Advertisement

علم الكيمياء والصيدلة عند العرب



الكتاب: علم الكيمياء والصيدلة عند العرب "مطبوع ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية"
المؤلف: فاضل أحمد الطائي
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
الطبعة: الطبعة الأولى 1987
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] علم الكيمياء عند العرب
مدخل
...
علم الكيمياء عند العرب:
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
لا بد لمن يكتب في الكيمياء عند العرب والمسلمين، أو غيرهم أن يتطرق إلى مفهوم الكيمياء قديمًا، وكيف تطور هذا المفهوم على مر السنين، وانتهى إلى ما نفهمه اليوم، لقد كانت الكيمياء قديمًا صناعة يحرص محترفوها على كتمان سرها، بإحاطتهم إياها بهالة من الغموض والسحر، ولعل أول من ابتدأ بالعناية بالكيمياء هم المصريون والعرب والفينيقيون واليهود، واليونان والرومان، وقد اختلف المؤرخون في أصل كلمة "كيميا"، فمنهم من يقول بأنها اشتقت من لفظة "شمس"، ومعناها الحرق أو الأرض السوداء، وقد قرن البعض الأرض السوداء بمصر، إذ عرفت مصر قديمًا بالأرض السوداء، وقد عبر بعضهم عن الكيمياء بأنها "الصناعة المصرية"1، ويرى غيرهم أن لفظة الكيمياء قد حورت عن اللغة العبرية للفظة "شامان"، وتعني السر أو الغموض، ومهما يكن الاختلاف في أصل الكلمة واشتقاقها، فهو لا يغير من الواقع شيئًا، إذ أن مصر اشتهرت بهذه الصناعة قبل غيرها، وكانت الكيمياء علمًا أو صناعة سرية، وقًفا على الكهنة والروحانيين القدماء، حتى
__________
1 المقتطف، ج1، ج44، ص37.
(1/7)

أن المعامل والمختبرات قد بنيت داخل المعابد والأديرة، وأغلب الظن أن لفظة الكيمياء عربية الأصل "Al Chemy" بدلالة وجود أداة التعريف "ال"، كما ذكر "هولميارد1 Holmyard".
لقد قصد بالكيمياء قديمًا عمل الذهب والفضة بالصناعة، كما فصل ذلك ابن خلدون في مقدمته، ولكن يظهر لنا مما كتبه الشيخ الرئيس ابن سينا2 أن الناس كانوا في عهده على رأيين من حيث موضوع الكيمياء، الأول عمل الذهب والفضة بالصناعة، والثاني صبغ النحاس بصبغ الفضة، وصبغ الفضة بصبغ الذهب لا غير، والظاهر أن فكرة الصبغ لم تكن مألوفة في أوروبا، لذا فإنهم ذهبوا إلى ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته، إلا أن أرثر جون هوبكنز3 "Hopkins., A. J"، قد أثبت بالأدلة التأريخية والعلمية أن مراد الكيمياويين القدماء كان الصبغ لا التحويل.
وهكذا اختلف الناس قديمًا في مفهوم الكيمياء، فمنهم من آمن بصنع الفضة والذهب من المعادن الزهيدة الثمن، ومنهم من ارتضى بتغيير لون النحاس إلى لون الفضة، ولون الأخيرة إلى لون الذهب.
لقد اتسم الدور الأول للكيمياء بالمحاولات المضنية بغية صناعة الذهب من العناصر الزهيدة، إضافة إلى صبغ المعادن وكسائها بما يشبه الذهب والفضة، وبذلك نشطت عملية التعدين وصنع السبائك، وعرف الكثير عن خواص المعادن، واعتقد فلاسفة اليونان بأن المواد على اختلاف أنواعها تتألف من أربعة عناصر أساسية، هي الماء، والهواء، والنار، والتراب، وتختلف المادة من غيرها في احتوائها على نسب متباينة من العناصر الأربعة،
__________
1 Alchemy, Holmyard, E.J Pelican Vooks, 1957, P. 17.
2 رسالة في علم الأكسير لابن سيناء، "مخطوطة" آيا صوفيا، اسطنبول "مجموعة الرسائل".
3 المقتفط: ج3، ج53، ص240.
(1/8)

وكيفية اتحاد بعضها مع بعضها الآخر، وقد آمن بهذا الرأي عدد كبير من رجال الفلسفة والكيمياء آنذاك، غير أن "أرسطو Aristotle" أضاف عنصرًا خامسًا للعناصر الأربعة التي مر ذكرها، ووصف هذا العنصر بأنه اثيري في طبيعته، وربما جاء أرسطو بهذا العنصر الخامس الوهمي بتأثره بالفلسفة الهندية.
وقد أعقب هذا الدور دور كانت فيه الكيمياء وقفًا على الأمور الطبية فحسب، وكان غرض رجال الكيمياء تحضير العقاقير والأدوية لشفاء المرضى، وهكذا نجح بعضهم في تحضير كثير من المركبات، إضافة إلى ما استخلص منها من النباتات، ويعتقد البعض بأن هذا الدور قد بدأ في أواسط القرن السادس عشر، وانتهى في منتصف القرن السابع عشر1، والحقيقة أن أصحاب هذا الرأي قد استقوا معلوماتهم من المصادر الغربية للنهضة الأوروبية دون الرجوع إلى التراث العربي الذي هو أقدم مما ذكروا بكثير، وإلا فما قولهم في الأدوية والعقاقير التي حضرها كل من جابر بن حيان، والرازي وابن سينا وكلهم جاءوا قبل القرن الثالث عشر للميلاد2، 3. والحقيقة أن هذا الدور قد بدأ عند العرب في القرن الثامن للميلاد، وحتى القرن الثالث عشر، ثم بدأ في أوروبا بعد أن ترجمت الكتب العربية إلى اللغات الأوروبية من القرن السادس عشر، وحتى منتصف القرن السابع عشر كما جاء سابقًا.
وبدأ الدور الثالث لعلم الكيمياء في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وأبرز ما في هذا الدور نظرية الفلوجستون التي تقدم بها "بيخر Becher" عام1667م ردًا على ما أورده جابر بن حيان عام 776م تقريبًا،
__________
1 المقتصف: ج1، ج44، ص38.
2 كتاب الخواص لجابر بن حيان "مخطوطة" مكتبة المتحف العراقي، ص26.
3 الفهرست لابن النديم -أخبار جابر بن حيان، وأسماء كثيرة، ص355-357.
(1/9)

إذ كتب جابر بأن جميع المواد المشتعلة تحتوي على عنصر الاشتعال، ووصف هذا العنصر، بأنه صورة من صور الكبريت، بينما أشار بيخر إلى كثير من المواد القابلة للاشتعال، والتي تشتعل فعلًا دون أن يكون عنصر الكبريت موجودًا فيها،
فاستبدل الكبريت بعنصر موهوم أسماه "Terra Pingins"، ثم تلاه شتال "Stahl" "1660-1731م"، فطور فكرة بيخر وأسمى العنصر الموهوم بالفولجستون "Phlogiston"، الذي يعني في اليونانية "أنا أشعل النار"، وفي ضوء هذه النظرية يكون تحول المعدن إلى ما أسموه بالكالكس1 "Calx" أوكسيد الفلز نتيجة لفقد الفلوجستون، وقد عبر عنها بهذه المعادلة البسيطة: "معدن -فلوجستون- كالكس".
وهكذا اعتقد أصحاب هذه النظرية أنه باستطاعتهم إعادة الكالكس إلى المعدن، إذا ما أدخل في الأخير الفلوجستون، ولما كان الفحم يحترق بسهولة، ولا يترك إلا قليلًا من الرماد، وجب أن يكون الفحم غنيًا بالفلوجستون، فإذا ما عومل الكالكس بالفحم وسخنًا سوية اتحد الكالكس بشيء من فلوجستون الفحم وعاد معدنًا إلى أصله، وبالرغم من الأخطار الكثيرة، والفرضيات الموهومة في هذه النظرية، إلا أنهاكانت مفتاحًا للتعدين والحصول على الفلزات "المعادن" من أكاسيدها الموجودة في الطبيعة، وقد أثنى الأستاذ "ميلر2 Mellor" على هذه النظرية، ويقول ما ترجمته: "إن السخرية من هذه النظرية، أو ممن اعتقد بها أمر غير عادل، إذ إنها مثلت أكمل تعميم معروف في زمانها، وتحت تأثرها خطت الكيمياء خطوات كبيرة وتقدمت تقدمًا محسوسًا"، وعلى كل فقد أخفقت هذه النظرية عندما تعرضت للتجربة العلمية من حيث الوزن، كما أن لافوازي 1774م
__________
1 يعتبر الكالكس في الكيمياء حديثًا أوكسيد الفلز، إذ إنه ينتج من تسخين المعدن في الهواء، حيث يتحد المعدن بأوكسجين الهواء لتكوين الأوكسيد.
2 Mellor's Modern Inorganic Chemistry, Longmans, 1943. Pg
(1/10)

قد اكتشف صفات الأوكسجين، وأثبت بأنه ضروري للاشتعال، وقد اتضح بعد ذلك بأن المعدن لا يفقد شيئًا عندما يتحول إلى الأوكسيد "الكالكس"، بل على النقيض من ذلك، فإنه يتحد مع الأوكسجين بنسبة معينة من حيث الوزن ويزداد وزنًا.
وبدأ الدور الرابع لعلم الكيمياء، أو الكيمياء الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر، وقد ازداد عدد المركبات الكيمياوية زيادة كبيرة، وبرز في هذا الدور العالم السويدي "شيلي1742-1786 Sheele" الذي اكتشف عنصر الأوكسجين قبل الكيمياوي "برستلي Priestley" بعامين، إلا أن تلكؤه في نشر ما وصل إليه قد جعل شرف اكتشافه يعود إلى برستلي، وقد اتسم هذا الدور بالتجارب العلمية العملية، ودراسة خواص المركبات بعد عزلها عن الشوائب، وتعيين ثوابتها الطبيعية وصفاتها الكيمياوية، ولم تمض مدة طويلة على فشل شيلي في الحصول على مركز المتكشف لغاز الأوكسجين، حتى باغت معاصريه بسلسلة من الاكتشافات، وتحضير عدد كبير من المركبات الجديدة من مختلف الأنواع، فمنها عنصر الكلور، وحامض الهيدروكلوريك، وحامض اللبن "اللكتيك Lactic"، وحامض "الأوكساليك Oxalic"، وحامض الليمون "سترك Citric"، وغيرها من المركبات.
وبالرغم من أن برستلي قد اكتشف الأوكسجين، واتصل بالعالم الفرنسي "لافوازي Lavoisier"، وعرف الكثير عن خواص الأوكسجين، وحضر بعض المركبات وغاز كلوريد الهيدروجين، وأوكسيد النتريك، وحامض النتروز وغاز الأموينا "النشاذر"، وغيرها إلا أنه بقي على إيمانه بنظرية الفلوجستون حتى فارق الحياة، ولم ينصرم القرن الثامن عشر حتى قام عملاق الكيمياء في ذلك العصر لافوازي بتحضر عدد هائل من المركبات واكتشف مكونات الهواء، ودرس خواص الأوكسجين الكيمياوية، وقضى بذلك نهائيًا على نظرية الفلوجستون بتجارب علمية لا يتطرق إليها الشك، ولا يكتنفها
(1/11)

الغموض، ودرس خواص الغازات دراسة علمية مضبوطة، إلا أن مقصلة رعاع الثورة الفرنسية التي قطعت رأس هذا العالم، قد أخرت علم الكيمياء خمسين عامًا على الأقل، قال هذا كثير من العلماء وأنا أشاركهم الرأي فيما ذهبوا إليه، فلقد كان لافوازي عبقريا، ولا يأتي العبقري إلا بعد أجيال، فتح لافوازي باب الكيمياء، ودخله غيره وسار هذا العلم بسرعة هائلة، وازداد عدد الكيماويين زيادة مطردة، واكتشفت مكونات الذرة، وقوانين اتحاد الذرات بعضها ببعضها الآخر لتكوين الجزيئات، وبدأت الصناعات الكيمياوية، وشيدت المعامل والمختبرات الكثيرة، واستمر عهد الكيمياء الحديثة التي تناولت الاتحادات الكيماوية، وبرزت الكيمياء العضوية والتحليلية والحياتية، وغيرها من فروع الكيمياء، إلا أن جميع هذه التفاعلات تعتمد على النظام الإلكتروني للذرات في الاتحاد والتحلل، ولا تمس نوى الذرات من قريب أو بعيد، واستمر الحال كذلك حتى عام 1911م حيث وجد "أنشتاين Einstein" العلاقة بين الطاقة والمادة، ووضع لها معادلته الشهيرة.
لقد وجد أنشتاين العلاقة بين المادة والطاقة، وأوضح للعالم أجمع بأن المادة صورة من صور الطاقة، كما في المعادلة الآتية:
ط = م × س2
حيث يدل "ط" على كمية الطاقة و"م" على الكتلة المادية، و"س" سرعة الضوء، يتضح من هذه المعادلة الواضحة، إن كمية قليلة من المادة تتحول إلى كمية هائلة من الطاقة، وكانت هذه المعادلة مفتاح الطاقة النووية، ونقطة تحول في نهج الكيمياء، إذ إن علم الكيمياء يبحث في دراسة المادة من حيث تركيبها وتحليلها وخواصها وتفاعلاتها، وتركيب الذرات وبناء الجزيئات دون الالتفات إلى الطاقة التي تكتنف الذرات، والجزيئات إذ ترك ذلك لعلم الفيزياء حسب.
إلا أن التحول الذي حصل في القرن العشرين، والنظرة إلى المادة
(1/12)

باعتبارها صورة من صور الطاقة قد قرب بين علمي الكيمياء والفيزياء، وأن المختص في الكيمياء الذرية، أو النووية لا يختلف كثيرًا عمن اختص بالفيزياء الذرية "Atomaic, physics"، وسيضمر الفرق بين علمي الفيزياء والكيمياء على مر الزمن، وكلما تقدم العصر الذري الذي نعيش فيه، ويمتاز هذا العصر بالنظرة إلى نوى الذرات، والإفادة من الطاقة الهائلة الكامنة فيها، ويمكننا بحق أن نطلق على هذا الدور من علم الكيمياء "العصر النووي"، هذا وأشارك الأستاذ "رايشنباخ1 Reishenbach" عندما ذكر في كتابه "الذرة والكون" عام 1924م، حيث سأل الله تعالى أن لا يتيح للبشر معرفة طريقة تحول المادة إلى طاقة، إلا بعد أن يصلوا مرحلة من الخلق تجعل استخدام الطاقة النووية الهائلة في مصلحة الإنسان وخدمته، وتوفير العيش الكريم له، وليس لدماره، ومن المؤسف -حقًا- أن يبدأ العصر النووي باستخدام هذه الطاقة في القنابل الذرية أول الأمر، بالرغم من أن مقدار ما تحول من المادة إلى طاقة في القنبلتين النوويتين اللتين القيتا على هيروشيما ونكازاكي في أواخر الحرب العالمية الثانية، لم يكن إلا جزءًا ضئيلًا جدًا، ولو تحول عشر وزن ذينك القنبلتين إلى طاقة لكان دمارهما أكثر مما حدث بألف مرة على الأقل، وعلينا أن نتفاءل بهذا العصر، وبما سيأتي به من فائدة إلى الإنسانية، رغم شؤم بدايته، ولو استعملت القوة الكهربائية في بدء اكتشافها في الكرسي الكهربائي "كرسي الإعدام"، لنظرنا إليها نظرتنا إلى الطاقة النووية في الوقت الحاضر.
وبعد أن استعرضنا أدوار علم الكيمياء الأربعة، كما يصنفها علماء الغرب، وأضفنا الدور الخامس "العصر النووي"، فعلينا الآن أن نرى أين يقع مكان كيمياوي العرب من هذه الأدوار الأربعة الآنفة الذكر، هذا وسأكتب عن دور العرب في الكيمياء، وبما قدمه كيمياوي العرب ن حيث تسلسلهم التأريخي.
__________
1 الذرة والكون: "Atom and Cosmus" by Reichenbach, 1924.
(1/13)

خالد بن يزيد "ت85هـ-704م":
لقد أجمعت المصادر التي استطعنا الاطلاع عليها، على أن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، رائد العرب والإسلام في الكيمياء، وكان أول من أمر بترجمة التراث العلمي لليونان إلى اللغة العربية، إضافة إلى تعريب ما نقل من علم اليونان إلى السريانية والقبطية، ويعتبر بحق الرائد الأول في نقل العلوم إلى اللغة العربية، وبذلك وفر العلم للعرب والمسلمين الذين يجيدون اللغة العربية.
ذكر ابن النديم1 راويًا عن محمد بن إسحاق الذي عني بإخراج الكتب القديمة في الصنعة، "أن خالدًا بن يزيد بن معاوية كان خطيبًا وشاعرًا فصيحًا، وحازمًا ذا رأي، وهو أول من ترجم له كتب الطب والنجوم، وكتب الصنعة والكيمياء"، ويضيف ابن النديم بأن محمد بن إسحاق قد رأى من شعر خالد نحوًا من خمسمائة ورقة في الصنعة، كما رأى في كتبه "كتاب الحرارات" و"كتاب الصحيفة الكبرى" و"كتاب الصحيفة الصغرى" وكتاب "وصيته إلى ابنه في الصنعة".
وذكر أبو الفرج الأصبهاني2 بعد أن أوصل نسب خالد إلى عبد شمس
__________
1 ابن النديم: الفهرست -بيروت. لبنان، 1964، ص354.
2 أبو فرج الأصبهاني -الأغاني- ج16 طبعة بولاق، بيروت 1970م، ص88.
(1/14)

ابن عبد مناف بأن خالدًا قد شغل نفسه بطلب الكيمياء، فأفنى بذلك عمره. وذكر ابن عساكر الشافعي1 فيما ذكر عن خالد بأنه وصف بالعلم، ويقول الشعر، وأحاط بعلم العرب والعجم.
وذكر الجاحظ2 بحق خالد أنه كان خطيبًا، شاعرًا فصيحًا، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.
والحقيقة أن المصادر التي تناولت ذكر خالد -على فضله- ضئيلة إذا ما قورنت بمن هو أقل منه شأنًا، ولعل ياقوت الحموي3 قد جاء في كتابه "معجم الأدباء" بذكر خالد ذكرًا أوفى من غيره، على أنه لم يزد عما قيل عنه في الصنعة والكيمياء.
وجاء في هدية العارفين4 أن خالدًا بن يزيد بن معاوية توفي سنة 85هـ، وله من الكتب "السر البديع في رمز المنيع" في علم الكافي، و"فردوس الحكمة في علم الكيمياء" منظومة، و"كتاب الحرارات" و"كتاب الرحمة في الكيمياء"5 وكتاب "الصحيفة الصغيرة" وكتاب "الصحيفة الكبيرة"، ومقالتا مريانس الراهب في الكيمياء وكتاب "وصيته إلى ابنه في الصنعة".
ويقول "هولميارد Holmyard"6 أن خالدًا قد درس الكيمياء على يد. عالم مسيحي من أهل الإسكندرية، ويقال: إن هذا العالم يدعى "ماريانوس
__________
1 ابن عساكر الشافعي: التاريخ الكبير، مطبعة روضة الشام، ج5، 1332هـ ص116-117.
2 الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص328، القاهرة "1367هـ-1948م".
3 ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج11، ص35، ط: أوفسيت، دار المستشرقين، لبنان.
4 إسماعيل باشا البغدادي، هدية العارفين، ج1، ص343ط: أوفسيت إسطنبول 1955م.
5 أن كتاب الرحمة لجابر بن حيان وليس لخالد، كما سنرى.
6 Holmyard, E.J., Alchemy, Pelican Book1 Ed. 1957 "P61-64"
(1/15)

Marianos" أو "مارينوس Marienos" وكان الأخير من حواريي الكيمياوي الإسكندراني المعروف "أسطيفانوس Staphenos"، ويستطرد هولميارد، فيقول: إن مارينوس لم يكن العالم الأول الذي اتصل به خالد، بل إن الأخير أحاط نفسه بعدد من ذوي الاختصاص والخبرة في علم الصنعة، إلا أن جميع هؤلاء قد فشلوا في عملية الاستحالة، أي تحويل الفلذات الزهيدة إلى معادن ثمينة كالذهب والفضة، وعندما سمع مارينوس بذلك، وكان ناسكًا في القدس بأخبار خالد، واهتمامه بالعلوم ولا سيما الكيمياء عزم على زيارته، وكان يحدوه أمل تبديل دين خالد من الإسلام إلى المسيحية، واستقبله خالد بحفاوة بالغة، وكرمه تكريمًا عظيمًا.
ولما رأى الناسك أن خالدًا يهتم قبل كل شيء بصناعة الذهب، طلب مارينوس غرفة وأجهزة، ومواد، وجعل خالدًا يشهد عملية ناجحة في صنع الذهب. والحقيقة أن أمر صناعة الذهب كان أمل كل الكيمياويين في ذلك الوقت، وربما توصل بعضهم إلى صنع سبيكة من معادن أخرى، بحيث إن السبيكة الناتجة تشبه الذهب من وجوه عديدة، أو أن بعض الدجالين قد خلطوا برادة الذهب في تراب معين، وجعل هذا التراب من المواد التي يصنع منها الذهب، فإذا ما سخن المواد في بوتقة تسخينًا شديدًا انصهرت برادة الذهب، وتجمعت على هيئة كرة ليست منتظمة، وتدحرجت من البوتقة بعد تبريدها وقلبها، وكتب التأريخ، شرقية كانت أم غربية، تذكر أمثال هؤلاء الدجالين، وطرائق زيفهم في تحضير الذهب.
وقد أنكر بعض المؤرخين الغربيين فضل خالد في الكيمياء، وعلى رأسهم "الدوميلي1 Aldomilli" و"روسكا2 Ruska"، إذ ادعيا بأن الشعر الذي
__________
1 الدوميلي، العلم عند العرب، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور محمد يوسف موسى، دار العلم، الطبعة الأولى "1381هـ-1962م"، ص99.
2 راجع هولميارد ص61-64 عن المصدر المذكور آنفًا.
(1/16)

جاء باسم خالد في الكيمياء قد كتب بعد وفاة خالد بمدة طويلة، ذلك؛ لأن خالدًا شاب من محتد أميري، وانبرى لهما كل من هولميارد وستيبلتون Stapleton، وجاء ردهما مبنيًا على أدلة تأريخية لا تقبل الشك، وأورد هولميارد أمثلة لملوك شغلوا أنفسهم في الصنعة، وضرب لذلك أمثلة كالإمبراطور "هيرقليوس Herakleios"، وجيمس الرابع "James IV" في اسكتلنده، ويضيف هولميارد، فيقول: "وحتى في هذه الظروف التي أشار إليها روسكا، فلا تزال كتب وأشعار لخالد في مكتبات الهند ومصر، وأوروبا لم تمحص وتحقق بعد، وأود أن أذكر روسكا بأن أعمالًا جليلة لـ"شوسر Chaucer" قد اكتشفت قبل بضع سنوات بالرغم من أنها كتبت قبل ستة قرون".
وقد قرأت لخالد كتابه الموسوم "ديوان خالد بن يزيد بن معاوية في الصنعة"، وهو مخطوط مصور عن النسخة الأصلية المحفوظة في مكتبة المتحف العراقي برقم 322/ آ، وحجم المخطوط 30 سم × 20 سم، يقع في 116 ورقة أي في 232 صحيفة تحتوي الصحيفة الواحدة على اثني عشر بيتًا، وذكر هولميارد عدد أكبر من هذا لما نظمه خالد من الشعر في الصنعة، وأورد ما اخترت من الديان لغرض اطلاع القاريء، ومناقشة أسلوب الكتابة في الكيمياء عند خالد:
قافية الألف "ص34-35 من الديوان":
يا طالبًا بوريطس الحكماء ... يا منطقًا حقًا بغير خفاء
هو زئبق الشرق الذي هتفوا به ... في كتبهم من جملة الأشياء
سموه زهرًا في خفاء رموزهم ... والجز شغلًا أغمض الأسماء
ودعوه بالنار كيما يصدقوا ... عن صبغة نجلًا عن البعداء
فإذا أردت مثاله فاعمد إلى ... جسم النحاس وناره الصفراء
وامزجهما مزج امرئ ذي حكمة ... واحكم مزاوجة الهواء بالماء
(1/17)

