Advertisement

المعلومات


المعلومات




المعلومات

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
لوتشانو فلوريدي

ترجمة
محمد سعد طنطاوي
مراجعة
علا عبد الفتاح يس



المعلومات

Information

لوتشانو فلوريدي

Luciano Floridi

فلوريدي، لوتشانو.
المعلومات: مقدمة قصيرة جدًّا/تأليف لوتشانو فلوريدي.
     تدمك:
     ?- المعلومات
          أ- العنوان



تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب المعلومات أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Information
Copyright © Luciano Floridi 2010.
Information was originally published in English in 2010. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



شكر وتقدير


من بين كثيرين ساعدوني في تأليف هذا الكتاب، أوَد أن أعبِّر عن شكري لكِرستن دِماتا، وإيما مارشنت، ولاثا منون — جميعهم من مطبعة جامعة أكسفورد — لتشجيعهم ودعمهم ومساهمتهم التحريرية، ورحابة صدرهم التي لم تكن — لحسن الحظ — مطلقة، الأمر الذي حثني على عدم الإطالة حتى يخرج هذا الكتاب إلى النور. كما أتوجه بالشكر إلى روبرت شاباك؛ لمساعدته الكريمة بينما كنت لا أزال أعمل في معهد الرياضيات العددية والتطبيقية بجامعة جورج أوجست في جوتينجين ولملاحظاته على النسخة قبل الأخيرة من مخطوطة هذا الكتاب. وإلى ديفيد دافنبورت، وأوجو باجالو، وكريستوف شولز؛ لملاحظاتهم. وإلى زوجتي أنَّا كريستينا دي أوزوريو نوبري؛ لمساهمتها وملاحظاتها القيمة، خاصةً في الفصل السادس، ولما تضفيه على حياتنا من بهجة. أشعر بالامتنان الشديد إلى أكاديمية العلوم في جوتينجين؛ نظرًا لشرف انتخابي لمنصب كرسي أستاذية جاوس خلال العام الأكاديمي ????-????. وإلى جامعة هرتفوردشاير؛ لكرمها معي في جدول التدريس أثناء زيارتي جوتينجين وإنهاء هذا الكتاب.
مقدمة


يهدف هذا الكتاب إلى تقديم خطوط عامة عن ماهية المعلومات؛ عن طبيعتها متعددة الأوجه، وعن الأدوار التي تلعبها في العديد من السياقات العلمية، وعن الموضوعات الاجتماعية والأخلاقية التي تثيرها أهميتها المتزايدة. الخطوط العامة انتقائية بالضرورة، وإلا فإنها لن تكون مختصرة جدًّا أو تتسم بطابع تقديمي إلى الموضوع. آمل أن يساعد هذا الكتاب القارئَ في فهم التنوُّع الكبير في الظواهر المعلوماتية التي نتعامل معها يوميًّا، والأهمية العميقة والأساسية لها، ومن ثَمَّ مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه.
إن طبيعة المعلومات من حيث كونها تتجلى في صورٍ كثيرة، وما تتسم به من كثرة المعاني يسيء إلى سمعتها؛ فقد ترتبط المعلومات بالكثير من التفسيرات، بناءً على وجهة النظر المُتبنَّاة والمتطلبات والرغبات التي يسعى لها المرء. وفي معرض كلامه عن المعلومات كان أبو نظرية المعلومات كلود شانون (????–????) حذرًا جدًّا حين قال: منح كُتَّابٌ عديدون كلمة «معلومات» معاني مختلفة في المجال العام لنظرية المعلومات. ربما تثبت فائدةُ بعض هذه المعاني في بعض التطبيقات بما يجعلها تستحق المزيد من الدراسة والاعتراف بها بصورة دائمة. «من الصعوبة بمكانٍ توقُّع أن يقدِّم مفهوم واحد للمعلومات تفسيرًا مُقنِعًا للتطبيقات الممكنة المتعددة لهذا المجال العام.» (جرى تنصيص الجملة الأخيرة للتأكيد.)
في حقيقة الأمر، دعَّم وارن ويفر (????–????) — أحد رواد الترجمة الآلية والذي شارك شانون في تأليف كتاب «النظرية الرياضية للاتصال» — تحليلًا ثلاثيًّا للمعلومات من حيث: (?) المشكلات الفنية المتعلِّقة بالتحديد الكَمِّي للمعلومات والتي تناولتها نظرية شانون.
(?) المشكلات الدلالية المتعلقة بالمعنى والحقيقة.
(?) ما أسماه المشكلات «المؤثرة» المتعلقة بأثر وفعالية المعلومات على السلوك الإنساني، والتي رأى أنها تلعب دورًا مساويًا في الأهمية.
يقدِّم شانون وويفر مثالين مبكرين على المشكلات التي يثيرها أي تحليل للمعلومات؛ فقد يكون فيض التفسيرات المختلفة محيرًا، وتكثر الشكاوى حول سوء فهم وسوء استخدام فكرة المعلومات في حَدِّ ذاتها، حتى وإن كان ذلك دون أي فائدة ظاهرية؛ لذا يسعى هذا الكتاب إلى وضع خريطة بالمعاني الرئيسية التي يتحدث من خلالها المرء عن المعلومات، ويجري وضع الخريطة بالاعتماد على تفسير مبدئي للمعلومات يعتمد على مفهوم البيانات. ولسوء الحظ، فإن هذا التفسير الاختزالي أيضًا قابل للاختلاف معه. وإنصافًا لهذا المنهج يمكن القول بأنه أقل خلافية من المناهج الأخرى إذا جازت الإشارة إلى إيجابيات هذا المنهج. بطبيعة الحال، يجب أن يبدأ أي تحليل مفهومي من موضعٍ ما، وهو ما يعني عادةً تبنِّي تعريف قائم للموضوع قيد النظر. لكن ليست هذه الملاحظة المعتادة هي التي أريد التأكيد عليها هنا، فالصعوبة هنا أكثر من ذلك بكثير؛ حيث لا تزال عملية صياغة مفهوم المعلومات تقف عند حدود تلك المرحلة المؤسفة عندما يؤثِّر عدم الاتفاق على أسلوب صياغة وتأطير المشكلات مؤقتًا، وبناءً عليه، يمكن أن توضع إشارات «أنت هنا» المتعددة الواردة في الأشكال التوضيحية في هذا الكتاب في مواضع مختلفة. الهدف الرئيسي لهذا الكتاب هو وضع عائلة المفاهيم حول المعلومات على الخريطة بصورة راسخة؛ ومن ثَمَّ التمكين من إجراء المزيد من عمليات التعديل وإعادة التوجيه.

الفصل الأول
ثورة المعلومات


(?) ظهور مجتمع المعلومات

هناك عدة مقاييس للتاريخ. بعض هذه المقاييس طبيعي ودائري، وهي مقاييس تعتمد على تتابع الفصول وحركة الكواكب، والبعض الآخر اجتماعي أو سياسي أو خطي، يحددها — على سبيل المثال — تتابع دورات الألعاب الأوليمبية، أو عدد السنوات التي مرَّت «منذ تأسيس مدينة روما» أو اعتلاء أحد الملوك العرش، وهناك بعض المقاييس الدينية ولها شكل حرف V باللاتينية، وهي المقاييس التي يجري حساب السنوات من خلالها قبل وبعد حدثٍ محدد، مثل ميلاد السيد المسيح. وهناك فترات أطول تشمل فترات أقصر، يجري تسميتها على غرار الأساليب الفنية المؤثِّرة مثل «الباروك»، والأشخاص مثل «العصر الفيكتوري»، أو مواقف بعينها مثل «الحرب الباردة»، أو تقنية جديدة مثل «العصر النووي». إلا أن جميع هذه المقاييس وغيرها الكثير تشترك في أنها مقاييس تاريخية؛ أي إنها بالمعنى الدقيق تعتمد جميعها على تطوير نظم لتوثيق الأحداث، ومن ثَمَّ تراكم وتنقل المعلومات عن الماضي. فإن لم توجد سجلات، لا يوجد تاريخ؛ ومن ثَمَّ يترادف التاريخ مع عصر المعلومات، حيث إن «عصر ما قبل التاريخ» هو ذلك العصر في تاريخ التطوُّر البشري الذي يسبق توافر نظم التسجيل. يترتب على ذلك أن المرء قد يدفع بأن الإنسانية كانت تعيش في أنواع مختلفة من مجتمعات المعلومات على الأقل منذ العصر البرونزي، وهو العصر الذي جرى فيه اختراع الكتابة في بلاد ما بين النهرين وعدد من المناطق الأخرى حول العالم (الألفية الرابعة قبل الميلاد). لكن ليس هذا هو المعنى المقصود اعتيادًا بثورة المعلومات؛ فعلى الرغم من كثرة التفسيرات، إلا أن أكثرها إقناعًا هو أن عملية التقدُّم والرفاهية البشرية بدأت حديثًا جدًّا في الاعتماد بصورة تكاد تكون كاملة على الإدارة الناجحة والفعَّالة لدورة حياة المعلومات.
تشمل دورة حياة المعلومات عادةً المراحل التالية: الحدوث (الاكتشاف، والتصميم، والتأليف … إلخ)، والنقل (الربط الشبكي، التوزيع، الحصول على المعلومات، استرجاع المعلومات، النقل … إلخ)، والمعالجة والإدارة (الجمع، والتدقيق، والتعديل، والتنظيم، والتبويب، والتصنيف، والغربلة، والتحديث، والانتقاء، والتخزين … إلخ)، والاستخدام (المتابعة، النمذجة، التحليل، التفسير، التخطيط، التنبُّؤ، اتخاذ القرار، التوجيه، التثقيف، التعليم … إلخ). يقدِّم الشكل ?-? توضيحًا مبسطًا. شكل ?-?: دورة حياة المعلومات النموذجية.
الآن، تخيَّل الشكل ?-? باعتباره ساعة؛ فيجب ألا يكون طول الوقت الذي استغرقَتْه عملية تطوُّر دورات حياة المعلومات لتؤدي إلى ظهور مجتمع المعلومات مَثارًا للدهشة. ووفق التقديرات الأخيرة، ستستمر الحياة فوق الأرض مدة مليار سنة أخرى، حتى تؤدي زيادة درجة الحرارة الشمسية إلى تدميرها. تخيَّل إذن أحدَ المؤرخين يكتب في المستقبل القريب، قل في غضون مليون سنة؛ ربما يعتبر هذا المؤرخ مسألة استغراق الثورة الزراعية ست ألفيات من الزمان حتى تتحقق آثارها كاملة مسألةً عادية — بل وأمرًا متناسقًا — منذ بدايتها في العصر الحجري الحديث (الألفية العاشرة قبل الميلاد) إلى العصر البرونزي، ثم ست ألفيات أخرى حتى تحقق ثورة المعلومات أثرها، من العصر البرونزي إلى نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد. خلال هذه الفترة من الزمان، تطورت تكنولوجيات الاتصال والمعلومات من مجرد أنظمة تسجيل — مثل الكتابة وعمل المخطوطات — إلى نظم اتصال أيضًا، خاصةً بعد جوتنبرج واختراع الطباعة، إلى أن أصبحت نظمَ معالجة وإنتاج، خاصة بعد تورنج وانتشار أجهزة الكمبيوتر. بفضل هذا التطور، تعتمد أكثر المجتمعات تقدمًا بصورة كبيرة على الأصول غير المادية القائمة على المعلومات، والخدمات كثيفة المعلومات (خاصةً خدمات الأعمال، والعقارات، والاتصالات، والتمويل، والتأمين، والترفيه)، والقطاعات العامة معلوماتية التوجُّه (خاصةً التعليم، والإدارة العامة، والرعاية الصحية). على سبيل المثال، يمكن اعتبار جميع الدول الأعضاء في مجموعة السبعة — وهي تحديدًا: كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية — مجتمعات معلومات؛ نظرًا لأن ??? على الأقل من إجمالي الناتج المحلي فيها يعتمد على السلع غير المادية التي ترتبط بالمعلومات، وليس على السلع المادية التي تعتبر منتجات مادية للعمليات الزراعية أو التصنيع. إن عمل ونمو هذه المجتمعات يتطلب، ويولد، كميات هائلة من البيانات، أكثر بكثير ممَّا شهدته الإنسانية في تاريخها كله. (?) عصر الزيتابايت

في عام ????، قدَّر الباحثون في كلية إدارة ونظم المعلومات في بيركلي كاليفورنيا حجم البيانات التي راكمتها الإنسانية بمقدار ?? إكسابايت (الإكسابايت الواحد يوازي ???? بايت من البيانات أو ما يماثل ?? ألف عامٍ من محتوى الفيديو عالي الجودة) عبر مسار تاريخها كله حتى إنتاج أجهزة الكمبيوتر على مستوًى تجاري. في المقابل، قدَّر الباحثون أنفسهم حجم محتوى المواد المطبوعة، والفيلمية، والممغنطة، والبصرية؛ بما يماثل أكثر من ? إكسابايت من البيانات في عام ????، ويكافئ ذلك حجم ?? ألف مكتبة جديدة بحجم مكتبة الكونجرس. بالنظر إلى حجم سكان العالم في ????، يتبين أنه أُنتج ما يقترب من ??? ميجابايت من البيانات المسجلة لكل شخص، وهو ما يشكل ?? قدمًا من الكتب لكل مولود جديد جاء إلى العالم؛ أي ??? ميجابايت من البيانات المطبوعة على الورق. من بين هذه البيانات، جرى تخزين ??? منها في وسائط ممغنطة، معظمها على أقراص صُلبة، وهو ما أدَّى إلى حدوث عملية «دمقرطة» غير مسبوقة للمعلومات؛ إذ يمتلك المزيد من الأشخاص حاليًّا مزيدًا من البيانات أكثر من أي وقت مضى. لا يزال هذا التزايد المتسارع مستمرًّا دون توقف؛ فوفق دراسة حديثة، سيزداد حجم البيانات الرقمية عالميًّا أكثر من ستة أضعاف، من ??? إكسابايت إلى ??? إكسابايت بين عامَي ???? و????. يشير الاصطلاح الجديد «فيضان الإكسابايت» إلى ما اصطلح عليه مؤخرًا لوصف هذا الإعصار الهائل من وحدات البيانات التي تغمر العالم. وبطبيعة الحال، يجري استخدام مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر بصورة مستمرة للإبحار عبر فيضان الإكسابايت هذا، وستظل الأرقام السابقة تنمو باطِّراد في المستقبل المنظور، ويرجع ذلك في الأساس إلى أن أجهزة الكمبيوتر تُعتبر من أكبر مصادر إنتاج المزيد من الإكسابايت، ويعود إليها الفضل في أننا نقترب من «عصر الزيتابايت» (???? إكسابايت). هذه العملية بمثابة دورة تعزز نفسها. ومن الطبيعي أن يشعر المرء بالارتباك بسبب هذا الحجم الهائل من المعلومات، بل يساور المرءَ شعورٌ مختلط، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون الأمر. لا تزال تكنولوجيات المعلومات والاتصال تُغيِّر العالم بعمقٍ وعلى نحو لا سبيل إلى الرجوع عنه لأكثر من نصف قرن من الزمان وحتى الآن، على نطاق هائل وبمعدل فائق السرعة؛ فهي من ناحيةٍ أدت إلى ظهور فرص حقيقية ووشيكة ذات فوائد عظمى على التعليم، والرفاهية، والازدهار، والتهذيب، فضلًا عن المميزات الاقتصادية والعلمية الكبرى؛ لذا لا غرو في أن وزارة التجارة الأمريكية ومؤسسة العلوم القومية جعلت من تكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم الإدراكية، مجالاتِ بحث ذات أولوية على المستوى القومي. تجدر الإشارة إلى أن تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والعلوم الإدراكية لن تصبح ممكنة بدون تكنولوجيا المعلومات. وفي خطوة مشابهة، أقر رؤساء وحكومات الاتحاد الأوروبي بالأثر الهائل لتكنولوجيا المعلومات والاتصال عندما اتفقوا على جعل الاتحاد الأوروبي «الاقتصاد المعرفي الأكثر تنافسية وحيوية بحلول عام ????».
على الجانب الآخر، تنطوي تكنولوجيا المعلومات والاتصال على مخاطر كبيرة، كما يتولد عنها معضلات وأسئلة عميقة حول طبيعة الواقع ودرجة معرفتنا به، وحول تطور العلوم كثيفة المعلومات (العلم الإلكتروني)، وتنظيم مجتمع عادل (خذ مثلًا الفجوة الرقمية)، وحول مسئوليتنا والتزاماتنا تجاه الأجيال الحالية والقادمة، وحول فهمنا للعالم المتشابك، ونطاق تفاعلنا الممكن مع البيئة. نتيجة لذلك، تجاوزت تكنولوجيات المعلومات والاتصال فَهمنا لطبيعتها وتداعياتها المفهومية، كما أثارت مشكلات تزداد درجة تعقدها وأبعادها العالمية بسرعة؛ مشكلاتٍ تتطور وتصبح أكثر خطورة.
ربما تسهم مشابهة بسيطة في بيان الوضع الحالي. يشبه مجتمع المعلومات شجرةً تنمو أفرعها السامقة بصورة أكبر، وأسرع، وأكثر عشوائية من جذورها المفهومية، والأخلاقية، والثقافية. يعتبر غياب التوازن مسألة جلية، بل مسألة خبرة يومية في حياة الملايين من المواطنين. كمثال على ذلك، خذ مثلًا بسرقة الهوية. بعبارة أخرى: استخدام المعلومات لانتحال هوية شخص آخر بغرض السرقة أو تحقيق فوائد أخرى. وفقًا للجنة التجارة الفيدرالية، قُدرت عمليات الاحتيال التي تتضمن حالات سرقة الهوية في الولايات المتحدة بما يقترب من ???? مليار دولار أمريكي من الخسائر في عام ???? فقط، وهي العمليات التي تأثر بها حوالي ?? ملايين مواطن أمريكي. يتمثل خطر ذلك في أن تحقيق المزيد من النمو الصحي في القمة قد يعوقه وجود أساس هَشٍّ في القاعدة، كشجرة واهنة الجذور. وبناءً عليه، يواجه أي مجتمع معلومات متطورٍ اليوم المهمة العاجلة المتعلِّقة بتزويد نفسه بفلسفة المعلومات القابلة للتطبيق. بتطبيق المشابهة السابقة، بينما تنمو التكنولوجيا من أسفل إلى أعلى، حان الوقت للبدء في النزول إلى العمق؛ أي من أعلى إلى أسفل؛ لتوسيع وترسيخ استيعابنا لمفاهيم عصر معلوماتنا هذا، ولطبيعته، ولتداعياته الأقل وضوحًا، ولأثره على الرفاهية البشرية والبيئية؛ ومن ثَمَّ منح أنفسنا فرصة للتنبؤ بالصعوبات، وتحديد الفرص، وحل المشكلات.
أدى الانفجار المفاجئ لمجتمع المعلومات العالمي، بعد مرور ألفيات قليلة من عملية النضج الهادئة نسبيًّا، إلى بروز تحديات جديدة هائلة التأثير، وهي التحديات التي لم تكن متوقَّعة قبل عقود قليلة مضت. ومثلما وثَّقت المجموعة الأوروبية لأخلاقيات العلوم والتكنولوجيات الجديدة ومرصد اليونسكو حول مجتمع المعلومات، فقد جعلت تكنولوجيات المعلومات والاتصال من عمليات إنشاء، وإدارة، واستخدام المعلومات، والاتصال، والموارد الحسابية؛ أمورًا مهمة، ليس فقط فيما يتعلق بفَهمنا للعالم وبعمليات تفاعلنا معه، بل فيما يتعلق بتقييمنا الذاتي لأنفسنا وبهويتنا. بمعنًى آخر: أدَّى علم الكمبيوتر وتكنولوجيات المعلومات والاتصال إلى «ثورة رابعة».
(?) الثورة الرابعة

