Advertisement

مناهج البحث العلمي عبد الرحمن بدوي


مناهج البحث العلمي
تأليف
عبد الرحمن بدوي
الطبعة الثالثة
1977
الناشر: وكالة المطبوعات
شارع فهد السالم – الكويت

ص 3
المنهج(1)
1-معنى الكلمة
هذا اللفظ ترجمة للكلمة method الفرنسية ونظائرها في اللغات الأوروبية الأخرى. وكلها تعود في النهاية إلى الكلمة اليونانية (نص يوناني)، هي كلمة نرى أفلاطون يستعملها بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانا كثيرة بمعنى " بحث ". والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدل على الطريق أو المنهج المؤدى إلى الغرض المطلوب، خلال المصاحب والعقبات.
و لكنه لم يأخذ معناه الحالي، أي بمعنى أنه طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم، إلا ابتداء من عصر النهضة الأوروبية.
ففي هذه الفترة نرى المناطقة يعنون بمسألة المنهج، كجزء من أجزاء المنطق: فمثلا نرى مولينا ونونيث Nunez، Molina يهتمان به، ونجد فصلا طويلا عن المنهج في كتاب زبرله Zabarella (سنة 1578) عن " المنطق " وكذلك لدى أوستاش دى سان بول Eustache de Saint – paul. مؤلف كتاب "خلاصة فيان" Summe du Feaillant المكتوب سنة 1609
غير أن هذه محاولات لا تزال غامضة. أما المحاولة الواضحة في ذلك العصر، عصر النهضة، فهي تلك التي قام بها راموس Ramus (سنة 1515 – 1572)


ص 4
فقد قسم المنطق إلى أربعة أقسام: التصور، التحكم، البرهان، المنهج. والمنهج قد طالب بدراسته في آثار أصحاب البلاغة والعلم والرياضة. على أن راموس لم ينته إلى تحديد منهج دقيق للعلوم، بل عنى خصوصاً بالمنهج في البلاغة والأدب، شأنه شأن رجال عصر النهضة، ولم يهتم بالملاحظة والتجربة إلى درجة كافية، لكنه على كل حال صاحب الفضل في لفت النظر إلى أهمية المنهج مما وجد له صدى واسعاً في بيئة ذلك العصر، ثم في العصر التالي مباشرة عند مناطقة بور رويال وديكارت. والعلة في أنه لم يسر طويلا تكوينه المنهج الصحيح أنه كان أقرب إلى الأدب منه إلى العلم، فلم يكن فزيائياً، ولو أنه كان رياضيا.
و هنا أعنى في القرن السابع عشر، تمت الخطوة الحاسمة في سبيل تكوين المنهج. فبيكون في كتابه " الأورغانون الجديد " Novum Organum (سنة 1620) صاغ قواعد المنهج التجريبي بكل وضوح. وديكارت حاول أن يكتشف المنهج المؤدى إلى حسن السير بالعقل، والبحث عن الحقيقة في العلوم كما يدل على ذلك نفس عنوان كتابه " مقال في المنهج " (سنة 1637) وأتى أصحاب منطق بور رويال " (الطبعة الأولى سنة 1662) فعنوا بتحديد المنهج بكل وضوح، وجعلوه القسم الرابع من منطقهم هذا.
حد أصحاب هذا المنطق المنهج بأنه " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة، حين نكون بها جاهلين، أو من أجل البرهنة عليها للأخرين، حين نكون بها عارفين ". فثمة إذن نوعان من المنهج: أحدهما للكشف عن الحقيقة، ويسمى التحليل أو منهج الحل، ويمكن أن يدعى أيضا منهج الاختراع، والأخر، وهو الخاص بتعليمها للآخرين بعد أن نكون قد اكتشفناها، يسمى بالتركيب أو منهج التأليف، ويمكن أن

ص 5
ندعوه أيضاً " منهج المذهب " (طبعة إميل شارل، ص 365، باريس سنة 1878) والملاحظ على هذا التعريف للمنهج أنه ناقص، إذ هو لا يكاد يتحدث إلا عن الأفكار، لا عن الوقائع والقوانين، كما لاحظ إيميل شارل (الموضع نفسه، تعليق). وما هذا إلا لأنهم عنوا بالمنهج الرياضي الاستدلالي، دون المنهج التجريبي أو التاريخي. ولذا لا نرى في حديثهم كلاماً عن العلوم الفزيائية، بل اقتصر الأمر تقريباً على الرياضيات والهندسة بوجه خاص.
بيد أن من الممكن، بإضافة منطق بيكون إلى منطق بوررويال، أن نقول إن المنهج الاستدلالي والمنهج التجريبي قد تكونا في القرن السابع عشر بصورة واضحة.
و بذا تكونت فكرة المنهج بالمعنى الاصطلاحي المستعمل اليوم ابتداء من ذلك التاريخ. ومعناه إذن: الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
2-أنواع المنهج:
و المنهج مفهوما على هذا النحو، قد يكون مرسوما من قبل بطريقة تأملية مقصودة، وقد يكون نوعاً من السير الطبيعي للعقل لم تحدد أصوله سابقاً. ذلك أن الإنسان في تفكيره قد ينظم أفكاره ويرتبها فيما بينها حتى تتأدى إلى المطلوب على أيسر وجه وأحسنه، على نحو طبيعي تلقائي ليس فيه تحديد ولا تأمل قواعد مغلوطة من قبل. فهذا منهج أيضاً، ولكنه منهج تلقائي. أما إذا تأملنا في المنهج الذي سرنا عليه في تحصيلنا لمعارفنا العلمية، وحلولنا أن نحدد قواعده ونسن له قوانينه ونتبين أوجه الخطأ والانحراف من أوجه الصواب والاستقامة، ثم كونا

ص 6
من هذا كله طائفة من القواعد العامة الكلية التي تخضع لها في المستقبل طرائق بحثنا، فإن المنهج يكون منهجا عقليا تأمليا فكأن لدينا إذن نوعين من المنهج: منهج تلقائيا، وآخر تأمليا. وواضح أن هذا الأخير هو الذي يمكن أن يكون موضوعا لعلم، هو هنا المنطق، لأنه يقوم على التأمل والشعور، لا على التلقائية واللاشعور غير الواضح، ولهذا فأننا سنستعمل المنهج كموضوع لجزء من المنطق، بهذا المعنى الأخير. وهو فعلا المعنى الشائع المفهوم عادة، حين التحدث عن البحث المنهجي، أو السير على منهج. وإن كان هذا يجب ألا ينسينا أن المنهج التأملي يقوم في الأصل على المنهج التلقائي. وتلك مسألة ستتضح بعد قليل عند الكلام عن تكوين على المناهج، فإنها ليست من الوضوح كما يبدو لأول وهلة.
3- علم المناهج:
و العلم الباحث في المنهج أو المناهج التأملية يسمى علم المناهج
و إذا كان المنهج كما رأينا هو البرنامج الذي يحدد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة أو الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، فإن من الممكن أن نفهم هذا اللفظ بمعنى عام، فتدخل تحته كل طريقة تؤدى إلى غرض معلوم نريد تحصيله: فثمت على هذا الاعتبار منهج للتعليم، ومنهج للقراءة، وثمت أيضاً منهج للوصول إلى نتائج مادية، كما هي الحال في العلوم العملية. ففي الطب مثلا يوجد منهجان: المنهج الوقائي من الجراثيم،ASEPTIQUE ، والمنهج العلاجي من الجراثيم ANTISEPTIQUE. وللتربية منهج، وللدراسات على اختلافها مناهج.
و لكن المنهج كما نريده هنا لا يطلق بهذا المعنى العام، بل يجب قصره على الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية. وتبعاً لاختلافه

ص 7
هذه العلوم، تختلف المناهج، ولكنها يمكن أن ترد إلى منهجين هما الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم الأخلاقية أو التاريخية هو منهج الاسترداد.
و العلم الباحث في هذه المناهج الثلاثة خصوصاً يسمى علم المناهج. فهو العلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة.
و كلمة Methodologie ترجع خصوصا إلى كنت. فقد قسم المنطق إلى قسمين:
مذهب المبادئ، وموضوعه شروط المعرفة الصحيحة، وعلم المناهج الذي يحدد الشكل العام لكل علم، والطريقة التي بها تكون أي علم كان. وإلى جانب علم المناهج العام هذا، توجد علوم مناهج جزئية تختلف تبعاً للعلوم، ومهمة كل منها أن يحدد العمليات الواجب اتباعها في دراسته
4- تكوين هذا العلم:
و لما كان هذا العلم يبحث في المناهج التي يتبعها العلماء في أبحاثهم من أجل الوصول إلى الحقيقة كل في ميدانه، فإنه لا يمكن أن يتكون إلا بالنظر في السبل التي سلكها هؤلاء العلماء أنفسهم. ومن هنا قامش مشكلة عظيمة تتصل بتكوين هذا العلم: ما نصيب العالم المتخصص، وما نصيب الفيلسوف في هذا التكوين ؟
و هي مشكلة قد أثيرت في أواخر القرن الماضي بعد أن وضعها في شكلها الحاسم كلود برنار

ص 8
في اشتباك مع مشاكل الطبيعة، فها هنا يجب أن نوجه الشباب أولا. أما التاريخ والنقد العلمي فمن شأن السن الناضجة. ولا يمكن أن ينتجا نتائج ذات قيمة إلا بعد أن يكون المرء قد بدأ يحصل العلم في معبده الحقيقي، أعنى في المعمل. ولابد للمجرب أن تختلف عمليات البرهان لديه إلى غير نهاية، وفقا للعلوم المختلفة... إن روح صاحب التاريخ الطبيعي ليست هي بعينها روح صاحب علم وظائف الأعضاء، وروح الكيميائي ليست روح الفزيائي... والتعاليم النافعة هي وحدها تلك الصادرة عن التفاصيل الخاصة بالممارسة التجريبية في علم معين بالذات. لقد أردت أ أعطى في هذا المدخل فكرة دقيقة قدر المستطاع عن علم وظائف الأعضاء والطب التجريبي. ومع ذلك فأنا أبعد ما أكون من الادعاء أنى قدمت قواعد وتعاليم يجب أن تتبع بطريقة دقيقة متقنة... لقد أوردت شواهد علمية، ولكنى احتطت جيدا في ألا أعطى تفسيرات نافلة وفي ألا أضع قاعدة واحدة مطلقة، لأنى أعتقد أن مهمة الأستاذ هي أن يقصر نفسه على أن يبين للتلميذ بوضوح الغاية التي يستهدفها المعلم، وأن يبين له كل الوسائل التي في وسعه من أجل بلوغه وتحصيله... إلا أن العلوم لا تتقدم إلا بالأفكار الجديدة وبالقوة المبدعة للروح " (المدخل لدراسة الطب التجريبي "، القسم الثالث، الفصل الرابع، ص 394 – ص 396)
أما هؤلاء الفلاسفة الذين حاولوا أن يقدموا تعاليم عامة يجب على العالم اتباعها في بحثه فلم يفيدوا شيئاً في تقدم العلوم الخاصة. حقاً إن أبحاثهم قد بدت في أول الأمر مغرية لأولئك الذين لا ينظرون إلى العلم إلا عن بعد، ولكنها ليست بذات فائدة إطلاقا للعلماء الحقيقيين، كما أنها أضلت هؤلاء الذين يريدون الإقبال على تحصيل العلم، بإظهارها الأمر على حال من البساطة الزائفة، وإلى جانب هذا كله قد أثقلت العقل بخليط من التعاليم والقواعد الغامضة أو غير القابلة للتطبيق،

ص 9
مما يجب أن يبادر الإنسان إلى نسيانه إذا أراد أن يدخل في ميدان العلم ويصير مجرباً حقاً.
و الملامح الرئيسية في رأى كلود برنار هذا هي أولا: أن العلم لا يحصل إلا في المعمل ووفقاً للحاجة العلمية، وثانيا أن العلم يجب ألا يسبق في ذهن العالم بمذهب ففلسفي معين يسير وفقاً له في أبحاثه، وثالثا أن المناهج تختلف باختلاف العلوم، لأن روح هذا العالم الفزيائي، غير روح ذلك العالم الكيميائي، وليس ثمة بالتالي منهج واحد للبحث في العلوم كلها أو في طائفة منها بأكملها. والنتيجة لها إذن، أن تكوين المناهج ليس من مهمة الفيلسوف، لأنه لا يستطيع إلا أن يقدم منهجاً عاماً، فضلاً عن أنه ليس على اتصال مباشر بالعلم في معبده الحقيقي وهو المعمل، إلى جانب كونه متأثراً بمذهب خاص يتحكم في تقديراته وتوجيهاته.
و رأى كلود برنار هذا صحيح في مضمونه العام. فليس لصاحب المنطق أن يفرض قواعد وتعاليم معينة على العالم المتخصص. وذلك أولاً لاختلاف فروع العلم اختلافاً يجعل من المستحيل تقريباً أن نعطى قاعدة عامة لكل العلماء في مختلف فروع العلم، وثانياً تنوع العمليات تبعا للأحوال الخاصة موضع الدرس، مما يجعل التعميم أكثر صعوبة وأدعى إلى نقصان الفائدة المرجوة. والشاهد على هذا أن العلم لم يتقدم شيئاً بالنصائح الجزئية التي قدمها بيكون أو استيوارت مل.
و لكن هل معنى هذا أن تكوين المناهج من شأن العالم وحده ؟ كلا , فإن العالم المتخصص المغلق عليه في ميدان محدود لا يستطيع أن يتبين الروابط الجامعة بين الميادين المختلفة للعلم مع أن العلوم تتشابك في مناهجها بالضرورة، نظراً إلى وحدة العقل الإنساني، إلى حد كبير على الأقل. فلابد إذن من أن يأتي شخص غير متخصص في علم واحد بالذات، ويحاول، باستقرائه المناهج التي اتبعها العلماء

ص 10
المختلفون في ميادينهم المختلفة، أن يتخلص النماذج العامة للمناهج العلمية وأن ينحو نحو شيء من التعميم حتى يضع صورة إجمالية عامة للمناهج التي يتبعها العقل الإنساني في تحصيله للحقيقة في العلوم. وهذا الشخص لا يمكن إلا أن يكون المنطقي، إذ هو وحده القادر على الجمع بين مختلف الميادين في نظرة واحدة شاملة تهيئ له أن يدرك الملامح العامة والخصائص الكلية المشتركة بين المناهج المتبعة في فروع العلم المتعددة. وفي هذا المعنى يقول فنت:" إن مناهج البحث وثيقة الارتباط باطنياً في تطبيقاتها العملية، إلى درجة انه لا توجد مشكلة مركبة لا تشارك جميعاً في حلها. وليس الأمر هنا مقصوراً على رابطة التتالى في الترتيب بمعنى... أن المنهج التالي يفترض مقدماً منهجاً سابقاً، بل تدخل (المناهج) اللاحقة في تلك السابقة كذلك " (المنطق، جـ2، اشتتجرت سنة 1907، ص 38)
فعمل التنسيق بين المناهج عمل ضروري لا بالنسبة إلى الفيلسوف الذي يبحث في تطور العقل الإنساني وفي ملكاته في مختلف مظاهر النشاط التي يعمل بها فحسب، بل وأيضا بالنسبة إلى العالم المتخصص نفسه. والدليل على هذا أن كلود برنار نفسه قد قدم لنا في كتابه هذا نظاماً من التعاليم والقواعد العامة التي لا تقتصر على علم الطب التجريبي أو علم وظائف الأعضاء بل تصلح لكى يستفيد منها العالم الفزيائي والعالم الكميائى الخ، حتى كان لهذا الكتاب أثر في تقدم المناهج العلمية والدراسة العلمية في أواخر القرن الماضي بل وأوائل هذا القرن مما دعا برجسون إلى نعت هذا الكتاب بأنه " مقال عن المنهج " للقرن التاسع عشر. ومعنى هذا أن من الحكمة، حتى من وجهة نظر كلود برنار نفسه، أن يستفيد العالم المتخصص من التعاليم العامة التي توجه إليه من العلوم الأخرى فيما يتصل بالمنهج العلمي
و المشكلة الحقيقية التي يتيرها كلود برنار هي تلك التي أوردها في أول هذه

ص 11
الفقرة وهي: هل الفيلسوف أو العالم هو الذي يضع القواعد للمناهج العلمية؟ وهي مسألة لا تتنافى مع فكرة التنسيق. ونرى نحن أن مهمة الفيلسوف لا تتنافى هنا مع مهمة العالم، لأنها خطوة تليها. فالواجب أن يبدأ العالم المتخصص فيرشدنا إلى المنهج الذي اتبعه في أبحاثه وأن يقدم لنا تقريراً مفصلاً عن الخطوات التي مرَّ بها وهو بسبيل بحثه في ميدانه الخاص؛ ثم يأتي عالم آخر أوسع أفقاً وأميل إلى النظرة العامة، أي يكون ذا نزعة فلسفية، فيحاول أن ينسق بين هذه التقريرات التي قدمها العلماء المتخصصون كي يستخلص منها الخصائص العامة للمناهج المختلفة؛ ثم يأتي الفيلسوف المنطقي في الدرجة الثالثة فيحاول إرجاع هذه المناهج إلى صفات ذاتية في العقل الإنساني، محاولاً أن يصوغ النتائج التي وصل إليها السابق في صيغ واضحة تنظم على هيئة مذهب في العقل الإنساني من حيث طبيعة اتجاهاته في البحث عن الحقيقة. فالتقريرات التي كتبها باستير مثلاً عن أبحاثه في الجراثيم تصلح لأن تمثل الدرجة الأولى؛ وكتاب ككتاب كلود برنار: "المدخل إلى دراسة الطب التجريبي" يمثل الدرجة الثانية التي فيها يقوم عالم بالنظر في مناهج العلوم المختلفة وبخاصة تلك الوثيقة الصلة بعلمه الخاص. أما الدرجة الثالثة فهي مهمة المنطقي الذي ينظم تلك النتائج ويوفق بينها في صورة عامة رابطاً إياها بطبيعة العقل الإنساني نفسه؛ ويمثلها بيكون واستيوارت مل وماخ... الخ.
وواضح من هذا أنه ليس من وظيفة الفيلسوف المنطقي الباحث في علم المناهج أن يعطي تعاليم ونصائح جزئية يفرض على العالم المتخصص اتباعها. بل كل ما يقدمه له إشارات عامة وتوجيهات كلية يدعوه إلى الاهتداء بها أثناء بحثه؛ وليس فيها أي إثقال عليه أو خنق لروحه، إذ لا يفرض عليه أن يتبعها كما هي؛ بل للعالم المتخصص مطلق الحرية في اتباعها أو عدم اتباعها أو تعديلها بما يتلائم وموضوع بحثه الخاص. وعلى الفيلسوف أو المنطقي أن يفهم أن المناهج ليست أشياء ثابتة،

ص 12
بل هي تتغير وفقاً لمقتضيات العلم وأدواته، ويجب أن تكون قابلة للتعديل المستمر حتى تستطيع أن تفي بمطالب العلم المتجددة، وإلا كانت عبثاً ومصدراً للضرر. فكما يرى أربان Urban لا يوجد منهج لا يفقد في النهاية خصوبته الأولى؛ بل لابد أن توجد لحظة فيها يشعر المرء بأنه ليس من الفائدة أن يبحث الإنسان عن الجديد على آثار القديم، وبأن الروح العلمية لا يمكن أن تتقدم إلا بإيجاد مناهج جديدة. وكل بحث في المنهج العلمي هو بالضرورة بحث مؤقت، لا يمكن أن يصف تركيباً نهائياً للعقل العلمي. والواقع أن المناهج العلمية لابد أن تعدّل، بل وترفض من جيل إلى جيل، إذا ما ثبت عدم صلاحيتها. فإن التطبيق العلمي في اختلاف باستمرار، والمنهج بالتالي لابد أن يعدل على الدوام. والنتيجة لهذا إذن أن المناهج العلمية في تغير، وهذا التغير يتعين يتقدم العلم وحاجاته، وهذه أمور لا يقدرها إلا العالم المتخصص أولاً وبالذات؛ فمرد الأمر في النهاية إذن إلى العلماء المتخصصين. وما على الفيلسوف الباحث في المناهج إلا أن يتابع مناهج العلماء المتخصصين وأن يستقريها لديهم ثم يحاول أن ينسقها في نماذج عامة، ويربطها من بعد بطبيعة العقل الإنساني؛ وليس له إذن أن يقدم نصائح جزئية لهؤلاء، بل توجيهات عامة لهم أن يأخذوا بها أو أن يستلهموها، كما لهم أن يرفضوها.
وليس في هذا حطٌّ من قَدْر مهمة الفيلسوف الباحث في المناهج، لأن مهمته الرئيسية أن يكشف عن الطرائق العامة التي يسلكها العقل الإنساني في بحثه عن الحقيقة بتأمله في المناهج التي سار عليها العقل في تحصيله للعلم في مختلف فروع نشاطه.

ص 13
5- أنواع المناهج:
ومع هذا فيجب ألا نغالي في توكيد هذا الاختلاف في مناهج العلوم تبعاً لاختلافها، فإن وراء هذه المناهج كلها وحدة العقل الإنساني. والحقيقة أن الفصل بين مختلف المناهج بالنسبة إلى أي علم من العلوم يكاد يكون مستحيلاً، حتى إن كلود برنار نفسه وهو الذي أكد التميز في مناهج العلوم المختلفة، قد حاول هو نفسه أن يرد المناهج إلى منهج واحد، بمعنى أنه ليس من الممكن أن نفصل المناهج بعضها عن بعض في تكوين العلم الواحد، وقال بصراحة: "إني لا أعتقد أن الاستقراء والاستدلال يكوِّنان نوعين من البرهان متمايزين من حيث الجوهر. فإن في عقل الإنسان، بطبعه، شعوراً أو فكرة عن مبدأ يحكم الأحوال الجزئية. ويسير دائماً، وعلى نحو غريزي، من مبدأ أحرزه أو أخترعه بواسطة الفرض؛ ولكنه لا يستطيع مطلقاً أن يسير في البراهين إلا بواسطة الأقيسة، أي بالسير من الكلي أو العام إلى الجزئي أو الخاص" (المدخل لدراسة الطب التجريبي" ق 1 ف 2، ص 76). إذ يرى أن الأمر هنا يتوقف على الموضوع الذي يشتغل فيه الباحث: فإذا كان يسير من مبادئ ثابتة معروفة إلى النتائج التي تتضمنها كان يسلك سبيل الاستدلال؛ أما إذا كان بإزاء علاقات معقدة وأحوال متشابكة، فإنه لا يستطيع أن يسير بيقين، بل لابد له من افتراض الفروض وتحقيقها من بعد بواسطة التجربة حتى يضمن صحة الخطوات التي يسير بها، وهو في هذه الحالة إنما يستخدم منهج الاستقراء. ويشبه الحالة الأولى بحالة من يسير في أرض راسخة مستوية وفي طريق ممهد مستقيم يراه أمامه في سعته بكل وضوح، إلى غاية معلومة إلى حد ما؛ كما يشبه الحالة الثانية بحالة من يمشي في طريق ملتو مظلم وأرض وعرة مجهولة يخشى ما بها من مهاد وغيران، فيضطر في كل خطوة يخطوها إلى التأكد من أنه يضع قدمه على أرض ثابتة،

ص 14
وهكذا لابد له من التحقق في كل مرة بواسطة التجربة من أنه يسير في طريق سليم. فلا فارق مثلاً بين عالم التاريخ الطبيعي وبين الرياضي في نقطة البدء عند البحث عن المبادئ: فكلاهما يستقري ويفرض ويجرب من أجل أن يتبين صحة أفكاره. وإنما يبدأ الاختلاف بينهما بعد وصول كل إلى المبادئ: حينئذ تصير المبادئ عند الرياضي مطلقة، لأنها لا تنطبق على الواقع الموضوعي كما هو، ولكن على الروابط التي بين الأشياء منظوراً إليها في أحوال بالغة البساطة يخلقها الرياضي في ذهنه. وتبعاً لهذا لا يرى نفسه في حاجة إلى الالتجاء إلى التجربة، ولا إلى أي شيء آخر خارجي غير المبادئ التي بدأ بحثه منها، بل يكفي أن يسير الاستدلال على قواعد المنطق لكي تكون النتائج صحيحة. أما عالم التاريخ الطبيعي فلا يستطيع أن يسير على هذا النحو، لأن المبدأ الذي يصل إليه يظل دائماً مبداً موقوتاً، نسبياً، تحت رحمة التجارب الجديدة التي قد يؤدي إلى إلغائه واستبدال آخر به، لأنه مبدأ قائم على روابط معقدة، وبالتالي لا يوجد فيها يقين واضح. وإذا كان كذلك، فإن الاستدلالات التي يقوم بها ابتداء منه ستكون هي الأخرى تحت رحمة التجارب الجديدة، وبالتالي مشكوكاً فيها وليست يقينية النتائج. وإنما يأتي لها اليقين من التجربة التي لابد لنا أن نقوم بها في كل خطوة حتى نتبين بوضوح صحة الخطوات التي نسير بها. "وهذا الاختلاف بين الرياضيين وعلماء التاريخ الطبيعي اختلاف رئيسي، من ناحية يقين مبادئهم والنتائج المستخلصة منها؛ ولكن تركيب البرهان الاستدلالي واحد تماماً بالنسبة إلى كلا الفريقين. فكلاهما يبدأ من قضية؛ غير أن الرياضي يقول: ما دمنا نسلم بنقطة البدء هذه، فإن هذه الحالة الجزئية تنتج عنها بالضرورة: بينما عالم التاريخ الطبيعي يقول: إذا كانت نقطة البدء هذه صحيحة، فإن هذه الحالة الجزئية يمكن أن تنتج عنها كنتيجة لها. فالرياضي والعالم الطبيعي حين يبدآن من مبدأ يستخدمان إذن كلاهما الاستدلال. إذ يبرهن كل منهما متخذاً سبيل القياس؛ بيد أنه، بالنسبة إلى العالم الطبيعي،

ص 15
هذا قياس تظل نتيجته مشكوكاً فيها وتتطلب التحقيق، لأن مبدأها غير مشعور به (غير يقيني). وهذا هو البرهان التجريبي أو الشكي، وهو وحده الذي نستطيع استخدامه حين نفكر في الظواهر الطبيعية" (الموضع نفسه، ص 75-76).
والواقع أننا لا نستطيع أن نفصل بين المنهج الرياضي والمنهج التجريبي بالنسبة إلى الرياضيات أو العلوم الطبيعية. فكل علم من هذه العلوم يلجأ إلى كلا المنهجين. فالرياضيات تعتمد على المنهج التجريبي إلى جانب اعتمادها على المنهج الرياضي؛ وأي علم من العلوم الطبيعية لابد أن يلجأ إلى المنهج الرياضي. فهذه مسألة يؤكد لنا صحتها تاريخ الرياضيات من ناحية، وطريقة تكونها عند كل عالم من ناحية أخرى.
فكما سترى من بعد عند كلامنا عن نشأة الرياضيات، نجد أن العلوم الرياضية كانت في نشأتها تجريبية. فالهندسة نشأت لدى البابليين تجريبية، بمعنى أنها قامت على تجارب جزئية وملاحظات لأحوال خاصة عمّم مدلولها؛ فقد شاهد البابليون بالملاحظة أن ضلع المسدس المنتظم يساوى الشعاع، والمساحون في طيبة قد لاحظوا أن المثلث الذي تكون نسب أضلاعه 5:4:3 هو مثلث قائم الزاوية. ومن هذه الملاحظات أقام الرياضيون اليونانيون الهندسة النظرية. بل ليس الأمر في هذا مقصوراً على الرياضيات في العصر القديم، بل وأيضاً في العصر الحديث نجد أن جاليليو لم يستطع تقدير مساحة شبه الدائري cycloid إلا بواسطة التجربة بأن وزن قطعتين من مادة وسمك واحد فوجد أن مساحته ثلاثة أمثال مساحة الدائرة المولدة؛ وأويلر قد اكتشف بطريقة تجريبية أن كل عدد زوجي هو حاصل جمع عددين أوليين. وكثير من القضايا الجديدة في الرياضيات قد وضعت بناء على الملاحظة خصوصاً في نظرية الأعداد.

ص 16
بل ليس الأمر مقصوراً على الملاحظة والتجربة، بل وفي فرض الفروض كذلك؛ فإن الرياضي يقوم بتخيل مسائل جديدة، لا يعرف الغاية منها في بادئ الأمر، فيظل ينتظر النتائج كالفزيائي سواء بسواء.
ومن هذا ترى أن الرياضي يلجأ أيضاً إلى المنهج التجريبي. والأمر أظهر في احتياج العالم الفزيائي إلى المنهج الرياضي؛ إذ هو ينحو نحو اكتشاف قوانين عامة يصوغها في صيغ رياضية يستخدمها من بعد في استخراج النتائج الخاصة بالأحوال الجزئية.
والعالم الطبيعي يلجأ إلى جانب هذا إلى المنهج الاستردادي. ففي علم كالجيولوجيا خصوصاً، يحاول أن يكشف التطورات التي مرت بها القشرة الأرضية منذ أقدم العصور، وذلك اعتماداً على الآثار المختلفة التي خلفتها العصور الجيولوجية المتباينة في تلك القشرة. وهو في هذا إنما يسير على نفس المنهج الذي يسلكه المؤرخ في المنهج الاستردادي: لأن المؤرخ يقوم هو الآخر بتتبع الآثار المتخلفة عن عصر كي يسترد حال هذا العصر كما كانت. ومنهج الإحصاء المستخدم خصوصاً في علم الإحصاء يستخدم كذلك في علم الكيمياء في حصرنا للعناصر ومحاولتنا تصنيفها. وهذا يدل على أن المنهج الاستردادي يسير أحياناً جنباً إلى جنب مع المنهج التجريبي.
والنتيجة لهذا إذن أن الفصل بين المناهج العلمية غير ممكن في البحث العلمي؛ ولكننا نقوم بهذا التقسيم للمناهج من أجل دراستها فحسب. وعلينا إذن أن نراعي تلك الوحدة، وأن لا نعد هذا التقسيم تقسيماً مطلقاً. فهي كلها في الواقع خطوات مختلفة في منهج واحد عام، قد نسير بها كلها بالنسبة إلى مسألة واحدة في علم واحد. ولنأخذ مثلاً لهذا تقدير مساحة شبه الدائري؛ فإننا في تقديرنا لمساحته لجأنا أولاً كما فعل جاليليو إلى التجربة، ثم أتى روبر فال في سنة 1634

ص 17
فوجد مساحته بطريقة رياضية، وأخيراً جاء بسكال فحل المسائل المتصلة بهذا المنحنى في رسالته عن شبه الدائري التي كتبها سنة 1658. ولهذا التقدير لمساحته تاريخ طويل قبل جاليليو، ومن جاليليو في سنة 1630 حتى روبر فال سنة 1634 ثم فرما Fermat بعد ذلك بقليل ثم بسكال في سنة 1658، ومن بعده أتى واليس Wallis في السنة التالية فحل كل المسائل المتعلقة به فيما عدا تلك الخاصة بمركز الكتلة. وهذا التاريخ مفيد لنا في بحثنا في نظرية شبه الدائري، وهو تاريخ نصل إليه عن طريق منهج الاسترداد. ومن هذا نرى أنه من الممكن أن تتدخل المناهج الثلاثة الرئيسية في حل مسألة واحدة في علم معين؛ مما يدل على أن الفصل بين المناهج غير ممكن عملياً (2).

ص 18
ونحن نقول المناهج الثلاثة الرئيسية، والواقع أن عدد المناهج لا يكاد ينحصر. ففي داخل كل علم عدة مناهج، بل إنه لمن المستحسن أحياناً أن نستعمل مناهج خاصة لمسائل جزئية في داخل العلم الواحد. غير أنه من المستحسن أيضاً أن نرد هذه المناهج العديدة إلى مناهج نموذجية قليلة تُفرَّع عليها المناهج الجزئية الأخرى، مناهج نموذجية نستطيع في نهاية الأمر حصرها في ثلاثة أو أربعة:
1- المنهج الاستدلالي أو الرياضي وهو الذي نسير فيه من مبدأ إلى قضايا تنتج عنه بالضرورة دون التجاء إلى التجربة، وهو منهج العلوم الرياضية خصوصاً.
2- المنهج التجريبي ويشمل الملاحظة والتجربة معاً وهو الذي نبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ غير يقينية تماماً ونسير منها معمين حتى نصل إلى قضايا

ص 19
عامة، لاجئين في كل خطوة إلى التجربة كي تضمن لنا صحة الاستنتاج؛ وهو منهج العلوم الطبيعية على وجه التخصيص.
3- المنهج الاستردادي أو المنهج التاريخي وهو الذي نقوم فيه باسترداد الماضي تبعاً لما تركه من آثار، أياً كان نوع هذه الآثار؛ وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية والأخلاقية.
4- ونستطيع أن نضيف إليها منهجاً رابعاً هو المنهج الجدلي الذي يحدد منهج التناظر والتحاور في الجماعات العلمية أو في المناقشات العلمية على اختلافها. ولا يمكن هذا المنهج أن يأتي بثمار حقيقية إلا إذا أسعدته المناهج الثلاثة السابقة.

ص 21
الباب لأول
المنهج الاستدلالي
الفصل الأول
تطور العلوم الرياضية (13)
6- كل معرفة تبدأ من الحس، وتتطور من المحسوسات إلى المجردات. والمعرفة الرياضية، ولو أنها تبدو كأنها مجردة بطبعها، فإنها هي الأخرى قد تطورت على هذا النحو كذلك.
و أول ما يدرك من المحسوس هو الامتداد؛ ولذا كانت الهندسة أول العلوم الرياضية في النشأة. والآثار الأولى التي لدينا عن فكرة الامتداد لدى الأقدمين تكاد ترجع إلى حوالي سنة 10000 قبل الميلاد، وذلك في تلك الرسوم التي نراها كهوف عصر الرنة، والتي تعطينا فكرة عن المحاكاة. غير أن هذه الرسوم لا تكشف لنا عن فكرة واضحة في المكان،

ص 22
إذ تنقصها جميعًا فكرة المنظور؛ ولكنها تمثل مع ذلك درجة من التجريد، لأنها تتجرد عن الحجوم الأصلية للأشياء الطبيعية، وتقتصر على النسب بين أجزائها.
ثم نرى بعد ذلك عند المصريين خطوة واسعة جدًا في سبيل التجريد: فقد تطورت فكرة المحاكاة إلى درجة من الدقة الكبيرة، وروعيت النسب بين الأجزاء بطريقة بالغة في الضبط والدقة، خصوصًا وأنهم عنوا بالمساحة لمعرفة الحدود بين الأراضي بعد الفيضان، مما أدى بهم إلى الاشتغال بمسائل الهندسة، ولو بطريقة عملية. كذلك عنى البابليون بدراسة ما يتصل بالنجوم من أجل قياس الزمان والاسترشاد في الملاحة بالكواكب، مما أدى بهم أيضًا إلى عدد غير قليل من الحقائق الهندسية (14).
و الهندسة في هذا الدور كله كانت حسية مرتبطة بالموضوعات الخارجية، والحقائق التي وصلت إليها ضئيلة عملية غير دقيقة. فالبابليون والعبريون (5) قد عرفوا أن النسبة بين المحيط والقطر تساوي 3؛ والمصريون قالوا إن مساحة المثلث هي حاصل ضرب نصف الضلع الأكبر في الضلع الأصغر. كل هذا دون أن يقدموا عن هذه القضايا الهندسية أية برهنة عقلية، بل اعتمدوا على التجربة العملية وحدها في الوصول إليها. والصينيون والمصريون (6) قد عرفوا كذلك

ص 23
خاصية الوتر في المثلث القائم الزاوية، ولكنها معرفة تجريبية كذلك حصَّلوها بواسطة الملاحظة.
أما فكرة العدد فقد تأخرت قليلًا في تكوينها عن فكرة المكان. ومع هذا فإننا نراها في أزمنة متقدمة جدًا. بل أكثر من هذا نراها عند بعض الحيوانات العليا؛ فالتجارب التي قام بها رومانس Romanes دلت على أن الشمبانزي يستطيع العد حتى 5 وأن يميز بين الكلمات التي تدل على 1، 2، 3، 4، 5، وأن يقدم عدد أعواد الحشيش الذي يطلب إليه تقديمه. والرجل البدائي يلجأ إلى طريقة مشابهة في العد لطريقة الشمبانزي، وهي أن يستخدم أشياء مادية لا يستطيع بغير هام القيام بهذه العملية، خصوصًا أصابع اليد، ولعل هذا هو الأصل في النظام العشري المستعمل في العد الآن، فإن أصابع اليد عشرة. ولذا نراه يربط العدد باليد الواحدة إذا كان خمسة، وباليدين إذا كان عشرة، وبالرجل الكامل إذا كان 20 لأنه يستخدم أيضًا القدمين.
أما فكرة العدد المجرد، فلا زالت تعوزه بعد. ذلك أن العدد المجرد تقتضي فكرته أن تكون لدى المرء فكرة أولًا عن "الوحدة"، وثانيًا عن "المجموعة".
أما فكرة "الوحدة" فقد فسر أصلها علماء النفس على أنحاء عدة، فبعضهم قال إنها ترجع إلى كيفية معينة للإدراك الخارجي أو الباطن يتخذها المرء دون غيرها؛ قال عنها فريق إنها اللمس، فحيث يوجد ملاء وخلاء، يوجد انفصال،

ص 24
و الانفصال يدل على الكثرة، والكثرة تعطي فكرة الانتقال من وَحدة إلى أخرى، أي فكرة العد. وفريق آخر قال إن كيفية الإدراك هنا هي الإبصار، فإن إدراك الصور الحسية التي تحدث في وقت واحد، يمكِّن من إدراك فراغ بينها، وبالتالي يعطي فكرة الكثرة، وتبعًا لهذه، فكرة العد. وفريق ثالث جعل هذا راجعًا إلى السمع: وذلك أننا نميز بين أصوات متتالية تفصل بينها وبين بعض فترات سكون، وهذا يعطي فكرة الكثرة والوحدة.
و هناك طائفة أخرى من علماء النفس تعزو فكرة الوحدة إلى التجربة الباطنة، فالشعور بوحدة الذات هو الأصل في الشعور بفكرة الوحدة الرياضية. وواضح أن هذا رأس غير وجيه، لأن الشعور بأن الذات وحدةٌ لا يأتي إلا بعد تقدم فكري طويل.
و لكن جاء وليم جيمس ففسر الأصل في هذه الفكرة بطريقة أقرب إلى الصواب فقال: "يبدو أن العدد يدل في أصله على الأفعال المختلفة لانتباهنا حين نحاول التمييز بين الأشياء. فهذه الأفعال تبقى في الذاكرة على هيئة مجموعات، كبيرة أو صغيرة، يمكن أن يقارن بين بعضها وبعض" (علم النفس، ترجمة فرنسية، ج2، ص 263). فكأن فكرة الوحدة تنشأ إذن من التجريد الذي نجريه ونحن نعزل أفعال الانتباه بعضها عن بعض. ولكنها لا تأتي واضحة، بل لابد من تطور طويل حتى نصل إلى إدراك فكرة الوحدة المجردة كما يفهمها الرياضيون، حتى إن هذه الفكرة لا تزال حتى اليوم، وبعد كل هذا التطور في فهم أصول الرياضة، غامضة بعض الشيء، أو موضوعًا للنقاش.
و نحن قد رأينا في هذا أن فكرة الوحدة قد تكونت في نفس الآن الذي وجدت فيه فكرة الكثرة، والواقع أن الفكرتين متضايفتان. وهما إذا ما جمعتا أعطيتا فكرة العدد، لأن العدد مجموعة من الوحدات، والعد هو تجميع عدة

ص 25
وحدات بطريقة دقيقة. والعد يكون أصليًا إذا كان المطلوب معرفة عدد الوحدات التي تتضمنها مجموعة ما، ويكون ترتيبًا ordinal إذا كان المطلوب، إلى جانب هذا، ترتيب كل الحدود المكونة للمجموعة، بوضع كل حد في مرتبة معلومة. ويبدو أن فكرة العدد الأصلي Cardinal قد سبقت فكرة العدد الترتيبي، لأن هذا أكثر تعقيدًا.
و فكرة الكثرة تأتي هي الأخرى عن التجربة الحسية، وترتبط بها في مراتبها البدائية، إذ بينت التجارب التي قام بها بينه Binet أننا لو وضعنا أمام طفلة عمرها أربع سنوات لا تعرف العد ولا القراءة مجموعتين إحداهما من 15 عودًا، والأخرى من 18 عودًا من طول واحد، موضوعة على مسافة واحدة، فإن الطفلة تميز بسرعة المجوعة الكبرى من الصغرى. أما إذا كانت الأعواد التي تكوّن الكبرى أقصر من تلك التي تكون الصغرى، فإن الطفلة تخطيء دائمًا، فتظن أن المجموعة ذات الأعواد الأطول حجمًا أكبر من تلك التي تكون فيها الأعواد أقصر. وهذا يدل على أن الطفلة تقدر العدد تبعًا للامتداد، لا تبعًا للعدد، أي تبعًا للمقدار المتصل، لا وفقًا للمقدار المنفصل. وهذه النتيجة تتأيد أيضًا بما نشاهده لدى البدائيين من أنهم يربطون الأعداد دائمًا بأشياء ممتدة مثل الأصابع أو القطع الخشبية.
و أصول الحساب قد تطورت على هذا الأساس، فكانت في البدء حسية تخيلية تقوم على أساس إضافة أشياء مادية بعضها إلى بعض. ولم تظهر عملية الضرب إلا متأخرًا، وكان الجمع يقوم مقامها.
فنحن إذا تتبعنا هذا التطور، وجدنا أن العمليات الأولى التي يمكن إجراؤها على الأعداد قد قام بها المصريون والكلدانيون والفينيقيون. ولكن طريقة المد

ص 26
لديهم كانت لا تزال قاصرة، إذا كانت لا تكاد تتجاوز المقادير التي نلاقيها في التجارب العملية؛ والعمليات التي يجرونها على الأعداد تتصل هي الأخرى بما يشاهد في التجربة وبالموضوعات الحسية. فإننا نجد حتى الرومانيين أنفسهم يستعينون في العد بالحصى. عند المصريين لم يكن يعرف من الكسور إلا ما يكون البسط فيه العدد واحد، فيما عد (2÷3)، (3÷4)؛ لأن تقسيم شيء إلى أجزاء سهل يسير؛ ولكن عملية الجمع والطرح والضرب والقسمة بواسطة كسور الوحدة تحتاج إلى ملكة للتجريد كبيرة. ولذا نرى في ورقة البردي الهيراطيقية المعروفة باسم ورقة أحمس- نسبة إلى كاتبها، وهي ترجع إلى أكثر من الف سنة قبل الميلاد – أن الجزء الأول من هذه الورقة قد كرَّس لرد الكسور التي على الصورة 2÷ (2ع+1) إلى مجموع من الكسور البسط في كل منها هو العدد واحد؛ فاحمس يقول مثلًا إن2÷29 هو حاصل جمع 1÷24، 1÷58، 1÷174، 1÷232؛ وفي كل الأمثلة يكون ع أقل من 50 (7). ويظهر أنه قد اعتمد في تكوين الكسور على التجريب وحده، لأنه لا يذكر لنا القاعدة التي سار عليها في استخراج الإجابة عن المسائل التي وضعها. ومن هذا يشاهد كذلك أنهم كانوا يحاولون رد الكسور دائمًا إلى كسور بسطها 1، ثم يجمعونها بعد ذلك؛ وهي طريقة استمر يستخدمها اليونانيون أيضًا حتى القرن السادس الميلادي. أما الرومانيون فقد استعملوا طريقة كالتي نستعملها اليوم في جمع الكسور، وهي طريقة توحيد المقامات؛ إذ كانوا غالبًا يوحدونها ويجعلونها مساوية للعدد 12، ويعبرون عن الكسر بالتقريب على أساس 1÷12.

ص 27
و العمليات الحسابية كانت أيضًا عند المصريين مقصورة تقريبًا على الجمع والطرح. فالضرب قد رد إلى الجمع؛ والقسمة ردت إلى الطرح. فحين يراد مثلًأ ضرب عدد وليكن 1 في العدد 13 فإنه يبدأ بضربه ف 2 وذلك بإضافة مثيله إليه، فيصل إلى 12، ثم يضاعف الناتج فيصبح 14، ويضاعف مرة أخرى فينتج لديه 18، وأخيرًا يجمع 1، 14، 18. أما القسمة فليس من الثابت يقينًا أنها تجري بتكرار عملية الطرح، لأن أحمس لا يذكر لنا ذلك صراحة.
كما كان لدى قدماء المصريين، بشهادة ورقة أحمس هده، فكرة عن الرموز. فالكمية المجهولة تمثل دائمًا بالرمز الدال على الكومة؛ والجمع يمثل أحيانًا بزوج من الأرجل يسير متقدمًا، والطرح بزوج من الأرجل يسير متقهقرًا أو بطيران أسهم؛ والتساوي يرمز إليه بالعلامة (8) ?.
و على الرغم من أن النتائج التي وصلت إليها الرياضيات المصرية عظيمة في بعض الأحيان، فإن خلو الوثائق التي لدينا من كل إشارة إلى القواعد النظرية التي تستخرج بها هذه النتائج تبرر الحكم الذي أصدره عليها اليونانيون حين نعتوها بأنها طائفة من الوصفات النفعية والوسائل العملية، غير القائمة على قواعد نظرية مما لم يجعل المصريين يصلون إلى وضع "علم" الحساب بمعنى الكلمة، "لأن علم الحساب يفترض – وهذا ما يبدو أن النصريين لم يدركوه في الواقع- العدد وقد صار بنفسه موضوعًا للامتثال وأخذ بصراحة على أنه أساس نظام من البراهين المنتظمة"(9).

ص 28
7- والنتيجة التي نستخلصها من هذا العرض لتطور الرياضيات في مرحلتها الأولى هي أن الرياضيات كانت في ذلك الدور طائفة من الملاحظات والوصفات التجريبية المرتبطة تمام الارتباط بالامتثال الحسي والعيان التجريبي، وأنها لم تبلغ بعد درجة التجريد الكافية لكي تكون علمًا نظريًا. ولذا تسمى هذه المرحلة بالدور السابق على الأدوار العلمية.
ويمكن أن نعلل ذلك أولًا من ناحية التقدم العقلي، وثانيًا من ناحية الغاية المطلوبة منها في ذلك الحين. فمن الناحية الأولى يلاحظ أن إدراك العدد كموضوع مجرد عن الأشياء المعدودة يحتاج إلى ملكة للتجريد كبيرة لم تتهيأ بعد لهذه الشعوب في تلك الفترة؛ إذ المعرفة كما قلنا تبدأ من المحسوس ونطور منه إلى المجرد، والعقل لم يكن قد تطور بعد بدرجة كافية يتهيأ له معها أن يصل إلى هذا التجريد. والأمر كذلك بالنسبة إلى الهندسة النظرية، فإنها تقوم على إدراك النسب المجردة عن كل تصوير حسي معين، وهذا يحتاج كذلك إلى ملكة للتجريد نامية.
ومن ناحية أخرى يلاحظ أن الرياضيات كانت تطلب حينئذ لتحقيق فائدة عملية محدودة، هي التجارة والصناعة الفنية؛ والمهم حينئذ سيكون الوصول إلى نتائج عملية، لا البحث عن الأسس النظرية. فالحساب كان يطلب ليستعان به في تداول السلع؛ والهندسة كان الغرض منها إيجاد وسيلة لمساحة الأراضي؛ والفلك كان ينشد لبيان الاتجاهات وقياس الزمان. وإذا كانت تلك هي الغاية من الرياضيات فمن الطبيعي ألا تقوم كعلم نظري، لأن هذا لا يتم إيجاده إلا إذا تنزه عن الغاية العملية، ولو مؤقتًا، كي ينصرف إلى البحث في الأسس النظرية.
فالرياضيات إذن قد تطورت، كما يقول أبل ريه Abel Rey "من العيني إلى المجرد، ومن العيان التجريبي إلى التركيب العقلي، ومن الوقائع الجزئية إلى

ص 29
الإدراك المجرد لما بينها من نسب، ومن البحث النفعي إلى البحث الدقيق النزيه. وها هنا مسألة عما إذا كانت الرياضيات، إبان هذا التطور، قد تغيرت إلى درجة أنها قطعت كل صلة بينها وبين أصولها التجريبية. أو إذا كانت لا تزال تحتفظ بشيء يربطها بخطواتها الأولى. وهي مسألة تكون مشكلة المثالية والتجريبية في الرياضيات، فالنزعة الأولى تقول بالحل الأول، والثانية بالثاني" ("دروس في الفلسفة"، ج2، ص40-41، باريس سنة 1925).
8- الدور العلمي عند اليونان:
إنما أصبحت الرياضيات علمًا بالمعنى الحقيقي عند اليونانيين. إذ تتميز عندهم بأنها أولًا: نظرية، بمعنى أن القاعدة والبرهان في استخراج النتائج يذكران ويوضحان بطريقة عقلية منطقية ابتداءً من مبادئ يستخرج منها كل ما تسمح باستنتاجه منها؛ ثانيًا: مجردة، فبعد أن كانت مرتبطة بالأشياء المحسوسة من سطوح أو خطوط أو معدودات نراها تبحث في الروابط المجردة الموجودة بين الموضوعات المحسوسة، بصرف النظر عن الموضوعات نفسها، وهذا أضفى عليها طابعًا كليًا غامًا. ولكن هذا ليس معناه أن الرياضيات عندهم، وبخاصة الهندسة، قد قطعت صلتها بالتجربة الحسية، يل كل ما في الأمر أنها سارت شوطًا بعيدًا في سبيل التجريد. والميزة الثالثة التي هي نتيجة للميزتين الأوليين أن الرياضة قد أصبحت علمًا عقليًا، إذ قامت على أساس الارتباط العقلي الضروري بين قضايا بعضها وبعض تستخرج بواسطة الاستدلال المنطقي الخالص الذي لا يكاد أن يستعين بالتجربة إلا من أجل التوضيح وتيسير الفهم فحسب.
و الصورة العليا للرياضيات اليونانية نراها في كتاب " أصول الهندسة" لإقليدس؛ فهو كتاب يتضمن عرضًا منظمًا للقضايا الرئيسية في الهندسة العددية الأولية (فيما

ص 30
عدا القطاعات المخروطية) ولنظرية الأعداد. والقضايا قد وضعت فيه على نحو يجعلها تكون سلسلة من البراهين الرياضية المبتدئة من افتراضات بسيطة هي التعريفات والمصادرات والبديهيات لكي تنتقل منها إلى نِسب أكبر أو أكثر تركيبًا على أساس استدلال دقيق. ولذا يمكن أن يُعَّد هذا الكتاب نموذجًا تطبيقيًا رائعًا للمنهج الاستدلالي الذي عرضه أرسطو في "التحليلات" وفيه تركزت كل الجهود التي قام بها الرياضيون اليونانيون السالفون، بعد أن وضعت في صيغة منطقية دقيقية. فبعد أن كانت البراهين عند فيثاغورس غير دقيقة بدرجة كافية، أصبحنا نرى عند إقليدس عرضًا محكمًا عقليًا للبراهين الهندسية.
و لم تتطور الهندسة اليونانية بعد هذا الكتاب تطورًا يستحق الذكر؛ بل عقمت الروح اليونانية بعده واستمر هذا العقم إلى العصر الحديث حين جاء ديكارت بهندسته التحليلية. ولهذا يجب علينا أن نعبر هذه الفترة الطويلة بين إقليدس _275 ق.م) في القرن الثالث قبل الميلاد حتى ديكارت في القرن السابع عشر بعد الميلاد لنصل إلى جديد في علم الهندسة.
9- الهندسة التحليلية:
و هنا يلاحظ أن تكوين الهندسة التحليلية لا يرجع الفضل فيه إلى ديكارت وحده، بل يجب أن نعزو شيئًا من الفضل في ذلك إلى فرما، فإن كتابه بعنوان: "المدخل إلى المحلّات المستوية والمجسّمة (10)" يتضمن مبدأ الهندسة التحليلة مصوغًا في أوضح عبارة حتى قال كانتور: "إن ديكارت لم يصف تعيين المعادلة لمحل هندسي بمثل الوضوح الذي أبداه فرما في مستهل كتابه "المدخل". ("محاضرات في تاريخ الرياضة"، ج2، ص817، ط2). وفرما قد تأثر في هذا

ص 31
أولاً بأبحاث أبلونيوس البرجاوي عن القطاعات المخروطية، ثم بأبحاث نيقولا دورم Nicoals d' Oresme المتصلة بتعيين تغيرات الكتل وفقاً للإحداثيات، أي تحديدها بخطوط.
ولكن الفضل الحقيقي في إيضاح استخدام الإحداثيات في تعيين النقطة يرجع إلى ديكارت، خصوصاً وأنه زيادة في الإيضاح قد استخدم الإحداثيات المتعامدة، التي عرفت من بعد باسمه. والجديد في هذه الهندسة انهى خطوة هائلة في سبيل التجرد من التجربة والرسوم. وهي خطوة ما كانت لتتم إلا بفضل تكوّن الجبر قبل ذلك بقليل على يد فيت Viete. فإذا كان هذا قد استغنى عن الأعداد بالحروف، فإن ديكارت في هندسته الجديدة سيستغني عن النقط والخطوط والمجسمات- بالحروف، وبذا تهمل الأشكال الهندسية المحددة، لكي يقتصر على النسب الرياضية العامة المجردة. فهذه الهندسة التحليلية ترد المقادير الهندسية إلى مقادير جبرية، حتى إنه سيكون في الوسع بواسطة الجبر أن يبرهن على كل الخواص الهندسية. وذلك لأن كل نقطة في مستو يمكن أن تحدد ببعدها عن خطين كتقاطعين عمودياً في هذا المستوى. فإذا فرضنا مثلاً أن س و س، ص و ص هما مستقيمان ثابتان يتقاطعان عمودياً في و؛ وأن ع نقطة معلومة في مستويهما فإننا إذا رسمنا ن موازياً ص ص، وقاطعاً س س في ن، فإن من الواضح أن ع يمكن أن تتعين إذا علمنا، أولاً:
المسافتين ون، ن ع. ثانياً: الاتجاه الذي تقاس فيه كل من هاتين المسافتين. والمستقيم س، سَ يسمى محو السينات، والمستقيم ص صَ يسمى محور الصادات، وتسمى نقطة تقاطعهما نقطة الأصل؛ ويسمى و ن الإحداثي السيني للنقطة ع، ويرمز له بالرمز س، ن ع الإحداثي الصادي للنقطة ع،

ص 32
ويرمز له بالرمز ص؛ ويرمز للنقطة ع بالرمز(س، ص). والمسافات التي تقاس في اتجاه و س، و ص تعد موجبة؛ بينما تلك المقاسة في اتجاه و سَ، و صَ تعد سالبة (11) وهذا إذا كانت الإحداثيات ديكارتية؛ أما إذا كانت قطبية فإن النقطة يمكن أن تحدد ببعدها عن نقطة أخرى في المستوى والزاوية المتكونة عن المستقيم الممتد بين النقطتين والمستقيم المتوازي للإحداثي السيني(12). وكل

ص 33
شكل هندسي في الهندسة المستوية يمكن أن يحدد بنقط يمكن إذن أن يحدد بواسطة مقادير جبرية تمثل المسافات بين هذه النقط وبين المحاور. أما في حالة الهندسة الفراغية، فإننا نضيف إحداثياً ثالثاً، وحينئذ تتعين النقطة بواسطة المستقيم الواصل من هذه النقطة إلى نقطة الأصل وبواسطة الزوايا الثلاث التي يكونها هذا المستقيم مع المحاور الثلاثة(13). ولكن ديكارت لم يحصر همه إلا في الهندسة المستوية، وإن كان قد أشار إلى كيفية تحديد النقطة في الفراغ.
10- الهندسة الوصفية:
وفي أواخر القرن الثامن عشر نشأت هندسة تطبيقية هي المعروفة بالهندسة الوصفية، أنشأها الرياضي الفرنسي المشهور جاسبار مونج Gaspard Monge(1746- 1818)، وعرضها في المحاضرات التي ألقاها في مدرسة الهندسة بباريس ونشرت سنة 1800 بعنوان: الهندسة الوصفية Geometrie descriptive وفيها عرض نظرية المنظور وكيفية تمثيل الأشكال الهندسية الفراغية بواسطة أشكال هندسية ذات بعدين أي في مستو، واستخدم لهذا قطرين أحدها

ص 34
المستوى والآخر المسقط الرأسي. وبلغ في دراسة هذه المسائل مبلغاً جعل تكوين هذا العلم سريعاً. موضوع هذا العلم البحث في تمثيل الأشكال الهندسية الفراغية تمثيلاً بيانياً على سطح مستو، أي في بعدين. ويشترط في هذا التمثيل أن يكون دقيقاً بحيث تكون النسب ممثلة تمثيلاً دقيقاً بين المجسم والرسم البياني له. والفكرة الأصلية التي يقوم عليها هي فكرة الإسقاط. ومعناها أن نفترض في الفراغ نقطة ثابتة يطلق عليها (مركز الإسقاط)، نصلها بواسطة مستقيمات" إلى نقط المجموعة الفراغية المراد تمثيلها. فإذا تقاطعت هذه المستقيمات التي يطلق عليها اسم (الأشعة الإسقاطية) مع مستو معلوم يسمى (مستوى الإسقاط)، فإن نقط التقاطع يتألف منها الشكل البياني المطلوب الممثل للمجموعة، والذي يسمى لذلك مسقط المجموعة الفراغية من المركز المعلوم على المستوى المعلوم. فإذا كان مركز الإسقاط على بعد أطلق على هذه الطريقة اسم طريقة (الإسقاط المركزي) أو(المنظور). أما إذا تصورنا ابتعاد المركز إلى ما لا نهاية فإن الأشعة الإسقاطية تؤول إلى المستقيمات توازي جميعاً اتجاهاً ثابتاً؛ ويسمى الإسقاط في هذه الحالة (إسقاطاً متوازياً)، كما يسمى الاتجاه الثابت (اتجاه الإسقاط). ويكون الإسقاط المتوازي مائلاً أو (عامودياً) على حسب كون اتجاه الإسقاط مائلاً أو عمودياً على مستوى الإسقاط". (" الهندسة الوصفية" للدكتور علي مشرفة والأستاذ محمد إلهامي الكردانين ص 2- 3، القاهرة سنة 1937).
وهذه الهندسة لا تمثل درجة من التجريد ظاهرة إلا بالنسبة إلى المعمار العملي؛ ولكنها عيانية، كما هو طبيعي، نظراً إلى أنها تتصل بمسائل عملية خالصة.
11- إنما التطور في التجريد قد تم خصوصاً في القرن التاسع عشر حين بدأ علماء الهندسة ينظرون في الأسس نفسها التي تقوم عليها الهندسة التقليدية، أعني الهندسة الإقليدية. فهذه الهندسة تقوم على طائفة من المصادرات والبديهيات أهما ثلاث:

ص 35
1- بين نقطتين لا يمرُّ غيرُ مستقيم واحد؛
2- المستقيم هو أقصر خط بين نقطتين؛
3- من نقطة لا يمكن إمرار غير مواز واحد لمستقيم معلوم.
وعلى الرغم من أن هذه القضايا ينظر إليها على أنها أولية، أي غير قابلة للبرهنة، فإن ثمة محاولات قد قامت مع ذلك للبرهنة عليها؛ فالثانية يبرهن عليها كما هو معروف في نظرية 12 (في الكتب الهندسية العربية)، إذ يمكن استنتاجها من البديهتين الأخريين ومن بديهيات أخرى. ولكن هذه المحاولات قد أخفقت كلها بالنسبة إلى الثالثة، المعروفة عادة باسم مصادر إقليدس.
وهنا وفي أوائل القرن التاسع عشر جاء عالمان أحدهما روسي والثاني هنغاري ألا وهما لوبتشفسكي وبولياي Bolyai وأثبتا بطريقة لا يمكن دحضها أن البرهنة على مصادرة إقليدس مستحيلة.
وهذه المسألة قد أثيرت لأول مرة بوضوح على يد ج. ساكيري J. Saccheri في سنة 1733. ثم عنى بها ن. لوبتشفسكي N. ' I. Lobacevsky(سنة 1793- سنة 1856) في سنة 1826 ثم في سنة 1840؛ ثم جاوس Gauss- من الممكن في سنة 1792، ومن المؤكد في سنة 1831 وسنة 1846؛ ثم ج. بولياي J. Bolyai(سنة 1802- 1860) وفي سنة 1832. ولكن هذه الأبحاث لم تثر اهتماماً كافياً بخطر النتائج التي وصل إليها هؤلاء، إنما تم ذلك حين نشر ريمن Riemann رسالة بعنوان: " حول الفروض التي تقوم على أساسها الهندسة" Ueber die Hypothesem welche der Geomerie zum Grunde liegen ظهرت سنة 1854. فلفت النظر إلى إمكان وجود هندسات غير إقليدية. ومن هذا التاريخ نمت الأبحاث والدراسات المتعلقة

ص 36
بهذه الهندسات الجديدة. خصوصا على يد بلترامي من بافيا (سنة 1835- سنة 1900) وهلمهولتز(سنة 1821- سنة 1894) من برلين وس. ب. تنري P. Tanner(سنة 1843- سنة 1904) من باريس، وكلين F. C. Klein من جيتنجن، والفرد نورث هويتهد من كمبردج في كتابه: الجبر الكلي.
أما هندسة لوبتشفسكي فيقوم على أساس إنكار مصادرة اقليدس واستبدال مصادرة أخرى بها هي: " يمكن من نقطة رسم موازيات عديدة لمستقيم معلوم" والاحتفاظ مع ذلك ببقية البديهيات. ومن هذه المصادرة أنتج سلسلة من النظريات ليس فيها أي تناقض، مما أدى به إلى إقامة هندسة منطقية، فيها من الإحكام البرهاني الاستدلالي ما لا يقل مطلقاً عما في الهندسة الإقليدية. وهذه النظريات تختلف أحياناً إلى حد كبير جداً عما ألفناه من نظريات في الهندسة الإقليدية. فمن بينها مثلاً نظرية تقول إن مجموع زوايا المثلث أصغر دائماً من قائمتين والفارق بين هذه المجموع وبين قائمتين يكون بنسبة مساحة المثلث. ومن بينها كذلك نظرية تقول إن من المستحيل رسم شكل مشابه لشكل معلوم يختلف عنه في الأبعاد وعلى كل حال فإن قضايا هندسة لوبتشفسكي لا صلة لها مطلقاً بقضايا هندسة إقليدس.
وجاءت هندسة ريمن مخالفة لكلتيهما. فهي تقوم على أساس إنكار ليس فقط مصادرة إقليدس، بل وأيضاً البديهية الأولى القائلة إنه لا يمكن أن يرسم غير مستقيم واحد بين نقطتين إذ بدأ ريمن بأن أنكر تصور المكان على أنه مستو، بأن نظر إليه على أنه كروي. وهذا المكان الكروي سكون (بلا حد)، لأنه في وسع المرء أن يسير قدماً على كرة دون أن يتوقف؛ ولكنه كذلك(نهائي) لأننا إذا لم نجد له حداً، فإننا نستطيع مع ذلك أن ندور حوله دورة كاملة، أي مقفلة، وبالتالي نهائية. وعلى هذه الكرة أو المكان الكروي لا يمكن غالباً

ص 37
أن يرسم بين نقطتين غير دائرة كبيرة (تكون بمثابة المستقيم في المكان ذي السطح المستوي) ؛ ولكن حينما تكون النقطتان متقابلتين تقابلاً قطرياً، فإن من الممكن أن يرسم بين هاتين النقطتين ما لا نهاية له من الدوائر الكبرى. وكذلك نرى أنه عادة أو غالباً لا يمكن أن يرسم غير مستقيم واحد بين نقطتين معلومتين؛ ولكن ثمة أحوالا شاذة يمكن فيها أن يرسم بين نقطتين ما لا نهاية له من المستقيمات.
ومن هنا اختلفت هندسة ريمن عن هندسة لوبتشفسكي اختلافاً بيناً: فمجموع زوايا المثلث (يساوي) قائمتين في هندسة إقليدس، ويساوي (أصغر) من قائمتين في هندسة لوبتشفسكي، ويساوي(أكبر) من قائمتين في هندسة ريمن. وعدد الموازيات التي يمكن أن ترسم موازية لمستقيم معلوم من نقطة معلومة يساوي: واحداً في هندسة إقليدس؛ وصفراً في هندسة ريمن؛ واللانهائي في هندسة لوبتشفسكي.
وبعد هذا قامت محاولات أخرى لإنشاء هندسات جديدة ليس في وسعنا هنا الدخول في تفصيلها، ومن أهمها هندسات فيرنيز Veronese وهلبرت Hilbert التي سمياها باسم الهندسات اللاأرشميدية، لأنها تقوم على أساس رفض" بديهية أرشميدس" القائلة بأن أي طول معلوم، يضرب في عدد صحيح كبير بدرجة كافية، ينتهي بأن يفوق أي طول معلوم آخر أياً كان مقداره. أما في المستقيم اللاأرشميدي، فالنقط التي تقول بها الهندسة العادية توجد كلها، ولكن ثمة ما لا نهاية له من النقط الأخرى متداخلاً فيما بينهما، إلى درجة أن من الممكن إدخال ما لا نهاية له من النقط الجديدة فيما بين نقطتين تنظر إليهما الهندسة القديمة على أنهما متلاصقتان (14)

ص 38
تطور الحساب ونشأة الجبر.
رأينا كيف كان الحساب عند الشعوب السابقة على اليونان، وكيف كان يقوم عندهم على قواعد عملية تجريبية ويرتبط بأشياء حسية مادية.
أما اليونانيون فقد تطوروا بالحساب إلى درجة من التجريد جعلته علماً مجرداً إلى حد بعيد. فقد ميزوا بين نوعين من العلوم الخاصة بالأعداد: نوع يسمى logistique والآخر يسمى arithmetique أي الحساب بالمعنى المفهوم. فالنوع الأول هو" فن" العد، والثاني هو" علم" الأعداد؛ والأول عملي تجريبي، والثاني نظري مجرد. وكانت الطريقتان تستخدمان معاً، فلضرب عدد في 7 مثلاً كان يثلث المضروب ويجمع إلى ضعفه ويضاف إلى نفسه، أو يضاعف ثلاثة أضعافه ويضاف إلى نفسه. وكان يستعان في إجراء عمليات الضرب بلوحات تسمى abaques فيها سجلت نتائج العمليات المشهورة الاستعمال. أما علم الحساب فقد أقامه الفيثاغوريون، وكان يختلف بعض الاختلاف عن الحساب كما لدينا اليوم، إذ قد عنوا عناية خاصة ببيان الخواص العجيبة لبعض الأعداد سلاسل الأعداد؛ وميزوا بين أعداد زوجية، وفردية، وفردية زوجية معاً، وأعداد أولية، وأعاد تربيعية مثلثية. ومن بين هذه الخواص نذكر على سبيل المثال القضية التالية: مجموع الأعداد الصحيحة المتتالية ابتداء من الوحدة يعطي عدداً مساوياً لنصف حاصل ضرب العدد الأخير في الذي يليهن كما يلي:
1+2+3+... + ع = [ع (ع + 1)] ÷ 2
وهذه الاعداد تسمى مثلثية triangularies لأنها تعبر عن مساحة مثلث قائم الزاوية أحد أضلاع الزاوية القائمة فيه يزيد عن الآخر بواحد.

