Advertisement

النوم


النوم




النوم

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
ستيفن دبليو لوكلي وراسل جي فوستر

ترجمة
نهى بهمن
مراجعة
علا عبد الفتاح يس
مصطفى محمد فؤاد



النوم

Sleep

ستيفن دبليو لوكلي وراسل جي فوستر

Steven W. Lockley, and Russell G. Foster

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
?
     ?- النوم – علم النفس
          أ- فوستر، راسل جي (مؤلف مشارك)
          ب- العنوان



تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب النوم أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Sleep
Copyright © Steven W. Lockley and Russell G. Foster 2012.
Sleep was originally published in English in 2012. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



إهداء


ستيفن دبليو لوكلي: إلى والدَيَّ، وباربرا، وكريس.
راسِل جي فوستر: إلى إليزابيث، وتشارلوت، وويليام، وفيكتوريا.

شكر وتقدير


نودُّ أن نتقدَّم بالشكْر والعرفان للأشخاص التالي ذكرُهم لما قدَّموه من ملحوظات مفيدة حول مخطوطة هذا الكتاب: فرانشيسكو كابوتشيو، وإيما كاسنس، ولورانس إبشتاين، وإرين فلين-إيفانز، وباتريك فولر، وسانجيف كوثاري، وليون كريتزمان، وأندرو فيليبس، وكيت بروشيريت، وكاتارينا وولف. وكذلك نودُّ أن نتقدَّم بالشكر لجين باترز وبيتر ستراسر لما قدَّماه من معلومات مفيدة.

الفصل الأول
النوم عبر العصور


ظللنا لعدة قرون نعتبر النوم لا يعدو كونه عمليةَ توقف للنشاط، وحالةً سلبية من اللاوعي، وقد كنا مخطئين في فهمنا ذلك طيلة تلك القرون. وربما كان الإخفاق في فهم الطبيعة النشطة للنوم هو أحد الأسباب التي جعلت مجتمعَنا الصاخبَ على مدار الساعة لا يُولي النومَ الاهتمامَ الكافي. ففي أفضل الأحوال، يتقبَّل العديدون منا حقيقة أننا جميعًا في حاجة إلى النوم، أما في أسوأ الظروف فإننا نعتبر النومَ حالةً مَرَضِيَّة تحتاج إلى علاج. ولعلَّ هذا التوجُّه الذي تبنَّاه الكثيرون في مجال الأعمال والسياسة والصناعة، بل والصحة، ليس واهيًا فحسب، بل قد ينطوي على خطورة كذلك.
يمكننا أن نُدرك من خبرتنا اليومية تلك الفائدة المهولة التي تمدُّنا بها ليلةٌ من النوم، وقد دعَّم هذا الشعورَ الذاتيَّ كمٌّ كبير من الأدلة العلمية المتزايدة التي سنستعرض بعضَها في هذا الكتاب. وبعيدًا عن الشعور بالراحة والتحسُّن الذي يمنحنا إياه النوم، فإنه يساعد عقلَنا على التوصُّل لحلول مبتكرة لما نُواجِه من مشكلات يومية. ويزخر التاريخ بالقصص والمواقف التي استيقظ فيها علماء وفنانون ليقدِّموا أفضل الحلول والإسهامات بعد فترات طويلة من الإحباط. فقد تمكَّن فريدريش أوجست كيكوليه من التوصل إلى البنية الكيميائية الحلقية للبنزين بعدَ أنْ رأى في حُلْمه الصورة الشهيرة لثعبان يَعَضُّ ذيله؛ وتمكَّن أوتو لوفي من وضْع مبدأ النقل العصبي الكيميائي الذي نال عنه جائزة نوبل، وكذلك تمكَّن ديميتري مندليف من ترتيب العناصر الكيميائية في الجدول الدوري للعناصر. أما في مجال الفنون، فهناك روبرت لويس ستيفنسون الذي جاءتْه فكرة كتابة روايته الشهيرة «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» بعدَ استيقاظه من النوم، وبالمثل يُقال إن صامويل تايلور كولريدج قد استلهم فكرة قصيدة «قوبلاي خان» من حلم رآه — وإن كان الحلم قد راوَدَه بعدَ تعاطِي الأفيون — مثلما حدث مع سوناتا جوزيبي تارتيني الشهيرة على الكمان والمعروفة باسم «رعشة الشيطان». كان سلفادور دالي مهووسًا بالقدرات الإبداعية للنوم، بينما تمكن ريتشارد فاجنر — ربما أكثر من أي فنان آخر — من استغلال النوم في استلهام مؤلفاته الموسيقية وليقدم له الفكرة الرئيسية لجميع أعماله الأوبرالية.
الطريقة التي نتعامل بها اليوم مع النوم فظَّة للغاية؛ فالبالغون ينامون في المتوسط قرابة ? ساعات كل ليلة، و?? ينامون أقل من ? ساعات، و?? ينامون أكثر من ? ساعات (الشكل ?-?). وفي المقابل، تشير بعض التقارير التاريخية إلى أننا كنا ننام فترات أطول في الماضي. وفي ليالي الشتاء الطويلة، كان النوم يستمر غالبًا لفترات طويلة من الزمن مقسمة إلى نوبتين — أو ربما أكثر — من النوم يفصلهما فترات من الراحة اليقظة. وربما كنا في عصور ما قبل الثورة الصناعية نحصل على قسط من النوم يصل إلى ?? ساعات يوميًّا اعتمادًا على فصول السنة. وتؤكد التجارب الحديثة صحة هذه الأفكار؛ فإذا ما أُلزِم الأفراد باتباع التوقيت الشتوي (حيث يطول الليل ويقصر النهار) فإنهم يحصلون على قسط من النوم أطول من ذلك الذي يحصلون عليه عند اتباعهم التوقيت الصيفي. وإذا حصل الخاضعون للتجربة على فرصة للنوم لفترات أطول، فإن الأمر ينتهي بهم إلى الحصول على فترة ثابتة من النوم تُقدَّر بنحو ? ساعات ونصف، بين البالغين من الشباب، ومدة ? ساعات ونصف بين البالغين الأكبر سنًّا؛ أي أكثر مما يحصل عليه معظم الناس حاليًّا. وكان لاستحداث الإضاءة بالكهرباء في القرن التاسع عشر، وتغير ساعات العمل والأنظمة الاجتماعية بسبب الثورة الصناعية، أثر في انفصال جنسنا البشري على نحو متزايد عن الدورات الطبيعية لليل والنهار التي قوامها ?? ساعة (انظر الفصلين الثامن والتاسع). شكل ?-?: النوم في بريطانيا، من خلال استقصاء أُجري عام ????، وشمل نحو ???? مواطن بريطاني من البالغين. يوضح الشكل (أ) أن متوسط فترات النوم يبلغ نحو ? ساعات في الليلة، وأن ?? ينامون أقل من ? ساعات و?? ينامون أكثر من ? ساعات، بينما يوضح الشكل (ب) تغيرات فترات النوم مع تقدم العمر والفرق بين الرجال والنساء.
يبدو أننا اليوم نحصل على قسط من النوم أقل من أي وقت مضى خلال تاريخنا الحديث. فمعظم البيانات المجمَّعة من الدول الصناعية عبر الخمسين عامًا الماضية توضح وجود تَدَنٍّ عام في النوم بالتزامن مع ثقافة ساعات العمل الطويلة، وازدياد نوبات العمل، والانتقال لمسافات طويلة، والتواصل العالمي عبر مناطق زمنية متعددة، والتحرر من العديد من القيود الاقتصادية والاجتماعية على حدٍّ سواء. وهكذا أسهمتْ كل تلك العوامل سالفة الذكر، جنبًا إلى جنب مع توافر كافة الأشياء تقريبًا على مدار ?? ساعة، في إقصاء النوم إلى آخر قائمة أولوياتنا، وهو الأمر الذي جاء على حساب صحتنا ورفاهيتنا، كما سيتضح لنا لاحقًا.
لكن قبل أن نتوغل في مناقشة نظريات العلم الحديث عن النوم، علينا أن نضع فهمَنا الحالي للنوم في سياق تاريخي موجز. لقد ظلَّ النوم موضع دراسة لفترة لا تقل عن ???? عام، وذلك على يد مجموعة من الأطباء والفلاسفة الإغريق — مثل ألكمايون، وأبقراط، وأرسطو — الذين وضعوا جميعًا نظريات حول أسباب النوم ووظائفه. فقد كتب أرسطو عام ??? قبل الميلاد مجلدًا تحت عنوان «حول النوم واليقظة» واستهلَّه بما يلي: فيما يتعلق بالنوم واليقظة، علينا النظر إلى ماهية كل منهما؛ أن نفكر فيما إن كانا مختصين بالروح أم بالجسد أم بهما معًا، وإن كانا مختصين بهما معًا فإلى أي جزء من الروح أو الجسد ينتميان؟ وما الذي يجعلهما سمة من سمات الحيوانات؟ وما إن كانت كافة الحيوانات تشترك فيهما معًا، أم أن بعض الحيوانات تشترك في واحدة، والبعض الآخر يشترك في الأخرى، أم أن البعض لا يشترك في أي منهما والبعض الآخر يشترك فيهما معًا؟
ربما شكَّلت تلك الأسئلة — مع اختلاف طفيف في صياغتها — جزءًا كبيرًا من الجدال الذي أثير حول النوم في الألفي عام التالية لذلك، وكان علينا أن ننتظر حلول القرن العشرين الذي ظهر فيه علم النوم الحديث لأول مرة في شكله الرسمي على يد هنري بيرون الذي أصدر عمله الأول حول فسيولوجية النوم عام ???? تحت عنوان «مشكلة النوم الفسيولوجية».
غالبًا ما كانت الملاحظات الأولى للنوم تشير إلى أن سبب النعاس يَكْمُن في المعدة، حيث قامت تلك الفرضية على فكرة أن الأبخرة الدافئة التي تنبع من المعدة أثناء عملية الهضم تتسبب في النعاس، وأن الأطعمة المختلفة تؤثر بدورها على الشعور بالنعاس. وفي بدايات القرن السابع عشر، أشار رينيه ديكارت إلى أن الدماغ هو العضو البشري الذي يتوسط بين حالتي النوم واليقظة، مع الغدة الصنوبرية (مركز إنتاج الميلاتونين، انظر الفصل الثاني) المتحكمة في تدفق «الغرائز الحيوانية» حول الدماغ. هذا وقد وُضعتِ العديد من النظريات حول أصل عملية النوم خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بما فيها نظرية وجود «مادة النوم» أو مادة التوكسين التي تتكون خلال النهار وتُفرَز أثناء الليل مسببة النوم؛ حيث يتأثر الشعور بالنعاس بتدفق الدم، أو نتيجة لإصابة الخلايا العصبية بالشلل ليلًا فتغدو غيرَ قادرة على التواصل، وهي مفاهيم لا تزال قيدَ البحث والاستكشاف اليوم.
وقد تطورت فكرة مركزية الدماغ في عملية النوم في بدايات القرن التاسع عشر بفضل تجارب أجراها عالم التشريح لويجي رولاندو على الطيور وتطورت لاحقًا على يد جان بيير فلورانس، الذي أظهر أن الطيور دخلت في نوم دائم بعد إزالة أنصاف أدمغتها. وقد تطلب الأمر قرنًا آخر أو أكثر لتحديد موقع مراكز النوم لدى البشر، وهو النجاح الذي تمكَّن الطبيب النفسي الروماني كونستانتين فون إيكونومو مِن تحقيقه خلال انتشار وباء الإنفلونزا الكارثي عام ????، فقد لاحظ أن بعض مرضاه المصابين بالتهاب الدماغ الفيروسي يُعانون إما من الأرق (نقص في النوم) وإما من نوم مفرط (التهاب الدماغ النوامي). واعتمادًا على التلف الذي وجده بعد فحص أدمغة المرضى المتوفَّين، أشار فون إيكونومو إلى أن الدماغ يحتوي على مناطق مختلفة تنظِّم عمليتَيِ النوم واليقظة. واقترح أنه نظرًا لأن التلف الذي أصاب الوِطاء أو المِهاد الأمامي قد تسبَّب في حالة من الأرق المطوَّل، فإن تلك المنطقة من الدماغ هي المسئولة بشكل طبيعي عن إنتاج النوم. وقد وَجَدَ، على النقيض من ذلك، أن التلف في المهاد الخلفي قد تسبب في حالة مطولة من النوم، فاستنتج أن تلك المنطقة بدورها هي المسئولة عن اليقظة. وقبل مرور مائة عام على ذلك، ثبتت صحة نظريته تلك كما سنتناول بمزيد من التفصيل في الفصل الثالث.
ويتجلَّى أحد أهم أشكال التقدم التكنولوجي في علم النوم في القدرة على قياس نشاط الدماغ البشري أثناء النوم. وقد تم التخطيط الكهربائي الأول للدماغ البشري على يد هانز بيرجر عام ???? بعد أن مكَّنتْه التطورات التي حدثتْ في الفسيولوجيا الكهربائية من وضع الأقطاب الكهربائية على فروة الرأس البشرية من أجل تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ (بدلًا من وضعه على الدماغ مباشرة) ولتوضيح الاختلافات بين حالتي النوم واليقظة (انظر الفصل الثاني). ولا تزال تلك الوسائل تمثل الأساس لمعظم الفحوصات والتقييمات الإكلينيكية للنوم اليوم. وقد ساعدت تلك الأساليب على التوسع في دراسة النوم بشكل سريع خلال القرن العشرين.
وفي عام ???? قام ناثانيال كلايتمان الباحث الروسي في مجال النوم بنشْر عمله الهامِّ «النوم واليقظة»، وهو العمل الذي يلخص معرفتنا عن النوم اليوم، وروجع عام ????. أسَّس كلايتمان أول معمل مخصص لأبحاث النوم عام ???? بجامعة شيكاجو وعكف فيه على دراسة العديد من أوجه النوم والحرمان من النوم، ومن بينها تلك التجربة الشهيرة التي عاش فيها هو وتلميذه بروس ريتشاردسون لمدة شهر بكهوف الماموث بولاية كنتاكي، والتي أظهرتْ توترات يومية للنوم ودرجات الحرارة في غياب المؤثرات الخارجية. ولعل أشهر إسهاماته في هذا الصدد كان وصفه الرسمي لنوم حركة العين السريعة، بعد الملاحظات التي أجراها تلميذه يوجين أسيرنسكي. فعلى الرغم من أن حركة العين كانت معروفة ومسجلة منذ قرون فإن أسيرنسكي وكلايتمان كانا أول مَن أعلن عن استخدام تلك الحركات في التوصيف الرسمي لأنواع النوم الفرعية المختلفة.
وفي الفترة الزمنية نفسها تقريبًا — أي أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته — تمكن باحثون من بينهم جوزيبي موروتزي، وهوراس ماجون، وميشيل جوفيه من تطوير عمل فون إيكونومو وأظهروا أن استثارة مناطق مختلفة من جزء آخر من الدماغ وإصابتها بالضرر — جذع الدماغ على وجه التحديد — يمكن أن يؤثر على النوم كذلك. وعلاوة على ذلك، وجدوا أن التسجيلات الخاصة بتلك المناطق من الدماغ قد تغيرت على نحو ملحوظ عند النوم واليقظة. لقد تمكن هؤلاء الباحثون، بشكل مجمل، بفضل تلك الأعمال من التوصل إلى أن العديد من المناطق داخل جذع الدماغ تشترك في الحفاظ على عملية اليقظة، وفي التسبب في دورة نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة (انظر الفصل الثاني).
لقد تمكن هؤلاء الباحثون من الروَّاد الأوائل مِن جعْل النوم مادة جادَّة للدراسة وابتكروا مجالًا علميًّا جديدًا. وتزخر المكتبة الوطنية الأمريكية للطب اليوم بقاعدة بيانات إلكترونية مهولة تسمى «بابميد»، وتضم قرابة ا? ??? آلاف مقال بحثي عن «النوم»، ويزداد هذا الرقم بصورة يومية. وعلى الرغم من أن محاولة تلخيص أكثر من مائة ألف مقال بحثي في كتاب صغير كالذي بين أيديكم الآن يُعدُّ تحدِّيًا حقيقيًّا، فإننا نأمل أن يساعد هذا الكتاب قُرَّاءه على استكشاف عالم النوم الرائع والتعرف إليه.

الفصل الثاني
كيفية النوم وتنظيمه: نظرة عامة


باستطاعتنا فهمُ الكثير من الأمور حول ما يحدث لكلٍّ من الدماغ والجسد خلال النوم، حتى ولو لم نكن على يقين من الوظيفة الفعلية للنوم (انظر الفصل الرابع). وفي حين أنه يمكن تعريف النوم على أساس من التغيرات السلوكية، فإن القدرة على قياس أنماط النشاط الكهربائي للدماغ هي التي قدَّمتْ تعريف النوم عند البشر وغيرهم من الثدييات.
(?) التخطيط الكهربائي للدماغ

يتألف الدماغ من مليارات الخلايا العصبية التي يتصل بعضها ببعض بواسطة إشارات كهربائية وكيميائية (الناقلات العصبية). وتتسبب التفاعلات المشتركة لهذه الخلايا العصبية في حدوث تغييرات في الجهد، وهي تلك التي يُمكن تسجيلُها من فوق سطح الدماغ. وكان ريتشارد كانتون هو أول مَن قام بهذه التسجيلات على الحيوانات في أواخر القرن التاسع عشر، وطوَّرها بيرجر لاحقًا لتتماشَى مع المعايير البشرية فاستحدث التخطيط الكهربائي للدماغ. ويمكن تسجيل الجهد بين الأقطاب (انظر الشكل رقم ?-?) عند وضع قطبين أو أكثر على فروة الرأس. وقد تمكَّن بيرجر من إثبات أنه حال استيقاظ الأشخاص، يُظهِر التخطيط الكهربائي للدماغ نمطَ نشاطٍ سريع (عالي التردُّد) وذي سعة صغيرة، وحين يَبدَأ الأشخاص في الخلود إلى النوم يُصبح هذا النمط أكثر بُطْئًا (منخفض التردد) ويتسم بموجات كبيرة السعة (انظر الشكل رقم ?-?). وقد تمكَّن العديد من الباحثين — اعتمادًا على ملاحظات بيرجر خلال ثلاثينيات القرن العشرين — من توصيف «المراحل» المختلفة للنوم التي أمكن تمييزُها عن طريق التخطيط الكهربائي للدماغ. وفي عام ???? قدم كلٌّ مِن كلايتمان وأسيرنسكي وصفًا لما يُعرَف الآن بنوم حركة العين السريعة. وبحلول أواخر الستينيات، كان كلٌّ مِن ألان ريشتشافن وأنتوني كيلز قد صاغا توصيفًا محددًا لمراحل النوم على أساس الأنماط المختلفة للتخطيط الكهربائي للدماغ. شكل ?-?: يمكن قياس التخطيط الكهربائي للدماغ، والتخطيط الكهربائي للعين والتخطيط الكهربائي للعضلات في نفس الوقت على الأشخاص عن طريق وضع أقطاب للتسجيل على الجلد في الأماكن المُشار إليها. وبالنسبة إلى التخطيط الكهربائي للدماغ، فعادةً ما يتم استخدام الكثير من الأقطاب، يتراوح عددها ما بين ? ومئات الأقطاب وفقًا لطبيعة التحليل المطلوب.
شكل ?-?: أنماط التخطيط الكهربائي للدماغ للبالغين في مراحل النوم والاستيقاظ المختلفة. (أ) يُصنِّف العمود ? في الجدول النوم إلى مرحلتي حركة العين غير السريعة والسريعة. ومدرج في العمود ? نظام تصنيف حديث للنوم، يقسمه إلى فئات أشمل: الاستيقاظ، ثم مراحل نوم حركة العين غير السريعة ?، ?، ? وحركة العين السريعة. تشرح الأعمدة الإضافية في (أ) أشكال موجة التخطيط الكهربائي للدماغ ووقت حالات النوم المختلفة. يوضح الشكل (ب) آثار التخطيط الكهربائي للدماغ المستخدمة لتحديد حالات النوم المختلفة.
هناك نوعان مختلفان من النوم — نوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة — وهما اللذان يتناوبان لتشكيل دورة نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة كل ?? إلى ??? دقيقة تقريبًا (انظر الشكل رقم ?-?). وثمة أربع إلى خمس دورات للنوم في كل ليلة، وذلك اعتمادًا على مدة النوم نفسها. هذا، ويطلق على تصور فترة النوم بأسْرِها مصطلح «هيبنوجرام»؛ وهو عبارة عن رسم بياني لدورة النوم كاملة. وكما هو مُوضح في الشكل رقم ?-?، فإن المرحلة الأولى من نوم حركة العين غير السريعة تتميز بوجود موجات ثيتا، ويُشار إلى هذا أيضًا بالنعاس أو نوم الوَسَن. وقد تَحدُث ارتعاشةُ الأطراف واختلاجُها بصورة مفاجئة خلال هذه المرحلة. أما المرحلة الثانية من نوم حركة العين غير السريعة فتتميز بظهور موجات نشاط قصيرة يُطلق عليها «مغازل النوم» وموجات ذات سعة عالية وترددات منخفضة تُعرَف بمعقدات-كيه. وكما يوضح التخطيط الكهربائي للعضلات، ينخفض النشاط العضلي بينما يخبو الإدراك الواعي للمحيط الخارجي. وعادةً ما يُطلق على المرحلتين الثالثة والرابعة لنوم حركة العين غير السريعة النوم العميق أو النوم البطيء الموجات، وتتميز تلك المرحلة من النوم بوجود موجات دلتا. كما تظهر حالات «الخطل النومي» أو اضطرابات النوم في تلك المرحلة متمثلة في الإصابة برهاب الليل، والتبول اللاإرادي، والسير والتحدث أثناء النوم. هذا، وترتبط الفترة الزمنية المنقضية في النوم البطيء الموجات بمقدار الحرمان المسبق من النوم (انظر الفصل الرابع). وخلال نوم حركة العين السريعة تتطابق أنماط موجات بيتا التي يُظهِرها التخطيط الكهربائي للدماغ تقريبًا مع الأنماط التي تظهر عند شخص في حالة من اليقظة التامة؛ ولهذا السبب عادةً ما يُطلق على نوم حركة العين السريعة «النوم المتناقض». شكل ?-?: الشكل (أ) يُوضح دورات حركة العين غير السريعة والسريعة لفترة نوم كاملة تبلغ ? ساعات (رسم بياني لدورة النوم). تتفاوت فترات النوم على مدار الليل كما يسجلها التخطيط الكهربائي للدماغ. تحدث فترات النوم البطيء الموجات غالبًا خلال نصف الليل الأول، بينما يتكرر نوم حركة العين السريعة بشكل أكبر خلال نصف الليل الثاني. يمكن أن يحدث الاستيقاظ بصورة طبيعية بعد نوم حركة العين السريعة، لكن ليس دائمًا. (ب) امتد جزء من التخطيط الكهربائي للدماغ (حوالي ?? دقيقة) من (أ). يتغير التخطيط الكهربائي للدماغ البشري باستمرار من الاستيقاظ وحتى النوم بداية من أنماط منخفضة السعة وعالية التردد في فترة الاستيقاظ إلى تذبذبات متزامنة عالية السعة ومنخفضة التردد خلال فترة النوم البطيء الموجات، نوم حركة العين غير السريعة المرحلة ? و?. هناك انتقال سريع من النوم البطيء الموجات إلى نوم حركة العين غير السريعة المرحلة ? و? قبل فترة من نوم حركة العين السريعة. ثم تتكرر الدورة كل ?? دقيقة تقريبًا.
تتغير نسبة نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة في كل دورة خلال فترة الليل، وذلك مع ارتفاع مستويات المرحلتين الثالثة والرابعة من نوم حركة العين غير السريعة (النوم البطيء الموجات) خلال الدورات القليلة الأولى، وتزايد معدلات نوم حركة العين السريعة في الدورات اللاحقة (انظر الشكل رقم ?-?). يرتبط نوم حركة العين غير السريعة بوجه عام بحالة فسيولوجية أكثر استقرارًا حيث أنماط التنفس المنتظمة وانخفاض معدل ضربات القلب، بينما يتسم نوم حركة العين السريعة بكونه عملية أكثر نشاطًا مع معدلات أكثر تغيرًا ولكنها بصفة عامة أكثر ارتفاعًا للتنفس والقلب وضغط الدم وتدفقه إلى المخ. وتتألف دورة نوم الإنسان من نحو ??? في المتوسط من نوم حركة العين السريعة (انظر الشكل ?-?أ). وكما يتضح من التعريف، عادةً ما يصاحب نوم حركة العين السريعة حركات سريعة للعين، وتَظهَر عند قياس النشاط الكهربائي الذي تولِّده العضلات المسئولة عن تحريك العين باستخدام التخطيط الكهربائي لحركات العين. يصاحب نوم حركة العين السريعة أيضًا تثبيط لعضلات الهيكل العظمي، وتُقاس بواسطة أقطاب توضع بالقرب من الذقن. كما يتضح من التخطيط الكهربائي للعضلات (انظر الشكل رقم ?-?). (?) رؤية الأحلام

يمكن رؤية الأحلام في كلٍّ من نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة، إلا أن أحلام نوم حركة العين السريعة تَمِيل إلى أن تكون أكثر طولًا، وأكثر وضوحًا، ومركَّبة وغريبة. ومن المعتقد أن الأحلام تستغرق في مدتها معظم فترة نوم حركة العين السريعة وربما تشكل نحو ??? من نوم حركة العين غير السريعة وتحدث في الوقت الحقيقي؛ فلم تَعُدِ الفكرة القديمة عن أن الأحلام تحدث بصورة خاطفة حين نستيقظ من النوم تحظَى بقدْر كبير من التأييد الآن. قدَّم جيه ألان هوبسون بحثًا مُفصَّلًا عن الأحلام ورؤيتها في كتابه «الأحلام: مقدمة قصيرة جدًّا». وتتلخص الفكرة بإيجاز في أن مضمون الحلم متغير للغاية إلا أنه غالبًا ما يتضمن صاحب الحلم وأشخاصًا مألوفين بالنسبة إليه. والأحلام، في أغلب الأحيان، عبارة عن تجارب مرئية، ونادرًا ما تتضمن أيَّ مذاق أو رائحة. أما إذا كان الأشخاص مصابين بالعَمَى منذ ولادتهم؛ فإن أحلامهم يُهيمِن عليها الصوت، وحاسة اللمس والمشاعر العاطفية. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين فَقَدوا البصر في طفولتهم (في عمر ?-? سنوات)، فإن التجارب المرئية هي التي تُهيمِن على أحلامهم. وفي كثير من الأحيان تَكُون الأحلام غريبة للغاية، لكنها — في الأساس — عادةً ما تنبع من التجارب التي نمُرُّ بها. وتُفيد إحدى النظريات القائمة أن الحُلم هو ناتج ثانوي لمعالجة المعلومات وتقوية الذاكرة.
المربع رقم ?: سمة غريبة لنوم حركة العين السريعة

ينتاب الذكور خلال نوم حركة العين السريعة حالات انتصاب ليلية، وتشهد الإناث حالة من تَحَفُّل البظر. وقد قامتْ دراسة هذه الحالات في معظمها على الذكور؛ نظرًا لاستمرار حالات الانتصاب لديهم معظم مرحلة نوم حركة العين السريعة عند نومهم خلال الليل أو النهار. وقد رُصدت حالات انتصاب خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة لدى الرُّضَّع وحتى لدى الأشخاص الموضوعين تحت أجهزة الإنعاش. وهناك بعض الآراء التي تُفيد بأنه حتى رسومات الكهوف في لاسكو بجنوب فرنسا تصوِّر ذكورًا يمرُّون بحالات انتصاب واضحة أثناء النوم. هذا، ولا يغير الجِماع قبلَ النوم من مستوى انتفاخ القضيب في مرحلة ما بعد النوم. ويؤثر الاحتساء المفرط للكحول، الذي يُثبِّط انتصاب القضيب حين يكون الشخص مستيقظًا، تأثيرًا طفيفًا على قوته أثناء النوم. ولقد ثبت كذلك أن بعض الثدييات الأخرى مثل الفئران والكلاب تمر بحالات انتصاب للقضيب أثناء نوم حركة العين السريعة. وعلى الرغم من أن نوم حركة العين السريعة مرتبط بأكثر أحلامنا وضوحًا، فإن الدراسات التجريبية تُشير إلى أنه لا توجد أي علاقة بين المضمون الجنسي للحلم وانتصاب القضيب.
(?) نموذج تنظيم النوم والاستيقاظ الثنائي العملية

شكل ?-?: شكل يوضح العناصر الرئيسية لدورة النوم والاستيقاظ وكيفية الحفاظ عليها وتفاعل تلك العناصر معًا. يتم تنظيم النوم عن طريق آليتين شاملتين تتضمن كلٌّ منهما ساعة الجسم التي تعمل على مدار اليوم؛ نظام الإيقاع اليومي (الذي يعرف بالعملية سي) ونظام تزايد ضغط النوم الاستتبابي الذي يعتمد على فترة الاستيقاظ (ويُعرف بالعملية إس). ثم يؤدي النوم ذاتُه دورَه في التغذية الراجعة التي تنظِّم كلًّا من العملية سي والعملية إس. ويلعب الضوء دورًا محوريًّا في تنظيم الساعة البيولوجية أو نظام الإيقاع اليومي، التي تَحمِيها دورة النوم والاستيقاظ عن طريق وقْف إنتاج الميلاتونين تمامًا من الغدة الصنوبرية، ويعمل الضوء أيضًا على تنظيم مستويات الانتباه. ومِن شأن بعض الأنشطة الاجتماعية مثل أوقات تناول الوجبات أو الاستيقاظ الإجباري عن طريق المنبِّه أن تساعد على توجيه نشاط النوم والاستيقاظ.
يقدم نموذج تنظيم النوم الثنائي العملية الذي استُحدث لأول مرة عام ????، على يد ألكسندر بوربلي، أسلوبًا مفيدًا للغاية حول كيفية التفكير في توقيت النوم والاستيقاظ. ويشير ذلك النموذج إلى أن مُذبذِبَين يساعدان على النوم؛ الأول: عبارة عن «عدَّاد» النوم والاستيقاظ يشبه الساعة الرملية، والثاني: تناوُب يومي داخلي على مدار الساعة لكل من النوم واليقظة. تتفاعل هاتان العمليتان لتحديد توقيت النوم، ومدته وشكله (انظر الشكل رقم ?-?). ويصف عداد الساعة الرملية النمط الحَدْسي للنوم؛ حيث تعتمد احتمالية خلودنا إلى النوم على الفترة الزمنية التي قضيناها مستيقظِين، وترتفع احتمالات استيقاظنا كلما طالت فترة النوم التي استغرقناها. ويُعَدُّ هذا المفهوم الذي يبدو بسيطًا الجزءَ المتوازن للنموذج الثنائي العملية، الذي يُطلَق عليه «العملية إس»، والذي «يقيس» الفترة الزمنية التي قضيناها نائمين أو مستيقظين، ويتنبأ أيضًا ? «ضغط النوم»، فكلما طالت فترة الاستيقاظ؛ ارتفع معها ضغط النوم (انظر الشكل رقم ?-?). وحين نخلد إلى النوم، ينخفض ضغط النوم حتى يصل إلى المرحلة الكافية من الانخفاض التي نتمكن معها من الاستيقاظ. ويرتفع معدل النوم البطيء الموجات في فترة النوم كلما ارتفع معدل ضغط النوم (العملية إس) كما يحدث في حالة الاستجابة لقلة النوم على سبيل المثال. وعلاوة على ذلك، فإننا نُدرك بديهيًّا أن خلود المرء إلى النوم في الساعة ?? من منتصف الليل بشكْل عامٍّ يكون أسهل من محاولة خلوده إلى النوم في الساعة ?? منتصف النهار. ويرجع ذلك إلى أن المَيْل إلى النوم له إيقاع مستمر على مدار الساعة تُحدِّده ساعة داخلية في الدماغ تعمل على مدار الساعة أيضًا، وهي التي تقع في النواة فوق التصالبية تحت المهاد. وتُولِّد تلك الساعة البيولوجية، بصورة عفوية ومن دون أي تأثُّر بالإشارات البيئية، إيقاعاتٍ على مدار الساعة، تتحكَّم بدورها في تحديد توقيت العديد من الوظائف السلوكية والفسيولوجية والأيضية للجسم، وتتم بشكل منتظم، بما في ذلك النزعة الطبيعية للنوم، وشكل ذلك النوم، وتنظيم الحرارة، وإفراز الهرمونات مثل الميلاتونين والكورتيزول، ووظائف القلب والرئة، ومعدلات الجلوكوز والأنسولين وغيرها من الوظائف المتعددة. وتعمل تلك النظم الداخلية، التي تستمر لقرابة ?? ساعة، بشكل متزامِن مع الإشارات الزمنية الخارجية التي تحيط بنا على مدار الساعة، وأكثر هذه الإشارات أهمية دورة الضوء والظلام على مدار ?? ساعة. وفي النموذج الثنائي العملية، تحدد الساعة البيولوجية اليومية نظام النوم والاستيقاظ على مدار ?? ساعة وتعرف ? «العملية سي» (انظر الشكل رقم ?-?). ويتناول الفصل الثالث من الكتاب تفصيلًا عملَ الساعة البيولوجية وتنظيمها من خلال الضوء. وتعمل كلٌّ من العملية إس وسي — في ظل الظروف الطبيعية — بشكل دوري مُعاكِس بعضهما لبعض للحفاظ على الشعور باليقظة خلال النهار ونوبات من النوم العميق ليلًا. فيقابل الزيادة المطردة في إشارة الساعة البيولوجية المنبهة للفرد خلال معظم أوقات النهار زيادة مماثلة في ضغط النوم الاستتبابي مع استمرار ساعات اليقظة أو السهر. وعلى العكس من ذلك، تواجه النزعة المتزايدة للنوم ليلًا انخفاضًا في دافع الاتزان الداخلي الاستتبابي الذي يحدث أثناء النوم. فمن دون نزعة الإيقاع اليومي للنوم، سوف تَقِلُّ فترة النوم خلال الليل؛ حيث إن ضغط النوم سيتبدد سريعًا خلال النصف الأول من النوم. ولم يُعرَف بعدُ السببُ الرئيسي لكَوْن بعض الأشخاص ينامون لفترات طويلة وآخرين لفترات قصيرة، لكن من المرجَّح أن يرجع هذا إلى كيفية استجابة الدماغ لارتفاع ضغط النوم.
شكل ?-?: نموذج تنظيم النوم ثنائي العملية. يتفاعل كلٌّ من مؤقِّت الإيقاع اليومي الذي يعمل على مدار اليوم مع محفِّز الاستتباب (الخط المتقطع) لتحديد توقيت ومدة وشكل النوم؛ حيث يتعارض إيقاع تعزيز النوم خلال الليل واليقظة/الاستيقاظ خلال النهار، وهو الذي يُحفِّزه الإيقاع اليومي مع محفز الاستتباب الذي يعزز النوم خلال اليوم. أثناء النوم (التظليل الأسود)، يتبدد ضغط النوم الاستتبابي. وتحدث «بوابة النوم» (التظليل الرمادي)؛ نتيجة للتأثيرات المشتركة لمذبذبَيِ الإيقاع اليومي والاستتباب. يرتفع ضغط النوم خلال فترة الاستيقاظ ولكنه يتعارض مع العملية سي حتى يبدأ النوم.
(?) أسوأ ما في العالَمَين: الاستيقاظ لفترة طويلة في التوقيت الخاطئ

يمكن أن تتفاعل كلٌّ من العملية إس والعملية سي تحت ظروف معينة؛ مما يؤدي إلى شعور بالغ بالنعاس، الأمر الذي قد يؤثر على سلامة المرء بشكل كبير (انظر الفصلين الثامن والتاسع). فإذا استيقظ الفرد لفترة طويلة (ضغط نوم مرتفع) وتصادَف أنه ظلَّ مستيقظًا خلال الليل كذلك، حيث يحفز نظام الإيقاع اليومي النوم بشدة، تنتاب المرءَ حينَها «عاصفة» من الشعور بالنعاس. وفي ظل هذه الظروف، تتفاعَل كلٌّ من العمليتين بطريقة تجعل الشعورَ بالنعاس أسوأ بكثير من الشعور المتوقع من مجرد مزج آثار العمليتين معًا. وتَنتُج عن هذا التفاعل غيرِ المنتظم خطورةٌ شديدة تحديدًا عند بقاء الفرد مستيقظًا ما بين الثالثة والسادسة صباحًا، وهو الوقت الذي يَصِل فيه إيقاع النظام اليومي للنعاس إلى ذروته، ويصاحبه ارتفاعٌ في ضغط النوم بسبب طول فترة استيقاظ الفرد (انظر الشكل رقم ?-?). يُعَدُّ هذا أمرًا شائعًا بين عُمال المناوبات، والأطباء، ورجال الإطفاء وغير ذلك من المِهَن التي تتطلب اليقظة خلال ساعات النوم الطبيعية، ويصبح هذا الوقت تحديدًا هو الأكثرَ عُرْضة لوقوع الحوادث والإصابات الأخرى الناجمة عن الشعور بالنعاس. (?) قصور النوم: مشكلة النهوض في الصباح

بالإضافة إلى تحديد توقيت النوم وشكله، يحدد النموذج الثنائي العملية كذلك المسار الزمني العام للنعاس والأداء خلال اليوم. عادة ما يتزايد الشعور بالنعاس كلما طالت فترة الاستيقاظ، إلا أنه يتدخل فيه أيضًا نظام الإيقاع اليومي البيولوجي القوي، الذي يؤثر بدوره على الحالة المزاجية العامة والقدرة على التركيز، والتذكر والتفاعل. ويظل الأداء خلال النهار مستقرًّا نسبيًّا، تحت ظروف النوم/الاستيقاظ الطبيعية، وذلك قبل أن ينخفض مستوى الأداء تدريجيًّا مع اقتراب نهاية اليوم، كما هو متوقَّع مع امتداد ساعات الاستيقاظ. ومع ذلك، فقد يتنبَّأ النموذج ثنائي العملية بأعلى درجات الانتباه في نهاية فترة النوم، حين ينخفض ضغط النوم ليصل إلى أدنى مستوياته. غير أن التجارب الشخصية تشير إلى أن الأمور لا تسير دائمًا على هذا المنوال، وأن هناك عملية ثالثة توضح سبب شعورنا بالترنُّح عند الاستيقاظ من النوم أو ما يُعرَف بقصور النوم، أو «العملية دبليو» (انظر الشكل رقم ?-?). في واقع الأمر، قد يستغرق الوصول إلى اليقظة التامة بضعَ ساعات، وتكون الدقائق التالية للاستيقاظ مباشرةً هي الأكثر صعوبة. وتتفاعل عملية قصور النوم كذلك مع كلٍّ من العملية سي والعملية إس، وحينئذٍ يتفاقم الوضع ويصبح أكثر سوءًا ويمتد لفترة أطول عند الاستيقاظ في التوقيت الخاطئ من النظام اليومي؛ إما في منتصف الليل، وإما من النوم العميق. (?) أسباب الشعور بالنعاس بعدَ تناوُل الغَدَاء وليس قبلَ الخلود إلى النوم

بينما ينخفض معدل اليقظة والانتباه بصفة عامة خلال اليوم، فثمة وهلة قبل وقت النوم المعتاد مباشرةً يكون من الصعب خلالَها الخلود إلى النوم ويرتفع معدل اليقظة نسبيًّا. ويكمن السبب وراء «حالة استمرار الاستيقاظ» تلك في أن نظام الإيقاع اليومي وقت اليقظة، وهو الذي يظل مرتفعًا نسبيًّا مع قرب انتهاء النهار، لم تقابله بشكل كامل الزيادة الاستتبابية للنوم على مدار اليوم. وتتزامن نهاية «حالة إبقاء الاستيقاظ» مع بداية إنتاج هرمون الميلاتونين من الغدة الصنوبرية، الأمر الذي يُشارُ إليه أحيانًا بعملية فتح «بوابة النوم». وفي ذلك الوقت يزداد الشعور بالنعاس والقدرة على الخلود إلى النوم سريعًا (انظر الشكل رقم ?-?). وسوف نتناول في قسم لاحق من هذا الفصل إن كان بدء إنتاج الميلاتونين هو المتسبب في هذا الشعور بالنعاس، أم أن ذلك محض مصادفة. وينتاب المرءَ كذلك الشعورُ ? «خمول ما بعد الغَدَاء» بسبب عدم التزامن الطفيف في توقيت حدوث كلٍّ من العملية إس والعملية سي، ويحدث هذا الخمول بغضِّ النظر عما إذا كان الطعام قد استهلكه الجسم تمامًا أم لا. يتزامن هذا «الخمول» أو التراجع في الأداء وحالة الانتباه مع حدوث التقاطع المعتاد بين زيادة الشعور بالنعاس نتيجة لحدوث العملية إس، وانخفاض الشعور بالنعاس نتيجة لحدوث العملية سي. فإذا لم يكن ثمة تزامن طفيف بين كلٍّ من زمنَيِ العمليتين، فسوف تعزز العملية إس في هذه الحالة الشعور بالنعاس قبل معارضتها من العملية سي، ويؤدي هذا بدوره إلى الشعور بالخمول في منتصف فترة الظهيرة. لا يشعر الجميع بهذا الخمول، وسبب هذا على الأرجح يعود إلى الاختلافات الفردية البسيطة في التوقيت النسبي لكلتا العمليتين. ومع ذلك، قد تفسِّر زيادةُ اختلاف التوقيت بين العمليتين عادةَ القيلولة في بعض المجتمعات، حيث تؤدي فترات النوم القصيرة والمتأخرة ليلًا إلى قدْر أعلى من ضغط النوم خلال النهار الذي لا يمكن مجابهتُه من قِبَل نظام الإيقاع اليومي أثناء النعاس، الذي تأخر نفسُه بسبب التعرض للضوء الاصطناعي في المساء؛ مما يسهل مِن أخْذ إغفاءة طويلة أثناء فترة ما بعد الظهيرة. أضِف إلى ذلك تناولَ وجبة غَدَاء دسمة وبعض المشروبات، حينئذٍ ستقِلُّ فُرَص بقائك مستيقظًا!
(?) هل تشبه طائر القُبَّرة أم البومة؟ شخصيات نهارية وأخرى ليلية

إذا كنتَ ممَّن يبقَوْن متيقظين خلال النهار وتخلد إلى النوم مبكرًا، فأنتَ أشبَهُ بطائر «القُبَّرة»، أما إذا كنتَ تكرَه النهار وتفضِّل البقاء مستيقظًا أثناء الليل، إذن فأنتَ أشبَه ? «البومة». استُخْدِمَت تلك التشبيهات لمحاولة وصف ظاهرة التفضيل اليومي — أي إذا ما كنتَ من الشخصيات النهارية أم الليلية — وذلك بناءً على الأوقات التي تفضِّل فيها الخلود إلى النوم والأوقات التي تؤدي فيها عملك على أكمل وجه. وبينما تظن أن هذا الأمر اختيار شخصي، فإن أسلوب التفضيل اليومي يحدده النموذج ثنائي العملية، وهو مشفَّر في جيناتك على نحو جزئي.
تخيل تجربة يتم فيها وضْع مجموعة من الأشخاص في نفس فترات الضوء والظلام (?? ساعة من الضوء: ? ساعات من الظلام) لعدة أسابيع، وستجد أن بعض الأشخاص سيخلدون إلى النوم ويستيقظون مبكرًا؛ وبعضهم سيخلد إلى النوم في وقت متأخر ويستلقي؛ بعضهم سينام لمدة ? ساعات فقط، والبعض الآخر ? ? ساعات وهكذا. سيجد كل شخص التوقيت الطبيعي الخاص به خلال اليوم وسيتعرفون على ما يفضلونه خلال اليوم، والتوقيت الطبيعي للنوم ومدته. عبر مجموعة من السكان، سنجد اختلافًا في التفضيل اليومي وكذلك فترات النوم؛ نتيجة للاختلافات الفردية في تفاعل كلٍّ من نظام الإيقاع اليومي والنظام الاستتبابي لدى كل فرد. فتتسم الشخصيات النهارية، على سبيل المثال، التي تَمِيل إلى الخلود إلى النوم والاستيقاظ مبكرًا بأن لديها: (?) ساعة بيولوجية يومية أقصر (تقترب — أو حتى أقل — من ?? ساعة)، وتدور بشكل أسرع من الساعة البيولوجية للشخصيات الليلية. (?) نزعة طبيعية كبرى للخلود إلى النوم مبكرًا؛ نتيجة للارتفاع السريع لضغط النوم أو للحساسية تجاه ضغط النوم الاستتبابي. (?) نزعة طبيعية أقوى للاستيقاظ مبكرًا نتيجة للفقدان التدريجي الأسرع لضغط النوم الاستتبابي، أو مزيج بين كلٍّ من هذه العناصر.
تختلف الشخصيات النهارية والليلية أيضًا في توقيت الشعور بالنعاس والقدرة على الأداء أثناء النهار، الأمر الذي يحدده التفاعل بين كلٍّ من العملية سي والعملية إس أو «الربط النسبي بين العمليتين»؛ أي «ضبط التوقيت»، بين فترة حلول النوم واليوم وفقًا لنظام الإيقاع اليومي. وتستيقظ الشخصيات النهارية في وقت مبكر من اليوم وفقًا لآلية التنبيه لديهم؛ حيث إن نومهم متقدِّم كثيرًا على الشخصيات الليلية. وعلى الرغم من أن إيقاع نومهم يسبق الآخرين، فإنه مع ذلك، لا يميل إلى الانتقال بنفس قدْر النظام الداخلي لإيقاعهم اليومي؛ مما يعني أن الشخصيات النهارية تنام وتستيقظ في مرحلة متأخرة نسبيًّا من إيقاعهم اليومي عن الشخصيات الليلية؛ ومن ثَمَّ تستيقظ الشخصيات النهارية متأخرة في «يومها» داخل نظام الإيقاع اليومي؛ أي إنهم يتمتعون بمستوًى مرتفع من اليقظة والأداء أثناء النهار وينخفض هذا المستوى سريعًا خلال اليوم. على الصعيد الآخر، تستيقظ الشخصيات الليلية في وقت مبكر من «يومهم» داخل نظام الإيقاع اليومي؛ ومن ثَمَّ يشعرون بالنعاس ويتسم أداؤهم بالضعف في الصباح، لكنَّ أداءهم لا يتراجع بقدْر تراجُع أداء الشخصيات النهارية مع نهاية اليوم. ولذلك يُمكِن تفسير الاختلافات السلوكية التي تمَّ رصدُها بين الشخصيات النهارية والليلية — والمتمثلة في أن الشخصيات النهارية تشعر بقدر أكبر من اليقظة والانتباه أثناء النهار ويفضلون تنفيذ المهامِّ شديدة الأهمية في ذلك الوقت من اليوم، بينما تتمتع الشخصيات الليلية بشعور أفضل وبمستوًى أفضل من الأداء في وقت متأخر من النهار — وفقًا لمرحلة نظام الإيقاع اليومي التي يستيقظون فيها. ومِن اللافت للنظر أن تلك الاختلافات لا تتغير بالرغم من كافة العوامل التي يمكن أن تؤثر على أنماط اليقظة خلال وقت النهار في الحياة اليومية، مثل احتساء المشروبات التي تحتوي على الكافيين، والانخراط في العمل، والشعور بالتوتر والضغوط وما إلى ذلك؛ مما يوضح الدور الجوهري والعلاقة بين كلٍّ من العملية سي والعملية إس في تحديد أنماط اليقظة، والحالة المزاجية والأداء خلال النهار.
(?) الضوء وعلاقته بالإيقاع اليومي وهرمون الميلاتونين، والنوم، والاستيقاظ