واسحق مركبك الذي أزوجته ... حتى تراه كزبدة بيضاء
هذا أبار نحاسهم فافطن له ... هذا يدك ذوي الحجا النجباء
هذا خمار زوابق المغنيسيا ... في جسمها بالغمر للأشياء
فاسكنه مبتهجًا به في قرعة ... شدت بشد محكم الأجزاء
واجعل فديتك ناره موزونة ... في حرها كتلهب الأحشاء
لقد قرأت المخطوطة الآنفة الذكر، فلم أخرج منها بغير بعض أسماء الفلزات واللافلزات، والمركبات التي عرفتها الطبيعة، إضافة إلى بعض العمليات الكيمياوية كالأشواء، والصهر والملغمة، ولو كتب خالد معرفته في الكيمياء نثرًا لجاءت أوضح، فوزن الشعر وقافيته -أحيانًا- يلجئان الشاعر إلى انتفاء ألفاظ معينة وإضافة أخر.
وبالرغم من أن خالدًا نفسه لم يأت بشيء جديد في الكيمياء، إلا أن فضله في ريادة الترجمة والاهتمام بالعلم، والتسلسل التأريخي يسوق من يكتب عن الكيمياء، والعلوم الأخرى إلى البدء بخالد.
(1/18)

جابر بن حيان: "ت: 200هـ-814م":
تذكر دائرة المعارف البريطانية1 أنه أبو موسى جابر بن حيان، ويسود الاعتقاد وفق الأدلة على أنه من قبيلة أزد العربية2، واسم أبيه عبد الله
__________
1 دائرة المعارف البريطانية ط14، ج10، ص83، 1929.
Encyc. Brita. 14 le Ed. Vol. X, P. 83-1929.
2 أ- معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، عمر رضا كحالة، ج1، ص15 المطبعة الهاشمية بدمشق 1949.
ب- دائرة المعارف الإسلامية، ج2، ص37. "الأزد".
(1/18)

الكوفي1. ويذكر ميلر2 "Mellor" عند كتابته عن جابر بأن العرب حاذقون في التجارب.
ويشير سارتون3 في كتابه: "مقدمة في تأريخ العلم"، عند التطرق إلى كيمياويي العرب ما ترجمته: "يظهر أن لجابر بن حيان خبرة تجريبية جيدة في عدد من الحقائق الكيماوية". وذكرت الموسوعة الدولية4 أن جابر بن حيان عربي مشهور في القرن الثامن للميلاد، وكتبه ذات التأثير الكبير الواسع، تعتبر أول المؤلفات في المعادن التي نقلت إلى أوروبا، مثل نظرية تحضير المعادن من عنصري الزئبق والكبيرت، ووصف لتحضير الحوامض المعدنية، وبقيت هذه الكتب نصوصًا كيمياوية لأجيال عديدة.
لقد كتب جابر بن حيان كتبًا عديدة في مواضيع شتى، شأنه في ذلك شأن فلاسفة اليونان، وقد تأثر بآرائهم فأخذ ببعضها وفند البعض الآخر5، فكتب في اللغة والبيان6، وكتب في السموم والأدوية7، وفي صناعة الأكسير8 والطلسمات وصناعة الذهب9، وفي كثير من فروع العلم.
__________
1 خير الدين الزركلي: الأعلام، ط2، ج2، ص90.
2 الكيمياء غير العضوية الحديثة لميلر:
Mellor's Modern Inorganic Chemistry, By Parber and Mellor, Longman, Newed. 1943, P.g.
3سارتون: مقدمة في تأريخ العلم:
An Introduction To the History of Science: F. Sarton, Vol. 1.P. 521.
4 الموسوعة الدولية:
Encyclopedia International, Vol. 7, P. 480: 1964
5 كتاب أسطقس الأسس "الثاني والثالث" لجابر بن حيان الصوفي. تحقيق هولميارد ص81، 123، مطبعة باريس 1928م.
6 كتاب البيان لجابر بن حيان الصوفي، تحقيق هولميارد، ص8، مطبعة باريس 1928م.
7 كتاب السموم، لأبي موسى جابر بن حيان الصوفي، المقتطف: ج3، ج53 ص40.
8 كتاب الخواص الكبير لجابر بن حيان "مخطوط"، مكتبة المتحف العراقي ص24.
9 راجع المصدر رقم "6" ص38.
(1/19)

حقق "كراوس1 Kraus" بعض مخطوطات جابر بن حيان، وبدأ بتصنيفها إلى ما هي فعلًا من تأليف جابر، وما هي ليست له، وقد بلغ عدد الكتب التي حملت أسم جابر عليها ما يزيد على الخمسمائة مؤلف2، غير أن المصادر الموثوقة التي أجمع عليها مؤرخو العرب، والمستشرقون تشير إلى أنه ألف مائة واثني عشر كتابًا3، وأغلب الظن أن الكتب التي ذكرها ابن النديم في الفهرست لا تعدو عن كونها رسائل أو مقالات قصار، وتشير المصادر التي بين أيدينا أن جابر وضع كل كتاب في عدد من المقالات، وعلى سبيل المثال، أن كتاب الخواص الكبير "مخطوط"، يحتوي على إحدى وسبعين رسالة، وأشار الدوميلي وغيره من المستشرقين إلى أن أكثر الكتب العربية قد فقدت، ولم يعثر إلا على عدد قليل منها، وإنما وجدت تراجم عديدة تحمل اسم جابر بن حيان يرجع عهدها إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد، بغية الحصول على ثقة المعنيين بالعلم آنذاك، نظرًا للشهرة التي اكتسبها جابر في الأوساط الغربية. وعرض كراوس في الملجد الثاني دور "جابر والعلم اليوناني" الفصول الخمسة في المذهب الجابري: الكيمياء، وعلم التكوين، وعلم الخواص، وعلم الميزان، وعلم الطبيعة، ويتناول كتب جابر في هذه المواضيع، فيبرز النقاط الهامة، ويجلو الغامض منها، ويبين الفروق بينها، ثم يصل إلى نتيجة مهمة: هي أن المجموعة الجابرية قليلة الشبه بمجموعة كيميائيي اليونان القدماء إذ إنها أكثر اعتمادًا على التجربة وأتقن تنظيمًا، وأقل رمزًا وغموضًا، وأعرف بالكيمياء العضوية،
__________
1 جابر بن حيان: Paul Kraus, Jagbir Ibn Hayyan Histoire des Idees Scientifigue d' Islam, Vol. 2, P1-59
2 الفهرست لابن النديم -أخبار جابر بن حيان وأسماء كثيرة، ص355-357.
3 كتاب الرحمة لجابر بن حيان الصوفي، تحقيق هولميارد، ص148-157، مطبعة باريس 1928م.
(1/20)

ووصف المركبات والمواد وصفًا دقيقًا يتناول خواصها وتأثرها بالعوامل الطبيعية، كالحرارة والرطوبة وغيرها، وقد اعتمد روسكا في كتاباته عن جابر ابن حيان على بعض المخطوطات العربية التي وجدت في برلين، ولا سيما كتاب السموم1.
وأشاد الكيمياوي الفرنسي برتلو2 "Berthelot"، بخبرة جابر وعلمه في الكيمياء وقال ما ترجمته: "لجابر في الكيمياء ما لأرسطو قبله في المنطق فهو أول من حضر حامض الكبريتيك من الزاج الأزرق ودعاه بزيت الزاج، وأول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من حضر حامضي النتريك والهيدروكلوريك، وعمل من مزيجهما ماء الذهب "الماء الملكي"، وتنسب إليه تحضيرات مركبات أخرى مثل كاربونات البوتاسيوم، وكاربونات الصوديوم، وقد درس خصائص مركبات الزئبق، واستحضرها".
أقر أكثر الكتاب من العرب والمستشرقين صحة بعض الكتب المنسوبة لجابر بن حيان، وفي مقدمتها كتاب الخواص الكبير "مخطوط، وكتاب الخواص "مخطوط" وكتاب الرحمة، وأحد عشر كتابًا صنفها وحققها ونشرها الأستاذ هولميارد عام 1928 في باريس، وجميع هذه الكتب متوافرة لدي، وسأعتمد في القول عن كيمياء جابر على هذه المراجع الموثوقة، ولا أخرج عن نطاق محتوياتها إلا بعد التثبت من حقيقة المصدر، ولا سيما الأولية منها، وسأحاول أن أضع جابر بن حيان في مكانه الحقيقي ضمن الأدوار الخمسة لتطور علم الكيمياء، التي أشرت إليها في مقدمة البحث، فلقد حاول بعض المؤرخين أن يضع جابر بن حيان في الدور الأول، ووصف ما جاء به من معرفة علمية بأنها مستقاة من العلوم اليونانية القديمة، وذهب البعض الآخر
__________
1 دائرة المعارف البريطانية، ج10، الطبعة الرابعة عشرة، ص83.
2 M. Berthelot, La Chimie Moyen Age, Vol2. Paris, 1883
(1/21)

في طريق يناقض الأول، واعتبر جابرًا قد حضر العدد الكبير من المركبات الكيمياوية التي لم يعرف بعضها، إلا في مطلع القرن التاسع عشر، وهناك فريق آخر حاول المقارنة، والموازنة في تقويم أعمال جابر بغية وضعه في دوره الحقيقي، غير أن أغلبهم قد أخفق فيما طلب، نظرًا لكثرة ما كتب عنه، وتباين وجهات نظر الكتاب السابقين.
لقد كتب جابر عن صناعة الذهب1، وهو بذلك اشتغل بما كان السائد في الدور الأول، ودافع عن رأيه في هذه الصناعة، ووضع في ذلك نظرية في تكوين المعادن، "إن الأجساد كلها في الجواهر زئبق انعقد بكبريت المعدن المرتفع إليه في بخار الأرض، وإنما اختلفت لاختلاف أعراضها، واختلاف أعراضها لاختلاف نسبها"، وسنأتي على شرح هذه النظرية فيما بعد، إذ إنها كانت مقبولة حتى ظهرت نظرية الفلوجستون في القرن السابع عشر، ثم إن جابرًا قد اشتغل في صنع الأكسير، وقد زعم بأنه قد حصل عليه، وكان شفاء لكثير ممن عالجهم، وذكر ذلك في كتابه "كتاب الخواص الكبير"2، فقد ذكر ما نصه: "وكان معي من هذا الأكسير شيء فسقيتها منه حبتين، وعادت إلى أكمل ما كانت عليه في أقل من نصف ساعة زمانية، فانكب يحبي على رجلي مقبلًا لها ... "وقد ألف جابر بن حيان كتبًا ورسائل عديدة، وأذكر ما حقق منها، ولا سيما "كتاب السموم"، إذ صنف فيه السموم وأعادها إلى أصلها، وذكر عددًا كبيرًا منها ما استخرج من أصل حيواني، وآخر من النبات والثالث من الحجر، ثم وصف كلًا منها وصفًا دقيقًا واضحاً، وقال بمقدار ما يعطى من كل سم للمريض، وبذلك يكون جابر قد اشترك في الدور الثاني للكيمياء، وقد أشار في كتابيه "الخواص الكبير" و"كتاب الخواص" إلى تفاعلات كيمياوية، وعمليات فنية، منها التقطير، والتبلور،
__________
1 كتاب الإيضاح لجابر بن حيان الصوفي، تحقيق هولميارد، باريس 1928م ص54-58.
2 كتاب الخواص الكبير، جابر بن حيان "مخطوط"، مكتبة المتحف العراقي ص25-26.
(1/22)

والتصعيد، والترشيح، والصهر، ودرس خواص بعض المواد دراسة علمية دقيقة، وتعرف على أيون الفضة النشاذري المعقد، وذكر ذلك في كتاب الخواص الكبير ما نصه: "والفضة إذا شمت رائحة الكبريت اسودت، فإذا أصابها الملح أبيضت وصفت وزاد حسنها، ومنها النوشاذر"، وهذا يدل دلالة واضحة على ذوبان أملاح الفضة في ماء النشاذر "هيدروكسيد الأمونيون"، لتكوينها أيونًا معقدًا
يذوب في الماء، وقد عبر جابر عن كبريتيد الهيدروجين برائحة الكبريت. وقد أجمعت أغلب المصادر على أنه حصل على زيت الزاج "حامض الكبريتيك" من تقطير الزاج الأزرق، "كبريتات النحاس المائية"، ووصف جابر هذا الحامض بأنه الزيت المذيب، وأشار إلى ذلك بريتلو -كما بينا سابقًا- وهوداس1، وقد أنكره هولميارد2 وعزا ذلك إلى مكتشفين آخرين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كما أنه استغل الخطأة العلمية التي وقع فيها الدكتور "فيليب حتى" في كتابه "كتاب تاريخ العرب"، وذلك عند كلامه عن تكوين الماء الملكي "ماء الذهب"3، ولا غرابة في ذلك فالدكتور حتى مؤرخ وليس كيمياويًا، وليس من البعيد على من يحضر زيت الزاج "حامض الكبريتيك"، وهو في العراق وبخاصة في بغداد والكوفة، من أن يحضر كلًا من حامض النتريك وحامض
الهيدروكلوريك "روح الملح"، ولا سيما أن تحضير هذين الحامضين لا يعدو عن إضافة زيت الزاج إلى ملح الطعام في تحضير "روح الملح" حامض الهيدروكلوريك، وعن تفاعل زيت الزاج مع "الشورة" نترات البوتاسيوم في تحضير حامض النتريك، وقد ذكرت بغداد التي عاش فيها ابن حيان أول حياته
والكوفة التي اختبأ فيها بعد نكبة البرامكة؛ لأن الأجر "الطابوق" يؤلف الجزء الأكبر من
__________
1 هوداس، العلم عند العرب، الدوميلي ص106، عام 1962م.
2 العلم عند العرب، الدوميلي ص107، عام 1962.
3 المرجع السابق، ص108-111.
(1/23)

المواد البنائية، إذ تكثر الشورة "نترات البوتاسيوم" في البنايات التي تبنى بالأجر وتتعرض للرطوبة، وعرفت الشورة في العراق منذ أمد بعيد، وربما عادت معرفتها إلى عهد اتمام بناء بغداد في مطلع عهد الدولة العباسية، واستعملها العامة إلى عهد قريب جدًّا في صنع الألاعيب النارية بعد حتها من الطابوق وتصفيتها، ومزجها مع مسحوق الفحم، وأحيانًا يضاف مسحوق الكبريت أيضًا دون أن يعرفوا تركيبها، بل جاء ذلك عن طريقة الصدفة، ولا أظن أن أحدًا قرأ ما قام به جابر من العمليات الكيمياوية، أن يستبعد تحضيره لحامض النتريك.
إن العمليات الكيمياوية التي ذكرها جابر في كتبه ورسائله تشير -دون شك- إلى براعته في الكيمياء، وإبداعه في تصميم الأفران، والبوتقات تلك العمليات العلمية الدقيقة التي لم تصل إليها أوروبا، إلا في مطلع القرن الثامن عشر للميلاد، وهو بذلك قد دخل الدور الثالث للكيمياء.
إن النظرية التي أتى بها جابر بن حيان من أن العناصر تتألف من الزئبق، والكبريت -كما أسلفنا- لأعظم بكثير من نظرية الفلوجستون التي جاءت بعد جابر بعشرة قرون تقريبًا، فنظرية الفلوجستون تتضمن خروج روح الاشتعال من العنصر عندما يتحول إلى الكالكس "الأوكسيد"، أي أن العنصر يخسر روحًا
"ولها وزن" عندما يتحول إلى الأوكسيد، والدليل على ذلك واضح إذ اعتبر أنصار هذه النظرية أن عنصر الكاربون يحتوي على كمية كبيرة من هذه الروح، إذ لا يتخلف بعد خروجها إلى قليل من الرماد، وهم بذلك قد أغفلوا بل
جهلوا تكوين الغازات مثل غازي ثاني أوكسيد الكاربون عند حرق الفحم "الكاربون"، والحقيقة أن الكاربون عند احتراقه يزداد وزنًا، والزيادة كبيرة، ولكن الناتج غاز ثاني أوكسيد الكاربون، فكل اثني عشر غرامًا من الكاربون يتحد باثنين وثلاثين غرامًا من الأوكسجين، لتكوين غاز ثاني أوكسيد الكاربون، ولو فطن أنصار نظرية الفلوجستون إلى
(1/24)

تكوين الغازات، ولا سيما غاز ثاني أوكسيد الكاربون لأدركوا أن هناك زيادة في الوزن، ولم يدرك ذلك إلا عملاق الكيمياء الفرنسي "لافوازي"، فأثبت خطأ هذه النظرية، وذلك في أواخر القرن الثامن عشر.
أما نظرية جابر في تكوين العناصر، لها دلائلها وأسبابها الكثيرة منها:
1- أن أغلب العناصر التي عرفت في عهده قد استخرجت من كبريتاتها بالتحميض أو "التشويه"، كما ذكرها جابر نفسه، وينبعث غاز ثاني أوكسيد الكبريت، وغيره أثناء التعدين.
2- أن السبب الأول يدعو المفكر أن يعتقد بأن الكبريت موجود في جميع العناصر، وقد درس جابر صور الكبريت جميعها.
3- أن اعتباره للزئبق من العنصرين الرئيسين في تكوين المعادن، يرجع إلى أن الزئبق يتحد جميع العناصر تقريبًا، اتحادًا كيمياويًا عن طريق تكوين الأصرة المعدنية التي لم تعرف وتشرح إلا في القرن العشرين1، فيغير الزئبق كثيرًا من صفات العناصر، فهو يكون الملاغم فتظهر الأخيرة، وكأنها عناصر جديدة.
وهناك أدلة كثيرة تشير إلى تعرف جابر على الميزان الحساس2، وربما صنعه بنفسه ووصفه وصفًا دقيقًا.
لقد أطلت بحث جابر بن حيان، ذلك؛ لأنه صاحب نظرية، بل إنه الرائد في ذلك إضافة إلى أنه قام بأعمال جليلة في الكيمياء من حيث تحضير العدد الكبير من المركبات الكيمياوية، وتصميمه لكثير من الأجهزة التي تستعمل في الكيمياء، وقد أخذ كيمياويو العرب والإسلام عن جابر أكثر ما ذكروه في كتبهم، لذلك سأذكر من أتى بعد جابر من الكيمياويين العرب بإيجاز، ولا أضيف إلا ما أتى به من جديد.
__________
The Nature of The Chemical Bonds: L. Pauling, Cornell University Press. 1948.
The Chemical Composition of Some Ancient Arabic Coins, S. Farroha: E.R. Caley. Bull. Of The College of Science Vol. 8, P. 61, 1965.
(1/25)

الكندي: "ت252هـ-866م"
أجمعت كتب التراجم على نسب الكندي، وذكر بعضهم أن أبا يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح فيسلوف العرب، وأحد أبناء ملوكها "ملوك كنده"، ولعل أول من كتب عن الكندي هو ابن النديم في الفهرست1، فأوصل نسب الكندي إلى الأشعث بن قيس ثم إلى يعرب، وصنف القفطي2 رسائل الكندي إلى أحد عشر صنفًا حسب محتوياتها فمنها الفلسفية، والمنطق، والحساب، والهندسة، والفلك، والطبيعة، والنفس، والسياسة وغيرها، وبلغ عدد الرسائل أربع وثمانين ومائة رسالة، وأن بعض الرسائل قصيرة جدًا بحيث لا تتجاوز بضع صفحات، وقد حقق بعضها في القرن الثاني عشر للميلاد، ولعل جيرارد دي كريمونا "1114-1187م" Gerard di Crimona في مقدمتهم، ثم توالى التحقيق في الغرب حتى عام 1897م على يد "البينو ناجي
Albino Nagi"، وأخيرًا حقق الدكتور عبد الهادي أبو ريده عددًا محترمًا من الرسائل في جزئين من كتاب أسماه "رسائل الكندي الفلسفية"3.
لم يعن الكندي عناية كبيرة في الكيمياء، ومرد ذلك إلى إيمانه الراسخ
__________
1 الفهرست لابن النديم ص103-105.
2 القفطي: تاريخ الحكماء، طبعة أوفسيت، مكتبة المثنى بغداد، عن طبعة لا يبزك ص364-378.
3 أبو ريده: عبد الهادي، رسائل الكندي الفلسفية جـ1، جـ2 مطبعة الاعتماد بمصر، 1950م.
(1/26)

ببطلان استحالة العناصر الزهيدة إلى عناصر ثمينة كالذهب والفضة، وعلى الرغم من ذلك فقد وجدنا أربع رسائل عنيت في الكيمياء، وهي:
1- كتاب التنبيه على خدع الكيمياويين.
2- رسالة في كيمياء العطر والتصعيدات.
3- كتاب في أنواع الجواهر الثمينة.
4- كتاب في أنواع السيوف والحديد.
لم نعثر على الرسالة الأولى إلا أن دائرة المعارف الإسلامية1، قد ذكرت بعض محتوياتها، وقد كتب البحث عن الكندي "بريل Brill"، ويبدو أن الكاتب قد اطلع على كتاب التنبيه على خدع الكيمياويين أو على جزء منه، حيث أشار إلى قول الكندي في تفنيد الصنعة، وإن ليس بإستطاعة الإنسان تكوين الذهب والفضة من المعادن الأخرى، بل يجب أن يؤخذا من المناجم.
وحقق "كارل كاربرز2 Karl Karbers" كتاب الكندي الموسوم "كيمياء العطر والتصعيدات"، يتناول فيه الكندي صنع أنواع كثيرة من العطور، بعد أن يستخرج أو يستخلص العطر من مصدره الطبيعي، وذلك بأن يأخذ شيئًا قليلًا من العطر نفسه ويعامله بمواد أخرى، وينتهي بكمية كبيرة من العطر الطبيعي، وقد استهل الكندي كتابه في باب صنع المسك، وذكر عددًا من الطرائق تؤدي إلى تحضيره، ثم يورد عددًا آخر من العطور المعروفة آنذاك، ويتطرق الكندي في هذه الأبواب إلى عمليات كيمياوية عديدة، كالترشيح والتقطير، وجاء بمخطط يتضمن جميع أدوات التقطير مربوطة بعضها ببعضها الآخر، لتؤلف جهازًا كاملًا للتقطير، وقد أوضح بذلك الأتون والقرعة
__________
1 دائرة المعارف الإسلامية "في اللغة الإنكليزية" جـ2 "أي، جي. بريل" ص1019-1020 سنة 1927م.
2 كتاب في كيمياء العطر والتصعيدات، للكندي، تحقيق كارل كاربرز، دروك هاوس 1948م.
(1/27)

والأنبيق والقابلة، فالقرعة ورق التقطير وندعو الأنبيق بالمكثف، ونطلق على القابلة دورق استلام، أي استلام ما قطر. واستخدم الكندي الحمام المائي، ولا سيما في تصعيد العطور ذوات درجات الغليان الواطئة، كما استخدم الحمام الرملي في التسخين، وحمام الرماد ليحول الرمل والرماد دون اتصال النار المباشرة بدورق التقطير.
أما كتاب الجواهر الثمينة فلم نعثر له على أثر، غير أن ابن الأكفاني1 قد أشار إلى محتوياته حيث صنف الكندي الجواهر إلى أنواعها، وكذلك جاء كتاب الجواهر الثمينة للكندي مصدرًا من مصادر البيروني في كتابه "الجماهر في معرفة الجواهر"2.
أما رسالة الكندي في أنواع السيوف والحديد، فقد حقق جزءًا منها الدكتور فيصل دبدوب3 في مهرجان الكندي الذي أقيم في بغداد عام 1962م، تطرق الكندي إلى تعدين الحديد، وعدد أنواعه مستعملًا الألفاظ الإيرانية والهندية أحيانًا، كما ذكر البيروني في كتابه آنف الذكر بعض الطرائق في صنع السيوف التي أوردها الكندي في رسالته.
لقد أوضح دبدوب الذي حقق رسالة أنواع السيوف للكندي، وأشار إلى أن النسخة التي بين يديه، تختلف عن النسخة التي نشرتها مجلة كلية الآدب في جامعة القاهرة في المجلد الرابع عشر، الجزء الثاني لعام 1952، وقال بأن هذه الرسالة قد عنيت بأجناس السيوف، وشرح كل جنس أما الرسالة التي بين يديه، فتبحث عن طبع السيف أي صنعه، وتعدد أنواع الحديد وطرائق
__________
1 ابن الأكفاني: نخب الذخائر في أحوال الجواهر، تحقيق الأب انستاس الكرملي. المطبعة المصرية، 1939م.
2 البيروني: الجماهر في معرفة الجواهر، تحقيق الدكتور سالم الكرنكوي الألماني 1355هـ.
3 فيصل دبدوب: رسالة الكندي في عمل السيوف، مكتبة المرحوم داود الجلبي، الموصل مطبعة العاني، بغداد 1962.
(1/28)

