركات جنرال موتورز للأبحاث في دايتون بأوهايو، استقصى مركباً يدعى رباعي أثيل الرصاص (الذي يُدعى أيضاً بنحو مشوش ليد أثيل)، واكتشف أنه خفض بنحو كبير الوضع الاهتزازي الذي يعرف بخبط الآلة.
وبالرغم من أنه من المعروف على نحو واسع بأن الرصاص سام، إلا أنه كان موجوداً في كل المنتجات الاستهلاكية في الأعوام الأولى للقرن العشرين. فقد جاء الطعام في علب مختومة بلحام رصاصي. وكان الماء يُخزن في الغالب في حاويات مخططة بالرصاص. وكان زرنيخ الرصاص يرش على الفواكه على أنه مبيدات. وكان الرصاص أيضاً جزءاً من مركب معجون الأسنان. نادراً ما كان هناك منتج لم يدخل قليل من الرصاص إلى حياة المستهلكين. على أي حال، لا شيء منحه حميمية أكبر أو أكثر استمراراً من إضافته إلى وقود المحرك.
إن الرصاص هو السُمِّين العصبي (*). إذا استنشقت كمية كبيرة منه فإنه يُعطـب الدماغ والجهاز العصبي المركزي. ومن بين الاعراض الكثيرة الناجمة
(*) مادة بروتينية سامة تواهر نشاط الجهاز العصبي. المترجم.

عن التعرض المفرط له فقدان البصر والطرش والسرطان والشلل الارتجالية والتشنجات. وينتج في شكله الأكثر مكراً هلوسات متقطعة ومروعة، ومزعجة للضحايا وللمشاهدين على حد سواء، تؤدي في النهاية إلى الكوما والوفاة. وفي الحقيقة لستم بحاجة إلى إدخال كثير من الرصاص في جهازكم.
من ناحية أخرى، من السهل استخراج الرصاص والعمل عليه، وهو مربح على مستوى الإنتاج الصناعي. فقد أوقف رباعي أثيل الرصاص المحركات عن الخبط. وهكذا في 1923 قامت ثلاث من أكبر شركات أمريكة وهي جنرال موتورز ودوبونت وستراند أويل من نيوجرسي بإطلاق مشروع مشترك دعي شركة غاز الأثيل (اختصر فيما بعد إلى شركة الأثيل) من أجل صناعة ما يريد العالم شراءه من رباعي أثيل: الرصاص، وبرهن أن هذا كمية كبيرة. دعمت الشركات مادتها المضافة باسم الأثيل لأنه بدا أكثر وداً وأقل سمية من «الرصاص، وأدخلتها إلى الاستهلاك العام (بطرق لا يعرفها معظم الناس) في 1 شباط 1923.
حين بدأ العمال الذين ينتجون المادة يترنحون في سيرهم وتبدو عليهم علامات الاضطراب التي تشير إلى التسمم، اتبعت شركة الأثيل سياسة من الإنكار الهادئ وغير المستسلم خدمتها جيداً لعقود. وكما تقول شارون بيرتش مجرين في كتابها الذي يؤرخ بشكل جيد للكيمياء الصناعية، البرومثيوسيون في المخابر، حين بدت علامات الاضطراب على العمال في المصنع، أخبر ناطق الصحفيين بلطف: «ربما فقد هؤلاء الرجال عقولهم؛ لأنهم عملوا بكدّ كبير. توفي على الأقل خمسة عشر عاملاً في الأيام الأولى من إنتاج البنزين المرصّص، وصارت أعداد غير معلنة من العمال مريضة؛ لأن الشركة استطاعت أن تمنع في معظم الأحيان تسرب الأنباء المربكة عن حالات الوفاة والتسمم. وكان منع نشر الأنباء مستحيلا أحياناً كما حدث في 1924 – ففي غضون أيام – توفي خمسة من عمال الإنتاج وفقد ثلاثون آخرون عقولهم، وعُزلوا في مشفى ذي تهوية سيئة. حين انتشرت الشائعات عن أخطار المنتج الجديد، قرر مخترع الأثيل الشديد الحماسة، توماس ميدجلي أن يقدم شرحاً للصحفيين؛ كي يخفف من قلقهم.

وبينما كان يتحدث عن التزام الشركة بالأمان، سكب رباعي أثيل الرصاص على يديه، ثم قرب إناء منه إلى أنفه لمدة ستين ثانية، زاعماً طول الوقت أنه يستطيع أن يكرر هذا يومياً دون أذى. والواقع أن ميدجلي كان يعرف جيداً مخاطر الرصاص السميّة: فقد أصيب بمرض خطر ناجم عن التعرض له قبل بضعة أشهر، ومنذ ذلك الوقت لم يقترب أبداً من المادة إلا كي يتحدث عنها للصحفيين في هذه المناسبة.
متحمساً من نجاح البنزين المرصّص، التفت ميدجلي الآن إلى مشكلة تكنولوجية أخرى خاصة بالعصر. كانت البرادات في العشرينيات خطرة بشكل مرعب؛ لأنها كانت تستخدم غازات غادرة وقاتلة كانت تتسرب منها أحياناً. فقد حدث تسرب من براد في مستشفى بأوهايو، عام 1929، أدى إلى مقتل أكثر من مئة شخص. فانطلق ميدجلي كي ينشئ غازاً مستقراً، وغير قابل للاشتعال، وغير مزعج ومن الأمن استنشاقه. كان يمتلك ميلاً إلى الأمور المؤذية، واخترع كربون الكلوروفلور chlorofluorocarbons أو CFCs. ولسوء الحظ نادراً ما كان هنالك منتج صناعي تم تبنيه بهذه السرعة. ودخل هذا الكربون الإنتاج في بداية الثلاثينيات، وعثر على ألف استخدام في كل شيء من مكيفات السيارات إلى مزيلات التعرق قبل أن يتم الانتباه إليه، بعد نصف قرن – بأنه كان يقضي على الأوزون في الستراتوسفير. وكما سترى، لم يكن هذا شيئاً جيداً.
إن الأوزون هو نوع من الأوكسجين يحمل فيه كل جزيء ثلاث ذرات من الأوكسجين بدلاً من الاثنتين العاديتين. إنه يشكل غرابة كيماوية في أنه على مستوى الأرض يعدّ ملوثاً، بينما في الأعلى سيفي الستراتوسفير- يعدّ مفيداً بما أنه يمتص الأشعة ما وراء البنفسجية الخطرة. ولكن الأوزون المفيد ليس وافراً. فإذا ما تم إزعاجه بشكل مستمر في الستراتوسفير، فإنه سيشكل طبقة بسماكة 2 ميليمتر أو ما يقارب ذلك. لهذا السبب يتم إزعاجه بسهولة.
إن كربون الكلوروفلور chlorofluorocarbons غير متوافر بكثرة، وهو لا يشكل إلا جزءاً واحداً من كل بليون من الغلاف الجوي ككل، ولكنه مدمر بشكل كبير.

إن كيلوغراماً منه يمكن أن يقضي على سبعين ألف كيلوغرام من أوزون الغلاف الجوي. ويبقى وقتاً طويلاً نحو قرن مخرّباً. إنه إسفنجات حرارية كبيرة. إن جزيئاً واحداً منه أكثر فاعلية بعشرة آلاف مرة من جزيء من ثاني أكسيد الكربون في مفاقمة أثر المخضرة الدفينة (*). أما ثاني أكسيد الكربون فليس كسولاً بوصفه غاز مخضرة. باختصار إن كربون الكلوروفلور chlorofluorocarbons أسوأ اختراع في القرن العشرين.
لم يعرف ميدجلي هذا أبداً؛ لأنه توفي قبل وقت طويل من إدراك أي شخص كم هذا الكربون مدمّر. وكان موته حادثة غير عادية لا تنسى. بعد أن أصيب بالشلل (البوليو)، اخترع ميدجلي أداة غريبة تشتمل على سلسلة من البكرات ذات المحركات التي تجعله ينهض أو يتقلب آلياً في الفراش. وفي 1944 علق في الحبال حين تم تشغيل الآلة وخُنق.
* * *
إذا كنتم مهتمين بمعرفة أعمار الأشياء، فإن جامعة شيكاغو كانت المكان الأمثل لذلك في الأربعينيات. كان ويلارد ليبي يبتكر تقنية التأريخ بالكربون (**)، التي ساعدت العلماء على القيام بقراءة صحيحة لعمر العظام وبقايا عضوية أخرى، وكان هذا شيئاً لم يكونوا قادرين على فعله من قبل. وحتى هذا الوقت، كانت التواريخ الموثوقة لا تعود إلى الوراء إلى أكثر من السلالة الأولى في مصر نحو 3000 قبل الميلاد. لم يستطع أحد أن يقول بثقة، (مثلاً) متى تراجعت أكسية الجليد أو في أي وقت في الماضي زين الكرومنيون كهوف لاسكو في فرنسة.
(*) أثر غلاف الأرض الجوية الاحتفاظ بحرارة الشمس، وقد أطلق عليه هذا الاسم تشبيهاً له بمفعول المخضرة أو الدفيئة في النباتات. المترجم.
(**) تحديد أعمار المواد العتيقة، وخصوصاً العينات الآثارية التي ترقى إلى ما قبل التاريخ، وذلك من طريق قياس النشاط الإشعاعي الذي يبديه الكربون 14 المتضمنة تلك المواد. المترجم.

كانت فكرة ليبي مفيدة، بحيث منح جائزة نوبل من أجلها في 1960. وتقول: إن جميع الأشياء الحية تحتوي في داخلها على نظير كربوني يدعى كربون 14 (*)، الذي يبدأ بالتآكل في نسبة قابلة للقياس لحظة موته. يمتلك الكربون 14 نصف حياة، أي الوقت الذي يستغرقه نصف أي عينة كي يختفي تبلغ نحو5.600 سنة، وهكذا عبر استنتاج كمية التآكل في عينة مفترضة من الكربون استطاع ليبي أن يصل إلى فكرة جيدة حول عمر الشيء، بالرغم من أنه إلى حد ما فحسب. فبعد ثمانية أنصاف حياة، لا يبقى إلا 0.39 من الكربون الإشعاعي الأصلي، وهذا قليل جداً للقيام بقياس موثوق، وهكذا فإن الكربون الإشعاعي يؤرخ فقط أشياء يصل عمرها إلى أربعين ألف عام أو ما يقارب ذلك.
ما أثار الشكوك هو أنه فيما كانت التقنية تنتشر على نطاق واسع، ظهرت فيها عيوب جلية. فقد اكتُشف أن أحد المكونات الأساسية لصيغة ليبي: المعروف باسم ثابت التآكل، كان مخطئاً بنحو 3%على أي حال، كانت قد تمت آلاف القياسات في أنحاء العالم. وبدلاً من إعادة تحديد كل واحدة، قرر العلماء الحفاظ على الثابت غير الصحيح. وقال تيم فلانيري: «هكذا، إن كل تأريخ إشعاعي خام تقرؤه اليوم قدّم على أنه أقل بنحو 3%. لم تتوقف المشكلات هنا. فقد اكتُشف بسرعة أيضاً أن عيًنات الكربون 14 يمكن أن تُلوّث بالكربون من مصادر أخرى: قطعة من الخضراوات، مثلاً، جُمعت مع العينة ولم يلاحظ وجودها. ومن العينات الأصغر تلك التي تحت العشرين ألف سنة أو ما يقارب ذلك، لا يهم التلوث قليلاً في غالب الأحيان، ولكنه يمكن أن يكون مشكلة جدية للعينات الأكبر سناً؛ لأن قلة من الذرات الباقية تحسب. في المثال الأول، إذا استعرنا كلام فلانيري، إن الأمر على غرار الخطأ في دولار في أثناء عد ألف: وفي المثال الثاني إنه أكثر من خطأ في دولار حين يكون لديك فقط دولاران كي تعدهما.
(*) نظير للكربون ثقيل، إشعاعي النشاط، رقمه الكتلي 14، يستخدم في تحديد الأعمار العتيقة. المترجم.

استند منهج ليبي أيضاً إلى افتراض أن كمية الكربون 14 في الغلاف الجوي،
والسرعة التي تمتصه بها الأشياء الحية، كانت متواصلة في أثناء التاريخ. والواقع أنها لم تكن كذلك. ونعرف الآن أن كمية الكربون 14 في الغلاف الجوي تتنوع بحسب إذا كانت مغناطيسية الأرض تحرف جيداً أم لا الأشعة الكونية، وأنها يمكن أن تتنوع بشكل مهم مع مرور الوقت. هذا يعني أن بعض تواريخ الكربون هي أكثر التباساً من الأخرى. وبين الأكثر التباساً هي تواريخ عن الوقت الذي جاء فيه الناس في البداية إلى الأمريكيتين، وهذا أحد أسباب بقاء المسألة قيد الجدل بنحو دائم.
أخيراً – وربما بنحو غير متوقع قليلاً- يمكن أن تخطئ القراءات بسبب عوامل خارجية تبدو غير ذات صلة، مثل حميات أولئك الذين اختبرت عظامهم. وشملت حالة أخيرة الجدل الذي استمر طويلاً حول إن كان السفلس نشأ في العالم القديم أم في الجديد. فقد اكتشف علماء الآثار في (هل) أن الرهبان في مقبرة أبرشية عانوا من السفلس، ولكن الاستنتاج الأولي بأن الرهبان قد عانوا من ذلك قبل رحلة كولمبوس شكك به عبر إدراك أنهم أكلوا كثيراً من الأسماك، مما يجعل عظامهم تبدو أكبر سناً مما هي عليه في واقع الأمر. يمكن أن يكون الرهبان قد أصيبوا بالسفلس، غير أنه لم يعرف كيف انتقل.
وبسبب العيوب المتراكمة للكربون 14، اخترع العلماء طرقاً أخرى في تأريخ المواد العتيقة، وبينها التألق الحراري، الذي يقيس الإلكترونات العالقة في الطين، والرنين الدوراني للإلكترون، والذي يشمل قصف عينة بموجات كهرومغناطيسية وقياس اهتزازات الإلكترونات. ولكن لم يستطع حتى أفضل هذه الطرق أن يحدد عمر أي شيء أكبر من مئتي ألف عام، ولم يستطيع تأريخ المواد غير العضوية كالصخور مطلقاً، وهذا بالطبع ما تحتاجون إليه إذا كنتم راغبين بتحديد عمر كوكبكم.
وبسبب هذا النوع من مشكلات تحديد عمر الصخور تخلى الجميع في أنحاء
العالم كلها عن هذه الطرق. ولولا استاذ إنكليزي مصمم يدعى ارثر هولمز، لنسي الأمر تماماً.

كان هولمز بطلاً في تجاوزه للعقبات كما في النتائج التي حققها. وفي العشرينيات، حين كان في أوج عمله، انزلقت الجيولوجيا خارج الموضة وتراجع تمويلها كثيراً ولا سيما في بريطانية – مسقط رأسها الروحي. وكان هولمز قسم الجيولوجيا برمته في جامعة دور مهم لسنوات كثيرة. وكان غالباً ما يضطر إلى استعارة أو جمع الأجهزة سوية؛ كي يقوم بتأريخه الإشعاعي للصخور. وفي نقطة ما، تم تأجيل حساباته لمدة سنة وهو ينتظر الجامعة كي تزوده بآلة جمع بسيطة. وبين الفينة والأخرى، كان عليه الخروج من الحياة الأكاديمية من أجل أن يكسب ما يكفي؛ كي يعيل أسرته. أدار حانوتاً للتحف في نيوكاسل بعيداً عن تاين، ومرة لم يكن بوسعه تأمين خمسة جنيهات وهي أجر العضوية السنوي في الجمعية الجيولوجية.
كانت التقنية التي استخدمها هولمز في عمله صحيحة نظرياً ونشأت مباشرة من عملية رصدها في البداية إرنست رزرفورد عام 1904 التي تقول: إن بعض الذرات في عنصر ما تنحل في عنصر آخر بسرعة قابلة للتنبؤ تمكن من استخدامها على أنها ساعات. إذا عرفتم كم يستغرق البوتاسيوم 40 كي يصبح أرغون 40، وقستم كميات كل منهما في عينة، تستطيعون استنتاج عمر المادة. كان إسهام هولمز هو حساب عمر الصخور، وهكذا كما كان يأمل عمر الأرض.
ولكن كان هنالك كثير من الصعوبات التقنية التي ينبغي التغلب عليها. وكان هولمز يحتاج أيضاً، أو ربما على الأقل كان واعياً جداً لذلك إلى آلات ميكانيكية معقدة من نوع يمكنه من القيام بقياسات رائعة لعينات بالغة الصغر، وكما رأينا، كان كل ما استطاع فعله هو الحصول على آلة جمع بسيطة. وهكذا كان الأمر إنجازاً حين كان قادراً في 1946 على الإعلان ببعض الثقة أن عمر الأرض هو على الأقل ثلاثة بلايين عام وربما أكثر. ولسوء الحظ، واجه عائقاً آخر لا يُقهر في وجه القبول: النزعة المحافظة لدى زملائه العلماء. فبالرغم من أنهم مدحوا منهجيته، أكد كثيرون أنه لم يكتشف عمر الأرض، وإنما عمر المواد التي شكلت منها الأرض.

في هذا الوقت تماماً طوّر هاريسون براون من جامعة شيكاغو منهجاً جديداً في إحصاء نظائر الرصاص في الصخور البركانية (أي تلك التي نشأت من خلال التسخين، بوصفها نقيضاً لتلك الرسوبية). وحين أدرك أن العمل سيكون مملاً جداً أوكله إلى الشاب كلير باترسون: ليكون مشروعاً للدكتوراه. ومن المعروف أنه وعد باترسون بأن تحديد عمر الأرض بمنهجه الجديد سيكون «سهلاً». والواقع أنه سيستغرق سنوات.
بدأ باترسون العمل على المشروع في 1948. وبالمقارنة مع إسهامات توماس ميدجلي المتنوعة في مسيرة التقدم، شعر أن اكتشاف باترسون لعمر الأرض خطر. عمل لمدة سبع سنوات، أولاً في جامعة شيكاغو ثم في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا (التي انتقل إليها في 1952)، وعمل في مختبر معقم، قائماً بقياسات دقيقة لنسب الرصاص واليورانيوم في عينات منتقاة بعناية من الصخور القديمة.
كانت المشكلة التي تواجه قياس عمر الأرض أنك تحتاج إلى صخور قديمة جداً تحتوي على كريستال يحمل الرصاص واليورانيوم وقديمة كالكوكب نفسه، وأي شيء أصغر بكثير سيمنحك تواريخ صغيرة مضللة. ولكن الصخور القديمة لا يعثر عليها إلا نادراً. وفي أواخر الأربعينيات لم يفهم أحد سبب هذا. والواقع أننا سندخل في عصر الفضاء قبل أن يتمكن أحد من أن يفسر بشكل مقنع أين ذهبت صخور الأرض القديمة. (كانت الإجابة هي الألواح التكتونية، التي سنصل إليها بالطبع). في غضون ذلك، ترك باترسون: كي يقوم بالتجارب ويفهم الأمور بمواد محدودة جداً. في النهاية -وبشكل بارع – خطر له أنه يستطيع أن يتحايل على نقص الصخور باستخدام صخور من كواكب أخرى. لجأ إلى الأحجار النيزكية.
كان الافتراض الذي قام به وهو افتراض عظيم، وتبين أنه صحيح هو أن كثيراً
من الأحجار النيزكية هي بالأصل بقايا مواد بناء من الأيام الأولى للمنظومة
الشمسية، وهكذا نجحت في حفظ كيمياء داخلية بدائية تقريباً. فإذا ما قيس عمر هذه الأحجار المتجولة فإننا سنحصل على عمر الأرض.

غير أن الوصف المبهج شيء، وواقع الأمور شيء آخر. ذلك أن الأحجار النيزكية ليست وافرة والعينات النيزكية ليس من السهل الحصول عليها. فضلاً عن ذلك، برهنت طريقة باترسون في القياس أنها صعبة وتحتاج إلى كثير من الصقل. وقبل كل شيء، كان هناك مشكلة أن عينات باترسون كانت تلوث باستمرار وبشكل غير قابل للتفسير بجرعات كبيرة من رصاص الغلاف الجوي كلما تعرضت للهواء. هذا ما قاده في النهاية إلى إنشاء مخبر معقم، وكان هذا أول مخبر من نوعه في العالم، بحسب إحدى الروايات.
استغرق الأمر بالنسبة لباترسون سبع سنوات من العمل الصبور للعثور على عينات مناسبة، وقياسها من أجل الاختبار الأخير. وفي ربيع 1953 أخذ عيناته إلى مختبر أرغون القومي في إلينيوي، حيث مُنح الوقت لاستخدام آلة مطياف الكتلة الحديثة؛ وهي آلة قادرة على كشف وقياس الكميات القليلة جداً من اليورانيوم والرصاص الموجودة في الكريستال القديم. حين حصل أخيراً على نتائجه، كان باترسون مثاراً جداً، بحيث قاد السيارة مباشرة إلى منزل طفولته في أيوا، وجعل أمه تأخذه إلى مستشفى؛ لأنه اعتقد أنه يتعرض لنوبة قلبية.
بعد ذلك حالأ– وفي اجتماع في وسكنسون – أعلن باترسون عمراً محدداً للأرض هو 4,550 مليون سنة (زائد أو ناقص 70 مليون عام) «وظل هذا الرقم دون تغيير لمدة 50 عاماً، كما قال مجرين بإعجاب. بعد مئتي عام من المحاولات، صار للأرض عمر أخيراً.
ركز باترسون انتباهه على مسألة الرصاص في الغلاف الجوي. وذهل حين اكتشف أن قليلاً من المعروف عن تأثيرات الرصاص في البشر كان مغلوطاً أو مضللاً. لم يكن الأمر مفاجئاً، بما أن صناع مواد الرصاص المضافة هم الذين قدموا التمويل لجميع دراسات تأثير الرصاص طيلة أربعين عاماً.
وفي إحدى هذه الدراسات، وضع طبيب غير مختص في الأمراض الناجمة عن المواد الكيماوية برنامجاً مدته خمس سنوات طلب فيه من المتطوعين أن

يستنشقوا أو يبتلعوا الرصاص في كميات كبيرة. ولسوء الحظ، لم يطرح الرصاص مع الفضلات، وإنما كان يتراكم في العظام والدم، وهذا ما يجعله خطراً، غير أن الطبيب لم يعرف ذلك على ما يبدو، ولم يتم اختبار العظم والدم. بالنتيجة، برئ
الرصاص من التأثيرات الخطرة.
الرصاص لا يتلاشى وأن نحو90% منه يأتي من عوادم السيارات؛ ولكنه لم يستطع إثبات ذلك. ما كان يحتاج إليه هو طريقة لمقارنة مستويات الرصاص في الجوالآن مع المستويات التي كانت موجودة قبل 1923، حين بدأ رباعي أثيل الرصاص ينتج
تجارياً. وخطر له أن العينات الجوفية للجليد يمكن أن تقدم الإجابة.
كان من المعروف أن سقوط الثلج في أمكنة مثل غرينلندا يتراكم في طبقات سنوية منفصلة (لأن اختلافات درجات الحرارة الموسمية يحدث تغيرات ضئيلة
في اللون من الشتاء إلى الصيف). وعبر إحصاء هذه الطبقات وقياس كمية
الرصاص في كل منها، يستطيع استنتاج تركز الرصاص في الغلاف الجوي للعالم في أي وقت لمئات أو حتى آلاف السنوات. وصارت الفكرة هي الأساس في دراسات
عينات الجليد الجوفية، التي يستند إليها كثير من العمل المناخي الحديث.
ما اكتشفه باترسون هو أنه قبل 1923 لم يكن هناك رصاص في الجو، وأنه
منذ ذلك الوقت ارتفعت مستويات الرصاص بنحو ثابت وخطر. فكرس حياته للنضال من أجل تخليص البترول من الرصاص. ومن أجل هذه الغاية، صار ناقداً متواصلاً وصريحاً لصناعة الرصاص ومصالحها.
كانت هذه حملة رهيبة. كانت إيثيل شركة عالمية قوية لها أصدقاء كثيرون في مواقع السلطة. (كان بين مديريها قاضي المحكمة العليا لويس باول وجيلبرت جروسفينور من الجمعية الجغرافية الوطنية). وفجأة اكتشف باترسون أن
تمويل البحث سحب أو صار من الصعب الحصول عليه. وألفت مؤسسة البترول

الأميركية عقد بحث معه، كما فعلت خدمة الصحة العامة الأميركية، وهي كما يُفترض هيئة حكومية محايدة.
وبعد أن صار باترسون عبئاً قانونياً على مؤسسته، تم الضغط على أوصياء كالتيك بنحو متكرر من قبل مسؤولي صناعة الرصاص؛ كي يخرسوه أو يفصلوه. وبحسب جامي لنكولن كتمان، الذي كتب في مجلة نيشن، (يقال: إن مسؤولي شركة إيثيل عرضوا تمويل كرسي في كالتيك «إذا كف باترسون عن إثارة الموضوع»). كانوا من السخف بحيث إنهم أبعدوه عن ندوة لمجلس البحث القومي مخصصة لبحث أخطار تسميم الرصاص للجو، بالرغم من أنه كان آنذاك -ودون شك –
ابرز خبير اميركي في رصاص الغلاف الجوي.
لم يتراجع باترسون قيد أنملة وهذا ما منحه جدارة كبرى. وفي النهاية قادت
جهوده إلى إدخال قانون نظافة الهواء في 1970، وإلى إزالة كل البنزين المرصص من البيع في الولايات المتحدة في 1986. وتقريباً على الفور انخفضت مستويات الرصاص في دم الأميركيين بنسبة 80%. ونظراً لأن الرصاص يستمر إلى الأبد، فإن الأميركيين الذين يعيشون اليوم يحتوي كل واحد منهم على الرصاص أكثر بـ 625 مرة من الأشخاص الذين عاشوا قبل قرن. غير أن كمية الرصاص في الجوّ تواصل نموها – بشكل قانوني - بنحو مئة ألف طن في السنة، ومعظمه من التعدين وصهر المعادن والأنشطة الصناعية. منعت الولايات المتحدة أيضاً الرصاص في الدهان الداخلي للمنازل، «بعد 44 سنة من منعه في أوروبة كلها»، كما قال مجرين. ومن اللافت، أنه بالرغم من سميته المذهلة، لم يزل لحام الرصاص من علب الطعام الأميركية حتى عام 1993.
أما شركة إيثيل، فإن قوتها لا تزال تنموبالرغم من أن جي إم وستاندارد أويل ودوبونت لم تعد تملك أسهماً في الشركة. (باعوا لشركة تدعى ألبرمارل بيبر في 1962). وبحسب مجرين، في نهاية شباط 2001 واصلت إيثيل القول: «إن البحث فشل في إظهار أن البنزين المرصص يشكل تهديداً للصحة البشرية

أو البيئة». وعلى موقعها على الإنترنت، لا يذكر تاريخ الشركة الرصاص أو حتى توماسس ميدجلي، وإنما يشير ببساطة إلى المنتج الأصلي على أنه يحتوي «مزيجاً معيناً من المواد الكيماوية).
لم تعد شركة إيثيل تصنع البنزين المرصص، بالرغم من أنه وبحسب تقاريرها لعام 2001، حقق رباعي رصاص الأثيل (أوتي إي إل كما تدعوه) 25.1 مليون دولار من المبيعات في 2000 (من بين إجمالي 795 مليون)، وقد زاد المبلغ عن 24.1 مليون دولار في 1999، ولكنه كان أدنى من 117 مليون دولار في 1998. وقالت الشركة في تقريرها: إنها عازمة على «أن تزيد إلى الحد الأعلى النقد الناجم عن رباعي أثيل الرصاص بما أن استخدامه ينخفض في أنحاء العالم). تسوّق إيثيل هذه المادة في أنحاء العالم جميعها من خلال اتفاق مع شركة أسوشييتد أوكتل ليمتد البريطانية .
بالنسبة للبلاء الأخر الذي تركه لنا توماس ميدجلي، كربون الكلوروفلور chlorofluorocarbons ، فإنه حظر في 1974 في الولايات المتحدة، ولكنه شياطين صغيرة وعنيدة وكل ما أطلق منه في الجو (في مزيلات التعرق أو مثبتات الشعر، مثلاً) سيكون موجوداً بالتأكيد، ويقوم بالتهام الأوزون بعد أن أختفي أنا وأنت. والأسوأ من ذلك، ما نزال ندخل كميات ضخمة منه إلى الجو كل عام. إذاً من الذي يصنعه؟ نحن؟ أي كثير من الشركات الضخمة ما تزال تصنعه في مصانعها فيما وراء البحار. ولن يحظر في بلدان العالم الثالث حتى 2010.
توفي كليرباترسون في 1995. لم يحصل على جائزة نوبل من أجل عمله. ولم
يحصل علماء الجيولوجيا أبداً على الجائزة. ومن الغريب أنه لم يحظ بأي شهرة أو حتى كثير من الانتباه بالرغم من نصف قرن من الإنجاز المتواصل والخالي من الأنانية. ويمكن القول: إنه كان أكثر علماء الجيولوجيا تأثيراً في القرن العشرين.
ومع ذلك من سبق وسمع باسم كلير باترسون؟ فمعظم مقررات الجيولوجيا لا تذكره. ثمة كتابان مشهوران صدرا أخيراً عن تاريخ تحديد عمر الأرض يخطئان

في كتابة اسمه. وفي أوائل 2001، ارتكب أحد مراجعى الكتابين في مجلة نيتشر
خطأ إضافياً مذهلاً حين اعتقد أن باترسون امرأة.
على أي حال، حصلت الأرض أخيراً في 1953 على عمر اتفق الجميع عليه بفضل عمل كلير باترسون. والمشكلة الوحيدة الآن هي أنها أقدم من الكون الذي
يحتويها.

الفصل الحادي عشر
كواركات مستر مارك
في عام 1911 كان عالم بريطاني يدعى س.ت.ر. ولسون يدرس تشكيلات السحب عن طريق الصعود بانتظام إلى قمة (بين نيفس): وهو جبل أسكتلندي مشهور برطوبته، حين خطر له أنه يجب أن تكون هناك طريقة أكثر سهولة. بنى في مختبر كافندش في كمبريدج غرفة اصطناعية للسحب، وهي أداة بسيطة يستطيع فيها أن يبرد الهواء ويرطبه، مبتكراً نموذجاً معقولاًلسحابة في شروط مخبرية.
عملت الأداة بشكل جيد جداً، وكانت لها فائدة أخرى غير متوقعة. حين سرع جزيئاً ألفاوياً عبر الغرفة: كي يعالج السحب المفترضة، ترك أثراً مرئياً، مثل خطوط البخار التي تخلفها طائرة خطية. لقد ابتكر لتوه مكشاف الجسيمات. وقدّم دليلاً مقنعاً أن الجسيمات الدوذرية توجد بالفعل.
أخيراً اخترع عالمان آخران في مختبر كافندشس مكشافاً أكثر قوة لحزمة البروتونات proton-beam، بينما اخترع إرنست لورنس في بيركلي في كاليفورنيا مسرع الجسيمات المشهور، وعرفت الألتان باسم محطمتي الذرة لزمن طويل. عملت كل تلك الآلات الغريبة وما تزال تعمل وفقاً للمبدأ نفسه تقريباً، والهدف هوتسريع البروتون أو جسيم مشحون إلى سرعة عالية جداً على مسار (أحياناً دائرة، وأحياناً بشكل خطي)، ثم صدمه بجسيم آخر ومشاهدة ما يتطاير. لهذا دعيت محطمة الذرة. لم يكن هذا علماً دقيقاً، ولكنه كان فاعلاً عموماً.
حين اخترع علماء الفيزياء آلات أكبر وأكثر طموحاً، بدؤوا يكتشفون أويسلمون بجسيمات أوعائلات جسيمات لا تُحصى على ما يبدو. الميونات والبيونات
والهايبيرونات والميزونات وميزونات لك، وبوزونات هيجز، وبوزونات متوسطة المتّجه، الباريونات والتاكيونات. وبدأ علماء الفيزياء يشعرون بعدم الراحة. ومرة

أجاب إنركيون فيرمي حين سأله طالب عن اسم جسيم معين: «أيها الشاب، لو أستطيع أن أتذكر أسماء هذه الجسيمات، لكنت عالم نبات».
تمتلك المسرعات اليوم أسماء تبدو مثل شيء ما سيستخدمه فلاش جوردون في معركة: سيوبر بروتون ساينكروتون، صادم، بوزترون الإلكترون الكبير، وصادم هادرون الكبير، وصادم الأيون الثقيل الكبير. مستخدمة كميات ضخمة من الطاقة (يعمل بعضها فقط في الليل بحيث إن الأشخاص في البلدات المجاورة ليس عليهم أن يشهدوا بهوت أضوائهم حين يشغل الجهاز)، تستطيع هذه المسرعات أن تولّد الحيوية في الجسيمات بحيث إن إلكتروناً واحداً يمكن أن يقوم بـ 47,000 دورة في نفق طوله 7 كيلومترات في أقل من ثانية. أثيرت المخاوف من أن حماس العلماء يمكن أن يدفعهم كي يخلقوا دون قصد ثقباً أسود، أو حتى شيئاً ما يُدعى «الكواركات الغريبة، التي تستطيع - نظرياً – أن تتفاعل مع جسيمات دوذرية أخرى، وتتوالد بشكل لا يمكن التحكم به. إذا كنتم تقرؤون هذا، فإن هذا الأمر
لم يحدث .
يحتاج العثور على الجسيمات إلى وقت معين من التركيز. فهي ليست صغيرة وسريعة فحسب وإنما سريعة الزوال بشكل كبير أيضاً. تستطيع الجسيمات أن تأتي إلى الوجود وتتلاشى مرة أخرى في أقل من 0.000000000000000000000001 من الثانية ( 24 من الثانية). حتى الأكثر بلادة من الجسيمات غير المستقرة تبقى أكثر من 0.0000001 من الثانية (10"). بعض الجسيمات هي مبهمة بشكل غريب. ففي كل ثانية يزور الأرض عشرة آلاف ترليون ترليون من النيوترونات الصغيرة التي لا كتلة لها (تطلق معظمها الإشعاعات الذرية للشمس)، والواقع أنها كلها تعبر الكوكب وكل ما فيه، بما فيه أنا وأنت، وكأنها لم تكن هناك. لاصطياد بعضها فحسب، يحتاج العلماء إلى صهاريج تتسع لخمسة وسبعين ألف متر مكعب من الماء الثقيل (أي ماء بكمية وافرة نسبياً من الهيدروجين الثقيل فيها) في غرف تحت الأرض (مناجم قديمة، عادة) بحيث لا يتدخل فيها أنواع

أخرى من الإشعاع.
وفي أحيان كثيرة، يصطدم نيوترون عابر بنواة ذرية في الماء وينتج اندفاعاً قليلاً للطاقة. يحصي العلماء الاندفاعات وبهذه الطريقة يقربوننا بنحو ضئيل من فهم السمات الجوهرية للكون. ففي 1998 أفاد راصدون يابانيون أن للنيوترونات كتلة، ولكنها ليست كبيرة: نحو جزء من عشرة بالمليون من كتلة الإلكترون.
يحتاج العثور على الجسيمات في هذه الأيام إلى كثير من النقود. ثمة علاقة عكسية غريبة في الفيزياء الحديثة بين صغر الشيء الذي يبحث عنه ووزن التجهيزات المطلوبة للقيام بالبحث. إن الهيئة الأوروبية للأبحاث النووية هي مثل مدينة صغيرة. وتقع على الحدود بين فرنسة وسويسرة وتستخدم ثلاثة آلاف موظف وتحتل موقعاً يقاس بالمتر المربع. وتتباهى الهيئة بمجموعة من المغنطيسات كل منها أكبر وزناً من برج إيفل، وبنفق تحت الأرض طوله 26 كيلومتراً.
إن تحطيم الذرات سهل كما قال جيمس تريفل: «فأنتم تفعلون ذلك في كل مرة
تشعلون فيها مصباحاً ساطعاً». إن تحطيم نواة ذرية -على أي حال- يقتضي كثيراً من الأموال وتغذية كهربائية كبيرة. أما الهبوط إلى مستوى الكواركات الجسيمات التي تصنع الجسيمات فيتطلب أكثر من ذلك: ترليونات الفولتات من الكهرباء وميزانية ولاية أميركية وسطى صغيرة. إن صادم هادرون الكبير Large Hadron Collider الخاص بالهيئة الأوروبية للأبحاث الذرية، صمم للبدء بالعمليات في 2005، وسينجز 14 ترليون فولت من الطاقة ويكلف بناؤه أكثر من1.5 بليون
دولار*.
ولكن هذه الأرقام لا شيء بالمقارنة مع نفقات وإنجاز الصادم الجبار ذي العمل الجبار Superconducting Supercollider الذي تم البدء بتشييده قرب واكساهاشي بولاية تكساس في الثمانينيات، قبل أن يجرب اصطداماً ضخماً
(*) هناك تأثيرات جانبية عملية لكل هذا الجهد المكلف. إن الشبكة الشاملة للعالم هي فرع من الهيئة الأوروبية للأبحاث الذرية. لقد ابتكرها عالم من الهيئة يدعى تيم بيرنيرزلي، عام 1989 م

خاصاً به مع كونغرس الولايات المتحدة. إن الهدف من الصادم هو جعل العلماء يسبرون (الطبيعة المطلقة للمادة) –كما عبر عن الأمر دوماً- عبر إعادة خلق أوضاع الكون قدر الإمكان في الجزء الأول من عشرة آلاف من البليون من الثانية. وترمي الخطة إلى قذف جسيمات في نفق طوله 84 كيلومتراً من أجل إنجاز99 ترليون فولت من الطاقة الصاعقة. كانت خطة عظيمة، ولكنها تكلف 8 بليونات دولار (وهذا الرقم صعد -2 النهاية إلى 10 بليونات) وتكلف إدارته السنوية مئات
الملايين من الدولارات.
ربما في أروع مثال في التاريخ عن إغداق النقود على ثقب في الأرض أنفق الكونغرس 2 بليون دولار على المشروع، ثم ألغاه في 1993 بعد حفر 22 كيلومتراً من النفق. وهكذا تتباهى تكساس الآن بأغلى نفق في الكون. وقد أخبرني صديقي جيف جوين من فورت ورث ستار تلغرام أن الموقع «هوجوهرياً حقل كبير منظف منقط على طول محيطه بسلسلة من البلدات الصغيرة الخائبة الأمل».
ومنذ انهيار مشروع الصادم الجبار، غض علماء فيزياء الجسيمات بصرهم،
ولكن حتى المشروعات المتواضعة يمكن أن تكون مكلفة جداً بالمقارنة مع أي شيء. إن مرصد نيوترون مقترحاً في منجم هومستيك القديم في ليد، ساوث داكوتا، سيكلف 500 مليون وهذا منجم محفور سابقاً حتى قبل النظر في كلف الإدارة السنوية للنفق، سيكون هناك أيضاً 281 مليون دولار «من كلف التحويل العامة». وتكلف إعادة تجهيز مسرع جسيمات في فيرميلاب في إلينيوي 260 مليون دولار.
إن فيزياء الجسيمات، باختصار، مشروع مكلف جداً ولكنه مثمر. واليوم إن
عدد الجسيمات فوق 150، ويشتبه بوجود نحو 100 من الجسيمات الأخرى، ولكن لسوء الحظ، وكما عبر رتشارد فينمان: «من الصعب جداً أن نفهم علاقات جميع تلك الجسيمات وما الهدف الذي تريدهم الطبيعة من أجله، أو ما هي الصلات بين الواحد والآخر». وكلما نجحنا بفتح علبة، اكتشفنا أن هناك علبة أخرى مقفلة في
داخلها. يعتقد بعضهم ان هناك جسيمات تسمى التيكونات يمكن ان تسافر بسرعة اعلى من سرعة الضوء . يتوق اخرون لاكتشاف الغرافيتون : كمّ حقل الجاذبية. من الصعب القول متى نصل إلى القاع الذي لا يُختزل. أثار كارل ساغان في كتابه الكون احتمال أنه إذا أمعنا النظر في إلكترون يمكن أن نجد أنه يحتوي على كون خاص به، مما يذكر بروايات الخيال العلمي في الخمسينيات. ((هناك عدد ضخم من الجسيمات الأخرى الأكثر صفراً في داخله، منظمة كالمجرات والبنى الأصغر، التي هي بنفسها أكوان على المستوى اللاحق وهكذا إلى الأبد، هناك في الأسفل أكوان داخل أكوان بلا نهاية. والأمر هو كذلك في الأعلى أيضا )) .ً
إنه عالم يتجاوز الفهم بالنسبة لمعظمنا. وحتى إذا قرأنا دليلاً أولياً عن فيزياء الجسيم هذه الأيام، فإننا سنمر عبر الأجمات القاموسية التي كهذه: «إن البيون المشحون والأنتيبيون ينحلان على التعاقب إلى ميون زائد أنتينيوترون وأنتيميون
زائد نيوترون بمعدل حياة متوسط هو8- 10* 2.603 ثانية، وينحل البيون المحايد إلى فوتونين بمعدل حياة متوسط هو 16- 10 × 10-0.8 ثانية، والميون والأنتيميون ينحلان بالتعاقب...» وهكذا دواليك، وهذا مأخوذ من كتاب للقارئ العام ألفه أكثر المفسرين وضوحاً (عادة)، ستيفن واينبرغ
اخترع عالم الفيزياء في كالتيك في الستينيات، وفي محاولة لتبسيط الأمور قليلا، فئة جديدة من الجسيمات تهدف جوهرياً – كما عبّر ستيفن واينبرغ
<<إلى استعادة بعض التنظيم إلى تعدد الهادرونات»، وهذا مصطلح جمعي يستخدمه علماء الفيزياء للبروتونات والنيترونات وجسيمات أخرى تحكمها القوة النووية القوية. وكانت نظرية (جيل مان) تفيد بأن جميع الهادرونات مصنوعة من جسيمات أصغر، وأكثر جوهرية. وأراد زميله رتشارد فينمان أن يدعوهذه الجسيمات الجديدة الأساسية البارتونات partons , كما في دولي , و لكنه نقض .
وبدلاً من ذلك صارت معروفة باسم الكواركات quarks

أخذ (جيل مان) الاسم من سطر في رواية يقظة فينيغان: «ثلاثة كوراكات لمستر مارك !». ولكن البساطة الجوهرية للكواركات لم تستمر طويلاً. فبعد أن صارت مفهومة على نحو أفضل كان من الضروري إدخال أقسام فرعية. وبالرغم من أن الكواركات صغيرة جداً كي يكون لها لون أو طعم أو أي سمات مادية أخرى يمكن أن نتعرف عليها، فقد صارت مجموعة في ست فئات أعلى، وأسفل، وغريبة، وساحرة، وقمة، وقاع وقد أشار إليها علماء الفيزياء بنحو غريب على أنها ((نكهاتها))، وقد قسمت هذه أيضاً إلى ألوان حمراء وخضراء وزرقاء.(ويشتبه المرء أنه ليس من قبيل المصادفة أن هذه المصطلحات استخدمت في البداية في كاليفورنية في أثناء مدة تفشي المخدرات ).
وظهر من بين كل ذلك في النهاية ما يدعى بالنموذج المعياري، الذي هو جوهرياً نوع من طقم أجزاء للعالم الدوذري. ويتألف النموذج المعياري من ستة كواركات، و ستة لبتونات (*) leptons؛ خمسة بوزونات معروفة وسادس مفترض (على اسم عالم أسكتلندي، بيتر هيجز)، بالإضافة إلى ثلاث من القوى الفيزيائية الأربع: القوى النووية القوية والضعيفة والكهرومغناطيسية.
رتبت الأمور بحيث إن الكواركات هي من بين القطع الأساسية التي تبني المادة; وتشدّ هذه إلى بعضها بعضاً جسيمات تدعى الغريونات؛ وتشكل الكواركات
والغريونات سوية البروتونات والنيترونات، مادة النواة النووية. اللبتونات هي مصدر الإلكترونات والنيوترونات. والكواركات واللبتونات سوية تدعى الفيرميونات. والبوزونات (على اسم العالم الهندي س.ن. بوز) هي جسيمات تنتج القوى وتحملها، وتشتمل على الفوتونات والغريونات. إن بوزون هيجز يمكن أن يكون موجوداً أو غير موجود؛ فقد اختُرع ليكون طريقة لمنح الجسيمات كتلة.
وكما يمكن أن تلاحظوا إن كل هذا غير عملي قليلاً، ولكنه أبسط نموذج يمكن أن يشرح ما يحدث في عالم الجسيمات. ويشعر معظم علماء فيزياء الجسيمات، كما قال ليون لدرمان في فيلم تلفزيوني وثائقيفي 1985 : إن النموذج المعياري
(*) اللبتون هو جسيم نووي ضئيل الكتلة مثل الإلكترون والبوزترون. المترجم.

يفتقر إلى الرشاقة والبساطة. «إنه معقد جداً. إنه يحتوي على كثير من العناصر العشوائية>> » ، كما قال لدرمان: «فنحن في الحقيقة لا نرى الخالق يدير عشرين قبضة باب؛ كي يضع عشرين مقياساً من أجل خلق الكون كما نعرفه». فالفيزياء في الواقع ليست إلا مجرد البحث عن البساطة المطلقة، ولكن حتى الآن كل ما لدينا هو نوع من الفوضى الرائعة أو كما عبّر لدرمان: «ثمة شعور عميق بأن الصورة ليست جميلة ».
إن النموذج المعياري ليس أخرق فحسب وإنما ناقص أيضاً. إذ لا شيء لديه يقوله عن الجاذبية. ابحثوا في النموذج المعياري كما تشاؤون، فلن تعثروا على أي شيء يشرح لماذا حين تضع قبعة على طاولة لا تحلق إلى السقف. ولا، –كما نبهنا لتونا- يستطيع أن يشرح الكتلة. ومن أجل منح الجسيمات أي كتلة علينا أن ندخل بوزون هيجز الافتراضي؛ أما إن كان يوجد في الحقيقة فهذه مسألة فيزياء القرن الواحد والعشرين. وكما قال فينمان مبتهجاً: «وهكذا نحن عالقون في نظرية، ولا نعرف إن كانت صحيحة أم مغلوطة، ولكننا نعرف أنها مغلوطة قليلاً، أو على الأقل غير كاملة».
وفي محاولة لربط الأمور كلها، وصل علماء الفيزياء إلى شيء ما يُدعى نظرية (السلك الفائق Super String theory ).هذا يفترض أن جميع الأشياء الصغيرة كالكواركات واللبتونات التي فكرنا فيها من قبل على أنها جسيمات هي في الواقع «أسلاك» , خيوط طاقة مهتزة تتذبذب في أحد عشر بعداً، تتألف من الثلاثة التي نعرفها سابقاً بالإضافة إلى الزمن وسبعة أبعاد أخرى، التي هي مجهولة بالنسبة لنا الخيوط واهية جداً، واهية بما يكفي كي تمر بوصفه جسيمات نقطية.
وبإدخال أبعاد إضافية، تمكن نظرية الأسلاك الفائقة علماء الفيزياء من أن يجمعوا سوية القوانين الكمية، وقوانين الجاذبية في مجموعة مرتبة بشكل نسبي؛ ولكنها تعني أيضاً أن أي شيء يقوله العلماء عن النظرية يبدو مزعجاً كنوع الأفكار، التي ستجعلك تبتعد إذا نقلها إليك غريب على مقعد في حديقة. هنا -على سبيل المثال – عالم الفيزياء متشيوكاكو يشرح بنية الكون من منظور الأسلاك الفائقة:

يتألف السلك من سلك مغلق له نمطان من الاهتزازات، باتجاه حركة عقرب
الساعة وبعكس اتجاهه، ويتم التعامل معهما بنحو مختلف. تعيش الاهتزازات التى باتجاه الساعة في فضاء ذي أبعاد عشرة. وتعيش التي بعكس اتجاه الساعة في فضاء ذي ستة وعشرين بعداً، منها 16 بعداً تم ضغطها. (لنتذكر في أبعاد كالوزا الخمسة، تم ضغط البعد الخامس بتغليفه الدائرة
وهكذا تتواصل 350 صفحة .
ولدت نظرية الأسلاك الفائقة شيئاً دعي نظرية إم، التي تدمج أسطحاً تدعى الأغشية branes في علم الفيزياء. وهذا – كما أخشى – هو الموقف على الطريق
السريع للمعرفة حيث يجب أن ينزل معظمنا. وإليكم جملة من النيويورك تايمز، تشرح هذا ببساطة قدر الإمكان للجمهور العام:
تبدأ عملية ekpyrotic بعيداً في الماضي غير المحدد بزوج من الأغشية branes فارغين منبسطين يوضعان في موازاة بعضهما بعضاً في فضاء منحرف ذي أبعاد خمسة... إن الغشاءين الذين يشكلان جدران البعد الخامس، كان يمكن أن يقفزا من العدم كتذبذب كمي في الماضي الأكثر بعداً، ثم يندفعا منفصلين.
لا جدل مع هذا. ولا فهم له أيضاً. وتأتي كلمة ekpyrotic بالمصادفة من الكلمة
اليونانية التي تعبر عن الحريق (Confiagration )
وصلت المسائل في الفيزياء الآن إلى درجة إن العالم بول دافيز قال في مجلة نيتشر: «إنه من المستحيل تقريباً على غير العالم أن يميز بين الغريب بشكل واضح والمعتوه بشكل صريح». ووصلت المسألة بشكل ممتع إلى أوجها في خريف 2002 حين أنتج عالما فيزياء فرنسيان، التوءمان إيفور وغرتشكا بوجدانوف Grichka Bogdanov نظرية طموحة جداً تشتمل على مفهومات مثل «الزمن الخيالي» ووضعية كوبوشوينغر مارتن KubO-SchWinger-Martin تهدف إلى وصف العدم الذي كان هو الكون قبل الانفجار الكبير، وهي مدة افترض دوماً أنها مجهولة (بما أنها تسبق ولادة الفيزياء ومواصفاتها).

وعلى الفور أثارت نظرية بوجدانوف الجدل بين الفيزيائيين فيما إذا كانت
ثرثرة، أونتاج عبقرية أو خدعة. وقال عالم الفيزياء بيتروات Peter Woit من
جامعة كولومبيا: «من الواضح أن النظرية هي هراء تقريباً من الناحية العلمية، ولكن هذا لا يميزها كثيراً عن كثير من بقية الأدبيات في هذه الأيام»
واقترح كارل بوبر -الذي سماه ستيفن واينبرغ «عميد فلاسفة العلم الحديثين»- أنه يمكن ألا يكون هناك في الواقع نظرية نهائية للفيزياء، وإنما يمكن أن يتطلب كل شرح المزيد من الشرح، منتجا «سلسلة لانهاية لها من المزيد والمزيد من المبادئ الجوهرية». والاحتمال المنافس هوأن معرفة كهذه يمكن أن تكون ببساطة خارج طاقتنا. وكتب واينبرغ في كتاب أحلام حول نظرية نهائية: «حتى الآن -لحسن الحظ– لا نبدو كأننا نتجه إلى نهاية مصادرنا الفكرية».
ومن المؤكد تقريباً أن هذه حقبة ستشهد المزيد من التطورات الفكرية، ومن
المؤكد تقريباً ثانية أن هذه الأفكار ستكون خارج نطاق معظمنا.
وفيما كان علماء الفيزياء في العقود الوسطى للقرن العشرين ينظرون بارتباك إلى عالم ما هو صغير جداً، كان علماء الفلك يكتشفون نقصاً في فهم الكون ككل ليس أقل لفتاً للانتباه.
حين التقينا آخر مرة مع إدوين هبل، كان قد قرر أن جميع المجرات تقريباً في مجال رؤيتنا تطير بعيداً عنا، وأن سرعة وبعد هذا الانسحاب متناسبان: كلما ابتعدت المجرة، ازدادت سرعتها. أدرك هبل أن هذا لا يمكن التعبير عنه بمعادلة بسيطة، Ho = V/d (حيث Ho هي الثابت، V هي السرعة الانكفائية وd مسافة بعدها عنا ) . لقد عرفت HO منذ ذلك الوقت بثابت هبل، والكل عرف باسم قانون هبل. مستخدماً هذه الصيغة، حسبب هبل أن عمر الكون بليونا عام، وكان هذا مرتبكاً قليلاً؛ لأنه في أواخر العشرينيات كان من الجلي بشكل متزايد أن أموراً كثيرة داخل الكون بما فيه –على الأرجح – الأرض نفسها كانت أكبر من ذلك. وكان تعديل هذا الرقم الشغل الشاغل باستمرار للكزمولوجيا.

إن الشيء الوحيد الثابت تقريباً عن ثابت هبل كان كمية الخلاف حول أي قيمة يجب منحها له. ففي 1956 اكتشف علماء الفلك أن مجموعة النجوم القيافوية. المتغيرة كانت أكثر تغيراً مما ظنوا؛ وجاءت في تنوعين، وليس في واحد. سمح لهم. هذا ان يعيدوا العمل على حساباتهم، ويصلوا إلى عمر جديد للكون بين سبعة، بلايين وعشرين بليون عام، ولم يكن هذا العمر دقيقاً جداً، ولكن كان كبيراً بما يكفي على الأقل كي يشمل أخيراً تشكل الأرض.
وفي الأعوام التي لحقت نشأ جدل استمر طويلاً، بين آلن سانداغ، وريث هبل في جبل ولسون، وجيراردو فوكوليور Gerard de VaucouleurS عالم الفلك المولود في فرنسة الذي كان في جامعة تكساس. وصل سانداغ بعد أعوام من الحسابات الدقيقة إلى قيمة لثابت هبل هي 50، مانحاً الكون عمر عشرين بليون عام. ولكن دو فوكوليوركان متأكداً بنحو مساوأن ثابت هبل هو 100 *. هذا يعني أن الكون هو نصف الحجم والعمر اللذين اعتقد بهما سانداغ: عشرة بلايين عام. ودخلت الأمور في اللايقين حين اقترح فريق من مراصد كارينجي في كاليفورنية في عام 1994، مستخدماً مقاييس من تلسكوب هبل الفضائي، أن الكون يمكن أن يكون صغيراً وبعمر 8 بلايين سنة، وهو عمر سلّم الفريق أنه أصغر حتى من عمر بعض النجوم في الكون. وفي شباط 2003، أعلن فريق من ناسا ومركز الطيران الفضائي جودارد في ماريلاند، مستخدماً نمطاً جديداً بعيد المدى من الأقمار الصناعية يدعى مسبار ولكنسون ميكرويف أنستروبي، ببعض الثقة أن عمر الكون هو 13.7 بليون عام، زد أو أنقص نحو مئة مليون عام. وهنا استقرت الأمور، على الأقل حالياً.
(*) بالطبع يحق لك التساؤل ما الذي يعنيه بالضبط «ثابت 50 أو «ثابت 100». تكمن الإجابة في الوحدات الفلكية للقياس. لا يستخدم علماء الفلك السنوات الضوئية إلا في أحاديثهم. يستخدمون الفرسخ النجمي، وهو يستند إلى مقياس كوني ويعادل ثلاث سنوات ضوئية وربع السنة. أما المقاييس الكبيرة، كحجم الكون، فهي تقاس بالفرسخ النجمي الكبيرة فرسخ نجمي كبير واحد يساوي مليون فرسخ نجمي. ويعبر عن الثابت من زاوية الكيلومتر في كل ثانية في كل فرسخ نجمي كبير. وهكذا حين يشير علماء الفلك إلى ثابت هبل 50 فما يعنونه هو «50 كيلومتراً في الثانية في كل فرسخ نجمي كبير». بالنسبة لمعظمنا هذا قياس لا معنى له؛ ولكن مع ذلك، بالمقاييس الفلكية معظم المسافات ضخمة، بحيث تكون غير قابلة للتصديق















إن الصعوبة التي تواجه القيام بتحديدات نهائية هي أنه هناك غالباً مساحات واسعة للتأويل. تخيل الوقوف في حقل في الليل ومحاولة أن تقرر كم يبعد ضوءان كهربائيان بعيدان. مستخدماً أدوات مباشرة من علم الفلك تستطيع أن تحدد بسهولة أن المصباحين لهما التألق نفسه، وأن واحدة منهما أكثر بعداً بخمسين بالمئة من الأخرى. ولكن ما لا تستطيع التأكد منه هو، (مثلاً) إن كان الضوء الأقرب 58 واطاً أي يبعد 37 متراً، أو 61 واطاً أي يبعد 36.5 متراً. وقبل كل شيء يجب أن تأخذ في الحسبان التشوهات التي تسببها التغيرات في جوالأرض، من قبل الغبار البيمجري، ومن الضوء الملوّث القادم من النجوم الأمامية وعوامل أخرى كثيرة. والنتيجة هي أن حساباتك هي بالضرورة مبنية على سلسلة من الافتراضات المتداخلة، أي منها يمكن أن يكون مصدراً للجدل. هناك أيضاً مشكلة أن المدخل إلى التلسكوبات مكلف جداً، وكان قياس الانزياحات الحمراء تاريخياً مكلفاً على صعيد الوقت. يمكن أن يستغرق الأمر الليل كلّه للحصول على كشف واحد. بالنتيجة، كان علماء الفلك يضطرون أحياناً (أو يرغبون) إلى أن يبنوا الحسابات على أدلة غير كافية. وكما اقترح الصحفي جيوفري كار، لدينا في الكوزمولوجيا « جبل من النظريات المبنية على كومة من الأدلة بحجم التي يصنعها الخلد». أو كما عبر مارتن ريس عن الأمر: «إن رضانا الحالي لبحالة فهمنا يمكن أن يعكس ضآلة المعطيات بدلاً من تفوق النظرية».
وينطبق هذا اللايقين -بالمصادفة- على أشياء قريبة نسبياً كما ينطبق على الحواف البعيدة للكون. وكما يقول دونالد جولدسميث: «حين يقول علماء الفلك: إن مجرة إم 87 تبعد 60 مليون سنة ضوئية، فإن ما يعنونه في الواقع (ولكنهم لا يشدّدون على هذا للجمهور العام) هو أنها تبعد ما بين 40 و90 مليون سنة ضوئية، ليس تماماً الأمر نفسه. بالنسبة للكون عامة، إن الأمورتكبر بنحو طبيعي. فبالرغم من النجاح الباهر الذي يحيط بالإعلانات الأخيرة، فإننا نبقى بعيدين جداً عن الإجماع».
اقترحت إحدى النظريات المهمة أخيراً أن الكون ليس كبيراً كما نظن: إنه حين تحدق في المسافة، فإن بعض المجرات التي نراها يمكن أن تكون مجرد انعكاسات، أو صوراً شبحية أنشأها الضوء المرتدّ.

والواقع أن هناك كثيراً من الذي لا نعرفه، حتى على مستوى جوهري تماماً، بما فيه مما صنع الكون. حين يحسب العلماء كمية المادة المطلوبة لربط الأشياء سوية، فإنهم ييأسون من معرفة ذلك دوماً. ويبدو أن 90% على الأقل من الكون، وربما %99 مؤلف من «المادة السوداء» لفريتز زويكي، وهي مادة بطبيعتها غير مرئية لنا. وإنه لمثير للسخط تماماً بالنسبة لنا أن نفكر أننا نعيش في كون لا نستطيع، حتى أن نراه في معظم الأحيان، ولكن ها أنت هناك. على الأقل إن اسمي المتهمين الرئيسين المحتملين ممتعان: قيل إنهما إما الجسيمات الكبيرة التي تتفاعل على نحو ضعيف WIMPS، التي هي ذرات مادة غير مرئية باقية من الانفجار العظيم أوMACHOS (الأشياء الكبيرة المدمجة المحاطة بهالة، وهذا في الواقع اسم آخر للثقوب السوداء، الأقزام الرمادية ونجوم أخرى باهتة جداً).
مال علماء فيزياء الجسيمات إلى تفضيل شرح الجسيم الخاص بالجسيمات
الكبيرة، التي تتفاعل على نحو ضعيف، وفضل علماء الفيزياء الفلكية الشرح النجمي للأشياء المحاطة بهالة. وكان للأشياء المحاطة بهالة اليد العليا لبعض الوقت، ولكن لم يكتشف ما يكفي منها، وهكذا عاد التعاطف إلى الجسيمات الكبيرة، بالرغم من مشكلة أنه لم يكتشف أي منها أبداً. ولأنها تتفاعل أسبوعياً، فإنه مفترض أنها موجودة من الصعب جداً اكتشافها. فالأشعة الكونية ستسبب كثيراً من التدخل. وهكذا ينبغي أن يذهب العلماء عميقاً تحت الأرض. إن القصف الكوني إلى عمق كيلومتر واحد تحت الأرض سيكون جزءاً من واحد بالمليون مما ستفعله على السطح. ولكن حين تضاف كل هذه، فإن ثلثين من الكون ما يزالان مفقودين من الميزانية العمومية. أما الآن فإننا نستطيع أن ندعوها جيداً DUNNOS (أشياء في مكان ما سوداء ومجهولة وغير انعكاسية أوقابلة للكشف).
وتوحي الأدلة الأخيرة أن المجرات لا تندفع بعيداً عنا فحسب، وإنما تفعل
ذلك بنسبة تتسارع. وهذا يخالف جميع التوقعات. وتبين أن الكون يمكن أن يكون مليئاً ليس بالمادة السوداء فحسب، وإنما بالطاقة السوداء. وأحياناً يدعوها

العلماء الطاقة الخوائية أو الجوهر. مهما كانت، فإنها يبدو أنها تقود توسعاً لا أحد يستطيع تفسيره. تقول النظرية: إن الفضاء الفارغ ليس فارغاً على الإطلاق، هنالك جسيمات من المادة والمضادة للمادة تقفز إلى الوجود، ثم تقفز خارجه مرة أخرى، وهذه تدفع الكون إلى الخارج بسرعة متنامية. ومن غير المرجح أن الشيء الوحيد الذي يحل كل هذا هو ثابت آينشتاين الكوني، قطعة الرياضيات الصغيرة التي أسقطها في نظرية النسبية العامة لإيقاف توسع الكون المفترض، وقد دعا هذا ب «الخطأ الأكبر في حياتي». وتبين الآن أنه قام بالأمور على نحو صحيح في
النهاية.
إن زبدة كل هذا هو أننا نعيش في كون لا نستطيع أن نحسب عمره تماماً، محاط بنجوم لا نعرف كم تبعد عنا أو عن بعضها بعضاً، ومليء بمادة لا نستطيع تعريفها، ويعمل بانسجام مع القوانين الفيزيائية التي لا نفهم خصائصها.
بعد هذه الملحوظة المقلقة لنعد إلى الكوكب الأرضي ونفكر في شيء ما لا نفهمه بالرغم من أنكم ربما لن تفاجؤوا الآن من سماع أننا لا نفهمه بشكل كامل، وما
نفهمه لم نفهمه منذ وقت طويل.

الفصل الثاني عشر الأرض تتحرك
قبل أن توافيه المنية في 1955، كتب ألبرت آينشتاين مقدمة قصيرة ألمعية لكتاب ألقه عالم جيولوجيا يُدعى تشارلز هابجود بعنوان «قشرة الأرض المنزاحة»: مفتاح بعض المشكلات الأساسية لعلم الأرض. قوض كتاب هابجود فكرة أن القارات تتحرك. وبنبرة تدعو القارى إلى الانضمام إليه في ضحكة خافتة، قال هابجود: إن قلة من الأنفس الساذجة لاحظت «تواشجاً واضحاً في الشكل بين قارات معينة». وتابع قائلاً: إنه يبدو: «كأن أمريكة الجنوبية يمكن أن تشبه تماماً إفريقية، وهكذا دواليك... ويزعم أنه حتى تشكيلات الصخور على جانبي الأطلسي متطابقة».
رفض السيد هابجود بذكاء هذه الأفكار، منبهاً أن عالمي الجيولوجيا ك.ي.كاستروج. س. مينديز قاما بعمل ميداني واسع على جانبي المتوسط، وبرهنا أنه لا
توجد تشابهات كهذه. لا يعرف إلا اللّه أي بروز صخري نظر إليه كاستر و مينديز؛ لأن كثيراً من تشكيلات الصخور على جانبي الأطلسي هي نفسها في الحقيقة.
لم تكن الفكرة من ابتكار السيد هابجود أوعلماء جيولوجيا آخرين في عصره.
فقد ظهرت النظرية التي لمح إليها هابجود في البداية في 1908 على يد عالم جيولوجيا أميركي هاو يدعى فرانك برسلي تيلور. جاء تيلور من أسرة ثرية وكان لديه كل من الوسائل والحرية من القيود الأكاديمية كي يتبع خطوط استقصاء غير تقليدية. كان أحد أولئك الذين صعقهم التشابه بين ظاهر الخطوط الساحلية في إفريقية وأمريكة الجنوبية، ومن هذه الملاحظة طوّر فكرته بأن القارات انزلقت مرة دائرياً. اقترح بعلم بالغيب، كما تبين فيما بعد أن اصطدام القارات رفع سلاسل الجبال في العالم. لكنه أخفق في إيراد أدلة، وعدّت النظرية خرقاء لا تستحق الانتباه الجدي.
ولكن فكرة تيلور -على أي حال – التقطت في ألمانية، وانتحلت على نحوفاعل، من قبل منظر يُدعى ألفرد فيجينر، وهوعالم بالأرصاد الجوية في جامعة ماربورغ.