يلعب الضوء دورًا مهمًّا في تنظيم النوم والاستيقاظ، فالتعرض للضوء يؤثر بشكل مباشر على كلٍّ من توقيت الإيقاع اليومي (العملية سي) من جهة والنعاس والأداء (العملية إس) من جهة أخرى. كما أن للضوء عددًا من الآثار «غير البصرية» على العمليات الفسيولوجية بجسم الإنسان بخلاف تأثيره على الرؤية، ومن بينها تعديل نظام الإيقاع اليومي، وتحسين المقاييس الذاتية والموضوعية لليقظة، وزيادة معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم ليلًا، والتأثير على بعض الهرمونات، مثل خفض إفراز هرمون الميلاتونين من الغدة الصنوبرية.
(?-?) الضوء والنوم

تولِّد الساعة البيولوجية اليومية في النَّوى فوقَ التصالُبية في الدماغ إيقاعًا يوميًّا يُقارب الأربع والعشرين ساعة، ولكنه ليس أربعًا وعشرين ساعة بالضبط. ومن أجل ضمان ضبط توقيت الإيقاع اليومي مع إيقاع العالَم الفِعْلي، يجب إعادة ضبط هذه الساعة الداخلية كلَّ يوم من خلال إشارات الوقت البيئية. وفي ظل الظروف العادية يعمل التعرض للنمط اليومي للضوء والظلام على مدار أربع وعشرين ساعة على مزامنة (الربط بين) الإيقاع البيولوجي والإيقاع البيئي (انظر الشكل رقم ?-?). وتمثل دورة الضوء والظلام اليومية أهم إشارات الوقت البيئية، ويقتصر الْتقاط هذه المعلومات الضوئية في الثدييات على العين بشكل حصري، وفي حالة فقدان البصر تتلاشى القدرة على الارتباط بالضوء. تتلقى الساعة البيولوجية في النَّوى فوق التصالبية في الدماغ إسقاطًا مباشرًا من العين عبر قناة تُسمَّى القناة الشبكية تحت المهادية (وهي مسار عصبي من شبكية العين وصولًا إلى منطقة ما تحت المهاد)؛ ومن ثَمَّ يمثل الضوء الملتقط عبر الشبكية «منظم الوقت» الأساسي الذي يزامن بين توقيت النوم وإيقاعات الساعة البيولوجية الأخرى. وفي حالة هذا الربط، يرتبط عمل الإيقاع الفسيولوجي والسلوكي المتعدد بالوقت أو المرحلة؛ من أجل السماح بأداء المهام الوظيفية على الوجه الأمثل. أما تعذُّر الحصول على معلومات الضوء والظلام تلك، التي يُعانِي منها معظم المصابين بالعَمَى التامِّ، فيؤدي إلى رجوع نظام الإيقاع اليومي إلى دورته الطبيعية المخالفة لدورة الأربع والعشرين ساعة، وتصبح غير متزامنة مع الإيقاع اليومي ومدته ?? ساعة. ونتيجة لذلك، فإن غالبية المكفوفين يُعانون من اضطراب النوم الذي يُسمَّى «اضطراب النوم والاستيقاظ غير المتزامن مع ساعات اليوم الأربع والعشرين»؛ حيث تصبح دورة النوم والاستيقاظ، والانتباه، وأنماط الأداء والإيقاعات الأخرى لديهم غير متزامنة مع إيقاع الأربع والعشرين ساعة لليوم الاجتماعي الذي يُحاولون التعايش معه (انظر الفصل السادس). يحدث اختلال الساعة البيولوجية أيضًا لدى المُبصِرين الذين لا يتعرَّضون لدورة الضوء والظلام المعتادة على مدار ?? ساعة، مثلما يحدث لدى عمال الورديات الليلية، أو بعد تغير سريع في أنماط الضوء والظلام عقب السفر برحلة بين مناطق زمنية مختلفة من حيث الضوء والظلام أو ما يُسمَّى «اضطراب الرحلات الجوية الطويلة» (انظر الفصل التاسع)؛ مما يسبب عواقب صحية واضطرابات في النوم. ولذلك يلزم التعرض لدورة الضوء والظلام الثابتة على نحو يومي للحفاظ على الارتباط الطبيعي بين الإيقاع اليومي وتوقيت النوم. وللضوء أيضًا تأثير مباشر على العملية إس؛ حيث يؤدي التعرض للضوء إلى تعزيز اليقظة والأداء إلى حدٍّ كبير خلال كلٍّ من النهار والليل، كما يؤثر على عمق النوم ليلًا التالي لذلك. وقد أظهر تصويرُ الدماغ بعدَ التعرض للضوء زيادة النشاط في العديد من مناطق الدماغ المرتبطة باليقظة، والإدراك، والذاكرة (المهاد، والحصين، وجذع الدماغ) والحالة المزاجية (اللوزة)؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يؤدي التعرض للضوء في التوقيت غير المناسب إلى الإخلال بتوقيت النوم والساعة البيولوجية، ليس هذا فحسب بل وإفساد مستويات اليقظة والأداء والحالة المزاجية أيضًا.
(?-?) الإيقاع والاكتئاب

تطور فهمُنا للكيفية التي ينظِّم بها الضوء كلًّا من النوم والإيقاع اليومي تطورًا ثوريًّا على مدى السنوات القليلة الماضية مع اكتشاف نظام جديد تمامًا لاستقبال الضوء في عيون الثدييات، بما في ذلك البشر. ولا تقع مستقبلات الضوء المكتشفة حديثًا تلك في ذلك الجزء من العين الذي يحتوي على الخلايا العصوية (المسئولة عن الرؤية الليلية) والخلايا المخروطية (المسئولة عن الرؤية النهارية) التي تستخدم في تكوين صور للعالَم من حولنا، ولكنها تقع في الخلايا العقدية التي تشكل إسقاطاتها العصب البصري. وتوفر الخلايا العقدية للشبكية اتصالًا وظيفيًّا بين العين والدماغ، ولكن عددًا قليلًا من الخلايا العقدية المتخصصة (?–??) لدَيْها حساسية مباشرة للضوء وتسقط صورها على أجزاء من الدماغ لها علاقة بالنوم والتحكم بالإيقاع اليومي، بما في ذلك النَّوى فوق التصالبية ومنطقة أخرى تحت المهاد تسمى منطقة أمام التصالُبية البصرية البطنية الوحشيَّة (انظر الفصل الثالث).
هذه الخلايا الشبكية العقدية الحساسة للضوء تحتوي على صبغة حساسة للضوء تسمى ميلانوبسين. لاحظ أنه ينبغي عدم الخلط بين صبغة الميلانوبسين وهرمون الميلاتونين الذي تفرزه الغدة الصنوبرية، أو صبغة الميلانين في جلد الإنسان؛ فهي مختلفة تماما! صبغة الميلانوبسين هي الأكثر حساسية «للضوء الأزرق» المرئي قصير الموجة مع ذروة الحساسية للضوء بطول موجي حوالي ??? نانومترًا. بمقدور هذا النظام تغيير الساعة البيولوجية اليومية أو تنظيم النوم حتى لدى الحيوانات أو البشر الذين فَقَدوا الخلايا العصوية والمخروطية المسئولة عن الرؤية الليلية والنهارية أو الذين أصيبوا بالعمى التام، وما دامت طبقة الخلايا العقدية للعين سليمة، فمن الممكن أن يحدث الترابط. تثير هذه الحقيقة آثارًا هامة بالنسبة إلى أطباء العيون، الذين يَجهَلون إلى حدٍّ كبير هذا النظام البصري الجديد وأثره على الفسيولوجيا البشرية. على سبيل المثال، إذا كان نظام الخلايا الشبكية العقدية الحساسة للضوء لا يزال سليمًا، فمن الضروري تشجيع الأفراد (حيثما أمكن) على تعريض أعينهم لضوء النهار بما يكفي للحفاظ على الربط الطبيعي بالإيقاع اليومي وتوقيت النوم واليقظة. أمَّا المرضى المكفوفون الذين من المقرر أن تُجرَى لهم عملية استئصال لعيونهم دونما سبب ضروري فينبغي تقييم حالتهم لتحديد إن كانت أعيُنُهم لا تزال قادرة على اكتشاف الضوء ومزامنة نظام الساعة البيولوجية؛ إذ إنه من شأن فقدان كلتا العينين أن يؤدي إلى الإصابة باضطرابات النوم غير المنتظم على مدار الأربع والعشرين ساعة. وعلاوة على ذلك، فإن المرضى المصابين بأمراض شبكية العين الداخلية، التي تؤدي إلى موت الخلايا الشبكية العقدية، مثل المياه الزرقاء، معرضون بشدة لخطر اختلال الساعة البيولوجية واضطرابات النوم. يجب أن يتلقَّى هؤلاء الأفرادُ المشورةَ بخصوص مشاكل اضطرابات النوم، ويُنصح لهم بشدة تلقِّي العلاج بهرمون الميلاتونين في الوقت المناسب، هذا الذي أثبتَ قدرتَه على تثبيت توقيت النوم لدى المرضى المصابين بالعمى التام (انظر الفصل السادس).
إن خلايا الشبكية العقدية الحساسة التي تلتقط الضوء الأزرق لا يقتصر عملها فقط على ضبط توقيت الساعة البيولوجية، بل تلعب أيضًا دورًا رئيسيًّا في تثبيط إفراز الميلاتونين، والحدِّ من النعاس، وتحسين زمن رد الفعل، وتنشيط مناطق الدماغ التي تتوسط بين اليقظة والنوم. وتستخدم آثار الضوء تلك على نطاق واسع في تطبيقات إكلينيكية ومهنية عديدة لعلاج اضطرابات النوم والإرهاق المصاحبين لاضطرابات إيقاع الساعة البيولوجية، والاكتئاب والخَرَف، والسرطان، أو في أي مجال تُفيد فيه إجراءات الحدِّ من النعاس، مثل المدارس والجامعات والشركات، والمهن التي تتطلب اليقظة التامة على مدار الساعة مثل التمريض والشرطة ورجال الإطفاء، والمهن الحساسة المتعلقة بسلامة الآخرين، مثل الطيارين والجيش ومراكز التحكم ومحطات الطاقة، وما شابَهَ (انظر الفصل التاسع). وقد تبين أيضًا أن العلاج بالضوء الأزرق أثبت فعاليته في علاج الاضطراب العاطفي الموسمي (ما يعرف ? «اكتئاب الشتاء»)، الناجم عن التغيرات الموسمية في التعرض للضوء والظلام.
كما أن توقيت التعرض للضوء له أهمية خاصة أيضًا. فبمقدور الضوء إما تقديم الساعة البيولوجية، مغيرًا السلوك وعملية الأيض بحيث يتم في وقت مبكر، وإما تأخير الساعة البيولوجية حسب توقيت التعرض للضوء. وفي الظروف الطبيعية، يؤدي التعرض للضوء في وقت الغسق والجزء الأول من الليل (ما بين الساعة السادسة مساءً والساعة السادسة صباحًا) إلى تأخير الساعة البيولوجية، في حين يؤدي التعرض للضوء في وقت متأخر من الليل وقرب الفجر (ما بين الساعة السادسة صباحًا والساعة السادسة مساءً) إلى تقديم الساعة. وتوصف العلاقة بين توقيت المحفِّز وحجم التغير الناتج واتجاهه في صورة منحنى استجابة الطَّور، وهو أمرٌ في غاية الأهمية عند النظر في آثار تغير التعرض للضوء والظلام الذي يشهده المرء خلال اضطراب الرحلات الجوية الطويلة أو أثناء العمل بنظام النوبات (انظر الفصل التاسع). ورغم أن الإيقاع اليومي واليقظة ليسا في حساسية النظام البصري، فإنهما لا يزالان قابلين للتأثر بمستويات الضوء المنخفضة نسبيًّا، إذا دام التعرض لذلك الضوء أكثر من عدة ساعات. وفي ظل هذه الظروف، يؤدي الضوء الخافت نسبيًّا داخل المنزل مثل مصابيح السرير وضوء شاشة الكمبيوتر إلى إحداث آثار كبيرة على أنظمة الساعة البيولوجية والنوم، وقد يؤدي إلى تفاقم اضطرابات النوم (انظر الفصل السادس).
(?-?) هرمون «دراكولا»: الميلاتونين والنوم

تعتبر خلايا الشبكية العقدية الحساسة للضوء مسئولة عن تنبيه الجسم عند رؤية الضوء، ولكن كيف يَعرِف الجسم بحلول الظلام؟ يُعطي هرمون «دراكولا» أو الميلاتونين هذه الإشارة إذ لا يتم إفراز هذا الهرمون إلا في الليل، فيما يتوقف إفرازه مع رؤية الضوء. فالميلاتونين الذي تفرزه الغدة الصنوبرية هو المكون الكيميائي الحيوي الرئيسي المرتبط بالظلام ويعدُّ تمثيلًا داخليًّا لطول الليل في البيئة. ومع تغير طول الليل مع تغير المواسم عند خطوط العرض غير الاستوائية، فإن الميلاتونين لا يكتفي فقط بكونه رمزًا لطول الليل يوميًّا، بل هو أيضًا علامة على الوقت في السنة (أي المواسم).
يتكون الميلاتونين من التربتوفان، وهو حمض أميني غذائي، يتحول عبر عدة خطوات إلى سيروتونين ثم إلى ميلاتونين. ويتم إفراز الهرمون بشكل رئيسي من الغدة الصنوبرية، رغم أن شبكية العين ومناطق أخرى في الجسم يمكن أن تفرز كميات ضئيلة يعتقد أنها تساعد في ضبط الوقت المحلي. وتصل مستويات الهرمون إلى الذروة في بلازما الدم واللعاب في حوالي الساعة الثانية صباحًا في الظروف الطبيعية، مع وصول معدلات أيض الهرمون ونزوله في البول إلى ذروتها حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحًا. وتفرز خلايا الغدة الصنوبرية الميلاتونين «عند الطلب» من الساعة البيولوجية، فهو لا يخزن ويُفرز من الغدة الصنوبرية تحت السيطرة المباشرة للنَّوى فوق التصالبية. وعلى غير العادة ينطلق المسار من النَّوى فوق التصالبية مارًّا بالحبل الشوكي (عبر العقدة الرقبية العلوية) قبلَ أن يعود إلى الغدة الصنوبرية؛ وهو ما يعني أن المصابين بالشلل الرباعي مع تضرر العمود الفقري عند العقدة الرقبية العلوية لا يُفرَز لديهم الميلاتونين (رغم أن بعض نظم الإيقاع اليومي الأخرى لا تتطلب هذا المسار، مثل إفراز الكورتيزول، وتنظيم درجة حرارة الجسم، وإيقاع النوم واليقظة؛ تظل هذه الأمور طبيعية نسبيًّا).
كما أن تعريض العين على نحو حصري للضوء ليلًا يؤدي إلى وقف إفراز الميلاتونين تمامًا ويقدم تقييمًا غيرَ مباشر لمدخلات الضوء إلى النَّوى فوق التصالبية عبر مسار يمر بالعين والنوى فوق التصالبية والغدة الصنوبرية. فهناك مستقبلات ميلاتونين على الخلايا العصبية بالنوى فوق التصالبية، ويعتقد أن الميلاتونين يوفر تغذية راجعة للساعة البيولوجية لضمان حدوث تزامن سليم للإيقاعات الداخلية. ونظرًا للعلاقة الزمانية الوثيقة بين النَّوى فوق التصالبية وإفراز الميلاتونين، فغالبًا ما يتم استخدام إيقاع الميلاتونين ? «محدد طوري» للساعة البيولوجية في الدراسات الإنسانية.
بَيْدَ أن الدور المباشر للميلاتونين في النوم أقل وضوحًا. ففي حين أن إفراز الميلاتونين يتزامن مع النوم لدى الكائنات النهارية مثل البشر، فإن إفراز الميلاتونين في الكائنات الليلية مثل الجرذان والفئران البيضاء أيضًا يَحدُث في الليل، خلال فترة نشاطها، والعديد من سلالات الفئران لا تُفرِز أيَّ ميلاتونين على الإطلاق؛ مما يشير إلى أن الميلاتونين قد لا يكون له أيُّ تأثير على النوم. ومما لا شك فيه أن إيقاع الميل إلى النوم لدى البشر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنَظْم الميلاتونين؛ إذ إن فتح «بوابة النوم» يتم بالتزامن مع بداية إفراز الميلاتونين. ومع ذلك فقد يكون ثمة تزامن بين هذه الأحداث بكل بساطة، حيث إن مَن لا يُفرِزون الميلاتونين — مثل المصابين بالشلل الرعاش، وكثيرٍ ممَّن يستعملون مثبطات بيتا، ومرضى استئصال الغدة الصنوبرية — تستمر لديهم إيقاعات الساعة البيولوجية في النوم واليقظة، ولا يُبدُون سوى تغييرات طفيفة في بنية النوم؛ ومن ثم فإن نظام الساعة البيولوجية، وليس الميلاتونين نفسه، هو ما يفتح الأبواب للنوم ويعطي الضوء الأخضر لإفراز الميلاتونين في الوقت نفسه.
ثمة علاقة أخرى بين الميلاتونين والنوم تتمثل في حقيقة أنه عند تثبيط إفراز الميلاتونين بسبب التعرض للضوء في الليل، فإن مستويات اليقظة تتحسن أيضًا بالتوازي. ومع ذلك فإن التعرض للضوء في النهار يؤدي أيضًا إلى تحسين اليقظة، في الوقت الذي لا يفرز فيه الميلاتونين؛ مما يشير إلى أحد الأمرين، وهما: إمَّا أن الميلاتونين ليس الوسيط المباشر لليقظة، أو أن ثمة عمليات منفصلة تتم خلال الليل والنهار لتعزيز اليقظة بالضوء. كما أن استعمال الميلاتونين الاصطناعي يتسبب أيضًا في تحفيز حالة من النعاس الخفيف، ولا سيما في حالة تعطل إفراز الميلاتونين الطبيعي؛ الأمر الذي يجعل الميلاتونين — عندما يقترن بقدرته على تغيير توقيت الساعة البيولوجية — مفيدًا في علاج اضطرابات النوم المرتبطة باضطراب نَظْم الساعة البيولوجية، مثل العمل بنظام النوبات، واضطراب الرحلات الجوية الطويلة، وعدم انتظام الإيقاع اليومي لدى المكفوفين، واضطرابات تقديم وتأخير موعد النوم إذا استُخدم في التوقيت المناسب (انظر الفصل السادس).
(?) ماذا يحدث عند الحرمان من النوم؟

يتطلب فهم الدور الذي يلعبه النوم وإيقاعات الساعة البيولوجية اليومية في كيفية عمل وظائف الأعضاء والتمثيل الغذائي إجراء تجارب معملية مُراقبة بعناية. وتعد مقارنة ما يحدث للأفراد حين تُتاح لهم فرصة الخلود إلى النوم مقابل ما يحدث حين يُرغَمون على السهر طوال الليل أسلوبًا بسيطًا لدراسة التأثير المباشر للنوم. وقد أثبتت هذه الدراسات المتعلقة بالحرمان من النوم تأثر الكثير من الهرمونات والببتيدات بنظام الساعة البيولوجية، والنوم، أو بالاثنين معًا. تظل معدلات إفراز ميلاتونين من الغدة الصنوبرية ثابتة في حالة النوم أو عدمه، على الرغم من أنه يثبط بشدة إذا لم تكن الأضواء خافتة للغاية. وكذلك لا يتغير معدل هرمون الكورتيزول، الذي تفرزه الغدد الكظرية، في حالة النوم أو الاستيقاظ، حيث يرتفع معدله أثناء الليل إلى أن يصل أقصاه في الوقت الذي يسبق استيقاظنا مباشرة (حتى في حالة عدم النوم)، على الرغم من أن الاستيقاظ من النوم يتسبب في ارتفاع إضافي طفيف في هذا الهرمون. وعلى العكس من ذلك، هناك بعض الهرمونات، منها على سبيل المثال هرمون النمو، تعتمد على النوم بشكل كبير ولا تتأثر بقوة بنظام الساعة البيولوجية. يتم إفراز هرمون النمو بصورة رئيسية أثناء النوم البطيء الموجات، ويكون في أقل معدلاته في حالات الحرمان من النوم. أما هرمون الغدة الدرقية فيتميز بفترة ذروة قصيرة قبل الخلود إلى النوم مباشرةً، ويحدث هذا في ظل ظروف طبيعية، ويتأثر تأثرًا طفيفًا بالساعة البيولوجية. ومع ذلك، فعند قياس معدلاته في حالة الحرمان من النوم، يتم رصد تأثير قوي لإيقاع الساعة البيولوجية على هرمون الغدة الدرقية، الذي يبلغ ذروته خلال الليل وهي الفترة التي عادةً ما يثبطه فيها النوم خلال الليل. وهكذا، سيؤدي الحرمان من النوم إلى انخفاض معدلات هرمون النمو وارتفاع معدلات هرمون الغدة الدرقية.
(??) ألا تنال قسطًا كافيًا من النوم؟

لقد بدأنا لتوِّنا في استيعاب ما يحدث حال عدم حصولك على قسطٍ كافٍ من النوم كل ليلة وحال معاناتك من نقص النوم المزمن. ركزت معظم الدراسات التي أُجريت حتى الآن على تأثير اضطرابات النوم على معدلات اليقظة والأداء، إلا أن البيانات الحديثة تؤكد على أن ثمة تأثيرات أيضًا على التمثيل الغذائي وصحة الإنسان (انظر الفصل السابع). ففي ظل الظروف النموذجية، يتبدد ضغط النوم المتراكم خلال فترة اليقظة أثناء النوم لدرجة أن حالة التنبه واليقظة تصل لأقصى معدلاتها عند الفرد تقريبًا عند الاستيقاظ. وتشير الكثير من الأدلة إلى أن عدد ساعات نوم الشباب تصل إلى حوالي ??? ساعات كل ليلة إذا ما أُتيحت لهم الفرصة الكافية، ويصل عدد ساعات نوم مَن هم أكبر سنًّا إلى ??? ساعات، وهو معدَّل أعلى بكثير من المعدلات الفعلية التي يحصل عليها معظم الأشخاص خلال نومهم. ويؤدي تعذر الحصول على قدْر كافٍ من النوم إلى المعاناة من نقص النوم المزمن، أو بمفهوم آخر تراكم في «دَين النوم»؛ فكما هو الحال في الكثير من العقود النقدية، التي تتضمن قوانين صارمة تختص بمواعيد تسديد الدَّيْن، فدَين النوم كذلك لا يمكن تأجيله لأجَلٍ غير مسمًّى دون فرض عقوبات قاسية، وفي هذه الحالة تُفرض هذه العقوبات على الصحة. وبخلاف معظم العقود النقدية، يجب أن يُسد العجز في النوم يومًا بيوم، فينتهي بنا الحال وقد وجدنا أن النوم الزائد في عطلة نهاية الأسبوع غير كافٍ لتعويض أسبوع كامل من النوم السيِّئ المضطرب. من المؤسف أنه لا يمكن تخزين قسط من النوم على سبيل الرصيد، على الرغم من أن الحصول على قسط إضافي استباقي من النوم قبل فترة مُتوقَّعة من الحرمان من شأنه أن يكون مفيدًا. ببساطة، تُعدُّ ودائع النوم المنتظمة بصفة يومية ضرورية للحفاظ على توازن صحي في مصرف النوم.
سرعان ما تصبح الآثار الضارة الناتجة عن نقص النوم المزمن بنفس حدة الحرمان الشديد منه. فبعد مرور أسبوعين تقريبًا من النوم لفترة تقل عن ? ساعات كل ليلة، تنخفض معدلات الأداء لدى الشخص لتصل إلى نفس معدلات شخص يُعاني من حرمان حادٍّ من النوم لمدة ?? ساعة؛ إذ يمكن أن يؤدي قضاء ? ساعات فقط في الفراش كل ليلة لمدة ? أيام إلى الوصول إلى نفس ذلك المعدل في الأداء، وبعد أسبوعين، يصبح معدل الأداء مساويًا لأداء شخص ظل من دون نوم لفترة يومين أو ثلاثة أيام متواصلة. ومما يُثير القلق، أن تقدير الأشخاص لمدى شعورهم بالنعاس لا يتغير بنفس المعدل؛ مما يشير إلى عدم إمكانية الحكم بدقة على مدى الضعف الذي ينتابنا عند الحرمان من النوم، كما هو الحال حين نظن أننا سنتمكن من القيادة ببراعة بعد الإفراط في الشراب. وإذا ما تم الجمع بين كلٍّ من الحرمان الحادِّ والمزمن من النوم، كأن يكون مثلًا بسبب الإخفاق في الحصول على التعويض الكافي للنوم بعد الاستيقاظ طوال الليل في مرات متكررة، فإن الآثار الضارة على معدل الأداء تتضاعف لتصل إلى ?? أضعافها. حتى الآن لم يحدد بعد عدد الليالي التي يجب فيها النوم لفترات طويلة لتعويض هذا التدهور، على الرغم من أن النوم بشكل متكرر في عطلة نهاية الأسبوع غالبًا ما يكون غير كافٍ. فكما هو الحال مع ارتياد الصالات الرياضية أو اتباع نظام غذائي، يتطلب الأمر بذل مجهود يومي لنَيل قسطٍ كافٍ من النوم وتفادي تأثير الحرمان الحاد والمزمن من النوم على الصحة والسلامة.
المربع رقم ?: الحرمان من النوم والتعذيب

برز الحرمان المتعمَّد من النوم، أو ما يُعرَف ? «إدارة النوم» على الساحة عبر استخدامه كأسلوب متقدم للاستجواب. إن الحرمان من النوم لفترة تصل إلى ??? ساعة — ما يُوازي سبعة أيام ونصف اليوم — لا يزال حتى وقتِ وضْع هذا الكتاب يُعدُّ أمرًا مسموحًا به في الحكومة الأمريكية، وإنْ كان فيما سبق إجراءً غير قانوني. ويتم تحقيق ذلك بشكل عام عن طريق إصدار ضوضاء عالية واستخدام أغلال للإبقاء على وضْع غير مريح إطلاقًا من شأنه أن يجعل الخلود إلى النوم أمرًا شبهَ مستحيل. وتنص لوائح الولايات المتحدة الأمريكية، على أن الشخص المعاقَب لا يُسمَح له بالنوم إلَّا لمدة ? ساعات فقط بعد سبعة أيام ونصف من الحرمان من النوم، وذلك قبل أن تُفرَض عليه نفس فترة الحرمان من النوم ثانيةً. ولنتخيل فرض مثل هذه القيود على الطعام أو الماء! ويستخدم مثل هذا الحرمان من النوم للتأثير على الحالة النفسية، مع أن الآثار العديدة للحرمان من النوم على التمثيل الغذائي والجهاز المناعي من شأنها أن تكون مدمرة أيضًا. ويتسبب الحرمان من النوم في الكثير من الآثار العصبية الحيوية التي تتضمن تدهور زمن رد الفعل، والذاكرة والقدرات المعرفية. فهو يؤدي سريعًا إلى إصابة الأفراد بحالة من «هلوسة ما قبل النوم»، وتغيرات في الإدراك تؤدي إلى رؤية أحلام أو صور أخرى؛ نتيجة لتوغل أنماط نوم حركة العين السريعة داخل الدماغ في حالة اليقظة، وفي الحالات الأكثر خطورة، تتدهور قدرة الفرد على المعالَجة الشعورية؛ مما ينتهي به إلى الإصابة بالذهان.
وحيث إن الحرمان من النوم يخفض عتبات الألم ويَزِيد من الشعور بالجوع، فيُعتقَد أيضًا أنه يُعزِّز أساليب أخرى للاستجواب، مثل التلاعُب بالنظام الغذائي. وعلى الرغم من ضرورة توفر الإشراف الطبي على هذا النوع من الاستجوابات، فإن الأطباء يتلقَّوْن القليل من التدريب أو لا يتدربون مطلقًا في مجال طب النوم ولا يملكون أي خبرة في تحديد عواقب الحرمان الحاد أو المزمن من النوم، سواء أكانت تلك العواقب قصيرة أم طويلة المدى. غالبًا ما يقلل المجتمع من شأن الحرمان من النوم؛ ومن ثم فإن آثاره الكاملة بوصفه أسلوبًا للاستجواب لا تَحظَى بالتقييم الكافي. ومن المهم ألَّا ننسى أيضًا أن النوم يعدُّ سلوكًا حيويًّا للبقاء على قيد الحياة شأنه في ذلك شأن التغذية. تكفل اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تم توقيعها عام ????، «الحماية لكافة الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية أو المهينة». ومن الجليِّ أن الحرمان المطوَّل من النوم يُخالِف هذه الشروط.

الفصل الثالث
العقل النائم


كما اتضح لنا في الفصل الثاني، يُعدُّ النوم عملية شديدة التعقيد تنتج عن آليتين شديدتي التناقض، تتضمنان ساعة الجسد الإيقاعية الممتدة ? ?? ساعة (الإيقاع اليومي أو العملية سي) وتزايد ضغط النوم الاستتبابي الذي يعتمد على فترة الاستيقاظ (العملية إس) (انظر الشكل رقم ?-?) وتقوم كلتا العمليتين بالتنسيق بين نوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة ونشاط العديد من مناطق الدماغ، والناقلات العصبية، والهرمونات المنظِّمة، التي لا يؤثر كلٌّ منها بمفرده وبشكل حصري في إحداث النوم (انظر الشكل رقم ?-?). ويقدم هذا التعقيد البالغ تفسيرًا لمدى الصعوبة التي كان عليها فصل علم أعصاب النوم، وربما يقدم تفسيرًا كذلك لشدة تفاوت أنماط النوم بين البشر وغيرهم من الفصائل الأخرى. إن شكل النوم مثله مثل شخصية الفرد يُعدُّ نتاج محفزات بيئية مختلفة وتفاعلات ديناميكية ذاتية. وسوف نتناول في هذا الفصل التكوينات الرئيسية للدماغ وأنظمة الناقلات العصبية التي تتصل بعملية النوم لدى الثدييات. ليس هذا بالفصل السهل؛ لذا ربما يتعين عليك الآن الذهاب وإعداد قدح من القهوة قبل استئناف القراءة! (?) النَّوى فوقَ التصالُبية والساعة الجزيئية

شكل ?-?: رسم للدماغ يوضح بعض المناطق الرئيسية المشارِكة في تنظيم عملية النوم واليقظة. ويظهر من خلال الرسم تكوينات الدماغ وأهم الناقلات العصبية المرتبطة بها. الاختصارات الخاصة بمناطق الدماغ كالتالي: الدماغ المقدم = BF، نواة الرفاء الظهرية أو الوسطى = DR/MR، الموضع الأزرق = LC، النَّوَى الغطائية الجانبية الظهرية = LDT، تحت المهاد الجانبي = LH، السقيفة الجسرية الجانبية = LPT، النَّوَى السقيفية الجسرية = PPT، النَّوى فوق التصالبية = SCN، النواة الظهرية الجانبية = SLD، النواة الحدبية الحلمية = TMN، نوى أمام التصالُبية البصرية البطنية الوحشيَّة = VLPO، المادة الرمادية المركزية البطنية = vPAG، المادة الرمادية المحيطة بالمسال البطنية الوحشية = vIPAG. اختصارات خاصة بالناقلات العصبية هي: السيروتونين 5-HT، أسيتيل كولين ACH، الدوبامين DA، حمض الجاما أمينوبوتيريك GABA، الجلانين Gal، الجلوتامات Glut، الهيستامين His، النورأدرينالين NA، أوركسين ORX.
لقد أدَّى تَلَفُ مناطق صغيرة من دماغ الفأر، تحديدًا الجزء الأمامي من تحت المهاد، إلى اعتبار كتلة مترابطة تتكون من حوالي ?? ألف خلية تعرف بالنَّوى فوقَ التصالُبية، من العناصر الحيوية المسئولة عن تنظيم إيقاعات السلوك لدى الفأر، مثل الشرب والتنقل، على مدار أربع وعشرين ساعة. وتعتبر الدراسات التي أُجريَتْ في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته دليلًا آخرَ على أن النَّوى فوق التصالُبية هي مركز الساعة البيولوجية؛ حيث أظهرتْ تلك الدراسات أنه يمكن الاستعاضة عن تلف النَّوى فوق التصالبية بزراعة أنسجة نوى فوق التصالبية عن طريق نقلها من حيوان إلى آخر؛ الأمر الذي يُعيد الإيقاع اليومي الممتد على مدار ?? ساعة، بما في ذلك دورة النوم والاستيقاظ.
تعدُّ كل خلية في النوى فوق التصالبية ساعة منفصلة بذاتها، حيث تظهر كل خلية عصبية منها إيقاعات من النشاط تقارب ?? ساعة، وتتسق تلك الخلايا على نحو ما في نشاطها الكهربائي الفردي لتنتج في النهاية الإيقاع الكلي للنوى فوق التصالبية الذي يقارب الأربع والعشرين ساعة. جاء الدليل على قدرة الخلية العصبية الواحدة المنعزلة في النوى فوق التصالبية على إصدار ذبذبات لقرابة ا? ?? ساعة، ليثبت أن الآلية التي تجعل الساعة «تدق» يجب أن تكون آلية جزيئية دون خلوية. ولقد قادت النتائج — التي تم التوصل إليها في حقبة السبعينيات — من خلال العمل البحثي الذي تم إجراؤه على ذبابة الفاكهة، وفئران وهامستر طافرة، مع قليل من الإلهام وجانب من الحظ؛ قادتْ جميعُها إلى إنتاج نموذج جزيئي لاستحداث النظام اليومي الإيقاعي الذي يعتمد على نشاط مجموعة «من جينات الساعة» الحيوية. ويكمن في جوهر ذلك النموذج حلقة من ردود الأفعال الجزيئية حيث تعمل بروتينات «بي إم إيه إل ?» و«سي إل أو سي كيه» على تنظيم عملية النسخ الجيني والتحكم في إنتاج بروتينات «بي إي آر ?»، و«بي إي آر ?»، و«بي إي آر ?»، و«سي آر واي ?» و«سي آر واي ?». وفي إيجاز، ترتبط بروتينات «سي إل أو سي كيه» و«بي إم إيه إل ?» بمناطق جينات «بيريود» و«كريبتوكروم»؛ مما يؤدي إلى التعبير عن البروتين «بي إي آر» و«سي آر واي». ثم تتفاعل حينها بروتينات «بي إي آر» مع بروتينات «سي آر واي» لتكوين مركب بروتيني في سيتوبلازم الخلية، ثم يدخل ذلك المركب البروتيني إلى نواة الخلية ويحفز حلقة من التغذية الراجعة السلبية من خلال تثبيط عملية النسخ التي ينشطها بروتينا «سي إل أو سي كيه» و«بي إم إيه إل ?»؛ مما يوقف إنتاج بروتينات «بي إي آر» و«سي آر واي». ثم بعد ذلك يتحلل هذا المركب البروتيني، وينتهي تثبيط النسخ الذي يقوم به كل من بروتين «سي إل أو سي كيه» وبروتين «بي إم إيه إل ?»، ويصبح بإمكانهما مواصلة عملية النسخ مرة ثانية. وتستغرق تلك العملية الجزيئية من إنتاج البروتين إلى تحلُّله نحو ?? ساعة.
ولا تقتصر تلك الساعات الجزيئية وآلياتها الإيقاعية على خلايا النوى فوق التصالبية فحسب، فمن الواضح الآن أن معظم خلايا الجسم قادرة على تكوين نظام يومي لتذبذباتها الإيقاعية بعيدًا عن النوى فوق التصالبية (وإن كانت تتسم بالضعف وعدم القدرة على دعم ذاتها). غيَّر هذا الاكتشاف النظرة إلى نظام الإيقاع اليومي للثدييات؛ حيث تغير ذلك الافتراض القديم القائم على فكرة أن النوى فوق التصالبية تفرض إيقاعاتها الممتدة ? ?? ساعة على باقي أعضاء الجسم، وأصبحنا نقدِّر الآن حقيقة وجود العديد من الترتيبات الهرمية للعديد من الساعات الإيقاعية الطرفية، التي يحقق التزامن بينَها النوى فوق التصالبية التي تعد بمنزلة «القائد» أو «مايسترو» الأوركسترا الإيقاعية، مستخدمة في ذلك كلًّا من الإشارات الكيميائية والعصبية. ويتلقَّى نظام الإيقاع اليومي بدوره العديد من المردودات من الجسد ومجموعة متنوعة من الأجهزة العضوية، لتكون النتيجة في نهاية الأمر نظامًا ترتيبيًّا معقدًا من التفاعلات المتبادَلة تُسهِم جميعها في فترة، وطور، وسعة الإيقاع اليومي للفرد. إلا أنَّ تفرُّد النوى فوق التصالبية يتجلَّى في قدرتها على التنسيق بين الساعات الإيقاعية للأنسجة الأخرى، وكونها الجزء الوحيد من الدماغ القادر على استعادة الإيقاعية عند زراعتها داخل مضيف تلفت النواة فوق التصالبية به.
تتسق تلك التذبذبات الجزيئية التي تتم داخل النوى فوق التصالبية مع دورة الضوء والظلام المرصودة من قِبَل العين؛ حيث تقوم القناة الشبكية تحت المهادية التي ترسل إشاراتها إلى النوى فوق التصالبية بإطلاق الناقلات العصبية الجلوتامات ومتعدد البيبتيد النخامي المنشط لسكلاز الأدينيلات. وتنشط حينها سلسلة كبيرة من الإشارات بين الخلايا؛ الأمر الذي يقود في النهاية إلى زيادة نشاط الجينات «بي إي آر ?» و«بي إي آر ?». ويؤدي التوليف اللاحق بين كلٍّ من بروتينَيْ «بي إي آر ?» و«بي إي آر ?»، إلى تثبيط طويل الأمد لنشاط بروتينَيْ «بي إم إيه إل ?» و«سي إل أو سي كيه». ويبدو أن هذا التثبيط الناجم عن الضوء لدافع النسخ لدى كل من بروتينَيْ «سي إل أو سي كيه» و«بي إم إيه إل ?» هو العامل المهم للغاية لربط الساعة الجزيئية بدورة الضوء المحلية.
وبينما يعد الضوء الإشارة البيئية الزمنية الأساسية لإعادة ضبط النوى فوق التصالبية، فإنه من المهم التأكيد على أن بعض المسارات الترابطية المختلفة بدأت تظهر وأثبتت قدرتها على تعديل الساعات الإيقاعية الطرفية في الكبد والأمعاء وغيرها من الأعضاء الأخرى على نحو مستقل عن النوى فوق التصالبية. إن نقص التزامن الداخلي بين أجهزة الأعضاء المختلفة في الجسم، في واقع الأمر، يؤدي إلى ظهور العديد من أعراض اضطراب الرحلات الجوية الطويلة. حيث تَتَلقَّى الساعاتُ الإيقاعية الطرفية إشاراتٍ زمنيةً متعارضة من النوى فوق التصالبية (التي تكون هي ذاتها قد دخلتْ طور التعديل)، ومن البيئة بسبب جداول نشاط النوم غير المنتظمة (العملية إس)، والتعرض غير الطبيعي للضوء، وتناول الطعام. حيث يؤدي ذلك كله إلى ضياع الاتساق الطبيعي للعمليات الفسيولوجية الداخلية وعمليات التمثيل الغذائي؛ مما قد يُؤثِّر على الصحة (انظر الفصول: السابع والثامن والتاسع).
(?) محفزات الاستتباب أو الاتزان الداخلي

يخضع النوم كذلك للتنظيم الاستتبابي (العملية إس)؛ حيث يتزايد ضغط النوم مع طول فترة الاستيقاظ، ويتبدد مع ما يلي ذلك من الخلود إلى النوم. يؤدي الحرمان من النوم إلى رد فعل تعويضي يتمثل في النوم العميق، كما اتضح من خلال قياس نشاط الموجة البطيئة لحركة العين غير السريعة، وطول مدة النوم التعويضي. وعلى الرغم من الدراسة المستفيضة التي أُجريت على ديناميات تنظيم النوم الاستتبابي، فإننا لم نفهم سوى القليل فيما يتعلق بطبيعة هذه العملية. وعلى النقيض من الموقع التشريحي الواضح للساعة البيولوجية الرئيسية داخل النَّوى فوق التصالبية، تظل «النَّوى» المسئولة عن النوم والمواد التنظيمية المحفزة للنزعة الطبيعية له غيرَ مفهومة على نحو كامل.
أفادتْ دراسات أُجريت في القرن الماضي أن السائل الدماغي النخاعي يحتوي على مادة تتجمع أثناء اليقظة، ويمكن أن تحفز النوم إذا ما نُقلت من متبرِّع محروم من النوم إلى حيوان آخر. ولقد ركز السعي خلف «المحفز» الخاص بالنوم الاستتبابي على مفهوم وجود عنصر النوم الذي يفي بكافة هذه المعايير أو بعض منها: (?) إذا قُدِّم ذلك العامل إلى المخ، فإنه سيعزز النوم. (?) إذا عُزِل العامل، فإن النوم سيقل. (?) ينبغي أن يتغير العامل تبعًا لمحفز النوم أو النزعة الطبيعية للنوم. (?) ينبغي أن يعمل العامل على الدوائر الكهربائية للدماغ التي تدخل ضمن عملية النوم. (?) قد يتغير العامل في بعض الحالات المرضية المرتبطة بالنوم.
ووفقًا لهذه المعايير أصبحتِ العديد من المواد جزءًا من العملية، فعلى سبيل المثال: إنترلوكين-? بيتا، عامل نخر الورم-ألفا، الهرمون الذي يفرز هرمون النمو، البروستاجلاندين دي? والأدينوسين، حيث إنه تم الربط بين كل هذه المواد وتنظيم نوم حركة العين غير السريعة. ومن أجل تنظيم نوم حركة العين السريعة، وُجد أنه ثمة علاقة لكل من البرولاكتين، وأكسيد النيتريك، ومتعدد الببتيد المعوي الفعال في الأوعية. وعلى سبيل المثال، يُمكِن تلخيص الدليل على تنظيم الأدينوسين لنوم حركة العين غير السريعة على النحو التالي: ظهر أول دليل على آثار الأدينوسين في تحفيز النوم عند القطط خلال فترة خمسينيات القرن العشرين. وتُستخدم حاصرات مستقبلات الأدينوسين (مثبطات الأدينوسين)، مثل الكافيين والثيوفيلين، الموجودة في القهوة والشاي، على نطاق واسع كمنشطات للجهاز العصبي المركزي لتحفيز اليقظة وزيادة فترة الاستيقاظ. يقلل الكافيين من نشاط الموجة البطيئة في التخطيط الكهربائي للدماغ خلال فترة النوم التالية، وتخفف آثار استهلاك الكافيين خلال فترات اليقظة الطويلة من حدة الآثار النمطية للحرمان من النوم على التخطيط الكهربائي للدماغ الذي يُجرَى أثناء الاستيقاظ والنوم.
يُعَدُّ الأدينوسين ناتجًا ثانويًّا عن التمثيل الغذائي للطاقة واستخدامِ الأدينوسين ثلاثيِّ الفوسفات. ولقد اتضح أن تركيزات الأدينوسين خارج الخلية تزيد في الدماغ مع زيادة معدل التمثيل الغذائي والنشاط العصبي واليقظة. وأفادت قياسات الأدينوسين في أدمغة القطط والفئران التي تتحرك بحرية خلال دورة النوم والاستيقاظ أن مستويات الأدينوسين في الدماغ المقدم تكون أقل بكثير خلال النوم منه أثناء اليقظة.
ويجب التأكيد هنا على أن الأدينوسين ليس هو المادة المحتملة الوحيدة لتنظيم النوم؛ حيث يمكن لمجموعة متنوعة من عوامل تنظيم النوم العملُ على تعزيز النوم بصورة متفاوتة وتغيير النشاط الكهربائي للخلايا العصبية في مناطق محددة في الدماغ ترتبط بعملية تنظيم النوم (انظر الشكل رقم ?-?). يعمل الأدينوسين على الخلايا العصبية للدماغ المقدم من أجل تعزيز النوم، وعلى الجانب الآخر، يعمل الهرمون الذي يفرز هرمون النمو، وعامل نخر الورم والإنترلوكين ? على الخلايا العصبية لمنطقة تحت المهاد الأمامي لتعزيز نوم حركة العين غير السريعة، ويعمل كل من عامل نخر الورم والإنترلوكين ? أيضًا على الموضع الأزرق، ويعمل الإنترلوكين ? على نواة الرفاء الظهري لتعزيز النوم. تشير كافة هذه النتائج إلى أن عملية البحث عن مادة واحدة «بمفردها» تعمل كمحفز لاستتباب النوم لا طائل منها. (?) مراكز الدماغ والناقلات العصبية للنوم واليقظة

تنظم عمليات الاستتباب أو الاتزان الداخلي ونظام الإيقاع اليومي العديدَ من دوائر الدماغ الكهربائية وأنظمة الناقلات العصبية. وتؤدي اليقظة إلى تنشيط مجموعات الخلايا العصبية داخل جذع المخ، ومنطقة تحت المهاد والدماغ المقدم، التي تعمل بدورها على تعزيز اليقظة داخل المهاد والقشرة الدماغية (انظر الشكل رقم ?-?). يؤدي الانخفاض السريع في معدل اليقظة إلى تحفيز النوم، الذي تم ربطه بمفتاح مثبط يتحكم فيه حمض الجاما أمينوبوتيريك أو الخلايا العصبية التي تحتوي على الجلانين في النَّوَى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية الموجودة في منطقة تحت المهاد الأمامي. يحفز التثبيط المتبادل بين الدوائر الكهربائية المحفزة لليقظة والنوم عمليات الانتقال السريعة بين حالات النوم والاستيقاظ. ويقدم الشكل رقم ?-? تلخيصًا لبعض مراكز الدماغ الأساسية التي تساهم في عمليتي النوم والاستيقاظ والتغيرات في إفراز الناقلات العصبية المرتبطة بحالتي النوم والاستيقاظ. شكل ?-?: أهم التكوينات الرئيسية في الدماغ والناقلات العصبية المرتبطة بتحفيز دورة النوم والاستيقاظ. أثناء حالة الاستيقاظ، تعمل الخلايا العصبية الخاصة بالأوركسين الموجودة داخل منطقة تحت المهاد الجانبي على مخاطبة وتحفيز الخلايا العصبية ذات المفعول أحادي الأمين والخلايا العصبية الكولينية. وتعمل هذه الناقلات العصبية بشكل جماعي على تحفيز اليقظة في الدماغ والوعي في القشرة الدماغية. وتقوم الخلايا العصبية ذات المفعول أحادي الأمين، خلال فترة اليقظة أيضًا، بتثبيط عمل النوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية. أما خلال النوم، فتُنشِّط محفزات نظام الإيقاع اليومي والنوم الاستتبابي النوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية؛ مما يؤدي إلى إفراز حمض الجاما أمينوبوتيريك والجلانين لكبح عمل الخلايا العصبية الخاصة بالأوركسين داخل منطقة تحت المهاد الجانبي وتثبيط عمل الخلايا العصبية ذات المفعول أحادي الأمين والخلايا العصبية الكولينية. ويحدث الانتقال كل ??–?? دقيقة فيما بين نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة نتيجة للخلايا العصبية الموجودة في الدماغ الأوسط والدماغ المؤخر. تبقى الخلايا العصبية ذات المفعول أحادي الأمين مثبطة خلال نوم حركة العين السريعة، على عكس الخلايا العصبية الكولينية التي تنشط في ذلك الوقت. وأثناء نوم حركة العين السريعة، تخاطب الخلايا العصبية مع النخاع الشوكي مما يؤدي بدوره إلى شلل العضلات (الونَى).
(?) الناقلات العصبية لليقظة

كما هو مُوضح في كل من الشكلين رقم ?-? و?-?، تغمر القشرة الدماغية مجموعة من الناقلات العصبية المحفزة لليقظة. وينبع قدر كبير من هذا التحفيز من «نظام اليقظة المتزايد»، وهو المصطلح الذي يستخدم لوصف التكوينات الدماغية المتعددة داخل جذع المخ، والمهاد، وتحت المهاد والدماغ المقدم، التي ينتج عنها العديد من الناقلات العصبية ذات المفعول أحادي الأمين (هيستامين، دوبامين، نورأدرينالين، سيروتونين) وناقل عصبي كوليني (أسيتيل كولين)، وتؤدي كل هذه العوامل إلى تحفيز اليقظة. ينشط نظام اليقظة المتزايد خلال فترة الاستيقاظ عن طريق اتصالات مباشرة من الخلايا العصبية المنتجة للأوركسين في منطقة تحت المهاد الجانبي. ولقد اتضح أن تدمير الخلايا العصبية الأوركسينية يتسبب في بعض أشكال الخدر. ويتم كذلك كبح عمل نوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية عن طريق العديد من المدخلات من نُظم ذات مفعول أحادي الأمين ومراكز أخرى من الدماغ، بما فيها تحت المهاد. (?) تحفيز نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة

