Advertisement

تاريخ العلوم


تاريخ العلوم




تاريخ العلوم

اختراعات واكتشافات وعلماء‏‏‏‏‏‏‏‏

تأليف
كلود بريزنسكي

ترجمة
سارة رجائي يوسف



تاريخ العلوم

Histoires de Sciences

كلود بريزنسكي
Claude Brezinski
الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم بتاريخ مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافةإن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ، القاهرة
جمهورية مصر العربيةتليفون:         فاكس: ?البريد الإلكتروني:
الموقع الإلكتروني: بريزنسكي، كلود.
تاريخ العلوم: اختراعات واكتشافات وعلماء/تأليف كلود بريزنسكي.

     ?- العلوم – تاريخ     ?- الاختراعات     ?- الكشوف العلمية          أ- العنوان
تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.Histoires de Sciences.© L’Harmattan, 2006.5–7 rue de l’Ecole Polytechnique, 75005 Paris, France.This edition has been translated and published under licence from Editions L’Harmattan.All rights reserved.

مهنة الباحث

كيف يجرى البحث العلمي؟ كيف نتوصل إلى الاكتشافات؟ كيف تأتي الأفكار للباحثين؟ هل الإبداع فطري أم يمكن تنميته وصقله؟ تساؤلات عديدة تطرح دائمًا، لا سيما عندما لا يكون المرء ضالعًا بصورة مباشرة في العمل البحثي. وللرد على هذه التساؤلات، نقول على الفور: إنه لا توجد إجابة محددة؛ لأنه، وببساطة، لا توجد وصفة للبحث أو للاكتشاف أو الاختراع، ولو أن هذه الوصفة موجودة، لما كانت هناك ضرورة من الأساس لوجود باحثين؛ فقد نكتفي بتطبيقٍ أعمى لهذه الوصفة وندير مقبض الآلة أو الحاسوب (فالاثنان سواء) ثم ننتظر النتيجة. لكنني أُومِنُ، بالأحرى: بنجم الحظ، وبالإيحاء، وبالحدس، وبالقياس، وبالاستنباط، وبالدمج والتركيب، وبالتنوير المفاجئ، وربما بالعرابة وعصاها الساحرة، وبالمصادفة، وبالتجربة، وحتى بالخطأ. إنها عوامل تتدخل في جميع الاكتشافات العلمية لكن بنسب متفاوتة، قد تقل أو تزيد، بالطبع في أثناء العمل البحثي الذي يكون دائمًا شاقًّا وعنيفًا، وقد ذهب يهودي مينوهين (????–????) لأبعد من ذلك عندما كتب قائلًا: «لا يمكن الوصول إلى الكمال إلا إذا أصبح البحث العلمي نمطًا للحياة.» بيد أنه يمكن، بالاستناد إلى ما لدينا من شواهد وإثباتات، أن نشرح ما هو الإبداع وكيف تولد الأفكار الجديدة في عقول الباحثين. كذلك يمكن وصف المنهج العلمي للباحثين، وهكذا يمكننا أن نتوصل، شيئًا فشيئًا، بل وربما نفهم تمامًا، أو ندرك على الأقل كيفية بناء المعرفة العلمية، وكيف يتم إعداد ما يطلق عليه فرانسوا جاكوب? (ولد في ????) «علم الليل» الذي يختلف عن «علم النهار» ونجده في الأدلة وفي المقالات المنشورة في الدوريات العلمية المتخصصة. وكما قال رابييه — في خطابه الذي ألقاه بجامعة السوربون بمناسبة توزيع جوائز المسابقة العامة عام ???? — «إن أكبر خطأ نرتكبه في حق الاكتشافات العلمية هو فصلها عن مصادرها وعدم النظر إليها إلا من منظور الحقيقة وحدها.» ووفقًا لما ذكره عالم الفلك والرياضيات الفرنسي بيير سيمون لابلاس (????–????) فإن معرفة المنهج الذي أرشد أي رجل عبقري، ليس أقل فائدة من اكتشافاته ذاتها، سواء بالنسبة لتقدم العلوم أو بالنسبة لمجد هذا العالم الشخصي، فهذا المنهج هو دائمًا أكثر العناصر أهمية. أما جوتفريد لايبنتز? (????–????) فقد كتب قائلًا: «هناك شيء أكثر أهمية من الاكتشافات الجميلة، وهو معرفة المنهج الذي تمت به هذه الاكتشافات.»يجب عدم فصل هذه الاكتشافات عمن قاموا بها من رجال أو نساء، فعملية فصل العلم عن القائمين عليه تعرضه لخطر التحول إلى علم جاف غير إنساني، أو علم تقني بحت. فيجب ألا نغفل أن هذا العلم جزء من تاريخ البشرية، وأن القائمين عليه، قبل أن يصبحوا علماء، كانوا أطفالًا ومراهقين وطلابًا، وأنهم أسسوا عائلات وكانت لهم اتصالات بزملاء، وواجهوا العديد من المصاعب على جميع المستويات. سوف نرى، من خلال هذا الكتاب، كيف استطاعت الظروف والصدف، في بعض الأحيان، توجيه مستقبلهم المهني وأبحاثهم، بل وحتى حياتهم. إن العلم لم ينشأ من فراغ، بل تم بناؤه، كما سنفهم من الصفحات التالية، خطوة تلو الخطوة. وكل عالم استفاد من أعمال من سبقوه. فطريق الاكتشافات العلمية يتطلب دائمًا اتباع مسار طويل؛ لأن الصعود إلى القمة ليس بالأمر اليسير. والعلم يتقدم بخطًى بطيئة؛ لذا يتعين أن نترك المعارف تتراكم لتنضج، فهي ثمرة عمل العديد ممن أفنوا عمرهم في خدمة العلم، وكل واحد منهم أتى بلبنة ليضعها في هذا الصرح الجماعي، وبين الحين والآخر، يبرز فكر جديد ليخرج عن المألوف ويخطو في هذا المسار بخطًى عملاقة. لقد حاولتُ قدر المستطاع، من خلال هذا الكتاب، تجميع تاريخ عدد من الاكتشافات والاختراعات العلمية في مجالات كثيرة التنوع، وآمل أن أستطيع بذلك تقديم فكرة عن مسارات مختلفة من الممكن أن تسفر عن نتائج جديدة، سوف نرى، بهذه المناسبة، أن المسارات لا تختلف بين علم وآخر. على سبيل المثال، تعتبر علوم الطبيعة، في بعض الحالات، من العلوم التجريبية أكثر من علوم الرياضيات، بيد أننا سوف نرى أن التجربة تتدخل أيضًا في الرياضيات، سوف نرى أن عمل الباحث يبدأ، بصفة عامة، بمرحلة من التحضير والإعداد، يبحث خلالها جميع أوجه إشكاليته وينغمس في موضوع بحثه. ثم تأتي مرحلة تخمر الفكرة؛ حيث يعمل الفكر وحده بشكل تلقائي انطلاقًا من المعلومات المتراكمة خلال فترة الإعداد، إنها مرحلة هضم واستيعاب عقلي يتم خلالها دمج جميع المعارف المكتسبة سابقًا، حتى تلك التي ربما لا تمت بصلة إلى موضوع البحث. وبعد ذلك تبرز الاستنارة؛ وهي طبقًا لتعريف معجم ليتريه «المعرفة المباغتة التلقائية التي ليس بها مجال للشك مثل تلك التي يمنحنا إياها النظر للضوء وللأشكال الملموسة»، يصاحب هذه الاستنارة، في أغلب الأحيان، اليقين بالتوصل إلى الإجابة الصحيحة. فهذا التنوير الذي قد يحدث في أكثر المواقف غرابة، يبدو أنه يخرج عن نطاق أي منطق وأي تحليل. وهناك العديد من الشواهد التي تشير إلى ذلك. وفيما يبدو أن الإبداع الفني يمر بهذه الخطوات نفسها، فالاستنارة لا تطرأ، بصفة عامة، عند القيام بجهد لحل مشكلة ما؛ لأنه في هذه الحالة يكون المخ في حالة توقف تام، مثلما يحدث عند محاولة البحث عن كلمة ما ولا نجدها؛ ولهذا يكون المخ بحاجة إلى الراحة. فالباحث يجب أن يعرف متى يتوقف عن العمل بعض الوقت، وفي هذه اللحظة تظهر الاستنارة. تتمثل المرحلة الأخيرة من عمل الباحث في التأكد من صحة الحدس؛ إما بواسطة إحدى التجارب، وهذا يكون بالنسبة لعلوم الطبيعة؛ وإما بواسطة الإثبات، ويكون ذلك في علم الرياضيات. بيد أن الأفكار الأكثر غرابة والأكثر بعدًا عن العقلانية قد تنضج في هذه المرحلة، والحقيقة هي أنه في جميع أنواع الاكتشافات يقترب دائمًا — ودون شك — العقلانيُّ من اللاعقلانيِّ.ويكمن جمال أي اكتشاف، بصفة عامة، في أنه يتسم بالبساطة، مثال على ذلك إثبات علماء الرياضيات اليونانيين القدامى لنظرية الجذر التربيعي أو إثبات فيثاغورس. طالما تحدثنا عن الشعر في الرياضيات، والمقصود بذلك الأفكارُ الأكثر بساطة والتي تكون من ثم الأكثر جمالًا من الناحية الشكلية، والتي تأتي من ثمَّ بأكثر النتائج أهمية، بيد أن بساطة ووضوح بعض الاكتشافات لا يتأكد إلا عند تحققها.وفي هذا الصدد، ربما نستطيع ذكر العديد من الشواهد لعلماء وفلاسفة حاولوا تحليل مسار الخلق والإبداع العلمي. لكنني فضلت أن أترك للقارئ الفرصة لتكوين فكرة عن هذا المجال بسرد تاريخ بعض الاكتشافات والاختراعات. فإلى جانب الروايات المخصصة لإبراز مسار الاكتشافات، قمت — فقط للتوضيح — بذكر عدد آخر من المغامرات العلمية التي تبرز الخطوات والمسار العلمي، وعلى الرغم من ذلك، يمكننا القول: إن تنمية عمل بحثي وفقًا للمنهج الاستقرائي تتم على ثلاث مراحل: تحليل الحقائق المعلومة، وإعداد نموذج، والتأكد من هذا النموذج. ويتمثل هذا التأكيد، في مجال علوم الطبيعة، في القيام بملاحظات جديدة، وهذا ما تم — على سبيل المثال — بالنسبة لنظرية انحراف الأشعة الضوئية عند مرورها بأجسام سماوية كثيفة. هذا الانحراف تنبأت به نظرية النسبية وتمت ملاحظته عند خسوف الشمس عام ????، فإن لم يكن التأكد من النتيجة قاطعًا، يتم تعديل العينة ويتم إعادة التجربة للتأكد من النتيجة من جديد. وفي علوم الرياضيات، تتبع الخطوات نفسها من أجل ملاحظة نتائج جديدة. ففي الواقع، عقب تحليل عدد من النتائج السابقة ودمج الملاحظات الخاصة، يصل الباحث إلى صياغة فكرة ما لأنه على يقين من التوصل إلى نتيجة. فهذا هو النموذج الذي يعمل عليه؛ لذا فهو يحاول أن يصل إلى الإثبات، فإن لم يتوصل إلى ذلك، يتعين عليه إضافة فرضيات جديدة؛ أي تعديل النموذج، ثم يعيد خطوات الإثبات، وتلك هي الطريقة التي يسير بها العمل حتى التوصل إلى النتيجة النهائية، وعندها نصل إلى ما نطلق عليه اسم «النظرية». يعد التحليل الرقمي فرعًا من فروع علم الرياضيات؛ حيث يتم إعداد ودراسة الطرق التي تساعد على حل المسائل رقميًّا (وهو ما يطلق عليه اسم لوغاريتمات) بهدف التوصل إلى حلول رقمية تقريبية للمسائل الرياضية التي لا تستطيع الرياضيات التقليدية حلها، وهذا الحل الرقمي يتم بواسطة الحاسوب، ولوضع لوغاريتم جديد، تُتبع أيضًا الخطوات الاستقرائية ويكون فيها اللوغاريتم هو النموذج الذي يتم إعداده وإثباته فيتخذ شكل تجارب رقمية تجرى بواسطة الحاسوب.وربما يطول الحديث عن الفرق بين الاكتشاف والاختراع. فالاكتشاف يكون لشيء كان موجودًا من قبل، مثل مكونات البنزين أو الإلكترون، بينما الاختراع يكون لشيء جديد مثل أداة أو آلة أو تقنية أو لقاح جديد، إلا أن الحدود بين الاختراع والاكتشاف غير واضحة المعالم، فهل يمكن القول على نظرية جديدة، مثل نظرية النسبية التي فسرت ظواهر لم يكن لها تفسير آنذاك، بأنها اختراع، بما أنها لم تكن موجودة قبل أن يصوغها أينشتاين، أم أنها اكتشاف؛ لأن الطبيعة كانت خاضعة بالفعل لقوانين هذه النظرية قبل أن يتم تفسيرها؟ لنُنحِّ هذا الجدل جانبًا.ومثلما توجد أفرع متعددة للعلوم، هناك أيضًا فئات مختلفة من الباحثين. فهناك الباحث القوي المؤثر الذي ما إن ينطلق في عملية البحث، نجده يتبع الطريق الذي رسمه له أستاذه، وهناك من يشُقُّون طرقًا جديدة بالفعل ومبتكرة وذات نطاق واسع، وهناك القادرون على إيجاد حلول لإشكاليات مطروحة، والمبدعون القادرون على خلق أفكار جديدة، وهناك من يستكشف أقطارًا لا تزال بكرًا، ومن يسافرون لاكتشاف قمة جبلية تم رصدها من قِبل آخرين قبلهم، أو ينظمون بعثات استكشافية. وقد ذكر عالم الرياضيات مارك كاك (????–????) في سيرته الذاتية: في مجال العلوم — مثله مثل المجالات الأخرى من الأنشطة البشرية — يوجد نوعان من العباقرة: العباقرة العاديون، والعباقرة السحرة. العبقري العادي هو شخص قد يتساوى معي أو معك، فقط إذا كنا أفضل مما نحن عليه عدة مرات. ولا يوجد أي غموض في طريقته في التفكير أثناء العمل. وفور فهمنا لما يفعل، نتأكد من أننا قادرون نحن أيضًا على القيام بذلك. وهذا الوضع يختلف مع العباقرة السحرة؛ فحتى بعد فهمنا لما يفعلون، تظل الطريقة التي يعملون بها غامضة تمامًا.إن العباقرة العاديين يجدون تناظرًا بين بعض المفاهيم أو النتائج التجريبية أو النظرية، بينما يرى العباقرة السحرة، كما ذكر عالم الرياضيات البولندي ستيفن باناخ (????–????)، تناظرًا بين الأشياء المتناظرة. العباقرة يمتلكون موهبة الحدس، فهم يتنبئون بوجود كنز مجهول، وهم يعلمون، دون برهان ودون تحليل، ما يتعين عليهم معرفته، ويوجهون أنفسهم تلقائيًّا في الاتجاه المؤدي للاكتشاف المطلوب. هناك أيضًا العقول المنطقية والحدسية. فبعض العلماء يظلون في حالة عزلة وليس لديهم إلا عدد قليل من التلاميذ، بينما يؤسس البعض الآخر مدارس. إن هذه الاختلافات المزاجية بين الباحثين تفرض بالتأكيد شروطًا على نمط عمل كلٍّ منهم. فالبعض تجتذبه النظرية، والبعض الآخر يفضل التركيز على حل مشكلة محددة، وهناك فئة تهتم بتطبيقات الاكتشافات التي تم التوصل إليها، وفئة أخرى لا تهتم بذلك، فهناك دائمًا طريقة ذاتية لمعالجة العلم والحديث عنه، فكل عمل له سِمته الفريدة والذاتية ويحمل دائمًا بصمةَ مَن قام به. فهناك فئات لا حدود لها من الأنماط البشرية في مجال العلوم، مثلما يحدث في مجال الفنون والأدب والرسم، هذه الفئات المتنوعة من الباحثين ومن أنماط العمل تؤدي بإسهاماتها إلى تنمية وتطوير العلم، إلا أنه، على أي حال، توجد نقطة مشتركة بين جميع هذه الفئات من الباحثين في جميع العلوم؛ ألا وهي الولع بالعلم.ويجب عدم الاعتقاد أيضًا أنه لكي تُجرى اكتشافات علمية، يتعين بالضرورة امتلاك ثقافة موسوعية في مجال من المجالات، فليس كم المعارف هو المحك، بل القدرة الإبداعية وملكة خلق أفكار جديدة، والقدرة على النظر والتعليق الصحيح على كل ما يدور وكل ما يُلاحظ، فالخيال، في هذا الصدد، أهم من المعرفة، فالمطلوب توافره هو شكل مِن أشكال التفكير يختلف عن المستخدم في تسجيل المعرفة، دون امتلاك القدرة على استخدام هذا التفكير بهدف إبراز شيء جديد، ففي الحقيقة، وكما أشار العديد من الباحثين، الرغبة في قراءة كل شيء ومعرفةِ كل شيء حول موضوعٍ ما، ربما تكون ضارة؛ لأن ذلك من شأنه توجيه الفكر نحو طريق بعينه، كما أنها قد تضر بأصالة فكر الباحث، يتعين أيضًا معرفة طريقة طرح تساؤلات جديدة في الوقت المناسب والتمييز بين ما هو مهمٌّ وما هو أقل أهمية.لقد آثرت — في هذا العمل — الفصل بين تاريخ الاكتشافات العلمية والسيرة الذاتية للباحثين الذين قاموا بهذه الاكتشافات؛ مما يمنح القارئ حرية أكثر في التنقل على سجيَّته بين مختلف أنواع الاكتشافات. وقد قمتُ بذكر تاريخ ميلاد ووفاة الباحثين المذكورين؛ مما يسمح بالعثور على صفحات الويب المطابقة.وإنني آمل أن تستطيع هذه الصفحات القليلة عن العلوم والسير الذاتية للباحثين كشْفَ النقاب عما يحيط بمسار الاكتشافات العلمية، وربما إثارة الولع بالعلوم، ولم لا؟!علامةُ النجمة التي تلي اسمَ إحدى الشخصياتِ، تُبيِّن أن سيرته الذاتية مذكورة في فصل «المكتشفون».
شكر وتقدير

أود أن أوجِّه الشكر لزوجتي نيكول لقراءتها المتأنية لهذا النص وللتصويبات والتحسينات التي اقترحتها. كما أتوجه بالعرفان للسيد رينزو باولو فيدوفا على ما قدمه من إيضاحات حول تاريخ أنطونيو ميوتشي وجراهام بل. أتوجه أيضًا بالعرفان والتقدير للدعم الذي قدمته لي ميشيلا ريديفو زاجليا التي لم تضنَّ بتقديم المساعدة الدائمة لي. وكذلك للبروفيسور ريتشارد مورو الذي تفضل مشكورًا بقبول هذا العمل ضمن المجموعة التي يشرف عليها ويديرها، والذي أُكنُّ له كل تقدير على مَنحي الفرصة للاستفادة من معارفه الواسعة، وتقديمِه للعديد من الملحوظات البناءة وإرشاده لي لمصادر لم أكنْ على دراية بها، وأتوجه إليه بكل الامتنان والتقدير. وأخيرًا أتوجه بالشكر لجميع أفراد فريق دار نشر لارماتان لمساعدتي في الإعداد النهائي لهذا الكتاب.
دروب الكشف العلمي

سوف أروي في الصفحات التالية تاريخ عدد من الاكتشافات؛ بهدف توضيح أن دروب الكشف العلمي قد تكون ملتوية ومليئة بالتعرجات، وفي الغالب لا يمكن التنبؤ بها. فالكشف العلمي قد يكون انعكاسًا لحدث ما، أو واضحًا يسهل اكتشافه سريعًا، وقد يكون أيضًا ثمرة لصدفة بحتة أو نتيجة للحظة تنوير مفاجئة وما يتبعها من شعور باليقين، وقد ينتج أيضًا عن بعض الأخطاء. لقد أضفتُ أيضًا تاريخًا لعدد من الاكتشافات بدت لي، لسبب أو لآخر، ذات أهمية كبيرة، على الرغم من كونها لا توضح أقوالي. سوف نرى من خلال هذا الكتاب، أن عددًا من الروايات يتشابك ليبين مدى تأثير مجال ما على الآخر.وعندما يقوم العلماء برواية تاريخ اكتشافاتهم بأنفسهم، يترك لهم حرية الحديث. فلا شيء على الإطلاق يساوي قيمة سماع القصة من مصدرها الأول.كما أضفت، في الروايات التالية، بطريقة مباشرة، بعض بيانات عن السيرة الذاتية لبعض العلماء. وإلى جانب ذلك قمت في الفصل الثالث بإدراج سيرة ذاتية موجزة لأهم المكتشفين. وللاستدلال على العلماء المدرجة أسماؤهم في ذلك الفصل، أضفتُ علامة النجمة (?) بعد الاسم.ولقد حاولت، بالقدر المستطاع، في كل مجال من المجالات العلمية، عرض الأحداث بالتسلسل التاريخي للكشف العلمي الأساسي. بيد أن ذلك لم يكن دائمًا ممكنًا لكون بعض الروايات تمتد زمنيًّا وتضع في المشهد عددًا كبيرًا من الأشخاص. فكل رواية يمكن قراءتها منفصلة.(?) الرياضيات

(?-?) تربيع الدائرة

إذا أردنا الحديث عن مسألة كان يستحيل حلها، فسوف يقول الجميع إنها مسألة تربيع الدائرة. وعلى الرغم من ذلك، فقد جرى التوصل إلى حل لهذه المسألة نحو نهاية القرن التاسع عشر كما سنرى لاحقًا.ما هو مضمون هذه المسألة؟ المقصود هو إنشاء مربع باستخدام المسطرة والفرجار فقط وتكون مساحته مساوية لمساحة دائرة ما. يصعب معرفة أول من تعرض لهذه المسألة. إلا أن البداية تنسب دائمًا إلى الفيلسوف اليوناني أناكساجوراس الكلازومني (???ق.م–???ق.م). ومنذ ذلك العصر، أخذت هذه المسألة تجذب انتباه علماء الرياضيات المتخصصين، كما اهتم بها كثيرًا العديدُ من الهواة المغرمين بالرياضيات. وفي الواقع، كما حدث في نظرية «فيرما»، فإن عرض المسألة في غاية البساطة، وقد نتخيل بسهولة أن حلها بسيط أيضًا، وهو ما يخالف الحقيقة في واقع الأمر.ربما يتعين الاستعانة بكتاب كامل لذكر كم الإسهامات الخاطئة وتلك التي مهدت الطريق لحل هذه المسألة. لن أذكر إلا عددًا منها دون الدخول في تفاصيل تقنية. هذه المسألة تتعلق، بالطبع، بحساب العدد وهو حاصل قسمة محيط الدائرة على قطرها.يبدو أن أبقراط (???ق.م–???ق.م) كان أول من بحث في حل هذه المسألة. فقد كان مهتمًّا بتربيع أشكال هندسية أخرى، لكنه كان يعلم جيدًا أن طريقته ستفشل بالنسبة للدائرة. وقد تعرض علماء يونانيون آخرون لكن أقل شهرة لهذه المسألة أيضًا، إلا أن أرسطو (???ق.م–???ق.م) لم تعجبه جهودهم.أما الإسهام التالي، فقد جاء من قبل أرشميدس (???ق.م–???ق.م) في كتابه عن المنحنيات. فقد بين أن مساحة الدائرة تساوي مساحة المثلث المتساوي الأضلاع، الذي تتساوى أضلاعه على الترتيب مع نصف قطر ومحيط الدائرة. إلا أن هذا الإثبات لم يكن حلًّا للمسألة. أما أبولونيوس بيرجا (???ق.م–???ق.م) فقد استخدم، كما سنذكر لاحقًا، بعض المنحنيات من أجل تربيع الدائرة، إلا أننا لا نعرف أي نوع من المنحنيات كان المقصود بذلك. وعلى الرغم من أن هذه المنحنيات لم تكن قادرة على إثبات هذا التربيع، فإن علماء الرياضيات اليونانيين كانوا على قناعة بأن المسألة يستحيل حلها. لنغادرِ الآن العالم القديم، ولنذهبْ إلى الهند حيث كان علم الرياضيات شديد التقدم، وكذلك في الصين حيث أبدى أحد علماء الرياضيات، ويُدعى ليو هسنج — نجل الفيلسوف ليو هسيو الذي كان على اتصال بالبيت الإمبراطوري لأسرة هان — اهتمامًا بهذه المسألة في حوالي عام ??م. ومن المعروف كذلك، أن العالم العربي كانت له إسهامات عديدة في مجال الرياضيات ومن بينها مسألة تربيع الدائرة التي كانت ضمن مجالات بحوثهم. فلقد حاول الحسن بن الهيثم (???–????) إقناع معاصريه أن المسألة قابلة للحل ووعد بتأليف كتاب عن هذا الموضوع. لكن نظرًا لعدم ظهور هذا الكتاب، فمن الواضح أنه أدرك عدم القدرة على التوصل إلى الحل.وفي عام ????، نشر فرانكو دي لييج بحثًا عن تربيع الدائرة قام فيه بدراسة ثلاث طرق قديمة ترتكز على فرضية أن تساوي ، أو ، أو 4. ثم قدم رسمه باستخدام أي . وعلى الرغم من أن هذا العمل له أهمية تاريخية كبيرة، فإنه يبين بالأحرى مدى ارتباط التفكير والمنطق الرياضي في ذلك العصر بمثيله في العصر اليوناني القديم.إن طريقة نيكولا دي كوسا (????–????) الكاردينال الألماني الذي ولد بمدينة «تريف» التي تقع في إقليم ديوسيز بألمانيا، على الرغم من كونها طريقة خاطئة، فإنها تعد أولى المحاولات الجادة في هذا المجال. وترتكز هذه الطريقة على استخدام متوسط المضلعات المدرجة في الدائرة. وقد اكتشف عالم الفلك الألماني ريجيو مونتانوس (????–????) الذي ولد بإقليم كونيسبرج ومؤلف بحث في مجال حساب المثلثات؛ خطأً في طريقة الإثبات.هناك عدد كبير من علماء الرياضيات في القرن السادس عشر، انكبوا على دراسة هذه المسألة، حتى إن ليوناردو دافينشي (????–????) فكر في استخدام عدد من الآلات الحاسبة لحلها.لقد ساعدت نشأة علم التفاضل والتكامل في زيادة اهتمام علماء الرياضيات بهذه المسألة. قدم جريجوار دي سان فانسان (????–????) في كتابه المنشور عام ????، برهانًا خاطئًا للمسألة. ثم جاء دور جيمس جريجوري (????–????) للدخول والبحث في هذه المسألة. فقد كان يريد استخدام أفكاره التي كان قد طورها حول تلاقي المتتالية غير المنتهية من أجل محاولة إثبات عدم إمكانية تربيع الدائرة. فلقد كان يريد إثبات أن العدد (ط) لا يمكن أن يكون جذرًا لدالة كثيرة الحدود ذات أكثر من معامل؛ أي إن العدد (ط) عدد متسامٍ (يسمى عددًا متساميًا كل عدد حقيقي أو عقدي لا يكون حلًّا لأي معادلة حدودية). وهذه تعد خطوة جوهرية نحو الحل؛ نظرًا لأن استخدام هذه الخاصية سوف يقودنا إلى حل المسألة. ومن جانبه، فقد كان كريستيان هوجنس (????–????) يعتقد أن عدد جبريٌّ؛ أي جذر لدالة كثيرة الحدود.إلا أن يوهان هاينرش لامبرت (????–????) خطا خطوة ثانية في هذا المجال عندما أثبت في عام (????) أن العدد عدد لا كسري؛ أي لا يمكن أن يأتي على هيئة كسر. إلا أن هذا الإثبات لم يكن حلًّا لمسألة تربيع الدائرة. لقد ظهر، في ذلك العصر، الكثير من الحلول الخاطئة التي قُدمت إلى أكاديمية العلوم، مما دفعها إلى اتخاذ قرار في عام (????) بعدم بحث أيٍّ منها. وقد كان لموضوع «تثليث الزاوية» و«الحركة الأبدية» المصير نفسه. وقد كتب كوندورس بشأن قرار أكاديمية العلوم قائلًا: بيد أن عددًا ممن يُفْنون جزءًا من حياتهم في هذه الأبحاث غير المجدية، التي لا تأتي بثمار سوى الإضرار بثروتهم وفي أغلب الأحيان تشوِّه عقولهم، قد دفعها لاتخاذ قرار رأتْ أنه مناسب لجعلهم يَحيدون عن هذا العمل. فقد خشيت إن استمرت في بحث حلولهم، أن تتهم بتشجيعهم على الانشغال بهذه المسائل وأن تكون متورطة بطريقة أو بأخرى في المآسي التي سيتعرضون لها.وقد اتخذت «الجمعية الملكية» بلندن القرار نفسه.وفي عام ????، نجح تشارلز إرميت? (????–????) في إثبات تسامي العدد أو «أيلر» الذي يعد قاعدة للُّوغاريتم الطبيعي. ولهذا الغرض، استخدم نوعًا من التعميم للكسور المستمرة. كان هذا البرهان مثمرًا، غير أن بعض نقاطه كانت غامضة. لكنه كان يعلم أن تناوله للمسألة ربما يمكن تطبيقه على العدد . وفي هذا الصدد، كتب كارل فيلهلم بورتسارد (????–????) قائلًا: لن أغامر مطلقًا في البحث عن إثبات تسامي العدد . فليسعَ آخرون في الشروع في ذلك. لكن صدقني، يا صديقي العزيز، لن يكون عليهم سوى بذل القليل من الجهود.ولدهشة إرميت وجميع أعضاء المجتمع الدولي للرياضيات، جاء الحل في عام ???? على يد عالم الرياضيات الألماني كارل لويس فرديناند لينرمان (????–????). وهكذا انتهى الجدل المفتوح الذي أثير منذ أكثر من ألفي عام بإجابة سلبية. وعلى الرغم من ذلك، وحتى هذه الساعة، فهناك بعض الأشخاص الذين لا يزالون يسعون لحل مسألة تربيع الدائرة.(?-?) يوريكا

الجميع يعرف قصة حمام أرشميدس? (???ق.م–???ق.م)، لكنني أرى من الأفضل روايتها مرة أخرى، وسأترك الحديث لماركوس فيتروفيوس بوليو الملقب بفيتروفيو، وهو مهندس معماري روماني قال في كتابه الشهير باسم «الفن المعماري»: بين الكم الهائل من الاكتشافات الرائعة التي قام بها أرشميدس، يتعين أن نلاحظ هذا الاكتشاف الذي سوف أتحدث عنه، والذي أَثْبتَ من خلاله دقة في التفكير لا يصدقها عقل.فعندما كان الملك هيرون يحكم مدينة سيراقوسة، أبدى رغبته، بعد أن نجح في جميع حملاته، في إهداء تاج من الذهب لآلهة أحد المعابد. واتفق مع أحد الصاغة على دفع كثير من المال لصناعة التاج، وأعطى له الذهب بالوزن. وقام الصائغ بتسليم التاج في الموعد المحدد، ووجده الملك دقيق الصنع، وعندما وزن التاج وجد أن وزنه يساوي الذهب الذي كان قد أعطاه إياه، إلا أنه عندما تم اختبار الذهب بالتاج، اكتشف أن الصائغ قد اختلس جزءًا من الذهب واستبدله بفضة بمقدار الوزن نفسه.شعر الملك بالإهانة الشديدة لهذا الغش، ولم يجد سبيلًا لإقناع الصائغ بما قام به من سرقة، فطلب من أرشميدس التفكير في طريقة لإثبات ما وقع من سرقة. وفي يوم من الأيام، وبينما كان أرشميدس منشغلًا بالتفكير في هذه القضية، ذهب ليغتسل، فلاحظ بالصدفة أنه كلما انغمس في الماء، ارتفع منسوب المياه على جانبي المغطس. وقد أدت هذه الملاحظة لاكتشاف السبب فيما كان يبحث عنه، ودون تردد، دفعته الفرحة الغامرة بالخروج من المغطس عاريًا، يجري نحو منزله وهو يصيح باليونانية: يوريكا! يوريكا! (أي وجدتها! وجدتها!) ويقال إنه عقب هذا الاكتشاف الأول، قام بعمل كتلتين من الوزن نفسه للتاج، إحداهما من الفضة والأخرى من الذهب، أسقطهما في إناء مليء بالماء، فوجد أن كتلة الفضة كلما انغمست في الماء، تؤدي إلى خروج كمية من الماء تعادل حجم الكتلة. وبعد ذلك، عندما أخرج الكتلة من الإناء، أعاد مَلْأه بالكمية نفسها التي خرجت منه، بعد أن قاس كميتها بدقة، مما جعله يكتشف أن كمية المياه تعادل كتلة الفضة التي وضعها في الإناء. وبعد هذه التجربة، أسقط أيضًا كتلة الذهب في الإناء نفسه الممتلئ بالماء، وعقب إخراجها، قام بقياس كمية الماء التي خرجت منه، فوجد أن كتلة الذهب لم تؤدِّ إلى خروج الكمية نفسها من الماء وأن الفارق الناقص يعادل الفرق بين حجم كتلة الذهب مقارنة بحجم كتلة الفضة التي كان وزنها يعادل وزن كتلة الذهب. وبعد ذلك أعاد ملء الإناء، وفي هذه المرة، أسقط التاج الذي أدى إلى خروج كمية من الماء أكبر مما أخرجته كتلة الذهب التي كان وزنها يعادل وزن التاج، لكنها أقل من المياه التي أخرجتها كتلة الفضة. وبعد أن قام بالحساب النهائي، بموجب هذه التجارب، اكتشف أن كمية المياه التي أخرجها التاج كانت أكبر مما أخرجته كتلة الذهب، ومن ثم عرف كمية الفضة التي أدخلها الصائغ وخلطها بالذهب، وكشف بوضوح ما سرقه الصائغ من الذهب.لقد اكتشف أرشميدس كيفية حساب حجم أي مادة أيًّا كان شكلها. وتوصل علم الطبيعة إلى طريقة عامة لحل نوعية من المسائل لم يكن علماء الرياضيات يعرفون حلها حتى ذلك الوقت.(?-?) حساب اللامتناهيات الصغرى (التفاضل والتكامل)

يشترك كلٌّ من إسحاق نيوتن (????–????) وجوتفريد فيلهلم لايبنتز? (????–????) في اكتشاف علم حساب اللامتناهيات الصغرى. وقد روى جيوم دي لوبيتال (????–????) في مراسلاته كيف تم هذا الاكتشاف: كنت أستمتع، منذ وقت طويل، بالبحث عن مجموع متتاليات الأعداد، واستعنت في ذلك بالفروق طبقًا لنظرية معروفة تنص على أنه في المتتالية التنازلية اللانهائية، يكون الحد الأول يساوي مجموع كل الفروق. وكان ذلك ما أوصلني إلى ما أسميته «المثلث التوافقي»، الذي يخالف المثلث الحسابي لباسكال؛ لأن باسكال كان أثبت طريقة الحصول على مجموع أعداد تخيلية تنتج بالبحث عن مجموع الأعداد ومجموع الحدود الناتجة عن متتاليات طبيعية متوافقة. أما أنا، فكنت أرى أن كسور الأعداد التخيلية هي الفروق وفروق فروق حدود المتتاليات الطبيعية المتوافقة. وبهذه الطريقة يمكن الحصول على مجموع متتاليات الكسور التخيلية مثل:
و
وعندما تعرفت على هذه الفروق الهائلة، وعندما رأيت أنه يمكن التعبير عن مخططات المنحنيات بالاستعانة بالحساب الديكارتي، وجدت أن مسألة التربيع أو إيجاد خطوط المماس ليست سوى التفاضل، وأن التربيعات ليست سوى التكامل، بشرط وضع فرضيات للفروق تكون صغيرة وغير قابلة للتقريب. وجدت أيضًا أن الفروق العظمى توجد خارج نطاق الكسور، وبهذه الطريقة يمكن إيجاد خطوط المماس دون بذل العناء في أعداد كسرية وأعداد صحيحة (لا كسرية). هذه هي قصة مصدر منهجي لعلم التفاضل.أما بالنسبة لنيوتن، فقد استرشد بطريقة القياس الميكانيكية: تكامل متغير الدالة هو الاسم الذي أطلقه على تلك الأعداد المتزايدة أو المتناقصة بطريقة تدريجية أو غير محددة، والتي أرمز لها أما فيما يتعلق بالسرعة التي تتلقاها هذه المتغيرات من الحركة المولدة (السرعة هي التي أسميتها مشتقات) فسوف أعبر عنها بحروف منقوطة وهي .وهكذا نرى كيف أنَّ تَوافُقَ الأفكار يمكن أن يكون مثمرًا.(?-?) طريقة مونت كارلو

يصعب وضع تعريف محدد لطريقة مونت كارلو؛ لأن هذا المصطلح يشمل طرقًا حسابية متعددة. بيد أن إحدى النقاط المشتركة بين هذه الطرق الحسابية هي استخدام الظواهر العشوائية (أي التي تعتمد على الاختيار العشوائي للأعداد). وبما أن العمليات الحسابية يجب دائمًا أن تتم باستخدام الحاسوب، فإن هذه الظاهرة تتمثل، في أغلب الأحيان، في استخدام أعداد عشوائية تتبع قانون القياس الاحتمالي.يمكن القول إن طريقة مونت كارلو هي طريقة تتمثل في الاستعاضة عن مسألة حتمية غير قابلة للحل، بمسألة بسيطة لكن ذات طبيعة عشوائية، يتم خلالها الجمع بين وسائط (القيم الثابتة) للمسألة الاحتمالية ووسائط المسألة الحتمية. ويكون حل المسألة الحتمية بطريقة تقريبية باستخدام خصائص الإحصاء الرياضي للمسألة العشوائية. ويعتمد تحديد النتيجة الحاصلة بالطبع على تحديد فرق القياس بين المسألتين.ولا يتعين الخلط بين طريقة مونت كارلو وأنظمة المحاكاة. فالمقصود بالمحاكاة، بصفة عامة، أنها عملية توليد بسيطة وبحتة لظاهرة ما ذات طبيعة عشوائية (بينما الظاهرة تعد حتمية في طريقة مونت كارلو). فعلى سبيل المثال، تزامن عمل إشارات المرور في المدن هو نوع من المحاكاة؛ لأن تدفقات المركبات في كل شارع له طبيعة عشوائية.وتستخدم طريقة مونت كارلو بشكل واسع النطاق لحل العديد من المسائل في الرياضيات التطبيقية، ولحل أنظمة المعادلات الخطية وحساب التكاملات المحددة وإدخال المعادلات في المشتقات الجزئية، وكذلك في علم الفيزياء لنقل الجسيمات وعلى وجه الخصوص في معادلات انتقال النيوترونات، وفي الكيمياء لدراسة دخول سائل في بيئة مسامية، وفي علم الفلك لحساب مدة حياة المذنبات، وفي علم الإلكترونيات لقياس طاقة عداد شبه الموصلات.ويبدو، تاريخيًّا، أن أول ظهور لطريقة مونت كارلو كان طريقة «بوفون»، وكان الهدف منها هو تحديد قيمة العدد بإسقاط إبرة بطريقة عشوائية على شبكة من المتوازيات متساوية الأبعاد، على أن تكون النسبة بين عدد المرات التي قطعت فيها الإبرة إحدى هذه المتوازيات إلى العدد الكلي للتجربة تعادل قيمة . وكان «بوفون» يعتبر أن ذلك مجرد لعبة وليست مسألة رياضية. ومثلما كان السيد جوردان في مسرحية موليير «البورجوازي النبيل» يكتب نثرًا دون أن يدري، فقد كان بوفون يستخدم طريقة مونت كارلو دون وعي. ولهذا السبب لم يعترف به كمخترع لهذه الطريقة. ومع ذلك، سوف أقص عليكم هذه الرواية:عُرف جورج لويس لوكليرك، كونت بوفون (????–????) عالميًّا بأعماله في مجال الطبيعة، ويضم كتابه «التاريخ الطبيعي» ستة وثلاثين مجلدًا، إلا أنَّ ما لا نعرفه عنه أنه أصدر أيضًا أعمالًا في علم الرياضيات؛ فقد ترجم عملًا لإسحاق نيوتن (????–????) عن طريقة التفاضل وعمل على إثرائها بكتابة تمهيد مطول، وكتب أيضًا ثلاث مذكرات ناقدة لكتاب أليكسيس كليرو (????–????)، الذي كان يدعو فيه لإضافة حد تصحيحي لقانون الجاذبية العام لنيوتن. وأخيرًا، فقد نشر عملًا من ??? صفحة بعنوان «احتمالات العمر الافتراضي».أما لعبة الإبرة فقد اقترحها في كتاب آخر بعنوان «بحث عن الحساب المعنوي» نشر عام ????، وتفترض إلقاء إبرة مرات عديدة على أرضية من الخشب مكونة من شرائح متوازية، ثم نقوم بحساب عدد المرات التي سقطت فيها الإبرة بين شريحتين، فقد كتب يقول: التحليل هو الأداة الوحيدة التي استخدمت حتى يومنا هذا في علم الاحتمال من أجل تحديد وضبط نسب اختيار الأعداد العشوائية، وكان يبدو أن علم الهندسة لا يصلح كثيرًا للعمل بمثل هذه الدقة؛ إلا أنه إذا نظرنا إلى الأمر عن قرب، فسيسهل التعرف على أن ظهور مميزات استخدام التحليل في الهندسة جاء بمحض الصدفة، وأن مبدأ العشوائية بتعديلاته وشروطه يعتمد على الاثنين سواء؛ علم الهندسة والتحليل، وللتأكد من ذلك يكفي التنبه إلى أن التجارب العشوائية والمسائل التخمينية لا تسير بشكل طبيعي إلا على نسب الأعداد المنفصلة، فالعقل البشري الذي يألف الأعداد أكثر من قياس المدى الإحصائي قد فضل ذلك دائمًا، وهذه التجارب العشوائية هي الدليل على ذلك؛ لأن قوانينها عبارة عن حسابات تكرارية. وحتى تطبق الهندسة بما تخضع له من قوانين عشوائية، لا يسعنا سوى اختراع تجارب تخمينية ترتكز على قياس المدى وما يحمله من نسب، أو حساب أصغر عدد موجود من هذا النوع من الأعداد. تعد تجربة البلاط والعصي مثالًا يمكن الاستعانة به في هذا المجال: وها هي شروط هذه اللعبة وهي بسيطة للغاية …في حجرةٍ بلاطُها مقسم إلى مربعات موصولة بخطوط متوازية، أفترض أن نقوم بإلقاء عصي في الهواء ويراهن أحد اللاعبين على أن العصي لن تسقط عبر الخطوط الفاصلة بين البلاط، ويراهن لاعب آخر، على العكس من ذلك، أن العصي ستسقط على بعض من هذه الخطوط، ويقوم بعمل قرعة بين اللاعبين لنرى أيٌّ منهما سيفوز على الآخر. ويمكن أن نقوم بهذه اللعبة على رقعة شطرنج باستخدام إبرة حياكة أو دبوس بلا رأس.فلكي تقطع الإبرة الخطوط الفاصلة بين البلاط، يتعين من ثم تقدير الاحتمال. كما يمكننا إثبات ذلك رياضيًّا، فنجد أن هذا الاحتمال يساوي . فحساب قيمة يعد مسألة حتمية. فقد استبدل هذا الحساب بالقياس الاحتمالي الذي يعمل على حساب متوسط خصائصه الإحصائية. فإذا كان طول الإبرة ، وإذا كانت المسافة بين الشريحتين الخشبيتين هي ، وكانت بالطبع أصغر من ؛ فإن احتمال أن تقطع الإبرة الفاصل بين شرائح الخشب يساوي ولقد قام بوفون بإثبات هندسي لهذه النتيجة. هناك إثبات آخر شديد البساطة قدمه إيميل بوريل? (????–????)، يبدأ بملاحظة أن متوسط عدد نقط تقاطع الإبرة بشكل ما للفواصل الخشبية يتناسب مع طول للإبرة ويتناسب عكسيًّا مع عرض للألواح الخشبية. هذا العدد يتم التعبير عنه بالنسبة ؛ حيث قيمة ثابتة يجب تحديدها. لنأخذ إبرة مستديرة قطرها وطولها . فأيًّا ما كانت الطريقة التي ستسقط بها، فستقطع دائمًا لمرتين الفاصل الخشبي، وهكذا يكون . ونستنتج من ذلك أن . وفي النهاية يكون الاحتمال إذن .ولكي نحصل على القيمة الصحيحة ? ، يتعين القيام بعدد لا محدود من الرميات. إلا أنه كلما ازداد عدد الرميات، كلما اقتربنا من قيمة باحتمالية جيدة. وهكذا، في عام ????، قام عالم الرياضيات والفلك السويسري يوهان رودولف وولف (????–????) ? ???? رمية بنسبة ، ووجد ???? قاطعًا؛ ومن ثم يكون وتبين بعملية حسابية أنه للحصول على قيمة محددة تبلغ ??/????? باحتمال ???، يتعين القيام بحوالي تسعة ملايين رمية.ولم تتطور طرق مونت كارلو إلا نحو نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان اسم مونت كارلو يشير في الأصل إلى الملف السري لعملية أوفرلورد (غزو قوات الحلفاء لنورماندي في السادس من يونيو عام ????). وكانت هذه الطرق تستخدم في البداية من قبل عالم الطبيعة إنريكو فيرمي? (????–????)، وعلماء الرياضيات: ستانيسلو أولام? (????–????) ونيكولاس قسطنطين متروبوليس (????–????) ومارك كاك (????–????)، وبصفة خاصة جون فون نيومان (????–????)، الذي كان يبحث في حساب القيم الذاتية المرتبطة بمعادلة شرودنجر وحل مسائل انتشار الجسيمات، وكما سنرى، كان أولام المخترع الأساسي لهذه الطريقة، فبينما كان يقيم في المشفى بعض الوقت، أجرى تجارب من هذا النوع.ستانيسلو أولام عالم رياضي من أصل بولندي، هاجر إلى الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية وشارك في «لوس آلاموس» في إعداد القنبلة الذرية. وهو يعد — إلى جانب ما قدمه من أعمال ذات أهمية كبيرة في مجال الرياضيات — المخترع الحقيقي لما يسمى بطريقة مونت كارلو. فلنقرأ ما قاله عن هذا الموضوع: لقد تولدت فكرة ما أطلق عليه فيما بعد بطريقة مونت كارلو بينما كنت ألعب السوليتير، وبالأخص أثناء فترة مرضي. فقد لاحظت أن هذه اللعبة كان من الممكن أن تكون أكثر فائدة في المجال التطبيقي؛ لأنها تتضمن فكرة احتمال إنهاء الفائز للعبة؛ نظرًا لامتلاكه عددًا أكبر من كروت اللعبة، أو القيام بتجارب باستخدام هذا الأسلوب وتسجيل فقط معدل المكسب، بدلًا من محاولة حساب جميع إمكانات الدمج وتركيب الكروت التي تكون متصاعدة أسيًّا في العدد بشكل كبير، حتى إنه لا توجد طريقة لتقديرها إلا في بعض الحالات البسيطة وفي المسائل الأكثر تعقيدًا بعض الشيء، تكون التجربة الواقعية أفضل من دراسة جميع المتتابعات للاحتمالات.ولقد تراءت لي فكرة إمكانية تطبيق ذلك أيضًا في جميع العمليات التي تفسح المجال للتشعبات، مثل إنتاج وتكاثر النيوترونات في بعض أنواع من المواد التي تحتوي على اليورانيوم أو عناصر أخرى انشطارية. وفي كل خطوة من العملية، تظهر العديد من المشتملات المجددة لمصير النيوترون، فمن الممكن كتابة معادلات التفاضل والتكامل لمتوسطات رياضية، أما حلها أو الحصول على فكرة تقريبية لخصائص الحل، فهذه قضية أخرى.كانت الفكرة هي تجربة آلاف من هذه الاحتمالات. وفي كل مرحلة يتم الاختيار العشوائي بواسطة عدد عشوائي باحتمال مناسب، لمصير أو لنمط الحدث الذي سيأتي في المؤخرة، بدلًا من النظر في جميع الأفرع. وبعد دراسة تاريخ آلاف فقط من الإمكانات سيتوفر لدينا عينة جديدة وإجابة تقريبية للمسألة.هذا هو النمط التجريبي نفسه الذي يتبعه عالم الرياضيات. وبدءًا من عام ????، اتسع نطاق تطبيق طريقة مونت كارلو على المسائل الكبيرة، لاسيما بعد تطور الآلات الحاسبة. وكان أوائل المستخدمين لها يرون أنه بتكرار عدد كبير من المرات متسلسلات العمليات القصيرة جدًّا، ربما يمكنهم إيجاد حلول للمسائل المعقدة التي كانت تنقص المتخصصين، دون دراسة مسبقة وبتكلفة قليلة. إلا أن الواقع لم يكن بهذه البساطة والنتائج كانت، في الغالب، بعيدة جدًّا عن الحل نتيجة لعدم كفاية عدد التجارب العشوائية (ليس نادرًا أن تتضمن التجربة عدة ملايين من التجارب العشوائية). ومع بداية عام ????، بدأت دراسة مسائل التحديد ودخلت طرق مونت كارلو في مرحلة النضج. فهي ترتكز على قواعد لعلم الإحصاء والاحتمال صلبة. ولا تزال تستخدم حتى هذه الساعة.(?-?) الكواتيرنيون

العدد المركب يتكون من ازدواج مجموعتين من الأعداد: المجموعة الأولى وهي الجزء الحقيقي، والمجموعة وهي الجزء التخيلي. ويتم كتابة العدد كالآتي: . حيث ، هذه الأعداد تم إدخالها بواسطة عالم الرياضيات الإيطالي رافييل بومبللي (????–????)، ويمكن تمثيل العدد كنقطة في خريطة كنقطة في إحداثي س والنقطة في إحداثي ص، وهكذا يكون للعدد المركب تمثيل هندسي على اعتبار أنه متجه يصل بين نقطة البداية حتى النقطة في الخريطة في فضاء ثنائي الأبعاد، ويرجع الفضل في هذا الإثبات إلى جون واليس في عام ???? (????–????)، إلا أنه لم يكن يعرف كيف يمثل العمليات الحسابية على الأعداد المركبة هندسيًّا. ولهذا، فبعد قيام هنري كون (????–????) بتجربة أولى في عام ????، تعين الانتظار حتى عام ???? لحين ظهور أعمال كاسبار واسل عالم الرياضيات الدنماركي (????–????)، وعلى وجه الخصوص أعمال عالم الرياضيات السويسري جان روبرت أرجان (????–????)، الذي نشر في عام ???? بحثًا عن طريقة تمثيل الأعداد التخيلية في الإنشاءات الهندسية. غير أن هذه الأعمال مرت مرور الكرام دون أن يلتفت إليها أحد. ولم يتم الاعتراف بالأرقام العقدية إلا عند ظهور أعمال كارل فريدريش جاوس (????–????)، ولا سيما أعمال أوجستين لويس كوشي (????–????). بيد أنه يمكن الاعتراف بوجود الأعداد المركبة دون اللجوء إلى هذا التفسير الهندسي. ففي عام ????، قدم ويليام روان هاملتون? (????–????) تفسيرًا للأعداد المركبة على أنها مكونة من أزواج من الأعداد الحقيقية التي تقوم عليها العمليات الحسابية العادية مثل الجمع والضرب. كان هاملتون يريد التوسع في هذه النتائج إلى متجهات الفضاء ثلاثي الأبعاد، وكان يبحث للتوصل لحساب جبري يمكن تفسيره في هذا الفضاء. يتعين إذن دراسة ثلاث مجموعات من الأعداد بدلًا من مجموعتين. لكن بجرد للخصائص التي يتعين على المجموعات الثلاث التحقق منها، لاحظ أنه يجب دراسة أربع مجموعات من الأعداد لا ثلاث. وهكذا اخترع هاملتون الكواتيرنيون في ?? أكتوبر عام ????، ونقل اكتشافه هذا على الفور إلى صديقة جون توماس جراف (????–????). وعند تقديم عملياته الجبرية في التبادلية، أسهم اكتشافه بخطوات عظيمة في تطوير علم الجبر الحديث.لاحظ هاملتون، منذ البداية، أن هذا يعد أروع اكتشافاته العلمية، وتكهن بأنه ربما يمضي الباقي من حياته في بحث نتائج هذا الاكتشاف. من الواضح أنه كان يرى أن الكواتيرنيون ربما يلعب، في الفضاء ثلاثي الأبعاد، دورًا مناظرًا للأعداد المركبة في الخريطة. وانطلق في أبحاثه بحماسة شديدة لا أحد يمكن إنكارها. وقبل وفاته بقليل، في الثاني من سبتمبر عام ????، وصف اكتشافه هذا في رسالة كان قد أرسلها إلى ابنه أرشيبولد يقول فيها: في أكتوبر عام ????، كنت قد عدت للتوِّ من مؤتمر الجمعية البريطانية الذي عقد في مدينة كورك بأيرلندا، وتمكنتْ مني من جديدٍ الرغبةُ في اكتشاف قوانين ضرب الأعداد الثلاثية، بالقوة والحماسة التي كانت قد خملت منذ عدة سنوات، والتي كانت على وشك أن تكلل بالنجاح وهو ما تحدثت إليك عنه أحيانًا. في كل صباح، في بداية ذلك الشهر، عندما كنت أنزل لأتناول طعام الإفطار، كان شقيقك ويليام إدوين، وأنت نفسك، تطرحان عليَّ هذا السؤال دائمًا: إذن يا أبي، هل تستطيع ضرب الأرقام الثلاثية؟ هذا السؤال الذي كنت دائمًا أضطر إلى الإجابة عنه بهزة رأس حزينة، لا، إني فقط أستطيع جمعها أو طرحها. لكن في يوم الإثنين السادس عشر للشهر نفسه، وهو يوم اجتماع الأكاديمية الملكية الأيرلندية، ذهبت لحضور الاجتماع ورئاسته، سيرًا على الأقدام، وكانت والدتكما تسير معي بمحاذاة «القناة الملكية». وعلى الرغم من أنها كانت تتحدث إليَّ بين الحين والآخر، فإنني كنت أشعر أن تيارًا فكريًّا يدور في عقلي، تمخض في النهاية عن نتيجة لا أبالغ في القول بأنني شعرت على الفور بأهميتها، تيارًا كهربائيًّا بدأ يظهر وبرزت منه شرارة، كانت فتحًا (كما لمحت على الفور) لسنوات عديدة من الأفكار والعمل في اتجاه محدد، اكتشافًا كنت سأقوم به بنفسي لو منحني الزمن هذه السنوات، أو على الأقل سيقوم به غيري إذا امتد بي العمل طويلًا لأنقل هذا الاكتشاف إلى غيري. أخرجت ودون ترددٍ مفكرةً لا تزال موجودة حتى الآن وكتبت على الفور ملحوظة. لم أستطع مقاومة الدافع، حتى وإن كان دافعًا غير فلسفي، بتناول سكين وحفر صيغة الاكتشاف بالرموز على حجر من أحجار كوبري بروجهام الذي كنا نسير تحته:
هذه هي الصيغة التي تحتوي على حل المسألة، لكن بالطبع، مثل أي كلام منقوش، تم محوها منذ زمن طويل (وبدلًا منها توجد لوحة تؤرخ للحدث). وعلى الرغم من ذلك، فلا تزال هناك ملاحظة بمحضر مجلس الأكاديمية في ذلك اليوم (?? أكتوبر ????) تذكِّر بالحدث؛ إذ إنني طلبت حينئذٍ عرض مقال عن الكواتيرنيون في أول اجتماع عام للدورة الجديدة للأكاديمية وحصلت على التصريح بذلك، وقد تمت هذه القراءة في الثالث عشر من نوفمبر التالي.وفي عام ????، ظهر كتاب هيرمان جوتير جروسمان (????–????) الذي عرض فيه عملية حسابية باستخدام متجهات الفضاء على عدد مجهول الأبعاد. ويرجع إلى جروسمان الفضل في ابتكار مفهوم «الاستقلال الخطي» وكذلك تعريفات أبعاد «الفضاء الاتجاهي» و«الفضاء الاتجاهي الجزئي». وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا العمل لم يتم تقديره إلا بإعادة اكتشافه من قبل جيوسيبي بيانو (????–????).(?-?) الهندسة غير الإقليدية

في علم الفيزياء، هناك العديد من النظريات الجديدة، مثل نظرية النسبية أو نظرية الكم، التي ظهرت للوجود بفضل باحث يتَّسم بالجرأة الكافية والقدرة على اتخاذ القرار الفوري بِتَرك الفرضية التي بُنيت عليها النظرية القديمة بهدف تبنِّي نظرية أخرى يَبْني عليها نظريته الجديدة. هذه الحالات نجدها نادرًا في علم الرياضيات؛ حيث جميع المقترحات يتم إثباتها بناءً على غيرها، وحيث لا توجد أي نتيجة ولا أي فرضية لا ترتكز على تجربة ملموسة. كل ذلك صحيح ومؤكد، إلا أنه يوجد حالات استثنائية إحداها الهندسة التي تم تأسيسها على عدد معين من المسلمات والبديهيات غير القابلة للإثبات لكن التفكير السليم العقلاني يفرض علينا قبولها على أنها حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. وهذا ما عبر عنه هنري بوانكاريه? (????–????) عندما قال: إن كل نتيجة تفترض وجود مقدمات، هذه المقدمات نفسها، إما أنها بديهية في حد ذاتها ولا تحتاج إلى إثبات، وإما أنها لا يمكن تطبيقها إلا اعتمادًا على مقترحات أخرى، وبما أننا ربما لا يمكننا الاستمرار هكذا إلى اللانهاية، فإن كل علم، ولا سيما علم الهندسة، يجب أن يرتكز على عدد معين من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان. فجميع أبحاث الهندسة بدأت ببيان عن هذه البديهيات.ومن بين هذه البديهيات، توجد بديهية التوازي لإقليدس التي تنص على أنه: من أي نقطة خارج مستقيم ما يمر مستقيم وحيد يوازي المستقيم المذكور.وقد بحث العلماء كثيرًا لمحاولة إثبات هذه البديهية، حتى اليوم الذي تم فيه التأكد من أن هذا الإثبات يستحيل تحققه. وبما أن الإثبات أصبح مستحيلًا، فماذا سيحدث لو تم الاستعاضة عن بديهية التوازي هذه ببديهية أخرى تنفيها؟ هذا هو السؤال الذي طرحه بطريقة شبه متزامنة كلٌّ من كارل فريدريش جاوس (????–????) في عام ????، ويانوس بولياي? (????–????) في عام ????، ونيكولاي إيفانوفيتش لوباتشفسكي (????–????) في عام ????. استطاع الثلاثة — انطلاقًا من بديهيات جديدة — الحصول على نظام منطقي للمقترحات دون تناقضات. وهكذا، إلى جانب الهندسة الإقليدية التقليدية، فُتح مجال لأنواع مختلفة من الهندسة غير الإقليدية.كان هذا الاكتشاف ثوريًّا وغير متوقع وغير عادي، وحقق ثورة في عالم الرياضيات إلى درجة أن جاوس لم ينشره على الإطلاق. ففي رسالة موجهة في عام ???? إلى فريدريش بيسيل (????–????) كتب جاوس قائلًا: «إنني أخاف من صراخ الجهلاء.»أما يانوس بولياي، فقد نشر النتائج التي توصل إليها في ملحق كتاب صدر لوالده وولفجانج بولياي? (????–????)، الذي كان هو أيضًا عالمًا رياضيًّا ذائع الصيت. وجاءت المعارضة الوحيدة من جانب والده الذي لم يتقبل أفكاره على الإطلاق.إلا أن الأمر كان مختلفًا مع لوباتشفسكي. فنظرًا لوضع نتائج أبحاثه تحت تصرف أكاديمية العلوم في سان بطرسبرج، صرح ميخائيل فاسيلفيتش أوستروجرادسكي (????–????) قائلًا: «تُظهر هذه الدراسة، عدم الدقة إلى الحد الذي جعلها، في الجزء الأكبر منها غير مفهومة … «هذا العمل» لا يستحق اهتمام السادة أعضاء الأكاديمية.» وقد نشر أوستروجرادسكي في جريدة «ابن الوطن» مقالات بدون توقيع، قام بكتاباتها صحفي ثوري مشهور، ذكر فيها: «ربما نتساءل لماذا نكتب، لا سيما مثل تلك الخرافات.» وبالرغم من تدخل زملائه، أقيل لوباتشفسكي من منصبه في عام ???? كرئيس لجامعة كازان، ثم تم تجريده بعد عام من لقب أستاذ وجميع المناصب الجامعية الأخرى التي كان يشغلها.تعين الانتظار حتى حلول عام ???? ومجيء عالم الرياضيات الألماني برنارد ريمان (????–????)، حتى يتم الاعتراف بالهندسة غير الإقليدية التي لعبت دورًا رئيسيًّا في تطور نظرية النسبية العامة؛ فقد كان ريمان في الواقع، يدرك تمامًا الصلة بين هذا الفرع الجديد من الهندسة وعلم الفيزياء، ومما يدل على ذلك أنه ذكر في كتابه بعنوان «الفرضيات التي تصلح أساسًا للهندسة»: إن مسألة صلاحية تطبيق فرضيات الهندسة بالنسبة للأعداد المتناهية الصغر ترتبط بمسألة المبدأ الوثيق للعلاقات بين دوال المسافات في الفضاء … ويجب إذن؛ إما أن تكون الحقيقة التي ترتكز عليها الهندسة الفراغية مجموعة متنوعة منفصلة، وإما أن يتم البحث عن علاقات دوال المسافات خارج نطاق الهندسة الفراغية؛ أي في قوى الربط التي تعمل عليها.إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن التوصل إليها إلا انطلاقًا من تصور للظواهر التي تم إثباتها حتى الآن بواسطة التجربة واتخذها نيوتن قاعدة، وكذلك بإضافة جميع التعديلات المتتابعة لهذا التصور التي تفرضها الحقائق التي لم يستطع هذا التصور إيجاد تفسير لها.فيا لها من رؤية تنبُّئية!(?-?) توماس ستايلتج والكسور المستمرة

عندما يصعب دراسة موضوع في علم الرياضيات بالطريقة المباشرة، ربما نحاول تخمين الحل عن طريق ملاحظة بعض الحالات الخاصة. وهذا ما يطلق عليه، بطريقة أو بأخرى، الخطوات التجريبية. ثم يأتي البرهان العام في الخطوة التالية. ولقد لجأ جميع علماء الرياضيات يومًا ما إلى هذه الطريقة، وهذا شيء طبيعي. والمثال على ذلك هو عالم الرياضيات الهولندي الأصل توماس يوهانز ستايلتج? (????–????) الذي تعلم في مدينة تولوز وكرس أغلب أبحاثه لدراسة الكسور المستمرة.الكسر المستمر هو كسر يتكون المقام فيه من عدد صحيح زائد كسر. فالمقام في هذا النوع من الكسور الجديدة يكون نفسه عدد صحيح كسر آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. وللكسور المستمرة قصة يرجع تاريخها إلى البدايات الأولى لعلم الرياضيات، وكانت أهميتها جوهرية في تاريخ هذا العلم. وفهم التفاصيل الرياضية التالية ليس له أهمية كبيرة لإدراك مواقف علماء الرياضيات من الخطوات التجريبية.ففي مراسلاته الضخمة مع شارل إرميت (????–????) كتب ستايلتج في ? مايو عام ???? قائلًا: فيما يتعلق بالكسور و، سوف أعترف لك أنه ليست لديَّ النية لتوضيح مثل هذا الموضوع الصعب باستخدام التفكير والتخيل فقط. سوف أقوم — مثلما يفعل علماء الطبيعة — باللجوء إلى الملاحظة. لكن في الوقت الحاضر، أقوم بحسابات رقمية شاقة للبحث عن جميع الكسور المتقاربة لبعض الحالات الخاصة حتى و فقط حتى يمكنني بهذه الطريقة تكوين مادة كبيرة أستطيع أن أبدأ التطبيق عليها بشكل جاد. لا أعرف مطلقًا إن كان ذلك سيقودني إلى شيء أم لا، لكني أريد أن أعرف طريقي بوضوح.وفي ?? مايو رد إرميت عليه برسالة كتب فيها: أشعر بالسعادة لمعرفة أنك على استعداد جيد للتحول إلى عالم طبيعة من أجل ملاحظة الظواهر في عالم الحساب. عقيدتك هي عقيدتي، فأنا أعتقد أن الأعداد والوظائف التحليلية ليست نتاجًا قطعيًّا لعقلنا، إنني أرى أنها توجد خارج نطاقنا، ولها طابع الضرورة ذاته لأمور الواقع الموضوعي، وإننا نقابلها أو نكتشفها أو ندرسها مثل علماء الفيزياء والكيمياء وعلم الحيوان …ولا يدعو هذا الموقف من جانب ستايلتج إلى الدهشة، ففي الواقع، لكي يتم تحفيز القدرة على التخيل واكتشاف قاعدة عامة، يتعين عادة رؤية المواد الرياضية التي نتعامل معها. وإحدى الطرق التي يمكن استخدامها للوصول إلى هذا الهدف هي الانخراط في الحسابات الرقمية.إن هذه المراسلات بين إرميت وستايلتج تعد منجمًا للمعلومات لكلِّ مَن يهتم بتاريخ الفكر العلمي. وإليكم مثالًا آخر مأخوذًا من رسالة وجهها ستايلتج في ?? مايو عام ????، يبين فيها أن التناظر بين الموضوعات المختلفة يمكن أن يكون مثمرًا: إنني مُتعَب قليلًا ولست مستعدًّا للعمل في هذه اللحظة، وما يزعجني كثيرًا هو تسلط فكرة ما عليَّ، ربما تقودنا إلى تطبيق مهمٍّ للأبحاث التي انتهيت منها بشأن الكسور المستمرة. إن الذكريات الجميلة عن بوانكاريه التي تتعلق بمعادلات التفاضل في الفيزياء الرياضية هي التي وضعتني على هذا الطريق (النشرة الأخيرة لباليرم). منذ زمن طويل كان لديَّ شعور مبهم بأن الكسور المستمرة كان وما زال لها علاقة بهذا الموضوع، وأنها كان يجب أن تتدخل فيه. والآن فإن هذا يبدو لي شديد الاحتمال، وفي الوقت نفسه، لافتًا للنظر. فالمقصود هو ببساطة أننا أنشأنا متسلسلة رياضية. لكن لكي نخرج ذلك إلى النور، ربما يتعين إخضاعها لمزيد من التفكير والدراسة، وهذا ما لا أجد لدي القدرة عليه.وتوفي ستايلتج عقب ذلك بسبعة أشهر، في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ???? وكان يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا.إن موقف علماء الرياضيات المؤيد للتجربة، يفسره إرميت في نص آخر يقول فيه: على الرغم من ذلك، نستطيع، فيما يخص العمليات الفكرية الخاصة بعلماء الهندسة، أن نذكر هذه الملاحظة البسيطة للغاية، التي ربما يبررها تاريخ العلوم نفسه، وهي أن الملاحظة تحتل مكانًا مهمًّا وتلعب دورًا كبيرًا في هذه العمليات.والحقيقة أن جميع فروع الرياضيات تثبت هذا التأكيد … (هناك أمثلة لاحقة تثبت ذلك).إلا أن النتائج السابقة على الرغم من كونها لافتة للنظر وذات أهمية كبيرة، فإنها غير كافية لإعطاء فكرة تامة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الملاحظة. فعند تحليل العمليات الخاصة ببرهان عدد ما من النظريات، ربما ندرك أهمية ذلك بشكل أفضل، مثلما سأحاول توضيحه بالمثال. وفيما يلي الافتراض الذي اخترتُه: متتالية الأعداد الأولية غير منتهية (أي تلك التي تقبل فقط القسمة على نفسها والعدد الصحيح). نبدأ بالبرهان بفرض أنه يوجد عدد منتهٍ ومحدد. لكن عندما نحصل على الناتج وعند إضافة عدد صحيح، نحصل على عدد جديد أَوليٍّ في الفرضية المسلم بها، ويكون أكبر من الأرقام السابقة، ومن هنا ينتج ضرورة رفض الفرضية لكونها تؤدي إلى نتيجة متناقضة. إن النقطة الأساسية هنا تتمثل بالطبع في تصور هذا الناتج من جميع الأعداد الأولية المسلم بها، التي يتم إضافة عدد صحيح إليها. وسوف نتفق، بسهولة، على أن هذه الملحوظة ليست نتاج التفكير وحده، لكن يجب أن نعترف بأنها ثمرة الملاحظة لأمر في غاية البساطة يتعلق بالقاسم من الأعداد، وهو أمر مكتسب وسبق استخدامه في التفكير ويخدم نقطة الارتكاز التي تصل بنا إلى البرهان.(?-?) قياس المجموعات

اشتهر عالم الرياضيات الفرنسي إيميل بوريل? (????–????) لعدة أسباب. والأبحاث محل الاهتمام هنا هي التي تقودنا إلى تعريف مفهوم قياس المجموعة. فمن المعروف أن هنري ليبيج? (????–????) قد اعتمد على هذا المفهوم لبناء تعريفه لعلم التكامل. ولقد روى بوريل قصة بدايات اكتشافه هذا. وسوف نرى، في هذا أيضًا، دور الخطوات التجريبية: عندما انتهيت من دراستي في كلية التربية العليا بباريس عام ????، كانت نظرية الدالة التحليلية أحد المجالات العلمية التي ظهرت فيها اكتشافات مهمة وكبيرة في العقود الماضية، لكنها كانت لا تزال تحتاج إلى مزيد من العمل والدراسة. ولقد جذبني هذا المجال، لا سيما دراسة تأثير النقاط المفردة على خصائص الدالة. إن التمثيل الهندسي للمتغير التخيلي الذي ينطلق من نقطة ما في الخريطة كان معروفًا منذ وقت طويل، وكانت المسائل المطروحة تتمثل في شكل هندسي وجبري في آن واحد، وهذا المزيج، في عملية البحث للمناهج الهندسية والجبرية كان يستهويني بشدة. ومن أجل محاولة تقديم فكرة عن طبيعة هذه المسائل التي كانت مطروحة أمامي — حتى لمن لا يألفون التفكير الرياضي — فسوف أقوم بتبسيطها مع الاكتفاء بتصور مجموعات النقاط على خريطة. وهذا هو المثال التناظري في الفيزياء: لنتخيل مسطرة من الخشب أو المعدن طولها متر نرسم عليها أقسامًا عشرية، وبهذه الطريقة نكون قد رسمنا الديسيمتر والسنتيمتر والملِّيمتر. لكن عمليًّا، لا يمكن على الإطلاق الذهاب إلى أبعد من ذلك، وربما يتعين الاستعانة ببعض الأجهزة الأكثر دقة للتوصل إلى رسم خطوط أكثر تحديدًا يفصل ما بينها أعشار الملِّيمتر. إلا أن عالم الرياضيات لا ينزعج دائمًا من مثل هذه الأمور العملية غير المتوقعة؛ فتعميم طريقة ما استطاع الرياضي القيام بأولى خطواتها، يعد بالنسبة له عملية طبيعية. وهكذا يمكنه في الحقيقة تصور الأشياء دون إمكانية رسمها، فنتخيل بعد إجراء القسمة بالسنتيمترات وبالملِّيمترات وبأعشار الملِّيمترات، أنواعًا من القسمة أكثر دقة بأجزاء من المائة من الملِّيمتر وبأجزاء من الألف من الملِّيمتر … إلخ. فإذا سلمنا بأنه يمكننا الحصول على مجهر له خصائص تكبير لا نهائية، وإذا سلمنا أيضًا بأن المسطرة لها هذه الخصائص التكبيرية الهائلة نفسها، فلن يمنعنا شيء من أن نمتد بالفكر إلى ما لا نهاية في هذه الأنواع من القسمة. لقد سجلنا على المسطرة عددًا لا نهائيًّا من النقاط تمثل كلٌّ منها كسرًا عشريًّا بسيطًا، على سبيل المثال، الكسر ????????? يطابق واحدًا من عشر ملايين من النقاط التي تحدد تقسيم المتر إلى عشر أعشار من الملِّيمتر. وبلغة نظرية المجموعات، نقول إن جميع النقاط مسجلة بشكل مكثف على طول المسطرة المستقيمة. فلا يوجد في الواقع جزء، مهما كان متناهيًا في الصغر على طول المتر، لا توجد عليه هذه النقاط العشرية المضغوطة الواحدة بجانب الأخرى. ومن جهة أخرى، يوجد على المستقيم نقاط أخرى ليست عشرية، وهي النقاط التي تمثلها كسور عشرية لا نهائية؛ أي كسر دوري مثل ?????، أو كسر غير منتظم مثل الكسر العشري للعدد : ??????????.ونعود إلى التفسير الرياضي لهذه المسألة: على كل جزء من المستقيم، مهما كان صغيرًا، يوجد نقاط عشرية ونقاط غير عشرية. فإذا أردنا من ثم المقارنة بين مجموعة النقاط العشرية وغير العشرية باستخدام الطريقة الطبيعية والتقليدية، التي تتمثل في تقسيم المستقيم إلى مجموعة من الفواصل متناهية في الصغر؛ فلن نحصل على أي نتيجة، فمهما كان صغر الفاصل فسندرك أنه يحتوي على نقاط عشرية وأخرى غير عشرية. إذن، فيما يبدو، من المستحيل تقسيم المستقيم إلى فواصل تتضمن جميع النقاط العشرية وفي الوقت نفسه جميع النقاط غير العشرية.هذه الاستحالة لم تحدد، فيما يبدو، بشكل صريح من قبلُ، لكن كان مسلَّمًا بها ضمنيًّا من قِبل جميع علماء الرياضيات. إلا أن هؤلاء العلماء، ولأسباب متعددة نابعة من نظرية المجموعة الحديثة لجورج كانتور، وأيضًا نابعة من ملاحظات حساب الاحتمالات، الذي كان يتسم بالغموض بطريقة أو بأخرى، التي سوف نقوم بتحديدها الآن؛ هؤلاء كانوا يعلمون أن جميع النقاط العشرية كان يتعين النظر إليها على أنها نادرة أكثر من النقاط غير العشرية. فإذا قمنا بقرعة على أرقام كسر عشري، وحتى يصبح هذا الكسر رقمًا عشريًّا محددًا، يجب أن تكون جميع الأرقام مساوية للصفر بدءًا من مرتبة معينة، وهذه هي الاحتمالية التي يجب أن ينظر إليها على أنها ضعيفة الاحتمال. ألا توجد إذن وسيلة للتمييز بواسطة تصور فواصل صغيرة بالقدر الكافي لتستطيع أن تضم جميع هذه الأعداد، سواء العشرية أو غير العشرية؟نعود مرة أخرى إلى التناظر في الفيزياء: عند التفكير في هذه المسألة، وبمحاولة استعراض الخطوط نفسها التي يمكن بواسطتها تحديد الأعداد العشرية اللامتناهية على المستقيم، طرأت لي فكرة بسيطة؛ وهي: لو كانت هذه الخطوط دقيقة بالقدر الكافي، فإن عرضها الكامل ربما يمكن تصغيره بقدر كبير بحيث يكون أقل من طول المستقيم. وطبقًا لهذه الشروط، فإن الفرص كبيرة لوجود بعض النقاط على المستقيم ليست مغطاة بهذه الخطوط؛ هذا لأنه ربما يكون أمرًا متناقضًا أن نستطيع تغطية المستقيم بالكامل بهذه الخطوط التي يقل عرضها الإجمالي عن طولها. هذه الفكرة البسيطة وضعت الاكتشاف على الطريق الصحيح، ولم يكن يتبقى سوى القليل من التفكير والاهتمام والصبر للتوصل إلى صياغته. إذا ما نظرنا مرة أخرى إلى صورة المستقيم الذي يبلغ طوله مترًا والذي تم تقسيمه بالخطوط، وإذا ما حددنا عرضًا يبلغ ملِّيمترًا لكلٍّ مِن هذه التقسيمات من السنتيمترات، فإن مجموع هذه الأقسام المائة التي يبلغ كلٌّ منها سنتيمترًا، سيغطي ?? سنتيمترات. وإذا ما حددنا، بعد ذلك، لهذه الأقسام من الملِّيمترات عرضًا يبلغ عشرة ملِّيمترات، فإن مجموع الأقسام سيبلغ أقل من سنتيمتر، ونستطيع الاستمرار هكذا وتنظيم الوضع بحيث يبلغ مجموع الأقسام المحددة بأعشار الملِّيمتر على الأكثر أقل من ملِّيمتر … إلخ. في هذه الظروف، عندما نصل إلى النهاية؛ أي عندما يتم تحديد جميع الأعداد العشرية المنتهية، حتى الأعداد التي لها أرقام عشرية كبيرة، فإن مجموع الخطوط المرسومة سيحتل فقط كسرًا يتساوى في الطول مع طول المستقيم. وقد نتمكن أيضًا من أن نجعل هذا الكسر أقل من أي عدد صغير تم وضعه سابقًا. وهكذا نصل، بالاختيار الجيد للمسافات بين النقاط، وبتحديد هذه المسافات وفقًا للنقاط العشرية، حتى التي نريد إخضاعها للدراسة؛ إلى تجميع جميع هذه النقاط العشرية في مجموعة من النقاط يبلغ طول ما بينها من مسافات — على سبيل المثال — أقل من ملِّيمتر واحد، بينما تكون هذه النقاط متلاصقة على المستقيم الذي يبلغ طوله مترًا واحدًا. إنها نتيجة في منتهى البساطة، كان يجدر معرفتها منذ وقت طويل، لكنها ظهرت وكأنها اكتشاف جديد وشديد المفارقة.نصل في النهاية إلى الخلاصة حول هذا الحدس الهندسي الذي ينبع من الإدراك الحدسي للعالم الخارجي: إلا أن خيالنا الهندسي لا يستطيع بسهولة تمثيل هذه المسافات التي تحتوي على جميع النقاط العشرية والتي مع أنها لا تمثل إلا شريحة صغيرة من المستقيم كله، فإنها تترك الكثير من النقاط التي لا تتضمنها المجموعة بداخلها. وطالما حاول علم الحساب أن يجعلنا نثق في أن الطول الإجمالي لهذه المسافات، نظرًا لكونها متناهية الصغر، يكون من المستحيل أن يتضمن طول المستقيم جميع ما عليه من النقاط، والحدس الهندسي لهذه النتيجة لا يبدو لنا طبيعيًّا.ولا مجال هنا للتوسع في النتائج التي توصلت إليها هذه الطريقة الجديدة، طريقة تتمثل أساسًا في إنشاء مسافات انطلاقًا من نقاط تخضع للدراسة، بدلًا من البحث عن دراسة توزيع هذه النقاط على مسافات محددة سابقًا وفقًا لقاعدة ثابتة. وسأكتفي بالتذكير بالنتائج التي توصلت إليها هذه الطريقة من أجل دراسة الوظائف التحليلية في بعض المجالات الفريدة، والتذكرة أيضًا بأن كل ما حدث من تطور في نظرية قياس المجموعات ونظرية التكامل المعروفة لعالم الرياضيات ليبيج، يرتبط مباشرة بهذه الطريقة.وفي هذا الشأن، لنترك لعالم الرياضيات جان لوراي (????–????) يحدثنا عن فكرة ليبيج: عندما ظهر للجميع أن العميد داربو قد نسف ببراعة مذهلة علم الهندسة التفاضلية، أخرج شاب يسمى ليبيج منديلًا مجعدًا من جيبه واعترض قائلًا بأن هذا المنديل كان يكذب أبسط خصائص علم التفاضل لمسألة المساحات التي يمكن تطبيقها على الأسطح؛ لأن هذه الخصائص تصلح فقط للصدريات الواقية الخشنة، للمساحات المنتظمة. لقد استطاع ليبيج أن يقول كل ذلك باستخدام مصطلحات رياضية، ثم نجح في دراسة المساحات للدالة غير المستمرة، إلا أن السلطات العليا في مجال علم الرياضيات في ذلك العصر، حكمت على أفكار ليبيج بأنها بلا قيمة، وسرى الهمس بأن هذه الأفكار ليست رياضة حقيقية. ومع ذلك، فقد كانت هذه السلطات من الحكمة والسماحة بحيث صرحت بنشرها. وهكذا استطاع ليبيج، باستخدام هذه الدوال، أن يقدم لنظرية علم التكامل مرونة وقوة غير عادية كانت مريحة للرياضيين والتقنيين. لقد تحولت المفاهيم التي أدخلها ليبيج إلى قواعد جديدة في التحليل الرياضي. والمثال التالي لا ينفصل عن الموضوع: إن الانزعاج الذي تسببه عدم الأناقة أو الشعور بظلام عرضي، لا يمكن تفسيره دائمًا إلا بتجديد المفاهيم الأساسية والجوهرية. لكن إعادة النظر هذه تستلزم العمل الشاق والجهد الطويل الذي لا تظهر فائدته إلا على المدى الطويل جدًّا ولا يمكن توقعه حتى يمكن تحفيزه.لقد قام ليبيج بصياغة نظريته لقياس المجموعات في عام ???? وفي رسالته التي ناقشها في مدينة نانسي بفرنسا عام ????، قام بتعميم مفهوم علم التكامل الذي كان اكتشافه يرجع إلى عالم الرياضيات ريمان، بهدف إدراج العديد من الدوال اللامتناهية، وقد كان هذا أحد أكثر التطورات أهمية في مجال تحليل الرياضيات الحديثة. وإذا كان الفضل يرجع إلى ليبيج في تقدم مجالات أخرى رياضية، فإنه لم يستمر في العمل على مفهومه لعلم التكامل؛ لأنه كان هو نفسه يخشى التعميمات. ولقد كتب يقول: إن علم الرياضيات بسبب تحديده في إطار النظريات العامة ربما لن يكون إلا شكلًا بلا مضمون، وسوف يكون مصيره الفناء السريع. لكنه كان مخطئًا في هذا الرأي.(?-?) خطأ ليبيج

في علم الرياضيات، ربما أكثر من أي علم آخر، من المستحيل تدوين كل شيء تفصيليًّا. لقد قرأنا كثيرًا في الكتب والمقالات البحثية التي تقدِّم نتائجَ جديدة، هذه العبارة: «من الواضح أن البرهان لا يمثل أي مشكلة … أو كذلك نرى بسهولة أن …» وبصفة عامة، أو على الأقل بالنسبة لكبار علماء الرياضيات، فإن هذا الحدس صحيح. إلا أنه يتعين في بعض الأحيان كتابة كثير من الصفحات بالحسابات الدقيقة لندرك أن البرهان كان بالفعل واضحًا وجليًّا! غير أن الخطأ حتمي ووارد وعلماء الرياضيات الذين لا يرتكبون أخطاء على الإطلاق هم أولئك الذين لا ينشرون أبحاثهم أبدًا. فهناك في الواقع كتاب كامل عن أشهر أخطاء علماء الرياضيات.فقد اشتهر نوربرت فينر (????–????) مؤسس علم السبرانية (أو نظم التحكم) ورائد العديد من المجالات الرياضية، بنشر أعمال غير دقيقة. فقد كان تجسيدًا حيًّا لتأكيد عالم الرياضيات أبرام ساموالفيتش بيزايكوفيتش (????–????) أن شهرة علماء الرياضيات ترتكز على عدد من البراهين الخاطئة. على سبيل المثال، إحدى النظريات الأساسية في كتاب فينر عن علم التكامل لفورييه تعتمد على إحدى متتاليات البرهان الاستدلالي، وبرهان إحداها يعتمد على النظرية الأساسية. إننا بهذا الشكل ندور في حلقة مفرغة!ورغم ذلك، ففي العديد من الحالات، يمكن للأخطاء أن تكون خلاقة. ويروي لنا عالم الرياضيات هنري ليبيج? (????–????) ذلك قائلًا: لقد ساعد هذا التصور عن الدوال غير المستمرة كثيرًا في اتساع حقل التحليل الذي كنا نتصور أنه يثير بعض القلق. وعلى الرغم من ذلك، نتباهى بوجود الأمل في أنه بين جميع الدوال وبين جميع المجموعات التي تم تصورها، ربما يمكن فقط في الرياضيات إدراج دوال نظرية باير والمجموعات القابلة للقياس المرتبطة بها؛ هذا لأنه فيما يبدو كانت العمليات التي تم إجراؤها على هذه الدوال والمجموعات تؤدي دائمًا إلى دوال ومجموعات من العائلة نفسها. وقد أسفر التحليل، في حد ذاته، عن مبدأ التحديد.وللتأكد من أن الأمر كذلك، تعين على وجه الخصوص دراسة حل المعادلات التي تؤدي إلى الدوال الضمنية. وخلال هذه الدراسة، قمت بصياغة هذا التعريف: إن تصور مجموعة قابلة للقياس يكون دائمًا عندما تكون هذه مجموعة قابلة للقياس ، والبرهان كان بسيطًا وقصيرًا لكنه كان خاطئًا. وقد لاحظ هذا الخطأ كلٌّ من البروفيسور لوزين، الذي كان حينئذٍ أستاذًا مبتدئًا، وسوسبين أحد تلاميذه الأوائل، وشرعا في تصويبه. وأتخيل أنهما، في البداية، اعتقدا أن إصلاح هذا الخطأ سيكون أمرًا يسيرًا، إلا أن المشاكل ظهرت سريعًا، حتى انتهيا إلى الشك في التعريف نفسه. ثم باستخدام مثال قاطع قاما بتحويله إلى تعريف خاطئ.وبهذا الشكل، فإن التحليل لا يمثل في حد ذاته مبدأ التحديد. ولقد كان امتداد عائلة دوال باير واسعًا حتى إنه يصيب بالدوار، كما أن حقل التحليل كان أيضًا أكثر اتساعًا. يا له من حقل واسع!(?-??) طريقة شولسكي

عندما يكون لدينا نتائج قياسات متقاربة ونريد أن نمرر بينها خطًّا مستقيمًا، فعلينا أن نلجأ إلى طريقة المربعات الأقل لكارل فريدريش جاوس (????–????). تقتصر هذه المشكلة — رياضيًّا — على حل نظام متعدد المعادلات الخطية ذات المجهولين (عدد نقاط القياس). فبدلًا من الخط المستقيم، يمكننا محاولة تمرير دالة أكثر تعقيدًا بين نقطتي القياس — معادلة متعددة النتائج على سبيل المثال — بغية التوصل إلى تطابق أفضل. عندئذٍ يكون علينا حل نظام خطي به أكثر من مجهولين. يتعلم جميع طلبة الرياضيات ما يسمى بصيغ كرامر التي تؤدي إلى حل أي نظام خطي. لكن هذه الصيغ لم يكن في مقدورها أن تكون نافعة من الناحية العملية، فهي في الواقع تتطلب عددًا ضخمًا من العمليات لدرجة أن الحاسب الآلي — إذا ما قام بعشرة ملايين عملية في الثانية — قد يستغرق ما يوازي عمر الكون لينهي نظامًا مكونًا من اثنتين وعشرين معادلة!هذا هو بالضبط نوع المشاكل التي نواجهها في مسائل التعويض داخل الشبكات الجيوديسية، وهو الأمر الذي تعين على أندريه لويس شولسكي? (????–????) الاهتمام به. فيتم قياس زوايا وخطوط طولية بغرض إثبات صحة معادلات شرطية تثبت أن مجموع زوايا مثلث يجب أن تساوي قيمة معروفة (أكبر من ??? درجة لأخذ كروية الأرض في الاعتبار) وأن الأطوال لا بد أن تظل كما هي مهما كان ترتيب القياسات التي تمت. وهكذا نصل إلى نظام خطي به مجاهيل أكثر من المعادلات، ونحله بطريقة المربعات الأقل، مما يقودنا إلى نظام به معادلات توازي المجاهيل ليكوِّن مصفوفة متماثلة وموجبة.اخترع شولسكي طريقة جديدة لمعالجة هذا النوع من المشاكل، لكنه لم ينشر بنفسه أيًّا من أعماله، إلا أنه كتب تقريرًا بشأن عمليات التسوية وقياس الارتفاع التي كان يقودها في الجزائر وتونس. في هذا التقرير، وردت طريقة جديدة لحساب تصحيح قامة القياس، وإن كان من الصعب اعتبارها مقدمة لطريقة استخراج المُعاملات.عُرضت أعمال شولسكي الرياضية لأول مرة في مذكرة لعام ???? كتبها القائد بنوا، وهو ضابط مساحي سابق بالقطاع الجغرافي بالجيش والقطاع الجغرافي في المستعمرة الفرنسية بفيتنام وكمبوديا، كتب فيها: تخيلَ قائدُ المدفعية شولسكي أثناء أبحاثه حول تصحيح الشبكات المساحية بالقطاع الجغرافي بالجيش — الذي لقي مصرعه في الحرب — طريقة شديدة البراعة لحل المعادلات التي تسمى طبيعية، والناتجة عن تطبيق طريقة المربعات الأقل على معادلات خطية بعدد أقل من عدد المجاهيل. واستخلص منها طريقة عامة لحل المعادلات الخطية.ويعرف جميع الطلاب الذين كان عليهم دراسة الرياضيات التطبيقية طريقة شولسكي، لكنْ قليل منهم يعرف منشأها وصاحبها.ومؤخرًا، وُجد بين الأوراق التي أورثتها أسرته إلى كلية الهندسة — حيث كان هو طالبًا — المخطوطة الأصلية التي يعرض فيها شولسكي طريقته بوضوح شديد وبتعبيرات غاية في الحداثة. في ذلك الوقت، كانت الحسابات تتم على آلة حاسبة مكتبية مزودة بمقبض لإدارتها. يؤكد لنا شولسكي أن طريقته تتيح حل نظام ذي عشر معادلات بعشرة مجاهيل بخمسة أرقام محددة في أربع أو خمس ساعات. ووصلنا حاليًّا إلى أن سيكون لدينا أنظمة ذات عشرات الآلاف من المعادلات والمجاهيل، بل وأكثر!(?-??) الهندسة الكسيرية

