Advertisement

عمارة الفقراء م حسن فتحي
















































عمارة الفقراء


عمارة الفقراء
__________________________________

لوحة الغلاف


اسم العمل الفني : ابيت في العجمى
وصورة للمهندس حسن فتحي

حسن فتحي

صورة البيت المنشور على الغلاف من تصميم المهندس الفنان عبد الواحد الوكيل ، وهو من تلاميذ عبقري العمارة المصري المهندس حسن فتحي والدور السكنية التي صممها في العجمى ( قرب الإسكندرية ) تدل دلالة واضحة على القدرة في استخدام العناصر التكنيكية التقليدية و تكييفها مع الشروط العصرية . و غالبية الدور تشابه عمارة شمال إفريقيا حيث تحتوي على شرفات مطلة على الخارج ، وقد شيدت حول باحة تتوسطها نافورة بمثابة انعكاس لقبة السماء حسب التقاليد ، بالإضافة إلى استخدام الإيوان و المصاطب .
محمود الهندي




























عمارة الفقراء



الطبعة الرابعة







د . حسن فتحي

ترجمة : د . مصطفى إبراهيم فهمي


































مهرجان القراءة للجميع 2001

مكتبة الأسرة

برعاية السيدة سوزان مبارك

( الأعمال الفكرية )


عمارة الفقراء ( الطبعة الرابعة ) الجهات المشاركة :
د . حسن فتحي
ترجمة : مصطفى إبراهيم فهمي جمعية الرعاية المتكاملة المركزية
الناشر : دار العين للنشر والتوزيع وزارة الثقافة
( طبعة خاصة ) وزارة الإعلام
الغلاف وزارة التربية والتعليم
والإشراف الفني : وزارة الإدارة المحلية
الفنان : محمود الهندي وزارة الشباب
المشرف العام : التنفيذ : هيئة الكتاب
د . سمير سرحان













على سبيل التقديم :

كان الكتاب وسيظل حلم كل راغب في المعرفة واقتناؤه غاية كل متشوق للثقافة مدرك لأهميتها في تشكيل الوجدان و الروح والفكر ، هكذا كان حلم صاحبة فكرة القراءة للجميع ووليدها
(( مكتبة الأسرة )) السيدة سوزان مبارك التي لم تبخل بوقت أو جهد في سبيل إثراء الحياة الثقافية والاجتماعية لمواطنيها .. جاهدت و قادت حملة تنوير جديدة و استطاعت أن توفر لشباب مصر كتاباً جديداً و استطاعت أن توفر لشباب مصر كتاباً جاداً وبسعر في متناول الجميع ليشبع نهمه للمعرفة دون عناء مادي وعلى مدى السنوات السبع الماضية نجحت مكتبة الأسرة أن تتربع في صدارة البيت المصري بثراء إصداراتها المعرفية المتنوعة في مختلف فروع المعرفة الإنسانية .. وهناك الآن أكثر من 2000 عنواناً و مايربو على الأربعين مليون نسخة كتاب بين أيادي أفراد الأسرة المصرية أطفالاً وشباباً و شيوخاً تتوجها موسوعة (( مصر القديمة )) للعالم الأثري الكبير سليم حسن ( 18 ) جزء . وتنضم إليها هذا العام موسوعة قصة الحضارة في
( 20 ) جزء .. مع السلاسل المعتادة لمكتبة الأسرة وتوسع من موقع الكتاب في البيت المصري تنهل منه الأسرة المصرية زاداً ثقافياً باقياً على مر الزمن و سلاحاً في عصر المعلومات .

د . سمير سرحان






























2

*حسن فتحي *

عمارة الفقراء

تجربة في ريف مصر

(( عمارة الفقراء )) نشر أصلاً في 1969 تحت عنوان (( القرنة : قصة قريتين )) ، في طبعة محدودة ، بواسطة وزارة الثقافة في القاهرة .
ونشر 1973 بواسطة جامعة شيكاغو.
ونشر في مصر لأول مرة 1989 بواسطة الجامعة الأمريكية في القاهرة


































مقدمة المترجم

حسن فتحي ليس فحسب المهندس المعماري الفذ السابق لعصره ولكنه أيضاً فنان يعشق فن العمارة بمثل عشقه للموسيقى ، وكثيراً ما كان يعقد المقارنات بين التكوين المعماري والتكوين الموسيقي بما يبين ولعه بالفنين .
ورغم نشأته من أسرة ثرية فإنه كرس كل عبقريته وفنه الذي يعشقه في العمل على أن يتمكن أفقر الفقراء في الريف من الحصول على مسكن صحي رخيص باستخدام أبسط المواد والتقنيات المتاحة في البيئة ، مع الحرص على أن يكون لكل عائلة بيتها المميز بطابعه الخاص حسب احتياجاتها وذوقها ، مع عدم اللجوء إلى النموذج النمطي إلا في النواحي الأساسية وليست التفصيلية . وهو أيضاً يعمل على أن يربط ما انقطع من تواصل في تراث المعمار الشعبي ، ليس فقط لما في هذا التراث من قيم جمالية ، بل ولأنه أيضاً حصيلة تجارب الأجيال في حل مشاكلها المعمارية وتطوير المعمار للوصول إلى ماهو نافع ومفيد في البيئة المحلية . وهكذا فإن على المهندس المعماري أن يعمل على ربط المعمار الشعبي بالمعمار الهندسي الأكاديمي ، وأن يؤكد على مايجده فيهما من ملامح مشتركة فيها الفائدة والجمال معاً .
ولم تكن هذه الأفكار مجرد أحلام رومانسية نظرية بعيدة عن التطبيق الواقعي ، فقد أمكن للمهندس حسن فتحي إثبات صحة نظرياته عملياً في عدة نماذج أقامها وأثارت الإعجاب ، كما أنه حاول تطبيقها على نطاق واسع عندما عهد إليه بإنشاء قرية بأكملها في القرنة بالصعيد . و مع أنه قطع شوطاً كبيراً في ذلك إلا أنه كان يواجه دائماً بشتى العقبات والمعوقات سواء من البيروقراطيين المتحجرين أو من المقاولين الذين رأوا أن نظرياته فيها كل الخطر على مكاسبهم الهائلة من نظام البناء التقليدي السائد . ورغم كل المرارة التي أحس بها حسن فتحي لعدم اكتمال تجربة القرنة ، وما لاقاه من عنت قبلها وبعدها ، فإنه لم يتخل قط عن إيمانه بأفكاره عن العمارة للفقراء ، وظل يعمل على نشر رسالته ثم إنه يخط تجربته مكتملة في هذا الكتاب مع وضع خطة كاملة لإعادة بناء كل بيوت الريف في مصر ، وفي هذه الخطة خلاصة خبرته ونظرياته المعمارية الجمالية الاجتماعية . وهو يحذر من خطورة أوضاع الإسكان الريفي وقتها ، وأنه مالم يتم تدارك الأمر بخطة علمية متكاملة فسوف تزحف المباني الإسمنتية المشوهة الكئيبة من أطراف مدن مصر إلى قراها ، وهي نبوءة بدأت تتحقق بكل أسف . ومن هنا كانت أهمية تقديم هذا الكتاب مترجماً للعربية لعل فيه ما يوقف الانتشار العشوائي لهذا الوباء ، وباء المعمار المشوه المستورد .
ويسرني هنا أن أسجل عميق شكري للأساتذة المهندسين الذين تكرموا عليّ بثمين وقتهم واهتمامهم بما ساعدني في ترجمة المصطلحات الهندسية ، وهم الدكتور أحمد علي العريان والدكتور مصطفى عبد الحميد سعد والمهندس الفنان عصام صفي الدين . فالفضل لهم كل الفضل في المصطلحات الصحيحة ، أما إذا كان ثمة أي خطأ فلعله بسبب من عدم استيعابي لشرحهم .

المترجم
د . مصطفى إبراهيم فهمي





تمهيد

هناك بليون فرد على الأقل سوف يموتون مبكراً ويعيشون حياة موقوفة النمو بسبب الاسكان الشائه غير الصحي وغير الاقتصادي . وهذه المشكلة لة اقتحمت بالطرق التقليدية فإنها ستبدو بلا حل ممكن ؛ وقد قدمت لجنة بيرسون دراسة للبنك الدولي تمدنا ببيانات تبين أنه حتى لو حدث ما هو غير محتمل ، فأعطى أغنياء العالم 1% من دخلهم للمساعدة على النهوض بفقراء العالم ، فسوف يظل ما يقرب من ثلث سكان العالم وهم يعيشون في مستويات من الفقر الطاحن . وربما استمر ثلث سكان العالم حتى نهاية هذا القرن بحيث لا يكسبون في العام إلا أقل من الأجر الأسبوعي لعامل المصنع في أمريكا حالياً . ورأس المال المطلوب توظيفه لتوفير أدنى حدمن الاسكان لعائلة فقيرة في الولايات المتحدة هو في حدود 20.000 دولار . وبكلمات أخرى فإنه حتى يحصل الإنسان على مأوى يسكنه فإنه يستهلك لذلك معظم حصيلة سنوات حياته العملية المنتجة .
وهذه الأرقام على دقتها ، فإن فيها بعض ما يضلل . فتكاليف الإسكان يجب أن تُقَسَّم على عناصره المكونة له ، وهي فيما اقترح ، عناصر ثلاثة : اقتصادية ، واجتماعية ، وجمالية ، . وهي على علاقة وثيقة معاً ، إلا أن كلاً منها يستحق اهتماماً منفرداً .
وقد تعلمنا أن نؤمن أن الاقتصاد العالمي ينقسم إلى جزئين ، هما الدول الغنية والدول الفقيرة . وهذا التقسيم يتم التعبير عن جزء كبير منه بالمفارقة الموجودة بين العملة الصعبة والعملة السهلة . فالعملة الصعبة هي التي تسيطر على التكنولوجيا المتقدمة وبذلك فإنها هدف مرغوب لكل الناس . أما العملة السهلة فتنتجها الدول الفقيرة ذات المنتجات التي لا يتلهف الآخرون جد التلهف على طلبها . وحتى عندما يتاح لأحد البلاد وفرة من العملات السهلة ، فإنه غالباً لا يستطيع الحصول على تلك الخدمات والسلع التي يحتاجها احتياجاً شديداً أو يطلبها طلباً ملحاً
على أن ثمة قسماً فرعياً آخر للاقتصاد ؛ هو عن فقراء الذين في داخل كل بلد . فثلث سكان العالم على الأقل يعيشون تحت مستوى أي اقتصاد يحسب بالنقود. ومن منظورهم فإنه ليس سوى فارق بسيط بين العملة الصعبة والسهلة ؛ يكاد يكون الأمر أن أي شيء لا يستطيعون اكتسابه بعملهم هم أنفسهم ومن البيئة التي تجاورهم مباشرةً ، لهو شيء لن يستطيعون اكتسابه أبداً . ومتوسط دخل هؤلاء الناس في أجزاء كثيرة من العالم قد يتدنى لما يصل إلى ثلث المتوسط القومي القليل في البلاد الفقيرة ، ذلك المتوسط الذي تثير قلته الرثاء من قبل . وفي قرى آسيا ، يبلغ الدخل السنوي للفرد قدراً من الصغر يكاد يصبح احصائياً بلا مغزى . فهو قريب أشد القرب من حد الابقاء على الحياة ، بل ويهبط أحياناً لأقل من ذلك .
وبلغة الإسكان ، فإن هذا يعني أن الحديد الصلب اللازم لإنشاء المباني – وهذا بند مستورد عادة من مناطق العملة الصعبة – لا يكون هو وحده ترفاً مستحيلاً ، بل هناك أيضاً منتجات الصناعة الحضرية أو منتجات المناطق الأخرى في نفس القطر – أي الإسمنت والخشب والزجاج – كلها تكون بدورها غير اقتصادية وغير عملية . وإذا دفعت الضرورة إلى استخدام هذه المواد ، فإن غلو ثمنها سيتطلب وجوباً الشح في استخدامها ، فيكون لهذا تأثيره المعوق في الإسكان .
وهكذا فإن المشاريع التي تنشئها الحكومات كثيراً ما تكون مشابهه لصفوف منتظمة من عشش دجاج أسمنتية .
والقرى التقليدية رغم حالتها من عدم الانتظام والقذارة والازدحام ، التي تجعل الملاحظ الخارجي لا يكاد يرى فيها سوى الفوضى ، إلا أنها غالباً تعبر تعبيرات مرهفة حساسة عن النظام الاجتماعي . فروابط القرابة هي وحواجز العداوة كثيراً ما يتم التعبير عنها جغرافياً وإنشائياً . ومهما كانت درجة سوء الإسكان فيزيائياً ، إلا أن القروي ليستمد من نمطه بعض الراحة ، بل وبعض المعنى .
وهذه القضية ليست غريبة حتى عن حضارة جعلت جد متجانسة مثل حضارتنا . ولنأخذ كمثل حالة المجتمع الأمريكي الأسود .إن خبرته التاريخية الغالبة هي خبرة من اقتلاع للجذور . فهؤلاء الأفريقيون اقتلعت جذورهم من مجتمعاتهم القبلية ، ليتم بيعهم في معازل الرقيق بغرب أفريقيا . وكثيراً ما كانوا يخلطون معاً عن عمد ، وقتها أو فيما بعدها ، بحيث يتم تقويض تماسكهم القبلي ، بل إن العبيد كانوا حتى من حيث اللغة يجدون مشقة في الاتصال أحدهم بالآخر بنفس مشقة اتصالهم بسادتهم البيض الجدد . وبالطبع فإن هذا يمنع أي مكان للتمرد . وبالإضافة إلى هذه العناصر ذات التأثير الحاسم ، كانت هناك أيضاً معايير السوق . فكثيراً ما كان الأطفال والأمهات يفصلون أحدهم عن الآخر ، بحيث أن أي مجتمع كان موجوداً أصلاً يتم تفتيته إلى ذرات . وأياً ما كانت ضالة ما تم الوصول إليه من الاستقرار قبل الحرب الأهلية ، فإن هذا قد تبدد ثانية بالتحرير ، حتى وإن كان ذلك تغيراً للأحسن . واقتلاع جذور المجتمع الأسود الأمريكي أبدى فعاليته في مدن الأكواخ ، وفي الفقر ، وانعدام المهارات . على أن الأفراد السود من البشر إنما هم حيوانات اجتماعية مثل الأفراد البيض والسمر والصفر ، وهكذا فإنهم ظلوا يمدون أيديهم في محاولة لتلمس جيرانهم ولإعادة التأكيد على دافعين أساسيين عند كل الجنس البشري ، هما نزعة الانتماء للمكان Territoriality والمجتمع . ثم ما لبث الاضطراب أن حل مجدداً ، إذ أطاح كساد السلم بما سبق أن أتاحه اقتصاد الحرب من فرص ، فسبب ذلك هجرات جماعية إلى المدن الكبرى شمالاً . ولم تكن الهجرة تحدث من نقطة إلى نقطة ، ولكنها كانت بالحري هجرة من سلسلة من نقط توقف مؤقتة للوصول إلى الأخرى . والكثير من الأحياء الفقيرة السوداء في مدن أمريكا كانت أصلاً مجرد محطات للطريق ، حيث يتوقف المهاجرون للراحة ولمحاولة كسب رأسمال لمواصلة المرحلة التالية ، وللوصول إلى الانتقال ذهنياً من الجنوب الريفي إلى الشمال الحضري .
على أنه في كل مرحلة من هذه المراحل كان دافعي الانتماء المكاني والمجتمع يؤكدان نفسيهما . فالعائلات ، حتى وقد اجتاحها عدم الاستقرار ، وحتى وهي بلا أب ، تحاول تأكيد علاقة الجيرة . ورغم أن هذه العلاقة كان الإحساس بها ضعيفاً ، وكان نموها دائماً مقلقلاً ، إلا أن مظاهرها كانت غالباً لا تحوز قبولاً عند أولئك الذين هم أكثر غنى ، سوداً كانوا أم بيضاً .
وقد أدى النظر إلى هذه الظروف بنظرة من خارجها إلى أن حاول أناس لبراليون شرفاء ذوو دوافع طيبة أن يمدوا يدهم بالعون . وكان أحد الجوانب الرئيسية من هذا العون هو التجديد الحضري للإسكان ، أي إقامة إسكان أفضل مؤسس على نمط تجريدي يأتي من الخارج . وفكرة ذلك مبسطة نسبياً هي أن الأحياء الفقيرة إسكان سيء ، والحل هو هدم هذا الإسكان السيئ وبناء إسكان حضاري أجود . وقد يعترض المرء على الكثير من ظواهر هذا التجديد الحضري . فهو بمثابة منجم ذهبي للمقاولين على أنه مهمة تافه للمعماريين . كما أن تكلفته جد مرتفعة لمن هم جد فقراء. إلا أن هذه مجرد قضايا على السطح إذا نظرنا إليها بالمقارنة للثمن الحقيقي لهذا التجديد الحضري ؛ ذلك أنه بمثابة اقتلاع الجذور من جديد لمجتمعات تعد جذورها من قبل معطوبة سيئة التغذية ومهما كانت الروابط أصلاً ضعيفة بين الجيران إلا أنها لها وجودها ، على أن هذه العملية ستمزق هذه الروابط إرباً وتجبر الأفراد على أن يبدأوا كل شيء من جديد في بيئة هي جديدة عليهم وأجنبية ، حتى وغن كانت بيئة أفضل فيزيائياً .
ولكن هل هذه البيئة أفضل اجتماعياً ؟ إن هذه المنشآت المرتفعة من المساكن إنما يطلق عليها اسم الأحياء الفقيرة الرأسية . وأكثرها ، حتى ما يكون منها جديداً ، هو بالتأكيد جدير بهذا التوصيف . فالسكان إذ ينقصهم الإحساس بهوية الانتماء للمكان ، ولا تحكمهم روابط الجيرة ، يتبعون أنماطاً سلوكية لعلها مما قد نراها عند الثدييات العليا وهي في حالة يأس ؛ فهم يلوثون مأواهم . وسرعان ما تفقد المباني أناقتها ، وتزيد إحصائيات الجرائم زيادة مروعة ، ويتجلى إحساس باللامبالاة والغضب الكئيب هو بمثابة الطابع الدامغ (( القصور في النمو )) . ولعل من الحقيقي ، بل أعتقد أنه من الحقيقي ، أنه كلما كان الأفراد في المجتمعات أضعف وأفقر ، فإنهم ولا بد يزيدون التصاقاً بالرغام . وسواء كان هذا حقاً أم لم يكن ، فمن الواضح ومن المؤكد أن الناس ينبغي أن يعبروا عن علاقاتهم أحدهم بالآخر . وإذا اعتُرض سبيل تعبيرهم هذا بكل الطرق ، فإنهم سيفعلون ذلك من خلال خلق عصابات الشوارع . وإذا اعتُرض سبيل هذا التعبير بالكلية ، فإنهم يستسلمون لليأس . وهذا هو اللب من الحي الفقير ومما يثير السخرية أن أنقى شكل يظهر فيه ذلك قد لا يكون في القرية الآسيوية التي تمتد عشوائياً وإنما هو مشروع التجديد الحضري الحديث .
والعنصر الرئيسي الثالث في مشاكل الإسكان هو العنصر الجمالي . والواقعيون ذوو الرؤوس المتحجرة قد يجادلون بأن الاعتبارات الجمالية إنما هي تزيد . فالجمال أو القبح كلاهما لا يكاد يكون له أهمية عند النظر للأمور من منظور الشروط الصحية ، أو التكلفة ، أو مساحة الأقدام المربعة الخالصة لكل فرد . والأمر المهم هو توقي البرد والمطر ، وإتمام ذلك بتكلفة يمكننا أن نتحملها .
أما فلسفياً فإن للمرء أن يجادل بأن البشر يحتاجون إلى الجمال مثلما يحتاجون إلى الحرية ، وعلى أي حال فمن المؤكد أن الهدف الصحيح لأفراد الجنس البشري ليس مجرد أن يوجدوا أو مجرد أن يذووا ,هم يسلكون طريقهم من الرحم إلى القبر . لقد داومنا زمناً طويلاً على أن نسقط من حسابنا الوجدانيات التي من هذا النوع ، إلا أن البراهين لتتزايد على أهميتها . فنحن نعرف أن الأطفال الذين يحرمون من البيئة الشائقة بصرياً في سنواتهم المبكرة لا تنمو عقولهم وقد (( بُرمجت )) البرمجة الصحيحة اللازمة للتعامل مع الكثير من مشاكل النضوج . وقد رأينا عشرات من الأمثلة في مختلف أنحاء العالم حيث يفشل توفير كل المعدات المادية للتنمية في أن يشعل شرارة العقل ، وبالتالي فإن هذا الفشل يكون فشلاً كلياً . والحقيقة كما تعلمناها بصورة مؤلمة من خلال إنفاق ترليون دولار في الفترة منذ الحرب العالمية الثانية ، هي أن التنمية لا تتم إلا في عقول البشر وقلوبهم وإلا فإنها لا تحدث أبداً فالإسكان ، والطرق ، والجسور ، والسدود كلها شروط ضرورية للتنمية ولكنها وحدها ليست كافية فالتنمية تكون مستحيلة دون عون من الذات . على أن الناس الذين تكون بيئتهم شائحة قاحلة يصبحون عرضة لأن يكونوا غير منتجين وبلا روح . وليست هذه مجرد تأملات في كسل لمحب لفعل الخير ؛ فأي مدير لمصنع يعرف صدقها . والعمال الذين يعملون في بيئة جذابة وضاءة ينتجون أكثر من العمال الذين يعملون في بيئة قبيحة كئيبة . وروح الإنسان لهي أنفس مواردنا . وبيئة هذه الروح لهي أكبر تحدٍ لنا . ومن المؤكد أن هذه مشاكل مروعة إن لم تكن ساحقة – تلك الاعتبارات الاقتصادية المعقدة ، وتلك الحساسية بالنسبة لاحتياجات الإنسان الاجتماعية والعمل على تغذية الروح البشرية . هل يمكن حل ذلك حلاً مرضياً ؟
ما من شك أنه لا يوجد حل نهائي ، ولكن الطريق قد ينيره لنا بعض من يعرض من رجال ذوي عبقرية وحساسية وهدف أخلاقي عميق . والكتاب التالي هو منار ناصع قوي .
والدكتور حسن فتحي إذ يخوض الصراع مع مشاكل الفقر الطاحن – فقر بمستوى لا يكاد يتذكره أي أمريكي على قيد الحياة – ويخوض الصراع مع البيروقراطيين فاقدي الإحساس ، ومع أناس مفعمين بالشك ، ومع أناس كئيبين بلا مهارات ، فإنه هكذا قد ولد لا الإجابة فحسب بل ولد أيضاً الإلهام أي إلهام . فالحل الذي يطرحه له أهميته على نطاق العالم كله ، وفكره وخبرته وروحه فيها ما يشكل مصدر إلهام أساسي على النطاق الدولي .
وما يقترحه الدكتور فتحي هو شكل جديد من المشاركة . أما ما ينبغي أن يسهم به الفقراء في هذه المشاركة فهو بالضرورة عملهم . كما أنهم في كثير من أنحاء العالم لديهم إمكانية أن يحوزوا بلا تكلفة جوهرية ،على مادة البناء الوحيدة المتاحة هكذا ، وهي التربة التي من تحت أقدامهم . وبهذين الشيئين ، العمل والتربة ، يمكنهم أن ينجزوا الكثير . على أن هناك مشاكل تقنية ومشاكل أخرى لا يستطيعون حلها بأنفسهم ، أو هي عرضة لأن يتم حلها بطرق مكلفة أو قبيحة أو غير سليمة . وها هنا فإن المهندس المعماري يستطيع أن يقوم بإسهام رئيسي .
وما يبينه الدكتور فتحي لنا هو أن المهندس المعماري يمكن أن يكون هو المرشد لما يكون أساساً مشروعاً يعتمد على الذات أو يعتمد على العون الذاتي . والمهندس المعماري باستخدام مهارته التقنية يستطيع أن يساعد الناس للوصول إلى حل رخيص لحل مشكلة التسقيف . وهذه هي أصعب مشكلة في البناء وهي عادةً تخلق طلباً لمواد بناء من خارج القرية وبالتالي فهي مواد غالية . وقد أدت محاولة حل مشكلة التسقيف في مناطق كثيرة إلى خلق أسقف ثقيلة مرهقة إلى حد هائل ، وهي كثيراً ما تنهار من الزلازل أو بعد الأمطار الغزيرة . ومثل هذه الأسقف كانت عموماً مسئولة عن الوفيات المرعبة التي حدثت في تركيا وإيران في الزلازل العنيفة . وهناك حل موجود .
ويبين الدكتور فتحي في هذا الكتاب ما هو هذا الحل وكيف يمكن تعلمه سريعاً . وهناك قضايا أخرى تؤثر في الصحة والاتصال والخصوصية ، وغير ذلك من الشئون التي تهم الأسرة . وفي كل هذه الشئون ، فإن المهندس المعماري يستطيع مساعدة الناس للوصول إلى أهدافهم بواسطة مجهوداتهم هم أنفسهم ، بأحسن وأرخص مما يستطيعونه دون مساعدته لهم . وحتى في أمور بسيطة مثل الحصول على التربة التي يصنع منها الطوب اللبن ، قد ينتج بشيء من التخطيط خلق مورد اقتصادي لمجتمع القرية ؛ هو بركة تربي فيها الأسماك .
وكل هذا يتطلب التعاون : وبدون مساهمة المهندس المعماري ، تكون المباني قبيحة ، غير سليمة و / أو غالية . وبدون تعاون الناس فإن المشروع يصبح عقيماً ، وغير محبوب ، فلا يرعونه .
ومما يثير السخرية أن معظم الإسكان الجماهيري في العالم الآن يتم بدون تعاون لا من المهندس المعماري ولا من الناس . فهو إسكان بقرار بيروقراطي يقوم المقاولون ببنائه ، سواء كان الإسكان يمتد أفقياً أو رأسياً ، فإنه غالباً يصبح في التو حياً من الأحياء الفقيرة .
ولعل منتهى السخرية في عصرنا كما يذكرنا الدكتور فتحي ، أن إنتاج هذا الشكل من القبح مكلف أكثر التكلفة ، وأننا في النهاية سوف ندفع إلى الإسكان الأفضل الأجمل لأننا ببساطة لا نستطيع تحمل ثمن أي نوع آخر من الإسكان .
إن الدكتور فتحي تجسيد للمبدأ الذي يؤازره معهد أدلاي ستيفنسون ؛ وهو إتاحة الفرصة لرجل له رؤيته والتزام من أجل أن يدخل في صراع مع مشكلة اجتماعية هائلة . وهناك الكثير مما يمكن أن نتعلمه من ذلك حتى عند الفشل – وثمة جوانب من هذا في عمل الدكتور فتحي . على أن هناك أمراً واحداً واضحاً . أنه حتى في عالم السرعة والكتل والتجريد ، ما من بديل عن الفرد الموهوب الذي يبذل من اهتمامه .

وليام ر . بولك
رئيس معهد أدلاي ستيفنسون
للشئون الدولية

مقدمة :

هذا الكتاب دعوة لموقف جديد لإصلاح الريف . إن مستوى المعيشة والحضارة
بين فلاحي العالم الفقراء فقراً مدقعاً هو مما يمكن رفعه بواسطة البناء التعاوني ،
الذي يتطلب تناولاً جديداً للإسكان الجماهيري في الريف . وهذا التناول فيه ماهو
أكثر من خالص الأمور التقنية . التي تهم المهندس المعماري . فهناك مسائل
اجتماعية وحضارية تتصف بتعقد ورهافة بالغين ، وهناك المسائل الاقتصادية ، ومسألة علاقة المشروع بالحكومة ، وهلم جراً . و لا يمكن أن تترك أي من هذه المسائل بدون اعتبار ، لأن كل واحدة منها لها تأثيرها على الأخرى ، والصورة الشاملة ستتشوه بحذف أي منها .
ولهذا فإن الكتاب يعالج المركب الكلي لهذه المشكلات ، وكل أمر يقع في مكانه المنطقي في العرض ( إلا بالنسبة لبعض المعلومات التقنية المحضة ، التي تم وضعها في ملحق ) بحيث يتمكن كل القراء ، مهما كانت مؤهلاتهم أو أوجه اهتماماتهم الخاصة . من استيعاب شمولية فلسفة التخطيط المعروضة .
ولما كانت مقترحاتي تتعلق أساساً بالفلاح ، فإن كتابي مهدي إليه ، وكم كنت أود لو كان من المستطاع أن يكون توجيهه مقصوراً عليه ، وأني لآمل أنه سيأتي سريعاً ذلك الوقت الذي يستطيع فيه أن يقرأه ويحكم عليه ، على أن ينبغي علي في الوقت الحالي أن أوجهه إلى أولئك الذين يضعون رفاهية الفلاح موضع العناية : إلى المهندس المعماري ، وإلى المخطط ، وعالم الاجتماع ، وعالم الإنسان ، إلى كل الرسميين المحليين والقوميين والدوليين الذين يهتمون بالإسكان وبرفاهية الريف ، إلى السياسيين والحكومات في كل مكان ، وإلى كل فرد يعمل في المساعدة على تشكيل السياسة الرسمية الموجهة للريف .
ولن يكون من الإنصاف ختام هذه المقدمة بدون الإقرار بالشكر لكل أولئك الذين ساعدوني في إنتاج هذا الكتاب . وهم من مصر ، الدكتور ثروت عكاشة ، والدكتور : مجدي وهبة ، ومستر كريستوفر سكوت ، والآنسة نوال حسن ، ومستر سبيرو ديامانتيس ، والدكتور رولاند إليس ، أما في الولايات المتحدة فقد نلت العون من زمالتي في معهد أدلاى ستيفنسون ، كما اكتسبت واستمتعت إلى حد هائل من رفقتي لهيئة التدريس بالمعهد ولأصحاب الزمالة الآخرين ، إن هذا المعهد هو المكان الذي فيه أفكاري وجدت سكناها وروحها في صورة جداً واضحة بما أثق أنه سيمكنني من أضعها موضع التطبيق .

*حسن فتحي

























بسم الله الرحمن الرحيم

ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين . قال أنظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين . قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين

(( قرآن كريم ))




لحن الاستهلال

الحلم والواقع

الجنة المفقودة : الريف
لو أعطيت مليون جنيه ، ماذا سوف تفعل بها ؟ هذا سؤال كانوا يسألونه
لنا دائماً عندما كنا شباباً ، سؤال يطلق من الخيال هائماً ، ويطلق فينا
أحلام اليقظة . وكانت هناك إجابتان محتملتان لدى : إحداهما أن
اشتري يختاً ، واستأجر أوركسترا ، وأبحر حول العالم مع أصدقائي مستمعين إلى باخ وشومان وبرامز ؛ والأخرى أن أبني قرية يتبع فيها الفلاحون أسلوب الحياة الذي أتمناه لهم .
وكان لهذه الأمنية الثانية جذور عميقة ترتد إلى طفولتي . لقد أحسست دائماً بحب عميق للريف ، ولكنه كان حباً لتصور ، وليس لشيء أعرفه حقاً فالريف ، المكان الذي يعيش فيه الفلاحون . لم أكن أراه إلا من نوافذ القطار عندما نذهب إلى الإسكندرية لقضاء إجازة الصيف ، ولكن هذه الخبرة العابرة أضيفت لها صورتان متباينتان حصلت عليهما من أبي وأمي بالتتالي .
أما أبي فكان يتجنب الريف . فهو بالنسبة له مكان مليء بالذباب والبعوض ، والماء الملوث ، وكان يمنع أطفاله من أن تكون لهم أي علاقة به ورغم أنه كان يمتلك العديد من الضياع في الريف إلا أنه لم يكن يزورها قط ، ولا يقترب من الريف لأكثر من المنصورة ، العاصمة الإقليمية ، حيث كان يذهب مرة كل سنة ليلتقي بوكلائه في الأرض ليقبض إيجاره . وحتى السنة السابعة والعشرين من عمري لم أضع قط قدماي على أي من ممتلكاتنا في الريف .
أما أمي فقد قضت جزءاً من طفولتها في الريف ، فكانت تحتفظ له بأمتع الذكريات ، وكانت تتوق حتى أخر يوم في حياتها للعودة إليه . وكانت تقص علينا حكايات عن الخراف الوديعة التي تتبعها في سيرها ، وعن كل حيوانات المزرعة ، والدجاج والحمام وكيف كانت تنشئ الصداقات معها وتظل ترقبها طوال العام . وكانت الحيوانات الوحيدة التي رأينها عن قرب هي الخراف التي تشتري لعيد الأضحى ، والتي ما أن نقيم صداقة معها حتى تؤخذ لتذبح . أو قطعان العجول الصغيرة التي كانت تساق من خلال الشوارع إلى المذبح . وقصت علينا أمي كيف ينتج الناس في الريف كل ما يحتاجونه لأنفسهم ، وكيف أنهم لا يحتاجون أبداً إلى شراء شيء غير قماش ملابسهم ، بل وكيف أن السمار اللازم لمكانسهم ينمو بطول القنوات في المزرعة . ويبدو أنني قد ورثت شوق أمي ، الذي لم يتحقق ، للعودة إلى الريف ، وكنت أعتقد أن الريف يعطي الفرصة لحياة أبسط و أسعد و أقل قلقاً مما تفعل المدينة .
وقد اتحدت هاتان الصورتان في خيالي لتنتجا صورة للريف كجنة ، ولكنها جنة يعتمها من فوقها سحب من الذباب ، وجداولها التي تجري تحت الأقدام قد أصبحت موحلة وموبوءة بالبلهارسيا والدوسنتاريا . ولازمتني هذه الصورة وجعلتني أشعر أنه ينبغي عمل شيء ليستعيد الريف المصري نعيم الجنة . وإذا كانت المشكلة قد بدت لي بسيطة آنذاك ، فسبب ذلك أني كنت شاباً بلا خبرة ، على أنها كانت ومازالت مسألة تشغل الجانب الأعظم من أفكاري ونشاطاتي من وقتها حتى الآن ، مشكلة كلما تكشف لي تعقدها عبر السنين لم يؤد ذلك إلا لتعزيز اقتناعي بأنه ينبغي عمل شيء لحلها . إلا أن (( الشيء)) الذي يحلها هكذا لا يمكن أن يكون مما يصلح لذلك إلا إذا كان ملهماً بالحب . إن من يكون عليهم أن يحولوا الريف لن يستطيعوا القيام بذلك بناء على توجيهات عالية تصدر من المكاتب الوظيفية في القاهرة ، وإنما سيكون عليهم أن يحبوا الفلاح بما يكفي لأن يعيشوا معه ، وعليهم أن يتخذوا مسكنهم في الريف ، وأن يكرسوا حياتهم للأداء العملي في الموقع مباشرة ، من أجل إصلاح الحياة الريفية .
وبسبب من إحساسي هذا تجاه الحياة الريفية ، وجدتني مدفوعاً عندما أتممت دراستي الثانوية إلى أن أقدم طلباً لدخول مدرسة الزراعة . على أنه كان هناك امتحان يعقد للطلبة الذين يطمحون لدخول هذه المدرسة .ووقتها ، كانت خبرتي العملية بالفلاحة تقتصر فحسب على ما كنت أراه من نوافذ القطار ، ولكني ظننت أنني ربما أعوض ما لدي من أوجه قصور بأن أدرس النظريات الزراعية من المراجع . ودرست بعناية كل شيء عن كل محصول لوحده وذهبت لأواجه الممتحنين ( كان الامتحان شفوياً ) . وسألني الممتحن :(( لو كان لديك حقل قطن وأردت أن تزرع فيه أرزاً ، ماذا ستفعل ؟ )) (( ياله من سؤال سخيف )) هكذا فكرت ، ثم أجبت ،(( الأمر بسيط سوف اقتلع القطن وأزرع الأرز )) . ولم يقل شيئاً ، ولكنه سألني عن الزمن الذي يستغرقه نمو الذرة. وخانتني الذاكرة ، فقلت ستة شهور بدلاً من ستة أسابيع . وسألني الممتحن (( أمتأكد أنت ؟ ، ألا تكون سبعة شهور هي الأقرب ؟)) وفكرت في الأمر ، وكنت قد لاحظت من القطار أن حقول الذرة يمكن أن تكون كبيرة جداً ولم أكن أرى قط أي فرد في داخلها . لابد أن حصاد الذرة يتطلب زمناً طويلاً . وقلت (( نعم ، ربما سبعة شهور . )) أو حتى ثمانية شهور ؟ )) (( حسن ، نعم أظن ذلك )) . (( أو هي تسعة ؟ )) وهنا بدأ يخطر لي أنه لعله لا ينظر لإجابتي بما تستحقه من الاحترام . وصرفوني في أدب ، ولم أدخل مدرسة الزراعة .
***
وذهبت بدلاً من ذلك إلى الفنون التطبيقية ، حيث اخترت دراسة العمارة . وبعد تخرجي ذهبت يوماً للإشراف على بناء مدرسة في طلخا . وطلخا مدينة ريفية صغيرة على النهر في شمال الدلتا ، مقابل المنصورة . وكان موقع المدرسة خارج المدينة . وبعد أول يوم أيومين غيرت طريقي عامداً لأتجنب اختراق المدينة . فقد بلغ من اشمئزازي من منظر ورائحة الشوارع الضيقة الغارقة في الطين وكل أنواع القذر ، حيث تلقى بانتظام كل قمامة المطابخ – الماء الوسخ ، وقشور السمك ، والخضروات العطنة وبقايا الذبائح – وبلغ من اكتئابي من مظهر الدكاكين الصغيرة الرزية – وواجهاتها المفتوحة على ما في الشارع من روائح وذباب ، وهي تعرض سلعها البائسة على المارة المبتلين بالفقر ، بلغ من هذا كله أني لم اعد استطيع تحمل مرور خلال المدينة .
وظلت صورة هذه المدينة تلازمني ، ولم اعد أستطيع التفكير إلا في استسلام هؤلاء القرويين لحالهم استسلاماً يائساً وفي نظرتهم للحياة نظرة ضيقة قاصرة ، وتقبلهم الذليل لكل هذا الوضع المروع الذي يجبرون فيه على إنفاق حياتهم كادحين في سبيل المال وسط المباني الزرية في طلخا . وكان ما يتبدى من لامبالاتهم يمسك بخناقي وكنت أتعذب من عجزي أمام هذا المشهد ، فمن المؤكد أن هناك شيئاً ما يمكن عمله ؟ ولكن ما هو؟ إن الفلاحين جد غارقين في بؤسهم بما لا يسمح لهم بالمبادرة إلى التغيير . إنهم يحتاجون لبيوت لائقة ، ولكن البيوت غالية . وفي المدن الكبيرة ينجذب الرأسماليون إلى عائد الاستثمار في الإسكان ، وكثيراً ما تقدم الهيئات العامة – الوزارات ومجالس المدن ، الخ – تسهيلات واسعة للمواطنين . ولكن لا الرأسماليون ولا الدولة يبدو أنهم يرغبون في أن يأخذوا على عاتقهم تمويل بيوت الفلاحين ، التي لا تعود بأي إيجار على الرأسماليين ، ولا تعود على السياسيين إلا بأقل الأمجاد ؛ وهكذا فإن كلا الطرفين ينفضان أيديهما من الأمر ، ويظل الفلاحون يعيشون في القذر . وقد تقول أن الله لا يعين إلا من يعينون أنفسهم ، ولكن هؤلاء الفلاحين لا يستطيعون ذلك . وهم لا يكادون حتى يستطيعوا تحمل ثمن البوص لتسقيف أكواخهم ، فكيف يمكنهم أن يأملوا شراء أعواد الحديد الصلب أو الخشب أو الإسمنت لإقامة بيوت جديدة ؟ وكيف يمكنهم أن يدفعوا أجر البنائين لإقامة البيوت ؟ لا . إنهم وقد نُبذوا من الله ومن البشر ، يجرون معه سنوات حياتهم القصيرة العليلة القبيحة فيما يولدون فيه من قذر وجهد . وهذا الحال يشارك فيه الملايين في مصر ، أما في المعمورة كلها فإنه يوجد حسب تقدير الأمم المتحدة .. 800,000,000 فلاح – ثلث سكان العالم – محكوم عليهم الآن بالموت قبل الأوان بسبب سوء إسكانهم .
وتصادف أن كانت إحدى عزبنا قريبة من طلخا . وانتهزت الفرصة لألقي نظرة عليها . وكانت خبرة مروعة . لم تكن لدى حتى ذلك الوقت أي فكرة عن القذارة المخيفة والقبح الذي يعيش فيه الفلاحون في عزية . وشاهدت مجموعة أكواخ من الطين .. منخفضة ، مظلمة ، قذرة ، بلا نوافذ ولا مراحيض و لامياه نظيفة ، والماشية تعيش عملياً في نفس الحجرة مع الناس ؛ لم يكن هناك أدنى صلة في خيالي من ريف شاعري . وكل شيء في هذه العزبة التعيسة يخضع للاقتصاديات ؛ المزروعات تمتد مباشرة حتى عتبات الأكواخ التي تتزاحم في ذات فناء العزبة القذر لتترك أقصى مساحة ممكنة للمزروعات التي تدر المال ؛ وليس ثمة ظل ، فظل الأشجار يعوق نمو القطن ؛ وما من شيء مما يفعل يكون فيه نظرة اعتبار للكائنات البشرية التي تنفق حياتها هناك .
***
وحلت هذه الصورة مكان الصورة الأولى للجنة الريفية ذات الجداول الموحلة . على أنه ربما كان من حسن الحظ أن العزبة كانت ملكنا ، فقد أدى ذلك إلى أن يخطر ببالي أننا نحن أنفسنا المسئولون . لقد كان أول جزء أراه من الريف هو إحدى عزب عائلتنا ، وقد قنعنا بأن نحيا ونحن نجهل بؤس الفلاحين هذا الذي يثير السقم .
وبالطبع فقد حثثت والديّ على إعادة بناء العزبة . وقد فَعَلا . ولكني إلى جانب بناء العزبة وبيوت الفلاحين نفسها كنت مهتماً للغاية بالحصول على بيت يبني هناك لعائلتنا . فقد أحسست أن السبب الرئيسي لسوء حال العزبة هو أن أحداً منا لا يزورها ، وأن أحسن ضمان لاستمرار رفاهتها هو أن يعيش أفراد عائلتنا هناك كثيراً بقدر الإمكان ولحسن الحظ كانت هناك استراحة صغيرة من غرفتين ، أمكنني إصلاحها وإعادة تشكيلها ، وإن اعتقد والديّ أنني مجنون ، وفي النهاية فقد ثبت في الحقيقة أن فيها ما يمتع حتى أخي أقام هناك وكان يأتي بالضيوف إليها ، بحيث أنها ظلت تقريباً مسكونة دائماً .
طوب البن – الأمل الوحيد لإعادة بناء الريف.
الخير أقصى الخير مثله كالماء
يصنع الجميل
لكل الأشياء ثم يمضي
بلا تذمر إلى أماكن يزدريها البشر
ولكنه هكذا ، قريب بالطبيعة للطريق . * لاوتزى
إنه بالتأكيد لوضع شاذ إن أي فلاح في مصر يحوز قدر فدان من الأرض باسمه يمتلك منزلاً ، بينما ملاك الأراضي من أصحاب المائة فدان أو أكثر لا يتحملون دفع ثمن منزل . إلا أن الفلاح يبني منزله من الطين ، أو طوب اللبن ، الذي يحفره من الأرض ويجففه في الشمس . وهاهنا ، في كل عشة وكوخ متداع في مصر ، كانت الإجابة على مشكلتي . فهنا طيلة السنين والقرون ظل الفلاح يستثمر بحكمة وهدوء مادة البناء الظاهرة، بينما نحن بأفكارنا الحديثة من التعليم المدرسي لا نحلم أبداً باستخدام مادة مضحكة هكذا مثل الطين لعملية خلق جدية للغاية . مثل المسكن . ولكنه لم لا ؟ من المؤكد أن بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة وقذرة وغير مريحة، ولكن هذا ليس نتيجة خطأ من طوب اللبن . فليس هناك ما لا يمكن إصلاح أمره بالتصميم الجيد وحسن الانتقاء. لماذا لا نستخدم لبيوتنا في الريف هذه المادة التي أرسلت من السماء ؟ ولماذا حقاً لا تجعل بيوت الفلاحين أنفسهم أفضل ؟لماذا ينبغي أن يكون هناك أي فارق بين بيت الفلاح، وبيت المالك ؟ هيا نبنيها معاً من طوب اللبن ونصممها معاً تصميماً جيداً ‘ وسوف يمكن لهما معاً أن يوفرا لمالكيهما الجمال والراحة.
وهكذا أخذت أصمم بيوتاً ريفية من طوب اللبن ، وأنتجت عدداً من التصميمات ، بل وأقمت في 1937 معرضاً في المنصورة ، ثم بعدها في القاهرة ، حيث ألقيت محاضرة عن تصوري للبيت الريفي , قد تأتت عن هذه المحاضرة عدة فرص للبناء . وكانت هذه البيوت في غالبها لعملاء أغنياء ، وكان فيها بالتأكيد تحسين عن نمط البلدة القديم للبيت الريفي ، إلا أن سبب ذلك في أغلبه أنها كانت أكثر جمالاً . على أنها بالرغم من جدرانها الاقتصادية المصنوعة من طوب اللبن ، لم تكن أرخص كثيراً من المنازل المبنية من المواد الأكثر تقليدية ، والسبب هو غلو ثمن خشب الأسقف .

الطين للتسقيف ، بهتيم : التجربة والخطأ
سرعان ما بدأت الحرب * بعد ذلك ؛ وتوقف كل البناء . فقد انقطعت تماماً إمدادات الحديد والصلب والخشب . وصادر الجيش ما كان موجوداً في البلد من قبل من تلك المواد . على أني و أنا مازلت مأخوذاً برغبتي في البناء في الريف ، أخذت أبحث عن وسائل للتغلب على نقص مواد البناء . وعلى الأقل فمازال لدى طوب اللبن ! ثم خطر لي أنه مادام لدي طوب اللبن وليس من شيء أخر ، فإني لست بأسوأ حالاً من أجدادي الأقدمين .. إن مصر لم تكن بالتي تستورد دائماً حديد الصلب من بلجيكا والخشب من رومانيا ، وإن كانت قد ظلت دائماً تبني البيوت . ولكن كيف كانوا يبنونها ؟ الجدران نعم . أستطيع أيضاً أن أبني الجدران ، ولكن ليس لدي شيء أسقفها به . ألا يمكن استخدام طوب اللبن لأسقف به بيوتي من فوق ؟ ما الرأي في نوع الأقبية * * ؟
والمعتاد أنه حتى تسقف غرفة بقبو ، فإن البناء يأتي بنجار لصنع شدة خشبية قوية ، يجب إزالتها عندما يتم صنع القبو ، وهذه تكون قبواً خشبياً كاملاً ، يجري بكل طول الغرفة ، وتمسك به دعامات خشبية وتستقر عليه مداميك قبو البناء أثناء صنعها .
إلا أن طريقة الإنشاء هذه بالإضافة إلى تعقيدها وتطلبها لمهارة خاصة للتأكد من أن لبنات إسفين القبو تتجه إلى المركز من القوس ، فأنها أيضاً مما يتجاوز وسائل الفلاح فهي من نفس نوع الوسيلة المستخدمة في بناء أحد الجسور .
ثم تذكرت أن القدماء أمكنهم بناء الأقبية دون شدة خشبية كهذه ففكرت في أن أحاول فعل نفس الشيء . وحوالي ذلك الوقت كان قد طلب مني أن أضع بعض التصميمات للجمعية الملكية الزراعية ، وضمنت أفكاري الجديدة في هذه البيوت . وشرحت ما أريده للبنائين ، فحاولوا إقامة أقبية بدون استخدام الشدات الخشبية . وسرعان ما انهارت الأقبية .
ولم تحرز المحاولات المتكررة أي نجاح . كان من الواضح أنه إذا كان القدماء قد عرفوا طريقة بناء القبو بدون شدة خشبية فإن السر قد مات معهم .
وتصادف أن كان أخي الأكبر وقتها مديراً للأعمال في خزان أسوان . واستمع إلى أخبار فشلى . وأنصت متعاطفاً ، ثم ذكر أن النوبيين في الحقيقة يبنون أقبية ، يقيمونها أثناء تشييدها بدون استخدام أي دعامة مطلقاً ، وذلك لتسقيف بيوتهم وجوامعهم . وانفعلت أشد الانفعال ؛ فلعل القدماء رغم كل شيء لم يدفنوا سرهم معهم في مقابرهم ذات الأقبية المستفزة . ولعل الجواب عن كل مشاكلي ، ذلك التكنيك الذي سيجعلني أخيراً أستخدم طوب اللبن في كل جزء من البيت ، ينتظرني هناك في النوبة .
______________________________

* يقصد بدء الحرب العالمية الثانية 1939( المترجم )
** القبو هو الطلق المعقود في البناء بعضة إلى بعض في شكل قوس وكلمة القبو لها معنى آخر في العربية هو بناء تحت الأرض لحفظ الأغذية والمشروبات . والمقصود هنا وفي كل الكتاب المعنى الأول .(المترجم)


* * *



النوبة – تكنيك قديم للتقبية مازال باقياً
ذات صباح في فبراير 1941 غادرت القطار في أسوان ، في صحبة عدد من الطلبة والمدرسين من مدرسة الفنون الجميلة . يقومون برحلة دراسية للمواقع الأثرية ، وانتهزت الفرصة للذهاب معهم لمشاهدة ما ينبغي رؤيته في النوبة .
وكان انطباعي الأول هو عن معمار أسوان نفسها الذي يتصف إلى حد بالغ بعدم التميز . إنها مدينة إقليمية صغيرة ، تبدو كقاهرة رثة مصغرة مزروعة في الريف ؛ نفس واجهات المباني المدّعية ، نفس واجهات الدكاكين المبهرجة ، نفس الجو المعتذر ذو العلاقات السقيمة لشيء لعله قد يصبح جو مدينة . قرحة صغيرة كئيبة للعين ، تتلف المشهد الدرامي البديع للجندل الثاني . لم يكن في أسوان شيء مما أطلبه ؛ وبالتأكيد ما من علامة تشير إلى تلك الإشاعات عن التكنيكات التي أتيت بحثاً عنها . وكان من خيبة أملي أنني كدت أقرر أن ألازم فندقي .
على أني قمت برحلة عبر النهر ، ذلك أن أخي كان قد أخبرني أنني يجب أن ألقي نظرة على القرى التي في الضواحي بدلاً من أسوان نفسها . وما أن دخلت أول قرية ، وهي (( غرب أسوان )) حتى أدركت أنني قد وجدت ما جئت من أجله . كان ذلك عالماً جديداً عليّ ، قرية بأكملها من بيوت رحبة جميلة ، نظيفة ، ومتجانسة
، كل بيت فيها أجمل من البيت التالي . ليس هناك في مصر أي مما يشبه ذلك ، إنها قرية من بلد للأحلام ، لعلها من قرى مدينة قديمة مخبوءة في قلب الصحراء الكبرى – وقد احتفظ بها مهندسها المعماري طيلة القرون بلا تلوث من أي تأثيرات أجنبية ، أو لعلها كانت من أطلنطس * نفسها . لم يكن ثمة أثر لما يحدث عادة في القرية المصرية من حشد تعس للبيوت ، وإنما كل بيت يتلو الآخر سامقاً ، مرتاحاً مسقوفاً سقفاً نظيفاً بقبو من الطوب ، وكل منزل مزين على نحو فريد أنيق حول المدخل بأشغال المخرمات الطوبية Claustra ** ، حليات بارزة وخطية من الطين . أدركت أنني إنما أنظر إلى الأثر الحي الباقي لمعمار التراث المصري ، إلى طريقة بناء
كانت بمثابة نمو طبيعي من المشهد الخلوي الطبيعي ، هي جزء منه بمثل ما تكونه نخلة الدوم في المنطقة . وكان الأمر كرؤيا معمارية من عهود ما قبل السقوط : قبل أن تؤدي النقود ، والصناعة ، والجشع ، والتكبر إلى فصم المعمار عن جذوره الحقيقية في الطبيعة . و إذا كنت قد أحسست بالسعادة ، فإن الرسامين الذين أتوا معي كانوا في حال غامر من النشوة . واتخذوا مجالسهم في كل ركن ، وفضوا لوحات رسمهم، ونصبوا الحوامل ، وأمسكوا لوحات الألوان والفرش وبدأوا العمل ، وأخذوا يحملقون ويصرخون ، ويشيرون ؛ إنها لهدية نادرة نفيسة بالنسبة لأي فنان . وحاولت أثناء ذلك أن أجد من يستطيع أن يخبرني عن المكان الذي يعيش فيه البناءون الذين خلقوا هذه القرية . ولكني ها هانا كنت أقل حظاً ؛ ويبدوا أن كل الرجال كانوا يعيشون بعيداً عن المكان ، ويعملون في المدن ، فلم يكن هناك سوى النساء والأطفال ، وكانوا أشد خجلاً من أن يتحدثوا . وكانت الفتيات يكتفين بالجري بعيداً وهن يكركرن ضاحكات . ولم أتمكن من الحصول على أي معلومة مطلقاً ، وعدت ولم أتمكن من الحصول على أي معلومة مطلقاً ، وعدت إلى أسوان وقد استثيرت شهيتي وإن كانت لم تشبع مطلقاً ، فواصلت بحثي عن بنّاء يعرف سر بناء هذه الأقبية . وتصادف أن تحدثت مع النادل في الفندق عن مطلبي ، فأخبرني أن هناك حقاً بنائين يعيشون في أسوان ، وأنه سيوصلني إليهم . ويبدو أنه لم يكن هناك عمل كثير ليقوم به البنّاء المحترف لبناء منازل طوب اللبن . ذلك أن كل رجل في القرية أياً كان عمله المعتاد يستطيع أن يقيم لنفسه منزلاً مقبياً ، وهكذا فإن تلك القلة من البنائين كانت توظف للعمل لحساب سكان المدن الإقليمية مثل أسوان ، ممن قد فقدوا مهارات البناء بالطريقة التراثية وعلى كل ، فقد كان هناك بناءون قليلون جداً يبنون الأقبية ، وقال النادل أنه سيعرفني للمعلم بغدادي أحمد علي ، أكبرهم سناً . وفي اليوم التالي ذهبت مجموعتنا لرؤية الجبانة الفاطمية في أسوان
وهي مجموعة من الأضرحة المتقنة ترجع إلى القرن العاشر ، بنيت بالكامل من طوب اللبن ، حيث الأقبية والقباب تستخدم بأسلوب واثق فخيم . ويوجد أيضاً على مقربة من أسوان دير رهبان القديس سيمون ، وهو مبنى قبطي من نفس الفترة , هنا أيضاً قد استخدمت قباب وأقبية من طوب اللبن ، ولكن معمار الدير تتكشف فيه البساطة والتواضع بما يكون مثالاً للدير ، وهذا يثبت أن لهذا النوع من المعمار القدرة على أن يتوافق توافقاً يتساوى جودة في الإلهامات المتباينة للديانة الإسلامية والمسيحية . ومن بين أشياء أخرى لاحظت بدهشة واهتمام عظيمين أن المطعم له رواق واسع يعتمد اعتماداً كلياً على منظومة حاذقة من أقبية رئيسية وثانوية وذلك لتجنب أي حشو ثقيل فيما بين السطح المقوس للقبو والسطح الأفقي للأرضية من فوقه . وفي هذا إثبات للحجة بأن مباني طوب اللبن يمكن أن ترتفع إلى طابقين وتظل قوية بما يكفي لبقائها لألف عام . كنت هكذا أحصل على مزيد ومزيد مما يؤكد ظنوني بأن المواد والأساليب التراثية للفلاح المصري هي أكثر من لائقة لأن يستخدمها المهندسون المعماريون المحدثون ، وأن حل مشكلة الإنسان في مصر يكمن في تاريخ مصر.
___________________________________
* قارة أسطورية يزعم أنها غارقة في المحيط الأطلسي .
** أصلاً مخرمات جصية ولكنها هنا من الطوب ( المترجم )
ومع هذا فقد بقي عليَ أن أتعلم الطريقة المحلية لصنع الأقبية . وكنت قد وعدت بلقاء مع هذا المعلم البناء ، ولكنه لم يظهر . ولم يصل بغدادي أحمد علي في النهاية إلا عند أخر لحظة بالضبط لزيارتنا ، وعندما كنا بالفعل على الرصيف في انتظار القطار ، وعندها ، والقطار يزعق بصبر نافذ ، ووسط هسيس البخار وقعقعة العربات ، وصيحات الحارس والركاب والمودعين ، لم يكن لدينا من الوقت إلا ما يكفي للمصافحة بالأيدي وتبادل العناوين قبل أن يحملني القطار بعيداً إلى الأقصر .
* * *
كانت هذه الرحلة المعمارية بالنسبة لي رحلة قنص وراء أقبية طوب اللبن ، وبعد أسوان ، ذهبنا للأقصر ، حيث أبهجني بوجه خاص أن أتفحص صوامع قمح الرامسيوم – مخازن طويلة مقبية ، بنيت من طوب اللبن منذ 3400 عام ، إنها كما يبدو مادة تتحمل تحملاً جيداً .
ومن الأقصر ذهبنا إلى تونة الجبل ، حيث وجدت المزيد من الأقبية التي يبلغ عمرها 2000 عام ، وكان أحدها يدعم درجاً ممتازاً .
ومن عجب أنني في جولة واحدة قصيرة شاهدت الدليل القائم على انتشار البناء بالأقبية خلال التاريخ المصري كله ، إلا أنني حسب ما تعلمناه في مدرسة العمارة ما كنت لأظن أن أحداً قبل الرومان كان يعرف كيف يبني عقداً وعلماء الآثار يقصرون انتباههم على الآنية المهشمة والنقوش المطموسة ، ومن آن لآخر قد تدب الحيوية في دراساتهم الصارمة عندما يكتشفون خبيئة من الذهب . أما بالنسبة للعمارة فليس لديهم أي رؤية و لا أي وقت لها . وهم في وسعهم أن يغفلوا عن المقولات المعمارية التي تقع تحت أنوفهم مباشرة – وثمة كتب تذكر أن قدماء المصريين لم يتمكنوا من بناء القباب ، على أني قد رأيت قبة مصرية قديمة في مقبرة سينب ، في الوسط تماماً من جبانة الجيزة . و لا يمكن أن يكون ثمة شك في أن تكنيك بناء الأقبية والقباب – بطوب اللبن أيضاً – كان تكنيكياً مألوفاً تماماً للمصريين في عهد الأسرة الثانية عشرة .

البناءون النوبيون يعملون – النجاحات الأولى .
عندما عدت إلى القاهرة ، كتبت مباشرة إلى أسوان في طلب البنائين لم يكن هناك وقت يضيع ، ذلك أن مزرعة الجمعية الملكية للزراعة كانت ومازالت بلا سقف بعد أن تهاوت أول محاولة لنا لبناء الأقبية . وخلال أيام قليلة ، التقيت وأبو أحمد و عبد الرحيم وأبو النور – بناءون من أسوان – وفي اليوم التالي كانوا يعملون في المزرعة . ومنذ نفس اللحظة الأولى للقائي بهم ، كان منهم ما يعد بعصر جديد للبناء ، فعندما سألتهم عن الطريقة التي يفضلونها لدفع أجرهم ، باليوم أو بالقطعة ، كانوا أبسط من أن يروا أي فارق بين الاثنين . والآن ، فإن العامل العادي يفضل كثيراً أن يأخذ أجره باليومية ، لأنه عندها يستطيع أن ينال فترات راحة عديدة ، وأن يكيف نفسه بتناول القهوة كل نصف ساعة أو ما شابه ، وأن يمط من العمل بحيث يستمر مصدر دخل له لأسابيع كثيرة . ومع هذا لم يخطر قط لهؤلاء البنائين الأسوانيين أنه يمكن أن يكون هناك توقيتان لإنهاء عمل ما ، يعتمدان على طريقة دفع الأجر ، وقالوا ببساطة أنهم سيبنون سقف الغرفة مقابل 120 قرشاً وعندما سألتهم كم من الوقت سيستغرق ذلك قالوا : (( يوم ونصف اليوم )) . ومائة وعشرون قرشاً هي 1.2 جنيه . ويكلف الطوب ما يقرب من جنيه واحد ، وهناك عاملان لمساعدتهم يكلفان جنيهاً واحداً آخر ، وهكذا فإنه يبلغ 3.4 جنيه مصري يكون لدينا غرفة من 3م × 4م يتم بناؤها في يوم ونصف اليوم . ولو أنها صنعت من الإسمنت لتكلفت ما يقرب من 16 جنيهاً مصرياً ، ومن الخشب 20 جنيهاً
والحقيقة أنهم ما أن بدأوا العمل حتى استغرقوا بالضبط يوماً ونصف اليوم لتسقيف الغرفة الواحدة . وإن تم الاتفاق على الشروط فقد طلب البناءون أن يصنع لهم النوع الخاص من قوالب الطوب التي يستخدمونها للأقبية . وهي مصنوعة بقش أكثر من المعتاد لتكون خفيفة . وكانت مقاييسها هي 25سم × 15سم × 5سم ( 10 بوصة × 6 بوصة × 2 بوصة ) وعليها علامتان من أخدودين مائلين متوازيين ، يرسمان بالأصابع من زاوية للأخرى فوق الوجه الأكبر . وهذه الأخاديد مهمة جداً لأنها تمكن القوالب من الالتصاق بالسطح الطيني بواسطة الامتصاص . وهكذا صنعنا قوالب الطوب وجففناها ، بعد مرور أسبوع ذهبنا إلى الموقع . و لاحظت ونحن في طريقنا أن البنائين لم يكن لديهم أي أدوات سوى قدومهم . وسألتهم (( وأين المسطرين معكم ؟ )) فقالوا (( إننا لا نستخدم مسطرين ، والقدوم فيه الكفاية )) .
وعند مسرح فشلنا كانت الجدران مازالت قائمة وإن كان القبو الذي حاولناه قد انهار . وكان في كل غرفة جداران جانبيان يبعدان بثلاثة أمتار ، وجدار طرفي أعلى قليلاً سيبني القبو عليه . ووضع البناءان سقالتين عبر الجدارين الجانبيين على مقربة من الجدار الطرفي ، وصعدا عليهما ، وتناولا حفنات من الطين ، وخطا قوساً مبدئياً بمونة طينية على الجدار الطرفي . ولم يستخدما أي مقياس أو أداة ، و إنما اتبعا بالعين وحدها قطعاً مكافئاً مضبوطاً ، طرفاه على الجدارين الجانبيين . ثم استخدما القدوم في تشذيب المونة الطينية لجعل حدودها أكثر تحدداً .
وبعدها ، وقد وقف واحد منهما في كل جانب ، أخذا في رص الطوب . وجعلت الطوبة الأولى قائمة على طرفها فوق الجدار الجانبي ، ووجهها المشقوق مبسوطاً على مونة الطين التي فوق الجدار الطرفي ودقاها جيداً في هذه المونة . ثم أخذ البنّاء بعض الطين وصنع إزاء الطرف الأسفل لهذه الطوية حشوة صغيرة وتدية الشكل ، بحيث يكون المدماك التالي مائلاً بعض الشيء تجاه الجدار الطرفي بدلاً من أن يقف قائماً في استقامته . وحتى يتم كسر خط الوصلات ما بين قوالب الطوب يبدأ المدماك الثاني بنصف طوبة ، تنتصب على طرفها العلوي طوبة كاملة . ولو كانت الوصلات في خط مستقيم ، لقلت بذلك قوة القبو وربما انهار . ثم يقوم البنّاء بوضع مزيد من حشو الطين إزاء هذا المدماك الثاني ، بحيث أن المدماك الثالث يكون ميله حتى ميلاً أكثرحدة عن الخط العمودي . وبهذه الطريقة قام البناءان بالتدريج بتنفيذ بناء المداميك المائلة وكل منها يعلو لارتفاع أكثر قليلاً على خط تحديد القوس ، حتى يلتقي خطا قوالب الطوب المقوسان عند القمة . وكلما كان البناءان ينتهيان من بناء مدماك كامل ، فإنهما كانا يحرصان على إدخال حشوات جافة تقطع من الحجارة أو كسر الفخار ، وذلك في الفراغات ما بين قوالب الطوب التي تكون المدماك ( في المنحنيات الخارجية لأسافين القبو ) . ومن الأهمية بمكان ألا يوضع ملاط طيني بين أطراف قوالب الطوب في كل مدماك ، ذلك أن الطين قد ينكمش لما يصل إلى 37 في المائة من الحجم ، وانكماش كهذا سيشوه بصورة خطيرة من القطع المكافئ ، بحيث قد ينهار القبو . فأطراف * قوالب الطوب يجب أن تتلامس أحدها بالآخر وهي جافة بلا ملاط . وعند هذه المرحلة كان للقبو الوليد سمك ستة قوالب طوب بالطول عند القاعدة وسمك طوبة واحدة بالطول عند القمة ، بحيث بدا مائلاً بزاوية لها اعتبارها على الجدار الطرفي . وهكذا فإنه قدَم واجهة مائلة ترص من فوقها المداميك التالية ، بحيث تصبح قوالب الطوب مدعومة دعماً متيناً ؛ وهذا الميل ، حتى بدون الأخدودين ، يمنع قوالب الطوب من السقوط ، مثلما قد يحدث لطوبة ناعمة على واجهة عمودية . وهكذا يمكن بناء القبو كله مباشرةً في العراء ، من غير دعامة أو شدة خشبية ومن غير أدوات ، ومن غير تخطيط مرسوم ؛ لم يكن هناك غير بنائين يقفان على سقالة وصبي من تحتهما يلقي بقوالب الطوب لأعلى ، ليمسكها البناءان بحذق في الهواء ، ثم يضعانها بعفوية على الطين ويطرقانها في مكانها بقدوميهما . كان الأمر بسيطاً بما لا يصدق وكانا يعملان بسرعة وبدون انشغال بال ، وبدون أدنى تفكير بأن ما يفعلانه هو عمل جد رائع من الأعمال الهندسية ، فهذان البناءان كانا يطبقان بفهم حدسي خارق قوانين الاستاتيكا وعلم مقاومة المواد . وطوب التربة ليس مما يستجيب للحني ولا للانحراف ؛ وهكذا فإن القبو صنع في شكل قطع مكافئ يطابق شكل رسوم منحني عزم الانحناء . وبهذا تزول الحاجة لأي حني ويسمح لمادة البناء أن تعمل فحسب تحت تأثير الانضغاط . وبهذه الطريقة أصبح من الممكن إنشاء السقف بنفس اللبنات الطينية المستخدمة للحوائط . والحقيقية أن بحراً من ثلاثة أمتار يمد بطوب اللبن لهو عمل تقني فذ في نفس عظمة بحر* من ثلاثين متراً بالإسمنت ويؤدي أمتار من إلى نفس الإحساس بالانجاز .
كانت الطريقة من البساطة والطبيعة بحيث خلبت لبي تماماً . إن المهندسين والمعماريين الذين يهتمون بأساليب البناء الرخيصة للجماهير قد ابتكروا كل الأنواع من الوسائل المعقدة لإنشاء الأقبية والقباب . وكانت مشكلتهم هي الاحتفاظ بمكونات البناء في مكانها حتى يكتمل الإنشاء ، وتراوحت حلولهم ابتداءً من قوالب طوب ذات أشكال عجيبة تشبه قطعاً من لعبة تجميع الصور المقطعة Jigsaw ولكنها ذات أبعاد ثلاثية ، ومروراً بشتى وسائل نصب السقالات ، ووصولاً إلى الحيلة ذات التطرف التي تنفخ فيها بالونة ضخمة في شكل القبة المطلوبة ليرش الإسمنت من فوقها أما بنائيَ فلم يحتاجا إلا إلى قدوم وزوج من الأيدي . وفي خلال أيام معدودة كان قد تم تسقيف كل البيوت ، وغطيت الغرف ، والممرات ، والمقاصير ** Loggia كلها بالأقبية والقباب ؛ لقد حل البناءون كل مشكلة كانت تقلقني ( حتى بناء الدرج ) . ولم يبق إلا الانطلاق لتطبيق منهجهم في كل مصر .
وحدث أن كان لي صديق ، وهو طاهر عمري ، ويمتلك عزبة في سدمنت الجبل على طرف صحراء الفيوم . وكانت في موقع جميل وتقع بالضبط على حرف ما يشبه جرف لهضبة تطل على قناة بحر يوسف ووادي النيل ولسوء الحظ فإنها كانت إلى حد ما بعيدة عن الطريق المطروق ، بحيث أن صديقي لم يكن يستطيع أن يشرف عليها إشرافاً مستمراً ، وبالتالي فإن الفلاحين المحليين الذين يتشهون الخشب ، سرقوا كل الأسقف التي في العزبة فكان هناك العديد من المباني وكلها قد فغرت فاها وهي مفتوحة للسماء – وكان أحسن موضوع يصلح للعرض التالي لبنائيَّ.
* * *
والآن وقد ثبت أن التسقيف رخيص هكذا ، فقد كان يمكننا أن نتحمل نفقة أي توسع لنا . فكل ما كنا نحتاجه هو الطين ، وكان لدينا منه ما يكفي تماماً ؛ وهكذا لم تكن هناك حاجة لأن نبخل بالنسبة للمساحات المسقوفة . وشرعنا في إنشاء سقوف للحظائر والمخازن ومساكن العمال – وكنا نعمل في حال بالغ من الابتهاج فغطينا العزبة كلها في وقت لا يذكر بأسقف طينية لطيفة .. وسعد بذلك طاهر العمري . وكان هناك بناء قصد به أن يكون مخزناً ، قد تم تسقيفه بقبة ذات نبل ، وبلغ من سروره بالمخزن أن اتخذه كقاعة للموسيقى . على أن المباني كلها كانت تسر العين . وسواء كانت مخصصة للحمير أو للبشر أو كمخازن فحسب فإنها كلها كانت ذات إيقاع
_____________________________________________________

* البحر معمارياً هو المسافة الأفقية بين عمودين أو كتفين أو جدارين وكل عقد أو قبو أو قبة له بحره
** مقصورة Loggia : شرفة مسقوفة ، مكشوفة من جانب أو أكثر ، أو رواق خارجي ، أو حجرة مقعد .
( المترجم )
مقوسي يثير الرضا ويبدو وكأنه قد تأتي عن غير عمد إذ وضعنا تصميم الأقبية ، إلا أنه مما لا يكاد ينتج قط فيما لو استخدمت الخطوط المستقيمة والأسقف السطحية . وهذه هي النقطة العظيمة الثانية بشأن مساكن طوب اللبن ذات الأسقف المقبية . فهي إلى جانب كونها رخيصة ، فإنها جميلة . وهي لا يمكنها إلا أن تكون جميلة ، ذلك أن
البنية الإنشائية تملي الأشكال ومادة البناء تفرض المقياس ، وكل خط يحترم توزيع الضغوط ، ويتخذ البناء شكلاً
طبيعياً ومُرضياً . وفي الحدود التي تفرضها مقاومة مادة البناء – الطين – وحسب قوانين الاستاتيكا ، يجد المهندس المعماري نفسه فجأة حراً في تشكيل الفراغ بمبناه ، وأن يطوق حجماً من الجو الفوضوي ليصل به إلى أن يصبح ذا نظام ومعنى بمعيار الإنسان ، بحيث أنه أخيراً لا يحتاج في بيته لأي زخرفة توضع بعد ذلك . فالعناصر الإنشائية نفسها تمد بما يشوق العين إلى مالا نهاية . القبو ، والقبة ، والخناصر المدلاة ، والخناصر المعقودة ، والعقود ، والجدران ، كلها تعطي المهندس المعماري مجالاً بلا حدود لإحداث تفاعل له مبرره بين خطوط مقوسة تجري في كل اتجاه بسريان متناغم الواحد منها للآخر .
وكان لي صديق آخر يعيش في المرج ، خارج القاهرة مباشرة ، وهو حامد سعيد . وكان فناناً يعيش مع زوجته في خيمة ، وسبب ذلك في جزء منه أن يكون قريباً من الطبيعة التي كان يعشقها عشقاً جماً ، وفي جزء آخر لأنه لا يستطيع تحمل ثمن منزل . وعندما سمع عن مزرعة الجمعية الملكية للزراعة في بهتيم وكيف كانت تكلفة بنائها رخيصة ، فإنه اهتم بالأمر أشد الاهتمام ، ذلك أنه ظل لزمن يحتاج إلى مرسم .
وذهب ليلقي نظرة على المباني ، وعندما رأى النوعية الفريدة للنور في مقصورة ذات سقف مقبى ، قرر في الحال أن يبني لنفسه مقصورة مماثلة . وكان لبعض أقاربه عزبة ، أقمنا فيها مرسماً يتكون من حجرة واحدة كبيرة ذات قبة ، ومخدع مقبى مبيت في الجدران ، وأصونة مبيتة في الجدار ، ومقصورة مفتوحة عند طرفها تطل على الحقول وعلى منظر يطرد بلا انقطاع لفدان أثر فدان من أشجار النخيل . وقد صنع له الطوب في نفس الموقع – وكانت التربة رملية – فلم يحتج حتى للقش – وبنى البناءون البيت مقابل 25 جنيهاً فحسب . والتقطنا بعض شبابيك خشبية قديمة جميلة جداً لتستخدم للنوافذ ، وبعض الأبواب المهملة لتستخدم للأصونة ، وكلها كان قد أهمل شأنها زمناً طويلاً إذ حلت مكانها التجهيزات البراقة ذات الأسلوب الأوروبي . وإجمالاً فإنه حصل على كوخ صغير ساحر كمرسم بما يقرب من 50 جنيهاً .
* * *




























عزبة البصري : إبليس في كمين :
كان ثمة قرية أخرى صغيرة ، أو هي بالأولى كفر ، يتكون مما يقرب من خمسة وعشرين بيتاً ، تقع خارج المعادي على بعد يقرب من تسعة أميال من القاهرة ؛ وكانت تسمى عزبة البصري ، ويسكنها في أغلبها اللصوص . وفي عدالة صارمة تم اكتساح الكفر تماماً بفيضان مفاجئ مما يحدث كل عشرين عاماً أو ما يقرب ، وتعهد الهلال الأحمر المصري إسكان العائلات التي فقدت مسكنها . وقد تجلت يد الله في هذا الفيضان أوضح التجلي ، فلم يقتصر الأمر على إنزالها العقاب بالآثمين ، وإنما أدت أيضاً إلى رد ممتلكات مسروقة لواحد على الأقل من ضحايا هؤلاء . وكان هذا الرجل الضحية هو أمين رستم ، الذي سُرق إطاران من سيارته في وقت كان من الصعب فيه الحصول على الإطارات بوسيلة شريفة ، وحيث كان الإطار الواحد يجلب بوسائل غير شريفة بما يساوي 80 إلى 100 جنيه . وكان رستم يعرف أن المجرم – هو والإطارين – موجودين في عزبة البصري ، على أن الشرطة لم تكن لتفعل شيئاً بهذا الشأن . وعلى أي حال فقد فارت يوم الفيضان دوامة من المياه ، وإذا بإطاري رستم الإثنتين وهما يبحران في مرح ليصلا إلى قسم الشرطة ، حيث حطا الرحال برشاقة ، ليستعيدهما هو .
للهلال الأحمر لجنة للسيدات فيها المنفذ لما لدى سيدات القاهرة من دوافع خيرية ، وقد أخذت هذه اللجنة على عاتقها مسئولية إعادة بناء عزبة البصري . وتوصلت عن طريق رئيسة اللجنة حرم سرى * باشا إلى أن أعرض خدماتي بشأن هذا الموضوع ، وذهبت لألقي نظرة على القرية المخربة ، والتي تبين أنها كانت مبنية بطوب اللبن ولكن بطريقة فيها قصور بالغ . فكان للبيوت على مستوى الدور الأرضي حائط من الطين سمكه طوبة واحدة لا غير ، ومن الطبيعي أنه مما لا يمكن توقعه أنه سيقاوم سيلاً من المياه . وهكذا فإن الجدران ما لبثت أن تقوضت فانهارت البيوت . وعلى كل ، فلم يكن ثمة جدل حول استخدام طوب اللبن في ذلك الموقع . فبيوت طوب اللبن عند استخدام جدران سميكة بما يكفي وأساسات حجرية ، تستطيع أن تظل باقية . حتى بعد طوفان نوح . وأعددت تصميماتي وتقديراتي . وحسبت تكلفة عشرين بيتاً بما يصل إلى 300 جنيه مصري . وقدمت ذلك إلى اللجنة وقد أفعمت حماساً . وكم أنفقنا من ساعات العصر ونحن نشرب الشاي وندخن السجائر في حديث متقطع عن القرية ، ومر اجتماع أثر اجتماع ، وقرار أثر قرار ، واعتراضات ، واقتراحات ، ومراوغات ، وأفكار براقة ، وشكوك خطيرة حتى لقد كان في استطاعتنا أن نبني عشر قرى بأيدينا نفسها في ذلك الوقت الذي أضعناه هكذا .
وكان البناءون لدي مستعدين ، والسكان مازالوا يقيمون في الخيام ، وليس ما يبدو أنه يوضع موضع التنفيذ ! وأخيراً وسط أحد الاجتماعات ، وأنا أتوسل أن يسمح لي على الأقل ببناء منزل واحد لأوضح – لا غير – أنه مما يمكن تنفيذه ، إذ بحرم عبود * باشا فجأة تقول : (( يبدو أنك رجل من النوع العملي . هاك ، خذ دفتر شيكاتي . اكتب المبلغ الذي تشاء ، وخذ النقود وانطلق لتبني لنا بيتك )) ووافقت على هذا العرض ؛ كنت أعرف من قبل أني استطيع بناء بيت ب 150 جنيهاً مصرياً ، وهكذا أخبرت اللجن بذلك . ولكن مهندساً معمارياً آخر كان في هذه اللحظة يجلس في اللجنة ممثلاً لوزارة الشئون الاجتماعية ، همس لي ، لا تكن مغفلاً ، اكتب مبلغاً أكبر . إنك لن تستطيع تنفيذه بهذا المبلغ )) وقلت له : (( أنا أعرف تماماً ما أفعله . لقد بنيت من قبل بمثل هذا المبلغ ، وأنا أعرف أنه يمكنني تنفيذه )) .
وبهذه النقود التي توافرت لي من مصدر خاص ، كان يمكنني أن انطلق للعمل ، فما عاد في وسع اللجنة بعد أن تماطل لأكثر من ذلك . وفي خلال أربعين يوماً كان البيت قد اكتمل . كان مبنى أنيقاً للغاية ، ذا غرفتين واسعتين ومضاجع مبنية في الجدران كما سبق ، وأصونة مبنية في الجدران ، ومساحة رحبة للتخزين ، ومقصورة كبيرة وفناء مسور وإجمالاً فقد تكلف بالضبط 164 جنيهاً مصرياً .
وإذ نجحت هكذا توقعت أن سيُعهد إليّ بمهمة إكمال البيوت التسعة عشر الأخرى المطلوبة ، ولكن سرعان ما أتت حرم سري باشا بعد ذلك وبينت لي أنه لما كان للجنة مهندسها المعماري الخاص بها ، والذي عليه أن يصمم البيوت لهم ، فإنها لا تستطيع أن تعهد بالمهمة إليّ . وداريت من خيبة أملي ، وتقبلت متلطفاً اعتذارها . على أن البيت ظل هناك ، وأصبح له استخدام مفيد غاية الفائدة ؛ بل إننا أقمنا فيه حفلاً أو حفلين ، وأتى أناس كثيرون لرؤيته والإعجاب به . وقد تعودت أن أحس أنا نفسي بإعجابي به كلما مررت به كل يوم بالقطار ما بين القاهرة والمعادي ، وكان في استطاعتي أن أراه على مبعدة من النافذة ، وكنت أحرص دائماً على التطلع إليه في كل مرة أمر فيها به . وذات يوم تطلعت من النافذة ، فإذا بالبيت ليس هناك ، ونظرت ثانية وتساءلت عما إذا كنت قد أخطأت النظر ، أو أن هذا لم يكن هو الموقع ، أو أنني ركبت القطار خطأ ، ولكني كنت مصيباً تماماً . لقد اختفى البيت ليس إلا . وذهبت إلى الموقع لأرى ما حدث . وهناك وجدت بيتي الجميل وقد تبدد لقطع تنتشر على الأرض . وحتى في تلك اللحظة ، كان لدي الوقت الكافي لأن الحظ كيف كان البيت قوياً ، وكيف أن القبو لم يتهاو
______________________________________________

* حسين سري باشا رأس الوزارة في عهد فاروق ( المترجم )
* عبود باشا من كبار رجال الأعمال في عهد فاروق . وكانت زوجته هذه انجليزية ( المترجم )


إلا في قطع كبيرة ، كقطاعات من شكل بيضاوي ، أجزاء متينة متجانسة كقطع من جلد مدبوغ ، ذلك أن اللبنات الطينية تماسكت في محارة واحدة متراصة .
و أخبروني مع تقديم الاعتذارات ، أنه كان من الضروري لسوء الحظ أن يهدم البيت لأنه لم يكن يتجانس مع
البيوت التي صممها المهندس المعماري الخاص بهم ، ولكنهم واثقون أني أتفهم الأمر . وكان ذلك المهندس المعماري الخاص بهم قد أوفد أحد مساعديه ، وهو شاب كان وقتها مشهوراً أساساً ببنائه لنسخة أمينة لكوخ سويسري بين أشجار النخيل والإبل التي في طريق الأهرام ، وهو هنا قد أنتج نسخته من الأكواخ الملائمة لأن يعيش الفلاحون فيها . وقد رأيت رسوماته فيما بعد ، وكانت تبين صفاً من عشرين بيتاً أسمنتياً ، يتكون كل منها من حجرتين مربعتين وممر عرضه تسعين سنتيمتراً في نهايته دورة مياه . ولم يكن هناك حتى أي مطبخ ، دع عنك الاحتياجات من مثل المضاجع المبنية والأصونة ، ولم يكن في هذه المباني أي إلهام معماري أكثر مما يلهم به صف من مخابئ الغارات الجوية . وأدركت تماماً أن بيتي لم يكن ليتجانس مع هذه البيوت .
وفي وقت لاحق اكتشفت سبباً آخر جعل المهندس المعماري الخاص باللجنة عازفاً عن استدعاء أي مقارنات ، فقد تكلفت إقامة بيوته العشرين 22.000 جنيه مصري بالإجمال .
على أنه رغم قصر حياة هذا البيت الصغير ، ورغم أنه فشل في تحقيق هدفه الرئيسي من التأثير في الهلال الأحمر ، إلا أنه قد نجح في التأثير في أناس آخرين . فقد أدى إلى أن كلفتني شركة نترات شيلي بمهمة لبناء بعض الاستراحات في سفاجة على البحر الأحمر . وقد أعطاني هذا الفرصة لتوسيع فريقي من البنائين ولأن ازداد إدراكاً لقدراتهم . وقد أحسنا القيام بعملنا هناك ، حتى أنه أمكن لرئيس البنائين بغدادي أحمد على أن يدخر ما يكفي للقيام برحلة إلى الحجاز ليصبح حاجاً . ووصلنا إلى أن أصبح أحدنا يعرف الآخر معرفة أفراد العائلة الواحدة ، ووجدت أن احترامي لهؤلاء الرجال يتزايد كل يوم كلما عملت معهم .
* * *

سرقة أحدى المقابر تنسب في مشروع إسكان رائد :
أثناء حياة بيت عزبة البصري القصيرة حدث أن رآه أيضاً أناس معينون يعملون في مصلحة الآثار ، ولم يكن ذلك حقاً من باب الاهتمام الأثري ، وإنما هو من باب استيفاء مطلب جد عملي وشائق . ففي مصر ، كما قد يتبادر إلى للذهن بسهولة ، تعد مصلحة الآثار من بين أهم المصالح الحكومية ، وكانت المصلحة قد نال منها مؤخراً فضيحة كبرى .
فمن بين الآثار القديمة التي كانت مسئولة عنها كانت هناك جبانة طيبة القديمة التي تقع في مكان يسمى القرنة ، عبر النهر عند الأقصر التي بنيت هي نفسها فوق موقع مدينة طيبة القديمة . وتتألف هذه الجبانة من ثلاثة أجزاء رئيسية : وادي الملوك إلى الشمال ، ووادي الملكات إلى الجنوب ، ومقابر النبلاء في الوسط على سفح التل المواجهة للأراضي الزراعية . وقرية القرنة قد بنيت على موقع مقابر النبلاء هذه . وتوجد ها هنا قبور كثيرة جداً بعضها معروف قد تم إخلاؤه وتنظيفه ، وبعضها مازال غير معروف للمصلحة وبالتالي فهو مازال مليئاً بأشياء ذات أهمية أثرية عظيمة .
* * *
وثمة سبعة آلاف فلاح يعيشون في القرنة وقد احتشدوا في خمس مجموعات من البيوت ، قد بنيت من فوق ومن حول هذه القبور . سبعة آلاف فرد يعيشون من فوق الماضي بالمعنى الحرفي تماماً للكلمة . وهم – أو أبائهم – قد اجتذبهم إلى القرنة منذ ما يقرب من خمسين عاماً مقابر أجدادهم الغنية ، ومن وقتها وهذا المجتمع كله يعيش على نقب هذه القبور . وكان اقتصادهم يعتمد تقريباً اعتماداً كلياً على سرقة القبور ؛ فالأرض الزراعية من حولهم ما كان في الإمكان أن تقيم أوْد عدد يبلغ سبعة آلاف من الأفراد . وعلى أي حال فقد كانت الأرض في معظمها ملكاً لعدد قليل من أثرياء الملاك الزراعيين .
ورغم أن أهل القرنة قد أصبحوا خبراء لا يبارون في تحديد موقع المقابر المختفية ، وكانوا من أبرع اللصوص ، إلا أنهم لم يقوموا بمهنتهم على نحو حكيم . فقد نقبوا القبور بطيش ، مستنفذين أنفس الكنوز وذلك في زمن سبق كثيراً الزمن الذي أصبحت الآثار فيه مما يجلب ثمناً عالياً حقاً . وقد أخبرني حكيم أبو سيف أحد مفتشي الآثار ، أنه في عام 1913 قدم له أحد الفلاحين سلة كاملة من الجعارين مقابل عشرين قرشاً ، وأنه رفضها ! واليوم فإن الجعارين يبلغ ثمنها خمسة جنيهات على الأقل لكل جعران واحد .
ولم تكن الغنيمة تقتصر على الجعارين ، كما أن الفلاحين لم يكونوا كلهم بهذه السذاجة . ففي وقت اكتشاف مقبرة أمنحتب الثاني – وهي مقبرة سليمة من الأسرة الثامنة عشرة – سُرق قارب مقدس بواسطة أحد الحراس . وقد اتخذ لنفسه عائد العملية أربعين فداناً .
على أن عمليات لصوص المقابر هذه ينبغي ألا ينظر إليها نظرة جد مستخفة . فرغم كل براعتهم ، ورغم خفة ظلهم ، ومع كل ما هم فيه من فقر لا يستحقونه ، إلا أن الضرر الذي يحدثونه هو مما لا يقاس . إنهم يحفرون ويبيعون ، وما من أحد يعرف مصدر ما يعثرون عليه ، مما يعني خسارة كبيرة لعلم المصريات . وهم أحياناً يفعلون ما هو أسوأ ؛ فلو وجد أحد هؤلاء اللصوص صدفة كنزاً من الذهب ، فإنه يصهره . وهكذا فإن هناك جواهر وصحافاً ، وتماثيل صغيرة – روائع من مشغولات الإنسان ، لا تقدر بثمن في أي سوق – تذهب مباشرةً إلى البوتقة لتتحول إلى قوالب خسيسة ، تباع بالسعر الجاري للذهب . ويمكننا مما تبقى من الأعمال الفنية – ككنوز مقبرة توت عنخ أمون ، والطبق ذي الرسومات الجميلة الذي عثر عليه حديثاً في تانيس – أن نحصل على بعض فكرة عن التخريب الخبيث الذي ظل متصلاً . وقد رأيت مسز برويير ، وهي زوجة أحد علماء الآثار ، في بيت أحد الفلاحين قضبان خام من الذهب لا بد أنها كانت من قبل كنوزاً يمكن أن تتخذ موضعها المشرف في أي متحف في العالم .
* * *
وبالطبع فإن الفلاحين كانوا يقعون كفريسة طبيعية لتجار المدينة ، فالتجار وحدهم هم القادرون على الاتصال بالمشترين من الأجانب فاقدي الضمير ، وبذا فإنهم استطاعوا استغلال موقف سكان القرنة الضعيف بشراء منتجهم النفيس بما يقل كثيراً عن قيمته الحقيقية . وهكذا كان الفلاحون يتحملون كل المخاطر ، وينمون مهاراتهم ليقوموا بالجانب الشاق من العمل ؛ بينما التجار يجلسون في آمان تام ، يشجعون تخريب الممتلكات العامة ، ويزيدون ثراء على حساب ما يغنمه أهل القرية بمجهودهم الشاق .
* * *
وفي النهاية ، فإن العائد المتناقض من سرقة المقابر أرغم السكان على الدخول في مغامرات أكثر خطورة وعلى القيام بعمليات تزييف أكثر تهوراً ( ذلك أن تزييف الآثار كان مهارة عارضة نماها فيهم موقفهم المحرج ) حتى حدثت في نهاية الأمر فضيحة لا مثيل لها . فقد تم انتزاع وسرقة نقش صخري بالكامل من أحد القبور – أثر قديم مشهور ومصنف . كان الأمر وكأن أحداً قد سرق نافذة من كاتدرائية شارتز أو عموداً أو عمودين من البارثينون.
وقد أحدثت هذه السرقة رجة بحيث كان على مصلحة الآثار أن تتخذ إجراء ما إيجابياً بشأن مشكلة القرنة . وكان هناك من قبل مرسوم ملكي بنزع ملكية الأرض التي بنيت عليها بيوت القرنة و أن تُلحق ملكية كل منطقة مدينة الموتى بالحكومة كأرض للمنفعة العامة . وقد أعطى هذا المرسوم لأهل القرنة الحق في الاستمرار في استخدام البيوت الموجودة ، ولكنه منع أي إضافات أو توسعات جديدة . والآن فقد كان يتوجب إصدار مرسوم آخر وزراي لنزع ملكية البيوت أيضاً ، بهدف إخلاء المنطقة الأثرية كلها من مغتصبيها غير المرغوب فيهم .
على أن إصدار المرسوم شيء ، وتنفيذه شيء آخر تماماً ، إلى أين سينقل سبعة آلاف فرد ؟ إن بيوت أهل القرنة لو تم شراؤها بالثمن الجاري ‘ فإن أصحابها لن ينالوا من المال ما يكفي لشراء أرض جديدة وبناء بيوت جديدة . وحتى لو تم تعويضهم بسخاء ، فإنهم وحسب سينفقون النقود في اتخاذ مزيد من الزوجات وبهذا فإنهم يصبحون مشردين بلا أرض ولا مال . وكان الحل الوحيد هو إعادة تسكينهم ، على أن هذا الاقتراح كان حتى ذلك الوقت اقتراحاً مكلفاً للغاية . فقد قدر مبلغ مليون جنيه لقرية مشابهة تماماً كان يجري بناؤها للعمال في امبابة خارج القاهرة مباشرةً . وكان هذا هو الوقت الذي تنبهت فيه مصلحة الآثار إلى المباني .
وقد تصادف أن خطرت نفس الفكرة على نحو مستقل لكل من عثمان رستم مدير الهندسة والحفائر ،و م . ستوبلير مدير قسم الترميمات في مصلحة الآثار ، بحيث اقترح كل منهما على الأب درايتون المدير العام للمصلحة ، الاتصال بي بشأن قرية القرنة الجديدة .
وكانا قد شاهدا نموذجيّ من بنايات طوب اللبن ، بيوت الجمعية الملكية الزراعية ، وبيت الهلال الأحمر ، وقد تأثرا تأثراً متماثلاً بإمكانات مادة البناء ، ورخص تكلفة استخدامها . وبالتالي فقد ذهب درايتون لرؤية هذه المباني ووافق على الاقتراح ، وكانت النتيجة أنه صرح لي بإجازة أتغيب فيها عن مدرسة الفنون الجميلة لمدة ثلاث سنوات حتى أبني القرية . وهكذا كنت في سبيلي لتحقيق أمنية طفولتي – وأنا آمل أن يكون ذلك بتكلفة أرخص بعض الشيء من المليون جنيه .
* * *















مولد القرنة الجديدة – الموقع
انعقدت لجنة اختيار موقع للقرنة الجديدة ، وتكونت من ممثلين لمصلحة الآثار ( رئيس قسم التفتيش ، وعثمان رستم ، وكبير مفتشي الأقصر) ، وعمدة القرنة ، ومشايخ النجوع الخمسة فيها وإياي . وكان على هذه اللجنة أن تعثر على موقع يبتعد تماماً عن كل الآثار القديمة ، مما يعني أنه لا يمكن إقامة القرية الجديدة على التلال التي تعلو وادي النهر ، وهو الأمر الذي كان يبدو معقولاً بأكثر ، ذلك أن هذه التلال كانت مكتظة بالمقابر لمسافة تقرب من ثلاثة أميال ونصف الميل بطول حافة الأرض الزراعية التي تمتلكها القرية ، وذلك من وادي الملكات حتى وادي القرود ؛ وأخيراً استقر رأينا على رقعة من الأرض الزراعية قريبة من الطريق الرئيسي والخط الحديدي ، وتنخفض في أحد الأحواش - أي في حقل جاف باستمرار تتم وقايته من ماء الفيضان بمنظومة من الجسور . وتم شراء الأرض شراءً جبرياً من مالكها بولس حنا باشا ؛ كان هناك خمسون فداناً ، ثمن كل فدان منها 300 جنيه مصري .
ومهما كان مشروع بناء قرية كاملة هو في النهاية مشروع جذاب ، إلا أن الأمر فيه أيضاً ما يحبط بعض الشيء عندما يواجه المرء بخمسين فداناً من أرض بكر وبسبعة آلاف فرد من سكان القرنة كان عليهم أن يخلقوا لأنفسهم حياة جديدة هناك . وكان هؤلاء الأفراد جميعهم ، بما هم عليه من صلة قرابة في شبكة معقدة من صلات القرابة بالدم وبالزواج ، وبعاداتهم وميولهم ، وبصداقاتهم وعداواتهم – كائناً اجتماعياً في توازن رهيف ، يتكامل حميماً مع طوبوغرافية القرية ، وصميم لبناتها وأخشابها – هذا المجتمع بأسره كان يلزم أن يتم تفكيكه ليعاد بناؤه في موقع آخر . وحتى أصدقك القول ، فقد كانت سعادتي من أول الأمر مشوبة بأكثر من ذلك من عامل يثير الهواجس . فقد كان غريباً بما يكفي أن تُقام قرية بأكملها دون الرجوع إلى مصلحة المباني الأميرية ، بل إن ما يثير الخوف أكثر من ذلك أن أجد نفسي المسئول الوحيد عن خلق هذه القرية ، ولي مطلق الحرية لأن أفعل بالموقع ما أشاء .
كان الأمر يحتاج إلى مهندس معماري واثق من نفسه جد الوثوق ليبدأ البناء هناك على مرأى من معبد الدير البحري ، والرامسيوم ، وتحت نظرة الأعين المنذرة لتمثالي ممنون وهي تحدق برود عبر الريف تجاه موقعنا .
* * *




























لحن الترنيمة ( كورال )

الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا

الطابع المعماري
كل شعب ممن أنتج معماراً يطور أشكاله المحببة له هو نفسه ، والتي تخص هذا الشعب مثلما
تخصه لغته ، أو ملبسه ، أو فنونه الشعبية . وقبل انهيار جبهات الحضارة في القرن الماضي ،
كان هناك في العالم كله أشكال وتفاصيل محلية متميزة للمعمار ‘ وكانت بنايات كل موقع محلي بمثابة أطفال جميلة لزواج سعيد قد عقد بين خيال أفراد الشعب واحتياجات ريفهم . ولست بالذي يطلب التأمل في المنابع الحقيقية للخصوصية القومية ، كما أني لست مؤهلاً لذلك بأي حال . ولكني أود أن أطرح ببساطة أن أشكالاً بعينها تفتن أفراد أحد الشعوب ، فيستخدمونها في مجالات جد متنوعة ، نابذين فيما يحتمل أي تطبيقات غير ملائمة ، وإنما هم يقومون بتطوير لغة بصرية رائعة مفعمة باللون هي لغة خاصة بهم وتلاءم تماماً شخصيتهم ووطنهم . وما من أحد يمكن أن يخطئ طريقة انحناء القبة الفارسية وقوس انحناء القبة السورية ، أو المغربية ، أو المصرية . وما من أحد يمكن أن يخطئ تبين وجود نفس الانحناء ونفس البصمة في القبة والجرة والعمامة التي تنتمي لمنطقة واحدة . ويتبع ذلك أيضاً أن أحداً لا يستطيع أن ينظر بعين الرضا إلى المباني التي تزرع في بيئة أجنبية عنها .
* * *
على أن مصر الحديثة ليس فيها أسلوب محلي ، فالبصمة مفتقدة ؛ وبيوت الأغنياء والفقراء هي على السواء بلا طابع ، بلا لهجة مصرية ، لقد ضاع التراث ، وانفصمنا عن ماضينا منذ قطع محمد علي رأس آخر مملوك . وهذه الثغرة في تواصل التراث المصري قد أحس بها أناس كثيرون ، فطرحت لها كل صنوف العلاج . والحقيقة أن هناك نوعاً من الغيرة بين أولئك الذين يعدون القبط السلالة الحقيقية المنحدرة من قدماء المصريين ، وأولئك الذين يؤمنون بأن الأسلوب العربي هو ما ينبغي أن يمد بنموذج للمعمار المصري الحديث . والحق أنه كانت هناك محاولة شبه رسمية للتوفيق بين هذين الفريقين ، وذلك عندما اقترح عثمان محرم باشا وزير الأشغال العمومية أن تقسم مصر إلى شطرين ، بما يشبه اقتراح سليمان بشطر الطفل ، وأن تسلم مصر العليا إلى الأقباط ، حيث يمكن أن يُنمى أسلوب من تراث فرعوني ، بينما ينبغي أن تُعطى مصر السفلى للمسلمين ليجعلوا من عمارتها عمارة عربية بحق !
وتؤدي هذه الحكاية إلى إيضاح شيئين . الأول هو الحقيقة المشجعة من أن الناس يدركون بالفعل البلبلة الحضارية التي في معمارنا ، ويرغبون في علاجها ، والآخر – وهو أمر ليس بجد مشجع – وهو أن هذه البلبلة ينظر إليها كإشكالية في الأسلوب ، وأن الأسلوب ينظر إليه كنوع من التشطيبات السطحية التي يمكن تطبيقها على أي بناء بل و يمكن إزالتها وتغييرها عند الضرورة . والمهندس المعماري المصري الحديث يعتقد أن العمارة المصرية القديمة تتمثل في المعبد ببواباته الضخمة وإفريزة المزين بالتجاويف ربع الدائرية ، وأن العمارة العربية تتمثل في سدائل المقرنصات المجمعة ، وذلك في حين أن العمارة المصرية القديمة للبيوت كانت تختلف تمتماً عن عمارة المعبد ، والعمارة العربية للبيوت تختلف تماماً عن عمارة المسجد . فالمباني المصرية القديمة غير الدينية ، مثل البيوت ، كانت تكوينات سخيفة بسيطة ، لها خطوط واضحة مثلما لأفضل البيوت الحديثة . ولكن مدارس العمارة ليس فيها أي دراسة لتاريخ البنايات المنزلية وهي تدرّس العصور المعمارية عن طريق ما هو أسلوب عارض ليس إلا ، كالمعالم الظاهرة من مثل بوابات المعبد الضخمة وسدائل المقرنصات . وهكذا فإن المهندس المعماري يتخرج وهو يعتقد أن هذا هو كل ما يعنيه (( الأسلوب )) ، ويتخيل أن البنّاء يمكن أن يغير أسلوبه بمثل ما يغير الإنسان ملابسه . والتفكير من هذا النوع هو الذي أدى بأحد المهندسين المعماريين إلى أن يخرب المدخل المؤدي إلى حجرات الفصول الدراسية في مدرسة القرنة بأن حول المدخل الأصلي المعقود إلى بوابة معبد على الطرز المصري القديم قد اكتملت بإفريزها المزين بتجاويف من أرباع دوائر . ومما لا يفهم حتى الآن أن المعمار الحقيقي لا يمكن أن يكون موجوداً إلا في تراث حي ، وأن التراث المعماري في مصر هو الآن تقريباً ميت .
وكنتيجة مباشرة لضياع التراث هذا فإن مدننا وقرانا أصبحت تزيد وتزيد قبحاً . وكل بناء بمفرده يؤدي إلى زيادة هذا القبح ، وكل محاولة لعلاج الموقف لا تؤدي إلا لتأكيد هذا القبح تأكيداً أثقل .
وفي ضواحي المدن الإقليمية بالذات حيث تجري أحدث عمليات البناء ، يتأكد التصميم القبيح للبيوت بالتنفيذ السيئ للعمل ، فتبرز صناديق مربعة مضغوطة في أحجام متباينة ، بأسلوب ثم نقله عن أفقر أحياء المتروبوليس ، ورغم أنها نصف مكتملة إلا أن التلف ينال منها بالفعل ، وقد انتصبت إزاء بعضها بكل الزوايا ، وقد انبثت فوق خلاء رث بطرق غير ممهدة ، وأسلاك وصفوف غسيل تتدلى متربة من فوق حظائر الدجاج .
وفي أجواء من هذه المجاورات الكابوسية تؤدي الشهوة إلى الاستعراض والحداثة إلى أن يقوم مالك البيت بتبديد نقوده على تجهيزات وتزاويق مبهرجة مما يكون للبيوت الحضرية ، بينما هو يضن بمساحة للمعيشة ويحرم نفسه تماماً من فوائد الصنعة الحقيقية ، وتجعل المنازل بسبب هذا الموقف متضاغطة ومتجهة مما يكون للبيوت الحضرية على الأسرة أن تقوم بتهوية بياضاتها على الشارع العمومي ، وتهوية نفسها وهي مكشوفة للجيران في شرفاتها القاحلة ؛ بينما لو كان هؤلاء الملاك أقل ابتذالاً في تفكيرهم لأمكنهم الاستفادة بنمط البيت ذو الفناء ، فيستمتعون بالمساحة والخصوصية معاً . ولسوء الحظ فإن هذا النوع من معمار الضواحي هو ما يتخذه الفلاحون كنموذج للحداثة ، بحيث أنه أخذ يكتسب موقعاً في قرانا ؛ ويمكننا أن نطلع في ضواحي القاهرة أو بنها على ما سيكون قريباً المصير لقرية غرب أسوان .