السقي والمواد اللازمة، والظروف التي يجب أن تتم الطريقة فيها من حيث درجة الحرارة، ومدة النفخ وتكرار التسخين أن تطلبت الطريقة ذلك، وقال المحقق: إن الرسالة قد قدمت إلى الخليفة العباسي المعتصم بالله، وهي "رسالة في اتخاذ جواهر الحديد للسيوف، وغيرها من الأسلحة وسقيها"، والرسالة قليلة الصفحات مبتورة الآخر، وعلى الرغم من صغر حجم الرسالة، وعدم تمامها فإنها ذات فائدة كبيرة، فقد تجلى فيها نهج الكندي العلمي، والتعبير عن التغييرات التي تطرأ على المادة، ولا سيما الحديد عند تعرضه للمؤثرات التي يدخلها الكندي عليه، وفي الرسالة وصف للطرائق من حيث كمية المواد وشدة وليونة النار والمدة التي يتعرض فيها الحديد في الطريقة، وإعادة التسخين وطرائق التبيد، والحقيقة أن الرسالة على صغر حجمها تعتبر دليل مختبر في الكيمياء الصناعية، إذا ما تذكرنا أنها قد كتبت قبل أكثر من ألف عام، فقد قسم الكندي الحديد إلى نوعين رئيسين، وهما:
الشبرقان والنرماهن وكلا اللفظتين فارستيين، فيعني النوع الأول الحديد الذكر والذي نسميه في الوقت الحاضر بحديد الصب، والنوع الثاني مشتق من كلمتين فارسيتين "نرم وآهن"، وتعنيان الحديد اللين، واعتبر الكندي الأنواع الأخرى من الحديد بأنها مولدة أي أنها تحضر من النوعين الرئيسيين، ويقسم الحديد في الوقت الحاضر إلى نوعين أيضًا:
فالنوع الأول حديد الصب الذي نحصل عليه من اختزال خامات الحديد، وهو يتهشم عند الطرق، ولا تصنع منه الآلات التي تستعمل في الأغراض الصناعية، التي تتحمل الصدمات، وهو نوع غير نقي إذ يحتوي على نسبة عالية من الكاربون تتراوح بين 5/ 1 و 4%، ويكون الكاربون إما متحدًا مع الحديد مكونًا كبريتيد الحديد، أو يكون طليقًا بين أجزائه، وإذا نظرنا إلى هذا النوع تحت المجهر ظهر للرائي تركيبة البلوري، أما النوع الثاني الذي دعاه الكندي بالنرماهن، فهو الحديد المطاوع، وهذا النوع سهل لين قابل للطرق
(1/29)

وينحني بسهولة لذلك بات استعماله محدودًا، أما النوع الذي توصل إليه الكندي، وكانت غايته الحصول على أجود أنواعه، فهو الفولاذ وهو على أنواع كثيرة، ويحضر بطرائق عديدة ذكر الكندي جملة منها، وإن ما ذكره في تحضير الفولاذ، لا يختلف كثيرًا عما حضر إلى مطلع القرن العشرين، فنراه حينًا يأخذ الحديد المطاوع، ثم يضيف إليه مواد عضوية تنتهي بالتفحم، أي بتكوين الكاربون الذي يذوب في منصهر الحديد النقي "المطاوع" مكونًا الفولاذ، وما الفولاذ إلا حديد، احتوى على نسبة معينة من الفحم الطلق تتراوح هذه النسبة بين 0.5%-1.5%، وإن هذا النوع من الحديد يقبل الطرق إذا ما سخن إلى درجة إحمراره كما، ويقبل السقي وهو الذي يستعمل في صنع السيوف الجيدة والسكاكين، والآلات القاطعة.
ويحضر الكندي أنواعًا من الفولاذ بطريقة لا زلات تستخدم في الوقت الحاضر، إذ تتألف الطريقة بمزج كميتين معينتين من الحديد المطاوع، وحديد الصب وصهرهما معًا، ثم تسخينهما مدة مناسبة بحيث يكون الحديد الناتج محتويًا على نسبة من الكاربون، لا تقل عن نصف بالمائة ولا تزيد كثيرًا عن 1.5%، ويأتي الكندي بوصفة لتلوين الحديد، ويستعمل بعض المواد العضوية والأعشاب التي يحتوي بعضها على أيون السيانيد، ويعامل السيوف بعد تسخينها بمحاليل هذه الأعشاب، وبعض المواد المعدنية، ومن أهم ما ذكره نبات الدفلي إذ ثبت أن هذا النبات سام للغاية، كما وصفه الكندي بالضبط ذلك لاحتوائه على كمية كبيرة نسبيًا من سياثيد الصوديوم، أو البوتاسيوم ويكسب الحديد لونًا يتراوح بين الحمرة والزرقة، ويعتمد اللون على كمية السيانيد المستعملة في السقي. وعدد الكندي طرائق لتلوين السيوف، وفطن بالتجربة إلى حماية الحديد من الصدأ، وذكر طرائق عديدة في هذا الباب، ومما ذكر الكندي في صنع الآلات الجارحة القاتلة "السامة": "خذ منا من برادة الحديد، وألق عليه أوقية من أخلاط البسدي إذا ذاب ورق، ثم يؤخذ من ورق الدفلي ومرارة الثور اليابسة والزرنيخ الأصفر والأهليلج الأصفر والزئبق، وبرادة الفضة أجزاء سواء وأسحقها ناعمًا، وألق على المنا منه ثلاث أواق، وأنفخ عليه ثلاث ساعات حتى يدور، وأتركه يبرد واعمل منه ما شئت من السكاكين، فإن جرحه يهلك".
لقد وضح الكندي في هذه الطريقة أشهر السموم المعدنية المعروفة في الوقت الحاضر، وهو آيون السيانيد الموجود في ورق الدفلى إضافة إلى الزرنيخ الأصفر.
(1/30)

الرازي 1: "ت317هـ-925م"
هو، أبو بكر محمد بن زكريا لقب بالرازي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة الري2، اشتغل الرازي أول حياته في الكيمياء سعيًا وراء الأكسير، وتحويل المعادن البخسة إلى ذهب وفضة قبل أن يولع بدراسة الطب، وجاء في عيون الأبناء3 أنه نقل من خط بلمظفر بن معرف قال: "كان الرازي يقول: أنا لا أسمي فيلسوفًا إلا من كان قد علم صنعة الكيمياء؛ لأنه قد استغنى عن التكسب من أوساخ الناس، وتنزه عما في أيديهم، ولم يحتج إليهم"، ألف
__________
1 لقد اختلف المترجمون في تاريخ وفاة الرازي اختلافًا كبيرًا، فقد ذكر ابن أبي أصيبعة بأنه توفي بين نيف وتسعين ومائتين وثلاثمائة وكسر، وجاء في الأعلام ووفيات الأعيان، أنه مات عام 311هـ، وذكر القفطي بأن الرازي توفي عام 320هـ، وأورد بروكلمان "تاريخ الأدب العربي، باللغة الألمانية في المجلد الأول، طبعة ليدن ص418، نقلًا عن البيروني بأن الرازي توفي عام 317هـ، وثبت ما جاء به بروكلمان نظرًا؛ لأن البيروني قد اهتم اهتمامًا كبيرًا بالرازي إضافة إلى أن البيروني قد جاء بعد الرازي بفترة وجيزة جدًا.
2 ذكرت دائرة المعارف الإسلامية، المجلد العاشر، ص285-291 "الري هي راغا Raha" القديمة، وتقع أطلالها الآن على مسافة خمسة أميال تقريبًا من جنوب الجنوب الشرقي من طهران، فتحها العرب وتوطد سلطانهم فيها بين السنة الثامنة عشرة والرابعة والعشرين للهجرة أي بين "639-644م"، وازدهرت المدينة ازدهارًا كبيرًا في العهد العباسي، ولا سيما بعد أن تولاها المهدي حيث اعتنى بها عناية فائقة، وشيد فيها مسجدًا كبيرًا، وهي مسقط رأسه أيضًا.
3 عيون الأنباء، لابن أبي أصيبعة، الجزء الثاني، ص349.
(1/31)

الرازي عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل في الكيمياء، فذكر صاعد الأندلسي1 بأنه ألف نيفًا على مائة تأليف، وصنف ابن النديم2 للرازي سبعة وأربعين ومائة مؤلفًا بين كتاب ورسالة، إلا أنهما لم يشيرًا إلى عدد الكتب التي ألفها في الكيمياء حصرًا، وذكر ابن العبري3 بأن الرازي ألف في الكيمياء اثني عشر كتابًا، وقال: إنها أقرب من الممكن منها إلى الممتنع، وجاء في طبقات الأطباء لابن جلجل4 أن الرازي حقق صناعة الكيمياء، وألف أربع عشرة مقالة، وعدد ابن أبي أصيبعة5 اثني عشر كتابًا في الصنعة أي في الكيمياء، وهي كتاب المدخل التعليمي، وكتاب المدخل البرهاني، وكتاب الإثبات، وكتاب التدبير، وكتاب الحجر وكتاب الأكسير عشرة أبواب، وكتاب شرف الصناعة وفضلها، وكتاب الترتيب، وكتاب التدابير، وكتاب الشواهد ونكت الرموز، وكتاب المحبة، وآخرها كتاب الحيل، والحقيقة أن هذا التصنيف يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأنه وضع أشهر كتب الرازي في الكيمياء وهو كتاب "سر الأسرار" خارج مؤلفات الكيمياء، والكتاب الأخير نفسه قد ترجمه روسكا، وذكر بأنه من أحسن الكتب الكيمياوية، وقد حصلت على نسخة الأصفية لهذا الكتاب، فوجدته خير ما ألف في الكيمياء كما سنرى ذلك تفصيلا، وذكر البيروني في "فهرست كتب الرازي" الذي حققه كراوس6، أن الرازي قد ألف ثلاثة وعشرين كتابًا في الكيمياء، ويبدو أن هذا الرقم أقرب إلى الصحة من الأرقام التي ذكرها المؤرخون سابقًا، ذلك لاهتمام
__________
1 طبقات الأمم: للقاضي صاعد الأندلسي، ص52-53.
2 الفهرست لابن النديم ص299-302.
3 تاريخ مختصر الدول لابن العبري ص374-375.
4 طبقات الأطباء والحكماء: لابن جلجل، ص77-79.
5 عيون الأنباء: لابن أبي أصيبعة، ج2، ص352-360.
6 Kraus, P., Epitr de Beruni Contenant Le reportoire des Ouvrages de Muhammad B. Zeheriya ar- Razi, Paris, 1936.
(1/32)

البيروني بالرازي، وقصر المدة الزمنية بينهما، وتأييد كراوس له في هذا الموضوع.
إن معرفة الرازي للكيمياء قد جاءته عن طريق الطب، إذ لا بد للطبيب البارع أن يحضر الأدوية والعقاقير، والمراهم وغيرها، ولا يمكن تحضير هذه المركبات إلا عن طريق التجارب المختبرية العملية، وربما احتفظ الطبيب ببعض طرائق تحضير العقاقير النافعة سرا من أسرار مهنته، وقد توصل الرازي إلى معرفة عدد كبير من المركبات الكيمياوية، وطرائق متعددة من العمليات الكيمياوية، التي لا تزال مستعملة إلى هذا اليوم، فقد عرف التصعيد والتقطير، والتكليس، والتبلور، والتشميع، والصهر، والترشيح، والتنقية والتشوية، أو "الأشواء" والتصدية، وتتطلب كل عملية من هذه العمليات التي ذكرناها آنفًا أدوات خاصة، وأجهزة معقدة في بعض الأحيان، قد يتألف الجهاز الواحد من أدوات عديدة.
لقد تأثر الرازي بما قرأه من كتب جابر بن حيان في الكيمياء، وذكر هولميارد1 أن الرازي كغيره من أطباء عصره مال إلى دراسة الكيمياء لعلاقتها الوثيقة بالطب، وعمل على تحضير الأدوية والعقاقير، وألف في الكيمياء كتبًا عديدة، فقد الكثير منها، ودرس "ستابلتون2 Stapleton" كتب الرازي في الكيمياء دراسة عميقة، فتأثر به تأثيرًا كبيرًا، وأكبر فيه علمه مما حدا بالكاتب الحديث أن يضع الرازي من حيث استخدامه الأسلوب العلمي، واستنتاجاته الصحيحة المنطقية بمستوى "غاليليو Galileo" و"بويل Boyle".
__________
1 Holmyard, E.J., Alchemy, Pelican Books, 1957 P. 84
2 stapleton, H.e, and H. Hidayat, Chemistry in Iraq and Persia In the tenth century, A.O.M memoin of ariatese of Bengal, Vol. VIII, No. 6, P.342
(1/33)

لقد اتسم الرازي بروح التحري، وحب الاستطلاع وشارك جابر بن حيان في نظريته القائلة: إن العناصر الأساسية في تكوين المواد هما الزئبق والكبريت، غير أنه أضاف مكونًا ثالثًا وهو الملح.
ولا بد لمن يقرأ ما كتبه الرازي في "سر الأسرار"، أن يلمس ميله الكبير واهتمامه الخاص في الكيمياء العملية، وترجيح التجربة على التأملات النظرية. وأشار
هولميارد إلى كتابه الآنف الذكر "سر الأسرار"، بأنه دليل مختبر بشرح إجراء التجارب والأجهزة التي تحتاجها تلك التجارب، على الرغم من الغموض الذي
يسود بعض طرائق تحضير المواد، ويستطرد فيقول في مكان آخر، والحق يقال: إن الرازي جاء بثورة في الكيماء، وذلك لعكس الأهمية النسبية المعطاة لكل من التجارب العملية والتأمل الفكري، خلافًا لمن سبقه من الكيمياويين الذين اعتمدوا التأمل فحسب، وأولوه اهتمامًا أكثر من اهتمامهم بالتجارب المختبرية، وشعر الرازي أن النجاح الذي أحرزه، إنما يعود إلى الطريقة العملية التي استخدمها في معرفته، ويتضح ذلك ما ذكره الرازي في كتابه "سر الأسرار" حيث شرح قوائم طويلة عن الأجهزة، والمواد الكيمياوية التي استخدمها وجودة مختبره، فقد أشار إلى كثير من الأدوات الزجاجية والمعدنية، والخزفية فذكر الكؤوس الزجاجية، الدوارق والأحواض، وأواني التبلور الزجاجية والبوتقات، والأغراب، وملاعق الحرق، والملاقط، والحمام المائي، والحمام الرملي،
وعمليات الترشيح مستخدمًا في هذه قماش الشعر والكتان، وكذلك أشار إلى الأقماع الزجاجية، ومصابيح التسخين، وغيرها، وذكر الرازي بوضوح أجهزة معقدة قد نصبها من الأدوات التي ذكرناها آنفًا، ويحتوي مختبر الرازي ورفوفه على جميع العناصر، والمواد الكيمياوية المعروفة آنذاك، وتوصل الرازي إلى معرفة الصودا الكاوية والغليسرين، ويعتبر الرازي دون شك مؤسس علمي الكيمياء العلاجية والعقاقير، كما اعتبره بعض المستشرقين أكثر حذقًا في معرفة المواد الكيمياوية من ابن حيان، كما آمنوا أن الرازي قد بز ابن حيان في وصف الأجهزة والمواد
(1/34)

الكيمياوية والتدابير، وكان أكثر تنسيقًا وتنظيمًا، وقد استهل الرازي مخطوطه "سر الأسرار"1 بتصنيف المواد الكيمياوية تصنيفًا موفقًا، وقسمها إلى أربعة أصناف أساسية:
1- المعادن: "المواد المعدنية".
2- المواد النباتية.
3- المواد الحيوانية: وتشمل الشعر، والقحف، والمخ والمرارة، والدم، واللبن، والبول، والبيض، والصدف، والقرون.
4- المشتقات أو العقاقير المولدة، وذكر الرازي تحت هذا القسم عددًا كبيرًا من المركبات الكيمياوية مثل المرتك، والاسترنج، والزنجار، والروسنختج "أوكسيد النحاس الأسود" والتوتيا، وزعفران الحديد، والزنجفر وبياض الزرنيخ "أوكسيد الزرنيخ الأبيض"، وخبث الزجاج وسنأتي على شرحها مفصلًا مع صيغها الكيميائية، واستعمالاتها الطبية عندما نأتي إلى ذكر الرازي في بحث الصيدلة. كما قسم الرازي المعادن -المواد المعدنية- إلى ست مجموعات:
1- الأرواح: ويقصد بها المواد المتطايرة والمتسامية، وهي الزئبق والنوشادر والزرانيخ "كبريتيدات الزرنيخ"، والرهج الأحمر "أحد كبريتيدات الزرنيخ"، ويتصف بلمعة الراتنج.
2- الأجساد: وقد وضع الرازي العناصر الفلزية تحت هذا العنوان، فأشار إلى الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والقصدير، والرصاص، والخارصين، ومن الجدير بالذكر أن الرازي وضع الزئبق في قائمة الأرواح، نظرًا لكونه العنصر الفلزي السائل الوحيد المعروف آنذاك.
3- الأحجار: وصنف تحت هذا العنوان الأحجار الآتية: المرقشيتا،
__________
1 سر الأسرار: مخطوط، زكريا الرازي في الكيمياء، رقم 9113، آصفية، حيدر آباد دكن.
(1/35)

والدوحي، والتوتيا، واللازورد، والدهنج، والفيروزج، والساذج، والشك، والكحل، والطلق، والجبسين والزجاج.
4- الزاجات: وضع الرازي تحت هذا العنوان المواد الآتية: الزاج الأسود، والزاج الأبيض، والزاج الأخضر، والزاج الأصفر، والزاج الأحمر، والشب.
5- البوارق: وهي الأملاح التي يدخل فيها عنصر البورون، وعدد الرازي تحت هذا العنوان بورق الخبز، والنطرون، بورق الصاغة، والتنكار، وبورق الزورندي، وبورق الغرب.
6- الأملاح: وذكر الرازي تحت هذا الباب عددًا من الأملاح، مثل الملح الحلو "ملح الطعام" والملح المر "الملح الأفرنجي"، أي كبريتات المغنيسيوم التي استعملت مسهلًا ولا تزال كذلك، والملح الصخري، والقلي، وجوهر البول، والجير المطفأ، وملح البلوط. هذا وسنأتي على تفصيل هذه المواد التي ذكرها في باب الصيدلة بصورة مفصلة، وبأسمائها التي تعرف بها الآن، ويعتبر الرازي أول من استخدم الفحم الحيواني في قصر الألوان1.
وذكر طريقة تكون كاربونات النحاس القاعدية الخضراء، وقال: إنها تتكون عند تعرض النحاس للهواء الرطب في درجات الحرارة الاعتيادية، ولكن الناتج إذا ما سخن تسخينًا شديدًا تحول إلى مادة سوداء "أوكسيد النحاسيك"، وهكذا نرى أن الرازي قد اطلع على أغلب ما كتب جابر بن حيان، بل ربما على جميعها، وآمن بنظرية تكوين المعادن لابن حيان، وذكر الملح كمكون ثالث إضافة إلى الكبريت، والزئبق التي ذكرهما جابر، فليس من الغرابة بمكان أن يعتبر بعض المستشرقين الرازي أوسع علمًا، وأكثر تجربة، وأدق تصنيفًا للمواد من جابر بن حيان، ذلك؛ لأن الرازي قد خبر ما جاء بكتب جابر بن حيان، وأضاف بفطنته وعقله الواسع الشيء الكثير من الكيمياء والصيدلة.
__________
1 كتاب الحاوي في الطب لأبي بكر الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الجزء الثالث، ص130، 1955م.
(1/36)

ابن سينا 1: "ت: 428هـ-1037م "
هو، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا، لقد طرق ابن سينا أبواب العلوم والحكمة والفلسفة والفقه، وبرز في الطب ولقب بجالينوس العرب، كما لقب أيضًا بالشيخ الرئيس، وهو في ريعان شبابه، حيث اعتلى المرتبة الأولى في الطب قبل أن يتم الثانية والعشرين من عمره، وكان ابن سينا مولعًا بالمعرفة بل ويعيشها، فحبه للمعرفة وشغفه بها أخذ عليه وقته كله، فهو يقرأ ويحلل في يقظته، ويفكر بها وهو على فراشه، ولا تفارقه عند النوم، وهذه الحال من صفات المعنيين حقًا بالعلم والفلسفة، وتبوأ مناصب عالية، واستوزر أكثر من مرة، وذكرت كتب التراجم فهارس لما ألفه الشيخ الرئيس، وترجم المستشرقون عددًا كبيرًا من كتب ورسائل ابن سينا، وقد فهرس الأب قنواتي2 كتب ابن سينا، وعلق عليها تعليقًا وافيًا، سلك ابن سينا مسلك جابر بن حيان من حيث الاعتقاد في تكوين المعادن، وجاءت نظريته في هذا الموضوع مطابقة لنظرية جابر إلى حد كبير، فيقول ابن سينا في هذا الباب: إن المعادن كلها تتكون نتيجة لاتحاد الزئبق بالكبريت، أو أجسام مشابهة لهما، فإذا كان الزئبق نقيًا واتحد بالكبريت الأبيض النقي الممتاز الذي يفوق ما يحضره الكيمياويون كان الناتج فضة، أما إذا كان الكبريت أنقى
__________
1 هولميارد: Holmyard, E.J., Alchemy "Islamic alchemy" Pelican Books. 1957, P.90-95
2 الأب الدكتور جورج شحاته قنواتي: مؤلفات ابن سينا، دار المعارف بمصر، القاهرة 950م.
(1/37)

من النوع الذي ذكرناه آنفًا وأشد بياضًا، وفرارًا حادًا، وملونًا فإنه يجعد الزئبق ويعقده ويجعله ذهبًا، وإذا كان الكبريت غير نقي، والزئبق كذلك، فإنهما ينعقدان ليكونا النحاس، وعندما يكون الزئبق غير نقي، فاسدًا ترابيًا يعوزه التماسك، ويكون الكبريت مشويًان فيتكون الحديد من اتحادهما.
أما القصدير فيتكون على هيئة طبقات نتيجة لاتحاد زئبق غير نقي، تعوزه قوة التماسك، مع كبريت فاسد، لذا كان القصدير زاعقًا -وهذا ما يسميه الكيمياويون في الوقت الحاضر "صراخ القصدير"، ويحدث هذا نتيجة لاحتكاك بلورات القصدير بعضها ببعض، ويعزو ابن سينا تكون الرصاص إلى اتحاد كبريت مخم فاسد وضعيف، بزئبق غير نقي، لذا كان تصلبه ناقصًا.
ويعلق هولميارد بقوله: "يتوقع المرء من ابن سينا أن يكون متعلقًا بالنظرية السائدة في عصره من حيث تركيب المعادن، أن يثق فيما يدعيه كيمياويو عصره، بل ويطري عليهم لتمكنهم من تحويل العناصر من واحد إلى آخر، وبالتالي تحويل العناصر البخسة إلى عناصر ثمينة، غير أن ابن سينا كان على النقيض من ذلك، فهو يسخر من هذه العملية "الصنعة"، وينفيها نفيًا باتًا، ويقول هناك شك ضعيف في إمكان كيمياويي عصره تدبير مواد صلبة من عنصر إلى آخر من حيث الحس حسب"، وهكذا يتوهم الفرد في ظواهر هذه العناصر، فيخال استحالة أحدها إلى الآخر ممكنة، والحقيقة أن تركيبها لم يتغير على الرغم من التغير الذي طرأ على ظاهرها، وأن الكيمياويين لعاجزون عن تدبير العناصر الثمينة، التي تماثل ما صنعته الطبيعة من حيث التكوين والتركيب.
ويرد ابن سينا على ادعاء الكيمياويين بقوله: "يجب أن يكون واضحًا وضوحًا تامًا في ذهن كل إنسان، بأن ليس في مقدور المدعين تحويل العناصر من نوع إلى آخر تحويلًا حقيقيًا، ولكن باستطاعتهم تقليد العناصر تقليدًا
(1/38)

