Advertisement

نحن والعلم


نحن والعلم




نحن والعلم

تأليف
علي مصطفى مشرفة




نحن والعلم

علي مصطفى مشرفة
?
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تصميم الغلاف: سحر عبد الوهاب.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



المرحوم الدكتور علي مصطفى مشرفة باشا، وُلد في ???/???/?????، وانتقل إلى الرفيق الأعلى في ???/???/?????.

مقدمة


العلم في الأصل مصدر من عَلِمَ … وعلم الشيء أي عرفه … وبذا يكون علمًا كل ما دخل في علم البشر، إلا أن هذا المعنى الواسع للفظ قد حدده وضيق دائرته الاصطلاح في عصرنا الحالي.
فالعلم كما أصبح مصطلحًا عليه — مجموعة من الدراسات لها غرض ثابت ومنهاج واضح ودائرة محددة.
فأما عن الغرض فهو الوصول إلى المعرفة، وأما عن المنهاج فإن العلم يُستخدم في بحثه نتائج الخبرة المباشرة عن طريق الحواس كما يستخدم التفكير المنطقي المنظم، وأما عن دائرة العلم فهذه هي الطبيعة أو هي كل ما يمكن أن يشاهَد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، هذه الأمور الثلاثة على بساطتها كثيرًا ما تغرب عن بال من يتعرضون للكلام عن العلم والعلماء.
وتنقسم العلوم أقسامًا مختلفة تبعًا لموضوعاتها؛ فعلم الفلك مثلًا موضوعه الأجرام السماوية وحركاتها في الفضاء وصفاتها الطبيعية، وعلم الكيمياء موضوعه المركبات والعناصر وطرائق تألفها وتفرقها، وعلم النبات موضوعه النبات، وعلم الحيوان موضوعه الحيوان … وهكذا، على أن تقسيم العلوم إنما هو أمر اعتباري؛ فالطبيعة متصلة الأجزاء ولذلك فالعلم متصل الأجزاء.
والعلم بالمعنى الذي وضحته يسمى في بعض الأحايين بالعلم البحت تمييزًا له عن العلم التطبيقي أو التكنولوچيا، والعلاقة بين العلم البحت والعلم التطبيقي تشبه العلاقة بين العلم والعمل؛ فالكيمياء مثلًا أحد العلوم البحتة وهي دراسات يُقصد بها معرفة تفاعلات العناصر والمركبات معرفة موضوعية، والعالِم الكيميائي إنما يعني بالوصول إلى هذه المعرفة. والكشوف الكيميائية إنما هي الزيادة في هذه المعرفة، أما الكيمياء الصناعية فعلم تطبيقي يُقصد به تطبيق الكيمياء على الصناعة واستخدام نتائج العلم البحت في خدمة الصناعات البشرية، فالعلوم التطبيقية إذًا ليست علومًا بالمعنى الصحيح وإنما هي صناعات أو فنون، أو هي كما يسميها الإفرنج تكنولوچيا.
ونحن إذا رجعنا إلى تاريخ العلوم وجدنا أن اشتغال الناس بالعلوم البحتة وطلب المعرفة لذاتها قديم كقِدم المدنية البشرية، فالمصريون والبابليون والإغريق والعرب بحثوا عن الحقيقة الموضوعية شغفًا بها ورغبة فيها، وليس هذا بغريب إذ إن الطفل في حداثته شغوف بطلب المعرفة وَلُوع بمعرفة ما لم يكن يَعرف. هذا التعطش إلى إدراك الحقيقة جزء لا يتجزأ من النفس البشرية يلازم الإنسان من مهده إلى لحده، وهو قوة يستخدمها المربون في تعليم النشء وتثقيفه كما أنه عامل أساسي في تطور العمران. على أنه إذا كان حب المعرفة متأصلًا في نفوس الناس جميعًا فإن التفرغ للعلم والعناية به وتقديره حق قدره من مميزات الخاصة دون العامة من الناس، فمن لم يتذوق حلاوة العلم في صغره شبَّ جاهلًا، بل إن الكثيرين ممن تعلموا ووصلوا إلى درجة لا بأس بها من المعرفة قلما يجدون في العلم متعة أو لذة فكرية. ومن أصعب الأمور على العالِم أن يقنع الجاهل بقيمة العلم، كما أن من أصعب الأمور على قواد الفكر في أمة جاهلة أن يقودوا الرأي العام فيها إلى الاهتمام بالعلم، وهم يلجأون في الغالب إلى نوع من التحايل البريء ليصلوا إلى أهدافهم، فالجاهل لكي يقتنع يطلب شيئًا ماديًّا يقتنع به، وإذن وجب لإقناعه بمزايا العلم أن تترجَم هذه المزايا إلى أشياء مادية ملموسة يفهمها أصحاب المتخيلات الضيقة.
وفي العصور الماضية من تاريخنا، وعلى وجه الخصوص في العصر الإسلامي، كان الحكام والأمراء يقربون العلماء ويعترفون بفضلهم وييسرون لهم عيشهم لكي يتمكنوا من القيام بواجبهم السامي في خدمة العلم، ولولا ذلك لما ازدهرت العلوم في العصر الأموي ولما كانت الحياة العلمية في الأمة ناضجة قوية، ولو أنها كانت محصورة في دائرة من خاصة الناس يغشون مجالس العلماء ويختلفون إليها.
ولما انتقلت معارف العرب إلى الإفرنج في أوربا نهجوا نهج العرب وقام أمراؤهم وملوكهم باحتضان الحركة العلمية وتشجيعها، فأُسست الجامعات في القرون الوسطى وخاصة في القرنين الثاني عشر والثالث … ثم تلا ذلك النهضة الفكرية في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر فأُنشئت المجامع العلمية في القرن السابع عشر وازدادت الحياة العلمية والفكرية نشاطًا وحركة بين الأوربيين حتى وصلت إلى ما هي عليه في عصرنا الحالي.
ولقد امتد ميدان العلم في عصرنا الحالي واتسعت أرجاؤه حتى صار من الصعب أن نجد مبحثًا من المباحث لم يتناوله أو شأنًا من الشئون لم يعالجه، وليس في ذلك غرابة فالعلم إن هو إلا التفكير البشري المنظم، وكما أن الفكر لا يُعرف له حد يقف عنده أو طرف ينتهي فيه، كذلك العلم شأنه شأن الفكر في ذلك سواء بسواء.
إذا ذكرت التفكير البشري وأبنت أن لا حدود له فإنما أقصد التفكير الحر المطلق من قيود الجهالات وأغلال الأساطير والخرافات، فطالما رزح الفكر تحت هذه السلاسل مكبلًا بها، ولطالما عانت البشرية من جزاء ذلك وبالًا ونكالًا، ففي القرون الوسطى كانت درجة حرية الفكر ضئيلة، ولذا كانت دائرة البحث العلمي ضيقة، ولم يكن يجسر أحد على إعلان رأيه حتى في أبعد الأمور عن نظم المجتمع وعاداته وأقلها اتصالًا بها مخافة أن يُسَفَّهَ قولُه باسم هذه النظم والعادات وأن يُرمى بأشنع الطعون والاتهامات، وأي شيء أبعد عن المجتمع البشري وأقل اتصالًا بماداته من حركات الكواكب في أفلاكها؟ ومع ذلك فإن كوبرنيك لما قام يدلل على حقيقة هذه الحركات في المجموعة الشمسية ويبين أن الشمس هي المركز الذي تدور حوله الأرض والكواكب جميعًا حُورب حربًا شديدة واتُّهم بالكفر والزندقة وأحلت به صنوف التعذيب وألوان العسف والتنكيل. ولست أريد أن أخوض في أمر هذه الاضطهادات التي مُني بها العلم والعلماء في القرون الوسطى فإن خبرها شائع معروف، وإنما سقتها للتدليل على أهمية حركة الفكر كشرط من شروط انتشار العلم، بدونه لا يرجى للعلم تقدُّم أو نمو، وبه يُمكن من تأدية رسالته ومواصلة جهوده في ميدانه الفسيح لا تحده إلا قوانين المنطق السليم، ولا يعترف بسلطان غير سلطان الحقائق الواقعة والتفكير الصحيح؛ لهذا نما العلم واتسعت دائرته في عصرنا الحديث.
وهناك صفة أخرى يتميز بها كل قول يقول به العلم وكل رأي يصدر عن عالِم ألا وهي صفة تقرير الواقع؛ فالعلم إذ يتحدث إنما يتحدث عن الحقائق التي تقع تحت سمعنا وبصرنا وسائر حواسنا، وهو لا يتحدث عما يقع تحت بصر زيد أو عمرو من الناس بل عما يستطيع كل إنسان أن يتحقق منه بنفسه وعن طريق حواسه، وفي كل هذا يصوغ العلم عباراته في صورة خبرية بعيدة عن ميول النفوس وأهوائها؛ فهو لا يحب شيئًا ولا يكره شيئًا، ولا يعجب بشيء ولا يسخر من شيء، ولا ينادي بشيء، ولا يحط من قدر شيء، وإنما هو يقدر الحقيقة الواقعة من حيث هي وبصرف النظر عن أثرها في النفس البشرية.
هذه المعاني مجتمعةً هي ما يعبر عنه العلماء بقولهم: إن العلم إنما يتعرض للحقائق ولا يُعنى بالقيم، والقيم هنا لفظ اصطلح عليه الفلاسفة وأرادوا به كل ما ارتبط بأغراض البشر من معانٍ تقوم بالذهن ولا تدل على حقيقة واقعة في الخارج، فالعلم إذا نظر إلى ظاهرة من ظواهر الطبيعة كغروب الشمس مثلًا، حاول أن يصفها كما يجدها كحقيقة واقعة في الخارج، فنظر إلى الحركة النسبية بين الأرض والسماء التي ينشأ عنها اختفاء الشمس تحت الأفق ونظر إلى قوانين هذه الحركة وأنظمتها، كما نظر إلى الإشعاع الصادر عن الشمس وولوجه في جوف الأرض، وتأثر هذا الإشعاع بجزئيات الهواء وبالجسيمات الأخرى التي تعترض سبيله، وما ينشأ عن هذا من احمرار يُقاس بطول موجة الضوء … وهكذا. أما ما يُحدثه غروب الشمس في نفس الناظر من شعور بالجمال أو إعجاب بالطبيعة أو رهبة من اقتراب الليل، فكل هذه أمور لا تدخل في حساب علم الطبيعة ولا يَنصبُ نفسَه لتحصيلها، وليس معنى هذا أن العلماء قوم قد ماتت مشاعرهم وانعدم إحساسهم وغفلت ضمائرهم، بل بالعكس قد دلت التجربة على أن الاشتغال بالدراسات العلمية يرهف الإحساس ويبعث في النفوس حب الخير والصدق والجمال، وإنما المقصود أن العلم يرسم لنفسه دائرة لا يخرج عنها هي الدائرة التي يستطيع أن يعمل فيها معتمدًا على المشاهدة المباشرة والمنطق الصحيح. فكل ما وقع تحت الحس يقع في دائرة العلم ولا يخرج عن هذه الدائرة إذن إلا ما استحال التحقق من وجوده، ومعنى هذا في الواقع إنما هو أن دائرة العلم تتسع لكل ما له وجود حقيقي في الخارج.
هذه المناقشة الفلسفية ضرورية إلى حد ما في تفهُّم مهمة العلم وأغراضه، إلا أننا في غير حاجة إلى فلسفة كلامية لكي ندرك ما صار للعلوم من أهمية في المجتمع البشري، فكل شيء يحيط بنا اليوم في حياتنا الحديثة يكاد ينطق بفضل العلوم، وكل تقدُّم في فنون المجتمع البشري ووسائله ومرافقه إنما هو ثمرة من ثمرات العلم والبحث العلمي. ولم يعد النظر في أمر العلم مسألة كلامية أو مبحثًا نظريًّا، بل ضرورة تقتضيها حياة الأمم كما تقتضيها حياة الأفراد. ومن العبث أن نضيع الوقت في محاسبة العلم على ما صنعه من أجل المجتمع وهل كان هذا الصنيع صنيعًا حسنًا أو كان بالعكس عملًا ضارًّا، فكل هذا لا يجدي شيئًا في الوقت الذي تتسابق فيه أمم العالم بأسره في الأخذ بنتائج العلوم وفي استخدام الوسائل العلمية لإصلاح أمورها الداخلية وفي الدفاع عن حياتها وسلامتها.
أجل وإننا إذا فكرنا مليًّا واستعرضنا الأمم المتحضرة على تفاوت حظوظها من الحضارة، وتبايُن أقساطها من التقدم الإنساني؛ ألفينا أعظمها نصيبًا من المدنية أكثرها اهتمامًا بالعلوم، وأدناها حظًّا من التقدم والسُّؤدد البشري أقلها اكتراثًا بشأن العلم والعلماء، وذلك بأن الحياة الحديثة والحضارة الحديثة والتقدم الحديث هي جميعًا وليدة العلم لا تحيا إلا به ولا تقوم إلا عليه؛ فلا غرابة إذن في أن تكون العناية به معيارًا لها ودليلًا عليها.
ونحن في مصر، أين مكاننا بين هذه الأمم؟ وما مبلغ ما وصلنا إليه من العناية بأمر العلم؟ وإلى أي حد يمكن أن نزعم أن حياتنا الحديثة مدعمة على أسس علمية صحيحة؟ لست أبغي من وراء إثارة هذا السؤال أن أزج بنفسي وبالقارئ في مناقشات جدلية، ولكن شيئًا واحدًا محقق، وشيئًا واحد لا يتقبل الجدل أو النقاش، ألا وهو: أننا إذا أردنا أن يكون لنا مكان معلوم بين أمم الأرض المتحضرة وأن نتبوأ البيئة اللائقة بما بين الممالك والشعوب، وَجَب علينا أن نضاعف اهتمامنا بالعلوم الحديثة وأن نجعل منها أسسًا ثابتة نبني عليها صرح حياتنا القومية.
إن في إمكان كل أمة مهما بلغ الجهل بأمرها أن تبتاع بالمال نتائج الصناعة الحديثة من عربات متحركة بنفسها وآلات مُحرِّكة لغيرها، بل ومن سفن ودبابات وذخائر وأسلحة، ولكن ما قيمة هذه الآلات في أيدي قوم لم تصل بهم المقدرة إلى درجة يستطيعون بها أن يستخدموها؟ وإن هم أحسنوا استخدامها فكيف السبيل إلى صيانتها وإصلاح ما فسد منها إذا لم يكن منهم الفنيون وإذا لم يكن لديهم الدور المجهَّزة لهذا الغرض؟ وهَبْهم تمكنوا من القيام بعملية الإصلاح، فكيف يتيسر لهم تحسين هذه الآلات والصناعة في تقدُّم مستمر والأممُ في تنافس شديد لإتقان ما يصنعون بحيث لا يكاد يمضي حولٌ أو بعض حول على آلة إلا ظَهَر ما هو أحسن وأتم منها صنعًا وأوفى بالغرض الذي صُنعت من أجله؟ كيف يتيسر لهم ذلك إذا لم تكن لديهم دُور لصناعة هذه الآلات وإخصائيون لصُنعها، وإخصائيون لوضع رسومها، وعلماء بَحَّاثون لدراسة المبادئ العلمية التي ينبني عليها قيامها بوظائفها والمسائل العلمية التي ترتبط باستخدامها وتحسين صنعها؟ إن هؤلاء القوم إذا ظنوا أنهم يستطيعون مجاراة غيرهم من الأمم في ميدان الحياة العلمية إنما يخدعون أنفسهم! فالعلم والخبرة الفنية ليسَا شيئًا يباع ويُشترى، بل هما نتيجة التحصيل والدرس والمران، وليس هناك طريق مُعبَّد يوصل إلى القوة دون اجتياز صعاب الكدِّ والعمل، والأمةُ التي يقعدها الكسل أو التواكل عن المساهمة في مجهود البشر العلمي والصناعي وتظن أنها تستطيع أن تعيش عالةً على ما تُنتجه قرائحُ غيرها من الأمم، هذه الأمة إنما تعيش في حلم سرعان ما تتنبه منه لتجد نفسها حقيرةَ الشأن مهدورة الكرامة.
ومن أفظع الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون مما يَعتبرون أنفسهم قادرين على التفكير في أمور المجتمع أنْ يظن أنه يكفي الاهتمام بالناحية الصناعية العلمية وحدها، هؤلاء القوم يفخرون عادة بأنهم قوم «عمليُّون»؛ فهم لا يُعنون بالمباحث النظرية والآراء الفلسفية التي تَصِمُها عقولهم القاصرة بوصمة العبث.
فالتقدم الصناعي في نظرهم بل الحياة كلها مسألة عملية على حد تعبيرهم، وإذن فالواجب في نظرهم أن تحصر الأمة همَّها في الناحية العملية؛ فمثلًا إذا كان المطلوب صنع طائرات فإنه يكفي أن ننشئ مصنعًا للطائرات على نمط المصانع الأوربية أو الأمريكية، وأن نعدَّ له مهندسين عمليين يقومون بإداراته، وعمَّالًا ميكانيكيين يتولون العمل في المصنع. وأصحابُ هذا الرأي يسلمون معنا بأن إعداد المهندسين والعمال يقتضي تعليمهم بعض العلوم النظرية كالرياضة البحتة والرياضة التطبيقية وعلم الطبيعة، ولكنهم ينظرون إلى هذا الاقتضاء كضرورة لا مفر منها، أما التبحر في دراسة المعادلات الرياضية وفلسفة العلوم الطبيعية فإنه في نظرهم نوع من الترف أو هو على الأقل غير متصل اتصالًا وثيقًا بصناعة الطائرات.
ولكي أدلل على عِظم الخطلِ الذي ينطوي عليه هذا الرأي وفظاعته، سأفترض جدلًا أننا أنشأنا مصنعًا في مصر على الطريقة التي يريدونها، هذا المصنع بأدواته وعُدده التي سنشتريها من الخارج سيتكلف الشيءَ الكثير من المال طبعًا، إلا أن هذا المال سيكون قد صُرف في الحصول على أشياء مادية ملموسة ترتاح إليها نفوس أصدقائنا العمليين، أُقيمَ هذا المصنع إذن وبدأ في عمله فأَخرجَ الطائرات من طراز الطائرات التي يُخرجها أمثالُه من المصانع في البلاد التي نقلناه عنها أو على الأصح من الطراز الذي كانت تُخرجه هذه المصانع يوم أن نقلناه عنها، وبعد مرور خمسة أعوام سيكون عندنا عدد من الطائرات من طراز الطائرات التي كان يصنعها غيرنا منذ خمسة أعوام، وبعد مرور عشرة أعوام سيكون عندنا عدد أكثر من الطائرات من طراز مضى عليه عشرة أعوام … وهكذا إلى أن يتجمع عندنا متحف كبير من الطائرات قديمة الطراز، ونكون قد صَرفنا الأموال الطائلة في إعداد هذه الآثار التاريخية التي لا تصلح لشيء إلا أن تكون عبرةً لنا ولغيرنا ممن تحدثهم نفوسهم باتباع هذه الطريقة، ذلك أن صناعة الطائرات في تطور مستمر، وفي الطائرات الحربية على وجه الخصوص تتوقف نتائج العمليات الحربية على السبق في مضمار هذا التطور، ثم إن هذا التطور إنما ينبني على نتائج البحوث في علم الأيروديناميكا وهو علم حركة الهواء، فكل مصنع من مصانع الطائرات في البلاد الصناعية متصل اتصالًا وثيقًا مستمرًّا بطائفة من العلماء والبحَّاثين نصَّبوا أنفسهم لحل المسائل التي تنشأ عن دراسة حركات الطائرات في الهواء، وجهزوا بمعامل وأجهزة علمية يستعينون بهذا على هذه الدراسة، وأتوا من المقدرة على تفهُّم العلوم الرياضية والطبيعية ما يمكنهم من متابعة أبحاثهم ودراساتهم، وليس في وسع مهندس يُشرف على عملية صنع الطائرات أن يتفرغ للبحث العلمي في علم الأيروديناميكا، كما أننا لا نستطيع أن نجعل من كل مهندس عالِمًا بالعلوم الرياضية والطبيعية.
ومن الحمق أن يُظن أننا نستطيع أن نعتمد على الذين باعوا لنا أجهزة المصنع أو على غيرهم من المشتغِلين بصنع الطائرات أو بتحسين نوعها في تحسين طائراتنا، فنحن ننافسهم في ميدان الصناعة، والمنافسُ لا يعمل على ترجيح كفة منافسه؛ ألا ترى إذن أننا حين حصرنا همَّنا في تشييد المصنع بحجة أننا قوم عمليون وأهملنا دراسة العلوم الرياضية والطبيعية، إنما كان مَثَلُنا كمثل من عُني بالصرح ولم يُعن بالأساس الذي يقوم عليه، فأقامه على شفا جُرُفٍ هاوٍ.
وألا ترى أن أصدقاءنا العمليين إنما هم في الواقع ونفس الأمر قوم قصيرو النظر لا يكادون يرون إلى أبعد من أنوفهم، قاصرو العقل لا يأخذون من الأمور إلا بظاهرها، وأن الأموال الطائلة التي تُصرف في تشييد مثل هذا المصنع وفي صنع طائراته إنما تضيع هباءً منثورًا.
وشأنُ مصنع الطائرات هذا شأن غيره من المصانع، بل هو شأن كل عمل يتصل بمرافقنا أو تنظيم أمورنا الحية.
فالعلم هو الأساس الذي يُبنى عليه تقدُّم فني وصناعي منذ القرون الوسطى، وإهمال شأنه إنما يعوق سيرَ مصر في سبيلها نحو النور والقوة ونحو الرفاهية والمجد.