ص 39
وكذلك: مجموع الأعداد الفردية المتتالية يساوي عدداً تربيعياً:
1+3+5+... + (2ع- 1) = ع^2.
ولكن أكثر هذه النتائج قد وصل إليها الفيثاغوريون المتقدمون بطريقة تجريبية عملية؛ ولم تصبح نظرية إلا في دور متأخر. والطابع المميز لعلم الحساب عندهم أنه مرتبط أشد الارتباط بالهندسة وهذا يظهر أولاً في تسمية خواص بعض الأعداد. فالأعداد الفردية كانت تسمى gnomons، (نص يوناني) أي ربع الدائرة، وكان يعد حاصل الطرح لعددين مربعين (ع+ 1)^2 وع^2 ؛ وحاصل جمع الجنومونات من 1 إلى 2ع+ 1 يعد عدداً تربيعياً، أعني (ع+ 1)^2، وجذره التربيعي يسمى" ضلعاً" ؛ وحاصل الضرب لعددين كان يسمى سطحاً؛ وحاصل ضرب ثلاثة أعداد يسمى عدداً مجسماً nombre solide، وإذا كانت الأعداد الثلاثة متساوية سُمي مكعباً.
وعلى هذا النحو استمر علم الحساب مرتبطاً بالهندسة والعيان الحسي عند اليونان، إلى أن جاء ذيوفنطس فنظم الدراسات السابقة التي استعملت فيها الرموز بدلاً من الأعداد حتى كوّن منها علماً قائماً بذاته هو الجبر.
أقام ذيوفنطس هذا العلم بأن استخدم رموزاً من الحروف الهجائية لتمثيل الكميات المجهولة في المعادلات؛ غير أنه اقتصر على المعادلات ذات المجهول الواحد، فكان يمثلها بالحروف s' أو so؛ ومربع المجهول يسمى القوة ??????? ويرمز إليه بالحرف ??؛ والمكعب x???? يرمز إليه بالحروف x? وهكذا حتى القوة أو الأس السادس. ومن هذا يتبين أن كل هذه الرموز هي اختصارات لألفاظ. ولكن هذا أيضاً لا يقلل من شأن هذه الحقيقة وهي أن في مجرد استخدام الرموز تحقيقاً لخطوة في التجريد هائلة، وإن كانت الرموز قد استخدمن وفقا للأحوال، ولم توضع كنظام للقيام بالعمليات الجبرية بوجه عام.

ص 40
إنما تطور الحساب تطوراً عظيماً لدى الهنود، خصوصاً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد، فالجبر عند الهنود قد بدأ بأن أوجد أريا بهاتا Arya Bhata التحليل الجبري؛ وأعطى حل المعادلة التربيعية، والحل بواسطة أعداد صحيحة لبعض المعادلات غير المتعينة من الدرجة الأولى؛ وتدل حلوله للمعادلات العددية على أنه كان على علم بالنظام العشري للعد. وقد ولد سنة 476 في مدينة بتنا Patna. ومن بعده جاء برهما جوبتا Brahma- gupta الذي كان يعيش حوالي سنة 660، فحل المعادلات ذات الدرجة الثانية بطريقة عامة- ولا بد لنا أن نعبر فترة طويلة كي نجد رياضياً هندياً من الطراز الأول هو بهسكارا Bhaskara المولود سنة 1114، صاحب كتاب ليلافاتي Lailavati في الحساب وفيه أعطى القواعد المألوفة الآن الخاصة بالجمع والطرح والضرب والقسمة، والعمليات المشهورة في الحساب، والمسائل الحسابية قد صيغت فيه وفقاً للنظام العشري المستعمل اليوم.
والتجديدات الرئيسية التي أتى بها الهنود في الحساب تتلخص أولا في استعمال النظام العشري وذلك بترتيب الأرقام وفقاً لموضعها في الآحاد والعشرات والمئات الخ؛ وثانياً في وضع القواعد الخاصة بالعمليات الحسابية الأولية؛ وثالثاً في إدخال العدد" صفر" الذي يدل على ما وصل إليه الحساب عندهم من تجريد كبير.
وعن الهنود أخذ العرب. فقد ذكر صاعد الأندلسي في" طبقات الأمم" عند كلامه عما وصل إلى العرب من علوم الهند: " ومما وصل إلينا من علومهم في العدد حساب" الغبار" الذي بسطه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي. وهو أوجز حساب وأهضمه، وأقربه تناولاً، وأسهله مأخذاً، وأبدعه تركيباً، يشهد للسند بذكاء الخواطر وحسن التولي وبراعة الاختراع" (طبع مصر ص 21).

ص 41
ويظهر أن العرب قد عرفوا أعمال أريا بهاتا وبرهما جوبتا، كما يظهر خصوصاً من مؤلفات الخوارزمي.
وليس المجال هنا مجال التحدث بالتفصيل عن الرياضيات عند العرب، إنما نكتفي بأن نشير إشارة عابرة إلى أهم النتائج الجديدة التي وصلوا إليها. ولعل أهم شخصية جديرة بالذكر هي محمد بن موسى الخوارزمي، الذي كتب كتاباً بعنوان "الجبر والمقابلة " اعتمد فيه على جبر برهما جوبتا، كما اعتمد في بعض البراهين على اليونانيين في طريقتهم الخاصة بتمثيل الأعداد بواسطة الخطوط. وعلى أساس هذا الكتاب قامت دراسات الجبر في العصور الوسطى الإسلامية والمسيحية، وبواسطته دخل النظام العشري بلاد أوربا، ومن هنا يعد ذا أهمية تاريخية عظمى.
والكتاب((15)) ينقسم إلى خمسة أقسام: في الأول منه قدم الخوارزمي القواعد الخاصة بحل المعادلات التربيعية بعد أن قسمها إلى خمسة أنواع هي:
1س = ب س، اس2 = جــ، 1س2 + ب س = جـ، اس2 + جـ = ب س، 1س2 = ب س + جـ، حيث 1، ب، جـ أعداد موجبة وفي كل التطبيقات 1 = 1.
وهو لا ينظر إلا في الجذور الحقيقية الموجبة، ولكنه يعترف بوجود نوعين من الجذور، وهذا لم يعرفه اليونانيون((16)). وفي الثاني يعطي البراهين الهندسية على هذه القواعد.وفي الثالث ينظر في حاصل ضرب (س = 1) في (س = ب). وفي الرابع يبين القواعد الخاصة بجمع وطرح الصيغ التي تتضمن المجهول ومربعه، أو جذره التربيعي ؛ ويعطي القواعد المتعلقة بحساب الجذور، وينتهي بوضع النظريتين التاليتين: ا × ب? = (ا^2 × ب) ?، ا? × ب? = اب?
والجزء الخامس والأخير يشتمل على بعض مسائل مثل إيجاد العددين اللذين مجموعهما 10

ص 42
والفارق بين مربعهما40((17)).
والملاحظ على جبر الخوارزمي أنه مختلط بالحساب إلى حد بعيد. وسنرى عند الخيام أن المعادلات قد اختلطت دراستها بالهندسة، إذ هو يعالج المعادلات التكعيبية طريقة هندسية، وذلك بأن يستخرج الجذر كإحداثي سيني لنقطة تقاطع مخروط مع دائرة.
وفي عصره أيضاً كان الكرخي (المتوفى حوالي سنة 1000 م) الذي عني خصوصاً بالنظر في الكميات الصماء.
وهذه الرياضيات العربية هي التي وصلت إلى أوربا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فأصبحت طريقة الحساب هي الطريقة العشرية. وهذه طريقةعملية من الطراز الأول، عقلية إلى حد كبير.
ومن هذا الحين بدأ استعمال العلامات الدالة على العمليات الحسابية. أجل، كان المصريون يستعملون نوعاً من العلامات للدلالة على بعض العمليات، بأن كانوا يمثلون الجمع أحياناً بزوج من السيقان يسير إلى الأمام ؛ والطرح بزوج من السيقان يسير القهقري أو بسهمان منطلقة ؛ والمساواة يرمزون لها بالعلامة ِ> ولكن الرياضيات اليونانية لم تتقدم بهذه العلامة ولم تستعمل منها شيئاً. فنسيت تماماً. إنما بدأت تظهر واضحة دقيقة وكما نستعملها اليوم، في أوروبا في أواخر العصور الوسطى. فعلامة +، - ترجعان إلى القرن الثالث عشر ؛ وعلامة المساواة لم تستعمل استعمالاً عاماً إلا في أواخر القرن السابع عشر. أما الأس فيرجع إلى ما قبل القرن الرابع عشر إذ نرى الأس السالب مستعملاً في القرن الخامس عشر والأس الكسري في الرابع عشر، أما الصورة التي هو عليها اليوم

ص 43
فتعود إلى ديكارت في كتابة في الهندسة التحليلية سنة 1637. وفي نهاية ذلك القرن السابع عشر ظهرت علامات الضرب والقسمة.
واستعمال هذه العلامات له فائدة جلي. ففضلاً عن أنها تفيد كثيراً في الاقتصاد وتسهيل القيام بالعمليات الرياضية، وفضلاً عن كونها لغة عامة للتفاهم بين العلماء، فإنها تمثل درجة من التجريد كبيرة. " فنظام الرموز، كما يقول أبل ريه (دروس في الفلسفة، جـ2، ص 43، باريس سنة 1925) ليس لغة حسنة الصنع فحسب، بل هو أيضاً يدل على اللحظة التي صارت فيها الأفكار واضحة متميزة، والتي أمكن فيها تنظيم العلم بطريقة عقلية، والتي فيها صار العقل الإنساني حائزاً للعناصر الحقيقية الضرورية له والتي ليست العلامات الرمزية غير أشياء تقوم مقامه".
13 ــ تكوين الجبر:
ولكن الجبر لم يتكون بعد كعلم تام مستقل إلا على يد فرنسوافيت Francois Viete الذي ولد في فونينيه قرب لاروشل سنة 1540. وتوفي بباريس سنة 1603. وكتابه الرئيسي في الرياضيات هو " المدخل إلى فن التحليل " In Artem Analyticam Isagoge الذي نشر سنة 1591، وفيه أوضح كيف يمكن تطبيق الجبر في حل المسائل الهندسية. وأهم ما أتى به فيه إصلاحه لغة الجبر، خصوصاً في ناحيتين الأولى أنه رمز إلى الكميات المعلومة بالحروف الساكنة B, C, D, الخ، وإلى الكميات المجهولة بالحروف الصائتة A, E, I, O, الخ
مما يسر استخدام عدد من الكميات المجهولة. أما الطريقة المستعملة اليوم، طريقة استخدام الحروف الأولى من الهجاء a, b, c, d, الخ للرمز بها إلى الكميات المعلومة، واستخدام الحروف الأخيرة X, Y, Z, لتمثيل الكميات المجهولة، وترجع إلى ديكارت في سنة 1637.

ص 44
والناحية الثانية هي أنه كانت العادة جارية باستخدام حروف جديدة لتمثيل مربع أو مكعب (الخ) الكميات الواردة من قبل في المعادلات، فمثلاً إذا كانت R أو N تمثل X فإن Z أو C أو Q تمثل............ الخ.
أما فييت فكان إذا استخدم A لتمثيل الكمية المجهولة س، فإنه كان أحياناً يستخدم A quadrates A cubus لتمثيل X2 وX3 الخ. مما كان يوضح بسرعة الصلة بين القوى المختلفة. فمثلاً لكتابة معادلة مثل 5BA2-DA+A3=Z: كان فييت يكتبها كما يلي: B5 in Quad. – D plano in A + A cubo aequatur Z solido. وفي هذا يلاحظ أنه لم يكن يستخدم علامة التساوي، والعلامة = التي نستخدمها اليوم للدلالة على التساوي كان هو يستخدمها لتمثيل "حاصل الطرح بين كميتين ".
وكان لهذين الإصلاحين أثر كبير في تطور الجبر. مما أدى إلى جعله علماً يقوم بنفسه، قد استغنى عن الاعداد قدر المستطاع، وأصبح بهذا أكثر إيغالا في التجريد. إذ أفضى إلى وضع صيغ عامة مجردة لكل العمليات المشابهة وضمها تحت صيغة واحدة، أياً ما كانت مقادير الكميات المستخدمة.
14 ــ الميكانيكا:
الميكانيكا: هي العلم الذي يدرس ظواهر الحركة بطريقة عقلية دقيقة. وهي تقيس ظواهر الحركة مهما تكن مركبة وكيفية: فسواء أردنا قياس شكل سحابة متغير، أو مسقط مياه. أو مقاومة الأجسام الصلبة المرنة، فإن الميكانيكا تستطيع أن تحدد هذه الحركات والمقاومات مستعينة في ذلك بالأعداد.
والميكانيكا ليست علمياً وصفياً فحسب، إذ هي لا تقتصر على تسجيل حركات الأجسام المادية، بل تبحث عن علل هذه الحركات والقوانين التي وفقاً لما تحدث هذه العلل ما تحدث من حركات. فإذا ما عرفت الأحوال الأولى لنظام مادي

ص 45
والقوانين التي تخضع لها تأثيرات الأجسام المتبادلة في هذا النظام فإنها تستطيع أن تحسب حركة هذه الأجسام فيما بعد. ولهذا فإن الميكانيكا هي في جوهرها علم يستطيع أن يقدَّر مقدماً.
ولما كان التطبيق الفني الصناعي إنما ينشأ نتيجة لمعرفة الشروط الأولية وما ينتج عنها من آثار، فإن الميكانيكا كانت ذات أثر كبير في تقدم الصناعة الفنية (التكنيك).
وأثر الميكانيكا في تقدم العلوم الأخرى ظاهر، لأن موضوعها وهو ظواهر الحركة والتوازن، يدخل في كثير من العلوم الأخرى، فهو يدخل في الظواهر الكهربية والكيميائية الخ.
والميكانيكا هي التطبيق الأول للبرهان الرياضي على الدراسة الكمية والعلمية للظواهر الطبيعية.
وفضلاً عن ذلك فإن تاريخ تقدم العلوم يشهد بأثر الميكانيكا في تطور البحث العلمي: فإن ميكانيكا جالليو ونيوتن أوضحت كثيراً من المشاكل التي ظلت حتى ذلك الوقت غامضة، حتى إن العلماء لم يقتصروا على محاكاة منهج الميكانيكا في دراسة الحرارة والكهرباء والكيمياء الخ، بل حاولوا دائماً الوصول إلى تفسير ميكانيكي لكل هذه الظواهر.
ومن الواضح أن الظواهر التي تدرسها الميكانيكا هي أكثر الظواهر تأبياً على القياس بالعدد. فالظواهر الكيميائية والفزيائية يمكن تتبع مراحل سيرها على نحو أيسر. فمثلاً ظاهرة احتراق عود كبريت، يمكن تقدير مراحل سيرها بسهولة ؛ أما إطلاق قذيفة في الهواء فمن العسير تحديد مجراه. وهذا هو السبب في تأخر تكوين علم الميكانيكا.

ص 46
ونستطيع((18)) أن نرجع نشأة هذا العلم إلى الفلاسفة الذريين السابقين على سقراط الذين قالوا إن الذرات إذا ما تحركت تستمر في حركتها بطريقة مطردة ودون الاستعانة بأية قوة، إلا إذا اعترضتها ذرات أخرى. بيد أن هذه الفكرة الجزئية الخصبة لم تلق من يأخذ بها، لأن المشاهدات اليومية العادية لا تتفق معها، إذ تدل هذه المشاهدات على أن الأجسام لا تتحرك إلا إذا حركتها قوة، وأنها تتوقف عن الحركة إذا تخلت عنها القوة المحركة. ومن هنا نجد أن أرسطو يأخذ بمبدأ آخر وهو: حيث لا قوة بلا حركة. غير أن أحداً من أيام أرسطو حتى جالليو لم يتساءل: لماذا نرى السهم يستمر في حركته بعد انفصاله عن القوس ؟
إن مبدأ أرسطو كان من شأنه أن يقول إن السهم يجب أن يقف بمجرد انفصاله عن القوة الدافعة أي عن قوة شد القوس. لكن التفسير الذي كان يعطي آنئذ لظاهرة استمرار انطلاق السهم هو إنه حينما انطلق السهم. اندفع الهواء خلفه ليملأ الفراغ الذي تركه. ولكن هذا الجواب ينطوي على دور فاسد: الهواء اندفع لأن السهم تحرك ؛ والسهم تحرك لأن الهواء اندفع. ومع ذلك استمر المبدأ الارستطالي حتى القرن السابع عشر، وهو أنه حيث لا قوة فلا حركة.
هنا جاء أولاً جالليو فأشار إشارة غامضة إلى ما سيعرف باسم قانون القصور الذاتي Law of inertia ؛ أما الذي أوضحه وفصله فهو نيوتن. ولهذا يسمى القانون الأول من قوانين نيوتن في الحركة. وهو يقول إن كل جسم يظل في حالة سكون أو حالة مطردة في خط مستقيم ما لم تؤثر فيه قوة ما. وبهذا استبدل بالمبدأ الأرستطالي القائل: " حيث لا قوة حركة " مبدأ آخر يقول "حيث لا قوة، فلا تغير في الحركة ". ثم إن أرسطو كان يرى أن القوة

ص 47
هي سبب الحركة ؛ أما نيوتن فيرى أن القوة هي السبب في التغيرات التي تطرأ على الحركة: من تسارع أو تباطؤ أو تغيير في الاتجاه الخ. فكل تغير من هذا النوع يحتاج إلى قوة لإحداثه. لكن إذا لم توجد مقاومة، فلا حاجة إلى أية قوة من أجل المحافظة على الحركة المطردة في خط مستقيم.
وهكذا((19)) نرى أنه منذ القرن السابع عشر قامت أبحاث عديدة في الميكانيكا أدت في خلال القرنين التاليين إلى تكوينها علماً حقيقياً نموذجاً أصبح نموذجاً يحتذي في التفسير العقلي لسلاسل أخرى من الظواهر الطبيعية. وقد تكونت لأول مرة على يد جالليو بدراسته لقوانين سقوط الأجسام، ثم بحل مشكلة حركة قذيفة في وسط لا تلقي منه مقاومة. وقد أدى هذا الحل إلى البحث في المبادئ والتصورات والبديهيات التي يمكن أن يبنى عليها علم ظواهر الحركة، أي علم الميكانيكا، وهذا بدوره أفضى إلى دراسة القوانين العامة للحركة وتطبيقها على النقط والأجسام الصلبة، والامتداد في تطبيقها إلى الأجرام السماوية وحركاتها.
لقد اكتشف جالليو أولاً نظرية سقوط الأجسام. كان أرسطو يقول إن الجسم الذي يسقط تزداد سرعته لأن المتحرك يسعى بأسرع ما يمكن إلى مكانه الطبيعي. فجاء جالليو وسجل نفس الظاهرة وهي ازدياد سرعة الجسم كلما ابتعد من نقطة سقوطه. وبدأ يفسر ذلك تفسيراً كمياً، محاولاً إلى معادلة رياضية. وقد حاول عدة محاولات للتفسير، وراح يصح الواحد تلو الآخر إلى أن أنتهى إلى تفسير نهائي وهو أن السرعة تتزايد بنسبة الزمن الذي يمر من نقطة ابتداء انطلاق الجسم الساقط.
ثم بحث جالليو في حركة القذائف، فانتهى إلى أن الجسم المتحرك الذي

ص 48
يطلق على مستوى أفقي يستمر في حركة مطردة إلى غير نهاية إذا كان المستوى يمتد إلى نهاية، طالما لم يعقه عائق. لكن إذا كان المستوى محدوداً، فإن المتحرك الخاضع يتجاوز نهايته ويضيف إلى حركته الأولى المطردة اتجاهاً إلى أسفل ناتجاً من الثقل. ومن هنا تنشأ حركة مركبة مؤلفة من الحركة الأفقية وحركة السقوط المتسارعة. وأثبت جالليو أن مسار القذيفة يؤلف قطعاً مكافئاً parabole.
وأخطر من جالليو أثراً في تكوين الميكانيكا كان نيوتن((20))، الذي استطاع أن يكشف قوانين الحركة، وأولها قانون القصور الذاتي Law of inertia وقد ذكرناه، وثانيها قانون يقول إن التغيرات التي تطرأ على كمية الحركة تتناسب مع القوة المتحركة وتجري في اتجاه هذه القوة. فإذا رمزنا للكتلة بالحرف س وللقوة بالحرف ق، وللزمن بالحرف ز، من الممكن وضع هذا القانون في المعادلة التالية: ك × س = ق × ز × (ك × س). والقانون

ص 49
الثالث يقول بتساوي الفعل ورد الفعل في الأفعال المتبادلة بين جسمين. وهذا القانون ظاهر بنفسه فيما يتصل بأفعال الاصطدام، ولكنه مبهم في الأفعال مع مسافة بعيدة.
ويطبق نيوتن قوانين الحركة هذه على الأجرام السماوية، مما أدى إلى تكوين الميكانيكا السماوية، التي تدرس حركات الكواكب والنجوم.
وتطورت الميكانيكا بعد ذلك تطوراً بعد ذلك تطوراً هائلاً على يد أويلر فتكون ما يسمى باسم الميكانيكا العقلية. وأصبحت الميكانيكا مؤلفة من فرعين: الديناميكا والاستاتيكا.
فالديناميكا تدرس الحركة، والاستاتيكا تدرس أحوال التوازن في المجاميع. وكل منهما تنقسم إلى ثلاثة فروع بحسب كون المتحرك نقطة، أو مجموعة أجسام صلبة ليرتبط بعضها ببعض، أو سائلاً.
وديناميكا واستاتيكا السوائل تسمى هيدرو ديناميكا استاتيكا((21)).

ص 50
....

ص 51
15- نظرية العدد:
فكرة العدد لم تبحث بحثا كافيا من حيث أسسها الفلسفية إلا في العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي والأولى من هذا القرن خصوصا على يد فريجه Frege في كتابه عن معنى العدد الذي ظهر في سنة 1884 ثم في كتابه عن القوانين الأساسية للحساب الذي ظهر سنة 1892. ونظريته في العدد على الرغم من وضوح هذه الأبحاث إلى درجة كبيرة، لم يمكن مع ذلك أن تلقى العناية الكافية إلا على يد رسل في سنة 1901 حين اكتشف القيمة الكبرى لنظرية فريحه في العدد. وفي تلك الأثناء أي ابتداء من سنة 1895 كان بيانو واتباعه يقومون بالبحث في أسس الرياضة بإرجاع القضايا الرياضية جميعها إلى أفكار أولية ثم إلى مصادرات بسيطة يمكن أن يستخلص منها كل بناء الرياضيات. ولكن تبين أن فكرة فريحه عن العدد أدق وأشمل من فكرة بيانو، فجاء رسل وأكمل النظريتين أولا في كتابه "مبادئ الرياضيات" الذي ظهر سنة 1903 وثانيا في كتابه هو وهويتهد (Principia Mathematica): "مبادئ الرياضة" الذي ظهر من سنة 1910 إلى سنة 1913 وستناول خلاصة أبحاثهم في هذا الصدد، في شيء من الإيجاز.

ص 52
يفرق رسل بين الرياضة البحتة وبين الفلسفة الرياضية على أساس أن ثمة طريقين في البحث في الرياضيات: الطريق الأول أن ننتقل من المبادئ المسلم بها البسيطة نسبيا على الأقل إلى ما هو أكثر منها تركيبا وتعقيدا. فننتقل من عمليات الجمع والضرب إلى عمليات التفاضل والتكامل، ومن الحساب البسيط والهندسة المستوية إلى جانب اللامتناهيات والهندسة التحليلية. والطريق الآخر طريق عكسي ننتقل فيها من النتائج التي وصلنا إليها بعد أن بلغنا مرحلة واسعة من التطور لكي نبحث في الأسس التي تقوم عليها الراضيات: من بديهات ومصادرات وتعريفات. وبهذا نبحث عن الأسس العقلية التي تقوم عليها الرياضيات كلها. الطريق الأول هو طريق الرياضيات البحتة التي تعني بالانتقال من البسيط إلى المركب وتستمر في التجريد حتى تصل إلى المجردات العليا التي تستغنى عن كل عيان، والطريق الثاني هو طريق الفلسلفة الرياضية التي تعني بدراسة الأسس الأولى التي يقوم عليها كل بناء رياضي. وهذه الفلسفة الرياضية لم تنشأ إلا متأخرة، نشأت خصوصا في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل هذا القرن حين حاول الرياضيون من ذوي النزعة الفلسفية المنطقية أن يدرسوا كيفية إرجاع الرياضيات كلها إلى الحساب. ففكرة احتساب الرياضيات كانت الفكرة الأولى التي دار حولها البحث في الفلسفة الرياضية. وهذه الفكرة قد تنبه إليها بعض التنبيه فيثاغورس حينما وجد أن ثمة صعوبة في إرجاع بعض الأشياء إلى نسب حسابية تبعا لمذهبه الذي حاول به أن يرجع كل الحقيقة الخارجية إلى العدد. فقد وجد أن ثمة من المقادير ما لا يمكن أن يقدر حسابيا، واكتشف فكرة الكميات غير المشتركة quantites incommensurable خصوصا أنه قد وجد أن بين الضلع والقطر في المربع لا يوجد قدر مشترك أي لا يمكن قياس الواحد على الآخر، ووجد أيضا أنه إذا كان ضلع المربع = 1

ص 53
فإن القطر = الجذر التربيعي للعدد 2 وهذا الجذر أصم irrational أي لا يمكن استخراجه كعدد طبيعي، فانتبه بفضل هذه الصعوبات إلى بعض المسائل التي تثيرها الفلسفة الرياضية.
16- وأول ما يجب أن يبدأ به البحث في هذه الفلسفة هو أن ننظر في أبسط الأشياء التي يمكن أن يرد إليها البناء الرياضي كله. فعلينا أولا أن نحتسب الرياضة بأن نرجع الرياضيات بأنواعها من حساب وهندسة وكل ما لهذه من فروع إلى فكرة الأعداد، وفكرة الأعداد ترتد في النهاية كأبسط صورة لها إلى فكرة الأعداد الطبيعية أو ما يسمونه الأعداد الصحيحة المتوالية. ونحن نبدأ اليوم عادة من صفر ثم 1، 2، 3، 4، 5... الخ وقد وجدنا أن هذه الخطوة في الواقع خطوة متأخرة إذ الصفر لم يعرفه اليونان ولا الرومان. إذ أدركه الهنود وعنهم انتقل إلى العرب ثم إلى الحضارة الأوربية فأصبح اليوم الصورة الطبيعية للأعداد الصحيحة المتوالية (أو الأعداد الطبيعية). ولكنا إذا تساءلنا عن معنى كلمة صفر أو معنى كلمة الوحدة وقعنا في كثير من الإشكالات والصعوبات. وأكثر من هذا إذا بحثنا في معنى العدد نفسه وجدنا أننا قد سلمنا بالفكرة دون أن نبحث فيها أدنى بحث، ومن هنا جاءت الفلسفة الرياضية فبدأت تبحث في القضايا الأولية الأصلية التي يمكن أن يرد إليها كل البناء الرياضي. وأهم من قام بهذا البحث بيانو، فقد بحث في القضايا الأولية، وكيف يمكن تعريفها أو البرهنة عليها. ولما كنا لا نستطيع في النهاية إلا التسليم ببعض الأشياء، فقد اضطر هو الآخر إلى التسليم بهذه الأفكار الأولية بوصفها القضايا الأصلية التي يقوم عليها علم الحساب وبالتالي تقوم عليها الرياضيات كلها.
هذه المبادئ التي وضعها بيانو تتلخص في ثلاث أفكار أولية وخمس

ص 54
مصادرات: أما الأفكار الأولية فهي: صفر؛ عدد؛ تال ل. – أما معنى "الصفر" فهو الشيء الذي ليس له حد يقابله وكما سنرى فيما بعد: الصفر هو الصنف الذي لا أفراد له، أي صنف العدم. أما "العدد" فقد فهم منه بيانو ما نفهمه عادة وبطريقة إجمالية مبتذلة من الأعداد الطبيعية، "وتال ل" قد فهم منه أنه العدد المباشر التالي لأي عدد آخر. أما المصادرات الخمس التي قال بها فهي:
(1) الصفر عدد. (2) كل عدد له عدد تال. (3) لا عددين ذوا تال واحد. (4) الصفر ليس تاليا لأي عدد. (5) أية صفة تنتسب إلى الصفر وتنتسب أيضا إلى التالي لأي عدد يملك هذه الصفة، تنتسب إلى كل عدد.
فإذا نظرنا في فكرة الأعداد وطبقنا عليها هذه المصادرات وجدنا أولا أن الصفر عدد، أي يدخل إذن على الأقل في الرياضيات، بعد أن تطورت، كعدد من سلسلة الأعداد الطبيعية. ووجدنا ثانيا أن أي عدد له تال، وهكذا باستمرار، وسنرى أن هذا يفضي بنا إلى فكرة اللاتناهي في العدد والعد، فنحن نقول صفر 1، 2، 3، 4... الخ فكلمة إلى آخره تدل على اللانهاية – بمعنى أنه لما كان لكل عدد تال فإذن فإن أي عدد نأخذه لابد أن يكون له عدد تال مهما كان من ضخامة هذا العدد، والأمر لن ينتهي. وإذن فسلسلة الأعداد الطبيعية تبعا لهذا المصادرة الثانية لا تنتهي. وتقول لنا المصادرة الثالثة إن أي عددين لا يمكن أن يكون لهما تال واحد ومعنى هذا أن عددا ما لا يمكن أن يتكرر مطلقا في سلسلة الأعداد الطبيعية. وهذا مفهوم من المصادرة الثانية لأنه لما كان لكل عدد تال، وكان كل عدد مختلفا عن الآخر ما داما عددين، فلن يكون التالي لأحدهما هو التالي للآخر. والمصادرة الرابعة تقول لنا إن عدد الصفر لن يدخل كعدد تال في سلسلة الأعداد بل سيكون دائما العدد الأول مهما افترضنا، كما سنرى، من قيمة هذا الصفر. والمصادرة الخامسة تقول لنا إنه إذا اتصف الصفر بصفة، واتصف

ص 55
عدد ما وليكن ع بهذه الصفة عينها، كما اتصف بها التالي لهذا العدد أي ع+1 فإن هذه الصفة تنطبق على كل الأعداد، أيا ما كانت هذه الأعداد، أي على سلسلة الأعداد الطبيعية كلها مهما امتدت.
ونستطيع بعد هذا أن نفسر عمليات الحساب وعمليات الرياضة على أساس هذه المصادرات الخمس. فعمليات الضرب والجمع مثلا تقوم أيضا على هذه المصادرات والبرهنة. على ذلك قد تكون طويلة أحيانا ولكنها متيسرة دائما، وقد عرضها بيانو في كتابه مجموع الصيغ الرياضية، عرضها بالتفصيل بالنسبة لجميع الأحوال.
وهنا يلاحظ أن هذه المصادرات الخمس يمكن أن تفسر عدة تفسيرات. فيمكن أولا أن نفترض أن الصفر هو العدد 100، وأن التالي هو العدد الذي يزيد عن المائة بعدد، وليكن واحد (1) مثلا، فسنجد أننا نبدأ من مائة 100، 101، 102... الخ. والمصادرات الخمس تكون صحيحة بالنسبة لهذه الأحوال كلها، فالمصادرة الأولى صحيحة وستكون 100 تناظر الصفر. وسنجد أن كل عدد له تال وسنجد أيضا أنه لا يمكن أن يكون لعددين تال واحد، وسنجد خصوصا – وهذا قد يبدو غامضا بعض الشيء – أن المصادرة الرابعة القائلة بأن الصفر ليس تاليا لأي عدد صحيحة، وذلك لأننا عددنا المائة في هذه الحالة هي الصفر، وكأن عدد 99 الذي يسبق المائة في هذا الحالة لا يعد سابقا، ومع هذا فلا زالت هذه المصادرة صحيحة حتى بالنسبة لهذا التفسير.
وكذلك المصادرة الخامسة: فما ينطبق على المائة، وعلى أي عدد آخر بعدها وعلى التالي لهذا العدد، ينطبق على سلسلة الأعداد كلها ابتداء من المائة.
ثانيا: نستطيع أن نفترض أن الصفر لازال هو الصفر، وأن العدد معناه العدد

ص 56
الزوجي، وأن تال ل يساوي 2، فسنجد حينئذ أن لدينا صفر، 2، 4، 6، 8... الخ فالمصادرة الأولى هي هي بعينها، والمصادرة الثانية هي هي مع جعلها التالي ذا قيمة غير الواحد، فالأمر يتوقف دائما على الكمية المعطاة بقولنا تال له ونجد أنه لا يوجد عددان ذوا تال واحد. ونجد رابعا أن الصفر لا يوجد من بين الأعداد التالية إطلاقا كما تقول المصادرة الخامسة أي أننا غذا ما نظرنا إلى أي خاصة تنتسب إلى الصفر وإلى أي عدد من الأعداد الزوجية، ثم تنتسب ثالثا إلى هذا العدد + 2، فإن هذه الخاصية تنتسب كذلك إلى بقية الأعداد في هذا التسلسل الطبيعي.
كما نستطيع أن نفترض افتراضات أخرى غير السابقة بأن تجعل الأعداد كسرية أو تفترض أية كمية للقيمة تال ل، فسنجد أن المصادرات الخمس متحققة باستمرار في كل هذه الأحوال. وعلى هذا يمكن بطريقة عامة أن نجد أننا إذا نظرنا في أي سلسلة من الأعداد ولتكن س صفر، س1، س2، س3، س4،.... س ع، فسنجد دائما أنها تخضع لهذه المصادرات الخمس. فالمصادر الأولى القائلة بأن الصفر عدد متحققة هنا في قولنا س صفر أول الأعداد، والمصادرة الثانية متحققة في أنه لا يوجد عددان ذوا تال واحد، والمصادرة الرابعة متحققة في كون الصفر ليس بواحد من الأعداد التالية، والمصادرة الخامسة متحققة في أن خاصة ما تنتسب إلى س صفر، وإلى س3+1 تنتسب أيضا إلى عدد آخر وليكن س4، س6س، سع... (أي عدد كان).
ونظرا إلى هذا الاختلاف في التفسير تبين لبعض الرياضيين المنطقيين، وعلى رأسهم رسل، أن نتائج بيانو ليست نتائج نهائية، فعاد إلى نظرية قد أدلى بها قبل ذلك بقليل (سنة 1881) فريجه، وعرضها ثانية سنة 1893 دون أن ينتبه إليها الرياضيون في ذلك الوقت، وذلك لكي يحقق غرضا مهما هو أن تكون

ص 57
الرياضيات، وبالتالي المصادرات التي تقوم عليها، دقيقة معينة الكمية لا تفسر أي تفسير كان. وثانيا لاحظ رسل وغيره أن بيانو قد افترض الأفكار الثلاثة الأولية افتراضا دون أن يستخرج هذه الأفكار من مصادرات أخرى، وبالتالي قد عدً هذه الأشياء غير قابلة للبرهنة عليها. وصحيح أننا قد ننتهي إلى هذه النتيجة عينها، ولكن يجب ألا نسلم – كما يقول رسل – بعدم إمكان البرهنة على مصادرة أو فكرة إلا بعد تحليل طويل يقنعنا ولو موقتا بأن البرهنة مستحيلة وقتيا. ولهذا جاء رسل فحاول أن يستنتج بعض هذه المصادرات من بعض، وأن يبرهن على بعض الأفكار الأولية. ثم اهتم في أول الأمر خصوصا وتبعا لأبحاث فريحه ببيان معنى كلمة عدد، ومعنى كلمة صفر، خصوصا الكلمة الأولى، لأن عليها يتوقف كل بحث في الأسس الأولية لأي نظام رياضي.
17- معنى كلمة العدد:
قلنا إن فريجه هو الذي تنبه إلى هذه المسألة وعرضها بشيء من الوضوح في كتابه "أساس الحساب" سنة 1884 وتناولها من بعد في كتابه "القوانين الأساسية للحساب" سنة 1893 وخلاصة أبحاثه في هذه المسألة انه لكي نحدد معنى العدد يجب أولا أن نميز بين العدد وبين الكثرة. فالكثرة ليست هي العدد بالمعنى المجرد الرياضي، فإذا كان لدينا خماس من الأشياء، أو من الناس فإن هذا الخماس يكون كثرة، ولكنه لا يكون عددا؛ إنما الخماس أو السداس أو الثلاث أو التساع، مثل للكثرة ومثل للعدد 3، ولكنه ليس مثلا للعدد نفسه، وإنما "3" هي المثل للعدد. فالعدد أكثر تجريدا من الكثرة. – وبعد هذه التفرقة نستطيع أن نحدد معنى العدد.

ص 58
إن أي عدد أخذناه يختلف تمام الاختلاف عن الكثرة المكونة من وحدات قدرها هذا العدد، فالعدد ثلاثة مثلا ليس هو الثالوث المكونة من الأب والابن والروح القدس وليس هو مجموع الأضلاع الثلاثة المكونة لأي مثلث أب، أج، ج ب – وكذلك الحال بالنسبة إلى أية مجموعة من المجاميع. ومن هنا يجب أن نميز تمييزا دقيقا بين 3 وبين أي ثالوث من الأشياء التي نميزها في العالم الخارجي لأن 3 ليست هي أي ثالوث ولكنها الصنف الدال على كل ثالوث واقعي أو ممكن. فلنحاول بعد هذا التمييز بأن نفهم طبيعة العدد وكيف يمكن حده. ويلاحظ أولا أنه لكي يتيسر حدً العدد أو تعريفه لا بد لنا أن نلجأ هنا إلا الحد بالمفهوم لا بالماصدق، ذلك لأن الحد بالماصدق يمكن أولا أن يرد غلى الحد بالمفهوم، ولسنا في حاجة إلى استقراء جميع الأفراد الداخلة في ما صدق شيء مالكي نحده، فمثلا سكان القاهرة لسنا في حاجة بل قد لا يكون ممكنا إطلاقا أن نحصيهم فردا فردا كي نستطيع أن نحد سكان القاهرة وإنما نكتفي في الواقع بطائفة من هؤلاء السكان نجعلهم مميزين لمفهوم كلمة سكان القاهرة ثم نعمم هذا الحكم بالنسبة إلى جميع السكان ونحن في هذا إنما نستخدم حدا بالمفهوم لا بالماصدق لأننا قد اتخذنا واسطة لهذا التعريف بعضا من الصفات المميزة. وثانيا يلاحظ أن الأمر أوضح بالنسبة إلى الأعداد لأن الأعداد لا متناهية، فما صدقها إذن لا يمكن حصره بالضرورة فلا يتم إذن تعريف بالماصدق بل لا بد أن نلجأ إلى التعريف بالمفهوم. فتعريفنا للعدد سيتم ببيان الخاصية أو الخواص ألرئيسية التي يتميز بها العدد بوجه عام دون إحصاء تجريبي واستقراء عملي لكل الأعداد الواقعية أو الممكنة. ولكي نقوم بهذا التعري يجب أن نجرب أولا أي أن نبحث في المجاميع المكونة لأعضاء واحدة ونضع كل مجموعة متشابهة مع الأخرى تحت باب واحد، فالمجاميع المكونة لباب واحد ستكون إذن هي المكونة لعدد ما.

ص 59
فنأخذ مثلا مجموعة السُداسات ومجموعة السباعات ومجموعة التساعات الخ... وكل مجموعة من هذه المجاميع تعبر عن عدد معين سيكون هو العدد بالمعنى الرياضي. ولكن لكي تتم هذه الخطوة بالتأكيد لا بد لنا أن نعرف بأية وسيلة نستطيع أن نحدد أن هذه المجموعة هي بعينها تنتسب إلى باب ما. والطريق الأظهر في بادئ الأمر هو أن أقول: أحصي (أعد) كل الأفراد المكونة لهذه المجموعة، وبعد هذا أدخلها في الباب الذي تنتسب إليه وفقا لمجموع الوحدات المكونة لها. ولكن هذه الوسيلة تستلزم مقدما أن لدينا فكرة عن العدد لأننا في هذه الحالة نقوم بعملية العد، وعملية العد تستلزم أننا نفهم مقدما فكرة العدد، وعلى هذا فإن عملية العد عملية متأخرة يجب أن تسبق من الناحية المنطقية بعمليات أخرى أبسط منها – هذه العملية أو العمليات الأخرى الأبسط منها تقوم على فكرة الإضافات بين الأصناف. فنحن سنسمي كل مجموعة من هذه المجاميع باسم صنف class وتسمى أحيانا set، ويستعمل في الرياضيات أحيانا كلمة aggregate وكلمة manifold ولكن يحسن الاقتصار على كلمة "صنف".
وقد رأينا في المنطق الرياضي أن ثمة خواص شكلية للإضافات بين الأصناف (22) ورأينا منها خصوصا خاصة التضايف المشترك، أي الخاصة الموجودة بين صنفين يتوقف أحدهما على الآخر أو يرتبط به ارتباط تضايف. فأحيانا يكون أحد الصنفين بالنسبة إلى الآخر مشتملا على عضو واحد، بينما الآخر يشتمل على أكثر من عضو، وقد يكون كلاهما مشتملا على عضو واحد فحسب، فمثلا علاقة الأب بالابن التضايف فيها بين واحد وكثير، والعلاقة بين الابن والأب التضايف فيها بين كثير وواحد؛ والعلاقة بين زوج وزوجة في الزواج الموحد هي علاقة واحد إلى واحد، وتسمى مجموعة الأفراد الداخلة في أي صنف من الصنفين، في الأول باسم مجال الصنف، وفي الآخر باسم

ص 60
مجال المعكوس، فمثلا في الصلة بين الأب والابن مجال الأب هو مجال الإضافة ومجال الابن الذي يضم أكثر من عضو هو مجال "معكوس الصلة" converse domain، وكذلك الحال بالنسبة إلى بقية الأمثلة السابقة. فإذا كان مقدار الأعضاء الداخلة في المجال ومعكوس المجال هو الواحد فإن الإضافة تسمى هنا "مشابهة" أو إضافة المشابهة. فالصنف الواحد يقال عنه إنه مشابه لآخر إذا كانت هناك إضافة الواحد والواحد، وأحدها المجال والآخر المجال المعكوس. ومن الممكن أن يرهن بعد هذا:
أولا: على أن أي صنف مشابه لنفسه، أي توجد إضافة الواحد والواحد بينه وبين نفسه وهذا طبيعي.
وثانيا: أنه إذا كان بين الصنف أ والصنف ب مشابهة فستكون بين الصنف ب و أ ؛
وثالثا: إذا كانت الصلة أو الإضافة مشابهة بين أ وب، وهي عينها بين ب و ج، كانت الإضافة مشابهة أيضا بين أ و ج. وفي هذه الحالة تسمى خاصية الإضافة باسم الانعكاس reflection أي تكون معكوسة على نفسها. وفي الحالة الثانية تكون تماثلية (أي أن خاصة هذه الإضافة هي التماثل). فمثلا في حالة "زوج له" فإنه إذا كان على زوجا لفاطمة، فإن فاطمة "زوج" لعلي. وفي الحالة الثالثة خاصة الإضافة هي التعدي فإذا انتقلت الإضافة من أ إلى ب، ومن ب إلى ج، انتقلت من أ إلى ج فمثلا إذا قلنا 7 أكبر من 5، و5 أ:قر من 2، فإن 7 أكبر من 2. وطبعا هذه الإضافة ليست تماثلية كما هو واضح.
وعلى هذا نجد أن إضافة المشابهة تتضمن إذن هذه الخصائص الثلاثة: الانعكاس والتماثل والتعدي. فلننظر بعد هذا في كيفية تحديد انتساب صنف من


ص 61
الأصناف إلى مجموعة ما كبرى. فمثلا صنف وليكن صنف السداسات: كيف ينتسب إلى الصنف 6 أو إلى المجموعة الكبرى 6؟ لتعيين هذا ننظر في خاصية الإضافة فإذا وجدناها المشابهة كان هذا دليلا على أن الصنف المذكور ينتسب إلى المجموعة الكبرى المعلومة. فمثلا إذا نظرنا في فكرة الأزواج في بلد كاثوليكي فإننا سنجد أن عدد الازدواج سيكون قطعا هو عدد الزوجات، وهذا يجعلنا نضيف هذه المجموعة التي هي مجموعة الزوج والزوجة إلى طائفة كبرى هي طائفة العدد، أو طائفة الأزواج بوجه عام. وكذلك الحال لو نظرنا في أصناف أخرى فإننا نستطيع بواسطة خاصة المشابهة وحدها أن نعين الصنف الأكبر الذي ينتسب إليه هذا الشيء موضوع بحثنا. فإذا ما استطعنا هذا فإننا نستطيع أن نحدد فكرة العدد على هذا الأساس. فيمكن بعد هذا وبعد التفرقة التي وضعناها في البدء بين المجموعة المعينة وبين العدد أن نحدد العدد بأن نقول أولا: "عدد أي صنف هو الصنف الشامل لكل الأصناف المشابهة له" فمثلا عدد الصنف خماس هو الصنف الشامل لكل الخماسات الممكنة. وحتى الآن لم نستخدم اللفظة خمسة أي العدد، وإنما نتحدث بعد عن الأصناف وعدد الأصناف لا عن العدد المجرد.
ولكي نخطو هذه الخطوة الأخيرة لا بد لنا أن نلجأ إلى تعريف قد يبدو في الظاهر غير سليم ولكنه سليم في الواقع فنعرف العدد بأن نقول: "العدد هو أي شيء يكون عددا لصنف ما". والخطأ الظاهري لهذا التعريف أننا استخدمنا المعرف في التعريف ولكنه خطأ ظاهري فقط، لأن كلمة عدد الأولى ليست هي كلمة عدد الثانية. فمثلا إذا قلنا "الإنسان هو مجموع أفراد الإنسانية" فهذا التعريف سليم مع أننا استخدمنا كلمة "الإنسانية" في التعريف الأصلي. والمسألة هنا هي مسألة استخدام صفة للدلالة على أنها عبارة عن مجموع صفات مختلفة. فالعدد سيكون تبعا لهذا هو عدد أي صنف، فمثلا 5 ستكون عدد أصناف الخماسات، وعلى هذا فيكون التعريف صحيحا، ف 5 هي إذن شيء يكون عددا لصنف الخماسات.

ص 62
وهذا التعريف لا ندري بعد هل ينطبق على الأعداد المتناهية واللامتناهية على السواء، بل علينا أن ننظر في الحالة بالتفصيل لكي نتبين كيف نستطيع الوصول إلى أي عدد كان. ومن ناحية أخرى كيف نحدد الأعداد كلها ككل بصرف النظر عن أنها كميات متناهية أو لا متناهية. ونحن قد رأينا في الأفكار الأولية عند بيانو أننا نستطيع بواسطتها أن نحدد معنى العدد الطبيعي وسلسلة الأعداد الطبيعية. فبهذه الأفكار الأولية: الصفر - عدد - تال ل نستطيع أن نستخرج سلسلة الأعداد الأولية بأسرها. ولكن يحسن بنا بعد هذا أن ننظر هل من الممكن إيجاز هذه الأفكار الأولية ومن ناحية أخرى هل يتيسر تحديدها فقد قلنا إنها أولية أي غير قابلة للحد والبرهنة. فلننظر في صحة هذا القول فضلا عن أننا قد وجدنا من ناحية أخرى أن المصادرات أو المبادئ الخمسة التي وضعها بيانو يمكن أن تفسر عدة تفسيرات فعلينا أن نبحث في تحديد هذه المبادئ الخمسة أو المصادرات الخمس لكي نقصرها على نوع واحد من التفسير. ومن ناحية أخرى علينا أن ننظر فيها علنا نستطيع أن نوجزها أو نسقط بعضها منها لأنه لا مدعاة بعد لها. فنقول إننا إذا أردنا مثلا أن نصل إلى العدد 100000 فإننا نستطيع ابتداء من الصفر باعتباره فكرة أولية واعتمادا على فكرة تال له وفكرة العدد أن نسير خطوة فخطوة من عدد ع إلى تال له ع + 1 وهكذا باستمرار حتى نصل بطريق التجربة إلى العدد 100000. ولكن هذه الطريقة قد لا تكون متيسرة فضلا عن أنها تجريبية فقد لا تكون متيسرة أو هي بالفعل كذلك فيما يتصل بالأعداد اللامتناهية إذ أن اللامتناهي لا يمكن الفراغ منه.
وثانيا أننا نريد تعريفا يشمل كل أحوال العدد بصرف النظر عن أنه متناه أو غير متناه، والطريق للوصول إلى هذا هو المصادرة الخامسة من مصادرات بيانو، والتي يقوم عليها الاستقراء الرياضي mathematical induction وهذه قد أخذناها

ص 63
في البدء على أنها مبدأ ولكننا هنا نريد أن نأخذها على أنها تعريف - أي شيء نبدأ منه. فإذا كانت هناك صفة أو خاصة تتعلق بصفر وتتعلق بعدد ما ثم بالتالي لهذا العدد فإنها تكون منطبقة على كل الأعداد على السواء أي بعبارة أخرى أننا نستطيع ابتداء من الصفر، وعدد أيا كان نستطيع أن نعينه، ثم التالي لهذا العدد أن نحكم حكما عاما على كل الأعداد الممكنة. وبهذا يتيسر لنا أن نحكم على الأعداد المتناهية واللامتناهية على السواء. ولكي نقوم بهذا يحسن أن نقدم أولا طائفة من التعريفات. فيقال أولا إن خاصة ما وراثية إذا كانت تنتسب إلى عدد ما ثم إلى هذا العدد + 1 أي والتالي له. فمثلا لنفرض أن لدينا العدد ع له خاصية ما فإذا كانت هذه الخاصية تتعلق أيضا ب ع + 1 فإنها تسمى حينئذ وراثية أي تنتقل من ع والتالي لها إلى بقية الأعداد التالية في سلسلة الأعداد المتوالية. ويسمى الصنف وراثيا إذا كان ع عضوا فيه وع + 1 عضوا فيه كذلك.
فإذا اعتبرنا أن ع مثلا هي العدد 1000 فإن جميع الأعداد التالية ل 1000 ابتداء من 1000 + 1, 1000 + 2.... الخ تكون فيه هذه الصفة وراثية أي ما ينطبق على 1000 ينطبق على سلسلة الأعداد التالية ابتداء من 1000 وإذا جعلنا ع صفر فستكون الخاصة وراثية بالنسبة إلى كل الأعداد ما دام صفر هو العدد الأول الذي لا يسبقه أي عدد آخر.
والصنف الذي يكون متعلقا بالعدد كنقطة ابتداء له يسمى صنفا استقرائيا inductive class وسنرى أن الصنف الاستقرائي سيتكون من صفر، وصفر + 1، ثم بقية الأعداد التالية أي في الواقع من كل الأعداد الممكنة. ولكننا لم نصل بعد إلى هذه النتيجة بطريقة منطقية ولننظر في كيفية التعبير عنها بطريقة منطقية وهذا نستطيع القيام به بأن نسميه كتعريف ثان باسم "ذرية العدد" posterity، وتعرف الذرية بأنها عبارة عن مجموعة الأعداد ابتداء من عدد ما بالنسبة إلى

ص 64
الإضافة "سلف له" أو سابق له - فإذا نظرنا بعد هذا في ذرية العدد صفر أي هذا الصنف الاستقرائي لوجدنا أنها تشمل صفر وصفر + 1 و1 + 1... الخ أي سلسلة الأعداد الطبيعية المتوالية. وهذا يمكن أن نقوم به بطريقة تجريبية بأن نحدد ذلك على أساس أن نقول إن الأعداد هي ما نصل إليه إذا ما سرنا ابتداء من الصفر خطوة فخطوة وهكذا باستمرار. ولكن قولنا خطوة فخطوة وهكذا باستمرار ليس تعبيرا واضحا ولهذا نستبدل به كلمة ذرية التي هي تعبير منطقي واضح موجز يعبر عن هذا المعنى منطقيا. وعلى هذا نستطيع أن نعرف سلسلة الأعداد الطبيعية بقولنا: "الأعداد الطبيعية هي ذرية صفر بالنسبة إلى الإضافة: السالف مباشرة (التي هي معكوسة تال ل)".
وفي هذا التعريف يظهر أننا عرفنا إحدى الأفكار الأولية التي قال بها بيانو بواسطة الفكرتين الأخريين. فكلمة عدد عرفناها بواسطة صفر وبواسطة تال أو سالف له (والمسألة واحدة) وبهذا نكون قد وفرنا إحدى هذه الأفكار الثلاث، ومن ناحية أخرى قد وفرنا كذلك مصادرتين من المصادرات الخمس لبيانو ألا وهما: الأولى والخامسة. وكأننا بهذا قد وفرنا مصادرتين المصادرة الأولى والمصادرة الخامسة، أما المصادرة الثانية فلا تزال قائمة ونستطيع أن نعبر عنها في صورة أخرى بأن نقول: كل عدد له عدد طبيعي يتلوه.
وبعد هذا نبحث في تعريف الفكرتين الأخريين: فكرة الصفر وفكرة تال له. ولكي نقوم بهذا نستطيع أولا أن نعتمد على تعريفنا للعدد حيث قلنا إن العدد هو أي شيء يكون عددا لصنف ما، وهذا الصنف سيكون شاملا لكل الأصناف المشابهة له. فعدد الصفر سيكون إذن عدد صنف بلا أفراد (أو بلا أعضاء) وذلك لأن صنف الصفر لا يشمل أي فرد فهو صنف العدم. وسيكون عدد الصفر إذن هو ذو عضو واحد أو فرد واحد ألا وهو صنف الصفر نفسه وهو صنف

ص 65
بلا أفراد وفارق كبير بين عدد الصنف وبين الأفراد الداخلة في هذا الصنف. فعدد الصنف واحد وهو صنف الصفر أما الأفراد الداخلة في هذا الصنف فمعدومة أي لا توجد أعضاء لصنف الصفر، ولكن عدد الصفر له صنف واحد هو الصنف الذي لا أفراد له. وعلى هذا يمكن أن نعرف الصفر بأنه: "هو الصنف الذي عضوه الوحيد هو صنف الصفر (وهو صنف لا أفراد له)"
بقي بعد هذا أن نحدد الفكرة الثالثة والأخيرة وهي فكرة: "تال ل" ولتحديد هذه الفكرة نفترض وجود صنف ولنسمه "أ" به أفراد عددها ع، ولنفرض أن لدينا صنفا آخر وليكن س، أفراده ليست داخلة في ع (أو من بين أفراد ع) وعلى ذلك فإن أ + س يكون صنفا تاليا للصنف أ.
وبهذا نستطيع أن نعرف التالي ل بقولنا "التالي لعدد الحدود في الصنف أ هو عدد الحدود في الصنف المكون من أ مع س، حيث س هي أي حد لا ينتسب إلى الصنف أ" (أي خارجه). وبهذا إذن نكون قد استطعنا أن نحدد بالدقة وبالتعريف الأفكار الثلاث الأولية التي قال بها بيانو كما أننا استطعنا أن نتخلص من مصادرتين من مصادراته. وفي وسعنا بعد هذا أن تخلص أو أن نفهم بوضوح معنى بقية المصادرات، إذ الباقي لدينا ثلاث. أما المصادرة القائلة بأن أي عدد له تال - وهي المصادرة الثانية - وكذلك المصادرة الرابعة القائلة بأن صفر لا يمكن أن يكون تاليا لأي عدد فيفهمان بسهولة وليسا في حاجة إلى برهنة لكي يمكن أن يدركا بوضوح. وأما المصادرة التي تحتاج إلى شيء من العناية فهي المصادرة القائلة بأنه لا يمكن أن يكون لعددين تال واحد، إذ أن ثمة مشكلة تتصل بهذه المسألة تنشأ حينما نفترض أن الأعداد متناهية أو إننا بإزاء كميات محدودة. أما إذا كنا بإزاء كميات لا متناهية أو عدد لا نهائي فإن المشكلة لا تقوم لأننا إذا فرضنا أن لدينا عددين وأن الكميات لامتناهية فإننا نستطيع باستمرار أن نفترض أن ثمة

ص 66
أعدادا خارجة وبالتالي فإننا إذا فرضنا أن إحدى الكميات هي أ والأخرى ب فإن أ + 1 سيكون عددا آخر غير ب + 1، لأن ثمة أعدادا أخرى خارجة ما دامت الأعداد لا متناهية اللهم إذا كانت أ = ب. ولكن إذا كنا بإزاء أعداد متناهية، بأن كان قدر الأعداد هو 10 مثلا ولا شيء خارجها فإن العدد التالي ل 10 سيكون 11 ولا وجود له أي يساوي صفر. وكذلك العدد التالي لهذا العدد وهو 12 سيكون بلا أفراد، فسيكون إذن صفرا، وإذن ستكون 11= 12، ومن هنا سيكون التالي لعددين هما 10 و11 عددا واحدا وهو صنف الصفر.
ومن هذا يتبين إذن أن هذا المبدأ الثالث من مبادئ بيانو الخمسة لا يكون صحيحا إلا إذا كانت سلسلة الأعداد لامتناهية، فلنفترض أنها الآن لامتناهية. والنتيجة لهذا كله إذن أننا قد استطعنا أن نحدد معنى الأفكار الأولية الثلاثة التي قال بها بيانو كما استطعنا من ناحية أخرى أن نحدد المبادئ الخمسة وأن نرد بعضها إلى بعض. وفي وسعنا بعد هذا أن نحدد كل المسائل الرياضية مهما ارتفعت درجتها في التطور والتجريد والتعقيد، ما دمنا نرى أن الرياضيات تقوم بأسرها على الحساب، والحساب يقوم كله على فكرة الأعداد الطبيعية. وليس من الصعب بعد هذا أن تطبق هذه التعريفات في الرياضيات العليا وفي بقية أجزاء الرياضة مما ليست بحساب أو بجبر أو بهندسة مستوية كما بين ذلك رسل في كتابه: "مبادئ الرياضيات".
وفي وسعنا بعد هذا أن نعمم هذه القاعدة التي وصلنا إليها وهي قاعدة الاستقراء الرياضي. ويكفي من أجل هذا أن ندلي بالتعاريف التالية التي وضعها فريجه وهي أن نفترض خاصة مثل "ف" فنجد:

ص 67
1- الخاصة: يقال عنها إنها "ف" وراثية في حالة ما إذا كانت تنتسب إلى الحد "س"، و"س" له إضافة "ف" بالنسبة إلى ص، فإنها تنتسب إلى "ص"
2- والصنف يكون ف - وراثيا إذا كانت خاصته المحددة "ف" - وراثية.
3- والحد "س" يقال إنه ف - سلف للحد "ص" إذا كانت "ص" لها كل خاصة ف - وراثية تملكها "س" بشرط أن تكون "س" حدا له الإضافة "ف" إلى شيء ما، أو يكون ثمة شيء له بالنسبة إليه الإضافة "ف".
4- وذرية "ف" للحد "س" هي كل الحدود التي يكون فيها "س" "ف - سلفا".
وعلى هذا فالاستقراء الرياضي يقوم إذن كما يقول رسل على أساس تعريفات تفترض افتراضا. وليس بصحيح إذن ما ذهب إلى الرياضيون من قبل أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وعلى رأسهم بوانكاريه من أن ثمة مبدأ يقوم عليه الاستقراء الرياضي، مبدأ سماه بوانكاريه باسم "البرهان بالإنابة" raisonnement par recurrence فلا يوجد مثل هذا المبدأ المبتسر الذي يزعمه بوانكاريه، فكل هذه تجديفات لم تصل إلى فهم طبيعة البرهنة الرياضية وإنما المسألة تقوم على أساس تعريفات نضعها في البدء، ثم نستنتج منها كل ما يتلوه. وليست الرياضيات إذن غير طائفة من التعريفات التي نضعها أولا ثم نستخلص منها فيما بعد كل الخواص التي يمكن أن تستخلص. وعلى هذا فكما يقول رسل إن الاستقراء الرياضي معناه بطريقة عامة شعبية أن من الممكن أن نطبق ما ينطبق على سلسلة من المتتاليات، على صلة الأول بالأخير،

ص 68
بمعنى أنه ما دمنا نستنتج من التوالي فإننا نستنتج أيضا من نقطة البدء إلى نقطة النهاية. فإذا كانت نقطة البدء "صفر" ونقطة النهاية عددا ما على أساس افتراض أن الأعداد لامتناهية، فإن ما ينطبق على الأعداد المتتالية ينطبق بالتالي من الصفر إلى هذا العدد المفروض. ويصور هذه المسألة بقطار مركب من عربات كثيرة فإذا أعطت القاطرة الدفعة الأولى تحركت أولى العربات ثم التالية وهكذا حتى نصل في النهاية إلى تحرك العربة الأخيرة، فكأن الحركة التي تعطيها القاطرة للعربة الأولى تنتقل إذن من القاطرة إلى العربة. وكذلك الحال هنا في حالة الاستقراء الرياضي فكأن ما ينطبق على العدد الأول في صلته بما يتلوه ينطبق على هذا العدد الأول في صلته بالعدد الأخير، هذا إذا افترضنا الأعداد متناهية. أما إذا افترضت لا متناهية فيجب أن نبحث عن مبدأ آخر هو ذلك الذي قال به كنتور Cantor في فكرة اللامتناهيات أو ما بعد المتناهي.
18 - الترتيب:
فكرة الترتيب من الأفكار الرئيسية في كل الرياضيات، إذ تقوم كلها فيما عدا بعض أحوال قليلة على أساس هذه الفكرة. وليس الأمر مقصورا على الأعداد الصحيحة بل وأيضا ينطبق على الأعداد الكسرية والأعداد السالبة والأعداد المتخيلة في بعض الأحوال. كما يلاحظ أن هذه الفكرة تلعب أخطر دور كذلك في الكميات المتصلة، فالنقط في ترتيبها بعضها إلى بعض في المستوى لابد أن تخضع لترتيب خاص ووفقا لهذا الترتيب تقوم وظيفتها. وكذلك المستقيمات المتقاطعة في نقطة ما، لابد أن تخضع أيضا لترتيب، والترتيب فكرة اعتبارية خالصة، أي ليس هناك ترتيب يجب أن يؤخذ دون أي ترتيب آخر، إنما الأمر يتوقف على وجهة نظر الشخص المرتب لا على

ص 69
الأشياء المترتبة في ذاتها. فإذا نظرنا مثلا في الأعداد الطبيعية وجدنا أن من الممكن أن ترتب على أساس صفر، 1، 2، 3... إلخ أو على أساس البدء بالأعداد الفردية، ثم نتلوها بالأعداد الزوجية، أو البدء بعدد زوجي ثم بالأعداد الفردية التي هي مضاعف العدد 3 مرات وهكذا باستمرار.. وكذلك الحال في تحديد النقط في المستوى: قد تكون النقطة متحددة بإحداثيات قوامها أعداد صحيحة أو تكون محددة فإحداثيات ذات قيم كسرية، وأحيانا بإحداثيات قوامها كميات صماء.. إلى آخره. فالأمر إذن أمر وجهة النظر التي ننظر من خلالها إلى الترتيب وليس الأمر إذن متعلقا بالأشياء المرتبة في ذاتها.
ولتحديد خاصة الترتيب لابد لنا أن نراعي صفات معينة، وهذه الصفات يمكن أن تستنتج من النظر في الإضافة "سابق وتال". فإذا نظرنا في هذه الإضافة وجدنا أنها تتصف بالصفات الثلاث التالية:
1- أنه إذا كانت أ سباقة على ب، فلا يمكن أن تكون ب سابقة على أ وكذلك إذا قلنا مثلا: أ أكبر من ب - فلا يمكن أن تكون أيضا ب أكبر من أ -.
ولكن ثمة أحوالا ترتد فيها الإضافة على نفسها، ففي حالة الأخ مثلا: إذا كان أ أخا ل ب، فإن ب أخ ل أ. فالخاصة تسمى لاتماثلية في الحالة الأولى، وفي حالة الأخ تعتبر تماثلية.
2- وإذا كانت أ سابقة على ب، ب سابقة على ج، فإن أ سابقة على ج. وكذلك الحال إذا قلنا أكبر من... إلى آخر هذه الإضافات التي إذا انتقلت من أ إلى ب ومن ب إلى ج انتقلت أيضا من أ إلى ج. وهذه الإضافة هي الإضافة المتعدية.