مع التبسيط الشديد، هناك وظيفتان أساسيتان يؤديهما العلم في تغيير فهمنا للأمور. ربما يُطلَق على إحدى هاتين الوظيفتين وظيفة «انفتاحية»؛ أي إنها وظيفة تتناول العالم الخارجي، فيما يطلق على الوظيفة الأخرى وظيفة «انغلاقية»؛ أي إنها تتناولنا نحن البشر. كان لثلاث ثورات علمية أثر كبير من الناحيتين الانفتاحية والانغلاقية. وبالإضافة إلى تغييرها فهمنا للعالم الخارجي غيَّرت هذه الثورات من مفهومنا عن أنفسنا. بعد ظهور نيكولاس كوبرنيكوس (????–????)، أزاح علم الكونيات الأرض — ومن ثَمَّ البشريةَ — من مركز الكون، واستبدل بها الشمس مركزًا له. برهن تشارلز داروين (????–????) على أن جميع أشكال الكائنات الحية تطورت مع مرور الوقت انطلاقًا من أسلاف مشترَكين من خلال عملية الانتخاب الطبيعي، وهو ما نحَّى البشر جانبًا من مركز المملكة البيولوجية. وبعد ظهور سيجموند فرويد (????–????)، نُقِرُّ الآن بأن العقل يمتلك لاوعيًا ويخضع لآلية القمع الدفاعية. من هنا، فإننا لسنا ساكنين تمامًا، نقبع في مركز الكون (ثورة كوبرنيكوس)، ولسنا منفصلين ومتنوعين على نحو غير طبيعي عن بقية المملكة الحيوانية (ثورة داروين)، كما أننا بعيدون كل البعد عن كوننا نمتلك عقولًا مستقلة تعي وجودها تمامًا كما افترض رينيه ديكارت (????–????) مثلًا (ثورة فرويد).
ربما يتشكك المرء ببساطة في قيمة هذه الصورة الكلاسيكية؛ ففي النهاية كان فرويد أول من قدَّم تفسيرًا لهذه الثورات الثلاث كجزء من عملية واحدة لتقييم الطبيعة الإنسانية، وكان المنظور الذي اعتمده في ذلك يتسم بالذاتية الشديدة. ولكن عند إحلال العلوم الإدراكية أو علم الأعصاب محل نظرية فرويد، سيظل الإطار العام مفيدًا في تفسير شعورنا بأن ثمة شيئًا مهمًّا وعميقًا للغاية حدث مؤخرًا لعملية فهم البشرية لذاتها؛ حيث إنه منذ خمسينيات القرن العشرين، أحدثت علوم الكمبيوتر وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات تأثيرًا انفتاحيًّا وانغلاقيًّا في آنٍ واحد، وهو ما لم يغيِّر من تفاعلاتنا مع العالم فحسب، بل ومن فهم ذواتنا أيضًا. فمن أوجُه عِدَّة، لسنا كائنات منفصلة تمامًا عن الكائنات الأخرى، بل نحن «كائنات معلوماتية» متصلة ببعضها نشارك الكائنات البيولوجية والمنتجات المهندسة بيئةً عالمية تتألَّف في نهاية المطاف من المعلومات، أو ما يُسَمَّى بالحيز المعلوماتي. هذه هي البيئة المعلوماتية التي تؤلِّفها جميع العمليات، والخدمات، والكيانات، ومن ثَمَّ تشمل جميع الكائنات المعلوماتية فضلًا عن خصائصها، وتفاعلاتها، وعلاقاتها المتبادلة. وإذا أردنا اتخاذ عالِم يمثِّل الثورة الرابعة فهو بلا شك آلان تورنج (????–????).
يجب عدم الخلط بين الكائنات المعلوماتية ورؤية الخيال العلمي للكائنات البشرية المميكنة؛ إذ لا يبدو التنقُّل بسماعات بلوتوث لاسلكية مزروعة في أجسادنا فكرةً ذكيةً، وسبب ذلك أنه أمر يتناقض مع الرسالة الاجتماعية التي يهدِف إلى إيصالها؛ ألا وهي أن البقاء تحت الطلب دومًا يُعتبر صورة من صور العبودية؛ ومن ثَمَّ فإن من كان شديد الانشغال وكان شخصًا مهمًّا فعليه الاستعانة بمساعد شخصي. ولن يرحب الناس بفكرة أن بداخلهم أجزاءً إلكترونية، بل سيحاولون تفادي أن يكونوا مجرد نوع من الكائنات المؤتمتة. بالمثل، لا تعتبر فكرة الكائنات المعلوماتية خطوة في اتجاه نوعٍ من البشرية المعدلة وراثيًّا، مسئولٍ عن حمضه النووي المعلوماتي ومن ثَمَّ عن تجلياته المستقبلية. قد يتحقق ذلك في المستقبل، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا للغاية؛ سواء على الصعيد التقني (القابلية للتنفيذ على نحو آمن) أو على الصعيد الأخلاقي (القبول الأخلاقي)، حتى يمكن مناقشة تنفيذ ذلك على نحو جِدِّيٍّ في هذه المرحلة. في المقابل، تُسلِّط الثورة الرابعة الضوءَ على الطبيعة المعلوماتية الجوهرية في الكائنات البشرية، وهو ما يختلف عن مجرد القول بأن الأفراد صاروا يمتلكون «ظل بيانات» أو «أنا» أخرى رقمية؛ سيد «هايد» جديد تمثله حسابات الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي، والمدونات، والمواقع الإلكترونية. تدفعنا هذه الحقائق الجليَّة إلى الظن الخاطئ بأن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات ما هي إلا تكنولوجيات داعمة فقط. لعل محلَّ السؤال في هذا المقام يتمثل في نوع من التغيير يتسم بالهدوء، والإثارة الأقل، كما يتسم بالأهمية والعمق في فهمنا لما يمكن أن يعنيه أن يكون المرء كيانًا يُستخدم في تحقيق المآرب وماهية البيئة التي تعيش فيها هذه الكائنات الجديدة. لا يحدث هذا التغيير من خلال نوع من التحوُّلات الهائلة في أجسادنا، أو من خلال بعض التكهُّنات الخيالية العلمية حول طبيعة الإنسان ما بعد البشرية، بل — بصورة أكثر جدية وواقعية — من خلال تحول جذري لفهمنا للواقع ولأنفسنا، ومن السبل المفيدة في الاعتماد على التمييز بين الأجهزة «الداعمة» والأجهزة «ذات القيمة المضافة».
من المفترض أن الأجهزة الداعمة — مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، والنظارات الطبية، والأطراف الصناعية — تتضمن واجهات استخدام تساعد على التصاق هذه الأجهزة بجسد المستخدِم بصورة لا تسبب إزعاجًا، وهو ما كان بداية فكرة الإنسان المؤتمت. في المقابل، تشتمل الأجهزة ذات القيمة المضافة على واجهات تسمح بإجراء عمليات اتصال بين عوالم ممكنة مختلفة. على سبيل المثال — من جانب — هناك الموطن الطبيعي الذي يحيا فيه المستخدِم الإنسان حياته اليومية؛ العالم الخارجي، أو الواقع، وهو العالم الذي يؤثر على الكائن الذي يعيش فيه. وعلى الجانب الآخر هناك العالم المبلل، الرغوي، الساخن، المظلم لماكينة تنظيف الصحون. وهناك العالم المبلل، الرغوي، الساخن، المظلم لماكينة تنظيف الملابس الذي يتميز بالدوران أيضًا. وهناك العالم المعقَّم، غير الرغوي، البارد، والمضيء أحيانًا للثلاجات. تتميز هذه الأجهزة بالنجاح؛ لأن بيئاتها «مغلَّفة» وإمكاناتها مصممة خصوصًا لها، لا العكس؛ لهذا السبب، تعتبر فكرة محاولة بناء إنسان آلي — مثل سي ثري بي أوه في فيلم «حرب النجوم» — من أجل تنظيف الصحون في الأحواض، تمامًا على نحو ما تفعل الكائنات البشرية، فكرةً سخيفة. إن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات في الوقت الحالي لا تقدم دعمًا أو تضيف بالمعنى الذى جرى شرحه توًّا، وإنما تجري تحويلات جِذرية على الأجهزة لأنها تهندس البيئات التي تمكِّن المستخدم لاحقًا من ولوجها عبر بوابات (ربما تكون صديقة)، وهو يمر بتجربة تشبه إحدى صور الدخول إلى عالم للمرة الأولى. ربما لا يوجد مصطلح محدَّد يشير إلى هذا الشكل الجِذري من إعادة الهندسة؛ لذا يمكننا أن نستخدم مصطلح «إعادة الإيجاد» كتعبير جديد للإشارة إلى شكل جِذري من أشكال إعادة الهندسة، شكل لا يقتصر على تصميم أحد النظم وبنائه وهيكلته (مثل شركة، ماكينة، أو جهاز ما) مجددًا، بل يحوِّل تحويلًا جذريًّا طبيعة هذا النظام الداخلية. بعبارة أخرى: طبيعة وجود هذا النظام. وفق هذا المعنى لا تقتصر تكنولوجيات المعلومات والاتصالات على إعادة هندسة عالمنا، بل تعيد تعريفه وجوديًّا في حقيقة الأمر. بالنظر إلى تاريخ الفأرة (راجع الرابط: http://sloan.stanford.edu/mousesite/). على سبيل المثال، يجد المرء أن التكنولوجيا الخاصة بنا لم تكتفِ بالتكيُّف بالنسبة إلينا كمستخدمين بل ثقَّفتنا أيضًا. أخبرني دوجلاس إنجلبارت (المولود عام ????) ذات مرة بأنه — حين كان لا يزال يعمل على تطوير اختراعه الأشهر: الفأرة — كان يجرِّب وضع الفأرة أسفل المكتب، بحيث يجري تشغيلها عن طريق القدم، وهو ما يجعل يَدَيِ المستخدم طليقتين. إن تفاعل الإنسان مع الكمبيوتر علاقة متماثلة. بالرجوع إلى التمييز الذي أشرنا إليه، بينما تُعتبر واجهة ماكينة تنظيف الصحون لوحة تَلِجُ الماكينة من خلالها إلى عالم المستخدم، تمثل الواجهة الرقمية بوابة يستطيع المستخدم أن يكون حاضرًا من خلالها في العالم الافتراضي. يؤكد هذا الفرق البسيط والجوهري في ذات الوقت على المجازات المكانية العديدة المتمثلة في «الواقع الافتراضي»، و«الاتصال بالإنترنت»، و«الإبحار عبر الشبكة»، و«بوابة»، … إلى آخره. يترتب على ذلك أننا نشهد هجرة تاريخية غير مسبوقة للبشرية من موطِنها الطبيعي الاعتيادي إلى الحَيِّز المعلوماتي، وهو الأمر الذي يرجع في الأساس إلى أن العالم الأخير يبتلع العالم الأول في كنفه. بناءً عليه، سيصبح البشر كائنات معلوماتية ضمن كائنات أخرى معلوماتية (ربما تكون اصطناعية) وكيانات تعمل في بيئة أكثر ألفة للكائنات المعلوماتية. وبمجرد حلول السكان الأصليين الرقميين مثل أطفالنا محلَّنا، ستصبح عملية الهجرة الإلكترونية عملية أكثر اكتمالًا، وستشعر الأجيال المستقبلية بالمزيد من الحرمان، والإقصاء، والعجز — أو حتى العَوَز — متى انفصلت عن عالم المعلومات، مثل السمك خارج الماء.
ما نمر به إذن هو «ثورة رابعة»، عبر عملية الإزاحة وإعادة التقييم لطبيعتنا الجوهرية ودورنا في الكون. لا نزال نعدِّل من منظورنا اليومي حول الطبيعة النهائية للواقع — بعبارة أخرى: وجودنا الميتافيزيقي — من منظور مادي تلعب الأشياء والعمليات المادية دورًا مهمًّا فيه، إلى منظور معلوماتي، ويعني هذا التحول أن الأشياء والعمليات تتخلى عن طبيعتها المادية؛ بمعنى أنها تنحو إلى اعتبارها لا تحتاج إلى الدعم (خُذ مثلًا بملف الموسيقى). تتحول الأشياء والعمليات إلى نماذج نمطية، بمعنى أن مثالًا واحدًا من شيء ما (نسختي من ملف موسيقي) يساوي في جودته النموذج الأصلي (ملفك الذي تعتبر نسختي مثالًا له). بالإضافة إلى ذلك، يُفترض في هذه الأشياء والعمليات قابليتها تعريفًا للاستنساخ؛ بمعنى أن نستختي ونموذجك الأصلي يصبحان متبادَلَيْن. ويعني التركيز الأقل على الطبيعة المادية للأشياء والعمليات أن حق الاستخدام يُنظر إليه باعتباره مساويًا في أهميته لحق الملكية. أخيرًا، لم يعُد معيار الوجود — أي ما يعني أن شيئًا ما موجود — يشير في حقيقة الأمر إلى أن هذا الشيء لا يتغير (كان اليونانيون القدماء يظنون أن الأشياء التي لا تتغير فقط هي الأشياء التي يمكن القول إنها موجودة بصورة كاملة)، أو أن هذا الشيء يخضع إلى الإدراك (شددت الفلسفة الحديثة على وجوب إدراك الشيء عمليًّا من خلال الحواس الخمس حتى يعتبر هذا الشيء موجودًا)، بل صار هذا المعيار يتمثَّل في قابلية هذا الشيء للتفاعل، حتى وإن كان شيئًا غير ملموس. حتى يصبح الشيء موجودًا يجب أن يكون هذا الشيء قابلًا للتفاعل، حتى وإن كان هذا التفاعل غير مباشر. تدبر الأمثلة التالية:
في السنوات الأخيرة، سارت العديد من الدول على نهج الولايات المتحدة في عدم اعتبار عملية اقتناء البرمجيات مصاريف أعمال جارية بل اعتبارها استثمارًا، يجري التعامل معه شأنه شأن أي مدخل رأسمالي آخر يُستخدم بصورة متكررة في الإنتاج على مَرِّ الوقت. وأصبح الإنفاق على البرمجيات في الوقت الحاضر يُسهِم في إجمالي النواتج المحلية؛ وبناءً عليه، تعتبر البرمجيات سلعًا (رقمية)، حتى وإن كانت إلى حَدٍّ ما غير ملموسة. ويجب ألا نجد صعوبة في قبول مسألة أن الأصول الافتراضية قد تمثِّل أيضًا استثمارات مهمة. أو خذ مثلًا ظاهرة ما يُطلَق عليه اسم «مصانع الأجر الزهيد الافتراضية» في الصين. ففي غرف مختنِقة ومزدحمة للغاية، يمارس العاملون ألعابًا على الإنترنت، مثل لعبة «وورلد أوف ووركرافت» أو «لاينيدج»، لفترات تصل إلى ?? ساعة يوميًّا؛ لإنشاء سلع افتراضية، مثل الشخصيات، والمعدات، وعملات الألعاب، والتي يمكن بيعها إلى لاعبين آخرين. عند وقت كتابة هذه السطور، لا تزال اتفاقيات رخصة المستخدم النهائي (وهو العقد الذي يقبله كل مستخدم للبرمجيات التجارية عند تثبيتها) للألعاب الافتراضية متعددة اللاعبين والأدوار مثل لعبة «وورلد أوف ووركرافت» لا تسمح ببيع الأصول الافتراضية. يشبه ذلك اتفاقيات رخصة المستخدم النهائي لبرنامج مايكروسوفت وورد للكتابة الذي يحُول دون امتلاك المستخدمين المستندات التي أُنشئت عن طريق برنامج وورد. سيتغير الوضع على الأرجح عندما يستثمر مزيد من الأشخاص مئات ثم آلاف الساعات في بناء شخصياتهم وأصولهم الافتراضية. ستَرِثُ الأجيال القادمة كيانات رقمية وسترغب في امتلاكها. في حقيقة الأمر — على الرغم من منعها — كانت هناك آلاف الأصول الافتراضية مطروحة للبيع من خلال موقع إي باي؛ حتى إن شركة سوني طرحت — في خطوة استباقية — خدمة «ستيشن إكستشينج»، وهي خدمة مزاد رسمية توفر للاعبين طريقة آمنة لشراء وبيع [بدفع الدولارات كما حددت أنا] حق استخدام عملات وأشياء وشخصيات الألعاب وفق اتفاقية ترخيص سوني لألعاب الإنترنت، وقواعدها، وإرشاداتها (http://stationexchange.station.sony.com/). بمجرد إقرار ملكية الأصول الافتراضية قانونًا، تتمثل الخطوة التالية في فحص ظهور عمليات التقاضي حول الملكية. يحدث هذا بالفعل: ففي مايو ????، قاضَى محامٍ من بنسلفانيا ناشرَ لعبة «سكند لايف» لمصادرة أراضٍ وممتلكات أخرى افتراضية عن غير حق تساوي في قيمتها عشرات الآلاف من الدولارات. ربما يتبع عملية التقاضي تلك عروضُ وثائق تأمين توفِّر الحماية إزاء مخاطر استخدام الكيانات الافتراضية، وهي وثائق تأمين يمكن مقارنتها بوثائق التأمين على الحيوانات الأليفة التي يمكن للمرء شراؤها من المتجر المحلي. ومرة أخرى، تقدِّم لعبة «وورلد أوف كرافت» مثالًا ممتازًا؛ فمع بلوغ عدد المشتركين فيها حوالي ?? مليون مشترك شهريًّا (????)، تعتبر لعبة «وورلد أوف كرافت» أكبر الألعاب الافتراضية متعددة اللاعبين والأدوار في العالم، كذلك تحتل المرتبة ?? في قائمة تشمل ??? دولة وإقليمًا تابعًا تم ترتيبها وفق عدد السكان. ولن يتوانى مستخدمو لعبة «وورلد أوف كرافت» الذين يقضون مليارات الساعات البشرية في بناء وإثراء ممتلكاتهم الرقمية ووضع اللمسات الأخيرة عليها، عن إنفاق بضعة دولارات في تأمين هذه الممتلكات. تخلق تكنولوجيات المعلومات والاتصالات بيئةً معلوماتية جديدة تقضي فيها الأجيال القادمة معظم أوقاتها، حيث يقضي البريطانيون — على سبيل المثال — في المتوسط وقتًا على الإنترنت أطول ممَّا يقضون في مشاهدة التلفاز، بينما يقضي الأشخاص البالغون الأمريكيون ما يساوي خمسة أشهر تقريبًا سنويًّا داخل عالم المعلومات. يكبر هذا العدد من مستخدمي الإنترنت بسرعة؛ فوفق جمعية البرمجيات الترفيهية — على سبيل المثال — في عام ???? كان متوسط عمر اللاعب ?? عامًا وكان يلعب الألعاب لمدة ?? عامًا، ويبلغ متوسط عمر أكثر مشتري الألعاب ?? عامًا، كما لعب ??? من الأمريكيين فوق عمر ?? عامًا ألعاب الفيديو، وهي زيادة كبيرة مقارنة بنسبة قدرها ?? فقط في عام ????.
(?) الحياة في الحيز المعلوماتي