التأليف العلمي والثقافة العلمية وما يجب نحوهما


أقصد بالتأليف العلمي تدوين العلوم باللغة العربية بحيث تصبح لغتُنا غنيةً بمؤلفاتها في مختلف العلوم، ولا شك في أننا في أشد الحاجة إلى كتب عربية في كل فرع من فروع العلم، ففي حين نجد كل لغة من اللغات الحية غنية بكتبها ومؤلفاتها العلمية تنفردُ اللغة العربية بفقرها المُدْقع في المؤلفات العلمية، ولا أظنني أعدو إذا قلتُ الحقيقة إنه لا يكاد يوجد كتاب واحد في أي فرع من فروع العلم يمكن اعتباره مرجعًا أو حجةً، والكتبُ التي تظهر يكون مستواها عادة منخفضًا لا يزيد على مستوى التعليم الثانوي أو المرحلة الأولى من التعليم العالي. وهذا الأمر جد خطير، فإننا إذا لم ننقل العلوم إلى لغتنا ولم ندونها بَقِينا عالةً على غيرنا من الأمم وبقيت دائرة العلم في مصر محصورةً في النفر القليل الذين يستطيعون قراءة الكتب الأجنبية العلمية وفَهْمها، وحالُنا اليوم تشبه ما كانت عليه حال العرب في القرنين الثامن والتاسع، أو ما كان عليه حال أوربا في القرون الوسطى، فالعرب تنبهوا إلى ضرورة نقل علوم الإغريق إلى اللغة العربية، فقام الخلفاء والأمراء بتشجيع العلماء على الانقطاع إلى النقل والتأليف، ولعل القارئ يذكر المكتبة الكبرى في أيام الخليفة المأمون التي كانت تُعرف بخزانة الحكمة وأن كثيرًا من علماء ذلك العصر كانوا منقطعين إليها يشجعهم على ذلك ما تحلَّى به المأمون من الرغبة في العلم وتقريب أهله وإدنائهم وبَسْط كنفِه لهم ومعونته إياهم، وقد كان من نتيجة هذا كله أن صارت اللغة العربية لغةَ العلم والتأليف وبقيت محتفظة بسيادتها العلمية على لغات الأرض جميعًا عدة قرون.
ونحن إذا شئنا أن نعيد إلى لغتنا مجدَها العلمي، فعلينا أن نُعنى بتشجيع التأليف والتدوين والنقل، وعلى الدولة ألا تضن بالمال الواجب إنفاقه في هذا السبيل، ومن الممكن البدء في هذا العمل فورًا بميزانية سنوية لا تتجاوز بضعة ألوف من الجنيهات، وهو لَعمري مبلغ صغير إذا قيس بالنتائج الهامة التي تَنجُم عن صرفه، والطريقةُ المثلى لذلك هي أن تعهد الدولة للقادرين من العلماء في كل فرع من فروع العلم بنقل الكتب العلمية وتأليفها، وأن تقوم الدولة بطبع هذه الكتب ونشرها، ولا بد من تضافر العلماء وتعاونهم في هذا السبيل فكل كتاب يُنقل أو يُؤلَّف يجب أن تقوم عليه لجنة تَجمع خيرةَ من تخصصوا في موضوع الكتاب، ولا يخفى ما في هذا العمل من مشقة وما له من ارتباط بتطور اللغة العربية العلمية ومصطلحاتها. والتأليف العلمي هو الوسيلة الطبيعية لإيجاد هذه المصطلحات في لغتنا؛ فكل لغة حية إنما تنمو عن طريق التأليف والكتابة، واللغة العلمية وليدة التفكير العلمي، والمصطلحات العلمية في اللغات الأوربية إنما نشأت بهذه الطريقة ونتجت عن نمو العلم والتأليف، ومن العبث أن يقوم مجمع بفرض المصطلحات على المؤلفين فرضًا، وإنما تأتي مهمة المجامع بعد مهمة المؤلِّفين لا قبلها، فالمجمع اللغوي يجمع ما ورد في الكتب العلمية من مصطلحات ويدونها ويفسرها، على أنه لمَّا كان الأمر مرتبطًا كما قدمتُ بتطور لغتنا ونموها، فإن من الواجب أن يكون في كل لجنة من اللجان التي يُعهد إليها بالتأليف عضوٌ مضطلع في اللغة العربية وأساليبها حتى تخرج اللغة العربية سليمةً، وحتى ترتبط لغة التأليف العلمي بلغة الأدب ارتباطًا طبيعيًّا مثمِرًا.
وموضوع التأليف العلمي وارتباطه بحياتنا الفكرية إنما هو جزء من موضوع أوسع وأعم ألا وهو العلاقة بين ثقافتنا العلمية الماضية والمستقبلة، وهو موضوع الأسس التي يجب أن نبني عليها صَرْحَ مجهودنا العلمي، فالثقافةُ العلمية في كل أمة عنصرٌ هام من عناصر ثقافتها العامة، وكما أن الأمة المتحضرة تكون لها ثقافة أدبية ترتبط بتاريخها وتتجسم في لغتها، ويكون عنوانًا عليها ذلك التراث الخالد من شِعر شعرائها ونثر كُتَّابها، وكما أن الأمة المتحضرة أيضًا تكون لها ثقافة فنية تتمثل فيما أبدعته أيدي فنانيها في مختلف عصور تطورها من تلك الرموز الملموسة على المشاعر الخفية، تلك الرسالات الملهمة التي تنبعث عن قلب الفرد فتصل إلى قلب الأمة وربما تَعَدَّتْه إلى قلب الإنسانية ذاتها، أقول: كما أن الأمة المتحضرة تكون لها هذه الثقافة الأدبية وتلك الثقافة الفنية وغيرها من ثقافة خُلقية ودينية وسياسية وما إليها كذلك تكون للأمة المتحضرة ثقافة علمية ترتبط بتاريخ التفكير العلمي فيها وتحتوي ما ابتكرته عقولُ أبنائها من الآراء والنظريات العلمية وما وصلت إليه من الكشوف في سائر ميادين البحث العلمي، وما نقلته وهذَّبته واستساغته من آراء غيرها مما دخل في صلب المعرفة البشرية على مر العصور والأجيال.
وثقافتنا العلمية في حاجة إلى أن تتصل بماضينا؛ فتكسب بذلك قوة وحياة وإلهامًا، ونحن في مصر اليوم ننقل المعرفة عن غيرنا ثم نتركها عائمةً لا تمتُّ بصلة إلى ماضينا ولا تتصل بتربتنا، فهي بضاعة أجنبية عليها مسحةُ الغرابة، غرابة في اللفظ وغرابة في المعنى، إذا ذُكرت النظريات قُرنت بأسماء أعجمية لا يكاد المرء منا يتبين معالمها، وإذا عُبر عن المعاني فبألفاظ مخيفة يفر منها الفكر وترتبك أمامها المخيلة. ومن الواجب أن نعمل على تغيير هذا الحال، فأولًا: يجب أن ننشر الكتب العلمية التي وضعها العرب ونَقَل عنها الإفرنج، ككتب الخوارزمي وأبي كامل في الجبر والحساب، وكتب ابن الهيثم في الطبيعة، وكتب البوزجاني والبيروني والبتاني … وغيرهم كثيرون من قادة التفكير العلمي وعظماء الباحثين المدققين. هذه الكتب موجودة الآن ولكن أين؟ إنها محفوظة في مكتبات ومتاحف في مشارق الأرض ومغاربها يَعرف عنها الإفرنج أكثر مما نعرف، ويقومون بترجمتها وشرحها والتعليق عليها، وينشرون هذا كلَّه بلغات أجنبية في مجلاتهم العلمية، وما أجدرنا بأن نكون نحن القائمون على ذلك. وثانيًا: يجب أن نُعنى بتمجيد السلف من علمائنا وباحثينا، فيكون لنا في ذلك حافز للاقتداء بهم وتتبُّع خُطاهم، وقد بُذلت بعض الجهود في هذا السبيل في السنين الأخيرة، فأقيم حفل لتخليد ذكرى ابن الهيثم ونُشر كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، وعلينا في السنين الآتية أن نزيد في هذه الحركة وأن ننظمها.
فالتأليف العلمي، وإحياء كتب العرب، وتمجيد علمائهم أمورٌ ثلاثة يجب أن تُدرج في جدول أعمال حياتنا الفكرية في المستقبل القريب.