ص 70
3- ثالثا: لابد أن يكون أحد العددين سابقا والآخر تاليا، في هذه الإضافة. وكذلك الحال إذا ما أخذنا أي عددين فلابد أن يكون أحدهما أكبر من الآخر. هذا في حالة الأعداد الحقيقية، أما في حالة الكميات التخيلية المركبة فليست الحال كذلك. وإذا نظرنا في لحظات الزمن فلابد أن تكون إحدى اللحظات أكثر بكورا من لحظة أخرى، ولكن بالنسبة إلى حادثين قد يكونان في حالة معية simultaneite، فإذا كانت الإضافة تقتضي أن يكون أحدهما بالضرورة سابقا والآخر لاحقا سميت في هذه الحالة مرتبطة. فهذه الخواص الثلاثة هي التي إذا توافرت كونت تركيبا مرتبا، وكل ترتيب لابد بالتالي أن يكون متصفا بهذه الخواص الثلاث. فإذا أخذنا مثلا سلسلة الأعداد الطبيعية 1، 2، 3، 4، 5، 6.. إلخ ونظرنا في الإضافة "أقل من" وجدنا أنها تتصف بهذه الخواص الثلاث: فهي أولا لاتماثلية لأنه إذا كانت 1 أقل من 2، فإن 2 ليست أقل من 1، وهي ثانيا متعدية لأنه إذا كانت 1 أقل من 2، و2 أقل من 3، فإن 1 أقل من 3، وهي ثالثا مرتبطة فأحدهما أكبر من الثاني في أي زوج أخذناه منهما.
19- أنواع الأعداد:
انتهينا فيما تقدم إلى تعريف العدد ثم تعريف التتالي ثم تعريف الترتيب، ولكننا لم نتوسع بعد في معنى العدد بل اقتصرنا تقريبا في كل نظرنا على العدد الطبيعي. فعلينا الآن أن ننظر نظرة إجمالية عامة في كيفية تعريف بقية امتدادات فكرة العدد وهي: الأعداد السالبة والموجبة، ثم الأعداد الكسرية، ثم الكميات الصماء irrationnelle ثم الكميات التخيلية المركبة.
وحتى عهد رسل وفريجه لم تكن هذه الامتدادات قد حللت تحليلا دقيقا

ص 71
بل أخطأ الباحثون في تحليل معناها لأنهم ظنوا أنها ليست سوي أنواع داخلة تحت جنس واحد، يمكن رد بعضها إلي بعض في نهاية الأمر، فقالوا عن العدد الموجب إنه ليس شيئا آخر غير العدد الذي ينير علامة فمثلا العدد +1 هو بعينه العدد 1. وقالو عن الكسور إذا كان المقام فيها العدد 1 إنها هي بعينها الأعداد الصحيحة المكونة للبسوط، فمثلا 5/1 هي بعينها 5. والأعداد أو الكميات الصماء هي الكميات الجذرية أو المنطقية rationnelle وذلك لأن العدد الأصم وليكن 2? هو بعينه كسر بين كسرين أحدهما أكبر منه والآخر أصغر منه. ولنأخذ مثلا النسبة التقريبية 3،14159 فهذا العدد الأصم هو عبارة عن عدد كسري أصغر من 3،1416 واكبر من 3،1415
وعل هذا جعلت الأعداد الصماء نوعا يدخل ضمن الأعداد الكسرية وبالتالي الأعداد الصحيحة. وتكون من مجموع هذه الأعداد كلها: الصحيحة والموجبة والسالبة والكسرية والصماء ما يسمي بمجموع الأعداد الحقيقة real numbers وذلك في مقابل النوع الآخر من الأعداد وهو الأعداد التخيلية المركبة. والأعداد التخيلية المركبة هي عبارة عن عدد تخيلي مع عدد حقيقي، والعدد التخيلي هو عبارة عن جذر أي عدد سالب ونشرح هذا قبلا فنقول: إن جذر العدد السالب وليكن جذر –ا هذا هو ما نسميه باسم المقدار التخيلي ومعني هذا أن ? (-أ) × ? (-أ) = -أ وعلي هذا فإن 1-? × 1-? =-1. وفي استطاعتنا بعد هذا أن نحدد مقدار 1-? بواسطة جذر 1-? لأن المراد في النهاية الوصول إلى 1-? بوصفه الوحدة التخيلية.

ص 72
فإذن الوحدة ستكون جذر -1 (1-?) ولنرمز لها بالحرف ت فإذا بحثنا بعد هذا في قوي الوحدة التخيلية وجدناها:
ت2 = -1
ت^3 =- ت
ت^4 =+1
ت^5 =+ ت
ت^6 = +1
ت^7 =-ت
ت^8 =+1
وتستمر العملية علي التوالي في دورات رباعية والأعداد التخيلية المركبة هي التي يكون فيها جزء حقيقي وجزء تخيلي مثل ا+ ت ب، وتسمي الكميتان التخيليتان المركبتان اللتان لا تفترقان إلا بواسطة العلامة السابقة علي الجزء التخيلي بأنهما كميتان مترافقتان conjugate ولجمع وضرب الكميات التخيلية المركبة المترافقة سنصل إلي كميات حقيقية فمثلا إذا جمعنا:
ا+ ت ب + ا- ت ب =2 أ (وهو عدد حقيقي)
وكذلك إذا ضربنا الكميتين فأصبحتا
أ + ت ب × أ – ت ب = ا^2 – ا ت ب + أ ت ب + أ^2 = 2 ا^2 (123) وهذه كمية حقيقة
والقسمة تتم كما يلي – وتستعمل دائما في تحويل كسر مقامه تخيلي إلي كسر آخر مقامه حقيقي وذلك يتم بضرب البسط والمقام في مرافق المقام:-

ص 73
[(ت + 2) ÷ (ت 4 + 3)] = [(2 + ت) (3 – 4 ت)] ÷ [(3 + 4 ت) (3 – 4 ت)]
= (6 – 8 ت – 3 ت – 4 ت^2) ÷ (9 + 12 ت – 12 ت – 16 ت^2)
= (6 – 5 ت – 4 ت^2) ÷ (9 – 16 ت^2)
= (6 + 5 ت + 4) ÷ (9 + 16)
= (10 – 5 ت) ÷ 25
= (2 – ت) ÷ 5
فمن التعريف 1-? × 1-?=-1
وبضرب كلا الطرفين في (1? 1?) ا إذن ينتج
1? × 1-? × 1-? × 1? = -1 × 1
إذن (1? × 1-?)^2 = -1
إذن 1-? = 1? × 1-?
ونستطيع بعد هذا-وفقا لما وصلنا إليه من تحديدات حتي الآن لمعني العدد والإضافات وخواص الإضافات – أن نعرف هذه الأنواع من الامتداد للعدد تعريفات دقيقة وفقا لفكرة الإضافة وخواص الإضافة خصوصا فكرة التضايف المشترك،ولنبدأ بالأعداد السالبة والموجبة فنقول: إننا لو فرضنا عددين أحدهما موجب والأخر السالب وليكن الواحد +1 والآخر -1 فمن الواضح أولا أن مجال أحدهما معكوس مجال الآخر، ومن الواضح ثانيا أن العدد =1 هو الإضافة الموجودة بين ع +1،ع، مع افتراضنا أن ع أي عدد،وأن العدد -1 هو الإضافة الموجودة بين ع، ع +1، وبتعميمنا لهذه القاعدة فإننا نستطيع أن نقول أننا لو أخذنا + م فإنه يعرف بأنه الإضافة القائمة بين

ص 74
ع + م، ع وأن – م هي الإضافة القائمة بين ع، ع – م والمشاهد في هذه الإضافة أنها متصفة بصفة التضايف المشترك علي أساس الواحد والواحد، لأنها نسبة ثابتة قائمة دائما بين ع + م، ع أو في حالة السلب بين ع، وع + م. وفي هذا كله يشاهد أن + م أو – م تدل علي إضافة ولا تدل علي عدد مفرد قائم بذاته، ومن هنا الاختلاف بين + م، م أو +1،1 إلي آخره فالواقع أن ثمة فارقآ كبيرا بين + م و م وهذا ظاهر من كون الأول إضافة والثاني ليس بإضافة
20- ولنبحث بعد هذا في الأعداد الكسرية وهي تكون طائفة أكبر من الناحية المنطقية من طائفة الأعداد السالبة والموجبة وقد بحثها خصوصا من ناحية المقياس هو يتهد في كتاب "Principia Matheimatica" رسل يحاول أن يعرفها من ناحية ما هي عليه لا من ناحية وظيفتها الأصلية في المقياس لأن الأصل في استخدام الكسور هو استخدامها في المقياس، ولتعريفها – ولنفرض الكسر - نقول إن الكسر هو الإضافة الموجودة بين س و ص بحيث تكون م ص = ن س ولو نظرنا في هذه الإضافة وجدنا أنها إضافة ثابتة متضايقة مشتركة من نوع الواحد والواحد ؛ هذا بشرط ألا تكون س أو ص العدد صفر، وفيما عدا هذا كما سيتبين بعد قليل نجد دائما أن الكسرم/ن هو الإضافة الموجودة بين س، ص بحيث تكون م ص =ن س ولو نظرنا في هذه كما سيتبين بعد قليل نجد دائما أن الكسرم ÷ ن هو الإضافة الموجودة بين س، ص بحيث تكون م ص = ن س فإذا نظرنا بعد هذا في الكسور التي يكون المقام فيها العدد 1 فإننا سنجد أن الكسر وليكن م/1 هو الإضافة الموجودة بين س وص بحييث تكون م ص = ن س أو العكس س=م ص ومن الواضح أن هذه الإضافة متضايفة مشتركة وأنها من نوع الواحد والواحد لأن القيم هنا متعينة أو معلومة، بينما العدد م فقط

ص 75
لا يعبر عن أية إضافة بل هو عدد مفرد، فليس بصحيح إذن أن الكسور التي تكون مقامتها الوحدة هي بعينها البسوط.
أما إذا كان الكسر بسطه صفر علي صورة 0/م فإنه يعبر عن إضافة وهذه الإضافة قيمتها صفر، ولكن هذا الصفر ليس هو الصفر الجد العلي للأعداد إنما يعبر عن نسبة لو أخرجنا مقدارها لأنتجت صفري، وهذه الإضافة في هذه الحالة إضافة ثابتة متضايفة مشتركة ولكنها من نوع الواحد والكثير one-many أما إذا جعلنا الصفر هو المقام علي الصورة م/ صفر فإن لدينا هنا نسبة لا يمكن أن يعبر عنها بأي عدد متناه ولذلك تسمي باللانهاية ويرمز إليها هكذا ? وهنا يلاحظ أن اللامنتاهي هنا هو اللامنتاهي المستخدم عادة في القيم الرياضية وقيمته ضئيلة جدا حتي أن من الممكن استبعاده بخلاف اللامنتاهي الكنتوري فهذا علي أخطر درجة من الأمية في الرياضيات ولولا ضيق المقام لتحدثنا عنه ومن المشاهد جليا أن الكسر في هذه لحالة يعبر عن إضافة ثابتة مشتركة من نوع الكثير والواحد ولو نظرنا بعد هذا في قيمة الكسور من حيث الكبر والصغر فإننا سنجد أننا هنا أيضا بإزاء إضافات ولكنها إضافات لا يمكن أن نجد بينها تتاليا مباشرا، فإذا أخذنا مثلا م/ن، ن/ت بحيث يكون الكسر م/ن أقل من الكسر ن/ت فإننا سنجد دائما أنه لابد من وجود كسور متوسطة بين أي كسرين أذتهما مهما كان من قرب تساويهما بحيث لا يمكن الفراغ من النسبة القائمة بينهما والدليل علي ذلك أن (م + ن) ÷ (ن + ت) هو أكبر من م/ن وأقل من ق / ت وهذا ما يسمي باسم اللامنتاهي وفقآ لما هو معروف في اللامنتاهي العادي غير الكنتوري باسم بديهية اللامنتاهي وتسمي السلسلة التي من هذا النوع باسم السلسة المكتظة compact أي التي يوجد بينها دائما وإلي ما لا نهاية

ص 76
كسور أيآ ما كانت هذه الكسور ومهما اقترب التساوي بين كسر وكسر آخر
21- وهنا نصل إلي القسم الثالث الذي هو أظرف هذه الأنواع وهو الأعداد الصماء وقد اكتشفت أولا عن طريق الهندسة حينما بحث فيثاغورس في قطر المربع لكي يقيسه فوجد أن هذا القطر يتحدى في قياسه أحيانا كل الحساب وذلك حينما يكون الضلع مساويآ للوحدة فإن القطر في هذا الحالة سيساوي 2? ولا نستطيع أن نستخرج كسرا أيا كان يعبر عن 2? ومن هنا سمي بالعدد الأصم وقد برهن علي استحالة وجود هذا الكسر إقليدس في المقالة الثالثة عشرة من كتاب أصول الهندسة، القضية رقم 117 والبرهان واضح بسيط ولذا يجب أن نعرضه.
البرهان: لنفرض أن جذر العدد 2 هو م/ن، فإننا سنجد أن 2= م^2/ ق^2
إذن م^2=2 ق^2
? م^2 عدد زوجي
? م عدد زوجي لأن مربع أي عدد فردي يجب أن يكون فرديا كذلك
? م^2 تقبل القسمة على 4 لأننا لو فرضنا أن ص نصف م
فإن م ستساوي 2 ص، إذن م^2 = 4 ص^2، إذ 2ق^2 = 4ص^2
إذن ق^2 = 2ص^2 إذن 2= ق^2/ص^2
? 2? = ق/ص فكأن ق/ص ستكون إذن الجذر التربيعي للعدد 2
وبالمثل نستطيع بالاستمرار في البرهان أن نفرض أن ق = 2 ك إذن ق^2 =4 ك^2
إذن 2 ص2^= 4 ك^2
إذا ص^2=2ك^2 إذا 2? = ص/ك

ص 77
وفي كل هذه الأحوال نجد دائما أننا مهما قسمنا البسط أو المقام علي 2 فإننا سنستمر خلال سلسلة لا تنتهي من الأعداد التي تنقسم علي 2 ولكن هذا مستحيل لأن أي عدد زوجي يقسم علي 2، لابد بعد عدد متناه من العمليات أن يفضي إلي عدد فردي إذن لا وجود لمثل هذا الكسر، إذن لا يمكن أن يوجد مقدار مشترك هو م/ق، إذن لا يوجد جذر للعدد 2.
ويقدم إقليدس برهانا آخر أبسط من هذا بأن يقول: لنفرض أن الكميتين المشتركتين هما أ وب:أ الضلع، ب القطر فلنرد هاتين الكميتين إلي أدني قيمهما،وذلك بالإتيان بالقاسم المشترك الأعظم وقسمته علي كل من العددين فصل حينئذ إلي عددين أحدهما أولي بالنسبة إلي الآخر، أي إذا كان أحدهما فردا فالآخر زوج والعكس بالعكس.
البرهان: (تبعا لنظرية 29) ب^2 =2 ا^2
ب^2 = عدد زوجي
ب = عدد زوجي
ولكن لابد أن تكون ا في هذه الحالة ما دامت ب عددآ زوجيآ – عددآ فرديآ ولما كانت ب عددآ زوجيآ فيمكن أن يرمز إليها بالرمز 2 ع وعلى هذا فإن:
(2 ع)^2 =2 ا^2 إذا ا^2 = (2ع)^2/2 =2ع2
إذا ا^2=2 ع^2 إذا ا^2 عدد زوجي إذن عدد زوجي
ولكننا قلنا من قبل إنه عدد فردي وهذا خلف، إذن الفرض الأصلي غير صحيح وهو أن تكون ا، ب مشتركتين، إذن هما غير مشتركتين

ص 78
وقد ظهر هذا البرهان وهذه النتيجة وكأنهما تحسد من الطبيعة للرياضيات بإثباتها أنه ليس من الممكن رد كل شيء إلي تعبير بلغة أو بدلالة الواحد، وكانت المسألة قد نشأت في البدء عن اعتبارات هندسية من حيث إيجاد قطر المربع الذي يكون ضلع المربع فيه يساوي الوحدة، ولكنها امتدت في العصور الحديثة إلي الجبر فأصبحت جزءا من التحليل فلكي يمكن استخراج 2? علينا أن نفترض في هذه الحالة أن ثمة مجموعة من النسب يكون مربعها أقل من 2 وإذا أخذنا أي مقدار ليكون الفارق بين العدد 2 وآخر مربع كسر نصل إليه مما يكون لا يزال أقل 2 وليكن هذا المقدار مثلا واحد علي ترليون فانه لابد أن يستمر هذا الفارق موجودا باستمرار كما أننا إذا أتينا بكسور بطريقة تنازلية لكي نصل إلي جذر العدد 2 فان الحد الأدنى لمربع هذه الجذور سيكون دائما أكبر من العدد 2، وهكذا لو أننا أحطنا جذر العدد 2 بحبل يدور حواليه فإننا لن نصل إطلاقا إلي تحديد هذا المقدار وهو2?.
ومن هنا نستطيع أن نمثل هذه الحالة بوجود سلسلتين: إحداهما تصاعدية مهما علونا فيها فلن يزيد مربع آخر كسورها عن العدد 2 كما أن ثمة سلسلة أخري تنازلية لن يقل الأدنى من كسورها عن العدد ومن هنا قسم Dedekind الأحوال الممكنة في هذه النقطة أي نقطة جذر 2 أو ما يشابهها بأن سمي هذه النقطة باسم الشق، وسمي فيما بعد باسم الشق الديديكندي ويمكن أن تكون له أحوال أربع:
1-أن يكون للكمية العليا حد أدنى، وأن يكون للكمية الدنيا حد أعلي ؛ وهذا لا يتيسر إلا بالنسبة للأعداد المترتبة أي الأعداد الطبيعية في ترتيبها الطبيعي: فمثلا بالنسبة إلي العدد 5 في ترتيب الأعداد الطبيعية ستكون هي بعينها الحد الأدنى للسلسلة العليا، وستكون هي الحد الأعلى بالنسبة إلي السلسلة الدنيا.

ص 79
2-أن لا يكون للعليا حد أدني، ويكون للدنيا حد أعلي
3-أن يكون للعليا حد أدني، ولا يكون للدنيا حد أعلي
4-أن لا يكون للدنيا حد أعلي، ولا للعليا حد أدني، وهذه الحالة الأخيرة هي الخاصة بالأعداد الصماء ويمكن أن نسمي السلسلة الدنيا باسم القطاع segment فاذا كان له حد كان ذلك عددا حقيقيا، وإن لم يكن له حد كان ذلك عددا أصم ومن هنا نستطيع أن نعرف الأعداد الحقيقية والأعداد الحقيقية الصماء والأعداد الحقيقية الجذرية كما يلي:
العدد الحقيق هو المكون من قطاع لسلسلة من الكسور تترتب وفقآ للمقدار.
والعدد الحقيقي الأصم هو القطاع الذي لا يكون له حد.
والعدد الحقيق الجذري هو المكون من القطاع الذي يكون له حد.
وهنا نصل أخيرا إلي الأعداد التخيلية فنجد أن الأصل في إيجادها هو حل المعادلات فنحن نريد أن يكون في وسعنا أن نستخرج جذرين المعادلات التي من الدرجة الثانية، وثلاثة جذور للمعادلات التي من الدرجة الثالثة وهكذا..
ولكنا إذا اقتصرنا علي الأعداد الحقيقة لم نستطع فمثلا المعادلة ص2+1= صفر، لا نجد لها أي جذر هو عدد حقيق ص2+1=صفر
ص^2= صفر-1 إذا ص^2=-1
إذا ص=1-? و1-? عدد تخيلي وليس عددا حقيقيا وكذلك إذا أخذنا المعادلة الآتية من الدرجة الثالثة ص^3 = صفر فإن هذه ليس لها غير جذر واحد.

ص 80
ص^3 = صفر +1 إذا ص^3=1 إذا ص=1
فاستخراج الجذرين الباقيين لن يتم إلا باستخراج الأعداد التخيلية
ونستطيع أن نعرف وفقآ لما قلناه العدد التخيلي بأنه هو زوج مرتب من الأعداد الحقيقة فيتصف إذن بالخواص التالية: أنه مكون من عددين حقيقيين وثانيا: أن أحد العددين لابد أن يسبق الآخر بالضرورة لأن الزوج مرتب وأنه لكي يكون أي عددين تخيليين متساويين فيجب أن يكون العدد الحقيقي في القسم الثاني هو بعينه العدد الحقيق في القسم الثاني من الكمية الأخرى ويمكن تمثيل الأعداد التخيلية بواسطة الهندسة، كما بين هذا كلفورد في كتابه common sense of the exact sciences
22-وبهذا كله نكون قد بينا النظرية الجديدة لفلسفة الرياضيات وطريقة البرهنة فيها ويلاحظ عليها ما يلي: أولا أن الرياضيات تقوم كلها علي أساس طائفة قليلة من الأفكار الأولية والمبادئ البسيطة التي تفرض افتراضا بوصفها تعريفات ثانيا أن الرياضيات في تكوينها لا تخضع لأي شيء آخر غير العمليات المنطقية وليست الرياضة في الواقع غير نماء لمنطق سابق. ثالثا أن الاستدلال يتم في هذه الحالة وفقآ لما في التعريف ولا يخرج عنه إطلاقا وبعبارة أخري أن ها هنا تحصيل حاصل مستمرا وليس ثمة أية جدة والأمر متوقف علي المفترضات وهي توضع دائما في صيغة الشرط: إذا كان كذا كان كذا، ومادامت الرياضيات تقوم في مقدماتها علي قضايا شرطية فالرياضيات كلها شرطية تخيلية مجردة لا صلة لها بالحقيقة الواقعية يمكن أ، تنطبق أو لا تنطبق في العالم الخارجي وستكون كالمنطق سواء بسواء وليس ثمة من فارق بين المنطق والرياضة اللهم إلا في أن الرياضة تطور للمنطق

ص 81
فالمنطق هو الرياضة في دور الطفولة، والرياضة هي المنطق في دور الرجولة - على حد تعبير رسل.
وبهذا تكون النظرية الجديدة قد قضت على كل هذه التخرصات التي قال بها الفلاسفة والرياضيون أن البرهان الرياضي يقوم على الجِدّة وأن فيه تركيباً باستمرار وانتقالا من بسيط إلى مركب وأنه يقوم على أساس ما يسميه كَنْت باسم القضايا التركيبية القبلية: فلا وجود للقبلية هنا إلا إذا اعتبرناها افتراضاً ذهنياً كما أنه لا وجود للتركيب لأن المسألة مسألة استدلال يجري في نطاق ما هو وارد في المبادئ أو المفترضات أو المصادرات ولا يخرج عنه. وهو إذن تحصيل حاصل مطلق ولا معنى بعد لأن نضيف إلى الرياضة والاستدلال الرياضي هذا السر الموهوم للتركيب فيما زعمه هؤلاء الفلاسفة والرياضيون.
ورسل في هذا يقول إنه يعود إلى ليبنتس ولكنه في الواقع يخرج عن هذه التقاليد الرياضية أو الفلسفية وينتهي بالرياضة إلى جعلها جزءاً من المنطق وإلى جعل المنطق جزءاً من الرياضة. فقد رأينا خلال هذا البحث أننا قد استطعنا أن نحدد كل الأعداد وفقاً للأفكار الأولية التي عرفناها مع ذلك على أساس منطقي بالنظر إلى الخواص المنطقية للإضافات، فكأن الأساس في كل النظام الرياضي هو الخواص الصورية للإضافات، وعلى ذلك تنحل الرياضة في النهاية إلى أن تكون نوعاً من المنطق أو نحواً منه.

ص 82
المنهج الاستدلالي
1-معنى الاستدلال:
الاستدلال هو البرهان الذي يبدأ من قضايا يلم بها، ويسير إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة، دون التجاء إلى التجربة، وهذا السير
إما بواسطة القول أو بواسطة الحساب. فالرياضي الذي يجري عمليات حسابية دون إجراء تجارب، يقوم بعملية استدلال. ولا يقتصر استعماله على الرياضيات، بل نجده في كل فرع من فروع العلم، كما نعثر به في الحياة العملية. فالقاضي الذي يستدل اعتماداً على ما لديه من وثائق، والمضارب الذي يستدل وفقاً للمعروض والمطلوب من الأوراق المالية يقوم كلاهما بنفس العملية التي يقوم بها الرياضي وهو يحسب أو يستنتج نظريات هندسية.
وخليق بنا أن نفرّق بين الاستدلال كعملية منطقية، والاستدلال كسلوك منهجي لتحصيل الحقيقة. فالاستدلال كعملية منطقية أولية هو كل برهان دقيق، مثل القياس أو الحساب الخ. أما الاستدلال كمنهج فهو السلوك العام المستخدم في العلوم، والرياضة منها خصوصاً، وهو عبارة عن التسلسل المنطقي المنتقل من مبادئ أو قضايا أولية إلى قضايا أخرى تستخلص منها بالضرورة، دون التجاء إلى التجربة. وذلك في مقابل المنهج الاستقرائي أو التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة.
والطابع المميز الرئيسي في كل استدلال هو الدقة (124). وعدم الدقة يحدث في الأحوال التالية.

ص 83
1-حينما يُدخل المرء في البرهان قضية، وإن كانت تظهر له ****، فإنها ليست نتيجة برهنة سابقة، من غير أن يشير إلى ذلك صراحة،
2-أو حينما يدخل موضوعاً لم يثبت من قبل وجوده،
3-أو حينما يغفل تحديد لفظ مستخدم في البرهنة أو في النتيجة.
فلكي تتوافر للاستدلال صفة الدقة لا بد إذن من أن تحتاط فلا تدخل في البرهان قضايا أو تصورات لا يمكن تبريرها إلا بواسطة التجربة. حقاً إن للمرء الحق في أن يأتي بقضايا جديدة، في داخل البرهنة، ولكن بشرط أن يشير إلى ذلك صراحة، كما له أن يدخل أفكاراً جديدة، ولكن على أن يحددها بالدقة ويبين المعنى الذي يريد أن يفهمها به.
كما يجب أن نفرق من ناحية أخرى بين الاستدلال والبرهنة. فالاستدلال عملية منطقية فيها ننتقل من قضايا منظوراً إليها في ذاتها (بصرف النظر عن صدقها أو كذبها) إلى قضايا أخرى ناتجة عنها بالضرورة ووفقاً لقواعد منطقية خالصة، أما البرهنةdemostration
فأخص من الاستدلال، إذ هي استدلال يراعى فيه التسليم بصدق المقدمات، وبالتالي يرمي إلى إثبات صحة النتيجة.
فالاستلال إذن لا يحدثنا عن صدق النتائج وإنما عن صدورها ضرورة عن مقدمات معلومة، أما البرهنة فتخبرنا بصدق ما نصل إليه من نتائج لأنها تقوم على التسليم بصدق المقدمات.
2-النظام الاستدلالي:
ونحن لو نظرنا في أي استدلال، لوجدناه يبدأ من قضايا ويسير منها إلى
أخرى تنتج عنها ضرورة. وقد تكون القضايا الأولى مستنتجة من قضايا سابقة

ص 84
عليها في داخل هذا العلم الواحد الذي تنتسب إليه تلك القضايا، ولكن هذا الاستنتاج لا يستمر في داخل ذلك العلم الواحد المعين على الأقل،إلى غير نهاية. بل لابد من التوقف عند قضايا لا يبرهن عليها، أو غير قابلة للبرهنة عليها في هذا العلم. ولهذا تسمى بالقضايا الأولية. ومثلها التصورات الأولية التي لا تقبل أن تعرف، على الأقل في هذا العلم. ومن هذه القضايا الأولية والتصورات الأولية التي تسمى المبادئ، يستنتج الإنسان باستمرار قضايا أو تصورات أخرى استنتاجاً ضرورياً، وفقاً لقواعد المنطق وحده، وهذه القضايا المستنتجة تسمى النظريات
theoremes
فكأن الاستدلال يكون إذن نظاماً systeme
من المبادئ والنظريات، هو مايعرف باسم النظام الاستدلالي.
فالنظام الاستدلالي أو النظرية الاستدلالية كما يقول لوى روجييه (25) ((تقوم على أساس الابتداء من عدد ضئيل من الموضوعات غير القابلة للتحديد، والقضايا غير القابلة للبرهنة، من أجل تركيب موضوعات جديدة موجودة منطقياً، بواسطة العمليات المنطقية وحدها، ومن أجل استنتاج قضايا جديدة صادقة بالضرورة، وفقاً لقواعد الحساب المنطقي وحدها، على فرض أن الموضوعات
الأولية والقضايا الأولية ليست متناقضة".
((وتبعاً لهذا التعريف، تتكون كل نظرية استدلالية من عملية رد مزدوجة: رد التصورات بعضها إلى بعض بواسطة التعريف، ورد القضايا بعضها إلى بعض بواسطة البرهنة. وتعريف التصور معناه رده، بواسطة عمليات المنطق وحدها، إلى مزيج من تصورات أكثر بساطة، أما البرهنة على قضية، فمعناها ردها،

ص 85
بواسطة تضمنات بسيطة وإنابات ممكنة تسمح بها قواعد الحساب المنطقي، إلى مزيج صوري من قضايا أخرى، يسلم بصحتها أو برهن عليها من قبل. وعملية الرد المزدوج هذه لا يمكن أن تتابع إلى غير نهاية، بل لا مناص من الوقوف عند عدد ضئيل من التصورات غير القابلة للتحديد، يمكن أن نرد إليها كل التصورات الأخرى، بواسطة تعريفات لفظية، وعند عدد قليل من القضايا غير القابلة للبرهنة يمكن أن نرد إليها كل القضايا الأخرى، بواسطة البرهنات".
3-والنظام الاستدلالي ليس نظاماً مطلقاً، أي ضروري اليقين، بل إنه يتصف بثلاث صفات حددها روجييه بوضوح (ص65 ومايليها) هي: أنه اصطلاحي، وأنه غير معين، وأنه، مع ذلك، غير اعتباطي:
(أ) فهو أولاً اصحلاحي بمعنى أن كلمة (غير قابل للحد)، ((وغير قابل للبرهنة))، في إطلاقهما على التصورات والقضايا الأولية، يجب أن لا يفهما بمعنى مطلق، أعني بمعنى أنه ليس من الممكن إطلاقاً تعريف هذه التصورات ولا البرهنة على تلك القضايا. وإنما تتصف التصورات الأولية والقضايا الأولية بهاتين الصفتين بالنسبة إلى نظام من التعريفات والبرهنات معين، حتى إنه من الممكن أن يبرهن على هذه القضايا وأن تعرّف تلك التصورات بالنسبة إلى نظام آخر. فإذا أخذنا مثلاً هندسة إقليدس، فإننا نجد من الممكن استخدام أنواع لا حصر لها من نظم التصورات والقضايا الأولية، وكلها متساوية القيمة. فبيانو Peano
يتخذ كتصورات أولية لهذه الهندسة النقطة والقطعة، وبييري Pieri يتخذ النقطة
والحركة، وفبلن Veblen، النقطة والترتيب، وبادوا Padua النقطة،
والبعد بين نقطتين، وهلبرت Hilbert النقطة
والمستقيم والمستوى وواقع على، وواقع بين، وموازٍ ل. ووفقاً لاختلاف هذه التصورات الأولية، تختلف القضايا الأولية في كل حالة.

ص 86
فكل نظام من هذه الأنظمة مساو في القيمة للآخر، بمعنى أن من الممكن أن يستنتج منه نفس المجموع من القضايا، والأمر يتوقف إذن على النتائج التي يصل إليها المرء ابتداء من التصورات والقضايا الأولية التي فرضها. ولا معنى بعد للتحدث عن عدم القابلية المطلقة للبرهنة على أية قضية أولية أو للتعريف لأي تصور أوَّلي، بل تتوقف هاتان الصفتان على نظام الإشارة، كما هي الحال تماماً في التحدث عن السكون والحركة بالنسبة إلى جسم ما، فإن هذا لا معنى له
إلا بالنسبة إلى نظام من الإحداثيات يشار إليه. وعلى هذا فلا معنى مطلقاً للتساؤل عن إمكان البرهنة على مصادرة إقليدس مثلا، إلا إذا كان ذلك بالنسبة إلى بقية المصادرات الإقليدية. وهذا يفسر عبث المناقشات التي قام بها أهل الهندسة ابتداء من أبرقلس حول إمكان البرهنة على تلك المصادرة. وإنما هذه المصادرة لو أخذت على أنها غير قابلة للبرهنة، لأدت بنا إلى القول بأن زوايا المثلث مجموعها يساوي قائمتين وأن ثمة مثلثات أو أشكالاً متطابقة. ونحن نستطيع من جهة أخرى، إذا ابتدأنا من هاتين القضيتين، أن نبرهن على مصادرة إقليدس.
(ب) والصفة الثانية أن اختيار النظام الاستدلالي غير معين، بمعنى أننا لا نضيف إلى الأفكار الأولية أي معنى خاص، عياني، كياني، بل يجب أن نمد هذه الأفكار رموزاً غير محددة تجري عليها العمليات التي يسمح بها الحساب المنطقي، دون نظر إلى ما تمثله مادياً. ولهذا فائدة كبرى في أن مثل هذه الطريقة تسمح باستبعاد كل إهابة بالعيان في سلسة الاستدلالات، تلك الإهابة التي تفضي إلى أن ندخل سراً مصادرة جديدة مما من شأنه أن ينقص من الدقة، وأن يحيل الضرورة الاستدلالية إلى بينة واقعية.
ولعدم التعين هذا فائدة في التعميم. إذ سيكون للنظام الاستدلالي طابع شكلي أو صوري خالص، فيمكن أن ينطبق على أية مادة أياً كانت، مما يسمح

ص 87
بتفسيره تفسيرات عدة. فبونكاريه Poincare قد استطاع أن يقدم ثلاثة تفسيرات إقليدية لهندسة لوبتشفسكي، منظوراً إليها من الناحية الصورية الخالصة. وهذا ما جعله يقول: ((إن الرياضيين لا يدرسون موضوعات، بل إضافات ونسباً من الموضوعات، فلا يعنيهم إذاً أن يستبدلوا بهذه الموضوعات غيرها، بشرط أن لا تتغير الإضافات. فالمادة لا تعنيهم، إنما الصورة وحدها هي التي تهمهم" (26).
(جـ) ولكن، على الرغم من أن اختيار نظام استدلالي اصطلاحي وغير معين، فإنه ليس اعتباطياً، يجري كما يهوى المرء، بل يجب أن يلتزم حدود شرطين ضروريين، هما: الكفاية والإحكام.
فالنظام الاستدلالي يكون كافياً، إذا هيأ لنا، لو بدأنا من التصورات والقضايا التي اخترناهما أولية، أن نحد كل التصورات الأخرى، ونبرهن على كل القضايا الأخرى في العلم المعين. ويكون محكماً إذا كانت القضايا الأولية متوافقة أي لا تؤدي إلى تناقض فيما بعد.
ولكي نتحقق من وجود الإحكام، لدينا منهجان: الواحد عياني، والآخر منطقي. فالمنهج الأول يقوم على المبدأ الذي يقول: ((كل ما هو واقعي ممكن"، والواقعي هو ما يوجد في التجربة أو يمكن أن يصور عيانياً. فنستطيع مثلا أن نبرهن على إحكام بديهيات إقليدس بأن نبين أنها تصير قضايا صادقة حينما ننظر إلى النقط، وأصناف النقط وإضافاتها المكانية كأنها الموضوعات والإضافات المعينة التي تشير إليها.
والمنهج الثاني، أو المنطقي يقوم على أساس التسليم بإحكام الأفكار والقضايا

ص 88
الأولية لنظرية ما، ثم البحث في إعطاء الرموز غير المحددة لنظرية أخرى، تفسيراً قائماً على النظرية الأولى. فمثلاً إذا سلمنا بإحكام المصادرات في الهندسة العادية، نحاول بعد هذا أن نرد إلى هذه المصادرات قضايا الهندسات اللإإقليدية. وإحكام القضايا الإقليدية يمكن بدوره أن يثبت بواسطة مبادئ التحليل، بأن نترجم القضايا الهندسية إلى معادلات وذلك باستخدام الإحداثيات، مما يفضي بنا إلى إضافات تحليلية يتوقف تناقضها على عدم تناقض مبادئ الحساب
وذاك تبعاً لاحتساب الرياضيات. ومبادئ الحساب يمكن بدورها أن تفسر بواسطة المنطق الرياضي، كما بين ذلك رسل وهويتهد. وكأن إحكام العلوم الرياضية قد رد إلى إحكام المنطق الرياضي
تلك هي الخصائص الثلاث الرئيسية التي يجب أن تتوافر في كل نظام استدلالي، وقد يضاف إليها صفات أخرى ثانوية، أهمها استقلال الأفكار والقضايا الأولية، واقتصادها إلى أكبر درجة، وكونها خصبة.
فالقضايا الأولية تكون مستقلة، إذا لم تكن إحداها تتحدد بواسطة الأخرى، ابتداء من المصادرات التي تحدد إضافاتها، وتكون موجزة حينما تختصر عددها إلى اقل عدد ممكن، وتكون خصبة إذا تضمنت كثيراً من النظريات.
4-تكوين النظم الاستدلالية:
وقد رأينا من قبل في عرضنا لتكوين الرياضيات أن العلوم الرياضية قد تكونت بانضمام أفكار بعضها إلى بعض سائرين من تجريد إلى تجريد أعلى حتى نصل إلى درجة نستطيع فيها أن نكونِّ بناء محكماً من الأفكار والقضايا الأولية والنظريات، كما هو الحال مثلاً في هندسة إقليدس وجبرفييت. فكل

ص 89
نظام استدلالي لا يتكون إذا دفعة واحدة، كما أنه لا يكون دقيقاً كل الدقة، إذ لا يزال يبقى به كثير من القضايا الدخيلة والتصورات المتطفلة التي لا تنتسب إلى القضايا والتصورات الأولية التي بدأ منها العلم، بل تقوم على عيانات وامتثالات مما يفقد هذا النظام الاستدلالي الكثير من دقته
فكثير من البرهنات الموجودة في إقليدس كان يحتوي على مصادرات وقضايا غير تلك التي صاغها صراحة في مقدمة نظامه الاستدلالي، واستمرت هذه البرهنات تعد صادقة دقيقة، لمدة طويلة. لأن النقص الذي اعتورها لم يكن قد اكتشفه الرياضيون بعد. ولكن بفضل تقدم الرياضة في سبيل الدقة ونمو المنطق بدرجة كبيرة، أزيل منها ما فيها من قضايا دخيلة حتى صارت أكثر دقة. ولازالت الدقة تعوز حتى اليوم كثيراً من البرهنات المستخدمة في بعض فروع الرياضيات.
5-التحليل التقليدي للمبادئ:
ومجموع القضايا والتصورات الأولية يسمى المبادئ، لأن المبادئ هي القضايا غير المستنتجة من غيرها في نظام استدلالي معين والتي تعد في داخله غير قابلة للبرهنة ولا محلا للمناقشة
والأقدمون قد قسموا المبادئ المستخدمة في أي نظام استدلالي إلى بديهيات ومصادرات وتعريفات. فعلينا الآن أن نبحث في كل منها بالتفصيل
(أ)البديهيات
6-أما البديهية فقضية بينة بنفسها، وليس من الممكن أن يبرهن عليها وتعد صادقة بلا برهان عند كل من يفهم معناها. ولها خواص ثلاث: البينة النفسانية، أي وضوحها المباشر للنفس بلا واسطة ولا برهان منطقي، والأوَّلية

ص 90
المنطقية، أعني كونها مبدأ أولياً غير مستخلص من غيره، وثالثاً أنها قاعدة صورية عامة في مقابل المبادئ الخاصة المتعلقة بحالة معينة من أحوال العلم الخاصة أو بتعريف معين. وتسمى البديهية أحياناً باسم القضايا المشتركة، وذلك بمعنيين: الأول أنها مسلمة من كل العقول على السواء، الثاني أنها تنطبق على أكثر من علم واحد.
والبديهيات كما توجد في الرياضيات، توجد كذلك في العلوم الروحية.فمثلا تلك البديهية المستخدمة كقاعدة في القانون الروماني: من يملك الأكثر يملك الأقل، وهي بديهية يمكن أن تستخدم في علوم أخرى، كالميكانيكا.
والبديهيات بعضها مجرد تعريفات أو نتائج مباشرة لتعريفات. فنحن لا نستطيع مثلا أن نعرف الكل والجزء دون أن نضمن في التعريف أن الكل أكبر من الجزء. ومن هنا كانت في أحيان كثيرة هزيلة المعنى. وهي في الواقع غالباً ما تكون مجرد تعبير أو تطبيق على الكميات لمبدأ الذاتية، ولذا كانت صورية مثله، ولا تفيد إلا كمبادئ موجهة، قليلة الخصب.
(ب)المصادرات
وأهم منها وإن كانت أقل يقينية، المصادرات. وبين البديهيات والمصادرات عدة فروق: فالبديهيات بينة بنفسها، أما المصادرات فليست كذلك، ولكن يصادر على صحتها
وتسلم تسليما، مع عدم بيانها بوضوح للعقل، نظراً لفائدتها ولأنها لا تؤدى أو طالما كانت لا تؤدي إلى تناقض. والبديهيات لهذا قضايا تحليلية، أما المصادرات فقضايا تركيبية. والبديهيات تعبر عن خواص مشتركة بين كل أنواع المقادير، ومن هنا سميت قضايا مشتركة كما ذكرنا، أما المصادرات فلا تنطبق إلا على نوع معين من المقادير:

ص 91
فالمصادرة قضية ليست بينة بنفسها، كما لا يمكن أن يبرهَن عليها، ولكن يصادر عليها، أي يطالب بالتسليم بها، لأن من الممكن أن نستنتج منها نتائج لا حصر لها، دون الوقوع في إحالة. فصحتها إذن تستبين من نتاجها. فمثلاً المصادرة المعرفة باسم مصادرة إقليدس – وهي التي تقول: يمكن من نقطة أن يُجَرَّ مستقيم مواز لمستقيم آخر. ولا يمكن أن يُجَرَّ غير مستقيم واحد – قد أدت إلى إقامة هندسة إقليدس ولم تؤد إلى تناقض. وليس في الوسع أن يُبرهَن عليها في داخل هذه الهندسة، كما أن من الممكن الاستغناء عنها بأن نستبدل بها مصادرات أخرى كما فعلت الهندسات اللاقليدية. فكأن المصادرة تمتاز إذن من البديهية بأن من الممكن إنكارها دون الوقوع في الإحالة، بعكس البديهية.
غير أن النظريات الحديثة لا تميل إلي المغالاة في هذه التفرقة بين المصادرة والبديهية، بل تنزع على العكس من ذلك إلى التقريب بينهما، بأن تعدَّ كلتيهما "تعريفات مقنعة"؛ على حد تعبير بونكاريه (27). ولا فارق بين كلتيهما إلا في درجة التركيب: فالبديهية أكثر بساطة من المصادرة؛ ولذا تبدو أبين بينما المصادرة أقل بساطة وأكثر تعقيداً؛ مما يجعل وضوحها والتسليم بها لا يتحققان إلا بالنتائج التي يمكن أن تُستخلص منها. ونقول إنها تعريفات مقنعة؛ لأن المصادرة القائلة بتجانس المكان تساوي تعريفاً للمساواة الهندسية؛ ومبدأ القصور الذاتي يساوي تعريفاً للقوة إلخ.
وكما توجد المصادرات في الرياضيات؛ توجد كذلك في العلوم الروحية؛ ففي الاقتصاد نرى المصادرة القائلة بأن الإنسان يفعل وفقاً لما يرى فيه الأنفع؛ وفي الأخلاق المصادرة القائلة بأن كل إنسان يطلب السعادة.

ص 92
وبهذا التقسيم التقليدي أو التمييز التقليدي بين المصادرات والبديهيات يستبدل بعض المناطقة المحدثين تقسيماً آخر لمبادئ إلى "مبادئ مشتركة" توجد في المنطق؛ "ومبادئ خاصة" توجد في العلوم الخاصة. فروجييه يقسم المبادئ الخاصة بالعلوم المختلفة والمبادئ المشتركة الموجودة في المنطق إلى طوائف ثلاث:
1- فبعض المبادئ يصادر على وجود بعض الموضوعات (أفراداً كانوا أو أصنافاً)؛ وتسمى "مصادرات الوجود". فمصادرات الوجود مصادرات تقول بوجود أشياء ذات خواص معينة. فمثلاً؛ لا وجود للمماس في الحقيقة؛ ولكننا في الهندسة نصادر على وجوده ونُجرِي براهيننا على هذا الأساس؛ وبالمثل لا يوجد مستقيم بلا سمك؛ ولكننا نصادر على وجوده من أجل البحث في بعض الأشكال الهندسية ونفترض له خواص معينة لا نستطيع التحقق من وجودها في التجربة الخارجية. ففي كل هذه الأجوال نحن نصادر على وجود موضوعات نعرفها ونفترض وجودها؛ لأن مجرد التعريف لا يكفي لضمان الوجود.
وإذا كانت هذه المصادرات تعين أن عنصر أي صنف يوجد وحيداً؛ سميت المصادرات في هذه الحالة مصادرات التفرد: Postulats d'unicité
2- والبعض الآخر من المبادئ يقول إنه إذا وضعنا بعض الموضوعات على أنها موجودة، فموضوعات أخرى موجودة كذلك لها مع الأولى إضافات معلومة. ولنسمِّ هذه المبادي باسم المبادئ المركبة أو المكوِّنة، لأنها تسمح، إذا سلمنا ببعض الموضوعات، بتركيب موضوعات جديدة باستمرار، بواسطة الإنابة récurrencé، وبالتالى تسمح بالحصول باستمرار على أنظمة جديدة من الإضافات بين الموضوعات المسلم بها وتلك المركِّبة.

ص 93
3- وطائفة ثالثة تقول إنه إذا وجدت بعض الإضافات بين موضوعات ثبت وجودها، فإنه توجد إضافات أخرى غيرها. وهذه الإضافات إما أن تكون إضافات منطقية مثل الانتساب أو التضمن، أو إضافات خاصة بالعلم المعين موضوع البحث، مثل تلك الخاصة بالترتيب والوضع والتوازي في الهندسة. ولنسمِّ هذه القضايا باسم "بديهيات الإضافة" مستعملين كلمة "بديهية" بطريقة عامة، أي بمعنى مبدأ أو قضية أولية أياً كانت.
والمبادئ المكوِّنة وبديهيات الإضافة تكوِّن ما يسميه علماء المنطق الرياضي دوالَّ قضائية، لأنها كما قلنا تمتاز بأنها ليست معينة، ذات معنى عياني كياني، بل هي بالأحرى رموز عامة يمكن أن تفسر عدة تفسيرات. وهي لا يقال عنها إنها قضايا، لأنها لست صادقة أو كاذبة؛ إنما تكون كذلك حينما نعطي لرموزها المتغيرة صفات معيَّنة محددة، فتستحيل حينئذ من دوال قضائية إلى قضايا. وفي هذا أيضاً توكيد لفكرة التواضع والاصطلاحية في كل نظام استدلالي.
(ج) التعريفات
أما التعريفات، فتتعلق، كالمصادرات، بتصورات خاصة بكل علم؛ ففي الهندسة مثلاً تتعلق بالخط والمثلث والتطابق.. الخ. وقد رأينا من قبل في كتابنا "المنطق الصوري والرياضي" (28) معنى التعريف وأنواعه وشروطه فرأينا أنه يعبر عن ماهية المعرف وعنه وحده، وعنه كله، مما يعبر عنه بقولنا إنه يجب أن يكون جامعاً مانعاً؛ وأنه يتركب من شيئين: المعرَّف وهو الشيء المراد تعريفه، والمعرف وهو القول الذي يحد خواص الشيء المعرف.
وهذا أيضاً هو معنى التعريف الرياضي في نظر العقليين التقليديين.

ص 94
وهم يميزون بينه وبين التعريف التجريبي الموجود في العلوم الطبيعية. فالتعريف الرياضي قبلي، نهائي، ثابت، ضروري، كلي، لأنه من عمل العقل الثابت في جوهره. كما أنه أيضاً تكويني génétique، لأننا نأتي به بواسطة التوليد أو التكوين، فنحن نعرف المحيط مثلا بأنه "الخط المتكون بواسطة نقطة تتحرك على مسافة متساوية من نقطة ثابتة تسمى المركز"، والمثلث بأنه "الشكل الهندسي المتكون من ثلاثة مستقيمات متقاطعة مثنى مثنى في مستوى". ولهذا فإن التعريف الحقيقي هو ذلك المعبر عن النسبة المولِّدة أو القانون المكون للشيء المعرف، فالمثلث مثلا يمكن أن يعرف بعدة طرق، منها أن يعرف بالخاصة التي لبعض أجزائه مثل أن زواياه ثلاث ومجموعة يساوي قائمتين، ولكنه يجعلنا نضطر إلى أن نحدد أن عدد زواياه يساوي قائمتين، وأنه شكل مستو مكوَّن من خطوط مستقيمة، بينما التعريف الأول لا يحوجنا إلى شيء من هذا. ولذا فإنه لا يوجد للمعرَّف إلا تعريف واحد، هو ذلك الذي يعبر عن قانون تولد الشيء المعرَّف. ومن هذه الناحية نستنتج بقية الخواص دفعة واحدة. فهو إذن لا يتركب تدريجياً بإضافة عناصر مختلفة.
وعلى العكس من ذلك نجد التعريف التجريبي تتكون عناصره شيئاً فشيئاً في ميدان التجربة. فمثلا فكرة الإنسان أو الثديي لم تتكون دفعة واحدة، بل قليلا قليلا بإضافة صفات إلى صفات أخرى نكتشفها في التجربة كلما توغلنا في البحث: "ولن تقفل مطلقاً، بل تظل مفتوحة للعناصر الجديدة التي يمكن أن يكتشفها العلم في الإنسان أو الثديي" (29) (لوي ليار، المنطق، ص 80).
فمذهب العقليين إذن في التعريف الرياضي هو أن العقل يضع – بملكة خاصة فيه وبتركيب قبلي موجود به – التصورات الرياضية، وبالتالي تعريفاتها المكوِّنة لماهياتها. ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص كل خواص الشيء المعرَّف، وذلك بواسطة الاستدلال.

ص 95
وعلى عكس من ذلك نجد مذهب التجريبيين في التعريف. فعندهم أن التعريف ليس ثابتاً، واحداً، قد تكون دفعة واحدة، ويعبر عن ماهية الشيء المعرَّف، إنما التعريف قول متغير بتطور العلم، ويمكن أن يوجد للشيء الواحد تعريفات عدة كلها متساوية، وغالباً ما يتكون بطريقة تكوينية وفقاً لنماء المعرفة. أما الرياضيون المحدثون ممن عنوا ببيان الأسس المنطقية للرياضة فقد رأوا أن الأفكار الرياضية ما هي إلا تركيبات من وضع العقل، وأن التعريف مهمته وصف خواص هذه الأفكار وصفاً يسمح بتمييزها من غيرها، وباستنتاج خواص أخرى منها. ولما كانت كل فكرة ذات خواص عدة، فإن في وسعنا أن نختار منها ما نشاء لكي نكوِّن منه التعريف. ومعنى هذا أن التعريف افتراضي أولاً، من حيث أن الأفكار الرياضية نفسها تركيبات من وضع العقل وليس لها أساس من الواقع، وأنه اعتباري ثانياً، فنحن نختار من الصفات ما نشاء، وفقاً لوجهة نظرنا؛ وأنه "ثالثاً" ليس واحداً، لأن الخواص متعددة، وفي مقدورنا أن نختار منها واحدة أو الأخرى لكي نستخدمها في التعريف. ففي استطاعتنا مثلا أن نعرف الدائرة بأنها قطاع لاسطوانة أو لمخروط بواسطة مستوٍ عمودي على المحور؛ أو بأنها قطع ناقص اختلافه المركزي (30) excentricité يساوي صفراً؛

ص 96
وبأنها المحل الهندسى للنقط التي منها يرى مستقيم معلوم تحت زاوية معلومة الخ.
ولذا يقول بونكاريه عن التعريفات إنها "فروض" تختلف عن الفروض المستخدمة في المنهج التجريبي من حيث أن هذه الفروض الرياضية هي اصطلاحات ميسرة يضعها العقل لحاجاته العلمية، ولا صلة لها بالتجربة، بعكس الحال في الفروض المستخدمة في التجربة. فالفرض في الرياضة معناه ما يسلم به، أو ما يبدأ منه. كما ينعتها رسل أنها مواضعات تيبوغرافية typographical conveniencies، وإن كان مع ذلك يضيف إليها صفة أنها تعبر عن تقدم ظاهر، بما تشتمل عليه من تحليل للتصور.
وهذا التصور الجديد للتعريف قد قرب بين التعريفات الرياضية والتعريفات التجريبية من ناحيتين خصوصاً:
1- الأولى أننا في تعريفنا لفكرة رياضية نختار الخاصية الممتازة من بين الخواص العديدة لتلك الفكرة، كما نفعل تماماً في المنهج التجريبي، إذ نحن هنا نعني خصوصاً باستخراج "الحالة الممتازة" لكي نستخرج منها بعدُ القانون العلمي. وإن كان يحدونا في التعريف أحياناً السهولة والوضوح، فلا نلتزم شرط اختيار الخاصية الممتازة دائماً:
2- والثانية أن تاريخ الرياضة قد دلنا على أن التصورات الرياضية قد نشأت في البدء من التجربة وأنها تنحو نحو التجريد المتزايد باستمرار. ومن هنا كانت تعريفات هذه التصورات متأئرة بالضرورة بهذا الأصل التجريبي الذي نشأت عنه.