كما هو مُوضح في الشكل رقم ?-?، فإن تنشيط محفزات النوم (الإيقاع اليومي والاستتباب) للنوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية يحفز كلًّا من نوم حركة العين غير السريعة وحركة العين السريعة. ويتم هذا عن طريق تثبيط عمل الخلايا العصبية الأوكسينية داخل منطقة تحت المهاد الجانبي. ويثبط النوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية — بشكل مباشر — كلًّا من النظام ذي المفعول أحادي الأمين والنظام الكوليني، خلال نوم حركة العين غير السريعة (انظر الشكل رقم ?-?). وخلال نوم حركة العين السريعة، يبقى النظام ذو المفعول أحادي الأمين مكبوتًا، على خلاف النظام الكوليني الذي ينشط عن طريق نوم حركة العين السريعة بواسطة الخلايا العصبية التي تنشط أثناء نوم حركة العين السريعة والموجودة في الدماغ الأوسط. ويعد الأدينوسين من المحفزات الرئيسية للنوم، ويُعتقد أنه يتراكم في مساحات خارج خلايا الدماغ المقدم الذي يُنشِّط النوى أمام التصالبية البصرية البطنية الوحشية عن طريق العديد من المسارات المباشرة وغير المباشرة. (?) التناوب ما بين نوم حركة العين غير السريعة وحركة العين السريعة

تنشأ دورة نوم حركة العين غير السريعة وحركة العين السريعة عن طريق الخلايا الموجودة في الدماغ الأوسط والدماغ المؤخر (انظر الشكل رقم ?-?). تقع الخلايا العصبية التي يتوقف نشاطها أثناء نوم حركة العين السريعة داخل المادة الرمادية المحيطة بالمسال البطنية الوحشية في الدماغ الأوسط والسقيفة الجسرية الجانبية للدماغ المؤخر (انظر الشكل رقم ?-?). ويؤدي تلف هذه المراكز إلى زيادة مطردة في معدل نوم حركة العين السريعة؛ مما يشير إلى أن هذه المراكز عادةً ما تثبط نوم حركة العين السريعة. تقع الخلايا العصبية التي تنشط أثناء نوم حركة العين السريعة داخل النوى الظهري الجانبي للدماغ المؤخر (الشكل رقم ?-?) التي تنشط خلال نوم حركة العين السريعة. ويؤدي تلف النوى الظهري الجانبي إلى التراجع الشديد في نوم حركة العين السريعة وشلل العضلات (ونَى)، وبالفعل قد يتجول الأشخاص أثناء نومهم. يتضمن «التناوب» بين نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة تفاعلات مثبطة بين الخلايا العصبية الموجودة بداخل مراكز الخلايا العصبية التي تنشط أو التي تتوقف عن العمل أثناء نوم حركة العين السريعة. ويتضمن النوى الظهري الجانبي الذي ينشط أثناء نوم حركة العين السريعة أيضًا خلايا عصبية تخاطب الحبل الشوكي بشكل مباشر؛ ويؤدي هذا بدوره إلى ونى العضلات. ومع ذلك يخاطب النوى الظهري الجانبي أيضًا الدماغ المقدم والنوى السقيفية الجسرية/النوى الغطائية الجانبية الظهرية (انظر الشكل رقم ?-?) وينتج عن ذلك ما يُظهِره لنا التخطيط الكهربائي للدماغ أثناء نوم حركة العين السريعة. ولقد أُجريتِ العديد من التجارب في مختبر كليفورد سابر بهارفرد لنتمكن من استيعاب هذا «التناوب» المسيطر على النوم. (?) جينات نوم متعددة وأنماط متعددة للنوم والاستيقاظ

أظهرت دراسات أُجريت خلال ثلاثينيات القرن العشرين أن التوائم أحادية الزيجوت المتطابقة، الذين تتطابق جيناتُهم بنسبة ????، يتشابهون كثيرًا في أوقات وفترات نومهم مقارنةً بالتوائم ثنائية الزيجوت، والذين يتشاركون في ??? فقط من جيناتهم. ولقد أظهرت دراسات أُجريت حديثًا على البشر والفئران أن أنماط نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة تُظهِر معدلات أعلى من التشابه في الأفراد الذين تجمعهم صلات وثيقة. إن حقيقة وجود عنصر جيني في النوم أمرٌ لا يُثير الدهشة، لكن ما هي تلك الجينات؟
يوجد الآن دليل قوي يربط بين تغيرات معينة في جينات الساعة البيولوجية واليقظة الصباحية واليقظة المسائية. فعلى سبيل المثال، يرتبط التعدد الشكلي للجينات البشرية «بي إي آر ?» و«بي إي آر ?» و«بي إي آر ?» بالفئات التي تتمتع بذروة يقظتها في الصباح (القُبَّرات). كما يرتبط تفضيل فترة الصباح أيضًا بالطفرات في إنزيمات كيناز (سي كي? دلتا وسي كي ? إبسيلون) التي تضيف الفوسفات إلى البروتين «بي إي آر»؛ مما يؤدي إلى اضطراب في استقرار البروتين والحركة داخل النواة. وعند الفئران، تعمل الطفرات في جين «سي آر واي ?» على تعزيز النوم، بينما تعمل الطفرات في جين «سي آر واي ?» و«سي إل أو سي كيه» على تأخير النوم.
ولقد وُجد أن ثمة علاقة أيضًا بين جين «سي إل أو سي كيه» والتنظيم الاستتبابي للنوم؛ حيث تنام الفئران التي بها طفرات في جين «سي إل أو سي كيه» حوالي ساعتين أقل من الفئران التي لم يحدث لها أي طفرات، بينما تنام الفئران التي حدثت لها طفرات في كل من «سي آر واي ?» وسي آر واي ?» لفترات أطول. ولقد أفادت الدراسات التي أجراها بول فرانكين وزملاؤه أن مستويات البروتينَيْنِ «بي إي آر ?» و«بي إي آر ?» في الدماغ المقدم للفئران تتزايد مع الحرمان من النوم وتقل خلال فترة تعويض النوم. وتبقَى آليات تنظيم تلك الجينات للنوم غامضة.
وفي ضوء صلة الكثير من الناقلات العصبية بعملية النوم (انظر الشكل رقم ?-?)، يمكننا أن نتنبأ بأن الطفرات التي تحدث للجينات الخاصة بإنتاج تلك الناقلات العصبية ومستقبلاتها، والمغيرات، وقنوات الأيونات لها علاقة بالنوم واضطرابات النوم، وبعد الاختبار، ثبت صحة هذا الاستنتاج. ويعد الخَدَر أبرز مثال على ذلك. والخَدَر هو اضطراب في النوم يتسبب في معاناه الأفراد من نوم متقطع، أو نعاس مفرط أثناء النهار، واضطراب نوم حركة العين السريعة، ومن بين أعراضه الجُمدة (وهي فقدان مفاجئ لقوة العضلات)، ولقد تم الربط بين هذه الحالة وبين عيوب في مسار الأوركسين (ويسمى أيضًا بالهيبوكريتين) (انظر الشكل رقم ?-?). يؤدي التلاعُب بالعقاقير، والطفرات في الجينات الرئيسية أو الاضطراب الوراثي المستهدَف للنظام الكوليني والنظام ذي المفعول أحادي الأمين، إلى تعطيل عَمَل هذه الخلايا العصبية ومستقبلاتها وهو العمل الذي يشجع على الاستيقاظ (الشكل رقم ?-?). على سبيل المثال، تُظهِر الفئران التي تعرضت لإزالة مستقبِل هيستامين ديكاربوكسيليز معدلًا مرتفعًا من نوم حركة العين السريعة وفترات يقظة متقطعة. ولا تستطيع هذه الفئران كذلك البقاء مستيقظة لفترات طويلة ويظهر على سلوكها أعراض تشبه الخَدَر. في هذا الوقت، يبدو أنه من غير المحتمل وجود ناقلات عصبية فريدة أو تكوين دماغي مسئول عن النوم بمفرده، حيث يبدو أن كلًّا من النوم والاستيقاظ هما نتاج شبكة من النشاط الدماغي. وخلال النوم، ينشِّط كل شخص هذه الشبكة على نحو مختلف قليلًا تتفاعل من خلاله الخبرات والتجارب اليومية مع العواطف الماضية، ويحدث ذلك كله مع استيعاب عملية التقدم في العمر. وهكذا، وعلى سبيل فك غموض اللغز سيبقى علماء الأعصاب في حالة انشغال دائم بديناميات هذه المؤثرات الذاتية والبيئية على النوم الطبيعي وغير الطبيعي خلال السنوات العديدة القادمة.

الفصل الرابع
أسباب النوم


تظل الأسباب الكامنة وراء خلودنا إلى النوم أمرًا لا نعرفه حتى الآن، ومثيرًا للإحباط. وبالرغم من طرح العديد من التفسيرات لعملية النوم، فإنه لم تَظهَر فرضية شاملة تفسِّر سبب وجود ذلك المنحى الرئيسي من سلوكنا. وعلى الرغم من أننا أحرزنا تقدمًا كبيرًا في شرح الكيفية التي ننام بها، كما ناقشنا في الفصلين الثاني والثالث، فإن ذلك لم يساعد في فهم «السبب» أو الغرض التطوري من النوم. وهنا سنطرح سؤالين مرتبطين ارتباطا وثيقًا: هل تنام جميع الحيوانات؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هو السبب في ذلك؟
(?) هل تنام جميع الحيوانات؟

تُبدي معظم أشكال الحياة، بما في ذلك الكائنات وحيدة الخلية، دورة من النشاط والراحة مدتها ?? ساعة. ويستحث تلك الإيقاعاتِ ذات الأربع والعشرين ساعة شكلٌ من أشكال مؤقت الإيقاع اليومي الذاتي. ويعمل ذلك المؤقت على ضبط وظائف الأعضاء والسلوك بدقة من أجل الاستباق بتوقع المتطلبات المتغيرة لدورة النهار والليل (التزامن الخارجي) ولضمان الاتساق بين الإيقاعات الداخلية المتعددة (التزامن الداخلي). ولقد تبنَّى الكثيرون فرضية أن النوم عبارة عن فترات من الخمول أو اللانشاط، وأن ذلك الخمول يَحدُث على نطاق واسع بين الحيوانات، إلا أن الباحثين في مجال النوم قد اختلفوا كثيرًا حول هذه النقطة تحديدًا.
جدول ?-?: المعايير السلوكية المستخدمة في تعريف النوم.
(?) حالة من الجمود مع تراجع كبير في الاستجابة الحسية تتميز بارتدادها السريع، وهي السمة التي تميز بين حالة النوم وبين الغيبوبة أو السبات الشتوي.(?) زيادة في عتبات الاستيقاظ (حيث يتطلب الكثير من الضوضاء للاستيقاظ) واستجابة أقل للمؤثرات الخارجية.(?) تفضيل أماكن وأوضاع بعينها في النوم وفقًا للفصائل.(?) القيام بطقوس محددة قبل النوم (على سبيل المثال: التقلب والتثاؤب، وتهيئة مكان للنوم).(?) انتظام الإيقاع اليومي واستقرار إيقاع يمتد على مدار أربع وعشرين ساعة تحت ظروف ثابتة.(?) وجود سلوك ينتظم بفعل الاستتباب بحيث يرتبط عدم النوم بدافع متزايد للنوم، يعقبه ما يعرف ? «تعويض النوم».
وقبل أن نبدأ في تناول السبب الذي قد يدفع الحيوانات إلى النوم، علينا أن نعمد أولًا إلى التعرف على شكل النوم في مملكة الحيوانات. يعتمد تعريف النوم بين البشر بشكل أساسي على التخطيط الكهربائي للدماغ (انظر الفصل الثاني)، ولكن في حالة غياب دماغ معقد قادر على الدخول في نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة، أصبح تعريف النوم أمرًا أكثر صعوبة. ونتيجة لذلك، عكف الباحثون، وبينهم الباحثة الشهيرة إيرين توبلر، على تطوير سلسلة من المعايير السلوكية بعيدًا عن التخطيط الكهربائي للدماغ في محاولة منهم لتعريف النوم، وقد لخصها الجدول رقم ?-?. ومن بين تلك السلوكيات الستة يعد تعويض النوم أهمها على الإطلاق. ومن خلال الاستعانة بحالات النوم التي حددها التخطيط الكهربائي للدماغ أثناء النوم (الفصل الثاني) بالإضافة إلى المعايير السلوكية التي حددها الجدول رقم ?-?، ننتقل الآن إلى أشكال النوم المحتملة بين الحيوانات. (?-?) الثدييات

لدى الثدييات كافة شكلٌ من أشكال النوم، وحين تُحرَم الثدييات من النوم، فإنها تدخل في حالة من تعويض النوم. في البشر، يؤدي عدم الحصول على قسط غير كافٍ من النوم إلى فترة أكثر طولًا وامتدادًا من النوم في الليلة التالية مع زيادة في النوم ذي الموجات البطيئة أو النوم العميق. ويمكن تعريف النوم، من خلال المجموعات القليلة الأخرى من الثدييات الأرضية (كالقوارض، والقطط، والكلاب، والقرود، وغيرها) في ضوء كلٍّ من المعايير السلوكية (انظر الجدول رقم ?-?)، وأنماط التخطيط الكهربائي للدماغ أثناء نوم حركة العين غير السريعة (عالي السعة – منخفض التردد)، ونوم حركة العين السريعة (منخفض السعة – عالي التردد) (انظر الفصل الثاني). هذا وقد ظهر نوم مشابهٌ لنوم حركة العين السريعة وما يصحبه من ونى في العضلات في كافة الثدييات ومن بينها حيوان خلد الماء الذي يبيض والذي يُكوِّن نوم حركة العين السريعة لديه أكثر من ??? من إجمالي وقت النوم. وعلاوة على ذلك فقد تم وصف أشكال أخرى من النوم بين الثدييات البحرية. وقد وُجد أن التخطيط الكهربائي للدماغ لفقمة الفراء أثناء نومه على اليابسة مشابهٌ لمعظم الثدييات الأرضية الأخرى؛ فكِلتا العينين مغلقتان أثناء النوم، وهناك دورات من نشاط حركة العين غير السريعة وحركة العين السريعة، وثمة تزامن في التخطيط الكهربائي للدماغ عبر كِلَا فصَّيِ الدماغ. على الصعيد الآخر فإن النوم في المياه، غالبًا ما يكون في جانب واحد فقط من الدماغ، حيث تظهر الموجات الكهربائية للدماغ للنوم في جانب واحد من الدماغ مع غلق العين في الجانب الآخر وخمول الزعنفة؛ أي إن نصف الجسد يبدو في حالة من النوم بينما يظهر النصف الآخر في حالة من اليقظة. وكذلك تُظهِر الثدييات البحرية مثل الحيتان والدلافين نومًا في جانب واحد فقط من الدماغ، إلا أنها على النقيض من فقمة الفراء لم تُبدِ على الإطلاق نومًا عبر كِلَا جانبي الدماغ في الوقت ذاته. ويبدو أن تلك السمة المميزة التي يتمتع بها دماغ الثدييات البحرية أثناء نومها هي ما تمكنها من السباحة باستمرار؛ ونتيجة لذلك، تُعدُّ الثدييات البحرية استثناءً للمعايير السلوكية للنوم التي تم تعريفها في الجدول رقم ?-?. (?-?) الطيور

تتشابه الطيور والثدييات، بشكل عام، في التخطيط الكهربائي للدماغ أثناء النوم. تُظهِر الطيور أنماطًا من الموجات الكهربائية لكل من نوم حركة العين السريعة وحركة العين غير السريعة خلال فترات الخمول المصحوبة بأوضاع جسدية معينة للنوم. يرتبط نوم حركة العين السريعة في الطيور بحركات سريعة للعينين مع نقص في قوة العضلات، رغم أنها لا تصل لمرحلة الونى (الشلل) التامة كما هو الحال مع الثدييات. عادةً ما تكون فترات نوم حركة العين السريعة لدى الطيور قصيرة جدًّا (أقل من ?? ثوانٍ) مقارنةً بالثدييات، وبشكل عام تقضي الطيور وقتًا أقل في نوم حركة العين السريعة. ولقد كان التفسير الأصلي لقصر فترة نوم حركة العين السريعة لدى الطيور هو أن ذلك يحميها من السقوط من فوق الأشجار أثناء النوم بتقليص ونى العضلات المرتبط بنوم حركة العين السريعة لأقصى درجة ممكنة! غير أن ذلك التصور الآن يبدو بعيد الاحتمال؛ حيث إن الطيور التي تجلس على أعشاشها تستخدم أوتارها للتشبث بالفروع ولا تعتمد على انقباض العضلات المستمر، هذا وقد تم رصد فترات قصيرة للغاية من نوم حركة العين السريعة عند بعض الطيور التي تنام على الأرض مثل الإوز. ولقد أُشير مؤخرًا إلى أن الطيور تمر بالفعل بفترات طويلة من نوم حركة العين السريعة لكن على مستوى جذع الدماغ، وليس على مستوى القشرة الدماغية. وعلى الرغم من أن الطيور تطبق العديد من المعايير السلوكية للنوم على نطاق واسع (انظر الجدول رقم ?-?)، فإن تلك المعايير تختلف إذا ما قورنت بنظيرتها عند الثدييات. فعلى سبيل المثال، يبدو أن الطيور تفتقر إلى القدرة على تعويض نوم حركة العين السريعة بعد فترة من انقطاع النوم. وفيما يتعلق بالطيور المهاجرة ينخفض التخطيط الكهربائي للدماغ والمعايير السلوكية للنوم بمقدار ??? مقارنةً بمعدلات النوم في حالة عدم الهجرة، ولا يقترن ذلك بأي تراجع واضح في السلوك المعرفي أو بتعويض النوم. ومن الجدير بالذكر أن الطيور، بالإضافة إلى الزواحف، والبرمائيات والأسماك، لديها — بالإضافة إلى النوى فوق التصالبية — ساعات بيولوجية داخل العينين والغدة الصنوبرية؛ مما يساعد على توليد إيقاعات سلوكية يومية على مدار ?? ساعة. وتنظم عمل تلك الساعات بدورها مستقبلات ضوئية خارج الشبكية داخل الغدة الصنوبرية، وما تحت المهاد، والدماغ المقدم. ومن اللافت للنظر، أن أشعة الشمس يمكن أن تمر من خلال الجلد، والريش، والحراشف، والجمجمة وأنسجة الدماغ، وعلى الرغم من أن هذه الأشعة مبعثرة ويتم امتصاصها، فإنه يبقى ضوء كافٍ للمستقبلات الضوئية داخل الدماغ للوصول إلى تقييم شامل لكمية الضوء في البيئة المحيطة؛ ومن ثَمَّ معرفة الوقت.
(?-?) الزواحف والبرمائيات

لم ينل نوم البرمائيات والزواحف القدْر الكافي من الأبحاث. وقد لوحظ منذ ستينيات القرن العشرين، وجود حالات تُشبِه النوم (انظر الجدول رقم ?-?) لدى الضفادع والعلاجيم، التي تُظهِر سلوكيات نمطية للنوم، وزيادة في عتبات الاستيقاظ، ونشاطًا أشار إليه بعض الباحثين على أنه موجات كهربائية للدماغ لحالة مشابهة لنوم حركة العين غير السريعة الذي يتسم بزيادة في السعة وانخفاض في التردد. وتوضح الدراسات القليلة التي أُجريت على الزواحف وجود عناصر لسلوكيات النوم (انظر الجدول رقم ?-?)؛ فعلى سبيل المثال، تُظهِر السلاحف والسلاحف البحرية فترات من الراحة يصحبها انخفاض في الحساسية تجاه المحفزات ويوجد كذلك دليل قوي على قدرتها على تعويض النوم بعد فترة من انعدام الراحة. وأشارت بعض التقارير إلى أن بعض الزواحف (مثل السحالي وبعض التماسيح) تُبدي بطئًا في التخطيط الكهربائي للدماغ لما يشبه نوم حركة العين غير السريعة خلال فترة الراحة. وعلى النقيض، يبدو أن بعض السلاحف، والسلاحف البحرية والتماسيح تفتقر إلى هذا التخطيط الكهربائي للدماغ المشابه لحالة نوم حركة العين غير السريعة. وهناك بعض الأدلة على أن نمط التخطيط الكهربائي للدماغ المشابه لحالة نوم حركة العين السريعة في الزواحف، خاصة السحالي، وبعض الأنواع تُظهِر حركات مميَّزة للعين والرأس يُشار إلى أنها تمثل حالة من نوم حركة العين السريعة. وبشكل عام، لا يوجد دليل قوي على وجود حالات من نوم حركة العين السريعة لدى الزواحف. (?-?) الأسماك

تُظهر الكثير من الأسماك مكتملةِ العظام (العظمية) حالاتٍ سلوكيةً تشبه النوم سواء في بيئتها الطبيعية أو في المختبر. ففي المختبر، وأحيانًا في البيئة الطبيعية، ترتبط الراحة الليلية في الكثير من الأنواع بانخفاض معدل التنفس وارتفاع في عتبات الاستجابة. ويبدو أن الكثير من الأسماك أيضًا يتخذ أوضاعًا جسدية معينة أثناء النوم. على سبيل المثال، فإن الفصيلة اللبروسية (لابريديا) تستلقي على الرمال على جنبها خلال الليل، وغالبًا ما توجد في مجموعات، بينما تدفن بعض الأنواع نفسها جزئيًّا. وتطفو بعض الأنواع التي تعيش في المحيطات على سطح المياه المفتوحة. ومن الأوضاع التي تُتخذ بشكل متكرر الطفو مع رفع الرأس قليلًا مقارنةً بمستوى الذيل. وتختبئ أسماك الشعاب المرجانية في فتحات صغيرة داخل المرجان خلال فترة الراحة ويكون توقيت هذا الاختباء دقيقًا بشكل ملحوظ. وتشير دورات النشاط والراحة المحددة بدقة إلى وجود موقِّت للنظام اليومي. ولقد أظهرتْ سمكة الزيبرا (دانيو ريريو)، والعديد من الأنواع الأخرى مثل سمك الفرخ (من فصيلة البلطيات)، استجابةً لاضطراب فترة الراحة ? «النوم» لفترات ممتدة في اليوم التالي؛ مما يشير إلى وجود عمليات تعويض للنوم الاستتبابي. ولا يوجد أي دليل على وجود نوم حركة العين غير السريعة أو نوم حركة العين السريعة لدى الأسماك، على الرغم من أن فترات حركة العين خلال النوم أو الراحة قد شُبهت بنوم حركة العين السريعة.
(?-?) اللافقاريات

تمثل اللافقاريات ??? من أنواع الحيوانات، ومع ذلك يظل النوم غير مفهوم عند هذه الأنواع. يُظهر عدد كبير من أنواع اللافقاريات حالات مشابهة للنوم (الجدول رقم ?-?). ويرتبط ارتفاع عتبات الاستيقاظ في الرأسقدميات (الحبار والأخطبوط) بكل من ضيق حدقات العين وتغيرات في الألوان. كما تُظهر الحشرات وبعض مفصليات الأرجل مثل العقارب فترات من الانخفاض في الاستجابة الحسية على مدار اليوم الممتد لأربع وعشرين ساعة. أما نحل العسل فيُظهر استجابةً متزايدة للمحفزات البصرية خلال اليوم تنخفض أثناء الليل، وتُظهر هذه الأنواع في هذا الوقت أيضًا أوضاعًا محددة للجسم والرأس وقرون الاستشعار، كما هو الحال مع الصراصير. وهناك كذلك دليل على تعويض النوم عند النحل؛ حيث تعمل ?? ساعة من الحرمان من النوم خلال الليل على زيادة جمود قرون الاستشعار لديها واتخاذ وضعية «النوم» في الليلة التالية. وقد اخترتُ ذبابة الفاكهة (دروسوفيلا) لتكون النموذج الذي نبحثه في محاولة لفهم بيولوجيا النوم. تتميز الدروسوفيلا بجينوم مميز يسهل التعامل معه وتغييره، وهناك العديد من الطافرات التي تم تسجيلها. ويمتلك الذباب نظام ناقلات عصبية مشابهًا للفقاريات، كما أن الاحتفاظ بها أمر غير مكلِّف، ودورات التكاثر لديها سريعة. يُظهِر الذباب وضعًا جسديًّا نمطيًّا أثناء سلوك الراحة، ويصاحب ذلك ازدياد في عتبات الاستيقاظ. ويُظهِر الذباب أيضًا عمليات تعويض واضحة للنوم استجابة للحرمان من النوم. وتُسبِّب المنبهات، مثل الكافيين، انخفاضًا في المعدل الطبيعي للراحة يتوقف على حجم الجرعة، بينما تزيد مضادات الهيستامين من معدل الراحة. كما يُظهر الذباب الذي يفتقر إلى الجين «بيريود»، الجين الرئيسي للساعة البيولوجية (انظر الفصل الثالث) عمليات تعويض للنوم استجابةً للحرمان من النوم؛ مما يشير إلى أن دورات النوم والإيقاع اليومي ليست متشابهة على الإطلاق.
ويشير هذا الملخص الموجز إلى وجود النوم، بشكل ما، في مملكة الحيوانات لكن هذه الرؤية لا تتسم بالشمولية. ولقد استنتج جيروم سيجال من خلال إجراء فحص دقيق لدراسات هذا المجال أن هناك عددًا محدودًا للغاية من الحيوانات التي تُظهِر كافة المعايير السلوكية للنوم، ويُظهِر البعض بالفعل معدلًا منخفضًا من النهوض أو تعويض للنوم وللراحة بعد الحرمان منها. ويرى بعض العلماء ضرورة تعريف النوم على أساس التخطيط الكهربائي للدماغ فقط، وقياسًا على هذا المعيار، فإن اللافقاريات لا تنام على الإطلاق، وتندرج الفقاريات تحت أربع فئات عريضة: (أ) الفصائل التي ترتاح ولكنها لا تُظهِر تخطيطًا كهربائيًّا واضحًا للنوم (مثل الأسماك والبرمائيات). (ب) فصائل تُظهِر نوم حركة العين غير السريعة فقط (معظم الزواحف). (?) فصائل تُظهِر نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة بشكل جزئي أو فترات قصيرة لنوم حركة العين السريعة (بعض الزواحف والطيور). (د) وفصائل تُظهر دورات قوية لنوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة (الثدييات). وعدم الإجماع هذا حول تعريف النوم، وما يترتب عليه من عدم التيقن من وجود النوم من عدمه بين مملكة الحيوانات، من شأنه أن يؤدي إلى تسليط الضوء على المشكلة الرئيسية المتمثلة في محاولة معرفة الوظيفة التطورية للنوم؛ إذ كيف لنا أن نتمكن من تحديد هذه الوظيفة التطورية إذا لم نتمكن من تحديد ماهية النوم في حد ذاته؟
(?-?) اختلاف فترات النوم بين الثدييات

تختلف فترات النوم بشكل لافت للنظر بين النِّسَب الصغيرة لأنواع الثدييات المدروسة (انظر الجدول رقم ?-?). ولقد نتج عن هذا الرأي الذي يقول إنه إذا ما تم ربط تلك الاختلافات ببيئة بعينها أو بالقدرة الفسيولوجية لكل كائن، فيمكن حينئذٍ التوصل إلى تفسير لوجود النوم. ثمة بعض الاتجاهات العامة لدى الثدييات؛ فبشكل عام، تَقِلُّ فترات النوم مع ازدياد حجم الجسم، وكذلك تميل الأنواع المفترسة لقضاء فترات أطول في النوم عن الأنواع التي تُعَدُّ من الفرائس، وتميل الثدييات التي تقيم في أماكن آمنة نسبيًّا أثناء النوم (السكن في الجحور مقابل السهول على سبيل المثال) إلى النوم لفترات أطول. جدول ?-?: النوم لدى مُختلف الأنواع.
النوعمتوسط إجمالي فترة النوم (بالنسبة المئوية من ?? ساعة)متوسط إجمالي فترة النوم (بالساعات في اليوم الواحد)الخفاش البني?????????الأرماديلو العملاق?????????الأبوسوم الأمريكي???????الشماليثعبان الأصلة?????القرد الليلي???????البشر (الأطفال)???????النمر?????????ذباب الشجر?????????السنجاب???????العلجوم الغربي?????????النمس?????????الكسلان ثلاثي الأصابع???????الهامستر الذهبي?????????خلد الماء???????الأسد?????????اليربوع?????????الجرذ?????????القطة?????????الفهد الصياد?????????الفأر?????????قرد المكاك?????????الأرنب?????????النمر المرقط (اليغور)???????البط???????الكلب?????????الدولفين?????????الخلد نجمي الأنف?????????قرد البابون?????????القنفذ الأوروبي?????????السعدان السنجابي????????الشمبانزي????????خنزير غينيا????????البشر (البالغون)??????الخنزير????????جوبي (أسماك)??????الفقمة الرمادية????????البشر (كبار السن)????????الماعز????????البقرة????????الفيل الآسيوي????????الخروف??????الفيل الأفريقي????????الحمار??????الحصان??????الزرافة???????
يبدو هذا الأسلوب المقارن في محاولة فهم النوم جذَّابًا، وسيتم تناوله باستفاضة أكثر فيما يلي، لكن يجب التنويه هنا إلى أمر هام، وهو أن معظم مقاييس النوم التي حصلنا عليها تأتي من ثدييات في حالة من الأسْر؛ أي إن الضغط الناجم عن محاولة حصول تلك الحيوانات على الموارد الأساسية من الغذاء والماء والتزاوج قد اختلفت للغاية. نجد هنا أن الثدييات الكبيرة مثل الزراف والأفيال الواقعة في الأسر تمضي نحو ? ساعات من النوم تقريبًا يوميًّا، ولكن هل يمكننا توقع مثل هذه الأنماط من النوم في البرية حيث تنتقل هذه الحيوانات لمسافات طويلة على مدى فترات طويلة من الوقت؟ يكاد يكون الجواب: بالتأكيد لا. وبملاحظة نوم حيوان الكسلان بُنِّي الحنجرة ثلاثي الأصابع في كل من حالة الأسر وفي الحياة البرية الطبيعية، ظهر أن الكسلان الأسير يقضي حوالي ??? من وقته في النوم، بينما يُقدَّر معدل نومه في البرية حوالي ??? (لاحظ الاختلاف في مقاييس أنماط نوم البشر «في الأسر» سواء في دار لرعاية المسنين أو في سجن مقابل البشر «أحرار الحركة»). وبالمثل، تختلف أنماط النوم والنشاط لدى الفئران بشدة داخل المختبر مقارنةً بالحياة البرية؛ حيث يعانون من صعوبة الحصول على الطعام والتغيرات الشديدة في كل من الضوء والحرارة. ربما يكون الأسلوب المقارن في دراسة النوم ذا قيمة كبيرة، إلا أنه من الضروري تقديم المزيد من الملاحظات والقياسات الميدانية لمعدلات نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة في كل من حالتَيِ الأسر والبرية، حتى يتسنى لنا فهم النوم الطبيعي.
ومن الصعب كذلك قياس النوم «الطبيعي» عند البشر؛ حيث إنه لا يتغير وفقًا للعمر فقط، ولكنه يتأثر بشكل ملحوظ بالإضاءة الكهربائية الحديثة. يؤدي التعرض لضوء الكهرباء إلى التغيير الفوري من طبيعة الضوء المفترض التعرض له ليلًا؛ ومن ثَمَّ يؤثر ذلك في أنماط العمل والنوم. ولقد أُجريت أبحاث رائدة فيما يتعلق بنمط وتوقيت وشكل النوم عند البشر «في البرية» في البرازيل. فعلى سبيل المثال، يخلد البرازيليون البالغون الذين يعيشون في بيئة مدنية إلى النوم في أوقات متأخرة بشكل كبير (نحو الساعة التاسعة وخمسين دقيقة مساء) في أيام أسبوع العمل أكثر من المراهقين الذين يعيشون في بيئة ريفية ولا يتعرضون للكهرباء (نحو الساعة الثامنة وأربعين دقيقة مساء). لا يزال كل من نمط النوم الطبيعي ومدة النوم الطبيعية عند البشر مجهولَين تمامًا؛ هل سنتمكن من الحصول على ? ساعات كاملة من النوم إذا ما نمنا بِحريَّة؟ لم تعد أنماط نوم البشر الذين يعيشون في المدن أكثر طبيعية من أنماط نوم الفئران في المختبر.
(?-?) لماذا تنام الحيوانات؟

يُعد فهم أسباب تطور النوم من أسمى أهداف بيولوجيا النوم. يعتمد بقاء الجين على قدرة الأنواع على التكاثر. وهذه الجينات التي تكوِّن الأفراد الذين يتفوقون على أفراد آخرين في المنافسة ويتكاثرون على نحو أكثر، تسيطر على جينات الأنواع في طور التطور. ويبدو أن النوم مرتبط بأعباء تطورية هائلة؛ فالحيوانات النائمة لا تأكل ولا تشرب أو تتكاثر، وأكثر عُرضة للافتراس. ويفرض هذا العبء التطوري قيمة تكيفية بالغة الأهمية. كيف إذن يخدم النوم هذا الهدف؟ يفترض الكثير من الباحثين وجود محفز تطوري واحد وشامل للنوم له جذور ممتدة في البيولوجيا الخاصة بنا. ويرى آخرون أنه لا يوجد أي تفسير واضح وأن الأنواع المختلفة سوف تلجأ إلى الخمول أو النوم في مراحل مختلفة من دورة حياتها، ربما للحفاظ على الطاقة، أو كآلية لتجنب الافتراس، أو حتى كفترة تسمح بحدوث عمليات التعافي. بل يرى آخرون أن النوم ما هو إلا سمة تفتقر لأي قيمة تكيفية لكنه ناتج ثانوي لسمة تكيفية حقيقية لم تُكتشف بعد، كما هو الحال على سبيل المثال في حالات الزائدة الدودية وسُرَّة البطن. وعلى الرغم من ذلك الجدل الدائر، هناك ثلاث نظريات شاملة هيمنت على النقاش المتعلق بأسباب النوم عند الحيوانات، وتتمثل تحديدًا في العملية التي تؤدي إلى (أ) تجدد الخلايا. (ب) الحفاظ على الطاقة. (?) تعزيز الذاكرة والقدرة على التعلم.
(?-?) تجديد الخلايا: النوم هو العملية التي تسمح بتجديد المكونات الرئيسية للخلايا

ظهرت هذه النظرية — بصورها المختلفة — منذ عهد أرسطو. وما يدعم تلك الفرضية هو الفكرة الشاملة الخاصة بتعويض النوم وملاحظة أن المجهود الجسدي الشاقَّ يتسبب في زيادة معتدلة في معدل نوم حركة العين غير السريعة. ويتعارض هذا المفهوم العام «التجديدي» للنوم بشدة مع حقيقة ارتفاع معدل نشاط الدماغ أثناء فترة نوم حركة العين السريعة عنه خلال فترة اليقظة، واحتفاظ أجزاء كثيرة من الجسم بنشاطها القوي مثل القلب. إضافةً إلى ذلك، فالأفراد الذين يستلقون في الفراش طَوَالَ يومهم ينامون نفس المدة (أو أطول) التي ينامها الأفراد الذين يتمتعون بمعدل نشاط مرتفع. ولقد عادت فكرة تجدد الخلايا أثناء النوم إلى الظهور في الفترة الأخيرة بعد أن ثبت تغيير نسبة كبيرة من الجينات الموجودة في الجهاز العصبي المركزي لنمط التعبير الخاص بها خلال النوم، ومن الواضح أن جزءًا كبيرًا من هذا التغيير يرجع سببه إلى النوم وليس وقت اليوم أو الإيقاع اليومي. وترتبط الكثير من تغيرات التعبير الجيني التي يحفزها النوم، بشكل كبير، بمسارات أيضية رئيسية وتجديد حويصلات النواقل العصبية. وتكمن جاذبية فرضية تجدد الخلايا أثناء النوم في أنها شاملة ويمكن تطبيقها على جميع الحيوانات، بما فيها الكائنات وحيدة الخلية. وتكمن نقطة ضعف الفرضية في أن بيانات الجينات متلازمة تمامًا ولا يجوز ربطُها بالوظيفة المباشرة للنوم، وأن الكثير من الجينات المتعلقة بأيض الطاقة لا تتأثر خلال النوم. علاوة على ذلك، لا يُفسِّر تجددُ الخلايا أثناء النوم مدى تعقيد وتنوع نوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة.
(?-?) الحفاظ على الطاقة: أثر تطور النوم في تقليل الحاجة إلى الطاقة

لا يمكن للأنواع أن تتسم بالنشاط طوال الوقت، فقد تطورت لتشغل موضعًا زمنيًّا على مدار اليوم؛ وترتب على ذلك استخدام الأنواع النهارية والليلية والشفقية للنوم كوسيلة لتخزين الطاقة، ولخفض معدل استهلاك الطاقة والبحث عن الطعام في تلك الأوقات التي لا تستطيع فيها استغلال بيئتها. وما يؤكد صحة هذه الفرضية، أن نوم حركة العين غير السريعة يتميز ? «انخفاض الأيض»؛ مما يعني أن معدل الأيض يكون أقل حينها من فترة اليقظة. وبما أن معدل الأيض يتزايد كلما صغرت الثدييات، فسوف يكون من المُتوقع أيضًا زيادة معدل النوم كلما صغرت الثدييات، وهذا ما يحدث بالفعل (انظر الجدول رقم ?-?). وتدعم طرق النمذجة أيضًا الفكرة التي تفيد بأن توفير الطاقة، ولو بقدْر بسيط، يمكن أن يكون له تأثير هام على الانتقاء التطوري، خاصة في الثدييات الصغيرة التي تعيش في المناخ البارد. إضافةً إلى ذلك، فلقد تم ربط الأدينوسين، الذي يرتفع معدله مع استهلاك الطاقة أثناء فترة النشاط، بتحفيز النوم (انظر الفصل الثالث). ومع ذلك، يشير حساب معدل الطاقة التي يوفرها النوم إلى أنه معدل بسيط — ما يعادل شطيرة نقانق (من ?? إلى ??? سُعرًا حراريًّا) في الليلة الواحدة عند البشر — ويبدو من غير المنطقي تحمُّل هذا الثمن السلوكي الباهظ مقابل هذا العائد البسيط؛ ونتيجة لذلك، فإنه من غير المرجح أن تكون الجاذبية البديهية للتفسير المتعلق بتوفير الطاقة أثناء النوم هي حافز الانتقاء الأساسي سواء للتطور أو للحفاظ على سمة النوم عند معظم جماعات الحيوانات. ومن الناحية الأخرى فإن الرأي المعارض يسلط الضوء على نقطة فاصلة؛ إذ إنه على الرغم من أن نوم حركة العين غير السريعة قد يوفر الطاقة، فإن نوم حركة العين السريعة ينجم عنه زيادة في أيض الدماغ. ومن الجدير بالذكر أيضًا التأكيد على أن أخذ قسط من الراحة يوفر قدرًا من الطاقة يعادل تقريبًا ما يوفره النوم في الكثير من الأنواع. ومع استمرار الثدييات البحرية مثل الحيتان والدلافين في السباحة أثناء النوم، يتضح لنا أن النوم ليس له دور مؤثر في خفض المعدل العام لاستهلاك الطاقة.
وعند مقارنة النوم بالسبات الشتوي، يتضح أن النوم يختلف على نحو جوهري عن حالات الخمول والسبات الشتوي التي توفِّر قدرًا كبيرًا من الطاقة بالفعل. ويشمل السبات، في أنواع مثل سنجاب الأرض (من نوع «سبيرموفيلوس»)، انخفاضًا كبيرًا في الحرارة الداخلية للجسم لتصل إلى حوالي صفر درجة مئوية، ويفتقر الدماغ لأي نشاط كهربائي. ومن المثير للاهتمام، أنه عند تعريض نحل العسل — وهو من الكائنات التي تعتمد على الحرارة الخارجية لتستمد منها حرارة أجسامها — لدرجات حرارة تتراوح ما بين ?? و?? درجة مئوية في الليل، اختار النحل درجة حرارة تتراوح بين ?? و?? درجة مئوية؛ مما يشير إلى أن النحل لا يختار درجات حرارة الراحة الليلية التي تحقق أعلى مستوًى من الحفاظ على الطاقة. وتؤكد الآراء المعارضة لمبدأ دور النوم في الحفاظ على الطاقة على أن أي معدل لتوفير الطاقة سيفوقه أهمية زيادة خطر التعرض للافتراس؛ حيث تكون الحيوانات أكثر عرضة للافتراس أثناء النوم، وخاصة خلال نوم حركة العين السريعة حين تدخل في حالة من الشلل الفعلي. تنام الأبقار وغيرها من الثدييات الكبيرة واقفة خلال نوم حركة العين غير السريعة ولكنها تستلقي خلال نوم حركة العين السريعة مما يزيد من فُرَص تعرضها للمخاطر.
(?-??) كفاءة الدماغ: تطور النوم لتعزيز الذاكرة والقدرة على التعلم

يؤدي دوران الأرض إلى دورة عميقة في كلٍّ من الضوء ودرجة الحرارة، ويبدو من المحتمل أن أقدم أشكال الحياة قد وزَّعت الكثير من وظائف الأيض على مدار دورة الليل والنهار عبر آلية توقيت ذاتية للإيقاع اليومي. وربما أضافتِ القدرة على التعلم والاحتفاظ بالخبرات إلى تطور تعددية الخلايا، والقدرة على التنقل والأنظمة الحسية المركبة، غير أن هذه العملية تتطلب عملية أيضية كبيرة ومعقدة. ولضمان مراقبة الجودة أثناء بناء هذه الدوائر الكهربائية الدقيقة، فإنها من المحتمل أن تكون قد تشكَّلتْ خلال مرحلة عدم النشاط في دورة الراحة والنشاط حين تكون المتطلبات الأيضية أقل والمدخلات الحسية في أقل معدلاتها. ولهذا، تطور النوم كآلية لتعزيز شبكات عصبية بعينها، وتم استيعاب هذه الآلية خلال هذه الفترة في دورة الراحة/النشاط التي تتميز بمعدل كافٍ من الطاقة وأقل معدل من التدخلات العصبية الخارجية والضوضاء، كجهاز كمبيوتر يفقد اتصاله بالشبكة بينما تنتهي عملية حفظ الملفات.
وتشير الأدلة المُستنتجة من الدراسات التي أُجريت على البشر والحيوانات إلى وجود رابط قوي بين النوم وما أُطلق عليه «معالجة الذاكرة القائمة على النوم». اتضح في العديد من الدراسات التي أُجريت على الحيوانات، أن الحرمان من النوم بعد تعلُّم مهامَّ جديدة يؤدي إلى تدهور الأداء في الاختبارات اللاحقة. ولدى البشر، اتضح أن التعليم الإجرائي، والتعليم التقريري، بل حتى رفع مستوى «الاستبصار» — وهي العملية الخاصة بإعادة الهيكلة العقلية في الدماغ، التي تؤدي إلى الاكتساب المفاجئ للقدْرة على الفهم أو اكتساب المعرفة الواضحة — هي أمور تعتمد جميعها على النوم. وترتفع معدلات اكتساب هذا الاستبصار بنسبة ثلاثة أضعاف إذا ما أُتيح للفرد فرصة الخلود إلى النوم. وهناك بعض المهام التي يتعذر تعلُّمها إذا ما حُرم الفرد من النوم ليلًا بعد التعلم. ولقد أثبتت هذه الدراسات اللامعة أن النوم يسمح بإعادة هيكلة الذكريات الجديدة (انظر المربع رقم ?، الفصل الثامن).
وإذا كان النوم يسمح للدماغ بأن يعمل بكفاءة عالية عن طريق تحويل المهام البالغة الأهمية والخاصة بالحفاظ على الأعصاب وتعزيز الذاكرة إلى فترة الخمول؛ فإن ما يترتب على ذلك هو أن الحيوانات اللاطئة والبطيئة، أو الحيوانات التي تعيش في بيئة مُوحدة ولا تتغير إلى حدٍّ كبير، لن تَشعُر بالحاجة إلى النوم. ومن المثير للاهتمام، أن الأسماك التي تقضي معظم حياتها في مجموعات، لا تنام. ولقد تم تفسير هذا الافتقار الواضح إلى النوم بأن تقسيم العمل داخل المجموعة، واتباع الأسماك المجاورة لبعضها لنفس طرق الاستجابة، يقلل من شعور العضو الواحد في المجموعة بالحاجة إلى معالجة معقدة للمعلومات. ويؤدي هذا الانخفاض في المعالجة الحسية في بيئة تتسم أساسًا بالبساطة الشديدة إلى تلاشي الشعور بالحاجة إلى النوم.
بشكل عام، هناك الكثير من الأدلة التي تدعم فكرة أهمية النوم لمعالجة الذكريات القصيرة المدى والمُكتسبة مؤخرًا (الأمر الذي قد يؤدي إلى تحول بعض منها إلى ذكريات طويلة المدى) وتقوية الذكريات الطويلة المدى من خلال تغيرات في اللدونة العصبية وتعزيز الدوائر العصبية. وفي الوقت الذي يُضعِف فيه الحرمانُ من النوم من الإدراك والذاكرة والانتباه، واتضح أن النوم يعزز — بشكل ملحوظ — القدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات، فقد تم ربط النوم بالمعالجة الأساسية للأعصاب داخل القشرة الدماغية العليا، وعلى وجه التحديد، تعزيز الروابط بين الأعصاب و«تشذيب» تلك الروابط ليسمح فقط لأهم تلك الروابط بالبقاء عند الاستيقاظ. وما تم التوصل إليه عن طريق تصوير الدماغ والفسيولوجيا الكهربائية للدماغ يدعم هذه الفكرة؛ مما يشير إلى ارتباط التعلم بإعادة تشغيل الدوائر العصبية خلال فترة النوم، التي كانت قد توقفت خلال فترة الاستيقاظ، وأن النوم البطيء الموجات أو النوم العميق يكون أكثر شدة في مناطق القشرة الدماغية حيث تحدث عملية حفظ الذكريات.
هناك ثلاث مشكلات تتعلق بفرضية تعزيز الذاكرة والقدرة على التعلم: (أ) ترتبط النظرية فقط بالأنواع التي لديها دماغ معقد. (ب) يحدث الحفظ والتعلم أيضًا في غياب النوم. (?) إذا تطور النوم ليسمح ببساطة بتشكيل وتعزيز الذاكرة، فمن الممكن التنبؤ بأن الحيوانات التي لديها أكبر دماغ وأكثره تعقيدًا ستنام لفترات أطول. ومع ذلك فإن فترة الخمول/النوم لا ترتبط بنظام عصبي معقد. بعض الأنواع التي تنام لفترات طويلة جدًّا تتضمن: الخفاش البُنِّي، الأرماديلو العملاق، أبوسوم أمريكا الشمالية والأَصَلة، ويبلغ معدل نوم هذه الأنواع ?? ساعة في اليوم أو أكثر (انظر الجدول رقم ?-?). وهكذا، بإيجاز، بينما يمثل النوم أهمية كبيرة لزيادة قدرة الدماغ على العمل، فلا يمكن أن يكون هذا هو السبب الأوحد لتطور حالة النوم في عالم الحيوان. (?) النوم في مقابل نمط الراحة والنشاط

ربما يتطلب إيجاد إجابة على السؤال المتعلق بأسباب النوم منهجًا آخر وينبغي تناوله بمحاولة الإجابة على سؤالين منفصلين: (أ) ما هي الضغوط الانتقائية للحفاظ على نمط الراحة والنشاط الذي يكون خاصًّا بنوع معين؟
(ب) ما هي الضغوط الانتقائية لتخصيص الوظائف الهامة «لإدارة» الجسم للمراحل المختلفة من دورة الراحة والنشاط؟
كما جاء فيما سبق، سيكون الاعتماد على طَور الراحة أو النوم في دورة الراحة والنشاط لتعزيز الذاكرة والقدرة على التعلم؛ نموذجًا تقليديًّا لتخصيص وظيفة الدماغ الحيوية في الحفاظ على الجسم إلى أكثر النقاط الفسيولوجية ملاءمة في دورة الأربع والعشرين ساعة. وهكذا، يوفر التخطيط الكهربائي للدماغ لنوم حركة العين غير السريعة وحركة العين السريعة وصفًا لحدث «إدارة» معين داخل الدماغ، لكنه لا يوفر تفسيرًا شاملًا للنوم عند كل أنواع الحيوانات. قد يبدو هذا وكأنه مجرد اختلاف في دلالات الكلمات، لكنه يُلقي الضوء على النقطة المتعلقة بأن تعريفنا للنوم من شأنه أن يؤثر بشدة على فهمنا لوظيفة النوم.
لقد كان للمناقشات التي لا تنتهي حول تفسير النوم أثرٌ تهميشيٌّ للسؤال الجوهري الذي يدور حول أسباب تطوير كل نوع لنمط محدد للراحة والنشاط. إلى حدٍّ كبير، ثمة تجاهل لضغوط اختيار الفرد لأنماط الراحة والنشاط على مدار الأربع والعشرين ساعة. وفي معظم الحالات، لا نعرف حقًّا سبب خمول بعض الأنواع لمدة ?? ساعة، والبعض الآخر لساعتين فقط. ولكن هذا بالتأكيد سينشأ من مجموعة معقدة من العوامل المتنافسة مثل إمكانية الوصول إلى الموارد الأساسية، مثل: الطعام والماء، وشركاء التكاثر، وبالتأكيد تجنب المفترسين، ومسببات الأمراض والعدوى. وبمجرد تطور نمط مستقر من الناحية التطورية للراحة والنشاط لنوع بعينه، حينئذٍ سوف تُدرَج عمليات «إدارة» بيولوجية بشكل ثانوي في هذا الهيكل المؤقت وقد تعمل في ذلك الوقت على تعزيز هذا الإطار. ونتيجة لذلك، يدفع بعض الباحثين في مجال النوم بأن التخطيط الكهربائي للدماغ ما هو إلا مقياس لوظائف الإدارة الرئيسية للدماغ التي تم تخصيصها لفترة الراحة في دورة الراحة والنشاط، بحيث يمثل ذلك واحدًا من العديد من المقاييس البديلة الممكنة لفترة الخمول في دورة الراحة والنشاط. وعلى الجانب الآخر، يدفع باحثون آخرون بأن النوم الذي يتم تعريفه من خلال التخطيط الكهربائي للدماغ يمثل فترة الخمول في دورة الراحة والنشاط. تستمر هذه الآراء المتبادلة في إحداث جدل حاد، ولن ينتهي هذا الجدل إلا بعد التوصل إلى تفسير مُتفق عليه لما يمثله النوم بالتحديد.