جيدًا من حيث اللون والمظهر فقط، فهم يتمكنون من تحويل عنصر أحمر اللون إلى أبيض يشبه الفضة، وبإمكانهم أيضًا تلوين عنصر أبيض اللون، وجعله شبيهًا بالذهب أو النحاس، وفي مقدورهم تخليص الرصاص، والقصدير من الشوائب والمثالب، وفي جميع هذه الأحوال يبقى العنصر محافظًا على تركيبه الأساسي، فلا يتغير تركيب العنصر إذا ما تغير لونه بالصبغ والتدبير، وهكذا فإن باستطاعة المدعين تقليد ظواهر العناصر المدبرة، فيحسبون الاستحالة ممكنة، غير أنهم مخطئون في ذلك، فتركيب العنصر لا يتغير ولا يمكن تحويله إلى عنصر آخر". ويستطرد ابن سينا فيقول بأنه لا ينفي قدرة المدعين الفائقة في التقليد الظاهر بحيث يخدعون أذكى الناس، ولكنه يستغرب كل الاستغراب من إمكانية التحويل حقًا، بل ويعتبر ذلك أمرًا مستحيلًا، إذ ليس في إمكان أحد أن يفكك التركيب المعدني، ويدبر معدنًا آخر، فالتغيرات الظاهرية التي يحدثها المدعون في المعادن هي ليست الصفات الأساسية التي تميز معدنًا عن آخر؛ لأن هذه الصفات لا زالت مجهولة، فكيف يكون في مقدور المرء تدبير أمر مجهول، أو تحطيمه، يتضح مما تقدم أن ابن سينا قد اتفق مع ابن حيان في النظرية حسب، أي أن المعادن تكون من زئبق، وكبريت إلا أن هذا التكون مقصور على الطبيعة فقط، وقد آمن بهذا الرأي إيمانًا راسخًا، فقد أنهى كلامه في هذا الباب بجملة قصيرة هي: "كان بإمكاني أن أطنب في الرد على مدعي الصنعة، غير أني أعتبر ذلك ضربًا من ضياع الوقت".
إن ادعاء تحويل العناصر بعضها إلى بعض قد حظي بالرواج والترحيب، بل إلى حد الإيمان عند بعض الكيماويين القدماء، كما صادف النفي البات عند البعض الآخر، وبقي بعض الكيمياويين بين التردد والشك من فكرة التحويل، وقال هذا الضرب بأن التحويل ممكن أما بوساطة الطبيعة، أو السحر الأبيض فحسب، وإن هذه الفكرة، فكرة الشك في أمر استحالة المعادن، وتحويلها من عنصر إلى آخر قائمة حتى في عهد جابر بن
(1/39)

حيان كما رأينا ذلك في رد الرازي على دعاة الصنعة ذلك الرد العنيف، ومن الجير بالذكر أن المترجم العربي الممتاز حنين بن إسحاق، كان من بين المشككين في أمر الصنعة.
إن هجوم ابن سينا على مدعي الصنعة لم يمر دون تعليق، وتفنيد بل تعرض لكثير من النقد والتمحيص، ولا سيما من قبل الطغرائي1.
وعثرت على نسخة مصورة لابن سينا موسومة بـ"رسالة في علم الأكسير" صورت عن النسخة الأصلية المحفوظة في مكتبة آية صوفيا، استانبول "مجموعة الرسائل"، فيقر ابن سينا فيها صناعة الأكسير، أو الدواء النافع لأغلب الأمراض بل ربما لجميعها، كما رد في مستهلها على مدعي الصنعة، وإليك جزءًا ضئيلًا منها في هذا الباب: "أدقق النظر في الأمور الطبيعية، وكان الرأي الذي يدعيه أصحاب الكيمياء أحد تلك الأمور، وكان أكثر من ينسب إلى الفضل والعلم يناقض هؤلاء، ويزيف رأيهم ولم يكن لي يد في صناعته أن أعرف مذهب الفريقين كليهما، فنظرت في أكثر كتب المدعين للصناعة، فوجدتها خالية عن القياس الذي هو عمرة كل صناعة، ووجدت أكثر ما فيها بالهذيانات أشبه، ونظرت في كتب مناقضيهم فوجدت نقضًا ضعيفًا، وقياسًا سخيفًا لا تبطل بمثله صناعة، فنزعت إلى ذات نفسي وأخذت أفكر إن كان في الأمر مما يكون فكيف يكون، وإن كان لا يكون فكيف لا يكون، فعلمت أنه إن كان يمكننا أن نصنع الفضة في لون الذهب، أو النحاس في لون الفضة، فلا بد لنا من صبغ الأحمر وصبغ الأبيض".
والرسالة تؤيد ما ذهبنا إليه من أن ابن سينا قد أقر صبغ المعادن بصبغ الفضة، أو الذهب وإن الكيمياويين أجادوا صنعة الصباغة، وتمكنوا من تغيير مظاهر بعض العناصر، وجعلوها مشابهة للفضة والذهب من حيث المظهر فحسب، لا أن ادعاءهم بتحويل العناصر البخسة إلى فضة، وذهب فباطل.
__________
1 الوزير الطغرائي: "453-515هـ"، قوام الدولة مؤيد الدين بن إسماعيل الحسين بن علي بن عبد الصمد الأصبهاني المنشئ الطغرائي، وكان يلقب "فخر الكتاب" له تصانيف كثيرة منها "جامع الأسرار"، وكتاب "تراكيب الأنوار" وكتاب "أبطال الحكمة"، رد فيه على الشيخ الرئيس ابن سينا، وكتاب "مصابيح الحكمة"، وكتاب "مفاتيح الحكمة"، وله ديوان شعر كبير جيد ومن محاسن شعره قصيدته المشهورة "لأمية العجم".
(1/40)

البيروني: "ت: 441هـ-1050م" 1:
هو، أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، ولد في ذي الحجة عام 362هـ، أيلول
973م" بضاحية من ضواحي خوارزم2، ويعتبره ابن أبي أصيبعة منسوبًا إلى بيرون3، وهي مدينة في السند وتقع الآن في مقاطعة باكستان الغربية، ويشير
ياقوت الرومي4 أنه لقب بالبيروني؛ لأن بيرون بالفارسية معناها برا "أي خارج
البلد" وذلك؛ لأن مقامه في خوارزم كان قليلًا، وأهل خوارزم يسمون الغريب
بهذا الاسم، هذا وإن المصادر المتوافرة لدينا تؤيد ما ذهب إليه ياقوت الرومي، وقد لقبه بعضهم بالخوارزمي5، ولقب البيروني لغزارة علمه بالأستاذ، وهو لقب
له مدلوله، ومعناه آنذاك كما لقب ابن سينا من قبل بالشيخ الرئيس.
لم يكتب البيروني كتابًا خاصًا في الكيمياء، إلا أنه ضمنها في كتابيه "الصيدلة" و"الجماهر في معرفة الجواهر"، ويتكلم في الكتاب الأول عن
__________
1 دائرة المعارف الإسلامية -ج4، المجلد الرابع، ص399.
2 دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الرابع، ص397.
3 عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، تحقيق الدكتور نزار رضا. مكتبة الحياة، ص459.
4 معجم الأدباء أو طبقات الأدباء، ياقوت الرومي، تحقيق د. س مرجليوت، ج6، الطبعة الثانية ص308، مطبعة هندية بلموسكي بمصر 1930.
5 الأعلام، لخير الدين الزركلي، الجزء السادس، الطبعة الثانية، ص205.
(1/41)

النورة، ويعدد أسماءها في مختلف اللغات، ويقول: إن بعضهم يسميها الكلس وسميت بالنورة؛ لأنها تنير البدن وتبيضه، ثم يتكلم عن النوشادر ويصف طريقة تكوينه، ولا سيما الطريقة التي ذكرها الهنود من أنها تتكون من الدمن المتعفن، وفي هذا كثير من الصحة، إذ إن المواد العضوية التي تحتوي على عنصر النتروجين تنفسخ، فيتولد غاز الأمونيا "غاز النشادر" نتيجة لذلك، ثم يضيف البيروني حقيقة كيمياوية أخرى قد فاتت الكثير من الكيمياويين، وذلك عندما يصف ذوان النوشادر في الماء قوله: "النوشادر يبرد الماء، وإن جعل ماؤه في ثلج جمده"، ومن الجدير بالذكر أن أملاح الأمونيا هي من الأملاح القليلة المعروفة بامتصاص الحرارة عند ذوبانها بالماء، لذلك يكون المحلول باردًا.
وعرف البيروني الفرق بين الأصباغ الثابتة التي تذوب في الماء، وتلك التي لا تذوب فيه بل تذوب في المواد العضوية كالزيوت والنفط، ويذكر تحت كلمة واشه: وسمي عروق الصباغين، وبالسجزية "نيجوشك"، وهو عروق تلتف ولا تحمر الماء وإن طبخ فيه وإنما يحمر الزيت فيستعمل في القناديل.
وشرح البيروني طريقة لتحضير الزنجار "كاربونات النحاس القاعدية"، وقال: إنها تستعمل دواء للعين، وذكر طريقة للتمييز بين هذه المادة وكبريتات النحاس، وقال: إن الأولى تتحول إلى مادة حمراء داكنة عند تسخينها تسخينًا شديدًا، ويشير بذلك إلى الحقيقة الكيمياوية المعروفة من أن كاربونات النحاس، تتجزأ بالتسخين مكونة أوكسيد النحاس البني اللون، وغاز ثاني أوكسيد الكاربون، أما كبريتات النحاس، فلا تتجزأ تحت هذه الظروف بل تفقد ماء تبلورها جزئيًا، أو كليًا حسب درجة الحرارة التي تعرضت لها، ولكنها تعود إلى ما كانت عليه عند تعرضها للهواء، وامتصاص بخار الماء الموجود في الجو، فتستعيد لونها الأزرق المخضر، وفي مكان آخر من المخطوط نفسه "الصيدلة" يتكلم البيروني عن الزئبق، فيقول: "واحجاره حمر تنشق في
(1/42)

الكور فيسيل الزئبق منها"، وبهذه المناسبة أود أن أقول بأن هذه الطريقة هي التي استخدمها لافوازي في نهاية القرن الثامن عشر في تحضير الأوكسجين، ودراسة خواصه فقوض نظرية الفلوجستون، وفتح باب علم الكيمياء الحديث، لذا سمي حقًا بأبي الكيمياء الحديثة، إذ يتحول أوكسيد الزئبق الأحمر عند تسخينه في الكور، أو في دورق إلى زئبق يسيل كما ذكر البيروني، إضافة إلى غاز الأوكسجين الذي يتصاعد عند التجزؤ، وهكذا تمكن لافوازي من جمع الغاز وإجراء التجارب عليه، ولو اهتدى البيروني إلى وجود الغاز المتصاعد من الأحجار الحمر، التي ذكرها بجانب سيلان الزئبق لقدم علم الكيمياء قرونًا عديدة.
وختامًا أقول بأن البيروني قد أورد في كتابه الصيدلة معرفة لا بأس بها في علم الكيمياء، وإذا لم يكن الكتاب زاخرًا في الأمور الكيمياوية، فذلك أمر طبيعي إذ وضع البيروني هذا الكتاب للصيدلة فحسب، وجاءت الطرائق الكيمياوية فيه عرضًا على الرغم من أهميتها من حيث المعرفة العلمية، أما في كتاب "الجماهر في معرفة الجواهر"، وفي القسم الذي أفرده بالفلزات بعد أن شرح أنواع الأحجار الكريمة يستهل الفلزات بالزئبق، ويشير إلى ظاهرة كيمياوية صحيحة لصنع كبريتيد الزئبق من تسخين الزئبق مع الكبريت، فيقول بمزاوجة الزئبق والكبريت في النار يعمل الزنجفر "كبريتيد الزئبق"؛ لأن الكبريت يعقده ويولد الحمرة فيه، كما يولد ما في الأسرب "الرصاص" المحرق، ويصيره اسرنجًا "أوكسيد الرصاص الأحمر "Pb3o4".
وفي ذكر الزئبق نفسه يشرح البيروني عملية الملغمة، فيصف الزئبق بأنه: "غواص في الأجساد الذائبة بسهولة وفي الحديد بعسر، كسار للذهب مفتت إياه بجرمه وبرائحته إن فاحت من النار، وأمرتها ريح على ذهب بعيد عنه". ويقصد البيروني بذلك ملغمة الذهب بالزئبق السائل بسهولة جدًا، كما أن الذهب يتأثر ببخار الزئبق كتأثره بسائله، أي أن الذهب يعاني الملغمة من
(1/43)

بخار الزئبق أيضًا، هذا والمعروف حديثًا عن الزئبق بأنه يذيب جميع المعادن باستثناء الحديد، والبلاتين ليكون ملاغم ويشير كذلك البيروني إلى ظاهرة من خواص الزئبق، ولا سيما التسمم به، فيقول: "تفسد رائحته الصناع والصاغة، وتؤدي بهم إلى التهيج والتورم والفالج"، وهذه صفة ثبتت صحتها، وقد أثار الئزبق جدلًا كثيرًا في الماضي من حيث كونه معدنًا، أو مركبًا ذلك؛ لأن الزئبق هو الفلز السائل الوحيد المعروف في عصر البيروني وقبله، ويقول البيروني أن جالينوس "Galenos" لم يعرف حال الزئبق إن كان معدنيًا، أو معمولًا عمل الاسفيداج "الرصاص الأبيض، كاربونات الرصاص القاعدية"، والمرتك "أوكسيد الرصاص".
وذكر ابن مندوبه عن ماسوجويه أنه معمول، وقال غيرهم من الأسرب. ويرد عليهم البيروني بأن الزئبق ليس معمولًا، وابتدأ بذكر الفلزات بالزئبق نفسه.
وفي باب الكلام عن الذهب يذكر البيروني شيئًا عن تعدين الذهب، وتصفيته ثم يأتي على ذكر تنقية الذهب عندما يكون ممزوجًا مع التربة، أو في الأحجار الكبيرة ويصف الطريقة التي تستعمل لاستخراج الذهب مما شابه من التراب والحجر وصفًا دقيقًا لا يختلف كثيرًا عما هو عليه الآن.
وعندما يتكلم البيروني عن وزن الذهب، ويقصد به وزنه النوعي، فيقول: "متى وازى الذهب غيره في الوزن لم يساو حجمه".
ويعود صاحبنا إلى الوزن النوعي للنحاس، فيقول: "وزن النحاس عند قطب الذهب خمسة وأربعون ونصف وسدس"، إذ جعل الذهب مائة وجعل الأوزان النوعية للفلزات نسبة إلى الذهب، فإذا ما قسمنا الوزن النوعي للنحاس على الوزن النوعي للذهب، وضربنا الحاصل في مائة جاء الوزن النوعي للنحاس مطابقًا لما ذكره البيروني، ولا أود الدخول في هذا الحقل الذي برز فيه البيروني باعتباره من الخواص التابعة لعلم الفيزياء "الطبيعة".
(1/44)

وعرف البيروني أن الطبيعة تصنع الفلزات، ومركباتها خير من الإنسان، فيقول ما فحواه، إن كل ما يصنعه الناس من مواد الفلزات، فالطبيعة أولى بصنعه، وليس بمنعكس كما يعكسه الكيمياويون، ويأتي على تفنيد النظرية القائلة بتحويل المعادن البخسة إلى ذهب وفضة، ويقول في هذا الباب ما نصه: "حتى يصير ذهبهم المرئي في المنام بأضغاث أحلام"، ويتكلم البيروني عن الحديد، ناقلًا عن الكندي بعض علمه، ويضيف إليه، ويذكر شيئًا عما يعمله الكيمياويون، فيقول: "ويزعم الكيمياويون أنهم يلينون الحديد بالزرنيخ حتى ينذاب -ويقصد بالذوبان هذا الانصهار- في سرعة ذوبان الرصاص، وأنه إذا صار كذلك صلب الرصاص وذهب بصريره".
ويذكر البيروني عن الروس أنهم استعملوا ضربي الحديد الشابرقان، والنارماهن أي حديد الصب والحديد المطاوع، حيث يصنع متن السيف من الشابرقان، أما الشطب في وسطها فيكون من النارماهن، حيث تكون هذه الأنواع من السيوف أثبت على الضرب وأبعد عن الكسر، ويعلل البيروني عملهم باستعمال نوعي الحديد في السيوف الروسية إلى شدة برد شتائهم، إذ يكسر الفولاذ عند الضرب به في الأيام الشديدة البرد لذا عمد الروس إلى نسج الشابرقان بالأنثى "النارماهن"، فجاء لهم في النسج الملحم بالتفريق أشياء عجيبة مستظرفة، كما قصدوها وأرادوها.
وذكر البيروني نقلًا عن الكندي بأن الأخير كان يعيد تسخين الحديد مرارًا، ويطرقه عندما يكون ساخنًا ثم يبرده، ويعيد تسخينة ثانية، ويوالي طرقه عندما يكون ساخنًا، ثم يضيف إليه بعض المركبات ليحصل على الفولاذ الجيد الذي يصلح لصناعة السيوف.
وشرح البيروني طريقة صنع الاسفيذاج، وهو كاربونات الرصاص القاعدية فيقول: "إن الاسفيذاج يصنع من الرصاص، وذلك بتعليق صفائحه في الخل ولفها في ثفل العنب وحجمه بعد العصر، فإن الاسفيذاج
(1/45)

يعلوه علو الزنجار على النحاس، وينحت عنها".
والطريقة التي أوردها البيروني في صنع الاسفيذاج لا تزال تعتبر أفضل طريقة لتحضير الاسفيذاج الجيد حتى يومنا هذا، وتدعى الطريقة التي ذكرها البيروني في الوقت الحاضر بالطريقة الهولندية، ولعلها دخلت هولندا منذ زمن بعيد، إذ اعتمدت هولندا على العلم العربي حتى القرن السابع عشر، وقد ذكر المستشرق الانكليزي هولميارد1 بأن الكتاب الحاوي في الطب، لأبي بكر الرازي قد درس في جامعات هولندا حتى القرن السابع عشر.
والطريقة الهولندية المستخدمة في تحضير الاسفيذاج هي الطريقة التي أوردها البيروني نفسها، إلا أنها طورت بعض التطوير من حيث موضع صفائح الرصاص، وإضافة بعض المواد الدباغية، وتسهيل عملية إزالة الاسفيذاج المتراكم على صفائح الرصاص بيسر، واستخدام ثاني أوكسيد الكاربون الناتج عن التخمر، هذا وقد جعل البيروني ثفالة العنب وحجمه -بعد العصر- مصدرًا لتحرير غاز ثاني أوكسيد الكربون، حيث يعمل أنزيم التخمر في ثفالة العنب ليولد الخل وثاني أوكسيد الكاربون، كما يحتوي العنب على مواد دباغية، ولا سيما نواه.
ويأتي البيروني إلى ذكر الشبه المعمولات والممزوجات بالصنعة، ويقصد بهذا التعبير -بلا شك- السبائك التي تصنع من معدنين، أو أكثر لتغيير صفات المعدنين المصنوعة منها السبائك، لتكون على هيئة تختلف عن مكوناتها، ويبدأ البيروني بالشبه، فيقول: "الشبه نحاس صفر بإطعام التوتيا المدبر بالحلاوات وغيرها حتى أشبه بالذهب وسمي أشبها، ولما كانت الصفرة فيه عارضة أخذت النار بقسطها منه عند كل ذوب، ولذلك يرقد
__________
1 راجع مجلة المجمع العلمي العراقي، ج16، ص15، مطبعة المجمع العلمي العراقي 1968.
(1/46)

بإطعام جديد من ذلك التوتيا "الخارصين"، وإلا بلغ به النقيص إلى الحال الأولى النحاسية المحضة"، ثم يذكر البيروني ظاهرة كيمياوية صحيحة حيث يقول: "ومما يستغرب في الشبه أنه لا يحترق في الكبريت، كما يحترق به سائر الفلزات ما خلا الذهب".
ويأتي البيروني على ذكر البتروي، ويعتبره نحاسًا كسرت حمرته بأسرب1، حيث يصهر الأخير مع النحاس، وتستعمل هذه السبيكة في صنع الهواوين والطناجير، ثم يقول البيروني ما نصه في التمييز بين القصدير والرصاص: "وليس بين الأسرب والنحاس مثل ما بين النحاس والرصاص؛ لأن المخلوط منهما إذا عرض على اللهيب، وخاصة مع الدسم سأل أسربه وبقي نحاسه، والكيمياويون يجعلون الأسرب لزحل وهو هرم سمج، فالخريدة تنفر عنه وتكره قربه، فتبعده عن نفسها ولا تخالطه".
إن البيروني قد أجاد في وصف الفلزات، والمركبات من حيث صفاتها الطبيعية والكيمياوية، كما ذكر أماكن خاماتها وطرائق استخراجها من خاماتها، وبحث في السبائك بحثًا يدعو إلى الإعجاب، وذكر طرائق تحضير بعض المركبات لا تختلف كثيرًا عن الطرائق التي تؤدي الغرض نفسه في الوقت الحاضر.
__________
1 الأسرب: هو القصدير في رأي البيروني، ولعله أول من ميز بين الرصاص والقصدير حيث تذكر المعاجم أن الأسرب هو الرصاص، أو القصدير.
2 وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، مطبعة الغريب، بيروت، نشر دار الثقافة ص190.
(1/47)

الطغرائي: "ت: 513هـ-1120م" 2
هو، الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد، أبو إسماعيل، مؤيد الدين الأصبهاني الطغرائي1، شاعر، من الوزراء الكتاب، وكان ينعت بالأستاذ لغزارة علمه، ولقب بالطغرائي نسبة إلى كتابه الطغراء.
ولد بأصبهان2، واتصل بالسلطان مسعود بن محمد السلجوقي "صاحب الموصل" فولاه وزارته، واقتتل مسعود مع أخيه محمود بن مظفر محمود، وفاز محمود وقبض على رجال مسعود وقتلهم، ومن بينهم صاحبنا الطغرائي3.
ومن أحسن شعر الطغرائي قصيدة "اللامية" المعرفة بـ"لامية العجم"، ونورد مطلعها تذكرة للقارئ:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
ذكر الفهرس التمهيدي4 تصانيف للطغرائي في الكيمياء "ص514، 515، 517، 518"، ما يأتي:
1- جامع الأسرار في الكيمياء، لمؤيد الدين الحسين الطغرائي "55ق، 10× 15سم" خط، ضمن مجموعة "21" -ف1034، عن دار الكتب المصرية 731، طبيعة.
2- حقائق الاستشهاد، للوزير مؤيد الدين الطغرائي "16ق، 20× 30سم، خط، ف1041، عن دار الكتب المصرية 170، طبيعة.
__________
1 نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس، العباس بن علي بن نور الدين المكي الحسيني المعرف "بالموسوي"، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف، ج2، ص118، 1967م.
2 لأنساب، للسمعاني، ص543.
3 نزهة الجليس، للموسوي، ج2، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف ص119، 1967م.
4 الفهرس التمهيدي للمخطوطات المصورة حتى أواخر شهر تشرين الأول عام 1948، جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، الإدارة الثقافية.
(1/48)