ص 97
والتعريف الرياضي نوعان: تعريف مباشر، وتعريف غير مباشر. أما التعريف المباشر فهو المعروف وفيه نعين خاصية أي تصور رياضي مباشرة، مثل تعريف المثلث بأنه شكل هندسي مكون من ثلاثة مستقيمات تتقاطع مثنى مثنى، أو المستقيم بأنه أقصر طريق بين نقطتين.
أما التعريف غير المباشر فيشمل عمليتين، وليس في الواقع تعريفاً بمعنى الكلمة، ولكنه يقوم مقام التعريف المباشر بما له من وظيفة في العلم.
(أ‌) والنوع الأول منه هو "التعريف بالتجريد" لدالة منطقية، ولتكن د(س) وهو عبارة عن بيان الشروط التي تتحق بها المساواة (المنطقية أو الرياضية) د (س) = د(ص) وفيها س، ص قيمتان تنتسبان إلى صنف معين، تعرف الدالة د بالنسبة إليه. فمثلا "تعرف بالتجريد" الكتلة أو الحرارة، الخ، بأن نبين شروط المساواة لهذه الكميات.
(ب‌) والثاني هو "التعريف بالمصادرات" وهو عبارة عن تعريف مجموع من التصورات بالإفصاح عن الإضافات الأساسية التي تحققها هذه الحدود، على هيئة بديهيات أو مصادرات؛ هذه الإضافات التي تكون الأسس الضرورية الكافية لنظرية هذا المجموع. فمثلا نستطيع أن نكون الهندسة كلها بواسطة عدد معين من البديهيات أو المصادرات المشتملة على التصورات الأولية الآتية:
النقطة والقطعة، أو النقطة والحركة. فهذه التصورات غير المحددة تعد محددة بواسطة مجموع المصادرات(31).
فالتعريف بالمصادرات: كما يقول كوتيرا في مقال نشر بمجلة التعليم الرياضي L'Enseignement mathé عن التعريفات الرياضية "ينطبق: لا على

ص 98
تصور واحد، ولكن على نظام من التصورات، ويتكون من سرد الإضافات الأساسية، التي تربط فيما بينها والتي تسمح بالبرهنة على سائر الخواص؛ وهذه الإضافات مصادرات. فإذا كان لدينا نظام من المصادرات، وإذا كان في وسعنا البرهنة على أن هذه المصادرات لا تتضمن تناقضاً، فسيكون لنا الحق في أن نعدها ممثلة لتعريف أحد التصورات الموجودة بها" (بونكاريه، "العلم والمنهج" ص 162، والإقتباس عنه ص 161).
والتعريفات بالمصادرات تعريفات ناقصة، لأنها لا تستطيع أن تعين بطريقة واحدة مجموعة من التصورات المفردة. ولذا قيل عنها إنها تعريفات للجنس définitions de genres.
والتعريف ليس قضية، فلا يصدق عليه أنه صادق أو كاذب. إنما هو نوع من الاصطلاح اللغوي. أو كما يقول رسل هو فعل إرادي من أفعال العقل، يمكن أن يبرر بأسباب متعلقة بتيسير العمل أو التواضع على شيء معين يتفاهم بواسطته، ولكنه لا يفرض نفسه على العقل ضرورةً.
6- الصلة بين هذه المبادئ
ومن الواضح من كل ما قلناه حتى الآن أن الصلة وثيقة بين الأنواع الثلاثة من المبادئ، إلى درجة أن في الوسع من دون تجاوز أن نسمح الواحد باسم الآخر. فقد رأينا أن البديهيات والمصادرات قد انحلت في النهاية إلى تعريفات مقنَّعة، كما يقول بونكاريه، مما يجعل التعارض بين هذه الأنواع الثلاثة ضئيلة للغاية، إذ تستحيل كلها في النهاية إلى "اصطلاحات تفاهمية تجدد استخدام الحدود الأولى لنظرية استدلالية" (روجيه، المصدر نفسه. ص 86). ونحن نجد فعلا أن المصادرة الخامسة من مصادرات إقليدس الست تسمى في بعض النسخ باسم

ص 99
البديهية، مما يدل أن على التفرقة، حتى عند الأقدمين، بين المصادرة والبديهية ليست حادة كما يتوهٌّم. كما قد رأينا من ناحية أخرى أن التعريفات قد تتم أحياناً بواسطة المصادرات، مما يقرٍّب كثيراً بين التعريف والمصادرة. وفضلا عن هذا، فإن ملْ يقول إن كل تعريف يتضمن بديهية، هي التي تؤكد بها وجود الشيء المعرَّف، وعلى هذا فسيكون التعريف بدوره بديهية مقنَّعة، بعد أن قلنا من قبل إن البديهية تعريف مقنع. وعلى الرغم مما يقتضية رأى مل هنا من تحفظات عني بإيرادها بونكاريه ("العلم والمنهج"، ص 162) تتعلق بفهم مل كلمة "وجود" هنا، إذ هو يفهمها بمعنى مادي تجريبي، فحين نعرف الدائرة، نحن نؤكد وجود أشياء مستديرة في الطبيعة، وهذا فهم لا يتفق مع طبيعة الرياضيات، إذ هذه لا تعني بالوجود الخارجي المادي بل لا تعني كلمة "الوجود" لديها غير شيء واحد، هو الخلو من التناقض – نقول إنه على الرغم من هذا كله، فإن في هذا الرأي تقريباً للتعريف من المصادرة والبديهية، بعد أن قَرَّبنا البديهية من التعريف. وهذا كله يدل على أن المبادئ متداخلة بعضها في بعض.
ونحن قد اعتدنا اليوم أن نضع المبادئ الخاصة بأي استدلال قبل البدء فيه. فنذكر البديهيات والمصادرات والتعريفات التي سنستعين بها في إجراء عملية الاستدلال أولا ثم نستخلص منها القضايا الناتجة عنها مباشرة مما يتصل بالمطلوب ثم ننتهي إلى إثبات المطلوب البرهنة عليه. وهذه الطريقة في وضع المبادئ لها مزايا عدة. إذ تفيد في إدراك النسب والعلاقات بين المبادئ وتطبيقاتها بسرعة كما أن هذا الوضع يفيد في التحقق من صحة النتيجة التي تأدينا إليها، وذلك بإمتحان المبادئ التي بدأنا منها، فإذا كانت هذه مصوغة على حدة وبوضوح في أول الاستدلال يسر لنا ذلك النظر في صحة المبادئ، وبالتالي في معرفة يقين النتيجة، اللهم إلا إذا كان الخلل يعتور الاستدلال كعملية. أما إذا كان الاستدلال

ص 100
كعملية مضمون الصحة، فما علينا إلا أن ننظر في المبادئ التي أقمناه على أساسها. وتظهر أهمية هذا خصوصاً إذا لا حظنا أن المبادئ في أي نظام استدلالي يجب أن تكون مستقلة بعضها عن بعض كما قلنا من قبل؛ فإذا ثبت لدينا عدم صحة أحد المبادئ، كما حدث مثلاً بالنسبة إلى مصادرة إقليدس، فإن عدم الصحة لا يمتد إلا إلى القضايا التي تقوم على هذا المبدأ وحده، بينما بقية القضايا القائمة على المبادئ الأخرى صحيحة ففي الهنسات اللاإقليدية، قد لوحظ أن إلغاءها لمصادرة إقليدس لم يستتبع إلغاء كل هندسة، بل فقط الجزء منها المتوقف على تلك المصادرة، بينما ظلت بقية القضايا، مما لا يقوم عليها، صحيحاً. وهذا أمر سهل التحقيق إذا كانت المبادئ مصوغة على حدة في أول النظرية الاستدلالية. ويجب أن يلاحظ كذلك أن الأقدمين لم يكونوا يعنون بإيراد كل المبادئ إما لظهورها أو لعدم الحاجة إليها في الظاهر أما اليوم فنحن نشعر بالحاجة إلى إيراد كل المبادئ التي تتعلق أو يمكن أن تتعلق باستدلال معين. وذلك لأن فكرة ظهور المبادئ لم تعد مقبولة، إذ النقد الذي قام حول المبادئ في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن قد زعزع أو ألغي صفة الظهور بالنسبة إلى كثير من المبادئ. فلم نكن نشعر مثلا بالحاجة إلى ذكر قضية كالتالية أ × صفر = أ أما اليوم فنحن في حاجة إلي ذكرها، لأن ظهورها ليس بيناً بدرجة كافية.
وقبل أن نتحدث عن نقد المبادئ في العصر الحديث والعصر الحاضر يحسن بنا أن نشير هنا إلى مسألة قد يجعلنا الوهم نغفل عنها، وهي أنه قد يبدو للوهم أن اليقين في النتائج أكبر منه في المبادئ. وهذا وهم؛ إذ البرهان لا يخلق اليقين أو الحقيقة، إنما ينقل الحقيقة من المبادئ إلى النتائج نقلاً، دون زيادة في اليقين أو الصحة: ويمكن أن نرد هذا الوهم إلى أسباب نفسية خالصة.

ص 101
7- نقر هذه المبادئ:
ونحن قد أشرنا في خلال حديثنا عن المبادئ إلى بعض من النقد الذي وجه إلى المبادئ من حيث فكرة اليقين وعدم القابلية للبرهنة. وهو نقد قد بدأه في العصر الحديث ليبنتس في محاولاته لإقامة علم مناهج شامل ومنطق رياضي، إذ اعتقد أن في الوسع تحليل كل التصورات العلمية وردها إلى طائفة قليلة من الأفكار الأولية غير المحددة. واستمر هذا النقد ينمو مرتبطًا خصوصًا بنمو المنطق الرياضي والأبحاث الخاصة ببيان أسس الرياضيات، حتى بلغ أوجه في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن على يد بيانو ورسل وهلبرت.
يتجه هذا النقد خصوصًا ضد فكرتين: العيان واليقين. أما من ناحية العيان فإن هؤلاء النقاد يقللون من شأن استخدامه في تحصيل المبادئ إلى الحد الأقصى وذلك لأن الغاية التي ينشدونها من المنطق والرياضة أن يكون كلاهما صوريًا إلى أعلى درجة ميسورة. ولن تتحقق هذه الصورية الكاملة إلا باستبعاد العيان بكل أنواعه حتى العيان العقلي. فرسل يقول في مقال نشر" بمجلة الميتافيزيقيا والأخلاق"، سنة 1906 ص 630:" إن القضايا الأولية التي تبدأ منها الاستدلالات في المنطق الرياضي يجب، قدر الإمكان، أن تكون بينة بالعيان. ولكن هذا ليس ضروريًا كل الضرورة، وعلى كل حال فليس هذا السبب الوحيد في اتخاذها. وإنما السبب استقرائي، أعني أنه، من بين نتائجها المعلومة (ومن بينها هي نفسها) كثير منها يبدو صادقًا للعيان، ولا شيء منها يبدو باطلا، وتلك التي تبدو صادقة لا يمكن أن تستنتج استدلالا (حسبما يتراءى) من نظام من القضايا غير القابلة للبرهنة، غير متفق مع النظام الاستدلالي موضوع النظر". فالعيان إذن لا يتعلق إلا بنقطة

ص 102
البدء في اتخاذ المبادئ الأولية ؛ فإذا ما انتهينا منها، انتهينا من كل إهابة بمبدأ أو عنصر عياني جديد طوال الاستدلال.
أما عن اليقين فقد قالوا إن المبادئ التي نضعها على رأس استدلالاتنا ليست من اليقين بالقدر الذي كان يزعمه الناس. ففيلاتي يقول Vailati "إن اختيار المبادئ يتوقف على الغرض الذي يستهدفه المرء، ويجب أن يتوقف في كل الأحوال على امتحان إضافات التوقف التي يمكن أن نضعها فيما بينها وبين مجموع قضايا نظرية معلومة. لقد فقدت ذلك الحق الإلهي الذي بدا أن بينتها المزعومة قد منحتها إياه. فصار عليها أن تسلم بصيرورتها مجرد مستخدمين، لا رؤساء في الجماعات الكبرى للقضايا المكونة لمختلف فروع الراضة" ("تلخيص أعمال مؤتمر الفلسفة سنة 1900").
ولم يقتصر النقد على البديهيات والمصادرات، بل امتد أيضًا إلى التعريفات. وهو نقد بدأته مدرسة بيانو حين ميزت نماذج مختلفة من التعريف: فالبعض، كالتعريفات بالمصادرات، والتعريف بالتجريد، تسمح باستخدام تصور معلوم دون أن تحل هذا التصور إلى عناصره المكونة له؛ والبعض الآخر، وهو التعريف الاسمي، هو وحده التعريف الحقيقي، لأنه وحده الذي يضع مساواة بين العناصر المعرِّفة وبين الكل المعرَّف. ثم إن كل تعريف لابد أن يكون مقترنًا بنظرية وجود théoréme d’existence أو مصادرة وجود تقول بوجود الموضوع المعرف. وزاد رسل على هذا بأن قال: إن التعريف ليس قضية مطلقًا، لأنه يعوزه الوحدة، "إذ كل قضية في جوهرها وحدة، فإذا هدم التحليل هذه الوحدة فإن سرد المركبات سيكون دائمًا عاجزًا عن استعادة القضية." (المبادئ The principles،... 54، ص 50). و" التعريفات ليست جزءًا من موضوعنا، ولكنها، بالتعبير الدقيق، مجرد مواضعات تيبوغرافية" (Riquier ص 12) يمكن الاستغناء عنها دون أن تتأثر دقة الاستدلال كثيرًا.

ص 103
وانتهى هذا النقد إلى القول بأن المبادئ بأنواعها الثلاثة من بديهيات ومصادرات وتعريفات ترجع في نهاية الأمر إلى إحداها وهي المصادرات، بوصفها قضايا، أو بالأحرى دوال قضائية، يصادر عليها مصادرة، وتتحقق بنتائجها، فطالما كانت لا تؤدي إلى تناقض فإنها صحيحة. وما المبادئ إذن إلا فروض غير محددة ولا قابلة للبرهنة نبدأ منها بعد أن نصادر عليها. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن المنهج الاستدلالي الخالص سيستحيل إلى منهج فرضي استدلالي hypothético – déductive. واختيار المبادئ يتوقف إذن على الهوى الشخصي ما دام ذلك مؤديًا إلى تحقيق المطلوب، وبهذا المعنى يقول رسل:" بعض القضايا يجب أن يسلم به من دون دليل، ما دام كل استدلال يبدأ من قضايا تقررت من قبل.. وهذه ككل الأفكار الأولية تقوم إلى حد ما على الاختيار الاعتباطي" (Principia ص 13).
والنتيجة لهذا أن طابع الضرورة الذي كنا نضفيه على البراهين الرياضية قد انتقص، فلم تعد الضرورة هنا ضرورة مطلقة من كل شرط، بل ضرورة مشروطة، تتوقف على نوع المبادئ الذي نبدأ من الاستدلال، وهو نوع يتحدد حسب اختيارنا، وليس ثمة ضرورة مطلقة لاختيار نوع دون آخر من المبادئ.
مسار المنهج الاستدلالي
8- أدوات الاستدلال والبرهنة الرياضية والقياس:
للاستدلال أدوات عدة أهمها القياس والتجريب العقلي والتركيب، فلتناول كل منها بالتفصيل:
أما عن القياس فعلينا أولا أن نميز بينه وبين البرهنة الرياضية. وقد كان

ص 104
التمييز الوحيد الذي يوضع بينهما إلى مدة قريبة هو أن النتيجة في القياس نتيجة افتراضية، لأن القياس لا يضمن لنا الصحة الخارجية للنتيجة بل كل ما يقوله هو أن النتيجة يجب أن يسلم بها إذا سلمنا بالمقدمات. أما في البرهنة فالمبادئ تعد صادقة بالضرورة، والنتائج ستكون بالتالي ضرورية مضمونة الصحة خارجيًا، أي حملية، ولذا يقول المنطق القديم إن "البرهنة قياس فيه المقدمات صادقة بل وضرورية" (رابييه "المنطق"، ص 277).
لكن جاء المناطقة المحدثون فميزوا بينهما تمييزًا كبيرًا؛ وعلى رأس من عنى بهذه المسألة هنرى بونكلريه ومن بعده جاء جوبلو فمثل الصورة العليا لهذا التمييز، وإن كان على نحو آخر غير الذي فعله بونكاريه.
بحث بونكاريه في "طبيعة البرهان الرياضي" ("العلم والفرض"، ص 9-28) فبدأ بأن تساءل عما إذا كانت الرياضيات، إذا كانت تقوم على أساس القياس، لا ترجع إلى تحصيل حاصل هائل. "إن القياس لا يستطيع أن يعلمنا أي شيء جديد في جوهره ؛ فإذا كان كل شيء يجب أن يخرج من مبدأ الذاتية، فيجب أن يكون في الوسع رده إليه كذلك... والبرهان القياسي يظل عاجزًا عن إضافة أي شيء إلى المعطيات التي نقدمها له ؛ وهذه المعطيات تنحل إلى بعض من البديهيات، وليس للمرء أن يجد شيئًا آخر غيرها في النتائج". ولكننا مع ذلك نجد الرياضي يقول لنا إنه يعمم قضية معلومة من قبل. فهل المنهج الرياضي يسير من الجزئي إلى العام؟ وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يسمى استدلاليًا؟ وفضلا عن هذا فإنه إذا كان علم العدد تحليليًا خالصًا، فيبدو أن العقل الممتاز بعض الامتياز يستطيع بنظرة واحدة أن يدرك كل حقائقه.
"فإذا لم يكن في وسع المرء التسليم بهذه النتائج، فيجب الاعتراف بأن البرهان الرياضي نوعًا من القوة الخالقة الخاصة ؛ وأنه بالتالي يتميز من القياس" (ص 11).

ص 105
ويعقب جوبلو على هذا قائلا إن المسألة التي نحن بصددها هنا ليست تلك التي عرض لها كنت في "نقد العقل المجرد" حين تساءل فقال: كيف يمكن أن تقوم أحكام تركيبية قبلية؟ ذلك أن كنت كان لا يزال على ثقة مطلقة بتقاليد المناطقة؛ وهو يرى أنه إذا كانت الرياضة ليست مجرد تحصيل حاصل، فما ذلك إلا لأن مبادئها أحكام تركيبية تحتوي ضمنيًا كل ما على البرهان أن يقوم بعرضه صراحة. ويحل هذه المسألة التي أثارها بأن يبين كيف يمكن أن تكون هذه الأحكام قبلية وليست تجريبية، على أساس أنها ناتجة عن تطبيق المقولات على العيانات الخالصة. وكل العلم الرياضي إذن، ما كان منه وما سيكون، متضمن على سبيل الإمكان في كلية الأحكام التركيبية القبلية؛ ومهمة البرهنة أن تستخرجه بواسطة القياس.
أما المسألة التي نحن بإزائها هنا فهي أن البرهان الرياضي يأتي بحقيقة جديدة لم تكن متضمنة، لا ضمنيًا ولا صراحة، في المبادئ ؛ وأنه خصب مبدع خالق فعلا. فهذه خاصية البرهان الرياضي، ولا يجدي في هذا الصدد أن يقال في تفسير ذلك إن التعريفات هي التي تأتي بخواص جديدة، على أساس أن كلا منها يتم بواسطة خاصة تحتوي في داخلها على كل خواص المعرف الباقية. أجل إن التعريف يدخل تصورًا جديدًا، ولكنه لا يحتوي على أكثر مما يعبر عنه. فالتساوي في الزوايا ليس متضمنًا في التساوي في الأضلاع بالنسبة إلى المثلث المتساوي الأضلاع ؛ ولكنه "ناتج" عنه.
"فالمسألة هنا ليست مسألة اندراج تصور في آخر، ولا اندراج حكم في حكم آخر؛ وإنما هي مسألة توقف حكم على حكم آخر. وخطأ المنطق الصوري في أنه خلط بين صلة الإنتاج وصلة الإندراج" (جوبلو: المنطق، § 162). لابد إذن من التمييز الدقيق بين القياس والبرهان الرياضي، على أساس أن

ص 106
البرهان الرياضي يتضمن جدة، بينا القياس تحصيل حاصل مستمر. فكيف نفسر هذا الفارق؟
فسره بونكاريه بقوله إن البرهان الرياضي يقوم على أساس البرهان بالإنابة raisonnement par récurrence، أو ما يسمى أيضًا باسم الاستقراء الرياضي، نظرًا للشبه بينه وبين الاستقراء التجريبي، إذ كلاهما يعمم، بأن ينتقل من حالة إلى التطبيق على كل الأحوال. ولكن بين كلا الاستقرائين فارقًا كبيرًا، من حيث أن الاستقراء التجريبي يبدأ من الوقائع منتقلا إلى القوانين، وليست به دقة، بل فيه عنصر المجازفة وعدم الإحكام؛ أما الاستقراء الرياضي فدقيق يبدأ من خاصية أساسية للسلسلة اللامتناهية من الأعداد الصحيحة القائمة على أساس أن كل عدد مكون بإضافة الوحدة إلى العدد السابق، إلى غير نهاية، منتقلا إلى تطبيق هذه الخاصية على بقية سلسلة الأعداد اللامتناهية.
وهذا البرهان بالإنابة هو في نظر بونكاريه "البرهان الرياضي من الطراز الأول" و"هو النموذج الحقيقي للأحكام التركيبية القبلية" (" العلم والفرض"، ص 23). ويمكن أن يصاغ بدقة على نحو ما فعل جبلو هكذا: إذا فرضنا أن علينا أن نبرهن على الإضافة:
(1 + 1) ع < 1 + ع ا
حيث ا عدد موجب، وع عدد صحيح مساو أو أكبر من 2
نبدأ بأن "نبرهن" على أنه إذا كانت هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى عدد ما ولكن م، فإنها صحيحة بالضرورة بالنسبة إلى م + 1؛ أو بتعبير آخر أنه إذا افترضنا أن اللامتساوية.
(1) (1 + ا) م < 1 + م ا

ص 107
صحيحة، فإنه ينتج من هذا اللامتساوية
(2) (1 + ا)م + 1 < 1 + (م+1) ا
وللبرهنة على هذا، اضرب كلا حدى اللامتساوية رقم (1) في 1+ا:
(1 + ا)م + 1 < 1 + م1+1 +م ^12
أو، بوضع (م+1) عاملا.
(1 + ا)م + 1 < 1 + (م+1)1 +م 12^
وبالأولى والأخرى، ما دامت ا2 < صفر:
(1 + ا)م + 1 < 1 + (م+1) ا
وتلك هي اللامتساوية رقم (2).
ولكني لا أعرف بعد ما إذا كان ثمة عدد م تتحقق اللامتساوية رقم (1) بالنسبة إليه. وكل ما أعرفه هو أنه إذا كانت الخاصة (1) صادقة بالنسبة إلى العدد م، فإنها صادقة كذلك بالنسبة إلى م+1
"فأحقق" أنها صادقة بالنسبة إلى م = 2، لأنها ستصير:
(1+ ا)^ 2 < 1+ 2 ا
أو
1+ا^2 + 2 أ < 1+ 2أ
وهذا واضح. فلما كانت الخاصة صادقة بالنسبة إلى م = 2، فإنها صادقة بالنسبة إلى م = 3
وصادقة كذلك بالنسبة إلى م = 4، وهكذا إلى غير نهاية.

ص 108
فالبرهان بالإنابة ينحصر فيما يلي" إذا كان، من ناحية، أننا إذا فرضنا أن خاصة ما صادقة بالنسبة إلى العدد م، فإنه ينتج عنه أنها صادقة أيضًا بالنسبة إلى م+1 أيًا ما كانت م. وإذا كان، من ناحية أخرى أننا نعرف، بالتحقيق أو البرهان، أنها صادقة بالنسبة إلى عدد معلوم ع، فإنها صادقة بالنسبة إلى كل الأعداد ابتداءً من ع، إذ يمكن أن نمتد بها من ع إلى ع +1، ثم إلى (ع+1) +1... وهكذا إلى غير نهاية. وفي هذا التقدم إلى غير نهاية أريد أن ينظر إليه أنه مماثل للبرهان الاستقرائي (جوبلو، § 163).
والمميز الرئيسي للبرهان بالإنابة أن يتضمن ما لا نهاية له من الأقيسة المركزة في صيغة مفردة، من الأقيسة الشرطية قطعًا ؛ إذ يمكن أن تصاغ كما يلي:
النظرية أو الخاصة صادقة بالنسبة إلى العدد 1
وهي إذا كانت صادقة بالنسبة إلى 1، فإنها صادقة بالنسبة إلى 2
هي صادقة بالنسبة إلى 2
وهي إذا كانت صادقة بالنسبة إلى 2، فإنها صادقة بالنسبة إلى 3
هي صادقة بالنسبة إلى 3، وهكذا باستمرار.
والمشاهد هنا أن نتيجة كل قياس تكون صغرى بالنسبة إلى التي تليها ؛ وأن المقدمات الكبرى في كل هذه الأقيسة، يمكن أن ترد إلى صيغة مفردة واحدة.. والبرهان بالإنابة أداة نافعة دائمًا، لأنه، بسبب كونه يهيئ لنا أن نجتاز بوثبة واحدة كل ما نود اجتيازه من خطوات، يعفينا من التحقيقات الطويلة المملة المتعبة. وهو يدلنا على أننا حتى في ميدان الحساب الأولى، نستخدم أيضًا فكرة اللامتناهي الرياضي، وبدونها حقًا لا يمكن ان يقوم علم، لأنه لن يكون ثمت كليّ.

ص 109
وقاعدة البرهان بالإنابة لا يمكن أن تكون صادرة لنا عن التجربة، لأن كل ما تستطيع التجربة أن تعلمنا إياه هو أن القاعدة صادقة بالنسبة إلى الأعداد العشرة أو المائة الأولى مثلًا، ولكنها لا تستطيع أن تبلغ السلسلة اللامتناهية من الأعداد بل تقتصر على جزء معين من هذه السلسلة فقط.
كما أنه لا يمكن أن بعد مواضعة واصطلاحًا، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض مصادرات الهندسة "فلماذا هذا الحكم (أي حكم البرهان بالإنابة) إذن يفرض نفسه علينا ببينة لا سبيل إلى دفعها؟ لأنه ليس إلا توكيد قوة العقل الذي يعرف نفسه قادرًا على تصور التكرار إلى غير نهاية لفعل واحد، ما دام هذا الفعل كان ممكنًا مرة. فللعقل عن هذه القوة عيان مباشر، ولا يمكن أن تكون التجربة بالنسبة إليه غير مناسبة لاستخدامها، وبهذا، للشعور بها" (بونكاريه، " العلم والفرض"، ص 23 – 24).
ويرى بونكاريه أن هذا النوع من البرهان يوجد في كل البرهنات الرياضية فبواسطته يوسع الجبر ميدانه. إذ نحن نجده في مستهل التحليل اللامتناهي وهو يتدخل في كل حالة يجتاز فيها الرياضي هوة ضامًا لنفسه ميدانًا جديدًا. تلك إذن نظرية بونكاريه في طبيعة البرهان الرياضي، وذلك إذن مبدأ البرهنة الرياضية عنده.
9- ولكن جوبلو لا يذهب معه إلى هذا الحد، بل يقول إن البرهان بالإنابة صورة من البرهان خاصة جدًا ويمكن تمييزها بكل وضوح ؛ ففي الجبر برهنات حقيقية عامة لا ترد إليه. ويقدم سببين يحملانه على عدم النظر إلى البرهان بالإنابة على أنه النموذج الوحيد للبرهنة العامة المعممة: هما أولا: أنه لا ينطبق

ص 110
إلا على سلسلة الأعداد الصحيحة: - ثانيًا: أنه يحتوي على الأقل علي برهنة وهو بالتالي عاجز عن تفسيرها.
(1) أما من حيث الناحية الأولى فإنه يلاحظ أنه إذا كان صحيحًا أن الرياضيات تميل دائمًا إلى تنطبع بطابع العدد. وأن علماء الرياضة يريدون قدر المستطاع وكمثل أعلى للرياضة أن يستبدلوا بما يقوم على العيان – التحليل الخالص، وأن رياضيًا مثل ركييه Riquier يقترح العدول عن الهندسة العيانية بوصفها منهجًا عتيقًا ضيقًا قد صار غير مفيد حتى ليمكن إسقاطها من بين ثبت العلوم ؛ نقول إنه على الرغم من هذا الاعتراض الوجيه، فإن جوبلو يرى أنه لا زالت للبراهين القائمة على العيان في الهندسة قيمتها التي يجب أن ينظر فيها المنطقي. وإذا قيل إننا نلتقي بالبرهان بالإنابة، على درجات متفاوتة في الظهور، في كل الأحوال التي يبرهن فيها على خاصة عامة بمعرفة حالة جزئية ممتازة، لأن البرهنة على الخاصة العامة تقوم في أن نعمم بالنسبة إلى سلسلة لا متناهية من الأحوال ما برهن أو ما حقق بالنسبة إلى إحداها، حتى أن فكرة السلسلة غير المحدودة من الأعداد تدخل فيها. فمثلا حين نبرهن على أن مجموع زوايا مضلع ذي ع أضلاع يساوي 2(ع – 2) من الزوايا القائمة، فإن ما يغفله غالبًا هو أن نبرهن على أنه بربط رأس ببقية الرؤوس في المضلع، نحن نحل المضلع إلى عدد من المثلثات بقدر ما به من أضلاع ناقصًا اثنان؛ ونحن نغفل هذا معتمدين على أن عيان الشكل يعد كافيًا، ولا حاجة بعد إلى البرهنة. حتى إذا ما استبدلنا ضلعًا من المضلع بخط منقسم إلى قطعتين، بحيث يكون لدينا أضلاع قدرها ع + 1، فإن عدد المثلثات يزيد بقدر الوحدة. فإذا كان صحيحًا أن مجموع زوايا المضلع ذي ع أضلاع يساوي 2(ع-2) زوايا قائمة، فإنه ينتج عن هذا أن مجموع زوايا المضلع

ص 111
ذى ع + 1 أضلاع يساوي 2] (ع + 1 (- 2 [ زوايا قائمة. وهكذا نستمر معممين تلك الحالة الخاصة على كل الأحوال غير المحدودة. إن كان هذا صحيحاً، فإنه ليس من الضروري السير على هذا النحو. بل في وسعنا أن نسلك سبيلا آخر، أفضل من الأول، هو أن نختار نقطة ملائمة في داخل المضلع، ونجر منها خطاً إلى كل رؤوس المضلع، فيكون لدينا حينئذ من المثلثات بقدر ما هنالك من عدد الأضلاع. ولما كان مجموع زوايا هذه المثلثات كلها ينقسم إلى قسمين، أحدهما هو مجموع زوايا المضلع ؛ والآخر هو مجموع الزوايا المتجاورة حول النقطة وقدره دائماً 4 زوايا قائمة ؛ فإن المجموع الأول من هذين المجموعين يساوي دائماً 2 ع – 4 زوايا قائمة. وليس في هذا برهان بالإنابة ؛ فنحن لا ننتقل هنا بعملية غير محدودة من عدد إلى عدد تال، إنما الذي نفعله هو أن نبرهن على أن عدد المثلثات المرسومة يساوي، أياً ما كان قدره، عدد أضلاع المضلع.
(ب) والسبب الثاني أهم من الأول. فإن البرهان بالإنابة يحتوي على برهنة على الأقل، برهنة أهم كثيراً من الانتقال التقدمي من عدد إلى العدد التالي لأنه بالبرهنة على أن الخاصة المعتبرة صادقة بالنسبة إلى م هي صادقة بالنسبة إلى م + 1، نحن نبرهن فعلا على مشروعية هذا الانتقال.
ويحتم هذا النقد بأن يقول إن البرهنة لا تنتقل هنا من الخاص إلى العام ؛ وإنما تسير من اللامجانس إلى اللامجانس. ولا يستطيع القياس أن يفسر هذا كما لا يستطيع أن يفسر الحالة الأولى، حالة الانتقال من الخاص إلى العام. فالخاصة الصادقة بالنسبة إلى م + 1 ليست "محتواة" في الخاصة المعتبرة صادقة بالنسبة إلى م ؛ ولكنها "مركبة مع" الخاصة المعتبرة صادقة بالنسبة إلى م.
10- وقبل أن نعرض نظرية جوبلو في "التركيب" وهى التي يحاول بها.

ص 112
أن يفسر طبيعة التعميم في البرهنة الرياضية وطبيعة البرهان الرياضي عموماً، نلقي نظرة على هذا النقد. فنقول، أما فيما يتعلق بالنقد الأول، فإن رأي جوبلو يبدو اليوم قديماً، بعد أن تطورت عملية احتساب الرياضة تطوراً هائلا فكدنا ننتهي تقريباً إلى عدد الحساب الأساس لكل رياضة، وهذا معناه أيضاً اعتبار نظرية العدد، كما عرفناها من قبل بالتفصيل، هي نظرية البرهان الرياضي فبونكاريه إذن على حق من هذه الناحية ولكنه مخطئ حين يعتبر البرهان بالإنابة مبدأ سرياً أو قوة عجيبة من قوى الروح الإنسانية. ورسل على حق في أن ينقده في هذه الناحية، كما فصلناه من قبل، فإن الاستقراء الرياضي ليس مبدءاً، ولكنه تعريف، وهناك أعداد يمكن أن ينطق عليها، بينما تواجد أخرى (الأعداد عبر النهائية) لا يمكن أن ينطق عليها. فنحن " نعرف " الأعداد الطبيعية بأنها تلك التي يمكن أن تطبق عليها براهين بواسطة الاستقراء الرياضي أي أنها تلك التي تملك كل الخواص الاستقرائية. وينتج عن هذا أن مثل هذه البراهين يمكن أن تطبق على الأعداد الطبيعة، لا بفضل أي عان أو بديهية أو مبدأ سري، ولكن كقضية لفظية خالصة... ومبدأ الاستقراء الرياضي يمكن أن يصاغ بطريقة عامة في صورة كهذه: " ما يمكن أن يستدل به من تال إلى تال يمكن يستنتج من أول إلى أخير، وهذا صادق إذا كان عدد الخطوات المتوسطة بين الأول والأخير متناهياً لا في الحالة الأخرى " (" المدخل إلى الفلسفة الرياضية "، لندن سنة 1938، ص 27)، أي في حالة الأعداد اللانهائية أو الغير نهائية. وإنصافاً لبونكاريه، نقول أيضاً إن لم يرجع كل برهان رياضي إلى البرهان بالإنابة، وكل ما فعله هو أنه رأى فيه طريقة الرياضي في التعميم. أما السبب الثاني الذي ساقه جلبو في نقده، فهو وجيه في الظاهر. فحقاً نحن نرى في البرهان بالإنابة برهنة هي تلك التي نقوم بها للبرهنة على أن الخاصة المعتبرة

ص 113
صادقة بالنسبة إلى م صادقة أيضاً م + 1 ؛ ولكن من الممكن أن يرد على هذا بأن يقال إن هذه البرهنة خاصة بإثبات صحة مبدأ البرهان بالإنابة، وليست داخلة في المبدأ نفسه كمبدأ للبرهان الرياضي، إذ أن البرهنة على وجود شيء ليست داخلة في هذا الشيء.
11 – أما نظرية جبلو فخلاصتها أن البرهنة الهندسية (وليلاحظ قوله " الهندسية "، لأنه إنما يتحدث عن البرهنة القائمة على العيان) على نحوين:
1) كل برهنة تسير من المفرد singulier إلى العام general، وتقوم على أساس إثبات إضافة ضرورية بين خاصتين لا متجانستين ؛ وهذا ما لا يمكن أن يتم بواسطة أي قياس أو أي مجموع من الأقيسة. 2) بعض البرهنات تسير من الخاص Special إلى العام general، وهذا ما لا يمكن أيضاً أن يفسر بواسطة أي برهان قياسي.
1- فللبرهنة على أنه، في مثلث متساوي الساقين، الزوايا المقابلة للضلعين المتساويين متساوية، نحن نفصل المثلث عن نفسه، إن صح هذا التعبير، بواسطة الفكر، ثم نطبقه من جديد، مقلوباً، على الأثر الذي نتوهم أنه خلفه على السبورة. وحينئذ نلاحظ أن الزاوية المرسومة بين الضلعين المتساويين تقوم على أثرها، وأن كل ضلع من أضلاع هذه الزاوية يقوم محل أثر الضلع الآخر المساوي له. " والقيام محل " بالنسبة إلى الضلع الثالث ينتج عن المبدأ القائل بأن النقطتين لا يمكن أن ترتبطا إلا بمستقيم واحد. ثم نتحقق Constate أخيراً من أن كل زاوية من الزوايا المقابلة للأضلاع المتساوية تقوم محل أثر الأخرى. فكأن البرهنة قد قامت إذن على أساس " عملية " Operation " وتحقق " constatation من النتيجة المتحصلة.

ص 114
ولا يقصد من هذه العملية أنها عملية يدوية، بل هي عملية عقلية ؛ كما لا يقصد من التحقق، التحقق الفزيائي، الذي يمكن أن نقوم به بواسطة آلات القياس، إنما يقصد به التحقق المنطقي. وكل البرهنات الهندسية (الميانية) تقوم على أساس أمثلة جزئية لأن العملية والتحقق لا يمكن أن يتما، حتى لو كانا عقليين، إلا على أساس شكل مفرد.
وثانياً: بعض البراهين في الرياضة تنتقل من الخاص إلي العام، وهذا يحدث بأن نأتي بحالة ممتازة تكون أبسط من الأحوال المركبة ثم ننتقل من هذه الحالة الجزئية الخاصة إلى القانون العام أو إلى الامتداد بهذه الخاصة إلى أشياء أكثر تعقيداً مما كان من قبل بالنسبة إلى تلك الحالة الجزئية. فمثلا لاستخراج عدد الزوايا التي يشملها مضلع، نبدأ بالحالة البسيطة لهذا الشكل الهندسي وهى حالة المثلث ونحن نعرف أن مجموع زواياه = 2ق. ثم نجزئ المضلع إلى عدد من المثلثات بقدر ما تسمح به الأضلاع، فيكون لدينا حينئذ عدد من المثلثات بقدر عدد الأضلاع، وهناك في الوسط، في النقطة التي تتلافى عندها رؤوس هذه المثلثات، توجد زاويتان قائمتان. فنستطيع بعد هذا أن نستخرج عدد زواياه على أساس القاعدة أو الصيغة: 2(ع – 2).
فالملاحظ هنا أننا بدأنا بحالة ممتازة هي حالة المثلث ثم امتددنا بهذه الحالة الممتازة إلى حالات عامة هي حالة أي مضلع كان، وتحققنا أخيراً من الصيغة العامة التي صيغ بها القانون. وكأننا هنا أيضاً بإزاء عمليتين: عملية تركيب أو بالأخرى تجزئة المضلع إلى مثلثات، ثم عملية مشاهدة هي مشاهدة أن هذا المضلع يحتوى من المثلثات بقدر عدد الأضلاع: وبطرح الزاويتين القائمتين المكونتين لمجموع زوايا رؤس المثلثات المتكونة، تنتج لدينا الصيغة الدالة عن عدد ومقدار زوايا المضلع.

ص 115
وبهذا تتلخص نظرية جوبلو أولاً في أننا في حالة كل البراهين الرياضية نقوم بعملية تركيب وبنا، ابتداء من حالة جزئية. وليس الأمر هنا أمر تعديل لقضايا نبدأ منها، لأننا نضع خواص بين صفات لا متجانسة. فبين صفة كون المثلث شكلا ذا ثلاثة أضلاع وبين صفة أخرى هي صفة الزوايا نضع خاصية ما هي كون مجموع زواياه يساوي قائمتين، وكون مجموع الزوايات = 2ق لا يستخلص بالتحليل من كون المثلث شكلا ذا ثلاثة أضلاع. وعلى هذا فنحن بإزاء عملية بناء ولسنا بإزاء عملية تحليل، لأن الروابط والإضافات التي نضعها إنما نضعها بين صفات لا متجانسة.
وقد يعترض على هذا بأن يقال إن هذا يتعلق بالهندسة القديمة التقليدية. ويرد جوبلو على هذا بأن يقول إن الجبر نفسه يقوم على أساس التركيب لأن في المعادلات والتحويلات لا نقوم بمجرد استخلاص صيغ من صيغ أو معادلات من معادلات وإنما نحن نضع خواص لها ارتباط وهذه الخواص لا متجانسة ؛ وبهذا لا نكون في الواقع إزاء عملية تحليل. ويمكن بالتالي رد جميع المسائل الرياضية إلي عمليات أي تركيبات بنائية نقوم بها فعلا أثناء البرهنة. ويقتبس في هذا الصدد كلمة Arthur Hanneqin حيث يقول: " إن العقل لا يستطيع أن يدرك ويفهم تماماً إلا ما يستطيع أن يركبه ".
أما القياس فلا يرى له جوبلو إلا مجالا ثانوياً وذلك كخطوة انتقالية إبان البرهان أو على حد تعبيره المجازى هو فقرة من فقرات البرهنة، وهذه الفقرة من شأنها أن تعطي للبرهان الرياضي دقته المنطقية، بينما من شأن قدرة العقل التركيبية البنائية أن تضمن خصب العقل.

ص 116
التجريب العقلي:
ويتصل بهذا الأمر تلك الناحية الأخرى التي تترجح بين المنهج التجريبي والمنهج الاستدلالي ونعني بها مسألة التجريب العقلي. وهى ناحية قد عنى بها كل العناية أرنست ماخ Mach في كتابه " المعرفة والخطأ " في الفصل الموسوم باسم " التجريب العقلي " Pexperimentation mentale ثم أتى من بعد " رنيانو " Riguano وذلك في كتابه Psychologie du raisonnement " نفسانية البرهان "، فأرجع كل أنواع البرهان تقريباً إلى التجريب العقلي. والتجريب العقلي معناه بصورة عامة أن يقوم الإنسان في داخل عقله بكل الفروض والتحقيقات التي قد ييئس أولا يتيسر له أن يقوم بها في الخارج وينقسم إلى أنواع أهمها اثنان: التجريب العقلي الخيالي، والتجريب العقلي العلمي. أما الأول فهو ذلك النوع من التأملات الخيالية وضرب الفروض بعضها في بعض مما أبدع فيه الشعراء وأصحاب الخيال الجامح. وهو طبعاً لا قيمة له من ناحية العلم ؛ والآخر هو وحده ذو القيمة العلمية، لأن الفروض فيه لا تقوم على موضوعات وهمية مختلفة، إنما تقوم على وقائع يجرب عليها الإنسان الأوضاع المختلفة أو الفروض العديدة ويستخرج النتائج التي تؤدي إليها هذه الفروض – وكل هذا يجرى في داخل الذهن. فكل عالم قبل أن يحقق شيئاً في الخارج يتصور كل ما يريد عمله وكل جهاز يريد أن يركبه. فاستيفنسون مثلا كان يعرف العجلات والعربات وقوة البخار ولكنه قبل أن يكون بها الجهاز الذي يعرف بالقاطرة أو الآلة البخارية عامة، كان يعرف في ذهنه قبل ذلك هذه القاطرة وتصور في ذهنه هذه القاطرة بكل أجزائها كما تصور كيف يمكن أن يكون الاحتكاك وأي مقدار من القوة الحرارية يجب أن تستخدم لجر كذا أو كذا من الأثقال... إلى آخر تلك الأشياء

ص 117
التي تكون القاطرة الواقعية في الخارج. كل هذا قد أدركه بعقله، وركبه في داخل الذهن وكأنه يقوم بتجربة فزيائية ولكنها في داخل الذهن، فهو يفترض الفروض في داخل الذهن، ويستبعد ما لا يمكن أن يتحقق أيضاً في داخل الذهن،ويستبعد كل الفروض التي يرى أنها غير وافية لتركيب الشيء الذي يراد تركيبه، إلى آخر تلك الأمور التي نقوم بها في التجريب الواقعي العادي (التجريب الفزيائي).
ولهذا النوع من التجريب فائدة كبيرة: أولا من حيث الاقتصاد في العمل. ذلك لأن القيام بهذا التجريب في داخل الذهن لا يكلف المرء شيئاً من الناحية المادية فلا يكسر جهازاً ولا يستنفد مواد أولية، ولا يكون مثل التجريب الفزيائي الذي يحتاج إلى فترة طويلة، إلى آخر كل هذه الأشياء التي ينتج عن القيام بها عقلياً فحسب كثير من الاقتصاد في الوقت والجهد والمواد والنفقات.
ثانياً: هذا التجريبي العقلي قد يسمح بفرض فروض جريئة قد لا تتجه إلى اتخاذها لو أننا بإزاء تجريب فزيائي واقعي، ومن الممكن أن تتحقق هذه الفروض بالفعل، لأن الحرية الميسرة للعقل في هذه الحالة أكبر منها في حالة التجريب الفزيائي الذي كثيراً ما يشتت الذهن ويصرفه عن الإدراك الحقيقي للنسب العامة التي هي الأصل في كل نظرية مما يولد من جديد فروضاً خصبة تؤدي إلي اكتشاف نتائج أهم وأحسن. والشاهد على هذا ما فعله كثير من العلماء وعلى رأسهم خصوصاً جليليو ــ إذ استطاع القيام بكل هذه الأبحاث الكبيرة في ثقل الأجسام قبل أن يحققها عملياً في الخارج واقتنع بصحتها قبل أن يجربها في الخارج. واتجه هذا الاتجاه تقريباً ديكارت، وإن كان حظه من التجريب العملي غير مشجع على إجراء هذا النوع من التجريب ولكنه قال على العموم: إنني أستطيع أن أستغنى عن إجراء أي تجربة فزيائية خارجية لأنني أقدر أن أركب

ص 118
في ذهني كل العمليات الممكنة. وطبعاً هذا الاتجاه ينشأ عن النزعات الرياضية الظاهرة. وإن كان الثاني قد وفق، والأول قد أخفق.
ولا يقتصر هذا التجريب العقلي على الفيزياء والعلوم الطبيعية بوجه عام، بل يمتد إلى كل العلوم الرياضية فنحن نستطيع أن نجرى براهين لا حصر لها في داخل الذهن، فيما يتصل بنظرية هندسية. فدون حاجة إلى أي قلم يرسم لنا الأشكال الهندسية نستطيع أن نفرض الفروض وأن نسير في التحليل عائدين، أو نبدأ من التركيب متقدمين، إما للبرهنة على نظرية معلومة أو لبيان نتائج خاصة من نظرية ما ـــ وفي هذا كله نحن نقوم بعملية تجريب عقلي كالحال تماماً في التجريب الفزيائي.
ولئن لم يكن لنا الحق في أن نذهب إلى ما ذهب إليه رنيانو من القول بأنه الصورة العامة لكل تفكير فانه مما لا شك فيه أنه يلعب دوراً خطيراً في تكوين التجريب الرياضي والتجريب الفزيائي على السواء، كما سنرى عند الكلام عن المنهج التجريبي.
صور الاستدلال:
1ــ الاستدلال بلا غرض معين ؛
2ــ إذا علمت لدينا قضية ويراد البرهنة على صحتها أو فسادها نلجأ إما إلى التحليل المحصل analyse poristique أو إلى التركيب synthese ؛
3ــ إذا أريد معرفة المنصر المجهول بواسطة ماله من روابط مع عناصر معلومة، نلجأ إلى:
(أ‌) التحليل الباحث zetetique
(ب‌) التركيب synthese

ص 119
للاستدلال صور عدة تقوم إما على الغاية التي ننشدها منه، أو على طريقة البرهنة ومنهجها إبان أي استدلال. ففيما يتصل بالناحية الأولى ينقسم الاستدلال إلى استدلال ذي غاية، ويشمل خصوصاً النوع الثاني الذي ذكرناه. واستدلال ليس بذي غاية، وهذا النوع هو المعروف غالياً في الكتب المثالية التي تقوم على أساس فروض خيالية. ومن هذا النوع مثلا " يوتوبيا " توماس مور Thomas More، ثم خصوصاً من الناحية الفلسفية كتاب " بلا زمان " Uchronie تأليف رنوقييه الذي افترض فيه هذا الفرض: إذا كان مركس أورليوس لم يستقل ويتنازل عن العرش فماذا كان سيحدث ؟ ثم استمر في فرض هذه الفروض المنافية للوقائع التاريخية من أجل أن يستخلص كل الاستدلالات التي تقوم عليها، فهذا استدلال بلا غرض مقصود، وإنما نحن هنا نبتدئ من فرض أو فروض ثم نحاول أن يستخرج كل النتائج التي يمكن أن يؤدي إليها. وقد يكون في هذا نوع من الغاية من ناحية المؤلف، ولكنه يوضع في الأصل باعتباره بلا غاية. ومن النوع الأدبي كتاب الرحلة إلى إبكاريا Voyage en Icarie لكابيه. ولكن هذا الاستدلال ليس بذي قيمة علمية حقة، خصوصاً أنه يقوم على فروض خيالية، وهو في الواقع نوع من التجريب العقلي يهدف إلى النوع الخيالي الذي ذكرناه آنفاً. أما القيمة الحقيقية فهي في هذا النوع الثاني القائم أولا إما على وجود قضية ويراد البرهنة على صحتها أو على كذبها، أو توجد قضية معلوم صحتها وكذبها،ويراد استخلاص النتائج التي تترتب عليها. ففي الحالة الأولى نحن نقوم بعملية برهنة من أجل التأدي إلى بيان صحة أو فساد المقدمة الموضوعة أو المطروحة. وفي هذه الحالة إما أن نجعلها نتيجة، وإما أن نجعلها مقدمة. فإذا جعلناها مقدمة فإما أن نفترض القضية صحيحة ثم نستخلص ما تؤدي إليه من نتائج، فإذا كانت هذه النتائج صحيحة كانت القضية صحيحة، وإذا لم

ص 120
تكن كذلك كانت خاطئة ؛ وإما أن نستخدم البرهان بالخلف وهو أن نفرض صحة العكس فيؤدي هذا إلى خلف وإحالة أي نتائج تناقض قضايا مسلماً بصحتها وعن طريق إثبات كذب النقيض تثبت صحة الأصل.
وهذا المنهج في البرهنة دقيق لا غبار عليه من ناحية البرهنة المنطقية الصرف، ولكن كما يلاحظ Cournot في كتابه " تسلسل أفكارنا " L’ Enchainement de nos idees يلزم العقل دون أن ينيره ؛ أي أنه يرغم على الإقناع ولكنه لا يوضح للذهن لماذا يجب الاقتناع بهذا فيظل العقل يشعر بشئ من القلق لأنه لم يستنر استنارة كافية من هذا البرهان بالخلف. والطريق الآخر هو أن نأتي بالقضية المراد البرهنة على صحتها ونفترضها صحيحة. ــــ والصيغة اللائقة في هذا الصدد أن يقال: أن نفترض صحة المطلوب على نحو يؤدي إلي إرضاء السؤال أي نفترض الصحة من أجل إمكان البرهنة بسهولة ـــ فنجد أننا نصل إلى نتائج إيجابية صحيحة فيكون الأصل صحيحاً كذلك، وفي هذه الحالة نحن نقوم بعملية تحليل محصل بمعنى أننا نبدأ من قضية ونربطها بقضية أخرى معلومة الصحة. فإن لم تكن معلومة الصحة فتربط بقضية أخرى معلومة الصحة، وهكذا إلى أن تنتهي إلى قضية مسلم بصحتها، وبهذا التحليل الذي هو تحليل محصل Poristique كما يسميه Viete نصل إلى الربط بين هذه القضية المعلومة أمامنا وبين قضايا أخرى معلوم صحتها. فتثبت صحة القضية الأصلية المعلومة. وقد نقوم بدلا من هذا التحليل المحصل بتحليل باحث Zetetique وذلك نفرض الفروض ونقوم بالتجريب شيئاً فشيئاً حتى نصل في النهاية إلى قضايا مسلم بها، فهذا نوع من التحليل يختلف عن الأول في أن الأول يفترض الصحة، والثاني لا يفترضها ويحاول بفرض الفروض أن ينتهي إلي النتيجة المطلوبة، أعني إلى القضية

ص 121
العينة المطلوب معرفة صدقها أو كذبها. أما عملية التركيب فهي عملية عكسية تسير قُدُمًا وتبدأ من القضية باعتبارها صحيحة ثم تستخرج كل النتائج. وفي هذه الحالة تكون القضية الأصلية معلومة الصحة ويراد معرفة كل النتائج التي تؤدي إليها. وهذه هي الحالة العامة التي نسلك سبيلها في تكويننا للرياضيات: فنحن نبدأ من قضايا بسيطة ثم نركبها بعضها مع بعض حتى نصل إلى قضايا أكثر تعقيدًا وهكذا باستمرار. فالتركيب إذن تقدمي بينما التحليل ارتدادي، لأنه يحاول أن يرتد إلى المبادئ الأصلية للقضايا، بينما التركيب تقدمي لأنه يبدأ من القضايا الأولية، مرتفعًا إلى القضايا المركبة المترتبة عليها.
المشاكل المنطقية
هذه المبادئ الأولية وتلك القضايا الأولية من أين جاءت، وما هو المصدر الذي نستمدها منه؟ هنا اختلفت الإجابة على شعبتين، وكل شعبة إلى شعبتين كذلك. فأولًا شعبة العقليين، وثانيًا شعبة التجريبيين.
1- شعبة العقليين: يجيب العقليون على هذا السؤال على نحوين:
(1) النحو الأول بأن يقول فريق منهم بأن هذه المبادئ موجودة بالضرورة في طبيعة العقل الإنساني وأننا لا نفعل بعد هذا إلا أن نطبق هذه المبادئ ونزيد في تركيبها شيئًا فشيئًا حتى نصل إلى أعلى درجات التركيب الرياضي. وعلى هذا سترتد الرياضة في نهاية الأمر إلى أن تكون درجة متقدمة أو ترقية للمنطق على حد تعبير ليبنتس une promotion de la logique فالأصل أن يدرك الإنسان فكرة الإضافة الموجودة بين الموضوعات ثم ينتقل من هذه الفكرة إلى فكرة المجموع groupe ثم إلى فكرة الصنف class وبعد هذا يستخرج فكرة العدد ثم الترتيب – إلى غير هذا من المسائل الأولية التي تكون أساس

ص 122
العلم الكمي. وبعد هذا تتفاضل هذه المسائل الأولية شيئًا فشيئًا حتى تبلغ التركيب المكون لأي علم من العلوم الرياضية المعروفة، ونحن إبان هذا كله لا نعتمد في الواقع إلا على قوانين المنطق الصوري البحت وعلى قوانين العقل الرئيسية ولا نهيب في أي حالة من هذه الأحوال بالعيان أو التجريب. ولذا سميت هذه النزعة باسم الصورية الرياضية formalism mathematique.
(ب) والنحو الآخر الذي أقيم عليه هذا المذهب العقلي هو أن يقال إن الرياضة أقرب اتصالًا بالجزئيات وأقل تجريدًا من المنطق الصوري. فقوانين الفكر خالية من كل مادة، وهي عامة عمومًا يجعل الصلة بين الأشياء الجزئية وبين القوانين المنطقية بعيدة كل البعد، بينما الرياضة تنطبق على الأشياء الجزئية.
لهذا أتى فريق آخر من العقليين فخفف من حدة هذا القول بالصورية بأن جعل للعيان نصيبًا في استخلاص الحقائق الرياضية. فهذه النزعة تقول في مجموعها بأن للعيان نصيبًا في تكوين الرياضة لأن الرياضة تتعلق بالجزئي أيضًا ولا تقتصر على الكلي العام وحده ولهذا فإنها تعني بالموضوعات ولا تقتصر على مجرد الروابط الفكرية المنطقية التي تنتسب وحدها إلى المنطق الصوري. ومن الذين أخذوا بهذا خصوصًا ديكارت وجليليو. ولكن العيان هنا قد فهم بمعنيين:-
أولا: بمعنى العيان الحسي؛ ثانيا: بمعنى العيان العقلي. فديكارت أخذ به ومن قبله رجال عصر النهضة. وجاء كنت فقال إن الرياضيات تقوم على أساس نوع معين من الأحكام تختلف عن نوع الأحكام المستعملة في المنطق الصوري البحت. فالمنطق تحصيل حاصل يقوم على أساس قضايا تحليلية أي قضايا لا تأتي في محمولها إلا بما يتضمنه الموضوع. وعلى هذا؛ فإنه لا يأتي بجديد مطلقًا: وعلى العكس من هذا نجد الرياضة تقوم على أساس الجدة؛ وهذا

ص 123
لا يتيسر إلا بواسطة القضايا التركيبية، أي تلك التي يكون في محمولها صفات لا توجد في داخل الموضوع: إن تضمنًا أو صراحة. غير أن هذه الجدة ليست صادرة عن التجربة بل عن صور قبلية موجودة في طبيعة العقل الإنساني هي عبارة عن شكول قبلية للحساسية.
ولابد لكل مضمون يأتي من الخارج في التجربة أن يدخل في هذه القوالب القبلية أو الشكول الأولية: وأهمها الزمان والمكان والعلية، والجدة في الرياضة تقوم على عيان عقلي هو عيان الزمان والمكان والعلية. وهذا ما يجعل المحمول في القضايا الرياضية غير متضمن في الموضوع.
وأخيرًا جاء بوانكاريه فقال إن الطابع الرئيسي الذي يقوم عليه البرهان في الرياضة هو ذلك الذي يعبر عنه البرهان بالإنابة وهو يقوم على أساس أن في العقل الإنساني قوة خالقة من شأنها أن تكرر الفعل حينما تعرف أن من الممكن فعله مرة واحدة. فإذا أمكن العقل الإنساني أن يقوم بفعل واحد فإنه يكرره باستمرار بقوة خاصة به، وهذه القوة مركوزة في طبيعته وهي بعينها قوة قبلية وليست صادرة عن التجربة. والبرهان بالإنابة الذي يعبر عن هذه القوة هو في رأي بوانكاريه النموذج الحقيقي للقضايا التركيبية الحقيقية، أما القضايا التركيبية كما تصورها كنت، فقد عفا عليها، لأنه لم يعد احد يؤمن بأن الزمان أو المكان صورة قبلية موجودة بالطبيعة في العقل الإنساني.
وفي هذا التطور للنزعة العقلية نجد أن ثمة تطورًا نحو التقليل من قيمة الموضوعية في الرياضة. فقد كان نصيب العيان كبيرًا لدى ديكارت ولكنه قل عند كنت واستحال في النهاية عند بوانكاريه إلى نوع من المواضعات والاصطلاحات الميسرة أكثر من أن يكون عيانًا بالمعنى الحقيقي وهذا ما جعل بوانكاريه يقول بوجود الفروض في الرياضة كما هي موجودة في المنهج التجريبي.

ص 124
والرياضة ستئول إذن إلى مجرد فروض يستنتج منها نتائج بواسطة المنطق الخالص.
2- المذهب التجريبي: وعلى العكس من ذلك يري المذهب التجريبي أن الرياضة تقوم على أساس المنطق، لسبب ظاهر جدًا لديهم وهو أن الرياضة تنطبق على الواقع، فكيف يمكن أن تنطبق الرياضة على الواقع مع أنها ليست صادرة عن التجربة؟ عن هذه المسألة قد أجاب المثاليون فقالوا إن الحل بسيط وهو أن قوانين العقل هي بعينها قوانين الوجود. فإذا كانت الرياضة تقوم على أساس تركيبات عقلية قبلية خالصة فغنها ستنطبق أيضًا على الواقع، ما دام الواقع عقليًا خالصًا هو الآخر.
أما التجريبيون فقد قالوا على العكس من ذلك إن الرياضة لا تنطبق على الواقع إلا لأنها مستمدة في البدء من التجربة، فتاريخ العلم قد دلنا على أن الرياضيات قد نشأت شيئًا فشيئًا عن طريق التجربة وأنها في تطورها إنما هي نوع من التجريد لنتائج أتت بها التجربة أولًا ثم أحلناها في النهاية – بعد أن استوثقنا منها أو من مبادئها الأولية - إلى أمور تقوم على المنطق الصوري.
وهذا المذهب قد انقسم بدوره إلى شعبتين: النزعة التجريبية الساذجة التي تقول بأن الأصل في الموضوعات الرياضية هو التجربة بعينها فالأصل في فكرة الحظ مشاهدة الخيط والسلك، والأصل في فكرة الدائرة قطع أي جذع من شجرة، والأصل في فكرة الأسطوانة جذع الشجرة. ولسنا في حاجة إلى الرد على هذا المذهب الساذج كل السذاجة لأن أي خط في التجربة مهما يكن لا يمكن أن يؤدي إلى فكرة الخط الهندسي إذ كل خط في التجربة له عرض وسمك، أما في الرياضة فليس للخط أي سمك أو عرض. كما أن الدائرة كما تتصورها الهندسة لا توجد في أي شيء من الموضوعات التجريبية إطلاقًا. – والنزعة

ص 125
الثانية هي التجريبية المهذبة وهي التي تقول بأن الأصل في نشأة الرياضة كما دلنا تاريخها هو البدء من معطيات التجربة، ولكن بعد مرور فترة ما كانت كافية لتكوين مضمون قادر من بعد على أن ينمو بنفسه اكتفت الرياضة من التجربة بهذا القدر وأصبحت تعتمد على رأس مالها وحدها، فزادت من التركيبات المختلفة ومن بيان الإضافات المعقدة والمتطورة في التعقيد شيئًا فشيئًا، وهذه التركيبات قد أقامتها على أساس البرهان المنطقي، ولكن المهم أن الخطوة الأولى قد كونت على أساس تجريبي. وهم هنا يشيرون دائمًا إلى استخدام الأشكال المرسومة في الهندسة وإلى الحل والتركيب في الحساب والجبر، وكل هذا يدل على أننا في أثناء الرياضة إنما نقوم في الواقع بأشياء تتصل بالتجربة عن قرب.
وينتسب إلى هذا المذهب أيضًا المذهب العملي أو الفعلي أو التركيب البنائي الذي يمثله جوبلو. فجوبلو كما عرفنا من قبل يقول إن القوة الخالقة المجدِّدة في الرياضة هي قوة التركيب البنائي، فتركيب الأشكال المختلفة في الهندسة، ثم تركيب المعادلات بعضها على بعض على هيئة خاصة ووضع خاص، هذا هو الذي يعطي العقل القدرة على أن يركب من جديد وأن ينتقل باستمرار من الخاص إلى العام.
فهو يفسر الجدة في الاستدلال على أساس قدرة العقل على البناء والتركيب. ولو نظرنا بعد هذا في هذه النظريات، لوجدنا في الواقع أن المذهب الأول، مذهب الصورية المنطقية الرياضية، هو المذهب الذي يكاد يكون السائد اليوم، خصوصًا عند أصحاب المنطق الرياضي. فكما عرفنا من قبل عند كلامنا الأخير عن فكرة العدد، قد وجدنا عند رسل (ويشايعه في هذا كل المناطقة الرياضيين وبخاصة أتباع دائرة فينا) أن الرياضة من خلق العقل، وهي ليست إلا مجموعة من التعريفات التي نضعها في البدء إلى جانب نفر قليل من الأفكار الأولية غير المحددة، وهذه كلها صادرة من العقل نفسه، وكل ما نفعله بعد

ص 126
هذا في الرياضة هو أن تستخرج كل الإضافات الممكنة التي بين هذه الأفكار الأولية، وأن نزيد في التعقيد شيئًا فشيئًا حتى نبلغ الرياضة العليا. ونحن في هذا لم نفعل أكثر من أننا استخرجنا المضمون الأصلي للتعريفات والبديهيات والأوليات؛ بل البديهيات والمصادرات تنحل بدورها إلى تعريفات، فالمسألة سترتد في نهاية الأمر إلى مجموعة من التعريفات والاصطلاحات يضعها العقل الإنسان دون أن يستعين في هذا بالتجربة. ثم يحاول على أساس افتراض صحة هذه التعريفات أن يستخرج كل ما يمكن أن تتضمنه بواسطة الاستدلال المنطقي.
وعلى هذا فليس في الرياضة عنصر تجديد ولا جدة إطلاقًا، والأمر كله أمر تحصيل حاصل مستمر. وتحصيل الحاصل هذا لا ينشأ عن قوة سرية خاصة كما يزعم بوانكاريه، ولا ينشأ عن مقدرة تركيبية بنائية كما يدعي جوبلو. وإنما يقوم على القوانين المنطقية العقلية الصورية الخالصة.
وأخيرًا لا يفوتنا أن نشير إلى رأي مايرسون الذي انتهى في كتابه " سلوك الفكر" إلى القول بأننا في حالة الاستدلال، حتى لو قمنا بعملية تغيير في منتهى الضآلة، فإننا في الواقع ننتقل من جديد مغاير باستمرار؛ وإنه لا يوجد أي تحصيل حاصل في الفكر. حقًا توجد هوية في الصورة بين (ا+ب)^2 = (ا+ب)^2 ولكن لا توجد هوية بين (ا+ب)^2 = ا^2 + 2اب + ب^2 فهناك تغيير مستمر وبالتالي لا يوجد تحصيل حاصل. ولكن هذا أيضا لا يدل على أية جدةـ والحقيقة أن الرأي الذي يجب أن يتبع هو أن نقول كما قال أصحاب المنطق الرياضي إن كل شيء يتوقف على مصطلحات يضعها العقل الإنساني وضعا ثم يستخرج العقل منها بافتراض صحتها (والصحة هنا افتراضية بحث) كل ما يمكن أن يستخرج منها، وكل هذا بواسطة القياس الخالي من كل جدة، والرياضة إذن كلها تحصيل حاصل مستمر.