توجيه الرأي العام توجيهًا علميًّا


إن توجيه الرأي العام نحو التفكير الصحيح المنظم — وهو ما يحققه التوجيه العلمي — أمر له صعوبته وطريق له وُعورته، والبلاد المتقدمة في الحضارة يُوجَّه فيها الرأي العام توجيهًا علميًّا بطرائق مختلفة، ففي هذه البلاد توجد صحافة علمية أي صحافة تتخصص في الناحية العلمية للتفكير الاجتماعي، وتوجد طبعًا صحافة علمية فنية تتخصص في العلم ذاته، وتوجد أيضًا إلى جانبها الصحافة العلمية التي تتصل بالشئون العامة للمجتمع. وفيما خلا الصحافة العلمية نجد في تلك البلاد أن الصحافة اليومية والأسبوعية العادية تُعنى عناية كبيرة بشئون العلم فتُخصص كلُّ جريدة وكل مجلة قسطًا من صفحاتها للشئون العلمية، والصحافةُ قوةٌ لا يُستهان بها في توجيه الرأي العام.
وفي البلاد المتحضرة يُوجَّه الرأي العام توجيهًا علميًّا عن طريق الإذاعة اللاسلكية؛ إذ تشمل برامج الإذاعة في كل يوم أحاديث تُقرب العلم إلى الجمهور وتُعوده على معالجة شئونه اليومية بالروح العلمية.
وفي البلاد المتحضرة توجد أيضًا اجتماعات ومؤتمرات تُعقد من آنٍ لآخر لغرض المذاكرة والمحادثة والمناظرة فيما يهتم له الناس من أمور العلم، فإذا انعقدت هذه الاجتماعات كان لانعقادها دويٌّ في المحافل والمجتمعات، وخرجت الصحف والجرائد بأخبارها، وتحدث المذيعون بالراديو فشرحوا للجمهور أغراضها ونتائجها.
وأخيرًا وليس آخرًا، توجد بالبلاد المتحضرة محاضرات تُتلى وتُذاع بالراديو وتُلخَّص وتُنشر في الصحف العلمية والصحف العامة، ففي إنجلترا توجد الجمعية البريطانية لتقدم العلوم، وقد تأسست هذه الجمعية منذ أكثر من قرن، وهي تجتمع كل مدة في مدينة من مدن إنجلترا أو إسكتلندا أو ويلز أو في مدينة من مدن الإمبراطورية البريطانية، فاجتمعت في كندا وفي الهند وفي جنوب إفريقيا وفي أستراليا، وكلما اجتمعت هذه الجمعية سواء أكان اجتماعها في لندن أو في كلكتا أو في ملبورن اهتمت الصحافة لا في البلد التي تجتمع فيها فحسب ولكن في الإمبراطورية البريطانية بأسرها، فخَصصت الجرائد الكبرى صفحاتٍ لهذا الاجتماع وروتْ ما قاله العلماء ولخصته وعلَّقت عليه، وكذلك اهتمت محطات الإذاعة فجعلت أخبار هذا الاجتماع العلمي في مقدمة ما تتحدث عنه وترويه وتعلق عليه من الأنباء، فاجتماع هذه الجمعية العلمية حَدَثٌ من الأحداث تتحرك له الجرائد ويهتز له الرأي العام.
ويشبه الجمعيةَ البريطانية لتقدُّم العلوم الجمعيةُ الأمريكية لتقدم العلوم، تشبهها في الاسم وفي الغرض وفي الوسائل، فتجتمع الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم كلَّ عام في بلد من البلاد الأمريكية حيث يلقي العلماء أبحاثهم وآرائهم، فتهتم الصحافة الأمريكية ويتحرك الرأي العام وتهتز أمواج الأثير بأخبار الاجتماع.
ومنذ نحو ?? سنة اتجه تفكير بعض المشتغلين والمهتمين بالعلوم في مصر، اتجه تفكيرنا إلى إنشاء جمعية تشبه الجمعية البريطانية والجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، فقمنا بإنشاء هيئة سميناها المجتمع المصري للثقافة العلمية، وعقدت هذه اجتماعات سنوية ألقيت فيها محاضرات وآراء علمية باللغة العربية ونُشرت في كتاب سنوي. ولعلني لا أكون مغاليًا إذا قلتُ إن مجموعة هذه الكتب السنوية، وهي نحو خمسة عشر كتابًا، إن هذه المجموعة تكاد تكون فريدة في بابها باللغة العربية لِمَا احتوت عليه من المباحث والآراء العلمية ذات القيمة الحقيقية، ومع أن هذه الجمعية ثابرت على عقد اجتماعاتها السنوية فبقيت تؤدي رسالتها عامًا بعد عام، ومع أن المحاضرات والمباحث التي أُلقيت في هذه الاجتماعات السنوية كانت قيِّمة كما ذكرتُ بل وشائقة أيضًا لارتباطها بما يهتم له الناس في مصر من مشروعات عمرانية كالري والزراعة والصناعة وغيرها … مع هذا كله فإن الفارق كان عظيمًا وملموسًا بين اجتماعات جمعيتنا واجتماع الجمعية البريطانية أو الجمعية الأمريكية، فلا الصحافة خصصت أعمدتها لتلخيص المحاضرات، ولا الإذاعة أدخلتها في برامجها وأنبائها، مما أدى إلى قلة إقبال الناس على حضور الاجتماع والاستماع إلى المحاضرات.
وقد اتجه الرأي أخيرًا في هذه الجمعية إلى عقد اجتماعاتها في بعض عواصم البلاد العربية لتكون بمثابة مؤتمرات علمية تعمل على تنوير الرأي العام في العالم العربي وإيجاد روابط وثيقة بين العلم وبين المجتمعات العربية.
وخلاصةُ ما سبق أنه إذا كنا نريد لمجتمعنا قوة وتقدمًا، فإن أول واجب علينا هو توجيه الرأي العام توجيهًا علميًّا صحيحًا.
فاهتمام الرأي العام بالعلم وفهمه له فهمًا صحيحًا ورغبته الصادقة في تطبيق الطرق العلمية … كل هذه أمور ضرورية إذا شئنا لمجتمعنا قوةً وتقدمًا حقيقيين. أما إذا بقي الرأي العام منصرفًا إلى ما لا طائل تحته من المظاهر الكاذبة التي هي أبعد ما تكون عن الذوق السليم؛ معنيًّا بالترَّهات والأباطيل بعيدًا عن الاتصال بحقائق الحياة … إذا بقي الحال على هذه الشاكلة فإن كل إصلاح بفرض إمكان حدوثه يكون عرضة للزوال والانهيار …
فعلى الصحافة وعلى رجال القلم والعلم، عليهم جميعًا إزاء ذلك واجب مقدس، بل إن عليهم مسئولية كبرى أمام الضمير البشري وأمام المجتمع.

