Advertisement

علم الأوبئة-رودولفو ساراتشي


علم الأوبئة




علم الأوبئة

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
رودولفو ساراتشي

ترجمة
أسامة فاروق حسن
مراجعة
مصطفى محمد فؤاد



علم الأوبئة

Epidemiology

رودولفو ساراتشي

Rodolfo Saracci

ساراتشي، رودولفو.
علم الأوبئة: مقدمة قصيرة جدًّا/تأليف رودولفو ساراتشي.
     تدمك:
?
     ?- الأوبئة
          أ- العنوان

???,??

تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب علم الأوبئة أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Epidemiology
Copyright © Rodolfo Saracci 2010.
Epidemiology was originally published in English in 2010. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



إلى إستيل
كلُّ مولود جديد هو أملٌ في عالم أفضل.

مقدمة الطبعة العربية


اللغة الإنجليزية اليوم هي لغة العلم والتكنولوجيا في كل أنحاء العالم، غير أن أهمية إتاحة النصوص العلمية والتكنولوجية بلغات أخرى لا تقتصر فحسب على تيسير قراءتها وفهمها بالكامل من قِبَل غير الناطقين باللغة الإنجليزية، بل إنه لا غنى عنها أيضًا عندما تكون تلك النصوص موجهة لجمهور عريض من القراء. هكذا حال كتابي «علم الأوبئة: مقدِّمة قصيرة جدًّا»، لأنني ألفته على أمل تعريف قطاع كبير من القراء بالمفاهيم الأساسية لعلم الأوبئة. فمن دون إدراك تلك المفاهيم، يستحيل تقدير مدى خطورة مادة تتسبب في تلويث الهواء أو الماء، أو الإدراك الصحيح للفائدة المتوقَّعة والآثار الجانبية الممكنة لعقار معين.
واللغة العربية هي اللغة الرئيسية اليوم لمئات الملايين من البشر حول العالم، ولطالما كانت على مر التاريخ لغة الثقافات التي قدمت إسهامات لا تعد ولا تحصى في شتى مجالات العلوم والفنون، بما في ذلك ابتكار الأرقام العربية. ولولا تلك الأرقام، لما وُجد علم الأوبئة — القائم على الأرقام في المقام الأول — من الأساس. وهذا ما يدعوني إلى أن أتقدم بجزيل الامتنان والشكر إلى «مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة» لإتاحتها ترجمة الكتاب للعالم الناطق باللغة العربية.
رودولفو ساراتشي
مارس ????

مقدمة


من الطبيعي أن تكون الصحة الشغل الشاغل لنا جميعًا، وأن تكون الموضوع المسيطر على وسائل الإعلام طوال الوقت. تتصدر الصفحات الأولى للصحف الأخبار الخاصة بحالات تفشي الأوبئة مثل وباء الأنفلونزا الأخير، الذي يصيب بلدانًا عديدة في آن واحد. وبجانب الأوبئة، تتواتر بصورة دورية أنباء عن الاكتشافات الجديدة للملوثات الخطيرة في البيئة، والمواد الواقية من السرطان التي تحتوي عليها الأطعمة المختلفة، والجينات التي تزيد من استعداد الشخص للإصابة بالأمراض أو العقاقير التي تعد بالقضاء عليها. وتعتمد أهميتها الفعلية لصحة الإنسان بشكل جوهري على تراكم الأدلة الواردة من الدراسات، والموجهة من خلال مبادئ علم الأوبئة، الذي يراقب عن كثب ويقيم ما يقع في الجماعات والمجتمعات السكانية الإنسانية.
وتجمع تلك الدراسات بين سمتين؛ فهي تستكشف أغوار الصحة والمرض مستعينةً بأدوات الأبحاث الطبية، التي تبدأ من سجلات التاريخ المرضي لقياسات الطول والوزن وضغط الدم وحتى الإجراءات والاختبارات التشخيصية بمختلف أنواعها. وهي تتعرض في الوقت ذاته لأشخاص يعيشون في مجتمع مُعرَّض لكمٍّ كبير من المؤثرات، ولا يمكن إجراؤها وفق اشتراطات التجارب المعملية المنعزلة والمضبوطة. بدلًا من ذلك، يتطلب تصميمها وإجراؤها وتحليلها استخدام الطرق الخاصة بعلم الإحصاء والعلوم الاجتماعية مثل الديموغرافيا، وهو المعني بالدراسة الكمية للمجتمعات السكانية الإنسانية. وبدون فهم واضح لتلك الطبيعة المركبة لعلم الأوبئة ومنطقه من زاوية الاحتمالات والإحصائيات، يكون من العسير تقدير نقاط القوة والضعف للأدلة العلمية المتعلقة بالطب والصحة العامة التي يقوم علم الأوبئة على التوصل إليها. ولا يقتصر التقييم الضبابي الذي يصل أحيانًا إلى حد القراءة الخاطئة الصريحة لعلم الأوبئة على العامة وحسب؛ على سبيل المثال، في المناقشات التي تدور حول المخاطر أو المزايا، سواء أكانت واقعية أم خيالية، لإحدى طرق علاج مرض ما. حسب خبرتي، فإن الشيء نفسه ينطبق على الصحفيين، وأعضاء لجان الأخلاقيات، ومسئولي الرعاية الصحية، وواضعي السياسات الصحية، بل وحتى الخبراء في المجالات الأخرى غير الأوبئة والمسئولين عن تقييم المشاريع البحثية وتمويلها.
إن الهدف من هذا الكتاب الذي يأتي ضمن سلسلة «مقدمة قصيرة جدًّا» هو تعريف القارئ بالفارق بين حكاية وبائية — سواء أكانت تحكي عن حبَّة سحرية أم عن فيروس مرعب — وبين الأدلة الوبائية الصحيحة من الناحية العلمية. لا يقوم هذا الفارق على مقدار الأهمية العملية أو الإثارة التي ربما تتمتع بها قصة الحبة أو الفيروس، وإنما يعتمد فحسب على مدى جودة تطبيق الأساليب الوبائية التي اعتمدت عليها. جدير بالذكر أن أساليب علم الأوبئة وأسسه ذات طبيعة جامدة قليلًا، لكنني حاولت هنا أن أعطي لمحة عن طبيعة المجال دون عرض للصيغ والرموز الرياضية، فقط بعض المعادلات البسيطة. وحتى أضع علم الأوبئة في نصابه الصحيح، عرضت الخطوط العريضة لأساليبه وأسسه واستخداماته في الطب والصحة العامة على خلفية اهتماماتنا اليوم بالمسائل الأخلاقية والعدالة الاجتماعية في موضوع الصحة.
أتوجه بالشكر للعديد من زملائي وطلابي — مصادر المعرفة التي لا أفتأ أستقي منها — الذين جعلوا خروج مؤلَّفي هذا للنور أمرًا ممكنًا. لقد كان للتعاون والكفاءة اللذين أبداهما القائمون على مطبعة جامعة أكسفورد دور كبير في تسهيل مهمتي. وإني لمدين بشكر شخصي أوجهه إلى لاثا مينون لمؤازرتها القوية ونصائحها المستنيرة طيلة مراحل إعداد هذا الكتاب، وكذا لشارون ويلان، المُراجِعة اللغوية الصبورة التي راجعت الكتاب.

الفصل الأول
التعريف بعلم الأوبئة


في الثامن والعشرين من شهر فبراير عام ????، طلب المستشفى الفرنسي بهانوي في فيتنام — وهو مستشفى خاص يحوي أقل من ?? سريرًا — مشورة مكتب منظمة الصحة العالمية في هانوي. ففي السادس والعشرين من فبراير، دخل أحد المسافرين على درجة رجال الأعمال — وكان قادمًا من هونج كونج — المستشفى لمعاناته من أعراض تنفسية تشبه أعراض الأنفلونزا التي كانت قد بدأت قبل ذلك بثلاثة أيام. وأجاب دكتور كارلو أورباني — المسئول الطبي بمنظمة الصحة العالمية، وعالِم الأوبئة المتخصص في الأمراض المعدية، والعضو السابق بمنظمة «أطباء بلا حدود» — على المكالمة الهاتفية. وفي خلال أيام، مرض ثلاثة أشخاص آخرون وكانوا يعانون من الأعراض نفسها؛ مما جعل أورباني يدرك مدى شراسة المرض وقدرته العالية على نقل عدواه. لقد بدا أشبه بالأنفلونزا، غير أنه لم يكن كذلك. وفي أوائل شهر مارس تُوفِّي المريض الأول، وبدأت حالات مشابهة تظهر في هونج كونج وفيما عداها من المناطق. وأصر دكتور أورباني في شجاعة على العمل وسط بيئة كان يعلم أنها شديدة الخطورة. وبعد إطلاق تحذير عالمي عبر شبكة المراقبة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، سقط أورباني مريضًا أثناء رحلة سفر إلى بانكوك وتوفي يوم ?? مارس. وفي تلك الفترة كانت أعداد من الحالات الجديدة قد بدأت تظهر تباعًا، وكان بعضها مسببًا للوفاة، ولم تعد مقتصرة على العاملين بالمستشفى الفرنسي، وإنما عمت أنحاء هونج كونج وتايوان وسنغافورة والصين وكندا. وقع على عاتق إدارة الصحة العامة مهمتان مترابطتان، هما: بناء شبكة عالمية للطوارئ لاحتواء المرض، وفي الوقت نفسه بحث السبل التي تنتشر العدوى بواسطتها بهدف التحديد الدقيق لمنشئها واكتشاف الكيفية التي انتشر بها العامل المسبب للمرض، الذي كان في أغلب الظن ميكروبًا. واستغرق الأمر أربعة أشهر حتى تم تحديد العامل المسبب للمرض الجديد، الذي كان واحدًا من فيروسات عائلة كورونا الفيروسية الذي انتقل ليصيب الإنسان آتيًا من الحيوانات البرية الصغيرة التي يجري تداولها وتناولها كطعام في مقاطعة جوانجدونج الصينية. بحلول يوليو عام ????، تم وقف الانتشار العالمي للفيروس، الذي كان يحدث في الأساس عبر المسافرين بالطائرات المصابين بالعدوى. وتوقف تفشي المرض الجديد، الذي أُطلِق عليه اسم «سارس» (وهو اختصار لعبارة بالإنجليزية تعني المتلازمة التنفسية الحادة الشديدة) عند رقم يقترب من ???? حالة مرضية و??? حالة وفاة. كان من الممكن أن تكون الخسارة أكثر فداحة بمراحل لولا حدوث تعاون دولي جدير بالإعجاب للسيطرة على انتشار الفيروس عن طريق عزل الحالات والسيطرة على أسواق الحيوانات البرية. كان علم الأوبئة يمثل عصب تلك الجهود؛ إذ جمع بين الأبحاث التي أُجريت حول المجتمعات السكانية التي أصابها المرض وبين الدراسات المعملية التي قدَّمت المعرفة اللازمة للتدخلات المتعلقة بمكافحة المرض.
وكلمة علم الأوبئة epidemiology مشتقة من كلمة epidemic (التي تعني وباء)، المشتقة بدورها من المقطعين اليونانيَّين epi (بمعني بين) وdemos (بمعنى الناس). إن أوبئةً كسارس وهي تهاجم مجتمعًا سكانيًّا في مظهر غير معتاد لأحد الأمراض تتطلب أبحاثًا فورية، غير أن الأسلوب المتبع في البحث في هذه الحالة هو ذاته المطبق على جميع الأمراض بصفة عامة، سواء أكانت غير معتادة في نمطها أو في معدل تكرار الإصابة بها أم متواجدة بصورة دائمة في مجتمع سكاني ما؛ أي «متوطنة» فيه. في حقيقة الأمر، تُستخدم الوسائل نفسها في دراسة الأحداث الفسيولوجية الطبيعية مثل الإنجاب والحمل، والنمو الجسماني والعقلي داخل المجتمعات السكانية. وإيجازًا يمكن القول إن «علم الأوبئة هو علم يدرس الصحة والمرض داخل المجتمعات السكانية.» فالجانب السكاني يعد السمة المميزة لعلم الأوبئة، في حين أن الصحة والمرض يتم بحثهما على مستويات أخرى كذلك. والحقيقة أنه عندما يشار إلى «الطب»، دونما تحديد، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن الطب الإكلينيكي الذي يتعامل مع الصحة والمرض لدى «الأفراد». وربما مرت بمخيلتنا كذلك صور العلماء في المعامل وهم يجرون تجاربهم البيولوجية، التي ربما تترجم نتائجها، حسبما نأمل، إلى ابتكارات تشخيصية أو علاجية يجري تطبيقها في مجال الطب الإكلينيكي. في المقابل، نجد أن البعد السكاني للصحة والمرض، ومعه علم الأوبئة، أقل وضوحًا في أذهان معظم الناس. في الماضي، عندما كان أحدهم يقدمني لشخص ما باعتباري عالم أوبئة، كنت كثيرًا ما توجَّه لي التحية مصحوبةً بتعليق: «إذن أنت متخصص في علاج الأمراض الجلدية.» (من الواضح أن خلطًا يحدث لتشابه هجاء كلمة علم الأوبئة وعلم الأمراض الجلدية في اللغة الإنجليزية. أما الآن، فإنني أقدم نفسي باعتباري أخصائي صحة عامة، وهو ما يكون أكثر وضوحًا.)
لقطات من الماضي

ظهرت المقدِّمات الواضحة لعلم الأوبئة المعاصر منذ أكثر من ألفي عام مضت. لا تقدم لنا كتابات الطبيب الإغريقي العظيم أبقراط (الذي عاش تقريبًا في الفترة من ??? إلى ??? قبل الميلاد) أولى الأوصاف المعروفة والدقيقة والمتكاملة لأمراض مثل التيتانوس، والتيفوس، والسل (الذي صار الآن يعرف باسم الدرن الرئوي) فحسب، وإنما تكشف كذلك عن منهج يقوم على الإدراك والملاحظة في فهم أسباب الأمراض. لم يكن أبقراط — مثله مثل علماء الأوبئة المعاصرين — يحصر رؤيته في الطب والمرض في مرضاه، وإنما كان يعتبر الصحة والمرض متوقفين على سياق واسع من العوامل البيئية والمتعلقة بأسلوب الحياة.
يقول أبقراط: على من يرغب في البحث الصحيح في عالم الطب أن يفعل ما يلي: ينظر بعين الاعتبار في المقام الأول إلى فصول السنة، والآثار التي يحدثها كلٌّ منها؛ ثم بعدها إلى الرياح، الساخنة والباردة، لا سيما تلك الشائعة في كافة الأمصار والبلدان، ثم إلى تلك الخاصة بكل موضع من العالم على حدة. وعلى ذات الوتيرة، عندما يفد غريب على مدينة ما، فإن عليه أن يتفكر في وضعها، وموقعها بالنسبة للرياح وشروق الشمس؛ إذ إن تأثير هذا لا يكون واحدًا إذا كانت تقع في الشمال أو في الجنوب، أو في اتجاه شروق الشمس أو غروبها. وعلى المرء أن يتفكر بمزيد من الانتباه في المياه التي يستخدمها سكان المدينة؛ وهل هي مياه مستنقعات ويسِرة، أم عسِرة وتجري من مواضع مرتفعة وصخرية، ثم هل هي ملحية وغير صالحة للطهي أم لا؛ وفي الأرض، إن كانت جرداء وتفتقر إلى المياه، أو مكسوة بالأشجار ومروية جيدًا، وهل تقع في موضع منخفض ومحصور، أم مرتفع وبارد؛ والأسلوب الذي يعيش به السكان، والأنشطة التي يمارسونها، وهل هم مغرمون بالشراب وشرهون للطعام، وهل يركنون إلى الكسل، أم أنهم مغرمون بالتريض والعمل الشاق.
أبقراط، «الأهوية والمياه والأماكن» شكل ?-?: بيير-شارل لوي (????–????).1
شكل ?-?: جون سنو (????–????).1
شكل ?-?: رودولف فيرشو (????–????).1
مرت عدة قرون قبل أن ينتقل علم الأوبئة من مرحلة الملاحظة والتبصُّر إلى التحليل والوصف الكمِّي للأمراض على مستوى المجتمعات السكانية. كانت المقدمة الضرورية لذلك تلك الثورة التي حدثت في ميدان العلوم، والتي بدأها العالم جاليليو جاليلي (????–????)، الذي جمع لأول مرة جمعًا منهجيًّا بين ملاحظة الظواهر الطبيعية وقياسها من خلال تجارب صُمِّمت بهدف استكشاف القوانين الأساسية المتحكمة فيها، والقابلة للتعبير عنها في صورة صيغ رياضية (على سبيل المثال، قانون التسارع في السقوط الحر للأجسام). وكان عمل جون جرونت (????–????) — وهو عالم معاصر لجاليلي وإن كان أصغر سنًّا منه — مثالًا جديرًا بالإعجاب على وجود مناخ فكري عام مشجع على الجمع الدقيق والتحليلات الكمية للبيانات حول الظواهر الطبيعية. ففي كتابه «ملاحظات طبيعية وسياسية حول شهادات الوفاة»، يستعين جرانت بوسائل بسيطة (بمعاييرنا الآن) وإن كانت رياضية بالغة الدقة في تحليل معدلات الوفيات بين سكان لندن، وشمل ذلك مقارنات بين الرجال والنساء، وتصنيفًا حسب نوع المرض (إن كان حادًّا أم مزمنًا). بعدها صار التقدم في علم الأوبئة ممكنًا بسبب تطورين اثنين؛ أولهما: التوسع في جمع البيانات عن حجم وتكوين المجتمعات السكانية من حيث العمر والجنس، وعن الأحداث المحورية مثل حالات الولادة والوفيات. وثانيهما: التطورات التي حدثت في الأدوات الرياضية التي تتعامل مع المصادفة والاحتمالات، والتي كان منشؤها في البداية ألعاب الورق والنرد، التي سرعان ما اعتُبِرت قابلة للتطبيق أيضًا على الأحداث الطبيعية كالميلاد والوفاة.
بحلول أوائل القرن التاسع عشر، كانت معظم المبادئ والأفكار الموجِّهة لعلم الأوبئة المعاصر قد وضعت بالفعل، مثلما يبدو لأول وهلة عندما ننظر في التطورات اللاحقة التي حدثت في هذا العلم.
في فرنسا، كان بيير-شارل ألكسندر لُوِي أول من وضع القاعدة الأساسية التي تقول إن تأثير أي علاج نافع مرتقب، أو أية مادة سامة، لا يمكن تقييمه إلا بالمقارنة بين أشخاص قريبي الشبه بعضهم ببعض تلقوه وبين آخرين لم يتلقوه. واستخدم لوي «أسلوبه الرقمي» في الحصول على أدلة إحصائية على أن الأسلوب العلاجي الذي كان شائعًا وقتئذٍ — وهو الفصد — لم يكن فعالًا، بل ويشكل خطورة إذا ما قورن بعدم تلقي علاج على الإطلاق. وفي لندن، ألقى بحث أجراه جون سنو الضوء على فكرة أن التحليلات الوبائية المتعمقة والخاصة بحدوث المرض من الممكن أن تمدنا بقدر كافٍ من المعرفة يمكِّننا من اتخاذ تدابير وقائية منه، حتى مع تجاهل العوامل المسببة والمحدَّدة على المستوى المجهري. وفي منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، أجرى سنو أبحاثًا عبقرية أثناء حالات تفشي الكوليرا أدت إلى تحديد سبب المرض متمثلًا في شرب المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي. وسمح هذا باتخاذ تدابير للنظافة والصحة العامة للحيلولة دون حدوث تلوث دون معرفة محددة بالعنصر الضار الذي تحمله مياه الصرف الصحي. وتبين أن ذلك العامل — الذي اكتُشِف بعدها بنحو عشرين عامًا — هو نوع من البكتيريا (يسمى فيبريو كوليرا) يخرج مع براز مرضى الكوليرا وينتشر عبر شبكات الصرف الصحي. وفي ألمانيا، روَّج رودولف فيرشو بقوة أثناء النصف الثاني من القرن نفسه لمفهوم أن الطب والصحة العامة ليسا فقط من علوم الطب الحيوي وإنما أيضًا من العلوم الاجتماعية التطبيقية. وفي اتفاق مع هذه الفكرة، تباينت دراساته ما بين الدراسات المتعلقة بعلم الأمراض — حيث ينظر إليه باعتباره مؤسس علم الأمراض الخلوية — إلى أبحاثه الوبائية المدعمة بعمليات بحث اجتماعية. أما في الولايات المتحدة، فقد أوضحت أبحاث جوزيف جولدبرجر أن علم الأوبئة يمكنه تحديد كلٍّ من العوامل المعدية وغير المعدية باعتبارها الأصول المحتملة للمرض. وخلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، بحث جولدبرجر مرض البلاجرا، وهو مرض عصبي خطير متوطن في مناطق عدة من الأمريكتين وأوروبا، حيث توصل إلى استنتاج أن المرض لا يحدث نتيجة عامل مُعدٍ مثلما يعتقد معظم الناس، وإنما بسبب سوء التغذية، ونقص فيتامين معين (تم تحديده كيميائيًّا فيما بعد وسُمي فيتامين بي? أو النياسين). وعلى مدار سنوات هذا القرن ما بين لوي إلى جولدبرجر — بل وطوال التاريخ بأسره حتى يومنا هذا — حصل علم الأوبئة على دعم كبير من التطورات التي حدثت في علم مرتبط به وهو علم الإحصاء، الذي يعد أحد المكونات الرئيسية لأي أبحاث وبائية.
شكل ?-?: جوزيف جولدبرجر (????–????).1
علم الأوبئة المعاصر

تطور علم الأوبئة المعاصر خاصة خلال النصف الثاني من القرن المنصرم. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، صار من الواضح أنه في معظم البلدان المتقدمة اقتصاديًّا، يزداد عبء الأمراض التي لا تنتقل عن طريق العدوى والتي تكون غير معلومة المصدر، كالسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، مقارنةً بعبء الأمراض المعدية التي تتسبب فيها الكائنات الدقيقة والتي يسهل السيطرة عليها بشكل كبير من خلال اتخاذ التدابير الصحية العامة، وعمل اللقاحات والعلاج بالمضادات الحيوية. حققت تلك الظروف المستحدثة زخمًا قويًّا مما دفع علم الأوبئة إلى البحث عن أسباب الأمراض غير معلومة المصدر من خلال الوسائل الجديدة، وكذا الراسخة في البحث العلمي التي سرعان ما صارت تُستخدم فيما تجاوز مجال استخدامها الأوَّلي في جميع مجالات الطب والصحة العامة. وينعكس ذلك على مفهوم علم الأوبئة باعتباره دراسة للصحة والمرض داخل المجتمعات السكانية: [علم الأوبئة هو] دراسة وقوع وتوزيع الحالات أو الأحداث المرتبطة بالصحة في مجتمعات سكانية بعينها، ويشمل ذلك دراسة المحدِّدات المؤثرة على تلك الحالات، وتطبيق تلك المعرفة في السيطرة على المشكلات الصحية.
ميكويل بورتا، «قاموس علم الأوبئة» يضم المجال الرئيسي لعلم الأوبئة جميع جوانب الصحة عند دراستها على مستوى المجتمعات السكانية، وهو لا يغطي فحسب وصف كيفية حدوث الأمراض — والحالات المتصلة بالصحة بوجه عام — داخل المجتمع السكاني، وإنما يشمل أيضًا البحث عن العوامل التي أدت إليها. هذا النشاط الاستقصائي يكون مدعومًا بالفضول العلمي، لكنه يكون موجَّهًا نحو هدف تطبيقي؛ ألا وهو الوقاية من المرض وعلاجه وتحسين الصحة. وهناك سمة مثيرة للاهتمام والتحدِّي تميز علم الأوبئة؛ وهي أنه يبحث في مسألتي الصحة والمرض فيما يتعلق بعوامل تتراوح — إذا أخذنا الأزمات القلبية كمثال — ما بين مستوى الجزيء، وليكن مثلًا نسبة الكوليسترول في الدم، إلى مستوى المجتمع ككل، وليكن مثلًا فقدان الوظيفة. هذا المنظور الواسع يجعل علم الأوبئة من علوم الطب الحيوي والعلوم الاجتماعية في آنٍ واحد. وتشمل الدراسات الوبائية كلًّا من التطبيقات الروتينية للأساليب العلمية الوبائية، على سبيل المثال في مراقبة الأمراض المعدية أو متابعة حالات الدخول والخروج من المستشفيات، والعمليات البحثية المصممة من أجل التوصل لمعرفة جديدة ذات صلة عامة بالموضوع. من الممكن أن يكون هناك تداخل وتبديل بين هذين النمطين من الدراسات. فعندما يُكتشف في إحدى عمليات المراقبة الروتينية حالة تفشي لمرض لم يكن معروفًا من قبل، مثل سارس، فإن العمليات البحثية التي تعقب ذلك تنتج معرفة قائمة على الحقائق تكون مفيدة في الوقت نفسه لكلٍّ من الغرضين المحلي والعملي للسيطرة على المرض ومكافحته، وكذلك للهدف العلمي العام، ألا وهو وصف المرض الجديد والعوامل المسببة له. يؤدي علم الأوبئة وظائف تشخيصية لصحة المجتمع كالتي يؤديها الطبيب للفرد.
في إطار علم الأوبئة، لا بد من التمييز الواضح بين الدراسات «القائمة على الملاحظة»، والدراسات «التدخلية» أو «التجريبية». إن الدراسات التجريبية هي المهيمنة على ساحة علوم الطب الحيوي. فعلى سبيل المثال، يتدخل العلماء الذين يعملون في المعامل طوال الوقت في حيوانات التجارب، والأعضاء المأخوذة من أجسام، والمزارع الخلوية عن طريق إعطاء عقاقير أو مواد كيميائية سامة لدراسة تأثيرها. على النقيض من ذلك، نجد أنه في نطاق علم الأوبئة، تكون الدراسات القائمة على الملاحظة إلى حد بعيد هي الأكثر شيوعًا. فالمتخصصون في علم الأوبئة يراقبون ما يحدث في مجموعة من الناس، ويسجلون الأحداث المتعلقة بالصحة، ويطرحون الأسئلة، ويحصلون على قياسات للجسم أو يحللون عينات دم، غير أنهم لا يتدخلون بشكل فاعل في حياة أو بيئات الأفراد الخاضعين للدراسة. والدراسات التدخلية، مثل التجارب التي تُجرى على لقاحات جديدة لمجتمع سكاني، مهمة جدًّا في مجال علم الأوبئة، لكنه لا يعتمد عليها بدرجة كبيرة؛ فهي لا تزيد عن خُمس إلى عُشر إجمالي الدراسات الوبائية التي تجرى على المجتمعات السكانية غير المريضة. إلا أنه في المجتمعات السكانية المريضة، تصبح التجارب على أنواع العلاج، بدءًا من العقاقير وحتى الجراحات، أكثر شيوعًا. وجميع أنواع الدراسات، سواء أكانت روتينية أم بغرض البحث العلمي، وسواء أكانت قائمة على الملاحظة أم تجريبية، تقف بتفاصيل كلٍّ منها الخاصة على أساس مشترك من المبادئ الوبائية التي سنحدد خطوطها العريضة في هذا الكتاب.
المجالات الخمس الرئيسية داخل نطاق علم الأوبئة

(?) علم الأوبئة الوصفي: يصف الصحة والمرض واتجاهات كلٍّ منهما مع مرور الوقت لدى مجتمعات بعينها. (?) علم الأوبئة السببي: يبحث عن العوامل الخطيرة أو النافعة التي تؤثر على الحالات الصحية (على سبيل المثال، الملوثات السامة والتغذية غير السليمة، والكائنات الدقيقة المميتة؛ الأنظمة الغذائية النافعة، والعادات السلوكية لتحسين اللياقة البدنية). (?) علم الأوبئة التقييمي: يقيِّم آثار التدخلات الوقائية، ويقدِّر كميًّا مخاطر إصابة الأشخاص المعرضين للعوامل الخطيرة بأمراض معينة. (?) علم أوبئة الخدمات الصحية: يصف ويحلل عمل الخدمات الصحية. (?) علم الأوبئة الإكلينيكي: يصف المسار الطبيعي لمرض ما في مجتمع من المرضى ويقيِّم آثار الإجراءات التشخيصية والعلاجات. هوامش

(1) Courtesy of the US National Library of Medicine.
الفصل الثاني
قياس الصحة والمرض


الصحة حالة من المعافاة الكاملة بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز.
دستور منظمة الصحة العالمية، ? أبريل من عام ???? قد يتساءل المرء إن كان المؤسسون الأوائل — الذين صاغوا دستور منظمة الصحة العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية — يقصدون بلا وعي السعادةَ لا الصحة، مع أن السعادة — وهي تجربة إنسانية متغيرة ومتقطعة — لا يمكن وصفها بدقة على أنها حالة دائمة ومبهجة من المعافاة الكاملة. مع ما يتسم به تعريف منظمة الصحة العالمية من تجريد، فإنه لا يؤكد على أهمية البعدين النفسي والاجتماعي، القائمَين إلى جانب البعد الفسيولوجي، للصحة والمرض (جدير بالذكر أن الجوانب الاجتماعية التي ضُمِّنت في تصنيف حديث اعتمدته المنظمة للإعاقات والمحددات الاجتماعية للصحة قد أصبحت موضوعًا محوريًّا للمنظمة خلال السنوات الأخيرة). وحتى في أيامنا هذه، لا يزال الهدف الأساسي لدى الغالبية العظمى من البشر، وهو انعدام المرض أو العجز قدر الاستطاعة بواسطة الوسائل الوقائية والعلاجية الراهنة، بعيد المنال، وليس واضحًا متى قد يتحقق؛ ومن ثم فإن قياس الصحة بدءًا من الجانب السلبي، ألا وهو وجود المرض، ليس فقط أيسر من الناحية الفنية، وإنما أيضًا هو منطقي من الوجهة العملية.
تعريف المرض

من أجل أغراض الدراسات الوبائية، يمكن تعريف المرض إما عن طريق وضع تعريف له واعتبار الأفراد الذين ينطبق عليهم ذلك التعريف كحالات مصابة به، أو عن طريق قبول الأفراد الذين شُخِّصوا من قِبل أحد الأطباء على أنهم مصابون بالمرض باعتبارهم حالات مصابة به. على سبيل المثال، في أية دراسة مسحية وبائية عن مرض السكر، من الممكن أن يقوم فريق البحث بالفحص المباشر لنسبة من جميع البالغين في إحدى البلدات، وأن يعتبر أولئك الذين تنطبق عليهم مجموعة محددة سلفًا من المعايير التشخيصية حالات مصابة بمرض السكر. بدلًا من ذلك، والأبسط كثيرًا، يمكن للمرء أن يتقبل أولئك الذين أعلن الأطباء أنهم مرضى سكر في عياداتهم العامة أو مستشفيات البلدة باعتبارهم حالات مصابة بالسكر. الواقع أن الأسلوبين قد يتداخلان معًا بدرجة ما. فعند إجراء دراسة مسحية مباشرة، سوف يصادف فريق البحث في حقيقة الأمر بعض الأفراد المعلوم بالفعل أنهم مرضى بالسكر والذين قد يعد من غير الضروري إجراء المزيد من الفحوصات لهم. إلا أن تقبل التشخيصات القائمة بالفعل من الممكن أن يؤدي إلى بيانات تعكر صفوها الاختلافات في تعريف المرض والأسلوب المتبع في التشخيص من طبيب إلى آخر في المجال، وهو عيب لا تتصف به دراسة مسحية وبائية مباشرة متكاملة تُجرى اعتمادًا على تعريف ثابت وإجراءات موحدة. وهناك حل وسط بين دراسة مسحية أكثر مصداقية وإن كانت معقدة، وأخرى أبسط لكن أقل مصداقية يُقبل فيها التشخيصات القائمة دون تمحيص، وهذا الحل الوسط هو عدم قبول أو رفض التشخيص إلا بعد دراسة متأنية ودقيقة للسجلات الطبية سواء في ملفات الطبيب أو المستشفى. ومع ذلك، فإن هذا الإجراء — على عكس المفترض من أية دراسة مسحية وبائية — يغفل حالات الإصابة بمرض السكر غير القليلة الموجودة بين أفراد المجتمع السكاني والتي لا تظهر في الملفات؛ لأن المصابين بها لم تظهر عليهم أي أعراض. من الممكن استخدام أيٍّ من هذين الأسلوبين في تعريف مرض السكر وتحديد الحالات المصابة به في الحصول على أرقام عن معدل تكرار الإصابة بهذا المرض في بلد، أو منطقة، أو بين مجموعة معينة من الناس.
وما يزيد من تعقد الأمور أن العديد من تعريفات الأمراض تغير ولا يزال يتغير، بل قد يصل الأمر إلى حدوث تغييرات جوهرية فيها تواكب التطورات التي تحدث في المعرفة البيولوجية والطبية. ففي حالة مرض السكر مثلًا، تعرضت المستويات الحدية لنسبة السكر في الدم التي تعرف الإصابة بمرض السكر للتعديل منذ عشر سنوات آخذة في الاعتبار نتائج العديد من الدراسات التي بينت أن المستويات السابق اعتبارها «طبيعية» وآمنة كانت في حقيقة الأمر مرتبطة بارتفاع معدل تكرار المضاعفات. وبالنسبة للأزمات القلبية، أعيد الآن تعريف الأنواع المختلفة من احتشاء عضلة القلب؛ فأضيفت مسألة اكتشاف بعض البروتينات في الدم غير القابلة للقياس حتى يومنا هذا وهي بروتينات تفرزها خلايا القلب التالفة. ويمكن لعلم الأوبئة أن يسهم في تعريف الأمراض أو إعادة تعريفها. ويمكن لعالم الأوبئة بدلًا من إلزام نفسه بتعريف معين لمرض ما، أن يكتفي بقياس الأعراض الفردية للمرض كالأرق أو الصداع أو الإعياء أو الارتعاش أو الشعور بالغثيان؛ كي يرى إن كانت تحدث معًا، بما يشكل «متلازمة» (أي مجموعة مترابطة من الأعراض) لدى أفراد يتمتعون بسمات شخصية معينة، أو في ظروف بعينها. وهذا الأمر يمهد الطريق نحو بحث الآليات الفسيولوجية، والظروف الخارجية وتفاقم المتلازمة بمرور الوقت؛ وبمجرد اتضاح تلك العناصر، من المحتمل أن يتبلور تعريف لمرض جديد أو شكل خاص من مرض معروف بالفعل.
تعريف مرض السكر وتشخيصه

سمِّي مرض السكر أو البول السكري بهذا الاسم لأن نسبة السكر ترتفع في البول لدى المصابين به. وهو يحدث في شكلين: السكر من النوع الأول، أو سكر صغار السن، وتبدأ الإصابة به في الغالب الأعم قبل سن الثلاثين، في حين تبدأ الإصابة بالسكر من النوع الثاني، أو سكر الكبار، غالبًا بعد سن الثلاثين. وهناك أمر مشترك بين النوعين، اللذين يختلفان في العوامل المسببة لكليهما وفي الاستجابة للعلاج، وهو وجود خلل في أيض السكريات مما يؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في نسبة الجلوكوز في الدم. ومن بين مضاعفات هذا المرض ظهور الجلوكوز في البول وارتفاع نسبته في أنسجة الجسم؛ مما يؤدي إلى سلسلة من المضاعفات بالجهازين القلبي الوعائي والعصبي. وتفاقُم تلك المضاعفات هو الذي يجعل مرض السكر مرضًا يُحتَمل أن يشكل خطرًا بالغًا على من يصاب به.
ومن الممكن أن يشك الأطباء في أن أحد الأشخاص مصاب بالسكري عند معاناته أعراضًا معينة مثل كثرة التبول، وتكرار الشعور بالعطش، وتكرار الإصابة بالعدوى الميكروبية، وفقدان الوزن غير المبرر (وبخاصة في النوع الأول، أو لدى أصحاب الوزن الزائد أصلًا في النوع الثاني). وتصبح الإصابة بالمرض مؤكدة إذا وصل مستوى الجلوكوز في البلازما (وهو الجزء السائل من الدم) لدى شخص صائم لفترة تتراوح بين ? و?? ساعة إلى ??? ملِّيجرامًا لكل ديسيلتر أو تجاوز ذلك. يظل العديد من حالات الإصابة بالسكر، لا سيما النوع الثاني منه، بلا أعراض لسنوات عدة ولا يُكتشف إلا من خلال تحليل دم روتيني يُجرى لأسباب أخرى؛ وفي هذه الحالة، لا يعتبر التشخيص مؤكدًا إلا إذا أعيد إجراء تحليل الدم في حالة الصيام لتأكيد نتيجة التحليل الأول.
في إطار دراسة مسحية وبائية تجرى لأغراض بحثية، فإن أفضل أداة تشخيصية أن تجعل الأفراد الخاضعين للبحث الصائمين يشربون محلولًا مركزًا معدًّا من ?? جرامًا من الجلوكوز ثم يقاس مستوى الجلوكوز في البلازما بعد ساعتين. ويعد المستوى الذي يصل إلى ??? ملِّيجرام لكل ديسيلتر أو أعلى بمنزلة تشخيص بالإصابة بمرض السكر، في حين أن القيم التي تتراوح بين ??? و??? ملِّيجرامًا إشارة إلى وجود اختلال في تنظيم مستوى الجلوكوز، وهي حالة تشير إلى ارتفاع احتمال إصابة الشخص بالمرض.
تضم المراجع الطبية تعريفات مرجعية للأمراض، وقد تم وضع مجموعات من تعريفات الأمراض، من أشهرها وأكثرها استخدامًا على نطاق واسع «التصنيف الدولي للأمراض والمشاكل الصحية المتصلة بها» الذي وضعته منظمة الصحة العالمية. وحسبما يشير الاسم، فإن هذا التصنيف ليس مجرد مجموعة من تعريفات الأمراض، وإنما هو نظام لترتيب وتصنيف الأمراض في مجموعات. وقد تطور نظام التصنيف من ذلك المقترح في مراحل سابقة من المناقشات الدولية التي جرت حول تصنيف الأمراض منذ ما يقرب من ??? عامًا. وهو يعكس الحل الوسط نفسه بين معيارين رئيسيين للتصنيف، أحدهما مبني على موقع المرض في الجسم والآخر مبني على طبيعة المرض ومنشئه. وهو يغطي خمسة مجالات واسعة النطاق: الأمراض القابلة للانتقال بالعدوى، والأمراض الأساسية أو العامة (أمراض الدم، أمراض الأيض كمرض السكر، وأمراض السرطان، والاضطرابات العقلية)، والأمراض التي تصيب أعضاء أو أجهزة بعينها من الجسم (القلبي الوعائي، الهضمي … إلخ)، والأمراض المرتبطة بالحمل والولادة والنمو، والأمراض الناشئة عن الإصابات والسموم. أُقرت الطبعة الأولى من هذا التصنيف عام ???? خلال مؤتمر دولي بباريس شاركت فيه ?? دولة. خضع التصنيف للمراجعة كل عشر سنوات، وفي عام ???? تولت منظمة الصحة العالمية التي كانت قد تأسست حديثًا وقتها مسئولية المراجعة السادسة للتصنيف، وصارت مسئولة عن جميع التطويرات اللاحقة. وفي الوقت الحالي تُستخدم المراجَعة العاشرة، التي تُحدَّث سنويًّا منذ عام ???? بدلًا من أن تُراجع بالكامل.
والمراجعة العاشرة مرتبة في ?? فئة من فئات الأمراض، يشار إلى كلٍّ منها بكود تعريفي من ثلاثة رموز عبارة عن حرف أبجدي واحد وعددين. فالأنواع المختلفة من داء البول السكري تحمل الأكواد E10 حتى E14 وهي مدرجة تحت الفئة الرابعة: «أمراض الغدد الصماء، واضطرابات التغذية، والأيض». واحتشاء عضلة القلب حاصل على الكود I21، تحت الفئة التاسعة: «أمراض الجهاز الدوري»؛ وهناك رمز رابع، يمكن استخدامه اختياريًّا، يمكِّن المستخدم من تحديد الجزء المصاب بالاحتشاء من جدار القلب. ويُستخدم الكود المكون من ثلاثة رموز في جميع البلدان التي تتبع نظامًا معينًا في الإحصائيات الصحية لتكويد المرض الذي يعتبر سببًا للوفاة. وفي بلدان عديدة، يُستخدم كذلك في صيغته القياسية أو مع امتدادات وتعديلات لتكويد التشخيصات في سجلات الخروج من المستشفيات أو في غيرها من سجلات الخدمات الصحية. وقد وضعت جداول تتيح عملية تحويل الأكواد بين النسخ المختلفة من التصنيف الدولي للأمراض. الوفاة حالة جليَّة لا لبس فيها، وإحصائيات الوفاة مقياس معتمَد لوصف الظروف الصحية لإحدى المجموعات السكانية. تخضع أسباب الوفاة — حسبما هي مسجلة في شهادات الوفيات التي تستعين بالمراجعة العاشرة من التصنيف — لمشكلات التشخيص المذكورة للتو وتحتاج إلى ترجمة تشخيص الطبيب إلى أكواد خاصة بالتصنيف. وتقدم شهادة الوفاة المعترف بها دوليًّا صيغة قياسية بسيطة لتيسير مهمة الطبيب في التعرف على السبب «الأساسي» للوفاة من بين العديد من العلل التي ربما أصابت أحد المرضى. إذن، هناك مجموعة كاملة من القواعد متوافرة اليوم — في كثير من الأحيان في صيغة إلكترونية — لواضعي الأكواد الذين عليهم تحويل بيانات شهادة الوفاة إلى أكواد التصنيف الدولي للأمراض. وبالرغم من وجود تلك الإجراءات، فإن دقة أسباب الوفاة المكودة لا تزال منقوصة ومتباينة حتى في البلدان المتقدمة. أما في البلدان النامية، حيث يعيش ويموت أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم، فإن بلوغ أدنى مستوى مقبول من الدقة في غياب الخدمات الطبية الكافية ربما يتطلب إجراء «تشريح سردي»؛ أي تحقيق استرجاعي منهجي مع أفراد الأسرة عن أعراض المرض السابق على الوفاة. وعلينا أن نتذكر دومًا تلك العيوب عند التعامل مع إحصائيات الوفاة، وبصورة عامة أكثر مع الإحصائيات المبنية على تشخيصات الأمراض. غير أنه حسب تعليق عالم الإحصاء الطبي البريطاني ميجور جرينوود، فإن «العالِم المتشدد، الذي ينتظر حتى تصبح الإحصائيات الطبية دقيقة من زاوية تصنيف الأمراض، ليس أكثر حكمة من القروي الساذج الذي وصفه «هوراس» بأنه كان ينتظر جفاف النهر حتى يعبره.»
قياس المرض