* * *
وبنّاء القرية إذ يتملق عملاءه ليقنعهم بأنهم أصحاب دراية وتحضر ، يأخذ في تجربة أساليب بناء لم يراها إلا عند تداولها للمرة الثانية أو الثالثة ، وبمواد بناء لايستطيع هو في الحقيقية أن يتناولها في فهم . وهكذا فإنه يهجر ما لديه في التراث من مرشد آمن ، ويحاول وهو لايملك علم وخبرة المهندس المعماري أن ينتج (( معمار المهندسين المعماريين )) . وتكون النتيجة هي بناء فيه كل أوجه القصور لعمل المهندس المعماري وليس فيه أياً من مزاياه .
وهكذا فإن المهندس المعماري إذ يصمم مثلاً شقة في منزل في أحياء القاهرة الفقيرة لأحد المضاربين البخلاء ، ويضَّمن فيها ملامح مختلفة من تصميم حديث منقول عن عمل أوروبي رائج ، فإن عمله هذا يتسرب عبر فترة من السنين لينحدر من خلال الضواحي الرخيصة إلى القرية ، حيث يعدل رويداً على تسميم التراث الأصيل .
وقد بلغ من خطورة هذا الموقف أن أصبح القيام بعمل بحث علمي محكم عنه ، هو مطلب ملح إذا كنا حقاً نريد أن نعكس هذا الاتجاه للإسكان السيئ القبيح المبتذل وغير الكفء في قرانا .
وقد انتباني اليأس في وقت ما لضخامة المشكلة . فسلمت بأنها مما لا يقبل حلاً . فهي عملية مميتة من صنع القدر لا تقبل العكس و أدعنت لإحساسي بالعجز والأسى والألم لما يحل بناسي وبلدي . ولكني عندما وجدت أنه عليّ أن أتعامل بنفسي مع الحالة الواقعية للقرنة تمالكت نفسي وبدأت أفكر في المشكلة بصورة عملية بأكثر .
عملية اتخاذ القرار
الحضارة تنطلق من الجذور
وتتسرب لتنفذ إلى كل طلع
إلى الورقة والزهرة والبرعم
ومن خلية للأخرى . وكأنها دم أخضر
ويطلقها رذاذ المطر
كعطر من زهور منداة
يفعم الهواء
ولكن الحضارة التي تنصب على البشر
من فوقهم من عل . لا تلبث أن تنعقد
كما ينعقد السكر الرطيب . وهكذا يصبحون
مثل عرائس السكر . وعندما
يبللهم بعض رذاذ من المطر الواهب للحياة
فإنهم يتلاشون . يذوبون
في خليط لزج
كان يبدو لي أننا لم نتمكن من علاج أزمة المعمار المصري العامة بمجرد أن نبني مثالاً من نموذج جيد للبيت أو نموذجين . و لا حتى قرية كاملة . والأولى هو أننا ينبغي أن نحاول تشخيص الداء . أن نفهم الأسباب الجذرية للأزمة ، ونهاجمها من جذورها هذه . إن الفساد الحضاري يبدأ بالفرد نفسه ، الذي يواجه بخيارات لم يهيأ للقيام بها . وينبغي أن نعالجه عند هذه المرحلة . والبناء إنما هو نشاط خلاق حيث اللحظة الحاسمة هي لحظة التصور . تلك اللحظة التي تتخذ الروح عندها شكلاً . وتتحدد بالفعل كل ملامح المخلوق الجديد . وإذا كانت خصائص الكائن الحي تتقرر بلا رجعة في لحظة الإخصاب ، فإن خصائص المبني تتحدد بكل مركب القرارات التي يعطيها كل من له يد في الأمر . عند كل مرحلة في بنائه . وهكذا فإن لحظة التصور التي يعتمد عليها الشكل النهائي للكائن الحي تصبح بالنسبة للمبنى تعدداً من تلك اللحظات ، كل منها تقوم بدور حاسم في العملية الخلاقة بمجملها .
ولو أمكننا تحديد هذه اللحظات والإمساك بها ، فإننا سنستطيع عندها التحكم في كل عملية الخلق .
وممارسة الاختيار ممارسة متروية – أي اتخاذ القرارات – لهي النشاط الرئيسي للحياة ، وكلما زادت المناسبات التي يمارس فيها الكائن الحي الاختيار ، زاد علو المرتبة التي يوضع عليها بمقياس الحياة . وابتداء من أبسط الكائنات المعروفة ، وهي دواريات الماء التي يتألف وجودها كله من تمييزها بين ما يمكنها ولا يمكنها أكله ، وانتهاء إلى أكثر الكائنات تعقداً وهو الإنسان ، الذي تفعم كل ساعة من حياته باتخاذ القرارات أو بالحاجة إلى اتخاذ القرارات ، فإنه ما من كائن حي لا ينفق وقته كله في الاختيار . فأن تكون حياً هو أن تتخذ قراراً . والقرارات التي يجب على الإنسان أن يتخذها لهي أكثر رهافة إلى حد بعيد ، ويتطلب تقييمها وعياً بعوامل أكثر إلى حد بعيد ، مما في تلك القرارات التي تتخذها الحيوانات الأبسط .
وفوق ذلك ، فإن قرارات الإنسان تختلف كيفاً عن قرارات الحيوانات الأخرى ، ذلك أن الإنسان لديه القدرة على التأثير بقراراته في العالم من حوله وأن يغير من مظهره ومن طبيعته تغييراً جذرياً بالغاً . ولما كان لقرارات الإنسان هذه الإمكانات الهائلة بما هو خير وشر معاً ، فإن مسئوليته لهي حقاً مسئولية خطيرة . وهذا في الحقيقة هو واحد من أهم أوجه مأزق الإنسان ، وهو أن كل قرارات الإنسان تغير من العالم ، وأنه لا مفر له من أن يصدر القرارات ، وأنه على وعي بما يفعله من خير أو شر ، وبما يخلقه من جمال أو قبح .
ويقال أن الله استدعى الملائكة ذات يوم وعرض عليها مسئولية اتخاذ القرار ؛ ولكن الملائكة بكل حكمة تفادت ذلك ، مفضلة أن تبقى في كمالها غير المتغير في انسجام مع الكون . ثم طلب الله من الجبال أن تقبل المسئولية ، فرفضت هي أيضاً ، قانعة بأن تخضع في سلبية لقوى الطبيعة . على أنه عندما عرض الله على الإنسان هبة المسئولية ، فإن ذلك المخلوق الجاهل تقبلها لأنه لم يتبين ما يستتبعه ذلك . وهكذا فإن الإنسان الآن ، أحب أو كره ذلك ، هو ملجم بالمسئولية التي أرعبت الملائكة والجبال معاً ، وأصبح لديه فرصة لإثبات أنه أعظم من أيهما . وعلى أي ، دعنا لا ننسى أنه بذلك يتقبل أيضاً مخاطر الهزيمة ، وأنه لو هزم سُينظر إليه على أنه من دون الخليقة لهو أكثر الحيوانات ادعاء واستحقاقاً للزراية . إن العالم في أي لحظة إنما هو صفحة بيضاء في انتظار قلمنا ؛ والفراغ الشاغر قد يتم شغله بكاتدرائية أو هو يشغل بكوم من خبث .
وحيث أنهما من رجلين يصدران في الظروف المتماثلة القرارات ذاتها ، فإننا نقول أن شخصيات البشر تختلف . واتخاذ القرار ، أو الاختيار ، هو كلمة أخرى تعني التعبير عن الذات – أو لعل الأفضل أنه التمهيد اللازم لكل التعبيرات عن الذات .
والقرار الواعي لعله مما يتم الوصول إليه إما بالاسترشاد بالتراث أو بالتفكير المنطقي والتحليل العلمي . وكلتا العمليتين ينبغي أن تؤديا إلى نفس النتيجة ، ذلك أن التراث يجسد استنتاجات التجربة العملية لأجيال عديدة على المشكلة نفسها ، بينما التحليل العلمي هو ببساطة الملاحظة المنظمة لظواهر المشكلة .
وأرهف القرارات إنما تُستدعي عندما يقوم الإنسان بصنع شيء ما . والكثير من القرارات الواعية ظاهرياً في حياة المرء اليومية هي ببساطة مما يتم بحكم العادة ، ولكن عندما يقدم المرء على صنع شيء فإن مجال اتخاذ القرار يصبح أوسع مما عند أداء الوظائف الثانوية للعيش . ومن المؤكد أن المرء قد يقوم بصنع شيء بحكم العادة – ولكنه وقتها لن يكون حياً وجميلاً إلا بسبب ما يتبقى من فضل للقرارات التي اتخذها المرء عندما حاول لأول مرة القيام بصنع هذا الشيء ، وأيضاً بفضل القرارات الثانوية التي يتخذها أثناء أداء الحركات المعتادة لإنتاج هذا الشيء . على أن أفضل وسيلة لخلق الجمال ليست بالضرورة بأن تصنع تصميماً غريباً أو أصيلاً . وكم يصدق ذلك حتى على صنع الله ، حيث لا يتوجب أن يغير في تصوير التصميم من أجل أن ينتج التفرد فيما بين البشر ، وإنما هو يمكنه أن يبسط كل درجات مقياس الجمال من كليوباترا حتى كالبيان بمجرد تعديل وضع أو حجم ما في الوجوه من عناصر .
ومن الشائق أن نلاحظ أن العادة قد تحرر الإنسان في الحقيقة من الحاجة لأن يتخذ قرارات كثيرة قليلة الأهمية ، بحيث يمكنه أن يركز على القرارات المهمة حقاً لفنه . والمخ الواحد لا يستطيع أن يتخذ أكثر من عدد محدود من القرارات في وقت بعينه ؛ ولذا فإن من الإنصاف أيضاً أن يحال بعضها إلى اللاوعي . وناسجة السجاد تتعلم أن تعمل بيدها بسرعة وثقة بالعين بحيث لا تعود تفكر في كل حركة منفصلة ولكنها تستطيع أن تركزعلى التصميم وهو ينمو تحت يديها . فهي كالموسيقى الذي يبذل كل انتباهه لعزفه للمقطوعة ويكاد لا يتتبع كل أصبع وهو يصدر إحدى النغمات .
* * *
دور التراث
لعل ما نطلق عليه أنه حديث هو فحسب مالاً
يستحق أن يبقى حتى يصبح قديماً
دانتي البجييري
التراث للمجتمع هو المماثل للعادة عند الفرد ، وهو في الفن له نفس التأثير بأن يحرر الفنان من القرارات غير الضرورية التي تصرف الانتباه بحيث يستطيع أن يعطي كل انتباهه إلى القرارات الحيوية . وما إن يتم اتخاذ قرار فني ، بصرف النظر عن وقت اتخاذه ومن الذي اتخذه ، فإنه لا يمكن أن يُتخذ مرة أخرى على نحو مفيد ؛ والأفضل أنه ينبغي أن يمرر إلى مخزن العادة العام ، فلا يشغلنا لأكثر من ذلك .
والتراث ليس بالضرورة طرز قديم وهو لا يرادف الركود . وفوق ذلك ، فإن التراث مما لا يلزم أن يرجع إلى ما سبق بزمن طويل و إنما قد يكون مما بدأ من وقت جد قصير . فبمجرد أن يجابه أحد العاملين بمشكلة جديدة ويتخذ قراراً بكيفية التغلب عليها ، يكون قد تم اتخاذ الخطوة الأولى في إرساء تراث . وعندما يقرر عامل آخر اتخاذ نفس الحل ، فإن التراث يكون في حركة ، وحين يتبع رجل ثالث الرجلين الأولين ويضيف إسهامه ، يصبح التراث وقد تم إرساؤه إلى حدٍ كبير . وبعض مشاكل يسهل حلها ؛ وقد يقرر رجل في دقائق معدودة ماذا يفعل . وهناك مشاكل أخرى تحتاج وقتاً ، ربما يوماً ، وربما عاماً ، وربما حياة بأسرها ؛ وفي كل حالة قد يكون الحل من صنع رجل واحد .
على أن هناك حلولاً أخرى قد لا يمكن التوصل إليها كاملة قبل مرور أجيال كثيرة ، وها هنا يكون للتراث دور خلاق يقوم به ، ذلك أنه بالتراث وحده ، وباحترام عمل الأجيال الأقدم والبناء عليه ، يمكن لكل جيل جديد أن يصنع بعض تقدم إيجابي نحو حل المشكلة . وعندما يحل التراث مشكلته ويتوقف عن النمو ، يمكننا أن نقول أن الدورة قد اكتملت . إلا أنه في العمارة ، كما في النشاطات البشرية الأخرى وكما في العمليات الطبيعية ، يكون هناك من الدورات ما هي في بدايتها فحسب ، وأخرى قد اكتملت ، وأخرى عند كل أطوار النمو فيما بين الطرفين وكلها توجد معا ًفي نفس الوقت وفي نفس المجتمع . وهناك أيضاً أوجه من التراث تعود إلى بداية المجتمع البشري ، إلا أنها مازالت حية ولعلها ستظل موجودة ما وجد المجتمع البشري ؛ كما في صنع الخبز مثلاً ، وضرب الطوب . ومن الناحية الأخرى ، ثمة أوجه للتراث ، رغم أنها لم تظهر إلا حديثاً وكان ينبغي أن تكون في الطور الأول من دورتها ، إلا أنها في الحقيقة قد ولدت ميتة . فالحداثة لا تعني بالضرورة الحيوية ، والتغير لا يكون دائماً للأفضل . ومن جهة أخرى هناك مواقف تستدعي التجديد . ووجهة نظري هي أن التجديد يجب أن يكون مما قد تم التبصر فيه كاملاً كاستجابة لتغير في الظروف . وليس كأمر يُطلب في حد ذاته . ولا أحد يطلب أن يكون برج المراقبة في المطار مبنياً بأسلوب ما ريفي ، والإنشاء الصناعي من مثل محطة للقوى الذرية قد يفرض على المصمم تقليداً جديداً .
وما أن يتم إرساء وقبول تقليد بعينه ، حتى يكون من واجب الفنان أن يبقى على تواصل هذا التراث . على أن يعطيه من ابتكاره الذاتي وبصيرته العزم الإضافي الذي ينقذه من أن ينتهي الأمر به إلى التوقف ، وذلك حتى يصل إلى نهاية دورته ويستكمل نموه بالكامل . والفنان سيتحرر بالتراث من قرارات كثيرة ، ولكنه سيكون مضطراً لاتخاذ قرارات أخرى بنفس القدر من الإلحاح ليمنع موت التراث بين يديه . والحقيقية أنه كلما زاد نمو تراث ما ، زاد الجهد الذي يجب أن ينفقه الفنان لجعل كل خطوة فيه للأمام .
والتراث للفلاحين هو الضمان الوحيد لحضارتهم ، فهم لا يستطيعون التمييز بين الأساليب غير المألوفة لهم ، وإذا خرجوا عن قضبان التراث فسوف يلقون الهلاك حتماً . إن الخروج عن التراث عمداً في مجتمع هو أساساً مجتمع تقليدي كما في مجتمع الفلاحين ، لهو نوع من الجريمة الحضارية ، ويجب على المهندس المعماري أن يحترم التراث الذي يقتحمه . أما ما يفعله في المدينة فهو أمر آخر ، فالجمهور والبيئة المحيطة هناك يستطيعان العناية بأنفسهما .
* * *

و على المهندس المعماري ألا يفترض أن هذا التراث هو عائق له . وعندما تكون كل قوة الخيال البشري مدعومة بثقل تراث حي ، فإن العمل الفني الناتج يكون أعظم كثيراً مما يستطيع أي فنان إنجازه عندما لا يكون لديه تراث يعمل من خلاله أو عندما ينبذ عامداً تراثه .
وجهد الإنسان الواحد قد ينتج عنه تقدم هائل تماماً ، إذا كان يبني عمله على تراث راسخ . والأمر يكاد يشبه إضافة بلورية ميكروسكوبية واحدة إلى محلول هو من قبل محلول فوق المتشبع ، وهكذا فإن المحلول كله يتحول فجأة إلى بلورات على نحو رائع . على أن الأمر يختلف عن هذه العملية الفيزيائية من حيث أن هذا التبلور الفني ليس مما يحدث مرة واحدة وأخيرة ، ولكنه عملية تفاعل يجب تجديدها أبدأ : (( الكمال من غير اكتمال له فائدته . والانجاز دون إيفاء فيه ما يرغب )) ) لاوتزي ) .
والعمارة مازالت من أكثر الفنون تعلقاً بالتراث ، وعمل المهندس المعماري يقصد به أن يتم استخدامه ، وشكل العمل يتحدد إلى حد كبير بما سبقه ، وهو يقام أمام الجمهور حيث يجب أن يراه أفراده كل يوم . وينبغي أن يحترم المهندس المعماري أعمال سابقيه ويحترم إدراك الجماهير وذلك بألا يستخدم معماره كوسيلة للإعلان الشخصي . والحقيقية أنه ما من معماري يستطيع تجنب استخدام عمل المعماريين السابقين له ؛ وهما كان ما يبذله من جهد جرياً وراء الأصالة ، فإن الجزء الأكبر من عمله يكون إلى حد بعيد منتسباً إلى تراث أو آخر . فلماذا ينبغي إذن أن يزدري تراث بلده هو نفسه أو منطقته . ولماذا ينبغي أن يجر تراثاً أجنبياً في تركيبات مصطنعة وغير مريحة ولماذا ينبغي أن يكون من الوقاحة بالنسبة للمعماريين الأسبق حتى ليشوه أفكارهم ويسيء تطبيقها ؟ و هذا هو ما حدث عندما يؤخذ عنصر معماري تم تطويره عبر سنوات طويلة إلى حجم وشكل ووظيفة كلها متقنة ، ثم يستخدم مقلوباً رأساً على عقب أو مضخماً بما يجعل منه شيئاً لا يدرك بحيث أنه حتى لا يعود بعد يقوم بوظيفته كما ينبغي ، وذلك لمجرد إرضاء شهوة المعماري الأنانية للشهرة .
وكمثل فقد استغرق البشر سنوات كثيرة للوصول إلى الحجم المناسب للنافذة في مختلف أنواع التراث المعماري ، وإذا ارتكب الآن معماري الخطأ الفظيع بأن يضخم من حجم النافذة حتى لتحتل حائطاً بأكمله ، فإنه سيواجه في التو بمشكلة ؛ إن حائطه الزجاجي سيُدخل من الإشعاع عشرة أضعاف ما يدخله الجدار المصمت . والآن فإنه لو أضاف كاسرة شمس brise – Soleil ليظلل النافذة ، وهذه ليست إلا مصراعاً بندقياً Venetian blind مكبراً ، فإن الغرفة ستظل تتلقى إشعاعاً يزيد 300 في المائة عن الإشعاع من جدار مصمت . وفوق ذلك ، فإن المهندس المعماري عندما يزيد عرض شرائح المصراع البنقي من 4 سنتيمترات إلى 40 سنتيمتراً ، حتلى لا يفسد المقياس الملائم للجدار الزجاجي ، فماذا ستكون نتيجة ذلك ؟ بدلاً من أن يسمح المصراع بدخول نور لطيف منتشر كما يفعل المصراع البندقي ، فإنه سيبهر عين أي فرد في الغرفة بنمط من قضبان عريضة مظلمة فوق وهج نور لامع .
وليس هذا فحسب . ولكن المشهد ، الذي كان الهدف الأول من الجدار الزجاجي هو ضمان رؤيته ، سوف يفسد فساداً دائماً بسبب تلك القضبان الكثيرة التي تقطعه ، بل إن كاسرة الشمس لن يكون لها ميزة إمكان طيها بعيداً ، مثلما يحدث مع الصراع العادي والمصراع البندقي . وحتى في المناخ البارد مثل مناخ باريس ، يمكن أن يثبت في النهاية أن الجدار الزجاجي هو تطرف لا يمكن احتماله ، فأثناء صيف 1959 الحار ارتفعت الحرارة داخل مبنى اليونسكو بسبب من ظاهرة (( بيوت الصوبة للنباتات )) الناتجة عن جدرانه الزجاجية ، ورغم جهد آلات التكييف ، فقد بلغ من ارتفاع الحرارة أن أصيب الكثيرون من الموظفين بالإغماء . وإذن فإن من ناقلة القول أن يعلق المرء على إدخال الجدران الزجاجية وكاسرات الشمس في البلاد الاستوائية ؛ ورغم هذا فإنه من الصعب أن يجد المرء مثالاً من المعمار الاستوائي الحديث لم تستخدم فيه هذه الملامح ، وعندما يجوس المهندس المعماري في تيقظ من خلال تراث حضارته ، فإنه يجب ألا يفترض أن فنيته بهذا ستختنق . فالأمر أبعد من ذلك وفنه سيعبر عن نفسه في إسهامات للتراث تتعلق به تعلقاً وثيقاً ، وسيسهم فنه في تقدم حضارة مجتمعه .
وعندما يوهب المعماري تراثاً واضحاً ليعمل فيه ، كما في قرية قد بنيت بواسطة الفلاحين ، فإنه لا يحق له أن يحطم هذا التراث بنزواته الخاصة به . وما يمكن تقبله في مدينة كوزموبوليتاتيه مثل باريس أو لندن أو القاهرة هو مما يؤدي بالقرية إلى حتفها .
وعقل أي إنسان هو من التركب بحيث أن قراراته تكون دائماً قرارات فريدة . وتفاعله مع الأشياء من حوله هو أمر خاص به وحده . و إذا كنت في تعاملاتك مع البشر تعتبرهم مجرد جمهور وتلجأ للتجريد ، وتستغل الملامح المشتركة بينهم ، فإنك ستدمر من الملامح المتفردة لكل منهم . إن المعلن الذي يلعب على مظاهر الضعف المشتركة عند البشر ، والصانع الذي يرضي الشهوات المشتركة ، والمدرس الذي يعلّم بردود الفعل المشتركة ، لكل منهم يعمل بطريقته على قتل الروح . ذلك أن كلاً منهم إذا يعطي للملامح المشتركة أكثر مما تستحقه ، يخنق الملامح الفردية بالزحام . صحيح أن الفرد هم مما يجب إلى حدٍٍ ما أن يضحي به للجماهير ، وإلا فإنه لن يكون ثمة مجتمع ، ويموت الإنسان من العزلة ، إلا أنه ينبغي أن يسأل كل الناس أنفسهم ، كيف يمكن إلى التوازن في الشخصية الإنسانية ما بين العوامل المشتركة و الفردية . وقد سادت سيادة عنيفة ، هي غالباً سيادة بلا تحد ، تلك العوامل التي تروج التماثل فمحت من الحياة الحديثة تراث الفردية .
فهناك وسائل الاتصالات بالجملة ، والإنتاج بالجملة ، والتعليم بالجملة ، وكلها علامات على مجتمعاتنا الحديثة ، التي سواء كانت شيوعية أو رأسمالية ، فإنها لا تتمايز من هذه النواحي .
والعامل الذي يتحكم في آلة في مصنع لا يضع شيئاً من ذاته في الأشياء التي تصنع الآلة . والمنتجات التي تصنعها الآلة منتجات متماثلة ، غير شخصية ، وبغير مردود سواء بالنسبة لمستخدمها أو لمن يشغل الآلة . أما المنتجات المصنوعة باليد فإنها تستهوينا لأنها تعبر عن مزاج الحرفي . وكل وجه من عدم انتظام أو شذوذ أو اختلاف هو نتيجة لقرار يُتخذ لحظة الإنتاج ، وتغيير التصميم عندما يصيب الحرفي الزهق من تكرار نفس الفكرة ، أو التغيير اللون إذ ينقص ما لديه من أحد الألوان أو الخيوط ، فيه ما يشهد على التفاعل الحي المتواصل بين الإنسان ومواده . والشخص الذي يستخدم الشيء الذي صُنع هكذا سوف يفهم شخصية الحرفي من خلال أوجه تردده هذه هي ونزواته ، وسيكون هذا الشيء بسبب ذلك جزءاً من بيئته المحيطة له قيمة أكبر .
* * *

إنقاذ الفردية في القرية
فيما مضى ، عندما كان أحد الرجال يريد بناء بيت ، فإنه كان يندفع إلى عملية من أعقد وأطول عمليات اتخاذ القرار في حياته . وابتداء ً من أول مناقشة عائلية للفكرة حتى اليوم الذي يغادر فيه آخر العمال البيت وقد تم بناؤه ،فإن صاحب البيت يظل يعمل مع البنائين – ولعله لا يعمل بيديه . ولكنه يقترح ، ويصر ، ويرفض – مثابراً على إجراء مشاورات متصلة معهم وجاعلاً نفسه المسئول عن الشكل النهائي للبيت . والحق أن اهتمام المالك المستمر هذا ببيته سوف يظل مستمراً إلى ما لانهايه ، فهناك عقيدة خرافية مؤداها أنه ما إن ينتهي العمل في أحد البيوت تماماً حتى يموت صاحبه ، وهكذا فإن صاحب البيت الحصيف يواصل دائماً تغيير انشاءاته والإضافة إليها ليؤجل إرساء الطوبة الأخيرة القاتلة .
والرجال العاملون في بناء البيت كلهم حرفيون . يعرفون ما يمكنهم عمله ويعرفون ما هي حدودهم هم . وربما كانوا من نفس الجيرة مثل المالك ، ويعرفونه جيداً ، بحيث أنه لا يوجد صعوبة في شرح ما يريده ، كما أن مقاول البناء سيفهم جيداً جداً قدر ما يمكن للمالك أن يطيق إنفاقه ، و ما لذي يمكنه الحصول عليه مقابل نقوده . و إذ يتقدم العمل ، فإن المالك يختار التجهيزات المختلفة ؛ فهو يتحدث مع النجار عن المشربيات والأبواب ، والأصونة ، ولو كان فقيراً فسوف يتحدث مع نحات الحجر عن الخوانات و الزخارف التي من حول الباب ، ولو كان غنياً فسيتحدث مع نحات المرمر عما سيصنعه بالفسيفساء من خوانات ، ونوافير ، وتكسيات ، وأرضيات ، ويتحدث مع الجصاص عن النوافذ الزجاجية المعشقة الملونة. وهو صاحب خبرة بهذه الأشياء ، فمن المستحيل خداعه ، وهو يعرف ما يريد ويستوثق من الحصول عليه .
وكل حرفي يعرض للمالك ما هو ممكن عملياً ويختار المالك ما بين تنوعات رهيفة معروضة في تصميمات ثلاثية الأبعاد لا يمكن قط تمثيلها على مسقط معماري .
والإنسان الوحيد الذي ليس له وجود في مشروع البناء هذا هو المهندس المعماري . فالمالك كان يتعامل مباشرةً مع الرجال الذين يقومون بالعمل ، وكان في وسعه أن يرى ما الذي يحصل عليه . ومن ناحيتهم ، فإن هؤلاء الحرفيين كانوا أحراراً في تنويعات تصميماتهم في حدود التراث بشرط موافقة المالك . ولو أن مهندساً معمارياً تدخل بين المالك والحرفيين ، لكان قد أنتج رسومات مساقط لا يفهمها أي منهم . وحيث إنه لا يستطيع فراراً من لوحة رسمه ، فسوف يظل يجهل تماماً أن التنوعات الممكنة في تفصيل أحد التصميمات فيها كل الفارق بين البيت الجيد والبيت السيئ .
وقد تحدثت ذات مرة إلى المعلم محمد اسماعيل ، وهو أحد الحرفيين الذين يصنعون النوافذ من الزجاج الملون المعشق في الجص ، وكان هذا فيما مضى أحد أوجه الزينة الشائعة في بيوت المدينة ، إلا أنني عندما سألت محمد اسماعيل كم عدد الحرفيين غيره هو نفسه الذين يمارسون هذه الحرفة ، لم يتمكن من أن يتذكر سوى رجل واحد هو المعلم لطفي . وسألت اسماعيل عما إذا كان يعلّم هذه الحرفة لأولاده . فقال : (( إن ابني الأكبر ميكانيكي وقد أرسلت الأصغر إلى المدرسة . ))
(( و إذن لن يبقى أحد بعد جيلك يواصل التراث ؟ ))
(( وماذا تريدني أن أفعل ؟ أتعرف أننا كثيراً ما لا يكون لدينا ما نأكله .. لا أحد يطلب اليوم عملي . لم يعد هناك مكان لنافذة من الزجاج الملون في معماركم الجديد هذا . فكر بالأمر ، ففيما مضى كان حتى السقا معتاداً على تزيين بيته ، فكان يشغلني . أما الآن ، فكم عدد المهندسين المعماريين الذين يعرفون حتى بوجودنا ؟ ))
وقلت له : (( و لو أحضرت لك عشرة صبيان ، هل تعلمهم الصنعة ؟ ))
وهز اسماعيل رأسه ، أنا لم أتعلم في مدرسة .
إذا كنت تريد إحياء الصنعة أعطنا عملاً . فإذا كان لدينا عمل ، فإنك سوف ترى هنا ، ليس فحسب عشرة تلاميذ ، وإنما عشرين صبياً للصنعة .. )) ) واستطعت أن أعهد إليه بمهمة ، ولفت عمله انتباه مهندسين معماريين آخرين بحيث تم جر ابنه الأكبر الميكانيكي مرة أخرى إلى الصنعة ، وهو الآن فاق أباه مهارة . )
* * *
__________________________________________

* ذات مرة كان على كبير المهندسين المعماريين في وزارة الأشغال ، وهو المسئول عن بناء المساجد وصيانتها أن يعد بعض رسومات مشروع تتضمن تاج عمود له سدائل مقرنصات من النمط العربي المعتاد . وثبت أنه من الصعوبة بمكان رسم التاج منتصباً بتلك السدائل الحجرية المعقدة . وظل المهندس المعماري يناطح هذه المشكلة عدة أيام ، وهوفي أسوأ مزاج ، ثم أتى أحد الجصاصين إلى المكتب وتطلع إلى الرسم . وسأل المهندس المعماري عما يفعله ، وإذَ أخبره بالأمر فإنه قال : (( ولكن هذا أمر بسيط جداً . سأصنع لك أحد هذه التيجان بالجص وأحضره لك صباح غد )) وقد فعل ، وكان النموذج غاية في الإتقان بحيث تمكن المهندس المعماري من رسم مساقطه من النموذج ثم أعادها بكل وقار إلى نفس الجصاص ليصنع منها التيجان . والحقيقية أن ملامح كثيرة من الجمال المعماري العظيم لا يمكن تمثيلها بمساقط هندسية على رسم المشروع مثلما لا يمكن ذلك مع قطعة نحت عظيمة .






و إذا كان التقدم الحديث في التكنولوجيا قد منحنا مواد ومناهج جديدة للبناء فإنه قد استوجب أيضاً إقحام المهندس المعماري المحترف ، وهو متخصص يتم تلقينه علم العمل بهذه المواد . وهذا المهندس المعماري بخبرته هذه يضيع كل بهجة بناء البيت على عميله ، الذي لا يستطيع أن يلاحق تلك التكنيكات التي تتقدم سريعاً . والآن فبدلاً من المناقشات المتأنية العارفة مع الحرفيين أثناء بناء البيت ، لم يعد للمالك فرصة ممارسة اختياره إلا بعلامات على رسم للمشروع في مكتب المهندس المعماري . وهو لا يفهم لغة الرسم المعماري و لا رطانة المهندس المعماري ، وهكذا فإن المهندس المعماري يزدريه متكبراً عليه ( 2 ) ، أو هو يمكر به ليتقبل ما يريده المهندس المعماري و ذلك بأن يضيف أشجاراً وسيارات خداعة .
والمهندس المعماري يحس أن ماله من معرفة تقنية – قدرته على الحديث عن الاجهادات وعزم الانحناء – يصنعه في مرتبة أعلى من عميله ، والعميل وقد هُوّل عليه الأمر يذعن مستسلماً . و من السخرية بمكان ، أنه مع كل هذا فإن القليلين من المهندسين المعماريين هم الذين يستطيعون تناول الأشكال الجديدة تناولاً فنياً ، وهكذا تحل الهندسة المبسطة مكان المعمار ، ليتزايد تشويه المدينة و الريف .
هكذا إذن ، فإن الرجل الغني الذي يطيق تحمل أتعاب المهندس المعماري يصبح محروماً من الكثير من سلطته السابقة لاتخاذ القرار لنفسه . أما الرجل الفقير ، فلعلك تفترض أنه أكثر حظاً ولعله أحياناً يكون هكذا ، وذلك لو ترك لشأنه ، أما عندما تقرر الحكومة أن تبني له ، فإن حاله يصبح أسوأ كثيراً من حال أي رجل غني يستبد به المهندس المعماري . ذلك أن مهندسي الحكومة المعماريين ، حتى عندما لا يصرفون الفقراء بعيداً على أنهم أجهل من أن يستشاروا ، فإنهم سيقولون أنهم لا وقت لديهم للتعامل مع كل عائلة على حدة (( لدينا مليون بيت نبنيها ، ولدينا مال قليل ووقت قليل . كن واقعياً من فضلك . كيف نستطيع بأي حال أن نرسل مهندسينا المعماريين ليناقشوا مليون عائلة ؟ هذه مثالية مبالغ فيها ، إن الإسكان سياسة محكمة – وقد أحسنا عملنا تماماً – لقد بوبنا عائلاتنا حسب الحجم ،والتركيب ، والدخل ، والتغير المتوقع .
و اكتشفنا من التحليل الإحصائي أن هناك أنواعاً خمسة من العائلات ، وقد صممنا المنزل المثالي لكل منها . وسوف نبني الآن 200.000 بيت من كل نوع . ماذا يمكن أن نفعل أكثر من ذلك ؟ )) هكذا يقدم معماريو الحكومة حججهم التي لا تقبل الجدل ويبنون منازلهم المليون المتماثلة ، والنتيجة هي شيء شنيع لا إنساني ، مليون عائلة تكدس في تلك الزنازين ذات التجهيز السيئ من غير أن يتمكن أفرادها من أن ينطقوا و لا بكلمة عن التصميم ، ومهما كان قدر ما يطبق من علم لتصنيف العائلات وجعل المساكن ملائمة لها. فمن المحتم أن الغالبية ستكون ساخطة .
إن هؤلاء المهندسين المعماريين إذ يطبقون المتوسطات الإحصائية على الإسكان يتجاهلون تحذيراً أولياً يوجه لكل هواة استخدام الإحصاءات. فعلماء الإحصاء أنفسهم يخبروننا أنه رغم أن خواص السكان ككل ثابتة ، إلا أن أفراد هؤلاء السكان يتباينون بما لا يمكن التنبؤ به .
فالمتوسطات الإحصائية قد تكون لها قيمة عظيمة عند شركة للتأمين على الحياة وهي تقدر متوسط الأعمار بين المؤمنين لديها ، ولكن حتى شركة التأمين ، ودع عنك عالم الإحصاء ، لا تستطيع أن تخبرنا متى سيموت فرد بعينه . وبالنسبة لمصلحة حكومية ينقصها المهندسون المعماريون ، فإن إنتاج التصميمات بالجملة لعائلات مختلفة على أساس المتوسطات الإحصائية ، مثله مثل شركة تأمين ينقصها المحاسبون ، وهي تقرر لكل مؤمّن لديها قدر ما خصص له من عمر ثم ترسل له وكيلها ومعه مسدسه لتدبير أمر العميل حتى تظل دفاترها منتظمة .
والمهندس المعماري الذي يأخذ على عاتقه هذه المذبحة بالجملة للفردية سوف يحس بالنقمة لو طلب منه تصميم مائة بيت مختلف لمائة عميل خاص في شهر واحد . ليس بالنقمة فحسب بل والمرض ، فهو سينهار بعد عشرين تصميماً . أما عندما يصمم مليون بيت للفقراء فأنه بأبعد من أن ينهار سيكون على استعداد لتصميم مليون بيت آخر في الشهر التالي . فهو يصمم بيتاً واحداً ويضيف إليه ستة أصفار. وهو إذ يفعل هذا إنما يضاعف بعملية ضرب ما لا يمكن أن يتم تضاعفه هكذا على النحو صحيح . وعندما يبني أحد البيوت ، فإن صنوفاً شتى من العمل تسهم في البناء .. ويمكن تصنيف عمليات الشغل كالتالي : 1- عمل خلاق ( التصميم ) 2- عمل تقني
( الحسابات الهندسية ) ، 3- عمل إداري وتنظيمي ( حسابات مالية وتجنيد العمال ، الخ ) ، 4- عمل ماهر
__________________________________________________________________

( 2 ) قال دي لاو وهو يسأل ليكوربوزييه : عندما يكون عليك أن تبني مسكناً فما هي هواجسك عندها حسب ترتيب أهميتها ؟
وأجابه : أول كل شيء من الذي يقصد أن يكون البناء له؟ أهو العميل الخاص ، أو الإنسان بوجه عام ؟ أما العميل الخاص فهو عموماً فاقد الاتزان ، وغبي ، وله أوجه جنونه التي اكتسبها في سياق الحياة . وهذا لايهمني أمره كثيراً . ( الأسرة والمسكن ) ، لبول شومبارت دي لاو – المركز القومي للبحث العلمي – ص 197 ) .
وحتى ندرك إسهام المواطن العادي في حضارة مدينة اليوم ، يمكننا لذلك أن نقارن أوجه المفارقة بين نظرة ليكوربوزييه إلى عميله و علاقة أصحاب العمل فيما مضى مع الحرفيين .. و دعنا نتذكر أن (( صاحب العمل )) قد يكون شخصاً متواضعاً مثل سقا محمد اسماعيل . ومسئولية انحدار وضع صاحب العمل هكذا حتى أصبح في وضع العميل إنما تقع بصورة قاطعة على المهندس المعماري ، الذي انحدر حاله هو نفسه من فنان إلى مهني .

( البناءون ، النجارون ، السباكون ، الخ ) 5- عمل نصف ماهر ( رمي الخرسانة ، الخ ) 6- عمل غير ماهر
وكل صنف من صنوف العمل هذه يكّون نسبة معينة من المجموع الكلي للعمل ، وما بينها من تناسب ينبغي أن يكون ثابتاً إلى حد ما ، وإذا غاب أي صنف منها ، فإن البناء النهائي سيتأثر على نحو أو آخر ويصبح دور المعمار في التنمية الحضارية للبلد منقوصاً .
فلو غابت العمالة غير الماهرة ، فمن الواضح أن البناء لن يبنى ! ولهذا السبب فإن المرء لا يستطيع أن يقتصد على حساب العمالة غير الماهرة . ولكن المرء يستطيع أن يوفر على حساب بعض الأنواع الأخرى للعمالة . والإقلال من العمالة الماهرة في العمل سيؤدي إلى الإضرار بنوعية الشغل . والإقلال من العمل الإداري سيؤدي بمشروع بيتك إلى الفوضى . وحيث أن السلطات التي تبني للفقراء تصمم على التوفير في شيء ما ، فإنها هكذا تلجأ عادة إلى التوفير في العمل الخلاق والعمل التقني . ولربما أمكن أن يتم عمل شغل الهندسي مرة واحدة ثم يُضرب مضاعفاً ، أما العمل الخلاق فهو مما لا يمكن التقتير فيه . ومن العسير أن يفهم المرء لماذا ينبغي أن
تكون السلطات ضنينة هكذا في تقديم خدمة مهنية جيدة للعائلات المنفردة ، ولماذا يذعن المهندسون المعماريون لما تمليه السلطات . والحقيقة التي يجب أن تقال ، هي أن الخطأ ليس خطأ السلطات بقدر ماهو خطأ التقنيين . فبالنسبة للطب ما من أحد يتوقع من الطبيب عندما يعامل الفقراء أن يحاول إجراء عمليات بالجملة . ما السبب إذن في أن علة عارضة مثل زائدة دودية ملتهبة تشرف بأن يتم تناولها بعناية تناولاً فردياً ، بينما تلقى حاجة ضرورية دائمة كبيت عائلة عناية أقل ؟ لو أنك بترت الزوائد الدودية بالألوف مستخدماً ألة ما ، فإن مرضاك سيموتون ، ولو دفعت بالعائلات إلى صفوف من بيوت متماثلة ، فإن شيئاً ما سيموت في هذه العائلات ، خاصة إذا كانت عائلات فقيرة . سوف يصبح الناس متبلدين بلا روح مثل بيوتهم ويذوي منهم الخيال .
والحقيقة أن مهندس الحكومة المعماري ، أو الحكومة نفسها ، قد يكون لهما العذر في التساؤل هنا عما إذا كنت أقترح أن تُترك العائلات المليون في عناءها المروع وكأنه ليس هناك من بديل للتصميم بالجملة . ويقينا فإنه لسؤال بليغ ، على أن الحكومة ستعقبه بأن نتساءل بابتسامة منتصرة ، كيف يمكن إسكان مليون عائلة بالقدر القليل من النقود المتاح لها . فليس هناك من يعمل مجاناً حباً في العمل و لا حتى المهندسون المعماريون ، والبناءون من كل الأنواع يطلبون أجرهم أسبوعياً . والمواد تكلف الكثير ، وكذا الآلات . وحسب قولهم فإنه يجب تخفيض التكاليف بجعل برامجنا برامج معقولة ، وبالفعل على تبسيط العملية كلها ، وعلى التوفير بالأسلوب الذي يدلنا عليه الإنتاج الصناعي بالجملة . بأي وسيلة أخرى سيمكننا إسكان الملايين إلا بجعل البيوت بنمط موحد ؟ على انه لا يبدو أن أحداً من هؤلاء الحواريين للإنتاج بالجملة ولاستخدام المواد السابقة التجهيز يدرك مجرد الإدراك مدى فقر الفلاح المصري . وليس من مصنع على وجه الأرض يمكنه أن ينتج بيوتاً يطيق هؤلاء القرويون تكلفتها . إن متوسط دخل الفلاح المصري هو أربعة جنيهات سنوياً . وقد تبين من مسح لأربع عشرة قرية مصرية نموذجية في مصر العليا والسفلى أن 27 في المائة من العدد الكلي لغرفها ليس له أسقف . والشكل المعتاد الآن للتسقيف هو استخدام أعواد البوص التي ترص فوق عمود خفيف أو عمودين من الخشب . وكثيراً ما يكون الفلاحون أفقر من أن يطيقوا تكلفة عيدان البوص ( عشرة قروش لحمل جمل ) ثم يتوقع لهم أتباع التجهيز المسبق ، أنهم سيشترون خرسانة مسلحة ! كيف لهؤلاء الناس الذين يبلغ فقرهم أنهم لا يطيقون حتى شراء خبزتهم خبزة مسبقاً ، وإنما عليهم أن يخبروا عيشهم بأنفسهم ليوفروا ربح الخباز ، كيف لهم أن يستطيعوا حتى أن يحملوا بيت مصنوع في المصنع ؟ إن الحديث عن التجهيز المسبق لأناس يعيشون في مثل هذا الفقر لهو أسوأ من الغباء ، إنه سخرية قاسية من حالهم .
حسن إننا لا نستطيع إسكانهم بوسيلة رخيصة حتى عندما ننمط البيوت بالفعل ، ولا نستطيع إسكانهم بما فيه أضال مظهر للكرامة الإنسانية إلا إذا ألغينا التنميط ، الأمر الذي سيقال أنه مكلف . ومن أسف أن سلطات الحكومة تفكر في الناس على أنهم (( بالملايين )) . وعندما تنظر للناس (( كملايين )) تُجرف في صناديق شتى ، مثلهم كمثل أكوام الحصى ، وعندما تنظر إليهم على أنهم أشياء متماثلة ، جامدة غير محتجة ، ودائماً سلبيون ، ودائماً يحتاجون لأن تصنع لهم الأشياء ، فإنك بذلك تضيع أعظم فرصة تسنح لك لتوفير المال .
ذلك أن من الطبيعي أن الإنسان له عقله الذي يخصه ، وله زوج من الأيدي يقومان بصنع ما يقوله لهما عقله . والإنسان مخلوق نشط ، مصدر للفعل والمبادرة وليس عليك أن تبني له بيتاً مثلما ليس عليك أن تبني لطيور الجو أعشاشها . ولو أعطيت الإنسان نصف فرصة فإنه سيحل الجزء الذي يخصه من مشكلة الإسكان – دون عون من المهندسين المعماريين ، والمقاولين ، والمخططين – وسجله بأفضل إلى حد كبير مما تستطيعه أي سلطة حكومية وبدلاً من مهندس معماري واحد يجلس إلى مكتبه طول الليل ليكتشف كم بيتاً من كل حجم يلاءم أحسن الملائمة الجموع التي يجب إسكانها فيه ، فإن كل عائلة ستبني بيتها الخاص بها حسب متطلباتها الخاصة بها ، وستصنعه حتماً في شكل عمل فني حي . وهكذا . فإن تشوق كل فرد تشوقه الخاص إلى بيت ، ولهفته لأن يبني بيتاً بنفسه ، فيهما البديل لخطط كوارث الإسكان بالجملة التي تقوم بها حكومات كثيرة .
وماذا عن المهندس المعماري ؟ إنه إذا لم يكن لديه وقت ينفقه للمشورة الشخصية ، وإذا لم يُعط له المال الكافي بما يجعل المهمة جديرة باهتمامه ، فإن هذه المهمة إذن ليست له .
فلندعه يذهب ليدور بخبرته على من سيدفعون من أجلها ، ولندع الفقراء ليصمموا بيوتهم هم . أما البديل الآخر ، تصميم منزل واحد وضربه مضاعفاً إلى الألف ، مثلما يفعل مهندس الطرق عندما يصمم جزءاً من الطريق ويكرّه كراً لأي عدد من الأميال ، فإن اتخاذ المهندس المعماري لهذا البديل هو خيانة لمهنته ، وتضحية بالطبيعة الفنية للبيت مقابل النقود ، ونبذ لكرامته هو نفسه .
وسيبقى للحكومة دور كبير جداً تقوم به في عملية أحياء البناء التي تبزغ من العائلة الفردية . فسوف يكون عليها أن تخلق الظروف التي تكفل ازدهار هذا الإحياء ، ومن الواضح أن هذه الظروف غير موجودة الآن ، وإلا لما كان ثمة مشكلة . فعلى الحكومة أن تزيل العقبات المختلفة أمام البناء الخاص ، وعليها أن توفر قدراً هائلاً من الإرشاد إلى الأفراد الذين ليس لديهم أي خبرة على الإطلاق ( التخطيط العام للقرية أو المدينة هو المجال الصحيح للسلطة ، كما أن هذا المجال يكون أيضاً في توفير الخدمات ، وتدريب الأفراد على حرفة البناء ، وإعطاء العون المادي في الأمور الملائمة ) . وما يجب أن توفره السلطة من تدريب خاص سيمتد بالضرورة إلى المهندسين المعماريين في مصر ليتم تدريبهم على مشاكل المعمار الريفي .
وهذا كله يدخل في نطاق موارد أي حكومة . ولو أن الحكومة غيرت فحسب موقفها من الإسكان ، ولو أنها تذكرت أن البيت هو الرمز المرئي لهوية الأسرة ، وأنه اهم ملكية مادية يمكن للإنسان أن يحوزها ، وأنه الشاهد الدائم على وجوده ، و أن غيابه هو أحد أقوى الأسباب لسخط المواطنين ، وبالعكس فإن امتلاكه هو أحد أقوى الضمانات للاستقرار الاجتماعي ، ولو أن الحكومة تذكرت ذلك فإنها ستتبين أن أي إنسان إنما سيبذل أقصى ما يستطيع من فكر ، وعناية . ووقت وجهد في صنع بيته الذي سيعيش فيه . وسوف تتبين أن من أعظم الخدمات التي يمكن أن تقدمها حكومة لشعبها ، ان تعطي كل أسرة الفرصة لبناء بيتها الخاص المنفرد ، والفرصة لأن تقرر في كل مرحلة كيف يكون ، وأن تحس بأن البناء عندما يكتمل هو تعبير حقيقي عن شخصية الأسرة .
و إذا كان هناك أي فرد يشك في أن من العملي أن يترك الناس ليبنوا بيوتهم الخاصة بهم . فما عليه إلا أن يذهب للنوبة . و هناك سوف يرى البرهان القائم على أن الفلاحين من غير أي تعليم ، عندما تكون لديهم المهارات اللازمة ، يستطيعون العمل بأفضل كثيراً مما قد قامت به أي خطة حكومية للإسكان . بل إن نفس البرهان على الخيال ، والإبداع ، والحماس يمكن رؤيته في الكثير من مدن الأكواخ حيث يبني الناس الذين بلا مأوى بنايات بهيجة من صناديق التعبئة ، وصفائح الجاز وغير ذلك من النفاية . وطبيعي أن هذه المناطق ليس فيها صرف صحي ، ولا شوارع مرصوفة و البيوت نفسها غير محكمة ، وذات ضجيج ، ومزدحمة ، وعرضة لأن تمسك بها النيران . إلا أن لهذه المباني مظهراً طيباً بالفعل ، وسبب ذلك أن الناس بما هم عليه من تفنن لا يُكبت يجعلون كل بيت يختلف عن الآخر ، ويتمسكون بوسيلة التجميل الوحيدة الممكنة – الألوان الزاهية والزهور – كما أن السبب أيضاً أن المواد المستخدمة تفرض تجانساً عاماً على هذه المواقع . وقد بنى اللاجئون الفلسطينيون في الأردن لأنفسهم مدينة من هذا النوع ، وفي أثينا بنى اللاجئون أيضاً مناطق كثيرة هي اليوم تشكل النوع الوحيد من المعمار المنزلي الذي له مظهر حسن في المدينة ، بينما حدث في بيرو ما يشكل درساً لكل المخططين في كل مكان . ففي عام 1959 ، قرر مائة ألف فرد يعيشون في الأحياء الفقيرة في ليما أن يبنوا لأنفسهم ضاحية كاملة جديدة على أرض خلاء تبعد بعض الشيء عن المدينة . ولما كانوا يعرفون أن السلطات لن تتعاطف معهم . فإن هؤلاء الناس خططوا للعملية كلها سراً ، و كأنها مناورة عسكرية ، فقسموا أنفسهم إلى أربع مجموعات ، كل منها لها قائدها الخاص وكل لها منطقة في الضاحية الجديدة ، ورسموا الخطط ، مخططين الضاحية بالطرق والميادين والمدارس والكنائس ، وفي ليلة 25 ديسمبر ، اتخذوا مسيرتهم ، حاملين مواد البناء معهم . ووصلوا إلى هدفهم ، وفيما بين العاشرة مساءً ومنتصف الليل كانوا قد أقاموا ألف بيت مؤقت اتخذت مواقعها حسب خطتهم ، وكان لكل حي كنيسته . وعند منتصف الليل كانت السلطات قد لاحظت ما يحدث . ودُفع بالشرطة لإيقاف هذا الاحتلال . ورغم هذا ، فقد بقي هناك خمسة آلاف فرد ( من المائة ألف المخطط لهم ) ومازالوا يعيشون هناك في كيوديد دي دوا ، على بعد عشرة أميال من ليما . والمغزى لا يكاد يحتاج لإيضاح ؛ إذا كان خمسة آلاف فرد يستطيعون إسكان أنفسهم في ليلة واحدة ، في ضاحية أُحسن إرساؤها بتخطيطهم هم أنفسهم ورغماً عن المعارضة الرسمية ، فما الذي لا يقدرون عليه لو نالوا تشجيعاً رسمياً ؟
يالما تبينه هذه القصة من جوع للإسكان ، ومن العزيمة على العمل والبناء ومساعدة كل واحد للآخر !
على أنه يمكن أيضاً أن يضاف تحذير هنا . فيجب ألا يفترض أن كل الفلاحين ينتجون بالطبيعة مباني لطيفة بمجرد إعطائهم مواد البناء وتوضيح طريقته لهم . ومعظم الفقراء يحسدون الأغنياء ويحاولون تقليد ممتلكات الأغنياء . وبالتالي ، فعندما يحصل أحد الفلاحين على نقود كافية لبناء بيت ، فإنه غالباً ما يبني نسخة – أكثر ابتذالاً وسوءاً من كل وجه – من بيوت الأغنياء المحليين ، التي قد نسخت بدورها عن فيلات أوروبا .
وهكذا فالفلاح الذي يُسمح له بإطلاق العنان لذوقه هو ، سينتهي به الأمر إلى نسخة فجة عن نسخة أخرى . بل إن الأصل البعيد قد يكون بيتاً أقامه أحد العملاء الخاصين الأوروبيين من الأغبياء فاقدي الاتزان الذين يرفضهم مسيو ليكو بوزييه ، فالمصريون ليسوا مطلقاً هم الشعب الوحيد الذي يعادل الحداثة بالتفوق . على أنه يوجد في


مصر بالفعل قدرة كامنة لخلق التصميمات الجميلة . ومنذ بضع سنوات قام السيد حبيب جورجي والسيد رمسيس ويصا واصف بتعليم مجموعة من أطفال القرية طريقة نسج السجاد* ، وتركهم ليضعوا تصميماتهم الخاصة بهم فأنتجوا أعمالاً بلغ من جمالها أنها مما يمكن مقارنته بأجمل السجاد القبطي . وعندما عُرضت في أوروبا شدت إعجاب كل فنان وناقد رآها .
* * *
إحياء حرف التراث في القرية
كان من المعتاد أن يوجد في الأقصر والقرى التي من حولها نوع جد شائق من النجارة . وذلك أنه لما كان الخشب نادراً ومن النوع السيئ ، فإن النجار حتى يصنع باباً فإنه يشكله من ألواح صغيرة كثيرة تسمر معاً في نمط أصيل بهيج . ومازال عدد قليل من هذه الأبواب موجوداً ، خاصة في قرية نقادة ، ولكن أصحابها مشغولون بهدم ليضعوا مكانها أبواباً من النوع الأوروبي المعتاد ذي الألواح الأربعة ، الذي يسمى على نحو يثير العجب ملكاني ( أمريكاني )
وعندما وصلنا إلى إقامة الأبواب لبيوتنا في القرنة ، رفض نجاري إبراهيم عجلان في ازدراء أن يصنع أبواب (( الصبرات )) التراثية ، وعندما ضغطت عليه قال أنه نجار بمثل ما ينبغي للنجار ، وقد تدرب في المدينة ، ولا يعرف الأساليب الخرقاء للنجارة في القرية . وتصادف أن كان عندنا نجار قروي قد آتى لصنع ذراع طاحون ، فسألت هذا الرجل – الذي كان يعمل بقدوم لا غير – إن كان يستطيع صنع أبواب الصبرات و أجاب (( بالطبع )) وعندها احتضنته أمام إبراهيم عجلان ، ودعوته بأنه فنان حقيقي، إنسان استطيع أن أفهمه ، مصري حقاً ، وابتسمت له وربت على ظهره . وفي نفس الوقت تجهمت عابساً لعجلان ودعوته بأنه إنسان بلا إحساس ، وبلا فن ، فهو مقلد ، و مزيف ، وليس مصرياً ، وإنما هو ملكاني ، وليس صنايعياً ، وإنما هو مجرد قاطع أخشاب أخرق لا يستحق ما عنده من عدد ، حتى وصلت به إلى أن يصبح في حال مرهف من المهانة والغضب . فقلت له (( حسن جداً ، إذا كنت تريد أن تثبت أنك حقاً أفضل من نجار القرية هذا فلديك تسعة أبواب هناك يجب صنعها للدكاكين اذهب واصنعها ، واجعل كل واحداً منها مختلفاً . هيا بعيداً ، ولا تعد ثانية إلا إذا أثبت لي أنك يمكنك صنع أبواب الصبرات بأفضل من هذا الرجل )) . وقد فعل . فما إن أجبر على العودة إلى التراث الوطني حتى أصبح هو أيضاً متحمساً له ، وقبل أن يمضي زمن طويل أصبح ينتج أكثر الأنماط جمالاً و إبداعاً ، و كان أفضلها باب المسجد الضخم .
و عالجت البنائين أيضاً بنفس الطريقة ، طالباً منهم أن يملؤا نوافذ بناء السوق بشتى أنواع حليات المخرمات ، و كانت النتيجة هي الحصول على مسطح جداً شائق إلى حد أكبر كثيراً مما كان يمكن الحصول عليه من الأنماط المتماثلة .
وهكذا نرى أن حرف التراث يمكن إعادة إحيائها سريعاً – والأمر يحتاج إلى إعادة رد اعتبارها أكثر ما يحتاج لإعادة تعليمها . ويجب على الفنان – وهو في حالتنا المهندس المعماري – أن يستخدم سلطته ليقاوم فتنة الملكاني ويجب عليه أن يعثر على الحرف المخبوءة التي تموت ويأتي بها للنور ، ويحييها ، ويعيد للحرفي مرة ثانية ثقته التي فقدها ، ويشجع على نشر الحرفة بزيادة ما يعهد به من مهام جديدة منها .
ومن بؤس الحال ، أنه ما من شيء يكاد يُنجز في هذا الاتجاه . ومعظم المهندسين المعماريين ، بما فيهم من يتشدقون لا غير بالكلام عن سحر التراث ، يقولون أن الصنعة التي من هذا النوع قد راح زمانها ولا تستطيع بقاء في الظروف الحديثة – حتى وهم يرونها حية باقية تحت أعينهم – ومن النغمات السائدة أن يدور الحديث عن الحرف و كأن الأمر بديهي فيقال (( آه – نعم ، ولكننا بالطبع لا يمكننا الارتداد إلى ذلك ، )) أو أن يدور الحديث عن أن أساليب الإنتاج هذه لا يمكن إحياؤها في اقتصاد متشابك تماماً هكذا ، الخ . هراء لا غير ، لاتقاء الأسئلة المحرجة ولإخفاء حقيقة إن معظم المهندسين المعماريين ليس لديهم معرفة إلا بمواد البناء الصناعية ، ولا يستطيعون أن يتقنوا العمل كما يتقنه الحرفيون المحليون فيما لو أعطيت لهم نفس موادهم .
ويبدو أيضاً هذا الموقف المتعالي في الطريقة التي يؤكد لك بها الرسميون والخبراء أن الفلاحين لا يحبون الحرف الفلاحية ، و أنهم جميعاً يريدون المباني الإسمنتية الخراسانية . وهذا في المكان الأول هو تهرب من المسؤولية ، لأن الفلاحين في مصر لو كانوا يريدون الخراسانة ، فسيكون عليهم بأي حال أن ينتظروا لخمسمائة عام ، ثم يقوم الخبراء بطرح بدائل يعلمون أنها لا وجود لها . وقد رأيت في نيجيريا عرضاً لعمل من أعمال العلاقات العامة – لوحتين ، إحداهما تعرض أسوأ الأكواخ الإفريقية وقد التقطت صورتها من زوايا تسيء لمظهرها ، والأخرى تعرض مباني نظيفة من النوع الأوروبي من الخراسانة والألمنيوم ، والسؤال هو (( هذا أم ذاك ؟ )) . واعترف لي الرسميون أن هذه ليست مطلقاً بدائل حقيقية ، فالبلد لا يطيق إلا تكلفة الطين والقش .
على أنه بصرف النظر عن عدم الأمانة عند الإيماء إلى أن الحلول الغالية التكلفة هي الحلول العملية ، فإنه أيضاً
___________________________________________________

*مازال هؤلاء الأطفال يصنعون السجاد حتى الآن في الحرانية بالجيزة ( المترجم )

لمما يعد من التجديف أن تفرض ذوقك الخاص المنحرف على الفلاحين . والفلاحون مثل كل الناس يرهبون السلطة والنفوذ ، وعندما يملي عليهم ما ينبغي أن يريدوه ، فإنهم يفعلون كل ما في وسعهم للإذعان . وحتى لو كان الفلاحون يريدون حقاً مباني قبيحة ، فإن من واجبنا كمهندسين معماريين أن نرشدهم إلى تقدير الجمال ، ومن المؤكد أن هذا لا يكون بإفساد ذوقهم لفرض سلطتنا والإذعان لها .
على أن الحقيقة هي أن الفلاحين يحبون بالفعل العمارة الجيدة عندما يرونها ، وأنهم بقليل من التشجيع يستطيعون نقد العمارة السيئة نقداً غاية في الإدراك . وعندما بدأنا بناء المدرسة في فارس ، عارض الفلاحون استخدام طوب اللبن وقالوا أنهم يريدون مدرسة من الخرسانة الإسمنتية – هذا رغم أنه لا يوجد و لا بيت واحد من بيوت القرية فيه أي إسمنت والكثيرون منهم ربما لم يروا قط الإسمنت ، على أنه عند الانتهاء من المدرسة ، آتى العمدة ذات يوم لرؤيتي ، وهو يحتدم زهواً وقال إن الحجاج الذين يأتون كل عام للاحتفال بمولد أحد الأولياء هناك وليزوروا قبره ، قد ذهبوا هذا العام لرؤية المدرسة بدلاً منه ، وأن القرية كلها فخورة بذلك .
ومرة أخرى ، كنت قد أخذت اثنين من بنائي ( بغداد أحمد علي و عرابي ) إلى الغداء في القاهرة ، ولما كنت أريد أن أجد مكاناً يحسون فيه أنهم على سجيتهم فقد أخذتهم إلى مطعم حاتي ، قد زين زينة سقيمة نوعاً بالمرايا المذهبة والثريات ونحو ذلك ، وفي أول الأمر راعهما المكان رغم سوقيته فحاولا الفرار منه ، ولكنني جذبتهما ليعودوا و طلبت منهما ألا يكونا كالأطفال ، وإنهما ليسا أقل شأناً من أي شخص آخر هناك . فقالا أن هذا مكان بالغ الفخامة بالنسبة لهما ، فانفجرت فيهما : (( فخامة ! أتجرؤان على تسمية هذه المحاكاة المبتذلة بأنها فخامة ، أنتما يا من تستطيعان إقامة بناء أفضل من هذا و أعينكما مغمضة ! )) واستجمعا شجاعتهما . فدخلا و أخذا يناقشان أمر المكان ، و هما ينتقدانه نقداً سليماً حصيفاً بما قد لا يستطيعه حتى الكثيرون من المهندسين المعماريين .

* * *
































استخدام طوب اللبن ضرورة اقتصادية :
من حسن الحظ أننا مجبرون على استخدام طوب اللبن للإسكان الريفي على النطاق الواسع ؛ فالفقر يرغمنا على استخدام طوب اللبن وعلى اتخاذ القبو والقبة للتسقيف ، على أن ما للطين من ضعف بالطبيعة يحدد من حجم القبو والقبة . وكل مبانينا يجب أن تتكون من نفس العناصر ، وقد تباينت تبايناً بسيطا في الشكل والحجم ، وانتظمت في توليفات مختلفة ، ولكنها كلها حسب المعيار الإنساني ، وكلها لها نوعيتها التي يسهل إدراكها ولها تناغمها أحدها مع الآخر . إن الموقف يفرض حله الذاتي ، وهو حل جميل – ربما لحسن الحظ ، وربما بصورة حتمية .
ومهما كان ما يريد الفلاح أن يصنعه ، ومهما كان ما يتمنى محاكاته من فيلات الأغنياء ، فإنه لن يستطيع الفرار من القيود الصارمة التي تفرضها عليه مادة بنائه . والتساؤل عما لو كان سيظل يتوق إلى الحداثة المستوردة عندما يتم له العيش في قرية هي حقاً ذات جمال و كرامة لهو تساؤل علينا أن ننتظر لنرى إجابته . و لعله حينما لا توجد لديه على الإطلاق أسباب يحسد الرجل الغني من أجلها – ثروته ، وتحضره ، ومكانته الاجتماعية – فإنه سيتوقف أيضاً عن أن يحسده بسبب منزله . و للفلاح في الأحوال الطبيعية فرصة كبيرة واحدة في كل حياته يختار فيها لنفسه نوع البيت و الأثاث الذي يريده . فهو لا يستطيع إلا عند زواجه فقط أن يصنع أي تغيير أساسي في بيئته المحيطة ، فهذه هي المناسبة الوحيدة التي يجمع لها من النقود ما يكفي لاتخاذ قرار أساسي هكذا ، والتقليد هو أن يعطي العريس لعروسه قدراً من المال ، هو المهر ، وهو بمثابة نوع من الدوطة ، بينما يتوقع منها هي أن تجهز الأثاث ، و أدوات المطبخ ، والبياضات ، ويجمع كل هذا المتاع في منزل والدي العروس ثم يحمل في موكب باحتفال كبير إلى بيت الزوجين الجديد . ويدور الموكب من حول القرية كلها ، عارضاً المتاع ، حتى يرى كل واحد ان الزوجين الجديدين قد جُهز تجهيزاً جيداً و أن استطاعتهما أن يتخذا مكانهما بين جيرانهما كعائلة مستقلة . وينبغي أن يكون متاع البيت بحيث يبقى طيلة حياتهما ، ومشتروات الزوجين هذه تقرر مدى الجمال أو القبح الذي سيحيط بهما هما و أطفالهما لسنين قادمة .
ويتم اتخاذ خطوة حاسمة أخرى عندما تبني الأسرة بيتاً لنفسها . وهذا حقاً قد يحدد البيئة المحيطة ليس فحسب طيلة حياة الفرد بل و لأجيال قادمة .
و إذا كان المرء لا تأتيه فرصة أحداث تغيير كبير في بيئته المحيطة به إلا مرة واحدة في حياته أو مرة واحدة كل عدة أجيال ، فما هو عدد المرات التي يتاح فيها لقرية بأكملها فرصة كهذه ؟ ها هنا ، مع الفارق الهائل في القياس ، توجد بالضبط نفس الفرصة . بالضبط نفس الحرية للاختيار بين الجمال و القبح ، وما إن يتم اتخاذ القرار فإنه سوف يحدد البيئة البصرية لآلآف الأفراد لمدة قرن آت أو يزيد . وأهمية القرارات التي تتخذ في هذا الوقت واضحة أكمل الوضوح . وعند لحظة كهذه فإن أي عناية تُبذل ، و أي مهارة ، و أي ممارسة للتروي لا يمكن أبداً أن تعد تزيداً .
لقد كانت الآف العائلات في القرية على أهبة اتخاذ هذه الخطوة لا متلاك بيت جديد . و كل عائلة منها تستحق أن تكون لها فرصة أن تصنع بيتها بحيث يكون جميلاً و صالحاً بقدر الإمكان ، وكل عائلة تستحق أن يكون لها رأيها في تصميم البيت . و حيث أن كل عائلة تختلف عن الأخرى ، فسيكون من الضروري أن يتم تصميم كل بيت تصميماً متفرداً . و إذا كان لكل عائلة أن تحصل على بيتها المنفرد و قد هيىء بحرص لحاجاتها ولأسلوب المعيشة في القرية ، فإن تصميم البيوت كلها سيستغرق زمناً طويلاً . وفي اعتقادي أن في هذا ما يرضي كل الرضى . فلم أكن لأحفل مطلقاً بذلك المنهج الذي تُصمَّم فيه القرية ككل تصميماً تعسفياً منذ أول بداية المشروع ، ثم أظل أنا طيلة الأعوام الثلاثة المحددة لإنهائها لا أقوم إلا بمجرد الإشراف على البناء . فبالإضافة إلى مايتصف به هذا المنهج من بالغ الجمود واللاإنسانية ، فإنه أيضاً في غاية الإملال . كان على القرنة أن تسكن تسعمائة عائلة ، مما يعني أن يتم البناء بمعدل ثلاثين بيتاً في كل شهر . وثلاثون بيتاً هي على الأكثر ثلاث مجاورات عائلية . ومن المؤكد أن تصميم ثلاثة بلوكات كهذه هو مما يمكن إنهاؤه بسهولة في شهر واحد . على أننا عندما وصلنا للبناء بالفعل ، تبين لي أنه حتى الرسومات التنفيذية كانت تفقد الكثير مما يكون لها عادة من أهمية . فالبناءون كانوا معلمين في حرفتهم بحيث أن كل تفصيل في العمل قد أصبح مألوفاً لديهم عبر السنين الكثيرة ، فقد كان هذا هو فنهم التقني الخاص بهم . وكانوا يعرفون عن ظهر قلب نسب الغرف المختلفة ، وعندما يُذكر لهم ارتفاع القبة أو القبو ، فإنهم يستطيعون للتو أن يذكروا أين يبدأ الإنشاء . والحقيقة أنهم كانوا يرقبونني و أنا أرسم ، ويطلبون مني ألا أشغل بالي بهذه المقاييس .. وهكذا كنا فيما بيننا ، البناءون و إياي ، قد أحببنا العلاقة الخاصة بين المصمم والحرفي وضممنا معاً عضوين من الأعضاء الثالوث المشتت ؛ و إذا كان العضو الثالث ، وهو أعميل ، لم يلعب دوراً كاملاً في القرية فإن هذا لم يكن خطأنا ، و إني لواثق أنه في أي مشروع في المستقبل سوف يتعاون الأعضاء الثلاثة تعاوناً منسجماً كما تعودوا فيما مضى .
* * *
إعادة إرساء (( الثالوث )) ؛ المالك ، والمهندس المعماري ، والحرفي .
في مشاريع البناء الرسمية ، تقوم إدارة التصميم بإعداد كل الرسومات التفصيلية وتسلمها إلى أحد المقاولين ، الذي يكون عليه أن يتبعها بالحرف ، تحت إشراف المهندسين المعماريين في الموقع . أما في القرنة فقد كنا نقوم لأنفسنا بدور المصممين ، والمشرفين ، والمقاولين . وكان البناءون ملمون بكل عمليات الإنشاء مثلهم مثل المهندس المعماري نفسه . وهكذا فإن كل ما كان عليّ أن ارسمه هو المساقط الأرضية للبيوت المنفردة ، و أن أعطيهم الارتفاعات ، والرسومات المظللة لبلوكات المجاورة العائلية .
و أحد أعظم مزايا استخدام طرق البناء التراثية و العودة بالحرفيين إلى عمل الفريق هي أن المهندس المعماري عندما يفعل ذلك يتحرر من أعمال كان قد أخذها من الحرفيين ليضعها على عاتقه بلا ضرورة . وفي طريقة الإنشاء هذه تكون الغرفة هي وحدة التصميم ، ويمكن للمرء أن يثق في أن البنائين سينفذونها بالكيفية النمطية وبكل الأحجام كما لو كانت قد أتت من مصنع مواد سابقة التجهيز . ولا يمكن أبداً أن يتم لنا الحصول على الاقتصاد هكذا لو أننا استخدمنا الخرسانة الإسمنتية أو غيرها من المواد أو التقنيات الأجنبية .
* * *
و من الوجهة المثالية ، إذا كان بناء القرية سيستغرق ثلاث سنوات ، فإن التصميم ينبغي أن يستمر لعامين و أحد عشر شهراً ، فينبغي أن أظل لآخر لحظة وأنا أتعلم ن و أعدّل ، و أحسن تصميماتي لأجعلها تتلائم تلاؤماً أكمل مع العائلات التي ستعيش فيها . و لكن رغم هذه النوايا الطيبة ، إلا أني قد وجدت في القرنة أنه من الصعب جداً أن يثير المرء اهتمام الفلاحين ببيوتهم الجديدة . وكانت لا مبالاتهم ترجع حقاً إلى حد كبير إلى نفورهم من فعل أي شيء قد يؤوّل فيما بعد على أنه موافقة منهم على خطة نقلهم ، على أنها أيضاً كانت تنبع من عجزهم عن التعبير بالكلمات عن حاجاتهم و ميولهم . وقد قال لي أحد الشيوخ أنه طالما سيتم إيواء ما شيته كما ينبغي فإنه لا يطلب شيئاً آخر . و كان هذا إلى حدٍٍ ما رأياً عاماً . ولم أستطع تغيير رأيهم هذا إلا بعد أن بينت لهم أنهم إذا كرسوا كل انتباههم للماشية وحدها و اعتبروا بيوتهم و كأنها مجرد ملحق للحظيرة ، فإن أبناءهم الذين يدرسون في المدينة سيخجلون بالغ الخجل من زيارتهم . وهكذا وافقوا على أنهم يجدر بهم أن يمنحوا البيت بعضاً من عنايتهم ، على أنهم قالوا أنهم سيتركون الأمر لي لأصمم أياً مما أحب ، و هذا التفويض على البياض جعل المشكلة أكثر إرباكاً . كيف لي بأي حال أن أعرف كل تفاصيل الحياة المنزلية لفلاح من القرنة و أن أفهم ماذا يريده في بيته ؟
ولعل لا مبالاة الرجال هذه بالنسبة لبيوتهم قد نشأت عن حقيقة أن البيت هو مملكة المرأة لا الرجل . ولو كان في استطاعتي أن استشير النساء لكان في ذلك أعظم العون . على أن هذا كان لسوء الحظ أمراً مستحيلاً لأنهن كن يُحجبن بعيداً في غيرة . وفيما بعد ، عندما آتى إلى القرية بعض السيدات من معارفي ، أمكننا بالفعل أن نحصل على آراء بعض نساء القرية .
عندما أدركت صعوبة أن أجعل أهل القرنة يساهمون بدور بناء في تخطيط مدينتهم ، قمت في وقت مبكر جداً ببناء حوالي عشرين بيتاً لأبين لهم هكذا نوع من المعمار الذي نطرحه عليهم ، حيث أنهم لا يستطيعون فهم رسومات المشروع . وكنت آمل أيضاً أن أرقب العائلات إذ تعيش بالفعل في هذه البيوت ، وبهذا يكون الأمر و كأني (( أستشيرهم )) عندما أرى حاجاتهم بالتطبيق .
وقد يبدو في هذا تحمل لمشقة بالغة ، ولعل القارئ أن يتساءل عما إذا كان أهل القرنة قد ساهموا بالفعل بدورهم كعملاء . على أني أعتقد أن الإسهام الذي يقوم به العميل فيما يتعلق بالتصميم ، مهما كان من جهله أو حتى من ارتيابه ، لهو أمر لا نستطيع الاستغناء عنه . فنحن لسنا فحسب مطالبين بواجب نؤديه لهؤلاء الفلاحين الفقراء هو أن نعيد لهم وضعهم كأصحاب حرفة – سواء كانوا هم أنفسهم أو لم يكونوا قد أضاعوا هذا الحق ، وسواء كانوا أو لم يكونوا مستاءين من فكرة المشروع – وإنما نحن مطالبون أيضاً أمام أنفسنا كمهندسين معماريين بألا نحاول عمل أي تصميم بدون عون العميل الذي لا غنى لنا عنه . ومن المؤكد أن موقف أهل القرنة هكذا موقفاً غير ودي نوعاً تجاهنا ، لم ينشأ إلا لأنهم كانوا ينظرون إلينا كعملاء للحكومة يتدخلون في حياتهم دون أي دعوة منهم . ولو كان أحد أهل القرنة يبني لنفسه بيتاً بنقوده الخاصة لكان له موقف مختلف تماماً ، وللعب دوراً في البناء هو أكثر إيجابية إلى حد بعيد مهما أراده معنا . وإنما كنت أود أن أشجع في عملائنا من أهل القرنة موقفاً من الانشغال النشط الذي يتدخل في كل طور من عملية البناء .
إن الإسهام الذكي للعميل هو ضرورة مطلقة لتنفيذ عملية البناء تنفيذاً متناغماً . فالعميل ، والمهندس المعماري ، والحرفي ، كل في مجاله ، يجب أن يتخذ القرارات ، وإذا تنازل أي واحد منهم عن مسؤوليته فسوف يعاني التصميم من ذلك وسيتقلص من ذلك وسيتقلص الدور الذي يقوم به المهندس المعماري في النمو والازدهار الحضاري للشعب كله .
و أهل القرنة كانوا لا يكادون يستطيعون مناقشة أمر المباني معنا . فهم لا يستطيعون التعبير بالكلمات حتى عن احتياجاتهم المادية في الإسكان ؛ وهكذا كانوا عاجزين تماماً عن الحديث عن أسلوب البيت أو عن جماله . فالفلاح لا يتحدث عن الفن ، و إنما هو يصنعه .
والفن القروي في القرنة لم يكن مما يبهر على وجه الخصوص . وهو يحتل مرتبة لعلها مما يتوقعه المرء عند درجة تقع بين الأسلوب الراقي للبناء عند الفلاح النوبي و انحطاطه بالكامل في الدلتا . ولو سافرت بالقطار إلى أسوان حتى البحر فسوف تلاحظ أن مستوى الفن الشعبي ينحدر في اطراد ، ولو رسمت لذلك رسماً بيانياً ، فسينتج منحنى يتبع تقريباً بروفيل النهر . والقرنة تقع تقريباً فيما يقرب من المنتصف على النهر بين النوبة ومصر السفلى .
المعمار الدارج في القرنة القديمة
وهكذا فرغم أن القرنة لم يكن فيها ما تقدمه مما يماثل معمار النوبة ذا الألوان والتأثير ، ولعلها أيضاً لم يكن فيها نفس الفخر بما هو حقاً حرفية جميلة ، إلا أنه كان هناك بعض مباني عارضة تظهر نوعاً من النقاء في الشكل ، فهي على الأقل خالصة من الفساد الفني الذي يزداد غلظة في كل الحياة القروية كلما اتجهنا شمالاً .
وما من شعب في أي مكان يكون محروماً كل الحرمان من القدرة على الإبداع الفني . ومهما كانت الظروف قامعة ، فإن هذه القدرة الإبداعية سوف تجد دائماً طريقها للظهور من خلال شيءٍٍ ما . وفي القرنة لم يكن ذلك يظهر كثيراً في بيوتهم ، حيث كانوا يتعرضون لتأثيرات سيئة . و إنما كان ظهور ذلك فيما لأهل القرية من إنشاءات منزلية صغيرة ، يتيح فيها أهل القرية لأنفسهم صياغة أجمل التكوينات التشكيلية و أكثرها ذاتية . فكان في القرية القديمة أسرة تشبه نبات عش غراب كبير حيث يمكن للأطفال أن يناموا آمنين من العقارب ( وهكذا تستقى الأسرة اسمها منها وهو بيت العقرب ) ؛ وكان هناك أبراج حمام ترتفع كنصب جليل له نوعه الخاص جداً من المهابة ؛ وهناك سرير بسيط فخيم جميل ينشئه الفلاح في بيته يماثل في أهميته و مركزيته سرير أو ديسيوس بل إن هناك بيتاً أو بيتين بالكامل يظهر فيهما نفس التشكيل و انسياب الخطوط كما في بيت العقرب . ويتصادف أن هذين البيتين كانا من بين أفقر بيوت القرية . وقد اضطر صاحباهما إلى اللجوء إلى هذا التصميم الأصيل بسبب فقرهما . فلما كانا لا يطيقان أن يتكلفا في بيتيهما ما تكلفه تلك التعقيدات من الذوق السقيم التي ينحو إليها جيرانهما الأغنى ، و لا يطيقان تكلفة بناء بأجر ، فقد كان عليهما أن يبتكرا كل جزء من مسكنيهما بنفسيهما . وهكذا فإن تخطيط إحدى الغرف أو وضع خط لأحد الجدران لم يكن يتم في بأسلوب ما يقاس قياساً متوازناً بليداً ، وإنما يصاغ شكلها بحساسية كما يصاغ إناء الفخار . وفي كثير من هذه البيوت بالغة الفقر لو أمكن للمرء أن ينظر فيها متجاوزاً عن القذر و الفوضى العارضين ، فإنه سوف يرى أن خطوط البناء إنما تطرح درساً تعليمياً في المعمار . أنظر إلى الصورة الضوئية للمنزل الصغير في قرنة مرعى؛ ما من أثر هنا لأي حذلقة معمارية ، ليس من تشنج لمحاولة التسلق إلى مرتبة اجتماعية (( أعلى )) ، وإنما استخدام مباشر لمواد البناء في أغراض حياة الفلاح ؛ و أي تفصيل يتم بناؤه لأن الفلاح يحتاج إليه و يتم حيث يحتاجه ، وفي أكثر الأشكال و الأحجام ملائمة ، من غير أي تفكير في محاولة التأثير في أناس آخرين . والنتيجة في الحقيقة يكون لها تأثيرها البالغ ، فالبيت فيه اكتفاء ذاتي كما في أي صنيع بارع ينتجه مهني متمكن .
وهذا النوع الخاص من التشكل الطيع واللاتقليدي هو مما لا يمكن إعادة نسخه عن لوحة رسم هندسية . فهو مما يتم تصوره أثناء بنائه ، مثله كمثل قطعة صلصال يتم تشكيلها ، فالرسم المسطح لا دور له في عملية كهذه . وبيت من هذا النوع لا بد أن يبنيه صاحبه ، ذلك أن كل خط غير منتظم وكل منحنى هو انعكاس لشخصيته . على أنه بسبب هذا الطابع الشخصي الذي يحمله البيت ، فإنه لا يمكن أن يوجد إلا في إحدى القرى حيث تكون عملية البناء تجري على الراحة وبدون حذلقة ، و ما إن يبدأ إنشاء مشروع كمشروعنا ، حتى تقفز عملية البناء إلى مستوى مختلف تماماً ، فتصبح عملية منظمة ، فيها إحساس بالوقت ، وبصورة عامة فهي أكثر التصاقاً
(( بالمهنية )) . وهذه القفزة من بيت (( يتشكل )) إلى بيت (( يتهندس )) لهي مرحلة طبيعية في تطور البناء ، تتبع زيادة ثروة أهل القرية . ولو حدث التغير بصورة طبيعية ، فإن المعمار الجديد سوف ينمو ليصبح تراثاً . والحقيقة أن مهمتي في القرنة لم تكن أن أخلق تراثاً ينبغي أن يتخذه أهل القرنة لأنفسهم ، فحتى لو كان من الممكن أن يصنع لأحد الرجال ما ينبغي أن يصنعه هو لنفسه ، و أن تدخل في إهابة ، وتكون بالنسبة له بمثابة ضميره الفني ، فإن ادعاء كهذا سيدمر ما يكون لديه من حافز وتكامل فني ، ويكون فيه القضاء على الغاية ذاتها .
على أنه ما كان يمكنني أن أتجاهل تماماً كل ما كان أهل القرنة قد صنعوه ، و أمحو كل أثر لإبداعيتهم الخاصة بهم ، فأغرس تصميماتي هكذا في الموقع متخلصاً من أي إرباكات . و إنما كان عليّ أن استخدم المنشآت التراثية بالقدر الذي يمكن تضمينه ، و أن أظهر في التصميمات الجديدة قدر ما يمكن إظهاره من روح أهل القرنة
وكان من السهل تضمين منشآت بعينها ، وهي بذلك قد ساعدتنا مساعدة عظيمة منذ البداية بأن وفرت في التصميم نغمة رئيسية له . فمثلاً كانت أبراج الحمام في القرية القديمة ، هي أشكال فلاحية أصيلة وتلقائية بالكامل ، لم تطرح من مكان آخر و إنما أملاها بالكلية ذوق أهل القرية ، فهي ردهم الإبداعي الخاص بهم على مشكلة حفظ حمامهم . وبنيان كهذا دخل إنشاء القرية الجديدة دونما أي إحساس بجهد . وقامت بصنعه نفس الأيدي ، فأقام البنّاء القروي برج الحمام القديم للقرية الجديدة ، وكان البرج اليوم ملائماً مثلما كان بالأمس .
ومرة أخرى وجدنا (( مزيرة )) جداً شائقة في القرية القديمة ، والمزيرة مكان توضع فيه جرة المياه المسماه
(( الزير )) ، وهي في هذه الحالة تتخذ شكل قبو يظلل جرة الماء من الشمس ، وهذا الترتيب بدائي بعض الشيء ولكنه جميل نوعاً . وفي القرية الجديدة و فر لنا القبو الذي يدعم السلم موقفاً مناسباً و ظلاً قاتماً حقاً ، بينما أمكننا استكمال هذا التنظيم بإضافة حلية مخرمات – نوع من (( مشربيه منطوب اللبن )) – لتعمل بمثابة مرشح هواء طبيعي للهواء .
و أمكننا في الجامع أيضاً أن نحتفظ بجزء مهم من تراث القرنة . فقد كان أحد المساجد القديمة بالقرنة يستخدم سلماً خارجياً مستقيماً يطلع مائلاً إلى المئذنة ، وهو شكل يرجع إلى أول أيام الإسلام ومازال يوجد في النوبة ومصر العليا . ورغم أن الجامع في القرية الجديدة كان يجب أن يكون أكبر كثيراً ،لأنه سيخدم السكان كلهم الذين يتركزون الآن في قرية واحدة ، إلا أن الأمر كان يستحق تماماً بذل الجهد لتكييف التصميم القديم ، بما فيه السلم الخارجي ، حسب المقياس الجديد .
ومن المهم أن يُفهم أن هذا البحث عن الأشكال المحلية لتضمينها في القرية الجديدة لم يكن مبعثه رغبة عاطفية للاحتفاظ ببعض تذكار من القرية القديمة . فقد كان هدفي دائماً أن استعيد لأهل القرنة إرثهم من تراث البناء المستلهم محلياً استلهاماً قوياً ، مما يتطلب تعاوناً نشطاً بين العملاء ذوي المعرفة والحرفيين ذوي المهارة .

* * *
التغيير مع التواصل
كنت أريد بأي ثمن أن أتجنب موقفاً كثيراً ما كان يتخذه المهنيون من المعماريين والمخططين عندما يُجابهون بمجتمع قروي ، وهو موقف بأن المجتمع القروي ليس فيه ما يستحق نظرة اعتبار من المهنيين ، و أن كل مشاكله يمكن حلها باستيراد تناول حضري متحذلق لعملية البناء . وكنت أود ، لو في الإمكان ، أن أمد جسراً على الفجوة التي تفصل المعمار الشعبي عن معمار المهندس المعماري . وكنت أود أن أوفر صلة متينة مرئية بين هذين المعماريين في شكل ملامح مشتركة بينهما معاً ، حيث يستطيع القرويون أن يجدوا فيها نقطة ارتكاز كمرجع مألوف لهم يبدؤون منها توسيع فهمهم للجديد ، كما يستطيع المهندس المعماري أن يستخدمها ليختبر بها صدق عمله هو نفسه بالنسبة للناس وللمكان . والمهندس المعماري له وضعه الفريد لإحياء إيمان الفلاح بحضارته هو نفسه . وإذا قام المهندس المعماري . بصفته ناقداً يوثق به . بإظهار ما هو جدير بالإعجاب في الأشكال المحلية . بل و إذا ذهب لأبعد من ذلك فاستخدمها هو نفسه ، فإن الفلاحين سيأخذون في الحال في النظر إلى منتجاتهم في تيه . وما كان فيما مضى يتم تجاهله أو حتى الزراية به ، سيصبح فجأة شيئاً يُفخر به . ويصبح فوق ذلك شيئاً يستطيع القروي أن يفخر به عن معرفة . وهكذا فإن الحرفي في القرية سيُحفز إلى استخدام وتنمية الأشكال التراثية المحلية ، وذلك ببساطة لأنه يرى أنها قد نالت احترام مهندس معماري حقيقي ؛ أما القروي العادي ، أي العميل ، فإنه يعود مرة أخرى إلى وضع يفهم فيه عمل الحرفي ويقدره .
على أنه كان من الضروري للوصول إلى قرار موضوعي بشأن نوع معمار القرية الجديدة ، أن يتم المزيد من الاستقصاء .
فبالإضافة إلى البيئة المصنوعة في القرنة بواسطة الإنسان ، والتي ينبغي أن تتجانس معها القرية الجديدة ، كانت هناك أيضاً البيئة الطبيعية من المشهد الخلوي الطبيعي ، والنبات والحيوان . والمعمار التراثي يكيف نفسه عبر القرون الكثيرة مع بيئة الطبيعية هذه ، من الوجهة البصرية والعملية معاً . وينبغي على القرية الجديدة أن تتناغم مع هذه البيئة منذ البداية الأولى ، ويجب أن تبدو مبانيها كما لو كانت نتاج قرون من التراث . فكان عليّ أن أحاول أن أضفي على تصميماتي الجديدة مظهراً و كأنها قد نشأت من المشهد الخلوي لأشجار المنطقة وينبغي أن تبدو في مستقرها في الحقول مثلما يبدو نخيل البلح والدوم . وينبغي أن يعيش فيها قاطنوها بما يكون طبيعياً بمثل ارتدائهم لملابسهم . على أن هذه مهمة هي جد شاقة بالنسبة لرجل واحد ، أيكون في استطاعتي أن أتصور نفسي من خلال خبرة أجيال من بنائي القرية أو أن أتصور في ذهني كل التعديلات البطيئة التي نجمت عن المناخ والبيئة ؟
على أننا نستطيع طلب العون من أجدادنا لنحصل على معرفة كهذه لقد نفذ قدماء المصريون إلى روح هذه الأرض ومثلوا طابعها بأمانة وصلت إلينا عبر آلاف السنين التي تفصلنا . فهم في رسوماتهم – تلك الخطوط البسيطة التي رسمت على جدران القبور – ينقلون جوهر طابع الطبيعة بأكثر مما تنقله أروع تأثيرات اللون والضوء والظل في أعمال أشهر العارضين للوحات التي من الأسلوب الأوروبي الحديث .
ولما كانت مشروعات المهندس المعماري هي كلها رسومات من خطوط فقد فكرت في أنه يمكنني أن أضع فوق تصميماتي رسوم نباتات و حيوانات المنطقة ، وأن يصنع ذلك في بساطة كما في الرسومات المصرية القديمة ، و كنت على ثقة من أن هذه الصورة لأشجار النخيل أو الأبقار كما تُرى في مقابر النبلاء ستبدي مدى الصدق أو تكشف مدى الزيف الذي في المباني . ونفذت كل أدائي في التصميمات التجريبية هكذا ؛ وتجنبت في حرص الحذلقة المهنية التي تكون في رسوم مشروعات الكثير من المهندسين المعماريين و التي كثيراً ما تشوه الأشكال الطبيعية لتجعل الخلفية موافقة للمباني ، وهكذا فإنني لم أحاول إحداث تأثيرات بالعمق ، أو أن أجلب ما لا يتناسب من أشجار البلوط حتى أوزان بها الكتل ، و إنما نفذت رسومي في خطوط بسيطة و جعلت من حولها اسكتشات للحيوانات و الأشجار و الملامح الطبيعية في القرنة . و كانت تلك هي ؛ التل المطل على على القرنة و الذي يبدو دائماً كصخرة مقدسة بماله عند قمته من هرم طبيعي ، و البقرة ، ذلك أن الآلهة – البقرة حتحور كانت حامية جبانة القرنة ، كما كانت القرية في منطقة يكثر فيها البقر و لا يرى فيها جاموس مصر صاحب الهيمنة ؛ ثم شجرتا النخيل ، نخيل البلح ونخيل الدوم ، ذلك أنهما هما أشجار مصر العليا ؛ و طابع معين كان يظهر في تكتل لبعض بيوت القرنة القديمة بمقصوراتها التي في قمتها .
و قد وضعت كل هذه الأشكال على رسومي التجريبية الأولى المؤقتة ، لتعمل كمعيار للمقارنة . فقد أحسست أن من واجبنا في القرنة أن نبني قرية ينبغي ألا تكون مزيفة على مصر . فيجب إعادة اكتشاف أسلوب الشعب ؛ أو بالأولى ، إعادة الإحساس به من خلال الدلائل المتناثرة في الحرف المحلية و المزاج المحلي .وقد كان لدينا تكنيك من النوبة ؛ إلا أننا ما كنا نستطيع بناء بيوت نوبية هنا . فالإخلاص للأسلوب ، حسب ما أفهمه ، لا يعني أن نعيد بوقار نسخ إبداع ينتمي لأناس آخرين . ولن يكون مما يرضي أن ننسخ حتى أفضل المباني التي تنتمي إلى جيل آخر أو لمنطقة أخرى . ربما يكون من الجائز استخدام منهج البناء ، ولكن عليك أ ن تنزع عنه كل ما فيه من طابع وتفصيل خاصين ، وأن تطرد من ذهنك صورة تلك البيوت التي سبق أن أوفت برغباتك أجمل إيفاء . ويجب عليك أن تبدأ من البداية الأولى ، تاركاً مبانيك الجديدة لتنشأ عن الحياة اليومية للناس الذين سيعيشون فيها، ومشكلاً البيوت بمقياس ما يتغنى به الناس ، وناسجاً نمط القرية كمل لو كان ذلك بأنوالها هي ، وقد أفعمت بكل اليقظة للأشجار و المحاصيل التي تنمو هناك ، و أفعمت تبجيلاً لخط الأفق ، وتواضعاً أمام تغيرات الفصول . ويجب ألا يكون هناك تراث زائف أو حداثة زائفة ، و إنما هم معمار يكون منه التعبير المرئي الدائم لطابع المجتمع . على أن هذا يعني لا اقل من معمار جديد بالكامل إن التغيير آت حتماً إلى القرنة بأي حال . فالتغيير هو شرط الحياة و الفلاحون أنفسهم يريدون التغيير ، ولكنهم لا يعرفون كيف يكون ذلك . ولما كان الحال هو أنهم مستهدفون لتأثيرات المباني المبهرجة في المدن الإقليمية التي من حولهم ، فإنهم فيما يحتمل سيتبعون هذه الأمثلة السيئة . و إذا لم نتمكن من إنقاذهم ، و إذا لم نتمكن من حثهم على أن يتغيروا معمارياً إلى الأفضل فإنهم سيتغيرون إلى الأسوأ .
كان أملي أنه قد يكون من القرنة إشارة فحسب للطريق إلى بدء إحياء التراث في البناء ، بحيث يواصل التجربة آخرون ، ويوسعون من نطاقها ، بحيث يرسون في نهاية الأمر متراساً حضارياً يوقف الانزلاق إلى المعمار الزائف الخالي من المعنى و الذي يتزايد بناؤه بسرعة في مصر . فالقرية الجديدة يمكن أن تبين كيف أن معماراً يندمج في واحد مع الناس لهو أمر ممكن في مصر .
* * *
المناخ و العمارة
يتميز مناخ مصر العليا بأنه مناخ منطقة حارة جافة ، مع اختلاف واسع جداً في درجات الحرارة نهاراً وليلاً . ولما كان وجود ظل من السحاب هو أمر يكاد يكون معدوماً بالكامل ، فإن الأرض تتلقى في النهار قدراً هائلاً من إشعاع الشمس ، بينما هي تشع ليلاً قدراً هائلاً من الحرارة يتجه ثانية للسماء . وهكذا فإن أي مسطح معرض لضوء الشمس المباشر ، كأرضية أحد المباني أو جدرانه أو سقفه ، ستزيد حرارته زيادة مهولة أثناء النهار ، ويفقد من حرارته أثناء الليل .
وبالتالي فإن توفير راحة الناس في الداخل من مباني هذه المنطقة يعتمد إلى حد كبير على الخواص الحرارية للجدران والسقف . وأفضل مواد البناء هي تلك التي لا توصّل الحرارة .
ولحسن الحظ فإن طوب من التربة المجفف في الشمس هو من أسوأ موصلات الحرارة . ويرجع هذا الجزء منه إلى الانخفاض البالغ في قدرته على التوصيل طبيعياً ( 0.22 كالوري / دقيقة / سم المربع/ لوحدة سمك الطوب المصنوع بعشرين في المائة من الرمل الناعم ، و 0.32 كالوري / دقيقة / سم المربع / لوحدة سمك الطوب المصنوع بثمانين في المائة من الرمل الخشن ، وهذا مقابل 0.48 للطوب المحروق ، و 0.8 لبلوكات الأسمنت المجوفة ) ، كما يرجع في جزء آخر إلى ضعف الطين مما يستلزم أن تكون جدرانه سميكة ، وبيوت طوب اللبن في مصر العليا تبقى فعلاً مبردة إلى حد ملحوظ لمعظم اليوم ، وقد ثبت في كوم امبو أن المنازل الإسمنتية التي بنتها شركة السكر لموظفيها هي أسخن من أن يعيش المرء فيها صيفاً وهي بالغة البرودة شتاءً ، وهكذا فضل الموظفون أن يعيشوا في بيوت الفلاحين الطينية .
على أن جدران الطين السميكة ليست بالوسيلة المثلى للاحتفاظ بالبيت مبرداً ، ذلك أن الطين و إن كان موصلاً رديئاً للحرارة ، إلا أنه يحتفظ بها زمناً طويلاً . و هكذا فإن الجدار الذي يجعلك تحس بالبرودة طول الصباح يواصل في الواقع اكتساب و اختزان كل الحرارة التي تقع عليه ، وسوف يشع طول الليل كله هذه الحرارة ثانية لخارجه ، و يكون هذا في جزء منه لداخل الحجرة . ولهذا فإن الحرارة من داخل بيت طوب اللبن تكون في الليل أعلى كثيراً مما في خارجه .
والحل الواضح هو أن يعيش المرء في الطابق السفلي أثناء النهار ، حيث تحميه بنية حوائط البيت السميكة هي و السقف ، و أن ينتقل ليلاً لأعلى إلى السطح لينام في هواء الليل المبرد . والحقيقة أن الأمر سيحتاج إلى إنشاء خفيف جداً من فوق ومن حول مساحة السطح العلوي ليبقى الطابق السفلي ما أمكن من الشمس ، وحتى يقي النائم أيضاً من البعوض . والقاعدة هي أن يحتمي المرء نهاراً خلف الحائط الطيني السميك جداً ، و أن ينام ليلاً على السطح تحت خيمة أو ما يساوي ذلك في رقته ، وفي القرنة فإن الحجرات السفلية للبيت قد تصل إلى أقصى ارتفاع في الحرارة حوالي السابعة مساءً ، وذلك بعد مرور حوالي خمس ساعات على وصول الحرارة لأقصاها في العراء ، أما في الثامنة صباحاً ، عندما يكون السطح العلوي قد أصبح بالفعل ساخناً بما يثير الضيق ، فإن الغرف السفلية تكون أبرد بما ينعش .
وهذا النظام الحراري يمكن تعديله إذا تم بناء البيت من حول فناء . فالفناء يعمل بمثابة بئر يرسب فيه الهواء الأبرد الآتي من السطح ، وهكذا فإن الغرف السفلية تبرد أثناء الليل بسرعة اكبر . والعامل الثاني الذي يتحكم في راحة الناس داخل البيت في مصر العليا هو حركة الهواء . وحيث أن الهواء جاف للغاية ، فإن أي قدر من النسيم يساعد على تبخير العرق ، وبذا فإنه يبرد الجسم . وهكذا فإن من المهم جداً أن نراعي تهوية البيت هنا أوثق مراعاة .والريح السائدة هي شمالية – شمالية غربية وهي باردة نسبياً . وحتى يمكن لهذه الريح أن تهوي بيتاً ، فإنه يجب أن يتاح لها الدخول من خلال فتحات البيت . والسؤال هو ، أين ينبغي أن تكون هذه الفتحات ؟ عندما ذهبت إلى القرنة لأول مرة ، في منتصف الصيف ، زرت مستر ستوبلير ، الذي كان يقيم في استراحة هوارد كارتر * ، وكانت حارة بما لا يحتمل . وكان ذلك باعثاً على الضيق حتى أني فضلت الخروج إلى الشمس ، واقترحت على صديقي أن نخرج لنلقي نظرة على بعض المقابر . وأخذني إلى مقبرة تفر – رنبت في خوخة ، وعندما وصلنا إليها وجدناها مغلقة . وأثناء انتظارنا لإحضار المفاتيح ، لجأنا إلى الظل في مضيفة قريبة ، على أنه في الداخل من مقصورة هذه المضيفة كان هناك تيار بارد منعش إلى حد جعلنا نتطلع في التو لنرى سبب ذلك كانت المقصورة قد بنيت و ظهرها إلى الريح السائدة ، وقد فتحت تحت الريح ، فكان الجدار الخلفي في أعلاه من فوق مشقوقاً بصفين من فتحات صغيرة تواجه الريح . و الشائع في التطبيق المعماري أن يجعل المرء دائماً الفتحة الأكبر في مواجهة الريح ، إذا كان الغرض هو اصطياد أكبر قدر ممكن من النسيم . على أن المضيفة كانت في الحقيقة مجهزة على نحو بارع حسب أحسن مفاهيم الديناميات الهوائية . وكما شرح لي أخي فيما بعد ‘ فإن المقصورة المفتوحة في اتجاه مهب الريح ، سينساب من خلالها تيار هوائي ثابت لأن انسياب الهواء من
(( فوقها )) ومن (( حولها )) يخلق ضغطاً منخفضاً من داخلها ، بحيث يُشد الهواء في تيار ثابت من خلال الفتحات الصغيرة، ومن الناحية الأخرى فإن المقصورة ذات الفتحات الكبيرة في اتجاه مهب الريح ، والتي ليس فيها فتحات أو فيها فتحات صغيرة فحسب في الاتجاه مع الريح ، فإنها سرعان ما تمتلئ بالهواء ، بحيث أن الهواء الطازج يستمر من فوق المقصورة بدلاً من أن يمر من خلالها ، تاركاً بذلك الهواء القديم من داخلها .
وهذه الظاهرة ، التي يمكن فهمها بسهولة جداً هكذا عامة ، قد عُبر عنها حديثها تعبيراً أكثر دقة بالمعادلة التالية :
معدل انسياب الهواء من خلال المبنى ، بالقدم المكعب / ساعة = 3.150 ( مساحة المداخل بالقدم المربع ) ( سرعة الريح بالميل / ساعة)
و تصح هذه المعادلة إذا كانت الريح التي في الجيرة المباشرة لفتحة المدخل عمودية على مستوى الجدار . أما إذا لم تكن كذلك ، فإن المعدل المفروض لانسياب الهواء يجب أن يُقلل حسب الزاوية ؛ فعندما يكون اتجاه الريح هو بخمس و أربعين درجة على أحد المساقط الرئسية للبناء ، فإن انسياب الهواء ينبغي أن يقلل يخمسين في المائة .
وفوق ذلك ، فإنه إذا كان هناك فارق ملحوظ بين مساحات فتحات المخارج و المداخل ، فإن المعادلة يجب أن تعدل بما يناسب هذا الفارق . و يتألف التعديل بأن تستبدل قيمة أخرى برقم 3.150 ، وذلك حسب الجدول التالي ، حيث القيم التي في العمود الأول هي نسبة المساحة الكلية لفتحات المخرج إلى المساحة الكلية لفتحات المدخل :
القيمة
مساحة فتحات المخرج = 1 3.150
مساحة فتحات المدخل

فإذا كان المخرج أكبر من المدخل ، فإن :

مساحة فتحات المخرج = 2 4.000
مساحة فتحات المدخل
= 3 4.250
= 4 4.350
= 5 4.400
و إذا كان المخرج أصغر من المدخل فإن :

مساحة المخرج = 4/3 - 2.7
مساحة المدخل
= 2/1 - ,2
= 4/1 - 1.1
_______________________________________________
* هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون ، وقد اطلق اسمه على الاستراحة ( المترجم )
وهكذا نرى بوضوح أنه كلما زادت نسبة مساحة المخرج إلى مساحة المدخل ، زاد انسياب الهواء من خلال المبنى .