العلم في خدمة المجتمع


يجدر بنا أن نتبين أولًا الصلة بين العلم والمجتمع، ما الذي يطلبه العلم من المجتمع؟ وما الذي يطلبه المجتمع من العلم؟ أما عن السؤال الأول … فإلى أن أتناوله بالتفصيل في فصل تام، أُجيب باختصار أن العلم إنما يطلب المعرفة، وأن رجال العلم إنما هم طلاب حقيقة، وأن الموقف التقليدي للعلم إزاء المجتمع ينحصر في أن العلم يعيش في صوامعه، وأن العلماء يبنون لأنفسهم بروجًا عاجية ينصرفون وراءها إلى عملهم وينكبون على أبحاثهم لا يطلبون من المجتمع إلا أن يتركهم وشأنهم؛ هذا هو الموقف التقليدي للعلم إزاء المجتمع، وهو موقف الجامعات والهيئات العلمية في القرون الوسطى وما بعدها إلى أوائل القرن الحالي. وقد كان العلماء قانعين ببروجهم العاجية معتمدين على المساعدات المالية التي كان يقدمها لهم أولو الفضل من الملوك والأمراء والمحسنين الذين كان يدفعهم حبُّهم للعلم وشغفهم للحق إلى وَقْفِ أموالهم على العلم والعلماء.
هذا في الماضي، أما اليوم فقد تغير الموقف تغييرًا تامًّا؛ فالدولة الحديثة قد صارت تعتمد على العلم في كل مرافقها، بل إنها لتعتمد عليه في الدفاع عن كيانها ووجودها، ولم يعد يكفي أن يبقى العلم معزولًا عن المجتمع كما أنه لم يعد من المعقول أن تدبر الجامعات والهيئات العلمية أموالها من الهِبات والصدقات. وبعبارة أخرى قد شعر المجتمع الحديث بحاجته المُلحة إلى العلم فصار لزامًا عليه أن يتعهد العلم وأن يحميه وأن ينفق عليه، فالجامعات يجب أن يُرصد لها في ميزانية الدولة ما يسمح لها بالنهوض بمهمتها والمضي في تحقيق رسالتها، والمجامع والهيئات العلمية الأخرى يجب أيضًا أن تُمكَّن من مواصلة أبحاثها والقيام بواجبها.
وأهم من المعونة المادية يوجد شيء آخر فوق المال وفوق المادة، ألا وهو استقلال الفكر؛ فالعلم لا يخضع لأي اعتبار من الاعتبارات مهما عَظُم خطرُه إلا اعتبار واحد هو طلب الحقيقة. والجامعات والهيئات العلمية يجب أن تُترك حرةً مستقلة لا تخضع لسلطان السياسة ولا لسلطان الجاه ولا لسلطان المال، فهي تحقق أغراضها بنفسها رائدُها طلب الحقيقة لذاتها.
فالإجابة على السؤال ما الذي يطلبه العلم من المجتمع؟ هي أن العلم يطلب أن تُوفَّر له وسائل البحث وأن يُترك حرًّا مستقلًّا في عمله — وليس استقلالُ العلم ناشئًا عن أنانية في نفوس العلماء أو حب لذاتهم، فالعلماء أبعد الناس عن الأنانية وحب الذات، وقد كانوا ولا يزالون مَضرِب الأمثال في الوداعة والتواضع والإيثار — ولكن استقلال العلم يمتُّ إلى شيء آخر ويرتبط بسبب جوهري، ألا وهو تقدُّم العلم ذاته، فالعلم الذي يخضع لمؤثرات سياسية أو أخرى خارجية علمٌ باطل مآله الركود، بل شرٌّ من الركود، وكلُّ تقدُّم في العلم أساسُه استقلالُ الفكر وابتعادُ الباحث عن كل مؤثِّر خارجي وحَصْرُه الجهدَ في طلب الحقيقة، وبعبارة أخرى: إن الاستقلال جزء من طبيعة العلم يقتضيه ناموس تطوره، به يحيا وبغيره يضمحل ويموت.
ونحن لا نزال في مصر بعيدين عن تقديرِ العلم تقديرًا صحيحًا وإحلالِه المكان الذي تحلُّه فيه الأمم المتحضرة؛ فالعلم في مصر ليس له مقام معلوم في ذاته، بل إنه يكتسب قيمته في المجتمع بطريق عرضي وغير مباشر، وبذلك تشبه الحالُ في مصر من هذه الناحية ما كانت عليه في أوربا في القرون الوسطى، وتقدير العلم لذاته يحتاج إلى درجة عالية من التقدم بين الأمم، وقديمًا قيل: «لا يَعرف الفضلَ إلا ذَوُوه.» ولذلك فإن درجة التقدم العلمي للأمة تكون هي ذاتُها مقياسًا لتقدير العلم في الأمة، ففي بلدٍ كالنرويج مثلًا حيث وصل تقدُّم العلوم إلى درجة عالية، نجد الأمةَ صحافتَها وكُتابها ومفكريها ورجال السياسة فيها، نجد هؤلاء جميعًا يعنون بالعلم ويقدرونه لذاته كما نجدهم يحترمون العلماء ويُجِلُّونهم ويضعونهم في الصف الأول من رجال الدولة. أما في مصر فإن الحال بعيدة كل البعد عن أن تكون كذلك؛ فرجال العلم ليس لهم مقام في الدولة بحكم أنهم رجال علم، وإنما يكتسبون مقامهم بطريق غير مباشر، فيُرَتَّبون حسب الدرجات المالية لوظائفهم إذا كانوا موظفين في الدولة، أو حسب جاههم وسلطانهم إذا كانوا من ذوي الجاه والسلطان. وتقديرُ العلم لذاته وإن كان موجودًا فعلًا عند بعض الطوائف الخاصة من المتعلمين إلا أنه لا يمكن اعتبارُه شاملًا لغيرهم من الطبقات. ولعلنا نذكر أن أحد وزراء المعارف السابقين جاهَرَ أمام برلمان الأمة بأنه يرى أن هناك إسرافًا في تعليم العلوم في مصر، وبنى رأيه على عملية حسابية هي غاية ما تكون في البساطة والسذاجة في آن واحد، ذلك أنه قَسَم عدد الجنيهات التي صُرفت على تعليم العلوم على عدد الشبان الذين مُنحوا الدرجات العلمية، ثم استكثر خارجَ القِسمة واعتبره دليلًا على الإسراف! فكأنما العلم سلعة مادية قوامها الكم والعدد، أو كأنما هو بضاعة تُباع وتشترى للناس في الأسواق. ومع أنني لا أعتبر وجهة نظر هذا الوزير السابق مُمثِّلة للرأي العام في مصر، إلا أنني أرى أن مجردَ وقوع مثلِ هذا الحادث في الوقت الذي تهتم فيه الأمم جميعًا بالعلم وترفع من شأنه دليلٌ على أننا لا نزال في حاجة إلى تنوير الرأي العام وإرشاده ورفعه إلى المستوى الذي يسمح له بتقدير العلم تقديرًا صحيحًا.
أما عن السؤال الثاني: وهو ماذا يطلب المجتمع من العلم؟ فإننا نعلم أن العلم يُطبَّق في سائر المرافق الاجتماعية والعمرانية بحيث لا يكاد يخلو مرفقٌ من المرافق من آثار العلم وثمراته. وقد كان المجتمع في الماضي يترك أمرَ تطبيق العلم للاجتهاد الفردي، فنشأت طائفة من المخترعين والمهندسين هَمُّهم الاستفادة من التقدم العلمي لخدمة أغراض معينة في المجتمع. ومن الأمثلة الظاهرة على هؤلاء: المخترعُ الأمريكي «إديسون» صاحب النور الكهربائي، والمخترع الإيطالي «ماركوني» صاحب الإذاعة اللاسلكية، ومئات بل ألوف غيرهم ممن قضَوْا حياتهم في العمل على تحسين جهازٍ أو تصميم آلة أو صنع أداة تُحقق غرضًا من الأغراض البشرية المختلفة. وقد كان الحافز لهؤلاء العلماء والمخترعين حافزًا مزدوجًا، فمن ناحيةٍ هناك الصيت والشهرة التي يكتسبها صاحب الاختراع، ومن ناحية أخرى يوجد الربح المادي، وفيما عدا هذين الحافزين يوجد ولا شك باعث آخر ألا وهو اللذة الفكرية، لذة الخلق والإنتاج.
وقبيل الحرب الحالية نشأ شعورٌ في الدول المتقدمة في الحضارة بأنه لم يعد من الحسن أن يُترك أمر تطبيق العلم للجهود الفردية، فالدولة قد صارت مسئولةً عن المرافق العامة، مسئولةً عن الصحة وعن الزراعة وعن الصناعة، مسئولةً عن توفير الغذاء والكساء للشعب، والدولةُ لا تستطيع أن تقوم بأعباء هذه المسئوليات المتعددة إذا لم تَستعن بالعلم ونتائج تطبيق العلم. يضاف إلى ذلك أن مسئولية الدولة في هذه الأمور كلها تقتضي وَضْعَ سياسةٍ يلحظ فيها التطور من الحال إلى الاستقبال، فلا يكفي أن توفر الغذاء والكساء للأمة المصرية عام ???? فحسب، بل يجب أن نفكر في عام ???? بل في عام ????، وبعبارة أخرى يجب أن تكون للدولة سياسة إنشائية ثابتة في الإنتاج الزراعي والإنتاج الصناعي، وفي الصحة، وفي التعليم، وفي الاقتصاد، ولكي تفعل ذلك يجب أن تُحصى موارد الثروة في الدولة إحصاءً دقيقًا وأن تُستخدم هذه الموارد وأن تُنمى على أساس علمي. ولأضرب لذلك مثلًا: ففي إنجلترا كان الإنتاج الزراعي متروكًا أمرُه للمجهود الفردي، ولذلك لم يكن إنتاج بريطانيا العظمى من الحبوب وسائر الحاصلات الزراعية، لم يكن هذا الإنتاج يزيد على ثلاثة أسباع الاستهلاك، وفي سنة ???? صدر قانون بإنشاء مجلس أعلى للزراعة يهيمن على عملية الإنتاج الزراعي باستخدام الآلات الميكانيكية والأسمدة الكيميائية بعد دراسة علمية لطبيعة الأراضي، ففي سنتين اثنتين أي من سنة ???? إلى سنة ???? زاد الإنتاج الزراعي بنسبة ???، وصار مقدار الإنتاج كافيًا لسد حاجة المستهلِكين في بريطانيا العظمى خمسةَ أيام في الأسبوع بدلًا من ثلاثة أيام في الأسبوع كما كان الحال في سنة ????، وأظن أن هذه نتيجة باهرة تشهد بفضل الطريقة العلمية واستخدامها لخير المجتمع. وحكم الزراعة في ذلك حكم غيرها من جهود الأمة، فقد قامت الحكومة البريطانية وقامت الحكومة الأمريكية بوضع خُطط إنشائية مبنية على دراسات علمية، فأُنشأت وزارات ومصالح مختلفة ترمي إلى تنسيق الجهود ودَرْسِ المشاكل على أساس علمي ووَضْعِ خطط لتنمية الموارد وتوفير الحاجات، ولا شك في أن القارئ قد سمع بمشاريع الإنشاء والتعمير في كل من إنجلترا وأمريكا، فأساس هذه المشاريع وجودُ مجالس فنية تعتمد على الدراسات العلمية فتبنى عليها سياسة ثابتة للحال والاستقبال. وليس الأمر قاصرًا على بريطانيا وأمريكا، فمنذ بضعة أسابيع التقيتُ في القاهرة بعالِم هندي جاء من الهند ومعه ثلاثة علماء آخرون، وقد قص عليَّ هذا العالِم الغرض من سفره، فقال: «إن حكومة الهند قد اعتزمتْ إنشاء وزارة تُعنى بالمشروعات العمرانية على أساس علمي تُخصَّص لها نسبة ثابتة من ميزانية الدولة تُقدَّر في الوقت الحالي بمبلغ أربعة ملايين من الجنيهات، على أن تَضمَّ هذه الوزارة الهيئاتِ والمصالح العلمية في الهند، فيتكون منها جميعًا مجلسُ أعلى للوزارة يدرس المشكلات ويضع الخطط وينظم التنفيذ.» والغرض من سفر صديقي العالِم الهندي وإخوانه هو زيارة إنجلترا وأمريكا لدراسة النظم التي وضعتها الحكومة في كل من هذين البلدين للاستفادة منها في تنفيذ النظام المقترَح في الهند.
على أنه من الإنصاف أن أذكر أننا قد عنينا في مصر بأمر البحوث العلمية والصناعية وتوجيهها نحو خدمة الزراعة والصناعة والاقتصاد القومي، فبعد وفاة الملك فؤاد بوقت قصير اتجه الفكر نحو تخليد ذكراه بعمل يعود بالخير على الأمة المصرية ويكون رمزًا للاهتمام بالشئون العمرانية للبلاد والعمل على رفع شأنها، وقد استقر الرأي على أن يتخذ هذا العمل التخليدي شكلَ مؤسسة علمية فنية تعمل على توجيه البحوث العلمية نحو خدمة العمران، وفي ? نوفمبر سنة ???? أي منذ أكثر من خمس سنوات صدر مرسوم ملكي بإنشاء هذه المؤسسة وأُطلق عليها «مجلس فؤاد الأول الأهلي للبحوث»، وقد نص في المادة الثانية من هذا المرسوم على أن أغراض المجلس هي: (?) البحوث العلمية أيًّا كان نوعها التي تتولاها المصالح العامة والمؤسسات الصناعية أو العلماء أو المخترعون أو الباحثون، وعلى الأخص البحوث العلمية التي من شأنها أن تحقق تقدم الزراعة أو الصناعة أو الاقتصاد القومي أو البحوث التي تتصل بشئون الصحة العامة أو الدفاع الوطني، يقترحها وينشطها ويشجع عليها ويراقبها ويوجهها وينسقها.
(?) الوصل بين مختلف المصالح الحكومية التي تقوم بالبحوث وبين تلك المصالح والهيئات الخاصة.
(?) البحث في إنشاء المعامل العامة والخاصة للبحوث التطبيقية أو في توسيعها وعند الاقتصاد القيام بذلك الإنشاء أو التوسيع أو المساهمة فيه.
(?) الاقتراح على المصالح العامة والهيئات الخاصة بتنظيم بعثات أو تقرير مكافآت مالية للقيام بالبحوث سواء في مصر أو في الخارج.
(?) إبداء الرأي لمصالح الحكومة في كل ما يتعلق بوجوه النشاط العلمي والفني للدولة.
(?) القيام بجميع البحوث والاختبارات العلمية أو الفنية التي تطلبها منه مصالح الحكومة أو المؤسسات الخاصة أو الأفراد.
(?) إنشاء وتشجيع مكاتب جمع المراجع والوثائق.
(?) العناية بكل ما من شأنه نشر المعلومات العلمية.
(?) أن يذيع في الخارج ما تقوم به مصر من الجهود العلمية والفنية.
ونرى أن هذه الأغراض هي نفس الأغراض التي ترمي إليها الأمم المتحضرة اليوم من إنشاء وزارات للتعمير والاقتصاد العلمي، فنحن في مصر قد أظهرنا عناية أدت إلى صدور المرسوم المشار إليه إلا أن هذه العناية عناية على الورق، فقد صدر المرسوم منذ أكثر من خمس سنوات وهو لا يزال حبرًا على ورق، ومع أن المرسوم قد نُص فيه على أن المجلس يشكَّل من اثني عشر عضوًا يُعَيَّنون بمرسوم لأول مرة، كما نص على أن إيرادات المجلس تتكون من الاعتماد المخصص له في ميزانية الدولة ومن موارده الخاصة، فإنه لم يصدر إلى اليوم مرسوم بتعيين أعضاء المجلس ولم يخصص له — فيما أعلم — اعتماد في ميزانية الدولة، وإن كانت إحدى الهيئات الصناعية قد تبرعت فعلًا بمبلغ عشرة آلاف جنيه للأغراض التي من أجلها أنشئ المجلس. وأسائل نفسي وأسائل القارئ معي لو أن هذا المرسوم نُفذ منذ صدوره، ولو أن القائمين على هذا المجلس قد قاموا بواجبهم فدرسوا المشاكل المتعددة التي واجهتنا منذ ذلك الحين ولا تزال تواجهنا في الزراعة وفي الصناعة وفي شئون الصحة العامة وفي غيرها من مرافق البلاد، ثم وضعوا نتائج دراستهم وأبحاثهم تحت تصرف السلطة التنفيذية في الدولة … لو أن هذا حدث أيشك أحد منا في أنه كان يعود بالخير على الأمة وربما أراحها من كثير من الضنك الذي حل بها ومن الاضطراب في شئون الزراعة والتموين!