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الرياضيون يعتقدون أن أي دالة متصلة لها مشتقة عند كل نقطة تقريبًا، حتى ظن أندريه ماري أمبير? (????–????) أنه حصل على إثبات على ذلك ونشره في صحيفة كلية الهندسة في عام ????. لكن — وفقًا لهنري بوانكاريه? (????–????) — مثل تلك الدالة كان من شأنها أن تعد في ذلك العصر إهانة للمنطق السليم. أعطى العالم الرياضي السويسري شارل سيليريه (????–????) في عام ???? أول مثال لدالة متصلة لا تقبل أي مشتق في أي نقطة، لكنه لم يُنشر إلا في عام ????.في عام ????، حصل برنارد ريمان? (????–????) على دالة متصلة ظن أنها لا تقبل الاشتقاق في أيٍّ من نقاطها. وتحددت هذه الدالة بواسطة السلسلة الموحدة النسق التالية التي تحوي عددًا لا نهائيًّا من الحدود (التي هي تفسير ما يلي):
لكن كان ريمان مخطئًا لأن هذه الدالة تقبل الاشتقاق عند النقطة ، وبشكل عام عند كل النقاط من نمط ؛ حيث و أرقام صحيحة. كان كارل تيودور فيلهلم فيرشتراس (????–????) على قناعة بأنه من المستحيل إثبات أن قابلية دالة للاشتقاق هي نتيجة لاتصالها. ونظرًا لعدم قدرته على إثبات الخاصية التي أعلنها ريمان، في عام ????، أدلى كارل بالأكاديمية الملكية للعلوم ببرلين ببيان عن دالة متصلة لا تقبل الاشتقاق في أي نقطة داخل متوالية متقاربة.
تتقارب هذه المتوالية بصورة موحدة عندما تكون إلا أنها لا تقبل الاشتقاق في أي نقطة إذا ما كانت .في عام ????، اقترح جورج كانتور (????–????) — واضع نظرية المجموعات — التجربة التالية، بأن ننطلق من جزء من خط طولي ? ونقسمه إلى ثلاثة أقسام متساوية، وننزع الثلث الذي في المنتصف، ثم نقسم الثلثين الباقيين كلًّا منهما إلى ثلاثة أقسام متماثلة وننزع من جديد القسم الواقع في المنتصف، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، يكون الطول الإجمالي المنزوع مساويًا لواحد؛ أي طول المسافة الأصلية، ومع ذلك يتبقى عدد لا نهائي ولا يُحصى من النقط!كان إعجاب علماء الرياضيات في ذلك الوقت — وعلى رأسهم شارل إرميت? (????–????) — يرجع إلى كون هذه الأمثلة تُظهر حدود التحليل الرياضي التقليدي، لكنهم لم يعتبروها سوى «وحوش يحسن وضعها في متحف الرعب»، على حد قول هنري بوانكاريه? (????–????).يكون قياس المنحنى مساويًا لواحد؛ لأنه يكفي وجود مقياس واحد (المسافة المقطوعة منذ البداية، على سبيل المثال) لتحديد كلٍّ من هذه النقط. ويكون قياس السطح ? لأن كل نقطة يمكن تحديدها بطريقة نظيرية (أي واحدة مرة واحدة) عن طريق إحداثيين. إلا أنه في عام ????، أنشأ الرياضي الإيطالي جيوسيبي بيانو (????–????) منحنًى (قياسه واحد) مارًّا بكل نقاط مربع (قياسه ?)؛ مما يجعل تعريف المقياس بناءً على عدد من المعايير اللازمة لتحديد كل نقطة غير مُجدٍ.في عام ????، رسم نايلز فابيان هيلج فون كوخ (????–????) منحنًى مغلقًا ذا طول لا نهائي يحد سطحًا محددًا. وبالانطلاق من مثلث متساوي الأضلاع طول كلٍّ منها ?، نقسم كل ضلع إلى ثلاثة أجزاء متساوية، ثم نضيف في منتصف كل ضلع مثلثًا متساوي الأضلاع يساوي ضلعه 1/3. ونبدأ من جديد في منتصف كل ضلع بإضافة مثلث متساوي الأضلاع يساوي ضلعه 1/9، وهكذا دواليك حتى ما لا نهاية. ويدعى المنحنى الناتج «ندفة الثلج». عند الخطوة صفر يكون طول أي ضلع مساويًا لواحد وعدد الأضلاع يكون ثلاثة وأيضًا الطول الإجمالي ثلاثة، وتكون المساحة داخل المنحنى لا نهائيًّا لكنه يحيط بسطح محدود. أمر غريب!لندرس الآن مسألة القياس بشكل أكثر تفصيلًا. إذا كانت لدينا قاعدة، فلا بد من اثنين متماثلتين للحصول على قاعدة ذات طول مضاعف. وإذا ما رسمنا مربعًا، فيلزمنا أربعة مربعات متشابهة للحصول على مربع بضلع مضاعف. وبالانطلاق من مكعب، فيلزم ثمانية منه لصنع مكعب بضلع مضاعف، وهكذا. إذن، ففي سبيل مضاعفة ضلع أي شكل قياسه يجب وجود أشكال مماثلة. ومن ثم يكون القياس يساوي .ومن ثم، إذا ما توصلنا إلى عمل شكل نُضاعف ضلعه بواسطة ثلاثة نماذج مماثلة، فسيكون قياسه وبشكل أعم، فلكي نضرب في ضلع شكل ما قياسه ، يجب أن يكون هناك أي أشكال مماثلة؛ أي إن لدينا . وهذا الرقم هو ما يُسمى بالقياس الكسري للشكل. وبالنسبة لندفة الثلج لكوخ، فإن كل ضلع فيها يتكون من أربع نسخ منه هو ذاته، ينقص كلٌّ منها الثلث. إذن، و ولدينا .أي شكل لا يكون قياسه رقمًا صحيحًا يسمى كسرًا.وتتكون ندفة الثلج لكوخ باستبدال كل جزء بأربعةٍ طولها 1/3 من السابق. وبتشكيلات أخرى مماثلة نحصل على كسور بقياسات مختلفة. وفي كل خطوة يُستبدل جزء بعدد من الأجزاء الأخرى، يكون طول كلٍّ منها من السابق. ويكون القياس الكسري للشكل الذي نحصل عليه من تكرار هذه العملية لعدد لا نهائي من المرات يساوي .ويترجم القياس الكسري خواص الشكل ومن ثم يرتكز على مبدأ تشابه الوضع الداخلي الذي يعني أنه عند تكبير قطعة من الشكل نجد شكلًا يشبه الشكل الأصلي. وهي خاصية التشابه الذاتي، التي يمكن ملاحظتها في الطبيعة. فلنأخذ القُنَّبيط على سبيل المثال؛ حيث كل زهرة صغيرة عبارة عن قُنَّبيطة صغيرة تتكون بدورها من عدة أزهار أصغر حجمًا. ولقد لاحظ متسلق الجبال إدوارد ويمبر (????–????) — أول من صعد قمتي سيرفين والجوراس الكبرى بالإضافة إلى قمم أخرى — أن الأجزاء الصغيرة من الصخرة تشبه الصخرة الكاملة التي تأتي منها.كما يُعد لويس فراي ريتشاردسون? (????–????) أحد الملهمين لمثل هذه الأعمال. كان مهتمًّا بدراسة طول شواطئ البلاد. وإذا ما استخدمنا لذلك الأمر مقياسًا طوله فإن الطول الإجمالي للشاطئ سيكون دالة . في الواقع، إذا ما اتخذنا مقياسًا أصغر، فسيكون من الممكن قياس التفاصيل الأدق، ولا سيما أن الطول الإجمالي ? يزيد كلما قل . فكلما تفتت خط — في سبيل الأخذ في الاعتبار لتفاصيل المقاييس الأصغر حجمًا — زادت المسافة بين نقطتين. ولقد اكتشف ريتشاردسون — تجريبيًّا — أن الطول الإجمالي يختلف على النحو التالي ؛ حيث يكون معاملًا ثابتًا. وبالنسبة لشواطئ بريطانيا، حصل ريتشاردسون على قيمة مقاربة ? أما بالنسبة للحدود البرية لألمانيا أو البرتغال، فوجدها تقريبًا وبتطبيق نظرية ندفة الثلج لكوخ، نحصل — وفقًا لصيغة ريتشاردسون — على ؛ أي إننا نستعيد القياس الكسري. يقيس الرقم إذن انتظام (أو — إذا أردنا — اتساق) أي منحنًى.يرتبط مفهوم الكسر بمفهوم ديناميكية التكرار والفوضى. وسأتحدث عنهما باقتضاب دون الدخول في أي تفاصيل شديدة التقنية. ولندرس — على مثال بسيط — مبدأ التكرار ونرى كيف يحدث. نضع رقمًا مركبًا (أي رقم ذي جزء حقيقي وآخر تخيلي) ولنسمه ، يمكن للرقم المركب أن يتم تمثيله بنقطة على سطح يكون محور سيناته هو الجزء الحقيقي، ومحور الصادات هو الجزء التخيلي. ثم نقوم بحساب من خلال الصيغة التالية: ؛ بحيث تكون رقمًا مركبًا. ثم نقوم بحساب الرقم بنفس الصيغة: ، وهكذا دواليك … ومن ثم سنحصل على متوالية لا نهائية من الأعداد، يتمثل كلٌّ من هذه الأعداد بنقطة على سطح ما، وبالربط بين هذه النقاط بالترتيب التالي: نحصل على ما يسمى بالمدار. ووفقًا لنقطة البداية ، قد تذهب بعض هذه المدارات بعيدًا إلى ما لا نهاية، بينما لا تصل هناك مدارات أخرى وتظل محدودة بمسافة محددة من مصدرها. أي تغيير طفيف في قيمة قد ينقلنا من مدار محدود إلى مدار لا نهائي. ونشهد هنا ظواهر شديدة الحساسية لأقل تشوش. ونقول إن المشكلة مطروحة بشكل خاطئ، فالفيزيائيون كانوا قد لاقوا بالفعل مثل هذه الحساسية الشديدة أثناء دراسة حركة الكواكب، وخاصة مشكلة الأجسام الثلاثة التي درسها بالذات هنري بوانكاريه? (????–????). فعندما تتفاعل هذه الأجرام السماوية الثلاثة تحت تأثير القوى الجاذبة على أساس بعض الشروط الأصلية، يكون من المستحيل إطلاقًا التنبؤ بأوضاعها أو حركتها لفترة طويلة. فاستقرار نظامنا الشمسي هو مثار لجدلٍ لم يُحسم بعد. كما أننا نعلم ما يُسمى بتأثير الفراشة، الذي يقضي بأن خفقان أجنحة فراشة في الصين قد يتسبب في عاصفة على الجانب الآخر من الكوكب. ومن ثم فالتنبؤات الجوية تُعد أيضًا مشكلة غير مطروحة بعناية؛ حيث تتدخل العديد من المعايير، لكن من الصعب أخذهم جميعًا في الاعتبار. وقد يؤدي أي تغيير ضئيل في البيانات الأصلية إلى تغيرات ضخمة في النتائج. لكن لا يمكننا فعل شيء حيال هذا الأمر، فهو كما هو. ومن الطريف ذكر أن أحد أول من اهتموا بدراسة التنبؤ بالطقس — بصورة علمية — هو لويس فراي ريتشاردسون الذي حدثتكم عنه سابقًا. وكان قد اقترح نموذجًا، لكنه لم يدرك أن المشكلة غير مطروحة بطريقة سليمة.رجوعًا إلى مداراتنا، سنجد أن الحد الفاصل بين نقاط البداية اللاتي تعطي مدارات لا نهائية وتلك اللاتي تبقى محدودة؛ يُسمى «مجموعة جوليا»؛ نسبة إلى العالم الرياضي الفرنسي جاستون موريس جوليا (????–????)، وهو أول من عكف على مثل هذه الدراسة في عام ????. وتعتمد هذه المجموعة على القيمة المعطاة للرقم المركب وسنشير إليه هنا ? . عادة، يكون من الممكن دراسة بعض ظواهر التكرار أكثر تعقيدًا بكثير من تلك التي أوردناها كمثال.حينما بدأ الرياضيون بعمل تجارب رقمية على الحواسب الآلية (وهو — بالطبع — ما لم يتمكن جوليا من فعله في عام ????)، فوجئوا بملاحظة أن يعتمد اعتمادًا قويًّا على ، وأنه يمكنه تغيير شكله تمامًا وفقًا ? ، وأنه يمكن أن يصبح شديد التعقيد: إذن رقم كسري.في عام ????، اقترحت أكاديمية العلوم بباريس دراسة التكرار كموضوع لجائزتها الكبرى لعام ????. وكتب الفرنسي بيير جوزيف لويس فاتو (????–????) بحثًا طويلًا حول هذه المسألة عام ????، لكن لم يكن واضحًا أنه كان ينوي تقديمه. في سبيل الحصول على الجائزة الكبرى، انكب جوليا على العمل وتوصل إلى نتائج مشابهة لفاتو لكن بطريقة مختلفة. وفي نهاية عام ????، سلم جوليا عمله للأكاديمية في ظرف مغلق. ومن جانبه، أعلن فاتو عن النتائج التي توصل إليها في مذكرة للأكاديمية في ديسمبر ????. فصاغ جوليا خطابًا للمطالبة بأولوية نتائجه. ولذلك، رفض فاتو الدخول في المسابقة، وذهبت الجائزة الكبرى إلى جوليا، بينما أهدت الأكاديمية جائزة أخرى لفاتو تكريمًا لعمله.في عام ????، عُقدت حلقات دراسية في برلين لدراسة أعمال جوليا، شارك فيها رياضيون مثل ريتشارد داجوبير بروير (????–????) وإبرهارد هوبف (????–????) وكيرت فورنر فريدريش ريدميستر (????–????). وأعطى إتش كرامر — في مقالة له — أول تجسيد لمجموعة جوليا. وعلى الرغم من شهرة هذه الأعمال في العشرينيات، فإنها راحت طي النسيان حتى أجرى بنوا بي ماندلبرو (مولود ????) — الذي تتلمذ على يد جوليا في كلية الهندسة في الأربعينيات — تجاربه الأساسية على حاسب آلي في نهاية السبعينيات، معطيًا الكسريات التطور والاهتمام الذي نعرفه. فهناك العديد من الظواهر الطبيعية تشابه الكسريات، مثل السحاب والأعاصير، وتساهم أيضًا في إنتاج صورة تلخيصية.فالحركة البراونية (نسبة إلى العالم روبرت براون) هي — على سبيل المثال — الحركة غير المنظمة للجزئيات الصغيرة المعلقة في الماء. وتستخدم — بالأخص — لدراسة ظواهر الشواش من التداخل في الإشارات الضوئية أو الكهرومغناطيسية، وأيضًا تذبذب الأسواق المالية. فإذا تتبعنا مسار جزئية متحركة بحركة براون، نُثبت أن قياسها الكسري يساوي 4/3. وكون القياس عددًا كسريًّا يتضمن وجود تماثل خفي عميق، نُطلق عليه «التحولات الامتثالية»، وهي تبدو مرتبطة — بصورة غامضة — بنظرية الكم التي تتيح وصف البنية الداخلية للمادة.(?-??) مشكلة التحليل التوافيقي

سنرى من جديد في هذه القصة كيف أن بعض النتائج التجريبية والأمثلة والحسابات الرقمية قد تكون مصدرًا للإلهام لأكثر النتائج الرياضية نظرية. فيجب أن نشاهد لنفهم ونحفز قدرات التخيل والتحليل.روى بول ليفي? (????–????) في كتاب ذكرياته القصة التالية: سأعود لصيف ????، حين كنت أقضي مع عائلتي إجازة لمدة ثلاثة أسابيع في الغابة السوداء، وهناك التقيت ملازمًا أول ألمانيًّا، كان الأكثر حيوية من بين المقيمين في النزل العائلي الذي كنا فيه. في أحد الأيام، جلس يلعب معي بالورق، فأخذ ثماني أوراق، ثم قلب الأولى، وأبقى الثانية في اللعبة، وقلب الرابعة وألقى بالثانية، وهكذا حتى انتهت اللعبة. كان قد أعاد الأوراق الثمانية بالترتيب الذي قاله لي في البداية. أردت أن أبلي أحسن منه، في اليوم التالي، أعطيته ثلاث عشرة ورقة، وعرضت أن أعيد الكرة بحسب عدد الأوراق التي يريدها، وهكذا مع باقي الأوراق الاثنتين والخمسين. وبعد ذلك، لم أعد أفكر في الأمر، إلا حينما أريد إعادة لعب الأوراق من وقت لآخر.في عام ????، أُصبت بشدة بداء ذات الرئة، وظللت راقدًا أعاني من الحمى الشديدة. وربما شجع تدفق الدم في المخ على استرجاع الذكريات القديمة. وأيًّا كان ما حدث، فلقد ظللت أفكر في الملازم الألماني ولعبة الأوراق التي قادتني إلى التفكير في عملية تبديل مهمة لكل قيمة للرقم الصحيح بالشكل التالي: لكل ورقة. وحاولت كبداية أن أحددها من وجهة نظر نظرية المجموعات؛ أي تفكيكها إلى حلقات. ولأنه لم تكن لدي أي فكرة عن الطريقة التي يجب اتباعها، قررت تطبيق الطريقة التجريبية وحللت مشكلة القيم الصغيرة ? حتى 45. كان عملًا من السهل القيام به في الفراش بورقة وقلم حبر. في البداية، بدت لي النتيجة محبطة: فللعدد من التباديل، وجدت متوالية من الأرقام شديدة الاختلاف. وهكذا، فمن ، تكون قيم بحيث لا تتجاوز حدها الأقصى السابق هي:12, 18, 23, 35, 38, 44
وتكون القيم التي ? :28, 70, 210, 308, 990, 1710
وتكون الحلقات التي لا يكون ترتيبها أقل من نادرة. إلا أننا نجد للقيم 6, 7, 10, 15, 19, 27, 30, 31, 34, 42 من ، حلقة من عنصر، وهو الحد الأقصى المتاح. ويكون العنصر الأول معاملًا ثابتًا، ومن ثم لا يكون واردًا أي عنصر للتباديل سوى عناصر .كانت أول ملاحظة بسيطة نجحتُ في التوصل إليها هي التالية: إذا كانت (أي القول إن ) يكون لدينا و تتضمن عدد من التباديل التي ? عنصر؛ حيث يكون هو خارج قسمة على . عادة، تظهر قيم هذه كحدودٍ دنيا، ومن ثم، يكون الرقم 6 محاطًا ? 60 و33.أعطتني هذه النتيجة الأولية فكرة تحويل تركيزي إلى قيم على صورة . ولاحظتُ وجود حلقة واحدة من نوع وحلقات عديدة بدرجات أقل من ، لكن لا توجد واحدة أعلى، مما يجعل التبديل أصغر مشترك متعدد لأرقام الصحيحة الأولى.وحاولتُ إذن إثبات هذه النتائج بطريقة عامة. لاحظتُ في البداية وجود علاقات طريفة بين وطريقة التباديل الأخرى الأبسط . وهكذا ، تكون الحلقات التي ? و هي نفسها بالتمام، مع الفارق أنه — بالطبيعة — يكون ترتيب العناصر في كل حلقة مختلفًا. وشيئًا فشيئًا، اعتدت على آلية التباديل، حتى وصلت إلى إثبات عام لنتائج بالغة التعقيد لأعرضها هنا. وأذكر فقط ما يبقي منفردًا في ذاكرتي: تنقسم الأرقام الصحيحة إلى مجموعتين متكاملتين و، ويتميز الرقم الأخير بالصفة التالية: تضم فترة تمثيل الرقم في الإحصاء الزوجي رقمًا زوجيًّا، ويكون النصفان الآخران متكاملين؛ أي إننا نمضي من واحد إلى آخر باستبدال الصفر بواحد والواحد بصفر. تكون خواص التبديل ؛ حيث مختلفة تمامًا عن تلك المرتبطة بالحالة . ومن ثم، تمتلك التباديل و ذات الحلقات فقط إذا ما كانت وليس إذا كانت .فلنشرح معنى إثبات بالتكرار وكيف نكون مضطرين إلى اللجوء إليه، وكيف تطرأ لنا فكرته. يبدأ الرياضي بملاحظة أن هناك خاصية معينة أو صيغة ما تعتمد على رقم صحيح تصلح لأي قيمة للعدد ؛ أي إن ثم يتأكد — بعد القيام بالحسابات التفصيلية — أن الوضع كذلك مع القيم الصغيرة ? . حيث تكون هناك فرص أن الصيغة تكون عامة وقابلة للتطبيق لكل قيمة ، ويبقى في النهاية إثبات الأمر رياضيًّا. ونقوم عندئذٍ بما يسمى بالإثبات بالتكرار، وهو ينقسم إلى ثلاث خطوات: فنثبت في البداية أن الخاصية سارية إذا كانت ، ثم الخطوة الثانية تقتضي الافتراض بأنها صالحة للحالة ، وأخيرًا، إثبات أنها سارية ? . ومن ثم، واستنادًا إلى هذا الإثبات بالتكرار بما أن النتيجة صحيحة حيث ، فهي تكون كذلك إذا كانت ، وإذا كانت صحيحة إذا كانت ، فإنها تكون كذلك إذا كانت ، وهكذا دواليك. ولنعطِ مثالًا أكثر توضيحًا، فنحن نعتقد أن كل رقم فردي يمكن أن يُكتب بالصورة التالية . ونرى بالطبع على الفور أنه صحيح. والآن فلنقمْ بإثبات الأمر بالتكرار. إذا كانت نحصل على وهو رقم فردي. إذن فقد تم التحقق من هذه الخاصية لحالة . وإذا افترضنا — لقيمة ما محددة ? — أن الرقم الفردي له صورة . وللحصول على الرقم الفردي التالي، يجب إضافة 2 إلى . ونحصل من ثم على الصيغة التالية: والمساوية للتالي: . وهي ذات الصيغة السابقة التي حصلنا عليها بعد استبدال ? ، مما يصل بنا إلى نهاية الإثبات بالتكرار. وتعد الإثباتات بالتكرار أداة مهمة في الرياضيات، وترجع جذورها إلى العصور القديمة.(?-??) التوزيعات

يروي الرياضي الفرنسي لوران شوارتز? (????–????) في مذكراته كيف جاءته فكرة التوزيعات، وهي تعميم لمفهوم الدالة: توصلت إلى ذلك الكشف في باريس، في مستهل شهر نوفمبر ???? … ولقد حدث هذا الاكتشاف المفاجئ في ليلة واحدة، وهي ظاهرة معتادة كثيرًا ما شهدتها في حياتي ويعرفها العديد من علماء الرياضيات … كانت ليلة ما في بداية نوفمبر ???? — لا أعرف أيها ولماذا — حينما اتقدت شعلة ما في ذهني: في سبيل إيجاد حلول معممة للمعادلات ذات المشتقات الجزئية، لا بد من تعميم الدوال! ووجدت على الفور طريقة التعميم؛ ألا وهي الطريقة التي سعى إليها بيانو دون جدوى عام ???? … طالما أطلقت على تلك الليلة التي توصلت فيها إلى هذا الاكتشاف الليلة الرائعة، أو أجمل ليلة في حياتي. في شبابي، كنت أعاني من الأرق ساعات طويلة، لكني لم أتعاطَ قطُّ أيَّ أدوية منوِّمة. فكنت أبقى في فراشي والأنوار مطفأة لأقوم في الأغلب — بالطبع دون كتابة — بعمليات حسابية. كنت أشعر بأن طاقتي قد زادت عشرة أضعاف، وكنت أتقدم بسرعة دون أن ينتابني أي تعب، كنت حينها حرًّا تمامًا دون أي قيود تفرضها عليَّ الكتابة أو واقع الحياة اليومية. وبعد بضع ساعات، يبدأ الملل مع ذلك، لا سيما إذا اعترضتني بعناد صعوبة ما. عندها كنت أتوقف وأخلد إلى النوم حتى الصباح. وأستيقظ اليوم التالي متعبًا، لكني سعيد، وعادة يستغرق الأمر عدة أيام لترتيب الأفكار وتنظيمها. لكن هذه المرة، كنت شديد الثقة بنفسي وملأتني الحمية والحماس … أي اكتشاف — بالنسبة لأي نظرية — عادة ما يكون طريقًا متعرجًا، وغالبًا ما تكون النتيجة النهائية قريبة من نقطة البداية. فكلما توصلت إلى نتيجة جديدة أبدأ بالبحث عن أي الطرق كان أقرب إليها، بينما يكتفي البعض بالنتائج وينشرونها برحلة التوصل إليها كما هي بتعرجاتها، إنها مسألة طبع … تكون صورة الاكتشاف مختلفة بالطبع عن تلك التي يتصورها الجمهور؛ فهو يظن أننا نتقدم من البداية إلى النهاية وفقًا لتفكير جامد وخطِّي، وبترتيب شديد النظام والتحديد، يتماشى مع المنطق البحت؛ أي إن الجمهور لا يعرف التعرجات. يا للخسارة! هذا الأمر يجعل الرياضيات (بل وكل العلوم) جامدة قليلة الإنسانية، وأكثر صعوبة بما أنها لا تعطي الحق في التردد والخطأ.في هذا النص، نرى كيف حدثت الاستنارة المفاجئة بينما كان العقل في حالة استرخاء، حرًّا في الشرود كما يشاء. ونلحظ فيها أيضًا تعرجات التفكير في سبيل بلوغ الحل، ثم حركة التبسيط اللازمة للخطوات مما يتيح عرض النتائج بأبسط الطرق. هكذا فقط يستطيع أي إثبات أن يبلغ روعته الحقيقية. فعلى سبيل المثال، الإثبات الأول لتسامي العدد (أساس اللوغاريتمات الطبيعية) بواسطة شارل إرميت? (????–????) تجاوز ثلاثًا وسبعين صفحة، لكننا نستطيع إثباته الآن في صفحتين. وهكذا أيضًا للعدد .كان لوران شوارتز — بدءًا من عام ???? — أحد أبرز أعضاء المجموعة المعروفة ببورباكي. في حوالي عام ????، اعتاد بعض علماء الرياضيات الفرنسيين الشبان — الذين درسوا في المدرسة العليا ثم تفرقوا إلى جامعات مختلفة — الاجتماع في مقاهي الحي اللاتيني، وهم هنري كارتان (????) وكلود شوفالي (????–????) وجان ديلسارت (????–????) وجان ديودونيه (????–????) وأندريه ويل (????–????). كانوا يتناقشون فيما يتعلمون معتبرين إياه غير كافٍ. فكانوا على يقين بأن حركة إصلاح عميقة في الفكر الرياضي، أمر لا غنى عنه؛ إذ يجب منحه مزيدًا من التماسك والوحدة وتركيز جل الاهتمام على الأبنية التي تربط الأشياء الرياضية بدلًا من الأشياء نفسها. لم يكن الأمر يعني بالطبع عمل أبحاث جديدة، وإنما صياغة جديدة وترتيب مختلف في عمل تعليمي بحت. وفي العاشر من ديسمبر ????، تكونت المجموعة؛ مجموعة بورباكي. وقرر الأصدقاء أن يعكفوا على هذه المهمة. ووُضعت قواعد صارمة للسير والعمل ووجب على الجميع اتباعها خوفًا من الطرد من المجموعة. يجب على أي عضو في المجموعة ألا يبحث عن الفائدة الشخصية، بل يجب أن يبقى انتماؤه للمجموعة سرًّا، على أن يكون الحد الأقصى لعمر العضو الراغب في الانضمام للمجموعة خمسين عامًا. كان على كل عضو مسئولية صياغة جزء من علم الرياضيات، وسيتم فحصه بعد ذلك — لكيلا نقول نقدها بضراوة — من قبل باقي المجموعة أثناء اجتماعاتهم التي تعقد ثلاث مرات سنويًّا فيما يشبه الفلكلور. كان أول أمر هو إيجاد اسم جماعي للمجموعة، واستقروا على بورباكي، الذي يُعرف وفقًا لأحاديث كانت تسري في المدرسة بكونه صاحب نظرية شهيرة. بالفعل، كان هناك شخص يدعى اللواء شارل بورباكي (????–????)، وُلد في باو، وكان قائدًا للجيش الشرقي في عام ????. ثم أصبح لاجئًا في سويسرا هربًا من السجن، لكنه لم يكن عالم رياضيات. لكن، وفقًا لرواية أخرى، كان هناك طالبًا يعمل في رسالته تحت إشراف أندريه ويل، وكان بحاجة إلى نتيجة ما، لم يستطع أن يجد لها أي إثبات، وكان ويل مقتنعًا بالنتيجة، لكنه لم يكن يرغب في تكبُّد مشقة البحث عن إثبات لها. فما كان من الطالب إلا أن استخدم تلك النتيجة — دون إثبات — متعللًا بأنها منسوبة إلى بورباكي من الأكاديمية الملكية ببولدافيا. وبعد ذلك، بعد إنشاء المجموعة، أصبح من الضروري إضفاء وجود حقيقي على شخصية بورباكي ليتمكنوا من نشر مذكرة بأكاديمية العلوم باسمه. وكان يجب أن يقدم المذكرة أحد أعضاء الأكاديمية. ووقع الاختيار على اسم نيكولا، كما يروي أندريه ويل في مذكراته: لم يكن لدينا أدنى شك في أن إميل بيكارد، السكرتير الدائم للأكاديمية، قد يُصاب بسكتة دماغية إذا ما علم بالأمر. وكانت عليَّ مسئولية كتابة المذكرة وإرسالها إلى إيلي كارتان مصحوبة بخطاب يدعمها.وكتب أندريه ويل السيرة الذاتية لنيكولا بورباكي، ذكر فيها أنه ينحدر من أسرة يرجع أصلها إلى جزيرة كريت. وفيما يلي، جزء منها: بعدما أتم بنجاح دراسته الثانوية في بلاده، ذهب ليدرس في جامعة خاركوف، ثم حصل في عام ???? على منحة أتاحت له حضور محاضرات هنري بوانكاريه بباريس ود. هيلبرت بجوتنجن. وقد كان لهما عميق الأثر على تفكيره. وفي عام ????، ناقش رسالته بجامعة خاركوف. وتظهر جلية في هذا العمل — الذي شهد إقبالًا ضعيفًا على النسخ التي دُمرت إبان الغزو الألماني عام ???? — مبادئ التطورات المستقبلية في تفكيره. في عام ????، عُين بجامعة دوربا، وتزوج بعد عامين، وأنجب فتاة واحدة تدعى بيتي تزوجت عام ???? من أحد صائدي الأسود.كان على الأكاديمية التأكد من جدية الأبحاث العلمية التي تلقتها، لكن ليس من التفاصيل المتعلقة بالسيرة الذاتية لأصحابها. وقد انتزع إيلي كارتان (????–????) — عالم رياضي ووالد هنري كارتان أحد أعضاء المجموعة — الموافقة على نشر البحث من زملائه في الأكاديمية عند تقديم المشروبات أثناء تناولهم الغداء الذي يضم عددًا من الأكاديميين قبل إحدى الجلسات الأسبوعية. وحوالي عام ????، تلقى هنري كارتان اتصالًا هاتفيًّا من زوجته تبلغه بأن شخصًا يدعى بورباكي يريد لقاءه. كان مستشارًا بسفارة اليونان ويدعى نيكولايدس بورباكي، سليل أسرة عريقة ترجع جذورها إلى شقيقين ذاع صيتهما في كريت في القرن السابع عشر أثناء مقاومتهما للأتراك. فأثناء عودته المتعجلة من مصر، كان يصاحب بونابرت مرشد يدعى سوتير بورباكي. وحينما أراد بونابرت مكافأته، أمر بتعليم ابنه في مدرسة برتاني الحربية للرماية. وأصبح هذا الابن ضابطًا فرنسيًّا، والجد الأكبر للواء بورباكي. شرح كارتان للرجل الذي ظل مندهشًا — خاصة أن أسرته لا تضم أي عالم رياضيات — كيف وُضع اسمه على رأس وثيقة مهمة كهذا البحث. ومنذ ذلك الحين ولعدة سنوات، ظل نيكولايدس بورباكي يحضر الولائم التي تلي اجتماعات المجموعة.عُقد أول مؤتمر لمجموعة بورباكي في بيسان شانديز بمقاطعة أوفرني عام ????، وساد هناك جو من العمل المكثف، وإن لم يختف الخيال الجامح. وقع اختيارهم على عنوان لمؤلفهم: «مبادئ الرياضيات». وتولى ديودونيه الجانب الأكبر من الصياغة النهائية للفصول الأولى.وفي عام ????، انضم إلى المجموعة الأولى زولم ماندلبروجت (????–????)، ثم لوران شوارتز? (????–????) وجان بيير سيير (المولود عام ????). وبعد فترة، أصبحت المجموعة تضم بين أعضائها رينيه دي بوسل (????–????) وشارل أهريسمان (????–????) وبيير كارتييه (المولود عام ????) وبيير صامويل (المولود عام ????) وألكسندر جورتنديك (المولود عام ????) وروجيه جودمين (المولود عام ????)، وآخرين. سيكون من المستحيل ذكرهم جميعًا، فأرجو أن يلتمسوا لي العذر.شهد عام ???? صدور الجزء الأول من «مبادئ الرياضيات»، واستمرت المغامرة حتى الجزء الأخير الذي صدر عام ????. وبلغ حجم المؤلفات أكثر من سبعة آلاف صفحة. لقد غيرت مجموعة بورباكي وجه الرياضيات في العالم أجمع. إلا أنه ينبغي الاعتراف بأن هناك بضعة أجزاء من الرياضيات لم تتطرق إليها المجموعة بطريقتها الشكلية، مما دفع بعض كبار الرياضيين إلى استكمال أعمالهم بعيدًا عن هذا التيار.وهكذا، في سبيل إبراز روح العمل داخل المجموعة، نعرض هجاء مصاغًا على وزن قصيدة لستيفان مالارميه (????–????) تدعى العذراء والمتألق واليوم البديع … كتبه بلا شك بيير صامويل عام ????. لنقُلْ إن أحد أكثر الأشياء المكروهة لدى مجموعة بورباكي كان كتاب التحليل الرياضي لإدوارد جورسا (????–????) المستخدم في ذلك الحين بتوسع؛ حيث كان يمثل لهم صورة الرياضيات القديمة. أما جورج فاليرون (????–????)، فهو صاحب كتاب آخر شهير للتحليل، أما المرشح، فهو مفهوم رياضي أدخله هنري كارتان.المرشح

يا أيها القوي، يا أيها القاسي، أنت يا بورباكي الواضح،
أَسَتُمزقنا في إحدى نوبات أزمتك
أنا جورسا مفتول العضلات، مرآة التحليل،
المدافع عن ماضٍ فر منذ زمن؟
•••

المتوالية القديمة كانت تظن أنها إلى ما لا نهاية،
لم يعد لها فائدة، لكن دون أن يفهمها، يستخدمها
الطالب الأحمق، الذي يثني عليه فاليرون
في محاضرته المخيفة التي تقطر مللًا.
•••

جاهلًا بأسرار الهندسة اللاكمية
ذات المكانة المهانة، وأنت يا من تدرسها
تسبح في الخطأ حيث تستعير لغته.
•••

يحدق مدهوشًا كالثمل من شراب المحبة
الالتحام، كمعطف لم يفهمه قط،
لكن يرتديه فوق شيء جامد، المرشح.
(?-??) البرمجة الخطية

تطورت البرمجة الخطية وبدأ استخدامها عام ???? على يد جورج برنارد دانتزيج (? نوفمبر ???? بورتلاند، أوريجون، الولايات المتحدة الأمريكية، ?? مايو ???? بالو ألتو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية) ومارشال كيه وود، وزملائهم بوزارة الطيران بالولايات المتحدة الأمريكية.ويدرس هذا الفرع من الرياضيات الحل الأمثل لبعض مشاكل الاستمثال المشروط. فنحاول — على سبيل المثال — الوصول إلى التقسيم الأمثل للأسطول وللطاقم داخل شركة طيران بهدف تقليل الوقت المستغرق في إعداد الأجهزة، سعيًا إلى زيادة أرباح الشركة نظرًا للقيود المتعلقة بالعاملين ووقت العمل والموارد المالية والمادية.وروى دانتزيج كيف توصل إلى اكتشاف طريقة المجموع التي أتاحت له بلوغ حل مثل هذه المشكلات للبرمجة الخطية. كان دانتزيج ذاهبًا للقاء جون فون نيومان (????–????)، الذي يعد أحد أكبر علماء الرياضيات في عصره؛ نظرًا لإسهاماته القيمة في مجال ميكانيكا الكم وفي نظرية الألعاب، بالطبع إلى جانب تلك المتعلقة بمجال الهندسة المعمارية وبرمجة الحاسوب. وعرض عليه دانتزيج ماهية البرمجة الخطية، وعلى الفور، هرع نيومان إلى السبورة ووضع عليها النظرية الرياضية الكاملة. وأمام دهشة دانتزيج، شرح له كيف أنه انتهى حديثًا مع أوسكار مورجنسترن (????–????) من تأليف كتاب حول نظرية الألعاب (نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي، جامعة برنستون، برنستون، ????)، وكيف أدرك فور سماعه أن المشكلتين متماثلتان. فلم تكن النظرية التي كتبها على السبورة سوى نقل لعمله هو لكن بلغة دانتزيج. لكن بالطبع الجميع ليسوا جون فون نيومان!جاءت أولى تطبيقات البرمجة الخطية في المجال العسكري، لكن سرعان ما تحولت إلى الصناعة. وفي أيامنا هذه، تستخدم البرمجة الخطية في حل مشاكل تخصيص الموارد المحدودة بغية بلوغ الأهداف المنشودة. ولكي نبرز أهمية هذا المجال، نذكر أن جائزة نوبل للاقتصاد مُنحت عام ???? للروسي ليونيد فيتاليفيتش كانتوروفيتش (????–????) والأمريكي تجالينج تشارلز كوبمانز (????–????) لإسهاماتهما في نظرية التخصيص الأمثل للموارد. ولقد أثبت كانتوروفيتش كيف يمكن استخدام البرمجة الخطية لتحسين التخطيط الاقتصادي بالاتحاد السوفييتي. كما طور كوبمانز نظريته للبرمجة الخطية عن طريق التخطيط الأمثل لحركة السفن في المحيط الأطلنطي أثناء الحرب العالمية الثانية.تزامن ظهور مصطلح «البرمجة الخطية» مع طريقة المجموع. وقد استخدم المهتمون بمشاكل الاستمثال في الفترة من ????–???? مصطلح «البرمجة» مصحوبًا بعدة صفات: المحدبة، الديناميكية، الخطية، … أي إنه أصبح مرادفًا للاستمثال، حتى سُميت دراسة المشكلات العامة للاستمثال بالبرمجة الرياضية. ليس باستطاعتنا الحديث عن البرمجة دون إلحاقها بصفة ما؛ نظرًا لظهور حركة البرمجة في الحاسب الآلي في ذات الوقت. واليوم، نستخدم المصطلحين بالمعنيين، ويسمح السياق بالتمييز بينهما بسهولة.تظهر البرمجة الخطية بكثرة في مسائل التخطيط، وتستخدم بصورة موسعة في القطاعات الاقتصادية، مما يبرز أهميتها.(?-??) لوغاريتم متجهات الميل المتلازمة

على الرغم من أن القصة التالية لا تحكي بصورة دقيقة كيف تم اختراع لوغاريتم متجهات الميل المتلازمة، أعتقد أنه من الممتع أن أرويها لكونها تظهر جيدًا مشوار الفكرة ونموها بالتلاقي عند عدة أشخاص. ليس من الضروري فهم بعض التفاصيل الرياضية التالية لإدراك أهمية القصة.لوغاريتم متجهات الميل المتلازمة هو طريقة رياضية معروفة لدى القائمين على التحليل ورياضيات الحدود المثالية، ويعد وسيلة مهمة لحل أنظمة المعادلات الخطية أو لإيجاد أقل تقدير لمعادلة لها أكثر من متغير.في مقدمة كتابه «طرق متجهات الميل المتلازمة في رياضيات الحدود المثالية» (سبرينجر-فيرلاج، هايدلبرج، ????) يروي مانيوس رودولف هيستنز? (????–????)، أحد مخترعي هذا اللوغاريتم، قصته: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة قليلة، حدث تطور للآلات الحسابية الرقمية السريعة (الحاسب الآلي). وأصبح من الجلي أن الجوانب الرياضية للحساب يجب أن تخضع لإعادة فحص في سبيل الوصول إلى الاستخدام الأمثل للحواسيب الآلية في مجال الحسابات العلمية. وهكذا، أُنشئ معهد للتحليل الرقمي بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس تحت قيادة مينا رييس وجون كورتيس وغيرهما وتحت إشراف المكتب الوطني للمعايير. وافتُتح أيضًا معهد شبيه بالمكتب الوطني للمعايير بالعاصمة واشنطن. في عام ????، أصبح باركلي روسر مديرًا لمجموعة البحث بجامة كاليفورنيا لمدة عامين، عقدنا خلالهما حلقة دراسية حول طرق حل المعادلات الخطية المتزامنة وحول تحديد القيم الذاتية، شارك فيها جي فورسيت، ودبليو كاروش، وسي لانزوس، وتي موتزكينو، وإل جي بيج، وغيرهم. واكتشفنا — على سبيل المثال — أن حذف جاوس لم يكن مفهومًا تمامًا للآلة، وأنه لم يكن هناك أي لوغاريتم متطور للحذف يمكن أن تتقبله الآلة. كان هذا في الوقت الذي عكف فيه لانزوس على دراسة علاقة اللوغاريتم ثلاثي الحدود، وحالفني الحظ باقتراح طريقة متجهات الميل المتلازمة. اكتشفنا بعد ذلك أن الأفكار الأساسية التي تقوم عليها الطريقتان واحدة من حيث الأساس. لم يكن مبدأ التلازم جديدًا لي. ففي مقال مشترك لي مع جي دي بريخوف عام ????، طرحنا التلازم كوسيلة أساسية لدراسة شروط برهنة تباين المحيطات الطبيعية في نظرية المتغيرات. إبان ذلك، كنت أعمل على تطوير عملية جرام شميدت المترافقة لإيجاد الأقطار المتلازمة بالتبادل لقطع ناقص، لكني لم أتحمس لنشره؛ نظرًا لقلة أو انعدام الإقبال على هذه الطريقة. كما عملت على تطوير نظرية عامة للأجسام الرباعية في فضاء هلبرت، تقوم بصورة كبيرة على مبدأ الترافق. وهو ما قادني إلى طريقة متجهات الميل المتلازمة. في نفس الوقت، وبصورة مستقلة، كان إدوارد ستيفيل يعمل هو أيضًا على تطوير طريقة متجهات الميل المتلازمة. من أجل هذا، قمنا بدعوته لينضم إلى مجموعة بحث جامعة كاليفورنيا، وأثناء زيارته، عكفت أنا وهو على كتابة مقالنا المشترك حول طريقة التلازم وطريقة متجهات الميل المتلازم بصورة عامة بما فيها عملية جرام شميدت المتلازمة. وفي المقالات التالية، عكفنا على تطوير الطرق العامة لمتجهات الميل المتلازمة التي أصبحت قاعدة لتطبيقات لاحقة. وحتى إن لم نذكر هذا علانية في مقالنا، فإني أعتبر نظرية متجهات الميل المتلازمة، التي كنت مسئولًا عن تسميتها، تقنية لدراسة الحدود المثالية ولتقليل المعادلات ذات الصيغ التربيعية.كان هيستنز يعمل حينها بمعهد التحليل الرقمي بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. في يوليو ????، توصل إلى لوغاريتم متجهات الميل المتلازمة. في أغسطس، وصل إدوارد ستيفيل? (????–????) إلى زيورخ ليشارك في مؤتمر، وهناك أعطاه أمين المكتبة مؤلف هيستنز. وعلى الفور، توجه ستيفيل لملاقاة هيستنز في مكتبه، وقال له: «إنه مشروعي!» كانا الاثنان قد توصلا بالفعل إلى نفس اللوغاريتم، ولكن انطلاقًا من نقطتين مختلفتين. وقررا تأليف مقال مشترك حول هذا اللوغاريتم وخصائصه. وسرعان ما اكتشف كورنيلوس لانكزوس? (????–????) — الذي كان عضوًا بالمعهد — أن لوغاريتم متجهات الميل المتلازمة يمكن إثباته عبر طريقة ثنائية التعامد biorthogonalisation، وهي التي كان قد انتهى للتوِّ من تعديلها لحساب القيم الخاصة لمصفوفة وحل أنظمة المعادلات الخطية. إن أفكار لانكزوس وهيستنز وستيفيل كانت هي الأساس للوغاريتمات التي ظلت إلى الآن. في ذلك الوقت، كانوا يحلون أنظمة بها عشر معادلات بعشرة مجاهيل، في حين أن اليوم قد تصل بعض هذه الأنظمة إلى عدة ملايين!فضلت — عند الحديث عن متجهات الميل المتلازمة — استخدام لفظ «لوغاريتم» الذي يعني مجموعة من القواعد التي تسمح بالقيام ببعض الحسابات، أفضل من لفظ «طريقة» التي تتناسب أكثر مع أي عمل ذي طبيعة نظرية — مثل عمل لانكزوس — ولا يستخدم مباشرة للتعامل مع الحسابات الرقمية. يأتي لفظ لوغاريتم من اسم عالم الرياضيات العربي محمد بن موسى جعفر الخوارزمي (حوالي ???–???) صاحب الكتاب الذي يبدأ عنوانه باللاتينية بلفظ لوغاريتم.(?-??) التخمينات (الحدس)

في الرياضيات، نطلق اسم الحدس على أي نتيجة نعتقد — لأسباب جادة — في صحتها، دون القدرة على إثباتها. وإذا توصلنا إلى إثبات حدس ما يُطلق عليه مبرهنة. وهذا هو بالضبط ما حدث مؤخرًا مع الحدس المُسمى مبرهنة فيرما الأخيرة، التي تؤكد أنه إذا كانت أكبر من 2، فلا يوجد إذن أرقام صحيحة و و مثل (إذا كانت ، فإن الأرقام 3 و4 و5 تحل المسألة). ولقد ظل هذا الحدس عقبة أمام جهود علماء الرياضيات مدة ثلاثمائة وخمسين عامًا. وتمكن من إثباتها في عام ???? أندرو وايلز (????)، بمساعدة طالبه القديم ريتشارد تايلور قرب النهاية. وعلى الرغم من أن صياغة هذه المسألة غاية في السهولة وفي متناول فهم الجميع، فإن الإثبات — شديد الطول والتعقيد — يحتاج إلى رياضيات لا يفهمها سوى قلة من الباحثين.ولنعطِ مثالًا آخر للحدس؛ حيث لدينا:
نُلاحظ نوعًا من التشابه بين هذه العلاقات الثلاث: فعشرة وعشرون وثلاثون أرقام زوجية، بينما ثلاثة وسبعة وثلاثة عشر وسبعة عشر أرقام أولية؛ أي تقبل القسمة على الواحد وعلى نفسها. إذن، فنحن أمام ثلاثة أرقام زوجية يمكن تمثيلها كمجموع لرقمين أوليين. ومن ثم، نستنتج الحدس بأن هذه الخاصية سارية لكل الأرقام الزوجية: أي رقم زوجي يمكن تفكيكه إلى مجموع رقمين أوليين. ويمكننا إجراء للتحقق ما إذا كان هذا الحدث يمتلك فرصًا في أن يصبح حقيقة. وفي الواقع، يكون من اللامعقول محاولة إثبات أمر إذا ظهر مثال يناقض الحدس، فمن السهل ملاحظة أن:
وهكذا. فهذه الطريقة تجريبية، وتُظهر أن الحدس صحيح. لكن، إذا كنا لا نعتبر الرقم 1 رقمًا أوليًّا، لكن نعتبره وحدة، فيكون لدينا و. فيكون علينا إذن تعديل الحدس الأولي لنضيف إليه الفرضية التالية: أن الرقم الزوجي الذي نبغي تفكيكه إلى مجموع رقمين أوليين (مع استبعاد الرقم 1) يجب أن يكون أكبر من 4. ولقد ورد هذا الحدس في خطاب أرسله كريستيان جولدباخ (????–????) في السابع من يونيو ???? إلى ليونارد أولر (????–????). ومنذ ذلك التاريخ، ظل إثبات هذا الحدس أمرًا يستعصي على جهود علماء الرياضيات.بيان الدالة هو مجموعة نقاط يصل بينها أسهم. وبعض النقاط يمكن أن يصل بينها أسهم في كل اتجاه، فالنقاط قد تمثل — على سبيل المثال — مفترقات الطرق في مدينة والأسهم هي الشوارع. وعندما يربط سهم واحد بين نقطتين، يعني هذا بالطبع أن الشارع يسير في اتجاه واحد. وتكون المشكلة إذن هي معرفة ما إذا كان بمقدورنا — في هذه المدينة — الذهاب من كل نقطة إلى نقطة أخرى. لكن، ليس هذا سوى مثال بسيط — لكيلا نقول مُبسط — لبيان الدوال ولفائدتها. ولقد صاغ العالم الرياضي كلود بيرج (????–????) في عام ???? حدسًا شهيرًا حول بيان الدوال، لكنه كان شديد الصعوبة لعرضه هنا. ولقد قادته إليه نظرية الألعاب والمعلومات. ويستخدم في إنشاء الدوائر المتكاملة. في عام ????، قرر فريق من الباحثين بجامعة برنستون تحت إشراف بول سيمور العكوف على دراسة هذا الحدس. وخصص لهم مبلغًا ضخمًا، حتى استطاع سيمور في الثالث والعشرين من مايو ???? إعلان صحة الحدس، ولم يعد يبقى سوى الكتابة التفصيلية للإثبات الذي ناهز المائتي صفحة! بينما توفي كلود بيرج في يوليو ????.وهناك حدس رياضي آخر شهير، ألا وهو المتعلق بدالة لريمان. ولقد صاغه برنارد ريمان? (????–????) في عام ???? ويؤكد فيه أن كل الأصفار غير المهملة في هذه الدالة أرقام مركبة ولها جزء حقيقي يساوي 1/2. وتقترن هذه الدالة بعدد الأرقام الأولية الأصغر من قيمة معينة. في عام ????، قام الرياضي الإنجليزي جودفري هارولد هاردي (????–????) بإثبات وجود عدد لا نهائي من الأصفار في الدالة مما يؤكد صحة الحدس. وفي الوقت الحالي، تمكنا — على الحاسب الآلي بالطبع — من إحصاء مليار ونصف المليار من هذه الأصفار. وما زلنا في انتظار إثبات هذا الحدس.(?) الفيزياء

(?-?) أخطاء كِبلر

كان يوهانز كِبلر? (????–????) يبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا، وكان يعيش منذ عام في مدينة جراتز؛ حيث كان هو عالم الرياضيات الرسمي لإقليم شتايرمارك. أثناء دراسته بتوبنجين، حدثه أستاذه مايكل مايستلين (????–????) عن نيكولاس كوبرنيكوس (????–????) وعن نظامه. ومنذ ذلك الحين، وكِبلر الشاب يتساءل لماذا يوجد ستة كواكب فقط (وهو أمر خاطئ) وبدأ يسعى لسبر أغوار المسافات التي تبعدها عن الشمس وسرعاتها.في التاسع من يوليو ????، أضاء ذهنه فجأة أثناء رسمه على لوحة مثلثًا متساوي الأضلاع مصحوبًا بدائرتين الدائرة المحيطة والمحاطة. ولاحظ فجأة أن مقياسهم مساوٍ لمدارات كوكبي زحل والمشتري؛ أبعد كوكبين عن الشمس. إلى جانب أنه وجد — على حد قوله — «أن المثلث هو أول شكل هندسي، ثم حاولت أن أرسم مربعًا في المسافة بين المشتري والمريخ، وشكلًا خماسيًّا بين المريخ والأرض، وسداسيًّا بين الأرض والزهرة …»لم يسر الأمر على ما يرام، لكنه شعر بأنه يقترب من الحقيقة. «قررت المضي قدمًا، لماذا أريد من أشكال ذات بعدين أن تتناسق مع مدارات في الفلك؟ لا بد إذن من إيجاد أشكال ثلاثية الأبعاد. والآن — أيها القارئ العزيز — أنت تمسك بين يديك اكتشافي.»في حين أنه على الخريطة، يمكننا رسم أي عدد من الأشكال متعددة الأضلاع، لا يمكننا في الفضاء سوى رسم خمسة فقط من الأشكال ثلاثية الأبعاد: الهرم، المكعب، ثماني الأوجه، الشكل ذي العشرة أوجه، وذي الاثني عشر وجهًا. ويمكن لهذه الأشكال الخمسة أن تحيط أو تُحاط بستة أشكال دائرية؛ مما يفسر عدد الكواكب. ولم يعد يتبقى سوى إيجاد الترتيب الذي تُنظم وفقه الأشكال لإدراك المسافات المختلفة عن الشمس: لم أكن أرى بعدُ بوضوح النظام الذي يجب أن أرتب وفقه الأشكال الكاملة، إلا أنني نجحت … في ترتيبها لحسن الحظ، لدرجة أنه، بعد فترة وأثناء تحققي من أوضاعها، لم أُضطر لتعديل أي شيء. لم أندم على الوقت الضائع، ولم ينتَبْني الكلل من عملي، ولم أتراجع أمام أي حسابات مهما بلغت صعوبتها. كنت أقوم — ليل نهار — بحسابات للتأكد من تناسب الصيغ التي وضعتها مع صيغ كوبرنيكوس، وإلا ذهبت فرحتي أدراج الرياح … وخلال عدة أيام، أصبح كل شيء في موضعه، ورأيت الأشكال المتماثلة تدخل الواحد تلو الآخر بدقة بين المدارات المناسبة … لدرجة أنه إذا سأل فلاح في أي شيء عُلقت السموات لكيلا تقع، لكان من السهل إجابته.فسر كِبلر العالم … لكن تفسيره كان خاطئًا. في عام ????، طلب منه تيكو براهي (????–????) أن يأتي لزيارته في براغ؛ حيث كان هو عالم الفلك الخاص بالإمبراطور رودولف الثاني (????–????). كان تيكو عاكفًا على دراسة مدار كوكب المريخ. وبعد وفاته — بعد عام — خلفه كِبلر، وترك ورثة تيكو في حوزته مخطوطاته وملاحظاته. كانت المشكلة الأولى التي واجهته هي أن المراقب غير ثابت بالنسبة للمريخ. وهكذا، بدأ كِبلر بتحسين معارفه حول مدار الأرض. كان لا بد من إيجاد علامة ثابتة. ولهذا الغرض، اختبر كِبلر ملاحظات أجراها على مدار ستمائة وسبعة وثمانين يومًا، هي مدة دوران المريخ. وتمكن هكذا من تحديد أن مدار الأرض يمكن تمثيله بدائرة تبتعد الشمس قليلًا عن مركزها. ونرى كيف أن كِبلر ظل مرتبطًا بشكل أو بآخر بأفكار عصره، حبيسًا للأفكار المسبقة التي تؤكد دائرية كل المدارات الكوكبية.بعد أن قام بتحديد مدار الأرض، انتقل كِبلر إلى المريخ. وكانت فرضيته الأولى خاطئة تمامًا: إذ افترض أن حركة الكواكب ناتجة عن قوة تولدها حركة دوران الشمس حول نفسها، مشابهة للقوى المغناطيسية، وأن هذه القوة تُمارس بالتماس مع المسار، ومن ثم فهي تتناسب عكسيًّا مع المسافة. واستنتج من ذلك أن السرعة تتناسب هي أيضًا مع المسافة. أثبت نيوتن بعد ذلك خطأ هذا المفهوم، على الرغم من أن الخطأ الذي أدت إليه كان عديم القيمة عند طرفي محور المسار. وبما أن قياسات كِبلر كانت متعلقة فقط بهذه النقاط، فلم يتمكن من ملاحظتها. وفقًا لنظرية كِبلر، يكون الزمن الذي يستغرقه الكوكب للسير بطول أي منحنًى مبدئي متناسبًا مع طول هذا المنحنى والمسافة بين الشمس والكوكب. وبقسمة المنحنى على منحنيات أخرى أصغر ذات نفس الطول، نتأكد من أن الزمن يكون متناسبًا مع مجموع الأشعة الناقلة للمنحنيات الصغيرة. وللقيام بالحسابات الدقيقة، كان من الطبيعي إيجاد نوع من التكامل، لكن رياضيات التكامل لم تكن اختُرعت بعد! وأمام هذه المشكلة، استعاض كِبلر — عن عمد — عن قيمة الأشعة الناقلة بمحيط قطاع من الكوكب. وهكذا، وقع في خطأين متتاليين، مما قاده إلى وضع النظرية القائلة إن السهم الواصل بين الشمس وأي كوكب يصف محيطات متساوية في أزمنة متساوية.استغرق الأمر سبع سنوات من العمل ليترك فكرة دائرية المسار، ويختار بدلًا منها المسار البيضاوي. وكتب في مؤلفه «علم الفلك الجديد»، الصادر عام ????: كان أول خطأ وقعت فيه هو الاعتراف بأن مسار الكواكب دائرة كاملة. ولقد كلَّفني هذا الأمر كثيرًا من الوقت، ولا سيما أنه كان مدعومًا بآراء جميع الفلاسفة ومقبولًا تمامًا من الناحية الميتافيزيقية.احتلت حسابات كِبلر آلاف الصفحات، محفوظة الآن بمكتبة مرصد بلكوفا بالقرب من سان بطرسبرج. وفي كتابه، يدعو كِبلر القارئ إلى لوم المؤلف الذي اضطر إلى إعادة خمس عشرة ورقة نصفية من الحسابات التالية سبعين مرة. واستكمل كِبلر جهوده سنوات خصصها لدراسة كواكب أخرى، حتى صاغ قانونه الثالث.(?-?) علم التبلور

لوحظت الأشكال المنتظمة لبعض المعادن — مثل بلورات الصخور — منذ أقدم العصور. لكن لم يعط أحد اهتمامًا خاصًّا لأوجهها المصقولة ولا زواياها الحادة. فلم تكن سوى إبداعات رائعة للطبيعة.ظن اليونانيون أن بلورات الصخور هي ثلوج تحجرت للغاية نتيجة بقائها الطويل في الجبال! في عام ????، تمكَّن الكيميائي (والخيميائي) الألماني أندرياس ليبو (????–????) من التعرف على الأملاح المستخرجة من المياه المعدنية بناءً على شكل بلوراتها. ولقد تطرَّق عالِما الفلك يوهانز كِبلر? (????–????) وروبرت هوك (????–????) لفكرة البنية البلورية، لكن دون التعمق فيها أو تفسيرها.في عام ????، لاحظ الدنماركي إرازموس بارتولين (????–????) أن المعادن المتبلورة في أيسلندا تتسبب في انكسار مضاعف لأي حزمة ضوئية. كما أدرك مواطنه نيكولا ستينون (????–????) ثبات شكل الزوايا المكونة لأوجه الكوارتز من عينة إلى أخرى. وفي عام ????، تحقق دومينيكو جوليلميني (????–????) من وجود هذه الخاصية في معادن أخرى.اكتشف كريستيان هيجينز (????–????) عام ???? أن المعادن تستقطب الضوء. وفي عام ????، نشر عالم المعادن الفرنسي جان باتيست روميه دوليل (????–????) أول بحث مخصص لدراسة المعادن، بحث في علم التبلور أو وصف الأشكال الهندسية الخاصة بالأجسام المختلفة من مملكة المعادن.كان الراهب رينيه جست هوي? (????–????) معلمًا بسيطًا بمدرسة لوموان، وكانت تسليته هي جمع النباتات والمعادن.ذات يوم — أثناء زيارته لصديق — تعثر في تكوين جميل من المعادن المتبلورة منشورة الشكل، وانكسر منشور منها مما جعل أوجه الكسر جميعها مصقولة ببراعة. وكانت القطعة الجديدة ذات شكل يختلف تمامًا عن المنشور. فحص هوي الأوجه والانحناءات والزوايا، ووجد أن لها بالضبط نفس شكل المعادن المتبلورة معينة الشكل في أيسلندا. ثم أعاد التجربة — بقصد هذه المرة — على المعادن التي جمعها والتي أهداها له أصدقاؤه. ووجد في جميع القطع بنية واحدة تقوم على ذات القوانين. فالشكل الخارجي ليس سوى انعكاس لترتيب منتظم ودوري للمادة؛ أي إنه أرسى أسس مبدأ التماثل البلوري.وكانت النتيجة بحثًا في علم المعادن جعل منه أكاديميًّا ورائدًا في علوم التبلور.(?-?) الكهرباء الحيوانية

سنعطي الآن مثالًا لاكتشاف تم بالصدفة تبعه تفسير خاطئ لنتيجته؛ ألا وهو الاكتشاف الذي توصل إليه لويجي جالفاني? (????–????).في مساء ذات يوم عام ????، قام جالفاني بتثبيت أعضاء الجزء السفلي لضفدعة كانت لا تزال محتفظة بأعصاب الفخذ على لوح وضعت عليه ماكينة كهربائية بمعمله بجامعة بولونيا. وأثناء تقريبه المبضع من أحد الأعصاب، انقبضت عضلات الضفدعة بعنف، عندها أطلقت الماكينة الكهربائية شرارة. وكان لدى جالفاني التفسير لهذه الظاهرة الغريبة: تكهربت الضفدعة بالتأثير، وعندما نزعنا الكهرباء عن الموصل مُحدثين شرارة، انتقلت هذه الشرارة إلى جسم الضفدعة مما تسبب في هذه الانقباضات. استمر في أبحاثه حول تأثير الكهرباء مدة ستة أعوام في سبيل ملاحظة طريقة حدوث الانقباضات. وفي العشرين من سبتمبر عام ????، أراد دراسة أثر الكهرباء الجوية على الانقباضات العضلية للضفدعة، فقام بتمرير ملقط نحاسي في النخاع الشوكي للضفدعة، وثبتها على الحاجز الحديدي لشرفة منزله. لم يحدث شيء. نحو المساء، أصابه الإحباط، وحاول حك الملقط بالحاجز ظنًّا منه أن الاتصال ضعيف. حينها حدثت الانقباضات، وكانت تتكرر كلما لامس الملقط الحاجز الحديدي. لكن كما أظهرت الأجهزة، لم تكن هناك كهرباء في الهواء في ذلك الوقت. فالانقباضات كانت إذن مستقلة عن أي أسباب خارجية، ومن ثم اعتقد جالفاني — كما افترض منذ ستة أعوام — في وجود كهرباء حيوانية. وأعاد التجربة في معمله، فوضع الضفدعة المجهزة بنفس الطريقة على لوح حديدي ومرر ملقطًا نحاسيًّا عبر العضلات القطنية والنخاع الشوكي. وكلما تلامس النحاس مع الحديد، حدثت انقباضات. ثم حاول تغيير التجربة، فأخذ قوسًا مركبًا مكونًا من الحديد والنحاس. وظلت النتيجة كما هي. واستخلص جالفاني أن عضلة الضفدعة تشبه قارورة ليدن عضوية؛ أي إنها عامل مُكثِّف، وأن الأعصاب تلعب دور الأسلاك الكهربائية. تسير الكهرباء بين العضلة والعصب حينما نضعهما في اتصال عن طريق موصل كهربائي. إذن كانت هناك بالفعل كهرباء خاصة بالحيوان، واقتنع معاصروه بهذه النظرية.لكن هذا التفسير كان خاطئًا. وجاء دحض هذه النظرية على يد مواطنه الإيطالي أليساندرو فولتا? (????–????). على عكس جالفاني، ظن فولتا أن الكهرباء تأتي من التقاء معدنين مختلفين. هذا الالتقاء هو ما يسبب الكهرباء التي تسري بعد ذلك في جسم الحيوان. وإذا كان المعدنان متماثلين، تكون الانقباضات ضعيفة، فعلى حد قوله: «إن اختلاف طبيعة المواد المكونة للعضلات والأعصاب المولدة للكهرباء هي السبب في الانقباضات.»استمر خلاف جالفاني وفولتا ستة أعوام، وانقسم العلماء إلى فريقين: الجلفانيين والفولتيين. لكن في عام ????، أجرى فولتا التجربة الحاسمة التي فصلت بين المعسكرين. فقد لاحظ أنه إذا فصلنا بملاءة مبللة لوحًا من الزنك ولوحًا من الفضة، ثم قمنا بتوصيل اللوحين بسلك، يحدث تيار كهربائي ضعيف. وللحصول على تيار أقوى، يكفي تجميع عدد أكبر من مجموعات الألواح والأسلاك. وهكذا، لم يثبت فقط عدم وجود ما يُسمى بالكهرباء الحيوانية، وإنما اخترع البطارية الكهربائية.(?-?) الكهرباء والمغناطيسية

أثناء شتاء عام ????، أثبت هانز كريستيان أورستيد? (????–????) — أستاذ الفيزياء بجامعة كوبنهاجن — لطلابه القدرة الحرارية للعمود الكهربائي عن طريق الإمساك بسلك معدني متوهج. وكانت طاولته مزدحمة بالعديد من الأجهزة ومغناطيس وبوصلة. ولفت الطلاب — الذين ينشغلون دائمًا بشيء آخر غير الذي يُشرح لهم — نظر أورستيد إلى ظاهرة مثيرة: كلما تولد تيار كهربائي، انحرف مؤشر البوصلة. ظهر بحث أورستيد في الحادي والعشرين من يوليو ????، لكنه لم يُعرف في فرنسا إلا بعد بضعة شهور. كان فرانسوا أراجو (????–????) قد حضر في جينيف إعادة تمثيل لهذه التجربة على يد جاسبارد دو لاريف (????–????). وأعادها أمام أكاديمية العلوم بباريس في الحادي عشر من سبتمبر عام ????. وبعد أسبوع، أصدر أندريه ماري أمبير (????–????) نظريته القائلة إن الكهرباء المتحركة تنتج المغناطيسية: قمت بتلخيص الظواهر التي لاحظها أورستيد إلى حقيقتين عامتين. وبينت أن التيار الموجود في العمود الكهربائي يؤثر على المؤشر الممغنط مثل تيار السلك الموصل … ودخلت بعد ذلك في عدة تفاصيل حول طريقة رؤيتي للمغناطيس، خاصة خواصه تحت تأثير التيارات الكهربائية على مستويات عمودية على محوره، وأيضًا حول التيارات المشابهة الموجودة في الكرة الأرضية، بحيث قلصت جميع الظواهر المغناطيسية إلى تأثيرات كهربائية خالصة.وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، خاطب الأكاديمية من جديد: أدخلت مزيدًا من التطورات على هذه النظرية، وأُعلنُ الآن الحقيقة الجديدة حول التجاذب والتنافر بين تيارين كهربيين، دون تدخل أي مغناطيس، وهي ظاهرة لاحظتها في موصلات لولبية الشكل والانحناءات.وفي الثاني من أكتوبر، توصل إلى وضع تصور مبدئي للتلغراف.بعد بضع سنوات، خطرت لأمبير فكرة قلب تجربة أورستيد: هل يؤثر المغناطيس على التيارات الكهربية؟ كان لا بد من فك جزء من الدائرة الكهربية، ولذلك قام بعمل مستطيل من سلك نحاسي ذي أطراف معقوفة مغموسة في الزئبق. وهكذا، يمكن للمستطيل أن يدور حول محور أفقي، بينما تلعب أوعية الزئبق دور المفصلات. ولقد توجت التجربة بالنجاح. فبمجرد وضع مغناطيس أسفل المستطيل الحر، تحرك الأخير واستقر متعامدًا على المغناطيس. وفيما يتعلق بهذا الاكتشاف، يُقال إن تجارب أمبير لم يتم استيعابها إلا بعد وقت. أثناء أحد المؤتمرات، أكد أمبير — في البداية — على تحديد ماهية الملف الكهربائي والمغناطيس. وحاول إثباتها تجريبيًّا، لكن لم يكن النجاح حليفه. وأثناء خروجه من المؤتمر، اكتشف مساعده جان دانيال كولادون (????–????) أن نظام تعليق الملفات اللولبية غير مضبوط، فأصلحه. وفي الحادية عشرة مساءً، نجحت التجربة، وهرع كولادون ليوقظ أمبير، الذي أعطى الدليل التجريبي على حدسه أمام نفس الجمهور الذي اجتمع على عجل بكلية فرنسا. وأثناء خروجه من الجلسة، استوقف بيير سيمون لابلاس (????–????) كولادون وخاطبه قائلًا: «أيها الشاب، ألم تساعد قليلًا في هذه التجربة؟» ومن حينها أصبح كولادون أستاذًا للميكانيكا بالمدرسة المركزية بباريس، ثم بجامعة جينيف. واستطاع في ???? — بمساعدة شارل فرانسوا ستيرن (????–????) — أن يقيس سرعة الصوت في المياه في بحيرة ليمان. في عام ????، كتب أمبير إلى الكيميائي والفيزيائي البريطاني همفري ديفي (????–????): عندما اكتشفت الفعل المتبادل لموصلين فولتيين، رأيت الرجال الأكثر جدارة في فرنسا بتقدير هذه الحقيقة التي كان يجهلها الجميع حتى ذلك الحين، يضعون اكتشافي في ذات المرتبة مع اكتشاف أورستيد الذي سبقني بقليل، ليس فقط السيد فورييه، بل أيضًا السيد لابلاس (الذي خالف ما توصلت إليه فيما يتعلق بماهية الكهرباء والمغناطيسية؛ لأن ذلك يتعارض مع طريقة تصوره للأمور، تمامًا كما عارض نتائج اكتشافات السيد فريسنيل) اتفقا على نفس التقييم لعملي.كان أمبير قد أثبت ببساطة ماهية المغناطيسية والكهرباء، مخترعًا ما يُسمى بالكهرومغناطيسية. إلا أنه لاقى صعوبات بالغة لجعل الناس تتقبل أفكاره. وكان من القلائل الذين ساندوه جان باتيست جوزيف فورييه (????–????)، صاحب الدراسة الشهيرة عن انتشار الحرارة؛ حيث أدخل متواليات حساب المثلثات التي تحمل اسمه (????). أما لابلاس — الذي التقيناه قبلًا وكان يبدو مؤيدًا لأمبير في البداية — فمعروف بصياغته لفرضية متعلقة بنشأة الكون ما زالت تستلهم منها النظريات الحالية حول تكوين النظام الشمسي، وأيضًا بتجميعه للأعمال المتناثرة حول الجاذبية الكونية في مذهب واحد وكتابته لبحث أساسي حول حساب الاحتمالات. ونحن مدينون له لصياغته لتحويل لابلاس الشهير.(?-?) السوليتونات (الموجات المتوحدة)

في أغسطس ????، لاحظ المهندس والمعماري البحري الاسكتلندي الشاب جون سكوت راسل? (????–????) — على ضفاف إحدى القنوات — مركبًا يجرها زوج من الأحصنة. لكن لندعه هو يكمل الرواية: لا أستطيع أن أقدم فكرة واضحة عن الظاهرة دون وصف الظروف التي أحاطت برؤيتي لها للمرة الأولى. كنت أراقب حركة مرْكب يجرُّه بسرعة زوجٌ من الأحصنة داخل قناة ضيقة، وعندما توقف المركب فجأة، لم تتوقف كميات المياه التي كانت تتحرك وراءه، بل تجمعت أمام مقدمة المركب في حالة اضطراب عنيف. ثم تركت المركب خلفها، واستمرت في الجريان بسرعة شديدة على هيئة موجة ضخمة ذات سطح مستدير ومصقول ومحدد تمامًا. استمرت الموجة في الجريان داخل القناة دون أن يتغير شيء في شكلها أو سرعتها. ظللت أتتبعها على فرسي، ووجدتها تسير أيضًا بسرعة تتراوح بين ثمانية وتسعة أميال في الساعة محتفظة بشكلها الأساسي (كان طولها حوالي ثلاثين قدمًا وارتفاعها ما بين قدم وقدم ونصف). ثم بدأ ارتفاع الموجة يقل تدريجيًّا. وبعدما تبعتها لميل أو اثنين، تاهت بين انعطافات القناة.وقعت هذه الحادثة على ضفاف قناة يونيون بمدينة هيرمستون القريبة من حرم جامعة هيريوت وات بإدنبرة. وأسماها الموجة الانتقالية العظيمة، وهي تلك الموجة التي تنتشر لمسافات طويلة دون أن تغير شكلها، ومن ثم أصبح اسمها الموجة المتوحدة. على إثر هذا الاكتشاف، عكف راسل على العديد من التجارب في حديقته؛ حيث وضع مستودعا للماء، مُجريًا العديد من المشاهدات حول هذه الأمواج. ولقد ظل طوال حياته الوحيد المقتنع بأهميتها.لكن كانت أعمال جون سكوت راسل دافعًا وراء دراسة الديناميكا المائية في بريطانيا. وحاول جورج جرين (????–????) وجورج بيدل أيري (????–????) وفيليب كيلاند (????–????) وصامويل أيرنشو (????–????) إيجاد وصف نظري لهذه الموجة. وأكد أيري أن الموجة ليست عظيمة أو أولية كما زعم راسل. بينما كان جورج ستوكس (????–????) أقل هجومية، على الرغم من شكوكه في أن الموجات المتوحدة قادرة على الانتشار دون أن يتشوه شكلها. وأخيرًا، تمكن جوزيف بوسينيسك (????–????) في عام ???? وجون ويليام ستروت (اللورد رايليه) (????–????) في عام ???? من وضع نظرية تقريبية صحيحة للموجات.في عام ????، حصل ديريك يوهانز كورتويج (????–????) وجوستاف دي فريس (????–????) على المعادلة التي تحكم انتشار الموجات ذات البعد الواحد في قناة طويلة ضيقة. وكانت عبارة عن معادلة ذات مشتقات جزئية — غير خطية — من الدرجة الثالثة. وتُعرف هذه المعادلة اليوم باسم معادلة KdV، على الأحرف الأولى لاسميهما. كان هدفهما معرفة ما إذا كان من الممكن استمرار موجة متوحدة في أي ظرف. كان راسل مقتنعًا بذلك، أما علماء الرياضيات مثل ستوكس فكانوا على ثقة بأنه أمر مستحيل. وأثبت كورتويج ودي فريس أن راسل كان محقًّا حين وجدا الشكل المُعلن لحل معادلتهما. تمثل الموجة جبهة متحركة شديدة المحلية سريعة الهدوء. ويعد إثبات إمكانية وجود معادلة ذات مشتقات جزئية غير خطية والوصول صراحة إلى حل لها حدثًا مهمًّا، تم الاعتراف فيما بعد بشدة أهميته، بينما مر — في وقته — مرور الكرام. لم يُعترف بأهمية هذه المسائل إلا في منتصف ستينيات القرن العشرين. ففي عام ????، قام مارتن دافيد كروسكال (المولود عام ????) ونورمان جيه زابوسكي (المولود عام ????) بدراسة هذه المعادلة رقميًّا على الحاسب الآلي. وأظهرا أن الموجات المتوحدة يمكن أن تحدث بصورة طبيعية إذا توفرت الظروف المناسبة. فإذا صنعنا موجة صغيرة وتبعناها بأخرى أكبر، تلحق الكبيرة بالصغيرة ويدخلان في تفاعل، ثم ينفصلان. وتصبح الكبيرة في المقدمة، بينما يحتفظ الاثنان بنفس أشكالهما. ولا يبقى سوى حقيقة أن الموجة الكبيرة تسبق الموجة الصغيرة، تمامًا كما كان الوضع إذا انتشرت كلٌّ منهما بمفردها دون تفاعل. مثل هذا التصادم المرن يضاهي الصدمة بين أي جزيئين أوليين، ولذلك أطلق كروسكال وزابوسكي اسم السوليتونات على هذه الموجات. وهي الآن عناصر أساسية لصياغة السلوك الديناميكي للعديد من الأنظمة من الديناميكا المائية إلى البصريات غير الخطية، ومن البلازما إلى موجات الصدمة، ومن الأعاصير وحتى كوكب المشتري، ومن صناعة الموصلات الفائقة إلى انتقال الطاقة في الحمض النووي، وحتى الاتصال بالألياف الضوئية للتليفزيون والهاتف والحاسبات الآلية.(?-?) المشابهة الجزيئية البصرية

هناك فصل آخر — أقل شهرة — في تاريخ علم التبلور، من شأنه إظهار ضرورة القدرة على تغيير وجهة النظر والاقتباس من مجالات أخرى؛ أي المطالبة بتعددية المجالات.فلنتخيل حبلًا مشدودًا أفقيًّا، فإذا حركنا أحد أطرافه من أعلى إلى أسفل في حركة رأسية، يتشوه شكل الحبل وسنرى تموجات تنتشر على المستوى الأفقي. بهذا نكون صنعنا موجبة مستقطبة مستطيلة (أو غير خطية). ويسمى المستوى الأفقي مستوى الاستقطاب. لكنه كان من الممكن لنا تحريك الحبل في أي اتجاه. فإذا هززنا الحبل في اتجاهين متعامدين في ذات الوقت، يمكن أن تقع أكثر من احتمالية. إذا كانت الاهتزازات متوافقة أو متعارضة يكون الاستقطاب خطيًّا. أما إذا لم تكن كذلك، فنحصل على استقطاب بيضاوي في حالة اختلاف المساحات، ودائري في حالة تماثلها. في الحالتين الأخيرتين، يرى من يلاحظ الموجة الأمامية الاهتزاز الناتج يدور في اتجاه أو آخر. وإذا رأى الملاحظ أن مستوى الاستقطاب يدور في اتجاه دوران عقارب الساعة، فنكون أمام استقطاب يميني، على عكس الاستقطاب اليساري. يعتبر الضوء موجة كهرومغناطيسية، وتتردد المجالات الكهربية والمغناطيسية معًا على مستويين متعامدين وعموديين على اتجاه انتشاره. إلا أن الضوء الطبيعي ليس مستقطبًا؛ لأن الاهتزازات فيه ليست متوافقة، بل تحدث متزامنة في كل المستويات وتتغير في كل لحظة. يمكن أن يحدث استقطاب جزئي للضوء الطبيعي في حالة قيامنا بلف بعض النظارات الشمسية، مما يفسر لون السماء الأزرق. في عام ????، لاحظ إتيان لويس مالوس (????–????) أن الضوء يمكن أن يُستقطب بالانعكاس. لكن كانت هناك إمكانية أخرى للاستقطاب. فالمشابهة الجزيئية البصرية هي قدرة بعض المواد على تحويل مستوى الاهتزاز للحقل الكهربي من زاوية معينة، وهذه هي ظاهرة الاستقطاب الدوراني للضوء. ولقد بين فرانسوا أراجو (????–????) هذه الخاصية بوضوح — في عام ???? — بمساعدة بلورات الكوارتز. الأمر الذي كان من شأنه المساهمة في تطور أفكار أوجستين فريسنيل (????–????) حول نظرية التموجات الضوئية. إذا كان الضوء العاكس متعدد الألوان، فإن الاهتزاز الموافق لكل لون يدور من زاوية مختلفة. في عام ???? — وأثناء دراسته للاستقطاب المُحفَّز بواسطة بعض السوائل، مثل زيت التربنتين والمحاليل السكرية — توصل جان باتيست بيو (????–????) إلى أن دوران الضوء المنقول بوحدة الطول والمقسوم على الكثافة هو ثابت جزيئي، الخاصية التي أطلق عليها اسم قوة الدوران الجزيئي. هذا هو قانون بيو. ولقد طبق اكتشافه على محاولات البحث عن السكر في البول؛ أي مرض السكري. كما أظهر أن الظاهرة تنبع من ترتيب عناصر صغيرة تشكل البلورة. ووفقًا لهذا الترتيب، تكون البلورة متقابلة ضوئية؛ أي تكون صورة مرآة لبلورة أخرى أو لا.نطلق اسم التماكب الضوئي (المشتق من كلمتي التماثل والتركيب) على قابلية الشيء على أن يكون صورة مرآة لشيء آخر، كحالة اليد نظرًا لأنها غير متماثلة. في الطبيعة، تمتلك الكثير من الأشياء هذه الخاصية. ونميز بين المواد المتماكبة يمينًا ويسارًا بحسب اتجاه دوران مستوى الاستقطاب بالحزمة الضوئية التي تمر بها. بالنسبة لنوع من السكر يدعى الجلوكوز، فإن مستوى الاستقطاب يدور ناحية اليمين إذا ما رأينا حزمة الضوء من الخلف، ولذلك نقول إن الجلوكوز متماكب يميني. تلك هي القاعدة المختارة. بينما تدور مستويات استقطاب معظم جزيئات الكائنات الحية نحو اليسار. إلا أن الأحماض الأمينية — التي نفترض أنها أصل الحياة — تمتلك تماكبًا يمينيًّا. ويعد هذا الاختلاف لغزًا يمكن إرجاعه إلى عدم تماثل التفاعلات الضعيفة؛ أي إلى الأجسام الدقيقة الأولية ذات الكتلة الأصغر من الإلكترون (النيوترينو).لكننا لم نصل إلى هذا بعد. في عام ????، ناقش شاب رسالتين في اليوم ذاته؛ واحدة في الفيزياء والأخرى في الكيمياء. كان يدعى لويس باستير (????–????)، وكان مهتمًّا بدراسة بلورات أملاح حمض الترتريك الناتج عن تخمير عصير العنب. في عام ????، لاحظ الكيميائي الألماني إيلهارد ميتشيرليتش (????–????) وجود نوعين من المشابهة الجزيئية في حمض الترتريك؛ الأولى — وتدعى ترتريك — لها نفس تأثير الاستقطاب الدوراني، بينما بدت الثانية — وتدعى شبه الترتريك أو المُرازم — مختلفة. بقي تفسير الظاهرة وإيجاد سببها. وهي بالضبط المشكلة التي حلها باستير في رسالته في الفيزياء «دراسة حول الظواهر المتعلقة بالاستقطاب الدوراني للسوائل» بتاريخ الثالث والعشرين من أغسطس. ويقول هو نفسه في هذا الصدد: «إبداء الدهشة من شيء ما هو أول خطوة للذهن باتجاه الاكتشاف.»وبمجرد عودته إلى معمل كريستوف فرانسوا دولافوس (????–????) بالمدرسة العليا، طرح باستير مسألة العلاقة بين ترتيب الذرات داخل الجزيء والقدرة الدورانية. وقرر — بغية التعرف على علم التبلور — البدء بتكرار جميع التجارب حول الاستقطاب الدوراني لبعض المحاليل. ووقع اختياره — لحسن حظه الشديد — على حمض الترتريك. كان في ذهنه العلاقة الممكنة بين تماكب الكوارتز وقدرته الدورانية، ومن ثم كان واثقًا من وجود شيء ما داخل المحاليل مسئول عن الاستقطاب. لم يعتقد باستير — مثله مثل ميتشيرليتش — في أن بلورات حمض الترتريك متشابهة. ولم يخدعه حدسه. وبفضل قدرته على الملاحظة الطويلة ولجوئه إلى التدقيق بدون شك لقصر بصره، أدرك على الفور أن بلورات حمض شبه الترتريك تمتلك أوجهًا دقيقة الحجم وغير متماثلة، وهي صفة لم يلحظها أيٌّ من سابقيه؛ لأنهم لم يكونوا يبحثون عنها! وتوصل باستير إلى تقسيمهم إلى نوعين من البلورات الأصغر حجمًا لها أوجه متجهة سواء إلى اليسار أو إلى اليمين. كان النوعان متماكبين. لم يكن حمض الترتريك يتكون إلا من بلورات من نوع واحد جعلت قوته الدورانية يمينية. فالنوع الثاني من البلورات يحول مستوى الاستقطاب ناحية اليسار؛ أي إننا أمام نوع ثالث من حمض الترتريك. فتتكون بلورات حمض شبه الترتريك من خليط من الجزيئات المتماكبة اليمينية واليسارية بنسب متطابقة، ومن ثم فليس لها أي قوة دورانية. وأدرك باستير أن اختلاف ترتيب الجزيئات يؤدي إلى خاصية بصرية مختلفة يمكن قياسها. وعن طريق ظاهرة فيزيائية، أثبت باستير أن خاصية كيميائية (عدم التماثل الجزيئي) ترجع إلى مسألة هندسية. ولقد أذهل هذا الاكتشاف العالم العلمي وخاصة بيو الذي قضى عمره كله في دراسة البلورات. ولكونه متشككًا، فقد طلب من باستير أن يأتي إليه ويعيد أمامه هذه التجارب. ولما رآها العالم الشهير لم يصدق عينه، وقال لباستير: «يا بني العزيز، لقد أحببت العلوم طوال حياتي، حتى إن قلبي يخفق لهذا الاكتشاف.»ويلعب الاستقطاب الدوراني دورًا مهمًّا في العديد من أنظمة الكيمياء الحيوية؛ لأن الجزيء لا يقدر على التفاعل بدون المشابهة الجزيئية البصرية. ولقد أثار التفريق بين القدرة الدورانية اليمينية واليسارية العديد من المناقشات حول المادة العضوية وغير العضوية، وأصبح من ثم مكونًا رئيسيًّا في الجدل حول التناسل التلقائي؛ أي إن باستير — الفيزيائي والكيميائي — قد حقق تقدمًا في علم الأحياء؛ فقد ربط بين عدم التماثل الجزيئي والكيمياء الحيوية، مدركًا إحدى أهم خصائصها.(?-?) التحليل الطيفي

بفضل يوهانز كِبلر? (????–????) وإسحاق نيوتن (????–????)، عرفنا أن الضوء الأبيض مكون من مزيج من ألوان مختلفة. وُلد جوزيف فون فرونهوفر (????–????) لأسرة فقيرة في ستروبينج ببافاريا. وعمل متدربًا لدى صانع زجاج. لكن عندما انهار منزل أسرته، أصيب إصابة بالغة وأصبح يتيمًا. تعاطف معه عمدة مدينة بافاريا وأعطاه مبلغ ثمانية عشر دوكًا. عندما بلغ من العمر تسعة عشر عامًا، التحق بالعمل في مصنع للأدوات البصرية، ليصبح مديرًا له بعد ثلاث سنوات. في عام ????، توصل إلى اختراع منظار التحليل الطيفي، وهو عبارة عن تليسكوب صغير يُثبت على قوس دائري ليلتقط أشعة طيف الشمس. وفي عام ????، استطاع أن يُحسن جذريًّا فعالية المنظار بالاستعاضة عن المنشور بشبكة انكسار مكونة من أسلاك حديدية مثبتة بِبَراغيَّ. وعندها اكتشف وجود أشعة معتمة، ولاحظ أن منبعها لا يرتبط بطبيعة المصدر المستخدم، لكن يرجع إلى وجود عامل كيميائي محدد داخل هذا المصدر. لكن يبقى تحديد مصدر هذه الأشعة.تأسس التحليل الطيفي حوالي عام ???? على يد روبرت فيلهلم فون بنزن? (????–????) وجوستاف كيرشوف? (????–????). كانا قد التقيا قبلًا في برسلو (فروتسواف ببولندا)، ثم سافر بنزن إلى هيدلبرج، واستطاع أن يقتنص منصبًا لصديقه كيرشوف. وبعدما عمل لفترة طويلة مع الكيميائي الإنجليزي سير هنري روسكو (????–????)، قرر بنزن فجأة قطع هذا التعاون في عام ????، وكتب إلى روسكو: بدأت في عمل مشترك مع كيرشوف طير النوم من أعيننا … حقق كيرشوف اكتشافًا رائعًا ومفاجئًا تمامًا؛ إذ اكتشف السبب وراء الخطوط السوداء في طيف الشمس … مما أوجد وسيلة لتحديد تكوين الشمس والنجوم الثابتة بنفس الدقة التي نحدد بها حمض الكبريتيك والكلور وغيرها عن طريق الكاشفات الكيميائية. المواد التي على الأرض يمكن تحديدها بهذه الطريقة بنفس سهولة تحديدها على الشمس، لدرجة أنني — على سبيل المثال — كنت قادرًا على إيجاد ليثيوم في عشرة جرامات من ماء البحر.بوضع أملاح داخل شعلة موقد غازي (موقد بنزن) وبملاحظة الضوء من خلال منشور، تظهر خطوط تميز خواص الملح المستخدم. ويتيح هذا النوع من التحليل — المسمى التحليل الطيفي — التأكد من وجود بعض العناصر الكيميائية على الشمس والنجوم مثلًا. كما يتيح اكتشاف عناصر جديدة. في عام ????، ظهر بحث أندرز جوناس أنجستروم (????–????) بعنوان «أبحاث حول الطيف الشمسي»، الذي جاء فيه أن طول موجة الأربعة الخطوط الأولى لانبعاث الهيدروجين تقدر بعشرة أجزاء من المليون ملِّيمتر، وهي وحدة قياس تدعى الآن الأنجستروم. أتوجد صيغة رياضية تربط فيما بين هذه القيم؟ كان هذا هو السؤال الذي يطرحه الفيزيائيون. في عام ????، أثبت يوهان ياكوب بالمر? (????–????) — الأستاذ بمدرسة وجامعة بازل — أن الصيغة: ؛ حيث معامل ثابت قام بتحديد قيمته تجريبيًّا، تعطي طول الموجة لأربعة خطوط أنجستروم، إذا كانت . وللتأكد من صحة هذا النموذج، كان لا بد من استخدام صيغة بالمر عند حيث نجد خطوطًا أخرى لطيف ذرة الهيدروجين. وقد تحقق هذا الأمر لاحقًا، وحاليًّا تتفق صيغة بالمر مع قيم خمسة وثلاثين خطًّا متتاليًا. وكان التعديل الوحيد الذي طرأ على هذه الصيغة هو قيمة المعامل الثابت الذي لم يحدده بالمر بطريقة واضحة. ولاحقًا، لوحظ أنه بوضع بدلًا من في صيغة بالمر، ستدرك تماما أشعة الطيف فوق البنفسجي للهيدروجين؛ وأنه بوضع بدلًا من ، سنحصل على سلسلتين من الأشعة الموجودة في الأطياف تحت الحمراء.هنا توقف عمل الفيزيائي التجريبي، من حيث شرح الظواهر الملاحظة حيث يمتلك الأداة التي تمكنه من اكتشافها. أما الفيزيائي النظري، فيريد أن يفهم مصدر الصيغة؛ أي استنتاجها منطقيًّا من نظرية؛ أي إنها ستصبح وسيلة للتحقق من صحة النموذج النظري، تمامًا كما ساعدت الخطوط الجديدة في التحقق من صحة الصيغة.في عام ????، طور نيلز بور (????–????) نموذجه لذرة الهيدروجين مستندًا إلى أفكار ميكانيكا الكم الأولى. كان زاخرًا بالحماس لنموذجه، لكن كان ينقصه إثبات صحته. في عام ????، سأله أحد طلابه — هانز ماريوس هانسن (????–????) — ما إذا كان نموذجه يعطي أي معلومات عن الطيف. فأجاب بالنفي. فاقترح عليه هانسن أن يلقي نظرة على صيغة بالمر. وبعد عدة أعوام، صرح بور: «منذ أن رأيت صيغة بالمر، اتضح كل شيء أمامي.» أتاحت نظرية بور تفسير المعامل الثابت وأعطته تعبيرًا رياضيًّا. وأعطت إثبات نموذج بور لذرة الهيدروجين، ومن ثم إثبات صحة نظرية الكم الجديدة.(?-?) النشاط الإشعاعي

عادة ما تلعب الصدفة دورًا في الاكتشاف العلمي، بلا شك في مجال علوم الطبيعة أكثر من الرياضيات. وعلى الرغم من أنها قصة مشهورة، فإنني سأروي قصة اكتشاف النشاط الإشعاعي.في نهاية عام ????، حاز اكتشاف الأشعة السينية على يد فيلهلم كونراد رونتجن (????–????) على اهتمام المجتمع العلمي، وكان لذلك الفضل في حصوله على أول جائزة نوبل في الفيزياء في التاريخ عام ????. كانت الأشعة السينية تنبعث من جوانب أنبوب زجاجي اصطدمت به أشعة كاثودية (مهبطية)، وعلى الفور توهجت الجوانب. عرف هنري بيكيريل? (????–????) — الذي كان يعمل بالتحديد على دراسة التوهج والإشعاع — باكتشاف الأشعة السينية أثناء محادثة له مع هنري بوانكاريه? (????–????). وظن بالطبع أن الظاهرتين يمكن أن تكونا مرتبطتين، وأنه يجب الآن التأكد من أن الأجسام المتوهجة أو المشعة ينبعث منها الأشعة السينية. وهكذا، سعيًا وراء فكرة — اتضح بعد ذلك خطؤها — حاول بيكيريل معرفة ما إذا كان اليورانيوم المشع في حال تعرضه للضوء يصدر الأشعة السينية أم لا.وبعدما عرض لضوء الشمس صفيحة مغطاة بطبقة من ملح اليورانيوم، قام بتغطيتها بورقة سوداء ووضعها بجوار لوح فوتوغرافي في صندوق. وبعد تحميضه، رأى أن الصفيحة أصبحت مطبوعة على اللوح؛ أي إن اليورانيوم يصدر إشعاعًا قادرًا على اختراق الورقة السوداء. وهكذا استمر الأمر كما لو كان اليورانيوم المشع بعد تعريضه للشمس يصدر الأشعة السينية التي تنطبع على اللوح الفوتوغرافي. أرسل بيكيريل هذه النتائج إلى أكاديمية العلوم بباريس في الرابع والعشرين من فبراير ????، دون تحديد طبيعة هذا الإشعاع. بعد بضعة أيام، أراد أن يكرر التجربة، لكن الجو كان ملبدًا بالغيوم وظلت الشمس مختفية. ومن ثم بقيت أملاح اليورانيوم والألواح الفوتوغرافية حبيسة الأدراج. في الأول من مارس، عادت الشمس. وبسبب أمانته العلمية، أراد بيكيريل التأكد من أن الألواح لم يتغير فيها شيء من جراء وضعها داخل الأدراج. وكم كانت المفاجأة عظيمة عندما تبين بوضوح انطباع الصورة على الألواح كما حدث وقت التجربة السابقة عند تعريض اليورانيوم للشمس؛ أي إن اليورانيوم يُصدر إشعاعًا مستمرًّا سواء تعرض للشمس أم لا. وهكذا اكتُشف النشاط الإشعاعي وحصل بيكيريل على جائزة نوبل للفيزياء عام ???? بالمشاركة مع ماري كوري (????–????) وبيير كوري (????–????). ونجد بتاريخ ???? مقالات في بعض صحف نشر العلوم — موقعة بأيدي علماء — يتساءلون فيها ما إذا كان النشاط الإشعاعي ذا مصدر كوني! لكن كان هذا قبل اكتشاف النشاط الإشعاعي الاصطناعي.(?-?) الكمات