ص 127
المنهج التجريبي
رأينا في المنهج الاستدلالي أنه لا يقتصر على السير من الكلي إلى الجزئي، بل هو بالأحرى يسير من الخاص إلى العام، وفي هذا اقتراب هائل من المنهج الاستقرائي الذي كان يعد أنه إنما يقوم على أساس الانتقال من الخاص إلى العام بعس الاستدلال. وتبين خصوصًا بعد أبحاث جوبلو أن الأمر يتوقف هنا على الإهابة بالتجربة، لا على طريقة الانتقال، فطريقة الانتقال واحدة في كلا النوعين فهي دائماً من الخاص إلى العامـ خصوصًا في الاستدلال بمعناه الحقيقي، لا بمعنى الاستدلال القياسي، وإنما الفارق هو أننا في الاستدلال لا نعتمد على التجربة بل نعتمد ابتداء من المبادئ الأولية على قواعد المنطق ومبادئه وحدها منتقلين دائمًا من البسائط إلى المركبات وهكذا باستمرار في تقدم مستمر نحو التركيب والتعقيد. ولهذا يميل بعض من المناطقة إلى عد المنهج الاستدلالي خطوة من المنهج التجريبي؛ أو بالعكس يميل بعض المناطقة إلى عد المنهج التجريبي لحظة من لحظات النهج الاستدلالي العام. غير أن هذا التقريب يجب أن لا ينسينا التمييز الدقيق الذي يجب أن نضعه فيما بينهما. فقد تبين لنا في نهاية حديثنا عن المنهج الاستدلالي أنه يقوم على أشياء من خلق العقل وأنه تحصيل حاصل مستمر، وأن الصورية المنطقية هي الطابع الحقيقي للرياضة وبالتالي للاستدلال الرياضي.
بينما نجد على العكس كم ذلك أننا في حالة العلوم الطبيعية نبدأ من موضوعات توجد في التجربة الخارجية أي لا تقتنص من العقل بل تفرض نفسها من الخارج على العقل أولًا، وعلى هذا (العقل) – بعد ذلك - أن يفسرها أو يصفها.
فمن الممكن أن نميز بين كلا المنهجين على أساس أن المنهج التجريبي موضوعه الوقائع الخارجية، بينما المنهج الاستدلالي موضوعه المخلوقات العقلية –إن صح هذا

ص 128
التعبير les etres de raison. فالمنهج التجريبي بمعنى عام هو المنهج المستخدم حين نبدأ من وقائع خارجة عن العقل، سواء اكانت خارجة عن النفس إطلاقًا، أم باطنة فيها كذلك كما في حالة الاستبطان، لكي نصف هذه الظواهر الخارجة عن العقل ونفسرها. وفي تفسيرنا لها نحن نهيب بالتجربة باستمرار، ولا نعتمد على مبادئ الفكر وقواعد المنطق الصورية وحدها.
خطوات المنهج التجريبي:
ولهذا المنهج خطوات ثلاث: الأولى حينما نقوم بمجرد الوصف والتعريف، فعالم النبات الذي ينظر في أنواع النبات المختلفة، وأصناف الأوراق التي يحملها كل نبات، وضروب الأزهار الخاصة بذوات الأزهار منها ثم طريقة التغذي في كل منها وطرق الوقاية إلى آخر تلك العمليات الحيوية التي يقوم بها النبات –نقول إن العالم الذي ينظر في هذه الأشياء ثم يقوم بعملية تفسير ولا عملية تجريب كما أنه لا يضع نظرية عامة لكل الظواهر أو فرضًا يستوعبها جميعًا، فهذه الخطوة تسمى خطوة التعريف والتصنيف أو مجرد الوصف البسيط. والخطوة الثانية هي ألا يقتصر الإنسان على أن يعرف حالة الشيء بل ينتقل إلى بيان الروابط والإضافات الموجودة بين كل طائفة من الظواهر المتشابهة.
هناك نقوم بعملية تفسير لا تقتصر على مجرد الوصف كما في الخطوة السالفة فهذا التفسير يقتضي منه أولا أن يشاهد هذه الظواهر وأن يتلو هذه المشاهدة بوضع فرض يمكن ان يكون قضية تفسيرية لمجموع هذه الظواهر، وثالثًا عليه يعد ذلك أن يمتحن صحة هذا الفرض بإجراء التجارب التي إما ان تثبت هذا الفرض

ص 129
مباشرة أو أن تؤدي إلى إثبات قضية تكفي صحتها لإثبات صحة الفرض المطلوب امتحان الصحة فيه. فهذه الخطوة الثانية تمتاز إذن بالمشاهدة التي لا تقف عند هذا الحد –كما هي الحال في الخطوة الأولى- بل تنتقل منها إلى بيان الروابط وذلك بافتراض صيغة تفسيرية للإضافات الموجودة بين الظواهر المختلفة، ثم امتحان صحة هذا الافتراض بإجراء التجارب المختلفة. وهذا هو المنهج التجريبي بالمعنى الدقيق. أما الخطوة السابقة فقد أدخلناها في باب المنهج التجريبي لأنها تتصل بالعلوم الطبيعية ونحن ننظر إلى المنهج التجريبي على أنه المنهج المتعلق بالعلوم الطبيعية إجمالًا. فعلى السعة نقول إذن إن هذه الخطوة تدخل في باب المنهج التجريبي.
3- الخطوة الثالثة: حتى إذا ما انتهينا عن طريق المنهج التجريبي هذا إلى وضع قوانين اتينا بخطوة ثالثة هي خطوة تنظيم هذه القوانين الجزئية لكي تدخل في نطاق أعم بأن تصبح مبادئ عامة كلية يستخرج منها قوانين بواسطة الاستدلال، وهذه المبادئ العامة هي الفروض العظمى كفرض النسبية أو الذرات أو إشعاع الراديوم (أو الإشعاع الراديومي) أو فرض التطور في العلوم الحيوية. والملاحظ في هذه الخطوة الثالثة أنها تركيبية بينما كانت في الحالة الثانية تحليليةـ لأننا نحاول أن نركب شيئًا فشيئًا القوانين الجزئية للظواهر الجزئية لكي نضع قانونًا كليًا عامًا، يصلح لأن تستخلص منه بقية القوانين الفرعية. ففي الميكانيكا مثلًا توجه قوانين نيوتن في الحركة والجاذبية، وقوانين سقوط الأجسام لجليلو وكبلر، فلو أننا نظمنا هذا كله في نظرية واحدة كما في فرض النسبية، فإننا نستطيع أن نصل إلى فرض عظيم من الفروض الفزيائية، أو الفروض الفلكية، أو المتصلة بالميكانيكا.

ص 130
طريقة الملاحظة والتأدي إلى الوقائع في المنهج التجريبي:
ولو نظرنا في المنهج التجريبي وهو الخطوة الثانية من الخطوات الثلاث التي أوردناها بالمعنى الضيق فإننا نجد أن هذا المنهج إنما يسير خطوات ثلاث هو الآخر، فهو يبدأ بالملاحظة ويتلوها بالفرض، ويتبعها بتحقيق الفرض بواسطة التجريب. فالملاحظة والفرض والتجريب هي إذن الفقرات الثلاث المكونة لسلسة المنهج التجريبي، فلو نظرنا مثلا في نظرية كنظرية سقوط الأجسام التي وضعها جليليو فإننا نجد أن جليليو قد بدأ بملاحظة سقوط الأجسام وانه يبدو للإنسان في الظاهر أن الجسم حينما يقطع مسافات أطول أثناء سقوطه تزداد سرعته، فحاول أن يفسر هذه الظاهرة المشاهدة، فافترض أولا أن زيادة السرعة ناشئة من زيادة المسافة المقطوعة. ولكنه وجد أن هذا الفرض يؤدي إلى تناقض مع كثير من الوقائع، فاستدل به فرضًا آخر هو أن تكون نسبة السرعة سائرة مع الزمن ومن أجل هذا حاول أن يجري تجربة مباشرة ولكنه لم يستطع ذلك فأجرى تجربة غير مباشرة استطاع أن يبين فيها النسبية بين الزمن الذي مر وبين المسافة من المكان التي قطعت. وبهذا وصل إلى قانون سقوط الأجسام، لارتباط هذا بالفرض الثاني الذي وضعه وهو التماثل فيما بين السرعة والزمن. فإذا نظرنا في المنهج الذي سلكه جليليو من أجل وضع هذا القانون وجدنا أن الخطوة الأولى هي أنه ابتدأ من ظواهر مشاهدة ثم تلا هذه الخطوة بخطوة ثانية هي افتراض نسبة معينة ستكوّن القانون الذي على أساسه تحدث تلك الظواهر التي شاهدها. وهنا يجب أن تكون فكرة سابقة يحاول بها أن يحدد المضمون الذي يستخلص من الوقائع المشاهدة، أما أن يكون خاليًا من كل فكر سابقة فهذا مالا يمكن أن يؤدي به إطلاقًا إلى وضع أي فرض.
وهذا القدر السابق من الأفكار هو ما يسمى باسم النظام التحليلي

ص 131
System analyseur فالنظام التحليلي هو الجهاز من الأفكار الموجود في الذهن والذي يستطيع الإنسان بواسطته أن يقبل على الظواهر فيضع الفروض من أجل تفسيرها. وكل عالم له نظام تحليلي هو محصل التجارب التي في ذهنه والمعلومات التي ظفر بها، أو ما لديه من أفكار خاصة جاءته عن طريق التأمل في الظواهر التي شاهدها من قبل، حتى إذا وضع الفرض كان عليه – كخطوة ثالثة – أن يمتحن صحة الفرض بإجراء التجارب التي تؤيده أو تنفيه أو تعطل منه. فقد رأينا جليليو في الفرض الأول قد أجرى تجارب فلم تؤيد الفرض، فكان عليه حينئذ أن ينبذ هذا الفرض وأن يستبدل به فرضًا آخر فأجرى تجارب وجدها مؤيدة له وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة. وبهذا التجريب استطاع أن يثبت صحة الفرض، وبالتالي أن يضع القانون المفسر لهذه الظواهر المتصلة بسقوط الأجسام.
ومن هذا يتبين إذن أن المنهج التجريبي فقرات ثلاثًا: هي
1. الملاحظة أو المشاهدة
2. الفرض
3. التجريب expérimentation.
وهنا يحسن بنا أن ننظر في العلوم الطبيعية المختلفة من أجل معرفة نصيب كل منها من هذه الخطوات الثلاث.
فنجد أولًا أن ثمة علومًا تكاد أن تقتصر على الخطوة الأولى: فعلم النبات، على الأقل في صورته الأولية، وعلم الحيوان وعلم المورفولوجيا عامة، وعلم الكيمياء فيما قبل القرن السابع عشر __ كل هذه العلوم كانت وصفية تقوم على الملاحظة وحدها، بأن يلاحظ العالم الموضوعات المختلفة التي تنتسب إلى العلم الذي يبحث فيه، ثم يصنف هذه الموضوعات وفقًا لمعلومات معينة، وبأن يصنف في علم النبات مثلا النباتات على أساس الفلقة في البذرة.. إلخ
أو على أساس ظهور أعضاء التأنيث والتذكير أو عدم ظهورها في النبات، وهو في هذه الأحوال يشاهد ولا يجرب، كما انه من ناحية أخرى لا يتنبأ بشيء إنما التنبؤ – أذا تم في هذه الحالة – يكون من شأن الزراعة.

ص 132
وثانيًا – هناك علوم تعتمد حقًا على الملاحظة ولا تقوم بالتجريب ولكنها لا تقتصر على الوصف بل تنتهي إلى وضع قوانين قد تصل أحيانًا إلى الغاية من الدقة، كما في الفلك يضع قوانين لمسار الكواكب أو لحدوث الظواهر الفلكية المختلفة من كسوف وخسوف وهالات... ألخ
وكيفية موقع الأجرام بعضها من بعض وكيفية انتقال الضوء ووقوع الأشياء بعضها من بعض. فهنا نجد الفلكي ينتهي إلى قوانين بينما عالم النبات لا ينتهي إلى شيء منها بل يكتفي بمجرد التعريف والتصنيف. ولكنه يتفق مع عالم النبات في أنه لا يقوم بالتجريب. ولما كان العالم الفلكي يقوم بوضع قوانين فإن من شأن القوانين أن تهيؤ الفرصة للتنبؤ، والتنبؤ من شأنه أن يعطي الإنسان قدرة على الطيعة، سلبية في حالة علم كعلم الفلك، ولكنها إيجابية في حالة علم كعلم الفيزياء. وعلى كل حال فالمهم أننا في علم الفلك نقوم بوضع قوانين، والتنبؤ وفقًا لهذه القوانين.
وثالثًا يوجد نوع ثالث من العلوم لا نقتصر فيه على مجرد الملاحظة ولا على مجرد وضع قوانين دون تجريب، بل ممتد من هذه أيضًا إلى إجراء التجارب التي نثيرها إثارة. فنحن في حالة علم كالفيزياء نستطيع أن نلاحظ مثلا الظواهر الصوتية، ونستطيع أن نضع بع هذا، القوانين لهذه الظواهر حسب المشاهدة كما نستطيع أيضًا أن نضع الفروض ثم نجرب التجارب العلمية التي نحدثها نحن إحداثًا ولا ننتظر حتى تحدثها الطبيعة، فنقوم في هذه الحالة بعملية تجريب، ولا نقتصر على الملاحظة والفرض ووضع القانون. وهذه القدرة على إيجاد التجارب بدلا من ترصد موقعها بفعل الطبيعة هي القدرة الخالقة في العلوم الفيزيائية التجريبية، وهي التي بسببها نعت كلود برنارد الإنسان العالم القائم بالتجارب بأنه (الرئيس المساع (الأسطى) للخلق) le contremaître de la creation

ص 133
وبكن يجب مع ذلك ألا نغالي في هذه التفرقة بين التجريب في حالة العلوم التجريبية (الطبيعية)) الموجدة للتجارب مباشرة وبين الحالة الأخرى التي هي حالة الملاحظة البسيطة الساذجة التي لا تؤدي إلى إيجاد التجارب مباشرة، بل تنتظر حتى تحدث الطبيعة أحداثها، ثم ترصدها. ذلك أننا هنا في الواقع بإزاء نوعين من التجارب: فالنوع الأول وهو الموجود في علم الفيزياء مثلا نوع مستثار provoque والنوع الثاني نوع مهاب به invoque، وبهذا يتحدد نصيب كل قسم من أقسام العلوم الطبيعية في داخل المنهج التجريبي.
لكن ليس معنى ها أن كل علم منها يتبع خطوة واحدة من هذه الخطوات الثلاث أو الثلاثة معًا، ولكن يصح أن يكون في جزء منه تابعًا لخطوة واحدة وفي جزء آخر تابعًا للخطوات الثلاث معًا، ويصح أن يكون ملاحظًا متنبئًا في بعض أنحائه، ويكون ملاحظًا فقط في بعض ثان من أبحاثه، وملاحظًا متنبئًا مستثيرًا للتجارب فيبعض ثالث من هذه الأنحاء.
عناصر المشاهدة: العنصر الأول الذي تقوم عليه المشاهدة هو عنصر العيان الحسي، فالحس يجب أن يكون المحرك الأول بكب بحث علمي. ولهذا نجد تقسيمات العلوم الطبيعية قائمة على هذا الأساس في البدء، فتقسيم العلوم الفزيائية إلى علم ضوء وصوت وحرارة... إلخ
إنما يقوم في الأصل على أساس التمييز بين الحواس المختلفة وما ينتسب من كل منها إلى ميدان الطبيعة. هذا إلى أن المشاهدات الحسية كثيرًا ما كانت الأصل في الاكتشافات العلمية العالية فيما بعد. فقانون سقوط الأجسام لجليليو قد اكتشفه هذا ابتداءًا من ملاحظة ازدياد السرعة كلما اقترب الجسم من الأرض. وتورتشلي toricelli

ص 134
قد اكتشف نظرياته الخاصة بالضغط الجوي ابتداء من ملاحظات رآها القائمون على الينابيع والمياه المعدنية في فلورنسا.
وهكا نجد أن المشاهدات الحسية كانت دائمًا نقطة البدء في كثير من النظريات العلمية، وفضلا عن هذا فإن الأجهزة التي نعدّها اليوم الأداة الرئيسية في العلم، إنما ترتد في النهاية إلى الإحساس أو العيان الحسي، أو على حد تعبير البعض عي امتدادات مقوية للحواس. فمثلا الترمومتر يجب أن يعدّ زيادة في حس اللمس، والمقراب يجب أن يُعد زيادة في حس الإبصار... إلخ
وفضلا عن هذا كله فإننا نحتاج دائمًا من أجل جعل التجريد أقرب إلى الفهم، إلى استخدام الرسوم البيانية من مربعات تسجيلية وإحداثيات... إلخ
بل نسجل بالدقة التغيرات الخاصة بظاهرة من الظواهر. كما قد أعاننا كثير من الآلات التي اخترعت حديثًا، كالسينما، على أن نتتبع تطور بعض الأشياء في لحظة وجيزة مما لم يكن ميسرًا من قبل إلا في سنوات بل وفي أعمار متطاولة.
فالسينما مثلًا تهيء لنا أن نتتبع تطور الحيوان أو النباتات ابتداءً من البذرة أو الحيوان حتى نصل إلى آخر درجات نموه ثم إثماره ثم انتهائه.
وفي هذا نحن نعتمد على المشاهدات الحسية التي تيسرها لنا الآلات المسجلة. غير أن هذه الأهمية التي للعيان الحسي يجب ألا تنسينا أن المشاهدة لا يمكن أن ترتد إلى مجرد عيان حسي، بل تشمل إلى جانب هذا ألوانًا مختلفة من العيانات الحسية جامعة بينها جميعًا، ومكونة في النهاية المشاهدة العلمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. فعلينا أن نفرق بين المشاهدات التجريبية والمشاهدة العلمية. فيجب أن نفرق أولا بين المشاهدة البسيطة والمشاهدة العلمية. فالأولى هي التي نقوم بها عرضًا في الحياة العادية دون أن نقصد إلى الملاحظة فعلًا ودون أن نركز انتباهنا منذ البدء في ناحية معينة. وهذه

ص 135
المشاهدة لها قيمتها العلمية أيضًا: في كثير من الاكتشافات ابتدأت بمثل هذه الملاحظة. غير أن هذه لا تكفي، بل لابد لنا من أن ننوع في ميدان الملاحظة وأن نقصد إليها قصدًا، حتى نستطيع أن نصل إلى مشاهدة علمية بالمعنى الدقيق.
والمشاهدة العلمية بالمعنى الدقيق هي تلك التي يبدأ فيها المرء من فرض أو يحاول بواسطتها أن يبحث في ناحية معينة. فهنا يقوم المرء بمشاهدات مختلفة كنوعًا فيها، محاولًا أن يجعل الكثير منها يتضافر من أجل إيضاح ظاهرة معينة، أو التحقق من صحة فرض ما. ويجب أن تكون هذه الملاحظة دقيقة كل الدقة، فلا نغفل أي عامل قد يكون له أثر في إحداث الظاهرة. ومن أجل هذا كان علينا أن نفرق – كما فعل كلود برنارد – بين نوعين من المشاهدة: المشاهدة البسيطة والمشاهدة المسلحة، فالأولى تقوم على الحواس المجردة مباشرة، أما المشاهدة المسلحة فهي تلك التي نستعين في تحقيقها بالأجهزة المختلفة التي تهيء لنا تقوية الحواس أو اكتشاف ظواهر لا يمكن أن تكتشف بالحس المجرد أو وضع الظواهر تحت سلطاننا ومراقبتنا بدقة، أو تكرار الظواهر في أحوال ملائمة – إلى آخر تلك الفوائد التي تيسرها لنا الأجهزة والأدوات.
والأجهزة من أجل هذا، على درجة هائلة من الأهمية، وتنقسم إلى عدة أنواع:
أولا الأجهزة التي من شأنها أن تهيء وتعد للملاحظة ولا تعد في الواقع أجهزة بالمعنى الدقيق، وإنما هي أدوات تمهد الطريق لإجراء المشاهدات، فمثلًا المبضع: scalpel نستعين به في إجراء تشريحات في الجسم مما يهيئ لنا – على حد تعبير كلود برنارد – أن ننفذ في داخل المادة الحية من أجل ملاحظة ما لها من تركيب. وأدق منه ما يمكن أن يسمى باسم (المشرح الدقيق) microtome.
ثانيًا: الآلات التي تهيء لنا أن ندقق الملاحظة بأن توسع من الطاقة

ص 136
التي لنا، المتصلة بحس ما، مثل المجهار الذي يزيد في قوة الإبصار للأشياء الدقيقة والمقراب الذي ييسر مشاهدة الأشياء البعيدة... إلخ.
ثالثًا: الأجهزة التي تيسر لنا مشاهدة ظواهر لا يمكن أن تدرك بالحس المباشر، لأنها لا تظهر بواسطته، مثل الإلكتروسكوب électroscope أو الإسبكتروسكوب spectroscope.
رابعًا: الأجهزة المسجلة enregistreurs فهذه تسجل من الظواهر ما لا يمكن أن يتم بدقة بدون جهاز، فمثلا بالنسبة إلى الظواهر الجوية، مسجل الزلازل أو السّسموجراف sismographe أو الأنيموجراف anemographe (مسجل الرياح).
وفيما يتصل بالمسائل الفسيولوجية، يوجد مثلا الكارديوجراف cardiographe أي مسجل نبض القلب ثم مسجل ضغط الدم، ومسجل التوتر العضلي.
خامسًا: أجهزة تجمع بين الناحيتين: التسجيل والتوسع في الإحساس مثل الترمومتر ذو النهاية الصغرى والنهاية الكبرى أو الترمومتر المسجل أو البارومتر المسجل أو مقباس الرطوبة المسجل.
فكل هذه الأجهزة تهيء لنا الدقة وأن نقوم بالملاحظة في أحسن الظروف الملائمة وبدرجة من الدقة تزداد باستمرار. وقد كان لتطور الأجهزة في السنوات الأخيرة أخطر الأثر في تطور العلوم الطبيعية خصوصًا الأجهزة المتصلة بالقياس أو الوزن، فقد بلغت الدقة في بعضها أن هيأت لنا أن نزن 1/مليار من الكيلو جرام أو نقيس 1/كيلو من الكيلو متر.

ص 137
غير أننا في هذا كله لا نزال في داخل المشاهدة بالمعنى الدقيق أي تلك التي لم تختلط بالتجربة بعد، وعلينا الآن أن نفرق بين التجربة والمشاهدة بكل دقة فنقول إن الملاحظة تتعلق بأشياء تعرض لنا دون أن نستثيرها أو نحدثها بأنفسنا، أما بالتجربة فتتعلق بظواهر نستثيرها نحن، ولهذا فالتجربة يمكن أن تعرف بأنها مشاهدة مستثار. وبهذا المعنى يقول كلودبرنارد: حينما ننتظر الظواهر حتى تحدث، مسجلين حدوثها خطوة بخطوة، فإننا لا نقوم في هذه الحالة إلا بعملية مشاهدة. أما إذا كان لدينا فرض، ونريد أن نتحقق من صحته، فإننا نقوم بمشاهدات وتجارب من شأنها أن تحقق هذا الفرض.
وعلى هذا فالفارق الحقيقي بين المشاهدة والتجريب، أن المشاهدة ليس فيها فرض سابق غالبًا، كما أنها تأتي غالبًا من ملاحظة ظواهر تطرأ أمام الإنسان دون أن يستثيرها هو، بينما التجريب يأتي دائمًا عن طريق استثارة ظواهر ثم مشاهدتها.
والتجريب نوعان: نوع يبدأ من فرض عين، وآخر لا يبدأ من فرض، لأنه لم يتم بعد تحقيق دقيق للتفسير الذي يمكن أن يوضع للظاهرة، ولهذا يسمي هذا النوع الأخير باسم التجربة للرؤية expérience pour voir. فالتجربة للرؤية معناها ألا يكون لدى الإنسان فرض معين عن ظاهرة ما، لأنه لم يكتشف بعد ما عسى التفسير الصحيح أن يكون. وهنا ليس عليه أن يقف، بل عليه أن يجرب ويجرب، ويستمر في التجريب، لأن مجرد التجريب يكفي أحيانًا لاستثارة فكرة عن التفسير أو لإنتاج فرض ما.
فهذا النوع من التجريب هو من أجل الرؤية، أي من أجل رؤية ما عسى أن يكون الفرض الصحيح الذي إذا ما اكتشفناه تحقق فيما بع بواسطة تجارب تتضافر كلها من أجل تحقيقه،

ص 138
فلا تجري التجارب – كما هي الحالي في التجربة للرؤية – حيثما تفق أو من غير فكرة سابقة أو من غير توجيه للتجربة في اتجاه معين، بل تجري كلها من أجل تحقيق هذا الفرض. وهنا ننتقل إلى النوع الثاني من التجريب الذي يجب أن يعد التجريب بالمعنى الحقيقي، وفيه نبدأ من فرض معين اعتقدنا صحته، ونجري التجارب من أجل تحقيقه، ومستعينين في ذلك بما لدينا من أجهزة. والتجارب في هذه الحالة إما أن تكون أولا لتكرار الظواهر لا نكاد نجدها في الطبيعة الخارجية إلا نادرًا. فمثًلا بالنسبة للأجسام السريعة التأكسد كالصوديوم والبوتاسيوم، نستطيع بواسطة التجربة أن نكرر التجارب عليها بحيث تكون خالية من أية أكسدة.
وثانيًا: أن نوجد ظواهر لا تتحقق في الطبيعة الخارجية، فنأتي نحن ونحدثها في صورة تهيء لنا دراستها على النحو الأكمل.
ثالثًا: من أجل استعادة ظواهر لا نستطيع أن نأتي بها بواسطة المشاهدة البسيطة، فنستعين بالتجريب من أجل استعادة هذه التجارب التي حدثت في الطبيعة ولا ندري هل ستحدث مرة أخرى أو لا تحدث.
رابعًا أن ننوع في الظروف والأحوال التي توجد فيها التجارب، وهذا ييسر لنا أن نستبعد كل الأحوال التي لا يمكن أن تكون مؤثرة حقًا على الظواهر فنقصر التقصير على العلل الحقيقية مستبعدين الظواهر العرضية. وفضلًا عن هذا فإن تنويع الأحوال والظروف التي توجد فيها الظاهرة، ومن شأنه أن يجعلنا ندرسها بدقة أكبر لأننا سنعرف كل الأحوال الممكنة التي يتيسر فيها حدوث هذه الظاهرة، كما نعرف كل الأسباب تقريبًا التي تؤدي إلى إحداثها.
خامسًا: أن التجريب يهيئ لنا تبسيط الظاهرة إلى أقصى حد.
ولعل هذا أن يكون أهم ما يأتي به التجريب، ذلك أن كل ظاهرة لا تأتي في الطبيعة مستقلة، بل يرادفها كثير من الظواهر العرضية والأشياء المتغيرة، وعلينا نحن في التفسير العلمي لأية ظاهرة أن نستبعد المتغيرات قدر الإمكان،

ص 139
ولا نبقى إلا على الثوابت. فمن شأن التجريب أن يحد من نطاق العوامل العرضية وبالتالي المتغيرات فيقصر هذه الظواهر المدروسة – من ناحية تأثرها وعوامل إحداثها – على العوامل المباشرة التي أنتجتها أي على العلل الثابتة الموجودة أيضًا عند حدوث هذه الظاهرة. أما العوامل العرضية الثانوية المتغيرة، فنستبعد بواسطة التجريب.
وهذا ما يسميه بيكون باسم التجربة الحاسمة cruciale أي تلك التي تهيء لنا أن نعرف بالدقة الأسباب الوحيدة الثابتة الحقيقية المنتجة للظاهرة.
ولو نظرنا بعد هذا في الصلة بين التجريب والمشاهدة، وجدنا أنه وإن كان صحيحًا أننا في التجربة نخضع الطبيعة، بينما في المشاهدة نحن نخضع للطبيعة، فإن الفارق بينهما ليس علة هذا النحو من الحدة.
فثمة نوع من التجارب هو التجارب السلبية التي هي نوع من المشاهدة فقط: فمثلًا الطبيب الذي يذهب إلى عدة أماكن مختلفة موبوءة بوباء ما، من أجل دراسة هذا الوباء، فإنه يقوم بالتجريب، لأن انتقاله معناه استثارة التجارب بمعنى أنه لا ينتجها هو بالفعل، بل تكون هي حاضرة أمامه من نفسها – فهذا النوع يمكن أن يعد ملاحظة وتجريبًا. ويظهر خصوصًا في الدراسات الفسيولوجية والنفسية الحديثة، ففي كثير من الأحوال المرضية يمكن أن نعد بعض الظواهر مستثارة، وإن كانت هذه الاستثارة ليست على النحو المعروق في استثارة الظواهر الفزيائية.
شروط الملاحظة: والملاحظة لكي تكون مؤدبة إلى الغاية المقصودة منها يجب أن تكون وافية بشروط أهلها:
أولًا: أن تكون الملاحظة كاملة، بمعنى أن من الواجب أن يلاحظ المرء كل العوامل التي قد يكون لها أثر في إحداث الظاهرة، لأن إغفال بعض العوامل

ص 140
قد يؤدي أحيانًا إلى عدم معرفة بعض الظواهر من حيث العوامل التي أدت إلى إيجادها فعلًا، أو من حيث ارتباطها بغيرها أو من حيث إمكان إنتاجها في ظروف أخرى غير الظروف التي أنتجتها العوامل الظاهرة.
ثانيًا: يجب أن تكون الملاحظة نزيهة، بمعنى أنه يجب ع الملاحظ ألا يتأثر بأي معنى من المعاني السابقة ولا بأي اتجاه يملى عليه إملاء من شيء آخر غير الظاهرة التي أمامه.
حقُا إننا بعد الملاحظة، أثناء التجريب، نبدأ دائمًا من فرض نحاول تحقيقه، ولكن يجب ألا نتأثر بهذا الفرض إلى حد أن يعمينا عن إدراك أن الظواهر التي أمامنا ليست أحيانًا هي التي تفسر بهذا الفرض فنتوهم كذبًا أن ها هو التفسير الحقيقي، مع أننا مسوقون هنا لا بما دلت عليه الملاحظة الخارجية، ولكن بمعنى سابق هو الذي أتانا من الفرض المراد تحقيقه.
وإذا كان هذا ما يجب أن يتوافر، فيجب من ناحية أخرى أن نراعي الأخطاء التي قد تقع فيها إبان الملاحظة
وأول هذه الأخطاء ينشأ عن طبيعة الملاحظ، فقد يكون ثمة فساد في أحد حواسه، كما هي الحال مثلًا في المصابين بالنقص الدالتوني ممن لا يستطيعون التمييز بين الأحمر والأخضر.
وقد يكون الخطأ صادرًا عن الأجهزة، فأحيانًا يكون الخطأ ناشئًا عن عدم مراعاة كل الظروف التي يجب أن تراعي إبان عملية ما، ولتكن الوزن مثلًا، فلا نحسب حسابًا مثلًا للريح أو لدرجة الحرارة، وقد يكون الفساد من الجهاز نفسه بسبب عوامل أثرت فيه من تأكسد أو تميع... إلخ.
وقد تنشأ الأخطاء ثالثًا من عدم مراعاة الوقائع كما هي، وذلك بأن نتوهم وقائع معينة ليست موجودة في الأصل، ونحسب أنها هي الوقائع الحقيقية مع أنها أغلب ما تكون أوهام صادرة عن طبيعة جهازنا النفسية، فلكل منا في تأثره بالظاهرة الخارجية نوع من رد الفعل، له منحنى معين خاص بكل شخص على حدة، وهو ما ينعت

ص 141
عادة باسم "المتساوية الشخصية" equation person Nelle ويقصد بها درجة التأثر الناشئة عن رد الفعل عند شخص معين بإزاء ظاهرة ما، ففي المسائل الفلكية مثلا، لملاحظة ظاهرة ما من أجل تعيين الزمان، قد يتأثر الشخص تأثرا مختلفا عنه في شخص أخر، ولهذا يجب أن نستبعد هذه المتساوية الشخصية، وذلك بأن نقلل جانب التأثر الإنساني قدر الإمكان. ومن هنا يلجأ المسلم شيئاً فشيئاً إلى الإستعاضة عن الإنسان بالأجهزة والآلات. فبدلاً من أن يقوم الإنسان بالتقدير والتسجيل تقوم الآلات بهذا. ففي بعض المراصد تستعمل عادةً طرق للتسجيل. ناشئة عن الخواص المتعلقة بالخلايا الكهروطيسية. فبهذا نستطيع أن نلغي المتساوية الشخصية، بعد أن كنا نفتقر إلى تقديرها أولا، وهو تقدير تقريبي باستمرار لتعذر تعيين الثوابت نظرا لكثرة المتغيرات.- ورابعاً قد تنشأ الأخطاء في الملاحظة بسبب عدم العناية التي توجه إلى ظاهرة بالذات من أجل ملاحظتها، فعلينا أن نعني دائماً بتوجيه كل انتباه إبان الملاحظة، وذلك حتى لا نغفل شيئاً من الأشياء، وحتى لا نهمل في تقدير أي عامل، أو نخطئ في معرفة مقدار ما له من أثر في إحداث الظاهرة.
ويجب أن يلاحظ فوق ذلك، الأخطاء التي منشؤها أن العقل لا يمكن أن يُعد سلبياً في حالة التأثر بالظواهر الخارجية , لأنه في التأثر يخضع لما يلي:
أولا: الاختيار ؛ ذلك أن العقل في ملاحظته للظواهر لا يلاحظ منها إلا ما يتصل بحاجته الخاصة، لأنه ليس مجرد حب استطلاع مطلق، ولكنه حب استطلاع من أجل إفادة الحاجات العملية أو العقلية، أي إفادة حاجة ما على أي حال. ولهذا نختار دائماً من بين الظواهر الخارجية ما يتفق مع اتجاهاتنا وأغراضنا.

ص 142
ثانياً: الخلط بين الفكرة والواقعية، أو الحقيقة والواقعة ؛ ذلك أن الوقائع لا تظهر كما هي بل سرعان ما نحيلها نحن إلى حقائق أو أفكار مجردة عقلية، لعلها أن تخلق خلقاً، ولا أصل لها من الواقع في مثير من الأحيان. فليس العقل تلك الآلة الشمسية (الفوتوغرافيا) التي زعمها كلود برنار. بل أن العقل يحيل دائماً ما يراه من وقائع إلى حقائق مجردة وأفكار.
وقد لا يكون لتلك الأفكار أي أصل في الخارج فتكون من خلقه هو. ومن الشواهد على ذلك ما زعمه أحد الفزيائيين سنة1903 من أنه اكتشف ما سماه بأشعة ن التي أثارت كثيرا من الجدل، ولم تكن في الواقع غير وهم من أوهامه حاول أن يخدع به الآخرين، وأصبح لذلك الوهم تاريخ معروف. لهذا يقول ليروا Ed. Le Roy إنه لا فارق، في الواقع، بين الفكرة وبين الواقعة، لأننا نخلق الفكرة والواقعة معاً وكل واقعة نحيلها نحن إلى فكرة لأننا لا نستطيع أن ندركها إلا على هذا الأساس.
وثالثاً: نحن قد نغفل في كثير من الأحيان ما يسميه يكون باسم الوقائع الممتازة ونتعلق بوقائع أخرى عرضية غالباً، ولا تستطيع إذن أن تؤدى باستقرائها إلى القانون المطلوب وإيجاده. – ذلك أن الوقائع على أنواع، كما صنفها بيكون، فهناك أولا الوقائع المكشوفة ostensifs وهي تلك التي تبدوا فيا الظاهرة أوضح ما تكون: فظاهرة تمدد الأجسام بالحرارة تظهر بوضوح في الأجسام الصلبة أكثر من وضوحها في الأجسام السائلة أو الغازية. والوقائع المستترة clandestins وهي لا تبدوا بوضوح ولكنها مع ذلك حقيقية ويجب أن نراعيها، وذلك مثل حركة الأميبا. ثم الوقائع المنحرفة deviateurs وهي تلك التي تنحرف عن أحوال مطردة، وتُكون ما يسمى باسم "الأحوال

ص 143
المرضية" كما يظهر خصوصاً في الأمراض الباطنة أو في تركيب الأجهزة المختلفة في الأجسام العضوية المختلفة. ثم الوقائع المتماثلة، وهي التي تكشف لنا بواسطة التماثل عن خواص لا يمكن كشفها إلا بصعوبة بطريق مباشر، فنستطيع أن نفهم مثلا وظيفة الخياشيم في السمك بمماثلتها بالرئة في الإنسان. ومنهج المماثلة من أخصب المناهج هو ومنهج التوافق، في المسائل العضوية.—ثم الوقائع المتنقلة itinerants: فإذا أردنا أن نبحث في تطور الكائن الحي من الحيوانات الدنيا إلى الإنسان أو إذا وضعنا كل إنسان على حدة في داخل نوعه، فالوقائع هنا تسمى وقائع متنقلة، فهي تبين كيفية تطور الكائن ومراحل هذا التطور.
فبمراعاتنا لكل هذه الأنواع والوقائع نستطيع أن نبين، بوضوح، الظواهر المختلفة، والأسباب المولدة لها. ولكننا غالباً ما نلجأ إلى الوقائع الممتازة، ونقتصر على الوقائع العرضية مما يقلل من قيمة الملاحظة.
غير أنه لا يمكن عد هذه العيوب، عيوبا في الواقع – في كل الأحوال – فقد يفيد أولاً أن نقتصر على بعض الظواهر دون البعض الآخر، لكي تتم الدراسة بشكل أوفى وأتم. وثانياً انه ليس في وسع الإنسان أن يتعلق بكل الظواهر أياً كانت، كما أن الأصل في العلم هو أن يكون مشاركة من جانب الإنسان في الطبيعة. فمن الضروري أن يكون هناك خلط بين الوقائع والأفكار، أي بين ما يأتي من الخارج وما يأتي من النفس. فليس لنا أن نتوقع تفي المشاهدة بكل هذه الشروط التي ذكرناها. ويضاف إلى هذا أيضا إغفال بعض الحقائق أو الوقائع التي وصلنا إليها، نظراً لما نعتقده حينئذٍ من عدم أهميتها، زلكن هذا الإغفال كثيراً ما أدى إلى عدم اكتشاف كثير من الوقائع المهمة: فقد حدث مثلا بالنسبة إلى اكتشاف أنواع البكتريات أن بعض العلماء الفرنسيين

ص 144
تبينوا في أغنام ماتت مختنقة بواسطة الكربون أن هناك عصيات bacilles في دم هذه الأغنام، لكنهم لم ينتبهوا إليها حتى إذا ما جاء باستور تبين له أن هذه البكتريات هي السبب في موت الأغنام.- فعدم اعتبار هذه الظاهرة مع أنها لوحظت قد أدى إلى عدم اكتشاف هذا العامل الجوهري في الفساد أو العفونة التي تحدث للكائنات الحية ؛ ومن الأمثلة على ذلك أيضاً عدم تنبه أمبير لخاصية التوصيل الكهربائي، وهي الخاصية التي أقيم على أساسها فيما بعد الدينامو وأنواع المحركات الكهربائية المختلفة. فاكتشافات أمبير كانت كفيلة أن تؤدي به إلى خاصية التوصيل الكهربائي، ولكنه لم يكتشفها، ولذلك لم يعرف كل هذه الآلات المتعلقة بتوليد القوى الكهربائية.
والخلاصة أننا يجب أن نخضع الملاحظة لشرائط تتعلق: أولا بالشخص، وتتعلق ثانياً بالأجهزة، وتتعلق ثالثاً بطريقة دراسة الظاهر المختلفة التي تتصل بواقعة ما – فإذا استطعنا الوفاء بهذه الشروط، بنيت الملاحظة على أساس متين. ولما كان التجريب ما هو إلا نوع من الملاحظة المستشارة، فإن هذه الشروط التي ذكرناها بالنسبة لهذ الملاحظة تنطبق أيضاً على التجريب.
التجريب: والتجريب إنما يبدأ حينما يكون لدينا فرض ونحاول بعد هذا أن نحققه، وعلى ذلك نستطيع أن نعزل التجريب عن الملاحظة ابتداء من فكرة الفرض. فأول ما يجب دراسته في التجريب هو كيفية تكوين الفروض. ونتلو ذلك بأن نبحث في تحقيق الفروض، ثم في استخراج القوانين المختلفة بعد استقرائنا لفروض عديدة حتى نصل إلى وضع النظرية، ثم الفروض العامة التي تخضع لها مجموعات معينة من النظريات المتعلقة بميدان ميدان من ميادين البحث العلمي.
الفرض: تكوين الفروض يخضع لمقاصد معينة، على حد تعبير ماخ في

ص 145
كتابه "المعرفة والخطأ": فهذه المقاصد أو الدوافع على أنواع عدة، يجب أن يبدأ البحث في الفروض بالبحث فيها، حتى يمكننا أن نتبين كيف يمكن بالنسبة إلى مجموعة من الظواهر المشاهدة، أن نستخرج القانون العام الذي بواسطته قد يكون في وسعنا أن نفسر ظاهرة ما من الظواهر، لأن الإنسان في وضعه للفروض يخضع لعوامل عدة تتصل بنوع العلم الباحث فيه، ثم بالنظام التحليلي الموجود في ذهنه، والذي يقبل بواسطته على الظواهر الخارجية من أجل تحليلها – كما يخضع ثالثاً لعدد الظواهر الخارجية التي يدرسها، وما بها من تنوع، والدرجات المختلفة لهذا التنوع في الظواهر، مما يجعل إمكانية الفرض تتفاوت وفقاً للظروف المختلفة للوقائع.
الفرض إذن على حد تعبير ماخ، تفسير مؤقت لوقائع معينة، لا يزال بمعزل عن امتحان الوقائع، حتى إذا ما امتحن في الوقائع، أصبح من بعد إما فرضاً زائفاً يجب أن يعدل عنه إلى غيره، وإما قانوناً يفسر مجرى الظواهر.
واتخاذ الفروض لم يكن منهجاً علمياً معترفاً به: إلا في القرن التاسع عشر، فضل أبحاث Whewell ثم كلود برنار Claude Bernard. وذلك أن الداعين إلى المنهج العلمي في مستهل العصر الحديث، حينما رأوا ما أدت إليه الفروض الواسعة المجازفة المجانية التي كان يفترضها رجال العصور الوسطى من دون قيام على أساس من الوقائع / أو محاولة للتفسير الوضعي الحقيقي، قر أرسلوا تحذيرات حارة ضد استخدام الفروض.
فيكون قد نصح دائماً بالاعتماد على الوقائع وحدها، دون افتراض أي فرض. وديكارت كذلك قد نصح بأن لا يبدأ المرء عن معان سابقة، حتى لا تقوده هذه المعاني إلى افتراض ما ليس بموجود. فاستمرت القاعدة الرئيسية السائدة عند هؤلاء إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هي التحفظ في استخدام

ص 146
الفروض إلى أقصى حد، وإن أمن: تجنب استخدام إطلاقاً. لكن تبين خصوصاً بفضل أبحاث كلود برنار أن للفروض قيما خاصة في استخراج القوانين التي يجب أن تفسر على أساسها الظواهر، فأشاد باستخدامها ونصح بذلك ووضع القواعد لها، ثم أتى من بعده Whewell، ثم أرنست ماخ، ثم كل هؤلاء الذين بحثوا الشروط التي يتم فيها الاختراع في العلم، مثل picard وNaville وارنست ماخ، فبينوا الأحوال التي تنشأ عنها الفروض، والشروط التي يجب أن تتوافر من أجل إنتاج فروض جيدة. فعلينا إذن أن نقسم البحث الآن إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1- نشأة الفروض. 2- شروط الافتراض. 3- نقد الفروض.
1- نشأة الفروض:
أما فيما يتصل بنشأة الفروض، فإن هذه تقوم على عوامل خارجية وأخرى باطنة. أما العوامل الخارجية فأولها أن يبدأ الإنسان من واقعة ملاحظة في التجربة الجزئية، ويفكر فيها، وابتداء من هذه الواقعة يحاول أن يفترض ما عسى أن يكون القانون الذي تخضع له هي وأمثالها. وقد رأينا عند كلامنا عن قانون سقوط الأجسام عند جليليو، كيف أنه ابتدأ من ظاهرة أو واقعة بسيطة مشاهدة، هي ازدياد الإسراع كلما اقترب الجسم من الأرض، فأدى به هذا الذي شاهدة إلى افتراض قانون يمكن أن تسير عليه الأجسام في سقوطها.
وثانياً: قد تنشأ الفروض من مجرد الصدفة، فكثيراً ما يقع الإنسان على ظاهر تهديه إلى وضع فرض، دون أن يكون قد قصد إلى ذلك فعلا. ونحن نعرف مثلا ما حدث بالنسبة إلى نيوتن، وما حدث أيضا بالنسبة إلى جليليو، ففي كل هذه الأحوال المختلفة وصل العالم عن طريق المصادفة البحث إلى فرض الفروض.

ص 147
وثالثاً: قد يدعونا إلى افتراض الفروض مجرد إجراء تجارب للرؤية، كما حددنا هذا اللفظ من قبل، فبإجراء كثير من التجارب، وبالتعديل في هذه التجارب قدر المستطاع، وبتنويع الأحوال المختلفة التي تجرى فيها هذه التجارب، دون أن نكون مسوقين بفرض معين، نستطيع أحياناً أن نصل إلى وضع فروض قد تتحقق فيما بعد. فمثلا حينما بحث كلود برنار في مادة الكورار curare -- وهي مادة كان من المعروف أنها سامة قاتلة، ولكن لم يكن معروفا لماذا هي قاتلة، والكيفية التي بها تقتل – أنشأ عدة تجارب، بأن حقن كثيراً من الحيوانات بهذه المادة، ثم كشف عن الأحوال التي يتم فيها موتها، فوجد أن هذه المادة تقتل الأجسام الحية، بشل الأعصاب المحركة. وكذلك الحال أيضاً في التجارب التي قام بها روبرت كوخ R. Koch مثلاً، فقد أقلم عدة تجارب على فئران، من أجل معرفة تأثير بعض العصيات bacilli أو (البلات) وبواسطة هذه التجارب المتعددة استطاع أن يعرف الأصل في مرض الكوليرا والأجوال التي يتم فيها حدوثه.
تلك إذن على وجه العموم، العوامل الخارجية التي تدعو إلى فرض الفروض. والعوامل الداخلية أخطر من هذه بكثر. ذلك أن العوامل الخارجة ليست إلى مجرد فرص ومناسبات لوضع الفرض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون شروطاً كافية للافتراض، فأكثر الظواهر التي شاهدها كبار العلماء، وأقاموا عليها فروضهم العلمية، يشاهدها كل الناس كل يوم، دون أن يثير ذلك أدنى انتباه فيهم، فظاهرة سقوط الأجسام مثلا، ظاهرة مشاهدة في كل دقيقة وعند كل إنسان. ومع ذلك لم يصل أحد قبل نيوتن إلى وضع قانون الجاذبية.
فالأمر يتوقف في هذه الحالة على العوامل الباطنة، أي على الأفكار التي

ص 148
تثيرها الظواهر الخارجية في نفس المشاهد. والمهم في هذه الحالة هو أن يجيل الإنسان المشاهد هذه الظواهر إلى وقائع وأفكار علمية يكون من مجموعها قانوناً أو نظرية أو نظرية، وهذا لن يتم إلا بواسطة وضع فكرة من شأنها أن تفسر هذه الظواهر. ولكن على أي نحو يتم هذا التفكير في العوامل الخارجية، أو الظواهر الملاحظة ؟
هنا أيضاً نستطيع أن نحدد عوامل ثلاثة يتم فيها تأثير الأحوال الباطنة أولها ما يسميه كاود برنار باسم العاطفة الذاتية وهي الشيء الخاص الذي يجعلنا نفرض بنوع من الوجدان أو العيان الحدسي ما عسى أن يكون القانون الذي عليه تجرى الظاهرة. فكلود برنار يقول إننا لا نستطيع أن نضع قواعد للاختراع في العلم ولا أن نعلم القواعد التي يمكن أن تراعى في إنشاء الفروض بحيث نأتي بفروض جيدة لأن هذه مسألة فردية خالصة، إنما القواعد التي نستطيع أن نضعها هي تلك المتصلة بما يتلو وضع الفرض. أما قبل وضع الفرض، فالأمر ستعلق بشيء ذاتي، بعاطفة تلقائية، بنوع من الوجدان الذي يحمل الإنسان على تصور فرض ما لتفسير الظواهر المشاهدة.
ومع هذا فيجب أن نلاحظ ثانياً أننا لسنا هنا بإزاء نوع من الإلهام أو من الوجدان الصوفي، بل يجب أن يسبق هذا الافتراض ما سميناه باسم النظام المحلل أو التحليلي الذي يوجد في عقل كل عالم والذي يهديه خلال هذه الظواهر إلى توسم القانون الصحيح الذي يمكنن أن تفسر على أساسه. فنحن عنا بإزاء ما يمكن أن يسمى باسم "التّوسم" أي اكتشاف العلة الحقيقية بطريقة لا تسير على أساس البرهان المنطقي أو لا تبدأ من الظواهر مباشرة. وهذا التوسم يتم بمران طويل وبإعداد يتعلق بالنظام التحليلي لكل عالم على حدة، وهو نظام ينشأ وفق الممارسة الطويلة لعلم معين أو لقدرة هائلة على تخيل القاعدة الصحيحة لظاهرة ما الظواهر.

ص 149
وثالثاً يجب أن يلاحظ من ناحية أخرى أن الفرض قد ينشأ في أحيان كثيرة من مران طويل، وعمل شاق نقوم به شيئاً فشيئاً بتعديد التجارب، وتنويعها، ثم يأتي الفرض في النهاية كخاتمة لهذه التجارب والملاحظات الكثيرة. فكبلر مثلا قد وصل إلى قانون الأفلاك الذي يقول بأن الكواكب تدور في مدار اهليلجي الشكل بعد أن اقترح تسعة عشر فرضاً. وعلينا في هذه الحالة أن قوم بتدقيق للفروض شيئاً فشيئاً أن لا نعتمد على مجرد الإلهام العادي أو الخواطر السانحة بل يجب أن نستمر طويلا في إجراء التجارب للرؤية دون أن نقيم أي فرض إلا في اللحظة التي نشعر فيها بأن الظواهر كافية في هذه المرحلة للايحاء بفرض يمكن أن يكون مقبولا أو مرذولا. وهنا يجب أن نضف ما يسمونه باسم مقاصد الافتراض leitmotivs أي الأحوال الباعثة على افتراض الفروض.
ويجب أن نميو الفروض هنا بين الأحوال الباعثة على وضع الفروض أياً كانت، وبين الأحوال الباعثة على وضع فروض جيدة: فالحالة الأولى شخصية ولا يمكن أن نضع لها قواعد وملاحظات تتصل بسيرها، أما الحالة الثانية فيمكن بسهولة أن نضع لها القواعد. هذه المقاصد أو البواعث أو العوامل المؤدية إلى وضع الفروض الجيدة هي أولا الجبرية determinisme العلمية، ويقصد بها أن يفترض الإنسان دائما أن الظواهر تتسلسل وفقاً للعقدة العلمية nexus causale فهنا يحدد الميدان الذي يمكن أن نضع فيه الافتراض فلا نلجأ إلى تلك الفروض الخيالية الزائفة التي كان يلجأ إليها في العصور الوسطى، بل كان كبلر أيضا يلجأ إليها في افتراض الفروض، فإنه حين أراد أن يفسر الانتظام في سير أفلاك الكواكب افترض وجود ملاك حاد سماه باسم angelus rector مرتبط بكل فلك، هو الذي يجعله يسير بطريقة منتظمة.

ص 150
وثانيا المماثلة. – ومنهج المماثلة analogie من أخطر المناهج المفيدة في إيجاد الفروض وذلك بأن نفرض أن ثمة تماثلا وتوافقاً بين الظواهر المختلفة في الممالك الكونية المختلفة أو في داخل الأنواع المختلفة لجنس واحد، خصوصا في مملكة الأحياء. فنستطيع أن ننتقل من أحوال مشاهدة بالنسبة إلى نوع حيواني معين إلى ظواهر أخرى مماثلة بالنسبة إلى نوع آخر فنطبق ما يجري مثلا على الفئران أو الأرانب أو الضفادع – على الإنسان.
وثالثا الاتصال continuite فنفرض دائما أن في الطبيعة اتصالا وأن الطبيعة على حد تعبير ليبنتس لا تقوم بالطفرة، فمثلا حينما نريد أن نعرف كيفية إحداث ظاهرة من الظواهر الضوئية أو الكهربائية فيجب أن نفرض التواصيل من المولد الكهربائي إلى الشيء الذي حدثت فيه الظاهرة الكهربية، كما يشاهد مثلا في الأعمدة الكهربية.
ورابعا يمكن أن نعد من بين العوامل المؤدية إلى وضع الفروض الصحيحة اعتبار أن الطبيعة في كل أحوالها تخضع لظروف معينة واحدة وأن هذه الظروف تتكر في أحوال عدة مختلفة وإن كان هناك أحيانا نوع من الجدة في ظروف دون ظروف أخرى، فبافتراض وجود الاطراد في نظام الطبيعة نستطيع أن نقوم بكثير من الفروض التي قد تتحقق فيما بعد. فهذه الأفكار العامة من جبرية ومماثلة واتصال واطراد تجدونا إلى وضع فروض صحيحة.
والفروض بعد هذا على نوعين، فهناك فروض جزئية هي المتعلقة بأحوال معينة لأحداث معينة ؛ وهناك فروض عامة، وهذه الفروض العامة تنقسم بدورها إلى قسمين: مبادئ، ونظريات. أما المبادئ فهي الروابط العامة التي تربط بين جملة القوانين، وأما النظريات فهي الصيغ العامة التي تفسر بواسطتها طائفة أو أكثر داخلة في نظام واحد من الظواهر.


ص 151
2- شروط الفرض:
وعلينا الآن أن نحدد الشروط التي يجب مع ذلك أن نراعيها في وضعنا للفروض لأن وضع الفروض وإن كان يتم في أحوال شخصية ولأسباب تتصل بطبيعة العالم الباحث، فإن الفروض الصحيحة يمكن مع ذلك أن توضع لها قواعد يجب مراعاتها حتى تكون قائمة على أساس صحيح أو على الأقل قابلة لأن تكون محتملة بواسطة التجارب المحققة. وأول هذه الشروط أن يتم الفرض ابتداء من واقعة معينة ملاحظة فلا يبدأ من تخيلات ولا من مجرد الربط بين أفكار من أجل تكوين فرض ما. أجل إن الفروض التي لا تبدأ من وقائع مشاهدة فعلا قد تجدي في أحيان كثيرة، بل هذا نوع من الفرض يجب النصح دائماً باستخدامه من أجل أن يكون ممارسة للقوة الافتراضية في الإنسان – لكن ينبغي مع ذلك في وضعنا للفروض أن نحاول قدر المستطاع أن نبدأ من واقعة معينة.
وثانياً: يجب أن يكون الفرض مما يقبل أن يتحقق فلا نندفع وراء الفروض الخيالية السخية التي قد تدل على عمق الوجدان أو اتساع النظرة، ولكنها لا تنفع في الواقع، ولهذا فبمجرد وضع فرض يجب أن نحاول تحقيقه بأسرع ما يمكن حتى نتبين ما إذا كان من الممكن تحقيقه أو ليس من الممكن ذلك.
وثالثاً: يجب أن يكون الفرض خالياً من التناقض فلا يبدو مناقضاً لوقائع معروفة. ولكن هذه الفكرة أحياناً ما تؤدي إلى نوع من التكاسل أو إلى نبذ فروض قد يظهر فيما بعد أنها صحيحة، فمثلاً عدم الاشتراك في المقدار بين الوتر والضلع في المربع قد بدا للفيثاغوريين في البدء كشيء فاضح لذا كادوا ينبذونه ؛ وكذلك نجد أغلب الفروض الجريئة التي تثير ثورة في العلم، قد بدأت في أول الأمر وكأنها نوع من الجنون أو الافتراض العقلي الخالص كما هو ظاهر مثلا في

ص 152
نظرية التحول التي قال بها لامارك فقد نعتها Geoffroy Saint-Hilaire بأنها مجرد حمق، وكذلك فرض التطور لدارون قد قوبل بكثير من السخرية، بوصفه فرضاً وهمياً.
والشرط الثاني – وهو المتعلق بوجوب إمكان تحقيق هذا الفرض تجريبياً – لا يقصد منه أن يتيسر هذا التحقيق التجريبي بطريق مباشر. فإنه إذا لم يتيسر ذلك بالطريق المباشر، استطعنا أن نلجأ إلى طريق آخر غير مباشر هو أن نستخلص بواسطة الاستدلال أشياء تتوقف على صحتها صحة الفرض، فإذا ما ثبتت صحتها ثبتت بالتالي صحة الفرض. فكما رأينا مثلا قانون سقوط الأجسام عند جليليو حينما لم يستطيع جليليو أن يبرهن على الفرض الذي أفترضه أولا بطريق مباشر اضطر أن يستنتج قضايا أخرى ضرورية استطاع أن يبرهن عليها، فيسر له ذلك أن يبرهن على الفرض الأصلي. ومن هذا يظهر أن الاستدلال أي المنهج الاستدلالي يدخل كجزء رئيسي عضوي في داخل النهج التجريبي، كما أنه يدخل في أحوال أخرى كثيرة سنفصل أمرها فيما يتلو.
أما من ناحية الشرط الثالث وهو الخاص بعدم التناقض فنستطيع أن نضيف إلى ما تقدم بالنسبة إليه أن هذه الفكرة، فكرة عدم التناقض، يجب ألا نلجأ إليها من أول الأمر فلا نعتقد أن مجرد التناقض الظاهر بين الفرض الجديد وبين الحقائق الثابتة من قبل أو الملاحظات المزعوم أنها صادقة من قبل، مدعاة إلى نبذ الفرض واطراحه نهائياً. وفضلا عن هذا، فقد يجوز أن تكون الأشياء الثابتة من قبل هي الباطلة بينما الفرض الجديد هو الصحيح، خصوصاً إذ لاحظنا أن الصحة في العلم مسألة نسبية إلى أقصى حد. فليس في العلم حقائق ثابتة إطلاقاً، بل الأمر يتوقف على درجة تطور العلم، وليس لإنسان بعد هذا أن يقول إن هذا الفرض

ص 153
لا يمكن أن نبحث فيه لأنه يتنافى مع كذا أو كذا من القضايا العلمية الثابتة بل يجوز لنا بعد هذا أن نمتحن صحة الثبات المزعوم لهذه القضايا ؛ ومن هذا كله قد نصل إلى إثبات الفرض الجديد وتعديل الحقائق الثابتة وفقاً لهذا الإثبات. وعلى كل حال فيجب أن لا نغتر كثيراً بفكرة التناقض فنزعم بأن في مجرد التناقض إيذاناً بأن الفرض الجديد هو الباطل.
وقد حدث هذا خصوصاً بالنسبة إلى كثير من النظريات الموغلة في التجديد والمحدثة لثورات جديدة كما يظهر مثلاً بالنسبة إلى نظرية النسبية في هذا القرن فإنها وإن كانت فرضاً لا يتفق مع ما أتت به نظرية الجاذبية الكلية عند نيوتن فإن هذا لم يمنع أو لم يكن من الواجب أن يمنع من البحث في الفرض الجديد لعله يؤدي إلى نتائج جديدة من شأنها على العكس من ذلك أن تعدل في نظرية الجاذبية الكلية لنيوتن.
3- نقد الفرض:
ويتصل بهذا مباشرة مسألة نقد الفرض، وهذه المسألة قد قامت خصوصاً كأثر رجعي من آثار احتقار الفروض الذي كان شائعاً في القرنين 17 و18، فإن قول نيوتن hypotheses non fingo أي "لا أفترض الفروض" قد جعل كثيراً من العلماء ينظر بعين الحذر الشديد إلى استخدام الفروض. وكانت نصائح بيكون مؤثرة بدورها في اطراح كل فرض. ولكن جاء القرن 19 فأراد أن يسترد للفروض مكانتها الأولى ولكن مع تحفظات شديدة من شأنها أن تتلافى كل هذه النقائض التي قال بها خصوم الافتراض. وهذه التحفظات أولها أن الأصل أن لكل إنسان أن يفترض ما يشاء وأن الافتراض عامل ضروري لا غنى عنه لتحصيل العلم وأن قول نيوتن هذا قد فسر على غير وجهه فإن السياق

ص 154
الذي وضع فيه هذا القول في كلام نيوتن كان سياق رده على الديكارتيين الذين أخذوا عليه – ولم يكونوا على حق – أنه قد أتى في قوله بالجاذبية بفرض يكاد أن يتشابه تماماً مع فروض رجال العصور الوسطى المتصلة بالخواص السرية للأشياء مما كانت فروضاً زائفة كلها، فقال إنني هنا لم آت بفرض وأنا هنا لا أفترض فروضاً بل أسير وفقاً للقواعد. فبتر هذه العبارة من هذا السياق هو الذي ألهم الذين عزوا إلى نيوتن أنه ينكر استخدام الفروض، هذا القول.
والحقيقة أننا لا نستطيع أن ننكر ما للفروض من قيمة وإلا أنكرنا ما للخيال المبدع من قيمة وأنكرنا بالتالي إيجاد عوامل هادية وأفكار حادية للإنسان إبان البحث. فللإنسان أن يفرض بل له أن يفرض ما يشاء بل له أن يفترض أيضاً وجود عالم خيالي مثل الأطلانطيد التي غاصت في قاع المحيط، أو تصور عصور ذهبية كانت فيها الإنسانية على نحو غير النحو الذي هي عليه في الوقت الحالي. وإنما الخطأ يأتي هنا من أن هذه الفروض أحياناً تكون عقيمة فلا يمكن أن تتحقق كما لا يمكن أن توحي بشيء آخر من شأنه فيما بعد أن يتحقق. فعامل المحدد لقيمة الفروض أياً كانت ضآلتها هو خصبها ؛ فإذا كانت فروضاً خصبة أنتجت نتائج حقيقية، وفي هذا يقول بيرس Peirce إن حقيقة أية نظرية إنما تقوم على الآثار والنتائج التي تقدمها. وعلى هذا فقد يكون أو قد كان بالفعل لكثير من الفروض أهمية هائلة في إيجاد نظرية جديدة، فمثلاً افتراض أهمية العدد 7 قد جعل البابليين والفيثاغوريين يقولون بوجود نجم سابع، بحثوا عنه فوجوده أخيراً وهو نجم المريخ.
إذ يجب أن يلاحظ هنا أنه إذا كانت القضايا الصادقة لا تنتج إلا قضايا صادقة، فإن القضايا الكاذبة قد تنتج قضايا صادقة، وعلى هذا فعلينا أن نجري الفروض أياً كانت ثم نحاول أن نحققها أو أن نستخلص منها نتائج يمكن فيما بعد

ص 155
أن تطبق علمياً. وإنما الاحتياط الذي يجب أن يستخدم هنا هو الاحتياط المتصل بتحقيق الفروض في الواقع بواسطة التجريب. ذلك أن تحقيق الفروض شاق طويل يحتاج إلى كثير من النفقات، خصوصاً الفروض المتعلقة بمسائل حيوية قد تحتاج إلى وقت طويل لكي تتحقق، مثل الفروض المتصلة بالنمو والوراثة أو التكاثر. كما أن ميزانيات المعامل ضئيلة كل الضآلة، ولهذا يجب أولا أن نختار من بين الفروض الممكنة أقربها إلى التحقيق تجريبيا وأقلها نفقات، وكخطوة تمهيدية لتجريب الفروض الواسعة يحسن بنا أن نعتمد على ما يسميه "ماخ" باسم التجريب العقلي فهو يوفر علينا كثيراً من النفقات ومن الوقت، وقد رأينا في واقع التاريخ أن هذا التجريب العقلي قد أفاد في هذه الناحية كثيراً. ومن الأمثلة المشهورة عليه جليليو في اكتشافه لقانون سقوط الأجسام ولبعض مسائل أخرى في الفلك.
وإذا كنا لا نذهب إلى ما يذهب إليه رنيانو من أن التجريب العقلي هو الأصل في كل برهنة، فما لا شك فيه أن للتجريب العقلي أثراً هاما في الاقتصاد في الفكر، وفي أن نجري في الفكر ما لا يتيسر إجراؤه في الواقع العملي.
ولهذا يجب إذن ألا نأخذ بأقوال "كونت" وسخريته مما يسميه باسم الفروض الميتافيزيقية، فهذه كلمة لا معنى لها في هذا الباب، كما أنها مثبطة عن إجراء الفروض التي قد يتيسر فيما بعد تحقيقها تجريبياً. وكم من الفروض التي بدت من قبل خيالية قد تحققت بعد ذلك بأزمان!
تحقيق الفرض:
والخطوة التالية بعد فرض الفروض ثم نقدها أعنف نقد هي أن نقوم بعملية تحقيق الفرض. وهذه العملية تشمل التجريب بالمعنى الدقيق كما تشمل الروح العامة