الفصل الخامس
المراحل العمرية السبع للنوم


ندرك جميعًا أن أنماط النوم تتغير مع تغير أعمارنا، فتقل ساعات النوم الهنيئة المتواصلة التي يستمتع بها الصغار تدريجيًّا في جودتها ومدتها مع تقدم العمر، بل إنها قد تتحول إلى ساعات من الأرق والنوم المتقطع (انظر الجدول رقم ?-?). وغالبًا ما يكون من الصعب التفريق بين التغييرات التي تطرأ على أنماط النوم على مدار العمر وبين تلك التي تتسبب فيها الاضطرابات الشائعة بين كبار السن. هذا علاوة على تغير مدى شيوع بعض اضطرابات النوم الإكلينيكية مع تغير العمر (انظر الفصل السادس)، وهو الأمر الذي يزيد من تعقيد عملية رصد التغيرات «الطبيعية» في النوم. وقد قمنا هنا بتقسيم العمر إلى سبع مراحل عمرية من النوم: النوم خلال فترة الحمل، نوم الأطفال حديثي الولادة، النوم عند الأطفال، النوم في مرحلة البلوغ والمراهقة، النوم خلال مرحلة منتصف العمر وسن اليأس، النوم في الشيخوخة، وأخيرًا اضطرابات النوم واليقظة في مرحلة الخرف. وهذه «المراحل العمرية» للنوم هي بالتأكيد تقسيمات غير طبيعية؛ إذ إن التغيرات التي تطرأ على النوم لا تحدث ضمن فترات منفصلة عن بعضها ولكنها تحدث بصفة مستمرة على مدار حياة الشخص.
(?) النوم أثناء الحمل

إذا سألتَ أيَّ أمٍّ فستخبرك بأن الحمل يتسبب في حدوث تغيرات في طبيعة النوم؛ فالتغيرات الهرمونية والشعور بعدم الراحة الجسمانية وحركة الجنين وكثرة التبول أثناء الليل وتشنجات عضلة الساق وارتجاع أحماض المعدة، كلها عوامل تؤثر في طبيعة النوم لدى الحوامل. كما يزيد خطر الإصابة باضطرابات النوم أيضًا، بما في ذلك «اضطراب النوم المرتبط بالحمل» (الذي يوصف بأنه إما الإصابة بالأرق أو النعاس المفرط على مدار فترة الحمل)، بالإضافة إلى اضطرابات التنفس أثناء النوم ومتلازمة تململ الساقين.
وتقر معظم الحوامل باختلال طبيعة النوم نوعًا ما، تلك التي تتغير طوال فترة الحمل. حيث يزداد النوم ليلًا وتكثر الإغفاءات في الأشهر الثلاثة الأولى للحمل، حتى تصل إلى ازدياد مدة النوم إلى نحو ساعة إضافية يوميًّا، رغم ازدياد الشكاوى من اضطراب النوم والتعب أيضًا. وترجع تلك الزيادة في مدة النوم إلى الارتفاع السريع في إفراز هرمون البروجستيرون الذي يزيد من النعاس ويرفع درجة حرارة الجسم. ثم يميل اضطراب النوم إلى الازدياد مع نمو الجنين وتسببه في الضغط على المثانة والشعور بعدم الراحة، وقد يقل النوم البطيء الموجات ونوم حركة العين السريعة مع قرب انتهاء فترة الحمل. كما أن وجود أطفال آخرين أو التعامل مع مولود جديد يؤثر أيضًا على النوم، رغم عدم ثبوت وجود علاقة واضحة بين طريقة الرضاعة والنوم لدى الأمهات الجدد.
يزداد الغطيط وضيق التنفس خلال فترة الحمل؛ ربما بسبب تأثير هرمون البروجستيرون على التنفس، رغم أنه من غير الواضح إن كانت حالات توقف التنفس أثناء النوم تزداد لدى النساء اللواتي لم يكنَّ مُعرَّضات لخطر الإصابة بتلك الحالة قبل الحمل. ومع ذلك، فلا بد من الكشف عن توقف التنفس أثناء النوم لدى الحوامل؛ لأن ترك هذه الحالة دون علاج قد يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل ويؤثر سلبًا على نمو الجنين. كما تزداد أيضًا متلازمة تململ الساقين وحركة الأطراف الدورية أثناء الحمل لدى ما يقرب من خُمْس النساء الحوامل، ولكن يمكن الحدُّ من أثرهما بتناول الحديد وحمض الفوليك تحت إشراف الطبيب. وكما هو الحال في العديد من الاضطرابات الاكتئابية، فقد يأتي اكتئاب ما بعد الولادة مصحوبًا بزيادة اضطراب النوم، رغم أنه ليس من الواضح إن كان الحرمان من النوم أثناء الحمل يزيد من هذا الخطر.
من المعروف أن إيقاعات الجنين تتزامن مع إيقاعات الأم أثناء نموه بالرحم؛ حيث تحدث عملية تزامن في معدل ضربات قلب الجنين مع معدل ضربات قلب الأم، ونومه مع نومها، ودرجة حرارته مع درجة حرارتها، وإيقاع إفراز الميلاتونين لدى الجنين مع إيقاع إفراز الميلاتونين لدى الأم، أثناء الربع الأخير من فترة الحمل. يعد الميلاتونين إشارة كيميائية حيوية لحلول الظلام، ويمر من خلال المشيمة، وتوجد مستقبلات الميلاتونين في النوى فوق التصالبية لدى الأطفال حديثي الولادة. وقد ثبت أن النوى فوق التصالبية لدى القوارض على الأقل تتخذ دورة إيقاعية قبل الولادة، ولكن مسارات تمكين تزامن الضوء مع الساعة البيولوجية لم تتشكل بعد. ويتأخر تشكيل إيقاعات الساعة البيولوجية اليومية لدى البشر على نحو مماثل (انظر القسم التالي)، بَيْدَ أن الجنين لا يزال ينام على فترات تتميز بعضها عن بعض؛ فمنها النوم الهادئ (ما يعادل نوم حركة العين غير السريعة)، والنوم النشط (نوم حركة العين السريعة)، والنوم المتوسط بينهما، الذي يبدأ مبكرًا في الرحم مع وصول الجنين إلى عمر ?? أسبوعًا.
(?) نوم الأطفال حديثي الولادة

يحظى النوم بقدر كبير من الاهتمام حين يولد الأطفال؛ إذ ثمة حرص كبير على أن ينال الطفل قدرًا كبيرًا من النوم بينما يحاول الآباء ممارسة حياتهم اليومية بقدر قليل من النوم. يهيمن كل من النوم والتغذية على حد سواء على كافة جوانب حياة أي أسرة جديدة. وسرعان ما يكتشف الآباء الجدد أن الأطفال لا يبدءون حياتهم بنمط نوم واستيقاظ منتظم على مدار اليوم. فالساعة البيولوجية، التي يتخذها البالغون كأمر مُسَلَّم به، لا تعمل بكامل كفاءتها لدى حديثي الولادة، حيث إنهم يُظهِرون إيقاعات «فوق يومية» (أقل من ?? ساعة)، يصاحبها تغذية كل ? ساعات تقريبًا ونمط نوم عشوائي بشكل واضح. يبلغ عدد ساعات نوم حديثي الولادة في الأسابيع القليلة الأولى من حياتهم حوالي ?? ساعة، وفي الأشهر القليلة الأولى، يظل النوم مهيمنًا ولكنه يصبح أكثر عمقًا، حيث تقل مرات النوم ولكنها تطول من حيث المدة. ويتضح التحكم الاستتبابي في النوم على نحو مبكر من حياتهم، ورغم أنه يصعب على الآباء ملاحظة ذلك فإن نظام الإيقاع اليومي لدى الأطفال يبدأ في العمل في هذه الفترة تقريبًا. فتبدأ الساعة البيولوجية في توليد إيقاعات للنوم والاستيقاظ غير مرتبطة بساعات اليوم الأربع والعشرين، وفي نفس الوقت لا يمكن تزامنها مع الدورة اليومية للضوء والظلام (انظر الشكل رقم ?-?). وبعد مرور ?–? أشهر، تظهر دورة يومية متميزة على مدار ?? ساعة، تتضمن فترة نوم ليلية رئيسية بالإضافة إلى إغفاءات قصيرة أثناء النهار، وتستقر في سن ?–?? شهرًا (انظر الشكل رقم ?-?). يحصل الطفل على الميلاتونين من خلال حليب الأم، وإذا ما رضع الطفل حليب الليل ليلًا (بدلًا من استخدام المضخة نهارًا وإطعامه للطفل ليلًا)، فمن شأن هذا أن يوفر إشارات توقيت تزامنية في بداية حياته. شكل ?-?: تستغرق دورة النوم والاستيقاظ عدة أشهر لتستقر وتتزامن مع اليوم. في بداية الحياة، يظهر بوضوح نمط فوق يومي (أقل من ?? ساعة) أو نمط غير منتظم من النوم (الخطوط السوداء) والتغذية (النقط)، قبل أن يتطور تدريجيًّا إلى إيقاع لا يرتبط بساعات اليوم الأربع والعشرين، ثم يتزامن في النهاية مع ساعات اليوم الأربع والعشرين في أول ?–? أشهر.
يتسم نوم الأطفال بشكل مختلف عن نوم البالغين ويختلف بشدة أثناء مراحل النمو. تدوم دورة نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة ?? دقيقة فقط عند المواليد، ويمرون بقدر أكبر من نوم حركة العين السريعة مقارنة بالبالغين. وعند بلوغهم أسبوعين من العمر، تتألف نصف فترة نومهم من نوم حركة العين السريعة، وتنخفض هذه النسبة لتصل إلى حوالي الثلث عند بلوغهم ? أشهر. ولقد أُشير إلى أن زيادة فترات نوم حركة العين السريعة أمر ضروري لتعزيز الكم الهائل من المعلومات الجديدة التي يحتاج الأطفال إلى تعلمها وحفظها حين يبدءون في استيعاب العالَم مِن حولهم. ويلعب كلٌّ من نوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة دورًا أساسيًّا في نضوج الدماغ؛ ومن ثَمَّ يعد الحصول على قدْر كافٍ من النوم أمرًا في غاية الأهمية في مرحلة النمو المعرفي لحديثي الولادة.
ويعد الوصول إلى إيقاع مستقر على مدار الأربع والعشرين ساعة خلال الأسابيع الأولى من عمر الطفل أمرًا مستحيلًا، أخذًا في الاعتبار الحاجة إلى التغذية المنتظمة والافتقار إلى تحكم الساعة البيولوجية القوي في النوم. وحتى في هذه المرحلة المبكرة، ينبغي الحفاظ على بيئة للنوم من أجل تحفيز النوم؛ ومن ثَمَّ تزامن الساعة البيولوجية. يجب أن تكون بيئة النوم مظلِمة بقدْر الإمكان ويفضَّل استخدام الستائر المعتمة أو حتى ورق القصدير لحجب الضوء، وينبغي تجنب الضوء ليلًا. وإذا توجَّب استخدام الأضواء، فيمكن استخدام ضوء أحمر خافت مع الحد من مدة الإضاءة. تأكَّد من هدوء الغرفة وتجنَّب تشغيل النغمات الموسيقية لمساعدة الأطفال على النوم، أو إيقاف تلك النغمات بمجرد خلودهم إلى النوم، ومع تقدم عمر الطفل، يجب تحديد مواعيد ثابتة بالإضافة إلى نمط يومي محدد للضوء والظلام.
وتعد النصائح الأكثر تحديدًا فيما يتعلق بما يجب القيام به لمساعدة الأطفال على النوم وتجنب إيقاظهم محل جدل واسع — وساعد على ذلك صدور عشرات الكتب التي تُعنَى بالمساعدة الذاتية — لكنها تقع خارج نطاق هذا الفصل. ومن الأساليب الشائعة التي تستخدم مع الأطفال في سن ?-? أشهر «التهدئة الذاتية»، وفيها يتم تشجيع الآباء على تجنب الإسراع إلى تهدئة أطفالهم مباشرة عند الاستيقاظ أو البكاء؛ مما يُتيح لهم فرصة تهدئة أنفسهم لفترات أطول، بدءًا من تركهم لفترات قصيرة لبضع دقائق ثم تزداد هذه المدة تدريجيًّا بمرور الأيام والأسابيع. ويشير معارضو هذه الطريقة إلى أنها مجهدة للطفل وتؤثر على ثقته بوالديه، وقد تؤدي إلى فتور مشاعر الأبوين تجاه بكاء أطفالهم، فهم يشجِّعون «تهدئة الأبوين» حيث يقوم الآباء بالهدهدة، أو الاحتضان أو الغناء ليعود أبناؤهم إلى النوم. وتعد أفضل نصيحة هي اتباع الوسيلة التي تنجح، وقد يحتاج الآباء إلى تجربة العديد من الطرق قبل اكتشافهم للطريقة المُثلى.
بينما يمثل النوم أهمية كبيرة لصحة ونمو الأطفال، فإن نوم الآباء يمثل أيضًا أهمية كبيرة لصحة وأمان الجميع. يعاني الآباء الجدد من الحرمان من النوم وهم بحاجة إلى التفكير في المخاطر المحتملة التي يفرضها ذلك من النعاس أثناء القيادة، ووقوع الحوادث في العمل وفي المنزل (انظر الفصل الثامن)، وخصوصًا تلك العادة التي لا ننصح بها من اصطحاب الأطفال في جولة بالسيارة ليستغرقوا في النوم. يؤثر الحرمان من النوم أيضًا على الصحة النفسية؛ مما يضع الآباء الجدد وعلاقة بعضهم ببعض تحت ضغط إضافي، وفي بعض الأحيان يترتب على ذلك نتائج خطيرة، ويصف الكثير من الآباء شعورهم «بعدم الاحتمال» نتيجة للحرمان من النوم وبكاء أطفالهم المتواصل. ولا يتمكن الأشخاص الذين حُرموا من مشاعر الأبوة والآباء الذين يعانون من مشاكل في الذاكرة من الشعور بمخاطر الحرمان من النوم. وفي حين أنه لا يمكن تفادي حدوث اختلال النوم، ينبغي أن يركز العاملون في مجال الصحة وشبكات الدعم على زيادة الوعي بأهمية نوم الآباء والتركيز على أن يكون النوم من أهم الأولويات عند ولادة الأطفال الجدد. ومن بين الاستراتيجيات التي قد يتبعها الآباء هي الخلود إلى النوم مبكرًا وبانتظام، والحصول على إغفاءة في نفس وقت إغفاءة الطفل (تأجيل كي الملابس!) وطلب مساعدة الأهل والأصدقاء لبضع ساعات حتى ينال الآباء قسطًا من النوم. وإذا كنتم بصدد القيام برحلة طويلة، يجب على السائق الاستغراق في النوم لبضع ليالٍ كاملة عن طريق النوم في غرفة منفصلة، ويجب انتهاز أي فرصة متاحة للنوم، والنوم في بيئة ملائمة. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجيات لن تحل المشكلة تمامًا، فإن وضع النوم ضمن أهم الأولويات سيكون عونًا كبيرًا للآباء.
(?) النوم عند الأطفال

ما هو القدْر المناسب من النوم الذي يحتاجه الأطفال؟ الإجابة هي: أكبر قدْر ممكن. ينبغي أن يكون النوم من أهم الأولويات، ويجب على الآباء السعي بجدية من أجل نوم أبنائهم وانتظامه. يمثل النوم أهمية كبيرة لصحة ونمو الأطفال، وسيتضح فيما يلي العواقب الطويلة المدى، التي ربما تدوم طوال حياتهم، المترتبة على عدم كفاية النوم في مقتبل الحياة.
ينخفض إجمالي فترة النوم أثناء الطفولة، حيث يبلغ متوسط فترة النوم في مرحلة المراهقة المتأخرة حوالي من ? إلى ? ساعات، وهي التي انخفضتْ من حوالي ?? ساعة في الأشهر الأولى من الحياة (وإن كانت تتراوح بين ? و?? ساعة). وتمتد دورة نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة تدريجيًّا من ?? دقيقة عند الأطفال حديثي الولادة، لتصل إلى ?? دقيقة في سن عامين وصولًا إلى دورة النوم التي تبلغ ?? دقيقة التي نشهدها عند الكبار وتبدأ عند سن ? سنوات تقريبًا. وينخفض معدل النوم البطيء الموجات ونوم حركة العين السريعة مع تقدم العمر، وهو الذي يعكسه زيادة في نوم المرحلة الثانية. وهناك أيضًا بعض العوامل الخارجية التي من شأنها التأثير على النوم لدى الأطفال، وخاصة تبكير وقت الذهاب إلى المدرسة، والتي تقلص فرص النوم (الفصل الثامن). ويبدو أن هذه المشكلات تزداد سوءًا؛ فعلى سبيل المثال: فقد الأطفال البالغون من العمر ? سنوات في الولايات المتحدة ?? دقيقة من النوم كل ليلة، أو ما يوازي حوالي ? ساعات في الأسبوع، في الفترة ما بين سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين. وفي ظل قدرة الآباء على التحكم بشكل أفضل في توقيت ذهاب الطفل إلى النوم أكثر من تحكمهم في وقت الاستيقاظ، فيبدو أن هذه التغيرات قد نتجت عن الإخفاق في إعطاء الأولوية للنوم، غير أنه يمكن معالجتها أيضًا من خلال العكس.
من الأمور التي تهم الآباء تقرير عدد الإغفاءات التي يحصل عليها أطفالهم، ومدتها والسن المناسبة للحد منها. من الناحية النظرية، قد يقلل النوم أثناء النهار من فترة النوم أثناء الليل، إذا لم يكن هناك آثار لأي إرهاق، لكن هذا الاحتمال بعيد. فمعظم الأطفال (والكبار) لا ينالون قدرًا كافيًا من النوم؛ ولهذا قد يؤدي الحد من حصول الأطفال على إغفاءة إلى حرمانهم من التعويض الكافي الذي يحتاجونه كثيرًا في حالة عدم حصولهم على القدر المناسب من النوم ليلًا. ينبغي أن تتناسب مدة الإغفاءة مع المرحلة العمرية، ويجب أن يرتبط الحد منها أثناء النهار مع زيادة تدريجية في فترة النوم أثناء الليل حتى يتسنى للطفل تعويض ما فقده من النوم أثناء النهار. ينبغي تنظيم فرص النوم الممتدة لعدة أسابيع حتى يتمكن الآباء من معرفة احتياجات الطفل القصوى من النوم.
وكما هو الحال بالنسبة إلى الأطفال الرضع، هناك عدد لا يحصى من الكتب ومواقع المساعدة الذاتية لتوفير النصيحة للآباء بشأن نوم أطفالهم، ولا مجال لنا في هذا الكتاب لتناول هذا الموضوع، لكنَّ هناك عددًا من الاعتبارات التي يتم التغاضي عنها في بعض الأحيان. تشكل كل من صعوبة الاستغراق في النوم ورفض الذهاب إلى النوم، التي يُطلَق عليها «الأرق السلوكي في مرحلة الطفولة»، صعوبة على الأطفال وذويهم؛ حيث إن ذلك يتطلب ممارسات صحية للنوم الجيد. ولا تقتصر فائدة طقوس ما قبل النوم على تهيئة الطفل للنوم فحسب، ولكنها تعمل أيضًا على تزامن الساعة البيولوجية والحفاظ على نمط أكثر انتظامًا للنوم والاستيقاظ. تمثل الإضاءة أهمية كبيرة قبل النوم وأثناءه؛ حيث يؤدي التعرض للضوء الساطع قبل النوم مباشرةً إلى تنبيه الدماغ وقد يؤجل الساعة البيولوجية إلى وقت متأخر، مما يزيد من صعوبة الاستغراق في النوم. ينبغي أن تتم طقوس ما قبل النوم في ضوء خافت بقدْر الإمكان ثم إطفاؤه عند النوم. يُفضَّل استخدام ضوء خافت متوهج أو أكثر احمرارًا، وينبغي تجنب استخدام الضوء «الأزرق» الساطع الجديد من نوعية الصمام الثنائي الباعث للضوء (ليد) في غرفة النوم. ويجب ملاحظة أن الذهاب إلى النوم في وقت مبكر جدًّا قد يؤثر على «فترة الحفاظ على اليقظة» (انظر الفصل الثاني) ويؤدي إلى تفاقم صعوبات بدء النوم، لكن يمكن مراقبة ذلك وتجنبه بالخبرة. ينبغي على الأطفال أيضًا تجنب تناول الكافيين، الذي يُعدُّ مُنبِّهًا قويًّا ويمكن أن يُضعِف من قدرة الجسم على النوم (انظر الفصل الثامن).
يمكن أن يؤدي الحرمان من النوم أيضًا إلى النشاط المفرط، ورغم وجود أدلة سببية محدودة تربط بين اضطراب النوم والمشكلات السلوكية واضطرابات الانتباه والنشاط المفرط عند الأطفال، فإنه من المرجح أن يؤدي نقص النوم المزمن إلى تفاقم المشكلات السلوكية. وكما يَعرِف كل الآباء، يُسيءُ الأطفال المُجهدون السلوك ويُصابون بنوبات غضب، ويُصبِحون متقلِّبي المزاج، وسريعي الانفعال وعدوانيين في بعض الأحيان، ومن السهل التوقع بأن تكرار الإخفاق في الحصول على قدْر كافٍ من النوم، وخاصةً إذا ارتبط بتناول الكافيين، يؤدي إلى تعزيز السلوك السيِّئ.
ثمة تحدٍّ آخر شديد الأهمية يتعلق بالنوم أثناء الطفولة؛ إذ ترتفع نسبة السمنة لدى الأطفال بشكل كبير في الدول الصناعية، التي يُصاحبها زيادة مخاطر توقف التنفس أثناء النوم، ولا يرتبط فقط بالأطفال، وقد يصاحب هذا آثارًا صحية كبيرة في مقتبل الحياة. وكما سنرى في الفصل السادس، يُعدُّ توقف التنفس أثناء النوم اضطرابًا خطيرًا يحدث فيه انسدادٌ في مجرى الهواء أثناء النوم؛ مما يُصيب الفرد بالاختناق المؤقت، وينتج عنه الاستيقاظ من النوم للتنفس. يمكن لهذه النوبات أو «حالات انقطاع النفس» أن تتكرر عشرات المرات في الساعة الواحدة في الحالات الخطرة وتمنع الفرد من الحصول على نوم عميق مجدِّد للنشاط. تزداد مخاطر توقف التنفس أثناء النوم مع زيادة الوزن؛ ومن ثَمَّ سيؤدي انتشار السمنة في مرحلة الطفولة حتمًا إلى انتشار مشكلة توقف التنفس أثناء النوم في مرحلة الطفولة. يعاني الأطفال أيضًا من مضاعفات إضافية لتضخم اللوزتين، التي تزيد أيضًا من مخاطر توقف التنفس أثناء النوم. لا يستطيع الأطفال الذين يعانون من توقف التنفس أثناء النوم الحصول على قدْر كافٍ من النوم؛ ويترتب على ذلك الشعور بالنعاس لفترات أطول أثناء النهار، والمزيد من العدوانية والعناد، وصعوبات تتعلق بالذاكرة والقدرة على التعلم وارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب والنشاط المفرط. وهناك دليل أيضًا على ارتفاع معدل الاضطرابات الأيضية التي تصيب القلب والأوعية الدموية، كما يحدث مع الكبار (انظر الفصل السادس).
(?) النوم في مرحلة المراهقة وبداية سن الرشد

يدرك الآباء جيدًا أن أنماط النوم تتغير بشكل كبير خلال مرحلة المراهقة؛ حيث يتأخر النوم، وتتأخر مواعيد الخلود إلى النوم ليلًا، وأحيانًا تتأخر مواعيد الاستيقاظ لتصل إلى فترة ما بعد الظهيرة. تطرأ هذه المشكلات بسبب تغيرات التحكم في النوم التي تؤخر الميل الطبيعي للنوم عند المراهقين لوقت متأخر. عادة ما تضع هذه التغيرات البيولوجية المراهقين في موضع خلاف مع التوقعات المجتمعية والأسرية وتؤدي إلى اتهامات باطلة بالكسل أو سوء السلوك المُتعمَّد.
يمر المراهقون بتجربة تأخر في إيقاعات النظام اليومي والنوم، بمعدل تغير من ? إلى ? ساعات في توقيت الساعة الخاصة بهم على مدى فترة المراهقة، ويرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بالتطور البلوغي. يصبح الأطفال، وخاصة الذكور، من «الأنواع الليلية» تدريجيًّا خلال مرحلة المراهقة حتى أوائل العشرينيات، وبعدها يبدءون في العودة إلى الوضع الطبيعي، ويتأخر الذكور قليلًا عن الإناث في هذا. وتبلغ ذروة اضطراب تأخر مرحلة النوم — وهو اضطراب في الإيقاع اليومي للنوم يتسم بتأخر شديد في توقيت النوم والاستيقاظ (انظر الفصل السادس) — خلال مرحلة المراهقة لتزداد بنسبة ??? تقريبًا.
لا يرجع سبب هذا التحول إلى زيادة طول ساعة الجسم، ولكنه نتيجة لتغير التوقيت بين تحكم الإيقاع اليومي والتحكم الاستتبابي للنوم. وإضافة إلى تأخر مرحلة النوم، يميل المراهقون الأكبر سنًّا إلى الحصول على فترات أقصر من النوم البطيء الموجات ومعدل أبطأ لتزايد ضغط النوم خلال النهار؛ ومن ثَمَّ يحتاجون إلى فترة أطول لرفع مستوى الاستتباب النومي المطلوب لتحفيز النوم. وسيدرك الآباء أن الأطفال الأصغر سنًّا يبلغون العتبة الحاسمة للخلود إلى النوم في وقت مبكر عن المراهقين.
إذن ما هي عواقب هذا التحول في النوم؟ يحتاج الشباب في مقتبل أعمارهم إلى قدْر كبير من النوم لا يقل عن ثماني ساعات ونصف الساعة كل ليلة إذا ما أُتيحت لهم فُرَص النوم بحرية، وتزداد هذه الفترة عند المراهقين. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن الفرد لا ينام طيلة الوقت الذي يقضيه في الفراش، فإن المراهقين الذين يذهبون إلى النوم في منتصف الليل أو في الواحدة صباحًا، أو في وقت متأخر عن ذلك، ليس لديهم الفرصة للحصول على ثماني ساعات ونصف من النوم قبل الاستيقاظ للذهاب إلى المدرسة؛ مما يؤدي بدوره إلى تقليص فترات نومهم بشكل كبير على مدار ? أيام في الأسبوع، وحين يحاولون النوم تبعًا لدورتهم الطبيعية في عطلة نهاية الأسبوع، فإنهم يُوبَّخون على كسلهم ويُجبَرون على الاستيقاظ، وإلا فإنهم «سيضيعون أفضل أوقات اليوم». وعلى الرغم من الخطورة المحتملة لهذه المشاكل، فعادة ما يرفض الراشدون الأكبر سنًّا (ممن يكون لديهم طور النوم متقدمًا) مثل هذه «الفجوة» الاجتماعية ويترتب على الصراع القائم بين التغيرات الحيوية لدى المراهقين والتوقعات المجتمعية عواقب وخيمة على صحة ونمو وأمان المراهقين والشباب (انظر الفصلين السابع والثامن).
كيف يمكن الحد من هذه الصراعات؟ يجب أن يدرك الآباء أن تأخير النوم له أساس بيولوجي؛ فعلى الرغم من أن ألعاب الكمبيوتر ومشاهدة التلفاز تعزِّز من تأخر النوم، فإنها ليست السبب الرئيسي لذلك. ويعد فهْم مدى خطورة هذه المشكلة أمرًا في غاية الأهمية؛ فالمراهقون يعيشون فعليًّا في منطقة زمنية مختلفة. وإجبار المراهقين على الاستيقاظ في السابعة صباحًا للذهاب إلى المدرسة هو كإيقاظ البالغين في الرابعة صباحًا؛ لذلك ليس غريبًا ألَّا يستجيب المراهقون وينتابهم الغضب. ومِن ثَمَّ قد يكون لتأخير مواعيد بدء اليوم الدراسي بعض الشيء أثرٌ كبير على كل من السلوك والأداء الأكاديمي (انظر الفصل الثامن). ومن المهم الحفاظ على أوقات النوم، وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، كما هو الحال أيضًا في ضرورة التحكم في الأنشطة المدرسية الإضافية التي تُجرَى في وقت متأخر في المساء، وتناول الكافيين، والعوامل الأخرى التي تقلل من النوم. وعلى الرغم من صعوبة التغلب على مشكلة تأخر النوم بشكل كامل، فإن تقديم مواعيد النوم تدريجيًّا، وتقليل الأنشطة والتعرض للضوء قبل النوم قد يساعد على تقديم مواعيد النوم وزيادة فترته. وكما هو الحال مع الأطفال، ينبغي أن يكون النوم من أهم الأولويات مع أخذ قسط من النوم كلما تسنَّى ذلك. وأفضل شيء أن تكون أنت مثالًا يُحتذَى به؛ فلتجعل النوم من أولويات الأسرة، وأولوياتك أنت أيضًا، حيث إن الاهتمام بالنوم في مرحلة البلوغ المبكر يؤدي كما نأمل إلى عادات أفضل للنوم فيما يلي من مراحل الحياة.
(?) مرحلة منتصف العمر وانقطاع الطمث

تتغير عادات النوم باستمرار خلال مرحلة البلوغ والنضج، حيث نتحول إلى شخصيات نهارية أكثر فأكثر نتيجة للتقدم التدريجي لمنظِّم الإيقاع اليومي، وتقل فترات النوم، ويتضمن ذلك مقدار النوم البطيء الموجات ونوم حركة العين السريعة. كذلك ثمة انخفاض في قوة تنظيم النوم الاستتبابي وشدته؛ مما يزيد من صعوبة القدرة على تعويض الحرمان من النوم أو نوبات العمل غير العادية. كما تظهر جليًّا في منتصف العمر الاختلافات بين الجنسين فيما يخص النوم أو تصوره؛ حيث تُعانِي النساء بصفة عامة من مشاكل النوم أكثر من الرجال، على الرغم من نَيْلِهن قسطًا أكبر وأعمق من النوم، عند قياسه بموضوعية (انظر الشكل رقم ?-?). تقلل العناصر الاجتماعية أيضًا من فرص النوم في الوقت الذي نحاول فيه الحفاظ على التوازن بين الحياة الأسرية والطموحات المهنية، بتقليص فترات النوم؛ مما ينتج عنه تزايد مخاطر اضطرابات النوم الإكلينيكية مع تقدم العمر، وخاصة نتيجة لزيادة الوزن (مثل توقف التنفس أثناء النوم) أو ضغوط الحياة (الأرق) (انظر الفصل السادس). يؤثر انقطاع الطمث تأثيرًا كبيرًا على النوم؛ حيث إن له أعراضًا مؤثرة في النوم منها التعرق الليلي واضطرابات الحالة المزاجية، بالإضافة إلى طول مدة انتظار النوم وانخفاض معدل النوم البطيء الموجات. تعاني النساء بعد انقطاع الطمث من ضعف معدلات الأرق تقريبًا مقارنة بالنساء قبل انقطاع الطمث، على الرغم من أنه عند قياس معدلات النوم بموضوعية، تنعكس هذه الاختلافات؛ مما يشير إلى احتمال تأثير الحالة الهرمونية أيضًا على سوء فهم حالة النوم. تتضاعف خطورة توقف التنفس أثناء النوم ثلاثة أضعاف بعد انقطاع الطمث، وقد يرجع هذا في الغالب إلى إعادة توزيع الدهون المرتبط بالهرمونات، وعادة ما يقل هذا لدى النساء اللاتي يتلقَّيْن علاجًا بالهرمونات البديلة.
(?) النوم عند كبار السن

يعاني الكثير من الأفراد من قلة فترات النوم خاصة عند تقدمهم في السن، ويتقبَّلون ذلك على أنه نتيجة حتمية للشيخوخة. وبناءً على ذلك، يسود اعتقاد بأن كبار السن إما يحتاجون إلى قدْر أقلَّ من النوم أو غير قادرين على الحصول على قدر كافٍ من النوم. ومع ذلك، ففي حالات الشيخوخة الصحية ليس من الضروري حدوث تضرر للنوم بقدر كبير، على الرغم من وقوع بعض التغييرات بالفعل. تتزايد سيطرة العديد من الحالات الطبية والنفسية التي تؤثر في النوم مع تقدم العمر، كما يتزايد أيضًا استخدام الأدوية، كما ترتبط مخاطر بعض اضطرابات النوم أيضًا بالتقدم في العمر (انظر الفصل السادس).
تنخفض القدرة على تعزيز كلٍّ من النوم والاستيقاظ مع تقدم العمر، ويصبح النوم أكثر تقطُّعًا وتزداد احتمالية الإغفاءات أثناء اليوم. يحتاج الأشخاص الأكبر سنًّا فترات أطول للخلود إلى النوم، وهناك انخفاض في «عمق» النوم، يصاحبه أيضًا انخفاض في النوم البطيء الموجات ونوم حركة العين السريعة وزيادة في نوم المرحلة الأولى والثانية. تتكرر مرات الاستيقاظ أيضًا؛ مما يؤدي إلى تقليل فترة النوم وكفاءته. وبشكل عام، يستمر توقيت النوم في التقدم، ويعتبر كبار السن أنفسهم من الفئات النهارية. وكما هو الحال مع المراهقين، لا يرجع هذا التحول إلى تغير الفترة الطبيعية لمنظم الإيقاع اليومي — تظل الساعة البيولوجية منتظمة في حالة الشيخوخة الصحية — لكنه ينتج عن التغييرات التي تطرأ على كيفية تفاعل عمليات الإيقاع اليومي والاستتباب التي تتحكم في النوم. تتضاءل «النافذة» المخصصة للنوم في الإيقاع اليومي مع تقدم العمر؛ مما يؤدي إلى تقليص فترات النوم العميق والممتد، ويُسفِر هذا عن استيقاظ كبار السن في مراحل مبكرة من دورة الإيقاع اليومي أكثر من الشباب. ينعكس هذا التقليل من فرص النوم على الحد الأقصى من النوم الذي يستطيع كبار السن الحصول عليه؛ فعند إتاحة فترات ممتدة للنوم، ينام كبار السن (?? عامًا فأكثر) حوالي ??? ساعات كحد أقصى، وهو أقل بساعة تقريبًا عن نوم الشباب في ظل نفس الظروف. ومن غير الواضح إن كان هذا يُمثِّل «الحاجة» إلى النوم من حيث الاحتياجات البيولوجية للحفاظ على كفاءة الوظائف الجسمانية المُثلى، لكنه على الأقل يمثل القدرة البيولوجية على النوم. ومن المحتمل أن يسفر الفشل في تحقيق هذه المعدلات يوميًّا — أي نقص النوم المزمن — عن الانخفاض التدريجي في معدل اليقظة والأداء مع مرور الوقت. ومع ذلك، فمن المثير للاهتمام، أن نسبة تأثر كبار السن الأصحاء بالحرمان الحاد من النوم أقل منها لدى الشباب، الذين يواجهون صعوبة أكبر في البقاء مستيقظين والحفاظ على مستوًى جيد من الأداء لمدة ?? ساعة أو أكثر، وقد يفسر هذا المعدل المرتفع لحوادث السيارات بين الشباب التي يسببها النعاس أثناء القيادة (انظر الفصل الثامن).
وكثيرًا ما يُقال إن كبار السن يعانون من مشاكل أكثر في النوم نتيجة لانخفاض هرمون الميلاتونين الذي يُفرَز ليلًا (انظر الفصل الثاني). وفي المتوسط، تقل معدلات الميلاتونين لدى كبار السن عن الشباب؛ نتيجة لانخفاض قدرة الغدة الصنوبرية على إنتاج الميلاتونين، و/أو انخفاض شامل في سعة الإيقاعات اليومية. ومع ذلك، فمعدلات الميلاتونين لدى كبار السن الأصحاء تماثل تلك التي يمتلكها الشباب؛ ويدل هذا على أن تراجع معدلات الميلاتونين قد ينتج عن الإصابة ببعض الأمراض. هذا، ولم يحقق العلاج بالميلاتونين البديل — وهو تناول الميلاتونين الاصطناعي كعامل مساعد على النوم لكبار السن — نجاحًا في تحسين عملية النوم؛ مما يدل على أن معدلات الميلاتونين المنخفضة ليستْ في حد ذاتها المسبِّبَ الأساسي لمشاكل النوم. ومع ذلك، يعد تعزيز الإيقاعات اليومية عن طريق تعرض الشخص لدورة قوية من الضوء والظلام من الأمور التي قد تُحسِّن من عملية النوم والسلوك لدى كبار السن، كما سيأتي في القسم الذي يتناول الخَرَف.
ثمة عناصر أخرى مرتبطة بالشيخوخة من شأنها أيضًا أن تؤثر في عملية النوم؛ فمع تقدم السن، تميل عدسة العين إلى الاصفرار تدريجيًّا نتيجة لترسب الصبغة، ويؤدي هذا إلى تغير انتقال الضوء من خلال العدسة وتقليل كمية الضوء قصير الموجات، أو الضوء الأزرق الذي ينفذ من خلال العدسة. ويعد الضوء الأزرق هو أكثر أنواع الطول الموجي تأثيرًا على إعادة ضبط الساعة البيولوجية (انظر الفصل الثاني)؛ ومن ثَمَّ فإن تقليل التعرض للضوء الأزرق قد يزيد من خطورة حدوث اضطرابات الإيقاعات اليومية الخاصة بالنوم، ويفسر هذا سبب تقدم مراحل النوم لدى كبار السن. وتنطبق اعتبارات مماثلة على حالات إعتام عدسة العين، التي تحجب الضوء عبر الطيف بأكمله، على الرغم من الجدل المثار حول أفضل أنواع العدسات البديلة التي ينبغي أن تستخدم. تتوافر عدسات يتم تركيبها داخل مقلة العين وتحاكي إما عدسة الشيخوخة المائلة إلى الاصفرار وإما عدسة الشباب التي تسمح بمرور الضوء الأزرق. وبينما يكون من المتوقع أن يساعد النوع الأخير على حل مشكلات الإيقاع اليومي الخاص بالنوم، يدفع بعض الباحثين بأن الإخفاق في حجب الضوء الأزرق يزيد من خطورة تلف العين، وخاصة مخاطر التنكُّس البقعي المرتبط بالسن، وهو مرض في العين شائع لدى كبار السن، وخاصة لدى مَن عمِلوا تحت ضوء الشمس المباشر. وهناك العديد من الدراسات الآن التي تتناول هذا الموضوع؛ لذلك ما زال العلماء يدرسون أفضل سبل علاج هذه المشكلة.
يمثل تنظيم درجة الحرارة عنصرًا أساسيًّا للنوم سواء للخلود في النوم أو للحفاظ على استمراريته، ويرتبط سوء تنظيم درجة الحرارة بالشكاوى المتعلقة بالنوم. قد يكون ضعف الدورة الدموية أحد الاحتمالات التي تتسبب في شكوى كبار السن من مشاكل النوم، فعند الخلود إلى النوم، تنخفض درجة حرارة الجسم الداخلية بشكل أسرع من الانخفاض الطبيعي الذي يحدث في الإيقاع اليومي، ويرتبط ذلك بزيادة معدل فقدان الحرارة في الأطراف (الأيدي والأقدام). ولا يمكن لمَن يعانون من ضعف الدورة الدموية وبرودة الأيدي والأقدام فقدان نفس القدر من الحرارة، ويحتاجون إلى المزيد من الوقت للاستغراق في النوم؛ إذ تزيد تدفئة الأيدي والأقدام — التي تتسبب في توسع الأوعية وزيادة فقدان الجسم للحرارة — من الشعور بالنعاس وترفع من احتمالات النوم. إذن كانت جَدَّاتُنا على حق، فارتداء جوارب وقلنسوة النوم فكرة سديدة؛ حيث إنها ستزيد من فقدان الحرارة بشكل عام وتساعد على الخلود إلى النوم.
(?) الخَرَف

رغم أن الخرف ليس نتيجة حتمية للشيخوخة، فإنه منتشر بين كبار السن؛ حيث تبلغ نسبة المصابين به ما يقرب من ??? لدى مَن يبلغون من العمر ?? عامًا فما فوق. ويرجع السبب في نحو ثلثي تلك الحالات إلى الإصابة بمرض ألزهايمر، الذي يعتبر السبب الرئيسي للخرف.
ثمة أعراض مشتركة إلى حدٍّ ما بين الشيخوخة والخرف، مثل اضطراب النوم واليقظة ودورات النشاط والراحة التي قد تؤدي في حد ذاتها إلى تفاقم التدهور الإدراكي. فمع الشيخوخة ينخفض عدد الخلايا المسئولة عن تنظيم الإيقاع اليومي انخفاضًا طفيفًا، ولكنه ينخفض بشكل ملحوظ عند الإصابة بمرض ألزهايمر مصحوبًا بخسارة حادة في السعة الإيقاعية التي تكون خلايا الساعة البيولوجية مسئولة عنها. وقد يتسبب انخفاض قوة الإشارة الإيقاعية من هذه الخلايا في ضعف الإيقاعات اليومية الملحوظ لدى العُجُز ومرضى الخرف. ويمثل اختلال أنماط النشاط والراحة السبب الرئيسي لإيداع مرضى الخرف في المؤسسات العلاجية؛ وذلك بسبب كل من الخطر الجسماني الذي يتعرض له مريض الخَرَف نتيجةً للتجول في الليل وإصابة مقدم الرعاية باضطراب النوم المزمن؛ ومن ثَمَّ فإن العلاج المنزلي المبكر لاضطراب الراحة والنشاط لدى مرضى الخرف البسيط أو المتوسط قد يؤدي إلى تأجيل مرحلة احتياج المريض للإيداع في مؤسسات الرعاية.
إحدى المنهجيات الواعدة للتعامل مع اضطراب الراحة والنشاط المرتبط بالخرف تتمثل في معالجة مسألة غياب دورة ثابتة قوية للضوء والظلام، التي يعاني منها كبار السن في الغالب ولا سيما أولئك المقيمين بدُور الرعاية. ففي دراسة هولندية موسعة وُجد أن مرضى الخرف في دُور الرعاية التي زِيدت بها الإضاءة داخليًّا لتصل إلى ???? لَكس من الساعة ?? صباحًا وحتى الساعة ? مساءً (بالمقارنة بالإضاءة القياسية التي تقدر بنحو ??? لكس) أبدَوْا تباطؤًا كبيرًا في معدل التدهور الإدراكي، وتحسنت لديهم القدرة على أداء الوظائف اليومية، وانخفضت معدلات الاكتئاب لديهم، وتحسن نومهم. وثبت أن هذه التحسينات تُعادِل تلك التي يتم الحصول عليها مع العلاج الطبي بالأدوية والعقاقير. وفي حين أن آلية عَمَل هذه التحسينات غير معروفة على وجه الدقة، فإن للضوء خصائص تنبيهية حادة بالإضافة إلى أثره في إعادة ضبط الإيقاع اليومي؛ ومن ثَمَّ فإن تحسين الإضاءة النهارية قد يُحسِّن من الوظائف الانتباهية والإدراكية. ومن شأن وجود دورة أكثر قوة للضوء والظلام أن يؤدي أيضًا إلى استقرار أنماط النوم واليقظة، وتحسين النوم، وهو ما قد يُسهِم في حد ذاته في إبطاء تدهور الوظائف الإدراكية. كما أن للضوء أيضًا قدرة على تحسين الحالة المزاجية وآثارًا علاجية مضادة للاكتئاب في بعض الحالات، مثل الاضطراب العاطفي الموسمي، التي قد تفسر انخفاض مقاييس الاكتئاب.
غير أن هذا النهج لا يمثل حلًّا سحريًّا لجميع أعراض الخرَف، وإنما هو مقاربة بسيطة، ليس لها آثار جانبية، وغير مكلفة لتشجيع أنماط النوم واليقظة الجيدة، وتحسين النوم، وربما لخفض معدلات التدهور الإدراكي والاكتئاب. كما أن هذا النهج لا يقتصر على مَن يعانون من الخرف؛ فتعزيز أنماط الضوء والظلام اليومية لدى جميع كبار السن، وخاصة أولئك الذين لا ينتقلون خارج محل إقامتهم بصفة يومية، أمرٌ مفيد في الغالب، كما هو الحال مع تعزيز دورات الضوء والظلام الجيدة في المستشفيات ومرافق الرعاية الأخرى والمدارس والجامعات وبيوتنا. فبدءًا من الأطفال حديثي الولادة وصولًا إلى العُجُز في سن الشيخوخة، علينا أن نُولِي اهتمامًا كبيرًا بعتمة الليل وضوء النهار كمفتاح للنوم الجيد وتنظيم الإيقاع اليومي.