توجيه المنازل يتحدد في جزء منه بالشمس ، وفي جزء بالريح :
تحديد موقع الغرف بحيث تصبح لطيفة الجو لهو أمر يتطلب تفكيراً حريصاً .
والمساحة الظليلة التي يتخللها تيار هواء هي التي تظل دائماً باردة نسبياً . والنقطة هي ، من أي شيء ينبغي أن تظلل الغرفة ؟ أتظلل من ضوء الشمس المباشر ، هذا أمر أكيد ، ولكنها يجب أن تظلل أيضاً من الإشعاع المنعكس ، الذي يمكنه أن يجعل الغرفة أحياناً أسخن حتى من مما يمكن للشمس . ذلك أن كل جدار مواجه للجنوب يعكس أشعة الشمس عن سطحه الأبيض الناصع لتذهب مباشرة إلى الحجرات التي تكون عبر الطريق . بل وحتى قطع الحجارة و الأسطح غير المنتظمة في الأرض كلها تعكس أشعة الشمس من أسطحها الجنوبية ، بحيث تعمل كالمشعاع في نظام التدفئة المركزية .
على أن الحجرات التي ستتلقى كل هذا الإشعاع المنعكس مصطدماً بواجهتها هي الحجرات التي تواجه الشمال . وهكذا فإن من الضروري فحص كل ما يحيط مباشرةً بالبيت قبل أن تطبق دون محيص القاعدة المعتادة من أن
(( حجرات المعيشة ينبغي أن تواجه الشمال )) . و ما من شك أن الحجرات التي تواجه الشمال ستفيد من النسيم البحري البارد ، فالشمال هو أحسن واجهة للحجرة بشرط أن يكون في استطاعتنا التأكد من أنه ليس ثمة إشعاع منعكس هناك . أما إذا كان هناك منازل أخرى على مقربة ، فلعله مما يحتمل أن تكون غرفة المعيشة أبرد عندما تواجه الجنوب ، رغماً عن التطبيق المعتاد بهذا الشأن . ذلك أنه لن يكون هناك وقتها إشعاع منعكس ، أما بالنسبة للإشعاع المباشر من الشمس التي ستكون عالية جداً في السماء عند سقوطها على هذا الجدار ، فإنه يمكن إيقافه بمظلة للسقف . بل إن من الممكن أن يجعل النسيم البحري بحيث ينساب من خلال غرفات المعيشة عن طريق تخطيط هذه الغرف . وفلاحو العراق يبنون غرف معيشتهم إلى الجنوب ، ويجعلون من خلفها مقصورة تواجه الشمال . وتسقف غرفة المعيشة بقبة لها ثقب في قمتها ، بحيث أن الهواء الذي سيسخن في القبة التي تشبه الفرن سيهرب باستمرار ، بينما ينجذب الهواء البارد باستمرار للداخل من المقصورة الظليلة . والعيب الوحيد في هذا التصميم العراقي أنه ليس فيه مظلة تظلل الجدار الجنوبي من الشمس ، ذلك أن العراقيين ينقصهم الخشب . و كل بيت في قريتنا قد وُفرت له غرفة للضيوف ، بالإضافة إلى مضيفة المجاورة للعائلية ، التي هُيأت أيضاً لأن تستخدم كغرفة معيشة للعائلة، وليس لأن تظل مستبقاة (( كأفضل )) الغرف بغرض استقبال الغرباء .وتصميم الغرفة يتبع قاعدة (( القاعة )) . فهناك (( الدرقاعة )) المركزية المربعة ، التي تُسقف بقبة ، ويكون لها أيوانات تخرج منها ويجلس فيها الناس . وهذه الغرفة عالية جداً – فهي ترتفع لعلو طابق ونصف الطابق من الطوابق العادية بالإضافة إلى ارتفاع القبة – حتى يسمح ذلك بفتحات عالية فوق خط السطح للدور الأرضي . وهكذا فإن الهواء الساخن يرتفع و يهرب من خلال هذه الفتحات العالية ، مما ينتج عنه دخول تيار من الهواء لأسفل ليبرد الغرفة .
وهكذا فإن توجيه المباني يتحدد في جزء منه بالشمس و في جزء بالريح ، وأحسن توجيه للشمس هو أن يقع المحور الطولي للمبنى في اتجاه الشرق – الغرب ، و هذه قاعدة معمارية شائعة .
ولكننا نود أن نجعل الريح تهب على أكبر مساحة ممكنة من الجدران ، لتسري من خلال البيت وتبرده . والريح السائدة تأتي من الشمال الغربي ، و هكذا فالأمثل أنه ينبغي أن يكون اتجاه البيت من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ، متعامداً على هذه الرياح . أفينبغي استخدام حل وسط ، فننصف الزواية بين الاتجاهين المشار إليهما ، فنجعل البيت في اتجاه من شرق – شمال شرق إلى غرب – جنوب غرب ، كما هو في التطبيق المعماري
المعتاد ؟ لا ذلك المعضلة هي معضلة محض زائفة ، خلقها موقفنا من النافذة موقفاً غير حصيف.
* * *
الملقف أو مصيدة الريح
في أوروبا حيث لا يكون للتحكم في الحرارة أهمية رئيسية ، تقوم النافذة بخدمة ثلاثة أهداف ؛ أن تدخل الهواء ، و أن تدخل الضوء و أن تجعلك ترى ما في الخارج . على أن هذه الوظائف الثلاث ليست مما لا يقبل أن ينفصل ، والحقيقة أن البنائين في الشرق الأوسط قد اعتادوا أن يفصلوا فيما بينها . ففي بيوت القاهرة القديمة تُؤدي وظيفة التهوية في الأبهاء الرئيسية ( القاعات ) بواسطة تجهيز يُدعى (( الملقف )) يصطاد الريح في أعلى ، حيث تكون قوية نقية ، وذلك عن طريق تصميم الغرفة تصميماً خاصاً حيث يكون الجزء المركزي ( الدرقاعة ) عالية جداً ، بما يجعل الهواء الساخن يهرب عند القمة . ويمكن أن تقام مصيدة الريح هذه بالزاوية المناسبة بالضبط لاصطياد الريح ، بصرف النظر عن توجيه البيت .
وقد استخدمنا في المدارس التي بنيناها في القرنة مصيدة ريح تتكون من مجرى للهواء يشبه المدخنة له فتحة كبيرة في أعلى تواجه الريح السائدة . وقد وضع من داخلها صفحة معدنية مائلة ممتلئة بفحم يمكن أن يتم بله بصنبور ؛ وينساب الهواء من على هذا الحاجز فيتم بذلك تبريده قبل أن يدخل الحجرة . وفي هذه الأداة ما يذّكر بالسلسبيل الذي كان يوجد منتصباً في قاعات و إيوانات البيوت العربية القديمة – و كان من لوح من الرخام المقوس في نمط مموج ، بينما ينساب من فوقه ماء نافورة . ومن الممكن في التطبيقات المستقبلة لقاعدة مصيدة الريح أن يجعل الحاجز المبّرد مرئياً ويصنع من مادة ماصة مثل الحرير الصخري ويكون عليه نمط بهيج مثلما في السلسبيل . وقد نتج عن مصيدة الريح في القرنة انخفاض الحرارة داخل الحجرات الدراسية بقدر 10ْم .
أما وظيفة توفير رؤية المشهد فتقوم بها المشربية – وهي نوع من نافذة خارجة تُبنى من خارج الجدار ويثبت فيها ساتر من خشب مخروط متشابك يُروِّض و يُرفق الضوء المصري الجافي بما يناسب قبا أن يدخله إلى الغرفة . ويمكن لسيدات البيت أن يجلسن من خلف هذه المشربية ويرقبن الشارع في راحة وهن معزولات عنه تماماً – وفيما يعرض فإن هذا يكون من غير حاجة إلى اختلاس النظر من وراء الستائر ، أو إلى المرور عبر الحجرة لرؤية ما في الخارج ؛ والحقيقة أن المشربية تقوم بكل ما يقوم به الجدار الزجاجي و أكثر .
وهكذا فإننا نستطيع استخدام مصيدة الريح لتحررنا من الحاجة إلى توجيه البيت للريح ، وبهذا نضع في الاعتبار فحسب التوجه الشمسي . والحقيقة انه حتى هذا سيكون إلى حدٍ ما أمراً ثانوياً بالنسبة لمتطلبات المشروع ، ذلك أنه لو انتظم كل بناء في نفس الاتجاه سيصبح المشروع رتيباً . وفوق ذلك ، فإن كل انحراف عن الفكر العام إنما يعني نظرة اعتبار فردية لكل بيت وحلاً فردياً لمشاكله الخاصة ، وهذا أمر مرغوب من الوجهة الفنية .
* * *


































المجتمع والعمارة
رغم إيماني بأن مظهر البناء له أعمق التأثير في سكانه ، إلا أن المرء لا يستطيع أن يسكن الناس في البارثينون . ويجب أن تكون التصميمات الجميلة عند الواحد منا بحيث تفي بحاجات الناس اليومية المتواضعة ؛ والحقيقة أنه عندما تكون هذه التصميمات صادقة بالنسبة لموادها وبيئتها ومهمتها اليومية ، فإنها ستكون وجوباً جميلة بالضرورة .
على أن القرية الجديدة لا يمكن ان تكون صادقة بالنسبة لوظيفتها إلا إذا كنا نعرف بالضبط ما ستكونه هذه الوظيفة . وسيكون علينا أن نزيل الغطاء عن الحياة اليومية لأهل القرنة ونكشفها ، ولعل ذلك سيكون حتى بأدق مما يعرفونه هم أنفسهم عنها .
وكل إنسان يكون له مجموعة من العادات في أفعاله ، وأفكاره ، وردود فعله ، ونحن عندما نرغب في تمييزه عن غيره نُستدعي ماله من فردية . وعندما ننظر في أمر مجتمع ، سوف نرى أنه نمط من هذه الفرديات ، وأهم من ذلك أن كل فردية منها هي من خلق كل الآخرين . فكل خصوصية في الفعل ، أو الفكر أو رد الفعل إنما قد نشأت تحت ضغط من تلك الخصوصيات الأخرى الكثيرة التي تجاورها و تحت تأثير مطالب المناخ ، والعمل ، والمهنة ، فالفردية ليست (( صفة )) مجردة غامضة و لكنها محصلة تفاصيل كثيرة ملموسة ؛ متى ينهض الإنسان من نومه ، و ما إذا كان يحلق ذقنه ، والملابس التي يفضلها ، وعاداته في الحديث ، والناس الذين يخضع لهم وأولئك الذين يتحكم فيهم . وفوق كل شيء آخر فإنها بيته .
فالبيت ، وهو مكبَّر الإنسان نفسه ونصبه التذكاري الأبقى ، وينفق في الحجم والمظهر والرفاهية مع التفاصيل الأخرى لفردية الإنسان . وهو بالطبع يتكيف حسب حاجاته الاقتصادية ، على أنه أيضاً فيه كل الخصائص العارضة لمزاجه . وقاعة قصر كتخداً في القاهرة بسموقها ، وبرودها في بساطة ، وبجلالها إنما تعكس مهابة الإمارة عند الأمير الذي بنيت له ، أما بهو بيت جمال الدين الذهبي الذي يعد بالمقارنة مخسوفاً ومسرفاً في زينته فهو بلائم ما لشيخ التجار هذا من روح تجارية متحذلقة .
والوادعون من الناس يعيشون في بيوت هادئة ، والشحاذون تنحنى الجدران في قريتهم بمذلة وأنين ، والمتعالون من الناس تحملق بيوتهم في برود فوق رأسك . فالبيت أيضاً يعي تماماً مكانته الاجتماعية ؛ وكما يعرف الإنسان من الذين يفوقونه مكانة ومن الذين ينظر هو إليهم من عل ، فإن البيت كذلك يتخذ موقعاً يتفق ومرتبته ، وهو حسب ما لتجهيزاته من حجم وترف أو فقر يُظهر ملائمة هي أرهف ما تكون بالنسبة للتقسيم الطبقي للمجتمع . وفي مصر يعتبر القروي أن إحدى علامات التميز لأعلى هي أن يمتلك بيتاً له أرضيات خشبية تسمى (( المصرية )) أي القاهرية ، وهو يتباهى بامتلاكها على زملائه من أهل القرية الذين ليس لديهم إلا أسقف من القش والبوص .
وهكذا فإن القرية بعد أن تعيش فيها أجيال كثيرة ، لا تقتصر على أن تصبح متوائمة مع روتين سكانها في العمل والترويح ، وإنما هي أيضاً تنمو لتعكس أوجه الغرابة في مجتمعها ن وينمو الطوب والملاط في كلِّ حي واحد مع الحصاد والزرع ، وحفلات الزفاف والجنازات ، والبيع والشراء ، والحرفة والمهنة ، وإحساس العائلة العائلي ، وإحساس الطبقة الطبقي ،. وتتخذ المباني شكل المجتمع بما له من أبعاد كثيرة ، مثلما يتخذ الحذاء القديم الشكل الخاص لقدم أحد الرجال أو بالأحرى مثلما يواصل نبات متنام تكييف نفسه مع بيئته .
وصانع الحذاء قد يبذل الجهد حتى يلائم الحذاء عميله ، وذلك بأن يقيس قدمه ، ويشكل الحذاء بحرص
بحيث يكون مناسباً للعميل وحده – أو هو قد يكون مثل صانع أحذية الجنود ، فينتج حجماً نمطياً من الأحذية ويترك قدم العميل لتكيف نفسها بأحسن ما يمكنها . والشيء نفسه بالنسبة للقرنة ؛ كان لديّ مجتمع بكل تركبه وكان في وسعي إما أن أدفع به في مساكن ذات أحجام نمطية معدودة ، تاركاً إياه ليمارس من التقلصات والبثرات كل ما يمارسه العسكر يالمجند عندما يأخذ في التعود على حذائه ، وأما أن أقيسه وأنتج قرية تتواءم معه بكل ما فيه من أوجه عدم الانتظام والتواء ، الأمر الذي يشبه نوعاً نزع قوقع من محارته و إدخاله في محارة أخرى .
ومجتمع القرية يستغرق قياسه زمناً طويلاً ويحتاج لأدوات قياس أكثر دقة من شريط القياس . على أن هناك أمراً واحداً كان واضحاً منذ البداية ؛ وهو أنه يجب أن يتم التصميم لكل عائلة على حدة . وهكذا ينبغي على الأقل أن تتم استشارة كل عائلة في القرنة ، وينبغي أن نكشف عن أشياء كثيرة كان من الصعب نوعاً استجلاؤها من أهل القرنة المتشككين المتحفظين .
وكان لدينا نوع من دليل من مسح مبكر للقرية القديمة يضع قائمة للبيوت ويصف مناطقها ، وعدد الحجرات ومواد التسقيف ؛ على أن هذا المسح قد تم منذ عشرة إلى خمسة عشر عاماً ، و حتى إذا كان لم يعف زمنه ، فإنه لم يكن بالذي يعطي نوع من المعلومات الذي أطلبه . كان ثمة حاجة ملحة لبعض المسح الاجتماعي ، إلا أنه لم يكن من السهل أن يصل إلى هناك بحاثون اجتماعيون ، وحتى لو أمكن الحصول عليهم ، فإني كنت أعرف بالخبرة أن ما سيسألونه من أسئلة فجة إجابتها (( بنعم أو لا )) ، مما يتم تصميمه ليس للكشف عن مجتمع و إنما لإنتاج الإحصائيات . وإحصائيات كهذه ليس لها سوى أقل قيمة للمعماري ، إنها مما يمكن أن ينبؤنا وحسب بعدد أطفال زيد أو إذا كان عبيد عنده حمار ، و لا تستطيع الكشف عما إذا كان زيد وعبيد على علاقة طيبة معاً . والاستبيان المعتاد لا يستطيع أبداً أن يجلب إلى انتباهي حقيقة اجتماعية مهمة كما مثلاً عندما يفعل المهندس المعماري شيئاً فيؤدي إلى تحطيم عائلة . ولو استطاع أحد الصبية أن يشق طريقه من كوخ فلاح إلى المدرسة فالجامعة حتى يصبح محامياً أو طبيباً أو مدرساً أو ضابطاً ، الأمر الذي لا بد أنه سيحدث للمزيد والمزيد من الصبية الفلاحين ، فإنه سيحس بالخجل من بيته القديم ولن يعود إلى القذارة والقبح الذي يعيش فيه والده . ومن بين سبعة آلاف من أهل القرنة لم يكن قد تخرج من الجامعة سوى فرد واحد ، هو الآن محام يمارس مهنته في القاهرة ولم يضع قدمه قط ثانية في قرية موطنه . ومع انتشار التعليم في ظل القانون الجديد ، سيتعلم جيل جديد بأسره من الأطفال ليزدروا – وهم على حق تماماً – قذارة بيوتهم ؛ ولكنهم سوف ينظرون – وهم على خطأ تماماً - إلى الحداثة البراقة للمساكن الحضرية على أنها العلامة الحقيقية للتقدم والتمدن . ونوع الأسئلة التي تُسأل في أبحاث المسح المعتادة لا يستطيع أن يكشف عن مدى سرعة التغير في حياة الريف . وقد لايستطيع الواحد أبداً أن يدرك كيف أن النمط التقليدي القديم من العزلة والجهل بالعالم الخارجي لهو نمط يتحطم بدداً عن طريق حافلة ( أتوبيس ) الريف والسيارة الأجرة ؛ وفيما مضى لربما عاش الرجل ليموت في قريته وهو لم يذهب قط حتى لأقرب مدينة ، أما الآن فإن وجه مصر تشقه آلاف من طرق الحافلات ، وتكدس كل أنواع الناس وطبقاتهم في سيارات مترنحة ، لا شيء إلا لمجرد الركوب فيها .
والحكومة البرلمانية أيضاً ، بدعايتها ، وخطب انتخابها ، تأتي بالمدينة مباشرة إلى القرية . ومذياع المقهى قد حل منذ زمن طويل مكان الحكايات الشعبية والأساطير . والتعليم العام ينتج الآن آفاقاً جديدة لأطفالنا . وقد فعلت وسائل الاتصال الغربية بالقرية ما فعله كوبر نيوكس بالأرض – فالقرية الآن أصبح ينظر إليها كجزء صغير من الكون ، وليس على أنها مركزة ، بينما العالم الغربي ، وهو مصانع تشيكوسلوفاكيا وإيطاليا بسلعها التي تصمم خصيصاً بألوان فجة سقيمة لترضى الذوق الفاسد عند الفلاح ، هو الذي أصبح يبدو على نحو متزايد وكأنه الشمس أو المصدر الوحيد للحياة . والفلاح المغلوب على أمره ، وهو يبحث عن التقدم ، يهجر التراث الحضاري الذي يحمي ذوقه ، وذلك قبل أن يتم له اكتساب ما يلزم من قدرة على التمييز ، تحل مكان تراثه .
وهكذا فإن منتجات أوروبا و أمريكا بلمعتها التي تزداد دائماً ، تلك الأقداح المعدنية الناصعة ، والأكواب الموشاة بالذهب ، والحلي الزجاجية ذات الألوان الباهرة ، والأثاث المذهب ، كل هذا يقهر أسواق القرى المحرومة من أي دفاع ، ويجبر الأعمال اليدوية الجميلة الجليلة التي ينتجها الحرفيون المحليون على ان تختفي في هوان . والفلاح ، وقد تفتحت عيناه على ثراء حياة المدينة ، يتخذ لنفسه مثالاً من الموظف الحضري و ضابط الشرطة ، وهذان ، يكون أي شيء أوروبي هو بالنسبة لهما الشيء الجيد . إنه لا إله إلا الله ؛ و لا مدينة إلا مدينة الغرب . ويصبح الذوق الوضيع الشره لسكان المدينة من الطبقة الوسطى هو ما يملي الطرز الرائج عند ملايين الفلاحين . وكما أن سائر تاريخ مصر الحي على النيل قد أصبح في حالة تقهقر كامل ، فإن حرفيتها قد أخذت تختفي أمام هجوم الصفيح البراق والأقمشة المبهرجة . والطابع المرئي
للقرية ، مثله مثل عادات سكانها ، يتغير لأبعد مما يمكن إدراكه ، بينما يظل في عين رجل الإحصاء التي لا تميز وكأنه هو نفسه بالضبط . فالإحصائيات تغفل تماماً عن المعلومات الحيوية من مثل طريقة احتفال الناس بأعيادهم الشخصية والدينية . وهناك مثلاً التقليد السائد في بعض قرى مصر العليا ، حيث أي فرد يعود من القاهرة لا يقيم أول ليلة في بيته الخاص و إنما في مضيفة العمدة ، وذلك ليدلي بما لديه من أخبار جديدة ، و إذ يجهل المهندس المماري هذا التقليد فإنه يفشل في توفير ما يناسبه . وحتى نكتشف التقاليد والطقوس
السائدة ، ونرسم خريطة طبقات المجتمع ، ينبغي أن تتحدث إلى المسنين بالقرية ، وأن نرقب حياة القرية لشهور كثيرة . وحتى نكتشف كيف يقوم الناس بعملهم وكيف يستخدمون بيوتهم ، ينبغي أن نرصد الآراء ونستدعيها . والحقيقة أنه كان ينبغي أن نُخضع القرنة حقاً لبحث شامل اجتماعي – اثنوجرافي *
واقتصادي ، ينفذ على نحو صارم بأقصى درجة ، ذلك أننا كنا نريد معلومات يُعتمد عليها حتى نؤسس عليها تخطيط مشروعنا . والناس بصفة عامة لا يدركون أن الاثنوجرافي الاجتماعي له إسهامه الضروري في تخطيط المدن والمناطق ؛ على أني أرى أنه له نفس أهمية الديموجرافي ** . والمخططون كلهم تقريباً يتعاملون الآن مع مجتمعات هي في عملية تغيير، و ما من مخطط يستطيع الزعم بأنه بخبرته الخاصة المحدودة و ملاحظته غير المتمرسة سيفهم التغيرات الحضارية التي تحدث حتى في مجتمعه هو . وأقل من ذلك ما يستطيع أن يزعمه من فهم للمجتمع الأجنبي ، حيث يحدث كثيراً أن يكون عليه فهمه . والاثنوجرافي الاجتماعي هو وحده الذي يستطيع أن يوفر هذا الفهم ، وهو فهم قد يثبت في النهاية أنه أمر حيوي لنجاح المشروع . وينبغي أن يُعد المسح الاثنوجرافي الاجتماعي معاً مما لا يمكن حذفه عند تخطيط المدينة مثلما
______________________________________________
* الاثنوجرافيا : الاثنروبولوجيا الوصفية ، علم الأعراق البشرية الوصفي ( المترجم )
** الديموجرافيا : علم دراسة الإحصائية للسكان ( المترجم )
لا يمكن حذف السجل الديموجرافي للمجتمع .
والسلطات لم توفر لنا أبداً هذا النوع من العون المهني ؛ وهكذا كان علينا أن نتصرف حسب ما لدينا من معرفة وتخمين يتأسسان على الفهم المتعاطف لحياة الفلاح . والطبيب البارع كثيراً ما يصل إلى تشخيص بالملاحظة المباشرة هو أدق مما يصل إليه طبيب غير متمرس رغم كل ما قد يتوفر للأخير من مساعدة الأدوات العلمية ؛ وقلت لنفسي ذلك و أنا آمل أنه حتى تلك المعطيات الضئيلة التي جمعناها ، قد يكون فيها عندما ندعمها بخبرتنا ، ما يكفي لكتابة وصفة علاج ناجحة لحالة القرنة ! فالنقاط المماثلة لما سبق ذكره ، والتي يغفلها المسح الإحصائي غير الكامل ، لو تم تفسيرها تفسيراً ذكياً فإنها ينبغي أن تمد بمفتاح للحل الصحيح للمشكلة المعمارية .
وأول مشكلة معمارية كبيرة في القرنة الجديدة كانت تخطيط القرية . مسألة ما هو الطابع الذي ينبغي أن يكون لشوارعها ، وكيف تكون العلاقة بين البيوت أحدها بالآخر ، وهي مسألة على أقصى درجة من الأهمية .
* * *
بنية القرابة والتقاليد المحلية
هناك سبل ممكنة لكيفية تنظيم عدد من البيوت وتنويع الطريقة التي تلتقي فيها القرية هي والريف . وفي أوروبا مثلاً تتداخل القرية مع المشهد الخلوي الطبيعي ، والبيوت ليست فحسب منفتحة على هذا المشهد الطبيعي ، و إنما هي جزء منه ، تماماً مثلما تكون الأشجار والحقول جزءاً من القرية .
وفي مصر حيث تختلف طبيعة الفلاحة وحيث منظر الأرض الزراعية أقل جاذبية ، فإن القرويين يفضلون أن يحشدوا بيوتهم متقاربة معاً فيما يكاد يكون كتلة حجر واحدة . ويرجع هذا في جزء منه إلى الطبيعة العدوانية لخلاء الريف ، وفي جزء لطلب الاحتماء ، وفي جزء آخر إلى غلو ثمن الأرض الزراعية التي لا يريدون تبديدها . و حاجة القرويين هذه للاحتماء من الطبيعة ومن الناس الآخرين ، لحماية أنفسهم والماشية معاً ، تنعكس في الطريقة التي تنفتح بها البيوت والقرى للداخل نحو المركز مديرةً ظهرها للعالم الخارجي .
ويصدق هذا بالذات على القرى التي بنيت بالفعل فوق أرض زراعية . والقرى في مصر العليا ، حيث يضيق وادي النهر ، تنحو إلى أن تُبنى على التلال التي على الجانبين ، حيث يصبح في الوسع أن تستخدم مساحات أكبر . والقرنة القديمة هي في الحقيقة قرية منبسطة على نحو خاص في غير نظام وهذا في جزء منه لأن كل بيت قد بنى ليشمل أكبر عدد ممكن من المقابر .
والآن فإن معظم المهندسين المعماريين عندما يعيدون تخطيط قرية ، يرصون البيوت في شوارع مستقيمة منظمة ، يوازي أحدها الآخر . وهذا أمر سهل ، ولكنه كئيب . والحقيقة أن هذه الشوارع المتوازية عندما تتكون من بيوت متجانسة منمطة على أدنى المستويات ، ولا يخفف من وقعها أي أشجار أو ملامح أخرى ، فإنها تكون هكذا ذات تأثير كئيب منحط . على انه ما من حاجة لرص البيوت هكذا . فهذه البيوت نفسها بالضبط يمكن تجميعها بنفس السهولة من حول ميدان صغير . ويكون هذا اقتصادياً تماماً مثل صفوف البيوت المستقيمة ، كما أن له مزايا العديدة . وأول شيء ، فهو أن الميدان يُبقى على التوجه التقليدي لبيوت القرية بواجهتها للداخل . وثانياً ، فهو يجلب للقرية بعضاً من لطف وتحضر حياة الإنسان الغني في المدينة . فقصر الباشا كان يبني دائماً من حول فناء أو سلسلة من الأفنية ، تعطي له جواً خاصاً من الهدوء والجمال . ولسوء الحظ فقد نشأ عند المهندسين المعماريين تحيز ضد الأفنية، ذلك أنه عندما هجر الباشوات قصورهم وانتقل إليها أفراد الشعب ، استخدمت هذه الأفنية كمساحة للبناء تختنق بمساكن صغيرة غير صحية . وهكذا فإن ما كان ذات يوم فناء رحيباً هادئاً أصبح حشداً مكتظاً من أكواخ سيئة التهوية . على أننا نستطيع أن نستعيد الفناء للناس مع الاستيثاق من أنه لن ينال مصير فناء الباشا . وعندما نجمع بيوتهم حول الأفنية أو الميادين الصغيرة ، فإننا نستطيع منحهم كل الجمال الذي كان الباشا يستمتع به ويتم في نفس الوقت إسكانهم إسكاناً أنيقاً نظيفاً . وبالطبع فإن الفناء لن يكون بعد فناء مغلقاً ، ولكنه سيتصل بالشارع بحيث يصبح ملكية عامة ، ولا يمكن أبداً أن يستخدم للبناء ، بينما هو في نفس الوقت ينتمي بوضوح إلى مجموعة واحدة من البيوت .
و إني لأحس أن الميدان والفناء هي عناصر معمارية ذات أهمية خاصة في مصر . فالمساحات المفتوحة هكذا من خلال المباني ، هي جزء من طابع المعمار في الشرق الأوسط كله – وهي موجودة حقاً ابتداء من المغرب ، ثم هي تتخلل الأراضي الصحراوية مباشرة إلى سوريا والعراق وفارس ، حتى تصل إلى ما قد يكون أرهف تعبيراً عنها في بيوت المدينة بالقاهرة القديمة . والأمر يستحق أن نستطرد هنيهة لننظر في معنى الفناء والميدان بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في العالم العربي .
يوجد في المساحات المغلقة في الغرفة أو في الفناء ، خاصية معينة يمكن الإحساس بها بوضوح ، وتحمل الطابع المحلي بمثلما يحمله أي قوس بعينه ، وهذه المساحة المحسوسة هي في الحقيقة عنصر أساسي في المعمار ، و إذا لم يتوافر الإحساس الصادق لمساحة من المساحات ، فإنه ما من زينة تستطيع بعدها أن تجعلها شيئاً طبيعياً ينتمي للداخل من التراث المرغوب .
هيا ننظر إلى البيت العربي كتعبير عن الحضارة العربية . بأي الطرق أدت القوى البيئية التي صاغت الشخصية العربية إلى التأثير في المعمار المنزلي ؟
إن العربي يأتي من الصحراء . والصحراء هي التي كوّنت عاداته ووجهة نظره وشكلت حضارته . وهو مدين للصحراء ببساطته ، وكرمه ، وميله للرياضيات والفلك ، ناهيك عن بنية عائلته . ولما كانت خبرته بالطبية هي خبرة مريرة للغاية ، ولما كان سطح الأرض ، والمنظر الخلوي الطبيعي هما بالنسبة للعربي عدو قاس ، محترق متوهج قاحل ، فإنه لا يجد أي وجه للراحة في أن يفتح على الطبيعة في المستوى الأرضي. فوجه الطبيعة الحاني بالنسبة للعربي هو السماء – النقية الطاهرة ، الواعدة بالبرودة وبالماء الواهب للحياة من سحبها البيضاء . السماء التي تقزّم حتى من اتساع رمال الصحراء أمام لا نهائية الكون كله المرصع بالنجوم . وما من عجب أن تصبح السماء بالنسبة لساكن الصحراء هي بيت الله .
والوثنيون الأوروبيون لهم-- آلهتهم في الأنهار وفي الأشجار ، أو آلهة تمرح على قمم الجبال ؛ ولكن ما من إله لهم يعيش في السماء . فإله السموات آتى للعالم عن الرعاة وسائقي الجمال في الصحراء ، الذين كانوا لا يستطيعون أن يرو أي مكان آخر يلاءم الإله ؛ فسطح الأرض بالنسبة لهم لا نتاج له إلا من الجن والشياطين الذين يدورون فيما حولهم في العواصف الرملية .
و هذه النزعة الغريزية المحتومة لرؤية السماء على أنها الوجه الحاني من الطبيعة قد تنامت تدريجياً كما رأينا ، إلى فرض لا هوتي محدد ، أصبحت فيه السماء مقام الله ، والآن وقد اتخذ العربي لنفسه حياة مستقرة فإنه شرع يطبق الاستعارات المعمارية في علمه الكوني ، بحيث تعد السماء قبة تدعمها أعمدة أربعة .
وسواء كان هذا الوصف يؤخذ أو لا يؤخذ به حرفياً ، فمن المؤكد أنه يضفي قيمة رمزية للبيت ، الذي يعتبر نموذجاً أو مصغراً للكون . والحقيقة أن الاستعارة وُسعت بأكثر إلى الجوانب الثمانية للمثمن الذي يدعم ، على خناصر معقودة ، قبة ترمز للسماء ؛ وقد أُخذت هذه الجوانب الثمانية على أنها تمثل الملائكة الثمانية التي تدعم عرش الله . ولما كانت السماء عند العربي تعد في التو المقر لوجه الطبيعة القدسي و أكثر ما فيها السكينة ، فإنه بالطبع يريد أن يجلبها إلى مسكنه نفسه . وكما أن الناس في أوروبا يحاولون أن يجعلوا من منازلهم شيئاً متوحداً مع المنظر الخلوي الطبيعي هو ونباتاته ، إما من خلال الحدائق ، أو من خلال جدران الألواح الزجاجية ، فإن الناس في البلاد الصحراوية يحاولون أيضاً أن يُنزلوا صفاء وقدسية السماء لأسفل بالداخل من البيت ، ويحاولون في نفس الوقت . أن ينغلقوا عن الصحراء برمالها المْعمية الخانقة وشياطينها المنفرة .
ووسيلة صنع ذلك هي الفناء . فالبيت يكون مربعاً أجوف ، وقد أدار للخارج جدران صماء بلا نوافذ ، بينما تطل كل غرفة للداخل على فناء لا يمكن أن يُرى منه إلا السماء . ويصبح من هذا الفناء قطعة السماء التي تخص المالك . والمساحة المحاطة بغرف بيته تستطيع ، على أحسن حال ، أن تولد وحدها إحساساً بالهدوء و الأمان لا تستطيع أن تولده أي قسمة معمارية أخرى . حيث تكون سماء الفنان في كل الأحوال وكأنها قد جذبت لأسفل في علاقة حميمة بالبيت ، وهكذا فإن روحانية البيت تظل تتزود من السماء تزوداً مطرداً .
وصفاء الفنان المطوَّق ليس بأمر خيالي ، ولا هو بالعمل الرمزي المستبعد ، ولكنه حقيقة يمارسها كل فرد يمشي من داخل البيت العربي أو من داخل فناء لدير أو كلية . وقيمة المساحة المطوَّقة قد تم إدراكها ليس فحسب بواسطة سكان الصحراء ، وإنما أيضاً بطول ساحل البحر المتوسط ، بواسطة قدماء الإغريق وبناة الفيللا الرومانية ، وبواسطة الأسبان بباحتهم المرصوفة ، كما أدركها المعماريون العرب في جوامع القاهرة وبيوت دمشق ، وسامراء ، والفسطاط .
على أن الفناء بالنسبة للعربي على وجه خاص ، إنما هو أكثر من مجرد وسيلة معمارية للحصول على الخصوصية والحماية . إنه مثل القبة ، جزء من مصغر يوازي ترتيب الكون نفسه . وعلى هذا النمط الرمزي ، فإن جوانب الفناء الأربعة تمثل الأعمدة الأربعة التي تحمل قبة السماء .والسماء نفسها هي السقف للفناء ، وهي تنعكس على النافورة التقليدية التي في وسطه . وهذه النافورة أو الحوض ، هي في الحقيقة إسقاط دقيق لقبة فوق خناصرها المعقودة . وهي في التصميم مشابه بالضبط ، فهي أساساً مربع ، زواياه في المستوى الأوطي ، قد قطعت لتشكل مثمناً ؛ ومن كل جانب من الجوانب الجديدة التي تشكلت هكذا تتقعر نصف دائرة ، بحيث أن الحوض إنما هو نموذج مقلوب للقبة ، بالضبط كما لو كانت القبة الحقيقية تبدو في صورة مرآة في الماء .
وبيت العربي الذي ينظر إلى الداخل ، مفتوحاً للسماء الهادئة ، وقد جُمّل بعنصر الماء مؤنثاً في شكل نافورة هذا البيت المكتفي بذاته والمفعم بالسلام ، الدعوى النقيضة المتعمدة للعالم الخشن للعمل والحرب والتجارة ، هو هكذا مملكة المرأة . والكلمة العربية المسكن (( المسكن )) التي تدل على البيت ، تتعلق بكلمة
(( السكينة )) ، أي ما هو سلمى مقدس ، بينما كلمة (( حريم )) التي تعني (( النساء )) تتعلق (( بالحرم )) أي (( المقدس )) ، الذي يدل على الأجزاء الخاصة بمعيشة العائلة في المنزل العربي .
والآن فإن من الأهمية بمكان أن هذه المساحة المطوقة ، بما تحتويه من أنوثة دافقة راعشة ، لا ينبغي لها أن تنكسر . و إذا كان ثمة فجوة في المبنى المحيط ، فإن هذا الجو الخاص سوف ينساب للخارج ويتدفق إلى الضياع في رمال الصحراء . فهذا السلام والقدسية ، وهذه الأنثوية المتجه للداخل ، وهذا الجو من السكن الذي لا تكفى كلمة البيت للإبقاء به ، هذا كله هو إبداع هش لدرجة أن أقل خرق صغير في الجدران الواهنة التي تحميه سوف يؤدي تدميره . وهذا هو السبب في أن الباحة المرصوفة ، التي تكون مفتوحة عند أي واحد أو اثنين من جوانبها ، والتي ربما تكون بهيجة بما يكفي في أسبانيا حيث الخلاء الريفي مروِّض نسبياً ، هذه الباحة لا تصلح أبداً في الشرق الأوسط ، حيث ستقفز الصحراء المتوحشة داخله كالجن لتدمر البيت . ولو أن جانباً واحداً حتى من الفناء هو جدار بسيط ، لفسد الجو ، واضطربت فيه السكينة . فلا يمكن الإبقاء على هذا السحر في مكانه إلا بواسطة غرف يُسكن فيها حقاً ، وسبب هذا بالطبع هو أنه ليس بمادة – ولن نستطيع الحديث هنا إلا بضرب الأمثال – و إنما هو إحساس ، وهو يتخلق بالضبط بالتفات الغرف هكذا إلى الداخل و إذن ، فإنني لهذه الأسباب أساساً قد خططت كل منزل ليكون من حول فناء ؛ ولكن الأمر لم يقتصر على أن يتضمن كل بيت فناءه ، وإنما كانت كل مجموعة من البيوت تنتظم أيضاً لتحيط بالفناء المشترك الأكبر شبه العمومي ، أو الميدان ، فناء (( الباشا )) الذي تكلمت عنه فيما سبق . وكل واحد من هذه الميادين ، بما يحيط به من بيوت ‘ قد قصد به أن يخدم مجموعة عائلية واحدة ، أو (( بدنة )).
والبدنة هي مجموعة من أناس قرابتهم لصيقة ، وتتألف من عشر عائلات إلى عشرين عائلة ، ويكون لها رأس أبوي معترف به كما أن لها حساً وثيقاً بالولاء المشترك . وتعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة ، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة ، تعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة ، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة ، إلا أنها تتبع أسلوباً مشتركاً للحياة .
والبدنة الأكبر يكون لها مقهاها الخاص ، ولا يذهب أحد إلى المقهى آخر ؛ كما يكون لها حلاقها وبقالها الخاصان ، وعندما تخبز إحدى العائلات خبزها ، فإن كل العائلات المجاورة في البدنة يكون لها أن تستخدم الفرن لتسخين خبزها القديم ، وحسب دورة مرتبة للعائلات تقدم كل منها هذه الخدمة في دورها ؛ أما في الأعياد والاحتفالات عند استقبال الضيوف فإن البدنة ككل توفر الوليمة ووسائل الترفيه . والبدنة هي من وجوه هامة من الوحدة الاقتصادية – الاجتماعية الرئيسية للفلاح . وكان عليّ أن أحسب لذلك حسابه ، وأن أتأكد من أن كل بدنة يتم إسكانها معاً وتوفر لها تسهيلات متابعة القيام بكل الأنشطة الاجتماعية التي تعودت عليها .
وكان هذا سبباً إضافياً لتخطيط البيوت من حول ميادين ، حيث تستطيع البدنة أن تستقبل الضيوف و أن تقيم الاحتفالات المرتبطة بالزيجات وعمليات الطهور ( وُفرت مضيفة أو غرف ضيافة للاستخدام المشترك لكل بدنة في ميدانها ) ، والميدان أيضاً يصلح لأغراض أخرى أكثر عملية كالتخزين المؤقت للوقود والقش ، و إلا فإنهما كان سيكومان بلا نظام في الشارع العام . على أن الأهم من ذلك ، أن الميدان بما يضيفه على المنازل بوصفه بؤرة لها حيث تلتفت كلها للداخل مطلة عليه ‘ فإنه بذلك يخلق للبدنة شيئاً من الجو نفسه الذي يخلقه فناء المنزل الخاص للعائلة المفردة .
وهكذا فإنه يساعد على توثيق صلة المجموعة العائلية معاً ، بتأكيد لطيف متواصل على وحدتها ، وكذلك أيضاً بسبل عملية عديدة ، مثل تسهيل ممارسة تلك العادة الراسخة من أين يسخن المرء خبزه في الفرن الذي صادف أن يكون أي من جيرانه يخبز فيه ، وبتوفير مكان للأطفال يلعبون فيه حيث يكونون تحت أعين أمهاتهم وليس تحت أرجلهن . على أن ما كان بالنسبة لي أكثر أهمية من كل هذه الاعتبارات ، لهو التأثير في الشخص إذ يخرج من غرفة بيته ، ثم من خلال فناء البيت ، إلى الميدان الأكثر رحابة و إن كان مازال مطوقاً ، بحيث لا يمر إلى الشارع العام إلا بعد ذلك . وسواء كان ذلك في القرية أو المدينة ، فإن هذا الترخيم التدريجي فيه سلام وسكينة بأكثر مما في الاندفاع المفاجئ للمرء من خصوصية غرفته الصغيرة إلى صخب الشارع أ إلى الحجم الهائل للحقل .
ومن الممكن أن تُرتب هذه الوحدات نفسها بالضبط ترتيباً يتم بطرق مختلفة – كتخطيطها في شبكة متعامدة أو أي شكل آخر – على أن أحسن ترتيب لها هو الميدان المتناسب تناسباً جيداً . على أنه يجب ملاحظة أن من المهم أهمية حيوية أن البيوت يجب أن يكون وجهها للداخل ، في الميدان ، تماماً مثلما يكون ضرورياً أن يحاط فناء البيت بالغرف ووجهها للداخل .
ومما يحدث كثيراً إلى حدٍ ما أن نرى ما يزعم أنها ميادين ، وهي بالفعل ليست إلا مجرد مساحات عارضة تحددها نهايات صفوف البيت ، أو جدار لمدرسة ، أو ظهر مصنع . وعندما تدير كل المباني ظهرها إلى الميدان ، أو تعطيه في أحسن الأحوال جانباً بارداً منها ، فكيف لنا بعدها أن نتوقع أن يستخدم الناس هذه المساحة كميدان حقيقي ؟ وما يحدث عندها لا يقتصر على أن الجو العام يتسرب بعيداً ، بل إنه أصلاًلا يتواجد أبداً . والمساحات الكئيبة من مثل ذلك سرعان ما تصبح مقالب للزبالة ومقراً لاجتماع عصابات الأحداث المنحرفين .
واستقبال الضيوف في القرية هو جزء هام جداً من حياة القرويين . واحتفالات العائلة هي والأعياد الدينية تستدعي حشداً كبيراً ، ويقوم كل الجيران بالمساعدة في توفير الطعام . ويجتمع الضيوف حسب مراتبهم ، فرئيس مجموعة العائلات – الرجل الأكبر سناً والأكثر احتراماً في البدنة – يتخذ مكان الشرف في المضيفة حيث يُقدم له الطعام هو والضيوف الأكثر اعتباراً . أما الأقارب الأبعد صلة فيجلسون لأبعد قليلاً من تحت المقاصير المغطاة . أما جمهور المعارف العارضين هم وعابرو السبيل فيجتمعون في الخارج في الميدان .
ومن الممكن رؤية الميادين الخاصة وهي تستخدم أعنف استخدام لاحتفال من هذا النوع وذلك عند الاحتفال السنوي ؛ بمولد النبي ، الذي يرادف الكريسماس في الغرب . فالاحتفالات عندها تستمر لاثني عشرة ليلة ، وفي كل ليلة منها تقوم بالضيافة عائلة مختلفة ، ويجتمع أفراد المجاورة لسماع ترتيل القرآن وللمساهمة في الذكر أو الحركات الإيقاعية مع التغني باسم الله .
* * *
الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية
كان علينا بأي حال ، أن نعرف عن أهل القرنة ما هو أكثر من مجرد تقاليد وتجمعاتهم الاجتماعية ، وأهم من ذلك أن نعرف الحقائق الصادقة عن حياة القرويين الاقتصادية ، التي يمكن منها أن نقيس تأثير انتقالهم في قدرتهم على كسب عيشهم . ورغم أن مهمتنا كانت فحسب أن نبني مجموعة جديدة من البيوت ، فإنه ما كان يمكننا أن نتجاهل عامدين مسألة أسباب العيش هذه عند أهل القرنة بعد انتقالهم . فوسيلة القرويين لكسب عيشهم هي مما يجب أن يؤثر في تصميم بيوتهم وما يتم توفيره لهم من المباني العامة .
وأول حقيقة أصبحت واضحة لنا هي أن أهل القرنة لا يمكن أن يأملوا في كسب عيشهم من الأرض المحيطة بالقرية . فإجمالي مساحة الأرض الزراعية المتاحة للقرنة هو فحسب 2357 فداناً ؛ الفدان = 1.038 من الأكرات ) ، بينما كان عدد السكان في إحصاء 1947 هو 6394 . وحيث أن 2357 فداناً لا يمكن أن تعول إلا 3000 فرد ، فسيكون هناك فائض من 3000 فرد آخرين على الأقل عليهم أن يكسبوا رزقهم من مهنة أخرى . وقد تطور الأمر بالقرنة إلى مهن خدمة الآثار ، فاستُخدم سكانها غالباً كعمال في الحفائر ، كما كسبوا أيضاً مالاً وفيراً من سرقة المقار وبيع الأشياء للسائحين . ولابد أن عدد السكان عند نشوب الحرب في 1939 كان حوالي 9000 ، إلا أن إيقاف كل الحفريات وكساد أعمال السياحة قد جعل الكثيرين من أهل القرنة يتركون القرية ، كما أدى وباء شديد من الملا ريا الجامبيا في 1947 إلى قتل ما يقرب من ثلث السكان الباقين . ومع ذلك فحتى هذا العدد المنخفض من السكان لم يكن ليستطيع أن يجد عملاً كافياً لكسب العيش ، وذلك رغم إعادة بدء الحفائر . أما عملهم القديم في سرقة المقابر فقد أصبح عائده في تناقص مستمر بسبب تزايد يقظة السلطات ، واستنفاذ ما في القبور . وفوق ذلك ، فإن أهل القرنة عندما ينتقلون ، سيجدون معيشتهم أصعب و أكثر تكلفة ، ذلك أنه عندما يُقتلع مجتمع من جذوره ويتبدد ما كان لديه من وسائل صغيرة لراحة العيش ، فإن من كانوا يتمكنون بالكاد من مواصلة العيش سيصبحون جوعا ، وكما يبدو ستصبح موارد مل فرد أقل .
والآن ؛ فقد افترضت مصلحة الآثار أن السكان سيستمرون في الانكماش ، وكان هذا استنتاجاً طبيعياً من الموقف الاقتصادي الفعلي للقرية آنذاك . على أنه كان يوجد – ومازال يوجد – طريقتان محتملتان – لكسب أود جماعة سكان متنامية . والأولى أن تستبدل بعض الحرف بشتى المهن التي تعتمد على الآثار . وتحول القرنة إلى مركز للصناعات الريفية . وهذا أمر متاح كما يتضح من مثل نقاده ، وهي مدينة على مقربة يعيش سكانها العشرون ألفاً على النسيج . ولو أصبح أهل القرنة في معظمهم من الحرفيين ، فإنه يمكن أن يستقر السكان بعددهم الحالي وسوف يأخذون بعدها في التزايد بالمعدل الطبيعي للزيادة .
والاحتمال الآخر للتنمية يعتمد على قرب القرنة من الأقصر ومن منطقة الآثار ؛ فالقرية الجديدة ستصبح قاعدة السياح لزيارة وديان المقابر ؛ والطرق التي تؤدي من المعدية النيلية إلى الآثار والتي تمر عبر القرنة كانت بالفعل ممهدة ، وهناك جسر صغير قد بنى على ترعة الفضلية . بل وهناك حديث عن بناء كوبري على النيل لربط الأقصر بالضفة الغربية. والقرنة قريبة من معظم الآثار الهامة أكثر من الأقصر ، وإقامة فندق سياحي هناك ستوفر فرصة كبيرة للعمالة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . والحقيقة أنه مع تحسن المواصلات فإن قيمة الأرض سترتفع ويمكن حتى أن تصبح القرية ضاحية للأقصر .
وهكذا فإن تنمية القرنة تبدو أمراً ممكناً للغاية . وتخطيط القرية الجديدة يوفر إحلالاً لكل بيت في القرية القديمة سواء كان مسكوناً أو غير مسكون ، بجيث تستطيع القرنة الجديدة أن تأوي ما يصل تقريباً إلى العدد الأصلي للسكان وهو 900 . وإذا زاد عدد السكان عن 9000 ، فإن هناك متسعاً للامتداد شمالاً وغرباً حتى يمتلأ الحوش عن آخره ؛ أما حالياً فيستخدم منه خمس واحد فحسب للقرنة الجديدة . وأما المباني العامة فكانت كبيرة بما يكفي للتعامل مع زيادة عدد السكان بما له اعتباره ، وذلك فيما عدا المدارس الابتدائية ؛ سوف يلزم بناء مدارس جديدة بمعدل مدرسة لكل 2000 ساكن جديد .
وإذن فإن أحد أجزاء المشروع الحيوية هي أن توسع موارد أهب القرنة بتزويدهم بالمهن التي توفر كسب المال . والمهن التي لديهم من قبل هي قليلة العدد ؛ وقد ذكرت مهارتهم الملحوظة في تزييف التماثيل والجعارين الأثرية ، وإلى جانب هذا فقد اعتادوا تحويل الألبستر إلى زهريات ، ونسج بعض أنواع لطيفة جدا ً من المنسوجات الصوفية ، وأن يصنعوا الفخار . وهم أيضاً يقومون ببعض أعمال صياغة الفضة ، إلا أن المشغولات الفضية لم تكن مما يُطلب الآن إلا قليلاً ، فكانت المهنة في طريقها إلى الزوال .
والعمل في بناء القرية الجديدة سيوفر فرصة رائعة لإدخال المهن المختلفة المتعلقة بالبناء . والحق أنه يبدو توفير المهارات المحلية ما كان يمكن بناء القرية . وأردت أن أعلم أهل القرنة صنع الطوب ، واستخراج الحجارة ، وحرق الطوب والجير ، ورص مداميك الطوب ، والسباكة ؛ والتجصيص . ثم هناك تأثيث بيوتهم الجديدة ، وأردت في ذلك أن أحافظ على التصميمات التراثية للأثاث التي تلائم البيوت ، وربما مع تعديلها .
والقرويون ما إن يتعلموا هذه الحرف ، فإنهم سيستطيعون بيع مهارتهم ومنتجاتهم للقرى الأخرى من حو لهم ولكن إذا تم ذلك بالنسبة لهذه الحرف ، فلماذا لا يتم أيضاً مع غيرها ؟ غن النسيج الصوفي المحلي ينبغي أن يجد سوقاً له . ويمكن تعليم القرويين صنع بساط الحصير ، والسلال ، والأبسطة والسجاجيد . وكنت أرغب أشد الرغبة أن اكتشف طريقة بسيطة لصقل الفخار على درجة حرارة منخفضة ، بحيث يمكنهم صنع أواني مائدة من نوع جيد ليبيعوها ، والحلي أيضاً ؛ كان هناك تقليد بأن تدخر النقود في شكل حلي فضية من المشابيك والخلاخيل والأساور والعقود ، والأنواع الأخرى من الحلي – ومن هنا تكون مهنة صياغة الفضة وأعتقد أنه لو كانت مدخراتك بحيث يتسنى لك أن تراها وتعجب بها فإن هذا أفضل من أن تحتفظ بها في مصرف ، وهكذا وددت أن أشجع إحياء مهنة صياغة الفضة . ومن الممكن أيضاً صنع التذكارات للسياح
( وهه هنا بعض مجال لمزيفي الآثار ) . بل أننا فكرنا في تأسيس ورشة صغيرة لصنع النوافذ ذات الزجاج المعشق الملون .
ولو ابتدأت كل هذه الأنشطة الجديدة في القرية ، فإنها ستهب الناس في التو حياة أكثر إرضاءً . وسوف تتضاعف مقتنياتهم الشخصية وتصبح بيوتهم أجمل ، وسوف يكسبون نقوداً أكثر ويتخلصون مما ألفوه طويلاً من تعاسة .
والمدينة إنما تقاس حسب نوعية ما يقتنيه الناس من الأشياء الثانوية للحياة وكسب نوع عاداتهم ، فهي لا تقاس بغلو ثمن مقتنياتهم . وقد يحوز أحد الرجال آلة حلاقة كهربائية ، ولكنه لن يكون أكثر تمدناً من رجل يحوز موسى من الطراز القديم ؛ فالاثنان يحلقان وهذا فيه الكفاية . والأمير المترف إذ يجلس في مكتبته الخاصة وسط كتب من الطبعة الأولى كلها مجلدة وعليها شعاره ، لا يكون بسبب هذا أكثر تمديناً بأي حال من عامل رث ملابس يدرس في مكتبة عامة كتباً قذرة بليت من كثرة التقليب . فمستوى المعيشة في القرية إنما يرتفع ارتفاعاً عظيماً بتوفير بيوت بسيطة ولكنها وافية ، مؤثثة بما يكفي ، ومزودة بالتركيبات الصحية ومزينة بالمنتجات المحلية الممتازة ، كما يرتفع بالتعليم ، وبالنقود التي تكتسب من الحرفة ، وبزيادة الاتصال بالمسافرين والسياح والمدرسين من الخارج . وهكذا يصبح الناس أكثر صحة وسعادة وراحة وأمناً وحتى جداول الإحصائيين سيظهر فيها عدد وفيات أقل و أطفال أكثر .
* * *
واقتصاد القرنة الجديدة عليه بحكم الظروف أن يعتمد على الإنتاج و (( التصدير )) . ولدينا الفرصة لاختيار الحرف التي يبدو أنها اكثر إرباحاً ، ويبقى علينا أن نستفيد بكل ما لمجتمع حرفي قوي من مزايا تتفوق على جيراننا المزارعين الأكثر ضعفاً ، ولربما شعر هؤلاء الجيران حقاً بالغيرة إذ يرون أهل القرنة الذين عملوا بالسرقة خمسين عاما ينالون جائزتهم عن ذلك بما قدم لهم من وسائل تجعلهم ما زالوا يزيدون غنى ، على حساب الفلاحين الشرفاء ، ولا شك أنه ليس هناك مطلقاً ما يبرر محاباة أهل القرنة بالذات . ولو أنهم استحوذوا على كل الأسواق ، فسيكون من الصعب بعدها أن تُنوع الحرف في القرى الأخرىو يُرفع من مستوى معيشتها . والحقيقة أنه ما من قرية تستطيع أن يكون لها وجود مستقل بذاته ، وينبغي ألا تعد القرية كياناً منعزلاً . وينبغي من كل الوجوه أن تتخذ القرية المكان الملائم لها ضمن نموذج كلي – ليس فحسب من حيث المكان ، و إنما من حيث الأبعاد المختلفة للنمو الاجتماعي والاقتصادي ، بحيث أنها مع تطورها ومع تنامي عملها وحرفها وأسلوب حياتها ، تساعد بذلك على الاستقرار البيئي للمنطقة بدلاً من أن تفسده . ولعله ينبغي أن يكون لدينا خطة للمنطقة على المدى الطويل ، تخصص الصناعات للقرى بحيث لا تتولد ضغوط منافسة لا تطاق ، على أننا لم يكن لدينا أي من ذلك . وعلى كل ، فإن هذا مبعثاً للقلق لحظتها ، فبالوضع الحالي للريف هناك نقص هائل في أي منتج ، في أي من أكثر الضرورات الأولية للحياة المتمدينة ، بحيث أن هناك مجالاً فيه أكثر من متسع لأن تضاعف كل قرى مصر من إنتاجها لمرات كثيرة .
* * *


الحرف الريفية في القرنة
لا بد من أن أوضح أنه فيما يتعلق بالحرف الريفية في القرنة ، فإنني فيما عدا حرف البناء ، لم يكن لدي أي نية لتنمية هذه الحرف بنفسي ؛ فلم يكن هذا من مهامي . على أننا قد قمنا ببعض التجارب ، وكأنها بمثابة أخذ عينات من التربة ، لنرى إذا كان يمكن للحرف أن تنمو في القرنة . وأهم الحرف هي صناعة النسيج ، فيمكن أن يكون منها بالفعل نوعان محليان للنسيج لهما أهمية كبيرة في القرنة (( البردة )) و (( المنير )) ، وأما قرية نقادة القريبة التي تعرف بأنها القرية (( المليونيرة )) فكانت تنتج نسيجاً بالغاً في التعقد وغلو الثمن يسمى (( الفركة )) ، وكنت أريد إدخاله للقرنة . و إلى جانب هذه ، وكلها أقمشة صوفية ، كان هناك أقمشة قطنية للكوفيات وما شابه وهي حقاً جميلة جداً بتقليمتها الرهيفة في تناسقها ؛ على أنها لم تكن من نوعية جيدة جداً وذلك بسبب الغزل والصبغات .
* * *











































صناعة النسيج :
في سياق جهودنا لإنشاء صناعة نسيج . أجرينا بعض تجارب في الصباغة ، بمساعدة من اسكندر نساج القرية . وفيما مضى كانت الصبغات النباتية المحلية جميلة جداً ، ولكنها نبذت لتستخدم بدلاً منها الصبغات الكيماوية الرخيصة ن التي أدى استعمالها إلى تأثير بالغ السيوقية في منسوجات الأقمشة التراثية . ولو أمكننا إعادة إدخال الصبغات النباتية ، فإن أقمشة القرنة فيما ينبغي سوف تباع جيداً . وقد هدفنا إلى احياء تقنيات الصبغة النباتية ، لأن هذه الصبغات أكثر ثباتاً ورقة في ألوانها من الصبغات الكيماوية . ولكن حتى يحل الوقت الذي نتمكن فيه من إنتاج الصبغات النباتية بقدر كبير ، كان علينا أن نعتمد قبلها على صبغات
الأنيلين*، وقمنا بعدد من التجارب لجعل هذه الصبغات أكثر لطفاً وتجانساً . وفكرت من بين أشياء أخرى ، في أن أخفف من التباين الجافي للصبغات الأنيلية بأن أمزج كل صبغة منها في الماء المتخلف من لونها المكمل ، وفكرت أيضاً في أن يتم اختيار الصوف الأصلي اختياراً حريصاً ، بحيث أن الصوف الذي يكون لونه الطبيعي بنياً قاتماً يتم صبغه بالأحمر ، بحيث أن الصوف الذي يكون لونه الطبيعي بنياً قاتماً يتم صبغه بالأحمر ، والصوف البني الفاتح بالأصفر ، والصوف الأسود بالأسود ، وهلم جرا . وسوف يرقق ذلك من الألوان الزاهية بينما يجعل الألوان الداكنة متوهجة . وقد ساعدتنا شركة الصناعات الكيماوية الإمبراطورية
وصنع القرميد تدخل في المحدودة مساعدة كبيرة في هذه التجارب ، إذا اهتمت بهذا العمل وسمحت لي بالحصول على الصبغات في كميات صغيرة ، الأمر الذي يخالف إجراءاتهم المعتادة .
وكانت منسوجات القرنة المحسنة الصبغة جذابة أقصى الجاذبية . وتصادف أن رأى مسيو بودان ، أحد مديري جانسين في باريس ، هذه الأقمشة فراقت له كثيراً حتى أنه عرض أن يشتري كل متر نستطيع إنتاجه من قماش المنير الملون .
وزار القرية السيد محمود رياض وزير التجارة والصناعة ، وثار اهتمامه أيضاً بتجارب النسيج والصباغة . وشجعنا تشجيعاً هائلاً بأن وعد بأن يرسل لنا خبيراً في صناعة النسيج لتوطيد هذه الحرف . وسرعان ما وصل الرجل . وكان اسمه محمد طلحة أفندي ، وهو شخص على أقصى درجة من طيبة القلب والتفكير الاجتماعي ، ويتحمس لعمله كل التحمس وفي ظرف ليلة ، كان قد جمع في الخان مجموعة من عشرين طفلاً ليعلمهم النسيج . وكان أول ما فعله هو أن جعلهم جميعاً يغتسلون جيداً ، ثم جعلهم يشرعون في برم الخيوط ، وإعداد النول وما إلى ذلك من المذهل أن يرى المرء كيف أن فيهم من تشربوا نسج السجاد وكأنما بنفس الطريقة الطبيعية التي ينسج بها العنكبوت وكأن الحرفة كانت تجري في دمائهم .
وعندما أتى وكيل الوزارة ، شفيق غربال ، لزيارتنا تأثر تأثراً بالغاً بهؤلاء النساجين الصغار ، على أنه قد
لاحظ أنهم يبدون نحافاً جائعين ، واقترح أن يُمنح لهم في كل يوم سلطانية من حساء العدس . وكان هذا
اقتراحاً عملياً معقولاً صفق له كل واحد ( وخاصة الأطفال ) ، وما لبثت الوزارة أن سألت عن بند الميزانية
الذي سيوضع الحساء عليه . واتضح أنه لا يوجد باب مناسب يمكن صرف حساء العدس عن طريقه ، اللهم
إلا إذا استطعنا بدء تشغيل المدرسة الابتدائية ، ووضع الأطفال فيها ، فيحسب مبلغ القرش الواحد أو مايقاربه
لكل فرد على حساب وجبات المدرسة . وبدا أن هذه طريقة باهظة التكلفة للحصول على سلطانية حساء ،
بأن تُبنى مدرسة وتوظف لها هيئة من المدرسين . على أن المشكلة حلت نفسها ، عندما سقطت الوزارة بعدها
مباشرةً تقريباً وتم نقل طلحة أفندي . وطُرد الأطفال ليهيموا في منطقة الآثار وهم يشحذون البقشيش من كل
السياح .
وبعد هذه النكسة ، فكرت في أنه يمكن توطيد جذور حرف النسيج توطيداً أشد لو أمكن بناء مدرسة الصنايع ليتم تشغيلها .. وهكذا سارعت للبدء في بنائها . وكان الهدف منها أن تكون معاً مركزاً للتدريب وورشة جماعية ، بها الأنوال وتجهيزات الصباغة . وهكذا جُهزت المدرسة بستة أحواض للصباغة ، وكل حوض له غلايته الخاصة التي تعمل بفرن من نوع قطرة – زيت – وماء – وهو وسيلة فعالة جداً تغلي سعة برميل كامل من المياه كل ربع ساعة . وكان في المدرسة الصنايع متسع لعشرة أنوال للأنسجة المحلية ولعدد من الأنوال الرأسية للأقمشة العادية .
وبمجرد الانتهاء من مدرسة الصنايع كتبت إلى وزارة التجارة والصناعة عارضاً إياها عليهم . وكان للوزارة من قبل مركز للصناعات اليدوية في قنا ، ولكنه كان يتوارى بعيداً في شقة مؤجرة بالطابق الثاني ؛ وهكذا ظننت أنهم سيرحبون بفرصة تدريس صناعاتهم في هذه الإنشاءات الدائمة التي حسن إعدادها ، خاصة أنها تقدم لهم مجاناً . ولكن المدير العام كتب ليرد عليّ قائلاً : إنني أحاول فرض أرائي على وزارة وأنهم لا يقبلون العرض .. وبدا من لهجته وكأنني أحاول انتزاع شيء منه بدلاً من كوني أقدم شيئاً مجاناً . وهكذا ماتت تماماً تجربة النسيج ، وكان ذلك بالكلية بسبب تثبيط حكومي نشط .
* * *
______________________________________________________________

* مادة عضوية تستخرج من قطران الفحم وتستخدم في الصبغات والعطور ( المترجم ) .
صناعة الفخار :
إلى جانب النسيج كنت أود أن أعطي القرن وسيلة عملية لصنع الفخار المصقول ، للأسباب التي شرحتها من قبل .
وصنع القرميد تدخل فيه مشكلة أن لا يوجد ، أو كان لا يوجد ، مادة صقل مناسبة تنصهر على درجات الحرارة التي يمكن الحصول عليها من أفران الفلاحين العادية . فكان علينا إما أن نعثر على مادة صقل في درجة حرارة منخفضة أو على فرن رخيص عملي عالي الحرارة . وكان المثال الياباني إيسامو نيجوتشي قد أخبرني أن أحد الأشخاص في جامعة كاليفورنيا قد صنع مادة للصقل تعمل عند درجة حرارة 600ْ م ، ورغم أني سألت أناساً كثيرين ، فما من أحد آخر كان يبدو أنه قد سمع بهذا . على أنني قد صممت بالفعل فرناً ، يعمل بقاعدة نقطة – الزيت – والماء لإحراق الطوب والجير .
وبالنسبة لأي شخص يهتم بهذا الموضوع ، فهناك أيضاً صناعة الخزف والقيشاني المحلية في رشيد ، حيث كانت تصنع فيما مضى أجمل أنواع البلاط القيشاني ، وهو بلاط ما زال يمكن رؤيته في البيوت القديمة برشيد ودمياط .
وكان الأب دي مونتجولفير ، وهو قس يدير مستوصفاً صغيراً في جرجا عبر النهر إلى الشمال من الأقصر قد رأى أني مهتم بتحسين الفخار المحلي . فأرسل دعوة لابن أخيه ، وكان خزافاً ، ليحضر من باريس ، وبنينا له ورشة جميلة جداً في جرجا . ولسوء الحظ فإن الفخار الذي أنتجه ابن أخيه و إن كان لطيفاً جداً ، إلا أنه لم يكن مطلبي .فقد كان فنياً لأكثر مما ينبغي ، بينما كان ما يحتاجه الفلاحون هو فخار أو قرميد بس
ومباشر جداً وقابل للاستخدام . فما نحتاجه فوق كل شيء هو تكنيك يستطيع الفلاحون تقليده بسهولة ؛ شيء يشبه في رخصه وبساطته البناء بطوب اللبن .
وكم كنت أود لو أنني أتيت بإيسامو نيجوتشي ودي مونتجولفير معاً لأرى إذا كانا سيتمكنان فيما بينهما من إنتاج شيء ما .
وكان ينبغي أن يتم تعليم أهل القرنة كل هذه الحرف الجديدة ، وإتباعاً لمبدأ أنه بعد أن شاب لا يصلح للكتّاب فكرت أننا ينبغي أن نركز على أن نعد حرفيينا الجدد من بين أطفال القرية .
ولما كنت أعرف أن حجرات الدراسة تكون عرضة لأن تنعزل عن الواقع بما تُفعم به من حشو الطباشير وأوراق الامتحانات ، وأنه مهما بلغ من حسن نوايا المدرسين فإن الأطفال يتململون ويتطلعون من النوافذ للخارج . فقد قررت ألا تدرس هذه الحرف الجديدة في المدرسة . وأفضل من ذلك كثيراً أن تتم الاستفادة بنظام صبي الحرفة . فيعمل الدارسون في دكان معلم للحرفة ، وسوف ينغمسون من أول يوم يعملون فيه تحت يده في جو الصنعة . وسيتعلمون كل خدع الحرفة وحيلها ، وسوف يرون فائدة معرفتهم هذه ملموسة فيما سينالونه من نقود – ذلك أنهم سيمكنهم بيع إنتاجهم من أول الأمر ولن يكون هناك أي من تلك الحيرة التي تنتاب معظم التلاميذ عندما يحاولون إدراك العلاقة بين التجريدات التي تلقن لهم في حجرة الدراسة وحقائق الحياة الواقعية خارجها . فهم سيكبرون في عملهم ، متفهمين لكل ما فيه من صعوبة ، وإذ يتقنون العمل فإنهم يكتسبون ، لا المديح من المدرس ، وإنما النقود من العميل . وصبيان الحرفة عندي لا يمكن أبداً أن يكونوا على مثال أولئك التلاميذ الذين يرجون من المدرسة بشهادة في أيديهم ، ويتحينون في سذاجة أي منفذ ليقفزوا عند أول فرصة إلى وظيفة ما مكتبية .
* * *
خان الصنايع :
كان يجب أن نزيد من السرعة المعتاد تطبيقها لتعليم الحرفة للصبيان . فلم يكن في وسعنا أن نُبقي الصبيان طيلة ثلاث سنوات وهم ينظفون أدوات المعلم ويلفون الخيوط في كرات . وعليه كان ينبغي أن نستدعي حرفيين من مناطق أخرى ، ونحدد لهم الفترة الزمنية التي يحتاجونها للبقاء ، وندفع لهو راتباً ونوفر لهم الإقامة أثناء وجودهم معنا . وقد خططت لهذا الغرض نزلاً هو واحد من أهم البنايات العامة في القرية ، حيث يمكن أن يقيم كل معلم حرفة هو وعائلته ، مع وجود ورش يمكنه فيها أن يمارس مهنته ويعلمها ، ودكاكين يمكنه فيها أن يبيع سلعه . وهذا الخان ، كما أسميته ، هو المكان الذي ستُعلم فيه المهن الجديدة التي ستنشئ اقتصاد القرنة الجديدة .
والخان هو الأداة الرئيسية لتنظيم الإمداد بالحرفيين الجدد . و قد بزغت فكرة هذا البناء من حاجة القرنة لحرف جديدة ، ومن الحقيقة أن النظام المدرسي لن يكون اقتصادياً بالمرة بالنسبة لهدفنا .
و في سياق الحياة الطبيعي ، لا يستطيع مجتمع ما أن يمتص في أي حرفة واحدة إلا عدداً محدوداً من الحرفيين . وعندما يتعلم الأولاد المهنة كصبيان لها ، فإن المعلم الحرفي يحرص على ألا يكون في دكانه عدد من عمال المياومة المهرة هو أكثر مما يلزم ، لأنه يجب أن يدفع لهم أجراً وهكذا فإنه يحتفظ بالكثير من صبيانه لزمن طويل وهم يؤدون في الدكان مهام لا ضرر منها ، ولا يتيح له أسرار الحرفة إلا بحذر شديد و عندما يكون حقاً في حاجة إليهم . وبهذه الطريقة فإنه يتأكد أيضاً من أن السوق لا يكتظ أبداً بالمنافسين من معلمي الحرفة ، وبهذا فإنه يضمن كسب عيشه هو نفسه . وهكذا فإن نظام صبيان الحرفة هو وسيلة طبيعية ممتازة للاحتفاظ بتوازن الحرف في المجتمع .
على أنه نظام محافظ . وعندما يظهر أن تغيير نمط العمل هو أمر مرغوب فيه ، وعندما تصبح هناك حاجة إلى عدد أكبر كثيراً من الحرفيين في حرفة معينة ، فإن نظام صبيان الحرفة لا يمكنه أن يتوافق توافقاً طيباً . وحتى نعيد توفير الحرفيين للقرنة كنا في حاجة إلى نظام ما يجمع بين الناتج الكبير من المدرسة مع مرونة وانخفاض تكلفة نظام صبيان الحرفة ، وقد وجدنا هذا الخان . والمبنى نفسه ، وهو رخيص في المقام الأول سيتم فيه إيواء معلمي الحرفة في تتال ، بحيث يُدعى كل منهم للحضور و تمرير مهاراته بأسرع ما يمكن حتى يتم استيفاء حاجاتنا في هذه الحرفة بعينها . ثم يعود المعلم إلى بلده ثانية ، ويمكن أن يشغل حرفي آخر مكانه ليعلم حرفة ضرورية أخرى .
و لن يكون هناك فصول دراسية ، وسوف يقوم الحرفيون ببيع عملهم ، وسوف يتعلم الصبيان بسرعة ( لأنه ما دام معلموهم لا يمكثون إلا مؤقتاً ، فإنه لن يكون لديهم أي سبب لتأخير تعليمهم ) ، ولو حدث و تم إمداد القرية بالكامل بالحرف المزدهرة ، فإنه يمكن تحويل المبنى لغرض آخر . والتلاميذ ، إذ يتعلمون حرفتهم بنجاح سيمارسونها في القرية وليس في الخان ، وسيتخذون بدورهم صبياناً لأنفسهم . وهكذا فإن الحرفة بعد الأخرى سوف تنتشر (( بذورها )) من الخان إلى القرية ، حيث يمكن بعدها أن تستمر في النمو بنفسها . والمهن التي يجب أن تُعلم حسب هذا النظام هي تلك التي يكون الطلب عليها محدوداً نوعاً ؛ كصناعة الحلي وخرط الخشب ، والنجارة ، والنسيج الفاخر ، ونجارة الأثاث ، وتقليد الآثار ، ( الذي يصبح الآن مهنة محترمة ) ، وما إلى ذلك .
أما الحرف الأخرى ، وخاصة النسيج والصباغة ، فإن لها سوقاً كبيراً ثابتاً . وسوف يكون هناك طلب متواصل على القماش ، وبالتالي حاجة متواصلة للنساجين والصباغين . وهؤلاء سوف يتعلمون في مدرسة الصنايع . وهي ثاني أكبر مبنى تعليمي في القرية ، حيث يكون الأمر جديراً بإقامة نظام دائم . والمقصود هو أن الأولاد إذ يتعلمون الحرف هناك ، فإنهم ينبغي أن يمارسوها في نفس المبنى ، الذي سيصبح بمثابة مصنع صغير للقماش يتم فيه تدريب ما يخصه من الحرفيين .
وسيكون هناك أيضاً بالطبع مدرستان ابتدائيتان حيث سيتعلم كل أطفال القرية القراءة والكتابة ، وحيث لهم بشيء من الحظ والممارسة أن يصلوا منهما في النهاية إلى الدراسة في المدرسة الثانوية والجامعة .
* * *

قاعة معرض الحرف :
المعرض الدائم للحرف فيه ما يثير الاهتمام كوسيلة غير مألوفة في القرية . و قد قصدنا هنا أن يستمر فيه عرض عينات من كل منتجات الحرفيين الجدد في القرنة الجديدة ، حتى يمكن للزوار والسياح أن يستعرضوا سلعنا على نحو ملائم . والمعرض يتخذ موقعه في الطريق الرئيسي الذي يمتد من تماثلي ممنون إلى الأقصر ، ومن الأفضل حتى يتم جذب السياح ، أن ندفع عمولة صغيرة على المبيعات لسائقي سياراتهم وترجمانهم . وقد خصص مبنى آخر من المباني العامة ليضم المركز الاجتماعي للنساء والمستوصف . ويتاح في المستوصف علاج الإصابات والأمراض البسيطة ، ويمكن إقامة عيادة خارجية لطبيب زائر ، كما توفر خدمات رعاية الأمومة . ويلحق بهذا ، المركز الاجتماعي للنساء ، وهو يتصل مباشرة بالمستوصف ، ويمكن للنساء أن يتلقين فيه التعليمات الصحية وتعليمات رعاية الأطفال . ويكون في هذا المركز مشاغل حيث يمكن لهن أن يؤدين معاً الأشغال اليدوية ، وفيه مطبخ حيث يمكن أن يتعلمن مبادئ الطهي الجيد وهو فيما يعرض سيخدم المستوصف . وسيكون هناك أيضاً حمام تركي ، مسرح مفتوح ،بل وكنيسة صغيرة لأقباط القرية الذين يقرب عددهم من المائة .
وباختصار ، فقد كنت أريد أن توفر مباني القرتة العامة كل الاحتياجات الاجتماعية للقرويين لعلمهم وحرفهم ، ولتعليمهم ، ولتسليتهم ، ولعبادتهم .
وقد ضمنت وصفاً لهذه المباني المقترحة في تقرير مصلحة الآثار . وهذا التقرير ، إلى جانب وصف المباني وصفاً بسيطاً ، فإنه يشرح نظام العمل الذي قررنا إتباعه ، وكذلك مبادئ تعويض العائلات التي كان عليها أن تنتقل .
ولما كانت التقنيات التي سنستخدمها غير مألوفة ، فإننا لم نكن نستطيع أن نعهد بالمهمة إلى مقاول . فما من مقول لدية أي خبرة في التسقيف بطوب اللبن . وهكذا فلو دعونا إلى مناقصة فسوف تقدم لنا فيما ينبغي عروض مالية مستحيلة . ولو لجأنا إلى شركات تجارية لصنع قوالب الطوب لنا ، ونقل مواد البناء ، وإقامة البناء ، فإن هذا لا يمكن أن يكلفنا أقل من مليون جنيه . وكان ما لدينا هو 50.000 جنيه .
والطريقة الوحيدة لإنجاز عمل كثير كهذا بمبلغ زهيد هكذا هي بأن نتخذ ، لا فحسب وسائل الفلاح للبناء ، وإنما بأن نتخذ أيضاًً وسائله في العمل عندما يبني لحسابه ، والفارق الأساسي هو أننا ينبغي أن ندفع أجراً لهذا العمل الذي يؤديه الفلاحون في العادة مجاناً .
كان في استطاعتنا أن نبني القرية كلها بأنفسنا . ولن نعتمد على المصادر التجارية للحصول على أي من موادنا للبناء ؛ فسوف نقوم تواً بصنع كل أداة مفردة يتم تصنيعها ؛ ستكون العملية كلها بأسلوب (( أد العمل بنفسك ))
( و إن كان للعمل أجره ) . وسوف نصنع قوالبنا الخاصة بنا من طوب اللبن ، ونبني الأفران ، ونحتجر الحجارة ونحرق الجير ، ونحرق الطوب للتركيبات الصحية ، الخ . ولن نوظف أحداً سوى البنائين من أسوان ومن أهل القرنة أنفسهم . وبهذه الطريقة فإن المشروع كله يمكن أن يصبح مدرسة تقنية هائلة حيث يتعلم القرويون شتى حرف البناء ، لتلحق بالحرف الأخرى التي سيتعلمونها في الخان ومدرسة الصنايع .
وسيتم تصميم البيوت الجديدة تصميماً فردياً ، فيتاح لكل عائلة عدد الغرف نفسها والمساحة نفسها التي كانت تشغلها من قبل . وهذا أكثر واقعية من محاولة تقدير قيمة المنازل الموجودة وتصميم منازل جديدة بنفس ثمنها ، ذلك أنه في مشروع على نطاق واسع كهذا يكون أي رقم يقدر كثمن للبيت بمفرده هو إلى حد كبير رقم بلا معنى وفوق ذلك ، فإن تأسيس المأوى الجديد على أساس من القديم يجعل من الأسهل إرساء معيار الحد الأدنى 0 غرفتان والملحقات الصحية – بحيث أن أفقر العائلات التي كانت تشغل حرفياً ممتلكات لا قيمة لها ( ههي في بعض الأحوال ما لا يزيد عن قبر مسوّر ) سوف يتم إيواؤها كما ينبغي أن يكون الإيواء السليم .
وقد شرحت هذه المبادئ للإسكان العائلي في تقريري . على أني اخترت أن أبدأ بالمباني العامة لسببين مهمين . الأول إنني حسب خبرتي بالمصالح الحكومية كنت أتوجس أنه ما إن يتم إقامة عدد معقول من بيوت الإيواء ، فإن الحكومة ستقول : (( شكراً جزيلاً ؛ هذا حقاً جميل جداً )) وتدفع بالفلاحين إلى البيوت ، وتكف عن دفع أي نقود أخرى لأي شيء آخر، وهكذا فإن المباني العامة لن يتم بناؤها وستظل القرية الجديدة حشداً من بيوت ليس لها مركز . والسبب الثاني ، أني أردت أن أتيح لنفسي زمناً أرقب فيه القرويين و أتحدث إليهم عن بيوتهم الشخصية نفسها . فما كانت لي حاجة لأي نصيحة منهم بشأن تصميم المسجد أو المدارس ، وإنما كنت أريد أن أجعل كل بيت يناسب بالضبط العائلة التي ستسكنه .
ورغم أني كنت أُعطيت موقعاً ، ومنحت لي حرية التصرف فيه ، إلا أن المصلحة لم تكن جد سخية بمالها . وكان المبلغ المخصص لي مؤسساً على تقدير تعسفي لقيمة البيوت في القرنة القديمة ، ولم تكن له أدنى علاقة بالتكلفة المحتملة لبناء القرية الجديدة . فالفلاحون ستنزع ملكيتهم وقد خصص لهم خمسون ألف جنيه كتعويض . وهذه النقود ستحول إليّ لأبني قرية كاملة ما يقرب من ألف بيت . ولسوء الحظ ، لم يخطر للمصلحة أن القرية تحتاج لما هو أكثر من مجرد بيوت ، ورغم أن تقدير خمسين جنيهاً لكل بيت كان تقديراً معقولاً ( بشرط أن نستخدم الأسلوب الذي طورته في المباني السابقة في ظروف طبيعية ) فإنه لن يتبقى أي شيء للطرق ، والمدارس ، والجامع ، وغير ذلك مما هو ضروري من المباني والخدمات العامة .
كان من المفروض أني سأنتهي من القرية في ثلاث سنوات ، وأُعطى لي لأول الموسم للعمل 15.000 جنيه ! وفي نفس الوقت تقريباً ، كانت الحكومة قد منحت مليون جنيه لذلك المشروع الآخر في امبابة حيث كان سيُبنى ألف بيت كلها تتماثل تماماً وكل واحد منها ضيق بما يكفي لأن يكون كله داخل غرفة الضيوف في بيت من بيوتي
وعلى كل ، فقد أمكنني أن أقهر نفسي إحساسي بعدم الثقة ، وركزت على وضع تصميماتي . ولم يكن ثمة فائدة من التذمر بشأن النقود . هيا بنا نقيم بعض المباني ، ونفعل أقصى ما بوسعنا ، ونضع ثقتنا في أنه يمكن فيما بعد أن نُزوّد بمال أكثر لإنهاء القرية . ولو سألت المزيد الآن سيثور نقاش ، ثم تأجيل ، ولن نتمكن أبداً من بدء العمل
وليس هذا فحسب ، ولكني أيضاً أخذت على عاتقي ما يكاد يكون أقسى تحد اجتماعي في مصر ، وأحسست أنه إذا كان علي أن أثبت بما لا يقبل الجدل أن المبادئ التي اتخذتها هي على صواب ، فإنه ينبغي أن اثبت ذلك تحت أكثر الظروف تحدياً ، وبكل تأكيد ليس هناك من يستطيع أن يقول متشكياً أنني عندما اخترت مشكلة إعادة إسكان أهل القرنة فإني قد اخترت بذلك مشكلة هينة . وأهل القرنة أنفسهم كانوا يعارضون الفكرة معارضة عنيدة . فلم يكن لديهم أدنى ميل للانتقال من القرية التي يعرفونها والمهنة التي نشئوا عليها ، وما كان لديهم أدنى ميل لتعمير قرية جديدة والانشغال بعمل شاق جديد لمجرد إثبات نظرية البناء . بل هم لا يتخيلون أن يهجروا الدخل الوفير الذي يأتيهم من حفرياتهم الخاصة أو (( الكحتة )) كما يسمونها ، والتي كانت تجعلهم أغنى من سائر الفلاحين بعامة ، من اجل أن يكسبوا عيشهم بعرق جبينهم مثل أي فرد آخر . وذهب التقرير إلى مصلحة الآثار ، ولم أسمع بعدها أي شيء عنه . ولست أعرف إذا كان أحد قد قرأاه ، ولكني اعتبرت أن عدم وجود تعليق فيه يشير إلى الموافقة ومضيت قدماً في التصميم .
تخطيط القرنة الجديدة :
كان الموقع محدداً في جانبيين منه بسكة حديد ضيقة تدور في منحنى عند الركن الجنوبي الشرقي . وها هنا كانت محطة صغيرة ، من الواضح أنها تحدد لنا موضع السوق ، فالتجار والفلاحون سيرغبون في جلب و إرسال سلعهم بواسطة القطار . ويشغل السوق هنا مساحة مربعة كبيرة ، وهو يوفر المدخل الرئيسي للقرية . ويعبر الزوار السكة الحدية ، ويدخلون السوق من خلال بوابة ، ثم يمرون من خلال بوابة أخرى ذات عقد على الجانب المقابل من السوق ، ليدخلوا إلى القرية ذاتها . ومن هذه البوابة يتلوى الطريق الرئيسي في وسط القرية كالثعبان ، في ثلاثة منحنيات ، وينتهي عند الركن المقابل عند بحيرة صناعية صغيره ومنتزه . وعند المنتصف ، يصبح هذا الطريق أعرض كثيراً ، وليكون هو وشارع آخر عريض ، يؤدي إلى الجنوب ومتعامد عليه ، الميدان الرئيسي للقرنة .
وينتظم من حول الميدان المسجد ، والخان ، و قاعة القرية ، والمسرح ، وقاعة المعرض الدائم . أما المباني العامة الأخرى فكانت أكثر بعداً من المركز ؛ فمدرسة البنين الابتدائية مثلاً تقع بجوار المنتزه عند الطرف الشمالي الغربي للطريق الرئيسي ، حيث الجو لطيف هادئ ( لتصيّد النسيم الشمالي الشرقي السائد في جيزة المنتزه ) . أما مدرسة البنات فتشغل موقعاً مماثلاً ولكنه باتجاه أكثر نوعاً إلى الشرق . ووُضعت مدرسة الصنايع بجوار السوق ، وسبب ذلك في جزء منه هو تشجيع مبيعاتها وفي جزء آخر أن أدع الصباغين يصرفون ماء مخلفاتهم في مصرف مجاور .
وهناك شارعان رئيسيان آخران ينحنيان بعيداً في هلالين ، واحد من كل طرف من الجزء الأوسط من الطريق الرئيسي ، بحيث يشكلان طريقًا رئيسياً ملتوياً مشابهاً يربط ركن القرية الشمالي الشرقي بالركن الغربي . وعلى هذا الطريق جنوباً هناك الكنيسة القبطية الصغيرة ، وفي الشمال الحمام التركي ، ونقطة البوليس ، والمستوصف
والرسم التخطيطي للشوارع الرئيسية هكذا كان يفصل ما بين (( الأحياء )) الأربعة للقرية . وكل حي من هذه الأحياء يتم فيه إسكان أحدى المجموعات القبلية الرئيسية للقرية القديمة . ويجب أن أوضح هنا أنه إلى جانب تجميع العائلات في بدنات فإن هناك تجميعاً اكبر في قبائل أو عشائر ؛ وفي القرية القديمة كانت المجموعات القبلية الخمس التي يتكون منها السكان تعيش في أربعة نجوع متميزة تماماً . وقد خططت في القرية الجديدة للإبقاء على هذا التمايز الفيزيائي بتسكين المجموعات القبلية في الأحياء الأربعة المحددة تحدداً واضحاً ، والتي خصصت كالتالي :
الحساسنة والعطيات الذين كانوا يعيشون (( العسيلية)) (النجع الذي يقع وسط القرنة القديمة ) يتم إسكانهم وسط القرية الجديدة ، إلى الشمال من الميدان . والحساسنة عشيرة قديمة جداً واسمهم مستقى من الحسين ، حفيد النبي ، الذي انحدروا منه . وبسبب انتمائهم لهذه السلالة ، فإنهم كانوا يوقَّرون دائماً كالناس ورعين عارفين , وفي ذاك الوقت كان من بينهم الشيخ الطيب ، وهو عجوز ديّن جداً تبجله كل المنطقة . وهكذا فقد بدا من المناسب أن يُجمع الحساسنة من حول الأبنية التي تمثل الدين والمعرفة ؛ الجامع ، والمدرستان الابتدائيتان ، والمركز الاجتماعي للنساء الملحق بالمستوصف . ووضعت العطيات مع الحساسنة في نفس الحي . وهذه القبيلة كانت مرتبطة دائماً بالحساسنة وتعيش معهم في نفس النجع بالقرنة القديمة . واسمهم مشتق من كلمة العطية . ويشغل الحساسنة والعطيات حيَّاً نصف دائري إلى الشمال من الميدان .
وإلى الجنوب من الطريق الرئيسي ، يقع حي الحروبات الكبير وهو يحتضن نصف الدائرة هناك . واسم الحروبات يعني أنهم (( محاربون)) ، وقد كانوا حقاً جماعة نشطة تضم أبرز لصوص المقابر .. وهكذا فإن حيهم كان يشمل ساحة السوق ، والخان ، قاعة القرية ، والمسرح ، ومدرسة الصنايع ، وقاعة المعرض ، ونقطة البوليس.
والقبيلة الثالثة الغابات تأخذ اسمها من كلمة (( الغابة )) ، وهكذا فإن حيهم كان ملاصقاً للبحيرة الصناعية والمنتزه .
وكان هناك قبيلة رابعة هي البعيرات ، وتعيش أساساً في قرية مجاورة بهذا الاسم ، بينما كان عدد قليل من العائلات يعيش في قرنة مورة ، أحد نجوع القرية القديمة ، وقد كانوا دائماً يجعلون أنفسهم منعزلين بعض الشيء عن أهل القرنة ، والحقيقة أنهم كانوا يتبعون عمدة البعيرات . وقد أُسكن هؤلاء في أقسى الغرب من القرنة الجديدة ، مفصولين بشارع عريض عن باقي القرية .
وقد قصد في الشوارع العريضة التي تفصل الأحياء أن تكون طرق المرور الرئيسية التي تصل كل المباني العامة وتلتقي في الميدان . وجُعلت هذه الشوارع بعرض عشرة أمتار على الأقل لضمان جودة تهوية وعزل بلوكات المنازل ، وأيضاً لتسهيل الحركة ولإبراز حدود الأحياء.
وعلى العكس من ذلك ، فإن الشوارع الموصلة إلى الميادين شبة الخاصة للبدنات المختلفة ، جعلت ضيقة عن عمد - لا أكثر من ستة أمتار في عرضها– لتمد بالظل والإحساس بالألفة ، وهي تتضمن الكثير من الزوايا والمنحنيات ، لتصرف الغرباء عن استخدامها كطرق للمرور ؛ وهي في رسم المشروع تبدو متشابكة ، لأنه قد قُصد بها أن تسهل تبادل الاتصال بين العائلات الأعضاء في البدنات المتجاورة .
ولم أجعل للشوارع هذا التخطيط المتعرج لمجرد أن تكون طريفة ، أو بسبب بعض هيام بالعصور الوسطى فلو أنني اتبعت تخطيطاً منتظماً كما في خطوط شبكة متعامدة ، لأصبحت البيوت قسراً ذات تصميم منتظم بدورها . والبيوت في الشوارع الطويلة المستقيمة ، وحتى في الأقواس ذات السمترية ، يجب أن تكون كلها متماثلة بالضبط إذا كنا لا نريد للمظهر العام أن يكون فوضى ؛ على أن العائلات التي تسكن في هذه البيوت لن تكون كلها متماثلة
وفوق ذلك و فإنه مهما كان تخطيط الشبكة المتعامدة ملائماً في المدن الكبيرة حيث يكون الشاغل الرئيسي للمخطط هو الوصول إلى السرعة والحجم الأمثلين لحركة مرور السيارات ، إلا أنه في القرية الصغيرة ، حيث لا يحتمل أن يمتلك فلاحوها ولا حتى دراجة ، يكون مثل هذا النمط نمطاً ضاراً بكل تأكيد . فعندما تجعل قرية صغيرة مقسومة بشوارعها في بلوكات مستطيلة صغيرة ، أحدها يتلو الآخر من غير أي توصيلات فيما بينها ، يكون هذا بمثابة جعلها كنوع من ثكنات مدنية , في حين أن مهمة المهندس المعماري هي أن يجعل قريته فاتنة ما أمكن . و أذا كان للمهندس المعماري أن يجد عذراً لغطرسته عندما يفرض على أخوانه من البشر ما ينبغي أن سكنوه , فإن هذا العذر يجب أن يكون أنه في وسعه أن يحيطهم بالجمال . وكم يكون الأمر فظاً للغاية لو أن مهندساً معمارياً قد أثرى خياله وسط الجمال في سيينا أو فيرونا ، أو كاتدرائيات ويلز ، ثم هو يؤدي عمله في عجلة ويغش عملاءه بشيء يقل عن أجمل ما يستطيع خلقه من معمار .
أما المهندس المعماري المصري فعذره أقل ، ذلك أنه يجب أن يكون عارفاً بشوارع القاهرة القديمة الجميلة ، فكيف يعمل عامداً على زيادة سوء البناء ، الأمر الذي يحط اليوم بثقله على مصر . و إنما ينبغي عليه أن يذهب لرؤية شارع درب اللبان ببيوته من القرن السابع عشر التي تؤدي إلى بوابة المسجد التي تتخذ موقعها تماماً في الزاوية التي يصنع فيها الشارع لفة على شكل حرف L ، أو ينبغي عليه أن يتمعن ثانية في مجموعة المساجد والمباني التي حول ميدان صلاح الدين ، أو في دائرة القلعة ذاتها . وينبغي أن يذهب إلى الشارع الدرديري ليرى كيف حوّل المعماري مشكلة صعبة إلى ميزة جديدة ؛ فعندما توجب عليه أن يقيم حجراته العليا المستطيلة من فوق شارع مقوس ، فإنه أقام كل منها منحرفة انحرافاً بسيطاً فوق طابقها السفلي ، بحيث يبرز أحد أطرافها أكثر من الآخر ، وأقامها محمولة على كتيفات من أحجام و أعماق مختلفة بحيث تلاءم قدر بروزها . وينبغي عليه أن يتذكر تلك الأماكن التي يشتاق لزيارتها المرة بعد الأخرى – قرى ، ومدن بأكملها ، وأحياء ، وميادين ، وشوارع – تلك الانجازات النادرة من الجمال ، والتمدين ، والتحضر ، والتي بوجودها في مكان ما على سطح الأرض تدعم من ثقتنا في المدينة و ترفع من تقديرنا للإنسانية ، وعليه أن يمضي للعمل في مهمته الخاصة بروح مصممي هذه الانجازات .
والمهندس المعماري عندما يصمم قرية يحتاج إلى بذل أعظم عناية فنية إذا كان له أن يخلق توحداً ، وطابعاً ، وجمالاً يقترب حتى من الجمال الطبيعي الذي يخلقه الفلاحون بلا وعي في قراهم التي نمت نمواً وئيداً طبيعياً . وليس مما يفيد الفلاحين وجود سباكة جديدة ثمنها فيه الخسارة لكل ما يبهج العين . ولكن ما هي القواعد التي ينبغي أن يطبقها المعماري ، وأي مبادئ يعمل بها للوصول إلى هدفه ؟ من المؤكد أن التأثير السحري الذي ينجم عن هذه التكوينات من الروائع المعمارية المعدودة لم يتأت مصادفة ، ولكن هذه القواعد لسوء الحظ لو تُحظ ولم تجدول . فالتباين المحكوم في الخط ، والحجم ، والشكل واللون ، والسطح ، والنسج الموجود مثلاً في بيازاديلا سنيوريا هي المرادف المجسّم للانتقالات المقامية الموجودة في الموسيقى . وهناك تماثيل دقيق بين الموسيقى والعمارة ، وقوانين الجمال تتماثل فيهما معاً . وإذا كان البيت المفرد قد يؤلف لحناً فإن مدينة بأكملها لتشبه السيمفونية ، كما في ويلز حيث ميادين المدينة تتصاعد في حركة تلو الحركة لتصل إلى الذروة بالكاتدرائية . على أن الموسيقى فيها قواعد لتنظيم تآلف الأصوات والطباق الموسيقي ، ولتجنب الأصوات القبيحة وإنتاج تأليف تسر له الأذن ، بينما العمارة ينبغي أن يكون الإحساس فيها بما هو صواب إحساساً حدسياً . وهي في هذا أكثر شبهاً بالشعر منها بالموسيقى . ولو أمكن فحسب أن يكون هناك قانون للتأليف المعماري لساعد ذلك المهندس المعماري على تنظيم ضيائه وظلاله ، والكتلة والفضاء ، والسطح البسيط و المزخرف ، بحيث أن التصميم كله يقدم كما ينبغي نفس التتالي من النغمات ، والتصعيدات والذروات ، وتبادل الفقرات الهادئة والعنيفة ، بمثل ما تتفتح سيمفونية بأسرها في يد بتهوفن أو برامز . أما في غياب أي قوانين راسخة للتأليف ، فإنه يجب على المهندس المعماري أن يعتمد على إدراكه الخاص لينتج مشاريع مدن تعطيها الانتقالات المقامية البصرية تنوعاً وجمالاً دائمين من داخل توحد شامل في التصور . وتصميم كهذا لهو المثال الذي يخلق ، أو على الأقل يُثْبت ، القواعد التي لم تكتب بعد للهارمونية البصرية .
على أن الانتقالات المقامية والتباين ليست من عناصر التصميم التي يمكن لصقها بمشروع كالح أصلاً لتضفي عليه الحيوية . فما لم يكن التنوع في الشكل والحجم ينبعان مباشرة من احتياجات المباني – وبالتالي من احتياجات ساكنيها – فإنها تصبح مجرد تزويقات زائفة وسوف تفشل حقاً في هدفها من إمتاع العين .
وإذ ألزمت نفسي في القرنة بأن أجعل البيوت تختلف في حجمها حسب مساحة البيوت الأصلية التي ستحل محلها بحيث يتم إعدادها في رقع شتى غير منتظمة ، وإذ كنت مستعداً لتغيير خطة كل منها لتلاءم الناس الذين سيعيشون فيها ، فإني بذلك ضمنت أنني سأفكر بما ينبغي من حرص بشأن تصميم كل واحد منها ، وأتجنب فخ إضافة التنوع بلا هدف ، وإني سوف أنتج قرية يكون للانتقالات المقامية المعزوفة فيها سبب واضح لأن توجد . وهكذا أخذت على عاتقي حل مشكلة ترتيب عدد كبير من مساكن مختلفة في مواقع ذات أشكال وزوايا عجيبة ، ومشكلة من هذا النوع لهي مشكلة خلاقة وتستثير حلولاً أصيلة و أمينة ، أما مشكلة إضفاء بعض جمال على تصميم مسبق فلا يمكن أن ينتج عنها إلا خطة باهتة غير مخلصة . وخطة غير منتظمة تؤدي إلى التباين والأصالة في التصميم ، و إلى الإثارة البصرية الدائمة ، وتحول دون بناء تلك الصفوف المملة من المساكن المتماثلة والتي كثيراً ما يُعد أنها كل ما يستحقه الفقراء .