3- رسالة مارية بنت سابه الملكي القبطي في الكيمياء، وهي جوابها لأراس عن سؤاله لها "3ق، 10× 15سم، خط، ضمن مجموعة "10"، يليها فوائد في الكيمياء عن الطغرائي، وذي النون المصري، ف1034، عن دار الكتب المصرية 731، طبيعة.
4- قصيدة باللغة الفارسية وشرحها باللغة العربية، في صناعة الكيمياء، لمؤيد الدين أبي إسماعيل الحسين بن علي الوزير الطغرائي "ورقة واحدة "9"، 10×15سم خط، ضمن مجموعة "4"، ف1034، عن دار الكتب المصرية 731، طبيعة.
لقد اطلعت على مخطوطة جامع الأسرار "الجزء الأول"1 للطغرائي، وقرأتها بإمعان، على الرغم من صغر حجم الحرف فيها، وكل ورقة تحتوي على صحيفتين وجاءت ورقتان من الجزء الثاني فحسب، تطرق الطغرائي في هذه المخطوطة إلى الصنعة وإلى إمكان تحقيقها، ولكنه بالغ في حكمة من يتوصل إلى هذه الصنعة حيث تطلب ممن يمارسها أن يجيد الحكمة فكرًا وعملًا، وقال ما نصه: "إن هذا العلم لما كان الغرض فيه الكتمان، وإلجاء الأذهان الصافية إلى الفكر الطويل استعمل فيه جميع ما سمي عند حكمائكم مواضع مغلطة من استعمال الأسماء المشتركة والمترادفة، والمشككة وأخذ فصل الشيء، أو عرضه الخاص أو العام مكان الشيء، وحذف الأوساط المحتاج إلى ذكرها، وتبديد المعنى الواحد في الكلام الطويل، وإهمال شرائط التناقض في أكثر المواضع حتى يحار الذهن في أقاويلهم المتناقضة الظواهر، وهي بالحقيقة غير متناقضة؛ لأن شرائط التناقض غير مستوفاة فيها، واستعمال القضايا مهملة غير محصورة وكثيرًا ما تكون القضية الكلية المحصورة شخصية، فإذا جاء في كلامهم تصبغ أو تحل أو تعقد كل
__________
1 مكتبة المتحف العراقي، عدد الصفحات21، حجم 17×21سم.
(1/49)

جسد، فإنما هو جسد واحد وإذا قالوا: إن لم يكن مركبنا من كل شيء لم يكن منه شيء، فإنما هو شيء واحد".
ثم يأتي على طريقته التي تؤدي إلى الأكسير "ويقصد هنا الصنعة"، ويذكر أن الذي يريد أن يحذو حذوي عليه أن يفهم الطريقة فهمًا جيدًا، ويتقن العمل إتقانًا محكمًا، فلا يقدم على الصنعة ويبذر أمواله، ثم ينتهي إلى لا شيء، فيعود باللائمة على أهل الصنعة، وشبه هؤلاء بمن حاول الوصول إلى مكان بعيد قد وصفوه له دون أن يتمون بالعدة، ويقدر عناء الطريق وطوله، وما أن يصل إلى منتصف الطريق حتى يحار في أمره، فيلوم من وصف له ذلك المكان، وجاء على ذكر أرسطو وتلامذته القدماء والمحدثين، وعلى أساتذته من سقراط وأفلاطون. وذكر أغاديمون وفيثاغورس وهرقل وفوفوريوس ومآريه وزوسيموس، وبليناس وغيرهم، ثم يأتي على ذكر الرازي ومؤلفاته الاثني عشر كتابًا في الصنعة، ويكبر بما كتبه الرازي ويمجد جابر بن حيان في تمكنه من الصنعة، ويورد بعض كلام بليناس على تكوين الأفلاك، فيقول: "الأفلاك والكواكب فلكًا بعد فلك وكوكبًا بعد كوكب بزمان طويل، وإن القمر روح زحل، وزحل جسد القمر، والشمس نفس زحل وزحل جسد الشمس، والزهرة روح المريخ، وعطارد روح المشتري، وأشباه كثيرة لهذه الرموز المجهولة عند أصحاب النجوم، حاروا وتبلبلوا ولم يكن عندهم إلا الوقيعة في أصحابنا".
ثم يستطرد بأن التي ذكرت آنفًا ما هي إلا في كلامنا في "الزوابق والكباريت والزرانيخ والزاجات والشبوب والأملاح والحجارة والطلق، والأسجاد المعدنية والدم والمرارة والبيض والشعر والأكلاس والأرمدة"، ويأتي على ذكر "المحاليل والعقود والتصاعيد والتشاميع والتصديات، والاسفيداجات والزنجغرات والزنجارات"، ويبدو أن ما جاء به الطغرائي في كلامه الأخير مأخوذ من كتاب سر الأسرار للرازي.
والحقيقة أن الطغرائي قد اطلع على أكثر ما كتب في الصنعة، ولا سيما الكتب اليونانية المترجمة، وكتب ابن حيان والرازي، ولم نر له أي شيء جديد إلا أن فضله يتجلى في ذكر بعض التآليف للرازي، وجابر بن حيان كما حفظ طرائقهما في الكيمياء.
(1/50)

الجلدكي: "ت: بعد 742هـ-بعد 1341م"
علي بن محمد بن أيدمر الجلدكي، عز الدين، كيمياوي حكيم1، وفي دائرة المعارف الإسلامية2 ورد اسم الجلدكي بأنه عز الدين أيدمر عبد الله الجلدكي، وهكذا اختلفت المصادر في اسمه الأول، واتفقت في اسمه المعروف به أيدمر الجلدكي، وأشارت الذريعة3 بأنه لقب بالجلدكي نسبة إلى "جلدك" من قرى خراسان على فرسخين من مشهد الرضا، صنف أحد كتبه في دمشق عام "740هـ"4، وآخر في القاهرة عام "742هـ"، واختلفت المصادر في تأريخ وفاته، فجاء في كشف الظنون أنه توفي عام 743هـ، وذكر بروكلمان5 بأنه توفي عام "762هـ"، وجاء في الأعلام للزركلي6 أن الجلدكي توفي "بعد سنة 742هـ"، أما إسماعيل باشا
__________
1 كشف الظنون، حاجي خليفة، طبع أوفسيت، مكتبة المثنى، بغداد 1387هـ، ج1، ص230.
2 دائرة المعارف الإسلامية ج7، ص75، طبعة المعارف العمرية بمصر "لم يذكر سنة الطبع".
3 الذريعة إلى تصانيف الشيعة، لأغا بزرك الطهراني، مطبعة الغرى. النجف 1357هـ، ج3، ص68-70.
4 دائرة المعارف "المراجع رقم "2"" ص75.
5 كارل بروكلمان: Karl Brochelman: geehichte der Arabichem Litaratur. Leiden, E.J. Brill, Vol, II. 1949. P.r. 173-174.
6 الأعلام، خير الدين الزركلي، ط3، ج5، ص157، أوفسيت، بيروت 1967م.
(1/51)

البغدادي في هدية العارفين "1"، فلم يحدد سنة وفاته بل جعلها "762هـ"، ثم يقول، ومثل "743هـ".
آثاره: جاءت آثاره في كل من بروكلمان، وكشف الظنون، ودائرة المعارف الإسلامية والأعلام للرزكلي، وهدية العارفين، وقد ضمن آثاره بصورة مفصلة كل من الفهرس التمهيدي2 والذريعة، إلا أن الأخير قد أحاط بجميع ما جاء من آثار الجلدكي في المصادر التي ذكرناها آنفًا، ثم قام بتنقيحها، وإليك نص ما جاء في هذا الفهرس:
أ- البرهان في أسرار علم الميزان، للشيخ أيدمر بن علي الجلدكي، صاحب الكتابين المسمى كل منهما بـ"البدر المنير"، الذي سبق فيه الكلام في ترجمة المؤلف وتأريخه، قال في أول مصباحه المطبوع: "إن البرهان هذا كبير في أربعة أجزاء"، وقال في معجم المطبوعات، رأيت الجزء الثالث منه "مكتوب"3 في مكتبة الحجاج بالقاهرة، "أقول" توجد المقالة الرابعة من الجزء الرابع منه في مكتبة الشيخ الحجة ميرزًا محمد الطهراني، وهي مشتملة على عدة كتب: 1- كتاب النبات 2- كتاب الأسرب القلعي، 3- كتاب الحديد، 4- كتاب الذهب، 5- كتاب النحاس، 6- كتاب الزيبق، 7- كتاب الفضة وهو كتاب القمر، ثم ذكر فيه جملة من الموازين، والنسخة ناقصة من آخرها، وما مر في الجزء الأول بعنوان "اختصار البرهان"، هو اختصار لهذا البرهان، لا البرهان المختصر الآتي.
ب- البرهان من الميزان، أيضًا للجلدكي المذكور، وهو مختصر كتبه
__________
1 هدية العارفين، أسماء المؤلفين المصنفين، إسماعيل باشا البغدادي، ج1، ص723 إسطنبول 1951، أعيد طبعه بالأوفسيت، المكتبة الإسلامية، تبريز طهران ط3، 1387هـ.
2 الفهرس التمهيدي، للمخطوطات المصورة حتى أواخر تشرين الأول 1948م، جامعة الدول العربية، الإدارة الثقافية ص511-515، ص43.
3 كما جاء في النص.
(1/52)

بعد البرهان الكبير الذي هو في أربعة أجزاء، كما صرح به في أول كتابه "المصباح في المفتاح"، وذكر أن شرح هذا البرهان المختصر بشرح سماه بـ"سراج الأذهان" في شرح البرهان.
وورد في الفهرس التمهيدي بعض المؤلفات التي لم يذكرها صاحب الذريعة، منها:
1- نهاية الطلب في شرح المكتسب في زراعة الذهب.
2- كتاب التغريب "فصول من الجزء الرابع من البرهان".
3- الجوهر المنظوم والدر المنثور في شرح ديوان الشذور.
4- درة الخواص وكنز الاختصاص في معرفة الخواص.
لقد عثرنا على ثلاث مخطوطات لثلاثة أجزاء من كتاب "نهاية الطلب في شرح المكتسب في زراعة الذهب"، والمخطوطات محفوظة في المتحف العراقي برقم 204و 205و 2285، إلا أنها كتبت بخط مشوس لم نتمكن من الخروج منها بشيء يستحق الذكر، ما عدا ذكر المواد التي كتبها الرازي في مؤلفاته.
(1/53)

علم الصيدلة عند العرب
مدخل
...
علم الصيدلة عند العرب:
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
لقد اعتاد من يكتب عن الصيدلة، بل وعن العلوم بجميع فروعها أن يبدأ ببعض علماء اليونان الذين برزوا في الحقل العلمي الذي يكتبون فيه، ثم يأتي على ذكر رواد الترجمة من العرب، والمسلمين الذين نقلوا المعرفة من اليونانية إلى العربية، ظنًا منهم أن الحضارة اليونانية من الحضارات القديمة الأصلية، غير أن الحقائق التاريخية، والمؤرخين المتعمقين في الحضارات القديمة الأصيلة، لم تجعل الحضارة اليونانية في مصاف الحضارات الأصيلة العريقة في القدم، كحضارة وادي الرافدين وحضارة وادي النيل، وحضارة الصين وحضارة السند، فقد وجدت لوحات طينية تعود إلى العهد الآشوري، والعهد البالي تحتوي على وصفات طبية مبوبة لكل مرض يصيب عضوًا من أعضاء جسم الإنسان، يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وثبت ذلك العالم ثومسن1 "Thomson, R.C" في عدد من الكتب، إضافة إلى ما
__________
1 a: Thomson, R. Cambel: A Dictionary of Assyrian Botany, 1949
b: ibid. Assyria Medical Text, 1923-1924.
c: ibid. Assyria Prescription for Ds. of Urine, 1943.
d: ibid Assyria Prescription for Ds. of the Head, am. j. of Sematic Languages, 1937.
e: ibid. Assyria Herbals, 1949.
(1/57)

نشر من بحوث في المجلات الطبية العالمية، وقد قام الدكتور عبد اللطيف البدري بترجمة، وتلخيص ما كتب عن الطب الآشوري والبابلي في كتاب أسماه: "من الطب الآشوري"، وتولى المجمع العلمي العراقي نشره عام ستة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد "1976م"، ولم ينفرد ثومسن وحده في الكتابة عن الطب الآشوري والبابلي، بل كتب غيره كتبًا ومقالات عديدة، وإليك بعض هؤلاء، "لونجدن، س. هـ. Longdon, S. H" و"ولسون، جي. في، Wilson, J. V" و"ريتشاردسون، ر. Richardson, R" وغيرهم، هذا وجميع الذين كتبوا عن طب وادي الرافدين كتابة متقنة مضبوطة، قد أجاد اللغة المسمارية، وترجم اللوحات الطينية التي عثر عليها -ضمن الآثار- إلى اللغة الإنكليزية، وكتب ثومسن أكثر كتبه في الطب والوصفات الآشورية مترجمة عن الألواح الآشورية، حيث وضع اللوح الآشوري في صفحة، ثم جاء بترجمتها في الصفحة المقابلة، وقد جاء بمئات الوصفات الطبية للأمراض التي صنفها
الآشوريون من قبل، كأمراض الرأس، والصدر، والبطن، والعين، والأعضاء التناسلية، والفم، والمجاري البولية، إضافة إلى الوصفات التي قدمها الآشوريون في أمراض القدم، والقرح والكريات، والجروح.
واستعمل الآشوريون الحقن الشرجية، والفرازج المهبلية للنساء وزرق الأدوية داخل الأحليل بواسطة أنبوب مجوف، كما ذكروا النشوقات لأمراض الأنف، والغسول، والمراهم، والقطرات لأمراض العين والأذن، أما أدوية الجلد فكانت على هيئة غسول، ودهون، ومراهم، ولبائخ، ومساحيق، وضمادات، ولعلنا نكتفي بما جاء في كتب الأعشاب لثومسن "مرجع1 "e""، فقد أحصى المواد المختلفة التي وردت في اللوحات الطينية التي ترجمها نفسه، فجاءت كما يأتي:
ورداسم خمسين ومائتي "250" نوعًا من النباتات، وذكرت هذه النباتات
(1/58)

"4600" مرة في الوصفات و"120" مادة معدنية و"180" مادة متفرقة، واستعمل محلول الكحول المخفف والمركز، فذكر البيرة القوية وبيرة السمسم والنبيذ، وأنواع الشحوم والزيوت النباتية منها والحيوانية، والعسل، والشمع، والحليب.
كان الطبيب الآشوري صيدلانيًا في الوقت نفسه، إذ عرف خصائص الأعشاب والنباتات والمواد المعدنية، وبعض المواد العضوية المعروفة في ذلك الوقت، وفصل مفعولها في الجسم تفصيلًا واضحًا، وصنف الأدوية على أنواع، فالمسهلة منها، الصبر والخروع والخريق، والسوس، والسامة منها مثل الشقائق والشوكران، والبنبع واللقاح، والقنب والخشخاش، واستعمل بعض المواد السامة منومة حينًا ومسكنة ومخدرة حينًا آخر، كما عرف ما هو مفيد منها في التشنجات والمغص، وما هو شديد التأثير في الوعي والإدراك، ولغرض الإيضاح ندرج وصفة من مئات الوصفات التي جاءت في كتاب الطب الآشوري:
"إذا كانت معدة الرجل ملتهبة ومتورمة، وكانت بطنه منتفخة كأنها "الفيضان"؟، فذلك الرجل يشكو من تأثير الريح والجو ... ولأجل شفائه ... الأقحوان، والقنب، ... والخزوع، وOenthe، وعشب البحر المحروق، والمر، والشمع، تخلط هذه الأدوية في الزيت ويدهن به ...
8- الأقحوان ... والقيصوم ... والسعتر ... وبذور الطرفة"1.
وأورد الدكتور شحاته قنواتي في كتابه تاريخ الصيدلة والعقاقير2، فصلًا مسهبًا عن الصيدلة عن السومريين والبابليين كما أفرد فصلًا للصيدلة عند
__________
1 من الطب الآشوري، الدكتور عبد اللطيف البدري، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1976م.
2 تاريخ الصيدلة والعقاقير: الدكتور الأب شحاته قنواتي، دار المعارف بمصر، 1959م.
(1/59)

المصريين القدماء، إلا أنه على علمه الزاخر لم يذكر" الحقيقة التاريخية المعروفة من أن حضارة اليونان حضارة مكتبة وليست أصلية، بل أتت من حضارتي وادي النيل والرافدين بالدرجة الأولى، وربما من الحضارة الهندية القديمة أيضًا عن طريق الحروب والهجرة والتجارة، وإذا ما تذكرنا أن الآشوريين قد اخترعوا الفولاذ في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وفتحوا أغلب البلدان المعروفة آنذاك، ومن ضمنها جزيرة "آيونا"، وبعض جزر اليونان أدركنا أن الحضارة اليونانية التي بدأت في القرن السادس قبل الميلاد وليدة لهذا الفتح، والاحتكاك بالحضارة الآشورية من ناحية، وحضارة وادي النيل من ناحية ثانية، فالحضارات القديمة الأصيلة معدودة ومعروفة، ولليونان فضل حمل هذه الحضارات، والحفاظ عليها والإضافة إليها.
ولو لم تقم الاستكشافات الآثارية باستخراج الألواح الطينية، ومعرفة اللغة المسمارية لكانت اللغة اليونانية المرجع الرئيس لحضارة العرب، ثم لحضارة أوروبا الحديثة.
فالحضارات الوسيطة والحديثة امتداد للحضارات الأصيلة العريقة في القدم، وكل شعب من الشعوب ذوات الحضارة، قام بقسط من الحفاظ على الحضارات الأصيلة والإضافة إليها، فاليونانيون قد أضافوا إلى الحضارات القديمة -أي حضارة وادي النيل، وحضارة وادي الرافدين وحضارة السند- شيئًا ليس باليسير.
وفتوحات الإسكندر الكبير قد نقلت جزءًا غير قليل من الحضارة اليونانية إلى الأمصار التي فتحها.
حافظ العرب على الحضارة اليونانية وجلوها، وأضافوا إليها الشيء الكثير، ثم قامت النهضة الأوروبية الحديثة، وبنت أسسها على أسباب الحضارة العربية التي امتدت من منتصف القرن الأول للهجرة، وحتى مطلع القرن السابع للهجرة، ولا زلنا نرى التقدم العلمي الواضح والسريع في الحضارة
(1/60)

الأوروبية الحديثة.
هذا وأود أن أقول بأن العرب الذين كتبوا في الصيدلة، والكيمياء لم يكونوا عربًا من حيث الدم والجنس، بل من حيث الثقافة والولاء للعرب والإسلام، إذ لولا اللغة العربية لما كان للعلماء المسلمين والعرب أثرًا ملموسًا، فجميعهم قد تلقى الثقافة باللغة العربية، وكتبوا جل مؤلفاتهم فيها، إن لم يكن بعضهم قد كتبها بالعربية كلها، وكانت اللغة العربية في ذلك الوقت لغة العلم، ولا سبيل إلى العلم إلا عن طريق اللغة العربية، شأنها في ذلك شأن اللغة اليونانية قبل بضعة قرون، ولعل خير دليل على ما ذكرت يتجلى في قول البيروني -وهو من خوارزم- في مستهل كتابه الصيدلة1، وإليك نصه: "وإلى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم، فازدانت وحلت في الأفئدة، وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وإن كانت كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها، واعتادتها واستعملتها في مآربها، مع ألافها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي، وهي مطبوعة على لغة لو خلد بها علم لأستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في الكراب، ثم متنقلة إلى العربية والفارسية، فأنا في كل واحدة دخيل، ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي كيف ذهب رونقه وكسف باله، واسود وجهه ... "، هذا كلام عملاق من عمالقة الفكر العربي الإسلامي، يتضح منه حبه للغة العربية والولاء لها.
لقد نقلت الصيدلة كما نقلت العلوم الأخرى من الحضارة اليونانية المكتبسة جزءًا، والأصيلة بما أضاف إليها أهلها، وكان من بين زواد المصادر اليونانية في الصيدلة الذين تأثر بهم العرب، ونقلوا عنهم هم "أبقراط
__________
1 كتاب الصيدنة: لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني -مخطوطة- مكتبة المتحف العراقي، ورقم 1911 ص17.
(1/61)

Hippocrates، ت: 357ق. م"، وقد سماه العرب "أبا الطب"، وكتبوا عنه كثيرًا كما ترجموا كتبًا عديدة له، و"دسقوريدس Discorites ت: 60م"1 وهو أول من كتب كتابًا مسهبًا في الأعشاب الطبية أسماه -كتاب الحشائش- و "جالينوس Galen، ت: 201م"، ويعتبر هذا العالم والطبيب البارع أول من أخذ عنهم العرب في الطب، إذ كتب عددًا كبيرصا من الكتب الطبية، وفي شتى فروع علم الطب، كما قام بتفسير كتب أبقراط وعلق عليها، وما زال اسمه لامعًا في المصادر العربية إلى يومنا هذا؛ لأن العرب ترجموا له كثيرًا من الكتب الضخمة والرسائل القصار، وأشار ابن أبي أصيبعة2 إلى ما ترجم إلى جالينوس بصورة مفصلة، وذكر أن أطباء الأسكندرية قد وضعوا كتبه الستة عشر
المختارة، على سبع مراتب، من حيث التدرج في المعرفة الطبية، وشغف القارئ بالانتقال من مرتبة إلى أخرى.
لقد ابتدأ العرب بترجمة الكتب اليونانية العلمية منذ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وذلك في عهد خالد بن يزيد بن معاوية، إلا أن هذه الترجمة لم تكن ترجمة جيدة من حيث تركيب الجمل العربية وأداء المعنى، بل كانت ترجمة حرفية نظرًا لضعف المترجمين في إحدى اللغتين، ومكث حال الترجمة كذلك حتى جاء رائد الترجمة المضبوطة "حنين بن إسحاق"، وسنفرد له ترجمة لأهمتيه في ما كتب في الطب والصيدلة، إضافة إلى إجادته الصيدلة التي درسها على أبيه، وحذقه في الطب الذي درسه على يد الطبيب النطاسي يوحنا بن ماسويه.
__________
1 عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، ج1، ص41-46، دار الفكر، بيروت، 1956.
2 عيون الأنباء، لابن أبي أصيبعة، ج2، ص3، دار الفكر، بيروت، 1956.
(1/62)

حنين بن إسحاق: "ت: 260هـ-873م" 1
حنين بن إسحاق العبادي، أبو زيد: طبيب، مرؤخ، ومترجم، كان أبوه صيدلانيًا من أهل الحيرة "في العراق"، وسافر حنين إلى البصرة، فأخذ العربية عن تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، وانتقل إلى بغداد، فأخذ الطب عن يوحنا بن ماسويه وغيره، وتمكن من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية، فانتهت إليه
رئاسة العلم بين المترجمين، مع أحكامه العربية، وكان فصيحًا بها شاعرًا. واتصل بالمأمون وجعله رئيسًا لديوان الترجمة2، وبذل له الأموال والعطايا. وجعل بين يديه كتابًا نحارير عاملين باللغات، وكانوا يترجمون ويتصفح حنين ما ترجموا فيصلح ما يرى فيه خطأ، ولخص الكثير من كتب أبقراط وجالينوس وشرح معاني ما لخص، نظرًا لإلمامه الواسع بالطب وتمكنه من اللغات، وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية من الكتب، ورحل حنين رحلات عديدة إلى فارس وبلاد الروم، وعاصر تسعة من الخلفاء، وكان يحفظ الياذة هوميروس.
لحنين كتب ومترجمات كثيرة تزيد على مئة، منها "تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم" إلى زمنه، و"الفصول الأبقراطية -ط-" في الطب و"ملامات وأبسال، ط" قصة مترجمة عن اليونانية و"الضوء وحقيقته -ط-" رسالة كتبها بالسريانية، وترجمها إلى العربية هيثم بن هلال الصابئي و"المسائل في العين -ط-" و"المدخل إلى علم الروحانيات -خ-" صغير و"قوي الأغذية -خ-" ترجمة حنين عن جالينوس و"تدبير الأصحاء -خ-" عن جالينوس أيضًا. وترجم حنين كتبًا عديدة في الفلسفة والعلم لأرسطو وأفلاطون، وبطليموس، وبليناس، وأرخميدس وغيرهم من حكماء، وعلماء
__________
1 الأعلام، خير الدين الزركلي، ج2 -ط3، ص325، بيروت "لم تذكر سنة الطبع".
2 تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان -ج3، ط3، ص139، مصر1920م.
ط= مطبوع خ= مخطوط.
(1/63)