استقصى فيجينر الشذوذات الكثيرة في النبات والمستحاثات، التي لم تتلاءم بنحو مريح في النموذج المعياري لتاريخ الأرض، وأدرك أن قليلاً منها له معنى إذا تم تفسيره بنحو مألوف. هذا وقد ظهرت المستحاثات الحيوانية بشكل متكرر على جانبي المحيطات التي كانت على ما يبدو كبيرة جداً لا يمكن عبورها بالسباحة. وتساءل: كيف انتقلت الجرابيات من أمريكة الجنوبية إلى أسترالية؟ وكيف
ظهرت سلاحف مماثلة في البلدان الإسكندنافية ونيوإنجلاند؟ وكيف يفسر المرء وجود طبقات الفحم أو بقايا شبه استوائية في مناطق قارسة مثل سبتسبرجن، على بعد 600 كيلومتر إلى الشمال من النرويج، إذا لم تكن قد هاجرت إلى هنالك
من مناخات دافئة؟
طور فيجينير نظرية أن قارات العالم وجدت مرة كتلة أرضي واحدة دعاها بانجيا Pangaea حيث كانت الحياة النباتية والحياة الحيوانية قادرتين على الاختلاط، قبل أن تنفصلا إلى مواقعهما الحالية. وعبر عن الفكرة في كتاب بعنوان: «أصل القارات والمحيطات»، نشر في ألمانية سنة 1912 وبالرغم من نشوب الحرب العالمية الأولى آنذاك، نشره بالإنكليزية بعد ثلاث سنوات.
وبسبسبب الحرب، لم تجذب نظرية فيجينير كثيراً من الانتباه في البداية، ولكن
في 1920، حين أنتج نسخة منقحة وموسعة صار بسرعة موضوعاً للنقاش. وافق الجميع على أن القارات انجرفت، ولكن إلى الأعلى والأسفل، وليس جانبياً. إن عملية الحركة العمودية – المعروفة باسم توازن القشرة الأرضية – كانت أساس الاعتقاد الجيولوجي لأجيال، بالرغم من أنه لم يطرح أحد أي نظريات جيدة عن: «كيف حدث هذا ومتى؟». كانت هنالك فكرة واحدة، بقيت في المقررات المدرسية، حتى أيام دراستي، هي نظرية «التفاحة المسلوقة» التي طرحها النمساوي إدوارد سويس تماماً قبل انعطافة القرن. قالت النظرية: إنه حين بردت الأرض الذائبة صارت مجعدة كتفاحة مطبوخة، مشكلة أحواض محيطات وسلاسل جبال. لا يهم
أن جيمس هتون قال قبل هذا بوقت طويل: إن أي ترتيب ثابت كهذا سينتج في

النهاية كرة بلا ملامح، بما أن الحت يمهد الانتفاخات ويملأ الحفر. كان هناك أيضاً المشكلة، التي أشار إليها رزرفورد وسودي في بداية القرن، بأن العناصر الأرضية تحمل احتياطيات كبيرة من الحرارة، كثير وكثير جداً بحيث لا يسمح بنوع التبريد والتقلص الذي اقترحه سويس. وعلى أي حال، إذا كانت نظرية سويس صحيحة، فإن الجبال ستوزع عندئذ بنحو متساو عبر وجه الأرض – ولكنها لم تكن هكذا على ما يبدو- ومن العمر نفسه تقريباً، ومع ذلك، في أوائل التسعينيات كان من الواضح أن بعض السلاسل مثل الأورال وجبال الأبلاش، كانت أكبر من الأخرى بمئات الملايين من السنين، كالألب وجبال روكي. ومن الواضح أن الوقت كان ناضجاً لنظرية جديدة. ولسوء الحظ، لم يكن ألفرد فيجينير الرجل الذي رغب الجيولوجيون بأن يقدمها.
في البداية، شككت أفكاره الجذرية بأسس نظامهم، وكانت هذه نادراً ما تعدّ طريقة فاعلة لتوليد المودة في الجمهور. سيكون تحدّ كهذا مؤلماً لوقام به عالم جيولوجيا، ولكن فيجينير لم يكن يمتلك خلفية في الجيولوجيا. كان عالم أرصاد جوية، رجل طقس ألماني، ولم تكن هذه حالات نقص قابلة للعلاج.
وهكذا بذل علماء الجيولوجيا ما بوسعهم، كي يرفضوا دليله ويقللوا من أهمية اقتراحاته. وللالتفاف على مشكلة توزع المستحاثات، وضعوا «جسوراً ترابية»، قديمة، بحسب الحاجة. وحين اكتشف أن حصاناً قديماً يدعى هيباريون عاش في فرنسمة وفي فلوريدة في الوقت نفسه، رسم جسراً أرضياً عبر الأطلسي. وحين عُرف أن حيوانات التابير عاشت بنحو متزامن في أمريكة الجنوبية وجنوب شرق أسية رسم جسراً أرضياً هناك، أيضاً. وفي الحال كانت خرائط البحار ما قبل التاريخية مليئة بالجسور، الأرضية الافتراضية من أمريكة الشمالية إلى أوروبة ومن البرازيل إلى إفريقية ومن جنوب شرق آسية إلى أسترالية، ومن أسترالية إلى أنتاركتيكا. ولم تظهر هذه الحوالق الرابطة بشكل ملائم كلما كان من الضروري نقل عض حي من كتلة أرض إلى أخرى فحسب، ولكنها تلاشت أيضاً



بشكل إلزامي دون أن تترك أثراً لوجودها السابق. ولم يدعم هذا بالطبع أي أدلة ولا شيء يمكن أن يكون خطأ كهذا، ولكن هذه كانت الأرثوذكسية الجيولوجية في نصف القرن اللاحق.
لم تستطيع حتى الجسور الأرضية شرح بعض الأمور. فإحدى الأنواع من ثلاثيات الفصوص التي كانت معروفة جيداً في أوروبة اكتشف أنها كانت تعيش أيضاً في نيوفاوندلاند*، ولكن على جانب واحد فقط. ولم يستطع أحد أن يشرح بشكل مقنع كيف أنها استطاعت عبور 3000 كيلومتر من المحيط المعادي، ولكنها أخفقت في العثور على طريقها حول زاوية جزيرة عرضها 300 كيلومتر. وكان هناك نوع آخر أكثر شذوذاً من ثلاثيات المفاصل عُثر عليه في أوروبة، وفي الشمال الشرقي الغربي من أمريكة المطل على المحيط الهادئ ولكن لم يعثر عليه في أي مكان بينهما، مما لن يقتضي كثير من الجسور الأرضية بقدر ما يقتضي طيراناً. مع ذلك في أواخر 1964 حين ناقشت الموسوعة البريطانية النظريات المتنافسة عدت نظرية فيجينير أنها كانت مليئة «بالعديد من الصعوبات النظرية الخطرة». وللتأكيد، ارتكب فيجينير أخطاء. جزم بأن غرينلندا تندفع إلى الغرب بسرعة 1.6 كيلومتر في العام، وهذا هراء واضح. (إن الأمر يتم بالسنتمترات). وقبل كل شيء، لم يستطع تقديم شرح مقنع عن: «كيف كانت كتل الأرض تتحركة». وللإيمان بنظريته يجب أن تقبلوا أن القارات الكبيرة تدفع نوعاً ما عبر القشرة الصلبة، كمزارع يحرث الأرض، دون أن يترك أي أثلام بعد ذلك. لاشيء إذاً يمكن أن يشرح بنحو معقول ما حرّك هذه الانتقالات الكبيرة.
كان آرثر هولمز، عالم الجيولوجيا البريطاني – الذي فعل كثيراً لتحديد عمر الأرض – هوالذي قدّم اقتراحاً. كان هولمز أول عالم فهم أن التدفئة الإشعاعية يمكن أن تنتج تيارات نقل داخل الأرض. نظرياً، يمكن أن تكون هذه قوية بما يكفي كي تجعل القارات تنزاح دائرياً على السطح. وفي كتابه المشهور والمؤثر مبادئ الجيولوجيا الفيزيائية، الذي نشر لأول مرة في 1944، وضع هولمز نظرية

لانجراف القارات هي، في مبادئها الجوهرية؛ النظرية السائدة اليوم. كانت ما تزال فرضية جذرية في زمنها وانتقدت على نطاق واسع -خاصة في الولايات المتحدة – حيث استمرت مقاومة الانجراف أكثر من أي مكان آخر. اغتاظ هناك أحد المراجعين -دون أي إحساس بالمفارقة- قائلا: إن هولمز قدم حججه بشكل واضح ومفسر للطلاب؛ كي يؤمنوا بها. وفي مكان آخر -على أي حال – حصلت النظرية على دعم مطرد ولوكان حذراً. ففي 1950، أظهر تصويت في الاجتماع السنوي للرابطة البريطانية لتقدم العلم، أن نصف الحاضرين تقريباً قبلوا فكرة الانجراف القاري. (قام هابجورد حالأبعد هذا بإيراد هذا الرقم على أنه دليل على كيف أصبح علماء الجيولوجيا البريطانيين مضللين). ومن المثير للفضول، أن هولمز نفسه تذبذب في معتقده أحياناً. فقد اعترف في 1953: «لم أنجح أبداً في تحرير نفسي من رأي سابق مزعج ضد الانجراف القاري؛ في عظامي الجيولوجية، إذا صح التعبير، أشعر أن الفرضية فنتازية».
لم يكن الانجراف القاري دون دعم بشكل كامل في الولايات المتحدة. فقد دافع عنه رجينال دالي من هارفارد، ولكنه –كما يمكن أن تتذكروا– كان الشخص الذي اقترح أن القمر يشكل من تأثير كوني، وكان هناك ميل إلى عدّ أفكاره مهمة، وحتى جديرة بالثقة، ولكنها فياضة بالحماس بحيث لا تُعدّ تفكيراً جدياً. وهكذا تمسك معظم الأكاديميين الأميركيين بالاعتقاد بأن القارات شغلت مواقعها إلى الأبد، وأن ملامح سطوحها يمكن أن تُعزى إلى شيء آخر غير الحركات الجانبية.
ومن المثير للاهتمام أن علماء الجيولوجيا في شركات النفط عرفوا طوال سنوات أنك إذا أردت العثور على النفط، يجب أن تعترف بحركات السطح المتضمنة في الألواح التكتونية. لكن علماء الجيولوجيا المختصين بالنفط لم يكتبوا أبحاثاً أكاديمية؛ وإنما عثروا على النفط فحسب.
كانت هناك مشكلة رئيسية أخرى في نظريات الأرض لم يحلها أحد، أو حتى يقترب من حلها. كانت تلك مسألة أين تذهب كل الرسابية. ففي كل عام تحمل

أنهار الأرض كميات كبيرة من المادة المتآكلة 500 مليون طن من الكالسيوم، مثلا إلى البحار. إذا ضربت سرعة الإيداع بعدد الأعوام، تصل إلى عدد مزعج: سيكون هناك نحو 20 كيلومتراً من المواد الرسابية في قاع المحيط أو-إذا عبّرنا عن الأمر بطريقة أخرى – ستكون قيعان المحيطات الآن فوق قممها. وقد تعامل العلماء مع هذه المفارقة بأسهل الطرق: أي تجاهلها. ولكن في النهاية جاءت نقطة لا يستطيعون فيها تجاهل هذا الأمر.
في أثناء الحرب العالمية الثانية، عُين عالم معادن في جامعة برنستون يُدعى هاري هيس مسؤولاً عن سفينة نقل هجومية، يو إس إس كيب جونسون. وعلى متن هذه السفينة كان هناك مسبار خيالي للأعماق يدعى سابر الأعماق، ضمّم لتسهيل المناورات قرب الشاطئ في أثناء النزول عليه، ولكن هيس أدرك أنه يمكن أن يُستخدم بنحو مساو لأهداف علمية ولم يطفئه أبداً، حتى في أعماق البحار، أو في وطيس المعركة. ما اكتشفه كان غير متوقع بنحو كامل. إذا كانت أرضيات المحيط قديمة –كما افترض الجميع - يجب أن تكون مغطاة بشكل كثيف بالمواد الرسابية، على غرار الطين في قاع نهر أو بحيرة. ولكن قراءات هيس أظهرت أن أرضية المحيط لم تقدم أي شيء سوى نعومة الغرين القديم. إن المحيط معلم في كل مكان بالأودية والخنادق والصدوع ومنقط بالجبال البحرية البركانية، التي دعاها الموائد البحرية على اسم أحد علماء الجيولوجيا السابقين أرنولد جويوت. كان هذا لغزاً، ولكن هيس خاض حرباً، كي يشارك فيه، ووضع أفكاراً كهذه في مؤخرة ذهنه.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد هيس إلى برنستون وعاد إلى انشغالاته بالتدريس، ولكن ألغاز قاع البحر واصلت احتلال مكان في أفكاره. في غضون ذلك، وفي أثناء الخمسينيات، كان علماء المحيطات والأوقيانوسات يقومون بالمزيد من المسوحات لأرضيات المحيط. وفي أثناء فعلهم هذا، عثروا على مفاجأة أكبر: إن أضخم وأوسع سلسلة جبال على الأرض كان معظمها تحت الماء. اتبعت ممراً

متواصلاً على طول قيعان بحار العالم كمسار كرة تنس. لوانطلقت من إيسلندة وسافرت جنوباً، تستطيع أن تتبعها في مركز المحيط الأطلسي، حول قاع إفريقية، وعبر المحيط الهندي والجنوبي إلى الهادئ تماماً تحت أسترالية؛ وهناك تدور على نحو زاوي عبر المحيط الهادى، وكأنها تتجه إلى باجا في كاليفورنيا قبل أن ترتفع في الساحل الغربي للولايات المتحدة إلى آلاسكا.وبين الفينة والأخرى تنتأ قممها الأعلى فوق الماء كجزيرة أو أرخبيل الآزوريس والكناري في الأطلسي، وهاواي في الهادى، على سبيل المثال، ولكن معظمها مدفون تحت آلاف القامات (القامة = ستة أقدام) من البحر المالح، المجهولة وغير المفكر فيها. حين تضاف كل فروعها سوية فإن الشبكة تمتد 75,000 كليومتر.
كان جزء قليل من هذا معروفاً لبعض الوقت. فالأشخاص الذين كانوا يرمون كبلات إلى قاع المحيط في القرن التاسع عشر أدركوا أنه كان هناك نوع ما من التدخل الجبلي في منتصف الأطلسي من الطريقة التي كانت تتحرك بها الكبلات، ولكن الطبيعة المتواصلة والوزن الكلي للسلسلة كانا مفاجأة مذهلة. فضلاً عن ذلك، احتوت على شذوذات مادية لا يمكن شرحها. وفي حيد منتصف الأطلسي كان هناك صدع عرضه 20 كيلومتراً بالنسبة لطوله الكامل الذي يبلغ تسعة عشر ألف كيلومتر. بدا كأن هذا يوحي بأن الأرض تنشق عند خطوط الاتصال، كجوزة تخرج من صدفتها. كانت فكرة سخيفة ومثيرة للأعصاب، ولكن الدليل لا يمكن أن يُنكر.
ثم في 1960 أظهرت العينات الأساسية أن قاع المحيط فتي جداً في حيد منتصف المحيط، لكنه يصبح على التعاقب أكبر حين تنتقل بعيداً عنه إلى الغرب أو الشرق. فكر هاري هيس بالمسألة وأدرك أن هذا يمكن أن يعني شيئاً واحداً فحسب: شكلت قشرة محيط جديدة على جانبي الانجراف المركزي، ثم دفعت بعيداً عنه بعد أن جاءت قشرة جديدة خلفها. كانت أرضية المحيط ناقلين ضخمين، واحد ينقل القشرة نحو شمال أمريكة، وينقلها الآخر نحو أوروبة. صارت العملية معروفة باسم انتشار أرضية البحر.

حين وصلت القشرة في نهاية رحلتها إلى الحدود مع القارات، غاصت مرة أخرى في الأرض في عملية تعرف باسم السحج . شرح هذا إلى أين ذهبت الترسبات كلها.لقد تمت إعادتها إلى أحشاء الأرض. شرح أيضاً لماذا كانت قيعان البحار والمحيطات في كل مكان فتية نسبياً. ولم يكتشف أن عمر أي منها أكثر من 175 مليون سنة، وكان هذا لغزاً؛ لأن عمر الصخور القارية كان بلايين الأعوام في الغالب. والآن يستطيع هيس أن يعرف لماذا لا تستمر الصخور المحيطية إلا الوقت الذي تستغرقه كي تنتقل إلى الشاطئ ؟. كانت هذه نظرية جميلة شرحت كثيراً جداً. أوضح هيس حججه في بحث مهم جداً، تم تجاهله عالمياً تقريباً. فالعالم أحياناً لا يكون مستعداً لفكرة جيدة.
في غضون ذلك، قام باحثان يعملان على نحو مستقل، باكتشافات مذهلة معتمدين على حقيقة مثيرة للفضول عن تاريخ الأرض اكتُشفت قبل عقود عدة. ففي 1906، اكتشف عالم فرنسي يدعى برنار برون Bernard Brunhes أن الحقل المغناطيسي للكوكب يعكس نفسه من وقت لآخر، وأن سجل هذه الانعكاسات ثابت بشكل دائم في بعض الصخور في وقت تشكلها. وبشكل محدّد، إن حبات صغيرة من خام الحديد داخل الصخور تشير إلى أي مكان يصادف أن يكون فيه القطبان المغناطيسيان في وقت تشكلهما، ثم تبقى مشيرة إلى تلك الجهة فيما هي تبرد وتتصلب. بالنتيجة، إنها «تذكر» أين يكون القطبان المغناطيسيان في وقت تشكلها. لم يكن هذا لسنوات سوى شيء لافت للنظر، ولكن في الخمسينيات درس باتريك بلاكيت من جامعة لندن وس. ك. رنكورن من جامعة نيوكاسل النماذج المغناطيسية القديمة المتجمدة في الصخور البريطانية وفوجئا – هذا إذا قلنا أقل شيء – حين اكتشفا أنها تشير إلى أنه في وقت ما في الماضي البعيد دارت بريطانية على محورها وانتقلت قليلاً إلى الشمال، وكأنها فلتت نوعاً ما من مراسيها. فضلاً عن ذلك، اكتشفا أنك إذا وضعت خريطة لنماذج أوروبة المغناطيسية إلى جانب خريطة أميركية من المدة نفسها، فإنهما يتلاءمان سوية كنصفي رسالة ممزقة. كان هذا خارقاً للطبيعة. ولكنه تم تجاهل اكتشافاتهما، أيضاً.

وأخيراً قام رجلان من جامعة كمبريدج، عالم جيوفيزياء (عالم بطبيعة الأرض) يدعى درموند ماثيوس وطالب متخرج يدعى فرديد فاين، بربط الخيوط جميعها سوية. وفي 1963 - مستخدمين الدراسات المغناطيسية لقاع المحيط الأطلسي – بينا بشكل قاطع أن أرضيات البحار كانت تنتشر بدقة بالطريقة التي اقترح بها هيس أن القارات تتحرك. واستنتج عالم جيولوجيا كندي غير محظوظ يدعى لورنس مورلي النتيجة نفسها في الوقت نفسه، ولكنه لم يستطع العثور على أي شخص ينشر بحثه. وفيما أصبح ازدراء مشهوراً، قال له محرر مجلة جورنال أوف جيوغرافيكال ريسيرش (مجلة الأبحاث الجغرافية): «إن تأملات كهذه تشكل حديثاً ممتعاً في حفلات الكوكتيل، ولكنها ليست النوعية التي ينبغي أن تنشر تحت الرعاية العلمية الجدية». ووصفه أحد علماء الجيولوجيا مرة بأنه «على الأرجح أهم بحث في علوم الأرض سبق ورفض نشره».
على أي حال، كانت القشرة المتنقلة فكرة لم يحن وقتها بعد. وقد عقد كثير من أهم الشخصيات في هذا الميدان ندوة في لندن برعاية الجمعية الملكية في 1964، وفجأة، ارتد الجميع على ما يبدو. اتفق المجتمعون على أن الأرض (خليط متنوع) موازييك من القطع المتداخلة التي يفسر اصطدامها الضخم ببعضها بعضاً كثيراً من سلوك سطح الكوكب.
ونبذ بسرعة اسم «الانجراف القاري» ، حين أدرك أن القشرة كلها تتحرك وليسس القارات فقط، ولكن الأمر استغرق مدة للاستقرار على اسم للقطع الفردية. في البداية سماها الناس «القطع القشرية»، أو أحياناً «الرصفة». ولكن في أواخر 1968، وبعد نشر مقالة لثلاثة علماء زلازل أميركيين في مجلة الأبحاث الجغرافية، حصلت القطع على اسم وصارت تعرف باسم الألواح. ودعت المقالة نفسها العلم الجديد باسم الألواح التكتونية.
إن الأفكار القديمة لا تموت بسهولة لهذا لم يندفع الجميع إلى اعتناق النظرية الجديدة المثيرة. وفي أواخر السبعينيات، ألح أحد أشهر الكتب الجيولوجية

المؤثرة، «الأرض» -والذي ألفه المحترم هارولد جيفريز- بقوة أن الألواح التكتونية تشكل استحالة مادية، كما فعل في الطبعة الأولى في 1924. وقد رفض أيضاً الحمل الحراري وانتشار قاع البحر. وفي كتاب الحوض والسلسلة، الذي نشر في 1980، قال جون مكفي: إن واحداً من بين كل ثمانية جيولوجيين أميركيين لم يقبل فكرة الألواح التكتونية آنذاك.
واليوم نعرف أن سطح الأرض مشكل من ثمانية إلى اثني عشر لوحاً كبيراً (وهذا يعتمد على كيفية تحديد الكبر) ومن عشرين أو ما يقارب ذلك من الألواح الأصغر، وأنها كلها تتحرك في اتجاهات مختلفة وبسرعات مختلفة. بعض الألواح كبيرة ومهمدة نسبياً، وبعضها الآخر صغير ولكنه نشيط. ولا تجمعها إلا علاقة تصادفية مع كتل الأرض التي توضع فوقها. فاللوح الأمريكي الشمالي، مثلاً أضخم بكثير من القارة التي يربط بها. فهويتبع تقريباً مخطط الساحل الغربي للقارة (لهذا السبب المنطقة ناشطة زلزالياً، بسبب ارتجاج واندفاع حد اللوح)، ولكنه يتجاهل الشاطئ وبدلاً من ذلك يمتدّ منتصف الطريق عبر الأطلسي إلى الحيد الذي في منتصفه. أيسلندة منشقة في الوسط، مما يجعلها تكتونياً نصف أمريكية ونصف أوروبية. بينما نيوزلندة هي جزء من لوح المحيط الهندي الضخم بالرغم من أنها ليست قريبة منه. وهكذا المسألة بالنسبة لمعظم الألواح.
إن الروابط بين كتل الأرض الحديثة والسابقة تبدو أكثر تعقيداً مما يمكن أن يتصوره المرء. تبين أن كازاخستان كانت مرتبطة مرة بالنرويج ونيوإنجلاند. وإحدى زوايا جزيرة ستيتن، ولكن زاوية واحدة فحسب هي أوروبية. وهكذا جزء من نيوفاوندلاند. التقطوا حصاة من شاطئ في ماساتشوسيتس وستكون الحصاة الأقرب لها الآن في إفريقية. إن الأراضي المرتفعة الأسكتلندية وكثيراً من إسكندنافيا هي أمريكية بالأساس. إن بعض سلسلة شاكلتون من أنتاركتيكا -كما يُعتقد – ربما كانت تنتمي إلى جبال الأبلاش في الروك الروسية الشرقية، باختصار لقد استدارت.

إن الفوضى المستمرة تمنع الألواح من الانصهار في لوح واحد ثابت. ومفترضين أن الأمور ستستمر كما هو الأمر الآن، فإن المحيط الأطلسي سيتوسع إلى أن يصبح بين النهاية أكبر من المحيط الهادئ. سيعوم كثير من كاليفورنية ويصبح نوعاً من مدغشقر المحيط الهادئ. ستندفع إفريقية شمالاً نحو أوروبة، مما سيؤدي إلى اختفاء المتوسط رافعاً سلسلة جبال على غرار جبال الهملايا المهيبة تمتد من باريس إلى كالكوتا. ستستعمر أسترالية جزر شمالها وترتبط بآسية بسرّة برزخية. هذه هي النتائج المستقبلية. والأحداث تحدث الآن. فبينما نجلس هنا، فإن القارات تنجرف، كأوراق في بركة. ولكن بفضل أنظمة الموضعة العالمية نستطيع أن نرى أن أوروبية وأمريكة الشمالية تنفصلان بالسرعة نفسها التي ينمو بها ظفر: تقريباً مترين في مدة حياة إنسان. إذا كنت مستعداً للانتظار مدة أطول، فبوسعك أن تنطلق من لوس أنجلس إلى سان فرانسيسكو. إن قصر العمر فقط هو الذي يمنعنا من إدراك هذه التغيرات. انظر إلى الكوكب (الجلوب) وما ستراه في الحقيقة هو لقطة خاطفة للقارات كما كانت فقط لعشر من 1% من تاريخ الأرض.
إن الأرض هي الكوكب الوحيد بين الكواكب الصخرية التي تمتلك الألواح التكتونية والسبب في هذا لا يزال لغزاً. إنها ليست مجرد مسألة حجم أوكثافة. إن كوكب الزهرة هو توأم للأرض في هذه المناحي، ومع ذلك ليسس فيه نشاط تكتوني، ولكن ربما لدينا فقط المواد المناسبة في المقاييس الصحيحة لجعل الأرض تمور بالحيوية. واعتقد بالرغم من أن الأمر في الحقيقة ليس إلا مجرد فكرة، أن التكتونيات هي جزء مهم من رفاهة الأرض العضوية. وكما عبر عن الأمر عالم الفيزياء والكاتب جيمس تريفل: «سيكون من الصعب التصديق بأن الحركة الدائمة للألواح التكتونية ليس لها تأثير على تطور الحياة على الأرض». ويقترح أن التحديات التي تفرضها الألواح التغيرات في المناخ، مثلاً كانت مهمازاً مهماً لتطور الذكاء. ويعتقد آخرون أن الانجرافات القارية من المحتمل أنها أنتجت على الأقل

بعض حوادث الانقراض المتنوعة على الأرض. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 أنتج توني دكسون من جامعة كمبريدج تقريراً - نشر في مجلة ساينس (العلم)- يقترح بقوة أنه يمكن أن تكون هناك علاقة بين تاريخ الصخور وتاريخ الحياة. ما وصل إليه دكسون هو أن المركب الكيميائي لمحيطات الأرض تبدل بشكل مفاجئ ودرامي في أوقات عبر النصف بليون عام الماضية، وغالباً ما تتواشج هذه التغيرات مع حوادث مهمة في التاريخ البيولوجي: البزوغ الضخم للمتعضيات الصغيرة التي أنشأت الجروف الحوارية للساحل الإنكليزي الجنوبي، الموضة المفاجئة للأصداف بين المتعضيات البحرية في المدة الكامبرية، وهكذا دواليك.
على أي حال، لم تشرح الألواح التكتونية دينامية سطح الأرض فحسب كيف وصل هيباريون قديم من فرنسة إلى فلوريدة، على سبيل المثال وإنما أيضاً كثيراً من أفعالها الداخلية: الزلازل، وتشكل سلاسل الجزر، ودورة الكربون، ومواقع الجبال، ومجيء العصور الجليدية، وأصول الحياة نفسها، وبالكاد كانت هناك مادة لم تتأثر مباشرة بهذه النظرية الجديدة اللافتة للنظر. لقد وجد علماء الجيولوجيا أنفسهم –كما قال (مكفي) - في الموقع الذي يسبب الدوار حيث «الأرض كلها صارت مفهومة فجأة».
ولكن إلى نقطة ما فقط. إن توزيع القارات في الأزمنة السابقة حل بطريقة أقل أناقة بكثير مما ظنه الأشخاص جميعاً الذين خارج الجيوفيزياء. وبالرغم من أن الكتب تقدم تمثيلات تبدو واثقة لكتل الأرض القديمة بأسماء مثل لوراسيا، وجوندوانا، ورودينيا وبانجيا، إلا أن هذه كانت تستند أحياناً إلى استنتاجات لا تصمد. وكما قال جورج جيلورد سيمبسون في كتابه المستحاثات وتاريخ الحياة، كان لأنواع النباتات والحيوانات في العالم القديم عادة الظهور بشكل غير مناسب، حيث يجب ألا تظهر وتخفق في أن تكون حيث ينبغي عليها أن تكون.
كان مخطط جوندوانا، التي كانت مرة قارة كبيرة تربط أسترالية وإفريقية وأنتاركتيكة وأمريكة الجنوبية يستند بشكل كبير على توزع جنس قديم من

الأشنيات يُدعى جلوسوبتيريس Glossopteris، اكتُشف في الأمكنة جميعها. على أي حال، بعد زمن طويل فيما بعد اكتشف الجلوسوبتيريسس في أجزاء من العالم ليس لها ارتباط معروف بجوندوانا. إن هذا التناقض المزعج كان ولا يزال مغفلاً. وبنحو مشابه، إن زاحفة من العصر الترياسي تدعى ليستروصوروسlystrosaurus عثر عليها من أنتاركتيكة طوال الطريق إلى آسية، وهذا دعم فكرة ارتباط سابق بين هذه القارات، ولكنها لم تظهر أبداً في أمريكة أو أسترالية، اللتين اعتقد أنهما كانتا جزءاً من القارة نفسها في الوقت نفسه.
ثمة أيضاً كثير من ملامح السطح التي لا تستطيع الألواح التكتونية شرحها. خذوا دنفر مثلاً. إنها –كما يعرف الجميع – مرتفعة ميلاً، ولكن هذا الارتفاع حديث نسبياً. حين كانت الديناصورات تطوف على سطح الأرض، كانت دنفر جزءاً من قاع المحيط، منخفضة آلاف المترات. مع ذلك إن الصخور التي تستقر عليها دنفر لن تكون مسحوقة أو مشوهة لوأن دنفردًفعت إلى الأعلى من قبل الألواح المصطدمة، وعلى أي حال كانت دنفر بعيدة جداً عن حواف اللوح كي تكون عرضة لأفعاله. سيكون الأمر كما لوأنك تدفع إزاء حافة سجادة، آملاً أن ترفع ثنية في الطرف المقابل. وطوال ملايين السنين يبدو أن دنفر كانت ترتفع بشكل غامض، مثل الخبز داخل بيت النار. وحدث هكذا أيضاً لكثير من جنوب إفريقية: ارتفع جزء مؤلف من 1600 كيلومتر نحو كيلومتر ونصف في مئة مليون عام، دون أي نشاط تكتوني معروف مرتبط بذلك. كانت أسترالية – في غضون ذلك – تنحدر وتغوص. وفي الأعوام المئة مليون الماضية، حين انجرفت شمالاً نحو آسية، غاصت حافتها الأساسية إلى عمق 200 قدم تقريباً. ويبدو كأن إندونيسية تغوص ببطء شديد، وتجز أسترالية معها إلى الأسفل. لا شيء في نظرية التكتونيات يشرح أياً
من هذا.
لم يعش ألفرد فاغنر أبداً كي يرى أفكاره تثبت. قام وحده برحلة إلى غرينلندة في 1930، في عيد ميلاده الخمسين؛ كي يفحص نقص المؤونة. لم يعد أبداً. عثر

عليه بعد أيام عدة مجمداً حتى الموت في الجليد. دفن في المكان نفسه وما يزال قبره هناك , و لكن اقرب نحو متر من امريكة الشمالية , مما كان عليه يوم موته .
لم يعش أينشتاين أيضاً بما يكفي كي يرى أنه راهن على الحصان الخطأ. وفي الحقيقة، وافته المنية في برنستون، نيوجرسي، عام 1955، قبل أن ينشر هجوم .تشارلز هابجود المتفه لنظريات الانجراف القارية
كان المؤثر الآخر الرئيس في بزوغ نظرية التكتونيات، هاري هيس، في برنستون أيضاً في ذلك الوقت، وأمضى بقية حياته المهنية هناك. كان أحد طلابه شاباً متألقاً يدعى والتر ألفاريز، الذي غير عالم العلم في النهاية بطريقة مختلفة تماماً.
كانت الانقلابات الجيولوجية قد بدأت لتوها، وكان الشاب ألفاريز هو الذي ساعد على إطلاق هذه العملية.
الباب الرابع: كوكب خطر
الفصل الثالث عشر
انفجار
كان الناس يعرفون لوقت طويل أن هناك شيئاً غريباً بخصوص الأرض تحت مانسون، في آيوا. وفي عام 1912 أفاد رجل كان يحفر بئراً لتزويد البلدة بالماء أنه أخرج كثيراً من الصخور المشوهة بشكل غريب. كانت «صخوراً فلذية بلورية مؤلفة من شظايا زاوية متلاحمة ذات منشأ ذوباني»، «ومقذوفات بركانية مقلوبة»، كما وصفت في تقرير رسمي. كان الماء غريباً، أيضاً. كان يسيراً تقريباً كمياه المطر. ذلك أن الماء اليسر الذي يحصل بشكل طبيعي لم يعثر عليه أبداً في آيوا من قبل.
وبالرغم من أن صخور مانسون الغريبة ومياهها الحريرية كانت مسائل مثيرة للفضول، فقد مرّ واحد وأربعون عاماً قبل أن يتوجّه إلى هناك فريق من جامعة آيوا ويقوم بزيارة إلى الجماعة، التي كانت آنذاك -كما الآن- بلدة يسكنها نحو ألفي شخص في الجزء الشمالي الغربي من الولاية. وفي 1953 -بعد تغطيس سلسلة من المواسير التجريبية السابرة- اتفق علماء الجيولوجيا في الجامعة على أن الموقع شاذ وعزوا الصخور المشوّهة إلى فعل بركاني قديم غير محدد. كان هذا يعكس تماشياً مع حكمة العصر، ولكنه كان أيضاً مغلوطاً بقدر ما يمكن أن يكون استنتاجاً جيولوجياً.
لم تأت صدمة جيولوجيا مانسون من داخل الأرض وإنما مما وراء ذلك بمئة مليون عام على الأقل. ففي وقت ما في الماضي الضارب في القدم، حين توضعت ماتسون على جافة بحر ضحل، سقطت صخرة عرضها ميل ونصف، ووزنها 10 بلايين طن ومنطلقة بأكثر من سرعة الصوت بمئتي مرة عبر الجو، واصطدمت بالأرض بعنف ومفاجأة ليس بوسعنا تخيلهما. والمكان الذي تتوضع فيه مانسون الآن أصبح في لحظة حفرة عمقها ثلاثة أميال، وعرضها أكثر من 20 ميلاً. إن الحجر الجيري الذي يمنح آيوا في مكان آخر مياهها العسرة المعدنية طمس، واستبدل بالصخور السفلية المصدومة التي حيّرت حفار المياه في 1912

كان اصطدام مانسون أكبر شيء من أي نوع سبق أن حصل في البر الرئيس للولايات المتحدة. فالحفرة التي خلفها كانت ضخمة جداً بحيث إذا وقفت على إحدى الحواف لن تكون قادراً على رؤية الجانب الآخر إلا في يوم صحو. ستجعل الجراند كانيون يبدو مألوفاً وسخيفاً. ولسوء حظ محبّي المشهد، ملأت 2.5 مليون عام من الطبقات الجليدية، العابرة حفرة مانسون إلى قمتها بالطفل الجليدي ثم درجتها وجعلتها ناعمة بحيث إن المشهد الطبيعي اليوم في مانسون، ولأميال حولها، صار مسطحاً كالطاولة. ولهذا السبب بالطبع لم يسمع أحد بحفرة مانسون.
وفي مكتبة مانسون يسرّهم أن يطلعوكم على مجموعة من المقالات الصحفية وصندوق من العينات الداخلية من برنامج حفر، تم في 1991، والواقع أنه يسرهم إخراج هذه المواد ولكن عليكم أن تطلبوا رؤيتها. لا شيء يُعرض بشكل دائم ولا يوجد أي مؤشر تاريخي في أي مكان في البلدة.
إن أضخم ما حدث بالنسبة للسكان في مانسون هوالإعصار الذي ضرب مين ستريت في 1979، ودمر المقاطعة التجارية. كانت إحدى فوائد كل تلك الأراضي المنبسطة المحيطة هي أنكم تستطيعون رؤية الخطر من مسافة بعيدة. وتبين أن سكان البلدة كلهم تجمعوا في أحد طرفي مين ستريت، وراقبوا لنصف ساعة تقدم الإعصار نحوهم، آملين أنه سينحرف، ثم ركضوا بسرعة بحصافة حين لم ينحرف. وللأسف، لم يتحرك أربعة منهم بسرعة كافية فقتلهم الإعصار. وفي كل عام في شهر حزيران يتم إحياء المناسبة لمدة أسبوع في مانسون، وهي تدعى أيام الحفرة Crater Days ، وتهدف إلى مساعدة الناس على نسيان تلك الذكرى التعيسة. لكن لا علاقة لها بالحفرة في الحقيقة. ولم يفكر أحد بطريقة؛ كي يفيد
من موقع مؤثر غير مرئي.
قالت آنا شلابكول، أمينة المكتبة الودودة في البلدة: «نادراً ما يدخل أشخاص ويسألون إلى أين يجب أن يذهبوا كي يشاهدوا الحفرة، ويكون علينا أن نخبرهم أنه لا يوجد شيء للرؤية ثم يرحلون خائبي الأمل نوعاً ما». على أي حال، إن معظم الناس،

بما فيهم سكان أيوا لم يسمعوا بحفرة مانسون. حتى بالنسبة لعلماء الجيولوجيا، بالكاد استحقت الذكر في الحاشية. ولكن مانسون كانت لمدة وجيزة في الثمانينيات مكان الاصطدام الأكثر إثارة على الصعيد الجيولوجي على وجه البسيطة.
بدأت القصة في الخمسينيات حين قام عالم جيولوجيا شاب متألق بزيارة إلى حفرة النيزك Meteor Crater في أريزونا. واليوم تُعدّ حفرة النيزلك أكثر مواقع الاصطدام شهرة على وجه الأرض وموقع مشهور يجذب السواح. في تلك الأيام -على أي حال – لم يأت إليها زوار كثيرون وكان لا يزال يُشار إليها باسم حفرة بارنجر بعد أن ادعى مهندس ومعدن ثري يدعى دانييل م. بارنجر أنها ملك له في 1903. اعتقد بارنجر أن الحفرة نجمت عن نيزك وزنه 10 ملايين طن، كان مثقلاً بالنيكل والحديد، وكان واثقاً من أنه سيجني ثروة من التنقيب فيها. دون أن يدري أن النيزك وكل ما فيه يتبخر عند الاصطدام: ضيع ثروة في ذلك، وفي الست والعشرين سنة اللاحقة حفر أنفاقاً لم تؤد إلى أي شيء.
وبمعايير اليوم، كان البحث في الحفر في أوائل التسعينيات شيئاً تافهاً غير متطور، هذا إذا قلنا أقل شيء. وقام المستكشف الأول البارز، ج. ك. جلبرت من جامعة كولومبيا بتقليد تأثيرات الاصطدام عبر قذف الرخام في آنية من دقيق الشوفان. (ولأسباب لا أستطيع إيرادها قام جبلرت بهذه التجارب ليس في مختبر في كولومبيا وإنما في غرفة فندق). نوعاً ما، استنتج جلبرت من هذا أن حفر القمر ناجمة عن اصطدام، وكانت هذه فكرة راديكالية في ذلك الوقت ولكن حفر الأرض لم تنتج عن هذا. ورفض معظم العلماء أن يذهبوا حتى إلى هذا الحد. بالنسبة لهم، كانت حفر القمر أدلة على براكين قديمة لا أكثر. وكانت الحفر القليلة التي بقيت واضحة على الأرض (معظمها تأكل) تعزى عادة إلى علل أخرى، أو نظر إليها كحالات نادرة حدثت بالمصادفة.
وفي الوقت الذي جاء فيه شوميكر، كانت وجهة النظر السائدة أن الحفر النيزكية ناجمة عن انفجار بخاري تحت الأرض. لم يكن شوميكر يعرف أي

شيء عن الانفجارات البخارية تحت الأرض لم يستطع أن يعرف؛ لأنها لا توجد ولكنه كان يعرف كل شيء عن مناطق الانفجار. كانت إحدى وظائفه خارج الكلية هي دراسة حلقات الانفجار في مكان الاختبار النووي يوكا فلاتس في نفادا. وقد . استنتج –كما فعل بارنجر قبله- أنه ليس هناك أي شيء في الحفرة النيزكية. يوحي بنشاط بركاني، وإنما حدث توزيع ضخم لمواد أخرى من قطع شاذة وجميلة من معدن السليكا والأحجار المغنطيسية بشكل رئيس أوحت باصطدام من الفضاء الخارجي. مسحوراً، بدأ يدرس الموضوع في أوقات فراغه.
حين عمل في البداية مع زميلته إلينور هيلين وفيما بعد مع زوجته كارولين، ومساعده ديفد ليفي، بدأ شوميكر مسحاً منهجياً للمنظومة الشمسية الداخلية. كانوا يمضون أسبوعاً كل شهر في مرصد بالومار في كاليفورنية باحثين عن أجرام عن كويكبات خاصة، كانت تحملها مساراتها عبر مدار الأرض.
بعد بضع سنوات قال شوميكر متذكراً في حوار عبر شاشة التلفاز: ((هي في الوقت الذي بدأنا فيه، لم يحدث أن رصد أكثر من دزينتين من هذه الأجرام في المجرى الكامل للرصد الفلكي)). وأضاف: «إن علماء الفلك في القرن العشرين تخلوا بشكل جوهري عن المنظومة الشمسية. فقد وجّهوا انتباههم إلى النجوم، والمجرات».
ما اكتشفه شوميكروزملاؤه أنه كان هناك المزيد من المجازفة هناك كمية أكبر بكثير مما سبق أن تصور أي شخص.
إن الكويكبات -كما يعرف معظم الناس – هي أجرام صخرية تدور في تشكيل فضفاض في حزام بين المريخ والمشترى. وتبدو في الرسوم دوماً كأنها توجد في خليط غير منظم، ولكن المنظومة الشمسية هي في الواقع مكان متسع، ويبعد الكويكب العادي نحو مليون ونصف كيلومتر عن أقرب جار له. لا أحد يعرف كم عدد الكويكبات التي تندفع عبر الفضاء، ولكن يُعتقد أن العدد على الأرجح ليس أقل من بليون. ويُفترض أنها كوكب لم ينجح في التشكل أبداً، بسبب الدفع الجاذبي المقلقل لكوكب المشتري , الذي منعها و يمنعها من الاندماج .

حين رصدت الكويكبات لأول مرة في العقد الأول من القرن التاسع عشر اكتشف الأول في اليوم الأول من القرن من قبل صقلي يدعى جيوسيبي بيازي، اعتقد أنها كواكب، وسمي أول اثنين سيرس وبالاس. وقام عالم الفلك وليم هيرشل باستنتاجات عدة تفيد أنها ليست بحجم الكوكب وإنما أصغر بكثير. سماها كويكبات: الكلمة اللاتينية عن شبيه النجم، وكان هذا من قبيل سوء الحظ قليلاً بما أنها لا تشبه النجوم على الإطلاق. وتدعى الآن أحياناً بشكل أكثر صحة الكويكبات السيارة.
صار اكتشاف الكويكبات نشاطاً شعبياً في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وفي نهاية القرن عُرف نحوألف كويكب. والمشكلة هي أنه لم يكن هناك أحد يسجلها بشكل منهجي. وفي أوائل التسعينيات، كان من المستحيل على الأغلب معرفة إن كان كويكب قد بزغ في مدى النظر جديداً، أو أنه واحد شوهد سابقاً ثم فقد أثره. في ذلك الوقت، تطورت الفيزياء الفلكية كثيراً بحيث إن قلة من علماء الفلك أرادوا أن يكرسوا حياتهم لأي شيء دنيوي ككويكبات صخرية. فقط قلة، وبشكل ملحوظ جيرارد كويبر Gerard Kuiper عالم الفلك الذي ولد في هولندة، الذي سمّي على اسمه حزام كويبر Kuiper belt من الشهب، اهتموا بالمجموعة الشمسية. وبفضل عمله في مرصد مكدونالد في تكساس، وتبعه فيما بعد عمل قام به الأخرون في ماينور بلانيت سنتر في سينسيناتي ومشروع مراقبة الفضاء في أريزونا، تم إعداد قائمة طويلة من الكويكبات الضائعة تدريجياً حتى نهاية القرن العشرين. كان هناك كويكب واحد لم يفسر، جرم يدعى 719 ألبرت. كانت آخر مرة شوهد فيها هي تشرين الأول 1911، ورصد أخيراً في عام 2000 بعد أن كان مفقوداً لمدة 89 سنة.
وهكذا، من وجهة نظر بحث الكويكبات كان القرن العشرون في جوهره تمريناً طويلاً في مسك الحسابات. وفي الأعوام القليلة الأخيرة فحسب بدأ علماء الفلك يحصون ويراقبون بقية جماعة الكويكبات. وفي تموز 2001، تم تسمية وتحديد 26000 كويكب نصفها في العامين الماضيين فحسب. وبوجود مليون يجب تحديدها، فإن إحصاءها بالكاد قد بدأ.

وبمعنى ما غير مهم، إن تحديد كويكب لا يجعله آمناً. حتى لو أن كل كويكب في المنظومة الشمسية كان له اسم ومدار معروف، لا أحد يستطيع القول أي اضطراب لا يمكن أن يقذف أحدها نحونا. لا نستطيع التنبؤ باضطراب الصخور على سطحنا الخاص. اجعلوا تلك الصخور طافية في الفضاء وما يمكن أن تفعله لا يمكن تخمينه. إن أي كويكب هناك في الأعلى وضعنا له اسماً من المحتمل جداً ألا يكون له اسم آخر.
فكروا بمدار الأرض على أنه نوع من طريق سيارة ونحن العربة الوحيدة التي تسير عليه، ولكن يعبره بنحو منتظم عابرون لا يعرفون بما يكفي كي ينظروا قبل أن يسقطوا عن الحافة. إن 90% على الأقل من هؤلاء العابرين غير معروفين لنا. لا نعرف أين يعيشون، وأي أنواع من الساعات يستخدمون، وكيف غالباً يعترضون طريقنا. وكل ما نعرفه هو أنه في نقطة ما، وفي فواصل غير محددة، يندفعون على الطريق الذي نسير عليه بسرعة تتجاوز مئة ألف كيلومتر في الساعة. وكما عبر عن الأمر ستيفن أوسترومن مخبر جيت بروبلشن: «افترض أن هناك زراً تستطيع الضغط عليه، وتستطيع أن تضيء الكويكبات العابرة للأرض جميعاً بأكثر من نحوعشرة أمتار، فسيكون هناك أكثر من مئة مليون من هذه الأجرام في السماء». باختصار، لن ترى ألفي نجم متلألئ وإنما ملايين فوق ملايين فوق ملايين من الأجرام الأقرب التي تتحرك بشكل عشوائي، و« جميعها قادرة على الاصطدام بالأرض، وكلها تتحرك على مسارات مختلفة بشكل ضئيل عبر السماء بسرعات مختلفة. سيكون هذا مثيراً للأعصاب جداً».
اعتقد بكل ما للكلمة من معنى بالرغم من أن الأمر في الواقع مجرد تخمين يستند إلى التقدير الاستقرائي من نسب التوهد على القمر، أن نحو ألفي كويكب كبيرة بما يكفي ليعرض الوجود المتحضر للخطر ويعبر مدارنا بشكل منتظم. ولكن حتى كويكب صغير بحجم منزل، مثلاً يمكن أن يدمر مدينة. إن عدد هذه الكويكبات الصغيرة النسبية في المدارات التي تعبر الأرض، هو بالتأكيد مئات

الألوف ومن المحتمل أن يصل إلى الملايين، ومن المستحيل تقريباً رصدها.
لم يحدد الكويكب الأول حتى 1991، وكان هذا بعد أن عبر. دعي 1991 ب. أ، ولوحظ وهو يعبرنا على بعد 170,000 كيلومتر، بالمصطلحات الكونية ما يكافئ رصاصة تمر عبر كم شخص دون أن تلمس ذراعه. بعد عامين، أخطأنا كوكب فقط ب145,000 كيلومتر، وهذا أقرب عبور سجّل حتى الآن. وهو أيضاً لم يُشاهد إلى أن عبر وكان سيصل دون تحذير. وبحسب تيموثي فيريسس -الذي كتب في نيويوركر- إن هذا الخطأ القريب يحدث على الأرجح مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً ولا يُلاحظ.
إن جرماً بعرض مئة متر لا يمكن أن يرصده أي تلسكوب على الأرض، حتى يصير على بعد أيام عدة عنا، وهذا يحدث إذا كان التلسكوب مدرباً على رصده، وهذا غير مرجح؛ لأنه حتى الآن إن عدد الأشخاص في العالم الذين يبحثون بشكل نشيط عن الكويكبات، هم أقل من موظفي مطعم مكدونالد عادي (إنه أعلى الآن نوعاً ما. ولكن ليس كثيراً).
بينما كان جين شوميكر يثير الناس حول الأخطار المحتملة للمنظومة الشمسية الداخلية، حدث تطور آخر غير ذي صلة بشكل كامل في ظاهره في إيطالية في عمل عالم جيولوجيا شاب من مرصد لامونت دوهرتي في جامعة كولومبيا. في أوائل السبعينيات، كان والتر ألفاريز يقوم بعمل ميداني في شعب جبلي جميل يدعى بوتاسيوني جورجي Bottaccione Gorge، قرب البلدة الجبلية الأمبرية التي تدعى جوبيو، حين أثارت فضوله طبقة من الطين الأحمر رقيقة تفصل طبقتين قديمتين من الحجر الجيري: واحدة من العصر الطباشيري، والأخرى من العصر الثلثي. وهذه نقطة معروفة في الجيولوجيا باسم حد كي تي، وتحدد زمن اختفاء الديناصورات قبل 65 مليون سنة، مع نصف الأنواع الأخرى من حيوانات العالم فجأة من سجل المستحاثات. تساءل الفاريز: ما الذي في طبقة رقيقة من الطين، لا تصل سماكتها إلى 6 مليمترات، يمكن أن يفسر لحظة (درامية) كهذه في تاريخ الأرض؟

كانت الفكرة التقليدية عن انقراض الديناصورات س2 ذلك الوقت، هي نفسها التي كانت في أيام تشارلز ليل قبل قرن، ومفادها أن الديناصورات انقرضت منذ أكثر من ملايين الأعوام. ولكن رقة طبقة الطين أوحت أنه في أمبريا - إن لم يكن في مكان آخر- حدث شيء مفاجئ. ولسوء الحظ، لم يكن هناك اختبارات في السبعينيات لتحديد ((كم استغرق تراكم هذا الترسب))
وفي المجرى العادي للأمور، كان من المؤكد أن ألفاريز سيضطر إلى ترك المسألة عند هذا الحد؛ ولكن لحسن الحظ كانت تجمعه رابطة لا تنفصم مع شخص من خارج سلكه يستطيع مساعدته، وهو والده لويس. كان لويس ألفاريز عالم ذرة مبرّزاً، وقد حصل على جائزة نوبل في الفيزياء في العقد السابق. وقد كان دوماً يزدري بخفة ارتباط ولده بالصخور، ولكن هذه المشكلة سحرته. وخطر له أن الإجابة يمكن أن تكمن في غبار من الفضاء.
كل عام تُراكم الأرض نحو ثلاثين ألف طن من((الأجسام الكروية الكونية))، الغبار الفضائي، بلغة أبسط الذي سيكون كثيراً جداً إذا ما جُمع في كومة واحدة، ولكنه يكون متناهي الصغر إذا ما فرش على الكوكب. وفي هذا الغبار الرقيق تتبعثر عناصر غريبة لا يُعثر عليها عادة كثيراً على الأرض. وبين هذه العناصر هناك عنصر الإريديوم، الذي هو متوافر في الفضاء أكثر بألف مرة من توافره في قشرة الأرض (ويُعتقد أن السبب في ذلك أن معظم الإريديوم في الأرض غاص إلى اللب، حين كان الكوكب فتياً).
عرف لويس ألفاريز أن زميلاً له في مخبر لورنس بيركلي، هوفرانك أسارو،
طور تقنية تقيس بشكل دقيق جداً المركب الكيميائي للمواد الطينية عبر عملية تدعى تحليل تنشيط النيوترون. ويشمل هذا قصف عينات بالنيترونات في مفاعل نووي صغير، وإحصاء أشعة غاما التي تنبعث بدقة; كان هذا عملاً صعباً جداً. وقد استخدم آسارو سابقاً التقنية لتحليل قطع فخار، ولكن ألفاريز فكر أنه إذا قاسوا كمية واحد من العناصر الغريبة في عيّنات التربة، التي أحضرها ولده،

وقارنوا ذلك بنسبة إيداعها السنوي، فسيعرفون كم استغرق تشكل العينات. وفي ظهيرة أحد أيام شهر تشرين الأول في 1977 زار (لويس) و(والتر ألفاريز) آسارو وطلبا منه أن يجري الاختبارات الضرورية لهما.
كان هذا طلباً وقحاً. كانا يطلبان من آسارو أن يكرس أشهراً؛ كي يقوم بالقياسات المرهقة للعينات الجيولوجية فقط، كي يؤكد ما بدا جلياً بشكل كامل، وهو أن طبقة الطين الرقيقة تشكلت بسرعة كما توحي رقتها. وبالتأكيد لم يتوقع أحد أن يؤدي مسحه إلى أي فتوحات علمية مثيرة.
وتذكر آسارو في مقابلة أجريت معه بي 2002: ((حسناً، كانت مبهجة جداً، ومقنعة جداً. وبدت تحدياً مهماً، وهكذا وافقت على المحاولة. ولسوء الحظ، كان لدي كثير من العمل الآخر القائم، وهكذا مرّت ثمانية أشهر قبل أن أستطيع البدء)). وقال عائداً إلى ملحوظاته المدونة عن تلك المدة: (( في 21 حزيران عام 1978، في الساعة الثانية إلا ربعاً بعد الظهر، وضعنا عيّنة في الفاحص. اشتغل لمدة 224 دقيقة وشعرنا أننا نحصل على نتائج مهمة، فأوقفناه وألقينا نظرة.
كانت النتائج غير متوقّعة بحيث إنّ العلماء الثلاثة فكروا في البداية أنهم يجب أن يكونوا مخطئين. كانت كمية الإريديوم في عينات ألفاريز أكبر بثلاث مئة مرة من المستويات العادية، وكان هذا يتجاوز توقعاتهم بكثير. وفي الأشهر الآتية عمل أسارو وزميلته هيلين ميشيل ثلاثين ساعة على نحو متواصل (حالما تبدأ لا تستطيع التوقف، كما قال آسارو) وهما يحللان العينات، ودائماً كانا يصلان إلى النتائج نفسها من الدانمرك، وإسبانية، وفرنسة، ونيوزلندة وأنتاركتيكة وتبيّن أن ترسب الإيريديوم كان في كل أنحاء العالم ومرتفعاً بشكل كبير في كل مكان، وأحياناً أكثر بخمس مئة مرة من المستويات العادية. كان من الواضح أن شيئاً ما كبيراً ومفاجئاً. وعلى الأرجح جائحة، أنتجت هذا النتوء المعدني.
بعد كثير من التفكير، استنتج ألفاريز وابنه أن الشرح الأكثر تصديقاً لهما على أي حال أن نيزكاً أو كويكباً صدام الأرض.

إن فكرة أن الأرض يمكن أن تكون معرضة لاصطدام مدمر بين مدة وأخرى لم تكن جديدة تماماً كما اقترح الآن. ففي عام 1942، اقترح عالم فيزياء فلكية من جامعة نورثويسترن يدعى رالف ب. بالدوين احتمالاً كهذا في مقال نشره في مجلة ببيولار أسترونومي. (نشر المقالة في هذه المجلة؛ لأنه لم يكن هنالك ناشر أكاديمي مستعد لنشرها). وعلى الأقل، قام عالمان مشهوران هما عالم الفلك إرنست أوبك وعالم الكيمياء الحاصل على جائزة نوبل هارولد أوري بإعلان دعمهما للفكرة في أوقات مختلفة. وحتى بين علماء الإحاثة كان هذا معروفاً. وفي 1955 توقع أستاذ في جامعة ولاية أوريغن يدعى م.دبليو. دي لوينفيلز، الذي كان يكتب في جورنال أوف باليونتولوجي (مجلة علم الإحاثة)، نظرية ألفاريز حين اقترح أن الديناصورات يمكن أنها تلقت ضربة قاضية باصطدام من الفضاء، وفي عام 1970 اقترح رئيس الجمعية الأميركية لعلم الإحاثة ديوي ج. مكلارين في الاجتماع السنوي للجمعية احتمال أن صدمة من الفضاء الخارجي كانت سبب الحدث الأول، الذي يُعرف
باسم الانقراض الفرانزي FraSnian.
وكما لو أن الأمر هو من أجل التشديد على أنه كيف صارت الفكرة غير جديدة في ذلك الوقت، أنتج إستوديو تابع لهوليود في عام 1979 فيلماً بعنوان النيزك (عرضه خمسة أميال... وهو قادم بسرعة 30,000 ميل في الساعة. وما من مكان للاحتماء به!) وكان من بين الممثلين جون فوندا وناتالي وود وكارل مالدن وصخرة كبيرة جداً.
وهكذا حين أعلن ألفاريز ووالده في الأسبوع الأول من عام 1980 – في اجتماع الجمعية الأميركية للتقدم العلمي – اعتقادهما بأن انقراض الديناصورات لم يحدث في مدى ملايين الأعوام كجزء من عملية ما بطيئة لا ترحم، وإنما فجأة، وفي حدث انفجاري واحد، يجب ألا يكون قد سبب هذا صدمة.
ولكن هذا الإعلان سبب صدمة. تم تلقيه في كل مكان؛ ولكن خصوصاً في عالم علم الإحاثة، كهرطقة فاقعة.

قال آسارو: «لا بد أنك تتذكر أننا كنا ناضجين في هذا الميدان. كان والتر عالم جيولوجيا مختصاً في دراسة المغنطيسية القديمة، كان لويس عالم فيزياء وكنت أنا عالم كيمياء نووية. والآن ها نحن نخبر علماء الإحاثة بأننا حللنا مشكلة لم يحلوها طوال قرن. وليس من المفاجئ بشكل كبير أنهم لم يتقبلوا الفكرة على الفور». وكما علّق مازحاً لويس آلفاريز: ((لقد قبض علينا ونحن نمارس علم الجيولوجيا دون رخصة))
ولكن كان هناك أيضاً شيء ما أكثر عمقاً وأكثر بغضاً في نظرية الاصطدام. إن الاعتقاد بأن العمليات الأرضية كانت تدرجية، كان أساسياً في التاريخ الطبيعي منذ زمن ليل.وفي الثمانينيات، كانت نظرية الجوائح خارج المعتاد (الموضة) طويلاً بحيث إنها صارت غير قابلة للتفكير. وبالنسبة لمعظم علماء الجيولوجيا كانت فكرة الاصطدام الكارثي -كما نوّه يوجين شوميكر- ((ضد دينهم العلمي)).
لم يساعد أن لويس ألفاريز كان يزدري علناً علماء الإحاثة وإسهاماتهم في المعرفة العلمية. فقد قال في مقال واخزٍ نشر في مجلة نيويوركر: ((ليسوا في الحقيقة علماء جيدين جداً. إنهم مثل جامعي الطوابع)).
وقام معارضو نظرية ألفاريز بنشر ما يقدرون عليه من الشروح البديلة لترسبات الإيريديوم، مثلاً قالوا: إنها تولدت من انفجارات بركانية مطولة في الهند تدعى الدكن البركاني Deccan Traps (وأتت كلمة trap من كلمة سويدية لنوع من أنواع الحمم البركانية، وكلمة Deccan هي اسم المنطقة اليوم). وألحوا قبل كل شيء أنه لم يكن هنالك برهان على أن الديناصورات اختفت فجأة من سجل المستحاثات عند حد الإريديوم. وكان أقوى المعارضين هو تشارلز أوفيسر من كلية دارتماوث. ألح على أن الإريديوم أودع بسبب النشاط البركاني حتى عندما كان يسلم في مقابلة صحفية أنه لا يملك دليلاً فعلياً على ذلك. وفي أواخر 1988، كان نصف علماء الإحاثة الذين شملهم مسح يعتقدون أن انقراض الديناصورات لم تكن له علاقة بأي طريقة باصطدام كوكب أونيزك بالأرض.

كان الشيء الوحيد الذي سيدعم بشكل أكثر وضوحاً نظرية ألفاريز هو الشيء الوحيد الذي لم يمتلكاه: موقع اصطدام. يظهر يوجين شوميكر. كان لشوميكر صلة في آيوا. كانت كنته تعلم في جامعة آيوا، وكان يعرف عن حفرة مانسون من دراساته. وبفضله، استدارت الأعين جميعاً إلى آيوا الآن.
* * *
إن علم الجيولوجيا مهنة تتنوع بين مكان وآخر. ففي آيوا – الولاية المنبسطة ولكن غير المستوية على مستوى الطبقات – يميل هذا العلم إلى الهدوء. لا يوجد قمم ألبية أو مجالد شاحذة، ولا إيداعات كبيرة من النفط أو المعادن الثمينة، ولا تلميح عن تدفق فلذي بركاني. إذا كنت عالم جيولوجيا موظفاً لدى ولاية آيوا فإن الجزء الأكبر من العمل الذي تقوم به هو تقدير خطط تدبير السماد، ويطلب من كل ((المشتغلين في توليد الحيوانات في الولاية))، ومن مربي الخنازير، وبقيتنا، أن يضبّروها دوريّاً. هناك 15 مليون خنزير في آيوا، وهكذا فهناك كثير من السماد للعناية به. أنا لا أسخر من هذا مطلقاً، ((إنه عمل حيوي ومهم؛ يبقي مياه آيوا نظيفة. ولكن عملاً كهذا لا يجعلك تلجأ إلى المراوغة كي تتجنب قنابل بركانية من الحمم على جبل بيناتوبو، أو إلى الزحف فوق الصدوع على جليد غرينلندة؛ بحثاً عن الكوارتز الحامل للحياة. وهكذا نستطيع أن نتخيل فوران الإثارة التي اجتاحت قسم المصادر الطبيعية في آيوا، حين تركز الانتباه الجيولوجي العالمي في منتصف الثمانينيات على مانسون وحفرتها.
بنيت قاعة تروبريدج من الآجر الأحمر في بداية القرن في آيوا وتحتوي على قسم علوم الأرض التابع لجامعة آيوا. وفي الطريق إلى الأعلى في نوع من العلية يجلس علماء الجيولوجيا التابعون لقسم المصادر الطبيعية في آيوا. لا أحد يستطيع أن يتذكر الآن متى، أو لماذا، وضع علماء الجيولوجيا في الولاية في منشأة أكاديمية، ولكنك تحصل على انطباع بأنهم قبلوا المكان على مضض، ذلك أن المكاتب ضيّقة ومنخفضة السّقُف، ومن الصعب الوصول إليها. وحين يستقبلونك، تكون نصف متوقع بأنهم سيدخلونك إلى علية، ويساعدونك على الدخول من نافذة.