على أن الظروف لا تزال تلح علينا في تنفيذ هذا المرسوم؛ فالمشاكل لا تزال تواجهنا وستستمر تواجهنا بعد الحرب، ولم يعد من الجائز عقلًا ولا منطقًا ولا ضميرًا أن نعتمد على الارتجال في حل مشكلاتنا القومية، فالارتجال اليوم معناه التخبط ولا يمكن أن يؤدي إلا إلى الفوضى في التفكير وفي العمل على حد سواء، ولا يمكن أن يرتضي الفوضى عاقل أو مخلص.
وإنشاء مجلس للبحوث العلمية والصناعية إنما هو ناحية من نواحي تطبيق العلم في خدمة المجتمع وإصلاحه، فإلى جانب البحوث العلمية في الزراعة والصناعة والصحة وغيرها توجد أعمال إنشائية هي أساس تقدم العمران في كل بلد، وقد أدرك هذه الحقيقة ذلك الرجل العظيم محمد علي الكبير رأس الأسرة العلوية، فعرف أن الثروة القومية إنما تقوم على المشروعات العمرانية؛ إذ إن هذه المشروعات تزيد في مقدار الثروة الأهلية بما تُوجِده من منشآت مستحدثة، فيتضاعف بذلك الدخل القومي وتنتعش الحياة وتتولد الحركة في جسم الأمة فتصل إلى القوة والرفاهية والمجد، لذلك قام محمد علي باشا بشق الترع وإنشاء القناطر والعناية بشئون الري كما قام بإنشاء المصانع والمباني العامة وتعبيد الطرق فازدادت بذلك ثروة مصر أضعافًا مضاعفة، وقد كان الاتجاه في ذلك العصر بطبيعة الحال نحو الزراعة التي كانت أساس الثروة القومية فنشأ عن ذلك في عصر محمد علي وفي العصور التالية له اهتمام خاص بمشروعات الري وصارت أمور الري ومشروعاته تشغل الجزء الأكبر من جهود وزارة كاملة هي وزارة الأشغال العمومية. ويخيل إلي أننا من ناحية التنظيم الفكري لا نزال حيث تركنا عصر محمد علي، فإن كان الري والمباني العامة يحتاجان إلى وزارة كاملة، فإن أمامنا اليوم من المشروعات ما هو أعظم أثرًا في ازدياد الثروة القومية من الري والمباني العامة، وفي مقدمة هذه المشروعات استنباط القوى المحركة وتوليد الكهرباء، فنحن نعيش في عصر ديناميكي آلي قوامه القوة المحركة للآلة، والأمة التي تستطيع استنباط هذه القوة تزدهر صناعتها وينتشر العمران فيها، ومن أهم مصادر القوة المحركة في مصر حرارة الشمس ومساقط المياه، ومع أن استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال من الناحية العلمية في مرحلة تجريبية إلا أنني أرى أن مصر في مقدمة الأمم التي يجب أن تُعنى بدارسة هذا الموضوع إذ تزيد كمية الطاقة التي تهبط في كل يوم في صورة الأشعة على الجزء المسكون من الأراضي المصرية ومقداره نحو ???? ميل مربع، تزيد هذه القدرة على قدرة المحركات الآلية في العالم كله سواء منها ما يدار بالفحم أو بالبترول أو بالريح أو بمساقط المياه، فلو أننا تمكنا من استخدام جزء صغير من هذه القدرة الهائلة لكان لذلك أكبر الأثر في تطورنا العمراني. وإذا كان موضوع استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال يعوزه البحث والتجريب فإن استنباط القدرة من مساقط المياه قد وصل إلى درجة عالية من درجات الإتقان الفني، فحيثما وُجد اختلاف بين منسوبي مياه على جانبي سد، أو حيثما وجدت مياه ساقطة ضد شلال أو منخفض أمكن للمهندس أن يولِّد الكهرباء بأجهزة تجمع بين النظافة والإتقان، ويوجد في مصر مولدات للكهرباء من مساقط المياه في ثلاثة مواضع: أحدها مدينة الفيوم حيث لا تزيد القدرة المتولدة عن بضعة مئات من الكيلو واط، والمكان الثاني عند منطقة الغرق في مديرية الفيوم حيث يمكن توليد ???? كيلو واط، والمكان الثالث قناطر نجع حمادي حيث تصل القدرة إلى ???? كيلو واط. وقد أنشئت هذه المولدات لا كجزء من مشروع عام يشمل الأراضي المصرية، ولكن كمشروعات جزئية. ولا أريد أن أوجه أي لوم إلى أحد في هذا الصدد، بل بالعكس أرى أن الذين قاموا بإنشاء هذه المولدات يُشكرون على عملهم، وإنما الأمر الذي أريد أن أوجه النظر إليه هو أنه ليس لدينا نظام يُنسق بين هذه المشروعات في أنحاء البلاد المختلفة ويضع لها خطة ثابتة وسياسة تسير عليها في المستقبل على أساس علمي وبعد دراسة علمية وفنية.
وإذا ذُكر استنباط الكهرباء من مساقط المياه تبادر إلى الذهن مشروع استنباط الكهرباء عند سد أسوان، حيث يوجد فرق بين منسوبي المياه على جانبي السد يسمح بتوليد كمية كبيرة من القدرة الكهربائية، فهذا المشروع قد بقي موضع أحاديث الناس مدة طويلة دون أن نقترب فيه من مرحلة التنفيذ. ويحسن بي عند ذكر مشروع توليد الكهرباء عند سد أسوان أن أذكر بعض الحقائق التي ربما خفيت على بعض الباحثين: فأولًا: لا تمس المنشآت الخاصة بتوليد الكهرباء بناء السد ذاته؛ فهذه المنشآت يمكن تشييدها بحيث لا تتصل بالسد مطلقًا فتكون بعيدة عنه وغير مؤثرة فيه.
ثانيًا: ليست هناك ضرورة توجب ربط عملية توليد الكهرباء بأية عملية صناعية بالذات، كصناعة السماد أو استخراج الحديد … إلخ، فالقدرة الكهربائية التي تولدت عند سد أسوان صالحة لأن تُسخَّر في أي عمل صناعي.
ثالثًا: إن القدرة التي تستخرج عند أسوان يمكن نقلها إلى مسافات بعيدة لتغذي محركات وآلات في مناطق أخرى غير منطقة أسوان.
والواقع أن عملية توليد القدرة لا يمكن النظر إليها كعملية محلية مرتبطة ببقعة خاصة في البلاد، بل إنها بحكم طبيعتها لها صفة قومية ترتبط بالاقتصاد القومي من أساسه، ولذلك يجب أن توضع لها سياسة ثابتة على أساس قومي شامل، فتدرس المشروعات في جميع أنحاء البلاد في أسوان وفي منخفض القطارة وعند السدود والقناطر، ويوضع لذلك برنامج ينفذ تدريجيًّا ويكون ملائمًا للتطور الصناعي والعمراني.
ومن أهم الموضوعات التي يُعنى بها العلم في خدمة المجتمع وإصلاحه، موضوع الثروة المعدنية، وهو الموضوع الذي له المكانة الأولى في اقتصاديات العالم حتى صار محورًا للسياسة الدولية، فالأمم تتنافس لتضع أيديها على الثروة المعدنية في بقاع العالم من بترول وحديد وذهب ونحاس وقصدير ونيكل وفضة ومنجنيز وفوسفات ونترات وكبريت وكروم وتنجستن وغيرها من المعادن التي هي أساس الصناعات في العالم بأسره. والأمة التي تستطيع أن تستخرج من أرضها هذه المعادن وأن تستخدمها في صناعتها تزداد ثروتها القومية عشرات المرات بل مئاتها. والأراضي المصرية لا سيما الصحراء الشرقية غنية بهذه المعادن، ولأضرب لذلك مثلًا: عنصر الحديد؛ ففي منطقة أسوان وحدها توجد مساحة تقدر بنحو ???? كيلو متر مربع تُحد غربًا بالنيل وشمالًا بوادي أبي صبيرة وشرقًا بوادي علوي وجنوبًا بوادي عجاج وبخط عرض ??°، ويوجد في هذه المنطقة نوع جديد من خام الحديد يقدر نسبة الحديد الخالص فيه في المتوسط بمقدار ??? من وزن الخام، وقد قُدرت كمية الحديد في هذه المنطقة بنحو ??? مليون طن، فإذا راعينا أن مقدار الثروة الأهلية للقطر المصري عام ???? قُدرت بنحو ???? مليون جنيه فإن ثمن هذا الكنز الحديدي في منطقة أسوان يمكن أن يقارَن بثروتنا الأهلية بأكملها. ومثال آخر: زيت البترول؛ فقد بلغت كمية المستخرج منه من الأراضي المصرية عام ???? ما يقرب من مليون طن، يقدر ثمنها بنحو ?? مليون جنيه أو ما يقرب من ربع ميزانية الدولة المصرية في تلك السنة. وقد وَضعت مصلحة المساحة تقريرًا وافيًا عن المعادن الموجودة في الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الأحمر مع بيان تفصيلي عن منطقة أسوان وما يجاورها، ويوجد مع هذا التقرير خريطتان إحداهما خريطة جيولوجية لمنطقة أسوان، والأخرى خريطة للجزء الجنوبي الشرقي من القطر المصري بُينت فيها مواضع المعادن المختلفة، وإن الذي يطلع على هذه الخريطة لَيدهش لكثرة عدد المناطق التي توجد فيها المعادن وتعددها؛ إذ لا يكاد يوجد معدن ذو قيمة اقتصادية غير موجود في منطقة أو أكثر من المناطق المبينة على هذه الخريطة، وقد وُضع هذا التقرير بمناسبة تأليف لجنة ألفها مجلس الوزراء في ? يناير سنة ???? لوضع مشروع لتحسين أسوان بوصف كونها مشتًى وللنظر في إنشاء مدينة صناعية عند أسوان.
وإن هذا التقرير لما احتواه من بيانات وافية عن ثروتنا المعدنية هو أوسع وأعم من مجرد تحسين أسوان كمشتى. هذا وإن طريقة تأليف لجان تُقدَّم إليها تقارير ثم تذهب اللجان وتُطوى التقارير، إن هذه الطريقة لا يمكن أن تكون مقبولة أو مُنتِجة. وفي حديث ألقيته بالراديو منذ عشرة شهور تقدمتُ بالاقتراح الآتي: وهو إنشاء وزارة تسمى وزارة الاقتصاد العلمي، مهمتها استخراج الطرائق العلمية في تنمية الثروة الأهلية وإيجاد موارد جديدة لها، لا سيما الموارد المعدنية كاستنباط معدن الحديد والمعادن الأخرى في الصحاري المصرية، وكذلك الموارد الطبيعية الأخرى كاستنباط القوى الكهربائية من مساقط المياه، وتطبيق العلوم الحديثة في نشر العمران. وقد رأينا أن استنباط معدن واحد وهو البترول قد عاد بدخل قدره ?? مليون جنيه في السنة، وأن ثمن الحديد الموجود بمنطقة أسوان وحدها يقارَن بالثروة الأهلية للقطر المصري بأكمله، وأن في صحارينا العدد الوفير من المعادن الثمينة منها ما عُرف مكانه ومنها ما يهدينا البحث إليه كما هدانا إلى غيره. وإنني أكرر اليوم ما اقترحته بالأمس من إنشاء وزارة الاقتصاد العلمي راجيًا أن يكون اقتراحي هذا موضوعَ درس وتفكير.
وناهينا بما للعلم من أثر بليغ في الصحة العامة للمجتمع، بل إن الطب الوقائي والصحة العامة إنْ هما إلا ثمرة من ثمرات التقدم العلمي. وسأضرب للقارئ مثلًا لا يزل جاثيًا أمامنا، فكلنا يعلم أن مرض التيفوس من أفتك الأوبئة وأشدها وبالًا، فقد قُدر أن عدد ضحايا هذا المرض عقب الحرب الماضية بلغ خمسة ملايين من الأنفس، خمسة ملايين من الأنفس يفتك بها هذا الميكروب القتَّال دون أن يستطيع الطب العلاجي أن يفعل شيئًا من أجلهم، ثم تقدم العلم ونشط البحث العلمي فكان أن اهتدى العلماء إلى تحضير المصل الواقي من المرض، وفي الحرب الحالية جاءت الجيوش الأمريكية إلى مصر وجاءت معها الوحدات الطبية تستخدم العلم ونتائج البحث العلمي لوقاية أرواح الجنود، فماذا حدث؟ حدث أنه في الوقت الذي وصل فيه عدد حالات المرض بالتيفوس بين المصريين إلى ??? حالة في الأسبوع كان عدد الحالات في الجيش الأمريكي حالتين اثنتين، كما أنه لم تحدث وفيات بالتيفوس في الجيش الأمريكي ولا في البحرية الأمريكية ولا في سلاح الطيران الأمريكي، لم تحدث وفيات البتة لأن العلم استُخدم في وقاية الأرواح والأبدان.
وإلى جانب الأمصال الواقية يضع العلم تحت تصرف المجتمع المواد الكيميائية التي تبيد الحشرات إبادة سريعة وفعالة مثل فلورور الميثيل وا? «دي-دي-تي»، ولما كانت الحشرات تنقل جراثيم الأوبئة فإن قتلها يقضي على انتشارها، وبذلك ينجو الناس من فتكها وآلامها وشرورها.
ومن الأمثلة التي استرعت نظر العالم المتمدين بأسره كشف العلم عن ذلك الترياق العجيب «البنيسيلين» الذي استخلصه العلماء من نوع من الفطر أو العفن الأخضر يُعرف باسم «بنيسيليوم نوتاتوم»، فصار هذا الدواء نوعًا من البلسم السحري يقضي على الميكروبات المسببة للأمراض الإنسانية، ولو خُفف بنسبة واحد إلى خمسين مليونًا.
ليس الطب إذن حرفة يتعلمها الصغير من الكبير ثم ينصرف إلى ممارستها، بل إن الطب أساسه العلم، وتقدُّم فن العلاج مبني على العلم والبحث العلمي، كما في البنيسيلين وكما هو الحال في غيره وغيره من وسائل العلاج الحديثة. والطب الذي لا يرتكز على أساس علمي متين إنما هو نوع من الدجل والشعوذة، هذه حقيقة يجمل بأطبائنا أن يذكروها لا سيما القائمون منهم على إعداد الأطباء وتعليمهم. أقول ذلك لأنه قد راعني نزعة إلى فصل الطب عن العلم في مصر في الوقت الذي تزداد فيه الصلة بينهما تمكنًا وقوة في بقية العالم، وإنني لأرجو أن تكون هذه النزعة الرجعية الضعيفة مقدمة لرد فعل قوي يربط الطب والعلم في مصر ربطًا متينًا فيتعاونان على خدمة المجتمع وإصلاحه.