رغم وجود بعض الاستثناءات المهمة (مثل الأواني والأدوات المعدنية في الحضارات القديمة، والمنحوتات، ثم الكتب بعد جوتنبرج)، مثَّلت الثورة الصناعية علامة فارقة حقًّا في الانتقال من عالم الأشياء الفريدة إلى عالم نماذج الأشياء، أشياء يمكن إنتاجها جميعًا بصورة مطابقة تمامًا لبعضها؛ ومن ثَمَّ لا يمكن التمييز بينها، وهو ما يترتب عليه قابلية الاستغناء عنها نظرًا لقابلية إحلالها دون وقوع أي خسائر في نطاق التفاعلات التي تسمح بها. عندما كان أسلافنا يشترون حصانًا، كانوا يشترون «هذا» الحصان أو «ذاك» الحصان، لا «نموذج الحصان». حاليًّا، نجد أنه من البديهي أن تكون مركبتان متطابقتين تمامًا، كما نجد أننا نستطيع شراء نموذج منها بدلًا من شراء «التجسيد» الفردي للمركبة. فنحن في حقيقة الأمر نتحرك سريعًا في اتجاه تسليع الأشياء، وهي العملية التي تعتبر الإصلاح مرادفًا للإحلال، حتى لو كان ذلك في حال بنايات بأكملها. وكنوع من التعويض، أدَّى ذلك إلى وضع أولوية لعملية «التمييز» المعلوماتي ولعملية «استعادة التفرُّد»؛ فالشخص الذي يضع لاصقة على شباك سيارته — وهي السيارة التي تتطابق تمامًا مع آلاف السيارات الأخرى — يحارب في معركة للتأكيد على فرديته. وقد فاقمت ثورة المعلومات من هذه العملية؛ فبمجرد أن نتحول من عملية التسوق عبر واجهات المحالِّ إلى عملية تسوق عبر نظام تشغيل الويندوز، ولا نعود نسير في الطريق بل نتصفح الشبكة، يبدأ شعورنا بالهوية الشخصية في التآكُل أيضًا. وبدلًا من أن يجري النظر إلى الأفراد باعتبارهم كيانات فريدة وغير قابلة للإحلال، نصبح كيانات مجهولة يجري إنتاجها على نطاق واسع، كائنات تصادف مليارات الكائنات المعلوماتية الأخرى على الإنترنت؛ لذا نجري عملية تمييز واستعادة لأنفسنا في عالم المعلومات من خلال استخدام المدونات والفيسبوك، والصفحات الرئيسية للمواقع، والفيديو على موقع يوتيوب، وألبومات صور موقع فليكر. يبدو من المنطقي بمكانٍ أن يصبح موقع «سكند لايف» بمثابة جنة بالنسبة للمهتمين بالموضة من مختلف الأطياف؛ إذ لا يوفر الموقع فقط منصة جديدة ومرنة للمصممين والفنانين المبدعين، بل يوفِّر أيضًا سياقًا ملائمًا يشعر فيه المستخدمون (الكيانات الافتراضية) بالحاجة الملِحَّة إلى الحصول على علامات ظاهرة للهوية الذاتية والأذواق الشخصية. بالمثل، لا يوجد تناقض بين مجتمع يهتم بشدة بحقوق الخصوصية وبين نجاح خدمات مثل فيسبوك؛ فنحن نستخدم ونكشف عن معلومات تتعلق بنا حتى نصبح أكثر تفردًا في عالم الكائنات المعلوماتية المجهولة، ونرغب في الحفاظ على درجة عالية من الخصوصية المعلوماتية، كما لو كان ذلك السبيل الوحيد لادِّخار رأس مال ثمين يمكننا استثماره علنًا بعد ذلك بغرض بناء ذواتنا كأفراد يميزهم الآخرون.
ما العمليات التي أشرت إليها توًّا سوى جزء من تحول ميتافيزيقي أعمق بكثير كان السبب فيه ثورة المعلومات. خلال العقد الماضي، اعتدنا النظر إلى حيواتنا على الإنترنت باعتبارها مزيجًا من عملية تكيُّف تطورية للكائنات البشرية مع بيئة رقمية، وأحد أشكال الاستعمار الجديد ما بعد الحداثي لهذا العالم عن طريقنا. إلا أن حقيقة الأمر هي أن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات تغيِّر في عالمنا قدر ما تخلق واقعًا جديدًا. لا يزال الحد الفاصل بين هنا («التناظري»، «المعتمد على الكربون»، «غير المتصل بالشبكة») وهناك («الرقمي»، «المعتمد على السليكون»، «المتصل بالشبكة») يزداد ضبابية، وهي مسألة تأتي في صالح هنا وهناك بالقدر نفسه. فما هو رقمي يتسرب إلى ما هو تناظري ويندمج معه. تُعرف هذه الظاهرة الحديثة باصطلاحات على غرار «الحوسبة المنتشرة»، و«الذكاء المحيطي»، و«إنترنت الأشياء»، و«الأشياء المدعومة بالشبكة».
تشير عملية التحول المعلوماتي المتزايدة للأشياء ولبيئات (اجتماعية) كاملة ولأنشطة الحياة، إلى أنه سرعان ما ستكون هناك صعوبة في فَهم ما كانت عليه الحياة في عصور ما قبل المعلومات (بالنسبة إلى شخص وُلِدَ في عام ????، سيكون العالم متصلًا لاسلكيًّا دومًا، على سبيل المثال) وفي المستقبل القريب، سيختفي التمييز بين الاتصال بالإنترنت وبين عدم الاتصال به. تبين تجربة قيادة سيارة باتِّباع تعليمات نظام التموضُع العالمي، أو الجي بي إس، كيف صار السؤال عما إذا كان المرء متصلًا بالإنترنت مسألةً لا جدوى من ورائها. في صورة أكثر درامية، يبتلع عالم المعلومات بصورة متزايدة أيَّ فضاءات أخرى. في المستقبل (القادم بسرعة)، سيصبح مزيد من الأشياء «كيانات تكنولوجيا معلومات» قادرة على التعلم، وتبادل المشورة، والاتصال ببعضها. يتمثل أحد الأمثلة (وهو ما لا يعدو أن يكون أكثر من مثال) في وسومات تحديد تردُّدات الراديو، وهي الوسومات التي تستطيع تخزين البيانات واستعادتها عن بُعد من جسمٍ ما ومنحه هوية فريدة، مثل شرائط الباركود. قد يبلغ حجم الوسومات ??? مليمتر مربع، وهي أرفع من الورق. إذا أُدمجت هذه الشريحة متناهية الصغر في أي شيء، بما في ذلك البشر والحيوانات، فستكون قد أنشأتْ «كيانات تكنولوجيا معلومات». ليس ذلك من قبيل الخيال العلمي؛ إذ وفقًا لأحد تقارير شركة أبحاث السوق «إن ستات»، سيكون الإنتاج العالمي من وسومات تحديد ترددات الراديو قد زاد بأكثر من ?? ضعفًا بين عامَي ???? و???? ليبلغ ?? مليار كيان إلكتروني. تخيَّلْ ربط كيانات تكنولوجيا المعلومات هذه التي يبلغ عددها ?? مليارًا مع مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر، والأقراص المضغوطة، وأجهزة الآي بود، وأجهزة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأخرى المتوافرة، وستجد أن عالم المعلومات لم يعد «هناك»، بل «هنا» وسيظل هنا، فمثلًا أصبح في حذاء نايكي جهاز استشعار يخاطب جهاز الآي بود (http://www.apple.com/ipod/nike/). حاليًّا، لا تزال الأجيال الأكبر سنًّا تعتبر عالم المعلومات عالمًا يسجل المستخدم دخوله وخروجه منه، فرؤيتنا للعالم (ميتافيزيقيتنا) لا تزال حداثية أو نيوتِنيَّة. لا يزال عالمنا يتألف من السيارات، والبنايات، والأثاث، والملابس «الجامدة» التي تتسم بعدم تفاعلها، وعدم استجابتها، وعدم قابليتها للاتصال، والتعلم، والحفظ. لكن في مجتمعات المعلومات المتقدمة سيصبح ما لا نزال نعرفه كعالم غير متصل بالإنترنت مقدَّرًا له أن يصبح بيئة أكثر تفاعلًا وأكثر استجابة من العمليات المعلوماتية اللاسلكية، الشاملة، الموزَّعة، عمليات معلوماتية (تحوِّل أي شيء إلى أي شيء)، وعمليات معلوماتية تعمل (في أي مكان لأي وقت) على نحو آني. سيدعونا هذا العالم في البداية بلطف إلى فهمه باعتباره شيئًا (حيًّا اصطناعيًّا). بينما على النقيض ستجعل عملية إضفاء الحياة على العالم نظرتَنا أقرب إلى نظرة الثقافات ما قبل التكنولوجية؛ التي كانت تفسِّر جميع سمات الطبيعة باعتبارها مسكونة بقوى طبيعية.
يؤدي هذا إلى إعادة تصوُّر لميتافيزيقاتنا في إطار معلوماتي؛ إذ سيكون من الطبيعي بمكان اعتبار العالم جزءًا من الحيز المعلوماتي، ليس بمنظور الواقع المرير الذي جرى التعبير عنه وفق سيناريو فيلم «ماتريكس»، حيث لا يزال «الواقع الحقيقي» في صلابة معدن الماكينات التي تقطن هذا العالم، بل بالمعنى التطوري الهجين الذي تمثله بيئة مدينة نيوبورت، المدينة الخيالية، فيما بعدَ العالم السيبراني في فيلم «جوست إن ذا شل». لن يصبح الحيز المعلوماتي بيئة افتراضية يدعمها عالم «مادي» حقيقي خلفها، بل سيصير العالم نفسه الذي سيجري تفسيره وفهمه معلوماتيًّا كجزء من الحيز المعلوماتي. في نهاية هذا التحول، سيكون الحيز المعلوماتي قد تحرَّك من كونه طريقة للإشارة إلى عالم المعلومات إلى كونه مرادفًا للواقع. وذلك النوع من الميتافيزيقا المعلوماتية سيكون تبنيه سهلًا بصورة متزايدة.
نتيجة هذه التحولات في بيئتنا العادية، سنعيش في عالم معلومات سيصبح أكثر تزامنًا (عامل الوقت)، وغير متقيِّد بحدود (عامل الفضاء)، ومترابطًا (عامل التفاعلات). أحدثت الثورات السابقة (خاصةً الثورتين الزراعية والصناعية) تحوُّلات واضحة للعيان في بنانا الاجتماعية وبيئاتنا المعمارية، وذلك غالبًا في ظل غياب نظرة مستقبلية. لا تقل ثورة المعلومات في تأثيراتها عن الثورات الأخرى، وسنواجه متاعب جمَّة إذا لم نأخذ على محمل الجد أننا ننشئ البيئة الجديدة التي ستعيش فيها الأجيال القادمة. بنهاية هذا الكتاب، سنرى أننا ربما يجب أن نعمل على توفير بيئة للحيز المعلوماتي، وذلك إذا أردنا أن نتجنب المشكلات المتوقعة. لسوء الحظ، ستستغرق المسألة بعض الوقت، فضلًا عن تهيِئة نوع جديد تمامًا من الثقافة والحساسية لإدراك أن الحيِّز المعلوماتي ما هو إلا فضاء مشاع يجب الحفاظ عليه لمصلحة الجميع. إلا أنه يبدو أن ثَمَّةَ شيئًا ما لا يمكن إنكاره؛ ألا وهو أن الفجوة الرقمية ستصير هوة؛ هوة تولِّد أشكالًا جديدة من التمييز بين أولئك الذين يقطنون الحيز المعلوماتي وأولئك الذين لن يتمكنوا من ذلك، بين المطَّلعين وغير المطَّلعين، بين من يتمتعون بالثراء المعلوماتي وبين من يفتقرون إليه. ستعيد هذه الهوة تشكيل خريطة المجتمع العالمي، وهو ما سيؤدي إلى توليد أو توسيع الانقسامات الجيلية، والجغرافية، والاقتصادية الاجتماعية، والثقافية. لكن لن يكون من الممكن اختزال هذه الهوة إلى المسافة بين الدول الصناعية والدول النامية؛ إذ إن هذه الهوة ستمتد عبر المجتمعات. إننا نعمل حاليًّا على تمهيد التربة من أجل أزِقة المستقبل الرقمية.

الفصل الثاني
لغة المعلومات


تعتبر المعلومات متاهة مفهومية، وفي هذا الفصل سننظر إلى خريطتها العامة، بغرض معرفة وجهتنا. يلخِّص الشكل ?-? الفروقات الأساسية التي سيجري عرضها، وستُستكشَف بعض الموضوعات بمزيد من العمق في الفصول التالية. ليس الانتقال عبر النقاط المختلفة في الخريطة بديلًا عن رحلة مستقيمة المسار؛ لذا سيساعد تقديم أمثلة أساسية قليلة في توضيح الخطوات الأقل وضوحًا للحفاظ على توجُّهنا. وفيما يلي مثال سنرجع إليه كثيرًا فيما بعد.
اليوم هو الاثنين صباحًا، يدير جون مفتاح تشغيل سيارته، ثم لا يحدث شيء؛ لا يُصدر المحرك أي صوت، الأمر الذي يثير قلق جون. وببعض التدقيق، يلاحظ جون أن مؤشر البطارية المنخفضة يومِض، وبعد مزيد من المحاولات غير الناجحة، يستسلم جون ثم يهاتف ورشة الصيانة. يشير جون عبر الهاتف إلى أنه في الليلة الفائتة نسيت زوجته أن تغلق مصابيح السيارة — ليست هذه إلا كذبة؛ إذ كان جون هو من قام بذلك لكنه كان يخجل من أن يُقِرَّ بذلك — وها هي البطارية لا تعمل على الإطلاق. يشير الميكانيكي على جون بالرجوع إلى كتيب إرشادات تشغيل السيارة الذي يبين كيفية استخدام أسلاك تشغيل المحرك. لحسن الحظ، لدى جار جون كل ما يحتاج إليه. يقرأ جون كتيب الإرشادات، وينظر إلى الرسوم التوضيحية، ويتحدث إلى جاره، ويتبع الإرشادات، ويحل المشكلة، وأخيرًا يتوجه إلى عمله.
شكل ?-?: خريطة مفاهيم المعلومات.
سيكون هذا المثال المأخوذ من حياتنا اليومية بمثابة «ذبابة الفاكهة» بالنسبة إلينا؛ حيث إن هذا النموذج يقدِّم تفاصيل كافية لبيان الطرق الكثيرة التي نستطيع من خلالها فهم المعلومات. ستكون الخطوة الأولى هي تعريف المعلومات في إطار البيانات.
(?) تعريف المعلومات الذي يعتمد على البيانات

خلال العقود المنصرمة، صار شائعًا اعتماد «تعريف عام للمعلومات» في إطار «البيانات» + «المعنى»، صار التعريف العام للمعلومات معيارًا تشغيليًّا، خاصةً في المجالات التي تتعامل مع البيانات والمعلومات بصفتها كيانات مادية. بعبارة أخرى: أشياء يمكن معالجتها (تدبَّر مثلًا التعبيرات التي صارت شائعة الآن «التنقيب عن البيانات» و«إدارة المعلومات»). والطريقة المباشرة لصياغة تعريف عام للمعلومات هي من خلال وضع تعريف يتكون من ثلاثة أجزاء (الجدول رقم ?-?): جدول ?-?: التعريف العام للمعلومات.
(تعريف عام للمعلومات) تعتبر مثالًا على المعلومات؛ ويمكن فهمها باعتبارها محتوًى دلاليًّا، فقط في حال:• (التعريف العام للمعلومات ?) إذا كانت تتألف من «ن بيانات»؛ حيث ن ?.• (التعريف العام للمعلومات ?) إذا كانت البيانات «متماسكة الصياغة».• (التعريف العام للمعلومات ?) إذا كانت البيانات المتماسكة الصياغة «ذات معنًى».
وفق (التعريف العام للمعلومات ?)، تتألف المعلومات من بيانات. في (التعريف العام للمعلومات ?)، يشير تعبير «متماسكة الصياغة» إلى أن البيانات موضوعة بشكل صحيح معًا، وفق قواعد (بنية الجملة) التي تتحكم في النظام المُختار، الكود، أو اللغة التي يجري استخدامها. ويجب النظر إلى بنية الجملة هنا بمنظور واسع؛ بحيث لا يقتصر الأمر على المنظور اللغوي، باعتباره يحدد شكل، وبناء، وتكوين، وبنية شيء ما. يشير المهندسون، ومخرجو الأفلام، والرسامون، ولاعبو الشطرنج، والمتخصصون في شئون الحدائق إلى بنية الجملة وفق هذا المفهوم الواسع. في مثالنا، ربما يعرض كتيب إرشادات السيارة صورة ثنائية البُعد لطريقة تشغيل سيارة. وتجعل هذه البنية التصويرية (التي تشمل المنظور المستقيم الذي يمثِّل الفضاء عن طريق تلاقي الخطوط المتوازية) الرسم التوضيحي ذا معنًى قوي للمستخدم. وبالرجوع إلى المثال نفسه، يجب توصيل البطارية الفعلية بالمحرك بطريقة صحيحة حتى تعمل على نحو صحيح. هذا كله يعتبر من قبيل بناء الجملة، في إطار البناء المادي الصحيح للنظام (ومن ثَمَّ تشكِّل البطارية غير المتصلة بالمحرك مشكلة بنيوية). بطبيعة الحال، تتبع المحادثة التي يجريها جون مع جاره القواعد اللغوية الإنجليزية، وهو ما يعتبر بناءً بالمعنى اللغوي المعتاد.
فيما يتعلق ? (التعريف العام للمعلومات ?)؛ فهنا تتحقق الدلالة اللفظية بصورة نهائية. يشير تعبير «ذات معنًى» إلى أن البيانات يجب أن تتماشى مع معاني (دلالات) النظام المختار، أو الكود، أو اللغة المستخدمة. مرة أخرى، نقول إن المعلومات الدلالية ليست بالضرورة لغوية؛ ففي حالة كتيب إرشادات تشغيل السيارة، من المفترض أن الرسوم التوضيحية لها معنًى بصري بالنسبة إلى القارئ.
تعتبر كيفية تخصيص معنًى ووظيفة معينة للبيانات في نظام علاماتي مثل اللغة الطبيعية من أصعب الأسئلة في مجال علم الدلالة، وهي المسألة المعروفة اصطلاحًا باسم «مشكلة تأريض الرموز». لحسن الحظ، يمكن التغاضي عن هذه المشكلة هنا؛ حيث إن النقطة التي تستحق التوضيح في هذا المقام هي أن البيانات التي تشكِّل المعلومات يمكن أن تكون ذات معنًى بعيدٍ عن متلقي البيانات. خذ المثال التالي: يشتمل حجر رشيد على ثلاثة تراجم لفقرة واحدة، باللغات الهيروغليفية المصرية، والديموطيقية المصرية، واليونانية الكلاسيكية. قبل اكتشاف حجر رشيد، كانت الهيروغليفية المصرية تُعتبر معلومات، حتى وإن كان معناها لا يستطيع أي مفسر فك طلاسمه. لم يؤدِّ اكتشاف جانب مشترك بين اللغتين اليونانية والمصرية إلى التأثير على دلالات اللغة الهيروغليفية، بل على «فهمها»، وهذا هو المعنى المعقول الذي يمكن به تناول البيانات بما تحمله من معنى كونها مضمَّنة في حاملات معلومات بمعزل عن أي متلقٍّ بعينه للبيانات. يختلف ذلك تمامًا عن الطرح الأقوى الذي يذهب إلى أن البيانات قد تشتمل على دلالاتها الخاصة بمعزل عن أي «منتج»/«مبلِّغ» ذكي، وهو ما يُعرف أيضًا اصطلاحًا «بالمعلومات البيئية». غير أننا قبل أن نتناول ذلك، يجب أن نفهم طبيعة البيانات بصورة أفضل.
(?) فهم البيانات

إحدى الطرق الجيدة للكشف عن الطبيعة الجوهرية للبيانات هي محاولة فهم ما يعنيه محو، أو تدمير، أو فقدان البيانات. تخيَّلْ صفحة كتاب كُتِبَ بلغة لا نعرفها، وهَبْ أن البيانات كانت في صورة رسوم تخطيطية. يشير النمط الاعتيادي إلى الالتزام بنوعٍ ما من البنية اللغوية. فرغم أننا نمتلك جميع البيانات، إلا أننا لا نعرف معناها؛ ومن ثَمَّ لا تتوافر لدينا معلومات. لنمحُ نصف الرسوم التخطيطية. ربما يُقال إِنَّنَا قسَّمنا البيانات أيضًا من خلال عملية المحو تلك، وإذا استمررنا في إجراء هذه العملية، إلى أن يتبقى لنا رسم تخطيطي واحد فربما نُدفع إلى القول بأن البيانات تتطلب صورةً ما من صور التمثيل، أو ربما كانت متماثلة معها. لنَقُم الآن بمحو هذا الرسم التخطيطي الأخير. صار لدينا الآن صفحة بيضاء، وإن كانت ليست بدون بيانات تمامًا؛ إذ لا يزال وجود الصفحة البيضاء يمثل معطياتٍ، طالما كان ثمة فرق بين الصفحة البيضاء والصفحة التي كُتِبَ شيء ما عليها أو قد يُكتب شيء ما عليها. قارن هذا بالظاهرة الشائعة المعروفة اصطلاحًا باسم «الموافقة الصامتة». يعتبر الصمت، أو غياب بيانات مدركة، وحدةَ بيان واحدة بقدر ما أن وجود بعض الضوضاء يُعتَبَر أيضًا وحدة بيان واحدة، تمامًا مثل الأصفار في النظام الثنائي. تذكَّر في مثالنا قلَق جون عندما لم يسمع أي صوت يصدر عن محرك سيارته. كان غياب الضوضاء دالًّا على معلومة. في حقيقة الأمر، يمكن تحقيق عملية محو حقيقية وكاملة لجميع البيانات من خلال محو جميع الاختلافات الممكنة، وهو ما يشير إلى السبب في أن أي مُعطًى يمكن اختزاله في النهاية إلى «غياب الانتظام». وحول هذه النقطة المهمة سلَّط دونالد ماكريمون ماكاي (????–????) الضوءَ عندما كتب قائلًا: «تعتبر المعلومات تمييزًا يصنع فرقًا.» سار جريجوري باتسون (????–????) على أثر ماكاي، الذي كان شعاره معروفًا أكثر، وإن كان أقلَّ دقة: «في حقيقة الأمر، ما نعنيه بالمعلومة — الوحدة الأساسية للمعلومات — هو أنها فرق يصنع فرقًا.» وإذا أردنا وضع تعريف أكثر منهجية، وفق «التفسير الاختلافي»، يتمثل التعريف العام للمُعطى في: المُعطى = تعريف حيث س تتميز عن ص؛ حيث إن س وص متغيران غير مُفسَّرين، وتبقى علاقة «أن يكون متميزًا» — فضلًا عن النطاق — مفتوحة لمزيد من التفسير.
يمكن تطبيق هذا التعريف للبيانات بطرق ثلاث رئيسية:
أولًا: قد تعبِّر البيانات عن حالات غياب الانتظام في العالم الواقعي. لا يوجد اسم محدَّد لمثل هذه «البيانات الطليقة»، وقد يشير إليها المرء باعتبارها «ديدومينا» Dedomena، التي تعني «بيانات» باليونانية (لاحظ أن كلمة بيانات بالإنجليزية، data، مأخوذة من الترجمة اللاتينية لأحد أعمال يوكليد المعنون «ديدومينا»). يجب عدم الخلط بين ديدومينا و«المعلومات البيئية» التي سيجري تناولها لاحقًا في هذا الفصل؛ فديدومينا بيانات خالصة؛ بمعنى أنها بيانات لم تخضع للتفسير أو لعملية معالجة إدراكية. بينما لا يجري التعرف على هذه البيانات مباشرةً، يجري استنباط وجودها عمليًّا من خلال الخبرة والتي تشترط وجودها أساسًا؛ حيث إنها تمثِّل ما يجب توافره في العالم حتى تكون معلوماتنا ممكنة بأي حال من الأحوال. ومن هنا، تمثِّل ديدومينا أي حالة غياب انتظام في العالم كمصدر (لما يبدو لكائنات معلوماتية مثلنا) للبيانات، مثل ضوء أحمر إزاء خلفية مظلمة. سأعود إلى هذه النقطة في الفصل الخامس، حيث سنرى أن بعض الباحثين قبِلوا بالطرح القائل بعدم وجود معلومات دون بيانات بينما رفضوا الطرح القائل بأن المعلومات يجب أن تمتلك طبيعة مادية. ثانيًا: قد تمثِّل البيانات حالات غياب انتظام بين (إدراك) حالتين ماديتين على الأقل لأحد النُّظُم أو «الإشارت». من أمثلة ذلك، شحنة أكبر أو أصغر لبطارية، إشارة كهربية متغيرة في محادثة هاتفية، أو النقطة والخط في أبجدية مورس.
أخيرًا: قد تمثِّل البيانات حالات غياب انتظام بين «رمزين»، مثل حرفي P وB في الأبجدية اللاتينية. بناءً على التفسير الشخصي، قد تكون «ديدومينا» في (?) إمَّا متطابقة مع «الإشارات»، أو هي ما تجعلها ممكنة في (?)، والإشارات في (?) هي ما تجعل عملية ترميز «الرموز» في (?) ممكنة.
يفسر اعتماد المعلومات على ظهور بيانات متماسكة الصياغة من الناحية البنيوية، وكذلك اعتمادها على ظهور اختلافات قابلة للتنفيذ في صورة مادية، سبب إمكانية فصل المعلومات بسهولة بالغة عن دعمها. يعتبر «التنسيق»، و«الوسط»، و«اللغة» التي يتم بها ترميز البيانات، ومن ثَمَّ المعلومات، مسائل غير مهمة في كثير من الأحيان مثلما يمكن الاستغناء عنها، وبصورة خاصة، يمكن طباعة البيانات/المعلومات نفسها على الورق أو مطالعتها على شاشة، مرمزةً بالإنجليزية أو بلغة أخرى، ومعبَّرًا عنها بالرموز أو الصور، سواء في صورتها التناظرية أو الرقمية، ويعتبر التمييز الأخير في غاية الأهمية وهو ما يستحق بعض التوضيح.
شكل ?-?: البيانات التناظرية والرقمية والثنائية.
(?) البيانات التناظرية مقابل البيانات الرقمية