يمضي (ري أندرسون) و(بريان ويتزكي) حياتهما العملية هنا وسط أكوام غير مرتبة من الأوراق والمجلات والخرائط المرمية على الأرض وعينات أحجار ثقيلة. (إن علماء الجيولوجيا لا يرتبكون أبداً من الأثقال التي توضع على الأوراق). وفي مكان كهذا يمكنك أن تعثر على أي شيء: كرسي إضافية، وكوب قهوة، وهاتف يرن، وستضطر إلى إزاحة أكوام الوثائق من حولك.
((فجأة صرنا في مركز الأمور))، أخبرني أندرسون وهو يتوهج من تذكره للأمر، حين التقيت به هو و ويتزكي في مكتبهما في صباح ممطر كريه في حزيران. ((كان وقتاً رائعاً)).
سألته عن يوجين شوميكر، الرجل الذي يبدو كأنه محترم عالمياً. وكان شخصاً عظيماً، أجاب ويتزكي دون تردد : ((لولاه لما حدث شيء من هذا. حتى بدعم منه، استغرق حدوث الأمر عامين. إن الحفر عمل مكلف جداً، كان حفر مسافة قدم يكلف نحو 35 دولاراً آنذاك، أما الآن فيكلف أكثر، وكان علينا أن نحفر ثلاثة آلاف قدم)).
أضاف أندرسون: ((وأحياناً أكثر من هذا)). ووافقه ويتزكي: ((وأحياناً أكثر من هذا. وفي مواقع مختلفة.
وهكذا أنت تتحدث عن كثير من النقود. وبالتأكيد أكثر مما تسمح به ميزانيتنا )). وهكذا تم تعاون بين قسم المسح الجيولوجي في آيوا والمسح الجيولوجي الأمريكي.
قال أندرسون بابتسامة مؤلمة: ((على الأقل اعتقدنا أنه تعاون)).
وتابع ويتزكي: ((لقد كان منحنى تعليمياً حقيقياً لنا. كان هناك في الواقع كثير من العلم الرديء في أثناء تلك المدة. كان الناس يتسرعون في الوصول إلى نتائج لم تصمد دوماً أمام الفحص)). حصلت إحدى هذه اللحظات في الاجتماع السنوي لاتحاد الجيوفيزيائيين الأميركيين في 1985، حين أعلن غلين إزيت وسي. ل. بلمور من المسح الجيولوجي الأميركي أن حفرة مانسون كانت في العصر المناسب ولها




علاقة بانقراض الديناصورات. جذب الإعلان انتباه الصحافة ولكنه كان قبل أوانه لسوء الحظ. وكشف فحص أكثر دقة للمعطيات أن مانسون لم تكن حديثة. العهد، وإنما عمرها عشرة ملايين عام.
علم أندرسون وويتزكي أول مرة بهذه النكسة التي حلت بمهنتهما حين وصلا. إلى مؤتمر في ساوث داكوتا، ووجدا الأشخاص ينظرون إليهما بشفقة ويقولون: ((سمعنا أنكما فقدت ما حفرتكما)). ووصلت إليهما أنباء بأن إزيت وعلماء آخرين من المسح الجيولوجي الأميركي أعلنوا لتوهم أرقاماً تكشف أن مانسون لا يمكن أن
تكون حفرة الانقراض.
قال أندرسون متذكرأ: ((كان هذا مذهلاً. أعني كان لدينا هذا الشيء الذي كان في الواقع بالغ الأهمية وفجأة فقدناه. والأسوأ من ذلك هو اكتشافنا أن الأشخاص، الذين اعتقدنا أننا كنا نتعاون معهم لم يزعجوا أنفسهم بإطلاعنا على مكتشفاتهم الجديدة)).
((لماذا لم يفعلوا؟))
همز كتفيه. ((من يعرف؟ على أي حال، كشف هذا جيداً كيف يمكن أن يصبح العلم فاقداً للجاذبية حين تلعب على مستوى معين)).
انتقل البحث إلى مكان آخر. وبالمصادفة، التقى الباحث آلن هالدبراند من جامعة آريزونا في عام 1990 بصحفي من صحيفة هوستون كرونيكل صادف أنه كان يعرف عن تشكَل حفرة كبيرة غير مشروحة، عرضها 193 كيلومتراً وعمقها 48 كيلومتراً تحت شبه جزيرة يوكاتان في تشيكسولوب بمكسيكوقرب مدينة بروجريسو، تبعد إلى الجنوب وبخط مستقيم 950 كيلومتراً عن نيوأورليانز. عثرت على الحفرة (بيمكس)؛ شركة النفط المكسيكية، في1952، العام الذي زار فيه شوميكر، بالمصادفة، وأول مرة حفرة النيزك في أريزونا، ولكن علماء الجيولوجيا في الشركة استنتجوا أنها بركانية، متماشين مع التفكير السائد آنذاك. سافر هلدبراند إلى الموقع وقرر بسرعة أنهم حصلوا على حفرتهم. وفي

أوائل 1991 برهن بطريقة أرضت الجميع تقريباً أن تشيكسولوب حفرة ناجمة عن اصطدام. لم يستوعب كثيرون ما يمكن أن يفعله الاصطدام. وكما قال ستيفن جي جولد في أحد مقالاته: ((أتذكر أنني كنت أحتفظ ببعض الشكوك الأولية القوية عن فاعلية حدث كهذا...لماذا يسبب جرم عرضه ستة أميال دماراً كهذا في كوكب يبلغ قطر دائرته ثمانية آلاف ميل؟)).
حدث اختبار للنظرية طبيعي وملائم على الفور بعد أن اكتشف آلان شوميكر وليفي نيزك شوميكر- ليفي 9. وللمرة الأولى، سيكون البشر قادرين على أن يشهدوا اصطداماً كونياً، وبفضل تلسكوب هبل الفضائي الجديد. وتوقع معظم علماء الفلك القليل كما أفاد كورتيس بيبلز، وخصوصاً بما أن النيزك لم يكن كرة متناغمة وإنما خيطاً من إحدى وعشرين قطعة. وكتب مرة: ((أشعر أن المشترى سيبتلع تلك النيازك دون أن يتجشأ)). وقبل أسبوع من الاصطدام نشرت مجلة نيتشر مقالاً بعنوان (الإخفاق الكبير قادم)، تنبأ بأن الاصطدام لن يسبب أي شيء سوى مطر من الشهب.
بدأت الاصطدامات في 16 تموز 1994، تواصلت لأسبوع وكانت أكبر بكثير مما توقع أي شخص باستثناء جين شوميكر. ذلك أن قطعة واحدة سميث النواة ج ضربت بقوة ستة ملايين ميغا طن، وكانت أقوى بخمس وسبعين مرة من الأسلحة النووية الموجودة في العالم. كانت النواة ج بحجم جبل صغير فحسب، ولكنها سبست جراحاً في سطح المشترى بحجم الكوكب الأرضي. كانت هذه هي الضربة الأخيرة لنقاد نظرية ألفاريز.
لم يعرف لويس ألفاريز أبداً عن اكتشاف حفرة تشيكسولوب أونيزك شوميكر ليفي، بما أنه توفي في 1988. توفي شوميكر باكراً أيضاً. في الذكرى الثالثة لاصطدام المشترى، كان هو وزوجته في المنطقة الريفية من أسترالية، حيث كانا يذهبان كل عام بحثاً عن مواقع الاصطدام. وعلى مسار متسخ في صحراء تاناماني أحد أكثر الأمكنة فراغاً في العالم، سارا فوق مرتفع بسيط فيما كانت سيارة أخرى تقترب.

قتل شوميكر على الفور، وتأذت زوجته. أُرسل بعض رماده إلى القمر على متن المركبة الفضائية ليونار بروسبكتور. ونُثر ما تبقى حول حفرة النيزك.
* * *
لم يعد أندرسون وويتزكي يملكان الحفرة التي قتلت الديناصورات ((ولكن لا يزال لدينا حفرة الاصطدام الأكبر والمحفوظة بشكل تام في البر الرئيس للولايات المتحدة))، كما قال أندرسون. (ثمة حاجة إلى براعة لغوية للحفاظ على وضع مانسون المغالى فيه). (إن الحفر الأخرى أكبر على ما يبدو، خليج تشيسابيك، الذي عرف بأنه موقع اصطدام في 1994 ولكنها ليست على مبعدة من الشاطئ أو مشوهة). وأضاف أندرسون: ((تشيكسولوب مدفونة تحت كيلومترين أو ثلاثة من الحجر الجيري ومعظمها على مبعدة من الشاطى، مما يجعل من الصعب دراستها. بينما مانسون في متناول اليد. وبالفعل هي غير مخرَبة نسبياً؛ لأنها مدفونة)).
سألته إن كنا سنتلقى إنذاراً إذا اندفعت صخرة مشابهة نحونا اليوم. أجاب أندرسون بمرح: «آه، ربما لا شيء. لن تكون مرئية للعين المجردة إلى أن تسخن ولن يحدث هذا إلى أن تضرب الغلاف الجوي، وسيحدث هذا في ثانية واحدة قبل أن تضرب الأرض. أنت تتحدث عن شيء يتحرك بسرعة أكبر من أسرع طلقة بعشرات المرات. إلا إذا شاهدها أحد ما بالتلسكوب، وهذا غير مؤكد، إنها ستباغتنا.
تعتمد قوة اصطدام الجسم الصادم على متغايرات كثيرة مثل زاوية الدخول والسرعة والمسار، وعلى إن كان الاصطدام مباشراً أو من زاوية، وكتلة وكثافة الجسم الصادم، وبين أمور أخرى كثيرة. ولا نستطيع أن نعرف كثيراً منها لملايين من السنين بعد حدوثها. ولكن ما يستطيع العلماء القيام به وما فعله أندرسون وويتزكي هو قياس موقع الاصطدام وحساب كمية الطاقة الناجمة التي يطلقها. يستطيعان أن يستنتجا من هذا مشاهد معقولة عن: كيف ينبغي أن يكون الاصطدام، أو بشكل مخيف أكثر، كيف سيكون إذا حدث الآن.


إن كويكباً أونيزكاً يسافر بسرعات كونية سيدخل المجال الجوي للأرض بسرعة، بحيث إن الهواء الذي تحته يزاح من الطريق ويضغط، كما في مضخة دراجة. إن أي شخص استخدم مضخة كهذه يعرف أن الهواء المضغوط يسخن بسرعة، والحرارة تحته ترتفع إلى 60,000 كلفين (وحدة الحرارة المطلقة)، أو أكثر من حرارة سطح الشمس بعشر مرات. في لحظة وصوله إلى جوَنا، فإن كل شيء في طريق النيزك الناس والمنازل والمعامل والسيارات سيتفضَن ويتلاشى كالسلوفان في اللهب.
بعد ثانية من دخول الجو سيضرب النيزك سطح الأرض حيث كان سكان مانسون قبل لحظة يخرجون إلى أعمالهم. وسيتبخر النيزك نفسه على الفور ولكن الانفجار سيشمل 1000 كيلومتر مكعب من الصخر والتربة والغازات المسخنة بشكل كبير. وكل ما هو حي على مدى 250 كيلومتراً لم تقتله حرارة الدخول سيقتله الانفجار. وسيكون الإشعاع المندفع إلى الأمام بسرعة الضوء تقريباً الموجة الصادمة الأولى، التي تكنس كل ما يعترض طريقها.
أما بالنسبة لأولئك الذين يكونون خارج منطقة الدمار الفوري، فإن إشارة الكارثة الأولى ستكون وميض نور يعمي البصر أكثر تألقاً مما سبق وشوهد، يتبعه بعد دقيقة أو دقيقتين مشهد كارثي غير قابل للتصور: جدار مهتاج من الظلمة يرتفع إلى أعالي السماء، ويملأ حقل النظر ويسافر بسرعة آلاف الكيلومترات في الساعة. سيكون اقترابه خفياً وصامتاً بما أنه ينطلق بسرعة تتجاوز سرعة الصوت بكثير. إن أي شخص في بناء مرتفع في أوماها أودي موا De Moines يصادف أنه ينظر في الجهة الصحيحة، سيشاهد حجاباً محيراً من الاضطراب يتبعه نسيان فوري.

في غضون دقائق، وفوق منطقة تمتد من دنفر إلى دترويت وتشمل ما كان مرة شيكاغووسينت لويس وكانساس سيتي وتوين سيتيز الغرب الأوسط كله، باختصار فإن كل شيء منتصب تقريباً ستبسطه النار، وسيهلك كل ما هو حي. الذين على بعد 1500 كيلومتر سُتبتر أقدامهم أو يقطعون أو يسحقون بطوفان من القذائف المتطايرة. ولكن الدمار سيتوقف بعد 1500 كيلومتر تدريجياً.
هذه هي موجة الصدمة الأولى فحسب. لا أحد يستطيع أن يفعل أي شيء سوى تخمين الضرر المرافق، الذي سيكون سريعاً وعالمياً. ومن المؤكد أن الاصطدام سيطلق سلسلة من الزلازل المدمرة. ستبدأ براكين الكرة الأرضية بالعمل وإطلاق الحمم. سترتفع أمواج تسونامي عديدة وتنطلق لتدمير الشواطئ البعيدة. وفي غضون ساعة، ستغطي سحابة سوداء الأرض وستقذف الصخور المشتعلة والحطام في كل مكان مشعلة الكوكب. قُدِّر أن بليون ونصف إنسان على الأقل سيموتون في نهاية اليوم الأول. أما الأضرار الكبيرة التي ستلحق بالغلاف الأيوني (الأيونوسفير) فستدمر أجهزة الاتصالات في كل مكان، وهكذا فإن الناجين لن يمتلكوا فكرة عما يحدث أو إلى أين يلجؤون. بالكاد سيكون هذا مهماً. وعبر أحد المعلقين على الأمر قائلاً: ((إن الهرب سيعني اختيار موت بطيء بدلاً من موت سريع. إن عدد الوفيات لن يتأثر عبر بذل جهد لتغيير المكان، بما أن قدرة الأرض على دعم الحياة سوف تضعف على مستوى الكون)).
إن كمية السخام والرماد المتطايرة من الاصطدام والنيران اللاحقة ستحجب الشمس لشهور، وربما لسنوات، مدمرة دورات النمو. وفي 2001 حلل الباحثون في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا نظائر الهليوم من رسابة خلّفها اصطدام كي تي، واستنتجوا أن الاصطدام أثّر على مناخ الأرض لنحو عشرة آلاف عام. واستخدم هذا دليلاً لدعم فكرة أن انقراض الديناصورات كان سريعاً ومؤكداً، وهكذا كان، بالمصطلحات الجيولوجية. ولا نستطيع سوى أن نخمّن كيف ستتعامل البشرية جيداً، أو إن كانت البشرية ستقدر على التعامل مع حدث كهذا.
وفي النهاية، تذكروا أن هذا يأتي دون تحذير من السماء.

ولكن لنفترض أننا لم نرَ الجرم قادماً، فما الذي سنفعله؟ يفترض الجميع أننا سنستخدم رأساً نووياً ونفجر الجرم إلى شظايا. لكن ثمة بعض المشكلات التي تواجه هذه الفكرة. أولاً- كما ينوّه جون س. لويس – إن صواريخنا ليست مصممة للعمل في الفضاء، لا تمتلك القدرة على الهرب من الجاذبية الأرضية، حتى لو فعلت ذلك فإنها لا تمتلك آليات كي تقود نفسها عبر عشرات الملايين من الكيلومترات في الفضاء. ولا نستطيع أيضاً أن نرسل مركبة فضائية محملة برعاة البقر؛ كي يقوموا بالعمل من أجلنا، كما في فيلم ((الأرمجدون))، ولا نملك حتى الآن صاروخاً قوياً بما يكفي لإرسال البشر إلى القمر. إن الصاروخ الذي يستطيع ذلك، ساترن 5، استقال منذ سنوات ولم يُستبدل أبداً. ولا نستطيع أن نبني بسرعة واحداً جديداً؛ لأنه -وبشكل مفاجئ– دُمرت الخطط من أجل قاذفات ساترن بوصفها جزءاً من تمرين التنظيف الربيعي في ناسا.
حتى لو نجحنا في الحصول على رأس نووي وفجرنا الكويكب إلى شظايا فإننا سنحوله إلى خيط من الصخور التي ستصطدم بنا واحدة بعد أخرى، كما اصطدم النيزك شوميكر ليفي بالمشترى. ولكن الفرق هو أن الصخور ستكون الأن إشعاعية. ويعتقد توم جيهريلز، صياد الكويكبات في جامعة آريزونا أنه حتى تحذير قبل سنة لن يكون كافياً للقيام بالعمل الملائم. فمن المحبذ أننا لن نرى أي جرم أو حتى نيزك إلى أن يكون على بعد ستة أشهر، وسيكون هذا متأخراً جداً. لقد كان نيزك شوميكر ليفي 9 يدور حول المشترى بطريقة جلية منذ 1929، ولكن مر أكثر من نصف قرن قبل أن يلاحظ أحد هذا.
ولأنه من الصعب جداً حساب أمور كهذه وتتضمن مهمش خطأ كبيراً، فإننا حتى لو عرفنا أن جرماً يتجه نحونا فإننا لن نعرف إلى النهاية تقريباً في الأسبوعين الأخيرين، على أي حال فيما إذا كان الاصطدام مؤكداً، ففي معظم وقت اقتراب الجرم سنعيش في نوع من عدم اليقين. ستكون بالتأكيد أكثر الأشهر القليلة أهمية في التاريخ. وتخيلوا الحفلة إن مر بأمان.

سألت أندرسون وويتزكي قبل أن أغادر: ((كم مرة يحدث اصطدام مماثل لمانسون؟
أجاب ويتزكي: (( مرة في كل مليون عام)).
أضاف أندرسون: ((تذكر. هذا حدث ثانوي نسبياً. هل تعرف كم عدد أجبت: ((كلا)).
قال أندرسون بجو غريب مر الرضى: ((لا شيء. ولا واحد)).
أضاف أندرسون وويتزكي بسرعة وتقريباً معاً أنه سيحدث دمار كبير ومروع عبر كثير من أجزاء الأرض – كما وصفك لتوي- ودمار كامل لمئات الأميال ولكن الحياة قوية، وحين انجلى الدخان كان هنالك ما يكفي من الناجين المحظوظين من الأنواع جميعها، بحيث لم يهلك أي منها بشكل كامل.
إن الأنباء الطبية - على ما يبدو- هي أن الأمر يستغرق طويلاً للقضاء على الأنواع. والأنباء السيئة هي أنه لا يمكن الاعتماد على الأخبار الجيدة أبداً. والأسوأ من ذلك أيضاً، ليس من الضروري النظر إلى الفضاء من أجل الخطر الصاعق. وكما سنرى بعد قليل، إن الأرض يمكن أن تضع كثيراً من الأخطار الخاصة بها.

الفصل الرابع عشر
النار في الباطن
في صيف 1971، كان عالم جيولوجيا شاب يُدعى مايك فورهايس Mike Voorhies يستطلع في مزرعة عشبية في شرق نبراسكة، قريبة من بلدة أورشارد الصغيرة التي ترعرع فيها. وفيما كان يمر في أخدود مرتفع الجانبين اكتشف وميضاً مثيراً للفضول في الدغل، الذي في الأعلى فتسلق ليلقي نظرة. ما عثر عليه هو جمجمة كركدن صغير محفوظة بالكامل، غسلتها الأمطار الغزيرة التي سقطت أخيراً.
ووراء ذلك ببضع ياردات، ظهر أحد أهم أحواض المستحاثات الذي سبق واكتُشف في أمريكة الشمالية: حفرة جافة كانت قبراً جماعياً لأعداد كبيرة من الحيوانات: كالكركدنات، وأحصنة تشبه الحمار الوحشي، وغزلان مسيفة الأنياب، وجمال وسلاحف انقرضت كلها بسبب كارثة غامضة ما منذ أقل من 12 مليون عام في الوقت الذي تسميه الجيولوجيا العصر الميوسيني (العصر الحديث الأوسط). كانت نبراسكة تقع في تلك الأيام في سهل شاسع حار يشبه كثيراً سهل سيرينغيتي اليوم في إفريقية. عُثر على الحيوانات مدفونة تحت رماد بركاني يصل عمقه إلى 3 أمتار. وكان الأمر المحير في المسألة أنه لم يكن هناك أبداً براكين في نبراسكة.
واليوم، يدعى موقع فورهايس حديقة آشفول فوسيل بيدس ستيت بارك، التي تحتوي على مركز جديد للزوار أنيق وعلى متحف، وعروض مروّى فيها عن جيولوجيا نبراسكة وتاريخ أحواض المستحاثات. ويحتوي المركز على مختبر له جدران زجاجية يرى عبرها الزوار علماء الإحاثة، وهم منهمكون في تنظيف العظام. ومرة رأيت في المختبر في صباح أحد الأيام شخصاً مرحاً يرتدي قميص عمله الأزرق عرفت انه مايك فورهايس من حضور فيلم وثائقي أعده برنامج البي بي سي، هورايزون، شارك هوفيه.

لا يأتي عدد كبير من الزوار إلى حديقة آشفيل؛ ذلك أنها تقع في مكان بعيد. وبدا فورهايس مسروراً برفقتي وإطلاعي على المكان. أخذني إلى البقعة التي تقع فوق وهد يبلغ ارتفاعه 6 أمتار، حيث قام باكتشافه.
قال بسعادة: ((كان هذا مكاناً لا يصلح للبحث عن العظام. ولكنني لم أكن أبحث عنها. كنت أفكر بوضع خريطة جيولوجية لشرق نبراسكة في ذلك الوقت، والواقع أنني كنت أنظر حولي فحسب. ولو لم أصعد هذا المرتفع، ولو لم تغسل الأمطار هذه الجمجمة، لما كنت مررت من هنا أبداً وعثرتُ على هذا)). أشار إلى حيّز له سقف في الجوار، صار مركز التنقيب الرئيس. هناك، عُثر على نحو200 حيوان تستلقي سوية بغير انتظام.
سألته: لماذا لا يصلح هذا المكان للبحث عن عظام ؟ قال: ((إذا كنت تبحث عن العظام فأنت تحتاج في الواقع إلى صخور مكشوفة. لهذا السبب يتم علم الإحاثة في المناطق الجافة والحارة. هذا لا يعني أن هناك عظاماً أكثر. وإنما فقط لديك فرصة ما لتحديد وجودها. ففي خلفية كهذه قام بإيماءة شاملة عبر المرج الشاسع غير المتنوع لن تعرف أين تبدأ. يمكن أن تكون هناك مادة رائعة، ولكن ليس هناك مفاتيح على السطح تذلك أين تبدأ)).
اعتقدوا في البداية أن الحيوانات دُفنت حية وقال فورهايس الأمر نفسه في مقال نشره في مجلة ناشيونسال جيوغرافيك في 1981. قال لي: ((لقد دعا المقال الموقع)) بومبيي (*)الحيوانات ما قبل التاريخ، ولكن لسوء الحظ اكتشفنا فيما بعد أن الحيوانات لم تنقرض فجأة. كانت كلها تعاني من شيء ما دُعي تضخم الأعضاء، وهذا ما يُصاب به المرء إذا استنشق كثيراً من الرماد الخشن، ولا بد أنها استنشقت كثيراً؛ لأن الرماد كان بسماكة قدم لمئات الأميال». التقط قطعة من التراب الرمادي الذي يشبه الطين وفتته في يده. كان مسحوقاً ناعماً لكنه رملي
(*) مدينة قديمة في الجزء الجنوبي الغربي من إيطالية. دفنت تحت حمم بركان فيزوف عام
79 للميلاد. المترجم.

قليلاً. تابع قائلاً: «إنها مادة تضر بالتنفس؛ لأنها ناعمة جداً ولكنها حادة. وعلى أي حال جاءت الحيوانات إلى هنا إلى مكان الشرب هذا، باحثة عن الراحة كما هو مفترض، وانقرضت بنحو بائس. لا بد أن الرماد دمر كل شيء ودفن العشب وغطى الأوراق جميعاً وحوّل الماء إلى طين رمادي غير صالح للشرب. لا يمكن أن
يكون سائغاً على الإطلاق)).
اقترح الفيلم الوثائقي لبرنامج هورايزون أن وجود كثير من الرماد في نبراسكة كان مفاجأة. والواقع أن إيداعات الرماد الضخمة في نبراسكة عُرفت لوقت طويل، فقد كانت تُعدّن طوال قرن لصناعة مساحيق تنظيف منزلية مثل كوميت وأجاكس. ولكن -وهذا ما يثير الفضول – لم يفكر أحد أبداً أو يتساءل من أين أتى هذا الرماد كله.
قال فورهايس وهو يبتسم ابتسامة وجيزة: ((أنا محرج من إخبارك أنني فكرت في البداية في هذا الأمر وهذا حين سألني محرر في مجلة ناشنال جيوغرافيك عن مصدر كل هذا الرماد، وعلي أن أعترف أنني لم أعرف. ولم يعرف أحد)).
أرسل فورهايس عينات إلى زملاء في أنحاء الولايات المتحدة الغربية كلها وسألهم إن كانوا يعرفون أي شيء عن هذا. بعد أشهر عدة اتصل به عالم جيولوجيا من المسح الجيولوجي في إداهو، يدعى بيل بونيتشيسن وأخبره أن الرماد يطابق رواسب بركانية في مكان يُدعى برونوجاربيدج في جنوب غرب إداهو. كان الحدث الذي قتل حيوانات السهول في نبراسكة هوانفجار بركاني بوزن لم يشهد من قبل، ولكنه كان ضخماً بما يكفي كي يترك طبقة رماد عمقها ثلاثة أمتار على بعد 1600 كيلومتر بعيداً في شرق نبراسكة. وتبين أنه كان هناك تحت الولايات المتحدة الغربية مرجل ضخم من الماغماء بقعة بركانية حارة عملاقة، ينفجر بشكل كارثي كل ست مئة ألف سنة أو ما يقارب ذلك. وحدث آخر انفجار منذ أكثر من ست مئة ألف سنة. لا تزال البقعة الحارة هناك. وفي هذه الأيام نسميها حديقة يلوستون ناشنال بارك.

ومن المدهش أننا لا نعرف سوى قليل عما يحدث تحت أقدامنا. إنه لمن المدهش أننا كنا نعرف أن شركة فورد كانت تصنع السيارات، ولجان نوبل تمنح جائزة نوبل قبل أن نعرف أن للأرض لبّاً. كانت فكرة أن القارات تنجرف على السطح كورقات النيلوفر الطافية حكمة شائعة لأقل من جيل بكثير. وكتب رتشارد فينمان: ((والغريب كما يبدو أننا نفهم توزع المادة في داخل الشمس أفضل بكثير من فهمنا لباطن الأرض)).
إن المسافة من سطح الأرض إلى وسطها هي 6,370 كيلومترات، وهذا ليس بعيداً جداً. وقد حسب أنك إذا نزلت في بئر إلى المركز وأسقطت آجرة فيه لن تستغرق إلا 45 دقيقة كي تضرب القاع (بالرغم من أنه عند تلك النقطة ستكون بلا وزن؛ لأن كل جاذبية الأرض ستكون فوقها وحولها وليس تحتها). إن محاولاتنا للاختراق نحو الوسط كانت متواضعة بالفعل. إن منجماً أو منجمين إفريقيين للذهاب يصلان إلى عمق أكثر من 3 كيلومترات، ولكن معظم المناجم على الأرض لا يبلغ عمقها أكثر من 400 متر تحت سطح الأرض. لوكان الكوكب تفاحة، لما كنا قد اخترقنا القشر بعد. والواقع أننا لم نقترب.
وقبل أقل من قرن بقليل في الماضي، لم تكن معرفة أفضل العقول العلمية عن باطن الأرض تتعدى ما يعرفه معدّن فحم حجري، وأعني أنكم تستطيعون أن تحفروا عبر التربة لمسافة، ثم تصطدموا بالصخر، وهذا هو الأمر. ثم، في عام 1906، وفيما كان عالم جيولوجيا أيرلندي يدعى ر.د. أولدمهم يفحص بعض القراءات في سيزموغراف عن زلزال في غواتيمالا، لاحظ أن أمواج صدمة معيّنة اخترقت إلى نقطة عميقة داخل الأرض، ثم قفزت في زاوية، وكأنها واجهت حاجزاً ما. استنتج من هذا أن للأرض الباً. وبعد ثلاث سنوات، كان عالم زلازل كرواتي يدعى أندريا موهوروفيسيتشس Andrija MohorOVicic يدرس رسوماً من زلزال حدث في زغرب، حين لاحظ انحرافاً غريباً مشابهاً، ولكن على مستوى أقل عمقاً. اكتشف الحد بين القشرة والطبقة التي تحتها مباشرة، التي هي الدثار، وعرفت هذه المنطقة منذ ذلك الوقت باسم انقطاع موهوروفيسيتشث (*) ، أو موهو من أجل الاختصار.

__(*) انقطاع زلزالى يفصل قشرة الأرض عن الوشاح الذى تحتها. المترجم.

بدأنا نحصل على فكرة مبهمة عن باطن الأرض المؤلف من طبقات بالرغم من أنه في الواقع غامض. وفي1936 اكتشف عالم دانماركي يدعى إنجليهمان Inge Lehman – وفيما كان يدرس مرجافات الزلازل في نيوزلندة- أن هناك لبييّن: لبّاً داخلياً، نعتقد الآن أنه صلب، ولباً خارجياً (الذي اكتشفه أولدمهم)، يُعتقد أنه سائل ومركز المغناطيسية.
وفي الوقت الذي كان فيه ليهمان يصقل فهمنا الأساسي لباطن الأرض من خلال دراسة الموجات الارتجافية للزلازل، كان عالما جيولوجيا في كالتيك بكاليفورنيا يبتكران طريقة للقيام بالمقارنات بين زلزال والذي يليه. كانا تشارلز ريختر وبينوغتنبيرغ، بالرغم من أنه لأسباب لا علاقة لها بالعدل صار المقياس يُعرف باسم ريختر وحده. (ولم تكن المسألة تتعلق أيضاً بريختر. كان شخصاً رزيناً، لم يشر أبداً إلى المقياس باسمه، ولكنه دعاه دوماً مقياس الكبِر).
فهم مقياس ريختر دائماً وعلى نطاق واسع بشكل خاطئ من قبل غير العلماء، بالرغم من أن الأمر أقل الآن من أيامه الأولى حين كان الزوار إلى مكتب ريختر يطلبون مشاهدة مقياسه المحتفى به، معتقدين أنه آلة ما. إن المقياس، بالطبع، هو فكرة أكثر مما هو شيء، مقياس اعتباطي لارتجافات الأرض يستند إلى قياسات سطحية. إنه يرتفع أُسيّاً، بحيث إن زلزالاً بقوة 7.3 أقوى بخمسين مرة من زلزال بقوة 6.3 وأقوى بـ 2500 مرة من زلزال بقوة 5.3.
لا يوجد حد أعلى للزلزال ولا حد أدنى -نظرياً- على الأقل. إن المقياس هو قياس بسيط للقوة، ولكنه لا يقول أي شيء عن الضرر. إن زلزالاً بقوة 7 يحدث عميقاً في الدثار مثلاً على عمق 650 كيلومتراً في الأسفل يمكن ألا يسبب أي أذى على السطح مطلقاً، ولكن واحداً أقل يحدث على عمق 6 أو 7 كيلومترات تحت

السطح يمكن أن يسبب دماراً واسع الانتشار. ويعتمد كثير، أيضاً على طبيعة طبقة الأرض الواقعة تحت التربة مباشرة، وعلى مدة الزلزال، وتواتر وحدة الهزات الارتدادية، والخلفية المادية للمنطقة المستهدفة. إن كل هذا يعني أن أكثر الزلازل إثارة للخوف ليست بالضرورة الأكثر قوة، بالرغم من أنه يُحسب حساب القوة كثيراً. كان أقوى زلزال حدث منذ اختراع المقياس (هذا يعتمد على أي مصدر
تعتمدون) إما ذلك الذي حدث في برنس وليم ساوند في ألاسكة في آذار 1964 الذي كانت قوته 9.2 على مقياس ريختر، أو الذي حدث في المحيط الهادي بعيداً عن ساحل تشيلي في 1960، الذي سجل في البداية ب 8.6 ثم قالت بعض المراجع فيما بعد: إنه (بما فيه المسيح الجيولوجي الأميركي) 9.5. وكما ستستنتجون من هذا، إن قياس الزلازل ليس علماً دقيقاً دوماً، وخصوصاً حين يشمل تفسير قراءات من أمكنة بعيدة. على أي حال، كان الزلزالان هائلين. فزلزال 1960 لم يسبب دماراً واسعاً على ساحل أمريكة الجنوبية فحسب، وإنما أطلق تسونامي عملاقاً تدحرج عشرة آلاف كيلومتر عبر المحيط الهادي، وغمر كثيراً من مركز مدينة هيلو في هاواي مدمراً خمس مئة منزل وقاتلاً ستين شخصاً. وقامت موجات عملاقة أخرى مشابهة بقتل المزيد من الناس في مناطق بعيدة كاليابان والفلبين.
أما الزلزال الذي سبب دماراً هائلاً لم يكن له مثيل في التاريخ المدوّن كان ذالك الذي ضرب لشبونة والبرتغال ومزقهما إرباً في عيد جميع القديسين (تشرين الأول)، 1755. قبل العاشرة صباحاً، ضرب المدينة زلزال جانبي تقدر قوته الآن بـ 9.0 واهتز بوحشية مدة سبع دقائق كاملة. كانت القوة التشنجية كبيرة جداً بحيث إن المياه تراجعت من مرفأ المدينة، وعادت في موجة بلغ ارتفاعها أكثر من 15 متراً، مسببة دماراً إضافياً. وحين توقفت الحركة أخيراً، تمتع الناجون بثلاث دقائق من الهدوء، ثم جاءت الهزة الثانية، وكانت أقل حدة بقليل من الأولى. وتبعتهما صدمة نهائية بعد ساعتين. وفي نهاية كل هذا، قتل ستون ألف شخص ودمرت الأبنية جميعها على مسافة أميال. وبالمقارنة، قدّر زلزال سان فرانسيسكو الذي حدث في 1906 بـ 7.8 على مقياس ريختر واستمر أقل من ثلاثين ثانية.

إن الزلازل شائعة. ففي كل يوم تقريباً يحدث في مكان ما في العالم زلزالان بقوة 2.0 أو أكثر، وهذا يكفي كي يسبب لكل من هو قريب صدمة قوية. وبالرغم من أن الزلازل تميل إلى التجمع في أمكنة معينة وبشكل ملحوظ حول حافة المحيط الهادئ فإنها يمكن أن تحصل في أي مكان تقريباً. ففي الولايات المتحدة، في فلوريدة، وشرق تكساس والغرب الأوسط الأعلى فقط يبدون حتى الآن محصنين بشكل كامل. حصل في نيوإنجلاند زلزالان بقوة 6.0 على مقياس ريختر في الأعوام المئتين الماضية. وفي نيسان 2002 ضرب المنطقة زلزال بقوة 5.1 قرب بحيرة شامبلين على حدود نيويورك وفيرمونت، مسبباً دماراً محلياً واسعاً و(أستطيع أن أشهد) أنه أنزل اللوحات عن الجدران والأطفال عن الأسرة في منطقة بعيدة مثل
نيو مهمبشير. إن أكثر الأنماط شيوعاً من الزلازل هي تلك التي يلتقي فيها لوحان، كما في كاليفورنية على طول سان أندرياز فولت. فحين يدفع اللوحان بعضهما بعضاً، فإن الضغوط تتجمع إلى أن يستسلم أحدهما ويفتح مجالأ، كلما طال الفاصل بين الزلازل، ازداد الضغط المكبوت وازداد احتمال صدمة أكبر. وهذا ما يقلق طوكيو، التي يصفها بيل مجواير، المختص بالأخطار في جامعة يونيفرسيتي كوليج في لندن بأنها ((المدينة التي تنتظر الموت)) (ليس هذا شعاراً تجده على كثير من النشرات السياحية). تتوضع طوكيو على نقطة التقاء ثلاثة ألواح تكتونية في بلاد عُرفت دوماً بعدم استقرارها بسبب الزلازل. ففي 1995 –وكما تتذكرون – ضرب زلزال مدينة كوب، التي تبعد تقريباً 500 كيلومتر إلى الغرب بقوة 7.2 وقتل 6,394 شخصاً. وقدرت الخسائر بـ 99 بليون دولار. ولكن هذا ليس شيئاً بالمقارنة مع ما ينتظر طوكيو.
عانت طوكيو سابقاً من أعنف الزلازل في التاريخ الحديث. ففي 1 أيلول 1923، تماماً قبل منتصف النهار، ضرب المدينة ما عُرف باسم زلزال كانتو الكبير، وكان أقوى بعشر مرات من زلزال كوب وقتل مئتي ألف شخص. ومنذ ذلك الوقت، ظلت طوكيو هادئة بشكل غريب، بحيث إن التوتر تحت السطح كان يتجمّع طوال ثمانين عاماً.

في النهاية إنه مقدر عليه أن يتحرك. وفي 1923 كان عدد سكان طوكيو3 ملايين واليوم يقترب من 30 مليوناً. لا أحد يأبه بتخمين كم من الناس يمكن أن يموت، غير أنه تم تقدير الكلفة الاقتصادية ب 7 ترليونات دولار. ما يثير الأعصاب أكثر، هو تلك الهزات الأكثر ندرة، والغامضة والقادرة على الحدوث في أي مكان وفي أي وقت، التي تعرف باسم الزلازل بين الألواح. وهذه تحدث بعيداً عن حد اللوح، مما يجعل التنبؤ بها مستحيلاً. ولأنها تأتي من عمق أكبر بكثير، فإنها تميل إلى الانتشار في مناطق أكثر اتساعاً بكثير. إن أكثر الزلازل شهرة من هذا النوع التي سبق أن ضربت الولايات المتحدة كانت سلسلة من ثلاثة زلازل حدثت في نيو مدريد، وميسوري، في شتاء 1811/12. بدأ بعد منتصف الليل تماماً في 16 كانون الأول (ديسمبر) حين استيقظ الناس في البداية من ضجيج حيوانات المزرعة المذعورة (إن اضطراب الحيوانات قبل الزلازل ليس قصة خرافية، وإنما مؤكدة، بالرغم من أنها ليست مفهومة بنحو كامل) ثم من صوت قوة انفجارية جبارة صادر من أعماق الأرض. وحين خرج السكان المحليون من منازلهم وجدوا الأرض تتدحرج في أمواج ارتفاعها متر، وتنفتح صدوع فيها بعمق أمتار عدة. ملأت رائحة كبريت قوية الجو. استمر الزلزال أربع دقائق، محدثاً الدمار المعتاد في الأملاك. كان بين الشهود الفنان جون جيمس أودوبون، الذي صادف أن كان في المنطقة. اندفع الزلزال نحو الأعلى بقوة جعلت المداخن تسقط في سنسيناتي على بعد 600 كيلومتر، وبحسب إحدى الروايات على الأقل، (( حطم الزلزل المراكب في مرافيء الساحل الشرقي... وانهارت منصة شيدت حول بناء الكابيتول في واشنطن، العاصمة)). وفي 23 كانون الثاني (يناير) و4 شباط (فبراير) تبعت ذلك زلازل أخرى بقوة مماثلة. صمتت نيومدريد منذ ذلك الوقت، ولكن ليس بشكل مفاجئ، بما أن حوادث كهذه لم يُعرف أنها حدثت في المكان نفسه مرتين. وبقدر ما نعرف، إنها عشوائية كالبرق. يمكن أن يحدث الزلزال الاتي تحت شيكاغو أوباريس أوكينشاسة. لا أحد يستطيع تخمين ما الذي يسبب هذه الزلازل العنيفة داخل الألواح. شيء ما عميق داخل الأرض. ربما أكثر من ذلك، لا ندري.
صار العلماء في الستينيات خائبي الأمل بسبب محدودية فهمهم لباطن الأرض، بحيث إنهم قرروا أن يحاولوا القيام بشيء ما حيال ذلك. وخطرت لهم فكرة الحفر في قاع المحيط (كانت القشرة القارية سميكة جداً) إلى أن يصلوا إلى انقطاع (موهو) واقتطاع قطعة من دثار الأرض للفحص في أوقات الفراغ. واعتقدوا أنهم إذا فهموا طبيعة الصخور داخل الأرض، سيفهمون كيفية تفاعلها، ويمكن بعد ذلك أن يتنبؤوا بالزلازل والحوادث الأخرى غير المرحب بها.
صار المشروع معروفاً -بشكل يتعذر اجتنابه- باسم حفرة موهو، وكان كارثياً. كانوا يأملون إنزال حفارة على عمق 4000 متر في المحيط الهادي مقابل خليج مكسيكو، ويحفرون إلى عمق 5000 متر عبر قشرة رقيقة. إن الحفر من سفينة في مياه مفتوحة هو كما عبر أحد علماء المحيط ((مثل محاولة حفر ثقب في أرصفة نيويورك من قمة بناء الإمبايرستيت باستخدام خيط من المعكرونة)). انتهت المحاولات جميعاً بالخيبة. لم يصلوا في الحفر إلا إلى عمق 180 متراً. وصارت حفرة موهو معروفة باسم اللاحفرة. وفي 1966، ألغى الكونغرس المشروع بسبب الكلف المتزايدة وعدم الوصول إلى أي نتائج.
بعد أربع سنوات، قرر العلماء السوفييت تجريب حظهم على الأرض الجافة. اختاروا منطقة في شبه جزيرة كولا في روسية قرب الحدود مع فنلندة، وانطلقوا إلى العمل آملين الحفر إلى عمق 15 كيلومتراً. برهن العمل أنه أصعب مما كان متوقعاً، ولكن السوفييت كانوا مثابرين بشكل يستحق الثناء. وحين استسلموا في النهاية بعد تسعة عشر عاماً كانوا قد حفروا إلى عمق 12.262 متراً. واضعين في أذهاننا أن قشرة الأرض لا تمثل إلا 0.3% من حجم الكوكب، وأن ثقب (كولا) لم يصل حتى إلى ثلث الطريق عبر القشرة، ليس بوسعنا الزعم بأننا غزونا باطن الأرض.
وبالرغم من أن الحفرة كانت متواضعة، فإن ما كشفته أدهش الباحثين. فقد قادت دراسات موجة الارتجاف العلماء إلى التنبؤ وبشكل موثوق أنهم سيصادفون صخوراً رسوبية على عمق 4700 متر، تتبعها صخور غرانيتية في الألفين وثلاث مئة متر اللاحقة ثم البازلت بعد ذلك. كانت الطبقة الرسوبية أعمق بـ 50% من المتوقع ولم يعثر على الطبقة البازلتية أبداً. فضلاً عن ذلك، كان العالم هناك في الأسفل أكثر حرارة مما توقع أي شخص، فالحرارة على عمق 10,000 متر هي 180 درجة مئوية، أعلى بمرتين تقريباً من المستوى المتنبأ به. وكان الأكثر دهشة هو أن الصخور العميقة كانت مشبعة بالماء، وهذا شيء لم يُعتقد أنه ممكن.
ولأننا لا نستطيع رؤية باطن الأرض، علينا أن نستخدم تقنيات أخرى، تتضمن معظمها قراءة الموجات وهي تسافر عبر الباطن، لاكتشاف ما الذي هناك. نعرف قليلاً عن الدثار مما يُعرف باسم الفجوات الأنبوبية حيث يتشكل الماس. ما يحدث هو أنه عميقاً في الأرض يحدث انفجار يُطلق كرة نارية من الماغما إلى السطح بسرعة أكبر من سرعة الصوت. وهذا حدث عشوائي كلياً. إن الفجوة الأنبوبية يمكن أن تنفجر في حديقتك الخلفية فيما أنت تقرأ هذا. ولأنها تأتي من أعماق كهذه من عمق 200 كيلومتر تحضر الفجوات الأنبوبية أنواع الأشياء جميعها، التي لا يُعثر عليها عادة على السطح أو قربه: صخرة تدعى الصخرة الزبرجدية، الكريستال الأولفيني وأحياناً، في كل أنبوب من بين مئة ألماس. ويأتي كثير من الكربون مع مقذوفات الفجوة الأنبوبية، ولكن معظمه يتبخر أو يتحول إلى غرافيت (رصاص أسود). وأحياناً تنطلق قطعة منها فحسب بالسرعة المناسبة تماماً، وتبرد بالسرعة الضرورية كي تصبح ماسة. كانت فجوة كهذه هي التي جعلت جنوب إفريقية أكثر بلد إنتاجاً للماس المعدن في العالم، ولكن يمكن أن تكون هناك فجوات أكبر لا نعرف عنها شيئاً. ويعرف علماء الجيولوجيا أنه في مكان ما في جوار شمال شرق إنديانة هناك دليل على فجوة أو مجموعة من الفجوات الأنبوبية، التي يمكن أن تكون ضخمة في الحقيقة. فقد عثر على ماسات تبلغ 20 قيراطاً أو أكثر في مواقع مبعثرة في أنحاء المنطقة. ولكن لم يعثر أحد على المصدر بعد. وكما يقول جون مكفي، يمكن أن تكون مدفونة تحت تربة مترسبة مغطاة بالجليد على غرار حفرة مانسون في آيوا، أو تحت البحيرات الكبرى.
وهكذا لا نعرف عما يوجد في باطن الأرض سوى قليل جداً. ويتفق العلماء عامة على أن العالم الذي تحتنا يتألف من أربع طبقات: قشرة خارجية صخرية، ودثار من الصخور الحارة اللزجة، ولب سائلي خارجي ولب داخلي صلب(*)، نعرف أن السطح مغمور بالسليكات (أملاح حامض السليسيك)، التي هي خفيفة نسبياً وغير ثقيلة بما يكفي كي تفسر كثافة الكوكب الإجمالية. من ثم، يجب أن يكون هناك مادة أكثر ثقلاً في الداخل. ونعرف أنه لتوليد حقلنا المغناطيسي في مكان ما في الداخل، يجب أن يكون هناك حزام مركز من العناصر المعدنية في حالة سائلة. وهذا مقبول على المستوى العالمي. وتقريباً كل شيء وراء هذا كيف تتفاعل الطبقات، ما الذي يجعلها تتصرف بالطريقة التي تتصرف بها، ما الذي ستفعله في أي وقت في المستقبل، هذه مسألة غير مؤكدة وغامضة جداً.
حتى الجزء الذي نستطيع رؤيته؛ أي القشرة، خاضع لجدل قوي. فالنصوص الجيولوجية جميعها تقريباً تقول لك: إن القشرة القارية سميكة من 5 إلى 10 كيلومترات تحت المحيط، وتبلغ سماكتها 40 كيلومتراً تحت القارات ومن 65 إلى 95 كيلومتراً تحت السلاسل الجبلية الكبيرة، ولكن هنالك تغايرات كثيرة محيرة داخل هذه التعميمات. إن القشرة تحت جبال سييرا نفادا، مثلاً لا تبلغ سماكتها إلا 30-40 كيلومتراً، ولا أحد يعرف لماذا. وبحسب كل القوانين الجيوفيزيائية فإن

(*) بالنسبة لأولئك الذين يتوقون إلى خريطة أكثر تفصيلاً لباطن الأرض، إليكم أبعاد الطبقات المختلفة، مستخدمين الأرقام العادية: من 0 إلى 40 كيلومتراً توجد القشرة. من 40 إلى 400 كيلومتر الدثار العلوي. من 400 إلى 650 كيلومتراً منطقة انتقال بين الدثار العلوي والسفلي. من 650 كيلومتراً إلى 2700 كيلومتر الدثار السفلي. من 2700 إلى 2890 كيلومتراً طبقة د. من 2890 إلى 5150 اللب الخارجي ومن 5150 إلى 6370 كيلومتراً اللب الداخلي.


جبال سييرا نفادا تغوص، كما لو في رمال متحركة. (يعتقد بعضهم أن هذا يحدث على الأرجح).
أما كيف ومتى حصلت الأرض على قشرتها فهذه أسئلة تقسم الجيولوجيين إلى معسكرين كبيرين: أولئك الذين يعتقدون أنه تشكل فجأة، باكراً في تاريخ الأرض، وأولئك الذين يعتقدون أنه حدث بالتدريج فيما بعد. إن قوة المشاعر تتخلل هذه المسائل بشكل عميق. اقترح رتشارد أرمسترونغ من ييل نظرية انفجار مبكر في الستينيات، ثم أمضى بقية حياته المهنية يقاتل أولئك الذين لم يتفقوا معه. توفي من السرطان في عام 1991، ولكن قبل موته بوقت قصير ((هاجم نقاده في مقال مثير للجدل في مجلة نمساوية مختصة بعلوم الأرض اتهمهم فيها بإطالة عمر الخرافات))، بحسب تقرير نشر في مجلة إيرث في 1998. وقال زميل له: ((لقد مات حاقداً)).
إن القشرة وجزءًا من الدثار الخارجي يدعيان سوية القشرة الأرضية (النطاق الصخري) (من كلمة lithos اليونانية، وتعني الصخر)، التي بدورها تعوم على قمة طبقة من الصخور الأنعم التي تدعى نطاق الانسياب، (من كلمة يونانية تعني (دون قوة) )، ولكن مصطلحات كهذه لم تكن مقنعة بشكل كامل أبداً. فإذا قلنا: إن القشرة الأرضية تقع فوق نطاق الانسياب فإن هذا يوحي بدرجة من الطفوية السهلة غير الصحيحة. وبنحو مشابه، من المضلل أن نفكر بمواد تعوم على السطح. إن الصخور لزجة، ولكن كما هو الزجاج فحسب. يمكن ألا تبدو مثله، ولكن كل الزجاج على الأرض يتدفق إلى الأسفل بدفع لا يلين من الجاذبية. أزح لوحاً من الزجاج القديم من نافذة كاتدرائية أوروبية، وسيبدو أنه أكثر سماكة في الأسفل مما هو في الأعلى (*). هذا هو نوع ((التدفق)) الذي نتحدث عنه. إن عقرب الساعة يتحرك أسرع بعشرة آلاف مرة من ((تدفق)) صخور الدثار.

لا تحدث الحركات جانبياً فحسب كما تتحرك الألواح عبر السطح، وإنما إلى الأعلى والأسفل أيضاً، كما ترتفع الصخور وتنخفض تحت عملية المخض التي تعرف باسم التصعد (أو الحمل الحراري). كان أول من استنتج التصعد بوصفه عملية هو الكونت فون رمفورد في نهاية القرن الثامن عشر. بعد ستين عاماً اقترح كاهن إنكليزي يُدعى أوزموند فيشر أن باطن الأرض يمكن أن يكون سائلاً بما يكفي لجعل المحتويات تتحرك، ولكن الفكرة استغرقت وقتاً طويلاً؛ كي تتلقى الدعم.
حين أدرك علماء الجيوفيزياء في 1970، كم من الاضطراب يحدث في باطن الأرض، صدموا. وكما عبرت (شونا فوغل) عن الأمر في كتابها الأرض العارية: الجيوفيزياء الجديدة: ((كان الأمر وكأن العلماء أمضوا عقوداً، وهم يحاولون معرفة طبقات جوالأرض التروبوسفير، والستراتوسفير وغيرهما ثم فجأة اكتشفوا الريح)).





(*) أو هكذا كتب. على أي حال، في صيف 2003، وبعد أن نشر كتابه، ذكرت ساينس نيوز دراسة قام بها البروفسوري. د. زانوتو من البرازيل تقترح أن تدفق الزجاج، مهما كان اللوح معرضاً، هو أبطأ من أن يرصد بالعين المجردة.

كان العمق الذي تصل إليه عملية التصعد (الحمل الحراري) مسألة أثارت الجدل منذ ذلك الوقت. يقول بعضهم: إنها تبدأ على عمق 650 كيلومتراً، ويقول آخرون: إن العمق أكثر من 3000 كيلومتر تحتنا. والمشكلة كما قال جيمس تريفل هي أن هناك ((مجموعتين من المعطيات، من نظامين مختلفين، لا يمكن مصالحتهما)). وقال علماء كيمياء الأرض: إن عناصر معينة على سطح الكوكب لا يمكن أن تأتي من الدثار، ولا بد أنها أتت من مكان أعمق في باطن الأرض. لذا، إن المواد في الدثار العلوي والسفلي يجب على الأقل أن تمتزج أحياناً. ويلح علماء المرجافات على أنه لا يوجد دليل لدعم فرضية كهذه.
وهكذا كل ما يمكن أن يقال هو أنه في نقطة ما غير محددة وفيما نتجه نحو مركز الأرض نترك الطبقة الانسيابية، وندخل في الدثار الصرف. وإذا حسبنا أن هذا يفسر 82% من حجم الأرض و65% من كتلتها، فإن الدثار لا يجذب انتباهاً كبيراً؛ لأن الأمور التي تهم علماء الأرض والقراء العامين على حد سواء تحدث إما الى أعمق في الأسفل (كما مع المغناطيسية) أو قرب السطح (كما مع الزلازل).

ونعرف أنه إلى عمق نحو150 كيلومتراً يتألف الدثار بشكل رئيس من نمط من الصخور يعرف باسم الزبرجدي (الناري)، ولكن ما يملأ الـ 2650 كيلومتراً اللاحقة غير معروف. وبحسب تقرير نشرته مجلة نيتشر، يبدو أنه ليس زبرجدياً. ولا نعرف أكثر من ذلك.
ثمة تبان تحت الدثار، لب داخلي صلب ولب خارجي سائلي. ومن نافلة القول: إن فهمنا لطبيعة هذين اللبين غير مباشر، ولكن العلماء يستطيعون القيام ببعض الافتراضات غير المباشرة. يعرفون أن الضغوط في مركز الأرض مرتفعة بما يكفي أكبر بثلاثة ملايين مما هو في السطح لتحويل أي صخرة هناك إلى صلبة. ويعرفون أيضاً من تاريخ الأرض (بين مفاتيح أخرى) أن اللب الداخلي جيد جداً في الاحتفاظ بحرارته. وبالرغم من أن الأمر لا يتعدى التخمين إلا قليلاً، يُعتقد أنه في غضون أربعة بلايين عام لم تنخفض الحرارة في اللب أكثر من 110 درجات مئوية. لا أحد يعرف بالضبط كم حرارة لب الأرض، ولكن التقديرات تتراوح من 4000 درجة إلى 7000 درجة مئوية، وهذا يعادل تقريباً حرارة سطح الشمس.
إن اللب الخارجي غير مفهوم جيداً أيضاً، بالرغم من أن الجميع يتفقون على أنه سائل وهو مقعد الجاذبية. وضح ي.سي.بلارد من جامعة كمبريدج في 1949 النظرية القائلة: إن هذا الجزء السائل من لب الأرض يدور بطريقة تجعله، بالنتيجة محركاً كهربائياً، يخلق الحقل المغناطيسي للأرض. تقول الفرضية: إن السوائل المحمولة حرارياً داخل الأرض تعمل نوعاً ما مثل تيارات في أسلاك. ما يحدث بالضبط غير معروف، ولكن يشعر به بشكل مؤكد أنه متصل باللب الذي يدور وبكونه سائلاً. إن الأجرام التي ليس فيها لب سائل القمر والمريخ، مثلا لا تملك مغناطيسية.
نعرف أن قوة الحقل المغناطيسي للأرض تتغير بين وقت وآخر: ففي أثناء عصر الديناصورات كانت أقوى من الآن بثلاث مرات. نعرف أيضاً أنها تنخفض كل خمس مئة عام أو ما يقارب ذلك، بالرغم من أننا غير قادرين على التنبؤ.
@@@



ملايين الأعوام 37 مليون سنة تبدو المدة الأطول، وفي أحيان أخرى تنخفض بعد عشرين ألف سنة. وقد انخفضت هذه القوة في المئة مليون عام الأخيرة نحو مئتي مرة، ولا نمتلك أي فكرة عن السبب. وقد دعي هذا ((السؤال الأعظم الذي لا إجابة له في العلوم الجيولوجية)).
من المحتمل أن قوة الحقل المغناطيسي تنخفض الآن. لقد ضعف الحقل المغناطيسي للأرض بنسبة 6% في القرن الأخير فقط. ومن المحتمل أن يكون أي ضعف في الجاذبية أخباراً سيئة؛ لأنه بغض النظر عن تنظيم البرادات وإبقاء بوصلاتنا تشير إلى الجهة الصحيحة، فإنه يؤدي دوراً حيوياً في إبقائنا أحياء. إن الفضاء مليء بالأشعة الكونية الخطرة التي ستحرق - في غياب الحماية المغناطيسية – أجسادنا محولة كثيراً من ال(DNA) الخاص بنا إلى شظايا لا نفع فيها. حين يعمل الحقل المغناطيسي، فإن هذه الأشعة تحرف بعيداً بأمان عن سطح الأرض إلى منطقتين في الفضاء القريب تُدعيان حزامي (فان آلن). تتفاعل الأشعة أيضاً مع جسيمات في الجو الأعلى لخلق حُجُب ساحرة من الضوء تعرف باسم الظواهر الشفقية.
ويعود السبب في جهلنا لباطن الأرض إلى أنه لم يكن هناك في السابق إلا جهد قليل لتنسيق ما يحدث على سطح الأرض، مع ما يحدث في داخلها. فبحسب شونا فوجل: «نادراً ما يذهب علماء الجيولوجيا وعلماء فيزياء الأرض إلى الاجتماعات نفسها أو يتعاونون على المشكلات نفسها)).
ربما لا شيء يشرح بشكل أفضل فهمنا غير السوي لدينامية باطن الأرض سوى المصير، الذي سيحل بنا إذا لعب هذا الباطن، وسيكون من الصعب إيراد مثال على ذلك أفضل من انفجار جبل سينت هيلين في ولاية واشنطن في 1980.
في ذلك الوقت، لم تشهد الولايات المنخفضة الثماني والأربعون من الاتحاد انفجاراً بركانياً لأكثر من 65 عاماً. من ثم فقد استدعى معظم علماء البراكين الحكوميين؛ كي يرصدوا سينت هيلين ويتنبؤوا بسلوكه، وهم لم يشاهدوا سابقاً إلا براكيم هاواي في حالة العمل، وتبين أنها لم تكن الشيء نفسه مطلقاً.
بدأ سينت هيلين قعقعته في عشرين آذار. وفي غضون أسبوع كان يقذف الماغما، ولوبكميات قليلة – مئة مرة في اليوم، كانت تهزه الزلازل باستمرار. أجلي السكان إلى منطقة تبعد 13 كيلومتراً افترض أنها آمنة. وفيما ازداد هزيم الجبل صار سينت هيلينا يجذب السواح من كل أنحاء العالم كلها. نشرت الصحف تقارير يومية عن أفضل الأمكنة لرؤية المشهد. وطارت الفرق التلفزيونية بشكل متكرر في الحوامات إلى القمة وكان الناس يتسلقون الجبل. وفي أحد الأيام، دارت أكثر من سبعين حوامة وطائرة خفيفة حول القمة. ولكن مع مرور الأيام وعدم تحول القعقعة إلى أي شيء درامي، صار الناس قلقين وصار المشهد عاماً وساد رأي بأن
البركان لن ينفجر في النهاية.
وفي 19 نيسان بدأ الطرف الشمالي من الجبل ينتفخ بشكل واضح. ومن اللافت أنه لم ير أحد في مواقع المسؤولية أن هذا أشار بقوة إلى انفجار جانبي. وقد بنى علماء الزلازل استنتاجاتهم على سلوك براكين هاواي، التي لا تنفجر جانبياً. وكان الشخص الوحيد تقريباً الذي اعتقد أن شيئاً سيئاً يمكن أن يحدث هوجاك هايد، أستاذ الجيولوجيا في كلية المحلة في تاكوما. أشار إلى أن جبل سينت هيلين لا يمتلك فتحة، على غرار براكين هاواي، ولهذا فإن أي ضغط يتجمع في الداخل سيُطلق على نحو درامي وربما كارثي.
نعرف جميعاً ما الذي حدث. في الثامنة واثنتين وثلاثين دقيقة في صباح يوم الأحد، 18 أيار، انهار الجانب الشمالي من البركان، مرسلاً حادوراً ضخماً من التراب والصخر على سفح الجبل بسرعة 250 كيلومتراً في الساعة. كان أضخم انزلاق أرضي في التاريخ البشري، وحمل ما يكفي من المواد لدفن مانهاتن كلها إلى عمق 120 متراً. بعد دقيقة، ضعفت خاصرته، وانفجر جبل سينت هيلين بقوة تعادل خمس مئة مرة القنابل النووية التي رُميت على هيروشيما، مطلقاً سحابة حارة قاتلة بسرعة 1,050 كيلومتراً في الساعة، وكانت أسرع بكثير من قدرة أي شخص قريب كي يسبقها. قتل 57 شخصاً. لم يُعثر على ثلاث وعشرين جثة أبداً. ولو لم يكن اليوم يوم أحد لكان عدد الموتى أكبر. ففي أي يوم من أيام الأسبوع يعمل عمال الخشب داخل منطقة الموت. وقتل أشخاص على بعد ثلاثين كيلومتراً.
كان أكثر شخص حظاً في ذلك اليوم هو الطالب المتخرج هاري جليكن. كان يشغل موقعاً للرصد على بعد 9 كيلومترات من الجبل، ولكنه حصل على مقابلة للتوظيف في 18 أيار في كاليفورنيا، وهكذا ترك الموقع قبل يوم من الانفجار. شغل مكانه ديفد جونستون. كان جونستون أول من أبلغ عن انفجار البركان: ومات بعد لحظات. لم يُعثر على رفاته أبداً. كان حظ جليكن للأسف قصيراً. بعد 11 سنة كان أحد العلماء والصحفيين الثلاثة والأربعين الذين انصبت عليهم سيول رماد مهلكة عالية الحرارة، وغازات وصخور ذائبة ما عُرف باسم التدفق الفلذبركاني في جبل أنزين في اليابان، الذي أسيء فهمه بشكل قاتل أيضاً.
إن علماء البراكين يمكن أن يكونوا أولا يكونوا أسوأ العلماء في العالم في القيام بالتنبؤات، ولكنهم دون شك الأسوأ في العالم في إدراك كم هي تنبؤاتهم سيئة. قبل أقل من عامين بعد كارثة أنزين صعدت مجموعة أخرى من مراقبي البراكين بقيادة ستانلي وليامز من جامعة أريزونا إلى حافة بركان نشط يدعى جاليراس في كولومبيا. وبالرغم من وفيات العام الماضي، لم يكن يرتدي قبعات أمان أو ألبسة حماية أخرى سوى اثنين من الأعضاء الستة عشر لفريق وليامز. انفجر البركان، وقتل ستة من العلماء، وثلاثة سواح كانوا يتبعونهم وأصاب عدداً من الأخرين إصابات خطرة، بما فيه وليامز.
قي كتاب يخلو من نقد الذات بشكل فائق للعادة يدعى ((النجاة من جاليراس))، قال وليامز إنه: ((استطاع أن يهز رأسه متعجباً فحسب)) حين علم فيما بعد أن زملاءه في علم البراكين قالوا: إنه أهمل، أو لم يأخذ بالحسبان ارتجافات مهمة معينة وتصرف بطيش. وأضاف: ((كم من السهل تصيد حقيقة، وتطبيق المعرفة

التي نملكها الآن عن أحداث 1993. لم يكن مذنباً بشيء أسوأ من هذا –كما اعتقاد - سوى التوقيت غير المحظوظ حين قام جاليراسس ((بالتصرف بمكر، كما تميل القوى الطبيعية إلى الفعل. لقد خدعت ومن أجل ذلك أتحمل المسؤولية. ولكنني لا أشعر بالذنب حيال موت زملائي. لا يوجد خطيئة. كان هناك انفجار
فحسب)).
ولكن لنعد إلى واشنطن. فقد جبل سينت هيلين 400 متر من قمته، وتم تدمير 600 كيلومتر مربع من الغابة. ودمر ما يكفي من الأشجار لبناء 150,000 منزل (أو 300,000 بحسب بعض التقارير). وقدرت كلفة الضرر بـ 2.7 بليون دولار. وصعد عمود عملاق من الدخان والرماد إلى ارتفاع 18,000 متر في أقل من عشر دقائق. وأبلغت طائرة على بعد 48 كيلومتراً بأنها أصيبت بالأحجار.
بعد تسعين دقيقة من الانفجار، بدأ الرماد يمطر على ياكيما، واشنطن، وهي بلدة تتألف من خمسين ألف شخص على بعد 130 كيلومتراً. وكما ستتوقعون، حوّل الرماد النهار إلى ليل وتغلغل في كل شيء، غامراً المحركات والمولّدات وأجهزة تشغيل الكهرباء، وخنق العابرين، وسد أنظمة التنقية وعرقل كل شيء عملياً. أغلق المطار والطرقات المؤدية من وإلى المدينة.
كان كل هذا يحدث -كما ستلاحظون - باتجاه الريح من البركان الذي كان يقعقع بشكل مهدد لشهرين. ولكن ياكيما تفتقر إلى إجراءات طوارئ خاصة بالبراكين. وتوقف نظام البث في المدينة الذي كان من المفترض أن يعمل في أثناء الأزمة؛ لأن((موظفي الصباح لم يعرفوا كيف يشغلون الأجهزة)). ولمدة ثلاثة أيام، شلت ياكيما وانقطعت عن العالم، بعد أن أغلق مطارها، وشدّت طرقها. تلقت المدينة ما يصل إلى سماكة 1.5 سنتيمتر من الرماد بعد انفجار جبل سينات هيلين. الآن ضعوا في أذهانكم -من فضلكم – ما الذي سيفعله انفجار يلوستون.