البحث العلمي وتنظيمه


لقد رأينا ما للعلم من أثر وخطر في المجتمع … فما أوجب أن نعمل على نموه وتقدمه … فكيف السبيل إلى هذا؟
يروى عن السِّير إيزاك نيوتون أنه سُئل كيف اهتدى إلى الكشف عن قوانين الجاذبية، فكان جوابه بإعمال الفكر؛ فالسير إيزاك نيوتن الذي وصل إلى معرفة قواميس حركات الكواكب ووحد قوانين الحركة بين الأجرام الأرضية والأجرام السماوية يعزو عمله إلى الفكر …
فبالتفكير والبحث نما العلم وتقدم … وإن هذا التفكير وهذا البحث وإن كان يُنسب كل منهما في العادة إلى الأفراد، كأن ينسب القول بالتطور إلى داروين أو أن ينسب الكشف عن عنصر الراديوم إلى كوري، أقول وإن كان ينسب كلٌّ إلى الأفراد إلا أنه في الواقع نتيجة لتفكير الجماعة، فلولا الكشوف التي سبقت عصر داروين في علم الحيوان وفي علم النبات لَمَا قال داروين بالتطور، بل لولا ما كان يحيط بداروين من تفكير منظم في عصره لَمَا استطاع أن يعمل ما عمله وأن يضيف ما أضاف إلى التفكير البشري. كذلك لولا بحوث بكرل ومن سبقه من علماء بل وعلماء الكيمياء، ولولا التعاون الفكري الذي كان يحيط بمدام كوري وزوجها لَمَا استطاعا أن يفسرا اسوداد ألواحهما الحساسة بنسبته إلى شعاع خفي من عنصر جديد، فتنظيم البحث والتفكير إذن شرط من شروط تقدم العلم، ولعل هذا الشرط هو العامل الأول في ازدياد الإنتاج العلمي في العصر الحديث.
كيف يكون إذا هذا التنظيم؟! قبل أن أجيب على هذا السؤال سأستعرض حالة البحث العلمي في البلاد المتمدينة ثم أحاول أن أطبق ذلك على مجتمعنا المصري وأن أسترشد به فيما يجب علينا أن نصنعه في مصر مع مراعاة ما لنا من ظروف خاصة وما بيننا وبين غيرنا من فروق ومخالفات.
لننظر إذًا إلى بلد من البلاد المتمدينة التي تقوم بنصيبها في البحوث العلمية نجد أنه في كل حالة تنقسم البحوث إلى نوعين رئيسيين: بحوث في العلم وبحوث في العلوم التطبيقية، ويجدر بي أن أسجل هنا الفرق أيضًا بين هذين النوعين من البحوث؛ إذ كثيرًا ما يختلط أمرهما حتى على المتعلمين منا.
فالبحث العلمي البحت غرضه الوصول إلى المعرفة أو الإضافة إلى علم البشر، هو بحث يراد به الكشف عن أسرار الطبيعة على حد التعبير العادي، فنحن نعلم أشياء ونجهل أشياء، فمن بحث عن المجهول وأدخله في دائرة المعلوم كان بحثه بحثًا علميًّا بحتًا، وأظن هذا المعنى قد صار واضحًا في غير حاجة إلى إسهاب.
أما البحوث التطبيقية فلها غرض آخر ليس هو الوصول إلى المعرفة وإنما هو الوصول إلى القدرة، فنحن نقدر على أشياء ولا نقدر على غيرها، فمن مَكَّننا من عمل ما لم نكن نقدر عليه من قبل فقد بحث بحثًا تطبيقيًّا ناجحًا.
ولأضرب لذلك مثلًا: في النصف الثاني من القرن الماضي قام هانتزث هيرتز ببحوث في علم الطبيعة برهن بها على وجود أشعة كهربائية تنتقل في الفضاء، فاهتم العالم بكشفه العلمي هذا، وكان أهم ما يعنى به العالم العلمي في هذا الوقت من أمر هذه الأشعة أن جاءت محققة لآراء كلارك مكسويل فيما يجب أن تكون عليه المعادلات الرياضية التي تربط بين الكهرباء والمغناطيسية، كانت معادلات كلارك مكسويل متفقة مع علم البشر عن خواص الكهرباء وارتباطها بالقوى المغناطيسية، فلما جاء كشف هيرتز عن أشعته الكهربائية تم تحقيق معادلات مكسويل، وصار من الممكن لعلماء الطبيعة أن يخبرونا بقوانين الكهرباء وارتباطها بالقوى المغناطيسية، لذلك اعتبرت أبحاث هيرتز هامة في تقدم العلوم ومنح الألقاب الفخرية والجوائز والمداليات على عمله. ويجب أن نلاحظ أن هؤلاء العلماء الذين أعجبوا بعمل هيرتز وقدروه حق قدره إنما دفعهم إلى ذلك شغفهم بالمعرفة وتعلقهم بالكشف عن أسرار الطبيعة، كما نلاحظ أن قيمة العمل الذي قام به هيرتز في نظر هؤلاء العلماء إنما كانت بالنسبة إلى ما لهذا العمل من أثر في تقدم العلم، ثم حدث بعد ذلك أن تنبه المشتغلون بالبحوث التطبيقية إلى ما لعمل هيرتز من أهمية وجهة نظرهم إذا رأوا فيه وسيلة تمكنهم من شيء لم يكونوا يقدرون عليه، ألا وهو التراسل اللاسلكي، فإذا كان هيرتز قد كشف عن وجود أشعة كهربائية تنتقل في الفضاء ولا تحتاج إلى سلك أو وسيلة مادية لنقلها، فلماذا لا تستخدم هذه الأشعة في التراسل فيتمكن بذلك البشر من إرسال تلغرافاتهم دون الحاجة إلى مد أسلاك فوق الأرض أو تحت الماء.
وإننا لنرى أن هذا التفكير يختلف تمام الاختلاف في غرضه عن تفكير علماء الطبيعة الذين شغفوا بعمل هيرتز حبًّا في العلم ورغبة في المعرفة، وقد حدث أن قام مهندسون ومخترعون بالبحث التطبيقي في التراسل اللاسلكي اشتهر من بينهم ماركوني بمثابرته واتساع حيلته، ولعل في هذا المثال ما يكفي لتوضيح الفرق بين البحوث العلمية البحتة والبحوث العلمية التطبيقية.
إذن فنحن أمام نوعين من البحث العلمي يختلفان في الغرض، ومع ذلك فبينها اتصال وثيق، والعلاقة بينهما بصفة عامة هي العلاقة بين الأصل والفرع؛ فالبحوث العلمية البحتة هي الأساس والبحوث التطبيقية مبنية عليها، ولا يمكن تصوير البحث التطبيقي إلا على أساس من العلم الأكاديمي، على أن العلاقة بين النوعين من البحث ليست بسيطة إلى هذا الحد، فتقدُّم البحث التطبيقي يؤدي إلى تقدم الصناعات المختلفة، وتقدم الصناعات يضع في يد العالم الباحث أجهزة أدق وأحكم تساعده في الكشف عن أسرار الطبيعة، وبذلك يرد العلم التطبيقي للعلم البحت شيئًا من حسن صنيعه.
تنشأ إذن مسألتان أو بالأحرى ثلاث مسائل: أولًا: كيف يُنظَّم البحث العلمي البحت؟
ثانيًا: كيف ينظم البحث العلمي التطبيقي أو الصناعي؟
ثالثًا: كيف تنظم العلاقة بين هذين النوعين من البحوث؟
ففي المسألة الأولى نجد أن البحوث العلمية البحتة في البلاد المتمدينة يقوم بها في العادة رجال الجامعات والمعاهد العلمية المختلفة، فالأساتذة والمدرسون وغيرهم من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والمعاهد العلمية العالية يقوم كل منهم ببحوثه الخاصة متعاونًا في ذلك مع غيره من المشتغلين في فرعه، والأستاذ في الجامعة يشعر أن أول واجب عليه متابعة البحث العلمي ويضع هذا الواجب فوق واجباته الأخرى كإلقاء الدروس وتنظيم الدراسات وما إليها، وجميع أساتذة الجامعات أعضاء في المجامع والجمعيات العلمية المختلفة كلٌّ في دائرة تخصصه، ولا يقتصر الأستاذ على متابعة أبحاثه الخاصة، بل عليه أن يكون ملهمًا لغيره ممن هم دونه في المرتبة العلمية ومشرفًا على بحوثهم ومرشدًا لهم، ولذلك لا يصل الأستاذ إلى كرسي الأستاذية إلا بعد أن يثبت قدرته على البحث العلمي المبتكَر وعلى إرشاد غيره فيه، فأعضاء هيئة التدريس في كل فرع من فروع العلم يؤلفون أسرة رئيسها الأستاذ صاحب الكرسي، تعمل كوحدة متماسكة في ميدان البحث العلمي، يسترشد صغيرها بكبيرها ويتعاون الجميع على البحث والابتكار.
والأمم المتحضرة تتسابق في ميدان المعرفة وتتنافس تنافسًا شديدًا، فالجامعات والمجامع العلمية في أنحاء المعمورة في جِد متواصل تبحث وتنقب وتتبارى، والمجلات والنشرات التي تخصص لهذه البحوث تعد بالألوف في كل عام، هذه المجلات يطلع عليها العلماء والباحثون ويسجلون فيها نتائج تجاربهم وآرائهم العلمية، لا فرق في ذلك بين أمريكي وياباني أو بين إنجليزي وفرنسي، فهي بمثابة مؤتمر دائم للعلوم يوحِّد بين وجهات النظر ويمحص الآراء ويعمل على تقدم العلم. وتقاس الجهود العلمية لأمة بمقدار ما تنتجه في هذا الميدان، فهو عنوان حياتها العلمية ومعيار رقيها الفكري، هذه المجلات التي تحوي خلاصة التفكير العلمي لا يقرؤها الرجل العادي في الغالب ولا يعرف بوجودها، وإن هو قرأها فإنه لا يكاد يفقهها لاحتوائها على رموز ومصطلحات ليس لها مفهوم في ذهنه. ويحدث في بعض الأحايين أن تنشر الجرائد اليومية خبر منح جائزة نوبل إلى فلان من العلماء، فإذا قرأنا مثل هذا الخبر فإن معناه أن أعمال هذا العالم المنشور في هذه المجلات قد وصلت إلى الحد الذي يجعل صاحبها في مصاف المبرَّزين من العلماء. ويحدث كذلك أن نسمع باسم عالم أو باحث مقترنًا برأي يُنسب إليه كأن نسمع باسم أنشتين مثلًا مقترنًا بالنظرية النسبية، فإذا حدث ذلك فإن معناه أن الأبحاث التي نشرها هذا العالِم في هذه المجلات والآراء التي أدلى بها قد وصلت إلى الحد الذي يجعل صاحبها قائدًا من قواد التفكير العلمي، وأن الرأي المنسوب إليه قد صار رأيًا يُعتمد به بين العلماء. ولعل هذين المثالين هما مبلغ ما يصل إلى علم الرجل العادي عن حركة التقدم العلمي.
وليس معنى هذا أن نهر المعرفة يجري في الظلام أو أن العلم قد أصبح نوعًا من السحر أو الطلاسم الخفية مقصورًا على طائفة معينة من المجتمع كما كان في عصر المصريين القدماء، بل بالعكس: إن من أميز مميزات هذا النوع من البحث العلمي إباحتَه لكل قادر ونشرَ نتائجه نشرًا حرًّا بعيدًا عن كل رقابة وبغير أن يكون للناشر أو المؤلف أي حق من حقوق النشر أو التأليف، فهو عمل يقصد به وجه العلم ولا ترجى من ورائه أية فائدة إلا التنافس المشروع بين العلماء. ولما كان البحث العلمي البحت لا يُقصد به أية فائدة مادية مباشرة، كان من الواجب على كل أمة أن تشجع كل ذي موهبة على متابعة أبحاثه، وأن تهيئ للباحثين أسباب الاطمئنان وتيسر لهم عيشهم لكي يتفرغوا لبحوثهم. وكما أن العُرف قد جرى بيننا على أن يقوم الخيِّرون منا بوقف أموالهم على أعمال البر المختلفة كإنشاء الملاجئ والمدارس والمستشفيات، كذلك جرى العرف عند غيرنا من الأمم المتحضرة على أن يقف موسِروهم أموالَهم على البحث العلمي، فنجد في كل جامعة وفي كل جمعية أموالًا مخصصة للبحث العلمي وصلت إليها عن طريق الهبات والتبرعات. ولا يقتصر الأمر عند حد ما يجود به الأفراد من مال، بل إن الحكومات تخصص في ميزانيتها مبالغ ضخمة للصرف على البحوث العلمية البحتة؛ فتصرف المكافآت الدراسية التي هي نوع من المرتبات إلى النابغين من خريجي الجامعات لكي ينصرفوا إلى البحث العلمي، كما تُشترى الأجهزة العلمية وتبنى المعامل وتُجهز للبحث العلمي من هذه الأموال. ولأذكر هنا اسم كارنيجي الأمريكي المواطن الاسكتلندي الأصل صاحب ملايين الدولارات للبحث العلمي في سائر أنحاء العالم، كما أذكر اسم نوبل الاسكندي الذي أوصى بجوائزه المشهورة كمكافآت على البحث العلمي الممتاز، وغير هذين كثيرون. وتبلغ الأموال التي تخصصها الدولة في إنجلترا وحدها ملايين الجنيهات توضع تحت تصرف الجامعات والمجامع العلمية لتُصرف في تشجيع البحث العلمي.
هذا هو الحال إذن في الدول المتمدينة، جاءت تعمل، وجمعيات علمية تُنظم وتُشرِف، ومجلات وكتب ونشرات علمية تُطبَع وتُنشَر، وأموال تخصِّصها الدولة ويهبها الأفراد لِتُصرَف.