ص 156
التي يجب أن تسود كل تجربة. فلنبدأ بالحديث عن هذه الروح العامة للمنهج التجريبي إبان تحقيق الفروض فنقول إنه ينقسم قسمين: منهج سلبي أو استبعادي – وفيه نقوم بتحديد نطاق أو مجال الفروض فنفترض ما يمكن افتراضه من أجل تفسير ظاهرة من الظواهر ثم نستبعد ما من الفروض لا يتفق يقيناً مع الحقائق المسلم بها من قبل، أو القوانين الثابتة، والقوانين الثابتة هي القوانين التي لا مجال بعد – على أصح الآراء – للشك فيها، مثل أن سرعة الضوء أكبر من سرعة الصوت، أن الأجسام تتمدد بالحرارة وهكذا... إلى آخر الحقائق التي كادت أن تكون حقائق أولى. ويتصل بهذا المنهج السلبي ما يسميه كلود برنار باسم منهج برهان الضد أو شاهد النفي (كما يقول رجال القانون) contre-épreuve وtémoin à charge (contraire) وهذا المنهج معناه أن نأتي ببرهان مضاد على الحالة التي أثبتناها إن أمكن، ففي امتحان العكس نوع من إثبات الأصل، ويتصل به أيضاً ما يسمى باسم التجريب على بياض à blanc وذلك بامتحان الأجهزة في الأحوال العادية أو الأوزان بحسب المعايير النموذجية كامتحان الترمومتر في درجة حرارة منتظمة أو البارومتر في مستوى سطح البحر، أو الميزان بوضع ثقلين متساويين نموذجين في كلتا الكفتين.
ثانياً: المنهج الإيجابي – وفيه نحاول أن نثبت صحة الفرض في كل الأحوال المتغايرة الممكنة بأن ننوع في ظروف ونطيل في التجربة ونغير أيضاً في الأشياء المستعملة لإجراء التجربة. وبهذا التنويع المستمر مع بقاء حدوث الظاهرة أبداً تابعاً لعلة معينة نستطيع أن نثبت صحة الفرض يقيناً وهذا ما يسمى باسم "منهج التضافر في التغير" méthode de concordance variée الذي عنى جوبلو خصوصاً بتفصيل القول فيه. والشواهد على هذا كثيرة في تاريخ العلم، فنيوتن مثلا حينما قام بأبحاثه الخاصة بالبندول قد استخدم قضباناً من الفضة والخشب والنحاس وبقية المعادن التي تيسر له استخدامها لكي يبرهن أن الأمر

ص 157
لا يتوقف على معدن خاص. وكذلك جليليو في بيانه سقوط الأجسام في تجاربه التي أجراها في بيزة قد استخدم أجساماً من الحجر والذهب والنحاس والعاج الخ. ويتصل بهذا أيضاً تضافر نتائج القياس العددية بالنسبة إلى ظاهرة ما، فمثلاً بالنسبة إلى معرفة عدد الجزيئات الموجودة في حجم معين من الغاز يمكن أن نجري ذلك في لزوجة الغاز أو في الحركة اليراونية أو في شحنة الأيون Ion أو في النشاط الإشعاعي الراديومي، أو في نطاق محدد من انبعاث ضوء مثلا. فنجد من كل هذه الأحوال المختلفة أننا نصل إلى عدد هو واحد تقريباً فنستطيع بهذا أن نحدد مقدار ما في حجم معين من غازات ثم نحدد بعد هذا حركة هذه الغازات.
فعن طريق هذين المنهجين: السلبي والإيجابي نستطيع إذن أن نحقق الفرض.
وهنا وبعد بيان هذه الروح العامة لتحقيق الفرض تبدأ عملية التجريب بالمعنى الدقيق. ونقصد بالتجريب هنا بيان أن الروابط التي يعبر عنها الفرض موجودة فعلا في التجربة وفي ظواهر معينة من التجربة. ومن المعلوم أننا لا نستطيع أن نشاهد القانون عياناً في التجربة الخارجية، لأن القانون تعبير عن رابطة وإضافة، والروابط أو النسب تقوم بين الأشياء ولا توجد في الأشياء، لهذا فإن تحقيق الفرض إنما يتم بالنسبة إلى أحول جزئية من تجمعها وتضافر القراءات التي تقدمها، وتوافق النتائج التي تنتهي إليها – نستطيع أن نصل إلى ثبات أن الرابطة صحيحة وبالتالي تثبت صحة الفرض.
أولاً: قواعد ولوحات بيكون:
وضع بيكون القواعد الأولى الحقيقية لإجراء التجريب وسمى مجموع هذه القواعد باسم قنص بان La Chasse de Pan، ويقصد من بان هنا – وهو كما نعرف إله الطبيعة والبراري والنباتات والصيد أو القنص عند اليونان – يقصد

ص 158
به الطبيعة الكلية أو السكون. فبيكون يريد من وراء هذه القواعد أن يبحث عن الطبيعة بكل ما تحتوي عليه مما يسميه هو باسم الطبائع أي الكيفيات التي توجد عليها الأشياء، وقنص بان من مميزاته كما في الميثولوجيا أنه يهييء لنا اقتناص شوارد من الطيور لم نكن قصد إليها منذ البدء. فنقص بان إذن يدل مجازياً عند بيكون على أن هذا القنص يستطيع أن ييسر لنا اكتشاف أشياء في الطبيعة لم نكن نفكر قبلاً في اكتشافها ولم نسع قصداً إلى هذا الاكتشاف. ولهذا القنص مرحلتان: المرحلة الأولى هي مرحلة التجريب، والثانية هي مرحلة ما يسمونه باسم اللوحات أو تسجيل التجربة.
أما المرحلة الأولى فتشمل عدة أنواع أو درجات أولاها تنويع التجربة، وقد قدم بيكون لهذا مثلا أولا صنع الورق. فنحن نعرف أو كان هو يعرف أن الورق يمكن أن يصنع من قصاصات الثياب، فنستطيع أن نفترض بعد هذا هل يمكن أن يستخرج من مواد أخرى مثل لب الخشب... الخ، فهذه هي الحالة الأولى لتنويع التجربة وذلك بأن ننوع في المواد التي تنتج عنها ظاهرة ما. والحالة الثانية أهي أن نتصور مصادر أخرى لإحداث ظاهرة من الظواهر، فنحن نعرف مثلا ن المرايا المحرقة ardents تستطيع أن تركز أشعة الشمس فنفترض بالمثل هل من الممكن أن تركز أيضاً أشعة القمر. فبهذا التنويع المستمر لمواد التجربة أو للأحوال التي نجري فيها تجربة نستطيع أن نكشف خواص جديدة لطبائع الأشياء.
ثانياً: إطالة التجربة. وذلك بأن نستمر في جعل المؤثر ينتج أثره في الشيء المتأثر حتى نعلم هل من شأن هذا أن يغير في طبيعة المتأثر أو أن ينتج ظواهر جديدة. فنحن لو عرضنا سائلاً لدرجة حرارة خفيفة نوعاً، حدث عن هذا تقطير. وإذا استمررنا في هذا طويلا حدث عنه تصعيد، فمن هذه الإطالة

ص 159
لتأثر المتأثر بالمؤثر قد وصلنا إلى ظواهر جديدة غير التي عرفناها من قبل وكذلك الحال في أنواع الاختمار أو تمدد الأجسام فقد نصل عن طريق التمدد إذا ما ارتفعنا بدرجة الحرارة إلى حد كاف نقول أن نصل إلى درجة الانصهار، وقد نصل بالنسبة إلى بعض الأجسام بقدر من الحرارة كافٍ أن نبلغ مرتبة التصعيد.
ثالثاً: نقلة التجربة: فإننا إذا جمعنا المواد والتعليمات والإرشادات الخاصة بصناعة من الصناعات وحاولنا بعد هذا أن ننتقل من هذه المجموعة إلى صناعة أخرى، فإننا نستطيع أحياناً أن نفيد الصناعة الجديدة من تلك المجموعة من الإرشادات المستخدمة في السابقة. فنقلة التجربة معناها إذن أن نحاول أن نطبق على تجربة جديدة أو فرع آخر غير الفرع المطبق فيه مجموع من الإرشادات ما طبق على فرع معلوم من قبل، لعل هذا يفيد أحياناً في الصناعة الجديدة أو في تحقيق التجريب بالنسبة إلى الظواهر الأخرى.
رابعاً: قلب التجربة: وذلك بأن نحاول أن نتبين أثر العلة في الشيء المتأثر في وضع مقلوب، فنحن إذا أخذنا مثلا قضيباً من الحديد وسخناه، وجدنا أن الحرارة تنتقل من أعلى إلى أسفل، أكثر مما تنتقل من أسفل إلى أعلى ؛ - أو بتغيير الأوضاع التي تحدث فيها ظاهرة، بأن نعدل من وضع المؤثر والأثر بعضهما بالنسبة إلى بعض، لعل أن يكون في هذا نوع من التحسين في التجربة.
تلك هي المرتبة المتعلقة بالخطوة الأولى. ونحن لو نظرنا فيها لوجدناها في الواقع إرشادات نافعة وإيحاءات خاصة لتحقيق التجربة على أوفى نحو. وهي ليست من نوع القوانين أو اللوائح التي يفرض اتباعها فرضاً أو تصور على أنها قوانين ملزمة أو قواعد ضرورية كما سيزعم مِلْ من بعد فيما يتصل بلوائحه.
أما المرتبة الثانية فهي اللوحات وهي لوحات الحضور والغياب وتفاوت الدرجات. أما لوحة الحضور فيقصد منها تسجيل الأحوال العديدة الممكن

ص 160
مشاهدتها أو التحقق منها بالنسبة إلى ظاهرة من الظواهر، وقد ذكر بيكون لهذا مثلا مصادر الحرارة، فسر د 27 حالة فيها تحدث الحرارة، بعضها غريب كل الغرابة مثل ما يحدث في الشتاء حينما يأتي الإنسان فيلمس جسماً بارداً كل البرودة فإنه يشعر بما يشبه الاحتراق. ومن الأمثلة التي أوردها أيضاً الاحتكاك، الصواعق، الاختمار، حرارة الكائنات الحية، الصاعقة، أشعة الشمس الخ. فعلى الإنسان في لوحة الحضور أن يسجل إذن كل الأحوال الممكنة لحدوث ظاهرة من الظواهر، والإنسان في هذه الحالة كالقائد الذي يفتش فرقة تحت قيادته ليعرف من الحاضرون ومن الغائبون. والمهم في هذا أن يسجل كل هذه الأشياء لأن المهم في هذه المرتبة الثانية من مراتب قنص بان هو التسجيل لا الاعتماد على مجرد المشابهة أو المعلومات المشوهة أو الناقصة، وعلى هذا فإن مرحلة تسجيل الحضور من المراحل الضرورية جداً، خصوصا وأنها تحملنا فيما بعد على الوفاء بشروط التجربة في كل أحوالها، أو تنويع المصادر قدر الإمكان أو الاستغناء بمصدر عن مصدر آخر حينما يفتقد.
ثانياً: لوحة الغياب، وليس هذا في الواقع تعبيراً دقيقاً، إنما التعبير الدقيق أن يقال لوحة الانحراف والغياب. ولا يقصد هنا بالغياب أن يضع الإنسان إحصائية شاملة بالأحوال التي لا تحدث فيها الظاهرة، فهذا فضلاً عن أنه مستحيل هو قطعاً نوع من العبث، فمن الذي يستطيع أن يحدد كل الأحوال التي لا تحدث فيها ظاهرة ما؟! وإنما المقصود بعملية الغياب هذه أن نأتي في مقابل كل حالة من حالات الحضور بالحالة التي لا تحدث فيها الظاهرة بالنسبة إلى هذه الحالة عينها، سواء أكانت حالة غياب واحدة أو أكثر من واحدة. وعلى كل حال فإن أحوال الغياب بالنسبة إلى كل حالة من حالات الحضور محدودة. وإذا أخذنا المثال السابق الخاص بالحرارة وليكن مثلاً الحرارة الناشئة عن أشعة الشمس

ص 161
ننظر في الحالة التي لا تتم فيها الحرارة بغياب العنصر الأصلي المولد لها في هذه الحالة وهو الشمس، وحالة الغياب هنا هي حالة الكسوف أو حالة الليل.
و بالنسبة إلي حالة الحرارة في الكائنات الحية، ننظر في حالة الكائنات الميتة.
و هكذا نجد باستمرار أن أحوال الغياب ستكون بهذه الطريقة محددة ولو نسبيا فنستطيع أن نقوم بتسجيل هذه اللوحة.
و اللوحة الثالثة والأخيرة هي لوحة تفاوت الدرجات. فلا تقتصر علي بيان الأحوال التي تحدث فيها ظاهرة ما والأحوال المقابلة لها مما تغيب فيه هذه الظاهرة بغياب مصدرها، بل تقوم أيضا بتسجيل الدرجات المتفاوتة للظاهرة المدروسة، فمثلا بالنسبة إلي الكهرباء نتبين مقدار الكهرباء التي تحدث بواسطة عمود كهربائي والتي تحدث بواسطة مجرد حك ساق من الكهرمان أو بواسطة مولد كهربي – إلي آخر هذه المصادر المختلفة لتوليد الكهرباء،فنسجل التفاوت في درجات إحداث الظاهرة درجة درجة حتي يكون لدينا سجل شامل بالأحوال المختلفة لظاهرة من الظواهر. وبهذا يكمل تسجيل الظاهرة وتكون اللوحات وافية بالغرض المقصود منها، وهو جمع كل ما يتعلق بظاهرة من المعلومات، لتكوين مجاميع معينة في كل علم من العلوم، فيتيسر لنا عن هذا الطريق اكتشاف مجموعات من العلوم ما كانت لتكتشف من قبل من مجرد تسجيل الظواهر ودراستها دراسة منفصلة معزولة.
غير أن الملاحظ علي منهج بيكون هذا أنه منهج ليس بالدقيق وإننا لا نستطيع أن نقول عنه إلا أنه مجرد نصائح وإرشادات تقدم للمجرب أثناء التجربة أو مجرد إيماءات نافعة تعينه أثناء البحث، لهذا جاء مل من بعد، وتبعا لأبحاث هرشل Hershel ، فأراد أن يكون بالنسبة إلى الاستقراء ما كونه أرسطو بالنسبة للقياس، حين وضع للقياس أضربا وأشكالا.

ص 162
فقد أراد مل هو الآخر أن يضع القواعد أو اللوائح canons الضرورية كخطوات لابد منها في المنهج التجريبي لكي يؤدي إلي القصد منه وهو اكتشاف القوانين ببيان أو بإثبات روابط علمية بين الظواهر بعضها وبعض. والفارق واضح بين ما يقصده مل وما يقصده بيكون، فبيكون أولا لم يقصد إلي اكتشاف قوانين ثابتة ضرورية كما يدعي مل، وإنما هو قد رمي من وراء هذه الإرشادات إلي اكتشاف قوانين ثابتة ضرورية كما يدعي مل، وإنما هو قد رمي من وراء هذه الإرشادات إلي اكتشاف الطبائع أي خواص الأشياء لا الروابط الموجودة بينها بعضها وبعض. وثانيا لم يحسب بيكون نصائحه نوعا من البرهنة، بينما عد مل لوائحه شروطا أساسية لتكوين البرهان الاستقرائي، ومن هنا انتقد مل انتقادا شديدا في لوائحه لأنها من الضيق والتحديد بحيث لا تسمح مطلقا بالافتراق عنها. وعلي العكس من ذلك نجد أن نصائح بيكون كانت واسعة لا تظهر بمظهر الإلزام فكان من اليسير إذن أن يؤخذ بها أو أن يعدل منها وفقا للحاجات. هذه اللوائح التي وضعها مل mill تنحصر في المناهج الخمسة التالية (1) منهج الاتفاق (2) الافتراق (3)المنهج المزدوج للافتراق والاتفاق (4) منهج البواقي (5)منهج التغييرات المساوقة variations concomitants
و البعض من الناهج قد قال به هرشل من قبل ولكن مع اختلاف واضح يظهر خصوصا في أن مل قد عد هذه اللوائح قواعد ضرورية كقواعد الاستقراء بالنسبة إلي الاستدلال، بينما هرشل قد عدها مجرد فروض وإيماءات وإرشادات لجعل التجربة أكمل ما يمكن أن تكونه. كما أنها تختلف اختلافا واضحا عما يقصده مل mill فهرشل يقصد مثلا من منهج البواقي غير ما يقصده مل، إذ يحسب هرشل أن هو كمنهج الاستنفاد في الرياضيات مثلا. وعلي كل

ص 163
حال فعلينا أن نتحدث عن كل لائحة من هذه اللوائح الخمس (أو الأربع) بالتفصيل مع نقد كل منها علي حدة فنقول:
1- منهج الاتفاق: يقول هذا المنهج إن علينا أن ننظر في مجموعة الأحوال المولدة لظاهرة ما. ويضرب لهذا مثلا ظاهرة الندي فإن هذه الظاهرة تحدث أولا حينما ينفخ الإنسان بفيه علي جسم مبترد مثل لوح من الزجاج في يوم بارد، أو لوح معدني بارد كذلك، ثم تجد هذه الظاهرة أيضا علي السطوح الخارجية لزجاجات تستخرج من بئر، كما تجدها أيضا حينما نأتي بإناء فيه ماء مستخرج من بئر أو سطح زجاجة مملوءة ثلجا أدخلت في مكان آخر، فإن ثمة عاملا واحدا موجودا باستمرار،فالنفس الخارج من الفم أعلي درجة من الزجاج البارد، وسطح القنينة المعرض للهواء أدفأ من الماء الذي في داخلها، وكذلك الحال بالنسبة إلي الزجاجة. ومن هذا يتبين إذن أن العلة في إحداث ظاهرة الندي هو هذا الاختلاف في درجة الحرارة بين جسم ووسط مماس.
و علي هذا يمكن وضع لائحة هذا المنهج هكذا: إذا كانت لدينا أحوال مختلفة فيها عنصر واحد ثابت باستمرار، فإن هنا الهنصر هو العلة في إحداث الظاهرة المتفقة بين كل هذه الأحوال المختلفة. ويمكن أن يعبر عن هذا رمزيا بأن يقال: إذا كانت لدينا الأحوال ا ب ج، ا د ه، ا وز، ا ح ط،......إلخ

ص 164
فإن هي العلة في هذه الظاهرة التي أحوالها مختلفة (و هي أ ب ج......إلخ) لأن ا هي العنصر الواحد الثابت إبان كل هذه الأحوال المتغيرة.
و هذا المنهج، منهج الاتفاق، كثير الاستخدام في العلوم. وأكثر التجارب التي نقوم بها في الحياة العادية نعتمد فيها خصوصا علي هذا المنهج فمن مجرد مشاهدتنا لأنواع مختلفة من الظواهر يوجد فيها عنصر واحد مشترك باستمرار نستطيع أن نتبين أن العلة لابد أن تكون هي هذا الشيء الثابت إبان كل هذا التغير. و لكن يجب أن يلاحظ مع ذلك أن هذا الشيء الثابت إبان كل هذا التغير. ولكن يجب أن يلاحظ مع ذلك أن هذا المنهج له عيوب شديدة أولها أن يشترط أن يوجد عامل واحد هو الثابت باستمرار إبان كل هذه الأحوال المتغيرة وهذا الشرط يعسر الوفاء به دائما، لأن العوامل متشابكة ولا يمكن أن نكتشف عنصرا واحدا موجودا باستمرار في المجاميع المتغيرة من الأحوال المشاهدة بل كثيرا ما نري هذا العنصر مختلطا بغيره، وقد يتضافر هو وعنصر آخر في جميع الأحوال دون أن يكون هذا العنصر علة حقيقية وإنما يوجد بالعرض دائما، لأنه لا سبيل إلي الفصل في الواقع الطبيعي بين هذين العنصرين. وعيب آخر أنه قد يحدث أحيانا عن هذا أغلوطة من نوع الأغلوطة المعروفة باسم أخذ ما ليس بعلة علة، علي الصورة "بعقبه إذن بسببه" post hoc، ergo propter hoc فتعتقد من مجرد التوالي أن ثمة صلة علية مع أن الأمر كاد أن يكون علي سبيل المصادفة. ولهذا نصح كلود برنارد بعدم الاعتماد علي هذا المذهب لأنه كثيرا ما يحيد بنا عن السبيل الحقيقي لاكتشاف العلم، وعلينا بعد هذا أن نأتي بمنهج آخر يعدل من دواعي الضلال هذه.
و يمكن تلافي هذه الأغاليط بعض التلافي بتنويع التجارب قدر المستطاع، وجعل الظاهرات المشاهدة تخضع لظروف متباينة بحيث يتبين لنا علي وجه أشبه باليقين أنه لا يمكن أن تتواطأ كل هذه المشاهدات من أجل إحداث هذه

ص 165
الظاهرة المعينة دون أن تكون ثمة صلة علية بين المقدمات وبين الظاهرة الناتجة. ومن هنا نجد أن كبار العلماء حينما أرادوا أن يتأكدوا من صحة ما افترضه من صلة العلية بين مقدمات ونتيجة، حاولوا أن ينوعوا التجارب – كما نصح بذلك بيكون من قبل – قدر المستطاع فيستخدموا مواد مختلفة حتي لا يكون لهذه الأمور العرضية دخل في إحداث الظاهرة، فجليليو في بحثه لقانون سقوط الأجسام قد استخدم أجساما من الحديد والنحاس والعاج...الخ، ونيوتن في تجاربه علي البندول قد استخدم أنواعا مختلفة من البندولات من الفضة والنحاس والمعدن، وكل هذا من أجل أن لا تكون الظاهرة قد حدثت لأسباب عرضية أخري تتعلق بالمادة – وعلي كل حال فإن منهج الاتفاق لا يمكن مطلقا يعد منهجا حاسما، إلي درجة أنه قد يحدث في كثير من الأحيان أن تتواطأ جملة من المشاهدات علي إثبات رابطة عليه حقيقية، بينما نجد في بعض الأحيان أن مشاهدة واحدة تكفي لبيان صلة العلية بين سلسلتين من الأحداث. ولهذا يقول جوبلو عن هذا المنهج إنه لا يمكن أن تكفي بنفسها، وذلك للأسباب التالية: أولا لا نستطيع نظرا إلي تشابك العلل في الطبيعة أن نعزل في الواقع علة واحدة تكون هي العلة المحددة بالفعل، فما نشدناه من عزل العلة المعينة لم يتحقق إذن بواسطة منهج الاتفاق. ثانيا: يلاحظ أن العامل المشترك قد لا يمكن مشاهدته بطريقة شاملة في الطبيعة، فلا نستطيع أن نعرف حينئذ أن العامل المشترك قد لا يمكن مشاهدته بطريقة شاملة في الطبيعة،فلا نستطيع أن نعرف حينئذ ما هي الملل الحقيقية التي أثرت في إيجاد الظاهرة.
ثالثا:نجد في الواقع أن هذا الظواهر أو بالأحرى المشاهدات المتفقة فيما بينها ليست إلا أنواعا جديدة من المشاهدات تضاف إلي تلك التي أوحت بالفرض ولن تكون لها قيمة حاسمة إذن من ناحية البرهان اللهم إلا إذا آتينا حينئذ بما

ص 166
يسميه جوبلو باسم منهج الاتفاق المتنوع الذي يحملنا علي النظر في أنواع مختلفة تنتسب إلي الظاهرة المعينة، حتي يكون من هذا التنوع شاهد حقيقي علي أن الاتفاق لم يكن عرضا أو من سبيل الاطراد دون العلية،فعلينا إذن إلا نثق كثيرا بهذا المنهج فلا تتخذ من مجرد الاتفاق دليلا علي وجود صلة العلية.
2- منهج الافتراق:
فإذا أردنا أن نتحقق من صحة نتائج المنهج السابق، لابد أن نأتي بمنهج مضاد في الصورة لكنه مؤيد في النتيجة. فنجري ما يسمي باسم البرهان العكسي contre-epreuve الذي أشاد به كلود برنارد وحسبه التجربة الحقيقية الحاسمة التي دعا إلي إيجادها بيكون. هذا المنهج يقول إذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من كل الوجوه إلا وجها واحدا فتغيرت النتيجة من مجرد اختلاف هذا الوجه الواحد فان ثمة صلة علية بين هذا الوجه وبين الظاهرة الناتجة. فإذا كانت لدينا مجموعة ك ل م ن، تنتج ظاهرة ما، ومجموعة أخري ك ل م ه ونتج عن ذلك اختلاف في النتيجة في حالة عن الأخرى، فإنه يوجد بين ن م ه صلة العلية. ونستطيع أن نتخذ لهذا مثالا تلك التجربة التي قام بها باستير لأثبات وجود جراثيم هي الأصل في الكون، في الأجسام المختمرة، أي في وجود الاختمار، فقد أخذ باستير قنينتين وضعهما في برميل واحد في درجة حرارة واحدة وفي القنينتين سائل واحد، وقد اغلق فوهة إحدى القنينتين إغلاقا محكما بينما ترك الأخرى مفتوحة، فتبين له بعد قليل أن السائل في القنينة المفتوحة الفوهة قد تغير وحدث فيه اختمار، بينما السائل في القنينة المحكمة الإغلاق لم يتأثر مطلقا، فاستنتج من هذا أنه لابد أن يكون لكون فوهة القنينة في الحالة الثانية مفتوحة قد حدث الاختمار، بالتالي سيكون الهواء هو العلة في إحداث الاختمار، وذلك

ص 167
لأنه يحتوي علي جراثيم دخلت السائل فأحدثت ظاهرة الاختمار فيه.
و هذا المنهج كثير الاستعمال ومن أخصب المناهج ولكنه مع ذلك محدود الاستعمال بمعني أن نطاق تطبيقه ضئيل، إذ هو يفترض مقدما خصوصا التجريب وذلك بأن نكون عالمين بالنسبة الموجودة بين طائفة وطائفة، ونفترض أو نجري تجريبا إسقاط أحد العوامل فينتج عنه سقوط الظاهرة المطلوب دراستها. ويستخدم خصوصا في علم وظائف الأعضاء حينما نريد أن نحدد وظيفة عضو من الأعضاء فنجري حينئذ عملية البتر لهذا العضو لكي نتبين ما سينتج عن هذا البتر من نتائج – وهذه النتائج هي التي تحدد وظائف هذا العضو. فلو بترنا مثلا الصب البصري لتبين لنا تماما كيف تم بالفعل عملية الإبصار، ولو بترنا مثلا مركز اللغة (بروكا) لتبين لنا كيف تتم وظيفة الكلام. غير أننا قد نخدع في بعض الأحيان عن فعل الطبيعة وذلك أن كثيرا ما نجد أنه ببتر مركز يحدث لأعضاء أخري تكييف من شأنه أن يجعل بعض الأعضاء تقوم بوظيفة العضو المبتور كما يحدث هذا بالنسبة إلي مركز بروكا نفسه، فإن المشاهد هو أن الجزء الثاني من المخ يقوم بهذه الوظيفة.
ولكن هذه العملية عملية التجريب المتصل بالقضاء علي عامل لبيان آثاره لا يمكن تطبيقها في بعض الظواهر التي تند عن قدرتنا الإنسانية، فمثلا لا نستطيع أن نلغي تأثير الجاذبية التي للأرض. كما لا تستطيع أن نغير في الظواهر الجوية العامة مثل المد والجزر والخسوف والكسوف. ولهذا كان تطبيق هذا المنهج محدود النطاق. غير أن فائدته جلية كما قال كلود برنارد، إذ هو يكون نوعا من البرهان العكس الذي نعدل به قدر من أخطاء المنهج السالف، منهج الاتفاق. غير أن نتيجته مع ذلك ليست حاسمة، وذلك لتشابك الظواهر الطبيعية

ص 168
إلي درجة تجعل من غير المستطاع عزل عامل فضلا عن أنه قد تحدث ظاهرة عن علل مختلفة لها نفس القيمة في إيجادها فنزعم حينئذ لأننا نجهل بقية العلل أن الظاهرة قد حدثت بسبب إلغاء العوامل العلية المعروفة مع أن الظاهرة قد حدثت لأسباب أخري غير الأسباب التي نعرفها فتجربة باستور السابقة قد شكك فيها على أنه قد يكون التولد الذاتي التلقائي generation spontanee هو العلة في إحداث ظاهرة الاختمار، ولكن كان لابد من وجود تيار هواء لأحياء الكائنات المتولدة.
فجاء باستر وأقام تجربة بأن أغلق الفوهة بقطن مندوف ouate معقم بالحرارة فتبين له حينئذ أن ظاهرة الاختمار قد حدثت في المفتوحة الفوهة بينما المغلقتها لم تحدث فيها، فتأيدت التجربة مرة أخري وإن كان قد شكك فيها بعد ذلك فاضطر باستر إلي إجراء تجارب أخري مؤيدة. ومن هنا يتبين إذن أن منهج الاقتران ليس يقينيا وإن كان حاسما بدرجة أكبر مما كانت الحال عليه بالنسبة ألي المنهج السابق. ويجب أن هذا المنهج يمكن إجراءه ليس فقط بين تجربتين بل وأيضا، بين سلسلتين من التجارب ولكن هذا يؤدي في الواقع إلي ما يقرب من المنهج الثالث والذي سنتحدث عنه الآن.
3- منهج التغيرات المساوقة M. de variations concomitants:
يمكن أن يسمي هذا المنهج بطريقة أدق باسم التغيرات المساوقة المتضايفة، أو التغيرات المساوقة النسبية (correlatives proportionnelles) إذ يقول هذا المنهج إننا لو أتينا بسلسلتين من الظاهر فيها مقدمات ونتائج، وكان التغير في المقدمات في كلتا السلسلتين ينتج تغيرا في النتائج في كلتا السلسلتين كذلك، وبنسبة معينة فلابد أن تكون ثمة صلة علية بين المقدمات وبين النتائج. ولبيان هذا نعود إلي

ص 169
باستر مرة أخري فنستشهد بتجربته التي تقول إنه أتي بعشرين زجاجة مملوءة في درجة الغليان، فوجد أولا في الريف أن ثماني زجاجات فقط هي التي تغيرت حينما فتحت، وفي المرتفعات الدنيا للجورا تبين له ثانيا أن خمسا فقط هي التي تغيرت، ولما ارتفع إلي أعلي قمة الجبال حيث الثلوج التامة لم يجد غير واحدة، وحينما أتي بهذه القنينات العشرين في غرفة مقفلة أثير غبارها تبين أنها جميعا قد تغيرت – فتبين له من هذا أنه بمجرد تغير الجواء قد حدث تغير في النتائج أي في قابلية اختمار السوائل الموجودة بالقنينات العشرين. فثمة نسبة عليه إذن بين المقدمات وبين النتائج، نسبة تتغير بطريقة معينة وفقا لتغير الأحوال التي تجري بين طرفيها الظاهرة المشاهدة.
فمن هذا يتبين أنه لو كانت لدينا سلسلتان من الظواهر المتوازنة بحيث تكون السلسلة الأولي منها مكونة للمقدمات، والثانية للنتائج، ووجدنا ثمة تغيرا في النتائج بحسب التغير في المقدمات، فلابد أن توجد صل عليه بين السلسلتين. فإذا كانت ك ل م ن تسبق أو تصحب ه، فإن ثمة صلة عليه بين ك م ه.
ميزة هذا المنهج أنه يمكن تطبيقه في مجال أوسع من المنهج السالف فقد رأينا أن منهج الافتراق قد لا يمكن تطبيقه في بعض الأحوال التي لا سيطرة فيها للتجربة الإنسانية علي تغيير ما بها من عوامل. ولكن المنهج الجديد، منهج التغيرات المساوقة، تيسر إجراؤه حتي في هذه الظواهر. ومن الأمثلة علي هذا ظاهرة المد والجزر، فهذه الظاهرة لا يكن بواسطة منهج الافتراق أن نعدل فيها لأنها تجري بين أجسام في الطبيعة لا سيطرة للإنسان عليها، ونحن نعرف أن هذه الظاهرة تحدث عن الجاذبية التي تأتي من جانب القمر صوب الأرض، فنستطيع أن نبين صحة هذا الفرض من مشاهدة أن التغيرات في مقدار المد والجزر تتناسب

ص 170
تناسبا طرديا مع قرب القمر من الأرض، فكلما كان أقرب، كانت هذه الظاهرة أشد ظهورا والعكس بالعكس، مما يدل علي أن هناك صلة علية بين القمر وبين المد والجزر. وميزة أخري لعلها أن تعد اليوم الميزة الرئيسية الكبري لهذا المنهج هي أنه في الواقع المنهج الكمي الوحيد بين المناهج الأربعة، فبقية المناهج مناهج كيفية تتعلق بثبوت الظاهرة دون أن تحدد بالدقة كميتها ولا كيفية تغيرها وفقا لنسبة كمية. ولكن هذا المنهج يخول لنا أن نحدد بطريقة كمية حسابية عددية النسبة الموجودة بين علة ظاهرة ونتيجتها، فمثلا بين جاذبية الأرض والأجسام، أو بين الزمن وسرعة سقوط الجسم، فنعرف أنه: كلما طال الزمن من نقطة بدء سقوط الجسم، ازدادت سرعة الجسم في السقوط. وهكذا نستطيع أن نحدد بطريقة كمية النسب الموجودة بين شروط ظاهرة ونتائجها.
أساس الاستقراء:
مسألة أساس الاستقراء عادة علي أنها تتألف من مسألتين: الأولي مسألة المبدأ أو المبادئ التي تقوم عليها فكرة المنهج التجريبي نفسه، وثانيا: مسألة الضمان الذي يضمن لنا الانتقال من الحالات الجزئية المشاهدة إلي وضع القانون العام. وكثيرا ما اختلطت المسألتان بعضهما ببعض خصوصا في الرسالة الممتازة التي قدمها لاشلييه بعنوان "أساس الاستقراء" وأثارت كثيرا من الجدل في أواخر القرن 19 وأوائل القرن، لأنها وضعت هذه المشكلة، مشكلة أساس الاستقراء، ولأول مرة في صيغة واضحة جعلتها من المسائل الرئيسية للمنهج التجريبي.
أما المسألة الأولي فيجب أن نميزها تمام التمييز من المسألة الثانية علي الرغم من كل هذا الخلط، لأنهما وإن ارتبطا فيما بينهما ارتباطا وثيقا فإن الأساس فيهما ليس بواحد، كما أن النظرة التي نقول بها بالنسبة إلي الواحدة، لا تعين بالضرورة.

ص 171
تلك التي ننظر بها إلى الأخرى.
فالمسألة الأولى هي مسألة المصادرة أو المبدأ الرئيسي الذي يقوم عليه كل استقراء وبالتالي كل بحث علمي.
فنحن نعرف فيما يتصل بالمنهج الاستدلالي والفكر المنطقي بوجه عام أنه يقوم على مصادرة رئيسية أو بالأحرى مبدأ ضروري هو مبدأ الذاتية.
و كذلك الحال نجد أن المنهج الاستقرائي أو التجريبي يقوم هو الآخر على مبدأ عام أو مصادرة هي مبدأ العلية.
و هنا يلاحظ أن كلمة العلية كانت تفهم بمعان عدة تكاد أن ترجع فيما قبل نهاية القرن الماضي إلى معنى واحد هو وجود قوة تحدث أثراً ما يسمى المعلول.
و تبعاً لهذا كان يقال بتكافؤ العلة مع المعلول، وأن العلة تحدث المعلول.. إلى آخر هذه العبارات التي تؤذن بأن ثمة قوة تنتج عنها نتيجة معينة، وهذه القوة تسبق بالضرورة الناتج عنها أو المعلول.
و لكن إذا نظرنا في القوانين التي تتصل ببيان العلة (أو العلية) لوجدنا أنها لا تتعلق فقط بالصلة بين سابق وتال، وإنما تتعلق بالأحرى – كما بين ذلك الأستاذ لالاند – في كتابه (نظريات الاستقراء والتجريب) (ص 187) – نقول إن القوانين تتعلق:
1 – بالطبائع بالمعنى الذي يفهم به بيكون هذا اللفظ مثل تركيب الجزيءmolecule أو تركيب الذرة أو تركيب أي عنصر كيماوي.
2 – بالإضافات الثابتة الموجودة بين صفين أو سلسلتين من الظواهر المعينة بالنشبة بعضها إلى بعض تبعاً للدالة ص = د (س) كما يظهر في الجاذبية والانكسار والنسبة بين الشدة والمقاومة في التيار الكهربائي.
3 – بمقادير عددية ثابتة مثل سرعة الضوء، طول الموجة... إلخ.
4 – باطرادات هي عبارة عن ظواهر مساوقة لأخرى دون أن نتبين بالدقة.

ص 172
صلة علية – بمعنى قوة تؤثر في شيء – بين سلسلتي هذه الظواهر كما نجد هذا مثلاً في كون الاجترار يستتبعه كون الظلف مشقوقا... إلخ.
5 – بأحداث دورية ينظر فيها إلى أوجه ثابتة في تطورها بالنسبة إلى مجاميع متشابهة كما يظهر مثلاً في ظاهرة التبلر، أو ردود الفعل الكيماوية أو ظواهر الهدم والبناء بالنسبة إلى الخلايا، أو قوانين التولد والنمو والذبول والفناء بالنسبة إلى الكائنات الحية... إلخ.
6 – بعلاقات الاتجاه vection كما في القانون الثاني من قوانين علم القوى الحرارية المعروف بقانون كارنو أو قانون نقصان الطاقة... إلخ.
فهذه الظواهر تقوم على أساس وجود اتجاه تتجه الظواهر وفقاً له في مدى تطورها.
و هذا يظهر خصوصا في نظرية التطور سواء منها المتعلقة بالكائنات الحية أو المتعلقة بالقشرة الأرضية: فهنا نجد دائماً اتجاهاً تسير وفقاً له الأحداث.
فالقوانين إذن تتخذ هذه الصور الست.
و على هذا فلا يمكن أن نفهم العلية بمعنى أن ظاهرة ما لا بد أن تسبق ظاهرة أخرى أو أن ثمة قوة تنتج أثراً – فهذا وصف غير دقيق الفكرة العلية.
و فكرة العلية كما نظر إليها أصحاب المدرسة الاسكتلندية وعبر عنها بكل وضوح roger collard تقوم على أساس مبدأين:
أن القوانين ثابتة، هذا هو المبدأ الأول، وأن القوانين عامة، وهذا هو المبدأ الثاني.
أما من حيث المبدأ الأول فالمقصود منه أننا لسنا في حاجة إلى دراسة الظواهر في كل لحظات الزمان بل يكفي أن نلاحظ ظاهرة ما في زمن ما، لكي نحكم بأن القوانين التي تحكمها ستكون دائما على هذا النحو على مدي الزمان.
و ليس للزمان من أجل هذا دخل في تغيير القوانين التي تخضع لها الظواهر، وبهذا تستبعد فكرة الزمان بل يكفي أن نلاحظ ظاهرة ما في زمن ما، لكي نحكم بأن القوانين التي تحكمها ستكون دائما على هذا النحو على مدى الزمان.
و ليس للزمان من أجل هذا دخل في تغيير القوانين التي تخضع لها الظواهر، وبهذا تستبعد فكرة الزمان، فالزمان الخالق الذي تحدث عنه برجسون لن يكون

ص 173
له أي أثر هنا.
أما المبدأ الثاني فمعناه أن القانون قضية كلية بالمعنى المنطقي لكلمة قضية كلية، ومعنى هذا أننا لسنا في حاجة إلى دراسة كل الظواهر في المكان بل يكفي أن نقوم بالتجربة على مجموعة من الظواهر في هذا المكان لكي نعمم الحكم فنجعله صالحاً في أي مكان آخر.
فوفقاً لهذين المبدأين:
مبدأ الثبات ومبدأ العموم تقوم فكرة العلية عند هؤلاء.
و استمر هذا الرأي يشغل أذهان المناطقة إلى درجة كبيرة حتى أتى لاشلييه في أواخر القرن الماضي في رسالته المشهورة (أساس الاستقراء) فبحث المسألة بحثاً أوفى وأتم وانتهى من هذا البحث إلى بيان أن العلية أو الجبرية إنما تقوم على أساس مبدأين:
مبدأ الفاعلية، ومبدأ الغائية.
و قد ابتدأ لاشلييه بحثه هذا بعبارة واردة في كتاب كنْت (نقد الحكم) ومن هذه العبارة انتهي إلى هذه النتيجة التي أوردناها.
أما المبدأ الأول فيقول بالنص:
"في سلسلة من الأحداث وجود ظاهرة لا بد أن يعين وجود ظاهرة أخرى".
أما المبدأ الثاني فيقول:
"وجود ظاهرة في نظام معين لا يتعين تعيناً حقيقياً إلا بالنسبة إلى نظام الكل".
فلندرس كلا من هذين المبدأين بالتفصيل:
أما المبدأ الأول فهو مبدأ العلية العام مصوغا بطريقة أكثر دقة، ويقصد منه أن الظواهر يحدد بعضها بعضا، وأنه لكي يتم وجود ظاهرة من الظواهر فلا بد أن تسبق بظاهرة أخرى أو على الأقل توجد في صلة معها بحيث يتحدد وجودها بوجود الأولى.
و هكذا نجد أن الكون سيتركب من سلسلة مترابطة من الظواهر التي يحدد بعضها بعضا.
و إذا اقتصرنا على هذا المبدأ، لاستمر هذا التحديد إلى غير نهاية.
و لكننا إذا استمررنا إلى غير نهاية فإننا سننتهي

ص 174
قطعاً إلى الفوضى والاختلاط وستكون حال العالم كحالة في مذهب أبيقور قبل تجمع الذرات من أجل تكوين الأكوان.
و لكن هذا المبدأ غير كاف لأن افتراض إمكان حدوث مثل هذه الحالة حالة الفوضى المطلقة ممكن، وليس أقل إمكاناً من فكرة الجبرية المطلقة.
فلا بد هنا إذن في نظر لاشلييه أن يتدخل مبدأ آخر يحول دون حدوق هذه الفوضى المطلقة، وهذا المبدأ هو مبدأ الغائية.
و الغائية هنا ليست بالمعنى المفهوم عادة من أن مجموعة أشياء تتجه نحو غاية نهائية وإنما يقصد به أن ثمة نظاماً يقتضي ترابط الأشياء على نحو ضروري من شأنه أن يجعل الجزء الواحد يتوقف في تركيبه وطبيعته على الجزء الآخر، ومن هنا صاغ لاشلييه هذا المبدأ على هذا النحو:
"إذا كونت الظواهر نظاما فإن هذا النظام فيه تقود فكرة الكل فكرة الأجزاء وطبيعة الكل تحدد وجود الأجزاء".
و يفهم لاشلييه الغائية هنا بمعنى الغائية الباطنة أي التي تتعلق بطبيعة الشيء نفسه من حيث ترتب وظائفه وأجزائه بعضها بالنسبة إلى بعض من أجل تحقيق كماله أو فكرته الموجهة.
و ليست الغائية هنا غائية خارجية بمعنى أن يكون الشيء وسيلة لتحقيق غاية خارجة عنه، فالغائية الباطنة عنده هي بعينها تلك التي فهمها كنْت وهي ترجع في نفس الآن إلى فكرة الجمال، فعند كنت أن الجمال هو وجود النظام في الأجزاء وتضافر الأجزاء بعضها مع البعض الآخر وفقاً لما تقتضيه طبيعة الكل.
و لو قدر للاشلييه أن يعبر عن مذهبه في صيغة أعم لانتهى إلى مذهب في وحدة الجمال كمذهب بلدوين balwin المسمى باسم pancalisme.
ولو نظرنا في هذين المبدأين لوجدنا أولاً أن الأصل فيهما يرجع إلى النقدية المحدثة التي اعتنقها لاشلييه ومثلها في فرنسا في أواخر القرن الماضي

ص 175
و مرجعها في النهاية إلى أن الأشياء لا وجود لها في الواقع إلا لأن عقلي يتأملها ويدركها.
أجل قد يكون للأشياء في ذاتها وجود، ولكنني لا أعلم عنه شيئاً وليس في وسعي أن أعلم عنه أي شيء.
و ذلك لأن الأصل في المعرفة هو التجربة، والتجربة هي الأشياء كما يتصورها العقل.
فحتى الأصل الذي أبدأ منه والذي يدعيه أصحاب المذهب الوضعي الذي يقول بوجود خارج العقل، لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة عقل يحده، والعقل لا يستطيع أن يدرك الأشياء إلا على أساس أن بها نظاماً، فكما أنه يفترض في إدراكه للموجودات والمعقولات مبدأ الذاتية حتى يتم أي فكر سليم، فإنه كذلك يفترض مبدأ النظام لكي تتم المعرفة.
و على ذلك فلما كانت الطبيعة الخارجية لا وجود لها إلا بوصفنا مدركين لها، فلا بد أن يسودها إذاً هذا المبدأ، مبدأ النظام.
لهذا لا تستطيع أن نساير مبدأ العلل الفاعلية أي مبدأ الجبرية إلى نهايته، بل لا بد أن يتدخل دائماً مبدأ النظام كي يعدل من شطحات المذهب الأول، حتى ندرك الحقيقة الخارجية الإدراك السليم.
و هنا نجد لاشلييه يعتمد حتى على أبحاث العلماء الوضعيين التجريبيين ويهيب خصوصاً بكلودرنار، وعلى وجه التخصيص بفكرته في الصورة الموجهة idee directice ويذهب إلى تفسير هذه الفكرة على أنها تدل على معنى الغائية، ولو قدر له أن يفسر كلودبر لقال إن هذه الصورة الموجهة لا توجد في الكائنات الحية وحدها بل وأيضاً في الجمادات.
فحركات الكواكب بعضها بالنسبة إلى بعض إنما تتم أيضاً تبعاً لصورة موجهة.
و انتقال ذرة الهيدروجين من حمض لكي تتحد بعنصر مكونة ملحاً، إنما يتم أيضاً تبعاً لصورة موجهة.
و انتقال قطعة من الجسم في المحلول لكي تنضم إلى البلورة التي بسبيل التكوين على نحو يجعل البلورة ذات شكل هندسي دقيق إنما يتم أيضاً تبعاً لصورة موجهة.

ص 176
فلننظر الآن في كل مبدأ من هذين المبدأين اللذين قال لاشلييه إنهما الأساس في الاستقراء والمنهج التجريبي عموما.
و لنضرب صفحاً عن المذهب الميتافيزيقي الذي أقام على أساسه هذا القول.
فقد يمكن أن تكون هذه المقالة التي قال بها لاشلييه مفهومة معقولة في داخل هذا الإطار الميتافيزيقي الذي قال به وهو الإطار النقدي المحدث، ولكننا لا نريد أن ننظر إليه هنا إلا من ناحية علم المناهج.
فنقول إنه فيما يتصل بالمبدأ الأول، هذا المبدأ يقول إن الظواهر يعين بعضها بعضاً، فهناك سابق يؤثر في اللاحق بالضرورة أو على الأقل هناك أشياء يؤثر بعضها في بعض.
و لكن قد يقال هنا إننا حين التجريب لا نبدأ من هذا المبدأ، إنما هو مبدأ قد نحصله باستمرار التجريب وتواليه.
و لكن هذا الاعتراض على مبدأ لاشلييه ليس بوجيه، وذلك لأن التجريب نفسه لابد أن يقوم في أول الأمر على افتراض أن الأشياء التي حدثت اليوم ستحدث أبداً مهما اختلفت أسباب الزمان والمكان !
فهنا يجب – كما يلاحظ الأستاذ لالاند – أن نقول إن مذهب لاشلييه مصيب.
أما عن المبدأ الثاني وهو مبدأ الغائية الباطنة فهو مبدأ محفوف بالكثير من الغموض، فضلاً عما فيه من نزعة لا نقول إنها مضادة للعلم بل نقول على أقل تقدير إنها خارج العلم.
فيلاحظ أولا أنه ليس من الضروري أن تشترط الغائية في كل الظواهر.
فهذا المبدأ إذن يتجاوز الحقيقة وأعم منها.
فمثلا في علم كالفلك نحن لا نفترض مطلقاً ولا يمكن أن نفترض أن ثمة غائية أي نظاماً في حركات الكواكب، وإلا عدنا إلى ذلك الفلك المتهدم القديم الذي كان يقيم قواعده وأقواله على أساس اعتبارات صوفية كما فعل الفيثاغوريون مثلا أو كما تفعل أنواع الفلكيات المرتبطة بفكرة الغائية لأسباب دينية.
و علينا هنا إذاً ألاً ننشد

ص 177
نظاماً بل ننظر في الحركات كما هي بأن تعتبر القوى المؤثرة وعلى أي نحو يتم التأثير بواسطة الجاذبية مثلا ونحدد الحركات التي تقوم بها الكواكب وفقاً لتأثير هذه القوى.
و ثانياً يجب أن يلاحظ أنه مبدأ ملتو، يحتمل الكثير من التأويل لأن فكرة النظام فكرة غامضة: فقد يكون النظام في الثبات كما كان يفهمه اليونان خصوصاً، وقد يكون النظام في الحركة ذات الاتجاه كما تفهمه فعلا الروح الأوروبية، فإذا كان لدينا فرضان فيما يتصل بتكوين الكائنات مثل فرض (أجاسيس) agussiz الذي يقول بالثبات، بينما هناك فرض أصحاب التطور ابتداء من لامارك حتى دارون الذي يقول بالتطور الحركي للكائنات ابتداء من البلورة حتى الإنسان – فالمبدأ هنا إذاً مبدأ النظام يمكن أن يُفسر عدة تفسيرات، ومن هنا لا نستطيع أن نقول إنه مبدأ ثابت محدد للتفسير.
و الواقع أن ثمة شبهاً كبيراً بين هذين المبدأين وبين التفسير الذي أدلى به روابيه كولار وذكرناه من قبل لفكرة القانون، فقول روابيه مولار إن القوانين ثابتة، يناظر تماماً قول لاشلييه إن الظواهر يعين بعضها بعضا في الوجود، وقول لاشلييه إن وجود الكل يحدد طبيعة الجزء، يناظر قول روابية كولار إن القوانين عامة – مع ما في هذا التفسير أو التشبيه من تعسف.
فإذا نظرنا نهائياً فيما انتهى إليه تحليل لاشلييه لأساس الاستقراء وجدنا أن القسم الأول منه وهو المتعلق بالجبري صحيح بوجه عام، ولكنه لو يأت فيه بشيء جديد بخلاف ما أتى به من جللو العلية من قبل.
و المبدأ الآخر الذي كان جديداً بعض الجدة على الأقل بالنسبة إلى تحليل المنهج التجريبي وأساس الاستقراء يحيط به الغموض من كل جانب ولا يصلح فعلا أن يكون أساساً حقيقاً أو مبدءاً للاستقراء.
و من هنا نجد أن المناطقة قد حاولوا في أوائل هذا القرن وبعد أن أثار لاشلييه مشكلة

ص 178
أساس الاستقراء هذه الإثارة حتى جعلها تقريباً من أكبر المؤثرات على الفكر الفرنسي المعاصر، نقول إنهم بحثوا بعد هذا عن أساس الاستقراء فكانت آراؤهم متضاربة بين نزعة فعلية أو برجماطيقية يمثلها خصوصاً من بين العلماء:
دوهم وبوانكاريه، ونزعة منطقية منهجية حاولت أن تقدم أنواعاً من المبادئ العامة التي هي بالأحرى يجب أن تعدً أوصافا للأفكار الحادية لذهن العالم إبان البحث، ويمثل هذا الاتجاه خصواً الأستاذ لالاند وجوبلو، وثالثاً نجد فريقاً من العلماء المختصين الذين لم يشاءوا الذهاب إلى الحد الذي ذهب إليه دوهم وبوانكاريه من الشك في إمكان اليقين بالنسبة إلى النظريات الكبرى والفروض العامة ويمثل هذا التجاه خصوصاً في فرنسا لانجفان وبيران langevin perrin أما دوهم ويوانكاريه فقد عرفنا من قبل مذهبهما، فخلاصة مذهب الأول أننا نقتطع من الوقائع أشياء نفترض من الوقائع أشياء نفترض افتراضا أنها تمثل الوقائع الحقيقة مع إنها ليست في الواقع غير اقتطاعات ذهنية وتقطعات في الوجود الحقيقي لا تمثله تمثيلاً حقيقاً.
و ما التفسيرات إلا أنواع من الفروض الميسًرة التي تمثل لنا الحقيقة الواقعة على نحو أو على نحو آخر.
و بوانكاريه يذهب إلى نفس المذهب فيرى أن النظريات العلمية لا يمكن أن يبرهن عليها بيقين وأننا هنا بإزاء فروض ميسرة فحسب، وأن في الاستقراء من الغرر والمجازفة والبعد عن اليقين قدراً هائلا وبالتالي لا سبيل إلى إثبات النظريات الكبرى بوجه خاص لأنها تقوم على تعميمات أكبر.
و يميًز حينئذ بين التجارب الجزئية التي قد يكون فيها مقدار وافر من اليقين وبين الفروض العامة التي يمكن أن تعد مجرد فروض، نصيبها من اليقين لا يربو كثيراً على نصيبها من عدم اليقين.
و الأصل في نظرية هؤلاء ومن جرى في أثرهم التمييز بين مسألتين يجب في الواقع أن يميز بينهما بمنتهى الدقة، وهذا التمييز هو التمييز بين الواقعة وبين التجربة.

ص 179
أما الواقعة فهي الأشياء الخارجية، وأما التجربة فهي التفسير الذي نعطيه لهذه الوقائع الخارجية.
و قد تكون الأولى سليمة وواقعية تماماً، ولكن المهم هو التفسير الذي نعطيه لهذه الوقائع فكما يقول بينيه binet:
أجل إن المسألة مسألة ملاحظة وتجريب، لكن ما أشق إيجاد الصيغة الدقيقة المعبرة عن الوقائع !
و على هذا فإن القسم الثاني ظاهر أنه يتوقف تماماً على العقل الإنساني، والقسم الأول لا سبيل إلى الوصول إليه في ذاته لأنه إذا كان موجوداً في ذاته فلا يمكن أن نعلم عنه شيئاً إلا بحسب تجربتنا له، فالأمر سيرتد في النهاية إلى تجربتنا العقلية الخاصة وعلى هذا فكأننا سنرتد أيضاً إلى العقل الإنساني وطرقه في الإدراك.
و هذا السحر الذي كان يضفي على فكرة التجربة قد زال في النهاية.
و مغالاة الوضعيين في الإشادة بالتجربة والتجريب إنما تقوم على نوع من الادعاء الزائف لا أساس له.
فجرًب ما شئت أن تجرب ولكن المهم هو أن تفير ما قمت به من تجارب وما قدمته لك هذه التجارب من نتائج.
و هذه مسألة تتوقف على ذهن العالم وحده، والأمر إذن يتوقف في النهاية على العقل الإنساني بما له من تركيب خاص ومن ميل معين إلى تفسير الأشياء على نحو دون آخر.
فعلينا إذن أن نطامن من حدة ادعاء الوضعيين الذي لم يعد تستحق إلا الابتسام العريض لأنه تبين أنه يقوم على عدم إدراك كاف لمعطيات التجربة وشرائط الاستقراء.
أما أصحاب الاتجاه الثالث من أمثال لانجفان ويران، فإنهم لا يريدون أن يتخذوا من هذا دليلا على استحالة الإدراك المطابق للواقع لكل الأشياء.
فإذا كانت الفروض الواسعة في العلوم الطبيعية لم تتحقق كلها على وجه اليقين فلا يجب أن نيأس من إمكان تحققها يقيناً يوماً من الأيام ونحن دائماً بسبيل تحقيق فروض بعد فروض وهكذا باستمرار.
و من الملاحظ طبعاً أن موقف هؤلاء

ص 180
لا يختلف كثيراً عن موقف أصحاب المذهب السالف إلا في هذه التمنيات التي إن جازت في باب الأخلاق فلا تجوز في باب العلم
بقي إذن التيار الثاني الذي يمثله المناطقة المنهجيون.
و هنا نجد (لالاند) أولا يقول إن ثمة مبادئ ثلاثة تقوم عليها مبادئ الاستقراء، وقد رأيناً من قبل كيف ميز بين مسألة مبادئ الاستقراء ومسألة أساس الاستقراء، وهي تفرقة ليست واضحة لديه بطريقة كافية فهذه المبادئ الثلاثة هي مبدأ إمكان الاستدلال DEDUCLIBILITE ثم مبدأ الاحتمالية المتممة PROBABILITE COMPLEMENTAIRE ثم مبدأ التعميم UNIVERSALISATION أما المبدأ الأول فخلاصته أنه لكي يتم استقراء صحيح فيجب أن يكون في الوسع إجراء استدلال بعده ولذا يقول بصريح العبارة إنه يجب أن يكون الاستدلال والاستقراء معاً متضافرين في داخل عالم مقال شيء واحد.
و الذي يثبت لنا صحة الاستقراء هو إمكان الاستدلال.
فإذا أمكنني بعد فرض الفروض أن أستنتج بواسطة الاستدلال نتائج قابلة للتحقيق والتطبيق كان الاستقراء صحيحاً.
و المبدأ الثاني يقوم على أساس فكرة الاستبعاد: فنحن دائماً بإزاء طائفة كبيرة من الفروض علينا أن نستبعد الواحد منها بعد الآخر وفقاً لكون هذا الفرض أو ذاك يخالف ما ثبت علمياً حتى الآن وهكذا حتى ننتهى إلى فرض واحد يكون هو الحقيقي.
فهذا المنهج السلبي، منهج الاستبعاد، هو مبدا من المبادئ الرئيسية في الاستقراء.
و حينئذ قد يعترض على هذا بأن يقال إن ميدان الفروض فسيح لا يحد فكيف نقوم إذن بهذه العملية التي تبدو مستحيلة ؟ يجيب على هذا لالاند بأن يقول إن مجال الفروض محدود بحسب طبيعة المادة التي يجرب عليها الفرض

ص 181
فمثلًا بالنسبة إلى المجموعة الفلكية، نجد أن لدينا فرضين: إما أن تكون الأرض هي التي تدور حول الشمس، أو الشمس هي التي تدور حول الأرض. فنحن إذن بين فرضين، وإذا وُجد مثلا أن أجسامًا مكهربة قد أفرغت شحنتها الكهربية حينما توضع فوق موقد ذي غاز مشتعل فإن هذا إما أن يرجع إلى الحرارة أو إلى تحول الغاز إلى أيونات، فنستبعد الفرض الأول بإثبات أن إفراغ الشحن الكهربية يتم بدون وجود الحرارة: فلا يبقى إلا الفرض الثاني وهو تأين الغاز. وهكذا نجد باستمرار أن المجال محدود في الفروض. – وفي هذا الرد شيء من الوجاهة، ولكنه ليس صحيحًا في كل الأحوال، فضلا عن أنه لا يقدم في الواقع قوة دافعة إلى فرض فروض كثيرة عسى أن يتحقق منها واحد غير ما كان يفكر فيه. وعلى كل حال فهذا المبدأ الثاني ينطوي على كثير من الاحتمالية، ويدخل فيه حساب الاحتمال إلى حد بعيد.
والمبدأ الثالث يمكن أن يلخص في قولنا إن الأشياء التي تسير على قانون ما يجب أن تستمر على نفس الطريقة إلى أن يظهر برهان عكسي. وهنا نحن نفرض – كما قال جوبلو – نفرض مكان أن يسير الزمان والمكان كما هما الآن وأن تكون الظواهر العامة التي تدخل في إطارها الظواهر الجزئية سائرة كما هي فلا نفترض مثلا فناء الشمس أو ظهور قوة جديدة أو تدخل قوة مفاجئة من عالم مجهول، وعلى هذا نستطيع أن نستمر على هذا المبدأ ما دمنا لا نجد فرضًا مضادًا أو برهانًا عكسيًا ينفي ما نقول. غير أننا نلاحظ أخيرًا على هذه المبادئ أنها توجيهات للبحث العلمي أكثر من أن تكون بيانًا لأساس الاستقراء. والرأي الصحيح الذي يجب أن ننتهي إليه هو رأي أصحاب المنهج الأول، فالنتيجة الأخيرة التي نستطيع أن نستخلصها هي أنه لكي يقوم العلم لابد أن نفرض الجبرية، والجبرية الدقيقة إلى أقصى حد، وأنه يجب ألا نتوقع تغيرًا مفاجئًا

ص 182
للقوى المؤثرة في الكون، ولا نفرض أي تدخل خارق للطبيعة في ظواهر الطبيعة. وعلينا أن نؤمن بالجبرية المطلقة والحتمية المطلقة الموجودة في الطبيعة إلى أقصى حد، وهذا الإيمان ككل إيمان مصادرة فسحب أي شيء نصار عليه ونفترضه افتراضًا ولا أساس له من الواقع، إن كان ثمة بعد مجال للتحدث عن أي واقع.