مباني الخدمة العامة ووسائل الترفيه
المسجد :
المسجد هو أساساً مكان مغلق لحماية المصلين أثناء صلاتهم . وفي يوم الجمعة يجب أن يحضر كل فرد إلى الصلاة في المسجد ، حيث يستمع الكل إلى خطبة وعظ تتناول موضوعات ذات تنوع واسع ، أخلاقية أو سياسية ويجب أن يتوجه كل المصلين إلى مكة ، وهكذا فإن على المهندس المعماري أن يوفر لهم ذلك ، وعليه فإن توجيه المبنى نادراً ما يتفق مع اتجاهات الشوارع في المدينة ، وفي كثير من المساجد القديمة يكون في التحول من باب الشارع وحائطه إلى الداخل الموجه إلى مكة ما يفرض مشكلة معمارية شاثقة ، تُحل بترتيب مبهج للمرات والمساحات تكون له فائدة أيضاً في أن يجعل المرء ينسى أن الشارع في الخارج مباشرة .
ويتجمع المصلون في ساحة الصلاة الرئيسية وهم صفوف طويلة قبالة الشيخ بدلاً من الصفوف المتعامدة في الكنائس المسيحية . ( ولتشجيع المواظبة على الصلاة ، فإنه يقال أن من يحتلون الصف الأول يستحقون ثواباً أكبر ) . وكل صلاة يُدعى لها بواسطة المؤذن من قمة المئذنة ؛ وفي المساجد الكبيرة قد يحتاج الأمر إلى تبليغ الأذان للمصلين من منصة في وسط المبنى . وينبغي أن يتطهر المصلون قبل الصلاة ، ولما كان من يستطيعون الاستحمام في بيوتهم بسهولة هم القلة ، فإن المساجد توفر مكاناً وماء للاغتسال .
وأكبر فارق ملحوظ بين المسجد والكنيسة المسيحية هو أن المسجد ليس فيه واسطة كالمذبح ، حيث يلتقي الطقس الديني والمعمار في بؤرة مشتركة ، وذلك باستثناء تجويف (( القبلة )) في أحد الجدران ليدل على اتجاه مكة ، ومنبر على مقربة منه حيث يمكن للشيخ أن يخطب . والمسجد يخدم المصلين ، عازلاً إياهم عن العالم الخارجي ، عاكساً أفكارهم في ارتداد من جدرانه البسيطة ليرتكز اهتمامهم بالله . ولهذا السبب فما من صور أو تماثيل – و أقصى ما يكون هو آيات قليلة مكتوبة – وليس من حقل قداس . فالرأي هو أن التقرب لله لا يتطلب وسيطاً ولا أن يترجم بالرموز .
ولما كان تصوير أشكال حية ممنوعاً على الفنانين العرب ، فإنهم قد حولوا كل مهارتهم وحساسيتهم إلى تجويد فنهم في الخط ؛ وفي المساجد الإسلامية العظمى قد تكون كلمة الله وحدها هي ما يزين الجدران ، إلا إن هذا الهدف الثقافي الصارم يصبح ميسراً تيسيراً جميلاً برشاقة الحروف ذاتها . وتُضغط انحناءات الكتابة العربية وتُقيَّد من داخل افريز حجري ضيق حيث تتشابك الأحرف مع نباتات تقليدية ، بحيث يطوّق الجدار بأنماط لا نهاية لتنوعها ، وعندما يتتبعها المصلي فإنه طول الوقت يرد ثانية إلى كلمة الله .
وحتى أقيم بناء بحيث يكون له من هذا الجو الوقور الهادئ الذي يؤدي إلى التأمل والصلاة في هدوء ن فإنه كان عليّ أن أتدبر طريقة يسقط بها الضوء على جدرانه ويتوزع في حجراته . وأنا أعتقد أنه حينما يوجد تراث للبناء فإن المعمار الديني المحلي سيكون قد نما من داخله بحيث يمثل فكرة أناسه عما هو مقدس ، واعتقد أن من الصوب احترام الأشكال المحلية والطابع المحلي والإبقاء عليها – مثلما أبقيت على تراث مصر العليا من وجود سلم خارجي مستقيم جريء للمئذنة ، التي تنتصب هكذا كمنبر سامق فوق المسجد .
كان هناك الفناء المفتوح بأشجار معدودة ، وعلى جوانبه الأربعة تنفتح إيوانات المذاهب الأربعة في القرنة . وفيما عدا الإيوان الغربي ، كانت هذه الإيوانات مساحات مغطاة ، وقد سُقفت بسرب كامل من القباب الصغيرة تهيمن عليها قبة كبيرة جداً تغطي النبر والقبلة في الإيوان الرئيسي . والقباب محمولة فوق عقود ، بحيث يمكن للمصلين أن ينظموا أنفسهم في صفوف طويلة جداً عبر كل عرض المبنى .
أما الإيوان الرابع ، في الجانب الغربي من الفناء ، مقابل الجزء الرئيسي ، فهو مسقوف بأقبية متقاطعة ، على شكل شبه المنحرف . والجدار الشمالي للمسجد بالغ الطول والامتداد ، في زاوية بالنسبة للحائط الجنوبي ، تتجاوز بما له اعتباره الجسم الرئيسي للمبنى ، حتى تحتوي غرف الوضوء التي تبرز في اتجاه الشمال الشرقي . وثمة إنشاءات معينة أخرى تبرز للخارج من المجمع الرئيسي ؛ المئذنة بسلمها الخارجي الطويل المستقيم فوق المدخل الأمامي ، وبائكة مقبية تستخدم كمضيفة ، وحجرة للشيخ ، وحجرة صغيرة للصلاة والتأمل في خلوة وحجرة مخزن .
والمصلي له أن يختار بين مدخلين . فهو إذا كان قد تطهر يدخل من الجانب الجنوبي . ثم يمر عبر بوابة عالية معقودة أسفل السلم ، إلى فناء أمامي صغير ممهد ، له حوض زهور في منتصفه ، ويمر منه إلى الفناء الرئيسي للجامع . وسوف يرى الإيوان المقبي إلى يساره ؛ و يمكنه بعدها أن يسير إلى يمينه عبر الفناء ليدخل الإيوان الرئيسي الذي يقع أسفل القبو الأسطواني الكبير ، حتى يقف تحت القبة الكبيرة ، أمام القبلة مباشرة . وإذ ينظر حوله يميناً ويساراً ، فإنه يرى صفوفاً من أعمدة مربعة تحمل عقود تستقر عليها قباب ضحلة . وتكون القبة الكبيرة من فوق رأسه ( وفيما يعرض فإنها من الطوب المحروق – وهي القبة الوحيدة في القرنة التي ليست من طوب اللبن ) . والإيوانات كانت تقدم نمطاً جميلاً رهيفاً من الفراغ والكتلة حيث لا يجد المصلون فيه ما يشغل انتباههم عن صلاتهم .
أما إذا كان المصلي لم يتطهر ، فإنه يدخل من باب يؤدي مباشرة إلى غرف الوضوء . وهنا سيجد إلى يمينه ممراً يؤدي عبر دورات المياه إلى صفين من حجيرات الادشاش ، حيث يستطيع الاستحمام بالكامل ، وسوف يرى إلى الأمام بهواً مخصصاً للوضوء البسيط – غسل الرأس والأذرع والأرجل . وفي هذا البهو يجري على كل جانب من جانبيه حوض عميق يحمل إلى بعيد الماء الذي ينصب من صف من الصنابير على الجدار بعلو يبلغ ما يقارب الصدر . وأمام كل صنبور كتلة حجرية يجلس عليها من يتوضأ . وقد اتخذ هذا النظام بعد تجارب أجريت ، حيث أنه الوضع الذي يوفر أعظم راحة عندما يغسل الواحد رأسه وقدمه .
وبعد الاغتسال ، يمر المصلي أسفل ممر طويل ، عبر خلوة صغيرة للصلاة والتأمل ، ثم عبر باب المخزن ، ليدور يساراً إلى الساحة الرئيسية للصلاة . أو هو يستطيع أن يواصل طريقه للداخل من فناء مفتوح مزروع بالزهور ، ويستطيع أن يدخل منه إلى الفناء الرئيسي بأشجار الثلاث من شجر الطرفاء ، ليسير عبر بساط كثيف من أوراق إبرية إلى داخل الإيوان الرئيسي .
ويدخل الشيخ إلى الجامع من باب صغير في الجدار الشمالي ، مقابل بيته والمضيفة . وقد وفرت له غرفة صغيرة في الركن الشمالي الغربي من المسجد هي بمثابة مكتب له . والغرفة تثير الاهتمام حيث أنها غير منتظمة بالكلية وتتطلب استخداماً حاذقاً لكل تنويعات القبو والعقد والقبة حتى يمكن تغطيتها ، وليس لها أي زوايا قائمة ، وما من بعدين متماثلين فيها ، بينما يبدو من بابها منظور بهيج خادع من خلال صف من العقود في الإيوان يتزايد ضيقاً باطراد تجاه طرفه البعيد .
ومن القسمات الأخرى الملحوظة في المسجد مضيفته . ولما كان معظم الناس الذين يصلون إلى قرية غريبة يتوجهون مباشرة إلى الجامع ، حيث يلتقون بمختلف القرويين ، ويتبادلون الأخبار ، ويرتبون لإقامتهم ، فقد تصورت أن من المرغوب فيه توفير ما يخدم هذه العادة . وبنيت إزاء الجدار الغربي من الخارج ممراً طويلاً من فوقه قبو اسطواني ، مفتوح من الشمال ليسمح بدخول النسيم البارد وله باب يؤدي إلى الفناء الأمامي ، وهناك توجد مقاعد وجرتان للمياه ، حتى يمكن للزوار أن يجلسوا ويثرثروا في راحة .
* * *
ساحة السوق :
يوم السوق في القرية هو يوم عطلة بقدر ما هو يوم عمل . وهو يوم النساء بخاصة ، اليوم الوحيد في الأسبوع الذي يتمكن فيه من مغادرة أسر البيت للتمتع بحرية السير ، وتضييع الوقت ، والقيل والقال كما يشأن . وتأخذ المرأة إلى السوق ما يكون عليها أن تبيعه – ربما دجاجة ، أو سلة بيض ، أو زبد ، أو جبن ، وهناك تنسى تماماً رتابة حياتها اليومية وقيودها ؛ وهي تحول بضاعتها إلى نقود ثم تنفق باقي يومها الطويل اللذيذ ذي الضجيج والغبار ، وهي تتخير من السلع المبيعة ، وتتحسس الأقمشة وبواقي المعروضات ، وتقدر نوعية البهار ، والحبوب ، والبقول والخضروات قبل أن تشتري بقالتها للأسبوع . وهي فوق كل شيء تحيا في المجتمع وتحس أنها جزء من العالم . وها هنا فإن المحبطات القديمة لمجتمعها تتراخى بحكم التقاليد القديمة ، ويباح لها أن تكون عضواً من الجمهور بدلاً من أن تكون عضواً من الأسرة .
أما رجالها فلهم سلوك مختلف يوم السوق . فهم لا شأن لهم بالمساومات المبتذلة على الخضروات الملقاة حول مواقف البيع بالسوق . وإنما هم يتمتعون بميزة التصرف في بيع حيوانات كبيرة مهمة كالبقر ، والحمير ، والجمال ، فيجلسون طول النهار في المقهى ، ويساومون في جدية ، ويقدم العرض والعرض المضاد ببطء متعمد كما في حركات لعبة الشطرنج ، بينما يمر اليوم في حديث متحضر تقطعه فترات من سكون له مغزاه . وكما أن غريزة الجماع تتهذب في الإنسان وتُخفف لتصبح استثارة دائمة رتيبة بدلاً من الانفجارات الجنسية الدورية التي تحدث للحيوانات ، فإنه يماثل ذلك أن الاحتياجات التجارية للمدينة يتم أداؤها في تعامل تجاري ثابت بلا لون ولا إيقاع ، بينما الاتجار في القرية له إيقاع وموسم مثل كل سائر حياة الفلاح . وهذه التفجيرات المتقطعة من التعامل التجاري ، هي رغم كب متاعبها ، لها عائدها الهائل في أنها تجعل الاتجار نشاطاً اجتماعياً احتفالياً ، يكاد يكون طقساً من الطقوس ، هو شخصي ومثير بأكبر مما أصبحت عليه آلية التجارة المجهّلة الهادئة في المدينة . وفي السوق يتم إجراء كل صفقات الأسبوع في هذا اليوم الواحد ؟ أنه قلب اقتصاد القرية ، الذي ينبض مرة في الأسبوع ، وهذا النبض الأسبوعي يبين بوضوح الحالة الصحية لاقتصاد القروي . وتتوافد للسوق كل منتجات المنطقة – كل المحاصيل ، كل البهائم ، وكل المنتجات المحلية .وعدد العملاء في القرية لا يكفي لإقامة متاجر كثيرة فيها ؛ و أقصى ما يمكن هو أنه قد يكون ثمة متجر واحد يبيع البن ، والسكر ، والأرز ، والزيت ، والثقاب – وكلها احتياجات عليها طلب يومي – ولكن ما من تاجر عاقل يحتفظ بسلع أخرى ، لأنه لن يبيعها أبداً وسرعان ما يصيبه الإفلاس . والقروي لا يستطيع الحصول على الحبوب والخضر إلا في يوم السوق ، وذلك أن كل بوصة مربعة من الأرض في الريف تخصص للمحاصيل المجزية ، فلا مكان لحدائق منزلية للخضر ، والخضروات إنما تأتي من بساتين الخضر قرب المدينة . وفي يوم السوق وحده يستطيع الفلاح شراء حيوانات جديدة وتستطيع الفلاحة شراء مشابكها وإبرها . وفي السوق يحصل الفلاح وزوجته على القماش والملابس والأحذية وأدوات التجميل ؛ والمفروشات مثل السجاد والأبسطة والبياضات ؛ والأواني والحلل ومواقد الغاز ؛ والفئوس والمجاريف والسلال . وهناك في السوق يمكنك أن ترى في لمحة – أو ما يكاد يكون لمحة ؛ - مدى غنى القرية ، ليس هذا فحسب ، بل ويمكنك أيضاً أن تتفحص ذوق القرويين في الأمتعة المنزلية .
والتجول خلال مواقف البيع في السوق يعطي الدليل على ما أصاب الفلاح من تغير في الذوق . فالسلع الرائجة لم تعد بعد أجمل السلع . وكم من منسوجات محلية قد اختفت أمام المنافسة الساحقة لأقمشة المصانع المطبوعة المبتذلة ، وكم من مشغولات تراثية وقورة طردتها من السوق البضائع البلاستيكية المبهرجة ! إن المصنوعات المحلية لتتراجع ببساطتها أمام سلع المدينة المزخرفة المبهرجة التي تصنع بالجملة ؛ وكلما وجدت أداة ما جميلة مصنوعة في القرية ، سيقال لك أن زمنها قد ولى ولم تعد بعد مما يصنع ، فأي قدرة دفاعية يمكن أن تكون لثقافة الفلاح الهشة إزاء الهجوم الصاخب للصناعة الغربية ؟
ومع كل ما يجلبه يوم السوق من إثارة وحيوية كل أسبوع في القرية فإن ساحة السوق نفسها في معظم القرى هي مكان تجاري بما هو مبتذل وساحات السوق في مصر حكر تمتلكه شركات خاصة ، ولا يمكن الحصول على رخصة للسوق إلا على ممتلكات هذه الشركة . وعادةً فإن قطعة أرض مربعة جرداء تسوّر بسلك شائك ، وتزود ببوابة ، وجاب للضرائب ، ولا يكاد يقام شيء لراحة الناس الذين يدخلون السوق محتشدين متدافعين ببضائعهم وحيواناتهم . ونادراً ما يُظلِّل الموقع من الشمس ، و لا يكون فيه الكثير من المباني الدائمة أو مصادر المياه .
وقد خططت لساحة سوق القرنة أنها ينبغي أن تكون ذات خلفية توفر أكثر الوسائل إراحة للسوق الأسبوعي . فالحيوانات تأوي إلى مذاود دائمة ، يقام كل منها بالارتفاع المناسب للجمل ، أو العنزة ، أو الحمار ، وكلها مظللة بأشجار عديدة توزع في خط منظم . وأصحاب مواقف البيع ينبغي أن يوفر لهم صف من أقيبة ظليلة ينشرون سلعهم من تحتها ، ويكون هناك مقهى ليجلس الرجال فيه .
وساحة السوق كما قلت ، تحدد موقعها في الركن الجنوبي الشرقي من القرية ، بما يناسب محطة السكة الحديد . وحتى يدخل المرء إليها من جانب السكة الحديد فإنه يمر أسفل نصب من بوابة ذات عقدين ، حيث يمكنه أن يتطلع مباشرة إلى الطريق الواسع جداً المؤدي للبوابة الأخرى التي إلى جانب القرية ، والتي لها عقد واحد وعلى يسارها برج حمام كبير . وفي يوم السوق يكون هذا الطريق محط تجارب الحبوب ، الذين ينشرون أكوام القمح الذهبي بطول الطريق أسفل مظلات مخططة . وإلى اليمين مباشرة سوف ترى المقهى مسقوفاً بست قباب ، وهناك صف من أربعة عشر قبواً عميقاً يمتد بطول الجدار الشمالي الشرقي إلى البوابة الأخرى ، حيث توجد مواقف البيع فيه . وفي عمق كل من هذه الأقبية يجلس التاجر القرفصاء من فوق مصطبة منخفضة وسط بضائعه ليساوم مع حشد النساء من أمامه .
وسترى إلى يسارك كتلة من الأشجار . قد وزعت على مسافات منتظمة كالبستان لتظل أكبر مساحة ممكنة ، ومن أسفلها المذاود الطولية ، ولكل منها مصدر ماء عند طرفه ، وقد عقل في كل منها عدد من الحيوانات ، ويمشي الرجال مابين هذه المذاود ويتفحصون البهائم ، بينما يمكن استعراض أحد الحيوانات المتفوقة ، من جمل أو حمار أو بقرة ، بأن يمشي به صاحبه جيئة وذهاباً . ولما كانت هذه الحيوانات معروضة للبيع ، فإن هناك رسم يدفع عنها عند دخولها للسوق ؛ أما الحيوانات الأخرى التي تقوم فحسب بحمل أصحابها هم والبضائع إلى السوق ، فإنها تظل بالخارج . ووفرت موقفاً للحمير . زرعت فيه بالمثل أشجاراً لتوفير الظل وبه مذاود ومصادر مياه ، في الخارج مباشرة من ساحة السوق ، بجوار السكة الحديد .
المسرح :
المجتمع الريفي في مصر ما زال يختلف تماماً عن المجتمع الحضري . والقرية مازال يوجد فيها كل صنوف الفن – كما مثلاً في الفخار ، والنسيج ، والأشغال المعدنية – ونسيج الحياة في القرية يدخل فيه الكثير من أشكال الترفيه والاحتفالات التي تعد جزءاً من الفن الشعبي مثلها مثل الفنون الإنتاجية .
ففي حفل الزفاف مثلاً ، توجد فرقة للموسيقى ومعها راقصة ، بينما يأتي شبان القرية متبخترين ليستعرضوا براعتهم في التحطيب وليتحدّوا بطل البدنة . والتحطيب رياضة ترجع وراء زمن الفراعنة ، وما زالت تُمارس على نطاق واسع في كل ريف مصر . وحيثما اجتمع معاً فلاحان أو ثلاثة في الحقول ، ربما حول النار في المساء ، فإن اثنين منهم سيبدآن المباراة بنبوتيهما . وفي المناسبات الأكثر جماهيرية ، كحفلات الزفاف ، قد يصبح النزال حاداً نوعاً ، وأحياناً يصاب المتنازلان بالأذى . على أنه سواء كان هذا النزال خطراً أو آمناً ، فإنه كنوع من التسلية يكون أفضل للمشاهد واللاعب من أي تسلية توفرها المدينة . فالسينما والراديو لا يمكن أن توفر للمتفرجين هذا الإحساس بالمشاركة الذي يوفره العرض الحي . والمتفرجون لا يستطيعون الإحساس بأنهم روح متوحدة تتطلع كفرد واحد إلى مصير اللاعب أو الممثل إلا في المسرح أو عند مشاهدة مباراة حقيقية . ونفس هؤلاء المتفرجين عندما ينفصلون في عزلة كل في منزله ، فإنهم لا يستطيعون مطلقاً الوعي بذاتهم كمجموعة . وحتى في ظلام دور السينما ، فإن القصة تتواصل على الشاشة تواصلاً صارماً ، فلا تغير أو تعدل من سرعتها ونغمتها حسب مزاج المشاهدين أو عددهم . وإذن فلماذا لا يوفر للقرنة مسرح دائم ، حيث يمكننا عرض الرقصات والأغاني ، والألعاب الرياضية للحياة اليومية ، وحيث يمكن أيضاً الحفاظ على هذه الفنون كلها مما ينتظرها من مصير محتوم بالانقراض لو تركت لمواجهة منافسة الأفلام والراديو دون حماية لها . فالمسرح يمكّنها من أن تحصل على خلفية بهية ، وعلى نظارة متحمسين ، وسيمكنها فوق كل شيء الحصول على مقر دائم يجعل في الإمكان إقامة عروض أكثر مما تتيحه حفلات الزفاف العارضة في حياة القرية.
ولست بالذي يزعم أن المسرح ظاهرة معتادة في القرى المصرية ، والحقيقة أن مسرح القرنة هو المسرح الوحيد في الريف . على أن المسرح فيما أعتقد ضروري للقرية مثل ضرورة قاعتها أو المدرسة ، وقد أثبت مسرحنا أهميته المرة بعد الأخرى بما أقيم فيه من عروض لا تنسى ، شدت الخيال ، لا عند القرويين أنفسهم فحسب بل وأيضاً خيال السائحين والزوار من الأقطار الأخرى .
كان المسرح من نمط بين الإغريقي والأليزابيثي . وهو في شكل شبه منحرف غير مسقوف ، تشغل منصة العرض الجانب الطويل منه ، بينما صفوف مدرجات المقاعد تحاذي الجوانب الثلاثة الأخرى ، أما الساحة أو الأوركسترا ففي وسطه . ومنصة العرض مصطبة حجرية بسيطة يقرب ارتفاعها من ثلاثة أقدام وعرضها من 35 قدماً ، وهي مفتوحة للسماء ، وقد جُعلت تمتد أماماً بحذاء جدار مقدمة المسرح . ويوجد عليها ترتيب ثابت يوفر منظرين اثنين ، أحدهما لمنظر داخلي أو فناء ، والآخر لشارع ، والمنظر الداخلي يشغل معظم المنصة ، ويتكون من مدخل في وسط الحائط الخلفي ، من فوقه شرفة ، يمكن الوصول إليها بسلم على يسار المشاهد أو بباب من الكواليس يؤدي إليها مباشرة . وهناك أبواب أخرى جانبية ، أحدها إلى يسار المشاهد والأخرى من وراء حاجز دائم متعرج إلى يمين المشاهد . وهذا الحاجز ، الذي يخترقه باب ونافذتان أقيمت إزاء خطوط المنظور ، يوهم بواجهة على الشارع ( لمن له خيال طيع ) . وكل مساحة منصة العرض فيما عدا فتحة المقدمة يحيط بها جدار ارتفاعه حوالي 25 قد ماً .
وعلى كل جانب من مساحة قاعة العرض هذه يوجد دهليز مسقوف بست قباب ، يعمل كمدخل . ومساحة الكواليس الكبيرة تستخدم كمخزن وكغرفة لارتداء ملابس الممثلين .
وأمام منصة العرض ساحة تبلغ ما يقرب من 36 قدماً مربعاً ، مفروشة بالرمال ، يمكن استخدامها لتمثيليات أو لعروض من مثل مباريات التحطيب . ويمكن الوصول إليها بمجموعة من الدرجات على كل جانب من منصة العرض .
والمتفرجون قد هيأ لهم مكانهم في ست صفوف من المقاعد الحجرية ، مدرجة كما في المسرح الإغريقي ، إلا أنها من حول الجوانب الثلاثة للساحة المربعة . وتسع هذه المقاعد حوالي خمسمائة متفرج ، بينما يمكن أن يقف مائتان آخرون في الممر العريض الذي يدور من خلف مدرجات المقاعد . وهذا الممر مغطى بتعريشة ومسور بجدران محلاة بالمخرمات على كل جانب ، وله من الخلف جدار بسيط فيه غرفة آلة عرض لعروض السينما . وعروض التمثيل لم يكن فيها ما يشبه مسرحيات المسرح الأوروبي . فليس هناك نص مكتوب ولا منتج . وهناك مدير للمسرح يقرر ترتيب العرض ن ويخطط لأن يدخل المسرح ويخرج منه تتال الراقصين ، والمقلدين ، والشعراء ، بحيث تتم رواية قصة متشابكة .
هناك منصة المسرح تنتصب خاوية مظلمة أمام نظارة يثرثرون وقد تكدسوا فوق المقاعد الحجرية ووقفوا في الممرات من خلفها ، تحت سماء باردة مليئة بالنجوم . وفي هدوء ، يُسمع من مكان ما خلف المنصة صوت وحيد يغني . ويتخافت الحديث لينتهي وينحني المتفرجون للأمام في انتباه بينما يزداد الغناء اقتراباً ، ولا يظهر ضوء بعد ، بينما يبرز المغني ليعبر المنصة ، كشبح قاتم متمهل ، يتخذ مكانه ببطء وراحة في أحد الأركان . ثم إنه يحك ثقاباً فيشعل ناراً وضعت هناك من قبل ، ويواصل غناءه وقد أعطى ظهره للمتفرجين ، وتُفتح نافذة في الشرفة من فوقه ، ثم أحد الأبواب ، وتخرج فتاة لتستمع . وتعلق مصباحاً صغيراً بجوار الباب ، وتمشي الهويني وهي تهبط السلم متجه إلى المغنى ، الذي يواصل الغناء ، دون أن يلحظها ، وتتسلل الفتاة عبره ، لتخرج من الباب الذي على واجهة الشارع . ويأتي صديق أو صديقان للمغني ويجلسان حول ناره مستمعين .
ويأخذ رجال القبيلة المنافسة في الدخول ليحتشدوا متجمعين على الجانب الآخر من المسرح ، حيث يشعلون ناراً ويحضرون مغنيهم الخاص بهم . وتبدأ القبيلتان في التنافس على يد الفتاة في تبادل تقليدي للتحديات والسخريات . ويغني كل شاعر في دوره أبياتاً عن منافسه ليلتقطها رفاقه ويرددونها جماعياً ، ثم يجلسون بعدها وهم يدعون اللامبالاة بينما الشاعر الآخر يؤلف إجابة فيها الرد على السخرية . وإذ يتبارى المغنيان في براعة ، فإنهما يتبادلان الرد بالأبيات الشعرية عبر المنصة ، ويتردد الغناء الجماعي المرة تلو الأخرى ، بينما يهز الشبان نبابيتهم في انفعال وزهو ، متحفزين للقتال من أجل الفتاة . ثم إنهم ينحدرون إلى الساحة واحداً فواحد ثم اثنين فاثنين ، وهناك تُشعل نار ثالثة ، و إذا ترتسم ظلالهم إزاء ضوء النار المرتعش فإنهم يبدءون الضربات الأولى الحادة في نزالهم . ويتحلق المزيد من الرجال من حولهم ، على أرجلهم وفوق جيادهم وحميرهم ، وعندما ينهزم أحد المقاتلين أو الآخر يحل رجل آخر مكانه .
وإذ تزيد المباراة سرعة وتشتد الإثارة ،شعل المزيد من النيران ، حتى يصبح المسرح كله متواثبا صاخبا في لهيب ستة نيران ،يكون للنزال ظلاله الضخمة على الجدران إذ يقفز الشبان ويتواثبون . وتقعقع النبابيت وتصفر في الهواء ، ويردد المتفرجون ثانية صدى صيحات الممثلين ، وكل منهم ينتصب على قدميه ويصرخ مؤيداً بأعلى صوته ، والحقيقة أن المتفرجين ينضمون عادةً إلى القتال ، فيثب الرجال نازلين من مقاعدهم ليحلوا مكان المقاتل المهزوم .
على أن النزال ينتهي ؛ ذلك أن أحد الرجال يشق طريقه محارباً للقمة ، ويهزم كل المتحدين ، ويكسب الفتاة ويُحمل في انتصار إلى المنصة ، بينما يتفرق الجمهور – بعضهم إلى المنصة في أثره ، والبعض يعودون إلى مقاعدهم في النظارة . ويعد حفل الزفاف ، حيث يوضع المنتصر على العرش في منتصف المنصة ، ويتجمع الموسيقيون ، وتقام الرقصات وموكب للزفاف كلها في ضوء النيران المرح ، حتى ينفض الحفل في النهاية ، وإذ تنطفئ النيران واحدة بعد الأخرى ، ينصرف الضيوف ، وهم يغنون ويرحلون بعيداً . وتظل نار واحدة مشتعلة حيث يجل المغني الأول ، الذي هُزمت قبيلته ، وهو يولي ظهره للعروسين . ويمتلئ المسرح بنغمات مواله الرقيقة بينما نيرانه تذوي لتنطفئ ، ويكون الضوء الوحيد الآن آتياً من المصباح الوحيد الصغير على الشرفة . وينهض العريس ، ويقود العروس لترتقي السلالم , فتدخل من خلال الباب إلى الشرفة . وتنزل المصباح ثم تغلق الباب وينهض المغني وحيداً في الظلمة ويهيم مبتعداً ببطء ، وتظل أغنيته الشعبية مسموعة لبرهة قصيرة ، وهي تشحب ، حتى تذوي تماماً . وينتهي العرض .
* * *
المدارس :
في حوالي ذلك الوقت هيأت الحكومة المصرية لنفسها فرصة نادرة في العمارة . فقد وضع برنامج جديد لبناء المداس لتوفير أربعة آلاف مدرسة في مصر ، معظمها في القرى . وهكذا فإنه كان يمكن لو وجد تأييد رسمي حماسي ،المضي بالأفكار الجديدة في العمارة إلى أقصى أركان الريف ، لصنع مباني ستصبح في التو جزءاً من حياة الناس اليومية ، فتبدأ عصر نهضة معمارية تتواءم مع عصر النهضة الثقافية الذي ستبعثه المدارس الجديدة .
وإذا كانت مصر ستبدأ ذلك جد متأخرة بالمقارنة بالبلاد الأخرى ، فإن هذا يجعلها في وضع يتيح لها أن تتعلم من خبرة كل بلاد العالم الأخرى في بناء المدارس . ولدى هذه البلاد الكثير مما تعلمه لمصر ، ففي انجلترا مثلاً ، وجد أن كل المدارس التي بنيت قبل 1939 لا تفي بالمعايير التي أرسيت للمدارس الجديدة ما بعد الحرب . وفي أمريكا استمرت الدراسات طيلة سنوات لينتج عنها إنشاء مدارس رائعة للغاية في رحابتها وغنى تجهيزها . فلم يكن لديهم نقص في المشورة الطيبة بشأن بناء المدارس .على أن وزارة الأشغال العمومية أخذت تقيم نمطاً موحداً من المدارس في كل هذه القرى المختلفة . وعرض على تصميم لنمط مدرسة موضعها سيكون في الأسكندرية والنوبة – واحدهما تبتعد عن الأخرى بستمائة وخمسين ميلاً ، ولكل منهما مناخ وتلميذ من نوع مختلف تماماً . وقد كان هناك فيما مضى أسلوب معماري معتاد يسمى (( الأميري )) ، أدخله الخديو أو الأمير لبناء القصور والمباني الحكومية في البلاد . وهذا الأسلوب الذي اتخذه أولئك الحكام الأجانب ليميزوا أنفسهم عن المواطنين الذين يحتقرونهم ، هو أسلوب لا يزيد في أحسن أحواله عن أن يكون محاكاة زرية للفخامة الأوروبية ، ويُغرس هذا الأسلوب في القرى الطينية بمصر العليا ، وقد قلّص من مقاييسه من باب الاقتصاد ، وأبرز من موقعه ليؤثر في الفلاحين ، وهكذا يصبح عامل تخريب بصري مثله كمثل صندوق قمامة يغرس فوق حوض للزهور ، ويكون واجهة المدرسة ، وهي تجثم بنوافذها المصطنعة ، ما يبشر بما في الداخل من حجرات دراسة مستطيلة مليئة بالتراب ، وكان في هذا الموقف ، المشبع بالروح غير الموائمة التي أتت من المدينة ، ما يعلن أن المدرسة هي الأخ التوأم لنقطة الشرطة ، وقبحها الخالص فيه ما ينبغي أن يؤكد أنها مما لا يمكن قط أن يكون له أدنى علاقة بالتعليم . وداخلها يمكن أن يكون لمكتب للبريد بمثل ما يكون لمدرسة كهذه . وإني لأذكر مبنى كهذا ، كانت إضاءة حجرات الدراسة فيه غاية في السوء رغم توهج شمس مصر أقصى توهج ، حتى أنه كان يلزم الإضاءة بالنور الكهربائي من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً . فالأسلوب الحكومي يحكم على قرانا باسم الاقتصاد والحداثة ، بأن يكون فيها مدارس تنقصها الأولويات من أدنى وسائل الراحة المتفق عليها دولياً .
وقد سقط الأسلوب الأميري بما يستحقه من سوء السمعة ، إلا أن الروح التي ألهمته ما زالت مزدهرة ، وها هنا اليوم أسلوب أميري جديد – تقليد كالح للعمارة الفرنسية الحديثة – ينشر عبر مصر حيث يقوم جيل بعد جيل من المهندسين المعماريين بمجاراة النمط السائد . على أنه إذا كان الأسلوب الحكومي لا علاقة له باحتياجات التعليم في البلد ، فإن هذه لا يعني أننا ينبغي أن نحتضن دون تمحيص أفكار ومعايير المعماريين الأجانب حتى ولو كانوا على أقصى درجة من التنور ، بل إن أكثر المهندسين المعماريين تنوراً في بناء المدرسة ينتشر بينهم انتشاراً واسعاً طريقة لتناول مشكلة بناء المدرسة هي طريقة مغلوطة أساساً ، فالمهندس المعماري يضع في اعتباره وظيفة المبنى ، ويرصد لتدفق حركة التلاميذ ، ولوتيرة اليوم الدراسي ، ولعمليات نقل المعرفة في حجرة الدراسة وهو يحسب درجة الحرارة المثلى وشدة الإضاءة المثلى ، وينظر للمدرسة من أول الأمر على أنها مصنع يكرس هو مهارته لانسياب تنظيم الأطفال فيه . والأطفال هكذا يتم حقاً تناولهم برقة ولكنها تماثل رقة تناول الخنازير في مصنع لتعليبهم ، فينقلون من طور لآخر من أطوار خبرتهم التعليمية بكفاءة تامة من حيث الجو الصحي الناعم . وتكييف الهواء وعزل الصوت ، ومع هذا فإن المهندس المعماري لم يكد حتى يبدأ في توجيه خطابه لمهمة تصميم المدرسة .
والمهندس المعماري لا يستطيع البدء في نظر المشكلة الحقيقية لتصميم بناء المدرسة إلا بعد أن يوفر تلك الشروط الميكانيكية ، التي ينبغي أن تكون مضمّنة في كل مدرسة دون أي سؤال أو نقاش والتي ينبغي أن يتقبلها المهندس المعماري ، كأدنى حد للقياس عليه ، فوجدها في المدرسة أمر طبيعي مثل وجود السقف أو الأرضية . والمعماري هنا أشبه بعازف البيانو . الذي لا يستطيع أن يبدأ في تفسير الموسيقي التي يعزفها إلا بعد أن يسيطر على تقنية عزف البيانو .
أما تصميم المدرسة فيجب أن يتناوله المهندس المعماري كما يتناول تصميم مسجد أو كنيسة . لأنها من نفس النوعية من البناء . فالمدرسة إنما هي لتنمو فيها روح الأطفال ، يجب أن يكون البناء بحيث يدعوهم إلى التحليق


وليس إلى التقلص كما يفعل بهم حذاء صيني * . والمهندس المعماري بخطوط المصيرية المعدودة التي يخطها
على لوحة رسمه ، يصدر قرار بمدى ما سيكون للخيال من حدود ، وللعقل من سلام ، قرار بالوضع الإنساني طيلة أجيال قادمة . وطالما ظلت مدرسته قائمة ، فإن جدرانها ونوافذها تظل تتحدث إلى الأطفال الصغار في سنوات عمرهم المستهدفة أقصى استهداف . إن عليه واجباً خطيراً بأن يخلق من هذا البناء مصدراً للحب والتشجيع لهؤلاء الأطفال ، ويجب ألا يدع شيئاً يقف في سبيل ذلك .
وإذا سرى الحب في عمل ، فإنه دائماً سوف يبدو ظاهراً . ولو نظر المهندس المعماري نظرة حب لكل تفصيل رانياً للأطفال وهم يعيشون ويتعلمون داخل جدرانه ، ومتابع إياهم في عملهم ولعبهم ، ولو نظر إليهم كما هم حقاً وليس ككائنات مصغرة للكبار ، فإنه لن يمكنه إلا أن يهبهم البناء الذي يحنو عليهم .
إن الرجل البالغ العادي ، الذي ضل جلده يزيد سمكاً من حوله لثلاثين عاماً ،لا يكاد يستطيع تخيل الأساس الهش الذي تستقر عليه ثقة الطفل . على أن المهندس المعماري للمدرسة يجب أن يرى العالم بعين الطفل , ليس لمجرد أن يفهم احتياجات الطفل من الحجم والفراغ , بل وأكثر من ذلك ، حتى يفهم ما يريح الطفل وما يروعه .
إن الطفل منذ لحظة مولدة ثم ما يتلوها ، يمارس استنزافاً يومياً لذلك الإحساس بالأمان المطلق الذي أحسه ذات مرة – أي ذلك الأمان البيولوجي في الرحم . وهو تقريباً بدرجة أو أخرى , يتعلم حسب رعاية والدته له , كيف يعتمد على نفسه فيما يجابهه من بيئة معادية ، على أن هذا على أن هذا يتطلب منه وقتاً طويلاً .
وما زال الكثيرون من الرجال البالغين يحسون بقلوبهم تغوص من داخلهم عندما يواجهون ظرفاً مناوئاً في حياتهم , ويتمنون لو عادوا طائرين إلى ملاذهم الأمين في أحضان أمهاتهم . فكم ينبغي أن يكون يأس الطفل ساحقاً بأكثر عندما يلاقي عالماً غير ودود
إن المهندس المعماري يجب أن يوظف كل مهارته ليجعل حجرة الدراسة حجرة تولد الثقة والإحساس بالأمان كما يفعل البيت الطيب . وهو إن لم يفعل , فإنه يعوق لذلك أفضل جهد للمربي منذ البداية . وهذا هو السبب في أن المدرسي والمعماريين الذين يحاولون التحوط بالنسبة لتغيرات المستقبل في النظريات التربوية فيصممون حجرات دراسية ذات جدران من فواصل متحركة يمكن تعديل مكانها لتناسب المعاير الجديدة ، هم بذلك إنما يناقضون أهدافهم ذاتها . فحجرات الدراسة التي لا شكل لها والتي تغير دائما من مظهرها ، بأن تقطع فيها الحواجز وبأن يعاد تنظيم أثاثها ، إنما هي تُنتج أطفالاً قلقين عصبيين . إنها حجرات دراسة بلا قسمات , صفحة بيضاء مثل نافذة عرض أو قاعة عرض خاوية ، ولا يمكن لها أن تصبح مألوفة ودودة للأطفال الذين (( يعيشون )) فيها ، في حين أن التردد وعدم اليقين اللذين أوحيا بهذا التصنيف لن يكون منهما إلا أن يخربا ثقة الطفل بنفسه ، تلك الثقة التي تنضج نضجاً وئيداً . لقد استخدمت كلمة (( يعيشون )) عن عمد كامل ، ذلك أن المدرسة التي يرتادها الأطفال لساعات معدودة في النهار ، لتحشي رؤوسهم بالدروس ثم يرسلون إلى بيوتهم ، لهي وسيلة تربية خرقاء معوقة . فحجرة الدراسة ينبغي أن تكون بيتاً للأطفال ، حيث يمكنهم أن تكون لهم حياتهم الخاصة بهم ، وهي ليست مجرد مكان لتجميعهم معاً تحت أعين المدرس .ولننظر مثلاً أمر المساحة التي يوصي بها لحجرة الدراسة . لقد تمت دراسة خصائص نمو الطفل في مكان ما وتبين أن الطفل بين السادسة والثامنة من عمره يحتاج إلى ثلاثة أمتار مربعة من مساحة أرضية حجرة الدراسة . وبالإضافة فإن من المفروض أن المدرس الواحد يستطيع التعامل مع ثلاثين طفلاً ، وهكذا فإن حجرة الدراسة الوافية تحتاج إلى تسعين متراً مربعاً من مساحة الأرضية ولكن هذا يعني أن تكون الحجرة من 9م × 10م ، وهي بذلك تبدو ضخمة كحظيرة للسيارات . ولن تبدو بأي حال ودودة للطفل و لا جديرة بثقته .
إذن فالحساب البسيط لا يمد بالحلول اللازمة لتصميم حجرات دراسة جميلة حقاً .
وبالنسبة لأيام دراستي ، فإني لا أكاد أحتفظ بأي ذكريات لمدرستي الابتدائية ( مدرسة محمد علي ) ، التي صممتها وبنتها وزارة الأشغال العمومية بالخطة المعتادة لصف حجرات الدراسة المتماثلة لها ممر من أمامها . وهي هكذا إن لم تكن قبيحة بالفعل ، فإنها بالتأكيد بلا طابع ومحايدة فنياً .
أما مدرستي الثانوية – المدرسة الخديوية – فهي تختلف تماماً ، وإني لاحتفظ لها بذكريات غاية في الحيوية ، والبهجة ، عن أركان هي غير متوقعة ، ومساحات مفتوحة ذات شكل عجيب ، وأبهاء وحجرات دراسة من كل الأشكال والأحجام ، وحدائق رائعة . ولابد أن وجود المفاجآت المعمارية العارضة قد استثار خيال وإدراك الكثير من التلاميذ ، وهم ولا شك قد تشربوا أيضاً مناهجهم التعليمية ، إلا أن البناء لم يصمم قط كمدرسة ، لقد كان قصراً قديماً .
والقرنة القديمة لم يكن فيها مدرسة ، وحسب الطريقة المعتادة كان على القرية أن تنتظر دورها في برنامج بناء المدارس ، لتنال في النهاية بناء يخلو من أي سحر ومبنى حسب الطراز الحكومي الحديث . وقد تصورت أن سيكون من حسن التفكير أن أبادر بالسبق ببناء مدرسة – أو بالأحرى مدرستين ، إحداهما للبنين والأخرى للبنات – وذلك حسب معاييري الخاصة بي . فلعل هذا أن يحث الوزراء على توفير بعض المدرسين في سبق للحظة ،
______________________________________________________

* المقصود الحذاء الصيني الذي كانت توضع فيه قديماً أقدام الفتيات لتظل صغيرة . ( المترجم )
بل وربما أصبح ذلك نموذجاً لبناء المدارس بالمنطقة فيما بعد ، وعندما انتهى البناءان ، سُرّت بهما الوزارة أيما سرور ؛ فأعجبوا بالطراز بل وأكثر من ذلك فقد أعجبوا بالتكلفة . وكنت بالطبع قد بنيتهما بطوب اللبن ، وعندما قمت بناء على دعوة الوزارة بتشييد مدرسة أخرى في فارس ، بلغت ما يقرب من ثلث ثمن التصميم المعتاد .
وحتى تظل حجرات الدراسة هادئة وخالية من التراب ‘ فإنها وزعت من حول أفنية ممهدة ، بما يشبه إيوانات المدارس التقليدية في المساجد التي تطوق الفناء الأوسط للمسجد . وتخطيط التصميم في عناية – وليس مجرد التخطيط لمساحة مفتوحة عارضة فيها حوض زهور – لهو أمر على أقصى درجة من الأهمية عند تنظيم عدد من البلوكات المنفصلة في تكوين متماسك . وكثيراً ما يحدث أن يكون تصميم كل بلوك وحده تصميماً جيداً ، مع تنظيم حجراته وممراته العديدة تنظيماً بهيجاً ، ولكن البلوكات نفسها تكون مبعثرة في الموقع كيفما اتفق وبلا معنى ، ويترك الأمر للجنايني ليحاول أن يربطها معاً بالزهور والممرات . والآن فلو أن المهندس المعماري عامل مساحة الفضاء الخارجي بين مبانيه بنفس الاحترام الذي يعامل به المساحة الداخلية التي تضمها حجرات . واستخدام بوعي البلوكات المختلفة لتضفي شكلاً على فضائه ، فإنه لن يضيع أي جزء من الموقع . وسوف يساهم كل قدم مربع ، مسقوف أو مفتوح ، في إعطاء المعنى للكيان الكلي . بل إن هذه المساحات المفتوحة يمكن أن تحول إلى استخدامات عملية للغاية ؛ فقد يكون في موقع معين تتجاور فيه المباني ، ما يطرح موضعاً للمسرح ، كذلك فإن مستطيلاً قد يصبح منه قاعة اجتماع ، أو قد يثبت أن باحة يمكن استخدامها كفصل أو كساحة للاجتماع في الهواء الطلق . ومرة أخرى فإن سلسلة من المساحات المفتوحة تؤدي من حجرة الدراسة إلى الشارع ، بحيث يمر الطفل من خلال رواق إلى باحة ، فساحة مستطيلة ، فملعب ، وكل منها له طابعه الخاص ، كل هذا سيعطي الطفل قدراً من الأحاسيس وهو في طريقه إلى المدرسة .
عندما يأتي الأطفال إلى المدرسة ، فإنهم يدخلون فناء صغير تزينه بركة في منتصفه .
وتصميم هذه منقول عن لوحة حائطية في مقبرة رخمير من الأسرة الثامنة عشرة ، وهي تشكل حوضاً مربعاً صغيراً تحف بطرفه مجموعة من أشجار نخيل سامقة ، غرست بانتظام لتعطي إيحاء ساحراً بشموع فوق كعكة عيد ميلاد ، كما تظهر المياه من بين سيقانها . ويفتح على هذا الفناء قاعة الاجتماعات ، ومكاتب المدرسة بما فيها حجرة الناظرة ، وحجرة الطبيب الزائر .
ويمشي الأطفال في هدوء من خلال هذا الفناء ، الذي سيرحب بهم بجماله ، ثم يمرون أسفل بوابة بعقد إلى الفناء الرئيسي بين صفين من حجرات الدراسة .وهذا الفناء ممهد حتى لا يكون مترباً ، وقد غرست الأشجار في منتصفه .
وهناك أربع حجرات للدراسة في كل جانب ، وكل منها مسقوف بقبة كبيرة ضحلة ومساحته تقرب من 400 قدم مربع . وبسب الحاجة إلى شكل مربع تجلس عليه القبة ، فإن المساحة الإضافية اللازمة تضاف في شكل إيوانات مقببه على جانبين من المربع . ويوفر هذا التنظيم حجرات دراسة واسعة بما يكفي ولكنها تنقسم إلى ثلاث مساحات واضحة مميزة . وفي رأي أن هذا النوع من حجرات الدراسة هو نوع عطوف جداً ، ذلك أن الصبي لا يحس بضياعه في حجرة واسعة غير ودودة ، وإنما هو يجلس دائماً في مساحة جُعلت حسب مقاسه هو . وهذه الغرف هي نتاج سعيد للعمل بمادة بناء بالغة التواضع كطوب اللبن ، فهي تفرض قيوداً إنشائية تقسرنا على أن نبني من الأرض إلى أعلى ، نحن متنبهون طول الوقت إلى مشكلة تسقيف مبنانا . فلا يمكننا أن نضع فحسب لوحاً إسمنتياً من فوق جدراننا لتسقيفها ؛ وإنما يساهم كل قالب طوب بنصيب ما في السقف ويتحمل مسئولية ما بالنسبة للشكل النهائي للفراغ الذي نحيط به ؛ والقيود الطبيعية لتحمل هذه المادة تجعلنا نقسم مساحة السقف إلى عدة عناصر حسب القياس البشري .
وفي الطرف الأقصى من فناء حجرات الدراسة يوجد مسجد المدرسة ، وفي الداخل منه يثبت أن أكثر الملامح إثارة للاهتمام هي الإضاءة ، وتتوافر هذه بواسطة أربع نوافذ صغيرة أقيمت مرتفعة في القبة ، بحيث تتخلل المساحة الداخلية كلها إنارة تنتشر متساوية مريحة وبهيجة للغاية ، وإضاءة هادئة هكذا تجعل للبناء جواً وقوراً ، وتحث على التأمل في سلام . وليس هناك وهج من نور مبهر من نوافذ غير محجوبة ، ولا أي مشاهد للخارج تُلهى الانتباه ، وإنما كما في مسجد القرية الكبير ، فإن هذا المسجد الصغير يرتد بأفكار المصلي إليه هو ذاته ويحثه أن يتأمل . ولقد خطر لي وقتها أن هذه هي أحسن طريقة لإضاءة حجر الدراسة . والمرء لا يستطيع ، على الأقل في مصر ، أن يتحمل نوراً ساطعاً كثيراً ، ولو وضعت نوافذ حجرات الدراسة على مستوى العين ، لتسمح بالضوء الخارجي المباشر – كل الوهج المرتعش الذي ينعكس من الشوارع المتربة والجدران البيضاء المبهرة – فإنها ستخلق أوجه تباين هائلة في شدة الضوء ، بحيث تصبح القراءة يقيناً مزعجة . إلا أن حجرات الدراسة عندما تضاء بنوافذ عالية فحسب فإن هذا يجعلها جد منغلقة وقاتمة – وحجرة الدراسة ليست بالمسجد . على أنه من الأفكار الطيبة أن نوفر شيئاً من الخصوصية في الخارج في شكل حديقة صغيرة ذات أزهار وحشائش تنمو منخفضة ، وتسمح للتلاميذ بأن يرونها من خلال نوافذ منخفضة تقام بمستوى الأرضية على الطريقة اليابانية . ويمكن أن نجعل من هذه الحديقة جداراً لا يعكس الضوء ، بحيث تصبح كل نافذة لوحة حية من نغمات خفيضة ومريحة تنعش الأطفال أثناء دروسهم . وهذه النوافذ بالاشتراك مع النوافذ العالية في القبة ستوفر إضاءة لطيفة متساوية ، وربما لو استخدمنا زجاج نوافذ معشق ملون لإمتاع الأطفال متعةً أكبر ، فإن هذا سينتج عنه حجرة دراسة مفعمة بالحيوية والبهجة وإن كانت هادئة ، وهذا بلا شك ما سأفعله لو كان عليّ أن أصمم مدرسة أخرى وقد زودت حجرات الدراسة بنظام بسيط جد فعال لتهوية . ففوق كل غرفة يوجد برج مربع يشبه المدخنة به فتحة كبيرة تواجه الشمال . وتدخل نسمة الشمال اللطيفة من خلال الفتحة ، عالياً خالية من التراب ، وتسري لأسفل فوق صفحات من فحم مبلل ، جعلت كالحواجز من داخل المدخنة . وهذا التجهيز ينتج عنه انخفاض الحرارة بعشرة درجات مئوية .
* * *
الحمام :
في رغبة محمودة لتشجيع على النظافة بين الفلاحين ، قامت الحكومة بتوفير حمامات عمومية ذات أدشاش في عدد من القرى . ورغم جودة الفكرة , إلا أن هذه الأدشاش لم تستخدم عند التطبيق . وما زالت تنتصب كنصب تذكارية يائسة لمن أقاموها من محبي صنع الخير من أصحاب التفكير المدرسي الأخرق . والفلاحون لم يستخدموها لأن الحكومة في المكان الأول لم تتوسع في الإنفاق عليها بما يكفي لتزويدها بالماء الساخن ، ولا يمكن أ، نلوم أحداً عندما لا يشعر بالتحمس لدش بارد . وثانياً ، فإن المشرفين كانوا موظفين حكوميين ، لا يبالون حتى بأداء عملهم الأصلي من المحافظة على نظافة المنشآت ، دع عنك أن يحاولوا جعلها جذابة ، كما أن الإجراءات البطيئة لروتين الحكومي كثيراً ما كانت تترك الحمامات بدون صابون .
والحمام العمومي الذي يتخذ موضعه في بناء غير مشجع, أو يندس بعيداً في شارع خلفي ، أو يلحق بالمراحيض في المسجد ، سوف تقل حرارة جاذبيته لتصبح في برودة مائة ، ولم يصبح أبداً المؤسسة الاجتماعية التي ينبغي أن يكونها . على أن الحمام كان فيما مضى بمثابة المركز لأرقى طبقات المجتمع في كل مدينة في مصر .
وعندما غزا نابليون مصر ، كان الحمام أو المغسل التركي مؤسسة مزدهرة . وقد وصل إلا أن يكون بمثابة العنصر المكمل للمسجد ، فهو ييسر ما اعتاده المصلون من الاغتسال (( الأكبر )) صباح الجمعة ، وهو يعتبر من الأهمية بحيث أصبح بناء الحمام يُعد عمل بر من أعلى المراتب . ويقول صفوان الثوري أنه مهما كان ما ينفقه المؤمن من دراهم فلن يكون ذلك خيراً من (( درهم )) ينفقه صاحب حمام في تحسين مؤسسته . ومزايا الحمام الصحية مشهورة بما تستحق ، ويشهد عليها اليوم انتشار الحمامات التركية في الكثير من مدن أوروبا وأمريكا . ومن المؤكد أنه في تلك الأيام كان كل من يحس بأنة سيصاب بمرض , يبادر ليسبقه ، فيذهب مباشرةً إلى الحمام ليغتسل بحمام بخار منعش ، ذلك أنه كان من المعتقد أن الأمراض تنشأ عن قلة إفراز العرق . والعرق الغزير الذي يحدثه البخار يفيدك فائدة جلية حتى لقد أصبح للاستحمام أهمية طقس من طقوس الحياة ، ولم يكن الشفاء من المرض يعد مكتملاً إلا عندما يغتسل المريض (( بغسل الصحة )) ، أو حمام العافية الذي يؤكد شفاءه .
على أن الحمام فوق ذلك ، هو مكان للاجتماع حيث يتبادل الرجال الأخبار ، والقيل والقال , ويجرون الصفقات ويناقشون أمور السياسة في جو من التنعم . أما بالنسبة لنساء فهناك حتى ما هو أكثر ، فلحمام يوفر لهن عذراً للفرار من قيد البيت . وعندما كان الحمام عرفاً سائداً . فإنه كان يلعب دوراً مهماً جداً في حياة نساء المدينة اللائى كنا يرتدين أحسن ثيابهن وأغلى حليهن للقيام بزيارتهن الأسبوعية لهو . وهناك كن يخترن العرائس لأبنائهن وأخواتهن ويرتبن زيجاتهم ، كما أنه في اليوم السابق مباشرةً ليوم الزفاف نفسه تؤخذ العروس إلى الحمام لتُمشط وتطيب , وينتف الشعر الزائد ، وتعد لحفل الزفاف .
وينبغي التأكيد على أن الحمام كان مما يستخدمه أي فرد فقيراً كان أم غنياً , وحتى أولائك الذين يمتلكون حمامات خاصة في بيوتهن ذاتها , فالحمام كان مكاناً عاماً للاجتماع ، ولم ينحدر حال الحمام في المدن إلا عندما انتقل الأغنياء إلى أحياء حديثة لم تزود بالحمامات . وعندها ، حين أصبح الزبائن الوحيدون هم الفقراء ، انخفض مستوى الخدمة والنظافة ، وانحدر الحمام إلى حالته الزرية الحالية – ظل قذر في الأحياء الفقيرة بمدننا الكبيرة .
وفكرت أنه لو أعيد إدخال الحمام إلى القرية المصرية ، فسوف يثبت في التو أنه مقبول قبولاً أكثر من حمامات الدش الحكومية . فالحمام التقليدي له جو و تراث من الترفه ، وعندما يكون الحمام تحت إشراف مالك خاص سينال مرتادوه رعاية أكثر تدقيقاً عما في حمامات الدش . وليس هذا فحسب ، ولكنه سيكون أكثر جاذبية لأنه ساخن . وحمام البخار ينظف البشرة أنظف كثيراً من الدش البارد ، و إذا تم أيضاً تدليك المرء فإن الجسم كله يسترخي وينتعش بحيث يصبح الحمام إنعاشاً بدنياً وعقلياً معاً ، ويزول التوتر العصبي والقلق ، والانزعاج .
وإذا كان علينا أن نعيد إنشاء الحمام ، فمن الواضح أنه من المستحسن عدم تغيير طابعه العام بحيث يظل جذاباً لمن كانوا على معرفة سابقة بقوائده . وعندما يرغب أحد المرشدين الاجتماعيين في توجيه الناس إلى الأنماط والأنشطة التي يحبذها لهم ، فإن أقصى نجاح يصل إليه في ذلك إنما يكون عن طريق منشآت من نوح الحمام . وكما أن الطبيعة تنجز مهامها الضرورية بأن تجعل منها أمراً ممتعاً ، حتى ليتناقل البشر هم والحيوانات من أجل الطعام ، وتكاثر الأنواع ، فإن الاجتماعي أو السياسي الحكيم يستخدم أيضاً نوع من المغريات التي لا تقاوم للوصول إلى هدفه بدلاً من أن يستخدم القهر . والحمام ، فيما آمل ، سيغري الناس أيضاً بالدخول في شبكة أخرى من التكامل الاجتماعي ويساعد على أن يوفر لكل فرد مجموعة من الاتصالات الاجتماعية الواسعة المنوعة القوية كما يوفر له في نفس الوقت فرصة لتطهير نفسه من الحشرات .
وأبسط طريقة لإعداد الحمام في إحدى القرى هي استخدام غلاية يوصل بخارها إلى حجرة للبخار ، يمكن أن تخرج منها مواسير الماء الساخن إلى المستحمين في حجراتهم الفردية . والمغتسل في حمام القرنة يدخل ليدفع الأجر إلى (( الحمامجي )) عند طاولة على المدخل ، فيعطيه المناشف وكيساً للملابس القذرة . وهو يدخل بعدها إلى (( المسلخ )) ، أو حجرة خلع الملابس، فيخلع ملابسه في حجيرة هناك . ثم يناول ملابسه إلى حيث تُغسل ، ويذهب إلى إحدى حجيرات الاغتسال وهو هنا يمزج الماء اساخن والبارد من الحنفيات في (( قُرنة )) أي وعاء لمزج الماء ، ثم يجلس على مقعد منخفض بغير سند ليصب على نفسه الماء من
( طاسة الحمام )) – وهي وعاء صغير تقليدي ، وبعد أن يغتسل يمر إلى داخل حجرة البخار ، ويبقى هناك زمناً ، وربما يتم أيضاً تدليكه ، ثم يخرج إلى غرفة دافئة ، ثم بعدها إلى الطاولة حيث يتلقى ملابسه وقد تم غسلها . ثم هو يذهب إلى إحدى حجيرات ارتداء الملابس – التي تكون معزولة عن حجيرات خلع الملابس للتأكد من أن الملابس نظيفة حقاً – وإذ يرتدي ملابسه فإنه يمر إلى حجرة للاستراحة ليثرثر مع زملائه ولعله أيضاً يدخن النرجيلة معهم . وهذا المسار يضمن قدر الإمكان ، أن الملابس القذرة أو المصابة بالحشرات لن تلامس الملابس النظيفة ، ونظام الماء الساخن هذا رخيص وعملي بالنسبة للقرية التي لا تتحمل تكلفة أدشاش ساخنة .
* * *

مضرب الطوب :
كان من اللازم أن يتم بناء القرية بطوب اللبن ؛ وصنع هذا الطوب حرفة ، وهي تتطلب عدة عمليات متمايزة فالمرء لا يغترف وحسب بعض الطين فيشكل كل قالب طوب كما يحتاجه ، فقالب الطوب النمطي في القرنة له حجم وقوام محدد ، حتى يكون وحدة يمكن الاعتماد عليها ويمكن إدخالها في خطتنا . وحتى تصنع قالب الطوب فإنه يلزمك تربة عادية من الموقع ، ورمل من الصحراء ، وقش وماء . وتخلط التربة والرمل بنسبة 1 : 3/1 بالحجم . وقد وجدنا بالتجربة أن هذا الخليط يعطي نتائج طيبة ، وينتج عنه قالب طوب لا ينكمش انكماشاً بالغاً ( تنكمش التربة النقية عند جفافها بما يصل إلى 37 في المائة ) وهو اقتصادي من حيث القش . فيضاف لكل متر مكعب من ذلك 45 رطلاً من القش ، وتخلط كلها بالماء . ويترك الخليط بعدها ليتشرب ويتخمر لما لا يقل عن ثماني وأربعين ساعة ؛ وينتج عن التخمر حمض اللبنيك الذي يجعل القوالب أمتن وأقل امتصاصاً من القوالب التي تصنع بأسرع من ذلك ، بينما يختلط القش بالتربة يحث يكتسب القالب تجانساً في قوامه وهذا أمر جد مرغوب فيه ، ولا يتوافر في القوالب غير المخمرة .
* * *
وعندما يتخمر خليط الطوب ، يحمل في سلال إلى مكان صبه حيث يستخدم ضارب الطوب قالباً يدوياً صغيراً ، وقالب الصب هذا هو مجرد إطار مستطيل لا قاع له ولا سقف ؛ ويضعه ضارب الطوب على الأرض ، ويملؤه بالطين ، ثم يرفعه . فيتخلف القالب المصبوب باقياً فوق الأرض ، التي تكون منثورة بالرمل والقش . وهذه الطريقة تعني أن الخليط لا بد أن يكون رطباً جداً ، بحيث يمكن للقالب أن يُبعد منزلقاً دون أن يحتاج المرء قط إلى أي ضغط لأسفل على الطين . والخليط الرطب له عدة عيوب ؛ فقوالب الطوب تنكمش أكثر من اللازم ، حتى أنها تتشقق أحياناً أوتلتوي ، وهي تلتقط أثناء جفافها الكثير من القذر من أسفلها ، بحيث يكون على البنّاء أن يضيع وقتاً في تنظيف كل قالب طوب قبل رصه . وقد صممت آلة ضغط يدوية تمكننا من صنع قوالب الطوب بالضغط باستخدام خليط أجف كثيراً ، وبهذا قضينا على هذه العيوب ، وتترك القوالب التي صبت حديثاً لتجف في الشمس ، وتقلب على جنبها بعد ثلاثة أيام ، ثم تؤخذ إلى مكان تشوينها بعد ستة أيام . وهناك يُحتفظ بها لأطول ما يمكن ( كل الصيف فيما هو أفضل ) لتجف تماماً قبل استخدامها في البناء . وبناء القرنة يحتاج إلى قوالب طوب بالملايين . ولإنتاج القوالب بهذا القدر فإن الأمر ليتطلب استحداث الوسائل للتأكد من أن يظل الإنتاج كبيراً وأن تظل النوعية جيدة ، ويتطلب أيضاً استحداث الوسائل للتحكم في تكلفة العمل . وقد صمم مضرب الطوب عندنا بهذا الهدف . ولما كان إنتاج القوالب يشغل دورة ستة أيام ، فقد زود كل فريق عمل بستة أحواض للخلط وستة مواقع للصب . وكان من اللازم نقل التربة الناتجة من تطهيرات ترعة الفضلية ، باستخدام عربات ديكوفيل* ، أما الرمل فمن الصحراء باستخدام شاحنات اللوري . ويجب أن يتم ملء الأحواض بالتناوب ، واحد في كل يوم ، ويترك ليومين ؛ ثم تضرب القوالب . وكل موقع للصب يكون كبيراً بما يتسع لثلاثة آلاف قالب – الناتج اليومي المحسوب لفريق من أربعة رجال – وترص هذه القوالب في صفوف كل منها من 32 قالباً ، وبهذا يسهل التأكد من عدد
__________________________________________________

* عربات صغيرة للشحن على قضبان حديدية ضيقة . ( المترجم )
القوالب المضروبة . وقد تم حساب العدد 32 بملاحظة عدد من القوالب التي لا يستطيع الرجل الجالس رصها جنباً إلى جنب وهو مرتاح ، والرجل الواحد يستطيع رص 16 ، والرجلان يرصان 32 . وينتقل
الفريق في اليوم التالي إلى موقع الصب التالي ، أما في اليوم التالي ذلك فإن على واحد منهم أن يعود ثانية إلى الموقع الأول ليضع القوالب على جنبها ، وفي اليوم السادس تنقل القوالب بالعربات .

يوم العمل ملء الحوض صب القوالب تقليد القوالب نقل القوالب 1 ( 1 ) ( 5 ) ( 3 ) ( 6 ) 2 ( 2 ) ( 6 ) ( 4 ) ( 1 ) 3 ( 3 ) ( 1 ) ( 5 ) ( 2 ) 4 ( 4 ) ( 2 ) ( 6 ) ( 3 ) 5 ( 5 ) ( 3 ) ( 1 ) ( 4 ) 6 ( 6 ) ( 4 ) ( 2 ) ( 5 ) 7 ( 1 ) ( 5 ) ( 3 ) ( 6 ) 8 ( 2 ) ( 6 ) ( 4 ) ( 1 ) 9 ( 3 ) ( 1 ) ( 5 ) ( 2 ) 10 ( 4 ) ( 2 ) ( 6 ) ( 3 ) 11 ( 5 ) ( 3 ) ( 1 ) ( 4 ) 12 ( 6 ) ( 4 ) ( 2 ) ( 5 )

والحقيقة أنه كان لدينا خمس فرق عمل ؛ وهكذا كان إجمالي ما لدينا هو خمسة أحواض ، خمسة مواقع صب
ومن الوجهة المثالية فإن مضرب الطوب هكذا ينبغي أن يكون موقعه خارج المنطقة المخطط بناؤها ، بحيث لا يلزم أن يُنقل عندما يحتاج إلى موقعه . وفوق ذلك فإنه عندما يكون خارج منطقة البناء ، يمكن الإبقاء عليه دائماً ؛ وسوف يكون مفيداً للقرية التي ستظل دائماً تبني المنازل وترممها . وينبغي أيضاً أن يكون الموقع بين قناة تمد بالمياه ومصرف يصرفها بعيداً ، وأن يكون قريباً من مصادر التربة ؛ وإذا تم حفر بركة صناعية ، فإنه يكون قريباً من ناتج تطهيرها . أما في القرنة فقد كنا نعمل في موقع محدود ، ولم نتمكن من بناء مضرب طوب دائم .
* * *
بيت الفلاح :
هناك فارق في النوع بين بيت الفلاح وبيت ساكن المدينة . فحياة أسرة الفلاح كلها تعتمد على بقرة أو بقرتين وعلى فدان من الأرض أو ما يقرب . ولو ماتت البقرة أو خاب المحصول ، فإن الأسرة تجوع حتماً ، ذلك أنه ليس هناك مشروع تأمين لينقذها ، وما من إعانات و لامطابخ لحساء حكومي مجاني .
والفارق بين طريقة حياة الفلاح وساكن المدينة ينعكس على بيتيهما . فبينما يُقصد بالبيت في المدينة أن يكون فحسب مأوى للناس الذين يعيشون فيه ، فإن البيوت في القرية يجب أن تحوي أنواعاً كثيرة من المخازن الواسعة كما تحوي أيضاً ماشية الملك . والمطبخ في المدينة هو حجرة صغيرة فيها موقد ، وحوض وصنبور . أما في الريف فتنتشر منطقة الخدمة عبر البيت كله وبدلاً من خزانة صغيرة معلقة إلى الجدار فيها علبتان أو ثلاث من الصفيح ورغيف خبز ، فإن بيت الفلاح فيه مقتنيات ومخزونات تتدلى من السقف . وملابس معلقة على قطعة من حبل مشدود عبر الزوايا ، وحبوب مكدسة فوق الأرضية ، ومقتنيات عجيبة محشورة في كوى صغيرة تُصنع في الجدران الطينية أو هي توضع متزنة على أفاريز طينية تعمل كأرفف . وبدلاً من نقطة مصدر للكهرباء أو صحيفة صغيرة من الكيروسين ، فإن البيت يتكدس بالوقود ؛ حزم الحطب ، وأعواد الذرة ، وحطب القطن ، والروث المجفف ، كلها مكومة إزاء الجدران أو مكدسة على السطح .
وثمة دجاجات تجري داخله خارجة بين التراب والأطفال ، بل وحتى أبقار من داخل البيت نفسه ، بحيث يبدو أشبه بحظيرة يأوي إليها بعض الناس أكثر مما يبدو كبيت حقيقي لعائلة . والفلاح يعيش أقرب ما يكون للعوز حتى أنه لا يحتمل أن يهمل أي وجه من وجوه التوفير مهما كان مرهقاً . وهو يجد في جمع الوقود ليخبز عيشه الخاص لأن هذا يوفر له ملاليم في الأسبوع يعيش على الجبن القريش المصنوع من اللبن منزوع الدسم لأنه يبيع الزبد ليكسب نقوداً . وهو لا يتذوق خضراً خضراء لأن أرضه كلها تزرع بالمحاصيل المجزية ، فهو على شفا مجاعة تحيق به . ورغم أن النيل لا يخيب أبداً وأن المحصول دائماً أكيد إلا أنه في مصر ، حيث يعيش ستة وعشرون فردًا على كل ستة فدادين من الأرض .الزراعية ،وهذا لا يضمن للفلاح إلا أن يظل يعيش بنفس التغذية غير الكافية مثلما كان عليه في عامه السابق . وهو لأجل أن يحتفظ حتى بمستوى معيشته الحالى البائس يجب أن يخزن كل آخر ورقة وحبة من أي محصول يمكن أن بيعه و أن يعامل أبقاره في غيرة وحنان مثلما يعامل أطفاله – بل و أكثر من ذلك في الحقيقة ، ذلك أنه يقول أنه لو مات له طفل فسيمكنه أن ينجب الكثيرين غيره ، ولكن لو ماتت بقرة فإنه يجب أن يدفع ليشتري بدلاً منه .
وهكذا فإن علينا أن نوفر في بيوت القرنة مساحة للتخزين وحظائر كبيرة للماشية . وقد فكرنا في بدائل شتى فالوقود الذي يختزن عادةً في مصر فوق أسطح البيوت كثيراً ما يسبب حرائق مدمرة تنتشر لتحرق قرى بأسرها ، بمواشيها ، ومحاصيلها ، وكل ما عليها . وإذن فإنه بدا معقولاً أن تخزن هذه المواد سريعة الاشتعال تخزيناً آمناً في مبنى عام كبير ، كما بدا صحياً بأكثر أن تكون هناك حظائر ماشية عامة بعيداً تماماً عن البيوت . إلا أن الفلاحين ما كانوا ليفترقوا عن محاصيلهم ولا عن ماشيتهم . كيف يتأتى أن يظل النساء يجرين طول اليوم في الشوارع العامة لإحضار الوقود ولحلب البقر؟ وإلى جانب ذلك ، فإن البقرة تحتاج إلى رعاية مستمرة ولن تكون سعيدة وهي بعيدة عن عائلتها .
وإذن ، فلماذا لا تُبعثر البيوت ما بين الحقول ، بحيث يتوافر لكل بيت مساحة لكل احتياجاته ؟ ولكن هذا لا يصلح ، لأن المنزل المنعزل الصغير ذا الحماية الضعيفة هو بمثابة طعم جد مغز للصوص ، كما أن توفير الخدمات لمنازل مبعثرة سيكون أكثر صعوبة من توفيرها لقرية صغيرة مضمومة .
وقد خططت بعدها قرية أخرى تطل فيها المنازل من الخلف على حدائق للخضر حيث يزرع فيها الكرنب وأشجار الفاكهة وحيث تسير الأبقار إلى مذاودها في البيوت على طول ممرات صغيرة بجوار هذه الحدائق. وسوف يحتفظ هذا بالجو الريفي خلال القرية كلها ، كما يجعلها بمثابة مصغر لحديقة المدينة – أو هي
(( حديقة خضروات للقرية )) . على أنه كان علينا في القرنة أن نكدس المباني معاً لأن الموقع كان صغيراً وكان علينا أن نوفر لكل بيت حظيرة ماشية ومكاناً لمخازنه من داخل المساحة المحدودة المخصصة له . ولهذا السبب أيضاً ، كان لابد أن تكون كل البيوت من طابقين .
وإيواء الماشية علفها والتعامل مع السباخ وإيجاد مكان للوقود ولبقايا المحاصيل وللطعام والمتعلقات الشخصية هذه كلها مشاكل جابهت الفلاحين لسنوات كثيرة . وحلولهم لها كثيراً ما تكون حلولاً خرقاء ، وبدائية ، وغاية في عدم الملائمة ، على أننا مازلنا يمكننا التعلم منهم . فيمكننا أحياناً أن نأخذ عنهم لمحة إيجابية ، كما من أسلوبهم في تجميع كل الخدمات من حول الفناء . ويمكننا أحياناً أن نرى ما يجب ألا نفعله ، مثل تخزين المحاصيل سريعة الاشتعال هي والعلف من فوق أسطح بيوت تحتشد متقاربة .
والخدمات المنزلية – من طهي ، وغسل ، ومراحيض – تجمع من حول الفناء المركزي ، الذي يكون له مقعد مفتوح يمكن للعائلة أن تأكل فيه . والدور الأرضي فيه أيضاً غرفة الضيوف وحظائر الماشية . أما الدور العلوي فتوجد فيه غرف النوم وخزانة لخزن الوقود . ويتخذ موضع هذه ليكون مكاناً ملائماً بالنسبة لمكان نيران الطهي والفرن ، وإنها تكون محمية بحرص من خطر الحريق بأن يرفع من جوانبها . وبأن يكون موقعها بحيث تحتمي من خزانة الوقود التي في البيت المجاور بواسطة كتلة غرف النوم .
والانثروبولوجي الذي يُعنى بدراسة الإنسان ، ينزع إلى أن يحدد مراحل تقدم الإنسان حسب ما يستخدمه من الأدوات ، وهكذا فإن المدينة ظلت تتواصل ابتداءً من العصر الحجري ، ومروراً بالعصر البرونزي فالحديدي ، حتى عصر البخار والكهرباء . ويمكن للمهندس المعماري أن يخط مقياسه الموازي لذلك ، حيث علامات التدرج تكون حسب وسائل الخدمات المنزلية التي يستخدمها الرجل – والمرأة . فهو سيلحظ عصر استخدام حوض المطبخ ، وعصر السباكة ، وعصر الثلاجة ، وهلم جراً ؛ وسيرصد أيضاً أن معظم الفلاحين هم من الوجهة المنزلية يعيشون متخلفين في العصر الحجري .
وتجهيز المطبخ بما يساير أقصى المعايير حداثة سيكلف الفلاح أكثر مما يكسبه طول حياته كلها . فالثلاجة أو الموقد الكهربائي لهي أبعد من متناول موارده بعد الطائرة . بل إن التجهيزات البادية التواضع مثل حوض متين للغسيل أو حوض غسل الوجه الخزفي ، هي بالنسبة إليه غالية جداً . وبصرف النظر تماماً عن حقيقة أن القرية ليس فيها كهرباء ولا صرف صحي ، فإن الفلاح لا يستطيع تحمل ثمن أبسط الضرورات المنزلية كما تباع في المحلات . وإذا كان لبيته أن يكون أكثر إمتاعاً في الحياة وأكثر سهولة في إدارته ، فإنه يجب ابتكار تجهيزات بسيطة تصنع محلياً وتؤدي نفس المهمة التي تؤديها تجهيزات المدينة الغالية المصنوعة في المصانع .
والفلاح يفتقر إلى أشياء معدودة ، من غيرها لا يستطيع تحسين بيته كثيراً وأول شيء هو المساحة ؛ والثاني هو القدرة على تنظيم الوحدات المنفصلة في كل ممتع له كفاءته ؛ والثالث هو بعض مواد يحتاج إليها ، ولو بمقادير صغيرة ، لينفذ التحسينات في البيئة المحيطة . فبقليل من الإسمنت ، مع مواسير معدودة ، وكيس جبس ، يمكنه أن يصنع لنفسه فرناً لا يملاء الغرفة دخاناً ، ومرحاضاً صحياً ، ونظاماً يوفر له ماءً جارياً ، وبقليل من التخيل ، يمكنه أن يصنع لنفسه مصطبة يرتفع بها بنيران طهيه بعيداً عن التراب .
والإسمنت والجبس لا يتواجدان في القرية ، وإنما يتواجد الفخار . والقرويون في مصر العليا يخزنون زيتهم ولبنهم ، وماءهم ، في قدور فخارية غير مصقولة يصنعونها بأنفسهم . وهي بالنسبة للماء أداة ممتازة ، لأنها تبرده ، أما بالنسبة للزيت واللبن فهي ليست كذلك ، لأن هذه المواد تتسرب من خلال الفخار وتفسد في الوسط منه . ولو أمكن فحسب أن يصقل القرويون قدورهم ، فإنها ستكون أدوات معقولة للغاية . ولو كان لها مادة صقل جيدة يمكن حرقها في درجة منخفضة ، فإننا سنستطيع استخدام فرن القرية أيضاً في صنع فخار مصقول لأغراض كثيرة أخرى . فلو أمكن إنتاج بلاط القاشاني رخيصاً . فإنه سيرتفع ارتفاعاً عظيماً بمستوى الرفاهة في البيوت ، وسيمكننا أن نبطن بالقيشاني أجزاء من الجدران بحيث يسهل غسلها ، وحيثما أمكن للناس مسح القاشاني أو رشة برذاذ من الماء فإن ذلك يسهل من العمل المنزلي ويجعل الجدران أنصع . وينبغي أن نضع بلاطاتنا القاشانية الناعمة غير النفاذة على جوانب الأسرة المبيتة في الحائط ، وعلى ظهور المقاعد ، وعلى أرضية مصطبة الطبخ ، ولتبطين الأصونة بدلاً من الطين لذي يجمع الحشرات . وبلاط القاشاني سيدخل التباين أيضاً ، بحيث يكون ثمة تبادل في نسيج الجدران بين الأسطح الملونة الصلبة اللامعة ، والخلفية اللينة للطين المطلي بالبياض ، بل وحتى جسد الإنسان له سطحه اللين – البشرة – وسطحه الصلب – الأظافر ؛ وسيكون بلاط القاشاني كالأظافر لبيت طوب اللبن .
وصناعة القاشاني المزدهرة ستشجع أيضاً من فن التجميل . وفي رشيد ودمياط ، حيث كان يتم إنتاج القاشاني فيما مضى ، كان بلاطه يستخدم استخداماً رائعاً في تجميل أسفل الجدران في البيوت هناك . ولو أصبح بلاطنا القاشاني رائجاً ، فإنه يمكننا أن نجعل الأطفال يرسمونه ونبني مدرسة لرسامية في القرنة .
وصناعة كهذه ينبغي ألا يكون ابتداؤها أمراً بالغ الصعوبة . وقد كان المصريون القدماء يصنعون السيراميك بإتقان كامل ؛ ففي قبر زوسر الذي ينتمي للأسرة الثالثة ، غطيت الجدران ببلاطات القاشاني الزرقاء .
______________________________________________________
* كتب هذا الكتاب في الستينات ليصف ريف مصر في الأربعينات قبل أن تصل الكهرباء للريف ، وقبل موجات الهجرة النفطية التي أدت إلى بناء البيوت الإسمنتية في القرى حيث الكثير من الأدوات المنزلية الكهربائية الحديثة . ( المترجم
وقبور القرنة القديمة مليئة بتماثيل صغيرة وجعارين مصنوعة من فخار مصقول . ومازال مزيفو الآثار للآن يستطيعون صناعة جعارين مقلدة مثل تلك القديمة ، وإن كانوا عادةً يحصلون على مادة صقل جديدة من بنزعها بالصهر من أجزاء من الفخار القديم ، بدلاً من صنع مادة صقل جديدة من مواد خام . والمصنوعات المقلدة يبلغ من إتقانها وجمال صياغتها ونقشها أنها تُباع بأثمان عالية حتى عندما يُعرف أنها حديثة الصنع . والشيخ عمر المطاعني واحد من أحسن الحرفيين في هذا المجال ، وفي استطاعته أن يبيع جعارينه مقابل جنيهين للواحد . وقد طلبت منه أن يساعدني في تكوين مدرسة للفخار المصقول والسيراميك ، على أنه لم يكن هناك ما يمكن أن يحثه على التفريط في أسرار مهنته . ونفوره هذا ، وإن كان فيما يحتمل ناشئاً عن خوف مفهوم من المنافسة ، إلا أنه كان يحبطني أيما إحباط . وكان ينبغي أن نبدأ مدرسة يمكن فيها تعليم حرفة الفخارة بطريقة علمية ، وحيث يمكن إجراء أبحاث على مواد الصقل التي تصلح عند درجة حرارة الأفران المحلية ، كما ينبغي أن نحاول تصميم أفران بسيطة يمكن أن تصل إلى درجات حرارة أعلى . ومدرسة كهذه سوف تتيح للقرية صناعة يمكن لها بالوقت والتجارب أن ترسخ بصفة دائمة وتطور من طرقها وأنماطها الخاصة بها .
* * *
غرفة النوم :
أشكال الحجرات في البيت تنشأ عن طبيعة مادة البناء . وطوب اللبن تتغير خواصه الفيزيائية عندما يصبح جافاً صلباً أو عندما يصبح مبتلاً ثانية .
وثمة تخطيط للغرفة يبدو أنه يتلاءم تماماً ومعمار طوب اللبن . وهو الغرفة المربعة ذات القبة ، والتي تخرج منها تبييتات مقبيّة ، بما يقلد تصميم القاعة في المنزل العربي القديم ببهوها الوسطى العالي ، وخلوها من الأثاث ، وربما يكون للقاعة نافورة صغيرة في منتصفها ، بينما تخرج منها الإيوانات ، وكل قد بنيت فيه مقاعده المبيتة ، وبساط القاعة يمتد فوق وسط الأرضية ، ومشاياتها تدور بالأطراف ليسير عليها الناس . ويمكن العثور على بيوت من هذه في القاهرة القديمة ، فيها بهوها المميز الوسطى – الدرقاعة – الذي يمتد من فناء مفتوح ، والتخطيط كله فيه ما يذكر ببيت عراقي قديم أو بيوت الفسطاط الأولى ، ذات الفناء الوسطى ، والإيوانات على جانبيه ، وقد استخدمت هذه الخطة الأساسية في بيوتي التي بنيتها قبل القرنة ، واستخدمته في المدرسة ، لحجرات الدراسة ، كما أن كان أيضاً مواتياً ومواتاة طبيعية جداً للغرف الخاصة في القرنة الجديدة .
والسقف المقوس المصنوع من طوب اللبن يستمد كل ما فيه من متانة من شكله الهندسي . وحتى يجعل المرء مادة متواضعة وضعيفة هكذا تمتد من فوق غرفة ، فإن هذا يتطلب منه عناية خارقة في تصميم القبو وكرماً بالغاً في حد الأمان الذي يتخذه . والآن ، فرغم أن القبو هو من أوجه كثيرة متين وملائم بما يكفي ، إلا أنه ليس في متانة القبة . وإذا كان يمكن لبحر قبو اسطواني من طوب اللبن أن يصل امتداده للثالثة أمتار ، فإن بحر القبة يصل إلى خمسة . فشكل القبة الكروي له كل مزايا الشكل البيضاوي أو مزايا المحارات الإسمنتية الحديثة بتقوسها المزدوج وهي التي تستخدم الآن لتغطية قاعات الموسيقى ، والهناجر ، والمدرجات المسقوفة في كل أوروبا وأمريكا .
وأعظم عدو لطوب اللبن هو الرطوبة . وقد يبتل الطين من المطر ، أو الندى أو من ظاهرة الجاذبية الشعرية من الأرض ، أو من مجرد الرطوبة التي في الهواء . ويمكن استخدام أنواع علاج مختلفة للاحتفاظ بجفاف الطين ، أو بمعنى آخر لتطويق آثار الرطوبة . فيجب منع تسرب المياه من أسفل ، ولا غنى في السقف عن مدماك مضاد لرطوبة ، بينما يمكن توفير الحماية لقوالب الطوب بتلييثه مضادة للماء مصنوعة من تربة مثبتة بالبيتومين . وما إن تتم حماية قوالب اللبن من الرطوبة فإنها تبقى دائماً أبداً . وهناك أبنية مقببة ومقبية وغير محمية تماماً ، في البجوات وواحة الخارجة وقد تحملت الرياح والعواصف الترابية في الصحراء طيلة 1600 سنة ، وذلك لمجرد أنها لا تصل إليها الرطوبة .
أما بالنسبة للفلاح العادي ، الذي يعيش في مكان رطب ، فإن هذه الأنواع من الحماية تكلفتها أغلى مما يطيقه أو هي ليست مما يوجد في متناول يده . ورغم أن مناخ القرنة جاف جداً ، فقد كنت أود أن تكون المثال الحق للقرية ، الذي يمكن أن تُقلد مبانيه بأمان بواسطة أي فلاح في أي مكان في مصر دون أي مساعدة تقنية . ولهذا السبب اخترت أن يكون بحر القبة ثلاثة أمتار وبحر القبو مترين ونصف المتر ، مع زيادة سمك الجدران على كل جانب من الإيوانات بخمسة وعشرين سنتيمتراً . وهذا يجعل البنية قوية جداً ، بحيث أنه إذا تمت حمايتها فحسب بمدماك عادي مضاد للرطوبة وبتلييثة بسيطة فإنها ستتحمل أي جو في أي مكان .
ولتسقيف حجرة كهذه ، بنينا أولاً القبو من فوق الإيوان . ثم استخدمنا هذا القبو كشدة للعقد الذي يجب أن يحمل القبة من الناحية المفتوحة . ومع بناء حلقتين من القوالب من فوقه عند طرفه ، وكان في هذا ما يكفي لتقويته ليتحمل القبة . وعادةً ، فإنه بسبب ميل مداميك القبو تجاه الجدار الخلفي ، فإن الجدران الحاملة للقبو يجب أن تنتأ قليلاً في المربع الوسطى ؛ وهكذا فإن قمة العقد ينبغي أن تكون محاذية تماماً للجدران لتوفر للقبة شكل مربع متقن تستقر من فوقه .
والغرفة تستخدم كالتالي : التبييتة المقبية ، أوالإيوان تحتوي على سرير مبني مبيت فيها ، مع متسع للاحتفاظ بأشياء من تحته ، وحوض عقرب لحجز هذه الحشرات لو حاولت الوصول إلى السرير . وفي مقابل تبييته المضجع يوجد قبو آخر صغير من فوق صوان ، وهذا بديل أنيق للحبل المعتاد الذي يعلق الفلاح عليه ملابسه ومتعلقاته الأخرى . وهكذا فإن المنطقة الوسيطة يحتفظ بها خالية من الأثاث فتعطي إحساساً بالاتساع والكرامة للغرفة . وفي هذا تحسين كبير لغرفة الفلاح المعتادة . التي هي مكان صغير مظلم سيء التهوية .
والقروي ليس لديه نافذة ، أو هو عندما تكون لديه واحدة فإنه يعدها إعداداً سيئاً للغاية بحيث تكون مصدراً لتيار هوائي ، فيسدها تماماً ويحدث كوة صغيرة عالياً قرب السقف . أما عندما ينام في المضجع المبيت في البيت الجديد ، وقد دُس بعيداً خارج الخط الممتد من الباب للنافذة ، فإنه سيكون مكنوناً تماماً بغير إزعاج من التيارات الهوائية .
* * *
الخبيز والتدفئة :
فرن الخبيز موجود في فناء بالركن . وهو فرن طيني عادي مما يمكن شراؤه في السوق . وثمة تقليد بأنه عندما تخبز إحدى العائلات فإنها يجب أن تسمح للجيران المباشرين بأن يخبزوا عيشهم في فرنها ، وهكذا فإن العائلات تخبز كل ثالث يوم فتقتصد في الوقود .
والشتاء في مصر يمكن أن يكون بارداً تماماً ، وهكذا فإن الفلاحين . يستخدمون وسائل شتى لتدفئة بيوتهم. وكثيراً ما يكون لديهم فرن خبيز داخل حجرة النوم بالإضافة إلى فرن الفناء . ولهذا الفرن حجم كبير , يلتهم مساحة كبيرة من الغرفة . ولما كان بلا مدخنة . فإن الدخان يتدفق منه , ويلتف حول الغرفة ليخرج من الباب . والغرفة من الداخل تكاد تكون من غير أي تهوية ملائمة ، وهكذا فإنها تصبح من الداخل سوداء بالسناج مما يجعلها قاتمة فاسدة الهواء بما لا يحتمل . ولما كان فرن الخبيز غير كفء كأداة للتدفئة , فإن العائلة كلها يكون عليها عادةً أن تنام من فوقه ( بالطبع بعد أن ينطفئ ) وكثيراً ما يؤتى بالأبقار إلى الداخل لتشارك في الدفء وتضيف إليه .
ومنقد الفحم هو إحدى الوسائل الأخرى الشائعة للتدفئة , والتي تستخدم خاصةً عندما لا يكون هناك خبيز فلا تشعل نيران الفرن . على أنه أيضاً يعطي دفئاً جد قليل وينفث أدخنة أول أكسيد الكربون السامة . ففرن الخبيز ومنقد الفحم كلاهما ليس كفئاً بالمرة , وكلاهما خطر على الصحة .
- لإيجاد وسيلة فعالة ورخيصة لتدفئة , يجب أن تذهب إلى مكان حيث المناخ بارد حقاً والناس فقراء , وقد ذهبت لهذا الغرض إلى النمسا , حيث اكتشفت في قرى التيرول أداة ممتازة لتدفئة والطهي ظل الفلاحون هناك يستخدمونها عبر القرون . وهي ما يسمى فرن كاتشل Kachelofen وهو موقد له من داخله نظام معقد للغاية من الفواصل التي توجه غازات الاحتراق الساخنة وراءً وأماماً لتتيح المزيد من الوقت التي تشع فيه الحرارة لداخل الغرفة قبل أن تهرب الغازات . وبعد أن يحترق الوقود مخلفاً قطعاً معدودة من الفحم المتوهج , فإنه يمكن إخماد الموقد بإغلاق باب النيران والمدخنة , بحيث يواصل بث دفء مريح طوال الليل مثلما تفعل قربة الماء الساخن في السرير . والفرن النمساوي مصنوع من مواد بسيطة جداً : ففي الداخل بلاط من طفل حراري , ومن الخارج بلاط قاشاني لتجميل يسما كاتشل Kachel هو مما قد أصبح تصميمه وتنفيذه من الفن الفولكلوري المعروف . وهناك نوع آخر أكثر بساطة له جدران رقيقة من حصى كبير مفلطح يؤخذ من قاع أحد الأنهار ويرص في ملاط جيري صاف .
وبالنسبة لمصر فإن تحقيق القاعدة التي في الفرن النمسوي بأرخص مادة ممكنة يبدو كحل واعد أقصى الوعد لمشاكلنا في التدفئة . وقد وجدة امرأة عجوز كانت تصنع أفران القرية العادية للخبيز من الطين ومن فضلات الحمير , وعلمتُها أن تصنع المواقد النمساوية من هذه المواد نفسها . وقد تعلمتها سريعاً جداً وسرعان ما أمكنها إنتاجها بالثمن نفسه مثل أفران الخبيز , وهو ما يقرب من ثلاثين قرشاً . وهي تحرق أي شيء حتى كناسة البيت وفضلات المطبخ ؛ وصممت للعائلات الأغنى نمطاً يعمل بنقط الزيت والماء ويشتعل مثلما يشتعل الفرن .
وأقيم داخل غرفة النوم إزاء الجدار , نمط موقد يشتمل على فرن خبيث , وباب الفرن في يفتح للخارج على الفناء . وثمة نمط آخر للتدفئة فقط يمكن وضعه في أي مكان , وصممت البيوت ولها مداخن في أنسب الأماكن حيث يمكن الاحتياج لمواقد نمساوية حتى إذا ما تم شراؤها لا يبقى إلا توصيلها بها .
* * *
الطهي :
المرأة الفلاحة تطهي عادةً فوق نار تقام على الأرض ، وهي تقلب الطعام في حلة توضع فوق قالبين من الطوب يحيطان بالنار . وهي تطهي صيفاً في الفناء ، وشتاءً داخل البيت . ويكون للنار دخانها ، كما يكون الطعام قريباً من الأرض فيصبح مترباً ، وأحياناً تمسك النيران بكميات الوقود الكبيرة التي يحتفظ بها على مقربة فتحرق البيت بل وتحرق القرية كلها والاستخدام الدائم للنيران المفتوحة في داخل البيت يملئ البيت برائحة الطبيخ ويسوّد الجدران بالسناج ، وهذا عيب يضاعف منه الوقود المستخدم – أعواد حطب القطن المجففة وأعواد الذرة ، وأي نوع من عيدان الحطب أو القش يمكن جمعه من الحقول . وهذه المواد تعطي حرارة قليلة . وتشغل قدراً هائلاً من المساحة ، كما أنها مادة ممتازة لإنتاج دخان بلا نيران .
وكانت مشكلتنا أساساً هي مشكلة إعادة ترتيب نظام الطهي والتخلص من الدخان . وأول ما يلزم فعله هو صنع مطبخ دائم ، يتم فيه إعداد وطهي الطعام صيفاً وشتاءً . واخترت لهذا غرفة عائلية أو المقعد المفتوح التي تفتح جنوباً على الفناء والتي تمتد منها غرفة النوم . وقد رتبت من قبل أن يتم خزن الوقود على السقف بطريقة بعيدة عن الخطر . ووفرت الآن في المطبخ خزانة كبيرة سهلة الاستعمال للوقود ، على يمين الموقد ويمكن رص الوقود فيها من أعلاها ، ويجذب للخارج من فتحة في مستوى الأرضية . ولم يتم تصميم الموقد نفسه إلا بعد ملاحظة طويلة ، وتحليل حريص لحركات المرأة أثناء الطهي .
وحيث أن القرنة حارة جداً ، فقد كان واضحاً أن من المهم الاحتفاظ بوضع الجلوس القرفصاء للطهي ، حيث تبين أن هذا الوضع أريح كثيراً من وضع الوقوف . وضمنت النيران بالداخل من موقد دائم له شبكة من طوب حراري تحمل الحلل ، وله كبود ومدخنة من فوق لتجميع أدخنة الطهي وتوجيهها بعيداً والحقيقية أن النتيجة النهائية كانت تماثل تماماً الموقد المعتاد للمطبخ في الكثير من البلاد الأوروبية ، وإن كان ارتفاعه قد خفض ليصبح ما يقرب من اثنتي عشرة بوصة على أن من المهم أن نلاحظ من وجهة التصميم الوظيفي ، أنه لم يكن مما يصلح أن نختصر الطريق ، وأن نفترض ببساطة ، دون تحليل لطريقة استخدام الوحدة ، أنه ما دامت المرأة المصرية تجلس للطهي ، فإن حل المشكلة يكون باستخدام نسخة من الوقود الأوروبي ارتفاعاً أقل . فقد يقع المرء في كل أنواع الأخطاء الخطيرة عندما يتخذ موقفاً كسولاً هكذا .
وإلى اليسار مباشرةً من الموقد يوجد حوض ، يُمد بالمياه من خزان بالسطح ، من خلال ماسورة ، ويتم تصريفه إلى مرشح حجز للشحوم ، ثم إلى بئر الصرف المحفور في الفناء .
وفي الصيف يكون إشعال الموقد النمسوي في غرفة النوم للخبز عليه أمراَ فوق القدرة على الاحتمال ، ولهذا وفرت أيضاً موقداً ثانياً صيفياً خارج منطقة المطبخ ، وقد أثبتت هذه المواقد شعبيتها وبراعتها . وحتى عندما كان أصحابها يستخدمون مواقد البريموس* فإنهم قد وجدوا أنه من الملائم أن يضعوها في الفرن تحت الكبود ، الأمر الذي أبهجني أيما إبهاج ، فليس هناك ما هو أقبح وأشد وساخة وقذارة من موقد البريموس في غرفة النوم وقد وضعت عليه حلة ملوثة بالشحم والسناج تجاور لحافاً ملوناً في أشد الحاجة لأن يغسل
( ويبدو بطريقة ما أن الاثنين يدعم كل منهما قذارة الآخر ) ، والتوصّل إلى إخراج الحلة من غرفة النوم لهو خطوة طيبة للوصول إلى منزل منسق رحيب . والمطبخ يمكن أن يكون منه حجرة جميلة ، خاصة عندما تكون أدواته مصنوعة محلياً ، أما عندما تكون هذه الأدوات في غير موضعها ، فإنها تصبح مركزاً للقبح يفسد سائر المنزل كله .
* * *
الإمداد بالمياه :
مشكلتنا الرئيسية لتوفير حمام ، ودش ، ومغسلة ملابس ، ومرحاض هي الإمداد بالمياه وتصريفها . ولقد جمعت هذه الوحدات متقاربة ، بحيث يمكن تصريف المياه المتخلفة بسهولة ، ويتم الإمداد من جرار كبيرة مصقولة لتخزين المياه على السطح . وجرار التخزين هذه ، التي يلزم إعادة ملئها باليد من مضخات عمومية قد تبدو كمطلب أدنى درجة من مطلب توفير مياه جارية لكل بيت . والحقيقة أنه مع كل مزايا المياه الجارية ، فإنها مما يجب ألا يدخل إلا بحذر وبعد أن يتم النظر بعناية في تأثيرها في المجتمع . ففي الهند ، حيث تم إمداد قرى معينة بماء نقي من صنابير في البيوت ، ظلت البنات يفضلن الذهاب إلى النهر ليعدن ثانيةً وقد جلبن فوق رؤوسهن جراراً ثقيلة من الماء القذر . ذلك أن جلب الماء كان عذرهن الوحيد للخروج ، وبالتالي فهو فرصتهن الوحيدة لأن يراهن شباب قريتهن . والفتاة التي تبقى في المطبخ ، لتسحب من المياه من الصنبور لن تتزوج أبداً .
وهكذا فإننا نرى المرة بعد الأخرى في المجتمع القروي ، سواء في الهند أو في مصر ، كيف أن الإطار الجامد للتقاليد التي تبدو عتيقة إنما يؤدي إلى خدمة أنواع شتى من الأهداف العلمية بما هو غير متوقع . وإذا أزيل عنصر واحد مفيد من عناصر الحياة التقليدية ، فسيكون من واجبنا أن نجعل مكانه عنصراً آخر يؤدي نفس الوظيفة الاجتماعية . فلو أننا مثلاً أزلنا المصدر الجماعي للمياه ، لوجب أن نوفر وسيلة أخرى لإتاحة عقد الخطوبات – بل ولتسهيل تبادل القيل والقال . وقد كان إحياء الحمام أو المغسل التركي هو الوسيلة البديلة التي طرحت نفسها عليّ ، وهو ما ناقشت أمره من قبل . وكلما زاد رسوخ استخدام الحمام بين الأمهات في القرية بغرض تقييم جمال وشخصية الفتيات الجديرات بالانتخاب وبغرض تقييم جمال وشخصية الفتيات الجديرات بالانتخاب وبغرض ترتيب الزيجات ، فإن ذلك سيقلل تدريجياً من أهمية الموكب اليومي لذهاب الفتيات إلى النبع
_______________________________________________________
* طراز موقد شعاع استخدامه للطهي في مصر حتى الخمسينات ويستخدم الكيروسين كوقود ويعرف بالعامية بوابور الجاز ( المترجم )

كعرض مثير لجذب الأزواج وسوف يزيد النفور منه كمهمة شاقة . وهكذا فإنه بعد مرور ما يقرب من جيل واحد قد تصبح نساء القرية على استعداد لاستخدام توصيلات المياه في منازلهن . على أنه من الصعب تخيل قرية في
مصر تخلو من منظر نسائها في أرديتهن السوداء ، وقد انتصبن كالكلمات ، وكل منهن تحمل جرة مياه
( البلاص ) فوق رأسها بلا مبالاة، وسيكون من الخسارة أن نفقد هذا المشهد . ولكن من يدري ، فلعل الانحناء بدلو على صنبور في الفناء قد يؤدي أيضاً إلى زوال هذا الموكب الفخيم الذي اشتهرت به نساؤنا أما في القرنة ، فقد انتصرنا في الوقت الحالي على المضخات العامة ؛ فلكل مجاورة أو مجاورتين مضخة يدوية ، تضخ الماء من الأعماق بأسفل حيث يخلو من البكتيريا الضارة . والمضخة توجد في الداخل من غرفة صغيرة لها قبة ، ومزودة بمقاعد من حول الجدار حيث يمكن للنسوة أن يجلسن ويثرثرن وهن ينتظرن دورهن .
والآبار ونقط مصادر المياه في كل القرى وفي الأحياء الفقيرة بالمدن تكون محاطة بمستنقع واسع ينجم عن فائض المياه المتدفقة . أما حجرات مضخاتي فإن أرضيتها ممهدة وتهبط بدرجتين تحت مستوى الأرضية للتأكد من عدم تسرب المياه لتوحل الأرض في الخارج . وفائض المياه يتم تصريفه بعيداً من خلال مصرف تحت الأرض ، يزود بغرفة تفتيش لحفظه خالياً مما قد يؤدي لسده ، وهو يذهب في النهاية لتغذية أشجار الفاكهة في الميدان المجاور ، وهكذا فإن وظيفتي نقطة مصدر المياه يتم القيام بهما جيداً ؛ فمن الوجهة العملية سيكون هناك الكثير من المياه النقية ، ومن الوجهة الاجتماعية ، سيصبح ضخها وسيلة بهيجة مرطبة لتمضية الوقت على مهل
وما أن يؤخذ الماء ثانية إلى البيت ، فإن الفتاة تحمله لأعلى وتفرغه في الخزان على السطح . وتوجد هناك جرة أو جرتان كبيرتان من جرار قصة علي بابا مغروزتان على السطح وتتصلان معاً بمواسير حديدية مجلفنة . وهما توضعان في الظل ، ولكن حيث يمكن أن يلتقيا تياراً من الهواء ليحفظ الماء بارداً، وهما مصقولتان من الداخل لمنع تسرب الماء . والقدرة غير المصقولة التي تسمح بتسرب الماء من خلال سطحها الخارجي ليتبخر ، تبرد الماء أكثر ، إلا أن الماء المفقود أهم من ذلك ، كما أنه ليس من الملائم أن يترك الماء لينزل للخارج باستمرار فوق السقف الطيني . وتوضع القدرتان فوق حجرة الحمام مباشرةً ويكون لهما مخرج إلى ماسورة من حديد مجلفن تخرج من قاع واحدة منهما . وإذا كان هناك حاجة للماء في مكان آخر فإنه يُمد من هذه الماسورة خلال مواسير مشابهة تعلق من السقف عبر منتصف الحجرات ، بحيث لو بدأت هذه المواسير في تسريب نقط للماء فإنها ستسبب الإزعاج للعائلة ، فتكون مجبرة على إصلاحها ، أما ، أما الماسورة التي تنقط على الجدار فلربما تركوها لشهور لتواصل تخريب الجدار والجص .
ومن الممكن أن يُدخل تحسين على هذا النظام بأن يوضع خزان إضافي في الطابق الأرضي وتركب مضخة يدوية صغيرة لملء قدور السطح ،وبذلك يتم تجنب الحاجة إلى حمل قدور الماء لأعلى .
والقرويون عادةً يخزنون الماء في الفناء في جرار كبيرة غير مصقولة تسمى (( الزير )) ، ويخرجون الماء منها لاستخدامه بواسطة وعاء صغير أو إناء رقيق يسمى (( الكوز )) . وهم يمسكون بالكوز في يد لصب الماء من فوق طبق أو طفل يمسكونه باليد الأخرى . ولو أمكن إتاحة صنبور لهم ، فإن كلتا اليدين تصبحان حرتين لأداء مهمة الغسيل ، مما يجعل العمل المنزلي أسهل كثيراً .
* * *
الغسيل :
معظم النساء المصريات يغسلن غسيلهن في الترعة ، أو إذا كن أغنى قليلاً ، فإنهن يغسلن في حوض كبير هو (( الطست )) ، الذي جزءاً مهماً من جهاز العروس ولم يكن في القرنة ترعة ، وهكذا لزم أن يوفر للبيوت مكان للغسيل . وبعد إجراء ملاحظات وقياسات حريصة على الأفراد الذين يقومون فعلاً بالغسيل ، بل ومع محاولة اتخاذ أوضاع الغسيل بنفسي ، صممت نظاماً بسيطاً من حوض ضحل جدرانه وأرضيته من الطوب المليث بالأسمنت ، وثمة حامل دائري في المركز لحمل الطست ، ومقعد قريب من الحامل قرباً ملائماً ، ونقرة مسطحة في أحد الأركان . وهكذا تستطيع المرأة أن تجلس إلى الحوض مثلما تعودت أن تفعل وتترك الملابس منقوعة في نفس الوقت في النقرة . وتصل المياه إليها في المواسير من قدور السقف ، وعندما تنهي غسيلها فإنها ببساطة تُميل الطست وتصب المياه في أرضية الحوض ، ومن هنا تتصرف المياه بعيداً خلال فتحة من أحد الأركان إلى بئر محفور للصرف .
وحوض الغسيل نفسه يمكن استخدامه لاغتسال الأطفال ولحجرة الحمام . والحقيقة أني وضعت الأحواض الأولى في زاوية من الفناء ، حيث يقوم النسوة عادةً بالغسيل ، ولكنني في التصميمات اللاحقة نقلت أحواض الغسيل إلى حجرة الحمام الأصلية ؛ ويستطيع المستحم أن يجلس على الحامل المركزي ، ويقوم في الشتاء بمزج مائه الساخن والبارد في النقرة ، أو هو في الصيف يستخدم دشاً بارداً مثبتاً فوق رأسه . والميزة الكبرى لهذه الأحواض ، أنها مثل تلك التي تحيط بالمضخات العمومية ، تمنع الماء الفائض من أن يسري في كل المكان أو أن ينساب خارجاً إلى الفناء أو الشارع . وهي من غير أن تخلِّ بالتقاليد المحلية للغسيل ، تجعل العملية كلها أنظف و أنشف .
* * *
المراحيض :
في مصر يعاني كل فلاح تقريباً من الانكلستوما وواحد أو أكثر من الأمراض المعوية ، التي تتم العدوى بها مباشرةً من فضلات المريض . وكنتيجة لعدم وجود مراحيض صحية ولا وسائل صحية للصرف فقد تفشت أمراض التيفود والبلهارسيا والدسنتاريا و الانكلستوما . وهذه الأمراض بالإضافة إلى أنها تقتل وئيداً من يصاب بها ، فإنها توهن من قواه فلا يستطيع أن يحسن أداء عمله ولا أن يستمتع بحياته . والقضاء على هذه الأمراض مهمة عاجلة ، ويستطيع المهندس المعماري أن يفعل الكثير بهذا الشأن . فلو أمكن تزويد بيوت القرية بالمراحيض النظيفة ، ونظم طرد الفضلات والصرف الصحي ، فإن نسبة وقوع هذه المصائب ستنخفض انخفاضاً عظيماً .
وقد قامت هيئات كثيرة بإجراء تجارب لإيجاد مراحيض رخيصة ونظيفة . ولما كان إنشاء دورات مياه من الطرز الأوروبي أمراً مكلفاً للغاية لما تتطلبه من إمداد المياه بوفرة في المواسير ، ومن تركيبات صرف واسعة معقدة ، فإن أولئك الذين أجروا التجارب حاولوا استخدام دورات رملية أو استخدام بئر للصرف . وتتكون الدورة الرملية من خندقين عميقين ، يستخدمان بالتبادل كل ستة شهور .. ويوجد مقعد على الخندق الجاري استخدامه ، ورمل ليلقيه المستخدم على فضلاته . أما الخندق غير المستخدم فيغطى ، وبعد مرور الأشهر الستة ، تزال محتوياته وتستخدم كسماد . ولسوء الحظ تبين عند التطبيق أن مدة الشهور الستة لم تكن كافية لجعل السماد غير ضار ؛ فقد وجد أن دودة الإسكارس تظل حية نشطة ؛ وهكذا فإن غير السماد يكون ضاراً نفس الضرر وكأنه ما زال طازجاً .
والنظام الآخر الذي جُرب هو بئر الصرف . ويُحفر بئر الصرف عميقاً في فناء المنزل ، ويوضع مقعد من فوقه . ورغم أن هذا النوع عملي ، إلا أن فيه شيئاً من عدم الإنسانية ، فليس من خصوصية في مرحاض في الهواء الطلق . وكان من الممكن أن يوضع البئر في دورة مياه دائمة من داخل البيت، إلا أن هذا البئر يمتلئ بعد وقت معين ينبغي نقله ، وهكذا فإن من المستحيل أن تصنع له دورة مياه دائمة من داخل المنزل . وفوق ذلك فإن من العسير البدء في حفر بئر داخل الجزء المغطى من المنزل ، ومن غير الملائم إيجاد مكان جديد للمرحاض كل ستة شهور أو ما يقرب . وقد قررت أنه بالنسبة للقرنة من الضروري إيجاد نوع ما من الصرف المحمول بالماء . وكان العقيد عبد العزيز صالح ، أحد مهندسي الجيش . وقد صمم نظاماً حيث يمكن تنفيذ نظام طرد اقتصادي لقصرية المرحاض بينما يغتسل مستخدمها منظفاً نفسه . وذلك بتوفير ما سورة ذات صنبور واحد يتحكم في مخرجين – الأول رفيع وتياره ضعيف للنظافة الشخصية ، والثاني تياره أقوى للقصرية ذاتها . ويمكن أن يتم تصريف هذا الماء إلى خزان تحليل يكون مشتركاً لصف كامل من البيوت – حوالي عشر عائلات – وينبغي أن يكون مما يمتلئ بالماء امتلاء معقولاً ، حيث أني قدرت أن البيت القروي الواحد سيستخدم ما يقرب من عُشر ما يستخدمه البيت الكبير المتوسط في المدينة . وخطر لي بعدها أن خزان التحليل المشترك قد يصبح مصدراً للعراك بين الجيران ، لأنه لن يكون ملكية خاصة ولاعامة . وقررت لهذا السبب أن أوفر نظام صرف صحي خاص لكل بيت ، ويتكون ذلك من غرفة تفتيش كبيرة صُممت لتعمل كخزان تحليل صغير ، يتم صرفه إلى بئر صرف في الفناء يعمل كبئر للترشيح ، وهكذا يمكن لدورة المياه أن تظل في مكان واحد ، وأن يحتفظ بها نظيفة ، وعندما يمتلئ بئر الصرف ، يمكن حفر بئر جديد بسهولة في مكان آخر في الفناء ويوصل له خزان التحليل .
الحظيرة :
مشكلة توفير حظائر لماشية الفلاحين لا تنشأ إلا عندما يبدأ الفلاحون في التكدس في قرى . فالمزرعة المعزولة يكون فيها متسع بقدر معين لإيواء البقر وفيها الكثير من الفضاء المفتوح الذي يحل متاعب بئر لفضلات الحيوانات ، أما القرية التي تتألف من مئات كثيرة من العائلات ، كل منها لها بقرتان أو ثلاث ، فإن البشر فيها يُجبرون على جيرة غير صحية مع ماشيتهم .
والبقرة تأكل علفاً وتخرج روثاً ؛ وهذان النشاطان يحددان مهمة المهندس المعماري . فعليه أن يوفر للحيوان مذوداً يسهل اتصاله بمخزن العلف ، وأن يوفر طريقة ما لحفظ الروث للتسميد دون أن يدعو كل ذباب مصر ليتخذ مقامه في القرية .
والفلاح يتغلب على مشكلة السماد كالتالي ؛ في كل يوم يجرف الفلاح تربة حديثة فوق الروث على أرضية الحظيرة ، التي ترتفع هكذا رويداً تجاه السقف ، وفي كل فترة معينة يقتطع الفلاح من هذا الخليط لتحمله العربات إلى الحقل . على أن هذه الطريقة فيها تبديد للسماد ؛ فالكثير من مكوناته القيمة تتبخر هكذا أو تتسرب بعيداً . وأحسن حل هو حفرة السماد الأوروبية ، وهي خزان مغطى لا يسرب الماء يصرف إليه كل بول الحيوانات ، ويمكن أن يلقى فيه القش وكل الأنواع الأخرى من نفايات الخضر ليتكون من ذلك خليط غني للتسميد . على أن هذا لا يصلح إلا إذا كان هناك ماشية كثيرة ، وبقرتان أو ثلاث لا تنتج بولاً كافياً ليتصرف إلى الحفرة بنجاح . ولهذا فقد قررت استخدام توليفة من الطريقتين – الاحتفاظ بنظام الفلاح في تغطية الروث بالتربة ، ولكن سيكون عليه أن يجرفها كل يوم إلى حفرة مغطاة لا تسرب الماء . ومن هنا يحمل السماد بعربات إلى الحقل عند الحاجة إليه .
وهكذا فإن الحظائر تتكون من صف من مواقف ، كل منها عرضه ثلاثة أمتار ومغطى بقبو . وكل موقف عليه بهيمتان وله مذود يمكن ملؤه من ممر يجري من خلف المواقف إلى مخزن العلف . وثمة فناء صغير يمتد من مواقف الماشية وتمتد عبره حفرة طويلة ضيقة جداً ، عرضها نصف المتر ومغطاة أيضاً بقبو ، ويخزن فيها السماد . والأرضية تنحدر من المستوى الأرضي عند أحد طرفي الحفرة بميل يصل إلى عمق يقرب من المتر ونصف المتر عند الطرف الآخر ، وهي مثل الجدران مصنوعة من قوالب طوب ومبطنة بالإسمنت .
والسقف يتكون من القبو المعتاد من طوب اللبن – وهو في هذه الحالة بسيط جداً في صنعه لأنه ضيق للغاية كم يغير هذا التكنيك من مظهر فناء الفلاح ! وبدلاً من أن يجهد في جمع الخشب والقش لصنع مظلات معدودة هزيلة غير منسقة ، فإنه الآن يستطيع أن يستغل ما يشاء من المساحة المغطاة – ويكون له في هذا البناء حظائر ومخازن لكل الاحتياجات العجيبة للمزرعة ، وهو مع رخصه بمعنى الكلمة فيه من النظافة والأناقة ما يعيد تشكيل كل مظهر القرية .
* * *
مكافحة البلهارسيا :
البحيرة الصناعية :
البحيرة الصناعية التي خططت لها أن تشغل أحد أركان موقع القرية هي من أكثر المعالم أهمية في القرنة . ورغم أنه يبدو من العبث استخدام جزء كبير من الأرض النافعة كبحيرة ، وأنه من غير اللائق لمهندس معماري أن يشغل نفسه بتربية السمك والبط ، إلا أن عبثي هذا كان ورائه ضرورة توقي مرض يجعل الدماء تجمد في الشرايين . فالبلهارسيا اسم مرض هو كارثة لمصر . وكل فلاح تقريباً في هذا البلد مصاب بالبلهارسيا. والبلهارسيا تقتل ، وهي تأكل من قوى الإنسان ، وتسمم حياته وعمله ورفاهيته . والبلهارسيا عي أعظم سبب واحد لتلك العيوب التي تنحدر بحال فلاحينا ؛ فتور الشعور وقلة الاحتمال مما يُلحظ في حياة الناس الاجتماعية مثلما في عملهم .
وهي المصير المحتوم الذي لا فرار منه لأي فلاح . فالماء ، الذي يمنح الحياة للإنسان والمحصول ، يمنح أيضاً البلهارسيا للإنسان ، وكلما دخل إنسان في مياه ترعة أو بركة أو حقل أرز ، وكلما تراشق الأطفال بمياه مخاضات لمصارف الري ، وكلما غسلت مرآة ملابسها في النهر ، فإن البلهارسيا تضرب ضربتها . كيف يمكن للفلاح أن يبتعد عن الماء ؟ إنه لو شفي من البلهارسيا – وإن كان العلاج طويلاً وغالياً وخطراً*- فلابد له حتماً أن يعود ثانية إلى الترع القاتلة . والماء هو الحياة – للأرز ، والذرة ، والقطن ، ولقصب السكر ولإنسان نفسه – والماء هو موطن البلهارسيا .
ما هو هذا المرض ؟ إنه طفيلي يدخل الجسم من الماء الموبوء ، ويستقر خاصة في المثانة ، والكبد ، وفي أعضاء أخرى ، مخترقاً إياها ، وممتصاً إياها ، حتى تصبح كالإسفنجة تنزف . وهو يتكاثر تكاثراً هائلاً في الجسم ، وسرعان ما ينتج عنه الإنهاك ، وفقر الدم ، والنزف ؛ إنها طفيليات خبيثة بما يقتلك . وعدواها تنتقل من خلال الماء الموبوء ؛ فيمرر أحد المصابين بالبلهارسيا بيض الطفيليات للخارج في بوله ؛ وتدخل اليرقات في نوع من القواقع المائية تعيش فيه هانئة حتى تقتله فتخرج منه سابحة في ماء الترعة أو البركة في طور يسمى السركاريا . وتظل تعيش في الماء حتى تجذبها حرارة طرف من أطراف الإنسان . فتخترق جلده ، طارحة ذيولها في الخارج ، ويحملها تيار الدم إلى الرئتين ، ثم تصل إلى الكبد والمثانة لتضع بيضها الذي يمرر ثانية للخارج في الماء . وكل المياه في مصر موبوءة بهذه السركاريا ، أوديدان البلهارسيا ، وكل فلاح يعمل ويغتسل في هذه المياه الموبوءة . والفلاحون غالباً ما يستخدمون لري الحقول (( الطنبور )) ، أو لولب أرشميدي ، وحتى يشغلوه فإنهم يجلسون لا مفر وسيقانهم تتدلى في الماء . وحتى (( الشادوف )) الأكثر بدائية – دلو وأداة رافعة – يؤدي أيضاً إلى رشهم بقدر من الماء يكفي لتمرير السركاريا إليهم .
وفي الدلتا ، حيث الأرز محصول مهم ، ينفق الفلاح معظم وقته وهو بخوض في الماء ، ومن المعروف أن البلهارسيا أكثر انتشاراً في الدلتا عما في مصر العليا . والدلتا أيضاً يُستخدم فيها نظام الري الدائم ، حيث تُروى الأراضي طول السنة من الترع بدلاً من الاعتماد على الفيضان السنوي كما في مصر العليا . والماء في مصارف الري الدائم هذا هو الموطن الرئيسي للسركاريا ، وهو يمكنها من البقاء حية ، بينما في مصر العليا تقتلها الحقول الجافة* , يقول المقاولون – فيما ينبغي أن يكون مما يعرفونه – أن العامل من الدلتا ينجز فحسب سدس العمل الذي يستطيع إنجازه من مصر العليا .
ثم إن كل فرد يغتسل أيضاً في الصيف الحار في الترع والبرك . والأطفال خاصةً يخوضون المياه
_______________________________________________________
* كان علاج البلهارسيا فيما مضى يتطلب الحقن لمدة طويلة بكيماويات لها تأثرات جانبية ومضاعفات على المريض . أما الآن فالعلاج أبسط كثيراً ، أقراص معدودة تكاد تكون بلا تأثيرات جانبية . ولكن العلاج لم يقلل من انتشار المرض كثيراً ، لأن الفلاح يعدى مرة أخرى من الماء الموبوء مادام يتبع نفس النظام من التبول في الترع والخوض فيها ( المترجم ) .
ويتراشقون بها عند كل بقعة ماء يستطيعون العثور عليها ؛ في المصارف ، والمخاضات والبرك الراكدة – ولما كان من المؤكد عملياً أن أي فرد يقف لعشر دقائق في ترعة مصرية ستصيبه البلهارسيا ، فإنه ليس مما يفاجئ أن تكون نسبة وقوع المرض عالية هكذا . وبالطبع فإن مرضاً فظيعاً هكذا قد شد الكثير من انتباه الأطباء ورجال الصحة العامة . وقد كرس أحدهم ، وهو الدكتور بارلو ، كل حياته لمكافحة هذا المرض . ودكتور بارلو أمريكي وفد إلى مصر بعد قضاء سنوات كثيرة في الصين . وقد طرح فكرة بسيطة للقضاء على الطفيلي بتطهير نهر النيل كله ، ومن منبعه إلى مصبه هو وكل روافده وبحيراته وكل التكوينات الأخرى من المياه الراكدة في الريف . وخطة راديكالية هكذا ستكون مكلفة للغاية ، إلى جانب أن نتائجها ليست مضمونة مطلقاً ؛ فلو أن دودتين فحسب من ديدان السركاريا ظلتا على قيد الحياة في ترع ومصارف مصر التي لا تحصى ، فإنهما ، مثلهما مثل حيوانات فلك نوح ، سيعيدان انتشاراً نوعهما الضار انتشاره السابق ، وتعيدان الريف كله ثانية . على انه إذا كان من غير العملي تطهير النهر كله ، فلعل لنا أن نطهر جزءاً منه ليبقى هذا الجزء دائماً آمناً . فالنهر يجري من خلال كل تلك الترع الصغيرة التي تروي حقولنا ، والفلاحون جد مستمرين بالتحكم في سريان الماء . فكم يكون سهلاً أن يوجَّه الماء بعيداً خلال قناة جانبية ، يمكن حفرها من الترعة الرئيسية لتغذي بحيرة صناعية ونطهر الماء بالتالي فيهما الاثنتين ؟ ولماذا لا نوسع هذه القناة الإضافية لتصبح بحيرة صغيرة ؟
هكذا ولدت فكرة البحيرة الصناعية . وإذا أمكن للفلاحين أن يكون لهم مكان يستحمون فيه بلا سركاريا ، فإن المرض لابد أن يأخذ في التقهقر . وإذا أمكن بالإضافة إلى ذلك حمايتهم أثناء عملهم في الحقول ، فإن البلهارسيا ستختفي في النهاية اختفاءً كاملاً .
على أن البحيرة الصناعية ستحل أيضاً مشكلة أخرى . فبصفتي بناء محباً للنظام كان من الطبيعي أن اهتم بالتفكير في طريق ما لإزالة الحفرة التي تخلفت بعد أن حفرنا الأرض لصنع الطوب . وفي مصر كلها توجد في كل قرية تلك الحفر التي تتخلف عن صنع الطوب ؛ بل إن لها اسمها وهو – البركة – وهي مصدر رئيسي للملاريا ، لأن البعوض يتوالد في الماء الراكد . والبرك معروفة كأماكن لتفريخ المرض حتى أن العيد من الساسة . يخصصون مكاناً بارزاً في برامجهم لخطط ردو البرك . ومع هذا ، تظل البرك بطريقة ما باقية . وبالطبع فإن ملء حفرة لهو مما يكاد أن يكون مشكلة مستعصية ، ولا شك أن القارئ لن يكون من اسذاجة بحيث يقترح ردم الخفرة بالتراب . فهو سيدرك أن هذا التراب لا بد أن يأتي من حفرة أخرى ، التي لا بد بدورها من أن تردم – وربما كان هذا أحد أنواع علاج البطالة ، ولكنه ليس علاجاً للملاريا . وقد يكون من الممكن ردم كل هذه البرك برمل يجلب من الصحراء ، حيث لا أهمية لوجود الحفر هناك، ولكن ها هنا لابد أن يدفع أحدهم أجر نقل الرمال ، الأمر الذي يكلف الشيء الكثير .
وقد واتتني فكرة تحويل بركتنا في القرية إلى بحيرة ، لأننا كان لدينا في إحدى عزبنا العائلية بركة تشابه كل البرك الأخرى فيما عدا أن هناك قناة صغيرة تجري من خلالها. وهكذا فإن ماءها كان دائماً جارياً ، وكانت دائماً نظيفة ، وكنا نربي عليها البط والإوز ، بحيث أنها كانت فاتنة ومفيدة معاً . فمن الواضح أن حل مشكلة البرك لم يكن بردمها وإنما هو بتوسيعها وتعميقها وتوصيلها إلى الترع ، بحيث لا يمكن لمائها أن يصبح راكداً . وحتى البرك البعيدة عن الترع يمكن معالجة أمرها أيضاً ؛ وذلك برمها بتراب محفور من مكان مناسب بمحاذاة قناة .
عندما عرضت خطتي على د . محمود مصطفى حلمي ، مدير قسم الطفيليات في وزارة الصحة العمومية ، وافق عليها واقترح تعديلات معينة : أولاً ، حتى لا نسمح بموطئ قدم للقواقع التي تؤوي السركاريا ينبغي أن نبطن جوانب البحيرة بالحجارة ، بحيث لا تنمو الأعشاب المائية التي تأكلها القواقع ؛ وثانياً ، للتأكد من أن الماء قد تم تطهيره تطهيراً صارماً ، ينبغي أن نحفر قناة صغيرة (( ما قبل البركة )) طولها حوالي مائتي متر ، بجوار القناة الرئيسية بأعلى التيار في البحيرة ، وأن تزود ببوابات للغلق عند كل طرفيها ، بحيث يمكن إبقاء الماء فيها وتطهيره قبل أن يسمح بدخوله للبحيرة الأصلية ، وهكذا فإن الماء فيها وتطهيره مرتين مرة في قناة ما قبل البركة ومرة في البحيرة نفسها . ويذاب مسحوق كبريتات النحاس في الماء من كيس يعلق في الجدول عند بوابة الغلق ؛ ويقوم هذا بقتل القواقع والديدان واليرقات ولكنه لسوء الحظ لا يقتل سركاريا البلهارسيا السابحة في الماء . ولمعالجة هذه من الضروري إبقاؤها لثمان وأربعين ساعة في قناة ما قبل البركة الخالية من القواقع ؛ وبعدها فإنها تموت كلها . أما بالنسبة للبعوض ، فسيكون علينا أن نغيّر أعلى عشرة سنتيمترات في الماء ، ويتم هذا أوتوماتيكياً كلما سمحنا للماء المطهر لقناة ما قبل البركة بأن ينساب إلى البحيرة . ونظام بوابات الغلق يجعل من السهل جداً القيام بذلك ؛ فكمية الماء المطلوبة يُسمح بخروجها من بوابة أسفل التيار ، بينما بوابة أعلى التيار مغلقة ؛ ثم يغلق بوابة أسفل التيار ، ويسمح بدخول ماء جديد مطهر من خلال بوابة أعلى التيار .
___________________________________________________________