الفصل السادس
اضطرابات النوم


عادة ما نتعامل مع النوم كأمرٍ مُسلَّمٍ به حين ننال قسطًا كافيًا منه، لكن للأسف، يعاني حوالي ثلث البشر من واحدة على الأقل من حوالي ?? نوعًا من اضطرابات النوم الإكلينيكية، ويعاني الكثيرون أيضًا من مشاكل في النوم دون الحصول على أي تشخيص واضح. وقد تكون تلك الاضطرابات مؤقتة، ربما نتيجة لتجربة مؤلمة كفقدان شخص عزيز أو الطلاق، أو يمكن أن تتحول إلى مشكلة مزمنة. قد تحدث بعض هذه الاضطرابات نتيجة لسلوكيات الأشخاص الخاصة، مثل العمل ليلًا أو الزيادة المفرطة في الوزن، أو يمكن أن ترتبط أيضًا بعوامل أخرى مثل الألم، أو المرض، أو تناول العلاج. وبغض النظر عن السبب، تؤثر اضطرابات النوم بشدة على نوعية الحياة، وهي تضر أيضًا بصحة الفرد وعافيته على المدى الطويل. ولا يستشعر معظم الأشخاص الفائدة التي تعود عليهم من النوم حتى يُحرَموا منه.
هناك ? أنواع من اضطرابات النوم وفقًا ? «التصنيف الدولي لاضطرابات النوم»:
(?) الأرق. (?) اضطرابات التنفس المرتبطة بالنوم. (?) فرط النوم المركزي المنشأ. (?) اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي. (?) الخطل النومي. (?) اضطرابات الحركة المرتبطة بالنوم. (?) الأعراض المنفردة والتغيرات العادية. (?) اضطرابات النوم الأخرى. ولا يسعنا هنا تقديم عرض شامل لكافة اضطرابات النوم، إلا أن جزئية القراءات الإضافية من الكتاب تُورد المزيد من الكتب التي تتناول هذا الموضوع بالتفصيل. وسوف نناقش اضطرابات النوم الأكثر شيوعًا وأكثرها تأثيرًا على كل من الصحة والمجتمع.
(?) الأرق

لا يُعد الأرق مرضًا محددًا لكنه عَرَض شامل يتمثل في عدم القدرة على النوم، وهو أكثر شكاوى النوم شيوعًا. يشمل الأرق مشاكل مختلفة للنوم حيث يجد بعض المرضى صعوبة في النوم (أرق بداية النوم)، وبعضهم قد ينام بسهولة لكنه لا يستطيع الاستمرار في النوم (أرق الحفاظ على النوم)، والبعض يستيقظ مبكرًا جدًّا. يمكن لحالات الأرق العابر أن تبدأ وتنتهي سريعًا ارتباطًا بموقف حياتيٍّ معين، في حين أن هناك بعض الأشخاص الذين يخوضون معركة دائمة مع الأرق، ولا يشعرون بالقدرة على أن ينالوا قسطًا كافيًا من النوم. يرتبط الأرق بالعديد من الظروف النفسية (انظر الفصل السابع) ويمكن أن يرتبط أيضًا بمشاكل أخرى مثل الألم، أو أمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، أو الشلل الرعاش أو حرقة المعدة أو الإفراط في تناول المشروبات الكحولية أو الأدوية. يعاني بعض المصابين بالأرق من فقدان الصلة بين القدْر الذي يحتاجونه من النوم وما ينالونه بالفعل، ويُطلَق على هذه الحالة «سوء إدراك حالة النوم» أو «الأرق المتناقض»، وفي بعض الأحيان، ينام المصابون بالأرق لفترات أطول مما يظنون. وفي هذه الحالة لا يشعر المصابون عادةً بالاكتفاء في الصباح وقد يعانون من الشعور بالنعاس، والإرهاق، أو التوعك، ومشاكل في الانتباه والتركيز والأداء، وتنتابهم حالة مزاجية سيئة، وانخفاض النشاط أو سرعة التهيج العصبي، وقد يتعرضون لوقوع حوادث في العمل أو أثناء القيادة نتيجة للشعور بالنعاس، أو حالة من القلق العام بشأن النوم. وحتى يتم التشخيص الطبي لهذه الحالة، يجب أن تستمر هذه الأعراض لمدة شهر على الأقل.
تصل نسبة مَن يعانون من الأرق إلى حوالي ??? من البالغين في مرحلة ما في حياتهم، ونحو ما يصل إلى ??? منهم يعانون من الأرق المزمن. تعاني النساء من الأرق أكثر من الرجال، على الرغم من أن الدراسات قد أثبتت أن جودة النوم لديهن أعلى من الرجال. وتزداد الشكوى من الأرق مع تقدم العمر، حيث تصل نسبة مَن يعانون من مشاكل الأرق إلى نحو نصف مَن يتخطى سنهم ?? عامًا. وعادة ما يضطرب نوم كبار السن نتيجة لحاجتهم إلى النهوض والذهاب إلى الحمام على الأقل مرة واحدة كل ليلة، ويُطلق على هذه الحالة «كثرة التبول أثناء الليل»، وتصيب ما يزيد عن ثلث كبار السن (وبعض الشباب)، وإذا ما كانت حالة مزمنة فيكون هذا مصاحبًا لمجموعة من الآثار الصحية السيئة وزيادة معدل الوفيات.
هناك العديد من مسببات الأرق، لكن عادة ما يندرج المرضى تحت ثلاث فئات: فالبعض يعاني من استعداد وراثي للأرق، ويمكن أن تظهر عليهم أعراض فرط التنبه أو انخفاض الدافع الاستتبابي للنوم؛ مما يجعل الاستغراق في النوم أو الحفاظ عليه أمرًا صعبًا. وقد تكون هناك أيضًا عناصر محفزة من شأنها زيادة فرص الإصابة بالأرق، ومنها: الأحداث الحياتية، والإصابة بالأمراض، وكثرة التبول أثناء الليل، وتناول الأدوية، وتعاطي المخدرات أو الخمور. وأخيرًا، قد يواظب الأفراد على بعض السلوكيات التي تؤدي إلى الإصابة بالأرق، مثل مشاهدة التلفاز أو استخدام الحاسوب في غرفة النوم، أو ممارسة التمارين الرياضية، أو تناول الطعام، أو رؤية ضوء ساطع في وقت متأخر من المساء، أو الإفراط في تناول الكافيين، أو القيلولة أثناء النهار، أو القلق بشأن النوم، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى زيادة صعوبة النوم. يمكن للمشكلة الأخيرة أن تصبح بمثابة استجابة مشروطة — ما نسميه «الأرق المكتسب» — حيث يدخل المرضى في حلقة مفرغة من المعاناة من الأرق الحاد نتيجة لموقف حياتي أو للقلق بشأن القدرة على النوم؛ مما يؤدي بدوره إلى مواجهة صعوبات في النوم، بما يعمل على إثارة المزيد من القلق والسلوكيات التي تؤدي إلى تأخر النوم أو زيادة صعوبته، ويؤدي هذا إلى المزيد من القلق بشأن النوم، وهكذا. ويُعد كسْرُ هذه الحلقة عنصرًا هامًّا لعلاج الأرق يتضمن التخلص من المسببات الدائمة لتلك الحالة وتحسين العادات الصحية للنوم.
يرتبط عدم علاج الأرق بالمشاكل الصحية، فعلى الرغم من عدم معرفة الأسباب؛ فإن بعض الأمراض قد تؤدي إلى ظهور أعراض الأرق، أو قد يتطور الأرق كاضطراب أساسي ثم تزداد مخاطر الإصابة بأمراض أخرى نتيجة لذلك. يرتبط الأرق أو عدم كفاية النوم بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتة الدماغية، والاكتئاب. ويعد الأرق أيضًا من الأعراض الشائعة للاضطرابات النفسية (الفصل السابع). يمكن أن يؤدي علاج مشاكل النوم، دون التطرق إلى السبب الرئيسي للاضطراب النفسي، إلى تحسين أداء المرضى بتحسين النعاس أثناء النهار والحالة المزاجية، أو توفير بنية يومية أفضل.
تختلف اختيارات العلاج بناءً على السبب الرئيسي للأرق. ويمكن لمعالجة السبب الأوَّلِي للأرق — مثل معالجة الألم بصورة أفضل أو التعافي من الفجيعة — أن يُخفِّف من حِدَّة الأعراض. ومع ذلك، يُعد علاج الأرق في حدِّ ذاته أمرًا مطلوبًا في علاج الأرق الأوَّلِي، وتتضمن أكثر أساليب العلاج غير الدوائية شيوعًا التحكم في المحفزات، وتقييد النوم، والعلاج بالاسترخاء، وقد يجتمع بعض هذه العناصر أو جميعها مع العلاج السلوكي المعرفي. وتهدف هذه الأساليب إلى إعادة هيكلة عادات النوم والتخلص من السلوكيات المشروطة التي لها دور في الإصابة بالأرق. وبعد ملاحظة المرضى لعدة أسابيع، تبيَّنت قدرتُهم على مواجهة القلق المسبب للأرق وتطوير عادات أفضل للنوم باتباع جدول زمني ثابت للنوم والاستيقاظ، وممارسة أساليب الاسترخاء قبل النوم، والتخلص من المنبهات، مثل: التلفاز، وأجهزة الحاسوب، والهواتف، والمفكرات الشخصية، والضوء من غرفة النوم، وإعادة تنظيم تناول الكافيين وممارسة التمارين الرياضية في وقت مبكر من اليوم. وحين لا يتمكن المرضى من النوم، لا يُنصح المرضى بالبقاء مستيقظين في الفراش لفترات طويلة لكن يُنصحون بالقيام ببعض الأنشطة الخفيفة في ضوء خافت في مكان آخر قبل محاولة النوم مجددًا. كما تطبق أيضًا أساليب لتقييد النوم، حيث يخلد المرضى إلى الفراش تبعًا لجدول زمني ولفترة زمنية محددة (على سبيل المثال لست ساعات) للحفاظ على كفاءة أعلى للنوم وتقليل الفترة التي يقضيها المريض مستيقظًا، وتمتد هذه الفترة الزمنية تدريجيًّا حتى يتمكن المريض من النوم بعمق لفترات أطول. وقد صُمِّمت هذه الأساليب لكسر العادات السيئة واستبدال عادات صحية للنوم بها (الجدول رقم ?-?). يتميز العلاج السلوكي المعرفي بمعدلات أعلى من النجاح طويل الأمد في حالة استجابة المرضى. كثيرًا ما يجري العلاج باستخدام العقاقير المنومة أو «الحبوب المنومة» لعلاج الأرق، حيث يُكتب ما يزيد عن ?? ملايين وصفة طبية لاستخدام المنومات كل عام في «إنجلترا» وحدها. وتتميز مجموعة من الأدوية بمؤثرات محفزة للنوم، وتضمنت بعض الأساليب القديمة لعلاج الأرق استخدامًا للمهدئات على نحو غير قانوني، ومضادات الاكتئاب المهدئة، والأدوية المضادة للذهان لدى غير المصابين بالاكتئاب. أما الآن فقد أصبحت الأدوية المنومة المعتمَدة لعلاج الأرق تتضمن عقاقير تحتوي على البنزوديازيبينات سريعة المفعول (مثل «تيمازيبام»، و«تريازولام»، و«إستازولام») وما يطلق عليها «عقاقير زي»، التي تتميز بنفس تأثير البنزوديازيبين لكنها تختلف من الناحية الكيميائية («زاليبلون»، و«زولبيدم»، و«زوبيكلون»، و«إيزوبيكلون»). تختلف مدة نصف عمر هذه الأدوية (الوقت المطلوب لانخفاض تركيز الدواء في الجسم والوصول إلى النصف، وهي طريقة لقياس مدة تأثير الدواء)، ويتراوح المعدل الشائع من ساعة ليصل إلى ?? ساعة؛ ومن ثَمَّ يجب أن يكون اختيار الدواء متوازنًا بين الحصول على قدر كافٍ من النوم الطويل في مقابل الآثار السلبية المحتملة على القدرة على العمل أثناء النهار، خاصةً مخاطر النعاس في الصباح عند كبار السن وعدم القدرة على القيادة. ويعد فقدان الذاكرة بعد الاستيقاظ أثناء الليل من المخاطر المحتملة في بعض الأدوية التي قد تكون غير مناسبة تحت ظروف معينة.
جدول ?-?: نصائح خاصة ? «العادات الصحية للنوم» للأصحاء.
ما لا ينبغي فعلهما ينبغي فعلهوجود تلفاز في غرفة النوم أو مشاهدة التلفاز في الفراش.محاولة الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس الموعد كل يوم.استخدام الكمبيوتر في غرفة النوم أو وجود أجهزة إلكترونية بالقرب من الفراش أثناء النوم.قصر استخدام غرفة النوم على النوم والعلاقة الحميمة.المجادلة أو ممارسة تمارين عنيفة قبل النوم مباشرةً.ممارسة التمارين الرياضية بانتظام يوميًّا، ويُفضل في الصباح أو بعد الظهر.تناول الكافيين بعد الظهر أو مساءً.التعرض للضوء الخارجي بانتظام.تناول مشروبات كحولية أو أية مشروبات أخرى تساعدك على النوم.الحفاظ على درجة حرارة معتدلة تميل إلى البرودة داخل غرفة النوم.الذهاب إلى الفراش متخمًا أو جائعًا جدًّا.الحفاظ على هدوء غرفة النوم أثناء النوم واستخدام سدادات الأذن.تناول الحبوب المنومة الخاصة بشخص آخر.الحفاظ على غرفة النوم مظلمة تمامًا باستخدام الستائر المعتمة أو استخدام غطاء للعين.تناول العقاقير المتوافرة دون وصفة طبية لتساعدك على النوم (مثل مضادات الهيستامين).الحفاظ على دفء الأقدام والأيدي واستخدام جوارب النوم.أخذ قيلولة لمدة تزيد عن ?? دقيقة.أخذ قيلولة قصيرة أثناء النهار.استخدام الأضواء الليلية، لكن يمكن استخدام ضوء خافت أحمر يميل إلى البرتقالي إذا أمكن.خفض الأضواء قدر الإمكان قبل النوم بساعة أو ساعتين.التوتر بشأن عدم القدرة على النوم.القيام بأمور تدعو للاسترخاء قبل الذهاب للفراش مثل تمارين الاسترخاء، أو التأمل، أو أخذ حمام دافئ أو تناول مشروب دافئ خالٍ من الكافيين.الشعور بالضغط من قِبَل الآخرين بشأن احتياجاتك من النوم وأوقاته.الاستجابة لاحتياجات الجسم من النوم.
توصي التوجيهات الإرشادية الحالية باستخدام تلك العقاقير لعدة أسابيع فقط، على الرغم من أنها كثيرًا ما توصف للأشخاص لفترات أطول؛ مما يزيد من مخاطر اعتماد الجسم على تلك العقاقير، وفي تلك الحالة يشعر المرضى في بعض الأحيان بالحاجة إلى زيادة الجرعة التي يتناولونها للحصول على نفس التأثير (يحدث ذلك عادةً دون إذن الطبيب) ويمكن أن يترتب على وقف تناول الأدوية ظهور أعراض الانسحاب وعودة الأرق. وفي الآونة الأخيرة، تم اعتماد استخدام الميلاتونين ومنشطات مستقبلات الميلاتونين كعلاج للأرق، ولا تشتمل هذه الأدوية على مخاطر زيادة الاعتماد عليها لكن قد تكون فعاليتها محدودة.
يعتمد نحو ??? من مرضى الأرق على العلاج الذاتي بالكحول، أو تناول الأدوية التي تساعد على النوم والمتوافرة دون وصفة طبية، أو العلاجات العشبية غير المُختبرة. عادةً ما يُستخدم الكحول لمساعدة الأشخاص على النوم، على الرغم من التراجع السريع لتأثير الكحول على النوم مع الوقت وما يُسببه من اضطراب في النوم نتيجة لكثرة التبول أثناء الليل. وتحفز بعض مضادات الهيستامين النوم عن طريق تثبيط المؤثرات المنبهة للهيستامين في الدماغ (الفصل الثالث).
قد تسهم أيضًا بعض الأدوية والمواد في المعاناة من الأرق، وتتضمن منشطات الجهاز العصبي المركزي، وبعض أنواع العقاقير الخافضة للضغط وأدوية الجهاز التنفسي، ومزيلات الاحتقان، والعلاج بالهرمونات البديلة، وأدوية العلاج الكيميائي، وحبوب إنقاص الوزن، والنيكوتين، والكافيين (الفصل الثالث).
(?) اضطرابات التنفس المرتبطة بالنوم

تشكل اضطرابات التنفس المرتبطة بالنوم نسبة كبيرة من شكاوى النوم. ومن شكاوى النوم الشائعة متلازمة توقف التنفس أثناء النوم، وتتميز بغلق متكرر جزئي أو كلي لمجرى الهواء (توقف التنفس) حين يستلقي المرضى للنوم، وهو الذي يؤدي بدوره إلى قطع إمداد الهواء مما يُشعر المرضى بالاختناق؛ ومن ثَمَّ الاستيقاظ من نومهم. عادةً ما يتبع توقف التنفس لهاث عالي الصوت، غالبًا ما يسمعه مَن ينام إلى جوار الشخص. يتجاوز هذا الاضطراب الغطيط العادي، على الرغم من أن مَن يَغُطُّون في نومهم بشدة معرَّضون لمخاطر توقف التنفس أثناء النوم. يمكن تعريف توقف التنفس على أنه انخفاض في معدل تدفق الهواء بنسبة ??? على الأقل لمدة ?? ثوانٍ على الأقل (??? لضعف التنفس) ويصاحب ذلك انخفاضًا في معدلات الأوكسجين في الدم بنسبة ?-??. وتكرار هذه الحالة ?? مرة أو أكثر في الساعة (يصل مؤشر ضعف التنفس–توقف التنفس لمعدل ?? أو أكثر) يشخص كإصابة أكيدة بتوقف التنفس أثناء النوم، لكن تكرار حدوث الحالة ? مرات على الأقل في الساعة يُعدُّ حالة طفيفة من توقُّف التنفس أثناء النوم وقد يكون لها عواقب صحية أيضًا. يُشخَّص تكرارُها لثلاثين مرة أو أكثر في الساعة على أنها حالة «حادة»، وفي الحالات الشديدة الخطورة يتوقف المرضى عن التنفس حوالي ??? مرة في الساعة. يمنع مثل هذا الاضطراب المتكرر في النوم المريضَ من دخول مرحلة النوم العميق البطيء الموجات، الذي يساعد على استعادة اليقظة؛ ومن ثَمَّ يعاني المرضى عادةً من الإرهاق الشديد ويواجهون مشاكل في الإدراك. وتمثل حوادث التصادم الناجمة عن النعاس أثناء القيادة إحدى المخاطر التي يعاني منها هؤلاء المرضى على وجه الخصوص؛ حيث تزداد نسبة مخاطر الحوادث سبعة أضعاف إذا لم تتم معالجتهم. وتؤدي الصدمة المتكررة التي تنجم عن الاستيقاظ فجأة كل بضع دقائق إلى تغير معدل ضربات القلب، ورفع معدل ضغط الدم وزيادة مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية والنوبات القلبية؛ حيث يعاني مرضى توقف التنفس أثناء النوم الذين لم يتلقَّوا العلاج من ارتفاع نسبة الوفاة الناجمة عن النوبات القلبية أو السكتات الدماغية أكثر من غيرهم بضِعْفَين أو ثلاثة أضعاف كما يعانون أيضًا من ارتفاع مخاطر مقاومة الأنسولين ومرض السكر.
ينتشر توقف التنفس أثناء النوم بين مَن هم في مرحلة منتصف العمر، والمرضى الذين يعانون من الوزن الزائد، وخاصة الرجال، ومع ذلك يعاني النساء من ارتفاع مخاطر الإصابة به بعد انقطاع الطمث. وتعد كل من السمنة (التي يمكن تحديدها عادة عن طريق وصول مؤشر كتلة الجسم — نسبة الوزن إلى الطول، كجم/متر? — إلى الرقم ?? أو أكثر) وزيادة حجم الرقبة مؤشرات قوية لمخاطر الإصابة بتوقف التنفس أثناء النوم؛ حيث إن الدهون المتراكمة حول الرقبة «تضغط على» مجرى الهواء عند الاستلقاء للنوم. وتعد الإصابة بالاختناق أثناء النوم أمرًا مضمونًا فعليًّا مع ارتفاع معدلات مؤشر كتلة الجسم. ونظرًا لارتفاع مخاطر الحوادث الناجمة عن النعاس أثناء القيادة عند مرضى توقف التنفس أثناء النوم الذين لا يتلقَّون أي علاج، كان من المقترح ضرورة خضوع كافة السائقين التجاريين الذين يُعانون من ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، إلى فحص وعلاج لتلك الحالة قبل استخراجهم لرخصة القيادة. ومن أجل السلامة العامة، يمكن أن تتم دراسة تطبيق هذا الشرط على جميع السائقين، وليس فقط سائقي الشاحنات التجارية، وكذا على الطيارين، وقباطنة السفن، وسائقي القطارات، وعلى أصحاب المهن التي تتعلق بالسلامة وتتضمن تعاملًا مع العامة (على سبيل المثال: رجال الشرطة، ورجال الإطفاء، والأطباء، وأطقم التمريض). من شأن البرامج المستهدفة لفحص توقف التنفس أثناء النوم أن تعود بالفائدة على كل من صحة الفرد والسلامة العامة. وبالرغم من ذلك لا تحدث حالات توقف التنفس أثناء النوم للمرضى الذين يعانون من السمنة فحسب، بل يمكن أيضًا أن يعاني أصحاب القامة النحيلة من توقف التنفس أثناء النوم نتيجة للتغيرات التشريحية التي تسد مجرى الهواء، والتي تتضمن قِصَر مجرى الهواء؛ مما يجعله عرضة للانسداد بسهولة تحت الضغط، أو كِبَر حجم اللسان أو تضخم اللوزتين التي تسد مجرى الهواء على نحو جزئي، أو التكوين غير المعتاد للفك.
هناك العديد من سُبُل العلاج المتاحة، أكثرها شيوعًا هو ضغط المجرى الهوائي الإيجابي المستمر، وخلاله يرتدي المريض قناعًا صغيرًا على الأنف أو الفم، يعمل على دفع الهواء داخل المجرى الهوائي أثناء النوم؛ لضمان بقاء المجرى مفتوحًا. وعلى الرغم من أن المريض قد يستغرق بضعة أيام ليعتاد على ارتداء القناع، فإن علاج ضغط المجرى الهوائي الإيجابي المستمر يمكن أن يحقق نجاحًا كبيرًا وهو يتميز بكونه لا جراحيًّا وبسيطًا نسبيًّا. وينصح أيضًا بفقدان الوزن كخطوة مبدئية لعلاج توقف التنفس أثناء النوم. وقد تكون هناك طرق أخرى أكثر فعالية، اعتمادًا على المسببات حيث يمكن تركيب أجهزة للأسنان لمنع اللسان من سد المجرى الهوائي أو إعادة الفك إلى وضعه الطبيعي بتحريكه قليلًا، وعدد قليل من المرضى قد يحتاج إلى إجراء جراحة لاستئصال اللوزتين أو تغيير شكل الفك. عادةً ما يلاحظ المرضى الذين خضعوا لعلاج ناجح لتوقف التنفس أثناء النوم تغيرات في معدلات الإدراك واليقظة أثناء النهار، ويدركون بالفعل مدى ما كانوا يعانون منه من النعاس والإرهاق قبل تلقي العلاج.
تعتبر متلازمة توقف التنفس المركزي أثناء النوم مجموعة مترابطة من الاضطرابات، ولكنها أقل شيوعًا وفيها يصبح التنفس مضطربًا أثناء النوم. وعلى النقيض من توقف التنفس أثناء النوم، يبقى المجرى الهوائي مفتوحًا أثناء توقف التنفس المركزي، لكن يبذل الشخص مجهودًا غير طبيعي — أو لا يبذل أي مجهود على الإطلاق — ليتمكن من التنفس. ويمكن أن يحدث هذا نتيجة لمجموعة متنوعة من المشاكل تتضمن تغيرات في تنظيم الجهاز العصبي للتنفس أثناء النوم، أو اعتلال الرئة، أو مرض في القلب والأوعية الدموية، على سبيل المثال في قصور القلب الاحتقاني أو بعد الإصابة بسكتة دماغية. ترتبط هذه الاضطرابات بتراجع الاستجابات للأحداث التي يجب أن تؤدي تلقائيًّا إلى بذل المزيد من الجهد للتنفس، مثل توقف التنفس أو ارتفاع معدلات ثاني أكسيد الكربون في الدم؛ الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب النوم. وقد لوحظت مشاكل مشابهة على الأشخاص الذين سافروا إلى أماكن مرتفعة تقع على علو شاهق.
(?) فرط النوم المركزي المنشأ

تعكس اضطرابات هذه الفئة أعراض النعاس المفرط أثناء اليوم (النوم المفرط) التي لا تنجم عن توقف التنفس أثناء النوم، أو اضطرابات النظام اليومي، أو أي مشاكل أخرى متعلقة بالنوم؛ لكن تنجم تلك الأعراض عن اضطراب فعلي «مركزي» في الدماغ. ولقد تم وصف ثلاثة أنواع من الاضطراب، ويُعدُّ أسهل تلك الأنواع فهمًا هو الخَدَر — ونعني به حرفيًّا «هجمات النوم» — الذي يتسم بتغلب النوم القهري (حتى عند الشعور بالنشاط)، والقيلولة المنتظمة، والنعاس المفرط أثناء اليوم. كما يحدث اضطراب في النوم أثناء الليل، مع انخفاض النوم المتواصل والمعزز، ويمكن أن يُصاب المرضى بشلل النوم الذي يحدث أثناء نوم حركة العين السريعة أو حدوث حالة مشابهة لنوم حركة العين السريعة في اليقظة. ولقد تم وصف أنواع فرعية من الخَدَر، ومنها على وجه التحديد الخَدَر مع الجمدة أو من دونها، والخَدَر الذي ينتج عن حالة طبية (مثل صدمة الرأس، أو الشلل الرعاش، أو التصلب المتعدد). يعد الخَدَر فقدانًا مفاجئًا لقوة العضلات، الذي قد يؤدي إلى تكوُّم المريض بالمعنى الحرفي للكلمة، مشلولًا شللًا مؤقتًا، بينما يكون في حالة من اليقظة لبضع دقائق، وعادةً ما يكون الخَدَر نتيجة لاستجابات عاطفية حادة مثل الضحك، أو المفاجأة، أو الغضب في بعض الأحيان. يمكن أن يكون الخَدَر حالة خطرة، على الرغم من إصابة بعض المرضى بأعراض أقل شدة وتتركز في عضو معين، مثل الارتخاء المؤقت في الفك أو ضعف الركبتين.
يعد الخَدَر من الأمراض النادرة، حيث يصيب ???? فقط من عدد السكان، لكنه على الجانب الآخر قد يكون اضطرابًا مسببًا للعجز. ومؤخرًا تحققت إنجازات مهمة لفهم أساس الخَدَر. وكما ورد في الفصل الثالث، يعد الأوريكسين/الهيبوكريتين مكونًا رئيسيًّا لعملية تنظيم النوم والاستيقاظ. يحفز تنشيط الخلايا العصبية للأوريكسين الشعور باليقظة، بينما تحفز معدلات الأوريكسين المنخفضة ليلًا القدرة على النوم. ولقد وُصف الأوريكسين بأنه مفتاح التحكم في عملية التناوب بين حالات النوم واليقظة؛ حيث يتحكم في معدل الانتقال بين حالات النوم واليقظة ويساعد على الحفاظ على فترات متصلة من اليقظة الكاملة أو النوم العميق. يعاني مرضى الخَدَر من معدلات شديدة الانخفاض من الأوريكسين والقليل من الخلايا التي تنتج الأوريكسين؛ ومن ثَمَّ يفقدون آلية التحكم الهامة التي تمكنهم من الحفاظ على نمط طبيعي للنوم والاستيقاظ. وعلى الرغم من عدم وجود أي علاج حتى الآن، فإنه يمكن علاج بعض الأعراض، على سبيل المثال باستخدام المحفزات لمواجهة النعاس المفرط.
وتعد حالات فرط النوم الأخرى، وفرط النوم مجهول السبب (النعاس أثناء النهار دون سبب معروف) وفرط النوم المتكرر (نوبات متكررة من النعاس أثناء النهار والخلل الوظيفي المعرفي)، من الحالات نادرة الحدوث وغير المفهومة جيدًا. يحدث فرط النوم المتكرر نتيجة لمتلازمة «كلين-ليفين» بالإضافة إلى اضطرابات سلوكية متكررة تتضمن تناول الطعام بشراهة وزيادة الرغبة الجنسية وكذلك ضعف الإدراك، وسرعة التهيج والعدوانية. يندرج فرط النوم المرتبط بالدورة الشهرية أيضًا تحت هذه الفئة. يعاني مرضى فرط النوم مجهول السبب من النعاس المفرط أثناء النهار وفترات قيلولة لا تُعيد إليهم النشاط، وعادةً ما يعانون من الجمود الشديد عند الاستيقاظ من النوم. كما يعاني بعض المرضى أيضًا من فترات طويلة جدًّا من النوم ليلًا وربما تكون هذه الاضطرابات ناجمة عن المناعة الذاتية أو لها أساس وراثي، لكن تنحصر سبل العلاج الآن على علاج أعراض النعاس أثناء النهار.
(?) اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي

شكل ?-?: (أ) يمكن الاستغراق في النوم سريعًا (طول فترة انتظار النوم) ولفترات طويلة إذا حدث النوم خلال فترة محددة خلال الإيقاع اليومي، الذي يحدث — في ظل الظروف الطبيعية — خلال الليل ويتزامن مع ارتفاع معدل الميلاتونين وانخفاض درجة حرارة الجسم الداخلية. أما محاولة النوم مبكرًا فتعني تزامن محاولة النوم مع نطاق الحفاظ على اليقظة؛ مما يزيد من صعوبة النوم. حينما يحدث النوم في التوقيت الخاطئ من الإيقاع اليومي، ومثال ذلك عندما ينام عامل وردية في منتصف اليوم (اللوحة الرمادية)، تزداد فترة انتظار النوم وتقل مدة النوم.
شكل ?-?: (ب) وبالمثل، يظهر معدل الأداء أيضًا وجود إيقاع يومي، وترتفع معدلات الأداء أثناء النهار وتنخفض أثناء الليل. يبقى عمال الورديات الليلية مستيقظين أثناء الليل حين ينخفض معدل أدائهم (اللوحة الرمادية)؛ مما يزيد من خطورة الحوادث المرتبطة بالنعاس.
تحدث اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي نتيجة لمحاولة النوم أو حدوثه في غير وقته الطبيعي من دورة الساعة البيولوجية (انظر الشكلين ?-?، ?-?). هناك فترة محدودة فقط للنوم خلال الدورة اليومية يمكن فيها الخلود إلى النوم والحفاظ عليه بسهولة، ويترتب على محاولة النوم خارج حدود هذه الفترة مواجهة صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه. يمكن أن تكون اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي ناجمة عن التحفيز الذاتي، أو تعود إلى أسباب بيئية، أو نتيجة لاضطراب فعلي في تنظيم الإيقاع اليومي للنوم. ويمكن لهذه الاضطرابات أن تنتشر ضمن مجموعات محددة، مثل المصابين باضطراب تأخر مرحلة النوم عند المراهقين، واضطراب تقدم مرحلة النوم عند كبار السن، واضطراب النوم والاستيقاظ غير المتزامن مع ساعات اليوم الأربع والعشرين عند المكفوفين تمامًا، واضطراب النوم والاستيقاظ لدى المصابين بالخرف (انظر الفصل الخامس). يتطلب علاج اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي تغيير مواعيد النوم حتى يحدث في المرحلة الصحيحة من الإيقاع اليومي، أو إعادة ضبط منظم الإيقاع اليومي والحفاظ عليه؛ ليتواءم مع الوقت المطلوب للنوم. ويعد علاج الميلاتونين ودورة الضوء والظلام من أقوى عوامل التزامن، على الرغم من أن التوجيهات الإرشادية الإكلينيكية الرسمية لاستخداماتها العلاجية محدودة. ويعد كل من الضوء والميلاتونين من «الكرونوبايوتكس»، وهو نوع من العلاج يعمل على تغيير الساعة، وله تأثير مختلف اعتمادًا على توقيت اليوم الذي بدأ فيه اتباع النظام. تصف منحنيات استجابة الطور كلًّا من اتجاه ومقدار تلك التأثيرات، فعلى سبيل المثال، يعمل التعرض للضوء في المساء على تحويل منظم الإيقاع اليومي إلى وقت لاحق (تأخير)، بينما يُحوِّل التعرض للضوء في الصباح الباكر الساعة البيولوجية إلى وقت مبكر (تقديم). أما فيما يتعلق بعلاج الميلاتونين فله منحنًى مختلف لاستجابة الطور؛ حيث يؤدي تناول الميلاتونين في المساء إلى تقديم الساعة البيولوجية، بينما يتسبب ميلاتونين الصباح في تأخيرها. يمكن أن تُستخدم هذه الخصائص في ضبط توقيت العلاج بالضوء والظلام أو بالميلاتونين لتحويل الساعة البيولوجية للاتجاه المطلوب. أما فيما يتعلق باضطراب تقدم مرحلة النوم، فسيُحوِّل كلٌّ من ضوء المساء وميلاتونين الصباح الساعة لوقت لاحق، بينما سيعمل كل من ضوء الصباح وميلاتونين المساء على تقديم الساعة البيولوجية لعلاج اضطراب تأخر مرحلة النوم (انظر الشكل رقم ?-?). يمكن الاعتماد على كل من ضوء النهار الطبيعي و«صناديق» الضوء لمعالجة اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي، ومن العوامل المهمة أيضًا تقليل التعرض للضوء في الوقت غير المناسب لتجنب إلغاء تأثير ما حدث من نتائج مرجوة (انظر الفصل التاسع). يعد الميلاتونين في معظم الدول متاحًا بالوصفات الطبية (وهو متاح في الولايات المتحدة الأمريكية دون أي وصفات طبية)، لكن معظم الأطباء لم يتلقَّوا التدريب الكافي على استخدامه بتوقيت محدد. وهكذا لا يحصل معظم المرضى على النتائج المحتملة للميلاتونين؛ لأنه لم يوصَف في المواعيد الصحيحة؛ ومن ثَمَّ فهناك حاجة إلى توافر التوجيهات الإرشادية الإكلينيكية الواضحة. يتمتع الميلاتونين والعقاقير المشابهة له (التي يطلق عليها «مواد شادَّة») أيضًا بتأثير «منوِّم» طفيف، أو تأثير مساعد على النوم، وتزداد فعاليتها في حالة عدم إنتاج الميلاتونين الطبيعي — في منتصف اليوم — مما يجعل الميلاتونين ذا فائدة مضاعفة لعمال الورديات وفي الحالات المصابة باضطراب الرحلات الجوية الطويلة؛ حيث يساعد — عند تناوله في الوقت المناسب — على إعادة ضبط الساعة البيولوجية والنوم في المرحلة «الخاطئة» من الإيقاع اليومي. وعلى الرغم من اعتماد الميلاتونين والمواد الشادة الشبيهة به كعلاج للأرق، فإنها لا تتمتع بفعالية كبيرة عند تناولها وقت النوم كعلاج لاضطرابات النوم غير المتعلقة بالإيقاع اليومي. شكل ?-?: يتطلب علاج اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي علاجًا في توقيت محدد على نحو سليم، لتحويل توقيت النوم للمرحلة الصحيحة من الإيقاع اليومي. ويُعدُّ كل من العلاج بالميلاتونين والعلاج بالضوء من علاجات الكرونوبايوتكس التي يعتمد تأثيرها على توقيت العلاج تبعًا للإيقاع اليومي. ويتطلب علاج اضطرابات تأخر مرحلة النوم تقديم النوم لميعاد متقدم، وهو ما يمكن تحقيقه بالعلاج الليلي بالميلاتونين أو العلاج الصباحي بالضوء. أما علاج اضطراب تقدم مرحلة النوم فتأخير النوم لوقت لاحق، ويمكن تحقيق هذا بالتعرض للضوء ليلًا. وقد يتسبب العلاج النهاري بالميلاتونين في تقدم المرحلة، ولكن لا يُنصَح به؛ حيث إنه قد يتسبب في الشعور بالنعاس في أوقات غير ملائمة، مثل الرغبة في النوم أثناء القيادة في الطريق إلى العمل.
المربع رقم ?: الحياة في منطقة زمنية مختلفة يوميًّا، اضطراب النوم والاستيقاظ غير المتزامن مع ساعات اليوم الأربع والعشرين لدى المكفوفين

إذا سلمنا بأن الضوء هو أهم مؤشر بيئي لضبط الساعة البيولوجية، يصبح أمامنا سؤال في غاية الوضوح ألا وهو: ماذا سيحدث حين يفقد أحدهم القدرة على اكتشاف الضوء؟ للأسف، يعجز معظم المكفوفين، وخاصة مَن فقدوا أعينهم، عن الحفاظ على تزامنهم مع ساعات اليوم الأربع والعشرين؛ ومن ثَمَّ يصابون ? «اضطراب النوم والاستيقاظ غير المتزامن مع ساعات اليوم الأربع والعشرين»؛ نتيجة لعدم التطابق بين ساعاتهم البيولوجية الداخلية واليوم الاجتماعي الطبيعي. ويتسم هذا الاضطراب بمشاكل دورية في النوم، التي يعاني على إثرها المرضى من عدم القدرة على الاستغراق في النوم لعدة أسابيع بعد عدة أسابيع من النوم الجيد، وفرط النعاس وفترات القيلولة أثناء النهار، التي يتبعها فترة من النوم الجيد مرة أخرى، وهكذا دوالَيْك ضمن دائرة مفرغة لا تبدو لها نهاية. وتتحدد مدة الدورة تبعًا لتوقيت الساعة البيولوجية الداخلية للفرد، التي تتراوح ما بين ???? حتى ???? ساعة عند البشر. على سبيل المثال: يحتاج الفرد الذي يبلغ توقيت ساعته الداخلية ???? ساعة إلى ?? يومًا (? أسابيع) لاستكمال دورة كاملة «للإيقاع اليومي» (??? ساعة في اليوم لاستكمال دورة مدتها ???? ساعة). إذا ما تم تغيير توقيت النوم ?? دقيقة في اليوم، وهي فترة تبدو غير مؤثرة، إلا أنها تتزايد بمرور الوقت، وسيؤدي هذا إلى «فقدان تزامن» الساعة البيولوجية مع اليوم الطبيعي الممتد لأربع وعشرين ساعة؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى شعور المرضى بالنعاس الشديد أثناء النهار واليقظة أثناء الليل. سيستغرق الفرد الذي يتمتع بساعة بيولوجية أسرع، على سبيل المثال ???? ساعة، ??? يومًا؛ أي حوالي ? أشهر، لاستكمال دورة كاملة، وسيمرون ? ? أشهر من النوم الجيد يليها ? أشهر من النوم المضطرب في كل دورة. وقد لا يتمكن الطبيب أو المريض من تفسير هذا على أنه اضطراب دوري، ويمكن أن يُشخص دون قصد على أنه أرق أو خَدَر في ضوء مشكلات النوم الممتدة على فترة طويلة والشعور المفرط بالنعاس أثناء النهار.
يمكن أن يوفر العلاج اليومي بالميلاتونين — في حالة تناوله في المساء كل أربع وعشرين ساعة — إشارة زمنية تعمل على تعويض العجز عن رؤية الضوء وإعادة تزامن الساعة البيولوجية. وعلى الرغم من عدم وضوح كافة التفاصيل بعدُ، فإنه يبدو أن الجرعات القليلة (??? ملِّيجرام أو أقل) تؤدي إلى تزامن الساعة البيولوجية على أفضل وجه، لكنها قد تستغرق بضعة أسابيع لتحقيق ذلك. ويمكن أيضًا أن يؤدي تناول الميلاتونين بانتظام يوميًّا في المساء، في التاسعة مساءً على سبيل المثال، إلى تحسين آثار الميلاتونين المحفزة للنعاس بالإضافة إلى إعادة ضبط الساعة البيولوجية. وكما هو الحال مع كافة الأدوية، ينبغي أن يكون العلاج بالميلاتونين تحت إشراف الطبيب، وينبغي أن يكون اضطراب النوم والاستيقاظ غير المتزامن مع ساعات اليوم الأربع والعشرين أول الاعتبارات الموضوعة في حالة أي كفيف يشكو من اضطرابات النوم.
(?) الخطل النومي

يندرج تحت مسمى «الخطل النومي» كل الاضطرابات الكريهة التي تحدث «بالتوازي مع النوم»، مثل المشي أثناء النوم، ورعب الليل، والكوابيس، والتبول اللاإرادي (أو «سلس البول»)، والأكل أثناء النوم، والأنين. هناك ?? فئة من الخطل النومي، التي تشمل حركات غير طبيعية وانفعالات وأحلامًا وسلوكيات تحدث أثناء النوم أو عند الاستيقاظ من النوم، وقد تكون مخيفة للغاية، بل وخطيرة في بعض الأحيان، لكل من المريض ومَن ينام إلى جواره. وقد ينتهج المرضى سلوكيات «موجهة نحو هدف ما»، وقد يكون لها معنًى بالنسبة إليهم في ذلك الحين، ولكنها قد تكون شاذة للغاية بالمقاييس العادية. تحدث هذه السلوكيات دون وعي وعن غير عمد، وهو العامل الذي غالبًا ما يتصدر المشهد في القضايا القانونية عند محاكمة أحدهم بسبب ارتكابه اعتداء جسديًّا أو جنسيًّا عند تعرضه لإحدى نوبات الخطل النومي.
جدير بالذكر أن اضطراب الاستيقاظ المصحوب بالتشوش الذهني، والمشي أثناء النوم، ورعب الليل، والكوابيس، وسلس البول تُعد من أكثر اضطرابات الخطل النومي شيوعًا لدى الأطفال، رغم إمكانية الإصابة بها في مرحلة البلوغ. وغالبًا ما يحدث الاستيقاظ المصحوب بالتشوش الذهني، والمشي أثناء النوم، ورعب الليل في بداية الليل، خلال النوم البطيء الموجات، مصحوبًا بتشوش المريض ذهنيًّا وانتهاجه سلوكيات غير ملائمة في بعض الأحيان. وتختلف حِدَّة هذه الأعراض من حيث درجة التعقيد، بما في ذلك الحديث والصراخ، والمشي، والأكل، بل وحتى القيادة، ويمكن أن تشمل العنف الجسدي أو الجنسي. وقد يُصاب مرضى الخطل النومي بحالة من العنف عند الاستيقاظ، ويمكن أن يُعرِّضوا أنفسهم للخطر، بمحاولة القفز من النافذة، مثلًا. وعند التعرض لرعب الليل، يستيقظ المريض في حالة فسيولوجية وسلوكية مشبعة بالخوف، مع صراخ مرعب في الغالب، ومصحوبة في بعض الأحيان بالهلوسة أو ذكريات الأحلام. وفي هذه الأحوال الثلاثة كلها، قد يبدو المريض مستيقظًا ولكن غالبًا ما تتسم ردود أفعالِه بالبلادة، مصحوبة بنظرة «شاردة» أو جامدة بشكل لافت في بعض الأحيان، ثم عادة ما يَنسَى كلَّ ما حدث. ويرتبط الحرمان المسبق من النوم بهذه الاضطرابات، ولكن ثمة عوامل أخرى قد تؤدى إلى حدوثها، مثل: معاقرة الكحوليات وتعاطي المخدرات أو التعرض للإجهاد والاضطرابات البيئية أو غيرها من الظروف الطبية والنفسية. ثمة تماثل بين نِسَب حدوث المشي أثناء النوم والاستيقاظ المصحوب بالتشوش الذهني حيث تنتشر بنفس المعدلات؛ حوالي ??? عند الأطفال و?? لدى البالغين، وعادة ما تنقضي في مرحلة المراهقة، ويمكن أن يحدثا معًا، مصحوبَيْن في بعض الأحيان برعب الليل واضطراب سلوكيات نوم حركة العين السريعة. بَيْدَ أن رعب الليل أقلُّ شيوعًا؛ حيث يصيب حوالي ?? من الأطفال و?? من البالغين.
أما اضطراب الأكل المرتبط بالنوم فغالبًا ما يكون مصحوبًا بالمشي أثناء النوم، ولكنه قد يكون مصحوبًا باضطرابات النوم الأخرى. وتشيع تلك الظاهرة لدى الإناث البالغات اللاتي لديهنَّ تاريخٌ من المشي أثناء النوم في مرحلة الطفولة، وما يصل إلى ??? من الذين يُعانون من اضطرابات الأكل يعانون أيضًا من الأكل أثناء النوم. ويبدو أن بعض العقاقير المنومة والمضادة للاكتئاب تؤدي إلى زيادة حدوث الإصابة باضطراب الأكل المرتبط بالنوم، غير أنه لا يرتبط في حد ذاته بمرحلة معينة من مراحل النوم، وثمة تبايُنٌ كبير بين المرضى فيما يتعلق بتذكُّر الأحداث. يُقبِل المرضى على الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية، حتى وإن كانوا لا يُحبُّونها عادة، وفي بعض الأحيان يتناولون أطعمة غير عادية أو أطعمة نيئة، أو حتى موادَّ سامة؛ ومن ثَمَّ تُعد صحة وسلامة هذه الفئة من المرضى باعثًا على القلق بسبب مخاطر تعرضهم للجروح أو الحروق أثناء إعداد الطعام، أو التسمم، واحتمال زيادة الوزن والسمنة.
هناك عدد من اضطرابات خطل النوم تظهر في المقام الأول أثناء نوم حركة العين السريعة، منها: اضطراب السلوك أثناء نوم حركة العين السريعة، وشلل النوم، والهلوسة المرتبطة بالنوم، واضطراب الكوابيس، والأنين المرتبط بالنوم. ويعد اضطراب السلوك أثناء نوم حركة العين السريعة سلوكًا غير طبيعي أو خطيرًا يحدث أثناء نوم حركة العين السريعة؛ ومن ثَمَّ يَميل إلى الحدوث بعد ?? دقيقة على الأقل من النوم. وهو يصيب أقل من ?? من المواطنين. وعادة ما يؤدي ونى العضلات أثناء نوم حركة العين السريعة إلى منع الحركة (الفصل الثاني)، ولكن في اضطراب سلوك حركة العين السريعة لا يحدث هذا الونى في العضلات لدى المرضى؛ ومن ثَمَّ غالبًا ما يكون هذا الاضطراب السلوكي مصحوبًا بإصابات أو أعمال عنف مرتبطة بالنوم، حيث يقوم المرضى فعليًّا بما يَرَوْنه في أحلامهم المزعجة أو العنيفة، التي يستطيعون تذكرها ووصفها بعد الاستيقاظ. كما لا يتفاعل المرضى مع البيئة المحيطة بهم، وعادة ما يُبقون عيونهم مغلقة، في نفس الوقت الذي يقومون فيه بالعديد من السلوكيات المادية، مثل الحديث والصراخ والزحف والجري والركل والصفع والقفز من السرير؛ لذا غالبًا ما يتعرضون للإصابة. بَيْدَ أنهم لا يؤدون السلوكيات الأكثر آلية المعروفة في المشي أثناء النوم مثل الأكل والشرب والتبول. هذا، ويعتبر اضطراب السلوك أثناء نوم حركة العين السريعة أكثر شيوعًا لدى الذكور، وعادة ما يُصيب مَن تتجاوز سنُّهم الخمسينات، ويرتبط باضطراب حركة الأطراف الدورية (انظر أدناه)، والاضطرابات العصبية مثل الشلل الرعاش والخَدَر والضمور الجهازي المتعدد والسكتة الدماغية ومتلازمة توريت والتوحد لدى الأطفال. ويمكن أن يرتبط أيضًا ببعض الأدوية المضادة للاكتئاب.
ثمة اضطراب آخر للخطل النومي مرتبط بحركة العين السريعة ألا وهو شلل النوم، الذي يشير فيه المرضى إلى عدم تمكنهم مؤقتًا من التحرك عند بداية النوم أو لدى محاولة الاستيقاظ من النوم لمدة تصل إلى عدة دقائق، وقد يصاحب ذلك هلاوس بصرية أو سمعية (وهو ما يسمى «الهلوسة التنويمية» في بداية النوم، و«الهلوسة السابقة للاستيقاظ» عند الاستيقاظ). وتشيع هذه التجربة المخيفة بشكل بالغ، مع معاناة ما يصل إلى ??? من البالغين منها من حين إلى آخر، وتنجم عن انفصال نشاط حركة العين السريعة عن النوم بحيث «يتسرب» ونى العضلات الذي يحدث أثناء نوم حركة العين السريعة مؤقتًا إلى اليقظة مع بداية الاستغراق في النوم أو بعد الاستيقاظ من النوم. وقد تحدث الهلوسة المرتبطة بالنوم أيضًا دون حدوث شلل.
كما يحدث أنين النوم عادة خلال نوم حركة العين السريعة، ولكنه غير شائع ولا يبدو أنه يسبب مشاكل كُبرى في النوم أو على مستوى الصحة.
أما اضطراب الكوابيس فهو نوع شائع من اضطرابات الخطل النومي، ويتمثل في تكرار حدوث الكوابيس العنيفة، والمخيفة، والعاطفية، عادة أثناء نوم حركة العين السريعة رغم حدوثها خلال نوم حركة العين غير السريعة أيضًا في بعض الأحيان. وكثيرًا ما يرتبط الاضطراب بالضغوط العصبية، مثل الأزمات العصبية أو اضطراب ما بعد الصدمة، وهو شائع الحدوث لدى الإناث. ويمكن لبعض الأدوية أن تزيد من خطر الكوابيس، بما في ذلك بعض مضادات الاكتئاب والعقاقير الخافضة لضغط الدم. وغالبًا ما يستيقظ المرضى إثر كابوس وربما يتجنبون العودة إلى النوم؛ مما يتسبب في الحرمان من النوم، الأمر الذي يزيد المشكلة سوءًا. ومن شأن معالجة الأسباب الأساسية للتوتر أن يساعد على تقليل حدوث الكوابيس.
(?) اضطرابات الحركة المرتبطة بالنوم

تتسم متلازمة تململ الساقين بالرغبة المُلِحَّة في تحريك القدمين أثناء فترات الراحة أو الخمول، وقد تصيب ما يقرب من ??? من المواطنين. ويشعر المصاب براحة من الألم بتحريكهما أو بالمشي. وتظهر لدى معظم مَن يشكون من تلك المتلازمة حركات دورية في الأطراف سواء أثناء النوم أو حتى أثناء اليقظة بالنسبة إلى البعض الآخر، خاصة عند محاولة الاستغراق في النوم. ويمكن أن تصيب متلازمة تململ الساقين جميع الأعمار وتشيع لدى النساء أكثر من الرجال بمقدار الضِّعْف تقريبًا، مع ارتفاع خطر إصابة المرأة به خلال فترة الحمل. كما ترتبط هذه المتلازمة باضطرابات النوم والتعرض للإجهاد خلال النهار، وانخفاض في جودة الحياة. وقد يكون سببها نقصًا في الحديد؛ مما قد يؤدي أيضًا إلى اختلال مستويات الدوبامين. ومن شأن الحقن الوريدي بالحديد أو العلاج بمنشطات مستقبلات الدوبامين أن يحقق نتائج فعالة للغاية.
ويُعرَّف اضطراب حركة الأطراف الدورية بأنه وقوع حركات متواترة ومنتظمة ومتكررة للأطراف على نحو دوري أثناء النوم، عادة خلال نوم حركة العين غير السريعة، ورغم أنها لا تتسبب في إيقاظ المريض (بَيْدَ أنها غالبًا ما تتسبب في إزعاج مَن ينام إلى جواره) فإنها تؤدي إلى اضطراب النوم وعدم كفايته والشعور بالإرهاق في النهار. هذا ويتأثر الجزء السفلي من الساق في الغالب، مع تمدد إصبع القدم الكبير والكاحل، وحركة الركبة أو الورك، وتكرار انقباضات عضلة الساق مع استمرارها لمدة تتراوح ما بين ??? ثانية إلى ? ثواني، ويمكن ملاحظتها على جهاز التخطيط الكهربائي للعضلات؛ حيث يمكن عادة تشخيص الحالة عند تسجيل مؤشر حركة الأطراف الدورية أثناء النوم خمس حركات أو أكثر في الساعة بالإضافة إلى أعراض النعاس أثناء النهار. جدير بالذكر أن حوالي ثلث مَن يتجاوزون الستين من العمر يعانون من تلك المشكلة، وما يصل إلى ??? من مرضى الأرق. كما أن معظم المصابين بمتلازمة تململ الساقين يعانون من حركة الأطراف الدورية أثناء النوم، كما هو الحال مع المصابين باضطراب السلوك أثناء نوم حركة العين السريعة والخَدَر. ويمكن أن تحدث حركة الأطراف الدورية أثناء النوم أيضًا في حالات الاضطرابات العصبية التي ترتبط باختلال الدوبامين، مثل الشلل الرعاش واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. ولا يشبه اضطراب حركة الأطراف الدورية أثناء النوم انتفاضة بداية النوم التي يتعرض لها الناس في بعض الأحيان عند استغراقهم في النوم، فهذه الهزات غالبًا ما تكون أقصر ولا تتسم بالتواتر المنتظم.
لا يسع هذا الفصل غير أن نقدم فيه نظرة عامة وعريضة عن أهم أشكال اضطرابات النوم، وبالنسبة إلى مَن يرغبون في مزيد من الفهم حول أسباب وعواقب وسبل علاج الكثير من مشكلات النوم فسوف يجدون ضالتهم في جزئية القراءات الإضافية من هذا الكتاب.