الجسم الأسود هو جسم يمتص كل الإشعاع الكهرومغناطيسي؛ أي إن معامل الامتصاص لديه — الذي يقيس كسر الطاقة الممتصة — يساوي واحدًا. ولا تعتمد قدرته على الانبعاث — أي قوة الإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من وحدة السطح — إلا على درجة الحرارة والتردد.في نهاية القرن التاسع عشر، كان اكتشاف قانون قدرة الجسم المعتم على الانبعاث مشكلة فيزيائية مهمة. إلا أن كافة المحاولات — المبنية على الديناميكا الحرارية التقليدية — باءت بالفشل، ولم تستطع حلها بطريقة مُرضية. وجاءت النتائج متعارضة مع التجربة، بل بدت غير معقولة بما أنها كانت تقول بقدرة انبعاث كاملة وغير محدودة!تصدى ماكس بلانك? (????–????) في عام ???? لهذه المشكلة. بما أن إشعاع الجسم المعتم لا يعتمد إلا على حرارة الجوانب وليس طبيعتها، طرأت لبلانك فكرة دراسة جسم معتم تُحدث جوانبه تيارات كهربائية متذبذبة من نوع هيرتز. وكان يمكن حساب هذه الخواص دون إدخال البنية الجزيئية، التي لم تكن قد اكتشفت بعد. ووجد بلانك أن قدرة الانبعاث متناسبة مع الطاقة المتوسطة للجوانب ذات التيارات الكهربائية المتذبذبة. ولذلك، ظلت المشكلة دون حل. وبافتراض صحة قانون واين حول توزيع الطاقة الطيفية — وهو أكثر قانون كان يتفق حينها مع التجربة — قام بلانك بحساب أن عكس المشتقة الثانية من قانون القصور الحراري (إنتروبي) بالنسبة للطاقة يكون متناسبًا معها. إلا أن النتائج التجريبية اللاحقة ألغت هذه النتائج. كان الاتفاق بين النظرية والتطبيق مقبولًا بالنسبة لكميات صغيرة من الطاقة ولأطوال قصيرة للموجة. لكنه لم يكن كذلك في حالة الطاقات الكبيرة والموجات الطويلة. إذن فهناك تناسب، ليس بالنسبة للطاقة لكن لمربعها. وعمد بلانك إلى استكمال الصيغتين وحصل بذلك على قانون جديد يتوافق في كل نقاطه مع التجربة. ولندع بلانك يتحدث: لكن حتى مع الاعتراف بالصحة المطلقة للصيغة الموجية — التي احتفظت طويلًا بطابع القانون المكتشف عن طريق الحدس — فلا يمكننا أن نتوقع أنها تمتلك أكثر من معنى شكلي. ولهذا السبب، منذ اليوم الذي قمت فيه بصياغة هذا القانون، بدأت بنفسي في محاولة فهم تفسيره الفيزيائي الحقيقي. وقادني هذا البحث تلقائيًّا إلى دراسة العلاقات المتبادلة بين القصور الحراري والاحتمالية.وأضاف في مؤلَّف آخر: «بعد بضعة أسابيع مشحونة بالطبع بأكثر الأعمال جهدًا في حياتي، ظهر بصيص وسط الظلام الذي كنت أتخبط فيه، وانفتحت أمامي آفاق غير متوقعة.» قام بلانك — في سبيل تسهيل حساب الاحتمالية بطريقة التحليل التوافيقي — بتفكيك الطاقة التي لآلة تحث تيارات كهربائية متذبذبة إلى كميات صغيرة على شكل ؛ حيث تكون رقمًا صحيحًا، و رقمًا صغيرًا كما نريد. وبفضل تلك الحيلة، تمكن بلانك من حساب الطاقة المتوسطة للآلة وإيجاد صيغته للجسم المعتم. لم يكن التحليل سوى حيلة حسابية مناسبة، دون أي مغزًى آخر. لكن القصة لم تنتهِ هنا بعد. لبلوغ التوافق بين قانون واين للطاقات المنخفضة، لا يمكن اتخاذ كرقم صغير كما نريد. يجب أن تكون إما منتهية ومتناسبة مع التردد للموجة، وإما أن تكون ؛ حيث تكون معاملًا كونيًّا يُسمى الآن ثابت بلانك. كانت نتيجة ثورية بحق: فكان لا بد من التخلي عن فكرة الاستمرار في عالمنا الفيزيائي، وقبول حقيقة أن بعض الظواهر قد يكون لها علاقات سببية غير متصلة؛ أي كمية. ولقد واجهت هذه النتيجة المفاجئة والجذرية الكثير من التشكك بالطبع، بل والمقاومة الشديدة. بلانك نفسه لم يكن على ثقة كاملة في طريقته التي ظل أعوامًا طويلة يشرح نتائجها بطريقة تقليدية، على الرغم من قناعته بأهمية اكتشافه. وكتب بعد ذلك: في الواقع، كان المعامل الثابت لا غنى عنه — من ناحية — للحصول على القيمة الحقيقية للقصور الحراري؛ لأنه بفضله وحده استطعنا تحديد المجالات أو المسافات اللازمة لحساب الاحتمالات، بينما كان من المستحيل — من ناحية أخرى وعلى الرغم من الجهود الجبارة — إدراجه في إطار نظري تقليدي أيًّا ما كان. فطالما استطعنا معاملته كرقم متناهي الصغر … مضت الأشياء على ما يرام، لكن — وبشكل عام — كان هناك دائمًا لحظات نتوصل فيها إلى حلول قادرة على الاستمرار … وأمام فشل جميع محاولات سد الفجوة، كان لا مناص من مواجهة المعضلة التالية: إما أن تكون سلسلة استنتاجاتي المؤدية إلى حساب قانون الإشعاع الأسود وهمية من حيث المبدأ، ولم تكن سوى خدعة حسابية دون جدوى واقعية؛ وإما أنه يجب أن تسبقها فكرة أخرى مقابلة لشيء ما في الواقع الفيزيائي، ومن ثم يجب أن يكون لكم الحركة دور رئيسي في الفيزياء. في المحاولة الثانية، أصبح هذا الكم يمثل شيئًا غاية في الحداثة وغير متوقع حتى تلك اللحظة، وكأنه مقدر له أن يحدث ثورة في الفكر الفيزيائي القائم على مفهوم الاستمرارية ذاتها، المتأصلة في كافة العلاقات السببية منذ اكتشاف الحساب التفاضلي على يد لايبنتز ونيوتن.ولقد تحققت التجربة بالبديل الثاني.ولنلاحظ — على نحو عابر — أن بلانك عندما يقول إن مفهوم الاستمرارية متأصل في جميع العلاقات السببية، يبدو كمن يتنبأ بما سيحدث عندما أثبت فرنر هايزنبرج (????–????) علاقات عدم اليقين، وعندما اعتبرت مدرسة كوبنهاجن — وعلى رأسها نيلز بور (????–????) — أن الطبيعة تقوم أساسًا على الاحتمالية، مثيرةً الشكوكَ حول مبدأ السببية. ونعلم بالطبع أن هذا التفسير الاحتمالي لم ينل قط قبول ألبرت أينشتاين? (????–????)، الذي كان يعتقد أن ميكانيكا الكم — على الرغم من النجاح الذي لاقته — كانت ناقصة، وأن العالم سيبدو قدريًّا من جديد عندما ينتهي إنشاؤه، بحسب عبارته الشهيرة: «الإله لا يلعب بالنرد!» وسنعود إلى هذا الجدل القديم بين أينشتاين وبور عند دراستنا لتكوين الذرة لاحقًا. إن ما أوشك بالفعل على التغير أو التبدل تمامًا إنما هو تفسيرنا الفلسفي للعالم الخارجي. لكن لنعد إلى نهاية قصتنا. عندما تكون أينشتاين فأنت لا تخشى أي ثورة علمية، حتى إنه استطاع جعل فكرة بلانك أكثر جراءة وثورية. وفقًا لبلانك، فإن الطاقة لا يمكن أن تصبح كمية داخل المادة، بينما تظل خاضعة داخل الإشعاع الضوئي للقوانين المستمرة لجيمس كلارك ماكسويل (????–????). ولقد أثبت أينشتاين أن هاتين الفكرتين غير متوافقتين، ومن ثم يجب افتراض أن كل إشعاع يمكن أن يصبح كميًّا: فالضوء يتصرف ليس فقط كموجة لتحقيق معادلات ماكسويل، بل يتكون أيضًا من جزيئات وكمات شبه جسيمية تدعى الفوتونات. وهكذا اجتمعت التصورات الموجية والجسيمية للضوء التي شغلت الفيزياء منذ نيوتن. ووُلدت ميكانيكا الكم وكل الفيزياء الحديثة.(?-??) النسبية

منذ خمسين عامًا، والعلماء يصارعون الأثير، هذا المحيط الرقيق الذي يملأ الفضاء، والذي يمثل — كما كان يُعتقد — وسيلة لانتشار الضوء والظواهر الكهربية. لكن لم تكن خواصه عصية فقط على الدراسة، بل إن حتى وجوده قاد إلى توقع ظواهر لم تظهر على الرغم من التقدم المذهل في تقنيات القياس. ولقد حاول واضعو النظريات تعديل نظرية الكهرومغناطيسية لجيمس كلارك ماكسويل (????–????)، ومن بينهم هندريك أنطون لورنتز (????–????) الذي درس الطريقة التي تتحول بها معادلات ماكسويل عندما ننتقل من إطار مرجعي لآخر في حركة منتظمة ومستقيمة بالنسبة للأول. وأثبت أن هذه المعادلات تبقى ثابتة — أي دون تغير — إذا ما أبدلنا متغيرات الفضاء ومتغير الزمن بمتغيرات جديدة متصلة بالمتغيرات الأولى بعلاقة خطية نسميها الآن تحويل لورنتز. لم يعتبر لورنتز — تحت تأثير الأفكار السائدة حينها — المتغيرات الجديدة سوى كميات تخيلية دون أي حقيقة فيزيائية، واقتصر دورها على تسهيل الحساب. في أيٍّ من الحالات، لم يكن الأمر يتعلق بمعرفة ما إذا كان بها الإحداثيات الحقيقية والزمن الفعلي للنظام المرجعي الجديد. وسنلاحظ التوازي بين موقف بلانك ونتائجه.استهزأ ألبرت أينشتاين? (????–????) بالمسلمات والأفكار المسبقة، وقرر أن يجعل من أعماله حول الفرضية القائلة بأن المتغيرات الجديدة هي ذاتها فعليًّا وفيزيائيًّا النظام الجديد؛ نقطة انطلاق له، وأن تحويل لورنتز كان التعبير الفيزيائي عن العلاقة الموجودة بين إطارين مرجعيين في حركة مستقيمة ومنتظمة. وكانت تلك الفرضية شديدة الجسارة؛ لأنها تتضمن التخلي عن الميكانيكا بمفهوم نيوتن. لكنها كانت فرضية مثمرة، إذ ولدت بفضلها نظرية النسبية الخاصة في عام ????.كان من المرغوب فيه بالطبع مد مفهوم النسبية ليشمل حالة أي حركة سريعة وغير منتظمة. بالإضافة إلى أنه في النسبية الخاصة، لم تعد السرعات تحقق قانون الجمع التقليدي إذا ما اقتربنا من سرعة الضوء. فيجب إذن استخدام قانون لورنتز للجمع؛ حيث يعد القانون التقليدي تقريبًا جيدًا للسرعات الأقل. كان لا بد من إيجاد حل لهذا التفكك للتوفيق بين قانون نيوتن للجاذبية والنسبية الخاصة. ولقد تمكن أينشتاين — عن طريق تفسيره لقوى الجاذبية هندسيًّا وبطريقة مماثلة لقوى الطرد المركزي داخل إطار مرجعي في حركة دائرية معتبرًا إياه كناتج لشكل الفضاء — من صياغة نظريته عن النسبية العامة عام ????. وتجدر الإشارة إلى أن النسبية العامة ترتكز على الحسابات الهندسية غير الإقليدية، وخاصة أعمال برنارد ريمان? (????–????).ولقد روى أينشتاين بنفسه كيف توصل إلى هذه النظرية. وسأقتبس من مؤلفه المقاطع التي تبدو لي أكثر أهمية مع حذف التفاصيل التقنية لكيلا نحتفظ إلا ببنية طريقة التفكير: عندما توصلنا إلى التوازن بين جميع الأنظمة المسماة أنظمة الجمود لصياغة قوانين الطبيعة بفضل نظرية النسبية الخاصة (????)، طُرحت شبه تلقائي مسألة معرفة ما إذا لم يكن هناك توازن أكثر اتساعًا لأنظمة الإحداثيات؛ أي إذا لم يكن في إمكاننا إضفاء صفة على السرعة سوى النسبية، فهل يجب أن نصر على اعتبار التسارع مفهومًا مطلقًا؟ولأول مرة، قمت بخطوة للأمام نحو حل المشكلة، عندما حاولت معالجة قانون الجاذبية في إطار نظرية النسبية الخاصة. وشأني شأن غالبية كُتاب هذا العصر، سعيت إلى وضع قانون لمجال الجاذبية … لكن مثل هذه الأبحاث قادتني إلى نتيجة جعلتني أتشكك إلى أقصى درجة … وعندها تخليت عن المحاولة التي أشرت إليها سابقًا — محاولة معالجة مسألة الجاذبية من خلال النسبية الخاصة — لعدم ملاءمتها. فهذا الإطار كان بوضوح غير متفق مع الخاصية الأكثر محورية في الجاذبية … وشغلتني هذه الأفكار من ???? وحتى ???? … وكان الأمر الوحيد الذي يهم هو معرفتي بأنه لا يمكن بلوغ نظرية عقلية للجاذبية إلا بتوسيع مبدأ النسبية.ومن ثم، كان من اللازم وضع نظرية تحتفظ معادلاتها بشكلها حتى مع التحويلات غير الخطية للإحداثيات. لكن حتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف ما إذا كان هذا الأمر يمكن تطبيقه على تحويلات أي إحداثيات (مستمرة)، أم بعضها فقط. ورأيت بعد ذلك أن … التفسير الفيزيائي البسيط للإحداثيات يجب أن يزول … ولقد أزعجتني هذه الملاحظة بشدة؛ لأني لم أكن أفهم ماذا تعني الإحداثيات حينها في الفيزياء. ولم أتمكن من حل هذه المعضلة إلا في عام ???? … لكن تبقى لي مشكلتان … وعملت على حلهما منذ عام ???? وحتى ???? مع صديقي جروسمان … وقبل عامين من نشر نظرية النسبية العامة، كنا قد أدركنا جيدًا المعادلات الصحيحة للجاذبية، وإن تعذر علينا فهم استخدامها من الناحية الفيزيائية. ولهذا الأمر، ظننت أنني قادر — استنادًا إلى اعتبارات عامة — على إثبات أن قانونًا ثابتًا للجاذبية متعلقًا بتحويلات الإحداثيات المختارة عن قصد لن يتفق مع مبدأ السببية. كانت تلك هي أخطاء ذهني التي كلفتني عامين من العمل الشاق، حتى أدركتها في النهاية — قرب نهاية عام ???? — واكتشفت الرابط بين حقائق التجربة الفلكية، بعدما رجعت إلى منحنى ريمان.بفضل المعارف المجمعة، بدا الهدف واضحًا لحسن الحظ، بل وفي استطاعة أي طالب ذكي استيعابه دون مشقة كبيرة. إلا أن هذه الأبحاث الزاخرة بالحدس والجارية في الظل لمدة أعوام مصحوبة برغبة شديدة في بلوغ الهدف، بكل ما فيها من حالات الثقة والكلل انتهت أخيرًا بالظهور المفاجئ الواضح، فلم يكن من الممكن الوصول إليها حتى بالنسبة لمكتشفها دون تلك اللحظة من الوضوح.عندما حصل ألبرت أينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء عام ????، لم يستطع الذهاب إلى ستوكهولم لحضور مراسم تسلم الجائزة في ديسمبر لقبوله سابقًا دعوة لزيارة اليابان. ففي الرابع عشر من ديسمبر عام ???? — بناءً على طلب كيه نيشيدا، أستاذ الفلسفة بجامعة كيوتو — عقد أينشتاين مؤتمرًا بعنوان «كيف وضعت نظرية النسبية؟» كان عبارة عن عرض مرتجل قدمه أينشتاين في ألمانيا دون أن يحمل أي أوراق مكتوبة. بينما تولى أمر الترجمة الفورية جون إيشيوارا (????–????) أستاذ الفيزياء بجامعة توهوكو، الذي كان زميلًا لأرنولد سومرفيلد (????–????) وأينشتاين في الفترة بين ???? و????. في عام ????، نشر إيشيوارا ملاحظاته في مجلة يابانية شهرية. وقام تي أوجاوا بترجمة المقال بتصرف إلى الإنجليزية عام ????. وفي عام ????، قام يوشيماسا إيه أونو بترجمة مؤتمر أينشتاين إلى الإنجليزية (الفيزياء اليوم، العدد ?? (????) من صفحة ?? إلى ??). وها هي أول ترجمة فرنسية له: ليس بالأمر الهين الحديث عن الطريقة التي جاءتني بها فكرة نظرية النسبية. كان هناك العديد من التعقيدات الدفينة حفزت تفكيري، وكان لكل فكرة أثر مختلف على مراحل متعددة من تطور الفكرة. لن أذكرها جميعها هنا. ولن أقوم بإحصاء عدد المقالات التي كتبتها بشأن الموضوع. بدلًا من ذلك، سأصف باختصار تطور تفكيري الذي له علاقة مباشرة مع هذه المشكلة.كان قد مضى سبعة عشر عامًا على المرة الأولى التي ساورتني فيها فكرة تطوير نظرية النسبية. ورغم أني كنت عاجزًا عن تحديد مصدر الفكرة بالضبط، فإنني متيقن من أنها كانت متضمنة في مشكلة الخواص البصرية للأجسام المتحركة. فالضوء ينتشر عبر بحر الأثير الذي تتحرك فيه الأرض؛ أي إن — بعبارات أخرى — الأثير يتحرك بالنسبة للأرض. وحاولت أن أجد دليلًا تجريبيًّا قاطعًا حول تدفق الأثير في الأدب الفيزيائي، لكن دون جدوى.وعندها أردت أن أتأكد بنفسي من تدفق الأثير بالنسبة للأرض؛ أي حركة الأرض بتعبير آخر. عندما فكرت لأول مرة في هذه المسألة، لم يساورني أي شك في وجود الأثير وحركة الأرض عبره. وفكرت في التجربة التالية باستخدام ازدواجين حراريين: أن أضع مرايا بحيث ينعكس الضوء القادم من مصدر واحد في اتجاهين مختلفين، يكون أحدهما موازيا لحركة الأرض والثاني في الاتجاه المضاد. فإذا افترضنا وجود اختلاف في الطاقة بين الحزمتين الضوئيتين المنعكستين، يمكننا قياس اختلاف الحرارة المولدة باستخدام الازدواجات الحرارية. وعلى الرغم من تقارب فكرة هذه التجربة من تجربة ميكلسون، فإنني لم أقم بها.وبينما كانت تشغلني هذه المشكلة عندما كنت طالبًا، درست النتيجة الغريبة لتجربة ميكلسون. وسريعًا ما توصلت إلى استنتاج خطأ فكرتنا الخاصة بحركة الأرض عبر الأثير، إذا ما قبلنا النتيجة الصفرية لميكلسون كحقيقة. وكان هذا هو أول الطريق الذي قادني إلى نظرية النسبية الخاصة. ومن ذلك الحين، وأنا اعتقد أن حركة الأرض لا يمكن متابعتها بتجربة بصرية على الرغم من دورانها حول الشمس.حالفني الحظ بقراءة دراسة لورنتز الأحادية في عام ????، وفيها ناقش وحل مسألة الكهروديناميكية بأول درجة من التقريب؛ أي متجاهلًا الحدود التي تزيد عن ؛ حيث هي سرعة الجسم المتحرك، و هي سرعة الضوء. وحاولت فيما بعد تحليل تجربة فيزو استنادًا إلى فرض أن معادلات لورنتز للإلكترونات سارية أيضًا في النظام المرجعي لجسم متحرك كما في نظام الفراغ مثلما ناقشه لورنتز. في ذلك الوقت، كنت شديد الاعتقاد في صحة المعادلات الكهروديناميكية لماكسويل ولورنتز. ومن ثم قادني افتراض أن هذه المعادلات لا بد أن تكون صحيحة داخل نظام أي جسم متحرك إلى مفهوم ثبات سرعة الضوء، مما يتناقض مع قاعدة جمع السرعات المستخدمة في الميكانيكا.لماذا يتعارض المبدآن؟ وأدركت مدى صعوبة المسألة. وقضيت ما يقرب من عام — دون جدوى — في محاولة تعديل فكرة لورنتز أملًا في إيجاد الحل.لحسن الحظ، ساعدني أحد أصدقائي من بيرن (ميشيل بيسو) على الخروج من هذا المأزق. كنت قد ذهبت لزيارته وعرضت عليه المسألة في يوم من الأيام، وبدأت محادثتي معه هكذا: «مؤخرًا، كنت أعمل على مسألة صعبة، واليوم جئت لزيارتك لنفكر فيها معًا.»تناقشنا في كل جوانب المسألة. وفجأة أدركت أين تكمن المشكلة. في اليوم التالي، ذهبت لرؤيته ثانية، وقلت له — دون حتى أن ألقي التحية: «شكرًا، لقد حللت المشكلة بالكامل.» كان الحل هو تحليل مفهوم الزمن. فلا يمكن تحديد الزمن بصورة مطلقة، كما أن هناك علاقة وطيدة بين الزمن وسرعة الإشارة. وبهذا المفهوم الجديد، استطعت لأول مرة تخطي كل الصعوبات بالكامل.في غضون خمسة أسابيع، تَشكَّلت نظرية النسبية الخاصة. وكنت على يقين من أن هذه النظرية معقولة من الناحية الفلسفية. كما وجدتها متوافقة مع مبدأ ماخ. وعلى عكس الحال مع نظرية النسبية العامة — حيث تم إدماج مبدأ ماخ في النظرية — كان لتحليل ماخ أثر غير مباشر في نظرية النسبية الخاصة.وكانت هذه هي الطريقة التي توصلت بها إلى نظرية النسبية الخاصة.بينما تكونت أفكاري الأولى عن نظرية النسبية العامة بعد عامين، في عام ????، وقد باغتتني الفكرة، لم أكن راضيًا عن نظرية النسبية الخاصة؛ لأنها كانت محدودة بالأطر المرجعية التي تتحرك بسرعة ثابتة مقارنة بعضها ببعض، ومن ثم لم تكن قابلة للتطبيق على الحركة العامة للأطر. وصارعت في سبيل إزالة هذا القصور، وأردت صياغة المشكلة في الحالة الأعم.في عام ????، طلب مني يوهانز ستارك كتابة مقال عن نظرية النسبية الخاصة في جريدة «جاهربش دير راديواكتيفيتات». وأثناء كتابته، بدأت أدرك أن كل قوانين الطبيعة ما عدا قانون الجاذبية يمكن دراستها في إطار النسبية الخاصة. وأردت أن أكتشف السبب وراء ذلك، لكني لم أستطع بكل بساطة.كانت أقل النقاط إرضاء لي هي التالية: على الرغم من أن النظرية تعطي بوضوح العلاقة بين السكون والطاقة، فإن العلاقة بين السكون والكتلة أو طاقة مجال الجاذبية لم تكن تظهر بوضوح. وشعرت بأن هذه المشكلة لن تحل في إطار نظرية النسبية الخاصة. وفي يومٍ ما، فجأة حدثت الاستنارة. كنت جالسًا على مقعد في مكتبي بمكتب براءات الاختراع ببيرن، وفجأة خطرت لي فكرة: إذا سقط رجل سقوطًا حرًّا، فلن يشعر بوزنه. جلست مرتبكًا، لقد تركت فيَّ هذه التجربة الذهنية أثرًا كبيرًا وقادتني إلى نظرية الجاذبية. واستمرت أفكاري: يسقط الرجل بسرعة؛ أي إن ما يشعر به يبدو له وكأنه يحدث في نظام تسارعي. وقررت أن أمتد بنظرية النسبية إلى النظام المرجعي للسرعة، وشعرت بأنني بهذا أستطيع حل مسألة الجاذبية في ذات الوقت. فالرجل الذي يسقط لا يشعر بوزنه لأنه يوجد في نظامه المرجعي مجال جديد للجاذبية يلغي مجال الجاذبية الذي تحدثه الأرض. وفي إطار مرجعي للتسارع، نكون في حاجة إلى مجال جاذبية جديد.في ذلك الوقت، لم أتمكن من الفصل في المسألة تمامًا. واستغرق الأمر ثماني سنوات للحصول أخيرًا على الحل الكامل. خلال كل هذه الأعوام، كنت أحصل على حلول جزئية للمسألة.كان إرنست ماخ من الذين يصرون على فكرة تعادل الأنظمة ذات التسارع بمقارنة بعضها ببعض. وكانت هذه الفكرة تتعارض مع الهندسة الإقليدية، بما أنه داخل إطار مرجعي متسارع لا يمكن تطبيقها. ووصف القوانين الفيزيائية دون الرجوع إلى الهندسة يشبه محاولة التعبير عن أفكارنا دون كلمات. فنحن بحاجة إلى الكلمات لنعبر. فعن ماذا نبحث إذن لوصف هذه المسألة؟ ظلت هذه المسألة بدون حل منذ عام ????، عندما جاءني الإلهام بأن نظرية الأسطح لكارل فريدريش جاوس قد تكون مفتاح هذا اللغز. ووجدت أن إحداثيات جاوس للأسطح ناجحة جدًّا في فهم هذه المسألة. ولم أكن أعرف حينها أن برنارد ريمان (الذي كان تلميذًا لجاوس) كان قد ناقش بالتفصيل أسس الهندسة. وتذكرت محاضرة لي أثناء دراستي (في زيوريخ) ألقاها كارل فريدريش جيسير، وعرض فيها نظرية جاوس. ووجدت أن أسس الهندسة تمتلك مغزًى فيزيائيًّا عميقًا فيما يتعلق بتلك المسألة.وعند عودتي من زيوريخ إلى براغ، كان في انتظاري صديقي مارسيل جروسمان، الذي ساعدني من قبل عندما وفر لي ما يتعلق بالمؤلفات الرياضية أثناء عملي بمكتب براءات الاختراع ببيرن؛ حيث واجهت صعوبات في الحصول على مقالات في الرياضيات. علمني في البداية أعمال كيرباسترو جريجوريو، ثم ريمان. وتناقشت معه فيما إذا كانت المسألة قابلة للحل باستخدام نظرية ريمان؛ أي باستخدام مبدأ ثبات نقاط الخط المستقيم. وقمنا بكتابة مقال عن هذا الأمر في عام ????، على الرغم من عجزنا عن التوصل للمعادلات الصحيحة للجاذبية. درست معادلات ريمان بتعمق ووجدت فيها ما يجعل من المستحيل الحصول على النتائج المرجوة بهذه الطريقة. وبعد عامين من النضال، اكتشفت أنني أخطأت في بعض الحسابات، وعدت إلى المعادلة الأصلية باستخدام نظرية الثبات، وسعيت إلى وضع المعادلات المضبوطة. وبالفعل، في غضون أسبوعين، تمكنت من إظهارها!فيما يخص عملي بعد عام ????، لن أتكلم إلا عن مسألة علم الكونيات، المتعلقة بهندسة الكون والزمن. يأتي أساس هذه المشكلة من شروط نهايات نظرية النسبية العامة ومن نقاش ماخ حول قضية السكون. وعلى الرغم من أنني لم أكن أفهم بالضبط فكرة ماخ، فإن تأثيره على التفكير كان عظيمًا.وتوصلت إلى حل المشكلة، عن طريق فرض ثبات الظروف على نهايات معادلات الجاذبية. وأخيرًا، قمت بحذف النهايات، معتبرًا الكون نظامًا مغلقًا. والنتيجة أن السكون يبدو كخاصية للمادة التفاعلية، ومن ثم فهو يختفي في حالة عدم وجود مادة يتفاعل معها. واعتقد أنه بفضل هذه النتيجة، يمكن استيعاب نظرية النسبية العامة بصورة مُرضية من الناحية المعرفية.كانت هذه لمحة تاريخية عن أفكاري عندما وضعت نظرية النسبية.أتاحت النسبية العامة لأينشتاين تفسير شذوذ نقطة القياس للمريخ، الذي عجز قانون الجاذبية العام لنيوتن عن رصده. لكن النظرية تظل نظرية ما دامت لا تؤدي إلى توقع ظواهر جديدة يمكن التحقق من صحتها تجريبيًّا. وفقًا للنسبية العامة، فإن شعاع الضوء يجب أن ينحرف إذا مر داخل مجال جاذبية كثيف، بالقرب من نجم ضخم على سبيل المثال. افترض أنك وضعت حصاة ثقيلة في منتصف ورقة مرنة مشدودة أفقيًّا، فسيحدث فيها هبوط. ثم ألقيت كرة صغيرة على هذا السطح، فكلما اقترب مسارها من الحصاة ازدادت درجة انحرافها. هذا هو ما يعلمنا إياه منحنى الزمكان بالقرب من الأجسام الثقيلة في نظرية النسبية العامة. في عام ????، قام رائدا علم الفضاء البريطانيان آرثر ستانلي إدينجتون (????–????) وأندرو كلود دولاشيروا كروملين (????–????) ببعثتين استكشافيتين لمراقبة الكسوف الكلي للشمس. وبالفعل، انحرف الضوء وفق توقعات أينشتاين.تعد نظريتا الكم والنسبية من أجمل النظريات الفيزيائية التي تخيلها العقل البشري. ولقد ظهرت الأولى نتيجة افتراضية جريئة رافضة للأفكار المسبقة، والثانية عن طريق مقارنة أظهرت مدى جرأة تفكير ألبرت أينشتاين.كان العالم الرياضي الفرنسي هنري بوانكاريه? (????–????) قد توصل إلى نفس النقطة تقريبًا التي بلغها أينشتاين حول النسبية الخاصة، لكنه — على الرغم من كونه أحد ألمع الرياضيين على مر العصور — لم يكن يمتلك حسًّا جريئًا، ولم يتخذ تلك الخطوة. فلم يستطع أن يترجم المعادلات الناتجة بعبارات فيزيائية. وبخصوص النسبية، كتب يقول: ولهذا فكرت طويلًا أن نتائج هذه النظرية — المتعارضة مع مبدأ نيوتن — سينتهي بها المطاف إلى طي النسيان.يجب أن نعرف كيف نصبح — من وقت لآخر — أعداءً للأفكار المسبقة. وكذلك عن نظرية الكم، كتب قائلًا: هل أعترف بأنني لم أكن راضيًا تمامًا عن هذه الفرضية الجديدة؟كان بوانكاريه مختلفًا أيضًا مع أفكار كانتور — شبه الثورية في ذلك الوقت — حول طبيعة اللانهاية، أو بالأحرى اللانهايات الرياضية المختلفة.كما مر جاك هادامار (????–????) — وإن كان أقل شهرة كعالم رياضيات فرنسي — بجوار نظرية النسبية الخاصة، وعرض «عدم اكتشافه» على المجلس الدولي للفلسفة بنابولي عام ????. وذكر في مقاله «كيف لم أجد النسبية»:… كان يلزمني عناد نادر ليثنيني عن نتائج أبحاثي.وبعد بضعة تطورات رياضية — لن نطرحها هنا — يحدثنا هادامار عن مستقيم كيرشوف؛ حيث تصبح بعض الكميات لا نهائية: من الناحية التحليلية، ليس لهذا الخط المتفرد — الذي يظهر طبيعيًّا من الأصل الفيزيائي للمسألة — أي علاقة بالمعادلة …لقد نشرت هذا في مكان ما!نعم، ومنذ ذلك الوقت، وأنا أعرف جيدًا — شأني شأن كافة علماء الرياضيات — أنه يوجد عدد لا نهائي من التبديلات في المتغيرات الخطية (دون التطرق إلى شيء أكثر تعقيدًا) من شأنها أن تحتفظ لأيٍّ من المعادلتين ذواتي المشتقات الجزئية بأشكالهما. ولم أكن فقط على دراية بهذه التغييرات، وإنما انصب جل اهتمامي بصورة أساسية عليها عن طريق السؤال الذي طرحته، واتضح أن مثل هذه التبديلات لا تحتفظ بشكل عام لمستقيم كيرشوف بوضعه المميز، بل على العكس قد تجعله يضاهي أي مستقيم آخر ينزل من نفس النقطة A داخل مخروط الموجة.لكن كان مجرد التفكير في أن مستقيم كيرشوف ليس له أي مغزًى فيزيائي ضروري وغير ملموس أمرًا يتطلب الكثير من الجرأة بالنسبة لي. وماذا تريدون؟ فمثل كل زملائي، كنت أتأمل بإعجاب في أعمال الفيزيائيين التي لا تكف عن الاتساع، واختلط هذا الإعجاب بنوع من الاحترام فرضه عليَّ شعوري بعدم كفاءتي. ولم أفهم جيدًا أن الفيزياء هي هؤلاء الأشخاص الذين يجب عدم احترامهم عند اللزوم.وهكذا يظهر كيف، لكوني عالم رياضيات ينقصه الخيال، لم أتمكن من الوصول إلى التسليم بالنتيجة التي فرضتها عليَّ النظرية الرياضية بشكل مُلح، وكيف اكتفيت بالانحناء احترامًا لوجهة نظر كيرشوف، على الرغم من أن الدرس المستفاد من هذه القصة هو أن العالم في مجاله لا يجب أن يحترم حتى نظرية كيرشوف، كما لم يحترم كوبرنيكوس نظرية أرسطو أو بطليموس … وهو ما نقوم به جميعًا منذ أينشتاين.هذا هو مبدأ الأفكار البسيطة بل العبقرية. ولا أعلم، فربما كانت هي نفسها قصة الكثير من الاكتشافات الرياضية، والعلمية بشكل عام.ويضيف في نص آخر: لقد اقتربت بنفسي من الوصول إلى نظرية النسبية: وكان هذا لنقص الجسارة الفلسفية؛ لأنه عندما لاحظت أن المعالجة التفاضلية للمشكلة ظلت دون تغيير خلال سلسلة من التحويلات، اهتممت — لسوء الحظ — بالتأكيد على أن هذه التحويلات ليس لديها بالطبع أي معنى فيزيائي.لكن يجب الاعتراف بضرورة تعويض الحظ السيئ بسلامة القصد: عادة ما يكون الفشل — وإن لم يكن مرغوبًا فيه بقدر النجاح — أكثر فائدة، وهذا درس مفيد لأي عالم كيف أنه يمكن أن يتجاوز اكتشافًا مهمًّا دون أن يلحظه.ربما كان على بوانكاريه وهادامار التأمل في أفكار الكيميائي الإنجليزي جوزيف بريستلي (????–????): إن أكثر الفيزيائيين جرأة وتجديدًا في تجاربهم هم الذين يطلقون العنان لخيالهم ويقبلون تزاوج أكثر الأفكار تشتتًا. وعلى الرغم من أن العديد من هذه الأفكار تكون مبالغًا فيها ومجرد أوهام، فإن هناك أفكارًا منها يكون مقدرًا لها أن تنتج أعظم الاكتشافات التي لن يتمكن الأشخاص الخجولون الحذرون وبطيئو التفكير من الوصول إليها.لكن يمكننا القول دفاعًا عن هذين العالمين الكبيرين، أنهما كانا عالِمَي رياضيات وليسا فيزيائيَّيْن، رغم أن بوانكاريه قد قدم إسهامات مهمة في مختلف قضايا الفيزياء الرياضية. وفي عام ????، كتب أحد العلماء — بجدية شديدة — أن النسبية الخاصة: «إنما هي ضرب من الدعابة.»(?-??) بنية الذرة

منذ القدم، ومسألة بنية الذرة تشغل بال الإنسانية. وقد قام ديموقريطوس (???ق.م–???ق.م) بصياغتها، تلاه لوكريتيوس (??ق.م–??ق.م). إلا أنه حتى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن العديد من العلماء يؤمنون بحقيقة الذرة. ولم يكن هناك من يعرف ممَّ تتكون الذرات. فنجد — على سبيل المثال — السطور التالية في أحد كتب الفيزياء في ذلك الوقت: نعرف أن ذرة أي مادة تتكون من جزيئات الأثير في حالة الحركة، ويمكن أن تكون — على سبيل المثال — عبارة عن شكل قالب حلقي من جزئيات الأثير المتحركة في حركة دورانية في شكل قطع ناقص.ثم جاءت ثلاثة اكتشافات لتقلب موازين الفيزياء: الأشعة الكاثودية والأشعة السينية والنشاط الإشعاعي. وقد قاد تفسير هذه الظواهر العلماء إلى اكتشاف الإلكترون في الفترة ما بين ???? و???? على إثر أعمال جوزيف جون طومسون (????–????) وجان بيرين (????–????) وبيتر زيمان (????–????) وهندريك أنطون لورنتز (????–????). بالنسبة لطومسون، كانت الذرة عبارة عن كرة بها شحنات كهربية. لكن هذه النظرية لم تتح فهم سلوك الجسيمات التي تنبعث من المواد المشعة. واقترح بيرين عام ???? أول نظرية عالمية للذرة. لكن، حتى عام ????، كان الفيزيائيون يتصورون الذرة كما لو كانت كرة لها توزيع منتظم من الشحنات الموجبة وتمتلك في الداخل الإلكترونات السالبة. وفي نفس العام، بيَّن إرنست رذرفورد (????–????) — في محاولة لتفسير بعض النتائج التجريبية حول انحراف جسيمات — أن الذرة لا بد أن تكون مكونة من نواة موجبة وأن الإلكترونات موزعة في محيط الذرة.في عام ????، اقترح نيلز بور (????–????) — استنادًا إلى نتائج رذرفورد وإلى ما نعرفه عن الأشعة السينية — نظرية عالمية للذرة تدور فيها الإلكترونات حول النواة في مدارات محددة. وتم تحديد كمية الحركة والطاقة للإلكترونات. وفي عام ????، تبين أن الإلكترون يدور حول ذاته: وهو ما نسميه دوران الإلكترون. وفي عام ????، أثبت والتر فيلهلم بوث (????–????) وتلميذه هربرت بيكر (المولود عام ????) أن البورون والبريليوم إذا ما تعرضا لأشعة ينبعث منهما إشعاع شديد الاختراق. واكتشفت إيرين جوليو-كوري (????–????) — ابنة بيير وماري كوري — وزوجها فريدريك جوليو (????–????) أن هذا الإشعاع قادر على قذف البروتونات عالية الطاقة عند اختراقه للمواد التي بها الهيدروجين. ولقد فسر جيمس تشادويك (????–????) هذه الظواهر، مبينًا أن الإشعاع يملك جسيمات متعادلة تقارب كتلتها كتلة البروتونات، هي النيوترونات. وهي الفرضية التي وضعها رذرفورد في عام ????؛ أي إن الأمر استلزم خمسة وثلاثين عامًا من الجهد لإثبات حقائق بسيطة حول بنية الذرة. ومن ثم تخلينا عن تلك الصورة الكونية والحتمية للذرة، لنصل إلى ازدواجية الموجة-الجسيم التي طرحها لويس دي برولي (????–????) في نظريته عن الميكانيكا الموجية عام ????. وأصبحنا ندرك أن الذرة عبارة عن نواة يحيط بها سحابة من الإلكترونات، لكننا لم نكن نعرف أين يوجد كل إلكترون على حدة ولا ما هو مساره بالتحديد. وبناءً على علاقات عدم اليقين لفرنر هايزنبرج (????–????)، ليس من الممكن قياس كمين فيزيائيين متزامنين — الموضع وكم الحركة مثلًا — في الوقت ذاته وبدقة. فلم يكن لدينا سوى احتمالات. لم يكن هناك أي تمثيل مصور للذرة، كان هناك فقط كيان رياضي. وقد أسفرت ميكانيكا الكم — شيئًا فشيئًا — عن مسائل فلسفية كبرى: الحقيقة الموضوعية، هل لها وجود خارج الملاحظة؟ هل تعطي ميكانيكا الكم التمثيل الحقيقي للواقع أم مجرد تقريب؟ لا بد من وجود متغيرات خفية. وفي عام ????، قاد هذا الجدل بين بور وألبرت أينشتاين? (????–????) كلًّا من الروسي المهاجر إلى أمريكا منذ عام ???? بوريس بودولسكي (????–????) — الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء من معهد كاليفورنيا للعلوم بباسادينا عام ???? — وناثان روزن (????–????) إلى متناقضة EPR التي صاغها أينشتاين. وشككت هذه المتناقضة في الفيزياء الكمية. ونعرف العبارة الشهيرة لأينشتاين: «الله لا يلعب بالنرد.» فإذا انبعث جسيمان أثناء تفاعل ما، تكون خواصهما متقاربة. وبإجراء بعض القياسات على أحدهما يمكن الوصول إلى استنتاجات بخصوص الآخر. لكن ميكانيكا الكم تعلمنا أن الجزيئات لا تمتلك خواص حقيقية ما لم يكن هناك قياسات. وهكذا، فإن أي قياس على أيٍّ منهما يجب أن يؤثر على الثاني على الفور، حتى وإن كان بعيدًا. لم يقبل أينشتاين بهذا التأثير عن بعد. وكان واثقًا في أن كل جسيم يمتلك خواصه المميزة بغض النظر عن الآخر. وفي عام ????، قام جون ستيوارت بل (????–????) بحساب الترابط الملحوظ بين الجسيمين، وأدرك أنه يكون أكثر قوة وفقًا للميكانيكا الكمية، عما يمكن أن يكون عليه وفقًا لأي نظرية أخرى تقول باستقلال الجسيمات. وفي الفترة من ???? إلى ???? أجرى آلان أسبيه (المولود عام ????) وزملاؤه فيليب جرانجيه وجيرارد روجيه في أورساي عدة تجارب حسمت النتيجة نهائيًّا لصالح بور والنظرية الكمية. كيف يمكن تفسير ميكانيكا الكم؟ ما هي معانيها؟ ما هي حقيقة العالم من حولنا؟ كلها تساؤلات لم تُحسم بعد.(?-??) النيوترونات البطيئة

يُعرف إنريكو فيرمي? (????–????) بكونه صاحب أول مفاعل ذري، وأول من أنتج تفاعلًا متسلسلًا تحت السيطرة في الثاني من ديسمبر ????.وقد حصل فيرمي على جائزة نوبل عام ???? لاكتشافه لعناصر إشعاعية جديدة تنبعث مع انبعاث النيوترونات، وأيضًا لاكتشافه للتفاعلات النووية التي تحدثها النيوترونات البطيئة.في صباح أحد أيام شهر أكتوبر ???? — في روما — كان الفيزيائيان برونو بونتيكورفو (????–????) وإدواردو أمالدي (????–????) يدرسان الطاقة الإشعاعية الاصطناعية (النظائر المشعة) لبعض المعادن المكتشفة حديثًا قبل بضعة شهور على يد إيرين جوليو-كوري (????–????) وزوجها فريدريك جوليو (????–????). كانت المعادن قد اتخذت هيئة أسطوانات مفرغة وُضع بداخلها مصدر النيوترونات، ثم وُضع الكل في صندوق من الرصاص. كان بونتيكورفو هو أول من لاحظ — في هذا الصباح — أن الطاقة الإشعاعية للفضة اختلفت بحسب ما إذا كان الشكل الأسطواني موضوعًا في منتصف أو في جانب الصندوق الرصاصي.وأمام حيرتهما، مضيا للقاء فرانكو رازيتي (????–????) وفيرمي الذي اقترح عليهما مراقبة ماذا سيحدث إذا أجريا التجربة خارج الصندوق المصنوع من الرصاص. ثم حملت الأيام التالية مفاجآت أخرى. بدا وكأن الأشياء الأخرى الموضوعة على الطاولة إلى جانب الأسطوانة تؤثر على طاقتها الإشعاعية. وقاما بإخراج مصدر النيوترونات من الشكل الأسطواني ووضعا أشياء مختلفة بينه وبين المعادن. مثلًا شريحة من الرصاص كانت تزيد قليلًا من الطاقة الإشعاعية. وفي صباح الثاني والعشرين من أكتوبر — وأثناء انشغال زميليه باختبار ما — خطر لفيرمي أن يجرب — على العكس — مادة أكثر خفة كالبرافين. فأخذ قطعة كبيرة من البرافين، وحفر فيها ثقبًا وضع فيه مصدر النيوترونات، ثم سلط إشعاع الأسطوانة الفضية. وعندما قرب فيرمي مقياس جيجر لقياس الطاقة الإشعاعية، أظهر الجهاز أعلى قياساته على الإطلاق. غير معقول! ضاعف البرافين من الطاقة الإشعاعية لنظير الفضة المشع. اتصل فيرمي بزميليه ليريهما هذه الظاهرة غير العادية. لكنهما ظنَّا أنه خلل في الجهاز.انفصل الزملاء على مضض لتناول الغداء. وبعد الظهيرة، عاد فيرمي بنظرية تفسر الظاهرة. يمتلك البرافين الكثير من الهيدروجين الذي تتكون نواته من بروتونات لها نفس كتلة النيوترونات تقريبًا، مما يؤدي إلى حدوث تصادمات عديدة بين نيوترونات المصدر وبروتونات الهيدروجين. تضعف كل صدمة منها النيوترونات التي تفقد من طاقتها وتتباطأ، مما يعطيها فرصة أكبر لتستقر داخل ذرة الفضة بدلًا من اختراق نواة الفضة دون أي تفاعل في حالة النيوترون السريع. فَكُرة جولف بطيئة لها فرص أكبر في السقوط داخل الحفرة أكثر من الكرة السريعة التي قد تمر فوقها دون أن تسقط.(?-??) صانع الأمطار

كان إحداث أمطار بإرادة الإنسان حلمًا قديمًا له، ولم يتحول إلى حقيقة إلا في عام ????. أثبت عالم الأرصاد الجوية الاسكتلندي جون آيتكن (????–????) أن قطرات المطر تتكون حول ذرات دقيقة من الأتربة الموجودة في الجو؛ وعليه — وفي سبيل إحداث أمطار — تم نشر مئات الكيلوجرامات من الجزيئات الدقيقة للمواد المختلفة من طائرات، أو تم تصعيدها في الهواء عن طريق النيران من الأرض، لكن دون نجاح.أثناء الحرب العالمية الثانية، طلبت شركة جنرال إلكتريك من إرفينج لانجموير? (????–????) — الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام ???? عن أعماله في التكافؤ الكهربي واكتشاف الهيدروجين الذري — أن يعود إلى العمل (بعد تقاعده)؛ لدراسة ظاهرة تكون الثلوج على أجنحة الطائرات. توجه مع مساعده فنسنت جوزيف شايفر? (????–????) إلى جبال نيو هامبشاير المعروفة برياحها الباردة البطيئة وعواصفها الثلجية. وهناك، كانت المفاجأة الكبيرة؛ حيث لاحظا أنه على الرغم من أن درجة حرارة السحب عادة ما تكون تحت الصفر، فإنه لم تتكون بلورات ثلجية. كانا على دراية بالنظرية التي صاغها علماء فرنسيون ونرويجيون — خاصة أعمال تور هارولد بيرسيفال بيرجيرون (????–????) — والتي تنص على أن قطرات الماء تتكون حول حبيبات دقيقة، ثم تتحول إلى بلورات من الثلج لتسقط بعد ذلك على هيئة أمطار. ولذلك اشتدت بهما الدهشة من البرودة القارسة للسحب دون أن يتسبب عنها تكون ثلوج. كان شايفر شديد الاهتمام بالثلوج، حتى وجد طريقة يحافظ بها على شكل بلورات الثلج بهدف دراستها في معمله.وبعد أن انتهى عملهما أثناء الحرب، استكمل شايفر أبحاثه لاكتشاف جسيم ما يمكن لبلورات الثلج أن تتكون حوله في جو رطب وشديد البرودة. وقام بتجارب على عدة مواد، واثقًا من أنه سينجح يومًا ما. كان يحتفظ ببعض البودرة والسكر وبعض المواد الأخرى في ثلاجته. وهيأ الجو الرطب البارد لتجاربه. ففي سبيل محاكاة جو السحب، كان ينفخ داخل ثلاجته ثم يلقي حفنة من أي مادة داخلها. ولمدة شهور، ظل يجرب كل ما يمكن تخيله، ولم يحصل إلا على نتيجة واحدة: أن قاع ثلاجته أصبح مغطًى بكل المواد التي استخدمها.وفي صباح أحد أيام شهر يوليو، كان مستغرقًا في تجاربه المعتادة، حينما جاءه صديق يدعوه للذهاب إلى أحد المطاعم. وكالعادة، لم يقم بغلق ثلاجته، وهو ما لم يكن ضروريًّا بما أن الهواء البارد ينزل للقاع ولا يخرج. وعند عودته من الغداء، استعد شايفر لاستكمال عمله، وعندها لاحظ أن درجة حرارة الثلاجة ارتفعت إلى درجة أعلى من التي تبقي بلورات الثلج صلبة. كان الوقت صيفًا، لا بد إذن من الحذر في الأيام الأخرى. كان أمامه خياران: غلق ثلاجته والانتظار حتى تنخفض درجة الحرارة من تلقاء نفسها، أو التعجيل بالأمر عن طريق إضافة ثلج مكربن، وهو ما فعله. ومضى ليحضر قطع الثلج المكربن ووضعه والبخار يتصاعد منه داخل الثلاجة. وفي الضوء، لاحظ وجود قطع دقيقة عالقة في البخار. وعلى الفور، أدرك أنها بلورات ثلج؛ أي إنه نجح في صنع الثلج، ليس عن طريق إضافة جسيمات مواد وإنما عن طريق تبريد البخار الخارج مع أنفاسه مؤديًا إلى تبلوره. ومن ثم أخذ ينفخ داخل الثلاجة وهو يضع كميات كبيرة من الثلج المكربن، وبدأ الثلج يتكون ويسقط في القاع. كان عليه أن يعيد التجربة مرة أخرى لكن في السحاب الحقيقي. جهز طائرة بها معدات تساعده على إلقاء الثلج المكربن على السحب. وفي أحد أيام نوفمبر الباردة، حيث بدت السحب مبشرة بأمطار، طار شايفر بينما ظل لانجموير على الأرض للملاحظة. وبعدما وجد سحابة مناسبة، شغل شايفر ماكينة الثلج المكربن، لكن الجو كان شديد البرودة لدرجة أن المحرك تعطل قبل أن يستخدم نصف كمية الثلج المكربن. ونظرًا لعجزه عن إصلاحه، ومعاناته من برودة الجو، بدأ يلقي ما تبقى من الثلج المكربن من النافذة على السحاب. واستقبله لانجموير بصيحات النصر: لقد نجح في صنع الثلوج! عندما اكتشف شايفر أنه ليس في حاجة إلى جزيئات دقيقة من أجل بلورة الثلوج، قرر بالطبع وقف أبحاثه في هذا المجال. إلا أن باحثًا شابًّا آخر — أيضًا من شركة جنرال إلكتريك — برنارد فونجيت (????–????) بدا مهتمًّا بالأمر. كان قد ولد في عام ???? في أنديانابوليس، ودرس عملية تصنيع الثلج أثناء دراسته بكلية الهندسة. وكان أستاذه والتر فينديزن (????–????) قد اقترح استخدام مادة ما كجزيء مبلور. لكن فونجيت لم يستغرق وقتًا طويلًا لإدراك خطأ فكرة أستاذه؛ لأن الجزيئات كانت كبيرة جدًّا. ومضى يتصفح مؤلفات في الكيمياء لكي يجد فيها مركبًا ما يكون له الشكل المناسب ويكون صغيرًا بما يكفي. ووجد ضالته المنشودة في أيودين الفضة، وامتلأ ثقة. وبمجرد أن تم توظيفه بشركة جنرال إلكتريك، توصل إليه وتمكن من اختراع طريقة ما ليرسل بها هذه الجزئيات شديدة الدقة في الهواء. لكن لم يحدث شيء. واستمر في عناده، رفضًا منه الاعتراف بأن شايفر كان محقًّا. وأعاد حساباته مرات عديدة، وفي نهاية المطاف، طلب من أحد زملائه أن يفحص له أيودين الفضة. وبالفعل لم يكن نقيًّا. فحضره من جديد، وأعاد تجربته التي نجحت تلك المرة. وعلى الرغم من أن أيودين الفضة مكون باهظ الثمن، فإن فونجيت اكتشف طريقة عبقرية لتحويله إلى بخار، مما يؤدي إلى استخدام كميات أقل لتصبح طريقة استخدامه أكثر اقتصادًا من طريقة شايفر وهذه هي الطريقة التي لا تزال تستخدم إلى الآن.(?-??) التصوير التجسيمي (هولوجرافي)

ولد دنيس جابور? (????–????) في الخامس من يونيو ???? بمدينة بودابست. وفي عام ????، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء لاختراعه طريقة التصوير التجسيمي للأشياء بأشعة الليزر ومساهمته في تطويرها. في الأصل، كان جابور يرغب في تطوير المجهر الإلكتروني في سبيل رؤية الشبكات الذرية، بل حتى الذرات منفردة. لم يكن الأمر عبارة عن تحسين منظور الآلات وإنما كيفية استخراج قدر أكبر من المعلومات من الصورة التي يعطيها الجهاز. لكنه وجد شيئًا آخر غير ما كان يبحث عنه، وهي الظاهرة التي أسماها الأديب الإنجليزي هوراس والبول (????–????) السرنديبية في عام ????، استنادًا إلى قصة «أمراء سرنديب الثلاثة» التي أعاد إحياءها (وسرنديب هو الاسم القديم لجزيرة سيلان). وتعني هذه الكلمة — التي ليس لها مقابل في اللغة الفرنسية — فن الاستفادة من المصادفات العابرة والسعيدة من أجل بلوغ اكتشاف ما.بدأ جابور أبحاثه باستخدام ضوء مصباح يعمل ببخار الزئبق يمر عبر حاجز رقيق للغاية. وتقوم تقنية التصوير بالأشعة على خلق البعد الثالث استنادًا إلى صورة سلبية، لم يسجل عليها فقط شدة الضوء المنعكس، وإنما أيضًا الطول الموجي المناسب. وتحتوي الصور السلبية الهولوغرافية على المعلومة القادمة من الشيء المصور، وأيضًا تلك القادمة من مصدر الضوء. ولكي تتداخل الموجتان، لا بد من أن تكونا منخفضتي التردد وصادرتين من نفس المصدر. ويتحقق هذان الشرطان في الضوء المنبعث من الليزر. ويعد إيميت إن ليث وجوريس أوبتنيكس أول من استخدما الليزر عام ????، مما ساهم في تطوير هذه التقنية بصورة كبيرة. ونلاحظ — مرورًا — أن عملية التصوير بالليزر تعتمد على ظاهرة خطوط التداخل التي كان جابرييل ليبمان (????–????) قد استخدمها لتطوير طريقته في التصوير المباشر بالألوان في بداية عام ????.وقد روى جابور بنفسه قصة اكتشافه الذي يرجع إلى عام ????: كانت نقطة الانطلاق في اكتشافي هي رغبتي في تحسين المجهر الإلكتروني … كنت أفكر فيه وأدركت أنه كان يتوقف عند حدود انفصال الشبكات الذرية أو عند ظهور ذرة منعزلة. كما أنه كان من الصعب تصنيع عدسة ذرية جيدة، ففكرتُ لماذا لا أصنع عدسة سيئة ثم آخذ صورة سيئة وأعمل على تحسينها. واستلزم هذا الحصول على صورة تحتوي على معلومات كاملة. كانت الصور العادية خالية من أي أطوار. وكانت فكرتي هي إضافة طور نمطي. كانت فكرة واضحة لكونها قابلة للتنفيذ.جاءتني الفكرة البسيطة بإعادة تكوين الصورة الأصلية في يوم عيد الفصح منذ حوالي خمسة وعشرين عامًا … كنت جالسًا بالمدرجات في انتظار بدء مباراة تنس … بشكل عام، أعتقد أن أي فكرة جديدة بحق تتكون في العقل الباطن. فإذا واجهتكم مشكلة، فانسوها ثم فكروا فيها بعمق مرات ومرات من كل الزوايا، ثم انسوها مجددًا وانتظروا حتى يظهر الحل في العقل الباطن. عادة لا يظهر الحل، لكنه يبزغ في بعض الأحيان. ثم اتضحت لي فكرة أخرى إذا صح القول — أثناء نومي — بخصوص اختراعاتي الأخيرة حول التصوير بالليزر، الذي هو قادر على ترجمة وتحويل الرمز إلى آخر، الأمر الذي أدركته أثناء نومي.ويبدو أن فكرة الابتكار داخل العقل الباطن تعمل بنفس الطريقة في العلوم كما في مجالات أخرى للنشاط الإنساني. وهكذا كتب الروائي الإنجليزي ويليام سومرست موم (????–????) يقول: تأتيني القصص مباشرة. أنا على يقين بأن العقل الباطن هو الذي يقوم بالعمل الشاق، فأنت تبدع بصورة خلاقة اعتمادًا على عقلك الباطن، ثم تأتي مراحل إعادة الكتابة والمراجعات مع التنقيح والتوسعات حتى تقتنع بأنك قمت بأفضل ما في استطاعتك بعمل عقلك الواعي.وكان لبول فاليري (????–????) «نفس الاعتقاد … بأنه في أثناء المرحلة الأكثر حيوية في البحث العقلي، لا يكون هناك فرق بين المناورات الداخلية للفنان أو الشاعر وبين تلك التي للعالم.» وكأن الاستنارة لها نفس الطابع، ولا سيما أن فاليري كتب في مكان آخر يقول: «إن هناك ما يشبه وصول شعور ما إلى النفس، نوع من البريق، لكنه ليس بريقًا مضيئًا فقط وإنما بريق مبهر.» والحال نفسه مع يوهان فولفجانج فون جوته (????–????) وآرثر شوبنهاور (????–????). ويمكن إضافة المزيد من الأمثلة.(?-??) الانفجار العظيم

منذ أمد بعيد وعلماء الفيزياء الفلكية يعلمون أن الكون يتمدد (حتى الآن؟) وأن المجرات تتباعد الواحدة عن الأخرى؛ أي إنه كانت هناك لحظة ما — بين عشرة وثمانية عشر مليار سنة وفقًا للنظريات — كانت فيها كل مادة الكون متركزة في مكان واحد، ثم انفجر كل هذا كقنبلة نووية حرارية. هذه هي اللحظة التي يسميها الفيزيائيون الانفجار العظيم. على مدار السنوات الأخيرة، أصبحت هذه النظرية مقبولة عالميًّا، فهي تشرح في البداية لماذا يتمدد الكون، وأيضًا لماذا يحتوي على تلك الكمية الكبيرة من الهليوم، ???.في عام ????، قام عالمان في معامل شركة بل للهواتف، هما أرنو آلان بنزياس? (المولود عام ????) وروبرت وودرو ويلسون? (المولود عام ????)، بالعمل على الهوائيات المستخدمة للاتصال مع الأقمار الصناعية تليستار وإيكو. وجذب انتباههما موجات الراديو المنبعثة من الهالة الغازية التي تحيط بمجرتنا وحاولا إزالة ضوضاء الخلفية التي تعيق الاستقبال. لكن لم تكن لديهما أي معرفة خاصة بالفيزياء الفلكية. وظنَّا في البداية أن تلك الضوضاء مصدرها الهوائي بنزولهما وصعودهما عليه. وحاولا تنظيفه من مخلفات الحمام، ثم غلفا الوصلات بأوراق الألومنيوم. لكن ظلت الضوضاء مستمرة. ولم تكن تأتي من محيط الهوائي ولا سيما أنها كانت ثابتة ليلًا ونهارًا ولها نفس الخواص. وبما أن هذين الباحثين لم يكونا على دراية بنظرية الانفجار العظيم، لم يدُرْ بخَلَدِهما أن هذه الضوضاء سببها الإشعاع المنبعث من الظاهرة الذي فقد طاقته تدريجيًّا — أثناء رحلته عبر الزمن والفضاء — وحدث له انحراف كبير تجاه اللون الأحمر مما يجعله غير ملحوظ في الطيف الإشعاعي إلا في نطاق موجات الراديو.في ديسمبر ????، تمكن بنزياس من الحديث عن مشكلته مع أحد علماء الفلك، الذي كان قد سمع عن نظرية الانفجار العظيم أثناء أحد المؤتمرات. وهكذا علم بنزياس وويلسون أن الضوضاء التي يسمعانها ما هي إلا إشعاع موجي شديد القصر نتج عن الانفجار الأصلي؛ أي إنهما كانا يسمعان صوت الكون ويراقبان كرة النار الأولية التي ولدت الكون.وبفضل هذا الاكتشاف، حصلا على جائزة نوبل في الفيزياء عام ????.(?) الكيمياء

(?-?) تخليق البول

في بداية القرن التاسع عشر، كان العلماء يعتقدون أن المواد الكيميائية تنقسم إلى مجموعتين متمايزتين: المواد الخاملة، غير العضوية — التي إذا ما تم تسخينها ثم تبريدها تسترد حالتها الأصلية — والمواد الحية، العضوية كالكربون، التي تتغير بفعل الحرارة. كان هناك اعتقاد بأنه توجد قوًى حيوية وراء تفاعلات المواد العضوية، فيما عرف بنظرية الحيوية. ومن ثم نشأ نوعان متوازيان من الكيمياء المعدنية والعضوية. في الكيمياء المعدنية، يكون من المستحيل إعادة تنظيم ترتيب الجزيئات المختلفة المكونة للمادة، بينما في الكيمياء العضوية يكون هذا هو أساس الدراسات التي أُجريت جميعها. إلا أن أول حاجز هُدم في ???? على يد ميشيل يوجين شيفرول (????–????) عندما قام بعرض بعض القوانين المشتركة بين المعادن والمركبات العضوية.ولد فريدريش فوهلر? (????–????) في قرية ألمانية صغيرة تدعى إيشيرشيم. وكان مولعًا بجمع العينات المعدنية وأيضًا بدراسة الكيمياء، لكنه التحق بجامعة ماربورج لدراسة الطب. ثم تمكن في النهاية من التوفيق بين المجالين، وعكف على إجراء تجارب كيميائية على بعض سوائل الجسم البشري بمعمله الصغير الذي أسسه مؤقتًا داخل حجرته. في ذلك الوقت، لم تكن الكيمياء والطب مجالين مختلفين فقط، وإنما غير متوافقين. فكان لا بد من التخصص في أحد المجالين. ورفض فوهلر هذا الخيار، ومضى يبحث عن أستاذ يقدر مهارته المزدوجة. ووجده في شخص ليوبولد جميلين (????–????) بجامعة هيدلبرج والمعروف بمواهبه في الكيمياء وبكونه طبيبًا في ذات الوقت.واجتاز فوهلر مرحلة الدكتوراه — بتشجيع من جميلين — بجامعة هيدلبرج، واستأنف أبحاثه في الكيمياء. ونصحه جميلين أن يذهب إلى أوبسالا ليدرس الكيمياء على يد جونز جاكوب بيرزيليوس (????–????). ولم يصدق فوهلر عينيه أمام ما قام به بيرزيليوس من تحديده للكتلة الذرية لعدد كبير من العناصر وقيامه بوضع جدول لها، وهو الجدول الذي سيطوره مندليف في صورة جدول دوري بمواد أبسط. وكان عمل فوهلر الأول هو قيامه بتحليل مختلف المعادن. وبعد أن أنهى دراسته التكميلية، عاد فوهلر إلى برلين كأستاذ في الكيمياء. وفي عام ????، اكتشف أن هناك عنصرًا جديدًا — وهو الألومنيوم — تلاه اكتشاف البريليوم.وفي عام ???? حدث الاكتشاف الذي غير وجه الكيمياء العضوية. قبل أربع سنوات، كان فوهلر قد نجح في مزج حمض السيانيد مع الأمونيا (النشادر) مكونًا مركبًا جديدًا يتكون من ذرة كربون وذرة أكسجين وذرتي نيتروجين وأربع ذرات هيدروجين. ونشر نتائج تحليله الكيميائي في مجلة «أخبار الكيمياء».ولاحظ جوزيف جي لوساك (????–????) — الذي كان يدير المجلة في ذلك الوقت — أن هذا التحليل كان مطابقًا لتحليل مركب آخَر درسه جوستس فون ليبيج (????–????) من عام سبق. لكن كان ناتج ليبيج أزرق اللون، بينما ناتج فوهلر أبيض. واندلع جدال بين الكيميائيين. كان من المستحيل أن يحتوي ناتجان مختلفان على نفس المكونات. وجاء الحل على يد بيرزيليوس بإثباته أن الذرات اختلفت مواضعها في كلٍّ من المادتين.إلا أن فوهلر أعاد تجربته بحرص، فقام بتسخين حمض السيانيد والأمونيا معًا، ثم قام بتبخير السائل بالغليان، وما تبقى كان عبارة عن بلورات بيضاء رفيعة. تحير فوهلر بشدة عند رؤية هذه البلورات. كان قد أجرى العديد من التجارب وكان على علم بالعديد من المواد. وكان شكل البلورات مشابهًا تمامًا لبلورات البول، التي اكتشفها هيلار مارين رويل المعروف برويل الأصغر (????–????) في عام ????، وتمكن من فصلها وأسماها حينها «المستحضر الصابوني من البول». كان أمرًا غريبًا، فلم يكن من الممكن صنع البول داخل المعمل، فهو مركب عضوي! وأثناء دراساته الطبية، كان فوهلر عادة ما يفصل هذه البلورات في البول. كانت تنتج عن نظام حي أثناء التمثيل الغذائي. كان أنطوان لوران دي لافوازييه (????–????) قد أثبت أن الحياة عبارة عن عملية كيميائية من الاحتراق الذي يولد طاقة ويتخلص من بعض المواد. كان البول أحد تلك المواد؛ أي إنه مادة عضوية لا يستطيع الإنسان صنعها بصورة صناعية. إلا أن الحل ظهر: فقد استطاع فوهلر تركيب البول من حمض السيانيد والأمونيا. وليزيد من قناعته، أضاف فوهلر حمض النيتريك إلى البول الطبيعي وبلوراته، وكانت النتيجة كما هي. حقق فوهلر ما كان يُعتقد أنه مستحيل: إنتاج مادة عضوية من مادة غير عضوية. كان مدركًا تمامًا للتبعات الفلسفية، بل أيضًا الدينية لاكتشافه. وجاء الدليل على أن العمليات الكيميائية للحياة لا تتطلب أي قوة حيوية في عام ???? على يد إدوارد بوشنر (????–????)، الأمر الذي أهله لنيل جائزة نوبل في الكيمياء لعام ????.إلا أن قصة البول لا تنتهي هنا، فلقد قاد تخليقه ومعرفة دائرة العلماء تركيبه إلى افتراضات (اتضح خطؤها) حول تكونه داخل الجسم الحي في الكبد. وأثبتت تجارب حول تغذية الحيوانات أنه إذا ما أضفنا بعض سكر الغراء (جليكوكول) أو اللوسين إلى غذائها يزيد إدرار البول، مما قاد إلى الافتراض أن هذه الأحماض الأمينية تكون وسيطًا بين البروتينات والبول. وفيما بعد أظهرت تجارب مماثلة أن أملاح الأمونيوم تحدث نفس التأثير. وباستخدام الحقن لأكباد معزولة، تم إثبات أن أملاح الأمونيا واللوسين والتيروسين والحمض الأسابرتي تزيد من تكون البول، ومن ثم استخلص أن البول يتكون في الكبد من الأحماض الأمينية والأمونيا. لكن لم تسمح الصعوبات التجريبية المرتبطة بطرق الحقن بالوصول إلى الفصل بين الافتراضات المختلفة. كان هذا هو الوضع عندما بدأ هانز أدولف كريبس? (????–????) أعماله في عام ????.قام باختبار الأحماض الأمينية المختلفة على رقائق من الأنسجة، وهي طريقة تعلمها في معمل أوتو هاينريش فاربورج (????–????) الحاصل على جائزة نوبل في الطب والفسيولوجيا عام ????. كانت النتائج سلبية، وخلص منها إلى أن الجلوكوز يمنع تكوين الأمونيا من الأحماض الأمينية. وقبل بالفكرة المعترف بها، في حين أن الأمونيا كان ناتجًا وسيطًا أساسيًّا. وقضى أربعة أشهر محاولًا توصيف تكوين البول من الأمونيا.ثم جاء طالب طب جديد — كيرت هينزيليت (????–????) — لمعاونة كريبس الذي عزم على تحديد المصدر الأصلي للأزوت (النيتروجين) الذي في البول، والذي كان يعتقد أنه الأحماض الأمينية. وأعطت عدة مواد نتائج سلبية. وخلال الأسبوعين الأخيرين من نوفمبر ????، درس كريبس وهينزيليت أثر الجلوكوز والفركتوز واللبنات والسيترات، التي تلعب دور الوسيط في الأيض الغذائي لهيدرات الكربون. لم تكن لديهما أي افتراضية محددة، وإنما درسَا هذا الاتجاه لأنهما لاحظَا اختلافًا في إنتاج البول بين صفائح الكبد المأخوذة من الفئران الجيدة التغذية والفئران الجائعة. وفي الخامس عشر من نوفمبر، قام هينزيليت بتجربة حمض أميني جديد — اليورينين — ومزج بينه وبين كلورور الأمونيوم. وأنتج المزيج جرعة قوية من البول. حتى الرابع عشر من يناير ????، كان كريبس يتبع خطة تقليدية تقوم على تجربة مشتقات المزيج، دون أن تسفر أي محاولة عن نتائج مشابهة لليورينين؛ أي إن تأثير هذا الحمض الأميني كان مميزًا، ومن ثم يجب أخذه في الاعتبار في آلية إنتاج البول. لكن لم يكن لدى كريبس افتراضية يقوم بصياغتها.ابتداءً من الرابع عشر من يناير، حظي كريبس وهينزيليت بفرصة استخدام مادة جديدة في سبيل عمل مقارنات أكثر دقة بين الأمونيا المستخدمة والبول المنتج. ومنذ الثالث والعشرين من يناير، كان فعليًّا على يقين بأن الأمونيا هي مصدر الأزوت في البول. وكان يجب اكتشاف الدور الذي يلعبه اليورينين. وشيئًا فشيئًا توصل كريبس إلى أنه عامل محفز. وعلى الرغم من أن هذا الاستنتاج قد يبدو لنا اليوم بديهيًّا، فإنه يجب أن نتذكر أنه في عام ???? كانت دراسة التحفيز لا تزال حديثة العهد. أدرك كريبس أن الأرجينين يتحول إلى بول ويورينين. وخطرت له فكرة أن هذا التفاعل يجب أن ينظم في جدول. في غضون ذلك، استمر هينزيليت في دراسة آثار اليورينين. وتمكن في الثالث عشر من أبريل من إثبات أن جزيء اليورينين يمكن أن ينتج أكثر من أربعة وعشرين جزيئًا من البول؛ أي إن التفاعل كان محفزًا.وتدريجيًّا، بدأت حلقة تركيب البول تتكون في عقل كريبس. إلا أن تحويل اليورينين إلى أرجينين لم يكن ليتم في خطوة واحدة. كان لا بد من وجود وسيط. واكتملت النظرية عندما وجد كريبس مقالًا بتاريخ ????، وفيه تم إثبات أن السيترولين وسيط بين اليورينين والأرجينين. وفي منتصف مايو ????، استطاع كريبس أن يرسل مقالًا يصف فيه تلك الحلقة بالكامل: ينتج اليورينين والأمونيا مادة السيترولين، التي تنتج الأرجينين، الذي يعطي في النهاية بولًا ويورينين.نرى أن بعض مراحل ذلك الاكتشاف كانت منطقية، بينما تبدو أخرى غير مألوفة. وكانت أول فكرة غير مألوفة وخالية من أي أساس منطقي لكريبس وهينزيليت هي فكرة تجربة اليورينين. والفكرة الغريبة الثانية هي تطرقهم إلى التحفيز، وهي إمكانية لم تكن تُدرس بكثرة في ذلك الوقت. يجب إذن التحليق بالفكر بعيدًا وعدم التقيد بالأفكار التقليدية.(?-?) بنية البنزول

تم اكتشاف البنزول في قطران الفحم الحجري عام ???? على يد مايكل فاراداي (????–????)، الفيزيائي والكيميائي الإنجليزي المعروف بأعماله حول القوة الكهرومغناطيسية التي تولدها الموجات. في عام ????، تمكن الكيميائي الألماني إيلهارد ميتشيرليتش (????–????) من تركيب البنزين عن طريق تسخين حمض البنزويك فوق طبقة من الجير، وأسماه البنزين benzine وأعطاه الصيغة C3H3. وفي عام ????، تمكن أوجست فيلهلم فون هوفمان (????–????)، أحد تلاميذ جوستس فون ليبيج (????–????)، من استخلاص البنزين من قطران الفحم الحجري.يمتلك البنزول — وصيغته الكيميائية هي C6H6 — بنية سداسية. فالستة أصول CH المكونة له لا تصطف خطيًّا في الفضاء، وإنما على صورة ستة رءوس لشكل سداسي.ولقد تم اكتشاف تلك البنية في عام ???? على يد الكيميائي الألماني فريدريش أوجست كيكولي فون شترادونيتز? (????–????) الذي كان يعمل في ذلك الوقت أستاذًا بجامعة جاند قبل أن ينتقل إلى بون. قبل اكتشافه، لم يكن معروفًا سوى بنى الكيميائية الخطية. إلا أنها لم تكن تتيح تفسير خواص عدد كبير من المواد الكيميائية. كان لا بد من تخيل بنًى أخرى. ويروي كيكولي بنفسه قصة اكتشافه: أثناء إقامتي بلندن، مكثت فترة طويلة بشارع كلافام بالقرب من حديقة كلافام العامة. لكني كنت أقضي أمسياتي مع صديق لي يدعى هوجو مولر — المقيم بإيسلنجتون في الطرف الآخر من المدينة — وكنا نتحدث عن كل شيء، خاصة الكيمياء المفضلة لدينا. وفي مساء خريفي، عدت إلى منزلي في آخر حافلة — كنت راكبًا في الدور العلوي كالعادة — عبر الشوارع الخالية في تلك الساعة … واستغرقت في أحلام جميلة، وعندها رأيت ذرات تتراقص أمام عيني.حتى تلك اللحظة، كانت تلك الكائنات الدقيقة تظهر لي في حالة من الحركة الدائمة كل مرة، حركة لم أكن قد تمكنت بعد من تحديد ماهيتها. في هذه المرة، رأيت كيف تتحد ذرتان صغيرتان لتكونا زوجًا، وكيف تتمكن ذرة أكبر من جمع ثلاث بل أربع من هذه الذرات الصغيرة، وكيف يدور كل هذا في حلقة سريعة. ورأيت الذرات الأكبر حجمًا تكون سلسلة، تجذب الأصغر وراءها، ليلتحموا فقط بأطرافها … أيقظني صياح سائق الحافلة من أحلامي، لكني قضيت الجزء الأكبر من ليلتي في رسم بعض هذه الأشكال التي تراءت لي في حلمي. كان ذلك أساس نظرية البنية.ولقد حدث لي نفس الأمر مع نظرية البنزول. أثناء إقامتي بجاند ببلجيكا، كنت أعيش في شقة صغيرة فاخرة تطل على شارع رئيسي. وكان مكان عملي يطل على حارة مظلمة لا يدخلها ضوء النهار. لكن بالنسبة لكيميائي مثلي يقضي يومه كله في معمله، فهذا أمر لا يهم. كنت عاكفًا على كتابة بحث ما، لكن العمل لم يكن يتقدم جيدًا، كانت أفكاري شاردة في مكان آخر. أدرت مقعدي ناحية المدفأة وغفوت. ومن جديد عادت الذرات تتراقص أمام عيني. لكن هذه المرة ظلت الذرات الصغيرة في المؤخرة كنوع من التواضع. كان ذهني — الذي أصبح أكثر حدة من جراء تكرار هذه الرؤى — أصبح الآن قادرًا على التمييز بين البنى والتكوينات المتنوعة: رأيت صفوفًا طويلة من الذرات على شكل خيط من نسيج القطن الهندي تدور وتتلوى كالثعابين. لكن انظروا ماذا حدث. بدأ أحد هذه الثعابين يقضم ذيله ويدور أمامي كمن يسخر من نفسه. واستيقظت في لحظة خاطفة، وأيضًا قضيت باقي الليل في استخلاص نتائج تلك الفرضية.اكتشف كيكولي بنية البنزول. وبذلك يمكن اعتباره مؤسس الكيمياء العضوية البنيوية التي تعطي للذرات مواضع معينة في الجزيئات بموجب مبادئ الهندسة دون أن يؤخذ في الاعتبار طبيعة القوى بين الذرات. ولقد أثبتت مفاهيم كيكولي الطابع العملي لمفهوم تكافؤ العناصر. كما ساهم اكتشافه في تطوير الكيمياء العضوية الحلقية (الأروماتية). وأصبح من الممكن تصنيع هرمونات وفيتامينات وغيرها من الأدوية اعتمادًا على البنزول الذي يمتلك تأثيرًا إيجابيًّا على الصحة. كما تدخل مركبات حلقية (أروماتية) أخرى في المجال الحربي مثل ثالث نترات التولوين TNT والغازات المسيلة للدموع.لكن هل كان اكتشاف كيكولي بالفعل ثمرة أحد أحلامه؟ في الواقع، في عام ????، قام الفيزيائي والكيميائي النمساوي يوهان جوزيف لوشميدت (????–????) بنشر كتيب — على نفقته الخاصة — وصف فيه البنية السداسية لما يقرب من مائة مادة من الهيدروكربونات الحلقية (الأروماتية)، لكن كيكولي لم يُرِدْ قَطُّ الاعتراف بأثر سابقه على تفكيره. ووفقًا له، فإن رسومات لوشميدت تمثل فقط تفاعلات كيميائية ولا تمثل بنية الجزيئات.(?-?) الجدول الدوري

كلما تم اكتشاف عناصر كيميائية جديدة بات تصنيفها ضرورة ملحَّة. وهكذا، لاحظ الكيميائي الألماني يوهان فولفجانج دوبراينر (????–????) في عام ???? أن هناك بضعة عناصر يمكن أن يتم تجميعها ثلاثيًّا بحسب خواصها الكيميائية. ثم في عام ????، قام ألكسندر إميل بيجوييه دي شانكورتوا (????–????) — الأستاذ بمدرسة المناجم بباريس — بترتيب العناصر تصاعديًّا بحسب وزنها الذري بشكل حلزوني مرسوم على هيئة أسطوانة قُسمت إلى ستة عشر جزءًا متساويًا. ولاحظ أن العناصر الواقعة على نفس الخط الرأسي تمتلك خواص مشتركة. لكن لم يكن النجاح حليف اكتشافه الذي أسماه باللولب الأرضي tellurique. في عام ????، لاحظ الإنجليزي جون ألكسندر رينا نيولاندز (????–????) أن بعد كل سبعة عناصر نجد نفس الخواص الفيزيائية والكيميائية المتقاربة. واستهزأ المجتمع الملكي بما أسماه قانون المسافات، وسألوه هل يمكنه الحصول على نفس النتيجة بترتيب العناصر ترتيبا أبجديًّا؟نحن الآن في عام ????. كان قد مضى عامان على التحاق ديميتري إيفانوفيتش مندليف? (????–????) بالعمل كأستاذ للكيمياء بجامعة سان بطرسبرج. لكنه لم يكن راضيًا عن الطريقة التي تُدرس بها الكيمياء في ذلك الوقت، فلم يكن هناك أدنى ترتيب، أو أدنى تجانس، أو أدنى شيء مشترك بين العناصر يتيح تصنيفها بدلًا من عرضها — في أحسن الأحوال — على شكل مجموعات منعزلة من العناصر تمتلك بعض نقاط التشابه. أراد مندليف تيسير عمله كأستاذ بإيجاده لطريقة منطقية لتصنيف العناصر. كنا نعرف حينها أن العناصر (الذرات) تتَّحد لتشكل جزيئات أكثر تعقيدًا. وهكذا فعندما تتحد ذرتا هيدروجين بذرة أكسجين فإنها تكون جزيء الماء، وتمتلك كل ذرة عنصر وزنًا خاصًّا بها. هذا لا يعني أنه بقدرتنا أن نزن كل ذرة بمفردها، لكننا نعرف — بفضل العديد من التجارب — نسب العناصر التي تتحد معًا. فعلى سبيل المثال، عند حرق جرامين من الهيدروجين وستة عشر جرامًا من الأكسجين، نحصل على ثمانية عشر جرامًا من الماء، ومن ثم لم يكن من الممكن معرفة الوزن الحقيقي لكل ذرة، وإنما الوزن النسبي بالمقارنة بالذرة الأخف وهي الهيدروجين التي اتفق على إعطائها الوزن الذري ?، بينما الأكسجين ??، والنحاس ??، وهكذا. وهو ما يسمى بالوزن الذري (المعروف الآن بالكتلة الذرية)، وهو مفهومٌ طوَّره جون دالتون (????–????) في الفترة ما بين ???? و????، ولقد قام الكيميائي الإيطالي ستانيسلاو كانيزارو (????–????) في عام ???? بإعطاء أول تحديدات موثوق فيها للكتلة الذرية، وهو نفسه الذي توصل قبل عامين إلى تعريف مفهوم ثابت أفوجادرو.في الأول من مارس ????، ترك مندليف بطرسبرج لزيارة أحد مصانع الجبن. وأثناء رحلته — التي كان منشغلًا فيها بالتفكير في الفصل الذي يجب أن يلي فصل المعادن في الكتاب الذي يؤلفه — خطرت له بغتة فكرة ترتيب العناصر تصاعديًّا حسب كتلتها الذرية. وبطريقة لعبة الأوراق، استطاع تصنيف العناصر المعروفة في ذلك الوقت والبالغ عددها ثلاثة وستين. وقد أدرك أن نفس السلوك الكيميائي يتكرر بشكل دوري. وبعد تجنيب الهيدروجين، الذي أصبح يمثل مصنفًا بمفرده، بدأت القائمة بالليثيوم الذي يذوب أوكسيده في الماء مخلفًا مادة قلوية. وبعد سبعة عناصر، نجد أن الصوديوم يتمتع بنفس الخاصية، وبعده بسبعة عناصر البوتاسيوم أيضًا الذي يتميز بذات الخاصية، وهكذا.قام مندليف بتقسيم قائمته بعد كل سبعة عناصر، وكتبها في سطور متتالية. وأصبح كل عمود يضم عائلة من العناصر لها سلوك كيميائي متشابه. إلا أنه واجه بعض المصاعب مع العناصر الأكثر ثقلًا، وكان عليه أن يضع فواصل كل سبعة أو عشرة عناصر بالتبادل لكي يحتوي كل عمود على العناصر المتشابهة. وكان يجب أيضًا ترك بعض الفراغات في الجدول. فعلى سبيل المثال، نجد أن الكالسيوم يتبعه التيتانيوم الذي يصبح ضمن عائلة البورون والألومنيوم التي لا تشبهه. ومن ثم كان من الضروري ترك فراغ ووضع التيتانيوم أسفل الكربون والسيليسيوم اللذين لهما خواص مماثلة. وملأ مندليف الفراغ بعنصر افتراضي أسماه الإيكابور. وفي مواضع أخرى، كانت هناك فراغات ملأها مندليف بعناصر تخيلية. ومرت الأعوام، وتدريجيًّا امتلأت الفراغات، واكتشف أن هذه العناصر الخيالية موجودة في الواقع. فقد كنا في عام ????.في عام ????، كان يوليوس لوثر ماير (????–????) — أستاذ الكيمياء بجامعة كارلسروه — قد قدم لتلاميذه كتابًا عرض فيه لطريقة تصنيف العناصر تبعًا لتكافئها. ومن أجل الطبعة الثانية منه، أعد في عام ???? تصنيفًا دوريًّا آخر. وكما فعل مندليف، ترك ماير أماكن فارغة للعناصر الناقصة. ولسوء حظه، أدى تأخير الطباعة إلى نشر كتابه في عام ????؛ أي بعد عام من نشر منافسه لكتابه. وقد كان هذا النزاع حول الأولوية مصدرًا لعذاب مندليف لأعوام.لكن القصة لا تتوقف هنا. ففي عام ????، احتاج الكيميائي فريدريك سودي (????–????) — الذي عمل طويلًا مع البارون نلسون إرنست رذرفورد (????–????) — إلى مادة الميزوثوريوم، فاشترى مادة الثوريانيت وأضاف عليها باريوم، وحصل على الميزوثوريوم مع كبريتات باريوم مترسبة. حاول بالطبع فصلهما، لكن مع كل ترسيب ظلت نسبة كلٍّ منهما ثابتة. وقد صُدم سودي من مدى تقارب العنصرين وتشابه خواصهما لدرجة تعجزه عن فصلهما. فهو أمر مخالف لقوانين الكيمياء: كانا جسمين مختلفين لهما كتلتان ذريتان مختلفتان لكنهما متشابهان كيميائيًّا! مما أوحى له بأن العناصر العادية غير المشعة يمكن أن تشكل مجموعات تمتلك عناصرها كتلًا ذرية مختلفة لكن لها خواص كيميائية متشابهة تجمعها معًا. ومن ثم وضعها معًا في نفس الخانة من جدول مندليف الدوري. وهو ما نسميه الآن النظائر، وهي الكلمة المشتقة من كلمة يونانية بمعنى الأشياء التي توجد في مكان واحد. وتكريمًا لأعماله، حصل سودي على جائزة نوبل في الكيمياء لعام ????. وحظيت العناصر المشعة المعروفة في ذلك الوقت على مكانها داخل الجدول عام ???? بفضل أعمال كازيمير فايان (????–????)، الكيميائي البولندي الأصل الذي كان يعمل أيضًا بجامعة كارلسروه.لكن القصة لم تنته بعد.في عام ????، اقترح إرنست رذرفورد نموذجًا كونيًّا للذرة تدور بموجبه مجموعة الإلكترونات حول النواة المركزية. ثم في عام ????، أصدر نيلز هنريك دافيد بور (????–????) افتراضية تقول إن هذه الإلكترونات تدور في مدرات مختلفة لكنها محددة جيدًا. ويحتوي كل مدار على عدد ثابت من الإلكترونات، وبصورة متدرجة. والعناصر التي تحتوي على نفس عدد الإلكترونات في الطبقة الخارجية يكون لها نفس الخواص الكيميائية. كما أنه لا يوجد انبعاث للطاقة إذا انتقل إلكترون من مدار مستقر إلى آخر أقل طاقة. لكن لم يكن أحد يعلم عدد الإلكترونات الموجودة التي تدور حول نواة ذرة الكربون أو الألومنيوم. وكانت الافتراضية الأقرب هي افتراضية جوزيف جون طومسون (????–????) التي يقول فيها إن عدد الإلكترونات يكون مساويًا لنصف الكتلة الذرية للعنصر.في ذلك الوقت، كان أنطونيوس يوهانز فان دن بويك (????–????) مقيمًا بهولندا. وكان يدرس القانون، بينما كان أكثر ما يجذب اهتمامه هو التصنيف الدوري للعناصر. وظل يبحث عن قاعدة بسيطة قادرة على تفسير كل شيء. كان رذرفورد قد اقترح يومًا ما — بدافع من المنطق — أن الجزيء يجب أن يكون له نفس علاقة الوزن، الكتلة التي لنصف ذرة الهليوم. ووجد فان دن بويك في تلك الفكرة ضالته المنشودة؛ لأنه بوحدة وزن وبكتلة ذرية تساوي اثنين، قدم هذا الجزيء لطومسون قاعدة حول عدد إلكترونات الذرة. لم يكن هناك أي سبب علمي لطرح هذه القاعدة، ولم يكن هناك ما يرشده — تمامًا مثل مندليف — سوى حرصه على التبسيط والجمال. لكن بدت الفكرة مثيرة لرذرفورد، الذي قام بترقيم جميع عناصر الجدول الدوري بالترتيب، واعتبر أن هذا الرقم (الرقم الذري ) يساوي ببساطة عدد الإلكترونات التي تدور حول النواة (ومن ثمَّ مساوٍ لعدد بروتونات النواة). وكان بالفعل محقًّا. ولقد ثبتت صحة هذه الافتراضية في العام ذاته ???? على يد هنري جوين جيفريز موزلي (????–????) — الذي كان أحد طلبة رذرفورد — عند قيامه بمقارنة طيف الأشعة السينية للعناصر المختلفة. أصر موزلي — على الرغم من ضغوط زملائه — على التطوع في الجيش في بداية الحرب العالمية، ولقي مصرعه في العاشر من أغسطس ???? في معركة جاليبولي.بقيت مشكلة معرفة ما إذا كانت العناصر غير المشعة يمكن أن يكون لها — هي الأخرى — نظائر (أي عناصر لها نفس الرقم الذري، لكن لا تمتلك نواتها نفس عدد النيوترونات، ومن ثم تختلف كتلتها الذرية).تصدى فرانسيس ويليام أستون (????–????) — مساعد جوزيف جون طومسون بمعمل كافنديش بجامعة كامبريدج — في عام ???? لهذه المسألة، إلا أن أعماله توقفت بسبب الحرب. وبفضل جهاز المنظار الطيفي للكتلة — والذي طوره في عام ???? — تمكن من اكتشاف نظائر لما لا يقل عن مئتين واثني عشر عنصرًا، مفسرًا من ثم لماذا قد لا تكون الكتل الذرية (المساوية لمجموع أرقام البروتونات والنيوترونات الموجودة في النواة) رقمًا صحيحًا: يجب أن يؤخذ في الاعتبار التناسب بين كل نظير في العينات التي يتم تحليلها. إلا أن هذا الأمر لم يصبح مفهومًا إلا بعد اكتشاف النيوترون عام ???? على يد جيمس تشادويك (????–????). بما أن النيوترون محايد، فإن العدد الذري للنظيرين يكون واحدًا، ويحتلان إذن نفس المكان في الجدول الدوري لمندليف، وتكون خواصهما الفيزيائية والكيميائية واحدة. ولقد حصل أستون على جائزة نوبل في الكيمياء عام ????. ولمزيد من الدقة، يجب لفت الانتباه إلى أن الكتل الذرية للعناصر — حتى النقية — ليست بالضبط رقمًا صحيحًا بسبب التعادل بين الكتلة والطاقة التي تجمع جزيئات النواة.وبالطبع، يمتلك جدول مندليف دلالة أعمق بكثير من تلك التي تلوح من الوهلة الأولى. فالخواص الفيزيائية والكيميائية للمواد تتحدد وفقًا لعدد إلكتروناتها. هذه الإلكترونات تنقسم على مستويات مختلفة، لا يقدر كل مستوًى إلا على حمل عدد معين من الإلكترونات. وتكون إلكترونات المستوى الخارجي هي المسئولة عن الخواص الكيميائية للذرة. ويكون للذرات الواقعة في عمود واحد من الجدول الدوري نفس عدد الإلكترونات في مستواها الخارجي. وفي نهاية كل خط من الجدول، نجد الغازات النادرة التي تمتلئ مستوياتها الخارجية بالكامل، ومن ثم فلا تمتلك سوى علاقات تشابه قليلة جدًّا.وهكذا، اتضحت الرابطة بين النظرية الكمية للذرة (أي خواصها الفيزيائية) وخواصها الكيميائية المتشابهة التي أبرزها الجدول الدوري.(?-?) قوانين الميكانيكا الكيميائية

كان هنري لو شاتولييه? (????–????) كيميائيًّا وعالم تعدين فرنسيًّا. وقد روى في كتابه «في منهج العلوم التجريبية» (دونون، باريس، ????)، عدة اكتشافات، ولا سيما اكتشاف قوانين الميكانيكا الكيميائية: في هذه الحالة، كان قد تم استنتاج قوانين كيميائية جديدة — دون إجراء تجارب حديثة — استنادًا إلى قوانين معروفة من قبل: قانون الديناميكا الحرارية — ثمرة أعمال سادي كارنو حول القوة المحركة للنار — وقانون التوازن الكيميائي، ثمرة تطور تجارب سانت-كلير دوفيل حول التفكك.وبفضل العلاقة الطيبة التي جمعت بين والدي وسانت-كلير دوفيل، كنت دائمًا متابعًا للاكتشافات الخاصة بالتفكك. كما تابعت باهتمام المؤلفات التي تتناول هذا الفرع الجديد من الكيمياء. وعلى إثر أعمال دوبراي حول التوترات الثابتة للتفكك في كربونات الكالسيوم، نشر عالمان فرنسيان هما بيسلين وموتييه على التوازي — دون أن يقرأ أحدهما للآخر — ملاحظات في دفاتر الأكاديمية لإثبات أنه — تحت تأثير التوترات الثابتة — يمكن تطبيق قانون كلابيرون-كارنو الخاص بتوتر بخار الماء على توتر تفكك كربونات الكالسيوم.صدمتني على الفور هذه الفكرة، دون أن أدري لماذا. وتركت لدي نفس الأثر الذي نستشعره حينما يكون علينا حساب عمر قبطان سفينة بمعرفة تاريخ ميلاده وارتفاع أكبر سارية. فالتوتر الثابت بدا لي شديد البعد عن الموضوع.فإما أن تكون ظواهر التوازن تتبع جميعها قوانين الديناميكا الحرارية أو لا تتبع شيئًا.وعكفت على دراسة هذه المشكلة، وظللت أدرسها مدة عام دون نتيجة. لم أكن بالطبع خبيرًا بطرق الديناميكا الحرارية، ولا معتادًا على الحساب الرياضي. وفجأة أضاءت ذهني فكرة أثناء مطالعتي لكتيب سادي كارنو حول القوة المحركة للنار، التي لم أكن أعرفها بعد؛ لأنه عادة لا يُذكر أي شيء عن مثل هذه الطرق في التفكير أثناء التعليم التقليدي. كان كارنو قد اكتفى بتطبيق مبدأ استحالة الحركة الدائمة على الجهد المبذول لنقل الحرارة. فبما أن التفاعلات الكيميائية تتطلب عملًا بل ويمكن إجراءها بالعكس، فمن الممكن تطبيق مثل هذه الأفكار عليها بالمثل. ونجحت في صياغة قوانين انتقال التوازن وفي مد نطاق قانون كلابيرون-كارنو إلى جميع الأنظمة وحيدة التغير، سواء التي تشهد توترًا ثابتًا أم لا.وبعد أن أتممت هذه الدراسة، كان عليَّ الاعتراف بأن عالمًا أمريكيًّا يدعى جي دبليو جيبز كان قد توصل — في وقت سابق لأبحاثي — إلى استنتاج نفس قوانين الديناميكا الحرارية التقليدية. لكنه اكتفى بوضع صيغها الجبرية، دون صياغتها باللغة الدارجة، فلم يدرك أحد أهمية عمله. ويرجع الفضل إلى أبحاثي وأبحاث فانتهوف في تعريف الكيمائيين بالقوانين الأساسية للميكانيكا الكيميائية، دون أن يكون لنا الحق في ادعاء أسبقية اكتشاف هذه القوانين.وحري بنا أن نقر أنه — في مجال العلوم الفيزيائية والكيميائية — يعد اكتشاف قوانين جديدة فقط عن طريق التركيب الجبري للقوانين السابقة أمرًا نادرًا.فأي فكرة — حتى وإن كانت في مجال آخر — قد تقود بالمثل إلى اكتشاف.(?-?) فيتامين ج