* بعد إنشاء السد العالي انتشر نظام الري الدائم في الصعيد أيضاً ، وبالتالي زاد انتشار البلهارسيا هناك . ( المترجم )
ومن النقاط المهمة بشأن البحيرة الصناعية أنها ينبغي ألا تكون أعلى كثيراً من مستوى قناة الصرف التي
تخدم المنطقة ، لأنها لو كانت هكذا ، فإن مياهها سوف تتسرب إلى الأرض الزراعية المحيطة بها لتخربها ؛ ومن الناحية الأخرى فعندما تكون البحيرة في مستوى قناة الصرف ، فإنها ستعمل بمثابة مصرف رهيف للأرض الزراعية ، التي تتحسن بذلك تحسناً كبيراً . والصحيح أنه ينبغي أن يكون المستوى في البحيرة أعلى بعشرة سنتيمترات عن المستوى في قناة الصرف ، بحيث يمكن تصريف الطبقة السطحية للمياه عبر تحويله صغيرة ، تعمل أيضاً بمثابة ممر دائم لفائض الماء . وتحمل القناة الجانبية الماء من القناة الرئيسية بانحدار ميله هو متر لكل مائتي متر ، ثم إلى البحيرة .
ولما كانت البلهارسيا مرضاً واسع الانتشار هكذا ، ليس في مصر فحسب بل في كل المناطق الحارة ، فمن المرغوب فيه بوضوح أنه ينبغي تشجيع توفير البحيرات الخالية من البلهارسيا* .
والبحيرة مثلها مثل معالم القرنة الأخرى ، يفترض فيها أن تكون نموذجاً لسائر مصر . ولقد سبق أن علّقت على جهامة معظم قرانا حيث يستخدم كل متر مربع لزراعة المحاصيل ، وما من مساحة أو فكر يبذل لتوفير أسباب الاستمتاع بالاسترخاء . وإذ كان يمكننا حقاً تبرير البحيرة بحجج عملية صارمة ، إلا أني لم أقصد لها قط أن تكون شيئاً عملياً بمثل ما يكون مكتب البريد عملياً . وإنما وددت أن يكون لكل قرية بحيرتها الصناعية التي تقام وسط منتزه صغير للقرية .
وهذا المنتزه هو والبحيرة معاً ، سيوفر للقرية المصرية شيئاً جديداً تماماً – مكاناً للاسترخاء والاستجمام ، حيث تنتشر أشجار الصفصاف وصورتها تنعكس في الماء الصافي ، وحيث تلتف الممرات بين أشجار المانجو والجوافة والطرفاء ، لتفتح فجأة على الأشجار المزهرة للسنط والبوهينيا والجكرندا – مكان من أربعة أو خمسة فدادين تُبقى بعيداً عن الزراعة التجارية ، بحيث يجد أفراد القرية فيه مظهراً من مظاهر الطبيعة أحنّ مما تقدمه لهم حقول القطن .
وللوصول إلى هذا الهدف لا بد لنا من حل توفيقي بالنسبة للمنتزه المثالي ذي الممرات وأحواض الزهور والأشجار – المنتزه الأوروبي ذو المنظر الخلوي الطبيعي – الذي يحتاج إلى هيئة عمل كاملة من البساتين لصيانته . فمنتزهنا ينبغي أن يوفر ظلاً وسلاماً وجمالاً دون حاجة إلى أجور لصيانته . وهكذا يجب أن يكون أبعد ما يمكن من الحديقة المعتادة في محطة السكة الحديد أو منتزه البلدية ذوي الحشائش الجافة ، والشجيرات المتقصفة الزاوية ، والأسوار الحديدية ، تلك الأنماط التقليدية المصغرة لفرساي والتي يقتبسها الكثير من بلديات المحافظات ثم لا تلبث أن تهملها . ومنتزه القرية يحتاج إلى الأشجار . ويجب ألا يُنشأ فيه بطريقة صناعية تلك الممرات وأحواض الزهور والأسوار . وإنما يجب أن يخطط ليأوي إليه الناس فيروح عنهم ، ويجب أن يكون فيه من قدرة التحمل بحيث يتحمل استخدامه استخداماً عنيفاً . ويجب أن يكون منتزهاً من أشجار وصخور ورمال وصبّار . وجماله وقدرته على الترويح هما مما لا ينبثق من أحواض الزهور النمطية وإنما يجب أن ينبع ذلك من تجمعات الأشجار ، والتفاف الممرات ، وأوضاع الصخور ، والتقاء اللون والنبرة والكتلة والشكل في توليفات بهيجة .
واقترح أن نستفيد من المنتزه في مد القرية بالفاكهة . والشجرة التي تمد بفاكهة وفيرة وبالظل أيضاً هي شجرة المانجو العادية . والنوع الكبير ينتج ما يصل إلى ألفي ثمرة في السنة . و لا يحتاج إلا رعاية قليلة . أما الأنواع الأجنبية والمهجنة الأكثر هشاشة فينبغي ألا تستعمل ، ذلك أنها وإن كانت تعطي ثماراً أفضل ، إلا أنها تحتاج رعاية بالغة ، وأشجارها على أي حال أميل إلى أن تكون صغيرة غير ظليلة . ويكفي توفير الألوان بأشجار مزهرة من السنط والبوهينيا والجكرندا والبوانسيانا ، أما أشجار الطرفاء فهي وإن كانت خشنة إلا أنها ظليلة وتفرش الأرض بساطاً من أوراق إبرية رهيفة ، تثير راحة جمة عند السير أو الجلوس فوقها . والعوامل التي تحكم حجم البحيرة هي عاملان : حجم التربة اللازمة لصناعة الطوب ، والقدر الأدنى من المياه التي تبقى نسبياً نظيفة بين نوبات التغيير ، بعد أن يستحم فيها أفراد الناس والماشية بالأعداد التي يتوقع أنها ستستخدمها . والبيت الواحد يحتاج ما بين 100 – 150 متراً مكعباً من التربة ، وهو عادة يتسع لخمسة أفراد . وهكذا فإن قرية من خمسة آلاف فرد ، أو ألف بيت ، تحتاج على الأقل إلى 10.000 متر مكعب من التربة . وإذا كان لبحيرتنا في المتوسط عمق مترين ، فإن مساحتها تكون من 50.000 متر مكعب ، أو حوالي اثني عشر فداناً .
__________________________________________________________

*الإصابة بالبلهارسيا لها أعراض مرضية شديدة ، ولها آثارها الاجتماعية – الاقتصادية ن كما أن المرض واسع الانتشار في أرجاء العالم ، ولهذا كله تعد الإصابة بالبلهارسيا من أهم أمراض الإصابة بالدودية (( أي الأمراض الناجمة عن وجود ديدان في الأوعية الدموية )) ويقدر عدد المصابين بها في العالم بعدد هو 150.000.000 فرد وتقوم بعض القواقع التي تنقل المرض بدور العائل الوسيط . وقد تم اكتشاف مبيدات جديدة للقواقع ( مشتقات فينول حلقية ) تتحكم في دورتها ، ونتائج استخدامها في التحكم في عدوى البلهارسيا تعطي أملاً في أن يكون منها وسائل تحكم هي أرخص وأكثر فعالية ))
تقرير منظمة الصحة العالمية
وهذا يزيد كثيراً عما يكفي للوفاء بالشرط الثاني ؛ إن بحيرة من أربعة فدادين فحسب تتسع لكل المستحمين – من بشر وحيوان – ممن سيستخدمونها كل يوم ، وإذا تم تغيير مائها بالكامل كل خمسة عشر يوماً فإنها ستظل خالية من البكتيريا خلو اً بأكثر من حمام السباحة المتوسط في المدينة . ولما كان للأرض قيمتها ، كما هو الحال في القرية، فقد يكون من المستحيل حفر بحيرة أكثر من أربعة فدادين ، ولهذا فإنه مما يريح البال أن نتذكر أن الطين البناء لا يلزم بالضرورة أن يأتي من البحيرة ، بل ولا أن يأتي من أي مصدر آخر بعيد سوى البيوت القديمة ذاتها .
ورغم أن مصر في حاجة لعملية إعادة بناء ، إلا أن المواد اللازمة لذلك موجودة بالفعل هناك في الموقع ، وكل قرية تحوي في بيوتها القائمة الكثير من التربة اللازمة لبناء البيوت الجديدة التي ينبغي علينا بناؤها – والقرية المتوسطة لا تحتاج لتربة إضافية أكثر مما يمكن حفره من بحيرة من خمسة فدادين .
وقد يبدو لأناس كثيرين أن بحيرة من خمسة فدادين لهما حقاً تبذير لا مبرر له . ونحن في بلد حيث معظم ملاك الأراضي أكثر جشعاً من أن يغرسوا شجيرة تظلل منازلهم لأنها قد تحرمهم جزءاً من أردب من القمح في كل عام ، وكم يكون فزعهم لو تم تحت بصرهم التضحية باستهتار بعشرة فدادين من الأرض المنتجة . على أن بعض الملاك كانوا أقل حرصاً على فدادينهم ؛ فإسماعيل باشا كان لديه في حدائق قصره بالجيزة بحيرة للزينة تغطي على الأقل عشرة فدادين ، كلها لمتعته الخاصة . ومن المؤكد أنه ليس من التزيد أن نطلب لخمسة آلاف فرد نصف ما كان الباشا يستمتع به وحده ؟ ولست أطلب ذلك من أجل متعتهم ، وإنما من أجل حياتهم ذاتها . وإيجار عشرة فدادين هو 200 جنيه مصري في السنة . أيكون هذا أكثر مما يجب إنفاقه على قرية من خمسة آلاف فرد عندما تكون حياتهم تعتمد عليه ؟
والنبي يحدثنا بأن ننشئ أبناءنا على تعلم الركوب والسباحة . ونحن لا نستطيع أن نهب جياداً لكل قرى مصر ولكننا نستطيع أن نهبها البحيرات ، ويجب أن نفعل ذلك ، حتى نطيع على الأقل نصف النصيحة . وقد رأيت في نادي المعادي الرياضي كيف تتحسن حالة الأطفال الصحية ، وكيف يأتون ضعافاً ، ناحلين ، واهنين ، فيتحولون بالسباحة إلى رياضيين أقوياء ذوي رشاقة . وهذا التحول يتاح لأفقر أطفال الفلاحين في الأرض إذا وهبناهم البحيرات . وهم حالياً يسبحون حقاً ولكنهم يدفعون ضريبة رهيبة لدودة البلهارسيا .
وكل البلاد التي تواجه مشاكل كبيرة لإعادة بناء الريف ينبغي أن تقوم السلطات فيها بمهاجمة المشكلة – بل ويجب ألا نكون مبهمين في ذلك الشأن ، فرئيس الوزراء نفسه هو الذي ينبغي أن يقوم – بمهاجمة المشكلة كالتالي : أنه في كل قرية من تلك القرى التي ينعطن أناسها في بيوتهم السيئة وتتخرمهم البلهارسيا ، ينبغي أن يتم اختيار موقع للبحيرة . ويجب أن يقوم مهندسون بارعون في علم ميكانيكا التربة الجديد بفحص الأرض . وبعد أن يتم اختيار أفضل مكان من حيث نوعية الأرض وقربها من إحدى الترع ، فإنه ينبغي أن يتم حفر البحيرة في التو . وينبغي أن توفر الحكومة الآلات لحفر التربة بأسرع ما يمكن ، وتكويمها لتكون جاهزة لضاربي الطوب .
وهناك على الأقل بلد واحد لم ينبذ فكرة البحيرة الصناعية ، فعندما قامت شركة دوكسيادس بوضع مخطط لحكومة العراق ، فإن تلك الحكومة تبنت الفكرة وأصدرت مرسوماً بأنه ينبغي أن يكون لكل قرية في البلاد بحيرة صناعية .
والحقيقة أن الحكومة ينبغي أن توفر أيضاً . كعنصر ضروري مكمل للبحيرة ، مضرب طوب دائماً مجهزاً تجهيزاً ملائماً ، بالمكابس والقوالب وأحواض الخلط ، وذلك خارج منطقة البناء الأصلية ، وحيث يضمن البناءون إنتاجاً لا ينقطع من قوالب الطين ، ويكتسب القرويون وسيلة خدمة دائمة . ومادامت أن التربة موجودة فسوف يبني الناس ، على أن المبادرة لتوفير التربة هي مما يجب أن تبدأه الحكومة ، والحكومة أيضاً في وضع يمكّنها من توفير الآلات الثقيلة ، ويمكّنها من الوفاء بدور القوات الهجومية ربما بأفضل من المهندسين المعماريين والبنائين .
وبالإضافة إلى ذلك ، فإنه لو تبين من تحليل الأرض أن التربة تحتاج لإضافة المزيد من الرمال لتصبح صالحة لصنع الطوب ، فإنه يجب على الحكومة أن تنقل هذه الرمال ، وهاتان العمليتان – حفر التربة وإضافة الرمال للوصول إلى القوام المناسب – هما ما يهزم الفلاح عادةً قبل أن يبدأ البناء . ولو تم حلهما له سيشجعه ذلك تشجيعاً هائلاً . وهكذا فلو أن الحكومة استخدمت مصادرها لحفر البحيرة ، فإنها ستسهم إسهاماً رئيسياً في الإسكان الجديد وفي القضاء على البلهارسيا .
* * *






الملابس الواقية :
البحيرة – كمكان للاستحمام خال من البلهارسيا – لن تؤدي بذاتها إلى توقف الطفيلي عن دخول أجسام الناس لأنه كما سبق لنا القول ، فإن كل عمليات الري تتطلب الوقوف في القنوات الموبوءة هي والمصارف ، والفلاحون كلهم يجب أن يرووا أرضهم . وهكذا فإن السلاح الثاني ضد البلهارسيا يجب أن يكون في نوع ما من الملابس الواقية .
وقد نجح اليابانيون في الإقلال من البلهارسيا إقلالاً عظيماً بأن وفروا لعمال مزارعهم أحذية مطاطية طويلة والمطاط يُعد غالياً أشد الغلو بالنسبة لمصر ، على أنه يمكن بدلاً من ذلك أن يصلح شيء آخر لمصر . وبعد شيء من التفكير ، خطر لي أننا لو أطلنا سراويل الفلاح العادية لتحوي القدمين بالكامل ، ولو شبّعنا هذه السراويل حتى ارتفاع الفخذ بزيت الكتان ، فإنها قد تكون مانعة للماء وللسركاريا . وجعلت ترزياً محلياً يصنع لي عينة من سراويل هكذا ، من نفس قماش القطن الذي تصنع منه سراويل العمال القصيرة نقعتها في زيت كتان مغلي وعلقتها لتجف . وقد انتويت أن يتم ارتداؤها ومعها نعل من المطاط ( يصنع رخيصاً من إطارات السيارات القديمة ) يثبت من أسفلها ، ووجدتها مانعة للماء تماماً . وأرسلتها إلى القاهرة إلى د . محمود مصطفى حلمي بوزارة الصحة العمومية . فقال أنها تعطي مناعة مائة في المائة ضد السركاريا ، وأنه لو ارتداها سيكون مستعداً أتم الاستعداد لأن يخوض بها البركة التي يربون فيها السركاريا في معمله . بل إنه قال أن القماش الذي يتم نسجه نسجاً محكماً يعطي دون أي معالجة له وقاية من ستين في المائة .
* * *
حملة تعليمية :
هكذا كان سلاحنا الثاني الضروري ، أو الشعبة الثانية لهجومنا على البلهارسيا ، وهي شعبة فعالة تماماً ورخيصة حتى ليتحمل تكلفتها أي فرد في الريف . والمشكلة التالية هي كيفية شن الهجوم ، كيف تأتي أسلحتنا إلى مجال الفعل . فالناس يجب أن يُحثوا على ارتداء السراويل ، وعلى استخدام البحيرات المطهرة . وللوصول إلى ذلك يجب أن نجعلهم يرون السركاريا في الماء ، ونجعلهم يرون تقدمها من خلال الجسد . ويجب إنشاء حملة دعاية عامة تستخدم كل حيلة ووسيلة للاتصال الجماهيري لتجعل الفلاحين ينقذون أنفسهم . والأمر ليس مجرد ملصقات معدودة ممزقة تتدلى في محطة السكة الجديد ، مرسومة بلا دقة وبما يستحيل فهمه . وإنما علينا أن نعرض للناس دودة البلهارسيا وهي حية تتلوى . هيا أعرض عليهم عروضاً سينمائية ، أحضر لهم ميكروسكوبات تعرض الشريحة مكبرة على الحائط . دعهم يُخرجون دلو مياه من النهر ، واجعلهم يُعدّون الشرائح بأنفسهم ، واجعل القرية كلها ترى دودة هائلة ، طولها ثلاثة أقدام ، تسبح بطول جدار قاعة القرية . هاجم الأطفال أيضاً . وإذا كانوا لا يستطيعون تتبع الفيلم السينمائي ، بسّط الأمر في حكاية من حكايات الجن . وقد كتبت لهم تمثيلية ، تحكي حكاية مرعبة عن العفريت بيل بن هارسيا ، وتنكّرت في هيئة عفريت مروع ( إلى حدٍ ما ) فارتديت قناع غازات بعويناته الزجاجية ، وملاءة بيضاء ، تنتفخ كلها بهواء من أنبوبة داخلية من حول كتفي .
وتبدأ التمثيلية باب يجلس على عتبة بابه وهو في حال من القلق ، إذ ينتظر أن تلد زوجته طفلاً . وتخرج ممرضة لتهنئه بميلاد ابن له ، ويتسلل كل أطفال القرية واحداً وراء الآخر إلى باب يسألون عن المولود الجديد . ويقام احتفال بهيج ، (( السبوع )) ، في اليوم السابع بعد الميلاد ، ويرقص فيه كل الأفراد ، وتوزع الحلوى ، وبينما الحفل في ذروته يظهر فجأة عند طرف المهد – بيل بن هارسيا ، العفريت . وهو مما لا يمكن رؤيته إلا لطفل واحد ، وهذا الطفل يأخذ بالطبع في البكاء ، وبعد أن يومئ بيل هارسيا إيماءات مهددة فإنه ينسحب .
والآن ، فقد أصبح الطفل محجوب في العاشرة من عمره وها هو الأب مريض ؛ وقد أصبح ضعيفاً ، مصاباً بفقر الدم ، ثم هو في النهاية يحتضر . وأثناء احتضاره – من البلهارسيا – يجعل زوجته تعده بأنها لن تسمح لابنهما بأن يخوض المياه . ولكن كيف يمكن أن يتجني الصبي المياه ؟ إنه بغياب أبيه قد أصبحت العائلة أكثر فقراً . ويجب على محجوب أن يجد عملاً . أين ؟ إن أمه تطلب منه ألا يخوض في المياه ، ولكن العمل الوحيد المتاح هو بالطنبور أو الشادوف . وهو يذهب من مزارع إلى آخر متوسلاً أن يُمنح عملاً بعيداً عن الترع ، ولكن ليس من عمل كهذا . وأينما يسير محجوب يتبعه دائماً العفريت ، زاحفاً من خلف الأشجار وهو يترصد متأهباً للوثوب عليه بمجرد أن يلمس الماء . وفي النهاية عندما يجوع جوعاً شديداً هو وأمه أيضاً يقرر وهو يائس أن يحنث بوعده لأمه ، فيعمل في الماء دون أن يذكر لها شيئاً . وهكذا فإنه يذهب لإدارة الطنبور . وما إن يدخل قدميه في الماء حتى يثب بيل هارسيا وثبة عفريتيه إلى جانب الترعة ، ويحضر برطماناً كبيراً ويأخذ في رش السركاريا على الصبي كله .
ويتغير حال الصبي تدريجياً . ويتحول وجهه إلى لون أصفر فاقع . ويصبح الطفل ضعيفاً . ويحاول أن يلعب مع زملائه ، ولكن قواه تخور ، ويؤخذ لداخل البيت ليرقد . ومرة أخرى يتسلل الأطفال إلى الباب ، ووجوههم قلقة ، ليسألوا عن حاله . ويصبح حاله أسوأ فأسوأ ، وتكون أمه قد أدركت الآن أنه ولا بد قد خاض المياه ، وترقبه وهو يموت من البلهارسيا مثل والده .
وعند هذه المرحلة الحاسمة الحزينة ، يدخل إلى القرية غريبان . إنهما في الحقيقة الطبيبان بارلو وعبد العظيم ، ويسهل التعرف عليهما من معطفيهما الأبيضين ونظاراتهما الكبيرتين . ويبدآن في سؤال القرويين وقد أمسكا بحقيبتيهما . هل هناك أي واحد مريض في القرية ؟ بل نعم ، إن محجوب مريض . كيف يبدو ؟ إنه كله أصفر . وماذا أيضاً ، هل ينزف ؟ نعم ، وهو ضعيف جداً . ويهرعان إلى المنزل ، ويخرجان السماعات والميكروسكوبات من حقيبتيهما ، ويفحصان محجوب . أي نعم ! هذا ما فكرنا فيه . هذا من عمل بيل بن هرسيا . إنه عفريت . والدكتور بارلو يحاول اصطياده بطول طريقه من الصين .و الآن استمعوا ! سوف نشفي محجوب
( يخرجان حقنة هائلة ، ويحقنان بضع جالونات من الدواء في محجوب ) ، ولكن ما نريده هو العفريت . يجب أن نمسك به ونقتله . ويجمع الطبيبان كل الأطفال ويعقدان مجلساً للحرب ، ليناقشا طرق ووسائل قتل بيل هارسيا , يثب صبي صغير شجاع – هو صديق مميز لمحجوب – ويعرض أن يكون هو الطعم . وهو سيذهب إلى المياه ليصاب بالمرض ، وليغري العفريت لحتفه . ويضحك الطبيب بارلو ويقول أنه ليس هناك حاجة لأن يصاب بالمرض . أنظر ! وينقب في حقيبته ، ويخرج ، وسط شهقات الإعجاب ، سروالاً كبيراً . ويقول مفسراً ، أن هذا السروال من نوع خاص جداً . فهو قد نقع في زيت الكتان ، وإذا ارتداه الصبي فإنه يستطيع أن يخوض المياه آمناً ولن يملك العفريت أن يفعل شيئاً . ويرتدي الصبي السروال ويخطو في الماء . ويظهر بيل بن هرسيا ولكنه يرتد على ظهره مرتبكاً في غضب لمرأى السروال ، ويتمكن الطبيبان الشجاعان من إطلاق النار عليه ، فيلفظ أنفاسه وقد علا فحيحه مطلقاً الهواء من أنبوبته الداخلية .
ويموت بيل هارسيا ، ولكن أذاه لن ينته تماماً . ومرة أخرى يجمع الطبيبان الأطفال ويحذرانهم تحذيراً جدياً للغاية من خوض المياه إلا إذا كانوا يرتدون السراويل الزيتية ، ويحذرانهم بالذات من السباحة . فهذا العفريت لسوء الحظ قد سمم المياه كلها ، بحيث أنها ستظل تصيبهم بالمرض لو سبحوا فيها . ولابد من أن ينتظروا حتى يتم حفر بحيرة جديدة جميلة ، واسعة ونظيفة ، لها أشجار من حولها وجزيرة من داخلها – بحيرة الباشا في القاهرة وليس فيها أي خطر ، ويمكن لكل واحد أن يسبح فيها كل يوم .
* * *
القرنة ، مشروع رائد :
القرنة بالنسبة لي هي تجربة ومثال معاً . وكنت آمل أن يكون من القرية عرضاً للطريقة التي يعاد بها بناء كل ريف مصر . وكنت آمل أنه ما إن يرى الناس كيف يمكن أن يكون الإسكان الجيد رخيصاً ، فإنه ستوجد بين فلاحينا حركة هائلة للبناء بطريقة (( أد العمل بنفسك )) . وحتى نعطي أكمل المعلومات لبنّائي المستقبل الذين سيؤدون العمل بأنفسهم كان مطلبنا أن نأخذ في إنشاء هذه القرية ابتداء من تراب الأرض ، و أن نصنع كل أصغر التفاصيل بأنفسنا ، ونكتشف كيفية القيام بها ، وقدر تكلفتها ، وكان علينا أن نصنع طوبنا بنفسنا ، هو وملاطنا ، وأن نحفر طيننا ، ونستخرج جيرنا ونحرقه ، ونحتجر الحجارة لأنفسنا ، ونصنع سباكتنا ، ونقوم بكل شئون نقلنا والحقيقة أننا كنا نقوم بكل المهام التي يعهد بها عادةً في معظم المشاريع المماثلة من الأعمال العامة إلى مقاولين خاصين – وفيما يعرض فإن حرية كهذه لم تكن مما سيْمنح لنا به إلا من مصلحة الآثار ، ذلك أن هذه المصلحة بسبب تعاملها مع الآثار الرهيفة ، كان يسمح لها هي وحدها من بين سائر المصالح الحكومية بأن تشغِّل عمالها الخاصين بها وأن تشرف على العمل مباشرةً من خلال خبرائها وملاحظيها .
وكنت آمل أني باهتمامي اهتماماً وثيقاً بكل تفصيل في العمالة ومشتريات المواد ، فإن هذا ينبغي أن يمكنني من عمل تحليل مفصل لتكاليف القرية عند اكتمالها . وينبغي أن أعرف كيف تم إنفاق كل قرش ، وأن أتمكن من أن أقول واثقاً أن قرية مثل كذا وكذا ، فيها العدد من أن أتمكن من أقول واثقاً أن قرية مثل كذا وكذا ، فيها العدد كذا من وأن أتمكن من أن أقول واثقاً أن قرية مثل كذا وكذا ، فيها العدد كذا وكذا من البيوت ، والعدد كذا من المباني العامة ، ستكلف بالضبط قدر كذا من النقود وتتطلب قدر كذا من العمالة . وبهذا يمكن أتطبق نتائجي على أي مشروع في المستقبل ، ويمكننا أخيراً أن نضع جسراً فوق تلك الهوة الغامضة – التي تبتلع ملايين كثيرة من الجنيهات – تلك الهوة ما بين الخطط التي تضعها هيئات التخطيط القومية ، والمباني التي تخرج للعيان كنتيجة لهذه الخطط .
ورغم أننا في القرنة كان علينا أن ندفع أجراً لعمالنا ، إلا أننا مازلنا نستطيع كما ينبغي أن نطبق نظامنا من التخطيط والتحكم على أي قرية يتبرع سكانها بالعمل مجاناً ، ولا زلنا نستطيع كما ينبغي أن نضع ميزانية أي قرية يبينها المقاولون ، ذلك أننا يمكننا تقدير نسبة مئوية من الربح تضاف إلى التكلفة المجردة للمواد والعمالة ، وندفع ذلك للمقاول . وكنت آمل أن تعطى نتائجي بيانات محددة ومفيدة لأولئك الناس الذين يقومون بإدارة خطط من نوع (( الجهد الذاتي المدعوم )) بالمجتمعات القروية .
وكنت آمل أيضاً أننا قد نستطيع في جلد إعادة غرس تلك التقنيات التي ازدهرت ذات يوم في المنطقة ولكنها الآن محرومة منها : تقنيات بناء السقف المقبي التي تقهقرت إلى الجنوب في اتجاه السودان وبقيت حية للآن حياة مزعزعة في النوبة تحت تهديد دائم بالزوال . ولو أنها راحت ، فلو أنها راحت ، فإن معرفة طريقة بناء هذه الأسقف ستختفي للأبد ، بما لا يمكن استرجاعه . فما إن تنقطع السلسلة المتعاقبة حيث الأب يعلم الابن والمعلم يعلم الصبي ، فإنه ما من بحث أثري في المعالم مهما كان قدره ، سوف يمكنه استعادة هذه المعرفة . ولعله يمكننا أن نسترجع رويداً هذه المهارات إلى الأرض التي سبق أن احتضنتها ، لو نجحت تجربتنا في القرنة فاجتذبت انتباه المهندسين المعماريين وعموم الجمهور في مصر . ولعل القرنة أن تبين الطريق إلى سياسة قومية واقعية لإعادة الإسكان ، خطة للبناء توفر ملايين البيوت التي تحتاجها مصر بثمن يمكن لها تحمله . وقد حدث من آن لآخر أن نوقشت خطط من هذا النوع تتأسس على مواد وأساليب ونظم البناء التقليدية مما يستخدم في الممارسة المعتادة ، على أنه ما من خطة من هذا النوع قد وصلت قط لأبعد من المناقشات الأولى في إحدى اللجان . ويرجع ذلك دائماً إلى نفس السبب : وهو قلة النقود قلة بالغة . ويبدو وكأنه محتوم ، أنه في مكان ما بين طوري التخطيط والبناء ، تتضخم التكلفة وتنفخ نفسها للحجم الذي يخيف المحاسبين فيتم التخلي عن الخطة . وفي دأب يضع المخططون خطة أخرى ؛ وتكون النتيجة هي نفسها : إنها دائماً تكلف أكثر مما تستطيع أي حكومة أن تتحمله . لماذا ينبغي أن يكون الأمر هكذا ؟ هناك سبب أساسي واحد : فما من مهندس معماري يقوم في المعتاد بعمل تصميمات للفلاحين في القرى . وما من فلاح يحلم بأن يستخدم مهندساً معمارياً ، وما من مهندس معماري يحلم بأن يعمل بموارد الفلاح البائسة . فالمهندس المعماري يضع التصميمات للرجل الغني ، ويفكر في حدود ما يمكن للرجل الغني أن ينفقه . ومعظم عمل المهندس المعماري يكون في المدينة ، وهكذا فإنه يضع في الحسبان موارد المدينة ؛ فهو يفترض وجود مقاولي البناء المتمرسين ووجود المواد المعقدة التي تستخدم دائماً في بناء المدن ، ويفترض بالطبع أن عميله يستطيع أن يدفع ثمنها . فالمهندس المعماري يفكر تلقائياً في الإسمنت والمقاولين ، كلما طُلب منه أن يبني ، وهو لا يتصور أبداً أي بديل لنظام بناء القطاع الخاص الحضري .
وكل هيئات التخطيط تعتمد بالطبع اعتماداً كاملاً على مهندسيها المعماريين بالنسبة للمشورة التقنية بشأن البناء . وهكذا فإن كل هيئات التخطيط ، وربما دون أن تدرك ، تتخذ الأفكار المسبقة للمعماريين عن الإسكان القروي ، ويصبح في عقول أفرادها تصورهم لما ينبغي أن تكون البيوت على منواله . فهم يرونها مبنية من الإسمنت ، وقد بنتها شركات البناء التجارية العادية .
وارتفاع تكلفة خطط الإسكان الريفي ليس ناجماً فحسب عن غلو ثمن المواد المستخدمة ، وإنما ينجم أيضاً عن ذلك النظام الذي يضع تنفيذ العمل في أيدي بنائي القطاع الخاص . وينبغي أن يكون واضحاً بالفعل أنه توجد مادة بناء رخيصة جداً ووافية با الغرض الكامل وهي طوب اللبن ؛ وإني آمل أن أبين أنه يوجد أيضاً أسلوب لتنظيم العمل – على أي نطاق وفي أي مكان – يستطيع أن يوفر علينا كل النفقات الباهظة التي تصاحب استخدام مقاولي البناء . وكما أن مادة بناء الفلاحين – طوب اللبن – لا تتاح لنا إلا إذا اتخذنا تكنيك الفلاحين للبناء ، فإننا بما يماثل ذلك أيضاً لا نستطيع أن نبني بناءً رخيصاً رخص ما يبنيه الفلاح إلا لو أسسنا تنظيماً للعمل يكون على أساس ممارسات الفلاحين .
والحكومات لم تهتم إلا حديثاً بالظروف البائسة التي يعيش فيها معظم الفلاحين والتي تتزايد سوءاً زيادة سريعة . وعلى نفس المنوال ، فرغم أن الناس ظلوا يبنون بيوتهم لأنفسهم طيلة ألوف السنين ، فإنهم لم يبداؤا إلا حديثاً جداً في استشارة المهندسين المعماريين بشأن تصميم بيوتهم . أما قبل ذلك فكان البيت من اختراع الباني وحده ( عندما يكون فلاحاً في الريف ).
والمهندس المعماري هو ترف مكلف ؛ وهكذا فإنه لا يوجد إلا حيثما توجد النقود . ولما كان المهندس المعماري يعمل في خدمة عملاء موسرين نوعاً ، فإنه لا يهتم اهتماماً دائماً بتخفيض تكلفة مبانيه . وتتحدد هذه التكلفة – بواسطة مقاول البناء الذي ينفذ العمل . والمقاول المحترف ، مثله مثل المهندس المعماري ، ينزع لأن يكون مكلفاً؛ وهكذا فإنه أيضاً لا يوجد إلا حيثما توجد النقود . والآن ، فإن أصحاب النقود في مصر يحبون العيش في المدن ، وفوق ذلك ؛ فإن المدينة ذات الحجم المعقول هي وحدها التي تستطيع أن توفر تدفق قدر كاف من العمل بما يكفي لتشغيل المهندس المعماري والمقاول باستمرار . وهكذا ، فإن الأفراد المختصين مهنياً بالبناء – الأفراد الوحيدون الذين لديهم في الحقيقة أي خبرة بالبناء في الظروف الخاصة السائدة في المدن . فالمهندس المعماري يضع تصميمه دائماً بتوقع أن تصميمه هذا سيتم تنفيذه بواسطة مقاول بناء ، ومقاول البناء يفترض دائماً وجود شركات أصغر يستطيع أن يعطيها المهمة بمقاولة من الباطن ، كما يفترض وجود إمداد كاف من مواد البناء والعمالة .
وعندما ترغب الحكومة أو أي هيئة أخرى أن تبني ، فإنها تحصل على المشورة التقنية من المهندسين المعماريين والمهندسون المعماريون يضعون التصميم ويعدون التقديرات بفكرة أن العمل سيتم تنفيذه بأن يوكل به كالمعتاد إلى مقاول البناء التجاري . وبالنسبة لمشروع في المدينة – مستشفى أو ربما بلوك من المكاتب – تكون تكلفة البناء الذي يتم بهذا الأسلوب تكلفة مقبولة للسلطات . ولكن عندما تصل السلطة إلى النظر في أمر البناء على نطاق واسع في الريف ، وخاصة لإعادة إسكان أعداد كبيرة من العائلات القروية ، فإن التكلفة الهائلة للمشروع تحكم عليه في التو بأنه غير عملي . وهكذا فرغم أنه قد تمت مناقشة خطط طموحة كثيرة لإعادة تنمية الريف ؛ إلا أنه ما من خطة منها عاشت لأكثر من أول اجتماع للجنة يتكشف فيه تكلفتها المحتملة . ونظام المقاولات هو الذي يجب أن يلام على هذه التكلفة العالية . فالمقاول الرئيس يعهد بالعمل إلى مقاولي الباطن ، الذين تتعدد مسئولياتهم عن بنود من مثل عملية البناء ، والنجارة والتركيبات الصحية ، والطلاء بالجص ، وما إلى ذلك . ومقاول الباطن بدوره يضع العمل بين يدي مقاول أنفار البناء الذي يشغّل العمال بالفعل ويشرف على قيامهم بالمهمة . وهكذا فإن هناك وسطاء عديدين ، ينال كل منهم ربحه . ويساعد على رفع تكلفة المهمة . ومواد البناء أيضاً ، عندما يتم شراؤها جاهزة من الممولين التجاريين ، فإنها تنزع إلى أن تكون غالية الثمن . وهناك ضرران آخران عند تنفيذ مشاريع إعادة الإسكان الكبيرة بواسطة مقاول خاص . فأولهما ، أن المقاول الرئيسي يكاد يكون بعيداً عن العمل بعداً يماثل بعد الهيئة المخططة عنه ، بحيث أنه لا يستطيع أن يمارس أي تحكم في تفاصيل البناء وتسلسل المسئولية من مقاول الأنفار ، إلى مقاول الباطن ، إلى المقاول الرئيسي ، حتى الهيئة المخططة يجعل تداولها يتم بحيث لا يكون من الممكن السيطرة بإحكام على تكلفة البنود المفردة . كما أن المقاول ليس على صلة وثيقة بسوق العمالة ، حتى أنه يمكن أن يتوقف العمل أو أن يصبح مكلفاً تكلفة غير معقولة لأنه ليس هناك عمال للقيام به .
والضرر الثاني : أنه عندما يكون أحد المشاريع كبيراً بما يكفي ، فإنه يمكن أن يثير في أسواق المواد والعمالة اضطراباً بالغاً حتى ليدفع بأسعار هذه السلع إلى الارتفاع لأعلى كثيراً من مستواها العادي . وهكذا فإن خطط البناء الكبيرة جداً لا تضمن أي توفير ، وبدلاً من أن تبني البيوت رخيصة فإنها تصبح فعلاً أغلى بعشرات المرات . وسبب ذلك أنه ما من مهندس معماري يعرف التكاليف الحقيقية للبناء ؛ إنه يعرف فقط تلك الأسعار التي يعرضها عادةً المقاولون . بل إن المقاولين لا يعرفون التكلفة ؛ فهم كلهم تحت رحمة اقتصاديات الحرفة ، ولا يستطيعون أن يتقدموا بأي ثقة بعروض لمشروعات تكون كبيرة بما هو أكثر من المعتاد . وإذن ، فلماذا تتمسك الهيئات المُخطّطة بنظام المقاولات ؟ السبب ببساطة أنها تعتمد على مهندسيها المعماريين للحصول على المشورة التقنية ، والمهندسون المعماريون ليس لديهم أي خبرة بطريقة أخرى لتنفيذ العمل . ومن النادر جداً عند مناقشة خطط الإسكان الريفي أن يتم النظر فيما يكون بديلاً للمقاول الخاص .
على أن ثمة بديلاً قد اكتسب حديثاً بعض تحبيذ . وهو النظام المعروف (( بالعون الذاتي المدعوم )) ، وخطط إعادة الإسكان المؤسسة عل هذا الأسلوب للحصول على العمالة تتبناها بحماس وكالات الأمم المتحدة هي وهيئات أخرى . والمبدأ باختصار هو كما يلي : الحكومة ، أو الأمم المتحدة ، أو أي هيئة مشرفة أخرى ، تمد الفلاحين ، في منطقة ريفية ما فيها كساد ، بالمعدات والمواد لبناء بيوتهم الخاصة . ويتطوع الفلاحون بعملهم مجاناً ، وبمساعدة الآلات والمواد التي أعطيت لهم يحسّنون حالتهم هم أنفسهم .
ومشكلة هذا النظام أن (( العون الذاتي )) لا يستمر إلا طالما يستمر الدعم )) . ويتعلم الفلاحون طريقة تشغيل خلاط الإسمنت أو طريقة تثبيت سقف مسبق التصنيع ، ولكن بمجرد أن يتوقف وصول المواد المجانية ، يصبح الفلاحون في أسوأ حال كما هم دائماً – وذلك بالطبع فيما عدا المباني التي حازوها بالفعل . والنقطة هي أنهم لا يستطيعون استخدام المهارات التي تعلموها لأنهم لا يستطيعون تحمل شراء هذه المواد . وثمة خطر آخر ، وهو أنهم قد يفقدون حتى الحرف التي كانت لديهم قبل ذلك ، والتي كانت تمكنهم من استخدام موادهم المحلية الخاصة بهم . وقد يحدث هذا إما بأن ينبذ الحرفي التقليدي عامداً أساليبه القديمة ، نتيجة لإعجاب خاطئ بتفوق متخيل في الأساليب الأجنبية ، أو قد يكون السبب مما يبعث على السخرية بأكثر ، وهو أن الأسلوب الأجنبي يطرد الحرفي التقليدي بعيداً عن عمله ، منتزعاً منه هذا العمل ، ومطارداً إياه إلى عمل من نوع آخر . وعندما تنتهي فترة الإنشاء المصطنع الوجيزة وتتخرب الآلات الغالية ، ويتوقف الإمداد بالمواد الأجنبية ، لا يبقى هناك من يبني بالأسلوب القديم . والحقيقة أن (( العون الذاتي المدعوم )) لا ينجح إلا في أن يضفي على الحرفيين المحليين إحساساً موهوماً بالتقدم والتفوق بينما هو يغويهم نخو مسار مسدود محبط أيما إحباط ، نحو حرف معقدة من المحتم أنها بعد وقت قصير سوف تغلق أبوابها في وجوههم . وإما أن يصبحوا أتباعاً متحمسين للأساليب الجديدة هم أكثر ملكية من الملك ، ويحتقرون مهارتهم القديمة ، أو أنهم يُطردون بعيداً ليصبحوا عمالاً زراعيين . وفي كلتا الحالتين تتخرب حرفتهم .
وأحياناً يبدو الأمر وكأن الناس في المكاتب الكبيرة النظيفة ، أو في الجامعات الكبيرة النظيفة ، في البلاد الجميلة المتقدمة يسوؤهم انتشار الفقر والقذارة بين ملايين الأفراد في البلاد التعسة . وهم لا يستطيعون تحمل وجود هذا القذى في العين – أو في العقل . إنه يشبه وجود شحاذ منفر أمام بابهم ، وهم يريدون التخلص منه بأسرع ما يمكن كيف يتخلص الرجل الغني من الشحاذ ؟ إنه يرسل إليه عشرة قروش وبذا يشتري لنفسه طمأنينة فكره – أو هو بما يكون أكثر فعالية ، يبني ملجأ ويشرّع لوضع الشحاذ فيه . وحل الملجأ ربما يحدث استنكاره على نطاق الأبرشية ، أما على نطاق المسائل الدولية فإنه مازال يصوِّر – فيما أعتقد – في شكل (( العون الذاتي المدعوم )) (( هيا أرسل مليون بيت مسبقة التصنيع )) ، (( أمنح لهم حمولة عشرين سفينة من الإسمنت )) .
(( أعطه خمسة قروش ليذهب بعيداً )) (( ياللرائحة الكريهة – امنحهم بعض وسائل الصرف الصحي ))
(( حسن ، على الأقل فإن حالهم وهم في هذه الثكنات سيكون أحسن مما لديهم الآن من تلك الأكواخ الرهيبة ))
على أن حالهم لن يكون أحسن . إن العشش التي أقامها اللاجئون حول غزة فيها جمال ، واحترام لذات أكثر مما في أي مكان من نماذج المستعمرات الكئيبة التي أقامتها الهيئات الخيرية الأجنبية ، كما يعيش كل فلاح في النوبة في قصره الخاص البهيج كالأمير . آه لو كان (( العون الذاتي المدعوم )) هو حقاً كاسمه ! آه لو أن مانحي الدعم أمكنهم رؤية ما يستطيع الفلاح أن يفعله وهو في أفضل أحواله ، فوجهوا دعمهم لمساعدته على تحقيق قدراته الخلاقة الخاصة به ، وعندها فإن فلاح مصر سيتأتى له لا فحسب أن يعالج مأزقه ، وإنما ستتاح الفرصة أيضاً لهذا المعماري لأن يأتي بما يجعله يفوز بإعجاب العالم .
إن النظاميين اللذين يُطرحان أغلب الوقت لتنفيذ خطط على النطاق الكبير – نظام المقاولة ونظام (( العون الذاتي المدعوم )) – لا يمكنها أن يكونا صالحين لمشكلة في حجم مشكلة مصر . وبنفس الطريقة فإن هناك حلولاً هي غير صالحة – مثل استخدام الجيش أو جماعات الطلاب المتطوعين ، أو حتى العمل الإجباري . وعندما تُبنى للفلاح قريته كنوعمن عمل خيري ، فإنه لن يكتسب المهارة والخبرة اللتين يكتسبهما لو بناها بنفسه ، وعندما يعود الجيش ، أو أيَّاَ ما يكون ، إلى مقره ، وتأخذ المباني في التلف بمرور الوقت ، لن يتمكن القروي من ترميمها . والأمر بالضبط كحال رجل يريد حديقة فيذهب إلى دكان ويحصل على عشرة من خبراء البساتين يأتون ليصنعوا له حديقة في عطلة نهاية الأسبوع . وستظل الحديقة جميلة جداً لمدة أسبوع ، ولكن الرجل تنقصه الخبرة ، وربما حتى الدافع ، لأن يحافظ على حسن نظامها – ولعلها بأي حال هي بالنسبة له أكبر أو أغرب مما يستطيع تناوله – وهكذا فقبل أن ينقضي زمن طويل فإن حديقته تصبح جرداء ؛ ومن الناحية الأخرى ، فلو أنه صنعها بيديه ذاتهما وفي وقتهالخاص به ، فإنهم سيفهم كل نأمة فيها ، ويستطيع أن يحافظ على جاذبيتها .
وحتى يمكن أن يكون (( نظام العون الذاتي المدعوم )) ناجحاً يجب الوفاء بالشروط التالية :
1- يجب أن تكون المواد التي تعطى للفلاح رخيصة ؛ رخيصة بما يمكن للفلاح أن يشتريه أو بما يمكن للحكومة أن تهبه مجاناً .
2- يجب أن تكون المواد الممنوحة بحيث يستطيع الفلاحون الحصول عليها بأنفسهم دونعون حكومي ، عندما تصل الخطة إلى نهايتها . ويعني هذا في التطبيق ، أنها يجب أن تكون مواد محلية شائعة .
3- يجب أن تكون المواد بحيث لا تحتاج إلى عمل ماهر عند تناولها ، يتجاوز ما يستطيع الفلاحون أنفسهم تحمل تكلفة تشغيلية : بما لا يزيد مثلاً عن بنّاء القرية أو نجارها . ويجب أن تكون المواد بحيث يمكن تنفيذ معظم العمل بعمالة من غير إشراف .
وباختصار ، فإن (( العون الذاتي المدعوم )) يجب أن يساعد الفلاحين على البناء بمواد محلية تكاد تكون بلا تكلفة ، مستخدمين مهارات تتوافر لديهم هم أنفسهم من قبل أو يستطيعون اكتسابها بسهولة . وفوق كل شيء فإن مواد من مثل الحديد الصلب أو الإسمنت – أو حتى الخشب ، حيث أنه في الغالب مما يجب دائماً أن يتم استيراده – هي مما ينبغي أن ينظر إليها بكل الارتياب عندما يُقترح تقديمها لمساعدة الفلاحين على بناء بيوتهم . فهذه المواد يجب ألا يسمح بها في الخطط القومية لإعادة الإسكان إلا إذا كانت البلد نفسها تنتج هذه المواد رخيصة الرخص الكافي ، وإلا إذا كان السكان يكسبون المال الكافي لشرائها .
وهناك نظام آخر استخدم في بعض الأماكن ، وإن لم يكن واسع الانتشار في مصر . وهو نظام (( النواة )) ، وفيه تقوم هيئة التخطيط بتصميم بيت أو بيتين قياسيين وتبنى (( جزءاً صغيراًً )) من كل بيت ، وتترك شاغله ليبني الباقي نفسه . والجزء الذي تبينه الحكومة هو النواة ، وإسهام الساكن يشكل بقية التكوين ، وحيث أن النواة يتم بناؤها ، لسوء الحظ ، من الإسمنت أو الطوب المحروق ، فإن الفلاح لا يستطيع تحمل تكلفة الاستمرار بنفس المواد ، ويتمسك بأن تكون الإضافات بطوب اللبن . وهكذا لا يكون ثمة تواصل أو انسجام بين جزئي البناء ، ولا يكاد إسهام الحكومة أن يستحق اسم (( النواة )) . ونظام النواة ، مثله مثل الأنواع الأخرى من (( المعونة الفوقية )) لا يحفز الحرف المحلية ولايعد الفلاحين لأن يبنوا لأنفسهم .
ولن يكون لأي خطة قومية للإسكان في بلد غير نام أي فرصة للنجاح إلا عندما يقر التقنيون – المعماريون المهندسون – الذين يعهد إليهم بمسئولية إعادة إسكان جمهور من الفلاحين بأنه لا يمكن أن تنشأ تقاليد للبناء لها قوتها واستمراريتها الذاتية إلا من حماس الفلاحين انفسهم ، وأن هذا الحماس لا يمكن أن ينبعث إلا إذا رأى الفلاحون أنهم يستطيعون حقاً بناء بيوت جيدة لأنفسهم بما لايكاد يكلف شيئاً . وأنت عندما تريد زهرة ، لاتحاول أن تصنعها بأجزاء من الور والصمغ ، وبدلاً من ذلك فإنك تكرس عملك وذكائك لتهيئة الأرض ، ثم تضع فيها بذرة تتركها لتنمو . وبنفس الطريقة ، فإننا حتى نستفيد من رغبة القروي الطبيعية في البناء ، يجب أن نكرس أنفسنا لإعداد الأرض بأن نخلق جواً أو مناخاً اجتماعياً يزدهر فيه البناء ، ويجب ألا نبدد جهودنا في إنشاء مبان هي مهما يكون حذقها أو روعتها ، إلا أنها ستكون عميقة لا تتكاثر ، مثلها مثل الزهور الصناعية . والحقيقة أن البذور موجودة بالفعل في الأرض ، وقد أنبتت واستعدت لن تشق طريقها للسطح ، والنبات قد كيَّفَ نفسه مع الأرض عبر القرون الطويلة ، وسيكون أزهاره إزهاراً وفيراً . وكل ما نحتاجه هو أن نمنحه القليل من التشجيع ، والقليل من التطهير من العشب ، والقليل من العزق ، وربما بعض رذاذ من رشاشة للمياه بطريقة ذكية ، سيكون فيهما الكفاية لأن يؤديا إلى إعادة ميلاد مبادرة الفلاح للبناء ، التي ستكون هكذا أقوى بما لا نهاية له من أي مما يمكن أن يكونه برنامج حكومي جاهز الصنع .
* * *
النظام التعاوني :
نحن نعرف بالفعل أن المواد موجودة وأنها رخيصة ؛ ونحن نعرف بالفعل تكنيك استخدامها ؛ ما الذي يمكن أن يعلمه لنا الفلاحون أنفسهم بشأن تنظيم العمل ؟ كيف تقوم القرى بتنظيم نشاطها للبناء في تلك الأماكن التي لم يمسها بعد مقاول البناء التجاري ؟
إنها تتعاون . وعندما يكون هناك منزل جديد ينبغي بناؤه في قرية ، فإنه يتوقع من كل فرد أن يمد يداً . ويساعد أفراد كثيرون في العمل ، وسرعان ما ينتهي البيت . ولا يُدفع أجر لأي من هؤلاء الجيران المتعاونين . والعائد الوحيد الذي يتوقعه الرجل الذي يساهم بيوم بناء في بيت زميله القروي هو أن هذا الزميل القروي سيفعل له نفس الشيء ذات يوم . وهكذا يصبح البناء نشاطاً جموعياً ، مثل الحصاد ، أو مثل إطفاء الحرائق ، أو مثل الزفاف أو الجنازة . وفي النوبة يبدو أن القرويين يعملون معاً ليساعد أحدهم الآخر مساعدة تتم طبيعياً وبأقل توجيه أو إشراف مثلهم مثل النمل أو النحل .
على أن النظام التعاوني لا يمكن أن يصلح بهذه الطريقة التقليدية إلا عندما يتناول مشاكل تقليدية ، وإلا عندما يكون المجتمع نفسه تقليدياً بحق . وعشرة بيوت جديدة في كل سنة لا تشكل عبئاً كبيراً على موارد العمالة في القرية . وسيبقى هناك وقت للقيام برعاية الحقول وكل شئون الحياة الأخرى . وبالمثل ، فإنه عندما يعيش رجل على ما يزرعه ، وتكون النقود سلعة نادرة ، وعندما لا يكون قد تم إغواؤه بمعرفة ما يمكن للنقود أن تشتريه ، فإنه يكون على استعداد تماماً لمنح وقته لبناء منزل أو اثنين . فهو لم يخبره أحد قط بأن (( الوقت هو النقود )) . أما عندما ينبغي بناء قرية جديدة بأسرها ، فإن البناء يتطلب قدراً كبيراً من وقت المجتمع؛ والإنسان إذا عمل مقابل أجر ، فإنه لن يرغب بعدها في العمل مقابل لا شيء .
ورغم هذا ، فإنه لو أمكن أن يُجعل النظام التعاوني نظاماً صالحاً لذلك ، فسيكون له ميزات هائلة تفوق أي نظام يستخدم البنائين المحترفين ، فأولاً وقبل كل شيء ، فإن القرية التي يبنيها سكانها أنفسهم ستكون كائناً حياً ، قادراً على النمو ومواصلة الحياة ، بينما القرية التي يبنيها محترفون مستأجرون ستكون شيئاً ميتاً يبدأ في التهاوي في اليوم التالي لرحيل البنائين . وثانياً ، فإن القرية المبنية تعاونياً ستكون أرخص كثيراً من القرية المبنية بالعمل المأجور – والحقيقة أنها النوع الوحيد من القرية التي تكون رخيصة بما يكفي لأن يتحمل بلد مثل مصر تكلفة بنائها بأعداد كبيرة .
ولو أمكن جعل النظام التعاوني التقليدي صالحاً للعمل في ظروف غير تقليدية ، فمن الواضح أنه سيكون في الإمكان توسيعه وتطبيقه على برنامج للإسكان الجماهيري .
والدافع الأساسي للتطوع المجاني بالوقت والعمل في النظام التعاوني هو الرغبة في أن يلتقي الفرد نفسه عوناً مماثلاً . والحقيقة أنه مبدأ (( عامل الناس بمثل ما تحب أن تعامل )) . فكل جار ، عندما يساعد في بناء منزل ، يرسى حقه في أن يتلقى العون نفسه ، ويفتح حساباً في نوع من بنوك العمل . ولو تم الإعتراف بهذا المبدأ وأمكن حساب وتسجيل القدر المضبوط من العمل الذي يوضع لحساب أحد الأفراد ، فإن النظام التعاوني سيأخذ في جذب الفلاحين حتى من يكون منهم تجارياً في تفكيره لأقصى درجة .
ومن الواضح أن أي فرد يُحب أن يكون له بيت جديد ، إذا كان أكبر وأنظف وأجمل من بيته الحالي . وأي فرد سيكون على استعداد لبناء منزل كهذا لنفسه إذا بينت له طريقة البناء . والعقبة هي أن البيت أساساً نتاج جموعي ؛ فلا يستطيع فرد واحد أن يبني منزلاً واحداً ، ولكن مائة رجل يستطيعون بسهولة بناء مائة بيت . سيقول الفلاح ، (( على رسلك ، إنني أريد بيتاً ، فهيا نبنيه – ولكن لماذا يبغي أن أبني بيتاً لأحمد ؟
(( ولايمكن حث هذا الفلاح المتشكك على الانضمام لخطة البناء التعاوني الجموعي إلا إذا كان إسهامه الخاص في البيت هو مما يمكن قياس قدره قياساً مضبوطاً غير متحيز وتسجيله كقرض للمجتمع ، يقوم المجتمع برده له في شكل بيت .
وحتى يمكن قياس قدر العمل الذي يقرضه أي فرد قروي للمجتمع ، ولإقرار هذا القرض بلغة من البناء الذي يدين به المجتمع له ، فإن من الضروري أن يُعرف شيئان بأدق التفاصيل فيهما : الأول ، قدر عدد ساعات العمل المفيد التي قام بها أي عامل بعينه ، والثاني ، قدر العمل بالساعة – الرجل الذي يتم استهلاكه في أي عنصر في البيت . وأول هاتين المعلومتين يمكن الحصول عليه عن طريق نظام حريص لتنظيم العمل وتحديد مدى تقدمه . أما المعلومة الثانية فقد أوجدناها في سياق العمل في القرنة ، فقد حللنا تكلفة كل مقطوعية من العمل وأرسينا له مقطوعيات قياسية يمكن إقرارها بلغة النقود أو الساعات / الرجل – لكل طور من العمل في كل نوع من البناء .
التدريب بأداء العمل :
إذا كان لقرية أن تبني بواسطة من سيسكونها مستقبلاً ، فإنه يجب أن يوفر فيهم المهارات اللازمة لذلك . ومهما كان ما يولده النظام التعاوني من حماس ، فإنه حماس لايفيد إلا قليلاً إذا كان الناس لايعرفون كيف يرصون الطوب . إن العدد اللازم من العمال المهرة مهارة معقولة لبناء قرية لهوعدد أكبر من أن يسمح باستئجار أناس من خارجها ، فهذا سيرفع التكلفة لأعلى كثيراً مما ينبغي .
والناس عندما يتحدثون عن التدريب فإنهم عادة ً يفكرون في المدارس ، وهكذا يبدو وكأن من الطبيعي إنشاء مدارس فنية لتدريب الفلاحين على حرف البناء الضرورية . وينبغي أن أؤكد بقوة على أن المدارس الفنية ليست هي ما يلبي حاجتنا من العمال المهرة . فمن المحتم أنها ستقوم بتدريس منهج أكثر تعقيداً عما ينبغي ، بينما نحن نحتاج إلى رجال لهم القدرة على أن يؤدوا عدة عمليات من البناء لعلها تبلغ ست عمليات ، أما هذه المدارس فتنزع إلى أن تكون أكاديمية وإلى أن تحدث في عقول طلبتها تحيزاً ضد أي من الممارسات التي لا توجد في المراجع ؛ وهي تعطي للخريج شهادة دبلوم ، تجعله يحس بأنه بلغ درجة من العظمة والأهمية حتى ليحتقر العمل اليدوي ويفضل أن يصبح كاتباً في مكتب حكومي ؛ وهذه المدارس جداً مكلفة وتضيف إضافة لها قدرها إلى تكلفة برنامج البناء ؛ وأخيراً فإنها ستنتج عدداً كبيراً من الحرفيين الذين تدربوا تدريباً حاذقاً ، ولكنهم عند اكتمال قريتهم لن يجدوا عملاً يؤدونه وبذا يضيعون بالنسبة للحرفة وللزراعة .
لا، إن ما نحتاجه هو طريقة لتعليم الفلاح عناصر البناء العملي بحيث يستطيع الإسهام إسهاماً مفيداً في بناء قريته ، ولكننا لا نريد أن نحوله من مزارع منتج إلى بنّاء هو وإن كان ذا مهارة عالية إلا أنه عاطل . فلابد للفلاح من أن يكتسب قدرة مناسبة على إقامة الجدران والمخازن على أرضه هو ؛ وأن يكون في وضع يمكنه من مساعدة جاره بقدر من البناء ، وأن يحتفظ ببيته الخاص سليماً ومرتباً ؛ ولكنه يعد نفسه دائماً عامل زراعة ، وليس بنّاء . ولاشك أن هناك مجالاً للمقرر الدراسي للمدرسة الفنية ، فنحن نحتاج إلى حرفيين محترفين ذوي مهارة عالية يكون منهم مكسب دائم للبلد ، ويمكن تدريبهم تدريباً مناسباً في المدرسة الفنية ، على أن الجمهرة من العمال أنصاف المهرة يحتاجون إلى طريقة تدريب مختلفة .
وإني لأقترح أن يتدرب هؤلاء العمال بالعمل في المهمة . وسيكون من الصعب تدريب عدد كبير من الصبيان بالعمل في مهام صغيرة مثل البيوت الخاصة . وهذا هو السبب في أنه من الضروري ، إذا كان للقرية ان يتم بناؤها بالنظام التعاوني ، أن نبدأ بالمباني العامة ، التي توفر الكثير من الفرص لتدريب القرويين على حرف البناء التي يمكنهم تطبيقها فيما بعد على مساكنهم الخاصة بهم .
وفوق ذلك فإنه غذا تم بناء المباني العامة بنفس أسلوب بناء المساكن الخاصة وبنفس وسائل إنشائها ، فإن القرية سيتأكد لها الانسجام لمعماري وسوف تتجنب مشهد مجموعة من المباني تعلن عن صفتها لرسمية وعما تزعمه لنفسها من تفوق بمعمارها الأجنبي – وهو انفصام كثيراً جداً ما يكون أكثر من مجرد مظهر سطحي فهو يبرزأيضاً في موقف لناس من رجال الحكومة .
وبتدريب القرويين على المباني العامة ، التي ستقام أولاً كالقلب من القرية ، فإنه سيمكننا الاستفادة من المهندسين المعماريين والمعلمين الحرفيين الذين يعملون لحساب الهيئة القائمة بالبناء ، بحيث يمكنهم تمرير مهارتهم للناس . وبعدها ، وحتى لو كانت الهيئة لا تستطيع تحمل تكلفة بناء بيوت خاصة كثيرة ، فإن المهارات المطلوبة يكون قد تم غرسها ، وسيكون مركز القرية موجوداً ، وسيتمكن السكان من مواصلة العمل لحسابهم هم أنفسهم .
وبعض عمليات البناء هي مما يسهل جداً تعلمه : كما مثلاً في بناء أضلاع غرفة . وبعض العمليات الأخرى أكثر صعوبة . فبناء قبو هو مهمة غاية في المهارة، ومن المعروف في النوبة أن الصبي يحتاج إلى ثلاث سنوات ليتعلم كيفية رسم القوس الصحيح يدوياً . ويمكن بالطبع أن يعطي للبنّاء غير المتمرس قالب للقوس الصحيح ، بحيث تصبح مهمته أمراً يتطلب الحرص بدلاً من المعرفة . وقد فعلنا ذلك في القرنة لزيادة سرعة تدريب الصبيان ، ونجح ذلك نجاحاً جداً طيب ، إلا أن عبد العزيز ، معلمنا البنّاء ، غضب مني لذلك . وقال أنه كان يضرب ضرباً عنيفاً على أصابعه كلما ارتكب خطأ ، وها نحن الآن نبوح بسر الصنعة لهؤلاء الصبيان من غير أن يكدّوا في سبيل ذلك . وقد وصلت إلى الاقتناع بأن عبد العزيز على حق ؛ وموقفه هذا هو موقف بنائي العصور الوسطى ، (( زملاء )) نقابات الحرفة الفرنسية ، الذين كانوا يرعون في غيرة الأسرار التي مكنتهم من بناء العقود المعقدة للكاتدرائيات القوطية حيث كل نأمة حركة محسوبة بدقة . وكان البناءون يتناولون من معلم البنائين رسماً لكل عقد ، لا يمكن لهم الانحراف عنه . وسواء في أوروبا العصور الوسطى ، أو في القرنة ، أو النوبة لابد للبنّاء من أن يتم نضجه في مهنته على مدى زمن معين قبل أن يصبح مهيأ لتلقي أسرارها العليا . وليس من طريق مختصر حقاً للوصول إلى المهارة الحرفية ، ومثلها في ذلك مثل أي شكل آخر من أشكال المعرفة . ومن السهل مثلاً تطبيق معادلة ما في الهندسة ، ولكن مالم تكن تفهم طريقة استنباطها فإنك قد تتورط في المشاكل . ونضج المهارة لهو خبرة لها قدرها من حيث أهميتها معنوياً بالنسبة للحرفي ، والرجل الذي يكتسب السيطرة القوية على أي مهارة ، يصبح أيضاً أكثر احتراماً لذاته ورفعة في معنوياته . والحقيقة أن مايطرأ من تحول على شخصيات الفلاحين عندما يبنون قريتهم هم بأنفسهم لهو أكبر قيمة من التحول الذي يطرأ على حالتهم المادية . فكل رجل حرفة يزيد ما يكتسبه ذاتياً من الفهم والكرامة ، بينما تكتسب القرية ككل حساً من الروح الاجتماعية ، ومن التكافل ، والتآخي ، ما لا يمكن الوصول إليه إلا بمثل هذا الإنجاز التعاوني . وبسبب هذه القيمة المعنوية للمهارات الإنشائية ، فإنه كثيراً ما كنت أفضل ما قد يبدو وكأنه الطريقة الصعبة للبناء . فمثلاً ، يبدو أن لاستخدام التربة المدكوكة مزايا كثيرة تفوق استخدام طوب اللبن – وأهمها أن عمليات صنع الطوب يتم اختصارها . و لا يحتاج صنع الجدران إلى أي مهارة سوى القوة الغشوم . على أني أعتبر دائماً أن رص الطوب نشاط فيه من النبل ما هو أكثر من المداومة على دك كتلة من التربة طيلة ساعات في إطار خشبي . وحتى من الوجهة العملية فإن تنمية المهارات فيها مزايا ؛ والبنّاء الذي يعتمد على القوالب للحصول على الأقواس الصحيحة لا يمكن له أن يقيم آمناً قبواً من فوق جدران تكون غير متوازية .
وقد شرحت من قبل أن نظام البناء التعاوني لا يمكن أن يصلح إلا إذا أمكن تسجيل عمل فرد كقرض للمجتمع ليرد له في شكل بناء . ومن الواضح الآن أن عمل البنّاء الماهر ينبغي تقديره تقديراً أعلى كثيراً مما للعامل غير المدرب . مرة أخرى ، فإنه إذا سمح المجتمع لبنائيه بأن ينفقوا وقتهم الثمين في تعليم المتدربين ، فإن هذا الوقت ينبغي أن يدفع ثمنه شخص ما ، وبالتالي فإن خطة التدريب بأداء العمل يجب أن تتيح للمتدربين دفع ثمن تدريبهم بأن يهبوا إلى المجتمع مهارتهم المكتسبة حديثاً بأجر أقل من الطبيعي . وقد وضعت الخطة التالية للتدريب بأداء العمل ، والتي طبقتها في القرنة :
يُطلب من المساعدين – الشبان والصبيان الذين يقومون بالعمل غير الماهر – أن يراقبوا البنائين وهم يعملون بحيث يمكنهم أخذ فكرة عن نوع العمل الذي يتم أداؤه . ويتم الإعلان عن مقرر التدريب شفوياً وبالكتابة معاً ، مع شرح تفصيلي لمراحل التدريب ، والمهارات التي ستعلم ، ومعدل الأجور المناسب لكل مرحلة . وعندما يظهر على أفراد من بين المساعدين أنهم حريصون على التعلم أو يظهر فيهم أي استعداد ، فإنهم يوضعون على أول درجة من السلم الذي يؤدي إلى تأهليهم النهائي كبنائين .
وهناك خمس مراحل تدريب :
( أ ) متدرب : أجر يومي ، 8 قروش ( نفس الأجر للفاعل الصبي غير الماهر ) .
( ب ) صبي : أجر يومي ، 12 قرشاً .
( ج ) مساعد بناء : أجر يومي ، 18 قرشاً .
( د ) بناء أجر يومي ، 25 قرشاً .
( هـ ) معلم بناء : أجر يومي ، 35 – 40 قرشاً .
ويتعلم من يتم قبولهم في الفصل أ – متدرب – كيفية إقامة الأضلاع من رسم تخطيطي لوحدة مربعة ، ورص الطوب للحوائط بسمك طوبة ، وطوبة ونصف الطوبة ، وطوبتين ، ورص الطوب للجدران المتقاطعة ، ورص الطوب للأركان والعضادة . وكل هذه الجدران تبنى يابسة ، دون استخدام لملاط .
وبعد أسبوعين من التدريب يُختبر المتعلم لمعرفة قدرته على رص 200 طوبة في الساعة رصاً صحيحاً . وإذا اجتاز الاختبار ، فإنه يعمل بعدها فيما جرى بناؤه بالفعل من المباني ، فيساعد معلمي بناء بأن يناولهما المواد التي يحتاجانها . وسوف يراقب أيضاً عملهما بفهم أكثر ، حيث أنه قد تم تدريبه ، وسوف يتعلم من مراقبته لهما . ولابد من أن يستمر لأسبوعين في هذا العمل ، بنفس الأجر كفاعل ( 8 قروش ) . ثم يتقدم المتدرب إلى المرحلة ب ويعود ثانية إلى الفصل ليتعلم المزيد بشأن حرفته . فيرص الطوب لنفس الجدران ، كما من قبل ، ولكنه هذه المرة سيستخدم الملاط . وسوف يبني حواجز من نصف طوبة من الطوب الأحمر بملاط طيني . كما يتعلم بناء أعمدة مربعة من سمك طوبة ، وطوبة ونصف الطوبة ، وطوبتين ، وكتف جدارية بعرض طوبة على جدران من سمك مختلف . وإذا استطاع أن يكون متمكناً من هذه العمليات خلال أسبوعي الدرس فإنه يعود ثانية إلى المهمة الرئيسية الأسبوعين ، حيث يساعد معلمي بناء بأن يملأ قلب الجدران التي يبنيانها . وهذا عمل مفيد ، ولكنه لا يتطلب مهارة بنّاء مؤهل ، لأن المساعد ليس مسئولاً عن استقامة الجدران واستوائها . والمتدرب يدفع له أثناء قيامه بهذا العمل 12 قرشاً – أي أكثر من الفاعل المتواضع ، لأنه الآن قد تخرج إلى مرتبة الصبي . ويمكن القول بأن قيمة عمله هي على وجه التقريب ربع قيمة معلمي البناء ، أو هي 20 قرشاً في اليوم . وفارق القروش الثمانية بين أجره وقيمة عمله يمكن أن يعد بمثابة وفاء لدينه للمجتمع عن تدريبه .
وبعد أن يقوم بهذا العمل على وجه مرض لمدة أسبوعين ، يعود إلى فصل المرحلة ج . وهو هنا يتعلم بناء العقود المفصصة بعمق طوبة ونصف الطوبة على جدران سميكة طوبتين ، ويكون بحر العقد من 0.9 متر و 1.2 متر ( للنوافذ والأبواب ) ويتعلم بناء العقود المدببة ذات البحر من مترين 2/1 2 متر . وإذا اجتاز اختباره ، ويكون في هذه المرة بعد أسبوع واحد فقط ، فإنه يصبح مساعد بنّاء ويذهب إلى العمل في المهمة لمدة أسبوع بأجر من 18 قرشاً . ويمكن الآن أن نعد عمله مساوياً لعمل معلم بناء ( 40 قرشاً يومياً ) ، وهكذا فإننا نكسب منه 22 قرشاً يومياً .
والمقرر التالي من دروسه يستمر لأسبوعين ، حيث بناء الأقبية دون شدة ولبحر من 2/1 1 ، و 2/1 2 ، 3 أمتار ، وأن يبني قبة بيزنطية ( من فوق خناصر متدلية ) لها بحر من ثلاثة أمتار . وحتى يتم تخريجه من هذه المرحلة ، لابد أن يكون قادراً على بناء قبو بحره متر ونصف المتر بمعدل متر طولي في الساعة
( 152 طوبة للمتر الطولي ) ، وقبو من مترين بمعدل 60 سنتيمتراً للساعة ( 204 طوبة للمتر الطولي ) ، وقبو من مترين ونصف المتر بمعدل 30 سنتيمتراً للساعة ( 340 طوبة للمتر الطولي ) . أما القبة التي تتكون من 1400 طوبة ، فينبغي أن يتم بناؤها في يومين بواسطة اثنين من المتدربين . ولما كان البناءون يعملون في أزواج ، فإن هذه المعدلات تضاعف بالنسبة لكل زوج من المتدربين وبالتخرج من هذه المرحلة ينال المتدرب لقب بنّاء ؛ وإذا لم يجتز اختبار التأهيل ، فإنه يعاد إلى المهمة كمساعد بناء لمدة شهر على الأقل ، يمكن بعده أن يسمح له بإعادة المقرر ، إذا اجتاز أن يعود ، وذلك بشرط أن يفهم أنه لن ينال أجراً .
والبنّاء المتخرج ، الذي يمكنه الآن أن ينال 25 قرشاً في اليوم ، يكون حراً في أن يأتي للعمل في المهمة كلما وحيثما أحب . وبعد هذه المرحلة من التدريب ، سواء اجتاز المتدرب اختباره أم لم يجتزه ، فإن مستقبل عمله العمل الذي سيقوم به ، أو التدريب الإضافي الذي يدخله ، هو أمر يترك له شأنه بالكلية . وبهذه الطريقة فإنه لن يرغب في دخول المرحلة التالية من التدريب إلا من يكون حريصاً أبلغ الحرص على ذلك .
* * *
وفيما يلي ما يلزم لإعطاء المتدرب مؤهله النهائي كمعلم بناء . فلابد من أن يبن قباباً على الخناصر المعقودة ويكون قطرها من 3 أمتار وأربعة أمتار ، وأن يبني قبواً على جدران تكون غير متوازية ، بحيث يكون بحر طرفه الكبير 3 أمتار ، وأن تظل القمة أفقية طول المسافة . وهذه مهمة خداعة جداً ، لأن الطلوع يجب أن يعلو تدريجياً في سياق عمل البنّاء . ثم لا بد من أن يبني سلماً محمولاً على أقبية . ويستمر هذا المقرر لأسبوعين ، وبعد اجتيازه يجب أن يعمل المتدرب لمدة أسبوع في المهمة مع بنائي الحجر ، ليتعلم كيفية معالجة الحجارة ، وأخيراً فإنه يعطي شهادة تبين ما يمكنه القيام به ، وتشهد له بأنه معلم بناء كامل التأهيل وكل فترة التدريب لمعلم البناء تستغرق سبعة عشر أسبوعاً وتكلف ما يقرب من 800 قرش ، أو ثمانية جنيهات . وثمة وفرة في الوقت ، فالمتدرب الذي يلتقط العمل سريعاً يتعلم أسرع ، واستثمار الجنيهات الثمانية يتم تعويضه بالكامل حتى قبل أن يتم تخرج المتدرب في النهاية ، بينما لو نظرنا إلى أنه في أول شهر له كمعلم بناء سيمنح أجراً يقل عشرة قروش عن المعدل المعتاد أو يقل 15 قرشاً يومياً لو ظل في درجة بناء فسوف نجد أننا نحصل على ربح إجمالي بالنسبة لكل متدرب ناجح . وحيث أن المتخرج المتوسط سيعمل لبضعة شهور قبل أن يكون صالحاً بما يكفي لدفع أجر كامل له ، فإنه سيرد مبلغاً كافياً لتغطية مرتب المدرب .
ونظام التدريب هكذا هو وسيلة عملية ميسرة لإنتاج العمال المهرة الذين نحتاجهم . وهو مما يوصى به للمقاولين ، فيما لو أرادت الحكومة استخدامهم ، ذلك أن الشاغل الأكبر للمقاول هو أن يجد العمالة التي يحتاجها في الأماكن القصية . وقد اتصلت بالعديد من كبار المقاولين لأعرف ما إذا كانوا يرغبون في استخدام بنائين تم تدريبهم هكذا ، ورحبوا جميعاً بالفكرة في حماس . فهي بلا شك ستوفر لهم نقودهم ، ذلك أن حث بناء يقيم في المدينة على الرحيل إلى القرية بعيدة يستلزم أن يدفع له المقاول ضعف معدل الأجر المعتاد . ومع كل ، فإن أي مشروع سيظل هو الأرخص لو أن الحكومة أقرضت المعدات للبنائين الصغار المحليين بدلاً من تشغيل كبار المقاولين ، ذلك أن البنائين الصغار هم الذين يقومون بالعمل الفعلي في كل حال ، وهكذا فلو أنهم أُعطوا الفرصة لاستخدام المعدات التي لا يستطيعون في الأحوال الطبيعية تحمل تكلفتها ، فسيمكن إلغاء ربح المقاول الكبير من قائمة الحساب ، وسيتم تشجيع الاستثمار المحلي والازدهار المحلي ، وسيسهل بأكثر تدريب الحرفيين المحليين . وقد ظهر البرهان الساطع على أن هذا التطبيق يتصف بأنه عملي ، عند بناء مدرسة فارس ، حيث لم يتقدم أي مقاول بعطاء لها ، ورغم أن المقاولة ظلت معروضة لثلاث سنوات متتالية .
واشترينا هناك معدات بما قيمته 200 جنيه وأقرضناها للبنائين الصغار المحليين ، وكانت النتيجة أن المدرسة كلفت فحسب ثلث ما تكلفه المدارس عادةً في أماكن أكثر قرباً . ومدرسة فارس بها عشر حجرات دراسية ، ومكتبة واسعة صممت خصيصاً كمكتبة ، وغرفة واسعة متعددة الأغراض من خلف مسرح مفتوح لعرض التمثيليات ، وقد تكلفت 60 جنيه مصري ، في حين أن مدرسة أخرى من نفس النوع في مدينة أسوان عاصمة المحافظة ، بها فقط تسع حجرات دراسية وحجرة عادية تستخدم كمكتبة ، تكلفت 16.000 جنيه مصري .
ومعلم البناء بعد تخرجه ، يعمل على الأقل لمدة شهر بأجر من 30 قرشاً . والمتخرج الذي يصل إلى مرتبة بناء ويعمل في المهمة دون أن يواصل التمرين لمعلم بناء سيرد نقوداً بمعدل 360 قرشاً بدلاً من 240 قرشا ومعلم البناء الذي يظهر مهارة عالية في البناء خلال الشهر الأول بعد التخرج أثناء عمله في المهمة ، سيزيد أجره اليومي إلى 35 قرشاً . وإذا استمر في إظهار التقدم في فنه خلال الشهر التالي لرفع أجره هذا ، فإنه سيعطي في النهاية أجراً كاملاً من 40 قرشاً ( أنظر الملحق 2 ) .
* * *