ولعله يكون من المفيد أن أشير إلى الطريقة التي تُتبع في تنظيم صرف هذه الأموال، ففي إنجلترا مثلًا يقوم مجلس إدارة الجمعية الملكية بالإشراف على هذا الصرف، فإذا أراد باحث تخصيص معونة مالية تمكنه من أداء بحثه، قدم طلبه إلى الجمعية الملكية، ويقوم مجلس الإدارة بفحص هذه الطلبات جميعها والبت فيها في ضوء التوصيات التي تصل إليه من العلماء المعروفين وفي ضوء الخبرة الشخصية لأعضاء المجلس. وفي أمريكا توجد هيئة عليا تسمى مجلس الأبحاث الوطني يُعهد إليها بتنظيم الصرف على البحوث العلمية، وجعلت لها ميزانية تصرف منها على تشجيع البحوث وإعانتها. وفي كل بلد من البلاد المتمدينة الأخرى توجد وسيلة قومية حكومية أو غير حكومية لتنظيم الصرف على البحوث العلمية، ويجب أن يلاحظ أن هذه المبالغ التي تخصَّص للبحث العلمي هي غير ما تخصصه الجامعات والمعاهد العلمية المختلفة، فالجامعات كانت ولا تزال المقر الرئيسي للبحوث العلمية، وهي تنفِق على هذه البحوث من أموالها الخاصة ومن الهبات والتبرعات والإعانات الحكومية.
هذا هو الحال إذن في الأمم المتمدينة، ولنا أن نستخلص منه دروسًا تُنتفع بها في تنظيم حياتنا العلمية. فمن ناحية يجب علينا أن نُعنى بالبحث العلمي في الجامعات التي أنشأناها، وفي كل جامعة أخرى نقوم بإنشائها يجب علينا أن نذكر أن مقام الجامعة بين جامعات العالم لا يكون بعظمة مبانيها ولا بكثرة طلبتها ولا بضخامة ميزانيتها، وإنما تقاس رفعة الجامعة وعلو شأنها بمقدار ما تنتجه من البحوث العلمية، فهذه هي التي تُنشر على الملأ بين العلماء، وهي التي تبقى على مر العصور. يجب إذن أن نحرص كل الحرص على انتقاء أساتذة الجامعة من بين الذين برهنوا على مقدرتهم على البحث العلمي وشغفهم به وإرشاد غيرهم فيه، ويجب أن نُسار إلى تشجيع الباحثين منا بكل ما تملك الدولة من وسائل مادية وأدبية، يجب أن يشعر كل مشتغل في ميدان البحث العلمي أن عمله مقدور مشكور وأن ميدان هذا العمل هو الميدان الوحيد للتنافس بينه وبين غيره من الباحثين، وعلى أولي الأمر منا أن يُعنوا أشد العناية بهذه الناحية من نواحي الحياة الجامعة وأن يضعوا هذا الاعتبار فوق كل اعتبار آخر وألا يُجاروا بعضَ قصيري النظر ممن يُقَيِّمون عمل الجامعة وحاجاتها بعدد الطلبة وعدد الدروس التي تلقى عليهم.
ومن ناحية أخرى يجب أن نسارع إلى إنشاء مجمع علمي يتصل اتصالًا وثيقًا بحياة علمائنا وباحثينا، ويكون له من المقام العلمي ما لغيره من مجامع الأمم المتحضرة، وفي رأيي أن إنشاء هذا المجمع أمر لا مفر منه إذا أردنا للبحث العلمي في مصر نموًّا واطرادًا، واختيار أعضاء هذا المجمع عمل من أهم الأعمال وأبعدها أثرًا في مستقبل حياتنا العلمية، فالجاه والمنصب والنفوذ الشخصي كلها أمور محلية يجب أن لا نقيم لها وزنًا في اختيار أعضاء المجمع، والشيء الوحيد الذي يجب أن يدخل في حسباننا هو المقام العلمي المبني على الإنتاج المبتكَر في ميدان البحث العلمي. ثالثًا: يجب علينا أن نُعنى بنشر البحوث العلمية التي يقوم بها أساتذة الجامعة وسائر المشتغلين بالبحث والابتكار، فالكثير منا يكتفي اليوم بنشر أبحاثه بالمجلات الأجنبية لما لهذه المجلات من مكانة معترف بها، ولو أن ما يُنشر في كل سنة من بحوث المصريين والمقيمين في مصر في هذه المجلات الأجنبية، لو أنه جُمع ووُضع بين دفتين لكفى لإخراج مجلة، بل لعله يكفي لإخراج مجلات متعددة. وفي رأيي أنه قد آن الأوان لتنظيم إصدار مجلة أو عدة مجلات علمية في مصر، وإذا أنشئ المجمع الذي أشرت إليه فإن البحوث التي تُلقى فيه ستنشر بطبيعة الحال في مجلة دورية أو نشرات متسلسلة تدون فيها بحوثه العلمية. وفي البلاد الأخرى تعرض البحوث عادة على محكمين مخصصين يقومون بفحصها وتقرير صلاحيتها أو رفضها، ولا يضير المجلة أو الهيئة العلمية أن يكون المحكِّمون خارجين عنها؛ فالبحث العلمي اليوم قد وصل إلى درجة عالية من التخصص الضيق بحيث لا يوجد في العالم كله إلا نفر قليل يستطيع كلٌّ منهم أن يحكم على مستوى بحث معين، ونحن إذا سلكنا هذا السبيل فلن يضيرنا الاتجاه إلى محكمين من غير المقيمين في مصر كلما وجدنا ضرورة لذلك لكي نحتفظ بمستوى عالٍ لمجلاتنا العلمية، وستكون اللغات التي تنشر بها الأبحاث هي اللغات العلمية الأربع المعترف بها في المؤتمرات الدولية، ولكن واجبنا نحو اللغة العربية ونحو أنفسنا يقضي علينا بنشر تراجم أو ملخصات عربية لكل ما يُنشر.
فإذا نحن قمنا بإنشاء مجمع علمي على النحو الذي ذكرته، ونظمنا نشر البحوث بالطريقة التي وصفتها، فإن على الدولة أن تقوم بتخصيص المال اللازم لتشجيع البحوث والإنفاق عليها، وعلى رجال العلم أن يطالبوا الدولة بذلك لأنهم أبصرُ من غيرهم بضرورته وفائدته.
هذا إذن ملخص ما يكون عليه تنظيم البحث العلمي في دائرته البحتة أو الأكاديمية، ولقد خَطَوْنا خطوات محسوسة في هذا الميدان، فالبحوث العلمية البحتة موجودة فعلًا يقوم بها علماؤنا في الجامعة وخارج الجامعة، وينشرون في مجلات أجنبية أو محلية، فإذا نحن نظرنا إلى البحوث التطبيقية رأينا صورة تختلف عن هذه الصورة؛ فكمية البحث التطبيقي في مصر ضئيلة لا تكاد تُذكر، والمجال أوسع للخلق والاستحداث، فالبحث الصناعي مثلًا يكاد يكون منعدمًا. حقيقة توجد بحوث في الناحية الزراعية تقوم عليها بعض أقسام وزارة الزراعة والجمعية الزراعية الملكية، وهذه لها قيمتها وأثرها في تقدم الزراعة في مصر، كما توجد بحوث تطبيقية يقوم بها بعض الأفراد والهيئات داخل الجامعة وخارجها، إلا أن هذه جميعًا لا تزال في حاجة إلى كثير من التوجيه والتنظيم، كما أنها في حاجة إلى أن تتصل بالبحوث العلمية البحتة. أما في الناحية الصناعية فإن مشكلاتنا الصناعية لا تكاد تلقى عناية تُذكر، فلنأخذ مثلًا صناعة التعدين نجد أن الشركات الأجنبية التي تقوم بالبحث عن المعادن بما في ذلك البترول في مصر تنفق أموالًا طائلة على البحث الصناعي المحلي، ولولا ذلك لما اهتدت هذه الشركات إلى أماكن استخراج البترول والمعادن الأخرى، إنما كان الأولى أن نقوم نحن بالبحث عن هذه المعادن في صحرائنا وأن نخصص الميزانية اللازمة لذلك. إن البحث عن المعادن يقوم على أساس علمي من التجارب وله طرائق خاصة ليست سرًّا على رجال العلم، ولا تتطلب عمليات البحث مؤهلات علمية عالية، وإنما شيئًا من بُعد النظر ومن التنظيم. وفي رأيي أنه يجب أن يكون لنا سياسة ثابتة في صناعة التعدين تقتضي تخصيص أموالٍ في ميزانية الدولة للبحث العلمي عن معادننا وما اختبأ في جوف الأرض من ثرواتنا الاقتصادية. وإذا كان صرف الأموال في هذا البحر يستحق أن يعمل في نظر شركات تأتينا من بعيد لهذا الغرض، فإنه يجب أن يكون أكثر استحقاقًا في نظرنا نحن أهل البلاد، ولا يمكن أن توصف سياسة ترك البحث عن معادننا لهيئات أجنبية إلا بأنها قصيرة النظر، فكل قرش يُصرف في هذا البحث يعود إلى صاحبه أضعافًا مضاعفة. كذلك لننظر إلى العمليات المختلفة التي تدخل في صناعتنا: إن كل عملية صناعية خاضعة لتطور مستمر كنتيجة للبحث الصناعي، فأين الباحثون؟ وأين الأموال المخصصة للبحث؟!
ذكرت أن أمامنا ثلاث مسائل؛ الأولى: مسألة البحث العلمي البحت، وقد فرغت منها. والثانية: مسألة البحث العلمي التطبيقي أو الصناعي. والثالثة: تنظيم العلاقة بين هذين النوعين من البحوث. والنظر في المسألة الثانية يقترن بالنظر في المسألة الثالثة، فالبحث العلمي التطبيقي أساسه البحث العلمي البحت كما قدمتُ، وإذن فلكي ننظم البحث التطبيقي وجب علينا أن نبني هذا التنظيم على البحوث العلمية البحتة.
ولكي نستنير في ذلك بما هو حادث عند غيرنا من الأمم سأصف بإيجاز كيفية تنظيم البحوث الصناعية في البلاد الأخرى.
فأول ما نشاهده وجود مؤسسات تُعنى بما يصح أن نسميه المعايير العلمية للصناعة، ففي كل صناعة توجد معايير متفق عليها لقياس الصفات والخواص الرئيسية للمصنوعات والعمليات الصناعية، وعلى الدولة أن تحدد المعايير التي تُقاس بها هذه الصفات وأن يكون لديها من الوسائل ما يُمَكِّنها من إجراء عمليات القياس والمقارنة التي تتطلبها القوانين الصناعية. ومن هذه المعايير ما هو أساسي وبسيط كمقاييس الطول ومكاييل الحجم، ومنها ما هو معقد كقياس قدرة آلة ذات محرك داخلي أو كتقدير قدرة إنارة مصباح. وفي العصور الماضية كان الأمر لا يقتضي أكثر من اختبار مقاييس الطول ومكاييل الحجم وصَنْج الوزن مع مراقبة الفلزات الغالية الثمن كالذهب والفضة وتمغها بخاتم خاص. هذا ما كان عليه في القرون الوسطى، وهذا هو تقريبًا الحال في مصر اليوم، فإذا صُنع ترمومتر في مصر وأُريد معرفة ما إذا كانت عملية تدريجية صحيحة لم نجد معهدًا معترَفًا به من الدولة يستطيع أن يفتينا في الأمر، وإذا أريد قياس قدرة محرك كهربائي والتعبير عن ذلك بالوحدات الدولية المصطلح عليها، عجزت نظمنا عن ذلك، واعتمدنا على تقدير غيرنا، فصرنا تحت رحمتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة.
وفي أمريكا يوجد معهد يسمى المعهد الأهلي للمعايير بمدينة واشنجتون، يقوم بضبط وقياس كل ما تحتاج إليه الصناعات من أقيسة وضوابط، وفي إنجلترا معمل الطبيعة الأهلي ببلدة قريبة من لندن، وفي هذا المعمل الحكومي يقوم علماء متخصصون بإجراء جميع العمليات المرتبطة بضوابط الصناعة، والقوانين الوضعية الصناعية في كل من إنجلترا وأمريكا دقيقة وصارمة، وأغلب الظن عندي أن وزارة التجارة والصناعة في مصر قد بدأت تشعر بالحاجة إلى معهد من النوع الذي أشرت إليه يقوم بمساعدتها وشدِّ أزرها في مهمتها، فالتقدم الصناعي أساسه الضبط والإحكام. وقبل أن يتيسر البحث فيما هو مجهول يجب أن نحدد ونضبط ما هو معلوم وإلا نشأت الفوضى واختلفت المعايير وضاع القسطاس المستقيم. فالعلم هو قبل كل شيء أمر كمي أساسه القياس والعدد، وقياس أبسط الأشياء يحتاج إلى معيار ثابت يقاس به، وتجد نتائج الفوضى في القياس بادية في حياتنا التجارية؛ فالأردب يجوز أن يكون ?? كيلة أو ?? كيلة، والذراع إما أن يكون بلديًّا أو معماريًّا، والطرناتة إما أن تكون ?? قنطارًا أو ?? قنطارًا وهي في الواقع ليست أيهما، أما في درجات الحرارة وقدرة المحركات وإنارة المصابيح فأمره بيد غيرنا!
ولا يقتصر عمل معهد المعايير على الصناعة وحدها، بل يقوم بخدمات جليلة في ميدان البحث العلمي البحت والتطبيقي، فالعالم في معمله كثيرًا ما يلجأ إلى معهد المعايير لضبط أجهزته وآلاته. وهكذا كل من البحث العلمي البحت والبحث العلمي التطبيقي في حاجة إلى معهد المعايير الذي يمكن اعتباره ضابطًا لا غنًى عنه.
قلت إن البحث الصناعي أساسه البحث العلمي البحت أو هما أمران مرتبطان. ولكي نوجِد الصلة ونحقق التعاون المنشود بينهما يجب أن تكون لدينا أداة صالحة لهذا الغرض، وفي إنشاء معهد فؤاد الأول للبحوث العلمية والصناعية الذي تكلمتُ عنه في الفصل السابق. أقول إن في إنشاء هذا المعهد — لو تم — تحقيقًا لهذا التعاون وهذه الصلة التي نرجو وننشد، فالفكرة الرئيسية في إنشاء هذا المعهد أن يكون همزة الوصل بين العلم والصناعة.
وشبابنا الذين يدرسون العلوم في تعليمهم العالي ويحصلون على الدبلومات والدرجات الجامعية يوجّه القادرون منهم نحو البحث الصناعي، وبذلك ننشئ جيلًا جديدًا من المتخصصين الأكفاء الذين يجمعون بين الإعداد العلمي الصحيح والخبرة الفنية العالية، فنستغنى بهم عن الخبراء الأجانب الذين نستدعيهم في كل أمر وفي كل ميدان.