ولد ألبرت زينت جورجي? (????–????) بمدينة بودابست. وحصل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب في عام ???? لاكتشافاته في مجال الأكسدة في علم الأحياء، ولا سيما لأبحاثه حول فيتامين ج.لاحظ الجميع أنه إذا سقطت تفاحة، يتحول لونها مكان السقطة إلى اللون البني. هذا اللون هو دليل الأكسدة الناتجة عن رد فعل دفاعي للخلايا. وبدأ زينت جورجي بدراسة الفواكه التي لا يحدث لديها هذا النوع من الأكسدة مثل الليمون والبرتقال. وأدرك أنه — في بعض حالات التفاعل — قد يحدث تأخير لمدة ثانية أو نصف الثانية. وأرجع هذا التأخير إلى وجود مادة معينة، عكف على البحث عنها. وأخيرًا، تمكن من بلورتها، ثم كان عليه أيضًا تحديد تركيبها الكيميائي وتكوينها. لكنها كانت مهمة شاقة؛ لأنه لم يكن يمتلك من تلك المادة سوى كمية ضئيلة. وبعد إقامته لمدة عام في الولايات المتحدة الأمريكية، عاد ومعه خمسة عشر جرامًا من المادة الشهيرة، وهي كمية كبيرة كان فخورًا بها. لكنها نفذت بسرعة، قبل أن يتمكن من اكتشاف تركيبها الكيميائي. وظل زينت جورجي يبحث في العديد من النباتات، دون فائدة. فلم يجد في أيٍّ منها كمية كافية من المادة المنشودة.في ذلك الوقت، انتقل للعيش في زيجيد، المنطقة الرئيسية لزراعة الفلفل الحلو الذي يقدره المجريُّون. وذات مساء، قدمت له زوجته طبقًا من الفلفل الحلو على العشاء، دون أن تعلم أنه يعاني من صعوبة في هضمه. لكن لم تُوَاتِه الشجاعة ليقول لها ذلك. وأدرك على الفور أنه لم يُجرِ أي تجارب على الفلفل الحلو ليعرف إن كان يحتوي على المادة المنشودة أم لا. عندها — بدافع من الجبن الزوجي كما اعترف هو ذاته — قال لزوجته إنه لن يأكل الفلفل الحلو لكنه سيأخذه معه إلى معمله ليحلله. وبعد أسبوع، أصبح بين يديه كيلوجرام ونصف من المادة التي لم يكن يستطيع من قبل الحصول على ملِّيجرام واحد منها في المرة. كان قد اكتشف فيتامين ج.وقد توفي ألبرت زينت جورجي في وودزهول بماساتشوستس في الرابع والعشرين من أكتوبر ????.(?) العلوم الطبيعية

(?-?) نظرية التطور

ها هي مصادفة أخرى، طُرحت نظرية تطور الأنواع بصورة مستقلة ومتزامنة على يد تشارلز داروين? (????–????) وألفريد راسل والاس? (????–????). ويبدو أن التاريخ لم يحتفظ إلا باسم داروين. لكن الأمر الطريف أن يكون الباعثَ على اكتشاف العالمين شيء واحد: نظرية توماس روبرت مالتوس (????–????) حول زيادة السكان. ففي كتابه «بحث حول عدد السكان» الذي نُشر عام ????، ذكر مالتوس — بخصوص التزايد السكاني في عالم الأحياء — عدة أسباب تحدُّ، وفقًا لما يرى، من انتشار النباتات والحيوانات: نقص المساحة والغذاء، وأيضًا كون الحيوانات فرائس بعضها لبعض. ولم تكن هذه الملاحظات سوى تأكيد لحدس داروين، الذي يروي بنفسه: سرعان ما أدركت أن الانتخاب يمثل حجر الزاوية في تمكين الإنسان من إنتاج الأنواع المفيدة من الحيوانات والنباتات. لكن ظلت كيفية تطبيق مبدأ الانتخاب على الكائنات الحية في الطبيعة لغزًا بالنسبة لي لمدة طويلة. في أكتوبر ????؛ أي بعد خمسة عشر شهرًا من بدء أبحاثي المنظمة، حدث أنني كنت أقرأ بدافع التسلية كتابًا بعنوان «مالتوس والسكان»، ونظرًا لكوني مهيأً — بفضل ملاحظتي الطويلة لعادات الحيوانات والنباتات — لفهم الصراعِ الدائمِ الحدوثِ من أجل البقاء، فقد صدمتني حقيقة أنه في تلك الظروف تميل التغيرات الجيدة إلى الاستمرار، بينما تضمحل التغيرات السيئة. وينتج عن ذلك ظهور سلالات جديدة. وأخيرًا وجدت نظرية لأعمل عليها …كما يقول باستير: «الحظ لا يفضل سوى الأذهان المستعدة!»أما والاس، فلقد درس كتاب مالتوس أثناء عمله كمعلم بليسيستر من ???? وحتى عام ????. وبعد مضي عدة أعوام، بالتحديد في ????، كان في جزيرة مولوك لجمع الفراشات والخنافس، وهناك يروي: كنت أعاني من حمى شديدة ومتقطعة، وكل يوم كان عليَّ أن أستلقي عدة ساعات بسبب حالات السخونة والبرودة الحادة. في ذلك الوقت، لم يكن لدي ما أفعله سوى التفكير في أكثر ما يثير اهتمامي. وفي يومٍ ما تذكرت كتاب «مبدأ السكان» لمالتوس، الذي كنت قرأته قبل عشرين عامًا. وظللت أفكر في وصفه لمعطلات النمو: المرض، والحوادث، والحروب، والمجاعة، وغيرها؛ التي كانت تبقي عدد سكان الأجناس المتوحشة في مستوًى متوسط أقل بكثير من معدل الشعوب المتحضرة. وعلى الفور خطرت لي فكرة أن هذه العوامل أو مثيلاتها تعمل أيضًا دون توقف في عالم الحيوان … فلماذا يموت بعضها، بينما يعيش البعض الآخر؟ كانت الإجابة واضحة: في المجمل، يمتلك الأكثر جدارة القدرة على البقاء. فينجو الأوفر صحة من المرض، والأقوى أو الأسرع أو الأوسع حيلة ينجو من الأعداء، ويتغلب على المجاعة الأكثر قدرة على الصيد أو من يمتلك قدرة أكبر على الهضم، وهكذا دواليك. وبدا لي فجأة أن هذه العملية التي تنظم الأنواع من شأنها بالضرورة تحسين السلالة. ففي كل جيل، تضمحل العناصر الأَقل، ولا يبقى سوى العناصر الأرقى؛ أي لا ينجح في البقاء سوى الأصلح … وظللت أنتظر على أحر من الجمر انتهاء الحمى لأدون بسرعة هذه الملاحظات لأكتب مقالًا في هذا الأمر.نلاحظ أن هذه الفكرة خطرت لوالاس أثناء فترة راحة إجبارية، كان من الممكن أن يدع عقله يشرد فيها.كان والاس مشغولًا منذ ثلاثة أعوام بفكرة بقاء الأصلح. وظل يدون أفكاره ويرسلها إلى داروين، راجيًا إياه توصيلها إلى الجيولوجي الإنجليزي الشهير سير تشارلز لايل (????–????). ولقد أجبر هذا الأمر داروين على الإسراع بنشر أعماله، فلقد فاجأه طلب والاس. لكن بفضل العديد من العلماء الذين يعرفون سبق أعماله، استطاع أن يقتنص الاعتراف بأسبقيته في الاكتشاف في الأول من يوليو ????، على إثر قضية تعد علامة في تاريخ العلوم. وظهر كتاب داروين «أصل الأنواع» في الرابع والعشرين من أكتوبر ????، وبيعت منه في ذات الليلة جميع النسخ البالغ عددها ???? نسخة. وعلى الفور أقر والاس باستحقاق داروين: … روعة هذا الكتاب، والتجميع الواسع النطاق للأدلة، وقدرته على إظهار الحجج، وأسلوبه البديع، وطريقة التفكير الواضحة فيه. أنا سعيد بأنه لم يقع على عاتقي مسئولية تقديم هذه النظرية للعالم. فلقد خلق السيد داروين علمًا جديدًا وفلسفة جديدة، ولا أعتقد أنه سبق لأحد أن رأى شبيهًا لهذا الفرع الجديد من المعرفة الإنسانية الذي ندين فيه إلى أعمال وأبحاث شخص واحد.(?-?) علم الوراثة

على النقيض، ليس شرطًا أن نطرح الأسئلة الصحيحة لنصل بها إلى اكتشافات.هذا هو ما حدث أثناء عمل يوهان جريجور مندل (????–????). ولد مندل في النمسا لأسرة متواضعة تملك مزرعة صغيرة، وبدا نابغًا في دراسته. ولقد لفت نظر راعي كنيسة قريته، فقرر إرساله إلى معهد الفلسفة بأولوموك استعدادًا لإلحاقه بالجامعة. لكن نتيجة الفقر والإحباط، اكتفى بقبول عرض أحد أساتذته بالالتحاق بدير برنو. وفي سبتمبر ????، تم قبوله ببيت الرهبان، وتغير اسمه ليصبح جريجور. ثم عين قسيسًا في عام ????، وبدأ يعلم في مدارس ومعاهد المناطق القريبة، مخصصًا وقت فراغه لدراسة العلوم الطبيعية. لكن في عام ????، صدر مرسوم يلزم القائمين على التدريس بالحصول على درجة أكاديمية. فمضى مندل إلى فيينا ليجتاز الاختبارات، لكنه كان على حد وصف ممتحنيه: لا يدري شيئًا عن المصطلحات العلمية … ويسمي الحيوانات باللهجة الألمانية العامية، متجنبًا المصطلحات النظامية. وعلى الرغم من دراسته بحمية واهتمام، فإنه يفتقر إلى المعرفة، وحتى القليل الذي يعرفه، لا يعرفه بوضوح كافٍ.لم ينل الإحباط من مندل. وابتداءً من عام ????، عاد إلى فيينا ليلتحق بمحاضرات الفيزياء التي يلقيها يوهان كريستيان دوبلر (????–????). ودرس أيضًا علم النبات والفسيولوجيا النباتية وعلم الحشرات وعلم الحفريات. واستطاع — تحت إشراف دوبلر — أن يتعلم الدقة التجريبية التي ستساعده كثيرًا فيما بعد. ثم حظيت باهتمامه نظريات فرانز أونجر (????–????) — أستاذ فسيولوجيا النبات — التي تدعو إلى الدراسة التجريبية لطريقة ظهور الصفات على النبات على امتداد أجيال متعاقبة سعيًا إلى حل مشكلة تهجين النباتات.وبعد عودته إلى برنو، وضع مندل خطة لمجموعة من التجارب تهدف إلى تفسير قوانين أصل وتكوين النباتات المهجنة. لم يستطع العلماء الذين سبقوه استخلاص أي قانون؛ نظرًا لعملهم على مجموعة نباتات تمتلك عددًا كبيرًا من الصفات المختلفة. أما مندل، فقد اختار أن يعمل على البقول التي تؤكل، والتي تمتلك سبع صفات يمكن لكلٍّ منها أن تظهر على نحوين مختلفين يمكن التمييز بينهما بسهولة: شكل البذرة، ولونها، ولون الغلاف، وشكل الفص، ولونه، ووضع الزهور، وطول الساق. ثم عقد تقابلًا بين نوعين: البذور الناعمة، والبذور المجعدة. واكتشف أن النباتات المهجنة في الجيل الأول يكون لها بذور ناعمة. وفي عام ????، كتب في بحثه بعنوان «تجارب على تهجين النبات»: في المناقشة التالية، نُطلق اسم الصفات السائدة على الصفات التي تنتقل كاملة أو تقريبًا بدون تغير إلى المهجن، وتمثل هي ذاتها من ثم صفات هجينة، وصفات متنحية على الصفات التي تظل كامنة في التكوين. ولقد اختير لقب متنحية لأن هذه الصفات تنمحي أو تختفي تمامًا لدى الهجين لتظهر دون أي تعديل في سلالته، على النحو المبين لاحقًا.ولقد أثبتت الأبحاث أيضًا أنه ليس من المهم معرفة هل الصفة السائدة تعود إلى النبات الأنثى أم الذكر، فالشكل المهجن يظل كما هو في الحالتين.ومن ثم فإن النعومة تعد صفة «سائدة»، أما التجعيد فهو «متنحٍّ». وتحصل المهجنات على عامل من كلٍّ من والديها. هذا هو قانون مندل الأول، الذي يناقض الحدس الرئيسي لداروين حول الانتقال الوراثي للمميزات المكتسبة، وينفي بالقطع مفهوم الوراثة بالاختلاط الذي صاغه فرانسيس جالتون (????–????)، ابن عم داروين. ولقد اتضح أن مندل محق بعد اكتشاف الجينات السائدة والمتنحية.في الموسم التالي، زرع مندل بذورًا مهجنة ناعمة، وحصل على جيل آخَر يمتلك بذورًا ناعمة وأخرى مجعدة بنسبة ثلاثة إلى واحد. واستخلص مندل من ظهور صفة التجعد في الجيل الثاني أنه كان كامنًا. ولقد أتاحت له هذه التجربة الإعلان عن قانونه الثاني الذي ينص على أن الصفات تنتقل دائمًا للأجيال التالية بنفس النسبة. واستنتج أنه حتى وإن ظلت الصفة خفية، فإنها تظل موجودة داخل النبات. واليوم، يرتبط هذا الاكتشاف بدراسة خطر انتقال الأمراض الوراثية من الآباء إلى الأطفال. ويمكن تفسير هذه النسبة الثابتة، ثلاثة إلى واحد، إذا افترضنا أن البذرة المخصبة قد ورثت من كلٍّ من والديها «عنصرًا محددًا» للصفة صافيًا وقابلًا للنقل. ويكون تركيب الاثنين هو العامل الذي يحدد شكل النبات. لكن لم يكن لدى مندل أي فكرة عن طبيعة هذه العوامل الافتراضية. لكنه كان يدرك بالفعل أنه توصل إلى أمر جديد جذريًّا. لم تكن الوراثة تقترب من الجوانب الإلهية أو الروحانية، لكن نتائجها لم تكن لتتماشى بسهولة مع معارف ذلك العصر. ولذلك وليجنب نفسه الانتقادات، درس مندل حوالي ثمانية وعشرين ألف نبات.ثم انتقل إلى دراسة الانتقال المتوازي لعدة صفات. ووفقًا لقانونه الثالث، يمكننا التنبؤ بنتائج النباتات ذات الصفات المختلفة، لكن كلما اختلفت النباتات، كلما أصبحت النتائج أكثر تعقيدًا.تعد قوانين مندل خطوة مهمة للأمام، إلا أنها لا تقدم تفسيرًا لكل شيء. فمندل مثلًا لم يتوقع الردة الوراثية؛ أي ظهور صفة ما بعد اختفائها في أجيال متعددة.لم يعلن مندل أفكاره إلا في عام ????؛ أي بعد ستة عشر عامًا من التجارب. وظل بحثه — المنشور في مجلة محلية مغمورة — في طي النسيان لأكثر من ثلاثين عامًا. ولم يؤكد العلماء صحة نظرياته إلا بعد ستة عشر عامًا من وفاته.واليوم يعتبر جريجور مندل المؤسس الأول لعلم الوراثة.في عام ????، أضاف الهولندي هوجو دي فريس (????–????) أمرًا أساسيًّا إلى قوانين مندل: أنه قد تظهر صفات جديدة لا يمتلكها أيٌّ من الوالدين. ولقد مكنت هذه «الطفرات» من فهم أفكار داروين حول تطور الأنواع. وندرك في عجالة — بفضل الميكروسكوب — أن هناك مكونات داخل نواة الخلية تسمى الكروموسومات وهي التي تقوم بدور العوامل المحددة التي تحدث عنها مندل، ومن ثم فهي التي تحملها. وهكذا ظهرت نظرية الكروموسومات للنور في عام ????.شهد منتصف القرن العشرين تطورًا سريعًا، فأصبحنا ندرك أن الجين (الاسم الذي أطلق في عام ???? على العوامل الوراثية) يقابله بروتين معين. وبعد ثلاثة أعوام، أثبت إرفين شارجاف (????–????) أنه عبارة عن أجزاء من الحمض النووي المكون لجزيء الكروموسومات.في عام ????، تمكنت روزاليند إلسي فرانلكين (????–????) — عالمة التبلور بالمعهد الملكي بكامبريدج — من الحصول على أول صورة لانكسار الأشعة السينية في الحمض النووي. كانت الصورة مهتزة نوعًا ما، لكن كان من الممكن ملاحظة شكل حلزوني منتظم. وصاغت العالمة الشابة — في تقرير لم ينشر — فرضيتها حول بنية الحمض النووي. لكن نظرًا لأسباب ودوافع شخصية بينها وبين زملائها الذكور — خاصة رئيسها موريس ويلكنز (????–????) — تم تهميش روزاليند فرانلكين وإقصاؤها من فريق البحث. وفي عام ????، أعلن جيمس واطسون (المولود عام ????) وفرانسيس كريك (????–????) وموريس ويلكنز؛ اكتشاف البنية الحلزونية الثنائية للحمض النووي. وفي عام ????، حصلوا على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب، من دون روزاليند التي كانت قد توفيت مبكرًا قبل أربعة أعوام جراء إصابتها بالسرطان، ربما بسبب الأشعة السينية التي كانت تستخدمها في عملها مدة سنوات.استلزم الأمر عشر سنوات أخرى لفهم العلاقة بين وحدات الحمض النووي والبروتينات المقابلة. في عام ????، أثبت فرانسوا جاكوب? (المولود عام ????) وجاك مونو? (????–????) دور الحمض الريبي النووي (رنا) في تكوين البروتينات. وفي عام ????، اكتشف كلٌّ من هار جوبيند خورانا (المولود عام ????) ومارشال وارن نيرنبرج (المولود عام ????) الشفرة الوراثية.وبعد عشرة أعوام، شهدنا تطوير أول تقنية لتحديد الترتيب التسلسلي لمكونات الحمض النووي على يد كلٍّ من فريدريك سانجر (المولود عام ????) ووالتر جيلبير (المولود عام ????). ولقد نالا جائزة نوبل في الكيمياء عام ????، وهي الثانية بالنسبة لسانجر. ثم تلى ذلك تحديد الترتيب التسلسلي لمكونات بكتيريا «المستديمة النزلية» في عام ????، ولذبابة الخل عام ????. في عام ????، قامت الشركة الأمريكية سيليرا جينوميك بعرض خريطة للجينوم البشري. وفي الأول من يناير ????، أعلن الاتحاد الدولي لتحديد الترتيب التسلسلي لمكونات الجينوم البشري — الذي يضم ألمانيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة — أنه تم فك شفرة الحمض النووي بالكامل.(?-?) التشخيص المناعي (المَصْلي)

يروي عالم الأحياء الفرنسي شارل نيكول? (????–????) القصة التالية: كان فرناند فيدال — أثناء مروره بالقسطنطينية — يتحدث مع أخيه موريس حول مسألة التحام الميكروبات، كما كانت معروفة في ذلك الوقت استنادًا إلى ملاحظات هربرت درهام وماكس جروبر. أثبت هذان العالمان أن دم الحيوانات المصاب ببعض أنواع الميكروبات يكتسب خاصية التجمع في مجموعات تلتحم بميكروبات من نوع واحد. ونحن مدينون لأعمالهم بالقدرة على التعرف على ميكروب من آخر مجاور ومشابه له بطريقة محددة ومناسبة. ويكون المصل المحدد هو الكاشف عن الميكروب.وفجأة يقلب فيدال الأمر في ذهنه، فبدا له أنه بما أننا نستطيع التعرف على الميكروب بفضل المصل المحدد، فإنه يمكن — عن طريق زرع الميكروب — اكتشاف وجود الخواص المحددة داخل مصل المريض. ومن ثم فإن ميكروب حمى التيفوئيد سيلتحم بمجرد إضافة نقطة من مصل دموي مأخوذ من شخص مصاب بهذا المرض. ولن يكون لأي مصل آخر نفس رد الفعل.عاد فيدال بسره هذا إلى باريس، ومضى يجري التجارب اللازمة التي أكدت فرضيته. ومن هنا تأسست طريقة التشخيص المناعي (المصلي) للأمراض التي أصبحت شائعة الاستعمال ومفيدة على المستوى اليومي.ولد جورج فرناند إيزودور فيدال في التاسع من مارس ???? بديليس بالجزائر، وكان والده جراحًا بالجيش. درس فيدال الطب في باريس، وأصبح طبيبًا عام ????، وحصل على الإجازة في عام ????، ثم أصبح أستاذًا للباثولوجي في عام ????. كان معلمًا لامعًا شديد الاعتناء بإعداد محاضراته. كان متواضعًا شديد التقدير لقدرات زملائه. كان اكتشافه الرئيسي هو التشخيص المناعي للتيفوئيد، لكنه أثبت أيضًا أن احتباس الأملاح هو سبب التهاب الكلى والوذمات القلبية (الأوديما)، وأوصى في تلك الحالات بنظام غذائي خالٍ من الصوديوم. ولقد توفي في الرابع عشر من يناير ???? بباريس.(?-?) التكاثر العذري

التكاثر العذري هو التناسل عن طريق بويضة غير مخصبة وهي ظاهرة تلاحظ في النحل وتنتج حشرة تشبه النحل وتظهر بين ذكور النحل أو عند بعض النباتات.وقد قام يوجين باتايون بوصف اكتشاف هذا النوع من التكاثر: في صباح يوم أحد بشهر مارس عام ????، وقفت مسلوب اللب أمام عدسة المجهر متأملًا لوحة مبهرة: حضانة بيض متعدد المني للكلاميت (نوع من الضفادع) مكسوة بالحيوانات المنوية للسمندل، وكان البيض مغطًى بهذه العناصر الذكورية الغريبة ذات الرءوس الكبيرة التي ظهرت على الألواح وكأنها رءوس إبر جراح. وفجأة وردت إلى ذهني فكرة أن أي صدمة طفيفة، كوخزة رفيعة من زجاج أو معدن، قد يكون لها نفس الأثر الذي للحرارة أو لفرط التوتر العضلي. لكن بالطبع لم يكن لدي سوى عامل جديد من التكاثر العذري الفاشل. وعلى الفور، أعددت سلسلة من أنابيب الاختبار الزجاجية وقمت بتوزيع بيض أنثى بالغة على الأنابيب. ووجدت أن البيض الموضوع جافًّا أصبح مغطًى بالماء. إنها تجربة كلاسيكية الآن لكن حينئذٍ جاوزت نتائجها كل الآمال … يا ترى ما هو العامل الرباني المسبب لهذه النتيجة غير العادية التي طالما سعى إليها الناس دون جدوى؟قضى باتايون وقتًا طويلًا للوصول إلى الحل. وفي عام ???? عهد إلى جان روستاند بمخطوطته «بحث حول التناسل» لينشرها له بعد وفاته. وهو ما فعله روستاند راويًا هذا الاكتشاف بكافة تفاصيله.ولد جان يوجين باتايون في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر عام ???? في أنوار في مقاطعة جورا بفرنسا. وعمل معيدًا في المدرسة الثانوية ببلفور عام ???? وليون عام ???? على التوالي، ثم عمل مساعدًا في كلية العلوم بليون عام ????، ومحاضرًا في كلية العلوم بديجون عام ????، وأستاذًا من عام ???? وحتى عام ????. وفي نفس الوقت الذي عمل فيه أستاذًا بكلية الطب بديجون من عام ???? وحتى عام ???? شغل منصب العميد. ثم عمل أستاذًا بكلية العلوم بستراسبورج، بين عامي ???? و????، وعميدًا لجامعة كليرمونت فيران من ???? وحتى ????، وأيضًا أستاذًا في علم الحيوان وعلم التشريح المقارن بكلية العلوم بمونبلييه من عام ???? وحتى ????، ومديرًا لمحطة سيت. ثم قرر التقاعد مبكرًا في عام ????، وتوفي في الأول من نوفمبر عام ???? في كاستلنو لو ليه بالقرب من مونبلييه.كان باتايون يقول: «عبرت الحياة ضيفًا.»(?-?) الانجراف القاري

لنُعطِ مثالًا لتعددية التخصصات التي أربكت العديد من العلماء على مدى فترة طويلة.لم يكن لدى القدماء تصور واضح للقارات، ولم يسبق لأيٍّ منهم أن قام بجولة في أيٍّ منها. لكنهم كانوا يعتقدون أن المناطق المختلفة التي يعرفونها والتي تفصلها البحار كانت موجودة منذ قديم الزمان، ولم تتحرك قط بالطبع. ومنذ أرسطو (???ق.م–???ق.م) كان الاعتقاد السائد أن الأرض قد اكتسبت الصفات التي نعرفها خلال كوارث كبرى وقعت في وقت قصير وأنها غير قابلة للتغيير. طبقًا للكتاب المقدس، خُلقت الأرض في ستة أيام. وظل هذا المفهوم الذي يطلق عليه نظرية الكارثية catastrophism بالإضافة إلى نظرية الخلق سائدين لأكثر من عشرين قرنًا.في القرن السادس عشر بدأ عمل المستكشفين، وكان في البداية اكتشاف أمريكا في عام ???? عن طريق كريستوفر كولومبوس (حوالي ????–????). ثم فتح الملاح البرتغالي فاسكو دي جاما (حوالي ????–????) الطريق إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح في عام ????. وأخيرًا، اكتشف ملاح برتغالي آخر يدعى فرنانو دي ماجلاس، المعروف في فرنسا باسم فرديناند ماجلان (????–????)، المضيق الذي يحمل اسمه وكان هو أول من يدور حول الأرض. فالأرض إذن كروية! قتل ماجلان في السابع والعشرين من أبريل عام ???? في جزيرة ماكتان في أرخبيل الفلبين.منذ أواخر القرن السادس عشر، شارك الجغرافيون بشكل أكبر ورسموا خرائط دقيقة بما فيه الكفاية للمحيط الأطلسي. وفي عام ????، لاحظ الجغرافي أبراهام أورتيليوس (????–????) نوعًا من «التوازي» بين بعض سواحل أفريقيا وأمريكا. وافترض أن هناك انفصالًا ما قد حدث وأن الأميركتين ابتعدتا عن أوروبا وأفريقيا. وشاركه الرأي كلٌّ من جورج لويس لوكلير، كونت مقاطعة بوفون (????–????) وأيضًا فرانسيس بيكون (????–????).في عام ????، قام فرانسوا بلاسيه، وهو رجل دين من طائفة البريمونتيه وواعظ بلوزان في مقاطعة جورناي بلاسين ماريتيم، في بحث بعنوان «فساد العالم الكبير والصغير»، الذي أثبت فيه أنه قبل الطوفان كانت القارة الأمريكية غير مفصولة عن باقي أجزاء العالم؛ بوضع فرضية تقول إنه لم يكن يوجد سوى كتلة قارية واحدة، ثم انهار مركزها، مما خلف المحيط الأطلسي وقارتين منفصلتين. كانت هذه الفرضية كافية لإحياء أسطورة جزيرة أطلنتس، وهي القارة التي تحطمت، وفقًا لأفلاطون (???ق.م–???ق.م)، في المحيط الأطلسي قبالة جبل طارق.في عام ????، ظهر كتاب الجيولوجي تشارلز لايل (????–????) «مبادئ الجيولوجيا»، وفيه انتقد النظرية الكارثية، مؤكدًا أن الأرض تخضع لتغيرات مستمرة من القوى الطبيعية.وفي عام ????، كتب العالم الطبيعي الاسكتلندي توماس ديك (????–????)، في كتابه «مشهد سماوي أو عجائب النظام الكوكبي: تصوير لكمال الإله وتعدد العوالم»، أن فكرة وجود قارة واحدة تسببت كارثة بالغة القوة في تفتيتها أمر غير وارد.وفي عام ????، تحدث الفرنسي أنطونيو سنايدر بيليجريني في كتابه «الخلق وكشف الأسرار» عن الانفصال والانجراف القاري. لكنه طرح تفسيرًا آخر وهو وجود كتلة واحدة تكونت من الحمم البركانية المنصهرة، ثم جاء الطوفان (المرجعية للتوراة!) ليبردها فجأة، ثم انقسمت ومنها ولدت القارات.في عام ????، ظهر على الساحة عالم الطبيعة تشارلز داروين (????–????) الذي قوض، في كتابه «أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي»، نظرية الكارثية التي كانت تُعتبر حتى ذلك الحين المسئولة عن اختفاء بعض الأنواع، كالديناصورات.وفي عام ????، تطرق جورج هوارد داروين (????–????)، الابن الثاني لتشارلز داروين إلى قضية حركة القارات. لكنه كان من مؤيدي النظرية الكارثية! فقال إن القمر انتُزع من الأرض في فترة مبكرة جدًّا، مما نتج عنه تشكُّل المحيط الهادي. وقد أدى الفراغ الذي تركه إلى انزلاق القشرة الأرضية وتكوُّن القارات.وكان الجيولوجي النمساوي إدوارد سوس (حوالي ????–????)، أستاذ علم الحفريات بفيينا، ومؤلف كتاب «وجه الأرض»، قد اقترح، في أواخر القرن التاسع عشر، وجود جندوانا وهي قارة عظيمة المساحة تتضمن كافة قارات نصف الكرة الجنوبي: أمريكا الجنوبية وأفريقيا والجزيرة العربية، والهند وأستراليا والقارة القطبية الجنوبية. واعتقد أن العالم نشأ على حدٍّ سواء بسبب كارثة وأيضًا نتيجة للتطور البطيء، وعزا اختلالات القشرة إلى انكماش في العالم عن طريق التبريد، مما يسبب طيات غير متماثلة وكسورًا قطرية.يعد الجيولوجي الأميركي فرانك بي تايلور (????–????) أول من وضع في عام ???? فرضية تقول إن المحيط الأطلسي تكون نتيجة انفصال كتلتين قاريتين انجرفتا بعد ذلك. ولقد أقام هذه الفكرة بالطبع استنادًا إلى تشابه الأشكال وأيضًا إلى وجود سلاسل الجبال على الحواف القارية مقابل ساحل المحيط الأطلسي، مثل جبال روكي في أمريكا الشمالية والأنديز بأمريكا الجنوبية. تَشكَّلت هذه السلاسل الجبلية بواسطة تأثير مشابه للذي يمكن أن يحدثه دفع قطعة قماش موضوع على طاولة في مقابل حائط. لكن فرضية تايلور بدت معقدة للغاية ولم تقنع أحدًا.في خريف عام ????، أثناء بحثه في مكتبة جامعة ماربورج، وجد ألفريد فيجنر? (????–????) مقالًا به قوائم للحفريات من النباتات والحيوانات متطابقة من كلا جانبي المحيط الأطلسي. وعكف على البحث عن حالات تشابه أخرى بين الكائنات الحية على جانبي المحيطات الكبرى. وفي عام ????، بينما كان يقضي فترة نقاهة في المستشفى العسكري بعد إصابته في الحرب، أعلن فيجنر، دون أن يعلم على ما يبدو بالفرضية التي وضعها تايلور، عن نظريته في الانجراف القاري. وكتب قائلًا: «إن الاعتقاد في صحة هذه الفكرة قد تأصل في ذهني.» وكان — مثله مثل الكثيرين قبله بالطبع — شديد الاهتمام بالتشابه الملحوظ بين شكل سواحل أمريكا الجنوبية وأفريقيا. لكن — خلافًا للآخرين — فقد جمع العديد من الأدلة الحفرية والمناخية والطبقية والمغناطيسية والجيولوجية، لدعم فرضيته. فعلى سبيل المثال، تمتلك سلاسل جبال الأبلاش بشمال شرق الولايات المتحدة عدة قواسم مشتركة مع المرتفعات الاسكتلندية. وبالمثل، فإن مختلف طبقات الصخور في هضبة كاروو في جنوب أفريقيا جاءت مماثلة لتلك التي في ولاية سانتا كاترينا في البرازيل. ووجدت حفريات في أوروبا وأمريكا الشمالية متطابقة تمامًا، وكذلك تلك التي في الهند ومدغشقر. وأظهرت حفريات نباتية وجود مناخ مختلف تمامًا عن المناخ الحالي. على سبيل المثال، تم العثور على حفريات من النباتات الاستوائية في سبيتزبرج. ويمكن تفسير العصور الجليدية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا والهند وأستراليا بصورة أفضل إذا ما كانوا ملتحمين معًا في قارة واحدة. كما وجد فيجنر أن الحركة الظاهرية للقطبين عبر العصور يمكن تفسيرها بسهولة أكبر إذا كانت القارات قد جنحت وكان من المفترض أن يظل القطبان ثابتين. أيدت كل هذه الحقائق نظريته. لم يكن أول من اقترح مثل هذه النظرية، لكنه كان أول من يقدم أدلة مقنعة من المجالات المختلفة.في عام ????، نشر فيجنر كتابه عن «أصل القارات والمحيطات». ثم ظهرت طبعات لاحقة من كتابه في أعوام ???? و???? و????. وفيه ذهب إلى أبعد من فرضية سوس متحدثًا عن قارة عملاقة أسماها بانجيا Pangée (من الكلمة اليونانية Pan = كل شيء وgê = الأرض)، نشأت عنها جميع القارات الأخرى، واعتمد في هذه الفرضية على علم الحفريات وعلم المناخ، الذي يعد هو أحد مؤسسيه مع خوان كيديل (????–????) وآخرين. وأرجع تشكل سلاسل الجبال إلى حقيقة تحرك القارة فتتَشكَّل على جانبيها طيات تشبه النسيج الذي يتم الضغط عليه باتجاه حائط. وهكذا نشأت جبال سييرا نيفادا على ساحل المحيط الهادي وجبال الأنديز. ونشأت جبال الهيمالايا نتيجة اصطدام اللوح الهندي بالآسيوي.كانت ردود الفعل على أفكار فيجنر معادية تمامًا حتى بلغ بعضها حد التجريح، ويرجع ذلك إلى حد بعيد إلى عدم تقديم فيجنر أي تفسير لآلية الانجراف القاري. فكان هو نفسه يعتقد أن القارات تتحرك على طريقة كاسحات الثلج على قطعة من الجليد، وأن قوى الطرد المركزي والمد والجزر هي المسئولة عن الانجراف. لكن هذه القوى، كما أظهر خصومه، كانت أضعف من أن تتسبب في مثل هذه الآثار. ولقد حسب شخص ما أنه لو حدث مد أو جزر بهذه القوة لكان من شأنه التسبب في وقف دوران الأرض مدة سنة على الأقل. وكانت بعض بيانات فيجنر غير صحيحة وقادته إلى توقعات خاطئة. وهكذا، أعلن فرضيته القائلة بأن أوروبا وأمريكا الشمالية ابتعدتا بمعدل ???سم سنويًّا، وهو معدل يرتفع مائة مرة عن الطبيعي. لكن بعض العلماء أيدوا نظرية فيجنر، مثل الجيولوجي الجنوب أفريقي ألكسندر دوتوا (????–????) والسويسري إميل أرجان (????–????). ووجدت النظرية العديد من المدافعين بعد وفاة فيجنر، وإن ظل أغلبية الجيولوجيين راسخي الاعتقاد بثبات القارات وبأنها متصلة بقارات أخرى اختفت.ربما كان أعظم إسهام لفيجنر في العلم هو قدرته على الجمع بين حقائق لا علاقة لبعضها ببعض، ومعزولة ظاهريًّا، وجمعها في نظرية كانت بالفعل سابقة لعصرها. فكان أول من أدرك أن فهم تاريخ هذه الأرض يجب أن يستدعي نهجًا متعدد التخصصات. وهناك أيضًا علماء من تخصصات أخرى سيشاركون في تاريخنا الذي لم ينته بعد.ومنذ عصر فيجنر، اكتشف علماء المحيطات أخطاء كبيرة وعكف علماء البراكين على دراسة البراكين، وحدد علماء الزلازل أماكن الصفائح القارية، ودرس علماء الجيولوجيا تشكيل سلاسل الجبال، وقاس الفيزيائيون مغناطيسية الأرض في محاولة لفهم آلية انتقال الحرارة التي تحرك الأرض والصفائح. وهناك مسألة أخرى مهمة هي شكل الأرض، فهي ليست كروية بالضبط وإنما أقرب إلى شكل القطع الناقص (بيضاوي). لكنها ليست بالضبط ذات شكل بيضاوي. فشكل الأرض يتغير بفعل دورانها نتيجة لخضوعها لقوة الطرد المركزي. ومن الضروري معرفة شكل الأرض الدقيق لحساب القوى التي تحافظ على تماسكها بفضل ثقلها. على مدار القرون، قام علماء الرياضيات مثل إسحاق نيوتن (????–????) وكولن ماكلورين (????–????) وريتشارد ديدكيند (????–????) وبرنارد ريمان? (????–????) والفيزيائي سيبرامهانيان شاندرا سيخار (????–????) (الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام ????، بعد مرور خمسين عامًا على طرحه لنظرية وجود الثقوب السوداء، وبالطبع هذا التكريم المتأخر أفضل من عدم التكريم على الإطلاق)؛ بدراسة هذه المسألة، لكن دون أن يجدوا لها حلًّا تمامًا. وقام علماء رياضيات آخرون بحسابات على الحاسوب لعمل محاكاة رقمية لحركة الصفائح القارية. وقامت أقمار صناعية بقياس الانجراف القاري بصورة مستمرة وبدقة متناهية. ومع ذلك، لا يزال البحث جاريًا عن أدلة أخرى لنظرية فيجنر. إذن ما هي أهم الخطوات التي اتخذت منذ عصر فيجنر؟تنقسم القشرة الأرضية إلى صفائح تتحرك فوق الوشاح. وتحت الوشاح توجد النواة التي تتألف من حمم الصخور المنصهرة. تعد حواف الصفائح موقعًا لنشاط جيولوجي مكثف. فهذا هو المكان الذي تحدث فيه البراكين والزلازل وتتكون الجبال.في عام ????، ركز آرثر هولمز (????–????)، أستاذ الجيولوجيا بجامعة إدنبرة، على واحدة من نظريات فيجنر، وهي أن الوشاح يخضع لظاهرة الحمل الحراري. فعندما يتم تسخين مادة، تقل كثافتها وترتفع إلى السطح حتى تبرد ثم تغوص مرة أخرى. واقترح هولمز أن هذه العملية المتكررة من التدفئة والتبريد تولد تيار الحمل الحراري القادر على تحطيم قارة وبعثرة القطع بعضها عن بعض، فهو يعمل بطريقة المياه التي تتدفق من منبع. وهكذا تكونت قشرة أرضية جديدة في المكان الذي تتدفق منه الحمم. لكن لم يكن لدى هولمز أي بيانات تدعم نظريته التي لاقت اعتراضات الجيوفيزيائيين، وعلى رأسهم السير هارولد جيفري (????–????)، وهو عالم بريطاني شديد التأثير آنذاك، الذي زعم أنه لا لزوم لإعادة النظر في أفكار فيجنر؛ لأنه ثبت أنها كاذبة. وعلاوة على ذلك، فإذا كانت قشرة جديدة قد تَشكَّلت في مكان ما، فكان لا بد من أنها انهارت في مكان آخر. وبعدها مضى جيفري يقاتل ضد نظرية الذاكرة المغناطيسية للصخور، حتى كتب أن المطرقة التي استخدمت لجمع العينات كانت هي المسئولة عن المغنطة!أثناء الحرب العالمية الثانية، وبفضل السونار، شهدت عملية التنقيب في أعماق البحار تطورًا كبيرًا لأسباب استراتيجية. وجلبت المعرفة المكتسبة الكثير من الأسئلة حول الفوالق المحيطية، والقمم تحت المائية، وتلال منتصف المحيطات والسهول السحيقة.في عام ????، تناول صموئيل وارن كاري (????–????)، نظرية هولمز وقام بتعديلها. بالنسبة له، لم يكن من الضروري القضاء على القشرة المحيطية في مكان آخر. وكانت نظريته تستند إلى أن الأرض تزداد حجمًا، ومن ثم فإنها تتمدد. لكن هذه الفكرة فشلت في تفسير عدد من الظواهر المهمة.كان هاري هاموند هيس (????–????) أستاذًا للجيولوجيا في جامعة برنستون. وخلال الحرب العالمية الثانية، قام بقيادة سفينة في جنوب المحيط الهادي. وبالإضافة إلى مهماته العسكرية، وضع خريطة لأعماق البحار، مما قاده إلى طرح الأسئلة حول الجبال البحرية وتكونها. في عام ????، اقترح نظرية تمدد قاع البحر. وفقًا له، توجد حركة تكوُّن لقشرة جديدة في المحيطات في الفوالق المحيطية عندما ترتفع الصهارة ويتم تبريدها بواسطة الماء. لكن واجهته أيضًا شكوك الجيوفيزيائيين. كان جون توزو ويلسون (????–????) بجامعة تورنتو واحدًا من القلائل الذين اعتنقوا نظريته. ولاحظ ويلسون أن عمر الجزر المحيطية يزيد مع المسافة التي تفصلها عن سلسلة التلال. هذا هو الدليل على أنها تَشكَّلت على حافة التلال، ثم ابتعدت عنها بعد ذلك. وكان له دور فعال في قبول نظريات هيس.في ذات الوقت وبشكل مستقل عن هيس، اقترح روبرت سينكلير ديتز (????–????) نموذجًا مختلفًا إلى حد ما عن تمدد قاع المحيطات. وأكد أن الحمل الحراري هو السبب في تكون الغلاف الصخري، وليس القشرة الأرضية. للتذكرة، شارك ديتز بين عامي ????-???? في بعثة إلى القطب الجنوبي بقيادة الأميرال ريتشارد إيفلين بيرد (????–????)، واشترك أيضًا في بناء غواصة جاك بيكار (ولد في ????).وهكذا ولد علم تكتونيات الصفائح، وهو مجموعة من نظريات هولمز حول الانجراف القاري وتمدد قاع المحيط. وكان بمنزلة ثورة في رؤية الجيولوجيين للأرض.كان لتحرك القطب المغناطيسي للأرض وللانعكاس القطبي تأثير جذري على صياغة تكتونيات الصفائح. وسيتم تفسيرهما بواسطة حركة القارات، الأمر الذي كان من شأنه تعزيز نظرية هيس حول تمدد قاع المحيطات.كان الصينيون أول من اكتشفوا المغناطيسية الأرضية والبوصلة حوالي عام ????. لكن كان ويليام جلبرت (????–????)، الفيزيائي والطبيب الخاص بملكة إنجلترا إليزابيث الأولى (????–????) هو من لاحظ أنه، إذا كانت إبرة البوصلة تشير دائمًا إلى الشمال، فذلك يرجع إلى وجود ما يشبه المغناطيس داخل الأرض. ومن ثم أصبح من الممكن حساب اتجاه المجال المغناطيسي في أي نقطة من الكرة الأرضية. لم يظهر مقياس المغناطيسية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ولقد أظهر بعض الشذوذ: في بعض الأماكن، كان المجال الذي تم قياسه أكبر من المجال النظري، في حين أن العكس كان هو الصحيح في مواضع أخرى.في عام ????، اكتشف الفيزيائي النابولي الأصل ماسيدونيو ميلوني (????–????) أن كل صخرة بركانية لديها مجالها المغناطيسي الخاص بها. ووضع افتراضية تقول إن هذه المغنطة جاءت نتيجة تبريد الحمم البركانية التي شكلت الحقل المغناطيسي للأرض في ذلك الوقت. هذه هي الذاكرة المغناطيسية للحمم البركانية. كانت الأسس النظرية لهذه الذاكرة هي اختصاص عمل الفرنسي برنار بيرنهز (حوالي ????–????) في عام ???? والسويسري بول لويس ميركانتون (????–????) بين عامي ???? و????. واكتشف بيرنهز أيضًا أن بعض الحمم تظهر انعكاسات مغناطيسية. وفي الوقت نفسه، سجل الياباني موتونوري ماتوياما (????–????) وجود تدفق للحمم المختلفة، وخلص إلى وجود حركات انقلابية متعددة على مر العصور. لكن ظلت النتائج التي توصل إليها ضحية اللامبالاة والنسيان مدة نصف قرن.وتجدد الاهتمام بفضل الفيزيائي الأمريكي جون إيه جراهام الذي طرح في عام ???? فكرة أن انعكاسات الأقطاب المغناطيسية ليست نتيجة لانعكاس الحقل المغناطيسي الأرضي كما اقترح ماتوياما، وإنما نتيجة لظاهرة معروفة جيدًا في فيزياء الجوامد؛ هي الانعكاس الذاتي، الذي يحدث أثناء تبلور بعض المعادن. على الرغم من خطأ هذا الاقتراح، فإنه كان له الفضل في إعادة تسليط الأضواء على دراسة المغناطيسية القديمة.لكن لتحقيق مزيد من التقدم، كان من الضروري تحقيق تقدم تكنولوجي حقيقي. في عام ????، قام البارون الإنجليزي باتريك ماينارد ستيوارت بلاكيت (????–????)، الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام ????، أثناء قيامه بأبحاث حول العلاقة بين المغناطيسية الأرضية ودوران الأرض، باختراع جهاز القياس المغناطيسي المتغير القادر على قياس مجالات مغناطيسية ضعيفة للغاية. في عام ????، استطاع الجهاز بفضل عمل ستانلي كيث رنكورن (????–????) وإدوارد إيه إيرفينج أن يقيس الذاكرة المغناطيسية للصخور، وكانت هذه هي نشأة علم المغناطيسية القديمة. في ديسمبر عام ????، اغتيل رنكورن على يد لص هاجمه في غرفته بفندق في سان دييجو. أما الحقل المغناطيسي لقاع المحيط الهادي، فقد تم تحديده على الخريطة، وتم العثور على بعض الشذوذ المغناطيسي في كلا الاتجاهين في نطاقات موازية بديلة بشكل متناظر على طول مرتفعات وسط المحيط. كما تم رسم الطريق بين القطبين وأوروبا على الخريطة، وأيضًا بين أمريكا والهند. لم تتفق الخرائط! وعلاوة على ذلك، تبين أنه كلما رجعنا بالزمن، ابتعد القطب المغناطيسي عن القطب الجغرافي.في عام ????، أثبت جون رينولدز وجون فيرهوجن (????–????) من جامعة بيركلي، أثناء دراستهما للبازلت، صحة النتائج التي توصل إليها ماتوياما. أما والتر إم إلساسير (????–????) من جامعة برينستون وإدوارد بولارد كريسب (????–????) من جامعة كامبريدج، فقد طرحا فكرة وجود مولد مركزي في لب الأرض. ولشرح الانعكاسات العرضية للحقل المغناطيسي للأرض، وضعا فكرة أن هذا المولد يمكن أن يتصرف بسلوكيات غير مستقرة. وأخيرًا، تم إثبات حقيقة هذه الانعكاسات بين أعوام ???? و???? من قبل فريقين؛ الأول من جامعة بيركلي بكاليفورنيا، وكان يضم آلان كوكس، وريتشارد دويل، وجي برنت داريلمبل؛ والفريق الآخر من أستراليا، ويضم إيان ماكدوجال وفرانسوا شاملان. قاموا بوضع مقياس لانعكاسات الأقطاب المغناطيسية لأربعة ملايين عام ماضية، اعتمادًا على الحمم البركانية الحديثة نسبيًّا، وطبقوها على الولايات المتحدة وأوروبا والمحيط الهادي وأستراليا.تم تقديم فرضية لتفسير هذه الحالات الشاذة في الحقل المغناطيسي للأرض في عام ???? من قبل جون فاين فريدريك (????–????) ودراموند ماتيوس (????–????) من جامعة كامبريدج، ومن قبل جورج لورانس مورلي من هيئة المساحة الجيولوجية في كندا بشكل مستقل: تحتفظ الحمم المنبعثة من الجزء العلوي من مرتفعات وسط المحيط في عصور مختلفة بمظاهر الشذوذ المغناطيسي المختلفة. وبفضل تلك الذاكرة، كان من الممكن تحديد مكان الأقطاب المغناطيسية على مر العصور اعتمادًا على الصخور المعروف عمرها. ويرجع الشذوذ المغناطيسي في قاع المحيط إلى انعكاسات الأقطاب المغناطيسية. ويمكن تفسير تناوب الفرق بين الحالات الشاذة بفضل التشكل المستمر للقشرة الجديدة على التلال، بينما يتحرك قاع المحيط بسبب الحمل الحراري الكامن على طريقة الحلقة المفرغة، بحسب نظرية هيس.كانت الطريقة الوحيدة لحل هذه المشاكل هي نظرية حركة القارات بنسبة بعضها لبعض. نعرف الآن، من خلال عمل دبليو جيسون مورجان (المولود عام ????) من جامعة برينستون عام ???? وأعمال الباحثين البريطانيين دان ماكنزي وروبرت إل باركر، أن القارات تحركت على مر التاريخ، وأن دراسة المغناطيسية القديمة هي الأداة الأساسية لإعادة بناء مواقع القارات في العصور الجيولوجية المختلفة.وهكذا تم رد الاعتبار لفيجنر!(?-?) النبضات العصبية

تعد حالة أوتو لوي? (????–????) الحائز جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب عام ???? لنظريته الكيميائية في انتقال النبضات العصبية، أحد الأمثلة الاستثنائية لعمل العقل الباطن. ابتداءً من عام ????، اعتقد لوي أن انتقال هذه النبضات يرجع إلى وجود عامل كيميائي، في الوقت الذي كان يرجع فيه الجميع هذا الانتقال إلى عامل كهربائي. لم تطرأ له فكرة إجراء تجربة حاسمة حتى عام ????؛ أي بعد سبعة عشر عامًا من النضج والعمل غير الواعي. ولقد روى بنفسه ظروف اكتشافه هذا: في الليلة التي سبقت عيد الفصح في تلك السنة، استيقظت وأنرت الضوء وكتبت بعض الملاحظات على طرف ورقة صغيرة رقيقة، ثم عدت إلى النوم. وفي السادسة صباحًا، طرأ على ذهني أنني كتبت أثناء الليل شيئًا مهمًّا للغاية لكني لم أستطع فهم تلك الشخبطة. في الليلة التالية، نحو الساعة الثالثة، عاودتني تلك الفكرة. كانت خطة تجربة لتحديد هل كانت نظرية الانتقال الكيميائي التي كنت قد أصدرتها قبل سبعة عشر عامًا صحيحة أم لا. استيقظت على الفور، وذهبت إلى المعمل وأجريت تجربة بسيطة على قلب ضفدع وفقًا لهذا النموذج الليلي …وتؤكد قصة هذا الاكتشاف أن الفكرة تستطيع أن تنام عدة عقود في العقل الباطن ثم تعود فجأة. وعلاوة على ذلك، فإنها تشير إلى أنه ينبغي لنا أن نثق أحيانا في الحدس المفاجئ من دون شكوك كثيرة. فإذا كنت قد درست هذه التجربة بجدية خلال اليوم، لكنت رفضت دون شك هذا نوع من التجارب …وبعد بعض الوقت، كان عليَّ كتابة قائمة المراجع، وألقيت نظرة على جميع الأبحاث المنشورة في مختبري. ووجدت دراستين أُجريتا منذ عامين قبل أن تساورني فكرتي الليلية، وفيهما قمت، أثناء البحث عن مادة منبعثة من القلب، بتطبيق التقنية المستخدمة في عام ????. وفي رأيي، كانت هذه التجربة أساسية في إعداد فكرة المشروع كاملة. في الواقع، كانت هذه الفكرة التي جاءتني في الليل تمثل تجميعًا مفاجئًا لنظرية عام ???? وللطريقة المختبرة قبل قليل في تجارب أخرى. وتعد معظم هذه الاكتشافات البديهية الحدسية عبارة عن تجميعات للأفكار يقوم بها اللاوعي.(?-?) انتقال حمى التيفوس

كيف تنتشر الأمراض المعدية؟ينحدر جيرولامو فراكاستورو — الذي يقال له فراكاستور — (????–????) من عائلة من الأطباء من فيرونا. وهو يعد نموذجًا للمفكر الإنساني في عصر النهضة، كان قد تلقى تعليمه في جامعة بادوفا، وكان طبيبًا وعالمًا للنبات وشاعرًا وموسيقيًّا وفلكيًّا وعالمًا في الرياضيات والجغرافيا. وانتشرت سمعته على مستوى أوروبا. نحو عام ????، أصبح الطبيب الشخصي للبابا بولس الثالث. كما زاره تشارلز الخامس في ???? ليستشيره بشأن عدم إنجاب كاترين دي ميدسيس. كما كان صديقًا لكوبرنيكوس. في عام ????، شارك كطبيب في مجلس الثلاثين، ونقله إلى بولونيا بسبب وباء الطاعون. في العام التالي، نشر مؤلفه «عن العدوى والأمراض المعدية»، وفيه دحض فكرة أن الأوبئة تأتي من أصل إلهي، وصاغ — عن طريق المنطق والحدس — نظرية بمقتضاها تحدث العدوى بسبب انتقال جزيئات صغيرة جدًّا لا تلحظ بالحواس؛ أي الميكروبات القادرة على غزو الجسم البشري والتكاثر فيه. لم تقبل هذه النظرية، التي كان قد أشار إليها من قبل ابن الخطيب (????–????)، إلا بعد أن قام باحث من دفت يدعى أنطوني فان ليوينهويك (????–????) بتطوير المجهر الذي كان يستخدمه في عمله، وفيه شاهد «كائنات حية دقيقة». وحثت أفكار فراكاستور على إنشاء المستوصفات للحجر الصحي. وكانت هذه هي بداية الخلاف بين أنصار نظرية التناسل التلقائي، وأولئك الذين رفضوا الانضمام إلى أفكارهم.وعلى الرغم من أعمال لازارو سبالانزاني (????–????)، الذي أظهر أن هذه الكائنات الصغيرة لا تنمو إلا في قوارير معرضة للهواء، وليس في تلك المحكمة الغلق، تم قبول نظرية التناسل التلقائي حتى منتصف القرن التاسع عشر. لم تحسم هذه المسألة قبل باستير الذي أثبت في عام ???? أنه في ظل الظروف الحالية، يعزى تطور الكائنات في بيئة معقمة فقط إلى التلوث بواسطة الميكروبات في الهواء المحيط.ثم في عام ????، أثبت الطبيب الفرنسي كازيمير جوزيف دافين (????–????)، بشكل تجريبي وللمرة الأولى، أن مرض الجمرة الخبيثة يحدث بسبب ميكروب — «بكتيريا» على حد قوله — ينتقل من الحيوان إلى الإنسان. وهكذا فتح الطريق أمام أبحاث باستير وروبرت كوخ (????–????) في مجال علم الأحياء الدقيقة الطبية.وبعد ذلك، في عام ????، سافر ألكسندر يرسين (????–????) إلى هونج كونج بناءً على طلب من الحكومة الفرنسية لدراسة طبيعة وباء الطاعون، واكتشف العصية المسئولة عن المرض الموجودة في الدمامل، وأكد على تشابه الأمراض التي تصيب البشر وتلك التي تصيب الفئران، مشددًا على دور الفئران في نشر هذا الوباء. وسرعان ما أعد مصلًا ذا فعالية متأرجحة، لكنه استطاع إنقاذ حياة الكثيرين في كانتون وبعد ذلك في بومباي.ثم اكتشف عالم البكتيريا الفرنسي شارل جول هنري نيكول? (????–????) عامل انتقال حمى التيفوس أثناء عمله مديرًا لمعهد باستير في تونس. ثم حصل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء والطب عام ????. وروى شارل اكتشافه بشكل موسع في كتاب «بيولوجيا الاختراع» الذي يحتوي على تاريخ وتحليل العديد من الاكتشافات. وفي النص التالي لنيكول، سنلحظ الاستنارة واليقين اللذين يصاحبانه: أستطيع الكلام عن هذه الصدمة، تلك الاستنارة المفاجئة، ذلك الاستحواذ اللحظي للحقيقة الجديدة على الذات، هذه كلها شعرت بها وعشتها، فهكذا انكشفت لي طريقة انتقال التيفوس الوبائي.كل يوم، شأني شأن كلٍّ من تردد سنوات عديدة على المستشفى الإسلامي بتونس، كنت أرى في القاعات مرضى التيفوس نائمين بجوار مرضى آخرين مصابين بأمراض أخرى. مثل من سبقوني، كنت أشاهد يوميًّا ودون اهتمام هذا الوضع الغريب، خاصة في ظل هذا الاختلاط المرفوض في حالة أي مرض شبه معدٍ، لكنه كان يمر دون عدوى. كان المرضى المجاورون لمريض التيفوس لا يلتقطون مرضه، لكن بشكل شبه يومي في أوقات تفشي الوباء، كنت ألحظ انتشار العدوى في البيوت وفي أحياء العاصمة والمدينة، وحتى بين موظفي المستشفى المخصص لاستقبال المرضى. كان الأطباء والممرضات يصابون بالمرض في ريف تونس، لكن ليس في قاعات المستشفى.في صباح أحد الأيام — مثل أي يوم — أردت وأنا مأخوذ بالتفكير في لغز كيفية انتقال عدوى حمى التيفوس دون أن أفكر فيه بصورة واعية (أؤكد ذلك)؛ أن أعْبر باب المستشفى عندما استوقفني جسد إنسان ملقى على الدرجات.كان مشهدًا معتادًا أن نرى فقراء من السكان الوطنيين مصابين بحمى التيفوس في حالة هذيان وحمى، يسيرون كالمجانين حتى يجدوا ملجأً يتساقطون عليه منهكين. كالعادة، عبرت فوق الجسد المسجى، وفي تلك اللحظة بالتحديد داهمتني لحظة الاستنارة. وعندما دخلت المستشفى في اللحظة التالية، كنت أملك حلًّا للمشكلة. كنت أعرف، دون أدنى شك، أنه هذا هو الحل وليس غيره. ففجأة أظهر لي هذا الجسد الممدد والباب الذي ارتمى أمامه الحاجز الذي يمكن أن يتوقف عنده التيفوس. فلكي يتوقف هذا المرض، وهو مرض معدٍ في كل أرجاء البلاد، في العاصمة نفسها ليصبح غير مضر بمجرد عبور باب المستشفى، كان لا بد من أن العامل المسبب للعدوى لا يتجاوز هذا المكان؛ إذن ما الذي يحدث في هذه المرحلة؟ خلعنا ثياب المريض وملابسه الداخلية وحلقنا له وحممناه. لا بد أن ما يسبب له المرض شيء غريب عليه، شيء يحمله في ملابسه الداخلية، على جلده. لن يكون سوى القمل، كان السبب هو القمل. وأخيرًا انكشف لي ما كنت أجهله، الأمر الذي لم يلاحظْه أيٌّ من الذين بحثوا في مرض التيفوس منذ بداية التاريخ (فالتيفوس مرض يعود إلى العصور السحيقة للإنسانية)، انكشف لي الحل القاطع المثمر لطريقة انتقال المرض.أشعر ببعض الارتباك لقيامي بإعادة تمثيل ما حدث لي. لكني أفعل ذلك لأن الحدث الذي طرأ لي يعتبر، على ما أعتقد، مهمًّا من الناحية التعليمية، ولأني لم أجد أمثلة أخرى أكثر وضوحًا. سأستكمل ملاحظاتي بقدر أقل من الخجل. وسأتناول الآن نقاط الضعف فيها؛ لأنني أعتبرها هي أيضًا مفيدة.وكان الحل، الذي جاءني به حدسٌ حادٌّ شبهُ غريبٍ بالنسبة لي، غريبٌ بأي حال على منطقي — خاصة إذا تراءى لي وأنا في حالة يقظة — بحاجةٍ إلى إثبات عن طريق التجربة.يعتبر التيفوس مرضًا خطيرًا جدًّا لإجراء تجاربه على البشر. ولحسن الحظ، عملت بالفعل بحساسية شديدة. وأصبحت التجربة ممكنة. لكنها لم تكن جاهزة بالكامل، وإلا كنت نشرت اكتشافي دون تأخير، خاصة أنه كان غنيًّا وبه منافع فورية لجميع البشر. واحتفظت بالسر عدة أسابيع، حتى على مستوى المحيطين بي؛ لأني كنت قادرًا على تقديم البرهان مع الاكتشاف، وظللت أجرى الاختبارات اللازمة لإثبات الاكتشاف. لم يسبب لي هذا العمل أي عاطفة أو مفاجأة. وانتهى في غضون شهرين.في أثناء هذه الفترة الوجيزة، واجهت، مما لا شك فيه، ما شعر به المكتشفون من أمثالي من شعور بأن إثبات التجربة أمر غير مهم، شعور بانفصال في الروح وملل عام. كانت الأدلة قوية لدرجة منعتني من الاهتمام بالتجربة. لو كان الأمر يقتصر على شيء يتعلق بي فقط، لما استكملت الأمر. لكني لم أمض قدمًا إلا بسبب الانضباط والكبرياء. وشغلتني كافة الأفكار الأخرى. أعترف بهذا الفشل. لكنه لم يوقف أبحاثي التي — كما قلت — جلبت لي من دون صعوبة أو تأخير يوم واحد، تأكيدَ الحقيقة التي كنت أعتقد فيها منذ اللقاء الذي حكيت عنه.(?-?) تجميد الخلايا الحية

كان تجميد الأنسجة الحية لحفظها وقتًا طويلًا كيفما نشاء لإعادة استخدامها لاحقًا حلمًا قديمًا. ألا يتحدث البعض عن جنود نابليون الذي وُجدوا مجمدين بعد حملته على روسيا ثم عادوا إلى الحياة دون خسائر؟ أليست هذه هي رواية «الرجل ذو الأذن المكسورة» لأدموند أبوت (????–????)؟على الرغم من كثرة عدد التجارب العلمية التي أُجريت، كان من النادر رجوع الخلايا المجمدة إلى الحياة بحالة جيدة.في الأربعينيات، عكف على دراسة هذه المشكلة الدكتور باسيل جوزيف لوييت (????–????)، أحد آباء أبرشية الإرسالية بسانت-فرانسوا الذي درس الأحياء بجامعة جينيف. فبما أن التلف يحدث من بلورات الثلج، اقترح نزع كل الماء الموجود في الخلايا قبل تجميدها. ولقد توصلت إلى هذه الطريقة شركة بيردزاي المتخصصة في صناعة الأطعمة المجمدة. لكن إذا كان التجفيف ينجح مع الخضروات، فلماذا لا ينجح مع الخلايا الحية؟اكتشف لوييت وفريقه أنه باستطاعتهم تجفيف خلايا الدجاج جزئيًّا باستخدام خليط سكري. وبالفعل حققوا بعض النجاحات، إلا أن تلك الطريقة لم تكن تسفر في كل مرة عن نتائج جيدة. كان لوييت هو العالم الوحيد في عصره الذي يقوم بمثل هذه التجارب، وظل غامضًا حتى جاء اليوم الذي شرع فيه علماء آخرون من المعهد الوطني للأبحاث الطبية بلندن في إجراء تجارب جديدة مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي لندن، استخدم آلان إس باركس سكر الفاكهة، وقام كلٌّ من أودري يو سميث (????–????) وتشارلز بولج بإعادة تجارب لوييت وحصلَا على النتائج نفسها: تتحمل بعض الخلايا التجميد وإزالة التجميد، بينما تعجز خلايا أخرى عن الصمود. إلا أنهما لم يفقدا الأمل في التوصل إلى طريقة موثوق فيها، واحتفظا بخليطهما السكري في المبرد، عاقدَين النية على استئناف تجاربهما لاحقًا بطريقة جديدة. وبالفعل، بعد بضعة شهور، استأنف سميث وبولج تجاربهما التي نجحت جميعها هذه المرة، وبدا وكأن الحلم سيتحول إلى حقيقة. أعاد باركس التجربة بزجاجة جديدة من سكر الفاكهة وماتت جميع الخلايا، ووقع العالمان في حيرة؛ كيف يمكن لنفس التجربة أن تعطي نتائج متعارضة تمامًا؟ وعكفَا على دراسة كافة تفاصيل التجربة عن كثب سعيًا وراء التفسير. وأخيرًا، وجداه … كانا قد أخطآ بكل بساطة! فبدلًا من استخدام مزيجهما السكري القديم، وضعا خليطًا له نفس الشكل من بياض البيض والجلسرين. كان من المعروف منذ وقت طويل أن الجلسرين يمنع المحركات من التجمد، لكن لم يخطر لأحد من قبل أن يستخدمه مع الخلايا الحية.وتبين بعد ذلك أن عالم الأحياء جان روستاند (????–????) — ابن إدموند روستاند (????–????) — كان قد استخدم قبل عامين — أي عام ???? — الجلسرين لتجميد خلايا ضفدعة لكن في درجة حرارة أقل بكثير.ولقد طور سميث طريقته واكتشف طرقًا أخرى، وسرعان ما أصبح بمقدوره تجميد وحفظ الدم فترات طويلة، مما فتح الباب أمام أكثر الآمال جموحًا. في عام ????، تكونت جمعية لحفظ الأجسام في انتظار حياة مستقبلية. وبالفعل، في يناير ????، تم تجميد جسد العالم جيمس إتش بدفورد — المتوفى جراء مرض عضال عن عمر يناهز ثلاثة وسبعين عامًا — بناءً على رغبته حتى يُكتشف علاج لمرضه. كل هذا بسبب خطأ في اختيار الزجاجة!(?-?) البنسلين

كما أن الاستنارة لا تحدث إلا لعقل مستعد لاستقبالها، هكذا الصدفة لا تُستغل إلا على يد باحث مهيأٍ لذلك. والدليل المثالي على ذلك هو اكتشاف البنسلين.منذ بداية مسيرته العلمية، اهتم ألكسندر فليمنج? (????–????) بدراسة آليات المناعة. وهكذا قام بعزل الخميرة الذوابة (الليزوزيم) التي كانت تعد مضادًّا حيويًّا تخشاه البكتيريا المزروعة، وإن كانت أثبتت عدم فعاليتها في الجسم البشري.في أحد أيام عام ????، وصل فليمنج صباحًا إلى معمله، وحينها لاحظ أن العديد من الميكروبات التي يحتفظ بها تحتوي على عفن أخضر اللون. تكرر هذا الموقف مع العديد من العلماء قبله، وبالطبع كان رد فعلهم هو إلقاء هذه المجموعة من البكتيريا خوفًا من أن يؤثر هذا العفن على نقاء التجربة.أما فليمنج، فقد احتفظ بالبكتيريا الفاسدة. وتساءل لماذا هاجم العفن هذه البكتيريا. وكتب بعد ذلك: يُنسب اختراع البنسلين إليَّ، لكن لم يكن أحد ليخترعه؛ لأن الطبيعة كانت قد اخترعته بالفعل في أحد الأزمنة السحيقة. كلا، لم أخترع أنا تلك المادة، لكني فقط كشفت وجودها للناس وأعطيتها اسمًا.هنا يكمن الجدل حول الفرق بين اختراع شيء لم يكن له وجود من قبل، واكتشاف خاصية أو حقيقة كانت موجودة بالفعل لكنها ظلت متوارية عن الأعين. النتائج الرياضية، هل هي اكتشاف أم اختراع؟ المعطيات الرياضية هل لها وجود خارج عقلنا؟وقد حدثت قصة مشابهة لقصة فليمنج للويس باستير (????–????) أثناء اكتشافه للقاحات الاصطناعية عام ????. كان قد ترك في معمله أثناء فترة الإجازة عينات من مرق دجاج مصابة بميكروب الكوليرا. وعندما عاد في سبتمبر؛ ليستكمل تجاربه، وبدأ يحقن الحيوانات السليمة بهذه العينات، لم يحدث شيء. وعلى الفور أدرك باستير أنه قد تم تطعيمها. وعلى حد قوله: … إن أوهام من يجري التجارب تمثل جزءًا من قوته. فهي تلعب دور الأفكار المسبقة ودور المرشد، لكن كثيرًا منها سرعان ما ينهار الواحدة تلو الأخرى أثناء مسيرة الباحث، بينما يتمكن الباحث في يومٍ ما من إثبات أن البعض الآخر منها كان صحيحًا ومناسبًا للحقيقة. وحينئذٍ يصبح مرجعًا لمبادئ جديدة سيأتي تطبيقها بمنافعه سواء عاجلًا أم آجلًا.اعتاد باستير أن يقول: «الحظ لا يؤثر إلا في الأذهان المستعدة»، لكن من الضروري أيضًا معرفة كيفية طرح التساؤلات الجيدة!لكن الأمر غير المعروف، هو أن إرنست دوشيزن (????–????) — طبيب عسكري فرنسي — كان قد سبق فليمنج في اكتشافه. واليوم من المعترف به أن تقاريره المفصلة هي أساس اكتشاف فليمنج، على الرغم من أن الأخير لم يشر إليها قط.ظهر مبكرًا لدى دوشيزن — المولود في باريس — ميل إلى العلوم الطبيعية. وشارك في المسابقة العامة. وفي عام ????، تم قبوله بمعهد الخدمات الطبية العسكرية بليون، وهناك عمل في معمل جاستون روو، الأستاذ بكلية ليون (وليس إميل روو (????–????) زميل باستير). وقام بمناقشة رسالته في الطب وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وكانت بعنوان «إسهام في دراسة المنافسة الحيوية لدى الأجسام الصغيرة، العداء بين الفطريات والميكروبات».عندما بدأ في ذلك العمل، كان العداء بين العفن والميكروبات معروفًا، لكن كانت هناك قناعة بأن النصر كان بشكل عام حليف الميكروبات. لكن دوشيزن لم يقبل بهذا الاستنتاج، وكتب يقول: ألا توجد حالات يمكن للعفن فيها أن ينتصر، بل يقتل الميكروبات، أو على الأقل يشل بعض من آثارها الضارة؟كانت التجربة قصيرة لكن حاسمة. قام فيها بحقن فأْرَي تجارب؛ أحدهما ببكتيريا قولونية والآخر بعصية التيفوس. ومات الاثنان سريعًا. وفي الأيام التالية، تلقى فأران آخران نفس الحقن، لكن مع جرعة أكبر من فطر البنسلينيوم جلوكوم، وفي هذه المرة نَجَوَا من الموت مع حمى بسيطة. وتم استخدام البنسلين في العلاج لأول مرة، حتى وإن كان تحت مسمى التجربة. وكأن خلاصة رسالة دوشيزن كانت بمنزلة نبوءة: يمكننا أن نأمل أننا باستكمال دراسة واقع المنافسة الحيوية بين الفطريات والبكتيريا — تلك الدراسة التي لم نقمْ إلا بأول خطوة فيها ولا نزعم أننا جئنا إلا بإسهام متواضع — نستطيع أن نصل إلى اكتشاف حقائق أخرى يمكن تطبيقها مباشرة والاستفادة منها في مجال الصحة الوقائية والعلاجية.وهنا توقفت مسيرة دوشيزن العلمية، واضطر إلى أخذ إجازة منذ عام ???? لظروف مرضه الذي أجهز عليه في عام ????، ولم يكن يبلغ من العمر سوى ثمانية وثلاثين عامًا.وبالتأكيد نظرًا لنقص قدرته على الحدس، لم يستوعب جاستون روو أهمية أعمال دوشيزن التي كان هو العامل المحفز لها بالرغم من كل شيء. ولم ينشر أي مقال من شأنه إثارة اهتمام عالم الأبحاث. وكان في عام ????، أن اعترفت الأكاديمية الوطنية للطب بأن دوشيزن كان هو مؤسس مجال العلاج بالمضادات الحيوية ورائد أحد أهم اكتشافات هذا القرن.لم يتم البدء في تصنيع البنسلين إلا في عام ????. وساهمت الحرب العالمية الثانية في انتشاره سريعًا. ومنذ ذلك الحين، أصبح تطوير مضادات حيوية جديدة أحد الأنشطة الكبرى في مجال الأبحاث الطبية. وفي عام ????، بلغ عدد المضادات الحيوية الموجودة في العالم حوالي مائة وستين مضادًّا حيويًّا.(?-??) تركيب البروتينات

كثير من الاكتشافات العلمية يتم عن طريق التشابه، حتى وإن كانت تلك الطريقة غير علمية في أصلها. وها هي حالة تؤكد ذلك. كان فرانسوا جاكوب? (المولود عام ????) يعمل مع جاك مونو? (????–????) حول دراسة معدل تكوُّن البروتينات. وكانت هذه المعدلات تتغير بمرور الزمن، بينما كان مونو مقتنعًا بأن تكون البروتينات يتم بطريقة السير أو التوقف، الكل أو لا شيء. وهذا الأمر كان غير ملائم بالنسبة لمونو. لكن تلك الفرضية — نظرًا لبساطتها — لاقت استحسان جاكوب، الذي يشرح بنفسه السبب: حدث لي الأمر أثناء مراقبتي لأحد أبنائي وهو يلعب بقطاره الكهربائي الصغير. ولم يكن يمتلك جهازًا ينظم التيارات الكهربية، إلا أنه تمكن من جعل قطاره يسير بسرعات مختلفة لكن ثابتة، فقط عن طريق اللعب بقاطع التيار، ومن ثم جعل قطاره يتمايل أسرع تدريجيًّا بين السير والتوقف. بدت لي تلك الآلية قادرة على تنظيم سرعة تكون البروتينات بشرط أن تكون درجة ثبات النظام كافية. لكن حجة القطار لم تبدُ حاسمة بالنسبة لجاك!إلا أن الأمر كان كذلك في الحقيقة، كما تم إثباته بعد بضعة أعوام.(?) التقنيات

(?-?) آلة الطباعة

عادة ما تكون علاقة التشابه باعثًا على الاكتشاف، وهذا هو بالضبط ما حدث مع يوهان جوتنبرج? (حوالي ????–????) أثناء اختراعه لآلة الطباعة. كانت فكرته الأولى تقوم على سبك الحروف كما لو كانت أختامًا أو ميداليات. لكن كيف له أن يجمع آلافًا من الأختام وأن يستخدمها في طباعة منظمة على ورق؟ قبل جوتنبرج، كنا ندهن بالحبر لوح الطباعة، ثم نضع عليه الورقة ونحك ظهرها في سبيل الحصول على طباعة موحدة الشكل. ولأعوام، ظل جوتنبرج متعثرًا أمام هذه المشكلة. وذات يوم — أثناء وجوده بمسقط رأسه راينلاند — ذهب إلى حقول العنب، وربما ثمل هناك قليلًا كما يروي: رأيت النبيذ ينسكب، وتبادر إلى ذهني السبب، وجلست أدرس قوة هذه المعصرة التي لا يقاومها شيء.كان هذا الشبه صادمًا بالنسبة له، واتحدت المعصرة مع الختم لتعطي في النهاية آلة الطباعة.لقد أحدث اختراع آلة الطباعة ثورة في مجال نشر الثقافة. قبل جوتنبرج، كان لا بدَّ من طلب أي نسخة من صاحب المكتبة الذي كان يعهد بمهمة كتابتها إلى ورشة من الناسخين، وكان عملًا يستلزم شهورًا للقيام به. وبالطبع، شهدت إنتاجية طباعة الكتب — بعد اختراع آلة الطباعة — قفزة هائلة. وافتتحت المطابع في كل مكان. ففي الفترة ما بين ???? و????، أصبح هناك ما يقرب من مائة مطبعة. وشهد العقد التالي مولد أربعين مطبعة أخرى. في عام ????، كان في الإمكان طباعة ما يقرب من ???? إلى ???? ورقة مركبة كل يوم. وفي عام ????، كانت طباعة ???? نسخة من كتاب مكون من ??? صفحة تستغرق ستة أشهر فقط (الترجمة الإسبانية لتعليقات القيصر). وتحتفظ مكتباتنا اليوم بسبعة وعشرين ألفًا من الطبعات الأولى (أي الكتب المنشورة قبل عام ????) بمتوسط طبع يصل إلى خمسمائة نسخة، مما يعادل حوالي عشرة أو خمسة عشر مليون نسخة تم بيعها خلال أربعين عامًا، في حين أن تعداد أوروبا في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز مائة مليون نسمة.(?-?) الطباعة الحجرية (الليثوجرافيا)

كانت أسرة سينيفيلدر تعيش في ميونخ، وكان والده ممثلًا مسرحيًّا. ومن ثم فلا عجب أن اتجه ابنه ألويز سينيفيلدر? (????–????) إلى كتابة المسرحيات وحقق في هذا المجال نجاحًا ملحوظًا. كان يقوم بطباعة مسرحياته وقصصه، لكنه أدرك أنه بعد أن يقوم بدفع حساب صاحب المطبعة، لا يتبقى له إلا القليل. ومن ثم قرر أن يحاول طباعة أعماله بنفسه. بدأ يحفر الكلمات على ألواح نحاسية رقيقة. لكن كان عليه أن يكتب بالعكس، كما لو كان أمام مرآة، وهو ما كان أمرًا شاقًّا. كما أن النحاس كان مكلفًا، صعب الصقل وسريع التلف. وكانت أي تعديلات على الكتابة تشكل مشكلة بالنسبة له. وقرر ألويز أن يبحث عن مادة جديدة للكتابة، واستقر رأيه على المربعات الحجرية التي تستخدم لتبليط الأرض. فكان يقوم بتلميعها وصقلها في البداية باستخدام الرمال، ثم يحفر عليها. كان الأمر هذه المرة أكثر سهولة؛ لأن الحجارة كان ألين بكثير من النحاس. وتقدم في عمله بسرعة حتى نفد منه مخزون الأوراق. لم يكن تبقى له من روايته سوى صفحة واحدة ليطبعها، ولم يكن معه سوى ورقة واحدة، عندما جاءت والدته تطلب منه أن يعد قائمة بالملابس التي تحتاج للتنظيف. وفكر، لماذا لا يكتب تلك القائمة على أحد المربعات الحجرية؟ كان حبره المصنوع من الشمع والصابون والكربون قد جف وأصبح صلبًا. فأخذ قطعة منه وأخذ يكتب بها على المربع. وعندما انتهت الغسالة من تنظيف الملابس أحضرته إليه، ولم تنس — لحسن حظنا — أن تحضر معها المربع الشهير. وأراد سينيفيلدر أن ينظفه ليستخدمه في إنهاء عمله في الطباعة. لكن الحبر لم يكن ليزول. فحاول استخدام الحمض. لكن الحبر ظل ثابتًا، بل أفسد الحمض أجزاء الحجارة التي لم يكن عليها حبر، ولا سيما أن الكلمات أصبحت منفصلة وبارزة عن سطح الحجر مما مكنه من طباعة القائمة بسهولة على ورقة. واستمر مع ذلك في محاولات التنظيف ولاحظ أن الماء أصبح يغطي اللوح الحجري ما عدا الأماكن المكتوب عليها بالحبر؛ لأن المواد الدهنية الموجودة فيه تبعد الماء، من ثم فإن الحبر لم يكن يكتب على المناطق المبللة من الحجر. وشيئًا فشيئًا، أدرك سينيفيلدر أنه ليس من الضروري حفر الحجر، وإنما يكفي خلق نوعين من السطح الحجري: الأول يحتفظ بالحبر والآخر لا. وباستخدام حبره الجاف، قام على الفور بعمل شكل ما على اللوح. ثم بلل المربع بأكمله، وأخذ يمر على الحبر السائل. فبدأ الحبر يتجمع فقط في حدود الشكل المرسوم، فلم يكن هناك حبر في المناطق غير المرسومة؛ لأن الحجر كان مبللًا. ولم يكن عليه سوى أن يضع ورقة على الحجر ويضغط. وهكذا كان قد اخترع الطباعة على الحجر. كان ذلك في عام ????. لكن القصة لا تتوقف هنا؛ لأنه ظل مرغمًا على الكتابة أو الرسم بالعكس كما لو كان أمام مرآة.لكن على الرغم من هذا العيب، فإن فن الطباعة على الحجر بدأ يشق طريقه تدريجيًّا. وتطورت المطابع. وفي عام ????، خطرت لعامل المطبعة الألماني فريدريش كونيج (????–????) فكرة استخدام أسطوانة لفرد الورقة على السطح المستقيم للمربع الحجري. وفي عام ????، اخترع ريتشارد مارش هو (????–????) مطبعة يمتلك فيها السطح الذي عليه ما يُراد طباعته شكل أسطوانة. ثم، تم وضع أسطوانة من المطاط للضغط على الورقة مقابل الأسطوانة الأخرى. وأصبح هذا النوع من الطباعة شائعًا. وذات يوم في أحد مطابع مدينة نيو جيرسي، وقع خطأ ما جعل المطبعة تدور بينما كانت الورقة محشورة، وأخذت الأسطوانتان، تلك التي تحتوي على الرسم المحبر والأخرى المطاطية، تدوران بدون ورقة. وبسرعة تم إصلاح العطل، وبدأت الورقة تلف. وأراد العامل التأكد من أن كل شيء أصبح على ما يرام، فأخذ النسخة يراجعها، وفوجئ لرؤية أن جانبي الورقة كانا مطبوعين، أحدهما في الوجه والآخر في الظهر. كان الحبر بكل بساطة قد انطبع على الأسطوانة المطاطية؛ مما أدى إلى طباعة صورة معكوسة على ظهر الورقة؛ لأنها كانت مقلوبة على الأسطوانة المملوءة بالحبر. ومن ثم أصبح في الإمكان رسم أو كتابة ما نريد على الأسطوانة المملوءة بالحبر والحصول في نفس الوقت على طبعة في نفس المكان. وهو ما يسمى بالأوفست.(?-?) سماعة الطبيب والهاتف

منذ عصر أبقراط (???ق.م–???ق.م)، والأطباء يعرفون كيفية اكتشاف حالة الأعضاء بوضع أذنهم على صدر أو ظهر المريض. كانت طريقة شاقة، لكنها كانت تمثل مصدرًا مهمًّا للمعلومات عن حالة المريض.في أحد الأيام في عام ????، كان رينيه لاينيك? (????–????) يعبر ساحة اللوفر. وكان هناك طفلان يلعبان. كان أحدهما يحك رافدة بدبوس، بينما يضع الآخر أذنه على الطرف الآخر ليسمع الصوت الذي يصدره الحك. ولقد تمخض هذا الموقف البسيط عن فكرة سماعة الطبيب التي أُطلق عليها في البداية طريقة نقل همسات الصدر.ويروي لاينيك: في عام ????، جاءتني شابة تستشيرني وكان لديها أعراض عامة لمرض ما في القلب. لكن طريقة استخدام الأيدي أو الطرق على الصدر لم تكن لتعطي سوى نتائج قليلة بسبب امتلاء الجسم. ونظرًا لأن عمر وجنس المريضة مَنَعاني من إجراء الفحص بالطريقة التي عرضتها، تذكرت الظاهرة الصوتية المعروفة: وضع الأذن على طرف رافدة يمكننا من الاستماع بوضوح إلى صوت حكة دبوس في الطرف الآخر. وفكرت في أننا قد نستغل هذه الخاصية للأجسام. فأحضرت كشكولًا ورقيًّا وصنعت منه أسطوانة ووضعت طرفها على منطقة العظم أمام القلب، ووضعت أذني على الطرف الآخر. وشعرت بالمفاجأة والرضا في ذات الوقت لسماعي دقات القلب بطريقة واضحة ومميزة أكثر من وضعي لأذني مباشرة فوق جسم المريض.حدثت قصة مماثلة في عام ???? لإليشا جراي (????–????) مدير شركة ويسترن يونيون، كان يتنزه في ميلواكي حينما لفت نظره طفلان يلعبان بواسطة علبتين للأطعمة المحفوظة وقد ربطا قاعيهما بخيط مربوط في ثقب. وكلما شدَّا الخيط وتكلم أحدهما في علبته، استطاع الآخر سماعه بوضوح في العلبة الأخرى. لعبنا جميعًا تلك اللعبة في طفولتنا. وهكذا جاءت لجراي فكرة الهاتف. لكن لسوء الحظ كان قد تقدم بطلب براءة الاختراع بعد ألكسندر جراهام بل? (????–????) بساعات قليلة، مما جعل من حق الأخير اختراع الهاتف.في عام ????، كان الفرنسي شارل بورسول (ولد في دواي عام ???? وتوفي في سانت سيريه ?? نوفمبر ????) — الموظف بهيئة التلغراف — أول من فكر في نظام لنقل الكلام بالكهرباء. كان قد لاحظ أن الكلام أمام غشاء مرن يتسبب في اهتزازات قادرة على فتح وإغلاق دائرة كهربية. وهذه الدفعات الكهربية قادرة بدورها على إحداث اهتزازات مماثلة على سطح آخر ومن ثم إعادة إنتاج الصوت الأصلي. وفي عام ????، اخترع الألماني يوهان فيليب ريس (ولد في جيلنهاوزن ? يناير ???? وتوفي في فيسبادن ?? يناير ????) أداة قادرة على نقل الأصوات، وإن ظلت عاجزة عن إعادة إنتاج الكلام. في عام ????، وأثناء وجوده في لندن، قرأ بل كتاب هلمهولتز? (????–????) حول السمع. كان الكتاب باللغة الألمانية، ولذلك أساء بل فهم أحد المقاطع، فظن أن هلمهولتز نجح في نقل الصوت بواسطة سلك كهربائي. وحتى بعد أن أدرك خطأه، ظل بل مقتنعًا أن التجربة ممكنة. وبمجرد وصوله إلى كندا، بدأ في تجاربه. وباستخدام آلة التلغراف، كان يرسل تيارًا كهربائيًّا إلى مغناطيس كهربي يقوم بهز معيار للنغم (ديابازون) عند التردد المناسب. كان من الممكن أيضًا استخدام أكثر من مغناطيس وأكثر من معيار للنغم في نفس الوقت، يهتز كلٌّ منها عند التردد الخاص به، ثم استبدل بل المعيار بأنابيب الأرغن، ثم مغنطها ليزيد من قدرة الجذب لديها. وفقًا لقوانين الكهرباء المغناطيسية، فيجب على الأنابيب أن تتسبب في عمل تيار داخل المغناطيس الكهربي له نفس تردد الأنبوب. كان هذا هو مفتاح اختراعه، ولقد أدرك ذلك على الفور. إلا أن التيارات الناتجة كانت ضعيفة ولا يمكن استخدامها. وعندما زاره الفيزيائي الأمريكي جوزيف هنري (????–????) في عام ????، نصحه بالتروي قبل نشر اكتشافه ومحاولة تحصيل قدر أكبر من المعرفة حول الكهرباء.كان بل قد استقر في بوسطن. وفي الثاني من يونيو ????، قام بتجربة جهازه ومعه مساعده توماس إيه واطسون (????–????) البالغ من العمر حينها واحدًا وعشرين عامًا. وأثناء التجربة، التصق أحد النصال التي يراقبها واطسون بالمغناطيس الكهربي. فقام واطسون بنزعه، وعلى الفور أحدث النصل صوتًا مباغتًا. وعلى الطرف الآخر من الخط، سمع بل الصوت وعرفه. فهرع إلى الغرفة حيث كان واطسون وصاح: «ما الذي حدث بالضبط؟ لا تغير شيئًا، دعني أرى!» وبدأ في العمل. وفي اليوم التالي، كان قادرًا على نقل الأصوات، وإن ظل الكلام غير مفهوم. ومن ثم حول تركيزه إلى ضعف التيارات المحفزة، فاستعاض عن الأنبوب والمغناطيس الكهربي بحاجز في منتصفه سلك معدني مغمور في محلول من حمض الكبريتيك. وبالفعل، تحرك الحاجز تحت تأثير الصوت الإنساني وأخذ يهتز، وظل السلك يرتفع وينخفض داخل المحلول، وبدأت مقاومة الدائرة تختلف بالتزامن مع اهتزازات الحاجز. كان هناك تيار كهربي. وفي العاشر من مارس ????، كان بل لا يزال يختبر مع واطسون هذا الجهاز. وبينما كان واطسون في غرفة أخرى، سكب بل الحمض على ملابسه، فصرخ: «واطسون، تعال هنا، أنا في حاجة إليك.» وعلى الفور، سمعه واطسون بوضوح … لكن عبر الهاتف. وفي الخامس والعشرين من يونيو ????، تمت أول تجربة علنية للهاتف في فيلادلفيا. وكان هذا هو نفس اليوم الذي وقعت فيه معركة ليتل بيج هورن التي قُتل فيها اللواء جورج أرمسترونج كوستر (????–????).إن غالبيتنا كان قد قرأ أو سمع بالفعل عن قصة بل ومساعده، إلا أنه من الواجب رواية القصة مرة أخرى من أجل إحقاق الحق للمخترع الحقيقي للهاتف. ولد أنطونيو ميوتشي بسان فرديانو بالقرب من فلورنسا في الثالث عشر من أبريل ????. ودرس بأكاديمية الفنون الجميلة بالمدينة، وعمل أخصائي مشاهد في العديد من المسارح حتى عام ????. وهي السنة التي قبل فيها العمل كمسئول عن الديكور بمسرح تاكون بهافانا. ونظرًا لكونه مفتونًا بالبحث العلمي، كان يقرأ كل ما يقع تحت يده من مؤلفات ويقضي أوقات فراغه في الاختراع. ووجد طريقة جديدة — استفاد منها الجيش الكوبي — لجلفنة المعادن. كما طور طريقة حديثة لعلاج بعض الأمراض عن طريق الصدمات الكهربائية، لاقت انتشارًا كبيرًا في هافانا. وفي يوم من الأيام، كان يعالج صديقًا له بهذه الطريقة، وفجأة أصدر صديقه صوت تعجُّب سمعه ميوتشي — الذي كان في غرفة أخرى — بواسطة السلك الكهربائي الواصل بينهما. وعلى الفور، أدرك أنه اكتشف ظاهرة مثيرة. وقضى العشرة أعوام التالية يعمل على تطوير الجهاز الأصلي، محاولًا إيجاد تطبيقات عملية له وطرقًا لتسويقه. ولذلك غادر كوبا، ومضى ليقيم بستاتن أيلاند؛ حيث استضاف جيوسيبي جاريبالدي في منزله. وكان يكسب قوته من بعض الاختراعات أو قيامه بتعديل وتطوير بعض الأجهزة الصناعية. لكن ظل وضعه المالي صعبًا، بالإضافة لتعرضه لبعض المضايقات لعدم إتقانه اللغة الإنجليزية، فطوال هذه الفترة كان يحاول أن يتصرف باللجوء إلى التشابه بين اللغتين الإيطالية والإسبانية. وفي عام ????، حينما أُصيبت زوجته بالشلل، قام بوضع هواتف في غرف المنزل المختلفة وورشته الواقعة في مبنًى مجاور. وبعد أن انتهى من تطوير اختراعه، عقد استعراضًا عامًّا في عام ???? بهدف جذب أي دعم مادي. وتلقى بالفعل وعودًا بذلك، حتى إن شخصًا يدعى بندلاري قد أخذ اختراعه إلى إيطاليا على وعد أن ينظم خطًّا لإنتاجه، إلا أن ميوتشي لم يَرَ أي نتائج. واضطره وضعه إلى بيع حقه في الاختراع. وأثناء عودته من نيويورك على متن الباخرة البخارية ويستفيلد، انفجرت السفينة مما تسبب في إصابته بحروق بالغة. ولدفع مصاريف المستشفى اضطرت زوجته إلى بيع اختراعاته، ومنها نموذج للهاتف، بستة دولارات. وبعدها، عكف ميوتشي على العمل ليل نهار لإعادة تصميم هاتفه خوفًا من أن ينسب أحد اختراعه لنفسه. لكن لعدم قدرته على جمع المبلغ اللازم لدفع تأمين براءة الاختراع، تقدم بطلب براءة مؤقتة في الثامن والعشرين من ديسمبر ????، ثم قام بتجديده في العامين التاليين فقط. وأراد أن يشرح إمكانيات جهازه الهائلة أمام نائب رئيس شركة ويسترن يونيون للتلغراف الجديدة، لكن كلما خابر الشركة، كانوا يجيبونه بأنه لا يوجد لديهم وقت لمثل هذا العرض. وبعد عامين، أرسل إليهم ميوتشي يطلب استعادة جهازه، لكنهم أجابوا — كما ادعوا — بأنه فُقد. كان ذلك في عام ????. وفي عام ????، حصل بل على براءة الاختراع. وعلى الفور، أرسل ميوتشي يطلب من المحامي الاعتراض على هيئة براءات الاختراع بواشنطن. لكن لم يحدث شيء. وحاول أحد أصدقائه الاهتمام بالأمر، وعندها أجابوه بأن كل الوثائق الخاصة «بالتلغراف الناطق» قد فقدت. ولقد أظهر تحقيق — أُجري بعد ذلك — وجود علاقات غير قانونية بين بعض الموظفين بمكتب براءات الاختراع وبين مديري شركة بل. كما تم لاحقًا إثبات تفاهمات غير قانونية بين شركة بل وشركة ويسترن يونيون. وفي جلسة المحكمة بين بل وميوتشي في عام ????، قدم ميوتشي كافة التفاصيل الدقيقة الخاصة باختراعه مما لم يدع مجالًا للشك في أسبقيته، إلا أنه خسر القضية في النهاية. وعلى الرغم من تصريح وزير الخارجية الأمريكي الذي أكد فيه على وجود الكثير من الأدلة التي تؤكد أحقية ميوتشي في الاختراع، وأن الولايات المتحدة الأمريكية ستجري تحقيقات في اتهامات الغش في سبيل الحصول على براءة الاختراع بحق بل، فإنه تم تأجيل القضية عامًا بعد عام، حتى عام ????، وهي السنة التي توفي فيها ميوتشي في الثامن عشر من أكتوبر.وفي الخامس عشر من يونيو ????، أعلن الكونجرس الأمريكي رسميًّا أحقية ميوتشي في اختراع الهاتف.(?-?) التصوير الفوتوغرافي