الفصل الخامس عشر
جمال خطر
في الستينيات، وبينما كان يُدّرس التاريخ البركاني ليلوستون ناشنال بارك، صار بوب كريستاينسن الذي يعمل في مشروع مسح الولايات المتحدة الجغرافي، حائراً حيال شيء كان من الغريب أنه لم يُزعج أحداً من قبل: لم يستطع العثور على بركان الحديقة. فقد عُرف لوقت طويل أن يلوستون بركانية بطبيعتها. هذا ما فسر ينابيعها الحارة العمودية وصفات بخارية أخرى. ومن إحدى صفات البراكين المميزة أنها واضحة جداً. ولكن كريستيانسن لم يستطع العثور على بنية تُعرف باسم الكلديرة(*)




___
(*) منخفض ضخم حوضي الشكل ناشئ عن انهيار الجزء الأوسط من بركان، أو من انفجارات
عنيفة إلى حد استثنائي. المترجم.

حين يفكر معظمنا في البراكين يفكرون بالشكل المخروطي الكلاسيكي لفوجي أو كليمنجارو، الذي ينشأ حين تتراكم الماغما المقذوفة في كومة متناسقة. ومن اللافت أنه يمكن أن تتشكل بسرعة. ففي 1943 في باريكوتين في مكسيكودهش فلاح حين شاهد الدخان يتصاعد من بقعة في أرضه. وفي أسبوع واحد صار المالك المذهول لمخروط ارتفاعه 150 متراً. بعد عامين صار ارتفاعه 430 متراً وعرضه أكثر من 800 متر. وهناك نحو عشرة آلاف من البراكين المرئية بشكل واضح على الأرض لم ينقرض منها سوى بضع مئات. ولكن هناك نوع ثان من البراكين غير المعروفة لا تشتمل على بناء الجبال. وهذه براكين انفجارية بحيث تنفجر، وتنفتح في تمزق عنيف تاركة خلفها حفرة ضخمة خامدة تدعى الكلديرة (من الكلمة اللاتينية التي تعني مرجلاً). كانت يلوستون على ما يبدو من النوع الثاني، ولكن كريستاينسن لم يعثر على الكلديرة في أي مكان.
بالمصادفة – وفي الوقت نفسه قررت ناسا أن تختبر كاميرات جديدة من ارتفاعات عالية بالتقاط صور ليلوستون – منح مسؤول ذكي نسخاً من الصور لسلطات الحديقة، مفترضاً أنهم يمكن أن يقوموا بعرض ظريف في أحد مراكز الزوار. حالما شاهد كريستاينسن الصور أدرك لماذا لم يفلح في تحديد الكلديرة: كانت الحديقة كلها -9000 كيلومتر مربع – كلديرة. لقد خلّف الانفجار حفرة عرضها 65 كيلومتراً تقريباً، كبيرة جداً بحيث لا يمكن أن يدركها أحد من مستوى الأرض في أي مكان. في وقت ما في الماضي لا بد أن يلوستون انفجرت بعنف يتجاوز في قوته أي شيء سبق وعرفه البشر.
تبين أن يلوستون هي بركان عملاق. تتوضع على بقعة حارة ضخمة، ومستودع للصخر الذائب الذي يبدأ على عمق 200 كيلومتر تحت الأرض، ويصعد إلى قرب سطح الأرض، مشكلاً ما يعرف باسم الأعمدة الضخمة. إن حرارة البقعة الحارة هي ما يقوي الفتحات والينابيع والقدور الطينية المندفعة في يلوستون جميعها. ويوجد تحت السطح غرفة ماغما عرضها 72 كيلومتراً تقريباً لها الأبعاد نفسها كالحديقة، وتبلغ سماكتها 13 كيلومتراً في نقطتها الأكثر سماكة. تخيلوا كومة من التي إن تي بحجم مقاطعة إنكليزية ترتفع 13 كيلومتراً في الفضاء، إلى ارتفاع أعلى طخاف (السحاب الأبيض)، وحينها تعرفون فوق ماذا يسير زواريلوستون، إن الضغط الذي تمارسه بركة ماغما كهذه على القشرة في الأعلى، رفع يلوستون وأرضها المحيطة نحو نصف كيلومتر إلى أعلى مما كانت عليه. وإذا ما انفجرت فإن الكارثة ستكون خارج التصور. وقال البروفسور بيل مجواير من كلية جامعة لندن: «لن تكون قادراً على الاقتراب في نطاق ألف كيلومتر منها، بينما هي تنفجر. والعواقب التي ستتبع ذلك ستكون أسوأ.
إن الأعمدة العملاقة التي تتوضع عليها يلوستون تشبه كؤوس المارتيني: تضيق في الأعلى، ولكنها تتوسع حين تقترب من السطح كي تشكل قصعات من الماغما غير المستقرة. يمكن أن يكون عرض قصعات كهذه 1900 كيلومتر. وتقول النظريات الحالية: إنها لا تبزغ دوماً انفجارياً، ولكنها تنفجر أحياناً في طوفان متواصل من الصخور الذائبة كما حدث في ديكان ترابس في الهند منذ 65 مليون سنة. فقد غطت هذه الصخور الذائبة منطقة تتجاوز مساحتها 500,000 كيلومتر مربع،
وعلى الأرجح أسهمت في انقراض الديناصورات وهي بالتأكيد لم تساعد بدفقها المزعج من الغازات. يمكن أن تكون الأعمدة الضخمة مسؤولة عن الصدوع التي تجعل القارات تنفصل.
إن أعمدة كهذه ليست نادرة. هناك نحو30 واحداً منها ناشط على الأرض حالياً ومسؤول عن كثير من جزر الأرض المعروفة أيسلندة، وهاواي، والأزوريس، والكناري، وأرخبيلات جالاباكوس، وبيتكيرن الصغيرة في وسط المحيط الهادى الجنوبي، وكثير من الجزر الأخرى ولكن باستثناء يلوستون كلها محيطية. ولا يملك أحد أدنى فكرة كيف ولماذا انتهت يلوستون تحت لوح قاري. هناك شيئان مؤكدان فقط: إن القشرة في يلوستون رقيقة والعالم الذي تحتها حار. ولكن إن كانت القشرة رقيقة من البقعة الحارة، أو إن كانت البقعة الحارة هناك لأن القشرة رقيقة فهذه مسألة تثير جدلاً حامياً. فالطبيعة القارية للقشرة تفسر انفجاراتها. وبينما تميل البراكين العملاقة الأخرى إلى أن تمور بثبات وبطريقة حميدة نسبياً، فإن يلوستون تمور انفجارياً. وهذا لا يحدث غالباً، ولكن حين يحدث فإنك سترغب بالوقوف في الخلف.
منذ انفجارها الأول المعروف منذ 16.5 مليون سنة، انفجرت نحو100 مرة، ولكن أحدث ثلاثة انفجارات هي تلك التي كتب عنها. كان آخر انفجار أقوى بألف مرة من انفجار جبل سينت هيلينز الذي قبله كان أقوى بـ 280 مرة والذي قبل هذا كان كبيراً جداً بحيث لا يعرف أحد كم كان قوياً. ربما كان على الأقل أقوى بـ 2500 مرة من سينت هيلينز، ولكن ربما أكثر وحشية ب 8,000 مرة.
ليس لدينا أي شيء نقارنه به ألبتة. كان الانفجار الأكبر في الأوقات الأخيرة هوكراكاتو في إندونيسيا في آب 1883، الذي كان انفجاراً تردّد صداه في أنحاء العالم جميعها لتسعة أيام، وجعل المياه تندفع حتى في القناة الإنكليزية. ولكن إذا تصورتم حجم المواد المقذوفة من كراكاتو بأنها بحجم كرة غولف، فإن المواد المقذوفة من أقوى انفجارات يلوستون ستكون بحجم كرة يمكنك الاختباء خلفها. في وزن كهذا، لن يكون انفجار جبل سينت هيلينز أكثر من حبة بازلاء.

إن انفجار يلوستون الذي حدث منذ مليوني عام أخرج ما يكفي من الرماد لدفن ولاية نيويورك على عمق عشرين متراً أو كاليفورنية على عمق ستة أمتار. كان هذا هو الرماد الذي صنع أحواض المستحاثات الخاصة بمايك فورهايس في شرق نبراسكة. حصل الانفجار فيما يعرف الآن باسم إداهو، ولكن على مدار أكثر من ملايين الأعوام، بسرعة 2.5 سنتمتر في العام، سافرت قشرة الأرض فوقه، وهكذا فإنه اليوم مباشرة تحت شمال غرب ويومنغ. (البقعة الحارة تظل في مكان واحد، مثل مشعل أسيتيلين موجه إلى السقف). وبعد أن يحدث يترك سهولاً بركانية غنية مثالية لزراعة البطاطا، كما اكتشف سكان إداهو منذ وقت طويل. وفي مليوني عام آخرين -كما يحب علماء الجيولوجيا أن يمزحوا– ستنتج يلوستون شرائح بطاطا مقلية بالدهن لمطاعم المكدونالد، وسيدور سكان بلينغوومونتانا حول الينابيع الحارة.
إن الرماد المتساقط من آخر انفجار في يلوستون غطى 19 ولاية غربية أو أجزاء منها (بالإضافة إلى أجزاء من كندة والمكسيك)، غطى تقريباً كل الولايات المتحدة إلى غرب المسيسبي. وهذه – ضعوا في أذهانكم – سلة خبز أمريكة؛ منطقة تنتج تقريباً نصف حبوب العالم. ومن الجدير بالذكر أن الرماد ليس كالثلج المتساقط الذي يذوب في الربيع. إذا أردتم أن تزرعوا المحاصيل مرة أخرى، يجب أن تجدوا مكاناً ما كي تضعوا كل الرماد فيه. استغرق آلاف العمال ثمانية أشهر كي يزيلوا 1.8 بليون طن من الحطام من 6.5 هكتارات من موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك. تخيلوا كم سيستهلك تنظيف كانساس من الوقت.
ناهيك عن العواقب المناخية. حدث آخر انفجار لبركان عملاق على الأرض في توبا، في شمال سومطرة، منذ 74,000 سنة. لا أحد يعرف تماماً كم كان قوياً، ولكنه كان مدمراً. تُظهر أعماق الجليد في غرينلندة أن انفجار توبا تبعه على الأقل ستة أعوام من ((الشتاء البركاني))، ولا أحد يعرف كم من مواسم الزراعة السيئة التي أعقبت. ويعتقد أن الحدث يمكن أنه دفع البشر إلى حافة الانقراض، مخفضاً

عدد سكان العالم إلى بضعة آلاف. يعني هذا أن البشر الحديثين جميعاً نشؤوا من قاعدة سكانية صغيرة، وهذا ما يشرح افتقارنا إلى التنوع الجيني. على أي حال، هنالك بعض الأدلة التي توحي أنه في الأعوام العشرين ألف اللاحقة لم يكن عدد سكان العالم الكلي أبداً أكثر من بضعة آلاف في أي وقت. وهذا – من نافلة القول -
وقت طويل للشفاء من انفجار بركاني واحد.
كان هذا مهماً على المستوى النظري حتى عام 1973، حين طرأ حدث غريب جعله يكتسب زخماً. بدأ الماء في بحيرة يلوستون – في قلب الحديقة- يفيض على الضفاف في الطرف الجنوبي من البحيرة، وغمرت مرجاً، بينما في الطرف المقابل من البحيرة تدفق الماء بشكل غامض. قام علماء الجيولوجيا بمسح سريع واكتشفوا أن منطقة ضخمة من الحديقة طورت انتفاخاً سيئاً رفع طرفاً من البحيرة، جاعلاً الماء يطوف من الطرف الآخر، كم سيحدث حين ترفع طرفاً من بركة طفل. وفي 1984 ارتفعت المنطقة الوسطى من الحديقة أكثر من 100 متر مربع أكثر من متر عما كانت عليه في 1924، حين مسحت الحديقة أخيراً بشكل رسمي. ثم، في 1985، انخفض الجزء الأوسط من الحديقة 20 سنتمتراً (8 إنشات). وتبدو أنها ترتفع الآن مرة ثانية.
أدرك علماء الجيولوجيا أن شيئاً واحداً فحسب يمكن أن يسبب هذا: غرفة ماغما غير مستقرة. لم تكن يلوستون مركز بركان عملاق قديم؛ وإنما مركز بركان ناشط. وفي نحو ذلك الوقت كانوا قادرين على استنتاج أن دورة انفجارات يلوستون تبلغ معدل انفجار واحد كبير كل 600,000 سنة. حدث آخر انفجار منذ 630,000 سنة. إن انفجار يلستون –على ما يبدو – متوقع.
قال لي بول دوس، عالم الجيولوجيا في منتزه يلوستون القومي، حالأبعد النزول من الدراجة الضخمة هارلي دايفد سون، وبعد أن تصافحنا حين التقينا في مقر المنتزه في ينابيع ماموث الحارة في صباح يوم باكر جميل من أيام حزيران: ((يمكن ألا تشعر بذلك، لكنك تقف فوق أنشط بركان في العالم)). إن دوسى – المولود في

إنديانة- رجل طيع ناعم الكلام ومستغرق في تفكيره ولا يبدو كموظف في منتزه. له
لحية تميل إلى الشيب وشعر مربوط إلى الخلف كذيل المهر الطويل. خرز صغير من الياقوت الأزرق يزين إحدى أذنيه. وينتأ كرش من بزته الخاصة بالعمل. يبدو كموسيقي بلوز أكثر مما يبدو موظفاً حكومياً. والواقع أنه موسيقي بلوز (يعزف على الهارمونيكا). ولكنه بالتأكيد يعرف الجيولوجيا ويحبها. «حصلت على أفضل مكان في العالم لممارسة الجيولوجيا»، قال فيما كنا ننطلق في عربة قافزة ذات أربع عجلات في الاتجاه العام لأولد فيثفول. لقد وافق على جعلي أرافقه مدة يوم، وهو يقوم بواجبه كجيولوجي في المنتزه. كانت الوظيفة الأولى في ذلك اليوم هي تقديم حديث تمهيدي لمجموعة جديدة من الأدلاء السياحيين.
بالكاد أحتاج إلى أن أشير أن يلوستون جميلة حسياً، بجبال خضراء مهيبة،
ومروج منقطة بالثيران، والجداول القافزة، وبحيرة بلون السماء، وحياة برية لا تحصى. يقول دوس: «لا يوجد أفضل من هذا المكان إذا كنت عالم جيولوجيا. لديك صخور في الأعلى في بيرتوث جاب عمرها ثلاثة بلايين عام ثلاثة أرباع الطريق إلى بداية الأرض، ثم لديك ينابيع معدنية هنا، يشير إلى الينابيع الكبريتية الحارة التي تأخذ منها ماموث
اسمها «حيث بوسعك رؤية الصخور كما هي مولودة. وبينهما يوجد كل ما بوسعك تخيله. لم أذهب إلى أي مكان تبدو الجيولوجيا فيه أكثر وضوحاً أو أجمل».
قلت: «إذاً تحبها؟»
«آه، نعم، أحبها، – أجاب بصدق. «أعني أحبها حقاً هنا. الشتاء قاس والراتب ليسس جيداً، ولكن حين يكون الأمر جيداً، إنه –» قاطع نفسه كي يشير إلى فجوة بعيدة في سلسلة جبال إلى الغرب، انكشفت في مدى بصرنا حين بلغنا مرتفعاً. أخبرني أن الجبال كانت تعرف باسم جالاتينيز. «إن الفجوة تبلغ ستين أوسبعين ميلاً. لم يفهم أحد الوقت طويل سبب وجود فجوة كهذه، ثم أدرك بوب كريستاينسن أن سبب وجودها هو انفجار الجبال. حين يمحى ستون ميلاً من الجبل تعرف أنك تتعامل مع شيء قوي. استغرق كريستيانسن ستة أعوام كي يستنتج هذا».
سألته ما الذي جعل يلوستون تنفجر حين حدث هذا.
«لا أعرف. لا أحد يعرف. البراكين أمور غريبة. فنحن لا نفهمها كلها في الواقع. كان فيزوف في إيطالية ناشطاً مدة ثلاث مئة عام إلى أن حدث الانفجار في 1944 ثم توقف. لقد صمت منذ ذلك الوقت. يعتقد بعض علماء البراكين أنه يعيد شحن نفسه بطريقة كبيرة، وهذا يدعو إلى القلق؛ لأن مليوني شخص يعيشون في جواره.
ولكن لا أحد يعرف».«وكم من التحذير ستتلقى إذا انفجرت يلوستون؟
هز كتفيه. «لا أحد كان في الجوار حين انفجر آخر مرة، ولهذا لا أحد يعرف ماهي إشارات التحذير. ربما سيحصل حشد من الزلازل وارتفاع ما للسطح، وربما
بعض التغيرات في أنماط سلوك الينابيع الحارة وفتحات البخار، ولكن لا أحد يعرف -2 الحقيقة».
(مر الممكن أن ينفجر إذاً دول تحذير؟»
هز رأسه مفكراً، قال: إن المشكلة هي أن كل الأمور التي تشكل إشارات تحذير توجد سابقاً بقياس ما في يلوستون. والزلازل هي عادة نذر انفجار البركان، ولكن حدثت كثير من الزلازل سابقاً في المنتزه: وقع 1260 منها العام الماضي. كان معظمها ضعيفاً لا يشعر به، ولكنها مع ذلك زلازل).
إن تغيراً في نمط الانفجارات يمكن أن يقرأ أيضاً كإشارة – كما قال – ولكن هذه تتنوع بشكل لا يمكن التنبؤ به. مرة كان أكثر نبع حار شهرة في المنتزه هو نبع إكسيلسيور. كان ينفجر بانتظام وبشكل كبير إلى ارتفاع 100 متر، ولكنه هدأ في 1985. ثم انفجر في 1988 وفي ثانية واحدة وصل إلى ارتفاع 25 متراً. إن نبع ستيمبوت الحار هو أكبر نبع في العالم حين ينفجر، ينطلق الماء على ارتفاع 120 متراً، ولكن الفواصل
بين انفجاراته تراوحت من أربعة أيام إلى خمسين عاماً تقريباً. قال دوس: «إذا انفجر الآن و انفجر مرة أخرى الأسبوع القادم، فلن يقول لنا هذا أي شيء مطلقاً عما يمكن أن يفعله الأسبوع الآتي، أو الذي بعده أو بعد عشرين سنة من الآن. إن المنتزه كله متقلب، بحيث إنه من المستحيل جوهرياً استنتاج أي شيء من كل ما يحدث».
لن يكون من السهل إجلاء سكان يلوستون. يأتي إلى المنتزه ثلاثة مليون زائر سنوياً، وخصوصاً في أشهر الصيف الثلاثة. إن طرق المنتزه قليلة نسبياً وجُعلت ضيقة قصداً من أجل إبطاء وسائط النقل ومن أجل الحفاظ على جوالمنظر وجماله، ومن أجل القيود الطبوغرافية. وفي أوج الصيف يمكن أن يستغرق الأمر نصف نهار لعبور المنتزه وساعات للوصول إلى أي مكان داخله. قال دوس: «عندما يرى الناس الحيوانات يتوقفون، أينما كانوا او تواجدو . لدينا ازدحام دببة، وازدحام ثيران، وازدحام ذئاب».
في خريف عام 2000 اجتمع ممثلون من المسح الجيولوجي الأميركي وخدمةالمنتزه القومي مع بعض الأكاديميين وشكلوا ما يُدعى بمرصد يلوستون البركاني. وكانت أربع من هذه الهيئات موجودة سابقاً في هاواي وكاليفورنية وألاسكة وواشنطن ولكن من الغريب أنها لم تكن موجودة في أكبر منطقة بركانية في العالم. إن مرصد يلوستون الجيولوجي في الواقع ليس فكرة، أو اتفاقاً لتنسيق الجهود في دراسة وتحليل البنية الجيولوجية المتنوعة للمنتزه. كانت إحدى مهماتها الأولى وضع «خطة لمواجهة مخاطر الزلازل والبراكين»، خطة عمل للتعامل مع الأزمات.
قلت: «ألا توجد واحدة سابقاً؟».
ابتسم: «حسناً، لنقل: إنها لم تعد موجودة الآن».
حالما وضعت الخطة طلب من ثلاثة رجال: كريستسانسن في منتزه مينلو، كاليفورنية، البروفسور روبرت ب. سميث في جامعة أوتاه ودوس في المنتزه أن
يدرسوا درجة الخطر الناجمة عن أي جائحة محتملة وينصحوا مدير المنتزه.
سيتخذ المدير القرار إن كان يجب إخلاء المنتزه. بالنسبة للمناطق المحيطة، لا يوجد خطط. ستعتمدون على أنفسكم حالما تخرجون من الحديقة ولن يكون هناك كثير من المساعدة إذا كان انفجار يلوستون هائلاً.
يمكن أن يمر عشرات الآلاف من السنين قبل أن يأتي هذا اليوم. ويعتقد دوس أن يوماً كهذا يمكن ألا يأتي مطلقاً. قال: «إن وجود نموذج في الماضي لا يعني أنه لا يزال صحيحاً. ثمة بعض الأدلة بأن النموذج يمكن أن يكون سلسلة من الانفجارات الكارثية، ثم مدة طويلة من الهدوء. يمكن أننا فيها الآن. والدليل على ذلك الآن هوأن معظم غرفة الماغما تبرد وتتبلر. إنها تطلق موادها المتطايرة: وتحتاجون إلى رؤية هذه المواد؛ كي تعرفوا أن الانفجار سيحدث».
هناك أيضاً كثير من الأخطار الأخرى في يلستون وحولها، كما أوضح الدمار في ليلة 17 آب 1959، في مكان يُدعى بحيرة هيبجين خارج المنتزه تماماً. قبل منتصف الليل بعشرين دقيقة ذلك التاريخ، ضرب زلزال كارثي هيبجين. كان بقوة 7.5، لم يكن نطاقه واسعاً كما تحدث الزلازل، وإنما متقطع وعنيف جداً بحيث انهار جانب الجبل. كان هذا في أوج الموسم الصيفي، بالرغم من أنه لحسن الحظ لم يكن يذهب كثير من الناس إلى يلوستون في تلك الأيام كما الآن. اندفع ثمانون مليون طن من الصخور، بسرعة تتجاوز 160 كيلومتراً في الساعة، بعد أن سقطت من الجبل، وتحركت بقوة وزخم بحيث إن قمة الانزلاق الأساسية جرت على ارتفاع 120 متراً فوق جبل في الجانب الآخر من الوادي. كان يقع في الطريق جزء من أرض خاصة بنصب الخيام في روك كريك. قتل 28 مخيماً ودُفن تسعة عشر منهم عميقاً بحيث لم يُعثر عليهم أبداً. كان الدمار سريعاً وماكراً بشكل يحطم القلب. نجا ثلاثة إخوة كانوا نائمين في خيمة واحدة أما الأب والأم، اللذان كان ينامان في خيمة أخرى فقد جُرفا ولم يُشاهدا بعد ذلك.
قال دوس: «إن زلزالأكبيراً سيحدث مرة ثانية. لا تستطيع الاعتماد على هذا.
هذه منطقة صدوع للزلازل».
وبالرغم من زلزال هيبحين والأخطار الأخرى المعروفة، فإن يلوستون لمتحصل على مرجافات دائمة حتى ا لسبعينيات.
إذا كنتم بحاجة إلى طريقة لفهم عظمة وعناد العمليات الجيولوجية، فبوسعكم أن تفعلوا ما هو أسوأ من التفكير بجبال تيتونز، السلسلة الوعرة جداً التي تقع إلى الجنوب من منتزه يلستون القومي. منذ تسعة ملايين عام، لم تكن جبال تيتونز موجودة. كانت الأرض التي حول (جاكسون هول) سهلاً عشبياً مرتفعاً. ثم انفتح صدع بطول 64 كيلومتراً داخل الأرض ومنذ ذلك الوقت، ومرة كل تسع مئة عام، يحدث زلزال كبير في تيتونز، ما يكفي كي يرفعها مترين آخرين. وصل هذا التقبّب المتكرر، مع مرور الدهور التي رفعتها إلى ارتفاعاتها المهيبة، إلى 2000 متر.
إن التسع مئة عام معدل مضلل نوعاً ما. وكما قال روبرت ب. سميث ولي ج. سيغل في كتاب نوافذ على الأرض، وهويتحدث عن التاريخ الجيولوجي للمنطقة: إن آخر زلزال رئيس 2 تيتونز حدث منذ مدة تقدر بين خمسة آلاف وسبعة آلاف سنة. إن تيتونز هي أكثر مناطق العالم تعرضاً للزلازل تقريباً.
إن انفجار المياه الحارة يشكل هو أيضاً أخطاراً كبيرة. يمكن أن يحدث في أي وقت، وفي أي مكان ودون إمكانية للتنبؤ به. قال لي دوس بعد أن شاهدنا انفجار أولد فيتفول: «أنت تعرف أنه لدينا خطة لإدخال الناس إلى أحواض المياه الحارة. هذا ما يأتون لرؤيته. أتعرف أن هناك حمات وينابيع في يلوستون أكثر مما يوجد
في أنحاء العالم كلها؟».
«لا أعرف هذا».
هز رأسه. «عشرة آلاف منها، ولا أحد يعرف متى تظهر فتحة جديدة)).
ذهبنا بالسيارة إلى مكان يُدعى بحيرة البط، وهي بعرض مئتي متر. قال:
«تبدو آمنة بشكل كامل. إنها مجرد بركة كبيرة. ولكن هذه الحفرة الكبيرة لم تكن هنا. في وقت ما في الخمسة عشر ألف سنة الأخيرة حدث انفجار هائل فيها. ستحصل على عشرات الملايين من أطنان من التربة والصخور والماء المسخن
إلى درجة فائقة للعادة تنفجر بسرعة أعلى من سرعة الصوت. بوسعك أن تتخيل كيف ستكون إذا حدثت في الأسفل، لنقل في منطقة صف السيارات في أولد فيتفولأو في أحد مراكز الزوار.
كان على وجهه تعبير حزين.
«هل سيكون هناك أي تحذير؟».
«كلا على الأرجح. حدث آخر انفجار كبير في المنتزه في مكان يدعى حمة بورك تشوب في 1989. خلف الانفجار حفرة عرضها خمسة أمتار. ليست كبيرة، ولكنها كبيرة بما يكفي إذا كنت تقف هناك وقت الانفجار. لحسن الحظ، لم يتأذ أحد ولكن هذا حدث دون تحذير. وفي الماضي البعيد حدثت انفجارات أحدثت حفراً بعرض ميل. لا أحد يستطيع إخبارك أين ومتى يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى. عليك فقط أن تأمل أنك لا تقف هناك حين يحدث هذا».
تشكل انهيارات الصخور الكبيرة خطراً أيضاً. حدث انهيار كبير في وادي جاردينر في 1990، ولكن لحسن الحظ لم يتأدّ أحد. وفي بعد الظهر، زرت أنا ودوس مكاناً يتدلى فيه صخري في الأعلى فوق طريق منتزه مزدحم. كانت الشقوق واضحة. قال دوس وهو يفكر: «يمكن أن تنهار الصخور في أي وقت».
«أنت تمزح»، قلت له. لا تمر لحظة إلا وتعبر تحتها سيارتان مكتظتان بالمخيمين السعيدين.
أضاف: «آه، إنه من غير المرجح. أنا أقول: إنه يمكن أن ينهار. ويمكن أن يبقى هكذا لعقود. لا تستطيع أن تعرف فحسب. على الناس أن يقبلوا أن المجيء إلى هنا ينطوي على مجازفة. هذا هو كل ما في الأمر».
فيما كنا نسير عائدين إلى عربته كي نرجع إلى ينابيع ماموث الحارة، أضاف دوس: «إلا أن الأمور السيئة تحدث في معظم الأوقات. إن الفتحات الجديدة لا تنفتح فجأة. فبالرغم من كل عدم الاستقرار هذا، فإنها هادئة بشكل مذهل ولافت للنظر».
قلت: (ككوكب الارض».

وافقني: «بالضبط».
إن الأخطار في يلوستون تهدد الموظفين كما تهدد الزوار. وقد فهم دوس هذا بشكل مخيف في أسبوع عمله الأول منذ خمس سنوات. ففي وقت متأخر في إحدى الليالي، كان ثلاثة موظفين شبان يعملون في إجازة الصيف منخرطين في نشاط غير قانوني، يُعرف باسم السباحة في القدور الحارة أو التدفؤ فيها. وبالرغم من أن المنتزه لا يعلن عن هذا لأسباب واضحة، فليست البرك جميعها في يلوستون
حارة بشكل خطر. بعضها مناسب للاستلقاء فيه، وكان من عادة بعض الصيفيين أن يقوموا بغطسة في وقت متأخر من الليل، بالرغم من أن هذا كان مخالفاً للقواعد المتبعة. وبسبب حماقة الثلاثي لم يأخذوا معهم مشعلاً كهربائياً، وكان هذا في غاية الخطورة؛ لأن معظم التربة حول البرك الدافئة هشة ورقيقة، ويمكن أن يسقط المرء بسهولة في فتحة حارقة في الأسفل. على أي حال، حين عادوا إلى غرفتهم، عثروا على جدول كان عليهم أن يقفزوا فوقه في وقت أبكر. تراجعوا بضع خطوات، شابكوا أذرعتهم، وبعد أن عدوا إلى ثلاثة قفزوا راكضين. غير أن هذا لم يكن الجدول في الواقع. كان البركة التي تغلي. ففي الظلام فقدوا الاتجاه. وهلك الثلاثة.
فكرت في هذا في الصباح اللاحق وأنا أقوم بزيارة قصيرة –حين كنت أغادر المنتزه- إلى مكان يُدعى بركة إميرالد، في حوض الحمة الأعلى. لم يكن لدى دوس الوقت كي يأخذني إلى هناك في اليوم السابق، ولكنني اعتقدت أنني يجب أن ألقي نظرة عليها على الأقل، ذلك أن إميرالد بول موقع تاريخي.
في عام 1965 قام فريق من علماء البيولوجيا مؤلف من زوج وزوجة هما توماس ولويز بروك بأمر جنوني فيما كانا في نزهة صيفية. جرفا بعض الأوساخ الصفراء التي تميل إلى اللون البني التي تحف بالبركة وفحصا إن كان فيها حياة. ومما سبب دهشتهما العميقة ودهشة العالم كله، أنها كانت مليئة بالميكروبات الحية. عثرا على أول إكستريموفايلز extremophiles في العالم، وهي متعضيات يمكن أن تعيش في الماء الذى افترض سابقاً أنه حار جداً أو حمضى أو ملىء بالكبريت بحيث لا يحتوي على حياة. كانت (إميرالد بول) – بشكل لافت - كل هذه الأشياء، غير أن نمطين من الأشياء الحية، هما سولفولويس أسيدوكالداريوس Sulpholobus acidocaldarius وثيرموفيلوس أكواتيكوس Thermophilus aquaticus، كما صارا يُعرفان، وجداها ملائمة. افترض دوماً أنه لا شيء يمكن أن يحيا في درجة حرارة أعلى من 50 درجة مئوية، ولكن كان هناك متعضيات تتدفأ في مياه عفنة حمضية، درجة حرارتها أعلى بمرتين.
ولمدة عشرين عاماً تقريباً، بقيت بكتيريا جديدة، وهي ثيرموفيلوس أكواتيكوس Thermophilus aquaticus، شيئاً مثيراً للفضول في المخابر إلى أن أدرك عالم في كاليفورنية يدعى (كاري ب. موليز) أن الإنزيمات المقاومة للحرارة، التي في داخلها يمكن أن تُستخدم لصناعة سحر كيميائي يعرف باسم تفاعل متسلسل متبلمر* polymerase chain reaction، مما يسمح للعلماء بتوليد كثير من الـ(DNA) من كميات صغيرة جداً، صغيرة كجزيء واحد في أوضاع مثالية. إنه نوع من التناسخ الجيني، وصار أساس علم الوراثة اللاحق كله، من الدراسة الأكاديمية إلى عمل الشرطة الجنائية. وهذا جعل موليز يفوز بجائزة نوبل
للكيمياء في 1993.
في غضون ذلك، كان العلماء يكتشفون ميكروبات أكثر صلابة تعرف الآن باسم هايبرثيرموفايلس hyperthermophiles، تتطلب 80 درجة حرارة مئوية أو أكثر. إن أسخن متعض عُثر عليه حتى الآن -بحسب فرانسيس أشكروف في كتابها الحياة في الأطراف القصوى – هو بايرولوبوس فوماري Pyrolobus fumarii، الذي يحيا على جدران فتحات المحيط حيث يمكن أن تصل الحرارة إلى 113 درجة مئوية. ويعتقد أن الحد الأعلى للحياة هو 120 درجة مئوية، بالرغم من أنه لا أحد يعرف بالفعل. على أي حال، لقد غيرت مكتشفات الزوجين بروك بشكل كامل فهمنا للعالم الحي. كما عبر عالم ناسا جي بيرجستراهل Jay Bergstrahlعن الأمر: «أينما ذهبنا على الأرض حتى فيما يبدو مثل البيئات الأكثر عداء للحياة نعثر على الحياة طالما أن هناك ماء سائلاً ومصدراً ما للطاقة الكيميائية«.
تبين أن الحياة هي أكثر ذكاء وتكيفاً بكثير مما افترضه أي شخص. وهذا أمر جيد جداً، لأننا -كما سنرى- نحن نعيش في عالم لا يبدو أن كله يريدنا أن نكون هنا.



الباب الخامس: الحياة نفسها
الفصل السادس عشر

كوكب وحيد

ليس من السهل أن تكون متعضياً. وبقدر ما نعرف حتى الآن، هناك مكان واحد في الكون فحسب – موقع واحد في الطريق اللبنية غير واضح يدعى الأرض - سيبقيك حياً لكن من الممكن أن يضنّ عليك أيضاً.
من قاع أعمق حفرة في المحيط إلى قمة أعلى جبل، إن المنطقة التي تشمل الحياة المعروفة كلها هي بسماكة 20 كيلومتراً فقط. وهذا ليس كثيراً إذا قيست باتساع الكون.
هذا أسوأ بالنسبة لنا نحن البشر؛ لأنه صادف أننا ننتمي إلى الأشياء الحية التي اتخذت القرار المتهور، والمغامر منذ 400 مليون سنة كي تزحف خارجة من البحار وتصبح برية ومتنفسية للأوكسجين. ومن ثم، ما لا يقل عن %99.5 من حجم العالم القابل للسكن، بحسب أحد التقديرات، هوجوهرياً –من زاوية عملية بشكل كامل- محظور علينا.
ليس السبب لأننا لا نتنفس في الماء فحسب، وإنما لأننا أيضاً لا نستطيع تحمّل الضغط. لأن الماء أثقل من الهواء بنحو1,300 مرة، يرتفع الضغط بسرعة فيما أنتم تهبطون بما يعادل جوية واحدة*(1 بارBar )على عمق كل 10 أمتار. أما على اليابسة، إذا صعدتم إلى قمة ارتفاعها 150 متراً كاتدرائية كولونيا أو الصرح التذكاري في واشنطن فإن التغير في الضغط سيكون ضئيلاً وغير قابل للتمييز. أما على عمق 150 متراً تحت الماء –على أي حال- فستتمزق شرايينك وتضغط رئتاك وتصيران بحجم علبة كولا. ومن المفاجئ أن الناس يقومون طوعياً بالغوص إلى أعماق كهذه، دون أجهزة تنقس، من أجل التسلية، في رياضة تعرف باسم الغطس الحر. وعلى ما يبدو، يُعتقد أن تجربة تشويه أعضائك الداخلية بشكل سيئ منعشة (بالرغم من أنها على ما يُفترض ليست منعشة مثل جعلها تعود إلى أبعادها السابقة لدى الخروج إلى السطح). للوصول إلى أعماق كهذه، يجب أن يُجر الغطاسون إلى الأسفل، وبخفة، بالأثقال. كان العمق الذي استطاع أي شخص أن يصل إليه دون مساعدة وعاد كي يتحدث عنه هو 72 متراً، وهذا إنجاز كبير حققه إيطالي يُدعى أمبرتو بليزاري، الذي غاص في 1992 إلى ذلك العمق، بقي جزءاً من مليون من الثانية ثم اندفع عائداً إلى السطح. ومن زاوية أرضية، إن 72 متراً هي أقصر بقليل من رمية كرة. وهكذا حتى في أكثر أعمالنا حيوية وإثارة بالكاد نستطيع الزعم أننا سادة الهاوية.
تستطيع متعضيات أخرى بالطبع أن تتعامل مع الضغط في الأعماق، بالرغم من أنه لا يزال لغزاً كيف يستطيع بعضها أن يفعل ذلك. إن أعمق نقطة في المحيط الهادئ هي خندق ماريانا. هناك – على عمق 11.3 كيلومتر في الأسفل – يرتفع الضغط إلى 16 ألف رطل في كل إنش مربع. وقد نجحنا مرة واحدة فقط – ولوقت قصير جداً- في إرسال البشر إلى ذلك العمق في غواصة قوية، ومع ذلك اكتشف أنها مستعمرات لمزدوجات الأرجل، وهي نوع من القشريات الشبيهة بالقريدس، ولكنها شفافة، تحيا دون أي حماية مطلقاً. إن معظم المحيطات هي بالطبع أقل عمقاً، ولكن حتى على عمق 4 كيلومترات يعادل الضغط انسحاقك تحت كومة من أربع عشرة شاحنة محملة بالإسمنت.
يفترض الجميع تقريباً، بالإضافة إلى مؤلفي بعض الكتب المشهورة عن علم المحيطات، أن الجسم البشري سيتفتت تحت الضغط الهائل للمحيط العميق. إلا أن الأمر لا يبدو في الواقع هكذا. ولأننا مصنوعون من الماء بشكل كبير، ولأن الماء هو «غير قابل للانضغاط) -كما عبر فرانسيس آشكروفت من جامعة أكسفورد«فإن الجسم يبقى في الضغط نفسه كالماء المحيط، ولا يسحق في العمق». فالغازات التي داخل الجسم – وخصوصاً في الرئتين – هي التي تسبب المشكلة. فهذه تنضغط بالرغم من أنه من غير المعروف في أي نقطة يصبح هذا الضغط قاتلاً. واعتقد حتى وقت متأخر أن أي شخص يغوص إلى عمق 100 متر أو ما يقارب ذلك، سيموت من الألم بما أن رئتيه تنفجران نحو الداخل أوينهار جدار صدره، ولكن الذين يقومون بالغطس الحر برهنوا مراراً على ما يخالف ذلك. ويبدو-كما يقول آشكروفت – كأن: «البشر يمكن أن يشبهوا الحيتان والدلافين أكثر مما هو متوقع›.
يمكن أن تكون أمور كثيرة أخرى خطأ. ففي أيام بزات الغطس ذلك النوع الذي يتم وصله إلى السطح بخراطيم طويلة، كان الغطاسون يعانون أحياناً من ظاهرة مقيتة تدعى «العصر». كان هذا يحصل حين تعطل مضخات السطح، مؤذية إلى فقدان كارثي للضغط في البزة. يترك الهواء البزة بعنف، بحيث إن الغطاس السيئ الحظ سيمتص من الخوذة وأنبوب الخرطوم. حين يُرفع إلى الأعلى، وكل ما يبقى من البزة هو عظامه وبعض قطع لحمه»، كما قال عالم البيولوجيا ج. ب. س هالدن في 1947، مضيفاً كي يبدّد الشكوك: «لقد حدث هذا›.
(والجدير بالذكر أن خوذة الغطس التي صمّمها إنكليزي يُدعى تشارلز دين، لم تكن تهدف إلى الغطس وإنما لإطفاء الحريق. دُعيت دخوذة الدخان،، لكنها كانت حارة وثقيلة لأنها مصنوعة من المعدن؛ وكما اكتشف دين في الحال، لم يكن رجال الإطفاء متلهفين لدخول الأبنية المشتعلة في أي نوع من أنواع اللباس، وخصوصاً في شيء يسخن كركوة ويضايقهم في أثناء العمل. وفي محاولة لإنقاذ استثماره، جربها دين تحت الماء واكتشف أنها مثالية للإنقاذ من الغرق).
إن ما يثير الرعب الحقيقي في الأعماق هو الآلام الحادة وصعوبة التنفس ليس لأنها غير سارة – بالرغم من أنها كذلك بالطبع – بقدر ما لأنها مرجحة أكثر. إن الهواء الذي نتنفسه يحتوي على 80% من النتروجين. ضع الجسم الإنساني تحت الضغط، فيتحول ذلك النتروجين إلى فقاعات صغيرة تهاجر إلى الدم والأنسجة. إذا تغير الضغط بسرعة كما لدى الصعود السريع لغطاس، فإن الفقاعات العالقة داخل الجسم ستبدأ بالفوران على غرارزجاجة شمبانيا لدى فتحها، سادّة الأوردة

الدموية الصغيرة، ومجردة الخلايا من الأوكسجين ومسببة ألماً كبيراً بحيث إن المعانين يتلوون من الألم الشديد المضاعف.
كانت هذه الآلام الحادّة تشغل الغطاسين من أجل صيد الإسفنج واللآلئ منذ الزمن القديم، ولكنها لم تلفت انتباهاً كثيراً في الغرب حتى القرن التاسع عشر، وحينها كانت تحدث بين أشخاص لم يتبللوا إطلاقاً (أو على الأقل، غير مبللين جداً ولا يقفون في الماء عادة إلى فوق الكاحلين).
كانوا عمال البناء تحت الماء. كانت القيسونات حجرات صامدة أمام الماء تستخدم للبناء تحت المياه. وهي مملوءة بالهواء المضغوط، وحين كان العمال يخرجون بعد مدة مطولة من العمل تحت هذا الضغط الاصطناعي، كانوا يعانون من أعراض خفيفة كالوخز أو الحكة وشعر بعضهم بألم حادّ في المفاصل، وكانوا ينهارون من الألم، ويموتون في أحيان أخرى.
كان هذا محيراً جداً. كان العمال يذهبون أحياناً إلى النوم شاعرين بالراحة، ولكنهم كانوا يستيقظون مشلولين. وكانوا لا يستيقظون مطلقاً في أحيان أخرى. روى أشكروفت قصة عن مديري نفق جديد تحت نهر التايمز أقاموا مأدبة احتفالية حين اكتمل النفق. ومما سبب رعبهم أن الشمبانيا لم تَفُر حين فتحت في الهواء المضغوط للنفق. على أي حال، حين خرجوا أخيراً إلى الهواء النقي في مساء لندني، اندفعت الفقاعات فوراً إلى الفوران، مقوية عملية الهضم كما يُذكر.
وإذا ما غضضنا الطرف عن تجنب بيئات الضغط المرتفع، فليس هنالك إلا استراتيجيتين مضمونتين ضد الآلام الحادة وضيق التنفس: الأولى هي معاناة التعرض لتغيرات في الضغط لوقت قصير جداً. لهذا السبب يستطيع الغطاسون الأحرار -الذين ذكرتهم في السابق – الغوص إلى عمق 150 متراً دون تأثيرات مرضية. وهم لا يمكثون في الأسفل طويلاً بما يكفي كي ينحل النتروجين في أنظمتهم ويدخل أنسجتهم. إن الحلول الأخرى هي الصعود بعناية على مراحل. يسمح هذا للفقاعات الصغيرة بأن تنحل دور أن تسبب أذى.
يعود الفضل في جزء كبير مما نعرفه عن النجاة من الأخطار إلى الفريق الفائق للعادة المؤلف من الأب والابن (جون سكوت وج. ب. س هالدن). كان الاثنان غريبين بشكل مدهش حتى وفقاً للمعايير المتطلبة للمفكرين البريطانيين. ولد هالدن الأب في 1860 لأسرة اسكتلندية أرستقراطية (كان أخوه الفسكونت هالدن)، ولكنه أمضى معظم حياته المهنية كأستاذ متواضع لعلم وظائف الأعضاء في أكسفورد. كان مشهوراً بشروده.
مرة، بعد أن أرسلته زوجته إلى الطابق العلوي؛ كي يبدل ثيابه من أجل حفل عشاء، لم يعد واكتشف أنه كان نائماً في سريره بالبيجاما. حين نهض، شرح هالدن أنه وجد نفسه يتعرى مفترضاً أنه وقت النوم. كانت فكرته عن العطلة هي السفر إلى كورنوال لدراسة داء الأنسيلوستوما لدى عمال المناجم. وسخر ألدوس هكسلي، الروائي وحفيد ت. هـ. هكسلي، الذي عاش مع آل هالدن مدة منه بشكل لا يرحم وسماه العالم إدوارد تانتماونت في رواية نقطة ضد نقطة.
كانت هبة هالدن للغطس هي أن يعمل على أوقات الاستراحة الضرورية لتدبر الصعود من العمق دون حدوث الآلام الحادة والصعوبة في التنفس، ولكن اهتماماته تجاوزت علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) إلى دراسة داء الارتفاع لدى متسلقي الجبال، وضربة الشمس في المناطق الصحراوية. كان له اهتمام خاص بتأثيرات الغازات السامة على الجسم البشري. وكي نفهم بدقة أكبر كيف تقتل تسربات أول أكسيد الكربون عمال المناجم، سمم نفسه منهجياً، وقام بسحب عينات من دمه وقاسها بدقة. وتوقف حين كان على وشك فقدان السيطرة العضلية ووصل مستوى التشبع في دمه إلى 56%، وهو مستوى –كما قال تريفورنورتون في كتابه الممتع عن تاريخ الغطس، «نجوم تحت البحر)- لا يفصله عن الهلاك سوى جزء يسير.
إن ابن هالدن، جاك، الذي تعرفه الأجيال اللاحقة باسم (ج.ب.س)، كان عبقرياً لافتاً للنظر اهتم بعمل والده منذ الصغر تقريباً. وفي سن الثالثة سُمع وهو يطلب من والده بإلحاح: «ولكن هل هو الهيموغلوبين المؤكسج أم الهيموغلوبين المكربن؟»
في أثناء شبابه، ساعد هالدن والده في التجارب. و في أثناء مراهقته، اختبر الاثنان الغازات والأقنعة الواقية منها، وقاما بالأمر بالدور؛ كي يعرفا كم يستغرق الأمر كي يغمى عليهما.
وبالرغم من أن ج.ب.س هالدن لم يحصل على أي شهادة في العلم (درس الآداب الكلاسيكية في أكسفورد)، فإنه صار عالماً متألقاً بطريقته الخاصة، وكان يعمل معظم الوقت للحكومة في كمبريدج. دعاه عالم البيولوجيا بيتر ميداوار، الذي أمضى حياته في مشفى أولمبيان للأمراض العقلية «أذكى رجل سبق أن التقيت به». سخر هكسلي من هالدن الشاب في روايته (أنتيك هي) Antic Hay، ولكنه استخدم أيضاً أفكاره عن التلاعب الجيني بالبشر كأساس لحبكة روايته العالم الجديد الطريف. وبين إنجازات أخرى كثيرة، أدى هالدن دوراً محورياً في مزاوجة المبادئ الداروينية مع العمل الجيني لغريغور منديل، لإنتاج ما يعرفه علماء الجينات الحديثون باسم المركب الحديث Modern Synthesis.
وجد هالدن الشاب الحرب العالمية الأولى «تجربة ممتعة جداً، بخلاف البشر أجمعين، وأقر علناً أنه «استمتع بفرصة قتل البشر». جُرح مرتين، وبعد الحرب صار داعية شعبياً ناجحاً للعلم وألف 23 كتاباً (وأكثر من 400 بحث علمي). لا تزال كتبه قابلة للقراءة ومفيدة جداً، بالرغم من أنه ليس من السهل العثور عليها دائماً. صار أيضاً ماركسياً متحمساً. واقترح - ليس بشكل ساخر تماماً- أن هذا كان ناجماً عن طبيعة تناقضية محضة وأنه لو ولد في الاتحاد السوفييتي لكان ملكَي الهوى. على أي حال، ظهرت معظم مقالاته أولاً في الصحيفة الشيوعية ال(ديلي ووكر).
وبينما انصبت اهتمامات والده الرئيسة على المعدنين والتسمم، صار الشاب هالدن مهووساً بإنقاذ الغواصات والغطاسين من أخطار عملهم. وبتمويل من الأميرالية صمم غرفة لإزالة الضغط دعاها «إناء الضغط». كانت عبارة عن أسطوانة معدنية يمكن أن يخدم فيها ثلاثة أشخاص كل مرة، ويخضعون لاختبارات من أنماط مختلفة، كلها مؤلمة وخطرة. يمكن أن يطلب من المتطوعين
الجلوس في المياه المتجمدة، بينما يتنفسون في «جو فاسد»، أو يتسم إخضاعهم لتغيرات سريعة في الضغط. في إحدى التجارب، قام هالدن نفسه بخروج سريع خطر من الغوص: كي يرى ما الذي سيحدث. ما حدث هو أن الحشوات السنية لديه انفجرت. كتب نورتون: «إن التجارب جميعها تقريباً انتهت بنوبة، من النزف أو التقيؤ». كانت الغرفة عازلة للصوت، وكانت الطريقة الوحيدة للذين في داخلها كي يشيروا إلى أنهم غير مرتاحين، أو متألمين هي أن يقرعوا باستمرار على جدار الغرفة، أو يرفعوا إشارة إلى نافذة صغيرة.
وفي مناسبة أخرى، وبينما كان يسمم نفسه بمستويات مرتفعة من الأوكسجين، أصيب هالدن بنوبة كانت حادة إلى درجة أنه سحق فقرات عدة. كان انهيار الرئتين من الأخطار الشائعة. وكان انثقاب غشاء الطبل شائعاً أيضاً، ولكن، كما يشير هالدن بكل ثقة في إحدى مقالاته: «إن غشاء الطبل يشفى عادة؛ وإذا بقي الثقب، فإن المرء يصاب بالصمم نوعاً ما، لكنه يستطيع أن يخرج دخان التبغ من الأذن، وهذا إنجاز اجتماعي).
ما كان فائقاً للعادة حيال هذا هو أن هالدن لم يكن يرغب في إخضاع نفسه لمجازفات وأخطار كهذه في ملاحقة العلم، وإنما لم يجد مشكلة في التحدث مع زملائه وأحبائه، والطلب منهم أن يدخلوا إلى الغرفة أيضاً. ومرة حين طلب من زوجته القيام بصعود تجريبي أصيبت بنوبة استمرت ثلاث عشرة دقيقة، ثم أوقفها على قدميها وأرسلها إلى المنزل؛ كي تعد العشاء. وظف هالدن بسعادة كل من صادف وكان حوله، ومن المناسبات المشهورة أن رئيس وزراء إسبانيا خوان نغرين شكا فيما بعد من وخز ثانوي و«إحساس مدغدغ غريب على شفتيه» ولكنه نجا دون أذى. ربما عدّ نفسه محظوظاً جداً. وتركت تجربه أخرى في الحرمان من الأوكسجين هالدن دون إحساس في ردفيه وأسفل عموده الفقري لست سنوات.
وكان بين اهتمامات هالدن كثيرة المحددة الثمل بالنتروجين. ولأسباب لا تزال مفهومة بشكل محدود، يصبح النتروجين على عمق نحو 30 متراً مسكراً قوياً.
وتحت تأثيره كان من المعروف أن الغواصين يقدمون أنابيب هوائهم لسمكة عابرة، أو يقررون القيام باستراحة من أجل التدخين. وقد أنتج أيضاً تقلبات مزاجية وحشية. وقال هالدن عن أحد الاختبارات: تذبذب «الشخص بين الكآبة والفرح، في لحظة كان يتوسل كي يُحرّر من الضغط ؛ لأنه شعر «بشعور مقيت وكريه، وفي الدقيقة اللاحقة كان يضحك ويحاول التدخل في « اختبار براعة زملائه». ومن أجل قياس نسبة التدهور في الموضوع يجب أن يدخل عالم إلى الغرفة مع المتطوع: كي يقوم بحسابات رياضية بسيطة. ولكن بعد بضع دقائق – كما تذكر هالدن فيما بعد- «يصبح المختبِر ثملاً كالمختَبر، وغالباً ما ينسى أن يشغـل ساعة التوقيت، أو تدوين الملاحظات الملائمة». إن سبب الثمل لا يزال لغزاً حتى الآن. أعتقد أنه يمكن أن يكون الشيء نفسه الذي يسبّب السكر من الكحول، ولكن بما أنه لا أحد يعرف بشكل مؤكد ما يسبب ذلك، فلسنا أكثر حكمة. على أي حال -دون العناية الأكبر – من السهل الوقوع في مشكلة حالما تغادر عالم السطح.
يعيدنا هذا إلى ملاحظتنا الأولى بأن الأرض ليست المكان الأسهل لوجود المتعضي، حتى لو كانت المكان الوحيد. يحتوي الجزء الصغير من سطح الكوكب الجاف بما يكفي كي نقف عليه على قسم كبير حار جداً أو بارد جداً أوجاف أو منحدر أو مرتفع بحيث لا ينفعنا كثيراً. ويجب أن نسلّم، جزئياً، أنّ هذا خطؤنا. ومن زاوية القدرة على التكيف لا فائدة للبشر بشكل مدهش. فعلى غرار معظم الحيوانات نحن لا نحب الأمكنة الحارة كثيراً، ولكن لأننا نتعرّق فإننا نخضع بسهولة للسكتات. نحن معرضون للخطر بشكل خاص. وفي أسوأ الظروف حين يسير الناس دون ماء في صحراء حارة فإن معظمهم سيصاب بالهذيان وبالإغماء، ومن المحتمل ألا ينهضوا ثانية لأكثر من سبع أو ثماني ساعات. ويأسنا ليس أقل من ذلك في البرد. فعلى غرار معظم الثدييات البشر جيدون في توليد الحرارة، ولكن لأننا تقريباً غير مشعرين لسنا جيدين في الاحتفاظ بها. فحتى في الطقس الجيد فإن نصف الحريرات أو السعرات التي تحرقها تجعل جسدك دافئاً. نستطيع بالطبع أن نواجه نقاط الضعف هذه إلى حد كبير عبر استخدام الثياب والمأوى، ولكن حتى هكذا فإن أقسام الأرض التي نحن مهيؤون، أو قادرون أن نعيش فيها هي قليلة بالفعل، إنها لا تمثل إلا 12% من مساحة الأرض الكلية وفقط 4% من السطح كله إذا شملت البحار. مع ذلك حين تفكرون في الأوضاع في مكان آخر من الكون المعروف، فما يثير العجب ليس أننا نستخدم قليلاً من كوكبنا، وإنما هو أننا نجحنا في العثور على كوكب نستطيع أن نستخدم قطعة منه. عليكم فقط أن تنظروا إلى منظومتنا الشمسية، أو إلى الأرض في أوقات معينة من تاريخها، كي تدركوا أن معظم الأمكنة أكثر قسوة وأقل إمكانية للحياة من كوكبنا المائي الأزرق واللطيف.
اكتشف علماء الفضاء حتى الآن نحو سبعين كوكباً خارج المنظومة الشمسية من بين عشرة بلايين ترليون كوكب، أو ما يقارب ذلك يُعتقد أنهم موجودون. وهكذا فإن البشر لا يستطيعون الزعم بأنهم يتحدّثون بدقة علمية عن الموضوع، ولكن يبدو أنه إذا كنت ترغب في الحصول على كوكب ملائم للحياة يجب عليك أن تكون محظوظاً، وكلما كانت الحياة أكثر تقدّماً كان عليك أن تكون أكثر حظاً. حدّد راصدون مختلفون اثنتين وعشرين من الاستراحات المحظوظة التي حصلنا عليها على الأرض، هذا مسح سريع وهكذا فإننا سنختصرها إلى الأربع الرئيسة.
موقع ممتاز. إننا على بعد ملائم إلى درجة غريبة تقريباً من النوع الصحيح من الكواكب، وهو النوع الكبير بما يكفي كي يطلق كثيراً من الطاقة، ولكنه ليس كبيراً بحيث يحرق نفسه بسرعة. ومما يثير فضول الفيزياء أنه كلما كان النجم أكبر ازدادت سرعة احتراقه، فلو كانت شمسنا أكبر مما هي عليه بعشر مرات لاستنفدت نفسها بعد عشرة ملايين عام بدلاً من عشرة بلايين، ولما كنا هنا الآن. إننا محظوظون بأننا ندور في المكان الذي نحن فيه، فلوكنا أقرب بكثير لاحترق كل ما على الأرض، ولو كنا أبعد بكثير لتجمد كل ما عليها.
في عام 1978 قام عالم فيزياء فلكية يدعى مايكل هارت ببعض الحسابات، واستنتج أن الأرض ستكون غير قابلة للسكن لو كانت أبعد 1% أو أقرب 5% من الشمس، وهذا ليس كثيراً، وفي الحقيقة لم يكن كافياً. وقد عُدّلت الأرقام منذ ذلك الوقت وصارت أكثر كرماً 5% أقرب و15% أبعد اعتقد أنهما التقديران الأصح لمنطقة سكننا، ولكن هذا لا يزال حزاماً ضيقاً.9
وكي نفهم كيف هو ضيق، علينا فقط أن ننظر إلى كوكب الزهرة، فهو أقرب إلى الشمس ب 25 مليون ميل منا. ويصل إليه ضوء الشمس قبلنا بدقيقتين. إن كوكب الزهرة يشبه الأرض في حجمه وتركيبته ولكن الفارق القليل في المسافة المدارية هو المهم في الكيفية التي صار عليها. ويبدو أنه في أثناء الأعوام الأولى من المنظومة الشمسية، كان الزهرة أكثر دفئاً من الأرض بقليل، وعلى الأرجح كان فيه محيطات. كانت تلك الدرجات القليلة من الدفء الزائد تعني أن الزهرة لم يستطع أن يحتفظ بالماء على سطحه، مما أدى إلى نتائج كارثية في مناخه. وبما أن مياهه تبخرت، هربت ذرات الهيدروجين إلى الفضاء وامتزجت ذرات الأوكسجين بالكربون لتشكيل جو كثيف من غاز ثاني أوكسيد الكربون الخاص بالاحتباس الحراري. صار كوكب الزهرة خانقاً. وبالرغم من أن الناس في عمري يتذكرون وقتاً كان فيه علماء الفلك يأملون أن الزهرة يمكن أن يحتوي على الحياة تحت غيومه التي تشكل دثاراً، وربما على نوع من الخضرة الاستوائية، فإننا نعرف الآن أنه بيئة وحشية جداً لا تصلح لأي نوع من أنواع الحياة القابلة للإدراك. إن درجة حرارة سطحه هي 470 درجة مئوية، حارة بما يكفي لتذويب الحديد، والضغط الجوي على السطح هو أكبر من ضغط الأرض بتسعين مرة، أكثر مما يستطيع أي كائن بشري أن يحتمل. ونفتقر إلى التكنولوجيا كي نصنع بزات أو حتى مركبات فضائية تسمح لنا بزيارته. إن معرفتنا بسطح كوكب الزهرة تستند إلى صور رادار بعيدة وبعض الضجيج المخيف من مسبار سوفياتي دون رواد رمي بشكل آمل داخل الغيوم في عام 1972، وعمل تقريباً مدة ساعة قبل أن ينغلق بشكل دائم.
إذاً هذا ما يحدث حين تقترب دقيقتين ضوئيتين من الشمس. أما إذا ابتعدت فإن المشكلة تصبح برداً لا حرارة، كما يشهد المريخ على ذلك بقسوة. كان هو أيضاً مكاناً أنيساً في إحدى المرات، ولكن لم يستطع الاحتفاظ بجو قابل للاستخدام وتحول إلى خراب متجمد.
ولكن البعد بشكل ملائم عن الشمس لا يمكن أن يكون القصة كلها، وإلا لكان القمر مليئاً بالغابات وجميلاً، وهو ليس كذلك على نحو واضح. فمن أجل ذلك أنت بحاجة إلى:
النوع الملائم من الكواكب. لا أتصور أن كثيراً من علماء الجيوفيزياء، إذا سئلوا بأن يحصوا بركاتهم، سيذكرون الحياة على كوكب ذي باطن منصهر، ولكنها تقريباً حقيقة مؤكدة بأنه دون تلك الماغما كلها، التي تدوم تحتنا لن نكون هنا الآن. وبغض النظر عن أمور كثيرة أخرى، إن باطننا الحيوي أنشأ اندفاعات الغاز التي ساعدت في بناء الجو، وقدمت لنا الحقل المغناطيسي الذي يحمينا من الإشعاع الكوني. قدم لنا أيضاً الألواح التكتونية، التي تجدد السطح باستمرار وتفضنه. فلو كانت الأرض منبسطة بشكل تام، لغطيت في كل مكان بالماء إلى عمق 4 كيلومترات. يمكن أن يكون هناك حياة في المحيط الموحش، ولكن بالتأكيد لن يكون هنالك كرة قدم.
وبالإضافة إلى الحصول على باطن مفيد، لدينا أيضاً العناصر الملائمة في النسب الصحيحة. وبالمعنى الأكثر حرفية، إننا مصنوعون من المادة الصحيحة. وهذا حاسم لسعادتنا وسنناقشه بشكل كامل بعد قليل، ولكننا نحتاج في البداية إلى التفكير في العاملين المتبقيين، بادئين بواحد غالباً ما يتم إغفاله:
نحن كوكب توأم. لا يفكر كثير منا عادة في القمر ككوكب رفيق، ولكنه هكذا بالفعل. إن معظم الأقمار صغيرة بالعلاقة مع الكوكب المعلم. إن قمري المريخ فوبوس وديموس، مثلاً، قطرهما 10 كيلومترات فحسب. إلا أن قمرنا هو أكثر من ربع قطر الأرض، مما يجعل كوكبنا هو الوحيد في المنظومة الشمسية الذي يملك قمراً كبيراً بالمقارنة مع نفسه (عدا بلوتو، الذي لا يهم في الحقيقة؛ لأن بلوتو نفسه صغير) وأي فرق يحدثه هذا لنا.
دون تأثير القمر الثابت، فإن الأرض ستتمايل كقمة محتضرة، ولا أحد يعرف ما النتائج الكارثية التي ستترتب على المناخ والطقس. إن تأثير القمر الجاذبي الثابت يجعل الأرض تدور بالسرعة المناسبة والزاوية المناسبة، كي تقدم نوع التوازن الضروري للتطور الطويل والناجح للحياة. ولكن هذا لن يستمر إلى الأبد. إن القمر ينزلق من قبضتنا بسرعة 4 سنتمترات في العام. فبعد بليوني عام سيتراجع بعيداً بحيث إننا لن تظل ثابتين، وسيكون علينا أن نأتي بحل آخر، ولكن في غضون ذلك يجب أن نفكر في ذلك أكثر من كونه سمة ظريفة في السماء الليلية.
افترض علماء الفلك لوقت طويل إما أن الأرض والقمر تشكلا معاً، أو أن الأرض أمسكت بالقمر بينما كان يبتعد. ونعتقد الآن –كما يمكن أن تتذكروا من الفصل السابق – أنه منذ نحو 4.4 بلايين عام اصطدم جرم بحجم المريخ بالأرض، مفجّراً ما يكفي من المواد لخلق القمر من حطامه. كان هذا على ما يبدو شيئاً مهماً جداً لنا، وخصوصاً أنه حدث منذ وقت طويل جداً. لو حدث في 1896 أو الأربعاء الماضي، لما سرنا الأمر. مما يأخذنا إلى الموضوع الرابع والأكثر جوهرية بطرق كثيرة.
التوقيت. إن الكون مكان متقلب وزاخر بالأحداث الخطرة ووجودنا فيه أعجوبة. فلولم يلعب تعاقب مركب طويل وغير قابل للتصور من الأحداث يعود إلى 4.6 بلايين سنة بطريقة معينة في أوقات معينة مثلاً، لو أن الديناصورات لم تنقرض بسبب سقوط النيازك لكنا أطول سنتمترات عدة، مشعرين وبذيل، ونقرأ هذا الكتاب في وكر.
نحن لا نعرف حقاً؛ لأنه ليس لدينا شيء آخر نستطيع أن نقارن به وجودنا، ولكن يبدو من الواضح أنه إذا كنت ترغب بأن تنتهي كمجتمع متقدم ومفكر بشكل معتدل، فإنك تحتاج إلى أن تكون في النهاية الصحيحة لسلسلة طويلة من النتائج بما فيه مدد معقولة من الاستقرار موشاه فقط بالكمية نفسها من التوتر والتحدي ( تبدو عصور الجليد مفيدة خاصة في هذا الصدد)، ومعلمة بغياب كلي للجوائح الحقيقية. كما سنرى في الصفحات التي ستتبقى لنا، نحن محظوظون جداً بالعثور على أنفسنا في هذا الموقع.
وعن هذه الملاحظة، لنعد الآن بشكل موجز إلى العناصر التي شكلتنا.
هناك 92 من العناصر التي تحصل بشكل طبيعي على الأرض، بالإضافة إلى عشرين أخرى أو ما يقارب ذلك ابتكرت في المخابر، ولكننا نستطيع أن نضع جانباً بعض هذه كما يميل علماء الكيمياء إلى أن يفعلوا. ومن المفاجئ أن كثيراً من موادنا الكيميائية الأرضية غير معروف بشكل جيد. إن الأستاتين مثلاً، غير مدروس عملياً. له اسم ومكان على الجدول الدوري (إلى جانب البولونيوم الذي اكتشفته ماري كوري)، ولكن لا شيء آخر. إن المشكلة ليست اللامبالاة العلمية، وإنما ندرته. إذ لا يوجد كثير منه. إن العنصر الأكثر مكراً بين الكل هو الفرانسيوم الذي هو نادر جداً، بحيث يُعتقد أن كوكبنا كله، يمكن أن يحتوي في أي لحظة معطاة، على أقل من عشرين من ذرات الفرانسيوم. إن 30 من العناصر التي تولد بشكل طبيعي هي واسعة الانتشار على الأرض، وهناك ست منها ليس لها أهمية محورية للحياة.
كما يمكن أن تتوقعوا، إن الأوكسجين هو عنصرنا الأكثر وفرة، ولا يشرح إلا أقل من 50% من قشرة الأرض، ولكن وفرته النسبية مدهشة. من سيحزر - على سبيل المثال- أن السليكون هو العنصر الثاني الأكثر شيوعاً على الأرض، وأن التيتانيوم هو العاشر؟ إن الوفرة لا تتعلق كثيراً بمعرفتها أو فائدتها لنا. إن كثيراً من أكثر العناصر غموضاً هي في الواقع أكثر شيوعاً من تلك المعروفة بشكل أفضل. هناك سيريوم في الأرض أكثر من النحاس، نيوديميوم ولنثانوم أكثر من الكوبالت أو النتروجين. القصدير بالكاد يصبح في الخمسين الأولى، تبذه عناصرغامضة مثل البراسيوديميوم، والساماريوم والجاد ولنيوم والد سبروسيوم.
لا علاقة للوفرة بسهولة الرصد. إن الألمنيوم هو العنصر الرابع الأكثر شيوعاً على الأرض، ويفسر تقريباً عشر كل ما هو تحت أقدامكم، ولكنه لم يُعرف إلى أن اكتشفه في القرن التاسع عشر همفري ديفي، وعومل لوقت طويل بعد هذا على أنه نادر وثمين. وقد ثبت الكونغرس تخطيطاً براقاً لحلية من الألمنيوم فوق تذكار واشنطن لإظهاركم صرنا أمة ثرية ومزدهرة، وقامت الأسرة الإمبراطورية الفرنسية في المدة نفسها بنبذ خدمة عشاء الدولة بالأنية الفضية واستبدالها بالألمنيوم. وكانت الموضة حادة أكثر من السكاكين.
لا تشير الوفرة بالضرورة إلى الأهمية. إن الكربون هو العنصر الخامس عشر الأكثر شيوعاً، يفسر نسبة متواضعة جداً من قشرة الأرض هي 0,048%، ولكننا سنهلك من دونه. ما يميز ذرة الكربون هي أنها مشوشة بوقاحة. إنها الحيوان المشارك للعالم الذري، وتتعلق بكثير من الذرات الأخرى (بما فيه نفسها) وتتمسك بشدة، مشكلة خطوطاً طويلة متمعجة جزيئية من القوة المتماسكة كرقصة الكونغا الكوبية، وهذه خدعة الطبيعة الضرورية لبناء البروتين والـ (DNA). وكما قال بول ديفز: «لولا الكربون لكانت الحياة كما نعرفها مستحيلة. إن أي نوع من الحياة على الأرجح سيكون مستحيلاً». مع ذلك ليس الكربون متوافراً جداً حتى فينا نحن الذين نعتمد عليه بشكل حيوي. فبين كل 200 ذرة في أجسامكم، 126 هي هيدروجين، و51 أوكسجين، و19 كربون فقط.10
إن العناصر الأخرى حاسمة ليس لخلق الحياة فحسب وإنما لاستمرارها. نحتاج إلى الحديد لصناعة خضاب الدم، ومن دونه سنموت. الكوبالت ضروري لتصنيع فيتامين ب 12. البوتاسيوم وقليل جداً من الصوديوم جيدان لأعصابنا.
ويساعد المولبينوم والمنغنيز والفنديوم في جعل الانزيمات تخر خر, اما الزنك الذي يستحق أن تباركوه فيؤكسد الكحول.
تطورنا كي نستفيد من هذه الأشياء أو نسمح بها، لا نستطيع أن نكون هنا بخلاف ذلك ولكن بالرغم من ذلك فإننا نعيش داخل سلاسل ضيقة من القبول. إن السلنيوم حيوي لنا جميعاً، ولكن تناولوا كثيراً منه وسيكون هذا آخر شيء تفعلونه. إن درجة تطلب المتعضيات أو سماحها بعناصر معينة هما ذخيرة تطورها. إن الخراف والماعز ترعى الآن إلى جانب بعضها، ولكن لها في الواقع متطلبات معدنية مختلفة جداً. تحتاج الماعز الحديثة إلى كثير من النحاس؛ لأنها تطورت في أجزاء من إفريقية وأوروبية كان النحاس فيها وافراً. بينما الخراف -من ناحية أخرى- تطورت في مناطق في آسية الوسطى فقيرة بالنحاس. كقاعدة -وهذا ليس مدهشاً- إن سماحنا للعناصر متناسب طرداً مع وفرتها في قشرة الأرض. لقد تطورنا كي نتوقع، وفي بعض الحالات كي نحتاج بالفعل، إلى الكميات القليلة من العناصر النادرة التي تتراكم في اللحوم أو النسيج الذي نأكله. ولكن ارفعوا الجرعات، في بعض الحالات بكمية قليلة جداً فحسب، ويمكن أن تهلكوا حالاً. إن كثيراً من هذا غير مفهوم بشكل كامل. لا أحد يعرف، مثلاً إذا كانت كمية قليلة من الزرنيخ ضرورية لخيرنا أم لا. يقول بعض العلماء: نعم : ويقول بعضهم الآخر: لا. وكل ما هو مؤكد هو أن كثيراً منه سيقتلكم.
يمكن أن تصبح خصائص العناصر أكثر غرابة حين تختلط. إن الأوكسجين والهيدروجين، مثلاً هما من أكثر العناصر صداقة للاحتراق، ولكن امزجوهما سوية فيصنعان ماء غير قابل للاحتراق11.
والأكثر غرابة في المزج هو الصوديوم: الأكثر اضطراباً بين العناصر، والكلورين؛ الأكثر سمية. أسقطوا قطعة من الصوديوم الصرف في الماء العادي وستنفجر بقوة كافية للقتل. إن الكلورين أكثر خطراً كما هو معروف. بالرغم من أنه مفيد في تركيزات صغيرة لقتل المتعضيات المتناهية الصغر (الكلورين هو الذي تشمه في المادة المقصرة)، إلا أنه مهلك في كميات كبيرة. كان الكلورين عنصر الاختيار لكثير من الغازات السامة في الحرب العالمية الأولى. وكما سيشهد سباحون كثيرون متقرحوالأعين، حتى في شكل واه جداً لا يتقبله الجسم البشري. ولكن إذا جمعتم هاتين المادتين الكريهتين سوية فما الذي ستحصلون عليه؟ كلور الصوديوم: ملح المائدة المألوف.
على العموم، إذا لم يعثر عنصر على طريقه بشكل طبيعي إلى داخل نظامنا إن لم يكن قابلاً للانحلال في الماء مثلاً فإننا لا نتقبله. إن الرصاص يسممنا؛ لأننا لم نتعرض له أبداً إلى أن بدأنا نستخدمه في آنية الطعام وأنابيب السمكرة (وليس من قبيل المصادفة أن رمز الرصاص هوPb من الكلمة اللاتينية plumbum، مصدر كلمة plumbing الحديثة). كان الرومان ينكهون خمرتهم بالرصاص أيضاً، وربما هذا جزء من السبب الذي أدى إلى ضعف قوتهم. وكما رأينا في مكان آخر، إن أداءنا الخاص مع الرصاص (دون أن نذكر الزئبق، والكادميوم الملوثات الصناعية جميعها التي نتجرعها بشكل روتيني) لا يترك لنا مجالا كبيراً لابتسامة متكلفة. حين لا تحصل العناصر بشكل طبيعي على الأرض، فإننا لا نطور قبولاً لها وهكذا تميل إلى أن تكون أكثر سمية لنا، كما هو الأمر مع البلوتونيوم. إن تقبلنا للبلوتنيوم هو صفر: لا يوجد مستوى منه لن يجعلك ترغب بالاستلقاء .
لقد جعلتكم تسلكون طريقاً طويلاً؛ كي أوضح نقطة بسيطة: إن جزءاً كبيراً من الأرض يبدو بشكل إعجازي مسكناً لنا؛ لأننا تطورنا كي نلائم أوضاعها. ما يثير عجبنا ليس أنها ملائمة للحياة وإنما لأنها ملائمة لحياتنا، وبالكاد يعدّ هذا مفاجئاً. من المحتمل أن كثيراً من الأشياء التي تجعلها رائعة هكذا لنا هي السماء المناسبة، وقمر شديد التعلق بها، وكربون اجتماعي، والمزيد من الماغما المنصهرة التي لا يمكن الاقتراب منها، وغير ذلك من الأمور الأخرى. ومن الرائع أننا ولدنا كي نعتمد عليه. لا احد يستطيع الجزم.
إن عوالم أخرى يمكن أن تأوي بشراً ممتنين لبحيراتهم الفضية من الزئبق وسحابات الأمونيا المندفعة. يمكن أن يسرّهم أن كوكبهم لا يهزهم بألواحه الطاحنة أو يبصق عليهم الحمم البركانية، وإنما يوجدون في هدوء دائم غير تكتوني. إن أي زوار للأرض من بعيد سيدهشون بالتأكيد من رؤيتنا نعيش في جو مؤلف من النتروجين، وهو غاز لا يميل إلى التفاعل مع أي شيء، والأوكسجين، الذي هو متحيز للاحتراق بحيث يجب أن نضع محطات إطفاء في كل مدننا لحماية أنفسنا من تأثيره الأقوى. ولكن حتى لوكان زوارنا من ثنائيي الأقدام لديهم أماكن ضخمة للتسوق ومولعون بأفلام الأكشن، من غير المحتمل أن يجدوا الأرض مثالية. لا نستطيع حتى أن نقدم لهم الغداء؛ لأن طعامنا كله يحتوي على آثار المنغنيز والسلنيوم والزنك وجزيئات عنصرية أخرى سيكون بعضها ساماً لهم. يمكن ألاً تبدو الأرض لهم مكاناً أليفاً ورائعاً.
اعتاد عالم الفيزياء رتشارد فينمان أن يستخدم نكتة عن استنتاجات لاحقة عائداً بتفكيره من الحقائق المعروفة إلى العلل المحتملة. قال: «تعلمون أن الشيء الأكثر دهشة حدث لي الليلة. شاهدت سيارة كتب على لوحتها إي آر دبليو 357. هل تستطيعون تخيل هذا؟ من بين اللوحات المليون جميعها في الولاية ما هي المصادفة التي جعلتني أشاهد هذه النمرة المحددة اليوم؟ مدهش!» إن ما يرمي إليه بالطبع هو أنه من السهل جعل أي موقف مبتذل يبدو فائقاً للعادة إذا تعاملت معه على أنه مقدّر.
وهكذا من الممكن أن الأحداث والأوضاع التي قادت إلى نشوء الحياة على الأرض ليست تماماً فائقة للعادة كما نميل إلى الاعتقاد. مع ذلك، كانت فائقة للعادة بما يكفي، وهناك شيء واحد مؤكد: ستظل هكذا إلى أن نجد ما هو أفضل.