تختلف البيانات التناظرية والنظم التي ترمَّز، وتخزَّن، وتعالَج، وتنقل هذه البيانات باستمرار. على سبيل المثال، تعد أسطوانات الفينايل تسجيلات تناظرية؛ نظرًا لأنها تخزِّن بيانات ميكانيكية، متصلة، تتطابق مع الأصوات المسجلة. بينما في المقابل، تختلف البيانات الرقمية والنظم المتعلقة بها بين الحالات المختلفة، مثل حالة التشغيل/الإغلاق أو الفولت المرتفع/المنخفض. على سبيل المثال، تعتبر الأقراص المدمجة رقمية نظرًا لأنها تخزِّن الأصوات من خلال تحويلها في صورة نُقَر ومساحات (المساحات بين النُّقر)؛ أي إن الأقراص المدمجة تعمل على «ترميز» المعلومات وعدم الاكتفاء «بتسجيلها» فقط.
لا يقتصر فهمُنا للكون على الأفكار الرقمية، المنفصلة، المتفرقة — الأرقام الطبيعية، الصورة والكتابة في العملات المعدنية، أيام الأسبوع، الأهداف التي سجلها فريق كرة قدم، وهكذا — بل يمتد إلى الاعتماد على العديد من الأفكار التناظرية، المتصلة، السلسة، مثل شدة الألم أو المتعة، الأرقام الحقيقية، الدوال المتصلة، المعادلات التفاضلية، الموجات، مجالات القوى، والمتصل الزمني. عادةً ما تعتبر أجهزة الكمبيوتر نظم معلومات رقمية أو منفصلة، وهو ما لا يعتبر صحيحًا تمامًا، لسببين مثلما أشار تورنج نفسه: ربما يمكن تصنيف أجهزة الكمبيوتر الرقمية […] ضمن «ماكينات الحالة المنفصلة»، وهي ماكينات تتحرك عن طريق القفزات أو نقرات الفأرة من حالة محددة تمامًا إلى أخرى. تختلف هذه الحالات عن بعضها بما يكفي لتجاهُل الخلط بينها. بعبارة أكثر دقة: لا توجد مثل هذه الماكينات في حقيقة الأمر؛ إذ يتحرك كل شيء باستمرار. إلا أن هناك أنواعًا كثيرة من الماكينات التي يمكن اعتبارها من الناحية الربحية ماكينات حالات منفصلة.
هناك أيضًا أجهزة كمبيوتر تناظرية، وهي أجهزة كمبيوتر تنفذ عمليات حسابية من خلال تفاعل ظواهر مادية مختلفة باستمرار، مثل الظل الذي يسقط عن طريق عقرب الساعة الشمسية، والتدفُّق المنتظم تقريبًا للرمل في الساعة الرملية أو للماء في الساعة المائية، والتأرجُح الثابت رياضيًّا للبندول. يبدو جليًّا أن الأمر لا يعتمد على استخدام مادة محددة أو ظاهرة مادية محددة تجعل من نظام معلومات نظامًا تناظريًّا، بل حقيقة أن عملياتها يحددها بشكل مباشر قياس التحولات المستمرة والمادية لأي مادة صلبة، أو سائلة، أو غازية يجري استخدامها. فهناك أجهزة كمبيوتر تناظرية تستخدم فولتات مختلفة باستمرار، وهناك أيضًا ماكينة تورنج (وهي النموذج المنطقي المثالي لأجهزة الكمبيوتر الشخصية) وهي كمبيوتر رقمي لكنها قد لا تكون كهربية. وبالنظر إلى طبيعتها المادية، تعمل أجهزة الكمبيوتر التناظرية وفق الزمن الحقيقي (بعبارة أخرى، يتطابق زمن تشغيلها مع الوقت في العالم الواقعي)؛ ومن ثَمَّ يمكن استخدامها في مراقبة الأحداث وقت حدوثها والتحكم فيها، في علاقة طردية ??:?? بين وقت وقوع الحدث ووقت إجراء العمليات الحسابية (خذ مثلًا بالساعة الرملية). ومع ذلك، لا يمكن أن تكون أجهزة الكمبيوتر التناظرية ذات أغراض عامة نظرًا لطبيعتها، فهي أجهزة متخصصة تؤدِّي وظائف محددة وفق الضرورة. لذا تتمثل ميزة مثل هذه الأجهزة في أن البيانات التناظرية تتسم بالمرونة الفائقة؛ إذ يمكن تشغيل أسطوانة الفينايل مرة بعد أخرى، حتى وإن جرى خدشها.
(?) البيانات الثنائية

يُطلَق على البيانات الرقمية أيضًا البيانات الثنائية؛ نظرًا لأنه يجري عادةً ترميزها من خلال توافيق بين رمزين فقط يُطلق عليها البتات أو «وحدات بيانات» (أرقام ثنائية)، في صورة شرائط تشتمل على أصفار وآحاد تشبه النقط والخطوط في شفرة مورس. على سبيل المثال، في التمثيل الثنائي يُكتب الرقم ثلاثة هكذا: ?? (انظر جدول ?-?). بما أن قيمة أي موضع في رقم ثنائي تزداد بالمضاعفة (الأرقام المضاعفة) مع كل حركة من اليمين إلى اليسار (أي: ??، ?، ?، ?، ?؛ لاحظ أن ترتيب الأرقام كان من الممكن أن يكون هكذا: ?، ?، ?، ?، ??، … وهكذا، غير أن النظام الثنائي يأخذ في الاعتبار اللغة العربية ويتحرك من اليمين إلى اليسار) ?? تعني (? × ?) + (? × ?)، وهو ما يساوي ثلاثة في النظام العشري. بالمثل، إذا جرى حساب المقابل الثنائي لرقم ?، وهو ما يكافئ (? × ?) + (? × ?) + (? × ?) فسنجد أن ذلك يساوي ???. جدول ?-?: التمثيلات العشرية والثنائية للأرقام الصحيحة الموجبة.
?التمثيل العشري?…??? = ??????? = ?????? = ????? = ?تفاحة واحدة?????تفاحتان?????…?????ست تفاحات?????…?????ثلاث عشرة تفاحة?????…??????التمثيل الثنائي?…?? = ??? = ??? = ??? = ?تفاحة واحدة?????تفاحتان?????…?????ست تفاحات?????…?????ثلاث عشرة تفاحة?????…?????
البت هو أصغر وحدة معلومات، لا أكثر من مجرد وجود أو غياب علامة، صفر أو واحد، وتشكِّل سلسلة من ? وحدات بيانات ما يسمى «بايت» (أي: «مضروبًا» في ?)، ومن خلال مزج البايتات يصبح من الممكن إنشاء جدول يتألف من ??? (??) رمزًا. يمكن بعد ذلك تخزين كل رمز من البيانات في صورة نموذج يتألف من ? وحدات بيانات. يعتبر نظام الترميز المعياري الأمريكي لتبادل المعلومات (آسكي) هو أكثر أنظمة الترميز الثنائي انتشارًا، وهو نظام يعتمد على ? وحدات بيانات فقط من بين ? وحدات بيانات، ومن ثَمَّ يتألف من جدول يتكوَّن من ??? (??) رمزًا. هكذا يمثِّل الكمبيوتر كلمة GOD وفق النظام الثنائي: ???????????????????????? (جدول ?-?): جدول ?-?: مثال على عملية ترميز ثنائية.
DOGغير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?نشط = ?نشط = ?نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?غير نشط = ?نشط = ?غير نشط = ?نشط = ?نشط = ?نشط = ?غير نشط = ?نشط = ?نشط = ?غير نشط = ?نشط = ?نشط = ?
تُحسب كميات البايتات إذن وفق النظام الثنائي: ? كيلوبايت (كب) = ??? = ???? بايت.
? ميجابايت (مب) = ??? = ??????? بايت.
? جيجابايت (جب) = ??? = ?????????? بايت.
? تيرابايت (تب) = ??? = ????????????? بايت.
وهكذا.
لهذا السبب لا يساوي الحجم الدقيق لذاكرة الوصول العشوائية (رام) في أي جهاز كمبيوتر، على سبيل المثال، رقمًا صحيحًا.
هناك ثلاث مميزات على الأقل للنظام الثنائي لترميز البيانات؛ أولًا: يمكن تمثيل وحدات البيانات سواء دلاليًّا (وهو ما يعني صحيح/غير صحيح)، بطريقة منطقية-رياضية (وهو ما يجري التعبير عنه في صورة ??/??)، وماديًّا (ترانزيستور = يعمل/لا يعمل، مفتاح التشغيل = مفتوح/مغلق، دائرة كهربائية = فولت مرتفع/منخفض، قرص أو شريط = ممغنط/غير ممغنط، قرص مدمج = وجود/غياب النُّقر … إلخ)، وهو ما يوفر أرضية مشتركة يمكن من خلالها أن تتقارب الدلالة، والرياضيات، والمنطق، والفيزياء، وهندسة الدوائر ونظرية المعلومات.
يعني هذا (الميزة الثانية) أنه من الممكن بناء ماكينات تستطيع التعرف على وحدات البيانات ماديًّا، وأن تتصرف منطقيًّا بناءً على هذا التعرُّف؛ ومن ثَمَّ معالجة البيانات بطرق تبدو ذات معنًى، وهو ما يُعد حقيقة مهمة. إن لمحة الذكاء الوحيدة التي لا يتوانى أي شخص في عزوها إلى جهاز كمبيوتر بلا جدال هي قدرة أجهزة ودوائر الكمبيوتر على التمييز بين البيانات الثنائية، فإذا كان الكمبيوتر يستطيع التعرُّف على أي شيء، فهو الفرق بين فولت مرتفع أو منخفض والذي بناءً عليه تُبرمج دوائره للتصرف. والغريب أن هذا قد يكون صحيحًا أيضًا بالنسبة للنُّظُم البيولوجية، مثلما سنرى في الفصل السادس. أخيرًا، بما أن البيانات الرقمية تتضمن عادةً حالتين فقط؛ فإن هذا «التباين المنفصل» إنما يعني أن الكمبيوتر لن يلتبس عليه الأمر حيال ما يحتاج إلى معالجة، على عكس الماكينة التناظرية التي قد تعمل في كثير من الأحيان بصورة غير مرضية أو على نحو غير دقيق. ربما كان أكثر أهمية من كل ذلك هو أن الماكينة الرقمية يمكنها تمييز ما إذا كانت بعض البيانات غير كاملة، ومن ثَمَّ تسترجع — من خلال العمليات الحسابية الرياضية — البيانات التي ربما تكون قد فُقِدَتْ في حال ما إذا كان ثَمَّةَ شيء غريب بالمعنى الحرفي بشأن كمية وحدات البيانات التي يجري معالجتها.
(?) أنواع البيانات/المعلومات

قد تتألف المعلومات من أنواع مختلفة من البيانات؛ فهناك خمسة تصنيفات شائعة للغاية، على الرغم من عدم ثبات أو رسوخ الاصطلاحات بعدُ، كما أنها لا تنفي بعضها بعضًا، ويجب عدم فهمها باعتبارها تصنيفات جامدة؛ حيث إنه وفقًا للظرف، وبناءً على نوع التحليل المستخدَم، وعلى المنظور المُتبنَّى، قد تلائم البيانات ذاتها تصنيفات مختلفة.
شكل ?-?: أنواع البيانات/المعلومات.
(?-?) بيانات رئيسية

هذه هي البيانات الرئيسية المخزَّنة في قاعدة بيانات، على سبيل المثال مجموعة بسيطة من الأرقام في جدول، أو سلسلة من الأصفار والآحاد. هذه هي البيانات التي صُمِّم نظام إدارة المعلومات بصورة عامة بهدف إيصالها إلى المستخدم في المقام الأول — عادة تكون في صورة معلومات — ومثال على ذلك البيانات التي تشير إلى ضرورة إعادة شحن بطارية السيارة. عند الحديث عن البيانات، وعن المعلومات المماثلة التي تكونها، يفترض المرء ضمنًا أن البيانات/المعلومات الرئيسية هي محل الاعتبار؛ لذا — تلقائيًّا — من المفترض أن وميض الضوء الأحمر لمؤشر البطارية المنخفضة يعتبر مثالًا على بيانات رئيسية تنقل معلومات رئيسية، لا رسالة سرية تستهدف جاسوسًا.
(?-?) بيانات ثانوية

هذه البيانات عكس البيانات الرئيسية، وهي تتألَّف من خلال غيابها. تذكَّر كيف تَشكك جون أول الأمر في أن البطارية لم تكن مشحونة. لم يُصدر المحرك أي صوت، وهو ما وفَّر معلومات ثانوية حول البطارية الفارغة. بالمثل، في قصة «سيلفر بلايز» يتوصل شرلوك هولمز إلى حل القضية من خلال ملاحظة أنَّ شيئًا ما فات الجميع؛ ألا وهو الصمت غير المعتاد للكلب. يبدو جليًّا أن الصمت قد يكون دالًّا للغاية، وهو ما يُعد سمة فريدة للمعلومات؛ إذ قد يكون غيابها دالًّا أيضًا. عندما يكون الأمر كذلك، تزداد أهمية هذه المسألة بالحديث عن «المعلومات الثانوية».
(?-?) بيانات وصفية (بيانات حول البيانات)

هذه البيانات مؤشر على طبيعة بعض البيانات (الرئيسية عادةً) الأخرى. تصف هذه البيانات خصائص مثل الموقع، النسق، التحديث، الإتاحة، قيود الاستخدام … وهكذا. أما «المعلومات الوصفية» فهي معلومات حول طبيعة المعلومات. ربما كانت إشارة حقوق التأليف والنشر في كتيب إرشادات تشغيل السيارة مثالًا بسيطًا على هذا النوع من البيانات.
(?-?) بيانات التشغيل

تشير هذه البيانات إلى عمليات تشغيل نظام البيانات بأكمله وأداء النظام … وهكذا. تمثِّل «معلومات التشغيل» معلومات حول آليات عمل نظام معلومات. هَبْ أنَّ في سيارةٍ ضوءًا أصفرَ عندما يومض يشير إلى أن نظام الفحص في السيارة لا يعمل كما يجب؛ لذا قد يشير وميض الضوء الأصفر إلى أن مؤشر البطارية المنخفضة (الضوء الأحمر) لا يعمل كما يجب، ومن ثَمَّ إضعاف الافتراض بأن البطارية فارغة.
(?-?) بيانات مشتقة

تستخلص هذه البيانات من بيانات أخرى متى كانت هذه الأخيرة تُستخدم باعتبارها مصادر غير مباشرة في البحث عن أنماط، خيوط، أو قرائن مستنبطة عن أشياء أخرى بدلًا من الأنماط، والخيوط، والقرائن المستنبطة التي تتناولها البيانات نفسها مباشرةً، كما يحدث في أغراض التحليلات المقارنة والكمية على سبيل المثال. ونظرًا لصعوبة تعريف هذا الصنف من البيانات على وجه الدقة، دعني أعتمد في بيانه على مثالنا المألوف. تترك بطاقات الائتمان على نحو سيئ السمعة آثارًا من المعلومات المشتقة، فمن خلال فاتورة بطاقة ائتمان جون، عند قيامه بالتزوُّد بالوقود من محطة محددة، ربما يستطيع المرء الحصول على المعلومات المشتقة الخاصة بمكان جون في وقت ما.
نحن الآن مستعدون للحديث عن المعلومات البيئية.
(?) المعلومات البيئية