تمتد بعض الاكتشافات لعقود، بل لقرون، وتتطلب الإسهامات المبدعة لعدد كبير من العلماء. هذا هو الحال مع التصوير الفوتوغرافي: عمل فيزيائيون لدراسة الضوء والألوان، وكيميائيون لدراسة الأسطح الحساسة ومعالجتها، ومهندسون لصناعة أجهزة التقاط الصور، وعلماء بصريات لتعديل ومعالجة العدسات والمرشحات، ومؤخرًا، متخصصون في الإلكترونيات وعلم الحاسوب. وفي تاريخ التصوير الفوتوغرافي، كان هناك دور حتى للفنانين. بالطبع، لن نعرض هنا تاريخ التصوير الفوتوغرافي بالكامل، وإنما سنكتفي بوصف مرحلة محورية منه.لم تأتِ فكرة التصوير الفوتوغرافي من فراغ. فمنذ أمد بعيد، والعلماء مهتمون بدراسة عمل الضوء. وكان من المعروف أن الضوء الذي يدخل غرفة ما من فتحة صغيرة يكون صورة معكوسة على الحائط المقابل. كان هذا هو مبدأ الغرفة السوداء الذي عرفه أرسطو (???ق.م–???ق.م) ووصفه العالم العربي ابن الهيثم (???–????) في القرن الحادي عشر، وأيضًا ليوناردو دافنشي (????–????). في عام ????، لاحظ الفيزيائي الإيطالي جيمباتيستا ديلا بورتا (????–????) أن وضع عدسة لامة على الفتحة يحسن من نقاء الصورة. ومن جانب آخر، لاحظ الخيميائي جورجيوس فابريسيوس (????–????) عام ???? أن كلوريد الفضة — والمعروف بقمر القرن — يتحول إلى اللون البنفسجي تحت تأثير الشمس.أي إن المبادئ الأساسية للتصوير الفوتوغرافي كانت معروفة قبل القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك الحين، بدأ السعي لمحاولة تثبيت الصور على الورق. وانكب العديد من الكيميائيين على هذه المسألة حتى نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وعلى هذا الأساس، قام توماس ودجوود (????–????) — ابن الخزاف الشهير جوشيا ودجوود (????–????) — بتعريض ورقة عادية أو قطعة من الجلد الأبيض مبللة بنترات الفضة للشمس. فتحولت الأجزاء المعرضة للشمس إلى اللون الأسود، بينما ظلت الأجزاء المختفية بيضاء. لكن تعين عليه الاحتفاظ بهذه الصور في غرفة مظلمة لئلا تسود كلها. وأصبح عليه إيجاد طريقة لتثبيت الصورة التي حصل عليها.بدأ نيسيفور نيبس? (????–????) أبحاثه في عام ????. وبعد ثلاثة أعوام، حصل على صورة مثبتة على ورقة مبللة بكلوريد الفضة، لكنها كانت نسخة سلبية. ومن ثم تخلى عن هذا الطريق، وبدأ يستخدم قار اليهودية — وهو قطران طبيعي معروف منذ القدم — الذي نحصل عليه من على سطح البحر الميت؛ حيث يطفو من القاع إلى السطح. كان هذا القار يستخدم في تحنيط المومياوات لدى المصريين، وفي جلفطة السفن أو أعمال الردم عند البابليين. وفي عصر نيبس كان قد بدأ استخراجه من الصخور، إلا أن القار الذي يستخدمه لم يكن يستخرج من منطقة اليهودية. وفي عام ????، توصل — باستخدام هذا القار المخلوط بزيت الخزامى والموضوع كطبقة رقيقة جدًّا على لوح معدني أو زجاجي — إلى تثبيت صورة إيجابية يمكن رؤيتها بالانعكاس في إضاءة خافتة. وكان لا بد من تعريض اللوح للشمس لثماني ساعات، وإذا وضع في الغرفة السوداء كان القار يصبح صلبًا في المواضع الفاتحة، بينما يظل طريًّا في المواضع الداكنة. ثم كان يزيل القار بواسطة محلول مذيب مكون من معيار من الزيت وماء الخزامى وعشرة معايير من الجاز، وأطلق نيبس على طريقته اسم الحفر الشمسي، ثم عمل على تطوير هذه التقنية باستخدام وسائل مختلفة ومحاليل متنوعة.إلا أن العيب الأساسي لقار اليهودية كان حساسيته الشديدة التي كانت تتطلب ساعات عديدة من التعرض للضوء. وعليه، بدأ يبحث عن مواد أخرى وإن لم يتمكن من تكريس وقته واهتمامه للأمر؛ نظرًا للمشاكل المالية التي كان يعانيها بسبب أعمال شقيقه كلود حول أول موتور ديزل. وفي عام ????، اضطر إلى التوجه إلى لندن؛ حيث كان كلود يحتضر. وكان يفكر في أنه قد يتمكن من عمل ثروة بفضل اختراعه للحفر الشمسي. ونظرًا لمعرفته القوية بلويس جاك ماندي داجير? (????–????)، قبل في النهاية التعاون معه في عام ????، وشاطره اكتشافاته منذ توقيع العقد. لكنه توفي بعد أربعة أعوام. في عام ????، توصل داجير إلى أولى نتائجه باستخدام لوح مفضض معرض للضوء وبخار اليود. وعرضه للضوء عدة دقائق فقط بدلًا من ساعات في غرفة مظلمة، ثم عرضه بعد ذلك لبخار الزئبق، وحينها ظهرت الصورة. وبعد مرور عامين، أصبح بمقدوره تثبيت تلك الصورة بفضل حمام ملح الهيبوسلفين. وبهذا استطاع أن يتوصل إلى الداجيروتيب الشهيرة.ظهرت كلمة تصوير فوتوغرافي لأول مرة على لسان السير تشارلز ويتستون (????–????) في خطاب أرسله إلى ويليام هنري فوكس تالبوت (????–????) بتاريخ الثاني من فبراير ????. والكلمة تأتي من اليونانية فوتو أي ضوء، وجرافين أي كتابة. وفي أعقاب تقرير قدمه فرانسوا أراجو (????–????) — العضو بأكاديمية العلوم والنائب بشركة برينيه الشرقية — قررت الحكومة شراء حق الانتفاع بتلك التقنية لجعلها عامة ولتستفيد منها البشرية. يا له من مثل جميل!في عام ????، تمكن تالبوت أيضًا من الحصول على صور إيجابية على ورقة عليها كلوريد ونترات الفضة، وقام بتثبيتها بواسطة كلوريد الصوديوم. وحصل من ثم على صور سلبية يمكنه أن يستخرج منها عدة صور إيجابية. نحو عام ????، شهد التصوير الفوتوغرافي تطورًا بفضل استخدام الغراء الذي يعطي للصور جودة عالية.ومنذ ذلك الحين، والتصوير الفوتوغرافي لا يتوقف عن التطور. وتعد أحد المراحل المهمة من هذا التقدم هي بلا شك مرحلة التصوير بالألوان. كانت مشكلة إعادة إنتاج الألوان حكرًا على الفنانين — الرسامين بالطبع — وأيضًا العاملين بالحفر والطباعة. وكانت أول محاولة هي التصوير المباشر للألوان. واستطاع الفيزيائي الفرنسي جابرييل ليبمان (????–????) أن يقدم لأكاديمية العلوم في الثاني من فبراير ???? أول صورة لا تتأثر بطيف الشمس. ولأجل هذا الاكتشاف، نال جائزة نوبل في الفيزياء عام ????. ثم قام العديد من الفيزيائيين بمحاولات لإعادة إظهار الألوان بطريقة غير مباشرة مثل جيمس كلارك ماكسويل (????–????) ابتداءً من عام ????. لكن جاء حل المشكلة على يد كلٍّ من لويس دوكوس دي هورون (????–????) وشارل كروس (????–????)، المعروف أكثر لكونه شاعرًا وصاحب اختراع الفونوغراف. كانا يعملان بصورة مستقلة. فأرسل كروس رسالة مغلقة إلى أكاديمية العلوم في الثاني من ديسمبر ????، لكنها لم تفتح قبل يوم السادس والعشرين من يونيو ????. في الثالث والعشرين من نوفمبر ????، تقدم دوكوس بطلب الحصول على براءة الاختراع لطريقة التصوير بالألوان. ولقد شاءت الصدفة أن تعرف الجمعية الفرنسية للتصوير بشأن الاكتشافين في نفس اليوم، السابع من مايو ????. ونُسب الاختراع إلى الاثنين معًا. لكن كان الحصول على مثل هذه الصور أمرًا يتطلب عمليات معقدة. في يوم الثلاثين من مايو ????، اقترح لويس لوميير (????–????) طريقة أبسط بكثير تعتمد على إضافة الألوان. ولقد لاقت الألواح المسجلة للألوان التي اخترعها نجاحًا ساحقًا، وبدأ تصنيعها بالملايين في مصنعه بليون. إلا أن الصور كانت تفتقر إلى الدقة، والأفلام إلى الحساسية للضوء.وأخيرًا، لم يكن هناك حل للمسألة إلا في عام ???? بواسطة طريقة الطرح التي اقترحها موسيقيان أمريكيان — إلى جانب كونهما كيميائيين وفيزيائيين — هما ليوبولد دامروش مان (????–????) وليوبولد جودووسكي (????–????).(?-?) الفونوغراف

عمل توماس ألفا إديسون? (????–????) كعامل تلغراف في شبابه. وكانت وظيفته هي سماع الرسائل المبعوثة بنظام مورس. لكن إذا كانت هناك مشاكل في الخط، كانت تؤثر على عمل الجهاز الرعاش، بالإضافة إلى أن إديسون كان مصابًا بصمم جزئي بسبب حادث. ومن ثم كان عليه تخمين الرسائل المبهمة. وهكذا اخترع إديسون جهازًا بسيطًا لتسجيل الرسائل: فكان يدير قرصًا ورقيًّا؛ حيث تنطبع فيها النقاط وعلامات مورس على شكل ثقوب. إلا أن الشركة التي كان يعمل بها اعتبرت هذا الأمر مضيعة للوقت، وقررت فصل الشاب إديسون. وبعد أحد عشر عامًا، عمل إديسون في معمله بمنلو بارك بنيو جيرسي على تطوير تلغراف مسجل يتم فيه حفر النقاط والعلامات بواسطة إبرة. ولنقْل الرسالة، كان يجب وضع القرص الورقي على ناقل مزود بذراع ما ترتفع وتنخفض بحسب الفجوات. كان هدف الجهاز هو فقط تسجيل ونقل الدفقات الكهربية أوتوماتيكيًّا. إلا أن الذراع — أثناء تتبعها للثقوب — كانت تهتز وتحدث أصواتًا. وإذا أدرنا القرص بسرعة أكبر، تصبح الاهتزازات متواصلة والصوت موسيقيًّا. وكان الانتقال بالعكس من النتيجة إلى السبب للتوصل لاختراع الفونوغراف. في البداية، استعاض إديسون عن القرص الورقي بأسطوانة مكسوة بورق القصدير، وبدلًا من أن يصل الإبرة بجهاز التلغراف، أوصلها بغشاء ما يهتز تحت تأثير الصوت. ولقد استعان في تركيب الجهاز بأحد عماله الذي ظل يتساءل ما الفائدة منه؟ وما إن انتهى تركيب الجهاز، حتى قام بتشغيل أغنية للأطفال، ثم أدار مقبض الأسطوانة، وعلى الفور تحولت اهتزازات الزمام إلى أغنية!وهناك قصة أخرى تعطي تصورًا عن مدى ابتكار إديسون وتبين أنه — أحيانًا — لحل أي مشكلة، يكفي تغيير وجهة النظر ومعالجتها بطريقة أخرى. كان هناك عالِمان رياضيان في معمل إديسون يحاولان دون جدوى حساب حجم الغلاف الزجاجي للَّمبة الكهربائية. ومن وجهة النظر الرياضية، لا تمتلك اللمبة شكلًا بسيطًا. كان الوقت قد تأخر، فطلب إديسون — ولمحة من السخرية تطل من عينيه — من سكرتيره أن يعود صباح الغد. ويروي السكرتير: عدت إلى منزلي، وضبطت منبهي على الساعة الخامسة والنصف. وفي السادسة صباحًا، كنت في المكتبة التي يعمل بها علماء الرياضيات دائمًا. قال لي إديسون: اذهب إلى المعمل وأحضر الغلاف الزجاجي لِلَمبة كهربائية فارغة واملأها بالماء، ثم أحضِر كوبًا مدرجًا وأتِ بكل هذا إلى المكتبة. وحينها، أمسك إديسون القارورة المملوءة بالماء بيد، وفي اليد الأخرى الكوب المدرج. وبدأ يسكب الماء في الكوب، واستطاع بذلك أن يقرأ تدرج حجم اللمبة التي قضى علماء الرياضيات الليل كله في البحث عن حساب حجمها دون فائدة.ربما كان إديسون يعرف قصة حمَّام أرشميدس!(?-?) أوفتالموسكوب (منظار فحص قاع العين)

تبدو بعض الاكتشافات، بعد الانتهاء منها، بسيطة للغاية بل وشبه طفولية، وتجعلنا نتعجب كيف لم يكتشفها أحد قبل ذلك. ويبدو أن مثل هذه الحالات ليست نادرة، كما يروي هيرمان فون هلمهولتز? (????–????)، صاحب اختراع الأوفتالموسكوب، وهو عبارة عن مرآة مقعرة بها ثقب صغير في مركزها يرى من خلاله المراقبُ الضوءَ المنعكس من عين المريض: أثناء تحضيري لدروسي، أدركت إمكانية تصنيع الأوفتالموسكوب … وهو يعد أكثر ما قمت به شعبية، على الرغم من أنني أدين بالفضل فيه لحظي أكثر من قدراتي. كان عليَّ أن أشرح لتلاميذي نظرية استنارة العين التي وضعها بروك. وفي تلك النقطة، كان بروك على شفا اختراع الأوفتالموسكوب، لكنه لم يطرح على نفسه هذا السؤال: ما هي الصورة البصرية التي تكونها الأشعة الخارجة من العين المضيئة؟ ففي سبيل الهدف الذي كان يسعى وراءه، لم يكن من المهم طرح هذا السؤال. لكن لو كان قد طرحه، لكان أسرع من يجيبه مثلي تمامًا.كان هلمهولتز وإرنست فيلهلم فون بروك (????–????) لهما نفس العمر تقريبًا، وتلقيا نفس التعليم، واهتما بنفس المشكلات. ووفقًا لشهادة هلمهولتز، فإن بروك لم يخترع الأوفتالموسكوب؛ فقط لأنه لم يطرح تلك المشكلة.ولقد تحدث هلمهولتز عن هذا الأمر بخصوص أحد اكتشافاته. ويبدو لي أنه ملخص وافٍ؛ ولذلك سأقتبس النص كاملًا: إلا أن الفخر الذي شعرت به بسبب النتيجة النهائية لأبحاثي تقلص بشدة بعد معرفتي بأنني لم أنجح في حل مثل هذه المشاكل — بعد العديد من المحاولات الخاطئة — إلا بعد تعميم بعض الأمثلة المناسبة تدريجيًّا وقيامي بسلسلة من التخمينات الجيدة. ويمكنني تشبيه نفسي بمتسلق جبال لم يكن يعرف أي طريق يسير فيه، فاضطر إلى التسلق ببطء ومعاناة مجبرًا على العودة مرة أخرى كلما أُعيق تقدمه، لكنه مرة بفضل تفكيره السليم، ومرة بسبب حادثة ما، كان يكتشف إشارات لطريق جديد يقوده إلى ما هو أبعد، ليصل في النهاية إلى هدفه، ليكتشف فقط حينها وجود طريق ممهد كان يمكنه أن يسلكه على حصانه، فقط لو كان يمتلك من الذكاء ما يجعله يحدد نقطة الانطلاق السليمة …ونظرًا لأنني كنت عادة ما اضطر على مضض إلى انتظار مجيء أفكار مفيدة، حظيت بفرصة إجراء بعض التجارب في وقت ومكان مداهمتهم لي؛ مما ساعد ربما على توليد أفكار أخرى. فالأفكار تتدافع هكذا في العقل دون أن ندرك للوهلة الأولى مغزاها، ثم يحدث أمر بعد ذلك يكشف لنا ظروف وأسباب مولدها. ففي بعض الأوقات تكون موجودة دون أن نعرف من أين أتت، وفي حالات أخرى تظهر فجأة وبدون مجهود كنوع من الإلهام، لكن مما قد رأيت، فإنها لا تظهر أبدًا في العقل المرهق، أو على المكاتب.كنت دائمًا ما أقلب مشاكلي في كل الاتجاهات داخل عقلي؛ سعيًا إلى اكتشاف جميع جوانبها وتعقيداتها، وإلى التفكير فيها بحرية دون أن أدونها على الورق. لكني عادة لم أكن أبلغ هذه المرحلة دون أن يسبقها عمل تمهيدي. وهكذا، بمجرد زوال إرهاق العمل، كان يلزمني ساعة من الراحة الجسدية التامة والهدوء قبل أن تأتيني الأفكار المثمرة. وعادة، ما كانت تتراءى لي في الصباح عند الاستيقاظ … كما أقر جاوس أيضًا. لكن — كما أكدت مرة لهيدلبرج — فإنها كانت عادة ما تميل إلى التجلي في رأسي أثناء تنزهي بهدوء في التلال المشجرة في الجو المشمس. بينما كانت أقل كمية من الكحول كفيلة بجعلها تهرب.(?-?) الضوء الروسي

كان بافيل جابلوشكوف (????–????) مهندسًا روسيًّا يعمل مديرًا لمكتب تلغرافات موسكو-كورسك. ثم استقال من عمله، عاقدًا العزم على السفر إلى فيلادلفيا لزيارة المعرض الدولي. لكنه لم يذهب لأبعد من فرنسا. وفي باريس، قابل لويس بريجيه (????–????) الذي قام بتطوير التلغراف والأجهزة الكهربائية لتوجيه القذائف للبحرية والسكك الحديدية وبالطبع الطائرات. ولقد سمح بريجيه لجابلوشكوف باستخدام معمله. وفي عام ????، تمكن بالفعل من اختراع الشمعة الكهربائية.وكانت الشمعة الكهربائية — التي أسمتها الصحف الباريسية الضوء الروسي — عبارة عن نظام إضاءة مكون من قوس كهربائي يمتد بين قطبين كهربيين من الفحم. لكن جابلوشكوف لم يستطع التوصل إلى طريقة سهلة لتخفيض تكاليف صناعة القوس الكهربائي. كما أن القطبين الكهربيين كانا ينحنيان كلٌّ منهما باتجاه الآخر، ونظرًا للتآكل، كان لا بد من إيجاد نظام لتقريبهما أوتوماتيكيًّا حتى لا ينطفئ القوس.وذات يوم، أثناء انتظاره تقديم الطعام في أحد المطاعم، كان جابلوشكوف يفكر ويتسلى بالشوكة والسكين. وفي لحظة ما، خطر له وضعهما بشكل متوازٍ. وأخيرًا، وجد جابلوشكوف الحل المنشود. فبوضع القطبين الكهربيين بشكل متواز وفصلهما بواسطة مادة تنصهر بالحرارة، يمكن الاستغناء بالكامل عن نظام التقريب.وكانت هذه الشمعة الكهربائية أول مصباح بقوس كهربائي يتم استخدامه بشكل مكثف؛ فقد كانت بسيطة وغير مكلفة ولا تستلزم نظامًا معقدًا مثل باقي المصابيح ذات الأقواس المعروفة في ذلك الوقت. وكانت الإضاءة التي تنتجها قوية مثل تلك التي تنتجها مصابيح الغاز. وقامت الشركة العامة للكهرباء بتصنيع هذه الشمعة، كما تم استخدمها لإضاءة الشوارع والمباني العامة والمرافئ. وتم إضاءة شارع الأوبرا بها في عام ????. كما تم استخدامها في لندن أيضًا. لكن كانت مشكلتها هي ضرورة تغيير الفحم في كل مرة تُطفأ فيها؛ ومن ثم تم الاستعاضة عنها بنوع آخر من المصابيح مزود بآليات أوتوماتيكية لتغيير الفحم.(?-?) المجهر الثنائي

في القرن التاسع عشر، سيطرت على التطورات التقنية للمجهر الحاجة إلى اختراع مجهر أكروماتي (لا لوني) يتيح تقليل التشوه وعيوب الألوان. كانت العدسات الأكروماتية تستخدم منذ منتصف القرن الثامن عشر، لكنها كانت صعبة الصناعة، وذات قطر صغير وقدرة ضعيفة على التكبير، وكان يمكن تصحيح الزيغ اللوني باستخدام عدستين في نفس الوقت إحداهما محدبة والأخرى مقعرة، وكان انحناء مجال البصر أحد عيوب العدسات المركبة؛ حيث تظهر الصورة منحنية في حين أن الشيء نفسه مسطح. ولقد عكف العديد من العلماء على دراسة هذه المسائل.في عام ????، كتب تشارلز ويتستون (????–????) مقالًا اقترح فيه استخدام مجهر ثنائي من شأنه أن يكون مفيدًا للعلماء؛ حيث إنه يعطي رؤية ثلاثية الأبعاد. وفي عام ????، بمناسبة أحد المعارض، اخترع دافيد بروستر (????–????) منظارًا مجسمًا ثنائيًّا وحقق نجاحًا عظيمًا. وفي أعقاب هذا المعرض، تم تصنيع أعداد كبيرة من المجاهر الثنائية، وعلى الرغم من أن أحدًا منهم لم يكن قادرًا على إظهار الأشياء مجسمة، فإنهم كانوا أقل إرهاقًا للنظر من المجاهر الأحادية.ورغبة منه في تحويل المجهر العادي إلى مجهر ثنائي، حاول المهندس فرانسيس هربرت وينهام? (????–????) دون جدوى أن يتخيل منشورًا يمكنه أن يقسم الحزمة الضوئية التي تصل إلى عين المجهر إلى اثنتين. واضطر أن يوقف أبحاثه لانشغاله مدة أسبوعين بأعماله في الهندسة المدنية. ونسي المجهر. وفي مساء ذات يوم — أثناء استغراقه في قراءة رواية بوليسية تافهة للغاية — تراءى أمامه منشور بنفس الشكل الذي طالما بحث عنه. وعلى الفور أخرج أدوات الرسم وقام بتعديل رسوماته الأولى وحساباته. وفي الصباح، كان قد اخترع المجهر الثنائي. كان ذلك في عام ????؛ أي إن مجهر وينهام ظل مستخدمًا مدة خمسين عامًا.وتأسست شركة صناعة الطائرات في عام ???? على يد مجموعة من عشاق الطيران، من بينهم وينهام. وفي عام ????، أنشأ أول نفق للرياح. وكان أول من استخدم كلمة طائرة aéroplane.(?) أزمات العلم

واجهت بعض الاكتشافات العلمية صعوبات جمة ليتقبلها الناس؛ لكونها كانت تتعارض مع الفلسفة أو مع الفكرة التي كونها الإنسان عن الكون من حوله وعن الإنسان نفسه. وهكذا، كانت نظريات داروين عن التطور صادمة للكثيرين، مثلها مثل نظريات جاليليو جاليلي (????–????) الذي أنكر فيها — بعد نيكولاس كوبرنيكوس (????–????) — أن تكون الأرض مركز الكون، وتسببت له في الكثير من المتاعب لتعارضها مع الدين. وندرك بالطبع كيف ولماذا يكون لبعض النظريات الفيزيائية أثر فلسفي من شأنه أن يحدث أزمة في التفكير. وبالنسبة لبعض النظريات الأخرى، قد يكون هذا الجانب عسير الإدراك، خاصة في حالة النظريات الرياضية. لكني سأعطي بعض الأمثلة، بادئًا بالفيزياء.في نهاية القرن التاسع عشر، بدا وكأن الفيزياء قد اكتملت. وهكذا يؤكد ألبرت ميكلسون (????–????): «نحن ندخل الآن عصرًا لم يعد ينقص فيه سوى حساب الكسر العشري السادس.» ولم يخطر بباله أنه أثناء قيامه هو بنفسه بحساب هذا الكسر العشري السادس خلال تجربته الشهيرة ميكلسون-مورلي أنه سيطرح أرضًا ميكانيكا نيوتن ويمهد الطريق لنظرية النسبية. وعندما ذهب ماكس بلانك? (????–????) — بعد أن أنهى رسالته — لزيارة أستاذه فيليب يوهان جوستاف فون جولي (????–????) ليزف إليه قراره بتكريس حياته كلها للفيزياء، لم يسمع سوى التعجب من رغبته في إضاعة مستقبله في مجال خالٍ من الآفاق. وبنفس الطريقة، تعجب جوستاف كيرشوف? (????–????) — عقب الإعلان عن اكتشاف جديد في الفيزياء — من أنه لا يزال هناك شيء ليُكتشف.وعلى الرغم من ذلك شهدت الفيزياء في غضون بضع سنوات، تغييرًا جذريًّا قلب طريقة التفكير رأسًا على عقب. كنا قد رأينا الأزمة الناتجة عن التخلي عن مفهوم الزمن الكلي في نظرية النسبية الخاصة. ثم — بصورة شبة متزامنة — شهدنا التخلي عن مفهوم الاستمرارية في الفيزياء بفضل نظرية الكم. وقد لاقى ماكس بلانك صعوبة شديدة في تقبل الصحة الفيزيائية لمفاهيمه هو نفسه، وظل مدة طويلة يحاول تجنب هذه العقبة. لم يكن لدى أينشتاين مثل هذه الوساوس، فبمجرد إثباتها عن طريق التجربة، لم تكن الأشياء الجديدة تشكل له مصدرًا للخوف، ليس دائمًا بالطبع!في العلوم القائمة على الملاحظة والعلوم التجريبية، لا يكون كل نموذج وكل نظرية سوى حقيقة شديدة التعقيد ويصعب استيعابها. ويمكن بالطبع أن تفسر عدة نظريات نفس مجموع الظواهر. ويتم التأكد من صحة نظرية ما في ضوء قدرتها على تفسير كل الظواهر المعروفة، وإمكانية التنبؤ بظواهر جديدة. إذا كانت الإجابة بنعم، يتم قبولها مؤقتًا على أنها صحيحة. ويمكن أن يكون التأكد من صحة نظرية ما من خلال محاولة دحضها وإثبات عدم صحتها عن طريق تجربة أو ظاهرة معينة تناقضها. فلا توجد نظرية يمكن أن تؤخذ كنظرية أكيدة ونهائية.إلا أن العلاقات بين الحقائق التجريبية والنظرية ليست بهذا القدر من البساطة: فهي لا تقتصر على فكرة الكل أو لا شيء، نعم أم لا، أبيض أم أسود. فيمكننا أن نعرف أن هناك نظرية ليست صحيحة بالكامل دون أن يكون في مقدورنا أن نرفضها بأكملها، ومن ثم نستمر في استخدامها. وبما أن النظرية ليست — بأي حال من الأحوال — سوى تقريب للواقع، فهذا التقريب قد يكون صحيحًا على مستوًى معين دون الآخر. وهو ما يحدث مع ميكانيكا نيوتن التي تعتبر صحيحة عندما تكون السرعات المعنية ضعيفة بالنسبة لسرعة الضوء. لكن كلما اقتربنا من سرعة الضوء، يجب ترك نظرية نيوتن واتباع نظرية أينشتاين. وهو بالضبط ما حدث أيضًا مع الميكانيكا التقليدية التي تكون نظرياتها سارية في حالة الأشياء المرئية بالعين المجردة، لكنها ليست صحيحة على المستوى الذري، ولذلك نستبدل بها ميكانيكا الكم. لكن لن يخطر ببال أحد أن يترك الميكانيكا الكلاسيكية ويتبع نظريات ميكانيكا الكم لإنشاء جسر!وهناك بعض الأزمات في الفيزياء تكون أكثر عمقًا؛ لأنها تناقض إدراكنا الحدسي للعالم وتصطدم بمبادئ تفكيرنا. فلقد جعلتنا نظرية النسبية نتخلى عن فكرة الزمن الثابت، وأجبرتنا نظرية الكم على رفض فكرة الاستمرارية في الفيزياء، بل وتطلبت جهدًا إضافيًّا. ونحو ثلاثينيات القرن العشرين، شهدنا ظهور تفسير احتمالي لميكانيكا الموجات. وكان مربع دالة الموجة يمثل احتمالية وجود الجزيء في مكان محدد وفي زمن معين. تلك هي علاقات عدم اليقين الشهيرة التي وضعها فرنر هايزنبرج (????–????)، والتي تنص على أنه من المستحيل قياس مكان التواجد والزمن لجسيم بصورة دقيقة ومتزامنة. ففي الواقع، للقيام بهذا النوع من القياس، يجب استخدام أجهزة تؤثر على الجسيم، ومن ثم تجعل من المستحيل إتمام هذا القياس المزدوج بشكل دقيق، وعليه يجب التخلي عن مبدأ السببية والحتمية الذي هو أساس الفيزياء؛ لأنه يعطي إمكانية توقع التطور الكامل لنظام ما استنادًا إلى مرجعيته الأصلية. ولقد وقع جدل محتدم بين كل هؤلاء الأبطال ومنهم أينشتاين، ولم ينتهِ بعدُ.في العلوم الطبيعية، هدمت طريقة تركيب البول الحاجزَ بين الكيمياء المعدنية والعضوية، وأصبح من الممكن تركيب مواد حية داخل المعمل. وأيضًا اصطدمت نظرية التطور بالكنيسة؛ لأنها أفقدت الإنسان مركزه المميز وسط الخليقة. ولم تعد الأرض هي مركز الكون، ونحن نعرف جميعًا الصعوبات التي لاقاها نيكولاس كوبرنيكوس (????–????) وجاليليو جاليلي (????–????) ليحملوا الناس على الاعتراف بذلك الأمر.ولْنأْتِ الآن إلى الرياضيات. قد يبدو من الغريب أن الرياضيات تمر بأزمات؛ حيث إنها لا ترتبط بأي شكل — مثل العلوم الطبيعية — بالتأويل النظري للتجربة، فهي ليست سوى تركيبات عقلية محضة. إلا أن هناك عددًا لا بأس به من التناقضات جاء ليزعزع التاريخ. فلقد ظهرت مسائل أُثبت فيها خطأ الحدس الفوري والبديهي، وكان من الضروري في كل مرة اتخاذ قرار بإدخال مفاهيم جديدة تتعارض مع هذا الحدس الفوري.وكانت الأزمة الأولى التي وقعت هي استحالة القياس (نطلق عليها الآن اللامعقولية). ولقد تم الاعتراف بها كحقيقة بناءً على التجربة التالية — وهنا ننضم إلى الفيزياء — التي تقول إن جميع الأطوال يمكن قياسها؛ أي إن اثنين منهما يمكن قياسهما بناءً على الثالث الذي يعتبر وحدة. ويُنسب اكتشاف الأرقام غير القياسية إلى هيباسوس من ميتابونتوم في القرن الخامس قبل الميلاد. ويُعرف الإثبات بعامل اللامعقولية جذر ?، الذي يعد في رأيي من أجمل ما قدمت الرياضيات. ويقيس هذا الرقم — وفقًا لمبرهنة فيثاغورس (القرن السادس قبل الميلاد) — طول الوتر للزاوية القائمة في مثلث طول كل من ضلعيه واحد. وللتغلب على هذه الأزمة، كان لا بد من رفض الأفكار الشائعة وقتها وقبول فكرة أن بعض الأرقام يمكن أن تكون غير قياسية.وسأتجاوز الأزمات المرتبطة بمفهومي اللانهاية والتَّبْدِيهِ، للوصول إلى أزمة كبرى تعلقت بمنطق وأسس الرياضيات.ترجع القصة إلى نظرية المجموعات التي صاغها جورج كانتور (????–????) في نهاية القرن التاسع عشر. ولقد طرحت هذه النظرية أمام علماء الرياضيات عددًا من المشكلات ذات الطبيعة الفلسفية تتعلق بوجود أنواع مختلفة من اللانهايات. وكان من الواجب — على وجه الخصوص — الاعتراف بأن العدد اللانهائي من النقط الواقع على جزء من مستقيم والعدد اللانهائي من النقط داخل مربع ليس لهم نفس الطبيعة. إلا أن النظرية انتصرت في النهاية، وتم قبولها في مطلع القرن العشرين. ونظرًا لأن المفاهيم الأساسية لنظرية المجموعات يمكن صياغتها بلغة المنطق، شرع بعض الباحثين في محاولة قصر الرياضيات على المناطق وصياغتها كلها بلغته.عندما انتهى عالم الرياضيات الألماني فريدريش لودفيج جوتلوب فريج (????–????) من كتابة البحث الضخم المكون من ثلاثة أجزاء «أسس الحساب» في عام ????، أعلن عالم المنطق الإنجليزي الشاب برتراند راسل (????–????) أن العناصر التي يقوم عليها كانت متناقضة. ولقد حاول كلٌّ من راسل وألفريد نورث وايتهيد (????–????) من جهة، ودافيد هيلبرت (????–????) من جهة أخرى؛ إثبات صحة بديهيات نظرية المجموعات كل على حدة؛ أي إثبات أنهم ليسوا متعارضين ولا يؤدون إلى تناقض. وانتهى الأمر في السابع عشر من نوفمبر ???? عندما تلقت جريدة «موناتشفتي فور ماتيماتيك» مقالًا لعالم الرياضيات النمساوي، البالغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، كيرت جودل (????–????)، يثبت فيه أنه من المستحيل إثبات صحة أو عدم جدوى هذه البديهيات؛ لأن المشكلة لا يمكن حسمها! وهكذا انهار التفاؤل الجميل لعلماء الرياضيات الذين ظنوا أن جميع المشكلات لها حل، وأن الأمر لا يعدو اختيار الطريقة المناسبة لإثبات أي نتيجة. ومن ثم لم تحظ بعض المشكلات بحل. واستنتاج كهذا كان له أهمية فلسفية عظمى؛ حيث أوضح حدود الرياضيات الداخلية.ولقد تكلمنا أيضًا عن الأزمة الناجمة عن اكتشاف الهندسة الكسرية.وحتى الآن، يخرج علماء الرياضيات دائمًا من الأزمات المجبرين على اجتيازها بفضل تعميق وإثراء المفاهيم المطروحة. وطالما خرجت الفيزياء أقوى من ذي قبل بعد الأزمات التي واجهتها لكن بطريقة مختلفة نوعًا ما، ولا سيما أن بعض النظريات تصبح قديمة ويتم الاستعاضة عنها بأخرى جديدة.هل من الضروري وضع خلاصة؟ لقد حاولت — عن طريق أمثلة واقتباسات — أن أثبت تعددية مناهج معالجة أي مشكلة جديدة، وأردت أن أبرز الطرق المختلفة التي قادت نساء ورجالًا إلى تحقيق اكتشافات علمية، جاء بعضها نتيجة الصدفة، والبعض نتيجة الخطأ، والبعض الآخر بفضل لحظة استنارة مفاجئة.وعلى غرار عالم الأحياء الفرنسي بيير لوكنت دي نووي، يجب أن يجعل كل باحث من تلك المقولة — التي لجيوم الأول من عائلة أورانج ناسو — شعارًا له: لستَ بحاجة إلى الأمل لكي تحاول، ولا إلى النجاح لكي تستمر.
المكتشفون

في هذا الجزء، سأقدم السيرة الذاتية لأهم المكتشفين الذين تحدثنا عنهم من قبل، هؤلاء هم الذين وضعوا أساس العلم.(?) أندريه ماري أمبير

ولد أندريه ماري أمبير في ليون في الثاني والعشرين من يناير ????. كانت الأسرة تقضي أوقاتها بالتناوب في ليون وبوليمينو — قرية صغيرة تبعد عشرة كيلومترات إلى الشمال — حيث كانت الأسرة تمتلك منزلًا. في عام ????، أراد والده أن يكرس وقته لتربية ابنه، فجاء واستقر تمامًا في مقاطعتهم. وعلى الرغم من عدم ذهابه إلى مدرسة، تلقَّى أمبير تربية ممتازة؛ فدرس الآداب اللاتينية والفرنسية، إلى جانب عدة فروع من العلوم. لم يكن أحد يطلب منه دراسة مجال معين، وإنما كانوا يتركونه حرًّا يتجول من مجال إلى آخر. وحتى قبل أن يتمكن من القراءة، كان يظهر شغفًا بالاستماع إلى مقاطع من كتاب «التاريخ الطبيعي» لبوفون، وينهل من موسوعة ديدرو ودالمبير، حتى إنه في غضون أعوام، كان بوسعه تسميع مقالات كاملة منها غيبًا. كان أمبير واثقًا من إمكانياته، وفي عامه الثالث عشر، شرع في كتابة بحث عن القطاعات المخروطية. ونظرًا لعدم وجود أي اتصال بينه وبين العالم الخارجي، كانت أفكاره جميعها جديدة ومبتكرة. ثم قدم إلى أكاديمية ليون أول أعماله حول طريقة جديدة لصنع خط له نفس طول محيط دائرة. كانت طريقته تستدعي طرق الحساب متناهي الصغر لكنه لم يكن قد درسه من قبل. ومن ثم رُفض بحثه. وعندها، بدأ يقرأ ما كتبه دالمبير في موسوعته عن هذا الأمر، وأدرك أنه لا بد له من دراسة الرياضيات. وتلقى بالفعل دروسًا في حساب التفاضل والتكامل على يد أحد الرهبان بليون، وبعدها عكف على قراءة أعمال أولر وبرنولي، ثم درس كتاب «الميكانيكا التحليلية» للاجرانج.لم تؤثر الثورة الفرنسية عام ???? بشكل واضح على بوليمينو، حتى قرر والده جان جاك — الذي كان يعمل في الأصل تاجرًا للحرير وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًّا — أن يقبل وظيفة قاضي صلح بليون. وبعدها أصبح ضابطًا للأمن، ثم رئيسًا لمحكمة شرطة الجنح. في عام ????، توفيت شقيقة أمبير. وكانت مدينة ليون قد رفضت تنفيذ الأوامر القادمة من باريس، فتم حصارها مدة شهرين. وبعد سقوط المدينة، أُلقي القبض على والد أمبير وأُعدم بالمقصلة. وكان لهذا الموت المفجع أثر لا يمحى على الشاب أندريه ماري. فانقطع عن دراسة الرياضيات أكثر من ثمانية عشر شهرًا. لكن حالفه الحظ السعيد بمقابلة جولي كارون ووقع في حبها. لكنها بدت أقل ولعًا به، حتى كتبت قائلة: «إنه لا يحسن التصرف، إلى جانب أنه أخرق ذو مظهر سيئ.» وعلى الرغم من ذلك، أعلنا خطبتهما. ورغبة منه في إثبات قدرته على كسب العيش، بدأ يعطي دروسًا في الرياضيات بليون. وتزوجا في عام ????، وفي العام التالي، رُزقا بابنهما جان جاك (????–????) الذي أصبح بعد ذلك مؤرخًا، ثم التحق بالأكاديمية الفرنسية. في عام ????، عُين أمبير أستاذًا للفيزياء والكيمياء بالمدرسة المركزية ببورج. لكن كانت جولي مريضة، فاضطر إلى السفر بمفرده. وفي بورج، كتب بحثًا عن نظرية الألعاب في الرياضيات، وقدمه للأكاديمية في عام ????. ووجد فيه عالم الفلك والفيزيائي بيير سيمون لابلاس (????–????) خطأً أصلحه أمبير بعد ذلك، وبالفعل تم طبع الكتاب. ثم عكف أمبير على دراسة حساب المتغيرات. وحرصًا منه على البقاء قريبًا من زوجته — التي تقيم في بوليمينو — عاد أمبير ليدرِّس الرياضيات بمدرسة ليون، بناءً على توصية من عالم الفلك جان باتيست دولامبر (????–????). لكن، توفيت جولي في يوليو ????، تاركة أمبير في حالة كاملة من التخبط. فقرر التوجه إلى باريس.ساعدته شهرته — دون أن يكون حاصلًا على شهادة — على الحصول على منصب معيد بكلية الهندسة في عام ????. وفي عام ????، تزوج ثانية من فتاة تدعى جان بوتو، لكنهما سرعان ما انفصلا حتى قبل مولد ابنتهما. وكانت بينهما القطيعة التامة، وتم الطلاق في عام ????، وحصل أمبير على حضانة ابنته. وفي عام ????، عُين أستاذًا بكلية الهندسة، وظل يعمل هناك حتى عام ????. وكان يشارك أوجستين لويس كوشي (????–????) — أحد أكبر علماء الرياضيات على مر العصور — في مهمة تدريس التحليل والميكانيكا. لكن كان هناك فرق شاسع بين الطريقة الجامدة — التي كان يلاقي الطلاب صعوبة في اتباعها — لكوشي، والطريقة الأكثر سهولة والمفضلة بين الطلاب لأمبير. كان أمبير شهيرًا وكان يزيد من شعبيته بين طلابه شروده غير المألوف: فمرة يضع قطعة الطباشير بدلًا من السكر في كوب الماء، ومرة قماش تنظيف السبورة بدلًا من منديله … ويُروى أنه ذات يوم جلس يكتب إثبات حل جديد على باب عربة، وفي لحظة واحدة وجد سبورته تمشي بعيدًا بأقصى سرعة. ومستغرقًا في أفكاره، كان يصطدم بشجرة في فناء الكلية، ثم يعتذر لها معتقدًا أنها شخص. كانت ملابسه السوداء على الطريقة الفرنسية لها طراز خاص يبهج الطلاب. وحينما كان يقف أمام السبورة، كان دائمًا ما يلتفت إلى طلابه ليتأكد أن ما يكتبه مقروء، وبما أن الإجابة كانت دائمًا بالنفي، فكان يعيد الكتابة بخط أكبر وأكبر حتى ينتهي به الأمر بكتابة حروف عملاقة مما يجبره على إعادة مسح السبورة باستمرار. وفي يوم ما، كان أمبير يعرض بحثًا أمام لجنة أكاديمية العلوم، وفجأة حدث هرج بين الحاضرين وقام رجل — مرتدٍ ثيابًا باللون الأزرق الغامق وحاصل على وسام الشرف — ليجلس في المكان الشاغر، مكان أمبير. وما إن أنهى أمبير عرضه، حتى عاد إلى كرسيه الجالس عليه هذا الشخص الغريب، وخاطب زملاءه متعجبًا كيف لشخص غريب أن يدخل الأكاديمية ويجلس مكان أحد أعضائها دون أن يقول له أحد شيئًا. فأجابه رئيس الأكاديمية إتيان جيفري سانت-هيلار (????–????) إن هذا المجهول إنما هو عضو بالمعهد وتم انتخابه في الخامس من نيفوز (الشهر الرابع في التقويم الجمهوري) من العام السادس. فسأل أمبير في أي مجال يتخصص هذا الغريب، فأجابه في الميكانيكا، فسارع أمبير وأحضر التقويم السنوي للأكاديمية، وتحقق ممن التحقوا بالأكاديمية في ذلك الوقت: كان نابليون بونابرت! وفي نهاية الجلسة، قال الإمبراطور بابتهاج لأمبير إن هذا هو عيب عدم مخالطته لزملائه، ودعاه إلى العشاء في اليوم التالي في قصر التويلوري، مؤكدًا له أنه سيحرص على أن يجلس بجانب الإمبراطورة حتى لا يخطئ في معرفتها. لكن في اليوم التالي، نسي أمبير تمامًا أمر الدعوة. وبعد انتظار دام ساعة، جلس الإمبراطور ليتناول عشاءه من دون أمبير!في عام ????، تم تعيين أمبير رئيسًا للجامعة، ولقد ظل في منصبه حتى وفاته. وتنوعت اهتماماته ومن ضمنها رغبته في تصنيف العلوم. ويبدو أنه كان أمرًا حاسمًا لانتخابه رئيسًا للمعهد في نوفمبر ????؛ حيث كان يتنافس مع كوشي. كان له إسهام كبير في الكيمياء باكتشافه للفلورين. كما اهتم بدراسة انكسار أشعة الضوء حتى أصبح مدافعًا كبيرًا عن النظرية الجسيمية للضوء لأوجستين جان فريسنيل (????–????)، الذي كان يقيم لدى أمبير منذ عام ???? وحتى وفاته.ثم توالت أعماله الشهيرة حول الكهرباء والمغناطيسية. في عام ????، اكتشف هانز كريستيان أورستيد? (????–????) أن الإبرة الممغنطة تنحرف إذا كانت في محيط تيار كهربائي. لكن لم يكن أحد قادرًا على فهم هذه الظاهرة — وبالطبع تفسيرها. وفي غضون أسابيع قليلة، وضع أمبير أسس وقواعد الكهرومغناطيسية. وبيَّن التشابه بين الكهرباء والمغناطيسية، مفسرًا المجال المغناطيسي للأرض مؤكدًا على وجود تيارات جسيمية في المغناطيس والصفائح المغناطيسية. وأوجد مفهوم التيار الكهربائي، معطيًا له اتجاهًا وواضعًا له الصيغ الشهيرة التي تُسمى منذ ذلك الحين «ببونوم أمبير». واقترح أن الكهرومغناطيسية يمكن استخدامها في نظام البُرُق. كما اخترع أمبير البوصلة غير الثابتة التي قادت إلى اختراع المقياس الجلفاني والملف اللولبي الذي أدى إلى اختراع المغناطيس الكهربي.في عام ????، تم تعيينه أستاذًا بجامعة فرنسا؛ حيث كان يعطي محاضرات حول الديناميكا الكهربية. وممن حضروا هذه المحاضرات كان جوزيف ليوفيل (????–????) وهو عالم الرياضيات الذي اكتشف الأعداد المتسامية؛ أي الأرقام التي ليست جذورًا لمعادلة متعددة الحدود لها معاملات كاملة (العدد رقم متسامٍ). كان ليوفيل قد نقح الملاحظات التي أخذها من محاضرات أمبير. ولبعض الوقت، عمل أمبير أستاذًا للفلسفة بكلية الآداب.غادر أمبير باريس في السابع عشر من مايو ????، منطلقًا في جولة تفتيش بوصفه مفتشًا عامًّا للجامعات، لكنه توفي في مارسيليا في العاشر من يونيو ???? ودُفن بمقابر مونمارتر بباريس إلى جوار ابنه.(?) أرشميدس

ولد أرشميدس — من سيراقوسة بسيسيليا — في عام ???ق.م كان والده عالم فلك. يُقال إن أرشميدس اخترع البرغي أثناء رحلته إلى مصر. كما أنه درس بلا شك مع خلفاء إقليدس (القرن الثالث ق.م) بالإسكندرية. وكان يُراسل بعضهم، وعلى وجه الخصوص كونون الساموسي (???ق.م–???ق.م). في مقدمة كتابه حول الأشكال اللولبية، يروي لنا أرشميدس أن علماء الرياضيات اعتادوا أن يتبادلوا مبرهناتهم الأخيرة، لكن دون إثباتاتها، ثم يطالبوا بأسبقية ملكيتهم لها. ولكي يربكهم، أرسل لهم أرشميدس مجموعة من نتائجه واضعًا بينها نتائج خاطئة.يبدو أن أرشميدس كان مقربًا من هيرون الثاني السيراقوسي (???ق.م–???ق.م. أما الطاغية الشهير فكان يُعرف بهيرون الأول وكان يعيش قبل مائة وخمسين عامًا). كان المعاصرون لأرشميدس يستشهدون بأعماله، وحظي بشهرة لم ينلها أحد من جيله. ولا يرجع السبب إلى أفكاره الجديدة في الرياضيات، وإنما إلى الآلات التي كان يخترعها والتي استخدمت في الحروب، وخاصة في الدفاع عن سيراقوسة أيام حصارها على يد الرومان في عام ???ق.م تحت قيادة كلاوديوس ماركوس مارسيلوس (???ق.م–???ق.م). كما قام أرشميدس باختراعات أخرى أكثر سلمية مثل بكرة رفع الأثقال المركبة. كان مفتونًا بالهندسة، وهو يعد بالنسبة لكثير من المؤرخين أحد أكبر علماء الرياضيات على مر العصور. فلقد أجرى تعديلات على نظام التكامل لحساب أسطح وأحجام العديد من الأجسام. فعلى حد قول عالم الرياضيات ميشيل تشازل (????–????)، فإن أرشميدس هو مؤسس الحساب متناهي الصغر الذي طوره فيما بعد يوهانز كِبلر? (????–????) وبونافنتورا كافليري (????–????) وبيير دي فيرما (????–????) وجوتفريد فيلهلم لايبنتز? (????–????) وإسحاق نيوتن (????–????). أثبت أرشميدس كيف يمكن حساب الجذر التربيعي لرقم بطريقة تقريبية، ووجد طريقة التمثيل التقريبي للأرقام الكبيرة بواسطة الكسور. كما اقترح اعتبار هي القيمة التقريبية ? . وفي الميكانيكا، اكتشف المبرهنات الأولية المتعلقة بمركز جاذبية الأشكال المسطحة والصلبة. وتتعلق مبرهنته الأكثر شهرة بتحديد وزن جسم صلب مغمور في الماء، التي تعرف الآن باسم قاعدة أرشميدس والتي رويت قصة اكتشافها.ولقد وصل بضعة كتب كتبها أرشميدس إلينا اليوم. أثناء صيف ????، اكتشف يوهان لودفيج هيبرج (????–????) — مؤلف روايات خفيفة ومسرحيات وأستاذ فقه اللغة بجامعة كوبنهاجن — مخطوطة ترجع إلى القرن العاشر تحتوي على أحد أعمال أرشميدس. ولقد ألقى هذا الاكتشاف الضوء على الطريقة التي كان أرشميدس يتوصل بها إلى نتائجه.قُتل أرشميدس في عام ???ق.م أثناء استيلاء الرومان على سيراقوسة خلال حرب قرطاجة. كان يعتبر أهم إنجازاته هي النتائج المتعلقة بشكل كرة مرسوم داخل أسطوانة، وطلب أن يُرسم هذا الشكل على مقبرته. ولقد روى لنا سيسرون قصة زيارته لهذه المقبرة في عام ??ق.م. كانت أعمال أرشميدس غير معروفة بالقدر الكافي وقت وفاته، لكنها لاقت شهرة كبيرة في القرن السادس الميلادي عندما نشرها أوتوسيوس الأشقلوني (حوالي ???م) مصحوبة بتعليقات.(?) يوهان بالمر

ولد يوهان ياكوب بالمر بمدينة لوزان بالقرب من بال بسويسرا في الأول من مايو ????. كان الابن الأكبر، وكان والده — الذي يدعى أيضًا يوهان ياكوب — يعمل قاضيًا أعلى. وذهب بالمر إلى المدرسة الابتدائية بليستال، ثم الثانوية ببال. وتفوق في الرياضيات وعقد العزم على الالتحاق بالجامعة لدراستها. وذهب في البداية إلى كارلسروه، ثم إلى جامعة برلين؛ حيث حصل على شهادة الدكتوراه ببال عن رسالته حول الخط المنحني المرسوم في دائرة تتدحرج على سطح مستوٍ.وطوال حياته، ظل يدرِّس في بال، في البداية في مدرسة ثانوية للبنات. وفي الفترة من ???? إلى ????، كان يعطي محاضرات بالجامعة أيضًا. اهتم بمجال الهندسة، لكنه لم يقم بأي اكتشاف فيه. وعندما بلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا — في عام ????، تزوج من كريستين بولين رينك وأنجب منها ستة أطفال.في عام ????، توصل إلى صيغته المتعلقة بخطوط طيف ذرة الهيدروجين. ولقد صدرت في أحد مقاليه اللذين كتبهما في حياته، وكان يبلغ من العمر ستين عامًا. وقد ظهر مقاله الثاني في عام ????، وكان قد بلغ عمره اثنين وسبعين عامًا.وتوفي في بال في الثاني عشر من مارس ????.(?) هنري بيكيريل

كان جد ووالد بيكيريل — المولود في باريس عام ???? — وابنه أيضًا جميعهم مهندسين، كما عملوا جميعهم أساتذة للفيزياء بمتحف التاريخ الطبيعي، وجميعهم كانوا أعضاءً بأكاديمية العلوم. درس بيكيريل بثانوية لويس الأكبر؛ حيث كان معلمه هو عالم الرياضيات الكبير جاستون داربو (????–????). والتحق بكلية الهندسة عام ????، وتخرج فيها عام ???? في قسم الطرق والكباري. ثم تزوج من لوسي جامين، ابنة أستاذه في الفيزياء بكلية الهندسة الذي كان عالم بصريات شهيرًا وعضوًا بالأكاديمية. واستقبلا في عام ???? ابنهما الأول — جان — الذي التحق بكلية الهندسة وصار أستاذًا بمتحف التاريخ الطبيعي بقسم الفيزياء، واكتشف الاستقطاب الدوراني شبه المغناطيسي وأصبح عضوًا بأكاديمية العلوم في عام ????. لكن يبدو أن المسيرة العلمية توقفت هنا.منذ تخرجه في كلية الطرق والكباري، أبدى بيكيريل اهتمامًا أكبر بالعلوم المجردة أكثر من العلوم التطبيقية. وسرعان ما تخلى عن مسيرته كمهندس.وكان الموضوع الأكثر ذيوعًا بين الفيزيائيين هو التفاعل بين الضوء والمادة في وجود المجالات المغناطيسية مثل أعمال مايكل فاراداي (????–????) وجوزيف لارمور (????–????). كما عمل الهولنديان هندريك أنطون لورنتز (????–????) وبيتر زيمان (????–????) في نفس المجال أيضًا. ولقد تمحور أول أعمال بيكيريل حول القدرة الدورانية المغناطيسية والاستقطاب الضوئي، مما قاده في عام ???? إلى إرجاع الدوران الذي يحدث على مستوى استقطاب الضوء إلى تأثير المغناطيسية الأرضية. كما درس أيضًا أطياف انبعاث البخار المعدني المتوهج، إلى جانب ظاهرة البريق والإشعاعات تحت الحمراء. ولقد تناولت رسالته للدكتوراه عام ???? ظاهرة امتصاص البلورات للأشعة. ولقد نشر عدة مقالات في هذا الموضوع، بالإضافة إلى كتاب يدعى «الكيمياء الكهربية» في عام ????. إلا أن مجاله المفضل ظل دراسة الكهرباء.ابتداءً من عام ????، عمل معيدًا لمحاضرات الفيزياء بكلية الهندسة. وفي عام ????، تم اختياره للانضمام لأكاديمية العلوم؛ حيث أصبح سكرتيرها الدائم كبديل عن مارسلين بيرتهولت (????–????) الكيميائي والسياسي. في عام ????، تم تعيينه أستاذًا للفيزياء بمتحف التاريخ الطبيعي عقب وفاة والده. وفي نهاية محاضرته الافتتاحية المخصصة لتكريم سابقيه — والده وجده — تحدث عن «حياة كاملة مكرسة للعلم». في عام ????، أصبح أستاذًا بكلية الهندسة. وبعد عام، اكتشف بمحض الصدفة الطاقة الإشعاعية لأملاح اليورانيوم. ولقد جاء اكتشافه في موعده؛ لأنه في نفس الوقت كان سيلفانوس طومسون (????–????) يستعد في لندن لنشر نتائج مشابهة. في عام ????، حصل بيكيريل على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع بيير كوري (????–????) وزوجته ماري كوري سكلودوفسكا (????–????) لاكتشافهما للطاقة الإشعاعية الطبيعية ودراساتهما حول الإشعاعات المنبعثة.وبعد هذه الجائزة، استكمل بيكيريل أعماله بالتعاون مع بيير وماري كوري، لكنه توفي في الخامس والعشرين من أغسطس ???? في مدينة كوراسيك، ولم يكن يبلغ من العمر سوى ستة وخمسين عامًا.(?) ألكسندر جراهام بل

ولد ألكسندر جراهام بل بإدنبرة في الثالث من مارس عام ????. ودرس بجامعتي إدنبرة ولندن. ولقد تحددت مسيرته وفقًا لمسيرة جده ووالده. فكان جده «خبيرًا في الإلقاء والبيان»، وهي مهنة لم تعد موجودة. وأصبح يُقصد بها أساتذة إلقاء الشعر الذين لديهم القدرة على قراءة قصائد ومقتطفات من أعمال شكسبير بنطق رائع وتأثيرات بلاغية ومسرحية. وكان والد بل — ميلفيل — ذائع الصيت في مهنته. وكانت له عدة مؤلفات بلغ عدد طبعات أحدها مائتي طبعة! كان ميلفيل بل قد اخترع نظامًا لتمثيل الأصوات عن طريق رموز تشير إلى موضع وحركة الحلق واللسان والشفتين. وكان يمكن استخدامه لنطق اللغة الإنجليزية، بل أيضًا اللغات الأجنبية. في طفولته، كان والده يتخذ منه مثالًا لعرض هذا النظام خلال المؤتمرات التي ينظمها.في عام ????، استقرت الأسرة في لندن. وكان بل يعمل في تدريس الإلقاء ومعالجة النطق. كانت والدته قد أصابها الصمم، مما شجعه أكثر على متابعة هذا الطريق. لكنه اكتشف أنه مهدد بالإصابة بالسل، المرض الذي أودى من قبل بحياة شقيقيه. هاجرت الأسرة إلى اسكتلندا الجديدة عسى أن يسترد بل صحته. وهناك كان يُدرس لغة الإشارة للصم. ونظرًا لشهرته، تم تعيينه في عام ???? أستاذًا للفسيولوجيا الصوتية بكلية الخطابة بجامعة بوسطن. ومكث هناك أربعة أعوام. كان بعض الأساتذة يظنون أن تعلم هذه اللغة مضيعة للوقت، وأنه بالأولى تعلم مخاطبة ضعاف السمع. كان بل قد شرع في تعليم طفل أصم منذ ولادته، عمره خمس سنوات، بالإضافة إلى فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا أصابها الصمم وهي في الرابعة من عمرها. وبعد مرور عامين، تزوجها. وقد ساعده الدخل الذي يحصل عليه من أهليهما في توفير الموارد المالية الكافية لتمويل هذه التجارب، إلى جانب التجارب التي قادته لاختراع الهاتف ولم يكن يبلغ من العمر تسعة وعشرين عامًا. كان قد لاحظ مبكرًا منذ طفولته أنه كلما ضغطنا على وتر للبيانو في غرفة ما، كان يتردد صدًى في البيانو الموضوع في الغرفة الأخرى. وهكذا أدرك أن اهتزازات أي وتر تنتقل في الهواء، مما أوحى له بفكرة تطوير تلغراف متعدد باستخدام شفرة مورس. ولم يعد يتبقى سوى تحويل النبضات إلى كهرباء وتنغيم الصوت إلى تغيرات في التيار الكهربائي لاختراع الهاتف، الأمر الذي تم كما رأينا من قبل في العاشر من مارس ????. وتأسست أول شركة للهواتف — شركة بل للهواتف — في التاسع من يوليو ????.ونظرًا لتيسر حالته المادية، أعلن بل تقاعده الرسمي في عام ????، لكنه لم يتوقف أبدًا عن العمل والاختراع. وظل يتابع تجاربه حول الاتصال. واخترع في البداية — في ذلك العام — الفوتوفون الذي يتيح نقل الأصوات عن طريق أشعة الضوء. ويمكن أن نرى في هذا الاختراع تمهيدًا لاختراع الألياف الضوئية. ثم طرأت له فكرة الاستعاضة عن المعدن بالشمع في صناعة أسطوانات الفونوغراف. كما وجد طريقة لتحديد أماكن الأشياء المعدنية — مثل طلقات الرصاص — داخل جسم الإنسان، حتى قبل اكتشاف الأشعة السينية. وقام بإجراء تجارب على الطائرات الورقية، مبديًا اهتمامًا واسعًا بتصنيع الطائرات. في عام ????، بعد ستة أعوام من نجاح ويلبر رايت (????–????) وشقيقه أورفيل (????–????) في الطيران، قطعت إحدى طائراته مسافة نصف ميل. كما اخترع تقنيات أخرى لتعليم الكلام للصم، الأمر الذي ظل شاغله الأكبر طوال حياته.وتوفي بل في باديك نوفا سكوشا في الثاني من أغسطس ????.(?) فراكا فولفجانج ويانوس بولييه

ولد فراكا فولفجانج بولييه في التاسع من فبراير ???? في بوليا (بالقرب من ناجيزيبين) بترانسيلفانيا بالإمبراطورية النمساوية (المعروفة الآن بسيبو برومانيا). ودرس بجينا ثم بجوتنجن؛ حيث تلقى محاضرات أبراهام جوتلف كيستنر (????–????). وربطت الصداقة بينه وبين كارل فريدريش جاوس (????–????) الذي كان طالبًا هناك هو الآخر. وقد قضى حياته كلها يعمل في تدريس الرياضيات والفيزياء والكيمياء في ماروسفاسارهلي.جذبته بشدة مبادئ الهندسة، وخاصة قاعدة المتوازيات. وتراسل مع جاوس بخصوص هذا الشأن. وكان عمله الرئيسي عبارة عن بحث عن الأساس المحدد والنظامي للهندسة والحساب والجبر والتحليل. ولقد حاول — دون جدوى — منع ابنه يانوس من دراسة قاعدة المتوازيات. وأمام إحباطه الشديد من هذه القاعدة، مضى يكتب قصائد ومسرحيات ويؤلف الموسيقى.وتوفي في العشرين من نوفمبر ???? بماروسفاسارهلي بترانسلفانيا (تدعى الآن تيرجو مورس، برومانيا).ولد ابنه — يانوس بولييه — في الخامس عشر من ديسمبر ???? في كولوسفار بالإمبراطورية النمساوية المجرية (تُعرف الآن بكلوج، رومانيا). وعندما بلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، كان يعرف — بفضل دروس والده — التحليل الرياضي والميكانيكا التحليلية. كما كان يعزف الكمان بمهارة، ويقدم حفلات بفيينا. ثم استكمل دراسته بالكلية الملكية للمهندسين بفيينا من عام ???? وحتى ????. وفور تخرجه، التحق بهيئة الأعمال المدنية بالجيش وظل هناك مدة أحد عشر عامًا. كان الأول بين كل زملائه بالجيش النمساوي الإمبراطوري في المبارزة والرقص. لم يكن يدخن أو يحتسي الكحوليات على الإطلاق، ولا حتى القهوة. وكان وهو في عامه الثالث والعشرين لا يزال محتفظًا بنوع من التواضع البريء. كما كان ماهرًا في اللغويات، بارعًا في التحدث بتسع لغات مختلفة من بينها الصينية ولغة التبت.في الفترة ما بين ???? و????، أعد مؤلفًا حول نظام كامل للهندسة غير الإقليدية. وقبل نشره، اكتشف أن جاوس قد توصل بالفعل إلى معظم هذه النتائج، لكن لم يكن يمتلك القدر الكافي من الثقة لنشرها. كانت تلك ضربة قوية ليانوس، لكنه أصر على طبع مؤلفه في عام ???? كملحق لأحد كتب والده. وبعد أن قرأ هذا العمل، أرسل جاوس إلى صديق له كان يعتبر بولييه عبقريًّا من الدرجة الأولى وإلى فولفجانج بولييه، يقول لهما إن أعمال ابنه جاءت شبه متطابقة مع تأملاته التي قضى فيها الثلاثين أو الخمسة والثلاثين عامًا الأخيرة! حينما كانت الأفكار في الهواء! في عام ????، اكتشف بولييه أن نيكولاي إيفانوفيتش لوباتشفسكي (????–????) قد نشر عملًا مشابهًا في عام ????. كما طور بولييه المفهوم الهندسي للأرقام المركبة كأزواج مرتبة من الأرقام الصحيحة. وفي حين لم يتجاوز الملحق الذي نشره في كتاب والده أربعًا وعشرين صفحة، وُجد لديه — عند وفاته في السابع والعشرين من يناير ???? بماروسفاسارهلي — أكثر من عشرين ألف صفحة مخطوطة.(?) إيميل بوريل

ولد فيليكس إدوارد جاستين إيميل بوريل في السابع من يناير ???? بسانت أفريك بلافيرون. ومنذ طفولته، كان عبقريًّا مفتونًا بالرياضيات. وحصل على منحة للدراسة بثانوية لويس الأكبر بباريس، وفي سن الثامنة عشرة، كان أول المقبولين بالمسابقة العامة لكلية الهندسة والمدرسة الطبيعية العليا. وبالاتفاق مع والده اختار الالتحاق بالثانية لكونه ميالًا للبحث أكثر من السعي وراء المال والمركز الاجتماعي. ثم تزوج من ابنة العالم الرياضي بول أبيل (????–????) المعروفة برواياتها — المكتوبة تحت اسم مستعار كاميل ماربو (اختصار مارجريت وبوريل) (????–????) التي حازت جائزة فيمينا عام ????. كما ألفت كتابًا روت فيه ذكريات شديدة الجاذبية لمن يريد أن يعرف أكثر عن الظروف التي أحاطت بزوجها.تم تعيين بوريل — حتى قبل مناقشة رسالته — مدرسًا بجامعة ليل وهو لا يزال في العشرين من عمره. ثم أصبح أستاذًا بالمدرسة الطبيعية العليا في عام ????، وأخيرًا اخترعوا له خاصة منصب الأستاذية لنظرية الدوال بجامعة السوربون في عام ????. وأثناء الحرب، ألح لكي يتم إرساله إلى الجبهة مما أهله للحصول على وسام صليب الحرب لشجاعته عام ????.بعد الحرب العالمية الأولى، حصل بوريل على الأستاذية في حساب الاحتمالات، وكرس طاقته لتطوير هذا المجال وعلاقته بالفيزياء الرياضية. كان من أوائل علماء الرياضيات الذين اهتموا بنظرية الألعاب وبتعريف ألعاب الاستراتيجية. كما ألف كتابًا عن لعبة البريدج. في عام ????، تم انتخابه في أكاديمية العلوم. ولقد عمل جاهدًا لإنشاء معهد هنري بوانكاريه في باريس عام ????، الذي أصبح مركزًا عالميًّا معروفًا بأبحاثه في الرياضيات.وعلى الرغم من عدم ميله للاجتماعيات، فقد كان يتردد على بعض مثقفي عصره مثل بول فاليري (????–????) وأيضًا زميله عالم الرياضيات بول بينلوفيه (????–????) ذي الاتجاهات الاشتراكية، الذي أصبح رئيسًا للمجلس في الفترة ما بين ???? و????. وعندما هاجمت الصحافة ماري كوري (????–????) بسبب علاقتها ببول لانجوفين (????–????)، قام بوريل وزوجته باستضافتها لديهما مدافعين عنها بإصرار. ما بين ???? و????، أصبح بوريل نائبًا عن مدينة لافيرون، ثم عين وزيرًا للبحرية في الفترة من ???? وحتى ????. وعلى إثر اعتقاله وسجنه مدة قصيرة على يد نظام فيشي، انضم إلى المقاومة وحصل على وسام المقاومة في عام ???? وعلى وسام الصليب الأكبر الشرفي في عام ????. وعن مجمل أعماله منحه المركز القومي للبحث العلمي أول ميدالية ذهبية في عام ????.وتوفي في باريس في الثالث من فبراير ????.(?) روبرت فيلهلم فون بنزن

ولد روبرت فيلهلم أبرهارد فون بنزن بمدينة جوتنجن بويستفالي في الحادي والثلاثين من مارس ???? وهو أصغر أشقائه الأربعة. كان والده أستاذًا للغات الحديثة بالجامعة. وبعد أن التحق بالمدرسة في هولزميندين، انتقل بنزن لدراسة الكيمياء بجوتنجن وناقش في عام ????، وهو في التاسعة عشرة من عمره، رسالته حول الوسائل المختلفة لقياس الكتلة الذرية للسوائل. ثم سافر مدة ثلاث سنوات — بتمويل جزئي من الحكومة — داخل ألمانيا وإلى باريس وبالطبع إلى فيينا. وتمكن من زيارة مصنع آلات كارل أنطون فرانز جوزيف هينشيل (????–????) وهناك رأى آلة بخار جديدة. وفي برلين، كان على اتصال بفريدلييب فرديناند رونج (????–????) صاحب اكتشاف الأنيلين. وفي جيسين، التقى بجوستوس فون ليبيج (????–????)، وبإيلهارد ميتشيرليتش (????–????) في بون. وأثناء إقامته بباريس، تابع بعض المحاضرات بكلية الهندسة، وتعرف على بعض الكيميائيين ذائعي الصيت مثل جوزيف لويس جاي-لوساك (????–????). واستطاع أن يكوِّن علاقات قوية بالعديد من العلماء.وعند عودته إلى ألمانيا، حصل على وظيفة في جوتنجن، وبدأ أعماله التجريبية حول عدم ذوبان أملاح المعادن في حمض الزرنيخ. وحتى الآن، يعد اكتشافه لفكرة استخدام هيدرات أكسيد الحديد كعامل محفز أفضل ترياق لعلاج التسمم بالزرنيخ. وخلال عامين، انتهى من كتابة رسالته حول المكونات المعدنية-العضوية التي تُعد إسهامه الوحيد في مجال الكيمياء العضوية والفسيولوجيا.في عام ????، خلف فريدريش فوهلر? (????–????) بجامعة كاسيل. وظل هناك مدة عامين، قبل أن يتم تعيينه أستاذًا بجامعة مارسبورج؛ حيث كان مديرًا لمعمل الكيمياء. وهناك قام بأخطر تجاربه حول مشتقات الكاكوديل، المصنوع من الزرنيخ المذاب في أسيتات البوتاسيوم. كانت طريقة تركيبه مجهولة، وكانت مكوناته سريعة الاشتعال ورائحته مثيرة للغثيان، ولا سيما أنه كان من السموم. ولقد جاوزت نتائجه تلك التي توصل إليها جاي-لوساك وليبيج وفوهلر. لكنه أصيب بأضرار بالغة بسبب التسمم بالزرنيخ، حتى إن تجاربه كلفته إحدى عينيه.كان عمله التالي يتعلق بالتحليل الغازي. واقترح طرقًا لإعادة تدوير الغازات ولكيفية الحصول ثانية على منتجات مشتقة مفيدة من الأفران العالية. كما أوضح كيف يمكن تحديد الوزن النوعي للغاز وقياس قدرته على الامتصاص عن طريق السوائل وأيضًا معدل انتشاره. كما طور طريقة تحليل الغازات لقياس تغيرات الحجم أثناء التفاعلات الكيميائية بين الغازات. ولقد أرست أعماله أسس التقنيات الجديدة التي ستظل تستخدم مائة عام بعد ذلك. كما درس التيارات المجلفنة في البطاريات الكهربائية. وهو صاحب فكرة الاستعاضة عن القطب الكهربائي البلاتيني باهظ الثمن بآخر من الكربون. وكانت هذه هي بطارية بنزن المستخدمة على نطاق واسع في إنتاج الأقواس الكهربية وأقطاب التحليل الكهربائي.وتعد رحلته الجيولوجية إلى أيسلندا — الممولة من قبل الحكومة الدنماركية عقب ثورة بركان مونت هيكلا في عام ???? — إحدى المحطات التي لا تنسى في فترة إقامته بمارسبورج. وقام بنزن — الذي طالما اهتم بالجيولوجيا — بجمع الغازات المنبعثة وبعمل التحليل الكيميائي للعديد من الصخور البركانية. كما درس نظرية ينابيع المياه الساخنة التي كان يعتقد حينها أنها من مصدر بركاني، وأثبت بنزن أن هذا التدفق يأتي من المياه التي تغلي في منتصف المسار وتدفع بباقي تيار المياه إلى أعلى. في عام ????، قضى بنزن عامًا بجامعة برسلو (فروتسواف ببولندا). وهناك قابل جوستاف روبرت كيرشوف? (????–????) الذي أصبح صديقًا له. وفي عام ????، طلبت جامعة هيدلبرج من بنزن أن يخلف ليوبولد جميلين (????–????). ودبر بنزن حصول كيرشوف على منصب هناك هو الآخر. ولقد كان وجود بنزن بهيدلبرج سببًا في جذب العديد من الطلاب والكيميائيين إليه من كافة أنحاء العالم على غرار أوجست كيكولي? (????–????) وإيميل ريتشارد أوجست كارل إيرلينماير (????–????) ويوهان فريدريش فيلهلم أدولف فون باير (????–????) وهنري روسكو (????–????). كانت لديه أفضل المعدات في ذلك الوقت، وأصبحت جامعة هيدلبرج أحد المراكز الأولى على مستوى العالم في أبحاث الكيمياء. تخلى بنزن عن مجال الكيمياء العضوية الذي أخذ يتطور بسرعة، واستأنف تجاربه حول البطاريات الكهربائية. وباستخدام حمض الكروميك بدلًا من حمض النيتريك، استطاع إنتاج معادن نقية عن طريق التحليل الكهربائي مثل الكروم والمغنسيوم والألومنيوم والمنجنيز والصوديوم والباريوم والكالسيوم والليثيوم. وابتداءً من عام ????، شرع في أعمال رائدة في الكيمياء الضوئية مع هنري روسكو (????–????). ودرسا كمية ا? H-Cl المكون من الهيدروجين والكلورين التي تعتمد على كمية الضوء التي يتلقاها. ثم عكف على العمل مع كيرشوف حول التحليل الطيفي، قاطعًا نهائيًّا تعاونه مع روسكو.خطرت لجوستاف كيرشوف فكرة عبقرية، تتمثل في فصل أشعة الضوء المختلفة عن طريق منشور بدلًا من مشاهدته من خلال زجاج ملون لبيان الفروق بين موجات الألوان. وكان هذا هو مولد التحليل الطيفي، الذي سيصبح ذا أهمية بالغة في التحليل الكيميائي. إلا أنه لدراسة أي طيف كان لا بد من وجود شعلة غير مضيئة وذات درجة حرارة مرتفعة. وفي مقالهما الصادر في ????، قال كل من بنزن وكيرشوف إن قنديل الغاز الذي صنعه أحدهما يمتلك الخواص المناسبة. بالطبع كان يقصد «موقد بنزن» الشهير الذي يرجع اختراعه إلى عام ????. وحتى ذلك التاريخ، كانت الشعلات — حتى تلك التي تستخدم لإضاءة المعامل — مرتعشة وكثيرة الدخان وغير ساخنة بالدرجة الكافية. كانت فكرة بنزن بسيطة: بدلًا من خلط الهواء بالغاز في موضع الاحتراق، كان من الأفضل خلطهما قبلًا. وذهب لمقابلة متخصص في الميكانيكا بيتر ديزاجا ليأخذ منه إرشادات لتصنيع موقده. وكان ابنه — سي ديزاجا — يعمل على تأسيس مصنع للأجهزة العلمية. وعلى الرغم من عدم وجود أي نص يثبت ذلك، فإن بيتر ديزاجا لا بد أنه كان صاحب إسهام كبير في الشكل النهائي للموقد ذي الثقبين الكبيرين والقرص المثقوب الذي يدور. ولم يتقدم بنزن وديزاجا بطلب تسجيل براءة اختراع، وبدأ آخرون يصنعون هذا الموقد، بل ويقدمون على طلب براءة اختراع له؛ مما اضطر بنزن وديزاجا إلى مراسلة السلطات والمطالبة بأحقيتهما في الاختراع. وفي عام ????، تشارك بنزن وروسكو في كتابة مقال ذُكر فيه هذا الموقد.كان بنزن وكيرشوف منغمسين في التحليل الطيفي وتطوير جهاز التحليل الطيفي. وبفضل هذا الجهاز، اكتشفا في عام ???? المعدن الرابع لمجموعة القلويات وهو السيزيوم، وأطلق عليه هذا الاسم بسبب الشعاع الطيفي الأزرق الجميل الذي له. وبعد بضعة شهور، كان اكتشاف معدن قلوي آخر وهو الروبيديوم الذي يمتلك شعاعين باللون البنفسجي. ولقد قاد جهاز التحليل الطيفي إلى اكتشاف الثاليوم (على يد كروكس عام ????)، والإنديوم (على يد رايخ وريختر عام ????)، والجاليوم (على يد لوكوك دي بواسبودرن عام ????)، والسكانديوم (على يد نلسون عام ????)، والجيرمانيوم (على يد وينكلر عام ????). في عام ????، تم اكتشاف الهليوم في طيف الشمس. وفي عام ????، صنع بنزن جهازًا لقياس كمية الحرارة المتولدة من جسم، وهو جهاز حساس يمكنه قياس حجم الثلج المذاب أكثر من وزنه. كما تمكن أيضًا من الحصول على الحرارة النوعية للمعادن وتحديد أوزانها الذرية الحقيقية. ونحن مدينون لبنزن باختراعات أخرى مثل المضخة، وجهاز قياس كمية الحرارة المتولدة من جسم الذي يعمل بالبخار، ومقياس الضوء، والصمام الجديد.كان بنزن مكرسًا بالكامل للعلم وظل عَزَبًا. كما كان شديد التواضع، حتى إنه لم يكن يستخدم «أنا» أثناء الحديث عن اكتشافاته. إلا أنه كان مدركًا لقيمته ويعلم كيف يستثمر هذه القيمة بوعي. في عام ????، اختِير بالجمعية الكيميائية بلندن وأكاديمية العلوم بباريس. كما نال العديد من التكريمات الأخرى. وكان يقول إن مثل هذا التكريم كانت قيمته الوحيدة لديه هي إسعاد والدته. في الجامعة، كان عادة ما يتولى أمر المحاضرات التمهيدية التي كان يتهرب منها زملاؤه. وكان يشدد على ضرورة التجربة ويمهد لطلابه بصبرٍ الدخولَ إلى عالم الكيمياء التحليلية. وكان يعهد إلى كل واحد من طلابه بمهمة ليتابع تقدمهم فيها حتى يصلوا إلى نوع من الاستقلال. ومن أشهر طلابه يوليوس لوثر ماير (????–????) وديمتري إيفانوفيتش مندليف? (????–????).قرر بنزن التقاعد وهو في الثامنة والسبعين من عمره، والتفت إلى متابعة الجيولوجيا وآخر تطوراتها. وظل يراسل أصدقاءه روسكو وكيرشوف وهيرمان فون هلمهولتز? (????–????). وتوفي بنزن في السادس عشر من أغسطس ???? ودُفن ببيرجفريدهف بمدافن هيدلبرج. وشيد له نصب تذكاري داخل مبنى هوبتسراس عام ????.(?) أندريه لويس شولسكي

ولد أندريه لويس شولسكي في الخامس عشر من أكتوبر عام ???? بمونتجيون في منطقة جونزاك أن شارنت ماريتيم. كان والده أندريه شولسكي يعمل مدير مطعم، وكانت والدته تدعى آن مورو. ويبدو أنه ليس لدينا أي تفاصيل عن طفولته التي يُحتمل أن يكون قضاها بمونتجيون. ولقد التحق بثانوية سان جون دانجيلي وحصل على الجزء الأول من البكالوريا من بوردو في الرابع عشر من نوفمبر ???? وهناك أيضًا، أتم الجزء الثاني — بتقدير جيد — في الرابع والعشرين من يوليو ????. في الخامس عشر من أكتوبر عام ????، التحق بكلية الهندسة. وعند تخرجه برتبة مساعد ملازم التحق بالمدفعية كطالب بالمعهد التطبيقي للمدفعية والهندسة. وفي الأول من أكتوبر ????، عُين ملازمًا ثانيًا بالكتيبة رقم اثنين وعشرين من المدفعية. وخلال عامي ???? و????، قام بمهمات مختلفة في تونس ثم في الجزائر، وفي عام ????، تم تعيينه بالهيئة الجغرافية لأركان الحرب بالجيش. وهناك عُرف على الفور بذكائه الحاد وتمكنه من العمليات الرياضية بسهولة فائقة، وأيضًا بأفكاره غير التقليدية، بل المتناقضة في بعض الأحيان، التي كان يدافع عنها بحرارة شديدة. في ذلك الوقت، بعد مراجعة خط الشمال لباريس، تقرر القيام بمسح أرضي جديد لفرنسا باستخدام حساب المثلثات. وكانت مشكلة التعويض في الشبكات أمرًا يشغل بال العديد من الضباط بالهيئة الجغرافية، الراغبين في إيجاد طريقة بسيطة وسريعة ومحددة. وفي سبيل حل المعادلات المشروطة بطريقة المربعات الأقل، تخيل شولسكي طريقة حساب غاية في العبقرية سرعان ما قدمت خدمات جليلة؛ كانت تلك هي طريقة شولسكي. وفي عام ????، أصبح شولسكي ملازمًا أول وتزوج في عام ????.قام شولسكي بمهمة في كريت — المحتلة من قبل القوات الدولية — من نوفمبر ???? وحتى يونيو ????. وعلى إثر اقتراح من الكولونيل لوبانسكي — قائد أعلى الجيوش الفرنسية بكريت وعالم مساحة الأرض سابقًا — حاز موافقة سريعة من المقدم بورجوا، مدير قسم مساحة الأرض. وفي مارس/أبريل ????، تقرر الشروع في مسح القطاعات الفرنسية والبريطانية بالجزيرة، بالإضافة إلى حساب المنسوب الطبوغرافي للقطاعات الفرنسية. ولقد قضى ثلاثة ضباط، من بينهم القائد لالوماند وشولسكي، ثلاثة أشهر في الأعمال التحضيرية للعمل. وقضي شولسكي بمفرده ثلاثة أشهر أخرى لتنفيذ مسح الأراضي. واستمرت أعمال دراسة الأرض ووضع العلامات خلال الشتاء، بينما لم تسمح الظروف السياسية باستكمال جمع البيانات الطبوغرافية.في عام ????، تم تعيين شولسكي قائدًا واستمر عمله في الهيئة الجغرافية، إلا أنه اضطر إلى اللحاق بكتيبته ليقضي بها عامين، مدته القانونية كقائد للسرية. في عام ????، عاد مرة أخرى إلى الهيئة الجغرافية، وعُهد إليه بمهمة قياس مناسيب الأرض بالجزائر وتونس، كما أجرى العديد من الأعمال الجيوديسية في الجزائر والصحراء الكبرى. كانت أعماله في الجزائر بهدف إنشاء خط للسكك الحديدية. وفي تونس، تم القيام بمهمة القياس الدقيق لمناسيب الطرق والسكك الحديدية بالعاصمة تونس على أكمل وجه، وتم الانتهاء من الشبكة الرئيسية بتونس خلال شتاء ????-????، وعلى الفور تم مراجعة الحسابات وتدقيقها، وتم وقف الشبكة والقيام بالتعويضات. في شهر مايو ????، تلقى شولسكي أمرًا بدراسة طريقة لقياس مناسيب الأرض تتيح له العمل بشكل أسرع مما كان الأمر في تونس والجزائر، مع الالتزام بالدقة الكافية لكي تستخدم النتائج على الفور في دراسة السكك الحديدية، وأيضًا تمهيدًا لخطة محتملة في إطار مجموعة الخطوط التي سيتم قياس مناسيبها بالمغرب لاحقًا. وتمت دراسة طريقة وظروف العمل العامة في المكتب في البداية، ثم تم تجربتها على أرض الواقع في منطقة فينسين ذات الشكل المضلع على يد أربعة عسكريين يساعدون شولسكي. ولقد سافر جميعهم إلى الدار البيضاء في مطلع يوليو ????، واستمر عملهم في المغرب حتى يناير ????.في الخامس والعشرين من مايو ????، أصبح شولسكي يعمل تحت قيادة وزارة الخارجية، وعُين رئيسًا للهيئة الطبوغرافية لمنطقة تونس العاصمة. وظل هناك حتى الثاني من أغسطس ???? حين أُعلنت التعبئة ومضى إلى بنزرت. في الخامس عشر من سبتمبر، أبحر إلى أيسوار. ونزل في مارسيليا في السابع عشر من سبتمبر. في الرابع والعشرين من نفس الشهر، عُين قائدًا للسرية التاسعة من الكتيبة رقم ثلاثة وعشرين من المدفعية. وفي السابع والعشرين من سبتمبر، اختِير ليخلف القائد الذي تم تسريحه. وكانت مهمته قيادة الوحدة حتى الثامن عشر من أكتوبر. وبوصول قائد جديد، عاد مرة أخرى إلى قيادة سريته. في الثالث من يناير عام ????، أُرسل إلى اللواء قائد المدفعية في المعسكر رقم سبعة عشر لينظم هناك إطلاق النيران. وفي الحادي عشر من فبراير، أُرسل إلى الهيئة الجغرافية من ضمن مجموعة تعمل على شبكات إطلاق النيران بقطاع الجيش بأحد الأفواج. وكان شولسكي أفضل الضباط في فهم وتطوير دور الجيوديسية وعلم الطبوغرافيا في تنظيم إطلاق نيران المدفعية.وما بين الخامس والعشرين من سبتمبر ???? وفبراير ????، جعلت منه هذه المميزات الأجدر بالالتحاق بمهمة في رومانيا التي دخلت الحرب إلى جوار الحلفاء في نهاية أغسطس. وهناك كان يمارس مهام المدير الفني للهيئة الجغرافية. ثم تمت ترقيته في السادس من يوليو ???? إلى قائد سرية.توفي شولسكي في الحادي والثلاثين من أغسطس ???? في الساعة الخامسة صباحًا في أحد الشوارع بشمال بانييو (إيسن)، متأثرًا بجراحه في ساحة إحدى المعارك.(??) لويس داجير

ولد لويس جاك ماندي داجير في الثامن عشر من نوفمبر ???? بمدينة كورماي أن باريسيز. وكان والده محضرًا بمحكمة الإقطاعيين، ثم انتقل إلى أورليانز حيث مقاطعة لاكورون. عاش داجير طفولة حرة للغاية، ولم يهتم أحد بتعليمه، وبدأ يعمل مساعدًا لمهندس معماري بأورليانز، ثم أصبح وهو في السادسة عشرة من عمره مساعدًا للمسئول عن التزيين بورشة إينياس يوجين ماري ديجوتي (توفي ????)، الذي كان مسئولًا عن تصميم خلفيات وديكورات الأوبرا. كان داجير شديد الحماسة والذكاء؛ مما أهله ليصبح مسئولًا عن إدارة ديكورات مسرحية «الغامض» و«الأوبرا الكوميدية». وسرعان ما حل محل ديجوتي بعد وفاته في ???? كمدير مسئول عن ديكورات الأوبرا. ثم قام بتطوير مسرح يقوم على الإيهام أسماه الديوراما وتم افتتاحه في الحادي عشر من يوليو ????؛ كان عبارة عن عرض مكون من لوحات ضخمة دائرية تقوم على خداع البصر، بلغت أبعادها أربعة عشر مترًا في اثنين وعشرين، تظهر فيها تأثيرات تغير الضوء. كان داجير يستخدم بانتظام غرفة مظلمة تساعده على تعديل منظور ورؤية ديكوراته، ولقد استطاع تكوين ثروة، كما حصل على وسام الشرف برتبة فارس. إلا أن حريقًا ناتجًا عن خطأ أحد العاملين لديه تسبب في تدمير مؤسسته بالكامل في الثالث من مارس ????، وأفلس تمامًا. في عام ????، درس أعمال نيبس. وفي الرابع من يناير ????، تعاقد معه. لكن كان تعاونهما قصير المدى بسبب وفاة نيبس في عام ????. استكمل داجير تجاربه بمفرده وتمكن من تحقيق اكتشاف هام عن طريق الصدفة. في عام ????، وضع في بوتقة ما لوحًا معرضًا للشمس، وبعد بضعة أيام فوجئ بظهور الصورة. واستنتج أن هذه الظاهرة ترجع إلى أبخرة الزئبق التي تسربت من مقياس حرارة مكسور. ولقد أتاح هذا الاكتشاف تقليل مدة تحميض الصورة من ثمانية أيام إلى ثلاثين دقيقة. وعلى الرغم من تمكنه من إنتاج صور، فإنه لم ينجح في تثبيتها إلا في عام ????. وأطلق على هذه الطريقة اسم «الداجيروتيب». وحاول التعريف باختراعه وسعى للبحث عن شريك. لكن أحدًا لم يبد مهتمًّا. فاتجه حينها إلى دومينيك فرانسوا جان أراجو (????–????) — العالم البارز والسياسي — الذي أدرك على الفور فائدة التصوير الفوتوغرافي. وتم تعيين لجنة لدراسة الاختراع. وفي السابع من يناير ????، تم الإعلان عن الاختراع أمام أعضاء أكاديمية العلوم وأكاديمية الفنون الجميلة، إلا أنه لم يتم الإعلان عن التفاصيل إلا في التاسع عشر من أغسطس، بعد أن اشترت الحكومة الفرنسية حقوقه وأهدت هذه الطريقة إلى العالم أجمع. إلا أنه تم منح براءة اختراع أخرى في إنجلترا وبلاد الغال (فرنسا) لفوكس تالبوت (????–????) الذي أسمى طريقته «الكالوتيب». حظي داجير بالكثير من التكريم. ثم ترك فرنسا ليتقاعد في عام ???? في بري سورمارن مع زوجته جورجينا أرونسميث — التي تزوجها عام ???? — وابنة أختها. واستكمل أعماله لتطوير وتحسين اختراعه حتى عام ????. وكانت تسليته هي الرسم والتصوير.توفي داجير على إثر أزمة قلبية في العاشر من يوليو ????.(??) تشارلز داروين

كان تشارلز روبرت داروين الابن الخامس لأسرة إنجليزية ثرية. ولد في الثاني عشر من فبراير ???? بمدينة شروزبري في منطقة شروبشاير. كان جده إرازموس داروين (????–????) طبيبًا مشهورًا. في عام ????، بدأ داروين دراسة الطب بجامعة إدنبرة. لكنه لم يتحمس للدراسة هناك، وترك جامعة إدنبرة ليلتحق بكامبريدج؛ حيث بدأ يدرس ليصبح راعيًا إنجيليًّا. وهناك وقع لقاءان حاسمان في حياته: لقاؤه بالجيولوجي أدام سيدجويك (????–????) وبالعالم الطبيعي جون ستيفنز هنسلو (????–????). ثم أصبح داروين هاويًا شغوفًا بجمع الحشرات.في عام ????، أوصى هنسلو بتعيين داروين باحثًا على السفينة بيجل التي كانت مهمتها تحديث قياسات وبيانات شواطئ بتاجونيا. ودامت الرحلة حتى أكتوبر ????، ذهب فيها إلى جزر كاب فير والأزور مرورًا بسواحل أمريكا الجنوبية وتاهيتي وجزر جالاباجوس وأستراليا وكيب تاون. وقد حصَّل داروين مجموعة ضخمة من الملاحظات في مجالي الجيولوجيا والأحياء، وتمكن من إحصاء نوعيات متعددة من الأنواع الحفرية والحية: «كانت الزيارة لأرخبيل جالاباجوس فرصة خاصة لمشاهدة عملية التطور في ملء الطبيعة: يبدو أن هذا الأرخبيل حديث العهد بفوهاته وينابيع حممه غير المعدودة، شعرت وكأنني أشهد تقريبًا فعل الخلق نفسه.» وبعد عودته، وبفضل ميراث العائلة الذي كفل له حياة ميسورة، تمكن داروين من استكمال أبحاثه. ولقد أكدت مشاهداته افتراضات السير تشارلز لايل (????–????) — الجيولوجي البريطاني — الذي انتقد بشدة النظرية الكارثية المستوحاة من التوراة، التي كان يُعتقد أنها المسئولة عن اختفاء بعض الأنواع. وأكد لايل أن الأرض تخضع لتغيرات مستمرة بفعل قوى طبيعية، لكنه لم يشكك في ثبات الأنواع. أما داروين، ففكر أن الاختلافات الطفيفة بين الأنواع التي تعيش على الجزر المختلفة تثبت — من دون شك — أن الأنواع تتغير. ومن هنا ولد «أصل الأنواع». ولم تتأخر ردود الفعل على نظرية داروين. وقال بعض علماء الأحياء إنه غير قادر على إثبات تأكيداته. بل أيضًا، كيف له تفسير انتقال التغيرات إلى الأجيال الأخرى؟ ولم يتمكن داروين من الإجابة عن هذه الأسئلة. كان لا بد من انتظار يوهان جريجور مندل (????–????) ليمكن إثبات هذه الافتراضات. إلا أن المعارضة الأكثر شراسة جاءت من الكنيسة؛ لأن أفكار داروين تتعارض مع ما جاء في الكتاب المقدس حول خلق الإنسان. في عام ????، بلغت الجرأة بداروين درجة جعلته يقول إن الإنسان ينحدر من سلالة القردة! وفي نهاية القرن التاسع عشر، اعترفت الكنيسة في النهاية أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين مفهوم التطور والنظريات الكتابية.ولقد عمل داروين على تطوير افتراضاته حتى وفاته في التاسع عشر من أبريل ????.(??) توماس ألفا إديسون