ص 183
المنهج الاستردادي
يتكون التاريخ من وقائع حدثت مرة واحدة وإلى الأبد، بينما يتكون العلم من حقائق قابلة دائمًا لأن تعود، وما ذلك إلا لأن التاريخ يقوم على الزمان، وأول خاصية من خصائص الزمان عدم قابلية الإعادة irreversibilite لأن الصفة الرئيسية للزمان هي الاتجاه، والاتجاه يقتضي السير قدمًا دون تراجع أو تخلف أو تكرار، مهمة علم التاريخ أو التأريخ أن يقوم بوظيفة مضادة لفعل التاريخ ألا وهي أن يحاول أن يسترد ما كان في الزمان، لا ليتحقق فعليًا في مجرى الأحداث فهذا ما ليس في وسع أي كائن من كان أن يقوم به وحتى الله نفسه لا يجعل شيئَا قد كان يتكرر هو نفسه مرة أخرى كما أنه لا يجعل شيئًا كان ألا يكون قد كان. وأما مهمة التأريخ فهي أن يحاول أن يستعيد في الذهن وبطريقة عقلية صرفة ما جرت عليه أحداث التاريخ في مجرى الزمان، محاولا أن يتصور مجرى هذه الأحداث وكأنه يجري في اطراد موجه.
ومن حيث أن هذا لا يمكن أن يتم إلا بنوع من التجربة الحية التي يحاول المرء فيها أن يعاني في نفسه ما قد كان حسبما كان، فإن التأريخ الحق هو ذلك الذي يستطيع أن يحيا تجارب الماضي، كما حدثت، في نوع من التخيل ولكن هذا التخيل ليس تخيلا مبتدعا؛ إنما يجب أن يقوم على أساس ما خلفته الأحداث الماضية من آثار، ذلك أن ما كان لا يمكن أن يستعاد بحال. إنما يمكن أن يستعاد نظريًا بنوع من التركيب ابتداء مما خلفه من وقائع يعمل الذهن فيها أحيانًا والخيال المبتدع أحيانًا أخرى، على أساس نوع من الوجدان هو ما يسميه

ص 184
اشبنجار باسم "التوسم" physiognomique، بهذا التوسم نُكون الصورة الماضية على خير وجه متيسر. وقيمة هذا التوسم تتعلق من ناحية بقدرة المؤرخ المتوسم، ومقدرته على النفوذ وراء الآثار في اكتناه للصورة الكلية المتصلة التي تعبر عنها هذه الظواهر المتناثرة أو الآثار المتباعدة، وهذه مسألة لا تتعلق بالعلم في شيء، إنما هي نوع من الهبة الطبيعية التي لا تتوافر إلا للممتازين، فليس لنا إذن أن نبحث فيها، ولكن هذه الهبة لا تستطيع أن تأتي بنتائج صحيحة إلا بالاعتماد على الآثار المتخلفة عن الأحداث التاريخية ومن هنا كان لهذه الآثار التي يسمونها باسم الوثائق Documents أكبر قيمة في الدراسة التاريخية.
فالتأريخ لا يمكن أن يتم حقًا، كما يقول Seignobos & Langlois في كتابهما الممتاز (32) "المدخل إلى الدراسات التاريخية" Introduction aux etudes historiques، نقول لا يمكن أن يقوم التاريخ إلا على أساس من الوثائق، وهذه الوثائق تنقسم إلى: آثار أو مخلفات خطية، أو روايات، أو نقوش.. إلخ ولهذا يجب أن تكون الخطوة الأولى في المنهج التاريخي هي خطوة البحث عن الوثائق، وهي ما يسميه المؤرخون الألمان باسم Heuristique Heuristik من كلمة يونانية تدل على البحث أو الوُجد، معنى هذه الكلمة محاولة إيجاد الوثائق الكافية أو الممكن إيجادها المتعلقة بحادث من الأحداث التاريخية.
فعلينا أولًا أن نجمع كل ما يمكن جمعه من الوثائق المتعلقة بعصر من العصور

ص 185
أيًا كان نوع هذه الوثائق، وأن نضمها جميعًا في مكان واحد هي بعينها أو على الأقل ما يمكن جمعه منها ثم صورًا لما لا يمكن وضعه في هذا المكان. والخطأ الأكبر الذي يقع فيه المؤرخون إنما كان ينشأ دائمًا عن كونهم لا تتوافر لديهم كل الوثائق المتعلقة بالحادث موضوع الدرس. ولم ينهض التأريخ نهضته الحقيقية إلا بعد أن هيأت المكتبات والمتاحف ودور المحفوظات التي تضم الأشتات المختلفة لموضوع واحد في مكان واحد ميسرة بها للمؤرخ أن يقوم بعمله. وإذا كنا لم نستطع أن نصل حتى الآن إلى نتيجة مرضية من هذه الناحية فان التقدم الهائل لعلم الفيلولوجيا لم يتم في الواقع إلا بفضل المجهودات الضخمة التي بذلت في هذا السبيل في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. ولا ضير على الإنسان أن يبدأ أولا بجمع الوثائق من أي مصدر كان وأن يضم بعضها إلى بعض دون ترتيب أو تمييز أو اختيار أو تصنيف لأن المهمة الأولي في الواقع هي جمع الوثائق من مظانها في كل مكان. حتى إذا ما انتهت هذه الخطوة الأولى أمكن بعد للمؤرخين أن يعنوا بهذه الوثائق ويتوفروا على دراستها ليستطيعوا عن هذا الطريق أن يصلوا إلى الأحداث التاريخية التي ليست هذه الوثائق غير آثار متخلفة عنها.
فعلينا إذن كخطوة أولى أن نضم كل الوثائق المتعلقة بشيء ما – سواء أكان حدثًا تاريخًيًا، أم كتابًا يراد نشره، أو كان صيغة دبلوماسية أو عقدًا من العقود وعلى وجه العموم أي شيء يراد استرداده تاريخيًا، علينا أن نجمع هذه الأشياء في مكان واحد قدر المستطاع أما هي نفسها أو صورًا منها، مضيفين إليها إن أمكن كل المصادر غير المباشرة التي تعيننا على تحقيق صحة الوثائق المدروسة كما سيتبين بعد قليل.
وإذا تمت هذه الخطوة الأولية بدأت الخطوة الحقيقية في المنهج التاريخي وهي خطوة النقد.

ص 186
النقد: هذه الوثائق التي يعتمد عليها المؤرخ يجب أن تكون نقطة البدء لكي يصل في النهاية إلى الواقعة التاريخية التي تعد الغاية الأخيرة. ولكن بين الواقعية وبين الواقعة التاريخية المستردة طريقًا شاقًا طويلًا يقوم كله على أساس أنواع من الاستدلال: فمنها ما هو استدلال خالص، ومنها ما هو برهان بواسطة المماثلة أو التمثيل أو قياس النظير، ومنها ما يقوم على الاستقراء. وهذه الخطوات المتوسطة بين نقطة البدء ونقطة الانتهاء هي الوصف الحقيقي للمنهج التاريخي. وأي خطأ في أية نقطة من هذه السلسلة الطويلة سيؤدي قطعًا إلى خطأ قد يكون فاحشًا في بعض الأحيان. فعلينا إذن أن نمعن في تحديد الخطوات الموصلة من نقطة البداية إلى النهاية، وأن نضع كل القواعد الدقيقة التي يجب اتباعها والسير بكل دقة لتنفيذها حتى لا يكون ثمة نقص في أية خطوة نخطوها وحتى لا نصل إلى نتيجة خاطئة تبعًا خطأ عرضي جزئي قمنا به في أية مرحلة.
ولو نظرنا في الوثائق لوجدناها على نوعين: النوع الأول هو الآثار أو الأشياء المصنوعة، والنوع الثاني هو الآثار الكتابية التي قد تكون وضفًا لحادث تاريخي، أو قد تكون رواية عيانية لهذا الحادث، أو قد تكون مجرد جمع روايات عيانية وغير عيانية لهذا الحادث التاريخي أما النوع الأول فيسير، لا يؤدي كثيرًا إلى الأخطاء اللهم إلا من حيث بيان صحة نسبته التاريخية، وذلك لأنه أثر مادي؛ وكل أثر مادي يتكافأ مع مؤثر حقيقي فعلي، فمن اليسير إذن وفقًا لحالة الأثر أن نكشف عن حالة المؤثر. فآثار كالأهرام مثلًا والمعابد والأبنية أو الترع أو التخطيطات للمدن المختلفة، كل هذه الآثار من اليسير أن نحدد ما لها من صلة بمنشئيها، لأننا هنا بإزاء أشياء مادية تقريبًا ومن اليسير في مثل هذه الأحوال أن نحدد الصلة الوثيقة بين الأمر المادي والمؤثر الفاعل.
أما في حالة النوع الثاني من الوثائق، فالأمر عسير كل العسر لأنه عبارة

ص 187
عن الآثار المتخلفة في نفسية إنسان عن حادث من الأحداث، والإنسان بطبعه حر متغير كثير التأثر يخضع لعوامل عدة ويتأثر بها بطرق مختلفة وعلى أنحاء متعددة، فضلا عن أن لديه دواعي عدة للتحريف أو التزييف أو الوقوع في الخطأ أو مجرد الوهم، ومن هنا فإننا سنكون حينئذ بإزاء محاولة شاقة استكناه العوامل النفسية التي أثرت فيمن كتب هذه المخلفات الخطية لكي نتبين الدوافع التي دفعته وصحة هذه الدوافع ومقدار الصدق في نقل الحادث، إلى آخر هذه المسائل المتعلقة بامتحان صحة الروايات. والأمر قد يكون أيسر بالنسبة إلى المخلفات الحديثة، بينما الأمر شاق جدًا فيما يتصل بالآثار القديمة أولا لأن عوامل التغيير من أيد كثيرة مرت بها هذه الأشياء أو من مجرد فعل الزمان الذي يعفى على الآثار، فضلا عن عدم الدقة في المؤرخين الأقدمين نظرًا إلى روحهم التوكيدية القاطعة أو إيمانهم الساذج ببعض الأحداث دون نقد أو تمييز – لهذه الأسباب كلها يكون الأمر عسيرًا كل العسر في تحديد صحة الوثائق المتخلفة عن العصور القديمة فعلينا إذن أن نقوم بعملية امتحان قاس لكل هذه الوثائق المتخلفة عن الحادث موضع الدرس وذلك بأن نسأل أولا: هل الوثيقة صحيحة، أي كما كانت في الأصل؟ وإذا لم تكن كذلك فماذا عسى أن يكون النص صحيح؟ ثم نحقق المصدر الذي تنسب إليه الوثيقة، وهذا ما يكون النقد الخارجي critique externe أو نقد التحصيل critique d`erudition أو النقد الفيلولوجي critique philoligique.
وعلينا بعد هذا كخطوة ثانية أن نسأل أولًا: ما معنى هذا النص؟ ثانيًا: هل آمن به صاحبه؟ ثالثًا: هل كان محقًا في إيمانه به؟ وهذه المسائل الثلاث هي التي تكون ما يعرف باسم النقد الباطن critique interne. وبواسطة هذين المنهجين نستطيع أن نصل أولا إلى تحديد دقيق لصحة الوثيقة التاريخية وهذا يتم

ص 188
بفضل النقد الخارجي؛ وثانيًا إلى فهم معنى الوثيقة – وهذا ما يقوم به النقد الباطن، ولهذا انقسم النقد التاريخي إلى قسمين ضخمين: النقد الخارجي والنقد الباطن. فلندرس كلا على حدة بالتفصيل:
1- النقد الخارجي:
يجب أن نلاحظ أولًا: أن مهمة المؤرخ كأشق ما تكون المهمة. وذلك لأن الوثائق التي لديه ليست كالمواد الطبيعية التي يجرب فيها الفيزيائي أو الكيميائي لأن هذه الوثائق ليست هي الأحداث الواقعة وإنما هي تقريرات وأوصاف عنها وروايات مفصلة بها، وما مثل المؤرخ في هذه الحالة إلا كمثل الكيميائي الذي لا يعاين التجارب بل يكتفي بدراسة التقريرات التي يقدمها له المحضر في المعمل، بل الأمر أعسر بكثير، لأن في وسع الكيمائي أن يعاين بنفسه هذه الظواهر الكيميائية بإعادة التجارب من جديد والتحقق من صحة تقريرات المحضر، أما المؤرخ فليست له حتى هذه الوسيلة: فما كان قد كان ولا سبيل إلى إعادته، ولهذا كانت مهمته محفوفة بكثير من المصاعب، مما سيتبين من دراستنا لكل جزء من جزأي النقد التاريخي
أما النقد التاريخي فينقسم قسمين: أولا: نقد الاستعادة أو نقد التصحيح، وثانيًا: نقد المصدر.
1- نقد الاستعادة critique de restitution:
يقوم هذا النقد على أساس التحقق من صحة الوثائق التي لدينا عن الحادث، فعلينا أن نعرف: هل الوثيقة صحيحة؟ أي أنها هي الوثيقة الحقيقية التي كتبها صاحبها. فكثيرًا ما يدخل في الوثائق كثير من الحشو أو قد يضاف إليها كثير من الإضافات الزائدة المقصود بها الإكمال، وأحيانًا يكون النص محرفًا في بعض

ص 189
أجزائه، وأحيانًا رابعة يكون النص مزيفًا تمامًا. وهذا التزييف يتعلق إما بالوثائق ذات القيمة أو بالوثائق الضئيلة القيمة، وعلى كل حال فهذه مسألة تتعلق بالأحرى بالقسم الثاني من النقد الخارجي أي ذلك التعلق بنقد المصدر. ولدينا فيما يتصل بالوثائق أحوال ثلاث رئيسية: الأولى منها أن تكون لدينا نسخة بخط المؤلف من الوثيقة موضوع البحث، فحينئذ يكون الأمر يسيرًا وما علينا في هذه الحالة إلا أن ننسخ هذه الوثيقة كما هي في الأصل تمامًا دون أن نزيد فيها حرفًا أو ننقص منها شيئًا، حتى لو كانت مليئة بالأخطاء. فمهمتنا في هذه الحالة مهمة فوتوغرافية – إن صح هذا التعبير – لأن المطلوب هو تقديم وثيقة المؤلف الأصلية بالضبط كما كتبها. والحالة الثانية أشد عسرًا وهى ألا تكون الوثيقة مخطوطة بخط المؤلف بل نسخة وحيدة. وهذه النسخة الوحيدة قد تكون أحيانًا كثيرة مليئة بالأخطاء وهذه الأخطاء إما أن تكون أخطاء في الحكم أو أخطاء عرضية. أما الأخطاء في الحكم فتتعلق إما بالجهل من جانب النسخ أو بمحاولة إصلاح النص حسب فهمه الضيق فيسيء إلى النص من حيث أراد أن يصلحه. ونحن نجد الكثير جدًا من هذه الأخطاء التي تحدث عن جهل الناسخ وعدم فهمه للأصل تمامًا خصوصًا في المخطوطات العربية. أما الأخطاء العرضية فتنشأ من الناسخ إما بنسيان بعض الألفاظ أو بتشتت انتباهه أثناء النسخ أو أخطائه أثناء الإملاء أو من مجرد الأخطاء التي يرتكبها خطيًا مما يسمونه الأخطاء القلمية Lapsus calami. فهذه الأخطاء المتعلقة بالتحريف في النص يمكن إصلاحها بوجه عام عن طريق استقصاء الأخطاء التي يقع فيها المرء عادة أثناء النسخ مثل تكرار بعض الكلمات أو بعض المقاطع وهو ما يسمونه dittographie أو ذكر مقطع من المقاطع المتكررة دون المقاطع الأخرى وهو ما يسمونه haplographie والأخطاء في علامات الترقيم... الخ.

ص 190
وهذه الظاهرة المتصلة بالأخطاء الكتابية تبدو في أحد صورها في الكتابة العربية خصوصًا وأنها عانت الكثير من التطورات في البدء كانت الحروف تكتب من غير نقط ولا إعجام، فضلا عن أن الشكل لم يكن قد وجد بعده وهذا أظهر ما يكون في اختلاف القراءات بين المصاحف المختلفة وبين القراء المختلفين، كما يظهر في النصوص التي اختلف عليها أكبر اختلاف سواء النصوص الأدبية ونصوص الحديث بأنواعها، ولكي يصلح النص إصلاحًا حقيقيًا يجب على من يتصدى لهذا العمل أولا أو يكون محيطا باللغة التي كتب بها النص، ثانيًا أن يكون عالمًا بالخطوط التي كتبت بها النصوص التي يشتغل فيها، وبكب الخطوط التي مرت بلغة من اللغات إذا كان يتناول عصورًا متطاولة، ويجب ثالثًا أن يكون على علم بالأخطاء الشائعة الخاصة بكتابة لغة من اللغات مما يرد عادة لدى النساخ في أحوال كثيرة تبلغ درجة أن تكون هذه الأخطاء أخطاء عامة.
وينبغي من أجل ذلك وضع معجم أبجدي منهجي للأخطاء الشائعة الخاصة بكتابة لغة من اللغات، فهذه عملية من أهم العمليات التي تساعد الناشرين على تحقيق النصوص وإصلاحها. ومن هنا عنى بها الفيلولوجيون منذ عهد بعيد وخصوصًا أولئك الذين اهتموا بالدراسات اليونانية واللاتينية. لهذا قام كثير من الباحثين بوضع معاجم مفصلة أبجدية للأخطاء الشائعة بين النساخ وطريقة اصلاحها، ومن أهم المعاجم في هذا الصدد معجم Adversaria critica تأليف مادفج “Madvig” فيما يتصل باليونانية واللاتينية معًا، ثم معجم Bast: “Commentatio paleographica” بالنسبة إلى اللغة اللاتينية ثم “Gradus ad criticem” تأليف هاغن “hagen” بالنسبة إلى اللغة اللاتينية أيضًا. فبواسطة هذه المعاجم التي يجب أن توجد نظائر لها في العربية بعد قيام حركة النشر الهائلة التي قام بها المستشرقون في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن،

ص 191
تفيد فائدة جلى، والتصحيحات التي نستطيع أن نقوم بها بواسطتها كثيرة لا تحصى، ومن الأمثلة المشهورة على هذا تصحيح Madvig لنص سنيكا
"Philosophia unde dicta sit, apparet; ipso enim nomine fatetur, quidam et sapiatiam ita quidem finierunt."
وقد كانت الكتابة باللاتينية بدون علامات ترقيم، فكانت الحروف توضع إلى جوار بعضها البعض دون تمييز بفواصل بين الكلمات فيكون حرف تلو حرف تلو حرف إلى النهاية، وتقطيع الحروف إلى كلمات يتم عن طريق القارئ لا في النص المكتوب، فلم يكن يوجد بالأولى لاشولة ولا شولة ونقطة... إلى آخر علامات الترقيم. فرقم هذا النص أولا على هذا النحو ولكن تبين له أن القسم الثاني لم يكن له أي معنى، فرأى مدفج أنه لابد أن يكون هنا خطأ في تقطيع الكلمات، فقطع القسم الأخير هكذا quind amet sapientiam. Etc: فبهذا تم إصلاح نص سنيكا وأصبح مفهوماً.
ومن الأمثلة على هذا ما يرد كثيراً في بعض التراجم العربية عن اليونانية ومثاله ما ورد في توقيع مخطوطة بيروت الخاصة بتراجم محمد بن عبد الله بن المقفع لكتب أرسطو المنطقية الأولى فقد ورد التوقيع التالي: " تم كتاب أنولاطيقا وليس بعده من هذه الكتب إلا كتاب أفود الطبيعي ولم يمنعنا من استقرائه إلا ما قدمنا..." فقد ظن فورلاني Giuseppe Furlani أن كلمة أفود لابد أن تكون "سمع" أو ما يشبهها، ولكن هذا ظاهر الخطأ كما بين ذلك كراوس فلا معني للكلام عن كتاب الطبيعيات وهو بصدد كتاب في المنطق، وثانياً لا يمكن إصلاح النص من رسم الكتابة بهذه الطريقة، وإنما يجب كما فعل كراوس ألا يعد هذا الكلام كلمتين، بل كلمة واحدة وهى أفود يقطيقي (= البرهان) والأمثلة على هذا كثيرة لا حصر لها في المخطوطات العربية.

ص 192
الحالة الثالثة: وإذا كان لدينا أكثر من مخطوطة فإن عملنا سيكون من ناحية ميسراً ومن ناحية أخرى أطول، فعلينا أولا أن ننظر في هذه المخطوطات كي نتبين ما تنتسب فيها إلى أصل واحد، فتعد مجموعة المخطوطات التي تنتسب إلى أصل واحد وكأنها لا قيمة لها إلا كمخطوط واحد. ونستطيع أن نتبين ذلك من وجود نفس الأخطاء في نفس المواضع، حينئذ نعرف بالدقة أنه لابد أن تكون هذه المخطوطات قد كتبت بعضها عن بعض، فنعدها فرعاً واحداً ينتسب إما إلى الأصل وإما إلى مخطوطة كتبت عن الأصل، ونستمر في تصنيف المخطوطات الموجودة على هذا الأساس حتى نستطيع أن نحدد وجود مجاميع مستقلة ليست مأخوذة بعضها عن بعض وإنما أخذت من مصادر مختلفة. وبعد هذا نضع شجرة النسب لهذه المخطوطات مبتدئين من الأصل في صورة كهذه:
صورة
وكلما بعدنا عن المؤلف كثرت أحياناً المخطوطات الفرعية، وتعددت بالتالي المخطوطات المتوسطة، فنستطيع أن نعد مخطوطة المؤلف هي الأًصل،

ص 193
والأصول المستقلة المكونة للأسر المختلفة تعد مخطوطة من الدرجة الأولى ثم يتفرع عن كل مخطوطة من الدرجة الأولى مخطوطات فرعية حددناها كما قلنا عن طريق الاتفاق في الأخطاء فيما بينها، وقد تتعدد هذه المخطوطات المأخوذة عن مخطوطات الدرجة الأولى إلى غير نهاية.
ويجد ألا نعد قدم المخطوطة هو العامل الفاصل في صحتها، فقد تكون هناك مخطوطة ذات تاريخ حديث وليكن مثلا سنة 1920 ولكنها مأخوذة مباشرة عن مخطوطة من الدرجة الأولى فهذه تفضل بكثير جداً مخطوطة كتبت سنة 1830 مثلا لو أن هذه أخذت لا عن مخطوطة من الدرجة الأولى بل عن مخطوطة فرعية عن مخطوطة الدرجة الأولى، وبالأحرى والأولى عن أية مخطوطة تزداد بعداً عن مخطوطة الدرجة الأولى. فالعبرة إذن لا بتاريخ المخطوطة وإنما بعدد الوسائط الموجودة بين هذه المخطوطة وبين المخطوطة المكتوبة بخط المؤلف.
وبعد وضع شجرة النسب هذه بين المخطوطات ننظر في القراءات المختلفة التي تقدمها المخطوطات المستقلة، وهنا يحدونا في تفضيل قراءة على قراءة أولا القرب من الأصل. فأقرب المخطوطات إلى الأصل، وهو أقلها في الوسائط، تكون هي الأصح على الرغم مما يحدث أحياناً من أن تكون القراءة التي بها أقل وضوحا من القراءة الموجودة في مخطوطة أخرى. وثانياً إذا تساوت المخطوطات تقريباً في الدرجة وكانت مستقلة، فضلنا القراءة الأعم أي حددنا القراءة التي نختارها وفقاً للأغلبية. وإذا لم نستطع هذا ولا ذاك، بأن ظل النص مع هذا مضطرباً، فان علينا أن ننظر في المسألة وكأننا ليس لدينا إلا مخطوطة واحدة، أي وكأننا في الحالة الثانية. وحينئذ نقوم بالإصلاح على أساس القواعد والإشارات التي ذكرناها بالنسبة إلى الحالة الثانية، مع وجود يسر في هذه الحالة أكبر منه في الحالة الثانية، لأن القراءات المختلفة قد تؤدي إلى تسهيل تخمين القراءة الصحيحة. وعن طريق هذا كله نستطيع أن نصل إلى صورة أقرب ما تكون إلى النص الأصلي.

ص 194
ولكن هذا العمل عمل سلبي خالص، فقد قدمنا النص كما هو أو كما يُرجح أن مؤلفه كتبه، وعلينا بعد هذا أن نقوم بعمل أكثر إيجابية، وهو أن نتبين مصدر الوثيقة موضوع الدرس، وهذا ما يقوم به القسم الثاني من النقد الخارجي وهو نقد المصدر. ويجب أن نلاحظ أخيراً أن تصحيح النص له خطر ضخم، فكثير من الأخطاء، سواء من الناحية التاريخية والمذهبية، لم يكن له من مصدر إلا خطأ في النسخ. وكثيراً ما أثارت هذه الأخطاء في النسخ أو عدم إمكان القراءة الصحيحة للفظ – مالا حصر له من المشاكل. ولعل من أبرز هذه المسائل في الفلسفة الإسلامية مشكلة قراءة " فلسفة مشرقية " وعليها يتوقف حل مسألة خطيرة هي مسألة قيام فلسفة إسلامية أصيلة أو عدم قيامها.
فنقد الاستعادة لا يؤدي إذن إلا إلى استخراج النص كما هو في أصله دون أن يضيف إليه شيئاً، مزيلا كل القراءات الفاسدة وكل التصحيفات التي مر بها النص، وكل القراءات التي يمكن أن تكون دخيلة أو معدَّلة. فهو إذن لا يضيف شيئاً جديداً مطلقاً إلى النص.
2- نقد المصدر: وليس في وسعنا أن ننشد حجة قول ما لدى إنسان لم تكن له صلة بالحادث أو الواقعة التاريخية، ولا يمكن أن نتلقى الأخبار اعتباطاً من حيث أنها أخبار دون أن نشير إلى المصدر الذي صدرت عنه، ولهذا فلا يكفي أن تكون لدينا الوثائق صحيحة وكما كتبها واضعها، وإنما يجب أن يضاف إلى هذا أن نعرف أولاً: ما مصدر الوثيقة ؟ ثانياً: من مؤلفها ؟ ثالثاً: ما تاريخها ؟ ذلك أن الوثائق تختلف في قيمتها اختلافاً شاسعاً من حيث صحة نسبتها إلى واضعها الأصيل أو إلى من ذكر اسمه كواضع لها، فنحن نجد كثيراً من الوثائق أو المؤلفات تذكر لنا بصراحة وبكل توكيد وقطع أن مؤلف هذه الوثيقة أو تلك هو فلان أو فلان من الناس. ولكن يجب ألا نثق مطلقاً

ص 195
في أيّ توكيد مهما كان في قوته، فكثير من الوثائق قد زيف لعدة اعتبارات ذكرها باست J. Bast بالتفصيل منها مثلا أن يكون الأثر ضئيل القيمة فيمهر بختم فلان من الناس المشهورين لكي ترتفع قيمته ؛ أو قد يكون الأثر عظيم القيمة فيضاف إلى إنسان من أجل تمجيد هذا الإنسان مع أن الأثر لا ينتسب إليه، وقد يكون قصد صاحب الانتحال أن يبين مذهباً معيناً، فيضطر إلى أن يكتب كتاباً يبين فيه قوة هذا المذهب أو كيف أن شخصية عظمى هي التي كتبته أو أنتجته، ومن أجل هذا يزيف كتاباً أو أثراً بأكمله ويعزوه إلى هذه الشخصية العظيمة. فمثلا نجد كثيراً من الكتب التافهة قد نسبت إلى أفلاطون مع أنه ليس مؤلفها، وذلك لكى ترتفع قيمتها. كما أن ثمة مؤلفات جليلة قد نسبت إلى أفراد إما مغمورين أو مشهورين بدون حق. وأخيراً نجد حالة مثل حالة كتاب " نهج البلاغة " الذي يمثل النوع الثالث وهو المتعلق بالدفاع عن مذهب من المذاهب فيعزي إلى شخصية عظيمة، تعتبر مؤسسه، أثر يتبين فيه أن هذه الشخصية العظيمة قد ذهبت حقاً إلى ما تذهب إليه هذه النحلة من رأى.
فكتاب " نهج البلاغة " قد قصد به من ناحية إلى تمجيد شخصية الإمام علي من حيث رفعة منزلته في البلاغة والكلام والتفكير الديني بوجه عام، ومن ناحية أخرى قد قصد به إلى بيان أن المذاهب التي تقول بها الشيعة هي حقاً تلك التي نادى بها الإمام علي.
وتمييز المنتحل والصحيح من المؤلفات عسير كل العسر بالنسبة إلى الأقدمين وأيسر نسبياً إلى المحدثين، لأن المحدثين قد اعتادوا أن يكتبوا أسماءهم على مؤلفاتهم أو يمهروا لوحاتهم بتوقيعاتهم أو بتعليقات تدل عليهم. وأما الأقدمون فإما أنهم كانوا لا يعنون بذلك، وإما أن المواضع التي تمهر فيها هذه التوقيعات قد درست وزالت، أو لعدة أسباب أخرى. ومن هنا كان على المؤرخ، خصوصاً الباحث في العصور القديمة، أن يكون دقيقاً كل الدقة في

ص 196
النظر إلى النصوص وأن يبتدئ من هذه المقدمة وهي أن يفترض مقدما أن كل الوثائق مزيفة. وعليه بعد ذلك ألا يأخذ بالوثيقة إلا إذا ثبتت لديه صحتها، وسيكون حاله حينئذ حال من لا يعرف شيئاً عن المؤلف، وكأنه لا توجد في الوثيقة إشارة إلى مؤلفها وعليه أن يبدأ من جديد كي يعرف من عسى أن يكون هذا المؤلف. والقواعد لهذا تسير على النحو التالي:
(أ) أولاً: يجب أن نقوم بما يسمى التحليل الباطن analyse interne ومعناه أولا أن ننظر في الوثيقة من حيث الخط الذي كتبت به. فالخطوط تختلف فيما بين العصور بعضها وبعض. فإذا وجدنا وثيقة من القرن الأول أو الثاني للإسلام مكتوبة بخط فارسي أو نسخي عادي، فيجب أن تعدّ قطعاً منحولة ؛ وإذا وجدنا وثيقة في القرن الرابع مكتوبة بخط كوفي قديم قد خلا من النقط والإعجام فليس من شك أو على الأقل فمن المرجح جداً أن تكون منحولة.
ثانياً: علينا أن ننظر في اللغة التي كتبت بها، فبعض الصور اللغوية وألوان من الخصائص النحوية، وأنواع من العبارات والمجازات ومنحنيات التعبير لا توجد إلا في عصر دون عصر آخر. فبعض الخصائص اللغوية تميز عصراً من عصر، وبالتالي نستطيع بواسطتها أن نحدد عصر الوثيقة التي كتبت بهذه اللغة. فمثلا يمكن أن نستخدم هذا المنهج خصوصاً في نقد الشعر الجاهلي على الرغم ما به من خطر، ونقول إن فيه خطراً هائلا أولا: لأن المقياس الذي يتخذ عادة في هذه الحالة هو الجزالة وحوشية اللفظ باعتبار أن هذا هو الذي يتناسب مع الجاهلية، خصوصاً وأن هذه الكلمة: "جاهلية" توحي بهذا المعنى لدى هؤلاء المؤرخين السطحيين، فيظن أن كل أثر شعري يتسم بالرقة ونصاعة اللفظ وسهولة التعبير لابد أن يكون منتحلا. ولكن هذا المنهج خطر كل الخطورة أولا لأنه ليس بصحيح مطلقاً أن الشعر الجاهلي كان كله جزلا، وإنما اختلفت طبيعة الشعر جزائة ورقة باختلاف بيئات الشعراء، فشعر عدي بن زيد وسعر عبيد بن الأبرص يتسم

ص 197
برقة لا نكاد نظفر بها حتى في العصر العباسي في بعض الأحيان، فلا يدل هذا مطلقاً على أنها منحولة. وعلى العكس من ذلك نجد في العصر الأموي، بل حتى في عصرنا الحاضر، شعراً يمتاز بالجزالة التامة مثل شعر ذي الرمة أو شعر الشيخ عبد المطلب. فهذه الجزالة لا تدل مطلقاً على أنها من العصر الجاهلي. إنها تمتاز بالجزالة التامة، ولكنها لا تنتسب – كما هو واضح – إلى العصر الجاهلي.
ولكن الخطأ ليس هنا في المنهج وإنما في استخدام مقياس معين لتطبيق المنهج. إنما الذي يجب أن نعتبره في هذه الحالة هو طبيعة التراكيب الخاصة وبعض الخصائص المتعلقة باستعمال حروف الجر أو طريقة المجاز أو طريقة تركيب المسند والمسند إليه واستعمال الأفعال، فهده الخصائص الدقيقة الجزئية هي فعلا التي تضع أصابعنا على حقيقة العصر الذي كتبت فيه، خصوصاً إذا لاحظنا من ناحية أخرى أن المنتحلين قد تنبهوا إلى هذه المسألة، فكانوا أمكر من أن يكتشف انتحالهم بسهولة، فاضطروا إلى تزييف لغة الأصل، كما نجد مثلا في الأشعار المنتحلة التي اختلقها خلف الأحمر وأكثر الأشعار المنسوبة إلى الهذليين. لقد تفنن هؤلاء الرواة الذين رووا هذه الأشعار في استعارة لغة الأصل، فأغربوا ما شاءوا الإغراب، كي يعفوا على كل أثر لاتهامهم بالانتحال. فعلينا إذن أن نكون دقيقين كل الدقة، حذرين كل الحذر في استخدام هذا المنهج.
وثالثاً: علينا أن ننظر في الوقائع التي ترد في الوثيقة من حيث إمكان حدوثها في الزمان المنسوبة إليه، أو في المكان الذي تزعم الوثيقة أنها جرت فيه، وأن ننظر فيما عسى أن تكون هناك من إشارات إلى هذه الوقائع في كتب المعاصرين فعن طريق معرفة هذه الإشارات نستطيع أن نتبين، إلى حد ما، العصر الذي تنتسب إليه الوثيقة.
(ب) لا تكفي الاعتبارات السالفة لتحديد دقيق لمؤلف الوثيقة أو الأثر

ص 198
أو الكتاب... الخ. ولهذا يمكن أن نؤكد النتائج التي نصل إليها عن طريق الخطوة السالفة، بواسطة ما عسى أن يوجد لدى المؤلفين الآخرين، من اقتباسات من هذه الوثيقة، بشرط أن يكون هؤلاء المؤلفون المقتبسون معاصرين أو شبه معاصرين، وأن يذكر صراحة اسم مؤلف الوثيقة، مما يرجح لدينا أنه إذا كان ثمة انتحال فإن هذا الانتحال لم يتم إلا متأخراً، أو أنه لم يتم انتحال إطلاقاً. ومع هذا، فهذا أيضاً محفوف بكثير من المزالق الخطرة، وعلينا في هذا المنهج الشائك أن نكون حذرين قدر المستطاع، خصوصاً وأن كثيراً من المؤلفين وبخاصة الخصوم، يلجأون إلى تزييف الأقوال ونحلتها إلى أفراد لم يقولوا بها إطلاقا. وهذا يظهر خصوصاً فيما تقوله ابن الراوندي على الجاحظ من أقوال لم يقل بها مطلقاً هو وأغلبية المعتزلة، وهو ما كشف عنه بكل وضوح الحسين بن الخياط في كتابه "الانتصار" ونعت ابن الراوندي بأنه قرف الجاحظ بأقوال لم يقل بها هو، ولا توجد في كتبه.
(جـ) من بين أنواع التزييف نوع خطير، وإن كان أقل خطورة من التزييف الكامل، وهو الحشو والإكمال interpolation & continuation: أما الحشو فهو أن تولج في داخل النص أقوالا لم يقل بها المؤلف، أو تزيد بعض الشروح أو الزيادات الدخيلة في العبارة إما للإيضاح أو لأن النص قد استغلق فهمه على الناسخ الجاهل أو القارئ غير العالم، وهذا ظاهر خصوصاً مثلا في كتاب "الرسالة" للشافعي، فنجد في النسخ المتعددة أنها قد احتوت على كثير من القراءات التي كتبها نساخ جهلة أو قراء أشد جهلا، ظنوا أن في الكلم تحريفاً أو خطأ، فاستبدلوا به غيره، وخصوصاً أن الشافعي كان يستخدم تعابير في غاية من الرصانة والجزالة ومتانة السبك، مما يدل على عربيته الأصلية في الكتابة. ولكن هؤلاء القراء أو المحشين الجهلة، كتبوا بدلا من بعض

ص 199
الألفاظ ألفاظاً أخرى بدت لهم أيسر، واستبدلوا ببعض التعبيرات، أخرى غيرها أنسب لعصرهم. ومهمة الناشر الناقد أن يستخرج القراءة الصحيحة التي أملاها الشافعي على تلميذه الربيع بالنسبة إلى هذه " الرسالة".
أما الإكمال فكثير الحدوث خصوصاً عند رجال العصر الوسطي. فأكثر تواريخ العصور الوسطى المسيحية قد أكملت قرناً بعد قرن بوساطة مؤلفين لم يذكروا أسماءهم، فاختلطت بمؤلفي الكتب الأصليين فأصبحنا في حيرة من أمر ما عسى أن ينتسب حقاً إلى المؤلف الأصلي، وما عسى أن يكون قد ألحقه مؤلفون متأخرون، وإن كنا نستطيع إلى حد ما أن نقوم بتمييز هذه المسألة بسهولة بمعرفة تاريخ حياة من ينسب إليه المؤلف صراحة، فمن المعلوم قطعاً أن ما حدث بعد وفاته لا ينتسب إليه. كما نجد هذا مثلا في الكتب الأدبية العربية، وخصوصاً كتاب "المفضليات": فهذا الكتاب قد اختلط بكتاب "الأصمعيات" ثم أضيفت إليه زيادات عدة، فأصبحنا لا ندري ما الذي اختاره المفضل الضبي وما يجب أن ينسب اختياره إلى الأصمعي، وما يجب أن ينسب إلى رواة آخرين. فالأصمعيات لم تفصل عن المفضليات بل دخل بعضها في بعض، وأصبحا كتاباً واحداً يحتوي جملة اختيارات بعضها لإبراهيم بن عبد الله ابن حسن " ثم من بعده المفضل، ثم من بعده للأصمعي، وهذا عمود الكتاب بني عليه، وهو جمهرته وأكثره، ثم من بعدهم لغيرهم ممن عرفنا وممن لم نعرف، نسبت كلها للمفضل والأصمعي، أو نسب أكثرها للمفضل وأقلها للأصمعي... وهذا الاضطراب قديم جداً حتى إن بعض العلماء المتقدمين لم يستطيعوا أن يجزموا في بعض القصائد فينسبوها لاختيار واحد بعينه، كما يروي أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (جـ 3 ص 80) بشأن قصيدة الحادرة، وهي "المفضلية" رقم 8 عن

ص 200
أبي عبيد معمر بن المثنى... الخ " (من مقدمة أحمد شاكر لنشرة "المفضليات" ص 17، القاهرة سنة 1361 هـ).
فمثل هذه الإكمالات لا يتيسر معرفتها بسهولة وعلينا أن نحدد بالدقة أصلها.
(د) وعلينا بعد هذا كله أن نعرف المصادر التي صدرت عنها الوثائق أو التي استلهمها أو استعان بها مؤلفو الوثائق التي بين أيدينا، فحينئذ نستطيع أن نحدد بالدقة الحادثة التاريخية من حيث مصدرها. ذلك أنه من غير الممكن أن يتفق كل الاتفاق شاهداً حادث معين على رواية على نحو واحد بل لابد أن يختلفا ولو شيئاً، فإذا وجدنا أن الوثائق تتفق تمام الاتفاق في ما ورد في رواية ما بدقة، فعلينا أن نحسب أنه قد حدث هنا نقل أو سرقة كما يقال في الكتب العربية.
ومن اليسير علينا أن نتميز أنواع التحايلات التي يلجأ إليها الناقلون لكي يعفوا على آثار اتهامهم بالنقل أو السرقة: من تغيير ضئيل في بعض التعبيرات أو تعديل في التعبيرات، مما يدل على جهلهم أو عدم فهمهم للحادثة، كما يحدث عادة بين الطلاب حينما ينقل بعضهم من بعض.
وبعد هذا كله وبعد تحديد المصادر المختلفة نستطيع أن نصل إلى بيان حقيقي للمصدر الذي صدرت عنه الوثيقة.
ومن هذا كله يتبين أن نقد المصدر خطوة تمهيدية لابد من القيام بها حتي نستطيع الوصول أولا إلى النص الحقيقي، أعني ذلك الذي وضعه مؤلفه، وثانياً لكي نتبين المصدر الذي صدرت عنه الوثيقة. فبهاتين الخطوتين نستطيع أن نصل إلى تحديد الوثيقة من حيث الصحة ومن حيث النسبة.
ولكن يجب ألا نعتبر أننا بهذا قد قمنا بعملية النقد الحقيقي. فأغلب المختصين في الدراسات الفيلولوجية يتوهمون أننا بمجرد القيام بهاتين العمليتين قد انتهينا

ص 201
من تحديد المنهج التاريخي مع أننا في الواقع قد قمنا بعملية تمهيدية هي في ذاتها وسيلة لخطوة أعلى منها هي النقد الحقيقي أو النقد الباطن. ولهذا يجب أن نقوم على هذا الاعتبار، فتعد مجرد وسيلة فحسب.
وهنا يمكن أن تثير هذه المسألة التي تثار عادة حول نصيب الفيلولوجي في تكوين المنهج التاريخي. فقد رأينا أولا أنه لابد من الاعتماد على الوثائق، والوثائق يجب أن تكون صحيحة محددة النسبة تمامًا، وتلك هي الخطوة التي يقوم فيها الفيولوجي أو العالم المحصل èrudit، غير أنه يجب أن يضاف إلى هذه الخطوة خطوة أخرى هي الخطوة الحقيقية، وهي تلك التي يقوم بها العالم المؤرخ الحقيقي، وهي أن يركب، من الوثائق المختلفة من عصر أو حادث، صورًا صادقة أقرب ما تكون إلى ما كانت عليه الوقائع التاريخية تمامًا. والخصومة، خصوصا في القرن الماضي وأوائل هذا القرن – بين العلماء المحصلين والمؤرخين كانت عنيفة كل العنف، فكل فريق يسخر من الفريق الآخر: فريق المحصلين يسخر من فريق المؤرخين باعتبار أن هذا الفريق الأخير لا يعتمد على الوثائق، ويبني تركيباته على غير عمد وبالتالي فهي تركبيات أكثرها خيالية، مع أن أي بحث تاريخي لا يقوم منذ البدء على الوثائق ولا يعتمد عليها في كل خطوة يخطوها، هو عمل باطل. فضلا عن أن عدم امتحان صحة الوثائق كثيرا ما أدى في أحيان كثيرة إلى تصويرات تاريخية زائفة كل الزيف فلو اعتبرنا أرسطو مثلا هو المؤلف الحقيقي لكتاب أثولوجبا وأقمنا على هذا الأساس تصويرنا لمذهب أرسطو، لكان هذا المذهب مختلفا كل الاختلاف عما كان عليه في الواقع التاريخي. فضلا عن أن كثيرا من الأخطاء الناشئة عن التحريف والتصحيف في النص قد أدت إلى تصورات وهمية في غاية من الشناعة. ومن هنا يجب أن يعتمد كل مركب للحقيقة التاريخية على أساس الوثائق والوثائق وحدها. وبالعكس من ذلك

ص 202
نجد هؤلاء المؤرخين يسخرون من أولئك العلماء ذوي الموينات الذين قد جللهم تراب الوثائق والمخطوطات، والذين لم يستطيعوا أن يخروجوا من هذه الوثائق إلى تركيبات عامة حقيقية، بل انحصروا في متاحف هذه الوثائق ولم يستطيعوا إخراج تاريخ مضئ حقيقي فيه تتركب الواقعة التاريخية تركيبًا يعتمد غالبًا على ذكاء ووجدان وحاسة تاريخية لا تتوافر لدى هؤلاء المختصين المنحصرين في عالم الوثائق ومن هنا كان للتاريخ في الواقع نوعا من الخطابة الزائفة والتصورات العامة التي لم تؤد إلى تصوير حقيقي للتاريخ فلما راعت المؤرخين من أصحاب النزعة العلمية هذه الحالة التي كان عليها البحث التاريخي، نادوا بالاعتماد على المصادر باستمرا، وعدم تقديم أي قول إلا إذا استند إلى وثيقة موثوق بها. فقال ريتان إن التاريخ يجب أن يقوم على مصادر باستمرار، وألا تؤكد أية حقيقة إلا إذا اعتمدت على البحث التاريخي القائم على الوثائق بصرف النظر عن أية حقيقة قبلية.
وفي وسعنا بعد هذا أن نكون من التاريخ علمًا وضعيًا بعيدًا عن كل التركيبات الخيالية للتاريخ التي كانت تقوم على صور إجمالية سابقة. والواقع أنه من الواجب أن يجمع بين الناحيتين: ذلك أن المنهج الفيلولوجي لا يمكن أن يكون مكتفيا بذاته لأنه وسيلة وإعداد فحسب، وسيأتي وقت تصبح فيه كل الوثائق التي يمكن أن تجمع عن أي عصر من العصور مجموعة ميسرة منشورة يستطيع كل إنسان أن ينظر فيها، ولكن ليس في وسع كل إنسان أن يستخدمها بالدقة أو أن يصير مؤرخا من مجرد استيعابه لها، ولن يكون مجرد نشرها معناه أن التاريخ الخاص بذلك العصر قد اكتشف كله أو اكتشف حقا، لان الوثائق هي علامات متناثرة وليست هي الحقيقة التاريخية. والتاريخ يمتاز بالاتصال، فلكي يكون ثمة اتصال وتركيب واقعي لنسيج التاريخ فلابد من القيام بعملية

ص 203
أخرى هي في الواقع عملية التأريخ بالمعنى الحقيقي، وتلك إذن هي مهمة المؤرخ بالمعنى الضيق الدقيق، فعلى المؤرخ إذن أن يجمع بين الناحيتين: الناحية الفيلولوجية التحصيلية، والناحية التركيبية القائمة على الحاسة التاريخية.
وعلى كل حال فانه وإن لم يتيسر الجمع في شخص واحد بين هاتين الناحيتين فيجب أن نحاول ذلك قدر المستطاع، فيكون لدينا من ناحية علماء محصلون يتوفرون على ناحية الفيلولوجيا والتحصيل وسيكونون كالفعلة في مصنع التأريخ وليس في ذلك أي تحقير لعملهم، ومن ناحية أخرى يكون لدينا مؤرخون يعتمدون على هذه الوثائق ويركون على أساسها التاريخ، والعمل الأول متواضع ولكنه في الحقيقة ضروري جدا ولا غنى عنه أبدًا.
ولا داعي بعد هذا للمفاضلة أو للتفاخر بين فريق وفريق حتى إذا ما انتهينا من جمع الوثائق الصحيحة ومن معرفة أصولها ومصادرها كان علينا أن تخطو خطوة متوسطة بين هذا النقد الخارجي وبين النقد الباطن، وتلك هي عملية جمع الوثائق لكي يتيسر بعد هذا القيام بعملية النقد الباطن وتلك هي عملية جمع الوثائق لكي يتيسر بعد هذا القيام بعملية النقد الباطن. وهذه العملية شاقة ولكنها مفيدة كل الإفادة وإن كانت عملية ناكرة للجميل “ingrat” فهذه العملية يقوم بها أولا المؤرخ بالنسبة إلى نفسه فعليه إن كان يدرس ناحية معينة أن يجمع كل الوثائق المتصلة بهذه الناحية. وهذا الجمع يكون على طرق عدة، فإما أن يضمها بعضها إلى بعض – إن تيسر له ذلك- في أصولها، مرتبًا لها وفقا لما يحلوله، أو يتفق وطبيعته الخاصة في العمل. ولكن أشهر الطرق هي هنا طريقة استخدام الجذاذات fiches. فهذه طريقة يسيرة، وذلك لأن الاعتماد على الكراسات يجعل العمل أكثر مشقة من حيث أنه لا يسمح بضم الأشياء التي من نوع واحد في منطقة واحدة أما الجذاذات فلأنها متحركة فيمكن أن

ص 204
تنتقل من موضع إلى موضع، لكي يتيسر تمامًا استخدامها بطريقة منظمة.
وإلى جانب قيام المؤرخ الخاص بجمع الوثائق المتعلقة بموضوع بحثه الخاص هناك أناس متخصصون في تيسير هذه العملية بالنسبة إلى الوثائق الضخمة المتصلة بعصر من العصور أو بنوع معين من الوثائق، فهؤلاء يقومون بعمليين: أولا عملية جمع الوثائق كلها في مكان واحد بأن تضم جميعًا فيما يسمونه باسم (المحصل) corpus وفيه توجد الوثائق كما هي في نصها الأصيل أو نسخ منها ولكن كما هي في الأصل تماما، دون إيجاز أو اختصار. وثانيًا: نقوم إلى جانب هذا بوضع ما يسمونه باسم (السجل) regeste (من الكلمة اللاتينية regere أي يسجل) وفيها نكتب أسماء الوثائق وتاريخها ومن تنسب إليه، إلى آخر هذه البيانات المفيدة في تحديد الوثيقة. وتنظيم المحَّصل corpus معطين خلاصة شبه وافية عن محتويات الوثيقة. وتنظم المحصَّل أو السجل corpus and regeste اعتبارات أربعة: أولا: التاريخ أي الزمان، وثانيا: المكان، وثالثا: المضمون ورابعا: الصورة أو الشكل، ويجمع هذه القرائن الأربع، نستطيع أن ننظم المحصَّلات أو السجلات بطريقة عقلية فمن ناحية التاريخ نستطيع أن نرتب الوثائق من ناحية ترتيبها الزمني، بحسب المصور. ومن ناحية المكان نجمع كل الوثائق المتصلة بكل بلد بلد أو إقليم إقليم أو كل دولة دولة على حدة، وهو تقسيم جغرافي ليس بذي فائدة كبيرة في الواقع، خصوصًا إذا أجريناه بالنسبة إلى محصَّل واحد ومن الناحية الثالثة نستطيع أن نقسم الوثائق تبعًا لموضوعاتها: فهذه الوثائق تتعلق بالإدارة، وتلك بالسياسة، وثالثة أخرى بالقضاء... إلخ. ومن الناحية الرابعة نقسم إلى منشورات وقوانين ولوائح ورقاع وعقود ومراسلات ديبلوماسية... إلخ. وبعد هذا كله نستطيع أن ننظم في داخل كل قسم هذه الوثائق: إما على أساس الترتيب الزمني إن كان ذلك متيسرًا – وهو في الغالب

ص 205
ليس متيسرًا، لأن أكثر الوثائق ليست بذات تاريخ محدد، أو مجهولة التاريخ وإما – وهذه الطريقة هي أفيد الطرق – أن نرتبها بطريق الترتيب الأبجدي، وهذا قد يتيسر إطلاقًا، وإن كان أفيد ترتيب، فيتيسر مثلا بالنسبة إلى أناشيد الكنيسة اللاتينية بأن نرتبها وفقًا لكلمة الابتداء، كما يتيسر خصوصًا بالنسبة إلى الحديث النبوي، بترتيب الحديث وفقا للحروف الأول من كل حديث.
ومن أنواع المحصَّلات والسجلات المشهورة “ corpus inscriptionum grsecarum” (أي مجموع النقوش اليونانية) corpus inscriptionum latinarum أي (مجموع النقوش اللاتينية) هذا فيما يتصل بالمحصَّلات وفيما يتصل بالسجلات نجد “ regista imperii” أي (سجلات الأباطرة) أو regista pontificorum romanorum أي (السجلات البابوية).
2- النقد الباطن:
والخطوة الحقيقية في المنهج التاريخي هي عملية النقد الباطن، ويقصد بهذه العملية بيان ما قصده صاحب الوثيقة من هذه الوثيقة، ثم معرفة صدقه في الرواية سواء أكان شاهد عيان أو كان ناقلا عن غيره، ذلك أن صاحب الوثيقة قد مر بجملة أدوار، فقد ابتدأ بأن كان شاهد عيان شاهد حادثًا ثم أدركه ثم كتبه.
وهذه الكتابة تمر بجملة أدوار: من استخدام ألفاظ ثم استخدام تعابير، ثم طريقة تنظيم الوصف. وكل هذه الحلقات المتتالية من العمليات يمكن أن يقع الخطأ في إحداها أو في الأخرى. فعلينا إذن أن نعرف بالدقة أين الخطأ، وأين أصاب وهل استطاع أن يروي الحادث كما شاهده تماما أو هل لم تكن ثمة دواع إما للتزييف أي الخداع المقصود أو للانخداع أي الخطأ، أو لعدم الدقة في رواية

ص 206
الحادث لأسباب إما شخصية، وإما خارجة عن قدرته. فابتداء من المشاهدة مارين بالتسجيل حتى نصل إلى الصيغة التي لدينا عن الوثيقة، توجد سلسلة طويلة من العمليات التي قد يخطئ فيها صاحبها. ومهمة النقد الباطن امتحان صحة كل هذه العمليات. ولكنها عملية شاقة معقدة تحتاج إلى صبر طويل وقدرة على استعادة كل الخطوات الفعلية التي مر بها صاحب الوثيقة حتى سجل على النحو الذي وصلتنا عليه. ولكننا نستطيع أن نلخص هذه العمليات في عمليتين كبيرتين: الأولى: عملية التحليل للنص، والنقد الإيجابي لمعناه، أي تفسيره.
والخطوة الثانية أو العملية الثانية هي عملية النقد السلبي للنزاهة وللدقة. فلنتحدث عن كل منهما بالتفصيل:-
1- العملية الأولى: النقد الإيجابي للتغيير critique positive dinterpretation هذه العملية يقصد منها إلى فهم مدلول نص الوثيقة التي نعني بدراستها فعلينا أن نحدد بالدقة ماذا قصد صاحب الوثيقة منها، أي أن العملية التي نقوم بها هنا هي في الواقع عملية تفسير. وتقوم في البدء على عملية فهم للنص كما هو في لغته أي أنها في البدء عملية لغوية ومن هنا سميت الفيلولوجيا أحيانا في بعض اللغات باسم علم اللغة خصوصا في الألمانية والphilologie وهذه العملية عسيرة كل العسر، خصوصا إذا كانت اللغة قديمة. ذلك أن اللغات كائنات حية، ومعاني الألفاظ تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، والاستعمال في أحيان كثيرة يكون شخصيا حتى لو عرفنا اللغة بالدقة كما كانت تتحدث في ذلك العصر. فعلينا إذن أن نعرف اللغة التي كتبت تاريخه باللغة اللاتينية، ولكن اللغة اللاتينية الكلاسيكية تختلف اختلافا

ص 207
بينًا عن اللغة اللاتينية في العصور الوسطى فيلاحظ مثلا أن كلمة vel كان معناها في اللغة اللاتينية الكلاسيكية (أو) ولكن معناها في العصور الوسطى (و). وكذلك الحال في اللغة العربية فهناك كثير من الألفاظ التي تعددت معانيها باختلاف العصور بحيث يخطئ المرء في استخدامها، ومنها أن يذكر مؤلف مثلا أن فلان التجأ إلى حائط فيفهم من الحائط معنى الجدار بينما يكون المقصود من الحائط هو البستان. ومن هنا بقع المؤرخ في أخطاء فاحشة. والأمر كذلك في الكتب الفلسفية في كلمة مثل (ها هنا) بمعنىil y a
فعلينا إذن أن نعرف بالدقة المعاني التي كانت تستخدم فيها الألفاظ في العصر الذي كتبت فيه الوثيقة. وفضلا عن هذا فعلينا أن نعرف الاستعمال الخاص للمؤلف، فلكل من الشخصيات الخالقة في الناحية الفكرية معجمها الخاص الذي يتميز عن المعجم العام لعامة الناس، ونستطيع أن نكون هذا المعجم باستخلاص المواضع المختلفة التي استعمل فيها اللفظة الواحدة، وعلى أساسها تحدد معاني الألفاظ عنده.
فيجب علينا إذن حينما نبحث في نص وثيقة من الوثائق أن نعرف بالدقة لغة العصر الذي كتبت فيه وأن نعرف اللغة الخاصة بالمؤلف حتى نستطيع أن نفهم الوثيقة على الوجه الأتم. ثم لا يكفي هذا وحده، بل لابد أيضا أن نفهم الكلمات وفقا للسياق وهذا ما بعرف باسم قاعدة السياق le regle du contexte ومضمونها أنه يجب ألا نفهم عبارة أو كلمة إلا وفقا للسياق الذي توجد به، فكثيرا ما تختلف معاني العبارات وبالأحرى معاني الكلمات وفقا لاختلاف الأماكن التي تستخدم فيها، وتبعًا لاختلاف الإشارات إلى كل حالة من حالات الاستعمال. ومن الخطأ البين أن نقتبس نصًا لمؤلف قديم، ونولجه في نص حديث محاولين بهذا أن تفسير عبارة المؤلف القديم على نحو يتفق وأقوالنا نحن فإن في هذا تزييفا شنيعا لفكر المؤلف، فضلا عما يجر من

ص 208
مغالطات عديدة وهذا أظهر ما يكون خصوصا في الأبحاث الدينية والأبحاث ذات الطابع الدفاعي، فهنا نكتفي أحيانا بإيراد عبارة لمؤلف قديم قد ذكرها في سياق مختلف تماما عن الذي نكتب فيه ثم نحاول أن تفسرها بطريقة أخرى تتفق مع ما نقصد إليه، فنورد مثلا آية قرآنية أو من كتاب مقدس آخر، أو حديثا نبويا لتأييد أقوال حديثة لا تمت في الواقع بأي صلة إليها اللهم إلا في ظاهر اللفظ، ومع هذا لا نجد حرجا في أن نزعم أن الآية أو الحديث قد قصد إلى ما نقصده هنا.
كما يظهر هذا خصوصا في المحاولات الدفاعية المسكينة التي يحاول بها كثر من الناس أن يشيدوا بمجد قديم أو بتراث حضاري معين فيحاولوا أن يقتبسوا عبارات واردة في كتب قديمة فلسفية أو دينية أو علمية وفقا للبحث زاعمين أن هذه العبارة تتفق مع ما يقول به هذا الفيلسوف المعاصر أو المحدث أو هذا الاقتصادي أو هذا المذهب السياسي.. إلخ وفي هذا في الواقع خيانة علمية إلى أقصى درجة وعلينا أن نتجنبها دائما وألا نفسر النص إلا وفقا للموضع الذي وجد به وألا نحاول أن نتقول عليه ما لا يمكن أن يكون قد فكر صاحبه القول به فضلا عن أن يكون قد قصد إليه عن قرب.
بهذا إذن نستطيع أن نحدد ما يسمى باسم المعنى الحرفي أي المعنى بحسب ظاهر النص غير أن هذا لا يدل بعد على أن هذا هو ما يتم في كل الأحوال فكثيرا ما يكون ظاهر النص غير معبر حقا عما رمى إليه المؤلف بالفعل. والدواعي إلى هذا عديدة، فأحيانًا يكون المؤلف قد عبر عن قول من الأقوال من باب السخرية منه والتهكم عليه أو قاله من باب الهزل لا من باب الجد، أو حاول به التعمية عن قصده وصرف النظر السطحي عما يقصد إليه في الواقع أو محاولة الإيهام

ص 209
لأسباب باطنة أو أسباب عملية أو أسباب خارجية تتصل بالظروف التي وجد بها وفضلا عن هذا كله فقد يدعو التحسين اللفظي إلى كثير من الاستعمالات المجازية التي لا تعطي ظاهر المعنى بوضوح: كاستخدام التشبيهات والاستعارات وأنواع المبالغات والمجازات والكنايات مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى أن يتبدى من ظاهر النص غير ما يقصد إليه المؤلف بالفعل. ولهذا يجب علينا ألا نأخذ النصوص بظاهرها، وذلك أن تنظر أولا في النص، فإذا وجدناه غامضا أو غير محدود أو يختلف مع ما نعرفه من أقوال أخرى للمؤلف أو توجد به تلميحات وإشارات تبتدي أحيانا في شيء من الوضوح وغالبا في اختفاء وإيماء فإن علينا أن نعتبر أن النص هنا يجب ألا يؤخذ بحروفه بل علينا أن نفترض معنى خفيا، قصد إليه المؤلف واضطر إلى إخفائه لأسباب عدة هي التي ذكرناها. ولهذه الطريقة فائدة كبرى في استخراج كثير من معاني الرموز وتفسير بعض الإشارات الغامضة ومن أشهر ما حدث في هذا الباب تفسير الوحش المذكور في (رؤيا يوحنا) صاحب الرؤيا بأنه نيرون. كما نجد مثلًا أن الملحدين وأصحاب البدع في الحضارة الإسلامية مثلا يستخدمون ألفاظا مثل الدنيا –الدهر- الزمان ويقصدون منها في الواقع (الله) ولكن لأنهم يريدون أن يصبوا عليها كل اللعنات ويعزوا إليها أسباب المصائب فإنهم لا يستطيعون قطعًا أن ينسبوها إلى الله، فيلبسون عن قصد بمثل هذه الألفاظ التي يجب أن تعد معبرة عن قصدهم الحقيقي، وهذا هو ما نبه إليه في الحديث المشهور: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر. وعلى الرغم من هذا التحذير فقد استمر هؤلاء في سب الدهر.
وبهذا إذن نستطيع أن نحدد المعنى الذي قصد إليه المؤلف تماما أو على أتم وجه متيسر. وبذا ينتهي دور النقد الباطن الإيجابي للتفسير، ويبدأ بعد هذا الدور الثاني من أدور النقد الباطن، وهو الدور السلبي للنزاهة والدقة.