الفصل السابع عشر
داخل التروبوسفير(الطبقة السفلى من الغلاف الجوي)

نشكر اللّه على التروبوسفير. إنه يبقينا دافئين. من دونه تتحول الأرض إلى كرة جليدية بلا حياة بدرجة حرارة ناقص خمسين تحت الصفر. بالإضافة إلى ذلك، يمتص الجو أو يحرف حشود الأشعة الكونية الوافدة، والجزيئات المشحونة، والأشعة فوق البنفسجية وما شابه. إن الدثار الغازي للجو يعادل سماكة أربعة أمتار ونصف المتر من الإسمنت الحامي، ومن دونه فإن الزوار غير المرئيين من الفضاء سيمزقوننا إرباً كالخناجر. حتى قطرات المطر ستضربنا بقوة لولا السحب البطيء للجو.
إن ما هو أكثر دهشة في غلافنا الجوي هو أنه لا يوجد كثير منه. يمتد نحو الأعلى نحو190 كيلومتراً، مما يجعله يبدو سميكاً حين ينظر إليه من مستوى الأرض، ولكن إذا قلصت الأرض إلى حجم كرة على مكتب سيكون بسماكة طبقتين من الورنيش فحسب.
يقسم الغلاف الجوي إلى أربع طبقات غير متساوية ولأسباب علمية: التروبوسفير، والستراتوسفير، والميسوسفير والأيونوسفير (الذي يدعى غالباً بالثيرموسفير). إن التروبوسفير هو الجزء الغالي علينا. فهو وحده يحتوي على ما يكفي من الدفء والأوكسجين كي يسمح لنا بالحياة، بالرغم من أنه يصبح بسرعة غير ملائم للحياة فيما تصعد خلاله. من مستوى الأرض إلى نقطته الأعلى، إن التروبوسفير (أو الجو الدائر) هو تقريباً بسماكة 16 كيلومتراً عند خط الاستواء وليس أعلى من 10 أو 11 كيلومتراً في المناطق المعتدلة حيث يعيش معظمنا.
إن %80 من كتلة الغلاف الجوي – عملياً كل الماء وكل الطقس – محتوى داخل هذه الطبقة الرقيقة والصغيرة. والواقع أنه لا يوجد كثير بينكم وبين النسيان.
وراء التروبوسفير هنالك الستراتوسفير. حين ترون قمة السحابة العاصفية تنبسط وتتخذ شكل السندان الكلاسيكي، فأنتم تنظرون إلى الحد بين التروبوسفير والستراتوسفير. فهذا السقف غير المرئي يُعرف باسم التروبوبوز، وقد اكتشفه في 1902 فرنسي على متن منطاد يدعى ليون فيليب تيسيران دوبور Leon-Philippe TeisSerence de Bort. إن بوز pause لا تعني في هذه الحالة التوقف مؤقتاً وإنما بشكل دائم؛ وهي كلمة مشتقة من الجذر اليوناني نفسه مثل menopause. حتى في حد التروبوسفير الأعلى، ليس التروبوبوز بعيداً جداً. إن مصعداً سريعاً من النوع الذي يُستخدم في ناطحات السحاب الحديثة سيوصلك إلى هناك في نحو20 دقيقة، بالرغم من أنه ستكون نصيحة جيدة ألا تقوم بالرحلة. إن صعوداً سريعاً كهذا دون ضغط سينتج عنه - في أقل تقدير – وذمة دماغية أو رئوية، وهو تراكم غير سوي للسائل المائي في أنسجة الجسم. وحين يفتح الباب عند منصة الرؤية، فإن أي شخص في الداخل سيكون ميتاً بالتأكيد أو سيموت. حتى الصعود المدروس أكثر سيترافق مع انزعاج كبير. إن الحرارة على ارتفاع 10 كيلومترات يمكن أن تكون ناقص 57 وحينها ستحتاج، أو على الأقل ستقدر جداً الأوكسجين الإضافي.
بعد أن تغادر التروبوسفير ترتفع الحرارة مرة ثانية، إلى نحو 4 مئوية، بفضل التأثيرات الامتصاصية للأوزون (وهذا شيء آخر اكتشفه دي بور في صعوده الجسور في 1902). ثم تنخفض إلى 90 تحت الصفر في الميزوسفير قبل أن تصعد بسرعة إلى 1500 درجة مئوية أو أكثر في الثيرموسفير الذي سمي هكذا بشكل ملائم، ولكنه عشوائي جداً بحيث يمكن أن تتنوع درجات الحرارة إلى ما فوق 500 من النهار إلى الليل، بالرغم من أنه يجب أن يقال: إن «الحرارة» في ارتفاع كهذا تظل مفهوماً نظرياً. إن درجة الحرارة هي مقياس لنشاط الجزيئات فحسب. فعلى مستوى البحر، تكون جزيئات الهواء كثيفة، بحيث إن جزيئاً واحداً يمكن أن يجتاز فقط أصغر مسافة، جزءاً من ثمانية بالمليون من السنتمتر، كي نكون دقيقين قبل أن يصدم آخر. ولأن ترليونات من الجزيئات تصطدم باستمرار، فإن كثيراً من الحرارة يتم تبادله. ولكن في قمة الثيرموسفير -على ارتفاع 80 كيلومتراً أو أكثر- الجو رقيق بحيث إن أي جزيئين سيكونان منفصلين لمسافة ميل ونادراً ما يتصلان. وهكذا بالرغم من أن الجزيئات جميعها هي حارة جداً، فهنالك بعض التقاطعات القليلة بينها مما يؤدي إلى نقل محدود للحرارة. هذه أنباء جيدة للأقمار الصناعية وسفن الفضاء؛ لأنه لوكان تبادل الحرارة أكثر فاعلية، فإن أي شيء من صنع الإنسان يدور في ذلك المستوى سينفجر ويشتعل.
وحتى هكذا، يجب أن تنتبه المركبات الفضائية في الغلاف الجوي الخارجي، وخصوصاً لدى رحلة العودة إلى الأرض، كما بين المكوك الفضائي كولومبيا بشكل مأساوي في شباط 2003. وبالرغم من أن الغلاف الجوي رقيق جداً، إذا جاءت مركبة في زاوية منحدرة جداً أكثر من نحو6 درجات أو بسرعة كبيرة فإنه يمكن أن تصدم ما يكفي من الذرات لتوليد مقاومة ذات طبيعة احتراقية. وبشكل معكوس، إذا صدمت عربة داخلة الثيرموسفير في زاوية واهنة، يمكن أن تقفز مرتدة في الفضاء، كفقاعة على وجه الماء.
ولكن لا حاجة لمغامرة الوصول إلى حافة الغلاف الجوي كي تتذكروا كم نحن كائنات يائسة متعلقة بالأرض. وكما سيعرف أي شخص أمضى الوقت في مدينة مرتفعة، لا تحتاج إلى الارتفاع مئات كثيرة من الأمتار عن سطح البحر قبل أن يبدأ جسدك بالاحتجاج. حتى متسلقو الجبال المجربون، والمستفيدون من كمال الأجسام والتدريب والأوكسجين المعلب، يصبحون معرضين بسرعة في المناطق المرتفعة للارتباك والغثيان والإنهاك والصقيع والفتور والشقيقة، وفقدان الشهية وكثير من الأمراض المزعجة. يذكر الجسد الإنساني صاحبه بمئة طريقة مؤكدة بأنه غير مصمم كي يعمل فوق مستوى سطح البحر كثيراً.
قال المتسلق بيتر هابيلر عن الأوضاع في قمة إفرست: «حتى في الظروف الملائمة إن كل خطوة في ارتفاع كهذا تقتضي جهداً ضخماً من الإرادة. يجب أن تجبر نفسك على القيام بالحركات جميعها وتصل إلى كل مسكة لليد. أنت مهدد بشكل دائم بإعياء مرهق ومهلك». وفي الجانب الأخر من إفرست ذكر المتسلق والمخرج السينمائي البريطاني مات دكنسون كيف أن هوارد سومرفيل –الذي كان عضواً في بعثة بريطانية في 1924 إلى أفرست - «وجد نفسه يختنق حتى الموت حين فلتت قطعة من اللحم وسدت أنبوب الهواء الخاص به»، بجهد كبير نجح سومرفيل
في سعل العائق. وتبين أنه «البطانة المخاطية الكاملة لحنجرته».
إن الإزعاج الجسدي يبدأ فوق 7500 متر المنطقة التي يسميها المتسلقون منطقة الموت، ولكن كثيراً من الأشخاص يصبحون واهنين جداً، أو مرضى بنحو خطر، على ارتفاعات لا تزيد على 4500 متر أو ما يقارب ذلك. إن القابلية للتأثر لا علاقة لها بكمال الأجسام. إن العجائز يثبون مرحاً في الأماكن المرتفعة بينما سلالتهم الأكثر قوة على المستوى الجسدي تتحول إلى أكوام يائسة تصدر أنيناً إلى أن تنقل إلى ارتفاعات أقل.
إن الحد الأعلى لبقاء الإنسان حياً بشكل مستمر هو5500 متر، ولكن حتى الناس المتكيفون مع الحياة في مكان مرتفع لا يستطيعون تحمل مرتفعات كهذه طويلاً. قالت فرانسيس آشكروفت في كتابها (حياة في الحدود القصوى) : إن هنالك مناجم كبريت آندية على عمق 5800 متر ولكن المعدنين يفضلون الانحدار 460 متراً كل مساء، ويصعدون عائدين في اليوم الثاني، بدلاً من أن يعيشوا باستمرار في ذلك الارتفاع. إن الناس المعتادين على الحياة في مناطق مرتفعة أمضوا غالباً آلاف الأعوام في تطوير صدور ورئات ضخمة، وزادوا من كثافة كريات الدم الحمراء الحاملة للأوكسجين إلى الثلث تقريباً، بالرغم من أن هنالك حدوداً للكثافة التي يمكن أن تتحملها الكريات الحمراء التي يزودها الدم وذلك من أجل أن تتدفق بارتياح. فضلاً عن ذلك، على ارتفاع أكثر من 5500 متر لا تستطيع أكثر النساء تكيفاً تزويد جنين نام بما يكفي من الأوكسجين لجعله يكتمل.
وفي ثمانينيات القرن الثامن عشر حين بدأ الناس في أوروبا يجربون الطيران بالمناطيد، كان من بين الأمور التي أدهشتهم البرودة الشديدة في الأعلى. تنخفض

الحرارة 1.6 درجة مئوية في كل 1000 متر تصعده. يقول المنطق: إنه كلما اقترب المرء إلى مصدر الحرارة، شعر بدفء أكبر. إن ما يفسر البرودة هوأنكم لا تقتربون أبداً من الشمس بأي معنى واضح. تبعد الشمس 93 مليون ميل. إن اقترابكم بضع مئات من الأمتار منها، هو مثل الاقتراب خطوة من حريق غابي في أسترالية، وتوقع شم الدخان وأنتم تقفون في أوهايو. يأخذنا الإجابة مرة أخرى إلى مسألة كثافة الجزيئات في الغلاف الجوي. إن ضوء الشمس يشحن الجزيئات بالطاقة. إنها تزيد من سرعة تهزهزها ووثبها، وفي حالتها المقواة تصطدم ببعضها بعضاً مطلقة الحرارة. حين تشعرون أن الشمس تدفئ ظهوركم في يوم صيفي، فأنتم في الواقع تشعرون بالذرات المثارة. كلما تسلقتم إلى أعلى قل عدد الجزيئات وقلت الاصطدامات فيما بينها. إن الهواء مادة خادعة. حتى على مستوى البحر نميل إلى التفكير في الهواء على أنه أثيري ولا وزن له. إنه يحتوي على كثير من الكتلة وتلك الكتلة تمارس الضغط. وكما كتب عالم بحار يدعى ويفل تومسون Wyville Thomson منذ أكثر من نصف قرن: «نجد أحياناً حين ننهض في الصباح - وبعد ارتفاع إنش واحد في البارومتر- أن نصف طن تقريباً تجمع علينا في أثناء الليل، ولكننا لا نعاني من أي شيء، وإنما نشعر بالابتهاج والحماس، بما أن تحريك أجسادنا يحتاج إلى جهد أقل في المادة الأكثر كثافة». والسبب في أنكم لا تشعرون بالانسحاق تحت نصف الطن الزائد ذاك من الضغط هو السبب، نفسه الذي لا يجعل جسمكم ينسحق عميقاً تحت البحر: إنه مصنوع في معظمه من سوائل غير قابلة للضغط، تدفع إلى الخلف، مساوية بين الضغط في الداخل والخارج.
ولكن واجهوا الهواء في أثناء الحركة، كالإعصار أو النسيم المتصلب،
وستتذكرون بسرعة أن له كتلة معتبرة. هناك نحو5200 مليون طن من الهواء حولنا 25 مليون طن لكل متر مربع من الكوكب وهذا حجم ليس غير مهم. حين تقوم ملايين الأطنان من الجوبالاندفاع بسرعة 50 أو 60 كيلومتراً في الساعة، فلن يكون مفاجئاً أن تتكسر أغصان الشجر ويتطاير آجر السقوف. وكما قال أنطوني سميث: إن جبهة طقس عادية يمكن أن تتألف من 750 مليون طن من الهواء البارد المضغوط تحت بليون طن من الهواء الساخن. ونادراً ما يكون عجيباً أن النتيجة هي أحياناً مثيرة على صعيد علم الأرصاد الجوية.
من المؤكد أنه لا يوجد نقص في الطاقة في العالم الذي فوق رؤوسنا. إن عاصفة رعدية واحدة يمكن أن تحتوي على كمية من الطاقة مساوية لاستهلاك الكهرباء مدة أربعة أيام في كل الولايات المتحدة. وفي الأوضاع المناسبة، يمكن أن تصعد السحب العاصفية إلى ارتفاع من 10 إلى 15 كيلومتراً، وتحتوي على تيارات هوائية صاعدة وأخرى هابطة سرعتها أكثر من 150 كيلومتراً في الساعة. وهذه تكون غالباً إلى جانب بعضها، ولهذا السبب لا يريد الطيارون المرور عبرها. فبسبب الاضطراب الداخلي، سرعان ما تلتقط الجزيئات التي داخل السحب شحنات كهربائية. ولأسباب غير مفهومة بشكل كامل، إن الجزيئات الأخف تميل إلى أن تصبح مشحونة إيجابياً وأن ترفعها التيارات الهوائية إلى قمة السحابة. الجزيئات الأثقل تبقى في القاعدة، مراكمة شحنات سلبية. وهذه الجزيئات المشحونة تملك حافزاً قوياً كي تندفع إلى الأرض المشحونة إيجابياً وحظاً سعيداً لكل ما يعترض الطريق. إن الصاعقة تسافر بسرعة 435 ألف كيلومتر في الساعة، ويمكن أن تسخن الهواء الذي حولها إلى 28,000 درجة مئوية، أعلى من سطح الشمس بعدة مرات. وفي أي لحظة، هناك 1800 عاصفة رعدية تتقدم حول الكوكب، نحو 40,000 في اليوم. نهاراً وليلاً عبر الكوكب، في كل ثانية تضرب نحو مئة صاعقة الأرض. إن السماء مكان يمور بالحيوية.
إن كثيراً من معرفتنا لما يجري في الأعلى هو حديث بشكل مدهش. إن التيارات
النفثية *، التي هي عادة على ارتفاع من 9000 إلى 10000 متر في الأعلى، يمكن أن تندفع بسرعة 300 كيلومتر في الساعة وتؤثر بسرعة على أنظمة الطقس في كل القارات، مع ذلك فإن وجودها لم يكتشف إلى أن بدأ الطيارون يطيرون فيها في أثناء الحرب العالمية الثانية. وحتى الآن، إن جزءاً كبيراً من الظواهر الجوية غير مفهوم جيداً. هناك نوع من حركة الموجة يعرف بشكل شائع باسم اضطراب الجو الصافي ** ينشّط تحليق الطائرات. يحدث نحو 20 حادثة كهذه في العام خطرة بما يكفي بحيث يجب أن يبلغ عنها. إنها ليست مرتبطة ببنية الغيوم أو أي شيء آخر يمكن أن يرصد بصرياً أو بالرادار. إنها فقط جيوب من الاضطراب المدهش في وسط السماوات الهادئة. وفي حادثة مشابهة، كان هنالك طائرة في طريقها من سنغافورة إلى سدني، وتحلق فوق وسط أسترالية في أوضاع هادئة حين سقطت فجأة 90 متراً، ما يكفي لقذف الأشخاص غير الآمنين إلى السقف. جرح 12 شخصاً، كانت إصابة أحدهم خطرة. لا أحد يعرف ما الذي يسبب مطبات الهواء هذه.
إن العملية التي تحرك الهواء في الغلاف الجوي هي العملية نفسها التي تقود المحرك الداخلي للكوكب، وأعني الحمل الحراري. فالهواء الرطب الدافئ من المناطق الاستوائية يرتفع إلى أن يضرب حاجز التروبوبوز وينتشر. حين ينتقل بعيداً عن خط الاستواء ويبرد يغوص. حين يضرب القاع يبحث الهواء الغائص عن منطقة ضغط منخفض؛ كي يملأه، ثم يعود إلى خط الاستواء، مكملاً الدورة.
إن عملية الحمل الحراري مستقرة عادة والطقس جيد عند خط الاستواء، ولكن في المناطق المعتدلة النماذج فصلية، ومحلية أو عشوائية مما يؤدي إلى معركة لانهائية بين أنظمة الضغط المرتفع والضغط المنخفض. تنشأ أنظمة الضغط المنخفض عن الهواء المرتفع، الذي ينقل جزيئات الماء إلى السماء، مشكلاً السحب ثم المطر في النهاية. ويمكن أن يحمل الهواء الساخن رطوبة أكثر من الهواء البارد، ولهذا السبب تميل العواصف الاستوائية أو الصيفية إلى أن تكون أثقل. وهكذا تميل المناطق المنخفضة إلى الارتباط بالسحب والمطر، بينما تتميز المرتفعة عادة بضوء الشمسس والطقس الجيد. حين يلتقي نظامان كهذين، يتجلى هذا غالباً في السحب. مثلاً، إن الرهج تلك السحب المنتشرة غير المحبوبة، التي لا سمات لها وتمنحنا سماءنا المكفهرة يحدث حين تفتقر التيارات الصاعدة الحاملة للرطوبة للقدرة على اقتحام مستوى من الهواء أكثر استقراراً في الأعلى، وبدلاً من ذلك ينتشر كدخان يضرب السقف. وبالفعل، إذا راقبتم مدخناً أحياناً، يمكنكم الحصول على فكرة جيدة عن: كيفية عمل الأمور عبر مراقبة كيفية صعود الدخان من سيجارة في غرفة هادئة. في البداية، يصعد مباشرة (هذا يدعى الاندفـاق الصّفحي* إذا أردتم أن تؤثروا بأي شخص) ثم ينتشر في طبقة موزعة وتموّجية. إن أعظم كمبيوتر عملاق في العالم - يأخذ القياسات في البيئة الأكثر تحكمأ– لا يستطيع أن يتنبأ بشكل صحيح أي شكل ستتخذه هذه التموجات، وهكذا تستطيعون تخيل الصعوبات التي تواجه علماء الأرصاد الجوية حين يحاولون التنبؤ بحركات كهذه في عالم دائر؛ ريحي وكبير.
ما نعرفه هولأن الحرارة الصادرة عن الشمس موزعة بشكل غير متساو، فإن الاختلافات في ضغط الهواء تنشأ على الكوكب. لا يستطيع الهواء أن يتحمّل هذا، وهكذا يندفع محاولاً أن يوازن الأمور في كل مكان. إن الريح هي ببساطة طريقة الهواء في محاولة جعل الأمور متوازنة. فالهواء يتدفق دوماً من مناطق الضغط العالي إلى مناطق الضغط المنخفض (تخيلوا أي شيء بهواء مضغوط منطاد أو حجرة هواء أو طيارة بنافذة مفقودة، وسترون كم يلح ذلك الهواء المضغوط على الذهاب إلى مكان ما)، وكلما كان الفرق في الضغط أكبر، كلما هبت الريح بسرعة أكبر.
إن الريح تتسارع – كمعظم الأشياء التي تتراكم – وتكبر بقوة أسيّه، وهكذا فإن
ريحاً تهب بسرعة 300 كيلومتر في الساعة ليست أقوى بعشر مرات من ريح تهب بسرعة 30 كيلومتراً في الساعة فحسب، وإنما أقوى بمئة مرة، ولهذا هي أكثر تدميراً. أدخلوا ملايين الأطنان من الهواء إلى هذا التأثير المسرع ويمكن أن تتولد طاقة أكبر. إن إعصاراً استوائياً يمكن أن يطلق في عشرين ساعة طاقة تعادل تلك التي تستهلكها دولة غنية متوسطة الحجم مثل بريطانية أوفرنسة في عام واحد.
اكتشف دافع الغلاف الجوي للبحث عن التوازن في البداية (إدموند هالي) الرجل الذي كان في كل مكان، وأوضحه فيما بعد في القرن الثامن عشر زميله بريتون جورج هادلي، الذي رأى أن أعمدة الهواء الصاعدة والهابطة تميل إلى إنتاج «وحدات» (عُرفت باسم وحدات هادلي). وبالرغم من أن مهنته كانت المحاماة كان لهادلي اهتمام كبير بالطقس (كان إنكليزياً، في النهاية) واقترح أيضاً صلة بين وحداته، ودوران الأرض والانحرافات الظاهرة في الهواء التي تمنحنا رياحنا التجارية. على أي حال، كان هناك أستاذ هندسة في بولي تكنيك إيكول في باريس يدعى جوستاف غاسباردي كوريوليس Gustave – (Gaspard de Coriolis، الذي استخرج تفاصيل هذه التفاعلات في 1935، وهكذا نسميها تأثيرات كوريوليس. (كان تميز كوريوليسس الآخر في الكلية هو إدخال مبردات الماء، التي لا تزال تعرف باسم كوريوس). إن الأرض تدور بسرعة 1675 كيلومتراً في الساعة عند خط الاستواء، بالرغم من أنه فيما تتحرك نحو القطبين تخف السرعة بنحو معتبر إلى 900 كيلومتر في الساعة في لندن أوباريس مثلاً. السبب في هذا جلي حين تفكرون فيه. إذا كنتم في خط الاستواء فإن الأرض الدائرة يجب أن تحملكم مسافة نحو40,000 كيلومتر كي تعيدكم إلى البقعة نفسها، بينما إذا وقفتم بجانب القطب الشمالي يمكن أن تحتاجوا إلى السفر فقط بضعة أمتاركي تكملوا دوراناً، مع ذلك، في كلتا الحالتين يستغرق الأمر 24 ساعة لإعادتكم من حيث بدأتم. لذا، كلما اقتربتم من خط الاستواء زادت سرعة دورانكم.
إن تأثيركوريوليس يشرح لماذا أي شيء يتحرك في الجوي في خط مستقيم بجانب دوران الأرض سوف –مفترضين مسافة كافية- يبدو منعطفاً إلى اليمين في نصف الكرة الشمالي، وإلى اليسار في النصف الجنوبي فيما الأرض تدور تحته. إن الطريقة العادية لتصور هذا هي أن تتخيلوا أنفسكم في مركز دوّامة خيل، وتقذفوا كرة إلى شخص يجلس على الحافة. في الوقت الذي تصل فيه الكرة إلى المحيط، يكون الشخصس المستهدف قد تحرك ومرت الكرة خلفه. من منظوره، يبدو وكأن الكرة انحرفت بعيداً عنه. هذا هو تأثير (قوة) كوريوليس وهي ما يمنح أنظمة تنوعها شذوذها ويجعل الأعاصير تتدور كالقمم. ويشرح تأثير كوريوليس لماذا يجب أن تعدّل مدفعية البحرية إلى اليسار أو اليمين: ذلك أن قذيفة تطلق لمسافة 15 ميلاً يمكن أن تنحرف نحو 100 ياردة، وتسقط في البحر دون أن تؤذي أحداً.
بالرغم من الأهمية السيكولوجية والعملية للطقس للجميع تقريباً، فإن علم الأرصاد الجوية لم يصبح علماً حتى وقت قصير قبل بداية القرن التاسع عشر (بالرغم من أن مصطلح علم الأرصاد الجوية كان موجوداً منذ 1626 وقد نحته تي. جرانجر في كتاب عن المنطق).
كان جزءاً من المشكلة هو أن علم الأرصاد الجوية الناجح يقتضي القياسات الدقيقة لدرجات الحرارة، وبرهنت المقاييس لوقت طويل أنه من الصعب صناعتها. وكانت القراءة الصحيحة تعتمد على إدخال عيار دقيق جداً في أنبوب زجاجي ولم يكن من السهل فعل هذا. كان الشخص الأول الذي حل المشكلة هو (دانييل جابرييل فاهرنهايت)، وهو صانع هولندي للأدوات، أنتج مقياساً دقيقاً لدرجات الحرارة في 1717. على أي حال، لأسباب مجهولة عيّر الأداة بطريقة وضعت التجمد عند 32 درجة والغليان عند 212 درجة. كانت هذه الغرابة العددية مزعجة لبعض الأشخاص من البداية، وفي 1742 قام عالم الفلك السويدي أندريز سلسيوس بصناعة مقياس منافس. وباعتباره برهاناً على فرضية أن المخترعين نادراً ما يقومون بالأشياء بشكل صحيح تماماً، جعل سلسيوس نقطة الغليان هي الصفر والتجمد هي 100 على هذا المقياس، ولكن هذا عكس في الحال.
إن الشخص الذي يشار إليه دوماً على أنه والد علم الأرصاد الجوية الحديثة كان الصيدلاني الإنكليزي لوك هوارد، الذي برز في بداية القرن التاسع عشر. ويذكر هوارد بشكل رئيس الآن لمنح أنماط السحب أسماءها في 1803. وبالرغم من أنه كان عضواً فاعلاً ومحترماً في الجمعية اللينييوسية* وطبق المبادئ اللينييوسية في خطته الجديدة، اختار هوارد الجمعية الأسكيسية Askesian منتدى أعلن فيه خطته الجديدة في التصنيف. (والجمعية الأسكيسية –كما تتذكرون من فصل سابق- هيئة كان أعضاؤها مكرسين بشكل غير عادي لمنع الأكسيد النتري، وهكذا نستطيع فقط أن نأمل أنهم سيعاملون تقديم هوارد بانتباه جدي يستحقه. إنها نقطة صمت عنها دارسو هوارد بشكل يثير الفضول).


والنباتات بسبب عدم قدرتها على التكيف، مطلقة مخازنها من الكربون مما سيعقد المشكلة. حدثت دورات كهذه أحياناً في الماضي البعيد حتى دون تدخل بشري. والأنباء الطيبة هي أنه حتى في هذا الأمر، الطبيعة رائعة جداً. ومن المؤكد تقريباً أن دورة الكربون في النهاية ستعيد تأكيد نفسها وستعود الأرض إلى موقف استقرار وسعادة. وفي آخر مرة حدث فيها هذا استغرق الأمر ستين ألف عام.



الفصل الثامن عشر
البحر المتّسع
تخيلوا أنكم تعيشون في عالم يهيمن عليه حمض مهدرج، وهو مركب لا طعم له ولا رائحة، ومتنوّع في خصائصه، بحيث يُعد حميداً ولكنه أحياناً يُهلك بسرعة. وبحسب حالته، فإنه يستطيع أن يحرقكم أويجمدكم. يمكن أن يشكل مع جزيئات عضوية معينة أحماضاً كربونية كريهة قادرة على تعرية الأشجار من أوراقها، وجعل أوجه التماثيل تتآكل. وحين يكون بمقادير كبيرة ويثار فإنه يضرب بعنف يعجز عن مقاومته أي صرح بشري. وهو مادة قاتلة في غالب الأحيان حتى بالنسبة للذين تعلموا العيش معه. إنه ما نسميه الماء.
إن الماء في كل مكان. تتألف حبة البطاطا من 80% من الماء، وتتألف البقرة من %74، والبكتيريا من 75%، وحبة الطماطم من 95%. حتى البشر يتألفون من 65% من الماء، مما يجعلنا في حالة سائلة أكثر مما نحن في حالة صلبة بهامش اثنين إلى واحد تقريباً. إن الماء مادة غريبة. فهو بلا شكل وشفاف، ومع ذلك نتوق إلى أن نكون قربه. ليس له طعم ومع ذلك نحب طعمه. نقطع مسافات شاسعة وندفع ثروات صغيرة؛ كي نراه في ضوء الشمس. وبالرغم من أننا نعرف أنه خطر ويغرق عشرات الآلاف من الناس كل عام، نتلهف كي نلهو فيه.
ولأن الماء كلي الحضور فإننا نميل إلى إغفال المادة الفائقة للعادة الموجودة فيه. وتقريباً لا شيء فيه يمكن أن يُستخدم للقيام بنبوءات موثوقة عن مواصفات سوائل أخرى، والعكس صحيح. إذا كنت لا تعرف أي شيء عن الماء وبنيت فرضياتك على سلوك المركبات التي هي أقرب إليه كيميائياً مثل سلينيد الهيدروجين وكبريتيد الهيدروجين فستتوقع غليانه في الدرجة 93 تحت الصفر، وأن يكون غازاً في درجة حرارة الغرفة.
إن معظم السوائل حين تبرّد تتقلص نحو 10%. يفعل الماء ذلك أيضاً، ولكن إلى نقطة معينة فحسب. حالما يكون على شفا التجمد، يبدأ بعناد، وخداع، وبشكل غير متوقع إلى أبعد حد بالتمدد. وفي الوقت الذي يصبح فيه صلباً، يصبح أكبر مما كان عليه بعشر مرات. ولأنه يتمدد، فإن الجليد يعوم في الماء "وهذه سمة في غاية الغرابة" ، كما قال جون جريبين. إذا افتقر إلى هذا التقلب الرائع، فإن الجليد يمكن أن يغوص، وتتجمد البحيرات والمحيطات من القاع نحو الأعلى. ودون جليد السطح - لحبس الحرارة في الداخل - فإن دفء الماء سيتلاشى لوقت طويل جداً ويصبح أكثر برودة مراكماً المزيد من الجليد. مما يؤدي إلى تجمد المحيطات وبقائها هكذا لوقت طويل جداً، وعلى الأرجح إلى الأبد خالقاً وضعاً لا يكفي لنشوء الحياة. وبفضلنا نحن، يبدو الماء غير واع لقواعد الكيمياء وقوانين الفيزياء.
يعرف الجميع أن صيغة الماء الكيميائية هي O2H، وهذا يعني أنه يتألف من ذرة أوكسجين ضخمة وذرتي هيدروجين أصغر مرتبطتين بها. إن ذرتي الهيدروجين تتمسكان بشدّة بمضيفتهما ذرة الأوكسجين، ولكنهما أيضاً ترتبطان أحياناً مع جزيئات ماء أخرى. إن طبيعة جزيء ما تعني أنه ينخرط في نوع من الرقص مع جزيئات ماء أخرى، تتزاوج الجزيئات مدة قصيرة ثم تتحرك، مثل الشركاء الذين يتبدلون دوماً في رقصة الكدريل الرباعية، هذا إذا استخدمنا عبارة روبرت كونزيغ الجميلة. إن كأساً من الماء يمكن ألا يبدو حيوياً بشكل كبير، ولكن كل جزيء فيه يغير شركاءه بلايين المرات في ثانية. لهذا السبب تلتصق ذرات الماء ببعضها؛ كي تشكل أجساماً كالبرك والبحيرات، ولكن ليس بشكل محكم جداً بحيث يمكن أن تنفصل كما حين –مثلاً- تغوص في بركة منها. في أي لحظة لا يلمس إلا 15% منها.
إن العقد قوي جداً بمعنى ما، لهذا السبب تستطيع ذرات الماء أن تتدفق نحو الأعلى حين تستخدم الأنابيب، ولهذا السبب تبدو قطرات الماء على غطاء سيارة مصممة كي تتساقط مع شركائها. ولهذا الماء متوتر على السطح. فالجزيئات التي على السطح منجذبة بقوة أكبر إلى الجزيئات الشبيهة في الأسفل، التي إلى جانبها أكثر مما هي منجذبة إلى جزيئات الهواء في الأعلى. وهذا يخلق نوعاً من الغشاء القوي بما يكفي لدعم الحشرات وتخطي الأحجار. إنه ما يلسع البطن في أثناء ارتماءة البطن.12
لا حاجة للقول: إننا سنضيع دونه، حين يُجرّد الجسم البشري من الماء سرعان ما يتداعى. ففي أثناء أيام تتلاشى الشفتان «كأنهما قطعتا، وتسودُ اللثة، ويذوي الأنف إلى النصف، ويتقلص الجلد حول العينين كي يمنعهما من الحركة»، كما تقول إحدى الروايات. إن الماء حيوي جداً لنا بحيث من السهل أن نغفل أن كل المياه الأخرى -عدا هذا الجزء الأصغر من الماء – سامة بشكل مميت بسبب الأملاح التي فيها.
نحتاج إلى الملح؛ كي نحيا إلى كميات صغيرة جداً منه، ولكن مياه البحر تحتوي على كثير من الأملاح، أكثر بسبعين مرة من الملح الذي نستطيع أن نحوله إلى طاقة. إن لتراً عادياً من ماء البحر لا يحتوي إلا على 2.5 ملعقة شاي من الملح الشائع من النوع الذي نرشه على الطعام، ولكنه يحتوي أيضاً على كميات أكبر من عناصر ومركبات ومواد صلبة أخرى منحلة، يُطلق عليها اسم الأملاح. إن نسب هذه الأملاح والمواد المعدنية في أنسجتنا مشابهة بشكل غريب لتلك التي في مياه البحر؟ نحن نتعرق ونبكي مياه بحر، كما عبر مارجوليس وساغان عن الأمر، ولكن الغريب في الأمر هو أننا لا نستطيع أن نتقبله بوصفه غذاء. إذا تناولتم كثيراً من الملح فستعانون من أزمة في الاستقلاب. من كل خلية، تندفع جزيئات الماء مثل كثير من رجال الإطفاء المتطوعين وتحاول أن تنقص، أو تحمل الملح الزائد المفاجئ. هذا يترك الخلايا بحاجة إلى الماء بشكل خطر وهي بحاجة إليه؛ كي تقوم بوظائفها العادية. إنها تصبح – باختصار – فاقدة للماء. و وفي مواقف خطرة.
ستقود الزموهة (إزالة الماء) إلى نوبات مرض مفاجئة، كفقدان الوعي والعطب الدماغي. في غضون ذلك تنقل كريات الدم المجهدة الملح إلى الكليتين، اللتين تُغمران وتعطلان في النهاية. ودون كليتين عاملتين تموتون. لهذا السبب لانشرب مياه البحر.
هناك 1.3 بليون كيلومتر مكعب من الماء على الأرض، وهذا كل ما سنتمكن من الحصول عليه. إن النظام مغلق: وإذا ما تحدثنا عملياً، فلا شيء يمكن أن يضاف أو ينقص. إن المياه التي تشربها كانت موجودة وتقوم بعملها منذ أن كانت الأرض فتية. فمنذ 3.8 بلايين سنة قامت المحيطات بإنجاز أحجامها الحالية (قليلاً أو كثيراً).
يُعرف حقل الماء باسم الهيدروسفير (غلاف الأرض المائي) وهو محيطي بشكل كبير. إن 97% من كمية الماء على الأرض هي في البحار، والجزء الأكبر منه هو في المحيط الهادئ، الذي هو أكبر من كل كتل الأرض مجموعة سوية. ويحتوي الهادى على أكثر بقليل من نصف كل مياه المحيطات (51.6%)؛ أما الأطلسي فيحتوي على 23.6% والهندي على 21.2%، تاركين فقط 3.6% للبحار الأخرى. إن العمق العادي للمحيط هو3.86 كيلومترات، أما الهادى فهو أعمق من الأطلسي والهندي بـ 300 متر. إن 60% من سطح الكوكب هومحيط يبلغ عمقه أكثر من 1.6 كيلومتر. وكما يقول فيليب بول: من الأفضل أن ندعو كوكبنا ماء لا أرضاً.
إن 3% من مياه الأرض العذبة معظمه طبقات جليدية. وتوجد الكمية الأصفر %0.036 في البحيرات، والأنهار والخزانات، وهناك جزء أصغر 0.001 فقط يوجد في الفيوم أو بخاراً. إن 90% من جليد الكوكب هو في أناركتيكة ومعظم ما تبقى في غرينلندة. اذهبوا إلى القطب الجنوبي وستقفون على ميلين من الجليد، أما في القطب الشمالي فلا يوجد إلا 15 قدماً منه. في أناركتيكة يوجد 6 ملايين ميل مكعب من الجليد فقط، ما يكفي لرفع المحيطات 200 قدم إذا ذاب كله. ولكن لو سقط كل المطر الذي في الغلاف الجوي - بشكل متساوي في كل مكان - فلن يزداد عمق المحيطات إلا 2 سنتمتر.

إن مستوى البحر -بالمناسبة- هو تقريباً مفهوم نظري بالكامل. فالبحار غير مستوية على الإطلاق. فالمد والرياح وقوة كريوليس وتأثيرات أخرى تبدل مستوى الماء بشكل معتبر من محيط إلى آخر وحتى داخل المحيطات. إن المحيط الهادئ أعلى بقدم ونصف على طول حافته الغربية بسبب القوة النابذة التي يسببها دوران الأرض. حين تدفع حوض ماء فإن الماء يميل إلى التدفق نحو الطرف الآخر، وكأنه متردد في المجيء معك، وهكذا فإن دوران الأرض نحو الشرق يجمع المياه على الهوامش الغربية للمحيط.
وإذا ما فكرنا في أهمية البحار الموغلة في القدم بالنسبة لنا، فسيدهشنا كم استغرق العالم من الوقت كي يهتم علمياً بها. فحتى القرن التاسع عشر معظم ما كان معروفاً عن المحيطات كان يستند إلى ما يصل إلى الشاطئ أو يخرج بشباك الصيد، وكان كل ما كتب تقريباً مستنداً إلى الحكايات والفرضيات أكثر مما هو الأمر إلى الدليل المادي. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر مسح العالم الطبيعي البريطاني إدوارد فوربس قاع المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وأعلن أنه لا توجد حياة في البحر مطلقاً تحت 600 متر. بدا هذا افتراضاً معقولاً. لم يكن هناك ضوء في ذلك العمق، وهكذا لا توجد حياة نباتية، ومن المعروف أن ضغط المياه في أعماق كهذه قوي جداً. وهكذا كان الأمر مفاجأة حين رفع في 1860 كبل للتلغراف للتصليح من عمق أكثر من 3 كيلومتر، واكتشف أنه مغلف بطبقة سميكة من المرجان والبطلينوس ونثار حي آخر.
لم يحدث الاستقصاء الأول المنظم للبحار حتى عام 1872 حين أرسل المتحف البريطاني والجمعية الملكية والحكومة البريطانية بعثة مشتركة انطلقت من بورتسماوث في سفينة حربية سابقة تدعى إتش إم إس تشالنجر. أبحروا مدة ثلاث سنوات ونصف حول العالم، آخذين عينات من المياه، ومصطادين الأسماك بالشباك ورافعين طبقة من الرسابة. كان عملاً كئيباً على ما يبدو. فمن بين 240 من العلماء ومن أفراد الطاقم، قفز واحد من كل أربعة من السفينة ومات ثمانية

قسم هوارد السحب إلى ثلاث مجموعات: الرهج للسحب ذات الطبقات، والركام لتلك الخفيفة (الكلمة تعني متراكمة في اللاتينية) والطخاف ( يشبه الصوف) لتلك المرتفعة، وهي تشكيلات رقيقة ناعمة تنذر عادة بطقس أبرد. وأضاف إلى هذه مصطلحاً رابعاً هو السحاب الممطر. وكان جمال نسق هوارد هو أن المكونات الأساسية يمكن أن يعاد مزجها بحرية كي تصف الأشكال والأحجام جميعاً للسحابة العابرة القرِد13، السمحاق14، الركام المكفهر15، وهكذا دواليك. كان هذا مفاجئاً، وليس في إنكلترة فقط. ولقد شحر غوته بهذا النسق بحيث إنه أهدى أربع قصائد لهوارد.
أضيف كثير لنسق هوارد مع مرور الزمن إلى حد أنه بالرغم من أن موسوعة أطلس سحب العالم تقرأ قليلاً إلا أنها صارت تتألف من جزأين، ومن المثير أن كل أنماط السحب التي صُنفت بعد هوارد، كالمماتوس mammatus، والبايلوس pileuS، والسديمية، وسبساتوس Spissatus، والصوفية floccus، والمعتدلة mediocris، لم يفهمها أي شخص خارج علم الأرصاد الجوية ولم يفهمها كثيرون يعملون فيها كما قيل لي. بالمصادفة، إن الطبعة الأولى الأقل سماكة من الأطلس، التي صدرت في 1896، قسمت الغيوم إلى عشرة أنماط أساسية، التي من بينها كانت الأكثر امتلاء والتي تشبه الوسادة هي رقم 9، الركام المفكهر16. وهذا مصدر التعبير «أن تكون في السحابة رقم 9».
وبالمقارنة مع ثقل وعنف السحابة العاصفية التي تتشكل أحياناً وذات الرأس الذي يشبه السندان، فإن السحابة العادية هي شيء حميد وغير جوهري بشكل مدهش. إن سحباً ركامية صيفية زغبية تنتشر مئات عدة من الأمتار إلى جانبها يمكن ألا تحتوي على أكثر من 100 إلى 150 لتراً من الماء "ما يكفي لملء البانيو" -كما قال جيمس تريفل. يمكن أن تفهم الصفة غير الرمادية للسحب عبر الطواف في الضباب، الذي ليس أكثر من سحابة تفتقر إلى إرادة الطيران. ولنقتبس فريل مرة ثانية: «إذا سرت 100 ياردة عبر ضباب عادي فلن تصادف إلا نصف إنش مكعب من الماء، غير كاف كي يقدم لك شربة مشبعة». لذا ليست السحب مخزناً كبيراً للمياه. إن نحو 0.035 فقط من مياه الأرض العذبة يعوم فوقنا في أي لحظة.
إن التكهنات عن جزيء الماء تتنوع بشكل واسع بحسب مكان سقوطه. فإذا سقط على أرض خصبة فستتشربه النباتات أو يتبخر من جديد في غضون ساعات أو أيام. إذا عثر على طريقه إلى المياه الجوفية يمكن ألا يرى ضوء الشمس مرة أخرى لسنوات؛ بل لآلاف السنوات إذا تغلغل عميقاً. وحين تنظرون إلى بحيرة فأنتم تنظرون إلى مجموعة من الجزيئات كانت هنالك لمدة عقد. وفي المحيط يعتقد أن مدة الإقامة مئة عام. إن 60% من جزيئات الماء في أثناء سقوط المطر تتم إعادتها إلى الغلاف الجوي في يوم أو اثنين. فحالما تتبخر، لا تمضي إلا أسبوعاً أو ما يقارب ذلك يقول دروري: إنها تمضي 12 يوماً في السماء قبل أن تسقط مرة أخرى مطراً.
إن التبخر عملية سريعة، كما يمكن أن تقدّر من مصير بركة في يوم صيفي. إن شيئاً كبيراً كالبحر الأبيض المتوسط سيجف في ألف سنة إذا لم يُزوّد باستمرار. حصل حدث كهذا منذ أقل من ستة ملايين عام بقليل؛ وأثار ما يعرفه العلم باسم أزمة الملوحة المسينية Messinian Salinity Crisis. ما حدث هو أن الانجراف القاري أغلق مضيق جبل طارق. وفيما كان المتوسط يجف سقطت محتوياته المتبخرة مطراً من المياه العذبة في بحار أخرى، مخففاً قليلاً من ملوحتها وجعلها في الواقع قليلة العمق بما يكفي كي تتجمد فوق مناطق ضخمة أكثر من المعتاد. أنعشت حرارة الشمس المنطقة الموسعة من ودفعت الأرض إلى عصر جليدي.
ما هو صحيح بنحو مؤكد – بقدر ما نستطيع القول- هو أن تغيراً قليلاً في حركية (دينامية) الأرضي يمكن أن يؤدي إلى عواقب لا نستطيع تخيلها. إن حدثاً كهذا – كما سنرى فيما بعد – يمكن أن يكون قد خلقنا.
إن محطة توليد الطاقة الحقيقية في سلوك سطح الأرض هي المحيطات. والواقع أن علماء الأرصاد الجوية يعاملون المحيط والغلاف الجوي كنظام واحد بشكل متزايد، ولهذا يجب أن نمنحهم قليلاً من انتباهنا هنا. إن الماء مدهش في الاحتفاظ بالحرارة ونقلها، وبكميات كبيرة لا يمكن تخيلها. كل يوم يحمل تيار الخليج17 كمية من الحرارة إلى أوروبة تعادل منتج العالم من الفحم الحجري لعشر سنوات، ولهذا السبب بريطانية وأيرلندة فيهما شتاء معتدل بالمقارنة مع كندة وروسية. ولكن الماء يسخن ببطء أيضاً، لهذا السبب إن البحيرات والمسابح باردة حتى في الأيام الحارة. وهذا سبب التأخر في البداية الرسمية الفلكية لفصل والشعور الفعلي بأن الفصل قد بدأ. وهكذا فإن الربيع يمكن أن يبدأ رسمياً في نصف الكرة الشمالي في آذار، ولكن الناس لا يشعرون بالأمر في معظم الأمكنة حتى شهر نيسان.
إن المحيطات ليست كتلة واحدة موحدة من الماء. فالفروق بينها في درجة الحرارة والملوحة والعمق والكثافة، وغير ذلك لها تأثير كبير في كيفية نقلها للحرارة، التي بدورها تؤثر في المناخ. إن المحيط الأطلسي -على سبيل المثال أكثر ملوحة من المحيط الهادئ، وهذا شيء جيد أيضاً. فكلما كانت المياه أكثر ملوحة كانت أكثر كثافة، والمياه الكثيفة تغوص. فدون حملها الزائد من الملح، فإن تيارات المحيط الاطلسي سوف تندفع إلى المحيط المتجمد الشمالي وتدفن القطب الشمالي، ولكنها ستجرد أوروبة من كل دفئها. إن العامل الأساسي لنقل الحرارة على الأرض هو ما يُعرف باسم دورة الحرارة، التي تنشأ في تيارات بطيئة وعميقة تحت السطح بكثير، وهذه عملية اكتشفها -2 البداية العالم المغامر الكونت فون رمفورد في 179718. ما يحدث هوأن مياه السطح – فيما تصل إلى جوار أوروبية – تصبح كثيفة وتغوص إلى أعماق كبيرة وتبدأ عودة بطيئة إلى الخلف إلى نصف الكرة الجنوبي. وحسين تصل إلى أناركتيكة، تعلق في التيار الأناركتيكي الحوقطبي (واقع حول أحد قطبي الأرض أو السماء). إن العملية بطيئة جداً. يمكن أن يستغرق الأمر بالنسبة للمياه 1500 سنة كي تنتقل من شمال الأطلسي إلى وسط الهادي، ولكن كميات الماء والحرارة التي تنقلها كبيرة جداً والتأثير في المناخ ضخم جداً.
(أما بالنسبة لمسألة كيف يمكن لأي شخص أن يحزر كم تستغرق قطرة مطر كي تصل من محيط إلى آخر، فإن الإجابة هي أن العلماء يستطيعون أن يقيسوا مركبات في المياه مثل كربون الكلوروفلور chlorofluorocarbons ويستنتجوا كم مر من الوقت منذ أن كانت آخر مرة في الجو. وعبر مقارنة الكثير من القياسات من أعماق وأماكن مختلفة يستطيعون أن يرسموا خريطة حركة الماء بشكل معقول).
إن دورة الحرارة لا تنقل الحرارة فحسب، وإنما تساعد أيضاً على إثارة المواد المغذية حين تصعد التيارات وتهبط، جاعلة مساحات كبيرة من المحيط قابلة للسكن بالنسبة للأسماك والكائنات البحرية الأخرى. ولسوء الحظ، يبدو كأن

الدوران يمكن أن يكون حساساً جداً للتغير. فبحسب عمليات المحاكاة التي تقوم بها الكمبيوترات، حتى انخفاض عادي -2 المحتوى الملحي للمحيط بسبب الذوبان المتزايد لطبقة جليد غرينلندة يمكن أن يقاطع الدورة بشكل كارثي.
تقوم البحار بأعمال معروف كبيرة لنا. فهي تمتص كميات كبيرة من الكربون وتقدم وسيلة لحبسه بأمان. إن إحدى غرائب مجموعتنا الشمسية هي أن الشمس تشع الآن بنسبة أعلى بـ 25% مما كانت تفعله حين كانت المجموعة الشمسية فتية. كان يجب أن يؤدي هذا إلى أرض أكثر سخونة. وبالفعل، وكما عبر عن الأمر عالم الجيولوجيا الإنكليزي أوبري ماننغ: «إن هذا التغير الضخم كان يجب أن يحدث تأثيراً كارثياً على الأرض، ولكن مع ذلك يبدو كأن عالمنا بالكاد قد تأثر».
وهكذا ما الذي يبقي الكوكب مستقراً وبارداً؟ إن الحياة تفعل هذا. إن ترليونات فوق ترليونات من المتعضيات البحرية الصغيرة لم يسمع بها أبداً معظمنا المنخريات والكوكوليث Coccoliths، والطحالب الكلسية تلتقط كربون الغلاف الجوي – في شكل ثاني أكسيد الكربون - حين يسقط مطراً وتستخدمه (في مزيج مع أشياء أخرى) كي تصنع أصدافها الصغيرة. فعن طريق حبس الكربون في أصدافها، تمنعه من التبخر من جديد إلى الغلاف الجوي حيث سيتجمع بشكل خطر كغاز المخضرة. وفي النهاية إن المنخريات والكوكوليث جميعاً وغيرها تموت وتسقط إلى قاع البحر، حيث تضغط في حجر جيري. ومن اللافت، أن هناك سمة خارقة للطبيعة هي الجروف البيضاء -في دوفر في إنكلترة، وهي مصنوعة بشكل كامل من متعضيات بحرية صغيرة منقرضة، ولكن الأكثر لفتاً للنظر هو حين تدركون كم تعزل من الكربون بشكل تراكمي.
إن مكعباً من ستة إنشات من حوار دوفر يحتوي على أكثر من ألف لتر من ثاني أكسيد الكربون المضغوط الذي كان بخلاف ذلك سيؤذينا. هناك أكثر بنحو عشرين ألف مرة من هذا القدر من الكربون المحبوس في صخور الأرض كما في الغلاف الجوي. وفي النهاية إن كثيراً من هذا الحجر الكلسي سينتهي إلى تغذية البراكين وسيعود الكربون إلى الجو، ويسقط على الأرض في المطر، وهذا ما يُدعى دورة الكربون طويلة الأمد. تستغرق العملية وقتاً طويلاً نحو نصف مليون سنة لذرة كربون عادية ولكن في غياب أي إزعاج آخر تسهم جيداً في جعل المناخ مستقراً.
ولسوء الحظ، إن للكائنات البشرية ميلاً طائشاً لإزعاج هذه الدورة من خلال وضع كثير من الكربون الإضافي في الجو، سواء أكانت المنخريات مستعدة له أم لا. ومنذ 1850 –كما قدّر- رفعنا نحو 100 مليون طن من الكربون الإضافي في الجو، وهذه محصلة تزداد 7 ملايين طن سنوياً. بالمجمل، ليس هذا دقيقاً. إن الطبيعة وفي معظم الأحيان عبر ثوران البراكين وتأكل النباتات ترسل نحو200 بليون طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الجو كل عام، تقريباً أكثر بثلاثين مرة مما نفعله عن طريق السيارات والمعامل. وعليكم فقط أن تنظروا إلى الضباب العالق فوق مدننا أو الجراند جانيون أو حتى أحياناً الجروف البيضاء لدوفر، كي تروا أي فرق يحدثه إسهامنا.
نعرف من عينات الجليد القديمة جداً أن «المستوى الطبيعي لثاني أكسيد الكربون في الجو أي قبل أن نبدأ بتضخيمه عسبر النشاط الصناعي هون حو 280 جزءاً في المليون. وفي 1958 –حين بدأ الناس في المختبرات ينتبهون إليه – كان قد ارتفع إلى 315 جزءاً في المليون. واليوم هو أكثر من 360 جزءاً في المليون ويرتفع تقريباً ربع 1% كل عام. وفي نهاية القرن العشرين سيرتفع كما تنبأ العلماء إلى نحو 560 جزءاً في المليون.
نجحت محيطات وغابات الأرض (التي تمتص أيضاً كثيراً من الكربون) في إنقاذنا من أنفسنا، ولكن وكما قال بيتر كوكس من مكتب الأرصاد الجوية البريطاني: هناك عتبة حرجة حيث يتوقف الغلاف الأحيائي19 عن حمايتنا من تأثيرات ما يصدر عنا من انبعاثات ويبدأ بالفعل بزيادتها». والخشية هي أنه سيكون هناك زيادة سريعة جداً في سخونة الأرض. سيهلك كثير من الأشجار

أو جنوا «بعد أن دفعهم إلى الذهول الروتين المخدر للعقل وسنوات الاستخراج، كما قالت المؤرخة سمانثا واينبرغ. ولكنهم اجتازوا 70,000 ميل بحري، وجمعوا أكثر من 4700 نوع جديد من المتعضيات البحرية، وما يكفي من المعلومات لتأليف تقرير من 50 مجلداً (استغرق 19 سنة كي يجمع)، وقدموا للعالم اسم منهج علمي جديدة الأوقيانوغرافيا (*). واكتشفوا أيضاً -عن طريق قياس الأعماق - أن هناك جبالاً مغمورة بالمياه في منتصف الأطلسي، مما حث بعض الراصدين المثارين إلى التفكير بأنهم عثروا على قارة أطلنطس المفقودة.
ولأن العالم المؤسساتي أهمل البحار في معظم الأحيان، وقع الأمر على عاتق هواة مخلصين، وبالمصادفة كي يقولوا لنا ما الذي هناك في الأسفل. وبدأ الاستقصاء الحديث للمياه العميقة مع تشارلز ويليم بيبي وأوتيس بارتون في 1930. وبالرغم من أنهما كانا شريكين متكافئين، فإن بيبي الأكثر تلوناً تلقى الثناء والانتباه أكثر. ولد بيبي في 1877 لأسرة موسرة في نيويورك سيتي، ودرس علم الحيوان في جامعة كولومبيا. وحين تعب من هذا، قرر أن يعيش حياة مغامر وسافر في الربع الآتي من القرن بشكل واسع عبر آسيا وأمريكا الجنوبية، مع مجموعة من المعاونات الإناث الجذابات اللواتي وصف عملهن بشكل مزيف بأنهن ومؤرخات أو تقنيات، أو «مساعدات في مشكلات الأسماك». وقد دعم المساعي بسلسلة من الكتب الشعبية بعناوين مثل حافة الغابة وأيام الغابة، بالرغم من أنه ألف أيضاً بعض الكتب المحترمة عن الحياة البرية وعلم الطيور.
في منتصف العشرينيات، وفي رحلة إلى جزر الغلاباغوس اكتشف ( متع التأرجح )، كما وصف الغوص في أعماق البحر. وبعد ذلك حالاً شكل فريقاً مع بارتون الذي جاء من أسرة أكثر ثراء، ودرس أيضاً في كولومبيا وتاق إلى المغامرة. وبالرغم من أن بيبي كان يحصل على الثناء دوماً، كان بارتون في الواقع هو الذي
(*) علم يُعنى بدراسة المحيطات أو الأوقيانوسات من حيث اتساعها، وعمقها، وطبيعة مياهها، وما تشتمل عليه من ثروة حيوانية وغير حيوانية، وطريقة استغلال هذه الثروة. المترجم.