ولد توماس ألفا إديسون في الحادي عشر من فبراير عام ???? في ميلان بأوهايو، وكان الطفل السابع والأخير لصامويل ونانسي إديسون، وعندما بلغ من العمر سبعة أعوام، انتقلت عائلته للعيش في بورت هيرون بميشيجان. لم يتلق إديسون في طفولته سوى قدر ضئيل من التعليم ولم يذهب إلى المدرسة إلا بضعة شهور، وقامت والدته بتعليمه القراءة والكتابة والقليل من الحساب، إلا أنه ثقف نفسه بنفسه بقراءاته. ولقد ظل طوال عمره يدعو إلى الثقافة الشخصية. وفي عامه الثالث عشر، عمل بائعًا للصحف والحلوى بمحطة القطار الذاهب من بورت هيرون إلى ديترويت. وكان يقضي وقت فراغه في قراءة الكتب العلمية والتقنية، كما حظي بفرصة تعلم كيفية تشغيل التلغراف. وزادت خبرته في هذا المجال، حتى عمل وهو في السادسة عشرة من عمره عامل تلغراف بدوام كامل.كانت صناعة التلغراف تزدهر بسرعة كبيرة؛ مما أعطى الفرصة للشباب مثل إديسون للسفر وزيارة البلاد لاكتساب الخبرة. وهكذا عمل إديسون في عدد من مدن الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يصل إلى بوسطن في عام ????. وقرر التخلي عن مهنته كعامل تلغراف ليتفرغ لعمله كمخترع. وحصل على أول براءة اختراع عن جهاز مسجل كهربائي لتصويت الناخبين في المجالس. لكنه لم يحقق نجاحًا تجاريًّا. وقرر إديسون ألا يخترع شيئًا قبل أن يتأكد من احتياج الجمهور إليه.في عام ????، كان في نيويورك. وهناك بدأ باختراع طابعة «يونيفرسال ستوك» للتلغراف التي بيعت سريعًا بأربعين ألف دولار. أصبح لديه من ثم المال الكافي لإنشاء معمله الأول ومصنع صغير في نيو أرك بنيوجيرسي على أبواب نيويورك. وخلال خمسة الأعوام التالية، قام بالعديد من الاختراعات التي ساعدت في تحسين سرعة وفعالية التلغراف. وتزوج إديسون من ماري ستيلول.في عام ????، باع مصنعه وانتقل مع أسرته وعماله إلى منلو بارك على بعد أربعين كيلومترًا إلى جنوب غرب نيويورك. وأعد هناك كافة التجهيزات لأي اختراع يريده. وكان هذا هو المعمل الأول من نوعه في العالم. وكان اختراعه الهام التالي هو الفونوغراف الذي جلب له شهرة عالمية. وقام بجولة في البلاد باختراعه وقام بعرضه أمام الرئيس رذرفورد ريتشارد هايز (????–????) في أبريل ???? في البيت الأبيض.ثم شرع في مواجهة التحدي الأكبر على الإطلاق: تطوير مصباح كهربائي متوهج. لم تكن الفكرة جديدة وعمل فيها بالفعل العديد من الأشخاص، إلا أنه لم يكن هناك مصباح عملي للاستخدام المنزلي، فلم يكن الأمر يقتصر على اختراع لمبة كهربائية، وإنما نظام كامل يتيح جعلها أكثر عملية وأمانًا واقتصادًا. وبعد عام ونصف من العمل، تحقق النجاح، وأضاء المصباح بالفتيلة مدة ثلاث عشر ساعة ونصف متواصلة. وتم أول عرض جماهيري للاختراع في ديسمبر ???? عندما أضاء إديسون مجمعه العلمي بمنلو بارك بالكامل. وانقضت الأعوام التالية في تأسيس الصناعة الكهربائية. في سبتمبر ????، تم إنشاء أول محطة تجارية بشارع بيرل في جنوب مانهاتن التي توفر الإضاءة لمنطقة تتجاوز كيلومترين مربعين. وبالطبع، كان هذا الأمر نجاحًا عالميًّا هائلًا جلب له المجد والثروة. وتطورت مختلف شركاته الكهربائية حتى عام ???? عندما ضمها جميعها لإنشاء «إديسون جنرال إلكتريك» وعلى الرغم من وجود اسمه عليها، فإنه لم يكن يتحكم فيها أبدًا لأن مؤسسته كانت في حاجة لتدخل المصرفيين من أمثال جون بيربونت مورجان (????–????). وفي عام ????، حُذف اسم إديسون من الشركة. وفي عام ????، توفيت زوجته ماري.كان إديسون قد ترك إدارة شركته بمنلو بارك لالتزامه بالتطوير الصناعي للكهرباء، مما جعله يقلل من إقامته هناك، ليقيم مع أولاده الثلاثة في نيويورك. وفي العام التالي — خلال عطلته بنيو إنجلند — قابل مينا ميلر ووقع في حبها. وتزوجا في فبراير ???? واستقرا في ويست أورانج بنيوجيرسي؛ حيث اشترى منزلًا يدعى جلينمونت، وعاشا هناك حتى وفاته. وشرع في إنشاء معمل جديد بالقرب من منزله. وتم افتتاح المباني الخمسة في نوفمبر ????، وكان يضم معامل للفيزياء والكيمياء والتعدين؛ حيث كان يمكن دراسة عشرة أو عشرين مشروعًا في ذات الوقت. واستمر إديسون في تطوير هذه المعامل وتعديلها وفقًا للظروف. وعلى مدار الأعوام أُنشئت المصانع حول المعامل لتطوير اختراعاته في صورة صناعية. وخلال الحرب العالمية الأولى، كان إجمالي العاملين لديه حوالي عشرة آلاف شخص.عاد إديسون إلى العمل على اختراع الفونوغراف، وصنَّع منه أنواعًا مخصصة لحاجات الأفراد والمؤسسات. وتمامًا كما حدث مع الكهرباء، طور إديسون كل ما يتعلق بالفونوغراف: أسطوانات وأدوات التسجيل، ومعدات تصنيع الأسطوانات. ابتكر إديسون بالفعل صناعة الأسطوانات. وأراد أن يصنع جهازًا «يقوم مع العينين بنفس ما يقوم به الفونوغراف للآذان»، كان هذا هو السينما. قام إديسون بعرضه الأول في عام ????. ثم بدأ في إنتاج صناعة الأفلام بعد عامين. ومن جديد، طور كل ما كان يلزم صناعة الفيلم وعرضه. إلا أن مغامرة صناعة الأفلام كانت بالطبع قد بدأت قبله، وعلى الرغم من النجاح الذي حققه، كان المجال مليئًا بالمنافسة حتى قرر إديسون تركه في عام ????.بعد نجاحات الفونوغراف، جعلته السينما — أكبر إخفاق في مسيرة إديسون العلمية — يتوارى. لمدة عقد، عمل على تحسين طرق استخراج الحديد. وباع كل حصصه في شركة جنرال إلكتريك، لكنه عجز عن إيجاد طريقة لتحقيق قيمة من الناحية التجارية وفقد كل النقود التي استثمرها. وأنقذه كل من اختراع الفونوغراف والسينما من الإفلاس. وأراد عندئذ تطوير نوع من المراكم (بطارية) يعمل بشكل أفضل مع العربات الكهربائية. كان مولعًا بالسيارات وامتلك عددًا منها، سواء تلك التي تسير بالبنزين أم الكهرباء أم البخار. وكان يعتقد أن أفضل طريقة للتسيير هي الكهرباء، إلا أن بطاريات الرصاص الحامضية لم تكن مناسبة. ونجح في تصنيع أول مركم قلوي في عام ????. كان هذا هو أكثر مشروعاته تعقيدًا واستغرق منه عشرة أعوام. لكن كان الوقت قد مر، وتطورت السيارات التي تسير بالبنزين وأصبح لها الغلبة. إلا أن المركم القلوي الذي اخترعه أصبح شائع الاستخدام في السكك الحديدية والسفن ومصابيح عمال المناجم. كما أنه كان أكثر اختراعاته إدرارًا للربح المالي.في عام ????، بنى مجمعًا صناعيًّا ضخمًا بويست أورانج، جمع فيه كل شركاته في مؤسسة كبيرة هي «شركة توماس إديسون»، وأصبح رئيسها ومديرها. كان يبلغ من العمر أربعة وستين عامًا وبدأ دوره في الشركة يتغير، وكذا حياته كلها. فبدأ يترك مزيدًا من المسئوليات لمعاونيه. وانشغلت معامله بتطوير اختراعاته القديمة بدلًا من صنع الجديد. كان عصر الاختراعات قد ولى.في عام ????، طُلب من إديسون أن يتولى رئاسة مجلس البحرية الاستشاري، وكانت مهمته وضع مواهب العلماء والمخترعين في البلاد في خدمة القوات المسلحة. وقضى عدة شهور في قاعدة عسكرية يجري تجارب على تقنيات الكشف عن الغواصات باستخدام سفينة مُنحت له خصوصًا لهذا الغرض.أصبح إديسون رمزًا وطنيًّا للمهارة والإبداع الأمريكي، ومنحه الكونجرس ميدالية خاصة. وفي عام ????، احتفلت البلاد باليوبيل الذهبي للمصباح ذي الفتيل المتوهج. وكان هنري فورد (????–????) قد أنشأ في ديربورن بميشيجان متحفًا للتاريخ الأمريكي يحتوي على تقليد كامل لمعمل منلو بارك. كما أقام فورد مأدبة على شرف إديسون بجرينفيلد فيلادج بحضور الرئيس الأمريكي هربرت كلارك هووفر (????–????) بالإضافة إلى العديد من العلماء والمخترعين. وشهد أيضًا العديد من مظاهر التكريم؛ فنجد في الجريدة الفرنسية لنشر العلوم «الطبيعة»، في العدد الصادر بتاريخ الخامس عشر من سبتمبر ????، تقريرًا عن كل ما يحدث في أتلانتيك سيتي. ومن الممتع أن نقتبس جزءًا منه: انتهى هذا المهرجان باحتفال رسمي في قاعة المدينة برئاسة السيد أركرايت — رئيس الجمعية الوطنية للإضاءة الكهربائية. وفي نهاية الاحتفال، ضغط على زر وأضاء فنارًا عملاقًا مبنيًّا على سطح القاعة. وعند هذه الإشارة، هبط قائد الطائرة — التي كانت تحوم في الجو — عموديًّا، متحكمًا في صافرة بضغط الهواء موضوعة على متنها. ونبهت أصوات الصافرة أذنًا كهربائية شديدة الحساسية موجودة في القاعة وموصلة بنظام تحكم أضاء القاعة بأكملها. وفي اللحظة ذاتها، انطلقت حزمة مضيئة مذهلة على هيئة أنوار الشفق القطبي، غلفت المبنى كله بمعطف حقيقي من اللهب.في نهاية العشرينيات، طلب منه صديقاه هنري فورد وهارفي صامويل فايرستون (????–????) إيجاد مصدر جديد للمطاط لصناعة إطارات السيارات. فالمطاط الطبيعي لا ينمو في الولايات المتحدة، وأصبحت تكلفة الاستيراد باهظة للغاية. اختبر إديسون آلاف النباتات المتنوعة لاكتشاف بديل وتوفي أثناء بحثه.كانت صحته قد شهدت تدهورًا كبيرًا في عاميه الأخيرين، فلم يعد يذهب إلى معمله، ومكث يعمل في البيت. وتوفي في الثامن عشر من أكتوبر عام ????.(??) ألبرت أينشتاين

يوجد بالفعل العديد من السير الذاتية لأينشتاين، مما يجعلني أقدم بصعوبة على تقديم واحدة أخرى، لكنها ستكون قصيرة.ولد ألبرت أينشتاين في أولم بمقاطعة ورتمبرج بألمانيا في الرابع عشر من مارس ????. ونعلم أن والديه كانا قلقين؛ لأنه لم يبدأ الكلام إلا في عامه الثالث. تربى أينشتاين على الديانة اليهودية. في البداية، التحق بمدرسة في ميونخ من سن السادسة وحتى الثالثة عشرة. وتلقى أيضًا دروسًا في آلة الكمان. ثم التحق بلويتبولد جمنازيوم. ودرس الرياضيات، وخاصة فرع التحليل الرياضي حوالي عام ????.في عام ????، انتقلت أسرته إلى ميلان، بينما ظل هو في ميونخ. كان راغبًا في دراسة الهندسة الكهربائية بالمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا العريق بزيورخ، لكنه لم ينجح في امتحان القبول. في عام ????، تخلى عن الجنسية الألمانية وظل بدون جنسية بضع سنوات. فلم يتقدم بطلب الجنسية السويسرية إلا في عام ????، وحصل عليها بعد عامين. عقب فشله في الالتحاق بالمعهد، انضم إلى الكلية الفيدرالية بآرو بسويسرا. وظل راغبًا في دخول المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا ليدرس هناك الرياضيات والفيزياء ليصبح أستاذًا. كانت النظرية هي ما يشغل جل تفكيره؛ لأنه — على حد قوله — كان يفتقر إلى الخيال والاستعدادات العملية. وبعدما نجح أخيرًا في الالتحاق بالمعهد، حصل على الشهادة في عام ????. نال العديد من زملائه، ومنهم مارسيل جروسمان (????–????) — الذي كان زميله في نفس الفصل وأحد أصدقائه المقربين — منصب معيد. بينما لم يجذب طلب أينشتاين انتباه المعهد أو أي جامعة أخرى تقدم للعمل بها. استطاع الإفلات من الخدمة العسكرية بسبب إصابته بالقدم المفلطحة ومرض الدوالي. وفي منتصف عام ????، حصل على منصب معلم مؤقت بالكلية الفنية العليا بوينترثور. وتخلى عن طموحه في الحصول على منصب جامعي. وتبعتها وظيفة مؤقتة أخرى بشافهويزن. كتب والد جروسمان خطاب توصية لصالحه ليتمكن من الحصول على منصب بمكتب براءات الاختراع ببرن. وتم تعيينه خبيرًا فنيًّا من الدرجة الثالثة. وظل يعمل هناك منذ عام ???? وحتى عام ????، كموظف مؤقت حتى عام ????، وبعدها تم تثبيته. في عام ????، تمت ترقيته إلى الدرجة الثانية من الخبراء. ونحن نعلم أنه توصل بمفرده خلال هذه الفترة — من دون أي اتصالات بزملائه أو بالمؤلفات العلمية بل وأثناء وقت فراغه — إلى نظرية النسبية الخاصة. وفي عام ????، حصل على الدكتوراه من جامعة زيورخ عن رسالته حول طريقة جديدة لتحديد أبعاد الجزيئات. ولقد أهدى هذه الرسالة إلى جروسمان. وفي العام ذاته، نُشرت له ثلاثة مقالات. وفي المقال الأول، بحث ظاهرة الانبعاث الكمي للطاقة الكهرومغناطيسية التي اكتشفها ماكس بلانك? (????–????)، وأثبت أن طاقة هذه الكمات تكون متناسبة مع تردد الإشعاع بصورة مباشرة. وتضمن المقال الثاني نظرية النسبية الخاصة؛ حيث طرح افتراضية أن سرعة الضوء تكون ثابتة في كل الأنظمة المرجعية التي هي في حالة حركة موحدة الشكل بنسبة بعضها لبعض. بينما كان المقال الثالث متعلقًا بالميكانيكا الإحصائية، وهو المجال الذي درسه من قبل لودفيج بولتزمان (????–????) وجوشيا ميلارد جيبس (????–????). ولاحقًا في عام ????، أثبت أينشتاين التعادل بين الكتلة والطاقة، مقترحًا الصيغة الشهيرة: الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء .بعد عام ????، استمر أينشتاين يعمل في هذه الموضوعات، مقدمًا إسهامات هامة للنظرية الكمية. وأراد أن يمد تطبيق نظرية النسبية الخاصة إلى أنظمة أخرى في حالة حركة تسارعية. وظهر أمامه المفتاح في عام ???? من خلال مبدأ التعادل، الذي يؤكد أن التسارع الناتج عن الجاذبية لا يختلف عن التسارع الناتج عن القوى الميكانيكية؛ أي إن الكتلة الناتجة عن الجاذبية مماثلة للكتلة الساكنة. في عام ????، حصل أينشتاين على منصب مدرس بجامعة برن بعد أن ناقش رسالة حول نتائج قانون توزيع الطاقة للأجسام السوداء. وفي العام التالي عُين أستاذًا للفيزياء بجامعة زيورخ. وأصبح معروفًا كأحد ألمع العلماء في عصره. في عام ????، حصل على كرسي الأستاذية بجامعة كارل-فرديناند ببراغ. وكان هذا العام محوريًّا بالنسبة له؛ فلقد توقع أن مسار الضوء المنبعث من نجم بعيد والمارِّ بجوار الشمس سيحيد باتجاهها. ولو تم إثبات هذا الأمر، لأصبح أول تحقق تجريبي لنظرية النسبية الخاصة.في عام ????، بدأ أينشتاين — بالتعاون مع مارسيل جروسمان — مرحلة جديدة من عمله لصياغة نتائجه حول الجاذبية بعبارات رياضية. واستخدم في ذلك الحساب الموتري tensoriel الذي اخترعه توليو ليفي-سيفيتا (????–????) وجريجوريو ريتشي-كورباسترو (????–????). وأطلق أينشتاين على هذا العمل النسبية العامة. في عام ????، حصل على كرسي الأستاذية بالمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا بزيورخ، وعاد أستاذًا إلى المكان الذي درس فيه طالبًا. عاد إلى ألمانيا عام ???? دون أن يطلب استعادة الجنسية الألمانية. كان قد عُرض عليه عرض مدهش؛ منصب بأكاديمية بروسيا للعلوم بالإضافة إلى كرسي الأستاذية بجامعة برلين دون أي التزام بالتدريس. كما عرضوا عليه إدارة معهد القيصر فيلهلم للفيزياء الذي سيتم إنشاؤه في برلين.في عام ????، نشر أينشتاين أخيرًا نظرية النسبية العامة. ولقد عرض هذه النظرية في جوتنجن وخرج مملوءًا بالرضا؛ لأنه استطاع إقناع عالمي رياضيات لهما شهرة عالمية بها، وهما دافيد هيلبرت (????–????) وفليكس كلاين (????–????). وفي الواقع، كان هيلبرت قد قدم — قبل أسبوع — مقالًا يتضمن معادلات النسبية العامة. في عام ????، أكد فريق إنجليزي من علماء الفيزياء الفلكية توقعات أينشتاين حول انحراف الضوء أثناء الكسوف. وأظهرت الصحافة الشعبية إعجابًا شديدًا بأينشتاين. كان عنوان جريدة لندن تايمز بتاريخ السابع من نوفمبر ????: «ثورة علمية – نظرية جديدة للكون – التخلي عن أفكار نيوتن». إلا أنه كانت هناك اعتراضات على نظريات أينشتاين، حتى إن محاضراته ببرلين توقفت في عام ???? بسبب مظاهرات معادية للسامية. كانت أول زيارة له للولايات المتحدة الأمريكية في عام ????. وقام بجمع أموال لتمويل الجامعة العبرية بالقدس، كما عقد العديد من المؤتمرات حول النسبية.حصل أينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء عام ????، ليس عن نظرية النسبية، وإنما عن أعماله في عام ???? عن التصوير الكهربائي الذي نستخدمه يوميًّا في أجهزة التصوير الفوتوغرافي. لكنه لم يحضر مراسم الاحتفال بتسلم الجائزة لوجوده في اليابان كما رأينا من قبل. وفي تلك الفترة، كان أينشتاين كثير السفر للخارج: باريس في عام ????، فلسطين عام ????، أمريكا الجنوبية في عام ???? بعد اكتشافه الكبير الأخير — موجات الجاذبية — في عام ????.في عام ????، بدأ جداله مع نيلز بور (????–????) حول التفسير الاحتمالي للميكانيكا الكمية. وكان ذلك بمناسبة أحد مؤتمرات «سولفاي» التي كان يقيمها — ابتداءً من عام ???? — رجل الصناعة البلجيكي إرنست سولفاي (????–????). لا بد من مشاهدة صورة المشاركين في هذا المؤتمر، سنجد فيها كل رموز العلم من الدرجة الأولى: ماكس بلانك? (????–????)، ونيلز بور (????–????)، ولويس دي برولي (????–????)، وفرنر هايزنبرج (????–????)، وإرفين شرودنجر (????–????)، وبول ديراك (????–????)، وهندريك أنطون لورنتز (????–????)، وماكس بورن (????–????)، وولفجانج باولي (????–????)، وإرفينج لانجموير? (????–????)، وتشارلز ويلسون (????–????)، وأوين ريتشاردسون (????–????)، وبيتروس ديبي (????–????)، وويليام لورانس براغ (????–????)، وأرثر كومبتون (????–????)، وويليام فاولر (????–????)، وماري كوري (????–????)؛ وكلهم حائزون جائزة نوبل.وبين عامي ???? و????، قام أينشتاين بزيارة ثانية للولايات المتحدة. وهناك عرضوا عليه منصبًا بمعهد الدراسات المتقدمة ببرنستون بنيو جيرسي. وكانت الفكرة تقوم على أن يمضي خمسة أشهر في برنستون وسبعة في برلين. وقبل أينشتاين العرض وغادر ألمانيا في ديسمبر ????. وفي الشهر التالي، أمسك النازيون بمقاليد الحكم بألمانيا ولم يعد أينشتاين إليها أبدًا. في عام ????، قام بعدة رحلات في أوروبا وتلقى عروضًا من جامعات كثيرة ليأتي ويقيم فيها. لكن ما كانت في البداية زيارة عابرة للولايات المتحدة تحولت إلى إقامة دائمة في عام ????. وفي برنستون، عمل أينشتاين على توحيد القوى الأربع التي تتحكم في الفيزياء. ولا تزال هذه المشكلة بدون حل كامل إلى يومنا هذا. ويبدو أن نظرية الأوتار الحديثة قد تقدر على حلها، لكن لا يزال ينقصها بعض التأكيدات التجريبية اللازمة للتحقق من أي نظرية فيزيائية. في عام ????، أصبح أينشتاين مواطنًا أمريكيًّا، لكنه ظل محتفظًا بجنسيته السويسرية. ولقد ساهم في الحرب بكتابته مقاله عن النسبية لعام ???? بخط يده وبعرضه للبيع في مزاد بستة ملايين دولار. وتوجد هذه المخطوطة الآن بمكتبة الكونجرس بواشنطن. ونعرف أيضًا خطابه إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (????–????) يحذره فيه من أن ألمانيا تسعى لتصنيع قنبلة نووية، ويدعوه إلى الحرص على أن تسير الولايات المتحدة في نفس الطريق قبل فوات الأوان.بعد وفاة أول رئيس لدولة إسرائيل في عام ????، عُرض عليه هذا المنصب لكنه رفضه. وقبل أسبوع من وفاته، وقع على نداء وجهه لبرتراند راسل (????–????) يدعو فيه كل الأمم إلى نبذ الأسلحة النووية. لقد أمضى عمره كله مدافعًا عن السلام.توفي أينشتاين في برنستون في الثامن عشر من أبريل عام ????، وتم حرق جثمانه ونثر رماده بترنتون في نفس اليوم.(??) إنريكو فيرمي

ولد إنريكو فيرمي في روما في التاسع والعشرين من سبتمبر عام ????. وكان والده رئيس المفتشين بوزارة الاتصالات ووالدته تدعى إيدا دي جاتيس. ولقد لوحظ نبوغه في الرياضيات وهو لا يزال في المدرسة. وفي عام ????، حصل على منحة بالمدرسة الطبيعية العليا في بيزا، وهي مؤسسة ذات شهرة عالمية. وقضى هناك أربعة أعوام وحصل على الدكتوراه في الفيزياء في عام ???? تحت إشراف لويجي جايتانو ألفريدو رانييري جيوفاني بوتشيانتي (????–????). وكانت رسالته — ذات الطابع التجريبي — تدور حول انكسار الأشعة السينية على الأسطح المنحنية للبلورات. كما نشر أيضًا أعمالًا أخرى نظرية حول الديناميكا الكهربية والنسبية، جامعًا بين صفات العالم التجريبي والمنظِّر.في عام ????، حصل على منحة من الحكومة الإيطالية ليقضي بضعة شهور في معمل ماكس بورن (????–????) بجوتنجن. وفي عام ????، حصل على بعثة روكفيلير وسافر إلى ليدن بهولندا ليعمل مع بول إيهرنفيست (????–????). ومن عام ???? وحتى عام ????، أصبح مدرسًا للفيزياء الرياضية والميكانيكا بجامعة فلورنسا.في عام ????، اكتشف «إحصاء فيرمي»؛ وهو قانون يتحكم في الجسيمات الخاضعة لمبدأ استبعاد باولي (والآن تسمى هذه الجسيمات الفرميونات) بالتناقض مع الجسيمات التي تخضع لإحصاء بوز-أينشتاين وهي البوزونات. في عام ????، أصبح فيرمي أستاذًا للفيزياء النظرية بجامعة روما، وظل في هذا المنصب حتى عام ????. في الأعوام الأولى لمسيرته المهنية، كان يعمل على بعض مشاكل الديناميكا الكهربية ومختلف الظواهر المطيافية، ثم إشعاع . في عام ????، تزوج فيرمي من لورا كابون التي كتبت بعد ذلك كتابًا تروي فيه ذكرياتها مع زوجها.في عام ????، اكتشف فريدريك جوليو (????–????) وزوجته إيرين كوري (????–????) النشاط الإشعاعي الصناعي، وحصلا على جائزة نوبل في الكيمياء عام ????. يمكن حدوث تحولات نووية في نواة كل العناصر تقريبًا إذا ما تعرضت لقصف النيوترونات. فتلتقط النواة النيوترونات وتنقسم. إلا أن الكثير من التجارب ظلت بدون تفسير. وفكر فيرمي في أن النيوترونات البطيئة — التي تتباطأ بفعل البرافين — ستكون أكثر فعالية في الانشطار النووي. وكان هذا هو الاكتشاف الذي تحدثت عنه، والذي سمح بإنتاج عناصر أكثر من تلك الموجودة في الجدول الدوري لمندليف? (????–????). وحصل فيرمي على جائزة نوبل في الفيزياء عام ????. وكان بالطبع أكبر متخصص في النيوترونات على الإطلاق. وفور حصوله على الجائزة، هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية ليهرب بالأساس من بطش نظام موسوليني الفاشي. ومن عام ???? وحتى عام ????، عمل أستاذًا للفيزياء بجامعة كولومبيا بنيويورك.وفي مطلع عام ????، اكتشف أوتو هان (????–????) وفريتز ستراسمان (????–????) الانشطار النووي، الذي يقوم على انبعاث نيوترونات ثانوية، وعلى الفور تبين لفيرمي إمكانية إحداث تفاعل متسلسل. وفي الثاني من ديسمبر ????، تم إنشاء أول مفاعل نووي، وتم أول تفاعل نووي خاضع للتحكم في جامعة شيكاجو؛ ومن ثم، أصبح لفيرمي دور هام في مشروع مانهاتن الذي يديره روبرت جيمس أوبنهايمر (????–????) والمخصص لتطوير القنبلة النووية. وفي عام ????، حصل فيرمي على الجنسية الأمريكية وأصبح أستاذًا بمعهد الدراسات النووية بجامعة شيكاجو. وتحول اهتمامه إلى فيزياء الطاقات العالية والتفاعلات بين البيونات والنوكليونات. وفي أعوامه الأخيرة، جذب انتباهه معرفة المصدر الغامض للأشعة الكونية، وطور نظرية تنص على أن هناك مجالًا مغناطيسيًّا — يعمل كمسرع عملاق — وهو السبب في الطاقات الهائلة الموجودة.وقد شهد فيرمي في صالح أوبنهايمر عندما اتُّهم ظلمًا بالتجسس لصالح الروس أثناء حركة المطاردات الشهيرة (المكارثية). لم يتم معاقبة أوبنهايمر وإنما تم تجريده من كل صلاحياته بالتعامل في شئون الدولة. ولقد تأثر فيرمي بشدة بهذه الأحداث، وانتقد المشاعر العمياء التي حالت دون صدور حكم محايد يقوم على الوقائع.وتوفي فيرمي بشيكاجو في التاسع والعشرين من نوفمبر عام ???? بسبب إصابته بالسرطان.(??) ألكسندر فليمنج

ولد ألكسندر فليمنج بلوشفيلد بالقرب من دارفيل في أيرشاير باسكتلندا في السادس من أغسطس ????. وتنقل بين عدة مدارس في المنطقة قبل أن يمضي إلى لندن حيث يعيش شقيقه الأكبر توم الذي كان يعمل طبيبًا. كان في الرابعة عشرة من عمره عندما التحق بكلية الهندسة بشارع ريجينت. كان شقيقه يريد أن يعمل فليمنج بالتجارة. وعُين فليمنج في البداية كاتبًا بإحدى الشركات البحرية. وفي عام ????، اندلعت حرب البوير الثانية، والتحق فليمنج واثنان من أشقائه بالكتيبة الاسكتلندية، لكن الأمر لم يعدُ كونه معسكرًا رياضيًّا ليس أكثر، فكانوا يمارسون الرماية ويسبحون ويمارسون لعبة كرة الماء، لكنهم لم يذهبوا أبدًا إلى ما بعد بلاد الغال. وبعد فترة قصيرة، توفي عمهم، تاركًا لكل منهم ثروة صغيرة. وشجع توم شقيقه على دراسة الطب، وبالفعل حصل فليمنج على درجات ممتازة في اختبارات القبول، وكان له حق الاختيار بين الكليات الثلاث الأقرب له. فاختار مستشفى كلية طب سانت ماري؛ لأنه كان يلعب كرة الماء ضد فريقها! وهناك، ناقش في عام ???? رسالته عن العدوى الميكروبية ووسائل مقاومتها. ثم فكر في ترك مستشفى سانت ماري ليصبح جراحًا، وعندما علم رئيس نادي رماية سانت ماري برغبة فليمنج اندهش؛ خاصة أن فليمنج كان بارعًا في الرماية، وفعل كل ما في وسعه ليبقي فليمنج، وكان يعمل في قسم علم البكتيريا، فأقنع فليمنج بالعمل مع مدير القسم، السير ألمروث إدوارد رايت (????–????) الباحث اللامع. وقرر فليمنج البقاء في سانت ماري، وظل يعمل فيها طوال مسيرته المهنية. إنه القدر!في عام ????، اكتشف الطبيب والكيميائي الألماني بول إيهرليتش (????–????) — الحائز جائزة نوبل في العام السابق في الفسيولوجيا والطب لاكتشافه طريقة العلاج الكيميائي — علاجًا لمرض الزهري؛ ألا وهو دواء الأرسفينامين. وكان قد جرب المئات من المُركبات، ولم ينجح سوى المُركب رقم ستمائة وستة! وكان فليمنج أحد القلائل الذين تناولوه، وأُطلق على أعماله في هذا المجال «سري ???».أثناء الحرب العالمية الأولى، انتقل فريق عمل مستشفى سانت ماري إلى فرنسا لإنشاء مستشفى في الريف. وبلغت الآثار المدمرة للعدوى الميكروبية مدًى جعل فليمنج يعتقد بضرورة وجود منتج كيميائي لمقاومتها بفعالية كما عالج الأرسفينامين مرض الزهري. وكان فليمنج وراء ابتكارات كثيرة في علاج الجرحى.في سبتمبر ????، تزوج من الممرضة سارة ماريون ماك إيلروي. وبعد عودته إلى معمل سانت ماري بعد انتهاء الحرب، ظل يبحث عن مضاد فعال للالتهاب. واكتشف الليزوزيم — وهو إنزيم موجود في عدة سوائل جسدية مثل الدموع — الذي يمتلك قدرة طبيعية على التطهير، لكنه لم يكن فعالًا في مواجهة عوامل العدوى الأكثر قوة. وأجرى فليمنج تجارب عديدة في معمله الذي تحول إلى ما يشبه المستودع. إلا أن عدم النظام هذا اتضح أنه كان مفيدًا، ففي عام ????، اكتشف فليمنج مزرعة البكتيريا الشهيرة التي نما عليها الفطر مما قاده إلى اكتشاف البنسلين. كان هذا في الثالث من سبتمبر عام ????، وهو يوم بارز في تاريخ الإنسانية. أدرك فليمنج أنه ما دام البنسلين مادة تُفرز، فيمكن إذن استخراجها. وفي الثالث عشر من فبراير ????، قدم اكتشافه إلى نادي البحث الطبي، الذي بقي متشككًا بالرغم من كل شيء. ثم أجرى تطبيقات موضعية لمنتجه، لكن البنسلين لم يكن يعطي نتيجة بالحقن؛ لأنه كان غير مستقر وكان نشاطه سريع التوقف. ولما لم يكن فليمنج عالمًا في الكيمياء الحيوية، فلم يستطع تنقيته. وأمام هذه الصعوبات، تخلى عن أبحاثه.ظهرت أهمية اكتشاف فليمنج أثناء الحرب العالمية الثانية بفضل أعمال كل من السير هاورد فلوري (????–????) بأكسفورد، وإرنست بوريس تشاين (????–????)، اللذين نجحا في استخراج وتنقية البنسلين. ونشرا في السادس عشر من أغسطس ???? مقالًا حاسمًا في الجريدة الطبية «ذا لانسيت». وعندها، استأنف فليمنج أبحاثه حول هذا الموضوع وأجرى تعديلات على بروتوكولات التحقق من قوة ودرجة نشاط المنتج في الدم. وفي عام ????، تم علاج مراهق يعاني من تسمم الدم بالبنسلين. وبعد ثلاثة أيام من حقنه به، انخفضت الحمى بصورة مذهلة، وأُنقذت حياته. ولكوننا في وقت حرب، كان هناك احتياج لجرعات ضخمة من البنسلين. وكان ثمن تصنيعه باهظًا. تعاون فليمنج مباشرة مع برنامج البحث، وأصبح المنتج متوفرًا في الولايات المتحدة وفي تورنتو.في يوليو ????، كرم الملك جورج الرابع فليمنج، الذي حصل في عام ???? على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب مناصفة مع فلوري وتشاين. ثم توفيت زوجته سارة في الثاني والعشرين من نوفمبر ????. في أبريل ????، تزوج اليونانية أماليا كوتسوري-فوريكا (????–????) زميلته بمستشفى سانت ماري التي استمرت في أبحاثها وعُرفت باسم «السيدة فليمنج».وتوفي فليمنج في منزله بلندن في الحادي عشر من مارس ????، ودفن بكاتدرائية سانت بول.وكما قال فليمنج: «أحيانًا ما نكتشف أشياء لم نكن نبحث عنها.» وهو ما حدث مع اكتشاف أمريكا.(??) دنيس جابور

ولد دنيس جابور في بودابست في الخامس من يونيو ????. وكان الابن الأكبر لبيرتالان جابور — مدير إحدى شركات التعدين — وزوجته أدريان. وبدأ ولعه بالفيزياء يظهر وهو في الخامسة عشرة من عمره. وتعلم التحليل من كتاب ألفه أورست دانيلوفيتش شفلسون (????–????)، وهو الكتاب الأكبر حجمًا في ذلك الوقت (عشرة أجزاء؛ أي ما يقرب من خمسة آلاف صفحة طُبعت بين ???? و????). كان مفتونًا بنظرية المجهر وطريقة جابرييل ليبمان (????–????) للتصوير بالألوان التي اكتشفها في متحف الاختراعات ببودابست. وكان لديه هو وشقيقه جورج معمل صغير يقومان فيه بإعادة إجراء التجارب الهامة في ذلك الوقت، مثل الأشعة السينية والنشاط الإشعاعي. وفي الجامعة، اختار دراسة الهندسة؛ لأن الفيزياء — في ذلك الوقت — لم تكن مهنة يمكن ممارستها في المجر، فلم يكن هناك سوى اثني عشر أستاذًا في كل جامعاتها. وحصل على شهادته من المعهد التقني ببرلين في عام ????، وعلى درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية في عام ????. كما تابع في جامعة برلين محاضرات ألبرت أينشتاين? (????–????)، وماكس بلانك? (????–????)، ووالتر هيرمان نيرنست (????–????)، وماكس فون لو (????–????)؛ وكلهم حاصلون على جائزة نوبل. كان موضوع رسالته يدور حول تطوير أحد أوائل مسجلات الذبذبات السريعة بالأشعة الكاثودية. ولهذا الغرض، قام بتصنيع عدسة إلكترونية. في عام ????، تم تعيينه في شركة سيمينز آند هالسكي الألمانية، وهناك اخترع مصباحًا يعمل ببخار الزئبق أصبح يُستخدم في الإضاءة العامة. وكان هذا — كما يروي هو بنفسه في سيرته الذاتية (التي يمكن الاطلاع عليها بسهولة على شبكة الإنترنت) — أول تجربة سرنديبية له (وهي كلمة لا يوجد مقابل لها في اللغة الفرنسية، لكن تعني — كما أوضحنا من قبل — اكتشاف شيء لم نكن نبحث عنه عن طريق المصادفة).في عام ????، غادر ألمانيا بعد وصول النازيين إلى الحكم. وبعد فترة إقامة قصيرة في المجر، سافر إلى إنجلترا. كان ذلك في فترة الركود الاقتصادي وكان الأجانب يواجهون صعوبات شديدة للعمل. لكنه حصل على منصب مخترع في شركة طومسون هوستن برجبي. وكان مسئولًا عن إنتاج مصابيح تعمل بالامتصاص الضوئي وظل يعمل هناك حتى عام ????. كما كتب مقالات عن نظرية الاتصال، وطور نظامًا للعرض السينمائي المطيافي. وفي عام ????، أجرى جابور أول تجاربه عن التصوير التجسيمي الذي كان يسمى حينها «إعادة تكوين شكل الموجة». وكانت تلك هي ثاني تجاربه مع «السرنديبية»، ولا سيما أن هدفه كان تحسين وضوح المجهر الإلكتروني لرؤية الشبكات الذرية. وما بين ???? و????، حصل على نتائج مثيرة بالتعاون مع معمل الأبحاث بإلدرماستون AEI. لكنهم كانوا متقدمين بعشرين عامًا عن عصرهم (فكان لا بد من انتظار اختراع الليزر في عام ???? وتطويره بعد عشرة أعوام)، ومن ثم ظلوا بعيدين عن هدفهم.في الأول من يناير ????، التحق بالكلية الإمبراطورية للعلوم والتكنولوجيا بلندن، في البداية مدرسًا في مجال الإلكترونيات ثم أستاذًا للفيزياء التطبيقية، وظل يعمل هناك حتى تقاعده في عام ????. وكان يهتم مع طلابه ببعض المسائل مثل تفسير متناقضة إرفينج لانجموير? (????–????) حول عدم إمكانية تفسير التفاعل المكثف بين الإلكترونات في أقواس الزئبق ذات الضغط المنخفض. كما صنعوا معًا غرفة ويلسون ومجهرًا هولوجرافيًّا ومنظارًا طيفيًّا جديدًا، وحاسبًا آليًّا تناظريًّا (أنالوج) وأنبوبًا مسطحًا للتلفاز الملون ونوعًا جديدًا من المحولات الأيونية الحرارية. كانت أعماله النظرية تقوم على نظرية الاتصال والبلازما والمجنيترون، وقضى عدة سنوات يعمل على شكل للاندماج النووي. وحتى بعد تقاعده، ظل يعمل باحثًا بالكلية الإمبراطورية وكان ضمن فريق بحث معامل CBS بستانفورد في كونيتيكيت. لكنه كان شديد الاهتمام بمستقبل الحضارة الصناعية، وألف ثلاثة كتب في هذا الموضوع. وفي عام ????، حصل — منفردًا — على جائزة نوبل في الفيزياء؛ أي إنه انتظر أحد عشر عامًا ليحصل عليها بمفرده. كان قد تزوج عام ???? من مارجوري لويز — ابنة جوزيف كينراد بتلر ولويز بتلر من روجبي. وأصبح مواطنًا بريطانيًّا يتصرف كسيد مهذب.توفي جابور في لندن في الثامن من فبراير ????.(??) لويجي جالفاني

ولد لويجي جالفاني في بولونيا في التاسع من سبتمبر عام ????. وكانت رغبته الأولى هي دراسة اللاهوت والالتحاق بسلك الرهبنة. إلا أن أسرته أقنعته بالعدول عن ذلك. ودرس بدلًا من ذلك الطب في جامعة بولونيا، أول جامعة أُنشئت في العالم (????). وكانت رسالته عن طبيعة تكوين العظام. تم تعيينه معيدًا في قسم التشريح بجامعة بولونيا، ثم أصبح — بفضل مواهبه في عمله كجراح وطبيب مولد — أستاذ طب التوليد. كانت أوائل أعماله تدور حول التشريح المقارن، إلا أنه نظرًا لحصول الجامعة على مولد كهربائي وقارورة ليدن، شرع في إجراء تجارب على التحفيز الكهربائي للعضلات. ونحن نعرف البقية.في عام ????، توفيت زوجته ابنة الدكتور دومينيكو جوسمانو جاليتزي (????–????). وكانا قد تزوجا منذ ثلاثين عامًا. في العشرين من أبريل ????، استقال جالفاني من كرسي الأستاذية؛ لأنه لم يكن يريد أن يؤدي اليمين المدنية لجمهورية سيزالبين (التي تكونت أثناء حملة بونابرت على إيطاليا)، الأمر الذي كان ضد قناعاته السياسية والدينية. واضطر للجوء إلى شقيقه جياكومو ليغرق في الفقر والإحباط، إلا أن أصدقاءه سارعوا بمساعدته واقتنصوا له الإعفاء من تأدية القسم. ونظرًا لشهرته، تم تعيينه أستاذًا متفرغًا.وتوفي في بولونيا في الرابع من ديسمبر ???? قبل أن يدخل المرسوم حيز التنفيذ.بطبيعته، كان جالفاني شجاعًا ومتدينًا. فلم يكن ينهي محاضرة دون أن يناشد المستمعين الإيمان «بالعناية الإلهية الأبدية التي تنمي وتحمي وتحرك الحياة بين البشر المختلفين.»(??) يوهان جوتنبرج

ولد يوهان جينسفليتش — المعروف بجوتنبرج — في ماينتس في نهاية القرن الرابع عشر، نحو عام ????. كان والده فريل جينسفليتش قد ورث منزلًا يدعى زوم جوتنبرج، وهو الاسم الذي أطلقه على نفسه. وكان والده أحد مسئولي الخزانة الأربعة للأسقف، وكان ضمن المواطنين الذين لهم أصول رومانية، ومن ثم امتيازات خاصة في المدينة. كان قد تزوج مرة ثانية من إليز رايخ، ابنة تاجر ثري. وكان يوهان ابنهما الثالث. توفي والده في عام ????. لم يكن جوتنبرج يعرف إلى أي دراسة أو مهنة يجب عليه أو يمكنه أن يتجه. في الواقع، كانت الطبقة الاجتماعية — في ذلك الوقت في ماينتس — تحدد نوع الدراسة والعمل الذي يمارسه كل فرد. ومن ثم اتجه بدون تردد إلى صناعة المصوغات وأعمال المعادن، إلا أن عدم استقرار الأوضاع السياسية جعلت جوتنبرج يغادر ماينتس في عام ????.واستقر في شارع أربوجوست بستراسبورج. ولا نعرف شيئًا تقريبًا عن نشاطاته وحياته في بداية تلك الفترة سوى أنه كان محبًّا للنزال، مما ورطه في بعض المشاكل العامة والخاصة. انتهى به الأمر بافتتاح ورشة لأعمال المعادن، ثم تعاون مع أندرياس دريتزهن — أحد المتدربين لديه قديمًا — ومع هانز ريف لصناعة ما يشبه المرايا. في الواقع، كان الأمر يتعلق أكثر بمستلزمات دينية للحج لمدينة آخن. وسرعان ما انضم إليهم أندرياس هيلمان. واستثمروا مبالغ ضخمة في هذا الأمر، لكن تأجيل الحج الذي كان مزمعًا تنظيمه في عام ???? أطاح بكل خططهم. وانخرط الشركاء في مشروع سري جديد، ويبدو أنه كان مشروع اختراع آلة طباعة جديدة ثورية.توفي أندرياس دريتزهن في نهاية عام ????، ورفع شقيقاه قضية ضد جوتنبرج؛ لأن — على حد قولهما — عقد الشراكة ينص على أن ورثة الشريك المتوفى يحق لهم أخذ مكانه. لكن لم يكن هناك أي شيء مُسجل رسميًّا يفيد بذلك. ووفقًا لبعض التفاصيل في القضية، يبدو أن مشروع آلة الطباعة كان على وشك الانتهاء.لا نعلم الكثير عما فعله جوتنبرج ما بين ???? و????. وعلى أي حال، فلا بد أنه كان يبحث عن تمويل. توفيت أخته في عام ????، واستولى زوجها على منزل طفولته. ويُعتقد أن جوتنبرج عاد إلى ماينتس ما بين عامي ???? و???? دون أن يتمكن من أخذ شيء معه إلى ستراسبورج؛ حيث تم اكتشاف آلته للطباعة لاحقًا. ومن الممكن أن يكون جوتنبرج قد اضطر إلى إعادة تكوين جهازه من جديد. وبدأت اتصالات تتم بينه وبين المحامي الثري يوهان فوست (حوالي ????–????). وشرح له جوتنبرج أسس اختراعه وأقنعه بمدى نفعه واستمراريته. وكانت الجامعات تنمو وإنتاج الكتب أصبح يتطلب الكثير من الناسخين وظل عملًا طويلًا ومرهقًا. كان المناخ الفكري ملائمًا لمثل هذا الاختراع، وقرر فوست إقراضه ثمانمائة جيلدر بنسبة فائدة ستة بالمائة.وعلى عكس التجارب الأولية للطباعة، قرر جوتنبرج استخدام حروف منفصلة وقابلة للتركيب. كانت تلك في حد ذاتها فكرة ثورية، لكن كانت المشكلة تكمن في إيجاد المادة التي تُصنع منها هذه الحروف. كان الحديد شديد الصلابة ويثقب الورق، بينما الرصاص شديد المرونة فكان يتحطم، ومن ثم كان يجب إعادة صنع الحروف. ولم يكن الخشب يمتلك الصلابة الكافية. وأخيرًا صمم جوتنبرج مزيجًا من الرصاص والأنتيمون والقصدير. ومع فكرته باستخدام الضغط للطباعة أصبح الاختراع جاهزًا. وقام بتشغيل اثني عشر عاملًا، وطالب حديث التخرج من السوربون يدعى بيتر شويفر (حوالي ????–????). وتم الانتهاء من طباعة الكتاب المقدس طبعة جوتنبرج في الرابع والعشرين من أغسطس ????، وهو بالطبع يوم لا ينسى في تاريخ البشرية. ولم يظهر اسم جوتنبرج عليه. ويبدو أن أول طبعة من الكتاب المقدس طبعها جوتنبرج قد باعت أكثر من مائة وثمانين نسخة، لا يتبقى منها اليوم سوى إحدى وعشرين. ولقد طبعت ثلاثون نسخة على الجلود، وتحتوي كل صفحة على عمودين من اثنين وأربعين سطرًا. وفي سبيل جعلها تشبه المخطوطة، كانت الهوامش والمسافات بين العمودين تزين بالورود والعصافير كما جرت العادة في ذلك العصر. وكان يوضع أسفل الحروف الكبيرة خط أحمر، بينما تُرسم الحروف الأولى باليد. وبالطبع، تمت طباعة الكتاب المقدس قبل أن يتمكنوا من وضع هذه الزخارف، ولا سيما أن تاريخ انتهاء الطبع بالتحديد لا يزال مجهولًا.في السادس من نوفمبر ????، قاضى يوهان فوست جوتنبرج ليجبره على تسديد الدين بالإضافة إلى الفوائد؛ أي حوالي ألفي جيلدر. وحكمت المحكمة لصالح فوست، مما اضطر جوتنبرج إلى التنازل له عن أدواته بما فيها الكتاب المقدس. ومن ثم ذهبت أعوام من العمل المضني إلى فوست بكل بساطة. ولا أحد يعلم لماذا قرر فوست مقاضاة جوتنبرج؛ هل لأنه مل انتظار استرجاع أمواله، أم لأنه أراد التخلص من جوتنبرج الذي أصبح عديم الفائدة بالنسبة له بعد أن انتهى من طباعة الكتاب المقدس. كما أن دور بيتر شويفر في القضية كان مريبًا؛ فبعد أن تزوج من ابنة فوست، جاءت شهادته ضد جوتنبرج. وباستخدام معدات جوتنبرج، قام فوست وشويفر في عام ???? بطباعة كتاب المزامير بماينتس، وهو أول كتاب يظهر عليه اسم من طبعه.ويبدو أن جوتنبرج — على الرغم من مشاكله — ظل يمتلك ورشة الطباعة أثناء خمسينيات القرن الخامس عشر وربما إلى ستينياته. ولقد ساعده ماديًّا كونراد همفري نائب البلدية. وفي عام ????، تمت طباعة موسوعة «الكاثوليكون» للراهب الدومينيكاني من جنوة جوهانز بالبو (توفي ????)، والمعروف أيضًا باسم جيوفاني دي جينوفا. وبدأ اسم جوتنبرج ينتشر، حتى إن مبعوث من ملك فرنسا جاء لزيارته في عام ????.اندلعت أحداث شغب سياسية في ماينتس. وفي ديسمبر ????، هاجم رئيس أساقفة ماينتس — أدولف ناسو — المدينة واستولت جيوشه عليها. واضطر السكان المعارضون لناسو أن يغادروا البلاد ومن بينهم جوتنبرج الذي صُودر منزله. وبعد استعراض القوة هذا، أدرك ناسو أن مدينةً بدون حياة وبدون تجارة وبدون سكانها؛ لن تكون مفيدة بالنسبة له؛ ومن ثم بدأ يشجع السكان على العودة. وفي ????، قام بدعوة جوتنبرج إلى بلاطه وكرمه موفرًا له المأوى والكساء.وتوفي جوتنبرج في الثالث من فبراير ????.(??) ويليام روان هاميلتون

ولد ويليام روان هاميلتون في دبلن بأيرلندا في الرابع من أغسطس عام ????. ولم يتوفر لوالده — أرشيبولد — الوقت الكافي لتعليمه، فكان كثير السفر في أنحاء إنجلترا لمباشرة أعماله؛ ولذلك عُنيت والدته — سارة هتون — بتعليمه. ومنذ عامه الخامس، بدأ عمه، القس جيمس هاميلتون، تعليمه اللغة اللاتينية واليونانية والعبرية. وسرعان ما أصبح ويليام متمكنًا من لغات أخرى. في سن الثانية عشرة، تعرف على الأمريكي زيرا كولبيرن (????–????) الذي كان قادرًا على القيام بحسابات مسلية في عقله. وبدأ ويليام الشاب يحاول مضاهاته والدخول معه في منافسات صغيرة. وهكذا استطاع اكتساب حب الرياضيات. في الثالثة عشرة، قرأ هاميلتون كتاب الجبر لمؤلفه أليكسيس كلود كليرو (????–????) المكتوب بالفرنسية. وفي الخامسة عشرة، بدأ في دراسة أعمال إسحاق نيوتن (????–????) والماركيز بيير سيمون لابلاس (????–????). في عام ????، اكتشف خطأ في كتاب «الميكانيكا السماوية» للابلاس، وجذب بذلك انتباه جون برينكلي (????–????) عالم الفلك الملكي بأيرلندا، الذي قال عنه: «هذا الشاب الصغير هو — ولن أقول سيكون — العالم الرياضي الأول في عصره.»التحق هاميلتون بكلية الثالوث المقدس بدبلن وهو في الثامنة عشرة من عمره. وفي غضون عام واحد — وعلى الرغم من أنه لم يحضر جميع المحاضرات — حصل على التقدير الأمثل في الدراسات التقليدية، وهو تقدير لم ينله أحد سوى مرة واحدة خلال عشرين عامًا. وفي أغسطس ????، اصطحبه عمه جيمس إلى سمرهيل لمقابلة عائلة ديزني. وهناك تدله في حب الابنة كاثرين. لكن كان لا يزال أمامه ثلاثة أعوام في الكلية، ولم يكن بالطبع في وضع يمكنه من التقدم لخطبتها. إلا أنه كان يتقدم بخطى سريعة. وقبل نهاية عام ????، تقدم بأول مقال له إلى الأكاديمية الأيرلندية الملكية. وفي شهر يناير التالي، أخبرته والدة كاثرين أن ابنتها ستتزوج من رجل دين متيسر الحال يكبرها بخمسة عشر عامًا. وفي الاختبار التالي، حصل هاميلتون على تقدير جيد بدلًا من جيد جدًّا كالمعتاد، وسقط مريضًا بل إنه فكر في الانتحار، ثم اتجه إلى الشعر، وهي عادة ظل محتفظًا بها طوال الفترات الكئيبة في حياته.في عام ????، حصل على التقدير الأمثل في الدراسات الكلاسيكية والعلوم، وهو ما لم يحدث من قبل. وقدم بحثًا بعنوان «نظرية أنظمة الأشعة» للأكاديمية الأيرلندية الملكية، شرح فيه الوظائف المميزة لعلم البصريات. وأقنعه ممتحنه الأخير — تشارلز بويتون — بالترشح لوظيفة عالم فلك ملكي بمرصد دنسينك، على الرغم من وجود ستة ترشيحات أخرى من بينها جورج بيدل إيري (????–????). وفي عام ????، تم تعيين هاميلتون أستاذًا لعلم الفلك بكلية الثالوث المقدس، على الرغم من أنه لم يكن أنهى بعد دراساته، وكان عمره لا يتجاور الحادية والعشرين. وقد أثار هذا التعيين جدلًا؛ لأن هاميلتون لم يكن يمتلك خبرة واسعة في الملاحظات الفلكية. وظن سابقه جون برينكلي — الذي أصبح أسقفًا — أنه قام باختيار خاطئ، وهو ما ثبت صحته في النهاية؛ لأن هاميلتون سرعان ما فقد اهتمامه بعلم الفلك واتجه إلى الرياضيات.وقبل أن يبدأ في القيام بمهامه في هذا المنصب المرموق، قام هاميلتون بزيارة إلى إنجلترا واسكتلندا — حيث يرجع أصل عائلته — والتقى فيها الشاعر ويليام وردزوورث (????–????) وأصبحا صديقين. وكانت إحدى شقيقات هاميلتون، إليزا، تكتب الشعر أيضًا وكان وردزوورث يفضل قصائدها عن قصائد أخيها ويليام. وكانا يتناقشان بكثرة في العلوم والشعر، فكان هاميلتون يؤيد فكرة أن لغة الرياضيات لا تقل فنية عن اللغة الشعرية، لكن وردزوورث لم يكن يتفق معه.اتخذ هاميلتون طالبًا تحت إشرافه، إدوين ريتشارد ويندهام ويندهامكوين — ثالث كونت لديورافين — (????–????)، وكان له لقب الفيكونت آدار الشرفي قبل أن يصبح كونتًا، لكن كان تأثير كل منهما على الآخر سلبيًّا، فعانى آدار من مشاكل في الرؤية بسبب المراقبة الفلكية، بينما أصيب هاميلتون بالمرض من فرط الإجهاد، وقررا الذهاب في عطلة إلى أرماغ وزيارة عالم فلك آخر هو توماس رومني روبنسون (????–????). وفي هذه المناسبة، قابل هاميلتون الليدي كامبل، التي أصبحت فيما بعد كاتمة أسراره الأقرب إليه. كما زار حبه القديم كاثرين، لكنه كان متوترًا في وجودها لدرجة أنه حطَّم قطعة من تليسكوبه أثناء عرضه عليها. ولقد ألهمته تلك الحادثة فترة شعرية جديدة. وفي يوليو ????، قام هاميلتون وشقيقته بزيارة أخرى إلى وردزوورث. وفكر هاميلتون في الزواج، ربما من فتاة تدعى إيلين دي فير لكن المشروع فشل سريعًا. وإن أصبح صديقًا مقربًا لأوبري شقيقها، لكنهما اختلفا حول مسائل دينية.وأخيرًا، تزوج هاميلتون من هيلين ماريا بايلي التي كانت تقيم أمام مرصده. لكنها لم يكن لديها أدنى فكرة عن إدارة المنزل، كما كانت كثيرة المرض، مما حول حياته الأسرية إلى نوع من الفوضى. وطوال الأعوام التالية، كانت تقضي معظم وقتها إما عند والدتها أو مريضة.وفي عام ????، نشر هاميلتون الملحق الثالث لكتابه، طبق فيه الدالة المميزة على دراسة أسطح الموجة لفريسنيل. ومن هنا، توقع الانكسار المخروطي وطلب من همفري لويد (????–????) — أستاذ الفيزياء بكلية الثالوث المقدس — أن يتحقق علميًّا من صحة هذا الافتراض. وكان بالفعل نجاحًا جلب لهاميلتون شهرة واسعة، لكن جلب معه جدلًا بينه وبين جيمس ماكولاج (????–????)، الذي كان قد وصل هو الآخر إلى نتائج قريبة من الاكتشاف النظري لهاميلتون، لكنه اضطر إلى الاعتراف بأنه لم يستطع تجاوز الخطوة الأخيرة.في الرابع من نوفمبر ????، قدم هاميلتون إلى الأكاديمية الأيرلندية الملكية مقالًا عبر فيه عن الأرقام المركبة بأزواج جبرية؛ أي أزواج من الأرقام الحقيقية المرتبة. في عام ????، ولد ابنه الأول ويليام إدوين، وغادرت زوجته دنسينك لمدة تسعة أشهر وتركته وحيدًا. في عام ????، نشر هاميلتون كتابه «الجبر، علم الزمن المحض» مستلهمًا أفكاره من دراسته لأعمال إيمانويل كانط (????–????). وفي الكتاب، كان يقوم بتحديد الأزواج الجبرية بواسطة الزمن. في عام ????، تم تكريمه كما رُزق بابنه الثاني، أرشيبولد هنري. لكن الأعوام التالية لم تحمل له نفس القدر من السعادة. بعد اكتشافه للأزواج الجبرية، حاول مد النظرية لتشمل الثلاثيات، وتحول الأمر إلى هاجس بالنسبة له استمر عدة أعوام. غادرت هيلين مع طفليهما لمدة عشرة أشهر. ثم، بعد ميلاد ابنتهما — هيلين إليزا إميليا — رحلت هيلين إلى إنجلترا بمفردها تاركة أطفالها. وبدأ هاميلتون يعاني من مشاكل الإفراط في تناول الكحوليات، لدرجة أن شقيقته جاءت لتقيم معه في دنسينك. عادت هيلين في عام ????، وكان هاميلتون لا يزال مشغولًا بالثلاثيات. وفي السادس عشر من أكتوبر ????، توصل إلى حل لمسألة الرباعيات الهندسية.في عام ????، زاره توماس ديزني في مرصده وبصحبته ابنته كاثرين. كان إدمان هاميلتون للكحوليات قد أخذ يتفاقم، حتى إنه فقد السيطرة على نفسه ذات مرة أثناء حضوره لمأدبة بالجمعية الجيولوجية بدبلن. وفي عام ????، توفي اثنان من أعمامه، بينما انتحر أحد زملائه بالكلية. وفي العام التالي، بدأت كاثرين تراسله. وشيئًا فشيئًا أخذت مراسلتهما طابعًا شخصيًّا. ونظرًا لشعورها بتأنيب الضمير، اعترفت كاثرين لزوجها بالأمر. وعندها كتب إليهما هاميلتون يعدهما بأنهما لن يسمعا منه بعد الآن. وبعدها أرسلت إليه كاثرين خطابًا وحاولت الانتحار بعدها. وقضت باقي حياتها مع والدتها دون أن تنفصل رسميًّا عن زوجها. وظل هاميلتون يراسلها عن طريق بعض الأصدقاء. وليس من العجيب أن غرق هاميلتون من جديد في إدمان الكحوليات بعد كل هذه الأحداث. لكنه بدأ في تأليف كتابه حول الرباعيات الهندسية الذي صدر في عام ????، إلا أنه أدرك أنه مكتوب بطريقة سيئة لمن يريد تعلم هذه النظرية. ثم ساعد ابن كاثرين في الاستعداد لاجتياز اختباراته في … الرباعيات الهندسية! كان هذا بالنسبة له انتصارًا على زوج كاثرين الذي لم يكن بمقدوره مساعدة ابنه. وتعبيرًا عن شكرها له، أرسلت إليه كاثرين رسالة تضم الكلمات التالية: «من إنسانة يجب ألا تنساها وألا تسيء الظن بها، إنسانة كانت ستموت سعيدة لو كنا استطعنا اللقاء مرة أخرى.» وعلى الفور، سافر هاميلتون لرؤيتها وأهداها نسخة من كتابه. وتوفيت كاثرين بعد أسبوعين من هذا اللقاء.واستأنف هاميلتون العمل، عاقدًا العزم على تأليف كتاب عالي الجودة حول الرباعيات الهندسية، الأمر الذي استغرق سبعة أعوام، حتى إن الفصل الأخير لم ينتهِ؛ إذ وافته المنية في الثاني من سبتمبر ???? بدبلن بسبب داء النقرس، مباشرة بعد انتخابه كأول عضو أجنبي بالأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية. ولقد ناهز كتابه الثمانمائة صفحة!(??) رينيه-جست هاوي

ولد الأب رينيه-جست هاوي في عام ???? في سانت جستأن شوسيه (بإقليم واز بفرنسا) لأسرة متواضعة. درس الآداب الكلاسيكية، ثم بدأ في تدريسها من عام ???? وحتى ????، لكنه كان شغوفًا بالعلوم الطبيعية والفيزياء. وفي عام ????، اكتشف علم المعادن، عندما تابع — في المتحف — محاضرات لويس دوبنتون (????–????)، زميل جورج لويس لوكليرك، كونت بوفون (????–????) وصاحب سلالة أغنام المارينو. ومنذ عام ???? قام بصياغة نظرية وصفية لبنية البلورات استنادًا إلى افتراضية أن الانفلاق البلوري (أي القيام بصهر أي معدن) يُنتج الشكل الهندسي للنواة أو «الجزيء المتكامل». وعلى مدار أربعين عامًا، حاول تعميق هذه الفكرة عارضًا للمفاهيم الأساسية للحلقة الأولية والشبكة الدورية والتماثل. ويعد هاوي مؤسس علم البلورات. ولقد تم انتخابه في أكاديمية العلوم عام ????، بالإضافة إلى العديد من الأكاديميات العلمية الأوروبية الأخرى. كان كثير التواصل مع العلماء الآخرين كما جرت العادة في ذلك العصر. وظل متواضعًا شديد التهذيب يعيش حياة عنوانها البساطة. إلا أنه سُجن في عام ???? لكونه قسيسًا غير محلف، لكنه نجا من مذابح سبتمبر. ولقد سمحت له الإمبراطورية باستكمال أعماله.توفي هاوي في باريس في الأول من يونيو ???? في الوقت الذي ظهر فيه مؤلفه «بحث في علم البلورات».ويجب عدم الخلط بينه وبين أخيه فالنتين هاوي (????–????) الذي كرس حياته كلها لتعليم المكفوفين.(??) هيرمان لودفينج هلمهولتز

ولد هيرمان لودفيج فرديناند هلمهولتز في بوتسدام ببروسيا في الحادي والثلاثين من أغسطس ????. وعلى الرغم من قلة شهرته في فرنسا، فإنه يعد أحد أهم العلماء في القرن التاسع عشر. نظرًا لاعتلال صحته، تلقى هلمهولتز تعليمه الأول على يد والده، المدرس بإحدى المدارس الثانوية. وفي عمر التاسعة، التحق بالمدرسة الثانوية وتخرج فيها وهو في السابعة عشرة من عمره. ولعدم امتلاكه للإمكانيات المادية الكافية التي تمكنه من دراسة الفيزياء، التحق بمعهد فريدريش فيلهلم الجراحي الطبي ببرلين؛ حيث كانت الدراسة بالمجان لمن يتعهد بالعمل جراحًا في الجيش بعد تخرجه. وكان لأستاذ الفسيولوجيا يوهانز بيتر مولر (????–????) أكبر الأثر عليه هو وزملائه. كانوا جميعًا شديدي الإعجاب به، إلا أنه كان ينتمي إلى جيل آخر وكان مؤيدًا لنظرية الحيوية في علم الأحياء، وهي نظرية لم يمكن لطلابه أن يتقبلوها. أصبح هلمهولتز جراحًا بالجيش في بوتسدام. واستكمل في نفس الوقت دراساته في الفيزياء والرياضيات ونشر فيهما عدة مقالات. في عام ????، بعد أقل من خمسة أعوام من انتهاء دراسته وكان يبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا فقط، قدم هلمهولتز للجمعية الفيزيائية ببرلين أعماله — التي أصبحت الآن من الكلاسيكيات — حول عدم فناء الطاقة، معطيًا الصيغة الرياضية لقانون بقاء الطاقة. وفي عام ????، كان جوليوس ماير (????–????) قد نشر عملًا نظريًّا حول هذا الموضوع، وبعد ذلك مباشرة أظهر جيمس جول (????–????) نتائج التجارب التي كان يجريها منذ عدة أعوام، والتي قادته إلى نظرية مماثلة لتلك التي أصدرها ماير. واندلع جدال حول أسبقية كل منهم في أولوية هذا الاكتشاف. كان هلمهولتز مؤيدًا لأفكاره؛ لأن قانون بقاء الطاقة لا يمكن أن يتماشى مع نظرية الحيوية التي طالما حاربها.وبعد خدمة دامت خمسة أعوام في الجيش، عُين — لفترة قصيرة — معلمًا للتشريح بكلية الفنون ببرلين. ثم عُرض عليه منصب أستاذ مشارك للفسيولوجيا بجامعة كونيجسبرج. ثم تزوج هلمهولتز. وحينها قدم ثاني أعماله أهمية، وهو حساب سرعة الاستجابة العصبية. كما عمل على دراسة فسيولوجيا الإبصار واخترع أوفتالموسكوب (منظار فحص قاع العين). في عام ????، ألف الجزء الأول من كتاب «بحث حول فسيولوجيا الإبصار»، الذي ظهر الجزء الثالث والأخير منه بعد عشرة أعوام. وما بين عامي ???? و????، تمت ترجمته إلى الإنجليزية لكونه أداة لا غنى عنها للطلاب.في عام ????، أصبح هلمهولتز أستاذًا للتشريح والفسيولوجيا بجامعة بون. وفي ذلك الوقت وقع في مشاكل مع وزارة التعليم؛ لأنه تجرأ وأدخل بعض الرياضيات في محاضرات التشريح. ويجب التنويه إلى أن هذه المحاضرات لم تكن دائمًا مُعدة جيدًا، بل كانت تحتوي في بعض الأحيان على ثغرات أو حتى أخطاء، لكن كل هذا لا يقارن بأهمية اكتشافاته العلمية. واتخذ عمله التالي من علم السمعيات موضوعًا له وكان مثار اهتمامه منذ التحاقه بالعمل بكونيجسبرج. في عام ????، حصل على كرسي الأستاذية في الفسيولوجيا بجامعة هيدلبرج، وهو منصب رفيع في ألمانيا وظل يشغله حتى عام ????. ولقد تناول العديد من القضايا المتنوعة، خاصة الديناميكا المائية والديناميكا الكهربائية والسمع والنظرية الفسيولوجية للموسيقى. وفي عام ????، نشر كتابه حول إدراك الألوان الذي لم يكن مجرد كتاب حول أعماله في مجال الرؤية، وإنما كتاب يلخص وينظم معارف العصر. وما بين ???? و????، أكمل أبحاث برنارد ريمان? (????–????) حول الهندسة، مسلطًا الضوء — لأول مرة — على أصلها التجريبي. ثم أصبح هلمهولتز نائب رئيس جامعة هيدلبرج.في عام ????، أصبح كرسي الأستاذية في الفيزياء بجامعة برلين شاغرًا، وعندها لم يُعرض عليه المنصب فقط، بل طُلب منه إملاء الشروط التي يريدها لقبوله. وبالفعل طلب أربعة آلاف تالر راتبًا، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت، وقد كان، وأيضًا إنشاء معهد جديد للفيزياء يديره بنفسه، بالإضافة إلى شقة في محيطه. كانت تلك هي شروط العمل الأفضل على الإطلاق، واستطاع هلمهولتز أن يتحدث عن «معبد للفيزياء». كما تم تكريمه أيضًا. في عام ????، تم تعيينه أول مدير لهذا المعهد الذي أقيم في شارلوتنبرج بالقرب من برلين، مع الاحتفاظ بمنصبه كأستاذ. كانت اهتماماته متنوعة للغاية لدرجة أنه في الفترة من ???? إلى ???? نشر خمسة مقالات حول مسلمات الهندسة؛ بهدف إثبات أنها — على عكس ما قال إيمانويل كانط (????–????)؛ جاءت نتيجة التجربة. وبالفعل كان يتم الاستشهاد بكتاباته في المناقشات حول الهندسة غير الإقليدية كدليل على وجود البعد الرابع. ومن أغرب نتائج أعماله أنه اعتُبر — من قبل بعض معاصريه — من مؤيدي مذهب الروحانية (استحضار الأرواح). كان الوسيط الروحاني الأمريكي هنري سلايد يقدم عروضًا يخرج خلالها أشياء من علبة مغلقة. وكان التفسير الشعبي لهذه الظاهرة يستند إلى أن سلايد يستخدم البعد الرابع. وتفجرت مناقشات حادة بين العلماء الذين لاموا هلمهولتز لتسببه في فضيحة علمية. ولقد أُقيل أحد الأساتذة بجامعة برلين من منصبه بسبب اتهاماته لهلمهولتز.وفي الأعوام التالية، انشغل هلمهولتز بمسائل الفيزياء وإن ظل دائمًا مهتمًّا بالقضايا الفسيولوجية. وكان هينريتش هيرتز (????–????) يعمل في رسالته عن التلغراف اللاسلكي والراديو تحت إشراف هلمهولتز الذي كان يعقد مؤتمرات للجمهور العادي. بعد أن توفيت زوجته الأولى، تزوج ثانية في عام ????. وجعلت زوجته من منزلهما صالونًا علميًّا وأدبيًّا وفنيًّا. وأصبح هلمهولتز مقربًا من العائلة الإمبراطورية. كما شارك في تأسيس جمعية الألب الألمانية.في عام ????، زار المعرض الدولي بشيكاجو بصفته مبعوثًا من الحكومة الألمانية. وأثناء عودته، سقط بعنف على سلم الباخرة، ولم يتعافَ أبدًا بشكل كامل من هذه السقطة. وتوفي بسبب نزيف في المخ في الثامن من سبتمبر عام ???? بشارلوتنبرج.كان لهلمهولتز منهج تجريبي في العلوم. وكان يمتلك الفضول والإبداع والقدرة على التصدي لأي مسألة علمية منذ تكوينها وحتى تفسير نتائجها مرورًا بقدرته على تصنيع الأجهزة اللازمة. كانت لديه قدرة هائلة على التلخيص مما سهل عليه ربط نتائجه بنتائج الباحثين الآخرين. ومن جوانب عدة، يظل هلمهولتز أحد أكبر العلماء في العصر الحديث.(??) شارل إرميت

ولد شارل إرميت بديوز — أحد أهم مناطق مقاطعة لامورت — في الرابع والعشرين من ديسمبر ????. ولقد شهدت هذه المنطقة مولد الكاتب إدموند أبوت (????–????) والمؤلف الموسيقي جوستاف شاربونتييه (????–????). كان شارل إرميت الابن قبل الأخير في أسرة مكونة من سبعة أبناء. وكان والداه يمتلكان متجرًا لبيع الأقمشة بالجملة. ومع ازدهار تجارة العائلة، انتقلوا جميعًا للعيش في نانسي في عام ????. والتحق إرميت بكلية المدينة. لكن لم تكن دراسته تسير على ما يرام، وظلت بالنسبة له ذكرى كريهة. فأرسلوه إلى باريس إلى كلية هنري الرابع ثم كلية لويس الأكبر لحضور محاضرات السنة التمهيدية ومحاضرات الإلقاء. في كلية هنري الرابع، كان أكثر ما جذبه هو محاضرات الفيزياء لشارل ديسبرتز (????–????)، الذي أصبح فيما بعد أستاذًا بجامعة السوربون وعضوًا بأكاديمية العلوم. وكان أستاذه في الآداب السيد كابوش يعيب عليه دومًا ميله إلى الفيزياء. كان يعمل بدون حماسة، ولم يكن سعيدًا في المدرسة الداخلية، وكان لديه — على حد تعبيره — شعور بأنه في سجن، فأهمل دراسة الفلسفة وحتى الرياضيات.وفي مطلع العام الدراسي ????-????، التحق بكلية لويس الأكبر في صف الرياضيات التمهيدي للالتحاق بكلية الهندسة. وكان أستاذه هناك هو لويس بول إيميل ريتشارد (????–????) الذي مر عليه — منذ عشرين عامًا تقريبًا — إيفريست جالوا (????–????) كطالب لديه. لكن سرعان ما طاله الإحباط. وعلى الفور أدرك أستاذه ريتشارد — مستشعرًا العبقرية الرياضية في تلميذه — أنه لن يتجاوب مع مقرر إجباري يدرسه، فقرر تركه حرًّا. وبدأ إرميت يذهب إلى مكتبة سانت-جينيفيف ليقرأ مقالات جريدة جريجون السنوية، وكان يقضي هناك ساعات يتصفح أبحاث أكاديميات العلوم بباريس وبرلين وسان بطرسبرج. وقرأ أعمال كبار علماء الرياضيات مثل ليونارد أولر (????–????)، وجوزيف لويس لاجرانج (????–????)، وأدريان ماري لوجندر (????–????)، ونيلز هنريك أبل (????–????)، وكارل جوستاف جاكوب جاكوبي (????–????). وبالرغم من ثقته في قيمة تلميذه، كان ريتشارد قلقًا من ابتعاد إرميت تمامًا عن مقررات الاختبار، بل ومن كرهه لها، تمامًا مثلما كان الحال مع جالوا.في عام ????، حصل على أول جائزة له في الرياضيات الخاصة أثناء المسابقة العامة. وفي العام ذاته، تقدم إلى كلية الهندسة لكن لم يتم قبوله. في عام ????، نشر مقالتين. وفي الأول من نوفمبر ???? قُبل بكلية الهندسة على الرغم من عدم حصوله على البكالوريا، على عكس العديد من معاصريه. لكن كان ترتيبه الثامن والستين، وهو مستوى ضعيف بسبب إجاباته في الهندسة الوصفية. وحتى بعد خمسين عامًا، لم يستطع نسيان مشاعر الحنق بسبب هذا الأمر. وبسبب عجز بسيط في قدمه اليمني أثناء ولادته كان مضطرًّا إلى استخدام عصا للسير، واعتبر غير لائق للالتحاق بالخدمة العسكرية وتم شطبه من الجداول. لكن بناءً على طلب رسمي من والديه وعلى إصرار ممثلي مدينة لامورت، تم قبوله بقرار وزاري بشرط أن يتعهد بعدم التقدم — عند خروجه — إلى وظيفة في الإدارات العامة. وكان مدير الدراسات في ذلك الوقت هو جاسبارد جوستاف كوريوليس (????–????). كان ميشيل شازلز (????–????) يدرسه الجيوديسية والآلات، بينما كان جان ماري كونستانت دوهامل (????–????) وجاك شارل فرانسوا ستيرم (????–????) وجوزيف ليوفيل (????–????) أساتذته في التحليل، وكان شارل فيليكس أوجستين لوروا (????–????) يقوم على تدريس الهندسة الوصفية وجابريل لاميه (????–????) الفيزياء، وأخيرًا كان ممتحن الرياضيات هو كلود لويس ماثيو (????–????). لم تمنعه المحاضرات بكلية الهندسة من متابعة أفكاره الخاصة، فاستمر يتردد على مكتبة سانت-جينيفيف القريبة منه، ومن مدخراته اشترى الترجمة الفرنسية لكتاب كارل فريدريش جاوس (????–????) الصادر في عام ????.في يناير ???? — بناءً على نصيحة ليوفيل — أرسل إرميت — وكان يبلغ بالكاد عشرين عامًا — إلى عالم الرياضيات الألماني الكبير جاكوبي — وكان حينها في قمة مجده — خطابًا من عدة صفحات يعرض فيه إجمالًا للنتائج التي توصل إليها بنفسه. ولقد رد عليه جاكوبي، متذكرًا الوقت الذي طلب فيه النصيحة والدعم من لوجندر. ولم يكن رد جاكوبي بدافع من الكياسة، فلقد كان في ذلك الوقت يتابع طباعة الأعمال الكاملة له، ولم يتردد في وضع رسالة إرميت إلى جانب أعماله.بعد مغادرته لكلية الهندسة، ظل إرميت يعمل في باريس، لكنه كان قد أصبح لغزًا بالنسبة لأسرته. ولم تستطع والدته بطبيعتها الإيجابية فهم اهتمام ابنها الزائد بالرياضيات، بينما نظر والده بنوع من التسامح لما اعتبره جنونًا هادئًا أصاب ابنه. وفي ذلك الوقت، قابل إرميت الأخوين جوزيف وألكسندر برتراند. لكنه لم يكن يميل إلى جوزيف، الذي كان في مثل عمره، وبينما تم قبوله بكلية الهندسة وهو في الحادية عشرة من عمره، اضطر هو إلى الانتظار حتى أتم عامه السابع عشر ليتمكن من دخولها.في أغسطس ????، استأنف مراسلاته لجاكوبي حول الدوال المختصرة، وهو المجال الذي ظل طوال حياته موضوعه المفضل، فبعد خمسين عامًا، كتب إلى توماس يوهانز ستايلتج? (????–????): «لا أستطيع الخروج من مجال المختصرات، فكما جاء في المثل، الماعز يرعى حيث يكون مربوطًا.»ومنذ عام ????، أصبح مجال التدريس مفتوحًا أمام خريجي كلية الهندسة — الذين تخلوا عن مسيرتهم المهنية اللامعة — لتكريس حياتهم لتعليم الشباب وللبحث العلمي. ولقد سار في هذا الطريق بالفعل جوزيف لويس فرانسوا برتراند (????–????) وبيير أوسيان بونيه (????–????) وجوزيف ألفريد سيريت (????–????). لم يكن إرميت يستطيع أن يستمر في العيش هكذا، وتحت ضغط والدته، قرر أن يمضي هو الآخر في هذا الطريق، لكنه لم يكن حاصلًا على أي شهادة. وهكذا اضطر الذي كان يعتبره الجميع أحد أساتذة الرياضيات أن يخضع للاختبارات التي يمقتها — وهو في الرابعة والعشرين من عمره — بدءًا بالبكالوريا. ولقد حصل على تقدير مقبول في الرياضيات! وأخيرًا في التاسع من مايو ????، تم قبوله للحصول على درجة الليسانس في الفيزياء. وتم تعيينه في كلية الهندسة كممتحن مؤقت للمقبولين في يوليو ????.وبعدما أصبح له منصب أخيرًا، تزوج من شقيقة صديقيه جوزيف وألكسندر برتراند. وكان هذا مولدًا لأسرة كبيرة من علماء الرياضيات. في البداية، جوزيف برتراند الذي التحق بأكاديمية العلوم في عام ???? وأصبح سكرتيرها الدائم للعلوم الرياضية في عام ????. ولقد كان برتراند ابن أخت جان ماري كونستانت دوهامل؛ أستاذ إرميت في كلية الهندسة. أما ألكسندر برتراند فكان صهره هو بول أبل (????–????). ولقد تزوجت ابنة أبل من إميل بوريل? (????–????) وابنة إرميت من إيميل بيكارد (????–????). كما ربطهم النسب أيضًا بعائلتي بوترو (إيميل وابنه بيير) وبوانكاريه (هنري ولوسيان ورايموند الذي أصبح رئيسًا للجمهورية). وفي هذا الوسط من الثقافة الفكرية العالية، قضى إرميت حياة هادئة منعزلة مكرسة بالكامل للعلم، فلم يكن ينفتح على العالم إلا من خلال مراسلاته مع زملائه من علماء الرياضيات التي شكلت حيزًا كبيرًا في حياته، فلم يكن يشعر بقدر كبير من الراحة وسط المجتمع بالإضافة إلى تشاؤمه الشديد، كما كان يعتبر نفسه «أخرق ومتوحشًا». كان لديه ميل جارف إلى الموسيقى وامتلك ذاكرة موسيقية واسعة. وعلى الرغم من أنه لم يدرس الموسيقى قط، فإنه كان قادرًا على عزف أي لحن سمعه ولو لمرة واحدة على البيانو. لكنه كان يشعر بنفور كبير من الرسم والنحت خاصة، اللذين اعتبرهما فنَّين وثنيين دون شك؛ فلم يكن يعلق أي لوحة على جدران مكتبه لكيلا تعوق تفكيره، ولم يكن يذهب أبدًا إلى معارض الرسم، بينما كان يتردد برغبته على عروض الأوبرا للتسلية برفقة زملائه بونيه وسيريت. كان يحب القراءة ولا سيما أعمال فيكتور هوجو (????–????). وعلى عكس العديد من علماء الرياضيات، لم تكن الفلسفة تستهويه، فكان يقول: «لا أحب الفلسفة أبدًا؛ لأنها تتجاوز حدود تفكيري، فأنا أفضل البقاء على الأرض.»في ديسمبر ????، عُين معيدًا مساعدًا للتحليل الرياضي بكلية الهندسة، وظل في هذا المنصب حتى الأول من نوفمبر ????. وفي يونيو ????، أصبح إرميت محاضرًا بديلًا في محاضرات الرياضيات بكلية فرنسا، وكان كرسي الأستاذية في قسم التحليل الرياضي فارغًا؛ كان من يشغله جيوم ليبري (????–????) — لاقتناعه بتورطه في سرقة كتب قيمة من المكتبات العامة، ومهددًا بحكم قضائي بعد سقوط فرانسوا جيزو (????–????)، الذي كان يعرقل القضية قبل ذلك — قد هرب. وبعد الإقصاء النهائي لليبري، تم تخصيص كرسي الأستاذية لجوزيف ليوفيل بدلًا من أوجستين لويس كوشي (????–????). ولم يكن إرميت من المرشحين.في عام ????، تم انتخابه في أكاديمية العلوم. في السادس من أبريل ???? كان قد تقدم بطلب للاقتراع بين زملائه للحصول على منصب ليبري، لكنه لم يحصد سوى صوت واحد، وانتخب شازلز بدلًا منه. ثم قام بإعادة الكرة مرة أخرى في العشرين من أبريل ???? للحصول على منصب ستيرم، وحصل على صوتين في الجولة الأولى، وصوت واحد في الجولة الثانية، وفاز به جوزيف برتراند. ومنذ هذا الوقت، بدأ بالتأكيد العداء بينه وبين أخي زوجته وصديقه القديم، الذي على الرغم من نبوغه المبكر كما رأينا حيث حصل جوزيف برتراند على درجة الدكتوراه في العلوم وهو في السابعة عشرة برسالة حول النظرية الرياضية للكهرباء؛ فإنه لم يترك أثرًا ذا قيمة في مجال الرياضيات كما كانت نجاحاته الأولى تبشر. كان إرميت فائق النشاط في الأكاديمية. وكما تظهر مراسلاته الكثيرة مع صديقه عالم الرياضيات السويدي جوستا مانجوس ميتاج-ليفير (????–????)، فلقد كان شديد الانشغال بانتخاب الأعضاء الجدد. ولقد أرسل كامي جوردان (????–????) — أثناء طلبه للترشح — ملفه العلمي إلى إرميت ليفحصه، ولقد رد عليه إرميت كالتالي: السيد كاميإن فحص أعمالك أمر في غاية الصعوبة وشاق للغاية وتمنعني التزاماتي من القيام به، لكن إصرارك على الشروع فيه — على الفور — يجبرني على أن أخطرك أنك إذا استطعت أن ترسله لي عن طريق أصدقائك الأعضاء في الأكاديمية، فسأرد عليه، أو أتقدم باستقالتي كعضو في المعهد على الفور.لقد تشرفت بكوني خادمك المتواضع والمطيع.وتم انتخاب جوردان.وعلى الرغم من أن زملاءه قد تم تعيينهم بكلية فرنسا وكلية الهندسة والكلية الطبيعية أو بالسوربون، ظل إرميت راضيًا بوظيفته كممتحن. وفقط في عام ???? — بناءً على مبادرة لويس باستير (????–????) مدير قسم الدراسات العلمية بالكلية الطبيعية العليا منذ عام ???? — تم استحداث منصب محاضر في الرياضيات وعُهد به إلى إرميت. لكنه لم يبلغ بالفعل منصبًا يليق بشهرته إلا بعد عام ???? وهو في السابعة والأربعين من عمره، ومن ثم بدأ يصبح له تأثير عميق على الأجيال القادمة من علماء الرياضيات الفرنسيين. وفي الواقع، تقاعد دوهامل — أستاذ إرميت — في عام ???? من منصبه كأستاذ بالسوربون وبكلية الهندسة، وتم تعيين إرميت في البداية بديلًا له بالسوربون، ثم عين في نوفمبر أستاذًا للتحليل الرياضي بكلية الهندسة، وبنهاية شهر مايو ????، أصبح خلفًا لدوهامل كأستاذ وحاصل على كرسي الأستاذية الأعلى بقسم الجبر بجامعة السوربون.في عام ????، نُشرت في تقارير أكاديمية العلوم — ومن الطريف أنها كانت متوفرة في جميع المقاهي الكبرى بباريس — أربع ملاحظات عن الدالة الأُسية. وأثبت إرميت — مستخدمًا طريقة تعميم نظرية الكسور المتصلة التي ظل يعمل عليها لسنوات — أن الرقم — أساس اللوغاريتمات الطبيعية — هو رقم متسامٍ؛ أي إنه ليس جذرًا لرقم متعدد النتائج تكون معاملاته الجبرية أرقامًا صحيحة. وكانت هذه نتيجة هامة لكونها أول مثال لإثبات تسامي أي رقم، وهي لم تكن مصممة خصوصًا لهذا الغرض. كما فتح إثبات إرميت الباب ومهد الطريق لإثبات تسامي الرقم ؛ أي إثبات استحالة تربيع دائرة. وقد رأينا أن إرميت لم يكن يرغب في الانخراط في مثل هذا العمل، وأن الإثبات نفسه جاء على يد كارل لويس فرديناند ليندمان (????–????) في عام ????.استمرت شهرة إرميت في الازدياد. كان الجميع يراسله، ويحضر لزيارته من شتى أنحاء أوروبا، كما تلقى الأوسمة والألقاب الشرفية، وتم انتخابه في العديد من الأكاديميات. وفي عام ????، تخلى عن منصبه كأستاذ بكلية الهندسة؛ نظرًا لأهمية دوره التعليمي في السوربون، وأيضًا ليوفر الوقت اللازم لأبحاثه؛ ومن ثم حصل في كلية الهندسة على لقب الأستاذ الشرفي، وحل كامي جوردان محله.بدأت صحة إرميت تتراجع، مما أثر على روحه المعنوية وجعله يشعر بأنه شاخ؛ فأصبح شارد الذهن، قليل النشاط، وبدأ يقضي أيامًا وأسابيع دون أن يعمل شيئًا، حتى إنه قال إن الرياضيات لم تعد تستهويه، واستسلم لتيار من الأفكار الكئيبة، وأصبحت تسليته هي متابعة «الرنين الرتيب لأجراس سانت إتيان دو مون»، وبدأ يتذمر من وقوعه في أخطاء متكررة في الحساب، وأدرك أن التحليل الرياضي يتطلب جهدًا زائدًا، كما أنه أصبح ينفر منه، إلا أن العمر لم يبطئ من نشاطه الفكري، على حد قول صهره إيميل بيكارد؛ فاستمر يتابع عن كثب الحركة العلمية المعاصرة، وإن بدا متحفظًا أمام بعض الأفكار الجريئة الجديدة في الرياضيات في ذلك العصر، حتى إنه حاول أن يقنع هنري ليبيج? (????–????) بالعدول عن قراره بنشر كتابه حول الأسطح غير التفاضلية. واحتفالًا ببلوغه السبعين عامًا، أُقيمت — في السوربون في الرابع والعشرين من ديسمبر ???? — احتفالية كبيرة جمعت الكثير من الشخصيات العلمية المعاصرة. وفي عامه الخامس والسبعين، قرر إرميت التقاعد.توفي شارل إرميت يوم الإثنين الرابع عشر من يناير ???? بمنزله الكائن باثنين شارع السوربون. وتمت مراسم الجنازة بكنيسة سانت سيفيرين ظهر يوم الخميس السابع عشر من يناير، ودُفن بمدافن مونبارناس.(??) مانيوس رودولف هيستنز

ولد مانيوس رودولف هيستنز برايسلين بمينيسوتا في عام ????. وبدأ دراسته الجامعية في كلية سانت أولاف، ثم في جامعتي ويسكنسن وشيكاجو. كان منصبه الأول في جامعة شيكاجو، لكنه تركه في عام ???? ليصبح أستاذًا بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس حيث ظل يدرِّس حتى تقاعده. كما كان عضوًا مشاركًا في شركة راند، ومعهد التحاليل الدفاعية، ومركز أبحاث آي بي إم واطسون، ومعهد التحليل الرقمي التابع للمكتب الوطني للمعايير من عام ???? وحتى ????. وتتعلق أهم أعماله بآراء بولزا حول الأشكال الرباعية في فضاء هيلبرت، مما قاده إلى كتابة مقاله بالتعاون مع إدوارد ستيفيل? (????–????) حول طريقة متجهات الميل المتلازمة. وظل نشطًا في أبحاثه حتى وفاته في عام ????، مكرسًا أعوامه الأخيرة لدراسة طريقة المضاعفات للاجرانج.(??) فرانسوا جاكوب

ولد فرانسوا جاكوب بنانسي في السابع عشر من يونيو ????، ودرس بمدرسة كارنو الثانوية بباريس، ثم بدأ دراسة الطب ليصبح جراحًا، إلا أن دراسته توقفت بسبب الحرب. وفي يونيو من عام ????، رحل لينضم إلى القوات الفرنسية الحرة بلندن. ثم أُرسل ضابطًا طبيبًا إلى أفريقيا، وبالتحديد إلى فزان بليبيا ثم إلى تونس، حيث أُصيب. ثم التحق بالقسم الثاني من الجيش، وتلقى إصابات بالغة في نورماندي في أغسطس ????. ومكث في المستشفى عدة شهور، وتم منحه وسام صليب التحرير.وبعد الحرب، استأنف دراسته، وناقش رسالته في باريس في عام ????. لكنه لم يستطع أن يصبح جراحًا بسبب إصاباته. فعمل في العديد من المجالات قبل أن يتحول أخيرًا إلى علم الأحياء. وحصل على دكتوراه في العلوم عام ????. وانضم إلى العمل بمعهد باستير في عام ????، الذي كان يديره أندريه لووف (????–????). وأصبح مديرًا للمعمل في عام ????، ورئيسًا لقسم علم وراثة الخلايا — تأسس حديثًا — في عام ????. في عام ????، عين أستاذًا بكلية فرنسا حيث تم استحداث كرسي الأستاذية في علم وراثة الخلايا خصوصًا من أجله.في عام ????، حصل بالتقاسم مع جاك مونو (????–????) على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب؛ لاكتشافهما للآليات التي تضمن انتقال المعلومات الوراثية ودوائر التحكم في نشاط الجزيئات داخل الخلايا البكتيرية. كما حصل أندريه لووف على نفس الجائزة معهما لاكتشافه دورة المستذيب (إحدى طريقتي تكاثر الفيروسات). في عام ????، تم انتخابه عضوًا بأكاديمية العلوم، ثم عضوًا بالأكاديمية الفرنسية في عام ???? بدلًا من جان-لويس كورتيس (????–????).كان فرانسوا جاكوب قد تزوج في عام ???? من عازفة البيانو ليز بلوش وأنجبا أربعة أطفال.(??) فريدريش أوجست كيكولي