نحتاج دائمًا إلى ثلاثة عناصر من أجل قياس معدل الإصابة بالمرض في مجتمع سكاني معين أو داخل جماعة فيه وهي: تحديد عدد الحالات المصابة بالمرض، وعدد أفراد المجتمع، مع إشارة للعنصر الزمني. ففي إحدى المدن — وليكن اسمها مثلًا «مدينة الزهور» — إذا رُصدت ???? حالة إصابة بالسكر من النوع الثاني بين الذكور البالغين (?? عامًا أو أكثر)، فسوف تتباين دلالة تلك النتيجة كثيرًا حسب تعداد الذكور في المدينة نفسها إن كان يبلغ ?? آلاف، أو ??? ألف، أو مليون نسمة. ولتوضيح تلك العلاقة، يمكن حساب أول مقياس للإصابة بالمرض، وهو «نسبة الانتشار» أو ببساطة «الانتشار»، وذلك على النحو التالي: نسبة الانتشار =عدد المصابين بالمرضعدد أفراد المجتمع السكاني
فإذا كان عدد الأفراد (الرجال) في المجتمع السكاني ?????، تكون نسبة الانتشار ?????/?????? = ????. وبصيغة النسبة المئوية، يقال إن ??? من جميع الذكور البالغين في تلك المدينة مصابون بمرض السكر. هل هذه النسبة هي الموجودة الآن أم كانت في وقت ما في الماضي؟ فإذا كان هذا التعداد قد أُجري عام ???? أو ????، فإن هذا الأمر قد لا يكون له سوى أهمية تاريخية؛ أما إن كان في سنة قريبة في الوقت الحاضر، فإن له أهمية راهنة ويحمل في طياته تداعيات عملية. فالأمر يستلزم تحديد النقطة الزمنية التي أُجري فيها إحصاء عدد الحالات داخل المجتمع السكاني، ولتكن مثلًا ? يناير ????. وبهذا يكتمل قياسنا، ويُزال عنه غموضه باعتباره صورة لحظية لمرض السكر لدى الذكور بتلك المدينة. وهذه المعلومات مفيدة على سبيل المثال للتخطيط لتقديم خدمات صحية. بصفة عامة، أرقام نسب الانتشار الخاصة بجميع الحالات الصحية وفي كافة قطاعات المجتمع السكاني، ذكوره وإناثه، صغاره وكباره، مطلوبة من أجل التخطيط لتقديم الخدمات الصحية الملائمة في التشخيص والعلاج. لا يحتاج المرء إلا إلى التأمل قليلًا كي يدرك أن نسبة انتشار مرض السكر تعكس في حقيقة الأمر توازنًا بين عمليتين متضادتين: ظهور حالات جديدة واختفاء الحالات الحالية التي تُوفي أفرادها (أو شفوا شفاءً تامًّا، وهو ما يحدث في بعض الأمراض كالالتهاب الرئوي، لكنه ليس صحيحًا بالنسبة لمرض السكر المؤكدة الإصابة به). وكلتا العمليتين تتطوران بمرور الوقت؛ ومن ثم، فإن العنصر الزمني ينبغي وضعه في الاعتبار، ليس كمجرد إشارة بسيطة إلى النقطة الزمنية التي تم القياس عندها (مثلما هو الحال مع نسبة الانتشار)، وإنما كإشارة للفترات الزمنية التي تظهر خلالها حالات جديدة وتتوفى فيها حالات أخرى.
الاحتمال والخطر

نسب سقوط العملة على وجه الصورة عند قذفها عددًا من المرات المتتالية.1
قبل أن تبدأ مباراة كرة القدم، يقذف حكم المباراة عملة معدنية في الهواء كي يحدد «عشوائيًّا» جانب الملعب الذي سيقف فيه كل فريق من الفريقين المتباريين. وهذا الإجراء عادل للفريقين بافتراض أن العملة لن تنحاز لأحد الفريقين بالسقوط على الوجه الذي يحمل الصورة أو الكتابة. وتوضح نتائج إحدى التجارب التي سُجِّلت فيها ?? آلاف رمية أن هذا افتراض قوي. وكما يتضح من الرسم البياني، فإن نسبة سقوط العملة على الوجه الذي يحمل الصورة تتباين تباينًا كبيرًا عندما يكون عدد الرميات قليلًا، لكن التباين يتضاءل وتصبح النسبة تدريجيًّا أكثر استقرارًا كلما زاد عدد الرميات. إن العملة لا تعوض بصورة غامضة مثلًا سلسلة من الرميات المتتالية التي تسقط على الوجه الذي يحمل الصورة لتعطينا عددًا مساويًا من مرات السقوط على الوجه الآخر، ببساطة: أي خلل في التوازن بين مرات السقوط على الصورة أو الكتابة يتضاءل كلما زاد عدد الرميات وتتجه قيمة النسبة للاستقرار أكثر وأكثر بالقرب من قيمة ???? تقريبًا (أو ??? إن كنت تفضِّل النسب المئوية). هذه القيمة — المفترضة نظريًّا، حسبما يجب أن يحدث في سلسلة من الرميات إذا ما ظللنا نلقيها إلى ما لا نهاية — يمكن اعتبارها احتمال السقوط على الوجه الذي يحمل الصورة. بصفة عامة، «احتمال وقوع حدث ما هو نسبة المرات التي يقع فيها الحدث في سلسلة طويلة لا نهاية لها من المرات.» ولكونها نسبة، فإنها تتراوح بين صفر وواحد، أو بالنسب المئوية تتراوح بين ? و????.
وفكرة خطر الإصابة بمرض ما تربط الاحتمال بالزمن. «الخطر هو احتمال وقوع حدث ما خلال فترة زمنية محددة»؛ على سبيل المثال، خطر كسر ساق أحد الأشخاص خلال السنوات الخمس المقبلة. وعلينا ألا نخلط — مثلما يحدث كثيرًا في السياق العام — بين الخطر وبين «عامل الخطر»، والمعروف أيضًا باسم «المخاطرة»، الذي يستتبع خطر التعرض لتأثير ضار؛ فعند الحديث عن كسور عظم الساق، يعد التزلج على الجليد أحد عوامل الخطر. وحسب تعريفنا هنا، فإن الخطر ببساطة هو احتمال وقوع حدث ما له أي أثر، سواء أكان ضارًّا أو نافعًا، على سبيل المثال، الشفاء من مرض ما.
معدل خطر الإصابة بالمرض ومعدل الإصابة به

معدل خطر الإصابة بمرض ما هو احتمال إصابة الشخص بذلك المرض خلال فترة الملاحظة: معدل الخطر =عدد الأفراد الذين أصيبوا بالمرض خلال فترة زمنيةعدد الأفراد عند بداية تلك الفترة
إذا كان من بين سكان مدينة الزهور (البالغ عددهم ????? نسمة)، هناك ??? حالة إصابة جديدة بمرض السكر شُخِّصت خلال الفترة بين ? يناير حتى ?? ديسمبر ????، فإن معدل خطر الإصابة بهذا المرض يكون ????/?????? = ????? أو ? لكل ألف نسمة. يقدم هذا المقياس البسيط تقديرًا لخطر الإصابة بمرض السكر الذي يهدد الذكور الذين يعيشون في مدينة الزهور إذا كان مجتمع المدينة «مغلقًا»، بمعنى أنه لا يوجد أفراد يدخلونها أو يغادرونها لأي سبب كان. من البديهي أن أي مجتمع طبيعي واقعي لا يكون مغلقًا أبدًا؛ فالناس يموتون، ويخرجون منه، ويدخلون إليه. وحتى في مجتمع مشكَّل اصطناعيًّا مثل مجموعة من الناس تم تحديدها لمتابعة ودراسة صحة أفرادها فترة طويلة، بحيث لن يسمح بدخول المزيد من الأفراد إليها، فسوف تحدث حالات وفاة فيما بينها ولا بد أن بعض أفرادها لن يمكن تتبعهم. باختصار، يبدو معدل الخطر مقياسًا غير مفيد في معظم الظروف إلا عندما تكون فترة الملاحظة الزمنية شديدة القِصَر، ليست عامًا وإنما أسبوعًا أو يومًا، بحيث تكون حالات الدخول والخروج من المجتمع السكاني الخاضع للبحث عند أدنى حد، ومن ثم يمكن تجاهلها.
لا يشترك مقياس حدوث المرض، الذي يُطلق عليه «معدل الإصابة» في أيٍّ من تلك العيوب الموجودة في المقياس السابق، وهو معدل يستخدم بصفة عامة غير أنه يتطلب صياغة أكثر دقة مع توافر بيانات أكثر تفصيلًا من مجرد عدد الأفراد الموجودين عند بدء فترة الملاحظة وعدد الأفراد المصابين بالمرض مع نهاية تلك الفترة. ويمكن اعتبار معدل الإصابة بمنزلة احتمال الإصابة بالمرض خلال فترة زمنية بالغة الضآلة، مجرد لحظة، بحيث لا يقع خلالها حدثان (الوفاة، وصول أحد المهاجرين، حالة مرضية جديدة … إلخ). وهو معدل لحظي للحدوث، يسمى «معدل الوفاة اللحظي» عندما يكون الحدث وفاة، و«معدل المرض اللحظي» عندما يكون الحدث عبارة عن حالة إصابة جديدة بمرض ما. ويمكن حساب معدل الإصابة بمرض ما من خلال المعادلة الآتية: معدل الإصابة بالمرض =عدد الأفراد الذين أصيبوا بالمرض أثناء ملاحظتهمإجمالي فترات الملاحظة الفردية لجميع الأفراد
«فترة الملاحظة» لشخص ما هي الفترة الزمنية من بدء عملية الملاحظة وحتى اللحظة التي يصاب فيها المريض بالمرض أو يتوفى أو يخرج من ميدان الملاحظة أو تنتهي فعاليات الدراسة. وتُجمع الفترات الفردية للملاحظة لتشكل مقام المعدل. عند خضوع سكان مدينة الزهور للملاحظة مدة ??? يومًا من ? يناير إلى ?? ديسمبر ????، إذا حدث أن هاجر أحدهم إلى الخارج بتاريخ ?? مارس؛ أي بعد مرور ?? يومًا من بدء التجربة، فإنه لا يُحتسب شخصًا كاملًا، وإنما كنسبة ???/???? = ???? شخص-يوم؛ وإذا تُوفِّي شخص ما في ?? أغسطس، فإنه يُحتسب بنسبة ????/???? = ???? شخص-سنة. إن وحدة القياس «شخص-سنة» تشير إلى مفهوم رئيسي وهو أنه يجب عدم احتساب كل شخص على أنه واحد صحيح وإنما كمقدار يساوي الزمن الذي خضع خلاله فعليًّا لخطر الإصابة بالمرض. فبالنسبة لتعداد الذكور في مدينة الزهور، يتبين أن معدل الإصابة بمرض السكر، المحسوب بطريقة سليمة بهذه الطريقة، هو ??? لكل ???? شخص-سنة، أو — بتعبير أقل دقة لكنه الأكثر استخدامًا — ??? لكل ???? شخص كل سنة. وبعبارة أوضح، يصاب نحو ? رجال من كل ألف رجل بمرض السكر كل عام. عادةً ما يحتسب الزمن بالسنة، غير أن الأسبوع، بل وربما اليوم قد يكون أكثر ملاءمة عند التعامل مع حالات تفشٍّ حادة لأمراض كالأنفلونزا أو السارس. وفي تلك الحالات، تصبح وحدة القياس «شخص-أسبوع» أو «شخص-يوم».
من البديهي أن هناك علاقة طردية بين معدل الإصابة بمرض ما ونسبة انتشاره. فظهور المزيد من حالات الإصابة بالسكر الجديدة يزيد من نسبة انتشار المرض في المجتمع السكاني إذا كان متوسط فترة المرض الزمنية، التي تتوقف على سرعة وفاة المرضى بعد ظهور المرض، لا تتغير زمنيًّا. إذن بالنسبة لمجتمع الذكور في مدينة الزهور، في الأحوال المستقرة، يكفي أن نضرب معدل الإصابة البالغ ??? لكل ألف شخص-سنة في متوسط الفترة الزمنية البالغة ?? عامًا واللازمة للحصول على نسبة انتشار ??? التي ذكرناها آنفًا.
المعدل — في علم الأوبئة مثلما هو في كافة العلوم الأخرى — هو مقياس يكون فيه الزمن مرجعية. فمعدل الفائدة هو مقدار ما تربحه سنويًّا من وراء رأس المال، ومعدل التقدم في قطع المسافات أو السرعة هو مقدار المسافة التي تقطعها خلال دقيقة أو ساعة. ويجب قصر هذا المصطلح على هذا الاستخدام وألا ينسحب بالتعميم على الأنواع الأخرى من النسب. فإذا سمعت كلمة «معدل الانتشار»، فإنه تعبير خاطئ ويعني ببساطة نسبة الانتشار. «المعدلات العامة» للإصابة بالمرض أو الوفاة تشير إلى مجتمع سكاني بأكمله، في حين أن «المعدلات النوعية»، مثل المرتبطة بعمر أو جنس معين، تشير إلى فئات فرعية من المجموعة السكانية تُحدد عن طريق العمر أو الجنس.
حساب معدل الإصابة

معدل الإصابة مقياس رئيسي في علمَي الأوبئة والديموغرافيا. وعند حسابه في حالة مجتمع سكاني معافًى، فإنه يعبِّر عن احتمال ظهور حالات جديدة من هذا المرض على مدار وحدة زمنية. وعند الإشارة إلى مجتمع آخر مصاب بهذا المرض، فهو يعبِّر عن احتمال الوفاة، أو الشفاء على مدار وحدة زمنية.
تخيل أن هناك مجتمعًا سكانيًّا مصغرًا من عشرة أفراد لوحظوا طيلة شهور الشتاء الثلاثة — أي لمدة ?? أسبوعًا بعد ? يناير ???? — في نطاق الممارسة الطبية. وشُخِّصت حالتان جديدتان من الأنفلونزا — بلوندين في الأسبوع السادس وفرانك في الأسبوع العاشر من تلك الفترة — مما جعل معدل خطر الإصابة بالأنفلونزا ??/??? = ???؛ أي ??? خلال فترة الشهور الثلاثة. وُضع أندرو، وهو سائح أجنبي، تحت الملاحظة في الأسبوع الثاني وغادر في الأسبوع الرابع؛ وانتقل جورج للعمل في مكان آخر في الأسبوع التاسع؛ وتوفي إيان للأسف في حادث في الأسبوع الحادي عشر. ولتبسيط الأمور، نعتبر أن جميع الأحداث (القدوم، والسفر، والوفاة، وتشخيص مرض الأنفلونزا) قد وقعت في منتصف أي أسبوع من تلك التي ذكرناها. وبهذا، يكون أندرو قد وُضع تحت الملاحظة مدة أسبوعين فقط، ومن ثم، فإن الوقت الذي كان معرضًا فيه لخطر الإصابة بالأنفلونزا كان أسبوعين؛ وأصيبت بلوندين بالأنفلونزا خلال الأسبوع السادس، ومن ثم كان الوقت الذي تعرضت فيه للخطر ??? أسابيع؛ لأن فترة الملاحظة التي تلت ذلك حتى الأسبوع الثالث عشر لم تعد تمثل تعرضها للخطر من السلالة نفسها من الأنفلونزا. ويبين العمود الثالث من الجدول التالي أسابيع التعرض للخطر لكلٍّ من أندرو وبلوندين والباقين.
عدد أسابيع الملاحظةالأسبوع المشخصة فيه الإصابة بالأنفلونزاأسابيع التعرض للخطرأندرو??بلوندين??السادس???تشارلز????ديانا????إيف????فرانك??العاشر???جورج??????هيلين????إيان????????جيني????
والآن يمكن حساب معدل الإصابة على النحو التالي: ?/(? + ??? + ?? + + ???? + ??) = ??/???? = ?????? لكل شخص-أسبوع أو ???? لكل ??? شخص-أسبوع. وإصابة شخصين من كل ??? شخص بالمرض خلال فترة الأسبوع القصيرة تعد معدلًا مرتفعًا. ظاهريًّا، أصيب بالمرض خلال ?? أسبوعًا (أي عامًا كاملًا) ??? أفراد (? × ??)، من بين إجمالي ??? شخص، وهي نتيجة غريبة طبعًا! والحقيقة أن عملية الحساب الصحيحة، التي تتضمن أكثر من مجرد عملية حسابية بسيطة، تبين أنه إذا استمر ذلك المعدل مدة عام كامل (وهو لحسن الحظ أمر لا يحدث عادةً في حالة الأنفلونزا الموسمية)، فربما يفلت من الإصابة بها ? أو ? أفراد من بين كل عشرة في مجتمعنا المصغَّر. هوامش

(1) From M. G. Bulmer, Principles of Statistics, 2nd edn. (Edinburgh and London: Oliver & Boyd, 1967), p. 2.
الفصل الثالث
البحث عن أسباب المرض


العوامل المسببة للمرض والتعرض لها

إننا نستخدم كلمة «سبب» كثيرًا في أحاديثنا اليومية. يبدو المفهوم بسيطًا من الناحية البديهية، غير أنه ملغز من الناحية المنطقية وقد تعرض لجدل متواصل منذ عهد الفلاسفة الإغريق — وتحديدًا أرسطو — الذين بدءوا يضعون تعريفًا له في القرن الخامس قبل الميلاد. وأسباب المرض ليست استثناءً من تلك الصعوبة. فعندما يصاب عدة أشخاص بنزلات معوية عقب مرور ساعات قليلة من تناولهم وجبة عشاء بأحد الأندية، فما السبب؟ هل هي وجبة العشاء التي من دونها ما كان من الممكن أن تحدث المشكلات المعوية؟ هل هي حلوى التيراميسو، باعتبار أن من تناولوها هم فقط من أصيبوا بالنزلة؟ هل هي البكتيريا العنقودية الذهبية التي — مثلما أوضحت الفحوص المعملية لاحقًا — وجدت طريقها إلى حلوى التيراميسو نتيجة خلل في إجراءات النظافة بالمطبخ؟ هل هو السم الذي أنتجته البكتيريا التي تهاجم خلايا بطانة الأمعاء؟ هل هو الجزء النشط بيولوجيًّا من جزيء السم الذي يتحد مع بعض جزيئات الغشاء الخلوي؟ قد يغوينا اعتبار ذلك السبب الأخير هو السبب النهائي، ومن ثم يكون هذا هو السبب «الحقيقي»، غير أن فهمنا للعالم سرعان ما سينهار إذا كانت العلاقات بين الجزيئات وحدها هي التي تعتبر سببًا لكل شيء. على سبيل المثال، قد يكون من المستحيل وصف وتحليل دوران الدم من زاوية الجزيئات الفردية. فقط عندما تتحد الجزيئات كي تنتج تكوينات أكثر تعقيدًا مثل خلايا الدم والشرايين والأوردة وعضلة القلب، تبرز خصائص جديدة تسمح بتفسير عمل الجهاز الدوري. في حقيقة الأمر، في مثالنا هنا، من الممكن اعتبار كل عامل — بدءًا من العشاء نفسه وحتى الجزء النشط من الجزيء وذلك عند مستوى مختلف من الملاحظة والتفصيل — سببًا. فبدون «أيٍّ» منها ما كان ممكنًا أن يصاب الأفراد بالنزلة المعوية. بصفة عامة، يمكننا اعتبار السبب هو ذاك العامل الذي لولا تأثيره، ما كان من الممكن أن يحدث الأمر، سواء أكان سلبيًّا كالمرض أو إيجابيًّا كالوقاية منه.
معظم العمل البحثي لعالِم الأوبئة يتمثل في محاولة تحديد «العوامل التي لولاها» ما يكون لأحد الأمراض أن يحدث أو لا يحدث. ومن زاوية القياسات الفعلية للمرض التي تناولناها في الفصل الثاني، فإن معنى ذلك تحديد العوامل — أيًّا كانت طبيعتها: اجتماعية، بيولوجية، كيميائية، فيزيائية — التي يتضح أن وجودها مرتبط على الدوام بارتفاع أو انخفاض في معدل الإصابة بمرض ما أو معدل خطر حدوثه. وهناك العشرات من العوامل المرشَّحة لهذا الدور، بدءًا من الضغوط العصبية في العمل وحتى الجينات الموروثة، ومن الأطعمة الدهنية حتى ممارسة الرياضة، ومن العقاقير حتى ملوثات الهواء. يمكن استخدام اسم عام لكل تلك الأشياء هو «العامل» أو حسب اللغة التي يستخدمها علماء الأوبئة «التعرُّض»، وهو تعبير محايد يبتعد بنا عن التحيز لما إذا كان سيتضح في النهاية أن هذا العامل هو سبب المرض أم لا.
المقارنة بين معدلات الإصابة ومعدلات خطر الإصابة مع تقليل الانحيازات

تبدأ الرحلة البحثية الطويلة عادة، والتي تهدف إلى إثبات أن عاملًا ما هو سبب أحد الأمراض، بإجراء مقارنة بين معدلات الإصابة أو معدل خطر الإصابة لدى مجموعات مختلفة من الناس. فارتفاع معدل الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني لدى مجموعة من أصحاب الوزن الزائد خضعت للملاحظة على مدى سنوات عدة عما هو عليه لدى أصحاب الوزن الطبيعي؛ يشير إلى أن الوزن الزائد ربما كان من بين محددات الإصابة بمرض السكر. وقبل أن يصبح من الممكن تحويل هذا الافتراض إلى حقيقة عليها أدلة مؤكدة، يحتاج الأمر إلى استيفاء شرطين؛ أولًا: بيان وجود ارتباط بين التعرض — أي الوزن الزائد — ومعدل الإصابة بمرض السكر، وهو الموضوع الذي يتناوله هذا الفصل، وثانيًا: تفسير هذا الارتباط على أنه ذو طبيعة سببية، وهو ما سنناقشه في الفصل الرابع.
من الممكن أن يختلف أصحاب الوزن الزائد عن أصحاب الوزن الطبيعي في العديد من الأوجه: الجنس، والعمر، والنظام الغذائي، ومقدار ممارسة الرياضة، ومن الممكن أن يكون أيٌّ من تلك الأوجه — وليس زيادة الوزن في حد ذاتها — هو المسئول عن ارتفاع معدل الإصابة بمرض السكر. وكخطوة أولى للتعامل مع تلك المشكلة، يمكننا استبعاد بعض العوامل الدخيلة المحتملة عن طريق قصر دراستنا على أصحاب الوزن الطبيعي والزائد الذين ينتمون فقط إلى أحد الجنسين وإلى فئة عمرية معينة، ولتكن مثلًا الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا في مدينة الزهور. زيادة الوزن تعني زيادة مؤشر كتلة الجسم عن ??. إن مؤشر كتلة الجسم يقيس الوزن بالنسبة إلى الطول (وهو يُحسب بقسمة الوزن على مربع الطول)؛ ويعتبر مؤشر كتلة الجسم الذي يقع في نطاق يتراوح بين ?? و?? طبيعيًّا. أما أولئك الذين يتجاوز المؤشر لديهم ??، فإنهم يُعتبرون من أصحاب الوزن الزائد، وفي نطاق تلك الفئة يُصنف من يتجاوز مؤشرهم ?? على أنهم مصابون بالسمنة. وسرعان ما يصل أسلوب استبعاد العوامل الدخيلة المحتملة عن طرق قصر الدراسة على بعض الفئات من الناس دون غيرها إلى حدوده القصوى. فالمزيد من تحديد الدراسة بقصرها مثلًا على الأشخاص الخاملين الذين يتناولون نوعًا معينًا من الغذاء لن يقلل للغاية من عدد الأفراد المتاحين للبحث فحسب، بل الأسوأ من ذلك أنه قد يجعل نتائج الدراسة غير قابلة للتطبيق على المجتمع السكاني بشكل عام. أما الوسيلة الأفضل، وهي في واقع الأمر كذلك الأكثر شيوعًا في الاستخدام، فإنها تتمثل في الحصول على معلومات عن عوامل معينة مثل الغذاء وممارسة الرياضة لكل فرد خاضع للدراسة وتسجيل تلك المعلومات، بحيث يكون في استطاعتنا وقت تحليل البيانات إجراء مقارنة بين أصحاب الوزن الطبيعي والزائد ليس إجمالًا، وإنما أولًا في نطاق المجموعات الفرعية (أو ما نسميها «الطبقات») التي تتبع النمط الغذائي نفسه وتمارس المستوى نفسه من الرياضة، ثم إيجازها في مقارنة كلية «مضبوطة» بعد تحريرها من تأثير تلك العوامل.
ووفق تصميم الدراسة الذي ذكرته لتوي، فقد وقع الاختيار على مجموعة أتراب مكونة من ???? متطوع من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا من غير المصابين بمرض السكر والذين يقيمون بمدينة الزهور، وخضعوا للمتابعة مدة عام واحد، مع تسجيل حالات الإصابة الجديدة بمرض السكر من النوع الثاني. وعند اختيار المجموعة، تبين أن ???? فردًا منهم هم من أصحاب الوزن الطبيعي، في حين أن ???? فردًا كانوا يعانون من زيادة في الوزن. وخلال فترة المتابعة على مدى عام كامل، سُجِّلت ?? حالة جديدة من الإصابة بالمرض، ووقعت ?? حالة وفاة (لأي سبب كان) في المجموعة الأولى، و?? حالة إصابة بالسكر و?? حالة وفاة في المجموعة الثانية.
نتائج ملاحظة مجموعة أتراب من ???? رجل في مدينة الزهور على مدى عام.
الوزن/العمرالعددالنسبة المئويةعدد الوفياتعدد حالات الإصابةشخص-سنةمعدل الإصابةوزن طبيعي??–?????????????????????–????????????????????–?????????????????????وزن زائد??–???????????????????–?????????????????????–?????????????????????
اشتق معامل (شخص-يوم) من افتراض أن الأفراد الذين يتعرضون للوفاة أو الإصابة بالسكر للمرة الأولى ظلوا معرضين لخطر وقوع هذين الحدثين لهم مدة نصف عام من الملاحظة في المتوسط؛ ومن ثم، فإن معامل شخص-يوم لمن يتمتعون بوزن طبيعي وتتراوح أعمارهم بين ?? و?? يُحسب على النحو التالي: ???? ? (?? + ?)/? = ????، ويُحسب معامل شخص-سنة لباقي المجموعات بذات الطريقة.
من بين الأفراد ذوي الوزن الطبيعي، وقعت الحالات الخمس عشرة للإصابة بالسكر من بين ???? شخصًا-سنة معرضين لخطر الإصابة بالمرض، وهو معدل إصابة يبلغ ??? لكل ???? شخص-يوم. أما في الأفراد ذوي الوزن الزائد، فقد وقعت الحالات الثلاثة والعشرون من بين ??? شخصًا-يوم، وهو معدل إصابة يبلغ ???? لكل ألف شخص-يوم. غير أنه من المربك أن ندرك أن اختيار الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? دون غيرهم، ودون أن نضم جميع الذكور البالغين، لم يكن كافيًا لاستبعاد التأثير المحتمل لعامل السن. فالنسبة المئوية للفئة الأكبر سنًّا، الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا، من أصحاب الوزن الزائد تبلغ في واقع الأمر حوالي ضعف (???) النسبة المئوية لأصحاب الوزن الطبيعي (???)، وربما كان هذا هو السبب الحقيقي لارتفاع معدل ظهور حالات جديدة من الإصابة بالسكر؛ حيث إنه من المعلوم جيدًا أن معدل الإصابة بهذا المرض يرتفع كلما تقدم العمر بالإنسان. وحتى نستبعد تأثير السن، نحن بحاجة للمقارنة بين المعدلين لدى مجموعتين لديهما التركيبة العمرية نفسها، وأبسط وسيلة لذلك أن تكون ??? من كل مجموعة ممن تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا وا? ??? الأخرى ممن تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا. فلو تم تطبيق تلك النسب المئوية «المعيارية»؛ أي الثابتة، فإن المعدلين ??? و???? للمجموعتين العمريتين الفرعيتين بين أصحاب الوزن الطبيعي ستكون لكليهما أهمية متساوية (أو إذا شئنا التعبير بطريقة فنية، لديهما «الوزن» نفسه) ويكون متوسط معدلهما إذن هو (??? + ????)/? = ???. وبالمثل، لدى أصحاب الوزن الزائد، يكون متوسط المعدل (???? + ????)/? = ????. هذان المعدلان «مضبوطان عمريًّا» عن طريق إجراء معايرة: إنهما لا يزالان مختلفين (???? ? ??? = ????)، لكن من الناحية المادية الفارق أقل من المعدلين الإجماليين، أو العامَّين، (???? ? ??? = ????).
بعد استبعاد تأثير العمر، يظل هناك اختلاف ربما يعكس تأثير الوزن، أو — وهو ما يبعث على الضيق — تأثير عوامل أخرى من المحتمل أن تتدخل مثل مقدار ما يمارسه الفرد من رياضة أو نوع الغذاء الذي يتناوله. الحقيقة أن ما يجري عمله بصفة عامة في الدراسات الوبائية هو ضبط المعدلات ليس فقط بعزل عامل واحد مثل العمر وإنما جميع العوامل الدخيلة — وتسمى العوامل المشتتة أو العوامل المشوشة — والمعلوم أنها قادرة على إحداث تباين في المعدلات. وتتوافر في الوقت الراهن مجموعة من الوسائل الإحصائية، الأكثر تعقيدًا بكثير من وسيلة المعايرة البسيطة التي ذكرناها لتونا، وذلك في حزم برمجيات لتنفيذ عملية الضبط التلقائي للعوامل المشوشة المتعددة. تظهر أكثر هذه الوسائل استخدامًا في الأبحاث العلمية تحت أسماء مثل: «انحدار كوكس» (أو «انحدار المخاطرة النسبية») و«انحدار بواسون» لضبط المعدلات و«الانحدار اللوجيستي» لضبط معدلات الخطر. وليس للانحدار أي علاقة بالتدهور، ولكنه مصطلح عام يطلق على مجموعة كبيرة من الطرق الإحصائية التي تحلل اعتماد أحد المتغيرات — وليكن معدل الإصابة بمرض ما على سبيل المثال — على متغيرات أخرى عديدة مثل الجنس، والعمر، والغذاء وغير ذلك. (اشتُقَّ الاسم من أحد الاستخدامات الأولى للطريقة. فعند دراسة العلاقة بين أطوال الآباء والأبناء، وُجِد أن أبناء الآباء الأطول من المتوسط كانوا أكثر ميلًا في المتوسط إلى أن يكونوا أقل طولًا من آبائهم؛ أي إن قاماتهم مالت إلى «الانحدار» نحو المتوسط، وحدث الانحدار نفسه من أبناء الآباء الأقصر طولًا من المتوسط.)
وتهدف عملية الضبط الخاصة بعزل العوامل المشوشة إلى استبعاد الخطأ الذي من الممكن أن ينشأ نتيجة لإرجاع وجود اختلاف في المعدلات لعامل واحد، مثل زيادة الوزن، في حين أنه ربما يكون في الحقيقة نتيجة واحد أو أكثر من العوامل الأخرى «العوامل المشوشة». إلا أن هذا مصدر واحد فقط من مصادر الخطأ المحتملة، أما المصدران الرئيسيان الآخران فينشآن من اختيار الأفراد الذين ستشملهم الدراسة ومن الطرق المتبعة في ملاحظتهم. فكما رأينا، تكونت مجموعة أتراب مدينة الزهور من ???? متطوع من الذكور. فإذا كان أصحاب الوزن الزائد (لا الوزن الطبيعي) المنتمون لطبقات اجتماعية اقتصادية دنيا قد تطوعوا للخضوع إلى الملاحظة في الدراسة بأعداد أكثر من أصحاب الوزن الزائد المنتمين لطبقات اجتماعية اقتصادية أعلى، فإن المعدل المرتفع للإصابة بمرض السكر بين أصحاب الوزن الزائد ربما يعكس تأثير اتِّباع أنظمة غذائية أقل من الناحية الصحية بدلًا من السمنة. يمكن أن يمر «انحياز الانتقاء» هذا مرور الكرام دون أن يلاحظه أحد، وقد يؤدي إلى تفسير خاطئ لنتائج الدراسة إذا لم يتم جمع معلومات عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية — وهو أمر ليس سهلًا — لجميع المشاركين. على الجانب الآخر، قد يَظهر «انحياز الملاحظة» على سبيل المثال إذا خضع أصحاب الوزن الزائد للملاحظة الدقيقة بسبب حالتهم، بشكل أكبر مما يجري مع أصحاب الوزن الطبيعي. ولربما كان هذا هو ما رجح أكثر اكتشاف حالات جديدة من الإصابة بمرض السكر بين أصحاب الوزن الزائد أكثر منه لدى أصحاب الوزن الطبيعي. باختصار، توجد ثلاثة مصادر محتملة للأخطاء التي يمكن أن توجد في أية دراسة قائمة على الملاحظة في علم الأوبئة؛ أولًا: انحياز ناشئ عن عوامل مشوشة لم تخضع للضبط أو ضُبطت بصورة غير ملائمة (من خلال وسائل التعديل)، ثانيًا: انحياز ناشئ عن انتقاء الأفراد، ثالثًا: انحياز ناتج عن ملاحظة الأفراد وجمع المعلومات. الانحياز كلمة مرادفة للخطأ المنهجي أو الثابت، وهو الأهم والأكثر صعوبة في تحييده، أو على الأقل وضعه في الحسبان في الدراسات القائمة على الملاحظة. علاوةً على ذلك، هناك دائمًا أخطاء تحدث بالمصادفة.
استبعاد المصادفات

فيما يتعلق بمجموعة أتراب مدينة الزهور، قال لنا الباحثون إنه لا توجد عوامل مشوشة غير العمر وإنه لا توجد انحيازات متعلقة بانتقاء الأفراد أو بالملاحظة، ومن ثم فقد ظل الوزن الزائد وحده المرشح للارتباط المُلاحظ بمعدلات الإصابة بمرض السكر. ولكن كيف يمكن للمرء أن يكون على يقين منطقي من أن الفارق بين معدلي الإصابة المضبوطين عمريًّا (???? و???) لم ينشأ بمحض الصدفة؟ عند النظر إلى جدول النتائج، نلاحظ أنه في الفئة العمرية من ??–??، كان رقم معامل شخص-يوم بين كلٍّ من أصحاب الوزن الطبيعي وأصحاب الوزن الزائد كبيرًا للغاية وكان واحدًا تقريبًا (??? و???). يمكننا الاستفادة من هذا والزعم أنه إذا لم يكن للوزن التأثير الذي كنا نتوقعه، ونظرًا لأن رقم معامل شخص-يوم واحد، فإن عدد الحالات الجديدة للإصابة بالسكر من الممكن أيضًا أن يكون واحدًا في كلٍّ من المجموعتين أصحاب الوزن الطبيعي والوزن الزائد في الفئة العمرية من ??–??. لكن هناك ? حالات بين أصحاب الوزن الطبيعي و?? حالة بين أصحاب الوزن الزائد، وهو فارق كبير حقًّا فيما يتعلق بتوقع رقم متساوٍ (?? + ?)/? = ??. إلا أن الفوارق الكبيرة نفسها يمكن أن تحدث أيضًا بالمصادفة البحتة، والسؤال الآن هو: ما مدى تكرار حدوث ذلك؟ يمكننا أن نحاكي دراستنا عن مرض السكر محاكاة كاملة بقذف عملة معدنية في الهواء ثلاثين مرة، وملاحظة عدد المرات التي تسقط فيها على وجه الصورة وعلى وجه الكتابة، مع إعادة تكرار التجربة مرات عدة. نتوقع أنه سيكون هناك عدد متساوٍ من مرات السقوط على كلٍّ من الوجهين (أي ?? مرة لكليهما) في كل تجربة، مثلما يجب أن يكون هناك عدد متساوٍ من حالات الإصابة بالسكر (??) بين كلٍّ من أصحاب الوزن الطبيعي والزائد. إن الابتعاد عن هذا التوقع في التجارب المتتالية، التي تتكون كلٌّ منها من ?? رمية عملة، يخبرنا بمدى احتمال أو عدم احتمال حدوث انحراف بالمصادفة بذلك الحجم المشاهد في الدراسة (?? و?). وفيما يلي نتائج سلسلة صغيرة من ?? تجربة قمت بها أنا شخصيًّا، قبل أن يصيبني التعب:
صورةكتابةصورةكتابةصورةكتابةصورةكتابة???????????????????????????????????????????????????????????????????????????????
تجربة واحدة من بين عشرين تجربة (??) أعطت نتيجة ? إلى ?? (مميزة بخط عريض)، وهو انحراف تصادفي عن التوقع الأكبر من ذلك الذي لوحظ في البيانات الخاصة بمرض السكر (وهو ?? إلى ?). ففي ?? من بين ?? تجربة (???)، كان الانحراف أقل من ?? إلى ?. ونسبة ??? ليست بالطبع ????، لكنها قريبة منها إلى حد معقول، وعلى هذا الأساس، ومع ما لاحظناه في دراستنا (التي تحاكي تمامًا تجارب قذف العملة)؛ أي ?? حالة إصابة بالسكر بين أصحاب الوزن الزائد و? حالات بين أصحاب الوزن الطبيعي، يمكننا الآن رفض الفرضية التي تقول إنه لا يوجد فارق حقيقي في المعدلات. أو بالمصطلحات الإحصائية، فإننا أجرينا «اختبار دلالة» على الفارق في المعدلات ونحن جاهزون للقول إن «الفارق الملاحَظ له دلالة إحصائية عند مستوى ??». ويعني هذا ضمنًا أننا لو استمررنا على هذا النحو في مناسبات مشابهة، فاحتمال أن نخطئ سيكون بنسبة ??. للأسف، لا يمكن لأحد أن يعلم إن كانت تلك واحدة من المرات الخمس التي يمكن أن نصل بها «منطقيًّا» إلى استنتاج خاطئ أم لا!
اختبارات الدلالة وحدود الثقة