صمم كرة الأعماق ودفع 12,000 دولار لقاء صناعتها. كانت غرفة صغيرة وقوية مصنوعة من الحديد المسبوك وتبلغ سماكتها 1.5 إنش، وفيها كوتان تحتويان على قطع كوارتز بسماكة 3 إنشات. كانت تتسع لرجلين، ولكن إذا كانا مستعدين كي يصبحا مطلعين جداً. حتى بمعايير العصر، كانت التكنولوجيا غير معقدة. لم يكن هناك قدرة على المناورة. كانت تُعلّق ببساطة بطرف كبل طويل وتحتوي على أكثر أنظمة التنفس بدائية: وكي يحيدا غاز ثاني أكسيد الكربون ركبا علباً مفتوحة من كلس الصودا، ومن أجل امتصاص الرطوبة فتحا حوضاً صغيراً من كلوريد الكالسيوم، كان يلوحان فوقه أحياناً بسعف نخل؛ كي يشجّعا على التفاعل الكيميائي.
قامت كرة الأعماق التي بلا اسم بالعمل الموكل إليها. ففي الغطسة الأولى – في حزيران 1930، في الباهاماس – حطم بارتون وبيبي رقماً قياسياً عالمياً في الغوص إلى عمق 183 متراً. وفي 1934، رفعا الرقم القياسي إلى 900 متر، الذي سيبقى هكذا حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كان بارتون واثقاً من أن الأداة آمنة على عمق 1400 متر، بالرغم من أن التوتر في كل مسمار ملولب وبرشام كان مسموعاً في كل عمق يهبطان إليه. كان هذا عملاً جسوراً وينطوي على مجازفة. وعلى عمق 900 متر كانت كوتهما الصغيرة تخضع لـ 19 طناً من الضغط في كل إنش مربع. فلو أنهما تجاوزا الحدود التي تسمح بها الآلة، لكان الموت فورياً في عمق كهذا، كما قال بيبي في كتبه الكثيرة ومقالاته ومواده المذاعة. كانا يخشيان بشكل خاص من أن ينقطع الحامل (الونش ) الذي على ظهر السفينة الذي تربط به الكرة المعدنية وطنان من الكبل المستقر، ويغرقهما في قاع البحر. في حالة كهذه، لا شيء يمكن أن ينقذهما. كان الشيء الوحيد الذي لم تنتجه عمليات الغوص التي قاما بها هو كمية من العلم الجدي. فبالرغم من أنهما شاهدا كثيراً من المخلوقات التي لم تُر من قبل، فإن حدود الرؤية وحقيقة أنه لا أحد من رائدي المياه المغامرين كان عالم أوقيانوسات مدرباً، كانا يعنيان أنهما لم يكونا في الغالب قادرين على وصف

مكتشفاتهما بطريقة تفصيلية يتوق إليها العلماء الحقيقيون. لم تحمل الكرة ضوءاً خارجياً، فقط لمبة مياه بقوة 250 واطاً ثبتاها إلى النافذة، ولكن المياه تحت 150 متراً كانت عملياً غير قابلة للاختراق بأي حال، وكانوا يحدقون بالمياه عبر كوراتز سمكه ثلاثة إنشات، ولذلك فإن كل ما ينظران إليه يجب أن يكون مهتماً بهما كما يهتمان به. ومن ثم كل ما كانا قادرين على الإبلاغ عنه هو أنه كان هناك كثير من الأمور الغريبة في الأعماق. ففي غوص قاما به في عام 1934 بوغات بيبي حين شاهد أفعى عملاقة «طولها أكثر من عشرين قدماً وعريضة جداً». مرت بسرعة كبيرة مما جعلها أكثر من ظل. مهما كانت، لم يشاهد شيء مثلها من قبل.
وبسبب غموض كهذا، تجاهل الأكاديميون تقاريرهما عامة.
وبعد غوصهما الذي سجل رقماً قياسياً في 1934، فقد بيبي الاهتمام بالغوص وانتقل إلى مغامرات أخرى ولكن بارتون ثابر على الأمر. ولحسن حظه، كان بيبي يقول دوماً لكل من يسأله: إن بارتون هو الدماغ الحقيقي وراء المشروع، ولكن بارتون بدا غير قادر على الخروج من الظلال. كتب هو أيضاً قصصاً مثيرة عن مغامراتهما تحت الماء، وقد مثل أيضاً في فيلم من إنتاج هوليود بعنوان: (عمالقة الأعماق)، يتحدث عن كرة الأعماق وظهر في كثير من المقابلات المثيرة والمضخمة خيالياً مع حبار عملاق عدواني وما شابه ذلك. وقام بالإعلان عن سجائر الجمل قائلاً: (إنها لا تسبب لي نرفزة). وفي عام 1948 سجل رقماً قياسياً آخر في الغوص زاد عن الأول 50% وصل فيه إلى 1,370 متراً في المحيط الهادئ قرب كاليفورنيا، ولكن العالم بدا مصمماً على إغفاله. واعتقد أحد الصحفيين الذين راجعوا فيلم (عمالقة الأعماق) أن نجم الفيلم هو بيبي. ولكن في هذه الأيام، بارتون محظوظ في الحصول على الانتباه.
على أي حال، كان على وشك أن يطفأ كلياً على يد فريق مؤلف من أب وابنه من سويسرة، هما أوكوست وجاك بيكار، اللذان كانا يصممان نوعاً جديداً من المسبار دُعي غواصة الأعماق. عُمّد باسم تريست Trieste على اسم المدينة الإيطالية

التي بُني فيها. كانت الآلة الجديدة قادرة على المناورة بنحو مستقل بالرغم من أنها فعلت أكثر من مجرد الصعود والهبوط. وفي واحدة من رحلاتها الأولى إلى الأعماق – في أوائل 1945 – نزلت إلى تحت 4,000 متر، متجاوزة تقريباً بثلاث مرات الرقم القياسي الذي حققه بارتون قبل ست سنوات. ولكن الغوص إلى أعماق البحار كان يتطلب كمية كبيرة من الدعم المكلف وكان بيكار وولده على شفا الإفلاس.
وفي 1958، وقعا صفقة مع البحرية الأمريكية حصلت بمقتضاها البحرية على الملكية ولكن تركتهما مشرفين. والآن بعد أن أغدق عليهما التمويل، بنى بيكار وابنه المركبة من جديد وزوداها بجدران بسماكة 13 سنتمتراً، وقلصا قطر النوافذ إلى 5 سنتمترات، وكان هذا أكبر بقليل من ثقوب النظر. وصارت قوية الآن وتستطيع تحمل الضغط الكبير، وفي كانون الثاني 1960 غاص جاك بيكار والملازم أول دون لاش من البحرية الأمريكية ببطء إلى قاع أعمق واد في المحيط، هو خندق مريانا، الذي يبعد عن جوام 400 كيلومتر في غرب المحيط الهادئ (الذي اكتشفه – ولكن ليس بالمصادفة – هاري هيس بمسباره للأعماق). استغرق الأمر أربع ساعات للهبوط إلى عمق 10,918 متر، أو 7 أميال تقريباً. وبالرغم من أن الضغط في ذلك العمق كان 17,000 رطل تقريباً في كل إنش مربع، لاحظا بدهشة أنهما أزعجا سمكاً مسطحاً يعيش في القاع. لم يكن لديهما العدة لالتقاط صور، ولهذا لا يوجد سجل بصري للحدث.
بعد عشرين دقيقة فقط في أعمق نقطة في العالم، عادا إلى السطح. كانت المناسبة الوحيدة التي هبط فيها البشر إلى أعماق كهذه.
بعد أربعين سنة، السؤال الذي يخطر بنحو طبيعي هو: لماذا لم يعد أحد منذ ذلك الوقت؟ والسبب في البداية هو أن الأميرال هيمان جي. ريكوفر عارض بقوة المزيد من الغوص، وهو رجل ذو مزاج عنيف، ووجهات نظر قوية، ويحكم سيطرته على دفتر الشيكات الخاص بالقسم. واعتقد أن الاستكشاف تحت الماء

تبديد للموارد وأشار إلى أن البحرية ليست مؤسسة للأبحاث. فضلاً عن ذلك، كانت الأمة على وشك أن تصبح مشغولة بشكل كامل بالسفر إلى الفضاء والبحث لإرسال إنسان إلى القمر، الأمر الذي جعل استكشاف أعماق البحار يبدو غير ذي أهمية وعتيق الطراز. ولكن الاعتبار الحاسم هو أن غوص تريست لم ينجز كثيراً في الواقع. وكما قال مسؤول في البحرية فيما بعد: «لم نتعلم كثيراً من ذلك، سوى أننا استطعنا القيام بالأمر. لماذا نفعل هذا مرة ثانية؟» كان الأمر يعني - باختصار – اجتياز طريق طويل للعثور على سمكة مسطحة، ومكلفة أيضاً. إن تكرار التجربة اليوم سيكلف 100 مليون دولار كما قالت التقديرات.
حين أدرك الباحثون تحت الماء أن البحرية لا تنوي القيام ببرنامج استكشاف موعود، دوت صرخة مؤلمة.
وكي تهدئ نقادها، قدمت البحرية تمويلاً لغواصة أكثر تقدماً، تشغلها مؤسسة وود هول للأبحاث البحرية في ماساتشوستس دعيت الفن على شرف عالم البحار آلن سي فاين. كانت غواصة بالغة الصغر قادرة على المناورة بشكل كامل، بالرغم من أنها لم تبلغ العمق الذي بلغته تريست.
كانت هناك مشكلة واحدة فحسب: لم يستطع المصممون العثور على أي شخص يرغب في بنائها. وكما قال وليم جي. بورد في كتابه: (الكون الذي في الأسفل): «لم ترغب شركة كبيرة مثل جنرال داينمكس -التي صنعت الغواصات للبحرية- أن تتولى مشروعاً حط من قدره كل من مكتب السفن والأميرال ريكوفر، وهما زعيما الرعاية البحرية». أخيراً، صنعت شركة جنرال ميلز للأغذية آلفنز، في معمل كانت تصنع فيه الآلات لإنتاج حبوب الفطور.
كان الناس في الواقع لا يمتلكون سوى فكرة محدودة عن الأشياء الأخرى التي كانت هناك في الأسفل من أشياء أخرى.
وحتى الخمسينيات، كانت أفضل الخرائط المتوافرة لعلماء المحيطات تستند بشكل كبير إلى تفاصيل قليلة من مسوح متفرقة تعود إلى 1929، ومطعمة جوهرياً بمحيط من العمل القائم على التخمين. كانت البحرية الأمريكية تمتلك خرائط ممتازة لتوجيه الغواصات عبر

الأودية وحول الموائد البحرية(*)، ولكنها لم ترد أن تصل معلومات كهذه إلى أيدي السوفييت، ولهذا أبقت معلوماتها سرية.
كان على الأكاديميين أيضاً أن يلجؤوا إلى بديل آخر هو المسوح القديمة الناقصة أو الاعتماد على الحدس. وحتى اليوم إن معرفتنا بقاع المحيط لا تزال ناقصة. إذا نظرتم إلى القمر بتلسكوب عادي في الفناء الخلفي فإنكم ستشاهدون حفراً واضحة فراكستوريوس Fracastorious، وبلانكانوس Blancanus، وزاخ Zach، وبلانك Planck، وأخرى كثيرة مألوفة لعلماء القمر ستكون مجهولة لو كانت في قيعان محيطاتنا.
لدينا خرائط للمريخ أكثر مما لدينا لقيعان بحارنا.
كانت تقنيات الاستقصاء ارتجالاً تافهاً على مستوى السطح. وفي 1994 سقط عن ظهر سفينة شحن كورية 34,000 قفاز خاص برياضة الهوكي على الجليد في أثناء عاصفة في المحيط الهادي. وصلت القفازات كلها إلى الشاطئ من فانكوفر إلى فيتنام وساعدت علماء المحيطات على رصد التيارات بشكل أكثر دقة مما سبق وفعلوه.
واليوم، يبلغ عمر آلفن أربعين سنة تقريباً، ولكنها لا تزال غواصة الأبحاث الأولى في العالم. وليس هناك غواصات تستطيع أن تغوص إلى أي مكان بعمق خندق مريانا، وهناك خمس منها فحسب – بينها آلفن - تستطيع الوصول إلى أعماق «سهل الهاوية، قاع المحيط العميق الذي يغطي نصف سطح الكوكب. إن غواصة عادية تكلف 25000 دولار في اليوم كي تعمل، ولهذا نادراً ما تغوص من أجل نزوة، أو ترسل إلى أعماق البحار على أمل أنها ستعثر عشوائياً على شيء ما مهم. ويبدو كأن تجربتنا المباشرة مع عالم السطح كانت تستند إلى عمل خمسة أشخاص يستكشفون على عربات يدوية في الحديقة بعد أن يخيم الظلام. وكما قال روبرت كنزينغ، ربما فحص البشر «جزءاً من مليون أو بليون من ظلمة البحر. ربما أقل. ربما أقل بكثير».

(*) جبال بحرية صغيرة مسطحة القمة.

كان علماء المحيطات مثابرين وقاموا بعدة اكتشافات مهمة بمواردهم المحدودة، وبينها – في عام 1977 – أحد أهم الاكتشافات البيولوجية المذهلة في القرن العشرين. في ذلك العام، عثرت آلفن على مستعمرات متكاثرة من متعضيات ضخمة تعيش في فجوات بحرية عميقة أو حولها مقابل جزر الغلاباغوس، وهي ديدان أنبوبية طولها أكثر من 3 أمتار، وبطلينوسات عرضها 30 سنتمتراً، وقريدس
وبلح بحر غزير، وديدان متلوية رفيعة. وكلها تدين بوجودها إلى مستعمرات شاسعة من البكتيريا التي تستمد طاقتها وغذاءها من كبريتيد الهيدروجين؛ وهو مركب سام جداً لمخلوقات السطح، وتتدفق بثبات من الفتحات. كان عالماً مستقلاً عن ضوء الشمس والأكسجين أو أي شيء آخر يرتبط عادة بالحياة. كان هذا نسق حياة لا يستند إلى التخليق الضوئي، وإنما إلى التخليق الكيميائي، وهذا ما كان سيرفضه علماء البيولوجيا ويعدّونه منافياً للطبيعة والعقل لو طرحه أحد أصحاب
الخيال الجامح.
تطلق هذه الفتح كميات كبيرة من الحرارة والطاقة. إن أربعاً وعشرين من هذه الفتحات تنتج من الطاقة ما يعادل إنتاج محطة كهربائية كبيرة، أما الحرارة فمتنوعة ومرتفعة جداً. إن درجة الحرارة عند نقطة التدفق الخارجي يمكن أن تصل إلى 400 درجة مئوية، بينما على بعد مترين يمكن أن تكون المياه أعلى من درجة التجمد بدرجتين أو ثلاث. وقد عُثر على نوع من الديدان يُدعى الديدان المعوية alvinellids في الأطراف، حيث حرارة الماء أعلى بـ 78 درجة عند رؤوسها مما هي عند ذيولها. اعتقد قبل هذا أنه لا يمكن أن تحيا متعضيات معقدة في ماء درجة حرارته أعلى من 54 درجة مئوية، واكتشفت الآن متعضيات تعيش في مياه أكثر سخونة من هذا وفي البرد الشديد. لقد حوّل هذا الاكتشاف فهمنا لمتطلبات الحياة.
حل أيضاً أحد الألغاز الكبرى في علم المحيطات، وهو شيء لم يدرك كثير منا أنه لغز، وأعني السبب في عدم ازدياد ملوحة المحيطات مع مرور الوقت. تحتوي المحيطات على كثير من الأملاح، ما يكفي لدفن سطح الكوكب الأرضي إلى عمق

150 متراً تقريباً. وكان من المعروف طيلة قرون أن الأنهار تحمل المواد المعدنية إلى البحر، وأن هذه المواد المعدنية تمتزج بالأيونات في مياه المحيط لتشكيل الأملاح. وحتى الآن لا توجد مشكلة. ولكن ما كان لغزاً هو أن مستويات الملوحة في البحر ثابتة. تتبخر ملايين غالونات المياه العذبة من المحيط يومياً، تاركة كل أملاحها خلفها، وهكذا فإن من المنطقي أن تصير البحار أكثر ملوحة مع مرور الأعوام، ولكن هذا لا يحصل. هناك شيء ما يأخذ كمية من الأملاح من الماء مساوية للكمية التي توضع فيه. ولوقت طويل جداً، لم يستطع أحد أن يعرف السبب.
إن اكتشاف آلفن لفتحات البحر العميقة قدم الإجابة. أدرك علماء الفيزياء الجغرافية أن الفجوات تعمل كمصاف في حوض للأسماك. فحين تنحدر المياه إلى داخل قشرة الأرض، تخلص من الأملاح، ثم تخرج المياه النظيفة مرة أخرى عبر أنابيب المدخنة. إن العملية ليست سريعة يمكن أن يستغرق الأمر عشرة ملايين
عام لتنظيف المحيط، ولكن العملية فاعلة بشكل مدهش إذا لم تكونوا مستعجلين.
ربما لا شيء يتحدث بشكل أفضل عن بعدنا السيكولوجي عن أعماق المحيطات أكثر من الهدف الرئيس، الذي عبر عنه علماء المحيطات في أثناء العام الجغرافي العالمي، 1957 – 1958، وهو دراسة «استخدام أعماق المحيطات لدفن النفايات الإشعاعية». لم تكن هذه وظيفة رسمية – كما تفهمون – وإنما عجرفة عامة. وبالرغم من أن الأمر لم يُعلن عنه كثيراً، فقد كان دفن المواد المشعة في 1957 – 1958 يحدث بقوة مرعبة، لأكثر من عقد. ومنذ 1946، كانت الولايات المتحدة تنقل براميل تتسع لخمسة وخمسين غالوناً من المواد القذرة المشعة إلى جزر فالارون -التي تبعد عن كاليفورنيا 50 كيلومتراً قرب سان فرانسيسكو – حيث كانت ترميها ببساطة عن ظهر السفينة.
كان هذا عملاً قذراً بشكل فائق للعادة. وكانت معظم البراميل من النوع الذي تراه يصدأ خلف محطات الوقود أو ينتصب أمام المصانع، دون بطانة حامية من أي نوع.
وحين لا تغوص - وهذا ما كان يحدث عادة - كان رماة البحرية يثقبونها

بالرصاص؛ كي يجعلوا الماء يدخل فيها (وبالطبع لجعل البلوتونيوم واليورانيوم والسترونتيوم تخرج منها). وقبل أن تتوقف عملية دفن النفايات هذه في التسعينيات كانت الولايات المتحدة قد دفنت مئات الألاف من البراميل في خمسين موقعاً في المحيط، ودفنت خمسين ألف منها تقريباً في جزر فالارون وحدها. لم تكن الولايات المتحدة هي وحدها التي تفعل ذلك. فمن بين دافني النفايات المتحمسين الآخرين هناك روسية والصين ونيوزلندا ومعظم الدول الأوروبية تقريباً.
ما التأثير الذي يمكن أن يكون قد أحدثه هذا على الحياة في أعماق البحار؟ إنه قليل –كما نأمل – ولكننا في الواقع لا نمتلك فكرة عن ذلك. فجهلنا للحياة في أعماق البحار كبير جداً ومفاجئ. فنحن لا نعرف إلا قليلاً عن أكثر حيوانات المحيط قوة، كالحوت الأزرق الكبير على سبيل المثال، هذا الكائن ذو المواصفات العملاقة كما يقول ديفد أتنبورو: «لسانه بوزن فيل، وقلبه بحجم سيارة وبعض شرايينه عريضة بحيث تستطيع أن تسبح فيها». إنه أضخم وحش أنتجته الأرض حتى الآن، وهو أكبر حتى من أضخم الديناصورات البطيئة. ولكن حياة الحيتان الزرقاء لا تزال مجهولة. أحياناً تطلق الحيتان الزرقاء أغنية ثم تلتقطها مرة أخرى تماماً في البقعة نفسها بعد ستة أشهر. وأحياناً تطلع بأغنية جديدة، لم يسمعها أي عضو من قبل ولكن يعرفها سابقاً. أما كيف تفعل هذا ولماذا فغير مفهوم تماماً. وهذه حيوانات تخرج إلى السطح بانتظام؛ كي تتنفس. بالنسبة للحيوانات التي لا تريد السطح أبداً فإن الغموض يمكن أن يكون مشوقاً أكثر. فكروا بمعرفتنا بالحبّار الخرافي العملاق. بالرغم من أنه لا شيء بالمقارنة مع الحوت الأزرق، فإنه حيوان قوي جداً، عيناه بحجم كرة القدم وطول مجساته المتدلية 18 متراً. يزن طناً تقريباً وهو أكبر لافقاري على الأرض. إذا وضعتم واحداً في مسبح صغير، فلن يكون هناك كثير من المجال لأي شيء آخر. ومع ذلك لم ير أي عالم أو أي شخص على حد علمي حباراً عملاقاً على قيد الحياة. كرّس علماء الحيوانات حياتهم المهنية محاولين أسر أو لمح حبار عملاق حي لكنهم لم يفلحوا في ذلك. وهي تعرف من أنها تطرح على الشاطئ، وخصوصاً، ولأسباب مجهولة،

على شواطئ جزيرة نيوزلندا الشمالية. لا بد أنها توجد في أعداد كبيرة؛ لأنها تشكل جزءاً محورياً من غذاء حيتان العنبر التي تحتاج إلي كثير من الغذاء (*) وبحسب أحد التقديرات، يمكن أن يكون هناك 30 مليون نوع من الحيوانات التي تعيش في البحر، معظمها لم يكتشف بعد. لم يحدث التلميح الأول عن غزارة الحياة في البحار العميقة إلا في الستينيات بعد اختراع الجاروفة، وهي أداة لاستخراج المتعضيات ليس من قاع البحر فحسب، وإنما أيضاً من الرسابة التي في الأسفل. ففي عملية صيد واحدة بالجاروفة على طول الإفريز القاري، وعلى عمق 1.5 كيلومتر، اصطاد عالما محيطات من وودس هما (هول هوارد ساندلر) و(روبرت هسلر) أكثر من 25 ألف مخلوق ديدان، ونجوم البحر، وخيار البحر، وغيرها وهي تمثل 365 نوعاً. وحتى على عمق 5 كيلومترات، عثرا على 3700 مخلوق يمثلون تقريباً مئتي نوع من المتعضيات. ولم تستطع عملية الاستخراج أن تصطاد إلا تلك الأشياء التي كانت بطيئة جداً أو غبية، بحيث كانت تضل طريقها. وفي أواخر الستينيات خطرت لعالم بيولوجيا بحرية يدعى جوزف إساكس فكرة إنزال كاميرا مع طعم مثبت عليها، فعثر على حشود كثيفة من الجرّيث الملتف، وهو مخلوق بدائي يشبه الأنقليس، وكذلك على حشود سريعة من سمك الغرناد. حيث يتوافر مصدر للطعام بشكل مفاجئ على سبيل المثال، حين يموت حوت ويغوص إلى القاع يمكن أن يعثر على 390 نوعاً من المخلوقات البحرية تتغذى عليه. وعثر على كثير من هذه المخلوقات وهي تخرج من ثقوب على بعد 1600 كيلومتر. وتتضمن أنواعاً مثل بلح البحر والبطلينوس، الذين لا يعرف أنهما يسافران مسافات طويلة. ويعتقد الآن أن يرقات متعضيات معينة يمكن أن تندفع عبر المياه ويعرف عن طريق وسائل كيميائية معينة أنها وصلت إلى مصدر للغذاء وتوقفت عنده.
(*) إن الأجزاء غير القابلة للهضم من الحبار العملاق - وخصوصاً مناقيرها– تتراكم في معدات حيتان العنبر في مادة تدعى العنبر، التي تستخدم في صناعة العطور مثبتاً. في المرة الآتية التي ترش فيها شانيل رقم 5 ( لنفترض أنك تفعل ) يمكن أن تفكر في أنك ترش نفسك بقطارة حوت بحرى لا مرئي.

لماذا نفرض على المحيطات ضريبة مفرطة كهذه إذا كانت شاسعة هكذا؟ إن بحار العالم ليست سخية جداً. إن أقل من عشر المحيط يُعدّ منتجاً بشكل طبيعي. وتحب معظم الأنواع المائية أن تكون في المياه الضحلة، حيث يوجد الدفء والماء ووفرة من المادة العضوية لإعداد سلسلة الغذاء. إن الشعب المرجانية -على سبيل المثال- تشكل أقل من 1% من سعة المحيط ولكنها تؤوي نحو 15% من الأسماك.
ليست المحيطات غنية وفي أمكنة أخرى. خذوا أستراليا. فأستراليا التي تملك 36,735 كيلومتراً من الخط الساحلي وأكثر من 23 مليون كيلومتر مربع من المياه الإقليمية، تملك من البحر الذي يلامس شاطئها أكثر من أي بلد آخر، مع ذلك – وكما يقول تيم فلانيري – فإن هذا لا يجعلها من الدول الخمسين الأولى في صيد الأسماك. والواقع أن أستراليا هي مستوردة كبيرة للطعام البحري. والسبب هو أن كثيراً من مياه أستراليا صحراء على غرار كثير منها (والاستثناء الملحوظ هو الحاجز المرجاني الكبير مقابل كوينزلاند، الذي هو خصب بشكل سخي. ولأن التربة فقيرة فهي لا تنتج عملياً مواد مغذية في صبيبها). وحتى حيث تزدهر الحياة، فهي غالباً حساسة إلى حد كبير من الإزعاج. ففي السبعينيات، اكتشف الصيادون الأستراليون - وإلى حد أقل النيوزلنديون أسماكاً معروفة قليلاً تعيش على عمق 800 متر في أفاريزهم القارية. كانت تعرف باسم الريفي البرتقالية، وهي لذيذة وتوجد في أعداد كبيرة. كانت أساطيل الصيد تخرج 40000 طن من الرفي في العام. ثم قام علماء البيولوجيا البحرية ببعض الاكتشافات المخيفة. إن اسمالك الرفي معمرة وتنضج ببطء. يمكن أن يصل عمر بعضها إلى 150 عاماً؛ إن أي سمكة ريفي سبق أن تناولتها يمكن أن تكون قد ولدت حين كانت فكتوريا ملكة. تبنت الروفي في نمط الحياة غير السريع هذا؛ لأن المياه التي تعيش فيها فقيرة الموارد. ففي مياه كهذه، تسرأ" الأسماك مرة واحدة في حياتها. ومن الواضح أن هذه الأسماك لا تستطيع تحمل كثير من الإزعاج. ولسوء الحظ، في الوقت الذي أدرك فيه هذا نقص المخزون كثيراً. وحتى بإدارة جيدة
ستمر عقود قبل أن ينتعش من جديد، هذا إذا حصل هذا.

وفي مكان آخر، كان سوء استغلال المحيط ضاراً ومتعمّداً أكثر. إن كثيراً من الصيادين ينتزعون زعانف أسماك القرش ثم يرمونها إلى الماء؛ كي تنفق. ففي 1998 بيعت زعانف القرش بمبلغ 110 دولار للكيلوغرام الواحد، ويبلغ ثمن صحن من حساء القرش في طوكيو100 دولار. وقدر صندوق الحياة البرية العالمي في 1994 أن عدد أسماك القرش التي تقتل سنوياً يتراوح بين 40 إلى 70 مليوناً.
وفي 1995، كانت 37,000 سفينة صيد مهيأة صناعياً ونحو مليون من الزوارق الأصغر تأخذ من أسماك البحر أكثر بمرتين مما كانت تفعل قبل 25 سنة. إن الجاروفات في هذه الأيام (سفن الصيد) هي أحياناً كبيرة جداً وتجر وراءها شباكاً كبيرة بما يكفي لحمل دزينة من الطائرات الضخمة. بعضها تستخدم طائرات رصد لتحديد أمكنة حشود الأسماك من الجو.
ويقدر أن ربع كل شبكة صيد تُرفع يحتوي على «صيد جانبي»، وهي أسماك لا يمكن إنزالها؛ لأنها صغيرة جداً، أو من النوع الخطأ أو تصطاد في الفصل غير المناسب. وكما قال أحد المراقبين لمجلة الإكونومست: «لا نزال في العصور الوسطى المظلمة. إننا نرمي الشبكة ونخرجها لنشاهد ما يعلق فحسب»، ومن المحتمل أن 22 مليون طن من هذه الأسماك غير المرغوب بها ترمى في البحر مرة ثانية كل عام، ومعظمها على شكل جثث. فمقابل كل كيلوغرام من القريدس، يقضى على نحو أربعة كيلوغرامات من الأسماك والكائنات البحرية الأخرى.
تُفرغ سفن الصيد مناطق شاسعة من قاع بحر الشمال سبع مرات في العام، وهذه درجة من الإزعاج لا يمكن أن يتحملها أي نظام بيئي. فقد أُفرط في اصطياد ثلثي الأنواع في بحر الشمال كما تقول تقديرات كثيرة. أما الأمور عبر الأطلسي فليست أفضل. تكاثرت أسماك الهلبوت مرة في أعداد كبيرة على مبعدة من نيوإنجلاند، بحيث إن الزوارق المفردة كانت تصطاد منها 20000 رطل في اليوم. أما الآن فإن الهلبوت منقرض على الساحل الشمالي الشرقي لأمريكا.

لا شيء –على أي حال- يُقارن بمصير سمك القُد. ففي أواخر القرن الخامس عشر، اكتشف المستكشف جون كابوت أسماك القد في أعداد لا تصدق على الضفاف الشرقية لأمريكا الشمالية، وهي مناطق من المياه الضحلة مشهورة بوجود أسماك تتغذى في القاع مثل القد. ووجد السمك بأعداد كبيرة، بحيث إن كابوت المدهوش قال: إن البحارة كانوا يغرفونها بالسلال. كانت بعض الضفاف شاسعة. فضفاف جورجيز -على مبعدة من ماساتشوسيتس – هي أكبر من الولاية التي تتاخمها. أما الضفاف الكبرى التي على مبعدة من نيوفاوندلاند فهي أكبر، وكانت لقرون تحتوي على كثير من أسماك القد. اعتقد أنها لا تستنفد. ولكنها بالطبع انقرضت.
وفي 1960 انحدر عدد أسماك القد في شمال الأطلسي إلى ما قدر بـ 1.6 طن. وفي 1990 انحدر إلى 22,000 طن. وبالمصطلحات التجارية، انقرض القد. وقال مارك كرلانسكي في كتابه الرائع (أسماك القد): «إن الصيادين اصطادوا كل أسماك القد». يمكن أن يكون القد قد ضيع المحيط الأطلسي إلى الأبد. وفي 1992 توقف صيد أسماك القد في الضفاف الكبرى، ولكن في 2002 -وبحسب تقرير نشر في مجلة نيتشر – لم يعد المخزون من جديد. ويقول كرلانسكي: إن أسماك الفيليه أو أصابع السمك كانت في الأصل أسماك قد، ولكنها استبدلت بها سمك الحدّوق، ثم السمك الأحمر، ثم سمك البلوق من المحيط الهادئ. وقال بجفاف:
(في هذه الأيام إن السمك هو أي شيء يبقى».
ويمكن قول الشيء نفسه عن كثير من الأغذية البحرية الأخرى. ففي مصائد نيوإنجلاند التي على مبعدة من رود آيلاند، كان اصطياد سرطانات بحرية تزن 9 كيلوغرامات عملاً روتينياً في إحدى المرات. كانت أحياناً تزن أكثر من 13 كيلوغراماً. إن السرطانات إذا تركت دون صيد يمكن أن تعيش لعقود نحو70 سنة، كما يعتقد ولا تتوقف أبداً عن النمو. وفي هذه الأيام قلة من السرطانات تزن كيلوغراماً واحداً. وقالت النيويورك تايمز: «إن علماء البيولوجيا يقدرون أن 90%

من السرطانات اصطيد خلال عام بعد أن وصل إلى الحجم الأدنى القانوني في نحو سن السادسة». وبالرغم من انحدار الصيد، يواصل صيادو نيوإنجلاند تلقي حوافز ضريبية تشجيعية فدرالية ومن الولاية، وفي بعض الأحيان يرغمون على اقتناء قوارب أكبر والانطلاق إلى حصاد البحر بشكل أكبر. واليوم لا يعثر صيادو ماساتشوسيتس إلا على أسماك الجريث الكريهة، التي لا يوجد لها إلا سوق ضئيلة
في الشرق الأقصى، ولكن أعدادها تنحدر الآن.
من اللافت أننا نجهل الآلية (الدينامية) التي تحكم الحياة في البحر. إن
حياة البحر أفقر مما ينبغي أن تكون عليه في مناطق أفرط في الصيد فيها، وفي بعض المياه الفقيرة بشكل طبيعي هناك من الحياة أكثر مما ينبغي أن يكون. إن المحيطات الجنوبية حول أناركتيكة لا تنتج إلا 3% من العوالق النباتية في العالم، وهذا قليل جداً -كما يبدو- لدعم نظام بيئي معقد، ولكنها مع ذلك تفعل. إن الفقمات الأكلة للسرطانات ليست أنواعاً من الحيوانات التي سمع معظمنا بها، ولكن من المحتمل أنها بالفعل النوع الثاني الأكثر عدداً من الحيوانات على الأرض، بعد البشر. من المحتمل أن 15 مليوناً منها يعيش على الجليد المرصوص حول أناركتيكة. من المحتمل أن هناك أيضاً مليوني فقمة ويدل، وعلى الأقل نصف مليون بطريق. إن سلسلة الغذاء غير مستقرة بشكل مقلق، ولكنها تعمل نوعاً ما.
ومن اللافت أنه لا أحد يعرف كيف.
إن كل ما سبق طريقة ملتوية للقول: إننا نعرف قليلاً عن نظام الأرض الأكبر.
ولكن - وكما سنرى في الصفحات المتبقية - حالما تبدؤون بالحديث عن الحياة، فإن هناك كثيراً جداً الذي لا نعرفه، وخصوصاً كيف استمرت هذه الحياة في المقام الأول.

الفصل التاسع عشر:عالم صغير
من الأفضل ألا تشغلكم ميكروباتكم بشكل موسوس. كان عالم الكيمياء
والبكتيريا الفرنسي العظيم لويس باستور منشغلاً بميكروباته إلى درجة أنه كان ينظر باشمئزاز إلى الصحون جميعاً التي توضع أمامه بعدسة مكبرة، وهذه عادة لم تكسبه على الأرجح كثيراً من الدعوات المتكررة إلى العشاء.
إن محاولة الاختباء من الجراثيم لا تجدي؛ لأنها موجودة فيكم وحولكم دوماً، وفي أعداد لا تستطيعون تصورها. إذا كنتم تتمتعون بصحة جيدة ومجتهدين إلى حد ما في اتباع قواعد الصحة، فإنكم ستمتلكون قطعياً من نحو ترليون بكتيريا ترعى في سهولكم اللحمية، نحو مئة ألف واحدة منها في كل سنتمتر مربع من الجلد. وهي هناك كي تأكل عشرة بلايين قشرة أو ما يقارب ذلك من الجلد الذي تطرحونه كل يوم، بالإضافة إلى كل الزيوت الطيبة والمعادن المدعمة التي تتدفق من كل خلية وشق. أنتم بالنسبة لها مطعم، بجو من الدفء والحركية المستمرة. إنها تتفضل عليكم وتمنحكم الرائحة الجسدية الكريهة.
هذه هي الجراثيم التي تسكن جلدك فقط. هنالك تريليونات منها ملتصقة في أحشائك ومسالك أنفك، وتتمسك بشعرك وأهدابك، وتسبح فوق سطح عينيك، وتحفر عبر مينا أسنانك. إن جهازك الهضمي يستضيف أكثر من مئة ترليون ميكروب، من أربعة أنماط على الأقل. بعضها يتعامل مع السكر، وبعضها الآخر مع النشويات، وبعضها الآخر يهاجم بكتيريا أخرى. وهناك عدد كبير جداً، مثل الملتوية المعوية الكلية الحضور، لا وظيفة مرصودة لها مطلقاً. يتألف كل جسم بشري من نحو مئة كدريليون خلية بكتيرية. فهي – باختصار – تشكل جزءاً كبيراً منا. ومن وجهة نظر الجراثيم، بالطبع، نحن جزء صغير منها.

ونظراً لأننا أذكياء بما يكفي لإنتاج المضادات الحيوية والمعقمات واستخدامها، من السهل أن نقنع أنفسنا أننا طردنا الجراثيم إلى هوامش الوجود. لا تصدقوا ذلك. إن الجراثيم لا تبني المدن أو تمتلك حياة اجتماعية ممتعة، ولكنها ستكون هنا حين تنفجر الشمس. هذا هو كوكبها، ونحن عليه لأنها تسمح لنا بذلك.
لا تنسوا أبداً أن الجراثيم، عاشت بلايين السنين دوننا. لكننا لا نقدر أن نعيش يوماً واحداً دونها. فهي تعالج نفاياتنا وتجعلها قابلة للاستخدام مرة ثانية: ولن يفسد أي شيء لولا قضمها المجتهد. إنها تطهر مياهنا وتجعل تربتنا منتجة. وتركب الجراثيم الفيتامينات في أحشائنا، وتحول الأشياء التي نأكلها إلى سكريات مفيدة وإلى السكر العُدّادي (متعدّد السكّريد)، وتشن الحرب على الميكروبات الغريبة التي تنزلق إلى المريء.
نعتمد كلياً على الجراثيم من أجل انتزاع النتروجين من الجو وتحويله إلى نيوكليوتيد" وأحماض أمينية لنا. إنه إنجاز مهم وسار. وكما قال مارجوليس وساغان: إن القيام بالشيء نفسه صناعياً (كما حين نصنع السماد) يقتضي أن يسخن الصناع مواد المصدر إلى 500 درجة مئوية، ويعصروها بضغط أعلى بثلاث مئة مرة من الضغط العادي. إن الجراثيم تفعل الشيء نفسه طوال الوقت دون جلبة، وشكراً للّه، إذ لا يمكن أن يعيش متعض أكبر دون النتروجين الذي تمرره. وقبل كل شيء، تواصل الميكروبات تزويدنا بالهواء الذي نتنفسه ولإبقاء الجو مستقراً، إن الميكروبات – وبينها النسخ الحديثة من جراثيم السيانو cyanobacteria– تقدم الجزء الأكبر من أوكسجين الكوكب القابل للتنفس. إن الأشنيات ومتعضيات أخرى صغيرة تقرقر في البحر تطرح إلى الخارج نحو150 بليون كيلوغرام من الأوكسجين كل عام. إنها غزيرة بشكل مدهش. ويستطيع الأكثر ذعراً بينها أن يقدم جيلاً جديداً في أقل من عشر دقائق. إن كلوستريديوم برفرنجينس Clostridium perfringens،
(*) أي من عدّة مركبات عضوية تتألف من النيوكليوسيد متّحداً بحمض الفوسفوريك. المترجم.

المتعض الصغير غير المستساغ الذي يسبب الغرغرينا، يستطيع أن يتكاثر في تسع دقائق ثم ينقسم ثانية. وتستطيع جرثومة واحدة، في سرعة كهذه، أن تنتج نظرياً سلالات في مدة يومين أكثر مما يوجد بروتونات في الكون. «إن خلية جرثومية واحدة تستطيع – إذا ما منحت زاداً ملائماً من المواد المغذية- أن تولّد 280,000 بليون فرد في يوم واحد»، كما قال عالم الكيمياء البيولوجية الحاصل على جائزة نوبل كرستيان دي دوف Christian de Duve. وفي المدة نفسها، تستطيع الخلية البشرية أن تقوم بانقسام واحد فحسب.
إنها تنتج طفرة مرة في كل مليون انقسام. وهذا حظ سيئ للطفرة؛ ذلك لأن التغير بالنسبة للمتعضّي ينطوي دوماً على مجازفة، ولكن الجرثومة الجديدة تمنح أحياناً بعض الفوائد العرضية، مثل القدرة على الخداع أو درء هجوم المضادات الحيوية. وبالإضافة إلى المقدرة على التطور بسرعة، تكتسب فائدة أخرى مخيفة أكثر. إن الجراثيم تتشاطر المعلومات. إن أي جرثومة تستطيع أن تأخذ قطعاً من الشفرة الوراثية من أي جرثومة أخرى. إن الجراثيم جميعاً - كما يعبر مارجوليس وساغان عن الأمر – تسبح في بركة جينية واحدة. إن أي تفسير تكيفي يحدث في إحدى المناطق من كون الجراثيم يمكن أن ينتشر إلى منطقة أخرى. ويبدو الأمر كأن الإنسان يستطيع أن يذهب إلى حشرة، ويحصل على الشفرة الجينية الضرورية كي ينمو له جناحان أو يسير على السقف. هذا يعني – من وجهة نظر جينية - أن الجراثيم أصبحت متعضيات فائقة (سوبر) فردية وصغيرة ومنتشرة، ولا تقهر.
تعيش الجراثيم وتزدهر على كل ما تسفحونه أو تقطرونه أو تطرحونه.
امنحوها قليلاً من الرطوبة كما حين تمررون قطعة قماش رطبة على طاولة، وسوف تزدهر كأنها خلقت من العدم. تأكل الأخشاب، والصمغ في ورق الجدران، والمعدن في الدهان المقسى. وقد اكتشف العلماء في أستراليا ميكروبات تعرف باسم ثيوباسيلوس كونكريتفورانس Thiobacillus concretiVOrans، التي عاشت

ولا تستطيع أن تعيش إلا في أحماض الكبريتيك القوية والمركزة بما يكفي لتذويب الحديد. واكتشف أن نوعاً يُدعى ميكروكوكوسس راديوفيلوسس MicrOCOCCuS radiophilus يعيش بسعادة في أحواض نفايات المفاعلات النووية، يلتهم البلوتونيوم وكل ما هو هناك. إن بعض الجراثيم تحلل المواد الكيميائية التي لا تكتسب منها أي فائدة مطلقاً.
عُثر على الجراثيم في حفر الطين التي تغلي وبحيرات الصودا الكاوية
(هيدروكسيد الصوديوم) عميقاً داخل الصخور، وفي قاع البحر، وفي برك مخبأة من الماء المتجمد في أودية مكموردو الجافة في أناركتيكة، وعلى عمق أحد عشر كيلومتراً في قاع المحيط الهادي حيث الضغط أعلى بألف مرة. ويبدو كأن بعض هذه الجراثيم لا يمكن القضاء عليه. إن الدينوكوكوسس راديوديورانس radioduranS DeinOCOCCuS، كما قالت مجلة الإكونومست: «تمتلك مناعة ضد
القطع بإعادة التشكل على الفور «كأعضاء مصاص الدماء التي تعاود تشكلها بسرعة في فيلم رعب).
ربما كان بقاء جرثومة ستريبتوكوكس StreptOCOCCuS على قيد الحياة هو الأمر الأكثر خرقاً للعادة الذي وجد حتى الآن. وقد أخرجت هذه البكتيريا من العدسات المختومة لكاميرا بقيت على القمر مدة عامين. باختصار، هنالك بضع بيئات ليست الجراثيم مجهزة كي تعيش فيها. وقد أخبرتني فكتوريا بينيت: «إن العلماء يكتشفون الآن حين يدفعون المسبارات في فوهات المحيط الحارة أن المسبارات تبدأ بالذوبان، هناك جراثيم حتى هناك».
في العشرينيات، أعلن عالمان من جامعة شيكاغو، هما إدسون باستن وفرانك جرير أنهما عزلا من آبار النفط عترة من البكتيريا تعيش على أعماق 600 متر. رفضت الفكرة على أنها جوهرياً منافية للطبيعة أو العقل ليس هناك شيء يعيش على عمق 600 متر، وافترض مدة خمسين عاماً أن عيناتهما ملوثة بميكروبات السطح. لكننا نعرف الآن أن هناك كثيراً من الميكروبات التي تعيش عميقاً داخل

الأرض، وكثير منها لا علاقة له بالعالم العضوي التقليدي. إنها تأكل الصخور أو المواد التي داخل الصخور كالحديد والكبريت والمنغنيز وغيرها. وتتنفس أشياء غريبة أيضاً مثل الحديد والكروميوم والكوبالت وحتى اليورانيوم. إن عمليات كهذه يمكن أن تكون مفيدة في تركيز الذهب والنحاس ومعادن ثمينة أخرى، وربما النفط والغاز الطبيعي. واقترح أن قضمها الذي لا يكلّ كوّن قشرة الأرض.
يعتقد بعض العلماء الآن أنه من المحتمل أن هناك 100 ترليون طن من الجراثيم التي تعيش تحت أقدامنا فيما يدعى باسم النظام البيئي الجرثومي تحت السطحي lithoautotrophic الذي يختصر هكذا SLiME.
وقدر توماس جولد من جامعة كورنل أنكم لو أخرجتم كل الجراثيم من باطن الأرض ورفعتموها إلى السطح، فإنها ستغطي الكوكب على عمق 15 متراً، بارتفاع بناء من أربعة طوابق. إذا كانت التقديرات صحيحة يمكن أن يكون هناك حياة في باطن الأرض أكثر مما هو على سطحها.
في الأعماق، تتقلص الميكروبات في الحجم وتصبح بليدة بشكل كبير.
إن الأكثر حيوية بينها يمكن ألا ينقسم أكثر من مرة في قرن، وبعضها لا ينقسم أكثر من مرة في 500 عام. وكما عبرت مجلة الإكونومست عن الأمر: «إن المفتاح إلى طول الحياة على ما يبدو هو عدم العمل كثيراً، حين تكون الظروف صعبة، تستعدّ الجراثيم لإغلاق الأنظمة جميعها والانتظار إلى أوقات أفضل. وفي 1997 نشط العلماء بنجاح بعض أبواغ الجمرة الخبيثة التي دخلت مرحلة سبات مدة ثمانين عاماً في عرض متحفي في تروندهايم، وفي النرويج. عادت بعض المتعضيات الصغيرة الأخرى إلى الحياة بعد أن أخرجت من علبة لحم قديمة عمرها 118 سنة ومن زجاجة بيرة عمرها 166 سنة. وفي 1996 زعم العلماء في أكاديمية العلوم السوفيتية أنهم أحيوا جراثيم مجمدة بي جَمَد سرمدي مدة ثلاثة ملايين عام في سيبيريا. ولكن العملية التي سجلت رقماً قياسياً حتى الآن هي التي قام بها رسل فريلاند وزملاؤه في جامعة ويست تشيستر في بنسلفانية في عام 2000، حين أعلنوا أنهم أحيوا جرثومة عمرها 250 مليون عام تدعى باسيلوس برميانس

Bacillus permians اصطيدت في رسابة ملح على عمق 600 متر تحت الأرض في كارلسباد، ونيومكسيكو. وإذا كان الأمر هكذا، فإن هذه الجرثومة أقدم من القارات.
قوبل التقرير ببعض الشكوك القابلة للفهم. وأكد كثير من علماء الكيمياء الحيوية أنه في مدة طويلة كهذه ستصبح مكونات الميكروب بلا فائدة إلا إذا بعث الميكروب نفسه بين وقت وآخر. على أي حال، إذا تحركات الجرثومة بين مدة وأخرى، فهذا يعني أنه لا يوجد قوة داخلية من الطاقة قابلة للتصديق يمكن أن تستمر هذا الوقت الطويل. واقترح أكثر العلماء الأكثر تشكيكاً أن العينة يمكن أن تكون ملوثة، وإذا لم يحدث هذا في أثناء استردادها، فربما حدث حين كانت لا تزال مدفونة. وفي 2001، قال فريق من جامعة تل أبيب: إن الباسيلوس برميانس Bacillus permians مماثلة تقريباً لسلالة من الجراثيم الحديثة، تدعى باسيلوس ماريسمورتوي BacilluS mariSmortui، اكتشفت في البحر الميت. ولم يختلف إلا اثنان من متتالياتها الجينية بشكل ضئيل فحسب.
كتب الباحثون الإسرائيليون: «هل ينبغي أن نصدق أنه خلال 250 مليون سنة راكمت باسيلوس بيرميانس الكمية نفسها من الفروق الجينية، التي يمكن أن تنجز بين 3 إلى 7 أيام في المخبر؟» إجابة على ذلك، اقترح فريلاند أن «الجراثيم تتطور بشكل أسرع في المخبر منه في البرية».
من اللافت أن معظم المقررات المدرسية ظلت تقسم العالم الحي إلى فئتين فقط حتى عصر الفضاء: النبات والحيوان. نادراً ما ذُكرت المتعضيات الصغيرة. إن الأميبات والمتعضيات الوحيدة الخلايا عوملت بوصفها حيوانات أولية. وعدّت الأشنيات كسلف للنباتات. وصُنفت الجراثيم عادة مع النباتات دون تمييز، بالرغم من أن الجميع يعرفون أنها لا تنتمي إليها. وفي أواخر القرن التاسع عشر اقترح عالم الطبيعة الألماني إرنست هايكل Ernest Haeckel أن الجراثيم تستحق أن توضع في مملكة مستقلة، سماها مونيرا، ولكن الفكرة لم تجذب علماء

البيولوجيا حتى الستينيات، وبعضهم فقط. (إن قاموس أمريكان هيرتج الذي طبع عام 1969 لا يعرف المصطلح). إن كثيراً من المتعضيات في العالم المرئي خدمت أيضاً بشكل سيئ عبر التقسيم التقليدي. فالفطريات -المجموعة التي تشتمل على الفطور والعفن الفطري والخمائر وفقع الذئب (*) - عوملت دوماً كأشياء نباتية، بالرغم من أنه في الواقع لا شيء فيها، فكيف تتكاثر وتتنفس، وكيف تبني نفسها يطابق عالم النبات. تجمعها - بنيوياً- أمور مشتركة أكبر مع الحيوانات في أنها تبني خلاياها من الكيتين، وهي مادة تمنحها نسيجها المميز. وتُستخدم المادة نفسها لصناعة أصداف الحشرات ومخالب الثدييات، بالرغم من أنها ليست مستساغة في الحُنطُب (**) كما في فطر بورتبيلو. وقبل كل شيء - وعلى عكس النباتات- إن الفطريات لا تقوم بالتخليق الضوئي، وهكذا ليس فيها كلوروفيل ولهذا ليست خضراء. وبدلاً من ذلك تنمو بشكل مباشر على مصدر غذائها، الذي يمكن أن يكون أي شيء تقريباً. إن الفطريات تأكل الكبريت عن جدار إسمنتي أو المادة المتآكلة بين أصابع قدميك : وهذا ما لا يفعله النبات. إن الصفة النباتية الوحيدة التي تملكها هي امتلاكها للجذور.
هنالك مجموعة لا تقبل التصنيف بسهولة هي المجموعة الفريدة من المتعضيات
التي تعرف باسم الفطور المخاطية(***). يتعلق الاسم دون شك بكثير من غموضها. وبدت تسمية كهذه دينامية قليلاً «بروتوبلازما متنقلة منشطة لذاتها، ولا تشبه المادة التي تجدها حين تصل عميقاً إلى مجرور مسدود، وهي التي جذبت الانتباه الذي تستحقه هذه الكيانات الفائقة للعادة، ذلك أن الفطور المخاطية، هي من بين المتعضيات الأكثر أهمية في الطبيعة. حين تكون الأوقات جيدة توجد كأفراد أحادية الخلايا، كالأميبات. ولكن حين تكون الظروف قاسية، تزحف إلى مكان تجمع مركزي وتصبح يرقانة رخوية بشكل إعجازي. ليست هذه اليرقانة
(*) الفطر النفاث، ضرب من الفطور يطلق إذا ضغطت عليه أبواغاً يانعة على شكل سحابة من دخان . المترجم
(**) ضرب من الخنافس لذكوره فكّان طويلان شبيهان بقرني الأيّل. المترجم.
(***) ضرب من الفطر يقع عند الحد الفاصل بين المملكة النباتية والمملكة الحيوانية . المترجم

شيئاً جميلاً، ولا تذهب بعيداً جداً عادة من قاع كومة من نثار الأوراق الميتة إلى الأعلى، حيث تكون في موقع مكشوف أكثر بقليل، ولكن لملايين الأعوام يمكن أن تكون هذه أروع خدعة في الكون.
لا يتوقف هنا. فبعد أن يرفع نفسه إلى موقع مفضل أكثر، يحول الفطر المخاطي نفسه مرة أخرى، آخذاً شكل نبتة. وبعملية تنظيمية ما غريبة تعاود الخلايا التشكل، كأعضاء فرقة موسيقية صغيرة سائرة كي تصنع عنقاً تتشكل فوقه بصلة تعرف باسم الجسم المثمر. وفي داخل الجسم المثمر هناك ملايين الأبواغ، التي تُطلق في اللحظة الملائمة ? إلى الريح كي تندفع بعيداً وتصبح متعضيات أحادية الخلية تستطيع أن تبدأ العملية مرة ثانية .
طوال سنوات، زعم علماء الحيوان أن الفطور المخاطية هي البرزويّات(*). أما علماء الفطريات فقد زعموا أنها من الفطريات، بالرغم من أن معظم الناس يمكن أن يلاحظوا أنها لا تنتمي إلى أي منهما. وحين وصل الفحص الجيني، دُهش الأشخاص الذين يرتدون المعاطف المخبرية من أن الفطور المخاطية كانت مميزة وفريدة، بحيث إنها لم تكن ترتبط بشكل مباشر بأي شيء آخر في الطبيعة، وأحياناً لا ترتبط ببعضها.
وفي 1969، وفي محاولة لتنظيم الأخطاء المتزايدة للتصنيف، قدم عالم بيئة من كورنيل يدعى (ر.هـ. ويتاكر) في مجلة ساينس اقتراحاً لتقسيم الحياة إلى خمسة فروع رئيسة الممالك، كما تعرف تدعى الحيوانية، والنباتية، والفطرية، والفرطيسات والمونيرا MOnera. كان مصطلح الفرطيسات Protista تعديلاً لمصطلح آخر هو protoctista الذي اقترحه منذ قرن عالم البيولوجيا الأسكتلندي جون هوغ، وكان يهدف إلى وصف أي متعضيات ليست حيواناً ولا نباتاً.
وبالرغم من أن خطة وتياكر الجديدة كانت تحسيناً كبيراً، فإن الفرطيسات بقيت دون تعريف جيد. حفظ بعض علماء التصنيف المصطلح للمتعضيات
(*) ضرب من الفطر يقع عند الحد الفاصل بين المملكة النباتية والمملكة الحيوانية. المترجم.

الوحيدة الخلية الكبيرة المتعضيات ذات النواة الحقيقية، ولكن آخرين نظروا إليه كدرج للبيولوجيا، يضعون فيه أي شيء لا يتلاءم في أي مكان. وشمل (بحسب النص الذي ترجع إليه) الفطور المخاطية، والأميبات، وحتى أعشاب البحر، بين أشياء أخرى كثيرة. كان يحتوي على مئتي ألف نوع مختلف من المتعضيات كلها
مذكورة. وكان فيه كثير من الأخطاء.
فيما كان تصنيف ويتاكر المؤلف من خمس ممالك يعثر على طريقه إلى المقررات المدرسية، كان هنالك أكاديمي غير مدّع في جامعة إلينيوي يشق طريقه نحو اكتشاف سيتحدى كل شيء. كان اسمه كارل ووس (تتناغم كنيته مع كلمة وردة بالإنكليزية: روز). ومنذ منتصف الستينيات أو منذ أن كان ممكناً فعل ذلك كان يدرس بهدوء المتتاليات الجينية في الجراثيم. وفي الأيام الأولى، كانت هذه عملية مجهدة جداً. فالعمل على جرثومة واحدة يمكن أن يستهلك عاماً. وفي ذلك الوقت، وبحسب ووس، لم يكن معروفاً سوى خمس مئة نوع من الجراثيم، وهذا أقل من عدد الجراثيم الموجودة في فمك. أما اليوم فإن العدد أكبر من هذا بعشر مرات، بالرغم من أن هذا دون الـ 26,900 نوع من الأشنيات والـ 70,000 نوع من الفطريات، والـ 30,800 نوع من الأميبات والمتعضيات الأخرى ذات الصلة التي تملأ سيرها حوليات البيولوجيا.
ليست عدم المبالاة هي التي تجعل العدد الكلي منخفضاً. يمكن أن تكون الجراثيم صعبة العزل والدراسة بشكل يثير الغضب. لا ينمو إلا نحو 1% منها في الجو الحضاري، أما ما تبقى فقابل للتكيف بشكل وحشي في الطبيعة، وإنها لحقيقة غريبة أن المكان الوحيد الذي تبدو أنها لا ترغب بأن تعيش فيه هو صَحْفة بتري(*). أرمها في طبقة من (الأغرة)(**) وأشبعها كما تشاء، وسيسكن معظمها هناك، رافضاً أي إغراء للتفتح. إن أي جراثيم تزدهر في مخبر هي بالتعريف
(*) صحن زجاجي صغير رقيق ذو غطاء مرن يُستعمل خصوصاً في المختبرات لزراعة البكتيريا. المترجم.
(**) مادة هلامية تُستخلص من بعض الطحالب البحرية تستخدم في صنع المربيات والعقاقير الطبية ومستحضرات التجميل. المترجم.

استثنائية، ومع ذلك، كانت هذه، حصرياً المتعضيات التي درسها علماء الأحياء المجهرية. كان الأمر – كما قال ووس-: «مثل التعلم عن الحيوانات من خلال زيارة حدائق الحيوانات».
على أي حال، سمحت الجينات لووس بأن يقارب المتعضيات المجهرية من زاوية مختلفة. وفيما كان يعمل، أدرك أن هناك انقسامات أكثر جوهرية في العالم الميكروبي أكثر مما اشتبه أي شخص. إن كثيراً من المتعضيات الصغيرة التي بدت كالبكتيريا وتصرفت مثلها كانت بالفعل شيئاً آخر تماماً، شيئاً تفرع عن البكتيريا منذ زمن طويل جداً. دعا ووس هذه المتعضيات البكتيريا القديمة.
يجب أن نضيف أن المواصفات التي تميز الجراثيم القديمة عن الجراثيم الحالية ليست من النوع الذي سيسرع نبض أي شخص سوى عالم البيولوجيا. إنها معظمها فروق في المركبات العضوية وغياب شيء ما يدعى الببتيدوجليكان peptidoglycan. ولكن هذا ينطوي عملياً على فرق كبير. إن الجراثيم القديمة مختلفة عن البكتيريا أكثر من اختلافي أنا وأنت عن عنكبوت أو سرطان. واكتشف ووس انقساماً جوهرياً للحياة غير قابل للشك، يتوضع فوق مستوى المملكة في أوج شجرة الحياة الكونية، كما تعرف بشكل تبجيلي.
وفي 1976 فاجأ العالم أو على الأقل القسم القليل منه الذي كان ينتبه إلى الأمر عبر إعادة رسم شجرة الحياة لإدخال ليس خمسة انقسامات رئيسة، وإنما ثلاثة وعشرين. صنف هذه تحت فئات ثلاث رئيسة الجراثيم، والجراثيم القديمة، واليوكاريا Eukarya دعاها حقولاً. الترتيب الجديد هو كالآتي:
ـ البكتيريا: بكتيريا السيانو، والبكتيريا الأرجوانية، والبكتيريا الخضراء غيرالكبريتية، وبكتيريا الفلافو flaVobacteria، وبكتيريا الثيرموتوجاليس .thermotogales
ـ البكتيريا أو الجراثيم القديمة: المتعضيات القديمة التي تألف الملح، الميثانوسارسينا methanOSarcina، والميثانوباكتريوم، والميثانوكوكساس

methanOCOCCUS، والثيرموسيلر thermOCeler، والثيرموبروتيوس thermoproteus وبايروديكتيوم pyrodictium.
ـ اليوكاريا Bukarya: الدبلوماد diplomadS، والميكروسبوريديا microSporidia، والتريكومونادز trichomonads، والسوطيات" والأميبات الداخلية، الفطور المخاطية، والهدبيات، والنباتات، والفطريات والحيوانات.
لم تعصف تقسيمات ووس الجديدة بعالم البيولوجيا. رفض بعضهم نسقه قائلين: إنه منحاز جداً إلى العالم الميكروبي. وتجاهله كثيرون. وكما قالت فرانسيس آشكروفت: «شعر ووس بخيبة أمل مريرة». ولكن خطته الجديدة بدأت تشد ببطء انتباه علماء الأحياء المجهرية. كان علماء النبات والحيوان أكثر بطئاً في فهم إسهاماته. وليس من الصعب معرفة سبب ذلك، ففي نموذج ووس، نفي عالما النبات والحيوان إلى بضعة أغصان على الفرع الخارجي لغصن اليوكاريا. أما كل شيء آخر فينتمي إلى الكائنات وحيدة الخلية.
قال ووس لمحاور في عام 1996: «إن هؤلاء الأشخاص يصنفون من زاوية التشابهات والفروق اللغوية الواضحة. فقد واجه كثيرون منهم صعوبة في فهم فكرة فعل هذا من زاوية التواتر الجزيئي). باختصار، حين لا يقدرون على فهم الفرق بأعينهم، فإنهم لا يحبونه. وهكذا أصروا على تقسيم الممالك الخمس التقليدي، وهذا ترتيب دعاه ووس «غير مفيد جداً، في لحظاته الأكثر دماثة و«مضللاً جداً» في كل ما تبقى من الوقت.
قال ووس: «إن البيولوجيا – كالفيزياء قبلها- انتقلت إلى مستوى حيث لا يمكن إدراك الأشياء المهمة وتفاعلاتها عبر الرصد المباشر».
وفي 1998 قام عالم الحيوان العظيم والمسّنُ في جامعة هارفارد إرنست ماير (الذي كان آنذاك في الرابعة والتسعين من عمره وحين بدأت بتأليف الكتاب
(*) حيوانات وحيدة الخلية.