ولد فريدريش أوجست كيكولي فون شترادونيتس في السابع من سبتمبر عام ???? بدارمشتاد، وبدأ بدراسة العمارة بمعهد الفن المعماري بجيسين، لكنه قرر تكريس حياته للكيمياء، عقب حضوره مؤتمرًا عقده البارون جوستوس فون ليبيج (????–????). وبعد دراساته مع ليبيج وهاينريش فيل (????–????)، أقام عامًا في باريس، يستمع إلى جان-باتيست دوماس (????–????)، ويعقد صداقات مع شارل أدولف فورتز (????–????) وهنري فيكتور رينيو (????–????) وخاصة شارل جرهارت (????–????)، وهو أحد مخترعي نظام الترقيم الذري. ثم حصل كيكولي على درجة الدكتوراه من جيسين في عام ????، ثم عمل — بشكل خاص — لصالح البارون فون بلانتا بريشنو في منطقة فاليه.وتتميز مسيرة كيكولي المهنية بطابع من الحركة المميز للعادات الألمانية في ذلك العصر. وبدأ في القيام بأبحاثه العلمية في عام ???? داخل أحد مستشفيات لندن كمساعد لجون ستينهاوس (????–????)، كما كان يتردد على ألكسندر ويليام ويليامسون (????–????) وويليام أودلينج (????–????).في عام ????، التحق بالعمل بجامعة هيدلبرج؛ حيث التقى بيوهان فريدريش فيلهلم أدولف فون باير (????–????). ثم حصل على كرسي الأستاذية بجامعة جاند في عام ????. في عام ????، نظم مجلسًا بكارلسروه لوضع مدونة مصطلحات نظامية وعقلانية للكيمياء. وفي عام ????، قام بنشر الجزء الأول من كتاب الكيمياء العضوية الشهير. وتزوج في عام ????، إلا أن زوجته توفيت بعد بضعة أشهر. وكان في تلك الفترة أن تراءت أمام كيكولي بنية البنزين. ثم غادر جاند ومضى للعمل في جامعة بون في عام ????. وتزوج ثانية في عام ????. بعد اكتشافه للبنزين، توقفت أبحاثه، وتوفي بعدها بثلاثين عامًا في الثالث عشر من يوليو ????.لم يكن كيكولي كيميائيًّا جيدًا بصورة متفردة، ولا معلمًا لامعًا، لكنه كان — مع كل هذا — محبوبًا من طلابه.(??) يوهانز كِبلر

ولد يوهانز كِبلر في السابع والعشرين من ديسمبر ???? بويل ديرشتاد بمقاطعة ورتمبرج، وكان طفلًا عليلًا لوالدين فقيرين؛ فكان والده جنديًّا مرتزقًا ووالدته ابنة صاحب نزل. في عام ????، استقرت العائلة بليونبرج. وخرج والده للحرب لآخر مرة بينما كان يوهانز في الخامسة من عمره، ويُعتقد أنه قُتل في هولندا. وعاش كِبلر مع والدته في نزل جده. ويروي لنا أنه كان يساعدها في خدمة النزلاء. تلقى تعليمه الأول بالمدرسة المحلية، ثم في المدرسة الإكليريكية القريبة منهم. ولقد ساعده ذكاؤه الواضح على الحصول على منحة لدراسة اللاهوت اللوثري بجامعة توبنجين. وفي ذلك الوقت، كان من المعتاد أن يحضر الطلاب دروسًا في الرياضيات، بما في ذلك علم الحساب والهندسة وعلم الفلك والموسيقى. وكان القائم على تدريس علم الفلك بتوبنجين أحد أهم العلماء الفلكيين في عصره، مايكل مايستلين (????–????). ولقد أصبح كِبلر مفتونًا بأفكار نيكولاس كوبرنيكوس (????–????).كانت عائلة كِبلر لوثرية، وانضم هو إلى طائفة أوجسبورج (????) التي كانت تهدف إلى إظهار أن الإيمان اللوثري لم يختلف في شيء عن الكاثوليكية الرومانية، منددة بالتجاوزات التي انزلقت فيها تدريجيًّا الكنيسة الكاثوليكية. إلا أن كِبلر لم يكن مقتنعًا بمسألة الوجود الحقيقي للمسيح خلال الإفخارستيا (سر التناول)، ومن ثم رفض الإقرار بسر الاعتراف، فتم حرمانه من الأسرار، لكنه رفض التحول لاعتناق الكاثوليكية. وانفض من حوله اللوثريون والكاثوليك، ولم يجد أي ملجأ أثناء حرب الثلاثين عامًا. وفي عام ????، تم حرمانه نهائيًّا، إلا أنه ظل طوال حياته شديد التدين؛ ولهذه الأسباب، نصحه مايستلين بالتخلي عن طموحه بأن يصبح كاهنًا، وأن يتجه إلى تدريس الرياضيات.وفي عام ????، أثناء تدريسه للرياضيات بجراتز، كتب دفاعًا عن نظام كوبرنيكوس «غموض النظام الكوني». وبسبب تفشي الحركة المضادة للإصلاح، اضطر كِبلر إلى ترك منصبه بجراتز لكونه لوثريًّا. وسافر إلى براغ ليعمل مع عالم الفلك الدنماركي الشهير تيكو براهي (????–????). وعندما توفي براهي في عام ????، ورث كِبلر منصبه كعالم الرياضيات الإمبراطوري للإمبراطور الألماني رودولف الثاني (????–????) الذي امتد حكمه من عام ???? إلى عام ????. إلا أن تكاليف الإقامة الخاصة بهذا المنصب لم تكن تُدفع له في معظم الأحيان، فاضطر لكي يكسب عيشه إلى كشف الطالع للمترددين على البلاط الإمبراطوري. اكتشف كِبلر — الذي ورث أيضًا ملاحظات قيمة من براهي — أن مدار كوكب المريخ على شكل قطع ناقص. وفي عام ????، نشر كتابه «علم الفلك الجديد» الذي يضم قانونيه الأوليَّين حول حركة الكواكب. ويؤكد القانون الأول أن مدارات الكواكب لها شكل القطع الناقص وأن مركزها هو الشمس. والثاني ينص على أن المساحة التي يغطيها شعاع موصل من الشمس إلى الكوكب تتناسب مع زمن المسح بالأشعة.في عام ????، طُرد اللوثريون من براغ، وسافر كِبلر إلى لينز. كانت زوجته وطفلاه قد وافتهم المنية حديثًا، لكنه سرعان ما تزوج، وإن ظل يعاني من مشاكل خاصة ومادية. وتوفيت ابنتاه في عمر صغير، واضطر إلى العودة إلى ورتمبرج للدفاع عن والدته التي تم اتهامها بالشعوذة. ظهر قانونه الثالث في عام ???? في مقاله «العالم المتجانس»، وكان ينص على أن مربع زمن دوران الكوكب يتناسب مع مكعب المحور الأكبر للقطع الناقص للمدار. ويكون من السهل تطبيق هذا القانون إذا ما عرفنا المسافة التي تفصل قمرًا عن الكوكب الذي يدور حوله. وكُتب أن القمر يكون في حالة توازن في مدار دائري تحت تأثير قوتين متساويتين ومتضادتين؛ قوة الجاذبية وقوة الطرد المركزي.وعلى الرغم من قيامه بالعديد من التنقلات الإجبارية، فإن كِبلر نجح في نشر مؤلفه الأساسي «ملخص علم الفلك» بأجزائه السبعة في عام ????. كما أكمل «جداول رودولف» التي بدأها تيكو براهي. باستخدام اللوغاريتمات، وتتيح هذه الجداول حساب المواضع السابقة والتالية للكواكب في تاريخ محدد.ونحن مدينون لكِبلر باكتشافات أخرى؛ فكان أحد أوائل من درسوا تكوين الصورة في غرفة مظلمة بها فتحة صغيرة، مما أدى إلى ميلاد التصوير الفوتوغرافي، كما اهتم بشدة بعلم البصريات والرؤية، وكان هو صاحب فكرة استخدام النظارة لتصحيح عيوب البصر، كما شرح دور العينين في الرؤية المركزة، واكتشف قوانين الانكسار الداخلي، مفسرًا مبدأ المجهر. وفي يوم زواجه الثاني، لاحظ أنهم يقيسون حجم برميل النبيذ بإدخال حبل لولبي في فوهته. وشرع يبحث عن تفسير رياضي لهذا، وكانت النتيجة دراسة لحجم المجسمات الدورانية … حيث اكتشف — استنادًا إلى أعمال أرشميدس? (???ق.م–???ق.م) — الحل باستخدام الأرقام التي لا تقبل القسمة. ولقد طور هذه الطريقة فيما بعد بونافونتورا كافليري (حوالي ????–????)، وهي تحتوي على أسس الحساب متناهي الصغر. والقائمة لا تتوقف هنا فحسب، فلقد حاول كِبلر قياس المسافات بين النجوم طبقًا لزاوية الاختلاف الناتجة عن مدار الأرض، وشرح أن ظاهرة المد والجزر سببها القمر (ولم يكن جاليليو جاليلي (????–????) متفقًا معه). واقترح كِبلر أن الشمس تدور حول محورها، كما حدد تاريخ ميلاد المسيح الذي أصبح معترفًا به عالميًّا. وكان أول من يعطي صيغة رياضية محضة للوغاريتمات بعيدًا عن الجداول التي توصل إليها جون نابيه (????–????) في عام ????. في عام ????، اكتشف اثنين من الأجرام الصلبة متعددة الصفحات منتظمة الشكل. وكانت له أعمال في مجال الهندسة، ومنها تفسير شكل خلية النحل. وأخيرًا، هو من اخترع كلمة «ستالايت» (جسم تابع).وتوفي كِبلر في ريجينزبرج في الخامس عشر من نوفمبر ???? وهو في طريقه إلى مدينة ساجان لتحصيل دين ما.(??) جوستاف كيرشوف

ولد جوستاف روبرت كيرشوف في الثاني عشر من مارس ???? في كونيجزبرج في بروسيا، الآن تعرف باسم كالينينجراد في روسيا.درس الفيزياء الرياضية بجامعة كونيجزبرج مع فرانز نيومان (????–????)، والرياضيات مع كارل جوستاف جاكوب جاكوبي (????–????). وناقش رسالته في برلين وهو في الرابعة والعشرين من عمره.بدأ كيرشوف يهتم بالمسائل المتعلقة بالكهرباء. وفي عام ????، وضع تعريفًا لمفهوم الجهد الكهربائي، وصاغ القوانين حول الدوائر الكهربائية، قوانين كيرشوف الشهيرة: قانون نقاط التفرع الذي يقول إن المجموع الجبري للتيارات الداخلة والخارجة عند نقطة التفرع — داخل دائرة كهربائية — يساوي صفرًا، وقانون الدوائر الكهربائية الذي يقول إن المجموع الجبري لفروق الجهد بالشبكة المغلقة يكون صفرًا.كما عمم قانون جورج سيمون أوم (????–????) — الذي يرجع إلى عام ???? — حول التيار الكهربائي للموصلات ثلاثية الأبعاد، وأثبت لاحقًا أن التيار يمر خلال الموصل بسرعة الضوء.حصل على شهادة التأهيل في ????، وبدأ يحاضر في جامعة برلين. ثم في عام ????، عُين أستاذًا للفيزياء بجامعة برسلو (فروتسواف ببولندا)، وهناك التقى بروبرت فيلهلم بنزن? (????–????) الذي ساعده على الحصول على منصب له بجامعة هيدلبرج في عام ????، وهناك اخترعا جهاز المنظار الطيفي.ولقد أتاح تطوير المنظار الطيفي ذي المنشور لتحليل الضوء في المواد المحترقة لكيرشوف وضع قانون حول الإشعاع: العلاقة بين قدرة الانبعاث والامتصاص لجسم ما تكون مستقلة عن خواص هذا الجسم، وإنما تتحدد وفقًا لحرارة وطول الموجة؛ ومن ثم، تقاس قدرة الانبعاث بالتناسب مع قدرة الجسم المعتم، الذي عرفه كيرشوف بكونه الجسم الذي يمتص كل شيء بالكامل. ومن المعروف أن دراسة ماكس بلانك? (????–????) لإشعاع الجسم المعتم هي التي قادته إلى النظرية الكمية.تم انتخاب كيرشوف نائبًا لرئيس الجامعة في عام ????. وانتهى في عام ???? بقبول كرسي الأستاذية في الفيزياء النظرية ببرلين.ولقد توفي هناك في السابع عشر من أكتوبر ????.(??) هانز أدولف كريبس

ولد هانز أدولف كريبس في هايدلشيم بألمانيا في الخامس والعشرين من أغسطس ????. وهو سليل أسرة يهودية من سيليزي. كان والده جورج يعمل طبيب أنف وأذن وحنجرة، ووالدته تدعى ألما وهي مولودة في دافيدسون.تلقى تعليمه الأولي بثانوية أندريانوم بهايدلشيم. وما بين ???? و????، درس كريبس الطب بجامعات جوتنجن وفريبورايم برسجو وبرلين. وبعد أن قضى عامًا في عيادة تابعة لجامعة برلين، ناقش رسالته بهامبورج في عام ????. وقضى العام التالي في قسم الكيمياء بالمعهد الباثولوجي ببرلين؛ حيث كان في احتكاك دائم بأحدث الاكتشافات في مجال الكيمياء الحيوية.في عام ????، أصبح مساعدًا لأوتو واربورج (????–????) — الحائز جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب لعام ???? — بمعهد قيصر فيلهلم للأحياء ببرلين. وظل يعمل هناك حتى عام ????، ثم عاد إلى المستشفيات. في البداية، عمل بمستشفى البلدية بألتونا مع الأستاذ ليوبولد ليشتويتز (????–????)، ثم عمل بالعيادة الطبية بجامعة فريبورايم برسجو مع الأستاذ سيجفريد جوزيف تانهويزر (????–????).عين في عام ???? محاضرًا بالجامعة. وفي تلك الفترة، كان يجري تجاربه حول البول مع عالم الكيمياء الحيوية كيرت هنسليت (????–????). لكن بعد وصول الحزب القومي الاشتراكي (النازي) إلى الحكم، اضطر إلى الهجرة إلى إنجلترا في عام ???? بناءً على دعوة من السير فريدريك جولاند هوبكنز (????–????) — الحاصل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب لعام ???? — للعمل بكلية الكيمياء الحيوية بكامبريدج. ثم حصل على منصب بالجامعة في نفس المدينة.في عام ????، تم تعيين كريبس مدرسًا علمَ الأدوية بجامعة شيفلد، ثم انتقل إلى قسم الكيمياء العضوية الجديد. وأثناء الحرب، ظل يعمل على دراسة الأدوار الغذائية المختلفة لفيتامينات (أ) و(ج). وفي عام ????، أصبح أستاذًا ومديرًا لوحدة أبحاث. في عام ????، حصل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب مناصفة مع فريتز ألبرت ليبمان (????–????)، الذي اكتشف أحد الإنزيمات الهامة في تكوين البول. وعمل كريبس أستاذًا بجامعة أكسفورد في الفترة من ???? حتى ????.وتوفي في الثاني والعشرين من نوفمبر ???? بأكسفورد.(??) رينيه لاينيك

ولد رينيه ثيوفيل هياسينت لاينيك بكويمبر في السابع عشر من فبراير ????. توفيت والدته بسبب الدرن وهو لا يزال في السادسة من عمره. وكان والده — سليل النبلاء — لا يبالي بأطفاله. وقام خال رينيه الطبيب بتربيته. والتحق في البداية بثانوية نانت. لكن بسبب الاضطرابات الثورية، سافر إلى باريس ليلحق بأخيه الأكبر طالب الحقوق. وبدأ ينتظم في المحاضرات في كلية الصحة الخاصة وأيضًا محاضرات جان نيكولا كورفيسار دي ماريست (????–????) الطبيب الخاص بنابليون بالمستشفى الخيري. في عام ????، نشر له عمل حول ضيق الشريان التاجي، وعمل آخر حول الأمراض التناسلية وآخر عن التهاب الصفاق (الغشاء البريتوني). وبالتعاون مع صديقه جاسبارد لوران بايل (????–????)، اكتشف الآفة الأساسية والباثولوجية المسببة للدرن. ثم كتب بحثًا حول تصنيف الأمراض التشريحية. واندلع جدل بينه وبين جيوم دوبويرتان (????–????) الذي كان يريد نسبته لنفسه. كان لاينيك يتمتع بطيبة وحب للخير غير عاديين، وكانت كل جهوده لا تهدف إلا إلى تخفيف آلام البشرية.في عام ????، عُين كبيرًا للأطباء بمستشفى نيكر، وبعد بضعة أسابيع، اكتشف فكرة الكشف بالسماعة. كان على علم بكتاب جوزيف ليوبولد أوينبريجير (????–????) الصادر باللغة اللاتينية في عام ????، الذي تُرجم إلى الفرنسية على يد كورفيسار؛ حيث وضع فيه وصفًا لطريقة فحص العضو بالنقر عليه. ولقد قاد اكتشاف لاينيك إلى إحداث تحول هائل في الطب. فبدأ يتم فحص المرضى بدلًا من ملاحظاتهم فقط. وفي عام ????، نشر كتابه «الكشف الطبي بالسماعة، دراسة في تشخيص أمراض الرئة والقلب تقوم أساسًا على هذه الطريقة الجديدة في الاستكشاف». ولقد كتب إلى صديق له: «الكتاب الذي أنوي نشره سيكون — على ما آمل — نافعًا سواء عاجلًا أم آجلًا لتقدير قيمة حياة الإنسان، ومن ثم، كان من واجبي إنهاؤه مهما كان الثمن.» وبالفعل، فإن هذا الكتاب يتميز بدقة ومرجعية جيدة تجعله دائمًا حديثًا.في عام ????، تم تعيينه أستاذًا بكلية فرنسا. وفي عام ????، حصل على كرسي الأستاذية في طب العيادات بكلية الطب بباريس. وكان يدرس دون أن يلتفت إلى الخطابة والرغبة في أن ينال الإعجاب. وأصبح عضوًا بالأكاديمية الملكية للطب وباللجنة المعنية بإعادة تنظيم الدراسات الطبية. كان صديقًا لمدام دي ستال (????–????)، وشاتوبريان (????–????)، ودوقة بيري (????–????) التي كانت تتخذه طبيبًا خاصًّا، وللكثير من الشخصيات العامة.وبعد مرضه، غادر باريس وعاش في بريتاني، ومات في منزل العائلة بكيرلوانك في الثالث عشر من أغسطس ???? بسبب الدرن الذي التقطه، دون شك، أثناء عمله وقام بتدريس طرق تشخيصه بنفسه، ولم يكن يبلغ من العمر سوى خمسة وأربعين عامًا. وفي وصيته، كتب عن صديق له: «أُوصي له بساعتي وأوسمتي وخاتمي. وأهديه أيضًا سماعتي، أفضل شيء تركته.»(??) كورنيليوس لانكزوس

ولد كورنيليوس لانكزوس (اسمه الحقيقي كورنيل لوي) في الثاني من فبراير ???? بمدينة زيكسفيهرفار بالمجر في عائلة ذات أصول يهودية. ثم غير اسمه ذا الرنين الألماني إلى لانكزوس كورنيل (ففي اللغة المجرية، يأتي الاسم بعد اسم العائلة). كان والده محاميًا. التحق أولًا بمدرسة يهودية حيث تعلم عدة لغات، ثم انتقل إلى المدرسة الثانوية المحلية الكاثوليكية التي يديرها رهبان طائفة السيستريسان، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية في عام ????، قيد نفسه بجامعة بودابست. وحدث أول اتصال بينه وبين نظرية النسبية أثناء محاضرات ليونارد إيوتفوس (????–????)، رئيس الأكاديمية المجرية للعلوم الذي كان وزيرًا للتعليم العام. وكان ليبوت فيجير (????–????)، وهو القائم على تدريس الرياضيات، يتطرق — من ضمن موضوعات أخرى — إلى متواليات فورييه.وبعد حصوله على الدبلوم، نال منصب معيد بالجامعة التقنية ببودابست. ولقد كان شديد الاهتمام بالنسبية، وجاءت رسالته عن إعادة صياغة النظرية الكهرومغناطيسية ومعادلات ماكسويل بمساعدة الرباعيات. وأرسل نسخة من رسالته إلى أينشتاين الذي أجابه بأنه سيشرفه الحصول على نسخة عليها إهداء منه. كان ذلك في عام ????، وكانت القوانين المجرية تجبر لانكزوس على الحصول على منصب في جامعة فريبورج. وظل هناك ثلاثة أعوام، ثم ذهب إلى فرانكفورت. وخلال العام الدراسي ????-????، أصبح مساعدًا لأينشتاين ببرلين، ثم عاد إلى فرانكفورت.قضى لانكزوس عام ???? أستاذًا مُعارًا إلى جامعة بوردو آلافاييت بإينديانا. وعند عودته إلى ألمانيا، كان الوضع قد أصبح أكثر صعوبة لشخص ذي أصول يهودية، فرجع مرة أخرى إلى بوردو. وأثناء عمله في الجامعة، بدأ ينشر مقالات في الفيزياء الرياضية. ثم كتب في عام ???? أول مقال له عن التحليل الرقمي، وهو فرع في الرياضيات يهدف إلى دراسة الطرق واللوغاريتمات المستخدمة لإجراء حسابات رقمية على حاسب آلي. وبعد عامين، ظهر له العمل الذي اقترح فيه طريقة المصفوفة لحساب المعاملات الجبرية لمتتالية فورييه. وبعد خمسة وعشرين عامًا، أصبح هذا العمل من بشائر تحويلات فورييه السريعة التي هي أساس نقل كافة الإشارات. واستمر لانكزوس يعمل في نظرية النسبية ويراسل أينشتاين بصورة علمية وودية.في عام ????، عمل مدة عام بشركة بوينج. وفي عام ????، استقال من منصبه ببوردو واتخذ منصبًا دائمًا في بوينج. كان يعمل هناك على تطبيقات رياضية في مجال صناعة الطائرات، وطور طرقًا رقمية جديدة لحل المشاكل التي تُطرح في هذا المجال.في عام ????، التحق بمعهد التحليل الرقمي التابع للمكتب القومي للمعايير بلوس أنجلوس. وعمل على برمجة اللوغاريتمات التي طورها من قبل. كما تعرف على الكثير من الشخصيات العامة في مجال الرياضيات الذي كان يشهد حركة توسع هائلة. وفي هذه الفترة، بدأ يعمل على حساب القيم الخاصة لمصفوفة، وابتكر طريقة لحل أنظمة معادلات خطية. ويعتبر لانكزوس هذه الطريقة أكثر إسهاماته أهمية في مجال الرياضيات.إلا أنه في مطلع الخمسينيات، تطورت حركة المكارثية بقوة في الولايات المتحدة. وأصبح الجو العام غير مشجع بسبب التحقيقات والشكوك؛ ولذلك سعد لانكزوس بشدة عندما تلقى عرضًا من إرفين شرودنجر (????–????) — الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام ???? — ومن أيامون دي فاليرا (????–????) — رئيس وزراء جمهورية أيرلندا — للقدوم لإدارة قسم الفيزياء النظرية بدبلن، وتسلم هذا المنصب في عام ???? وعاد إلى العلوم حبه الأول.وفي دبلن، وجد لانكزوس ظروفًا ممتازة للعمل، وكانت فترة شديدة الخصب بالنسبة له. وكان دي فاليرا — الذي كان يدرس ليصبح أستاذًا في الرياضيات — يحضر بنفسه من وقت لآخر حلقات النقاش التي ينظمها لانكزوس. وانخرط لانكزوس في الحياة الثقافية بدبلن. وكان يقوم بالعديد من الرحلات إلى الولايات المتحدة. وفي الرابع والعشرين من يونيو ????، تعرض لأزمة قلبية — أثناء زيارته لبودابست — وتوفي في اليوم التالي.(??) إرفينج لانجموير

ولد إرفينج لانجموير في بروكلين عام ????. وحصل على الدكتوراه من جامعة جوتنجن في عام ????. في عام ????، التحق بمعمل أبحاث شركة جنرال إلكتريك بشينيكتادي بنيو جيرسي للعمل بها. ولقد صاغ نظريات حول بنية الذرة وفتح آفاقًا جديدة في دراسة الكولويد (أشباه الغراء) والكيمياء الحيوية بفضل أعماله في الشرائح الجزيئية. في الفيزياء، يعد لانجموير رائدًا فيما يتعلق بالتفريغ الكهربائي في الغازات والإرسال الإلكتروني وتطوير المضخة الفارغة التي تعمل بتكثيف الزئبق. ووفقًا له، كانت التطبيقات الصناعية لهذه الأعمال منتجات ثانوية لتجارب أُجريت من أجل العلم في المقام الأول. في عام ????، حصل لانجموير على جائزة نوبل في الكيمياء عن أعماله حول التأثير المحفز للامتصاص في الشرائح الجزيئية على سطح المواد الصلبة والسائلة؛ مما فتح الباب أمام أبحاث أخرى حول الكولويد والكيمياء الحيوية.ولقد توفي لانجموير في عام ????.(??) هنري لو شاتولييه

ولد هنري لويس لو شاتولييه في باريس في الثامن من أكتوبر ???? في أسرة من المعماريين والمهندسين. ولقد تلقى تعليمه الأول في الرياضيات والكيمياء على يد والده. ولقد عاون هنري والده بعد ذلك في إنشاء مصنع للألومنيوم بفرنسا، وحصل بذلك على معلومات أساسية عن علم المعادن. كانت والدته كاثوليكية شديدة الالتزام، وإن كانت تقدر الشعر والفنون والآداب. ولقد زرعت في ابنها هذا الميل.وبعد دراسته بكلية الهندسة — التي التحق بها ثم تركها للالتحاق بكلية المناجم وبكلية فرنسا — كان شاتولييه ينوي تكريس نفسه للعمل مهندسًا للمناجم. وبعد عامين قضاهما في بيزانسون، كانت المفاجأة؛ إذ عُرض عليه منصب أستاذ الكيمياء بكلية المناجم بباريس. في عام ????، حصل على منصب بكلية الهندسة، ثم عُين أستاذًا بكلية فرنسا في عام ????. وأخيرًا أصبح أستاذًا في السوربون في عام ????. في العام ذاته، قرر العودة لكلية المناجم ليعمل أستاذًا في الكيمياء الصناعية والتعدين. ثم في عام ????، عاد مرة أخرى إلى كلية فرنسا أستاذًا للكيمياء غير العضوية وظل في هذا المنصب حتى عام ????. وفي عام ????، تم انتخابه بأكاديمية العلوم. كانت مسيرته العلمية تمتاز بنوع من الازدراء لكل ما هو مجرد تكهنات، وبنوع من الإدراك العميق للتفاعل بين النظرية والتطبيق في العلوم. وكانت مهمته كمعلم تحفز نشاطه البحثي الخاص. كان يكره الميل المبالغ إلى التجربة، ويسعى لتعويد طلابه على الملاحظة وتأويل ما يرونه والتفكير السليم. كما جذبه أيضًا علم الاقتصاد والمشكلات الاجتماعية. ولقد ظل بسيطًا شديد التواضع والطيبة على الرغم من كل مظاهر التكريم. ويعد لو شاتولييه مؤسس «مجلة التعدين». وتوفي في السابع عشر من سبتمبر ???? بميريبل ليزيشيل في مقاطعة الإيزير.(??) هنري ليبيج

ولد هنري ليون ليبيج ببوفيه في الثامن والعشرين من يونيو ????. كان والده من أصل متواضع، لكنه تمكن من أن يصبح عاملًا بإحدى المطابع. وقد توفي بمرض الدرن بعد ولادة ابنه بفترة وجيزة. كما توفي أحد أشقائه أيضًا بسبب نفس المرض. ولقد عانى ليبيج نفسه من العواقب الوخيمة لهذا المرض، وظلت صحته عليلة طوال حياته. كانت والدة ليبيج من النساء اللواتي يعملن بلا كلل، ولقد بذلت كل ما في وسعها ليتمكن ابنها من استكمال دراسته على نفقتها. وكان ليبيج — الذي أظهر نبوغًا منذ المدرسة الابتدائية — قد حصل على منح طوال دراسته الإعدادية أو الثانوية بمدرسة لويس الأكبر. وتم قبوله بالمدرسة الطبيعية العليا. وعلى الرغم من احتكاكه بصفوة المفكرين، فإنه ظل وفيًّا لطبقته الاجتماعية. وتزوج من شقيقة أحد زملائه وأنجبا طفلين.وبعد حصوله على شهادة الإجازة في تدريس الرياضيات عام ????، بدأ في تدريس صفوف المرحلة الإعدادية بنانسي في الفترة من ???? و????. وفي عام ????، ناقش ليبيج رسالته للدكتوراه بعنوان «التكامل، الطول، المساحة» وعرض فيها لنظرية جديدة للتكامل — تكامل ليبيج — سيكون لها شأن كبير في العديد من فروع الرياضيات. ولقد اعتمد ليبيج على أعمال كامي جوردان (????–????) وإيميل بوريل (????–????) ورينيه لويس بير (????–????)؛ من أجل وضع نظريته عن الدوال التي يمكن قياسها، والتي قد تكون شديدة التقطع. كما أصبح مفهومه عن التكامل ينطبق على دوال لها عدة متغيرات.وظل يدرِّس بجامعة رين حتى عام ????، ثم انتقل إلى جامعة بواتييه. كما عُين أستاذًا بجامعة السوربون في عام ????، بالإضافة إلى عمله بالتدريس في كلية فرنسا والمدرسة الطبيعية العليا للفتيات بسيفر. كان يمتاز بالإبداع في عرض محاضراته. ولم يكن يدرس نظريته أبدًا خوفًا من أن تجعل التعميمات الكثيرة من علم الرياضيات مجالًا عقيمًا. ولقد تم انتخابه في أكاديمية العلوم في عام ????.وتوفي ليبيج في باريس في السادس والعشرين من يوليو ????.(??) جوتفريد فيلهلم لايبنتز

ولد جوتفريد فيلهلم لايبنتز في مدينة ليبزيج بساكس في الأول من يوليو ????. وكان والده — فريدريش لايبنتز — أستاذًا للفلسفة. وكانت والدته — كاترينا شوموك — ابنة أحد المحامين والزوجة الثالثة لفريدريش لايبنتز. توفي والده وهو لا يزال في السادسة من عمره. وتولت والدته مسئولية تربيته، وغرست فيه الحس الأخلاقي والديني الذي لعب دورًا هامًّا في حياته وأفكاره.عندما بلغ السابعة من عمره، التحق لايبنتز بمدرسة نيكولاي بليبزيج. ودرس اللغة اللاتينية واليونانية. كما درس منطق أرسطو (???ق.م–???ق.م). لكنه لم يكن راضيًا عن كل أفكاره، فشرع في تكوين آرائه الخاصة محاولًا إيجاد ترتيب ما للحقائق المنطقية. واهتم بدراسة الميتافيزيقا وعلم اللاهوت، وقرأ العديد من الكتب لمؤلفين كاثوليك وبروتستانت. في عام ????، التحق بجامعة ليبزيج. وهناك درس الفلسفة وعلم البلاغة واللغات اللاتينية واليونانية والعبرية، إلا أن مستوى تدريس الرياضيات كان ضعيفًا.في عام ????، ناقش رسالته للماجستير «مبادئ الفرد» التي دافع فيها عن قيمة الفرد. ثم قضى صيف ???? في جامعة يينا؛ حيث انضم إلى محاضرات الرياضيات التي يلقيها إيرهارد ويجيل (????–????) وكان هو أيضًا أستاذًا للفلسفة. وعندها بدأ لايبنتز يعي أهمية الطريقة المنطقية للإثباتات الرياضية في الفلسفة. كان ويجيل يعتقد أن مفهوم العدد مفهوم عالمي أساسي، ولقد كان لأفكاره عظيم الأثر على لايبنتز.عاد لايبنتز إلى ليبزيج للإعداد لرسالته في الحقوق، وحاول فيها أن يمزج بين الملامح الفلسفية والتشريعية. كما درس العلاقات بين هذه الموضوعات وبين الأفكار الرياضية التي تعلمها من ويجيل. وبعد عدة أيام، توفيت والدته. ثم ناقش رسالته التأهيلية في الفلسفة التي نُشرت في عام ????. وكان يهدف منها إلى إرجاع أي تفكير أو اكتشاف إلى مجموعة من العناصر الأساسية مثل الأرقام أو الحروف أو الأصوات والألوان. إلا أن رسالته في الحقوق رُفضت لأسباب مجهولة. وعلى الفور، انطلق إلى جامعة ألتدورف ليناقش رسالة أخرى في فبراير ???? بعنوان «عن الحالات المحيرة».وهناك عُرض عليه كرسي الأستاذية بجامعة ألتدورف، لكنه كان يخطط لمشاريع أخرى. تم تعيينه سكرتيرًا لجمعية الخيميائيين بنورنمبرج. ثم التقى بالبارون يوهان كريستيان فيرهر فون بوينبرج (????–????) الذي أقنعه بالقدوم إلى فرانكفورت في نوفمبر ????. كان بوينبرج كاثوليكيًّا، بينما كان لايبنتز لوثريًّا. كان لايبنتز منشغلًا بإعادة توحيد الكنائس المسيحية. وفي الأعوام التالية، بدأ تنفيذ مشروعات مختلفة علمية وأدبية وسياسية. كما استأنف مسيرته المهنية كمُشرع بمدينة ماينز. وكانت إحدى مهامه هي العمل على تحسين القانون المدني الروماني. ولقد نظر إلى هذا المشروع كجزء هام من مشروعه الضخم لتجميع كافة المعارف الإنسانية. وكان جزء من هذا المشروع يقوم على تنسيق العمل بين مختلف المجتمعات العلمية.ثم بدأ في دراسة قوانين الحركة، ساعيًا إلى تفسير ظاهرة الصدمات المرنة. في عام ????، نشر بحثا عن افتراضية جديدة تقوم على أن كل حركة إنما تعتمد على فكر. كما كان قد بدأ في صناعة آلة حاسبة جديدة. وقام بزيارة إلى باريس ليتمكن من الاتصال بشكل أكبر بالعلماء في عام ????. وأراد إقناع فرنسا بمهاجمة مصر بغية تحويل رغبة لويس الرابع عشر (????–????) في ضم بعض الأقاليم الألمانية. وفي باريس، التقى بنيكولا مالبرانش (????–????)، ودرس الرياضيات والفيزياء مع كريستيان هيوجينز (????–????). كما قدم أعمالًا حول المتواليات العددية. كان بوينبرج نفسه قد مات، بينما ظلت أسرته تساعد لايبنتز ماديًّا، فسافر إلى لندن مع ابن أخي بوينبرج مصرًّا على مهمته في نشر السلام. كما عرض لآلته الحاسبة — التي لم تكن انتهت بعد — مما عرَّضه لانتقادات روبرت هوك (????–????). كما علم لايبنتز أن نتائجه حول المتواليات كانت بالفعل معروفة، ومن ثم أدرك أن معارفه في الرياضيات لم تكن كافية. وبدأ سعيه لتنميتها. والتقى بجاك أوزنام (????–????) وهنري أولدنبرج (حوالي ????–????). وفي باريس، التقى — في أغسطس — إيهرنفريد والتر فون تشيرنهوس (????–????). وكان لقاءً مفيدًا للطرفين في مجال الرياضيات. أثناء إقامته في باريس قد طور قواعد التحليل الرياضي. وجاء في مخطوطة بتاريخ الحادي والعشرين من نوفمبر ???? أنه استخدم الصيغة للمرة الأولى، مُعطيًا القاعدة لاشتقاق ناتج ما من الدالة. وهي القاعدة التي تحمل اسمه حتى الآن. وفي خريف عام ????، توصل إلى مشتقة ؛ حيث يكون رقمًا صحيحًا أو كسريًّا.أرسل إسحاق نيوتن (????–????) — عن طريق أولدنبرج — رسالة إلى لايبنتز. ووجد فيها لايبنتز عدة نتائج لكن دون أن يوضح فيها كيف توصل إليها. كان هذا النوع من التحدي شائعًا في ذلك العصر بين علماء الرياضيات. فأجابه لايبنتز، مدركًا أنه لا بد له من نشر نتائجه بأسرع وقت ممكن. كان لايبنتز يرغب في البقاء في باريس كعضو أجنبي بأكاديمية العلوم، لكنه لم يتلق أي دعوة منها؛ لأن الأكاديمية كانت تعتبر أن لديها ما يكفي من الأعضاء الأجانب. ومن ثم، قبل منصب أمين المكتبة والمستشار الذي عرضه عليه دوق هانوفر، يوهان فريدريش (????–????). وغادر باريس في أكتوبر عام ???? متجهًا إلى هانوفر بعد أن مر بلندن وهولندا. وظل هناك حتى وفاته. في الرابع والعشرين من أكتوبر ????، أرسل نيوتن خطابًا ثانيًا إلى لايبنتز لكنه لم يصله إلا في يونيو ???? أثناء وجوده في هانوفر. ونظرًا للمدة الطويلة بين إرساله للخطاب وتلقيه الرد من لايبنتز، ظن نيوتن أن لايبنتز أراد أن يستولي على نتائجه. وفي رده، أعطى لايبنتز تفاصيل أكثر حول مبادئ حساب التفاضل، بما فيها قاعدة اشتقاق دالة من دالة. لم يقدم لايبنتز حلًّا لمشكلة جديدة كما أشار نيوتن، لكن كانت طريقته أمرًا حيويًّا في تطوير التحليل الرياضي.كما بدأ في عدة مشروعات حول صرف المياه في مناجم هارز، محاولًا استغلال قوة الرياح والماء لتشغيل المضخات. إلا أن المشروع لم يحرز أي تقدم، وبالفعل توقف بعد وفاة الدوق ومجيء أخيه من بعده في عام ????. إلا أن لايبنتز يظل هو أول من درس الجيولوجيا استنادًا إلى الملاحظات التي سجلها أثناء عمله بهارز. وصاغ افتراضية تقول إن الأرض كانت في الأصل كرة من النار. واستكمل أعماله في مجال الرياضيات، وخاصة تطوير نظم الترقيم المزدوج بمناسبة انتخابه بأكاديمية العلوم بباريس في عام ????. وكان له عمل هام آخر يدور حول المحددات التي تظهر أثناء حل بعض أنظمة المعادلات الخطية.كما نشر أعماله في مجال الميتافيزيقا مثل «تأملات في المعرفة، حقائق وأفكار» و«خطاب في الميتافيزيقا». وأراد أن يعيد التفكير إلى مبادئ علم الجبر، مُستبقًا بذلك أعمال عالم المنطق الإنجليزي جورج بوول (????–????). هذا إلى جانب نشره لأعمال تاريخية حول أسرة جيلف، بما فيها منزل برنسويك. في عام ????، تم نشر تفاصيل عمله حول حساب التفاضل في جريدة «أكتا أيروديتوروم» تحت عنوان «طريقة جديدة لحساب الحد الأقصى والأدنى» … لكن المقال لم يكن يتضمن سوى نتائج دون إثبات واحد، مما دعا جاكوب برنولي (????–????) إلى القول إن المقال كان أقرب إلى اللغز منه إلى التفسير. وفي نفس الجريدة، نشر لايبنتز في عام ???? مقالًا حول حساب التكامل. وفي العام التالي، ظهر كتاب نيوتن «الفلسفة الطبيعية ومبادئ الرياضيات». كان نيوتن قد اكتشف في عام ????، طريقة حساب التفاضل fluxions، لكنه لم ينشرها على الفور. مما أسفر عن جدل بينه وبين لايبنتز.كان للايبنتز أعمال في مجال الديناميكا. كما انتقد أفكار رينيه ديكارت (????–????)، وأراد أن يفهم بالفعل ماهية الطاقة الحركية والطاقة الكامنة والحركة. ولقد تطرق إلى هذا الموضوع عدة مرات، ولا سيما أثناء إقامته بروما؛ حيث تم اختياره عضوًا بالأكاديمية الباباوية للعلوم. وهناك قرأ أيضًا كتاب نيوتن، وكتب بحثًا حول الديناميكا بأسلوب مشابه. كما بذل لايبنتز جهودًا كبيرة في تطوير المجتمعات العلمية والأكاديميات: في برلين ودرسدن وفيينا وسان بطرسبرج.وطوال حياته، كان للايبنتز مراسلات زاخرة مع أكثر من ستمائة شخصية. وفي عام ????، نشر عملًا فلسفيًّا «ثيوديسيه» وفيه عالج قضية وجود الشيطان في عالم من خلق إله خيِّر. ووفقًا له، فالكون لا بد من أن يكون غير كامل؛ لأنه لو كان كاملًا لما أمكن تمييزه عن الله. كان العالم هو أفضل ما يمكن دون أن يبلغ الكمال. وبالطبع، كانت هناك كوارث طبيعية تقتل الأبرياء، لكن القضاء على هذه الكوارث الطبيعية قد يؤدي إلى تغيير قوانين الطبيعة؛ مما سيؤدي إلى وضع أكثر سوءًا. ولقد تعمق بشكل أكبر في هذه الموضوعات في كتابه «مونادولوجيا» في عام ????.ولقد غلب الخلاف بينه وبين نيوتن على أعماله الرياضية في سنواته الأخيرة، خاصة ما يتعلق بأسبقية اكتشاف حساب التكامل والتفاضل. في عام ????، اتهمه جون كيل (????–????) بالسرقة الأدبية في مقال بجريدة «صفقات المجتمع الملكي بلندن». وطلب لايبنتز سحب المقال، لكن كيل أجاب بأن هذه الفكرة جاءته من الخطابين اللذين أرسلهما نيوتن. وكتب لايبنتز من جديد للجمعية الملكية، وتم تخصيص لجنة لبحث هذه المسألة، لكن لم يُطلب من لايبنتز أن يروي قصته للوقائع، بل قام نيوتن نفسه بكتابة تقرير اللجنة، وبالطبع قطع بأن العالم الإنجليزي معه الحق. ونُشر التقرير في مطلع عام ???? تحت عنوان «كوميرسيوم أبيستوليسيوم». ولم يعرف لايبنتز عنه شيئًا إلا في خريف عام ????. وكان رده عبارة عن رسالة هجاء غير موقعة «كارتا فولانز» جاء فيها أن نيوتن لم يفهم شيئًا من المشتقات الأولى والثانية. ورد كيل على هذا الهجاء، إلا أن لايبنتز رفض الاستمرار في هذا الصراع مع شخص يعتبره أحمق. وانتهى الأمر بأن كتب إليه نيوتن مباشرة، ورد عليه لايبنتز بإعطائه وصفًا تفصيليًّا لاكتشافه لحساب التفاضل.وتوفي لايبنتز في الرابع عشر من نوفمبر ???? بهانوفر ودُفن بكنيسة نيوستادير كريش الصغيرة.(??) بول ليفي

ولد بول بيير ليفي بباريس في الخامس عشر من سبتمبر ????. وكانت عائلته تضم العديد من علماء الرياضيات. التحق بثانوية سان لويس؛ حيث أظهر نبوغًا ليس في الرياضيات وحسب، وإنما حصل أيضًا على جوائز في اللغة اليونانية والفيزياء والكيمياء. وكان الأول في امتحان القبول بالمدرسة الطبيعية العليا والثاني في امتحان كلية الهندسة. واختار كلية الهندسة. ولقد نشر أول مقالاته قبل حتى أن ينهي دراسته هناك في عام ????. وكان الأول على دفعته عند تخرجه في الكلية. وخلال عام أنهى خدمته العسكرية، ثم التحق بكلية المناجم في عام ????. وفي نفس الوقت، تابع محاضرات الرياضيات لإيميل بيكارد (????–????) وجاستون داربو (????–????) بجامعة السوربون، إلى جانب محاضرات جورج همبرت (????–????) وجاك هادامار (????–????) بكلية فرنسا.كان هادامار صاحب الفضل في توجيه أبحاث ليفي، الذي عمل على التحليل الوظيفي وحصل على الدكتوراه في العلوم عام ???? أمام لجنة مكونة من بيكارد وهادامار وهنري بوانكاريه? (????–????). وفي عام ????، أصبح أستاذًا بكلية المناجم بباريس. خلال الحرب العالمية الأولى، خدم في المدفعية، وهناك استخدم قدراته الرياضية في تطوير الدفاع الجوي. كان عالم الرياضيات الشاب رينيه يوجين جاتو (????–????) قد قُتل في بداية الحرب، ومن ثم طلب هادامار من ليفي أن يعد أعمال جاتو بهدف طبعها. وبالفعل نفذ ما طلبه هادامار، لكنه طور أفكاره الخاصة حول هذا الموضوع ونشر هذه الأعمال في عام ????. وفي العام ذاته، ألقى ثلاث محاضرات بكلية الهندسة حول حساب الاحتمالات ودور قوانين جاوس في نظرية الأخطاء. لم يكن هناك في ذلك الوقت نظرية رياضية للاحتمالات، وإنما مجموعة من المسائل الصغيرة. ويمكن القول إن ليفي هو صاحب أول نظرية حديثة للاحتمالات استخدم فيها كافة موارد التحليل الرياضي. كما درس — على وجه الخصوص — قانون الحركة البراونية.تم تعيين ليفي أستاذًا للتحليل الرياضي بكلية الهندسة في عام ????. وظل في هذا المنصب حتى تقاعده في عام ????. وكان له أعمال حول مختلف القضايا الرياضية مثل المعادلات ذات المشتقات الجزئية وتحويل لابلاس والمتواليات. وفي عام ????، تم انتخابه بأكاديمية العلوم. ولقد تزوجت ابنته ماري-هيلين من لوران شوارتز? (????–????).توفي ليفي في باريس في الخامس عشر من ديسمبر ????.(??) أوتو لوفي

ولد أوتو لوفي بفرانكفورت على نهر الماين في الثالث من يونيو ????. كان والده يدعى جاكوب لوفي ويعمل تاجرًا، ووالدته آنا ويلستاتير. بعد أن أنهى دراسته بالمدرسة الثانوية بمدينته، التحق بكلية الطب بجامعتي ميونيخ وستراسبورج (التي كانت تتبع ألمانيا في ذلك الوقت). وإلى جانب محاضرات التشريح لجوستاف ألبرت شوالبي (????–????) — التي تابعها لوفي باهتمام — جذبته أيضًا محاضرات كلية الفلسفة. ولم يبدأ في الاستعداد بجدية لاختباراته قبل صيف عام ????. إلا أن لامبالاته بمجال الطب تحولت فجأة إلى اهتمام شديد بحلول خريف عام ????.في عام ????، حصل على الدكتوراه في الطب من جامعة ستراسبورج تحت إشراف أوسوالد شميدلبرج (????–????) — الذي يعد رائد علم الصيدلة. كان لوفي يتابع أيضًا محاضرات برنارد نونين (????–????) — الطبيب الباثولوجي التجريبي المعروف، وأيضًا محاضرات أوسكار مينكوفسكي (????–????) وأدولف مانجوس-ليفي (????–????). ثم انتظم في محاضرات الكيمياء التحليلية غير العضوية لمارتن فريند (????–????) بفرانكفورت. ثم عمل عدة أشهر بمعهد الكيمياء الحيوية لفرانز هوفميستر (????–????) بستراسبورج. وفي عامَي ????-????، أصبح المساعد الخاص بكارل هاركو فون نوردن (????–????) بمستشفى فرانكفورت. وبعد أن أدرك مدى ارتفاع معدل الوفيات بسبب مرض الدرن والالتهاب الرئوي بسبب عدم توافر العلاج، قرر أن يصبح طبيبًا.في عام ????، أصبح لوفي مساعدًا لهانز هورست ماير (????–????) — الصيدلي الشهير — بجامعة ماربورج أن دير لاهن. ودرس الاستقلاب، وحصل على منصب أستاذ في عام ????. وبعد عامين، نشر مقالًا حول تركيب البروتينات في جسم الحيوان، وأثبت أن الحيوانات تعيد تكوين البروتينات في أجسامها بفضل الأحماض الأمينية، وكان ذلك بمنزلة اكتشاف هام في علم التغذية. وفي نفس العام، بدأ بكتابة أول سلسلة من مقالاته حول إسهام وظائف الكلى في الفسيولوجيا وعلم الصيدلة. وفي عام ????، قضى عدة أشهر في معمل إرنست هنري ستارلينج (????–????) بلندن، وهناك عمل بالتعاون مع صهر ستارلينج، ويليام مادوك بايليس (????–????). كما قابل هناك أيضًا هنري هاليت دال (????–????) وظلا صديقين طوال حياتهما. وبعد عودته إلى ماربورج، استكمل دراساته حول الكلى وآليات عملها لإدرار البول.في عام ????، عين أستاذًا مشاركًا بجامعة فيينا. كما أثبت أن تفضيل الفركتوز على الجلوكوز ليس هو السمة الخاصة فقط بالكلاب التي تم استئصال بنكرياسها، بل أيضًا تلك التي تُحرم من الجليكومين بأي طريقة أخرى، مثل التسمم بالفسفور على سبيل المثال. وبيَّن أن القلب — على عكس الكبد — لا يستطيع استخدام الفركتوز. وأخيرًا، اكتشف أن الحقن بالإبينفرين (الأدرينالين) لأرانب يكون كبدها خاليًا من الجليكومين عن طريق منعها من الطعام يعيد الجليكومين إلى المعدل الطبيعي. وكانت أبحاثه الأخرى — التي أجراها في فيينا مع ألفريد فرهوليتش (????–????) — تدور حول الجهاز العصبي النباتي. ولقد نُشر مقاله الأشهر في هذا المجال في عام ????.في عام ????، تزوج من جيدا جولدشميد، ابنة الدكتور جيدو جولدشميد (????–????)، الذي أصبح لاحقًا أستاذًا للكيمياء بجامعة براغ ثم بجامعة فيينا. ورزقا بثلاثة أبناء: هانز وفيكتور وجيدو، وابنة واحدة تدعى آنا. في عام ????، حصل لوفي على كرسي الأستاذية في علم الصيدلة بجامعة جراتز. وهناك استثمر مواهبه كمعلم. ودرس الظروف المسئولة عن ارتفاع السكر في الدم بسبب الحقن بالإبينفرين. وفي عام ????، اكتشف الانتقال الكيميائي للنبضات العصبية. وتكريمًا لأعماله حصل مناصفة — مع صديقه هنري هاليت دال (????–????) — على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب عام ????. كان قد أحدث تجديدًا شاملًا في المفاهيم المتعلقة بالجهاز العصبي السمبثاوي. واعتُقل عندما اجتاح الألمان النمسا في عام ????. وأُفرج عنه بعد أن أُجبر على تحويل أموال جائزة نوبل من بنك السويد بستوكهولم إلى بنك آخر تابع للنازيين.قضى بعض الوقت أستاذًا زائرًا بجامعة ليبر ببروكسل وبمعهد نوفيلد لأكسفورد. وصل لوفي إلى الولايات المتحدة في عام ????، واكتشف وجود معمل وودز هول الحيوي التابع للبحرية بماساتشوستس. وهناك عمل على دراسة الخلايا وبنيتها وطريقة عملها وعلاقاتها بعضها ببعض. ثم قبل منصب أستاذ البحث بعلم الصيدلة بكلية الطب بجامعة نيويورك ليتمكن من العمل في معمل جورج والاس. وظل محتفظًا بعلاقاته مع العديد من علماء الأحياء في العالم أجمع، وكان ذلك مصدر إلهام لعمله.منذ طفولته، كان لوفي مفتونًا بالثقافة الكلاسيكية. وكان شديد الإعجاب بالموسيقى والعمارة والتصوير. وكان يحب التردد على المتاحف والمعارض.أصبح لوفي مواطنًا أمريكيًّا في عام ????. وتوفي في الخامس والعشرين من ديسمبر ????.(??) ديميتري إيفانوفيتش مندليف

ولد ديميتري إيفانوفيتش مندليف في عام ????، بتوبولسك بسيبيريا. كان الابن الأصغر لأسرة مكونة من سبعة عشر طفلًا. كان والده قد أصبح ضريرًا، ومن ثم تولت والدته مسئولية إدارة مصنع الزجاج الذي كانت تمتلكه الأسرة. ولقد نال مندليف معارفه العلمية الأولى بفضل احتكاكه بصانعي الزجاج. في عام ????، تجلى نبوغه للعيان — وهو لا يزال في العشرين من عمره — بفضل بحث مميز في الكيمياء عندما كان طالبًا بجامعة سان بطرسبرج. وفي العام التالي، كان الأول على دفعته عند تخرجه في معهد التربية. ثم أقام بهيدلبرج، وهناك ناقش رسالته حول التماثل الشكلي للبلورات تحت إشراف بنزن? (????–????). وعُين أستاذًا بجامعة سيمفيروبول، ثم بجامعة أوديسا. وفي سن الثالثة والعشرين أصبح مسئولًا عن إلقاء محاضرات بجامعة سان بطرسبرج. في عام ????، نال منصب أستاذ التكنولوجيا الكيميائية، ثم في عام ????، منصب كرسي الأستاذية في الكيمياء غير العضوية. وفي العام التالي، شرع في كتابة «مبادئ الكيمياء». ولقد أصبح هذا الكتاب مرجعًا هامًّا وتُرجم إلى جميع اللغات، وفيه ورد الجدول الدوري الشهير الذي عُدل فيما بعد في عام ????. كما تطرقت أبحاث مندليف إلى المحاليل المائية وقابلية الغازات للضغط وتمدد السوائل بالحرارة وطبيعة البترول. ولقد قضى بعض الوقت في بنسلفانيا والقوقاز ليدرس طبيعة آبار البترول، المورد الطبيعي الرئيسي للبلاد. في عام ????، ترك مندليف الجامعة بسبب انتمائه للحركة الليبرالية وأصبح المستشار العلمي للخدمات العسكرية الروسية. وبعد ثلاثة أعوام، عُين مديرًا لمكتب الأوزان والقياسات بسان بطرسبرج. ويبدو أنه كان في حاجة إلى صوت واحد فقط ليحصل على جائزة نوبل في عام ????. ولقد جاء تكريمه بعد وفاته بتسمية العنصر ذي الوزن الذري ??? «مندليفيوم» المُكتشف في عام ???? على يد الأمريكي ألبرت جيورسو (المولود عام ????) وزملائه.وتوفي مندليف على إثر أزمة قلبية (أو بسبب الالتهاب الرئوي تبعًا لمصادر أخرى) بسان بطرسبرج في العشرين من يناير ????.(??) جاك مونو

ولد جاك لوسيان مونو في باريس في التاسع من فبراير ????. وقضى سنواته الأولى في وسط فرنسا. كان والده رسامًا، وكان ذلك أمرًا غير معتاد في أسرة بروتستانتية مكونة من أطباء وقساوسة وموظفين ومعلمين. وكانت والدته أمريكية من ميلواكي من عائلة ذات أصول اسكتلندية، وكان ذلك أيضًا أمرًا غير مألوف بالنسبة لطبقة البورجوازيين الفرنسيين في نهاية القرن التاسع عشر. وفي المرحلة الثانوية، التحق بمدرسة كان الثانوية. وهناك يتذكر مونو — على وجه الخصوص — الأستاذ دور ديلا سوشير، معلم اللغة اليونانية ومؤسس متحف أنتيب. ويعود الفضل إلى والده — القارئ لأعمال داروين — في تنمية ميل مونو إلى علم الأحياء.جاء مونو إلى باريس ليستكمل دراساته العليا في العلوم الطبيعية. ولقد أدرك لاحقًا أن هذه المحاضرات كانت متأخرة ما يقرب من عشرين عامًا. ولقد بدأ دراسة الأحياء على يد زملاء أكبر منه سنًّا مثل جورج تيسييه (????–????) وأندريه لووف (????–????) وبوريس إيفروسي (????–????) ولويس رابكين (????–????). وحصل على درجة الماجستير في عام ???? وناقش رسالته للدكتوراه في عام ????. وبعد أن ألقى محاضرات في كلية العلوم في عام ???? وقضى بعض الوقت في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في عام ????، عاد مونو ليعمل بمعهد باستير. وفي عام ????، تم تعيينه مديرًا لقسم الكيمياء الحيوية الخلوية، ثم أستاذًا لكيمياء الاستقلاب بجامعة السوربون في عام ????. وفي عام ????، حصل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب مناصفة مع فرانسوا جاكوب? (المولود عام ????) وأندريه لووف. وفي عام ????، أصبح أستاذًا بكلية فرنسا ومديرًا لمعهد باستير في عام ????.وفي عام ????، تزوج من عالمة الآثار والمستشرقة أوديت بروهل، التي أصبحت أمينة متحف جيميه، ورزقا بتوءمين. كانت اهتمامات مونو تتوزع ما بين شتى مناحي الفنون والعلوم. فكانت تسليته هي سماع الموسيقى والإبحار. ويبدو أن مونو كان يمتلك مستوى تركيز أعلى من المتوسط مما يفسر تشتته المتكرر. فلم يكن من النادر أن يرفع سماعة الهاتف ليجيب على من يطرق الباب ثم يغلق سريعًا. ذات يوم حضر إلى معهد باستير مستغرقًا في الضحك: أحضرته زوجته بالسيارة، وبعد أن نزل مد يده ليدفع لها أجرة توصيله. وهناك العديد من القصص حول شرود العلماء.توفي جاك مونو في عام ????.(??) شارل نيكول

ولد شارل جول هنري نيكول بمدينة روان في الحادي والعشرين من سبتمبر ????. كان والده يوجين نيكول طبيبًا وأستاذًا للتاريخ الطبيعي بمدرسة العلوم والفنون بالمدينة. لكن توفي والده المفتون بعمله في عمر السابعة والأربعين. وكانت والدته — على الرغم من تفانيها — صارمة ومتحفظة. التحق بمدرسة كورني الثانوية بروان، كان قارئًا نهمًا لأعمال جول فيرن (????–????). كانت لديه طموحات أدبية، إلا أنه التحق في سن الثامنة عشرة بكلية الطب إرضاءً لوالده. وفي العام الرابع من دراسته، سافر إلى باريس لينضم إلى شقيقه الأكبر موريس في عام الامتياز. ولقد أصبح موريس مديرًا لمعهد علم البكتيريا بالقسطنطينية وأستاذًا بمعهد باستير بباريس. ومع بداية عام الامتياز، استكمل نيكول دراسته ليصبح عالمًا في الميكروبيولوجي بمعهد باستير تحت إشراف إيلي ميتشنيكوف (????–????) — الحاصل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب لعام ???? عن أعماله حول ظاهرة البلعمة (ابتلاع البلاعم للأجسام الغريبة والقضاء عليها) والدور المناعي للبلعمات الكبيرة — وإيميل روو (????–????)، صاحب اكتشاف علاج الدفتيريا عن طريق ترياق يستخرج من الخيل.بعد مناقشة رسالته حول إصابة الزهري الأولية وعصية دوكري، عاد نيكول إلى روان في أبريل ???? كأستاذ بديل بكلية الطب وكطبيب مساعد بالمستشفيات. وفي عام ????، تزوج من آلين آفيس، وأنجبا ولدًا وبنتًا أصبحا طبيبين بعد ذلك. لكن بسبب إصابته تدريجيًّا بالصمم، اتجه نيكول إلى العمل داخل المعمل واهتم بعلم الأمراض الجلدية.ولقد وضع نيكول في روان نظامًا لتعليم الميكروبيولوجي، كما طور معملًا لدراسة علم البكتيريا وأصبح مديرًا له. ونشر التشخيص البكتيري للدفتيريا والتشخيص المناعي للتيفوئيد بمجرد أن عدله فرناند فيدال (????–????). وشارك في الحملة للقضاء على الدرن. وتمكن من إنشاء مصحة بأويسيل. وعلى الرغم من صدمة الرأي العام البرجوازي والإدارة الطبية للمستشفيات التي كانت تعامل فتيات الليل بطريقة غير إنسانية، عكف نيكول على اكتشاف طريقة لعلاج داء الزهري. وفي نهاية عام ????، كان قد ضمن إنتاج مصل لعلاج الديفتيريا في روان، ولم يكن روو يقدر على تلبية كل الطلبات. وأراد نيكول إنشاء وحدة معالجة بالأمصال يُلحق بها مركز أبحاث. إلا أن كل هذه الأنشطة جلبت له عداء الموظفين المحليين المحافظين الذين كان ينافسهم. وتضاعفت أمامه العقبات، على الرغم من كونه أستاذ كرسي منذ عام ????. وعندها، طُلب منه السفر لإدارة معهد باستير في تونس العاصمة الذي تأسس في عام ???? وكان يديره أدريان لوار (????–????) ابن أخي لويس باستير (????–????) قبل أن يتقدم باستقالته. وبعد عام من التردد، انتهى بقبول المنصب — بتشجيع من إيميل روو — غادر روان مع أسرته في نوفمبر ????. وظل هناك حتى وفاته.كان يصارع في كل الساحات: البحث والإدارة والتمويل والتعليم والتربية الصحية والوقاية. ووضع خططًا لمعهد جديد باسم باستير افتتح في مايو ????. كان يكرس جل عمله للأمراض المعدية مثل التيفوس بالطبع، وأيضًا الملاريا وأمراض الطحال وداء الليشمانيات الجلدي والحمى والبرص والرمد الحبيبي والحمى المتكررة. وفي عام ????، أثبت أن الحصبة تنتج عن الإصابة بفيروس. كما طور أوائل العلاجات للتيفوس والحصبة عن طريق مصل للوقاية. كان التكريم يقترب.في عام ????، دخل أكاديمية الطب. وفي عام ????، حصل على جائزة أوزوريس من معهد فرنسا، ثم جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب في أكتوبر ????. في عام ????، تم ترشيحه بأكاديمية العلوم. وحصل في عام ???? على كرسي الأستاذية في الطب والفسيولوجيا خلفًا لأرسين دارسونفال (????–????) ولقد شغل كلود برنارد (????–????) سابقًا هذا المنصب.وبتشجيع من صديقه الكاتب جورج دوهامل (????–????)، قرر نيكول تأليف كتاب حول الأمراض المعدية. ولقد أتاحت له محاضراته الفرصة للتعريف بأفكاره حول البحث العلمي للباحثين، وأيضًا حول مصير الأمراض المعدية وحول التجربة في الطب ومسئوليات الطبيب. لكن لشدة مرضه، لم يستطع إكمال محاضراته وتوفي في تونس في الثامن والعشرين من فبراير ????.«لا يمكننا معرفة العالم، ما لم نعرف الإنسان» هكذا كتب نيكول. لم يتخلَّ أبدًا عن طموحاته الأدبية ونجح في نشر رواياته وقصصه. تم اعتبار أسلوبه قديمًا على طريقة الكاتب بارباي دورفيلي. ووصفه جان روستاند (????–????) كشاعر وروائي واقعي، رجل الأحلام ورجل الواقع.(??) جوزيف نيبس

ولد جوزيف نيبس في عام ???? بشالون على نهر الساون. ولم يحظ بلقب نيسيفور إلا لاحقًا. كان والده محاميًا ومستشارًا للملك ومحصل الإيداعات بالمدينة ومدير أملاك دوق روهان. وكان لنيبس أخت وأخوان. التحق في عام ???? بمدرسة أوراتوريان دانجير وشغف بالفيزياء والكيمياء. لكنه ترك المدرسة في عام ???? لينضم إلى الحرس الوطني لشالون. ومنذ ذلك الوقت، بدأ يوقع خطاباته باسم نيسيفور. في عام ????، التحق بالجيش الثوري وخرج في حملة إلى جنوب فرنسا وسردينيا. في العاشر من مايو ????، أصبح ملازمًا، ثم تمت ترقيته إلى ملازم أول في السادس من مايو ????. لكنه اضطر إلى الخروج من الجيش بسبب إصابته بالتيفوس في عام ????، ومضى يقيم في نيس. تزوج في الرابع من أغسطس ???? من آنييس روميرو، ابنة صاحب المنزل الذي يقيم فيه، التي اعتنت به بتفانٍ أثناء مرضه. وذهبا ليقيما في قرية سان روش القريبة من نيس، وهناك انضم إليهما كلود شقيقه الأكبر. وحظي الشقيقان بحياة ميسرة واجتماعية وعاشا اعتمادًا على الإيرادات السنوية التي تأتيهما على الرغم من ضياع الكثير من ممتلكاتهما بسبب الثورة الفرنسية. في الخامس من أبريل ???? وُلد ابنه إيزيدور.وكما سنرى، كان نيبس — على غرار توماس ألفا إديسون? (????–????) دائم الاختراع. ووفقًا لخطاب اكتُشِف في الاتحاد السوفييتي عام ????، فإن نيبس اخترع مع شقيقه كلود لأول مرة جهازًا للتصوير الفوتوغرافي أثناء رحلتهما إلى كالياري بسردينيا. ثم عند عودتهما إلى نيس، عكف الشقيقان على تطوير مبدأ جديد لمحرك يقوم على تمدد الهواء أثناء الانفجار. وعاد نيبس إلى شالون في عام ???? ليدير ميراث العائلة. ولقد حظي الشقيقان ببراءة اختراع مدة عشر سنوات من نابليون عن محركهما الذي أسمياه بيريلوفور (من الأصل اليوناني بيروس أي النار، وأيلوس أي الهواء أو الرياح، وفورين أي يحمل). وكان هذا المحرك هو أول محرك في العالم يعمل بالاحتراق الداخلي. ولقد استطاع نموذج مصغر لمركب طوله متران أن يسير ضد التيار في ساون بفضل هذا المحرك. وبين عامي ???? و????، طور نيبس مضخة لاستبدال آلة مارلي التي كانت تزود قصر فرساي بالمياه. في عام ????، اهتم بزراعة نوع من النباتات العشبية المستخدم في الصباغة بدلًا من شجرة النيلة التي لم تعد متوافرة بسبب الحصار القاري. وسافر شقيقه إلى إنجلترا في عام ???? ليستغل براءة اختراع المحرك هناك.كان نيبس منبهرًا بفكرة الطباعة بالحفر على الحجر، ودرس جيدًا أعمال ألويز سينيفيلدر? (????–????)، إلا أنه لم يكن يجيد الرسم، وكان يستعين بابنه إيزيدور لهذا الغرض. وعندما تم استدعاء ابنه للجيش (للمشاركة في معركة ووترلو)، كان عليه إيجاد طريقة أخرى للرسم على الحجارة. وهكذا، أثناء قيامه بتعديل شكل بدائي من التصوير الليثوجرافي، توصل إلى اختراع جهاز أسماه الهليوجراف. وسافر إلى إنجلترا للترويج لاختراعه متوجهًا إلى الجمعية الملكية. لكنه مُني بالفشل؛ لأن تلك الجمعية لم تكن تهتم بأي اكتشاف يصر صاحبه على الاحتفاظ بسره.في الفترة من ???? إلى ????، انخرط نيبس في أبحاث حول تثبيت الصور داخل الغرف المظلمة. وفي عام ????، نجح في تثبيت أول صورة له خلال ثلاثة أشهر. ثم اخترع دراجة ولها مقعد يمكن ضبطه. وفي عام ????، نجح في نقل صورة شخصية للبابا بيوس السابع (????–????) بفعل الضوء وحده على لوح من الزجاج المصبوغ بالقار. كما توصل إلى إظهار صور أخرى على ألواح مطلية بقار اليهودية. وفي عام ????، تمكن من الحصول على صور فوتوغرافية على ألواح ليثوجرافية وأسماها «وجهات نظر من الغرفة المظلمة». وكان تظهيرها يستغرق خمسة أيام. في عام ????، خاطب نيبس عالِمَي البصريات فنسنت شوفالييه (????–????) وابنه شارل (????–????) اللذين زوداه بكل ما يلزم لتطوير الغرفة المظلمة. وخلال الأعوام التالية، حاول حفر الصور الناتجة على القار على مختلف الأسطح مثل النحاس والقصدير أو الفضة المصقولة. واستدعى حفارًا باريسيًّا يدعى أوجستين فرانسوا لوميتر (????–????) ليستشيره في أعماله وليعاونه في طباعة الألواح المنقوشة على الورق. وأخيرًا، تمكن في عام ???? من الحصول على «وجهات نظر من الغرفة المظلمة» مطبوعة على القصدير غير المحفور. وكان هذا هو النموذج الوحيد المحفوظ لصورة توصل إليها نيبس في هذه المرحلة من أعماله.في مجال آخر، توصل في عام ???? إلى إنتاج ألياف للنسيج من نبات الصقلاب السوري. وفي عام ????، اضطر إلى السفر إلى إنجلترا لأخيه الذي مات بعد إصابته بالجنون في كيو بعد أن ظل يبحث دون جدوى عن طريقة لإنشاء آلية للحركة الدائمة خلال أعوامه الأخيرة. وفي عام ????، لجأ — بسبب الديون — إلى مشاركة لويس جاك ماندي داجير? (????–????). لكنهما فشلا في مساعيهما لتبييض القار الغامق في سبيل الحصول مباشرة على الصور الإيجابية. في يونيو ????، عملا معًا مدة أسبوعين بسان لوو ديفارين. وفي العام التالي، حاولا استخدام كافة أشكال الأصماغ (المثبتات) لكن دون نتيجة إيجابية. ولم يتوصلا إلى صور في أقل من ثماني ساعات من التظهير إلا في يونيو ???? باستخدام باقي تقطير ماء اللافندر كمنتج حساس للضوء. وأطلقا على طريقتهما الجديدة اسم «فيزوتوتيب». وفي نوفمبر ????، عاد داجير ثانية إلى سان لوو ديفارين للعمل مع نيبس حول تطوير تلك الطريقة الجديدة.توفي نيبس فجأة في الخامس من يوليو ????. ولم يُعرف أي اختراع من اختراعاته. إلا أنه يمكن القول إن معركة ووترلو قد ساهمت في اختراع التصوير الفوتوغرافي!(??) هانز كريستيان أورستيد

ولد هانز كريستيان أورستيد في قرية دنماركية صغيرة تدعى لانجلاند في الرابع عشر من أغسطس ????. كان والده يدعى سورن كريستيان أورستيد وكان صيدليًّا، ووالدته تدعى كارين هيرمانزن. ولقد أرسلا ابنهما وشقيقه إلى ألمانيا ليتلقيا تعليمهما هناك؛ لأنهما لم يكن لديهما الوقت الكافي ليخصصاه لهما. ولقد درس هناك الولدان اللغة الألمانية وقواعد اللاتينية والفرنسية وأيضًا مبادئ الرياضيات. وعاد أورستيد ليعمل في صيدلية والده بمجرد بلوغه عامه الحادي عشر. لم يلتحق أورستيد وأخوه بأي مدرسة، لكنهما اجتازا بنجاح في عام ???? امتحان القبول بجامعة كوبنهاجن. وهناك درس أورستيد الصيدلة والفلك والكيمياء والرياضيات. وحصل باقتدار على شهادة في الصيدلة في عام ????. إلا أنه في ذلك الوقت، كانت الدراسة الجامعية تشمل مجالات أوسع من تلك التي تغطيها الآن، ومن ثم حصل أورستيد على الجائزة الأولى عن بحث عن حدود الشعر والنثر. كما تلقى محاضرات في الفلسفة، وتأثر بشكل خاص بأفكار إيمانويل كانط (????–????). وفي عام ????، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عن رسالة بعنوان: «حول شكل للميتافيزيقا الأساسية للطبيعة الخارجية». وفيها طور فكرة كانط حول أن أي عقيدة عقلانية للطبيعة لا يمكن أن تسمى علمًا طبيعيًّا إلا إذا كانت القوانين الطبيعية التي تقوم عليها معروفة سابقًا ولا تأتي فقط من التجربة.قضى أورستيد عام ???? يلقي محاضرات بالجامعة ويدير صيدلية. ثم بدأ يسافر بداية إلى ألمانيا؛ حيث التقى الفلاسفة يوهان جوتليب فيخته (????–????) وفريدريش فون شليجل (????–????) ببرلين، ثم فريدريش فيلهلم جوزيف فون شيلينج (????–????) والفيزيائي والكيميائي يوهان فيلهلم ريتر (????–????) بفيينا. وبعدها، سافر إلى باريس وهولندا. وفي فرنسا، كان لقاؤه مع جورج كوفييه (????–????) وكلود لويس بيرتهولت (????–????). وعند عودته إلى الدنمارك في عام ????، حاول — لكن دون جدوى — أن يحصل على منصب في الجامعة. فبدأ يلقي محاضرات عامة، لكن الحضور كان بأجر. وبالطبع نتيجة لكثرة المترددين على محاضراته، عُرض عليه أخيرًا منصب جامعي، لكنه لم يصبح أستاذًا إلا في عام ????.كانت الاكتشافات الأولى للكهرباء قد تمت في القرن الثامن عشر باكتشاف الكهرباء الاستاتيكية للأجسام المنعزلة. ثم كان اكتشاف لويجي جالفاني? (????–????) بالصدفة للكهرباء الحيوانية التي تتسبب في تيار مستمر. وفي عام ????، اخترع أليساندرو فولتا? (????–????) العمود الكهربائي. وعلى الفور اهتم أورستيد بهذا المجال وطور بطارية كهربائية جديدة، وعرض اختراعه أثناء رحلة بحرية قام بها إلى ألمانيا، واكتشف حينها أن مرور الكهرباء داخل الماء يحلله إلى أكسجين وهيدروجين، وبدا أنه تم إثبات وجود صلة بين القوة الكهربائية والألفة الكيميائية. وتساءل ريتر صديق أورستيد كيف يمكن لهذين العنصرين المكونين للماء أن يتحركا بصورة غير مرئية ثم يظهرا في أقطاب متضادة. ورأى في هذه التجربة الدليل على الفلسفة الطبيعية لشيلينج. وكان ريتر هو من جذب انتباه أورستيد إلى العلاقات بين الكهرباء والمغناطيسية. كنا نعرف بالفعل تأثيرات الكهرباء على المغناطيسية، وكان ريتر يعتبرهما تعبيرين لنفس القوة الطبيعية. في عام ????، اعتقد أندريه ماري أمبير? (????–????) في فرنسا أن في إمكانه إثبات أن الأمر عبارة عن سائلين مختلفين منفصلين أحدهما عن الآخر. بينما — بعد مرور خمسة أعوام — أكد توماس يونج (????–????) في إنجلترا أنه لا يوجد سبب يدعو لتخيل وجود صلة مباشرة بين المغناطيسية والكهرباء.إلا أنه في الفترة من ???? إلى ???? تحولت اهتمامات أورستيد إلى الكيمياء. ولأنه متأثر بكانط وشيلينج، فقد أراد تعديل النظرية الكيميائية لإرجاع أي فعل كيميائي إلى قوى أولية. كانت وحدة الطبيعة تضمن وجود مثل هذه القوى، ومن ثم اقتنع أورستيد بأن الكهرباء الاستاتيكية والجلفنة والمغناطيسية والعلاقات الكيميائية كلها متصلة بعضها ببعض. فوفقًا له، يوجد — في الكيمياء — قوتان أساسيتان؛ هما الأكسدة والاحتراق.إلا أن أعمال أورستيد التجريبية خلال الأعوام التالية حولت تفكيره بوضوح عن أفكار معلمه شيلينج. ولقد رأينا أن اكتشاف الكهرومغناطيسية تم «مباشرة» أمام طلابه أثناء محاضرة في عام ????، مما يعد سابقة وحيدة من نوعها في تاريخ العلوم. كان من الغريب أن أورستيد أمضى ثلاثة أشهر بعد ذلك قبل أن يقرر استئناف التجربة، وقام بتوضيح الطبيعة المحددة للأثر الذي يتركه سلك كهربائي على بوصلة، فيتحرك موضع المؤشر ليصبح عموديًّا على السلك. وفكر أورستيد في البداية أن الأمر لا يعدو كونه نوعًا من الجاذبية، إلا أن فكرة تحريك السلك من اليمين إلى اليسار لم يكن لها أي تأثير؛ إذن فلا يمكن أن تكون قوة جاذبية بين السلك وأحد القطبين؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لتبع القطب المنجذب السلك. يعمل التفاعل بين الكهرباء والمغناطيسية على شكل دوائر حول السلك. ولقد أعطت قاعدة اليد اليمنى المعروفة فكرة العلاقة بين اتجاه التيار الكهربائي وخطوط القوى المغناطيسية. ولقد فتح اكتشاف أورستيد آفاقًا جديدة للبحث. وتطورت الكهرومغناطيسية بسرعة. ولقد صاغ مايكل فاراداي (????–????) مبادئها. ولاحقًا، سيتم تحديد الضوء بواسطة انتشار الموجات الكهرومغناطيسية. ثم جاءت المعادلات التي صاغها جيمس كلارك ماكسويل (????–????). وعلى سبيل المفارقة، كان ريتر بنفسه قد استشرف اكتشاف أورستيد، فكتب منذ عام ???? أن بعض الظواهر الكهربائية يمكن أن تحدث عندما يبلغ ميل الكسوف أقصى مداه. وخلال مسيرته المهنية، انخرط أورستيد في أبحاث أخرى حول قابلية الغازات للضغط. وكان آخر اكتشاف كبير لأورستيد هو عزل الألومنيوم. كان هذا المعدن معروفًا، لكن لم يتمكن أحد أبدًا من فصله. إلا أن الفضل في هذا العمل نُسب إلى فريدريش فوهلر? (????–????)؛ لأنه استطاع أن ينتج الألومنيوم النقي بعد ثلاثة أعوام.وطوال عمره، ظل أورستيد — كما رأينا — مهتمًّا بالفلسفة، أو بشكل عام بالآداب. وكان له تأثير كبير على الكتَّاب المعاصرين له مثل هانز كريستيان أندرسن (????–????) الذي كان يشجعه على كتابة قصصه القصيرة. كما ساهم في إثراء اللغة الدنماركية بالعديد من الكلمات الجديدة.في نوفمبر ????، احتفلت الدنمارك بيوبيل أورستيد بالتعاون مع جامعة كوبنهاجن جاعلين اليوم عطلة رسمية.وتوفي أورستيد في كوبنهاجن في التاسع من مارس ????.(??) لويس باستير

ولد لويس باستير في السابع والعشرين من ديسمبر ???? في دوول بجورا؛ حيث كان والده يمتلك مدبغة، ثم انتقلت الأسرة إلى أربوا وهو في الخامسة من عمره، وهناك التحق بالمدرسة. في عام ????، التحق بالكلية الملكية في بيزانسون. كانت نتائجه متوسطة، ولم ينل سوى تقدير «متوسط» في الكيمياء في البكالوريا. وفي عام ????، كان رابع من يتم قبولهم بالمدرسة الطبيعية العليا بباريس.وبعد حصوله على الإجازة في تدريس الفيزياء (كان الثالث على أربعة عشر متقدمًا تم قبول أربعة فقط منهم)، انضم باستير إلى فرق العمل بمعمل كريستوف فرانسوا ديلافوس (????–????) وبدأ عمله مع أوجست لوران (????–????) رائد النظرية الذرية في الكيمياء العضوية. وفي الثالث والعشرين من أغسطس ????، ناقش باستير رسالة في الفيزياء وأخرى في الكيمياء.في عام ????، تم تعيينه أستاذًا للفيزياء بالكلية الملكية بديجون — المنصب الذي لم يشغله قط — ثم أصبح أستاذًا بديلًا للكيمياء بكلية العلوم بجامعة ستراسبورج. تزوج باستير في التاسع والعشرين من مايو ???? من ماري لوران — ابنة رئيس أكاديمية المدينة — وأنجبا خمسة أطفال.في عام ????، أصبح أول عميد لكلية العلوم بجامعة ليل التي أُنشئت حديثًا. وبناءً على طلب لويس إيمانويل بيجوتيولي — رجل صناعة من ليل يعمل في صناعة السكر والكحوليات — بدأ باستير يجري أبحاثًا حول التخمر، وأثبت أن الفطريات كائنات حية وأنها هي المسئولة عن التخمر، وليس عن المنتجات المشتقة منه كما كان يعتقد العديد من الكيميائيين حينها، ثم طور طريقة للتصنيع تتيح تجنب المشاكل المتعلقة بالتخمر.في عام ????، تم تعيينه إداريًّا بالمدرسة الطبيعية العليا وأيضًا مديرًا للدراسات العلمية. وأقام معمله في مخزن المدرسة، وعكف منذ ذلك الحين على دراسة أنواع التخمر اللبنية والكحولية.ثم بدأ في دراسة موضوع التوالد التلقائي الذي أثار جدلًا، لم يكن باستير يعتقد في صحته؛ ومن ثم كان محط انتقاد مؤيدي تلك النظرية وخاصة فليكس أرشميدس بوشيه (????–????). ولقد قدم بوشيه — العالم الطبيعي من روان — بحثًا لأكاديمية العلوم في ديسمبر ???? حول نماذج لأجسام تولد تلقائيًّا في الهواء. وسرعان ما أجابه باستير متهمًا إياه بالخطأ. وعلى مدار ستة أعوام، تتابعت التجارب. مصطحبًا معه بالونات معقمة، ذهب باستير ومعه بعض الزملاء إلى شامونيكس عند بحر الجليد، وأثبت أنه وفقًا للارتفاع والمواقع، فإن الهواء لا يحتوي دائمًا على نفس الكمية من الجراثيم. إلا أن كل فريق رفض الاستماع إلى حجج الآخر. وفي السابع من أبريل ????، عرض باستير نتائجه أثناء مؤتمر ضخم في السوربون. ودحض نظرية التوالد التلقائي. وفي عام ????، تم انتخاب باستير عضوًا بأكاديمية العلوم. ثم أصبح سكرتيرها الدائم في عام ????، ثم سكرتيرًا دائمًا شرفيًّا في عام ????.في عام ????، طلب نابليون الثالث من باستير دراسة أمراض النبيذ. فقام بتسخين النبيذ ليقتل أي جراثيم، وقضى من ثم على مشكلة حفظه ونقله. كان هذا ما يسمى «بالبسترة». إلا أنه تم اتهامه بالتسلط داخل المدرسة الطبيعية، واصطدم بزملائه. وأخيرًا تم إلغاء منصبه كمدير للدراسات العلمية. ثم أصبح أستاذًا في الجيولوجيا والفيزياء والكيمياء التطبيقية بكلية الفنون الجميلة، وأيضًا أستاذًا للكيمياء بجامعة السوربون في الفترة من ???? وحتى ????. في عام ????، أصيب بجلطة تسببت في إصابته بالشلل النصفي؛ مما تركه بيد مثنية ومنقبضة ومشية صعبة وبطيئة حتى وفاته. في عام ????، تطرق باستير إلى موضوع الأمراض المعدية بين الحيوانات؛ وعليه، سافر من يونيو ???? إلى آليس وقضى هناك أربعة أعوام لدراسة أمراض دودة القز.وابتداءً من عام ????، شرع في العمل حول تخمر الجعة، وتقدم بطلب براءة اختراع عن تصنيعه لجعة الرفانش. في عام ????، بدأ باستير أهم أعماله حول الأمراض المعدية وتخفيف حدة الإصابة بالميكروبات والتطعيمات. وبدأ أبحاثه حول داء الكلب (السعار) في عام ????، في أعقاب وفاة طفل بمستشفى سانت أوجوني. في السادس من يوليو ????، أعطى باستير أول تطعيم ضد داء الكلب (السعار) لجوزيف ميستر، شاب من منطقة الألزاس وقد عضه كلب مسعور. كان باستير قد تم انتخابه عضوًا بالأكاديمية الفرنسية في الثامن من ديسمبر ???? خلفًا لإيميل ليتريه. وتم استقباله هناك في السابع والعشرين من أبريل ???? على يد إرنست رينان. في عام ????، تعرض باستير لسكتة دماغية أخرى. في الرابع عشر من نوفمبر ????، قام الرئيس سادي كارنو بافتتاح معهد باستير بباريس. ولقد ظل باستير يدير هذا المعهد حتى وفاته. ولقد جرى الاحتفال بعيد ميلاده السبعين في جامعة السوربون بحضور سادي كارنو وعدد ضخم من كبار الشخصيات. كما أعطته جامعة أكسفورد درجة الدكتوراه في العلوم. وأُهدي ميدالية صممها لويس أوسكار روتي (????–????) وعليها الشعار القومي، كما أعطته الجمهورية لقب «فاعل خير للبشرية». كان باستير عضوًا بالأكاديمية الطبية منذ عام ????. وحصل على وسام الصليب الأكبر الشرفي منذ عام ????. كما صدر مرسوم إمبراطوري — لم يُفعل أبدًا — بتعيينه سيناتورًا في السابع والعشرين من يوليو ????.في عام ????، عاد باستير إلى ليل ليرأس مؤتمرًا حول علاج الدفتيريا يقدمه زميله إيميل روو (????–????).توفي باستير من جراء نزيف في المخ في الثامن والعشرين من سبتمبر ???? في فيلنوفايتانج. وأقيمت له مراسم جنازة قومية في الأول من أكتوبر. ودُفن بمدفن شُيِّد خصوصًا له في معهد باستير.(??) أرنو بنزياس

ولد أرنو آلان بنزياس بميونخ في السادس والعشرين من أبريل ????. لكنه لم يحتفظ إلا بقدر ضئيل من الذكريات حول الحرب والنقل الإجباري إلى بولندا. ذات ليلة، بعد عامه السادس، أخذه والداه وسافرا إلى إنجلترا. ثم وصلا إلى نيويورك في يناير ????. التحق في البداية بمدرسة سيتي كولدج بنيويورك، وهي مؤسسة ترجع إلى القرن الماضي، وطالما عملت على مساعدة أبناء المهاجرين الفقراء على التحول إلى مواطنين أمريكيين من الطبقة المتوسطة. وهناك اكتشف الفيزياء، لكنه اختار في النهاية الهندسة الكيميائية.وبعد عامين قضاهما في الجيش، نال بنزياس منصب معيد بجامعة كولومبيا بنيويورك داخل معمل فيزياء الموجات القصيرة. وبدأ في كتابة رسالته تحت إشراف الأستاذ تشارلز هارد تاونز (المولود في ????) الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام ???? عن أعماله في الإلكترونيات الكمية. وكان بنزياس مسئولًا عن إنشاء مكبر إشعاعي أثناء تجربة من اختياره في علم الفلك الإشعاعي.في عام ????، وجد عملًا مؤقتًا في معامل شركة بل بهولمدل بنيوجيرسي. وعُرض عليه الإقامة هناك، وبالفعل مكث هناك. كان يعمل على الهوائيات التي تتلقى الإشارات من الأقمار الصناعية. وانضم إليه عالم فلك آخر في عام ????؛ وهو روبرت وودرو ويلسون? (المولود في ????) من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بباسادينا. وبعد عام، تمكنَا من التعرف على التوزيع المستمر لموجات الراديو المنبعثة من جسم أسود عند درجة حرارة ??? درجات كلفنية وفقًا للقانون الذي صاغه منذ سبعين عامًا فيلهلم وين (????–????) الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام ????.في عام ????، فسر فيليب جيمس إي بييبلز (المولود في ????) وروبرت هنري دايك (????–????) هذا الإشعاع على أنه نتيجة الانفجار الكبير الذي هو أصل تكون الكون من خمسة عشر إلى ثمانية عشر مليار عام. في عام ????، كان عالم الفيزياء الفلكية البلجيكي جورج لوميتر (????–????) قد وضع افتراضية تقول إن هناك ما يعرف بالذرة البدائية. وفي عام ????، اكتشف إدوين باول هوبل (????–????) تمدد الكون عن طريق ملاحظة ميل الإشعاعات المضيئة المنبعثة من المجرات البعيدة نحو الاحمرار. وفي عام ???? تحدث جورج جاموف (????–????) لأول مرة عن الانفجار العظيم. وتعد درجة الحرارة ??? كلفن هي الصلة الوحيدة بين درجة ???? للحالة فائقة السيولة للهليوم، التي حاز بيوتر ليونيدوفيتش كابيتزا (????–????) بفضل اكتشافها جائزةَ نوبل في الفيزياء في عام ????، مناصفة مع بنزياس وويلسون.(??) ماكس بلانك

ولد ماكس كارل إرنست لودفيج بلانك في الثالث والعشرين من أبريل ???? بمدينة كييل بشليسويج هوليستين. كان والده أستاذًا للحقوق بجامعة كييل، وكان جده وجد جده أيضًا أستاذين في علم اللاهوت بجامعة جوتنجن. في عام ????، انتقلت العائلة للإقامة بميونخ، وهناك التحق بلانك بالمدرسة. وعند بلوغه عامه السادس عشر، التحق بجامعة ميونخ عام ????. لكن قبل الشروع في تنفيذ القرار، كان قد تشاور مع أستاذ الفيزياء فيليب يوهان جوستاف فون جولي (????–????)، الذي قال له إن الفيزياء أصبحت علمًا منتهيًا ولم يعد هناك مكان لمزيد من الاكتشافات. إلا أن بلانك أصر على استكمال هذا الطريق. وبدأ دراسته في برلين على يد العديد من الأساتذة مثل هيرمان فون هلمهولتز? (????–????) وجوستاف روبرت كيرشوف? (????–????). كان معجبًا بكيرشوف، وإن كان يعتبره جافًّا ورتيبًا كمعلم. ثم عاد إلى ميونخ، وناقش رسالته — في الحادية والعشرين من عمره — حول القانون الثاني للديناميكا الحرارية. وبعدها، حصل على منصب بجامعة ميونخ في عام ????، وظل هناك حتى عام ????، وهو التاريخ الذي حصل فيه على كرسي الأستاذية بجامعة كييل. بعد وفاة كيرشوف في عام ????، خلفه بلانك في كرسي الأستاذية في الفيزياء النظرية بجامعة برلين في عام ????. وظل محتفظًا بهذا المنصب طيلة ثمانية وثلاثين عامًا وحتى تقاعده في عام ????.وفي برلين، شرع في أعماله الأكثر أهمية. درس الديناميكا الحرارية، وخاصة توزيع الطاقة بحسب طول الموجة. وفي عام ????، حصل على صيغة جديدة — تُعرف باسم صيغة بلانك للإشعاع — عن طريق مزج صيغ فيلهلم وين (????–????) وجون ويليام ستروت (لورد رايليه) (????–????). وفي غضون شهرين، استنتج كافة النتائج النظرية لصيغته، مقدمًا نظرية كمات الطاقة. ولقد بدأت نظريته تواجه مقاومة بسبب أعمال نيلز بور (????–????) الذي حدد مواضع الخطوط الطيفية. لكن انتهى الأمر بقبولها، حتى وإن كان بلانك يقول إنه هو نفسه لا يفهمها.تم انتخابه عضوًا بأكاديمية العلوم في عام ????. وفي عام ????، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء. لكنه لم يشارك كثيرًا في التطورات اللاحقة التي شهدتها نظريته. في الفترة من عام ???? وحتى عام ????، أصبح بلانك رئيسًا لمنظمة القيصر فيلهلم جيسيلشافت الألمانية للبحث.مكث في ألمانيا طوال فترة الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أنه كان وقتًا عصيبًا بالنسبة له، ولا سيما بعد إعدام ابنه إرفين لتخطيطه لاغتيال هتلر. كما هُدم منزله على إثر غارة جوية. جردته الحرب العالمية الثانية من كل ممتلكاته، ما عدا حقيبة ظهر وحقيبة سفر استطاع أخذهما معه أثناء إخلاء الأمريكيين لمكان القتال في مايو ????. إلا أنه فقد كتاب مذكراته الذي ظل محتفظًا به طوال حياته أثناء عمليات الإخلاء. وبعد الحرب، عاد إلى منصبه كرئيس لمنظمة القيصر فيلهلم جيسيلشافت في عام ????-???? ليدافع عن العلم الألماني خلال فترة غاية في الصعوبة.كان بلانك اجتماعيًّا بطبعه، كما كان يجيد العزف على البيانو. وكان يحب تسلق قمم جبال الألب، واستطاع وهو في الثانية والسبعين من عمره أن يتسلق قمة جبل يونجفراو، وقمة جبل جروسفينيديجر بعدها بسبعة أعوام.توفي بلانك بجوتنجن في الرابع من أكتوبر ????.(??) هنري بوانكاريه