إجراء تجارب العملة المعدنية أداة مفيدة للتوضيح العملي لأساس أي اختبار دلالة، غير أن الحسابات الدقيقة يمكن أن تُجرى يوميًّا على أساس نظرية الاحتمالات، بل وهي بالفعل كذلك. وفي حالة وجود حدثين يقعان بالتبادل ويحول أحدهما دون وقوع الآخر، مثل وجهَيِ الصورة والكتابة، أو الذكر والأنثى، أو ميت وحي، فإن توزيع الاحتمال ذي الحدين يسمح بإجراء حسابات دقيقة لعدد مرات وقوع حدث له احتمال حدوث في عدد محاولات مقدارها ؛ على سبيل المثال، كم عدد المرات التي سترزق فيها أسرة بطفلين ( = ?) يكون عدد الأولاد فيها صفرًا وعدد البنات ?؟ وكم مرة سيكون هناك ولد واحد وبنت واحدة؟ وكم مرة سيكون عدد الأولاد فيها ? وعدد البنات صفرًا؟ إننا نفترض (ربما لا يكون هذا هو ما يحدث تحديدًا في الواقع) أن الولادات المتتابعة مستقلة من حيث تحديد جنس المولود، وأن الاحتمالية لميلاد ولد تبلغ ??/??، وهي الاحتمالية نفسها لميلاد بنت؛ ومن ثم، فإن احتمالية أن يكون عدد البنات في الأسرة ? وعدد الأولاد صفرًا هي ??/?? × ??/?? = ??/?? أو ????، وهي ذاتها احتمالية أن يولد للأسرة ولدان فقط دون بنات. علاوةً على ذلك، فإن احتمالية أيٍّ من المجموعات التي يكون بها ولد واحد وبنت واحدة سوف تكون ??/?? × ??/?? = ??/??؛ حيث إن هناك مجموعتين لاحتمال إنجاب الأسرة ولدًا واحدًا وبنتًا واحدة وهما أن ترزق الأسرة بالولد أولًا ثم البنت ثانيًا، أو العكس، فإن إجمالي احتماليهما سيكون ? × ??/?? = ??/?? أو ???. إن الأشكال الثلاثة المحتملة للنسل هنا تغطي جميع الاحتمالات، ومن ثم يجب أن يكون مجموع احتمالاتها واحدًا صحيحًا، وهذا هو ما حدث بالفعل: ???? + ??? + ???? = ?. وبصورة مشابهة، يمكن اشتقاق الاحتمالات للتوزيعات ذات الحدين بقيم أخرى من و. في الشكل ?-?، يقيس ارتفاع الأعمدة احتمال العثور على ?، ?، ?، ?، … ?? حالة تجتمع فيها زيادة وزن والإصابة بالسكر من بين عدد حالات = ??، عندما تكون قيمة الاحتمالية لحالة ما ذات وزن طبيعي أو زائد تساوي ??/?? (أو ???). وتم وضع القيم العددية للاحتمالات على المحور الرأسي ومجموع قيمها يساوي واحدًا صحيحًا؛ أي يقينًا تامًّا؛ إذ إن النتائج الثلاثين على اختلافها تستنفد جميع الاحتمالات الممكنة. ومجموع احتمالات (الأعمدة) في الذيل الأيمن للتوزيع لعدد ?? أو أكثر من حالات الإصابة بالسكر من أصحاب الوزن الزائد يبلغ ????? أو ????، والمجموع المقابل بالذيل الأيسر، والمقابل لعدد ? حالات إصابة بالسكري أو أقل من أصحاب الوزن الزائد؛ يبلغ هو أيضًا ????. ومجموعهما يبلغ ????، وهو ما يؤكد نتيجة سلسلتنا المصغرة من تجارب أوجه الصور والكتابة في العملة. هناك احتمال مقداره ????؛ أي أقل من ??، أنه بموجب الفرضية التي تسمى «الفرضية العدمية أو الصفرية» — أي عدم وجود فارق في معدل الإصابة بالسكر بين الأشخاص أصحاب الوزن الطبيعي وأصحاب الوزن الزائد — تتم ملاحظة نتيجة متطرفة بذات قدر وجود ?? حالة وزن زائد أو أكثر. وكان من الممكن التوصل إلى الاستنتاج نفسه لو أننا — بدلًا من التركيز فقط على أناس يقعون ضمن الفئة العمرية ??–?? — كنا أجرينا اختبارنا الخاص بالدلالة الإحصائية على المعدلين المضبوطين عمريًّا وهما ???? و??? اللذين يوجزان تجربة مجموعة الأتراب بأكملها البالغة ???? رجل؛ فالفارق بينهما ???? — وهو الأكثر صلة بالاختبار — له دلالة إحصائية أيضًا مع احتمالية تبلغ أقل من ??. شكل ?-?: التوزيع الثنائي الحد عندما تكون = ??? و = ??.
بالرغم من الشهرة الكبيرة التي تحظى بها اختبارات الدلالة في العلوم بصفة عامة وفي علم الأوبئة بصفة خاصة، فإن هناك أسلوبًا أكثر إفادة، ومن ثم أكثر تفضيلًا للتوصل إلى النتيجة نفسها. إن الفارق البالغ ????، والمشتق من عينة سكانية ذات حجم كبير وإن كان محدودًا (???? شخص)، يعكس الجمع بين الفارق «الحقيقي» وإن كان مجهولًا في مجتمع سكاني مثالي ذي حجم لامتناهٍ والتأرجح الذي يقع بالمصادفة النابع من حقيقة أنه من وسط ذلك المجتمع السكاني المثالي قمنا بدراسة عينة متناهية الحجم من ???? شخص. لو جاز لنا أن نكرر دراستنا هذه على عينة أخرى مكونة من ???? شخص لا يمكن تمييزها عن العينة الأولى، لحصلنا عندئذٍ على فارق مختلف قليلًا عن ???? وسوف يحدث الشيء نفسه من جديد مع أي عينة تالية. مرة أخرى، نقول إن التوزيع الاحتمالي ذا الحدين يسمح باستكشاف نطاق قيم الفارق بحيث يكون هناك احتمال بنسبة ??? (أو إذا كان المرء يفضل، ??? أو ???) لاحتواء الفارق الحقيقي المجهول ضمنه. في حالتنا هذه، كانت هذه القيم ? و????، وهو نطاق متسع للغاية. ويمكننا الإيجاز بالقول إن «تقدير النقطة» للفارق الحقيقي المجهول هو ????، ? «حدود ثقة تبلغ ???» (أو «فترة ثقة ???») للرقمين ? و????. بعبارة أبسط، تعبر فترة الثقة عن نطاق من القيم يمكن أن يضم بداخله الفارق الحقيقي بقدر معين من الاحتمالية. لو لم يكن هناك فارق حقيقي، لَضَمَّ النطاق القيمة صفرًا؛ أي كانت القيم ستتراوح بين ???? و????. وفترة الثقة أكثر إفادة بكثير من اختبار الدلالة الإحصائية، ومن ثم هي أسلوب أفضل كثيرًا لتقييم دور الصدفة. فهي لا تكتفي بأن تخبرنا، مثلها مثل اختبار الدلالة، بأن الفارق من غير المحتمل أن يكون قد نشأ بالصدفة (إذا كانت الفرضية العدمية صحيحة)، بل تقدم معلومات عن نطاق القيم الممكنة لذلك الفارق. ولمَّا كان النطاق لا يوفر يقينًا وإنما يحدد فقط احتمالية بأن الفارق الحقيقي يقع بداخله، فإنه ربما يخطئ مثله في ذلك مثل اختبار الدلالة. إن حساب حدود ثقة بنسبة ??? وذكر أن الفارق الحقيقي يقع بينها يكون خطأ في ?? من الحالات، غير أنه لا يمكن لأحد أن يعرف إن كانت دراستنا حول مرض السكر واحدة من تلك الحالات أم لا.
شكل ?-?: مهلًا! لا يمكن لأحد أن يقول إن كانت النتيجة الخطأ تقع في دراستك أو في دراسة شخص آخر. ورجاءً انتبه أكثر لمصادر الخطأ بخلاف الصدفة.1
ويمكن تبني مستويات أعلى من الثقة، على سبيل المثال، ??? أو ?????، بما يستتبع أن تكون هناك مخاطرة باحتمال الخطأ بنسبة ?? أو ???? فقط، غير أن الثمن المدفوع للوصول إلى درجة أعلى من الثقة هو أن يتسع النطاق الذي يمكن القول إن الفارق واقع ضمنه.
المعاملات وطرق تقديرها

لتحقيق الغرض العام المتمثل في التوصل لاستدلالات مبنية على البيانات التي جُمعت في دراسة وبائية، يمكن النظر إلى كلٍّ من معدلات الإصابة، ومعدلات الخطر، والفوارق في المعدلات أو المخاطر والمتوسطات وما إلى ذلك باعتبارها «معاملات» تميز أي مجتمع مثالي، فكل معامل له قيمة «حقيقية» وإن كانت غير معلومة. وتتيح البيانات العملية لنا عمل «تقديرات» لتلك المعاملات وتقييم مقدار تأثرها — عن طريق حدود الثقة — بتأرجحات المصادفات. ولكل تقدير للمعاملات هامشه الخاص به من الشك الذي يُعبَّر عنه من خلال حدود الثقة. لكن اختبارات الدلالة على العكس من ذلك مخصصة أكثر لأنواع مختلفة تُجرى من التحليل الإحصائي، وهي توجد في الأبحاث العلمية في صورة اختبارات مثل اختبار كاي-تربيع، واختبار تي، واختبار إف، وغيرها.
بعد أن استبعدنا الانحيازات والمصادفة في تحليلنا لدراسة مرض السكر بمدينة الزهور، يمكننا أن نستنتج أنه في نطاق دراستنا هناك فارق حقيقي في الإصابة بمرض السكر بين أصحاب الوزن الطبيعي وأصحاب الوزن الزائد؛ أو بعبارة أخرى، هناك ارتباط بين الوزن الزائد وحدوث الإصابة بمرض السكر (هناك شيء من الالتفاف هنا؛ فما فعلناه في الواقع أننا رفضنا الفرضية بعدم وجود فارق، وهو أمر في الواقع العملي يعادل ولكنه ليس مطابقًا منطقيًّا لأن نقول إننا نسلم بوجود فارق حقيقي). ويبقى أن نُؤوِّل طبيعة هذا الارتباط: هل هو ارتباط سببي؟ أي هل الوزن الزائد عامل محدد للإصابة بمرض السكر؟
هوامش

(1) © Irving Geis, adapted from Darrell Huff and Irving Geis, How to Take a Chance (Penguin Books, 1965).
الفصل الرابع
إثبات أسباب الأمراض


بعد التدقيق المتأني من أجل الاستبعاد المنطقي للانحيازات والمصادفات، ربما يبدو مفاجئًا لنا أن الارتباط الذي تأكد في إحدى الدراسات بين تعرُّض ما مثل زيادة الوزن وبين الإصابة بمرض مثل مرض السكر لا ينبغي أن يعني تلقائيًّا أن زيادة الوزن هي سبب الإصابة بمرض السكر. هناك ثلاثة أسباب لذلك؛ أولها: أن أفضل ما يمكن عمله في أي دراسة قائمة على الملاحظة هو التحكم في كل العوامل المعلومة لنا؛ أي العوامل الدخيلة القابلة للقياس بدقة (العوامل المشوشة) والمصادر المعلومة للانحياز في الانتقاء أو الملاحظة التي يمكن استبعادها أو تصحيحها. ولا يمكن عمل أي شيء حيال العوامل غير المعلومة التي ربما أوجدت ذلك الارتباط على نحو زائف، ولا حيال الأفراد الذين شملتهم الدراسة — فهم ليسوا فئران تجارب موضوعة في ظروف محكمة الانضباط في تجربة داخل مختبر — فهناك قائمة لا نهاية لها من تلك العوامل. والثاني: أن الصدفة تستبعد بناءً على حساب حدود الثقة، أو ما هو أقل تفضيلًا بكثير، اختبارات الدلالة التي تخطئ مرة كل عشرين أو مائة أو ألف حالة؛ فلا يوجد يقين على الإطلاق. والثالث: أكثر خفية وإن كان أكثر أهمية في الوقت نفسه، جميع أنواع تحليلات البيانات الواردة من الدراسة تقوم إما ظاهريًّا أو ضمنيًّا على نماذج. إن المقارنة البسيطة والمباشرة بين معدلات الإصابة بمرض ما لدى مجموعتين من الناس معناها أننا نؤمن ضمنًا بنموذج ما لا توجد به أي عوامل مشوشة، ولا حتى العمر أو الجنس، تحتاج إلى أن يتم ضبطها. لو أننا، بدلًا من ذلك، قمنا بعملية ضبط لعزل بعض العوامل المشوشة، لاستخدمنا نموذجًا أكثر تعقيدًا يتضمن إجراءً نوعيًّا وبعض الافتراضات، على سبيل المثال، أن العوامل المختلفة تؤدي عملها عن طريق إجراء عمليات جمع أو ضرب لإسهامها في معدل الإصابة. وتُشتق عمليات الضبط المختلفة من استخدام نموذج معين. وبالمثل، فإنا نستخدم النماذج مثلما نقذف بعملة غير متحيزة كي نحسب الاحتمالات بهدف الوصول إلى حدود ثقة أو اختبارات دلالة، غير أن الأحداث في الواقع من الممكن أن تسلك مسلكًا مختلفًا عن مسلك العملات غير المتحيزة، فتقحم خطأ ما غير محسوس في نتائجنا. ولهذه الأسباب، فإن أي ارتباط يثبت وجوده منطقيًّا في إحدى الدراسات بين تعرُّض ما وأحد الأمراض يحتاج إلى المرور بعملية تأويل قبل التوصل لاستنتاج عن طبيعته، سواء أكان سببيًّا أم غير سببي.
كيفية تأويل الارتباطات

مرت مشكلة تأويل الارتباطات المثبتة بمرحلة حرجة في أوائل ستينيات القرن العشرين، عندما اتفقت أعداد كبيرة من الدراسات الوبائية على اعتبار تدخين التبغ السبب الرئيسي في الإصابة بالعديد من الأمراض، أهمها سرطان الرئة. حتى ذلك الحين، كان ما يطلق عليها «فرضيات كوخ» تستخدم كمقياس عام لتقييم الارتباطات بين تعرُّضٍ ما والإصابة بأحد الأمراض. كان روبرت كوخ، وهو شخصية محورية في الثورة الميكروبيولوجية في ميدان الطب، قد اكتشف من قبل البكتيريا المسببة للدرن والكوليرا، وصاغ معاييره عام ???? للإجابة عن سؤال: كيف يمكننا — من بين آلاف الكائنات الدقيقة التي يحملها أي جسم بشري — تمييز تلك الأقلية القادرة على إحداث المرض من بين تلك الغالبية العظمى من الطفيليات المسالمة؟ ووفق معايير كوخ، فإن العنصر الحاسم الذي يسمح بتأويل الارتباط بين أحد الكائنات الدقيقة ومرض بشري معين باعتبار أن الأول هو ما يسبب الثاني؛ أن نعيد إنتاج المرض معمليًّا في أحد حيوانات التجارب. وعند تطبيق ذلك على مسألة التدخين/سرطان الرئة، صار هذا المعيار يمثل عائقًا لا سبيل لاجتيازه؛ إذ لم ينجح أي إنسان بعدُ في إحداث سرطان رئة عن طريق إرغام الحيوانات على استنشاق دخان التبغ.
في عام ????، أيد تقرير صادر عن الكلية الملكية للأطباء بالمملكة المتحدة الرأي القائل إن تدخين التبغ يتسبب في الإصابة بسرطان الرئة، غير أن قضية وضع معايير لإثبات أسباب الأمراض لم تُناقش صراحةً إلا مع صدور تقرير عام ???? بعنوان «التدخين والصحة» الذي عَهِد كبير أطباء الولايات المتحدة (وهو أكبر مسئول عن الخدمات الصحية العامة في البلاد) إلى لجنة مكونة من عشرة علماء بإصداره. يعد التقرير — الذي صدر بعد فحص متعمق لجميع الأدلة المتاحة واستشارة حوالي ??? خبير — تحفة فنية أصيلة في مجال تقييم الأدلة العلمية، وتحديدًا المستخدمة في علم الأوبئة. أعلن العلماء عن مبادئ تقييم المعنى السببي أو غير السببي للارتباطات، وطبقوا بالفعل عددًا منها. في ذات الوقت تقريبًا، وضع أوستن برادفورد هيل من جامعة لندن للصحة العامة وطب المناطق الحارة بشكل مستقل مبادئ مشابهة في بحث جاد دقيق، مشددًا على أنها يجب أن تُوظَّف لا كمعايير يجب استيفاؤها، وإنما كدليل استرشادي عند تكوين أحكام في مسألة السببية. ولا تزال تلك المبادئ، سواء في صورها الأصلية أم في أيٍّ من نسخها التالية العديدة، إطارًا ملائمًا للمرجعية في تأويل الارتباطات بين التعرُّض والمرض.
وفي نسختي الخاصة بهذا الكتاب، تتكون تلك المبادئ من ثمانية أسئلة: (?) هل يسبق التعرُّض المرضَ؟ على سبيل المثال، هل كان النظام الغذائي السابق الذي ذكر مرضى سرطان القولون أنهم كانوا يتبعونه سابقًا على الإصابة بالسرطان، أم أنهم كانوا في حقيقة الأمر ودون تعمد يقدمون معلومات عن الأنظمة الغذائية التي تم تعديلها بالفعل بسبب بعض الأعراض الطفيفة لسرطان ينمو في صمت؟ وحده النظام الغذائي السابق على بدء ظهور السرطان هو الذي يمكن أن يلعب دور العامل المسبب أو الوقائي، وما لم ترد معلومات لا يداخلها الشك حول تلك النقطة، فإنه لا يمكن التوصل لاستنتاج بشأن طبيعة الارتباط بين النظام الغذائي وسرطان القولون.
(?) ما مدى قوة الارتباط؟ في حالة دراسة مجموعة أتراب مدينة الزهور الواردة بالفصل الثالث، حسبنا معدل الإصابة بالسكر من النوع الثاني بين أصحاب الوزن الزائد، وكان ???? لكل ???? شخص-يوم، وبين أصحاب الوزن الطبيعي ???، وهو فارق مقداره ????، مع احتمال بنسبة ??? أن يكون الفارق الحقيقي واقعًا بين ? و????. وكبديل لفارق المعدلات هذا، يمكننا حساب نسبة المعدلات وهي ?????/???? = ???، والتي يتبين أن حدود الثقة البالغة ??? لها هي ??? و???. المعدل النسبي، أو ما يطلق عليه نسبة المخاطر (أو نسبة الخطر، أو الخطر النسبي)، أداة أكثر تفضيلًا بكثير لتقييم مدى قوة ارتباط ما من فارق الخطر، حيث إن الأخطاء التي تحدث بسبب مصادر متنوعة تميل إلى أن تكون متناسبة مع المعدلات ويتم الحكم على دورها المحتمل في إنتاج ارتباط لوحظ بشكل أفضل كثيرًا عن طريق حساب النسبة من حساب الفارق. كان من الممكن التوصل لنفس فارق المعدلات، وهو ???? ? ??? = ???? لكل ???? شخص-يوم، الذي وجد بمدينة الزهور، افتراضيًّا من معدلين آخرين، وليكونا مثلًا ????? و?????. ولكن الارتباط الأول يعني ضمنًا وجود زيادة في المعدل تبلغ (?????/????) × ??? = ????، في حين أنه في الارتباط الثاني، كانت الزيادة ?? فحسب؛ أي (?????/??????) × ???. ويجوز أن يعزى الارتباط الأخير بسهولة إلى وجود خطأ بنسبة ???، وهو مقدار ليس بمستغرب في الدراسات الوبائية نتيجة لعوامل غير خاضعة للسيطرة، في حين أن الأول أقوى بكثير؛ إذ إنه يتجاوز كثيرًا (بحوالي ?? ضعفًا) الخطأ الذي نسبته ???. وأفضل سبيل لجعل القوة المختلفة للارتباطين ظاهرة بصورة مباشرة أن نعبر عنها ليس من خلال فارق المعدلات (وهو واحد للاثنين)، وإنما من خلال نسبة المعدلات (وهما على الترتيب ??? و????). بصفة عامة، كلما كانت نسبة المعدلات أو نسبة الخطر أقوى، صرنا أكثر ثقة في أن الفارق على الأرجح لم يأتِ نتيجة لخطأ. غير أنه لا يوجد مع ذلك حد فاصل، وثابت على مستوى الدراسات كافة، بين نسب المعدلات «الضعيفة» و«القوية»؛ حيث إن مقدار الأخطاء التي يمكن أن تحدث في الدراسات المختلفة يتوقف على نوعها وطرق القياس المستخدمة، والمجتمع السكاني الخاضع للدراسة.
(?) هل يصبح الارتباط أقوى كلما زاد التعرُّض؟ من المنطقي أن نتوقع أنه إذا كان تعرُّضٌ ما يسبب مرضًا معينًا، فإن معدل الإصابة بهذا المرض يرتفع كلما ارتفعت مستويات التعرض. على سبيل المثال، يرتفع معدل الإصابة بسرطان الرئة كلما ارتفع عدد السجائر المدخنة يوميًّا وعدد سنوات التدخين، وهما جانبان مختلفان من حجم التعرض.
(?) هل الارتباط متسق؟ مرة أخرى، نقول إنه من المنطقي أن نتوقع أنه إذا كان تعرُّض ما يسبب مرضًا معينًا، فإنه سوف يظهر ذلك الأثر بشكل متسق، هذا إن لم يتم على النسق نفسه تمامًا، لدى مختلف الفئات الفرعية من الناس؛ أي الذكور والإناث، وسكان الحضر والريف، وغير ذلك.
(?) هل الارتباط نوعي؟ وجود ارتباط نوعي قوي خاص بمرض معين يؤيد وجود تأثير سببي عبر آلية بيولوجية معينة، في حين أن الارتباطات الواهنة المتعددة بأمراض متفرقة تثير الشك في أنها ربما تكون نتيجة مضللة بسبب بعض الانحياز الذي أثر على الأداء الموحد للدراسة.
(?) هل الارتباط متسق مع الأدلة البيولوجية الأخرى؟ في حالة مثال سرطان الرئة، فشلت لمدة طويلة تجارب إعادة إنتاج المرض بإرغام الحيوانات على استنشاق دخان التبغ. غير أنه تبين مرارًا وتكرارًا أن مواد مستخلصة من الدخان تسببت في الإصابة بالسرطان عند دَهن جلد حيوانات التجارب بها. اعتُبر هذا النوع من الأدلة غير المباشرة، وهذا حق، بمنزلة تأييد لفكرة أن تدخين التبغ يمكن أن يتسبب في الإصابة بالسرطان. وبالنسبة للارتباط بين زيادة الوزن والإصابة بمرض السكر، هناك آليات بيولوجية، لا سيما الحقيقة القائلة إن زيادة كمية دهون الجسم تؤثر في نشاط الأنسولين؛ مما يؤكد على أن زيادة الوزن هي سبب الإصابة بالسكر.
(?) هل للارتباط أي نظير؟ قد يكون هذا هو الحال مثلًا عندما يكون التعرُّض موضع الدراسة أحد الجزيئات التي يحتوي عليها ملوث كيميائي له تركيب مشابه لجزيء معلوم بالفعل أنه مسرطن.
(?) هل الارتباط ثابت عبر الدراسات المختلفة؟ الارتباط الذي يُكتشف مرارًا وتكرارًا في دراسات وبائية مختلفة الأنواع وفي مجتمعات سكانية مختلفة من المرجح أن يكون سببيًّا، أكثر من ذلك الارتباط الذي لا يظهر إلا بصورة عارضة من حين لآخر. ويتعزز هذا التأويل إذا كان إيقاف التعرض — مثلما يحدث عند إقلاع المدخن عن التدخين — متبوعًا بانخفاض الإصابة بالمرض المرتبط به.
يمكن القول إن الإجابة بالإيجاب عن السؤال الأول أمر ضروري حتى يمكن الحكم على الارتباط بين التعرُّض والمرض كارتباط سببي، وإن الإجابة بالإيجاب عن السؤال الثامن تقدم أقوى تأييد لذلك الحكم، وكذلك الإجابة بالإيجاب على كل سؤال من الثاني حتى السابع تزيد من ترجيح أن الارتباط سببي.
إذا كنت تشعر عند هذه النقطة أن عملية إثبات وجود ارتباط بين تعرُّض ما ومرض معين والحكم على طبيعة ذلك الارتباط، ما إذا كانت سببية أم غير سببية، عملية مرهقة وليست ببسيطة على الإطلاق، فأنت محقٌّ في ذلك، وهي قاسية كذلك. وسوف تتبين أيضًا مدى انعدام جدوى التعليق القائل إن الدراسات الوبائية لا تُنتج سوى أدلة «غير قاطعة» أو «إحصائية» والذي يتردد كثيرًا بهدف نفي الجدارة عن عمليات البحث الوبائية عن المخاطر البيئية وغيرها. إن ما تنتجه تلك الدراسات مجرد أدلة علمية، شأنها في ذلك شأن الأنواع الأخرى من الدراسات العلمية الأخرى التي تُجرى بطريقة صحيحة.
الدراسات السلبية

إن عدم إثبات ارتباط في موضع كان يُتوقع فيه وجوده هو الوجه الآخر لعملة إثبات ارتباط بين تعرُّض ما وأحد الأمراض، والمرور بعملية مضنية لإثبات ما إذا كان هذا الارتباط سببيًّا أم لا. وخاصة عندما يكون التوقع مبنيًّا على نتائج متكررة من دراسات وبائية سابقة أو على نتائج مؤكدة من دراسات معملية، يكون التدقيق المنهجي مطلوبًا للتحقق من أسباب عدم إثبات الدراسة لوجود الارتباط. وهناك أسباب عدة تندرج تحت مسمى «غير كافٍ»: عدد غير كافٍ من الأفراد الذين شملتهم الدراسة؛ مما يؤدي إلى ما يسمى بتدني «القدرة» على اكتشاف وجود زيادة في حجم الخطر الذي يرتبط بالتعرض؛ وشدة غير كافية أو مدة غير كافية للتعرض للحث على ظهور زيادة ملحوظة في خطر الإصابة، مثلما قد يحدث في حالة الملوثات التي أدخلت إلى البيئة مؤخرًا ولكن بتركيزات منخفضة؛ وفترة ملاحظة غير كافية، حيث إن تأثيرات مثل مرض السرطان عادةً ما تظهر بعد مرور سنوات عديدة من التعرض الأول؛ وأخيرًا، تباين غير كافٍ في التعرض بين مختلف مجموعات الأفراد المطلوبة المقارنة بينهم، مما يجعل من الصعب اكتشاف الاختلافات في معدل الخطر بين المجموعات المختلفة. علاوةً على ما تقدم، فإن العوامل المشوشة ومصادر الانحياز، مثل عمليات فقدان السجلات التي لا تتم عشوائيًّا، لا تتسبب فقط في إيجاد ارتباطات زائفة، وإنما تعمل كذلك في الاتجاه المضاد عن طريق إخفاء الارتباطات القائمة بالفعل. إن عملية فهم سبب عدم إثبات ارتباط كان متوقعًا لا تقل طولًا ولا مشقة ولا تعقيدًا عن عملية إثبات وجود الارتباط والحكم على طبيعته.
باختصار، القاعدة الأساسية هي التمييز بوضوح بين «عدم وجود دليل على وجود تأثير» — وهو ما قد يحدث في كثير من الأحيان بسبب عدم إجراء دراسة ملائمة (أيًّا كانت الأسباب) — وبين «وجود دليل على عدم وجود تأثير» وهو ما يظهر نتيجة الدراسات الوافية. الأخيرة عبارة مطمئنة، في حين أن الأولى عبارة مبهمة. وهكذا، فإن الدراسات التي تُجرى على المجتمعات السكانية الصغيرة، مثلما يحدث كثيرًا بهدف تهدئة المخاوف المشروعة بشأن المخاطر القادمة من عوامل بيئية، ربما تكون قادرة على استبعاد المخاطر الكبيرة، لكنها غير قادرة على تقديم معلومات عن المخاطر المحتملة الأصغر حجمًا. وهناك مبدأ ذو صلة بذلك وهو أن إثبات وجود تأثير ضعيف، مثل وجود زيادة طفيفة في خطر الإصابة بالربو لدى أناس يتعرضون لمادة كيميائية معينة، لا يمكن اعتباره إشارة إلى أن المادة الكيميائية في حد ذاتها عامل ضعيف، ومن ثم غير ضار تقريبًا؛ لأن التأثير المرصود يعتمد كذلك على سمات الدراسة وعلى الجرعة المتعرض لها من تلك المادة. مرة أخرى، لا يمكن اعتبار «وجود دليل على وجود تأثير ضعيف» دليلًا تلقائيًّا على «وجود دليل على وجود مركب سام ضعيف».
الأسباب الضرورية والكافية

«النقطة المحورية أنه حتى إذا كان التدخين مرتبطًا ارتباطًا سببيًّا بأي مرض، فإنه لا يمثل سببًا ضروريًّا ولا كافيًا لحدوثه.» هذه العبارة التي نُطق بها في إحدى المحاكم على لسان أحد الخبراء بعد مرور ?? عامًا من نشر تقرير «التدخين والصحة» الذي أكد على أن تدخين التبغ يتسبب في أمراض عدة، عبارة صحيحة ومضللة في آنٍ واحد. هي صحيحة لأن، على سبيل المثال، هناك حالات إصابة بسرطان الرئة بين غير المدخنين (إلا أن الغالبية العظمى منها تكون بين المدخنين)، كما أنه ليس كل المدخنين مصابين بسرطان الرئة. وهي مضللة لأنها توحي بأن الأسباب «الحقيقية» للأمراض هي فقط تلك الأسباب التي لا غنى عنها لحدوث الإصابة في جميع الحالات، أو الكافية لإحداث المرض في كل مرة توجد فيها، أو كلا الأمرين معًا. إن الأسباب التي تكون ضرورية وكافية، أو كافية وحسب، هي في حقيقة الأمر أسباب غير شائعة في الطبيعة، وهي في الأساس متمثلة في تلك الجينات الموروثة التي لا بد أن تحدث المرض الوراثي الذي تحمله، مثل الاستعداد الوراثي للنزف المعروف باسم الهيموفيليا. والأسباب الضرورية شائعة في ميدان الأمراض المعدية، حيث لا يتسبب في المرض سوى وجود ميكروب معين (على سبيل المثال، أيًّا كانت الأعراض، فلا توجد أي حالة درن يمكن أن تحدث بدون وجود بكتيريا المتفطرة الدرنية). خارج هذين النطاقين، فإن الغالبية العظمى من أسباب الأمراض مثل تدخين التبغ، لا هي ضرورية ولا كافية، غير أنها تزيد، في الغالب بشكل مؤكد، من احتمال (أي خطر) الإصابة بالمرض، ويكون تجنبها أو تحييدها أمرًا بالغ الفائدة. وكمثال لذلك، زيادة الوزن والسمنة، اللذان سبق أن ناقشناهما، هما سببان للإصابة بمرض السكر، ولكنهما ليسا ضروريين ولا كافيين. وفي علم الأوبئة، يُستخدم المصطلح العام «محدِّد» كمرادف لكلمة سبب دون حكم مسبق على الطبيعة التفصيلية للسبب، إن كان ضروريًّا أو كافيًا أو واسع النطاق، مثل نوع الغذاء أو المهنة، أو ضيق النطاق، مثل فيتامين معين داخل الغذاء أو التعرض النوعي لملوث كيميائي في ظروف مهنية معينة.
المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض

يتوقف الإقرار بأن أحد العوامل مثل التبغ يمكنه أن يتسبب في الإصابة بسرطان الرئة على شرطين: الشرط الأول وهو بديهي للغاية يتعلق بالتبغ وهل هو بالفعل قادر على إحداث المرض. والثاني، وهو أقل بديهية، يتعلق بمقدار التباين في عادات التدخين بين المجتمع السكاني الخاضع لدراسة عالِم الأوبئة. لو كان جميع الأفراد يدخنون عشرين سيجارة بالضبط يوميًّا بدءًا من سن ?? حتى سن ??، فلن يكون هناك فارق في معدل الخطر بسبب التبغ. فالتبغ، بالرغم من أنه المحدِّد المهيمن للإصابة بسرطان الرئة في مجتمع سكاني يدخن فيه الجميع، فإنه لن يتم اعتباره سببًا للمرض. فهناك عوامل أخرى — مثل الاستعداد الفردي — يمكن أن تكون المحددات الوحيدة المقرَّرة التي بسببها يبدو الأفراد في مجتمع سكاني ذي معدل خطر واحد ومرتفع نتيجة التدخين معرضين لخطر إصابة أكبر. ومن الممكن أن نتوصل لاستنتاج مؤداه أن سرطان الرئة يحدث نتيجة للاستعداد الفردي، وهي في حد ذاتها متوقفة في الغالب على جينات موروثة من الآباء؛ ومن ثم يمكن أن نتوصل إلى اعتبار سرطان الرئة مرضًا وراثيًّا في الأساس.
طُرِح هذا المثال التخيلي عام ???? على يد جيفري روز في مقال رائع (تحت عنوان «أفراد مرضى ومجتمعات مريضة») لإيضاح الفارق بين المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض. إن المحددات المجتمعية، مثل عادة التدخين التي يمارسها الجميع بمعدل واحد، مسئولة عن خطر الإصابة بالمرض الذي يتهدد المجتمع السكاني إجمالًا، في حين أن المحددات الفردية، مثل الاستعداد الفردي، مسئولة عن معدلات الخطر المتفاوتة بين الأفراد أو مجموعات الأفراد داخل المجتمع السكاني. والدراسات التي تقارن بين خطر الإصابة بالمرض لدى مجموعات داخل مجتمع سكاني ما تكون ملائمة لتحديد الأخيرة، غير أن إدراك المحددات التي تعمل في الأساس على مستوى المجتمع السكاني بأسره يتطلب تحليل ومقارنة معدلات الخطر بين مجتمعات من مناطق أو بلدان مختلفة أو داخل المجتمع نفسه ولكن في فترات مختلفة. ولا يوجد داعٍ لوجود قواعد جديدة يتم تطبيقها في عمليات التحليل هذه، بل من الممكن أن يثبت أنها أكثر تعقيدًا من تلك المحددة أصلًا لدراسة الارتباطات والحكم على مدى سببيتها في إطار مجتمع سكاني ما.
بسبب التأثير العام للمحددات المجتمعية، فإنها تحظى بأهمية بالغة للصحة. وهناك حالة راهنة صارخة تسير في اتجاهات مثال التبغ التخيلي نفسها؛ ألا وهي زيادة الوزن، ولا سيما إذا كانت في أعلى درجاتها؛ أي البدانة. تنشأ زيادة الوزن أساسًا نتيجة خلل في التوازن بين حصول الجسم على سعرات حرارية عالية تدخل إليه من خلال الطعام واستهلاك ضئيل للغاية لتلك السعرات عن طريق النشاط البدني. وهنا يكون التناول المفرط للأغذية كثيرة السعرات هو التعرُّض ذا الصلة؛ فإذا كان جميع أفراد المجتمع السكاني أو الغالبية العظمى منهم معرضين بصورة شبه موحدة لفائض ما (ليس بالضرورة كبيرًا) من السعرات بدءًا من سن الطفولة، مثلما يحدث اليوم في العديد من البلدان مرتفعة الدخل، فإن خطر الإصابة بالبدانة سيكون مرتفعًا بالمثل لجميع أفراد هذا المجتمع. إلا أننا نجد، مثلما كان الحال مع مثال التدخين، أن بعض الناس يكونون معرضين لخطر أكبر من المتوسط نتيجة للاستعداد الفردي، وهو ما يصبح المحدِّد الرئيسي المعروف للبدانة. وهذا هو ما يحدث اليوم؛ إذ تكتشف «جينات البدانة» المرتبطة بالاستعداد الفردي، الواحد تلو الآخر. وتجد تلك الاكتشافات صداها في وسائل الإعلام، بل وحتى في الصحافة العلمية، باعتبارها آخر الأسباب (إلى متى؟) المكتشفة والحقيقية للبدانة. إن التركيز المنصب على الجينات يمثل تحديًا علميًّا، غير أنه يضللنا إذا نحن تجاهلنا المحدِّد الرئيسي لخطر إصابة المجتمع ككل بالبدانة؛ وهو الزيادة المفرطة والمنتشرة على نطاق واسع في عدد السعرات التي نحصل عليها.
وهناك محددات مجتمعية أخرى للمرض ذات صلة جلية. فالمياه الملوثة تعد البلاء الرئيسي في الكثير من البلدان ضعيفة الموارد؛ مما يسبب ما يقرب من مليونَيْ حالة وفاة في جميع أنحاء العالم سنويًّا. ويؤثر تلوث الهواء على صحة سكان البلدات الصغيرة في البلدان مرتفعة الدخل كما في البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل. وفي صورة أقل وضوحًا، نجد أن اللقاح الوقائي ضد عدد من الأمراض مثل الحصبة أو شلل الأطفال هو في الأساس محدِّد مجتمعي للصحة والمرض أكثر منه محددًا فرديًّا. ومن المؤكد أن اللقاح مفيد للفرد، ولكن بالنسبة لمعظم الناس ربما يكون خطر الإصابة بالمرض منخفضًا بالفعل حتى دون تلقي اللقاح. إلا أن اللقاح يخلق ما يطلق عليه «المناعة الجماعية»، التي تنقطع بواسطتها سلسلة انتقال المرض المعدي مثل الحصبة، فتهبط بخطر الإصابة لإجمالي المجتمع إلى ما يقرب من الصفر (أو الصفر فعلًا). هناك عوامل أخرى، مثل كون المرء موظفًا أو عاطلًا، وكذلك مستوى التعليم المنخفض أو المرتفع، كان من المعلوم لبعض الوقت أنها تؤثر تأثيرًا مباشرًا على صحة الأفراد. إلا أن أحدث الدراسات تبين أن الوظيفة أو مستوى التعليم في مجتمع ما يعملان أيضًا بصورة غير مباشرة كمحددَيْن لصحة المجتمع. وكما سنرى في الفصل التاسع، فإن الأمر بحاجة لأنواع مختلفة من التدخلات، الموجهة نحو الأفراد أو جماعيًّا على مستوى المواد أو البيئة الاجتماعية، من أجل السيطرة على المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض.
التبغ والصحة

كانت الأبحاث التي أجريت على التبغ ومدى تأثيره على الصحة حافزًا محوريًّا لتطوير الأساليب المتبعة في علم الأوبئة المعاصر، بما فيها مبادئ تحديد أسباب المرض. تؤرخ المنحنيات البيانية التي تصور أرقام البقاء على قيد الحياة في أوساط المدخنين مقارنة بغير المدخنين (انظر شكل ?-?) للحظتين فارقتين في مجال البحث في علم الأوبئة، يفصل بينهما ما يقرب من نصف قرن. شكل ?-?: (أ) النسبة المئوية للبقاء على قيد الحياة بين الأطباء البريطانيين في الفترة ????–????، و(ب) النسبة المئوية للبقاء على قيد الحياة بين الرجال الأمريكيين في ثلاثينيات القرن العشرين.1
هناك تشابه مذهل بين المنحنيات، يوجز أطوال أعمار كلٍّ من المدخنين وغير المدخنين، غير أنها تعكس حالتين مختلفتين اختلافًا جذريًّا من المعرفة. ففي عام ????، لم يكن الكثير معلومًا على المستوى الوبائي وكان منحنى ذكور الولايات المتحدة يستحثنا على إجراء الأبحاث من أجل اكتشاف السبب الذي جعل نسبة بقاء المدخنين على قيد الحياة تبدو أقل كثيرًا. ولكن منحنيات دراسة الأتراب التي أجريت على الأطباء البريطانيين بخلاف ذلك تبين بوضوح نتيجة كافة الأمراض التي كان يعتقد في ذلك الوقت ووفقًا للدراسات الوبائية أنها جاءت نتيجة للتدخين.
ويمثل عام ???? نقطة تحول في هذه الأبحاث. فقد نُشرت في ذلك العام ثلاثة أبحاث مهمة لريتشارد دول وأوستن برادفورد هيل في المملكة المتحدة، ولإرنست ويندر وإيفارتس جراهام في الولايات المتحدة، ولمورتون ليفين، وهايمن جولدستاين، وبول جيرهارت في الولايات المتحدة أيضًا. كانت تلك أولى الدراسات التحليلية الدقيقة التي تجرى على أحد الأمراض، وهو سرطان الرئة، وصلته بتدخين التبغ. واكتشفت الدراسات الثلاثة كلها معدل تكرار أعلى للمدخنين في الحالات المصابة بسرطان الرئة منه في أوساط أفراد المجموعة الضابطة. وعجَّلت تلك النتائج بحدوث ارتفاع سريع في أعداد الدراسات الوبائية التي أجريت على العلاقة بين التدخين وسرطانات الرئة، وغيرها من أعضاء الجهاز التنفسي، وغيرها من الأمراض مثل الالتهاب الشعبي المزمن واحتشاء عضلة القلب. وسرعان ما أخضع دول وهيل عام ???? — في أعقاب بحثهما الذي أجرياه عام ???? على سرطان الرئة — مجموعة أتراب من ?? ألف طبيب بريطاني للمتابعة لعدة عقود بحيث تُسجَّل معدلات الوفيات بسبب الأمراض المختلفة. وكانت هناك ميزة من وراء اختيار الأطباء؛ وهي إشراك مجتمع متجانس إلى حد بعيد من حيث الوضع الاجتماعي والاقتصادي وليس معرضًا للعوامل الأخرى السامة التي تنتقل عبر الهواء، وذلك على عكس العاملين في العديد من المهن الأخرى. وتعد تلك الدراسة حجر زاوية في علم الأوبئة، وقد أجريت دراسات متابعة مشابهة على التدخين في مجتمعات أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، صار التدخين عاملًا يجب قياسه في كل الدراسات الوبائية تقريبًا؛ لأنه من الممكن في كثير من الأحيان أن يكون مشوشًا على تأثيرات عوامل أخرى. ونتيجةً لذلك، تزايدت المعلومات في هذا الشأن ولا تزال تتزايد حتى يومنا هذا. وقد سردت لجنة مشكَّلة عام ???? من الوكالة الدولية لأبحاث السرطان أكثر من ?? دراسة تتبُّعية رئيسية طويلة الأجل موضوعها الأمراض المرتبطة بالتدخين.
شكل ?-?: السير ريتشارد دول (????–????) أبرز علماء الأوبئة في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي أسهمت دراساته بمعلومات أساسية حول أسباب السرطان. ويظهر في هذه الصورة عام ???? مع مؤلف الكتاب لدى حضورهما الدورة الصيفية للبرنامج التعليمي الأوروبي لعلم الأوبئة بفلورنسا، حيث كان يحاضر خلال الفترة من ???? حتى ????.2
وكما يبين منحنى البقاء على قيد الحياة في شكل ?-?(أ)، فإن المدخنين الحاليين يصلون إلى النقطة الزمنية التي يظل عندها نصف الأفراد (أي ??? على المحور الرأسي) المشاركين في الدراسة والأحياء في سن الأربعين قبل وصول غير المدخنين مدى الحياة إليها بمقدار ??? أعوام. بعبارة أخرى، يفقد المدخنون في المتوسط سبع سنوات من أعمارهم مقارنةً بمن لم يدخنوا على الإطلاق، ويفقد أولئك الذين يتوفون بين سن الخامسة والثلاثين والتاسعة والستين في المتوسط ?? عامًا من أعمارهم. وفي البلدان صاحبة الدخول المرتفعة، يكون حوالي خمس إجمالي الوفيات بسبب تدخين التبغ، الذي يعد مسئولًا عالميًّا عن أكثر من خمسة ملايين حالة وفاة سنويًّا — أكثر من نصفهم ينتمون للبلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة. وتأتي النسبة الأكبر من المدخنين البالغ عددهم اليوم ??? مليار مدخن على مستوى العالم من تلك البلاد، ونظرًا لأن الآثار الكاملة للتدخين تعلن عن نفسها بعد عقدين إلى ثلاثة عقود من التدخين المستمر، فإنه يُتوقع حدوث زيادة هائلة في أعداد الوفيات المرتبطة بالتدخين في المستقبل في البلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة ما لم تنجح حملات التوقف عن التدخين. وتتنبأ بعض التقديرات بأنه في عام ????، سوف تقع ? ملايين حالة وفاة نتيجة للتبغ، وستكون ثلاثة أرباعها في البلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة. وهناك العديد من الأمراض المختلفة التي تسهم في تلك المحصِّلة: السرطانات التي تصيب ما لا يقل عن ?? عضوًا من أعضاء الجسم (من بينها الرئة، والممرات الأنفية، والحنجرة، والبلعوم، والفم، والمريء، والمثانة، والبنكرياس)، وأمراض القلب والأوعية الدموية، التي تشمل الأزمات القلبية والسكتات الدماغية، ومرض الانسداد الرئوي المزمن «الالتهاب الشعبي المزمن». ولا تمثل تلك النتائج مفاجأة؛ لأن التبغ يحتوي على ما يقرب من ? آلاف مادة كيميائية معروفة معظمها سام وأكثر من ?? مادة منها هي مواد مسرطنة قطعًا. ويوجد الكثير من تلك المواد كذلك في الدخان الذي يخرج في البيئة المحيطة بالمدخنين والذي يتعرض له أناس آخرون بشكل سلبي، بما في ذلك غير المدخنين. التدخين السلبي مرتبط بزيادة في خطر الإصابة بأمراض عديدة تصيب غير المدخنين، تتراوح بين الأمراض التنفسية عند الأطفال وحتى احتشاء عضلة القلب. وفيما يتعلق بسرطان الرئة، هناك أكثر من ?? دراسة تؤيد الدور السببي للتدخين السلبي الذي يتضمن ارتفاعًا في نسبة الخطر بنسبة تقرب من ???.
بدا تدخين التبغ واحدًا من أكثر العوامل التي تؤدي إلى الوفاة في زمن السِّلْم. فجميع أشكال استعمال التبغ، ومن بينها تدخين الغليون، ومضغ التبغ، واستنشاقه، ضارة حتى وإن كانت ذات آثار أقل انتشارًا وقوة من تأثير تدخين السجائر. والأمر الذي يُدخل بعض الأمل وسط تلك الصورة القاتمة هو أن الجهود الوقائية، التي تتضمن مزيجًا مجتمعًا من الإجراءات، وحملات التوعية، وزيادة الضرائب على منتجات التبغ، وحظر التدخين في الأماكن العامة، تترجم إلى انخفاض في استهلاك التبغ في العديد من البلدان صاحبة الدخل المرتفع. يقل عدد صغار السن الذين يدخنون، ويقلع عنه عدد لا يستهان به من الناس. ومدة التعرض لدخان السجائر أمر حاسم فيما يتعلق بحجم الخطر، ومن ثم، كلما تأخر المرء في بدء التدخين (والأفضل ألا يبدأ أصلًا) وكلما عجَّل بالإقلاع عنه، كان المستقبل الصحي أفضل. والإقلاع في أي سن أمر مفيد؛ فالأفراد الذين بدءوا التدخين في صدر شبابهم إذا أقلعوا عنه في سن الثلاثين، ينخفض خطر الإصابة بسرطان الرئة قبل سن الخامسة والسبعين لديهم إلى ما يقرب من المعدل نفسه لدى غير المدخنين؛ بل إن إقلاعهم عن التدخين في سن الخمسين يقلل حجم الخطر إلى الثلث مقارنةً بالخطر الذي يتعرض له من يواصلون التدخين.
هوامش