الفصل السابع
النوم والصحة


يمكننا تناول العلاقة بين النوم والصحة بطريقتين مختلفتين. عرضنا في الفصل السابق تأثير اضطرابات النوم الإكلينيكية على الصحة وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض أخرى. أما في هذا الفصل فسيتم مناقشة ما يتعرض له مَن لا ينالون قسطًا كافيًا من النوم أو يعانون من نوم متقطع. ولقد وفر علم الأوبئة القائم على أساس من الأبحاث السكانية الواسعة النطاق العديد من الدراسات المستفيضة حول العلاقة بين النوم والمرض. ولقد اتبع علماء الأوبئة العديد من الأساليب المنهجية المختلفة التي توفر درجات مختلفة من الثقة في مدى قوة الارتباط بين عامل ما (على سبيل المثال: مدة النوم) والمرض. وتتابع أفضل الدراسات الأفراد على مدى فترات طويلة، قد تصل إلى حياتهم بأكملها، لمعرفة مدى تأثير سلوكياتهم على الإصابة بالأمراض. وهناك أيضًا دراسات قصيرة المدى تدرس على سبيل المثال قطاعًا بعينه من المجتمع، وتشير إلى مدى انتشار مرض ما، لكنها يمكن أن تُظهِر فقط الروابط القائمة بين النوم والمرض، دون إثبات أن بينهما علاقة سبب ونتيجة. ولقد تم تطبيق كِلَا المنهجين فيما يتعلق بالنوم، وسيتم استعراضُ نتائجهما في هذا الفصل.
تُظهِر الدراسات الواسعة النطاق التي تدرس العلاقة بين النوم والمرض — والتي لم يبدأ إجراؤها إلا مؤخرًا — وجودَ روابط ملحوظة ومنطقية بينهما. فعلى سبيل المثال، ترتبط فترات النوم القصيرة بزيادة خطورة الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة، منها: أمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكر، وأنواع معينة من السرطان (انظر الجدول رقم ?-?). وثبت أيضًا وجود علاقة وثيقة بين النوم والصحة العقلية، كما سنوضح في النصف الثاني من هذا الفصل. جدول ?-?: بعض العواقب المترتبة على نقص النوم واضطرابات الإيقاع اليومي.
• النعاس، وحالات النوم المتناهي القصر، والنوم الفجائي• حدوث تغيرات في الحالة المزاجية• القلق والاكتئاب• انخفاض الأداء الحركي• انخفاض الأداء المعرفي• ضعف الذاكرة والتركيز• ضعف القدرة على التواصل واتخاذ القرار• زيادة سرعة الانفعال• زيادة المخاطرة• زيادة الوزن• ارتفاع مخاطر الإصابة بالاضطرابات الأيضية ومرض السكر• ارتفاع مخاطر الإصابة بضغط الدم المرتفع، والسكتة الدماغية، والنوبات القلبية• ارتفاع مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان• ضعف استجابة الجهاز المناعي
ربما تسأل: لماذا لم يتم إجراء تلك الدراسات إلا مؤخرًا؟ على الرغم من أن إجابة هذا السؤال معقدة، فإن هناك إجابة جزئيةً تتمثل في أن النوم لم يَنَلِ القدْرَ الكافي من الاهتمام مطلقًا كمادة للبحث في الدراسات المتعلقة بالصحة العامة. فالمجتمع بشكل عام لديه نظرة لا مُبالِية تجاه النوم؛ كم مرةً سمعنا عبارة «النوم للضعفاء!» أو «يمكنك النوم حين تموت»؟ وعلى الرغم من أن المواقف المجتمعية تجاه النوم عادةً ما تكون غير مشجعة (انظر الفصل الثامن)، فقد تم الآن إثبات أن هناك روابط قوية بين النوم والمرض. في واقع الأمر، ينبغي أن يصبح قياس فترات النوم جزءًا أساسيًّا من الدراسات المتعلقة بالصحة العامة، وربما يجب أن ينال نفس القدر من الأهمية مثل التدخين، وتناول الكحوليات، وإنقاص الوزن، وممارسة التدريبات الرياضية.
(?) النوم والسلامة

يُعد ارتفاع نسبة وقوع الحوادث والإصابات المرتبطة بالنعاس من أكبر مخاطر قلة النوم على الصحة. فالنوم من فرط الإرهاق أثناء القيادة أو العمل يزيد على نحو كبير من مخاطر وقوع كل من الحوادث المميتة والسقطات والعثرات البسيطة (انظر الفصلين الثامن والتاسع). وعادةً ما يكون أول ما يُفقد عند الشعور بالنعاس هو القدرة على أداء المهام البسيطة «الروتينية» التي عادةً ما نؤديها بسهولة، مثل القيادة. ويمكن حتى لحدوث تغيرات بسيطة في عادات النوم أن يتسبب في بعض المشاكل؛ حيث يؤدي تغيير التوقيت إلى التوقيت الصيفي في الربيع إلى فقدان ساعة من النوم ويقترن هذا بزيادة حوادث السيارات بنسبة ??? صباح يوم الإثنين الذي يتبع التغيير مباشرةً. وعلى الرغم من وجود بعض الفروق الفردية في كيفية تأثير نقص النوم على كل من الانتباه والأداء، فإنه لا أحد بمنأًى عن آثار هذا النقص، وفي النهاية سيؤدي الافتقار إلى النوم الكافي إلى الإضرار بالجميع. لسوء الحظ، لا يستطيع الدماغ ونحن نشعر بالنعاس الحكم على قدراتنا؛ ومن ثَمَّ لا ندرك أحيانًا مدى تضرر أدائنا، ويعد هذا أمرًا جيدًا وخطرًا في نفس الوقت.
(?) النوم وأمراض القلب

تناولت العديد من الدراسات المُوسعة العلاقة بين النوم وأمراض القلب والأوعية الدموية وأظهرت نتائج شديدة الاتساق. يعاني الأشخاص الذين يعانون من قلة النوم (الذين ينامون عادةً ? ساعات أو أقل) من ارتفاع مخاطر إصابتهم بضغط الدم المرتفع، والسكتة الدماغية، وأمراض القلب، وغالبًا ما يموتون بسبب النوبات القلبية، أكثر من الأشخاص الذين يتمتعون بفترات أطول من النوم (عادةً من ? إلى ? ساعات). ومن المثير للاهتمام أن مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية ترتفع بنسبة ?? في الأسابيع الثلاثة التالية لفقداننا ساعة من النوم خلال فترة بدء العمل بالتوقيت الصيفي، لكن لا يحدث ذلك عند تأخير التوقيت في الخريف.
تُظهر الكثير من هذه الدراسات أيضًا علاقة «عكسية» بين النوم والمرض؛ حيث تظهر آثار سيئة على الصحة لدى الأشخاص الذين ينامون لفترات أطول من المعدل الطبيعي (عادةً ? ساعات أو أكثر). ويمكن تفسير هذا بأن الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو ضعف في الصحة العامة قد ينامون لفترات أطول، أو يبقون في الفراش لفترات أطول؛ ومن ثَمَّ ينامون لفترات أطول. وسواء تم إثبات وجود أضرار صحية نتيجة «الإفراط في النوم» أم لا، فمن غير المرجح توافر فرص النوم لفترات أطول من المطلوب لدى الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعنا الذي يعاني غالبية أفراده من نقص في النوم؛ ومن ثَمَّ لا ينبغي أن يقلق الأشخاص بشأن الإفراط في النوم؛ فالمشكلة الكبرى تكمن في عدم حصولنا على كفايتنا من النوم.
كيف يؤثر نقص النوم على القلب؟ لم تُفهَم آليات هذا التأثير حتى الآن على نحو تام، لكن قد تؤدي العواقب الأيضية للحرمان من النوم إلى زيادة معدلات الدهون في الدم، وقد تؤدي مع الوقت إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب. يرتبط ضغط الدم المرتفع، الذي تترتب عليه زيادة خطورة الإصابة بالسكتة الدماغية وأمراض القلب والأوعية الدموية، بقِصَر فترات النوم، كما هو الحال مع زيادة فرص الإصابة بتكلُّس في الشرايين، الذي يُعد من أهم العوامل التي تزيد من مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية، التي تؤدي بدورها إلى تكوُّن المزيد من الجلطات الدموية. تتأثر العمليات السابقة على الإصابة بالالتهاب، والتي تتضمن إنتاج السيتوكينات وزيادة نشاط الخلايا البطانية للأوعية الدموية، تتأثر أيضًا بقِصَر فترة النوم وتساهم بقوة في زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب. ولقد اتضح أيضًا أن النوم المتقطع يرتبط بارتفاع معدلات البروتين التفاعلي سي، وهو من العلامات البيولوجية المعروفة لأمراض القلب.
هناك عوامل أخرى، بالإضافة إلى النوم، مرتبطة بقصر أو اضطراب النوم من شأنها التأثير أيضًا على القلب. يزيد التعرض للضوء ليلًا من معدل ضربات القلب؛ ومن ثَمَّ فإن الاستيقاظ المتكرر ليلًا يزيد من التغيرات التي تحدث في معدل ضربات القلب في الوقت الذي من المفترض في ظل الظروف الطبيعية ألا يتم التعرض فيه للضوء الساطع. يُظهِر القلب أيضًا إيقاعات يومية قوية يوميًّا؛ حيث تتزايد ضربات القلب ومعدلات التغير في ضربات القلب في ساعات الصباح الأُولَى، وخاصة خلال نوم حركة العين السريعة، وتبلغ قدرة الصفيحات الدموية (عوامل تجلط الدم) على التجمع وتكوين الجلطات ذروتها أثناء الليل. ويبدو أن هذه العوامل، بالإضافة إلى تغيير الأوضاع الجسدية، ومعدلات الهرمونات، والانتقال من حالة النوم إلى الاستيقاظ، تتجمع بعضها مع بعض لتساعد على تفسير الملاحظة المتعلقة بارتفاع معدلات الإصابة على نحو كبير بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية في آخر الصباح (من السادسة صباحًا وحتى الثانية عشرة ظهرًا). تعمل مثل هذه الإيقاعات البيولوجية الملحوظة وزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض على زيادة إمكانية تطور «علم توقيت العقار» — المَعْنِي بتقديم العقَّار في الأوقات التي يرتفع فيها معدل الإصابة بالمرض — وهو بمثابة مجال طبي ناشئ ذي أهمية كبيرة محتملة.
(?) النوم وعملية الأيض

أظهرت الكثير من الدراسات أن قصر فترات النوم أو النوم المتقطع يرتبط بحدوث زيادة في الوزن، وازدياد ترسُّب الكُتَل الدهنية، والسمنة، ومرض السكر، ولقد تأكد الآن أن قلة النوم يغير عملية الأيض لدينا بطُرُق تزيد من خطورة الإصابة بتلك الاضطرابات الأيضية. ومِن المثير للاهتمام الإشارة إلى أن فترة النوم قد انخفضت منذ ستينيات القرن الماضي بالتزامن مع ارتفاع معدلات السمنة؛ الأمر الذي يشجع على التكهن بأن نقص النوم المزمن قد لعب دورًا هامًّا، ولا يزال، في انتشار هذا الوباء الصحي.
ولقد بدأت دراسات معملية مفصلة في استكشاف العلاقات الكامنة بين النوم وعملية الأيض عن طريق دراسة التغيرات التي تطرأ على الهرمونات، واستهلاك الطاقة، والشهية، والتي تحدث نتيجة حصول الأشخاص محل الدراسة على فترات مختلفة من النوم. وبعد اتباع أسلوب لتقييد النوم (عادةً من ? إلى ? ساعات في مقابل من ?? إلى ?? ساعة في الليلة لمدة أسبوع تقريبًا)، يصبح الأنسولين أقل فاعلية في خفض نسبة السكر في الدم (أو ما يسمى بزيادة مقاومة الأنسولين) وتتضرر أيضًا قدرة الجلوكوز على تنظيم معدلاته بمنأًى عن الأنسولين (أو ما يسمى بانخفاض تحمل الجلوكوز). وتؤدي المعدلات المرتفعة للجلوكوز في الدم إلى تدمير الأوعية الدموية ثم الكُلى، والعيون، والوظائف العصبية، في حالة عدم ضبطها بشكل صحيح. تغير قلة النوم، وخاصة قلة النوم البطيء الموجات، معدلات الشهية أيضًا؛ مما يُشعر الأشخاص بجوع أكبر ويدفعهم إلى تناول المزيد من الطعام، وخاصة الكربوهيدرات. لا تحدث هذه التغيرات نتيجة لبقاء الأشخاص مستيقظين لفترات أطول وزيادة فرص تناولهم للطعام، لكن تحدث بسبب حدوث تغير في الهرمونات الرئيسية التي تؤثر على الشهية وعملية الأيض.
تفرز الأنسجة الدهنية والمعدة هرمونَيِ الليبتين والجريلين، على التوالي، وهما من العوامل الرئيسية المنظِّمة للمراكز التي تتحكم في الشهية في الدماغ. إن الليبتين هو هرمون «الشبع»؛ حيث تحدُّ معدلات الليبتين المرتفعة من الرغبة في الطعام وتقلل الشهية. يُحفَّز هذا الهرمون عن طريق الطعام؛ مما يساعدنا على معرفة الوقت المناسب للتوقف عن تناول الطعام، وعادةً ما تزداد معدلاته بشكل عام ليلًا لضمان تناولنا للطعام في الوقت المناسب من اليوم. يتمتع هرمون الجريلين بتأثير معاكس؛ إذ تُحفز معدلاته العالية الشهية، وترتفع معدلاته بتزايد الفترات بين الوجبات. تساعد نسبة هذين الهرمونين على تنظيم الشهية؛ فبعد تناول أي وجبة يرتفع لدينا معدل الليبتين وينخفض معدل الجريلين مما يقلل الشهية. لكنَّ قِلَّة النوم تُغيِّر هذا التوازنَ؛ حيث تقلل من كمية هرمون الليبتين وتزيد من كمية الجريلين، مما يزيد من الشعور بالجوع. وهكذا، فمن المرجح أن قلة النوم المزمنة قد تؤدي بنا إلى الإفراط في تناول الطعام، وتناول المزيد من الكربوهيدرات؛ مما يؤدي إلى السمنة، ومقاومة الأنسولين، وارتفاع معدلات الجلوكوز، وتزيد كل هذه العوامل من مخاطر الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني. وبالفعل، أظهرت دراسات وبائية أن النوم لفترات قصيرة (? ساعات أو أقل)، أو مواجهة مشاكل في الدخول في النوم أو الحفاظ عليه، يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة بمرض السكر مرتين أو ثلاث مرات مقارنة بالنوم لمدة تتراوح من ? إلى ? ساعات كل ليلة.
بينما من الواضح أن قلة النوم تلعب دورًا في تنظيم الشهية والعمليات الأيضية، فقد قيدت معظم الدراسات النوم بمد فترة النهار؛ مما يعني أيضًا مد فترة التعرض للضوء وتغيير فترة الليل. تنظم دورات النوم والاستيقاظ تَعرُّض الدماغ للضوء؛ حيث إننا نتعرض للضوء عادةً أثناء الاستيقاظ فيما نحجب معظم الضوء عند إغلاق العينين للنوم. وعلى الرغم من قدرة البشر على الحفاظ على قدرتهم على اكتشاف التغيرات التي تحدث في فترة الليل من خلال إيقاع الميلاتونين الخاص بهم (انظر الفصل الثاني)، فإن بعض هذه التغيرات الأيضية قد تنتج أيضًا عن آثار التعرض للضوء أثناء الليل بشكل مباشر أو التغيرات في طول الفترة الضوئية. ومن المثير للاهتمام أن بعض أعراض الاضطراب العاطفي الموسمي، وهو الاكتئاب الذي يحدث نتيجة التغيرات الموسمية في مدة الليل، تتشابه مع الأعراض التي تحدث أثناء قلة النوم، ومنها الرغبة الشديدة في تناول الكربوهيدرات، وحدوث تغيرات في الشهية، واكتساب وزن زائد. يفرض انتشار استخدام الإضاءة الكهربائية أثناء الليل على المجتمع الحياة في صيف أيضي لا نهاية له؛ وربما تُعزَى معدلات السمنة المرتفعة جزئيًّا إلى أننا لا نصادف أبدًا أي شتاء كيميائي حيوي من شأنه استهلاك مخزون الدهون المتراكم منذ بداية العام. لم يتم دراسة اضطراب الدورات الموسمية لدى البشر على الإطلاق، لكن بعد مرور عشرات الآلاف من السنين من التطور في ظل دورة طبيعية من الضوء والظلام، من الصعب تخيل عدم وجود أي آثار ضارة لذلك.
وكما هو الحال مع العديد من العمليات النفسية والكيميائية الحيوية الأخرى، فإن عملية الأيض لدى البشر تُظهِر أيضًا نمطًا يوميًّا مميزًا؛ فينتج عن تناول وجبة في الواحدة والنصف صباحًا ارتفاع في معدلات الجلوكوز، والأنسولين، والدهون في الدم لعدة ساعات بعد الوجبة مقارنةً بتناول نفس الوجبة في الواحدة والنصف ظهرًا. ويكون حجم التأثير كبيرًا في بعض الأشخاص لدرجة أن معدلات الجلوكوز في الدم لديهم تتشابه مع تلك الخاصة بمرضى السكر؛ فقط لأنهم تناولوا الطعام أثناء الليل. وحيث إن الإنسان كائن نهاري (أي ينشط أثناء النهار)، فلقد تطور البشر بحيث تتم عملية أيض الطعام على النحو الأمثل لديهم أثناء النهار؛ ومن ثَمَّ يترتب على تناول الطعام ليلًا عملية أيض أقل كفاءة بكثير. وتعد هذه مشكلة مزمنة يعاني منها العاملون بنظام النوبات وهي تعد جزئيًّا السبب في زيادة مخاطر تعرضهم للإصابة بمرض السكر وأمراض القلب (انظر الفصل التاسع). ومع ذلك، حتى مع مَن لا يعملون بنظام النوبات، فإن تناول الطعام في وقت متأخر من شأنه أن يؤدي إلى المعاناة من مشاكل مشابهة؛ يمثل التقليد السائد في شمال بريطانيا الخاص بتناول الوجبة الأساسية في منتصف اليوم (وقت «العشاء») مع كمية قليلة من «الشاي» في بداية المساء المثال الأمثل في هذا السياق، على الرغم من أن مَن يحافظون على القيلولة في حياتهم اليومية في منطقة البحر المتوسط، بالإضافة إلى تناول وجبة في وقت متأخر من المساء، قد لا يوافقون على هذا.
(?) النوم والجهاز المناعي

تم تلقيح مجموعتين من الأشخاص ضد فيروس الإنفلونزا مع تطبيق نظامين مختلفين للنوم، ووجد أن المجموعة التي سُمح لها بالنوم ? ساعات فقط كل ليلة بعد حقنهم تمتعت فقط بأقل من نصف معدل الأجسام المضادة الواقية من الفيروس مقارنةً بالمجموعة التي نعمت بالنوم المنتظم لمدة تراوحت من سبع ساعات ونصف إلى ثماني ساعات ونصف كل ليلة. ولقد ظهرت نتائج مشابهة لاستجابة الأجسام المضادة للقاح فيروس التهاب الكبد الوبائي إيه، الذي ضَعُف مفعوله لمن يعانون من حرمان من النوم. ويعد كل من النعاس والتعب من الأعراض التي عادةً ما ترتبط بالاضطرابات الالتهابية، ويميل الأشخاص إلى النوم لفترات أطول إذا كانوا يعانون من مرض ما. وهكذا تم البدء في استكشاف دور النوم في عمل جهاز المناعة، وتأثير جهاز المناعة على النوم. ويبدو أن قلة النوم تزيد من معدلات إنتاج سيتوكينات مثل الإنترلوكين ? وعامل النخر الورمي ?، بالإضافة إلى علامات الْتهابية أخرى مثل البروتين التفاعلي سي عالي الحساسية، وهي عوامل من شأنها زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكر. لم يُستكشف بعدُ بشكل منهجي دورُ النوم كنوع من التدخل المحتمل لتسهيل العلاج، لكن قد يكون له تأثير فعال. فعلى سبيل المثال، عادةً ما تكون بيئة النوم التي توفرها المستشفيات سيئة جدًّا، بسبب الإزعاج المتكرر نتيجة الضوضاء التي يُصدرها المرضى الآخرون، والإجراءات الطبية والجولات التي تتم في وقت متأخر من الليل أو في الصباح الباكر، التي من شأنها أن تقلص وقت النوم، وتضعف دورات الضوء والظلام، وتؤدي إلى حدوث فشل عام في أن يتصدر نوم المريض أولويات المستشفى الحديث فيما يتعلق بالإدارة اليومية لعملها. وتشير العديد من الدراسات الصغيرة إلى أن التعرض لضوء النهار يمكن أن يقلل من التوتر واستخدام المسكنات بعد العمليات الجراحية، ويقلل المدة التي يَقضيها المريض في المستشفى. ومع تطور مستوى فهمنا للعلاقة بين عمل جهاز المناعة والنوم، فإن زيادة التركيز على نوم المريض قد يعود بالفائدة على مدى شفائه ومعدله. وسيعود المزيد من التركيز على نوم ويقظة القائمين بالرعاية الصحية بالفائدة على كيفية رعاية المريض، وذلك كما سنوضح في الفصل التاسع.
(?) النوم والسرطان

ركزت معظم الأبحاث التي أُجريت بشأن العلاقة بين اضطراب النوم والسرطان على مخاطر الإصابة بهذا المرض لدى العاملين بنظام النوبات. وكما سيرد في الفصل التاسع، فإن العاملين بهذا النظام الذين يعانون من اضطراب شديد في الإيقاع اليومي والنوم، مُعرضون أكثر بنسبة ??? تقريبًا لمخاطر الإصابة بسرطان الثدي والبروستاتا مقارنةً بالنساء والرجال الذين لا يعملون بهذا النظام. وعلى الرغم من عدم وضوح الروابط الآلية بين اضطراب النوم ومرض السرطان حتى الآن، فإنه تم تقديم العديد من الاحتمالات، ومنها (أ) اضطراب وظائف جهاز المناعة، و(ب) التعرض للضوء ليلًا مما يسبب انخفاض معدلات الميلاتونين، و(?) حدوث خلل في إيقاعات دورة الخلايا، و(د) التغيرات المقصودة التي يتم إدخالها على نظام النوم أو الإيقاع اليومي في العديد من النظم الهرمونية والأيضية.
(?) النوم، والصحة العقلية، والأمراض العصبية التنكسية

هناك تاريخ طويل لمحاولة تحديد العلاقة بين اضطراب النوم والعمل الكُلِّي للدماغ. ولقد ذكر إميل كرايبلين، أحد مؤسسي الطب النفسي الحديث، في أول كتاب له عام ????، أن هناك تلازمًا بين أنماط النوم غير الطبيعية وضَعْف الصحة العقلية. وعلى الرغم من هذه العلاقة الواضحة، نشب الكثير من الجدل دون أن يتم الوصول لأي نتائج قاطعة فيما إذا كانت تلك العلاقة عبارة عن علاقة بين سبب ونتيجة. ولقد أتاحت لنا التطورات الحديثة في فهم الأساس العصبي للنوم وإنتاج الإيقاع اليومي الفرصة لإعادة تقييم هذه العلاقة وفهم أهمية النوم في الحفاظ على الصحة العقلية. ينشأ الآن إطار مفهومي جديد في هذا الشأن ويمكن تلخيصه في السطور التالية.
يوجد في صميم أي اضطراب نفسي أو مرض تنكسي عصبي خلل في إرسال الناقلات العصبية للإشارات العصبية. ففي الوقت الذي يستخدم فيه النوم ونظم الإيقاع اليومي عددًا كبيرًا من الناقلات العصبية (انظر الفصل الثالث)، فلا عجب من أن الشكاوى الخاصة باضطرابات النوم تَرِدُ من أكثر من ??? من مرضى الاكتئاب أو الفصام، وأن تصبح تلك الاضطرابات شائعة بين المرضى الذين يُعانون من مرض ألزهايمر ومرض باركنسون؛ ومن ثَمَّ سيترتب على اضطراب كل من النوم والإيقاعات اليومية آثار واسعة النطاق، تشمل كافة جوانب عمل الوظائف العصبية والعصبية الصماوية التي تتضمن تضرر الإدراك، والمشاعر، والاضطرابات الأيضية، ونقص المناعة، وزيادة مخاطر الإصابة بمرض السرطان وأمراض القلب التاجية. وتربط الدراسات بين حدوث مجموعة من الأمراض الإكلينيكية، التي تتطابق مع تلك التي تتلازم مع حدوث اضطراب في النوم (انظر الجدول رقم ?-?)، ووجود اضطرابات في الدماغ، لكن نادرًا ما يتم الربط بينها وبين اضطراب النوم. علاوةً على ذلك، سيؤدي وجود اضطراب في النوم والإيقاع اليومي إلى التعرض غير الطبيعي للضوء وأنماط غير طبيعية من السلوك الاجتماعي؛ مما يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار في الفسيولوجيا الطبيعية للجسم وتفاقم نمط غير طبيعي لإطلاق الناقلات العصبية داخل الدماغ؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يؤدي هذا إلى حالة من عدم الاتساق الداخلي بين الكثير من الإيقاعات الهرمونية والسلوكية. أضف إلى ذلك تأثير العقاقير (مثل استخدام مضادات الذهان أو مثبطات الكولينستيراز) وإمكانية الإدمان وسوء استخدام المواد، وهكذا تكون النتيجة النهائية هي احتمال اضطراب الكثير من المسارات العصبية والعصبية الصماوية. وبالفعل، يمكن لهذه العوامل مجتمعة أن تتفاعل لتفسر الطبيعة المتغيرة لاضطرابات النوم التي يتم ملاحظتها في مرضى الاضطرابات النفسية والأمراض العصبية التنكسية، مع حدوث تغيرات طفيفة نسبيًّا في البيئة التي تعزز ضعف الأفراد وسهولة إصابتهم بالأمراض. يُلقِي النقاش التالي الضوء على صعوبة التوصل لتفسيرات بسيطة بشأن «السبب والنتيجة» لأي نمط ظاهري غير طبيعي للنوم لدى الأفراد الذين يعانون من مرض عقلي أو مرض عصبي تنكسي.
تعد الاضطرابات في توقيت النوم والتخطيط الكهربائي للدماغ أثناء النوم مشاكل مَرَضية شائعة في العديد من الاضطرابات النفسية. وبالفعل، تُعد التغيرات في سلوكيات النوم بمثابة المعيار الرئيسي لتشخيص الاضطرابات العاطفية (المزاجية) في نظم التصنيف الحالية للاضطرابات العقلية (مثل «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، الطبعة الرابعة»). يذكر ما يصل إلى ??? من المرضى الذين يعانون من نوبة اكتئاب حادٍّ حدوث تغيرات في نمط نومهم، وتوصف عادةً بأنها عبارة عن مصادفة صعوبات في الدخول في النوم وصعوبة الحفاظ عليه ليلًا. ومن المثير للاهتمام أن الأرق المستمر يزيد من خطورة الانتكاس والتعرض لنوبة اكتئاب جديدة أخرى، وأن زيادة اضطرابات النوم، كما يحدث مع الأمهات بعد ولادة أطفالهن، يزيد مخاطر تعرضهن لاكتئاب ما بعد الولادة، ومع تأثر جودة النوم بشكل أكبر، تزيد احتمالية الإصابة بحالة أشد من الاكتئاب. تتميز بعض مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقات (مثل الأميتريبتيلين، والإيميبرامين، والكلوميبرامين) ومضادات الاكتئاب غير ثلاثية الحلقات (مثل الترازودون أو الميرتازابين) بأن لها آثارًا مهدئة شديدة الوضوح، ويشيع استخدامها كعوامل مساعدة على النوم لدى الأشخاص غير المصابين بالاكتئاب. وكنتيجة لذلك، فإن جزءًا من فاعلية بعض تلك المضادات قد يكمن في تأثيرها المباشر على النوم.
يعد الاضطراب ثنائي القطب مصطلحًا شاملًا لحالات تتراوح من الاكتئاب الشديد أو الطفيف لارتفاع المزاج الشديد أو الطفيف (الهوس والهوس الخفيف) ومن تغير المزاج البسيط للذهان الكامل. ومن الواضح أن توقيت النوم غير المنتظم وتقليص فترة النوم الإجمالية من العوامل المهمة لحدوث نوبات هوس، وفي الأفراد الذين لديهم استعداد مسبق، يبدو أن حدوث خلل بدورة النوم والاستيقاظ اليومية، أو تقليص فترة النوم، أو السفر عبر مناطق زمنية متعددة يمثل عاملًا هامًّا لتعرضهم لانتكاسة (في ??? من الحالات) إلى حالة الهوس. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما تتضمن سبل العلاج نُظُمًا من شأنها العمل على استقرار جدول الأعمال والسلوك مما يسمح بالنوم لفترات كافية، وذلك على الرغم من عدم توافر إرشادات إكلينيكية متسقة ومختبرة جيدًا لمثل هذه العلاجات.
يعاني الأفراد الذين يتعاطَوْن الكحوليات من اضطراب في النوم ليلًا سواء تناولوا الكحوليات أم لا. خلال فترات تناول الكحوليات بكثافة، وحتى بعد عامين من التوقف عن تناولها، تقل فترات النوم العميق، وينعدم نوم حركة العين السريعة، ويكون هناك نوم متقطع في النصف الثاني من الليل، مع تقلص فترة النوم ككل. وتتراوح معدلات الإصابة بالأرق بين مَن يتعاطَوْن الكحوليات ما بين ??? إلى ???.
وتحدث اضطرابات النوم أيضًا في ??? إلى ??? من مرضى الفصام، وتعد إحدى أكثر الأعراض شيوعًا للاضطراب. ولا يحصل مرضى الفصام على قدر كافٍ من النوم وتكون نتائجهم سيئة في العديد من التقييمات الخاصة بجودة الحياة، ويعد تحسين جودة النوم أحد أهم الأولويات في علاجهم. كثيرًا ما يرتبط تحسين النوم لدى مرضى الفصام بحدوث تحسن في الأعراض السلبية. فهناك علاقة واضحة بين اضطراب النوم والعديد من الاضطرابات المرتبطة بالقلق، وفي هذه الحالة، يصبح التمييز بين السبب والنتيجة أمرًا أكثر صعوبة. فعلى سبيل المثال، يجعل الأرق الأفراد لديهم استعداد للإصابة بالقلق، الذي يساعد على حدوث اضطرابات في النوم؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة احتمالات الإصابة بالهلع (انظر الفصل السادس). وفي المقابل، هناك دليل على أن الإصابة بالقلق أو الاكتئاب يسبقها مشاكل في النوم.
يرتبط النوم غير الطبيعي بشكل وثيق بالأمراض العصبية التنكسية. وكما هو الحال مع الصحة العقلية، يتفاوت نمط النوم وتظل الروابط الآلية المحددة غير واضحة تمامًا. ومما لا يثير الدهشة أن اضطراب النوم ينتج عن تأثير الأمراض العصبية التنكسية على مناطق الدماغ والناقلات العصبية المتعلقة بالنوم والإيقاعات اليومية (انظر الفصل الثالث). عادةً ما تزداد أعراض تلك الأمراض سوءًا بالتدريج ولا تتحسن، لكن يبرز علاج الخلل في دورة النوم والاستيقاظ ودورة الراحة والنشاط كأسلوب محتمل لتحسين الحالة العامة للمرضى وجودة حياتهم، وقد يؤدي هذا أيضًا في بعض الحالات إلى تخفيف حدة التدهور الجسدي والعقلي. ففي حالة الإصابة بمرض ألزهايمر، على سبيل المثال، يُسبب النوم المتقطع ليلًا إرهاقًا شديدًا لكل من المرضى ومقدمي الرعاية الطبية، ويعد سببًا رئيسيًّا في نقل المرضى إلى دار رعاية. تعد «متلازمة الغروب»، أو الميل للشعور بالارتباك والاهتياج في وقت متأخر من بعد الظهر والمساء، أحد الملامح الأساسية لمرض ألزهايمر. وقد يرتبط هذا بالإنهاك الجسدي والعقلي في نهاية اليوم، لكن يمكن أن يساهم تقليل الضوء في هذا الوقت من اليوم أيضًا في تقليل مستويات الانتباه المعرفي، وخاصة لدى المرضى المقيمين في دور الرعاية، حيثما تكون الإضاءة عادةً سيئة (انظر الفصل الخامس).
ولقد تضمن أول وصف لمرض «الشلل الرعاش» (مرض باركنسون) الذي قدمه جيمس باركنسون إشارة إلى وجود اضطراب في النوم. يحدث كل من اضطراب النوم الليلي والنعاس أثناء النهار عند الإصابة بمرض باركنسون، ويُعاني حوالي من ??? إلى ??? من المصابين بهذا المرض من اضطراب في النوم يؤثر على قدرتهم على النوم والحفاظ على النوم، وعلى أحلامهم، والنشاط الحركي خلال النوم، والشعور بالنعاس أثناء النهار. يحدث فقدان للخلايا العصبية في المادة السوداء في الدماغ؛ مما يؤدي إلى نقص الدوبامين، ويحدث أيضًا داخل نوى جذع الدماغ التي تمثل عاملًا أساسيًّا في تنظيم حالات النوم والاستيقاظ (انظر الفصل الثالث). يؤدي تضرر تلك النوى إلى اضطراب نمط نوم حركة العين السريعة ونوم حركة العين غير السريعة. هناك دليل قطعي على أن سلوك نوم حركة العين السريعة غير الطبيعي يسبق الإصابة بمرض باركنسون والخرف بعدة سنوات؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يكون هذا بمثابة علامة مفيدة في المرحلة المبكرة من مرض باركنسون تزيد من احتمالية التدخل المبكر.
يظهر أيضًا على المصابين بمرض هانتنجتون اضطرابات تنكسية في سلوك الإيقاع اليومي والنوم، ترتبط بحدوث ضمور في المناطق الرئيسية بالدماغ المتعلقة بتنظيم النوم مثل جذع الدماغ وتحت المهاد الجانبي.
إن المرضى الذين يعانون من التصلب العصبي المتعدد وتحلل مايلين المسارات العصبية يعانون من اضطراب في النوم ليلًا وشعور بالنعاس أثناء النهار، ويرتبط هذا في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الألم، والإرهاق، والاكتئاب. ونظرًا للتفاعلات المركبة لنظم الخلايا العصبية المتعددة المتعلقة بالقدرة على النوم والتحكم في دورة النوم والاستيقاظ، يمكن لتحلل المايلين في واحد من هذه النظم أو أكثر أن يؤثر بشدة على النوم والاستيقاظ في مرضى التصلب العصبي المتعدد.
في ضوء ما ناقشناه في هذا الفصل، من المفترض أن يكون لاستقرار نظم النوم والإيقاعات اليومية تأثير إيجابي على كل من جودة الحياة والأعراض المرضية في الأمراض النفسية والعصبية التنكسية. وثمة أدلة متزايدة على أن هذا الاستقرار له فائدة كبيرة؛ فعلى سبيل المثال: يستخدم العلاج بالضوء الساطع كإشارة لتزامن نظام الإيقاع اليومي، وثبت أنه يخفف بعض أعراض العديد من الاضطرابات المزاجية ومنها الاكتئاب الأحادي القطب والاكتئاب الثنائي القطب، على الرغم من أنه يمكن أن يؤدي للإصابة بالهوس لدى بعض مرضى الاكتئاب ثنائي القطب. ويمكن أيضًا للعلاج اليومي بالميلاتونين أن يؤدي إلى تزامن نظام الإيقاع اليومي. ويمكن للإشارات الاجتماعية، بالإضافة إلى الضوء أو الميلاتونين، أن تفيد أيضًا في تنظيم نظام الإيقاع اليومي والنوم. يمكن لأنشطة مثل ممارسة التدريبات وتناول الوجبات أن تؤثر على الأنماط اليومية للتعرض للضوء وتعديل توقيت السلوك عن طريق التعلم الارتباطي والتعزيز، ويمكن أن تكون مفيدة عند دمجها في نظم العلاج السلوكي المعرفي لعلاج اضطرابات النوم (انظر الفصل السادس).
من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن العديد من الروابط بين النوم والصحة التي ناقشناها في هذا الفصل، حتى الآن، ليست إلا مجرد روابط. ولقد استخدمت معظم الدراسات حتى الآن أساليب لا تسمح بتحديد السبب. وفي حين أن التجارب الإكلينيكية ستفيد في تحديد علاقة السبب والنتيجة بين اضطراب النوم والمخاطر الصحية قصيرة المدى، فهناك حاجة لقياسات أكثر دقة للنوم، لمجموعات سكانية كبيرة تتم متابعتها لسنوات عديدة، لتحديد إن كان للنوم آثار صغيرة دائمة على التبعات الصحية الطويلة المدى. ومع ذلك، من الواضح بالفعل أن النوم سلوك مهم وينبغي أن يُعد أحد الركائز الأساسية للصحة الجيدة، بالإضافة إلى اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة التدريبات؛ ومن ثَمَّ ينبغي أن يأخذ مكانه في قائمة أولوياتنا الصحية.