ولد جول هنري بوانكاريه بنانسي في التاسع والعشرين من أبريل ????. وكان عالم الرياضيات الأكثر نبوغًا في جيله دون شك. كان والده إيميل ليون بوانكاريه (????–????) أستاذ الطب بالجامعة، أما والدته فكانت تدعى أوجوني لونوا. وكان والده يبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا ووالدته في الرابعة والعشرين. وهو ابن عم رايموند بوانكاريه (????–????) الذي أصبح رئيسًا للوزراء أكثر من مرة، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية خلال الحرب العالمية الأولى. كان ابن عمه الآخر هو عالم الرياضيات لوسيان بوانكاريه (????–????) الذي أصبح أستاذًا بارزًا بجامعة السوربون. كان هنري قادرًا على الكتابة بيديه اليمنى واليسرى، لكنه كان قصير النظر. ولاقى صعوبات شديدة في توافق حركة عضلاته، كما أصيب إصابة حادة بمرض الدفتيريا.في عام ????، التحق بثانوية نانسي وظل يدرس بها مدة أحد عشر عامًا. كان طالبًا متميزًا في جميع المواد، وحصل على الجائزة الأولى في الرياضيات أثناء المسابقة العامة. وأثناء محاضرات الرياضيات الخاصة، تعرف عليه بول آبل (????–????) الذي أصبح هو الآخر عالمًا شهيرًا في الرياضيات. وقال عنه: صدمتني هيئة بوانكاريه، فلم يكن يمتلك للوهلة الأولى شكل الطالب الذكي. فكان يبدو مستغرقًا في أفكار داخلية، وقد علت عينيه نظرة غامضة من فرط التفكير. وعندما كان يتحدث، كانتا تتألقان بتعبير طيب يمتزج فيه الخبث والعمق.وعندما تم قبوله بالمدرسة الطبيعية العليا وبكلية الهندسة في عام ????، اختار بوانكاريه الالتحاق بالهندسة. وهناك كان أستاذه شارل إرميت? (????–????). كانت ذاكرته خارقة، فكان يظل طوال المحاضرات عاقدًا يديه دون أن يدون ملاحظة واحدة. ثم أنهى بعد ذلك دراسته بكلية المناجم، وعمل بعدها مهندسًا بمنطقة فيزول أثناء إعداده لرسالته التي ناقشها في باريس تحت إشراف شارل إرميت في عام ????. وكانت رسالته تدور حول المعادلات التفاضلية، إلا أنها لم تكن مقنعة بالقدر الكافي للممتحنين بسبب غموضها.كان أول منصب جامعي له في كان. لكن كانت محاضراته ينقصها التنظيم. في عام ????، وعلى الرغم من ذلك حصل على كرسي الأستاذية في كلية العلوم بباريس. وفي عام ????، مُنح كرسي الأستاذية في الفيزياء الرياضية والاحتمالات بجامعة السوربون. كما عُين أيضًا أستاذًا بكلية الفنون التطبيقية. وفي عام ????، أصبح اسم هنري بوانكاريه معروفًا للجميع. وحصل بالفعل على جائزة — منحها له الملك أوسكار الثاني، ملك النرويج والسويد (????–????) من فرط شغفه بالرياضيات — عن بحث حول مسألة الأجسام الثلاثة في ميكانيكا الأجرام السماوية. كانت لجنة التحكيم مكونة من كارل تيودور فيرشتراس (????–????) وجوستا مانجوس ميتاج-ليفر (????–????) وشارل إرميت. إلا أن بحث بوانكاريه كان به خطأ اكتشفه عالم الرياضيات الشاب لارس إدفارد فراجمان (????–????) أثناء إعداده لطباعة المخطوطة. وأجبر هذا الخطأ بوانكاريه على إجراء تعديلات جذرية على بحثه. كما اضطر أيضًا إلى دفع مبلغ كتعويض عن مصاريف طباعة النسخة الأولى، وكان مبلغ التعويض يفوق قيمة الجائزة التي تلقاها. لكن — كما أثبتنا — فإن الأخطاء قد تكون مفيدة، وبالفعل فتح هذا الخطأ الباب أمام نظرية العشوائية والكسور (الفراكتال).عادة كان يصنف بوانكاريه كآخر عالم موسوعي في العلوم وآخر متخصص عالمي في الرياضيات. وجاءت إسهاماته في العديد من المجالات الرياضية، بل أيضًا ميكانيكا الأجرام السماوية وميكانيكا السوائل ونظرية النسبية. كما درس أيضًا علم البصريات والكهرباء ونظام التلغراف والأنابيب الشعرية والمرونة والديناميكا الحرارية ونظرية الطاقة الكامنة والنظرية الكمية وعلم الكون. وفي الرياضيات، كان صاحب الفضل في اكتشاف دوال فوش. كما ندين له أيضًا بالعديد من المؤلفات في فلسفة العلوم. أتاحت له ثقافته الواسعة التطرق إلى المشكلات من زوايا مختلفة. وفتحت له كتاباته حول فلسفة العلوم الطريق للالتحاق بالأكاديمية الفرنسية؛ حيث انتخب عضوًا في الثامن والعشرين من يونيو ????، ثم أصبح مديرًا لها في عام ????. كما كان عضوًا بأكاديمية العلوم منذ عام ????، وتم انتخابه رئيسًا لها في عام ????.توفي بوانكاريه في السابع عشر من يوليو ???? بباريس بسبب تضخم البروستاتا. لم يكن يبلغ من العمر سوى ستة وخمسين عامًا، وكانت وفاته صدمة وخسارة فادحة لكل المجتمع العلمي الدولي.(??) لويس فراي ريتشاردسون

ولد لويس فراي ريتشاردسون بنيوكاسل أبون تاين بنورثمبرلاند في الحادي عشر من أكتوبر ????. وكانت أسرته منذ قرون تضم دباغين وأعضاء في إحدى الطوائف البروتستانتية. التحق في البداية بمدرسة نيوكاسل؛ حيث كانت مادته المفضلة هي دراسة نظريات إقليدس (القرن الثالث ق.م). بين عامَي ???? و????، انتقل إلى يورك، ثم عاد إلى نيوكاسل للانضمام لكلية دورهام للعلوم. وهناك درس الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان. في عام ????، التحق بالكلية الملكية بكامبريدج. وكان من بين أساتذته جوزيف جون طومسون (????–????) الحائز جائزة نوبل في الفيزياء في عام ???? عن أعماله حول توصيل الكهرباء في الغازات.بعد أن غادر كامبريدج، شغل ريتشاردسون عدة مناصب في مؤسسات حكومية وجامعات: المعمل الوطني للفيزياء (????-????، ????–????)، وهيئة الأرصاد الجوية (????–????)، وجامعة أبريستويث (????-????)، وكلية مانشستر للتكنولوجيا (????-????). هذا بالإضافة إلى كونه عالمًا كيميائيًّا بمصانع بيت الوطنية (????-????) والمسئول عن معمل الفيزياء والكيمياء بشركة سنبيم لامب (????–????). وحوالي عام ????، تقدم بطلب ترشحه — بعد أن نشر مقالًا في جريدة مرموقة — للعمل بالكلية الملكية. إلا أن أعماله في الرياضيات التطبيقية قُيمت على أنها «رياضيات تقريبية»، ومن ثم رفض طلبه!من عام ???? وحتى عام ????، عمل ريتشاردسون مديرًا لقسم الفيزياء بكلية ويستمينستر للتدريب. ثم من عام ???? وحتى عام ????، أصبح مدير كلية بيسلي للتكنولوجيا باسكتلندا. في مجال الرياضيات، يُعرف اسم ريتشاردسون بين طلبة التحليل الرقمي. فإذا افترضنا أننا نقوم بعدة قياسات لكمية ما بتسجيل قراءات متغيرة في إطار مجال مرجعي معين، فإنه بواسطة النقط التي يتم الحصول عليها، يمكننا رسم منحنى؛ وهو ما يسمى ? «الاستكمال». ويمكِّننا ذلك من الحصول على قيمة تقريبية من القياس الذي قمنا به لقياس قيمة واقعة خارج المجال؛ وهو ما يعرف ? «الاستكمال من الخارج». وتوجد طريقة من الاستكمال الخارجي تحمل اسم ريتشاردسون. كما اهتم بالحل الرقمي للمعادلات ذات المشتقات الجزئية بواسطة طرق التفاضل المنتهي. ولقد طبق هذه التقنية على طرق التنبؤ بالأرصاد الجوية، دون أن يدرك أن السؤال مطروح بطريقة خاطئة، فقد تكون النتيجة شديدة الحساسية تجاه التغيرات الطفيفة في البيانات (تأثير الفراشة الشهير). وكان ريتشاردسون رائدًا في مجال دراسة الكسور (فراكتال) والعشوائية. وفي نظرية الاضطراب، أدخل ثابت ريتشاردسون الذي يميز كسر اضطراب الطاقة الناتج عن تغيرات الحرارة، على عكس التغيرات الناجمة عن اختلاف سرعة الرياح. إلا أن شخصية ريتشاردسون كانت تمتلك جانبًا مختلفًا تمامًا. توفي اثنان من أقاربه أثناء الحرب العالمية الأولى. وفي عام ????، انضم إلى وحدة إسعاف الأصدقاء في فرنسا بعد أن رفض الخدمة العسكرية اعتراضًا على الحرب. لكنه انضم إلى الوحدة السادسة عشرة من المشاة الفرنسية حتى عام ????. ولقد دفعته قناعاته العميقة إلى دراسة الأسباب الإحصائية والديناميكية وغيرها التي أدت إلى الحرب. وفي عام ????، ألف كتابًا صغيرًا بعنوان «النفسية الرياضية للحرب» وأهداه إلى مجموعة من أصدقائه المسعفين. وعلى الرغم من الدعم الذي قدمه له برتراند راسل (????–????) — الذي شاركه أفكاره السلمية — لم يجد ريتشاردسون ناشرًا ونشر كتابه على نفقته الشخصية. وابتداءً من عام ????، جمع عددًا كبيرًا من البيانات حول ما كان يطلق عليه «النزاعات المميتة»، التي تراوح مجالها من الحرب العالمية الأولى وحتى حرب العصابات بشيكاجو. وكان يقيم حدة هذه النزاعات باستخدام لوغاريتم للوفيات، ووجد أن هذه الحدة تتناسب عكسيًّا مع تواترها. يعد ريتشاردسون هو رائد علم ألعاب الحرب. ويمكن الآن إيجاد النموذج الحركي البسيط الذي كان يستخدمه لشرح الاستقرار في جميع الكتب الأساسية حول بناء النماذج تحت اسم معادلات المفترس والفريسة. ولقد قادت دراسة هذا النموذج ريتشاردسون إلى استنتاج متشائم يقول إن جميع المواجهات بين الأمم تكون لا تسير على وتيرة واحدة. كان ريتشاردسون قد شرع في تلك الدراسة على أمل الوصول إلى تفسير رياضي لأسباب وآلية الحروب من شأنه تقليل الاعتداءات، لكنه وصل في النهاية إلى الاستنتاج المضاد. كما صدمته حقيقة أن أبحاثه حول تدفق الهواء تم استخدامها في العشرينيات والثلاثينيات بواسطة العسكريين في أعمال خاصة بنشر الغازات السامة. وإلى جانب كتابه حول التنبؤ بالأرصاد الجوية بواسطة طرق الاستكمال الخارجي، نشر كتابًا بعنوان «السياسات الخارجية العامة» في عام ????، وآخر بعنوان «الأسلحة وانعدام الأمن» في عام ????، وأخيرًا «إحصائيات النزاعات المميتة» في ????.توفي ريتشاردسون في كليمون بأرجيل باسكتلندا في الثلاثين من سبتمبر ????.(??) برنارد ريمان

ولد جورج فريدريش برنارد ريمان بريسيلنز بالقرب من هانوفر في السابع عشر من سبتمبر ????. كان والده فريدريش برنارد ريمان راعيًا بروتستانتيًّا تزوج من شارلوت إيبيل وكان برنارد ثاني أبنائهما الستة: ولدان وأربع فتيات. تولى والده مسئولية تعليمه حتى بلغ العاشرة من عمره، ثم أحضروا معلمًا محليًّا يدعى شولز ليقوم بتعليمه.في عام ????، التحق ريمان مباشرة بالصف الثالث في مدرسة هانوفر الثانوية. وأقام وقتها عند جدته. وعند وفاتها — في عام ???? — غادر ليلتحق بمؤسسة يوهانوم في لونبرج. ويبدو أنه كان مجرد تلميذ جيد. درس بكثرة المواد التقليدية مثل اللغة العبرية وعلم اللاهوت. كما أظهر نوعًا من الاهتمام بالرياضيات، ولذلك صرح له مدير المؤسسة بالاطلاع على كتب الرياضيات في مكتبته الخاصة. وأقرضه كتابًا لأدريان ماري لوجندر (????–????) حول نظرية الأعداد، وقرأ ريمان الكتاب ذا التسعمائة صفحة كاملًا في ستة أيام!وفي ربيع عام ????، التحق بجامعة جوتنجن، بكلية اللاهوت بتشجيع من والده. لكنه استمر يتابع محاضرات الرياضيات وطلب من والده السماح له بتغيير دراسته. كان ريمان متعلقًا بأسرته، ولم يكن ليغير مجال دراسته دون موافقة والده. وبالفعل تلقى محاضرات موريتز ستيرن (????–????) وكارل فريدريش جاوس (????–????) أحد أكبر علماء الرياضيات والفيزياء في عصره. ومن ثم أصبحت جامعة جوتنجن من أشهر الجامعات في مجال الرياضيات، لكنها لم تكن قد بلغت تلك الدرجة من الشهرة في ذلك الوقت. كما أن جاوس لم يكن يلقي هناك سوى محاضرات للمستوى الأولي. إلا أن ستيرن بدا كمن أدرك على الفور قدرات طالبه، فكان يقول إن ريمان «يُبلي بالفعل بلاءً حسنًا.»في ربيع عام ????، ذهب ريمان إلى جامعة برلين لدراسة الرياضيات على يد ياكوب شتاينر (????–????)، وكارل جوستاف جاكوب جاكوبي (????–????)، ويوهان بيتر جوستاف لوجون دريشليه (????–????)، وفرديناند جوتهولد ماكس أينشتاين (????–????). كانت تلك الفترة محورية بالنسبة له. كان يتناقش مع أينشتاين — على وجه الخصوص — حول استخدام المتغيرات المركبة في نظرية الدوال المختصرة. إلا أن التأثير الأبلغ كان لدريشليه. كان الاثنان يستندان — في استنتاجاتهما — إلى حس حدسي متطور وإلى التحليل المنطقي للمسائل الأساسية بهدف تقليص الحسابات الطويلة إلى الحد الأدنى. وأثناء إقامته في برلين طور ريمان قواعد عمله الرئيسي حول نظرية المتغيرات المركبة.في عام ????، عاد إلى جوتنجن وناقش رسالته في السادس عشر من ديسمبر ???? تحت إشراف جاوس. كما خضع عمله لتأثير فيلهلم إدوارد ويبر (????–????)، وكان ريمان يعمل مساعدًا له مدة ثمانية عشر شهرًا أعطاه فيها كمًّا هائلًا من المعرفة حول الفيزياء النظرية، بل وأيضًا لتأثير يوهان بنديكت ليستينج (????–????) الذي أطلعه على علم طبولوجيا الأسطح. وفي رسالته، درس ريمان نظرية المتغيرات المركبة، ولا سيما ما يسمى الآن بأسطح ريمان. كان عملًا غاية في الإبداع والخصوبة، كما وصفه جاوس في تقريره عن المناقشة.وبناءً على توصية جاوس، حصل ريمان على منصب بجامعة جوتنجن للإعداد لرسالته التأهيلية، وهي رسالة ثانية ذات مستوى أعلى وتلزم للترقي لمنصب أستاذ. وقضى ثلاثين شهرًا يعمل على تمثيل الدوال بواسطة متواليات حساب المثلثات، ووضع شرطًا يسمى الآن «تكامل ريمان». وفي سبيل الحصول على التأهيل، كان لا بد له من عقد مؤتمر. وأعد ريمان ثلاثة موضوعات؛ اثنين حول الكهرباء وواحدًا حول الهندسة. وعلى عكس كل التوقعات، وقع اختيار جاوس على موضوع الهندسة. ولقد أصبح الموضوع الذي تناوله ريمان في هذا المؤتمر في العاشر من يونيو ???? بعنوان «حول الافتراضات التي تحدد أسس الهندسة»؛ من كلاسيكيات الرياضيات. ومن أهم النقاط الرئيسية لهذا العمل كان تعريف وتر الانحناءات، الذي سيستخدمه ألبرت أينشتاين? (????–????) بعد ستين عامًا في صياغة نظرية النسبية العامة. ومن بين الحضور، كان جاوس هو الوحيد القادر على استيعاب مدى أهمية النتائج التي توصل إليها تلميذه. وخلال أحد اجتماعات الكلية، تطرق إليها بعظيم المديح والحماس النادر. كانت أعمال ريمان سابقة لعصره بكثير، ومن ثم لم يقدرها معاصروه حق قدرها.كان عمل ريمان التالي يدور حول توزيع الشحنات الكهربائية الاستاتيكية. وكانت النتيجة مفيدة للغاية على المستوى الرياضي. ثم لفتت انتباهه المعادلات ذات المشتقات الجزئية.وعند وفاة جاوس في عام ????، ذهب كرسيه إلى دريشليه، إلا أنه بعد عامين نال ريمان كرسي الأستاذية بمفرده. وعمل منذ ذلك الحين على الدوال الأبيلية لاستكمال رسالته. كما طور أسطح ريمان ودرس خواصها الطبولوجية. كما استخدم مبدأً منسوبًا إلى دريشليه. وكان عملًا رياضيًّا ذا أهمية كبيرة. وحاول نشر نتائجه في جريدة متخصصة، إلا أن المقال كان يضم مفاهيم جديدة وغير متوقعة لدرجة أن كارل فيشتراس (????–????) — عالم الرياضيات البارز — رفضه على الفور!في عام ????، حضر علماء الرياضيات الإيطاليون إنريكو بيتي (????–????) وفليس كاسوراتي (????–????) وفرانشسكو بريوشي (????–????) إلى جوتنجن، وتناقش معهم ريمان في بعض الأفكار الطبولوجية. واستمرت هذه الاتصالات، فزار ريمان بيتي في إيطاليا عام ????. توفي دريشليه في عام ????، وحصل ريمان على كرسي الأستاذية في الرياضيات بجامعة جوتنجن. وبعد بضعة أيام، تم انتخابه عضوًا بأكاديمية العلوم ببرلين بفضل علماء الرياضيات إرنست إدوارد كومر (????–????) وكارل فيلهلم بروشارد (????–????) وفيرشتراس. ولكونه عضوًا جديدًا، كان عليه تقديم عمل، فأرسل تقريرًا حول الأعداد الأولية الأصغر من رقم ما. وكان عملًا هامًّا ساهم في توجيه بعض الأبحاث الرياضية إلى هذا الطريق الجديد وفي هذا العمل أيضًا أن درس الدالة الشهيرة التي تحمل اسمه، ولا يزال الطريق مفتوحًا أمامها بكونها أحد أهم التخمينات الرياضية.في يونيو ????، تزوج ريمان من صديقة شقيقته إليز كوش، وأنجب منها طفلة. وفي خريف ????، أصيب ريمان بالبرد وتحول الزكام إلى درن. كان دائمًا ذا صحة عليلة، ويبدو أن هذه الإصابة كانت قديمة بالتأكيد. وفي سبيل علاجه، سافر ليقيم في مكان ذي مناخ أكثر دفئًا، وذهب إلى إيطاليا. وقضى شتاء عام ????-???? في صقلية. كما ذهب لزيارة بيتي وباقي العلماء الإيطاليين الذين التقى بهم في ألمانيا. وفي يونيو ????، عاد إلى جوتنجن. وتدهورت صحته من جديد، فعاد مرة أخرى إلى إيطاليا. وظل مقيمًا في شمال البلاد من أغسطس ???? وحتى أكتوبر ????. ثم رجع إلى جوتنجن ليقضي شتاء ????-????. لكنه سرعان ما عاد إلى سيلاسكا على ضفاف بحيرة ماجور في السادس عشر من يونيو ????.خارت قوى ريمان سريعًا، وتوفي في العشرين من يوليو ????.(??) فنسنت جوزيف شايفر

ولد فنسنت جوزيف شايفر في الرابع من يوليو ???? بشينيكتادي في ولاية نيويورك. وتخرج في عام ???? في معهد دافي للجراحة. في عام ????، أصبح مساعدًا لإرفينج لانجموير? (????–????) بمعمل الأبحاث بشركة جنرال إلكتريك، وظل يعمل هناك حتى عام ????. في عام ????، ترقى لمنصب باحث مشارك. وفي عام ????، تم تعيينه مديرًا للبحث بمؤسسة مونيتالب. وظل في هذا المنصب حتى عام ????، حين نال كرسي الأستاذية في الفيزياء بجامعة ولاية نيويورك في ألباني. وتقاعد شايفر في عام ????. وتوفي في الخامس والعشرين من يوليو ????.(??) لوران شوارتز

ولد لوران شوارتز في باريس في الخامس من مارس ????. والتحق بالمدرسة الطبيعية العليا في عام ????. وحصل على إجازة تدريس الرياضيات عام ????. وناقش رسالته للدكتوراه في العلوم عام ???? بجامعة ستراسبورج.كان يلقي محاضرات بكلية العلوم بجرنوبل في عامي ????-???? قبل تعيينه أستاذًا بكلية العلوم بنانسي. وخلال تلك الفترة، توصل إلى عمله الشهير حول التوزيعات — الذي هو تعميم لمفهوم الدوال — الصادر في عام ????. ولقد أهَّله هذا العمل لنيل ميدالية فيلدز عام ????. ويعد هذا الوسام — الذي يُهدى كل أربع سنوات — معادلًا لجائزة نوبل التي لا تقدم جوائز في الرياضيات، ويشترط فقط ألا يزيد عمر المتقدم للجائزة عن أربعين عامًا. وقد شارك شوارتز في مغامرة بورباكي الجماعية لتجديد الرياضيات.في عام ????، أصبح شوارتز أستاذًا بجامعة باريس، وظل في منصبه حتى عام ????. ثم بدأ يُدرس في كلية الهندسة منذ ???? وحتى ????. وبعدها قضى ثلاثة أعوام بجامعة باريس السابعة قبل تقاعده في عام ????. كان لتدريسه أثر على أجيال من الطلاب. ومن بين تلاميذه نذكر — على سبيل المثال — جاك لويس ليونز (????–????) الذي ترك أثرًا بالغًا في التحليل الرقمي على مستوى العالم، كما حصل ابنه بيير لويس ليونز (المولود في ????) على ميدالية فيلدز عام ????.نال لوران شوارتز قائمة طويلة من الجوائز. كما تمت تسميته أستاذًا شرفيًّا في العديد من الجامعات؛ منها: جامعة برلين (????)، وبروكسل (????)، ولوند (????)، وتل أبيب (????)، ومونتريال (????)، وأثينا (????). كان لوران شوارتز أحد ألمع علماء الرياضيات في القرن العشرين. لكن لم يُنتخب بأكاديمية العلوم بباريس إلا في عام ???? بسبب بعض المواقف السياسية دون شك. كان شوارتز مفكرًا ملتزمًا مناضلًا لا يكل من الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان. وكان معارضًا لحرب الجزائر وحرب فيتنام. وشارك بفاعلية في الدفاع عن علماء الرياضيات الذين اضطهدوا بسبب أفكارهم مثل ماسيرا وبليوتش.وفي النهاية، كان شوارتز أحد أكبر جامعي الفراشات الذين عرفتهم فرنسا. وكانت مجموعته الشخصية — بما فيها العينات القادمة من المناطق الاستوائية — واحدة من أهم المجموعات وأكثرها تنوعًا في فرنسا.كان لوران شوارتز صهر بول ليفي? (????–????). وتوفي في الرابع من يوليو ????.(??) جون سكوت راسل

ولد جون سكوت راسل بباركهيد بالقرب من جلاسجو باسكتلندا في التاسع من مايو ????. كان والده ديفيد راسل متخرجًا في جامعة جلاسجو ويعمل معلمًا بمدرسة القرية. توفيت والدته آنييس كلارك سكوت بعد ولادته بقليل. كان طفلًا وحيدًا. وكان يبلغ من العمر ثلاثة أعوام حينما عُين والده راعيًا للطائفة بكولينسبرج بالقرب من كيركالدي بإحدى الأبرشيات التي انفصلت عن الكنيسة الاسكتلندية. ثم عاد وانتقل إلى هاويك، وتزوج هناك ثانية وأنجب أطفالًا آخرين. ثم سافر إلى إيرول بالقرب من بيرث.قضى جون عامًا في جامعة سان أندروز قبل أن يلتحق بجامعة جلاسجو. وهناك كانت المرة الأولى التي يضيف فيها اسم عائلة والدته إلى اسمه. وتخرج عام ???? وهو في السابعة عشرة من عمره. سافر بعد ذلك إلى إدنبرة ليعمل في تدريس الرياضيات «بأكاديمية الجنوب»، وهي المدرسة التي أنشأها بنفسه ومعه أحد أصدقائه. ثم مضى يُدرِّس بمعهد ليث للميكانيكا، ويلقي محاضرات في الرياضيات والعلوم الطبيعية لطلبة كلية الطب بالكلية الملكية للجراحين. في عام ????، عقب وفاة جون ليزلي (????–????) — الأستاذ بجامعة إدنبرة — حل جون محله في إلقاء محاضراته، لكنه لم يتقدم لطلب الوظيفة؛ علمًا منه بأن المنصب كان مخصصًا لديفيد بروستر (????–????). لكن في الواقع، كان المرشح المُختار هو جيمس ديفيد فوربس (????–????) — البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا — الذي كان مستندًا إلى دعم سياسي وأكاديمي قوي. ومرة أخرى تقدم جون بطلب الحصول على منصب كرسي الأستاذية في الرياضيات عام ????، لكن لسوء حظه، كان المنصب من نصيب فيليب كيلاند (????–????).في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، عمل سكوت راسل على تطوير نموذج للنقل بالبخار وذلك لنقل الركاب. إلا أن المشروع لم يحالفه النجاح بسبب معارضة القائمين على إنشاء الطرق البرية. وقد كان النجاح حليفه في عمله مع شركة يونيون كنال، التي كان يعمل لديها في مشروع للنقل البخاري بين القنوات المائية. وبالفعل، بدأ خدمة النقل تلك بين جلاسجو وبيسلي في عام ????. كما أجرى أول مشاهدة تجريبية لأثر دوبلر على الصوت أثناء حركة القطار. كما درس الصلة بين مقاومة الحركة وتوليد الأمواج في المياه. وعرض أعماله في اجتماعات الجمعية البريطانية لتقدم العلوم التي تأسست عام ????. وعينته هذه الجمعية — مع السير جون روبنسون (????–????) من إدنبرة — في «لجنة الموجات» بهدف القيام بالمشاهدات والتجارب. في عام ????، نشرا أول تقرير لهما، إلا أن روبنسون توفي في عام ????، ووقع سكوت راسل بمفرده على تقرير عام ???? وفيه وصف بالتفصيل «موجته الانتقالية العظمى». في عام ????، حصل على الميدالية الذهبية من الجمعية الملكية بإدنبرة.وبعد أن عمل لصالح صاحب إحدى السفن بجرينوك، سافر راسل إلى لندن عام ????. وعمل في البداية في مجلة للسكك الحديدية، ثم أصبح أمين سر جمعية الفنون، وجعله منصبه يتولى الكثير من مسئوليات إقامة المعرض الكبير عام ????. وأعاد تنظيم تلك الجمعية، وأسس معهد المهندسين البحريين. وفي عام ????، انتُخب عضوًا بالجمعية الملكية بلندن. ثم أصبح مديرًا للورشة البحرية وتعاون مع إيزامبارد كينجدوم برونل (????–????) في إنشاء أوائل السفن المصنوعة من الصلب، ومنها سفينة «جريت إيسترن» وغيرها من البوارج. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، واجه قضايا تتعلق بتمويل عقود التسليح. كما تعين عليه مواجهة الجدل المتعلق بسفينة «جريت إيسترن»، واضطر إلى الاستقالة من منصبه في معهد المهندسين المدنيين.كان مؤلفه الأهم هو «النظام الحديث في العمارة البحرية» والمنشور في عام ????. ولاحقًا، عمل على مراجعة بحثه حول الموجات المنفردة والصادر في عام ???? — بعد وفاته — تحت عنوان «موجة الانتقال في محيطات المياه والهواء والأثير».ومؤخرًا، عرفنا أنه كان له دور في مفاوضات السلام أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.توفي راسل في الثامن من يونيو ???? بفنتنور بجزيرة وايت.(??) ألويز سينيفيلدر

ولد ألويز يوهان نيبوموك فرانز سينيفيلدر ببراغ في السادس من نوفمبر ????. كان والده ممثلًا بالمسرح الملكي بميونخ، وكان قادمًا إلى براغ لعرض مسرحي وقت مولد ابنه. التحق ألويز بالمدرسة الثانوية بميونخ، ونظرًا لاجتهاده حصل على منحة تقدر بمائة وعشرين فلورين سنويًّا، مما أتاح له دراسة الفقه التشريعي في أنجولستاد. إلا أن وفاة والده عام ???? أجبرته على قطع دراسته ليساعد والدته وأسرته المكونة من ثمانية أفراد. وبدأ يؤلف مسرحيات وكانت تلك هي هوايته الأولى التي منعه والده منها. وبدأ يجني من ورائها بعض الأموال. إلا أن القائمين على الطباعة لم يكونوا مهتمين بموعد طباعة مسرحياته، ومن ثم، لم يلحق ناشره، لوتنر، معرض ليبزيج ليعرض فيه مسرحيته «ماتيلد فون التنستينون». وغرق سينيفيلدر في الديون. وعندها قرر طباعة مسرحياته بنفسه، الأمر الذي قاده إلى اختراع الليثوجرافيا في عام ????. ولقد منحه ملك بافيير براءة الاختراع لمدة خمس عشرة سنة لاستغلال اكتشافه. ولقد حصل سينيفيلدر على نفس الشهادة في فيينا ولندن وباريس. وأنشأ مطبعة لليثوجرافيا في أوفنباخ أولًا، ثم في فيينا، وأخيرًا في ميونخ. وسينيفيلدر هو مؤلف «فن الليثوجرافيا» المنشور في عام ????. ولقد نال العديد من الأوسمة، وحصل — في نهاية حياته — على منحة كاملة من ملك بافاريا.على الرغم من جميع مشاكله المادية وإحباطه وفشله المتكرر، فإنه ظل متعلقًا بفكرة مثالية ثابتة. وفي سيرته الذاتية، عبر عن أمله في أن يجلب اختراعه المنفعة للبشرية ليرفعها إلى مرتبة أكثر سموًّا.توفي سينيفيلدر في ميونخ في السادس والعشرين من فبراير ????.(??) إدوارد ستيفيل

ولد إدوارد ستيفيل بزيورخ في عام ????. وقضى فعليًّا معظم عمره بالمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في المدينة. في البداية، درس فيه الرياضيات والفيزياء، ثم ناقش رسالته في عام ????، ثم أصبح أستاذًا هناك. كانت أعماله الأولى تدور حول الرياضيات التي تسمى البحتة. وفي عام ????، أسس — بالتعاون مع هاينز روتيشاوزر (????–????) وأمبروز بي سبيسر — معهد الرياضيات التطبيقية. كان ستيفيل حالمًا، ووعى على الفور مدى أثر الحاسب الآلي على الرياضيات والعلوم. وفي عام ????، وفور علمه بأن هناك عالمًا ألمانيًّا يدعى كونراد زوس (????–????) قد اخترع حاسبًا آليًّا — Z4 — في نيوكيتشن، ذهب إلى هناك واستطاع تأجير الآلة لصالح المعهد ونقلها إلى هناك. كان زوس — على الرغم من كونه معزولًا بسبب الحرب — قد استطاع وحده تطوير هذا الحاسب الآلي الذي يفوق الحواسيب الأمريكية في ذلك الوقت. وجعلت مبادرة ستيفيل من المعهد أول جامعة أوروبية تمتلك حاسبًا آليًّا، واضعًا إياها في مقدمة الساحة في مجال تطوير الحساب الرقمي باستخدام الآلة؛ أي التحليل الرقمي وعلم الحاسب الآلي. وبالفعل، أجريت هناك أعمال هامة عديدة: دراسة لوغاريتم متلازمة الميل ولوغاريتم ولغة البرمجة Algol التي سبقت لغة فورتران واللغات الأخرى المتطورة. وكان لستيفيل نفسه إسهامات في الجبر الخطي وطرق التربيع (لحساب القيمة التقريبية للتكامل) وفي نظرية التقريب. وقرب نهاية حياته، بدأ يهتم بالميكانيكا وميكانيكا الأجرام السماوية.وتوفي ستيفيل في عام ????.(??) توماس يوهانز ستايلتج

ولد توماس يوهانز ستايلتج في التاسع والعشرين من ديسمبر ???? بزوول، عاصمة إقليم أوفريجسيل بهولندا. وكان لديه شقيقان وأربع أخوات. واسماه الأولان هما نفس اسمي والده (المتوفى عام ????)، وكان مهندسًا مدنيًّا حاز شهرة كبيرة بعد أن جفف بحيرة هارلم وأتم بناء ميناء روتردام، بالإضافة إلى كونه عضوًا بالبرلمان. وبدأ الشاب توماس يوهانز (أو توماس جان كما يُطلق عليه بالفرنسية) دراسته بكلية الهندسة بديلفت عام ????. لكنه — بدلًا من حضور المحاضرات — كان يقضي معظم وقته في المكتبة يقرأ أعمال كبار علماء الرياضيات، مثل كارل فريدريش جاوس (????–????) وكارل جوستاف جاكوب جاكوبي (????–????)، الأمر الذي تسبب في رسوبه في اختبار التخرج عام ????، يليه اختبار عام ????.وحينها، اتصل والده — الذي أدرك ميول ابنه — بصديقه الأستاذ هندريكوس جيراردوس فان ديساند-باخيزن (????–????) مدير مرصد ليد. وفي أبريل ????، انضم توماس يوهانز إلى المرصد بصفته معيدًا للحسابات الفلكية. وابتداءً من عام ???? — عقب سفر جاكوبس كورنيليوس كابتين (????–????) إلى جرونينج — شارك ستايلتج في المشاهدات مع صديقه إرنست، شقيق مدير المرصد. وكانت أعمالهما تقوم على وضع بيان للنجوم القريبة من القطب، وعلى مراقبة النجوم الأساسية لمناطق الجنوب، وعلى دراسة الأخطاء النظامية في تحديد خط الزوال. كما اهتم أيضًا بتقليل الانحناءات الأساسية للنجوم التي تمت ملاحظتها ما بين عامَي ???? و????.ظل ستايلتج مكرسًا جل وقت فراغه للرياضيات. وبدأ يفكر بالفعل في الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة بجامعة جونز هوبكنز ببلتيمور تحت إشراف عالم الرياضيات الإنجليزي جيمس جوزيف سلفستر (????–????). في عام ????، قدم عرضًا بديعًا لنتيجة توصل إليها فرانسوا فليكس تيسراند (????–????) حول الميل المتبادل للمدارات. وعلى الفور، أرسله الأخير إلى عالم الرياضيات الفرنسي الكبير شارل إرميت? (????–????)، ومن هنا نشأت بينهما صداقة قوية مسجلة في مراسلات هائلة (??? رسالة، ??? صفحة!) لم يقطعها سوى الوفاة. كانت هذه الرسائل في بداياتها رسمية، ثم ازدادت حميمية وشخصية شيئًا فشيئًا. وهي تعرفنا بالكثير عمن كتباها، على الرغم من أنها كانت تدور دائمًا حول موضوع واحد … الرياضيات. وكان من الواضح أن هذه الخطابات كانت تؤثر على الموضوعات التي يعمل عليها ستايلتج، بما أن الكثير من مقالاته كُتبت بناءً على أسئلة طرحها إرميت.في الأول من يناير ????، تحرر ستايلتج من مراقباته الفلكية، وبدأ يعمل في منزله على تقليل الفروق بين خطوط طول لييد وجرينتش. واستغل الأمر للقيام بزيارة إلى باريس، التقى فيها إرميت الذي دعاه فورًا إلى العشاء في منزله بصحبة صهره عالم الرياضيات إيميل بيكارد (????–????). ومن سبتمبر وحتى ديسمبر ????، عمل كبديل للأستاذ فرانشيسكوس يوهانز فان دين برج (????–????) بكلية الهندسة بدلفت (التي لم يستطع الحصول على شهادة منها) ملقيًا محاضرات الهندسة التحليلية والوصفية. وفي مايو من نفس العام، تزوج من إليزابيث (لِيلِي) إينتفلد. وفي الأول من ديسمبر ????، قرر مغادرة لييد لتلقيه عرضًا للحصول على كرسي الأستاذية في حساب التفاضل والتكامل بجامعة جرونينج. لكن، عندما أتت ساعة الاختيار الحاسمة، فضلوا مرشحًا آخر عليه. وفي الثالث عشر من مارس ????، كتب إلى إرميت يقول: لقد وضعتني كلية جرونينج في مقدمة الاختيارات للمنصب الشاغر، إلا أن السيد الوزير وضع أسماء أخرى. ربما يرجع السبب إلى أنني — لم تُتَحْ لي الفرصة لاتباع الطريق المعتاد — لم أحصل على درجة جامعية. كان الأمر فيه مفارقة، خاصة عندما نعرف مدى إسهام ستايلتج في نظرية التكامل! بنهاية مارس ????، حضر ستايلتج — أثناء رحلة له إلى باريس — أول محاضرة من الفصل الدراسي الثاني يلقيها إرميت. ثم شرع في العمل حول الطرق التي تؤدي إلى قيمة رقمية تقريبية لمعادلة تكاملية محددة. واستطاع ستايلتج من ثم أن يتوصل إلى نتائج قريبة من طريقة توصل إليها كارل فريدريش جاوس (????–????) في عام ???? ولا تزال تستخدم إلى الآن. وهو العمل الذي وصفه إرميت بالعمل بالغ الأهمية. في مايو ????، نال الأستاذ الهولندي ديفيد بيرنز دي هان (????–????) درجة الدكتوراه الشرفية بمناسبة المئوية الخامسة لجامعة إدنبرة. عندما قابله شارل إرميت وصهره إيميل بيكارد (????–????) استغرقَا في مدح أعمال ستايلتج. ولا بد من أن توصياتهم كان لها أثر، ففي يونيو ????، منحت جامعة لييد لستايلتج الدكتوراه الشرفية. وواصل حساباته لصالح مرصد لييد: تحديد الزمن وسمت الشمس والملاحظات اللازمة لتحديد الانحراف المغناطيسي … إلخ. وفي سبتمبر، كان ميلاد ابنه الأول (توفي عام ????، وأنجب ستايلتج بعده ولدًا وبنتين). وفي أبريل ????، جاء ليقيم في باريس. كان يريد البقاء في فرنسا والحصول على الجنسية الفرنسية (وحصل عليها في يوليو من عام ????). وفي السادس من مايو، تم انتخابه عضوًا بالأكاديمية الملكية للعلوم بهولندا. وعُرض عليه أيضًا العودة إلى بلاده ليتولى هناك منصبًا جامعيًّا من اختياره، لكنه رفض. ولكي يتمكن من الوفاء باحتياجات أسرته، ساعده إرميت في تقديمه إلى مدير الدراسات بمدرسة سانت بارب، وأيضًا إلى أنطوان ديزيريه أندريه (المولود في ????) الذي كان أستاذًا في الرياضيات الخاصة.وفي سبيل حصوله بسهولة على منصب في فرنسا، اقترح عليه إرميت وجاستون داربو (????–????) إعداد رسالة. وبالفعل، بدأ بالعمل على دالة ريمان الشهيرة. لكنه قرر فجأة — لعدم رضاه عن النتائج الأخيرة — تغيير موضوع رسالته، كما أوضح لإرميت في الثالث عشر من فبراير ????: … لقد تركت فكرتي الأولى. في الواقع، لم أكن راضيًا تمامًا عن بعض أجزائها من ناحية، وأيضًا رأيت أن الموضوع يتضمن تطورات كبيرة ليست واضحة لي وتستدعي الكثير من العمل.يمكننا إبداء إعجابنا ببصيرة ستايلتج عندما نعرف أن هناك بعض المسائل حول هذه الدالة لم يتوصل أحد إلى حل لها حتى ساعتنا هذه. وفي الثلاثين من يونيو ????، ناقش بجامعة السوربون رسالة بعنوان «دراسة بعض المتواليات شبه المتقاربة». وكانت لجنة المناقشة تضم إرميت وداربو وعالم الفلك فرانسوا فليكس تيسراند (????–????). ولقد عالج في رسالته الثانية النظريات الحديثة حول قانون تغير الكثافة داخل الأرض. وفي تقريره، كتب إرميت: إن إعطاء الجامعة درجة الدكتوراه للسيد ستايلتج هي شهادة تعبر عن أكبر درجة من التقدير لرسالته وهي على نفس مستوى أعماله السابقة.لقد وضع عالم الهندسة الشاب نفسه بين صفوف المخترعين في مجال التحليل بأعمال عدة … ونحن نعبر بالإجماع عن رغبتنا في أن يفتح السيد وزير التعليم العام الباب أمام السيد ستايلتج للتدريس في جامعاتنا؛ لأن الموهبة اللامعة التي أظهرها هي الضمان لقدرته على القيام بالواجبات التي ستُعهد إليه.وفي يوم المناقشة ذاته، التقى ستايلتج بالوزير بهدف إيجاد منصب له. كان هناك منصبان شاغران؛ أحدهما في جامعة تولوز والآخر بليل. كان العميد في تولوز هو عالم الفلك إدوارد بنجامين بايو (????–????) أحد تلاميذ إرميت. أما في ليل، ? «كانت تكاليف الحياة باهظة، بالإضافة إلى أنه كان من المحتمل أن يجعلوه يدرس في المعهد الصناعي.» وفي مطلع سبتمبر ????، أصبح ستايلتج مدرسًا بكلية العلوم بتولوز؛ حيث أقام مع أسرته ابتداءً من شهر نوفمبر. وكانت الفترة الأكثر خصوبة في مسيرته المهنية على وشك البدء.كانت محاضراته تقوم على دراسة نظرية الدوال لمتغير مُركب والدوال المحذوفة، موضوع إرميت المفضل. ثم خلف ستايلتج بيكارد وإدوارد جورسا (????–????) وجابريل كونيجز (????–????). لكنه اشتكى من عدم وجود الفضول الفكري الكافي لدى طلابه الذين انشغلوا بالإعداد للاختبار أكثر من السعي وراء تحصيل المعرفة الرياضية. ومن بين طلابه القدامى، كان هنري بورجيه (????–????) الذي قام لاحقًا بالتعاون مع بايو بإعداد رسائل ستايلتج وإرميت للنشر، والذي قال عنه: على الرغم من مواجهته صعوبات في البداية بسبب اللغة، فإن ستايلتج استطاع أن يثبت نفسه كأستاذ لامع. كانت محاضراته تمتلك نفس مميزات أبحاثه؛ أي الوضوح الشديد وانعكاس صفاء الذهن، مما أتاح له عرض أصعب النظريات بطريقة بسيطة. هذا إلى جانب الأمثلة العديدة والمتنوعة ذات المغزى دائمًا التي تُدخِل مباشرة إلى ذهن مستمعيه أكثر المفاهيم صعوبة حتى دون أن يلحظوا. كنا نخرج من محاضراته مذهولين من سهولة تحصيلنا للطرق العامة ومتعجبين من ثرائها، ويملؤنا شعور بأن فن تطبيق تلك الطرق أهم من فهمها. لم أعرف قط أستاذًا غيره ينمي في تلاميذه الإدراك بقدرة الأدوات التي يضعها بين أيديهم. كان هذا الميل إلى شرح النظريات عن طريق استخداماتها لا يفلت منه النظام الذي كان يحرص عليه بأشد تدقيق. وكان يدرك كيف يميز ببراعة بين ما يجب تدريسه وما يجب الإشارة إليه سريعًا. في عام ????، كان واحدًا من مؤسسي جريدة «سجل كلية العلوم بتولوز» التي لا تزال تُنشر حتى اليوم. في عام ????، تم تعيينه أستاذًا لحساب التفاضل والتكامل بتولوز، إلا أن صحته بدأت في التدهور. وفي ديسمبر ????، أُصيب ببثرة في أذنه كانت تسبب له صداعًا شديدًا وتمنعه من النوم. وخلال شتاء عام ????، انتشر وباء الحصبة في باريس وتولوز، وبالتأكيد أُصيب ستايلتج به. ومنذ ذلك الوقت، وصحته تترنح بسبب فترات من الإرهاق البدني الشديد والملل المعنوي. في ذلك الوقت، كان أكثر ما يثير اهتمامه هو نظريات الكسور المتصلة. وبالفعل، منذ عام ????، ازداد شغف ستايلتج — كما رأينا — بطريقة التربيع لجاوس، وخاصة «بماهية الدالة التكاملية المحددة الغريبة والنوع الخاص من الكسور المتصلة». وقضى صيف عام ???? في هولندا، التي لم يكن قد زارها منذ أربعة أعوام. وساعد إرميت على نشر خاتمة بحث حول الدوال المحذوفة بعد أن منعت الوفاة جورج هنري هالفن (????–????) من إنهائها. ولقد تطلب منه هذا الأمر الكثير من العمل، إلا أن همه الأكبر كان إنهاء عمله حول الكسور المتصلة على النحو الأكمل. وفي ديسمبر ????، طلب منه إرميت أن يدخل المسابقة لنيل الجائزة الكبرى في علوم الرياضيات التي تقدمها الأكاديمية. إلا أنه رفض لكونه متعبًا للغاية ومنشغلًا بالعمل على تأليف كتاب حول نظرية الأعداد. وفي يناير ????، اشتكى من مصاعب في التنفس، وقضى من جديد الصيف في هولندا. كما عُين عضوًا بالمراسلة في أكاديمية العلوم بأمستردام. وفي مايو ????، أُصيب بالتهاب الشعب الهوائية المزمن. وفي يونيو ????، نال جائزة دورموي من أكاديمية العلوم بباريس.وفي يوليو ????، عاد إلى هولندا ليطمئن على والدته التي كانت تحتضر، لكنه وصل متأخرًا بضع ساعات، ولم يستطع أن يزف لها نبأ حصوله على جائزة لوكونت من الأكاديمية. ثم قضى عطلته في آركاشون لكي يتعافى. وكانت أعراض الدرن الرئوي — الذي سيودي بحياته بعد عامين — قد بدأت تظهر عليه. وضعت أكاديمية العلوم بباريس اسمه في السطر الثاني — على قدم المساواة مع هنري بوانكاريه (????–????) كمرشح خلفًا لبيير أوسيان بونيه (????–????). لكن تم اختيار بول آبل (????–????). في ديسمبر، اضطر إلى التخلي عن رحلة إلى باريس (ليحضر دون شك احتفال السوربون بعيد ميلاد إرميت السبعين) بسبب إرهاقه الشديد الذي جعله يلازم الفراش معظم الوقت. ولقد تدخل إرميت في سبيل منح ستايلتج إجازة لمدة ثلاثة أشهر (من يناير حتى مارس ????). ولقد قضاها في فندق داريو بمنطقة مصطفى بضواحي العاصمة الجزائرية، يعمل قليلًا ويتنزه منشغلًا بالتفكير. وتوصل بالفعل إلى حل لمشكلة كانت تعترضه منذ فترة طويلة في عمله حول الكسور المتصلة. ثم قام برحلة إلى باريس في يونيو ???? وقضى عطلته الصيفية في بانيريس دي بيجور؛ حيث كان يأمل في اكتساب مزيد من الوزن بفضل «نوع معين من بودرة اللحم». وخلال شتاء ????، عاد إلى العاصمة الجزائرية، لكنه لم يجد سوى الأمطار والطقس السيئ. كان ستايلتج يبصق دمًا ويفقد الوزن. لكنه استمر في العمل، وقاده هذا التفكير إلى أكثر أعماله أهمية. وهكذا، في عام ????، نشر في دفاتر أكاديمية العلوم بباريس ملخص عمله الأكثر أهمية «أبحاث حول الكسور المتصلة»، الذي سيتم نشره بالكامل في نهاية عام ???? في سجل تولوز قُبيل أشهر من وفاته. كان هذا البحث — المكون من مائة وتسع وستين صفحة الذي استغرق العمل فيه من أبريل ???? وحتى نهاية مايو — درة أعماله. ولقد عانى كثيرًا في كتابته، وبعد أن انتهى منه كان في حالة من الإنهاك التام. وبعد قضاء عطلة في سادياك في منطقة بيرينييه، بلغته أنباء عن التقرير الذي كتبه هنري بوانكاريه بخصوص بحثه (الذي حصل على جائزة أكاديمية العلوم): يعد عمل السيد ستايلتج أحد أكثر أبحاث التحليل نبوغًا في الأعوام الأخيرة. وهو بذلك ينضم إلى أعماله السابقة التي وضعت مؤلفها في مصاف أبرز العلماء في عصرنا. ويُضاف إلى وضوح وأناقة الشكل التحليلي — الذي نلحظه في بحثه موضع الحديث — موهبة الابتكار التي هي سمة كافة الأبحاث التي تدور حول مسائل هامة وصعبة …أراد ستايلتج استئناف محاضراته، لكن لم تواته القوة. وتدخل إرميت — كما هو الحال دائمًا — لدى الوزير ليتم تغيير مسئولية إلقاء المحاضرات بعمل آخر. وهكذا، عُرض على ستايلتج شغل منصب مدير قسم الحسابات الخاصة بالكويكبات التي تم اكتشافها حديثًا في فرنسا. وكأنه عاد مرة أخرى إلى نقطة البداية، وبالفعل وضع برنامجًا ليتم إجراء هذه الحسابات بواسطة عوامل مساعدة.في الثالث من ديسمبر ????، تم انتخابه عضوًا بالمراسلة بأكاديمية العلوم بسان بطرسبرج. وتوفي في الحادي والثلاثين من نفس الشهر بتولوز عن ثمانية وثلاثين عامًا. وتمت مراسم الجنازة في الثاني من يناير ????، ودُفن بمدافن تيركاباد.قليل من علماء الرياضيات مَن أعمالهم بنفس قدر وأهمية أعمال ستايلتج؛ فتأثيره لا يزال محسوسًا حتى يومنا هذا.(??) ألبرت زينت جورجي

ولد ألبرت زينت جورجي فون ناجيرابوت في بودابست في السادس عشر من سبتمبر ????. ويرجع الفضل إلى خاله في توجيهه إلى مسيرة البحث العلمي. بدأ دراسته للتشريح في جامعة بودابست وحصل على شهادته في الطب عام ????.وبعد الحرب العالمية الأولى، تم تعيينه مساعدًا للأستاذ جي مانسفيلد بقسم علم الأدوية بجامعة براتيسلافا، حديثة الإنشاء في ذلك الوقت. ثم سافر إلى براغ ليدرس الكهرباء الفسيولوجية على يد الأستاذ آرمين تشيرماك سيسينيج (????–????). ثم عمل في مجال علم الأدوية في جرونينج بهولندا. وفي عام ????، ناقش رسالته للدكتوراه في الكيمياء بجامعة كامبريدج.في عام ????، دعاه إدوارد كالفن كندال (????–????) — الحائز جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب عام ???? لاكتشافه تركيب الهرمونات الكظرية — إلى معمل مايو كلينيك بروتشستر بالولايات المتحدة الأمريكية. وهناك، استطاع زينت جورجي فصل حمض الهيكورنيك، الذي أثبت باحث مجري آخر يقيم في سفيبرلي بالولايات المتحدة أنه مماثل للفيتامين (ج)؛ أي حمض الأسكوربيك.وعند عودته إلى المجر في عام ????، حصل على منصب أستاذ بجامعة سيزجيد، وأصبح بعد قليل رئيس قسم. كما افتتح معملًا للأبحاث البيولوجية. وأخيرًا، تم تعيينه عميدًا.في عام ????، أهلته أعماله للحصول على جائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب. وبعد الحرب، اتسع نشاطه في مجال الحياة العلمية وتنظيم الأكاديمية في بلاده. لكن — بسبب الوضع السياسي — قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام ????، وعاش هناك حتى وفاته. كانت أعماله تتعلق بمشاكل تنظيم حركة العضلات والخلايا. كما كانت له أبحاث حول مرض السرطان.توفي ألبرت زينت جورجي في عام ????.(??) ستانيسلو أولام

ولد ستانيسلو مارسين أولام في الثالث من أبريل ???? بليمبرج ببولندا — التي كانت تتبع في ذلك الوقت الإمبراطورية النمساوية — وتدعى لفيف بأوكرانيا. في سن العاشرة، التحق بمدرسة لفيف، ومنذ تلك اللحظة جذبته دراسة علم الفلك والفيزياء. ولقد أهداه عم له تليسكوبًا. وهو في الثانية عشرة من عمره، حاول أن يفهم نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين? (????–????)، إلا أن هذا الأمر كان يستدعي حصيلة كبير من المعرفة الرياضية. ومن ثم بدأ يدرسها بنفسه اعتمادًا على مختلف الكتب وهو لا يزال في الرابعة عشرة من عمره. واستطاع أن يمضي إلى أبعد من منهجه في المدرسة. في سن السادسة عشرة، كان قد درس التحليل الرياضي من كتاب جيرهارد كوالسكي (????–????)، ثم تطرق إلى نظرية المجموعات الموجودة في كتاب عالم الرياضيات البولندي الكبير واكلو سيربينسكي (????–????). كان علماء الرياضيات البولنديون هم من توصلوا إلى أحدث الأبحاث في مجال نظرية المجموعات وكل ما يتصل بها في ذلك الوقت.في عام ????، التحق أولام بالمعهد الهندسي. وكانت إحدى المحاضرات هناك يلقيها كازيميريز كوراتويسكي (????–????) الذي تم تعيينه حديثًا في لفيف. كانا يتناقشان معًا بعد المحاضرات. كما اكتشف أولام حلًّا لمسألة مستعصية كان قد أعطاهم إياها. في عام ????، حصل على الدكتوراه تحت إشراف ستيفان باناش (????–????)، أحد أكبر الشخصيات في مجال الرياضيات، وكان موضوعها يدور حول نظرية القياس لهنري ليبيج? (????–????).في عام ????، دعا جون فون نيومان (????–????) — عالم الرياضيات المجري الأصل المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية — أولام للحضور إلى معهد الدراسات العليا في برنستون. وهناك التقى جاريت دي بيرخوف (????–????) الذي دعاه إلى هارفارد. وبعد عودته إلى بولندا، عاد وقضى الخريف التالي في هارفارد لإلقاء محاضرات، ثم حصل هناك على منصب دائم. إلا أنه كان يعود عادة إلى لفيف ليري أسرته وأصدقاءه.في بولندا، اتسمت الحياة في مجال الرياضيات بالحراك الشديد، واعتاد علماء الرياضيات على اللقاء في المقاهي — مثل المقهى الاسكتلندي ومقهى روما — ليتبادلوا طرح الأسئلة وعرض المسائل. ولقد صدر كتاب شهير عنهم. في عام ????، غادر أولام بولندا، قبل شهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية.في عام ????، حصل على منصب أستاذ مساعد بجامعة ويسكنسن، ثم نال الجنسية الأمريكية في عام ????. وفي العام ذاته، طلب منه جون فون نيومان الانضمام إلى فريق مشروع إنشاء القنبلة النووية بمركز لوس آلاموس في صحراء نيو مكسيكو. وبالفعل، عمل مع الفيزيائي إدوارد تيلر (????–????) وتوصلا إلى حل مشكلة أساسية باقتراحه أن الضغط هو عنصر رئيسي لتفجير القنبلة، وأن موجات الصدمة للقنبلة الانشطارية يمكن أن تحدث الضغط المطلوب. وخطرت له فكرة أنه يمكن توليد احتراق سريع لمادة الاندماج من موجات الصدمة. كان تيلر ميالًا لفكرة الانفجار. ويعد هذا الشكل الذي توصل إليه تيلر وأولام هو أصل اختراع الأسلحة النووية الحرارية. كما اقترح — بالتعاون مع جوزيف كورنيليوس إيفريت — استخدام الدفع النووي للمركبات الفضائية. وبالفعل، أثناء إقامته بلوس آلاموس قام بتطوير طريقة مونت كارلو.طرأ التغيير الأهم في شخصية أولام في عام ????. كان قد تم تعيينه أستاذًا بجامعة جنوب كاليفورنيا بلوس أنجلوس. وذات صباح، وجد نفسه عاجزًا عن النطق بكلمة واحدة. وبعد عدة ساعات، خضع لعملية جراحية خطيرة بعد أن تم تشخيص مرضه بالتهاب في الدماغ. كان لديه دائمًا أفكار لامعة، لكن بدا وكأنه يقصد تجنب التفاصيل تاركًا العمل الشاق لآخرين. ويبدو أن مأساة أولام كانت تكمن في امتلاكه نوعًا من الضعف التقني ممزوجًا بخيال خصب ومبدع غير مألوف. كان يعرف آلاف القصص وألعاب الكلمات والفوازير والشعارات والصيغ والأشكال والاستشهادات والملخصات … إلخ. وكان يثري بها محادثاته، ولا سيما أن ذاكرته كانت تساعده على ألا يكرر نفس القصة أمام نفس المستمعين. لكن كما روت زوجته فرانسواز، فإن الكتابة نفسها كانت أمرًا شاقًّا بالنسبة له. كان ذهنه وعيناه عقبتين أمامه، فكان لديه عين مصابة بقصر النظر والأخرى بطول النظر. وكان ذهنه يعمل بسرعة تفوق بشدة سرعة يديه. ومن ثم كان يعاني بشدة في كتابة مقالاته العلمية.ظل أولام في لوس آلاموس حتى عام ????، وهو العام الذي تم تعيينه فيه أستاذًا للرياضيات بجامعة كولورادو. ووقت وفاته، كان هناك يدرس الرياضيات الحيوية.وتوفي أولام في الثالث عشر من مايو ???? بسانتا في ولاية نيو مكسيكو بالولايات المتحدة الأمريكية.(??) أليساندرو فولتا

ولد أليساندرو جيوسيبي أنتونيو آناستاسيو فولتا في كوم في الثامن عشر من فبراير ????. كان والداه فيليبو وماريا ماديلينا دي كونتي إنزاجي من عائلة من النبلاء. لم يبدأ فولتا بالكلام إلا في الرابعة من عمره، واعتقد والداه أنه يعاني من تأخر ذهني. توفي والده وهو في السابعة من عمره، وكان حينها متفوقًا على كل زملائه في المدرسة بسبب ذكائه. ثم تولى عمه مسئولية تعليمه منذ ذلك الحين. حتى سن الثالثة عشرة، كان يدرس في مدرسة الجيزويت (اليسوعيين). وفي السادسة عشرة، التحق بالكلية الإكليريكية ببنزي في كوم. وعلى الرغم من الجهود المستمرة للأب جيرولامو بونيسي، رفض فولتا كل الضغوط ليصبح كاهنًا. وأيضًا دون فائدة، حاول عمه إقناعه بدراسة الحقوق.وبعد المرحلة الثانوية، ترك فولتا الدراسة، وعكف على دراسة الظواهر الكهربائية. في الثامنة عشرة، أدرك أنه يريد أن يصبح عالمًا فيزيائيًّا. وقرأ مؤلفات بيتر فان موستشينبروك (????–????) والأب جان أنطوان نوليه (????–????) وجمباتيستا بيكاريا (????–????)، وكانوا المتخصصين الثلاثة في مجال الكهرباء في ذلك العصر. كما تراسل مع الأب جان أنطوان نوليه، المعروف بتجاربه العامة حول الكهرباء الاستاتيكية. كان فولتا مبهورًا بالكهرباء حتى إنه كتب فيها قصيدة باللاتينية! ولقد قادت أعماله إلى اختراع الإلكتروفور (مولد الكهرباء الساكنة أو الاستاتيكية بطريقة الحث) في عام ????، وهو عبارة عن مركم يقوم بتحويل الجهد الميكانيكي المعتمد على مصدر للكهرباء إلى شحنة كهروستاتيكية. كان ذلك نموذجًا للآلات الدوارة. واشتهر فولتا وحصل على منصب أستاذ الفيزياء بثانوية كوم.في عام ????، اقترح عمل نظام للتلغراف تنتقل فيه الإشارات بواسطة آلته من كوم إلى ميلان. وبعد عام، أثناء قيامه بجولة في قارب ببحيرة ماجور، رأى فقاعات غازية تخرج من الطمي. وقرر دراسة هذا الغاز الذي يختلف عن كل الغازات المعروفة من قبل، وأسماه «هواء المستنقعات البدائي». كان ذلك هو الميثان الذي تمكن من فصله. في عام ????، تم تعيينه أستاذًا بجامعة بافي، وهناك استكمل أبحاثه حول الكهرباء الاستاتيكية.في عام ????، قام بعدة رحلات، بدأها بفلورنسا لزيارة المتحف الملكي للفيزياء والعلوم الطبيعية. ثم مر بسويسرا وغرب ألمانيا وهولندا وبلجيكا، ووصل أخيرًا إلى باريس في ديسمبر ????. كانت أنشطته العلمية متعددة. واكتشف فولتا العلاقة الكمية التي تربط بين الشحنة الكهربائية والقدرة والطاقة الكامنة داخل موصل معزول. ثم درس علم القياس الكهربائي، واقترح وضع تنظيم موحد للقياسات الكهربائية. كما دعا إلى تحديد وحدة لقياس الفروق في الجهد الكهربي، وابتكر طريقة لقياسها. وكان له دور كبير في تحسين نظام القياسات الكهربائية واخترع مُكثفًا كهربائيًّا. في عام ????، اكتشف فولتا أن التمدد يكون متساويًا في حالة ثبات ضغط الهواء لكل درجات الحرارة بالمقياس الزئبقي لرينيه فيرشو دي ريومير (????–????) ما بين درجة حرارة ذوبان الثلج ودرجة غليان الماء.في عام ????، تزوج فولتا من ماريا تريسا بيريجريني وأنجبا ثلاثة أطفال، لكن توفي أحد أبنائهما في سن الثامنة عشرة. وفي نحو هذا التوقيت، اندلع خلافه مع لويجي جالفاني? (????–????) حول الكهرباء الحيوانية.في العشرين من مارس ????، تقدم فولتا ببيان لسير جوزيف بانكز (????–????) — رئيس الجمعية الملكية بلندن — يصف فيه اختراعه، العمود الكهربائي. صحيح أن فولتا لم يقدم أي عمل آخر في هذا الموضوع، إلا أنه حظي بفضله بمجد عظيم. في السادس من نوفمبر ????، استقبله نابليون — واقفًا — في قصر التويلوري ومنحه لقب كونت. كما تم تعيينه عضوًا مشاركًا في المعهد. وفي اليوم التالي، كتب إلى زوجته أنه لا يصدق ما هو فيه، وأنه يفضل حياة السلام والسكينة مع أسرته عن هذه الأمجاد الباطلة. وبعد فترة من الزمن، عُين سيناتورًا لمملكة إيطاليا. وفي عام ????، عينه إمبراطور النمسا مديرًا لكلية الفلسفة بجامعة بادو. لكنه استقال منها بعد أربعة أعوام ليعود إلى حياته الخاصة. وقرر فولتا التقاعد في عام ???? وأقام في منزل بكاماجو، بالقرب من كوم. وتوفي هناك بعد فترة وجيزة من المرض في الخامس من مارس ????.وأُقيم معرض في كوم أثناء صيف ???? للاحتفال بمئوية اختراع البطارية الكهربائية. وعُرض فيه الأجهزة التي اخترعها واستخدمها فولتا للتوصل إلى اختراعه، لكنها ضاعت جميعها على إثر نشوب حريق. سيظل فولتا خالدًا؛ حيث تم استخدام اسمه وحدة لقياس فرق الجهد للتيار الكهربائي؛ نوعًا من الاعتراف بفضله وتكريمًا لاهتمامه بعلم القياسات.(??) ألفريد راسل والاس

ولد ألفريد راسل والاس في الثامن من يناير ???? بأوسك في مقاطعة مونماوثشاير بإنجلترا. كان ترتيبه الثالث بين أشقائه الأربعة، والتاسع بين أبناء عائلة توماس فير والاس وماري آن جرينيل من أبناء الطبقة المتوسطة والدخل المتواضع. التحق ألفريد الصغير بالمدرسة بهرتفورد، لكنه اضطر إلى قطع دراسته قرب عيد الميلاد عام ???? — بسبب مشاكل عائلية — ومضى إلى لندن ليقيم مع أشقائه. ثم عاد إلى بدفوردشاير ليعمل في التجارة مع شقيقه، وعمل أيضًا مساعدًا لصانع ساعات. وخلال الأعوام التالية، تعرض لمواقف مختلفة زودته بالكثير من المعارف المتنوعة في التجارة والخرائط الجغرافية والبناء والميكانيكا والكيمياء والزراعة والهندسة وحساب المثلثات. كما تعلق أيضًا بدراسة علم النبات والجيولوجيا وعلم الفلك. وأثناء عمله بكينجتون، التحق في عام ???? بمعهد الميكانيكا الذي أُنشئ حديثًا. ومن ثم، انتقل للإقامة في نيث، وكان يتابع المحاضرات التي يلقيها أعضاء الجمعيات العلمية المختلفة. وبصفته ملحقًا بمعهد نيث للميكانيكا، كان يعقد مؤتمرات حول مختلف موضوعات التاريخ الطبيعي. وبنهاية عام ????، حصل على منصب بمدرسة ليسيستر، واستمر يعلم نفسه بنفسه. والتقى بالعالم الطبيعي الهاوي هنري والتر بيتس (????–????). لكن لوفاة أخيه اضطر والاس إلى العودة ليحل محله في التجارة. ذهب بيتس في بعثة استكشافية إلى أمريكا الجنوبية ومعه والاس، بعد أن قرأ كتاب ويليام هنري إدواردز (????–????) «رحلة إلى أعلى نهر الأمازون». وأبحرَا إلى مدينة بارا (تسمى الآن بيليم) عند مصب نهر الأمازون في الخامس والعشرين من أبريل ???? ووصلا في الثامن والعشرين من مايو. وبعد مدة، انفصلا لأسباب غير معلومة. وعاد والاس إلى ريو نيجرو، وهي منطقة لم يذهب إليها أحد قبله ورسم خريطة لها. كما جذبته نظرية التطور. لكنه سقط مريضًا ولم يستطع المضي قدمًا، فغادر أمريكا الجنوبية في مطلع عام ????. ونشب حريق في سفينته احترقت على إثره جميع المجموعات التي كان قد جمعها بحرص. وبعد عشرة أيام — أمضاها على قوارب الإنقاذ — انتشلت سفينة شحن في طريقها إلى إنجلترا والاس ومن معه. واستغرقت رحلة العودة المحفوفة بالعواصف ثمانين يومًا. وأخيرًا عاد في الأول من أكتوبر ????.كانت بعض من مجموعاته قد نجت، وكان يمتلك القليل من المال الذي يكفيه بعض الوقت. وذاعت شهرته كعالم طبيعة رحالة، لكنه لم يستطع كشف أسرار التطور، وحتى مجموعاته التي كان يعتمد عليها في عمله ضاعت. فسافر إلى سويسرا واشترك في العديد من المؤتمرات وكتب بضعة مقالات وكتابين حول رحلاته في الأمازون تركت جميعها انطباعًا إيجابيًّا.ثم قرر والاس استئناف أنشطته كجامع هاوٍ. وحصل على منحة من الجمعية الجغرافية الملكية ليسافر إلى أرخبيل المالايو. وفي العشرين من أبريل ????، وصل إلى سنغافورة. وقضى هناك ثمانية أعوام متنقلًا فيها لأكثر من ثلاثة وعشرين ألف كيلومتر. وزادت مجموعاته حتى وصلت إلى مائة وخمسة وعشرين ألفًا وستمائة وستين عينة شملت أكثر من ألف عينة لأنواع جديدة! وفي عام ????، جاءته فكرة الانتخاب الطبيعي التي تحكم تطور الأنواع.عاد والاس إلى إنجلترا في الأول من أبريل ????. وكانت الفترة من ???? وحتى ???? صعبة بالنسبة له. أراد أن يتزوج ويستقر لكنه لم يتمكن من هذا الأمر على الفور. وفي عام ????، تزوج من ابنة أحد أصدقائه من علماء النبات — تدعى آني وتبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا — وأنجبا ثلاثة أطفال، لكن توفي أحدهم وهو في سن صغيرة.كان يُعتقد أنه مؤيد متحمس لنظريات تشارلز داروين? (????–????)، إلا أنه قدم مقالًا في عام ???? إلى الجمعية الأنثروبولوجية بعنوان «أصل الجنس البشري وتاريخ الإنسان، استنتاجًا من نظرية الانتخاب الطبيعي»، سعى فيه إلى التوفيق بين المواقف المدافعة عن وحدة السلالة وتلك المؤيدة لنظرية تعدد السلالة حول أصل البشرية. منذ بضعة أعوام، بدأ يشك في أن مذهب داروين قادر على إدراك الخواص الأكثر سموًّا للبشر. وتعلق بالفلسفة وبالمذهب الروحاني وانتهى باعتناقه في عام ????. كان يريد التوفيق بين التطورات المادية والروحية للإنسان. وقام بنشر نصوص حول السياسة وعلم الجيوديسية وعلم الجلادات وتنظيم المتاحف. وفي العقد التالي، كان قد نشر أكثر من مائة وخمسين عملًا في العديد من المجالات. في عام ????، بدأ وضعه المالي يتدهور، وحصل — بمساعدة داروين — على منحة مدنية سنوية قيمتها مائتا جنيه استرليني. وفي عامَي ????-????، قام بجولة استغرقت عشرة أشهر حول الولايات المتحدة الأمريكية وكندا لحضور سلسلة من المؤتمرات. ونظرًا لاهتمامه بموضوع ملكية الأراضي ونشره للعديد من الأعمال في هذا المجال، تم تعيينه — منذ عام ???? وحتى وفاته — رئيسًا لجمعية تأميم الأراضي. كانت آراؤه اشتراكية، وظل مدافعًا عن العدالة الاجتماعية. ونشر أيضًا الكثير من المؤلفات حول العملة النقدية والميراث وإعادة الثقة في غرفة اللوردات وإعادة إحياء الكنيسة. وسافر إلى إنجلترا ليلقي مؤتمرات ويحضر اجتماعات وينظم رحلات استكشافية للنباتات. وظل ينشر بكثرة في العديد من المجالات.وتوفي والاس أثناء نومه في برودستون في السابع من نوفمبر ????. وفي الأول من نوفمبر ????، تم وضع ميدالية تحمل اسمه فوق قبره بدير وستمنستر.(??) ألفريد فيجنر

ولد ألفريد لوثر فيجنر في برلين في الأول من نوفمبر ????. كان والده راعيًا بروتستانتيًّا. درس فيجنر في جامعتي هيدلبرج وإينسبروك، وحصل في عام ???? على درجة الدكتوراه في علم الفلك من جامعة برلين. لكن كان دائم الاهتمام بالعلوم الحديثة مثل الجيولوجيا الفيزيائية وعلم المناخ. كما درس طرق التحكم في الطائرات الورقية، وكان رائدًا في استخدام البالونات لرصد الأحوال الجوية. وفي هذا الموضوع ألف كتابًا أصبح من الكلاسيكيات في ألمانيا. كان يهتم أيضًا بالتدريبات البدنية مثل السير لمسافات طويلة والتزلج. في عام ????، حطم الرقم القياسي بالطيران لمدة اثنتين وخمسين ساعة في المنطاد. وفي العام ذاته، شارك في رحلة استكشافية دنماركية للأرصاد الجوية في شمال شرق جرينلاند. وعند عودته، حصل على منصب معيد بجامعة ماربورج. ونشر بحثًا حول الديناميكا الحرارية في الهواء. وفي عام ????، قام برحلة استكشافية أخرى لجرينلاند. وبالتعاون مع الدنماركي يوهان بيتر كوخ (????–????)، نجح في استكمال رحلة العبور الطويلة للكتلة الجليدية. وعند عودته، أصبح مديرًا لقسم أبحاث الأرصاد الجوية في مرصد البحرية بهامبورج. في عام ????، أُصيب بجراح وهو في الجيش الألماني. وفي عام ????، ظهر كتابه حول الانجراف القاري. إلا أن نظرياته لم تُقبل بسهولة. انتهت الحرب وفيجنر في خدمة التنبؤ بالأرصاد الجوية بالجيش. وبعد الحرب، عاد إلى ماربورج، وأصابه الإحباط من كثرة العقبات التي توضع أمام تقدمه. في عام ????، عُرض عليه كرسي الأستاذية — الذي أُنشئَ خصوصًا له — في علم الأرصاد الجوية والجيولوجيا الفيزيائية بجامعة جراتز بالنمسا.توفي فيجنر أثناء رحلته الاستكشافية الثالثة بجرينلاند عام ???? بمجرد انتهائه من إحضار الإمدادات لزملائه.(??) فرانسيس وينهام

ولد فرانسيس هربرت وينهام في كينسينجتون عام ????. وكان والده جراحًا في الجيش. ومنذ صباه، أظهر وينهام ولعًا بالأمور العلمية والتقنية. في سن الرابعة عشرة، حالفه الحظ بحضور تجربة إبحار مركب يدعى أرشيميد في نهر التايمز بهدف إثبات مزايا تسيير السفينة بالمروحة عن تسييرها بالعجلات. ويبدو أن هذا الاستعراض كان دافعًا له ليصبح مهندسًا للبحرية ومتخصصًا في محركات الدفع. في سن السابعة عشرة، أصبح مساعدًا في مكتب الدراسات بشركة بيسترول التابعة لشركة وسترن الكبرى للسكك الحديدية، التي كانت تعمل على إنشاء سفينتها الثانية العابرة للمحيط الأطلنطي «بريطانيا العظمى». وهناك التقى بإيزامبارد كينجدوم برونل (????–????)، وهو من بنى السفينة، وأيضًا جيمس ناسميث (????–????)، صاحب اختراع المطرقة التي تعمل بضغط الغاز، الذي سيصبح صديقًا له لأكثر من أربعين عامًا.بدأ وينهام مسيرته المهنية النشطة والمليئة بالنجاحات كمصمم لمحركات السفن وللأجهزة التي تعمل بالغاز والهواء الساخن وللدفايات ذات الضغط العالي والعربات البرية وغيرها من الماكينات. ولأكثر من مرة حرص على أن يصنع اختراعه بنفسه.وعند إتمامه عامه الثلاثين، كان قد صمم وأنشأ سفينة تعمل بالبخار وعبر بها نهر النيل مع فرانسيس فيرث (????–????) ليلتقطَا صورًا للأهرامات والمقابر والمعابد وتماثيل أبي سمبل. ولقد تركت فيه هذه الرحلة أثرًا كبيرًا، وكثيرًا ما كان يشير إليها في كتاباته حول علم الطيران. ولقد علمه فيرث العديد من الأشياء حول التصوير الفوتوغرافي، كما كانت تلك الحملة هي بداية تكوين فيرث لثروته من بيع صور رحلتهما. وفي نهاية الرحلة، باع وينهام سفينته لولي العهد المصري.كان علم الطيران هو ما يشغل وينهام وقت فراغه، وكان هو صاحب اختراع كلمة طائرة aéroplane، وله تأثير عميق في محاولات التطوير الأولى للطيران.كما انجذب للعديد من المسائل، مثل حركة الخلايا المنقسمة وتكوين وتطور الخلايا النباتية وغيرها من الموضوعات. ومنذ عام ????، بدأ اهتمامه يزيد بالتصوير الفوتوغرافي، ولا سيما مع ظهور طريقة الكولوديون. ثم بدأ في صنع الصور المجهرية الصغيرة. وأثبت كيفية ضبط الرؤية عن طريق الإشعاع. وهي مسألة هامة لأن الألواح الفوتوغرافية لم تكن حساسة إلا للون الأزرق. كما يرجع إليه الفضل في العديد من التحسينات والاختراعات المتعلقة بالتصوير الفوتوغرافي، خاصة فكرته لتكبير الصور في عام ????؛ أي قبل أن تخطر لويليام هنري فوكس تالبوت (????–????).وبعد وفاة توماس روس في عام ????، عُرض عليه منصب مستشار بشركة روس وشركاه. وقام بتطوير العديد من مساند المجاهر. في عام ????، كتب مقالًا حول فوائد — قد تكون وهمية — للرؤية المائلة. وقام بتصنيع مجهر مزود بمسند يمكنه الميل بحسب المحور البصري. في عام ????، قبل أن يترك شركة روس، أنتج مجهر روس-وينهام الإشعاعي. ولقد نال هذا الجهاز إعجابًا هائلًا وإن كان متأخرًا، وهو الآن من أهم الأغراض التي يهوى الناس تجميعها.ولقد روى وينهام أنه نظر داخل مجهر لأول مرة وهو في الثالثة عشرة من عمره. إلا أن اختراعاته في هذا المجال جاءت متأخرة. في عام ????، اخترع السير تشارلز ويتستون (????–????) المنظار المجسم. لكن يبدو أنه لم تكن هناك أي تجارب جدية لتطبيق نفس المبدأ على المجهر الثنائي بالتأكيد قبل تلك التي أجراها الأمريكي جون ليونارد ريدل (????–????). لكن لم تُعرف أعماله في إنجلترا إلا في عام ????، حينما نشر وينهام مقالًا في ذات الموضوع وصف فيه مبدأ المجهر الثنائي المجسم، مقترحًا حلولًا مختلفة لتصنيعه. كانت النقطة الأكثر حساسية هي كيفية إحداث تشابك بين الأشعة المضيئة بهدف وضع الصورة في الاتجاه الصحيح. كان من اللازم استخدام منشور، لكن لم يكن تصنيعه بالأمر السهل. وترك وينهام هذا الأمر جانبًا حتى عام ????، حينما كشف أخيرًا عن اختراعه. يمكن القول إنه صمم أو اقترح ما لا يقل عن سبعة عشر ترتيبًا ثنائيًّا للمجهر.لاحقًا، اهتم وينهام بالإضاءة باستخدام الغاز، ونال عدة براءات اختراع استغلها داخل شركته التي أنشأها. ثم تقاعد عن العمل في سن الستين، لكنه لم يتوقف عن أنشطته الأخرى؛ حيث نال بعد ذلك براءة اختراع عن البيانو الميكانيكي وأخرى عن طرق تحريك السيارات. وظل شغفه بالطائرات حتى موته في عمر الرابعة والثمانين في عام ????.(??) روبرت ويلسون

ولد روبرت وودرو ويلسون في هيوستن بتكساس في العاشر من يناير ????. بعد دراسته للفيزياء بجامعة ريس بهيوستن، ذهب إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بباسادينا للإعداد لرسالته دون أن تكون لديه فكرة واضحة عن الموضوع الذي يرغب في دراسته. كان جون جاتنبي بولتون (????–????) قد وصل مؤخرًا لإنشاء مرصد فلكي لا سلكي. وقد وضع ويلسون وبولتون معًا خريطة إشعاعية لا سلكية كاملة لمجرة درب التبانة. وكان هذا هو موضوع رسالته التي أتمها تحت إشراف مارتن شميد (المولود في ????) بعد عودة بولتون إلى أستراليا. وانضم ويلسون لمعامل شركة بل بكراوفورد هيل في عام ????. وبدأ العمل مع أرنو بنزياس. وأخيرًا، نال جائزة نوبل في الفيزياء عام ???? عن اكتشافه لإشعاع الخلفية الكوني.(??) فريدريش فوهلر

ولد فريدريش فوهلر في إشيرشايم بالقرب من فرانكفورت على نهر الماين في عام ????. ودرس الطب في جامعة كاربورج في عام ????، ثم التحق بجامعة هيدلبرج. وهناك أقنعه ليوبولد جميلين بالتخصص في الكيمياء. سافر لمدة عام إلى ستوكهولم للعمل في معمل جونز جاكوب برزيليوس (????–????). ويرجع إليه الفضل في وضع تعريفات لبعض المفاهيم الأساسية مثل التماثل البصري وتعددية خواص الجينات والتأصل. كما درس التحفيز. وحصل على العديد من المكونات النقية مثل الكالسيوم والسيليسيوم والسيلينيوم واكتشف الثوريوم. في عام ????، ناقش رسالته للدكتوراه في الطب. ثم بدأ في تدريس الكيمياء في برلين وكاسل. وعُين أستاذًا للكيمياء بكليات الطب ومديرًا لمعهد الكيمياء بجوتنجن في عام ????. ولقد قام بتجارب التركيب الأولي للمواد العضوية مثل حمض الأكساليك (????) والبول (????). قبل اكتشاف فوهلر بقليل، أعلن برزيليوس أنه لا يمكن على الإطلاق تركيب مكونات تنتجها الكائنات الحية؛ لأنه في تلك الحالة نكون في حاجة إلى «قوة حيوية». إلا أن فوهلر تمكن — ولأول مرة — من تصنيع مكون عضوي في المعمل. ومن ثم فهو يعد رائد التركيب العضوي. وله أيضًا أعمال حول مادة الكينين (مادة شبه قلوية) ومشتقاتها والقلويدات (الكوكايين والناركوتين …) كما نجح في إجراء تفاعلات في درجات حرارة عالية وتحت ضغط. وانطلاقًا من أعماله تطورت طرق إعداد القدور الضاغطة. وتوفي في جوتنجن في عام ????.
المراجع

يوجد العديد من المؤلفات قام فيها العلماء أنفسهم بتحليل السبل التي قادتهم إلى اكتشافاتهم. وبالطبع ليس في الإمكان ذكرها جميعًا.كما يوجد العديد من الكتب والسير الذاتية يروي فيها العلماء اكتشافاتهم دون تحليل. وبالطبع، كانت هذه الكتب الأساس الذي انطلقت منه. بالإضافة إلى وجود العديد من السير الذاتية على شبكة الإنترنت.في هذه القائمة للمراجع، قررت بإرادتي الاكتفاء بالإشارة إلى الكتب التي بدت لي أكثر أهمية (طبعًا من بين الكتب التي أعرفها). كانت هناك موضوعات أو علماء (مثل أينشتاين) يكثر ذكرها في العديد من المؤلفات، ومن ثم تعين علي الاختيار، فقررت الاكتفاء بالكتب الأقل إغراقًا في التفاصيل الفنية والأيسر على الفهم. وقدر المستطاع، فضلت المراجع الفرنسية عن أي لغة أخرى.ويمكن الحصول على الكثير من البيانات من شبكة الإنترنت.(?) سير ذاتية

E. Bataillon, Une enqûete de trente-cinq ans sur la génération, 1900–1934, SEDES, Paris, 1955.
C. Darwin, Autobiographie, Belin, Paris, 1985.
T. A. Edison, Mémoires et observations, Flammarion, Paris, 1948.
A. Einstein, Autoportrait, Inter?ditions, Paris, 1980.
M. Kac, Enigmas of chance: an autobiography, University of California Press, Berkeley, 1987.
P. Lévy, Quelques aspects de la pensée d’un mathématicien, Librairie Scientifique et Technique Albert Blanchard, Paris, 1970.
Ch. Nicolle, Biologie de l’invention, Alcan, Paris, 1932.
M. Planck, Autobiographie scientifique, Albin Michel, Paris, 1960.
L. Schwartz, Un mathématicien aux prises avec le siécle, ?ditions Odile Jacob, Paris, 1997.
S. Ulam, Adventures of a mathematician, Charles Schribner’s Sons, New York, 1976.
A. Weil, Souvenirs d’apprentissage, Birk?user, Bâle, 1991.
(?) تراجم أعلام

P. Appell, Henri Poincaré, Librairie Plon, Paris, 1925.
G. Bechtel, Gutenberg, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1992.
C. Brezinski, Hermite, père de l’analyse mathématique moderne, Cahiers d’Histoire et de Philosophie des Sciences, 32 (1990) 1–81.
C. Brezinski, André Louis Cholesky, dans Numerical Analysis, A Numerical Analysis Conference in Honour of Jean Meinguet, Bull. Soc. Math. Belg., 1996, pp. 45–50.
C. Brezinski, M. Gross-Cholesky, La vie et les travaux d’André Louis Cholesky, Bull. Soc. Amis Bibl. ?c. Polytech., 39 (2005) 7–32.
C. Brezinski, Thomas-Johannes Stieltjes, dans Les mathématiciens, P. Thuillier éd., Belin, Paris, 1996.
L. de Broglie, Savants et découvertes, Albin Michel, Paris, 1951.
R. W. Clark, Edison, Belin, Paris 1986.
M. Chouchan, Nicolas Bourbaki. Faits et légendes, ?ditions du Choix, Paris, 1995.
L. De Launay, Le Grand Ampére, Perrin, Paris, 1925.
M. De Maria, Fermi, Pour la Science/Belin, Paris, 2002.
G. Demortier, Dictionnaire encyclopédique des prix Nobel de physique, Biocosmos ?ditions, 1998.
Dictionnaire des inventeurs et inventions, avec le concours de Thomas de Galiana et Michel Rival, Larousse-Bordas, Paris, 1996.
?. Duclaux, Pasteur. Histoire d’un esprit, Imprimerie Charaire et Cie, Sceaux, 1896.
H. Duclos, Laënnec, Flammarion, Paris, 1932.
L. Félix, Message d’un mathématicien: Henri Lebesgue, Librairie Scientifique et Technique Albert Blanchard, Paris, 1974.
L. Fermi, Atomes en famille, Gallimard, Paris, 1955.
C. C. Gillispie, éd., Dictionary of scientific biography, Charles Schribner’s Sons, New York, 1970–1990.
P. Guiraldenq, ?mile Borel, 1871–1956, Librairie Scientifique et Technique Albert Blanchard, Paris, 1999.
B. Hauchecorne, D. Surratteau, Des mathématiciens de A à Z, Ellipses, Paris, 1996.
J. L. Heilbron, Planck, une conscience déchirée, Belin, Paris, 1988.
V. Kagan, Lobatchevski, ?ditions Mir, Moscou, 1974.
L. Leprince-Ringuet éd., Les inventeurs célèbres. Sciences physiques et applications, ?ditions d’Art Lucien Mazenod, Paris, 1962.
I. Lévy, Le dictionnaire des prix Nobel, ?ditions Josette Lyon, Paris, 1996.
M. Lewandowski, André-Marie Ampère. La science et la foi, Grasset, Paris, 1936.
F. Lot, Charles Nicolle, ?ditions de La Liberté, Paris, 1946.
J. L. Marignier, Niépce, l’inventeur de la photographie, Belin, Paris, 1999.
C. Marbo, ? travers deux siècles. Souvenirs et rencontres (1883–1967), Grasset, Paris, 1968.
M. Mashaal, Bourbaki, Pour la Science/Belin, Paris, 2002.
M. Meulders, Helmholtz. Des lumières aux neurosciences, éditions Odile Jacob, Paris, 2001.
R. Moreau, Préhistoire de Pasteur, ?d. L’Harmattan, Paris, 2000.
R. Moreau, Les deux Pasteur—Le père et le fils—Jean-Joseph Pasteur et Louis Pasteur (Dole, Marnoz, Arbois), ?d. L’Harmattan, Paris, 2003.
R. Moreau, Louis Pasteur: de Besançon à Paris (L’envol), ?d. L’Harmattan, Paris, 2003.
V. Orel, J.-R. Armogathe, Mendel, un inconnu célèbre, Belin, Paris, 1985.
A. Pais, Albert Einstein, la vie et l’œuvre; Subtil est le Seigneur …, Inter?ditions, Paris, 1993.
A. Rousset, J. Six, Des physiciens de A à Z, Ellipses, Paris, 2000.
M. Rouzé, Les Nobel scientifiques français, ?ditions La Découverte, Paris, 1988.
?. Sartori, Histoire des grands scientifiques français, Plon, Paris, 1999.
M. Schwarzbach, Wegener, le père de la dérive des continents, Belin, Paris, 1985.
R. Tazzioli, Riemann, le géomètre de la nature, Pour la Science/Belin, Paris, 2002.
L.-P. Vallery-Radot, Images de la vie et de l’œuvre de Pasteur, Flammarion, Paris, 1956.
R. Vallery-Radot, La vie de Pasteur, Hachette, Paris, 1900. C.-A. Valson, La vie et les travaux d’André-Marie Ampère, Vitte et Perrussel, Lyon, 1886.
V. Volterra, J. Hadamard, P. Langevin, P. Boutroux, Henri Poincaré. L’œuvre scientifique. L’œuvre philosophique, Librairie Félix Alcan, Paris, 1914.
(?) تحليل، فلسفة، علم المعرفة

H. Collins, T. Pinch, Tout ce que vous devriez savoir sur la science, ?ditions du Seuil, Paris, 1994.
I. Ekeland, Le calcul, l’imprévu. Les figures du temps de Képler à Thom, ?ditions du Seuil, Paris, 1984.
J. Hadamard, Essai sur la psychologie de l’invention dans le domaine mathématique, Librairie Scientifique et Technique Albert Blanchard, Paris, 1959.
A. Koestler, Le cri d’Archimède, Calman-Lévy, Paris, 1965.
A. Kohn, Par hasard ou par erreur? Eshel, Paris, 1990.
T. S. Kuhn, La structure des révolutions scientifiques, Flammarion, Paris, 1983.
R. Moreau, M. Durand-Delga, Jules Marcou (1824–1898), précurseur français de la géologie nord-américaine, ?d. L’Harmattan, Paris, 2002.
J. Piaget éd., Logique et connaissance scientifique, Encyclopédie de la Pléiade, Gallimard, Paris, 1967.
R. M. Roberts, Serendipity. Accidental discoveries in science, Wiley, New York, 1989.
R. Taton, Causalités et accidents de la découverte scientifique, Masson, Paris, 1955.
P. Thuillier, D’Archimède à Einstein. Les faces cachées de l’invention scientifique, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1988.
(?) مؤلفات عامة

D. Boorstin, Les découvreurs, Seghers, Paris, 1986.
M. Daumas éd., Histoire de la science, Encyclopédie de la Pléiade, Gallimard, Paris, 1957.
M. Daumas éd. Histoire générale des techniques, Presses Universitaires de France, Paris, 1962.
B. Gille éd., Histoire des techniques, Encyclopédie de la Pléiade, Gallimard, Paris, 1978.
Y. Michaud éd., La physique et ses éléments, ?ditions Odile Jacob, Paris, 2002.
P. Moore, Les grandes idées qui ont changé notre monde, Acropole, Paris, 2003.
M. Planck, Initiations à la physique, Flammarion, Paris, 1941.
M. Rival, Les grandes expériences scientifiques, ?ditions du Seuil, Paris, 1996.
P. Rousseau, Histoire de la science, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1945.
P. Rousseau, Histoire des techniques, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1956.
E. Segré, Les physiciens modernes et leurs découvertes, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1984.
E. Segré, Les physiciens classiques et leurs découvertes, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1987.
M. Serres éd., ?léments d’histoire des sciences, Larousse-Bordas, Paris, 1997.
A. Soukhotine, Les paradoxes de la science, ?ditions Mir, Moscou, 1983.
P. Tallack ed., The science book, Weidenfeld & Nicolson, Londres, 2003.
R. Taton éd., Histoire générale des sciences, 2ème éd., Presses Universitaires de France, Paris, 1966.
(?) مؤلفات متخصصة

J. P. Auffray, Einstein et Poincaré, ?ditions Le Pommier, Paris, 1999.
S. Balcerowiak, Médecine: futur antérieur ou les perspectives d’avenir inspirées par deux grandes découvertes scientifiques du XIXè siècle: la théorie microbienne et les rayons X, Thèse de Doctorat en Médecine, Université de Reims, 2003.
R. Bellone, La photographie, Collection Que Sais-je?, vol. 174, Presses Universitaires de France, Paris, 2ème édition corrigée, 1997.
B. Bensaude-Vincent, Mendeleïev: histoire d’une découverte, dans M. Serres éd., ?léments d’histoire des sciences, Larousse-Bordas, Paris, 1997, pp. 665–696.
D. Bodanis, , la biographie de la plus célèbre équation du monde, Plon, Paris, 2000.
J.-C. Boudenot, G. Cohen-Tannoudji, Max Planck et les quanta, Ellipses, Paris, 2001.
C. Brezinski, L. Wuytack, Numerical analysis in the twentieth century, dans Numerical analysis: historical developments in the 20th century, C. Brezinski and L. Wuytack eds., North-Holland, Amsterdam, 2001.
J.-L. Chabert et al., Histoire d’algorithmes. Du caillou à la puce, Belin, Paris, 1994.
?. Cousquer, La fabuleuse histoire des nombres, Diderot, Paris, 1998.
A. Dahan-Dalmedico, J. Peiffer, Une histoire des mathématiques. Routes et dédales, ?ditions du Seuil, Paris, 1986.
J. P. Delahaye, Le fascinant nombre ?, Belin, Paris, 1997.
A. Einstein, La relativité, Payot, Paris, 1964.
A. Einstein, L. Infeld, L’évolution des idées en physique, Payot, Paris, 1963.
B. Greene, L’univers élégant, Robert Laffon, Paris, 1999.
J. Hladik, Comment le jeune et ambitieux Einstein s’est approprié la relativité restreinte de Poincaré, Ellipses, Paris, 2004.
B. Hoffmann, M. Paty, L’étrange histoire des quanta, ?ditions du Seuil, Paris, 1967.
B. Maitte, La lumière, ?ditions du Seuil, Paris, 1981.
B. Mandelbrot, Les objets fractals. Forme, hasard et dimension, Flammarion, Paris, 1975.
S. Ortoli, J. P. Pharabod, Le cantique des quantiques, ?ditions La Découverte, Paris, 1985.
P. Radvanyi, M. Bordry, La radioactivité artificielle, ?ditions du Seuil, Paris, 1984.
J. Rosmorduc, V. Rosmorduc, F. Dutour, Les révolutions de l’optique et l’œuvre de Fresnel, Vuibert-Adapt, Paris, 2004.
J. Rostand, Aux sources de la biologie, Gallimard, Paris, 1958.
F. Selleri, Le grand débat de la théorie quantique, Flammarion, Paris, 1986.
J. Talbot, Les éléments chimiques et les hommes, SIRPE, Paris, 1995.
H. Tazieff, Les volcans et la dérive des continents, Presses Universitaires de France, Paris, 1972.