(1) From R. Saracci, ‘Smoking and death’, BMJ, 1995: (310) 600, with permission of BMJ Publishing Ltd.(2) Courtesy of the author.
الفصل الخامس
أنواع الدراسات المستخدمة في علم الأوبئة


الدراسات التجريبية والدراسات القائمة على الملاحظة

تنطبق مبادئ علم الأوبئة التي ذكرناها حتى الآن على كافة أنواع الدراسات، على الرغم من أن الأمثلة والمناقشة تركزت على الدراسات القائمة على الملاحظة، وهي تلك التي لا يتدخل الباحث فيها إلا بملاحظة الأفراد وتسجيل المعلومات عند نقطة زمنية معينة أو خلال فترة زمنية ما. الميزة الكبرى لهذه النوعية من الدراسات أنها يمكن أن تُجرى نظريًّا في جميع السياقات من أجل بحث أي ظاهرة متعلقة بالصحة. أما عيبها، فهو أن جميع المقارنات بين المعدلات والمخاطر في مجموعات مختلفة من الأفراد، مثل معدلات الإصابة بالالتهاب الشعبي المزمن بين أولئك المعرضين لملوثات الهواء في مدينة ما وغير المعرضين لها، يمكن أن تتأثر دومًا بعوامل مجهولة غير تلك الملوثات. إن التدابير المحكمة التي حددنا خطوطها العريضة بالفصول السابقة ضرورية في تلك المواقف المبنية على الملاحظة بهدف التوصل إلى استنتاجات حول الدور السببي المحتمل لعامل معين مثل تلوث الهواء في حالة مرض كالالتهاب الشُّعبي المزمن.
ربما صارت الحياة أبسط لو استطاع عالِم الأوبئة — مثلما هو الحال مع التجارب المعملية — تحديد أيُّ الأفراد سيخصَّص لهم استنشاق الهواء الملوث، وأيُّهم سيخصَّص لهم استنشاق الهواء غير الملوث على مدى عدة سنوات، مع التأكد مسبقًا من أن جميع المشاركين في التجربة متشابهون إلى حد كبير في جميع النواحي، فيما عدا تعرضهم لنوعين مختلفين من الهواء. أبسط وأضمن أداة لتحقيق هذا التشابه أن تُجرى عملية التخصيص بعشوائية تامة، عن طريق رمي عملة معدنية، لتحديد من سيستنشق هواءً ملوثًا أو غير ملوث. وتلعب عملية التعيين العشوائي دور «الضمانة» ضد جميع العوامل المعروفة، والأهم منها، غير المعروفة التي يمكنها أن تجعل المجموعتين مختلفتين إحداهما عن الأخرى. من الواضح أن هذه التجربة العشوائية، أو ما يطلق عليها «التجربة العشوائية المضبوطة»، غير ممكنة، سواء أكان ذلك لأسباب أخلاقية أو فنية. ومن هنا، جاء النطاق الأصغر حجمًا للدراسات التجريبية العشوائية (التي يطلق عليها أيضًا مصطلح عام وأقل دقة وهو «الدراسات التدخلية») فيما يختص بالدراسات القائمة على الملاحظة، وخاصةً عندما نكون بصدد بحث عامل ما، مثل الهواء الملوث، بسبب آثاره السلبية المحتملة على الصحة. يكمن الموضع الانتقائي في التجربة العشوائية في بحث العوامل التي من الممكن أن تكون لها تأثيرات مفيدة على الصحة. فالعقاقير الجديدة الواعدة يتم اختبارها باستمرار على مجتمع من المرضى المصابين بمجموعة هائلة متنوعة من الأمراض، بدءًا من جميع أنواع السرطان حتى أمراض القلب كاحتشاء عضلة القلب والذبحة الصدرية وأمراض الروماتيزم. علاوةً على تلك التجارب الخاصة بالعلاج، تُجرى تجارب عشوائية كبرى في المجتمعات غير المريضة من أجل اختبار عمليات تدخل وقائية. فبرامج الفحص من أجل التشخيص المبكر، وعلاج الحالات الخطيرة كسرطاني الثدي والقولون، تُطبق من خلال تجارب عشوائية على السكان، وتختبر اللقاحات الجديدة — كاللقاح ضد مرض الإيدز مثلًا — عادةً باستخدام تجارب عشوائية في مجتمعات سكانية كبيرة.
أول لقاح ضد شلل الأطفال

حتى منتصف القرن الماضي، كان شلل الأطفال مرضًا مُعديًا يصيب الجهاز العصبي ويحدث بشكل خاص في فصل الصيف على شكل موجات وبائية متباينة الشدة. كان المرض يصيب بوجه خاص الأطفال وصغار السن الذين قد لا تصيبهم سوى حمى عابرة أو يعانون من شلل رخو ممتد يصيب الأطراف مدى الحياة، أو يتوفون إذا هاجم الفيروس المسبب للمرض المراكزَ العصبية المتحكمة في عملية التنفس. وتم تحديد ثلاثة أنواع من ذلك الفيروس. أجريت بعض المحاولات على نطاق ضيق وإن لم يُكتب لها النجاح للتوصل إلى لقاحات، حتى ظهر لقاح واعد للغاية، في أوائل خمسينيات القرن العشرين يُعطى عن طريق الحقن العضلي، ابتكره د. يوناس سولك، الأستاذ بجامعة بيتسبيرج. وكان اللقاح يتكون من فيروس «ميت» فقد قدرته على إحداث المرض، لكنه يحتفظ بقدرته على تنشيط المناعة الوقائية بأجسام الأشخاص الذين يُحقنون به.
قبل التوصية بالإعطاء الجماعي للقاح، كان لا بد من دليل قوي على الفاعلية الحقيقية له. ولم يكن مجرد البدء في إعطاء اللقاح وملاحظة ما إذا كان معدل الإصابة بمرض شلل الأطفال في انخفاض أم لا خيارًا متاحًا؛ إذ إن معدل تكرار الإصابة بالمرض كان متباينًا للغاية من عام إلى آخر. وكان من المستحيل التمييز بين الانخفاض في معدل الإصابة الناتج عن اللقاح والتباين الذي يحدث من تلقاء نفسه. وكانت هناك مشكلة أخرى، ألا وهي صعوبة التشخيص الصحيح للحالات باعتبارها شلل أطفال، وليست مجرد «أنفلونزا» مثلًا، وهي حالات طفيفة عديدة كانت تمثل المصدر الرئيسي للانتشار عن طريق الاتصال المباشر بين الناس. فاتُّخِذ عندئذٍ قرار بتنفيذ تجربة وقائية فعلية على أطفال المدارس الابتدائية.
كان لا بد من التحديد العشوائي للأطفال الذين سيتلقون اللقاح وهؤلاء الذين لن يتلقوه من بين مجموعة أطفال تتراوح أعمارهم بين السادسة والتاسعة بعد الحصول على موافقة آبائهم من أجل المشاركة في الدراسة. اختير هؤلاء الأطفال من ?? مقاطعة من ?? ولاية أمريكية. كان من الضروري أن يكون عدد المشاركين هائلًا جدًّا، بحيث إنه حتى إذا حقق اللقاح وقاية بنسبة ??? فقط، فإن الفارق في معدل الإصابة بالمرض بين المجموعة التي تلقت اللقاح والتي لم تتلقَّهُ يكون مرصودًا بدرجة عالية من الثقة. وكان يجب إعطاء جرعة واحدة من اللقاح ضد الأنواع الثلاثة للفيروس في بداية الدراسة، ثم جرعة ثانية بعدها بأسبوع، ثم ثالثة بعد مرور خمسة أسابيع. واشتمل العلاج بدون لقاح على ثلاث حقن لكن من مستحضر غير فعال مشابه تمامًا في مظهره للقاح؛ أي «عقار وهمي». إذا أمكن استخدام العلاج الوهمي، فإنه يكون أفضل شكل من أشكال المقارنة مع علاج فعال؛ حيث إنه من المؤكد تمامًا أن مجرد تناول عقار غير فعال قد يحدث أثرًا. لكن قد يتساءل أحد إن كانت اللجان المعنية بالأخلاقيات يمكن أن تجيز اليوم حقن أطفال ثلاث مرات متتالية بمستحضر غير فعال أم لا. كانت التجربة من النوع «مزدوج التعمية» حيث لم يقتصر الأمر على جهل الأطفال (وذويهم) بما إن كانوا يتلقون لقاحًا فعليًّا أم مستحضرًا غير فعال، وإنما كان الأطباء أيضًا يجهلون أي علاج منهما يقدَّم لكل طفل. وبهذه الطريقة، لم يكونوا متأثرين على الإطلاق بمعرفة نوع العلاج عندما يكون عليهم تشخيص حالة إصابة بأنها إصابة بشلل الأطفال من عدمه. انضم إلى التجربة قرابة ??? ألف طفل وافق آباؤهم على اشتراكهم بالدراسة (تلقى ?????? طفلًا اللقاح، بينما تلقى ?????? طفلًا اللقاح الوهمي) من بين إجمالي ما يقرب من ??? ألف طفل في المناطق التي أجريت فيها التجربة. لوحظ وجود ?? حالة إصابة بشلل الأطفال من بين الأطفال الملقَّحين خلال ستة أشهر من التطعيم؛ أي بنسبة خطر بلغت ?? من كل ??? ألف طفل، وحوالي الضعف — أي ??? حالة — بين غير الملقحين، بنسبة خطر بلغت ?? لكل ??? ألف طفل. كان الفارق بين نسبتَيِ الخطر ?? ? ?? = ?? وهو رقم يفوق ما يمكن توقع حدوثه مصادفة لو لم يكن هناك اختلاف فعلي. ولوحظ انخفاض أقوى للشكل الأكثر خطورة من المرض (النوع الشللي)، بنسبة خطر بلغت ?? لكل ??? ألف طفل من المجموعة الملقحة و?? لكل ??? ألف في المجموعة غير الملقحة. وهنا كان الاستنتاج مباشرًا بفارق أكبر كثيرًا مما هو الحال مع الدراسة القائمة على الملاحظة؛ لأن الأطفال المختارين للتلقيح أو أولئك الذين تلقَّوا لقاحًا وهميًّا اختيروا عشوائيًّا، كان من الضروري أن تكون المجموعتان متقاربتي الشبه في جميع النواحي فيما عدا الفارق في العلاج المقدم لكلٍّ منهما، وهو ما اعتُبِر بلا تردد سببًا لانخفاض معدل الإصابة في الأطفال الملقحين. أثبتت التجربة فاعلية اللقاح وكانت استهلالًا لبرامج التلقيح المنهجي على مستوى العالم أجمع. بل إن لقاح «سولك» يعد اليوم أفضل سبل الوقاية من مرض شلل الأطفال من حيث الأمان والفاعلية.
السمات الخمس الرئيسية للتجارب العشوائية المضبوطة

(?) يكون «تصميم الدراسة» مبنيًّا دومًا على الانتقاء العشوائي، وهو عادةً ما يُطبق في أيامنا هذه بواسطة قوائم من الأرقام العشوائية المنتَجة بواسطة الكمبيوتر. ومن الممكن أن يقتصر الأمر على تحديد الأشخاص عشوائيًّا وتخصيصهم لتلقي علاجات مختلفة أو أن يضاف شرط إضافي. على سبيل المثال، في تجربة أجريت على لصقات النيكوتين التي تهدف للمساعدة في الإقلاع عن التدخين، حُدِّد عشوائيًّا الأفراد الذين سيستخدمون الأنواع المختلفة من اللصقات أو هؤلاء الذين سيستخدمون لصقات وهمية في إطار كل مركز مشارك في الدراسة. وبهذه الطريقة، صارت المقارنات الصحيحة بين سبل العلاج ممكنة، ليس فقط إجمالًا للبيانات المجمعة من جميع المراكز، وإنما كذلك في نطاق كلٍّ من المراكز التي توجد في البلاد المختلفة.
(?) اختيار «المجتمع محل البحث» أمر حاسم فيما يتعلق بتعميم الاستنتاجات التي توصلت إليها التجربة. ففي تجربة لاصقات النيكوتين، اختير متطوعون كانت لهم محاولتان سابقتان أو أكثر من المحاولات غير الناجحة للإقلاع عن التدخين وكانوا على وشك الذهاب لأحد الأطباء للحصول على استشارته في هذا الشأن. الاستنتاج الختامي الذي توصلت إليه التجربة — وهو أن اللصقات تزيد بشكل فعال احتمال الإقلاع عن التدخين — لم يكن لينطبق بالضرورة على أناس أقل دافعية للإقلاع عن التدخين. علاوةً على ذلك، فإن أنواع العلاج التي تبين أنها تتمتع بالفاعلية والأمان لدى البالغين ربما لا يكون لها الفاعلية والأمان نفسهما مع المسنين أو الأطفال. وكمبدأ عام، فإن أي علاج (وليكن دواءً مثلًا) موصوف لعلاج مرض معين يجب ألا يوصف إلا لأفراد مشابهين تمامًا لأولئك الذين خضعوا للتجربة التي بينت فاعليته. ويجب مقاومة الضغوط التي لا تهدأ من جانب صناعة الدواء من أجل التوسع في استخدام دواء ما في حالات مرضية أخرى إلى أن يتبين بالدليل القاطع أنه ناجح في علاج تلك الأمراض كذلك. ولكي تقدم التجربة معلومات ذات فائدة، يجب أن تشرك عددًا كافيًا من الأفراد. ويمكن حساب ذلك العدد «الكافي» في مرحلة التخطيط بناءً على حجم الفارق بين أنواع العلاج الذي يرغب الباحث في رصدها بدرجة مرتفعة من الثقة. فإذا كنا مهتمين برصد تأثير كبير جدًّا فحسب — مثال ذلك القضاء التام على مرض ما بواسطة أحد اللقاحات — فإن عددًا قليلًا نسبيًّا من الأفراد سوف يكون ملائمًا؛ لأنه إذا وُجد هذا التأثير الهائل، فمن المرجح أنه سيظهر في كل الأحوال. أما إذا كان الباحث على النقيض من ذلك راغبًا في بيان أن لقاحًا جديدًا أرخص سعرًا وأيسر في إعطائه لا يختلف (أو يختلف بدرجة طفيفة) في فاعليته عن أفضل لقاح متوافر حتى الآن، فإن الباحث هنا في حاجة إلى عدد هائل من الأفراد حتى يستبعد احتمال تدني مستوى اللقاح الجديد، ولو بقدر طفيف وإن كان مؤثرًا إحصائيًّا، عن مستوى اللقاح القديم.
(?) يمكن أن تكون «المعالجة» بسيطة مثل دواء أو لقاح، أو أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير مثل التدخل بتعديل نظام غذائي معتاد. وقد بينت إحدى التجارب العشوائية الحديثة في هذا الميدان أن إنقاص كم السعرات التي يحصل عليها الفرد في الطعام يمكنه إنقاص الوزن لدى الأفراد المتطوعين الذين يحافظون على معدل شبه ثابت من النشاط البدني. والمثير للانتباه أنها بينت كذلك أن تركيب النظام الغذائي لم يكن هو المهم، سواء كان عالي أو منخفض المحتوى الدهني (في إطار حدود معقولة)، أو البروتيني، أو السكري، ما دام الغذاء منخفض المحتوى من السعرات. إلا أن المحافظة على النظام الغذائي في إطار التجربة كان معناها ضمنًا التواصل المتكرر مع الأفراد وإخضاعهم لرقابة صارمة، وهو أمر ربما لا يمكن تكراره بسهولة مع المجتمع. فبصفة أساسية، لا يكون هناك مبرر لإجراء تجربة عشوائية إلا عندما يكون هناك غموض أصيل في تأثير علاج ما مقارنةً بعلاج وهمي أو علاج آخر ثابت الفاعلية. ويجسد هذا الغموض حالة «توازن» بين نوعي العلاج.
(?) عادةً ما يجري تقييم عدة «استجابات» أو «نقاط نهاية» للعلاج بهدف قياس الآثار المنتظرة أو الآثار السلبية المحتملة لذلك العلاج. ويمكن قياس معدل الإصابة باحتشاء عضلة القلب في تجربة ما تختبر عقارًا يهدف إلى الوقاية منه، غير أنه سوف تُراقب كذلك أي أمور شاذة مراقبة متأنية؛ إذ إنه من الممكن أن تشير إلى أثر سلبي للدواء. وأفضل أداة لتجنب جميع التأثيرات المقصودة وغير المقصودة عند ملاحظة وتسجيل نقاط النهاية هي جهل كلٍّ من الأفراد والأطباء بالعلاجات المقدمة. ربما لا يكون هذا الأمر ممكنًا دائمًا، مثلما يحدث عندما تكون العلاجات عبارة عن أنظمة غذائية متباينة التركيب.
(?) يجري «تحليل البيانات» التي تم جمعها خلال الدراسة عند نهايتها حسبما هو مخطط لها. ولكن كثيرًا ما يكون في الإمكان إجراء بعض التحليلات الوسيطة لمراقبة ما يحدث: إذا ظهرت مؤشرات مبكرة دالة على وجود ميزة واضحة لأحد العلاجات، فإنه قد يصبح من غير الأخلاقي الاستمرار في تقديم علاجات أخرى أو ذات مستوى أقل. وإذا ظهرت علامات دالة على وجود آثار سلبية خطيرة، فقد يصبح من الضروري إيقاف التجربة. نظرًا لتلك الاعتبارات الدقيقة، عادةً ما تتم عمليات تحليل وسيطة من قبل لجنة لمراقبة التجربة تكون مستقلة عن الباحثين المسئولين عن إجراء الدراسة. وكثيرًا ما يحتاج أي نوع من عمليات التحليل إلى أن يضع في الحسبان مسألة أن نسبة من المشاركين في التجربة سوف تتخلى عن العلاج المخصص لها خلال مسار التجربة. الأرجح أن تلك الحالات لا تحدث بالمصادفة وإنما بسبب، مثلًا، أن بعض الأفراد يكتشفون أن اتباع نظام غذائي معين أمر مرهق للغاية، أو لمجرد أنه لا يستهويهم. وفي تلك الظروف، فإن المقارنة بين آثار مختلف الأنظمة الغذائية على معدلات الإصابة بمرض السكر، مثلًا، بين أولئك الذين التزموا بنظامهم الغذائي طيلة فترة التجربة؛ لن تعكس الواقع. وهناك تحليل أكثر واقعية، يسمى «قصد العلاج»، يقارن بين معدلات الإصابة بالسكر لدى مجموعات من الناس حُدِّدت لكلٍّ منهم من البداية أنظمة غذائية معينة، بصرف النظر عما إذا كان البعض منهم من كل مجموعة سيترك الدراسة أم لا. الواقع أن إجمالي تأثير نظام غذائي معين حسبما يفترض، إن كان مفيدًا، على مجتمع سكاني بأسره سوف يكون نتيجة الجمع بين آثار وقعت على من اتبعوه للنهاية وأي آثار أخرى في أوساط أولئك الذين بدءوا باتباعه ثم تحولوا بعد ذلك لأنظمة غذائية أخرى.
التجارب العشوائية وغير العشوائية

التجارب العشوائية أداة نفيسة في الأبحاث الطبية والوبائية. ويمكن النظر إليها من زاويتين مختلفتين اختلافًا طفيفًا. فمن زاوية، هي أداة لاختبار مدى فاعلية علاج ما. وقبل حقبة التجارب العشوائية المضبوطة، التي بشرت بها التجربة البريطانية الخاصة باستخدام عقار الستربتوميسين في علاج الدرن الرئوي عام ????، كان الدليل على الآثار الإيجابية والسلبية لعلاج ما يقوم في الأساس على تراكم الخبرة الإكلينيكية المدعومة بالمعرفة من علم وظائف الأعضاء، وعلم الأمراض. في علم الأوبئة، كان الدليل — مثلًا — على مدى فاعلية لقاح ما مبنيًّا على دراسات قائمة على الملاحظة. مقارنةً بالتجارب العشوائية، تعد تلك الوسائل أكثر بطئًا وإرهاقًا؛ حيث إنها تتطلب تراكمًا هائلًا للنتائج المتناغمة الآتية من عمليات الملاحظة الإكلينيكية أو الوبائية قبل أن يصير في الإمكان التوصل إلى أي استنتاجات قائمة على أساس سليم، وهي أقل حساسية؛ لأن الآثار الطفيفة وإن كانت ذات أهمية طبية — ولتكن مثلًا انخفاضًا بنسبة تتراوح بين ? و??? في معدل الإصابة بالمرض — لا يمكن إقرارها بأي قدر من الثقة. ومن ثم، فإن التجربة العشوائية صارت المعيار المقبول بصفة عامة لاختبار أنواع العلاج المختلفة، سواء الوقائية أو العلاجية.
ومن الزاوية الأخرى، تعد التجربة العشوائية بمنزلة الاختبار الأساسي لعلاقة السببية. فاستبعاد سبب مفترض لمرض ما في تجربة عشوائية هو خير دليل على أن السبب المحتمل هو سبب المرض بالفعل. ومن الممكن أن يكون هذا الاختبار ممكنًا أحيانًا. على سبيل المثال، لم يكن من الممكن إدخال برنامج تلقيح ضد فيروس الالتهاب الكبدي «ب» على الفور لكافة المواليد الجدد في جامبيا. وتحول هذا الظرف غير المواتي إلى ميزة حقيقية عن طريق انتقاء الأطفال الذين سيلقَّحون أولًا بشكل عشوائي؛ مما يسمح بإجراء مقارنة صحيحة بينهم وبين الأطفال غير الملقحين المولودين في العام نفسه (وبحلول العام الرابع، طالت عملية التلقيح جميع المواليد الجدد في البلاد). لا بد أن الانخفاض المتوقع في نسبة الإصابة بسرطان الكبد بين الأطفال الملقحين عند وصولهم لسن البلوغ سوف يقدم دليلًا أكيدًا على أن فيروس الالتهاب الكبدي «ب» لا يسبب الالتهاب الكبدي وحسب — وهي حقيقة مؤكدة — وإنما سرطان الكبد أيضًا، وهو أكثر أنواع السرطان انتشارًا في العديد من بلدان أفريقيا وجنوب شرق آسيا.
فيما يتعلق بالكثير من التعرُّضات التي أظهرت التجارب المعملية والدراسات القائمة على الملاحظة بوضوح أنها ضارة، لا يكون الاستبعاد المخطط العشوائي للتعرض أمرًا ممكنًا أو أخلاقيًّا. لكن يجب أن يوضع برنامج مراقبة لمراقبة مسار المرض في أعقاب «التجربة الطبيعية» التي يُستبعد فيها (بأي سبيل كان) التعرُّض. على سبيل المثال، أقلع عن التدخين عدد كبير من الأطباء في الدراسة التي أجراها ريتشارد دول وأوستن برادفورد هيل التي ذكرناها بالفصل الرابع. وبالفعل في خلال السنوات الخمس الأولى التي تلت الإقلاع عن التدخين، هبط معدل الإصابة بسرطان الرئة بنسبة تقترب من الثلث، مقدمًا دليلًا إضافيًّا وقويًّا يؤيد الدور السببي لتدخين التبغ.
عند فحص المعدل الإجمالي للبقاء على قيد الحياة، أظهرت تجربة الأطباء البريطانيين (انظر شكل ?-?) أنه كلما عجَّل المدخن بالتوقف عن التدخين، أمكن له أن يتوقع عمرًا لا يقل عن عمر من لم يدخن مطلقًا طيلة حياته. بعبارة أوضح، أفضل خيار ألا تدخِّن من الأساس، أما ثاني أفضل خيار فهو أن تقلع عنه مبكرًا، بل وأيضًا أن تتوقف متأخرًا كي تجني على الأقل بعض الفوائد السريعة. شكل ?-?: الإقلاع عن التدخين في أي سن يطيل عمرك.1
إن الدراسات القائمة على الملاحظة والدراسات العشوائية الخاضعة للتصميم والتنفيذ والتحليل الجيد أداتان تكمل كلٌّ منهما الأخرى في علم الأوبئة وتسهمان في تقدم المعرفة حتى إذا خرجت منهما نتائج متضاربة، مثلما يوضح مثال تناول الخضراوات والإصابة بالسرطان. فمنذ ثلاثين عامًا مضت، كانت دراسات عديدة قائمة على الملاحظة قد أشارت بالفعل إلى أن تناول الخضراوات، وهي أحد مصادر فيتامين «أ»، وزيادة مستويات فيتامين «أ» في الدم عن المتوسط يقللان من خطر الإصابة بالسرطان. كانت هناك بعض الأدلة الواردة من التجارب المعملية التي تبين أن فيتامين «أ» والمركبات المشتقة منه داخل الجسم يمكنها أن تثبط عملية انقسام الخلايا الطبيعية وتحولها إلى خلايا سرطانية. وبهدف الاختبار المباشر للفرض السببي بأن فيتامين «أ» يمنع وقوع السرطان، أجريت تجربة عشوائية مضبوطة على أكثر من ???? مدخن بالغ (معرضين على وجه الخصوص لخطر الإصابة بسرطان الرئة) في فنلندا لمقارنة علاج وهمي بعلاج يقدَّم فيه البيتا-كاروتين، وهي المادة الأولية التي تتحول بعد ذلك إلى فيتامين «أ»، وتوجد في الخضراوات والفواكه صفراء اللون. وقد جاءت النتائج بما يخالف الآمال. وكان من الضروري إيقاف التجربة نظرًا لظهور ارتفاع مفاجئ في نسبة الإصابة بسرطان الرئة لدى الرجال الذين تلقوا البيتا-كاروتين. وكان معنى ذلك أن البيتا-كاروتين التي قُدِّمت في جرعات التجربة، وكان معدلها أعلى كثيرًا مما هو موجود في الغذاء الطبيعي، كان لها أثر سلبي وليس مفيدًا. وكان من الممكن لهذا أن يعني أيضًا أنه في الدراسات القائمة على الملاحظة السابقة، لم يكن فيتامين «أ» هو المسئول عن انخفاض خطر الإصابة بالسرطان، وإنما كان ببساطة مؤشرًا دالًّا على وجود مواد أخرى في الخضراوات قادرة على تثبيط نمو السرطان. وحتى في يومنا هذا، يبدو الدور الوقائي للخضراوات مقبولًا، مع أنه لم يثبت بعد بصورة قاطعة، في حين أنه من ناحية أخرى يقدم لنا مثال البيتا-كاروتين تحذيرًا صريحًا ينبهنا إلى أن الاستخدام غير الحذر للمكملات الغذائية من الفيتامينات ربما يؤدي إلى آثار ضارة بالصحة بدلًا من تحقيق الفائدة لها.
من حيث المبدأ، تعد التجارب العشوائية المضبوطة أداة أفضل من الدراسات القائمة على الملاحظة، وهي مفضلة عليها كلما كان إجراؤها ممكنًا. غير أنه من الممكن أن يكون إجراؤها مصحوبًا بمشكلات عند التطبيق الفعلي. فمن الممكن أن يكون من الأيسر نسبيًّا أن نختبر عقارًا جديدًا لعلاج ارتفاع ضغط الدم على مرضى محجوزين بالمستشفيات باستخدام تجربة عشوائية، غير أن تفسير أهمية نتائجها لدى الأطباء والمرضى مقارنةً بتلك التي تم التوصل إليها في تجربة عشوائية أخرى تختبر عقارًا مختلفًا من الممكن أن يصطدم ببعض الصعوبات. فمن المحتمل أن تكون التجربة الأولى قد أجريت على مرضى مصابين بارتفاع ضغط الدم منذ فترة زمنية أطول من أولئك الذين أجريت عليهم التجربة الثانية، ومن المحتمل أيضًا أن تكون إحدى التجربتين قد استعانت بعقار وهمي كضابط، في حين استعانت التجربة الأخرى بعقار آخر مضاد لارتفاع ضغط الدم، وهكذا. يحدث عادةً أن تكون التجارب صحيحة بالنسبة لطرق البحث المتبعة فيها وهي تتناول المسألة نفسها، وهي علاج ارتفاع ضغط الدم في مثالنا، ولكن بطرق مختلفة أدت إلى تعقيد التفسير الإجمالي للنتائج ومن ثم مهمة الأطباء في اختيار علاج لمرضاهم.
بل إن هناك مجالًا أكثر اتساعًا لهذه المشكلة ينشأ في حالة التجارب التدخلية مثل برنامج فحص في مجتمع كبير معافًى — وهي أكثر تعقيدًا وأكثر اعتمادًا على الظروف من مجرد تقديم عقار ما للمرضى. فهناك تجربتان تختبران قيمة اختبار المستضد النوعي للبروستاتا، الذي هو مؤشر مبكر لاحتمال الإصابة بسرطان بروستاتا، أدتا مؤخرًا إلى نتائج مختلفة. فالتجربة التي أجريت في الولايات المتحدة أظهرت عدم وجود فارق في معدل الوفيات بسبب سرطان البروستاتا بين الرجال الذين خضعوا لبرنامج الفحص الموجَّه مقارنةً بالرجال الذين لم يخضعوا للفحص (المجموعة الضابطة). ومن بين تفسيرات تلك النتيجة المخيبة للآمال أنه ربما خضعت نسبة كبيرة من أعضاء المجموعة الضابطة لهذا الاختبار بشكل عارض من قبل، ومن ثم، فإن أي فارق بين المجموعة التي خضعت للفحص والأخرى الضابطة ربما يكون قد تضاءل إلى حد أنه لم يعد قابلًا للرصد. أما التجربة التي أجريت في أوروبا، فالواقع أنها بينت حدوث انخفاض في معدل الوفيات بنسبة ???. إلا أن هذه النتيجة يجب أن توزن مقابل حقيقة تقول إن من بين ا? ??? من الرجال الذين أجري لهم الاختبار وجاءت نتيجته إيجابية، كان ثلاثة من بين أربعة منهم لا يعانون من السرطان بعد أخذ عينة حيوية منهم، وهو إجراء ليس سارًّا كثيرًا ولا هو خالٍ تمامًا من المضاعفات كالعدوى أو النزيف. ولا يزال الجدل محتدمًا حول مسألة الأثر النافع المحتمل للفحص بالخضوع لاختبار المستضد النوعي للبروستاتا لمقاومة سرطان البروستاتا.
في سياق اختبار عقار أو لقاح، تكون التجربة العشوائية المضبوطة هي «المرحلة الثالثة» في الدراسات التجريبية التي تقارن بين العقار أو اللقاح وبين علاج مرجعي (سواء أكان عقارًا وهميًّا أم عقارًا آخر). وتسبق تلك المرحلة «المرحلة الأولى» و«المرحلة الثانية». ففي تجارب «المرحلة الأولى»، عادةً ما تُستكشف درجة أمان العقار عن طريق تقديم جرعات صغيرة ولكن متزايدة لعدد محدود من الأفراد المتطوعين؛ وتُجمع بيانات عن امتصاص العقار وتوزيعه بالجسم وكذا عملية إخراجه. وبمجرد تحديد نطاق آمن للجرعات، تأتي تجارب «المرحلة الثانية» لتقدم معلومات مبدئية عما إذا كان للعقار بعض الآثار المفيدة المنتظرة أم لا. ومن جديد، تتم دراسة عدد محدود من الأفراد من خلال استجابات يتم الحصول عليها سريعًا: على سبيل المثال، في مجال السرطان، يعطي تقليص كتلة الورم إشارة بوجود شيء من الفاعلية للعقار، إلا أن أكبر الآثار ذات الصلة، وهو الذي سيتم بحثه في تجربة المرحلة الثالثة، سيكون هو طول العمر المتوقع للمريض. تسمح تلك التجارب بتقييم «فاعلية» أي علاج في ظل ظروف تجريبية نموذجية. إلا أنه عند تطبيق العلاج نفسه في الممارسات الطبية اليومية، فإن مردوده الفعلي، أو «تأثيره»، لن يتوقف فقط على مفعوله العلاجي، وإنما سيتوقف كذلك على مدى دقة الأطباء في تحديد المرضى المحتاجين له، وعلى التزام هؤلاء المرضى به، وعلى ما إذا كانوا سيعودون من تلقاء أنفسهم لعلاجات أخرى أم لا، وعلى عوامل أخرى متنوعة تتعلق بظروف الحياة.
هوامش

(1) From R. Doll et al., ‘Mortality in relation to smoking: 50 years’ observations on male British doctors’, BMJ, 2004: (328) 1519, with permission of BMJ Publishing Ltd.
الفصل السادس
متابعة صحة الأفراد


ملاحظة الأفراد دون التدخل باستخدام العلاجات

في التجارب العشوائية المضبوطة، تجري متابعة الأفراد المقدمة لهم علاجات مختلفة عبر فترة زمنية معينة بهدف ملاحظة تأثيرات التدخل (العلاج). إلا أنه من الممكن ملاحظة الأفراد على مدى زمني معين حتى بدون تقديم أي علاج في بداية فترة الدراسة. لقد صادفنا هذا النوع من الدراسات لأول مرة في الفصل الثالث عند إجراء مقارنة بين معدلات بدء الإصابة بمرض السكر لدى أصحاب الوزن الزائد وأصحاب الوزن الطبيعي. ويطلق على دراسات المتابعة القائمة بالكامل على الملاحظة اسم «دراسات الأتراب». وفيها يجري اختيار مجموعة من الأفراد، وتقاس وتسجَّل عدة خصائص (تعرُّضات) لكل فرد منهم؛ على سبيل المثال: الوزن، وضغط الدم، والنظام الغذائي، وعادات التدخين. وبعدها يُتابَع هؤلاء الأفراد عبر فترة زمنية محددة، وتُسجَّل عدة أحداث، وعادةً ما تكون الإصابة بمرض ما، مثل السكر أو احتشاء عضلة القلب، أو الوفاة نتيجة لمرض ما، أو تغيُّر في بعض السمات كالوزن أو ضغط الدم. ومن الأمثلة التقليدية على هذا النوع من الدراسات الدراسة التي أجريت لبحث الآثار الصحية للتبغ على الأطباء البريطانيين، التي تناولناها في الفصلين الرابع والخامس. قد تستغرق دراسات الأتراب التي تتناول الآثار المحتملة قصيرة الأجل للتعرضات — مثل التسمم الغذائي — أيامًا أو أسابيع، في حين أنه من الضروري أن تستمر الدراسات التي تبحث الآثار بعيدة المدى — مثل السرطان أو تصلب الشرايين — عقودًا، وهو ما يتطلب إمدادات لوجيستية يصعب التعامل معها. ولما كانت تلك الدراسات تكشف عن نتائج في المستقبل، فإنها تُعرف كذلك باسم «دراسات الأتراب الاستباقية» أو ببساطة «الدراسات الاستباقية». عندما تتكرر جميع القياسات التي تمت في البداية أو بعضها، تعتبر هذه الدراسة في الغالب دراسة «طولية». وفي السنوات الأخيرة، بدأ عدد من دراسات الأتراب واسعة النطاق بهدف بحث ثلاثة أنواع من المسائل غير المحسومة بشأن الأمراض الشائعة: التأثيرات الإيجابية والسلبية طويلة الأجل للنظام الغذائي، والدور الذي تلعبه العوامل الوراثية، وتأثير تجارب الحياة الأولى في رحم الأم وأثناء الطفولة على الأمراض التي تصيب البالغين.
الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان

شكل ?-?: الطبيبة جرو برونتلاند — المدير العام لمنظمة الصحة العالمية — في زيارة إلى الوكالة الدولية لأبحاث السرطان في ليون. يصف الطبيب إليو ريبولي — الرئيس الحالي لقسم الصحة العامة بجامعة إمبريال كوليدج بلندن — طريقة تنظيم مستودع العينات البيولوجية الخاص بالاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان.1
«الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان» هو مشروع بحثي يجري حاليًّا بتنسيق مشترك بين الوكالة الدولية لأبحاث السرطان بمدينة ليون بفرنسا (وهو مركز بحثي تابع لمنظمة الصحة العالمية) وبين قسم الصحة العامة بجامعة إمبريال كوليدج بلندن. وقد كان تركيزه الأساسي في بادئ الأمر على أمراض السرطان وعلاقتها بالتغذية، غير أنه سرعان ما توسع في مجال اهتمامه ليشمل أمراضًا أخرى مزمنة، كالسكر واحتشاء عضلة القلب، وكذا العوامل الوراثية والعوامل البيئية. وقد بدأ بعدة دراسات تمهيدية لوضع الاستبيانات عن العادات الغذائية واختبار تلك الاستبيانات، ثم انتقل إلى اختيار الأفراد البالغين الذين سيخضعون للدراسة، والذين تراوحت أعمارهم في الغالب بين ?? و?? عامًا، وذلك في ?? مركزًا في عشر دول من أوروبا الغربية (الدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، وإسبانيا، والسويد، والمملكة المتحدة). انضم إلى الدراسة نحو ??? ألف فرد بين عامي ???? و????. قدَّم كلٌّ من هؤلاء معلومات تفصيلية عن غذائهم — جُمعت باستخدام إجراءات متقاربة في البلدان المختلفة — إلى جانب بعض السمات الشخصية الأخرى كالجنس، والعمر، والمستوى التعليمي، ومعدل تناول الخمور وتدخين التبغ، والنشاط البدني، والتاريخ الإنجابي للنساء، والأمراض السابقة. كذلك قِيس الطول والوزن ومحيطا الخصر والأرداف (باعتبارها مؤشرات على توزيع الدهون بالجسم)، وأُخذت عينات دم من نحو ??? ألف فرد لتخزينها عند ???? درجة مئوية في وحدات تجميد مملوءة بالنيتروجين السائل.
عند درجة الحرارة المشار إليها، تتوقف جميع التفاعلات الكيميائية الحيوية التي تحدث في الدم ويمكن حفظ العينات سنوات دون أن يطرأ عليها أي تغيير. بعد ذلك يخضع الأفراد للمتابعة، مع تسجيل أسباب الوفاة والإصابة بالسرطانات المختلفة عن طريق الأنظمة الدائمة لتسجيل حالات السرطان (سجلات السرطان) إذا ما وُجدت تلك السجلات، أو — في حالة السرطان وغيره من الأمراض أيضًا — عن طريق الاستعانة بسجلات الأطباء والمستشفيات.
وتُجرى دراسات تخصصية عديدة ومتنوعة في إطار مجموعة أتراب هذا المشروع البحثي، وقد ظهرت بالفعل نتائج ذات أهمية كبرى. سُجِّل ما يقرب من ?? ألف حالة وفاة أيًّا كان السبب، وتبيَّن أن توزيع الدهون بالجسم — لا سيما تركُّز مخزون الدهون في البطن الذي ينتج عنه زيادة محيط البطن — يُنبِئ بخطر التعرض للوفاة. واكتشفت دراسة أخرى أن خطر الإصابة بسرطان الأمعاء (القولون والمستقيم) مرتبط بارتفاع معدل تناول اللحوم الحمراء والمصنَّعة. وفي دراسة ثالثة، تبين أن خطر الإصابة بسرطان الثدي بعد سن اليأس مرتبط بمستوى كلٍّ من هرمونات الأنوثة والذكورة في الدم، وكان ذلك بمنزلة تحذير من استعمال هرمونات الذكورة (مثل التستوستيرون) الذي طُرح للوقاية من هشاشة العظام لدى النساء بعد سن اليأس.
تحتوي كل عينة من عينات الدم المختزنة بمستودع المشروع على مكونات مختلفة: المصل والبلازما اللذين يمكن تحليل العديد من المركبات الكيميائية الحيوية فيهما، وكريات الدم الحمراء التي يمكن فحص بعض المواد بها مثل جزيئات الأحماض الدهنية، وأهم شيء كريات الدم البيضاء التي تزودنا بالحمض النووي لإجراء الدراسات الجينية. وتكون الجينات على هيئة تسلسلات ذات أطوال متنوعة من الجزيئات الأولية (النيوكليوتيدات أو القواعد، مجتمعة في أزواج تسمى أزواجًا قاعدية) في الجزيئات الطويلة للحمض النووي. وتحتشد تلك الجزيئات بدورها داخل الكروموسومات التي توجد في نواة الخلية. يحصل كل إنسان على ?? كروموسومًا من الأب و?? كروموسومًا من الأم، مع اشتمال كلٍّ من هاتين المجموعتين على أكثر من ثلاثة مليارات زوج قاعدي. ونحو ??? من تلك النيوكليوتيدات مشتركة بين كافة البشر، غير أن هناك مساحة متروكة لعشرة ملايين من النيوكليوتيدات التي يمكن أن تتباين من شخص إلى آخر. وتختبئ داخل تلك التباينات الفروق في الاستعداد الفردي للإصابة بالأمراض، وهو جانب لم يُتَح للبحث المباشر إلا منذ فترة قريبة؛ إذ إن الثورة التي وقعت في علم الأحياء الجزيئية والتكنولوجيا جعلت من الممكن لأول مرة قياس الفروق في تركيب النيوكليوتيدات الفردية على نطاق بالغ الاتساع، ومن ثم اختبارها. واليوم، من الممكن اختبار مليون من النيوكليوتيدات في الحال لمعرفة التباينات في تركيبها (شكلها)، وذلك في دراسات «التباينات الفردية متعددة الأشكال للنيوكليوتيد» التي تغطي جميع الكروموسومات، أي «الجينوم» بأكمله.
في إطار المشروع وعدد متزايد من الدراسات الأخرى، يجري الآن البحث عن علاقات ارتباط بين تلك التباينات الجينية والأمراض، بالطريقة نفسها التي كنا نبحث بها في الماضي الارتباطات بين التدخين والأمراض. إن دراسة مئات الألوف أو ملايين من الارتباطات وفهم إن كان تباين جيني ما يتسبب في مرض ما من عدمه، وبأي طريقة يفعل ذلك، أمر ينطوي على ثلاثة تحديات كبرى؛ أولها: يتطلب هذا عددًا هائلًا من حالات المرض، تتجاوز حتى الأعداد التي يمكن توفيرها في مشروع بحثي بحجم مشروع «الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان»، ومن ثم يجري الجمع بين بيانات من دراسات مشابهة وإن كانت أصغر حجمًا، وتلك الواردة من مشروع «الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان» لإجراء تحليلات «مجمعة». والتحدي الثاني يتمثل في أن دراسة مليون علاقة ارتباط تزيد من عدد تلك العلاقات التي تتبين دلالتها الإحصائية عند المستويات المتعارف عليها من احتمالات الخطأ وهي ?? أو ??. ويعني مستوى ?? أن هناك ?? ألف علاقة ارتباط سوف تبدو ذات دلالة إحصائية عن طريق الصدفة البحتة! ويجري تطوير طرق جديدة للتحليل الإحصائي من أجل كبح جماح هذه العاصفة من المصادفات. وثالث هذه التحديات، وأكثرها تعقيدًا، أن تباينًا واحدًا في أحد النيوكليوتيدات من النادر جدًّا أن يُكتشف أنه مسئول «في حد ذاته» عن استعداد الفرد للإصابة بمرض شائع مثل سرطان القولون أو احتشاء عضلة القلب. من المرجح أن هناك تأثيرًا لجينات عديدة، ولكي نحل لغز تعاونها مجتمعة مع تأثيرات عوامل أخرى خارجية كالنظام الغذائي، فإن هذا يتطلب البحث في تسلسلات الأحداث بدءًا من التباينات الجينية إلى التعبير الجيني في صورة بروتينات، والوظائف الخلوية، وصولًا في النهاية للمرض. ولذلك، فإن المصادر الشبيهة بمشروع «الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان» — التي لا تمكِّن فحسب من اختبار التباينات الجينية متعددة الأشكال في الحمض النووي، وإنما تتيح أيضًا فحص المكونات الكيميائية الحيوية مثل البروتينات في المصل والبلازما — أداة بحثية نفيسة جدًّا.
من بين الدراسات التي تشبه بوجه عام «الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان»، نجد أن «البنك الحيوي البريطاني» — الذي بدأ في اختيار الأفراد الذي سيخضعون للدراسة من بين أعمار ??–?? عام ???? — يستهدف الاستعانة بنصف مليون فرد. وفي الدنمارك، شملت «دراسة أتراب وطنية دنماركية» ما يقرب من ??? ألف امرأة حبلى بين عامي ???? و???? بهدف دراسة كيفية تأثير الفترة ما بين الحمل والطفولة المبكرة على الأحوال الصحية للأفراد في مرحلة البلوغ. ويملك كلا المشروعين مجموعة من عينات الدم، مثلما تفعل دراسات أخرى عديدة حديثة في علم الأوبئة المعاصر، فهي تجمع بين دراسة العوامل الوراثية والخارجية سواء الغذائية، أو المهنية، أو البيئية، أو الاجتماعية. وكما تبين تلك المشروعات المتواصلة، فإن النطاق الزمني لعلم الأوبئة غالبًا ما يكون ممتدًا ومختلفًا تمامًا عن فترات الأسابيع والشهور أو بضع السنوات التي تستغرقها دراسات أخرى تُجرى في المعمل باستخدام مواد مثل المزارع الخلوية أو حيوانات التجارب، وسبب ذلك ببساطة أنه لكي تكتشف ما يحدث وسبب حدوثه لأناس على امتداد أعمارهم، لا يوجد أمامك بديل حقيقي سوى ملاحظة أحوال الأفراد طيلة عمرهم.
السمات الخمس الرئيسية لدراسات الأتراب

(?) اختيار «المجتمع السكاني» موضع البحث أمر جوهري. يجب في الأساس أن تكون التعرُّضات محل تركيز البحث موجودة ومتباينة الشدة داخل هذا المجتمع، وإلا كانت الدراسة إهدارًا للوقت والموارد. فلا معنى لانتقاء مجتمع يتناول الجميع فيه أطعمة متشابهة لكي نجري دراسة على العلاقة بين الغذاء والمرض؛ ولهذا السبب اشتمل «مشروع الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان» على مجموعة من البلدان المختلفة من شمال إلى جنوب أوروبا، حيث (لا تزال) هناك اختلافات كبيرة فيما بينها في الأنظمة الغذائية. وللسبب نفسه، عند بحث الآثار الصحية المحتملة لأحد ملوثات الهواء مثل البنزوبيرين الناتج من عوادم أنظمة التدفئة، أو العوادم الصناعية، أو عوادم السيارات، يمكن أن يكون أول من يقع عليهم اختيارنا هم — على سبيل المثال — العاملين في صناعات الغاز الذين يتعرض بعضهم من خلال مهنتهم لمستويات مرتفعة من حرق الفحم، أكثر من مجتمع الحضر الذي يتعرض لمستويات منخفضة وواحدة نسبيًّا منه. وقد يقع الاختيار على مجتمع ما أيضًا بسبب ظهور معدل تكرار مرتفع من أحد الأمراض، وليكن سرطان الكبد مثلًا، أو من مرض وتعرُّضٍ ما، وليكونا مثلًا سرطان الكبد والالتهاب الكبدي بفيروس «ب». وفي هذه الحالة، يكون الهدف من الدراسة اكتشاف ما إن كان خطر الإصابة بسرطان الكبد متركزًا بالفعل بين أوساط المصابين بالالتهاب الكبدي أم لا. إن مجموعات الأتراب من المرضى، وليكن مثلًا مرضى الالتهاب الشعبي المزمن، هم مجتمعات خاصة تخضع للمتابعة في الوقت المناسب بعد ظهور الحالات الأولى للإصابة بأحد الأمراض بهدف فهم التاريخ الطبيعي لتطور هذا المرض. ولا غنى عن تلك المعرفة للأطباء المعالجين من أجل وضع توقعات صحيحة لسير المرض لدى كل مريض.
(?) من الممكن أن يشتمل «تصميم الدراسة» على مجموعة أتراب معينة من مكان واحد، مثل الدراسة التي أجريت في بلدة فرامنجهام الصغيرة بماساتشوستس والتي قدمت معلومات أساسية عن العوامل المحددة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، أو مجموعات أتراب عدة، مثلما حدث في «مشروع الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان». ويجب أن يكون عدد الأفراد المشاركين في الدراسة في كل الأحوال كافيًا من أجل رصدٍ ذي احتمالية حدوث مرتفعة لخطر الإصابة بالمرض المرتبطة بالمستويات المتباينة لتعرض ما؛ على سبيل المثال، علاقة احتشاء عضلة القلب بمقدار ما يتناوله الفرد من دهون في غذائه. ولهذا السبب، كثيرًا ما تضم الدراسات الخاصة بمخاطر بيئة العمل مجموعات من العاملين في عدة مصانع يوظِّف كلٌّ منها عددًا قليلًا للغاية من العاملين المعرضين لخطر معين وذلك من أجل إجراء عملية استقصاء مجدية. كذلك يُحدَّد عادةً النطاق العمري وجنس المشاركين في تلك الدراسات. هل يجب أن يكون المشاركون في الدراسة عينة عشوائية ممثِّلة للمجتمع موضع الدراسة؟ ما دامت المقارنات تتم بين مجموعات داخل نطاق هذا المجتمع — على سبيل المثال بين أشخاص يتناولون كميات مختلفة من الدهون — فإن هذا الأمر ليس شرطًا ضروريًّا (مع أنه لو كانت نسبة الأفراد المدعوين للمشاركة في الدراسة ورفضوا المشاركة مرتفعة، فلربما تعرضنا لأنواع متباينة من الانحيازات).
(?) تنتمي «العوامل» أو «التعرُّضات» التي ستخضع للقياس إلى إحدى فئتين؛ الأولى: تلك التي يمكن قياسها لحظة انضمام المشاركين إلى الدراسة: مستوى التعليم، المهنة، ضغط الدم، مستوى الجلوكوز في الدم، عادات التدخين الحالية، وما إلى ذلك. والثانية: تلك التي تعكس التجربة السابقة، سواء القريبة أو التي وقعت منذ عهد بعيد: عادات التدخين طيلة العمر، الوظائف السابقة، نوع الغذاء خلال الأسبوع أو الشهر أو العام الماضي، وهكذا. من الممكن للمعايرة السليمة لأساليب القياس أن تضمن جودة القياسات في الفئة الأولى، غير أنه ليس في استطاعتها أن تمنع تمامًا أخطاء الذاكرة في حالة الفئة الثانية.
(?) هناك أحداث مثل الإصابة بالمرض أو الوفاة تعد «استجابات» نمطية يتم تسجيلها في معظم دراسات الأتراب. وآليات متابعة الأفراد في مجموعة الأتراب ضرورية؛ فعادةً ما يُنظر إلى دراسة الأتراب التي تكون فيها النسبة المئوية للمشاركين الذين لا يُعرف إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة أم لا أعلى من ??، أو ??? على أسوأ تقدير، على أنها ضئيلة الجودة. ويستعان بالأنظمة الوطنية أو المحلية القائمة لتسجيل الوفيات والمرض (على سبيل المثال، السرطان) سواء للتأكيد على حالة الأفراد أو التشخيصات المرضية. وعندما لا تكون تلك الأنظمة موجودة أو لا يُعتمد عليها، فإن من الواجب تطبيق آلية متابعة، ولتكن مثلًا من خلال شبكة من الأطباء المعالجين لأفراد الدراسة.
(?) إن «تحليل» أية دراسة أتراب يتميز بالبساطة. فمعدلات الإصابة أو معدلات خطر الإصابة بمرض ما تُحسب لدى مجموعات ذات أشكال تعرض متباينة، وتحسب المعدلات النسبية أو نسب الخطر التي تناولناها في الفصل الرابع لتحديد إن كانت ستظهر ارتباطات بين التعرض والمرض أم لا. ولما كانت هناك عوامل كثيرة من الممكن أن تتدخل في الأمر، فإنه مما لا غنى عنه دائمًا أن نقوم بالضبط من أجل عزل العديد من تلك العوامل التي ينظر لها باعتبارها عناصر تشويش؛ مثال ذلك، عند إجراء مقارنة بين خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى المعرضين لقدر هائل من التلوث في المدن والمعرضين لقدر طفيف منه، سوف يكون لزامًا استبعاد تأثير الجنس، والعمر، وعادات التدخين على أقل تقدير. ويمكن إجراء ذلك عن طريق أساليب الانحدار اللوجيستي أو انحدار كوكس أو بواسون التي ذكرناها بالفصل الثالث. إن تلك الأساليب الإحصائية، التي يسهل توظيفها اليوم بفضل حُزَم برامج الكمبيوتر الإحصائية سهلة الاستخدام، يجب عدم التسرع في تطبيقها، وإلا استبعد الباحث تأثيرات كان من الواجب عليه الإبقاء عليها. ومثال ذلك، في دراسة حول دور الملح في الطعام في التسبب في السكتة الدماغية، يكون من الملائم استبعاد تأثير عوامل أخرى مثل الجنس، والعمر، وتدخين التبغ، وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، والسكر. وعلى الجانب الآخر، قد لا يكون من الحكمة استبعاد تأثير ارتفاع ضغط الدم؛ لأن الأثر المباشر للملح هو رفع ضغط الدم وهو ما يؤثر بدوره على السكتة الدماغية. واتخاذ القرار بشأن أي العوامل في حاجة لأن يُعزل أمرٌ يتفاوت من دراسة لأخرى ويتطلب الحرص التام عند وضع العلاقات المحتملة بين العوامل.
دراسة الأتراب التاريخية

عادة ما تكون دراسات الأتراب بمنزلة استثمارات طويلة الأجل (وأولئك الذين ينتمون لمجموعاتها ربما يعيشون أعمارًا أطول من علماء الأوبئة الذين بدءوا الدراسة أصلًا). وهناك طريق مختصر مفيد للغاية يُستخدم كثيرًا في دراسة التعرُّضات في مواقع العمل، ألا وهو «دراسة الأتراب التاريخية». فعندما تتوافر سجلات للتوظيف، يمكن تشكيل مجموعة أتراب من جميع العاملين الذين عُيِّنوا مثلًا بين عامي ???? و????، والذين خضعوا للمتابعة بعد ذلك حتى الوقت الحاضر، ويُتثبَّت مما إذا كانوا أحياء أم أمواتًا من خلال السجلات الوطنية أو المحلية، وفي تلك الحالة الأخيرة، يُسجل تاريخ الوفاة وسببها. ويسمح ذلك التصميم بحساب المعدلات والمخاطر مثل أي دراسة أتراب استباقية، الفارق الوحيد هنا أن مجموعة الأتراب تخضع للمتابعة في الماضي بدلًا من المستقبل.
هناك مثال قديم على دراسة أتراب تاريخية أجريت على نحو بارع، وهي دراسة ألمانية أجريت عام ???? على نحو ?? ألف طفل وُلدوا لآباء مصابين بالدرن وأكثر من ? آلاف طفل ولدوا لآباء غير مصابين بالدرن. أوضحت الدراسة أن أطفال الآباء المصابين بالدرن كانت حياتهم أقصر من حياة من وُلدوا لآباء غير مصابين به، وأن ارتفاع نسب الوفيات من بينهم كان علاوة على ذلك مرتبطًا بعدد الإخوة في الأسرة الواحدة وبالانتماء لطبقة اجتماعية أدنى.
وهناك مثال تقليدي وهو دراسة أجريت عام ???? على العاملين في عوازل الأسبستوس في ولايتَيْ نيويورك ونيو جيرسي سواء الذين كانوا موجودين بنهاية عام ???? أو انضموا إلى العمل لاحقًا حتى نهاية عام ???? والذين خضعوا للمتابعة حتى نهاية شهر أبريل ????. بلغ معدل وفياتهم لأي سبب ضعف معدله لدى الرجال في المجتمع نفسه بصفة عامة ممن هم في نفس أعمارهم. فيما يتعلق بالإصابة بسرطان الرئة، بلغت أعداد وفيات العمال ثمانية أضعاف عددها في عموم هذا المجتمع، وكذلك كانت أكثر من نسبة العُشر من الوفيات ترجع إلى ورم الظهارة المتوسطة، وهو ورم خبيث يصيب بطانة الرئتين (غشاء الجنب) أو الأمعاء (غشاء التجويف البطني)، وهي حالة شديدة الندرة في عموم هذا المجتمع. تشير تلك النتائج بوضوح إلى خطر مادة الأسبستوس، هذا بالإضافة إلى أنه قد جرى ضبط نتائج الدراسة من أجل سرطان الرئة وذلك بعزل تأثير عادات التدخين لدى العمال. بل إن الدراسة قطعت خطوة أبعد من ذلك؛ إذ بينت أن العمال الذين تعرضوا لمادة الأسبستوس وكانوا يدخنون التبغ معًا قد ارتفع لديهم كثيرًا خطر الإصابة بسرطان الرئة؛ وذلك بسبب التقوية المتبادلة للتأثيرين المنفصلين. وكان ارتفاع معدل خطر الإصابة بسرطان الرئة بسبب التعرض لمادة الأسبستوس، حسبما ذكر، يبلغ ثمانية أضعاف، وكان الارتفاع في معدل خطر الإصابة به بسبب التدخين نحو اثني عشر ضعفًا؛ بلغ الارتفاع في معدل الخطر الناشئ عن التعرض لهما مجتمعين أقرب إلى ? × ?? = ?? ضعفًا. لقد كان ذلك أول دليل من علم الأوبئة على أن العوامل المختلفة لا يمكنها فحسب التشويش على تأثير بعضها داخل الدراسة، وإنما في إمكانها أيضًا أن تتعاون أو «تتفاعل» معًا لإحداث تأثيرات مشتركة قوية.
هوامش

(1) Courtesy of the author.
الفصل السابع
بحث تجارب الأفراد السابقة


المعلومات نفسها بجهد وتكلفة أقل

تحتاج دراسات الأتراب واسعة النطاق وطويلة الأجل، مثل مشروع «الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان» أو مجموعات أتراب المواليد، إلى كميات هائلة من المعلومات عن النظام الغذائي، وعادات التدخين، والمهنة، وغيرها من العوامل الأخرى التي تُجمع عن كل فرد من أفراد مجموعات الأتراب المطلوبة معالجتها في عمليات تحليل إحصائية، وهي مهمة لا تمثل مشكلات صعبة المواجهة في أيامنا هذه بفضل توافر حزم برمجيات وأدوات حسابية هائلة. إن المشكلات الأكثر صعوبة في مواجهتها هي تلك التي تنشأ عن الحاجة لإجراء تحليلات معملية متعددة على عينات الدم المختزنة والمأخوذة من مئات الآلاف من الأشخاص. غير أن هذا يمكن التغلب عليه بالاكتفاء باستخدام عينات دم من «عينة» ممثِّلة للمجموعة بدلًا من الاستعانة بعينات من كافة أفرادها (وتُستخدم هذه الأداة نفسها على نطاق واسع في استطلاعات الرأي). إن عينة تشتمل على عدد من الأفراد (ليست بالغة الصغر) من الممكن أن تقدم نفس المعلومات التي تقدمها المجموعة بأكملها، وذلك بقدر أقل كثيرًا من الجهد والإنفاق المالي. على سبيل المثال، لكي نبحث مسألة كيفية تأثير مستويات الهرمونات الجنسية في الدم عام ???? على خطر الإصابة لاحقًا بسرطان الثدي، يمكن الاستفادة من حالات سرطان الثدي بمجموعة أتراب «مشروع الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان»، التي تراكمت أثناء المتابعة حتى عام ????. كل تلك الحالات، أو مجموعة فرعية منها منتقاة عشوائيًّا، يتم ضمها في العينة ولكل واحدة منها يتم انتقاء امرأة واحدة أو أكثر عشوائيًّا كضوابط (حالات مرجعية) من أفراد المجموعة.
يتم عادةً استخدام طريقة انتقاء عينة أكثر تفصيلًا، على سبيل المثال، بانتقاء ضوابط عشوائيًّا بحيث تنتمي للبلد نفسه، أو المركز أو الفئة العمرية التي تنتمي إليها الحالة. مع وجود أربعة ضوابط لكل حالة، ينقل هذا التصميم في انتقاء العينات «الحالات والضوابط» بصفة أساسية القدر نفسه من المعلومات وكأنه ينقلها من المجموعة برمتها وبالفعل في وجود ضابطين لكل حالة يكون ضياع المعلومات في مقابل دراسة المجموعة بأكملها محدودًا. ومن ثم، يصبح من الممكن إجراء فحص الهرمونات فقط في عينات دم — ولنقل مثلًا — ???? حالة ومعها ???? ضابط؛ أي إجمالًا ???? امرأة، بدلًا من أخذ عينات دم من عدة مئات الآلاف من النساء في مجموعة أتراب «مشروع الاستقصاء الأوروبي الاستباقي حول السرطان». صار هذا النوع من الأساليب شائعًا في السنوات الأخيرة في دراسات الأتراب التي تتضمن اختبارات كيميائية حيوية أو وراثية تُجرى على عينات دم مختزنة أو غيرها من المواد الحيوية مثل البول والشعر. هذا الأسلوب، الذي يطلق عليه عادةً «دراسة الحالات والضوابط في نطاق مجموعة أتراب» أو «دراسة الحالات والضوابط المضمنة»، يمكن أن يُستفاد منه أيضًا في كل موقف يكون فيه تقييم تعرضٍ ما أمرًا مرهقًا أو مكلفًا. وقد يكون هذا هو الحال عند بحث ما إذا كانت الجرعات المنخفضة من الإشعاع المؤين تتسبب في الإصابة بالسرطان أم لا، وهو ما يتطلب تحديد مقدار الإشعاع الذي يتلقاه كل فرد من مجموعة أتراب كبيرة من العاملين في مفاعل نووي على مدار حياتهم الوظيفية بأكملها. ويمكن جعل ذلك التقييم التفصيلي مقصورًا على حالات الإصابة بالسرطان وعدد من الضوابط المنتقاة عشوائيًّا من بين العاملين بدلًا من إجراء الدراسة بحيث تمتد لكل شخص في المجموعة المعنية.
أمراض اليوم نتيجة لأسباب الأمس

يمكن النظر من جانب مختلف إلى انتقاء عينة من عدد محدود، لكن ليس شديد الضآلة، من الأفراد من بين مجموعة أتراب أو مجتمع أكبر بكثير. فمع تجاهل مجموعة الأتراب برهة، يمكن تركيز الانتباه على حالات المرض باعتبارها نقطة البدء في البحث. وهذا ما يحدث يوميًّا للأطباء وهم يواجهون مرضاهم. مرةً تلو الأخرى، يُفاجأ الأطباء المَهَرة بوقوع بعض الأحداث على نحو غير معتاد خلال التجارب الحياتية لعدد من مرضاهم، تقدِّم لهم الإشارات الأولى لأسباب الأمراض التي يعانون منها. على سبيل المثال، في بدايات الستينيات من القرن العشرين، لاحظ أحد اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة أن ربع مرضى سرطان التجاويف الأنفية — وهو مرض بالغ الندرة — كان من بين عمال صناعة الأثاث، وهو نوع نادر من التعرُّضات الموجودة في المجتمع بصفة عامة. ومهدت تلك الملاحظة الطريق نحو إجراء دراسات وبائية لاحقة أظهرت أن الغبار الناتج عن أعمال الأثاث والنجارة يمكن أن يُحدِث سرطانات الجيوب الأنفية، ربما لاحتواء ذلك الغبار على العديد من المواد الكيماوية المسرطنة. إن الإصابة بسرطان التجاويف الأنفية بين العاملين في صناعة الأثاث شديدة الندرة حتى إن تكرار تلازمهما معًا من غير المحتمل أن يحدث بالصدفة. لكن في الأحوال العادية، يتطلب الحكم على كون هذا التلازم ناتجًا فقط عن المصادفة تقديرًا لمعدل تكرار العامل السببي المحتمل بين المرضى وفي المجتمع العام الذي جرى انتقاؤهم منه. وعملية ملاحظة سبع حالات إصابة بسرطان المهبل لدى نساء شابات تتراوح أعمارهن بين ?? و?? عامًا، حسبما تم خلال فترة قصيرة لم تزد على ثلاث سنوات في أحد مستشفيات بوسطن، عجلت على الفور بإجراء بحث في التجربة الحياتية للمريضات امتد حتى فترة حياتهن الجنينية داخل أرحام أمهاتهن. وبدلًا من الاكتفاء بالتركيز على المريضات فحسب، انتقى الباحثون بعناية لكل حالة أربعة ضوابط: نساء ولدن في غضون خمسة أيام ميلادية من تاريخ ميلاد تلك المريضات وفي القسم نفسه (سواء في عنابر أو غرف خاصة). وبفحص التاريخ الطبي لأمهات المريضات أثناء الحمل، اكتُشِف أن جميع أمهات الحالات المصابة كن يتناولن عقار الدياتيلستيلبيسترول، وهو نوع تخليقي من هرمون الإستروجين يوصف لمنع الإجهاض لدى النساء المعرضات له بنسبة خطر مرتفعة، بينما لم تتناوله أيٌّ من الأمهات الضوابط. لقد قدمت «دراسة الحالة المضبوطة» هذه دليلًا قويًّا على علاقة الارتباط السببية بين هذا العقار والسرطان الذي أصاب البنات، وفُسرت على أساس التغير الذي أحدثه في الخلايا المهبلية للجنين الذي تطور بعدها بسنوات إلى سرطان. ومنذ ذلك الحين، أُوقِف إنتاج هذا العقار ومُنع تداوله.
كانت دراسات الحالة المضبوطة في حقيقة الأمر واسعة الانتشار في مجال الدراسات الوبائية قبل وقت طويل جدًّا من استعمالها في الموقف الخاص الذي تستخلص فيه حالات وضوابط من مجموعة دراسة فعلية. ويمكن اعتبارها بمنزلة الامتداد الطبيعي للبحث الذي يجريه الطبيب في المرة الأولى التي يناظر فيها مريضًا؛ فهو لا يسأله فقط عن الأعراض وإنما أيضًا عن تاريخه المرضي، والسوابق التي وقعت في أسرته، وعاداته الغذائية ومهنته، وغيرها من العناصر التي من الممكن أن تكون لها علاقة بحالته الراهنة. وفي أية دراسة حالة مضبوطة، يُجرى هذا بأسلوب ذي صيغة رسمية، باستخدام استبيانات ينصب اهتمامها على التعرض موضع البحث، ويمتد التحري كذلك إلى الضوابط. والميزة الكبرى لذلك النوع من الدراسات أنه يستعين بحالات مرضية تقع حاليًّا كنتيجة لأسباب حدثت في الماضي — علينا أن نكتشفها — بدلًا من أن يشترط، مثلما هو الحال في دراسات الأتراب، متابعة للأفراد تستمر سنوات، بانتظار حدوث الحالات.
أسهمت دراسات الحالة المضبوطة بمعلومات مهمة في جميع مجالات علم الأوبئة والطب. ومن الأمثلة التي تعد دلالتها ملموسة الآن تلك الدراسات المهمة التي تتتبع الأسباب الجذرية للإصابة بسرطان عنق الرحم الذي يعد اليوم ثاني أنواع السرطان انتشارًا بين النساء في البلدان النامية. كان قد لوحظ من قبل في القرن التاسع عشر أن هذا النوع من السرطان لم يكن منتشرًا بين الراهبات؛ مما أشار إلى أنه ربما كان مرتبطًا بصورة أو بأخرى بالعلاقة الجنسية. بعدها، ظهر من نتائج عدة دراسات حالة مضبوطة خلال النصف الثاني من القرن العشرين أن هذا السرطان مرتبط بالزواج، وبالتحديد في سن مبكرة، ومصاحب لمعدل التكرار المرتفع لممارسة الجنس. وفي إحدى الدراسات، تبين أن معدل تكرار ممارسة العلاقة الجنسية الذي يبلغ ?? مرة أو أكثر شهريًّا كانت نسبته أعلى ??? بين الحالات المصابة بالسرطان عما هو لدى الضوابط. وفي تلك الدراسات، جُمعت معلومات عن التعرُّض (أي معدل تكرار ممارسة الجنس)، مثلما يحدث في الغالب في دراسات الحالات والضوابط، عن طريق عقد مقابلات، وكان من الممكن أن تكون تلك المعلومات غير دقيقة، وإضافة إلى ذلك، كان الأرجح أن الزواج وممارسة الجنس لم يكونا ذَوَي صلة مباشرة بالمرض، غير أنهما عكسا نشاط عامل آخر غير معلوم، لعله مُعدٍ. وبدأ البحث عن كائنات دقيقة تنتقل عن طريق الجنس، الذي ركز بوجه خاص على عدة فيروسات، كان من بينها فيروسات الورم الحليمي البشري التي كانت العامل الرئيسي المشتبه به؛ لأنه كان من المعلوم أنها تتسبب في حالات أورام حميدة عند البشر (ثآليل) وأورام خبيثة عند الأرانب. وأوضحت دراسات الحالة المضبوطة التي لم يعد التعرُّض فيها هو الزواج ولا تكرار ممارسة الجنس وإنما الإصابة بالفيروس، وجود ارتباط قوي بين بعض أنواع فيروسات الورم الحليمي البشري والإصابة بهذا السرطان. وكانت الطريقة المعملية هي الأكثر تخصصًا ودقة من أجل تأكيد وجود الفيروس داخل خلايا عنق الرحم، وتبين وجود ارتباط أقوى، يشير إلى أن الفيروس، وليس شيئًا آخر، كان هو العامل الحقيقي الفاعل في هذا الشأن. فهل يعني ذلك أيضًا أنه كان السبب في الإصابة بهذا النوع من السرطان؟ كان من الممكن أن يكون السرطان قد تطور أولًا ثم وجد الفيروس بعد ذلك كعائل دخل الخلايا ما إن بدأ السرطان في الانتشار. وهنا، لا تعد دراسة الحالات المضبوطة أداة جيدة لحل هذا النوع من الأسئلة «أيهما جاء أولًا؟» لأن وجود الفيروس (وبصفة عامة أي تعرُّض) يتأكد لحظة إثبات المرض بالفعل. وبينت دراسات الأتراب أن الإصابة بالفيروس كانت سابقة على تطور السرطان. أضف إلى ذلك أن الدراسات التي أجريت باستخدام لقاحات طوِّرت حديثًا بينت بما لا يدع مجالًا للشك أن فيروسات الورم الحليمي البشري هي سبب الإصابة بسرطان عنق الرحم، وأن منع وجودها يحول دون وقوع المرض. وتتم حاليًّا حملات تلقيح للفتيات في العديد من البلدان. لقد كان لعلم الأوبئة إسهام كبير في هذا التطور الهائل في مجال الصحة العامة، وكانت دراسات الحالة المضبوطة مكونًا رئيسيًّا في هذا الإسهام.
السمات الأربع الرئيسية لدراسات الحالة المضبوطة

(?) إن «انتقاء الحالات» هو نقطة البداية في دراسات الحالة المضبوطة. في الغالب تُلاحَظ تلك الحالات في المستشفى ويمكن أن يكون التشخيص دقيقًا، وإذا استدعى الأمر يجري تنقيحها، كأن يُفرَّق بين الأنماط الخلوية المختلفة لسرطان الرئة إذا شككنا في إمكانية تأثرها بعوامل (تعرُّضات) مختلفة يجب بحثها. عادةً يجب أن تكون الحالات حالات حديثة جدًّا، من الإصابة بمرض السكر؛ إما حدثت منذ وقت قريب جدًّا أو في طور الحدوث حاليًّا. إذا تم بدلًا من ذلك ضم جميع حالات الإصابة بالسكر، سواء تم تشخيصها بالأمس أو منذ عشر سنوات، إلى الدراسة، فقد يتصادف أن أحد العوامل التي يظهر اختلافها بين الحالات والضوابط يؤثر بالفعل على طول عمر مريض السكر لا على السبب الذي جعل شخصًا سليمًا يصاب بالسكر. يزداد التداخل بين هاتين السمتين، وسوف تصير نتائج تلك الدراسة صعبة في تأويلها.
(?) يتبع «انتقاء الضوابط» المبدأ الأساسي والبديهي القائل إنه يجب أن تأتي — مثلها مثل الحالات — من المجتمع محل الدراسة نفسه. وعادةً لا توجد مشكلة في هذا عندما يكون المجتمع عبارة عن مجموعة أتراب موجودة بالفعل وخاضعة للبحث، مثلما رأينا عند مناقشة دراسة الحالة المضبوطة التي تجري داخل مجموعة أتراب معينة. وهناك موقف مشابه يصلح كمثال وذلك عندما تكون الحالات، مثلًا، جميعها لإصابات بسرطان المعدة، سُجلت خلال عام بواسطة سجل السرطان الذي يغطي مجتمعًا معينًا، وتُنتقى الضوابط عشوائيًّا من هذا المجتمع. العائق هنا أنه ستكون هناك دائمًا نسبة من الضوابط المنتقاة سترفض المشاركة؛ وهؤلاء يمكن أن نستبدل بهم آخرين ممن سيوافقون على المشاركة، ولكن معنى هذا أن الضوابط لن تعبر بدقة عن المجتمع الذي تأتي الحالات منه. وعندما تكون تلك الحالات الأخيرة غير محددة تحديدًا واضحًا — كما هو الحال عندما تكون الحالات مرضى في أحد المستشفيات — تتفاقم المشكلة الخاصة بأي مجتمع ننتقي منه الضوابط. وانتقاء مرضى من المستشفى نفسه مصابين بأمراض أخرى غير المرض محل الدراسة، وغير مرتبطة بالعوامل محل الدراسة للاستعانة بهم كضوابط؛ هو حل مُتَّبع على نطاق واسع. يفترض هذا الحل أن جميع المرضى يدخلون المستشفى لنفس التركيبة من الأسباب، سواء أكانت طبية أم شخصية أم إدارية أم قانونية. وربما يتضح في كثير من الأحيان خطأ ذلك الافتراض مثلما يحدث، على سبيل المثال، عندما يكون لدى المستشفى قسم مشهور بتقديم خدمة عالية التخصص في مرض ما مثل سرطان الدم — المرض محل الدراسة — يستقبل مرضى من مناطق متعددة، في حين تعمل أقسام أخرى تابعة للمستشفى على نطاق محلي. وفي هذه الحالة، من المنطقي أن نتخير الضوابط الآتية من ذات منطقة إقامة كل حالة، وقد يكون من المعقول أيضًا أن نوائم بين الحالات والضوابط من حيث الجنس، والعمر، والمسئول عن إجراء المقابلة، والفترة الزمنية التي ستجري فيها المقابلة. ومن الواجب تجنب التمادي أكثر من هذا ومحاولة العثور على ضوابط مشابهة للحالات في نواحٍ أخرى. فليس صعبًا فحسب أن تجد ضوابط متوافقة مع الحالات كلما زاد عدد الخصائص المطلوب التوافق فيها، بل إن محاولة جعل الحالات والضوابط أقرب للتماثل يجعل الضوابط غير معبرة عن مجتمعها الأصلي ويدمر احتمال اكتشاف فوارق في التعرُّضات بين الحالات والضوابط، وهو الهدف الأساسي من الدراسة. إن اختيار الضوابط يمثل تحديًا رئيسيًّا يواجه علماء الأوبئة، وهو يتطلب كلًّا من الخبرة — بما فيها التعلم من الأخطاء — ومعرفة خاصة بالسياق المحلي للدراسة.
(?) كثيرًا ما يتضمن «التحقق من التعرض» إجراء مقابلات مع الحالات والضوابط للتعرف منهم على مختلف العوامل التي ربما تعرضوا لها، بدءًا من عادات التدخين مرورًا بالنظام الغذائي وحتى تاريخهم الطبي، وذلك حسب الغرض من الدراسة. ويلتقي المُحاور نفسه مع إحدى الحالات والحالات الضابطة لها بترتيب عشوائي وخلال فترة زمنية قصيرة، حتى يتجنب حدوث تغيرات طفيفة في طريقة طرح الأسئلة مما قد يؤثر على النتائج مع مرور الوقت (تستغرق دراسة الحالات والضوابط عادةً شهورًا وربما بضعة أعوام حسب الضرورة للحصول على العدد المطلوب من الحالات والضوابط). والاستبيانات محددة البنيان هي العمود الأساسي للمقابلة وعلى المحاورين أن يخضعوا لدورات تدريبية على كيفية استخدامها، وبوجه أكثر تعميمًا، على أسلوب التحاور مع أفراد الدراسة. ويقتضي الوضع الأمثل ألا يعلم المحاورون إن كان الشخص الذي يتحدثون إليه حالة أم حالة ضابطة؛ إذ يعمل هذا على تحاشي الانحياز في أسلوب عرض الأسئلة وتسجيل الإجابات. إلا أن هذه الحالة من «التعمية» نادرًا ما تكون ممكنة عمليًّا. أضف إلى ذلك أن الأفراد أنفسهم من الجائز أن يتذكروا أمورًا من وقائع ماضية أو حالات تعرض سابقة أو يذكروها على نحو غير صحيح، سواء بقصد منهم أو دون قصد. وقد يؤدي مقدار اختلاف هذا الإبلاغ الخاطئ بين الحالات والضوابط إلى «انحياز تذكر» يمكن أن يشوه عملية المقارنة. وهناك مشاكل مشابهة تؤثر على المقابلات الهاتفية والإجابات عن الاستبيانات التي يملؤها الأفراد بأنفسهم. وتنشأ مشكلات أقل صعوبة عندما يكون في الإمكان تقييم حالات التعرض في الماضي بالرجوع إلى وثائق تحريرية، على سبيل المثال، السجلات الطبية أو الوظيفية، مع أنها في بعض الأحيان لا تكون مكتملة البيانات أو تعوزها الدقة. وأخيرًا، من الممكن أن يكون الباحث راغبًا في تحري تأثير عامل فسيولوجي معين مثل الأنسولين على مرض ما مثل سرطان القولون عن طريق قياس مستويات الأنسولين في الدم في حالات مصابة بسرطان القولون وحالات ضابطة غير مصابة بهذا المرض، ولكن من يضمن أن الأنسولين هو الذي يؤثر في المرض وليس العكس؟ من الواضح أن التحقق من التعرض إجراء غاية في الدقة في سياق دراسات الحالات المضبوطة.
(?) الآن لا بد أنك لاحظت الفارق الجوهري بين دراسات الحالة المضبوطة والدراسات الاستباقية. إن الدراسة الاستباقية تراقب الأحداث في مسارها الطبيعي من المسببات حتى التأثيرات المحتملة. على سبيل المثال، حساب معدلات الإصابة أو مخاطر الإصابة بالالتهاب الشعبي المزمن لدى المدخنين وغير المدخنين والمقارنة بينهما يسعى للإجابة عن السؤال التالي: ما مدى إصابة المدخنين بالمرض مقارنةً بغير المدخنين؟ أما دراسات الحالة المضبوطة، فتلاحظ الأحداث بالتسلسل العكسي لها، من التأثيرات إلى الأسباب المحتملة. فهي تبدأ من المرض وتسعى للإجابة عن السؤال التالي: كم تبلغ نسبة المصابين بالالتهاب الشعبي المزمن الذين كانوا يدخنون مقارنةً بمن لم يصابوا بهذا المرض؟ لا يمكن حساب أية معدلات إصابة أو مخاطر في دراسة الحالة المضبوطة؛ حيث إن عدد المدخنين وغير المدخنين المعرضين لخطر الإصابة بالمرض بشكل عام غير معلوم. إن كل ما لدينا عينتان من الناس: واحدة للذين أصيبوا بالمرض بالفعل، والأخرى للذين لم يصابوا به، لكننا نعرف تكرار التدخين في كلتا العينتين. ومن حسن الحظ أن «تحليل البيانات» السليم يتيح لنا حساب نسبة الخطرين، ومع ذلك يظل كلٌّ منهما مجهولًا. لو بدا هذا الأمر مدهشًا، فعليك أن تفكر برهة في الأرقام الواردة في إحدى الدراسات الاستباقية (لا من دراسات الحالة المضبوطة!) لمجتمع قوامه ?? آلاف شخص؛ ???? منهم مدخنون، و???? منهم غير مدخنين:
مدخنونغير مدخنينأصيبوا بالالتهاب الشعبي المزمن بعد ثلاث سنوات من الملاحظة????لم يصابوا بالتهاب شعبي مزمن????????إجمالي تعداد المجتمع (?? آلاف فرد)????????
خلال ثلاث سنوات، أصيب ?? مدخنًا من بين ???? فردًا بالالتهاب الشعبي المزمن، ومن ثم كان معدل خطر الإصابة بالمرض لديهم ???/?????. وبالمثل، كان معدل خطر الإصابة بالمرض لغير المدخنين ???/?????. وكانت النسبة بين المعدلين (???/?????)/(???/?????) = (???/?????) × (?????/???) = ???؛ أي إن المدخنين بلغ احتمال إصابتهم بالالتهاب الشعبي المزمن ما يقرب من خمسة أضعاف الاحتمال الخاص بغير المدخنين. ويمكننا الحصول على النتيجة نفسها تقريبًا عن طريق وضع ????، وهو عدد من لم يصابوا بالمرض بانتهاء فترة الملاحظة التي مدتها ثلاث سنوات، محل ???? (وهو عدد المدخنين الذين كانوا معرضين من البداية لخطر الإصابة بالمرض). وهذا الاستبدال يبرره أن رقم ???? تقريب معقول لرقم ????، وبالمثل ???? قريب من ????. بصفة عامة، كلما قل عدد المرضى بالنسبة لحجم المجتمع — أي خطر الإصابة بالمرض خلال فترة الملاحظة — تحسنت عملية التقريب. ولما كانت أي فترة طويلة من الممكن تجزئتها إلى فترات بالغة الصغر، أصبح من الممكن نظريًّا جعل معدل الخطر في نطاق كل فترة زمنية أصغر ما يمكن، جاعلين التقريب تامًّا فعليًّا (وهي أداة ربما تصادفها باسم آخر هو «انتقاء عينة بناءً على معدل كثافة الإصابة»).
يمكن الآن حساب النسبة الجديدة التي تسمى «نسبة الأرجحية» على النحو التالي: (???/?????)/(???/?????) = (???/?????) × (?????/???) = ? وهو رقم قريب جدًّا من ???.
لماذا نتكبد مشقة حساب نسبة الأرجحية ما دامت نسبة الخطر لدينا بالفعل؟ لأن نسبة الأرجحية يمكنها، على عكس نسبة الخطر، أن تُحسب ليس فقط في دراسة استباقية — كما في المثال — وإنما أيضًا في دراسة حالة مضبوطة. على سبيل المثال، يمكن لدراسة حالة مضبوطة تغطي الفترة الزمنية نفسها التي تغطيها دراستنا الاستباقية أن تكون قد اختارت من مجتمعنا جميع الحالات الأربعين للالتهاب الشعبي من خلال سجلات المستشفيات، واختارت عشوائيًّا ??? من الضوابط من غير المصابين بالمرض؛ أي بنسبة لا تزيد عن ???? من ???? + ???? من غير المصابين. وتبدو الأرقام الجديدة على النحو التالي:
المدخنونغير المدخنينحالات مصابة بالتهاب شعبي مزمن????الحالات الضابطة?????
نسبة الأرجحية هي: (???/???)/(???/????) = (???/???) × (????/???) = ?، تمامًا مثل النسبة السابقة.
وهنا تكمن الميزة المهمة لدراسات الحالة المضبوطة؛ وهي إمكانية الحساب التقديري عن طريق نسبة الأرجحية المحسوبة من عدد صغير نسبيًّا من الأفراد لنسبة المخاطر نفسها التي كانت ستتطلب في دراسة استباقية متابعة عدد هائل من الناس لسنوات في مجتمع كبير. إن هذه الميزة تعوِّض العيوب السابقة مناقشتها (لا سيما تلك الموجودة في اختيار عينات الحالات الضابطة وفي التحقق من التعرض) فيما يتعلق بدراسات الحالة المضبوطة، وتفسر استمرار شعبيتها في أوساط علماء الأوبئة. وبالرغم من المشاكل التي تعترضها، تعد دراسات الحالة المضبوطة أداة وبائية يمكن تكييفها مع جميع الظروف وسريعة نسبيًّا في تطبيقها. وعلى هذا، فإنها لا تزال تستخدم على نطاق واسع كدراسة خط أول، عند تناول مشكلة صحية جديدة. وعندما تمرض مجموعة من الناس بتوعُّك مَعِديٍّ معوي خطير بعد تناول وجبة عشاء، فإن أول شيء يفعله عالم الأوبئة أن يلتقي بالمرضى ثم ببعض الأصحاء كحالات ضابطة حتى يتأكد من معدل تناول كلٍّ من الحالات والحالات الضابطة لكل صنف من أصناف الطعام على العشاء. وبهذه الطريقة، من الممكن التعرف على الأصناف المتسببة في الخطر وتحديدها، وحذفها من قائمة الطعام.
طفرة في دراسات الحالة المضبوطة الوراثية