شكل ?-?: البيانات/المعلومات البيئية.
نتحدث عن «المعلومات البيئية» عندما نرغب في التأكيد على إمكانية أن تكون البيانات ذات معنًى في ظل عدم وجود «منتج»/«مُبلِّغ» ذكي. ربما كان أكثر الأمثلة المذكورة عن المعلومات البيئية هو مثال سلسلة الحلقات متحدة المركز التي يمكن رؤيتها في خشب جذع شجرة مقطوعة، وهو ما قد يُستخدم في حساب عمر الشجرة. ربما يكون مشاهدو «سي إس آي: كرايم إنفستيجيشن» — وهي سلسلة حلقات تليفزيونية تدور حول الجريمة — على دراية جيدة بمسارات طلقات الرصاص، وأنماط انتشار الدماء، والأضرار التي تلحق بأعضاء الجسم، وبصمات الأصابع، والقرائن المشابهة الأخرى، إلا أنه ليس ضروريًّا أن تكون المعلومات البيئية «طبيعية». فبالرجوع إلى مثالنا، عندما أدار جون مفتاح تشغيل المحرك، أومض مؤشر البطارية المنخفضة؛ لذا يمكن تفسير هذه الإشارة «المهندسة» أيضًا باعتبارها مثالًا على المعلومات البيئية. تعرَّف المعلومات البيئية عادةً بالنسبة إلى الطرف المشاهد (كائن معلوماتي أو طرف متلقٍّ للبيانات)، والذي يعتمد على هذا النوع من البيانات بدلًا من الاطلاع المباشر على البيانات الأصلية ذاتها؛ ومن ثَمَّ يترتب على ذلك أن المعلومات البيئية تتطلب نظامين، دعنا نطلق عليهما «أ» و«ب»، وهما نظامان مترابطان بطريقة تشير إلى أن في حال اشتمال النظام «أ» على خاصية محددة «ف»، فإن هذه الخاصية ترتبط باشتمال النظام «ب» على خاصية محددة «ج»، وهو ما يشير للمشاهد بأن هذه العلاقة بين هاتين الخاصيتين إنما تدل على أن «ب» هي «ج». اختصارًا:
جدول ?-?: المعلومات البيئية.
المعلومات البيئية = تعريف نظامين «أ» و«ب» مترابطين بحيث إن وجود «أ» (كنوع، أو كحالة) في صورة «ف» يرتبط بوجود «ب» (كنوع، أو كحالة) في صورة «ج»، ومن ثَمَّ تنتقل إلى مشاهد «أ» المعلومة المتمثلة في أن «ب» هي «ج».
تتبع العلاقة في جدول ?-? قانونًا أو قاعدةً ما. تقدِّم ورقة عباد الشمس مثالًا طبيعيًّا على ذلك. ورقة عباد الشمس هي عبارة عن مادة تلوين بيولوجية من الحزاز تُستخدم كمؤشر على الحمضية/القلوية؛ نظرًا لأنها تتحول إلى اللون الأحمر في المحاليل الحمضية وإلى اللون الأزرق في المحاليل القلوية. باتباع تعريف المعلومات البيئية، يمكننا أن نرى أن ورقة عباد الشمس «أ» والمحلول الذي يجري اختباره «ب» مترابطان، بحيث إن تحول ورقة عباد الشمس إلى اللون الأحمر («أ» في حالة «ف») ترتبط بالمحلول في حالة كونه حمضيًّا («ب» من نوع «ج»)، وهو ما يترتب عليه انتقال المعلومات إلى المشاهد عن ورقة عباد الشمس «أ» أن المحلول حمضي «ب» هو «ج». يقدِّم مثال السيارة الذي طرحناه حالة «مهندسة»؛ يعمل مؤشر البطارية المنخفضة «أ» الذي يومض «ف» عن طريق كون البطارية «ب» في حالة فارغة «ج»، ومن ثَمَّ يكون دالًّا على هذه الحالة. ربما نكون معتادين على مشاهدة مؤشر البطارية المنخفضة وامضًا باعتبار أن ذلك ينقل معلومة مفادها أن البطارية فارغة، حتى إننا نجد من الصعوبة بمكانٍ التمييز — بوضوح كافٍ — بين المعلومات البيئية والمعلومات الدلالية: «يشير» الضوء الأحمر الوامض إلى أن البطارية منخفضة. ومع ذلك، من الأهمية بمكان التأكيد على أن المعلومات البيئية قد لا تتطلب أو تتضمن دلالة على الإطلاق؛ إذ ربما تتألَّف المعلومات البيئية من شبكات أو أنماط من البيانات المترابطة التي تُفهَم باعتبارها اختلافات مادية محضة. ولا شك تستطيع النباتات، والحيوانات، والآليات — مثل زهرة عباد الشمس، والأميبا، والخلايا الضوئية — استخدام المعلومات البيئية بصورة عملية حتى في ظِلِّ غياب أي عملية معالجة دلالية للبيانات «ذات المعنى» (انظر الفصل السادس). (?) المعلومات كمحتوًى دلالي

شكل ?-?: المعلومات كمحتوًى دلالي.
عندما تكون البيانات مصنفة جيدًا وذات معنًى، تُعرف النتائج اصطلاحًا ? «المحتوى الدلالي». تأتي المعلومات — التي تُفهم باعتبارها محتوًى دلاليًّا — في صورتين رئيسيتين: إما «إرشادية» أو «حقائقية». في مثالنا، قد يترجم المرء الضوء الأحمر الوامض إلى محتوًى دلالي بمعنيين: (أ) باعتباره معلومة إرشادية، تنقل الحاجة إلى القيام بعمل محدد، مثل إعادة شحن البطارية الفارغة أو استبدالها
(ب) باعتباره معلومة حقائقية، تمثِّل حقيقة أن البطارية فارغة.
سيدور الفصل الرابع بصورة أساسية عن (ب)؛ ومن ثَمَّ سينتهي هذا الفصل بمناقشة (أ). قد تكون المعلومات الإرشادية نوعًا من المعلومات البيئية أو ذات محتوًى دلالي، وهو ما يعتمد على ما إذا كان المعنى ملمحًا مطلوبًا. على سبيل المثال، تمرر البوابات المنطقية في اللوحة الأم في الكمبيوتر الفولت الكهربي، وهو ما قد نفسره لاحقًا في إطار المعلومات الإرشادية (إرشادات منطقية)، مثل «إذا … إذن»، وفي هذه الحالة، لا توجد دلالة متضمنة عند مستوى البوابات، وفي المقابل، يقدِّم كتيب إرشادات تشغيل السيارة معلومات إرشادية «دلالية»، سواء في صورة أوامر، في صورة وصفة: أولًا افعل هذا، ثم افعل ذلك، أو شرطيًّا في صورة إجراء استنباطي: إذا كان كذا وكذا هو الحال فافعل هذا، وبخلاف هذا افعل ذلك.
سواء أكانت بيئية أو دلالية، لا «تتعلق» المعلومات الإرشادية بوضع ما، أو حقيقة ما، أو الشأن «و»، كما لا تمثل نموذجًا من — أو تصف، أو تمثِّل — الشأن «و»، بل تهدف المعلومات الإرشادية إلى أن «تسهم في» وقوع «و». قارن الفرق بين «غلت المياه في الغلاية لتوها»، وهو ما يعد مثالًا على معلومات دلالية حقائقية، وبين العملية التي تنشأ عن طريق البخار عندما ترفع من درجة حرارة الشريط ثنائي المعدن بدرجة كافية تؤدي إلى كسر الدائرة الكهربائية التي تتدفق عبر العنصر داخل الغلاية، وهو ما قد يجري تفسيره في إطار المعلومات الإرشادية. في مثالنا، عندما يشير الميكانيكي لجون — عبر الهاتف — بإيصال بطارية مشحونة بالبطارية الفارغة في سيارته، لا تكون المعلومات التي يتلقاها جون حقائقية، بل إرشادية. سنعود مرة أخرى إلى المعلومات الإرشادية البيئية في الفصل السادس، عند تناول المعلومات البيولوجية. لنركز هنا على الجوانب الدلالية. هناك سياقات كثيرة منطقية يمكن اعتبار الشرط («لتكن قيمة تساوي ?» أو «هَبْ أننا هندسنا وحيد القرن وراثيًّا») أو الدعوة («يسرنا أن ندعوك إلى حفل الجامعة») أو الأمر («أغلق الشباك!») أو الإرشاد («لفتح الصندوق أدِر المفتاح») أو حركة اللعبة (1.e2-e4 c7-c5 في بداية مباراة شطرنج)، نقول يمكن اعتبارها جميعًا على نحو سليم أنواعًا من المعلومات الإرشادية الدلالية. ربما تُعتبر النوتة الموسيقية أو الملفات الرقمية لأحد البرامج أمثلة نموذجية على المعلومات الإرشادية. وكي يمكن اعتبار هذه الأمثلة الدلالية من المعلومات الإرشادية معلوماتٍ فيجب أن تكون ذات معنًى (قابلة للتفسير). وأخيرًا، هناك سياقات أدائية نفعل من خلالها أشياء عن طريق الكلمات، مثل عملية التعميد (مثلًا، «صار اسم هذه السفينة الآن إتش إم إس ذا إنفورمر») أو البرمجة (مثلًا، عند تقرير نوع متغيرٍ ما)، في هذه الحالات، تكتسب المعلومات الحقائقية (الوصفية) قيمة إرشادية. مثلما قد يشك قراء سلسلة هاري بوتر، قد يأتي نوعَا المعلومات الدلالية (الإرشادية والحقائقية) معًا في تعويذات سحرية، حيث قد تقدِّم التمثيلات الدلالية للشيء «س» بعض القوة الإرشادية والسيطرة على الشيء «س»، وهو ما لا يحدث في الحياة الواقعية، إلا أنه ممكن في مغامرات هاري بوتر. غير أنه كنوع من الاختبار، يجب تذكر أن المعلومات الإرشادية لا يمكن النظر إليها باعتبارها صوابًا أو خطأً. في المثال، سيكون من السخف السؤال عمَّا إذا كانت المعلومة «استخدم بطاريات لها الفولت نفسه» صحيحة. بالمثل، لا يمكن اعتبار الاشتراطات والدعوات والأوامر والإرشادات وحركات الألعاب والبرمجيات صوابًا أو خطأ.
يفترض عادةً في المعلومات الدلالية أنها «إخبارية» أو «حقائقية»، ويمكن اعتبار المعلومات الحقائقية مثل جدول مواعيد القطار، وبيان الحساب المصرفي، والتقرير الطبي، والإعلان الذي يشير إلى أن المكتبة لن تفتح أبوابها غدًا وغيرها، معلومات صحيحة أو خاطئة. ومن ثَمَّ يعتبر «المحتوى الدلالي الحقائقي» أكثر الطرق شيوعًا التي من خلالها يجري فهم المعلومات وأيضًا أحد أكثر الطرق أهمية، بما أن المعلومات — باعتبارها محتوًى دلاليًّا صحيحًا — تعتبر شرطًا ضروريًّا للمعرفة. ونظرًا لهذا الدور الرئيسي، تم تخصيص الفصل الرابع بالكامل لمناقشة هذه المسألة. بيد أنه — قبل تناول المحتوى الدلالي الحقائقي — يجب أن نستكمل استكشافنا لمفاهيم المعلومات التي لا تشترط توافر المعنى أو الصحة وهو ما يناقشه الفصل التالي المكرس للنظرية الرياضية للاتصال، المعروفة أيضًا باسم نظرية المعلومات.
الفصل الثالث
المعلومات الرياضية


بعض خواص المعلومات قابلة للحساب كميًّا بصورة بديهية، فأي شبكة اتصالات فائقة السرعة تستطيع نقل حد أقصى من المعلومات في الثانية، وأي جهاز كمبيوتر يحتوي على قرص صلب لا يتضمن إلا قدرًا محدودًا من المعلومات. عمومًا، اعتدنا على «ترميز»، و«نقل»، و«تخزين» المعلومات بكميات محددة، مثل الإشارت المادية. نتوقع أيضًا أن تكون المعلومات «مُضافة» مثل البسكويت والعملات المعدنية. إذا أعطيتُك معلومة أ + معلومة ب؛ فإن ذلك يعني أنني أعطيتُك المعلومة أ + ب. بالإضافة إلى ذلك، نفهم المعلومات بصفتها غير «سلبية» أبدًا، كما في الاحتمالات ومعدلات الفائدة، لا يمكن أن تنخفض قيمة المعلومات إلى ما دون الصفر، على عكس حسابي المصرفي أو درجة الحرارة في أكسفورد. خذ مثالنا: عندما يسأل جون جاره سؤالًا، فإن السيناريو الأسوأ هو عدم الحصول على إجابة أو الحصول على إجابة خاطئة، وهو ما سيجعل لديه صفرًا من المعلومات الجديدة.
يجري اختبار هذه الخواص الكَمِّيَّة وغيرها من خواص المعلومات من خلال عدة أساليب رياضية ناجحة. تعتبر «النظرية الرياضية للاتصال» أكثر الأساليب الرياضية أهمية وتأثيرًا وانتشارًا حتى الآن. جاء اسم هذا الفرع من نظرية الاحتمالات من خلال مجهودات كلود شانون الكبرى؛ حيث كان شانون رائدًا في مجال الدراسات الرياضية للمعلومات وتَوصَّل إلى الكثير من نتائجها الأساسية، على الرغم من إقراره بأهمية الجهد السابق للباحثين والزملاء الآخرين في معامل بل. وبعد شانون صارت النظرية الرياضية للاتصال تُعرف باسم «نظرية المعلومات». وحاليًّا يعتبر شانون «أبو نظرية المعلومات»، كما يُنظر إلى المعلومات التي تتناولها النظرية الرياضية للاتصال باعتبارها معلومات شانون. بينما يعتبر مصطلح «نظرية المعلومات» مصطلحًا جذابًا إلا أنه مصطلح غير موفَّق، وهو مصطلح لا يزال يسبِّب حالات سوء فهم لا نهاية لها. أسِفَ شانون على شعبية المصطلح الواسعة، وهو ما يجعلني أتفادى استخدامه في هذا السياق.
تكمن النظرية الرياضية للاتصال وراء أي ظاهرة تتضمن تشفير البيانات ونقلها. على هذا النحو، كان للنظرية أثر عميق على تحليلات الأنواع المختلفة للمعلومات، وهي التحليلات التي وفرت لها النظرية المفردات الفنية والإطار المفهومي المبدئي. ولعله من المستحيل فهم طبيعة المعلومات دون فهم جوهرها الرئيسي، وهو ما يناقشه هذا الفصل.
(?) النظرية الرياضية للاتصال

تتعامل النظرية الرياضية للاتصال مع المعلومات بصفتها اتصال بيانات، في ظل هدف رئيس يتمثل في إيجاد طرق فعالة لترميز البيانات ونقلها.
شكل ?-?: النظرية الرياضية للاتصال.
ترجع أصول النظرية الرياضية للاتصال إلى مجال الهندسة الكهربائية، باعتبارها دراسة حدود الاتصال، وتعمل النظرية على تطوير أسلوب كمي لتناول المعلومات.
حتى يتسنى لنا أن نستشعر معنًى بديهيًّا في النظرية، دعنا نعُد مجددًا إلى مثالنا. تذكر مكالمة جون الهاتفية مع الميكانيكي. في الشكل ?-?، يعتبر جون هو «الطرف المبلغ»، والميكانيكي هو «الطرف الذي يتلقى البيانات»، وتشير «البطارية فارغة» إلى الرسالة (الدلالية) («محتوى البلاغ») الذى أرسلها جون، وهناك عملية ترميز وفك ترميز من خلال إحدى اللغات (الإنجليزية)، وهناك قناة اتصال (نظام الهاتف)، فضلًا عن بعض الضجيج المحتمل (بيانات غير مرغوب فيها جرى تلقِّيها ولم يجرِ إرسالها). يشترك الطرف المبلغ مع الطرف الذي يتلقى البيانات في الخلفية المعرفية ذاتها حول جمع الرموز القابلة للاستخدام (المعروفة اصطلاحًا باسم «الأبجدية»، وهي الإنجليزية في هذا المثال). شكل ?-?: نموذج اتصال.
تتعلق النظرية الرياضية للاتصال بالاستخدام الفعال للموارد المشار إليها في الشكل ?-?. تعتبر المحادثة بين جون والميكانيكي محادثة واقعية ومن ثَمَّ أكثر صعوبة في نمذجتها من حالة مبسَّطة. حتى يمكن تطبيق النظرية، تخيَّل بدلًا من المحادثة وجود جهاز مُمِلٍّ للغاية لا يصدر عنه إلا رمز واحد. كتب إدجار ألان بو (????–????) قصة قصيرة يجيب فيها غرابٌ على أي سؤال بتعبير «لا مزيد». يُطلق على غراب بو «جهاز أُحادي». تخيَّل لو أن جون هاتف ورشة الصيانة فأجاب غراب بو عليه. حتى على هذا المستوى البسيط، لا يزال نموذج شانون البسيط للاتصال قابلًا للتطبيق. من الواضح أن الغراب (جهاز أحادي) يصدر كمية قدرها صفر من المعلومات. يعرف جون بالفعل نتيجة عملية الاتصال. فمهما سأل، ستكون الإجابة دومًا «لا مزيد»؛ ومن ثَمَّ، لا يمكن التقليل من جهله الذي يعبر عنه بسؤاله، مثل: «هل أستطيع إعادة شحن البطارية؟» ومهما كانت حالته المعلوماتية، لا يشكِّل توجيه الأسئلة المناسبة للغراب، مثل: «هل سأستطيع تشغيل السيارة؟» أو «هل يمكنك أن تأتي لإصلاح السيارة؟» أي فارق. لاحظ أن ممَّا يثير الاهتمام أن هذا هو أساس مجادلة أفلاطون الشهيرة محاورة «فيدريس»، ضد قيمة المعلومات الدلالية التي توفرها النصوص المكتوبة: [سقراط]: تمتلك الكتابة يا فيدريس هذه الخاصية الغريبة، وهي تشبه الرسم كثيرًا؛ إذ تقف الكائنات في الرسومات مثل الكائنات الحية، لكن إذا سألها المرء سؤالًا، فلا تنبس ببنت شفة. وهكذا الأمر مع الكلمات المكتوبة. ربما تعتقد أن هذه الكائنات تحدثت كما لو أنها تمتلك ذكاءً، لكنك إذا وجهت إليها سؤالًا، راغبًا في معرفة آرائها، فستقول الشيء نفسه دومًا [أجهزة أحادية، وفق اصطلاحاتنا]. وكل كلمة، بمجرد [??? إي] كتابتها، يجري تراشقها بالطريقة نفسها بين أولئك الذين يفهمونها ومن لا اهتمام لهم بها، ولا تعرف الكلمة إلى من تتحدث أو لا تتحدث. عندما يجري معاملة الكلمة معاملة سيئة أو تُنتقد جورًا فإنها تحتاج إلى والدها دومًا لمساعدتها؛ إذ لا تملك قوة لحماية أو مساعدة نفسها.
مثلما يدرك أفلاطون جيدًا، يجيب المصدر الأحادي على جميع الأسئلة طوال الوقت بإجابة واحدة، إجابة لا تحتوي على صمت أو رسالة؛ نظرًا لأن الصمت يعتبر رسالة، مثلما رأينا في الفصل الثاني. يترتب على ذلك اعتبار المصدر الصامت تمامًا مصدرًا أحاديًّا. وإذا كانت عملية إسكات مصدر ما (الرقابة) تعتبر طريقة سيئة لإسكات هذا المصدر عن الإخبار بالمعلومات، فمن المعروف جيدًا أن حالة العواء المستمر (وهي تكرار الرسالة نفسها دومًا، مهما كانت الظروف) تعتبر حالة كلاسيكية ينحدر فيها المصدر المفيد إلى دور جهاز أحادي غير مفيد. جدول ?-?: أمثلة على أجهزة اتصال وقدرتها المعلوماتية.
الجهازالأبجديةوحدات المعلومات لكل رمزغراب بو (أحادي)رمز واحدلوغاريتم (?) = ?عملة واحدة (ثنائية)رمزان متساويان في احتمال الوقوعلوغاريتم (?) = ?عملتانأربعة رموز متساوية في احتمال الوقوعلوغاريتم (?) = ?قطعة نرد واحدةستة رموز متساوية في احتمال الوقوعلوغاريتم (?) = ????ثلاث عملاتثمانية رموز متساوية في احتمال الوقوعلوغاريتم (?) = ?
خذ مثلًا الآن بجهاز ثنائي تصدر عنه رسالتان، مثل عملة عليها رمزان متساويان في الاحتمال «صورة» و«كتابة»؛ أي: «ص»، «ك». أو مثلما يشير إنجيل متى (??:???): «بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرير.» قبل قذف العملة، لا «يعرف» الطرف المتلقي للبيانات (على سبيل المثال: الكمبيوتر) أي رمز سيصدر عن الجهاز في حقيقة الأمر؛ حيث يكون الطرف المتلقي للبيانات في حالة «عجز بياناتي» أكثر من صفر. للإشارة إلى هذا العجز البياناتي استخدم شانون المصطلح الفني «عدم اليقين». في سياق غير رياضي، قد يكون هذا مضلِّلًا نظرًا للدلالات النفسية القوية المرتبطة بالمصطلح؛ لذا ربما يجدر بنا تجنب هذا المصطلح. تذكر أن الطرف المتلقي للبيانات قد يكون ماكينة بسيطة، ومن هنا تصبح الحالات النفسية أو العقلية غير ذات صلة. بمجرد قذف العملة، يصدر عن النظام كمية من المعلومات التي هي دالة للنتائج الممكنة، وهي رمزان متساويان في احتمال الحدوث في هذه الحالة، وتساوي عجز البيانات الذي تتخلص منه. يمثِّل هذا وحدة معلومات واحدة. لنبنِ الآن نظامًا أكثر تعقيدًا، يتألف من عملتين عاديتين أ وب. يصدر عن النظام أ ب أربع نتائج: <ص، ص>، <ص، ك>، <ك، ص>، <ك، ك>. يصدر عن النظام عجز بيانات يساوي أربع وحدات، يمثل كل زوج منها رمز: <_، _>، في أبجدية لغة المصدر. في نظام أ ب، يزيل كل حدوث للرمز <_، _> عجز بيانات أعلى من عجز البيانات عند حدوث أي من الرمزين في نظام أ. بعبارة أخرى: يوفر كل رمز مزيدًا من المعلومات من خلال استبعاد المزيد من البدائل. بإضافة عملة ثالثة سينتج ثماني وحدات من عجز البيانات، وهو ما يزيد من كمية المعلومات التي ينقلها كل رمز <_، _، _> في نظام أ ب ج، وهكذا دواليك (انظر جدول ?-?). تتمثل الفكرة الأساسية في أن المعلومات يمكن حسابها كميًّا في إطار انخفاض عجز البيانات (مفهوم «عدم اليقين» لشانون). تصدر عملة واحدة وحدة معلومات واحدة، وتصدر عملتان وحدتَي معلومات، وتصدر ثلاث عملات ثلاث وحدات، وهكذا دواليك. لسوء الحظ، دائمًا ما تكون العملات الحقيقية متحيزة. ولحساب كمية المعلومات التي تصدر عنها في حقيقية الأمر، يجب الاعتماد على معدل تكرار مرات حدوث الرموز في ظل عدد محدد من الرميات، أو على احتماليات حدوثها، في حال كان عدد الرميات لانهائيًّا. مقارنةً بالعملة العادلة، يجب أن يصدر عن العملة المتحيزة ما هو أقل قليلًا من وحدة معلومات واحدة، ولكنها يجب أن تكون أعلى من صفر. لم يصدر الغراب أي معلومات على الإطلاق نظرًا لأن حدوث سلسلة من «لا مزيد» لم تكن «مفيدة معلوماتيًّا» (لم تكن «مدهشة»، باستخدام مصطلح شانون الأكثر بديهية وسيكولوجية)؛ وذلك لأن «احتمال» حدوث «لا مزيد» قد وصل إلى حده الأقصى، ومن ثَمَّ يمكن توقعها. بالمثل، تعتمد كمية المعلومات التي تصدر عن العملة المتحيزة على متوسط «الإفادة المعلوماتية» لحدوث ص أو ك. كلما كانت إحدى النتائج أكثر احتمالية، كلما كُنَّا أقل دهشة عندما نعرف النتيجة، ومن ثَمَّ كانت النتيجة أقل فائدة معلوماتيًّا. وعندما تكون العملة متحيزة للغاية بحيث يصدر عنها دومًا الرمز نفسه، لا تصير العملة مفيدة معلوماتيًّا على الإطلاق، ويصبح تصرُّفها مثل الغراب أو الصبي الذي يصطنع صوت عواء الذئب.
يلعب الأسلوب الكمي الذي جرى عرضه توًّا دورًا أساسيًّا في نظرية الترميز؛ ومن ثَمَّ في علم التشفير، وفي تخزين البيانات وأساليب نقل البيانات. تدور النظرية الرياضية للاتصال بصورة أساسية حول دراسة خصائص قناة اتصال وحول الرموز التي تشفِّر البيانات بكفاءة إلى إشارات قابلة للتسجيل والنقل. هناك مفهومان يلعبان دورًا محوريًّا في تحليل الاتصالات وفي إدارة الذاكرة ما يستأهل بيانهما أكثر؛ ألا وهما: «التكرار» و«الضجيج».
(?) التكرار والضجيج