اليونان، ولا سبيل إلى حصر ما ترجم حنين في هذا المجال1.
وعندما بلغ حنين درجة عالية في العلم، وتمكن تمكًا جيدًا من اللغات العربية والسريانية، واليونانية والفارسية، أخذ يعيد النظر فيما ترجم، وهو في سن الحداثة المبكر، فيراجعها، ويعيد ترجمة بعضها، وكثيرًا ماكان حنين يقوم بترجمة بعض الكتب بناء على طلب من الأشراف المسلمين والمسيحيين، الذين كانوا يدفعون له ثمن هذه الترجمات2.
أقول: إن حنين بن إسحاق كان طبيبًا بارعًا ولا سيما في طبابة العين، أي أنه كما يقال في عهده، كان كحالًا ممتازًا، فكتب في تشريح العين، وطرائق معالجتها، والمواد والأدوية التي تستعمل لكل مرض من أمراض العين، وكثيرًا ماكان يكتبها بشكل وصفات طبية، فيذكر المادة في الوصفة، والكمية التي يجب أن تستعمل في كل وصفة، وكان حنين صيدلانيًا جيدًا فذكر عددًا من المواد الكيمياوية كالزنجار والأثمد، والرصاص، والزاجات، والقلقند والنشادر، وملح الطعام، والزرنيخات، والاسفيداج، وتوبال الحديد، والقلقديس وغيرها، غير أنه لم يصنفها تصنيفًا علميًا واضحًا، وترك ذلك لأبي بكر الرازي.
كان بإمكان حنين أن يبرز في كل من الطب والصيدلة، إلا أن غزارة انتاجه في الترجمة حالت بينه وبين العناية في الطب والصيدلة.
__________
1 آثار حنين بن إسحاق، عامر رشيد السامرائي وعبد الحميد العلوجي -صدر بمناسبة مار أفرام -حنين. بغداد- 1974م.
2 كتاب العشر مقالات في العين، لحنين بن إسحاق، مقدمة مايرهوف، ماكس، ص29، المطبعة الأميرية، القاهرة 1928م.
(1/64)

أبو حنيفة الدينوري: "ت: 282هـ- 895م" 1
هو، أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري نسبة إلى المدينة التي ولد فيها، وهي بلدة إيرانية ليست ببعيدة عن حدود العراق، وقال ياقوت في معجم البلدان أنها مدينة من أعمال الجبل قرب قوميسين "كرمنشاه".
بلغت جملة مؤلفاته المعروفة أسماؤها عشرين كتابًا، وطرق بها أبوابًا كثيرة متباينة من المعرفة كالشعر والحساب والهندسة والجبر، وكتاب البلدان وجميع أهل التراجم ذكروا بأن كتاب النبات لأبي حنيفة لم يصنف في معناه مثله.
لقد ضم هذا الكتاب "كتاب النبات" عددًا كبيرًا من أصناف النبات المختلفة من عشب، أو شجيرة أو شجرة ومن ورقة، وغصن وجذع وجذر وذكر صفات كل ما ذكر من النبات، وأجزائه بحيث جاء الكتاب سفرًا في تصنيف النبات، ولعل هذا الكتاب هو الأول من نوعه في الحضارة العربية، ومهد الطريق للأطباء، والصيادلة أن يتثبتوا من النبات وأجزائه، ولم يذكر الدينوري الفوائد الطبية لكل نبات ذكره على كثرة ما ذكر.
__________
1 لقد اختلف كتاب التراجم في سنة ولادة الدينوري، بل وفي سنة وفاته ولكن معظم الذين ترجموا له في القديم والحديث، يرجحون أنه توفي سنة 282هـ، قال ياقوت في معجم الأدباء: "مات في جمادى الأولى سنة اثنين وثمانين ومائتين "282هـ"، ووجد ذلك على ظهر كتاب النبات من تصنيفه، ووجدت في كتاب عتيق: مات أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري قبل سة تسعين ومائتين، ثم وجد على ظهر النسخة التي بخط ابن المسبح بكتاب النبات، من تصنيف أبي حنيفة: توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأولى سنة ثمانين ومائتين"، وفي بغية الدعاة لم يجزم السيوطي بتحديد تاريخ وفاته، فجعله في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين ومائتين 281هـ، أو اثنين وثمانين ومائتين، وقد أجمع كل من ابن الأثير في الكامل والقفطي في أنباء الرواة، وابن كثير في البداة والنهاية، والقرشي في الجواهر المعنية في طبقات الحنفية، والبغدادي في خزانة الأدب، على أن وفاته كانت سنة 382هـ، وأيده في ذلك سركيس في معجم المطبوعات.
(1/65)

جعل الدينوري كتاب النبات في ثلاثة عشر بابًا هي:
1- باب الرعي والمراعي، 2- باب الجراد والجنادب، 3- باب الكمأة، 4- باب الصمغ، 5- باب الدباغ، 6- باب الزناد، 7- باب ألوان النيران، 8- باب ما يصبغ به، 9- باب الروائح، 10- باب المساويك، 11- باب الحبال، 12- باب العسل والنحل، 13- باب القسي والسهام.
إن الذي يطلع على هذا الكتاب يراه كتابًا ذا جوانب متعددة، فهو ليس كتابًا في علم النبات، ولا في الزراعة ولا في اللغة، بل إنه يشتمل على جميع ما ذكرت، فهو يذكر النباتمع الألفاظ التي لها صلة به ثم يأتي بتحقيق صحة الصحيح منها، والاستشهاد على صحة ما كتبه معتمدًا على أئمة اللغة، وفحول الشعراء وإليك بعض ما كتب:
رقع: الواحدة رقعة -أخبرني أعرابي من أهل السراة، قال: الرقعة شجرة عظيمة كالجوزة، ساقها كساق الدلبة، ولها ورق كورق القرع، أخضر فيه صهبة بسيرة، ولها ثمر أمثال التين العظام.
ويصف بعض أصناف العنب، فيقول:
أصابع العذارى: صنف من العنب أسود طوال كأنه البلوط، يشبه بأصابع العذارى المخضبة.
الأقماعي: صنف آخر من العنب، أبيض ثم يصفر أخيرًا حتى يكون كالورس، وحبه مدحرج كبار.
ثم يصف أصنافًا أخرى من التين كالجداس والقلاري والطبار.
يتضح مما تقدم أن أبا حنيفة كان على معرفة كبيرة في النبات، وإن أخذه الشك في نبتة أو جزء منها اعتمد على اللغويين، والشعراء في وصفها ليأتي اللفظ محددًا للمعنى المطلوب، وإن لم يجد فيعتمد الأعراب ليأتي بوصف دقيق مضبوط، أي أنه أول من استعمل الألفاظ العلمية المحددة بالشيء المطلوب.
(1/66)

الرازي 1: "ت:317هـ-925م"
يعتبر الرازي أحد المشاهير في الطب والكيمياء والفلسفة2، وذكرت بعض المصادر3 أنه اشتغل في الفلسفة والكيمياء والعلوم الطبيعية، والفلك والهندسة حتى بلغ الأربعين من عمره، وعندها انصرف إلى الطب كليًا وبرز فيه، وكان المعلم في ذلك أبا الحسن علي بن سهل بن الطبري4، وقد أجمع المؤرخون على أن الرازي من أشهر أطباء الإسلام، ولقب بجالينوس العرب، ونعته الزركلي5 بأنه من الأئمة في صناعة الطب، وقد كان دؤوبًا مواظبًا على القراءة والكتابة، منكبًا على تلقي العلم عمن سلفه، ومنشغلًا بإجراء تجاربه الخاصة.
لقد طرق الرازي أبوابًا عديدة من المعرفة، وكتب في مواضيع مختلفة وألف كتبًا ورسائل في شتى ضروب العلم والفلسفة والاجتماع، إلا أن أكثر ما كتبه من الكتب انصبت على الطب والجراحة والفلسفة والكيمياء، وتفرغ للطب والتوغل فيه بعد سن الأربعين، فتقلد مناصب مرموقة في الطب ودبر "بيمارستان" مستشفى الري، ثم غادر الري إلى بغداد ودبر بيمارستان بغداد، وذلك في عهد عضد الدولة، وذكر ابن أبي أصيبعة أن الرازي استشير
__________
1 راجع نبذة عن حياته في فصل الكيمياء.
2 دائرة المعارف الإسلامية -المجلد التاسع، ص451.
3 وفيات الأعيان لابن خلكان، الجزء الثاني، ص193-194.
4 عيون الأنباء، لابن أبي أصيبعة، الجزء الثاني، ص342.
5 الأعلام، للزركلي، الطبعة الثانية، الجزء السادس، ص364.
(1/67)

في اختيار الوضع الذي يجب أن يبني فيه البيمارستان العضدي في بغداد1.
لقد أورد ابن أبي أصيبعة2 أسماء اثنين وثلاثين ومائتي كتاب نسبها للرازي في مختلف فروع المعرفة، وذكر صاعد الأندلسي3 بأنه ألف نيفًا على مائة تأليف، وأكثرها في الطب وأشار الفهرست4 إلى ثمانية وستين كتابًا وتسع وسبعين رسالة في الطب، وذكر راكنغ5 أن الرازي ألف ستًا وخمسين مقالة في الطب، ويعتبر سارتن6 كتاب "الحاوي" من أكثر كتب الرازي أهمية، ووصفه بموسوعة عظيمة في الطب تحتوي على ملخصات كثيرة من مؤلفين إغريقيين، وهنود إضافة إلى ملاحظاته الدقيقة وتجاربه الخاصة، وترجم الحاوي إلى اللغة اللاتينية وطبع لأول مرة في "بريشيا Brescia" في شمال إيطاليا عام 1486م، وهو أضخم كتاب طبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، وظل الكتاب حجة الطب بلا منازع حتى القرن السابع عشر7، أما كتاب "المنصوري" الذي أهداه الرازي إلى أحد أصدقائه من أمراء الري، وهو المنصور بن إسحاق فأصغر حجمًا من الحاوي، ولكنه نال شهرة واسعة في الشرق والغرب على السواء، وطبع لأول مرة في ميلانو عام 1481، ويقع المنصوري في عشرة أجزاء8، وهي المدخل في الطب
وفي شكل الأعضاء، وفي تعريفها مزاج الأبدان وهيئتها ... إلخ.
__________
1 ابن أبي أصيبعة -الجزء الثاني، ص343-344.
2 عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة، ص351-360.
3 طبقات الأمم للقاضي صاعد الأندلسي، ص52-53.
4 الفهرست لابن النديم، طبعة لايدن، ص299-302.
5 S. Raking: G.S.A, The life and works of Rhazes, London, 1911.
6 Sarton, F. Introduction To The History of science. Vol. 1, P.609-610.
7 دائرة المعارف الإسلامية -المجلد التاسع، ص452.
8 الصيدلة والعقاقير في العهد القديم، والعصر الوسيط للدكتور الأب شحاته قنواتي ص137-1959م.
(1/68)

وأشار هولميارد1 إلى كتب الرازي، ولا سيما في الطب والكيمياء بأنها ترجمت إلى اللغة اللاتينية، كما ترجم القسم الآخر منها إلى اللغات الأوروبية الحديثة، ودرست في الجامعات الأوروبية ولا سيما في هولنده، حيث كانت من المراجع الرئيسية في جامعات هولنده حتى القرن السابع عشر، ومن مؤلفاته في الطب كتاب الحصبة والجدري، ويعتبر هذا أول كتاب من نوعه في هذا الموضوع، وقد ميز الرازي بين المرضين تمييزًا واضحًا، ووصف مميزاتهما وتشخيصهما، وتراه يلح في الإشارة إلى أهمية الفحص الدقيق للقلب، والنبض والتنفس والبراز عند مراقبة تطور المرض، ويقول نوي بيرغر "Neuberger"2 أحد مؤرخي الطب: "وهذا الكتاب ولا ريب أنفس الكتب الطبية التي صنفها العرب"، وله في تاريخ علم الأوبئة أعظم منزلة من جهة أنه أقدم بحث عن الجدري، هذا إلى أنه يكشف لنا عن الرازي معالجًا دقيقًا نزيهًا يكاد يتحرر من الآراء التعسفية مقتفيًا في علاجه أثر أبقراط:
لقد صنف الرازي العقاقير إلى أربعة أقسام رئيسية، وهي:
1- المعادن "المواد الترابية".
2- المواد النباتية، وذكر بأنها نادرة التداول في الطب.
3- المواد الحيوانية وتشمل الشعر والمخ واللبن، والقحف والدم والمرارة والقرون والبيض والصدف والبول.
4- المشتقات أو"العقاقير المولدة"، وذكر الرازي تحت هذا القسم المرتك، وهو "أول أوكسيد الرصاص والاسرنج" "أوكسيد الرصاص الأحمر Pb3O4
__________
1 Holmayard, E.J. alchemy, Pelican Books, 957, P.84
2 تاريخ الصيدلة والعقاقير، للأب شحاته قنواتي، ص133-134، دار المعارف بمصر 1959.
(1/69)

والزنجار "خلات النحاس Pb "CH3 600"2 والروسنحتج "أوكسيد النحاس الأسود CuO والتوتيا "أوكسيد الخارصين ZnO" وزعفران الحديد "أوكسيد الحديد FeO"، والزنجفر "كبريتيد الزئبق الأحمر HgS" وبياض الزرنيخ "أوكسيد الزرنيخور AS2O3"، وخبث الزجاج وكبد الكبريت "محلول متعدد كبريتيد الكالسيوم"، وسبائك أخرى وقسم المعادن إلى ستة أنواع:
1- أرواح،
2- أحجار،
3- أجساد،
4- أعناجاصات،
5- بوارق،
6- أملاح.
ويضمن الأرواح أربع مواد هي: الزئبق والنشادر، والزرنيخ، والكبريت، وقد قصد بها المواد المتطايرة، والمتسامية، وقصد بالزرنيخات "كبريتيدات الزرنيخ"، وبضمنها الرهج "أحد كبريتيدات الزرنيخ له لمعة الراتنج".
ويضع تحت الأجساد سبعة أنواع هي:
الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، والأسرب "القصدير"، والخارصين، ويقسم الأحجار إلى ثلاثة عشر نوعًا: المرقيشا، والروحي، والتوتيا، واللازورد، والدهنج، والفيروزج، والشاذنج، والشك، والكحل، والطلق، والجبسين، والزجاج الأسود، والشب، والقلقديس، والقلقند، والقلقطار.
وسأتولى شرح هذه المواد فيما بعد.
(1/70)

وقسم البورق إلى ستة أنواع: بورق الجرو والنطرون وبورق الصاغة والتنكار والبوارق الزرادندي، وبورق التربنبو.
أما الأملاح فقد قسمها إلى عشرة أصناف: ملح، طين، وتبرزد، واندراني، والنفطي والهندي والصيني، وملح القلي، وملح النوره، وملح الرماد، ثم يتطرق بعد ذلك إلى معرفة الزئبق الجيد1.
2- الأحجار: صنف الرازي تحت هذا العنوان:
أ- المرقيشيا: "Pyrite"، وهذه المادة هي أحد كبريتيدات الحديد، وصيغته الجزيئية "Fe S2"، ويتصف هذا الكبريتيد بلمعان معدني، وبلون أصفر فاقع يشبه لون الذهب، ويستعمل في الوقت الحاضر مصدرًا من مصادر الكبريت، وبخاصة في صناعة حامض الكبريتيك، إذ أن نسبة الكبريت عالية فيه.
ب- التوتيا: وهي سبيكة من سبائك الخارصين، وذكرت بعض المصادر بأنها أوكسيد الخارصين.
جـ- اللازورد: وهي مادة زرقاء متبلورة يطلق عليها كيماويًا كاربونات النحاس القاعدية، وصيغتها الجزيئية "CU3 "OH"2 "CO3"2"، وقد تحتوي على ماء التبلور، وتعتبر هذه المادة من أحد المصادر التي يحضر منها النحاس.
د- الدهننج: وهي معروفة بالملاخيت، وخضرتها خضرة خاصة لذا يطلق على ألوان المواد المشابهة لهذه الخضرة بأنها ذات لون الملاخيت، ومنها اشتق لون خضرة الملاخيت، وهي من خامات النحاس بل هي كاربونات
__________
1 سر الأسرار: زكريا الرازي كيمياء، مخطوط مكتبة الأصفية، حيدر آباد دكن، رقم المخطوط 9113.
(1/71)

النحاس القاعدية التي تحتوي على مجموعة واحدة من مجاميع الهايدروكسيل "OH"، وصيغتها الجزيئية "Cu2 Co3 "OH"، وتوجد في الطبيعة متبلورة مع عدد من جزئيات ماء التبلور.
هـ- الفيروزج: مادة متبلورة زرقاء اللون، وهي عبارة عن فوسفات الألمنيوم القاعدية المتحدة بالنحاس، وتكون أحيانًا مائلة للون الأخضر، أو الأخضر الرمدي والصيغة الجزيئية للفيروزج النقي هي "Cu Al6 "PO4"4 "OH8. 5H2O".
و الساذنج: ويسمى أحيانًا بحجر الدم ذلك للونه الذي يشبه لون الدم المتخثر، أي أن لونه أحمر غامق يميل إلى السواد، وهو عبارة عن أوكسيد الحديديك المتبلور، وقد استعمل دواء في حالات الرعاف.
ز- الشك: وهو مادة بيضاء اللون سامة، وتدعى أحيانًا ببياض الزرنيخ وصيغتها الجزيئية "AS2O3".
ح- الكحل: وهو مادة سوداء اللون فاحمة، استعملت قديمًا في الشرق والغرب -على حد سواء- لغرض تجميل العين، وذلك بجعل حافات الجفون سوداء، وأنها من مركبات الرصاص وبالحقيقة أنها كبريتيد الرصاص الأسود، وصيغتها الجزيئية "PbS"، وقد يستعمل المرتك بدلًا من الكحل كما سنرى في مكان آخر.
ط- الطلق: وتدعى الآن "المايكه"، وهي عبارة عن سلكات الألمنيون المزدوجة مع فلز آخر، وقد تكون ملونة إذا اشتملت على بعض المعادن المتنقلة كالحديد والكروم والنيكل ... إلخ وتشبه الزجاج بمظهرها الخارجي، وعند طرقها تتحول إلى صفائح شفافة رقاق، ولا تتأثر بالحرارة كالزجاج، وتستعل في الطباخات القديمة وفي الكوة الشفافة التي ينظر منها لهب المدفأة النفطية، وقد استعملت أيضًا في تجميل شجرة عيد الميلاد، ولا سيما بعد سحقها إلى صفائح رقاق صغار.
(1/72)

ي- الجبسين: مادة بلورية شفافة إن كانت متبلورة، تشبه الشب المعروف من حيث المظهر الخارجي، وعند حرقها تفقد جزءًا من ماء التبلور، وتتحول إلى مسحوق أبيض يعرف الآن بالبورق الذي يستعمل في تجبير العظام، وصنع التماثيل والصيغة الجزيئية للجبسين المتبلور هي "CaSO4. 2H2O"
ك- الزجاج: وهو الزجاج المعروف حاليًا، ويكون تركيبه من سلكات بعض الفلزات كالصوديوم، والبوتاسيوم والرصاص والكالسيوم، وقد يتلون الزجاج من الرمل غير النقي الذي يحتوي على كمية ضئيلة من أكاسيد الحديد، أو مركباته الأخرى باللون الأخضر الوسخ "لون القناتي الرخيصة"، وقد اهتدى الرازي من قبل إلى صنع الزجاج، وذلك بصهر الرمل والقلي وكاربونات الكالسيوم، وكاربونات الصوديوم "صودا الغسيل".
3- الزاجات: ووضع الرازي في "سر الأسرار"، تحت هذا الصنف ما يأتي:
أ- القلقديس: وهو الزاج الأبيض الذي استعمل محلوله المائي المخفف قطرة للعين، وذلك لغرض التعقيم وإزالة التهابات العين، وهو كبريتات الخارصين المتبلورة لاتحادها بماء التبلور، وصيغتها الجزيئية "FeSO4. 7H2O"
ب- القلقند: "القلقنت": ويعرف الآن بالزاج الأخضر، وهو كبريتات الحديدوز المتبلورة مع سبع جزيئات من ماء التبلور، وصيغتها الجزيئية "FeSO4. 7H2O".
ج- القلقطار: ويعرف الآن بالزاج الأصفر.
د- السوري: وهو الزاج الأحمر.
هـ- الشب: وهذا على أنواع كثيرة. ومن المحتمل جدًا أن الرازي قصد
(1/73)

به الشب المعروف بشب الألمنيوم، وهو من الأملاح المزدوجة بكبريتات البوتاسيوم، وكبريتات الألمنيوم المتبلور مع أربع وعشرين جزيئة من ماء التبلور، وصيغته الجزيئية "K2SO4. AL2 "SO4"3. 24H2O"، أما إذا حل النشادر "الأمونيوم" محل البوتاسيوم في الشب، فيتكون شب النشادر البلوري. وقد يتلون الشب أحيانًا بأملاح الحديد، فيكون الشب الاعتيادي غير نقي ذا لون أخضر فاتح.
4- البوارق: وهي المواد التي يدخل في تركيبها عنصر البورون، وأهمها مادة البوراكس وهي بورات الصوديوم، وهي مادة بيضاء اللون تنصهر بدرجة حرارة واطئة بالنسبة للدرجات أنصهار الأملاح الأخرى، وإذا ما صهرت مع أكاسيد الفلزات، ولا سيما فلزات العناصر المتنقلة تعطي خرزًا ملونة، ويكون اللون وفق الفلز الذي يدخل في منصهر البوراكس، ولا زالت هذه المادة ذات أهمية كبيرة في التحليل الكيمياوي حتى يومنا هذا، غير أن الرازي أدخل تحت هذا العنوان كثيرًأ من المواد التي لا تحتوي على عنصر البورون مثل بورق الخبز، وهو بيكاربونات الصوديوم غير المتبلورة، والتطرون وهو مادة بلورية شفافة تقريبًا لكاربونات الصوديوم المتبلورة مع عشر جزيئات من الماء، وبورق الصاغة، والتنكار والأخير خليط من الملح والبورق، وبورق الغرب والمعروف الآن بصمغ أكاسيا.
5- الأملاح: وقد صنف الرازي في هذا الباب عددًا من الأملاح، إضافة إلى الأكاسيد، والقواعد فذكر الملح وهو ملح الطعام، والملح المر المعروف الآن بالملح الإفرنجي، وهو "كبريتات المغنيسيوم" الذي يستعمل مسهلًا، والقلي وهو مزيج من أوكسيد الصوديوم وهيدروكسيده، وكاربوناته، والملح الصخري وهو كبريتات الصوديوم المتبلورة، والجير المطفأ "هيدروكسيد الكالسيوم".
6- الاعناجاصات: ذكر الرازي تحت هذا العنوان جوهر البول، وهو
(1/74)