الجينات الموروثة من الأبوين هي سمات ثابتة للكائن الحي. ولا يمكن تعديلها بحدوث مرض ما، وهي ليست عُرضة لأخطاء الذاكرة، على عكس حالات التعرض التي يُتحقَّق منها بطرح تساؤلات على الحالات والحالات الضابطة. ولهذا السبب، تمثل الجينات تعرُّضًا مثاليًّا يمكن أن يقاس بدقة في دراسات الحالة المضبوطة. ويمكن تجميع سلسلة مطولة من الحالات المشخصة بالمرض نفسه من العديد من المراكز العلاجية، بحيث تقدم أعدادًا كافية لاكتشاف الارتباطات بين التباينات الجينية والأمراض. ومع توافر تقنيات تسمح باختبار مليون من «التباينات الفردية متعددة الأشكال للنيوكليوتيد»، وهي التباينات الجينية التي ذكرناها من قبل في الفصل الخامس، فإن الاتجاه الحالي أن نستكشف التباينات الجينية الموزعة على الثلاثة والعشرين كروموسومًا جميعها. ويطلق على تلك الدراسات اسم «دراسات الارتباط الجينومي الواسع»، وتلي المرحلة الأولى مراحل تأكيدية للتيقن من أن الارتباطات التي اكتُشفت في المرحلة الأولى لم تكن نتائج إيجابية خاطئة جاءت بمحض الصدفة. وتُجرَى حاليًّا عدة دراسات من هذا النوع، والعديد منها في سبيله لأن يبدأ. وقد اكتشفت أولى نتائج دراسة كبرى شملت ?? ألف حالة من سبعة أمراض شائعة و? آلاف حالة ضابطة أكثر من ?? ارتباطًا تتضمن اضطرابًا عقليًّا، ومرض الشريان التاجي، ومرض السكر من النوع الأول والثاني، ومرض التهاب الأمعاء، والتهاب المفاصل الروماتويدي.
إن الارتباطات المؤكدة تفتح الطريق أمام بحث الآليات الفسيولوجية من التباين الجيني حتى حدوث المرض، وهي مهمة تتجاوز مجال عمل دراسات الحالة المضبوطة. من الناحية النظرية، يمكن الحصول على الدم من الحالات والحالات الضابطة، وإجراء دراسات كيميائية حيوية من أجل سبر غور تلك الآليات. غير أن وجود المرض يجعل معنى أي نتيجة فسيولوجية مشكوكًا في أمره: هل تمثل حقًّا خطوة مؤدية للمرض أم أنها جاءت نتيجةً للمرض نفسه؟ فقط دراسات الحالة المضبوطة التي تُجرى في نطاق مجموعات الأتراب حيث يتم جمع الدم وتخزينه قبل وقوع المرض، مثل مجموعات أتراب البحث الأوروبي الاستباقي حول السرطان أو البنك الحيوي البريطاني، هي التي تخلو من تلك المشكلة. وتكمِّل الدراسات المعملية التي تجرى على حيوانات التجارب وعلى الخلايا، بما في ذلك خلايا كرات الدم البيضاء المأخوذة من متطوعين من البشر، تلك الدراسات الوبائية عن المسارات الفسيولوجية التي تربط بين الجينات والمرض. كذلك يساعد فهم تلك المسارات على توضيح دور العوامل الخارجية المؤثرة. إن العقاقير وغيرها من الوسائل (على سبيل المثال، التغييرات في النظام الغذائي) التي يمكنها أن تتدخل في المسارات وتمنع تطور المرض تمثل الهدف النهائي لهذا البحث.

الفصل الثامن
رسم خرائط الصحة والمرض


المكان والزمان والأفراد

تشكِّل الدراسات التدخلية، سواء أكانت عشوائية أم غير عشوائية، والدراسات القائمة على الملاحظة (سواء أكانت دراسات أتراب أم دراسات حالة مضبوطة) لُبَّ علم الأوبئة. وحيث إنها تهدف إلى اختبار الفروض المتعلقة بالعلاقات السببية بين التعرُّضات وتأثيراتها، فكثيرًا ما يطلق عليها بشكل جماعي اسم «الدراسات التحليلية» (التي تندرج تحتها أيضًا الدراسات المستعرَضة والدراسات الارتباطية، والتي سنعرض للمزيد عنها لاحقًا في هذا الفصل). الدراسات التحليلية بصفة عامة تسبقها وتليها «دراسات وصفية» لأسلوب توزيع الصحة والمرض، حسب قياسهما بمعدلات الوفيات، أو الحالات المرضية الجديدة، أو حالات دخول المستشفيات، توزيعًا مكانيًّا حسب المنطقة الجغرافية، وزمانيًّا من خلال الأسبوع أو الشهر أو السنة، وفئويًّا تبعًا لأعمار الأفراد، وجنسهم، ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي. إن ملاحظة توزيع المرض بين الناس مكانيًّا وزمانيًّا وفئويًّا تزودنا بمؤشرات مفيدة تدلنا على العوامل التي نحن في حاجة لسبر غورها بعمق من خلال دراسات تحليلية باعتبارها محددات ممكنة للتوزيع. إن الأدوات البصرية المفيدة، مثل الرسوم البيانية والخرائط (التي يتم أحيانًا جمعها في أطالس)، تنقل تصويرًا لعبء المرض وتطوره، مثلما هو الحال في الأمثلة الواردة بالأشكال من شكل ?-? إلى شكل ?-?. إنها تُيسِّر فحص البيانات الوصفية واستنتاج فرضيات سببية. شكل ?-?: خارطة مرض ترجع لعام ???? توضح (عبر الخط المزدوج المنقوط) انتقال مرض جديد — الكوليرا — من آسيا إلى غرب أوروبا وإنجلترا.1
كانت أنباء الكوليرا تتصدر عناوين الصحف الرئيسية عام ???? عندما ضرب وباء فتاك زيمبابوي، غير أنه في القرن التاسع عشر كان كثيرًا ما يجتاح أوروبا، محدثًا موجات من نسب الوفيات المرتفعة، ولا سيما بين أفقر قطاعات السكان التي تحيا في ظروف بائسة. انتشر المرض من بعض البؤر في الهند، نحو أوروبا، ويصوِّر شكل ?-? — وهو مثال مبكر (يرجع لعام ????) للخرائط الصحية — مسارَ زحفه باتجاه الغرب. واليوم اختفت الكوليرا عمليًّا من أوروبا في الوقت الذي احتلت فيه أمراض القلب والأوعية الدموية مركز الصدارة من حيث أسباب الوفيات. وبالتحديد، تميل معدلات الوفيات نتيجة للأزمات القلبية، الموضحة في الشكل ?-?، إلى أن تكون أعلى بدرجة ملحوظة في الجزء الشمالي الشرقي منها في الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا. شكل ?-?: معدلات الوفيات الناجمة عن الأزمات القلبية بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا في أوروبا.2
شكل ?-?: «المنحنى الوبائي» الذي يصف المسار الزمني لتفشي حالات التهاب الغدة النكافية، سواء بالتشخيص المؤكد أو المحتمل. ويقيس ارتفاع الأعمدة عدد الحالات.3
منذ ستين عامًا مضت، حث الفارق الملحوظ في معدلات الإصابة بالأزمات القلبية بين جنوب أوروبا وغيره من المناطق، لا سيما الولايات المتحدة، الباحثين الأمريكيين على إجراء دراسة أتراب مقارنة في سبعة بلدان ذات معدلات شديدة التباين فيما بينها (وهي: فنلندا، اليونان، إيطاليا، اليابان، هولندا، الولايات المتحدة، يوغوسلافيا). بجانب مجموعات أتراب أخرى، لا سيما دراسة فرامنجهام، قدمت هذه الدراسة، التي استمرت فترة متابعتها حتى عهد قريب، معلومات أساسية أكدت على أدوار كلٍّ من ارتفاع نسبة الكوليسترول، وتدخين التبغ، وارتفاع ضغط الدم باعتبارها المحددات الثلاثة الكبرى المؤثرة على الإصابة بالأزمات القلبية.
شكل ?-?: «المنحنى الوبائي» لتفشي فيروس الأنفلونزا الجديد إيه (إتش?/إن?) في قرية لا جلوريا، بولاية فيراكروز، المكسيك، عام ????.4
تتباين الأمراض فيما بينها سواء على المدى القصير أم الطويل. يصور شكل ?-? ارتفاع وانخفاض تفشي مرض فيروسي، وهو التهاب الغدة النكافية، الذي ينتقل بالعدوى من شخص إلى آخر عن طريق الرذاذ الذي يحمله الهواء أو عن طريق اللعاب. لقد كان مرضًا قليل الانتشار (?? حالة)، ويزول من تلقاء نفسه، وغير فتاك ومنحصرًا بصفة خاصة في إحدى المدارس. إن المنحنيات الوبائية مفيدة ليس فحسب كملخصات بصرية للأوبئة في الماضي. عند إنشائها حسب اليوم أو الأسبوع أثناء زحف أحد الأوبئة، فإنها تسمح مجتمعة مع المعلومات المتوافرة عن آلية انتقال المرض، بإنشاء نماذج رياضية للمرض، قطعية أو احتمالية، تتنبأ بتطوره المحتمل. شكل ?-?: في إنجلترا وويلز، انخفض خطر الوفاة جرَّاء الإصابة بأزمة قلبية، المقيس من خلال ارتفاع الأعمدة المستطيلة، للنصف تقريبًا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، غير أنه لا يزال أعلى مستوًى لدى من ينتمون لأوضاع اجتماعية واقتصادية سيئة إلى حد ما (الطبقات الرابعة والخامسة والثالثة التي يعمل أصحابها في مهن تعتمد على مهارات يدوية) مما هو الحال لدى الطبقات ميسورة الحال (الطبقة الأولى والثانية والثالثة التي يعمل أصحابها في مهن لا تعتمد على مهارات يدوية).5
يوضح الشكل ?-? تطور فيروس الأنفلونزا الجديد «إيه (إتش?/إن?)» وسط ما يقرب من ???? من قاطني قرية لا جلوريا في المكسيك، حيث اكتُشف المرض، الذي أطلق عليه في البداية «أنفلونزا الخنازير»، لأول مرة. إن المنحنيين المتواصلين اللذين على شكل جرس، واللذين تم حسابهما باستخدام نموذجين رياضيين شديدي التماثل، يتتبعان جيدًا الشكل البياني (الأعمدة) للعدد اليومي للحالات. من خلال معادلة أحد المنحنيين، يمكن حساب معاملين مهمين للزحف الوبائي. تبين أن متوسط عدد الحالات الجديدة التي تنشأ نتيجة للاتصال المباشر مع إحدى حالات الأنفلونزا الأولية (معدل التكاثر) نحو ???؛ مما يعني تقريبًا أنه من بين كل حالتين أوليتين، تنشأ ثلاث حالات ثانوية؛ وقُدِّر متوسط الفترة الزمنية بين بدء الحالات الأولية والثانوية (زمن الجيل) بحوالي يومين. يعد هذان المعاملان عنصرين رئيسيين عند محاولة التنبؤ بمدى انتشار الوباء وسرعة ذلك الانتشار. لا تكتفي الدراسات الوصفية بالحث على إنشاء دراسات وبائية تحليلية والعمل على توجيهها، وإنما أيضًا تتحقق من «معقولية» نتائج الدراسات الأخيرة. فإذا كان تدخين التبغ سببًا مهمًّا للإصابة بسرطان الرئة، فإن نمط معدلات الإصابة بسرطان الرئة في بقعة جغرافية معينة وعلى امتداد فترة زمنية من عدة سنوات ينبغي أن يعكس نمط استهلاك التبغ، أو على الأقل يكون متفقًا معه، مثلما وجد في الواقع مرارًا وتكرارًا في العديد من البلدان. وإذا اتُّخذت تدابير وقائية فعالة، على سبيل المثال، عن طريق الإقلال من استهلاك التبغ أو القضاء على أحد الملوثات أو علاج مرض ما، فإنها ينبغي أن تنعكس على حدوث تغير في معدلات الإصابة بالمرض.
ويشرح الشكل ?-? الدور المزدوج للإحصائيات الوصفية. وتتضح أهمية التدابير الوقائية وتحسُّن طرق العلاج في واقع الأمر في خفض نسبة خطر الإصابة بالأزمات القلبية إلى النصف فيما بين أواخر سبعينيات القرن العشرين وأواخر التسعينيات؛ وفي الوقت ذاته، يعد الفارق المستمر بين الطبقات الاجتماعية الأعلى والأقل حافزًا نحو إجراء أبحاث جديدة. مصادر البيانات

يعتمد وصف الصحة والمرض داخل المجتمعات السكانية على البيانات التي تُجمَع بصورة مستمرة ومنهجية أو من خلال عمليات استقصاء خاصة. بشكل عام، لدى جميع بلدان العالم (أعضاء منظمة الصحة العالمية البالغ عددهم ??? دولة) نظام للسجلات لقيد أحداث الحياة الرئيسية: الميلاد، والوفاة، وأسباب الوفاة. إن تنظيم البيانات التي يجري جمعها، والأهم منه تغطيتها وجودتها، تتباين تباينًا كبيرًا. ??? فقط من سكان العالم الذين يعيشون في ?? دولة، معظمها من البلدان المتقدمة اقتصاديًّا، تشملهم في الواقع إحصائيات لأسباب الوفاة التي يتم الحكم عليها (على سبيل المثال، من حيث الدقة، والاكتمال، وغيرها من الاشتراطات) أنها ذات جودة عالية أو من متوسطة إلى عالية الجودة. أما في نحو ??? من سكان العالم، فلا تتلقى منظمة الصحة العالمية أية بيانات عن أسباب الوفاة. وربما يحتاج الأمر عدة سنوات، تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات أو أكثر، حتى تُدرج أسباب الوفاة في تقرير يُرفع للمنظمة ويصير متاحًا أمام المقارنات الدولية. وفيما يتعلق بالمواليد، هناك نسبة تبلغ نحو ??? لا تُسجَّل، مع وجود تفاوت شاسع بين البلدان، يبدأ من ?? في البلدان المتقدمة صناعيًّا وحتى ??? في البلدان الأقل تقدمًا. وخلال الفترة من ????–????، كان ??? فقط من تعداد سكان العالم البالغ ? مليارات نسمة يعيشون في بلدان يتم فيها تسجيل المواليد والوفيات تسجيلًا كاملًا. ولم تتغير تلك النسبة كثيرًا عن نسبة ??? الخاصة بالفترة من ????–???? (عندما كان تعداد سكان العالم أقل من أربعة مليارات نسمة).
تتراوح إحصائيات الإصابة بالأمراض بين سجلات خروج المرضى من المستشفيات — وهي متاحة نظريًّا في أي موقع يوجد فيه مستشفى، غير أنها في الواقع العملي تتباين بشكل كبير من حيث جودتها — وبين السجلات التي يكون الغرض منها تغطية جميع حالات مرض ما، أو مجموعة من الأمراض، تقع في أوساط مجتمع سكاني ما. في مناطق منتقاة ومحدودة في عدة بلدان متقدمة، تكون السجلات جاهزة لقيد حالات التشوه، واحتشاء عضلة القلب، والسكر، والسكتات الدماغية، وغيرها من الحالات. السرطان — أو الأفضل أن نقول: أنواع السرطان (لأن هذا المسمى تندرج تحته عدة مئات من الأمراض المختلفة) — هو أفضل الحالات التي تتم تغطيتها في تلك السجلات. لقد بدأت سجلات السرطان في ثلاثينيات القرن العشرين بأمريكا الشمالية، وأُسِّس أول سجل على مستوى وطني في الدنمارك عام ????. وبحلول نهاية القرن الماضي، كان هناك ما يقرب من ??? سجل جيد المستوى للسرطان، معظمها محلي أو إقليمي، في ?? بلدًا مختلفًا.
بسبب خطر العدوى، كان العديد من الأمراض المعدية هدفًا للإخطار القسري والعاجل على المستوى الوطني منذ أواخر القرن التاسع عشر. واليوم، تقع حالات أمراض مثل الجدري، وسارس، وشلل الأطفال، والكوليرا ضمن المجال الأوسع من «اللوائح الصحية الدولية»، وتتطلب أيضًا إخطار منظمة الصحة العالمية بها. لقد تطورت أنظمة مراقبة الأمراض المعدية في سرعتها وتغطيتها، غير أنه حتى أفضل الأنظمة القائمة على تشخيصات الأطباء تستطيع بالكاد الإبلاغ عن وباء في حالة انتشار خلال فترة تقل عن أسبوع أو أسبوعين. ومؤخرًا وهو أمر مذهل إلى حد ما، اتضح أن مجرد ملاحظة تزايد عدد الاستعلامات اليومية عن الأنفلونزا في محرك بحث جوجل من الممكن أن يكشف ارتفاع نسب الإصابة بالمرض خلال ما لا يزيد عن يوم أو يومين. إن هذا الأسلوب البسيط والزهيد التكلفة ربما يكون ناجحًا أيضًا مع أمراض وبائية أخرى في مناطق يقطنها تعداد سكاني كبير من مستخدمي الإنترنت. إلا أن تقديرًا دقيقًا لانتشار وحدة مرض من المحتمل أن يكون فتاكًا، يتطلب تحديدًا دقيقًا لكلٍّ من حالات الإصابة والوفيات. وعندما يفلت العديد من الحالات الطفيفة من التسجيل، مثلما قد يحدث في حالات أنفلونزا إيه (إتش?/إن?)، فإن نطاق الوباء وسرعة انتشاره لا يتم تقديرهما بشكل صحيح، وتكون هناك مبالغة في تقدير «معدل الوفيات»؛ أي نسبة حالات الوفاة إلى حالات الإصابة بمرض ما خلال فترة زمنية (إذ إن الوفيات من النادر أن تمر دون تسجيل).
الدراسات الارتباطية ومغالطاتها

ربما كانت خارطة انتشار الإصابة بالأزمات القلبية في أنحاء قارة أوروبا (شكل ?-?) تشير — ضمن أمور أخرى — إلى فرض أن توزيع المرض مرتبط ببعض الأغذية، وهو احتمال يمكن استكشافه عن طريق الربط بين معدلات الإصابة بالأزمات القلبية في كل بلد أوروبي (أو حتى في نطاق المناطق الأصغر حجمًا) وبين متوسط استهلاك الفرد لأطعمة متعددة. يمكن جمع هذين الرقمين بسهولة من الإحصائيات المنشورة؛ ما يجعل الإجراء سريعًا وبسيطًا. لو أن لدينا بلدين فقط: أحدهما صاحب معدل استهلاك مرتفع للألبان مثلًا، والآخر صاحب معدل استهلاك منخفض لها؛ فإن باستطاعتنا أن نحسب ببساطة، كما تعلمنا من الفصل الرابع، نسبة المعدلات. إن النسبة التي تختلف عن واحد صحيح (الذي معناه تَساوي المعدلين) سوف يكون معناها (لو كانت ذات دلالة إحصائية) وجود تلازُم أو ارتباط بين حدوث الأزمات القلبية واستهلاك اللبن؛ ومن حسن الحظ، أن أسلوب دراسة ارتباطهما مجرد امتداد لنسبة المعدلات. فإذا وُجِد بالفعل أن هناك ارتباطًا، فعلينا أن نكون حذرين كي لا نستدل من ذلك على أن تناول اللبن عامل محدد في الإصابة بالأزمات القلبية؛ إذ ليس علينا فقط أن نضع في اعتبارنا احتمال وجود عناصر مشوشة وانحيازات عند تأويل الارتباطات بصفة عامة، وإنما الارتباط هنا، ويسمى «الارتباط الإيكولوجي»، يكون على مستوى الوحدات الجغرافية — أي البلدان — وليس على مستوى الأفراد، مثلما هو الحال في دراسات الحالة المضبوطة ودراسات الأتراب. ففي تلك الدراسات، يقاس استهلاك اللبن والحالة الصحية (مع وجود أزمة قلبية أو بدونها) ويكون معلومًا على مستوى كل فرد، في حين أنه في الدراسة الارتباطية يكون كل المعلوم هو المعدل الخاص بكل بلد مع متوسط استهلاك اللبن (المأخوذ، على سبيل المثال، من أرقام المبيعات). لا أحد يعلم إن كان الأفراد الذين أصيبوا بأزمات قلبية في نطاق كل بلد هم أولئك الأكثر استهلاكًا للَّبن من غيرهم أم لا، ومن الممكن أن يكون الارتباط الملاحظ زائفًا. فالاعتقاد خطأً أن هذا الارتباط حقيقي من الممكن أن يؤدي إلى مغالطة إيكولوجية. كما نسمع كثيرًا، ومثلما يعرف علماء الأوبئة تمامًا، على النقيض مما يتردد كثيرًا أيضًا، إن «الارتباط ليس علاقة سببية». غير أن الأمور أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ إن هناك مغالطة عكسية من الممكن أن تنشأ. تخيل منطقتين إحداهما خالية من المدخنين، في حين يدخن الجميع في المنطقة الأخرى المقدار نفسه من التبغ اعتبارًا من سن الخامسة عشرة. لا بد أن الأخيرة سوف تتصف بمعدل أعلى كثيرًا من الإصابة بسرطان الرئة يفوق ما لدى الأولى، غير أن إحدى الدراسات التي تقيس عادات التدخين لدى كل فرد من الممكن ألا تكون قادرة على اكتشاف أي فارق في خطر سرطان الرئة المرتبط بالتدخين في كل منطقة منهما. وحدها المقارنة بين المنطقتين هي التي قد تكشف عن أن التدخين في تلك الظروف عامل محدد للإصابة بسرطان الرئة، ولكن على مستوى المجتمع السكاني (المنطقة) فحسب. إن الاكتفاء بالبحث على مستوى الفرد وحسب ربما يقود إلى «مغالطة فردية». كل ما قيل عن الوحدات الجغرافية ينطبق كذلك على الوحدات الزمنية؛ على سبيل المثال، الارتباطات بين تركيزات ملوثات الهواء خلال أسابيع متعاقبة ومعدلات دخول المرضى المستشفيات للعلاج من أمراض تنفسية خلال الأسابيع نفسها.
الدراسات المستعرَضة

يمكن جمع معلومات تفصيلية عن الصحة من خلال دراسات مسحيَّة خاصة لعينات من مجتمع سكاني، وفيها تُطرح أسئلة عن الصحة أو يُجرى فحص طبي، أو كلاهما. مثلما يحدث في استطلاعات الرأي التي تجرى بصورة صحيحة، يمكن الحصول على عينات معبرة بأن نقوم في البداية بتقسيم المجتمع السكاني إلى مجموعات فرعية مستخدمين معايير رئيسية، عادةً ما تكون الجنس، والعمر، ومحل الإقامة، ثم استخلاص عدد الأفراد الذين ستشملهم الدراسة عشوائيًّا من بين كل مجموعة فرعية أو «طبقة». إن جميع البيانات التي يتم جمعها تشير، مثلما هو الحال في عمليات التعداد السكاني، إلى نقطة زمنية ثابتة (تاريخ معين) حتى إذا كانت المدة الفعلية تمتد عدة أيام أو أسابيع. ومن الممكن أن تتكرر الدراسات المسحية دوريًّا لمتابعة اتجاهات الصحة. وهناك دراسة مسحية دورية كبيرة، وهي الدراسة المسحية الأمريكية الوطنية لفحص الصحة والتغذية. أجريت تلك الدراسة لأول مرة في الفترة بين عامي ????–???? على عينة عشوائية منتقاة من جميع أنحاء الولايات المتحدة من أكثر من ?? ألف فرد، وشملت إجراء مقابلة انصب التركيز فيها على النظام الغذائي وإجراء فحص طبي. وتكررت الدراسة في الفترة من ????–???? وفي الفترة بين عامي ????-????. ومنذ عام ????، تحولت إلى دراسة مسحية تُجرى مرة كل عامين، وتشمل عددًا كبيرًا ومتباينًا من المقابلات والفحوص الطبية، وصنوفًا من الاختبارات المعملية.
مع أن التوثيق التفصيلي لصحة مجتمع ما وللتغيرات التي تطرأ عليها بمرور الزمن أمر مهم، فإن تلك الدراسات المسحية عادةً ما تكون أقل نفعًا كأدوات للبحث عن أسباب الأمراض. على سبيل المثال، من الممكن الحصول على قياسات ضغط الدم ورسم القلب الكهربائي أثناء الدراسة البحثية، وربما يمكن اكتشاف أن هناك اختلالين ظهرا في رسم القلب يكونان أكثر تكرارًا لدى أصحاب ضغط الدم المرتفع منهما لدى أصحاب الضغط الطبيعي. إلا أنه مع تقييم كلٍّ من رسم القلب وضغط الدم في الوقت نفسه، يستحيل الجزم بأي من الاختلالين كان هو البادئ بالظهور ومن الممكن أن يكون هو السبب، المباشر أو غير المباشر، في حدوث الآخر. الواقع أنهما ربما يكونان قد بدآ في الوقت نفسه تقريبًا نتيجة لعامل آخر مشترك، مثل تدخين التبغ. تعاني جميع الدراسات المسحية التي تجمع البيانات مرةً واحدة وحسب عند نقطة زمنية ثابتة (الدراسات المستعرضة) من هذا القصور. والدراسات المسحية التي تُجرى على المجتمعات السكانية نفسها وتكرَّر في تواريخ مختلفة ولكن على عينة مختلفة من الأفراد، مثلما هو الحال في أغلب الأحوال، لا تخلو من هذا القصور.
عبء الأمراض

هناك حقل ألغام آخر، ضروري لترسيخ أولويات الصحة العامة، وهو تحديد عبء الأمراض المختلفة نتيجة لعوامل متباينة في منطقة أو أمة معينة أو حتى على مستوى العالم. قد يبدأ هذا الأمر في أبسط صوره، بسؤال يُطرح مرارًا وتكرارًا من نوعية: ما النسبة المئوية، مثلًا، لجميع أنواع السرطان التي تحدث نتيجة للبيئة؟ هناك ثلاث مشكلات رئيسية تحول دون تقديم إجابة شافية: أولاها أن تعريف كلمة بيئة من الممكن أن يغطي جميع العوامل التي تقع خارج جسم الإنسان (أشعة الشمس، الملوثات بالهواء والمياه، دخان التبغ، الأطعمة … إلخ) أو ربما كان مقصورًا على بعضٍ منها، مثل الملوثات الموجودة في محل الإقامة والعمل؛ وسوف تتباين النسب المئوية تبعًا لذلك التعريف. المشكلة الثانية هي أنه من البديهي أن تتوقف تلك النسب المئوية على عدد الأفراد الذين يتعرضون للمكونات المختلفة للبيئة؛ فإذا كان كثيرون منهم من المدخنين، فإن النسبة المئوية لحالات الإصابة بالسرطان الناتجة عن البيئة، وعن الدخان بالتحديد، تكون مرتفعة؛ وإذا كان عدد المدخنين قليلًا، فستكون تلك النسبة منخفضة. ربما كان من الأسهل نسبيًّا حساب عدد من يدخنون (ومقدار تدخين كلٍّ منهم)، غير أن هناك عادةً قدرًا أكبر من عدم اليقين يتعلق بعدد المعرضين، على سبيل المثال، لملوثات الهواء المسرطنة؛ وبالنسبة لهذين العاملين، تتباين أعداد الأفراد المعرضين لهما من مكان إلى آخر، وتخفي النسب المئوية المحسوبة للبلدان الكبرى أو للقارات أو للعالم أجمع تلك التباينات الأساسية، علاوة على الشك في تقييم أعداد المعرضين.
أخيرًا، حتى النسب المئوية الدقيقة الخاصة بمكان واحد (مثلًا، بلدة ما) تحمل سمة محيرة، وهي أنها لا يمكن حساب مجموعها؛ إذ يمكن أن يتخطى إجماليها نسبة ????؛ أي يكون أكثر من إجمالي عدد حالات السرطان! في واقع الأمر، لو أننا كنا نعلم جميع أسباب السرطان على وجه اليقين — وهو وضع نحن أبعد ما نكون عنه في الوقت الراهن — لكان هناك الكثير من الحساب المزدوج؛ حيث إن العديد من أنواع السرطان يحدث نتيجة لنشاط مشترك لسببين أو أكثر من الأسباب الوراثية والبيئية. وكما رأينا من قبل في الفصل الخامس، يزيد التعرض المهني لمادة الأسبستوس وتدخين التبغ كلٌّ على حدة من خطر الإصابة بسرطان الرئة، غير أن اجتماعهما معًا يعمل على مضاعفة الخطر المحدق بالعمال المعرضين لمادة الأسبستوس من المدخنين. من الصحيح أن نعزو نسبة مئوية ما من حالات الإصابة بالسرطان إلى هذا النشاط المشترك، ولتكن مثلًا ?? من إجمالي حالات الإصابة بسرطان الرئة، مرة للتعرض لمادة الأسبستوس ومرة للتدخين (لأنه بدون أيٍّ من هذين العاملين، لم تكن تلك السرطانات لتحدث)، غير أنه ليس من الصواب أن نحسب مجموع النسب المئوية المقابلة، ?? + ??، إذ إنها تشير إلى حالات السرطان نفسها.
مع وجود كل تلك التحفظات، لا عجب في أننا لا نستطيع اليوم أن نكون أكثر دقة من القول إنه على نطاق العالم الواسع بأسره هناك ما يقرب من ثلث حالات الإصابة بالسرطان يمكن أن نعزوها إلى عوامل بيئية. تدخين التبغ مسئول عما لا يقل عن ??? من الحالات، والمشروبات الكحولية مسئولة عن نحو ??، والعوامل المعدية مسئولة عما لا يقل عن ???، مع وجود نسب مئوية أعلى في البلدان النامية، والمواد المسرطنة المهنية والبيئية مسئولة عن نسب تتراوح بين أقل من ?? حتى نحو ???.
تلك النسب المئوية تعبير مبسط عن التأثير الفعلي لأحد العوامل على صحة مجتمع سكاني ما. وربما كانت النسبة المئوية نفسها انعكاسًا لتأثيرات مختلفة الحدة، وذلك اعتمادًا على ما إذا كانت أنواع السرطان تصيب صغار أم كبار السن، أو ما إذا كانت قابلة للعلاج بنجاح (وأسلوب ومدة علاجها) أم لا. تؤخذ تلك العناصر في الحسبان في التحليلات المعقدة، التي قد تطورت خلال العقدين الأخيرين، لما يطلق عليه «عبء المرض» على مستوى المجتمعات السكانية محليًّا، ووطنيًّا، وعالميًّا. كثيرًا ما تكون نتائج تحليلات عبء المرض في صورة عدد «سنوات العمر المضبوطة حسب الإعاقة» الضائعة نتيجة لسبب ما. فالسنة الواحدة من تلك السنوات تقابل ضياع سنة واحدة من سنوات العمر الخالية من الإعاقة؛ ومن ثم فإن وحدة القياس هذه تُدخل في حسبانها كلًّا من ضياع سنوات العمر، بسبب الوفاة، وفقدان جودة الحياة، بسبب الإعاقة.
هوامش

(1) From A. Brigham, Treatise on Epidemic Cholera (Public Health Agency of Canada, 1832).(2) From J. Muller-Nordhorn et al., ‘An update on regional variation in cardiovascular mortality in Europe’, European Heart Journal (OUP), 2008: (29) 1316–26.(3) From Canada Communicable Disease Report, ‘Outbreak of mumps’, Montreal, October 1998 to March 1999, with a particular focus on a school. CCDR 2000; 26-08: 69–71 (p. 70).(4) From C. Fraser et al., ‘Pandemic potential of a strain of influenza A (H1N1): Early findings’, Science 2009: (324) 1557–61. Reprinted with permission from the American Association for the Advancement of Science.(5) From M. Marmot and P. Elliott (eds.), Coronary Heart Disease Epidemiology: From Aetiology to Public Health, 2nd edn. (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 4.
الفصل التاسع
من علم الأوبئة إلى الطب والوقاية والصحة العامة


العمل من أجل الصحة للجميع

علم الأوبئة في جوهره هو أحد مجالات الأبحاث التطبيقية، ويهدف في الأساس إلى تحسين الصحة للجميع. وهو على هذا النحو مكوِّن أساسي في جميع أنشطة الصحة العامة التي تنفذ الجهود المنظمة التي يبذلها المجتمع من أجل تحسين الصحة وحمايتها واستعادتها.
وليس لذلك المفهوم الخاص بالصحة العامة أية علاقة بالكيفية التي تتم بها الجهود المجتمعية لتحسين الصحة، أو بالأسلوب الذي يجب أن تُنظَّم بواسطته؛ وإنما يعني وجوب وجود نوع ما من التنظيم الصريح، وليس مجرد مبادرات متفرقة وغير متناسقة، حتى ينجح المجتمع في التعامل مع المشكلات الصحية.
كما هو مبين في الشكل ?-?، تسهم ثلاثة أنشطة واسعة المجال في صحة الناس. ففي مجال الطب الإكلينيكي، يتعامل الأطباء وغيرهم مع الأفراد العاملين في الخدمات الصحية بشكل فردي مع كل مريض على حدة. إنهم يقدمون تدابير وقائية مثل عقاقير للسيطرة على ارتفاع نسبة الكوليسترول أو ارتفاع ضغط الدم، أو يقدمون النصيحة والمؤازرة النفسية من أجل المساعدة في الإقلاع عن التدخين. ويتدخلون بهدف التشخيص والعلاج، والشفاء من الأمراض إن أمكن، بإجراءات تبدأ من مجرد وصف مضاد حيوي حتى إجراء عملية معقدة للغاية مثل زرع كبد أو قلب. وأخيرًا، يقدمون إعادة تأهيل فردي لأناس يعانون من أمراض مسببة للإعاقة. شكل ?-?: أنشطة الصحة العامة.
تشكل الوقاية والتشخيص المبكر على مستوى المجتمع السكاني المجال الثاني للنشاط. تتعامل الوقاية مع الأسباب الجذرية للمرض، سواء أكانت بيئية أم وراثية. إنها تشتمل على مجموعة هائلة من التدابير، بدءًا من مكافحة ملوثات الهواء والماء وأماكن العمل، وحتى الحد من سرعة المركبات على الطرق واشتراطات السلامة في الأجهزة المنزلية. وتشمل برامج التلقيح الإجباري والاختياري، علاوة على حملات تشجيع الناس على اتباع غذاء وسلوك صحِّيَّين. وعندما تستهدف الأسباب الوراثية للأمراض — على سبيل المثال، فحص كافة المواليد الجدد بحثًا عن عيوب وراثية — تستعين الوقاية الأولية بأدوات تشخيصية طبية، مثلما تفعل البرامج المنظمة للتشخيص المبكر وعلاج الأمراض. وقد برهنت تلك البرامج على فاعليتها وفائدتها العملية في العديد من البلدان في عدد محدود من الأمراض شديدة التأثير مثل سرطان عنق الرحم والثدي.
يتمثل النشاط الثالث في تمكين الأفراد من الاضطلاع بمسئوليتهم عن صحتهم من خلال اتباع عادات ترتقي بحالاتهم الصحية والمساهمة في عمليات اتخاذ القرار التي تشكل السياسات الصحية. والنقطة الأخيرة بدورها قد تعزز أو تعوق تمكين الأفراد، الذي يعتمد تطوره على التثقيف في الإطارين الرسمي وغير الرسمي وعلى المعلومات المحدثة والدقيقة.
كذلك تعمل الصحة العامة على التنسيق بين تلك الأنشطة وباقي التحركات المجتمعية الأخرى، التي تخرج عن نطاق المنظومة الصحية، والتي تؤثر بشدة على الصحة، مثل سياسات الإسكان والدخل. وخلال عملية التنسيق، عادةً ما يطالب مسئولو الصحة العامة وواضعو السياسات بخضوع مزايا السياسات المقترحة وكذا آثارها العكسية للتحليل الاقتصادي، الذي يلعب فيه علماء الأوبئة دورًا تخصصيًّا بالاشتراك مع باقي الأخصائيين.
يتطلب توجيه نتائج الأبحاث نحو التطبيق العملي، سواء في مجال الطب الإكلينيكي أو في الوقاية أو تمكين الأفراد، كخطوة أولى تجميعَ نتائج دراسات متعددة لضم جميع البراهين المتاحة حول قضية محددة، على سبيل المثال، إن كان فيتامين «ج» يقي الإنسان من الإصابة بالسرطان أم لا. ويجري ذلك عن طريق المراجعة النقدية للتقارير الواردة من الأبحاث، والمقارنة بين الأساليب والنتائج، ورسم «أفضل» إجابة عامة عن الأسئلة المطروحة. وفي العقدين الأخيرين، تم تنقيح المنهج والأساليب المتبعة في إجراء مثل هذه المراجعات، وهو ما كان متروكًا فيما مضى بالكامل لاختيار الباحث، وصارت أكثر موضوعية وصرامة تحت عنوان «المراجعات المنهجية».
المراجعات المنهجية، مع استخدام تحليل تجميعي وبدونه