الفصل الثامن
النوم والمجتمع


يلعب المجتمع دورًا كبيرًا في تحديد مواقفنا تجاه النوم، وهو الأمر الذي يؤثر بدوره على مقدار ما نحصل عليه من نوم. وللنوم كذلك تأثير كبير على المجتمع، حيث إنه يؤثر على عملية التعلم والنمو في مرحلة الطفولة، ويؤثر كذلك على سلامة بيئة العمل وكفاءة الأداء فيها، وهو الذي يحرك صناعات تتكلف مليارات الجنيهات تهدف إلى مساعدتنا على الحصول على نوم أفضل أو التعامل مع عدم كفاية النوم. كما يتكبد الاقتصاد كل عام مليارات الجنيهات بسبب الشعور بالنعاس واضطرابات النوم من خلال حصول الموظفين على إجازات إضافية، وإهدارهم وقتًا كثيرًا، وعدم إتقانهم لعملهم، وتعرضهم لحوادث، ومع ذلك لا تزال النظرة البطولية المرتبطة بقصر ساعات النوم وطول ساعات العمل هي السائدة. فيُثنِي المجتمع على الأشخاص الذين لديهم دافعية كبيرة للعمل الذين يُنجِزون مع حصولهم على قليل من النوم، بينما ينظر إلى هؤلاء الذين يجعلون النوم على قائمة أولوياتهم على أنهم ضعفاء ويفتقرون إلى «مقومات التفوق». بل وقد تتطلب بعض المهن العمل لفترات طويلة جدًّا؛ مما يحرم الموظف من الحصول على النوم الكافي. لكن تلك المواقف أصبحت قديمة الآن وتأتي بنتائج عكسية تمامًا في النهاية، على الصعيدين الشخصي والمهني، حيث يؤدي الفشل في الحصول على قسط كافٍ من النوم إلى عواقب وخيمة تنعكس على السلامة المهنية، والإنتاجية والصحة.
(?) النوم والقيادة

يتسبب النعاس أثناء القيادة في وقوع ضحايا ما بين قَتْلى ومصابين بإصابات خطيرة على الطرق سنويًّا في بريطانيا، يُقدَّر عددهم بضِعْف ضحايا القيادة مع تعاطي المخدرات، ونحو ثلث ضحايا القيادة في حالة سكْر. كما أن النعاس هو السبب فيما يقرب من خُمْس الحوادث التي تحدث على الطرق الرئيسية، وذلك وفقًا للإحصائيات الحكومية. ومع ذلك فمن المرجح أن تكون تلك النسب أقل مما يحدث في الواقع الفعلي؛ لأنه يصعب اكتشاف الحوادث الناجمة عن النعاس أثناء القيادة وكثيرًا ما تصنف تصنيفًا خاطئًا. فعلى سبيل المثال، في الحوادث الناجمة عن تعاطي الكحوليات أو المخدرات، نجد أن النعاس عامل رئيسي أيضًا فيها، كما أن الحوادث الناتجة عن البطء في رد الفعل، وضعف القدرة على اتخاذ القرار السليم وعدم القدرة على الرؤية بوضوح، والرعونة، والتشتت الذهني، وغيرها من التصنيفات الأخرى للحوادث يزيد احتمال وقوعها عندما يغلب النعاس على الشخص. بَيْدَ أن المجتمع لا يُدرِك الحجم الحقيقي للمشكلة؛ ففي المملكة المتحدة، مثلًا، يرى السائقون لافتات «التعب يمكن أن يكلفك حياتك» على الطرق السريعة، ويتم توجيههم نحو كيفية الاستخدام الفعال للإغفاءات والمشروبات المحتوية على الكافيين في حالة الشعور بالتعب الشديد. ورغم فائدة هذه الإجراءات، فإن الاكتفاء بالتوعية قد لا يكون كافيًا، لا سيما أن هناك ??? شخص على الأقل، أو ربما ما يصل إلى ???? شخص، يَلقَوْن حتْفَهم أو يُصابون بجروح خطيرة دون داعٍ بسبب نعاس السائقين على الطرق في بريطانيا كل عام، علاوة على مئات الآلاف في جميع أنحاء العالم.
تعد الحوادث الناجمة عن النعاس أثناء القيادة هي الأكثر مَدْعاة للقلق بالنسبة إلى الشباب، الذين يتعرضون لعدد كبير منها. ويرتفع معدل الحوادث إلى أقصى حدٍّ ليلًا لدى جميع السائقين عندما يصل الإيقاع اليومي في النعاس إلى أعلى مستوياته، ولكن الشباب أكثر عرضة للحرمان من النوم وأقل قدرة على تحمل قلة النوم مقارنةً بالسائقين الأكبر سنًّا، وذلك في الاختبارات المعملية على الأقل. وقد دفعت هذه التوليفة القاتلة العديد من الولايات الأمريكية لمنع السائقين الجدد من القيادة بمفردهم في الأوقات المتأخرة من الليل (على سبيل المثال، من بعد منتصف الليل بنصف ساعة وحتى الخامسة صباحًا)؛ وذلك لمواجهة خطر النوم على عجلة القيادة، وكذلك للتخفيف من أثر قلة خبرتهم وسلوكهم المندفع وتعاطيهم للمخدرات والكحوليات.
فلماذا إذن لا يأخذ المجتمع مسألة النعاس أثناء قيادة السيارة بمزيد من الجدية؟ لا شك أننا ندرك المشكلة، نظرًا لمجموعة السلوكيات التي يستعين بها الناس حتى يظلوا مستيقظين، مثل مضغ اللبان، أو تعريض أنفسهم للهواء النقي، أو تشغيل الموسيقى الصاخبة، أو التحدث إلى أحد الأشخاص على الهاتف، أو غيرها من الحلول الأكثر تطرفًا مثل ارتداء سوار من دبابيس الرسم. عادةً ما يدرك الناس أنهم كثيرًا ما يغلب عليهم النعاس على نحو خطير ولكنهم يفضلون فعل أي شيء ما عدا مواجهة السبب الحقيقي؛ ألا وهو قلة النوم. وهناك أسباب معقدة في بعض الأحيان للاستيقاظ لفترة طويلة ثم القيادة، مثل الحاجة المالية للعمل لساعات طويلة أو العمل في وظائف متعددة، أو رعاية الأطفال أو الأقارب المسنين. ثمة عوامل أخرى، مثل الالتزامات العائلية، أو الهوايات، أو الحياة الاجتماعية، أو الانغماس في قراءة أحد الكتب، تؤدي لضيق الوقت المتاح للنوم وتضطر المرء إلى القيادة وهو يشعر بالنعاس. كثير من الناس يختارون أيضًا العمل لساعات متأخرة من الليل ثم الاستيقاظ مبكرًا في صباح اليوم التالي والقيادة ويتجاهلون مخاطر ذلك، علاوة على أن انخفاض احتمالات الإمساك بهم وهم في حالة النعاس هذه يعزز من هذا السلوك؛ فلا توجد أجهزة لقياس النعاس أو إمكانية لعمل اختبارات دم لاكتشافه على جوانب الطرق (على الرغم من بذل الكثير من الجهد لتوفير سبل لذلك). علاوة على ذلك، يصعب أيضًا اعتبار النعاس سببًا للحوادث وذلك لعدة أسباب؛ أولًا: أن قدرتنا على الحكم على مستوى تعرضنا للخطر تضعف بسبب النعاس؛ فكما هو الحال مع الدماغ وهو في حالة سكْر، فإن الدماغ وهو في حالة نعاس يعجز عن تقييم نفسه وغالبًا ما يستهين بمدى شعوره بالنعاس، حيث نتجاهل في الغالب علامات موضوعية لوجود مستويات غير آمنة من النعاس، مثل التثاؤب وطرفات العين البطيئة. ثانيًا: قد يحلُّ بنا النعاس الكارثي على الفور ودون سابق إنذار؛ ومن ثم لا يتمكن الفرد من تذكر استغراقه في النوم، أو حتى شعوره بالنعاس قبل وقوع الحادث، فالأمر لا يستغرق سوى بضع ثوانٍ من النعاس للانحراف عن الطريق. ولا يحتلُّ النعاس مرتبة متقدمة في قائمة الأسباب المحتملة لوقوع الحوادث، مع ارتفاع احتمالات تحديد سبب آخر مكانه يسهل الكشف عنه. هناك علامات تدل على الحوادث الناجمة عن النعاس أثناء القيادة — مثل الانحراف التدريجي عن الطريق دون استخدام المكابح، أو الحوادث التي تقع ليلًا للمركبات الفردية رغم توافر الظروف المناسبة — ولكن من الصعب إثبات النعاس كسبب لأي حادث دون الاطلاع على سجل نوم السائق خلال الأيام القليلة السابقة على الحادث. بَيْدَ أننا نترك وراءنا العديد من الشواهد على اليقظة وعدم النوم في العصر الإلكتروني، مثل سجل استخدام الهاتف والإنترنت، ونظام تحديد المواقع العالمي، وبطاقات الائتمان التي تستطيع كلها كشف حالة النوم والاستيقاظ لدينا، ولكن حتى مع هذه الأدوات يصعب إثبات تعرض السائق للنعاس مباشرة قبل وقوع الحادث.
شكل ?-?: النعاس، والكحوليات، والحوادث المميتة. الشكل (أ) يظهر بيانات تجربة طُلب فيها من ?? شخصًا القيام بمهمة تتبع تعتمد على تآزر اليد والعين كل ساعة خلال ?? ساعة من الاستيقاظ (من الساعة الثامنة صباحًا إلى ظهيرة اليوم التالي)، وأن يقوموا في مناسبة أخرى بتناول مشروب كحولي كل ?? دقيقة من الساعة الثامنة صباحًا حتى يصل تركيز الكحول في دمهم لنسبة ??? ?. أظهرت التجربة أنه بعد ?? ساعة من الاستيقاظ (ما يعادل الساعة الواحدة صباحًا) كان أداؤهم معادلًا لأدائهم عندما وصلت نسبة تركيز الكحول في دمهم إلى ???? ?، وبعد ?? ساعة من الاستيقاظ، اقترب أداؤهم مما يعتبره القانون حالة سكْر (أكبر من أو يساوي ???? ?). الشكل (ب) يظهر النمط اليومي لحوادث الشاحنات المنفردة المميتة وفقًا لإحصائيات وزارة النقل الأمريكية. تصل معدلات وقوع الحوادث للذروة في منتصف فترة الليل (من الساعة الرابعة إلى السادسة صباحًا) مع وجود مسار زمني مشابه كثيرًا للنمط اليومي لانخفاض الأداء الموضح في الشكل (أ).
وكما كان الحال بالنسبة إلى السكْر أثناء القيادة، فهناك حاجة إلى إحداث تغيير في موقف المجتمع تجاه النعاس أثناء القيادة إن أردنا تحقيق مكاسب كبيرة. فالمقارنة مع القيادة في حالة سكْر هي مقارنة حقيقية؛ فالاستيقاظ المستمر على مدار ?? ساعة يؤدي إلى خلل في الأداء يعادل ما يعتبره القانون حالة سكْر (انظر الشكل رقم ?-?). يواجه النعاس أثناء القيادة اليوم سخرية بنفس الطريقة التي كانت تواجهها القيادة في حالة سكْر قبل ?? عامًا، والازدراء المقصور حاليًّا على الثَّمِلين وراء عجلة القيادة يجب أن يمتد إلى أولئك الساقطين في النعاس خلف عجلة القيادة. نحن نطالب سائقي الطائرات والقطارات والسيارات أن يقوموا بعملهم وهم يَقِظون غير ثَمِلين وأن يكونوا مؤهلين بالكامل للقيام به (للأسف رغم وجود الكثير من الأمثلة على تعرض طيارين، وسائقي قطارات وسائقي حافلات، والكثيرين غيرهم لحوادث كارثية؛ نتيجة نومهم أثناء القيادة بسبب الإجهاد الشديد)، ويجب أن يطالب المجتمع بنفس القدر من المسئولية تجاه النوم. ومن أهم الخطوات في هذا الشأن توعية الناس بعواقب ما يسمى ? «النعاس السلبي» بنفس الحيثية التي يفهمون بها الآن مفهوم «التدخين السلبي». ففي حين أن زيادة احتمال تعريض الشخص لحياته للخطر من خلال النعاس أثناء القيادة قد يكون اختيارًا فرديًّا بالنسبة إليه، فمن غير المقبول أن يزيد من احتمال إصابة الآخرين أو تعريض حياتهم للخطر. فالحصول على قسط كافٍ من النوم هو مسئولية الفرد الشخصية وشرط أساسي قبل قيادته لأي مركبة، وعدم القيام بذلك يعد جريمة غير مقبولة، جريمة يمكن منعها. إن الوعي بالمخاطر، وسبل الوقاية منها، هو مفتاح الحل في هذا المسألة. وقد يعني هذا أن الأشخاص البُدَناء، الذين تزداد مخاطر تعرضهم بشكل كبير لتوقف التنفس أثناء النوم، عليهم أن يحدوا من خطر تعرضهم للنعاس عن طريق الحصول على العلاج الملائم وفقدان الوزن حتى يسمح لهم بقيادة السيارات أو الشاحنات أو حافلات المدارس. كذلك، فإن الأمهات اللاتي يتنقلْنَ بأطفالهن في سيارات دفع رباعي للحفاظ على سلامة أطفالهن يجب عليهن ألا يَقُدْنَ إذا شعرن بالنعاس وإلا سيُخاطِرْنَ بقتل أطفال أمهات أخريات. والأطباء الذين لا نعتبرهم قادرين على العمل بكفاءة بعد ?? ساعة من العمل ينبغي أن يطلب منهم أيضًا عدم قيادة سياراتهم بعد كل هذا الجهد الذي قاموا به. هذه مسائل يصعب على المجتمع مواجهتها ولكن لها عواقب خطيرة تستدعي انتباهنا. فاستخدام وسائل النقل العام (شريطة أن ينال السائقون قسطًا كافيًا من النوم)، والعيش بالقرب من المدرسة والعمل، والاهتمام بالتخطيط المسبق للنوم في الجدول اليومي، وإعطاء النوم أولوية كبيرة، كل ذلك يجب أن يُعاد النظر فيه بنفس الطريقة التي نخطط بها مسبقًا بحيث لا نكون في حالة سكْر عندما نتوجه إلى العمل أو نوصِّل الأطفال إلى المدرسة.
(?) النوم والكافيين

أحد أسباب إقدام أفراد المجتمع على العمل دون نَيْل قسط كافٍ من النوم هو أنهم يتداوون ذاتيًّا؛ فالكافيين منبِّه للجهاز العصبي المركزي ويثبط آثار الأدينوسين الذي يتراكم أثناء الاستيقاظ كناتج ثانوي لاستهلاك مخزوننا الداخلي من الطاقة (انظر الفصل الثالث). إنه سلعة ثمينة للغاية يبلغ حجم سوقها العالمي السنوي ?? مليار دولار، ويعمل فيه ما يصل إلى ?? مليون شخص. ويوجد الكافيين بشكل أساسي في الشاي والقهوة والمشروبات الغازية (من ?? إلى ?? ملِّيجرامًا لكل كوب أو علبة)، رغم وجوده أيضًا في الشوكولاتة، وفي أدوية أخرى لزيادة فاعليتها، أو في شكل حبوب تصرف دون وصفة طبية. وهو متوافر بنِسَب أعلى في مشروبات الطاقة (مع نسب من الكحول في بعض الأحيان)، ومشروبات البوتيك، لمواجهة وباء النعاس وعدم كفاية النوم المنتشر على مستوى المجتمع ككل. ويبلغ متوسط استهلاك الشخص البريطاني العادي من الكافيين يوميًّا حوالي ??? ملِّيجرام؛ أي أكثر من جرامين في الأسبوع.
وتشمل الآثار الدوائية للكافيين تحسين الانتباه وتقليل الوقت المطلوب لاتخاذ رد الفعل المناسب، ولكنها تشمل أيضًا زيادة ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ورفع درجة حرارة الجسم. أما آثاره على النوم، حتى لو تم تناوله في الصباح، فتشمل تأخير النوم لفترات أطول، وتقليل مدة النوم، ومنع النوم العميق البطيء الموجات. وعند الحصول عليه بنِسَب كبيرة (يتمثل أقصى الجرعة في أكثر من ??? ملِّيجرام أو من ??? إلى ??? ملِّيجرام يوميًّا)، يمكن أن يؤدي إلى زيادة العصبية والتشنج العضلي والصداع والقلق وخفقان القلب، ومع الاستهلاك المزمن للكافيين بكميات كبيرة، يمكن أيضًا أن يسبب القرحة ومرض الارتجاع المعدي المريئي ويؤدي إلى القلق واضطرابات النوم التي يسببها الكافيين. كما تقل الاستجابة التي يحصل عليها مستهلكو الكافيين مع تناوله بكميات كبيرة لفترات طويلة مما يجعلهم يتناولون جرعات أعلى للحصول على نفس الاستجابة؛ ومن ثَمَّ فإنه يُعد نوعًا من المواد الإدمانية. وعند التوقف عن تناوله تنتاب مُدمِنيه أعراضُ الانسحاب، بما في ذلك الصداع والغثيان والتعب، وسرعة الانفعال، والارتجاف، والأرق لمدة تصل إلى ? أيام. وللكافيين «عمر نصفي» طويل — حوالي ? ساعات، وقد يطول أكثر في ظل بعض الظروف — وهذا يعني أنه يستغرق حوالي ? ساعات ليَحدُث أيضٌ لنصف الكمية المتناولة منه. هذا يعني أنه إذا احتسى أحدهم كوبًا من القهوة أو المشروبات الغازية يحتوي على ??? ملِّيجرام من الكافيين في العاشرة صباحًا، فسوف يتبقى ?? ملِّيجرامًا في الجسم حتى الثامنة مساءً، ونحو ???? ملِّيجرامًا حتى وقت النوم، وهو ما يتسبب في اضطراب النوم إلى حدٍّ كبير. في واقع الأمر، يستهلك الناس كميات أعلى من ذلك بكثير، ويتناولونها في وقت متأخر من اليوم، بل حتى بعد تناول العشاء؛ الأمر الذي يؤثر على جودة النوم وفترته (حتى لدى أولئك الذين يقسمون أن الكافيين لا يؤثر على نومهم). والحساسية لمادة الكافيين واضحة بسبب القدرة على احتمالها وجزئيًّا بسبب جيناتنا؛ ترتبط الاختلافات في جين مستقبلات الأدينوسين إيه ? إيه بالحساسية تجاه الكافيين ودرجة اضطراب النوم عند تناوله، وربما تساهم في ارتفاع معدلات الأرق.
في عالَم مثالي، سنتمكن جميعًا من الحصول على قسط كافٍ من النوم دون الحاجة إلى أي جرعة من الكافيين، ولكن إن كان لا بد من الحصول عليها من أجل سلامتنا، فإن الحكمة تقتضي تناول الكافيين «بجرعات قليلة وعلى مرات كثيرة» للحفاظ على اليقظة مع تناوله بالحد الأدنى، والتوقف تمامًا عن تناوله أطول فترة ممكنة قبل النوم. ويمكن تحقيق الفوائد التنبيهية للكافيين عند تناول جرعات قليلة نسبيًّا (??? ملِّيجرام/كيلوجرام/ساعة؛ أي حوالي ?? ملِّيجرامًا/ساعة لمن يبلغ وزنه ?? كيلوجرامًا)، وهو ما يعادل كوبًا واحدًا من الشاي العادي، أو القهوة الخفيفة، أو أحد المشروبات الغازية كل ساعتين تقريبًا. فتناول كمية أكبر من الكافيين لا داعي له، واستهلاك كميات كبيرة منه في بداية النهار أو نوبة العمل غير مفيد حيث ستنخفض مستويات الكافيين مع زيادة النعاس خلال اليوم. كما أن التوقف عن تناول الكافيين على الأقل لمدة ? ساعات، ومن الأفضل أن يكون لمدة ?? ساعات، قبل محاولة النوم أمرٌ موصًى به أيضًا.
يعتبر أثر الكافيين أكثر قوة على الأطفال نظرًا لصغر حجم أجسامهم وقلة حصولهم عليه؛ لذا يجب أن يتجنبوا تناوله. بَيْدَ أن منْعَهم من تناول الكافيين أمرٌ صعبٌ؛ نظرًا لدخول الآباء في صراع محموم مع حملات إعلانية قوية ومغرية موجهة خِصِّيصَى للأطفال والشباب، تُسوِّق للمشروبات الغازية التي تحتوي على الكافيين، علاوة على أنواع الشاي المثلج، والشوكولاتة، وأفخر أنواع الشاي والقهوة المخصوصة، ومشروبات الطاقة التي تحسن من نوعية الحياة، الجذابة بشكل خاص للمراهقين والشباب. وفي حين تقوم المدارس بمحاولة الحد من دخول هذه المنتجات إليها في محاولة لتقليل كمية السكريات التي يحصل عليها طلابها، فلم يتم بعدُ تناول آثارها الضارة على النوم. فمن شأن الحد من مثل هذه المشروبات في المدارس وفي المنازل أو منعها في محاولة للحد من سمنة الأطفال أن يحقق فائدة إضافية تتمثل في تحسين نومهم، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تقليل خطر تعرضهم للسمنة، ومعالجة كلتا المشكلتين الصحيتين علاجًا جذريًّا، وهذه طريقة مفيدة جدًّا يجب أن يقْدم المجتمع على تبنِّيها بشجاعة.
(?) النوم والمدرسة

ليس من الغريب استعانة المراهقين والشباب بالكافيين عندما تتحالف عليهم كل الظروف حتى تجعلهم غير قادرين على الحصول على قدر كافٍ من النوم. وكما أوضحنا في الفصل الخامس، يتعرض المراهقون لتأخر في ساعاتهم البيولوجية مما يدفعهم إلى النوم والاستيقاظ في وقت متأخر عن الأطفال والبالغين الأصغر عمرًا؛ وهو الأمر الذي يُعرِّضهم لحرمان مزمن من النوم، تحديدًا في أيام الدراسة. تؤثر مواعيد الاستيقاظ المبكرة أيام الدراسة على المراهقين بشكلين مختلفين؛ أولًا: يمنعهم تأخر الساعة البيولوجية لديهم من الذهاب إلى النوم مبكرًا؛ ومن ثم يحرمهم من الحصول على عدد ساعات النوم التي يحتاجونها والمقدَّرة بثماني ساعات إلى تسعٍ. ثانيًا: إن تأخر ساعتهم البيولوجية يعني كذلك أن مطالبة المراهقين بالاستيقاظ من أجل الذهاب للمدرسة في السادسة أو السابعة صباحًا يُعادل مطالبة البالغين بالاستيقاظ في الثالثة أو الرابعة صباحًا. إن الاستيقاظ في تلك الساعة من اليوم يؤدي إلى الإصابة بحالة حادة من قصور النوم ويتزامن مع تراجع الساعة البيولوجية في المزاج والإدراك. يرتبط أيضًا النوم لفترة قصيرة بزيادة معدلات النعاس في الفصول، وانخفاض الدرجات الدراسية، وسوء الحالة المزاجية والسلوك، ويؤدي على الأرجح إلى زيادة فرط النشاط أو سرعة الانفعال أو العدوانية، وربما يؤدي أيضًا إلى زيادة معدلات إصابة الأطفال بالسمنة (انظر الفصل الخامس)، وربما يرتبط باضطرابات نفسية أكثر خطورة مثل الاكتئاب. وقد أظهرت إحدى الدراسات الحديثة أن الآباء الذين يسمحون لأبنائهم بالذهاب إلى الفراش في أوقات متأخرة من اليوم (في منتصف الليل أو بعد ذلك) يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والتفكير في الانتحار.
هناك حلٌّ بسيط لهذه المشكلة، على الرغم من صعوبة تنفيذه، يتمثل في تأخير مواعيد بدء الدراسة في المدارس، والمعاهد، والجامعات، بما يسمح للطلاب بالحصول على ساعات أطول من النوم والاستيقاظ في وقت يتناسب أكثر مع ساعتهم البيولوجية. لقد ثَبَتَ منذ أكثر من عَقْد من الزمن أن تأخير مواعيد بدء اليوم الدراسي يرتبط بحصول الطلاب على عدد ساعات أطول من النوم، وزيادة قدرتهم على التركيز، والانتباه، وحصولهم على درجات دراسية أعلى. إن مواعيد بدء الدراسة الحالية مُصمَّمة بحيث تُناسِب البالغين؛ ولذلك فهي تجعل الأطفال يقتطعون ساعات من نومهم كل يوم، وهو الأمر الذي يؤثر سلبًا دون شك على تحصيلهم الدراسي من خلال إضعاف انتباههم وذاكرتهم (انظر المربع رقم ?). لقد أظهرتْ دراسات أُجريت في الولايات المتحدة أن تأخير مواعيد بداية اليوم الدراسي لمدة قليلة تتراوح بين نصف ساعة وساعة ونصف يمكن أن يزيد فترة نوم الطالب وجودة نومه، ويُحسِّن أداءه التعليمي، وحالته المزاجية، وانتباهه وصحته العامة، ويقلل من معدلات غيابه وتأخيره. وقد ثبت أيضًا أن تأخير تلك المواعيد لمدة ساعة واحدة يؤدي إلى انخفاض معدل وقوع حوادث السيارات بين الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والثامنة عشرة بنسبة ???. وعلى النقيض مما يتوقعه الكثيرون، لا يؤدي تأخر مواعيد بدء اليوم الدراسي إلى تأخر وقت الذهاب إلى الفراش؛ فوقت الذهاب إلى الفراش يظلُّ ثابتًا بينما يزيد وقت النوم، مما يعكس الأساس البيولوجي للمشكلة.
وعلى الرغم من أن تغيير موعد بدء اليوم الدراسي يبدو أمرًا معقَّدًا جدًّا، مع وجود عوامل يجب وضعها في الاعتبار مثل مستهدفات المناهج الدراسية، ومواعيد عمل الآباء، ووسائل النقل للمدرسة، وساعات التدريس، والبرامج الخارجة عن المناهج الدراسية، فإن كافة تلك العوامل يجب أن تكون عوامل ثانوية في مقابل أولوية حصول الأطفال على أفضل الفرص التعليمية الممكنة. ويمكن تحقيق تحسن فوري في التحصيل الدراسي للطلاب من خلال تلك الخطوة البسيطة التي لا تتطلب طُرُق تدريس أو نُظُم اختبار جديدة، أو تمويلات إضافية. إن السياسات الجيدة يجب أن تعتمد على شواهد جيدة، والإحصائيات تُظهِر أن الأطفال يقعون تحت ظلم شديد عندما تُفرَض عليهم مواعيد بدء اليوم الدراسي المخصصة للبالغين.
المربع رقم ?: النوم والتعلم

نحن ندرك من خلال تجربتنا الشخصية أن عدم التسرع في اتخاذ قرار بشأن مشكلة ما وتأجيله لليوم التالي للتفكير فيه بِتَرَوٍّ غالبًا ما يساعدنا على حل تلك المشكلة. وقد بدأت الدراسات الحديثة في كشف السبب وراء ذلك. فإذا ما تم تعليم الخاضعين للبحث مهمةً تعليمية بسيطة، فإن النوم في الليلة التي تلي عملية التعلم يساعد على نحو ما على ترسيخ تلك المهارة في الذاكرة فتتحسن القدرة على ممارستها. وإن الفشل في النوم بعد تعلم المهارة من شأنه أن يمنع أي تحسن لاحق في الأداء، حتى بعد النوم بصورة طبيعية لعدة ليالٍ لاحقة. وكأن الدماغ عند عدم نوم الشخص بعد تعلم المهارة يفقد فرصة ترسيخ ما تعلمه بداخله. وقد أظهرت دراسات مماثلة أن تطوير «التبصر» أو مستوًى أعلى من التعلم يعتمد أيضًا على النوم، حيث تعتمد أنماط مختلفة من التعلم على مراحل النوم المختلفة. ويبدو أن استقرار وانتظام النوم كذلك من العوامل المهمة في الاحتفاظ بالمعلومات. ومن الواضح أن تلك النتائج لها آثار مهمة على تعليم الأطفال، وبخاصة إذا تم اقتطاع ساعات من نوم الأطفال في أيام الدراسة.
(?) النوم والعمل

يعد بالطبع العمل من العوامل المجتمعية الرئيسية التي تؤثر على النوم عند البالغين. ويرتبط عدد ساعات العمل الطويلة بساعات أقل من النوم وبزيادة مخاطر الحوادث والإصابات، وتزيد مخاطر التعرض لحوادث مع زيادة الساعات التي يقضيها الشخص في العمل؛ فمخاطر التعرض لحادثة خلال الساعة الثانية عشرة من العمل تزيد عن ضعفَيْ مخاطر وقوعها في الساعة الأولى منه (انظر الشكل رقم ?-?). ويعد العمل بالليل بطبيعة الحال أكثر خطورة من العمل في الصباح (انظر الفصل التاسع). وبينما لا يعد النوم العامل الوحيد الذي يؤدي للإصابات والحوادث في العمل، فإنه أحد أكبر تلك العوامل وفي الغالب أكثرها سهولة في التحكم فيها، ويمكن، من خلال وضع حدود لعدد ساعات العمل وبرامج إدارة الإرهاق، تحقيق مكاسب جمة فيما يتعلق بالسلامة في مكان العمل ورفع كفاءة العمل فيه. شكل ?-?: العوامل التي تزيد من مخاطر التعرض لحوادث في العمل. بالاتساق مع إيقاع الساعة البيولوجية اليومي، تزيد مخاطر التعرض لحوادث إلى أقصى درجاتها في نوبات العمل الليلية مقارنة بنوبات عمل ما بعد الظهيرة أو نوبات العمل الصباحية، حيث: (أ) تزيد المخاطر مع تتابع العمل في نوبات العمل الليلية. (ب) تزيد المخاطر جزئيًّا نتيجة لتفاقم الإصابة بحالة نقص نوم مزمن عندما لا يستطيع العمال الحصول على قدر كافٍ من النوم خلال النهار بين نوبات العمل. وتزيد مخاطر التعرض للحوادث مع زيادة طول نوبات العمل؛ حيث تزيد فرص وقوع الحوادث في نوبات العمل التي تبلغ مدتها ?? ساعة بنسبة ??? عن تلك البالغ مدتها ? ساعات. (?) وأخيرًا، تزيد مخاطر وقوع الحوادث مع زيادة ساعات العمل الفعلية، فمع بلوغ ساعات العمل عشر ساعات تقريبًا تتضاعف فرص وقوع الحوادث مقارنة بالساعة الثامنة منه، وعند العمل لمدة اثنى عشر ساعة فإن الخطورة تزيد لتتجاوز الضِّعْف. إن البيانات الخاصة بنوبات العمل التي تمتد لأكثر من اثنتي عشرة ساعة غير متوافرة، ولكن نوبات العمل الطويلة تلك قطعًا تزيد من مخاطر التعرض لحوادث بصورة أكبر.
ويعد السماح بأخذ إغفاءات مجدولة أحد أهم الأساليب الفعالة لمواجهة الشعور بالنعاس أثناء العمل. فلقد تبيَّن أن إغفاءة «شحن طاقة» قصيرة مدتها من ?? إلى ?? دقيقة قادرة على تحسين أداء الفرد وانتباهه خلال الساعتين أو الثلاث ساعات التي تلي الاستيقاظ منها. أما الإغفاءات الأكثر طولًا التي تمتد لثلاثين دقيقة أو أكثر، فإن لها تأثيرات أطول على الفرد إلا أنها قد تؤدي إلى حدوث حالة من قصور النوم عقب الاستيقاظ منها مباشرة؛ مما يمثل خطرًا جديدًا. ولكن يمكن التعامل مع هذا بتناول بعض الكافيين قبل الإغفاءة، وهو الذي يستغرق نحو عشرين دقيقة ليبدأ في عمله؛ ومن ثم يكون على استعداد لمواجهة الشعور بالنعاس عقب الاستيقاظ. (يمكن اتباع نفس الطريقة للتقليل من الشعور بالنعاس بصورة مؤقتة عند القيادة.) ويجب تفعيل هذا السماح بأخذ إغفاءات قصيرة خلال ساعات العمل واعتباره وسيلة لتحسين الأداء ومستوى السلامة بتكلفة قليلة للغاية أو دون تكلفة على الإطلاق، حيث إن زيادة الإنتاجية التالية على تلك الإغفاءات تفوق الوقت المستغرق فيها بكثير.
هل هناك أي دليل على أن وضع حدود لعدد ساعات العمل يحسن من النوم ومن الأداء في مكان العمل؟ من قبيل المفارقة أن الدليل الدامغ على مخاطر نقص النوم قد قدمتْه دراسات عن أطباء جدد تم إجراؤها بسبب المخاوف من تأثير عمل الأطباء لساعات طويلة على سلامة المرضى. في الولايات المتحدة الأمريكية، تركَّز ذلك الجهد بشكل كبير على فهم مخاطر مد ساعات العمل ليوم كامل أو أكثر، وضرورة تقليل ساعات العمل الأسبوعية لتكون حوالي ?? ساعة في الأسبوع. وبالرغم من أن نوبات العمل الماراثونية هذه لا تزال شائعة في أوروبا، فإن توجيهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بعدد ساعات العمل وغيره من التشريعات المماثلة الخاصة ببريطانيا والاتحاد الأوروبي تُلزم بألا تزيد ساعات العمل المتواصل عن ?? ساعة، وقللت تدريجيًّا من ساعات العمل الأسبوعية للأطباء الجدد من ?? ساعة إلى ?? ساعة، في المتوسط.
وبالرغم من اختلاف الموقف، فإن المكاسب الكبيرة المتحققة فيما يتعلق بسلامة المرضى ونوم الأطباء وزيادة انتباههم ظهرت في كلا المجالين بعد مراجعة ساعات العمل باستخدام المبادئ البيولوجية التي تنظم عملية النوم. في إحدى التجارب الإكلينيكية العشوائية الأمريكية، أدى تغيير نظام نوبات عمل الأطباء من نوبات عملٍ مدتها يومٌ بالكامل كل ثالث يوم من الأسبوع إلى أخرى مدتها ?? ساعة كل رابع يوم منه إلى زيادة عدد ساعات نوم الأطباء من ??? إلى ??? ساعة كل ليلة، وتقليل معدل ضعف الانتباه والتركيز ليلًا إلى النصف. والأكثر أهمية أن الأخطاء الطبية الخطيرة ازدادت بنسبة ??? عندما كان الأطباء يعملون في نوبات عمل تمتد ليوم كامل مقارنة بعملهم في نوبات عمل تمتد ? ?? ساعة فقط، بما في ذلك زيادة الأخطاء التشخيصية الخطيرة إلى حوالي ستة أضعاف وزيادة الأخطاء المتعلقة بالأدوية بنسبة ???. وفي دراسة بريطانية مماثلة، تم تقليص عدد ساعات عمل الأطباء من ?? ساعة إلى ?? في المتوسط في الأسبوع (وكحد أقصى من ?? ساعة إلى ?? ساعة كل أسبوع) وفي نوبات العمل المتواصلة تم تقليل الحد الأقصى لساعات العمل ليصل إلى ?? ساعة. وكذلك فقد تم تغيير نمط النوبات؛ حيث لم يعد مسموحًا بنوبات عمل ليلية متتابعة لأكثر من ليلتين إلى ثلاث ليالٍ، في مقابل سبع ليالٍ في النظام التقليدي، وكانت تلك التغيرات أكثر تدرجًا. وكانت النتيجة بعد تلك التغييرات زيادة مدة نوم الأطباء، خاصة بعد نوبات العمل المسائية والليلية، وانخفاض معدل الأخطاء الطبية ككل بنسبة ???. وتظهر هذه الدراسات المكاسب الكبيرة فيما يتعلق بسلامة المريض، خاصة في فترات الليل، إذا ما تم تخطيط ساعات عمل الأطباء وفقًا للجوانب البيولوجية للنوم، كما أنها توضح أن مستويات التدريب والتحفيز العالية لا يمكنها أن تعوض عدم كفاية النوم.
لسوء الحظ، تسعى الكثير من المهن، ومن بينها مهنة الطب، إلى زيادة طول نوبات العمل. وبينما يأتي ذلك عادةً في صورة محاولة لإنجاز العمل بسرعة، أو ترك مزيد من الوقت للأسرة والاستمتاع بالحياة، فإن الواقع هو أن الهدف الحقيقي وراء ذلك يتمثل في تمكن المرء من العمل بوظيفة ثانية وكسب المزيد من الأموال؛ الأمر الذي يزيد من ساعات العمل الأسبوعية ومخاطر النعاس أثناء القيادة أو أثناء العمل. وعلى الرغم من توقع المجتمع الحصول على خدمات لا تنقطع طوال اليوم، فهناك طرق جيدة وأخرى سيئة لتحقيق ذلك، ويجب على الجميع إدراك العواقب غير المباشرة وغير المقصودة للسماح بتلك النوبات، خاصة أنها تجعلهم يتعرضون لمخاطر بسبب «النعاس السلبي» (انظر الفصل التاسع).
لا يقتصر تأثير اضطراب النوم على الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية فقط. فإن نوم المرضى داخل المستشفيات سيئ بشكل واضح، وعلى الرغم من أن النوم السيئ والقصير يمكن أن يؤثر على وظائف الجهاز المناعي ويرتبط بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بالأمراض (انظر الفصل السادس)، فمن المثير للدهشة عدم بذل مزيد من الجهود لتحسين البيئة الملائمة للنوم داخل المستشفيات. فحتى التحسينات البسيطة يمكن أن يكون لها تأثيرات إيجابية على تجربة المريض داخل المستشفى وقدرته على الشفاء. ومن الخطوات البسيطة في هذا الشأن وضع النوم في الاعتبار عند جدولة الأحداث الطبية؛ فعلى سبيل المثال، يتم إيقاظ الكثير من المرضى مبكرًا دون وجود ضرورة لذلك. ويمكن لفترة من الراحة الهادئة وذات الإضاءة الخافتة أن تساعد المرضى على أخذ إغفاءة. وكذلك يجب إعادة النظر في أمر الضوضاء، والإضاءة، ودرجة حرارة الغرفة ليلًا لمساعدة المرضى على النوم بصورة أفضل، كما أن الحرص على تعرض المرضى لدورة ضوء وظلام مناسبة من شأنه أن يحسن من نوعية النوم والاستيقاظ لديهم (انظر الفصل الخامس)؛ فقد ثَبت أن التعرض المخطط لقدْر مناسب من ضوء النهار يحسن من معدلات تعافي المرضى ونتائج علاجهم. وتمتد تلك الاعتبارات إلى مؤسسات أخرى مثل دور الرعاية، والسجون، والمدارس الداخلية.
(?) النوم والمجتمع

يتأثر النوم بالعديد من العوامل «المجتمعية» مثل الأطفال، والحيوانات الأليفة، والتلوث الضوضائي، والتلوث الضوئي، ودرجة الحرارة، ونوع السرير، والألم، والتوقيت الصيفي، والجنس، ومَن يشاركك السرير، ونوع الشخصية من حيث كونها نهارية أو ليلية، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعمل، والهوايات، والكحوليات، والمخدرات، والأدوية، والتمارين الرياضية، والتليفزيون والراديو وأجهزة الكمبيوتر والهواتف … والقائمة تطول. بعض هذه العوامل يمكن أن تكون بسيطة نسبيًّا ويسهل التعامل معها على المستوى الفردي؛ على سبيل المثال: استخدام ستائر معتمة أو ارتداء قناع العينين، واستخدام سدادات الأذن، وارتداء جوارب النوم، وإخراج التليفزيون والراديو والكمبيوتر، والهاتف، والحيوانات الأليفة من غرفة النوم، والتقليل من شرب الكحول، وممارسة التمارين الرياضية في وقت مبكر، والذهاب إلى الفراش مبكرًا. ولا بأس في نوم الزوجين في سريرين منفصلين، أو حتى غرفتين منفصلتين، لو كان ذلك يعني نومًا أفضل بالنسبة إليهما.
بعض العوامل تتطلب حلولًا أكثر صعوبة وشمولًا، كما تتطلب توعية أكبر للناس ورغبة سياسية لإحداث تغييرات. على سبيل المثال، قد يكون للتلوث الضوئي آثار ضارة على نوم وصحة الإنسان، ومن شأن تقليل التلوث الضوئي أيضًا أن يحقق مكاسب هائلة في مجال توفير الطاقة، وتحسين بقاء العديد من الأنواع الأخرى، علاوة على السماح لنا بالاستمتاع ببهاء وروعة السماء ليلًا. هناك حلول بسيطة في هذا الشأن مثل توجيه المصابيح لأسفل، وليس لأعلى، أو استخدام مؤقتات ومجسات للحركة، أو الاستعانة بمصابيح ذات أنواع وقوة مناسبة، أو حتى مجرد إطفاء الأنوار عند عدم الحاجة إليها. كما أن مطالبة الشركات بتقليل التلوث الضوضائي الذي تسببه، أو تقليل الأوقات التي يبدأ أو ينتهي فيها العمل الذي يسبب ضوضاء، له تأثير ضئيل على عجلة الإنتاج ولكن فوائده بالنسبة إلى المجتمع هائلة. يجب زيادة التركيز على حماية النوم، وأحيانًا قد يتطلب الأمر الحفاظ على الصحة العامة أكثر من مصلحة الفرد؛ على سبيل المثال: كم عدد الأفراد الذين يُقلِق نومَهم أجهزةُ إنذار السيارات كل ليلة، مع العلم أن معظمها يُدوِّي بلا داعٍ؟ بمقدور المصنِّعين جعل سياراتهم أقل حساسية لحماية نومنا، وهو ما قد يكون أكثر فائدة للمجتمع من حدوث زيادة طفيفة في معدل سرقة السيارات. ورغم أن المكاسب المالية تدفع شركات الطيران لإطلاق المزيد والمزيد من رحلات الطيران الليلية، فهل من الضروري حقًّا نقل بضعة آلاف من الناس في حين أن عدة آلاف غيرهم يتضررون على نحو كبير من ضجيج الطائرات كل ليلة؟ وبعد أن نفقد ساعة من النوم عند التحول إلى التوقيت الصيفي، فإن معدل حوادث السيارات يزداد بنسبة ??? ويرتفع خطر الإصابة بنوبة قلبية بنسبة ??، فهل الأمر يستحق كل هذا العناء، بالمقارنة مع مكاسب التحول إلى التوقيت الصيفي؟ هل نحن حقًّا بحاجة إلى الإضاءة الكاملة لمواقف السيارات والمناطق الصناعية، والمباني الإدارية، والحدائق الخلفية في حين أن الفوائد المتعلقة بسلامة الأفراد ضئيلة للغاية؟ هل نحن بحاجة حقًّا لفتح المتاجر الكبرى على مدار ?? ساعة؟ هل نحن بحاجة حقًّا لمشاهدة التليفزيون على مدار ?? ساعة؟ كيف كان حالنا من قبل؟
جزء من فشل المجتمع في إدراك أهمية النوم وحمايته يرجع إلى عدم تدريس الأرق واضطرابات النوم في كليات الطب والتمريض. ورغم اعتماد طب النوم الآن كتخصص طبي مستقل في الولايات المتحدة، فإن هذا ليس هو الحال في أماكن أخرى، حيث يتشتت مقدمو الرعاية الصحية المهتمون بالنوم بين العديد من التخصصات مثل طب الجهاز التنفسي، طب الأعصاب، والتخدير، والطب النفسي، وعلم النفس، وطب الأسنان، مع عدم وجود اتساق فيما يتعلق بتدريبهم، وتشخيصهم، وعلاجهم المتعلق بمشاكل النوم. وفي حين أن بعض كليات الطب قد اعتمدت مناهج دراسية في طب النوم، فإن المستوى العام لفهم النوم وتدريسه من قِبَل الأطباء لا يزال ضعيفًا، خصوصًا أن مشاكل النوم واحدة من الشكاوى الرئيسية التي يسمعها الممارسون العامون من المرضى. نحن في حاجة إلى قضاء ثلث حياتنا في النوم، ولكن لم يتم إعداد الأطباء على نحو جيد لمساعدتنا على القيام بذلك؛ ومن ثم فنحن بحاجة إلى نهج متكامل ومتخصص للتدريب في طب النوم، خاصةً مع اتساع تأثير اضطرابات النوم على الصحة والمجتمع.
هناك بعض العوامل «المجتمعية» التي يصعب التعامل معها، فهناك اختلافات بين الجنسين في كيفية النوم وكيفية النظر إلى مشاكل النوم (انظر الفصل السادس). وقد تم اكتشاف عدد من الجينات ترتبط بتوقيت النوم ومدته، وهذه العوامل الداخلية تساعد على تحديد إن كان من طبيعتنا أن ننام لفترة قصيرة أو طويلة، أو إن كنا نفضل الاستيقاظ مبكرًا أم الذهاب إلى الفراش في وقت متأخر، مع احتمال تسبب النقطة الأخيرة في مشكلة إذا كان زوجان يأويان إلى فراشهما في أوقات مختلفة. كما أن للأطفال تأثيرًا هائلًا على نوم الوالدين، ويمكن أن يستمر لسنوات عديدة. لا توجد حلول سهلة للتعامل مع هذه العوامل، ولكن الوعي بأهمية النوم، واتباع تفضيلات النوم الخاصة بك حيثما أمكن، قد يساعد في زيادة أولوية النوم في حياتك، أو حياة أسرتك، أو حياة موظفيك. ومواجهة تحدي زيادة أولوية النوم في حياتك عامل أساسي لنجاح مجتمعنا ويتطلب نهجًا مدروسًا لتحقيق التوازن بين المسائل الاقتصادية والأسرية والصحية. وفي ظل وجود قيادة تقدمية من قِبَل الأفراد والمؤسسات، يمكن للمجتمع التراجع عن العديد من المفاهيم الخاطئة عن النوم ودعم نمط حياة يعطي للنوم أولوية كبرى.

الفصل التاسع
مجتمع نشِط على مدار الساعة


نحن نعيش في مجتمع يتسم بالنشاط الدائم على مدار ?? ساعة؛ فهناك التغطية الإخبارية للأحداث على مدار الساعة، ومتاجر مفتوحة طوال الليل، وتوافر خدمات الإنترنت طوال الوقت، لكن تقتطع كل هذه الأمور من ساعات نومنا. ونتيجة لثقافة العمل لساعات طويلة، وعولمة الأعمال، والحاجة المتزايدة للعمل في نوبات ليلية ومرونة ساعات العمل، يبدو أن المجتمع يتآمر ليحتل النوم مرتبة متأخرة في قائمة أولوياتنا. منذ وقت قريب كانت القنوات القليلة الموجودة تُنهِي إرسالَها بحلول منتصف الليل. فقد كان النشيد الوطني يُذاع عند نهاية إرسال قناة بي بي سي ? حتى نهاية ????، وقال المذيع في آخر مرة لذلك متنبِّئًا بما ستئول إليه الأمور: «… بدلًا من أن نترككم في الظلام مع انتهاء الإرسال، سنقدم خدمة جديدة تمامًا، وهي خدمة بي بي سي الإخبارية على مدار الساعة، التي تتضمن تغطية طوال الليل وتقارير من جميع أنحاء العالم. أما الآن، فسنترككم للحصول على بعض الراحة …» ومنذ ذلك الحين تم تشجيعنا على التسوق، أو إمداد سياراتنا بالبنزين، أو مشاهدة التليفزيون، أو احتساء الشراب في الحانات، أو تصفح الإنترنت على مدار الساعة، سواء أردنا ذلك أم لا. ويعد السبب الرئيسي لكل هذا النشاط هو القدرة على توفير الإضاءة طوال الليل، التي لولاها ما كان لنا أن نقوم بأي من هذه الأنشطة الليلية.
لم تكن القدرة على تبديد ظلام الليل في يد البشر، لكن تمكن البشر من إنارة الليل بحلول نهاية القرن التاسع عشر؛ وذلك مع تطوير سبل الإضاءة الكهربائية المتوهجة وتركيبها على نطاق واسع. وعلى الرغم من إمكانية إنارة الليل قبل هذا باستخدام النار، والشموع، والكيروسين، ومصابيح الغاز، فلم يتوافر مصدر منتظم، وموثوق به، وآمن للإضاءة الليلية إلا مع ظهور الكهرباء، التي أخذت في الانتشار بشكل سريع جدًّا، وخاصةً بسبب الدافع التجاري لتوماس إديسون. فعلى سبيل المثال، بيع في الولايات المتحدة حوالي ??? ألف مصباح لأغراض الإضاءة العامة بحلول عام ????، ولقد ازدادت نسبة المبيعات لتصل إلى ?? مليون مصباح تقريبًا بحلول عام ????، و??? مليون مصباح سنويًّا بحلول عام ????. أما اليوم، فيُباع حوالي ملياري مصباح كل عام في الولايات المتحدة، ويُستخدم حوالي ربع الطاقة الكهربائية المباعة في الإضاءة. ولقد أحدثت هذه التطورات تغيرات جذرية في المجتمع وأصبح من الممكن توفير الخدمات على مدار الساعة.
أوجدت التطورات التي حدثت في مجال النقل الجوي والتي تمثلت في ظهور الطائرات النفاثة تعرضًا مماثلًا غير طبيعي للضوء؛ فلم تكن القدرة على الطيران دون توقف عبر مناطق زمنية عديدة في بضع ساعات ممكنة من قبل. في ظل الظروف الطبيعية، كان الناس يشهدون فقط تغيرات مقدارها ثوانٍ أو دقائق في دورتهم اليومية الخاصة بالضوء والظلام، لكن مع ظهور الطائرات النفاثة، أصبح بإمكاننا الطيران عبر مناطق زمنية متعددة في وقت قياسي.
(?) لماذا يعد العمل بنظام النوبات مشكلة؟

كما ذكرنا من قبل (انظر الفصل الثالث)، تحتاج الساعة البيولوجية اليومية في الدماغ إلى إعادة ضبط على ?? ساعة يوميًّا، وتنفذ دورة الضوء والظلام الشمسية هذه المهمة. وحين يعمل عامل بنظام النوبات ليلًا، يتعرض للضوء في الوقت الذي تتوقع فيه الساعة البيولوجية اليومية الظلام. تفسر الساعة البيولوجية اليومية الضوء على أنه «النهار» (ويكون هذا هو الحال دائمًا في ظل ظروف الإضاءة الطبيعية)؛ ومن ثَمَّ تبدأ في التحول لإعادة التأقلم مع «النهار» الجديد. يتطلب الأمر يومًا لترحيل تلك الساعة بمقدار ساعة تقريبًا في ظل الظروف الطبيعية؛ ومن ثَمَّ فمن المتوقع أن يستغرق الأمر ?? يومًا للتأقلم مع تحول يوم كامل يبدأ في الساعة الثامنة صباحًا، إلى نوبة عمل ليلية تبدأ في الساعة الثامنة مساءً. وهذا ممكن في نوبات العمل الليلية أو النهارية الثابتة التي تستمر لعدة أسابيع في كل مرة. ولسوء الحظ، تتغير نظم عمل معظم عُمَّال النوبات كل بضعة أيام؛ مما لا يسمح بتوافر الوقت الكافي للتأقلم، أو تقطعها العطلات (حين يميل العمال للتمرد على النظام)، ولهذا فإن عامل النوبات إما يتأقلم جزئيًّا أو لا يتأقلم إطلاقًا خلال نوبات العمل الليلية. وحتى إذا تأقلم العمال، فسيحتاجون إلى إعادة التأقلم للعودة إلى نوبات العمل الصباحية وستبدأ المشكلة من جديد. وهناك أيضًا نظام نوبات عمل قائم على التناوب وهو الذي يتغير سريعًا جدًّا بحيث لا تتمكن الساعة البيولوجية اليومية من التأقلم (على سبيل المثال، من يوم إلى ? أيام في كل نوبة عمل)؛ مما يضمن استحالة تأقلم العمال مع نوبات العمل الليلية، ويُطلب منهم العمل في الوقت الذي يكون فيه احتمال شعورهم بالنعاس هو الأكبر.
تكمن المشكلة الأساسية في تغير نمط التحول هذا؛ ومن ثَمَّ دورة الضوء والظلام، بسرعة تفوق قدرة نظام الساعة البيولوجية اليومي على التأقلم، ويسفر ذلك عن الاستيقاظ (العمل) والنوم في مرحلة غير مناسبة للساعة البيولوجية اليومية. وتقلل محاولة النوم في مرحلة غير مناسبة للساعة البيولوجية من فترة النوم، وتُغيِّر نوع النوم وجودته، وتؤثر على مستويات الهرمونات وعملية الأيض. وتتسبب أيضًا محاولة البقاء مستيقظًا ليلًا حين ترسل الساعة البيولوجية اليومية إشارات للدماغ للنوم في الشعور بالنعاس وحدوث مشاكل في الأداء، والتركيز، والذاكرة. ويعد الأرق أو النعاس الشديد المرتبط بنظام نوبات العمل الليلية المستمر لمدة شهر على الأقل من الأعراض الإكلينيكية للاضطراب المرتبط بنظام العمل بالنوبات، وهو أحد اضطرابات النوم المعروفة. يعمل حوالي ??? ملايين شخص في المملكة المتحدة بنظام النوبات، و?? مليونًا في الولايات المتحدة، وملايين غيرهم على مستوى العالم. لم تنتهِ بالتأكيد ثورة العمل بالنوبات لكنها تتكرر، بل وعلى نطاق أوسع في آسيا، وأمريكا الجنوبية، وأفريقيا حيث تعمل المزيد من الدول على تطوير قدراتها الصناعية. يزداد توافر الكهرباء يومًا بعد يوم، وتحدث تطورات تجارية ومجتمعية كبيرة، الأمر الذي يجلب معه مفهوم العمل الليلي وما له من آثار سلبية. وباستطاعة المجتمعات الزراعية الريفية التي يعتمد يومها على النمط الثابت للفجر والغسق الآن، بين عشية وضحاها، أن تلغي آلاف السنين من التفاعل مع البيئة بمد يومها وتقليل النوم.
بالإضافة إلى عمال نوبات العمل الليلية «التقليديين»، يعاني حوالي خُمْس القوة العاملة أيضًا من اضطراب ساعات النوم لديهم بشكل كبير. فيقتطع الأشخاص الذين يبدءون عملهم في وقت مبكر جدًّا من الصباح، من ساعات نومهم بسبب عدم ذهابهم إلى الفراش في وقت مبكر بشكل كافٍ نتيجة للضغوط الأسرية والاجتماعية وغيرها. يعمل الكثير من الأشخاص أيضًا حتى وقت متأخر ولفترات طويلة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تأخير وقت النوم دون تأخير وقت الاستيقاظ بالضرورة، مما يؤدي إلى تقليص الوقت المتاح للنوم.
(?) هل اضطراب الرحلات الجوية الطويلة حقيقي؟