القرنة ليست هدفاً في ذاتها :
لم تكن القرنة بالنسبة لي هدفاً في ذاتها وإنما هي أول خطوة تجريبية على الطريق إلى تجديد الريف المصري تجديداً كاملاً من خلال إعادة بناء قراه . وقد تم في القرنة تجربة مفهوم جديد تماماً للإسكان الريفي وثبت أنه عملي . والجزء الأول من هذا الكتاب يطرح برنامجاً لتطبيق هذا المفهوم في حملة بطول البلاد كلها لإعادة بناء القرية .
وقد يُعترض بأن الإسكان الريفي ليس هو أكثر المشاكل إلحاحاً فيما يواجه مصر ؛ وأن من الأفضل لو أن المرء كرس انتباهه لتوفير العمل أو الطعام أو أي مطلب آخر أكثر ضرورة . ولا يمكن أن ينكر أحد أن المهمة الأولى العاجلة بالنسبة لمصر هي تحسين حياة شعبها . وإلى حد بعيد ، فإن الجزء الأكبر من سكان مصر موجود في القرى ؛ أو بكلمات أخرى ، فإن معظم المصريين قرويون ، يعيشون عيشة يائسة أبلغ البؤس . وهكذا فإن الحكم على أي حكومة أو أي مذهب سياسي في مصر يكون حسب نجاحه في رفع مستوى معيشة هؤلاء الفلاحين .
وإذن هل البيوت الأفضل هي الضرورة الأولى لرفع مستوى المعيشة هذا ؟ وربما لا ، ولكن هل هي الطعام ؟ إن مستوى المعيشة لا يتحدد فحسب بقدر الطعام الذي يأكله الناس ولا بقدر العمر الذي يقضون بعده . وقد اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة عدداً من (( العوامل والمؤشرات لقياس مستويات المعيشة )) يظهر من بينها بنود من نوع (( الاستجمام )) ، و (( الحرية الإنسانية )) ، و (( ظروف العمل )) . ولا شك أن الصحة واستهلاك الطعام هي مما يؤخذ في الحسبان ، وكذلك أيضاً الإسكان . فمستوى المعيشة يتحدد بعوامل كثيرة ، والإسكان ليس مطلقاً عاملاً تافهاً . وهو أيضاً العامل الذي أستطيع ، بصفتي مهندساً معمارياً ، أن أعطي المشورة بشأنه .
وحتى عندما يُعترف بأن ظروف الإسكان هي أحد عناصر (( مستوى المعيشة )) فإنه كثيراً جداً ما تقدر نوعية الإسكان حسب توفيره لمجرد غرفة ومنافع صحية . على أنه قد ظهر المرة بعد الأخرى أن غرفة أو غرفتين ، ودورة مياه لا ترفع بالضرورة من مستوى المعيشة . فالغرف المكدسة ، الغرف التي تحتشد بالدواجن والحيوانات الأخرى ، لا تساهم في منح الإحساس بالرضا والأمان . وإذا كان للإسكان أن يكون عاملاً من عوامل مستوى المعيشة ، فإنه يجب أن يكون إسكاناً يوفر سعة وجمالاً مثلما يوفر المراحيض . ولسوء الحظ ، حيث أنه يبدو الإسكان يأتي في مرتبة تالية للتغذية كأحد العوامل في الإبقاء على حياة الناس ، فإنه كثيراً ما يبدو أن المخططين يظنون أن مجرد الحد الأدنى منه هو كل ما يمكن تحمل تكلفته ، ويشبه ذلك ما يظنه بعض الناس من أن مسئوليتهم تنتهي بمجرد أن يوفروا للعاطلين مطبخ حساء –لتغذيتهم .
ومطبخ الحساء ليس كافياً ، وكذلك البيت الذي من الحد الأدنى . وأي عائلة إنما تحتاج إلى بيت فيه ما يكفي من حيث السعة ، والخصوصية ، والسلام ، وفيه متسع للحيوانات وغير ذلك من الأغراض الإضافية التي لا غنى عنها لحياة الأسرة . ويقول البعض من ذوي السلطان أن من المستحيل إعطاء ذلك للفلاح . وهم يشيرون إلى صعوبة تمويل البيوت الجيدة . فدخل الفلاح المصري هو في المتوسط 4 جنيهات في السنة . كيف يمكن للفلاحين أن يدفعوا ثمناً لأي نوع من البيوت ، دع عنك بيتاً كبيراً ؟ وحتى مع القروض الحكومية ، فإن معظمهم لن يستطيعوا دفع تكلفة أرخص التصميمات العملية التي تعرض عليهم . ويقول هؤلاء الناس أن النقود لا وجود لها في الريف – وهم محقون في ذلك .والبيوت تكلف نقوداً ، وكلما كانت أكبر كلفت أكثر . ولن نستطيع بأي حال تحمل تكلفة إعطاء بيوت لكل الفلاحين ، وهكذا فحتى نستطيع إسكان أكبر عدد ممكن ، يجب أن تكون البيوت التي نعطيها لهم فعلاً من أقل نوعية مقبولة .وهذا هو موقف مطبخ الحساء في أسوأ أحواله .
لقد أصيب هؤلاء الناس بالفزع بسبب أحد الأرقام – وهو أربعة جنيهات مصرية في السنة . وهم بسبب تصورهم للبيوت على أنها أشياء تأتي من المصانع ، أشياء هي نتاج مباشر أو غير مباشر للصناعة الكبيرة وللأعمال المالية الكبيرة ، فإنهم لا يستطيعون تصور أي طريقة يمكن بها شراء بيت مقابل 4 جنيهات في السنة . والحقيقة أنه طالما ظل تفكيرهم محصوراً بالنظام النقدي ، وسجينا في صرح المقاولات ، و مقاولات الباطن ، والعطاءات وتخصيص الحصص ، فإنهم لن يروا أبداً أي طريقة لتوفير بيوت للناس تصلح لأن يعيشوا فيها . وحتى الآن فإن أي حل يطرح لمشكلة الإنسان الريفي في مصر يبدأ بافتراض أن بيت الإسمنت أفضل من بيت اللبن – وأن أول خطوة لتحسين بيوت الفلاحين هي (( تحسين )) مواد البناء ، وليس التصميم . وهذه المواد (( المحسنة )) هي على نحو ثابت مواد مصنعة بواسطة الصناعة الكبيرة : الحديد الصلب ، والإسمنت ، الخ . وبالطبع فإن هذه المواد تكلفت نقوداً – وكلما زدت منها في البيت – أي كلما كان البيت أكبر حقاً – كان عليم أن تنفق أكثر . ويصل مخطوطاً إلى استنتاج هم محقون فيه تماماً ، وهو أننا لا نستطيع تحمل تكلفة إعطاء الفلاحين منازل أسمنتية واسعة . وليس فقط المنازل الواسعة ؛ بل إننا لا نستطيع حتى تحمل تكلفة أصغر المنازل الإسمنتية لكل الفلاحين
الذين يحتاجون إليها – وهي حقيقية كثيراً ما يحرّف تفسيرها .
لا ، عن أي حل يتطلب دفع ثمن مواد بناء منتجة صناعياً ودفع أجور لمقاولي البناء التجاريين لهو حل محكوم عليه بالفشل الأكيد . فليس لدينا نقود كافية . وإن كان للبيوت أن يتم بناؤها مطلقاً ، وبكميات كافية ، فإنها لا بد وأن تبنى بما لا يكلف نقوداً . فلابد أن نخرج مباشرةً عن إطار النظام النقدي ، وأن نتجاوز المصانع ، وأن نتجاهل المقاولين .
كيف يمكن القيام بذلك ؟ كيف يمكن لنا أن نعيد بناء أربعة آلاف قرية دون أن نستخدم نقوداً ؟
إن الإجابة موجودة في هذه الصورة الفوتوغرافية . وهي تبين حجرة في منزل فلاح في النوبة . وهذا البيت ، مثله مثل مئات أخرى غيره في القرى المحيطة بأسوان ، قد تم بناؤه دون إنفاق قرش واحد . ولم يصل أي مقاول للبناء لمسافة عشرة أميال منه . وهو لا يحوي أسمنتاً ولا صلباً ، ولا مواد بناء مطلقاً سوى ما يتم إنتاجه في الموقع . وبناء الحجرة يستغرق أسبوعاً واحداً . والبيت كله التي هي جزء منه يتم بناؤه في ثلاثة أسابيع . وهذه هي المزايا العملية . أما من حيث الصفات الجمالية فإن الصورة تتحدث بوضوح كاف . ويكفي أن نسأل أين يحدث في أي مشروع إسكان جماهيري في العالم تحت إشراف أي هيئة قومية أو دولية ، أن نجد مثل هذا التمكن من المساحة ، وهذا التناول الواثق للنسب ، وهذا التناسق ، والنبل والسلام . إن كل من له أعين ترى ، سوف يدرك أن هذه الغرفة هي الحل (( لمشكلة )) الإسكان في مصر . أي جوانب في المشكلة تحلها هذه الغرفة ؟ الأول جانب المال . إنها تُبنى بالكلية من اللبن ولا تكلف شيئاً . والثاني , جانب المساحة . فنحل مشكلة المال , لا يكون هناك قيد على حجم البيت , وعشر حجرات تكون في رخص حجرة واحدة . و الجانب الثالث هو الجانب الصحي . فالاتساع يعي الصحة , بدنياً وعقلياً , بينما مادة البناء , وهي اللبن , لا تأوي الحشرات كما يفعل الخشب والقش . ورابعاً جانب الجمال . إن متطلبات الإنشاء وحدها فيها الكفاية تقريباً لضمان وجود خطوط لطيفة سائغة , كما أن حقيقة أنها طريقه بلا تكلفة تعطي للمصمم حرية كاملة لأن ينتج جمالاً فراغياً دون إحساس بقيد من ميزانية شحيحة .
كيف يمكن لهذه الغرفة أن تحل مشكلة حيرت كل المعماريين والمخططين في مصر ؟ ما الذي يوجد عند الفلاحين النوبيين ولا يوجد عند مهندسينا المعماريين ؟ الأمر الأول , أن لديهم التكنيك – تكنيك بناء الأقبية بطوب اللبن . وهذا يحررهم من التكلفة , ويمكنهم من بناء منزل كامل بسقفه وبكل شيء دون إنفاق نقود . والثاني , أن لديهم تقليد التعاون في حياتهم اليومية , بحيث أنه عندما ينبغي بناء بيت , فإن كل الجيران يأتون للمساعدة , ولا توجد مشكلة استخدام عمال ودفع أجر لهم . والمغزى الذي نستقيه من هذه الصورة ذو شقين : أن تبني البيوت من طوب اللبن , وأن تستخدم في بنائها الخدمات المجانية التي يهبها من سيسكنونها مستقبلاً . ومن الممكن عند هذه المرحلة توجيه سؤال معقول , هو ما الذي لدى تجربة القرنة لتضيفه , إذا كان هذه الصورة توضح كل هذه الأمور ؟ حسناً , لقد داوم النوبيون على البناء هكذا طيلة ستة آلاف سنة , ولم يتنبه أحد لأهمية ذلك نقطة والمهندسون المعماريون الذين تقتصر خبرتهم على البناء في المدينة يحتاجون لشيء من الإقناع عندما يطلب منهم وضع تصميمات للبناء بالبن . وعندما يستدعي الأمر على نطاق واسع – كبناء قرى بأكملها , بالمئات – فإنه سيودون معرفة ما إذا كانت الأساليب النوبية هي مما يمكن اتخاذه لمثل هذه الخطط دون أن تفقد مزاياها من عدم التكلفة ومن الجمال . ولعلهم يودون أيضاً معرفة ما إذا كان بيت طوب اللبن يمكن أن يتضمن التركيبات الصحية وغيرها من وسائل الراحة التي تتطلبها المدنية الحديثة , وما إذا كان هذا البيت سيثبت في النهاية أنه متين مثل البيت المصنوع من مواد البناء الأكثر احتراماً .
ولست أزعم أن القرنة تجيب إجابة حاسمه عن كل سؤال من هذه الأسئلة . على أن الأسئلة الرئيسية , فيما يتعلق بوسائل الراحة الحديثة والتحمل , قد تمت الإجابة عنها حقاً إجابة جد مرضية , وقد بينا أن تقنيات الفلاح ومواده يمكن استخدامها في خطط البناء المصممة معمارياً على نطاق واسع , وبالنسبة لمسألة التكلفة الخطيرة , فإن القرنة فيها اقتراح إجابة لا غير . ذلك أن القرنة كانت حالة خاصة جداً . فنحن لم نكن نعيد بناء قرية موجودة , في تعاون سعيد مع القرويين , وإن ما كنا نبني على موقع جديد مركز استقبال لسكان عليهم أن يُنقلوا ضد رغبتهم ليغادروا مسكنهم المعتاد . وحتى يكون البناء الريفي رخيصاً حقا , فإنه لابد أن يتم بواسطة الفلاحين في تعاون بالتطوع , وليس بواسطة الفعلة المأجورين . وقد ابتكرت طريقه لأدخل تقاليد القرويين المتوارثة للبناء تعاونياً في مشروع على نطاق كبير من مثل بناء قرية كاملة , ولكن معارضة أهل القرنة لأن ينقلوا كانت سبباً في عجزي عن استخدام هذه الطريقة . وكان عليّ أن أستخدم فعله وأدفع لهم أجرا ومع كل , فقد كانت من السهل تماماً أن نطرح تكلفة العمالة من التكلفة الكلية حتى نصل إلى تقدير التكلفة في خطة مماثلة تستخدم عمالة تعاونية مجانية . وبعد القرنة , وددت كثيراً لو واتتني الفرصة لتجربة نظام التعاون التطوعي في أحد مشروعات البناء الكبيرة .
* * *
تجربة ولدت ميتة ، ميت النصارى : إبليس في مطاردة لا تلين
واتتني الفرصة في عام 1954 ، عندما انهار جزء كبير من قرية مميت النصارى محترقا.. وأصبحت مائتا أسرة بلا مسكن ، وتعيش في الخيام في كرب عظيم، وأرادت الحكومة إعادة إسكانهم بأسرع ما يمكن .
وكان سيمنح لكل أسرة 200 جنيه مصري ، منها مائة جنيه هبه بالكامل من وزارة الأشغال ومائة جنيه كقرض من وزارة الشئون البلدية والقروية. وسرعان ما أصبح واضحاً أن هذا المبلغ لن يكفي لأن تبني العائلة لنفسها بيتاً جديداً من خلال الوسيط المعتاد من المقاولين الخاصين ، وهكذا دعاني وزير الشئون الاجتماعية لأعمل كمستشار للجنة التي كان عليها توفير هذه البيوت الجديدة .
ووجدت أن الأسر التي فقدت مأواها تتوقع من الحكومة أن توفر لهم البيوت الجديدة وكأنها ملاك يرعاهم . وبدا أن الموقف السائد هو كالتالي : (( حسناً ) إذا كان في إمكانهم إعطاؤنا 200 جنيه مصري ، فلم لا يعطونا 400 جنيه أو 1000 جنيه ؟ وفكرت أن 200 جنيه قد تكون حقاً كافية لتغطية تكلفة المواد من مثل الخشب والمواسير التي لا يمكن صناعتها محلياً ، كما تكفي أيضاً لتكلفة العمالة الماهرة والمساعدة الفنية ، بشرط أن يساهم القرويون أنفسهم بالعمالة غير الماهرة وأن يقرضوا حيواناتهم للمساعدة في نقل المواد .
وسرعان ما أدركنا أننا لن نستطيع فيما يحتمل تسجيل حسابات الإسهام بالعمالة لكل عائلة من المائتي عائلة ومالها من دين في البناء وأننا أذا حاولنا التعامل مع كل عائلة على حده ، فإننا لن نتمكن من ضمان انسياب العمال انسياباً منتظماً ؛ فالناس سينطلقون دائماً إلى السوق أو إلى الحقول وسيكون علينا إنفاق الوقت في التنظيم أكثر مما في البناء . كما وسيكون من المستحيل أيضاً جمع الأفراد دون تمييز أو بأي مما يكون من جداول العمل وذلك أن الأفراد لن يدفع لهم أي أجر ، ومثل هذا الأسلوب سيكون نوعاً من العمل الإجباري . ولهذه الأسباب ، قررنا أن نقسم السكان إلى حوالي عشرين مجموعة من العائلات ، وطلبنا من كل مجموعة اختيار ممثل لها – رجل مسن يمكننا التفاوض معه . وكل مجموعة من العائلات تكون مسئولة عن إيجاد حصتها من العمالة في الوقت المناسب ؛ وسوف يُعهد بالبيوت إلى مجموعة العائلات ؛ ويتم توقيع العقد مع مجموعة العائلات التي يمثلها الرجل المسن . وكل مجموعة من هذه المجموعات تضم ما يقرب من عشرين عائلة يمكنها أن تقدم على الأقل ثلاثين عاملاً ، ويمكنها تنظيم الأمور بحيث يؤخذ من العائلة الفقيرة أقل من غيرها فتستطيع المحافظة على الإمداد بالعمال بينما يُسمح للعائلات الفردية ببعض الحرية في التزاماتها .
* * *
تنمية المجتمع على المستوى الجذري :
ما إن قررنا ذلك ، حتى أصبح من الضروري شرح اقتراحاتنا للقرويين . وفي أول الأمر أبدوا عداء لفكرة طوب اللبن ، ولكن عندما شُرح لهم أنه ما من وسيلة أخرى للحصول على بيت مقابل تلك النقود ، وأنه حسب هذا النظام سيكون في إمكانهم الحصول على بيت مقابل تلك النقود ، وأنه حسب هذا النظام سيكون في إمكانهم الحصول على بيت واسع جميل ، فإنهم وافقوا . وكنا وقتها قد وضعنا تقديراتنا على أساس المعلومات التي حصلنا عليها من القرنة ، وحسبنا أنه يمكن إعادة إسكان القرية بتكلفة 84 جنيهاً للمنزل ، وبذا نضع في جيوب القرويين 16 جنيهاً ونمكنهم من الاستغناء عن قرض الجنيهات المائة .
واتخذت هذه التقديرات شكل برنامج كامل للعمل . ووُضح على خريطة للقرية أين ستكون بيوت كل مجموعة من العائلات ، وبين جدول العمل أي جزء من العمل ينبغي توفيره بواسطة العمالة غير الماهرة من الفلاحين ، وأي جزء بالعمالة الماهرة التي تستأجرها الحكومة ، وأي جزء من العمالة ينفق في التدريب . وتعاقد كل طرف على توفير قدر معين من العمالة ، وأي مجموعة عائلات تتخلف عن هذا الالتزام تفقد كل حقها من المعونة الحكومية .
وما إن تم شرح اقتراحاتنا ووافق القرويون على فكرة إنفاق نقودهم على المهندسين المعماريين والحرفيين بدلاً من إنفاقها على الإسمنت المسلح ، حتى أصبح علينا أن نريهم نوع البيوت التي ستكون لهم . ورتبنا لخمسة من (( المسنين )) ومعهم خمسة من بنائي القرية ، أن يسافروا إلى القرنة ، حيث يرحب بهم أهل القرنة وتُعرض عليهم المباني هناك . وأعددنا في نفس الوقت خططاً لعدد من عينات للبيوت ، وباستخدام هذه الخطط ، قمنا بتقديرات تفصيلية لكمية ونوع العمالة ( المحترفة أو التعاونية ) المطلوبة لكل . واخترنا موقعاً للقطاع الجديد ، ولكننا تريثنا قبل وضع الرسم التخطيطي حتى يكون لدينا الوقت الكافي لاستقصاء التركيب الاجتماعي للعائلات ، ولتحديد حجم المجموعات . وتعيين المندوبين المسنين ، ولنناقش توزيع العائلات على وحدات المجاورة . وكان ينبغي القيام بهذا كله قبل إمكان تصميم البيوت المنفردة .
وكنا على استعداد لاعتبار حجم كل عائلة ورغباتها المعقولة ونحن نصمم بيتها – ولم يكن لدينا اعتراض لأن تدفع العائلة مبلغاً إضافياً يكون مثلاً لزيادة اتساع المبنى ، أو لبعض تجهيزات مترفة – ولكن كان علينا أن نجعل واضحاً أن شاغلنا الرئيسي هو إسكان المنكوبين وليس إرضاء نزوات أولئك الذين يمكنهم الدفع لمهندس معماري خاص .
وكل قرية يوجد لديها ميل تقليدي ومنطقي جداً للنظر إلى (( الحكومة )) كنوع من وثن معبود ، يجب خشيته واسترضاؤه ، والتوسل إليه ، ولربما أمكن استنزال بعض بركات منه غير متوقعة ، إلا أنه من النادر أن يخطر للقروي أن الحكومة هي شيء يمكنك أن تتعاون معه ، شيء يمكنك حتى أن تبرم معه اتفاقاً معقولاً لتتناول إحدى المشكلات . وكان علينا أن نقنع فلاحي ميت النصاري أن سلطان الحكومة ليس إلهياً وبلا حدود ، وإنما هو على العكس من ذلك سلطان يمثله تمثيلاً دقيقاً جداً مبلغ المائتي جنيه التي سبق تقديمها ، وأن كل ما ستقدمه الحكومة الآن هو فحسب النصيحة الطيبة بشأن طريقة إنفاق النقود على أحسن ما يفيد . وتكلفة كل شيء – من معماريين ، ومهندسين ، وآلات ، وبنائين ، وكتبة – كلها يجب أن تأتي من تلك النقود ولو أتاح القرويون لأنفسهم فرصة الإفادة بخبرتنا ، فإنهم سوف يتمكنون من الحصول على بيوت جيدة بثمن رخيص جداً ، ولكن ذلك لن يكون إلا إذا أسهموا هم أنفسهم بلا مقابل بالعمالة غير الماهرة وبالكثير من عمليات النقل .
وفي النهاية ، تفهم القرويون مقترحاتنا تفهماً وتحمسوا لها . فقد كانوا جداً بؤساء في خيامهم ، وعلى عكس أهل القرنة ، لم يكن لديهم ما يفقدونه حينما يوافقون على خطتنا . ولسوء الحظ ، وكما حدث في القرنة بالضبط ، سلكت الحكومة مسلكاً يتفق وشهرتها كوثن معبود بأن نقلت فجأة مسئولية كل مبنى في البلاد من الوزارات المختلفة إلى وزارة الشئون القروية والبلدية وهي وزارة لم تكن تتعاطف وما طورتهُ من أساليب ، فعهدت بالمهمة في التو إلى مهندسيها هي المعماريين لينقذوها بأسلوب الإسمنت التقليدي الغالي . وهكذا لم يكتمل قط مشروع ميت النصارى بالطريقة التي تصورتها . ومع هذا فإن استجابة القرويين المشجعة لمشروعنا تجعلني أعتقد أننا يمكننا أن نصل إل استنتاج متفائل معقول بأن البناء تعاونياً هو مما يصلح في معظم حالات إعادة إقامة القرى في مصر .
وقد شجعني بالذات ما رأيته من أن القرويين بمجرد معرفتهم بأنه ستكون هناك حاجة للرمل من قاع النهر لصناعة الطوب ، وأن هذا الرمل يجب استخراجه خلال أسابيع قليلة قبل أن يفيض النهر ، فإنهم أخذوا كل حميرهم وجمالهم ليحفروا وينقلوا بأنفسهم كل ما نحتاجه من رمال ، دون انتظار لعقود أو اتفاقات او للمسنين أو لأي من ترتيباتنا الورقية لتقدير حساب عملهم .
وهناك اكتشاف تقني هام انبثق من مشروع ميت النصارى ، وهو طريقة سريعة لصنع الطوب . فقد كان علينا بسبب نكبة القرويين الحادة أن نبني القرية بأسرع ما يمكن ، وهكذا كنت على استعداد لا ستخدام أي وسيلة لتوفير الوقت . وهرع إلى مساعدتنا الدكتور يتزار ، وهو مستشار ميكانيكا التربة لشركة بوم . ماربن ، واقترح أن تزداد سرعة إنتاج الطوب بخلط مكوناته الجافة – التربة والرمل – في خلاط أسمنت ميكانيكي مع استخدام البخار بكمية يتم التحكم فيها بحرص . ويتخلل البخار كتل التربة تخللاً أفضل كثيراً مما يستطيعه الماء ، فيغلف كل جزئ بغشاء مائي ، وبهذا نصل إلى مزج التربة والماء في التو مزجاً كاملاً وبالنسبة الصحيحة بالضبط دون حاجة إلى صنع طين رطب رطوبة بالغة ثم تركه طيلة أيام حتى يجف .
ووجدنا هذا الخليط المرطب بالبخار ، عندما يصنع منه الطوب بواسطة مكبس ميكانيكي نفس الضغط الذي ينتج عن ماكينة ونجت – ثمانية ضغوط جوية – فإنه يمكن استخدامه مباشرةً في البناء . وأرسلنا عينات من التربة المحلية في معامل القسم الهندسي بجامعة القاهرة ، حيث وجد أنه يجب إضافة قدر من الرمل لتحسين درجة التحبب ، وعندما تم ذلك أصبحت قوالب الطوب تتحمل ضغطاً من أربعين كيلوجراماً لكل سنتيمتر مربع . وتم صنع عينات الطوب هذه بمعدات مطورة في ورش شركة بوم – ماربن ، التي أظهرت اهتماماً بأبحاثنا ، وكانت على استعداد لأن تقدم لنا عوناً مهماً في إنتاج الطوب للقرية ، وعلى أنه ينبغي التأكيد هنا ، على أن هذا الاستخدام للماكينات لم يُطرح إلا بسبب حاجة القرويين للبيوت . أما في القرية العادية ، حيث يكون للناس من قبل بيوت من نوع ما بحيث يمكنهم أن يبنوا بيوتهم الجديدة على مهل ، فإنه ليس من حاجة قط ، لأي سبب كان . لطوب مصنوع بالماكينة . وقوة التحمل التي يصل قدرها إلى أربعين كيلوجراماً لكل سنتيمتر مربع لهي تماماً من باب التزيد ، ولما كانت هذه القوالب أشد كثافة وأكثرتوصيلاً للحرارة من القوالب المجففة في الشمس ، فقد يثبت في النهاية أنها حتى ذات ضرر أكيد . وهي بالتأكيد أكثر تكلفة .
وثمة اتجاه تعس عند الكثيرين من المعماريين والمهندسين ، حينما يتناولون مسألة الإسكان منخفض التكلفة ، بأن يدخلوا تعقيدات مكلفة هي في الحقيقة من غير المطلوب بالمرة . وإنه ليبدو لي أن الكثير من تجارب يثبت الطين بالإسمنت والبيتومين لاستخدامه في البناء لهي مما قد أُسئ توجيهه . فقالب طوب اللبن العادي المجفف في الشمس ، فيه الكفاية تماماً لبناء بيت عادي ، ويمكن في مصر أن يتم صنعه بما لايكاد يساوي شيئاً . وهولا يحتاج لوقاية بأكثر من أن يُغطي بطبقة من جص لا ينفذ فيه الماء ، وإذا كان هناك حاجة إلى مواد مثبيتة ، فإن استخدامها في طبقة الجص الواقية هذه يكون اقتصادياً بأكثر من استخدامها في كل سمك الجدار .
والمهندس له وجهة نظره التي تخالف القروي ؛ فهو يظن أنه كلما كان أحد العناصر أقوى ، فلابد أنه الأفضل . وهو يحاول أن يصل بقالب طوب اللبن إلى مستوى الإسمنت ، ولكنه إذ يفعل ذلك يحوله إلى منتج صناعي بدلاً من المنتج الفلاحي . وهو يصنع قالب طوب قوي بما لا ضرورة له وبما يتجاوز موارد غير موجودة ، وبيوت طوب اللبن تتم الآن إقامتها في كل مصر دون عودة من ماكينات أو مهندسين ، ولابد لنا أن نقاوم إغراء إجراء محاولة لتحسين شيء هو بالفعل شيء مرضي .
* * *
برنامج قومي لإعادة بناء الريف :
مشروع القرنة تم إنشاؤه لمواجهة موقف فريد ولم يكن أساساً جزء من أي خطة لتنمية الريف ، على أن أي مشروعات في المستقبل لإعادة الإسكان في القرى – فيما عدا المشروعات العاجلة المعزولة التي تتسبب عن فيضان أو حريق – ستكون مما يقام من أجل تحسين ظروف المعيشة الريفية .
ولعل من الحق القول بأن كل قرية في مصر تحتاج إلى إعادة بناء ، على الأقل لضمان أن يكون لسكانها بيوت تفي بأدنى مستوى للبيوت القابلة للإسكان .
وعلى كل ، فإن هذه الأمور من شئون السياسة القومية التي هي بما يلائم من مشاغل الأمة وحكامها – وأنا فحسب إنما أود أن أسجل الرأي بأن أي خطة لإعادة الإسكان لا يمكن أن تصلح إلا إذا كانت جزءاً من خطة قومية أوسع لإعادة التنمية .
ولو حدث أن تم الشروع في برنامج إعادة بناء هائل هكذا ، فإنه لا يمكن أن يكون مجرد عملية معمارية . وإذا كان ينبغي إعادة بناء كل قرية في الريف ، فإنه يجب إنشاء برنامج عام للتنمية الشاملة لكل ريف . وبرنامج كهذا يتطلب إعادة النظر في كل مسألة توازن السكان والأرض ، ولتحديد التوزيع الأمثل للسكان بين الريف والمدينة والتوزيع الأمثل للسكان القرويين على الريف . وينبغي أن يكون الهدف هو التوصل إلى الاستغلال الكامل لكل موارد الريف ، وتوزيعها توزيعاً عادلاً على كل السكان ، ذلك أن مصر لا تستطيع تحمل تكلفة أن يترك أي مصدر للثروة ممكن مهملاً دون استخدام ، أو أن يترك أي قطاع من شعبها معدها . وبرنامج كهذا ينبغي أن يطرد في مراحل تخطيطها بحرص ، وإلا فسيكون ثمة مخاطر كثيرة . فيجب أن يسبق التريب البناء ، وأن يحسب حساب تأثيرات أي تغير قد يحدث . وكما أنه يجب في خطة الري أن تعد نظامك للصرف قبل جلب المياه ، فإنه يجب بالمثل عند التخطيط الاجتماعي – الاقتصادي أن تكون مستعداً للتعامل مع الزيادات المفاجئة في السكان والعمالة . وكمثل فإن ميكنة الزراعة تخلق البطالة إلا إذا كان هناك أعمال مرتقبة لامتصاص فائض العمال الزراعيين .
وبنفس الطريقة فإن تصنيع الحرف يمكن أن ينتج عنه قدر كبير من البطالة بحيث أن أي زيادة في الإنتاج تكون مما لا أهمية له مطلقاً إزاء ما سينجم من بؤس اجتماعي . ويجب عند التخطيط لتحديث إحدى البلاد ، أن يحسب كل تأثير لأي من الإجراءات المقترحة حساباً رياضياً دقيقاً : أما تفاؤل السياسيين تفاؤلهم المبهم فإنه لم يعد فيه بعد المرشد الكافي للمخطط الجاد .
وسكان مصر قد وصل تعدادهم إلى ثلاثين مليوناً بينما لا يوجد إلا ستة ملايين فدان من الأرض القابلة للزراعة . ويمكن تحديد الموقف تحديداً أوضح لو تخيلنا عائلة من خمسة وعشرين فرداً تحاول أن تعيش على ستة فدادين من الأرض الزراعية – ومن الواضح أن هذه المهمة ميئوسة إذا كان ينبغي أن يتم بصورة وافية إطعام العائلة كلها ، وإلباسها وإسكانها ، وتعليم أطفالها .
والعلاقة بين كثرة الأفواه كثرة بالغة وانخفاض مستوى المعيشة لهي مما يمكن رؤويته مباشرة في عائلة واحدة ، أما في الأمة فإن سلسلة العلة ، والمعلول لا تكون واضحة مباشرةً ؛ فالزيادة المفرطة للسكان تعلن عن نفسها في صورة المرض ، والبطالة ، والجريمة ، على أن ثمة إغراء بأن تفسر هذه الظواهر بأن لها عللاً أخرى . وكل تخطيط لنا لا يمكن له أن يستفيد فحسب قدر الإمكان من موقف هو أساساً موقف لايطاق . وهذه حقاً مهمة نبيلة ، على أن السبب الجذري لفقر مصر هو الزيادة المفرطة للسكان . وزيادة السكان المفرطة لها علاجان أساسيان : تخفيض السكان وزيادة الإنتاج ، والسكان يمكن أن يتم تخفيضها إما بإجراءات لتحديد النسل وإما بالهجرة ، وبهذا يخف الضغط على الموارد .
والموارد الزراعية في مصر تكاد تكون مستغلة استغلال كاملاً بالفعل ، وأكثر التقديرات تفاؤلاً تتنبأ بزيادة في الأراضي القابلة للزراعة ، كنتيجة للسد العالي ومشروع الوادي الجديد ، وقدرها مليوناً فدان . وهكذا فحتى لو ظل السكان على مستواهم الحالي سيكون لدينا خمسة وعشرون فرداً يعيشون على ثمانية فدادين .. وهذا عدد مازال أكثر مما ينبغي .
وعلى كل ، فإنه يمكن استخدام الموارد استخداماً أكثر فعالية . فهناك مثلاً مجال لاستغلال الموارد التعدينية استغلالاً أعظم بماله اعتباره ، وهذا يعني التصنيع . ويمكن رفع مستوى فنون الإنتاج إلى السلع القابلة للتصدير ، التي تجلب عائداً لشراء الاحتياجات الأساسية ، كالطعام . وهو عائد أعظم مما يجلبه إنتاج الطعام نفسه مباشرةً .
والدولة من سلطانها تشجيع تحديد النسل وزيادة الإنتاجية . أما الهجرة بل والتصدير ، فيعتمدان على البلاد الأخرى وما إذا كانت ترغب في السكان والبضائع المصرية ، وهكذا فإنهما ليسا متاحين للتخطيط بصورة كلية ، وإنما هما يقعان بدلاً من ذلك في مجال السياسة الدولية . والتنبؤ بالسلسلة المعقدة من العلة والمعلول المرتبطة بأي تصرف اقتصادي أساسي أمر يجعلنا في حاجة لكل مهارة رجل الإحصاء . فالتنبؤ بالواقف الكلية تنبؤاً شاملاً طويل المدى هو بالضبط ما يمكن للإحصائيات أن تكون ذات فائدة فيه ، وليس في تصميم البيوت المفردة . ورفع مستوى المعيشة يضع موارد البلاد تحت الضغط نفسه الذي يقع عليها بزيادة عدد السكان . ومصر تعاني بالفعل من فرط زيادة السكان ، والسكان يزيدون بسرعة ، وموارد مصر الطبيعية ثابتة كماً ، وهكذا فإنه يبدو ولابد أن أي محاولة لرفع مستوى المعيشة في مجال الإسكان ينبغي أن تضيف إلى خطورة الموقف أو أن يكون لها تأثيرها عكسي على الاحتياجات الحيوية الأخرى أو على الاستثمار في الصناعة .
وكثيراً ما يعد البناء استثماراً استهلاكياً غير إنتاجي ، إلا أن هذه نظرة يشك فيها كثيراً . وبصرف النظر عن مسألة الغاية للإنتاج ، والتي قد يقول البعض أنها زيادة رفاهية الناس ، فثمة حقيقة هي أن الاستثمار في البناء يجعل للبلد صناعة بناء – بمصانع ، وعمال مهرة ، وخبرة . وفوق ذلك فإن تحسين صحة الناس وسعادتهم ينعكس بالتأكيد في شكل تحسين الإنتاج عامة ، وهكذا فإن الاستثمار في الإسكان فيه على الأقل ما يقارن بالاستثمار في أدوات من الماكينات الجديدة ، وغيرها من السلع الرأسمالية .
والموارد الوحيدة التي يمكن استغلالها سريعاً دون استثمار كبير هي الموارد البشرية . ففي صناعة سلع الرفاهة المنزلية – بما في ذلك البيوت نفسها – يكون الإنتاج الحرفي التعاوني فعالاً ، على الأقل بمثل فعالية الإنتاج الصناعي ، ولا يحتاج إلى إنفاق نقد أجنبي . وإطلاق طاقة الإنتاج الكامنة في الشعب المصري سيكون فيه من التقدم الاقتصادي ما يقارن بالعثور على حقل بترول كبير ، كما أن الفائدة الاجتماعية ستكون أعظم بما لايقاس ؛ وهذا هو ماتعنيه الكفاءة (( بالتكامل )) .
وهكذا فإن البرنامج كله سيتحرك بسرعة تتحدد حسب أبطأ العناصر نمواً فيه . وهده العناصر هي :
( أ ) نوع وكمية الموارد (( الطبيعية )) أي المعدنية والمائية ، الخ .
( ب ) الموارد البشرية ، أي عد العمال ودرجة مهارتهم في المهن المختلفة مثل الزراعة ، وصيد السمك ، والتعدين ، والصناعة ، والحرف .
( ج ) مستوى معيشة الناس ، الذي يعتمد على الدخل وطريقة إنفاقه .
وإذا كان بعض الأفراد يفضلون إنفاق المال على أمور من المتعة كاتخاذ مزيد من الزوجات أو أجهزة التليفزيون بدلاً من إنفاقه على ضروريات كالطعام الصحي والإسكان الجيد ، فإن هذا ينبغي ألا يصرف المخطط عن أن يقدم لهم ما يعتقد أنه الأفضل لهم . ومن الوجهة المثالية فإن الناس ينبغي أن يختاروا بحكمة ، على انه ينبغي على السلطات أن تسهل لهم هذا الاختيار ، بل وأن تضيق الفرص على الاختيار غير الحكيم .
وهكذا فإن البرنامج سيتحرك في سلسلة من المراحل ، أولها هو تنمية الموارد البشرية ، بمعنى التدريب المنسق للسكان على المهارات المطلوبة حقاً . ويتم توقيت دورات هذه المرحلة بحيث تكون الكمية المناسبة من المهارة المناسبة متاحة في الوقت المناسب . ومن المهم أنه ينبغي التأكيد في مرحلة التدريب هذه على المهارات المفيدة في التو ، بحيث يكون العمال المدربون مستعدون لتنفيذ المرحلة التالية . ورغم أنه لأغنى عن كل أنواع التدريب التجريدي ، والدراسة الأكاديمية ، والعلم البحت ، إلا أنها كلها يجب ألا ينظر إليها على أنها نوع من المعرفة الوحيد المطلوب للتعليم الذي يتم تخطيطه كجزء من برنامج كهذا . فالمدارس والجامعات الموجودة في مصر بل وفي العالم كله ، توفر بعناية الدراسات الأكاديمية من كل نوع . أما الثغرة التي ينبغي أن يسدها برنامج التدريب في المرحلة الأولى لخطة التنمية العامة فهي التعليم لجمهرة العظمى من الشعب التي هي في الصف الأول من جبهة إعادة البناء . فمستوى مجلس المدينة والقرية ومستوى العائلة نفسها ، هي المستويات التي تكون عندها الحاجة للمبادرة والجهد في تناول مشكلة رفع مستوى معيشتنا . وكثيراً جداً ما يحدث أن الخطط والسياسات العامة لا يمكنها أن تتخلل لأسفل لتصل إلى هذه المستويات ، وإنما هي تظل بأعلى في منطقة السياسات العليا ، والماليات العليا ، حيث الوحدات بالملايين ، بما يرتفع تماماً عن رؤوس الناس الذين يتداولون الملاليم .
وكما أن التخطيط الفيزيائي ينبغي أن ينحدر ليصل إلى مستوى الطوب والقش ، فإن التخطيط الاجتماعي – الاقتصادي ينبغي بمثل ذلك أن ينظر بعين الاعتبار إلى العائلة والفرد بين أفقر الناس الذين نرغب في أن تصل خدماتنا إليهم . ولسوء الحظ ، فإنه مهما كانت شدة فقر الفرد في بلد غير نام ، فإن حكومته عادةً لا يكون لديها إلا ملايين معدودة من الجنيهات التي تمنحها لخطط ومشاريع التنمية الريفية ، وهذه الملايين – ولعلها من مساعدة أجنبية ، أو من دخل داخلي – تجتذب أسراباً من الخبراء والتنظيمات لا هدف لها إلا ربح النقود . وإنفاق نقود الناس الآخرين له سحره ، ذلك أن الكثير من هذه النقود يظل ملتصقاً بمن ينفقها ، وسنوات ما بعد الحرب ملطخة بخرائب المشروعات التي قام بتنفيذها ، دون أي إحساس بالمسئولية هيئات تخطيط ومنظمات أعمال لا تفضل كثيراً أي انتهازي في السوق . وماعليك إلا أن تضع خططاً فخيمة ، وأن تبيعها إلى حكومة ما ساذجة ( حكومة تنال الثقة هكذا بأنها حكومة تقدمية ديناميكية ) ، وتتقدم منظمتك بسعر له تأثيره بما يناسب ، وحتى يحين الوقت الذي تعي فيه الحكومة فجأة حقيقة أن المشروع لا يسير تماماً حسب ما وعدت به ، تكون أنت قد كسبت لنفسك مالاً ، وليس هناك مايشغل بالك . أما طوب اللبن أو أي مادة محلية أخرى للبناء . فليس فيه ربح كثير ، وليس من إعلان كثير عند القيام باستقصاء محلي مفصل عن الأسلوب الذي يعيش به (( المنبوذون )) . وهكذا فإننا لا يمكن أن تنوقع من رجال الأعمال أن يهتموا كثيراً بالبناء تعاونياً . ولكن حيث أن برنامج إعادة بناء من هذا النوع سوف يستغرق سنوات كثيرة جداً ، يحدث أثناءها تغير له اعتباره في الصورة الديموجرافية والاقتصادية ، فإن أي مقترحات لتشجيع تغيير أوضاع السكان ينبغي ألا تطرح إلا بعد أن يتم استقصاء كامل لكل جوانب من جوانب المستوطنات البشرية في مصر ، وإلا بعد أن يتم عمل تنبؤ حريص لاتجاهات المستقبل . واستقصاء كهذا ينبغي أن يضع في الحسبان حاجات الناس من خدمات ، وحاجاتهم المحتملة في المستقبل إذ تتنامى البلاد . وسيكون من هذا دراسة مسح تتطلب علماء اجتماع ، واثنوجرافيين اجتماعيين ، واقتصاديين ، مثلما تتطلب الديموجرافيين ، وهي بذلك يتطلب الاعتماد على علوم وصفية من أنواع كثيرة ، هي إنسانية وأيضاً ميكانيكية . وباختصار ، فسوف يكون هذا مسحاً متكاملاً .
ومن غير دراسة مسح كهذه ، لا يمكن وضع أي خطط حقيقية بعيدة المدى . والتخطيط دون معرفة بالحقائق ، ودون تشخيص لنمط المستقبل ، لهو دعوة لخراب أكيد . وكل الأموال التي تنفق على المسح المتكامل لا تضيع أبداً . ورغم أننا حتى بعد معرفتنا للحقائق ، قد نجد أننا لا نستطيع تحمل تكلفة صنع الشيء الكثير للفلاحين ، إلا أننا سيكون قد أصبح لدينا الأساس الذي لا غنى عنه ولأي مما سنقرر فعله بالفعل . ذلك أن أي خطوة تُتخذ – خاصة ما تتخذه السلطة الرسمية – وأي بناء يقام ، بل وأي طوبة ترص لهي قرار يتم اتخاذه بشأن حالة مصر في المستقبل . والقرار الذي من هذا النوع هو ولا بد إما قرار صائب وإما خطأ ، وهو إذا كان لا يساعد البلاد على حل مشاكلها حلاً جيداً وصالحاً ، فإنه ولا بد سيدفعها إلى مزيد من الخلط والإسراف مما يدخل ضمن الحلول السيئة غير الصالحة . ولا يمكننا أن نكون واثقين من أن أهدافنا في برنامج إعادة البناء هي الأهداف الصحيحة إلا عن طريق المعلومات التي يوفرها مسح علمي شامل للريف في كل البلاد ، وبهذا وحده يمكننا أيضاً أن نكون واثقين من أي قرار يُتخذ سوف يساعدنا على الوصول إلى إنجاز هذه الأهداف .
وكمثل فإن من الضروري في التخطيط لمنطقة ما أن يتقرر أي المستوطنات ستكون مدن سوق ، وأيها ستكون قرى كبيرة ، وأيها قرى صغيرة ، وأن توزع هذه الأنواع من المستوطنات على المنطقة بتساوٍ بنسبها الصحيحة . ومعنى ذلك أنه يجب علينا أنا نصنع خريطة للتوزيع الأمثل للمستوطنات على المنطقة ، وأن تطبقها على خريطة المستوطنات الموجودة ، ونرى أي تغيرات تكون مطلوبة . وإذا تبين في أي حالة بعينها أن ليس هناك حاجة لتغيير جذري . فلعله يكون من الأفضل ألا نغير موقع القرية إطلاقاً .. وثمة موقفان عند المهندسين المعماريين المصريين إزاء هذه الناحية من التخطيط الريفي : فأحدهما يقطع كل صلة بالقرية القديمة ، ويبني في كل حالة قرية جديدة بعيدة تماماً عن القديمة ، بينما الآخر يعيد بناء القرية الأصلية في (( نفس الموقع )) جزءاً فجزء . وأنا أحبذ الموقف الأخير ، بشرط أن تُنشأ الخدمات والمنافع العامة منذ البداية . ولهذا السبب : فإنه عند إعادة بناء مستوطنة، يكون من الخيرأن يتم ذلك بأقصى قدر من التوفير وبدون شق للقرية ، حتى ولو مؤقتاً ، إلى جزئين يتباعدان تباعداً واسعاً ، جزء جديد وآخر قديم . ولو بنيت القرية الجديدة بعيدة نوعاً عن القديمة ، على موقع جديد تماماً ، فسيظل هناك لزمن ما نجع يتم بناؤه في صخب وفوضى ، ونجع آخر تتم الهجرة منه على نحو مطرد حتى يبلى بالزمن . ومن الناحية الأخرى ، فعندما يبدأ انشاء القرية الجديدة على مقربة من القديمة ، وإلى الشرق منها فيما يفضل حتى تتم الاستفادة من الاتجاه الطبيعي لانتشار الإسكان غرباً * ، فإن المباني الجديدة ستحل تدريجياً مكان القديمة في نفس الموقع ، حسب الخريطة التي أعيد صياغتها، بحيث تكون كل عملية التجديد جزءاً من حياة القرويين اليومية ، على أوثق صلة بها ، و لاتشطر القرية إلى نصفين .
والمستوطنة التي تتألف من الفلاحين فقط لا تكفي لتكوين مجتمع عضوي . فالوصول إلى مستوى معقول من المعيشة يتطلب وجود مجموعات مهنية ممزوجة مزجاً جيداً بحيث يمكنها توفير الخدمات الملائمة للمحافظة على مستوى المعيشة .
والتوزيع المخطط للسكان يتطلب التوصية بتوازن معين بين المهن في كل مستوطنة . ومن الضروري إذن عند بناء قرية جديدة او إعادة تخطيط قرية قديمة ، أن يتقرر عدد ما تحتاجه القرية من كل نوع من العمالة – عدد النجارين ، وعدد النساجين والحلاقين والمدرسين ، على أن حساباً من هذا النوع لا يمكن القيام به إلا على أساس المنطقة ، لأن مهناً كثيرة ستكون نسبياً نادرة : فالطبيب مثلاً قد يخدم عشر قرى أو أكثر . وحسب تعداد 1931 في انجلترا فإن قراها الزراعية بها في المتوسط 41 في المائة فقط من السكان العاملين الذين يشتغلون فعلاً بالزراعة ، ونسبة ال 95 في المائة الباقية تتوزع بين شتى الحرف . والمهن ، والخدمات . ومن الناحية الأخرى فإنه يوجد في العراق نسبة تزيد عن التسعين في المائة من السكان العاملين في القرى الزراعية يشتغلون في الأرض . ومن المؤكد أن مستوى المعيشة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتنوع الوظائف قي القرية ، وعدد المدرسين والأطباء وأصحاب المتاجر في المجتمع لعله من أفضل الدلائل على حقيقة ازدهار هذا المجتمع واستقراره ، تماماً مثلما يدل عدد السباكين مثلاً على حالة التركيبات الصحية . ولسوء الحظ فإن من يخطط لا يجد الكثير من المعلومات لمساعدته على استنتاج النسب المرغوبة للمهن في المستوطنة القروية . وتقوم الأمم المتحدة من آن لآخر هي وهيئات أخرى مثل منظمة العمل الدولية ، ببحوث مسح على المستوطنات الموجودة ، ويمكن للمرء تحليل الاحصاءات الديموجرافية القومية من بلاد كثيرة ، ولكن الظروف التي في أحد البلاد لا تدل على الظروف التي في بلد آخر ، كما أن هذه الدراسات لا تساعد على تحديد الحد الأدنى لتنويع الوظائف اللازم لمستوى المعيشة المقبول .ومع كل ؛ فإن هذا النقص في الحقائق ليس سبباً لأ لا نبدأ الآن في استقصاء موضوع جداً حيوي هكذا بالنسبة للمخطط . وحالياً ، فإن الحاجة الملحة أشد الإلحاح هي أن نبدأ البحث على ما هو الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لوحدة السكان الأساسية ( حسب ما تشرطه قائمة الأمم المتحدة (( كعناصر )) لذلك ) .
وإذا كان ينبغي أن يتم إنجاز البرنامج القومي لبناء الريف في وقت معقول ، فسيكون من الواجب أن يشتغل فيه عدد كاف من المعماريين ، والمهندسين والإداريين ، والعمالة غير الماهرة ، أياً ما سيكون نظام العمل وتنسيقه والنظام التعاوني الذي اقترحناه ، يتم فيه تدريب العمالة الماهرة تدريجياً أثناء قيامنا ببناء مباني الخدمة العامة ، كما شرحنا فيما سبق .
ويحتاج مهندسو ميكانيكا التربة إلى تجهيزهم وإعدادهم حتى يقوموا بأبحاث ملائمة التربة لشتى الأغراض : كصنع قوالب الطوب الطينية ، وقوالب طوب الطين المثبت ، والقوالب المحروقة ، وأنواع الجص الطاردة للماء
___________________________________________________________
* لوحظ أن المستوطنات البشرية تنتشر تجاه الغرب والشمال ، في حالة عدم وجود عقبات طبيعية تحد من نموها في هذين الاتجاهين .

والخرسانة الطينية ، وذلك إلى جانب اختبار قدرة تحمل التربة للأساسات وما يتعلق بذلك من مشاكل الماء الجوفي ، الخ . وسوف يدعمهم معمل أبحاث مركزي للقيام ببحث عام لخواص الطين كمادة بناء .
وبسبب من الزيادة الوشيكة لاستخدام التربة للبناء فإن لنا أن نركز على ذلك موجهين له المزيد من موارد بحوثنا التي ما زالت للآن مكرسة في أغلبها للإسمنت والخرسانة .
وبالإضافة للمعمل المركزي ، يوجد عدد من المعامل المتنقلة المحمولة على اللواري ، لعمل البحث مباشرةً في الموقع . ويكون على كل من هذه اللواري أن يخدم منطقة كبيرة نوعاً، وإجمالاً فإنه ينبغي أن يكفي لذلك عدد يقرب من عشرة لواري ، كل منها في عهدة مهندس ميكانيكياً تربة واحدة .
وهناك حاجة إلى عدد معين من الكتبة والمحاسبين . وحيث أننا نتحول من نظام العمل بالمقاولة إلى النظام التعاوني الجديد تماماً ، فسيكون هناك حاجة إلى نظام جديد للمحاسبة . ويجب أن يكون هذا النظام صالحاً معاً لانشاءات مباني الخدمة العامة التي تنفذها الحكومة بعمالة مدفوعة الأجر ، وللمنازل الخاصة التي سيتم بناؤها بالعمالة التعاونية . وقد تم بالفعل ابتكار نظام محاسبي من هذا النوع ( أنظر ملحق 3 ) : وهكذا فإنه لن يطلب من المحاسبين إبتكار أي نظام بأنفسهم وإنما سيطبقون فحسب هذا النظام الموجود من قبل . وفيما يعرض فإنهم سيكونون أقل عدداً مما في نظام المقاولة ، ذلك أن نظام التضبيط لن يكون كما هو في المعتاد مزدوجاً بين الحكومة والمقاول .
وطبيعي أن المحاسبة تكون ضرورية فحسب بالنسبة لبناء البيوت الخاصة في تلك القرى التي لم يعد فيها وجود لتقليد العمالة التعاونية . أما في المجتمعات التقليدية مثل واحة الخارجة ، فلا حاجة على الإطلاق للمحاسبة ، ذلك أن الناس يساهمون طبيعياً في البناء ، دون عمل موازنة بين مايساهمون به إزاء ما سيحصلون عليه . والحقيقة أن مغامرة البناء الجموعي لقرية بالعمالة التعاونية لما ينبغي أن يرتفع بالروح المعنوية للمجتمع ، وباحترامه لذاته ، ويعطيه إحساساً بهدف مشترك مما يفيد أعضاء فائدة معنوية هائلة .
والمهندسون المعماريون كل منهم مسؤول عن سلسلة من مشاريع القرية ، وهكذا يجب أن يتم تدريبهم من قبل تدريباً خاصاً . ولسوء الحظ ، فإن التدريب المتوافر في مدارسنا المعمارية اليوم ليس فيه أدنى مساعدة للمهندس المعماري الذي يتناول مشاكل ريفية . فهذا التدريب يتأسس على تدريب وُضع في المدارس الأوروبية وموجه إلى احتياجات المدينة ، وبناء بلوكات المكاتب ، والشقق، والبنوك ، والجاراجات ، ودور السينما ، وغير ذلك من الصروح الضخمة ، ولكنه يتجاهل تماماً احتياجات الريف . وهذه النظرة الأحادية قد يكون لها مايبررها في مدرسة معمارية أوروبية ، ففي بلاد مثل بريطانيا يعيش 80 في المائة من السكان في المدن ، ويعمل خمسة في المائة فقط على الأرض ، والجزء الأكبر من صروة الأمة يأتي في غالبه من الصناعة والتجارة الحضريتين . أما في مصر ، حيث يعيش تسعون في المائة من السكان على الأرض وتأتي تسعون في المائة من الثروة من الأرض فإن عدم بذل أي قدر من الاهتمام إلى احتياجات الريف لهو بالتأكيد نوع من عدم المسئولية من المدرسة المعمارية . على أن هذه اللامبالاة الأكاديمية هي بالضبط السبب في وجود موقف بالغ الاستخفاف تماماً بالعملية بالغة الخطورة لإعادة صياغة القرى .
وأن تعالج هذه العيوب بتعديل كل مناهج الدراسة في جامعاتنا لهو أمر مستحيل تماماً ، على الأقل في المدى الزمني القريب . وأحد أسباب ذلك ، هو سيكون من الضروري وجود هيئة تدريس جديدة تماماً . وهكذا فإنه حتى يمكن إنتاج عدد كاف من المهندسين المعماريين على وعي بهذه المشاكل الريفية ، ينبغي علينا أن ننشأ لهم مقرراً دراسياً للتدريب ما بعد التخرج . ومقرر كهذا ينبغي أن تكون مدته لعامين ، وينبغي أن يتضمن بالإضافة إلى دراسة الحالة العامة لريف مصر – أي الحقائق الديموجرافية ، والاجتماعية والاقتصادية – دراسة طرق الفلاحين في الانشاء ومواد البناء ، ومبادئ تخطيط المدينة والقرية . وعندما يستوعب أيضاً كل ماتم إنجازه في المعمار المصري ، وكل تاريخ الأسلوب المحلي في مصر .
وكما أن بناء كاتدرائية العصور الوسطى في فرنسا لم يكن يسمح له بأن يضع حجراً فوق آخر إلا إذا أكمل الحج إلى كل المباني الأكليركية العظيمة في فرنسا ، فإن مهندسينا المعماريين الريفيين ينبغي أن يحجوا إلى الأماكن التي يتمثل فيها أحسن وجه التراث العظيم للبناء المصري – إلى الجيزة ، وبيت خلاف ، وطيبة ، وهرموبوليس ، والخارجة – وينبغي أن يزوروا ويتفحصوا الأماكن التي ما زال التراث يعيش فيها مثل أسوان و أضرحة الأولياء الكثيرة المبعثرة أعلى وأسفل البلاد ، حيث رؤية البناء بمواد الفلاحين بناء جاداً جليلاً بلا فخامة ، وحيث يوجد الحس الاحتفالي في المعمار بدرجة أكثر نوعاً عما في البناء الفلاحي العادي ، على أن ذلك لم يفسد بعد بفن ومواد أجنبية .
ومتحف الحضارة المصرية هذا ذو الثراء الهائل لهو مما ينبغي دراسته دراسة جدية . ويجب ألا يزور الطالب هذه المواقع زيارة روتينية كزيارة السائح المستعجل ، وإنما يجب أن يفحص كل مثال فحصاً ذكياً ، ويرسم منه رسوماًبالمقاس ، ويطبق كل قدراته النقدية على العمل . ودراسة كهذه للأعمال المعمارية البارزة ، عندما تُربط بفهم عميق لكل جوانب البناء عند الفلاحين ، فيما يتعلق بمواد البناء ، وطريقة الإنشاء ، ومبادئ التصميم ، لهي دراسة ستؤدي فيما ينبغي إلى تثوير موقف الطالب من المعمار . فهو أولاً سوف يستفيد ، بما لا يمكن قياسه من دراسته هذه ، التي تتم بالأبعاد الثلاثة ، وبالحجم الكامل والبنية الكاملة ، في أنماط المباني التي سيصممها . والكثير جداً مما يتم تنفيذه الآن من الأعمال في المدارس المعمارية المختلفة هي أعمال تجريدية بالكلية – مجرد لعب بالخطط على الورق – حتى أصبح الكثيرون من المهندسون المعماريين المؤهلين يصممون المباني بأسلوب يصدق على الورق أكثر مما يصدق على الحياة الواقعية . وأصبح المقرر الدراسي منفصماً عن المباني الحقيقية انفصاماً كاملاً حتى ليكاد المهندس المعماري أن يتوقف عن التفكير بلغة الموادالصلبة – فهو يرسم خططاً في مكتبه ، ويناولها للمقاول ، ولا يرى المبنى عند انتهائه . وخطة المقرر الدراسي ذاتها تخصص دروساً منفصلة للجانبين الجمالي والهندسي من المعمار ، ولا تلقي أبداً اهتماماً لعلاقة المبنى ببيئته، بحيث أصبح من الممارسات المعتادة بين المعماريين ما نجده من تشويههم لحقائق الطبيعة – أشكال التلال ، والأشجار ، والكائنات البشرية ، بل وحتى الأشياء الميكانيكية مثل السيارات – وهو تشويه يتم بغرض أن تجعل ظروف أدائهم متلائمة مع أسلوب مبانيهم بينما التصميم هم ما ينبغي أن يتلائم مع البيئة . أما مقررنا الدراسي عن المعمار الريفي الذي يستمر لسنتين فإنه عندما يبدأ من المباني الحقيقية ، ويعود منها وراء إلى خطط المهندسين المعماريين ، ويبقى طول الوقت أمام أعين الطلبة شكل المباني ، وحجمها ، ولونها ، وبنيتها ، والإحساس بها ، تلك المباني التي يتألف منها تراثنا العظيم ، فإن من المؤكد أن بعضاً من هذا التراث سوف ينبثق في تصميمات هؤلاء الطلبة .
ويجب أن يكون لكل قرية مهندس معماري يشرف على بنائها ، على الأقل حتى يصل عدد كاف من البنائين إلى المستوى الذي يضمن سلامة توقيع الخطة بعامة ، وحتى يعتاد بناءوا القرية على إقامة نماذج البيوت المختلفة . وحتى بعد أن ينتقل المهندس المعماري إلى قرية أخرى ، فإنه يجب أن يُبقي عيناً على القرية الأولى من خلال زيارات دورية حتى يكتمل إعادة بنائها .
وسوف نفترض أن في مصر 4000 قرية يجب إعادة بنائها خلال أربعين عاماً . وهكذا فإنه يجب أن تتم إعادة البناء بمعدل 100 قرية سنوياً . وعدد ما يجب استخدامه من المهندسين المعماريين سيعتمد هكذا على المدة التي سيبقاها كل واحد منهم في كل قرية .
وقريتنا التي يسكنها في المتوسط 5000 نسمة ، ينبغي أن تكون قادرة على توفير خمسين بناء على الأقل . وإذا كان بناءالبيت يستغرق من ثلاثة بنائين شهراً واحداً ، فإن خمسين بنّاء يستطيعون بناء حوالي 1000 بيت في ست سنوات . على أنه ينبغي أن يتمكن المهندس المعماري من مغادرة القرية بعد ثلاث سنوات ، ولا يعود بعدها إلا من حين لآخر لإعطاء النصح للقرويين . وهكذا فإنه بعد السنة الثانية من البرنامج ، عندما يكون هناك من 300 إلى 400 قرية تحت الانشاء في نفس الوقت ، سيكون من الضروري وجود 300 مهندس معماري يعملون في البرنامج .
وحتى يكون هؤلاء المهندسون المعماريون الثلاثمائة قادرين على العمل بثقة ، لابد من أن ينالوا تدريباً خاصاً في (( دراسات التكامل )) على أنهم يجب ان يكونوا قادرين أيضاً على بذل كل انتباههم وحماسهم لعملهم ، ولهذا فإنه لا بد من أن يدفع لهم أجر طيب ، والعمل نفسه جدير بذلك تماماً ، فهو لا أقل من أن يعد خلقاً للبيئة القومية ، ربما ىتية ؛ على أنه مهما كانت جدارة العمل ، فإنه ما من مهندس معماري يستطيع أن يُبقي تفكيره مشغولاً بعمله بينما هو يناضل للاحتفاظ بمستوى معقول من المعيشة . وأقترح هنا إنشاء سلم أجور متدرجة ، تحسب بمثل ما تحسب به معظم أجور المعماريين ، اي كنسبة مئوية من تكلفة البناء . وفي ظل النظام التعاوني تكون التكلفة الفعلية لكل بيت شيئاً لايذكر ، أما لو قام مقاولوالبناء ببناء القرية ، فسيكون من المستحيل أن تقل تكلفة أي بيت عن 500 جنيه مصري .. فلنسمح إذن للمهندس المعماري بتقاضي 1 في المائة من تكلفة البيت . وهذا يبلغ خمسة جنيهات . ولو أنه عمل في قرية لثلاث سنوات وبنى 1000 بيت ، فإنه سيكسب 5000 جنيه في ثلاث سنوات ، أو 1550 جنيهاً في السنة الواحدة . على أن هذا كثير كأجر يدفع لمهندس معماري شاب . وفوق ذلك ، فإن من المطلوب أن يكون سلم الرواتب بحيث يسمح بتمييز الأقدمية بإظهار زيادات دورية حادة ، حتى يتم الاحتفاظ بخدمات أولئك الخبراء من أصحاب التخصصات العالية ، الذين لا يوجد مثلهم في أي مكان آخر فوق الأرض ، وهكذا يكون لسلم الرواتب أن يبدأ عند 900 جنيه للسنة ليرتفع بمعدل 50 جنيهاً في السنة حتى يصل إلى 2400 جنيه . وهذه المهمة جديرة بذلك . كما أن هذا ليس بمرتب مبالغ فيه ، ذلك أن قائمة الحساب السنوية للخدمات المعمارية حوالي 500.000 جنيه .
ومبلغ 500.000 جنيه ينبغي ألا يعد مبلغاً كبيراً . ولنتذكر أنه نسبة مئوية من الإنفاق الكلي على البناء ، وأنه يكاد يكون أقل نسبة مئوية يتقاضاها المهندسون المعماريون في أي مكان في العالم . فنسبة 1 في المائة من تكلفة البناء هي مبلغ قلة مضحكة كأجر يدفع لمنزل قد صممه مهندس معماري . وفي سويسرا لابد لك ، بحكم القانون ، من أن تدفع 2 في المائة من التكلفة مجرد الزخرفة الفنية للبيت ، بينما من المعتاد بالنسبة للمهندس المعماري أن يحصل عند ممارسة أعماله الخاصة على أجر بنسبة 10 في المائة من تكلفة أي مبنى تكون قيمته أقل من 1000 جنيه .
وينبغي أن نضع نصب أعيننا أن هذا الواحد في المائة أو نصف المليون من الجنيهات ، سيوفر عنصر العمل الخلاق ، وهو عنصر ضروري إذا أريد لبرنامج الإسكان الرخيص التكلفة هذا أن يكون ناجحاً حقاً . وفوق ذلك فإن المرتب المجزي يحرر المهندس المعماري من القلق مالياً ، ويمكّنه من التركيز على عمله الحقيقي . وكثيراً ما يحدث أن يبدأ المهندس المعماري الحكومي في الإحساس بالقرف من مستخدميه لأن المهندسين المعماريين الآخرين ينالون من ممارسة العمل الخاص مالاً أكثر كثيراً مما يناله . وعندما ينظر المهندس المعماري الحكومي إلى الحكومة على أنها بخيلة ، فإنه يتخذ موقفاً : (( ولماذا أهتم ؟ نعطيهم على قدر أجرهم . )) وهذا الموقف كله بما فيه من ضيعة أحلام وفتور يمكن تحويله بأسره لو كان صاحب العمل كريماً . فالكرم يولّد الكرم ؛ والمهندس المعماري الذي ينال أجراً مجزياً يحسن أن من واجبه أن يبذل كل جهده لعمله ؛ وبدلاً من أن يكون ساخراً مريراً من عمله الحكومي ، فإنه يصبح ممتناً لأنه قد تخلص من همومه المادية ، و لأن الطريق قد أخلى له ليعمل كما يعمل الفنان الحقيقي ولأنه قد أعطيت له الفرصة لتنمية مهاراته ومداركه أقصى تنمية .
وهناك فائدة أخرى تنجم عن هذا الإنفاق المتواضع نسبياً . فينبغي أن يكون لدينا فريق من مهندسين معماريين يعملون بأرفع مستوى لفنهم ، ويعملون كفريق ، دائماً ينصحون وينقدون ويعيد كل منهم الحيوية لعمل الآخر ، كيان من فنانين متحررين من الضغوط التجارية ، ويُمكّنون من تكريس كل حياتهم لإرهاف أدائهم . وثلاثمائة مهندس معماري من هذا النوع لهم حقاً كنز قومي .
وذات يوم ، كان هناك في دير المدينة مجموعة من هذا النوع بالضبط من المهندسين المعماريين ، والرسامين ، والنحاتين ، يعملون معاً ويعيشون معاً في (( قرية للفنانين )) جيلاً بعد جيل أثناء كل عصر المملكة الوسطى ، وكانوا هم المسئولين عن أعمال الفن العظمى في مصر القديمة – فن حاذق ومتنوع ، إلا أنه تقليدي ؛ فن جموعي بحق في أرقى أنواعه .
ألا يمكن لأولئك المهندسين المعماريين الثلاثمائة الذين نحتاج إليهم أن يعيشوا معاً حتى ولو لفترة ، في قرية مثل دير المدينة ؟ منالمؤكد أن خطتنا لإعادة بناء الريف ستحتاج إلى مركز لتنسيق العمل ، ومركز للأبحاث وللتدريب أيضاً . فلماذا لا نجمّع معاً مركز الأبحاث والتنسيق ومدرسة التدريب على المعمار الريف ، أو بمعنى أوسع نجمع الدراسات (( الريفية )) في قرية واحدة (( للفنون الريفية )) ؟ إن لدينا بالفعل مشروعاً (( لمدينة للفنون الجميلة )) ، سينفق عليه مليون جنيه . وإني أقترح غذن أن تُبنى قرية – أول قرية تبنى في برنامج إعادة بناء الريف – لتكون هي بالضبط هذا المركز للدراسات الريفية . وينبغي أن تكون على صلة وثيقة بالوزارات والهيئات الأخرى العلمية والفنية ، على أنها ينبغي أن تكون قرية حقيقية ، والأفضل أن تكون قريبة من قرية موجودة تكون من ضمن الخطة . وينبغي أن يتم تصور هذه القرية وبناؤها حسب المبادئ التي سبق وضعها ، وينبغي أن يتم بناؤها بواسطة المهندسين المعمارين أنفسهم كتطبيق عملي لمقررهم الدراسي عن المعمار الريفي وينبغي أخيراً أن تحتوي على مكتبات ، وحجرات دراسية – ومعامل ، وقاعات للمحاضرات والاجتماع ، بل وأن تحتوي أيضاً على ورش عملية حيث ينمي الفلاحون حرفهم من الفخارة ، والنسيج ، والنجارة ، والبناء ، والتجصيص ، الخ .
وسيكون ثمة بناؤون من أسوان يعيشون هناك ، وصناع نوافذ الزجاج الملون من القاهرة ، وصانعو الحصير والسلال من الشرقية ، كلهم مع المهندسين المعماريين . ويكون لكل منهم بيته حيث يعيش مع عائلته ويعلم حرفته للصبيان ، ويكون الكل أعضاء في المجتمع . وسيكون هناك أيضاً متسع للزوار ، من الحرفيين وغيرهم ، وللمهندسين المعماريين والفنانين الأجانب ممن يهتمون بنشاطاتنا .
وكما أن الأمة – حتى ولو كانت جداً فقيرة – قد تستثمر من مالها في أوركسترا قومي ، يكون رصيداً دائماً للأمة فإنها بمثل ذلك أيضاً قد تستثمر من مالها في فريق قومي من المهندسين المعماريين . ولو كانت البلد تحوي حتى ثلاثة آلاف عازف على الكمان يعزفون في أركان الشوارع ، فإنهم من الوجهة الفنية لايساوون شيئاً بالمقارنة بأوركسترا واحد دائم فيه مائة عازف ، يستطيع خلق ثراث ، ويكرس كل وقته لتحسين مستوى أدائه . وعلى نفس المنوال فإن ثلاثة آلاف مهندس معماري يعمل كل واحد منهم لعملائه الخاصين ، ومن خلال مقاولين خاصين ، لايمكن مقارنتهم بثلاثمائة مهندس معماري يعملون معاً وهم واعين لخلق تراث قومي في البناء .
وبرنامج بناء الريف يتطلب أول كل شيء مسح قومي للموارد والاحتياجات ، وخطة شاملة ، يصنع من داخلها خطط تفصيلية لكل منطقة محلية . وهكذا يعمل المخططون على مستوين ، مستوى (( القيادة العليا )) – هيئة صنع السياسة المركزية – والمستوى الميداني الذي ينفذ القرارات . ولا جاجة للقول بأنه لن يكون هناك فصل جامد بين المستويين ، ولا إحساس بأن أحدهما يفوق الآخر ؛ وعلى العكس فإنه سيتم تبادل أفراد الهيئة العاملة من المهنيين تبادلاً حراً ما بين القيادة العليا والميدان ، وسيكون على الجميع مسئولية المشاركة في قرارات التخطيط .
وهناك حاجة منذ البداية إلى وجود تقدير ما لنسب المهن المختلفة المطلوبة لكل هيئة التخطيط . وحتى الآن ، فإنه لا يمكننا إلا أن نوضح نقطتين : أن وطأة العمل سيتحملها المهندسون المعماريون ، وهكذا فإن كفتهم ترحج ، كما أنهم سيدعمون دعماً كافياً بالمتخصصين الآخرين . وبصورة مبدئية ، يمكن أن تقترح أن يتكون فريقنا بالكامل كالتالي :
1- المهندسون المعماريون ، المخططون 300
2- مهندسو ميكانيكا التربة 10
3- المهندسون الانشائيون 5
4- اقتصاديون 15
5- اثنوجرافيون اجتماعيون 15
6- جغرافيون 6
7- إداريون 15
وفي حين سيعمل المهندسون المعماريون في المهمة باستمرار طيلة فترة إعادة الانشاء كلها – لأربعين سنة بحيث يظل هناك دائماً 300 مهندس معماري في الفريق – فإن بعض العاملين الآخرين ، مثل الجغرافيين والاقتصاديين سيكون تناولهم للعمل من نوع العمل لمرة واحدة ن وأخيراً ، بحيث يمكن تقليل عدد هؤلاء الخبراء بمرور الوقت على أننا ينبغي أن نخطط منذ البداية لفريق متكامل ، بحيث يتم على الأقل تمثيل هذه العلوم ويكون ذلك بهذه النسب تقريباً .
وعندما يُستكمل المسح والتخطيط على النطاق القومي أو نطاق المنطقة ، يكون قد حان الوقت بذلك لبداية برنامج البناء الفعلي . فيتم اختيار إحدى القرى ليزورها فريق البحث .
والخطوات الأولى في البرنامج تكون دائماً تنظيم الإمداد بالعمالة وتجهيز مواد البناء . وفي ظل نظام التطوع التعاوني لا يمكن الإمداد بالعمالة إلا بعد أن يتم تحليل السكان وتقسيمهم إلى جماعات عائلية أو إلى بدنات . وتقسيم السكان هذا يُترك كلية للقرويين أنفسهم . وعلى أي حال فإن العائلات تجمع أنفسها طبيعياً ، ويجب ألا يكون هناك ضغط على أي عائلة لتخل مجموعة بعينها لأسباب من مثل حسن التنسيق الإداري أو تسهيل التصميم فلن يكون هناك أدنى ما يشغل البال لو أن بعض البدنات تتألف من عشرين عائلة بينما تتألف بدنات أخرى من خمس أو ست عائلات فقط . كما أنه ليس من سبب لأن تكون أي مجموعة واحدة مقصورة على عائلات على صلة قرابة ؛ وإنما يكون العمل دائماً على الاستفادة من النزعة الطبيعية لمجموعات العائلات لأن تعيش في نفس المجاورة ، على أنه قد يحدث أن عائلات ليس بينها أدنى قرابة تختار حقاً أن تعيش معاً . والمثل العربي يقول
(( اختر الجار قبل الدار )) وكما شرحنا من قبل يتم تمثيل كل مجموعة عائلات بمن يتحدث عنها – مسن أو شيخ – وهو الذي يبرم كل الاتفاقات مع الهيئة المخططة باسم أعضاء مجموعته ، ويكون هو الوسيط الدائم بين هيئة التخطيط والناس في مجموعته ، وسيطلب من العائلات الأعضاء أن توقع إقرار توافق فيه على إدراجها ضمن البدنة .
ويلي ذلك أن يُطلب من كل عائلة أن تقرر مطالبها من الحجرات ، والحظائر ، والمساحة . وعندما نعرف عدد المباني التي تحتاجها كل بدنة ، سيمكننا حساب قدر العمالة – كذا لكل يوم – المطلوب الإمداد به ، مع حساب فترة السماح المناسبة لأوقات مثل الحصاد حيث لا توجد عمالة يمكن الاستغناء عنها من الحقول . وعندما تتضح للبدنة تمتماً ماهية مسئولياتها ، تقوم الهيئة والمندوب بتوقيع عقد ، يتفق فيه على قدر معين من العمالة لإقامة عدد وحجم معين من البيوت .
وبعد تجميع هذه البيانات ، تجهز خطة للقرية ، تبين وضعها الحالي ، وكيفية تنميتها في المستقبل ويبين على هذه الخطة موضع وحدود كل مجاورة عائلية ؛ ومساحة القطعة التي تخصص للبدنة هي حاصل جمع مساحة البيوت الفردية مع إضافة نسبة مئوية معينة من هذه المساحة لميدان المجاورة والشوارع الداخلية . ويوقع كل مندوب بموافقته على تحديد موضع مجاور عائلاته وذلك حسب توكيل رسمي يمنحه له أعضاء المجموعة .
ويتم تحديد حدود كل مجاورة عائلية على هذه الخطة الاتدائية ، أما التنظيم الداخلي ، وتحديد موقع البيوت الفردية وشكل الميدان ، الخ . فكلها سوف ينتظر التصميم التفصيلي لهذه البدنة عندما يأتي الدور في سياق البناء (( ذلك أن العمل في التصميم يستمر خطوة فخطوة مع الانشاء الفعلي حتى يتم إنهاء القرية )) . وهكذا فرغم أن مسار الطرق الرئيسية يتحدد منذ البداية هو ومواقع المباني العامة والمساحات الأساسية المفتوحة ، على الأقل في داخل المجاورة العائلية ، إلا أننا لن نعرف بالضبط . إلا بعد ذلك بكثير ، أي أرض تكون خاصة ( مواقع البيوت ) وأي أرض تنتمي للجمهور ( ميدان المجاورة ) .
وعدم تحديد هكذا لهو أمر ضروري إذا كنا نريد أن نبسط مزايا التصميم الفردي المتعمد على كل منزل في القرية . والمهندس حتى يقوم بذلك ، يحتاج وقتاً ؛ ولو توجب عليه أن يوقع الرسم التخطيطي لكل بيت على الخطة قبل أن يبدأ أي إنشاء في أي مكان بالقرية ، فسوف يكون المهندس المعماري مجبراً على اللجوء إلى التصميم الجموعي ، أي أن يضاعف من تصميم مفرد عدة مرات ، وبهذا فإن وجوده كفنان خلاق يصبح أمراً غير ضروري بمجرد أن ينتهي من رسم خطته الأولى هذه . ومادة البناء الرئيسية هي التربة ، التي ستجلب من حفر البحيرة الصناعية . وهكذا فبينما يُقسم القرويون إلى مجموعات من العائلات ، ويتعرفون على مقترحات البناء وتنظيم العمل ، تكون هذه البحيرة و لابد قد تم حفرها ، وفي نفس الوقت يكون قد تم تخطيط الحديقة المحيطة بها وزرعها .
وموقع البحيرة يتحدد حسب عوامل عديدة . فأولاً ، يجب أن تكون التربة مناسبة لصنع الطوب . وهكذا تثقب حفر اختبارية في الموضع المرغوب فيه بأكثر ، وتحلل التربة بواسطة مهندس ميكانيكا التربة الذي سيقول إذا ما كانت ملائمة لصنع الطوب أو هي مما ينبغي أن يخلط معه أي قدر من الرمل . وإذا ثبت أن التربة عند أحسن موقع للبحيرة غير ملائمة لصنع الطوب ، فإنه يجب استخدام مكان آخر كمحجر للتربة ، ويظل موقع البحيرة في المكان الأحسن لاستجمام القرية ، بينما يمكن استخدام التربة المحفورة منها لملء موضع محجر التربة . وثانياً ،
ينبغي اتخاذ موقع البحيرة بحيث يمكن الاستفادة من عادات القرويين . فإذا كان لديهم موضع معين يذهبون إليه بانتظام للاستحمام ( موردة ) ، فإنه ينبغي أن يصبح جزءاً من البحيرة بحيث يسلكون نفس المسارات كما من قبل والعوامل الأخرى التي تحدد اتخاذ موقع البحيرة هي كالتالي : موضع الترع التي ستغذيها ، واتجاه الرياح السائدة ( الرياح الشمالية الغربية الباردة ) واتجاه الرياح العارضة الساخنة المحملة بالتراب ( من الجنوب الشرقي ) ، وموضع مضرب الطوب . وحيث أن البحيرة ستكون في المنتصف من مساحة لشبه منتزه ، ستبرد أشجار من الريح وتنقيها ، فإن من الأفضل اتخاذ موقعها إلى الجنوب الشرقي من البيوت ، بحيث تعترض الرياح الجنوبية الشرقية الحارة . ومضرب الطوب الذي يجب أن توضع التربة المحفورة بالقرب منه ، ينبغي أن يكون قريباً نوعاً من البحيرة ، للإقلال من صعوبات النقل ، ولكنه في الوقت نفسه بعيداً عن البيوت وأسفل اتجاه الريح بالنسبة لها بسبب الرائحة الكريهة للأفران ( أفران حرق الجير واطوب يُتخذ موقعها في مضرب الطوب ) وهكذا فإن الموقع الأمثل لمضرب الطوب هو إلى الجنوب حتى الجنوب الشرقي من البحيرة والمنتزه ، بحيث تحجبه أشجار المنتزه عن المقربة .
ومن الواضح أن حفر البحيرة وتفريغ التربة بالقرب من مضرب الطوب إنما هو من مهام وزارة الأشغال العمومية . ويمكن إنهاء هذه المهمة في أسابيع معدودة باستخدام ماكينات معدودة وسكة حديد ديكوفيل ، فذلك أسرع كثيراً مما يستطيعه الفلاحون بأدواتهم اليدوية البسيطة . ومن المهم جداً أن يتم حفر البحيرة سريعاً ، لتوفير وقت مهندسي مصلحة الأشغال العمومية الذين يجب أن يقوموا بالإشراف على ما هو في الحقيقة عملية هندسية جداً معقدة ، ولتوفير وقت أخصائي تربية الأسماك وأخصائي البساتين من وزارةالزراعة ، الذين سيشرفون على إنشاء مزرعة الأسماك ورسم منظر الخلوي الطبيعي للمنتزه وزرعه . ولو حفر البحيرة كان يتم يدوياً خلال زمن طويل ، لتسرب الماء إليها قبل إكمالها ، وهي لو أثقلت بالماء قبل أن يتم تجهيز نظام القنوات المغذية وأبواب الغلق ، فإن هذا الماء سيركد فيتوالد فيه البعوض . وفوق ذلك ، فإننا ينبغي أن نستوثق أننا قد حصلنا على كل التربة التي سنحتاجها للقرية كلها قبل أن نبدأ البناء ، بحيث لا يحدث توقف بسبب نقص في مواد البناء .
* * *




























لحن الترديد ( فوجه )

لمهندس المعماري ، والفلاح ، والبيروقراطي

كنت أود أن أنهي هنا بما في القسم الأخير من نصيحة علمية
وألا أضمن فيه إلا ما في جزئه الأول هذا من مادة بنّاءة مفعمة
بالأمل . وأكون بذلك قد قلت ما كان عليّ أن أقوله للمهندسين
المعماريين الآخرين وللجمهور عامة .
إلا أن تجربة القرنة أصابها الفشل ، ولم تكتمل القرية قط ، وهي حتى يومناهذا لم تصبح بعد مجتمع قروي مزدهر . ولن يكون من الإنصاف للقارئ أن نجعله يفترض أن المبادئ التي سبق شرحها هي مما ينجح أوتوماتيكياً عند التطبيق . وفي نفس الوقت فإني لن أكون منصفاً لنفسي ولا لبلدي لو تركت هذه المبادئ تظل مدانة بسبب فشل هذه المحاولة الوحيدة لتطبيقها . فليست القرنة وحدها التي توقفت ، بل توقف كل أمل حقيقي للوصول بالفلاح المصري إلى المستوى اللائق من المعيشة .
وكنتيجة لأن القرنة لم تكتمل قط ، تمت إدانة كل نظرية البناء بطوب اللبن هي والرأي بأن الإسكان الريفي يقتضي استخدام المهارات التراثية ، وأدين كل هذا على أنه نزوات غير عملية . ولم يقتصر الأمر على عدم بذل أي محاولة لاستكمال القرنة بل ولم تبذل أي محاولة لإيجاد وسائل أخرى عملية للوصول إلى بناء بيوت ريفية . وكان المهندسون المعماريون الحكوميون أثناء بناء القرنة وبعد توقف العمل فيها ، يصورونها على أنها بأكثر التعبيرات تأدباً ، فشل مثير للاهتمام ، رحلة عاطفية على درب منحرف لا يمكن أن يؤدي إلى النجاح . وكان يتم الهمس بهذه الإفتراءات في دهاليز الوزارات بل إنها ظهرت في صحيفة أجنبية * في وقت متأخر حتى عام 1961 . وبالتالي فلا بد من أن أرد على هذه التهم قبل المضي لما هو بعد ذلك .
وليس أسهل من أن أقول في إبهام أن ما منعني من إكمال القرنة هو ما عند الفلاحين من غموض وما عند البيروقراطيين من عداء ، إلا أنني سأكون أكثر إقناعاً لو تركت لتاريخ المشروع أن يتحدث عن نفسه . وما سيأتي بعد ليس بأي معنى مفكرة تسجل تقدم العمل في القرنة . إنه محاولة لأن يفهم القارئ سبب توقف العمل ، وهكذا فقد اخترت كأمثلة بعضاً من أبرز ما لقيت من عقبات ومكائد . ومرة أخرى فلست أود أن يعزي إليّ أني كنت خائر العزم مستسلماً لهذه المحن ، وإني لاؤكد أن هذه الأمثلة ليست إلا الأشجار الكبيرة التي في الغابة ، والتي تطل بارزة من بين الحشائش شائكة متشابكة من المعوقات الدنيئة ، والمؤمرات ، والعجز ، والتعطيل ، مما أسهم في الحط من معنوياتي في النهاية بأكثر مما أسهمت به العقبات الكبيرة . والحقيقة أن هذه الوخزات الصغيرة اليومية بلغ من كثرتها واستفزازيتها أني وددت لو عرضتها على أنظار رؤسائي ، على أنه كان من الواضح أنه ليس في استطاعتي أن أرسل تقريراً رسمياً كلما حدث مثلاً أن تأخر وصول أجور العمال في الوقت المحدد ، كما كان يحدث دائماً ، حتى أنهم أضربوا عن العمل ، أو عندما حدث أن أرسلت لي مخازن عشرين كيلو جراماً من مسامير لا رؤوس لها ، لأنني لم أوصّف رؤوساً في طلبيتي . على أنني اقترحت بالفعل على شفيق غربال وكيل الوزارة ، أن أجمع ملفاً عم الاستفزازات الصغيرة وأرسل له عنها دورياً لقراءتها ؛ ولم يرحب هو بالإقتراح .
وكنتيجة لهذه المعوقات جرى العمل في القرنة في تقطع شديد . وكلما تلقينا مالاً ومواد للبناء، أخذنا نبني في هياج لتطلع البيوت كزهور الصحراء بعد المطر . وكلكا شوهدنا ونحن نبني أو بدا الأمر وكأننا نبني ، لا تلبث الإمدادات أن تنضب ليتبطأ العمل حتى يتوقف . وهكذا عملنا في أول ثلاثة مواسم مدة أحد عشر شهراً ونصف الشهر من بين ثلاثين شهراً . وبعد الموسم الرابع توقف تقريباً أي إنشاء ، وكان العمل الوحيد الذي تم إنجازه هو جرد المخازن ، ولكن هيا نبدأ البداية .
* * *
الموسم الأول : 1945 : 1946
بدأ العمل في التصميمات في أغسطس 1945 عندما استلمنا الأرض من كامل بولس حنا بك . وكتبت في نفس الوقت خطاباً لصديقي القديم الحاج بغدادي أحمد علي ، أطلب منه أن يجمع فريقنا من البنائين . وهم أولئك الرجال الذين كنت أذهب معهم من قرية إلى أخرى ، كفرقة من منشدى التروبادور* المتجولين ، لنبني العزب
__________________________________________________________________

* صحيفة الديار تلجراف ، 20 أكتوبر 1946
* نوع من الشعراء المتجولين في القرنين 12 ، 13 ميلادي ينظمون شعراً غنائياً بلغة جنوب فرنسا ، معظمة في الغزل وهناك ما يدل على أنهم امتداد لشعراء الأندلس العرب المتجولين . ( المترجم )

والاستراحات لكبار الملاك الزراعيين . وطلبت من بغدادي أن يجمع أيضاً أكبر عدد يستطيع من البنائين الجدد . لقد انتهى العهد يحياتنا حياة مثل الغجر ، ولن يكون علينا بعد أن نفك حزم أدواتنا في إحدى العزب القصية أو القرى المريبة ، بينما البناءون المحليون يرمقوننا في عداء . إن علينا أن نبني قرية كاملة ، وعميلنا هو الحكومة ؛ وهكذا أمكنني أن أعد الرجال بعمل وافر وأجر مضمون ، وقد أصبح لدي أخيراً الفرصة لتعليم أسرار المهنة
لصبيان جدد ، وهو أمر لم أتمكن منه فيما سبق لأن البنائين المحليين في القرى التي كنا نبني فيها كانو دائماً يحسون ، وهم على حق ، بالغيرة من تطفلنا الذي يسلبهم رزقهم ، وكانوا بالتالي يرفضون أن يتعلموا ، والحقيقة أن البنائين الأسوانيين كانوا هم أيضاً كتومين ولا يريدون إشراك الغير في مهراتهم .
وبحلول أكتوبر من نفس السنة ، عندما بدأ العمل في الموقع ، كنت قد أكملت خطة القرية ، وتصميمات معظم المباني العامة ، وتصميمات صف واحد تجريبي من البيوت الملحقة بالخان . وقد تضمن هذا الصف بيوتاً من مختلف الأشكال والأحجام بحيث يمكن لأهل القرنة أن يأخذوا منها فكرة عن إمكانات المساكن الجديدة التي ستقدم لهم وبهذا يمكنهم التشاور معي بتعاون أكثر عندما أصل إلى تصميم البيوت من أجل عائلات بعينها . وقد قصدت بهذه البيوت التجريبية أن تلحق بالخان لتكون مساكن للموظفين الذين قد ترسلهم وزارة الصناعة لإدارته .
وفي الفترة ما بين حصولنا على الموقع وبدايتنا لبناء كنت أعمل معظم الوقت في القاهرة . وذات يوم أثناء وجودي في مكاتب مصلحة الآثار ، ذكر أحدهم أن المساعدين الذين عينوا لمعاونتي موجودين هنا في المبنى . فهل أحب أن أقابلهم ؟ وسررت لسماع ذلك وطلبت أن أقدّم لهم في الحال . وانطلقنا إلى حجرة كان فيها ستة شبان يقفون في صف . وحيا أحدنا الآخر ، وأخذت في التعارف على كل واحد منهم شخصياً . واقتربت من أولهم :
(( مااسمك ؟ )) (( مشيل )) . (( سعيد بلقائك . أأنت مهندس معماري ؟ )) (( لا ، عندي دبلوم في النجارة )) .
(( آه ، وأنت ؟ )) (( أمين عيسى ، متخصص في الديكور )) . (( آه ، وماذا عنك ؟ )) (( أحمد عبد الله )) .
(( والآن ، لا بد أنك مهندس معماري )) . (( لا ، أنا متخصص في طلاء الجدران )) . (( حقاً ، وأنت ؟ ))
(( محمد أبو النصر )) . (( سعيد جداً بلقائك . أزعم أنك مثّال أو شيء كهذا ؟ )) (( لا ، أنا متخصص في
النسيج )) . (( شكراً . وأنت ؟ )) (( عاذر )) . (( أنساج أيضاً ؟ )) (( لا ، لم أتخصص في شيء )) .
(( وإذن ، فما هي مؤهلاتك ؟ )) (( حسن ، لدي شهادة ابتدائية ، وأستطيع الفراءة والكتابة )) .
وبعد أن تمالكت جأشي ، فكرت أنه ليس من المهم حقاً ألا يكون لدي مشرفون لمساعدتي . فالأمر المهم هو البناء وهذا سيقوم به البناءون الأسوانيون . وهم يعملون دونما إشراف ويستطيعون حقاً أن يعلّموا شيئاً أو أكثر للمهندسين المعماريين المؤهلين .
وعينت المصلحة بعد ذلك مدير أعمال ليعاونني . وكان مهندساً معمارياً متخرجاً في مدرسة الفنون الجميلة في 1933 . وأسعدني جداً أن يكون معي مهندس معماري آخر يعينني ؛ إن يداً واحدة لا تصفق بنفسها كما يقول المثل ، وسأنطلق في العمل بثقة أكبر كثيراً عندما يتوافر لي شيء من عون مهني .
على أني عندما التقيت بمساعدي ، فوجئت بعض الشيء عندما طمأنني في التو ، بأشد النبرات ثقة ، عن شئون راحتنا الشخصية في القرنة . فهو كما يقول طاه ممتاز ، ويمكنني الوثوق في قدراته على الحصول على كل التموين الذي قد نحتاجه في الصعيد . وواصل الحديث تفصيلياً عن كميات الأرز والسمن التي يتوقع أننا سنستهلكها وطرق الحصول على البيض ، وكيفية ضمان صلاحية الدجاج لأن يؤكل . وينبغي القول بأن مسألة ما سآكله لم تخطر اي ببال من قبل ، ونظراً لأننا كنا فحسب عبر النهر من الأقصر ، في متناول أفضل محال البقالة فإن هواجسه هذه بدت بعض الشيء مما لا داعي له .
على أننا كنا مازلنا في القاهرة ، وكنت أتحرق لبدء البناء في الموقع . وكان حماسي للمشروع وضيق الجدول الزمني يدفعاني للإحساس بأن كل دقيقة كانت ثمينة ، وأن كل ثانية أفقدها تعني أن هناك طوبة لم يتم رصها ، وهكذا أجلست ذلك المهندس المعماري الشاب التعس ، وأغرقته تواً في غابة من الأرقام والجداول ، وتعجلته في أن يساعدني على تجميع بيان بكل المعدات والمواد التي سنحتاجها .
وكانت الإدارة قد أعطتني دفتراً جديداً من استمارات السكك الحديدية ؛ وهكذا وأنا في تعجلي لبدء البناء ، أرسلت مساعدي بتعليمات بأن يذهب أولاً إلى الفيزيائية بوزارة الأشغال العمومية للحصول على أدوات المزواة
( ثيودوليت) : ، ومسواة كوك وأشرطة للقياس ، الخ ، ثم يذهب بعدها إلى الموقع ليعد أساسات المسجد وكان في اعتقادي أن من الأصلح أن أبدأ بهذا البناء بصفته المركز الروحي للقرية ، وهكذا فهو الأليق لاحتفال إرساء حجر الأساس ، وأيضاً لأن توجيه المسجد هو أمر محدد مسبقاً – وحرصت في هذه الحالة على التأكد من أنه 10 121ْ من الشمال . وكان مساعدي قد ذهب معي من قبل لرؤية الموقع وكان عرفاً تماماً بخططي ؛ وهكذا انطلق مملوءاً بالثقة .
أما أنا فكنت أنوي في نفس الوقت أن أمكث في القاهرة لأرتب تسلم أول الضروريات من المواد والمعدات . ولما كانت كل مبانينا سيكون لها أساسات حجرية ، فقد كنا في حاجة لشاحنات لحمل الحجارة ؛ كما أننا ، مثلنا مثل موسى ، كنا في حاجة إلى القش لصنع الطوب .
وجهزت نفسي باستمارة السكة الحديدية وأخذت القطار للأقصر . ووصل القطار في السابعة صباحاً من اليوم التالي ، ونزلت بكل حقائبي ، وصناديقي ، ولفائف من المشروعات ، ومعدات ، وجهاز حاكي ، واسطواناته ، وأشياء وحوائج – ومتناثرات شتى – ذلك أني سأقيم في القرنة زمناً طويلاً – ووجدت جمهوراً كبيراً قد تجمع للقائي . ويتكون هذا الجمهور – الذي أصبح ملمحاً لكل مرات وصولي ورحيلي من محطة الأقصر – من كل أنواع الناس الذين لهم علاقة ما بالعمل ، أو ممن يأملون تشغيلهم فيه ، وكما السلطان انطلقت بجمهوري هذا إلى القرنة . وهناك في القرية القديمة كنا قد مُنحنا استراحة ، أحببت أن استريح فيها . وتبين أنها بناء تيوتوني* مربع يجثم على الأنفاس ، ومن الواضح أنه منقول عن شارع التوفيقية بالقاهرة ، وأنه كان ينتمي ذات يوم إلى المدرسة الأثرية الألمانية . ولم أحبه قط ، وذلك بسبب عتبات نوافذة التي تصل إلى مستوى الذقن وبلاط أرضيته المبهرج على أنه لما كان عليّ أن أقيم فيه فقد اخترت غرفة هي نسبياً غير منفرة وكانت على السطح وتطل على مشهد جيد .
ما إن ارتحت حتى اعتليت حماراً وركبته إلى الموقع . وأثناء اقترابي منه ، أمكنني أن أرى ما يثير أقصى الحماس من علامات للعمل النشط حيث سيكون المسجد. ووصلت إلى مكان وقوف مساعدي ، ورأيت أن الأساسات قد خططت حقاً كلها تخطيطاً جميلاً بالجير . وسررت بوجه خاص لأن مساعدي هذا كان طالباً في درسي على المساحة بكلية الفنون الجميلة ، وهكذا ربت على ظهره وسألته في زهو تربوي ، (( كيف أرسيته بارعاً هكذا ؟ )) (( آه )) ، هو ، (( إنني فحسب وقعت الخطة على الأرض )) . (( نعم ، ولكن كيف صنعت في توجيهه ؟ )) (( التوجيه ؟ حسن لقد رأيت أن من الأفضل أن يكون موازياً للطريق )) . (( ولكن التوجيه – الزاوية – مكة – ألم تستخدم مزواتك ؟ )) (( المزواة ؟ )) (( الأدوات التي من وزارة الأشغال العمومية ! ))
(( آه ، نعم ، تلك حسن ، إنك قلت أنه يجب صنع شيء في التو . أنت تفهم ، إحداث انطباع في الإدارة ، عمل استعراض . لا تشغل بالك ، إنه يبدو جميلاً )) .
وظل يتحدث ويتحدث ، بصوته الزاعق للمنفر ، وهو يتدفق بسيل من الاقتراحات تتراوح بين غير المعقول وغير الأخلاقي ، حتى وجدتني أفكر لأول مرة في حياتي في أن الأذن ليست تماماً بالعضو الكامل . فأنت لاتستطيع إغلاقها مثلما تغلق عينك . وعاهدت نفسي أنني ينبغي أن اتخلص من هذا المساعد في أول فرصة ، ثم التفت إلى العمل الحقيقية الذي ينتظرني .
والمزية الأساسية في مشروع القرنة هي انخفاض تكلفته . وكان عليّ عند كل مرحلة أن أضغط النفقات الأخرى لتنخفض إلى مستوى يقارن بمستوى طوب اللبن . وكان هذا يعني توقيتاً حريصاً للعمليات بحيث لا يظل أي عمال أو بنائين بلا عمل في الموقع في انتظار لمواد البناء ؛ فالقش لا بد من أن يكون جاهزاً لضاربي الطوب ، والطوب والحجارة جاهزة للبنائين ، بالكميات الكافية في الوقت المناسب ؛ وإلا فسوف ندفع أكثر مما ينبغي في أجور غير منتجة .
وكان علينا أن نبني ما يقرب من تسعمائة منزل – بخلاف المباني العامة – خلال ثلاثة أعوام . ولا يمكن العمل في صعيد إلا لعشرة شهور ، لأن الحرارة أثناء يوليو وأغسطس ترتفع إلى 45ْم في الظل و 80ْم في الشمس
( 113ْ فو 160ْ ف ) . إذن فينبغي أن نبني في شهور العمل الثلاثين ، تسعمائة منزل ، أو ثلاثين منزلاً في الشهر، أو منزلاً في كل يوم .
وحسبت تقديراتي للمواد والعمالة اللازمة لإنشاء منزل صغير ، ومنزل كبير بالتتالي . ثم حسبت متوسط التقديرين ، وهكذا أمكنني التنبؤ بكمية المواد التي سنحتاجها كل يوم ، والرجال والمعدات اللازمة لا ستمرار هذا الإمداد .
وطلبنا شاحنتين ، ونحن نأمل أن نحصل على أربع شاحنات أخرى في ميزانية العام القادم ؛ وبهذه الطريقة يمكننا توزيع نفقات المعدات الثقيلة على أكثر من موسم واحد .
كنت مصمماً على إنجاز أكبر قدر ممكن من العمل في إنتاج مواد البناء . وكنت أعرف أن البنائين الأسوانيين ما إن شرعوا في العمل حتى يجعلوا البيوت تطلع كعش الغراب ، مادام لديهم الطوب .
ولما كانت مواد البناء الأساسية – الطوب والحجر – سيتم صنعها وتحجيرها بأنفسنا ، فإن شاغلي الأول كان تشغيل العمالة الكافية لجعل الإنتاج يتحرك . وكان ينبغي أن يكون هناك صنفان رئيسيان من العمال : عمال مهرة وغير مهرة . وعهدت إلى الحاج بغدادي عليّ بمسئولية العمال المهرة وهم في أغلبهم بناءون وحجارون من أسوان . وبغدادي كما شرح لي ، قد آتى إلى القرنة ليساعدني فحسب ؛ فقد قال إنه قد كبر سناً على العمل ، ولكنه يود أن يفعل ما يستطيعه لمساعدتي على مواصلة المشروع الجديد ، من أجل العشرة القديمة . وهو فوق ذلك ، قد أحضر ابنه ، وهو أيضاً بنّاء ، قد درس في مدرسة الصنائع حيث حصل على دبلوم في النجارة .
ووضعت أحمد عبد الرسول على رأس العمال غير المهرة الذين جمعوا كلهم محلياً . وكان قد قُدم لي على أنه من أعيان القرنة ، رجل من أسرة ذات نفوذ ( ابن محمد عبد الرسول الشيخ المبرز ) وكان معتاداً على تشغيل العمال لحساب مصلحة الآثار .
________________________________________
* نسبة للتيوتون ، جنس جرماني قديم . ( المترجم ) .

والطوب كما يمكن تذكره ، يصنع من تربة تطهيرالترع حتى يتم لنا حفر البحيرة الصناعية ، ومن الرمل من
الصحراء ، و من القش الذي كنت أحاول شراءه . ولتوفير المياه لخلط الطين كنت قد اشتريت أربع مضخات يدوية من القاهرة ؛ وكنا نحتاج سباكاً لتركيب المضخات وصيانتها ، وأحضر عبد الرسول لي ابن عمه الشيخ إبراهيم حسن ، رجل ضخم خارق القوى ومزاجه جداً لطيف ، وسرعان ما قام بتشغيل المضخات . وقررت تشغيل خمسة وعشرين فريقاً كل من أربعة رجال لضرب الطوب ، وجهزهم لي عبد الرسول بمنتهى النشاط ، بل
وعرض أن يوفر لي خمسين أو مائة فريق لو احتجت لذلك . وهذه الفرق الخمسة والعشرون تنتج ما يقرب من 75000 قالب طوب في اليوم ، وبذا سنتمكن من جمع رصيد طيب من الطوب قبل الوقت الذي يتهيأ فيه بناءونا للبدء في البناء . وضاربوالطوب هؤلاء لم يأتوا في الحقيقة من القرنة وإنما من قرى مجاورة ، ذلك أنه يبدو عموماً أن الحرف تتجمع في أماكن معينة ، بحيث يمكنك مثلاً أن تجد مائة ضارب طوب في قرية واحدة و لاتجد واحداً في القرية التالية . وكان هذا مما يؤسف له نوعاً ما ، ذلك أن سياستنا كانت أن نشغل كل العمالة في القرنة إلا العمالة الماهرة بالذات . ولسوء الحظ لم نجد في القرنة إلا القليل جداً ! فقط أربعة حجارين واثنان من البنائين بين سبعة آلاف ساكن .
وكان ينبغي تحجير ما يلزم من حجر لأساسات القرية من أحد المحاجر ، إلا أنه لم يكن متاحاً غير مكانين قريبين وكان أحدهما شمال وادي الملوك ، فيما يلي المحاجر القديمة للملكة حتشبسوت ، و الآخر على مبعدة في الاتجاه المضاد ، إلى الجنوب من وادي الملكات . والمحجر الأول فيه حجر جيري صلب ، ملائم للأساسات ، بينما الثاني فيه حجر جيري هش لا يصلح إلا لصنع الجير . ولم يكن من السهل جداً تحجير الحجارة من أي منهما ، ذلك أن طبقات الحجر الجيري كانت تتبادل مع طبقات سميكة من كتل متجمعة تشبه الخراسانة الإسمنتية وتستغرق إزالتها زمناً طويلاً . وكان مما زاد مصاعبنا أسلوب العمل السيئ للحجارين السابقين من القرنة ، الذين نسفوا كل الحجارة المتاحة بسهولة أسفل سفح التل ، تاركين الجزء العلوي معلقاً على نحو خطر للغاية . والحجار الجيد يقطع في التل سلسلة من الدرجات .
وبالطبع لم تكن المصلحة لتطلق لنا العنان في منطقة آثار هامة هكذا حتى ننسف وننقل الحجارة حيثما نشاء ؛ وهكذا تكونت لجنة ، تألفت من كبير مفتشي الآثار في الأقصر ، وأمين جبانة طيبة ، ورئيس حراس الجبانة ، ومساعدي ، وإياي . وحددنا المنطقة المخصصة لنا ( ووضعت فيما بعد لوحة صغيرة على محجرنا ، كما كان يفعل القدماء ، تحمل تاريخ المجر والغرض منه ، ولكن هذا ساء كبير المفتشين ، إذ رأى أنه تصرف لا يليق وأزال اللوحة رغم أنها كانت في نطاق سلطة عملي ) .
ولتشغيل هذا المحجر انتويت إحضار حجارين من أسوان ، حيث ثمة تراث لم ينقطع من التحجير يرجع وراء إلى الأسرة الثامنة عشرة ، عندما كانت المسلات الجرانيتية تشق من الحجارة . على أنه لم يكن ثمة داع لإحضار الأسوانيين قبل أن نحصل على المفرقعات ، التي ثبت أن من الضروري لها أن نحصل على تصريح من وزارة الحربية .
كنت الآن قد ضمنت الحصول على موادي الخام ( فيما عدا القش ) هي والعمالة ؛ وهكذا لم يبق إلا أن أجمع الاثنين معاً . ولما لم يبد حتى الآن أي أثر للشاحنات ، فقد بدأت أستعرض وسائل النقل المحلية . وكانت من نوعين – الجمال والحمير – وكلاهما مكلف وغير كفء ، على أن الأمر سيكون أكثر تكلفة وأقل كفاءة لو أننا تركنا الحجارة تتكوم في المحاجر والبناءون ينتظرونها في الموقع ؛ ولم يكن في استطاعتنا تحمل تكلفة التعطيلات ، وهكذا طلبت من عبد الرسول أن ينظر في اكتراء بعض الحيوانات .
وأول بناء لنا كان يجب أن يكون مكتباً للرسم . وحتى ذلك الوقت كان ما لدينا هو خيمة الموقع ، الذي كان فيما عدا ذلك عارياً تماماً ، وكنا في الخيمة لا نستطيع أن نبسط قامتنا ونحن نعمل ولا أن نغلق على معداتنا أثناء الليل ورأيت أنه يمكننا بناء البيت الذي في الركن من الصف التجريبي بجوار الخان . ورغم أنه لم يكن لدينا حجارة للأساس ، فإنه أمكننا أن نقيم بناءً مؤقتاً ، أقيم على طوب محروق ، مما يعطينا بعض مكان نرسي فيه أنفسنا من فوق الموقع . ويمكن حتى فيما بعد أن نهدمه ونعيد بناءه أمتن .
وحتى يتم بناء ذلك طلبت من بغدادي أن يرسل لإحضار أربعة بنائين فوراً وأن يطلب من اثني عشر بناء آخرين الاستعداد للحضور . وطلبت منه أيضاً ستة عشر حجاراً ، ثم حولت انتباهي إلى الأجزاء الأخرى من جهاز العمل التي هي أكثر خللاً . كان بناءو الطوب قد أغاروا غارات كبيرة على القش الذي اشتريته ، أما القش الذي يفترض أن تطلبه الإدارة لي فلم يكن من المتوقع بعد وصوله ، على أنه لم يكن هناك أي أثر لاحتياجاتي الأخرى الشاحنات والسكك الحديدية ، كما لم يصلني أي رد على خطاباتي للإدارة التي استفسر فيها عن سير الأمور ولم يكن في هذا الصمت ما يريح ، وهكذا انتظرت حتى حضر البناءون الأربعة وبدأوا ببناء أول بيت ، ثم أخذت القطار إلى القاهرة لأرى ماذا يحدث . كما كان في وسعي أيضاً أن أنتهز الفرصة لتقديم شكوى بشأن مساعدي الذي لم يكن يمكنني الاعتماد عليه .
وذهبت إلى عثمان رستم ، واكتشفت أنه يتأهب لمغادرة القاهرة . فقد عين مديراً لمدينة يافا ؛ وكان هو الشخص الوحيد في الإدارة الذي يفهم خططي ويشجعها ، وها هو يتم إرساله بعيداً . وعلى أي حال ، فقد أخبرته كيف أن مساعدي قد خطط المسجد موجهاً إياه بعناية إلى فندق ونتربالاس في الأقصر بدلاً من أن يوجهه إلى مكة ، وكيف أن عليّ أن أعيد فحص كل شيء أعهد له بالقيام به ، وكيف أنه مشغول بأن يحدث انطباعاً في رؤسائنا أكثر من أن يقوم بعمله جيداً ؛ وطلبت بديلاً له . ثم استفسرت عن قشي ، لأجد أنه لم يحدث إطلاقاً أي إعلان بطلبه ، وأنه ليس من أمل في الحصول عليه لمدة أربعين يوماً آخر على الأقل .
أما بشأن مساعدي فقد قال عثمان رستم أنه سيفعل كل ما بوسعه لمساعدتي ، وأخذني إلى مدير عام الآثار ، الأب درايتون ، الذي وافق على أن أحصل على مساعد أفضل . ولكن من ؟ ما من مهندس معماري في المصلحة في القاهرة يريد أن يغادرها ؛ ومعظمهم في الحقيقة يعتبرون بصراحة أن الأقصر بمثابة المنفى ولم أكن أريد مساعداً يعتبر نفسه سجيناً لدي . وتذكرت أخيراً واحداً من طلبتي ، صلاح سعيد الذي كان يبدو مهتماً بنوع المباني التي أبنيها . واتصلت به وسألته إن كان يحب أن يأتي إلى القرنة . وقال أنه سيفعل ذلك ، وإن كان والداه قد عارضا معارضة شديدة جداً ، وهكذا تك إعفاء مساعدي من مركزه وحل صلاح سعيد مكانه .
ولا حاجة للقول بأن مساعدي السابق بدأ في التو شن حملة ضدي ، ووجه حملته هذه أول الأمر إلى مساعدي الجديد ؛ وأخذ مختلف الناس يهمسون له محذرين إياه من المكائد الميكيافيلية التي تقلب حياة الموظف في مصلحة الآثار ومن المكر الشيطاني لأهل القرنة أنفسهم . وبالطبع فقد ثار قلقه ، ولكنه لم يذكر شيئاً .
وبعد أن فعلت ما استطيع لتعجيل استلام شاحناتي وقشي ، حصّلت من قسم الفيزياء الأدوات التي نسيها مساعدي وعدت إلى القرنة مع صلاح سعيد . ووجدنا أن العمل قد تقدم تقدماً كبيراً في أول بيت وأن هناك كميات جيدة من الطوب والحجر في انتظارنا ؛ وهكذا أرسلت في طلب البنائين ألاثني عشر الآخرين الذين كانوا متأهبين في أسوان وذلك حتى أدفع بالعمل في باقي صف البيوت . وحضر البناءون وسرعان ما استهلكنا كل قشنا . ولما كنت لا أستطيع إبقاء ضاربي الطوب والبنائين وهم في انتظار ما سيفعله الموظفون ، فقد قررت أن أشتري القش من حساب يشرف عليه تفتيش الأقصر لشراء البنود الصغيرة . وكان من غير المسموح أن نسحب من هذا الحساب أي بند تزيد قيمته عن خمسة جنيهات ، وهكذا اضطررت لشراء قشي في حفنات أو ما يقرب ؛ أي بما يساوي خمسة جنيهات كل يومين أو ثلاثة .
أما مهمة تعيين العمال – التي قام بها عبد الرسول بما يثير الإعجاب حتى ذلك الوقت – فكانت مهمة أثارت حسد الكثيرين ، ووصلني ذات يوم خطاب من أمين الجبانة ، يخبرني أن بعض العمال عندي معروف عنهم أنهم لصوص مقابر ، وهكذا فإنه ينبغي فصلهم . واستمر الخطاب ليذكر أن الأمين له حق الإشراف على شئون المصلحة في هذه المنطقة ، ولذا فإنه صاحب الحق في تعيين العمال ، وهو حق يطلب مباشرته فوراً . وفهمت أن زعمه هذا كان بناءً على تحريض من خفرائه ، الذين أرادوا أن يكون لهم يد في تشغيل العمال ، وأنه هو نفسه لم يكن حقاً ينبغي هذا ، وهكذا فقد رددت عليه ، مبيناً أن إحدى الفوائد المتوقعة من مشروعنا هي أنه سيبعد الناس عن سرقة المقابر ، بحيث أننا ينبغي أن نرحب بأكبر عدد ممكن من لصوص المقابر . وعرضت عليه أيضاً أن أجعله المسئول الأول عن جلب العمال لو أنه وعدني كتابة أن يوفر لي العمالة التي أحتاجها بالقدر الكافي في الوقت المناسب ، بحيث لا يتعطل البناءون . وفي الحال تخلى عن مطلبه .
وكان ثمة المزيد من المتاعب بشأن استخراج الرمل – وهو ليس بالذات من المعادن النادرة في مصر ، ولكن عندما ذهب عمالي لحفر بعض الرمال ، خرج إليهم سكان أقرب نجع وأوقفوهم قائلين أن العمال أغراب وليس لهم الحق في حفر الرمال هناك . وكان ذلك ثانية بسبب اعتقاد القرويين أنه كان يجب أن يُعطى العمل لهم أنفسهم .
* * *