تجري المراجعة المنهجية باستخدام أسلوب منهجي من أجل الإقلال قدر الإمكان من الانحيازات والأخطاء العشوائية، وهي عملية تحدد بوضوح في القسم الخاص بطرق البحث من المراجعة ذاتها. إنها تقدم في العادة تقييمًا أكثر موضوعية للأدلة المتاحة عن المراجعات التقليدية، وتُجرى كتعليقات سردية على الدراسات. في أية مراجعة منهجية، يتم التدقيق في كل دراسة بحثية بهدف تقييم جودتها فيما يتعلق بعدد من المعايير المحددة مسبقًا، على سبيل المثال، مدى جودة تعريف المجتمع السكاني، وما إذا كانت الاستجابات في الدراسة خضعت للتقييم بأسلوب التعمية أم لا، وما إلى ذلك. وهذا الأمر يمكِّننا من أن نحكم على مدى جودة الدراسات، كلٌّ على حدة، بدلًا من الحكم عليها كلها معًا إجمالًا، وأن نعرف ما إذا كانت نتائج الدراسات الأقل جودة تشير إلى الاتجاه نفسه (مثلًا، نحو خفض أو رفع معدل الخطر) الذي تشير إليه الدراسات الأعلى جودة أم لا. ويمكن الجمع بين النتائج المتوافقة بشكل عام في تحليل إحصائي، وهو «التحليل التجميعي»، لتقديم تقدير موجز واحد للخطر. إن هذا التحليل، الذي تمنح فيه كل دراسة «وزنًا» متناسبًا مع عدد الحالات المرضية التي تسهم بها، قد يؤدي للخروج بنتيجة قاطعة وحاسمة، في حين أنه قد تقدم كل واحدة من تلك الدراسات الفردية، ولا سيما إذا كانت صغيرة الحجم، نتيجةً بلا دلالة إحصائيَّة يَصعُب تأويلها.
إن الجمع بين الدراسات كثيرًا ما يسمح بتقييم الأحداث النادرة، التي لا يقع منها في دراسة واحدة سوى القليل. ومن الأمثلة التقليدية في هذا الصدد الآثار الجانبية للأدوية الجديدة، التي تحدث في مرات قليلة، وليكن مرة كل ألف مريض عولج بها. غير أنه إذا كان واحد من الآثار الجانبية متسمًا بالخطورة، مثل إحداث مشكلة كبرى بالقلب، فسوف يكون له تأثير لا يستهان به عند طرح الدواء في الأسواق ليستخدمه مئات الألوف وربما ملايين الأفراد. غير أن مثل ذلك الأثر سوف يكون من الصعب اكتشافه في تجربة عشوائية لا يزيد حجمها، مثلًا، عن بضع مئات من الأفراد، وهو ما يكون عددًا أكثر من كافٍ لقياس أثر علاجي أكثر تكرارًا بكثير. وحده الجمع بين كل البيانات المتاحة من مختلف التجارب العشوائية يمكِّن من الحصول على عدد كبير بدرجة كافية من المرضى ليتيح لنا اكتشاف حدث سلبي. ومن الأمثلة الموحية في هذا الصدد، قصة دواء «روفيكوكسيب»، وهو عقار طُرح تجاريًّا عام ???? كعلاج مضاد للالتهاب لعلاج الأمراض الروماتيزمية والعضلية. سُحب العقار من السوق من قِبَل الشركة المصنعة في سبتمبر ???? بسبب وجود خطر متزايد للإصابة بأزمات قلبية لمن يتناوله، وقد قُدِّر وقتها عدد من استخدموه بالفعل بثمانين مليون نسمة. غير أنه لو كانت الشركة المصنعة للدواء أو الجهات المرخصة باستخدامه أجرت تحليلًا تجميعيًّا في الوقت المناسب، لكانت قد اكتشفت نسبة الخطر المرتفعة قبل ذلك الموعد بأكثر من ثلاث سنوات؛ أي عام ????، حسبما يبين الشكل ?-? بوضوح (التحليل التجميعي في هذا الشكل أُجري بعد وقوع الحدث عام ???? على يد علماء أوبئة أكاديميين مستقلين). المراجعات المنهجية المصحوبة بتحليلات تجميعية للتجارب العشوائية المضبوطة هي الأكثر فائدة للطب الإكلينيكي. فقد قدمت يد العون للتطوير المتواصل «للطب القائم على الأدلة» الذي يرشد الأطباء أثناء ممارستهم اليومية لمهنتهم. وقد ساعدت كذلك على وضع الأدلة المأخوذة من التجارب الوقائية العشوائية التي تُجرى داخل المجتمعات السكانية، على أساس سليم، ومثال ذلك الوقاية من احتشاء عضلة القلب باستخدام العقاقير الخافضة لنسبة الكوليسترول في الدم.
امتد التحليل التجميعي كذلك إلى الدراسات الوبائية المبنية على الملاحظة المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة. غير أن الجمع بين نتائج واردة من دراسات قائمة على الملاحظة تم فيها التعامل مع العوامل المشوشة والانحيازات عادةً بأسلوب مختلف في كل دراسة بتحليل إحصائي؛ أمر لا يخلو من مشاكل. فكما نعلم من الفصل الخامس، فإنه في التجارب العشوائية المضبوطة تتم الحيلولة دون حدوث انحيازات وعوامل مشوشة عن طريق الانتقاء العشوائي للعينة ولا تعتمد على التحليل التجميعي، وهي حالة لا تنطبق على الدراسات القائمة على الملاحظة. ففي حالة تلك الدراسات، تعد المراجعات المنهجية في كل الأحوال ضرورية، في حين أن جدوى التحليلات التجميعية يجب تقييمها حسب كل حالة.
شكل ?-?: تمثيل لتحليل تجميعي. توجز كل دائرة سوداء خطر الإصابة باحتشاء عضلة القلب من جميع الدراسات العشوائية المتوافرة حتى بداية كل عام بين المعالَجين بعقار روفيكوكسيب مقارنةً بالخطر بين من عولجوا بعقار ضابط.1
الطب الإكلينيكي

تشكل المراجعات المنهجية جزءًا مهمًّا من علم الأوبئة الإكلينيكي، لكن بصورة أكثر تعميمًا تتخلل السمات الكمية والاحتمالية لعلم الأوبئة مجال الطب الإكلينيكي. من الشائع أن تجد في مراجع الطب التقليدية في أيامنا هذه إشارات إلى مصطلحات مثل: «العدد المطلوب علاجه»، ومخططات «شجرة القرار التشخيصي». إن المقارنة بين الخيارات العلاجية تتم بمساعدة حساب «العدد المطلوب علاجه». لدى الأفراد المصابين بارتفاع حاد في ضغط الدم، يكون خطر حدوث نتيجة سلبية خطيرة (مثل الوفاة أو الإصابة بسكتة دماغية) خلال السنوات الثلاث القادمة مرتفعًا يصل إلى نسبة ???. إلا أن أحد العلاجات من الممكن أن يخفض تلك النسبة إلى ???. إن حجم تقليص نسبة الخطر الذي حققه العلاج يبلغ ?? ? ?? = ?? وهو ما يعني أن من بين كل ??? فرد تلقوا العلاج، تفادى خمسة منهم النتيجة السلبية الكبرى التي لولا ذلك لعانَوْا منها. وهذا يماثل القول بأنه لكي يتجنب فرد واحد حدثًا سلبيًّا خطيرًا، فإن العدد الذي يحتاج لعلاج هو ????/?? = ??. فإذا خفَّض علاج جديد نسبة الخطر إلى ??، فسوف يكون من الضروري أن نعالج فقط بالتقريب ? من المرضى (???/(?? ? ?)) كي نتجنب حدوث حدث سلبي. إن المقارنة بين عدد المرضى المحتاجين للعلاج في الحالتين، ?? مقابل ?، تحمل معلومة ملموسة خاصة بمزايا أسلوبَي العلاج؛ حيث إنه من الواضح أن العلاج الثاني هو الأفضل (شريطة تماثل جميع النواحي الأخرى، مثل معدل تكرار الآثار الجانبية، غير أن تلك الآثار يمكن التعامل معها بمصطلحات شبيهة بالعدد المطلوب علاجه).
مفهوم «شجرة القرار التشخيصي» مصمم من أجل معاونة الطبيب في صياغة تشخيص ما. إذا قَدِم شاب يعاني من ألم غامض مباغت لكنه موجع ومتكرر في الجانب الأيسر من الصدر، فإن من بين الاحتمالات التشخيصية عندئذ أنه مصاب بمرض الشريان التاجي؛ أي ضيق بالشرايين التاجية التي تغذي القلب بالدم. ولما كانت سن المريض صغيرةً وفي ظل غياب أية ضوابط أخرى، تبدو هذه الحالة مستبعدة بداهةً، ولكن لكونها شديدة الخطورة فإن تركها من الممكن أن يكون كارثيًّا. ومن ثم، يمكن أن يتم عمل اختبار رسم قلب بالمجهود للمريض، وفيه تتم مراقبة رسم قلبه الكهربائي أثناء قيامه بمجهود بدني خاضع للتحكم. وظهور نتيجة سلبية للاختبار يكون أمرًا مطمئنًا؛ للأسف إن هذا الاختبار ليس مثاليًّا ويتبين أحيانًا أنه جاء سلبيًّا خطأً حتى بالرغم من وجود المرض، بالطريقة نفسها التي من الممكن أن يأتي بنتيجة إيجابية خطأً؛ أي في غياب المرض. إذا تم استبدال مصطلحات سردية مثل «مستبعدة بداهةً» أو «إيجابيًّا خطأً أحيانًا» أو «سلبيًّا خطأً أحيانًا» بأرقام احتمالات (مأخوذة من دراسات تخصصية)، يمكن حينئذٍ رسم خارطة، أو شجرة قرار، لجميع المسارات المحتملة للإجراءات التشخيصية. ربما يكون أحد المسارات أن نستبعد على الفور تشخيص الحالة على أنها مرض شريان تاجي؛ لأن نمط الألم الذي نجده لدى الشاب السليم المتمتع فيما عدا ذلك الألم بالصحة يجعل احتمال هذا التشخيص أقل من ??. والمسار البديل أن نمضي قدمًا نحو اختبار المجهود، مع العلم بوجود احتمال نسبته ??? في الحصول على نتيجة سلبية خطأ (أي إن «حساسية» الاختبار ??? – ?? = ???) واحتمال بنسبة ??? للحصول على نتائج إيجابية خطأ (أي إن «نوعيته» تبلغ ??? – ?? = ???). وبالجمع بين تلك الأرقام، من الممكن حساب الاحتمالات، أو «القوة التنبُّئِية»، بأن يقوم كل بديل بشكل صحيح بتحديد المرض إذا كان موجودًا أو استبعاده إذا كان غائبًا. إن المقارنة بين تلك الاحتمالات، والعقوبات التي ستُوقَّع في حالة التشخيص الخاطئ، تساعد الطبيب على تحليل العملية التشخيصية، التي لا تتضمن اختبارًا واحدًا فحسب، وإنما اختبارات عديدة ممكنة، وعلى اختيار الاستراتيجية التشخيصية المُثلى (تقوم تلك الحسابات على «نظرية بايز»، وهي أداة أساسية لرسم الاستدلالات ذات الطبيعة الاحتمالية من مشاهدات علمية، وقد وضعها توماس بايز في منتصف القرن الثامن عشر).
الوقاية والتشخيص المبكر

بالمفهوم التقني الدقيق، يُقصد بكلمة «وقاية» تلك الأنشطة التي تهدف إلى التعديل المباشر للعوامل المحددة الأساسية للأمراض، التي تندرج تحت فئتين عامتين فقط: الجينات أو العوامل الوراثية، والبيئة، أو بتعبيرات أكثر قِدمًا «الطبع والتطبع». يهدف التشخيص المبكر، على الجانب الآخر، إلى اكتشاف وعلاج الأمراض قبل أن تعلن عن نفسها من خلال أعراضها. لكنَّ هذين النشاطين المستقلَّين تمامًا، واللذين يُنظَّمان كلاهما على مستوى المجتمع السكاني بأسره، لهما دور كبير في تشخيص عوامل الخطر لدى العائل، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول بالدم أو ارتفاع ضغط الدم، التي لم تصبح بعد «أمراضًا»، لكنها تزيد من احتمال حدوث الأمراض؛ فمن ناحية، تشترك عوامل الخطر لدى العائل في هذه الخاصية مع جينات الشخص التي تجعله عرضة للإصابة بالأمراض، ومن ناحية أخرى، هي نفسها جاءت نتيجة، مثل بدايات الأمراض، لتداخُل معقد بين الجينات والبيئة.
تُجرى بعض اختبارات التشخيص المبكر للمرض على هيئة «اختبارات فحص انتهازية» من قِبَل الأطباء عند قيامهم بالكشف على أحد المرضى: على سبيل المثال، اختبار المستضد النوعي للبروستاتا الذي يكشف عن سرطان البروستاتا والذي ناقشناه في الفصل الخامس، صار، سواء كان هذا صحيحًا أم خطأً، واسع الانتشار في العديد من البلدان المتقدمة حتى في غياب دليل مؤكد على فائدته الإجمالية. غير أن عمليات الفحص التي يثبُت وجود هذا الدليل فيها هي المؤهَّلة وحدها لأن يتم إقرارها إقرارًا منهجيًّا في المجتمع على هيئة «برامج فحص منظمة»، مثل تلك المخصصة لسرطان القولون أو لسرطانَي عنق الرحم والثدي عند النساء، والمطبقة حاليًّا على نطاق كبير في بلدان عديدة. إن برامج الفحص التي تهدف إلى التشخيص المبكر في المجتمعات السكانية التي تبدو في الظاهر متمتعة بالصحة يتم تقييمها بطرق الإجراءات التشخيصية نفسها لدى المرضى الذين تظهر عليهم الأعراض التي سبق أن ناقشناها. ويمكن المقارنة بين برامج الفحص المخصصة للأمراض المختلفة أو بين البدائل المتنوعة لبرنامج ما، مثل برامج الفحص الخاصة بسرطان عنق الرحم، باستخدام «اختبار باب» الخلوي أو التحليل الذي يكشف عن فيروس الورم الحليمي البشري. ولهذا الغرض، تُحسب مؤشرات مثل القوة التنبُّئية والعدد المطلوب فحصه. الرقم الأخير مشابه تمامًا للعدد المطلوب علاجه، وهو يعني عدد الأفراد الذين نحتاج لإجراء اختبار لهم حتى نتجنب وقوع حالة وفاة واحدة أو غيرها من الأحداث السلبية الكبرى خلال فترة زمنية معينة. وهو لا يعتمد فحسب — مثلما هو الحال مع العدد المطلوب علاجه — على احتمال أن ينجح علاج ما في تفادي الوفاة، وإنما على احتمال أن يتبين أن شخصًا ما سليمًا ظاهريًّا يعاني بالفعل من المرض غير أن أعراضه لم تظهر عليه. وعادةً ما يتراوح العدد المطلوب فحصه بين عدة مئات وعدة آلاف، وهو الأكثر.
تعتمد إجراءات الفحص بحثًا عن عوامل خاصة بالعائل، سواء وراثية أم مكتسبة، قد تجعل الشخص عرضة للإصابة بمرض ما على افتراض أساسي بأن الأفراد الذين سيصابون بالمرض يمكن تمييزهم من الأفراد الذين لن يصابوا به، وهكذا فإن أي تدخل وقائي، مثل تغيير النظام الغذائي، يمكن تركيزه على المجموعة الأولى (إذا ثبتت استحالة التمييز بينهما، فلن يكون هناك مغزى من وراء الفحص، وأي تدخل سيكون بحاجة لتطبيقه على الجميع). إن النظر عن كثب إلى واحد من تلك العوامل ذات الخطورة، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، يلقي الضوء على مدى تبرير الفرض الأساسي ويصور في الوقت نفسه بعض المبادئ العامة للوقاية، لو نظرنا إليها من الزاوية العامة والواسعة لأي مقياس قادر على الوقاية عند أي نقطة على التطور من الصحة للمرض والوفاة.
واليوم، لن يندهش الكثيرون لو سقط واحد من المدخنين الشرهين ضحيةً لمرض سرطان الرئة. إلا أن كثيرين مع ذلك سوف يندهشون لو قيل لهم إن تجنب التدخين الشره لن يمحو عبء سرطان الرئة لدى المجتمع؛ لأن عددًا كبيرًا من الحالات تقع في الواقع لدى أناس لا يدخنون إلا بصورة معتدلة ولكن بشكل منتظم. وما ينطبق على التدخين ينطبق كذلك، بل وبصورة أكبر، على ارتفاع الكوليسترول في الدم، مثلما تبين تلك المجموعة من الأرقام:
فئات مستويات الكوليسترول بالملِّيمول لكل لترالنسبة المئوية من السكانالنسبة المئوية للوفيات نتيجة للأزمات القلبية في كل فئة???–???????–?????????–?????????–??????????–??????????–??????????–?????????–????????–?????
إن أولئك الذين يعانون من مستويات شاذة من الكوليسترول في الدم، ولتكن مثلًا أعلى من ??? ملِّيمول/لتر، يمثلون ? + ? + ? = ??? من المجتمع السكاني الذي وجد فيه أن ?? + ? + ? = ??? من الوفيات ناجمة عن أزمات قلبية (إذا كنت أكثر اعتيادًا على استخدام مقياس الملِّيجرام لكل ??? ملِّيلتر، فإن ??? ملِّيمول تساوي حوالي ??? ملِّيجرامًا). من شأن التدخل في هذه النسبة من المجتمع المعرضة للخطر بشكل كبير، التي تمثل حوالي عُشر إجمالي أفرادها، أن يمنع — بافتراض أن هذا التدخل فعال بنسبة ???? — حدوث نحو ثلث عدد الوفيات فقط، دون المساس بالثلثين الآخرين. لماذا تلك النتائج مخيبة للآمال؟ لأن الخطر ليس مركزًا فحسب على أولئك المعرضين للخطر بشكل كبير، الذين تزيد مستويات الكوليسترول لديهم عن ??? ملِّيمول، وإنما تشمل الجميع بدرجات متفاوتة. ومع ارتفاع مستويات الكوليسترول فوق أدنى المستويات (الفئة من صفر–???)، يرتفع خطر الإصابة بالمرض بزيادات طفيفة، بدون قفزات مفاجئة.
ونتيجةً لذلك، فإن كثيرين ممن لا يعانون إلا من ارتفاعات بسيطة في نسبة الكوليسترول والمعرضين للخطر بشكل مرتفع قليلًا؛ تظهر فيهم حالات الأزمات القلبية أكثر من الأقلية الذين تحيط بهم نسبة خطر مرتفعة. يعني هذا «التناقض في الوقاية» أن الجزء الأكبر من الحالات يمكن الوقاية منه عن طريق التقليص المعتدل من مستوى الكوليسترول، ومن ثم الخطر المحدق بالجميع. من المؤكد أن خفض الكوليسترول فقط لدى أصحاب المستويات المرتفعة منه يفيدهم، لكنه لن يتمكن من أداء مهمة الصحة العامة المتمثلة في وقاية غالبية الحالات داخل المجتمع. لقد وُجِد أن العديد من العوامل المحددة للأمراض يرفع من خطر بعض الأمراض بصورة متواصلة مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، ومن أمثلتها ارتفاع ضغط الدم في حالة الأزمات القلبية، أو الضغط المائي للعين في حالة المياه الزرقاء، أو معاقرة الكحوليات في حالتَي سرطان المريء وتليف الكبد.
يؤكد التوزيع المتدرج في سائر المجتمع السكاني للخطر المتولد عن تلك العوامل، وليس تركيزه الحصري في فئات معينة، على دورها كعوامل محددة مجتمعية للأمراض، التي نوقشت في الفصل الرابع، وذلك في مقابل العوامل المحددة الفردية. إن استعداد كل فرد، وهو متأصل في تركيبته الوراثية، يلعب — مثلما تلعب الصدفة — دورًا في تحديد من سيصاب بالمرض، لكن العدد المتأثر به سوف يتوقف بدرجة كبيرة على المحددات المجتمعية. على سبيل المثال، لا توجد مجتمعات معلومة تتصف بارتفاع معدل تكرار الإصابة بالأزمات القلبية بدون أن تتصف في الوقت نفسه في المتوسط بمستوى مرتفع من الكوليسترول بالدم (على مستوى المجتمع بأسره). ومن هنا، يصبح السؤال التالي هو: لماذا تختلف العوامل المجتمعية من مجتمع لآخر؟ إن مستوى الكوليسترول في الدم متوقف على نوعية النظام الغذائي، وهو معتمد، مثله مثل تناول الكحوليات، على الأطعمة (أو المشروبات الكحولية) المتاحة، والأذواق التقليدية والسلوك المتأثر بعوامل تسويقية واقتصادية. أما فيما يتعلق بالأمراض المعدية، فإن نسبة من يلقَّحون ضدها تعد عاملًا محددًا مجتمعيًّا تقليديًّا لمعدل تكرار المرض؛ لأن من سيُلقَّحون لن يقعوا فريسة للمرض وفي الوقت نفسه يقطعون سلسلة انتقال العدوى.
في معظم الأمراض، هناك العديد من المحددات لها، وليس عامل واحد. فمثلًا، مستوى الكوليسترول في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وتدخين التبغ، ومرض السكر، والسمنة هي المحددات المجتمعية الرئيسية للإصابة بالأزمات القلبية. وعمليات التدخل التي تعمل بدورها على مواجهة تلك العوامل تهدف إلى تشجيع اتباع عادات وسلوكيات صحية وتناول أغذية صحية والحد من توافر المنتجات الضارة. إن هذه الاستراتيجية المجتمعية للوقاية القائمة على مزيج متنوع من الحوافز والتثقيف والقوانين مفيدة للجميع، أيًّا كان الاستعداد المعلوم أو غير المعلوم للفرد أو مستوى ما يتعرض له من خطر. ومن الممكن أن يكتمل هذا بإجراءات وقائية محددة، كثيرًا ما تتضمن تناول عقاقير (على سبيل المثال، لخفض الكوليسترول أو ضغط الدم) لمن هم معلوم أنهم يتعرضون تحديدًا لمعدل خطر مرتفع. وقد ظهرت حديثًا فكرة استخدام حبة واحدة «حبة متعددة المركبات» تحوي مزيجًا من جرعات منخفضة من عدة عقاقير، تتحكم في مستوى الكوليسترول، وضغط الدم، والميل لتكوين جلطات يمكن استخدامها في استراتيجية وقائية مجتمعية بتقديمها لمعظم أو كل كبار السن ومن هم في منتصف العمر. ولا تزال تلك الفكرة محل بحث من حيث فاعليتها وأمانها وإمكانية تنفيذها واقعيًّا. والمبدأ العام أنه قبل إطلاقها على نطاق واسع، يجب أن يتضح بجلاء فاعليتها على المستوى الوقائي. وهذا يعني إجراء أبحاث تغطي عددًا كبيرًا (انظر شكل ?-?) من العوامل المحددة للأمراض، بدءًا من العوامل البيولوجية والوراثية المباشرة، وحتى سمات السلوك الفردي، و«العوامل المحددة للعوامل المحددة» التي تعمل على مستوى البيئة الاجتماعية أو العالمية. شكل ?-?: يتشكل كلٌّ من الصحة والمرض من خلال مدًى واسع من العوامل المحددة لهما، تتراوح ما بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو التغيرات المناخية إلى نمط حياة الفرد والعوامل الوراثية.2
ازداد حجم الانتباه بدرجة ملحوظة للبيئة العالمية خلال السنوات الأخيرة. تتسبب «الموجات الحارة» المتمركزة في مناطق معينة في زيادات موثقة في نسب الوفيات وتذبذبات في كمية ملوثات الهواء في المناطق الحضرية، لا سيما الجسيمات الدقيقة، التي اتضح أنها تزيد من عدد الحالات التي تستدعي دخول المستشفى للعلاج من أمراض تنفسية، وأمراض خاصة بالقلب والأوعية الدموية، وتعجل بالوفاة لأسباب متنوعة. وقد وُضعت في العديد من البلدان بروتوكولات للوقاية من تلك الآثار السلبية التي تؤثر بالأخص على المرضى بالفعل والفئات الأكثر عرضة للمرض.
في مقابل تلك النوبات المناخية، تكتب العواقب الصحية للتغير المناخي العالمي المتوقع فصلًا جديدًا تمامًا في الأبحاث الوبائية. فهناك ارتفاع محتمل في درجة الحرارة يتراوح بين ? و? درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن ربما ينعكس على ارتفاع مستوى سطح البحر من ??–?? سنتيمترًا؛ مما يؤدي إلى حدوث تغيير في حدود السواحل وما يترتب عليه من تعرض الناس للفيضانات، وهو ما تتعرض له بالفعل بانتظام بلدان مثل بنجلاديش. ويُتوقَّع أن تشتد الأعاصير المدارية، التي يتعرض لها حاليًّا أكثر من ??? مليون نسمة. إن الدورات البيولوجية للطفيليات حساسة للتغيرات المناخية، حتى إن مئات الملايين من الناس سوف يصابون بأمراض مثل الملاريا. هناك نتيجة محتملة أيضًا وهي ارتفاع أعداد من يعانون من سوء التغذية بسبب موجات الجفاف والفقر الذي تعاني منه المناطق الريفية، والذي — مثله مثل التداعيات الأخرى للتغير المناخي — سوف يدفع الناس نحو الهجرات الجماعية، التي ستصبح في حد ذاتها مصدرًا لمشكلات صحية خطيرة (مثال واحد على ذلك، إن الحفاظ على حالات الإصابة الخطيرة بمرض السكر تحت السيطرة، الذي يُعدُّ مهمة دقيقة لكنها روتينية يومية في البلدان المتقدمة، من الممكن أن يكون شبه مستحيل في المجتمعات المهاجرة باستمرار). اليوم، يمكن تحديد تلك الآثار، غير أن تأثيرها المحتمل على الصحة (الذي لا يزال حاليًّا بسيطًا إلى حد ما) لا يزال في حاجة لتحديد كمي من خلال الأبحاث التي تجمع بين البيانات الوبائية المتاحة — عن الملاريا، على سبيل المثال، في المناطق المختلفة — وبين نماذج محاكاة للكيفية التي ربما تتطور بها الأمراض في ظل افتراضات متنوعة عن درجة الحرارة وغيرها من التغيرات البيئية.
تمكين الأفراد

في مجتمع يتمتع بالمساواة بين الناس في الحقوق، من المفترض أن يتم تمكين الجميع من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على صحتهم، ومن خلال العمليات الديمقراطية (التي سنتناولها بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر) في المناقشات المتعلقة بصحة المجتمع. ومن الممكن أن يتحقق ذلك من خلال المعلومات أو التأقلم أو التثقيف. هناك كمٌّ هائلٌ من مصادر المعلومات: الصحف، والمجلات، والكتب، والتليفزيون، وشبكة الإنترنت الأبرز بالطبع. هناك ما يقرب من مائة ألف موقع على الشبكة تتناول الشئون الصحية، والمسألة الرئيسية هنا هي دقة المعلومات. وتُجرَى حاليًّا دراسات تهدف إلى قياس خطر مصادفة مصادر غير دقيقة، وتوضع حاليًّا أنظمة اعتماد معلوماتية تتبع جهات خاصة وعامة. الغالبية العظمى ممن يدخلون على شبكة الإنترنت يبحثون فيها إما بشكل عارض أو منتظم عن معلومات متعلقة بالصحة، وعادةً ما يكون ذلك متصلًا بمشاكل صحية فعلية أو محتملة. ويجب على من يعثر على نصوص لهذا السبب أو بدافع الفضول أو الاهتمام الثقافي أن يقرأها ويفهمها في ضوء اعتبارين؛ أولهما: أن معظم التوصيفات هي بالضرورة احتمالية، تقوم بالتأكيد على معدلات الخطر ومعدلات نجاح إجراء وقائي أو علاجي ما، أو معدلات وأخطار حدوث ضرر نتيجةً لآثار جانبية لعقار ما، أو طعام ما غير صحي، أو تدخين الماريجوانا مثلًا. وثانيهما: أن عرض المعلومات يتأثر عادةً بشخصية من يقدمها والغرض الذي تُقدَّم من أجله سواء أكان معلَنًا أم مستترًا. وقد تكون محايدة وموضوعية تمامًا أو موضوعة في إطار سياق تعليمي أوسع (مثل الإرشادات التي ينشرها المعهد الوطني للتميُّز الصحي والطبي بالمملكة المتحدة للأفراد)، أو من الممكن أن تميل في اتجاه الدعاية والإعلان من أجل تهيئة الناس لشراء واستخدام بعض المنتجات، وهو ما يحدث في أغلب الأحيان عن طريق إثارة مخاوفهم حيال حالاتهم الصحية.
غير أنه توجد قواعد عامة ربما يكون من المفيد تطبيقها لفحص المعلومات الصحية المتاحة، سواء تلك التي نحصل عليها من البحث على شبكة الإنترنت أو التي نحصل عليها من وسائل الإعلام، سنعرضها فيما يلي: لا تثق في النتائج الجديدة إلا إذا تكررت في دراسات مختلفة. ينبغي التعامل بحرص بالغ مع الادعاءات المتكررة مثل أن بروتينًا اكتُشف مؤخرًا في الطماطم يقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون بمعدل النصف، لا لأن تلك النتيجة خرجت من دراسة معيبة (وهذا ممكن أيضًا)، وإنما لأنه كما أكدت مرارًا في هذا الكتاب لا يمكن إثبات العلاقة السببية إلا إذا تكررت في أبحاث منفصلة وفي السياق نفسه. ويجب التأكد أن مصدرها دراسات مختلفة، وليس دراسة واحدة يتردد صداها في وسائل الإعلام المختلفة.
لا تثق إلا في النتائج التي بها هامش من الشك. جميعنا يفضل صورة الحقيقة القاطعة، حتى لو كان السبب الوحيد في ذلك أن القرارات التي سنتخذها لا بد أن تحسم الأمر بين نعم ولا. غير أنه في معظم الأحيان هناك هامش من الشك في النتائج والتوصيفات القاطعة يخفي جزءًا أساسيًّا من المعلومات ذات الصلة. فالعبارات القاطعة ينبغي التعامل معها بحذر.
لا تثق في النتائج إلا إذا وُضِعت في سياقها الصحيح. إن تمكين الأفراد، سواء في الحياة المهنية أو العادية، من تحويل المعلومات إلى معرفة تمكينية يعني ضمنًا أن المعلومات ليست معزولة ولا مرتبطة عشوائيًّا بعناصر أخرى، وإنما موضوعة في سياق ما. على سبيل المثال، ينبغي أن تناقَش نتائج الدراسات التي أجريت على المخاطر المحتملة للإصابة بالسرطان نتيجة لاستخدام الهاتف المحمول في سياق الآثار الأخرى على الصحة، من بينها خطر وقوع حوادث سيارات نتيجة التحدث في الهاتف المحمول أثناء القيادة. ويمكن القيام بذلك في إطار الدراسات نفسها أو بربطه بمراجع خارجية. هذا الإطار السياقي ضروري لتطوير قدرة الفرد على تقدير وتأويل المعلومات؛ وهو ليس بديلًا عنها ويجب عليه عدم السعي للقيام بذلك.
لا تثق إلا في النتائج التي لا توضع في إطار إعلاني. الإعلان إشارة ضرورية لجذب الانتباه لمادة ما؛ أي نتائج جديدة أو ذات أهمية. ولكن في الإعلان التجاري المروِّج للمبيعات، تتبدل الأدوار تمامًا، فيصبح الإعلان هو ذاته المادة. فعلى سبيل المثال، صارت خدمات اختبار الحمض النووي على الإنترنت مشروعات مربحة تزعم — بناءً على أدلة مشكوك فيها أو بدون أدلة أصلًا — أنه يمكنها أن تتنبأ بالأمراض التي ستعاني منها في المستقبل. يجب عليك تجاهل كل هذا برمته؛ فبتجاهلك لمثل تلك المشاريع لن تخسر شيئًا، وعندما يتبين وجود دليل قوي على العوامل الوراثية المتسببة في مرض ما، فسوف تعلم به على أي حال من مصادر أخرى غير تجارية.
لا تثق إلا في النتائج والتوصيات المتوافقة. لعل هذه هي أهم قاعدة إرشادية. فيما يتعلق بالمعلومات، مثلما هو الحال في معظم الظروف الأخرى في الحياة، لا يوجد شيء دون مقابل؛ على سبيل المثال، يمكن أن تحصل على وجبات سريعة رخيصة الثمن، لكن جودتها تكون غير معلومة. هذا يعني أن عليك أن تأخذ وقتك وأن تبذل بعض الجهد في فحص المعلومات من أكثر من مصدر مختلف وتقارن بينها، وأن تنظر بتأنٍّ في التفاصيل، حتى تصبح واثقًا بدرجة معقولة من جودة المعلومات وصحتها.
الأنظمة الصحية والصحة العامة

النظام الصحي هو مصطلح عام يطلق على مجموع الأنشطة التي تتعلق بشكل مباشر بالصحة، مع أنه في معظم البلدان — وليس كلها — يكون أقرب إلى مزيج معقد من العديد من الأنظمة التي تندرج تحته وليس نظامًا وحيدًا. إن تنسيق شئون الصحة العامة، وهو في حد ذاته أحد المكونات التي تدار بصفة رئيسية من قِبَل الهيئات الصحية المركزية والإقليمية والمحلية، يعمل على الصياغة والربط فيما بين أنظمة المستشفيات (العامة، والخاصة الهادفة للربح، والخاصة الخيرية) والعيادات العامة والمراكز الإكلينيكية التخصصية ووحدات الوقاية وجميع الأنشطة الأخرى المتصلة بالصحة.
دائمًا يواجه المسئولون على كافة أصعدة النظام الصحي، وكذا متخذو القرارات السياسية، مسألة المقارنة بين مزايا وتكاليف عمليات التدخل والخدمات. ومن الممكن أن تضع التحليلات الاقتصادية نصب أعينها استكشاف طرق مختلفة لأداء عملية التدخل نفسها، ولتكن مثلًا عدد مرات الغسيل الكلوي نفسه، بهدف تحديد الإجراء الأقل كلفة (أو ما يطلق عليه «تحليل تقليل التكاليف»). أو من الممكن أن يقوموا بعقد مقارنة بين التكلفة والنتيجة، من حيث النتيجة العامة مثل إطالة العمر، لمختلف عمليات التدخل مثل المقارنة بين الغسيل الكلوي وزرع الكلى (أو ما يطلق عليه «تحليل جدوى التكلفة»). وأخيرًا، قد يقارنون بين تكاليف ومزايا عمليات التدخل المختلفة في الحالات نفسها أو في حالات مختلفة (علاج ارتفاع ضغط الدم أو التلقيح ضد الأنفلونزا) من الناحية المالية أو من زوايا قياس أخرى «للقيمة» حسبما يراها الأفراد «تحليل فوائد التكلفة». ويتدخل علماء الأوبئة في تلك التحليلات بتقديمهم الأدلة على وجود فوائد صحية وآثار سلبية حسب تقييمهم للأمر مستعينين بالمراجعات المنهجية للدراسات الكيميائية الحيوية والوبائية. كذلك، فإننا نحتاج إلى معيار التدقيق الصارم نفسه المُطبَّق على تلك الأدلة في تقييم الأدلة الاقتصادية. الخلاصة أنه لا يوجد ضمان لأن يظل شعار الصحة للجميع — بمن فيهم الأكثر عرضة للمرض — في مقدمة الاهتمامات المجتمعية، متقدمًا على باقي الاهتمامات الصناعية أو المالية أو الأيديولوجية.
هوامش

(1) From P. Juni et al., ‘Risk of cardiovascular events and rofecoxib: Cumulative meta-analysis’, The Lancet, 2004: 364. Reprinted with permission from Elsevier.(2) From Dahlgreen, G. and Whitehead, M., Policies and Strategies to Promote Social Equity in Health (Stockholm Institute for Futures Studies, 1991).
الفصل العاشر
علم الأوبئة بين الاعتبارات الأخلاقية والسياسة