المادة المعروفة باليوريا، وقد حضرها الرازي من تجفيف البول على نار لينة -على حد قوله- ويقصد بالنار اللينة النار الضعيفة، ثم أشار الرازي إلى العقاقير المولدة أو المشتقات وإلى المواد الآتية:
أ- المرتك: وهو مادة سوداء فاحمة تتألف من قشور صغار رقاق تشبه "الغرافيت"، أي المادة السوداء التي تصنع أقلام الرصاص السود الحالكة منها، وهي عبارة عن "كبريتيد المولبديوم".
ب- الاسرنج: وهو أوكسيد الرصاص الأحمر، وهو أوكسيد مركب للرصاص صيغته الجزيئية "Pb3O4".
ج- الزنجار: مادة زرقاء تميل إلى الخضرة، وهي عبارة عن خلات النحاس القاعدية مشوبة ببعض كاربوناته.
د- الزنجفر: وهي مادة سوداء اللون من مركبات الزئبق "كبريتيد الزئبق"، وصيغتها الجزيئية "HgS".
هـ- زعفران الحديد: وهي مادة صفراء تتألف من أوكسيد الحديدوز، حيث يكون الحديد في هذه المادة ثنائي التكافؤ، وذكر الرازي تحت هذا العنوان خبث الزجاج وكبد الكبريت، ومواد أخرى ليست ذات أهمية كبيرة، أما العمليات التي استخدمها الرازي في تحضير العقاقير وتركيبها فهي:
1- التنقية: وتستهدف هذه العملية إبعاد الشوائب عن المادة المطلوبة، ولتحقيق هذا الغرض تستخدم عمليات متعددة: الغسيل، والتقطير، والتبلور الجزئي.
2- التقطير: تستعمل هذه الطريقة لفصل السوائل بعضها عن البعض الآخر.
3- التشويه: استخدمت هذه الطريقة، وما زالت تستخدم حتى يومنا هذا في تحضير بعض المعادن من خاماتها، ويستخدم الرازي في هذه العملية
(1/75)

الهواء الساخن والفرن حيث توضع المادة في صلاية، ثم تنقل إلى قارورة داخل قارورة أخرى، وتسخن الأخيرة على نار حتى تزول الرطوبة منها، ثم يسد فم القارورة الداخلية التي تحتوي على المادة، ويستمر التسخين مدة طويلة.
4- الملغمة: وهي عملية اتحاد الزئبق بالمعادن، والعملية معروفة قبل الرازي بقرون إلا أنه استخدمها تمهيدًا لعمليتي التكليس والتصعيد.
5- التسامي والتصعيد: ويقصد بالتسامي تحول المادة الصلبة إلى بخار، ثم إلى مادة صلبة مرة ثانية دون أن تمر بحالة السيولة، وأمثال هذه المواد اليود والكافور، وقد استعمل الرازي لهذا الغرض المكثف العمودي حيث يربط بقارورة التقطير بصورة عمودية، وندعوه الآن بالمكثف الهوائي إلا أن الرازي استعمل لهذا الأمبيق الأعمى أي "المكثف الهوائي" "المغلف من نهايته العليا"، حيث تتبخر المادة وتستقر على الجزء الأعلى من المكثف الهوائي، أما عملية التصعيد فهي عبارة عن تسخين المادة السائلة، ولا سيما الزيوت عطرية كانت أم غير عطرية بسوائل ذوات درجات غليان عالية أو مواد صلبة، فعند تسخين المادة في دورق التقطير على حمام مائي أي لا تزيد درجة حرارته على المائة درجة مئوية، فإن المواد المتصاعدة أو المتطايرة -كما تسمى أحيانًا- تتكاثف في المكثف، وتنزل إلى دورق الاستلام، ومن الجدير بالذكر أن الكندي قد استعمل هذه الطريقة قبل الرازي، وذكرها في كتابه الموسوم "تصعيد العطور"، إلا أن الكندي قد اعتمد على أساس فيزياوي آخر يدعى بالتصعيد البخاري، أو التصعيد بوساطة بخار الماء.
6- التكليس: وهي عملية تسخين المادة تسخينًا مباشرًا في بودقة حتى تتحول إلى مسحوق، وكثيرًا ما استعمل في إزالة ماء التبلور، وتحويل المادة البلورية إلى مسحوق غير متبلور.
7- التشميع: وتتلخص هذه العملية بإضافة مواد تساعد على انصهار
(1/76)

المواد الأخرى كالبورق والنطرون "كاربونات الصوديوم".
8- التبلور: وقد ذكرت أن هذه العملية تستعمل في التنقية أحيانًا، وفي تحضير الأملاح المزوجة أحيانًا أخرى، ويمكن إيجازها بإذابة المادة في أحد المذيبات المناسبة في درجات حرارية عالية، حتى يصبح المحلول مشبعًا في تلك الدرجة الحرارية، وعندما يبرد المحلول تنفصل بلورات المادة المذابة من المحلول نفسه على هيئة بلورات نقية، وتبقى الشوائب مذابة في المحلول تبقى، ويتم الحصول على المادة المطلوبة المتبلورة بوساطة الترشيح.
9- الترشيح: استعمل الرازي قمع الترشيح في هذه العملية، وهو يشبه القمع الذي نستخدمه الآن في المختبر، كما أنه استعاض عن ورق الترشيح بأقمشة محاكة من الشعر والكتان، ويتناسب تماسك النسيج مع المحلول المراد ترشيحه.
(1/77)

ابن المجوسي: "ت: نحو 400هـ-نحو 1010م "
هو، علي بن عباس المجوسي: عالم بالطب1، وهو من الأهواز من تلاميذ موسى بن يوسف بن سيار "ت384هـ" كان متصلًا بعضد الدولة ابن بويه، وصنف له كتاب "كامل الصناعة الطبية الضرورية -مطبوع-"، ويسمى الكتاب الملكي، وانكب الناس على كتابه في وقته ولزموا درسه إلى أن ظهر كتاب "القانون في الطب" لابن سينا، فمال الناس إليه وتركوا الملكي بعض الترك. وتذكر بعض التراجم أن الملكي في العمل أبلغ، والقانون في العلم أثبت، وقد وقف على تصانيف المتقدمين2.
وكان لكتاب كامل الصناعة في الطب شهرة كبيرة في الغرب أيضًا
__________
1 الأعلام: خير الدين الزركلي، ط3، ص111، بيروت، "بدون سنة طبع".
2 أخبار العلماء بأخبار الحكماء، القفطي، ص155 مطبعة السعادة بمصر 1326هـ.
(1/77)

وترجم إلى اللاتينية، وسلك ابن المجوسي في كتابه هذا مسلكًا وسطًا بين كتابي الرازي الحاوي، والمنصوري متجنبًا إسهاب الحاوي، وإيجاز المنصوري، وطبع الكتاب في مصر وإليك أجزاءه:
الجزء الأول: الجزء النظري ويتضمن عشر مقالات توخى فيها مواضيع عامة من تشريح الأعضاء، والأعضاء المركبة وأمر القوى والأرواح والدلائل العامة، والعلامات الدالة على العلل والأمراض، وعدد طرق الفحص عن علل الأعضاء الباطنة، كما أشار إلى العلامات، والدلائل التي تنذر بحدوث الأمراض.
الجزء الثاني: الجزء العملي وضمن هذا الجزء عشر مقالات أيضًا، وصنف كلًا منها إلى أبواب، وجاء على ذكر الصيدلة في المقالتين، الثانية والعاشرة من هذا الجزء حيث خصص المقالة الثانية إلى الأدوية المفردة، وامتحانها ومنافعها وضمن المقالة العاشرة الأدوية المركبة والمعجونات.
ولما كانت المقالتان الثانية والعاشرة من الجزء الثاني مخصصتين للأدوية، فنعطي بعض محتوياتهما بالإيجاز1.
فجاء الباب الأول من هذه المقالة "العاشرة" في تقسيم المداواة، وطرق العلاج وجاء على ذكر ثلاثة وثلاثين بابًا قد خصصت كل واحدة لفعل طبي معلوم، ثم جاء على ذكر أدوية النبات ضمن المقالة نفسها، وتطرق إلى ذكر الحشائش وأنواعها والبذور، والأوراق، والثمار، والعصارات، والصموغ، وتنتهي بذكر الأصول، وكان رقمها اثنين وأربعين، ثم تطرق في المقالة الثانية نفسها إلى الأدوية
المعدنية، وذكر الطين وأنواع الحجارة وأنواع الملح والزاج، وأصنافه وانتهى من الأدوية المعدنية في الباب الثامن والأربعين، ثم ذكر
__________
1 من أراد التوسع في هذا الباب، فليرجع إلى تاريخ الصيدلة والعقاقير، الدكتور الأب شحاته قنواتي، ص149-155، دار المعارف بمصر 1959.
(1/78)

بعض الأبواب في الأدوية الحيوانية منها في الأدوية التي من الحيوان، في منافع المرارات، في الأبوال والأزبال، وجاء في الباب 53، 54، 55، 56 على ما يأتي على التوالي في الأدوية المسهلة، وكيفية إسهالها وفي أصناف الأدوية المسهلة، وذكر الأدوية المقيئة وكيفية فعلها، وانتهى في الباب الأخير في تدبير من أراد أن يشرب مسهلًا ومقيئًا.
أما المقالة العاشرة، فقد جاء كما بينا على ذكر الأدوية المركبة، ووضعها تحت ثلاثين بابًا إليك بعضها:
في السبب الذي من أجله احتاج الأطباء إلى تأليف الدواء، والمركب ثم في ذكر القوانين والدستورات التي يعمل عليها في أوزان الأدوية ... إلخ وفي عمل المعجونات، وفي عمل ترياق وفي المعجونات المسهلة، وصفة المطبوخات المسهلة والنقوعات، وذكر الحبوب والحقن والفتائل، كما ذكر أدوية القيء واللعوقات والأقراص والسفوفات، والأكحال والأنبجات والمربيات، والشيافات والذرورات وفي أدوية الرعاف وغيرها.
(1/79)

ابن سينا: "ت: 428هـ-1037م"
هو، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا، تبوأ مكانًا مرموقًا في العلم والفلسفة، وبخاصة في الطب وعلم النفس، وقد أبدع في هذين الفرعين وبز من قبله وأضاف الكثير إلى ما عرف عنهما من قبله، وكتب في الطبيعيات والهندسة والرياضيات والكيمياء وفي الفلسفة، واللغة العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة وشعرًا، وذاع صيته في المشرق أولًا ودوى صداه في المغرب من القرن الثاني عشر للميلاد وحتى هذا الوقت، لقب بالشيخ الرئيس لغزارة علمه، وهو في سن يافعة كما لقب بجالينوس العرب لتبحره في الطب، ولقب بالمعلم الثالث من حيث الفلسفة أي بعد أرسطو والفارابي.
كتب كتبًا كثيرة جاءت على لسان تلميذه الفقيه أبو عبيد الجوزجاني،
(1/79)

وذكر ابن أبي أصيبعة1 فهرس كتب الشيخ الرئيس، وذكره غيره من أصحاب كتب التراجم، وحصر قنواتي2 مؤلفات ابن سينا، وعلق عليها تعليقًا جيدًا، ولعل من أشهر كتبه التي تعنينا في هذا البحث هو كتاب القانون الذي وضعه ابن سينا في خمسة أجزاء "أربع عشرة مجلدة -قديمًا-"، وترجم كتاب القانون في الطب وغيره من كتب ابن سينا إلى اللغات الأوروبية، منذ القرن الثاني عشر للميلاد.
أما عن تراجم كتاب القانون في الطب التي ظهرت في عهد النهضة الأوروبية، فأجودها الترجمة التي صاغها جيرلامو رموسيو Geralamo Ramusio في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، إلا أن هذه الترجمة لا تطبع في حينها، ولكنها كانت مصدر انتفاع من كتب عن ابن سينا فيما بعد، وقد كثرت ترجمات الكتاب في هذا العصر إلا أن أغلبها لم يطبع.
وهناك ترجمات جزيئة لكتاب القانون، فمنهم من ترجم الجزء الأول فقط، ومنهم من ترجم القسم الخاص بالتشريح، وآخر القسم الخاص بأمراض العين: علاج العين لابن سينا، ليبزج 1902م.
وترجم "زنت هاينر J. Vonzentheiner" الكتاب الخامس من القانون المتضمن الأدوية المركبة عند العرب، وفقًا للجزء الخامس من القانون، وكانت كتب ابن سينا ولا سيما كتاب القانون في الطب مصدرًا لرسائل الدكتوراه في برلين وغيرها، إلا أن هذه الرسائل قد احتوت على جزء من الكتاب حسب. فنال ثلاثة طلاب شهادة دكتوراه لها علاقة ببحوث بعض
__________
1 عيون الأنباء: لابن أبي أصيبعة، مكتبة الحياة، ص437، بيروت، 1965.
2 الأب الدكتور جورج شحاته قنواتي، مؤلفات ابن سينا، جامعة الدول العربية، الإدارة الثقافية، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1950م.
(1/80)

الفقرات من كتاب القانون، اثنان سنة 1900م، وآخر قبلهما عام 1899م.
ويضم كتاب القانون في الطب خمسة أجزاء، يحتوي الجزءان الأول والثاني على شرح لعلم الفسلجة، وعلم الأمراض وعلم الصحة والأدوية المفردة، واقتصر الجزءات الثالث والرابع على طرائق معالجة الأمراض المختلفة، واختص الجزء الخامس في تركيب الأدوية المركبة، وتحضير العقاقير إضافة إلى ملاحظات ابن سينا الشخصية في الطب، حيث قسم المعرفة الطبية إلى قسمين معرفة تأتي بالتجربة، وأخرى تأتي عن طريق القياس.
لقد ترجم الكتاب، كما أسلفت، كلا أو جزءًا إلى اللغات الأوروبية مرارًا عديدة، ودرس في جامعات كثيرة، أما النص العربي للكتاب فكتب في روما عام 1593م، وأعيد طبعه في مصر حديثًا1.
وتقع الصيدلة في كتاب القانون لابن سينا في الجزءين الثاني والخامس، فذكر في الجزء الثاني الأدوية المفردة وفي الجزء الخامس والأدوية المركبة، احتوى الجزء الثاني على ست مقالات، المقالة الأولى2 في تعرف أمزجة الأدوية، والمقالة الثانية في تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالتجربة، والمقالة الثالثة في تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس، والمقالة الرابعة في تعرف أفعال قوى الأدوية المفردة، والمقالة الخامسة في أحكام تعرف بالأدوية من خارج، والمقالة السادسة في التقاط الأدوية وادخارها، وقد قسم ابن سينا الجزء الثاني من الكتاب إلى قسمين، القسم الأول وضع فيه دراسة دقيقة لماهية الدواء وميزاته، وأثره في الجسم وطريقة حفظه، ثم خص القسم الثاني بمفردات الأدوية نفسها، وقد رتبها ترتيبًا أبجديًا، فذكر في حرف الألف على
__________
1 الموسوعة البريطانية، المجلد الثاني، ص813.
2 كتاب القانون في الطب، ابن سينا، الكتاب الثاني ص113 طبعة روما، 1593.
(1/81)

سبيل المثال الأنيسون وإلا فسنتين والآس والأشاقيا، والأسقيل والأنزروت والأثمد والأذربونة، وإليك نموذجًا مما كتبه في هذا الحرف:
أذربونة: "الطبع حار يابس في الثالثة، الزينة ينفع من داء الثعلب بالخل، آلات المفاصل، رماده بالخل على عرق النسا، قال دستوريدس أن الحبلى إذا مسته المرأة، واحتملته أسقطت من ساعتها، السموم: ينفع من السموم كلها وخصوصًا اللذوع"، ومن حرف الحاء حجر القمر: "الماهية" يقال له براق وزبد البحر، ويؤخذ عند زيادة القمر ويوجد في بلاد العرب حفيف "الخواص"، فيما يقال يعلق على الأشجار، فيثمر "أعضاء الراس" يشفي من الصرع، ويعلق على المصروع تعاويذ متخذه منه، ومن حرف السين: سماني "الماهية" معروف "آلات المفاصل" أكل لحمه يخاف منه التمدد والتشنج لا؛ لأنه يأكل الحريق فقط بل؛ لأن في جوهره هذه القوة، وأظن أن اعتذاه بالحريق هو لمشاكلة المزاج.
أما الجزء الخامس من الكتاب فقد بدأه ابن سينا بما يلي: "لقد فرغنا في الكتب الأربعة من ذكر جل العلم النظري، والعملي الحافظ للصحة والعملي المعيد للصحة، وحان لنا أن نختم كتب القانون بالكتاب الخامس المصنف في الأدوية المركبة، ليكون كالقرابياذين للكتب، وقسمنا هذا الكتاب إلى مقالة علمية نشير فيه إلى أصول علم التركيب، وإلى جملتين جملة في المركبات الراتبة في القرابذنيات، وجملة في الأدوية المركبة المجربة في مرض، فإذا أوردنا هذه الوجوه الثلاثة ختمنا الكتاب"1، وإليك نماذج مما ضمن هذا الكتاب:
"فصل في صفة شراب الخشخاش" 2:
نافع لمن تتحدر لهم المواد، ويمنع الذين يتقيؤون الدم مرات "أخلاطه"
__________
1 كتاب القانون في الطب لابن سينا، ج5 ص177، طبعة روما 1593م.
2 المرجع نفسه ص215.
(1/82)

يؤخذ من الخشخاش المنتقي مئتين عددًا، ومن ماء المطر خمسة عشر رطلًا وينقع فيه ثلاثة أيام، ويطبخ حتى يذهب عنه النصف، ويعصر الخشخاش ويرمى به ويصفى الماء جيدًا، ويكال منه أربعة أرطال ونصف وكل العسل، ومن السلاقة من كل واحد رطلًا ونصفًا، ويطبخ حتى يصير له قوام ثم يدق اقاقيا وزعفران ومر وجلنار، وعصارة لحية التيس من كل واحد درهم يخلط جيدًا، ويرفع في إناء ويستعمل.
إن الطريقة التي اتبعها ابن سينا لا تختلف كثيرًا عما جاء به أرسطو، وما سبقه من الأطباء حيث ذكر في القانون أن جميع الكائنات المادية تتألف من أربعة عناصر أساسية، هي التراب والماء والهواء والنار1، أما الكيفية فهي اليبوسة والرطوبة والبرودة والحرارة، وذكر بأن للماء كيفية باردة رطبة فوجوده في الكائنات يجعلها سهلة التشكيل، والتكيف والتعديل، أما الهواء فحار رطب ووجوده في الكائنات يفيدها التخلخل، والتلطف أما النار فهي حارة يابسة وفعلها في الكائنات يلطف وينضج، أما التراب فبارد يابس في طبعه، ووجوده في الكائنات يفيد التماسك والثبات، وحفظ الأشكال.
ثم يعلق ابن سينا على الماهية والعرض، فماهية الماء كما قال باردة بطبعها، أما إذا سخن الماء فإنه يطرأ عليه عارض يجعله ساخنًا، أي حارًا. وهكذا حذا في شرح المكونات الثلاثة الأخرى حذو ما شرحه في الماء.
__________
1 لو صح لنا مجال لشرح هذه النظرية لأثبتنا أن جميع الأحياء تفنى بفقدان واحد منها، إلا أن ضيق المجال يحول دون الخوض في هذا البحث.
2 دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الرابع، ص397.
(1/83)

البيروني: "ت: 441هـ-1050م"
هو، الأستاذ أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، ولد بضاحية من ضواحي خوارزم2، والبيروني في مؤلف عربي شهير، وتختلف المصادر في أصله، فمنها ما اعتبره فارسيًا1 وادعى الأتراك بأنه تركي2 الأصل، والحقيقة أنه من خوارزم ذلك ما ذهبت إليه المصادر الموثوقة.
ويذكر سارتون أن البيروني سائح وفيلسوف ورياضي وفلكي، ويصفه بأنه موسوعي وواحد من أعظم علماء الإسلام، والكل يعتبره من أعظم العلماء في كل العصور والأزمان، واتصف بطابع التسامح، والحب للحقيقة والشجاعة الفكرية، فما ماثله أحد في القرون الوسطى.
لم يدع البيروني بابًا من أبواب العلم والمعرفة إلا وطرقها، ولا شاردة من شوارد التاريخ والاجتماع إلا وأوثقها، فأبدع إبداع العالم فيما توصل إليه من الحقائق العلمية بأسلوب علمي متين، وتضلع من اللغات الحية آنذاك لاستقاء معلوماته من مناهلها الأصلية دون تحريف في الترجمة متعمد، أو تشويه دون قصد.
لقد برز البيروني بالصيدلة، ولا سيما في كتابه الموسوم "كتاب الصيدنة"، وهو كتاب مخطوط ومحفوظ في المتحف العراقي3، ويقع المخطوط في سبع وعشرين وأربعمائة صفحة، وكتبها إبراهيم بن محمد بن إبراهيم التبريزي المعروف بغضنفر، وكان ذلك في أواخر سنة 678هـ، ويذكر الناسخ أنه كان على ظهر الورقة الأولى من النسخة التي نسخ منها نسخة بخط الشيخ الإمام الفاضل ظهير الحق، أبي المحامد محمد بن مسعود بن محمد الزكي الغزنوي، ما صورته "النسخ الموجودة كلها منقولة من السواد، وكان السواد بخطي الشيخين رحمهما الله، وهما الشيخ أحمد النهشعي والأستاذ أبو ريحان البيروني،
__________
1 مقدمة في تاريخ العلم "اللغة الإنكليزية" سارتر، ج1، ص707-709.
2 العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي، أولدوميلي، ترجمة د. عبد الحليم النجار ود. محمد يوسف موسى، دار القلم، ص191.
3 كتاب الصيدنة لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، مخطوط -مكتبة المخطوطات للمتحف العراقي، رقم 1911.
(1/84)

ومتن السواد بخط الشيخ أحمد لذكر أدوية مشهورة موجودة في الكتب كلها، وحواشيه بخط الأستاذ البيروني مقرمطًا مشوشًا على سطور مختلفة الأوضاع، وحروف منقوصة لشرح تلك الأدوية، ولذكر أدوية غريبة، وشرحها بالأسامي المختلفة والمعاني المتفاوتة، فلذلك جاءت النسخ كلها مختلفة الكلمات بالزيادة والنقصان، والتصحيف والتحريف والترتيب، والتبويب إلا نسخة نقلتها، وقابلت هذه النسخة بها بعون الله وتوفيقه، تداولت الأيام بالنوبة لمحمد بن مسعود بن محمد الزكي في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فتصحفه وكان صاحبه مصحفًا فصحح المقابلة، وكان بعض الكلمات في السواد مقطوعة الباقي لتقويس الكتابة لذلك جاءت بتراء "فيستطرد فيقول": انتهى كلام الإمام محمد الغزنوي فيما حكاه من حال هذا الكتاب، وكانت الحواشي المكتوبة في هذه النسخة كلها أيضًا بخطه رضي الله عنه".
يستهل البيروني كتابه الصيدلة بعد مقدمة قصيرة بخمسة فصول قصار، خص الفصل الأول بالتعريف اللغوي لكلمة صيدلة وصيدنائي، ويذكر أن هذه الكلمة عربت من لفظة "جندل" الهندية، ويقول: إن ولوع الهند بالصندن يفوق ولوعهم بسائر أهضام العطر، وأفواه الطيب ويسمونه "جندن" و"جندل"، وكان باعة الصندن من العطارين الذين يجيدون مزج العطور والأدوية، ويقال لمفردهم "جندنائي"، وقد اعتاد العرب قلب حرف "جيم" الأعجمية إلى حرف الصاد، وأورد أمثلة عديدة منها الصين على سبيل المثال، وهكذا أصبحت لفظة الجندنة صيدنة، ويطلق على من يمتهن هذه المهنة صندناني، ولو أن البيروني نفسه يمثل كلمة صيدلاني على كلمة صيدناني، فيقول ما نصه: "الصيدنة أعرف من الصيدلة والصيدلاني أعرف من الصيدناني، وهو المحترف بجمع الأدوية على أحمد صورها، واختيار الأجود من أنواعها مفردة ومركبة على أفضل التركيب التي خلدها له مبرزو أهل الطب، وهذه أولى مراتب صناعة الطب"1.
__________
1 كتاب الصيدنة -مخطط- ص4-5.
(1/85)