كان يقترب من المئة ولا يزال قوياً) بإثارة الموضوع أكثر حين أعلن أنه يجب أن يكون هناك تقسيمان للحياة فحسب وسمّاهما إمبراطوريتين. وفي بحث نشر في محاضر الأكاديمية الوطنية للعلوم، قال ماير: إن اكتشافات ووس مهمة ولكنها مضللة بشكل كامل، مضيفاً أن «ووس لم يكن مدرباً باعتباره عالم بيولوجيا في مبادئ التصنيف»، وهذا قريب من قول عالم متميز عن آخر: إنه لا يعرف ما
يتحدث عنه.
إن مواصفات انتقادات ماير تقنية جداً فهي تشتمل على مسائل الانقسام المنصّف (الاختزالي) الجنسي، وتأويلات مثيرة للجدل لجينوم ميثانوبكتريوم ثيرموأتروفيكوم Methanobacterium thermoautrophicum، بين أمور أخرى كثيرة إلا أن جوهر ما يقوله هو: إن ترتيب ووس يخل بتوازن شجرة الحياة. يتألف حقل البكتيريا، كما يقول ماير، ليس أكثر من بضعة آلاف من الأنواع، بينما الجراثيم القديمة تحتوي على 175 عيّنة مسماة، وربما هناك بضعة آلاف أخرى يمكن أن تكتشف، «ولكن ليس أكثر من هذا»، بالمقابل، إن اليوكاريا أي المتعضيات المعقدة التي تحتوي على خلايا بنواة، مثلنا يصل عددها إلى ملايين الأنواع. ومن أجل «مبدأ التوازن»، يدعو ماير إلى مزج المتعضيات البكتيرية البسيطة في فئة واحدة، هي بروكاريوتا Prokaryota، بينما يجب وضع الأكثر تعقيداً «والمتطورة أكثر» في إمبراطورية اليوكاريوتا Bukaryota، التي يجب أن تقف إلى جانبها كِند. بتعبير آخر، يدعو إلى إبقاء الأشياء كما كانت من قبل. فهذا التقسيم بين الخلايا البسيطة والخلايا المعقدة «حدث لحظة الانفجار العظيم في العالم الحي».
إذا كان ترتيب ووس الجديد يعلمنا أي شيء فهو أن الحياة هي في الواقع متنوعة
وأن معظم ذلك التنوع قليل، ووحيد الخلية، وغير مألوف. وإنه لدافع إنساني طبيعي أن نفكر بالتطور كسلسلة طويلة من التحسينات، بتقدم لا ينتهي أبداً نحو الضخامة والتعقيد: باختصار، نحونا. يجب أن نطري أنفسنا. إن معظم التنوع الحقيقي كان محدوداً. فنحن الأشياء الضخمة مجرد شغب؛ فرع جانبي مهم. ومن التقسيمات الثلاثة والعشرين للحياة، هناك فقط ثلاثة: النبات، والحيوان

والفطريات، كبيرة بما يكفي كي تراها العين البشرية، وهي تشتمل حتى على أنواع مجهرية. وبحسب ووس، إذا جمعنا الكتلة الأحيائية للكوكب كل ما هو حي بما فيه النبات، فإن الميكروبات ستشكل 80% من كل ما هو موجود، وربما أكثر. إن العالم ينتمي إلى ما هو متناهي الصغر وقد فعل هذا لوقت طويل جداً.
* * *
من المحتم أن تسألوا في نقطة ما من حياتكم: لماذا تريد الميكروبات أن تؤذينا دوماً؟ ما الذي يشبع الميكروب في جعلنا نُصاب بالحمى أو بالقشعريرة، أو بأن تشوهنا الندوب أو نموت ؟ إن مضيفاً ميتاً – في النهاية – بالكاد سيقدم مضافة على المدى الطويل.
من الجدير بالذكر أن معظم المتعضيات الميكروبية حيادية أو مفيدة لرفاه البشر. إن أكثر متعض على الأرض نشراً للعدوى هو بكتيريا تدعى الولباشيا Wolbachia وهي لا تؤذي البشر مطلقاً أو أي حيوان من الفقاريات، ولكن إذا كنت قريدساً أودودة أو ذبابة فاكهة فإنها تستطيع أن تجعلك تتمنى لو أنك لم تولد. إن ميكروباً واحداً من بين ألف هو ممرض للبشر، بحسب مجلة ناشيونال جيوغرافيك، وإذا عرفنا ما يمكن أن يفعله بعضها، يمكن أن نسامح على التفكير في أن هذا كاف. حتى لو كانت كلها حميدة، فإن الميكروبات هي القاتل رقم ثلاثة في العالم الغربي، وكثير منها الذي لا يقتلنا يجعلنا نأسف على وجودها بشكل عميق.
إن جعل المضيف مريضاً له فوائد معينة للميكروب. فأعراض المرض تساعد غالباً على نشره. إن التقيؤ والعطس والإسهال هي أساليب ممتازة للخروج من مضيف إلى موقع للانتقال إلى آخر. والاستراتيجية الأكثر فاعلية هي تسجيل مساعدة طرف ثالث متنقل. إن المتعضيات المعدية تحب البعوض؛ لأن لسعة البعوضة تنقلها مباشرة إلى مجرى الدم، حيث تستطيع الوصول مباشرة إلى العمل قبل أن تستطيع آليات الدفاع لدى الضحية معرفة ما الذي أصابها. لهذا السبب إن كثيراً من أمراض الدرجة كالملاريا والحمى الصفراوية وحمى الضنك والتهاب الدماغ ومئة، أو ما يقارب ذلك من أقل الأمراض احتفاء، لكن المفترسة

تبدأ بلسعة بعوضة. وإنه لحظ جيد لنا أن فيروس ( HIV ) ( الإيدز ) ليس بينها، على الأقل حتى الآن. إن أي فيروس ( HIV ) تمتصه البعوضة في تنقلاتها ينحل عبر عملية الاستقلاب في البعوضة. وحين يأتي اليوم الذي يحول فيه الفيروس طريقه خارج هذا، فإننا سنواجه مشكلة كبيرة.
من الخطأ على أي حال أن نفكر في المسألة بعناية شديدة من موقع المنطق؛ لأن المتعضيات المجهرية ليست كما هو واضح كيانات حسابية. فهي لا يهمها ما تفعله بك مثلما لا تأبه بها حين تقتل الملايين منها حين تستحم بالصابون أو برشة من مزيل التعرق. إن المرة الوحيدة التي تكون فيها السعادة مهمة لمرض هي حين يقتلك جيداً. إذا قتلتك الجرثومة قبل أن تنتقل، فإنها يمكن أن تموت هي أيضاً. يقول جاريد دياموند : «إن التاريخ يعج بالأمراض «التي سببت مرة أوبئة مرعبة ثم اختفت بشكل غامض كما جاءت). ذكر مرض التعرق الإنكليزي الذي كان عابراً بشكل رحيم، الذي استمر من 1485 إلى 1552 وقتل عشرات الآلاف قبل أن يستنفد نفسه. إن كثيراً من الفاعلية ليس شيئاً جيداً لأي متعض مُعدٍ.
تنشأ كمية كبيرة من المرض ليس بسبب ما يفعله المتعضي بك وإنما بسبب ما يحاول جسمك أن يفعله للمتعضي. ففي محاولته لتخليص الجسم من المُمْرِضات، يدمر الجهاز المناعي أحياناً الخلايا أو يؤذي أنسجة مهمة، وهكذا غالباً حين تكون مريضاً فإن ما تشعر به ليس الممرضات وإنما استجاباتك المناعية الخاصة. على أي حال، إن المرض هو استجابة حسية للعدوى. يأوي المرضى إلى الفراش وهكذا فإن تهديدهم للجماعة يقل.
ولأن هنالك كثيراً من الأمور في الخارج من المحتمل أن تلحق بك الأذى، فإن جسمك يحمل كثيراً من الأنواع المختلفة من كريات الدم البيضاء الدفاعية، نحو عشرة ملايين نوع منها، وكل منها مصمم لتحديد وتدمير نوع معين من الغزاة. وسيكون من غير الفاعل الاحتفاظ بعشرة ملايين من الجيوش الجاهزة، وهكذا فإن كل نوع من كريات الدم البيضاء يحتفظ ببعض الكشافة لأداء واجبهم.

حين يغزو وسيط معد يدعى بـ «مولد المضادة تحدد الكشافة ذات الصلة المهاجم وتستدعي تعزيزات من النمط الصحيح. وبينما يصنع جسمكم هذه القوى، مر المحتمل أن تشعروا بالبؤس. وتبدأ الصحة بالعودة حين تبدأ القوات بالعمل.
لا تعرف الكريات البيض الرحمة وستصطاد وتقتل أي عامل ممرض تستطيع العثور عليه. لكن المهاجمين طوروا استراتيجيتين جوهريتين لتجنب الانقراض. إما أن يضربوا بسرعة وينتقلوا إلى مضيف ثان، كما في الأمراض المعدية كالأنفلونزا، وإما أن يتنكروا بحيث تفشل الكريات البيض في تحديدهم، كما هو الأمر مع فيروس ( HIV ) ، المسؤول عن نشر الإيدز، الذي يستطيع أن يجلس دون أن يؤذي أو يُرى في نواة الخلايا لسنوات قبل أن يخرج إلى العمل.
إن أحد أكثر المظاهر غرابة للعدوى هو أن الميكروبات التي لا تؤذي مطلقاً تدخل أحياناً في الأجزاء الخاطئة من الجسم «وتصبح مجنونة نوعاً ما»، كما عبر الطبيب برايان مارش، وهو متخصص في الأمراض المعدية في المركز الطبي
دارتماوث هتشكوك في لبانون، نيومهامبشير «هذا يحدث طول الوقت في حوادث السيارات حين يعاني الناس من إصابات داخلية. إن الميكروبات التي هي عادة حميدة في الأحشاء تدخل في أجزاء أخرى من الجسم مجرى الدم، مثلاً وتسبب خراباً مروعاً».
إن الاضطراب البكتيري الأكثر إخافة وفلتاناً من السيطرة الآن هو مرض يُدعى necrotizing fasciitis الذي تأكل الجراثيم فيه الكائن من الداخل نحو الخارج، ملتهمة النسيج الداخلي تاركة خلفها فضالة لبيّة مزعجة. وغالباً ما يأتي المرضى بسبب شكاوى خفيفة كحساسية جلدية وحمى ولكن صحتهم تتدهور بنحو مروع، حين يفحصون يتبين أنهم قد استهلكوا. إن العلاج الوحيد يعرف باسم «الجراحة الاستئصالية الجذرية»، أي بتر كل المنطقة المصابة. يموت %70 مسن الضحايا؛ ويبقى كثيرون مشوهين بشكل مروع. إن مصدر العدوى هو عائلة دنيوية من الجراثيم تدعى المجموعة 1 العقدية، التي لا تفعل أي شيء عادة سوى

أنها تسبب مرضاً في الحنجرة. وفي أحيان كثيرة، ولأسباب مجهولة، تنتقل هذه الجراثيم من بطانة الحنجرة إلى الجسم محدثة الدمار الأكبر. وهي مقاومة بشكل كامل للمضادات الحيوية. تحدث نحو ألف إصابة سنوياً في الولايات المتحدة ولا أحد يستطيع القول: إن الأمر لن يسوء أكثر.
يحدث الأمر نفسه في التهاب السحايا. إن 10% من الشبان البالغين، وربما %30 من المراهقين، يحملون جرثومة التهاب السحايا القاتلة، ولكنها تحيا دون أن تسبب أذى في الحنجرة. وفي بعض الأحيان لدى شاب من بين كل مئة ألف تدخل في مجرى الدم وتجعل المصاب مريضاً جداً. وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تحدث الوفاة خلال 12 ساعة. وهذا سريع وصاعق. قال مارش معبراً عن الأمر: «يمكن أن تشاهدوا شخصاً في صحة تامة في أثناء تناول الإفطار، وميتاً في المساء».
لو لم نكن مهملين لسلاحنا ضد البكتيريا أي المضادات الحيوية لقضينا عليها. ومن اللافت – وفق أحد التقديرات- أن 70% من المضادات الحيوية المستخدمة في العالم النامي تُمنح لحيوانات المزرعة، وتستخدم في بعض الأحيان بشكل روتيني لتغذية الماشية، لتعزيز نموها أو لحمايتها من العدوى. إن استخدامات كهذه تمنح البكتيريا الفرص جميعها كي تطور مقاومة ضدها. وهي فرصة استغلتها الجراثيم بحماس.
كان البنسلين في 1952 فاعلاً جداً ضد سلالات من بكتيريا المكور العنقودي إلى درجة أنه في أوائل الستينيات شعر كبير الأطباء في أمريكا وليام ستيوارت بالثقة بما يكفي كي يصرح: «جاء الوقت لطي صفحة الأمراض المعدية. قضينا على الأمراض المعدية في الولايات المتحدة». وحين قال هذا كان 90% من هذه السلالات يطور المناعة ضد البنسلين. وفي الحال، بدأت إحدى هذه السلالات الجديدة، التي تدعى باسم المكورة العنقودية أوريوس المقاومة للميثيسلين methicillin-resistant Staphylococcus aureus تظهر به المستشفيات. كان هناك نوع واحد من المضادات الحيوية يدعى الفانومايسين ظل فاعلاً ضدها،

ولكن في 1997 أُبلغ في مستشفى في طوكيو عن ظهور سلالة تستطيع مقاومة حتى هذا المضاد الحيوي. وفي شهور انتشرت في ست مستشفيات يابانية أخرى. وفي كل مكان، بدأت الميكروبات تربح الحرب من جديد: ففي المستشفيات الأميركية وحدها يموت 14 ألف شخص سنوياً من عدوى يلتقطونها هناك. وكما قال جيمس سوروويكي في مقال نشر في النيويوركر: حين يكون هنالك خيار بين تطوير المضادات الحيوية التي يتناولها الناس كل يوم مدة أسبوعين ومضادات الكآبة التي يتناولها الناس كل يوم إلى الأبد، ليس من المفاجئ أن تختار شركات العقاقير الأخيرة. وبالرغم من أنه تم تقوية بعض المضادات الحيوية قليلاً، فإنه لم تقدم لنا الصناعة الدوائية مضاداً حيوياً جديداً منذ السبعينيات.
إن إهمالنا مرعب، كما يظهر اكتشاف أن كثيراً من الأمراض الأخرى يمكن أن تكون بكتيرية الأصل. بدأت عملية الكشف في عام 1983 حين اكتشف باري مارشال وهو طبيب في بيرث، غرب أسترالية، أن كثيراً من سرطانات المعدة ومعظم قرحاتها سببها بكتيريا تدعى هيليكوباكتر بايلوري Helicobacter Pylori. وبالرغم من أن اكتشافه اختبر بسهولة، كانت النظرية جذرية بحيث إنه مر أكثر من عقد قبل أن تقبل لدى الجميع. إن مؤسسة الصحة القومية الأميركية، مثلاً لم تناصر الفكرة رسمياً حتى عام 1994. وقال مارشال لصحفي من فوربيس في عام 1999: «يموت مئات بل آلاف الناس من قرحات يجب ألا يموتوا منها».
منذ ذلك الوقت، أظهر المزيد من البحث أنه يوجد أو يمكن أن يوجد مركب بكتيري في كل أنواع الأمراض الأخرى كأمراض القلب والربو والتهاب المفاصل والتصلّب المضاعف(*) وأنماط متعددة من الاضطرابات الذهنية، وكثير من السرطانات، بالإضافة إلى السمنة كما قالت مجلة ساينس. ولن يطول الوقت حتى تصبح في أمس الحاجة إلى مضاد حيوي فاعل وليس لدينا واحد نعتمد عليه.
(*) حالة مرضية تصيب الجهاز العصبي المركزي، محدثة تصلباً في أنسجة الدماغ، أو في أنسجة الحبل الشوكي أو في أنسجتهما كليهما. المترجم.

يمكن أن تريحنا قليلاً معرفة أن البكتيريا نفسها تمرض. فهي تصاب أحياناً بالجراثيم المدمرة، وهي نوع من الفيروسات. إن الفيروس كيان غريب غير محبب، فهو «قطعة من الحمض النووي محاطة بأخبار سيئة، كما عبر بشكل لا ينسى بيتر ميداور الحاصل على جائزة نوبل. إن الفيروسات التي هي أصغر وأبسط من البكتيريا ليست حية في ذاتها. فحين تعزل تكون مهمدة ولا تؤذي. ولكن أدخلها إلى مضيف ملائم وستضج بالحياة. هناك نحو خمسة آلاف نوع من : الفيروسات المعروفة، وهي تصيبنا بمئات الأمراض، التي تتسلسل من الأنفلونزا والرشح العادي إلى تلك التي هي أكثر أذى لسعادة الإنسان: الجدري، الكلب،
الحمى الصفراء، إيبولا، الشلل والإيدز.
تزدهر الفيروسات عن طريق اختطاف المادة الجينية لخلية حية، واستخدامها لإنتاج المزيد من الفيروسات. إنها تتكاثر بطريقة عدوانية ثم تندفع إلى الخارج؛ بحثاً عن مزيد من الخلايا كي تغزوها. وبما أنها ليست متعضيات حية، فإنها تستطيع أن تبقى بسيطة جداً. إن كثيراً منها – بما فيه ( HIV ) يمتلك عشرة جينات أو أقل، بينما أبسط بكتيريا تتطلب آلافاً عدة. وهي صغيرة جداً أيضاً، بحيث لا يمكن أن ترى بمجهر تقليدي. ولم يستطع العلم أن يراها لأول مرة حتى عام 1943 بعد اختراع مجهر الإلكترون. ولكنها تستطيع أن تسبب ضرراً كبيراً. لقد قتل الجدري في القرن العشرين وحده ما يقدر بثلاث مئة مليون شخص.
تمتلك الفيروسات أيضاً قدرة مثيرة للأعصاب على مهاجمة العالم بشكل جديد مباغت، ثم الاختفاء بسرعة كما جاءت. ففي 1916، أصيب الناس في أوروبا وأمريكا بمرض غريب يسبب النعاس، أصبح معروفاً باسم السبات الالتهابي الدماغي encephalitis lethargica. كان الضحايا يذهبون إلى النوم ولا يستيقظون. كان يمكن إيقاظهم بصعوبة كبيرة لتناول الطعام أو الذهاب إلى المرحاض، ويجيبون على الأسئلة بوعي يعرفون من هم وأين كانوا بالرغم من أن تصرفهم فاتر دوماً. عن أي حال، في اللحظة التي يسمح لهم فيها بالراحة،

يدخلون على الفور في أعمق سبات ويبقون في هذه الحالة طالما هم متروكون فيها. تتواصل هذه الحالة لدى بعضهم شهوراً قبل الموت. إن قلة محدودة بقيت على قيد الحياة واستعادت وعيها ولكنها فقدت حيويتها السابقة. وجدوا في حالة من الفتور الشديد، «كبراكين مطفأة» كما قال أحد الأطباء. وفي عشر سنوات قتل المرض خمسة ملايين شخص ثم تلاشى بهدوء. لم يحظ بانتباه طويل مستمر؛ لأنه في غضون ذلك انتشر في أنحاء العالم وباء أشد فتكا وهو الأسوأ في التاريخ. دعي أحياناً إنفلونزا الخنزير الكبير وأحياناً وباء الأنفلونزا الإسباني الكبير ولكنه كان في كلتا الحالتين وحشياً. قتلت الحرب العالمية الأولى 21 مليون شخص في أربع سنوات؛ إلا أن أنفلونزا الخنزير فعلت الأمر نفسه في الأشهر الأربعة الأولى من انتشارها. إن 80% من الضحايا الأميركيين في الحرب العالمية الأولى لم يسقطوا بنار الأعداء وإنما من الأنفلونزا. وكانت نسبة الوفيات في بعض الوحدات 80%.
نشأت أنفلونزا الخنزير كأنفلونزا عادية غير مهلكة في ربيع 1918، ولكن نوعاً ما، في الأشهر اللاحقة لا أحد يعرف لماذا وكيف وأين تحولت إلى شيء أكثر حدّة. لم يُعان إلا خُمس الضحايا من أعراض خفيفة، ولكن الآخرين مرضوا بشكل خطر ومات كثيرون. استسلم بعضهم في ساعات؛ وصمد آخرون بضعة أيام.
سجلت الوفيات الأولى في الولايات المتحدة بين البحارة في بوسطن في أواخر آب 1918، ولكن الوباء انتشر بسرعة في أنحاء البلاد كلها. أُغلقت المدارس ، وأُغلقت أماكن التسلية العامة، وارتدى الناس الأقنعة في كل مكان. لكن هذا لم يفعل سوى القليل. فبين خريف 1918 وربيع العام الثاني مات في أمريكا من الأنفلونزا 548.452. أما عدد الوفيات في بريطانيا فقد وصل إلى 220,000 وبأعداد مشابهة في فرنسا وألمانيا. لا أحد يعرف عدد الوفيات في العالم كله – بما أن السجلات في العالم الثالث فقيرة في غالب الأحيان – ولكنه لم يكن أقل من عشرين مليوناً وربما خمسين مليوناً. وقالت بعض التقديرات: إن العدد العالمي الكلي هو مئة مليون.

وفي محاولة لاختراع لقاح أجرت السلطات الطبية تجارب على متطوعين في سجن عسكري في جزيرة دير في بوسطن هاربر. وعد السجناء بإطلاق سراحهم إذا بقوا على قيد الحياة. كانت الاختبارات صارمة جداً. أولاً، كان الخاضعون للاختبار يُحقنون بنسيج رئوي مصاب يؤخذ من الموتى، ثم يرشون على أعينهم وأنفوهم وأفواههم بذيرات معدية. إذا لم تنتقل العدوى إليهم كانت حناجرهم تملأ بعينات مأخوذة مباشرة من المرضى والموتى. إذا خاب كل شيء يطلب منهم أن يجلسوا فاغري الأفواه، بينما كان يجلس مريض ويسعل في وجوههم.
اختار الأطباء للاختبارات 62 من بين 300 متطوع، وكان من المفاجئ أنه لم يصب أحد منهم بالأنفلونزا. كان الشخص الوحيد الذي مرض هو طبيب الجناح، الذي مات بسرعة. إن الشرح المرجح لهذا هو أن الوباء مر عبر السجن قبل بضعة أسابيع، وطور كل من نجا من تلك الزيارة من المتطوعين مناعة طبيعية.
لا يزال الكثير عن وباء الأنفلونزا في عام 1918 مفهوماً بشكل سيئ أو غير مفهوم مطلقاً. وكان أحد الألغاز هو كيف انتشر فجأة في أمكنة تفصل بينها محيطات وسلاسل جبلية وعوائق أرضية أخرى. وبما أن الفيروس لا يستطيع أن يعيش أكثر من بضع ساعات خارج جسد المضيف، فكيف استطاع إذاً الظهور في مدريد وبومباي وفيلادلفيا في الأسبوع نفسه؟
إن الإجابة المرجحة هي أنه احتُضن وانتشر عن طريق أشخاص كانت لديهم أعراض خفيفة أو لم يكن لديهم على الإطلاق. وكان احتكاكهم مع البشر السبب الأكبر للمرض.
يشرح هذا الانتشار الواسع في عام 1918، ولكنه لا يشرح كيف استطاع الوباء الكمون لعدة أشهر قبل أن يندفع انفجارياً في الوقت نفسه تقريباً وفي الأمكنة جميعها. وكان الأمر الأكثر غموضاً هو أنه كان أكثر تدميراً للناس في أوج الحياة. إن الإنفلونزا هي عادة أقسى على الأطفال والعجائز، ولكن في 1918 كانت

الوفيات أكثر انتشاراً بين أشخاص في العشرينيات والثلاثينيات. من المحتمل أن الكبار استفادوا من المقاومة التي اكتسبوها من تعرضهم المبكر للسلالة نفسها، ولكن لماذا استهدف الوباء الشبان بشكل مفاجئ ومجهول ؟ إن اللغز الأكبر هو لماذا كانت أنفلونزا عام 1918 مهلكة بشكل وحشي فيما أن معظم أنواع الأنفلونزا غير مهلكة. لا نزال نجهل ذلك.
تعود سلالات معينة من الفيروسات بين وقت وآخر. إن فيروساً روسياً مكروهاً يعرف باسم H1N1 انتشر في مناطق واسعة 2 1933، ثم انتشر مرة ثانية في الخمسينيات، ومرة أخرى في السبعينيات. لا يعرف أحد أين اختفى آنذاك أو في كل مرة. ثمة رأي يقول: إن الفيروسات تختبئ في مجموعات الحيوانات البرية قبل أن تجرب الانتقال إلى جيل جديد من البشر. لا أحد يستطيع استبعاد احتمال انتشار أنفلونزا الخنزير الكبير مرة ثانية.
وإذا لم تنتشر هذه الفيروسات، فإن فيروسات أخرى يمكن أن تفعل ذلك. ذلك أن فيروسات جديدة ومخيفة تظهر طوال الوقت. الإيبولا، وحمى لاسا وماربورغ، كلها تنتعش وتموت مرة ثانية، ولكن لا أحد يستطيع أن يقول: إنها لا تقوم بتحول هادئ في مكان ما، أو تنتظر الفرصة المواتية كي تنتشر بطريقة كارثية. من الواضح الآن أن الإيدز كان بيننا أطول مما اشتبه أي شخصن. فقد اكتشف الباحثون في مشفى مانشستر رويال أن بحاراً توفي من علل غامضة غير قابلة للعلاج في 1959 كان مصاباً في الواقع بالإيدز، مع ذلك - ولأي من الأسباب – بقي المرض مهمداً مدة عشرين سنة أخرى.
كانت المعجزة هي أن أمراضاً أخرى كهذه لم تتفش. فحمى لاسا التي لم تكتشف لأول مرة حتى عام 1969، في غرب إفريقيا، معدية جداً ومفهومة قليلاً. وفي 1969 كان هناك طبيب في مختبر في جامعة ييل في نيو هيفن، كونيكتيكت، يدرس حمى لاسا وأصيب بها. نجا منها، ولكن الأمر الذي سبب ذعراً أكبر، هو أن تقنياً في مختبر في الجوار، بعيد عن مجال العدوى المباشر، أصيب بالمرض أيضاً ومات.

ومن حسن الحظ أن الانتشار توقف هنا، ولكن لا نستطيع الاعتماد على كوننا محظوظين دوماً. إن أنماط حياتنا تدعو الأوبئة. فالسفر جواً يجعل من الممكن
نشر وكلاء مسببين للمرض عبر الكوكب بسهولة مذهلة. إن فيروس إيبولا يمكن أن يبدأ اليوم في بينين وينتهي في نيويورك أو هامبورغ أو نيروبي أو في المدن الثلاث. هذا يعني أن السلطات الطبية تحتاج باستمرار إلى التعرف على كل مرض يوجد في أي مكان، ولكنها بالطبع لا تفعل ذلك. ففي 1990 أصيب نيجيري يعيش في شيكاغو بحمى لاسا لدى زيارة إلى وطنه، ولكن الأعراض لم تظهر إلى أن عاد إلى الولايات المتحدة. توفي في مستشفى شيكاغو دون تشخيص، ودون أن يتخذ أي شخص أي احتياطات في معالجته، دون أن يدرك الأطباء أنه مصاب بأحد أكثر الأمراض تفشياً وفتكاً على الكوكب. ولحسن الحظ لم يصب أي شخص آخر. ربما لا نكون محظوظين هكذا في المرة الآتية.
وبعد هذا التنبيه المفيد، حان الوقت كي نعود إلى عالم الذين يعيشون بشكل مرئي .

الفصل العشرون: الحياة تستمر

ليس من السهل أن تصبح أحفوراً. إن مصير جميع المتعضيات الحية تقريباً أكثر من 99.9% منها هو العدم. حين تنطفئ شراراتك، فإن كل جزيء تمتلكه سيُلتهم أو يصوّل؛ كي يُستخدم في نظام آخر. هذا ما يحدث فحسب. ولو وصلت إلى البركة الصغيرة للمتعضيات، التي لا تلتهم والتي هي أقل من 0.1، فإن فرص تحولك إلى مستحاث قليلة جداً.
من أجل أن تصبح أحفوراً، يجب أن تحصل عدة أشياء. أولاً، يجب أن تموت في المكان المناسب. إن نحو 15% من الصخور فحسب تستطيع حفظ الأحافير، وهكذا ليس من الجيد أن نفقد الوعي في موقع مستقبلي من الجرانيت. يجب أن يُدفن الميت عملياً في رسابة، حيث يمكن أن يترك أثراً، كورقة في الطين، أو أن يتحلل دون التعرض للأوكسجين، سامحاً بأن يحل مكان جزيئات عظامه (وأحياناً جداً الأشياء الناعمة) معادن منحلة، خالقاً نسخة متحجرة من الأصل. ثم، وبما أن الرسابة التي يكمن فيها الأحفور مضغوطة بإهمال ومطوية ومدفوعة من قبل عمليات الأرض، فإن الأحفور يجب أن يحافظ على شكل قابل للتحديد نوعاً ما. أخيراً – ولكن قبل كل شيء – بعد عشرات الملايين أو ربما مئات الملايين من السنين من الاختباء يجب أن يعثر عليه ويتم التعرف عليه كشيء يستحق الحفظ.
يُعتقد أن عظماً واحداً فحسب من بين بليون يصبح أحفوراً. وإذا كان الأمر هكذا، فهذا يعني أن التراث الأحفوري للأميركيين الأحياء جميعاً اليوم 270 مليون شخص، وكل منهم له 206 عظام سيكون فقط نحو خمسين عظماً، أي ربع هيكل عظمي كامل. لا يعني هذا القول: إن أياً من هذه العظام يمكن العثور عليه فعلاً. إذا وضعنا في أذهاننا أنها يمكن أن تدفن في أي مكان داخل منطقة مساحتها أكبر بقليل من 9.3 ملايين متر مربع، فإن قليلاً منها سيكتشف، والأقل سيفحص، وسيكون الأمر معجزة إذا حصل هذا. إن الأحافير نادرة ومتلاشية

بكل ما في الكلمة من معنى. إن معظم ما عاش على الأرض لم يترك خلفه سجلاً على الإطلاق. وهذه نسبة متناهية الصغر بنحو مذهل. على أي حال، إذا قبلتم التقدير الشائع بأن الأرض أنتجت ثلاثين بليون نوع من المخلوقات في زمنها، ومقولة رتشارد ليكي وروجر لوين (في الانقراض السادس) : إن هنالك 250,000 نوع من الكائنات في سجل الأحافير، فإن هذا يخفض النسبة إلى واحد فقط في كل 120,000. على أي حال، إن ما نملكه هو العينة الأقل من كل الحياة التي
احتضنتها الأرض.
فضلاً عن ذلك، إن السجل الذي لدينا محرف. فمعظم الحيوانات البرية لا تموت في مواد رسابية. تدفن أو تؤكل أو تترك كي تتعفن أو تتلاشى. ومن ثم، فإن سجل الأحافير منحاز بشكل سخيف إلى مخلوقات البحر. إن نحو95% من جميع الأحافير التي نملكها هي لحيوانات عاشت مرة تحت الماء، ومعظمها في بحار قليلة العمق.

أذكر كل هذا؛ كي أشرح لماذا في يوم رمادي في شباط ذهبت إلى متحف التاريخ الطبيعي في لندن، كي أقابل عالم إحاثة مبتهجاً، متغضناً بشكل يوحي بالغموض، ومحبوبا جدا يدعى رتشارد فورتي.

يعرف فورتي أموراً كثيرة جداً وكريهة. إنه مؤلف كتاب ساخر ورائع عنوانه الحياة: سيرة غير مرخصة، يغطي كل مهرجان الخلق الحي. ولكن حبه الأول هو نوع من الكائنات البحرية يدعى المفصليات (ثلاثي الفصوص)، التي تزاوجت مرة في بحار العصر الأردفيشي، ولكنها لم تعش مدة طويلة سوى في شكل أحافير. يتألف جسم المفصليات من ثلاثة أجزاء أو فصوص: الرأس، والذيل والصدر، ومن هنا أتى الاسم. عثر فورتي على أولها حين كان فتى يتسلق فوق الصخور في خليج سينت ديفد في ويلز. كان متشبثاً بالحياة.
أخذني إلى صالة من الخزن المعدنية الطويلة. كان كل منها مليئاً بالأدراج قليلة العمق، وكان كل درج مليئاً بالمفصليات المتحجرة: كان عددها عشرين ألف عينة.

قال: «إنه يبدو عدداً كبيراً ولكن عليك أن تتذكر أن ملايين فوق ملايين من المفصليات عاشت ملايين فوق ملايين من الأعوام في البحار القديمة، وهكذا فإن عشرين ألفاً ليس رقماً كبيراً. إن معظمها عينات جزئية فقط. إن العثور على أحفور مفصلي كامل سيشكل حدثاً كبيراً لعالم إحاثة».
ظهرت المفصليات ثلاثية الفصوص في البداية بشكل كامل، على ما يبدو من لامكان منذ نحو 450 مليون سنة، قرب بداية الانبعاث الكبير للحياة المعقدة المعروفة بشكل واسع باسم الانفجار الكمبري، ثم تلاشت، مع كمية كبيرة أخرى، في الانقراض البرمي في العصر السابع والأخير من الدهر القديم الكبير والذي ما يزال غامضاً بعد ثلاثة ملايين قرن. وكما هو الأمر بالنسبة للكائنات المنقرضة، ثمة إغراء طبيعي لاعتبارها كائنات خائبة، ولكنها كانت في الواقع من بين أكثر الحيوانات الأكثر نجاحاً التي سبق وعاشت. سادت 300 مليون سنة، أكثر من مدة الديناصورات بمرتين، التي كانت بين حيوانات التاريخ العظيمة التي نجت. ويشير فورتي إلى أن بقاء البشر على قيد الحياة حتى الآن لا يعادل إلا نصف 1% من مدة بقاء تلك الحيوانات.

انتشرت المفصليات بشكل واسع بسبب امتلاكها لكثير من الوقت. بقي معظمها صغيراً، بحجم الخنافس الحديثة، ولكن بعضها صار بحجم أسطوانة فونوغرافية. وشكلت خمسة آلاف جنس وستين ألف نوع على الأقل، بالرغم من أن المزيد ظهر طول الوقت. كان فورتي أخيراً في مؤتمر في جنوب أمريكا وقد اقتربت منه أكاديمية من جامعة إقليمية صغيرة في الأرجنتين. «كان لديها علبة ملأى بالأشياء المثيرة، وبينها المفصليات التي لم تر أبداً من قبل في أمريكا الجنوبية، أو في أي مكان، وأشياء أخرى كثيرة أيضاً. لم تملك تسهيلات بحث كي تدرسها ولا تمويلا كي تبحث عن المزيد. إن أجزاء ضخمة من العالم لم تُستقص بعد).
((هل تعني المفصليات؟».

«كلا، أعني كل شيء».
كانت المفصليات، في أثناء القرن التاسع عشر، الأشكال الوحيدة المعروفة للحياة المبكرة المعقدة، ولهذا السبب جمعت ودرست بمواظبة. كان اللغز الكبير الذي يحيط بها هو ظهورها المفاجئ. حتى الآن، كما يقول فورتي، يمكن أن يكون مدهشاً الذهاب إلى تشكيلات الصخور الصحيحة، وأن تشق طريقك إلى الأعلى عبر الدهور، دون أن ترى حياة مرئية مطلقاً، ثم فجأة تعثر على بروفالوتاسبيس Profallotaspis كاملة أو على إلينيلوس Elenellus كبير كسرطان. كان هناك مخلوقات بأعضاء، وخياشيم، وأجهزة عصبية، وهوائيات سابرة، تُعد «دماغاً من نوع ما»، كما قال فورتي، وأغرب ما رأته الأعين. إنها مصنوعة من عصيات من كربونات الكالسيوم المتبلّرة: المادة نفسها التي تصنع حجر الكلس، وشكلت أجهزة الإبصار الأولى المعروفة. فضلاً عن ذلك، إن المفصليات الأولى لم تتألف من نوع واحد مغامر فحسب وإنما من العشرات، ولم تظهر في موقع واحد أو اثنين وإنما في كل مكان. إن كثيراً من الناس المفكرين في القرن التاسع عشر نظروا إلى هذا كبرهان على عمل اللّه ودحض لمثل دارون النشوئية. إذا التطور تم ببطء، كما سألوا، إذاً كيف يفسر دارون هذا الظهور المفاجئ لكائنات معقدة مكتملة الشكل؟
وفي الحقيقة، عجز عن ذلك.
وهكذا بدا كأنه من المقدر أن تبقى الأمور إلى الأبد حتى أحد الأيام في 1909، قبل الذكرى الخمسين لنشر كتاب دارون أصل الأنواع بثلاثة أشهر، حين قام عالم إحاثة يدعى تشارلز دوليتل والكوت باكتشاف فائق للعادة في الروكيز الكندية .Canadian Rockies

ولد والكوت عام 1850 وترعرع قرب أوتيكا، نيويورك، لأسرة فقيرة مادياً، التي صارت أكثر فقراً بعد موت والده المفاجئ حين كان تشارلز رضيعاً. حين كان طفلاً، اكتشف والكوت أنه كان لديه ميل للعثور على الأحافير، وخصوصاً المفصليات،
فجمع مجموعة متميزة اشتراها لويس أجاسيز لمتحفه في هارفارد بثروة صغيرة

تعادل 45,000 باوند بنقود اليوم. وبالرغم من أنه لم يكمل تعليمه الثانوي واعتمد على نفسه في تعلم العلوم، صار والكوت مرجعاً أساسياً في المفصليات وكان أول شخص قال: إنها مفصلية، وهي المجموعة التي تشتمل على الحشرات والقشريات الحديثة.

في عام 1879 تولى والكوت عملاً في بحث ميداني في هيئة المسح الجيولوجي الأميركية المشكلة حديثاً، وعمل بشكل متميّز جعله بعد 15 عاماً يُرقى كي يصبح رئيساً لهيئة المسح. وفي 1907 عين أميناً لمؤسسة سميثونيان، حيث بقي حتى وافته المنية في عام 1927. وبالرغم من القيود الإدارية، واصل القيام بالعمل الميداني والكتابة بغزارة. «إن كتبه تملأ رف مكتبة»، كما قال فورتي. وليس مصادفة أنه كان أيضاً مدير لجنة المستشارين القوميين لرواد الفضاء، التي صارت في النهاية وكالة علم الطيران والفضاء (ناسا)، وهكذا يمكن أن يُعدّ بشكل صحيح جدّ عصر الفضاء.
إن ما يُذكر من أجله الآن هو اكتشاف ذكي ومحظوظ في بريتش كولومبيا، عالياً فوق بلدة فيلد الصغيرة في أواخر صيف 1909. إن النسخة المعتادة من القصة هي أن والكوت وزوجته، كانا يركبان الأحصنة على طريق جبلي حين انزلق حصان زوجته بسبب أحجار غير ثابتة. وحين ترجّل كي يساعدها، اكتشف والكوت أن الحصان قلب لوحاً من رقائق الطين، التي تحتوي على أحافير قشريات من نوع قديم وغير عادي. كان الثلج يتساقط، ذلك أن الشتاء يأتي مبكراً في كنيديان روكيز وهكذا لم يتريثا، ولكن في العام الثاني وفي أول فرصة عاد والكوت إلى البقعة. سلك طريق منحدر الصخور، وتسلق إلى ارتفاع 750 قدماً عن سطح البحر إلى قرب قمة الجبل. هنالك، على ارتفاع 8000 قدم عن مستوى سطح البحر عثر على طبقة طَفل سطحي بارزة بطول حجر رصف، تحتوي على عدد لا يحصى من الأحافير تعود إلى ما بعد اللحظة التي بدأت فيها الحياة المعقدة تنبعث في انتشار مدهش: الانفجار الكمبري الشهير. عثر والكوت – نتيجة لهذا– على الجزة الذهبية لعلم الإحاثة. سمى الطبقة البارزة بطَفل برجيس Burgess Shale، على اسم الحافة

التي عثر عليها فيها، وقدم «فسحتنا الوحيدة عن بداية الحياة الحديثة في كل كمالها»، كما قال ستيفن جي جولد في كتابه الشهير (الحياة الرائعة).
اكتشف جولد -المدقق دوماً- من قراءة يوميات والكوت أن قصة اكتشاف طَفل برجيس تبدو على أنها نوعاً ما منمقة، ذلك أن والكوت لا يذكر انزلاق الحصان ولا سقوط الثلج. ولكن الاكتشاف كان فائقاً للعادة دون شك.
من المستحيل بالنسبة لنا - نحن الذين يقتصر زمن وجودهم على الأرض على عقود عابرة كالنسيم ومحدودة- أن نفهم كم كان الانفجار الكمبري بعيداً زمنياً عنا. إذا كان بوسعكم أن تسافروا إلى الوراء نحو الماضي بسرعة عام في الثانية، فيستغرق الأمر نصف ساعة كي تصلوا إلى زمن المسيح، وأكثر من ثلاثة أسابيع بقليل كي تعودوا إلى بدايات الحياة البشرية. ولكنكم ستستغرقون عشرين عاماً كي تصلوا إلى فجر الدهر الكمبري. كان - بتعبير آخر- وقتاً طويلاً جداً وكان العالم مكاناً مختلفاً جداً.

ينبغي أن نذكر أنه حين تشكل طَفل برجيس منذ 500 مليون سنة، أو أكثر لم يكن على قمة جبل وإنما في سفحه. كان بالتحديد في حوض محيط قليل العمق في قاع جرف شديد الانحدار. كانت البحار في ذلك الوقت تزخر بالحياة، ولكن الحيوانات لم تترك أي سجل؛ لأن أجسامها كانت ناعمة وتتأكل حين تنفق. على أي حال، انهار الجرف في برجس، ودفنت الكائنات التي في الأسفل في انزلاق طيني وضغطت كأزهار في كتاب، وهذا ما حفظ تفاصيل ملامحها بشكل رائع.

وفي رحلات صيفية سنوية من 1910 إلى 1925 ( في ذلك الوقت صار عمره 75 عاماً ) استخرج والكوت عشرات الآلاف من العينات (يقول جولد ثمانين ألفاً. ويقول فاحصو الحقائق الموثوقون في ناشونال جيوغرافيك: إن العدد ستون ألفاً)، أحضرها إلى واشنطن من أجل مزيد من الدراسة. كانت المجموعة لا تضاهى في عددها الكبير وتنوّعها. كان لبعض أحافير برجس أصداف؛ أما كثير منها فلم

يمتلك أصدافاً. كانت بعض الكائنات مبصرة، وبعضها الآخر لا يبصر. كان التنوع هائلاً، ويتألف من 140 نوعاً، بحسب رواية واحدة. ولقد اشتمل طَفل برجس شيل Burgess Shale على تسلسل في تغاير التصميمات التشريحية لم يكن له مثيل، ولا مثيل له اليوم بين كل مخلوقات المحيطات في العالم»، كما قال جولد.

ولسوء الحظ، أخفق والكوت في معرفة أهمية ما عثر عليه. «انتزع الهزيمة من فكي النصر)، كما قال جولد في كتاب آخر بعنوان (ثمانية خنانيص صغيرة)، «ثم تابع والكوت كي يسيء تفسير هذه الأحافير المهمة بأعمق طريقة ممكنة». وضعها في مجموعات حديثة، وجعلها أسلاف الديدان الحالية، وقناديل البحر وكائنات أخرى، وهكذا أخفق في فهم فرادتها. قال جولد متنهداً: «بحسب تأويل كهذا بدأت الحياة في بساطة بدائية وتحركت بعناد، نحو الأمام بقوة وبشكل أفضل).
توفي والكوت في 1927 ونسيت أحافير برجس. بقيت لنصف قرن تقريباً في أدراج المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في واشنطن، ونادراً ما رجع إليها أوتم التحقق منها. ثم في عام 1973، قام طالب متخرج في جامعة كمبريدج يدعى سيمون كونوي موريس بزيارة إلى المجموعة. أذهله ما عثر عليه. كانت الأحافير أكثر تنوعاً وأهمية مما أشار إليه والكوت في كتاباته. إن الفئة التي تصف البنية الجسدية الأساسية للمتعضيات في علم التصنيف هي الشعبة(*)، وهنا استنتج كونوي موريس وجود كثير من الأخطاء التشريحية كهذه، وكان من المفاجئ أنها كلها غير قابلة للتفسير ويجهلها الشخص الذي اكتشفها.
أمضى كونوي موريس الأعوام العديدة اللاحقة، مع المشرف عليه، هاري وتنغتون، والزميل المتخرج ديريك بريجز، في مراجعة منهجية للمجموعة كلها، وبدا يؤلف دراسات مثيرة متتالية فيما كانت الاكتشافات تتراكم. كان لكثير من الكائنات بنى جسدية لم تكن تخالف أي شيء شوهد من قبل أو منذ ذلك
(*)الشعبة في علم الأحياء أو البيولوجيا مجموعة من النباتات أو الحيوانات تتميز بخصائص مشتركة معينة، وتشكل طبقة مستقلة في التصنيف المعتمد في علمي النبات والحيوان. والشعبة تعدّ أعلى طبقات هذا التصنيف، وتليها الطائفة class، فالرتبة Order، فالفصيلة family، فالجنس) genus، فالنوع Species ، فالضرب Variety.

الوقت فحسب، وإنما كانت مختلفة بشكل غريب. كان لإحداها وتدعى الأوبابنيا Opabinia خمس أعين وخطم يشبه الفوّهة. وهنالك أخرى على شكل قرص تدعى بيتوايا Peytoia وتبدو بشكل كوميدي مثل قطعة أناناس دائرية. وهنالك ثالثة لا بد أنها سارت على صفوف من الأرجل التي تشبه الطُّوالة، وكانت غريبة بحيث سموها هالوسيجينيا Hallucigenia. كان هنالك كثير من الجدة غير المعروفة في المجموعة، حتى إنه في نقطة واحدة لدى فتح درج جديد سمع كونوي موريس يغمغم بصوت مرتفع: «اللعنة، ليس شعبة أخرى».

أظهرت مراجعات الفريق الإنكليزي أن العصر الكمبري كان زمن ابتكار وتجريب لا مثيل له في تصميمات الجسد. كانت الحياة تتهادى طوال أربعة ملايين عام تقريباً دون أي طموحات قابلة للرصد في اتجاه التعقيد، ثم فجأة – في مدة خمسة أو عشرة ملايين عام - ابتكرت التصميمات الجسدية الملائمة جميعها التي لا تزال قيد الاستخدام الآن. إن أي مخلوق، من الدودة الخيطية إلى كاميرون دياز، يستخدم الهندسة المعمارية التي ابتكرت في الحفلة الكمبرية.

ما كان أكثر إدهاشاً هو أنه كان هنالك كثير من التصميمات الجسدية التي أخفقت في صناعة التفصيلة ولم تترك أسلافاً. وبحسب جولد، على الأقل 15 أو ربما 20 من حيوانات برجس لا تنتمي إلى أي شعبة معروفة. (ازداد العدد بسرعة في بعض الروايات الشعبية إلى مئة، أكثر مما زعم علماء كمبرديج بكثير). وكتب جولد: «إن تاريخ الحياة هو قصة إزالة شاملة تبعتها عملية تفاضل داخل قلة من
الناجين، وليس القصة التقليدية للتفوق المتزايد باستمرار، وللتعقيد، والتنوع». وبدا أن النجاح النشوئي كان (كاليانصيب).

كان أحد المخلوقات التي نجحت في البقاء يشبه الدودة ويدعى بكايا جراسيلنز Pikaia gracilens اكتشف أن له عموداً فقريّاً بدائياً، مما جعله السلف الأقدم المعروف للفقاريات اللاحقة جميعها، وبينها نحن. لم يكن البيكايا وافر الوجود بين أحافير برجيس، وهكذا لا أحد يعرف كم كان قريباً من الانقراض. ولا يترك جولد مجالاً للشك – في اقتباس مشهور – في أنه يرى نجاحنا السلالي كحظ:

وأرجع شريط الحياة إلى الأيام الأولى لأحافير برجيس؛ شقله مرة ثانية من نقطة بدء مماثلة، وتصبح الفرصة صغيرة بشكل متلاشي، بحيث إن أي شيء مثل الذكاء البشري سيشرف إعادة التشغيل».
نشر كتاب جولد (الحياة الرائعة) عام 1989 وتلقى تقريظاً نقدياً عاماً وحقق نجاحاً تجارياً كبيراً. ما لم يكن معروفاً عامة هو أن كثيراً من العلماء لم يتفقوا مع جولد في استنتاجاته مطلقاً، وأن الأمر سيصبح دميماً في الحال. في سياق العصر الكمبري، «يتعلق الانفجار بالأمزجة الحديثة أكثر مما يتعلق بالحقائق الفسيولوجية القديمة».

نعرف الآن أن المتعضيات المعقدة وجدت على الأقل قبل مئة مليون سنة من العصر الكمبري. وكان يجب أن نعرف كثيراً حالاً، فبعد أربعين سنة تقريباً من اكتشاف والكوت في كندا، كان هناك على الجانب الآخر من الكوكب في أستراليا عالم جيولوجيا يدعى رجينلاد سبريج اكتشف شيئاً ما أقدم وأكثر لفتاً للنظر.
في 1946 كان هناك عالم جيولوجيا يُدعى سبريج يعمل لدى حكومة ولاية ساوث أسترالية، أرسل للقيام بمسح لمناجم مهجورة في تلال إدياكاران من سلسلة الفلندرز، وهي منطقة معزولة وحارة جداً تبعد 500 كيلومتر عن جبال الأدليد. كان الهدف معرفة إن كان هناك أي مناجم قديمة يمكن أن يعاد تشغيلها بشكل مربح باستخدام تقنيات جديدة، وهكذا فهو لم يكن يدرس صخور السطح مطلقاً أو الأحافير. ولكن في أحد الأيام، وفيما كان يتناول غداءه، قلب سبريج بكسل قطعة من الحجر الرملي وفوجئ – إذا عبرنا بنعومة- حين رأى سطح الصخور مغطى بأحافير حساسة، مثل الأثر الذي تحدثه الأوراق في الطين. كانت هذه الصخور أقدم من الانفجار الكمبري. كان ينظر إلى فجر الحياة المرئية. قدم سبريج بحثاً إلى مجلة نيتشر، ولكنه رفض. قرأه بدلاً من ذلك في الاجتماع السنوي الآتي لجمعية أستراليا ونيوزلندا لتقدم العلم، ولكنه أخفق

في إثارة إعجاب رئيس الجمعية، الذي قال: إن آثار إدياكاران كانت محرك «آثار غير متعضية تصادفية). لم تُسحق آماله بعد، فسافر إلى لندن وقدم مكتشفاته إلى المؤتمر الجيولوجي الدولي عام 1948، ولكنه أخفق في إثارة الاهتمام أو التصديق. أخيراً -وبحثاً عن مخرج أفضل – نشر مكتشفاته في محاضر الجمعية الملكية لساوث أستراليا. ثم ترك وظيفته الحكومية وعمل في التنقيب عن النفط.

بعد تسع سنوات، في 1957، كان هنالك طالب مدرسة يدعى روجر ماسون، وفيما كان يسير عبر غابة تشارنوود في الأراضي الوسطى الإنكليزية، عثر على صخرة فيها أحفور غريب، مشابه للسمك المريش ولبعض العينات التي عثر عليها سبريج، وكان يحاول أن يخبر الجميع عنها. سلّمها الطالب إلى عالم إحاثة في جامعة لايشستر، الذي قال على الفور: إنها تعود إلى ما قبل العصر الكمبري. نشرت صور الشاب ماسون في الجرائد وعومل بوصفه بطلاً قبل الأوان؛ ولا تزال تذكره كتب عديدة. وسميت العينة على شرفه تشارنيا ماسوني Charnia masoni.
إن بعض عينات سبريج الأصلية التي من إدياكاران، والعينات الألف والخمس مئة الأخرى التي عُثر عليها في أنحاء سلسلة الفلندرز منذ ذلك الوقت، يمكن أن ترى اليوم في علب زجاجية في غرف الطابق العلوي لمتحف ساوث أستراليا في أدليد، ولكنها لا تجذب انتباهاً كبيراً. إن النماذج المرسومة بشكل رشيق خافت ولا تبدو جميلة للعين غير المدرّبة. إن معظمها صغير وعلى شكل قرص وأحياناً مخططة بما يشبه الأشرطة. وقد وصفها فورتي بأنها «غرابات ذات أجساد
ناعمة).

لا يزال هناك قليل من الاتفاق حول ماذا كانت هذه الأمور أو كيف عاشت. ليس لها – كما قيل لنا – أفواه أو شرج تتناول أو تخرج المواد القابلة للهضم، وليس لها أعضاء داخلية كي تعالجها بها طوال الطريق. يقول فورتي: «كانت معظمها على الأرجح تستلقي في أثناء حياتها على سطح الرسابات الرملية، كأسماك مسطحة ناعمة، لا بنية لها وغير حية». وفي أوج حياتها، لم تكن أكثر تعقيداً من

قنديل البحر. إن كائنات إدياكاران جميعاً كانت ثنائية الوريقات، وهذا يعني أنها كانت مبنية من طبقتين من النسيج. وباستثناء قنديل البحر، إن الحيوانات اليوم معظمها هي ثلاثية الطبقات.

يعتقد بعض الخبراء أنها لم تكن حيوانات مطلقاً، وإنما هي مثل النباتات أو الفطريات. إن الفروق بين النبات والحيوان ليست واضحة حتى الآن. فالإسفنج الحديث يمضي حياته مثبتاً على بقعة محددة وليس له عينان أو دماغ أو قلب خافق، ومع ذلك هو حيوان. يقول فورتي: «حين نعود إلى المدة السابقة للدهر الكمبري فإن الاختلافات بين النباتات والحيوانات كانت على الأرجح أقل وضوحاً. ليس هناك أي قاعدة تقول: إنه عليك أن تكون نبتة أو حيواناً بشكل واضح».

وليس هناك اتفاق بأن متعضيات إدياكاران تشكل بأي طريقة أسلافاً لأي شيء حي اليوم (عدا على الأرجح بعض قناديل البحر). ويعدها كثير من العلماء نوعاً من التجربة الخائبة، محاولة خاسرة لتحقيق التعقيد، ربما لأن متعضيات إدياكاران المهمدة التهمتها، أو تغلبت عليها حيوانات أكثر تعقيداً من العصر الكمبري.

قال فورتي: «لا يوجد اليوم شيء حي مشابه لها، ومن الصعب اعتبارها أي سلف لما تبع بعد ذلك).
كان الإحساس أنها لم تكن مهمة لتطور الحياة على الأرض. ويعتقد كثير من العلماء أنه حصلت إبادة جماعية في الحد الفاصل بين ما قبل الكمبري والكمبري، وأن مخلوقات إدياكاران (ما عدا قنديل البحر غير المؤكد) أخفقت في الانتقال إلى الطور الثاني. إن العمل الحقيقي للحياة المعقدة، بتعبير آخر، بدأ مع الانفجار الكمبري. هكذا نظر جولد إلى الأمر، على أي حال.
بالنسبة لتنقيحات أحافير برجيس شيل، بدأ الناس في الحال يشككون في
العلماء الذين شككوا بالتفسير الذي قدّمه ستيف جولد، بالرغم من إعجابهم

الكبير بطريقة التعبير عنه)، كما قال فورتي في كتابه (حياة). هذا إذا عبرنا عن الأمر بلطف.

«أتمنى لو استطاع ستيفن جولد أن يفكر بوضوح كما يكتب!» قال الأكاديمي في أكسفورد رتشارد دوكينز في السطر الافتتاحي لمراجعة (السنداي تلغراف) لكتاب (الحياة الرائعة). أقر دوكينز أن الكتاب «لا يُترك، وأنه «يعكس عبقرية أدبية»، لكنه اتهم جولد بالانخراط في سوء تأويل «طنان وشبه مخادع) للحقائق عبر الإيحاء بأن تنقيحات برجيس أذهلت جماعة علم الإحاثة. «إن وجهة النظر التي يهاجمها بأن التطور يتقدم بعناد نحو قمة هي الإنسان لم تُصدق لخمسين عاماً، قال دوكينز غاضباً.
كانت هذه دقة غير متوافرة في معظم الذين كتبوا عن الكتاب. واقترح أحد كتاب نيويورك تايمز بوك ريفيو بابتهاج أنه نتيجة لكتاب جولد «بدأ العلماء يتخلصون من بعض المفاهيم السابقة التي لم يفحصوها لأجيال. إنهم يقبلون بتردد أو بحماس فكرة أن البشر هم حدث ناجم عن الطبيعة بقدر ما هم نتاج تطور منظم»
ولكن النقد الحقيقي الذي تم توجيهه إلى جولد نشأ من الاعتقاد بأن كثيراً من استنتاجاته كانت خاطئة أو مضخمة بإهمال. وفي مقال نشر في مجلة إفوليوشن هاجم دوكينز تأكيدات جولد بأن «التطور في العصر الكمبري كان مدة «تجريب»، مدة «تجربة وخطأ» تطوريين، «بدايات مزيفة، تطورية... كان الوقت الخصب الذي ابتُكرت فيه «الخطط الجسدية الجوهرية، الكبيرة جميعها. ففي العصر الكمبري نشأت شعب وأصناف جديدة. واليوم نحصل على نوع جديد فقط!».
قال دوكينز مشيراً إلى فكرة أنه لا يوجد خطط جسدية جديدة اعتنقت على نطاق واسع: «بدا وكأن الأمر كما لو أن الحدائقي نظر إلى شجرة بلّوط وقال متسائلاً: «أليس غريباً أنه لم تظهر أغصان رئيسة جديدة على هذه الشجرة لسنوات كثيرة؟ إن كل النمو الجديد يبدو هذه الأيام كأنه يحدث على مستوى الغصين».

قال فورتي: «كان وقتاً غريباً خاصة حين فكرت أن هذا كل شيء عن شيء ما حدث منذ خمس مئة مليون عام، ولكن المشاعر في الحقيقة تتأجج. قلت مازحاً في أحد كتبي: إنني شعرت بأنه ينبغي أن أعتمر خوذة أمان قبل أن أكتب عن العصر الكمبري، ولكني لم أشعر أن الأمر كذلك البتة».

كان أغرب ما في الأمر هورد أحد أبطال كتاب (الحياة الرائعة)، سيمون كونوي موريس، الذي أذهل كثيرين في جماعة علم الإحاثة حين رد فجأة على جولد في كتاب من تأليفه بعنوان بوتقة الخلق، الذي كتب عنه فورتي فيما بعد قائلاً: «لم أصادف قط حقداً كهذا في كتاب ألفه مهني. إن القارئ العادي لكتاب بوتقة الخلق - غير المطلع على التاريخ - لن يعرف أبداً أن وجهات نظر المؤلف كانت مرة قريبة إلى أفكار جولد (وإن لم يتم تقاسمها معه)».
حين سألت فورتي عن الأمر، قال: «حسناً، كان هذا غريباً جداً، وصادماً في الحقيقة؛ لأن تصوير جولد له كان مطرياً جداً. أستطيع الافتراض أن سيمون كان محرجاً. كما تعلم، إن العلم متحول ولكن الكتب ثابتة، وأفترض أنه ندم، لأنه كان مرتبطاً هكذا بطريقة متشددة بوجهات نظر لم يعد هو يقتنع بها. كان هناك كل ذلك الكلام عن: «آه، اللعنة، شعبة أخرى، وأتوقع أنه تأسف على أنه صار مشهوراً من أجل هذا. لن تعرف أبداً من قراءة كتاب سيمون أن وجهات نظره كانت مرة مماثلة تقريباً لوجهات نظر جولد».

ما حدث هو أن الأحافير الكمبرية الأولى بدأت تمر في وقت من إعادة التقويم النقدي. واستخدم فورتي وديريك بريجز أحد الشخصيات الرئيسة في كتاب جولد منهجاً يُعرف باسم cladistics لمقارنة أحافير برجيس المتنوعة. وبتعبير بسيط، يتألف هذا المنهج من تنظيم المتعضيات على أساس سمات مشتركة. يقدم فورتي على سبيل المثال فكرة مقارنة زبَّابة(*) بفيل. إذا فكرت بحجم الفيل الكبير وجذعه المذهل يمكنك أن تستنتج أنه لا يجمعه إلا القليل مع زبَّابة صغيرة ناشقة .
(*) حيوان صغير من آكلات الحشرات شبيه بالفأر .

ولكن إذا قارنت كليهما بسحلية فستلاحظ أن الفيل والزبّابة بنيا وفق الخطة نفسها. ما يقوله فورتي جوهرياً هو أن جولد شاهد الفيلة والزبابة حيث شاهد هو وبريجز الثدييات. إن مخلوقات برجيس – كما اعتقدا- لم تكن غريبة ومتنوعة كما كانت لدى النظرة الأولى. يقول فورتي الآن: «لم تكن غالباً أغرب من ثلاثية الفصوص. وهذا يعني أنه كان لدينا فقط قرن كي نعتاد على ثلاثية الفصوص. إن الألفة تولّد الألفة كما تعرف».
لم يكن هذا – كما ينبغي أن أنبه – بسبب قلة الحرص أو عدم الانتباه. إن تفسير أشكال علاقات الحيوانات القديمة على أساس دليل مشوه، ومفكك في غالب الأحيان هو عمل مخادع بوضوح. قال (إدوارد أو. نلسون): إنه إذا أخذت أنواعاً منتقاة من الحشرات الحديثة، وقدّمتها كأحافير على نمط برجيس فلن يخمّن أحد أبداً أنها كانت كلها من الشعبة نفسها؛ لأن خططها الجسدية مختلفة جداً. كان اكتشاف موقعين ما قبل كمبريين في غرينلاند والصين - بالإضافة إلى مكتشفات مبعثرة أخرى، التي قدمت كثيراً من العينات الإضافية والأفضل – مساعداً في عملية التنقيحات.

خلاصة القول هي أن أحافير برجيس اكتشف أنها ليست مختلفة في النهاية. وتبين أن الهالوسجنيا Hallucigenia أعيد بناؤها من الأعلى إلى الأسفل. إن سيقانها التي تشبه الطوالة كانت في الحقيقة نتوءات على ظهورها. أما البيتوايا Peytoia، المخلوق الغريب الذي بدا كشريحة أناناس، فلم يكن مميزاً وإنما جزء من حيوان أضخم يُدعى الأنومالوكاريس Anomalocaris. إن كثيراً من عينات برجيس وضعت الآن في الشعب الحية، تماماً حيث وضعها والكوت في المقام الأول. إن الهالوسيجنيا وبعض الأحافير الأخرى اعتُقد أنها على علاقة بالأونيتشوفورا Onychophora، وهي نوع من الحيوانات التي تشبه اليسروع. وأعيد تصنيف أخرى كسلف للديدان الحلقية. ويقول فورتي: «هناك نسبياً بضعة تصميمات كمبرية جديدة بشكل كامل. ويتبين في غالب الأحيان أنها تطوير مهم لتصميمات

راسخة». وكما كتب في حياة: «لم يكن أي منها غريباً مثل البرنقيل(*) أو أكثر غرابة من الأرضة (النملة البيضاء)».

لم تكن عينات برجيس شيل مثيرة (دراماتيكية) في النهاية. وهذا جعلها كما قال فورتي: «ليس أقل أهمية أو غرابة وإنما أكثر قابلية للتفسير». إن خططها الجسدية الغريبة كانت نوعاً من الوفرة الفتية، المعادل التطوري للشعر واللسان. وفي النهاية استقرت الأشكال في عمر متوسط وثابت.