في الحياة الواقعية، عملية التشفير الناجحة هي تلك التي لا يحدُث فيها التكرار إلا على نحو بسيط. يشير «التكرار» إلى الفرق بين التمثيل المادي لرسالةٍ ما والتمثيل الرياضي للرسالة نفسها الذي لا يستخدم وحدات بيانات غير ضرورية. تعمل إجراءات «الضغط» — مثل تلك الإجراءات المستخدمة في تقليص الحجم الرقمي للصور الفوتوغرافية — من خلال تقليص تكرار البيانات، إلا أن التكرار ليس بمسألة سيئة على الدوام؛ إذ قد يساعد التكرار على معادلة تأثير «الالتباس» (أي البيانات التي جرى إرسالها ولم يتم تلقِّيها قط)، و«الضجيج». بينما تحتوى رسالة + ضجيج على بيانات أكثر من الرسالة الأصلية، إلا أن الهدف من عملية الاتصال هو «الدقة» — وهي عملية النقل الدقيق للرسالة الأصلية من المرسِل إلى المستقبِل — لا زيادة البيانات. يزداد احتمال إعادة بناء رسالةٍ ما على نحو صحيح في نهاية عملية النقل إذا كان ثَمَّةَ درجةٌ ما من التكرار تحقِّق التوازن مع الضجيج والالتباس الحتميين والمتولِّدين عن عملية الاتصال المادية وبيئة الاتصال. يزيد الضجيج من حرية الطرف المتلقي للبيانات في اختيار رسالة ما، لكنها حرية غير مرغوب فيها وربما يسهم بعض التكرار في الحد منها؛ لهذا السبب يشمل كتيب إرشادات تشغيل سيارة جون تفسيرات لفظية وصورًا (على نحو متكرر قليلًا) لإيصال المعلومات نفسها.
(?) بعض التداعيات المفهومية للنظرية الرياضية للاتصال

بالنسبة إلى النظرية الرياضية للاتصال، تعتبر المعلومات مجرد اختيار لرمز واحد ضمن مجموعة من الرموز الممكنة؛ ومن ثَمَّ لعلَّ أحد السبل السهلة في فهم كيفية حساب النظرية الرياضية للاتصال للمعلومات كميًّا يتمثل في أخذ عدد من الأسئلة التي يتم الإجابة عنها بنعم أو لا لتحديد ماهية ما يصدر عن مصدر الاتصال. يعتبر سؤال واحدٌ كافيًا لتحديد نتيجة عملية قذف عملة عادلة، وهي التي يصدر عنها من ثَمَّ وحدة معلومات واحدة. رأينا كيف يصدر عن نظام يتألف من عملتين عادلتين أربع نتائج مرتبة: <ص، ص>، <ص، ك>، <ك، ص>، <ك، ك> وهو ما يتطلب من ثَمَّ سؤالين على الأقل، فيما تشتمل كل نتيجة على وحدتَي معلومات، وهكذا. يكشف هذا التحليل عن نقطتين مهمتين:
أولًا: لا تعتبر النظرية الرياضية للاتصال نظريةَ معلومات بالمعنى العادي للكلمة؛ ففي النظرية الرياضية للاتصال تشتمل المعلومات على معنًى فني بالكامل. بدايةً، وفق النظرية الرياضية للاتصال، تشتمل إجابتا «نعم» المتساويتان في احتمال الحدوث كمية المعلومات نفسها، بغَضِّ النظر عمَّا إذا كان السؤالان المقابلان للإجابتين هما: «هل البطارية فارغة؟» أو «هل تتزوجينني؟» إذا كُنَّا نعلم أن جهازًا ما يستطيع إرسال هذا الكتاب أو «الموسوعة البريطانية» بأكملها، مع تساوي احتمالات الحدوث؛ فإن تلقي هذا الكتاب أو الموسوعة البريطانية، سينتج عنه أننا سنستقبل في هذه الحالة أو تلك كمياتٍ مختلفة تمامًا من وحدات بايت البيانات، إلا أنه وفق النظرية الرياضية للاتصال لا يعدو ما نستقبله وحدة معلومات واحدة. في الأول من يونيو ????، أذاعت هيئة الإذاعة البريطانية جملةً واحدة من أغنية فيرلين «أغنية الخريف»: «التنهدات الطويلة لكمانات الخريف.» كانت هذه رسالة مشفَّرة تشتمل على أقل من وحدة بيانات واحدة، وهي إجابة «بنعم» عالية الاحتمال على سؤال ما إذا كان يوم الإنزال وشيكًا. ثم أذاعت هيئة الإذاعة البريطانية الجملة الثانية: «أجرح قلبي بطول الملل.» وعلى الرغم من كون هذه الجملة سلسلة أخرى من الحروف التي لا معنى لها تقريبًا، لكنها في المقابل وحدة معلومات أخرى؛ إذ كانت تمثل الإجابة «بنعم» التي طال انتظارها لسؤال ما إذا كان الغزو سيقع في الحال. علمت المخابرات الألمانية بأمر عملية التشفير هذه، فاعترضت هذه الرسائل، بل وأخطرت برلين، غير أن القيادة العليا فشلت في تحذير فيلق الجيش السابع الذي كان متمركزًا في نورماندي. بينما كان لدى هتلر جميع المعلومات وفق معنى شانون في النظرية الرياضية للاتصال، فشل هتلر في فهم (أو الاعتقاد في صحة) الأهمية القصوى لوحدتَي البيانات الصغيرتين هاتين. بالنسبة لنا، يجب ألا تصيبنا الدهشة عندما نخلص إلى أن الحد الأقصى من المعلومات — وفق المعنى المقصود في النظرية الرياضية للاتصال — يصدر من خلال نص يتوزع فيه كل رمز بالتساوي. بعبارة أخرى: من خلال متتالية عشوائية خالصة. وفق النظرية الرياضية للاتصال، إذا حدث وقام القرد بالضغط على أزرار الآلة الكاتبة بصورة عشوائية فإن ذلك سينجم عنه كمٌّ هائل من المعلومات.
ثانيًا: بما أن النظرية الرياضية للاتصال هي نظرية معلومات بلا معنًى (ليس بمعنى أنها عديمة المعنى على الإطلاق بل إن المعنى ما زال لم يصل بعد)، وبما أن [المعلومات ? المعنى = بيانات]، فإن تعبير «النظرية الرياضية لاتصال البيانات» هو الأكثر ملاءمة لهذا الفرع من نظرية الاحتمالات أكثر من تعبير «نظرية المعلومات». ليس الأمر مجردَ مسألة توصيف. يمكن وصف المعلومات، باعتبارها محتوًى دلاليًّا (سنناقش المزيد حول هذا لاحقًا)، باعتبارها تمثل «بيانات» + «أسئلة». تخيل معلومة مثل «لدى الأرض قمر واحد». من السهولة بمكان استقطاب كل المحتوى الدلالي لهذه المعلومة من خلال تحويلها إلى [سؤال + إجابة ثنائية]، مثل [هل تملك الأرض قمرًا واحدًا؟ + نعم]. اطرح «نعم» — التي تساوي على أقصى تقدير وحدة معلومات واحدة — ولا يتبقى سوى كل المحتوى الدلالي، مع التخلص من جميع الدلالات على صحتها أو خطئها. يعتبر المحتوى الدلالي معلومات لم تتشبع بعدُ بإجابة صحيحة. تؤدي وحدة البيان «نعم» وظيفة مفتاح فك مغاليق المعلومات التي يتضمنها السؤال. تدرس النظرية الرياضية للاتصال تشفير ونقل المعلومات من خلال معاملة المعلومات بصفتها مفاتيح بيانات. بعبارة أخرى: باعتبارها حجم التفاصيل اللازمة في إشارة أو رسالة ما أو مساحة ذاكرة لإشباع المعلومات غير المشبعة للطرف المتلقي للبيانات. مثلما أشار ويفر على نحو سليم: لا تتعلق كلمة معلومات كثيرًا بما تقوله قدر ما تتعلق بما يمكن أن تقوله. تتعامل النظرية الرياضية للاتصال مع نواقل المعلومات، والرموز، والإشارات، لا مع المعلومات نفسها. بمعنى أن المعلومات هي مقياس حريتك في الاختيار عندما تختار رسالة ما.
تتعامل النظرية الرياضية للاتصال مع رسائل تتضمن رموزًا غير مفسَّرة جرى تشفيرها في صورة سلاسل من الإشارات المشكَّلة جيدًا. ولا تزيد هذه عن كونها بيانات تؤلف، لكنها لم تصبح بعدُ معلومات دلالية. من هنا، توصف النظرية الرياضية للاتصال بصورة شائعة باعتبارها دراسة للمعلومات على المستوى «الصرفي». وبما أن أجهزة الكمبيوتر تعتبر أجهزة صرفية، يمكن استخدام النظرية الرياضية للاتصال بنجاح في تكنولوجيات المعلومات والاتصال.
(?) الإنتروبي والعشوائية

تُعرف المعلومات وفق معنى شانون في النظرية الرياضية للاتصال باسم «إنتروبي». يبدو أننا ندين بالفضل في هذه التسمية المربكة إلى جون فون نيومان (????–????)، أحد أكثر العلماء ألمعية في القرن العشرين، وهو من أوصى باستخدام هذا المصطلح لشانون: يجب أن تطلق عليها اسم إنتروبي لسببين؛ أولًا: تُستخدَم الوظيفة فعليًّا في مجال الديناميكا الحرارية بالاسم نفسه. ثانيًا: وهو الأكثر أهمية، لا يعرف كثير من الناس ما هو الإنتروبي تحديدًا، وإذا استخدمت كلمة «إنتروبي» في أي مناقشة فستكسب هذا النقاش في كل مرة.
لسوء الحظ أثبت فون نيومان صحة رأيه فيما يتعلق بالأمرين، بافتراض الحالة المثالية لقناة اتصال بلا ضجيج، يعتبر الإنتروبي مقياسًا لثلاث كميات متكافئة: (أ) متوسط كمية المعلومات لكل رمز يصدر عن الطرف المُبلِّغ.
(ب) أو متوسط الكمية المساوية لعجز البيانات (مفهوم عدم اليقين عند شانون) لدى الطرف المتلقي للبيانات قبل فحص مخرجات الطرف المبلِّغ.
(جـ) أو الاحتمالية المعلوماتية المقابلة للمصدر نفسه. بعبارة أخرى: «الإنتروبي المعلوماتي» لها.
قد يشير الإنتروبي إلى (أ) أو (ب) بالتساوي؛ نظرًا لأن الطرف المُبلِّغ — باختياره أبجدية معينة — يخلق تلقائيًّا عجزًا في البيانات (عدم يقين) لدى الطرف المتلقي، وهو العجز الذي يمكن التغلب عليه (حله) بدرجات متعددة عن طريق «الطرف المبلِّغ». تذكر لعبة الأسئلة والأجوبة، إذا استخدمت عملة عادلة واحدة، فسأجد نفسي في حالة عجز تتكون من وحدة بيانات واحدة. لا أعلم ما إذا كانت النتيجة صورة أم كتابة، وسأحتاج إلى سؤال واحد لمعرفة ذلك. أما إذا استخدمت عملتين عادلتين فسيتضاعف عجزي؛ إذ سأحتاج إلى سؤالين على الأقل، ولكنك إذا ما استخدمت الغراب، فسيبلغ العجز صفرًا. تعتبر الزجاجة الفارغة (النقطة (ب) عاليه) مقياسًا دقيقًا لقدرتك على ملئها (النقطة (أ) عاليه). بطبيعة الحال، من المنطقي الحديث عن المعلومات باعتبار إمكانية حسابها عن طريق الإنتروبي فقط في حال إذا أمكن تحديد توزيع الاحتمالات.
فيما يتعلق بالنقطة (?)، تتعامل النظرية الرياضية للاتصال مع المعلومات باعتبارها كمية مادية، مثل الكتلة أو الطاقة، وقد ناقش شانون بالفعل التقارب بين تحليل النظرية للمعلومات وصياغة مفهوم الإنتروبي في الميكانيكا الإحصائية. يرتبط المفهوم المعلوماتي والديناميكا الحرارية للإنتروبي من خلال مفاهيم الاحتمالات و«العشوائية». والعشوائية أفضل من «اللانظام»؛ نظرًا لأن المفهوم الأول مفهوم صرفي، بينما يتضمن المفهوم الثاني قيمة دلالية قوية. بعبارة أخرى: من السهولة بمكان الربط بينه وبين التفسيرات، مثلما كنت أحاول أن أوضح لوالديَّ عندما كنت مراهقًا. يعتبر الإنتروبي مقياسًا لكمية «الاختلاط» في العمليات والنُّظم التي تتضمن طاقة أو معلومات. يمكن أيضًا النظر إلى الإنتروبي باعتباره مؤشرًا على الانعكاسية. إذا لم يكن ثَمَّة تغيير في الإنتروبي، فسيعني ذلك أن العملية قابلة لإجرائها عكسيًّا. فمثلًا تحتوي أي رسالة مقسمة تقسيمًا شديدًا ومنظمة تنظيمًا كاملًا على درجة أقل من الإنتروبي أو العشوائية، وهو ما يعني معلومات أقل وفق معنى شانون في النظرية، ومن ثَمَّ تتسبب في عجز بيانات أقل، وهو ما قد يقترب من الصفر (تذكر الغراب). في المقابل، كلما زادت احتمالية عشوائية الرموز في الأبجدية، زادت وحدات المعلومات التي تصدر عن الجهاز. يبلغ الإنتروبي قيمته القصوى في الحالة المتطرفة للتوزيع المنتظم، وهو ما يعني أن كوبًا من الماء فيه مكعب ثلج يحتوي على إنتروبي أقل من كوب الماء بعد ذوبان المكعب، كما يكون الإنتروبي أقل لعملة متحيزة من عملة عادلة. في الديناميكا الحرارية، كلما زاد الإنتروبي، كانت الطاقة المتوافرة أقل (انظر الفصل الخامس)، وهو ما يعني أن الإنتروبي المرتفع يقابله عجز طاقة مرتفع، وهو الأمر نفسه في النظرية الرياضية للاتصال. تقابل القيم الأعلى للإنتروبي الكميات الأعلى من عجز البيانات. ربما كان فون نيومان محقًّا على أي حال. اكتمل استكشافنا للمفاهيم الكمية للمعلومات. تضع النظرية الرياضية للاتصال الأساس لمنهج رياضي يتناول اتصال ومعالجة بيانات مصوغة جيدًا. وعندما تصبح هذه البيانات ذات معنًى، فإنها تشكِّل «محتوًى» دلاليًّا (انظر الفصل الثاني). عندما يكون المحتوى الدلالي صحيحًا أيضًا، يمكن اعتباره معلومات دلالية، وهو المفهوم الأهم بين جميع المفاهيم في هذا الكتاب، وهو ما خصصت له الفصل التالي لمناقشته.
الفصل الرابع
المعلومات الدلالية


لنعد إلى محادثة جون مع الميكانيكي، تقدِّم النظرية الرياضية للاتصال تحليلًا مفصلًا لكيفية تبادل البيانات عبر الهاتف. فيما يتعلق بالنظرية الرياضة للاتصال، كان يمكن أن يدور حديث جون والميكانيكي حول الطقس، أو مشكلة ما في نظام فرامل السيارة، أو أي شيء آخر، يرجع ذلك إلى أن النظرية الرياضية للاتصال تدرس المعلومات بصفتها ظاهرة احتمالية، ويدور السؤال الرئيسي للنظرية حول ما إذا كان بالإمكان تشفير ونقل كمية غير مفسرة من البيانات بصورة فعالة عن طريق أبجدية محددة ومن خلال قناة معينة أم لا، وكيفية عمل ذلك، ولا تهتم النظرية الرياضية للاتصال بالمعنى، أو المرجع، أو العلاقة، أو الاعتمادية، أو الفائدة، أو التفسير الخاص بالمعلومات المتبادلة، بل فقط بمستوى التفاصيل ومعدلات التكرار في البيانات غير المفسرة التي تكوِّنها. من هنا، يمكن مقارنة الفرق بين المعلومات وفق معنى شانون في النظرية والمعلومات الدلالية بالفرق بين وصف نيوتن للقوانين الطبيعية التي تصف آليات مباراة تنس ووصف اللعبة نفسها كمباراة نهائية في دورة ويمبلدون من خلال مُعلِّق. لا شك أن المفهومين مترابطان، لكن يظل السؤال هو إلى أي درجة. في هذا الفصل، سننظر إلى تعريف المعلومات الدلالية، ثم سنقوم باستكشاف أساليب متعددة تسعى إلى تقديم تفسير مقبول عمَّا يمكن أن يعنيه كون الشيء ذا دلالة معلوماتية. ثم سنبحث مشكلتين مهمتين تؤثران على هذه الأساليب؛ ألا وهما متناقضة بار-هيليل كارنب وفضيحة الاستدلال، وكيف يمكن حلهما.
شكل ?-?: المعلومات الدلالية الحقائقية.
(?) المعلومات الدلالية الحقائقية