ص 210
2-النقد الباطن السلبي للنزاهة والدقة critique interne negative de sincerite et d`exactitude
لا يكفي القيام بعملية النقد الباطن الإيجابي للتفسير لأنه إذا أمكن أن نعرف بالدقة ماذا قصد إليه المؤلف حقًا من الوثيقة المكتوبة فإن هذا لا يدلنا بعد على قيمة هذه الوثيقة من حيث دلالتها على الحادث الذي تتحدث عنه فكل ما يقدمه لنا النقد الإيجابي للتفسير هو مقصد المؤلف فحسب. أما كيف شاهد الحادث وهل أصاب في مشاهدته أم لا وهل قصد إلى الكذب أم لم يقصد وإلى أي مدى نثق بهذه الوثيقة وإلى أي حد هي تعبر عن الواقعة كل هذه مسائل لابد أن نقوم بها عملية ثانية للنقد الباطن هي عملية النقد الباطن للنزاهة وللدقة. فعلينا أن نبحث في صحة مشاهدة مؤلف الوثيقة للحادث، وهل أصاب في وصفه له، وهل لم يخطئ في بعض الجزيئات وهل لم يكن مخدوعًا عن بعض ما شاهده وهل لم تكن تحدوه دوافع أجنبية من شأنها أن تشوه تصوير للحادث، وفي كلمة واحدة: إلى أي حد نثق برواية صاحب الوثيقة؟
والمؤرخون قد اعتادوا هنا قديما –إلى ما قبل المنهج العلمي للتأريخ- أن يسألوا أنفسهم بعض الأسئلة المتعلقة بالمؤلف من حيث قيمته في الرواية والأسباب الداعية إلى الوثوق به، وهل كان أمينًا حقًا في النقل أو في القص أو في الوصف. فكان منهجهم هنا شكليا إلى حد ما ولكنه كان أفضل كثيرا من المنهج العامي المبتذل الذي يأخذ الوثائق كما هي دون أدنى تمحيص ولا بحث. ومن هنا كانوا يزعمون أنهم أسمى بكثير من المؤرخين أو القصاصين الذين يروون الأحداث كما أتت بها الوثائق أو كما تناقلتها الناس على هيئة حكايات وأساطير فحقا هذه مرتبة دنيا للبحث، إن صح أن تسمى بعد باسم البحث، لأنها مخالفة لكل منهج ذلك من أسباب الشك في صحة وأمانة الروايات تكاد

ص 211
تتخطى كل حصر، ولا يمكن مطلقاً أن نثق بأية رواية من مجرد أنها رواية، بل لابُد لنا دائماً أن نبدأ بالشك في صحة أية رواية. غير أن هذه النظرة النقدية بعض الشيء لم تبلغ بعد مرتبة المنهج العلمي الصحيح؛ ذلك أن هذه هي المرتبة التي تسير على مبدأ الشك المنهجي فتعتبر ابتداءً أن كل الوثائق مزيفة، وعلى المؤرخ أن يبدأ بإثبات صحتها، وأن يفترض الخيانة في كل راو روى أي حادث، وعليه بعد أن يتحقق من أمانته. فالأصل أن كل صاحب وثيقة متهم بالخيانة والتزييف والخطأ وعدم النزاهة، ويمكننا أن نبدأ بحثنا إما بتأييد هذا الحكم السابق، أو بإثبات براءته. وبهذا الشك الحاسم المتناول لكل شيء، نستطيع أن نقيم فعلاً منهجاً علمياً لدراسة التاريخ. وهنا يجب أن نتبع قاعدتين:
(أ) القاعدة الأولى هي أنه يجب ألا نثق في رواية لمجرد أن صاحبها شاهد عيان. فشهادة العيان ليست بصحيحة دائماً لأن صاحبها قد يخطئ - كما سنرى بعد قليل، وقد يكون عرضة لكثير من الأوهام. حقاً إن شهادة العيان أسمى بكثير - ابتداءً أو نظرياً - من شهادة غير المباشرٍ، ولكن يجب ألا تؤخذ كأنها رواية صادقة من مجرد كونها رواية عيان.
(ب) يجب ألا نأخذ الوثيقة ككل، بل علينا أن نحللها إلى آخر ما يمكن أن تنحل إليه من أجزاء وأن نبحث في قيمة كل جزء من هذه الأجزاء وصحة دلالته على الوقائع الواردة بها.
والبحث بعد هذا يتشعب إلى شعبتين: أولاً: شعبة تتعلق بالأخبار الآتية من شهادة عيان، أو المشاهدة المباشرة - وثانياً الأخبار الواردة بطريق غير مباشر.
1- روايات شهادة العيان أو الروايات المباشرة:
قلنا إن الروايات المباشرة لا تدلنا حقاً من مجرد كونها مباشرة على صحة


ص 212
الوثيقة، بل علينا أن ننظر في الأحوال التي وضعت فيها الوثيقة، والظروف التي أحاطت بالمؤلف، سواء أكانت هذه الظروف والأحوال خارجية عامة، أم كانت ظروفاً شخصية متصلة بالمؤلف نفسه. فعلينا بادئ ذي بدئ أن نبحث في الأحوال العامة للوثيقة التي نحن بصدد دراستها، فنجمع أوفر قسط من المعلومات عن المؤلف وعن أمانته وعن ثقة الناس به وعن العصر الذي كتب فيه وعن الوثائق المشابهة التي روت نفس الحادث، وعن الوقت الذي وجد به. حتى إذا ما استطعنا أن نجمع كل هذه المعلومات كان علينا كخطوة ثانية - هي خطوة البحث في أمانته - أن نضع لأنفسنا طائفة من الأسئلة الموضوعية سابقاً تقريباً، لأنها أسئلة عامة وإن كانت تنطبق في الواقع على كل حالة فردية مع بعض التعديل بما يوافق الحالة الخاصة. وهذه الأسئلة تدور حول بابين: الباب الأول هو باب النزاهة، والثاني باب الدقة.
فالنزاهة تتعلق بأمانة المؤلف في رواية الحادث أو نقله، وتدور كل الأسئلة في هذه الحالة حول إمكان أن يكون المؤلف قد كذب في روايته أو نقله. والأسباب الداعية إلى الكذب عديدة: أشهرها أولاً أن يكون المؤلف قد قصد غلى التزييف لحاجة عملية كأن يستفيد مادياً من هذا التزييف، أو أن يكون ملحقاً بحاشية ملك أو أمير فيضطر إلى تزييف الأخبار والوثائق لصالح الأمير الذي يوجد في بطانته، وهو أظهر ما يكون في التواريخ التي تكتب إبان الحملات، مثل أخبر فرواسار Froissart. ثانياً أن يكون المؤلف قد وجد في وصع اضطره إلى هذا التزييف. ثالثاً أن يكون المؤلف مدفوعاً بدافع البغضاء والكراهية لجماعة من الجماعات: دينية أو وطنية أو اجتماعية، أو بدافع الاختلاف في الرأي مع مبدأ من المبادئ أو حزب من الأحزاب، فيميل دائماً في هذه الحالة إلى تمجيد مبادئه هو أو مبادي حزبه أو مبادئ الشيعة التي ينتسب إليها، والحط من قيمة الخصوم

ص 213
وتزييف قولهم والتقول عليهم بأشياء لم يقولوها إطلاقاً، وإنما قصد بها كذباً للتشهير بهم، فيزيف عليهم أقوالاً لم يقولوها، ويدخل في هذا أحياناً بعض الإلزامات التي تفرض على بعض المذاهب. رابعاً: أن يكون المؤلف قد قصد - لغاية شخصية معينة- أن يضع من قدر خص من الأشخاص أو حادثة من الحوادث فيميل إلى الكذب في الرواية؛ ولهذا لا يمكن أن يقال إنه نزيه في روايته.
أما الدقة فتتصل بالخداع، أو الخطأ. ومعناها أن يكون صاحب الوثيقة فريسة لوهم من الأوهام فيظن أنه رأى الحادث على هذا النحو ويؤكد هذا مع لأن الحادث كان على نحو آخر، ولكن حالت دون رؤيته على النحو الصحيح موانع، أشهرها: أولاً: أن يكون الشخص في وضع يشاهد فيه الحادث فعلاً ويعاينه ويباشره دون أن يكون ثمة مانع قسري، ولكنه لا يراه على حقيقته لوجود معان سابقة في ذهنه. وهذا يشاهد كثيراً في الروايات العيانية عن حادث واحد، فنحن نرى انه لو شاهد عشرون شخصاً حادثاً من الأحداث، وليكن سياسياً، لرووه بروايات متعددة، تكاد أن تتناقض في أكثر الأحيان، وذلك وفقاً لطبيعة الملاحظ من حيث تأثره بالحادث ومن حيث المعاني السابقة الموجودة في ذهنه، وبالجملة وفقاً للمعادلة الشخصية التي عنده بالنسبة إلى هذا الحادث.
ثانياً: أن يضطر الراوي إلى رواية الحادث على نحو معين خاص لا يستطيع أن يرى الأشياء فيه إلا على هذا النحو، كما يحدث غالباً في مشاهدة الزائرين لبلد من البلدان فإن الحكومات تلجأ دائماً إلى تنظيم الرحلة بطريقة من شأنها أن تبعد هذا الزائر عن مشاهدة كل ما لا تود هي أن يراه، فيكون في هذه الحالة مضطراً بحكم ظروفه إلى ألا يرى غير ما رأى.


ص 214
ثالثاً: أن تكون الوقائع مُعقَّدة ومتشابكة أو موجودة في أمكنة متعددة، أو تحتاج إلى معونة الكثيرين من المخبرين أو العيون والأرصاد، فتكون روايته في هذه الحالة مشوبة بالكثير من النقص لأنه لم يستطع أن يشاهد الحادث كله جملة: فهذا كله يتنافى مع الدقة التي يجب أن يحرص عليها في الرواية، فيضطر في هذه الأحوال إلى أن يورد الرواية على نحو غير دقيق. فالفارق بين النزاهة وبين الدقة إذن هو أنه في عدم النزاهة يُفترض سوء النية، وفي عدم الدقة يفترض حسن النية ويأتي الخطأ عن وهم أو استحالة مادية.
ويمكن أن نضيف بعض العوامل العامة إلى عدم النزاهة مثل أن يكون المؤلف قد تأثر بنزعات استرضاء معاصريه تملقاً لذوق الجمهور أو استرضاء للعواطف الشعبية فيضطر أحياناً إلى أن يعرض الحقائق على نحو مخالف لما كانت عليه في الواقع، وهو هنا إما أن يكون قد قصد إلى هذا قصداً أو يكون قد دُفع إليه بطريقة لا شعورية: وأياً ما كان الأمر فهذا يتنافى مع ما يجب من نزاهة ومن دقة.
2- الرواية غير المباشر:
كل هذا إذاً كان مؤلف الوثيقة قد عاين الحادث مباشرة وجاءتنا روايته مباشرة. أما إذا لم يكن قد عاين الحوادث، بل كانت روايته عن آخر عاينه أو قد ضَم أخباراً متفرقة عن مخبرين متنوعين، ضمها جميعاً لتكوين أخبار عن حادث معين، فإنه في هذا أيضاً يكون قد قدم لنا وثائق غير مباشرة. وأكثر المؤرخين إنما يسيرون على هذا الأساس الثاني: فقليل من المؤرخين هم الذين شاهدوا الأحداث التاريخية، وقليل من المؤرخين هم الذين استطاعوا حتى أن يبلغوا مرتبة واحدة فيما بين الحادث الأصلي وبينهم هم أنفسهم. وحتى قائد المعركة الذي يكتب مذكرات عن معركته التي انتصر فيها، قد اعتمد


ص 215
هو الآخر على تقريرات جاءته من صغار الضباط من قوات الوحدات المختلفة المكونة لجيشه، لأنه ليس في وسعه مطلقاً أن يشاهد الوحدات كلها كما هي.
وهنا علينا أن نلجأ إلى طريقة أخرى غير الطريقة التي امتحنا بها الدقة والنزاهة بالنسبة غلى الوثائق المباشرة، واهم ما في هذه الطريقة أولاً أن نحاول قدر المستطاع أن نتسلل فيما بين الرواة المتوسطين حتى نصل إلى الراوي الأصلي الذي يكون قد عاين الحادث؛ فإذا استطعنا بلوغه تمكنا حينئذ من أن نحدد الرواية من حيث قيمتها الحقيقية على وجه التقريب، كما هي الحال تماماً إذا كانت الوثيقة مباشرة: فننظر في هذا الراوي الأصلي من حيث أمانته ودقته والظروف التي وجد بها كما فعلنا تماماً في الحالة السابقة. ولكن معرفة ذلك عسيرة كل العسر وتبلغ في أكثر الأحيان درجة الاستحالة، ولا نكاد أن نجد لها شبيها إلا في حالة الأحاديث النبوية فهي وحدها تقريباً في كل الأخبار العالمة تلك التي وردت مقرونة برواتها وراية عن راو حتى نصل إلى الشاهد الحقيقي في عهد الرسول. والمهمة تنحصر حينئذ في أمرين: الأول أن نمتحن الرواة المكونين للسلسلة الطويلة واحداً واحداً من حيث أمانته في الرواية من جهة، وثانياً من حيث دقته في الرواية. فالأمانة تكفل لنا أن يكون الحديث صحيحاً وليس مكذوباً أو مختلقاً على الرسول، والدقة تكفل لنا أن يكون نص الحديث هو بعينه كما قال النبي.
هذا فيما يتصل بالحديث لا بالأثر، أما الآثار فلا يشترط فيها الصياغة لأنها ليست أقوالاً وإنما هي أفعال للنبي. وعلينا بعد هذا - إذا ما استوثقنا من أمانة الرواة، واستبعدنا كل تجريح لشهاداتهم وبلغنا إلى الراوي الأصلي الصحابي - أن نمتحن هذا الصحابي من حيث أمانته في النقل أو دقته ف القول. ومع هذا فنحن بإزاء هذه المسائل في حيرة هائلة، ذلك لأنه من السهل على كل إنسان أن يرسم سلسلة طويلة موثوقاً بأفرادها من الرواة، ويزعم أن هذا الحديث أو ذاك

ص 216
مروي عن فلان عن فلان إلى آخر العنعنة الطويلة حتى تصل إلى الصحابي مع أن الحديث مختلق منذ البدء. والصعوبة أكبر في امتحان شهادة كل الرواة المتوسطين: فبعض التابعين لم يتورع مطلقاً عن الكذب، فرجل مثل عكرمة في روايته عن ابن عباس قد زيف الكثير من الأحاديث، مع أنه يعتبر تابعاً إذ روى عن صحابي. وكثيراً ما نجد حشداً هائلاً من الأحاديث منسوباً إلى أبي هريرة، وما كان هو في الواقع غير تُكأة لكل من يحاول أن يزيف حديثاً.
غير أن هذه المسألة أعني تسلسل الرواة لم يتحقق بوضوح، مع ما في هذا من تحفظات، إلا بالنسبة إلى السنة النبوية، وفيما عدا هذا لا نكاد أن نعرف الراوي الأصلي الذي نقل عنه المؤرخ، أي المعاين الحقيق للحادث. وأكثر ما لدينا من مصادر مجهول الاسم، لأن كل المؤرخين قد اعتمدوا على أشخاص قد يكونون بدورهم رواة عن رواة، وعلى كل حال فلم يذكر لنا هؤلاء المؤرخون من هم هؤلاء الرواة الذين أخذوا عنهم.
يجب علينا حينئذ أن ننظر في هذه المصادر المختلفة التي اعتمد عليها المؤرخون، لكي نتبين هل هناك صفات مشتركة في مختلف الروايات التي يأتي بها المؤرخ عن حوادث معينة؛ وحينئذ نستطيع أن نحدد على وجه التقريب مصدراً عاماً لروايته، فهيرودوتس مثلاً نرى من رواياته أن أكثرها مطبوع إما بطابع أثيني أو دلفي، فنعرف حينئذ أن الأخبار التي يوردها يجب أن تكون مطبوعة بنظرة الأثينيين والدلفيين إلى الأحداث التي يرويها. فوصف هيرودوتس للأشقوزيين Scytes يحتوي على أخبار كلها من مصدر أثيني ولذلك كانت أخباراً متهمة لأن الأثينيين كانوا أعداء للأشقوزيين. وكذلك الحال إذا رأينا كتاب تاريخ شيعي فإننا نجد أن الروايات الورادة به أكثر مصادرها شيعيٌ مما يجعلنا نتحفظ في تصديقها فيما يتصل بالخصوم وفيما يتصل بالشيعة أنفسهم.

ص 217
وهنا عامل حاسم مهم يجب أن نهتم به في الدراسات التاريخية وهو ما يسمونه عامل النقل tradition، والنقل إما أن يكون شفاهاً أو كتابياً، فإن كان كتابياً كان موثوقاً به بدرجة أكبر، أما النقل شفاهاً فأعسر، لأنه من الصعب جداً أن ينقل شيء شفاهاً بدقة، اللهم إلا في بعض أحوال قليلة مثل الأمثال والشعر، فهنا يمكن الاعتماد على النقل الشفوي. وأما فيما عدا هذا فإن التاريخ أو الروايات الحقيقية ستستحيل في هذه الحالة إما إلى أساطير أو إلى حكايات. أما الأسطورة légende فهي الروايات الشفوية التي تتناقلها الشعوب غير المتحضرة وفيها مستودع معلوماتهم عن الحوادث، وتكاد أن تكون في أحيان كثيرة المصدر الوحيد لمعرفتنا عن شعب من الشعوب في عصر من العصور. أما الحكاية anecdote فهي الصورة الباقية من الأسطورة لدى الشعوب المتحضرة، وهي تلك الروايات التي لا تكتب لأنها مسائل شخصية أليفة سرية تجنح الكتابة عن تسجيلها فتتناقل شفوياً فيما بين الأفراد وتكون نوعاً من التأريخ الذي كثيراً ما يكون صادقاً كل الصدق أكثر من التأريخ المكتوب، وقد يكون معبراً أو دالا في أحيان كثيرة اكثر مما يدل عليه التأريخ المسجل، لأن فيها من البساطة وبالتالي من الصدق في التعبير، ولأن فيها من الأخبار الأليفة السرية التي تكشف عن الأسباب العظمى والنتائج الخطيرة، أكثر مما تكشف عنه التحليلات التاريخية المنظمة.
ويجب ألا نغتر بالطريقة التي كتبت بها التواريخ، فكثيراً ما تكون في الظاهر في معرض تأريخي علمي، ولكنها في الواقع ليست إلا أساطير، مثل ما نرى في الكتاب الأول من كتاب الحروب الباوبونيزية لتيو كوديدس Thucydide فهي كلها أساطير عن نشأة الشعوب اليونانية ويجب أن تعامل على هذا الأساس مع أن بقية الكتاب من أحسن الأبحاث التاريخية.

ص 218
3- استعادة الوقائع Reconstruction
وبهذا تنتهي مهمة النقد، ولكنها مهمة أولية تحضيرية كل ما تقدمه لنا هو الوثائق مبيّنة صحتها ومعلمة كلَّها بعلامة تدل على درجة اليقين فيها، ولكن هذا ليس بعد التأريخ الحق، أما التأريخ الحقيقي فيبدأ من هذه الوثائق لكي يستعيد الوقائع كما حدثت في واقع التاريخ وهنا يجب أن نلاحظ أن مهمة المؤرخ في غاية الصعوبة ذلك لأن الوقائع التاريخية ليست كالوقائع الفزيائية، فالوقائع الفزيائية حاضرة باستمرار، يمكن إجراء التجارب عليها أبداً، وفي درجة واحدة، ويمكن أن نعزل بعضها من بعض، أما الوقائع التاريخية فتمتاز بعدة خواص أولاً: أن الوثيقة التاريخية، وهي الشيء الوحيد الباقي من الواقعة التاريخية، والأساس الباقي الوحيد الذي يقوم عليه التاريخ تأتي دائماً مختلطة بكثير من الوقائع، فلو أخذنا مثلاً وثيقة كوثيقة ميشع Mesha، وهي نقوش تختلف لدينا من الموابين Moabe، نجد أن فيها أولاً مسائل خاصة بلغتهم وثانياً بطريقة كتابتهم، وثالثاً بطقوس عبادتهم لآلهتهم، ورابعاً بحروبهم مع بني إسرائيل. ولا يمكن بالدقة أن نعزل هذه العناصر بعضها عن بعض حتى يتيسر دراستها دراسة دقيقة، كما نفعل في عزلنا للعناصر الكيميائية الداخلة في تركيب شيء ما. ثانياً: تمتاز الوثائق التاريخية بأنها تأتي لنا على درجة غير متساوية في العموم، فبعض الأخبار تتصل بأحوال عامة جداً، وبعضها الآخر يتعلق بأشياء جزئية لحالة فرد من الناس أو واقعة معينة كأن يكون بروتس قد قتل قيصر، وعلينا حينئذ أن نرفع هذه الوثائق إلى درجة من العموم واحدة، حتى يمكن أن تدرس في مستوى واحد. ثالثاً: الواقعة التاريخية، محددة بزمان ومكان معينين، وإلا لم تكن لها قيمة تاريخية حقيقية، اللهم إلا كأثر عام من آثار الإنسانية عامة، وفي هذا نقص هائل لقيمتها التاريخية، بينما الواقعة العلمية

ص 219
ليست محددة بزمان ومكان. ومن السهل إذن أن نُغْفل أي اعتبار من هذه الناحية. - وقد رأينا ما هنالك من صعوبة هائلة في تحديد تاريخ الوثائق، فهذا مما يجعل مهمة المؤرخ أكبر مشقة جداً من مهمة العالم الفيزيائي.
لهذه الخصائص ولخصائص أخرى كثيرة غيرها، كانت مهمة المؤرخ صعبة كل الصعوبة، ولهذا كان من الصعب جداً أن يعدَّ التاريخ علماً، خصوصاً إذا لاحظنا أن التاريخ لا يخلف لنا نفسه، وإنما يخلف لنا تعبيرات وأوصافاً للأحوال التي جرت فيه، والأوصاف والإدراكات كلها تتوقف على أمور نفسية أو ذاتية هي الأحوال الذاتية الخاصة بمؤلف الوثيقة ما عدا أحوالاً قليلة هي أحوال الأشياء المادية الدالة على آثار مثل الآثار الكثيرة أو اللوحات في دلالتها على ما أنتجه الفنان. ومن هنا كان على التاريخ شاء أو لم يشأ أن يكون ذاتياً وأن يتوقف على قدرة ذاتية خالصة للقائم بالبحث التاريخي، خصوصاً إذا لاحظنا من ناحية أخرى أن الوثائق لا تعطينا صورة سينمائية عن الحادث، وإنما هي صور متناثرة بينها وبين بعض الكثير من الهوات وأنواع النقص والاختلال وعدم الارتباط. فأي عمل هائل على المؤرخ أن يقوم به من حيث إكمال كل نقص وسد كل ثغرة بين الوثائق المختلفة! ومن هنا كان التاريخ إلى حد كبير يقوم على الفن وعلى موهبة خاصة عند المؤرخ الذي يستطيع أن يحيا الماضي بكل ما كان عليه وأن يستعيد كل تجاربه في الماضي ابتداءً من الوثائق، وابتداءً من الوثائق وحدها، وكأنه حيَّها من جديد وتراءت له عياناً.
ذلك أن غاية المؤرخ على حد تعبير رنكه Renke المؤرخ الألماني العظم (في القرن التاسع عشر) هي أن يستعيد الوقائع التاريخية، كما كانت هي عليه بالفعل في الماضي، وكأنه علينها بنفسه. ومعنى هذا أن يقوم المؤرخ - كما دعا إلى هذا دلتاي - بتجربة حية يحيا في داخلها الأحداث الماضية وكأنه عاينها بنفسه

ص 220
وجهاً لوجه، فبهذا - وبهذا وحده - يمكنه أن يؤرخ تأريخاً حقيقياً. وكل هذا إنما يعتمد على قدرة ذاتية، ولا تجدي الوثائق وحدها نفعاً مهما كان من تعددها، ولهذا سيظل البحث التاريخي بالضرورة بحثاً ذاتياً. ولكن يمكن أن نحدد مهمة المؤرخ بعد هذا في الخطوات التالية: فعليه أولاً أن يستخرج من الوثائق كل المعلومات التي تعبر عنها، سواء أكانت هذه المعلومات متعلقة بأفراد وأشياء مادية أو كانت متعلقة بأعمال إنسانية أو كانت ثالثا متصلة بدوافع وبواعث على هذه الأفعال. والخطوة الثانية أن يضم هذه المعلومات التي قدمتها الوثائق الجزئية بعضها إلى بعض، ويصنفها تبعاً لمبدأ تصنيف معين، والصعوبة كل الصعوبة في إيجاد مبدأ التصنيف هذا، بحيث تندرج كل الوقائع المتشابهة تحت فصل بالذات ولا يختلط بعضها ببعض. وثالثاً عليه أن يضعها جمعاء في إطار عام، تدخل فيه كل الوقائع قدر المستطاع حتى تتكون صورة واضحة للعصر التاريخي أو للتاريخ العام الذي يبحث فيه. فهذه الصورة الإجمالية أو الإطار العام الذي تدخل فيه الوقائع الجزئية لابد من وجوده في ذهن المؤرخ، خصوصاً وأن استعادة التاريخ معناها رد التاريخ حاضراً بالفعل وفقاً لتسلسله الزمني، وهذا لن يتم إلا بواسطة هذه الصورة الإجمالية العامة. ورابعاً يجد المؤرخ نفسه هنا بإزاء كثير من الثغرات في داخل هذا الإطار، وعليه حينئذ أن يملأها ويملأ كل فراغ بين تسلسل الأحداث حتى يطرد سير التاريخ ويكون متصل الأجزاء، وهنا تقوم الموهبة التاريخية الحقيقية وتعتمد في غالبها على الخيال الذي يستطيع أم يملأ كل هذه الثغرات الفارغة ويعطي مضامين لكل القوالب الجوفاء التي يجدها في إطاره العام. وهنا المهمة الحقيقية للاسترداد أو إعادة البناء. وخامساً عليه أن يقوم بوضع الصيغ العامة أو الصيغ formules على وجه العموم التي يسجل فيها الحقائق التاريخية واحدة واحدة، مما يدخل في هذا

ص 221
الإطار العام، حتى تصبح حقائق معقولة قابلة لأن تدون في صورة تاريخية. فوضع الصيغ خطوة رئيسية جدا في كتابة البحث التاريخي. وأخيرا تأتي خطوة سادسة هي خطوة العرض، وهي خطوة عملية أكثر من أن تكون نظرية، ومهمة المؤرخ فيها أن يعرض الأحداث وفقا للصيغ التي اختارها، وأن يرتبها بحيث يمكن أن تنقل إلى الآخرين، لا أن تكون مقصورة على المؤلف وحده. وهذا العرض يتبع جملة من القواعد العملية التي يحسن بالمؤرخ اتباعها، ولكن لا نستطيع من الناحية المنهجية أن نفصل القول فيها لأنها ترتبط بالمهمة الجزئية لكل مؤرخ مؤرخ، خصوصا إذا لاحظنا أن هذه القواعد العامة التي وضعناها يجب أن تكيف وفقا للدراسة الخاصة التي يقوم بها المؤرخ.

ص 222
المنهج في علم الاجتماع
والمنهج في علم الاجتماع ينفصل كثيرا عن المنهج في التاريخ بوجه عام، مع وجود روابط كثيرة بين الاثنين، بحيث يندرج منهج الاجتماع في منهج التاريخ. فوجه التشابه أن الظواهر في كليهما زمانية في أغلب الأحيان، وإن كنا نميل في الاجتماع إلى سلب الظواهر الاجتماعية صفة الزمانية لكي نجعلها قواعد عامة، كيما نقرب بين الاجتماع وبين العلوم الوضعية قدر المستطاع. كما أن الاجتماع يدرس على أساس الوثائق المتخلفة لنا عن المنشآت الاجتماعية في تطورها التاريخي. ولا يجدي هنا إلا منهج المقارنة، ثم منهج التغيرات المساوقة من بين المناهج الأربعة في التجريب.
ولكن يجب أن نحدد الظاهرة الاجتماعية بطريقة أدق كما فعل دور كهيم فجعل الظاهرة الاجتماعية تمتاز بصفتين: الأولى أنها مستقلة عن الوعي الفردي وأنه لا يكفي أن يكون قد قام بها كثير من الناس أو أن تكون منتشرة في بيئة من البيئات لكي تعد ظاهرة اجتماعية، إنما يجب أن تكون ظاهرة خارجة عن كل وعي فردي بحيث تبدو وكأنها تفرض فرضا على العقول الفردية دون أن يشعروا هم بأنهم الفعلة الحقيقيون كأفراد في بنيانها بحيث لا يمكن أن تنسب إلى فرد بالذات، بل إلى المجموع كمجموع، كما لا يمكن أن تصدر عن فرد على حدة، لأنها تتوقف على تركيب جمعي معين هو وحده الذي يستطيع أن يفسر حدوثها. ثانيا تمتاز الظاهرة الاجتماعية بأنها قسرية coercive إلزامية، وهذه الصفة نتيجة للصفة السابقة ما دامت هذه الظواهر تفرض على الفرد فرضا، وهو مضطر بحكم ارتباطه بالمجتمع أن يتأثر بها وأن يخضع لها – شاء ذلك كفرد أو لم يشأ.

ص 223
ولكن هذا التحليل للواقعة الاجتماعية واضح أنه ينقصه الكثير من الدقة لأنه سيستبعد من الظواهر الاجتماعية بعض الظواهر التي تصدر عن الآراء الفردية ويكون لها أثر في المجموع: كالقوانين التي تصدر عن شخصية سياسية أو فكرية تنقل تأثيرها في المجتمع إلى أبعد حدوده، مكونة بهذا منشأة اجتماعية أو وضعا اجتماعيا معينا.
غير أن تحديدنا للظاهرة الاجتماعية على هذا النحو يمكننا من أن نعين المنهج الذي يجب أن نسلكه في الكشف عن قوانين الاجتماع والاطرادات الموجودة في المنشآت الاجتماعية. وهنا سنجد أن المنهج الأعم والذي يجب أن يشمل بقية المناهج في علم الاجتماع هو منهج التغيرات المساوقة: وذلك بأن نتبين التغيرات الموجودة في منشآت ونقارنها بتلك التي تحدث في منشأة أخرى بينها وبينها تلازم في التخلف، وتلازم في الوقوع، بحيث ينشأ عن فقدان عنصر من الواحد، فقدان عنصر من الآخر. ولكي نصل إلى تحديد دقيق على هذا الأساس يحسن بنا قدر المستطاع أن نعبر عن هذه التغيرات المساوقة في صيغة رياضية كما حاولنا تماما بالنسبة للعلوم الفيزيائية، ولهذا كانت طريقة الإحصاء هي من أعظم الطرق وأخصبها في منهج علم الاجتماع لأنها تحدد بطريقة دقيقة كيفية حدوث التغيرات المساوقة مما يجعلنا نفهم قوانين أو استطرادات الأحوال الاجتماعية. ويحدد دوركهيم قواعد منهج الاجتماع بخمس:
1- يجب أن نعد الوقائع الاجتماعية كأشياء أي يجب علينا ألا نتأثر بأية معان سابقة تجعلنا ننظر إلى هذه الظاهرة أو تلك من وجهة نظر معينة، بل يجب أن نعد الظاهرة الاجتماعية ظاهرة طبيعية موضوعية خارجية ليست متأثرة بشخصية معينة هي التي تفسرها أو تكونها. فأنواع الآيين mœurs وألوان القيم

ص 224
الأخلاقية الموجودة في جماعة من الجماعات – كل هذه الأمور يجب ألا نحكم عليها من وجهة نظر عاداتنا نحن أو عادات فرد من الناس أو عادات بيئة معينة في زمان ومكان معينين، فلا ننعت هذا النوع أو ذاك بأنه منحط أو خارج عن هذا السياق أو ذاك بأن نقول إنه خارج عن الدين أو عن معيار الأخلاق... الخ، بل نعده كوقائع الطبيعة سواء بسواء، نستبعد منه كل تقويم، وننظر إليه نظرة وصفية موضوعية خالية من كل نظرة تقويمية. فبهذا يمكن أن يصير الاجتماع علما بالمعنى الدقيق، أي مجموعة من المعارف المتصلة بوقائع موضوعية غير متأثرة بمن يفسرونها أو باعتبار تقويمي معين.
2- والقاعدة الثانية أن تميز في داخل هذه الوقائع الموضوعية بين ما هو سويٌّ، وما هو مَرَضي. فالسوي هو الذي يكون القاعدة العامة في بيئة من البيئات، والمرضي هو الذي يكوِّن انحرافا عن القاعدة العامة أو شذوذا عن القاعدة السائدة، مع اختلاف في تقدير درجة السوية.
3- بعد أن نقسم ونصنف الظواهر الاجتماعية على النحو السالف نستطيع أن نتبين المشابهات العامة أو الخاصة الموجودة بين طوائف من الظواهر الاجتماعية فتتبين حينئذ أنماطا عامة لأنواع الاجتماع وللأحوال الناشئة عن الوجود في جماعة، ابتداء من الجماعات المختلطة hordes والقبيلة clan. وتلك هي القاعدة الثالثة من قواعد المنهج في الاجتماع، ألا وهي أن نحدد الأنماط العامة لأنواع الاجتماع.
4- إذا ما حددنا هذه النتائج وبيناها بالتفصيل استطعنا أن نحدد بعد هذا الأحوال الاجتماعية الخاصة التي توجد فيها كل جماعة، واستطعنا بالتالي أن نفهم هذه الأحوال الاجتماعية من حيث الأسباب التي تعمل فيها دائما. وهنا يجب أن تكون هذه الأسباب اجتماعية خالصة، فنفسر الأحوال الاجتماعية بعضها

ص 225
ببعض، دون التجاء إلى أحوال فردية إطلاقا أو قدر المستطاع. فالاجتماع يفسر الاجتماع، ولا يجب أن يفسر بعلم النفس الفردية إلا في الأحوال القصوى، وهي حينما تكون الظاهرة الاجتماعية على شفا المنطقة الفاصلة بين الاجتماع وبين علم النفس. ولهذا كانت القاعدة الرابعة أن نبحث في العلل الفاعلية المنتجة للظواهر الاجتماعية، ولا بد أن هذه العلل اجتماعية بدورها. ومنهج المقارنة – مع الاستعانة بالمنهج المكون للقاعدة الخامسة – هو الذي يحدد لنا بالدقة هذه العلل الفاعلية.
5- والمنهج الذي يجب أن نسلكه بعد هذا يجب أن يكون كما قلنا خصوصا منهج التغيرات المساوقة، لأن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن تدرس بدقة إلا عن طريق مقارنة ظواهر متشابهة تنتج نتائج متشابهة. ذلك أن التجريب إن كان عسيرا في علم النفس مع أنه يجري على فرد، فكم يكون أشد عسرا بكثير إذا كنا نريد أن نجريه على جماعة! ذلك أن إجراء تجربة على جماعة بإزالة عنصر أو وضع أو قاعدة سائدة أو نوع من الآيين من شأنه أن يحدث ثورة اجتماعية كلية والمجتمعات لا تسمح بهذا. وكل ما نستطيع أن نقوم به هو تكوين جماعات قليلة مصطنعة اصطناعا نحاول أن نجعل منها حقلا لتجاربنا. ولكن في هذا الكثير من التعسف والتصنع، ولا يمكن أن يؤدي فعلا إلى الحقيقة في أمر الظواهر الاجتماعية لأن هذه غالبا تلقائية وتصدر عن أحوال من زمان ومكان وتأثرات خارجية وتأثر بالبيئة وبالوضع التاريخي، وهي أمور لا يمكن أن تصنع أو تستثار قصدا. لهذا كان منهج التجريب، بالمعنى العلمي غير متيسر إطلاقا في علم الاجتماع اللهم إلا منهج التغييرات المساوقة مع ما فيه من نقص إذا ما طبق في الاجتماع، لأنه سيؤول أيضا إلى منهج تاريخي من ناحية ومن ناحية أخرى من العسير، جدا أن نجد أحوالا اجتماعية وأوضاعا اجتماعية

ص 226
متشابهة لبيئات مختلفة، فضلا عن أن العوامل المؤثرة في الاجتماع عديدة وخفية.
فمن الصعب جدا أن نكشف عن العوامل أو العلل الفاعلية المنتجة لهذه الظواهر أو تلك، ولكن يجب أن نحاول استخدام هذا المنهج قدر المستطاع وأن نعبر عن نتائجه بدقة قدر الإمكان، وذلك باستخدام طريقة الإحصاء، وهي طريقة تقوم عادة على حساب الاحتمالات لأننا لا نستطيع أن نعين أشياء دقيقة كمية ما دمنا بإزاء ظواهر لا يمكن أن تخضع للكم إلا بعسر. وقد أفلح هذا المنهج خصوصا في علم الاقتصاد لأنه لا يقتصر على أحوال اجتماعية لأصحاب عقول واعية، بل يمتد أيضا إلى مسائل وأشياء مادية، وفي هذا يمكن إدخال الكم والتقدير الكمي بدرجة أكبر. أما في الاجتماع بالمعنى الضيق، فتطبيق المنهج في الغاية من العسر، فضلا عن أنه أدى إلى كثير من النتائج السطحية المغالطية.
والإحصاء على نوعين: إحصاء رسمي، وإحصاء غير رسمي.
فالإحصاء الرسمي هو الذي تأمر به الدولة وتسيطر على إعداده وتنظيمه واستخراج نتائجه بواسطة أجهزة تختص بذلك ضمن جهاز الدولة العام: إما على هيئة مصلحة للإحصاء، أو بواسطة أجهزة إحصاء فرعية في مختلف مرافق الدولة تتولى القيام بالإحصاءات في القطاع الذي تندرج فيه وتختص به. ومن هذا النوع: الإحصاء أو التعداد العام للسكان في نواح عديدة: العدد، الدين، المهن، الحالة الاجتماعية من زواج وغيره الخ؛ والإحصاءات الجزئية مثل الصادرات والواردات، الإنتاج الزراعي الصناعي، الدخول الفردية، الخ.
وعلم الاجتماع يتلقى هذه الإحصاءات على أنها ملاحظات غير مباشرة،

ص 227
لأن غيره هو الذي تولاها. وقيمتها تتوقف على الدقة التي تمت بها، والنزاهة والأمانة في إجراءها واستخلاص نتائجها والظروف التي تمت فيها والوسائل التي اتخذت والاحتياطات التي وفّى بها ابتغاء الاستقصاء والدقة في البيانات. لكن المقارنة بين الإحصاءات المختلفة في السنوات والظروف المختلفة تفيد في تصحيح ما عسى أن يكون قد طرأ عليها من خطأ أو تزييف أو قصور وإهمال.
على أن من الممكن الإفادة من هذه الإحصاءات في التنبؤ بالمستقبل الاجتماعي، تنبؤا يغلب عليه الاحتمال طبعا نظرا لعدم اليقين في القوانين الاجتماعية التي يمكن أن تبنى على الإحصاءات.
ومن أنواع الإحصاء ما يسمى باسم التحقيق(33) enquête وهو إحصاء غير رسمي يستخدم في استقصاء الحقائق عن ظاهرة من الظواهر الاجتماعية أو في استبيان الرأي العام في مشكلة من المشاكل. فالتحقيق يهدف إلى معرفة آراء عدد كبير من الناس حول مسألة من المسائل؛ وهي مسائل متفاوتة كل التفاوت. والانتخابات في الدول الديمقراطية والاستفتاءات هي ألوان من التحقيقات السياسية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية نمت طرائق التحقيق والكشف عن الرأي العام نموا بالغا في هذا القرن: ومن أشهر هذه الطرائق طريقة الدكتور جالوب Dr.Gallup وتمتاز من سائر الطرق بأنها بدلا من سؤال أشخاص عديدين جدا تقتصر على أفراد نموذجيين typiques يمثلون مختلف الأعمار ومختلف الأوساط الاجتماعية، وبالجملة مختلف العقليات الموجودة في

ص 228
بلد ما يراد فيه إجراء تحقيق عن مسألة من المسائل. وقد تبين أن هذه الطريقة التي تتم على أفراد نموذجيين قد أتت بنتائج فائقة الدقة تتفوق على غيرها من الطرق، خصوصا طريقة المكالمات الهاتفية (التلفونية) فقد كانت بعض "معاهد الرأي العام" في أمريكا تتخذ الطريقة التالية وهي أن تخاطب تلفونيا عددا كبيرا من الأشخاص وتسألهم؛ وقد بين جالوب أن هذه الطريقة مصدر لأخطاء عديدة، لأنه لا يملك التلفونات غير عدد قليل من الناس، ومن هنا كانت آراؤهم لا تمثل إلا الطبقة التي تملك الحصول على تلفون أو الذين يعملون في مكاتب بها تلفونات الخ... على أن قيمة طريقة جالوب تتوقف هي الأخرى على طريقة اختيار الأشخاص الذي يسألون، وتستوجب لذلك أفرادا ممثلين حقا لطبقات اجتماعية شديدة التنوع من حيث السن والمهنة والسكن، والدخل، ومستوى المعيشة، الخ...
ومنهج(34) الإحصاء يستجيب لحاجتين أساسيتين من حاجات العلوم الاجتماعية وهما:
1- أنه يحل محل التجريب، فيما يتعلق بالظواهر الحاضرة، كما أن التاريخ يحل محل التجريب فيما يتصل بالوقائع الماضية؛ والإحصاء هو المنهج الوحيد القابل للتطبيق على دراسة الظواهر التي لا نملك تغيير ظروفها.
2- أنه يسمح، كما يقول كورنو Cournot بجمع وتنسيق وقائع عديدة من أنواع مختلفة، بحيث نحصل على روابط عديدة مستقلة عن شواذ الصدفة.
المنهج المونوغرافي:
وهناك منهج آخر ينافس منهج الإحصاء في الدراسات الاجتماعية وهو

ص 229
المنهج المونوغرافي La méthode monographique. والمونوغرافيا في الأصل وصف موضوع مفرد: فالسيرة هي مونوغرافيا فرد ما. لكن المقصود بها في علم الاجتماع هو القيام بدراسة مفردة عن جماعة أولية مثل الأسرة، القرية، القبيلة، المصنع الخ... غير أن بعض علماء الاجتماع الأمريكيين فهموا منها أيضا دراسة الأفراد كوسيلة للدراسة الاجتماعية.
وأول(35) من أدخل دراسة سيرة الشخص والوثائق الشخصية في علم الاجتماع هو توماس وزنانيسكي Thomas & Znaniecki في كتابهما: "الفلاح البولاندي في أوربا وأمريكا"(36)، وقد قالا إن هذا المنهج في علم الاجتماع هو "النموذج الكامل للدراسة الاجتماعية". وأرادا أن يدرسا الحياة الاجتماعية دراسة علمية تحسب حساب العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية للسلوك. وحاولا تصحيح نظرياتهما والفروض التي افترضاها بالاستعانة بالوثائق الشخصية؛ واستخرجا بذلك مبادئ وتعميمات يمكن تطبيقها في مواقف أخرى في مجرى التطورات الاجتماعية. لكن نتائج أبحاثهما والمبادئ التي وضعاها قد تلقاها علماء الاجتماع بالتحفظ. فقد اعترف بما للوثائق الشخصية المتعلقة بحياة شخص أو أشخاص في بيئة ما من فائدة بوصفها معطيات يستفاد منها في البحث الاجتماعي؛ لكن قيمتها العلمية محدودة لأنها شخصية فردية. وقيمتها هي في الدراسات الوصفية والأبحاث التمهيدية الاستكشافية لأنها تعطي أفكارا هادية في البحث، لا نتائج يقينية يمكن تعميمها.
لكن جاء ألبورت G.W.Allport فدافع عن قيمة المونوغرافيا القائمة

ص 230
على السيرة الشخصية والوثائق الشخصية وقال إنها نافعة في المنهج العلمي الاجتماعي نفسه:
"وأن من الممكن بيان أن المونوغرافيات تعمق الفهم، وتقوي القدرة على التنبؤ، والقدرة على الضبط بأن تجعلهما يتجاوزان المستوى الذي يمكن المرء بلوغه إذا ما تسلح بالفهم السليم وحده"(37).
ويمكن اتخاذ منهجين للتفسير يطبقان على الوثائق الشخصية: المنهج النوموتيتي nomothétique أو الدراسة المقارنة للوثائق ابتغاء الوصول إلى تعميمات؛ والمنهج الأيديوغرافي idiographique أو دراسة الأحوال الفردية من ناحية ما فيها من فردية وتمامية.
القياس الاجتماعي(38):
على أن الفهم يتوقف على تحليل التصورات المتعلقة بظاهرة اجتماعية. ولكن هذا التحليل المنطقي فيه من الغموض ما في التصورات؛ ولهذا فكر بعض علماء الاجتماع في اتخاذ منهج يكون كفيلا بالدقة العلمية. ولما كانت الدقة العلمية لم تتحقق إلا عن طريق إدخال الكم في الدراسة، لهذا بحثوا عن طريقة كمية تكون مكملة للتحليل المنطقي للتصورات، فاتخذوا ما سمي باسم "القياس الاجتماعي" sociométrie الذي ينسب إلى الدكتور ج.ل.مورينو Dr.J.L.Moreno (ولد في بوخارست سنة 1892) وهو طبيب أمراض

ص 231
نفسية نمساوي الأصل ولكنه هاجر إلى أمريكا، وكان تلميذا لفرويد، وأنشأ أولا "الدراما النفسية" التي قصد بها إلى استثارة الانطلاقات اللاشعورية على المسرح؛ ثم تطورت الدراما النفسية إلى الدراما الاجتماعية وفحواها إحياء مواقف اجتماعية مصطنعة على المسرح وتمثيل دور ما، وليكن دور الزنجي أو رب العمل. لكنه رأى أن هذا لن يخرج عن ميدان الكيف في الدراسة النفسية والاجتماعية، فأنشأ منهج القياس الاجتماعي وخلاصته: أن نطلب إلى أفراد جماعة ما اختيار من يستلطفونهم أو يستثقلونهم أكثر من غيرهم في هذه الجماعة. والإجابات التي نحصل عليها تسمح بالحصول على رسوم ا-اجتماعية، تتبدى، في شكلها الأولى، على هيئة سلسلة ومثلث ومستطيل ونجمة. وحينما نمثل على ورقة إجابات كل أفراد هذه الجماعة فإننا نحصل على تعقيدات تبدو لأول وهلة أنها لا يمكن فصلها وتمييزها. لكننا نستطيع رغم ذلك الوصول إلى تمييز بعض الأمور السائدة وإلى نتائج ذات دلالات. فمثلا الشخص الذي ينال استلطافا كبيرا (ويرمز إليه بنجمة) يمكن أن يختاره إما زملاء استلطفهم كثير من الزملاء: وحينئذ نكون بإزاء شخصية "قوية"؛ أو شخص اختاره ناس لم يلتفت إليهم الآخرون، فتكون حينئذ بإزاء شخصية "شعبية". وإذا ما قارنا رسوما اجتماعية Sociogrammes مختلفة فإننا نصل إلى قوانين تحدد أو تعمم ملاحظات التجربة العامية.

ص 1
مناهج البحث العلمي

ص (2)
مؤلفات الدكتور عبد الرحمن بدوي
(أ‌) مبتكرات
1- الزمان الوجودي
2- هموم الشباب
3- مرآة نفسي (شعر)
4- الحور والنور
5- نشيد الغريب (شعر)
6- هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟
(ب‌) دراسات أوربية
1- الموت والعبقرية
2- دراسات في الفلسفة الوجودية
3- المنطق الصوري والرياضي
4- في الشعر الأوربي المعاصر
خلاصة الفكر الأوربي
1- نيتشه
2- اشبنجلر
3- شوبنهور
4- أفلاطون
5- أرسطو
6- ربيع الفكر اليوناني
7- خريف الفكر اليوناني
8- فلسفة العصور الوسطى
(ج) دراسات إسلامية
1- التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية
2- من تاريخ الإلحاد في الإسلام
3- شخصيات قلقة في الإسلام
4- الإنسانية والوجودية في الفكر العربي
5- أرسطو عند العرب
6- المثل العقلية الأفلاطونية
7- منطق أرسطو (3 أجزاء)

ص (3)
8- شهيدة العشق الإلهي: رابعة العدوية
9- شطحات الصوفية (أبو يزيد البسطامي)
10- روح الحضارة العربية
11- الإنسان الكامل في الإسلام
12- التوحيدي: الإشارات الإلهية
13- مسكويه: الحكمة الخالدة
14- فن الشعر لأرسطوطاليس وشروحه العربية
15- الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام
16- أرسطوطاليس: في النفس (مع الآراء الطبيعية لفلوطرخس)
17- ابن سينا: عيون الحكمة
18- ابن سينا: البرهان
19- الأفلاطونية المحدثة عند العرب
20- أفلوطين عند العرب
21- المبشر بن فاتك: مختار الحكم
22- فلهوزن: الخوارج والشيعة
23- أرسطوطاليس: الخطابة
24- ابن رشد: تلخيص الخطابة
25- مخطوطات أرسطو في العربية
26- مؤلفات الغزالي
27- مؤلفات ابن خلدون
28- أرسطوطاليس: في السماء والآثار العلوية

ص (4)
29- حازم القرطاجني وأرسطوطاليس
30- رسائل ابن سبعين
31- دور العرب في تكوين الفكر الأوربي
(د) ترجمات
الروائع المائة
1- ايشندروف: من حياة حائر بائر
2- فوكيه: أندين
3- جيته: الديوان الشرقي
4- بيرون: أسفار اتشيلد هارولد
5- جيته: الأنساب المختارة
6- برشت: دائرة الطباشير القوقازية
7- ثربنتس: دون كيخوته
8- لوركا: مسرحيات لوركا
9- برشت: الأم شجاعة
10- دورنمات: علماء الطبيعة
اشفيتسر: فلسفة الحضارة

ص (7)
تنبيه
تقدم البحث العلمي رهين بالمنهج، يدور معه وجودا وعدما، دقة وتخلخلا، خصبا وعقبا، صدقا، وبطلانا. ومن هنا كان الاهتمام البالغ بتقنين مناهج للبحث العلمي من أيام أرسطو حتى يوم الناس هذا. ويمكن أن نفسر تطورات العلم والمعرفة العلمية بأدوارها المتفاوتة عن طريق بيان دور المنهج العلمي في تحصيلهما. فما انتكس العلم إلا بسبب النقص في تطبيق المناهج العلمية، أو في تحديدها، وما نما وازداد أصالة إلا بالدقة في تحديد المناهج وتقرير مبادئها القويمة. ولا خلاف على هذا بين العلماء الخلص وبين الفلاسفة الباحثين في منطق البحث العلمي. إنما يأتي الخلاف في تجديد دور كلا الفريقين في تشييد المناهج العلمية. ومن الواضح أنه كما أن معرفة الطب لا تستلزم بالضرورة الصحة، ولا السير بمقتضى القواعد الطبية، فكذلك معرفة مناهج البحث لا تستلزم بالضرورة تحصيل المعرفة العلمية ولا إتباع قواعد المنهج العلمي. فهذا أمر، وذاك أمر آخر.
ولكن المعرفة الواعية بمناهج البحث العلمي تمكن العلماء الباحثين من إتقان البحث وتلافي كثير من الخطوات المتعثرة أو التي لا تفيد شيئا.
ومن هنا كانت فائدة بيان مناهج البحث العلمي
وكتابنا هذا في بيان مناهج البحث التي ينبغي سلوكها في المجموعات الثلاث الكبرى من العلوم، وهي: مجموعة العلوم الرياضية، ومجموعة العلوم التجريبية، ومجموعة العلوم التاريخية. والقواعد التي نسوقها هنا قواعد عامة، أي تعم المجموعة كلها دون أن تخص علما منها بعينه. ومن الواضح أن ثمت فروق نوعية بين

ص (8)
المنهج في المجموعة والمنهج في كل علم منها، ولكن البحث في هذه الفروق موضوع المناهج الجزئية وهو ما لم نهدف إليه من هذا الكتاب.
وعسى أن يكون فيه ما يفيد في توجيه البحث العلمي- الذي لما يثمر بعد في العالم العربي ثماره المرجوة – على النهج السديد.
مايو سنة 1944 عبد الرحمن بدوي

ص 9
فهرس
المنهج: - 3- 19
معنى الكلمة - 3 – 5
أنواع المنهج – 5 – 6
علم المناهج – 6- 7
تكوينه – 7- 12
أنواع المناهج – 13- 19
المنهج الاستدلالي
الفصل الأول: 21- 81
تطور العلوم الرياضية – 21- 29
الدور العلمي عند اليونان- 29- 30
الهندسة التحليلية- 30-33
الهندسة الوصفية- 33-34
الهندسة اللااقليدية- 34- 37
تطور الحساب ونشأة الجبر- 38 – 43
تطور الجبر- 34- 44
الميكانيكا- 44- 50
نظرية العدد – معنى كلمة العدد- 15- 68
الترتيب- 68- 70
أنواع الأعداد- 70- 81
المنهج الاستدلالي:
معنى الاستدلال- 82- 83
النظام الاستدلالي- تكوين النظم الاستدلالية – 83- 89
التحليل التقليدي للمبادئ (البديهيات – المصادرات- التعريفات) – 89- 98
الصلة بين هذه المبادئ- 98- 100
نقد هذه المبادئ – 101- 103
مسار المنهج الاستدلالي- 103- 115
التجريب العقلي- 116- 118

ص (10)
صور الاستدلال – 118- 121
المشاكل المنطقية- 121- 126
المنهج التجريبي
خطوات المنهج التجريبي- 128- 129
طريقة الملاحظة والتأدي إلى الوقائع- 130- 144
التجريب- 144- 170
الفرض- 144- 146
نشأة الفروض- 146- 150
شروط الفرض- 151- 153
نقد الفرض- 153- 155
تحقيق الفرض- 155- 157
قواعد ولوحات بيكون- 157- 161
قواعد مل- 162
منهج الاتفاق – 163- 166
منهج الافتراق – 166- 168
منهج التغيرات المساوقة- 168- 170
أساس الاستقراء- 170 – 182
المنهج الاستردادي (التاريخي)
حقيقة التأريخ- 183- 188
النقد الخارجي- 188
1- نقد الاستعادة – 188- 194
2- نقد المصدر- 194- 204
النقد الباطن- 204- 217
النقد الايجابي للتفسير – 206- 209
النقد الباطن السلبي للنزاهة والدقة- 210- 2111
روايات شهادة العيان أو الروايات المباشرة – 211- 214
الرواية غير المباشرة – 214- 217
استعادة الوقائع- 218- 221
المنهج في علم الاجتماع- 222- 231

1 مراجع:
Claude Bernard: introduction a l’etude de la medecineereperimentale De la method dans les sciences, 2 series, 1920
ALalande: Les theories de l’induction et de l’erperimen tation
L.Rougler: La structure de theories deductive
2 وهاك رسماً لشبه الدائري ومعادلاته:
(الشكل رقم 1)
معادلات شبه الدائري البرمترية هي:
س = نق* (1 – جيب الزاوية)
س= نق* (1 – جيب تمام الزاوية)
حيث نق هو نصف قطر الدائرة
الجيب "sine" = (المقابل / الوتر) * المقابل للزاوية 1
جيب التمام "cosine" = المجاور / الوتر
المماس "tangent" = المقابل / المجاور
قاطع التمام “cosecant” = عكس الجيب
القاطع “secant” = عكس جيب التمام
ظل التمام “cotangent” = عكس المماس
أما مساحة أي قوس من شبه الدائري فتساوي: 3 * (22/7) * نق * نق
وطول أي قوس من شبه الدائري يساوي: 8 * نق
المعادلات البرمترية: المنحنى المستوي يمثل عادة بمعادلة واحدة ذات متغيرين يمثلان إحداثيات متعامدة أو إحداثيات قطبية. وفي بعض الأحيان يستحسن تمثيل المنحنى بمعادلتين تعبران عن الإحداثيات منفصلة، بمعونة متغير ثالث يسمى البرمتر؛ وحينئذ تسمى هذه المعادلات بـ "المعادلات البرمترية". ويمكن أيضاً إيجاد معادلات برمترية للسطوح وللمنحنيات الفراغية.

3 مراجع في فلسفة الرياضيات:
L. Brunschvicg: Les etapes de la philosophie mathematique, 2e ed., 1922, Paris.
Phil. Chaslin: Essai sur le mecanisme psychologique des operations de la mathematique pure, Paris 1926, pp.271.
Dubislav: Die Philosophie der Mathematik in der Gegenwart, Berlin 1932, pp.88.
L. Flscher: Die Grundlagen der Philosophie und der Mathematik, Leipzig, 1933, pp.180.
J. Pacotte: La Pensee mathematique contemporaine. Paris, 1925, pp.126.
P. Boutroux: L’Ideal scientifique des Mathematiciens, Paris, 1920, pp.274.
Hilbert de Bernays: Grundlagen der Mathematik, Berlin 1934. Pp.471.
4 للتذكرة:
النسبة بين المحيط والقطر هي (22÷7) أي ط ?
مساحة الدائرة: ط نق^2
طول المحيط: 2 ط نق
مساحة المثلث: القاعدة × نصف الارتفاع
5 الملوك الأول، أصحاح 7، آية 23؛ الأخبار الثاني، أصحاح 4، آية 2
6 فيما يتعلق بالهندسة عند المصريين راجع
A. Eisenlohr: Ein mathematisches Handbuch der alten Aegypter, 2.A. Leipzig, 1981;
G. Cantor: Vorlesungen UBer die Geschichte der Mathematik, chap. Ii;
J. Gow: A. short history of Greek Mathematics, Cambridge, 1884, arts. 75, 76;
E. weyr: Die Geometrie der alten Aegypter, Wien. 1884.
7 2÷26 = 0.0689655
(1÷24) + (1÷58) +(1÷274) + (1÷232) = 0.0689664
8 راجع روز بول: "عرض موجز لتاريخ الرياضيات"، ص3 -5، ولندن سنة 1940 (ط 1 سنة 1888).
W. W. Rouse Ball: A short account of the History of Mathematics

9 ليون برنشفج: مراحل الفلسفة الرياضية. ط 2 باريس سنة 1922، ص31.
10 Fermat: Isagoge ad Lacos Planos et solidos.
11 شكل 2
12 شكل 3
الإحداثيات القطبية للنقطة ل م البعد الموجه ول والزاوية الموجهة س ول. والبعد الموجه ول يسمى الكمية المتجهة القطرية radius vector للنقطة ل. والزاوية الموجهة س ول تسمى الزاوية الفكتورية للنقطة ل

13 شكل 4
3- مناهج البحث العلمي

14 راجع في هذا كله: ه. بونكاريه: " العلم والقرض" ف 3.
15 نشره ف. روزن F. Rosen ترجمة انجليزية، لندن سنة 1831
16 يلاحظ أن الخوارزمي يسمى مربع العدد باسم: المال.
17 7، 3
18 – P. Painleve in , De La Methode dans les Sciences, premiere serie, p. 72 sqq., paris, 1920.
19 Histoire qenerale des sciences, tome 2, pp. sqq-presses universltafres de France, parts, 1958.
20 قوانين نيوتن:
القانون الأول: كل جسم يبقى ساكناً ما لم يطرأ عليه طارئ يحركه، وكل جسم متحرك يتحرك بانتظام وفي اتجاه مستقيم ما لم يطرأ عليه ما يغير من انتظام حركته أو من اتجاهها أو ما يمحوها.
القانون الثاني: تغير كمية جسم في زمن ما مناسب للقوة المحدثة له ؛ ويحدث هذا التغير في اتجاه القوة.
القانون الثالث: لكل فعل رد فعل مساو له ومضاد له في الاتجاه.
2 – F = force , t = temps , v = vltesse , m = masse.
D (mv) = F dt
ويمكن صياغته أيضاً في الجملة التالية:
القوة التي تؤثر في جسم تتناسب مع تغير العزم الذي تحدثه في وقت معلوم ؛ واتجاه القوة هو الاتجاه الذي يحدث فيه تغير العزم (العزم momentum هو حاصل ضرب كتلة الجسم في سرعته).

21 للتذكرة:
العدد " الحقيقي ": قطاع لسلسلة من الكسور مرتبة تبعاً للمقدار.
العدد " الأصم ": قطاع لسلسلة من الكسور ليس لها حد منطقي.
العدد " الجذري الحقيقي ": قطاع لسلسلة من الكسور حد منطقي فجذر 2 (2?) هو القطاع المتكون من كل الكسور التي يكون مربعها أقل من 2.
العدد " التخيلي المركب ": هو زوج مرتب من الأعداد الحقيقية.
جمع الأعداد التخيلية وضربها:
الجمع: (أ + ب ت) + (ج + ء ت) = (أ + ج) + (ب + و) ت
الضرب: (أ + ب ت) (ج + ء ت) = (أ ج ـ ب ء) + (أ ء + ب ج) ت
يعرف الجزء بتربيعي لأي سالب مثل ـــ أ (أ موجبة) بأنه ذلك المقدار التخيلي الذي إذا ضرب في نفسه نتج ـــ 1.
أي أن 1-?× 1-?= 1-
وقياسا على هذا يكون 1-?× 1-?= 1-
والمقادير التي هي على الصور 1-? تسمى بالمقادير التخيلية، مثل 5-?، 9-?
ويمكن أ، نبين أن المقادير التخيلية مثل 1-? يمكن التعبير عنها بدلالة 1-?:
من التعريف 1-? × 1-? = 1-
? 1?،× 1-? × 1?× 1-? = 1 × 1- = 1-
? (1? × 1-?)*2 = 1-
? 1-? = 1? 1-?
وبذا أمكن التعبير عن 1-?بدلالة 1-? وسنرمز للمقدار التخيلي 1-? بالحرف ت
القوى المختلفة للمقدار التخيلي ت:
(1-?)^2 = 1-، (1-?)^3 = -(1-?)، (1-?)^4 = 1،
(1-?)^5 = 1-? أي ت ^2 = 1-، ت^3 = -ت، ت^4 = 1، ت = ت
وتتكرر القيم على دورات رباعية.
كل مقدار بصورة ا + ت ب وفيه أن أ، ب مقداران حقيقيان، ت = 1-? يسمى بالمقدار التخيلي المركب مثل
4 + 2 × 1-?، 8 – 5 ت،.. وتتكون هذه المقادير من جزئين أحدهما حقيقي والآخر تخيلي.
يترافق مقداران تخيليان مركبان إذا اختلفا في علامة الجزء التخيلي فقط فمثلا 2 + 3 ت، 2 – 3 ت عددان تخيلان مركبان مترافقان.
وواضح أن مجموع أي مقدارين مربعين مركبين مترافقين هو مقدار حقيقي لأن
أ + ت ب + أ - ت ب = 2 أ
(ا + ت ب) (ا – ت ب) = ا^2 – ت^2 ب^2 = ا^2 + ب ^2 وكلا الناتجين حقيقي وتستعمل المقادير المترافقة في تحويل كسر مقامه تخيلي إلى كسر آخر مقامه حقيقي، وذلك بضرب البسط والمقام في مرافق المقام:
فمثلا (2 + ت) ÷ (3 + 4 ت)
= (2 + ت) (3 – 4 ت) ÷ (3 + 4 ت) (3 – 4 ت)
= (6 + 4 – 5 ت) ÷ (9 + 16)
= (10 – 5 ت) ÷ 25
= (2 – ت) ÷ 5
لنفرض أن الجزء التربيعي للعدد 2 هو م/ن، فإن م^2/ن^2 = 2
? م^2 = 2ن^2
? م^2 عدد زوجي
? م عدد زوجي لأن مربع العدد الفردي كذلك فإذا كانت م عددا زوجيا إذن، فإن م^2 يجب أن تقبل القسمة على 4 لأنه إذا كانت م = 2 ص حيث ص هي نصف م فإن م^2 = 4 ص^2
إذن 4 ص (2) = 2 ن (2)
إذن 2 ص = ن (2)
إذن ن/ص ستكون أيضا الجذر التربيعي للعدد 2
وفي وسعنا بعد هذا أن نكرر البرهان: إذا كانت ن = 2 ص، فإن ص/ص ستكون الجذر التربيعي للعدد 2 وهكذا باستمرار خلال سلسلة لا تنتهي من الأعداد التي يكون كل منها نصف السالبه له.
ولكن هذا مستحيل، لأننا إذا قسمنا عددا على 2 ثم قسمنا النصف وهكذا فيجب أن نصل إلى عدد فردي بعد خطوات متناهية، إذن لا يمكن أن يكون ثمة كسر م/ن يكون مربعه 2

22 راجع كتابنا "المنطق الصوري الرياضي" ص 283-293، القاهرة سنة 1962.
23 ا^2 -(ت ب)^2 =ا^2 - (1-?× ب)^2 = ا^2 - (-1 × ب^2)
24 راجع كلود شفاليه (الدقة والمنهج البديهي)، في مباحث فلسفية، جـ2 ص257-ص261
Claude Chevalley "Rigueur et methode ariomatique'' , in Rech , philosphiques, t. II

25 لوى روجييه: تركيب النظريات الاستدلالية، باريس سنة 1921، ص63
Louis Rougier: La Structure des theories deductives.

26 هنري بونكاريه: "العلم والفرض"، ص 32
27 بونكاريه: "العلم والفرض" ص 67
28 المنطق الصوري والرياضي" ص 75 – ص81 القاهرة سنة 1962.
29 Louis Liard: Logique, 4éme éd., 1897
30 الإختلاف المركزي هو النسبة بين المسافة البؤرية والمحور الأكبر في القطع الناقص. فحينما تكون هذه النسبة تساوي صفراً ينطبق البؤرتان علي القطع الناقص. وبانطباق البؤرتين على المركز تتكون دائرة وذلك لأنه (كما في الشكل): ب و+ ب و' = ا ا' بحسب خواص القطع الناقص، إذا انطبقت و، و' على جـ فإن ا ا' = 2 × ب جـ فلما كان ا جـ = جـ ا'
إذن ب جـ = ا جـ = جـ ا'
إذن جـ ستكون المركز للدائرة بعدها ب جـ أو ا جـ أو جـ ا' أو جـ ب
توضيح الشكل
القطع الناقص هو عبارة عن شكل بيضاوي بمعنى له قطر أكبر وقطر أصغر، فهو جزء من دائرة من ناحية الجانب الأيمن لها مركز و' وجزء من دائرة من الجانب الأيسر مركزها و’ وبين هذين الإنحنائين خطان أفقيان متوازيان، وإذا رسمنا خط أفقي بين النقطتان و و و' فيلتقيان عند حافتي القطع الناقص عند ا وا'، ثم من منتصف هذه القطعة نضع نقطة جـ ونرسم منها خط عمودي على ا ا' فيلتقان عند الحافة عند ب وب'

31 راجع معجم لالاند، تحت كلمة "تعريف" في الملاحظات.
32 راجع الآن ترجمتنا لهذا الكتاب ضمن كتابنا: "النقد التاريخي"، القاهرة سنة 1963.
33 راجع عنه J.-L.Lebret: Guide pratique de l’enquête sociale, 3 vols. In-4°: t. 1er, Manuel de l’enquêteur (P.U.F., 1951); t. II, L’Enquête rurale (P.U.F., 1951) ; t. III. L’Enquête urbaine
34 Gaston Bouthoul: Traité de Sociologie, p. 133
35 The Polish Peasant in Europe and America, 1833-34.
36 راجع مقال أرنست برجس في: "علم الاجتماع في القرن العشرين" الذي أشرف على إخراجه جورج جورفتش، باريس 1947 جـ1 ص 28 وما يليها.
37 The use of Personal Documents in Psychological Science, p. 185 (عن المقال المذكور).
38 راجع عنه كتاب مورينو بعنوان Who shall survive?
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------