يعد اضطراب الرحلات الجوية الطويلة مشكلة مهمة مثل العمل بنظام النوبات، باستثناء أن السفر لمسافات طويلة هو السبب في عدم التزامن بين إيقاعات الساعة البيولوجية اليومية ودورة الضوء والظلام. وكما هو الحال بالنسبة إلى العمل بنظام النوبات، لا يتمكن نظام الساعة البيولوجية اليومي من التأقلم مع التغير السريع في التعرض للضوء والظلام، وتستمر الأعراض المرتبطة به — وهي الأرق، والتعب، وضعف الإدراك، والمعاناة من مشاكل في الجهاز الهضمي — حتى يتأقلم نظام الساعة البيولوجية اليومي مع المكان الجديد، ويستغرق هذا الأمر حوالي يوم لكل منطقة زمنية. وعدد الأشخاص الذين يتأثرون بهذا الاضطراب في تزايد سريع، وخاصةً مع انتقال مئات الملايين من المسافرين بين الدول كل عام.
يعتمد مدى كفاءة التأقلم مع المنطقة الزمنية الجديدة على نظام الساعة البيولوجية اليومي للفرد. يمتلك حوالي ثلاثة أرباع الناس ساعة بيولوجية يومية تتأخر بشكل طبيعي (مدتها أطول قليلًا من ?? ساعة)؛ مما يعني أن عليهم تقديم ساعتهم كل يوم لتصبح متزامنة. في حين يمتلك الربع الآخر من الناس ساعة بيولوجية يومية مدتها أقل من ?? ساعة؛ مما يعني أن ساعتهم متقدمة قليلًا وتحتاج إلى تأخيرها يوميًّا. يتطلب السفر غربًا تأخير الساعة، في حين يتطلب السفر شرقًا تقديم الساعة؛ وذلك حتى يتمكن المسافر من التأقلم. وحتى يتمكن المسافر من تحديد توجه التأقلم، عليه أن يفكر فيما يفعله الناس الآن في المنطقة الزمنية التي سيتوجه إليها؛ فإذا كان في لندن يتناول وجبة في أول المساء، فإن أهل نيويورك في ذلك الوقت يتناولون وجبة الغداء؛ حيث إن أنشطتهم متأخرة ? ساعات مقارنة بأهل لندن؛ ومن ثَمَّ فعملية التأخير مطلوبة من أجل التأقلم في رحلة متجهة غربًا من لندن إلى نيويورك. وفي الوقت نفسه، يخلد سكان مومباي إلى النوم، حيث إن توقيتهم متقدم ? ساعات مقارنةً بلندن؛ ومن ثَمَّ فعملية التقديم مهمة للتأقلم مع التوقيت الهندي. وحيث إن معظم الناس لديهم ساعة بيولوجية يومية تتأخر تلقائيًّا يوميًّا، فهم يجدون أنه من الأسهل عليهم التأقلم مع السفر غربًا. وعلى الجانب الآخر، سيشعر مَن يمتلكون ساعة بيولوجية يومية تتقدم تلقائيًّا أنه من الأسهل عليهم التأقلم مع السفر شرقًا. ويمكن لتلك الاختلافات أن تؤثر بشكل ملحوظ على معدل تأقلم النوم، والانتباه، وأنماط الأداء.
المربع رقم ?: اضطراب الرحلات الجوية الطويلة والأداء الرياضي

في عام ????، قام باحثون في الولايات المتحدة بتحليل نتائج مباريات البيسبول بناءً على اتجاه سفر الفرق الزائرة. ولقد افترضوا أن الفرق المسافرة غربًا، التي سيتحول لاعبوها في المتوسط في نفس اتجاه ساعتهم البيولوجية، سيحققون نجاحًا أكبر من الفرق المسافرة شرقًا، التي سيتحول معظمها عكس اتجاه ساعتهم البيولوجية الطبيعي. وبالفعل تأكدت نظريتهم. فحين كان يسافر الفريق الزائر غربًا، مع نفس اتجاه ساعته البيولوجية، فاز في ??? من المباريات. أما حين كان يسافر شرقًا، أي عكس اتجاه ساعته البيولوجية، فاز فقط بنسبة ??? من مبارياته. ولقد كان الفريق في أفضل حالاته حين لم يسافر؛ حيث فاز في ??? من المباريات حين لم يَعبُر أي مناطق زمنية (على المقامرين أن ينتبهوا لهذا!) وبشكل مثالي، ينبغي على الفرق الرياضية السفر إلى المكان الذي سيلعبون فيه قبل موعد المباراة بوقت كافٍ لإعادة ضبط ساعتهم البيولوجية؛ حيث إن بضعة أجزاء من ألف جزء من الثانية قد تفصل بين الفوز والهزيمة، وهذا ما يجعل التأقلم الكامل للساعة البيولوجية اليومية شيئًا أساسيًّا.
(?) كيفية التعامل مع العمل بنظام النوبات واضطراب الرحلات الجوية الطويلة

يُعد تقليص كل من اضطراب النوم وعدم اتساق الساعة البيولوجية اليومية المرتبط بالعمل بنظام النوبات واضطراب الرحلات الجوية الطويلة أمرًا معقدًا لكنه ممكن. وعلى الرغم من أن استعراض الحلول بالتفصيل يتخطَّى نطاق هذا الكتاب، فإنه يمكن عرض بعض المبادئ العامة. ينبغي تقليص مدة التحول، عن طريق العمل بنوبات ليلية قصيرة قدْر الإمكان. وينبغي تقليل عدد نوبات العمل الليلية المتتالية، وينبغي أن تتطور دورة النوبات باتجاه التأخير؛ أي من النوبات الصباحية، إلى المسائية، ثم الليلية. وينبغي إعطاء فترات راحة كافية قدْر الإمكان بعد نوبات العمل الليلية لتعويض عدم النوم على نحو كبير. وتكمن المشكلة الرئيسية لعمال نوبات العمل الليلية في عجزهم عن النوم خلال النهار. لذلك، ينبغي عليهم العودة إلى منازلهم والنوم بأسرع ما يمكن بعد انتهاء نوبة العمل (وعدم مشاهدة التليفزيون أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني)، وينبغي عليهم استخدام قناع العين وسدادات للأذن وإيقاف تشغيل الهاتف عند النوم. وقد يكون الكافيين مفيدًا في الحفاظ على الانتباه أثناء العمل، لكن يجب تناوله «بجرعات قليلة وعلى مرات كثيرة» والتوقف عن تناوله قبل الميعاد المحدد للنوم بخمس ساعات على الأقل (انظر الفصل الثامن). يمكن استخدام التعرض للضوء والظلام في الأوقات المناسبة لتسهيل التأقلم مع التحول، لكن سيحدد نمط التحول الوسيلة المثلى، ومع ذلك ينبغي وضع كل نظم العمل بحيث تساعد على زيادة النوم والانتباه إلى حدهما الأقصى.
على عكس العمل بنظام النوبات، فإن معظم نوبات اضطراب الرحلات الجوية الطويلة تكون متباعدة، ومن السهل التنبؤ باتجاه وعدد المناطق الزمنية؛ ومن ثَمَّ فمن الممكن اتخاذ إجراءات لمواجهته، مثل التعرض المخطط له للضوء والظلام، لزيادة معدل التأقلم وتقليص عدد الأيام الضرورية للتأقلم مع المنطقة الزمنية الجديدة. وتتطلب مثل هذه النظم فهم منحنى استجابة الطور للضوء ليتم تحديد توقيت التعرض للضوء والظلام على نحو ملائم (انظر الشكل رقم ?-?). وكقاعدة عامة، حين يتم التأقلم على نحو طبيعي، يؤدي التعرض للضوء في الفترة بين الساعة السادسة مساءً وحتى السادسة صباحًا إلى تأخير الساعة البيولوجية اليومية (وهو المطلوب للتأقلم عند السفر غربًا)، في حين يؤدي التعرض للضوء من الساعة السادسة صباحًا وحتى السادسة مساءً إلى تقديمها (وهو المطلوب للتأقلم عند السفر شرقًا). تصل تأثيرات تأخير وتقديم الطور إلى أعلى معدلاتها ? ساعات قبل أو بعد الساعة السادسة صباحًا، على التوالي. ومع ذلك، حين تتحول الساعة البيولوجية للتأقلم، يحدث نفس الشيء لمنحنى استجابة الطور، وهكذا ينبغي حساب التحولات في نوافذ تقديم وتأخير الساعة البيولوجية. وعادةً ما يُنصح المسافرون ? «الدخول في المنطقة الزمنية الجديدة بأسرع ما يمكن»، لكن، في الوقت الذي تكون فيه هذه النصيحة مفيدة في بعض الرحلات، فهي في الحقيقة قد تؤدي إلى زيادة اضطراب الساعة البيولوجية في بعض الحالات عن طريق التوصية بالتعرض للضوء في الوقت الذي ستتحول فيه الساعة البيولوجية في الاتجاه المعاكس للاتجاه المطلوب. يجب اتباع أسلوب أكثر تطورًا يعتمد على التعرض للضوء في الأوقات المناسبة، بشكل طبيعي أو في الداخل، وتجنب الضوء (على سبيل المثال، بارتداء نظارات شمسية أو أخذ إغفاءة) ومع توافر القدر الكافي من المعرفة، يمكن التأقلم سريعًا مع المنطقة الزمنية الجديدة حتى في خطوط سير الرحلات الشديدة التعقيد. شكل ?-?: كيف تحدد وقت التعرض للضوء لمواجهة اضطراب الرحلات الجوية الطويلة؟ سيُحوِّل الضوء اتجاه الساعة البيولوجية للأمام (أي يقدمها) أو للخلف (أي يؤخرها) اعتمادًا على وقت التعرض له، ويوصف مقدار واتجاه التحول من خلال منحنى استجابة الطور (الخط الأسود في الشكل). سيتسبب التعرض للضوء من الساعة السادسة مساءً وحتى السادسة صباحًا إلى تأخير في الساعة البيولوجية، في حين سيؤدي التعرض له من السادسة صباحًا وحتى السادسة مساءً إلى تقديم في الساعة البيولوجية. والعكس هو الصحيح بالنسبة للظلام أو تجنب الضوء. وبمجرد فهم خصائص الضوء، وتجنب الضوء هذه، يمكن وضع خطط للتعرض للضوء والظلام لزيادة فرص التأقلم عند الانتقال لمنطقة زمنية جديدة؛ وذلك لتجنب التعرض لحالة اضطراب الرحلات الجوية الطويلة (راجع النص).
لنأخذ كمثال رحلة طيران من نيويورك إلى لندن تغادر في الساعة السابعة صباحًا (انظر الشكل رقم ?-?أ). تستغرق رحلة الطيران ? ساعات وتصل إلى وجهتها في الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي للندن، مع ملاحظة وجود ? ساعات فرق توقيت بسبب اختلاف المناطق الزمنية. وهكذا، من أجل التأقلم مع توقيت المملكة المتحدة، يحتاج المسافرون شرقًا من الولايات المتحدة إلى تقديم نظام الساعة البيولوجية اليومية لديهم. وتبعًا لمنحنى استجابة الطور، سيتسبب التعرض للضوء الساعة السابعة مساءً بتوقيت نيويورك في تأخير الطور، وهو عكس المطلوب. ومع ذلك، حين يصل المسافر إلى لندن، لا يحدث حتى الحد الأدنى من تأقلم الساعة البيولوجية اليومية لديه؛ ومن ثَمَّ يظل متزامنًا مع توقيت الولايات المتحدة (فالساعة تبعًا للساعة البيولوجية الداخلية لديه هي الثانية ظهرًا). وعند الاستعانة بمنحنى استجابة الطور للساعة الثانية ظهرًا يظهر أن الضوء في هذا الوقت وفي الأربع ساعات التالية سيتسبب في تقديم الطور. في الواقع، إن التعرض للضوء خلال مدة الرحلة الجوية بأكملها أيضًا مناسب تمامًا لتقديم الطور؛ ومن ثَمَّ تعد النصيحة المناسبة للمسافر هي التعرض للضوء بقدر الإمكان خلال الرحلة الجوية بأكملها وفي خلال الأربع ساعات الأولى له في لندن، مع ضرورة ذهابه للفراش في الساعة الحادية عشرة مساءً بتوقيت لندن، وتجنب تأثيرات الضوء نتيجة لتأخير الطور التي ستبدأ في ذلك الوقت (انظر الشكل رقم ?-?أ). دعونا الآن ننظر لنفس المثال، مع تغيير موعد مغادرة الرحلة لنيويورك ليكون في الساعة السابعة مساءً، لتصل لندن في الساعة السابعة صباحًا (انظر الشكل رقم ?-?ب). مرة أخرى، يتطلب التأقلم مع التوقيت الجديد تقديم الطور ? ساعات. سيتبع معظم الأشخاص نفس الطريقة المتبعة أثناء الرحلة الجوية النهارية ويعرضون أنفسهم للضوء عند الهبوط في لندن. ومع ذلك، توضح الملاحظة عن كثب أن هذه الطريقة من شأنها تضليل نظام الساعة البيولوجية اليومية ومنع التأقلم مع توقيت لندن. فعند الهبوط في لندن في الساعة السابعة صباحًا، ستكون الساعة البيولوجية ما تزال متزامنة مع توقيت الولايات المتحدة، وهو، الساعة الثانية صباحًا. ويتسبب التعرض للضوء في هذا الوقت في تأخير قوي في الطور، وهو عكس المطلوب. ولذلك فمن الضروري تجنب الضوء في ذلك الوقت، وفي الأربع ساعات التالية، حتى يتنبأ منحنى استجابة الطور بأن الضوء سيبدأ في تقديم الطور (الساعة السادسة صباحًا بتوقيت نيويورك، أو الحادية عشرة صباحًا بتوقيت لندن. انظر الشكل رقم ?-?ب). وتعد النصيحة المناسبة للمسافر في هذه الحالة هي تجنب الضوء خلال الرحلة الجوية بأسرها وفي الساعات الأربع الأولى له في لندن عن طريق النوم، مع استخدام قناع للعينين، أو ارتداء نظارات شمسية داكنة اللون، ثم التعرض لأكبر قدر ممكن من الضوء من الساعة الحادية عشرة صباحًا في لندن. وفي اليوم التالي، ينبغي تجنب الضوء قبل الساعة التاسعة صباحًا والتعرض له بعدها، بافتراض أن الساعة البيولوجية قد تأخرت ساعتين، وهكذا حتى تكتمل عملية التزامن. إن أي نظام يجب تقييمه بهذه الطريقة، ويمكن تحسين عملية التأقلم مع المنطقة الزمنية الجديدة على نحو كبير عن طريق الحرص في التعرض للضوء، سواء كان ذلك بشكل طبيعي أو في الداخل، وتجنب الضوء (يكفي ارتداء نظارات شمسية داكنة في حالة عدم النوم أو الظلام). (?) تأثير العمل بنظام النوبات على الصحة

أصبحنا الآن أكثر قدرة على فهم الآثار الضارة للعمل بنظام النوبات على صحة الجسم والصحة العقلية؛ حيث يعاني مَن يعمل بهذا النظام من مشاكل في النوم، والتعب، وضعف الأداء والذاكرة، ومتاعب في الجهاز الهضمي، وزيادة خطر التعرض للحوادث والإصابات، وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكر وبعض أنواع السرطان على المدى الطويل.
وتمثل الحوادث والإصابات أثناء العمل في نوبات العمل الليلية المخاطر الصحية المباشرة لمن يعملون بها. فقد وقعت العديد من الحوادث الصناعية الجسيمة في الليل، مثل تسرب النفط من الناقلة إكسون فالديز (الذي وقع في منتصف الليل)، وانفجار مفاعل تشرنوبل (الذي وقع في الواحدة والنصف صباحًا)، والانصهار الجزئي في أحد المفاعلات النووية بجزيرة ثري مايل آيلاند (الذي وقع في الساعة الرابعة صباحًا). وترتفع معدلات خطر التعرض للإصابة في المواقع الصناعية في نوبات العمل الليلية بحوالي ??? مقارنة بنوبات العمل النهارية. ويتفاقم هذا الخطر مع تزايد عدد نوبات العمل الليلية المتعاقبة وطول مدتها (انظر الشكل رقم ?-?). المربع رقم ?: العمل بنظام النوبات واضطراب الرحلات الجوية الطويلة في سفن الفضاء والغواصات

تمثل رحلات الفضاء والغواصات تحديات فريدة للنوم والإيقاعات اليومية، وتشكل الحوادث المرتبطة بالنعاس في مثل هذه البيئات الخطيرة مصدرًا شديدًا للقلق.
لا ينام رواد الفضاء أكثر من ? إلى ? ساعات في الليلة الواحدة في الفضاء بسبب الشعور بالإثارة، وأعباء العمل، والحرارة، والضجيج، وانعدام الجاذبية؛ ولذلك فإن الحبوب المنومة هي الأدوية الأكثر استخدامًا في الفضاء، وتتم مراقبة الأماكن التي يمكن لرواد الفضاء أن يضعوا فيه منتجات الكافيين بعناية. ويمكن أن تصاب نظم الإيقاع اليومي للجسم لدى رواد الفضاء بالخلل بسبب أنماط الضوء خارج كوكب الأرض. فالدوران حول الأرض يستغرق ?? دقيقة، ويفرض دورة ضوء وظلام لمدة ?? دقيقة مع ظهور الشمس وغيابها. وهذه الفترة أقصر من أن تتزامن معها الساعة البيولوجية؛ ومن ثَمَّ يتوجب تحقيق دورة ضوء وظلام مدتها ?? ساعة من أجل الحفاظ على التزامن. بَيْدَ أن قيود الطاقة تحد من الضوء المتاح بحيث لا يزيد عن ضوء الغرفة المغلقة. علاوة على ذلك، فإن عمل رواد الفضاء يفرض مخططات زمنية صعبة للعمل في بعض الأحيان؛ الأمر الذي يتطلب نوبات عمل لمدة ?? ساعة من النهار إلى الليل، أو يتطلب عيش يوم طوله ???? ساعة تقريبًا لضمان الوفاء بمواعيد الإطلاق والعودة. بعض هذه التحديات موجودة أيضًا على الأرض؛ فقد اضطر القائمون على التحكم الأرضي في رحلة مسبار الفضاء فينيكس الأخيرة إلى المريخ للعيش في يوم المريخ — البالغ ????? ساعة — خلال الرحلة التي استغرقت ? أشهر من أجل تحسين الاتصال. ويجري حاليًّا اختبار إجراءات مضادة — خاصة التعرض للضوء المخطط له جيدًا — على الأرض وكذلك في الفضاء، لتوفير إشارة بيولوجية أقوى وتأثير تنبيهي مباشر، خاصة قبل الأنشطة الخطرة مثل «المشي في الفضاء».
هناك اعتبارات مماثلة مطلوبة للعاملين في الغواصات. فالسفر في جميع أنحاء الكوكب تحت الماء يمنع وجود دورات ضوء وظلام طبيعية، وحتى مع الضوء الصناعي، فإن الساعات البيولوجية للعاملين في الغواصات يمكن ألا تتزامن مع توقيتاتهم الفردية الداخلية في بعض الأحيان. وبعض مخططات العمل أو المراقبة أيضًا تجعل التزامن صعبًا على الساعة البيولوجية اليومية؛ الأمر الذي يؤدي إلى اختلال النوم وزيادة الشعور بالنعاس، وتقليل الأداء؛ وهو عكس ما هو مطلوب تمامًا. ومن ثم فإن وضع مخططات عمل اعتمادًا على مبادئ النوم والساعة البيولوجية أمر حيوي في هذه البيئات عالية الخطورة التي تعرض حياة مَن يعمل بها للخطر.
مع ذلك، لا ينتهي الخطر بانتهاء نوبة العمل، فقيادة السيارة من العمل إلى المنزل تمثل فرصة سانحة للتعرض للحوادث بسبب النعاس أثناء القيادة؛ نظرًا لاستيقاظ العامل في نوبة العمل الليلية لفترة طويلة وقيادة السيارة في الوقت الذي يستحثه فيه نظام الساعة البيولوجية اليومي على النوم. ففي دراسة أُجريت على الحوادث التي يتعرض لها الأطباء الجدد في الولايات المتحدة، وجد أن هناك زيادة بمقدار ??? ضعف في احتمالات التعرض للحوادث أثناء قيادة السيارة للمنزل بعد العودة من نوبة عمل استمرت ليوم كامل مقارنة بالعودة من نوبات العمل التي لا تستمر ليوم كامل. إن عدم تأقلم الساعة البيولوجية اليومية إلى جانب سوء نوعية النوم خلال النهار يزيدان من الشعور بالنعاس لدى مَن يعملون في نوبات ليلية على نحو كبير ويُعرِّض كلًّا من هؤلاء والناس لخطر التعرض للحوادث المرتبطة بالنعاس.
كما أن لنوبات العمل الليلية أيضًا عواقب سيئة على الصحة على المدى الطويل. فقد أظهرت الدراسات الوبائية أن العمل في نوبات ليلية يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكر من النوع الثاني، وبعض أنواع السرطان. وفي حين أن هذه الدراسات تعجز عن تحديد الآلية الدقيقة للإصابة بتلك الأمراض، فإنه من المرجح أن التعرض للضوء، وقلة النوم، واضطراب الإيقاع اليومي المرتبط بالعمل بنظام النوبات تلعب دورًا أساسيًّا في الإصابة بتلك الأمراض.
أولًا: غالبًا ما يتناول عمال نوبات العمل الليلية طعامهم في طور بيولوجي «خاطئ»، أثناء الليل، عندما لا يكون الجسم مستعدًّا لأيض الطعام بكفاءة. فمستويات الأنسولين والجلوكوز والدهون في الدم تزيد بعد تناول وجبة ليلًا مقارنة بتناول نفس الوجبة نهارًا. ويعد الارتفاع المزمن في نِسَب الأنسولين والجلوكوز والدهون من أعراض مقاومة الأنسولين والمتلازمة الأيضية، وهذا هو أحد عوامل التعرض لخطر الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني وأمراض القلب؛ وهكذا فإن بضعة أيام فقط من محاكاة العمل في نوبات عمل ليلية في المختبر يمكن أن تكون كفيلة بأن تجعل شابًّا يتمتع بصحة جيدة يصاب بمرض السكر. علاوة على ذلك، فإن انخفاض مدة النوم الملازمة لعمال نوبات العمل الليلية يؤدي إلى حدوث تغيير في عملية الأيض، بما في ذلك تغيير نسبة هرمونَيِ الليبتين والجريلين بحيث تزيد الشهية ومقدار الطعام المتناول بعد قلة النوم (انظر الفصل السابع).
وأخيرًا: توصلت دراسات حديثة إلى أن كل أعضاء جسمنا تقريبًا، بما في ذلك الكبد والقلب والبنكرياس والكلى والرئتين، قادرة على توليد إيقاعات يومية خاصة بها بالإضافة إلى تلك التي تولدها الساعة البيولوجية في الدماغ. وتحقيق التزامن السليم بين هذه الإيقاعات الداخلية ربما لا يقل أهمية عن تحقيق التزامن مع العالم الخارجي من أجل إتمام عملية الأيض بفاعلية. ومن البديهي أن الساعات البيولوجية اليومية في كل من المريء والمعدة والبنكرياس والأمعاء والكبد والكلى والمثانة يجب أن تكون متزامنة معًا من أجل العمل بشكل صحيح. ويبدو أن هذه الإيقاعات الفرعية أكثر حساسية من الدماغ للإشارات الخاصة بالوقت غير الضوء، مثل توقيت تناول الوجبات. ونظرًا لعدم اتساق التعرض لكل من الإشارات الضوئية أو غير الضوئية الخاصة بالوقت من جانب عمال النوبات، فإن تنظيم إيقاعاتهم الداخلية يحدث فيه خلل. بَيْدَ أن عواقب مثل هذا الخلل غير معروفة حتى الآن، على الرغم من أن فئران التجارب التي تم تعريضها لظروف شبيهة بالعمل بنظام النوبات ومخططات السفر التي تؤدي للإصابة باضطراب الرحلات الجوية الطويلة ماتتْ في سن أصغر من الحيوانات المعرضة لدورات نوم واستيقاظ ودورات ضوء وظلام منتظمة.
(?) العمل بنظام النوبات، واضطراب الرحلات الجوية الطويلة، والإصابة بالسرطان

نالت العلاقة بين العمل بنظام النوبات ومخاطر الإصابة بالسرطان الكثير من الاهتمام في الآونة الأخيرة؛ حيث يشير عدد من الدراسات الوبائية (وإن لم يكن كلها) إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة ??? لدى النساء العاملات بنظام النوبات اللاتي يعملن بانتظام في نوبات عمل ليلية، والمضيفات الجويات اللاتي يسافرن بشكل روتيني عبر المناطق الزمنية. وبعد مراجعة الأدلة المتوافرة، أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام ???? أن «العمل بنظام النوبات الذي يُحدث اضطرابًا في إيقاع الساعة البيولوجية اليومي ربما يتسبب في إصابة الإنسان بالسرطان.» وهو ما يجعلنا نضع العمل بنظام النوبات في نفس الفئة مع الأشعة فوق البنفسجية وعوادم محركات الديزل (المجموعة ?أ؛ أي المواد التي يحتمل أن تكون مسرطنة). بعد ذلك بوقت قصير، دفعت الحكومة الدنماركية تعويضات لعشرات من العاملات بنظام النوبات والمضيفات الجويات اللاتي أُصبْنَ بسرطان الثدي لأسباب مهنية. وهناك أدلة أيضًا على وجود زيادة طفيفة في مخاطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى العاملات بنظام النوبات، وزيادة في خطر الإصابة بسرطان البروستاتا لدى العاملين بهذا النظام (مرة أخرى، لم يثبت هذا في كل الدراسات).
ورغم عجز الدراسات الوبائية هذه عن تحديد آلية التسبب في المرض، فإن هناك عددًا من النظريات التي تربط بين مخططات العمل هذه وخطر الإصابة بالسرطان. ففي الدراسات التي أُجريت على الحيوانات تَبَيَّن أن انحسار إفراز هرمون الميلاتونين من الغدد الصنوبرية بسبب التعرض للضوء أو استئصال الغدة الصنوبرية قد أدى إلى زيادة معدلات نمو الأورام، وربما يرجع السبب في ذلك إلى زيادة توافر المواد المغذية للأورام. ومن المثير للاهتمام أن خطر إصابة النساء المصابات بعمًى كامل بسرطان الثدي ينخفض بنسبة ??? مقارنة بالنساء المبصرات، كما تربط التقديرات المستمدة من الأقمار الصناعية لشدة التلوث الضوئي في الليل بينها وبين خطر إصابة النساء بسرطان الثدي (ولكن ليس سرطان الرئة).
يعمل الميلاتونين على التخلص بفاعلية من الجذور الحرة، وهذا قد يجعله يلعب أيضًا دورًا في منع التلف الذي تسببه الخلايا السرطانية وانتشارها. وبما أن دورات الخلايا تخضع لتحكم الإيقاع اليومي للجسم، فإن اضطراب إيقاع الخلايا في أعضاء الجسم الفرعية بفعل العمل بنظام النوبات قد يجعل الخلايا أكثر عرضة للتضرر؛ خاصةً أن الأورام في الحيوانات التي خضعت لمخططات تؤدي لاضطراب الرحلات الجوية الطويلة تنمو بسرعة أكبر من تلك الخاصة بالحيوانات الخاضعة لدورة ضوء وظلام طبيعية، حتى في الحيوانات التي لا تنتج ميلاتونين. للأورام أيضًا إيقاعات يومية، وفي بعض الحالات تبين أن الخضوع للعلاج الكيميائي في توقيتات محددة أكثر فاعلية من الخضوع له على نحو مستمر، وربما يرجع السبب في ذلك إلى زيادة عرضة الخلايا السرطانية للتلف في أوقات مختلفة من اليوم. وقد تبين أيضًا أن الجينات الأساسية للساعة البيولوجية تسهم في نمو الورم؛ على سبيل المثال، يعد جين «بيريود ?» مثبطًا فعالًا للأورام، ووقف عمل هذا الجين يسرع من نمو الورم ووفاة المضيف، وقد تم الربط بين تعدد الأشكال في جين «بيريود ?» وزيادة خطر إصابة النساء قبل انقطاع الطمث بسرطان الثدي.
بينما تشير هذه البيانات الوبائية وتلك التي أُجريت على الحيوانات إلى وجود ارتباط قوي بين التعرض للضوء، واختلال الساعة البيولوجية، والميلاتونين، والسرطان، فلا يوجد دليل مباشر حتى الآن يثبت أن حدوث تغيير في مستويات الميلاتونين، أو التعرض للضوء، أو الإيقاعات اليومية يغير من مخاطر إصابة الإنسان بالسرطان، أو أن أخذ الميلاتونين الصناعي له أي تأثير على خطر الإصابة بالسرطان أو انتشاره. ويجري المزيد من العمل لاستكشاف هذه العلاقات.
(?) اضطراب النوم واضطراب الإيقاع اليومي يكوِّنان سلسلة متصلة

إن اضطراب النوم واضطراب إيقاع الساعة البيولوجية اليومي لا يحدثان وفق منطق «كل شيء أو لا شيء»؛ فدرجة الاضطراب نسبية ويمكن اعتبارها سلسلة متصلة. وقد تكون التغيرات المتعلقة بنظامك الأساسي في النوم، أو طور الإيقاع اليومي، أو مستويات الميلاتونين، بغض النظر عن المستوى المطلق، هي ما يهم. وهذا المفهوم يعني أنه على الرغم من تركيز الأبحاث على أكثر الأمثلة تطرفًا من اضطرابات النوم والإيقاع اليومي، فقد يكون للتغيرات الصغيرة نسبيًّا ولكن اليومية والمزمنة في النوم وطور الإيقاع اليومي تأثيرات مهمة على الصحة لم نفهمها بعدُ. فكِّرْ في التغيرات التي تحدث في دورة النوم والاستيقاظ لديك. كيف يتغير نظام نومك ما بين أيام العمل وأيام الإجازات؟ وكم مرة سهرت حتى وقت متأخر أو استيقظت مبكرًا جدًّا من أجل شيء ما؟ وكم مرة تغيَّر نمط نومك على نحو غير متوقع بسبب المرض، والأطفال، والحيوانات الأليفة، والضوضاء والتلوث الضوئي، والضغط العصبي، والحفلات، وغير ذلك؟ ضع نصب عينيك أن التغيرات في أنماط النوم والاستيقاظ تعني أيضًا تغيرات في التعرض للضوء والظلام الذي يغير بدوره توقيت ساعتك البيولوجية.
يصبح السؤال إذن: ما المخاطر الصحية المرتبطة بهذه التغيرات اليومية؟ على الرغم من ضآلة تلك التغيرات، فإنها لم تَظهَر إلا في الآونة الأخيرة في نمونا التطوري ويمكن اعتبارها «غير طبيعية»؛ فقبل المصابيح الكهربائية، كان نمط النوم لدى أجدادنا أكثر ارتباطًا بدورة الضوء والظلام الطبيعية. فمصطلحا «منتصف الليل» و«منتصف النهار» لم يعودا دقيقين فيما يتعلق بدورات النوم والاستيقاظ لدينا؛ فنحن في كثير من الأحيان لا نذهب إلى الفراش إلا بعد «فترة منتصف الليل». على سبيل المثال، عادة ما يبدأ إنتاج الميلاتونين في الفترة من الساعة التاسعة إلى العاشرة مساءً في ظل ظروف الإضاءة الخافتة. أما البقاء مستيقظًا، حتى في ضوء الغرفة الخافت نسبيًّا، فيحد من إفراز الميلاتونين بشكل كبير ويقصر فترة إفرازه. واتساقًا مع العاملين بنظام النوبات (الذين يُعتبَرون مثالًا متطرفًا على فترات النوم «القصيرة» ليلًا)، فإن النساء اللاتي أشرن إلى نيلهنَّ قسطًا كافيًا من النوم (? ساعات أو أكثر كل ليلة) ينخفض لديهن خطر الإصابة بسرطان الثدي إلى أدنى حد مقارنة بالنساء اللواتي أشرن إلى نومهن من ? إلى ? ساعات أو ? ساعات أو أقل في الليلة الواحدة.
إلى أن نفهم المزيد عن تأثير قلة النوم واضطراب الإيقاع اليومي والتعرض للضوء ليلًا على صحة الإنسان، فإن الأدلة الحالية تشير إلى فكرة أن الأشخاص الأصحاء يجب أن يحصلوا على المزيد من النوم، وأن يكون لديهم مخطط منتظم للنوم والاستيقاظ، وأن يقللوا من التعرض للضوء ليلًا. وكمجتمع، علينا دعم سياسات وأساليب حياة من شأنها زيادة فترة نوم الأفراد وتقليل تعرضهم للضوء، كما يجب علينا أن نعطي أولوية وتقديرًا أكبر لفترة راحتنا بالليل باعتبارها وقتًا لاستعادة الجسم، والدماغ، لنشاطهما ولحفاظنا على صحتنا وأن نسعى بشتى الطرق لعدم اقتطاع أي جزء منها. فمن دون نوم سنَهْلك سريعًا، وسيكون هلاكُنا أسرع إذا لم نحصل على نوم جيد؛ لذا حريٌّ بنا أن ننال قسطًا كافيًا من النوم!

قراءات إضافية


الفصل الأول: النوم عبر العصور

J. A. Hobson, Sleep (Scientific American Library Series) (W. H. Freeman, 1995).
N. Kleitman, Sleep and Wakefulness (University of Chicago Press, 1939, 1963).
الفصل الثاني: كيفية النوم وتنظيمه: نظرة عامة

J. Arendt, Melatonin and the Mammalian Pineal Gland (Chapman & Hall, 1995).
D. J. Dijk, ‘Regulation and functional correlates of slow wave sleep’, Journal of Clinical Sleep Medicine, 2009, 5 (2 Suppl): S6–15. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2824213/pdf/jcsm.5.2S.S6.pdf.
D. J. Dijk and S. W. Lockley, ‘Integration of human sleep-wake regulation and circadian rhythmicity’, Journal of Applied Physiology, 2002, 92 (2): 852–62. Available at: http://jap.physiology.org/content/92/2/852.full.pdf.
R. G. Foster and L. Kreitzman, Rhythms of Life: The Biological Clocks that Control the Daily Lives of Every Living Thing (Profile Books, 2004).
J. A. Hobson, Dreaming: A Very Short Introduction (Oxford University Press, 2005).
S. N. Peirson, S. Halford, and R. G. Foster, ‘The evolution of irradiance detection: melanopsin and the non-visual opsins’, Philosophical Transactions of the Royal Society London, B: Biological Sciences, 2009, 364 (1531): 2849–65. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2781857/pdf/rstb20090050.pdf.
الفصل الثالث: العقل النائم

C. Cirelli, ‘The genetic and molecular regulation of sleep: from fruit flies to humans’, Nature Reviews Neuroscience, 2009, 10 (8): 549–60. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2767184/pdf/nihms152790.pdf.
A. Crocker and A. Sehgal, ‘Genetic analysis of sleep’, Genes and Development, 2010, 24 (12): 1220–35. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2885658/pdf/1220.pdf.
P. M. Fuller, C. B. Saper, and J. Lu, ‘The pontine REM switch: past and present’, Journal of Physiology, 2007, 584 (Pt 3): 735–41. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2276987/pdf/tjp0584-0735.pdf.
M. Hastings, J. S. O’Neill, and E. S. Maywood, ‘Circadian clocks: regulators of endocrine and metabolic rhythms’, Journal of Endocrinology, 2007, 195 (2): 187–98. Available at: http://joe.endocrinology-journals.org/content/195/2/187.full.pdf.
J. M. Krueger, D. M. Rector, S. Roy, H. P. Van Dongen, G. Belenky, and J. Panksepp, ‘Sleep as a fundamental property of neuronal assemblies’, Nature Reviews Neuroscience, 2008, 9 (12): 910–19. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2586424/pdf/nihms78194.pdf.
R. W. McCarley, ‘Neurobiology of REM and NREM sleep’, Sleep Medicine, 2007, 8 (4): 302–30.
M. O’Shea, The Brain: A Very Short Introduction (Oxford University Press, 2006).
C. B. Saper, P. M. Fuller, N. P. Pedersen, J. Lu, and T. E. Scammell, ‘Sleep state switching’, Neuron, 2010, 68 (6): 1023–42.
الفصل الرابع: أسباب النوم

R. Allada and J. M. Siegel, ‘Unearthing the phylogenetic roots of sleep’, Current Biology, 2008, 18 (15): R670–79. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2899675/pdf/nihms213677.pdf.
P. McNamara, R. A. Barton, and C. L. Nunn (eds.), Evolution of Sleep: Phylogenetic and Functional Perspectives (Cambridge University Press, 2009).
E. Mignot, ‘Why we sleep: the temporal organization of recovery’, PLoS Biology, 2008, 6 (4): e106. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2689703/pdf/pbio.0060106.pdf.
V. M. Savage and G. B. West, ‘A quantitative, theoretical framework for understanding mammalian sleep’, Proceedings of the National Academy of Sciences USA, 2007, 104 (3): 1051–6. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1783362/pdf/zpq1051.pdf.
R. Stickgold and M. P. Walker, ‘Sleep-dependent memory consolidation and reconsolidation’, Sleep Medicine, 2007, 8 (4): 331–43. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2680680/pdf/nihms24106.pdf.
الفصل الخامس: المراحل العمرية السبعة للنوم

R. Ferber, Solve Your Child’s Sleep Problems, 2nd edn. (Fireside, 2006).
M. H. Hagenauer, J. I. Perryman, T. M. Lee, and M. A. Carskadon, ‘Adolescent changes in the homeostatic and circadian regulation of sleep’, Developmental Neuroscience, 2009, 31 (4): 276–84. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2820578/pdf/dne0031-0276.pdf.
I. Iglowstein, O. G. Jenni, L. Molinari, and R. H. Largo, ‘Sleep duration from infancy to adolescence: reference values and generational trends’, Pediatrics, 2003 Feb, 111 (2): 302–7. Available at: http://pediatrics.aappublications.org/content/111/2/302.full.pdf.
J. L. Martin and S. Ancoli-Israel, ‘Sleep disturbances in long-term care’, Clinical Geriatric Medicine, 2008, 24 (1): 39–50, vi. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2215778/pdf/nihms36700.pdf.
M. L. Moline, L. Broch, R. Zak, and V. Gross, ‘Sleep in women across the life cycle from adulthood through menopause’, Sleep Medicine Review, 2003, 7 (2): 155–77.
A. B. Neikrug and S. Ancoli-Israel, ‘Sleep disorders in the older adult: a mini-review’, Gerontology, 2010, 56 (2): 181–9. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2842167/pdf/ger0056-0181.pdf.
R. F. Riemersma-van der Lek, D. F. Swaab, J. Twisk, E. M. Hol, W. J. Hoogendijk, and E. J. Van Someren, ‘Effect of bright light and melatonin on cognitive and noncognitive function in elderly residents of group care facilities: a randomized controlled trial’, Journal of the American Medical Association, 2008, 299 (22): 2642–55. Available at: http://jama.ama-assn.org/content/299/22/2642.full.pdf.
الفصل السادس: اضطرابات النوم

American Academy of Sleep Medicine, International Classification of Sleep Disorders (ICSD-2), 2nd edn. (Rochester, MN: American Academy of Sleep Medicine, 2005).
L. Epstein and S. Mardon, The Harvard Medical School Guide to a Good Night’s Sleep (McGraw-Hill, 2006).
S. Wilson and D. Nutt, Sleep Disorders (Oxford Psychiatry Library) (Oxford University Press, 2008).
الفصل السابع: النوم والصحة

F. P. Cappuccio, M. A. Miller, and S. W. Lockley (eds.), Sleep, Health and Society: From Aetiology to Public Health (Oxford University Press, 2010).
K. L. Knutson, K. Spiegel, P. Penev, and E. Van Cauter, ‘The metabolic consequences of sleep deprivation’, Sleep Medicine Review, 2007, 11 (3): 163–78. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1991337/pdf/nihms25263.pdf.
K. Wulff, S. Gatti, J. G. Wettstein, and R. G. Foster, ‘Sleep and circadian rhythm disruption in psychiatric and neurodegenerative disease’, Nature Reviews Neuroscience, 2010, 11 (8): 589–99.
الفصل الثامن: النوم والمجتمع

F. P. Cappuccio, A. Bakewell, F. M. Taggart, G. Ward, C. Ji, J. P. Sullivan, M. Edmunds, R. Pounder, C. P. Landrigan, S. W. Lockley, and E. Peile, for the Warwick EWTD Working Group. ‘Implementing a 48-hour EWTD-compliant rota for junior doctors in the UK does not compromise patients’ safety: assessor-blind pilot comparison’, Quarterly Journal of Medicine, 2009, 102 (4): 271–82. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2659599/pdf/hcp004.pdf.
C. A. Czeisler, ‘Medical and genetic differences in the adverse impact of sleep loss on performance: ethical considerations for the medical profession’, Transactions of the American Clinical and Climatological Association, 2009, 120: 249–85. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2744509/pdf/tacca120000249.pdf.
F. Danner and B. Phillips, ‘Adolescent sleep, school start times, and teen motor vehicle crashes’, Journal of Clinical Sleep Medicine, 2008, 4 (6): 533–5. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2603528/pdf/jcsm.4.6.533.pdf.
C. B. Jones, J. Dorrian, and S. M. Rajaratnam, ‘Fatigue and the criminal law’, Industrial Health, 2005, 43 (1): 63–70. Available at: http://www.jstage.jst.go.jp/article/indhealth/43/1/63/_pdf.
A. C. Levine, J. Adusumilli, and C. P. Landrigan, ‘Effects of reducing or eliminating resident work shifts over 16 hours: a systematic review’, Sleep, 2010, 33 (8): 1043–53. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2910534/pdf/aasm.33.8.1043.pdf.
R. P. Millman, ‘Excessive sleepiness in adolescents and young adults: causes, consequences, and treatment strategies’, Pediatrics, 2005, 115 (6): 1774–86. Available at: http://pediatrics.aappublications.org/content/115/6/1774.full.pdf.
J. L. Temple, ‘Caffeine use in children: what we know, what we have left to learn, and why we should worry’, Neuroscience and Biobehavioral Reviews, 2009, 33 (6): 793–806. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2699625/pdf/nihms117089.pdf.
S. J. Williams, Sleep and Society: Sociological Ventures into the Un(known) (Routledge, 2005).
الفصل التاسع: مجتمع نشِط على مدار الساعة

T. Akerstedt and K. P. Wright, ‘Sleep loss and fatigue in shift work and shift work disorder’, Sleep Medicine Clinics, 2009, 4 (2): 257–71. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2904525/pdf/nihms215779.pdf.
J. Arendt, ‘Jetlag and shift work: (2) Therapeutic use of melatonin’, Journal of the Royal Society of Medicine, 1999, 92 (8): 402–5. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1297315/pdf/jrsocmed00006-0022.pdf.
P. Cinzano, F. Falchi, and C. D. Elvidge, ‘The first world atlas of the artificial night sky brightness’, Monthly Notices of the Royal Astronomical Society, 2001, 328: 689–707. Available at: http://www.lightpollution.it/cinzano/download/0108052.pdf.
C. I. Eastman and H. J. Burgess, ‘How to travel the world without jet lag’, Sleep Medicine Clinics, 2009, 4(2): 241–55. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2829880/pdf/nihms166069.pdf.
S. Folkard and P. Tucker, ‘Shift work, safety and productivity’, Occupational Medicine (London), 2003, 53 (2): 95–101. Available at: http://occmed.oxfordjournals.org/content/53/2/95.full.pdf.
A. Knutsson, ‘Health disorders of shift workers’, Occupational Medicine (London), 2003, 53 (2): 103–8. Available at: http://occmed.oxfordjournals.org/content/53/2/103.full.pdf.
R. L. Sack, D. Auckley, R. R. Auger, M. A. Carskadon, K. P. Wright, Jr, M. V. Vitiello, and I. V. Zhdanova, ‘Circadian rhythm sleep disorders: Part I, basic principles, shift work and jetlag disorders’, Sleep, 2007, 30 (11): 1460–83. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2082105/pdf/aasm.30.11.1460.pdf.
R. G. Stevens, D. E. Blask, G. C. Brainard, J. Hansen, S. W. Lockley, I. Provencio, M. S. Rea, and L. Reinlib, ‘Meeting report: the role of environmental lighting and circadian disruption in cancer and other diseases’, Environmental Health Perspectives, 2007, 115 (9): 1357–62. Available at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1964886/pdf/ehp0115-001357.pdf.
مواقع ويب

www.understandingsleep.org.Website of the Sleep and Health Education Program, Division of Sleep Medicine, Harvard Medical School, Boston, MA, USA.
www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/.Website of the US National Library of Medicine National Institutes of Health database of scientifi c papers.

مصادر الصور


(1-1) Adapted from Groeger et al., ‘Sleep quantity, sleep difficulties and their perceived consequences in a representative sample of some 2000 British adults’, Journal of Sleep Research, 2004, 13 (4): 359–71. Reproduced by permission of John Wiley and Sons.
(2-4) Adapted from Figure 1 in Dijk and Lockley, ‘Integration of human sleep-wake regulation and circadian rhythmicity’, Journal of Applied Physiology, 2002, 92 (2): 852–62.
(5-1) Kleitman and Englemann, ‘Sleep characteristics of infants’, Journal of Applied Physiology, 1953, 6: 269–82.
(6-1) Left panel: Adapted from D. J. Dijk and C. A. Czeisler, ‘Contribution of the circadian pacemaker and the sleep homeostat to sleep propensity, sleep structure, electroencephalographic slow waves, and sleep spindle activity in humans,’ Journal of Neuroscience, 1995, 15(5pt1): 3526–38; Right panel: Adapted from C. Cajochen, S. B. Khalsa, J. K. Wyatt, C. A. Czeisler, D. J. Dijk, ‘EEG and ocular correlates of circadian melatoniphase and human performance decrements during sleep loss’, American Journal of Physiology, 1999, 277 (3pt2): R640-9.
(6-2) Adapted from Figure 1 in Arendt and Skene, ‘Melatonin as a chronobiotic’, Sleep Medicine Reviews, 2005, 9 (1): 25–39. With permission from Elsevier.
(8-1) Panel a: Adapted from Figure 1 in Dawson and Reid, ‘Fatigue, alcohol and performance impairment’, Nature, 1997, 388 (6639): 235. Reprinted by permission from Macmillan Publishers Ltd. Panel b: Adapted from US Federal Motor Carrier Safely Administration, Department of Transportation ‘Hours of service of drivers: Driver rest and sleep for safe operations’ (2002).
(8-2) Adapted from Figures 1, 2, 4, and 5 in Folkard and Lombardi, ‘Modeling the impact of the components of long work hours on injuries and “accidents”’, American Journal of Industrial Medicine, 2006, 49(11): 953–63. Reproduced by permission from John Wiley and Sons.
(9-1) Adapted from Figure 11 in Lockley, ‘Circadian rhythms: Influence of light in humans’, Encyclopaedia of Neuroscience, 2009, pp. 971–86. With permission from Elsevier.