ربما يكون المحتوى الدلالي «إرشاديًّا»؛ وذلك مثلما أُخبر جون عبر الهاتف عن كيفية استخدام أسلاك التشغيل لتشغيل محرك السيارة، أو «حقائقيًّا»؛ وذلك عندما يخبر جون الميكانيكي أن البطارية فارغة (انظر الفصل الثاني). ولكن ما هو الفرق بين المحتوى الدلالي والمعلومات الدلالية عندما يكون كلاهما حقائقيًّا؟ تذكَّر كذبة جون. أخبر جون الميكانيكي أن زوجته نسيت إغلاق مصابيح السيارة، على الرغم من أنه هو من نسي ذلك. هل قدَّم جون أي معلومات إلى الميكانيكي؟ بالمعنى الدقيق للاصطلاح: قدم جون «قصة» غير حقيقية. بعبارة أخرى: مجرد محتوًى دلالي ما عن موقف منطقي، في حقيقة الأمر، فشل جون في إبلاغ الميكانيكي نظرًا لأن المحتوى الدلالي لم يكن صحيحًا. إذا وضعنا هذا في صيغة أكثر رسمية، فسيتمثل تعريف المعلومات الدلالية في: جدول ?-?: تعريف المعلومات الدلالية الحقائقية.
[تعريف]تعتبر معلومة دلالية حقائقية إذا — وفقط إذا — كانت (تؤلفها) «بيانات» «مصوغة جيدًا»، و«ذات معنًى»، و«حقيقية».
يضم هذا [التعريف] الإجماع العام الذي توصَّل إليه الجدل حول طبيعة المعلومات الدلالية الحقائقية. وفق هذا التعريف، تعتبر المعلومات الدلالية الحقائقية — على وجه الدقة — «مؤلفة من الحقيقة» في جوهرها وليست مجرد «حامل حقيقة» وقتي، تمامًا مثل المعرفة وعلى عكس الآراء والمعتقدات مثلًا، والتي تكون ما تكون بصرف النظر عن قيمتها الحقائقية. تغلف المعلومات الدلالية الحقيقة، تمامًا مثلما تفعل المعرفة. لا يتلقى الميكانيكي إفادة معلوماتية على صورة معرفة أن زوجة جون نسيت إغلاق مصابيح السيارة؛ لأن ذلك ليس أمرًا صحيحًا، وفي المقابل يتلقى الميكانيكي إفادة معلوماتية على صورة معرفة أن بطارية سيارة جون فارغة؛ لأن ذلك أمر صحيح. ومن هنا، يتمثل الفرق بين المحتوى الدلالي الحقائقي (انظر التعريف العام للمعلومات، جدول ?-?، الفصل الثاني) والمعلومات الدلالية الحقائقية في أن الأخيرة يجب أن تكون صحيحة، بينما يمكن أن تكون الأولى غير صحيحة أيضًا. لاحظ أننا في [التعريف] نتحدث عن بيانات حقيقية لا عن بيانات صحيحة؛ وذلك لأن سلاسل أو نماذج البيانات المصوغة جيدًا ذات المعنى قد تُكوِّن جُملًا في لغة طبيعية، ولكنها بالطبع يمكن أيضًا أن تكون معادلات، أو خرائط، أو رسوم، أو فيديو، أو مجموعة من المفاهيم العلاماتية في صورة شفرات مادية متنوعة، وفي هذه الحالات يُفضَّل استخدام تعبير «حقيقي» على استخدام تعبير «صحيح». يوفر [التعريف] عدة مميزات، يستحق ثلاث منها تسليط الضوء عليها في هذا السياق؛ أولًا: يوضح هذا [التعريف] حقيقة أن المعلومات الخاطئة ليست نوعًا حقيقيًّا من المعلومات؛ إذ لا يعتبر من يتحدث بمعلومة خاطئة مثل من يتحدث بجملة خاطئة، وهي جملة تصادف خطؤها، لكنه يتحدث بالطريقة نفسها كمن يشير في جملته إلى صديق غير حقيقي. بعبارة أخرى: ليس صديقًا على الإطلاق. يترتب على ذلك أنه عندما يكون المحتوى الدلالي خاطئًا، تعتبر هذه حالة «إبلاغ معلومات خاطئة». أما في حال ما إذا كان مصدر إبلاغ المعلومات الخاطئة واعيًا بطبيعتها، وذلك مثلما كذب جون عامدًا على الميكانيكي، فتصبح الحالة هنا حالة «تشويه معلومات». يعتبر إبلاغ المعلومات الخاطئة وتشويه المعلومات كلاهما محل انتقاد أخلاقي لكنهما قد ينجحان في تحقيق الغرض منهما. في مثالنا، قدَّم الميكانيكي المشورة الصحيحة إلى جون، على الرغم من تشويه جون للمعلومات عن السبب الحقيقي للمشكلة. بالمثل، قد لا تنجح المعلومات في تحقيق الهدف منها. تخيل لو أن جون اكتفى بإخبار الميكانيكي أن السيارة لا تعمل فقط.
تتمثل الميزة الثانية لهذا [التعريف] في أنه يصوغ علاقة حيوية وبديهية بين المعلومات الدلالية الحقائقية والمعرفة. تتضمن المعرفة الحقيقة نظرًا لأنها تتضمن المعلومات الدلالية التي بدورها تتضمن الحقيقة، مثل ثلاث عرائس ماتريوشكا. تنتمي المعرفة والمعلومات إلى عائلة المفاهيم نفسها. لعل ما تمتاز به المعرفة وما تفتقر إليه المعلومات، فضلًا عن تشابههما العائلي، هو شبكة العلاقات المتبادلة التي تجعل جزءًا منها يكون جزءًا آخر. فإذا نحيت ذلك، فلن يبقى لديك سوى كومة من الحقائق أو قائمة عشوائية من وحدات بيانات المعلومات التي لا تستطيع تفسير الواقع الذي تسعى إلى معالجته. ببناء أو إعادة بناء تلك الشبكة من العلاقات، تبدأ المعلومات في تقديم تلك النظرة الشاملة للعالم التي نربط بينها وبين أفضل جهودنا المعرفية. وبناءً عليه، بمجرد توافر بعض المعلومات، يمكن بناء المعرفة في إطار التفسيرات أو الروايات التي تفسر المعلومات الدلالية المتاحة. ففي مثالنا يصل جون إلى معرفة أن البطارية فارغة لا عن طريق التخمين الصحيح وإنما نظرًا لأنه يربط في رواية صحيحة بين المعلومات البصرية التي تشير إلى أن الضوء الأحمر لمؤشر البطارية المنخفضة يومض، وبين المعلومات السمعية التي تشير إلى أن المحرك لا يصدر عنه أي صوت، وبين الانطباع العام بأن السيارة لا تعمل، وفق هذا المعنى، تمثِّل المعلومات الدلالية نقطة البداية الأساسية لأي استقصاء علمي.
ستبدو فائدة الميزة الثالثة بصورة أكبر مع نهاية هذا الفصل، عندما يلعب [التعريف] دورًا مهمًّا في حل ما يُعرف بمتناقضة بار-هيليل كارنب. قبل ذلك، نحن بحاجة إلى فهم ما يعنيه أن ينقل شيء ما معلومات مفادها أن كذا وكذا هو واقع الأمر. بعبارة أخرى: بأي طريقة تصبح المعلومات الدلالية مفيدة معلوماتيًّا بصورة أو بأخرى، وما إذا كانت درجة هذه الإفادة خاضعة لعملية الحساب الكمي الدقيق.
(?) تحليل الإفادة المعلوماتية

تختلف أساليب بحث الإفادة المعلوماتية للمعلومات الدلالية عن النظرية الرياضية للاتصال من وجهتين رئيسيتين؛ أولًا: تسعى هذه الأساليب إلى تفسير المعلومات بصفتها محتوًى «دلاليًّا»، وتبحث عن إجابات عن أسئلة مثل: «كيف نعد شيئًا ما معلومات؟ ولماذا؟» «كيف يمكن أن ينقل شيء معلومات عن شيء آخر؟» «كيف تتولد وتتدفق المعلومات الدلالية؟» «كيف ترتبط المعلومات بالخطأ، والحقيقة، والمعرفة؟» و«متى تكون المعلومات مفيدة؟» ثانيًا: تسعى أساليب بحث المعلومات الدلالية أيضًا إلى ربطها بمفاهيم المعلومات الأخرى ذات الصلة وبالأشكال المعقدة للظواهر المعرفية والعقلية؛ وذلك من أجل فَهم ما يمكن أن يعنيه كون شيء — مثل رسالة ما — مفيدًا معلوماتيًّا. على سبيل المثال: ربما نحاول أن نؤسس المعلومات الدلالية الحقائقية في المعلومات البيئية، وهو أسلوب يُعرف باسم «تطبيع المعلومات».
تنحو تحليلات المعلومات الدلالية الحقائقية إلى الاعتماد على الآراء، مثل: «باريس عاصمة فرنسا»، و«الرمز الكيميائي للماء هو H2O»، أو «بطارية السيارة فارغة». ما وجه الارتباط بين النظرية الرياضية للاتصال والتحليلات المشابهة؟ في الماضي، سعت بعض البرامج البحثية إلى صياغة نظريات معلومات «بديلة» للنظرية الرياضية للاتصال؛ بغرض إدراج البُعد الدلالي. حاليًّا، يتفق معظم الباحثين أن النظرية الرياضية للاتصال تمثِّلُ قيدًا قويًّا على أي محاولة تنظير حول جميع الجوانب الدلالية والعملية للمعلومات. ويدور الخلاف حول القضية الأساسية المتمثلة في درجة «قوة» هذا القيد. في أقصى طرفي الطيف، يُفترض أن النظرية الرياضية للاتصال تقيِّد أي نظرية حول المعلومات الدلالية الحقائقية تقييدًا «قويًّا جدًّا»، بل ربما كانت تحددها تحديدًا زائدًا عن الحد، مثلما تقيِّد فيزياء نيوتن الهندسة الميكانيكية. يعتبر تفسير ويفر المتفائل لأعمال شانون — وهو ما أشرنا إليه في المقدمة — مثالًا نموذجيًّا على ذلك.
على الجانب الآخر من الطيف، يُفترض أن النظرية الرياضية للاتصال تقيِّد أي نظرية حول المعلومات الدلالية الحقائقية تقييدًا «ضعيفًا»، بل ربما كانت تحددها تحديدًا أقل ممَّا ينبغي، مثلما تقيِّد فيزياء نيوتن لعبة التنس؛ أي تقيدها بالمعنى الأكثر مللًا والأقل أهمية؛ ومن ثَمَّ بما يمكن التغاضي عنه.
أدى ظهور النظرية الرياضية للاتصال في خمسينيات القرن العشرين إلى بعض الحماس المبدئي الذي خَفَتَ تدريجيًّا في العقود التالية. تاريخيًّا، انتقلت النظريات حول المعلومات الدلالية الحقائقية من حال «مقيدة تقييدًا شديدًا» إلى حال «مقيدة تقييدًا ضعيفًا». مؤخرًا، نجد بعض الآراء التي تعترف بفضل النظرية الرياضية للاتصال، وذلك فقط بسبب ما توفره من نظرية إحصائية قوية ومتطورة للترابطات بين حالات الأنظمة المختلفة (المرسل والمستقبل) وفق احتمالاتها.
على الرغم من أن تحليل المعلومات الدلالية صار مجالًا مستقلًّا بصورة متزايدة عن النظرية الرياضية للاتصال، ظلت هناك صلتان مهمتان مستقرتان بين النظرية الرياضية للاتصال وأكثر النظريات حداثة؛ ألا وهما نموذج الاتصال، الذي جرى تناوله في الفصل الثالث، وما يُعرف باسم «مبدأ العلاقة العكسية». ظل نموذج الاتصال لا يواجهه أي تحدٍّ فعلي، حتى إذا كانت النظريات الحالية تميل بكثرة إلى أن تأخذ في الاعتبار — باعتبارها حالات أساسية — نظمًا مُوزعة متعددة الوسائل تتفاعل بالتوازي، بدلًا من الوسائل الفردية التي ترتبط ببعضها من خلال قنوات اتصال بسيطة ومتتالية. في هذا المقام، صارت فلسفتنا للمعلومات أقل ديكارتية وأكثر «اجتماعية».
يشير مبدأ العلاقة العكسية إلى العلاقة العكسية بين احتمال حدوث — حيث قد تكون رأيًا، أو جملة في لغة محددة، أو حدثًا، أو موقفًا، أو عالمًا محتملًا — وحجم المعلومات الدلالية التي تنقلها . يشير مبدأ العلاقة العكسية إلى أن المعلومات تمضي يدًا بيد مع عدم القابلية للتوقع (عامل الدهشة لدى شانون). تذكَّر أن غراب بو — باعتباره مصدرًا أحاديًّا — لا يقدِّم أي معلومات؛ نظرًا لأن إجاباته متوقعة تمامًا. بالمثل، تقدِّم العملة المتحيزة معلومات أقل كلما كان أحد نتائجها أكثر احتمالًا في حدوثه، إلى حدِّ أن في حال ما إذا كانت العملة تشتمل على جانبين متطابقين — لنقل صورة — فسيكون احتمال حدوث الصورة واحدًا، بينما ستكون الإفادة المعلوماتية من وراء معرفة أن النتيجة «صورة» صفرًا. يُعزى إلى كارل بوبر (????–????) الفضل في اعتباره أول من دعم مبدأ العلاقة العكسية بوضوح. ومع ذلك لم تجرِ المحاولات المنهجية لوضع صيغة رسمية تتضمنها إلا بعد منجزات شانون. تعرِّف النظرية الرياضية للاتصال المعلومات في إطار الاحتمالات. بالمثل، يعرِّف الأسلوب «الاحتمالي» للمعلومات الدلالية المعلومات في في إطار العلاقة العكسية بين المعلومات واحتمال حدوث . كان أول من اقترح استخدام هذا الأسلوب يوهوشوا بار-هيليل (????–????) ورودلف كارنب (????–????)، وسعت الكثير من المناهج الأخرى إلى تنقيح أعمالهما بطرق متعددة، إلا أن جميعها تشترك في استخدام مبدأ العلاقة العكسية باعتباره مبدأً أساسيًّا؛ ولهذا السبب تُصادف هذه المناهج مشكلتين كلاسيكيتين؛ ألا وهما «فضيحة الاستدلال» ومتناقضة بار-هيليل كارنب. (?) فضيحة الاستدلال

باتباع مبدأ العلاقة العكسية، كلما كان حدوث أكثر احتمالًا أو إمكانية، كان أقل إفادة معلوماتيًّا. من هنا، إذا أخبر الميكانيكي جون أن هناك بطارية جديدة ستتوافر في وقت ما في المستقبل، فسيكون ذلك أقل إفادة معلوماتيًّا ممَّا لو أخبر الميكانيكي جون أن البطارية ستكون متوافرة في غضون أقل من شهر واحد؛ وذلك نظرًا لأن الرسالة الأخيرة تستبعد المزيد من الاحتمالات. بينما يبدو هذا منطقيًّا، تصورْ ماذا يحدث لو أن احتمال حدوث كان هو الأعلى. بعبارة أخرى: عندما يكون . في هذه الحالة، تعتبر حشوًا، وهو في الاستدلال الشيء الصحيح دومًا. من المعروف أن الحشو غير مفيد معلوماتيًّا. سيكون جون قد تلقى بيانات وليس معلومات «دلالية» إذا قيل له إن «بطارية جديدة ستتوافر أو لن تتوافر في المستقبل.» مرة أخرى، يبدو هذا منطقيًّا تمامًا. إلا أنه — في المنطق الكلاسيكي — يُستدل على النتيجة من خلال مجموعة نهائية من الأفكار إذا — وإذا فقط — كان الشرط حشوًا. وبناءً عليه، بما أن الحشو لا ينقل أي معلومات، لا تقدِّم الاستدلالات المنطقية أيَّ زيادة في المعلومات. ولذا فإن الاستدلالات المنطقية والتي يمكن تحليلها بحسب عمليات الحشو تخفق أيضًا في تقديم أي معلومات. في حقيقة الأمر، عن طريق تحديد المعلومات الدلالية التي تنقلها جملة ما مع مجموعة العوالم الممكنة أو الظروف كافة التي تستبعدها، يمكن إدراك أن — في أي استدلال صحيح — المعلومات التي تنقلها النتيجة يجب أن تحتوي عليها بالفعل المعلومات التي ينقلها «اقتران» الأفكار. يعتبر ذلك هو ما يشير إليه القول بأن كُلًّا من الحشو والاستدلال «تحليلي». إلا أنه في هذه الحالة، سيكون المنطق والرياضيات غير مفيدين معلوماتيًّا على الإطلاق. تُعرف هذه النتيجة المنافية للبديهة باسم «فضيحة الاستدلال». فيما يلي ما قاله الفيلسوف وعالم المنطق ياكو هنتيكا (المولود عام ????) في وصفه لها: أطلق سي دي برود على المشكلات غير المحلولة المتعلقة بالاستقراء فضيحةَ الفلسفة. يبدو لي أنه — بالإضافة إلى هذه الفضيحة — توجد فضيحة أخرى لا تقل في فداحتها؛ ألا وهي فضيحة الاستدلال. يمكننا إدراك حجم هذه الفضيحة عن طريق أي طالب جامعي نابهٍ في السنة الأولى يسأل، عندما يُقال له إن الاستنباط يعتبر «حشوًا» أو «تحليلًا» وإن الحقائق المنطقية ليس لها «محتوًى تجريبي» ولا يمكن استخدامها في توليد «تأكيدات حقائقية»: بأي معنًى إذن يمنحنا الاستنباط معلومات جديدة؟ ألا يعتبر من البديهي للغاية وجود بعض المعنى، وإلا فما فائدة المنطق والرياضيات إذن؟
كانت هناك محاولات كثيرة لحل هذه المشكلة، يشير البعض إلى الطبيعة النفسية للإفادة المعلوماتية المنطقية، ووفق هذه الرؤية، يتمثل دور التفكير المنطقي في مساعدتنا على استخلاص المحتوى المعلوماتي كاملًا للجُمَل، بحيث يستطيع المرء ملاحظة أن النتيجة موجودة في الأفكار الأساسية عن طريق إجراء عملية تمحيص بسيطة. يشبه الأمر كما لو كانت الأفكار الرئيسية لعملية الاستدلال المنطقي تشبه الزنبرك الحلزوني المضغوط. لا تولد الأفكار الرئيسية معلومات جديدة، بل تخزنها فقط ثم تطلقها مجددًا بمجرد استعادتها شكلَها الأصلي، وتحديدًا بمجرد طرح الاستدلال كاملًا بحيث يتضمن النتائج. يولد المنطق والرياضيات زيادة في المعلومات فقط لعقول محدودة كعقولنا التي لا تستطيع رؤية كيف أن النتائج متضمنة بالفعل في الأفكار الرئيسية. بصفة عامة، يعتبر الاستنباط ذا قيمة عالية جدًّا في الأغراض العلمية. فلو كانت جميع النظريات «مشمولة» في الفرضيات البديهية لأي نظرية، لكانت الاكتشافات الرياضية مستحيلة. بالإضافة إلى ذلك، عادةً ما يصعب إثبات النظريات الشائقة باستخدام الموارد الحسابية. في المقابل، أظهرت أساليب أخرى أن عمليات الاستنباط الكلاسيكية، المنطقية-الرياضية تعتبر مفيدة معلوماتيًّا؛ نظرًا لأن إثبات صحتها يتطلب بصورة أساسية الإدخال (المؤقت) «للمعلومات الافتراضية» التي يجري الاستعانة بها، واستخدامها، ثم التخلص منها؛ ومن ثَمَّ لا تخلف أثرًا في نهاية العملية، وإن كانت تسهم إسهامًا كبيرًا في نجاحها. لنُعْطِ مثالًا بسيطًا لتوضيح هذه النقطة:
هَبْ أن جون لديه المعلومات التالية: «بطارية السيارة فارغة (سَمِّ هذه الحالة P) «و/أو» النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل (سَمِّ هذه الحالة Q)». لنختصر «و/أو» إلى ، وهو ما يعني أن أيًّا من P أو Q أو كليهما يمكن أن يمثل الحالة. يخبر الميكانيكي جون أنه «إذا» كانت P هي الحالة؛ «إذن» فسيأتي شخص من ورشة الصيانة لإصلاح المشكلة (سَمِّ هذا السيناريو S) وأنه «إذا» كانت Q هي الحالة؛ «إذن» فستكون S مرة أخرى هي الحالة. لنختصر «إذا» … «إذن» إلى الرمز . تبدو معلومات جون المحدثة هكذا: (?)
(?)
(?)
لاحظ أن (?)–(?) هي كل ما لدى جون من معلومات فعلية. لا يمتلك جون معلومة أن بطارية السيارة فارغة، مثلما لا يمتلك معلومة أن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل، بل يعرف أن مشكلة واحدة على الأقل، أو ربما مشكلتين، حدثتا. إلا أن جون يتميز بتفكيره المنطقي؛ لذا يحاول حساب ماذا سيحدث من خلال وضع بعض «الافتراضات». بعبارة أخرى: يتخطى جون مساحة المعلومات المتوافرة التي تمثلها (?)–(?)، ويتظاهر بامتلاك معلومات أكثر مما يمتلك بالفعل. يتمثل تفكير جون في الآتي (انظر الشكل ?-?): «هَب أن P هي الحالة. من (?) يترتب أن الحالة هي S. لكن إذا افترضنا أن Q هي الحالة، فنستنبط من (?) أن الحالة هي S. إلا أنني في هذه الحالة لستُ بحاجة إلى «افتراض» أن الحالة P أو Q مستقلة، حيث إنهما مندمجتان معًا في (?)؛ لذا من (?)، و(?)، و(?) أستطيع أن أخلص إلى الحالة S: سيأتي شخص من ورشة الصيانة لحل المشكلة.» استخدم جون ما هو معروف في نُظم الاستنباط الطبيعية بالآتي «قاعدة محو ». بدأ جون بحالة فصل (?)، ثم تعامل مع كل عنصر منفصل بدوره باعتباره فرضية، ثم حاول إثبات أن الفرضية (بالإضافة إلى الأفكار الرئيسية الأخرى المتوافرة) تتضمن النتيجة. بنجاحه في بيان أن أيًّا من العنصرين المنفصلين يكفي وحده لأن يشتمل على النتيجة، استبعد جون الفرضيات وأكد على النتيجة. على الرغم من سهولة وبداهة العملية، يبدو واضحًا أن جون تجاوز مساحة المعلومات التي يمتلكها، وتحرك إلى مساحة المعلومات الافتراضية، واستخدمها في تحقيق الكثير من الأغراض، ثم عاد مجددًا إلى مساحة المعلومات الأصلية التي يمتلكها، وحصل على نتيجته. وإذا لم يُعِر المرء الأمر انتباهًا شديدًا، فلن تجري ملاحظة الحيلة السحرية. إلا أن الولوج والخروج من مساحة المعلومات المتوافرة هو ما يجعل عمليات الاستنباط صحيحة ومفيدة معلوماتيًّا في ذات الوقت. شكل ?-?: المعلومات الافتراضية في عملية استنباط طبيعية.
يعتبر الثراء المعلوماتي لعمليات الاستنباط المنطقية-الرياضية نتيجة الاستخدام البارع للموارد المعلوماتية غير المشمولة بأي حال من الأحوال في الأفكار الرئيسية، ولكنها مع ذلك يجب أن تؤخَذَ في الاعتبار من أجل الحصول على النتيجة.
(?) متناقضة بار-هيليل كارنب