ولكن هذا ترك السؤال المستمر عن من أين جاءت كل هذه الحيوانات؟ وكيف ظهرت فجأة من اللامكان؟

تبين أنه من المحتمل أن الانفجار الكمبري لم يكن انفجارياً بشكل كاف. إن الحيوانات الكمبرية – كما يُعتقد الآن- كانت على الأرجح هناك، ولكنها كانت صغيرة لا ترى. وكانت ثلاثية المفاصل هي التي قدمت المفتاح، خاصة ذلك الظهور الغامض على ما يبدو لأنماط مختلفة من ثلاثية المفاصل في أمكنة مبعثرة بشكل كبير حول الكوكب، وكلها تقريباً في الوقت نفسه.
تبين أن الظهور المفاجئ لكثير من الكائنات المختلفة ذات الشكل الكامل عزز على ما يبدو إعجاز الانفجار الكمبري، ولكنه فعل العكس. إن ظهور مخلوق مشكل جيداً كثلاثية المفاصل في عزلة، هذا في الحقيقة أعجوبة والحصول على كثير منها، وكلها متميزة ولكنها مرتبطة ببعضها، وتظهر في سجل الأحافير في أمكنة بعيدة كالصين ونيويورك، يوحي بوضوح أننا فقدنا جزءاً كبيراً من تاريخها. يمكن ألا يكون هناك دليل أقوى على أنه ينبغي أن يكون لها سلف، أنواع من السلف بدأت الرحلة في ماض أبكر بكثير.

يُعتقد الآن أن سبب عدم عثورنا على هذه الأنواع الأولى هو أنها كانت صغيرة جداً، بحيث لا يُمكن حفظها. يقول فورتي: «ليس من الضروري أن تكون كبيرة كي
(*) حيوان بحري قشري يلتصق عادة بجوانب السفن وبالصخور والأسماك الكبيرة. المترجم.

تكون متعضيات معقدة تعمل بشكل تام. فالبحر يعجُّ اليوم بالمفصليات التي لم تترك أي سجل أحافير». ذكر الحيوانات مجذافية الأرجل(*)، التي يصل عددها إلى تريليونات في البحار الحديثة، وعناقيد من الحشود كبيرة بما يكفي لجعل مناطق ضخمة من البحر سوداء، ومع ذلك فإن كل ما نعرفه عن أسلافها هو عينة واحدة عثر عليها في جسم سمكة متحجرة.
يقول فورتي: «إن الانفجار الكمبري - إن كانت هذه الكلمة تعبر عنه - ربما كان على الأرجح زيادة في الحجم أكثر مما هو ظهور مفاجئ لأنماط جسدية جديدة. ومن الممكن أنه حدث بسرعة، وهكذا- بهذا المعنى – أفترض أنه كان انفجاراً». والفكرة هي أنه كما أن الثدييات انتظرت وقتها لمئة مليون عام إلى أن انقرضت الديناصورات، ثم على ما يبدو انتشرت في أنحاء الكوكب كلها، فربما أيضاً
انتظرت المفصليات وثلاثية الطبقات في غفلية شبه مجهرية ظهور متعضيات إدياكاران المهيمنة. يقول فورتي: «نعرف أن الثدييات ازداد حجمها بشكل لافت بعد أن انقرضت الديناصورات، ومع ذلك حين أقول بشكل مفاجئ تماماً أعني بالطبع بمعنى جيولوجي، لا نزال نتحدث عن ملايين الأعوام».
وبالمصادفة، حصل ريجينالد سبريج على قياس فات موعد استحقاقه. إن أحد الأجناس الرئيسة المبكرة، السبريجينا Spriggina سمي على شرفه، بالإضافة إلى عدة أنواع، وصار الكل معروفاً باسم الحياة الحيوانية لإدياكاران، وهي اسم التلال التي بحث فيها. في ذلك الوقت –على أي حال – كانت قد انتهت منذ وقت طويل عمليات صيد سبريج للأحافير. فبعد أن هجر الجيولوجيا أسس شركة نفط ناجحة وأخيراً تقاعد في عزبة في سلاسل الفلندرز التي يحبها، حيث أنشأ ذخيرة من الحياة البرية. توفي في عام 1994 رجلاً غنياً.

(*) قشريات بحرية ونهرية تتميز بأن لها جسماً متطاولاً، وعيناً مركزية واحدة، وقرني استشعار طويلين، وخمسة أزواج من الأرجل شبيهة بالمجاذيف. المترجم.

الفصل الواحد والعشرون وداعاً لكل هذا
حين نفكر في الأمر من منظور إنساني، ومن الصعب أن نفكر عبر أي شيء آخر غيره، فإن الحياة أمر غريب. لم تستطع الانتظار كي تستمر، ولكن بعد أن انطلقت، بدت مستعجلة كي تتحرك.

فكروا بالأشنة. إن الأشنة هي أصعب المتعضيات تمييزاً على الأرض، ولكن بين الأقل طموحاً. تنمو بسعادة كافية في فناء كنيسة مشمس، ولكنها تزدهر خاصة في بيئات لا يذهب إليها أي متعض آخر: على قمم الجبال العاصفة وفي الأراضي القطبية المقفرة، وأينما كان القليل من الصخر والمطر والبرد، ولا يوجد تنافس. ففي مناطق أنتاركتيكا حيث في الحقيقة لن ينمو أي شيء آخر، تجد مناطق واسعة من الأشنيات 400 نوع منها تتمسك بإخلاص بكل صخرة تجلدها الريح.

لم يستطع الناس فهم «كيف فعلت ذلك لوقت طويل »؟ ونظراً لأن الأشنيات تنمو على الصخر العاري دون غذاء واضح أو إنتاج بذور، فإن كثيراً من الناس المتعلمين اعتقدوا أنها كانت صخوراً علقت في عملية التحول إلى نباتات. وقد قال أحد المراقبين، في 1819 ويدعى الدكتور هورنستشيتش: «إن الحجر غير المتعضي يصبح نبتة حية تلقائياً!».
أظهر الفحص الدقيق أن الأشنيات كانت أكثر أهمية من كونها سحرية. فهي في الحقيقة شراكة بين الفطريات والأشنة. إن الفطريات تطرح أحماضاً تحل سطح الصخرة، محررة معادن تحولها الأشنيات إلى طعام كاف لتغذية كليهما. وهذا ليس ترتيباً مثيراً جداً، ولكنه ناجح على ما يبدو. وفي العالم أكثر من عشرين ألف نوع من الأشنة.
إن الأشنيات بطيئة النمو على غرار معظم الأشياء التي تزدهر في البيئات القاسية. ويمكن أن تستغرق الأشنة أكثر من نصف قرن لتصبح بحجم زر

قميص. أما تلك التي بحجم صحون الطعام، كما قال ديفد أتنبورو: «من المحتمل أن يكون عمرها مئات إن لم يكن آلاف السنوات». سيكون من الصعب تخيل وجود أقل تحققاً، يضيف أتنبورو: «إنها توجد فحسب وتشهد على الحقيقة المتحركة بأن الحياة حتى في شكلها الأبسط تحصل -على ما يبدو- من أجل نفسها فحسب».
من السهل أن نغفل هذه الفكرة بأن الحياة هي هذا فقط. فنحن نميل بوصفنا بشراً إلى الشعور بأنه لا بد أن للحياة هدفاً. لدينا خطط وتطلعات ورغبات. نريد أن نستفيد قدر الإمكان من كل الوجود المُسكر الذي مُنح لنا. ولكن ما هي الحياة بالنسبة لأشنة؟ مع ذلك إن دافعها إلى الوجود - إلى أن تكون - قوي كدافعنا ويقال: إنه أقوى منه. لو قيل لي: إنني سأمضي عقوداً كنمو فروي على صخرة في الغابات، أعتقد أنني سأفقد الإرادة من أجل الاستمرار. أما الأشنيات فلا تفقد الإرادة. فهي على غرار الأشياء الحية جميعها ستعاني من أي صعوبة، وتتحمل أي إهانة من أجل وجود إضافية للحظة. إن الحياة باختصار، تريد أن تكون فحسب. ولكنها – وهنا نقطة في غاية الأهمية – لا تريد أن تكون في معظم الأحيان.

وهذا غريب قليلاً؛ لأن الحياة استغرقت وقتاً طويلاً كي تطور الطموحات. فإذا تخيلت الـ 4500 مليون عام من تاريخ الأرض مضغوطاً في يوم أرضي عادي، فإن الحياة عندئذ تبدأ باكراً جداً، نحو الرابعة صباحاً مع استيقاظ المتعضيات البسيطة الأحادية الخلية الأولى، ثم تتقدم في الست عشرة ساعة اللاحقة. لم تظهر الأرض أي شيء للكون سوى جلد غير مستقر من الميكروبات في الثامنة والنصف مساء، حيث اليوم أكبر بخمس أوست مرات. ثم في النهاية، تظهر نباتات البحر الأولى، تتبعها بعد عشرين دقيقة قناديل البحر الأولى وحيوانات إدياكاران الغامضة التي رآها لأول مرة ريجينالد سبريج في أستراليا. وفي التاسعة وأربع دقائق مساء تسبح ثلاثية المفاصل إلى المشهد، تتبعها على الفور كائنات برجيس شيل ذات الشكل. وتماماً قبل العاشرة مساء تبدأ النباتات بالظهور في الأرض. و حالاً بعد ذلك، ولم يبق من اليوم إلا ساعتان، تأتي كائنات الأرض.

وبفضل عشر دقائق أو ما يقارب ذلك من الطقس المعتدل، في العاشرة وأربع وعشرين دقيقة تتغطى الأرض بالغابات المكونة للفحم، التي تمنحنا بقاياها كل فحمنا الحجري، وتظهر الحشرات المجنحة الأولى. وتظهر الديناصورات في المشهد قبل الحادية عشرة مساء وتسيطر نحو ثلاثة أرباع الساعة. وبعد منتصف الليل بواحد وعشرين دقيقة تتلاشى ويبدأ عصر الثدييات. ويبزغ البشر قبل منتصف الليل بدقيقة واحدة وسبع عشرة ثانية. إن كل تاريخنا المدون - على هذا الميزان- لن يكون أكثر من بضع ثوان، ولن تستمر حياة بشرية واحدة أكثر من لحظة. وفي أثناء هذا اليوم المسرع بشكل كبير، تنجرف القارات وتصطدم سوية في عنف طائش. تنشأ الجبال وتذوب، أحواض المحيطات تأتي وتذهب، أغطية الجليد تتقدم وتنسحب. وفي المجمل، نحو ثلاث مرات كل دقيقة، في مكان ما على الكوكب يحدث انفجار ضوئي يحدد تأثير نيزك بحجم الذي صدم مانسون أو أكبر. والعجيب أن يبقى أي شيء على قيد الحياة في بيئة غير مستقرة ومضطربة كهذه. وفي الحقيقة، لا تحيا أشياء كثيرة طويلاً.

ربما كانت الطريقة الأكثر فاعلية لفهم جدّتنا الكبيرة كجزء من هذه الصورة التي تعود إلى 4.5 بلايين عام، هي أن تمد ذراعيك إلى الحد الأعلى وتتخيل ذلك العرض كتاريخ كامل للأرض. وعلى هذا الميزان، وبحسب جون مكفي في كتابه الحوض والسلسلة، إن المسافة من رؤوس أصابع يد إلى رسغ الأخرى هي سابقة للعصر الكمبري. إن كل الحياة المعقدة هي في يد واحدة، «وفي ضربة واحدة وبمبرد أظافر صغير تستطيع أن تستأصل التاريخ البشري».
لحسن الحظ، جاءت اللحظة، ولكن الفرص الجيدة سوف تحدث. لا أرغب في أن أقحم ملاحظة كئيبة في هذه النقطة، ولكن هناك صفة وثيقة الصلة بشكل كبير حيال الحياة على الأرض: إنها تنقرض. وربما هذا أحد الأسباب «لماذا كثير من الحياة ليس طموحاً بشكل كبير؟».
وهكذا في أي وقت تفعل الحياة شيئاً جسوراً فإنه يعدّ حدثاً مهماً، وكانت بعض المناسبات زاخرة بالأحداث أكثر مما حين انتقلت الحياة إلى المرحلة اللاحقة في قصتنا وخرجت من البحر.

كانت الأرض بيئة مرعبة: حارة وجافة ومغمورة بالأشعة فوق البنفسجية، تفتقر إلى الحماس الذي يجعل الحركة في المياه سهلة نسبياً. وكي تعيش على اليابسة، كان على الكائنات أن تمر في تنقيحات بالجملة لأجسامها. أمسك بسمكة من أي طرف وسوف ترتخي من المنتصف، إن عظم ظهرها ضعيف جداً، بحيث لا يستطيع دعمها. كي تحيا خارج الماء، كانت الكائنات البحرية بحاجة إلى هندسة داخلية حاملة للأثقال، وليس إلى نوع التكيف الذي يحصل بين عشية وضحاها. قبل كل شيء، وبشكل أكثر وضوحاً، يجب على أي كائن بري أن يطور طريقة: كي يأخذ أوكسجينه بشكل مباشر من الجو بدل أن يصفيه من الماء. لم تكن هذه التحديات سهلة. ومن ناحية أخرى، كان هناك حافز جبار لمغادرة الماء: كان الماء يصبح خطراً. إن الالتحام البطيء للقارات في كتلة أرض واحدة، Pangea، كان يعني تقلصاً شديداً للخط الساحلي مما أدى إلى تقلّص المثوى الساحلي. وهكذا كان التنافس وحشياً. كان هناك أيضاً نوع جديد غير مستقر من الوحوش المفترسة الأكلة لكل شيء في المشهد، وكانت مصممة بشكل كامل للهجوم، بحيث إنها لم تتغير في كل تلك الدهور الطويلة منذ ظهورها: كانت هذه أسماك القرش.
لن يكون هناك أبداً وقت أكثر ملاءمة للعثور على بيئة بديلة للماء.

بدأت النباتات عملية استعمار الأرض منذ 450 مليون سنة، وكانت ترافقها عند الضرورة السوسة(*) الصغيرة، ومتعضيات أخرى كانت بحاجة إليها لتحطيم وإعادة استخدام المادة العضوية لصالحها. واستغرقت الحيوانات الأكبر وقتاً أطول للظهور، ولكن منذ نحو 400 مليون عام كانت تغامر بالخروج من الماء، أيضاً. وقد شجعتنا الرسوم المشهورة على تصور سكان الأرض الأوائل المغامرين كنوع من الأسماك الطموحة، شيء ما يشبه الخنفساء الحديثة التي تستطيع أن تنتقل من بركة موحلة إلى أخرى في أثناء الجفاف، أو ربما كالبرمائيات القوازب ذات الشكل المكتمل. وفي الحقيقة، إن المقيمين المرئيين الأوائل المتنقلين على
(*) حيوان مفصلي من العنكبوتيات، ذو جسم صغير بيضوي الشكل مكسو بالشعر. المترجم.

الأرض الجافة كانوا يشبهون أكثر حمار قبّان(*) على الأرجح. وهذه حشرات صغيرة (قشريات) تضطرب كثيراً حين تقلب صخرة أو جذع شجرة.

كانت الأوقات طيبة بالنسبة لأولئك الذين تعلموا أن يستنشقوا الأوكسجين من الجو. كانت مستويات الأوكسجين في العصر الديفوني والعصر الكربوني، حين بدأت الحياة الأرضية بالازدهار، مرتفعة بنسبة 35% (بالمقارنة مع 20% الآن). سمح هذا للحيوانات بأن تكبر بشكل لافت للنظر وبنحو سريع.

يحق لكم أن تتساءلوا «كيف يستطيع العلماء معرفة مستويات الأوكسجين منذ مئات الملايين من الأعوام؟» يكمن الجواب في حقل غامض قليلاً ولكنه ساذج يعرف باسم جيوكيمياء النظائر. احتشدت الكائنات الديفونية والكربونية في عوالق صغيرة سلحت نفسها بأصداف حامية صغيرة. ثم – كما الآن- خلقت العوالق أصدافها عبر استنشاق الأوكسجين من الجو وخلطه مع عناصر أخرى مثل (الكربون خاصةً) لتشكيل مركبات مستمرة مثل كربونات الكالسيوم. إنها الخدعة الكيميائية نفسها التي تستمر (ونوقشت في مكان آخر في العلاقة مع)
دورة الكربون ذات الأمد الطويل، وهي عملية لا تقدم قصة مثيرة ولكنها حيوية لخلق كوكب قابل للسكن.

تموت في هذه العملية المتعضيات الصغيرة جميعها وتندفع إلى قاع البحر، حيث تُضغط ببطء كي تصبح أحجاراً كلسية. وبين البنى الذرية الصغيرة التي تأخذها معها العوالق إلى القبر نظيران مستقران جداً هما الأوكسجين 16 والأوكسجين 18 (النظير ذرة بعدد غير سوي من النيوترونات). إلى هنا يأتي الجيوكيميائيون، ذلك أن النظائر تتراكم بسرعات مختلفة بحسب كمية الأوكسجين أو ثاني أكسيد الكربون التي في الجوار وقت إنشائها. وبمقارنة النسب القديمة لترسب النظيرين، يستطيع الجيوكيميائيون أن يقرؤوا الأوضاع في العالم القديم كمستويات الأوكسجين، ودرجة حرارة الجو والمحيط، وحد وتوقيت العصور
(*) دويبة صغيرة كثيرة القوائم. المترجم.

الجليدية وأمور أخرى كثيرة. وعبر مزج اكتشافاتهم عن النظير مع رواسب أخرى أحفورية تشير إلى أوضاع أخرى كمستويات غبار الطلع (اللُّقح) وغيرها، يستطيع العلماء – بثقة معتبرة – إعادة خلق مشاهد طبيعية كاملة لم يسبق أن رأتها العين البشرية.

إن السبب الرئيس لقدرة مستويات الأوكسجين على التشكل بقوة في أثناء مدة الحياة الأرضية الأولى، هو أن كثيراً من مشهد العالم كانت تهيمن عليه أشجار سرخس عملاقة ومستنقعات واسعة، والتي بسبب طبيعتها المستنقعية قاطعت عملية إعادة تصنيع الكربون العادية. وبدلاً من أن تتعفن بشكل كامل، تراكمت أوراق السرخس والمادة النباتية الأخرى في ترسبات غنية رطبة، ضغطت في النهاية إلى الأسرة الفحمية الكبيرة التي تغذي الآن كثيراً من النشاط الاقتصادي.

شجعت مستويات الأوكسجين المرتفعة جداً على النمو المفرط. إن الإشارة الأقدم إلى حيوان سطح سبق أن وجد هو أثر تركه منذ 350 مليون سنة كائن يشبه الدودة الألفية على صخرة في اسكتلندا. كان أطول من متر. وقبل أن تنتهي الحقبة ستصل بعض الديدان الألفية إلى أطوال أكثر من ضعف هذا.

بوجود كائنات كهذه تجوس، ربما ليس من المفاجئ أن الحشرات في تلك المدة طورت خدعة تستطيع أن تبقيها بأمان خارج طلقة اللسان: لقد تعلمت الطيران.
لجأ بعضها إلى تلك الوسيلة الجديدة في التنقل بسهولة خارقة للطبيعة، بحيث إنها لم تغير تقنياتها في كل ذلك الوقت. ثم – كما الآن – استطاعت اليعاسيب أن تسافر بسرعة أعلى من 50 كيلومتراً في الساعة، وتتوقف على الفور، وتحوم، وتطير إلى الخلف، وترتفع إلى الأعلى أكثر بكثير، بشكل متناسب أكثر من أي آلة طيران اخترعها البشر. كتب أحد المعلقين: «وضعتها القوى الجوية الأميركية في أنفاق هوائية؛ كي ترى كيف تفعلها، فيئست»، تستهلك هي أيضاً الهواء الغني. ونمت اليعاسيب في الغابات الكربونية وصارت بحجم الغربان. وحققت الأشجار ونباتات أخرى أحجاماً فائقة للطبيعة. نما نبات ذنب الخيل والسرخس إلى ارتفاع 15 متراً، ووصل نبات رجل الذئب إلى ارتفاع 40 متراً.

إن الفقاريات الأرضية الأولى أي حيوانات اليابسة الأولى التي اشتُققنا منها هي لغز. ويعود هذا جزئياً إلى نقص الأحافير ذات الصلة، وإلى شخص سويدي غريب يدعى إريك جارفيك، الذي عرقلت تفسيراته الغريبة وأسلوبه السري التقدم في هذه المسألة تقريباً مدة نصف قرن. كان جارفيك جزءاً من فريق من الباحثين السويديين الذين ذهبوا إلى غرينلاندا في الثلاثينيات والأربعينيات؛ بحثاً عن أحافير الأسماك. كانوا يبحثون خاصة عن الأسماك الهدّابية الزعانف من النمط، الذي من المفترض أنه سلف لنا ولكل الكائنات الأخرى التي تسير، والتي تعرف باسم رباعية الأرجل.
إن الحيوانات معظمها هي رباعية الأرجل، وتشترك رباعيات الأرجل الحية جميعها في شيء واحد: لها أربعة أعضاء، وكل منها ينتهي في حد أعلى من خمسة أصابع لليد أو القدم. فالديناصورات والحيتان والطيور والبشر، وحتى الأسماك كلها رباعية الأرجل، مما يوحي بوضوح أنهم أتوا من سلف واحد مشترك. وافترض أن مفتاح هذا السلف المشترك يمكن العثور عليه في العصر الديفوني، منذ 400 مليون سنة. وقبل ذلك الوقت لم يسر أي شيء على الأرض. وبعد ذلك الوقت فعلَتْ كثير من الحيوانات ذلك. ولحسن الحظ عثر الفريق على مخلوق كهذا، وهو حيوان طوله متر يدعىIchthyostega. أوكل تحليل الأحفور إلى جارفيك، الذي بدأ دراسته في 1948 وواظب عليها حتى الأعوام الثمانية والأربعين اللاحقة. ولسوء الحظ، رفض جارفيك أن يسمح لأي شخص آخر بأن يدرس هذا الحيوان الرباعي الأقدام. وكان على علماء الإحاثة في العالم أن يرضوا ببحثين تمهيديين مؤقتين، قال فيهما جارفيك: إن للحيوان خمس أصابع في كل من أعضائه الأربعة، مؤكداً أهميته كسلف.
توفي جارفيك في 1998. بعد موته فحص علماء إحاثة آخرون بلهفة العينة واكتشفوا أن جارفيك أخطأ في إحصاء أصابع اليدين والقدمين، كان هناك في الحقيقة ثمانية في كل عضو، وأخفق في أن يلحظ أن السمكة لم يكن بوسعها السير.

كانت بنية الزعنفة ضعيفة، بحيث إنها كانت ستنهار تحت ثقلها. ولا حاجة للقول: إن هذا لم يفعل كثيراً كي يطوّر فهمنا لحيوانات البر الأولى. واليوم هناك ثلاثة رباعيات أرجل قديمة معروفة ولكن لا أحد منها له أصابع. باختصار، لا نعرف تماماً من أين أتينا.
لكننا أتينا، بالرغم من أن الوصول إلى حالتنا الحاضرة من العلوّ لم تكن دوماً مباشرة. ومنذ أن بدأت الحياة على اليابسة، تألفت من أربع سلالات ضخمة، كما تدعى أحياناً. كانت الأولى تتألف من القوازب والزواحف البدائية المتثاقلة ولكن أحياناً الضخمة والجبارة. وكان الحيوان المعروف بشكل أفضل في هذا العصر هو الديمرترودون Dimertrodon، وهو حيوان مائي يخلط بشكل شائع مع الديناصور (كذلك في شرح لصورة في كتاب كارل ساغان النيزك). كان الديمرترودون في الحقيقة ساينابسيد a Synapsid. وهكذا، في إحدى المرات، كنا. كانت الساينابسيد Synapsids أحد الأقسام الرئيسة الأربعة لحياة الزواحف الأولى، كانت الأخرى الأنابسيدس anapsids، واليورابسيدس euryapsids، والديابسيدس diapsids. وتشير الأسماء ببساطة إلى عدد وموقع الثقوب الصغيرة التي اكتُشفت في جوانب جماجم مالكيها. كان في الساينابسيد SynapSidS ثقب واحد في الصدغ السفلي، وكان في الديابسيدس diapsids اثنان؛ وكان في اليورابسيدس euryapsids ثقب واحد في الأعلى.

ومع مرور الزمن، انقسمت كل من هذه المجموعات الرئيسة إلى مزيد من الأقسام الفرعية، منها ازدهر ومنها كان ضعيفاً. نشأ عن الأنابسيدس anapsids السلاحف، التي ظهرت وربما من غير المرجح قليلاً في وضعية الهيمنة لتصبح أكثر حيوانات الكوكب تقدماً وفتكاً، قبل أن تقوم هزيمة تطورية منكرة بجعلها تظل مستمرة بدلاً من مهيمنة. وانقسمت Synapsids إلى أربعة جداول، عاش واحد منها إلى ما بعد الدهر البرمي. ولحسن الحظ، كان هذا هو الجدول الذي ننتمي إليه، وتطور إلى عائلة من الثدييات البدائية التي تُعرف باسم الثيرابسيدس therapsids. وشكلت هذه السلالة الكبيرة 2.

ولسوء حظ الثيرابسيدس therapsids، فإن أبناء عمومتها من الديابسيدس diapsids كانت أيضاً تتطور بشكل منتج إلى ديناصورات (بين أمور أخرى)، مما برهن بالتدريج أن هذا ليس لصالح الثيرابسيدس therapsids. تلاشت الثيرا بسيدس therapsids بالجملة من السجل؛ لأنها لم تكن قادرة على التنافس المباشر مع هذه الكائنات الجديدة العداونية. وتطورت قلّة – على أي حال – إلى
كائنات صغيرة، مستكنة في جحر، وفرائية تحملت زمنها لوقت طويل حين كانت ثدييات صغيرة. لم ينم أكبرها إلى حجم قطة منزلية ومعظمها لم يكن أكبر من الفئران. وفي النهاية، هذا سيبرهن على خلاصها، ولكن كان عليها الانتظار 150 مليون سنة للسلالة الكبيرة 3، عصر الديناصورات، كي تنقرض فجأة وتفسح المجال للسلالة الكبيرة 4 وعصرنا من الحيوانات الثدية.
كانت التحولات الضخمة – الأصغر منها أيضاً – تعتمد محرك التقدم المهم بشكل ينطوي على مفارقة: الانقراض. وإنها لحقيقة غريبة أن موت الأنواع على الأرض هو – بالمعنى الأكثر حرفية – طريقة للحياة. لا أحد يعرف كم من أنواع المتعضيات وجدت منذ أن بدأت الحياة. إن ثلاثين بليون هو الرقم الذي يُذكر بشكل شائع. ومهما كان الحاصل الكلي، فإن 99.99% من الأنواع جميعها التي سبق أن عاشت لم تعد معنا. قال ديفد راوب David Raub من جامعة شيكاغو. «لدى التقدير الأول إن كل الأنواع منقرضة». بالنسبة للمتعضيات المعقدة، إن متوسط الحياة هو نحو 4 ملايين سنة، تقريباً حيث نحن الآن.
إن الانقراض هو دوماً أنباء سيئة للضحايا بالطبع، ولكن يبدو أنه شيء جيد لكوكب دينامي. ويقول إيان تاترسال من المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي: «إن بديل الانقراض هو الركود، والركود نادراً ما يكون شيئاً جيداً في أي حقل)، (ربما يجب أن أنبه أننا نتحدث هنا عن الانقراض على أنه عملية طبيعية على المدى الطويل. إن الانقراض الذي يسببه الإهمال البشري هو مسألة أخرى تماماً).

ترتبط الأزمات في تاريخ الأرض بشكل متنوع بقفزات (درامية) فيما بعد. إن سقوط حيوانات إدياكاران تبعه الانفجار الخلاًق للعصر الكمبري. أما الانقراض الأردفيشي الذي حدث منذ 440 مليون سنة، فقد نظف المحيطات من كثير من الحيوانات غير القادرة على الحركة التي تتغذى عبر مصفاة، وأنشأ – نوعاً ما – أوضاعاً فضلت الأسماك المريشة والزواحف المائية العملاقة. وكانت هذه بدورها في موقع مثالي كي ترسل المستعمرين إلى اليابسة حين منح ثوران آخر في العصر الديفوني المتأخر الحياة هزة صاخبة. وهكذا حدث في فواصل متقطعة عبر التاريخ. فلو أن هذه الحوادث معظمها لم تحصل تماماً في الموعد الذي حدثت فيه، لكان من المؤكد أننا لن نكون موجودين هنا الآن.
شهدت الأرض خمسة حوادث انقراض رئيسة في زمنها الأردفيشي، والديفوني، والبرمسي، والتّرياسي، والطباشيري، في هذا الترتيب وكثيراً من الانقراضات الصغيرة. حدث الانقراض الأردفيشي (منذ 440 مليون سنة) والديفوني (منذ 365 مليون سنة) قضى كل منهما على 80 إلى 85% من الأنواع. حدث الترياسي (منذ 210 مليون سنة) والطباشيري (منذ 65 مليون سنة) وقضى كل منهما على 70 - 75% من الأنواع. ولكن الحدث الأكبر كان الانقراض البرمي الذي حدث منذ نحو 245 مليون سنة، وأسدل الستار على العمر الطويل للديناصورات. وفي الانقراض البرمي، غادر على الأقل 95% من الحيوانات المعروفة في سجل الأحافير الوجود كي لا تعود أبداً. وانقرض ثلث نوع الحشرات، وهذه هي المناسبة الوحيدة التي فقدت فيها بالجملة. وهذا قريب من الانقراض الكلي.
قال رتشارد فورتي: «كان في الحقيقة انقراضاً جماعياً، مذبحة لم تشهد لها الأرض مثيلاً». كان الحدث البرمي مدمراً خاصة لمخلوقات البحر. تلاشت ثلاثية المفاصل كلها. وانقرضت البطلينوسات وقنافذ البحر تقريباً. صُعقت المتعضيات البحرية جميعها، وسواء في الماء وعلى اليابسة، اعتقد أن الأرض فقدت 52% من عائلاتها وهذا مستوى فوق الجنس وتحت الرتبة بوزن الحياة (موضوع الفصل

اللاحق)، وربما فقدت 96% من كل أنواعها. وسيمر وقت طويل 80 مليون عام قبل أن تنتعش الأعداد الكلية للأنواع.
يجب أن نبقي نقطتين في أذهاننا. الأولى، إن كل هذه تخمينات علمية. تترواح التقديرات عن عدد الأنواع الحيوانية الحية في نهاية العصر البرمي من العدد المنخفض 45,000 إلى العدد المرتفع 240,000. إذا كنت لا تعرف كم من الأنواع كانت حية، بالكاد تستطيع أن تحدد بقناعة نسبة تلك التي هلكت. فضلاً عن ذلك، نحن نتحدث عن موت الأنواع، وليس الأفراد. بالنسبة للأفراد يمكن أن يكون عدد الوفيات أعلى بكثير، وفي كثير من الحالات، كلياً. وتدين الأنواع التي بقيت حتى الطور اللاحق من قرعة (يانصيب) الحياة بوجودها إلى بعض الناجين المروّعين والمنهكين.

وبين أوقات القتل الكبيرة، حدثت انقراضات أصغر كثيرة ومجهولة الهامفيلية Hemphillian، والفامية Famennian، والفرنزية Frasnian، والرانكولابريان Rancholabrean ومجموعة من الانقراضات الأخرى التي لم تكن مدمرة للأنواع الكلية جميعها، وإنما ضربت سكاناً معينين بشكل خطر في غالب الأحيان. اختفت الحيوانات التي ترعى، وبينها الأحصنة، تقريباً في الانقراض الهمفيلي منذ خمسة ملايين عام. وانحدرت الأحصنة إلى نوع واحد، ظهر بشكل متقطع في سجل الأحافير كأنه يريد أن يوحي أنه تأرجح لبعض الوقت على حافة النسيان. تخيلوا التاريخ البشري دور أحصنة، دول حيوانات ترعى.

ومن المحير أننا لا نملك تقريباً – في الحالات جميعها – فكرة عن أسباب الانقراضات الكبيرة والأكثر تواضعاً. فحتى بعد تعرية النظريات الأكثر جنوناً لا يزال هناك المزيد من النظريات بشأن سبب حوادث الانقراض، أكثر مما كان هناك حوادث. ولكن هناك أسباب تم تحديدها كعلل أو أسباب رئيسة، وهي ازدياد حرارة الأرض، وازدياد برودتها، ومستويات البحر المتغيرة، ونضوب الأوكسجين من البحار (وهذا وضع يعرف باسم الأنوكسيا)، والأوبئة، والتسربات

الكبيرة لغاز الميثان من قاع البحر، والاصطدامات النيزكية، والأعاصير الجبّارة مثل الهايبركينز hypercanes، والثورانات البركانية الضخمة والشواظ الشمسي الكارثي.

إن هذا الأخير هو بشكل خاص احتمال مثير للاهتمام. لا أحد يعرف كم يمكن أن يكون حجم الشواظ الشمسي؛ لأننا كنا نراقبه فحسب منذ بداية عصر الفضاء، ولكن الشمس آلة جبارة وعواصفها ضخمة. إن شواظاً شمسياً عادياً شيء لن نلحظه حتى على الأرض سيطلق طاقة مساوية لبليون قنبلة هيدروجينية، ويقذف في الفضاء مئة مليون طن من الجزيئات القاتلة ذات الطاقة العالية. إن الغلاف المغناطيسي والغلاف الجوي يطردان الشواظ إلى الفضاء، أو يوجهانه بأمان نحو القطبين (حيث ينتج الأشفاق القطبية الشمالية والجنوبية الجميلة)، ولكن يُعتقد أن انفجاراً كبيراً غير مألوف، لنقل أكبر من الشواظ المعتاد بمئة مرة، يمكن أن يقضي على دفاعاتنا الأثيرية. إن عرض الضوء سيكون عظيماً، ولكنه سيقتل فوراً بالتأكيد نسبة عالية جداً من كل من ينعم بوهجه، فضلاً عن ذلك، والأكثر إخافة، بحسب بروس تسوروتاني من مخبر الدّفع النّفثي في وكالة ناسا: «لن يترك أثراً من التاريخ».

إن هذا يقودنا – كما عبّر أحد الباحثين عن الأمر – إلى «أطنان من التخمين وقليل جداً من الأدلة». ويبدو كأن التبريد مرتبط بثلاثة حوادث انقراض على الأقل الأوردفيشي، والديفوني والبرمي، ولكن لا يُقبل عامة غير هذا، بما فيه إن كانت حادثة معينة قد حدثت بسرعة أو ببطء. لا يستطيع العلماء الاتفاق، مثلاً إن كان الانقراض الديفوني المتأخر الحدث الذي تبعه تحرك الفقاريات على الأرض حدث طوال ملايين السنين، أو آلاف السنين أو في يوم واحد.

إن أحد أسباب صعوبة تقديم شروح مقنعة للانقراضات هو إنه من الصعب جداً إبادة الحياة على نطاق واسع. وكما رأينا من اصطدام مانسون، يمكن أن تتلقى الحياة ضربة عنيفة، ومع ذلك تقوم بانتعاش كامل، حتى لو افترضنا أنه

غير مستقر. وهكذا لماذا - من بين آلاف الاصطدامات جميعها التي تحملتها الأرض – كان اصطدام كي تي KT الذي حدث منذ 65 مليون سنة، الذي حل بالديناصورات، مدمراً بشكل شاذ؟ حسناً أولاً، كان ضخماً وهائلاً. ضرب بقوة 100 ميغا طن. ليس من السهل تخيل انفجار كهذا، ولكن كما أشار جيمس لورنس باول، إذا فجرت قنبلة بحجم قنبلة هيروشيما لكل شخص يعيش على الأرض اليوم، فسيظل ينقصك نحو بليون قنبلة لتحدث أثر اصطدام كي تي. مع ذلك، حتى هذا وحده يمكن ألا يكون كافياً للقضاء على 70% من حياة الأرض، بما فيه الديناصورات.

كان لنيزك كي تي فائدة إضافية، إذا كنت من الثدييات، فهي أنه نزل في بحر قليل العمق لا يبلغ عمقه إلا 100 متر، وعلى الأرجح في الزاوية الصحيحة، في وقت كانت فيه مستويات الأوكسجين أعلى بنسبة 10% من الوقت الحاضر، وهكذا كان العالم قابلاً للاحتراق أكثر. وقبل كل شيء، كان قاع البحر حيث نزل مصنوعاً من الصخور الغنية بالكبريت. كانت النتيجة اصطداماً غير منطقة من قاع البحر بحجم بلجيكيا إلى ذريرات دقيقة من حمض الكبريتيك. بعد شهور، خضعت الأرض لأمطار حمضية بما يكفي لحرق الجلد.
بمعنى ما، هناك سؤال أهم من: «ما الذي قضى على 70% من الأنواع التي كانت موجودة في ذلك الوقت؟» وهو: «كيف استطاعت الثلاثون بالمئة المتبقية النجاة؟» لماذا قضى الحدث على الديناصورات جميعها دون استثناء، بينما نجت زواحف أخرى كالثعابين والتماسيح؟ لم تنقرض أي أنواع من الضفادع والسمادل والسمادر أو قوازب أخرى في أمريكا الشمالية. «لماذا بزغت هذه الكائنات الحساسة سليمة من كارثة كهذه لا نظير لها؟» كما سأل تيم فلانيري في كتابه المذهل عن أمريكا ما قبل التاريخ، (الحدود الأبدية).

كانت القصة نفسها تحدث في البحار. تلاشت الآمونيّة جميعها (رخويات منقرضة)، ولكن أبناء عمومتها النوتيات nautiloids – التي عاشت نمط حياة مشابهاً- نجت. ومن العوالق، انقرضت بعض الأنواع 92% من المنخريات، مثلاً

بينما كانت متعضيات أخرى مثل الدياتوم – المصممة لخطة مشابهة التي تعيش إلى جانبها - سليمة نسبياً.

هذه تناقضات صعبة. وكما يقول رتشارد فورتي: «لم يبدّ نوعاً ما مقنعاً أن ندعوها فقط بـ «المحظوظة» ونتركها عند هذا». إذا – كما يبدو من المحتمل بشكل كامل – تبع الحدث أشهر من الدخان المظلم الخانق، فهذا يعني أن كثيراً من الحشرات الناجية لن تستفيد. قال فورتي: «إن بعض الحشرات كالخنافس تستطيع العيش على الخشب أو أي شيء في الجوار. ولكن ماذا عن تلك التي كالنحل، التي تسافر في ضوء الشمس وتحتاج إلى غبار الطلع؟ ليس من السهل شرح سبب نجاتها».

قبل كل شيء، هناك المرجان. يحتاج المرجان إلى الأشنة كي يحيا وتحتاج الأشنة إلى ضوء الشمس، ويحتاج كلاهما إلى حد أدنى ثابت من درجة الحرارة. لقد حظي بكثير من الشهرة في الأعوام القليلة الماضية، القول: إن موت المرجان ناجم عن تغيرات في درجة حرارة البحر درجة أو ما يقارب ذلك. إذا كانت مهددة من تغيرات بسيطة، فكيف نجت من شتاء الاصطدام الطويل؟

هناك أيضاً كثير من التنوعات الإقليمية التي من الصعب شرحها. تبدو الانقراضات أقل حدة بكثير في نصف الكرة الجنوبي مما هو الأمر في نصف الكرة الشمالي. يبدو أن نيوزلندا قد نجت بشكل كامل ومع ذلك ليس فيها حيوانات جحور. حتى نباتاتها نجت بشكل كامل، ومع ذلك فإن وزن الحريق الهائل في الأمكنة الأخرى يوحي بأن الدمار كان على مستوى الكون. باختصار، هناك كثير الذي لا نعرفه.

ازدهرت بعض الحيوانات بشكل كامل، بما فيه – شكل مدهش قليلاً- السلاحف مرة أخرى. وقال فلانيري: إن المدة التي أعقبت فوراً انقراض الديناصورات يمكن أن تعرف بشكل جيد باسم عصر السلاحف. نجا ستة عشر نوعاً في أمريكا الشمالية، ثم ظهرت ثلاثة أنواع أخرى.



كان البقاء في المنزل في الشتاء مساعداً على ما يبدو. قضى اصطدام كي تي على 90% من الأنواع الأرضية تقريباً، وعلى 10% فقط من تلك التي كانت تعيش في المياه العذبة. فقد قدم الماء الحماية ضد الحرارة واللهب، ولكن من المفترض أيضاً أنه قدم الغذاء في المدة القاحلة التي تلت تبعتها. كانت حيوانات البر جميعاً التي نجت تمتلك عادة التراجع إلى بيئة أكثر أمناً في أوقات الخطر إلى الماء، أو إلى تحت الأرض قدم كل منهما مأوى معتبراً ضد التخريب الخارجي. إن الحيوانات التي تتبعت القمامة من أجل أن تحيا لا بد أنها تمتعت أيضاً بفائدة. كانت العظاءات، ولا تزال، كتيمة بشكل كبير على البكتيريا في الجثث المتآكلة. وكانت غالباً ما تنشد إليها، وكان هناك كثير من الجثث المتعفنة لوقت طويل.
غالباً ما يقال على نحو خاطئ: إن الحيوانات الصغيرة فحسب نجت من حادث كي تي. في الحقيقة، كان بين الناجين التماسيح، التي لم تكن كبيرة فحسب وإنما أكبر مما هي عليه الآن بثلاثة أمتار. وفي المجمل –من الصحيح – كان معظم الناجين صغاراً وماكرين. إذا كان العالم مظلماً ومعادياً فهذا هو الوقت المثالي كي تكون صغيراً، وثابت الحرارة، وناشطاً في الليل، ومرناً في الغذاء وحذراً بطبيعتك: الصفات ذاتها التي ميزت أسلافنا من الثدييات. فلو كان تطورنا أكثر تقدماً، لكنا انقرضنا على الأرجح. وبدلاً من ذلك، وجدت الثدييات نفسها في عالم كانت مناسبة له كأي شيء حي.
على أي حال، لم يبدُ كأن الثدييات اندفعت نحو الأمام كي تملأ كل مشكاة. قال عالم الإحاثة والبيولوجيا ستيفن. م. ستانلي: «إن النشوء يمكن أن يمقت الفراغ، ولكن غالباً ما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لملئه». ربما بقيت الثدييات صغيرة حذرة مدة عشرة ملايين عام. وفي بداية العصر الثلثي (العصر الأول من الدهر الحديث)، لو كنت بحجم هرة برية لكان بوسعك أن تكون ملكاً.
حالما انطلقت الثدييات توسعت بشكل كبير، وأحياناً إلى درجة منافية للطبيعة والعقل. كان هنالك لبعض الوقت خنازير غينية بحجم كركدنات وكركدنات بحجم منزل بطابقين. وأينما كان هناك فراغ-في سلسلة الحيوانات الضارية، كانت الثدييات تنشأ (بالمعنى الحر في غالباً) كي تملأه. إن الأعضاء الأوائل من حيوانات الراكون (الغرير الأميركي) هاجرت إلى جنوب أمريكة، اكتشفت فراغاً، وتطورت إلى حيوانات بحجم الدب ووحشيته. ازدهرت الطيور أيضاً بشكل غير متناسب. فطوال ملايين السنين، كان هناك طائر عملاق، لا يطير، لاحم يُدعى تيتانيس Titanis، ومن المحتمل أنه كان الحيوان الأكثر وحشية في أمريكة الشمالية. كان بالتأكيد الطائر الأكثر إثارة للخوف الذي سبق أن وجد. كان ارتفاعه ثلاثة أمتار، ويزن أكثر من 350 كيلوغراماً، وله منقار يستطيع أن يقطع رأس أي شيء يزعجه. عاشت عائلته مهيمنة خمسين مليون سنة، ولكن لم يعرف أحد أنه وجد إلى أن عثر على هيكل عظمي له في فلوريدة عام 1963.
يقودنا هذا إلى سبب آخر لعدم يقيننا بالانقراضات: ضآلة سجل الأحافير. تحدثنا سابقاً عن صعوبة تحول أي مجموعة من العظام إلى أحافير، ولكن السجل سيئ بالفعل أكثر مما نتصور. فكروا في الديناصورات. إن المتاحف تقدّم انطباعاً بأنه لدينا وفرة عالمية من أحافير الديناصورات. في الواقع إن عروض المتاحف الطاغية هي اصطناعية. إن الديناصور العاشب العملاق الذي يهيمن على مدخل صالة متحف التاريخ الطبيعي في لندن، الذي أمتع وعلم أجيالا من الزوار مصنوع بشكل كامل من الجص. بني عام 1903 في بطرسبرغ وقدمه إلى المتحف أندرو كانريجي. أما صالة الدخول في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك فيهيمن عليها مشهد أكثر عظمة: هيكل عظمي لباروسوروس Barosaurus ضخم يدافع عن طفله من هجوم ألوسوروس allosaurus طائر وبارز الأسنان. إنه عرض مؤثر بشكل رائع. يبلغ ارتفاع الباروسوروس 9 أمتار، ولكنه مزيف بشكل كامل. إن كل عظم من العظام المعروضة التي يبلغ عددها عدة مئات هي مصبوبة. زوروا أي متحف تاريخ طبيعي ضخم في العالم في باريس وفيينا وفرانكفورت وبوينس آيرس ومكسيكو سيتي وما سيستقبلكم هي أشكال قديمة وليس عظاماً قديمة.
لا نعرف في الواقع كثيراً عن الديناصورات. لم يحدد من مجمل عصر الديناصورات إلا ألف نوع (عرف نصفها تقريباً من عينة واحدة)، التي هي ربع عدد الأنواع الثدية الحية اليوم تقريباً. ضعوا في أذهانكم أن الديناصورات حكمت الأرض أكثر من الثدييات بثلاث مرات تقريباً، وهكذا فإما أن الديناصورات كانت غير منتجة للأنواع بشكل لافت، أو ربما بالكاد خدشنا السطح (إذا استخدمنا الكليشيه الطيّعة بشكل لا يقاوم).
لم يُعثر على أحفور واحد طوال ملايين السنين في أثناء عصر الديناصورات. حتى في العصر الطباشيري العصر الذي درس أكثر من غيره هناك، بفضل اهتمامنا الطويل بالديناصورات وانقراضها، نعلم أن نحو ثلاثة أرباع من كل الأنواع التي عاشت لم تكتشف بعد. من المحتمل أن حيوانات أكبر من الديناصورات العاشبة أو أكثر مقتاً من التيرانوصورات (ديناصورات ضخمة لاحمة) طافت على الأرض بالآلاف، ويمكن ألا نعرف ذلك أبداً. وحتى وقت متأخر جداً، جاء كل ما هو معروف عن الديناصورات في هذا العصر من نحو ثلاث مئة عينة فقط تمثل ستة عشر نوعاً. قادت ضآلة السجل إلى اعتقاد واسع الانتشار بأن الديناصورات كانت في طريقها إلى الانقراض حين حصل اصطدام كي تي.
في أواخر الثمانينيات قرر عالم إحاثة من متحف ميلوكي العام يدعى بيتر شيهان القيام بتجربة. مستخدماً 200 متطوع، قام بإحصاء مجهد لمنطقة محددة جيداً ومنتقاة، جيداً هي (هل كريك فورميشين) في مونتانة. غربل المتطوعون بدقة، وجمعوا كل الأسنان والفقرات وقشور العظام، وكل ما أهمله المنقبون السابقون. استغرق العمل ثلاث سنوات. حين انتهوا، اكتشفوا أنهم ضاعفوا أكثر من ثلاث مرات من أجل الكوكب عدد أحافير الديناصورات من أواخر العصر الطباشيري. ووصل المسح إلى أن الديناصورات بقيت عديدة حتى زمن اصطدام كي تي. وقال شيهان: «ليس هناك سبب للاعتقاد بأن الديناصورات كانت تنفق بالتدريج في أثناء الأعوام الثلاثة ملايين الأخيرة من العصر الطباشيري».



الفصل الثاني والعشرون غنى الوجود
بقي متحف التاريخ الطبيعي في لندن، وداخل تجاويف مضاءة من الداخل في المعابر، أو بين علب زجاجية من المعادن وبيض النعام والأشياء المتناثرة بغير انتظام، التي تعود إلى قرن أو أكثر، تتوزع أبواب مغفلة، لا تجذب انتباه الزوار. وبين فينة وأخرى يمكن أن تشاهد شخصاً ما شارداً وبشعر فوضوي بشكل متعمد وممتع. إنه أحد الباحثين الذي يبزغ من الأبواب ويسرع عبر ممر، كي يختفي عبر باب آخر أبعد بقليل، ولكن هذا حدث نادر نسبياً. ففي معظم الأحيان تبقى الأبواب مغلقة، ولا تمنح تلميحاً أنه يوجد خلفها متحف طبيعي آخر مماثل أكبر وأروع من ذلك الذى يعرفه العامة ويعشقونه.
يحتوي متحف التاريخ الطبيعي على سبعين مليون شيء من ميادين الحياة وزوايا الكوكب جميعها، ويضاف إلى المجموعة مئة ألف شيء كل عام، ولا يمكن أن تفهم أي كنز منزلي يمثله هذا المخزن إلا خلف الستائر. ففي غرف طويلة ملأى برفوف قريبة من بعضها يحفظ عشرات الآلاف من الحيوانات المخللة في الزجاجات، وملايين الحشرات مثبتة على مربعات من الأوراق، وأدراج من الرخويات البراقة، وعظام ديناصورات، وجماجم بشر أوائل، وطيات لا تنتهي من النباتات المضغوطة بأناقة. يبدو الأمر قليلاً وكأنك تتجول في دماغ دارون. إن غرفة الكحول وحدها تحتوي على رفوف عليها أوان فوق أخرى فيها حيوانات محفوظة في الكحول المميثل.
ثمة عينات جمعها جوزف بانكس من أسترالية، وألكسندر فون همبولتمن من الأمازون ودارون في رحلة البيجل، وكثير من الأشياء الأخرى التي هي إما نادرة جداً أو مهمة تاريخياً أوكلا الأمرين. يحب كثير من الأشخاص اقتناء أمور كهذه. وهناك قلة تقتني مثلها. وفي عام 1954 حصل المتحف على مجموعة مميزة من الطيور من عزبة جامع مخلص يدعى رتشارد ماينرتزاغن Richard Meinertzhagen، الذي ألف كتاب (طيور شبه الجزيرة العربية)، بالإضافة إلى أبحاث أخرى. كان من المسهمين المخلصين في المتحف طوال سنوات، وكان يأتي يومياً كي يسجّل ملاحظات لتأليف كتبه ودراساته. حين وصلت الصناديق قام أوصياء المتحف بفتحها بلهفة؛ كي يشاهدوا ما ترك وقد فوجئوا، إذا قلنا بخفة، حين اكتشفوا أن عدداً ضخماً من العينات كانت تحمل اسم المتحف نفسه. وتبين أن السيد ماينرتزاغن كان يأخذ من مجموعتهم طوال سنوات. وهذا فسر سبب ارتدائه لمعطف ضخم في أثناء الطقس الدافئ.
بعد بضع سنوات قبض على زائر منتظم عجوز في قسم الرخويات «كان سيداً مميزاً«، كما قيل لي وهو يضع أصدافاً بحرية قيّمة في السيقان المجوفة لعكازه.
«لا أفترض أن هناك أي شيء لا يشتهيه شخص ما في مكان ما»، قال رتشارد فورتي وهو يفكر فيما كان يقودني في زيارة للعالم الساحر، الذي خلف الستائر من العظام المصفرة. كان هناك في الأمكنة جميعها جو من التأني، أشخاص منخرطون في مسعى هائل لا يمكن أن يكتمل ويجب ألا يكون مستعجلاً. وفي 1967 –كما قرأت – أصدر المتحف تقريره عن حملة جون مري، وهو مسح للمحيط الهندي، بعد أربع وأربعين سنة من اختتام الحملة. هذا عالم تتحرك فيه الأشياء بسرعتها الخاصة، بما فيه مصعد صغير استخدمته أنا وفورتي مع رجل كبير السن يبدو باحثاً تحدث معه فورتي بدماثة ودية، فيما كنا نصعد بالسرعة التي تترسب فيها الرسابة.
حين رحل الرجل، قال لي فورتي: «إنه شخص ظريف جدا يدعى نورمان أمضى 42 سنة وهو يدرس عينة واحدة من النبات، عشبة القديس جون. استقال في عام 1989، ولكنه لا يزال يأتي كل أسبوع».
سألته: «كيف تمضي اثنتين وأربعين سنة على عينة واحدة من النبات ؟».
«هذا لافت للنظر، أليس كذلك؟» وافق فورتي. فكر للحظة. «إنه دقيق ومتأنْ جداً على ما يبدو». فتح باب المصعد كي يكشف فتحة مسقوفة بالأجر. بدا فورتي مذهولاً. قال: «هذا غريب جداً. كان هذا خاصاً بالنباتات». ضغط على زر إلى طابق آخر، ثم عثرنا على طريقنا أخيراً إلى النباتات عن طريق درج خلفي ومعبر جميل عبر المزيد من الأقسام، حيث كان الباحثون يعكفون على دراسة الأشياء التي كانت حية مرة. وهكذا تم تعريفي على (لين إليس) والعالم الهادئ للطحلبيات.
حين قال إمرسون بشكل شاعري: إن الطحالب تفضل الجوانب الشمالية من الأشجار (الطحلب الذي فوق لحاء الغابة، كان نجماً قطبياً حين كان الليل مظلماً) كان يعني في الحقيقة الأشنة، ذلك أنه في القرن التاسع عشر لم يكن يميز بين الطحالب والأشنيات. فالطحالب الحقيقية لا يهمها كثيراً أين تنمو، وهكذا فهي ليست جيدة كبوصلات طبيعية. والواقع أن الطحالب ليست مفيدة في أي شيء. قال هنري س. كونراد، بحزن على الأرجح في كتاب كيف نعرف الطحالب وحشيشة الكبد الذي نشر في عام 1956، ولا يزال يوجد على رفوف المكتبات بوصفه محاولة أولى لتعميم هذا الموضوع: «ربما لا توجد مجموعة كبيرة من النباتات لها فوائد تجارية واقتصادية قليلة كالطحالب».
إنها –على أي حال – غزيرة. إذا أزيلت الأشنيات، فإن الطحلبيات مملكة مشغولة، فيها أكثر من عشرة آلاف نوع محتوى داخل سبع مئة جنس. إن كتاب الأزهار الطحلبية في بريطانية وأيرلندة الضخم والمهيب الذي ألفه إي. جي. إي سميث، يصل إلى سبع مئة صفحة، بالرغم من أن بريطانية وأيرلندة لا تكثر فيهما الطحالب. أخبرني لين إليس: «في المناطق الاستوائية تعثر على التنوع». إنه رجل نحيل، عمل في متحف التاريخ الطبيعي مدة 27 عاماً وصار مدير القسم منذ 1990. «تستطيع الذهاب إلى أمكنة كالغابات المطرية في ماليزيا، وتعثر على تنوّعات جديدة بسهولة نسبية. فعلت ذلك بنفسي منذ مدة قصيرة. نظرتُ إلى الأسفل وكان هناك أنواع لم تسجّل أبداً».
«وهكذا لا نعرف كم هنالك من الأنواع التي لم تكتشف بعد؟».
«كلا، ليست لدينا أدنى فكرة».
يمكن ألا تعتقدوا أنه سيكون هنالك كثير من الأشخاص في العالم مستعدين كي يكرسوا حياتهم لدراسة شيء غير ذي أهمية، ولكن عدد المهتمين بالطحالب، في الواقع - يبلغ المئات ويمتلكون مشاعر قوية تجاه موضوعهم – أخبرني إليس: «آه، نعم، يمكن أن تصبح الاجتماعات حيوية جداً أحياناً».
سألته عن مثال عن الجدل.
«حسناً، هناك جدل سلطه علينا أحد أبناء بلدك»، قال وهو يبتسم بخفوت، وفتح مرجعاً كبيراً يحتوي على رسوم للطحالب التي كانت صفتها الأكثر بروزاً للعين غير المدربة، هي تشابهها الواضح مع بعضها بعضاً. قال وهو يشير إلى نبتة من الطحالب: «اعتادت هذه أن تكون جنساً واحداً، يدعى دريبانوكلادوس DrepanOcladuS. والآن أعيد تنظيمه في ثلاثة: دريبانوكلادوس DrepanocladuS، وأرنستورفيا
WarnStorfia، ومهماتا كوليس HamataCOulis».
«وهل أدى هذا إلى لكمات؟» سألت بلمسة أمل ربما.
«حسناً، كان له معنى. معنى تام. ولكنه عنى أننا يجب أن نقوم بكثير من إعادة ترتيب المجموعات، وجعل الكتب جميعاً دون فائدة لبعض الوقت، وهكذا كان هناك قليل من التذمر».
تشكل الطحالب ألغازا أيضاً، كما أخبرني. وفي إحدى الحالات المشهورة للمهتمين بالطحالب جميعاً، كان هناك نوع متقاعد يدعى هيوفيلا ستانفوردانسيس Hyophila Stanfordensis، اكتشف في حرم جامعة ستانفوردفي كاليفورنية، وعثر عليه فيما بعد ينمو إلى جانب ممر في كورنوال، ولكن لم ير في أي مكان بينهما. كيف حدث ووجد في مكانين غير متصلين، أمر لا أحد يعرف عنه شيئاً، قال إليس: «يعرف الآن باسم هينيدييلا ستانفوردانسيس Hennediella Stanfordensis. وهذا تنقيح آخر».
هززنا رأسينا مفكرين.
حين يُعثر على طحلب جديد يجب أن يقارن مع جميع الطحالب الأخرى؛ للتأكد من أنه لم يُسجّل من قبل. ثم يجب أن يكتب وصف شكلي وتُلتقط صور وتنشر النتيجة في مجلة محترمة. ونادراً ما تأخذ العملية كلها أقل من ستة أشهر. لم يكن القرن العشرون قرناً عظيماً لعلم تصنيف الطحالب. فقد كرّس عمل القرن معظمه لحل الفوضى والتكرارات التي خلفها القرن التاسع عشر.
كان هذا العصر الذهبي لجمع الطحالب (يمكن أن تتذكروا أن والد تشارلز ليل كان جامع طحالب عظيماً). وهناك شخص دعي بشكل مناسب بالإنكليزي، هوجورج هنت، جمع الطحالب الإنكليزية بمواظبة وربما أسهم في انقراض عدة أنواع. ولكن بفضل جهود كهذه إن مجموعة (لين إليس) هي الأشمل في العالم. إن عيناته البالغ عددها 780,000 ضغطت في أوراق مطوية كبيرة من الورق الثقيل، بعضها قديم جداً ومغطى بكتابة فكتورية تشبه نسيج العناكب. إن كل ما نعرفه هو أن روبرت براون، عالم النبات الفكتوري العظيم كتب بعضها، وكشف النقاب عن الحركة البراونية ونواة الخلايا، وأسس وأدار قسم النبات في المتحف في سنواته الإحدى والثلاثين الأول إلى أن وافته المنية في عام 1858. حَفظت العينات جميعها في خزن لامعة من خشب الماهوغاني الرائعة التي أشرت إليها.
«آه، هذه كانت للسير جوزف بانكس، من منزله في حي سوهو» قال إليس تلقائياً، وكأنه يشير إلى عملية شراء حديثة من إكيا IKea. «لقد بناها؛ كي تحمل عيناته من رحلة الإنديفور». نظر إلى الخزن مفكراً، وكأنه ينظر إليها للمرة الأولى في مدة طويلة، وقال: «لا أعرف كيف وصلنا إليها في علم الطحالب».
كان هذا كشفاً مذهلاً. كان جوزف بانكس أعظم عالم نبات في بريطانية، وفي رحلة الإنديفور التي رسم فيها القبطان كوك عبور كوكب الزهرة في عام 1769 وطالب بضم أسترالية إلى التاج، بين أمور كثيرة كانت أعظم رحلة نباتية في التاريخ. دفع بانكس 10,000 باوند، نحو600,000 جنيه بنقود اليوم، كي يشارك هو وفريق من تسعة أشخاص هم عالم طبيعي، وسكرتير، وثلاثة فنانين وأربعة خدم في المغامرة التي استمرت ثلاث سنوات حول العالم. لا أحد يعرف ما الذي فعله الكابتن كوك بتلك المجموعة المدللة والمخملية، ولكن بدا كأنه أحب بانكس بما يكفي وأعجب بمواهبه في النباتات، وهذا شعور شاركته فيه الأجيال اللاحقة.
لم يحدث من قبل أن أنجز فريق نباتي انتصارات أعظم. وكان السبب في ذلك أن الرحلة شملت كثيراً من الأمكنة الجديدة المعروفة قليلاً تييرا ديل فويغو، وتاهيتي، ونيوزلندة، وأسترالية، و غينية الجديدة ولكن كان السبب الأهم في ذلك هو أن بانكس كان جامعاً ذكياً ومبتكراً. حتى حين لم يكن قادراً على النزول إلى شاطئ ريو دي جانيرو بسبب حجر صحي، غربل كمية من العلف لحيوانات السفينة وقام باكتشافات جديدة. لا شيء أفلت من انتباهه. أحضر معه ثلاثين ألف عينة من النباتات، وبينها 1400 لم تشاهد من قبل، ما يكفي كي يضيف الربع إلى عدد النباتات المعروفة في العالم.
ولكن مخزون بانكس الكبير كان جزءاً فحسب من الحمل الكلي فيما كان عصراً نهماً للجمع. إذ صار جمع النباتات في القرن الثامن عشر نوعاً من الهوس العالمي. وكان المجد والثروة على السواء ينتظران أولئك الذين يستطيعون العثور على أنواع جديدة، وذهب علماء النبات والمغامرون إلى أكثر المناطق بعداً، كي يشبعوا شهوة العالم للجدة الجنانيّة. إن توماس نوتال –الرجل الذي سمى نبات الوستارية المتعرش على اسم كاسبارويستار- جاء إلى أمريكة عامل طباعة غير متعلم اكتشف ولعه بالنباتات وكان يجتاز نصف البلاد ويعود ثانية، جامعاً مئات النباتات التي لم تر من قبل. وأمضى جون فريز -الذي سُمي التنوب (فريزر فير) على اسمه- سنوات في البرية يجمع لصالح كاثرين العظيمة واكتشف أن القيصر الروسي اعتقد أنه مجنون ورفض أن يصادق على عقده. أخذ فريزر كل شيء إلى تشيلسي، حيث افتتح داراً للحضانة النهارية وحقق دخلاً جيداً من بيع أزهار الرهودودندرونز rhododendrons، الأزالية والمنغوليا ونبات فرجينيا المتسلق وزهرة النجمة وغرائب أخرى كولونيالية لأبناء الطبقة العليا المسرورين.
كان من الممكن جمع مبالغ كبيرة عبر الاكتشافات المناسبة. فقد أمضى عالم النبات الهاوي جون ليون عامين صعبين وخطرين في جمع العينات، ولكنه
حصل على ما يعادل 125,000 باوند مقابل جهوده . وقد فعل كثيرون هذا لمجرد النباتية. وفي النهاية أصبح مدير حديقة هارفارد النباتية، ومؤلف موسوعة أجناس نباتات أمريكة الشمالية (الذي لم يكتبه فحسب وإنما نضده أيضاً).
كانت هذه نباتات فحسب. كان هناك أيضاً الحياة الحيوانية للعوالم الجديدة: الكناغر، والكيوي، والراكون، والهر البري والبعوض وأشكال أخرى غريبة خارج التصور. كان حجم الحياة على الأرض لانهائياً على ما يبدو، كما قال جوناثان سويفت في بعض الأسطر الشهيرة:
وهكذا يرصد علماء الطبيعة برغوثاً
تتغذى عليه براغيث أصغر
وهناك أخرى أصغر تتغذى على هذه
وهكذا تمضي الأمور إلى ما لا نهاية.
كانت هذه المعلومات الجديدة جميعها بحاجة إلى تصنيف وترتيب ومقارنة بما كان معروفاً. كان العالم متلهفاً لوضع منهج تصنيف قابل للعمل. ولحسن الحظ كان هناك رجل في السويد مستعدّ لتقديمه.
كان اسمه كارل ليني (تغير فيما بعد – بإذن- إلى الاسم الأكثر أرستقراطية فون ليني)، ولكنه يذكر الآن بالصيغة اللاتينية كارولس لينييوس. ولد عام 1707 في قرية راسهولت في جنوب السويد، ابناً لراعي أبرشية لوثري فقير وطموح، وكان طالباً كسولاً بحيث إن والده الغاضب مرنه لدى إسكافي. خائفاً من احتمال قضاء حياته وهو يدق المسامير في الجلد، توسل الصغير ليني من أجل فرصة أخرى، فمنحت له، ولم يتعثر بعد ذلك أبد