وضمن الفصل الثاني الأدوية والعقاقير، ويذكر أن كلمة العقاقير قد جاءت من اللغة السريانية1، حيث أن الجرثومة، والأرومة تسمى في السريانية عقارًا، وصنف البيروني العقاقير إلى ثلاثة أنواع، الأدوية والأغذية والسموم، منها ما هو مفرد ومنها ما هو مركب، وقد يكون العقار دواء غذائيًا، أو دواء سميا ولا يحسن تركيبها إلا الطبيب البارع المجرب، الذي يستطيع تخفيف وطأة السم على الجسم بمزجه مزجًا صحيحًا مع الدواء ليحصل الجسم على الفائدة المطلوبة، وقد أشاد بحذق أطباء السموم في الهند، حيث يختص طبيب السم في هذا الفرع، كما يختص الكحال والجراح، والفصاد كل في مجال عمله، واعترف البيروني بأنه لم يشهد طبيبًا من المعروفين باستعمال السموم، إلا أنه قرأ في كتب كثيرة من ولائهم، وأحوالهم في كتب أحكام الهند.
ويتطرق البيروني في الفصل الثالث إلى تعريف الصيدنة تعريفًا مطولًا، ثم يطلب إلى الصيدلاني التعرف على ما كتبه "ديسقوريدس"، وما أضاف وجدد "جالينوس"، ويحث الصيدلاني عن الاطلاع على كل ما جمعه الأطباء المحدثون أمثال يحيى بن ماسويه، وما سرجويه، ومحمد بن زكريا -ويقصد به الرازي- وأبي زيد الأرجاني.
ويشترط البيروني في الصيدلاني الناجح أن يجيد أمرين أحدهما الحذف، والثاني التبديل، وقد شرح الحذف بأنه نقصان عقار واحد من الدواء المركب، وهو يوصي الطبيب أن يصف الدواء الذي ينقصه عقارًا واحدًا، إذا لم يتوافر ذلك العقار، ويعتمد في ذلك على فعل العقاقير الأخرى التي يحتويها الدواء، فيقول: إن عوز الطبيب إلى عقار واحد في دواء مجرب يجب أن لا يحول دون
__________
1 لقد نسي أبو الريحان أن السريانية فرع والعربية أصل، وهي لغة الجزيرة العربية التي تفرعت منها السريانية وغيرها.
(1/86)

إعطائه للمريض وحرمانه من الانتفاع به، ويضرب لذلك أمثالًا عديدة منها أن اليد التي ينقصها أصبح واحد تتمكن من المسك، والقيام بالأعمال الأخرى.
أما التبديل فهو أصعب من الحذف، إذ يتضمن نقصان مركب لكامله، أو بعض عقاقيره فإذا كانت مكونات المركب غير متوافرة ولكن مثيلاتها، التي يكون فعلها أقل من المكونات الأصلية بين يدي الصيدلاني، فعليه أن يركب الدواء من المثيلات في النوع على الرغم من رداءة نوعها، إذا ما قورنت بالمكونات الأصلية.
ثم يستطرد البيروني، فيطلب إلى الصيدلاني تغيير نسب مكونات الدواء، حسب قوة كل عقار بمفرده على أن يراعي في ذلك الحفاظ على مشاكلة الدواء الأصلي.
وقد يضطر الصيدلاني إلى تبديل عقار، أو دواء مركب بآخر يظاهره في الجنس وليس في النوع، وهذا التبديل يحتاج إلى معرفة أكيدة وخبرة طويلة، وتجارب عديدة، إذ لا ينفرد العقار في فعل واحد في الجسم، بل إن منها ما يؤثر في أكثر من فعل واحد قد يفيد في موضع، ويجلب الضر في مواضع أخرى، وعلى من يقوم بهذه العملية أن يكون ملمًا إلمامًا شاملًا بالأدوية والعقاقير، وفعل كل منها في مواضع الجسم.
وفي الفصل الرابع يتطرق البيروني إلى مآثر اللغة العربية وجمالها، وسعتها كما أسلفت1.
وتكلم في الفصل الخامس عن ولعه في العلوم والمعرفة، ويقول عن نفسه أنه يعرف العقاقير والأدوية في أكثر اللغات المعروفة فهو يجيد العربية، والفارسية، والسريانية، واليونانية، والتركية، وعددًا من اللغات الهندية.
__________
1 راجع مقدمة بحث الصيدلة.
(1/87)

وقد صنف المواد تصنيفًا مشابهًا لما سجله الرازي1، واعتمد في ذلك حروف المعجم بدلًا من الترتيب الأبجدي؛ لأن الترتيب الأول أعم -على حد قوله.
وذكر أغلب المواد التي ذكرها الرازي في كتابيه الحاوي وسر الأسرار، وأشار إلى المصدرين نفسيهما، وأخذ عن أبي حنيفة الدينوري الأدوية النباتية، والنباتات
الطبية، وذكره في كتاب الصيدنة مرات عديدة، واعتمد في الكتابة عن الحيوان
ومنتجاته والأحجار، والأملاح، والمعادن، والأصباغ، على مصادر كثيرة لعدد كبير من المؤلفين، والأطباء الذين تقدموا عليه من حيث التاريخ، مثل جالينوس والجاحظ وحنين وأرسطو، وثابت بن قرة وابن ماسويه وأورباسيس وابن دريد والأهوازي، وابن معاذ والدمشقي وأبي الخير وابن ماسة وأبي جريج، والكندي وأبي نصير النيسابوري، وغيرهم2.
وحين يكتب البيروني عن مادة من المواد يذكر اسمها بلغات عديدة، ثم يبدأ بوصفها إن شهدها بنفسه، أو يشير إلى المصادر التي استقى معلوماته منها، وقد يذكر مصادر عديدة في شرح مادة واحدة، ويوجز أحيانًا في شرح المواد التي لا يعرفها معرفة جيدة، ولا تتوافر لديه مصادر عديدة عنها، كما يختصر في الكتابة عن المواد المألوفة، وإليك بعض النماذج:
أباغورس أو أباخورس: وجد في ثبت الأسماء لحنين أنه عقار يسمى بالعربية الذبح والذبحة، وقال جالينوس: إنه منتن الرائحة حاد.
أراك: شجر معروف يستاك بقضبانه وثمره البرير، وإذا كان غضًا فهو المرد، قال أبو حنيفة للأراك ثلاث ثمرات: الكباث ضخام يكاد أن يشبه التين، والمرد ألين وأكثر رطوبة من لون الكباث، والبرير كالجوز الصغار، وقال
__________
1 مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السادس عشر، ص118-121، عام 1968م.
2 كتاب الصيدنة، مخطوط، المرجع الذي ذكر سابقًا.
(1/88)

ابن الأعرابي البرير والكباث جنسان، وقال الأصمعي المرد هو الغض منه والكباث هو المدرك والبرير يجمعهما، وقال غيره الكباث الذي لم يدرك والمرد النضيج، وعلى تضاد هذه التفاسير، فإنها تخالف تصوير أبي حنيفة إياها، فيوجب التساوي بين الأنواع الثلاثة المذكورة، وإنها لا تختلف إلا بتغايير الأحوال الطارئة عليها بين النشوء والإدراك.
أسارون: الاسم رومي ويسميه بعض الناس ناردينا بريًا أو سنبلًا بريًا، وبالسريانية ناردينا دبرن، وكذلك سماه دسقوريدس، وهو ينبت في الجبال طيب الرائحة يشبه ورقة ورق قسوس، الذي هو شجر اللاذن لكنه أصفر منه وأشد استداره ... وزاد يحيى بن ماسويه في صفات دسقوريدس إياه أن بزره يشبه القرطم، وقال جالينوس الذي ينفع منه هو أصوله، وقوته قوة الوج ... وقال الرازي بدله مثله قردمانا ... إلخ.
جوز هندي: هو النارجيل.
جوز زوان: حشيشة تنفع القلاع.
العمرد: قيل هو الكرفس.
يتضح من الأمثلة السالفة أن البيروني قد أورد كل ما كتب عن المادة، وينقل رأي كل مؤلف بأمانة، وإخلاص لإظهار التباين بين الآراء، ثم يثبت رأيه الخاص
في نهاية الحقل.
(1/89)

موسى بن ميمون: "ت: 601هـ-1204م":
هو، موسى بن ميمون بن يوسف بن إسحاق أبو عمران القرطبي، طبيب وفيلسوف يهودي، ولد وتعلم في قرطبة وتظاهر بالإسلام، ثم عاد إلى دينه الأول وأقام في القاهرة سبعة وثلاثين عامًا، كما كان في بعض تلك المدة طبيبًا في
البلاط الأيوبي ومات بها، كتب عددًا من المؤلفات في الفلسفة وفي الطب ومن كتبه الطبية "الفصول -مخطوط-"، وعرف هذا الكتاب بفصول القرطبي
(1/89)

أو فصول موسى وترجم إلى اللاتينية وطبع بها، أما الكتاب المطبوع فهو "شرح أسماء العقار"، وله مخطوط آخر هو المقالة في تدبير صحة الأفضلية، وله رسائل عديدة في الطب أكثرها لم تطبع بعد، مثل مقالة في بيان الأعراض، ورسالة في البواسير ومقالة في الربو، وكتب رسالة إلى صاحب دمشق أسماها "تلخيص كتاب حيلة البرء"1. وهناك عدد من الرسائل والكتب التي ألفها ابن ميمون، وقد جاءت بترجمته في المصادر2.
__________
1 الأعلام: خير الدين الزركلي -ط3، جـ8 ص284 بيروت.
2 أنظر في تاريخ ابن العبري، ص417.
أ- طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، جـ2 ص117 المطبعة الوهبية، القاهرة 1299هـ.
ب- دائرة المعارف الإسلامية، جـ1 ص285، القاهرة 1933. ترجمة محمد ثابت الفندي.
جـ- معجم المطبوعات العربية، يوسف سركيس، جـ1 ص330، مصر1928 "أوفسيت".
د- أخبار العلماء بأخبار الحكماء، القفطي ص209-210، مطبعة السعادة، مصر 1326هـ.
(1/90)

ابن البيطار: "ت: 646هـ-1248م"
هو، عبد الله بن أحمد المالقي، أبو محمد، ضياء الدين، المعروف بابن البيطار إمام النباتيين وعلماء الأعشاب، ولد في مالقة، وتعلم الطب، ورحل إلى بلاد الأغارقة اليونان، وأقصى بلاد الروم، باحثًا عن الأعشاب والعارفين بها، حتى كان الحجة في معرفة أنواع النبات وتحقيقه وصفاته وأسمائه وأماكنه، واتصل بالكامل الأيوبي "محمد بن أبي بكر"، فجعله رئيس العشابين في الديار المصرية، ولما توفي الكامل استبقاه ابنه "الملك الصالح أيوب"، وحظي عنده واشتهر شهرة عظيمة، وهو صاحب كتاب "الأدوية المفردة -ط" ويقع في أربعة أجزاء، ويعرف بمفردات ابن البيطار، وله "المغني في الأدوية المفردة -مخطوط-" مرتب على مداواة الأعضاء، و"ميزان الطب-مخطوط".
(1/90)

توفي في دمشق1.
أما كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" فمن أجل كتبه، فقد ذكر فيه ماهيتها وقواها، ومنافعها، ومضارها، وإصلاح ضررها، والمقدار المستعمل من جرعها أو عصارتها أو طبيخها، والبدل منها، ووضع هذا الكتاب مشتملًا على ما رسم به وعرف بسببه، وأودع فيه أغراضًا يتميز عما سواه، ويفضل على غيره، بما اشتمل عليه وحواه، فالغرض الأول من هذا الكتاب2 استيعاب القول في الأدوية المفردة والأغذية المستعملة، والغرض الثاني صحة النقل فيما ذكره عن الأقدمين وأحرزه عن المتأخرين، وما صح لديه بالمشاهدة، ورتبه على حروف المعجم، وكذلك التنبيه على كل دواء وقع فيه وهم أو غلط من متقدم أو متأخر، وقد بين فيه أسماء الأدوية بسائر اللغات مع العلم بأنه لم يذكر فيه اسم دواء، إلا وفيه منفعة مذكورة أو تجربة، وأورد فيه كثيرًا من الأماكن التي تنبت فيها الأعشاب التي تصلح دواء3، وذكر أصناف الأدوية وأورد بعض الأمثلة على ذلك:
1- جار النهر: دسقوريدس في الرابعة يوطاموغيطن، سمي بهذا الاسم؛ لأنه يكون في المواضع التي فيها المياه والآجام، وهو ورق شبيه بورق السلق ظاهر على الماء ظهورًا يسيرًا وعليه زغب، جالينوس في "8" هذا يبرد ويقبض على مثال ما تفعل عصا الراعي، إلا أنه أغلظ جوهرًا منها. دسقوريدس: وهو يبرد ويقبض ويوافق الحكة والقروح العتيقة والخبيثة4.
2- حجر الشريط: وهو حجر المرمر.
3- حدج: هو بطيخ الحنظل إذا ضخم قبل أن يصفر.
__________
1 الأعلام: خير الدين الزركلي، ط3 جـ4، بيروت. بدون سنة طبع. ثم انظر مصادره في طبقات الأطباء جـ2 ص133. ونفح الطيب جـ2 ص683. وآداب اللغة جـ2 ص241. وبروكلمان ودائرة المعارف الإسلامية جـ1 ص144.
2 الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ابن البيطار، الجزء الأول، ص260، طبعة الأوفسيت مكتبة المثنى -بغداد، الأصل طبعة القاهرة عام 1291هـ.
3، 4 المرجع المذكور أعلاه نفسه، الجزء الثاني ص12-14.
(1/91)

4- سرة الأرضى: وهو النبات المسمى باليونانية أوطوليدوز، وقد ذكرته في حرف القاف، ويسمى بأذن القسيس أيضًا1.
5- سراج القطرب: التميمي بكتابه المرشد هو البيروح الوقاد، ويسمى شجرة الصنم، وهذه الشجرة هي سيدة اليباريج السبعة، وزعم هرمز أنها شجرة سليمان2.
6- قومن: هو المرز وسيأتي في حرف الميم التي بعدها زاي معجمة، الغافقي، قال الرازي: هي حشيشة تنبت بين الحنطة وغيرها، وتسمى المثلث.
والظاهر أن كتابة ابن البيطار قريبة جدا من الأسلوب العلمي الحديث، فنراه يذكر أسماء من نقل عنهم، مثل دسقوريدس وجالينوس وغيرهم من حكماء اليونان، كما يذكر الرازي والتميمي وغيرهما من أطباء وصيادلة العرب، ثم يأتي بما خبره بنفسه، وقد يذكر اسم المادة بما عرفت في الوقت الذي عاش فيه3.
__________
1، 2 المرجع نفسه، الجزء الثالث، ص10-12.
3 المصدر نفسه، الجزء الرابع، ص40.
(1/92)

كوهين العطار "داود العطار" "ت: بعد 658هـ-بعد 1260م":
هو، داود ابن أبي نصر بن حفاظ المعروف بكوهين العطار الإسرائيلي، الهاروتي "أبو المنى" طبيب. أقام بالقاهرة ومن أحسن آثاره منهاج الدكان في الطب4. ويذكر حاجي خليفة5 أن داود العطار قد جمع الكتاب من
__________
1معجم المؤلفين، كحالة، ج4 ص143. مطبعة الترقي بدمشق، 1957م.
2 كشف الظنون، حاجي خليفة، ج1 ص1871، طبع أوفسيت. مكتبة المثنى، بغداد 1378هـ.
(1/92)

الدستور المارستاني وغيره من العديد من الاقرباذينات المختارة كالإرشاد والمكي، والمنهاج، وأقرباذين ابن التلميذ، يتألف الكتاب من خمسة وعشرين بابًا، فالباب الأول "فيما ينبغي لمن استصلح نفسه أن يكون متقلدًا لعمل هذه المركبات أن يكون على غاية من الدين والثقة، والتحرز والخوف من الله تعالى أولًا ومن الناس ثانيًا"، والبال الثاني "في عمل الأشربة وطبخها وما يصلحها إذا فسدت"، والباب الثالث "في الربوب وتربيبها"، وذكر رب السفرجل، رب الرمان، رب التفاح، رب الجوز، رب توت السكر، وذكر بأن الأخير يفيد في خشونة الحلق، وقال بأنه يعمل من ماء توت يغلى على نار فحم حتى يبقى منه الربع، ويضاف إليه نصف وزنه سكرًا ويقوم ويرفع، الباب الرابع: "في المربيات وترتيبها"، وذكر طريقة عمل هذه المربيات، والباب الخامس: "في المعاجين وعجنها" الباب السادس: "في الجوارشات وتركيبها"، وذكر تحت هذا الباب كثيرًا من الجوارش مثل جوارش الكمون، وجوارش الأسقف وذكر بأن الأخير نافع من القولنج، ويسكن الآلام القوية ويطرد الرياح، ويسهل البطن وينفع أوجاع الظهر والخاصرة، ثم يستطرد في شرح طريقة تحضيره، الباب السابع: "في السفوفات ودقتها"، وذكر سفوف حب الرمان وسفوف البلح وغيرها، وطريقة عمل كل منها. الباب الثامن: "في الأقراص وتقريعها"، وعدد عددًا منهامع طرائق تحضيرها، الباب التاسع: "في اللعوقات"، وذكر على سبيل المثال لعوق الكرنب ولعوق البزور ولعوق اللوز وغيرها. الباب العاشر: "في الحبوب وكيفية تحبيبها". الباب الحادي عشر: "في الأرياجات وتدبيرها والمطبوخات المسهلة وغيرها"، وذكر عددًا منها مع طرائق تحضيرها مثل أيارج جالينوس وأيارج روفس وغيرها. الباب الثاني عشر: "في الأكحال"، وذكر عددًا منها مثل كحل الروسنايا وكحل جلاميرد، وخص البال الثالث عشر: "في عمل الأشيافات وذكر بسائطها ومنافعها". الباب الرابع عشر: "في المراهم" وذكر مرهم النحاس ومرهم الزفت، ومرهم جالينوس، ومرهم للحبة التي لا
(1/93)

تعرف، ومرهم الاسفيذاج، البال الخامس عشر: "في الأدهان والبخورات وكيفية اتخاذها"، مثل دهن القسط ودهن يسود الشعر ويقويه، ومن البخور المعروف بدخنة اليهود وبخورات الهياكل، الباب السادس عشر: "في الأطلية واللطوخات"، ومنها طلاء ينفع الأورام الحارة، طلاء للبرص وغيرها. الباب السابع عشر: "في السنوسات وأدوية الفم وغير ذلك"، وذكر تحت هذا الباب قرص الرازيانج ودواء للفتق. الباب الثامن عشر "في الفتائل والقابضة"، وأشار إلى فتيلة مسهلة، وبحث الفرازع تحت هذا الباب مثل فرزعة تحبس النزف المفرط. الباب التاسع عشر "في الضمادات والجبارات والسعوطات والنفوخات"، الباب العشرون "في إبدال الأدوية التي يتعذر وجودها في الوقت الحاضر ودعت الضرورة إلى تركيب دواء منها، وهو مرتب على حروف المعجم". الباب الحادي والعشرون "في شرح أسماء الأدوية المفردة التي يمكن أن يحتاج إليها في تركيب الأدوية، وربما جهلت عند بعض الناظرين فيه، وهي مرتبة على حروف المعجم". الباب الثاني والعشرون "في الأوزان والمكاييل على حروف المعجم وألفاظ مجهولة". الباب الثالث والعشرون "في وصايا ينتفع بها في ذلك". الباب الرابع والعشرون "في كيفية اتخاذ الأدوية المفردة، وفي أي زمان وفي أي مكان، وفي أي الأشياء تخزن وما يفسدها فيتوقى وما يصلحها، فيعتمد عليه وما يعمل مع بعض الأدوية المفردة مما يمنع فسادها ويحفظ قوتها، وفي أعمال الأدوية وما يدبر الأدوية المفردة قبل تركيبها، وهو الكلام في اتخاذها وإعدادها لوقت الحاجة إليها".
الباب الخامس والعشرون "في امتحان الأدوية المفردة والمركبة، وذكر ما يستعمل منها وما لا يستعمل".
(1/94)

داود الأنطاكي: "ت: 1008هـ-1600م"
داود بن عمر الأنطاكي، عالم بالطب والأدب، كان ضريرًا، انتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه. ولد في أنطاكية، درس اللغة اليونانية فأحكمها.
أقام في القاهرة مدة اشتهر بها، ثم رحل إلى مكة فأقام سنة وتوفي في آخرها.
ومن تصانيفه "تذكرة أولي الألباب" في الطب والحكمة، ويقع في ثلاثة مجلدات، يعرف بتذكرة داود، وله "النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان، وتعديل الأمزجة" و"غاية المرام في تحرير المنطق والكلام"، و"نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان"، و "زينة الطروس في أحكام العقول والنفوس"، و"النية في الطب" و"كفاية المحتاج في علم العلاج" و"شرح عينية ابن سينا" و"رسالة في علم الهيئة"، وله شعر1. ويعتبر كتابه "التذكرة"2، من أهم كتبه في باب الصيدلة والطب، جمع فيه كل شاردة، وانفرد بغرائب الترتيب ومحاسن التنقيح والتهذيب، ورتب الكتاب على أربعة أبواب وخاتمة، أما المقدمة فتناولت تعداد العلوم المذكورة في الكتاب، وحال الطب معها، ومكانته، وما ينبغي له ولمتعاطيه، وما يتعلق بذلك من الفوائد3، وإليك محتويات الأبواب والخاتمة:
الباب الأول: في كليات هذا العلم والمدخل إليه.
الباب الثاني: في قوانين الأفراد والتركيب، وأعماله العامة وما ينبغي أن يكون عليه من الخدمة في نحو السحق والقلي والغلي، والجمع والأفراد، والمراتب والدرج وأوصاف المقطع، والملين والمفتح ... إلخ.
الباب الثالث: في المفردات والمركبات، وما يتعلق بها من اسم وماهية ومرتبة، ونفع وضرر، وقدر وبدل وإصلاح، مرتبًا حسب حروف المعجم.
الباب الرابع: في الأمراض وما يخصها من العلاج وبسط العلوم
__________
1 الأعلام: خير الدين الزركلي، ط3 ج3، بيروت "بدون سنة طبع".
2 أنظر: خلاصة الأثر ونظم الدرر -مخطوط- ج2، ص140-149.
3 كشف الظنون، ص386، وفاته سنة 1005هـ، في هامش شذرات الذهب، ج8 ص415، وفاته سنة 1011هـ.
(1/95)

المذكورة، وما يخص العلم من النفع وما يناسبه من الأمزجة، وما له من الأمزجة، وما له من المدخل في العلاج.
الخاتمة: جمع فيها بعض النكت والغرائب، واللطائف والعجائب، وإليك بعض ما جاء في الكتاب، وقد احتوى على ألفي عقار تقريبًا "الوسن، أطربال، أبهل، أبريسم، أبنوس".
فاغرة: ويقال فارغة وملآنة، حب كالحمص فيه تشقيق، داخله حبة صغيرة سوداء ويه مرارة وقبض، من منابت الهند، حار يابس في الثانية، يستفرغ الأخلاط الغليظة خصوصًا السوداوية، وينفع من الوسواس والجنون، والرياح الغليظة والسدد، ويقوي المعدة والهضم، ويقطع الإسهال المزمن، ويصلح سائر أمراض الباردين ويضمد المحرورين، سيما أن قلنا أنه في الثالثة وتصلحه الكزبره، وشربته درهم، وبدله مثله صندل ونصفه قسط.
ملاحظة: لقد جاء داود الأنطاكي متأخرًا من حيث الزمن، أي بعد أن بزغت الحضارة الأوروبية، وبعد أن عقد أول مؤتمر للصيدلة ووضع تعريفها عام 1597م في أوروبا وجاء التعريف: "الصيدلة فن وتحضير وتركيب الأدوية وفقًا لوصفات الأطباء"1، إلا أن كتاب التذكرة قد طبع مرارًا عديدة، ولا تخلو مكتبة عامة أو مكتبة خاصة جيدة من نسخة من التذكرة في جميع البلدان العربية، ولا زلت أذكر بعض الأطباء والعطارين الذين اعتمدوا "التذكرة" في علاجهم، وكان ذلك في الثلاثينات من هذا القرن، الأمر الذي حدا بي أن أسجله ضمن التراث العربي في الصيدلة.
__________
1 الموسوعة البريطانية ص692. Encyc. Britannica.. P, 692
(1/96)