كيف يوجه العلم والعلماء لتحقيق تعاون عالمي؟


لا نكون قد وفينا العلم حقه إذا ما اقتصرنا على الدفاع منه في أنه المسئول عما يجري في العلم اليوم من خراب ودمار، بتبيان ما يُحقَّق للمجتمع من خير وعمران ومن أنه ليس المسئول عن سوء استعمال مستحدثاته ومخترعاته … ذلك لأنه في وسعه أيضًا وفي وسع العلماء أن يضيفوا إلى هذا الخير وهذا العمران اللذين يقدمونهما لكل مجتمع، في وسعه ووسعهم أن يحققوا تعاونًا وتضامنًا بين العالم أجمع …
ولن أخوض في أمر التعاون بين الأمم من ناحية إمكانيته أو استحالته، وإنما أفترض افتراضًا أن النية قد عُقدت على هذا التعاون … فكيف يساهم فيه العلم والعلماء … وكيف يوجه ويوجهون لتحقيقه؟!
إن التعاون العالمي بين العلماء قائم منذ سنين؛ فالعلماء في مشارق الأرض ومغاربها يكونون أسرة واحدة تربطهم روابط لا انفصام لها. فالعالِم الأمريكي في معمله يُتم بحثًا وينشره في مجلة أمريكية باللغة الإنجليزية، وبعد مدة وجيزة تكون هذه المجلة في أيدي علماء أوربا وآسيا وأفريقيا وأستراليا. فإذًا هم متكاتفون على دراسة هذا البحث، ثم هم بعد ذلك معقبون عليه أو ممحصون له، وقد يحدث أن يثير هذا البحث اهتمام عالِم في آسيا فيقوم بتجربة متممة لتجربة العالِم الأمريكي وينشر نتائجها في مجلة يابانية بلغة أخرى كاللغة الألمانية، ثم يتلقف الفكرة بعد ذلك عالِم نرويجي ينشر بحثه باللغة السويدية … وهكذا. بل إن الذي يحدث في كثير من الأحايين هو أن يشتغل العلماء في قارات البسيطة المختلفة في بحث مسألة واحدة، فتتكون فِرَق من العلماء في فروع العلم تجمعهم الرابطة العلمية وإن تفرقوا على سطح المعمورة.
هذا التعاون العلمي قائم بين العلماء منذ سنين، وقد نشأ عن تنظيمه والعناية به في أواخر القرن الحالي ازديادٌ عظيم في تقدم العلم ووفرة في الإنتاج العالمي. وعدا تبادل المجلات العلمية بين الأمم المختلفة توجد وسائل أخرى لتحقيق تعاون العلماء: كعقد المؤتمرات، وتبادل الأساتذة بين الجامعات، وإرسال البعثات العلمية، وانتخاب أعضاء أجانب ومراسلين في المجامع العلمية وغير ذلك من وسائل التعاضد والتساند. وقد نشأ عن هذا كله أن صار العلماء في مشارق الأرض ومغاربها ينظرون إلى أنفسهم كأسرة واحدة يُعين كبيرُها صغيرَها ويعطف عليه، ويجل صغيرُها كبيرَها ويسترشد به، وللجميع غاية مشتركة هي رعاية شجرة المعرفة وإنماؤها وإحلال نور العلم محل ظلام الجهالة. وفي وسط هذا كله يوجد التنافس السليم المشروع بين العلماء جميعًا، تنافسٌ لا يشوبه حقد أو أثرة، حتى إذا ما وصل عالم إلى الكشف عن حقيقة جديدة ووُفق في الوصول إلى ما لم يوفَّق إليه غيره، أكبَرَ العلماءُ نبوغَه وعبقريتَه وجدَّه وإخلاصَه وأحلُّوه المكانَ اللائق به بينهم.
ومما تجب ملاحظته أن هذا التعاون بين علماء الأمم المختلفة لم يكن ليتحقق لو لم يسبقه تنظيم التعاون بين علماء الأمة الواحدة، وهذه حقيقةٌ أرجو أن نُوليها ما تستحقه من عناية؛ لأنها تنطبق لا على التعاون العلمي وحده ولكن على كل تعاون منتج بين الأمم، فقبل أن توجد الجمعيات التي تنظم المؤتمرات التي تشترك فيها الدول المختلفة وُجدت الجمعيات التي يربط كلٌّ منها بين علماء الدولة الواحدة. وبعبارة أخرى: فقد كان من الضروري أن ينشأ المجمع العلمي في باريس، والجمعية الملكية في لندن، والمجامع العلمية في واشنطن وطوكيو قبل إنشاء الجمعيات الدولية الدائمة في جنيف وبروكسل.
وخلاصة ما تقدم أن التعاون بين العلماء حقيقة واقعة، وأن أساليب هذا التعاون قد درست ونظمت بحيث لا ينقصها إلا التطور الطبيعي دون مساس بالأسس التي بُنيت عليه. إلا أن هذا التعاون محدود المدى، فهو لا يخرج عن دائرة العلوم الأكاديمية، وهي دائرة تكاد لا تمس حياتنا اليومية، فالعلماء يشتغلون في معاملهم ومكتباتهم وجامعتهم ويحضرون اجتماعات جمعياتهم العلمية ويطالعون نتائج أبحاث زملائهم من العلماء، ثم هم يحضرون المؤتمرات الدولية ويتعاونون جميعًا على غرضهم المشترك وهو الوصول إلى المعرفة، وهم في هذا كله بعيدون عن مشاكل السياسة والحرب والاجتماع لا يعنون بأمرها إلا بقدر ما يُعنى الفرد العادي أو دون ذلك. لا شك في أن موقفَ العلماء هذا من المجتمع موقفٌ — كما سبق وصفه — تقليدي قد تحدد في القرون الوسطى، بل إنه قد تحدد منذ العصر الإغريقي والعصر الإسلامي، فمن ذلك الحكاية التي تُروى عن إقليدس إذ دخل عليه رجلٌ فوجده يرسم دوائر ومثلثات وينعم النظر في أشكالها الهندسية، فسأله: ما الفائدة من هذا كله؟ فكان رد إقليدس أن صفَّق بيديه، فحضر خادمه فقال إقليدس للخادم: أعطِ هذا الرجل دينارًا!
ولكن لم يعد من الممكن للعلم أن يحتفظ بموقفه التقليدي إزاء المجتمع وأن يبقى العلماء قابعين في صوامعهم وبروجهم العاجية، بل صار عليهم أن يتبصروا ما حولهم وأن يعيدوا النظر في موقفهم إن لم يكن لسبب آخر غير الاحتفاظ بصفاء حياتهم وراحة بالهم من تلك الجلبة التي سبَّبتها مستحدثاتهم. وصار على العلم أن ينظم العلاقة بينه وبين المجتمع، وعلى العلماء أن يدرسوا هذه العلاقة وأن يحددوا ما ينبغي أن يكون عليه الحال بين العلم والمجتمع وأن يوجهوا مجهوداتهم في هذا السبيل توجيهًا صحيحًا يكفل للعلم النماء ويؤدي بالبشر إلى الرخاء.
إن أول نقطة جديرة بالبحث إنما هي المسئولية الأخلاقية التي تقع على عاتق العلم والعلماء أو يُظن أنها تقع على عاتقهم إزاء تلك الآلات والمخترعات الجهنمية التي ترمي إهلاك البشر وتعذيبهم. وهنا يجدر بالمفكر أن يفرق بين العلم البحت الذي يرمي إلى المعرفة لذاتها وإلى نوع آخر من المجهود البشري له صلة بالعلم وإن لم يكن منه في شيء، وأقصد به الاختراع أو العلم التطبيقي كما يسمى. ولا شك في أن المسئولية الحقيقية في استخدام مثل هذه الآلات إنما تقع على الذين يقومون على استخدامها في التدمير والتعذيب، وكل ما يمكن أن نطلبه إلى العلماء أن يبنوا الأخطار التي تنجم عن تطبيق علمهم في اختراع مثل هذه الآلات، وعلى القائمين على تنظيم التعاون العالمي أن يُسِنوا القوانين لدرء هذه الأخطار وأن يعاملوا من تُحَدِّثه نفسه باستخدام نتائج العلم في التدمير والتخريب معاملة المجرِم سواء بسواء، وأن يكون لديهم من سلطة التنفيذ ما يُمكِّنهم من معاقبة هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم وقطع دابرهم. والنظام القائم الآن في الأمم المختلفة يسمح لكل مخترع باختراع ما يشاء من الآلات، كما يسمح له بتسجيل اختراعه بحيث يصبح له الحق في الحصول على الفائدة المالية التي تنشأ عن استخدام اختراعه، ولا تفرق القوانين الحالية بين المخترعات المختلفة ضارِّها ونافعها، وأكثر من ذلك تقوم كل حكومة بتشجيع المخترعين على استحداث وسائل التدمير والتخريب وترصد لذلك الأموال في ميزانياتها ويتسابق الجميع في هذا الميدان تسابقًا عنيفًا. ولا شك في أن هذا النظام فاسد يجب تغييره إذا كانت الأمم جادة في طلب التعاون العالمي، كما يجب أن يحل محله نظام آخر مبني على تفرقة واضحة بين ما هو مشروع وما ليس بمشروع في الاختراعات والوسائل المستحدثة، فإذا وُضع نظام كهذا وتعاونت الأمم على تنفيذه بإخلاص وكانت لديها الوسائل الناجحة لضمان تنفيذه، أقول إذا حدث كل هذا فإن المخترعين سيتجهون باختراعاتهم في النواحي المشروعة، ونكون بذلك قد وجهناهم توجيهًا صحيحًا نحو فائدة البشرية. ويجب أن تعامل الحكومات في هذا معاملة الأفراد سواء بسواء، فالحكومة التي تشجع المخترعات الضارة تعتبر حكومة مجرمة ويحال بينها وبين غرضها الدنيء بما يكون لدى القائمين على تنفيذ هذا النظام من وسائل السلطة المشروعة. ولست أزعم أن هذا النظام كفيل بمنع كل اختراع ضار بالبشرية، فالقانون والعقوبة لا يمنعان من ارتكاب الجريمة على وجه الإطلاق، ولا شك في أن بعض الحكومات أو بعض الأفراد ستُحدثهم نفوسهم الشريرة بالخروج على القانون وارتكاب جريمة الاختراع المهلك، إلا أن هؤلاء سيكونون أقلية يستهجنها الرأي العام بين الأمم ويوقع بها العقاب المنصوص في مواد القوانين. ولعل البعض يظنني مستغرقًا في الخيال حين أتكلم عن معاقبة الحكومات، إلا أنني كما ذكرت لا أتعرض لموضوع التعاون بين الأمم من ناحية إمكانيته أو استحالته، بل أتكلم عما ينبغي أن يكون، وإذن فلا يمكن أن يقوم اعتراض على قولي مبني على افتراض عدم احتمال التعاون.
إذن فالعلم إنما يرمي إلى المعرفة ولا يمكن أن يُتهم بالتخريب. والمخترعون ومن يقوم على تمويلهم وتشجيعهم هم الذين تقع عليهم التبعية الأولى، وهؤلاء إذا نُظمت أمورهم ووُضع لهم قانون نافذ ترتضيه الأمم وتسهر عليه استقامَ الحال؛ هذه هي الخلاصة. ولكن أليس معنى هذا أن العلماء إنما يتملصون بذلك من كل تبعة ويلقونها على غيرهم خطأً أم صوابًا، ثم يتركون الأمور والتنظيم لغيرهم ويعودون إلى صوامعهم وإلى موقفهم التقليدي إزاء المجتمع؟ وإذا كان الأمر كذلك، وأخشى أنه كذلك، فما هو الدور الإيجابي الذي يريد العلماء أن يقوموا به في التعاون العالمي؟
أذكر أنني حضرت مؤتمرًا عُقد في لندن حوالي عام ???? سُمي المؤتمر الأول لتاريخ العلوم، وقد حضر هذا المؤتمر نفرٌ غير قليل من العلماء قادمين من أمم متعددة. في هذا المؤتمر سمعت الخطباء يضربون على نغمة واحدة، ألا وهي أن تاريخ العلوم يجب أن يُعنى به العناية كلها؛ لأن التقدم العلمي أهم بكثير للبشرية من الحروب التي يسجلها التاريخ. وقد كان الغرض الأول من عقد هذا المؤتمر إثارةَ اهتمام الناس بتاريخ العلوم، وتوجيه الجامعات والمدارس نحو العناية بهذه الناحية من نواحي التاريخ، وقد ذكر الخطباء وكرروا أن العلم هو الذي أعطى المجتمع البشري جُلَّ ما يملك من وسائل الحضارة والرفاهية، وعابوا على المجتمع أن ينكر جميل العلم والعلماء فلا يحفل بأمر تاريخ العلوم، في حين أنه يُعنى العناية كلها بتاريخ الملوك والأمراء وما يحدث بينهم من حروب ومعاهدات وأشياء أخرى كثيرة هي في الواقع قليلة الأهمية تكاد تكون تافهة في تاريخ تطور البشرية إذا قيست بتاريخ العلم والاختراع.
وقد تساءل بعض المتكلمين: أيهما كان أكبر أثرًا في تطور البشرية حروب نابليون أم اختراع جيمس وات للآلة البخارية؟ ولماذا نُعنى بتلقين أطفالنا ما حدث لنابليون في حياته العامة من أحداث حربية وسياسية؟ بل إننا لَنزيد على ذلك ما حدث له في حياته الخاصة من أمور عادية، لماذا نفعل كل ذلك ولا نلقن النشءَ كلمة واحدة عن تاريخ اختراع الآلة البخارية وعن حياة ذلك المخترع العظيم جيمس وات وما بذله من مجهود مُضنٍ في عمله المجيد؟! رجل يقتِّل الناس ويُرمل النساء ويُيتم الأطفال نعده بطلًا ونُعنى بشأنه العناية كلها، وآخر يُرفه عن الناس ويجلب لهم الخير والحرية والسعادة، فلا نكاد نذكره أو نتحدث عنه! ولا شك أن هذا التساؤل ينطوي على منطق قوي وإدراك صحيح لقيم الأشياء، إلا أنني لاحظت أن هؤلاء الخطباء في ذلك المؤتمر بالرغم من قوة منطقهم وصحة تفكيرهم لم يصلوا إلى شيء يُذكر من وراء عقد مؤتمرهم؛ فالمؤتمر نظر إليه كاجتماع عادي لطائفة من العلماء تنازل أحدُ وزراء الدولة بافتتاحه ثم أُلقيت الخطب وانتهى الاجتماع على ما تنتهي عليه أمثالُه من اجتماعات العلماء، وبقيت مناهج الدراسة والامتحانات العامة في سائر الأمم تُعنى بأمر نابليون وتهمل أمر جيمس وات.
وقد دار بيني وبين بعض المُؤتمرين في ذلك الحين حديثٌ قوامه هذا الإعراض من جانب المجتمع عن أمر العلم والعلماء، وهذا الاعتكاف عن المجتمع من جانب العلماء أنفسهم، تم تساءلنا إذا كان العلم يمنع المجتمع كل أسباب الرفاهية، فلماذا لا يكون هو صاحب السلطان في تنظيم هذه الرفاهية التي هو أصلها ومنبع معينها؟! ولماذا يعطي العلم للمجتمع النور الكهربائي والقدرة الكهربائية كهِبة خالصة لوجه الله تعالى، هذه الهبة التي يُقدَّر ريعُها السنوي بمئات الملايين من الجنيهات، ثم هو بعد ذلك يعود فيستجدي المجتمع بضعة قروش أو جنيهات ليصرفها في البحث العلمي؟! ألم يكن أولى به ألا يهب شيئًا وأن يحتفظ لنفسه بكل شيء أو على الأقل أن يحتفظ لنفسه من الهبة بقدر حاجته؟ هذه هي الأسئلة التي عنَّت لنا، ولا تزال تعنُّ للمفكر كلما أمعن النظر في العلاقة التي ينبغي أن تكون بين العلم والمجتمع. فلما أُعلنت الحرب الحالية نشأ إلى جانب هذه الأسئلة سؤال آخر هام هو الآتي: أيستطيع العلم والعلماء أن يقفوا منعزلين عما هو حادث في العالم اليوم من تخريب وتدمير، خصوصًا إذا لاحظنا أن ما وهبوه للمجتمع من العلم هو السبب الأول الذي لولاه لما أمكن هذا التدمير؟ وأليس من واجبهم وهم قوم قد جُبلوا على حب الخير والحق أن يبذلوا قصارى جهدهم كي لا تتكرر المأساة الحالية، وهي إن تكررت كانت في الغالب أدهي وأمرَّ؟ لنفرض أن رجال السياسة ورجال الأعمال في هذه الحرب لم يفلحوا في أن يحققوا التعاون العالمي المنشود بين الأمم، أليس العلماء في مركزٍ يسمح لهم بإنقاذ البشرية من سوء هذه العاقبة؟ إن القوانين والتقاليد الحالية لا تعطي للعالِم صاحب الكشف الأول ولا للجمعية العلمية التي نَشرت بحثه ولا للجامعة التي ينتسب إليها أيَّ حق من الحقوق المدنية إزاءَ هذا المخترِع الذي استفاد من مجهوداتهم جميعًا، وقد حدث هذا مرارًا وتكرارًا، بل هو حادث في كل يوم. ومن الأمثلة الظاهرة عليه الراديو أو التخاطب اللاسلكي كما فصلناه في فصل سابق، فصاحب الفضل الأول في هذا الاختراع إنما هو العالم الاسكتلندي كارك ماكسويل ثم هاينرخ هيرتز العالم الألماني ثم جاء ماركوني وغيره من المخترِعين فاستغلوا نتائج أبحاثهما وأبحاث غيرهما من العلماء استغلالًا ماديًّا عاد عليهم وعلى غيرهم بالربح الوفير. أردت أن أشرح هذه النقطة لما لها من ارتباط وثيق بالموضوع الذي نحن بصدده.
قبيل هذه الحرب نشأت حركة بين العلماء في إنجلترا وفي بعض البلاد الأخرى ترمي إلى إبراز ما هو كامن في نفوس الجميع من قواعد أخلاقية ثابتة أساسها حب الحق وحب العدل وحب الإنسانية، وقد نشرت مجلة Nature الإنجليزية، وهي مجلة لها مقامها في العالم العلمي، نشرت هذه المجلة مبادئ اقتُرحت لتكون نوعًا من الدستور بين العلماء، ولم يكن في هذه المبادئ شيء جديد، بل جاءت كما قلتُ مبرزة لما هو كامن في النفوس ولما هو مفترض عادةً بين رجال العلم، بل وبين رجال الفضل ورجال الأخلاق والمروءة في الأمم جميعًا. هذه المبادئ الكامنة في النفوس دعت الحاجة إلى إبرازها وتدوينها ونصها نصًّا صريحًا صيانةً لها من العبث، ولتكون أساسًا واضحًا يعمل به كل عالم ويدعو إليه، ولا تكاد هذه المبادئ كما قدمتُ تَخرُج عما هو مسلَّم به من الجميع: كمبدأ حرية الفكر، ومبدأ حرية العمل بما لا يتعارض ومصلحة الغير، ومبدأ تحكيم العقل والمنطق فيما يُشكل من الأمور، ومبدأ تطلُّب العدالة والإنصاف في المعاملة بين الناس، ومبدأ عدم الإضرار بالغير … وأمثالها من القواعد العامة التي يُسلم بها كل عاقل منصف. هذه الحركة الخلقية — كما يصح أن نسميها — نشأت بين العلماء لأنهم شعروا بأن عليهم مسؤولية لم يعد من الممكن التغاضي عنها، هي مسؤولية الدعوة إلى الخير والحق والدفاع عنهما. وبعد نشر هذه المبادئ في مجلة Nature وردت خطابات ورسائل متعددة من جميع أنحاء العالم، نُشر بعضها في نفس المجلة، وكلها معضِّدة للفكرة ومحبِّذة لها. ثم جاءت الحرب فاتجه العلماء في بلادهم المختلفة نحو مساعدة أممهم على كسبها وبذل قصارى ما يستطيعون من جهد عقلي وجثماني في خدمة البلاد التي ينتمون إليها. ولعل من أميز مميزات هذه الحرب كثرة عدد العلماء في فروع العلم المختلفة الذين يقومون بالخدمة الفعلية في ميادين القتال أو في القيادات العامة أو في الأسلحة الفنية المختلفة للجيوش البرية والأساطيل البحرية والجوية. فأساتذة الجامعات اليوم والباحثون في العلم والمتخصصون الفنيون في الطبيعة وفي الكيمياء وفي الچيولوچيا، بل والشباب المتخرج حديثًا من الجامعات … كلٌّ يشتغل في دائرة اختصاصه ويشحذ مواهبه في خدمة أمته: فالعالِم الرياضي يستخدم علمه في حل المسائل الرياضية الكثيرة التي تنشأ عن الحرب، والعالم الچيولوچي يضع خبرته الفنية تحت تصرف بلده، والكيميائي كذلك، وهم جميعًا يشعرون بأن هذه الحرب تتوقف نتيجتها إلى حد بعيد على المقدرة الفنية والعلمية للأمم المتحاربة. فالعلماء إذن قد خرجوا من صوامعهم مختارين أو مرغَمين، واختلطوا بتيار المجتمع في أعنف صورة وأشدها اتصالًا بمعترك الحياة، وإذا وضعت الحرب أوزارها فهل يعقل أو ينتظر أن يعود كل واحد من هؤلاء إلى عمله وينسى ما رآه وما سمعه وما خبرَهُ بنفسه في هذه الحرب الطاحنة، كأن لم يكن شيء من ذلك أو كأنه حلم مفزِع قد انقضى؟ أم أن الذي ننتظره هو العكس؟! فالعلماء وهو قوم ذوو بصائر لن تسمح لهم ضمائرهم ولا عقولهم بأن يتركوا العالم يتعرض مرة أخرى لمثل هذه الفاجعة دون أن يُحركوا ساكنًا وعلى الخصوص يعلمون أن العلم والاختراع مسئولان إلى حد كبير عن كثير من الفتك والتدمير. والمنتظر أن تعود الحركة التي بدأت قبيل الحرب والتي أشرتُ إليها، تعود إلى الظهور بشكل أوسع وأن يكون لها أثرها الفعال في تنظيم التعاون بين الأمم. ولا شك في أن العلماء إذا هم تساندوا في أقطار الأرض وتعاونوا، فإنهم قادرون على أن يَحولوا بين ذوي المطامع والشهوات من رجال السياسة والمال وبين الفتك بالمجتمع، أقول: إذا تساندوا لأنَّ هذا شرط أساسي لنجاحهم؛ فالعلم يملك السلاح الذي يستطيع به أن يدافع عن قضية الحق والعدل والفضيلة، ولا شك عندي في أنه في آخر الأمر منتصِر على قوى الظلم والجهالة والاستعباد. ولا أستطيع أن أتنبأ بالشكل الذي سيتخذه تيار الحوادث في هذا الصدد، ولكن من المنظور — على سبيل المثال — أن تُصر الهيئات العلمية في العالم على منع كل عابث من استخدام نتائج العلم للإضرار بالبشر، فإذا اتخذت هذه الهيئات موقفًا حازمًا إزاء هذا الموضوع الخطير فإنها ولا شك تستطيع أن تضع الأمور في نصابها؛ إذ إن الرأي العام في العالم كله سيكون في جانبها، كذلك تستطيع هذه الهيئات أن تُحرِّم على كل مشتغل بالعلم أن يقوم لحسابه الخاص أو لحساب شركة أو حكومة بالاشتراك في أي عمل أو اختراع يرمي إلى التدمير والتخريب، ويكون شأن العالِم في ذلك شأن الطبيب الذي لا تسمح له الهيئات الطبية باستخدام علمه وفنه في الإضرار بالناس.
وبذلك يُوجَّه العلم والعلماء نحو تعاون عالمي يحقق السلام والطمأنينة بين الأمم والشعوب.
وإنَّا وقد استعرضنا العلم في صور شتى ونظرنا إليه من زوايا مختلفة فاستقرتْ له من غير شك في نفوسنا فكرةٌ صحيحة نيِّرة لنستطيع أن نوقن أن تحقيق تعاون عالمي ليس عليه بعزيز.