الاعتبارات الأخلاقية في الدراسات الوبائية

يفرض إجراء الدراسات الوبائية مشكلات أخلاقية، لا سيما تلك المتعلقة بسرية البيانات الشخصية التي يمكن التعرف على هوية الأشخاص منها، واستخدام عينات الدم المختزنة في إجراء اختبارات وراثية وغيرها. إلى أي درجة يمكن الرجوع للبيانات الواردة في الوثائق التي تحدد هوية الشخص بوضوح، مثل شهادتي الميلاد والوفاة، والسجلات الطبية وسجلات الأدوية الموصوفة، أو سجلات التوظيف، للأغراض المتعلقة بالأبحاث الوبائية؟ كان المُتَّبع حتى وقت قريب نسبيًّا أن يتعامل علماء الأوبئة بحُرية مع تلك البيانات بشرط بسيط؛ وهو ألا يتم الإفصاح عن هوية الشخص لأية جهات أخرى. ويسمح هذا الشرط — على سبيل المثال — باستخدام سجلات الأدوية الموصوفة للشخص في انتقاء مجموعة أتراب من الأفراد الذين استخدموا دواءً يُشتَبه في أنه يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكلى كواحد من آثاره الجانبية، للتأكد — عن طريق المقارنة بين أسماء الأفراد وسجل الوفيات — إن كانت تلك المجموعة عانت أم لا من معدل عالٍ على وجه الخصوص من الإصابة بسرطان الكلى. وقد تعرض هذا النوع من الممارسات منذ ذلك الحين لانتقادات كبيرة. فقد قال البعض إنه في جميع الظروف يجب أن تكون موافقة الفرد شرطًا لجعل الوثائق متاحة للأغراض البحثية، والاستثناء الوحيد هو حالات الطوارئ في مجال الصحة العامة، مثل تفشي وباء ما، يتطلب بالضرورة رجوعًا سريعًا للسجلات الشخصية المعرفة للهوية. ليس المبدأ الأخلاقي القائل «عدم الإضرار بالمريض» هو الذي في حاجة لأن يُحتَرم عن طريق حماية سرية البيانات الشخصية، وإنما أيضًا مبدأ «الاستقلال الذاتي». إن مبدأ الاستقلال الذاتي، بمعنى حرية الاختيار، يعني أن الشخص صاحب تلك البيانات الشخصية له الحق — ليس حصريًّا، ولكن بالتأكيد قبل أي شخص آخر — في أن يقرر ما إذا كانت تلك البيانات يمكن أن تُستَخدم أم لا وكيفية ذلك.
ربما تكون عاقبة الالتزام الصارم بمثل هذه المبادئ ببساطة استحالة إجراء الأبحاث الوبائية. فالموتى لا يمكنهم إعطاء موافقتهم والأحياء قد يكون من شبه المستحيل تتبعهم وطلب موافقتهم بعد مرور سنوات عديدة من صدور الوثائق محل الاهتمام. وقد اتخذ خبراء الأخلاقيات والقائمون على الهيئات التنظيمية الوطنية والمؤسسات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية مواقف متباينة فيما يخص تلك القضايا. وفي بعض البلدان، يكون من الصعب استخدام الوثائق؛ لأن مُعرفات الهوية، مثل الأسماء وأرقام الضمان الاجتماعي، تُحذَف أو تُخفَى. ومن الممكن أن تكون هناك سبل تحايل لاستخدام الوثائق دون معرفة هُويَّة الشخص، غير أنها معوقة، والأسوأ من هذا أنها قد تستتبع حدوث أخطاء متكررة؛ مما يجعل الدراسات لا تتمتع بالموثوقية. إلا أن الاتجاه بصفة عامة يميل نحو اعتبار البحث الوبائي حتى بدون موافقة الشخص أمرًا مسموحًا به، شريطة أن تجيز لجنة مستقلة للأخلاقيات مشكَّلة من باحثين غير أولئك الذين يجرون الدراسة، وتضم أناسًا من عامة الجمهور؛ إجراءَ البحث، وأن تُستوفى اشتراطات صريحة وصارمة في الرجوع إلى المستندات واستخدامها.
الأمر الذي يمثل مشكلة أخلاقية أكبر، هي تلك المسائل التي طُرحت مؤخرًا نتيجة لإنشاء مستودعات للعينات الحيوية، على سبيل المثال، عينات الدم، التي يمكن أن يُجرى عليها نظريًّا عدد هائل من الاختبارات الكيميائية الحيوية والوراثية القديمة والحديثة. الغرض الحقيقي من تلك المستودعات هو السماح بإجراء أبحاث وبائية مستقبلية من الممكن أن تحسِّن من فهمنا للأمراض من خلال اختبارات لم تتوافر لدينا بعد. ولهذا السبب، من المستحيل أن تطلب من الشخص الذي سيتبرع بدمه موافقته على إجراء أبحاث حتى الباحث نفسه لم يحددها. والموافقة العامة «من أجل الأبحاث الطبية» واسعة المجال بحيث لا يمكن اعتبارها موافقة «مستنيرة»، وربما تحض الشخص أيضًا على الرفض. غير أنه قد يكون من المقبول اعتبارها موافقة على تخزين الدم في المستودع شريطة أن يكون ذلك مصحوبًا بعبارة تنص على أن كل استخدام فعلي للدم سوف يتم في إطار مشروع بحثي تقره لجنة أخلاقيات. وسوف يتعين بعد ذلك على لجنة الأخلاقيات أن تحكم، طبقًا لطبيعة المشروع، إن كان من الضروري العودة للأفراد والحصول على موافقتهم أو لم تكن. ربما لا يكون هذا مطلوبًا لدراسةٍ عن خطر الإصابة بسرطان الثدي، ولكنه ربما يكون مطلوبًا لمشروع يبحث في فرضية تقول إن بعض الجينات مرتبطة بوجود ميل لارتكاب الجرائم. وتطرح قضايا مشابهة لعينات الدم وغيرها من العينات الحيوية الأخرى التي يجري جمعها من مرضى المستشفيات وتختزن لحين استعمالها لاحقًا في أبحاث غير متعلقة بالمرض أو الأمراض التي كان يعاني منها هؤلاء المرضى.
وأخيرًا، تبرز مشاكل غاية في الدقة عند الانتقال من الدراسات القائمة على الملاحظة إلى الدراسات القائمة على التدخل. فما الذي ينبغي أن يكون عليه العلاج الضابط في تجربة عشوائية تختبر لقاحًا وقائيًّا جديدًا في بلد يعاني من تدني الخدمات الصحية؟ هل هو أفضل لقاح متوافر حاليًّا أو لقاح وهمي، مع العلم بأنه في هذا البلد هناك الكثير من الأفراد أو معظمهم لا يحصلون على لقاحات أصلًا؟ بالرغم من «واقعية» الخيار الأخير، فإنه يبدو مثيرًا للجدل؛ لأنه يقبل بمعايير أخلاقية متباينة اعتمادًا على من سينضم إلى الدراسة: لو كانت التجربة نفسها أو تجربة مشابهة أجريت في بلد متقدم (وربما كان هو البلد نفسه الذي ينتج الدواء)، فإن استخدام عقار وهمي بدلًا من أفضل علاج متاح لن يكون أمرًا مقبولًا. من الممكن إدخال تعديلات محلية على تصميمات الدراسات، ولكن مخالفة المبادئ الأخلاقية الأساسية ذات القيمة العالمية أمر غير مقبول من حيث المبدأ الأخلاقي الثالث العام، وهو «العدالة». ويحدد «إعلان هلسنكي» المبادئ الأخلاقية الأساسية الخاصة بالأبحاث الصحية والطبية، وهو وثيقة تتم مراجعتها دوريًّا من قِبَل الاتحاد الطبي العالمي، ووُضِعت مسودته الأولى في أعقاب الحرب العالمية الثانية للحيلولة دون تكرار التجارب الإجرامية التي مورست على أسرى معسكرات الاعتقال على يد النازيين.
كقاعدة عامة، يجب التأكد من تطبيق جميع بروتوكولات الدراسات من جانب لجنة أخلاقيات، تتشكل عادةً من اثني عشر فردًا من المتخصصين في مجال الصحة وفي الأخلاقيات، ومن عامة الأفراد من غير الباحثين القائمين بالدراسة. إن المشروعات البحثية التي لا تتضمن سوى بيانات مجهولة الأسماء تمامًا ربما لا يحتاج إجراؤها إلى موافقة لجنة أخلاقيات إذا كانت إجراءاتها تستوفي اشتراطات جهات حماية البيانات. وهناك مبدأ متعارف عليه عالميًّا، ألا وهو أن المشروع البحثي غير الصالح علميًّا، ومن ثم غير القادر على التوصل إلى معلومات يعتد بها، يصير غير أخلاقي تلقائيًّا وغير مقبول. وهذا الشرط واضح بشدة، غير أن تطبيقه غالبًا ما يكون غير مثالي. فقد تصل بروتوكولات الدراسة إلى لجنة الأخلاقيات دون تقييم مسبق لصلاحيتها العلمية من قبل لجنة خبراء، ويكون على لجنة الأخلاقيات أن تؤدي دورًا مزدوجًا؛ فتقيِّم كلًّا من الجوانب العلمية، وهي مهمة لا تتمتع فيها إلا بأهلية محدودة على أفضل تقدير، والنواحي الأخلاقية. لا يزال هذا هو الوضع السائد في العديد من البلدان. إن هذا يؤثر في علم الأوبئة على وجه التحديد؛ إذ إنه حتى المعرفة الأساسية في هذا الموضوع ضئيلة وربما لا تقف لجان الأخلاقيات على الفروق بوضوح مما يستتبع وجود اختلافات حادة في الاشتراطات الأخلاقية، بين الدراسات القائمة على الملاحظة مع بيانات مجهولة الأسماء، وأخرى ذات بيانات معلومة الأسماء، والدراسات القائمة على التدخل مثل التجارب المجتمعية العشوائية.
العدالة والصحة

أيًّا كان نوع الدراسة، فإن اهتمام لجنة الأخلاقيات يكون منصبًّا على ضمان حماية الأفراد الذين تشملهم عملية البحث. ونادرًا ما تناقش اللجان مدى استجابة الدراسة للاحتياجات الصحية للبلاد التي تُجرى بها، وهي قضية تتعلق بشكل خاص بالبلدان النامية، التي تدخل ضمن نطاق الأخلاقيات لكنها تتجاوزه إلى الجانب السياسي للبحث والشئون الصحية. على الاختيارات السياسية في هذين المجالين أن تواجه أولًا حالات انعدام العدالة الصارخة القائمة بين البلدان النامية والمتقدمة. فالنسبة الأعظم من ميزانيات تمويل الأبحاث الطبية الحيوية يجري إنفاقها على الأمراض التي تصيب أقلية من سكان العالم (أقل من الخمس) التي تقطن العالم المتقدم.
طبقًا لبعض التقديرات، تجتذب نسبة ??? من إجمالي العبء العالمي للأمراض ??? من ميزانيات الأبحاث الطبية الحيوية (وهو ما يسمى «فجوة ???/???»). وبالمثل، فإن ما يقرب من ??? من الأموال المخصصة للرعاية الصحية يُنفق في البلدان المتقدمة، وتُنفق ??? منها في البلدان النامية حيث يقطن الغالبية العظمى من البشر.
ومع أن تلك الفوارق الهائلة في الاستثمار والإنفاق الحالي ليست المحدِّدات الوحيدة للصحة، فإنها تنطوي على تفاوتات شاسعة في الصحة. فيمكن لطفل حديث الولادة في أفريقيا أن يتوقع — لو لم تتحسن الأوضاع القائمة اليوم — العيش في المتوسط عمرًا يقل ثلاثين عامًا عن الطفل المولود حديثًا في أمريكا الشمالية أو أوروبا. والطفل المولود في بلد مثل أنجولا يكون احتمال وفاته خلال السنوات القليلة الأولى من عمره أكثر ?? مرة من نظيره المولود في النرويج مثلًا، والمرأة التي تعيش في أفريقيا في البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى تكون معرضة للوفاة أثناء الولادة أكثر مائة مرة من نظيرتها في إحدى البلدان الغنية. والوفاة في سن مبكرة أو قبل الأوان ليست فقط أمرًا متكررًا في البلدان النامية، وإنما من الممكن كثيرًا أيضًا أن تكون «غير مرئية»، مثلما أشرنا من قبل في الفصل التاسع. ففي الهند، لا يُسجَّل بدقة سوى ثلث حالات الوفيات، ولا يُسجَّل سبب الوفاة إلا في ثلث تلك الحالات فقط.
شكل ??-?: بين عامي ???? و????، ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج الوطني معدَّلًا حسب مستوى التضخم (المنحنى العلوي) لاثنين وعشرين من البلدان المانحة ذات الدخل المرتفع بنسبة ????، في حين أن المبالغ المتبرع بها للبلدان المتلقية في صورة معونات تنموية رسمية (المنحنى السفلي) لم تزد إلا بنسبة ??? فقط (في السنوات الأخيرة، حدث تصويب جزئي لتلك الفجوة المتسعة).1
إن كون الصدفة المحضة التي تجعل شخصًا ما يولد في بلد متقدم لا في بلد نامٍ تحقق مثل تلك الفروق الهائلة في طول العمر المتوقع وفي الحياة الصحية؛ هو شكل صارخ من أشكال انعدام المساواة الاجتماعية، خاصةً عندما يقع ذلك في عالم لم يكن من قبل أكثر ثراءً مما هو عليه الآن.
يبين شكل ??-? التباعد الهائل بين الزيادة المستمرة في دخل الفرد في عدد من أكثر بلدان العالم تقدمًا، والمبالغ شبه الثابتة للأموال المحولة للبلدان النامية المخصصة للفرد الواحد للتنمية الاقتصادية والمعونة لصالح رفاهية المواطن خلال السنوات الأربعين فيما بين عامي ???? ونهاية القرن العشرين. غير أن الاتجاه في القرن الجديد صار أفضل حالًا لا سيما فيما يتعلق بقطاع المعونة الصحية الفرعي تحديدًا، ويعود الفضل في هذا الصدد بصورة ملحوظة إلى تدفق التبرعات الخاصة من جهات خيرية كبرى على تلك البلدان الفقيرة. وعلى تلك الخلفية، حددت الأمم المتحدة عام ???? ثمانية أهداف تنموية للألفية ينبغي تحقيقها بحلول عام ????. جميع تلك الأهداف تشمل مستهدفات متعددة ولها صلة ما بالصحة، والهدف الرابع منها (وهو تقليص أعداد الوفيات بين الأطفال تحت سن الخامسة بمقدار ثلثي المستوى الذي تحقق عام ????)، والهدف الخامس (تقليل معدل الوفيات بين الأمهات عند الولادة بنسبة ثلاثة أرباع مستوى عام ????)، والهدف السادس (مكافحة الإيدز، والملاريا، والدرن) تركز جميعها تحديدًا على الصحة. وحتى يومنا هذا، تُسجَّل نجاحات مؤكدة في هذا الصدد، إلا أنها تتحقق بإيقاع من غير المرجح أن يكون كافيًا لبلوغ الأهداف المعلنة بحلول التاريخ المحدد لها وهو ????. أما عن الدور الرئيسي للعوامل المحددة المجتمعية — ومن بينها العوامل الاقتصادية — للصحة ليس فقط في البلدان النامية وإنما في البلدان المتقدمة كذلك، فقد حث على قيام منظمة الصحة العالمية بتأسيس اللجنة المعنية بالمحددات الاجتماعية للصحة، التي نُشر تقريرها المتميز بعنوان «تضييق الفجوة في غضون جيل واحد» عام ???? (انظر شكل ??-?). وفيما يلي نورد فقرة مقتبسة من التقرير: إن فرص الحياة المتاحة أمام أطفالنا تختلف اختلافًا هائلًا حسب المكان الذي يولدون فيه؛ إذ يمكن أن نتوقع أن يعيش بعضٌ منهم أكثر من ?? عامًا في اليابان أو السويد، و?? عامًا في البرازيل، و?? عامًا في الهند، وأقل من ?? عامًا في عدد من البلدان الأفريقية. وفرص الحياة تختلف اختلافًا هائلًا داخل البلدان كما أن الاختلافات ملموسة أيضًا في جميع أنحاء العالم. وترتفع معدلات الاعتلال والوفاة المبكرة بين المعدمين.
الواقع أن العمر المتوقع للمشردين يكون أقصر ?? أو ?? عامًا من أقرانهم من المواطنين الذين يعيشون بالقرب منهم لكن داخل منازلهم. ويشدد التقرير كذلك على أنه في جميع البلدان أيًّا كان مستوى الدخل بها تأخذ الصحة والمرض منحًى اجتماعيًّا؛ فكلما تدنى الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ساءت الحالة الصحية.
شكل ??-?: التقرير الختامي للجنة المعنية بالمحددات الاجتماعية للصحة والتابعة لمنظمة الصحة العالمية المنشور عام ????.1
هل هناك صحة مطلقة؟

داخل أي مجتمع، لطالما كان المرض يحشد الاهتمام بالمرضى وفي الوقت نفسه بالقوى — سواء الطبيعية أو العقائدية أو السحرية — من أجل مكافحته. في أعقاب الثورة العلمية التي اجتاحت العالم في القرن السابع عشر، صار الاهتمام بالمرضى وبالقوى والمخصص لمكافحة المرض يقوم شيئًا فشيئًا على المعرفة العلمية والتقنية. وأنتج قرنان من تنمية الرأسمالية الصناعية مزيدًا من التحول التدريجي في العناية بالمرض وعلاجه والوقاية منه، حتى وصلت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى مرحلة «الصناعة الصحية» الناضجة، التي صارت اليوم واحدةً من أكبر القطاعات الاقتصادية في البلدان المتقدمة. ومؤخرًا صار هذا القطاع، مثله مثل معظم القطاعات الاقتصادية الأخرى، مرتبطًا بالابتكارية المضارِبة للتمويل الدولي، وما يستتبعها من عواقب سلبية صارت ملموسة على الفور. فوفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، فإن التباطؤ الاقتصادي الراهن ارتفع بأعداد الجوعى في العالم فوق حد البليون نسمة، وزاد من نسبتهم إلى إجمالي تعداد سكان العالم. ومن شبه المؤكد أن التمويل غير المنظَّم وقوى السوق رديئة التنظيم بوجه أعم، كلها محددات مهمة للفجوات الواسعة السائدة اليوم في الأحوال الصحية داخل كل بلد، والأكثر من ذلك، بين بلد وآخر. وهي المسئولة كذلك بسبل أخرى عن الاندفاع المحموم والمدفوع بالرغبة في التربح نحو التوسع في الإنفاق على مجال الصحة في البلدان المتقدمة.
أحد الأمثلة ذلك العرض المقدم عبر شبكة الإنترنت بإجراء اختبارات تزعم أنها ستخبرك إن كانت جيناتك ستجعلك معرضًا لأمراض بعينها مستقبلًا أم لا. هناك حالات شائعة مثل السرطان، أو أمراض القلب والأوعية الدموية، أو مرض السكر تمثل بطبيعة الحال أهدافًا رئيسية لاستراتيجية التسويق الخاصة بتلك الاختبارات. الأمر الوحيد المؤكد أن الاختبارات الجينية ممكنة وأن عليك أن تسدد مقابلًا لإجرائها. أما مدى دقة تنبُّئها بما إذا كان مرض ما سوف يصيبك أم لا، فلا هو معلن ولا هو معلوم أصلًا بالنسبة لأغلبها، كما أن توقيت الإصابة بالمرض غير معلوم بالمرة. والإعلان عن هذه الوسيلة باعتبارها «وقاية» أمر مضلل؛ لأنه، بالإضافة إلى ذلك في حالات متعددة مثل كثير من أنواع السرطان، لا يوجد إجراء وقائي مؤكد حتى وإن تأكَّد للمرء أنه سيصاب بالمرض. وهناك مثال آخر، وهو المتاجرة بالمرض؛ أي توسيع نطاق تعريف الأمراض القابلة للعلاج بحيث تتلقى حتى أقل الحالات المرضية وطأة وأكثرها التباسًا علاجًا طبيًّا. فهناك أنواع من السلوكيات الطبيعية التي تصنف باعتبارها أمراضًا في حاجة لعلاج، مثل حالة تململ الساقين أو الاضطراب الجنسي العام لدى النساء.
كلٌّ من هذين المثالين يحمل سمات مشتركة مع الآخر. فأسفل الستار الواهن من الالتزام ? «حق الأفراد في المعرفة»، يزيد المثالان — بهدف التربح — من درجة التبعية وكبح القدرة على إصدار أحكام نقدية، سواء للأطباء عن طريق إقناعهم بأن يصفوا عقاقير لأفراد كان من الممكن استغناؤهم عنها، وأيضًا للمواطنين بجعلهم يتهافتون على الخضوع للمزيد من الاختبارات والفحوص الطبية، وتلقي المزيد من العلاجات الطبية سعيًا وراء سراب اسمه الصحة المطلقة. تسير تلك الاتجاهات غير السوية في اتجاه مخالف لعملية تمكين الأفراد فيما يتعلق بصحتهم. فمن الممكن أن يقول أحد الأطباء النفسيين إنها بالفعل تشجع على حدوث «نكوص طفولي» بين الأفراد؛ لأنها تعمل خفيةً على تغذية شعورهم بالخوف والحاجة للطمأنة المستمرة لمواجهة ذلك الخوف.
علم الأوبئة والعدالة الصحية

قال عالم أوبئة متحمس ذات مرة: «علم الأوبئة مطلوب اليوم في كل مكان في الطب والصحة العامة.» مع أن هذه العبارة صاغها طرف صاحب مصلحة، فإنها صحيحة تمامًا. وأحد التبعات الرئيسية أنه لا يوجد شخص واحد يمكنه أن يبرع براعة فائقة في جميع أو معظم مجالات علم الأوبئة المعاصر، ويتخصص المتخصصون في هذا العلم في مجالات بعينها منه. وهكذا من الشائع أن نسمع عن علم الأوبئة الوراثي، والبيئي، والاجتماعي، وعلم أوبئة القلب والأوعية الدموية، والسرطان والأطفال، وغيرها من المجالات. وأيًّا كان تخصص علماء الأوبئة، فإنهم جميعًا يشتركون في استخدام مجموعة مشتركة من طرق البحث — التي حاول هذا الكتاب أن يلقي نظرة عامة عليها — ووجهة نظر مجتمعية للصحة.
غير أن مصطلح «مجتمع»، وهو أحد المصطلحات الأساسية المميزة لعلم الأوبئة، يغطي جانبين منفصلين: أولهما أن المجتمع هو الأداة الأساسية لعلم الأوبئة، الذي يستخدم المجتمعات السكانية في البحث في شئون الأمراض والصحة بالأسلوب نفسه الذي يستخدم به البحث العلمي في المجالات الأخرى الفئران أو حيوانات الهمستر أو المزارع الخلوية في إجراء التجارب. أما الجانب الثاني، فهو الأفراد المترقبون لتقليص عبء الأمراض التي تصيبهم، وربما لا يتحقق ذلك إلا بقدر تحويل نتائج الأبحاث الوبائية إلى عمليات تدخل فعالة. فهل من الواجب على علماء الأوبئة أن يستخدموا المجتمعات كأدوات تحقق لهم المنفعة للأغراض العلمية، وألا يعتبروهم كمستهدفين لعمليات التدخل العلاجية لمجرد أن هذه ليست مهمتهم كباحثين؟ ليس غريبًا أن نصادف هذا المسلك في الدوائر الأكاديمية؛ ففي الغالب تُترَك نتائج الأبحاث الوبائية للمسئولين عن الصحة العامة وصانعي القرارات، كي ينتفعوا بها أو لا ينتفعوا، حسبما يرونه ملائمًا ووقتما رأوا ذلك.
ومن الممكن الاعتراض على ذلك الموقف على أسس منطقية وأخلاقية. إنه يناقض الزعم، الذي يُطرح كثيرا جدًّا عند طلب توفير تمويل للأبحاث الوبائية، بأنه لما كان علم الأوبئة يدرس شئون البشر بصورة مباشرة، فإن في استطاعته الإسهام، على نحو أكثر تلقائية من غيره من الأبحاث الطبية الحيوية كالتجارب التي تُجرى في المختبرات، في تحسين صحة الأفراد.
إنه في الوقت نفسه انحراف عن المبدأ الأخلاقي الذي نادى به إيمانويل كانط (انظر شكل ??-?) الذي صيغ في عبارة أنيقة في عصر التنوير: لا ينبغي مطلقًا اعتبار أي إنسان مجرد وسيلة، مثلما هو الحال لو اعتبر علماء الأوبئة المجتمعات مجرد أدوات بحثية. إن العمل على ضمان ترجمة نتائج الأبحاث ترجمةً فعالة إلى منافع تعود على جميع البشر، وتقليص حجم الظلم الاجتماعي على مستوى الصحة؛ يتطلب اشتراكًا إيجابيًّا من الممكن أن يتخذ صورًا متباينة، بدءًا من المعاونة وحتى المشاركة الكاملة في اتخاذ القرار، والنقد الاجتماعي ومبادرات الضغط. لا يوجد موضع للخلط بين هذا الاشتراك وواجب الحياد العلمي؛ فعند إعلان الشخص صراحةً عن قيمه الأخلاقية والسياسية، يصير الحياد العلمي والأحكام العلمية في انفصال تام عن الأحكام الصادرة على القيم والموجودة في أي ضغط أو اشتراك في صنع السياسات. شكل ??-?: إيمانويل كانط (????–????).2
لقد تطور علم الأوبئة كاستجابة للأمراض التي أصابت المجتمع الإنساني ولم يكن نتاجًا للتطورات التقنية والعلمية فحسب، لكنه كأي علم آخر، يعكس بدرجات متباينة الأفكار السائدة في المجتمع في مختلف العصور التاريخية. فاليوم، صارت الحرية الشخصية للجميع فكرة وقيمة ومطمحًا رئيسيًّا في المجتمع. إلا أنها لا يمكن أن تكون «للجميع» لو لم تكن «حرية متساوية» تقريبًا على أقل تقدير، دون الفروق الشاسعة في السلطة والموارد القائمة بين الأفراد. وتعد الصحة أهم الموارد التي تغذي الحرية الفردية؛ وتجربتنا المباشرة تعلمنا أنه بدون الصحة، تصبح الحرية الشخصية مقيدة تقييدًا شديدًا. من ثم، فإن النهوض بالعدالة في مجال الصحة عن طريق تقليل حالات انعدام المساواة في مجال الصحة إلى الحد الأدنى داخل البلدان أو فيما بينها؛ يُعدُّ غاية مشتركة لكافة مجالات علم الأوبئة، وهو اختبار حقيقي لقيمته فيما يتعلق بالصحة. وعلى حد تعبير جون رولز: ««العدالة» أولى فضائل المؤسسات الاجتماعية، مثلما أن «الصدق» أول فضائل منظومات الفكر.» فكلاهما أضواء إرشادية لعلماء الأوبئة.
هوامش

(1) From World Health Organization, Closing the Gap in a Generation (Geneva: World Health Organization, 2008) http://www.who.int/social_determinants/thecommission/finalreport/en/index.html.(2) Courtesy of the US National Library of Medicine.
المراجع


Every chapter of the book reflects concepts and methods presented in the volumes listed in the Further reading section. Here key references are quoted specific to the narrative material and to the examples of each chapter, enabling the interested reader to locate their sources.الفصل الأول

M. G. Reynolds, B. H. Anh, V. H. Thu, J. M. Montgomery, D. G. Bausch, J. J. Shah et al., ‘Factors associated with nosocomial SARS-CoV transmission among healthcare workers in Hanoi, Vietnam, 2003’, BMC Public Health 6 (2006), 207–16.
R. Porter, The Greatest Benefit to Mankind (HarperCollins, 1997).
R. Saracci, ‘Introducing the history of epidemiology’, in J. Olsen, R. Saracci, and D. Trichopoulos (eds.), Teaching Epidemiology, 3rd edn. (Oxford University Press, 2009), pp. 1–19.
A. Morabia (ed.), History of Epidemiologic Methods and Concepts (Birkh?user Verlag, 2004).
C. Buck, A. Llopis, E. Najera, and M. Terris (eds.), The Challenges of Epidemiology: Issues and Selected Readings (PAHO, 1988).
M. Porta (ed.), A Dictionary of Epidemiology (Oxford University Press, 2008), p. 81.
J. N. Morris, Uses of Epidemiology, 2nd edn. (Livingstone, 1964).
الفصل الثاني

World Health Organization, Basic Documents, 46th edn. (World Health Organization, 2007), p. 1.
A. S. Fauci, E. Braunwald, D. L. Kasper, S. L. Hauser, D. L. Longo, J. L. Jameson, and J. Loscalzo, Harrison’s Principles of Internal Medicine, 17th edn. (McGraw-Hill, 2008).
World Health Organization, International Classification of Diseases (http://www.who.int/classifications/icd/en/, accessed 2009).
الفصل الثالث

J. Perlea, Causality, 2nd edn. (Cambridge University Press, 2009).
S. Greenland (ed.), Evolution of Epidemiologic Ideas: Annotated Readings on Concepts and Methods (Epidemiology Resources, 1987).
These two references are also directly relevant to Chapter 4.
الفصل الرابع

Royal College of Physicians, Smoking and Health (Pitman, 1962). Advisory Committee to the Surgeon General of the Public Health Service, Smoking and Health (US Department of Health, Education and Welfare, 1964).
A. Bradford Hill, ‘The environment and disease: Association or causation?’, Proc R Soc Med 58 (1965), 295–300.
G. Rose, ‘Sick individuals and sick populations’, Int J Epidemiol 14 (1985), 32–8.
G. Rose, Rose’s Strategy of Preventive Medicine, with a commentary by K. T. Khaw and M. Marmot (Oxford University Press, 2008).
R. Pearl, ‘Tobacco smoking and longevity’, Science 87 (1938), 216-17.
R. Doll and A. Bradford Hill, ‘Smoking and carcinoma of the lung’, BMJ ii (1950), 739–48.
E. L. Wynder and E. A. Graham, ‘Tobacco smoking as a possible etiologic factor in bronchogenic carcinoma: A study of six hundred and eighty-four proved cases’, JAMA 143 (1950), 329–36.
M. L. Levin, H. Goldstein, and P. R. Gerhardt, ‘Cancer and tobacco smoking: A preliminary report’, JAMA 143 (1950), 336–8.
R. Doll, R. Peto, K. Wheatley, R. Gray, and I. Sutherland, ‘Mortality in relation to smoking: 40 years’ observations on male British doctors’, BMJ 309 (1994), 901–11.
R. Doll, R. Peto, J. Boreham, and I. Sutherland, ‘Mortality in relation to smoking: 50 years’ observations on male British doctors’, BMJ 328 (2004), 1519–27.
International Agency for Research on Cancer, Tobacco Smoke and Involuntary Smoking (International Agency for Research on Cancer, 2004).
الفصل الخامس

T. Francis et al., ‘An evaluation of the 1954 Poliomyelitis Vaccine Trials, Summary Report’, Am J Publ Health 45 (1955), 1–63.
F. M. Sacks, G. A. Bray, V. J. Carey, S. R. Smith, D. H. Ryan, S. D. Anton et al., ‘Comparison of weight-loss diet with different compositions of fat, protein and carbohydrates’, N Engl J Med 360 (2009), 859–73.
Medical Research Council, ‘Streptomycin treatment of pulmonary tuberculosis’, BMJ ii (1948), 769–82.
The Gambia Hepatitis Study Group, ‘The Gambia Hepatitis Intervention Study’, Cancer Res 47 (1987), 5782–7.
G. D. Kirk, E. Bah, and R. Montesano, ‘Molecular epidemiology of human liver cancer: Insights into etiology, pathogenesis and prevention from the Gambia, West Africa’, Carcinogenesis 27 (2006), 2070–82.
R. Doll, R. Peto, J. Boreham, and I. Sutherland, ‘Mortality in relation to smoking: 50 years’ observations on male British doctors’, BMJ 328 (2004), 1519–27.
The Alpha-Tocopherol, Beta-Carotene Cancer Prevention Study Group, ‘The effect of vitamin E and beta carotene on the incidence of lung cancer and other cancers in male smokers’, N Engl J Med 330 (1994), 1029–35.
M. J. Barry, ‘Screening for prostate cancer: The controversy that refuses to die’, N Engl J Med 360 (2009), 1351–4.
الفصل السادس

E. Riboli, K. J. Hunt, N. Slimani, P. Ferrari, T. Norat, M. Fahey et al., ‘European Prospective Investigation into Cancer and Nutrition (EPIC)’, Public Health Nutrition 5 (6B, 2002), 1113–24.
C. A. Gonzalez, ‘The European Prospective Investigation into Cancer and Nutrition (EPIC)’, Public Health Nutr 9 (1A, 2006), 124–6.
J. Danesh, R. Saracci, G. Berglund, E. Feskens, K. Overvad, S. Panico et al., ‘Epic-Heart: The cardiovascular component of a prospective study of nutritional, lifestyle and biological factors in 520,000 middle-aged participants from 10 European countries’, Eur J Epidemiol 22 (2007), 129–41.
J. Olsen, M. Melbye, S. F. Olsen, T. I. A. S?rensen, P. Aaby, A. N. Nybo Andersen et al., ‘The Danish National Birth Cohort: Its background, structure and aim’, Scand J Public Health 29 (2001), 300–7.
UK Biobank, at http://www.ukbiobank.ac.uk, accessed 2009.
M. J. Pencina, R. B. D’Agostino Sr, M. G. Larson, J. M. Massaro, and R. S. Vasan, ‘Predicting the 30-year risk of cardiovascular disease: The Framingham heart study’, Circulation 119 (2009), 3078–84.
A. Morabia and R. Guthold, ‘Wilhelm Weinberg 1913 large retrospective cohort study: A rediscovery’, Am J Epidemiol 165 (2007), 727–33.
I. J. Selikoff, E. C. Hammond, and J. Churg, ‘Asbestos, smoking and neoplasia’, JAMA 204 (1968), 104–10.
الفصل السابع

R. Macbeth, ‘Malignant disease of the paranasal sinuses’, J Laringol 79 (1965), 592–612.
A. L. Herbst, H. Ulfelder, and D. C. Poskanzer, ‘Association of maternal stilbestrol therapy with tumor appearance in young women’, N Engl J Med 284 (1971), 878–81.
J. T. Boyd and R. Doll, ‘A study of the aetiology of carcinoma of the cervix uteri’, Brit J Cancer 18 (1964), 419–34.
N. Munoz, F. X. Bosch, S. de Sanjosé, L. Tafur, I. Izarzugaza, M. Gili et al., ‘The causal link between human papilloma virus and invasive cervical cancer: A population-based case-control study in Colombia and Spain’, Int J Cancer 52 (1992), 743–9.
E. L. Franco, F. Coutlée, and A. Fernczy, ‘Integrating human papillomavirus vaccination in cervical cancer control programmes’, Public Health Genomics 12 (2009), 352–61.
The Wellcome Trust Case Control Consortium, ‘Genome-wide association study of 14,000 cases of seven common diseases and 3,000 shared controls’, Nature 447 (2007), 661–78.
الفصل الثامن

P. Vinten-Johansen, H. Brody, N. Paneth, S. Rachman, and M. Rip, Cholera, Chloroform, and the Science of Medicine: A Life of John Snow (Oxford University Press, 2003).
J. Müller-Nordhorn, S. Binting, S. Roll, and S. N. Willich, ‘An update on regional variation in cardiovascular mortality within Europe’, Eur Heart J 29 (2008), 1316–26.
A. Keys, Seven Countries: A Multivariate Analysis of Death and Coronary Heart Disease (Harvard University Press, 1980).
A. Bruneau and C. Duchesne, ‘Outbreak of mumps, Montreal, October 1998 to March 1999, with a particular focus on a school’, Canada Communicable Disease Report 26 (2000), 69–71.
C. Fraser, C. A. Donnelly, S. Cauchemez, W. P. Hanage, M. D. Van Kerkhove, T. D. Hollingsworth et al., ‘Pandemic potential of a strain of Influenza A(H1N1): Early findings’, Science 324 (2009), 1557–61.
M. Marmot and P. Elliott, ‘Coronary heart disease epidemiology: From aetiology to public health’, in M. Marmot and P. Elliott (eds.), Coronary Heart Disease Epidemiology: From Aetiology to Public Health, 2nd edn. (Oxford University Press, 2005), pp. 4–7.
A. Lopez, C. AbouZar, K. Shibuya, and L. Gollogly, ‘Keeping count: Births, deaths, and causes of death’, Lancet 370 (2007), 1744–6.
D. M. Parkin, S. L. Whelan, J. Ferlay, L. Teppo, and D. B. Thomas, Cancer Incidence in Five Continents, Vol. VIII (International Agency for Research on Cancer, 2003).
National Center for Health Statistics, National Health and Nutrition Examination Survey (http://www.cdc.gov/nahnes/, accessed 2009).
R. Saracci and P. Vineis, ‘Disease proportions attributable to environment’, Environ Health 6 (2007), 38–41.
World Health Organization, Global Burden of Disease (http://www. who.int/healthinfo/global_burden_disease/en/index.html, accessed 2009).
الفصل التاسع

P. Juni, L. Nartey, S. Reichenbach, R. Sterchi, P. A. Dieppe, and M. Egger, ‘Risk of cardiovascular events and Rofecoxib: Cumulative meta-analysis’, Lancet 364 (2004), 2021–9.
C. M. Rembold, ‘Number needed to screen: Development of a statistic for disease screening’, BMJ 317 (1998), 307–12.
P. Vineis, P. Schulte, and A. J. McMichael, ‘Misconception about the use of genetic tests in populations’, Lancet 357 (2001), 709–12.
G. Rose, Rose’s Strategy of Preventive Medicine, with a commentary by K. T. Khaw and M. Marmot (Oxford University Press, 2008).
C. P. Cannon, ‘Can the polypill save the world from heart disease?’, Lancet 373 (2009), 1313-14.
P. Martens and A. J. McMichael, Environmental Change, Climate and Health: Issues and Research Methods (Cambridge University Press, 2002).
A. McMichael, S. Friel, A. Nyong, and C. Corvalan, ‘Global environmental change and health: Impacts, inequalities, and the health sector’, BMJ 336 (2008), 191–4.
National Health Service, National Institute for Health and Clinical Excellence (NICE) (http://www.nice.org.uk/, accessed 2009).
M. F. Drummond, B. O’Brien, G. L. Stoddart, and G. W. Torrance, Methods for the Economic Evaluation of Health Care Programmes (Oxford University Press, 1997).
الفصل العاشر

T. Hope, Medical Ethics: A Very Short Introduction (Oxford University Press, 2004).
Council for International Organizations of Medical Sciences (CIOMS), International Ethical Guidelines for Epidemiological Studies (CIOMS, 2009).
United Nations, Millennium Development Goals (United Nations, 2000).
World Health Organization Commission on Social Determinants of Health, Closing the Gap in a Generation (World Health Organization, 2008).
Food and Agricultural Organization, The State of Food Insecurity in the World (Food and Agricultural Organization, 2009).
P. Vineis and R. Saracci, ‘Gene-environment interactions and public health’, in R. Detels, R. Beaglehole, M. A. Lansing, and M. Gulliford (eds.), Oxford Textbook of Public Health (Oxford University Press, 2009), vol. 3, pp. 957–70.
D. H. Moynihan, ‘The fight against disease mongering: generating knowledge for action’, PLOS Medicine 3 (2006), e191.
I. Kant, in A. Zweig (ed.), Groundwork for the Metaphysics of Morals (Oxford University Press, 2003).
R. Saracci, ‘Epidemiology: A science for justice in health’, Int J Epidemiol 36 (2007), 265–8.
J. Rawls, A Theory of Justice (Oxford University Press, 1972), p. 3.

قراءات إضافية


التعرف على علم الأوبئة

This book should have helped the reader to move from having heard (perhaps) of epidemiology to knowing epidemiology by the acquisition of some familiarity with its language and ways of reasoning and operating. The essentials of epidemiological jargon being clear, it will also be possible to get a grip on the meaning of the many terms that could not be included in the book and can be found by consulting when necessary the volume by M. Porta (ed.), A Dictionary of Epidemiology, 5th edn. (Oxford University Press, 2008).A fascinating illustration of imaginative and rigorous ‘diagnostic reasoning’, at the core both of epidemiology (at population level) and of clinical medicine (at the individual level) springs from the stories that the late medical writer Berton Roueché presented over several decades in The New Yorker. A highly readable selection is collected in B. Roueché, The Medical Detectives (Penguin Books/Plume, 1991).استخدام علم الأوبئة

Using epidemiology requires us to go beyond surface familiarity with the subject. It implies not only the ability to read and appreciate an epidemiological paper or report, as someone who knows epidemiology can do, but also the skill for scrutinizing its methods and critically assessing its results and conclusions. Health professionals not directly practising epidemiology need to possess this skill to a degree sufficient for gauging the relevance of epidemiological findings to their daily work in clinical medicine or public health. Given favourable individual circumstances, this objective might be attained even by a self-teaching endeavour. There is no way, however, that such skill can be acquired through a simple accumulation of readings. Advancing through successive steps must be accompanied by a number of practical exercises in statistical and epidemiological methods. Suitable introductory books to the former are: D. Altman, D. Machin, T. Bryant, and S. Gardner, Statistics with Confidence, 2nd edn. (Wiley-Blackwell, 2000) and S. A. Glantz, Primer of Biostatistics, 5th edn. (McGraw-Hill, 2002). For epidemiological methods, one may refer to R. Bonita, R. Beaglehole, and T. Kjellstr?m, Basic Epidemiology, 2nd edn. (World Health Organization, 2006) and to K. J. Rothman, Epidemiology: An Introduction (Oxford University Press, 2002). A useful addition to the questions and exercises in these two books is the substantial set of exercises, with answers, presented in S. E. Norell, Workbook of Epidemiology (Oxford University Press, 1995).A computer-assisted learning package for basic epidemiological methods has been prepared and tested by C. du Florey and is available at no cost at the website: http://www.dundee.ac.uk/~cdvflore/. The International Epidemiological Association (IEA) website (http://www.IEAweb.org) cites without commentary a number of other didactic packages. Short intensive courses in epidemiological methods, one to four weeks long, are available in several countries, and a selection of these is quoted in the R. Bonita et al. book mentioned above. The IEA organizes courses in developing countries and sponsors the residential summer school of the European Educational Programme in Epidemiology (http://www.eepe.org). ممارسة علم الأوبئة

Progressing from using epidemiology to doing it means becoming a professional regularly carrying out epidemiological work either in research or in service activities, or both. Substantial training is required, formal through special courses as well as informal through actual practice, to reach this level of competence. A vast array of books is available, among which a few key references may be quoted, some of recent date and some less recent that have withstood the test of time. For statistical methods, a classic is P. Armitage, G. Berry, and J. N. S. Matthews, Statistical Methods in Medical Research, 4th edn. (Blackwell Science, 2002). Specific to statistical methods in epidemiology are the book by D. Clayton and M. Hills, Statistical Models in Epidemiology (Oxford University Press, 1993) and the two volumes by N. E. Breslow and N. E. Day, Statistical Methods for Cancer Research (International Agency for Research on Cancer, 1980 and 1987). Current epidemiological methods are comprehensively treated in K. J. Rothman, S. Greenland, and T. L. Lasch, Modern Epidemiology, 3rd edn. (Wolters Kluwer, 2008). Epidemiology in relation to broad classes of health and disease determinants, environmental, nutritional, and genetic, are covered respectively in D. Baker and M. J. Nieuwenhuijsen, Environmental Epidemiology (Oxford University Press, 2008), W. Willett, Nutritional Epidemiology, 2nd edn. (Oxford University Press, 1996), and L. Palmer, G. Davey-Smith, and P. Burton (eds.), An Introduction to Genetic Epidemiology (The Policy Press, 2009). Epidemiology in the clinical medicine context is developed in R. B. Haynes, D. L. Sackett, G. Guyatt, and P. Tugwell, Clinical epidemiology: how to do clinical practice research, 3rd edn. (Lippincott Williams & Wilkins, 2006), and randomized clinical trials are addressed in S. J. Pocock, Clinical Trials, A Practical Approach (Wiley, 1983).A wide spectrum of topics, including epidemiology, pertinent to health and diseases in populations is surveyed in the three volumes of R. Detels, R. Beaglehole, M. A. Lansing, and M. Gulliford, Oxford Textbook of Public Health, 5th edn. (Oxford University Press, 2009); although some of the more general chapters may be accessible to the lay reader, this is a text for professionals.