- المسجد في 1948













القرنى الماكر:
ذات يوم أتى واحد من أهل القريه كان رجلا ضخما يداه في ضخامة مضرب التنس , ووقف عند الباب وهو يثنيهما معا في اضطراب ناظراً إلى الأرض مغمغماً وهو يقدّم نفسه في خجل . إنه الشيخ محمود ، وقد أتى ليخبرني بمدى إعزازه لي . وهو يعتقد منذ زمن طويل أني رجل طيب جداً ؛ ومهندس معماري معروف ، وإداري أمين نشط ، وأني أساوي نصف دستة من أي من الموظفين الآخرين في المصلحة . وتضرج وجهي تواضعاً ، وانتظرت لأرى ماذا يرد . وواصل حديثه محذراً إياي من المؤامرات الأفعوانية التي تحدق بي ، وأدلى لي مجاناً بمعلومات وافرة عن النوايا الشريرة لكل من قابلته في القرنة ، وتوسع في ذكر مصير العديدين من الموظفين سيئي الطالع ممن اتخذوا مكاناً لهم في الفولكلور المصري عندما وقعوا ضحية للمكائد المصلحية . وأنهى حديثه وسط شلال آخر من المجاملات ، بأن قال أنه سيعد تنازلي بشرب القهوة معه في اليوم التالي أكبر شرف يناله في منزله . ووافقت وقد ضعفت نوعاً أمام فصاحته ، ولرغبتي أيضاً في معرفة أهل القرنة معرفة أوثق .
وفي اليوم التالي ، في الساعة العاشرة ، ذهبت إلى بيته حيث استقبلني بالمزيد من التحيات السلطانية ، التي كنت سأرحب بها أكثر لو أتتني مثلاً من المدير الجديد الذي حل مكان رستم ، وهو مثال للموظف الحكومي المهم لم أشعر باي ارتياح له . ودعاني محمود للداخل . ودخلت وذهني مملوء بالحكايات التي تروى عن كرم الضيافة الهائل البدائي عند الفلاح ، وأنا أدرك تماماً حسن حظي في أني قد دعيت هكذا لأشارك هذا الرجل قهوته ، بينما أحس أيضاً بشيء من العصبية خشية أن أفعل ما يسئ بطريقة ما للقانون السلوكي الصارم الذي يسود بين هؤلاء القوم الذين وإن كانوا فقراء إلا أنهم ذوو نبل . وقدم الرجل لي زوجته – وهذا يعد تبسطاً مذهلاً بين أفراد عشيرته – وأمسكت هي بيدي وقبلتهما بقوة وأنا محرج أيما حرج . ثم جعلني أجلس ، وبينما كان يقدم قسطاً آخر من تحياته وحكاياته المحذرة ، أتت زوجته ومعها علبة سجائر قديمة من الصفيح تمتلئ بالجعارين وبأحجار شبه نفيسة – عقيق وما أشبه – ودفعت بذلك بين يدي ، بينما أمرني هو أن اختار أياً مما أشاء . وقلت له (( إنه أنا الذي ينبغي أن أحضر لك الهدايا )) (( إن هذا لا يليق مطلقاً )) ورفضت ، بينما هو يلح ، ولكني لم آخذ شيئاً ؛ وهكذا وضع الصندوق بعيداً ، وذكرني في شيء من الاحتداد أنه حتى النبي قد قبل الهدية . ثم عاد بالحديث إلى الموظفين المهمين الذين عرفهم – البروفسير فلان والدكتور علان – وشرح لي أنهم جميعاً عرفوه ووثقوا به ، وأنه في الحقيقة الرجل الوحيد الذي وثقوا به . وأخيراً طلع بها . هل يمكنه أن يعمل كملاحظ ؟ إنه يُحترم أقصى الاحترام في القرية ويستطيع أن يضمن لي ألا يشغل أحداً إلا من كان رجلاً أميناً جاداً في عمله . ومركزة أخرى بارق طريقه ممكنة ، على ذكر ما هو معروف عني من فطنة وعدالة ، وهز رأسه في أسى وهو يذكر قصة موظف كبير آخر ، أصم أذنيه عن كل نصيحة مخلصة ، فدُبرت له المؤامرات وفُصل من الخدمة على نحو شائن وما لبث أن وقف ، وأمسك بيدي وأنزل عينه محملقاً إليّ في جد ، وأقسم بكل وأعظم الأيمان المقدسة في ديننا أنني لا بد أن أشرب فنجان القهوة . والحقيقة أني شعرت أنه لا بد لي من ذلك ، فقد بقيت الآن هناك طيلة ساعة ونصف الساعة . ثم مر الوقت ، ومحمود ما زال يثرثر ثرثرة متصلة ، وهو من آن لأخر يلمح بشدة إلى العمل الذي يطلبه ، حتى أتت زوجته حوالي منتصف النهار ومعها صينية كبيرة . وانتعشت معنوياتي ، وكدت أحس بطعم القهوة وهي تنبهني وتنعشني ، ثم وضعت الصينية بحيث أمكنني رؤيتها . وكان يقبع عليها نمط من الطهي الفلاحي هو أكثر ما رأيت تنفيراً وقذارة وصفاراً وامتلاء بالشحم .
كانت تلك الفطيرة ، فطيرة ضخمة لزجة ، أصابني مجرد النظر لها بتسم غذائي . ومر بذهني كل الحكايات التي سمعتها عن الكبرياء القروي ، وكيف أنهم حساسون ، يسارع إليهم الشعور بالمهانة عند أدنى بادرة . وفكرت بالبدوي الذي ينحر آخر جمل لديه لإقامة وليمة لعابر سبيل عارض . ثم فكرت في موقفي بين أهل القرنة ؛ واتخذت قراري . ونهضت واقفاً وأقسمت بأعظم الأيمان المقدسة في ديننا أنني إنا أتيت لشرب القهوة وليس لأتسمم ، وأنني لن ألمس لقمة من فطيرته المقززة ، وأني إن لم أصب شيئاً من القهوة فسوف أرحل .
ولم يبد عليه أنه قد أحس بالإساءة كثيراً ؛ وهكذا جلسنا وانتظرنا برهة أخرى . وبعد ربع ساعة أو ما يقرب ، وصلت القهوة . وتناولت الفنجان ممتناً وكنت على وشك أن أشرب منه عندما رأيت أنه مسود بالقذارة ، وأن من الواضح أن حرفة المشطوف الملوث لم ير قط أي ماء ولا منشفة ، ولم أستطع أبداً أن أضعه على شفتي . وعندها كانت مشاعري تماماً فيما يتعلق بإيذاء المشاعر القروية ، ولا بد أن الشيخ كان قد أخذ يتعود على وقاحة أهل المدينة ؛ ووضعت القهوة لأسفل وشكرت مضيفي بأدب ، ورحلت ، وأنا أدير في رأسي المشاريع لإقامة مركز صحي يمكن لنساء القرنة أن يحضرن فيه دروسا عن الطهي . وحتى أوزع العمل بأكثر ما يمكن عدالة ، رأيت أن أسأل شيخ كل نجع أن يعطيني قائمة بكل الأفراد اللائقين في النجع كعمال ، بحيث يمكنني تعيين عدد معين من العمال من كل نجع ، يتناسب وعدد سكانه . وكتبت للمشايخ أشرح فكرتي ، ولكن أحداً لم يرد عليّ . ( واكتشفت فيما بعد أنهم يرفضون الإقرار على الورق بأي شيء قد يفسر فيما بعد على أنه يدل على الموافقة على نقل القرنة إلى الموقع الجديد ) . وأخيراً أحضرتهم جميعاً في بيت الشيخ محمود ، الذي كان ابناً للشيخ الطيب ، ذلك الرجل المبجل . وأخبرني المشايخ في اجتماعنا أنهم قد فوضوا من قبل عبد الرسول والشيخ محمود – صديقي صاحب الفطيرة – تفويضاً كاملاً لجمع العمال نيابة عنهم . وهكذا وصل المر بي في النهاية إلى محمود ؛ و لاشك في أنه قد مارس دبلوماسيته على إخوانه المشايخ بما فيها من أفضل تأثير .
ورأيت أن الأفضل أن أفصل فصلاً حازماً ومحدداً بين دائرتي نفوذ عبد الرسول ومحمود . وقد اثبت عبد الرسول نفسه بالفعل كملاحظ عمال جيد جدير بالثقة ، وكان عارفاً بالعمل في الموقع ، وهكذا تركته مسئولاً عن كل العمالة غير الماهرة هناك – ضاربي الطوب ، وحمالي المواد . أما الشيخ محمود فقد أرسلته بعيداً إلى المحاجر ليجمع العمالة غير الماهرة ويشرف عليها هناك عيب واحد في جعل عبد الرسول ملاحظ عمال ؛ فمن المؤكد أنه كان يأتي بالعمالة ، ولكنه كان يتحمس لذلك بأكثر مما ينبغي . ولو كان الأمر بيده لجعل القرية كلها ، رجالاً ونساءً وأطفالاً في قوائم عمالنا . وقد أحضرنا ذات مرة سباكاً لتغيير الفلكة ( الوردة ) لإحدى المضخات ، واكتشفت في نهاية الشهر أنه مازال يعمل عندنا . وأصبح من المستحيل عملياً متابعة كل العمال الذين أخذوا والتثبت من إنجاز العمل ، ولم يكن صلاح سعيد التعس يفعل شيئاً طول يومه إلا أن يجاهد مع قوائم الأجور والإيصالات . وفي النهاية جلست لهذه المشكلة ، وبعد أربعة عشر يوماً من الجهد المركز خرجت بنظام محاسبي محكم يمكننا من أن نعرف بالضبط من الذي يُدفع له الأجر ، وعن أي عمل ، وما إذا كان قد أنجز هذا العمل . وحسب هذا النظام الذي شرحته شرحاً تاماً في الملحق ( 1 ) ، لا يمكن لعامل أن ينال أجراً لعامل أن ينال أجراً إلا إذا كان هذا مسموحاً به حسب تقدير قد تم صنعه قبل أن يتم أي جزء بعينه من العمل . وهذه التقديرات تقدر حسب قواعد معينة قد وضعناها لأنواع العمل المختلفة . وقد مكننا هذا النظام أيضاً من ان ندرك في لمحة حالة موادنا للبناء ومواردنا المالية وأن نستخرج من حساباتنا الضخمة ، التكلفة المعينة لأي بناء بمفرده . بل إنني أستطيع الآن أن أحدد لك لأقرب قرش سعر كل عنصر منفصل في احد البيوت ، وكأنني أبيع في دكان أشياء مسبقة الصنع من قباب ، وجدران ، وأقبية ؛ ويمكنني جمع الأسعار لأخبرك كم سيكلفك منزلك المكتمل .
وعندما تم تنظيم العمالة والتحكم فيها هكذا ، أخذت في تشغيل المزيد من البنائين في مهمة البناء الحقيقية . وأحضرت اثني عشر بنّاء آخر من أسوان ووجدت البعض في الأقصر ، بحيث لم يمض وقت طويل إلا وكان عندنا أربعون بنّاء كلهم يبنون البيوت بأسرع ما يمكنهم . وركزنا على مجاورة الخان . وبدأ أول شارع ينمو لتتضح معالمه سريعاً جداً . وكنت جداً منفعل إذ أرى قريتي وهي تتخذ شكلها تحت عيني ، وكان صبري جد نافذ حيال كل ما نخبره من تعطيلات . وحفرنا أساسات المسجد ( وقد وجه التوجيه الصحيح هذه المرة ) وكنت سأبدأ العمل فيه أيضاً ، ولكننا كنا مازلنا نعتمد على الجمال في الحصول على حجارتنا ، وكان وضع أساسات المسجد يتطلب حجراً أكثر مما يمكنه توفيره هكذا ، حتى ولو أوقفنا كل عمل آخر ، ذلك أنه كان مبنى كبير جداً . وكنت أنتظر الشاحنتين اللتين طلبتهما بمجرد أن عرفنا بأننا حصلنا على الموقع في أغسطس 1945 . وأخيراً في 10 ديسمبر 1945 وصلت شاحنة واحدة ، وكانت الأخرى قد وصلت لحيازة المصلحة ولكنها خصصت لأحد الأثريين ممن لهم أصدقاء أكثر مني . وبعملية حسابية بسيطة تبين أننا بهذه الشاحنة الواحدة سنستغرق ثلاث عشرة سنة لننقل إلى موقع الحجارة المطلوبة للأساسات وحدها . وبينت ذلك للمصلحة في خطاب ، وذكرتهم أيضاً أنني لم أتسلم معدات التحجير التي طلبتها .
ولا حاجة للقول بأنه لم يكن هناك بعد أي أثر للقش ، وسرعان ما تنامت هذه المشكلة لتصبح أكبر مشاكلي . واضطرت لاختصار عدد فرق ضاربي الطوب من خمسة وعشرين فريقاً إلى ثمانية ، وبالتالي حذفت عدداً من البنائين ، واحتفظت فقط بالأسوانيين ، الذين لم أكن استطيع إعادتهم ثانية لبلدهم البعيد . وكان هؤلاء الرجال قد عانوا من قبل بما يكفي بسبب ما يحدث من تأخير طويل قبل أن تصلهم أجورهم ؛ وكان على الكثيرين منهم أن ينتظروا ، وأن يظلوا يعملون لشهور ثلاثة قبل أن يروا أي أجر على الإطلاق . وكان أهل القرنة يتمكنون في سعادة من هؤلاء الرجال التعساء ويقرضونهم الطعام والنقود بفائدة باهظة ، بحيث لم ينل الأسوانيين شيئاً قط من عملهم في القرنة ، وذلك فيما عدا قلة منهم .
* * *
القشة التي قصمت ظهر البعير :
حتى أجعل حركة العمل مستمرة ، واصلت شراء القش بكميات كبيرة ضئيلة من حساب احتياجاتنا البسيطة المحتفظ به في الأقصر . وهذا الحساب لا يزيد رصيده على عشرين جنيهاً ، وهكذا فإن تكرار شرائنا للقش بخمسة جنيهات كل يومين أو ثلاثة ، كان يستنفذ هذا الحساب باستمرار ، والحقيقة أنه ما كان ينبغي أن استخدم هذا الحساب بهذه الطريقة ، ولكن البديل الوحيد لذلك كان أن أتوقف عن العمل تماماً ، الأمر الذي سيكون أكثر تكلفة إلى حد بعيد .
وتصادف حوالي ذلك الوقت أن سمعت من أحد الأصدقاء عبارة مفيدة جداً : (( إنني أعدك مسئولاً عن إهدار الأموال الحكومية )) . وكتبت إلى الإدارة لأخبرها بما أصاب عملنا من بطء واتهمتهم بإهدار الأموال الحكومية إذ يماطلون بشأن القش . ومن الواضح أن ذلك أصاب منهم موضعاً حساساً ، ذلك أنهم ابتكروا خطة بارعة للتخلص نهائياً من كل مشروع القرنة .
والحقيقة أنهم قاموا فعلاً باستعجال مسألة الحصول على عطاءات للإمداد بالقش وفي البت في هذه العطاءات ، ولكنهم في دهاء بالغ كلفوا الموظف الذي أرسلوه لتسيير إجراءات البت بمهمة إضافية هي أن يوجد أي عذر لإيقاف المشروع كله .
وبعد بضعة أيام من استطلاع مثابر ، كتب هذا الشخص تقريراً لأسياده بوجود مخالفتين خطيرتين في عملياتنا . فقد حولنا حساب المصروفات الصغيرة المحلي لأغراض خبيثة بإنفاقه كله على القش ، كما أن معظم هيئة العاملين عندنا غير مؤهلين لوظائفهم . وهذا الاتهام الثاني وإن كان ما يبرره ، إلا أن من الغريب أنه يأتي من نفس الموظفين الذين فرضوا هؤلاء المساعدين غير المؤهلين عليّ . وعلى كل ، فقد نجحت خطتهم ، وتم بأسرع وقت اتخاذ قرار بوقف العمل في القرنة فوراً ونقل كل المسئولية بأسرع ما يمكن إلى وزارة ما أخرى . وتجسد هذا القرار في تقرير كبير دار على كل المصلحة لتجمع عليه التوقيعات والأختام . ووصل أخيراً إلى مكتب وكيل الوزارة شفيق غربال ، إلا أنه بكل ما هو أهل له من ثقة عظيمة ، لم ترهبه التوقيعات المكدسة لأفراد مصلحته ورفض أن يوقع عليه .
وكان من هذا الرفض غير المتوقع أن أسقط في يد المتآمرين تماماً ، ووجدوا أنفسهم في التو وقد وقعوا في شباكهم هم أنفسهم . وتم صرف الموظفين غير المؤهلين وسرعان ما عرفوا أن الإدارة هي التي صرفتهم . وأحسوا بأشد النقمة على رعاتهم السابقين وأخذوا في نشر الشيء الكثير من الشائعات الخبيثة ، التي لم ألق سمعاً إليها ؛ وكنت جداً سعيد بالتخلص منهم ، ولم اهتم أدنى اهتمام بتبرير شأنهم الأمر الذي ربما يؤدي إلى إعادتهم .
كان المتآمرون جداً واثقين من النجاح حتى أنهم توقفوا عن شراء المزيد من مواد البناء ، وهكذا فعندما عاد نظام الشراء إلى فعاليته ثانية كانت السنة المالية قد انتهت . وحتى استفيد بما تبقى من ميزانيتنا اشتريت مواسير للمياه للمشروع كله – 10.000 متر ؛ ورغم هذا فقد أعدنا للمالية 6000 جنيه مما كان مخصصاً لنا . وقد عملنا إجمالاً ثلاثة شهور ونصف الشهر من بين عشرة ، وبنينا شارعاً واحداً صغيراً .
خطة لكسر الجسر :
في الوقت السابق مباشرةً لرحيلي للإجازة في صيف 1946 ، سمعت إشاعة مزعجة للغاية . فقد قيل أن بعض أهل القرنة يخططون لهدم القرية النامية بأن يكسروا الجسور التي تحجز مياه النهر بعيداً أثناء الفيضان السنوي . وكما سبق أن شرحت ، فإن الكثيرين من أهل القرنة لم يكونوا سعداء على الإطلاق لما يُرتقب من أنهم سيغادرون أكواخهم التي تجلب لهم الربح بموقعها بين المقابر ، وأنهم سيكون عليهم أن يعملوا ليكسبوا عيشهم . وسيكون من السهل عليهم جداً والنهر في قمة فيضانه أن يتسللوا زاحفين في ليلة ظلماء وينقبوا الجسور التي تحمي الحوش . وعلى الفور اتخذت احتياطاتي ؛ واشتريت الكثير من حزم البوص لتساعد في سد أي ثغرات قد يتم إحداثها ؛ ونظمت حراسة دائمة من اثني عشر خفيراً لحراسة الجسر الغربي ( وكان هذا جسراً خاصاً يمتلكه كامل بولس ؛ أما الجسور الثلاثة الأخرى فتمتلكها الحكومة وكانت مخفورة جيداً ) ؛ وجعلت عمدة القرنة يوقع إقراراً بأنه هو نفسه المسئول عن سلامة القرية الجديدة ؛ وبلغت الإدارة هي والرئيس المحلي للشرطة بالتهديد وما اتخذته من إجراءات ضده . وكان فيضان النيل في ذلك العام عالياً علواً غير معتاد ، ولكن أحداً لم يحاول إدخاله إلى القرنة الجديدة .
* * *
الموسم الثاني : 1946- 1947
القش ثانية :
رغم أننا الآن قد حصلنا من حيث المبدأ على إذن بشراء المواد والمعدات ، إلا أنه كان علينا أن نبدأ ثانية منذ البداية بأن ندعو لعطاءات توريد القش . وهكذا لم نحصل على القش في الموقع إلا في 15 أكتوبر 1946 ، واستطعنا أن نبدأ العمل . وكان لدينا أيضاً إذن بشراء ثلاث شاحنات أخرى ، ولكنها لم تظهر إلا في وقت متأخر جداً عن ذلك ؛ كما لم يظهر مساعدونا الجدد المؤهلين بما يناسب ، والذين عينوا من منطقة قنا . وطوال ذلك الوقت كان المدير الجديد للقسم الهندسي الذي حل مكان رستم معوقاً للغاية . وكتبت له مراراً وتكراراً عن الشئون العاجلة المتعلقة بالقرنة – وذلك غالباً بشأن عدم ظهور الشاحنات والمساعدين – ولم يرد على أي من خطاباتي .
ورغم هذه المزعجات فإن العمل بدأ بداية جيدة جداً ، وبنينا معظم ساحة السوق ، وأتممنا الخان ، وأعدنا حفر أساسات المسجد . وفي نوفمبر 1946 أنبئت بأن مبلغ ال 15.000 جنيه المسموح به لي في هذا الموسم لم يبق لي منه إلا 6831 جنيهاً . وكنا قد اشترينا بالفعل معظم موادنا ، ولما كانت قائمة أجورنا الشهرية تبلغ حوالي 1000 جنيه ، فقد حسبت أننا نستطيع العمل لسبعة شهور أخرى ، حتى نهاية يونيو 1947 . ثم وصلني في 29 ديسمبر 1946 خطاباً من إدارة الحسابات يقول أنه لم يتبق لنا إلا 1403 جنيهات ( رغم أنني لم اشتر شيئاً منذ نوفمبر ولم أدفع أكثر من أجور شهر واحد ) وحذرتني إدارة الحسابات من أنني لو تعاملت بالدين لأجور بأكثر من هذا المبلغ فإن الإدارة لن تسد هذا الدين . وكما اتفق، كنت قد أنفقت بالفعل أكثر من هذا المبلغ عند وصول الخطاب إليّ ، وعلى أي حال فما كنت أستطيع أن اخرج للملأ وأخبر كل واحد أن يرمي معداته ويعود لبلده . وكتبت رداً غاضباً لأقول أننا لا نلعب في روضة أطفال ، حتى نبدأ العمل ثم نوقفه كل بضعة أسابيع ، وأن لدينا عدداً من المباني نصف المكتملة لا يمكن تركها على هذا الحال . وعلى أي حال فما كان يمكننا أن نواصل العمل دون نقود؛ وهكذا انتهى العمل بالتوقف ثانية في يناير 1947 ، ليُستأنف في سبتمبر .
* * *
المضخة :
أثناء الموسم الثاني لاقيت المثل السيئ بالذات للموظف الذي يستخدم مركزه لابتزاز فلاح لا حول له. فقد وجدنا أن المضخات اليدوية التي كنا نستخدمها لإمداد الموقع بالمياه لا تستطيع إمداد بما يكفي : وبالتالي فقد طلبت من الإدارة وحدة مضخة بمحرك. وردوا عليّ ليخبروني أن المحرك والمضخة سيتكلفان 140 جنيها والمواسير 460 جنيها بإجمالي 600 جنيه. ولما كان هذا أكثر مما نستطيع تحمل تكلفته حقاً ، فقد أخذت أبحث عن طريقة ما للتوفير . وعندما أصبح معروف أنى أطلب مواسير ، ذكر لي إبراهيم حسن أن لديه ما يقرب من 20 متر من المواسير فوق أرضه لم يعد محتاج إليها وعرض أن يبيعها كلها لي وأن يركبها في الموقع مقابل 45 جنيها. وأوصلت هذا العرض في التو إلى الإدارة ، وكالعادة لم يردوا عليّ . وكتبت مرة ثانية، ووصلني خطاب بالرد من الهندسة الميكانيكية يقول أن الثمن منخفض جدًا جدًا جدًا _ بما يشير إلى أن هذه المواسير لا يمكن أن تكون جداً صالحة. ومر شهران ، وأخبرتني الإدارة أثناءهما عندما حدث وردت على خطاباتي ، أن هذا الطلب يجب أن يتم عرضه على وزير المالية ليوافق عليه ؛ على أنهم لم يرسلوه عليه ، وبقيت دون مضختي ، وإن كانت قد حسب حسابها بالفعل ضمن المشتروات التي التهمت ميزانية هذا العام ، وسوف توضع في ميزانية العام القادم إن لم يتم شراؤها وتركيبها أثناء موسم العمل الجاري . وكنت من قبل منزعجاً للطريقة التي يبدد بها البيروقراطيون النقود - فمثلا في حالة الشاحنات الثلاث التي طلبنا شراءها أخبرنا أننا يجب أن نأخذ معها هياكلها المصنعة تصنيعاً خاص لها بسعر 200 جنيه للهيكل الواحد ، بينما توجد هياكل من مخلفات الجيش تباع بسعر 15 جنيها للواحد- وهكذا كتبت خطاباً أبين فيه أني أحاول أن أوفر 415 جنيها من ميزانيتنا ، وكررت تهديدي بأني سأعد الإدارة مسئولة عن إهدار الأموال الحكومية . وجعلهم هذا التهديد يمرون الطلب إلى وزارة المالية؛ وبعد ذلك مباشرة كنت في مكاتب المصلحة عندما همس لي أحد الموظفين هناك بأن من الحكمة أن أحصل على المواسير مقابل 45 جنيها؛ ولما كنت أنا الذي قلت بمبلغ الخمسة والأربعين جنيها، فإنني لم أفهمه وقتها ، وظننت أنه يحاول يتواقح . وعدت إلى القرنة ولاحظت أن إبراهيم حسن الذي كان عادةً يحرص على الحضور للقائي في المحطة ، كان غائباً مما ينذر بالسوء . وعندما لم يظهر طول اليوم ، أرسلت أحدهم في طلبه وقال الرسول أنه في الأقصر ؛ وهكذا أرسلت مرة ثانية في اليوم التالي ، ونبهت على الرسول ألا يعود بدونه . وحين تمك إحضار إبراهيم في النهاية ليراني ، أخبرني أنه قد سحب عرضه ، الذي كان منخفضاً جداً جداً جداً ، وأن عملية دق المواسير تكلف وحدها أكثر من 45 جنيهاً ، وأن ثمن المواسير نفسها سيكون 700 جنيه . وغضبت منه أشد الغضب ، ولم يفلح توبيخي له في زحزحته وقررت في النهاية أن أجعله يفسر مسلكه هذا على الملأ . وطلبت من عديد من أقاربه أن ينضموا إلى مساعدتي وإلى الناس الذين سمعوه بالفعل وهو يقدم عرضه بحيث يمكننا أن نشكل نوعاً من (( محمكة قبلية )) يستطيع إبراهيم أن يفسر فعلته أمامها . ورفض إبراهيم أن يذكر شيئاً من أنه لا يستطيع تنفيذ عرضه ، ولم يزد على أن ظل واقفاً هناك في عناد وقلق . وفي النهاية علقت بمرارة بقولي أن الواحد يستطيع أن يحدد ثمناً لمعظم الأشياء، على أن الإنسان لهو فوق أي ثمن إلا لو وضع لنفسه ثمناً بأن يسحب كلمة الشرف منه . والآن ، فإني أعرف ثمن إبراهيم . إنه 700 جنيه . ويمكنني أن أكتبه على بطاقة ألصقهاعلى ظهره . ثم التفت إليّ أحد أصدقائي ممن كانوا يرقبون هذ ه الإجراءات ، وهو المصور ديمتري بابا ديمو وقلت له بالإنجليزية ، (( كم كنت أود لو أني تعاملت مع جاري ( الشيخ علي ) . فأنا أعرف أنهم جميعاً يمكنهم فهم الإنجليزية ، وأن تعليقي سيكون له تأثيره أعظم لأنه في الظاهر غير موجه لهم . وعندها قفز الشيخ على قدميه وصرخ في إبراهيم : (( لا يمكن أن يكون بيننا في العائلة رجل يخل بكلمته . وأقسم لك الآن أننا سوف نرميك بالرصاص )) . وعندها انهار إبراهيم التعس وأخذ يبكي . وأخيراً قال أنه سيذكر لنا الحقيقة كلها . فقد جاء من القاهرة المهندس الميكانيكي للمصلحة ومعه رئيس قسم المخازن ، وأُحضر إبراهيم إلى مكتب الأمين ليلقاهم . وهناك في حضور أحد كتبة التفتيش ، سألوه عن عدد ما يحوزه من فدادين الأرض . وأجابهم إبراهيم أنها خمسة . (( إذن فسوف تفقد الفدادين الخمسة كلها لو قمت بتلك العملية مقابل 45 جنيهاً . إن الثمن الملائم للمواسيرهو 700 جنيه . لقد غشك فتحي ، وعلى أي حال فإنه ليس لديه سلطة التوقيع على هذه العملية ؛ وأنا من له هذه السلطة . وإذا لم تعدلتخبره بأن الثمن هو 700 جنيه ، سنخرب بيتك أنت وعائلتك
كلها )) .
وقلت لإبراهيم بعد اعترافه هذا أنه كان ينبغي أن يحضر لي في التو . وشرحت له أن سعره الأصلي كان سعراً عادلاً ، لأن الثمن الجاري للمواسير هو 90 قرشاً للمتر ، مما يجعل كل إجمالي ثمنها حوالي 18 جنيهاً ويبقى 27 جنيهاً لدق المواسير .
وإذ هدأت من روعه هكذا ، وافق على سعره الأصلي ووقع أمام كل الشهود اتفاقاً بهذا المعنى ، وهو مازال يبكي . وعلق ديمتري بأنه يبكي بإحدى عينيه خجلاً وبالعين الأخرى حسرةً على الجنيهات السبعمائة . وبعد هذا الدليل المذهل على سوء النية المتعمد عند أفراد بعينهم في المصلحة ، سمحت لنفسي بتصرف واحد من المكر الدنئ حتى أكشفهم . وأرسلت خطاباً للمدير العام ، ولكني لم أذكر فيه شيئاً عن الاتفاق النهائي مع إبراهيم ، بحيث لا يدري أحد أن العملية سوف تتم رغم كل شيء مقابل 45 جنيهاً . وسألت فحسب كيف يجرؤ هؤلاء الناس على الاتصال بأحد الموردين في محاولة لأن يجعلوه يخل باتفاقه . وجاءني رد غريب جداً ، يذكر أن المهندس الميكانيكي قد اتصل بإبراهيم قبل أن تصل للإدارة موافقة وزير المالية على طلبي ، فليس هناك أي مخالفة . واستطرد الخطاب ليقول أنني الآن ملزم بإنهاء العملية بما لا يزيد على 45 جنيهاً . وكان هذا الخطاب شاذاً في أنه قد تم توقيعه من المدير العام نفسه دون أي توقيع آخر . ولم يكن عليه حتى ولا الحروف الأولى لاسم الطابع . إلا أنه كان باللغة العربية ، والمدير العام – مسيو درايتون – لا يستطيع القراءة العربية ( فهو وإن كان يوقع اسمه بالعربية ، إلا أنه كان يرسم هذا التوقيع )
ورغم هذا فقد رددت بخطاب أطلب فيه تحقيقاً رسمياً في تصرف المهندس الميكانيكي ، ورئيس قسم المخازن ، وكاتب التفتيش . وذكرت أيضاً أن العملية المذكورة قد تم إنجازها مقابل الجنيهات الخمسة والأربعين المتعاقد عليهاً أصلاً ، مبيناً بذلك فشل المؤامرة . ولم يصلني رد على هذا الخطاب .
وفي وقت لاحق ، حينما أظهر القصر اهتماماً بالقرنة ، أرسلت تقريراً بهذه المكيدة بالذات ، ووصلني في التو برقية من وكيل الوزارة تقول أن اتهاماتي خطيرة للغاية وأنه سيأتي شخصياً لتقصي الأمر .
وأتى الوكيل ثم أرسله محامياً من المصلحة . وفيما كنت أروي القصة لهذا المحامي ، ظل يتواثب مرتاعاً وهو لا يكاد يصدق أذنيه . ثم قال (( ولكن هل لديك دليل كتابي ؟ )) وكنتيجة لتحقيقاته تبين لنا أن المهندس الميكانيكي طاف على كل موردي مواد البناء في الأقصر ، محذراً إياهم من أن أحصل حتى على بوصة من المواسير . ومن الواضح أن الرجل كان مصمماً على استخدام هذه العملية لتخريب المشروع كله . وسمعت أيضاً أن هذا المهندس قد خصم منه ثمانية أيام من مرتبه .
الكوليرا :
اندفع وباء الكوليرا في قرية القرين 1947 وانتشر سريعاً جداً في كل دلتا مصر ، لأن الحكومة وقد أخذت على غرة ، لم تكن لديها الوسيلة لمكافحته .
ورغم أن القرنة في صعيد مصر ، فقد رأيت أن من الحكمة اتخاذ إجراءات من الحيطة ضد إمكانية لاندلاع الوباء هناك . والقرنة القديمةفيها ملايين من حشرات الذباب ترعى في نفس الآبار النفتوحة التي يحصل القرويون منها على ماء شربهم ، ولما لم يكن هناك مراحيض ، فإن حالة واحدة من الكوليرا ستجلب كارثة أكبر من وباء ملاريا الجامبيا الذي قضى على ثلث السكان في 1943 – 44 .
وأول ما كان ينبغي فعله هو تحليل مياه البئر ، ولم نكن هدف نهدف إلى معرفة ما في المياه بقدر ما كان هدفنا هو ان نجير السلطات على أن نفعل شيئاً بهذا الشأن . وكانت نتيجة التحليل – أن عدد البكتريا : لا يحصى ؛ والتخمر اللبني : 80 في المائة ( بينما أقصى حد مسموح به هو 20 في المائة ) . وهكذا فإن الحل الوحيد كان أن تُدق عدة مواسير لجلب المياه من عمق بعيد جداً وأن يُمنع الناس من استخدام الآبار المكشوفة . ولم يكن هناك مضخات في السوق لأن الحكومة اشترتها كلها لمناطق الوباء . ففكرت فياستخدام المضخات التي كانت تجلب الماء لضرب الطوب ، ولكن هذا يتطلب انتزاعها من الموقع لترسل ثانية إلى القرية القديمة ، وهكذا كان عليّ أن أحصل على تصريح من مصلحة الآثار ، وذهبت في التو إلى القاهرة وقابلت المدير العام ، مسيو داريتون ، وأقنعته بأن الماء النظيف سيستفيد به الأثريون وموظفو مصلحته ، الذين كانت استراحاتهم لحسن الحظ مبعثرة على كل القرنة القديمة ، ولم اذكر له أن مضخاتنا ستمد القرويين أيضاً بالمياه . ووافق من حيث المبدأ ، ولكنهأحالني غلى مدير التفتيش ، الذي كان يجب أن يوافق على النقل .
وبمقابلة هذا الرجل النبيل ألمني ما لقيته من رفض بات للنظر في طلبي . فهذا الأمر ، على حد قوله هم من شأن وزارة الصحة العمومية ، و لاشأن له به . وبينت له أن وزارة الصحة العمومية لديها 20 مليون فرد ترعاهم وأنالمصلحة مسئولة عن صحة موظفيها الذين يعملون في القرى البعيدة ويتعرضون للعدوى . وكان كل ما قاله : (( يروحون في داهية )) .
وأجبته : (( لولا قدر الله ومات رجل واحد بينما أنا عندي وسيلة لإنقاذه وأرفض ذلك ، فإني إذن أعد نفسي
قاتلاً )) وتركته وقد صممت على أن أمضي قدماً دون موافقته ، ووصلت إلى المنزل وقراري لم يتزعزع . سوف أخذ أول قطار يعود للأقصر ، وأذهب مباشرةً إلى الموقع ، واقتلع المضخات ، وأدقها متحدياً في القرنة القديمة . إن الإنسانية لتتطلب مني أن انفذ القانون بيدي . وفنحت الصحيفة لأجد أن الحكومة قد قررت عزل صعيد مصر وأغلقت كل الطرق والسكة الحديد .
كان عليّ هكذا أن أبقى في القاهرة حتى تسرب الوباء إلى الصعيد ، وعندها سمح لي بعد تروان أتبعه . وأخذت أول قطار خرج من القاهرة وأنا في قلق شديد ، ذلك أن أول حالة ظهرت في الصعيد كانت في بلاص ، التي لا تبعد عن القرنة إلا بعشرين ميلاً . وبلاص هي مصنع فخار مصر – والحقيقة أن كلمة (( بلاص )) تعني قدر الماء الفخاري الكبير الذي تحمله نساء مصر على رؤوسهن – وقد وصل المرض إلى هناك بواسطة المراكبية الذين ينقلون قدور الفخار أعلى وأسفل مصر .
وما إن غادرت القطار في الأقصر ، حتى عبرت النهر إلى الضفة اليسرى ، حيث ينتظرني عادةً سائقي
(( الأسطى )) محمود رمضان ، على أنه لم يكن هناك ، وأخبروني أنه يحس بوعكة . وقيل لي أنه حتى الآن لم تظهر أي حالة كوليرا في القرنة ، وكان في هذا ما هدأ من روعي هدوءاً عظيماً ، وهكذا انطلقت لرؤية الأسطى محمود . ووجدته في الفراش وقد أفاق توهاً بعد ان ظل فاقد الوعي لثلاثة أيام . ولذهولي وجدت أنه لديه كل اعراض الكوليرا – القيء والإسهال والحمى – ومع ذلك لم يخطر قط لأي فرد أن يستدعي طبيباً حتى سمع مستر ستوبلير بمرضه ، وشك في الأسوأ ، فأحضر طبيباً للتو . وعندما تساءلت لماذا لم يقم سكرتيري السيد / جاد بأي إجراء لمساعدة محمود ، شرح لي أنه يقدم طلباً كتابياً حسب اللوائح . وتذكرت شعار المصلحة :
(( يرحون في داهية )) . شفى محمود فعاد إلى شاحنته ، ولكن كان من الظاهر أنه يعتقد أن بي ضعفاً تجاهه لأني غضبت جداً من السكرتير . وكنت دائماً أميل إلى محمود لأنه كان السائق الوحيد الذي يستطيع صيانة شاحنته كما ينبغي ، وهكذا فإنه أراد أن يستغل هذا لأقصى ما يستطيع ، فأتاني في اليوم التالي طالباً مني أن أعطي ابنه عملاً كعامل .. ولما كان ابنه لا يتجاوز التاسعة ، فقد شرحت له أن عليه أن ينتظر ختى يصبح أكبر سناً بعض الشيء ، الأمر الذي جعل محمود ينصرف ساخطاً . وبعد نصف الساعة عاد ثانية وأبلغ بأن ماسورة الفرامل في شاحنته قد انكسرت . وقلت (( حسناً ، اذهب وأصلحها )) . وذلك كما كان يفعل عادةً ، ولكنه شد من نفسه واقفاً وقال :
(( أنا لست ميكانيكياً ياسيدي )) . حتى أنت يابروتس . إنه موظف حكومي ؛ فلماذا يكون مختلفاً عن الباقين ؟ وحركتني الواقعة لأقول شعراً* :
كل واحد ليس إلا خرزة زجاجية ملونة رخيصة تافه .
والكل مربوط معاً في خيط واحد من الشجع .
وفي اليوم الأول من عودتي تم لي انتزاع المضخات وإحضارها للقرنة القديمة ، حيث ركبناها عند نقطة استرتيجية قرب القرنة . وإذ توافرت وسيلة للحصول على ماء نقي ، كانت المهمة التالية هي حث القرويين على الاستفادة بها ، أوبالأحرى صرفهم عن استخدام الآبار المفتوحة .
وعلمت في ذلك الوقت أن المستشفى قد وُفر له طبيب في التو . وكان في القرنة مستشفى صغير ، لا يوجد فيه طبيب إلا إذا كان ثمة رسميون مهمون على وشك زيارة الآثار . وعندها يرسل طبيب من الأقصر ويؤجربعض القرويين ليمثلوا دور المرضى .
وكانت الحكومة قد عبأت كل الأطباء بسبب الكوليرا ، فأرسلت واحداً منهم للقرنة . وكان اسمه حسين أبو سنة ؛ وكان قد تخرج لتوه ، وهو شاب لطيف جداً وعلى خلق . وذهبت إليه لأضع نفسي وكل رجالي تحت تصرفه لمكافحة الوباء . ونظرنا معاً في التعليمات التي صدرت للاطباء اثناء وباء 1903 ، فلم يكن تحت أيدينا اي شيء غير ذلك . ولم يكن لدينا مصل ، وكان هناك القليل من المطهرات ، وكان أن نعتمد على مواردنا الخاصة بنا . وكانت التعليمات توصي باستخدام الجير الحي ، وهو مما نستطيع إنتاجه في قمائننا .
والكوليرا تنتقل عن طرق الفم . ومادامت لم تبتلع الجراثيم ، فإنك لا تصاب بالمرض . وهكذا اتجهت كل احتياطاتنا إلى التأكد من عدم وجود أي احتمال لأن تدخل الجراثيم إلى فم أي فرد . وكان علينا أولاً أن نجعل كل فرد يفهم أهمية مراعاة كل الاحتياطات مراعة صارمة . فينبغي ألا تكون هناك أي ثغرة ، ولا أي إهمال على الإطلاق ، في إجراءاتنا الوقائية ! وعلينا أن نتشدد تشدد الجراح في غرفة العمليات . فيجب أن تغلي المياه كلها ، سواء للشرب أو الغسيل . ولا يؤكل أي مما يمكن أن تكون فيه جراثيم . وكمثل ، فإن الروتين عند العودة من السوق إلى البيت يكون كالتالي : الدخول إلى البيت ، وضع كيس الخضروات مباشرةً في ماء يغلي ، مع الحرص على عدم وضعها قبل ذلك فوق أي شيء ، غسيل الأيدي بالليزول ، مسح أكرة الباب بالليزول مثلما يزيل بصماته ؛ وبعدها تصبح جاهزاً .
وكان علينا أن نجعل القرويين يدركون أن أي غريب قد يجلب المرض إلى القرنة ، وبالتالي يجب عدم تشجيع وجود زوار . وحتى قوانين الضيافة التقليدية يجب أن تتوقف ، ويجب الإبلاغ عن أي زائر السلطات. وكان هذا أمراً شاقاً بالنسبة لأناس يجعلون دائماً من مفاخرهم إخفاء ((المطاريد)) بعيداً عن الحكومة ، بل وأن يواروا
المرضى بعيداً عن أي فرد ينقلهم بعيداً إلى المستشفى.
ورأيت والطبيب أن المحكمة أن نطلب مساعدة الشيخ محمود الطبيب، وهو ابن الشيخ الطبيب الرجل الصالح البالغ الكبر والذي يبجله كل القرويين أبلغ تبجيل . والشيخ محمود كان سيخلف والده ، وكان له أيضاً هو نفسه نفوذ كبيرة جدا. فهو إمام مسجد القربة ويستطيع أن يشرح إجراءاتنا للفلاحين في خطبة يوم الجمعة وبالتالي فقد دعوناه إلى(( لجنتنا)) لمكافحة الكوليرا. وأثبت أنه جداً مفيد لنا.، فهو سريع في فهم الموقف واستيعاب التفاصيل الطبية المطلوبة.ولما كان هناك ما يقرب من ثلاثمائة من القرويين يعملونا معنا ، فقد قررنا تعميم حملتنا الصحية عليهم . وجمعناهم معاص وتكلمنا إليهم، محاولين أن نجعلهم يفهمون السبب في احتياطاتنا . وحتى نساعدهم على إدراك ما يكونه الميكروب ،(( كبرنا )) لهم الجراثيم ووصفناهم لهم وكأنها نما يطلق على كل الأدوات الملوثة ، ويمكن أن يتخلف على أي شيء تلمسه أداة ملوثة . وهذا النمل يعيش فوق أيدينا ، وفي الماء ، وعلى
______________________________________________________

الأبيات أصلاً بالإنجليزية . ( المترجم ) .*
الخضراوات ، وهو مثابر مثل النمل الحقيقي بل وأكثر مراوغة منه ويقتل قتلا أكيداً. وكان لهذه الصورة تأثيرها
المميز ، فقد جعلت النظرية المجردة غير المفهومة تتخذ سمتاً واقعياً مخيفاً . ومما لا تخطئه العين رؤية سكرتيري جاد أفندي ، وقد امتقع متصوراً آلاف النمل القاتل غير المرئي وهي تزحف فوق جلده ، وإذ تذكرت معاملته (( للأسطى )) محمود فقد سررت جداً عندما رأيت أنه أخذ يدرك الآن أن ثمة أشياء قد تكون أهم من تقديم طلب كتابي .
كانت الكوليرا قد تفجرت الآن في الأقصر وفي الجمولة الغربية . وهي قرية تبتعد عن القرنة بسبعة أميال على نفس الضفة . وكان جاد أفندي هو الذي جاء لي بالأنباء . وهو موهن خوفاً . لقد أصبح الموقف الآن جداً خطير ، وعقدنا مجلساً من العمدة ومشايخ النجوع الخمسة وضممناهم إلى لجنتنا . وكنا نجتمع يومياً ، ونحث المشايخ على نشر الحملة في بيوت الناس مباشرةً ، وأن يراقبوا كل مكان خشية ظهور ثغرات في دفاعاتنا ، وأن يكونوا أكثر حزماً بشأن حالات الإهمال . وكنا جميعاً وقتها مرعوبين أقصى الرعب ، وعندما لا حظت جاد أفندي يعلق أصابعه ليقلب قوائم الأجور التي يجمعها من العمال كل صباح ، ذكرته بالنمل الذي يمكن ولا شك فوق الورق ، ولم أشعر مطلقاً بأي سعادة من ارتعابه . وأخيراً بدأت إمدادات المصل تصل ، وقد أرسلت من الهند ومن بلاد أخرى ، وعندما أخذنا في تطعيم القرويين ، اختفى الذعر .
لقد تم إنقاذ القرنة ؛ إلا أن التجربة قد بينت لي مرة أخرى كيف يكون من السهل تبرير اللامبالاة ، والبلادة ، والإهمال على أن ذلك إذعان للقدر . وثمة صورة أخيراً عن الوباء ؛ كنت انتظر تحت مظلة الخيزران ، لأعبر بالمعدية إلى الأقصر . ولما كان ثمة جمهور كبير ينتظر أيضاً هناك ، فقد قررت أن أستغل الظروف بأن أبدأ نقاشاً عن الصحة والميكروبات . ومرة أخرى قدمت نملي مزهواً . واعترض شيخ عجوز وقور أبيض اللحية بأن مصير المرء محتوم (( مكتوب )) ، ولن تغير منه أي محاولة من البشر الفانين .
(( يا مولانا ، المكتوب يكون واضحاً أكمل الوضوح في حالة رجل يلقي بنفسه من فوق سطح منزل أو من على شفا جرف ؛ إلا أن الله نفسه يقول (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) ، وابتلاع الجراثيم هو بالضبط مثل الوثوب من على شفا جرف )) .
وأجاب الشيخ : (( يستطيع الواحد منا أن يرى الجبل أو البيت لأنهما قائمان هناك ، أما هذه الميكروبات فلا أحد يراها )) .
(( إن الميكروب وإن كان لا يرى بالعين المجردة ، غلا انه يمكن رؤيته وهو يتحرك تحت المجهر )) .
(( على أي ، أنا لا أومن إلا بما أراه بعيني )) .
(( ولكن يا مولانا إن معظم شيوخنا ضعيفو الإبصار ولا يستطيعون قراءة القرآن دون ارتداء نظارات ، وهكذا فحسب ما تقوه ، فإنهم ينبغي ألا يؤمنوا بما هو مكتوب في القرآن وهم يرتدون النظارات )) ( تهليل من الجمهور حيث كانت هذه ضربة بارعة – (( آه ! آه ! آه ! ) . ولكن الشيخ يقول أنه إذا كان شخص ضعيف البصر لا يستطيع رؤية كتابة القرآن ، فإن جاره يستطيع ذلك ، وكل واحد يعرف بذلك ، بينما الميكروب لم يره احد .
وأجبت على ذلك : (( إن الطبيب يراه بالمجهر ، وهو ليس إلا نظارة قوية قوة خارقة ولها عدسات قوية ، وأن الطبيب هو رجل متعلم محترم نصدقه ونتناول ما يصفه لنا من علاج ، فلماذا ينبغي ألا نصدق ما يقوله عما رآه بالفعل تحت هذه العدسات في معمله )) .
ورد الشيخ ثانية بشعر جميل ، معناه هو عكس ما قلته وقوبل ذلك بتهليل من الجمهور (( آه ! آه ! آه )) .
فقلت أن القصيدة لا تطابق الحالة التي نناقشها وإنما هو بسبب مالها من رنين في آذانهم . (( إنه نفس السحر الشعر الذي جعل النبي يكره الشعر والشعراء )) . ومرة أخرى يهلل الجمهور (( آه ! آه ! آه ))
وأخيراً رأيت أن الاحترام اللائق بالرجل العجوز يملي عليّ أن أجعل الكلمة الأخيرة له ، خاصة أنه تأكد لي أني قد أنجزت غرضي ببذر بعض معلومات صحية قد تؤتى أكلها بين المستمعين ، فقلت أننا حقاً مهما كان ما نعتقده من اكتمال ما نتخذه من الاحتياطيات ، فإننا لن نصل أبداً إلى الكمال وسيكون هناك دائماً ثغرة ما قد ينفذ منها القدر . على أن هذه الحقيقة ينبغي ألا تمنعنا عن فعل كل ما في وسعنا حتى لا نترك ثغرة للقدر ، وأي إهمال يكون معناه إهلاك متعمد للذات وليس إذعاناً للقدر . وعندها وصلت المعدية وانتهى النقاش .
* * *









الموسم الثالث 1947 – 1948
إبليس العنيد
حوالي نهاية شهر أغسطس من كل سنة , تغذي أمطار الحبشة البعيدة النيل في الصعيد , فيمتلئ بالطمي الغني الخصب , ويرتفع لأعلى مناسيبه وينساب عالياً فوق مستوى الحقول . ويكون محصول الذرة الصيفية على وشك النضج في الحقول , والفلاحون يترقبون جمعه قبل أن يُسمح بدخول مياه النهر لتغطي أرضهم . وفي بداية سبتمبر , بعد بضعة أيام من العمل العنيف , تصبح الحقول جاهزة ؛ وتُفتح البوابات ويسمح للمياه بأن تفيض على الحقول . وتظل المياه محجوزة بالجسور طيلة شهرين , بينما النهر ينخفض , وفي بداية نوفمبر تصرف المياه ثانيةً إلى النيل . تارك وراءها طبقة خصبة طازجة من الطمي يزرع فيها محصول الشتاء من الحبوب أو البقول . (يسمى نظام الري هذا (( الحياض )) , وهو لا ستخدم في الدلتا , حيث ينفذ نظام الري الدائم باستخدام القنوات ) وهذه المحاصيل – القمح , والشعير , والعدس , طعام مصر منذ أقدم العصور , ظلت تبذر وتحصد طيلة ستة آلاف سنة في نفس ذلك الطين الأسود الذي يتجدد دائماً ؛ وهي تنبت , وتنمو , وتنضج في اتساق سلس مع مواسم النهر , بينما المحاصيل الأخرى كقصب السكر والقطن التي وفدت حديثاً للصعيد , لا تتناسب مع هذا النمط العتيق , يجب حمايتها من الفيضان . وتبقى حقولها محاطة دائماً بالجسور ويتم ريها بالآبار الارتوازية أو بقنوات تغذى بالقنوات . وهذا الحقل المسور يُسمى الحوش , وكان موقع القرنة الجديدة في أحد هذه الأحواش .
وأثناء موسم 1946 , كان ثمة شائعات بأن بعض الفلاحين يتآمرون لنقب في الجسر الغربي ليتم إغراق القرية وإيقاف المشروع , الذي كان يهدد بالقضاء على هوايتهم المربحة بسرقة المقابر . وقد أبلغت البوليس وقتها , وقويت من الجسر , وعينت حراسة من اثني عشر رجلاً لخفره وكان الفيضان تلك السنة عالياً على وجه الخصوص , فكان أعلى ما عرف عن الفيضانات , وتهدمت فيه قرى كثيرة . ومن الواضح أن احتياطاتنا أرعبت المتآمرين إن كان لهم وجود , فلم يحدث شيء مطلقاً . وقد يظن أن من غير الحكمة أن يجعل موقع القرية الجديدة منخفضاً عن مستوى الفيضان , ولكن الحوش كان محميا حماية جيدة جداً في ثلاثة جوانب بجسور تتم صيانتها بحرص وتمتلكها الحكومة : فالجانب الجنوبي هو ضفة لترعة الفرحانة وكان على الجانب الشرقي والشمالي جسر للسكة الحديد . والجسر الذي على الجانب الغربي كان وحده الجسر الذي تتم صيانته بالملكية الخاصة لكامل بولس بك ، المالك الحالي للحوش ، وبواسطة شركة كوم امبو للسكر التي تستأجر الأرض منه . وصلت يوم 3 سبتمبر 1947 لأبدأ العمل في الموسم الثالث . وعندما وصلت القرية لأبدا عمل هذا الموسم الجديد وجدت أنه لم يتم تنفيذ أي مت تعليماتي التي أعطيتها قبل رحيلي . وبالذات ، فإن كل الطوب الذي تم إنتاجه في الموسم السابق ، والذي كان قابعاً في مكان ضربه غرب القرية ، لم يتم نقله ليرص في الشرق بالقرب من المباني إلي سيستخدم فيها . و كان هناك ما يقرب من نصف مليون طوبة . ولم يأت رسلان أفندي ، مساعدي الجديد ، إلى العمل ، وكان قبل ذلك ببضعة أسابيع قد آتى لمنزلي في القاهرة مهدداً بالإضراب إن لم أرشحه للترقية إلى الدرجة السادسة .
وفي 8 سبتمبر تلقيت برقية من وكيل الوزارة تستدعيني إلى القاهرة لمقابلته في العاشر من سبتمبر الساعة العاشرة في مكتبه . ولم أستطع تخمين السبب وانزعجت بعض الشيء ، فالبرقيات تأتي دائماً بأنباء سيئة . وكان قد بدأ في هذا الوقت إطلاق المياه في الأحواض المحيطة بحوش القرنة . ولما كانت مهمة المحافظة على سلامة الجسر هي حقاً من شأن شركة السكر ، ولما كان الماء لم يرتفع إلا لحوالي أربعين سنتيمتراً ، فإنني لم أزد على أن طلبت من خفير الشركة أن يكون متيقظاً في الحراسة كما طلبت من رئيس عمالي أن يضع خفيرين على الجسر .
ولما كان رئيس العمال ، أحمد عبد الرسول ، يريد دائماً تعيين أكبر عدد ممكن من الرجال في أي مهمة – فإنه قال في الحال أننا يجب أن نعين اثني عشر رجلاً كما فعلنا في العام الماضي . وشرحت له أننا في العام الماضي كان لدينا فيضان عال ، أما هذه السنة فإن الماء ما زال منخفضاً نوعاً ، وفوق ذلك فإنه في العام الماضي كان ثمة تهديد بعمل تخريبي . وبالإضافة فإني سأعود سريعاً من القاهرة ويمكننا بعدها أن ننظر في أمر تعيين عدد الخفر الذي يريده .
وبينما كنت أقف فوق سطح منزلي في ذلك المساء مع عبد الرسول قبل سفري ، حدقت في القرية و لاحظت أن الحوش كله خال . وبدلاً من البحر الأخضر المعتاد من قصب السكر ، لم يكن هناك إلا سهل أسود عار ، دون أثر لزراعة . وبالطبع فإن الأمر كان وحسب هو ما يحدث من تغيير معتاد للمحصول كل ثالث سنة ، ولكن المشهد أضفى عليّ إحساساً بالاكتئاب بل والرهبة . وعندما سألت عبد الرسول عن السبب في خلو الحوش هكذا ، قال أن الشركة قد قررت ألا تزرع قصب السكر لأنه يوفر مخبأ للصوص . وكانت هذه إجابة فيها شيء من القحة ، ذلك أن هذه النظرية بالضبط قد استخدمت كمبرر ضد نقل القرية في عريضة قدمها بعض المشايخ . وعندما آتى عبد الرسول بجمهور المستخدمين المعتاد لتوديعي في المحطة كررت له تعليماتي بتعيين حراسة من رجلين على الجسور . وصلت القاهرة في السابعة من صباح اليوم التالي واتخذت طريقي إلى منزلي هناك . وساءني جداً أن أجد خادمتي فاطمة لم تكن هناك ، وأن كل قططي قد تركت جوعى . وزاد كدري هذا من ذلك الإحساس الخاص بالاكتئاب الذي كان يتنامى من داخلي منذ جاءتني البرقية . وأطعمت القطط وأخذت في إفراغ حقيبتي . وبينما كنت أعلق ملابسي في الصوان ، إذ بالقط أونا كان عادةً قط شبه منعزل وشديد التحفظ ، إذ به يأتي ليجلس إلى جواري وقد أبقى باب الصوان مفتوحاً بمخالبه الأمامية – وكان في ذلك عرض لتعاطفه تعاطفاً غير معتاد للغاية . وكان هناك من أحضر رسالة ، قبل أن أرحل مباشرة ، وهي من صديقي رستم رئيس قسم الهندسة والحفائر ، والذي كان قد عاد من يافا لفترة قصيرة . وقد اقترح أن أمر عليه لنذهب معاً إلى وكيل الوزارة . ولم يكن في ذلك ما يهدئ من روعي ، ذلك أن رستم بالتأكيد إنما يعرض أن يساندني فيما يبدو نزاعاً وشيكاً . وأخذت أتذكر كل ما ارتكبته مؤخراً من خطايا وشعرت بقلق بالغ عندما تذكرت مقالاً قد نشرته في التو في إحدى المجلات وصفت فيه بشقاوة بناء برلمان خيالي تماماً من الأسرة الثامنة عشرة يفترض أنه قد بنيّ لتخليص البلاد من الفساد الذي ورد ذكره في بداية ليدن ، التي تتألف من نصائح الحكيم المصري إييور ؛ وكان الموقف في عصره يحمل عدداً من أوجه الشبه الغربية بالموقف في مصر 1947 . ولم أجد وقتاً لاصطحاب عثمان ، والحقيقة أني كنت في أقصى عجلة لمعرفة ما أنا بصدده حتى أني ذهبت إلى ذهبت إلى الوزارة مباشرة ، وفي نيتي أن أُتلقن له من هناك . ودخلت الوزارة ، وأنا أحس بقلق بالغ ، وارتقيت السلم وأنا عازف تماماً عن ذلك ، ودخلت الغرفة الأمامية لمكتب وكيل الوزارة . وقال كاتب من خلف أحد المكاتب : (0 صباح الخير يا سيد فتحي ! )) وانضم كل الموظفين إليه قائلين (( مبروك ، مبروك ! )) كان من الواضح أن الأمر لا علاقة له بمقالي ؛ ولعلي سأنال نوطاً
والأمر في الظاهر ، أن مشروعي في القرنة قد جذب انتباه الملك نفسه ، فاستدعيت للقاهرة لتقديم تقرير كامل عن تقدمنا ليقرأه الملك . وهناني وكيل الوزارة أيضاً عندما دخلت وكيل الوزارة أيضاً عندما دخلت لرؤيته وطلب مني أن اكتب التقرير ذاكراً كل المعوقات والعقبات التي لاقيناها . وأن أرسله إلى رئيس الديوان الملكي في اليوم التالي .
ومن أغرب ما يكون ، أني رغم ارتياحي الشديد لعدم وقوعي في مشكلة ، إلا أنني أحسست بشيء من الضيق من هذا العون غير المرتقب ؛ فقد كنت استمتع بكفاحي بنفسي ، ولم أكن أميل لفكرة أن يتم تمهيد الطريق أمامي تمهيداً سحرياً . كان الأمر وكأني ولد صغير يعارك ولداً آخر ، وفجأة يأتي أحد الراشدين ليساعدني . وهذا لا عدل فيه ، وهو يلغي سبب نضالي ؛ بل إن في ذلك ما يشبه الإحساس بالغش في أحد الامتحانات .
وكتبت التقرير بمساعدة رستم ، وذكرت فيه القليل من أوجه الشكوى وعرضته على وكيل الوزارة الذي أعجب به ، ثم ذهبت للمنزل .
* * *
فأل سيئ :
حلمت تلك الليلة حلماً فظيعاً . كان بعض الصبيان – أولاد قريب لي – يأخذون دشاً ، ولكنهم بكامل ملابسهم وعلى ظهورهم جربندية ، وانساب الماء من فوقهم كلهم ، ولكنه لم يبلل إلا سرابيلهم التي التصقت بسيقانهم . ثم أتى حصان ، بدا كالفرس التي يمتلكها الشيخ أحمد عبد الرسول ، ووثب إلى ظهره رجل شرير – لم استطع رؤية وجهه –وانطلق به الحصان . وقذف به على الأرض ن ثم عدا الحصان بعيداً ، وجاء في أثره جياد سود يعدون من ورائه ، في هياج وخوف ، وأتت الخيل الراكضة بالناس إلى الخارج ، وكان ثمة ثورة في الجو ، وجرى الناس ثم أخذوا يتساقطون أمواتاً ، على أنه ما من أحد كان يقتلهم ، وتساقطوا بملابسهم ، وتكومت أجسادهم الواحد منهم فوق الآخر ، وهكذا حولت رأسي بعيداً لأرى . وأتى من خلف الجسر رجل يرتدي زي القرفة الأجنبية ، وكان معه سيف ، ضرب به فشج صديقي رستم هاوياً للأرض ، ثم وجه ضربة إلى فشق السيف كتفي وتساءلت في عجب (( هل قُتلت ؟ )) ذلك أني لم أحس ألماً – واستيقظت ، وأنا في غاية الانزعاج ،ولم أنم بعدها في تلك الليلة .
أخذت تقريري إلى حسن بك يوسف رئيس الديوان الملكي . وكان قد سبق له أن زار القرنة ، وعرف شيئاً من متاعبي ؛ وعندما رآني أكد لي أن اهتمام الملك يعني أني سأجد الأمور في المستقبل أسهل كثيراً . ومرة أخرى واتتني الآمال منتعشة ؛ ورأيت أشجار الفاكهة وقد تم غرسها ، ومدرسة الصنائع تعمل ، والقرية كلها تصخب بحياة سعيدة هادفة مجدة . ورأيت فوق ذلك أن القرية وقد اكتملت أصبحت تقوم كمثال للإسكان الرخيص والجيد لكل مصر .
وتناولت غذائي يومها في جروبي حيث كانت فاطمة ما زالت متغيبة ، وأثناء الغداء رويت حلمي لرمسيس واصف والدكتور شارل باشاتلي . وفسرنا الحلم هو و إحساسي بالمحظور على أنهما ربما ينذران برد فعل مزعج في مصر بسبب قطع المحادثات ( التي كان النقراشي باشا يجريها )) في الأمم المتحدة* . فلعله سيحدث نوع من القلاقل أو حتى ثورة ، فيما لو قام أي شخص غير مسئول بتصرف أحمق يشعلها كما فعل الحصان الراكض في حلمي إذ جعل كل الآخرين يركضون .
* * *
____________________________________________________

* إشارة إلى الشكوى التي تقدمت بها الحكومة النقراشي للأمم المتحدة لطلب جلاء جنود انجلترا عن مصر ( المترجم).

المستنقع العظيم :
في طريقي إلى البيت لاحظت في ميدان الإسماعيلية * ملصقاً هائلاً يعلن عن أحد الأفلام وهو (( المستنقع العظيم )) . وأصابني ذلك بإحساس سيئ . فقد بدا ذلك كفال رديء ، وحولت وجهي بعيداً عن الإعلان وأنا أمر به . عندما وصلت إلى منزلي وجدت رسالة من رستم ، يطلب فيها أن أمر عليه حيث انه قد وصلته رسالة تليفونية من كبير مفتشي الأقصر تقول أن القرية كلها قد فاضت عليها المياه وأغرقتها . وأحسست بدوار ، وتمايل رأسي ، واندفعت إلى رستم لأسمع المزيد . ولم يستطع أن يضيف لما في رسالته إلا القليل ؛ وهكذا تلّفنا للمفتش في الأقصر . ولست أحب لأي واحد ، ولا حتى ألد أعدائي ، أن يحس عذاب تلك الساعة التي انتظرت فيها وصول المكالمة التليفونية . وأخيراً سمعنا صوته وعرفنا أن القرية في الحقيقة قد أٌغرقت ، وأن الجسر قد كُسر ، وأن الموقع كله مغمور بالمياه . وسألته (( ما عمق المياه ؟ )) (( لم أقسه )) (( ولكن ما هو العمق بالتقريب ؟ )) هل تصل المياه للنوافذ ؟ لدعامة الباب ؟ فوق الأسطح ؟ أريد أن أعرف )) على أنه فيما يبدو لم يكن يعرف ؛ وهكذا قلت له أننا سوف نصل بقطار الليل ووضعت سماعة التليفون .
وسافرنا في تلك الليلة ، ومرة أخرى رويت الحلم في القطار لرستم . وفسره يقوله أن الصبيان هي بيوتي ، وقد بللتها المياه في أسفلها ، والرجل ذو السيف هو الرجل الذي كسر الجسر ، وأن الجياد السود تمثل مياه الفيضان المتدفقة .
وبالوصول إلى القرية في الصباح التالي ، وجدت أن المياه ترتفع فحسب لحوالي نصف المتر وأن الجانب الشرقي لم تصل إليه مياه الفيضان قط . إلا أن قوالب الطوب أعددناها في الموسم الماضي قد ذابت كلها ؛ ولو كان مساعدي قد نقلها كما طلبت منه لكانت الآن سليمة . على أن رسلان في حالة الطوارئ هذه لم يستطع أن ينسى أمر ترقيته ، ولم يأت مطلقاً لتقديم العون .
وهرعت إلى المكان الذي نقب فيه الجسر ، غرب القرية بما يقرب من ميل وربع الميل ، ووجدت ثغرة عميقة واسعة محفورة في الجسر عبر ما يقرب من ثمانية أمتار . وكان هناك حوالي مائة عامل ، يشرف عليهم مهندسو الري وضابطان من الشرطة ، ولكني للأسف لم أجد أي واحد من أهل القرنة بين هؤلاء العمال الذين جمعوا بالقوة من القرى المجاورة لمعالجة الأزمة . وقد رفض كل أهل القرنة أن يعملوا في الجسر ، وحتى أولئك الذين تم جمعهم منهم في الليلة السابقة وأجبروا على العمل في الجسر ، تسللوا من خلال المياه تحت ستار الظلام ، بدلاً من أن يساعدوا في إنقاذ قريتهم الجديدة . وقد احتالوا أثناء عملهم حتى يوسعوا الثغرة بأقدامهم بينما هم يتظاهرون بسدها بأيديهم .
على أنهم بذلك كانوا يلحقون بأنفسهم ضرراً مباشراً ، فقد كانوا جميعاً يكسبون مالاً وفيراً كعمال في القرية ، كما أن البيوت الجديدة كانت أفضل ، حتى من الوجهة المالية ، من البيوت القديمة ، التي كانت في أغلبها مبنية على أرض حكومية ، و بذا فإنها في الواقع لا تساوي شيئاً . وثمة مثل يقول : (( لو عرف السبب بطل العجب )) ، وهنا كان ثمة أكثر من سبب واحد . فأولاً ، فإن النظام الأبوي نظام قوي جداً . وكل فرد فيه يطيع رؤوس العائلات ، وهؤلاء في القرنة هم لصوص المقابر . والناس يهابونهم ويحترمونهم معاً . وهم يستغلون سلطانهم في المحافظة على مهنتهم ز ولم يكن لديهم أي نية للتخلي عن بيوتهم المزرية لأنها عندهم لطيفة بما تجلبه لهم من ربح وفير بموقعها في الجبانة والكنز تحت أرضياتها ينتظر من ينقب عنه ، وهم لن يتخلوا عن هذا ليتنقلوا إلى قرية جديدة صحية جميلة ولكنها بعيدة عن المقابر . وثانياً فإن أهل القرنة كلهم بينهم صلات قرابة وثيقة ، ولن يتخلى أي واحد منهم عن تأييد أي من رؤوس العائلات في أي مغامرة . وثالثاً ، فقد كانوا مدفوعين بنوع من الإحساس بالعار ، العار من أن يعدوا من الجبناء إذا لم يشاركوا في عملية التخريب .
وقد اختاروا توقيتهم بمنتهى الخبث : فأولاً ، قصب السكر وقتها قد تم اقتلاعه ، وهذا لا يحدث إلا مرة كل ثلاث سنوات ؛ وثانياً كنت وقتها غائباً عن القرية ؛ وثالثاً ، كان الماء وقتها منخفضاً جداً ، بحيث لا يخشى أحد أو يشك أن هناك أي خطر على الإطلاق .
كان العمل كله ما زال مركزاً على ثغرة الجسر ، ولكني وجدت أن الفارق بين مستوى المياه داخل وخارج الحوش هو فحسب حوالي عشرة سنتيمترات . ولن يرتفع الماء لأكثر من ذلك ، لأن المستوى في الخارج يمكن أن تتحكم فيه سلطات الري ؛ وهكذا حولت انتباهي إلى إنقاذ المباني في القرية . ولما كنا قد فقدنا كل القوالب طوبنا بالفعل ( تلك القوالب التي كان ينبغي أن يتم نقلها ) والماء يرتطم من حول البيوت ، فقد أمرت ببناء جسر صغير قريب من حول المباني لا يرتفع إلا لخمسة عشر سنتيمتراً ، وبدأت أضخ المياه من هذه المنطقة لتجف .
وفحصت الثغرة ثانية ، ووجدت قطعتين كبيرتين ، بينهما ما يقرب من المترين ، وهما على الجانب (( الجاف )) من الجسر . ومن الواضح أن هناك صفاً من قطوع مماثلة في كل عرض الثغرة . وإذا كان من الحقيقي أن خبير الري عندما سألته الشرطة قال في أول الأمر أن النقب ربما حدث طبيعياً . إلا أن هذا كان استنتاجاً متعجلاً ، بُنيّ على المنظر المرعب للأمواج في تلك الليلة الأولى ، ولم يبن مطلقاً على أي حقائق علمية .
____________________________________________________

*ميدان التحرير حالياً ( المترجم ) .
و كانت الرياح الآتية من فوق الجبل قد أثارت أمواجاً جداً قوية بدت في الليل سوداء منذرة وبللت سراويل
المهندسين ، الذي نسوا في التو كل ما يعرفونه من الهيدروليكا ، ونسوا أن الجسر سمكه في القاع ستة أمتار بأكملها ، وأن الماء لم يكن يرتفع إلا لخمسين سنتيمتراً ، وأن معدل الرشح سيصل تماماً إلى ما تحت مستوى الأرض . وباختصار فقد نسوا أن من المستحيل تماماً فيزيائياً أن ينكسر الجسر نفسه – ولم يروا إلا بحراً من الأمواج السوداء بد وكأنها يمكن أن تهدم أي جسر .
ما إن تم بناء جسرنا الأول ن حتى ركبنا مضختنا الجديدة لضخ الماء من داخل هذا الحاجز إلى الخارج ، ثم بدأنا جسرنا ثانياً يحيط بمنطقة أكبر جاعلين فيها أماكن هامة مثل قمائن الطوب . وتم تجفيف المنطقة المبنية في ثلاثة أيام . ثم حولنا المضخة لتصريف المياه من المنطقة الثانية ، وافترضنا أيضاً مضخة ثانية من تفتيش الري . وقد أبدى (( الأسطى )) محمود في هذا العمل نشاطاً وعزماً هائلين . فقد جعل المضخة الجديدة من مسئوليته الخاصة وأخذ يعمل عليها بلا كلل ليل نهار لثلاثة أيام ، حيثما يتم تركيبها ، وهو واقف في الماء ، لينظفها إذا انسدت ، وساهم بذلك إسهاماً كبيراً جداً في نجاح مجهوداتنا . وكان هناك مُعين آخر ساعدنا بما لا يمكن تقديره ، وهو إبراهيم حسن . وهو قوي بما لا يصدق ، فكان في استطاعته أن يلف ذراعيه حول اسطوانة زيت تسع ثمانين جالوناً ، هي مما لا يكاد ثلاثة رجال أن يتمكنوا من تحريكها ، ويلتقطها هو ليرفعها وكأنها جوال من الريش . وبدا وكأن له قوة وقدرة تحمل محرك المضخة نفسه . وكان يظل موجوداً هناك طيلة النهار والليل ، وهو متأهب لأن يرفعها ويسير بها إلى حيثما أردنا . ولولا هذان الرجلان ، إبراهيم حسن و (( الأسطى )) محمود ، لما أمكننا تطهير الموقع و لا في ضعف هذا الزمن .
وفي خلال عشرة أيام أمكن لشاحناتنا أن تساق فوق الأرض من حول المباني التي قامت عليها واستطعنا أن نبدأ في إحضار المواد ثانية لنواصل عملياتنا في البناء .
وأثناء القيام بهذا كله ، حط علينا وكيل النيابة لعمل تحقيق بشأن الفيضان . وأخذ هو ومساعده يلفون ليسألوا كل قروي بدوره : (( هل نقبت الجسر ؟ )) ويجيب كل قروي بالدور (( لا )) ، وبعد أن ملأ وكيل النيابة ثلاثة أفراخ من أفرخ الورق ذات الحجم القانوني ، بهذه الإجابات ، عاد إلى بيته وهو راض بأن القضية قد تم تحقيقها .
وكما يتفق ، فقد استطعت أنا بنفسي أن أحصل من أسئلته على أكثر مما حصل عليه هو ، ذلك أن أحمد عبد الرسول أدلى بأسماء مختلفة تماماً عن الأسماء التي كان قد أعطاها لي على أنها أسماء الخفر الين عينهم ، وبذا فقد بين لي أنه لم يعين أحداً مطلقاً . وعلى كل ، فقد فضلت عدم الإبلاغ عنه . وأن أتعامل معه بنفسي .
وإذن ، فقد كان تقريري الأول إلى القصر يتصف على الأقل بأنه مثير للاهتمام ونج عنه استدعائي في التو للقاهرة لأروي الحكاية شخصياً . واستاء رئيس الديوان الملكي استياءً شديداً من المجرمين وقال أنه ستوضع الرتيبات لإرسال فصيلة من حرس الحدود السودانيين – وهي قوات قاسية جداً ترهب كثيراً بأسواطها الكبيرة ؛ وجزعت تماماً لهذا الاقتراح ، وتوسلت إليه ألا يفعل شيئاً من هذا القبيل ، لأنه لن يحل اللغز بذلك ، ومن المؤكد أن سيثير الكثير من الكراهية بحيث لن يمكن بعدها أبداً استمالة الفلاحين للقرية الجديدة . فقال (( دعني على الأقل أرسل لك بعض الجنود لحماية المشروع . دعني أعطيك سلاحاً لحمايتك )) (( السلاح يجذب فحسب مزيداً من السلاح ، وإذا أراد أي واحد أن يطلق النار عليّ ، فما عليه إلا أن يختبئ خلف أحد الأبواب ويترقب وقتاً لا أراه فيه . وما من قدر من البنادق تكون فيه أي فائدة لي . )) وأخيراً أمكنني إقناعه بألا يزعجني بفرقة من العساكر تجري في أرجاء قريتي كلها ، وتركني لأرحل ، وإن كان واضحاً أنه يوجس خوفاً بشأن مصيري . وعلى الأقل فقد أعاد فتح التحقيق الرسمي ، وسرعان ما عاود وكيل النيابة الظهور بعدها ومعه هذه المرة المدير* والعديد من علية القوم . وطافوا بالقرنة وهم يسألون (( هل نقبت الجسر ؟ )) ومرة أخرى يجيب القرويين بما هو منطقي تماماً (( لا )) وبعد أن ملأ المحققون عشرة أفرخ من الورق انصرفوا ، وكان هذا آخر ما سمعناه عنهم .
الآلهة تتقبل القربان :
عندما رأى صديقي شوالردي لوبكز** مدى ما أصابني من اكتئاب بعد هذه القضية ، أخبرني هذا هو قرباني للآلهة من أجل القرية . وأحسست أن الآلهة قد تقبلت القربان ووافقت على القرية لأنها كشفت لي من خلال الفيضان عن حقيقة هامة كان يمكن أن تفوتني لولا ما حدث . فالحوش المحاط بالجسور والذي كانت القرنة تبني عليه قد ظل جافاً لثلاثين عاماً ، فكانت أرضه جامدة مدموجة ، بحيث أنها لم تكن تماماً على النمط الذي تكون عليه القرى والأرض الزراعية في الصعيد ، ففي هذا الجزء عموماً حيث يستخدم نظام ري الحياض ، يتم وقت الفيضان السماح بدخول مياه النهر لتغمر الحقول . وإذ تبتل الأرض هكذا سنوياً فإن هذا يجعلها تتمدد ، وهكذا
_______________________________________________________________

*منصب المدير وقتها يرادف المحافظ حالياً . ( المترجم )
** مؤسس إحدى مدارس علم الآثار المصرية ، وقد أمكنه من خلال تفسير الرموز أن ينفذ إلى طريقة تفكير قدماء المصريين . وأعماله التي تمثلت في دراسات من مثل (( معبد الإنسان )) و (( المعجزة المصرية )) لا تقل أهمية عما قام به شمبليون من فك شفرة حجر رشيد .
فإنها عندما تجف ثانية في شهر أغسطس أو ما حول ذلك ، تظهر فيها كلها شقوق هائلة كما في الطين إذ يجف .
وتسمى الأرض في هذا الوقت الشراقى ، وهي كلمة تعني (( العطش )) . والبناء على تربة كهذه يعرض الفلاح لمشاكل إنشائية كبيرة ، ولهذا السبب فإن القرى في صعيد مصر تُبنى عادةً فوق أكوام ترتفع لأعلى من مستوى الفيضان . على أن هذه الأكوام لها مشاكلها الخاصة بها . وإحداها هي أنه عندما يرتفع الماء ، فإن كل هوام الحقول – الجرذان ، والفئران ، والثعابين ، والحشرات – تلجأ للقرية ، جالبة معها شتى الأمراض . وفي هذا الوقت من السنة تأتي أعداد هائلة من الطيور – اللقلق والبجع والصقور – مندفعة في أسراب إلى القرى لتولم بهده الحيوانات . وهذه الأكوام كلها تغص بالناس ، وأحد الأسباب في أن هذه القرى لا تستطيع أن تتوسع هو هذا الفيضان ذاته هو والطبيعة غير المستقرة للتربة في الحقول المنخفضة . وثمة مشروعات تُقترح الآن لتحويل الأرض إلى نظام الري الدائم بالقنوات ولبناء توسعات القرى على أرض منبسطة ، على أن كل هذه التوسعات ستجد نفسها في مواجهة مشكلة التشققات .
وهكذا فإنه عندما غمر الفيضان القرنة ، ارتدت أرضها إلى حالة الشراقي ، مثلها مثل سائر صعيد مصر ، وما إن جفت حتى بدأت شقوق هائلة تظهر في كل مكان منها . وكانت هذه الشقوق تنذر حقاً بالخطر ، فهي تغور لأسفل إلى عمق ثلاثة أمتار و يصل اتساعها إلى خمسين سنتيمتراً عند السطح ، وكأنما تقريباً قد وقع زلزال صغير ، ولما كانت المياه الجوفية ترتفع كل سنة في حدود المترين من سطح الأرض ، ولما كانت أساسات البيوت في القرنة من النوع المعتاد الشريطي الذي يصنع من حجارة الدبش وملاط من التربة ، ترص في خنادق عمقها متر ونصف المتر ، فإن كل بيت سيكون هكذا جالساً على قشرة رفيعة من التربة تعوم على طين سائل . وستسمح الشقوق للتربة بأن تنزلق جانباً ، ولا شك أن البيوت نفسها سوف تتشقق .
وهكذا كان عليّ أن أجد وسيلة لأن أجعل لبيوتي أساسات لا تتأثر بهذه الشقوق ؛ وفوق ذلك فحتى أكون مخلصاً لتصوري للقرية الأنموذج ، فإن الحل ينبغي أن يكون عملياً بما يستطيع أي فلاح في أي قرية أن يقلده . وهكذا فإن المشكلة ليست مشكلة هندسية فحسب ، ذلك أنه توجد حلول هندسية شتى مقبولة ، مثل الخازوق الخرساني أو أساسات الشدة ، ولكنها باهظة الثمن بما يجعلها ممتنعة على الفلاح . ولقد منعت نفسي من أن استخدم حتى كمرة رابطة من الخرسانة المسلحة ، وذلك لأستوثق من أن حلي يمكن تقليده بسهولة .
واستشرت الأستاذ خليفة أستاذ قسم ميكانيكا التربة في كلية الهندسة بجامعة القاهرة ، وكان من الشائق لي أن أراه يقترح نفس الحل الذي استخدمه الفراعنة . كان قدماء المصريون عندما يبنون معبداً ، يعلّمون زوايا الفناء بأوتاد ثم يحفرون عند نقط مختارة من داخل ذلك حتى يصلوا إلى (( الماء السري )) ، وهو ما يكوّن المياه الجوفية ، ولعلهم كانوا يختارون لذلك وقت الانقلاب الشتوي عندما يكون الماء في أدنى مستوياته . ثم أنهم يضعون طبقة من الرمال في هذه الحفرة ، حيث أن الرمل غير القابل للانضغاط و لا يتمدد عندما يبتل . ثم يقيمون على هذا عموداً في شكل نبات البردي أو اللوتس ، كما لو كان سينمو . ( ثمة عجيبة أثرية شائقة فيما يتعلق بهذا الاحتفال . فقد كان مسيو روبيكون يقوم بحفرياته في معبد مونتو بالكرنك ، عندما عثر في الأساسات على طبقة رمال ومن تحتها كان مطبوعاً على الوحل طابع أرداف مهيبة من الواضح أنه تخلف عن المهندس المعماري أو ربما فرعون نفسه وقد انزلق فجلس أثناء أداء الاحتفال ، تاركاً للخلف علامات تنورته المطوية ليعجبوا بها ؛ وقد صنع مسيو روبيكون قالباً لذلك يمكن رؤيته في متحف الكرنك ) .
ومشكلة الأساسات في أرض الشراقي والحلول التي طبقت في القرنة هي وبعض الحلول الأخرى المطروح تجربتها واختبارها قد نوقشت نقاشاً وافياً في ملحق 4 .
* * *
الديكوفيل :
كانت شاحناتي تتخرب في أطراد من نقل التربة ، فهذه في الحقيقة مهمة عربات السكة الحديد من نوع ديكوفيل . وكان لدى مصلحة الآثار الكثير من معدات الديكوفيل ، على أنه يكاد يكون من المستحيل إخراجها من قبضة شتى الأثريين الذين خصصت لهم ، ذلك أن الأثريين كانوا غيورين على معداتهم مثل غيرتهم على القبور التي يحفرونها ، ولا يتخلون عنها حتى ولو كانت تقبع بلا حراك في المخازن ، كما كان هو الحال لمعظم هذه المعدات وعندما قدمت طلباً لأحمد في أبيدوس ، حولني إلى علي في أسوان ، وعندما ذهبت إلى علي قال لي انه قد أرسل المعدات إلى أبيدوس .
واتفق إن كان يوجد بالقرب من القرنة كم كبير من المواد – آلاف الأمتار من القضبان وعشرات العربات الصغيرة – التي تخلفت من حفريات متخف لمتروبوليتان عند الدير لبحري ، وهي حفريات توقفت منذ زمن طويل . وكنت متحرقاً للاستيلاء عليها ، ولكني لم استطع أن أجد أحداً على صلة بالمتحف لأطلبها منه . وذهبت إلى أناس في الأقصر يعملون بالمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو ، فقالوا أنهم لا شأن لهم بحفريات متحف المتربوليتان ولكنهم نصحوني بمحاولة الاتصال بمدير البنك الأهلي في الأقصر ، الذي كان يعمل ممثلاً للمتحف وقال لي المدير أن مسئوليته تتوقف عند دفع أجر الخفر الذين يحرسون المعدات . على أنه أعطاني اسم رئيس القسم المصري بالمتحف ، الدكتور لانسنج ، وكنت قد كتبت له من قبل ولم أتلق رداً ، ذلك أن الرجل التعس كان مريضاً مرضاً خطيراً . وعندما أبدى الملك اهتماماً بالمشروع ، كتبت إلى القصر عن المشكلة التي أعانيها للحصول على ديكوفيل . وفي حال عينت لجنة برئاسة وزير المعارف . وكان من بين أعضاء اللجنة مسيو شفرييه ، مدير حفريات الكرنك ، ووعدني ب 800 متر من القضبان واثنتي عشرة عربة صغيرة ، الأمر الذي جعلني أشكره بكل الامتنان . وتم التوقيع بما ينبغي على تفصيلات الاجتماع ، وأغلق الملف وختم بختم (( تم الاستيفاء )) ثم وضع في أحد الجحور . وعندما عدت إلى القرنة طلبت المعدات من مسيو شفرييه ، ولكنه لذهولي رفض إعطاءها لي ، قائلاً أنه قد توسع للتو في عمله بشأن تهدم البوابة الثالثة لمعبد الكرنك .
خاب أملي خيبة شديدة . وكانت شاحناتي تتحول من سيء إلى أسوأ ، ولم يكن يبدو أي أمل في إراحتها . وفكرت فيما بيني وبين نفسي أن قد سألت كل فرد ، حتى الملك ، فلمن أتحول الآن ؟ ليس فوق الملك إلا الله ؛ وهكذا صليت لله وسألته أن يعطيني ديكوفيلا .
وفي خلال أسبوع زارني مسيو بروبير ، مدير حفريات المعهد الفرنسي في دير المدينة ، وقال أنه قد سمع بحاجتي على ديكوفيل . وكان هو قد استنفذ كل موارده المالية ، فكان عليه أن يوقف الحفريات قبل نهاية الموسم ! وكان على استعداد لأن يعطيني كل ما عنده من معدات الديكوفيل شريطة أن استخدام رجاله ، بحيث لا يضيع عليهم أجرهم عن بقية الموسم . وكنت مستعداً تماماً لأخذ رجاله هؤلاء ، بل لعلي كنت سأقترح ذلك أنا نفسي ، لأن معداته ستكون آمنة بأكثر وهي في أيدي الرجال الذين تعودوا عليها .
كنت في غاية الحماس لحصولي أخيراً على ديكوفيل ، بل وأكثر من ذلك ، تملكني إحساس بالتقوى لأن دعواتي قد استجيبت بهذه السرعة والوضوح . وفي الحال أخذت أصلي في ورع لله تعالى ، شاكراً إياه على منته ، التي اعتبرتها علامة رضا عن عملي .
وقد قيل في القرآن (( لئن شكرتم لأزيدكم )) . وفي بداية الموسم التالي زارني مستر هوسر ومستر ولكنسون وكلاهما يعملان في متحف المتروبوليتان . وكانا قد وصلا من إيران لتصفية كل ممتلكات متحفهم التي في القرنة ولما كانا قد علما باحتياجاتي للديكوفيل ، فقد رغبا في بيع ما عندهم منه إليّ – 3000 متر من القضبان ، وثلاثون عربة صغيرة ، وإحدى عشرة عربة مسطحة – بثمن اسمي هو مائة جنيه . وكان لديهما عرض أعلى لشرائه قدمته شركة تجارية في المدينة ولكنهما يفضلان إعطاءه لمنظمة علمية مثلنا ، واشترطا فحسب أن يتم دفع النقود لهما خلال شهر واحد ؛ فقد كانا متعودين تماماً على التعطيلات الإدارية . ووعدتهم بذلك بسهولة ، وقد قررت سراً أن ادفع لهم من جيبي الخاص ، وإذا لم تدفع الإدارة ، فسوف أقيم حفلة عند انتهاء عملي أدعو لها كل المعنيين من رؤساء الأقسام ، وأغرق فيها القضبان والعربات في النهر . ولحسن الحظ دفعت الإدارة بالفعل ؛ وهكذا لم ينته الأمر بالمعدات في النهر .
* * *

























لحن الختام
القرنة في سبات

معماري يبحث عن نصير
بعد ثلاثة مواسم من العمل في القرنة ، وجدت أنه من الصعوبة
البالغة أن أنجز أي عمل بينما تواجهني معوقات مصلحة الآثار
التي تزداد تصلباً . وودت أن أنقل كل المشروع إلى مصلحة أخرى
أكثر ملاءمة وهكذا حاولت أن يتم الاستيلاء عليه من مصلحة الفلاح
ولكنهم لم يكونوا ليلمسوه ؛ فحاولت مصلحة الإسكان ، التي تنازلت
أيضاً عن هذا الشرف . وهنا ، عندما أوضحت أن الفلاحين لا يمكنهم تحمل تكلفة الإسمنت ، قيل لي (( سوف نبني نحن بالإسمنت )) وكان هذا أمر غير عملي بما لا يطاق ، إنه بمثابة تحديث لقول ماري أنطوانيت (( فيأكلوا كعكاً )).
ووصل التعويق إلى ذروته عندما حدثت بعض التغييرات في العاملين بالمصلحة فاتت بموظفين كانا على عداء للمشروع وأصبحا في مركزين قياديين ، كما نقل نصيري الأخير ؛ شفيق غربال وكيل وزارة إلى وزارة الشئون الاجتماعية .
وتصورت أنه مع وجود شفيق غربال في وزارة الشئون الاجتماعية ، فإن المشروع قد يكون حاله أفضل تحت رعايته هناك وهكذا قدمت طلباً لمصلحة الفلاح في تلك الوزارة . وقبل مرور زمن طويل أصبح من الواضح أن مصلحة الفلاح ليست كثيرة الاهتمام بالفلاح – أو على الأقل بإسكانه – وهكذا أخبرت مرة أخرى بأن أقدم طلباً إلى مصلحة الإسكان . وهنا وصل مشروعنا الإسكاني إلى التوقف بالكامل .
وكان كل تحرك من تلك التحركات يجعل الموقف أسوأ ، بصرف النظر تماماً عن أن ذلك كان سيورطنا أيضاً في أعمال كتابية لا نهاية لها عند القيام بالجرد وتسليم المخازن . وفي كل مصلحة من المصالح الثلاث ، كانت تعقد اللجان التي كان من الواضح أنها تعقد فحسب بهدف إيجاد أعذار لوقت العمل ولتمكين المصلحة المعنية من غسل يديها من القرنة بالكلية .
كان من الواضح استحالة الاستمرار في العمل مع أناس هكذا ، ولهذا فعندما أُنبئت في النهاية أنع إما أن أعود إلى مدرسة الفنون الجميلة أو أتخلى عن كرسي هناك لأصبح موظفاً مستديماً في مصلحة الإسكان ، قررت أن أعود للتدريس وقد ارتحت بالاً . على أنه حتى التدريس لم يكن فيه إلا القليل . وأحسست أني أحاول تدريس شيء قد فشلت أنا نفسي في إنجازه ، وتزايد شعوري بالقلق ونفاذ الصبر . إن ظهور النتائج يستغرق زمناً أطول مما ينبغي ؛ فالأمر يشبه تنمية شجرة نخل من بذرة – فلا أقل من عشر سنوات قبل أن تستطيع جمع بلحة واحدة .
ثم حملتني سلسلة من محن جديدة على اتخاذ قراري . كانت هناك مسابقة لتصميم أرخص منزل قروي واف . وكان المطلوب تصميمين ، وفازت التصميمات التي قدمتها من كلا النوعين . وأعطى وزير الشئون الاجتماعية منحة 250 جنيهاً لإقامة أحد هذين التصميمين كتجربة . وتم اختيار موقع على أرض ما يمتلكها المركز الاجتماعي في المرج ، قريباً من القاهرة . وعملت عملاً شاقاً في الرسومات التفصيلية والتقديرات المالية حتى تكون جاهزة قبل أن يغير أي واحد من رأيه ، وأنهيت كل ذلك خلال أسبوع . ورغم هذا إلا أن مصلحة الإسكان لم تبن قط هذا البيت ، مع أنهم كان عندهم كل شيء – التصميمات ، والموقع ، والنقود – والسبب كما قالوا ، أنهم لم يستطيعوا أن يقرروا تحت أي بند من بنود ميزانيتهم سيتم إدخال ذلك .
وافتتحت الحكومة في ذلك الوقت مركز أبحاث البناء ، فاقترحت نقل مبلغ 250جنيهاً إلى مركز الأبحاث هذا وأن أبني البيت تحت رعايتهم . وكنت آمل بهذه الطريقة أن يتم تعرض بناء من طوب اللبن لاختبار رسمي معتمد ، وبذا يثبت أن طوب اللبن رخيص حقاً . ووافق مركز الأبحاث ، ولكنه قال أنه سيكون من الضروري بناء بيت آخر بالمواد التقليدية ( كمرات خرسانية سابقة الإجهاد ) ، لمقارنته ببيتي . وفي النهاية بنوا هذا البيت الثاني ( الذي كلفهم 1000 جنيه ) ، ولم يبنوا بيتي وكنت قد علقت آمالاً عظيمة علة هذه التجربة لإثبات أرائي فيما يتعلق بتكلفة طوب اللبن ولأضع حداً للحكايات التي كانت تروي عن ارتفاع تكلفة القرنة ، ولكني لم أخرج بشيء من هذه التجربة، ومازالت ال250 جنيهاً مع مركز الأبحاث .
وبعد ذلك ، وبينما كنت آمل أن نجاح مدرستي في فارس سيبرئ في النهاية طريقة طوب اللبن ، إلا أحد كبار موظفي مصلحة المباني المدرسية روى مباشرة كذبة متعمدة للوزير ، قائلاً أن المدرسة قد تكلفت 19.000 جنيه بينما هي في الحقيقة قد تكلفت 6000 جنيه . وعندما ، علمت بذلك ، أدركت أن لاماكن لي في مصر ؛ كان من الواضح أن البناء بطوب اللبن يثير عداء فعالاً عند أولئك المهمين . واتفق أن وقعت في مؤخراً مغامرة مع لصّين اقتحما منزلي وطعناني ، على أنه ليس من المبالغة أن أقول أني أحسست مع هذين اللصين أني آمن أكثر مما أكونه مع أولئك الرسميين الذين يستطيعون الكذب لمنع وصول ما فيه فائدة للفلاحين .
ويقول القرآن للمؤمن الذي يجد من المستحيل عليه أن ينفذ رسالته بين قومه أن عليه إذن أن يشد الرحال مهاجراً إلى مكان آخر . وفي ذلك الوقت سألني الدكتور دوكسياديس أن أنضم إلى مؤسسته في أثينا . لا عمل عنده على التخطيط للريف في العراق . وأحسست أن العمل الأهم هو البناء لا التدريس ؛ وأن المباني أياً كان موقعها في العالم . ستتحدث بصوت أعلى من المحاضرات ؛ وأنه إذا جذب مشروع ما مكتمل انتباها دولياً ، فإنه في النهاية سيكون له تأثيره في مصر .
اخترت إذن أن أبني بدلاً من ادرس ، وقد أحسست أني استطيع إيداع النظرية التي طورتها بالقرنة في هذا الكتاب الذي هو إسهام في نظرية التكامل . والتناول المتكامل ، وإن كان ينبغي أن يكون عملياً بقدر الإمكان ، إلا أنه يتطلب الإشارة إلى بعض العثرات والعقبات في طريق التطبيق العملي للنظرية ، ومن هنا كان هذا الجزء الثاني
والمهندسون المعماريون الشبان الذين يقرؤون هذا الكتاب يجب ألا يفترضوا أنهم ما إن يعرفوا كل شيء عن المواد والإنشاءات ، وما إن يلهبهم حب المباني الجميلة والعزم على جلب الجمال إلى حيوات رفاقهم في البشرية ، فإنهم إذن قد تجهزوا للانطلاق للبناء . إن المهندس المعماري حين يشعر بحس بالرسالة ، سوف يجد حتماً قدراً كبيراً من المقاومة لهدفه . وهو إذا كان يريد أن يبني للشعب ، فإنه يجب أن يفهم منذ البداية أنه ستكون أمامه مقاومة عنيدة . وإذا كان سوف يقابل مشاكل تقنية وفنية تستدعي استخدام كل تدريبه ومهاراته ، إلا أن التغلب على هذه المشاكل فيه ما يثير الحماس ويرفع المعنويات ، مثل تسلق الجبال ، ومن المفروض أنه لم يصبح قط مهندساً معمارياً إلا بسبب حبه لتناول صعوبات كهذه .
على أنه ستكون هناك عقبات أخرى في طريقة بالإضافة إلى العقبات المباشرة التقنية والفنية ، عقبات ستجعله يشك حتى في أكثر معتقداته صلابة . وكلما دفعه حسه المعماري من خلال المنطق الواضح إلى المزيد . والمزيد من الحلول الجذرية ، فإنه سيجد من داخل نفسه مشاعر غدارة تغويه بالتخلي عن رسالته ليتواءم مع أسلوب الممارسة السائد في المعمار . وعندما وجدت أنه حتى الفلاحين يعادون مشروع القرنة ، بدأت أشك في مبدأ قبو طوب اللبن كله . وفكرت أنه وإن كان المبدأ سليماً اقتصادياً وجمالياً ، ومن الوجهة الهندسية ، إلا أنه ربما يحمل بعض إيحاء بالقبور ، أو أي من تداعيات محبطة أخرى ، تنفر الفلاح .وقد هدأ شوالردي لوبكز من روعي بهذا الشأن ، فأكد لي أنه وإن كان القبو نصف الدائري مرتبطاً بأوزيريس والموت قد يجعله من غير المناسب ، إلا أن أي عقد مدبب من قطع مكافئ او مقطع دائري لن يكون فيه ما يحمل أي رمز منفر . وقد زارني هو نفسه في القرية الجديدة ووجد أن المضيفة ذات القبة تحدث انطباعاً بهيجاً جداً .
والحقيقة أن بعضاً من المعارضة ربما يكون قد طرح نتيجة ذكريات لبعض مساكن معينة مزرية أقامها ملاك زراعيون من البخلاء ( لفلاحيهم ) في البحيرة ، في شمال الدلتا ، وهي مساكن سقفت بقباب واطية تجثم على الصدور بما يذكرك حقاً بالمقبرة . ومن الناحية الأخرى ، فإن الأقبية والقباب من نوع آخر تستخدم بما يثير البهجة في مساكن النوبة ، وسوريا ، وجزر بحر آيجه ، وصقلية ، وإيطاليا ، دون أن يفكر أحد في أي مدفن . على أنه بالنسبة للمعماري الشاب الذي ظل يطرح مثل هذه المناهج غير التقليدية ، فإن الشك في الذات كان يثير فيه أبلغ القلق . وبصرف النظر عن هذا التشكك الجوهري ، فإن المعماري ليضيق صدره بكل أحداث الحياة اليومية التي تضعف من الروح . ذلك القصور الذاتي ، والرغبة في حياة هادئة ن واعتبارات الراحة المادية ، والنفور من الإساءة للأخريين ، بل والخوف المجرد ، كل هذه تنصح المعماري الخلاق بأن يخون رؤيته ليصبح محترماً مثله مثل أي واحد آخر .
إن هذا الصراع الداخلي لابد أن يمارسه كل الفنانين الخلاقين , على أن المعماري سيجد أن الصراع في حالته يحدث أيضاً خارجياً , وذلك عندما يحاول أن يحقق رؤيته في مبان مجسمة . وعندها فإنه سوف يدرك أن نفس الأعداء ، القصور الذاتي والرغبة في حياة هادئة ، الخ ، التي سبق له أن تغلب عليها من داخل ذاته ، فقد تخندقت في الهيئات الرسمية التي يجب أن يتعاون معها لينجح في مهمته . وهكذا فإن آخر إغواء له هو أن يثور غضباً وازدراء من تعقيدات ومقاومة الرسميين الذين يجب أن يتعامل معهم ، وأن يتخلى عن كل محاولة للعمل من خلال هيئات رسمية . وحتى يساعد نفسه على تجاهل هذا الإغواء ، ينبغي على المعماري أن يتذكر مدى ما توفر له من حسن الحظ بما وراءه من تعليم تقني طويل . وينبغي عليه أن يتذكر أنه بالنسبة له فإن ذات حماسة لحل المشكل المعمارية ولرؤية مبانيه وهي ترتفع ليمده بالإحساس بالرضا والمكافأة عما قام به من فعل خلاق ، على أن هذا لسوء يكون بالنسبة للرسميين تعقيد آخر في روتينهم اليومي ، وصداع آخر للموظف الحكومي الذي يعاني من زحمة العمل وسوء الأجر ، ذلك الموظف الذي كثيراً ما يكون دافعه الوحيد للتصرف هو خوفه من مساءلة ديوان المحاسبات . كيف يمكن أن نتوقع من موظف كبير أن يكون له أي اهتمام باقتراحات ثورية تكون مما يُلزم مصلحته بخطط كبرى تتطلب تكنيكات لم يسبق تجربتها وإجراءات مالية تبدو وكأنها غير سليمة ؟ إنه قد وصل إلى مركزه بعد أن قضى حياته بطولها في تقدم حذر على درجات السلم الوظيفي ، وهو الآن يجلس متثاقلاً إلى مكتبه ، لا يشغله إلا كيفية تجنب ارتكاب الأخطاء وربما هو يضع هيناً مترددة على المركز الأعلى التالي . والمعماري ذو الإلهام لا بد لسوء الحظ من أن ينمي الصبر والتكنيك اللازمين للعمل في تناسق مع ملكوت الرسميين . ورغم ذلك ، فإنه إذا كان حل المشاكل المعمارية يعطي إحساساً بالرضا مثلما يعطيه تسلق الجبل ، إلا أن التعاون مع البيروقراطيين يشبه الخوض في مستنقع – فيه تخريب للروح ليس إلا .
على أن هؤلاء الرسميين هم ومن يرأسون مكاتبهم ليسوا إلا أناساً عاديين ، جزء من الشعب ، مثلنا كلنا . وهم كأفراد ، طيبون ، حساسون ، و أذكياء ، وحريصون فيما يأمل المرء على إعادة بناء بلدهم . أفلا يمكنهم أن يرو أن الطموحات الثورية تحتاج إلى إجراءات رسمية يكرهه كل واحد ، ويدرك الجميع أنه نمو لأعشاب ضارة خانقة ، لا يوجد من هو على استعداد لاقتلاعها ؟ بل أن الفلاح أيضاً يتباطأ في الاهتمام بالاقتراحات التي تطرح لتحسين حاله . فهو أبكم فاتر الشعور ، بلا تعليم ، وبلا إدراك للقضايا القومية ، وبلا وضع اجتماعي . وهو لا يؤمن بأنه يستطيع أن يساعد نفسه أو بأنه يستطيع أن يجعل صوته مسموعاً .
* * *
الافتراء يستمر :
استخدم شتامو القرنة أنواعاً شتى من الكذب : فقالوا أن أهل القرنة لم يعيشوا في القرية لأنهم لم يحبوا البيوت المسقوفة باللبن في أقبية وقباب ،، وقالوا أن استخدام طوب اللبن ليس أمراً تقدمياً وأنه ليس بالمادة السليمة هندسياً على أنهم ركزوا هجومهم بطريقة الدكتور جوبلز ، على أقوى حجة تؤدي للاعتراف بتلك التقنيات المستخدمة : وهي أنها رخيصة الثمن . فقالوا أن طريقة البناء هذه غالية جداً ، وهكذا فلابد من أن أحاول هنا بعض التفسير .
فأولاً : فيما يتعلق بأن أهل القرنة لم يرغبوا العيش في القرية . ولكن لماذا لم يرغبوا ذلك ؟ لا شك أنه ينبغي أن يكون لدينا من الفضول ما يجعلنا نسأل عن السبب . ونحن نعرف من قبل سبب جاذبية القرية القديمة . فالأفراد الذين يربحون أوفر الربح من القبور – وهم بالطبع القرويون الأغنى - هم الذين يشكلون (( لجنة المشايخ )) التي تقاوم النقل . وقد تعاقدوا مع محام وابتكروا أكثر الأعذار جموحاً حتى لا يتنقلوا – بل وقالوا أنهم سيكونون في القرنة الجديدة في خطر من الذئاب . وهذه اللجنة كانت كلها تتألف من تجار العاديات . والتراجمة ، والخفر السابقين للآثار ، وما إلى ذلك – ومن الواضح أنهم أناس لهم أعظم مصلحة في البقاء كم هم – إلا أن أصواتهم كانت هي المسموعة ، بينما ظل معظم القرويين ، الذين وافقوا على الانتقال ، صامتين في سلبية . ولا يُفترض في المهندس المعماري أن يكون رجل شرطة يدفع الناس داخل وخارج بيوتهم . هل كان من مهمتي أن أعمل على نقل أهل القرنة ؟ إن الحكومة قد أصدرت قانوناً بانتزاع ملكية أهل القرنة . فهل نُفذ هذا القانون ؟ وكثيراً ما سمعت موظفين مسئولين يتحدثون عن الفلاحين كأولاد كلاب ويقولون عنهم أن الطريقة الوحيدة للتعامل معهم هي أن تبنى لهم بيوت من أي نوع وتدك القديمة بالبولدوزر . ولم تقم مصلحة الآثار بأي محاولة لاكتساب تعاون الفلاحين ، بل وبدا أحياناً أنها تتخذ جانبهم في معارضة الخطة . وكان موقف موظفي المصلحة بالنسبة للفلاحين في أحاديثهم الخاصة بين أنفسهم ، وهو القسوة الوحشية والمماطلة الرعديدة عند التطبيق . وكنت في وضع تعس بين بين ، فلا أنا من الحكومة ولا أنا من القرية بما ينبغي لأي منهما ؛ وهكذا عانيت من كلا الطرفين .
ونعود إلى ما إذا كان أهل القرنة قد أحبوا البيوت أو لم يحبوها : ذات مرة أمكنني الحصول على عون من أخصائي اجتماعي شاي ، هو حسين سري ، لإجراء مقابلات مع عائلات الفلاحين والحصول على تفاصيل البيوت التي يريدونها . وقد أجرى حسين خلال عشرين يوماً مقابلات مع مائتي عائلة وحصل على موافقتهم مكتوبة وموقعة بشأن خطوط المواصفات العريضة لبيوت كل عائلة منهم . ومازالت هذه الموافقات عندي . وينبغي ألا يُفترض أنهم دفعوا أو دوهنوا ليوافقوا على خطط لا يستطيعون حكماً عليها ؛ فقد كانت لديهم الفرص لمعاينة مبان قائمة . والحقيقة أنه عندما أحضر علي أبو بكر عائلته لترى أحد البيوت ، سعد النساء بالبيت ؛ ولكنه عندما عاد إلى القرية هوجم هجوماً مريراً لخيانته لقضية القرويين .
ولو كانت الحكومة قد تركت حسن سري لشهر آخر واحد فقط ، فإني على ثقة من أنه كان سيجعل كل عائلة في القرنة توافق على الانتقال إلى منزلها الجديد الخاص بها ( ربما فيما عدا المشايخ الإثني عشر! ) والحقيقة أنني كدت أكون سعيداً حينما تركتني الحكومة لأتعامل بطريقتي الخاصة مع القرويين ، لأني بالطبع لم أكن قط لأشارك في تكنيكات الهدم (( بالبلدوزر )) التي يحبذها أولئك الرسميون . فكان ما يتفق ومبادئ هو أن يُسمح لي بأن أجعل كل أسرة بمثابة عميل خاص لي وأن يتم ما أبنيه بمعونة الأسرة ورضاها . وفي الحقيقة أنني كلما زادت السلطات ابتعاداً ، أصبحت أحس بسعادة أكثر . وكثيراً ما حاولت أن أشرح للقرويين أننا لدينا الآن فرصة لأن نبني معاً في هدوء ما نشاؤه بالضبط ، وذلك قبل أن تدخل علينا الحكومة فتوقف من عوننا لأنفسنا . وقلت لهم أنه قد شاع عني في دوائر معينة أني أدلل الفلاحين ، وأن مصلحة الآثار لا تهتم إلا بأن تجليهم عن التل وتدفع بهم إلى بيوت من أي نوع ، وأنهم لا يمكنهم أن يتوقعوا أي اعتبار لأشخاصهم من مصلحة حكومية .. وتوسلت إليهم ألا يستخدموا الحكومة كسلاح ضدي ، أنا الذي لا أريد إلا خدمتهم . ومازلت أذكر ذات يوم جمعة ، وأنا
_______________________________________________________________

* وزير دعاية هتلر دكتاتور ألمانيا ، وكان مشهوراً بالمبالغات والكذب في دعايته للحزب النازي وفي الحرب العالمية الثانية ( المترجم ) .

أجلس مع المشايخ بعد الصلاة لأقنعهم بهذه الحجج ، و إذا برجل جداً صالح وعجوز ومبجل تبجيلاًَ عميقاً في المنطقة كلها ، وهو الشيخ الطيب ، إذا به يقول لإخوانه المشايخ في غضب عظيم أنه لإثم يرتكب أن تركل يد رجل قدمها لك في صداقة .
وثانياً ، فقد قرروا أن طوب اللبن ليس بمادة بناء هندسية ، وهكذا فإنه ينبغي ألا يكون لأي هيئة حكومية أي تعامل في طوب اللبن ؛ وأن طوب اللبن يحتاج إلى صيانة وإصلاحات متكررة ؛ وباختصار فإنه ينبغي أن يترك للفلاحين أن يبنوا به على مسئوليتهم الخاصة .
والرد على ذلك هو أن هؤلاء المهندسين المعماريين الذين يلغون باستخفاف بالغ الطوب اللبن هم في الحقيقة عاجزون عن الحكم على صلاحيته أو عدم صلاحيته كمادة بناء هندسية . إن العلم الوحيد الذي يمكنه إعطاءنا حكماً وافياً عن مدى قوة الطين وإمكانية الاعتماد عليه هو علم ميكانيكا التربة . وقد أجريت تجارب في أنحاء كثيرة من العالم على الطين كمادة بناء – وخاصة في جامعة كاليفورنيا وفي تكساس – وفي مصر فإن الدكتور محمد سعيد يوسف أستاذ ميكانيكا التربة في جامعة القاهرة ، والدكتور مصطفى يحيى أستاذ المواد ، والعقيد دعبس كلهم أجرو أبحاثاً على خواص طوب التربة .
وقد وجد من الأبحاث التي أجراها العقيد دعبس على عينات من طوب لبن عادي في معامل كلية هندسة جامعة القاهرة أن حمل التفتيت يصل في المتوسط إلى حوالي ثلاثين كيلوجراماً للسنتمتر المربع . وكدليل قاطع على ملائمة طوب اللبن للأغراض الهندسية ، فإني أرجع القراء إلى نتائج اختبارات العقيد دعبس الرائدة ، ونتائج اختبارات تبليل وتجفيف طوب اللبن التي أجراها د . مصطفى يحيى . وهي مبنية في ملحق ( 5 ) ويتبين بوضوح تام من هذه الجداول أنه يمكن الوثوق من أن كل أنواع طوب اللبن تتحمل أي قدر معقول من الأحمال تحت ظروف من المطر هي أسوأ مما يمكن توقعه قط في مصر .
وفي القرنة لا يتعرض الطوب لحمل أكثر من كيلوجرامين ونصف الكيلوجرام لكل سنتيمتر مربع ، مما يعطي معامل أمان يقرب من 10 . ولعل أحد الأسباب في أن المهندسين المعماريين يستحون هكذا من استخدام طوب اللبن هو أنه مادة أكثر حيوية من الخرسانة . فالخرسانة ما أن تُصب حتى تظل نفس الشيء ؛ أما الطين فليس كذلك ، إنه يظل ينكمش حتى يصبح جافاً . وربما استغرق ذلك عاماً أو أكثر ، حسب درجة نفاذية التربة هي والظروف المناخية . وعلى كل فما من داع للإحساس بالخطر من هذا المسلك . إنه لا يقلق بال الفلاح الذي يبني بطوب اللبن ؛ وهو يعرف بخبرة الأجيال ، كيف يتحسب لذلك ، كما مثلاً عندما يبني جداراً بأن يرص مداميك معدودة في كل مرة ، ليترك للبناء فرصة أن يجف بعض الوقت قبل أن يواصل الإنشاء .
والأمر أيضاً لا يزعج بال مهندس ميكانيكا التربة ، لأنه يستطيع أن يتحسب له في حساباته ومعالجاته . أما المهندس المعماري الذي ليس لديه تراث الفلاح و لا معرفة العالم ، فهو وحده الذي يرفض المغامرة بعيداً عن الخرسانة التي يظن أنه يعرفها بما فيه الكفاية ويحس بأنه جداً آمن عند استخدامها . وقد توصلت إلى ذلك حديثاً جداًَ .
ولا بد من أن أفسر ذلك ، فبعد أن رأى وزير المعارف مدرستي في القرنة والمدرسة الأخرى التي بنيتها في فارس ، فإنه قرر أن يبني مدرستين تجريبيتين أخريين من طوب اللبن ، إحداهما في الرادسية والأخرى في البيارات . وتم الإبلاغ مؤخراً عن أن هاتين المدرستين الأخيرتين على وشك الانهيار ؛ فتم إخلاؤها ،بل وكان هناك اقتراح بأنه ينبغي نقل أعمال النجارة منها لإنقاذها من الخراب . ولحسن الحظ تصادف أن كنت في القاهرة في نفس الوقت بالضبط الذي عُينت فيه لجنة الاستقصاء هذا الأمر .
وبينت للوزير خطورة هذه المزاعم وتوسلت إليه أن يعين في اللجنة أحد العلماء المسئولين . وهكذا انتهى الأمر بدعوة الدكتور محمد سعيد يوسف والدكتور مشيل باخوم ، أستاذيّ ميكانيكا التربة والإنشاءات بجامعة القاهرة ، لفحص المدرستين المشتبه في أمرهما . ووجدوا أن المدرستين المبلغ أنهما تنهاران سليمتان تماماً ؛ وكان ما حدث هو أن الانكماش الطبيعي في الجدران قد أدى إلى تشقق الجص ، وسبب ذلك وحده هو أن المهندسين المعماريين قد وضعوا جصاً صلباً من رمل وجير فوق طوب اللبن ، بينما القاعدة الهندسية هي أن يكون الأساس أقوى مما تضعه فوقه ؛ وأي فلاح كان سيخبرهم بما عليهم توقعه . أما مدرستا القرنة وفارس حيث استخدم جص من التربة . فلم تتأثرا بالكلية ويتفق أننا قد وجدنا أن إحدى المدرستين ، التي في الرادسية ، قد بنيت في المنتصف من أحد الوديان . وأنه كنتيجة للأمطار الغزيرة فإنها غُمرت بالمياه لارتفاع متر و20 سنتيمتراً طيلة شهر بأكمله إلا أن البنية لم تتأثر بشيء .
وبعد كل المحاولات التي رأينها لتسوئ سمعة طريقة طوب اللبن ، خطر ببالي أن هذه المدرسة ربما حدد لها عن عمد موقعها في ذلك الوادي – الذي كان معروفاً أنه يغرق في المياه من آن لآخر – بحيث أنها حين تنهار يستطيع أحدهم أن يقول: (( هاكم ما قلت لكم )) ولكن لعل هذا مني مجرد حنون بالاضطهاد .
والاتهام الثالث هو ، كما قلت ، أكثرها أهمية : وهو أن القرنة قد ثبت في النهاية أنها باهظة التكلفة . والآن فلو أنها كانت كذلك ، لكانت هذه حقيقة جداً فريد وشائقة . ولو كان من الحقيقي حقاً أن الطين والقش هما على نحو ما يكلفان أكثر من الإسمنت والحديد والصلب ، لكان هذا بلا شك أمراً خارقاً ويستدعي التحقيق . ولكن تحقيقاً كهذا لم يتم أجراؤه ، لأنه سيكشف في التو أن المباني قد كلفت في الحقيقة أقل من أي مبان يمكن أن تقارن بها مما أقامته أي مصلحة حكومية في أي مكان آخر في مصر ، وأن ثلاثة أرباع تكلفة العمالة الماهرة الدائمة كانت تضيع في دفع أجور هيئة عاملين قد توقفت عن العمل بسبب التعطيلات الإرادية .
وأكثر تفنيد مقنع بشان هذا الزعم هو تحليل كيفية الإنفاق الفعلي لنقود القرنة . وقد عالجت هذا في الملحق رقم
( 6 ) . وأرجو أن يكون نصب الأعين أن النفقات الكلية عندما سلم المشروع لوزارة الشئون الاجتماعية كانت 94.120 جنيهاً ، 36 قرشاَ ، منها على الأقل 20.000 جنيه ينبغي أن تطرح كثمن لمعدات لم تستخدم ، وشاحنات ، ومواد قابعة في المخازن . وهكذا فإن إجمالي النفقات هو 74.120 جنيهاً ، بينما إجمالي المباني التي تمت هو 10/9 19.301 متراً مربعاً ، وبالتالي فإن المباني بما فيها المسجد ، والسوق ، والخان ، والمسرح ، وقاعة البلدة ، ومدرستان ، قد تكلفت 4 جنيهات للمتر المربع . ترى ، في أي مكان آخر حدث أن أقيمت مبان عامة بمثل هذا الرخص ؟
والواقع أن وزير الشئون الاجتماعية اهتم بأن يقارن تكلفة البناء بالنسبة لبناء ال 790 بيتاً الباقية و قتذاك ، وذلك حسب النظامين اللذين يمثلهما بالترتيب البناء بالمقاولة ، والبناء بالطريقة التي استخدمت في المشروع ، فعين لجنة استقصاء الأمر . ووجدت اللجنة أنه بنظام المقاولة تكون التكلفة 441.864 جنيهاً بينما بالنظام الذي بنيت به القرنة تكون التكلفة فحسب 237.202 جنيهاً ( أنظر الملحق ( 1 ) لتحليل التكاليف ) .
وقد قال بعض الناس أن القرنة لا تزيد عن أن تكون استعراض مواهب تتوافر لفرد واحد . وكان مما طرح أن التصميم لطوب اللبن فيه بالذات صعوبة ويتطلب مهارة خاصة ، وأن الطريقة غير ملائمة لأن يتخذها المهندسون المعماريون الآخرون . وبالطبع فإن هذا مجرد هراء . فإذا كان يمكن لصبي قروي أن يتعلم بناء قبو في ثلاثة شهور ، فإن المهندس المعماري المؤهل يستطيع فيما يفترض أن يتعلم رسم القبو . وقد سبق أن قدمت اقتراحاً
( أنظر الملحق 2 ) للتدريب المتأني لمجموعة من المهندسين المعماريين المؤهلين ، لإعدادهم للعمل في القرى المصرية . وكل آمالي في مستقبل الريف المصري لتستقر بين يدي هؤلاء المعماريين الشبان من بلدي . إن هؤلاء المهندسين المعماريين الذين ينبغي أن يقوموا بدراسة البناء الريفي الآن هم الذين سيكون عليهم تطبيق المبادئ التي نشأت في القرنة . فإعادة بناء الريف المصري ستستغرق أربعين عاماً من عمل شاق ومتواصل ، وهؤلاء الشبان هم الذين سيكون عليهم العمل على تنفيذه . وإني لمتأكد أني استطيع أن أثق في أنهم سيكرسون أنفسهم بإخلاص لبناء القرى ، ذلك أني كنت دائماً ألقي أكثر الاستجابات حماساً وتعاطفاً من شباب المهندسين المعماريين . على أنه ينبغي أن تدرك الحكومة حجم ومتطلبات مهمة إعادة بناء ريف مصر بالطريقة التي طرحتها . ويجب أن تتقبل الحكومة مسئولياتها بالنسبة للمهندسين المعماريين الذين سينفذون البرنامج والذين سيتخلون عن أي فرصة لممارسة المهنة ممارسة حرة مجزية . فلابد من أن تضمن لهؤلاء الرجال راتباً مجزياً
( على أن يوضع نصب الأعين أن الهدف هو اجتذاب أفضل ما في الأرض من المهندسين المعماريين الشبان ، وليس فحسب أولئك الذين لا يستطيعون كسب عيشهم بالممارسة الحرة ) وعلى الحكومة أن تراعيهم في كل شئونهم الخاصة . ويساوي ذلك أهمية ، أن الحكومة يجب أن تترك لهؤلاء المعماريين حرية تأدية مهمتهم ، وأن تستوثق من أن الموظفين الإداريين لا يعوقون العمل في البناء . وما لم يتم تحديث الجهاز الإداري بحيث تُزال
(( كل )) التعطيلات الناجمة عن الإجراءات الإدارية والحسابية ، وما لم يتم دعم الهيئة الفنية بما يكفي من الموظفين الذين تخول لهم السلطات ويكونون من الراغبين في تحمل المسئولية ، وما لم تحل الاتصالات التليفونية مكان الطلبات المقدمة من ثلاث صور مع توقيعات بالموافقة لا تقل عن خمسة عشر توقيعاً ، ما لم يتم هذا كله فإن برنامجنا لإعادة بناء الريف سيكرر ببساطة فشل مشروع القرنة على نطاق يشمل ملايين الجنيهات ، بينما يصل ثلاثمائة مهندس معماري إلى حال من المرارة والسخرية ، ويضع إلى الأبد أي أمل ممكن في مستقبل لائق بالنسبة لعشرين مليون فلاح . عن خطر وقوع ذلك لهو أمر جداً حقيقي حتى لقد شعرت أن من واجبي أن أذكر بعض الأساليب التي استطاع الجهاز الإداري بها أن يجعل العمل في القرنة يتوقف ، وبذا فلعل حكومات المستقبل أن تتنبه للأمر ولعلها أن تتخذ إجراءاً بما يؤدي إلى تجنب وقوع مثل هذه الأحداث .
أما المهندسون المعماريون الشبان الذين سوف يشكلون مجموعة إعادة البناء المتفانية ، فإنهم لا بد أن يفهموا أيضاً أن طريق الرواد لهو طريق مليء بالصخور ومفروش بالأشواك .
وقد كنت فيما مضى أحجم عن تشجيع المهندسين المعماريين الشبان على إتباع خطواتي ، لأني شعرت بإحساس من المسئولية بالنسبة لرفاهيتهم المادية . وكما أن الواحد منا لا يشجع ابنه على أن يصبح شاعراً ، نتيجة تحسبه لما سيحدث لأحفاده ، فإنني أيضاً ما كنت لاستطيع التفكير في تأسيس مدرسة من المهندسين المعماريين لطوب اللبن . فقد خبرت كل الصعوبات والمعوقات التي تترتب على هذا التناول المعماري ؛ فكيف لي أن أرى أي معماري شاب وهو يلزم نفسه وعائلته ، في أول ابتداء حياته العملية ، بالفقر الأكيد الذي يجلبه له تفانيه لمصلحة القرويين ؟ وعلى الأقل فليمنع القديس فرنسيس أتباعه عن التنسك .
* * *


إعادة زيارة القرنة :
في يناير 1961 زرت القرنة ثانية . كانت القرية كما تركتها بالضبط ؛ فلم يتم إقامة بناء واحد جديد فيها . وكانت إحدى الشكاوي ضد المشروع هي أنه قد استغرق زمناً أطول مما ينبغي ، على أننا رغم كل العقبات أمكننا بالفعل أن نبني الشيء الكثير ؛ أما في السنوات العشر التي ظل المشروع فيها في أيدي الوزارة ، فما من قالب طوب واحد رص فوق الآخر ، بينما استمر أهل القرنة يعيشون فوق التل بين المقابر .
وهذا التوقف في البناء يواكبه توقف آخر في النشاط الحرفي . لقد شب الآن أولئك الصبية الصغار الذين عملوا كان جداً مبشر تحت إشراف طلعت أفندي . وأصبحوا شباناً في العشرين أو ما يقرب . وجميعهم عاطلون . ومات اسكندر المعلم العجوز للنساجين من البردة والمنير أخذ في الاحتضار .
ولم يزدهر سوى شيئين . أحدهما هو الأشجار التي زرعتها ، والتي نمت لتصبح الآن قوية غليظة ، ولعل ذلك لأنها لم تكن خاضعة للإدارة ، والشيء الآخر هو الستة والأربعون بناء الذين دربناهم . فكل واحد منهم أصبح يعمل في المنطقة ، مستخدماً المهارات التي نعلمها في القرنة – مما يثبت قيمة تدريب الحرفيين المحليين .
وألقيت نظرة على القرية بمسرحها المهجور ، وخانها ومدرسة صنائعها الخاويين ، والبيوت القليلة التي سكنها واضعو اليد ، ولم يكن يستخدم من القرية غير مدرستها الابتدائية للبنين ، وإذ ألقيت هذه النظرة تصورت ما كان يمكن أن تكون القرنة – وهو ما يجب للآن أن تكونه ، ذلك أن مشكلة أهل القرنة مازالت متأزمة نفس تأزمها في 1945 ، وحتى الآن فما من حل آخر قد طرح .
ومن المؤكد أني قد تعلمت من كفاحي أكثر مما كنت سأتعلمه لو كان طريقي ممهداً تماماً . ويقول القرآن
(( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم )) ولا شك أن إحدى النتائج المباشرة لخيبة أملي في القرنة هي زيادة تعمقي في فهم مشاكل الإسكان الريفي تعمقاً هائلاً . والمشكلة أكبر من أن تكون مجرد مشكلة تقنية أو اقتصادية ؛ إنها أساساً إنسانية ، تضم أنظمة وأناساً و مهنيين ، هم والفلاحين . إنها أعظم كثيراً من القرنة ومن مصلحة الآثار وينبغي القيام بأكثر من بحث واحد في أكثر من مجال واحد ، وينبغي القيام بأكثر من مشروع استرشادي ينفذ في أكثر من مكان واحد في الريف . وينبغي تقييم المشروع وتقدير نتائج البحث قبل أن نستطيع إصدار حكمنا في الأمر وطرح السياسات لتطبق على نحو شامل . ويبدو أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا الموقف تجاه مشكلة الإسكان الريفي . وفي السنوات اللاحقة التي تلت توقف العمل في القرنة ، أثناء عملي في الخارج وبعد عودتي للوطن فإني – على العكس من الابن الضال وقد أنكره أبوه – ظللت أحاول بلا فائدة أن أتصيد نصيراً من أي من السلطات المعينة بالإسكان والبحث العلمي لترعى مشروعات من هذا النوع . وهناك تجارب عديدة بدأت في مصر أو غيرها ، ولكنها ما إن تصل إلى المرحلة التي ستثمر فيها أي نتائج قوية حتى تتوقف وكأن ذلك يتم بيد خفية قوية أو بقوة القدر ذاته ، ومثل سيزبف أصبح على أن أحمل الصخرة لقمة الجبل ، ثم انزلق لأسفله ، وأحملها لأعلى الكرة بعد الأخرى .
إن هذا لا يعني أن السلطات لا تهتم برفاهية الناس ، وإنما يعني أن ثمة وجوداً لتضارب داخلي بين مبادئ وأهداف وإجراءات نظام البناء التعاوني ومثيلاتها في نظام المقاولات الذي رسخت قواعده تماماً في الاقتصاد والإدارة الرسميين . وسوف يزيد ما نفهمه عن معارضة تعاونية البناء عندما نعلم أن الإسكان في كل الدول النامية يمتص من ثلث إلى نصف الدخل القومي المخصص للتنمية ، بما يعني إنفاق عدة بلايين من الجنيهات في كل عام . وأدركت في النهاية أنني يجب أن أكون النصير لنفسي لو كنت أريد مواصلة النضال .
* * *
القرنة في نبروه :
وهكذا ، فإني آمل أن يكون عملي أنا في المستقبل هو أن أطبق مبادئ البناء التعاوني وأوضح كل الأفكار ، التي أوجزتها بهذا الكتاب ، في مشروع متواضع في مدينة نبروه الإقليمية الصغيرة ، التي منحت أمي كل ذكرياتها عن الريف ، والتي كانت أمي دائماً تهفو للعودة إليها . ولو حدث ومضت هذه التجربة قدماً ، فسيكون من المهم أنها ينبغي ألا تصبح مجرد قطعة من البناء النموذجي المعزول غير المثمر مما يكثر مؤخراً إقامته في مصر .
وهكذا ، فإن من الواضح أن التجربة تحتاج لأن يرعاها أحد أقسام الجامعة ، أو الحكومة ، أو أي هيئة دولية . ومن الواضح بالفعل أن إضافة مجتمع كامل جديد إلى مدينة إقليمية لا يمكن أن يكون مسئولية فردية ؛ وإنما يتطلب الأمر تعاوناً وثيقاً مع السلطات المحلية كما مع الحكومة المركزية .
وإذا كان ينبغي حقاً أن تكون هيئة المشروع مستقلة بقدر الإمكان ن لتجنب إحباطات العمل من خلال وزارات لم تُهيأ لمعالجة قضايا كهذه ، إلا انه بدون رعاية رسمية لا يمكن أن تخطى نبروه بالأهمية الدولية التي تستحقها . لقد وفرت تجربة القرنة كل ما يمكنها توفيره من المعلومات . ورغم أنه كان يجب حقاً استكمالها ، إلا أن التخطيط قدتم إنجازه ، والظروف فيها على أي حال كانت ظروفها خاصة جداً بحيث أن الإنجاز الفعلي للعمل لم يكن له علاقة بالذات بمشاكل البناء التعاوني . لقد أدت القرنة مهمتها ، ونبروه هي التي آمل أن أرى فيها الازدهار الكامل للأفكار التي بدأت تنبت هناك . ولسوف يتم تحقق القرنة تحققاً كاملاً في نبروه . ثم من نبروه دعنا نأكل أن ثورة إسكانية سوف تنتشر عبر مصر كلها.
الملاحق

ليس المقصود بهذه الملاحق أن تكون معالجة شاملة
لتشييد المباني أو تنظيم الأشغال . وأنا هنا أناقش
حسب مشاكل خاصة لاقيتها بالفعل في القرنة .هي
والمشاكل أو الحلول أو الاقتراحات الناشئة عنها ،
وأيضاً مشاكل البناء التعاوني في مصر والبلاد التي
تماثلها في ظروف العمالة والاقتصاد . وطرق البناء
التعاوني ، كما نتذكر ، لم تتم محاولتها في القرنة ،
وإنما هي في حاجة ملحة للبحث والتجريب بشأنها .
































الملحق 1
تحليل تكاليف العمالة ومعدلات تنفيذ الأشغال
التحليل التالي هو تحليل كامل للأشغال المتضمنة كما تم انجازها
في القرنة . ولما كان مشروع القرنة مشروعاً ممولاً من الحكومة
لا يستخدم إلا العمالة المأجورة ، فإن الرقم النهائي لكل بند هو
بالنقد المصري وهو يمثل التكلفة الفعلية للبند بالأسعار ومعدلات
الأجور السائدة في القرية بين 1946 و 1950 .
على أنه مما يمكن إدراكه، أن هذا التحليل يصلح لأي مشروع يستخدم نوعاً من الإنشاءات كالتي في القرنة،ذلك أنه إلى جانب التكلفة فإن التحليل يبين أيضاً ((كمية)) و((نوع)) العمالة بالساعات / الرجل، بالنسبة لكل بند تشيد بالنسبة لتدبير وإعداد كل مواد البناء.. والعمالة التي تذكر في أحد البنود ثابتة ، على الأقل بالنسبة لمصر، حيثما تواجدت المهارات وحيثما لا يكون المناخ بأي حال أقل ملائمة عما في القرنة، وهكذا فإنه يمكنه تطبيق هذا التحليل بثقة على أي مشروع بناء يستخدم نفس التقنيات ، أيا ما كان نظام العمالة المستخدم _ تعاونياً أو غير تعاوني _ وأيا ما كانت ظروف الأسعار السائدة ( بمعنى سواء حدث أن كانت العمالة أو المواد أو المعدات أغلى وأرخص، أو بنفس أسعار القرنة)
وإذن فإنه في المشروع الذي يصمم على أساس تعاوني ، وكما بنبعي أن يكون الأمر في أي خطة كبرى ، سيكون من السهل أن نحدد من هذا التحليل نسبة المشروع التي تقوم بها الحكومة والنسبة التي يقوم بها السكان المحليون.
ويبين التحليل في وضوح أنه يمكن بناء البيت بتكلفة رخيصة جداً. وفي قرية ميت النصارى ،حيث كان النظام التعاوني هو هذا الذي سيستخدم فإن البيت كان سيتكلف 84 جنيهاً. وفي أي مشروع فإن هذا المبلغ (الذي كان سيدفع للعمالة الماهرة المتخصصة ، والنجارة ، والتركيبات الصحية ، والمواسير التي لا يمكن عملها محلياً) لهو مبلغ يمكن توفيره كإعانة بالكامل أو كقرض طويل المدى ، ومما يجدر ملاحظته ، أنه بينما يعد مبلغ 600 جنيه بمثابة قرض مستحيل بالنسبة العائلات _وهذا رقم منخفض جداً لبناء بيت بالمقولة ومن مواد البناء الصناعية_ فإن هناك الكثيرين جداً ممن يمكنهم تحمل دفع 84 جنيهاً على عشر سنوات أو عشرين سنة.
تحليل تكلفة مواد البناء والعمالة المستخدمة في قرية القرنة.
ضرب الطوب:
1- لم تتم إلا اختبارات ميدانية تقريبية لتحديد تركيب التربة ومقاومة قوالب الطوب المضروبة .
2- تم حفر التربة من الأكوام المتخلفة بطول ضفة ترعة الفضيلة بعد تطهيرها ، والترعة تحاذي موقع المشروع وكانت التربة مكونة من رواسب من طمي النيل ، وتكاد تتألف بالكلية من الطمي والطفل مثل معظم الأرض المروية بنظام ري الحياض في صعيد مصر.
3- كانت نسبة الانكماش في قوالب الطوب المضروبة من الطفل النقي بدون قش، والتي صبت وهي مبللة جداً بالطريقة التقليدية ،هي نسبة 37 في المائة بعد الجفاف ، مع تشققات رديئة تحدْث بعد زمن قصير جداً من الصب.
4- ضرب الطوب في خلطات من نسب مختلفة من التربة والرمل والقش ووجد أن الترتيب التالي يعطي أفضل النتائج :
1م من التربة ،3/1م مربع من الرمل ، 45 رطلاً من القش . وتنتج هذه الكمية 660 قالباً أبعادها 23×11× 7. وقالب الصب المستخدم أبعاده 24× 12× 8 سم.
5- تم الاحتفاظ بعينات من قوالب الطوب المضروبة بهذا التركيب كمعيار للمقارنة.
تحليل تكلفة ضرب 1000 قالب طوب
( أ ) (( التربة )) كان المقصود أن نستخرج التربة المطلوبة لصنع الطوب من موقع البحيرة الصناعية التي صممت أصلاً لهذا الغرض كما للأغراض الأخرى التي سبق شرحها في الفصل الذي تناول هذا الموضوع ولكن لسوء الحظ فإن الترعة التي كانت تروي حوش كامل بولس بك والتي كان يفترض أنها ستغذي هذه البحيرة كانت ترعة مهجورة قد حل محلها بئر ارتوازي . وهكذا لزم جلب التربة من بقايا تطهير ترعة الفضيلة كما سبق ذكره.
وكانت التربة تنقل عبر سكة حديد خفيفة في عربات تقلب باليد سعتها 0.5 م مكعب .
ويعمل على كل عربة فاعلان . وهما ينقلان أحمال من التربة من ضفة الترعة وحملين من الرمل من مقالب في الموقع . وهذا هو القدر الكافي لضرب 3000 طوبة في اليوم .
وأجر كل فاعل هو : 10 قروش
تكلفة نقل التربة لكل 1000 طوبة = 20 = 7 قروش .
3
( ب ) (( القش )) . يتراوح سعر القش بين 60 قرشاً ، 120 قرشاً للحمل ( الحمل وحدة وزن تبلغ 555 رطلاً ) وذلك أثناء فترة العمل كلها من 1944 – 1945 حتى 1952 – 1953 وذلك فيما عدا 1952 – 1953 حيث ارتفع السعر إلى 210 قروش .
وهكذا يحسب السعر عند 120 قرشاً
تكلفة القش لكل 1000 طوبة = 120× 45 × 1000 = 15 قرشاً .
( ج ) (( الرمل )) تم نقل الرمل بالشاحنات من المحاجر التي تبعد تقريباًَ بثلاثة أميال إلى شمال القرنة .
تكلفة 1م مكعب من الرمل بما فيه النقل = 22 قرشاً .
* تكلفة الرمل لكل 1000 طوبة = 1000× 22 = 100 = 11 قرشاً
660× 3 9
( د ) (( المياه )) وفرت المياه للمشروع باستخدام مضخة تعمل بمحرك بترول . وتستخدم المياه في ضرب الطوب ، وخلط المون ، وري الأشجار . وفي أول الأمر كانت المضخة تشغل بواسطة الميكانيكي إبراهيم حسن وكان مسئولاً أيضاً عن حفر الآبار الارتوازية لينابيع القرية . وأجرهو 50 قرشاً في اليوم . ( ليس من المنطقي استخدام ميكانيكي خاص لتشغيل هذا المحرك الصغير وحده ) .
وفيما بعد ، خصص لهذا الميكانيكي مهمة حفر آبار صرف لتصريف المياه والمراحيض ، وعهد بمهمة تشغيل مضخة المياه إلى ميكانيكي السيارات ( أنور ) ، بأجر 35 قرشاً في اليوم ، وذلك بالإضافة إلى واجباته الأخرى في الإشراف على السيارات . وكان يساعده فاعل بسيط يرعى المحرك بأجر 10 قروش .
وحيث أنه هناك أربع شاحنات بالإضافة إلى المضخة ، فيمكننا أن نعد أنه كان عندنا خمس وحدات ميكانيكا يشرف عليها هذا الميكانيكي .
النفقات اليومية لتشغيل المضخة .
بترول 70 قرشاً
زيت 5 قروش
فاعل 10 قروش
مايختص من أجر الميكانيكي لتشغيل المضخة 35 ÷ 5 = 7 قروش أعطال وإصلاحات 5 قروش
الإجمالي 97 قرشاً
وبحساب أن ثلثي هذه النفقات هي للمياه المستخدمة في ضرب الطوب وثلثها للمياه المستخدمة للمؤن والأشجار فإن تكلفة مياه
ضرب الطوب يومياً = 97× 2 = 64.3 قرشاً
3
وكان يوجد وقتها أربعة فرق من ضاربي الطوب تنتج 12000 قالب طوب في اليوم
* تكلفة المياه للألف طوبة = 64.3 = 5.5 قرشاً
12
أجر العمالة لضاربي الطوب هو بسعر شامل يبلغ 25 قرشاً لكل 1000 قالب
(( الفريق )) يتألف عادةً من اثنين من ضاربي الطوب لصبه ومن اثنين من الفعلة العاديين ، أحدهما للخلط والثاني لنقل المونة . ويمكن للفريق أن ينتج عادة 3000 قالب في اليوم . وأجر ضارب الطوب هو 20 قرشاً والفاعل 10 قروش .
تقليب الطوب على حرفه ثم تشوينه .
لتجفيف قوالب الطوب توضع على حرفها في اليوم الثالث بعد صبها ، ثم تحمل من مكان ضرب الطوب في اليوم السادس ليتم تشوينها . ويخصص لذلك ثلاثة فعلة لكل فريقين لضرب الطوب ، وذلك بأجر هو ويخصص لذلك ثلاثة فعلة لكل الفريقين لضرب الطوب ، وذلك بأجر هو 10 قروش في اليوم لكل منهم . ويمكن لهؤلاء الفعلة الثلاثة ، أن يتعاملوا في 6000 قالب يومياً .
* تكلفة تقليب الطوب على حرفه ثم تشوينه ، لكل 1000 طوبة 6/30 = قروش
نقل القش
كان القش يشون في مخازن كبيرة بعد أن يتم وزنه عند استقباله . كما كان يتم أيضاً وزن الكميات التي تسحب منه للاستخدام اليومي في ضرب الطوب .
والجمل الواحد يُكتري بعشرين قرشاً لنقل القش من المخازن إلى فناء ضرب الطوب ، ليخدم بذلك فرق ضاربي الطوب الأربعة التي تنتج يومياً 12000 طوبة .
* تكلفة نقل القش لكل 1000 طوبة = 20 = 1.8 قرشاً
12
مصاريف الإشراف
يوظف مشرف واحد للإشراف على الفرق الأربعة بأجر من 15 قرشاً . ووظيفته هي ضبط قياس المكونات والإشراف على عمليات الخلط والصب . ( تترك الخلطة لتتخمر لمدة 48 ساعة على الأقل قبل الصب )

* مصاريف الإشراف لكل 1000 طوبة = 15 = 1.2 قرشاً
12000طوبة
المصاريف العامة لتشغيل السكة الحديد الخفيفة
تركيب القضبان ، والصيانة ، والإشراف ، الخ ، تتطلب :
مشرفاً بأجر 30 قرشاً
فاعل واحد بأجر 10 قروش
الإجمالي 40 قرشاً يومياً
ولما كانت السكة الحديد هذه تستخدم لنقل الطوب الجاهزمثلما تستخدم لنقل التربة ، فإننا إذن نحسب نصف المصاريف العامة على حساب عملية ضرب الطوب
التكلفة لكل 1000 طوبة = 40 = 20 = قرشان تقريباً
2 × 12
التكلفة الإجمالية لكل 1000 طوبة
قش 15.0 قرشاً
رمل 11.0
تربة 7.0
صب 25.0
تقليب على الحرف 4.0
نقل القش 2.0
إشراف 1.2
تكلفة عامة للسكة الحديد الخفيفة 2.0
مياه 5.5
الإجمالي 72.7 قرشاَ

* * *

تكلفة الحجارة :
كانت معظم التلال القريبة من القرنة غير صالحة عملياً للتحجير إلا في مكانين كانا صالحين بدرجة أو أخرى ؛ أحدهما في موقع المحاجر القديمة للملكة حتشبسوت ، للشمال من وادي الملوك ، والآخر للجنوب من وادي الملكات ، وكلاهما على مسافة تقرب من ثلاثة أميال ونصف الميل من القرنة .
والمجر الأول كانت تستخدمه مصلحة الآثار لاستخراج الحجارة اللازمة لأعمال الترميم ، وقد تم الحصول على تصريح بالتحجير للمشروع من هذا الموقع ، ما دمنا سنحترم المحاجر القديمة ونتركها سليمة . وكان السطح مغطى بطبقات من الحصى والرمال تتكتل في صلابة بعمق 5 إلى 8 أمتار . وينبغي إزالتها قبل الوصول إلى الحجارة الجيدة . وكنا أيضاً نلقي طبقات هشة في تكوين الجبل ، تعطي حجارة جداً مدهشة ومملحة .
وهذه الطبقات ينبغي تحجيرها بعيداً ، مثلما تحجر الطبقات الجيدة ، ولكنها لا تعطي أي حجارة .
ولما كان أجر الحجارين يحسب على أساس إنتاجهم بسعر لوحدة الإنتاج هو مبلغ 15 قرشاً لكل متر مكعب من الحجر الجيد يسلم في موقع العمل ، فإنه كان يكفل لهم معاونة مجانية من عشرة فعلة لكل فريق لفترة من
10 – 15 يوماً حسب الزمن الذي يقدر أنه ضروري لإزالة الطبقات غير المرغوب فيها .
وأجر هؤلاء الفعلة يحسب كنفقات عامة ، على أنه لم يكن يدفع أي أجر للحجارين عن عملهم في إزالة الطبقات غير المستخدمة ؛ فالأجر المدفوع هو عن الحجارة الجيدة التي يتم تسليمها وقد حسب بحيث يغطي أيضاً أعمال الإزالة .
وكان هناك أربعة محاجر يعمل في كل منها فريق من 6- 8 حجارين يساعدهم ثمانية فعلة . وهناك أربع من هؤلاء الفعلة على نفقة المشروع وأربعة على حساب الحجارين .
ولحساب أجور الحجارين ، كان إنتاجهم يقاس كل كل خمسة عشر يوماً وتحسب الأجور بمعدل 15 قرشاً لكل متر مكعب ، ويطرح أجر الفعلة الأربعة الذين على حساب الحجارين ، ثم يقسم الباقي على الحجارين . ولما كان نظام العمل مؤسس على أجور يومية ، فإن المبلغ المستحق يحول إلى أجر يوم وكسوره :
أي ¾ و ½ و ¼ أجر يوم .

المفرقعات والفتائل :
يحفر الحجارون 4 حفر تفجير في اليوم ، كل حفرة بعمق 1.5 متر . وكل تفجير ينتج عنه ما يقرب من 9 م مكعب من الحجارة المناسبة . ويستخدم في المحاجر الأربعة 5 كجم من المفرقعات في كل يوم تتكلف 100 قرش وكمية الحجارة التي تنتجها المحاجر الأربعة = 40 م مكعب .
* تكلفة المفرقعات لكل م مكعب = 100 = 2.5 قرش .
40
* تكلفة الفتائل = 0.5 قرش

المفرقعات والفتائل ، إجمالي التكلفة 3.0 قروش

تكلفة النقل
تنقل الحجارة بالشاحنات ، وسعتها ½ 2 م مكعب . ويمكن لكل شاحنة أن تقوم بثماني رحلات في كل يوم = 20 م مكعب يومياً .
( أ ) البنزين . 6 جالون لكل 8 رحلات = 102.5 قرش

* تكلفة البنزين لكل 1 م مكعب من الحجر = 102.5 = 5.1 قرش
20
( ب ) الزيت . نصف كجم زيت تشحيم لكل عربة يومياً = 5 قروش
* تكلفة الزيت لكل 1 م مكعب = 20/5 = 0.25 قرشاً
( ج ) أجر السائقين . الأجر اليومي للسائق = 63 قرشاً شاملة علاوة غلاء المعيشة .
* تكلفة قيادة الشاحنة لكل 1 م مكعب = 63 = 3.15 قرش
20

( د ) التحميل والتفريغ . خصص خمسة حمالين لكل شاحنة بأجر يومي لكل منهم هو 15 قرشاً
* تكلفة التحميل لكل 1 م مكعب = 5 × 15 = 2.15 قرش
20
( هـ ) استهلاك العربات والاصلاحات . حسب أن عمر العربات هو عشر سنوات . وكل عربة تكلف 1000 جنيه . التنزيل السنوي من الثمن = 100 جنيه .
* تنزيل الثمن لكل يوم = 10.000 = 30 قرشاً
300

* تنزيل الثمن لكل 1 م مكعب = 30 = 1.5 قرش
20

الحدادة :
استخدام حداد ومساعدوه لشحذ الأدوات .
( أ ) الحداد 35 قرشاًيومياً تشمل أجر الفرن
( ب ) مساعد الحداد 15 قرشاً
( ج ) صبي حداد 8 قروش
( د ) فحم : 5 كجم × 10 قروش = 50 قرشاً
إجمالي 108 قرش

نفقات الحدادة لكل 1 م مربع = 108 = 2.6 قرش
40

* * *




نفقات عامة :
( أ ) أربعة فعلة على نفقة المشروع ( 4×10 ) 40 قرشاً
( ب ) مقدمو عمال 45 قرشاً
(ج ) ريس عمال 15 قرشاً
( د ) مراقبون ( 2× 18 ) 36 قرشاً
( هـ ) نصيب المحجر في نفقات الميكانيكى والمساعد :
ميكانيكي 35 قرشاً
مساعد 15 قرشاً
50 قرشاً

نصيب التحجير في النقل هو ¾ الإجمالي
* التكلفة اليومية = 50× 3 = 37.5 قرش
4
من بين المحاجر الأربعة يمكن احتساب ثلاثة فقط على أنها تعمل بانتظام ، وتنتج 30 م مكعب يومياً .
* النفقات العامة لكل 1 م مكعب تكون .
40 + 45 + 15 + 36 + 37.5 = 173.5 = 5.8 قرش أو 6 قروش بالتقريب
30

تكلفة إزالة التكتلات :
خصص عشرة رجال لكل فريق لفترة من 10 – 15 يوماً في اول الأمر ، وأيضاً كلما تم الوصول إلى الطبقات الهشة . وتكلفة هذه العملية لا يمكن حسابها إلا من العمل الفعلي .
ولما كان العمل لا يتم بانتظام طول الوقت ، فقد تم اختيار فترة من ثلاثة شهور استمر فيها التحجير دون انقطاع ليحسب منها التكاليف الناجمة عن إزالة التكتلات والطبقات الهشة .
الإنتاج الكلي خلال الشهور الثلاثة هو :
أبريل 775 م مربع
مايو 928 م مكعب
يونيو 568 م مكعب
2268 م مكعب

الأجور المدفوعة للعمال على حساب المشروع لإزالة التكتلات = 93.8 جنيه
نصيب المتر المكعب في هذه التكلفة = 9.380 = 4.12 قرش
2.268
تكلفة المفرقعات المستخدمة في إزالة التكتلات .
الجدول التالي يبين عدد أيام تحجير الحجارة الملائمة وعدد أيام إزالة التكتلات
المحجر رقم 1 المحجر رقم 2 المجر رقم 3 المحجر رقم 3 الشهر كتل حجارة كتل حجارة كتل حجارة كتل حجارة إبريل 15 10 صفر 25 13 14 16 11 مايو 7 16 5 24 14 16 13 16 يونيو صفر 15 صفر 26 صفر 15 صفر 15 الإجمالي 22 41 5 75 21 45 29 42
* عدد أيام إزالة التكتلات = 77
عدد أيام تحجير الحجارة الجيدة = 203
نسبة عدد أيام إزالة التكتلات إلى أيام تحجير الحجارة الجيدة هي ما يقرب من 1 : 3 حيث أن كمية المفرقعات المستخدمة لإزالة التكتلات أكبر مما يستخدم لتحجير الحجارة نظراً للتخلخل في كيان الأولى .وإذن فإنه يمكننا حساب النسبة على أنها 1 : 3 ، وهذا يعني أن كمية المفرقعات المستخدمة لإزالة التكتلات هي 3/1 الكمية المستخدمة لإزالة الأحجار الجيدة .
* تكلفة المفرقعات التي تضاف إلى تكلفة 1 م مكعب من الحجر = قرشان .
التشوين :
تشون الحجارة في أكوام منتظمة الشكل وذلك عند وصولها مباشرة إلى موقع العمل . وتكلفة هذه العملية هي قرش واحد لكل 1 م مكعب .
* التكلفة الكلية للحجارة :
1- تكلفة الحجارةعند تلقيها في موقع العمل ......... 15.00 قرشاً
2- المفرقعات والفتائل ................................... 3.00
3- بترول .................................................. 5.10
4- زيت .................................................... 0.25
5- سائق ................................................... 3.15
6- تحميل .................................................. 2.15
7- استهلاكات............................................. 1.50
8- حدادة .................................................. 2.6
9- نفقات عامة ........................................... 6.00
10 – تكلفة العمالة لإزال التكتلات .................. 4.12 ( أجور )
11- تكلفة المفرقعات والقنابل لإزالة التكتلات..... 2.00
12- التشوين ............................................. 1.00
45.75 قرشاً
أو 50
قرشاً
بالتقريب

* * *
الرمل :
العربة الواحدة تقوم بسبع رحلات يومياً إلى محاجر الرمل .
الجمل = 2.5 م مكعب .
* كمية الرمل التي تنقلها شاحنة واحدة = 7 × 2.5 = 17.5 م مكعب

النفقات :
1- بنزين ( 6 جالون ) ........................................ 112.5 قرشاً
2- سائق ........................................................ 63.00
3- زيت (½ كجم ) .......................................... 5.00
4- حمالون ( للتحميل ) 5 رجال ، 15 قرشاً لكل ........ 75.00
5- خفير ........................................................ 18.00
6- استهلاكات العربات ...................................... 30.00
303.5 قرش

تكلفة المتر المكعب = 303.5 = 17.00 قرشاً
17.05
النفقات العامة :
1- إزالة الحصى السطحي 2.00 قرشاً لكل 1 م مربع
2- المساهمة في أجر الميكانيكي ومساعده 1.00 قرشاً لكل 1 م مكعب
إجمالي النفقات لكل 1 م مكعب 20.00 قرشاً

التشييد :
بناية الدبش تحت المدماك العازل للرطوبة بعرض أكثر من 0.70 م بمونة من طين مثبت .





إنتاج ونفقات عمالة الفريق الواحد من البنائين

بند عمالة عدد أتعاب الإجمالي الإنتاج الكلي ملاحظات 1 بناء 2 40 80 2 فاعل 2 10 20 8 م مربع مناولة طوب 3 مساعد مونة ( صبي ) 4 8 32 لكل يوم جمل المونة 4 فاعل للحجارة ½ 10 5 جمل لفريقين الحجارة 5 فاعل لخلط المونة 1 10 10 6 صبي بناء 1 10 10 متدرب يساعد في ملأ قلب الجدران 157 8 م مربع
النفقات العامة :

( أ ) ملاحظ عمال يخدم على عشرة فرق 10.00 قروش
* نصيب الفريق الواحد = 10 = 1 قرش
10
( ب ) مياه لخلط المونة = 1 النفقات الكلية لتشغيل المضخة ( أنظر بند المياه في نفقات ضرب الطوب ) =
3
97 = 1 32
3 3

متوسط عدد الفرق العاملة : 15
* تكلفة المضخة لكل فريق = 32.5 = قرشان
15

وأقصى عدد للفرق العاملة في المشروع هو 30 وأدنى عدد هو 10 ؛ وقد حسب المتوسط على أنه 15 بدلاً من 20 لأن الفترات التي كان العمل يجري فيها بطيئاً كانت أطول كثيراً من الفترات التي يجري فيها العمل سريعاً . والاقتصاد يملي علينا أنه ينبغي ألا يقل المعدل عن قدرمعين تحدده العوامل التالية :
1- المبلغ المخصص في الميزانية للمشروع حلال السنة المالية وتوزيعه متوازياً على شهور العمل .
( المفروض أن شهور العمل هي عشرة شهور ، حيث أن الحرارة في يوليو وأغسطس لا تحتمل = 80 مْ في الشمس . والحقيقة أن فترة العمل لم تكن تتجاوز أربعة شهور بسبب تعطيلات الروتين وتراخي الموظفين في القطاع الإداري )
2- أقصى قدرة ممكنة لإنتاج مواد البناء ، وخاصة الطوب والحجارة ومدى ما هو متاح من الأدوات والمعدات .
3- معدل نقل مواد البناء بالوسائل الموجودة : الشاحنات ، تروللي ، السكة الحديد ، الجمال ، الحمير ، الخ .
وكمثل كان بالمشروع أربع شاحنات : اثنتان تستخدمان في نقل الحجارة ، والأخريان لنقل الرمل والطين .
وكل شاحنة تنقل 20 م مكعب يومياً
والشاحنتان العاملتان فينقل الحجارة يمكنها أن تمد بأربعين متراً مكعباً.
* الحد الأقصى لبناية الأساسات سيكون 40 م مكعب يومياً إلا إذا تم تخزين بعض الحجارة مقدماً . فقدرة النقل هنا هي عامل محدد .
الملاط :
المونة لبناية الأساسات بالدبش تتكون من تربة ورمل بنسبة 2 : 1 والمتر الواحد المكعب من بناية الدبش يتطلب ، 2 و0 م مكعب من المونة . تكلفة المونة = تكلفة الرمل والمياه فقط لأن التربة كانت تؤخذ من ناتج حفرالأساسات .
1 م مكعب رمل + 2 م مكعب تربة تعطي 2.5 م مكعب مونة .
تكلفة الرمل = 20 قرشاً .
* تكلفة المونة لكل متر واحد

من البناية بالدبش = 20 = 1.6 قرش .
2.5 × 5
وتصبح التكلفة الكلية لبناية الأساسات بالدبش هكذا .
العمالة والتشغيل 157.00 قرشاً
نفقات عامة 3.00

الإجمالي ل 8 م مكعب 160.00 قرشاً

* تكلفة العمالة + النفقات العامة لكل
متر مكعب واحد = 160 = 20.0 قرشاً
8
تكلفة المونة لكل متر مكعب واحد 3.5
تكلفة الحجارة لكل متر مكعب واحد 50.0
التكلفة الكلية للبناية بالدبش 73.5 قرشاً
لأساسات أكثر من 0.7

* * *

































تكلفة البناية بالدبش بعرض أقل من 7و0 م

بند عمالة ومواد عدد الأجر بالقرش الإجمالي بالقرش الناتج اليومي التكلفة للمتر الواحد المكعب ملاحظات 1 بنّاء 2 40 80.0 4 م مكعب 20.00 2 فاعل 2 10 20.0 5.00 3 مساعد ( صبي ) 2 8 16.0 4.00 لنقل المونة 4 فاعل لخلط المونة ½ 15 7.5 2.00 واحد لكل فريقين 5 متدرب ( شاب ) 1 10 10.0 2.5 6 ملاحظ 10/1 10 1.0 25. لعشرة فرق 7 مياه 2.00 8 حجارة 50.00 9 مونة 3.5 89.25 قرشاً ، 90 قرشاً بالتقريب

































تكلفة البناية بطوب مثبت مجفف في الشمس فوق المدماك العازل للرطوبة حتى مستوى عتبة النوافذ ( 1.2 فوق المستوى الأرضي للدور )

بند عمالة عدد الأجر بالقرش الإجمالي بالقرش الناتج اليومي التكلفة للمتر الواحد المكعب ملاحظات 1 بنّاء 2 40 80 2 فاعل 2 10 20 لمناولة الطوب 3 مساعد (شباب ) 2 8 16 4 متدرب 1 10 10 5 السكة الحديدية الخفيفة ملاحظ وفاعل 15/1 20 20 = 1.3
15 فاعل لوضع القضبان 6 فعلة لنقل الطوب 2 10 20 7 سيارة 8 فعلة لخلط المونة ½ 10 5 154.3 6 م مكعب 26 قرشاً
تكلفة الطوب = 400 × 0.075 = 30 قرشاً
تكلفة المونة = 8× 1 = 3 قروش
3
تكلفة العمالة والشغل = 26 قرشاً
الإجمالي 59 قرشاً ، 60 قرشاً بالتقريب


























تكلفة البناية بالطوب من مستوى + 1.2 م حتى قمة قمة الدور الأرضي : العمالة والشغل :

بند عمل عدد الأجر بالقرش الإجمالي بالقرش الناتج اليومي التكلفة للمتر الواحد المكعب ملاحظات 1 بنّاء 2 40 80.0 5 م مكعب مناولة الطوب 2 فاعل 2 10 20.0 مناولة المونة 3 مساعد 2 8 16.0 4 متدرب 1 10 10.0 5 السكة الحديد الخفيفة ملاحظ وفاعل 15/20 1.3 6 فعلة 2 10 20.00 نقل الطوب من الشون 7 فاعل ( مونة ) ½ 10 5.00 خلط مونة 8 مياه - - 2.00 9 ناصب سقالات +3 فعلة - 50
15 3.3 ناصب واحد + 3 فعلة يخدمون 15 فريقاً الإجمالي 157.6 5 م مكعب 32.00 قرشاً
تكلفة 400 قالب طوب = 30.00 ( 400 قالب للمتر المكعب )
مونة 3.00
عمالة وشغل 32.00
الإجمالي 65.00

تكلفة البناية بالطوب للدور الأول :
( أ ) عمالة وشغل ( مثل البند السابق ) 157.6 قرشاً
( ب ) فاعل زيادة لنقل الطوب 10.0
( ج ) شاب لحمل المونة 8.0
175.6 قرشاً

الناتج هو 4 م مكعب
* تكلفة المتر المكعب الواحد = 175.6 = 44.0 قرشاً
4
تكلفة الطوب ( 400 طوبة ) 30.0
تكلفة المونة 3.0
الإجمالي 77.0 قرشاً ، 80 قرشاً بالتقريب .

عدد الطوب المطلوب في الأشغال المختلفة :
1- الجدران :
1 م مربع من البناية بطو من 23 × 11 × 7 سم يتطلب 400 طوبة .
2- الأقبية : طوب من 25 × 15 × 5 سم
( أ ) المتر الطولي الواحد لقبو بحره 3 م ( 17 حلقة × 20 طوبة ) = 340 .
( ب ) المار الطولي الواحد لقبو بحره 2.75 م ( 17 حلقة × 18 طوبة ) = 306 .
( ج ) المتر الطولي الواحد لقبو بحره 2.5 م ( 17 حلقة × 16 طوبة ) = 272 .
( د ) المتر الطولي الواحد لقبو بحره 2.0 م ( 17 حلقة × 12 طوبة ) = 204 .
( هـ ) المتر الطولي الواحد لقبو بحره 1.5 م ( 17 حلقة × 9 طوبة ) = 153 .

3- القباب البيزنطية :
( أ ) قبة بيزنطية بحرها 3 م تحناج 1400 طوبة بما فيها الخناصر المدلاة .
( ب ) قبة بيزنطية بحرها 4 م تحتاج 2000 طوبة بما فيها الخناصر المدلاة .

4- القباب على خناصر معقودة :

( أ ) بحر 3 م 2000 طوبة .
( ب ) بحر 3 م 3000 طوبة .

5- العقود :
مدببة : عقد 1 : 5 بحره 3 م ، ثلاث حلقات ، سمك 0.60 للعقد يحتاج 540 طوبة .
مدببة : عقد 1 : 5 بحره 3 م ، ثلاث حلقات ، سمك 0.60 للعقد يحتاج 360 طوبة .
عقد قطاعي بحره 1 م ، ثلاث حلقات ، سمك 0.60 للعقد يحتاج 150 طوبة .
عقد دائري بحره 1 م ، ثلاث حلقات ، سمك 0.60 للعقد يحتاج 192 طوبة .
عقد دائري بحره 0.7 م ، ثلاث حلقات ، سمك 0.60 للعقد يحتاج 90 طوبة .
خرسانة للأساسات والأرضيات ، تتكون من حجر كسر ، ورمل ، وجير ، ومونة من طوب مسحوق
( أ ) عمالة ( سعر شامل بما فيه الخلط ، والنقل ، والصب، والدك ، الخ )
16 قرشاً
( ب ) تكلفة الحجر الكسر ( نفس تكلفة الرمل )
20 قرشاً
( ج ) المونة :
1 م مكعب جير 152 قرشاً
2 م مكعب رمل 40
1 م مكعب طوب مسحوق 40
232 قرشاً تعطي 3 م مكعب من الخلطة

1 م مكعب مونة = 232 = 80 قرشاً
3
تكلفة المونة لكل 1 م مكعب خرسانة = 80 = 40 قرشاً .
2
تكلفة نقل الحجارة من المقالب إلى موقع العمل داخل المشروع = 3.5 قرشاً .
تكلفة 1 م مكعب خرسانة = 16 +20 + 40 + 3.5 = 79.5 قرشاً .

* * *














تكلفة حرق الجير

بند عمالة ومواد عدد الأجر بالقرش أيام العمل الإجمالي بالقرش الناتج التكلفة للمتر الواحد المكعب
1 تشوين 1 30 2 60 2 فاعل تشوين 1 10 2 20 3 شبان للتشوين 2 8 2 32 4 شبان ( لكسر الحجر) 2 8 2 32 5 فاعل لإشعال النار 1 15 1 15 6 ملاحظ لإشعال النار 1 10 1 10 7 فعلة للتفريغ 4 10 1 40 8 وقود زيت سولار ، بالبرميل 2 510 إجمالي 719 6 م مربع 120.0 قرشاً تكلفة الحجارة 30.0 قرشاً إجمالي تكلفة 1 م مكعب جيري 150.0 قرشاً































تكلفة صنع طوب محروق

بند عمالة ومواد المهمة العدد الأجر بالقرش أيام العمل الإجمالي بالقرش الناتج تكلفة 1000 طوبة 1 بنّاء رص طوب في القمينة 1 30 2 60 2 مساعد بناء رص الطوب في القمينة 1 17 2 34 3 فاعل تشوين 4 10 2 80 4 فاعل نقل الطوب من الشون 2 10 2 40 5 فاعل نيران عمل ليلي 1 15 ليلة واحدة 15 6 فاعل عادي عمل ليلي 2 10 ليلة واحدة 20 7 فاعل للتفريغ 6 10 يوم واحد 60 8 وقود زيت سولار ، 4 برميل × 1.5 كجم لكل 1020 1329 10.000 132.9 + تكلفة الطوب الني 50.0 إجمالي تكلفة 1000 طوبة محروقة 182.9 قرشاً






















تشييد العقود
بحر 2.5 إلى 3 م ، 3 حلقات ، عرض 0.1

بند عمال ومواد العدد الأجر اليومي الإجمالي بالقرش الناتج اليومي تكلفة الوحدة 1 بنّاء 2 40 80.0 2 فاعل 1 10 10.0 3 شاب للخلطة 2 8 16.0 4 سكة حديد خفيفة - - 1.5 ½ 1 عقد 5 نقل الطوب - - 7.5 6 مياه - - 2.0 7 فاعل لخلط المونة ½ 10 5.0 122.2 قرشاً 122× 2
3 = 82 قرشاً + تكلفة الطوب 540× 0.08 = 43.2 تكلفة المونة 0.25 × 8 = 2.0 الإجمالي 127.2 130 قرشاً بالتقريب
تشييد العقود ، ببحر من 0.9 إلى 1.2 م
نفس الفريق كما سبق يبني 3 عقود يومياً
( أ ) عمالة 122 = 41 قرشاً
3
( ب ) تكلفة الطوب ( 200 × 0.08 ) = 16
( ج ) تكلفة المونة 1 × 3 × 8 قروش = 1
8
( د ) شدات = 2
الإجمالي 60.0 قرشاً

تشييد العقود ببحر من 1.5 – 2 م
نفس الفريق كما سبق يبني عقدين
( أ ) عمالة 122 = 61 قرشاً
3
( ب ) تكلفة الطوب ( 360 × 0.08 ) = 24
( ج ) تكلفة المونة = 1
( د ) تكلفة الشدات = 4
الإجمالي = 90 قرشاً للقطعة

القباب :
( أ ) قبة بيزنطية – قطر 3 م
الفريق يبني قبة واحدة في يومين
تكلفة العمالة 122 × 2 = 244 قرشاً
تكلفة الطوب ( 1400 × 0.08 ) = 122
تكلفة المونة = 8
تكلفة القش 54 رطلاً × 120 = 10
555
الإجمالي 374 قرشاً للقطعة

( ب ) قبة بيزنطية – قطر 4 م
نفس الفريق يبني بما فيها الخناصر المعقودة في 3 أيام
تكلفة العمالة 122 × 3 = 366 قرشاً
تكلفة الطوب ( 2000 × 0.08 ) = 160
تكلفة المونة ( 1.5 م مكعب × 8 ) = 12
تكلفة القش 70 رطلاً × 120 = 10
555
الإجمالي = 513 قرشاً للقطعة

( ج ) قبة على خناصر معقودة – قطر 3 م
نفس الفريق يبني القبة بما فيها الخناصر المعقودة في 3 أيام
تكلفة العمالة 122 × 3 = 366 قرشاً
تكلفة الطوب ( 2000 × .0.08 ) = 160
تكلفة المونة ( 1.5 × 8 ) = 12
تكلفة القش 70 رطلاً × 120 = 15
555
الإجمالي = 553 قرشاً للقطعة

( د ) قبة على خناصر معقودة – قطر 4 م
نفس الفريق يبني القبة في 4 أيام
تكلفة العمالة 122 × 4 = 488 قرشاً
تكلفة الطوب ( 3000 × 0.08 ) = 240
تكلفة المونة ( 2 م مكعب × 8 ) = 16
تكلفة القش 100 رطل × 120 = 22
555
الإجمالي = 766 قرشاً للقطعة

الأقبية :
( أ ) بحر 0.09 م
نفس الفريق يبني 9 متر طولي يومياً
تكلفة العمالة لكل متر طولي = 122 = 15 قرشاً
9
تكلفة الطوب 100× 0.08 = 8
تكلفة المونة 1 × 8 = 5
16
تكلفة القش = 1
الإجمالي = 29 قرشاً لكل م . ط

( ب ) قبو ببحر 1.5 م
نفس الفريق يبني 6 م . ط يومياً
تكلفة العمالة 122 × 1 = 20.5 قرشاً
6
تكلفة الطوب ( 150 × 0.08 ) = 12.0
تكلفة القش = 2.0
الإجمالي = 34.5 قرشاً ، 35 قرشاً بالتقريب لكل م . ط





( ج ) قبو ببحر 2.0 م
نفس الفريق يبني 5 م ط يومياً
تكلفة العمالة 122 = 24.5 قرشاً
5
تكلفة الطوب ( 200 × 0.08 ) = 16.0
تكلفة المونة والقش = 3.0
الإجمالي = 45.5 قرش ، لكل م . ط

( د ) قبو ببحر 2.5 م
نفس الفريق يشيد 3 م . ط يومياً
تكلفة العمالة 122 × 1 = 41.0 قرشاً
3
تكلفة الطوب ( 280× 0.08 ) = 18.0
تكلفة الطوب ( 280 × 0.08 ) = 4.0
تكلفة المونة والقش = 1.0
الإجمالي = 63.0 قرشاً ، 65 قرشاً بالتقريب لكل م . ط


( هـ ) قبو ببحر 3 م
نفس الفريق يشيد 2.5 يومياً
تكلفة العمالة 122 = 49 قرشاً
2.5
تكلفة الطوب ( 350 × 0.08 ) = 28
تكلفة المونة والقش = 6
الإجمالي = 83 قرشاً ، 85 قرشاً بالتقريب لكل م . ط























ملحق 2 :
التدريب بأداء العمل

تكلفة الدرجة المسترد من المدفوع
المرحلة الأسبوع النشاط الدرجة الأجر بالقرش عدد الأيام الإجمالي فرق أجر عدد الأيام الإجمالي ( أ ) 1






2 يتعلم بناء الأضلاع الأربعة من الرسم التخطيطي ، جدران من طوب جاف ،1




و ½ 1 ، و 2







مساعد







8







12







96







-







-







- ( ب ) 3


4 يعمل في المهمة ، يناول المواد

ويراقب


مساعد


8


12


-


صفر


12


صفر ( ج ) 5





6 يتعلم أداء العمل السابق ولكن باستخدام المونة و أيضاً



الفواصل





مساعد





8





12





96





-





-





- ( د ) 7







8 يعمل في المهمة ، ويساعد عدد 2 بناء بأن يملأ قلب الجدران



يقوم بربع عمل عدد 2 بناء







صبي







12







12







-







8







12







96 ( هـ ) 9 يتعلم بناء عقود قطاعية صبي 12 6 72 - - - ( و ) 10 يعمل في المهمة كمساعد بنّاء مع معلم بنّاءواحد
( 40 – 18 = 22 )

مساعد بنّاء


18


6


-


22


6


132 ( ز ) 11 يتعلم بناء الأقبية والقبة البيزنطية مساعد بناء
18
12
216
-
-
- ( ح ) 12
14
يعمل في المهمة كبناء
بناء
25
12
-
12
180
- ( ط ) 15
16 يتعلم بناء القبة على خناصر معقودة ، وأقبية على جدران غير متوازية


بناء


25


12


300


-


-


- ( ر ) 17 يمارسالبناء بالحجر في المهمة
بناء

25

6

-

15

6

90 معلم بناء
30
24
-
10
24
240 780 738
ملحق 3

تنظيم العمل :
يجب عمل حساب تقديري لتكلفة المواد والعمالة بين تحليل تكلفة كل جزء من العمل .
قبل بدء أي عمل ، يكون على المهندس المعماري إصدار تخصيص مهام يحدد فيه العمل الذي يجب أداؤه ، والوقت اللازم لتنفيذه ، والعمالة التي ستُشغّل فيه ، والمواد المطلوبة لتنفيذ هذا العمل . ومن هذا (( التخصص للمهام )) يقوم السكرتير أو المشرف على الأشغال بملء استمارتين يمكننا تسميتهما
(( أمر الشغل )) ( استمارة أ فيما يلي ) و (( أمر المواد )) ( استمارة ب فيما يلي ) . وكلتا الاستمارتين يحتفظ بهما في دفاتر صغيرة وتكونان من نسختين . والأصل يمكن فصله أما الصورة فمثبتة في الدفتر .
ويذهب أمر الشغل إلى المشرف على الأشغال ، وهو بدوره يعطي الأوامر إلى مقدم العمال ليوفر العمالة المطلوبة . وبعد عمل الخطط اللازمة ، يناول المشرف على الأشغال هذا الأمر إلى السكرتير ، أو لأي ممن يكون مسئولاً عن ملء صحائف الشغل المعتاد التي تذهب إلى الوكالة .
وأمر المواد يذهب على أمين المخزن ، وهو إزاء ذلك يملأ أذون الصرف المعتادة ، حسب النظام العام للإدارة المستخدم في الوكالة . وهدف هذا النظام هو التأكد من أن العمالة التي تُشغّل هي والمواد المصروفة قد تم تقدير لزومها للعمل بواسطة المهندس المعماري المسئول في الموقع ، كما أنه سيؤدي إلى وجود تضبيط في نهاية كل فترة بالنسبة لصحة أذون الصرف وقوائم العمالة ، التي لن تعتمد إلا إزاء تقديم هذه الاستمارة . وبهذا نكون قد خلقنا ارتباطاً بين العمل الفني والإداري بطريقة بسيطة لا تعوق الرجال الفنيين بأن يتطلب الأمر دخولهم في عمل إداري روتيني أثناء قيامهم بمهامهم الفنية .
وينبغي أن يتم يومياً ملء ثلاث استمارات حتى يظل هناك تعرف مستمر على مدى تقدم العمل ، والموقف المالي وكمية المخزون بالمخازن ، وكذلك معدل صرف المواد بصفة عامة ، وحتى هناك رؤية واضحة للموقف كله بطريقة سهلة ، بحيث لا يحدث نقص في المواد أو تجاوز للمدى الزمني المحدد للعمل .

الاستمارة رقم 1 ضبط في مدى تقدم الأشغال
كما يمكن رؤيته من العينة المرفقة ، فإن كل أنواع العمل والشغل المختلفة مضمنة في شكل قائمة فحص . والمدخلات المطلوبة تختزل إلى علامات أو أرقام . ويمكن للمرء بواسطة هذه الاستمارة أن يكتشف بسهولة أي أوجه نقص في مدى تقدم العمل ، ذلك أنه يتم تحقيقها فيما يكاد يشبه الرسوم البيانية . وإذا كان هناك أي تأخير فسوف يتم بسهولة الكشف عما إذا كان هذا التأخير يرجع إلى قلة عدد العمال ، فيجب عندها أن يزاد ، أو إذا كان يرجع إلى إهمال العمال ، وذلك عندما يكون عدد العمال مما يقدر بأنه عدد كاف حسب القواعد المقبولة التي تم تحديدها مسبقاً والاتفاق عليها بواسطة كلا الطرفين ، والوكالة والعمال .

استمارة رقم 2 صحيفة المخزون اليومية :
يتم ملء هذه الصحيفة يومياً أو على الأقل بعد كل صرفية من المخازن . والهدف هو الحصول على صورة واضحة بالنسبة لكل المواد وذلك عن :
( أ ) كمية المخزون في المخزن و ( ب ) معدل الصرف اليومي و ( ج ) المخزون المتاح . وبهذه الطريقة يمكننا تقدير المدة الزمنية التي ستبقى فيها المواد المختلفة ، ويمكن إصدار أوامر جديدة في الوقت المناسب لتفادي توقف العمل بسبب نقص المواد .

استمارة رقم 3 صحيفة موازنة الأجور :
يتم في هذه الصحيفة إدخال كل أجور العمالة التي تشغل لكل يوم وطول الفترة كلها حتى آخر يوم ، بحيث يمكن الحصول على موازنة كل المصروفات والموقف الفعلي مقارناً بالميزانية المخصصة .
وأمين المخزن هو المسئول عن ملء هذه الاستمارة . ويجب ملاحظة أن هذه الاستمارة تختلف عن (( صحيفة الأجور )) التي تستخدمها الوكالة . وهي لا تخص الحسابات العامة للوكالة إلا كوسيلة مراجعة ، والهدف منها محدود لكل موقع من حيث أنها تدل بدقة على الموقف المالي .
* * *





استمارة أ :

أمر شغل

المنطقة : ..............................................

الموقع : ...............................................

العمالة العدد الأجر المدة التاريخ المحدد للبدء التاريخ الفعلي للبدء ملاحظات
مدير الأعمال : .............................. المشرف : ....................................

كاتب الأعمال : .............................
































استمارة ب :

أمر مواد
التاريخ : .....................................

الموقع : .....................................

التاريخ : ..................................19

المواصفات الكمية الوحدة الغرض مقدم الطلب بالرسم ملاحظات
مقدم الطلب : .............................. مدير الأعمال : .............................
المشرف على الأعمال : ............... أمين المخزن : .............................

































استمارة رقم ( 1 )

ضبط في تقدم العمل

رقم المبنى التاريخ / / 19

توصيف العمل طبيعة وعدد المباني ملاحظات حفر خراسانة للأساس بناية الأساس بناية بالدبش بناية بطوب اللبن سقف {قباب
{ أقبية تركيب روافد ألواح أرضية قاشاني بوص وطين جص خارجي جص داخلي نجارة أبواب ونوافذ تركيبات صحية أرضيات العمالة المشغلة بناءون درجة أولى بناءون درجة ثانية مساعد بناء فاعل رجل فاعل صبي نجار مساعد نجار جصاصين فعلة سباكين مساعد سباك فعلة











استمارة ( 2 )

صحيفة المخزون اليومية

المنطقة : ............................

الموقع : ............................. التاريخ ............................. 19

المادة الكمية التي وصلت اليوم الكمية التي وصلت قبل اليوم إجمالي ما وصل حتى اليوم الكمية المنصرفة اليوم الكمية المنصرفة قبل اليوم إجمالي المنصرف حتى اليوم المخزون المتاح

أمين المخزن : .............................. المهندس المعماري : ......................




































استمارة رقم ( 3 )

صحيفة موازنة الأجور

المنطقة : ...............................

الموقع : ............................... التاريخ .............................. 19

توصيف العمل العدد الأجر اليومي
مليم جنيه الإجمالي
مليم جنيه حاصل الجمع الكلي
مليم جنيه ملاحظات
حاصل الجمع الكلي لليوم : ...........................................

إجمالي الأيام السابقة في فترة دفع الأجور ( أسبوع أو أسبوعين ) ...........................................

إجمالي حاصل جمع الأجور منذ بداية العمل : ......................................................................

إجمالي حاصل جمع الأجور حتى اليوم : ............................................................................






























ملحق 4 :

الأساسات :

الأساسات والتسقيف هما أكبر المشاكل الفنية والاقتصادية للإسكان الريفي الرخيص .
وهناك حلول فنية عديدة لمشكلة الأساسات
- أساسات الخازوق ، وأساسات الشدة الخرسانية ، الخ . على أن مشكلتنا ليست مجرد
فنية ، فنحن نحتاج أساساً ملائماً (( يمكن تحمل تكلفته )) .
والكفاءة بالتكامل ( 1 ) تتطلب أساساً يكون في نطاق الوسائل والمهارات المتاحة للبنائين الفلاحين .
ويبدو أن ثمة ثلاثة حلول ممكنة لمشكلة بناء أساسات متينة على أرض متشققة .
فيمكن استخدام نوع من أساس الخازوق ، حيث يتم ثقب حفر عند زوايا كل حجرة إلى ما هو أسفل عمق الشقوق ( 3 م تقريباً ) . وتملأ هذه الحفر بخرسانة طينية تتكون من حصى ، وكسر الحجارة ، وكسر فخار ، وكسر طوب محروق ، أو خليط مشابه ، يتم لحمه بمونة طينية مثبتة بالرمل . وفي الممارسة التقليدية ، يتم ربط الخوازيق معاً بكمرات خرسانية أفقية . وهذا أمر باهظ التكلفة ؛ وهكذا يستبدل بالكمرات الرابطة عقد لتوزيع الحمل . وبهذا يُحمل الثقل الرئيسي للجدار والسقف إلى الخازوق بواسطة هذا العقد الذي يبني في الجدار من الأطراف إلى ما يصل بالضبط إلى مستوى أسفل عتبات النوافذ . ويمكن بناء عقد من هذا النوع بسهولة ، باستخدام المداميك السفلى للجدار نفسه كشدة ، وبالاشتراك مع الخوازيق فإنه سينقل بالفعل ثقل البناء إلى الأرض المتماسكة في أسفل الشقوق .
وهناك حل آخر ، يتطلب أيضاً الوصول إلى ما تحت الشقوق ، وهو حفر خنادق الأساسات حتى تصل إلى عمق كاف ، وحتى يتم التوفير في بناية الملأ يتم ملؤها بالرمل أو بطين مثبت بالرمل ، يدك في طبقات كل منها 20 سم حتى يتم الوصول إلى العمق المعتاد للأساسات وهو 1.2 م . وهذه الطريقة تتطلب العمل بما له اعتباره في مزيد من الحفر ، وشغل الدك ، ونقل الرمل ، بحيث قد يثبت في النهاية عند التطبيق أنها من الناحية التكاملية ستكون أكثر تكلفة في بعض المناطق التي لا يكون فيها محاجر رمل قريبة .
ويجب أن يكون المعيار دائماً هو ، ما هي الطريقة التي تتطلب أقل قدر من استيراد المواد والتجهيزات من خارج المنطقة ؟
والطريقة الثالثة هي أن تُجعل الأرض مدموجة صناعية . وقد لاحظنا في القرنة أن المباني التي أقيمت قبل غمرها بالفيضان لم تتأثر بالشقوق عندما ظهرت بعد ذلك . وحتى أول بيوتنا الذي قصد به أن يكون مؤقتاً وبنى على أساسات مخلخلة من طوب محروق ، فإنه لم يصبه أي تلف بعد غمره بالفيضان . وتفسير ذلك هو أن ثقل البناء جعل الأرض مدموجة ، وأن هذا التأثير قد توزع على مساحة أكبر من مساحة الأساسات ، حسب خطوط الضغط المتساوي . وهكذا فإن الضغط في نطاق المنطقة منع حدوث التشققات فيها . أما المبنى الذي يقام على أرض مشققة من قبل ، فإنه لا يمكنه جعل الأرض مدموجة بنفس الطريقة ، لأن الشقوق ستمنع نشوء خطوط الضغط المتساوي نشأة طبيعية ، وسيقع كل ثقل المبنى على مساحة من التربة هي اصغر كثيراً .
وهكذا ، فإنه إذا أمكن جعل الأرض مدموجة قبل البناء باستخدام اسطوانة تمهيد Roller ثقيلة ، فإنه ينبغي أن يصبح ، من الممكن إقامة البناء في أمان بالأسلوب الأصلي للقرنة . ويمكن تنفيذ هذه العملية بالفعل في خنادق الأساس لكل بناء ، باستخدام اسطوانة تمهيد يدوية ، أو يمكن تنفيذها على نطاق واسع في الموقع كله باستخدام اسطوانة تمهيد ميكانيكية ، ومرة أخرى ، يجب أن تقارن هذه الطريقة بالطرق الأخرى من حيث الكفاءة المتكاملة وأخيراً فهناك دائماً ذلك البديل ، وهو أن نتقبل وجود جدران مشققة ونقوم إصلاحها . وطوب اللبن مما يسهُل جداً إصلاحه ، وحتى لو ظهرت الشقوق المرة تلو الأخرى ،فإنه يمكن ملؤها . فمادة البناء موجودة دائماً هناك والعمالة متاحة ويمكن لأي واحد أن يقوم بالمهمة . ومن الوجهة التكاملية ، فإن من الممكن أن تكون أكثر الطرق
كفاءة للبناء هي أن يتم التصميم مع توقع الشقوق ومع السماح بإصلاحها باستمرار . وفي خلال عام أو عاميين لن تظهر شقوق أخرى في البيت ، لأنه سيكون قد جعل الأرض من تحته مدموجة فتتوقف الحركة الجانبية للتربة .
ومن بين هذه البدائل ، فإن البديل الأخير هو الذي يستخدمه الفلاحون ، والثاني – الخنادق العميقة مع ارتكاز البناء على الرمل – هو ما جربته في القرنة . وكل هذه الطرق تحتاج إلى تقييم حريص جداً ، لتقرير أيها أسلم _________________________________________________________

( 1 ) إذا كانت تكلفة العمل المحلي يوفرها الفلاح كما تقدر بالرجل / الساعات وتحول إلى مبلغ نقدي ، يضاف إليه تكلفة المواد التي تم الحصول عليها مجاناً = ع ، وإذا كان ثمن العمل المأجور والمواد المستوردة = م فإن الكفاءة بالتكامل ك بالنسبة للبناء ثمنها المعادلة ك = ع × 100
ع +م
تكاملياً لأي منطقة بعينها . فنحن نحتاج إلى العثور على العمق الأدنى الفعال للأساسات والخوازيق ، ونحتاج إلى
اختبار فعالية جعل الأرض مدموجة مسبقاً ، ونحتاج إلى الوصول إلى التأثير الاقتصادي والاجتماعي للتصميم الذي ستلزم معه الاصلاحات . وهذه البدائل هي مجرد مقترحات بالفعل بواسطة الأبحاث .
وما إن توفر لنا التجارب التي يجري تنفيذها تنفيذاً ملائماً ، عدداً من الطرق الأكيدة لبناء الأساسات ، فإن ذلك سيمكننا من تقرير أيها هي التي تلائم أفضل ملاءمة أي منطقة بعينها . ولعل هذه التجارب قدتؤدي إلى تطوير بعض بديل جديد تماماً . والنقطة الهامة هي أن نعرف مسبقاً كيف يكون حل المشكلة الهندسية ، ويجب توجيه كل بحثنا إلى حل المشكلة الاقتصادية لأساسات يمكن أن يبينها الفلاحون باستخدام مواردهم هم انفسهم مع أدنى حد من المعونة الخارجية .
والتربة في دلتا مصر أصبحت مدموجة بسبب استخدام نظام الري الدائم ، وعدم وجود غمر دوري . وهكذا فإن الشقوق السطحية لا تظهر . وتفلبات المياه الجوفية ليست بنفس كبر تقلبات صعيد مصر . وهكذا فإن حالة التربة فيزيائياً أكثر استقراراً عما في صعيد مصر .
والتكتلات الصلبة ليست مما هو متاح في الدلتا ، والحجر والحصي الموجودة في الصحراء هي على مسافة أبعد كثيراً من أن يمكن للفلاح أن ينقلها . وهكذا فإن بيوت الفلاحين في دلتا مصر تبني عادةً دون أساس بالمعنى المعتاد . فالجدران تبنى في خندق ضحل عمقه يقرب من عشرين إلى خمسة وعشرين سنتيمتراً ، ويرص الطوب مباشرةً على التربة قريباً من السطح – وهي طريقة إنشاء يعيدة عن السلامة أقصى البعد . وتتمدد أرض ، ثم تنكمش حتى تستقر ، وسرعان ما تتشقق كل هذه الجدران . وعلى كل فإنها مصنوعة من طوب اللبن ، فيمكن إصلاحها بسهولة . وبعد إصلاح الشق مرتين أو ثلاث مرات متعاقبة فإنه يختفي للأبد إذ تصبح الأرض مدموجة تماماً تحت ثقل الجدران . ولحسن الحظ فإن الحركة الجانبية الواسعة للتربة التي تشيع في صعيد مصر ، والتي تنتج عن ظهور شقوق بالغة العمق ، هي غير شائعة في دلتا مصر ، وإن كان هناك بعض حركة رأسية ناجمة عن تمدد التربة عندما ترتفع المياه . والمشكلة الرئيسية هنا هي الجاذبية الشعرية للمياه الجوفية إلى داخل الجدران وما يترتب على ذلك من تلف الأجزاء السفلى من الجدران بسبب تكرار التبليل والجفاف . والإجراء المتعارف عليه في الانشاءات المهنية بالخرسانة ، والحجارة ، والطو ، الخ هي أن يوضع مدماك مضاد للرطوبة في الجدار على ارتفاع يقرب من خمسة عشر سنتيمتراً فوق مستوى الاتصال بأي تربة رطبة .
* * *


























ملحق 5 :

ضرب الطوب :

تركيب وخصائص التربة يختلفان اختلافاً واسعاً من مكان لآخر . ومن المحتمل أن
ينعكس هذا التباين على نوعية طوب اللبن المجفف في الشمس المصنوع من التربة ،
وهي حقيقة جعلت المعماريين والمهندسين ينفرون من استخدام هذا الطوب .
وبسبب تباين أنواع التربة ، فإن من الضروري في أي موقع يعينه أن يتم بحرص تحليل التربة التي ستستخدم لصنع الطوب تحليلاً كيماوياً وفيزيائياً .
ويجب إجراء تجارب وفحوص معملية على عينات من الطوب وعينة للجدار ( بالحجم الكامل في الحالة ) لتحديد قدر الانكماش ، وقوة التحميل ، والمسار في ظروف التبليل والتجفيف ، وغير ذلك من الخصائص الفيزيائية .
أما في المشروعات التي تكون على نطاق كبير فينبغي إجراء الفحوص على وحدات معمارية كاملة ، مثل التبييتة التي في الجدار ، والقبة ، والقبو ، والسلم ، الخ ، فتجري عليها الفحوص كل على حدة ، كما في حجرة واحدة كاملة . وأهم الاختبارات في هذه الحالة الأخيرة هي ما يكون على التحميل وعلى التبليل والتجفيف .
وينبغي كنتيجة لهذه الفحوص أن يتم تحديد المواصفات بالنسبة لتركيب التربة ( نسب الرمل ، والطفل ، والطمي الخ ) . ومن المهم أن يكون مفهوماً أنه لا يمكن وضع مواصفات عامة بهذا الشأن ، بمثل ما يمكننا في حالة الحديد الصلب أو الخرسانة ، فكل حالة ، وكل موقع يختلف عن الآخر ، ويجب تحديد المواصفات بحيث تلائم التربة هناك .
وثمة تحذير هنا . ذلك أن استخدام طرق التثبيت الباهظة أمر غير ضروري . فما إن يتم صنع طوبة قوية بما يكفي ، حتى يكون في ذلك وحده ما يفي .
ومن اللازم إجراء البحوث على تأثير القش في الطوب والجص الخارجي . وقد لوحظ أنه يبدو أن الطوب والجص التي يتم صنعهما حسب الأسلوب الفلاحي في مصر والسودان ، حيث يضاف القش وروث البقر إلى الطين ويترك ليتخمر زمناً طويلاً . هذا الطوب والجص يقاومان الماء جيداً .
ومن المعروف أن طوب الطفل يحتاج إلى القش كعامل لم أو أن يثبت الطوب بالرمل – على الأقل بنسبة 30 في المائة ؛ وبدون هذا فإنه يتشقق .
ويبدو أن ألياف القش تجعل الطوب يتماسك معاً أثناء انكماشه خلال عملية الجفاف . وفي حالة الجص الطيني المصنوع بالقش ، يكون مما يثير الاهتمام معرفة ما إذا كانت خصائصه الملحوظة الطاردة للماء ترجع إلى مجرد تأثيره كعامل لحم ، أو هي ترجع إلى بعض تغير كيماوي من مثل تكوين حمض اللبنيك أثناء التخمر ، أو هي ترجع إلى خاصية لطرد الماء في القش هو نفسه ، عندما يتعرض بعضه مكشوفاً على سطح الجص . وقد لوحظ أن السطح الطفلي لهذا الجص تغسله المياه مزيلة إياه بعد المطر ويبقى القش مكشوفاً على جزء كبير من السطح .
* * *

مقتطفات من تجارب العقيد دعبس :
لم يُستخدم أي ضغط ميكانكي في ضرب الطوب ، وقد صب في قوالب من حديد باستخدام الطرق البسيط لملء القالب كما يُفعل في الممارسة الشائعة . وقد تركت قوالب الطوب – لتجف في غرفة العمل لسبعة أيام ، ثم أخرج ليجفف في الهواء الطلق .
وقد اختيرت هنا ثلاثة أنواع من الطوب الذي اختبر :
المجموعة أ . تتكون من تربة طفل غريني ورمل بدرجات مختلفة .
المجموعة ب . تتكون من تربة طفل غريني ، ورمل بدرجات مختلفة ، وقش .
المجموعة ج . تتكون مثل أ . مع بيتومين .








طوب النوع أ

درجات الإجهاد كجم / سم مربع
% رمل 7 أيام 30 يوماً 90 يوماً 180 يوماً رمل ناعم 20
40
60
80 44.0
38.3
22.9
6.12 56.90
44.00
28.3
6.12 55.70
38.50
25.25
4.60 52.00
34.20
24.00
4.45 رمل صغير 20
40
60
80 42.19
33.4
20.9
11.26 61.3
42.4
29.45
11.70 50.96
36.30
22.76
13.13 47.00
29.00
21.00
13.50 رمل متوسط 20
40
60
80 37.67
27.43
18.53
12.39 48.73
35.40
20.75
11.54 41.90
29.80
25.10
11.79 41.30
26.20
17.00
12.00 رمل كبير 20
40
60
80 32.84
17.58
8.47
6.90 36.36
19.08
13.06
8.52 26.86
21.96
11.88
4.70 32.20
17.00
7.35
4.70



طوب النوع ب

درجات الإجهاد كجم / سم مربع
% رمل % قش 7 أيام 30 يوماً 90 يوماً 180 يوماً 1.00
1.75
2.50
5.00 34.2
33.0
30.0
28.5 53.6
48.00
45.00
40.00 48.0
43.3
40.0
37.0 47.30
45.90
42.20
35.55 20 1.00
1.75
2.50
5.00 32.4
37.0
32.0
25.0 44.1
48.4
44.6
27.00 40.3
46.5
37.6
35.0 40.5
47.5
39.00
34.2 40 1.00
1.75
2.50
5.00 30.6
32.0
34.0
22.0 36.6
37.0
39.80
32.00 34.5
36.0
38.2
30.0 35.40
35.80
36.00
28.15
مقتطفات من تجارب د . مصطفى يحيى :
حتى يمكن استخدام مادة اقتصادية كالطين في البناء ، تم إجراء اختبارات على جدران صغيرة بنيت من طوب اللبن – الذي عومل بعضه بمواد مثبتة – وهي مغطاة بأنواع مختلفة من الجص مع استخدام أنواع شتى من المداميك المضادة للرطوبة . وقد بنيت أساسات هذه الجدران من طوب أحمر محروق حيث أن هذا الجزء أكثر تعرضاً للتبليل والتجفيف ولعوامل أخرى ميكانيكية وكيمائية .
وقد بنيت الجدران ، وغطيت بالجص وتركت لتجف . واستخدمت نفس خلطة الطين كمونة في كل الحالات ، وبعدها عرضت الجدران لدورات منتظمة من التبلل والتجفيف لستة أسابيع . وتم التبليل بواسطة رذاذ يشابه المطر لمدة نصف الساعة مرتين يومياً ، مرة في الصباح والثانية بعد ست ساعات .
ورصدت الملاحظات على الجدران أثناء هذه الفترة ، ثم جرى تحميلها حتى 110 كجم / م . ط . واستمرا دورات التبليل حتى انهارت الجدران .

* الملاحظات :
أجريت الاختبارات على مجموعتين من الجدران . المجموعة الأولى تتكون من أربعة جدران مبنية من طوب لبن مصنوع بالقش ، بسمك طوبة واحدة ( 25 سم ) ، وبطول متر واحد وارتفاع متر واحد كالتالي :
1- جدار بجص معامل بالدياتول وبمدماك واحد إسفلتي مضاد للرطوبة .
2- جدار بجص طيني غير معامل ، وبمدماك واحد إسفلتي مضاد للرطوبة .
3- جدار بجص طيني غير معامل وغطاء من خلطة دياتول كمدماك مضاد للرطوبة .
4- جدار بجص طيني غير معامل وبغير مدماك مضاد للرطوبة .
والمجموعة الثانية ، تتكون من ثلاثة جدران من نفس المقاسات كالأخيرة ، ومبنية من طوب لبن مصنوع بالقش والدياتول كتالي :
1- جدارمدماك مضاد للرطوبة من خلة دياتول .
2- جدار مدماك مضاد للرطوبة من الإسفلت .
3- جدار بجص دياتول ومدماك مضاد للرطوبة من خلطة دياتول .
وعرضت هذه الجدران لنفس دورات التبليل والتجفيف كما سبق ، والتي استمرا حتى انهارت الجدران.
وأول جدار انهار هو الجدار الرابع من المجموعة الأولى .
وقد بدأت الاختبارات في 11 ديسمبر 1955 ، وانهار الجدار ذو الجص غير المعامل والذي بدون مدماك مضاد للرطوبة في 16 فبراير 1956 .
وانهارت باقي الجدران بالتتالي ابتداءص من 19 فبراير 1956 .
وانهيار الجدران كان في معظم الحالات بسب لا مركزية التحميل وبالتالي بسبب اتقوس .
* * *

























سجل التجربة
تاريخ 1- جدار بجص معامل بالدياتول ومدماك مضاد لرطوبة . 2- جدار بجص غير معامل ومدماك إسفلت مضاد للرطوبة . 3- جص غير معامل ومدماك خلطة دياتول مضاد للرطوبة 4- جص غير معامل وبدون مدماك مضاد للرطوبة .
11 ديسمبر . لا تغير ملحوظ بعد رذاذ لمدة ½ ساعة لا تغير ملحوظ بعد رذاذ لمدة ½ ساعة . لا تغير ملحوظ لا تغير ملحوظ 12 ديسمبر . جف الجدار تماماً . لا تآكل ، واستمر الرذاذ لنصف ساعة . جف الجدار – لا تآكل – الججص متماسك جيداً – استمرار الرذاذ لمدة ½ ساعة . بدأ القش يظهر على السطح بدأ الجص بتآكل ولكنه كان جافاً . ظهر القش أكثر من اليوم السابق – تآكل الجص تآكلاً محسوساً . ظل الجدار مبللاً 13 ديسمبر . كاليوم السابق كاليوم السابق. كاليوم السابق . ظل مبللاً بخلاف سائر الجدران . 15 ديسمبر . لا تتغير . تآكل الجص يقدر صغير جداً . استمر تآكل الجص ولكن الجدار جاف . تقوض الجص كله تقريباً وظل الجدار مبللاً . بينما سائر الجدران جافة . 16 ديسمبر . لا تغيير . جف الجدار و لاتغيير ملحوظ على اليوم السابق . جف الجدار ولكن تآكل الجص تزايد . انهار الجص بالكامل وبدأ الطوب نفسه في التآكل . 19 ديسمبر . جف الجدار والجص سليم . جف الجدار ولكن الطوب بدأ يتعرى في أجزاء كنتيجة لتآكل الجص . بدأ الطوب يظهر بتآكل الجص . الجدار مبلل مع تآكل ظاهر الطوب . 20 ديسمبر . كاليوم السابق . كاليوم السابق . ذاب كل الجص تقريباً وتعرى كل الطوب . استمرار تآكل الطوب والجدار ظل مبلولاً . 22 ديسمبر . لا تغيير . لا تغيير . لا تغيير . الجدار مبلل وتآكل الطوب مستمر . 23 ديسمبر . لا تغيير . لا تغيير . بدأ الطوب يتآكل شيئاً بسيطاً عند خدشه بالأصبع . الجدار مبلل وتآكل الطوب مستمر . 26 ديسمبر . لا تغيير وثبت أنه أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الأجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . تآكل الطوب بدرجة ملحوظة بأكثر . الحك يسبب سقوط أجزاء . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع . 27 ديسمبر. لا تغيير وثبت أنه أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . بدأ الجدار بشيء من الرطوبة . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع . 29 ديسمبر . لا تغيير . أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الأجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . الأجزاء السفلى من الجدار بقيت مبللة . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع . 31 ديسمبر . لا تغيير . أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الأجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . الأجزاء السفلى من الجدار بقيت مبللة . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع . 2 يناير . لا تغيير . أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الأجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . جف الجدار . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع 3 يناير. لا تغيير . أحسن الجدران . توقف تآكل الجص وجف الجدار . الأجزاء الباقية من الجص تقاوم الخدش . جف الجدار . الجدار مبلل ، والطوب يتآكل بسهولة أكثر عند خدشه بالأصبع 5 يناير ، حمل كل جدار هنا بحمل موزع توزيعاً متساوياً يبلغ 100كجم / م إشغال 6 يناير . بدات تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكً وجافاً تماماً بدأ الجص يتآكل بالخدش . لا تغيير . بدأ الجدار يميل شيئاً بسيطاً 9 يناير . بدأت تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكاً وجافاً تماماً . الجدار جاف والأجزاء المكشوفة من الطوب صلبة الجدار يميل شيئاً بسيطاً ولكنه جاف . زاد الميل والجدار مبلل . 10 يناير . بدأت تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكاً وجافاً تماماً . الجدار جاف والأجزاء المكشوفة من الطوب صلبة الجدار جاف ولكن الطوب يتآكل بالخدش البسيط . الميل يزيد باستمرار والجدار مبلل . 12 يناير . بدأت تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكاً وجافاً تماماً . الجدار جاف والأجزاء المكشوفة من الطوب صلبة الجدار جاف ولكن الطوب يتآكل بالخدش البسيط الميل يزيد باستمرار والجدار مبلل 13 يناير . بدأت تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكاً وجافاً تماماً . الجدار جاف والأجزاء المكشوفة من الطوب صلبة الجدار جاف ولكن الطوب يتآكل بالخدش البسيط الميل يزيد باستمرار والجدار مبلل 16 يناير . بدأت تظهر شقوق صغيرة جداً في الجص ولكنه ظل متماسكاً وجافاً تماماً . الجدار جاف والأجزاء المكشوفة من الطوب صلبة الجدار جاف ولكن الطوب يتآكل بالخدش البسيط الميل يزيد باستمرار والجدار مبلل 17 يناير . توقفت الشقوق ومازال أفضل الكل . تزايد تآكل الجص . زاد ابتلال الجدار والتآكل بالخدش . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 19 يناير . توقفت الشقوق و مازال أفضل الكل . تزايد اختفاء الجص . كاليوم السابق . الجدار دائماَ مبلل والطوب يتآكل . 20 يناير . توقفت الشقوق و مازال أفضل الكل . اختفى الجص تقريباً . تزايد تآكل الطوب وظلت نفس الأجزاء مبللة . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 23 يناير . توقفت الشقوق و مازال أفضل الكل . الجدار جاف – الجص اختفى كله تقريباً ولكن الطوب ظل سليماً . زاد تآكل الطوب وظلت الأجزاء مبللة . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 24 يناير . توقفت الشقوق و مازال أفضل الكل . الجدار جاف والطوب سليم . زاد ميل الجدار والجدار مبلل جزئياً . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 26 يناير ، لا تغيير كاليوم السايق . زادت الأجزاء المبللة من تآكل الطوب . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 27 يناير ، لا تغيير الطوب لم يتأثر رغم فقد الجص . ثلث الجدار تقريباً مبلل بالكامل ، أما الباقي ففيه بقع مبللة . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 30 يناير ، لا تغيير بدأ الطوب يتآكل شيئاً بسيطاً زاد ميل الجدار والجزاء المبللة لم تجف . الجدار دائماً مبلل والطوب يتآكل . 31 يناير ، لا تغيير . الجدار جاف والتآكل بسيط . التآكل مستمر . الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 1 فبراير . لا تغيير . الجدار جاف والتآكل بسيط . التآكل وصل إلى مرحلة الجدار رقم 4 الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 7 فبراير. استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص والجص متماسك الجدار يميل ولكنه جاف والطوب سليم تقريباً . الجدار لم يجف والتآكل يزيد الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 9 فبراير. استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص والجص متماسك الجدار جاف و لاتغيير . الجدار لم يجف والتآكل يزيد الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 10 فبراير. استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص والجص متماسك الجدار جاف و لاتغيير . الجدار لم يجف والتآكل يزيد الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 11 فبراير. استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص والجص متماسك الجدار جاف و لاتغيير . الجدار لم يجف والتآكل يزيد الجدار مبلل دائماً والطوب يتآكل . 16 فبراير . استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص – والجص متماسك . الجدار جاف و لا تغيير . الجدار لم يجف والتآكل يزيد انهار الجدار . 19 فبراير . استمر هو الأفضل – لم تزد الشقوق في الجص والجص متماسك الجدار جاف ولا تغيير . الجدار لم يجف والتآكل يزيد . انهار الجدار .
حاشية . ظلت الجدران الثلاثة الأولى على الحالة التي وصفت بها في تاريخ 11 فبراير 1955 دون تغيير ملحوظ حتى انهارت في 5 مارس 1956 كنتيجة التحميل غير المركزي والرياح القوية التي هبت في ذلك اليوم .










































الملحق 6 :

تحليل التكاليف لحظة تسليم :

المشروع إلى وزارة الشئون الاجتماعية .

مساحة البيوت التي بنيت 9499.70 م مربع
مساحة البيوت العامة 9802.20 م مربع
الإجمالي 19301.90 م مربع

المباني العامة تشمل :
( أ ) المسجد .
( ب ) المدرسة الابتدائية للبنين .
( ج ) مدرسة الصنائع .
( د ) الخان .
( هـ ) ساحة السوق .
( و ) قاعة القرية .
( ز ) المسرح .

المستوصف والمركز الاجتماعي ، والحمام ، والكنيسة الصغيرة ، والمعرض الدائم لصناعات القرية لم يكن قد تم بناؤها وقت عمل هذا التقرير .

قائمة المصروفات من البداية :
( أ ) عمالة مستديمة في المهمة . 5159.469
( ب ) عمالة عارضة . 52610.608
( ج ) مشتري مواد ومعدات . 23551.096
( د ) مشتري شاحنات ووقود . 10752.004
( هـ ) سفريات . 916.985
( و ) إيجار الاستراحة والمعدية . 552.400
( ز ) علاوات مهام خاصة
للمهندسين المعماريين المشرفين . 577.800
94120.362

وإذا حسبنا قيمة المعدات ، والشاحنات ، والمواد غير المستخدمة القابعة في المخازن بمبلغ 20.000 جم فإن المصروفات الفعلية تكون :
94120.362 جم – 20000 = 74120.362 جم .
وإذن تكون تكلفة البناء لكل متر مربع من المباني والبيوت :

= 74120.362 جم = 3.8 ، أو 4 جنيهات بالتقريب .
19301.90

* * *





معجم :
قدوم : Adze
أداة للقطع لها نصل رفيع مقوس مشحوذ في جانبه المقعر ، ويوضع في زاوية قائمة مع المقبض .

أميري : Amiri
طراز في المعمارأدخله الخديو أو الأمير لمباني القصر والحكومة .

بدنة : Badana
مجموعة عائلات على صلة قرابة وثيقة ، تبلغ من 10 – 20 عائلة وتعيش في بيوت متجاورة ولها رأس أبوي معترف به .

بلاص : Ballas
جرة تستخدم لجلب المياه من الينبوع .

بركة : Birka
حفرة تتخلف بعد حفر التربة لضرب الطوب ، وتحوي غالباً ماء راكد .

كاسرات الشمس : Brise - Soleil
ساتر يحجب ضوء الشمس غير المرغوب فيه .

Cavetto:
حلية في البناء من تشكيل مقعر يقترب قوسه من ربع الدائرة .

شدة : Centering
خشب أو مادة أخرى تستخدم لدعم أجزاء عقد بنائي أثناء التشييد .

مخرمات : Claustra ( Work )
حليات خطية وبارزة في الطين تستخدم في تزيين الأبواب والنوافذ .

درقاعة : Dorkaa
المربع الأوسط للمنزل ، ويسقف بقبة .

درهم : Dirham
عملة قديمة تساوي قرشاً واحداً .

ظاهر العقد او القبو : Extrados
القوس الخارجي للعقد أو السطح الخارجي للقبو .

حمام : Hammam
مكان عمومي للاستحمام .

حمامجي : Hammamgi
المشرف على الحمام .

حوش : Hosha
مساحة من أرض زراعية محاطة بالجسور ، وتروى بنظام ري الحياض .



إيوان : Iwan
مساحة مرتدة من الحجرة .

قاعة : Kaa
البهو الرئيسي في البيت .

خان : Khan
نزل للتجار والأغراب الذين يصلون إلى البلدة .

مضيفة : Madyafa
دار الضيوف أو حجرة الضيوف .

مكتوب : Maktoub
(( مكتوب )) أو (( مقدر ))

أمريكاني : Malakan
ملقف : Malkaf
أداة لاصطياد الريح عند أعلى نقطة في المنزل .

مزيرة : Maziara
تبييتة لجرة الماء .

معلم : Moallem
معلم بناء .

موردة : Morda
مكان للاستحمام .

مشربية : Mushrabiya
نافذة بارزة حاجزها مشغول شغلاً شبكياً .

أسطى : Osta
معلم حرفي .


خنصر متدلي : Pendantive
قطاع دائري مثلث للتقبية يعمل لدعم القبة .

صبرات : Sabras
باب مشيد بأن تسمر معاً قطع خشب صغيرة كثيرة في طراز أصالة .


سلسبيل : Salsabil
نوع من نافورة رخامية في فناء منزل .


شادوف : Shaduf
دلو وآلة رافعة يستخدمها الفلاحون للري .


شراقي : Sharaki
أرض ( جافة ) ، فيها شقوق كبيرة .


خنصر معقود : Squinch
دعامة ( عقد ، أو سكة ، أو غيرها ) محمولة عبر زاوية الغرفة من تحت كتلة موضوعة من فوقها .


طنبور : Tambour
(( لولب أرشميدس )) ، آلة يستخدمها الفلاحون في الري .


طست : Tesht
وعاء كبير للغسيل .


حجر الإسفين : Voussoir
واحد من عديد من قطع في شكل وتدي أو مستدق عقداً أو قبواً .


زير : Zeer
جرة كبيرة غير مصقولة لخزان الماء .

* * *




































1- باب فيه حلية مخرومات في دهميت










































2- جبانة فاطمية في أسوان .









3-4 – صوامع الرامسيوم في القرنة القديمة ، الأسرة التاسعة عشرة .











































5– البناءون يخطون قطعاً بالجص الطيني على الحائط الأخير






5- تشذيب الجص بالقدوم .





































7- الطوبة الأولى توضح على الحائط الأخير .


8- المدماك الثاني يبدأ بنصف طوبة .



9- طوبة ثالثة تكمل المدماك الثاني .



10- المدماك الثالث يميل عن الخط العمودي ميلاً حاداً بأكثر .






































11- مزيد من الطين على المدماك الثالث .



12- المدماك الرابع .



13 – المدماك الخامس .



14 – أول حلقة مائلة وقد اكتملت .




































15 – البناءون يدخلون حشوات جافة في الفراغات .






16 – الوجه المائل للحلقات يعطي دعماً للمداميك التالية .















































17- بيت حامد سعيد في المرج .



















































18 – تصميمات منزل نموذجي من طوب اللبن في عزبة البصري .
المفتاح : ( 1 ) مدخل . ( 2 ) فناء . ( 3 ) حجر النوم :
( أ ) درقاعة . ( ب ) تبييته المضجع ( إيوان . ( 4 ) مخزن .
( 5 ) مقعد الطهي والمعيشة . ( 6 ) حمام . ( 7 ) مزيرة .










































19 – بيت أنموذج من طوب اللبن في عزبة البصري .














































20 – باب صبرات داخلي في مدرسة الصنائع .



















































21 – المدرسة في فارس .



















































22- بيت في قرنة مرعي .



















































23 – برج حمام في القرنة القديمة .















































24 – برج حمام في القرنة الجديدة .


















































25 – مسجد في القرنة القديمة .


















































26 – مسجد في القرنة الجديدة .












































27 – تصميم تجريبي فيه نبات وحيوان .



















































28 – تخطيط الملقف ( مصيدة الريح ) في كتخدا ، القرن الرابع عشر .


















































29 – ملقف قطاع .

















































30 مجاورة عائلة أحمد عبد الرسول ، منظر المضيفة .






31 – مجاورة عائلة ، مساقط الأرضية المفتاح :
( 1 ) ميدان خاص . ( 2 ) المضيفة ) . ( 3 ) بيوت . ( 4 ) طاحون .










































32 – تخطيط الخان .

















































الواجهة الشرقية للخان .











33- الواجهة الشمالية للخان .




































34 – تخطيط القرنة الجديدة .


















































35 – شارع في القرنة الجديدة.















































36 – تخطيط المسجد .
المفتاح : ( 1 ) مدخل ( 2 ) فناء أمامي .
( 3 ) مخزن . ( 4 ) رواق مقبي لعابري السبيل .
( 5 ) فناء . ( 6 ) إيوانات الصلاة . ( 7 ) غرفة الشيخ .
( 8 ) مخزن . ( 9 ) خلوة صغيرة . ( 10 ) الميضة .
( 11 ) مدخل الميضة .










37 – المسجد في 1948 .

































38 – تخطيط ساحة السوق . المفتاح : ( 1 ) مدخل عمومي . ( 2 ) المشرف .
( 3 ) مطعم في الهواء الطلق . ( 4 ) مقهى . ( 5 ) مقصورات عرض السلع .
( 6 ) منطقة الحبوب . ( 7 ) معرض المواشي ، ( 8 ) مدخل إلى القرية .
( 9 ) برج الحمام .














































39 – المدخل لساحة السوق .





















































40 – الأقبية في ساحة سوق القرنة الجديدة .















































41 - بواكي في ساحة السوق .

















































42- منطقة ظليلة للحيوانات في ساحة سوق القرنة الجديدة .
















































43 – تخطيط . المفتاح : ( أ ) المسرح : ( 1 ) منصة عالية للجلوس لعروض الهواء الطلق في ميدان القرية ؛
( 2 ) مدخل ؛ ( 3 ) محجز التذاكر ؛ ( 4 ) ممشى ؛ ( 5 ) مقاعد ؛ ( 6 ) الجوقة ( الكورس ) ؛
(7 ) منصة العرض ؛ ( 8 ) الكواليس ؛ ( 9 ) غرفة آلة عرض السينما ؛ ( 10 ) بهو مكشوف ؛
( ب ) جمنازيوم ؛ ( 1 ) مدخل ؛ ( 2 ) مقاعد ؛ ( 3 ) مقصورة . ( ج ) قاعة القرية . ( د ) قاعة
معرض الحرف . ( هـ ) مجاورة عائلة عبد الرسول .













































44 – واجهة المسرح .


















































45 – العرض على المسرح .

















































46 – تخطيط المدرسة الابتدائية للبنين المفتاح : ( 1 ) مدخل . ( 2 ) فناء المدخل . ( 3 ) مكاتب الناظر والإدارة
( 4 ) حجرة المعلمين . ( 5 ) حجرة المشرف . ( 6 ) حجرة دراسية . ( 7 ) مسجد وميضة .
( 8 ) مخزن . ( 9 ) مطبخ . ( 10 ) قاعة طعام . ( 11 ) الفناء الرئيسي . ( 12 ) مظلة .
( 13) ورشة الأشغال اليدوية . ( 14 ) قاعة الاجتماعات . والمحاضرات .














































47 – المدرسة الابتدائية للبنين .

















































48 – تخطيط المدرسة الابتدائية للبنات . المفتاح : ( 1 ) مدخل . ( 2 ) البواب . ( 3 ) المشرف
( 4 ) مخزن الكتب . ( 5 ) توزيع الكتب . ( 6 ) حجرة الدراسية . ( 7 ) حجرة الرسم .
( 7 ) حجرة الرسم . ( 8 ) قاعة الطعام والمعرض . ( 9 ) مظلة . ( 10 ) مطبخ .
( 11 ) مخزن . ( 12 ) خدمة . ( 13 ) حجرة المدرسات . ( 14 ) حجرة نوم المدّرسة
في الدور العلوي . ( 15 ) حمام .










































49 – نظام التهوية في المدرسة الابتدائية للبنات.










50 – فناء المدرسة الابتدائية للبنات .







































51 – تخطيط مضرب الطوب . المفتاح : ( أ ) فناء ضرب الطوب . ( ب ) أحواض الخلط . ( ج ) قنوات
( د ) سكة حديد ديكونيل . ( هـ ) منطقة التشوين .

















































52 – تخطيط منزل فلاح .











































53 – تخطيط منزلين فلاحين .













































54 – 55 بيوت من طوب اللبن .


















































56- تخطيط حجرة نوم .
















































57 – الفرن النمسوي – قطاعات



58 – فرن نمسوي من طوب اللبن مصنوع من القرنة ، قطاعات .















































59 – مدفئة في تبييتة بالجدار .














































60 – مقصورة الطهي ، مقاطع أفقية وتخطيط . المفتاح : ( 1 ) مخزن الوقود . (2 ) موقد . ( 3 ) حوض .
( 4 ) خزان حجز حجز شحومات . ( 5 ) حفرة صرف . ( 6 ) فرن صيفي . ( 7 ) مقعد .
( 8 ) فرن خبيز نمسوي . ( 9 ) سرير

61 – قطاع ف مصدر المياه .






































62 – 63 – 64 منطقة الغسيل المفتاح : ( أ ) مقعد ( ب ) قرص يوضع عليه إناء الغسيل . ( ج ) نقرة لنقع الغسيل . (د ) الصرف ( هـ ) مصطبة للغسيل المشطوف ( و ) بئر الصرف .
















































65- تخطيط البحيرة الصناعية


















































66 – غرفة مقبية في غرب أسوان ، النوبة .













































الفهرس

مقدمة المترجم ............................................................................
تمهيد لوليام ر . بولك ....................................................................
مقدمة .......................................................................................
لحن الاستهلال ............................................................................
1- لحن الاستهلال : الحلم والواقع :
الجنة المفقودة : الريف ............................................................................
طوب اللبن : الأمل الوحيد لإعادة بناء الريف ........................................
الطين للتسقيف بهتيم : التجربة والخطأ ................................................
النوبة : تكنيك قديم للتقبية ما زال باقياً .................................................
البناءون النوبيون يعملون : النجاحات الأولى ........................................
عزبة البصري : إبليس في كمين ......................................................
سرقة إحدى المقابر تتسبب في مشروع إسكان رائد ................................
مولد القرنة الجديدة : الموقع ............................................................
2- لحن الترنيمة ( كورال ) : الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا
الطابع المعماري ..........................................................................
عملية اتخاذ القرار ........................................................................
دور التراث ................................................................................
إنقاذ الشخصية الفردية في القرية ......................................................
إحياء حرف التراث في القرية ..........................................................
استخدام طوب اللبن ضرورة اقتصادية ...............................................
إعادة إرساء (( الثالوث )) : المالك ، والمهندس المعماري ، الحرفي ...........
المعمار الدارج في القرنة القديمة ......................................................
التغيير مع التواصل ......................................................................
المناخ والعمارة ...........................................................................
توجيه المنازل يتحدد في جزء منه بالشمس وفي جزء بالريح ....................
الملقف أو مصيدة الريح .................................................................
بنية القرابة والتقاليد المحلية .............................................................
اعتبارات اجتماعية – اقتصادية ........................................................
الحرف الريفية في القرنة ................................................................
صناعة النسيج .............................................................................
صناعة الفخار .............................................................................
خان الصنايع ...............................................................................
قاعة معرض الحرف .....................................................................
تخطيط القرنة الجديدة .....................................................................
مباني الخدمة العامة ووسائل الترفيه العامة ............................................
منزل الفلاح .................................................................................
مكافحة البلهارسيا ...........................................................................
القرنة ، مشروع رائد ......................................................................
النظام التعاوني ..............................................................................
التدريب بأداء العمل ........................................................................
القرنة ليست هدفاً في ذاتها ................................................................
تجربة ولدت ميتة – ميت النصارى ....................................................
برنامج قومي لإعادة بناء الريف .........................................................
3- لحن الترديد ( فوجة ) : المهندس المعماري ، والفلاح ، والبيروقراطي
الموسم الأول 1945- 46 ..............................................................
الموسم الثاني 1946- 47 ..............................................................
الموسم الثالث 1947 – 48 ...........................................................
4- لحن الختام : القرنة في سبات :
معماري يبحث عن نصير ..............................................................
الإفتراء يستمر ...........................................................................
زيارة ثانية للقرنة .......................................................................
القرنة في نبروه .........................................................................
ملحق 1 : تحليل تكاليف العمل ومعدلات تنفيذ
الأشغال : ................................................................................
تحليل تكاليف المواد والعمالة المستخدمة في قرية القرنة ........................
ضرب الطوب ...........................................................................
تكاليف الحجارة .........................................................................
المفرقعات والفتائل .....................................................................
الرمل .....................................................................................
التشييد ....................................................................................
ملحق 2 : التدريب بأداء العمل : .....................................................
ملحق 3 : تنظيم العمل : ...............................................................
ملحق 4 : الأساسات : ..................................................................
ملحق 5 : ضرب الطوب ..............................................................
مقتطفات من تجارب العقيد دعبس ...................................................
مقتطفات من تجارب . د مصطفى يحيى ...........................................
ملحق 6 : تحليل التكاليف عند تسليم الشروع لوزارة الشئون ..................
الاجتماعية .............................................................................
المعجم ...................................................................................
الصور ...................................................................................


























بين الحلم والواقع كانت مسافة زمنية ربما بدلت لي طويلة أو مختلفة ولكن الأهم أن الحلم أصبح واقعاً ملموساً حياً يتأثر ويؤثر ، وهكذا كانت مكتبة الأسرة تجربة مصرية صميمة بالجهد والمتابعة والتطوير ، خرجت عن حدود المحلية وأصبحت باعتراف منظمة اليونسكو تجربة مصرية متفردة تستحق أن تنتشر في كل دول العالم النامي واسعدني انتشار التجربة ومحاولة تعميمها في دول أخرى . كما أسعدني كل السعادة احتضان الأسرة المصرية واحتفائها وانتظارها وتلهفها على إصدارات مكتبة الأسرة طوال الأعوام السابقة ولقد اصبح هذا المشروع كياناً ثقافياً له مضمونه وشكله وهدفه النبيل . ورغم اهتماماتي الوطنية المتنوعة في مجالات كثيرة أخرى إلا أنني أعتبر مهرجان القراءة للجميع ومكتبة الأسرة هي الابن البكر ، ونجاح هذا المشروع كان سبباً قوياً لمزيد من المشروعات الأخرى .
وما زالت قافلة التنوير تواصل إشعاعها بالمعرفة الإنسانية تعيد الروح للكتاب مصدراً أساسياً وخالداً للثقافة وتوالي (( مكتبة الأسرة )) إصداراتها للعام الثامن على التوالي ، تضيف دائماً من جواهر الإبداع الفكري والعلمي والأدبي وتترسخ على مدى الأيام والسنوات زاداً ثقافياً لأهلي وعشيرتي ومواطني أهل مصر المحروسة مصر الحضارة والثقافة والتاريخ .
سوزان مبارك