لنعد إلى مبدأ العلاقة العكسية. كلما كان حدوث أقل احتمالًا أو إمكانية، كان ذلك أكثر إفادة معلوماتيًّا. إذا قيل لجون إن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل، فإن هذا يعتبر أكثر إفادة معلوماتيًّا مما إذا قيل لجون إن البطارية فارغة و/أو أن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل؛ وذلك ببساطة نظرًا لأن الحالة الأولى تحققها ظروف أقل. مرة أخرى يبدو هذا منطقيًّا. في المقابل: إذا جعلنا أقل احتمالًا أكثر فأكثر، فسنبلغ نقطة عندما يصبح احتمال حدوث صفرًا. بعبارة أخرى: تعتبر غير ممكنة أو تمثِّل تعارضًا، إلا أنه وفقًا لمبدأ العلاقة العكسية يحدث هذا عندما تكون مفيدة معلوماتيًّا في حَدِّها الأقصى. في هذه الحالة سيتلقى جون الكمية الكبرى من المعلومات الدلالية إذا قيل له إن بطارية السيارة فارغة وغير فارغة (في الوقت نفسه وبالمعنى نفسه). يُطلق على هذه النتيجة المضادة للبديهة متناقضة بار-هيليل كارنب (نظرًا لأن الفيلسوفين كانا ضمن أول من أشار بوضوح إلى الفكرة المضادة للبديهة القائلة بأن التعارضات تعتبر مفيدة معلوماتيًّا بدرجة كبيرة). منذ صياغتها الأولى، كانت المشكلة معقدة، إلا أنها في الوقت نفسه نتيجة صحيحة ومنطقية تمامًا لأي «نظرية» كمية «للمعلومات الضعيفة دلاليًّا»؛ «ضعيفة» لأن قيم الحقيقة لا تلعب أي دور فيها، وبناءً عليه، جرى في كثير من الأحيان تجاهل المشكلة أو السماح بها باعتبارها ثمن منهج له قيمته. غير أن إحدى الطرق المباشرة لتفادي المتناقضة تتمثل في تبني منهج أكثر قوة من الناحية الدلالية، والذي بناءً عليه تعبِّر المعلومات الدلالية الحقائقية عن الحقيقة تعبيرًا دقيقًا. مرة أخرى، يمكن التغاضي عن التفاصيل الفنية لصالح الفكرة البسيطة. ربما يتذكر القارئ أن إحدى مميزات [التعريف] كانت في إمكانية لعب دور حيوي في حل متناقضة بار-هيليل كارنب. من السهولة بمكان الآن معرفة سبب ذلك؛ فإذا اعتُبر شيء ما معلومات دلالية حقائقية فقط عندما تلبي شرط الصحة، فسيجري استبعاد التعارضات والأباطيل بداهةً. يمكن إذن حساب كمية المعلومات الدلالية في بحسب بُعد عن الموقف الذي من المُفترض أن يتناوله. تصوَّر وجود ثلاثة ضيوف على العشاء الليلة. هذا هو الموقف . تصور أن جون يطهو وجبة العشاء وقيل له: (أ) سيكون هناك أو لن يكون هناك بعض الضيوف على العشاء الليلة.
(ب) أو سيكون هناك بعض الضيوف الليلة.
(جـ) أو سيكون هناك ثلاثة ضيوف الليلة.
(د) سيكون هناك ولن يكون هناك بعض الضيوف الليلة.
تبلغ «درجة الإفادة المعلوماتية» في (أ) صفرًا نظرًا لأن (أ) — باعتبارها حشوًا — تنطبق في الموقف وفي نفيه. تؤدي (ب) أداءً أفضل معلوماتيًّا، فيما تبلغ الإفادة المعلوماتية في (?) حدها الأقصى نظرًا لأنها — باعتبارها حقيقة دقيقة، ومحددة، وعرضية تمامًا — «تصيب» هدفها . وبما أن (د) خطأ (تعارُض)، لا تعتبر معلومة دلالية على الإطلاق بل مجرد محتوًى (انظر الشكل ?-? في الفصل التالي). عمومًا، كلما كانت المعلومات أكثر بعدًا من هدفها، كان عدد المواقف التي تنطبق عليها أكبر، وصارت درجة إفادتها المعلوماتية أقل. يعتبر الحشو مثالًا على المعلومات الحقيقية الأكثر «بعدًا» عن العالم. يعتبر التعارض مثالًا على إبلاغ المعلومات الخاطئة التي تبعد عن العالم متساوية في ذلك مع الحشو. بطبيعة الحال، في بعض الأحيان قد يفضل المرء وجود حالة من إبلاغ معلومات خاطئة — مثلًا: أن يقُال إن أربعة ضيوف سيكونون موجودين، بينما سيكون هناك ثلاثة ضيوف فقط — على وجود حالة معلومات دلالية لا معنى لها، مثلًا: أن يُقال إن أقل من مائة ضيف سيكونون موجودين الليلة.
الفصل الخامس
المعلومات الفيزيائية


حتى الآن، جرى تحليل المعلومات من وجهة نظر رياضية ودلالية، إلا أنه مثلما يعرف جيدًا كل من عانى من حرارة الكمبيوتر المحمول، تعتبر المعلومات ظاهرة فيزيائية أيضًا حيث تستهلك عملية تخزين ومعالجة البيانات الطاقة؛ ولهذا السبب بدأت مراكز البيانات في إثارة مشكلات بيئية خطيرة (انظر الخاتمة). في الفصل الثالث، جرى تطبيق مفهوم الإنتروبي في نظرية المعلومات والديناميكا الحرارية. من هنا، آن أوان النظر إلى ما تثيره الفيزياء (باعتبارها إحدى النظريات حول الظواهر) والميتافيزيقا (باعتبارها إحدى النظريات التي تدور حول ما يكمن وراء تلك الظواهر) حول طبيعة المعلومات. لا يعتبر المنظوران غير متوافقين وربما كانا متكاملين. لاحظ أن الشكل ?-? لا يهدف إلى الإشارة إلى أن المعلومات الدلالية ليست فيزيائية. تعتبر علامة الطريق التي تشير إلى حد السرعة الأقصى الذي يسمح به القانون مثالًا فيزيائيًّا على بعض المعلومات الدلالية. لعل ما يهدف الشكل إلى الإشارة إليه — في هذا الفصل — هو أن الجوانب الدلالية للبيانات المهيكلة سيجري تجاهُلُها لصالح الجوانب الفيزيائية لها باعتبارها ظاهرة طبيعية تحدث في البيئة. شكل ?-?: المعلومات الفيزيائية.
(?) شيطان ماكسويل

تدرس الديناميكا الحرارية تحويل الطاقة من نوع (حركية، أو ميكانيكية، أو كيميائية، أو كهربية) إلى نوع آخر، والاتجاه الذي تتدفق فيه الطاقة، ومدى توافر الطاقة للقيام بمهام معينة. تعتبر الديناميكا الحرارية إذن المجال العلمي الذي أسهم أكثر من غيره في الثورة الصناعية، حيث إنها وفرت الأساس لعمل المحركات بفعالية، مثل المحركات البخارية ومحركات الاحتراق الداخلي، والأخيرة مهدت بدورها إلى توفير وسائل الانتقال الميكانيكية إضافة إلى التصنيع الآلي للبضائع. وباعتبارها علم عمليات الطاقة، تمتعت الديناميكا الحرارية بعلاقة مزدوجة مع آليات المعلومات. من جانب، تبدو العمليات المعلوماتية فيزيائية على نحو حتمي؛ ومن ثَمَّ تستند إلى عمليات تحوُّل الطاقة وهو ما يجعلها تخضع لقوانين الديناميكا الحرارية. على الجانب الآخر، ربما يعتمد تصميم، وتحسين، والإدارة الفعالة لعمليات الديناميكا الحرارية بكثافة على الطرق الذكية في التعامل مع عمليات المعلومات. خذ مثالنا كنموذج، تتطلب أي عملية تبادل للمعلومات يجريها جون مع العالم (وميض الضوء الأحمر، مكالمته الهاتفية، محادثته مع جاره، إلخ) عمليات تحويل طاقة في النظم ذات الصلة (جسده، السيارة، إلخ)، وهي تخضع في نهاية المطاف إلى قوانين الديناميكا الحرارية. في الوقت نفسه، كان يمكن توفير الكثير من الطاقة إذا كانت عملية الديناميكا الحرارية — وهي التي أدت إلى فراغ البطارية — تم منعها عن طريق إشارة مسموعة، تحذر جون من أن المصابيح كانت لا تزال مضاءة عندما غادر السيارة. في كثير من الأحيان تكون الديناميكا الحرارية والمعلومات حليفتين تتشاركان هدفًا واحدًا؛ ألا وهو استخدام مواردهما، وطاقتهما، ومعلوماتهما على النحو الأكثر فعالية.
قد تبدو درجة كفاءة المعلومات المحتملة غير محدودة؛ إذ كلما أجدنا إدارة المعلومات بصورة أفضل (مثلًا: استخلاص أو معالجة المزيد من المعلومات بنفس القدر من الطاقة أو أقل)، استطعنا إدارة الطاقة بصورة أفضل (استخلاص المزيد، تدوير المزيد، استخدام أقل أو أفضل)، وهو ما يمكن استخدامه بعد ذلك لتحسين عمليات المعلومات، وهكذا. هل هناك حدود لهذه الدائرة المفرغة؟ في الفصل الثالث، ذكرت أن النظرية الرياضية للاتصال تضع حدًّا لمدى تحسين تدفُّق المعلومات ماديًّا، إلا أنه لسوء الحظ، تضع الديناميكا الحرارية قيدين آخرين على المدى الذي يمكن من خلاله تحسين العمليات الفيزيائية معلوماتيًّا. يتعلق القانون الأول للديناميكا الحرارية بحفظ الطاقة. ينص القانون على أن التغيُّر في الطاقة الداخلية لنظام حراري مغلَق يساوي مجموع كمية الطاقة الحرارية التي يتلقاها النظام والجهد المبذول في النظام. بعبارة أخرى: يؤكد القانون الأول في الديناميكا الحرارية على أن إجمالي كم الطاقة في أي نظام منعزل يظل ثابتًا؛ حيث إن الطاقة قابلة للتحويل ولكنها لا تفنى ولا تُستحدث من عدم. وبناءً عليه، مهما كانت درجة ذكاء وفعالية تعاملنا مع المعلومات، لا يمكن بأي حال من الأحوال ابتداع ماكينة حركة دائمة؛ بمعنى أنه لا يمكن اختراع آلية متى بدأت تستمر في الحركة إلى ما لا نهاية، دون الحاجة إلى المزيد من الطاقة. سيحتاج أكثر النظم المصمَّمة فعاليةً وكفاءةً بعضَ الطاقة. يتمثل التحدي «الأخضر» في استخدام المعلومات بصورة أكثر ذكاءً من أجل تقليص هذه الطاقة الزائدة المطلوبة إلى أقل مستوى ممكن، مع الحفاظ على مخرجات النظام أو زيادتها.
بينما قد يقبل أحد المتشككين القيد السابق، إلا أنه سيعترض على أن ماكينة الحركة الدائمة مستحيلة؛ نظرًا لأننا تصوَّرنا استخدام المعلومات فقط في بنائها من الخارج في إطار تصميم عبقري. يجب أن نأخذ في الاعتبار إمكانية وضع جهاز معلوماتٍ ما داخل الماكينة، بغرض تنظيمها من الداخل. وقد نجحت تكنولوجيات المعلومات والاتصال في توفير مثل هذا الجهاز بالفعل؛ إذ تنتشر التطبيقات «الذكية» في كل مكان الآن ولا تتطلب أي قفزات خيالية علمية. تتمثل الإجابة على هذا الاعتراض في شِقَّيْنِ:
أولًا: يجعل القانون الثاني من الديناميكا الحرارية وجود مثل هذه الماكينات دائمة الحركة مستحيلة من الناحية «الفيزيائية». مررنا بالفعل بمفهوم الإنتروبي في إطار «الاختلاط». في الديناميكا الحرارية، يكافئ هذا مقياس عدم توافر طاقة للنظام لتنفيذ المهام، بالنظر إلى أن الطاقة المتوافرة لتنفيذ المهام تتطلب بعض اللامساواة (بعبارة أخرى: عدم الاختلاط) في الحالات. وفق القانون الثاني، ينحو إجمالي الإنتروبي لأي نظام ديناميكي حراري منعزل إلى الزيادة بمرور الوقت، حتى يصل إلى قيمة قصوى. لا تستطيع الحرارة من تلقاء نفسها التدفُّق من جسم أبرد إلى آخر أكثر سخونة؛ إذ إنها ستكون حينئذٍ عملية معكوسة تشبه ملاحظة كوب من الماء الدافئ بداخله بعض الثلج فيتجمد تلقائيًّا، بدلًا من ملاحظة ذوبان الثلج ببطء: معجزة.
الشق الثاني أكثر صعوبة؛ وذلك نظرًا لأن القانون الثاني ينص على أن الإنتروبي «ينحو» إلى الزيادة، لذا قد يتساءل المرء عمَّا إذا كان من المستحيل «منطقيًّا» (بعبارة أخرى، تعارض في المصطلحات، مثل تعبير: عازبان متزوجان يعيشان في سعادة) ملاحظة تجمد جزيئات المياه، باستخدام المثال السابق. بعبارة أخرى، لن تسقط عملة عادلة طوال الوقت على جانب واحد وهذه حقيقة، على أنها احتمالية لا تستبعدها قوانين المنطق وحده، وهي ليست تعارضًا. من هنا، هل يمكن للمرء تصوُّر آلية ممكنة منطقيًّا يمكن من خلالها هزيمة الإنتروبي على الأقل نظريًّا، إن لم يكن من الناحية العملية؟ هنا يأتي دور شيطان ماكسويل.
وضع جيمس كلارك ماكسويل (????–????)، أبو النظرية الكهرومغناطيسية الكلاسيكية، تجربته العقلية بغرض بيان ما رآه باعتباره الطبيعة الإحصائية للقانون الثاني. في «نظرية الحرارة» لماكسويل، دعا ماكسويل القارئ إلى تصور السيناريو التالي (انظر الشكل ?-?): يتم تقسيم حاوية، تمتلئ ببعض الغاز إلى جزأين: أ وب. في هذا التقسيم، يوجد ثقب صغير للغاية، وكائن — صار يُعرف لاحقًا باسم شيطان ماكسويل — يستطيع فتح أو غلق هذا الجزء من خلال باب سري. يراقب الشيطان الجزيئات تتقافز بسرعات مختلفة. عندما تقترب الجزيئات من الباب السري، يفتح الشيطان الباب ليسمح بمرور الجزيئات التي تتحرك بسرعات أكثر من المتوسط من أ إلى ب، وبمرور الجزيئات التي تتحرك بسرعات أقل من المتوسط بالمرور من ب إلى أ. في النهاية، يصنف الشيطان جميع الجزيئات إلى جزيئات أبطأ (أ) وجزيئات أسرع (ب)، وهو ما يمثِّل استثناءً للقانون الثاني؛ إذ انخفضت عملية الاختلاط دون تزويد النظام بأي قدر من الطاقة. شكل ?-?: شيطان ماكسويل.
سرعان ما أُدرِكَ أن شيطان ماكسويل ما هو إلا جهاز معلومات، يراقب ويحسب مسارات الجزيئات. فإذا كان الأمر ممكنًا نظريًّا، فسنكون بذلك قد تمكنَّا من تحديد طريقة ممكنة منطقيًّا لاستخدام المعلومات للتغلُّب على الإنتروبي الفيزيائي، من خلال توليد عمل من النظام باستهلاك طاقة أقل من تلك التي يتطلبها القانون الثاني (تذكَّرْ أن متوسط السرعة الجزيئية يماثل درجة الحرارة، والتي ستنخفض في الجزء أ وتزيد في الجزء ب، وهو ما يجعل توليد بعض العمل ممكنًا). لكن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يبدو لا خلاف عليه، فأين الخدعة هنا؟ في النسخة الأصلية لدى ماكسويل يحتاج الشيطان إلى إعمال الباب السري، وهو ما يتطلب بعض الطاقة، إلا أنه يمكن التعامل مع هذا الجانب من التجربة العقلية عن طريق تصميمه بصورة مختلفة قليلًا (باستخدام أبواب زلَّاقة، أجهزة ميكانيكية، زنبرك، وغيره). مثلما أدرك عالِمَا الفيزياء العظيمان: ليو زيلارد (????–????) وليون بريلوان (????–????)، تتمثل الخدعة الحقيقية في عمليات المعلومات التي يقوم بها الشيطان. تتطلب أي عملية جمع للمعلومات — مثل مراقبة موضع الجزيئات وسرعتها — طاقةً. تخيل — على سبيل المثال — الشيطان يستخدم شعاع ضوء من أجل «رؤية» مكان الجزيئات. ستكون الفوتونات التي تقفز من الجزيئات لتشير إلى وضع الجزيئات قد أنتجت من أحد مصادر الطاقة، وحتى لو كان من شأن إدخال المزيد من التعديلات في تصميم النظام أن يستطيع التغلُّب على هذا القيد تحديدًا، فهناك قيد أخير؛ فبمجرد جمع المعلومات يجب أن يُجري الشيطان عملية معالجة للمعلومات، مثل تحديد وقت فتح الباب السري على وجه الدقة حتى يعمل بكفاءة؛ ومن ثَمَّ يقلل الإنتروبي في النظام. إلا أن عملية الحساب تستخدم الذاكرة — إذ يحتاج الشيطان إلى تخزين المعلومات أولًا حتى يتمكن من معالجتها لاحقًا — مهما كانت درجة الكفاءة. بناءً عليه، بينما يواصل الشيطان عمله، سيقل الإنتروبي، بينما ستزيد مساحة ذاكرته المستخدمة. وفي النهاية استطاع عالما كمبيوتر أخيرًا صرف الشيطان. أولًا: دفع رولف دبليو لاندور (????–????) بأن أي عملية معالجة غير قابلة لإجرائها عكسيًّا بصورة منطقية تتسبب في إطلاق كمية معينة من الحرارة، ومن ثَمَّ توليد زيادة مقابلة في الإنتروبي في البيئة. ثم أثبت تشارلز إتش بينيت (المولود عام ????) أن معظم العمليات الحسابية يمكن إجراؤها عكسيًّا، بحيث يمكن استعادة تكاليف الطاقة مع عدم زيادة الإنتروبي، في مقابل وجود عملية حسابية واحدة لا يمكن عكسها بالضرورة؛ ألا وهي عملية محو الذاكرة (انظر الفصل الثاني). من هنا، سيحتاج الشيطان إلى طاقة من أجل محو ذاكرته، وهي الطاقة التي تسدد فاتورة الإنتروبي للنظام بطريقة غير شرعية، إذا جاز استخدام هذا التعبير. خلاصة الأمر هنا أن المعلومات ظاهرة فيزيائية خاضعة لقوانين الديناميكا الحرارية، أو هكذا بدا الأمر حتى وقت متأخر؛ إذ إن لقصتنا نهاية مفتوحة. إن مبدأ لاندور ليس قانونًا، وقد خضع لتحديات في السنوات الأخيرة؛ نظرًا لافتراضه المسبق للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، بدلًا من دعمه. بالإضافة إلى ذلك، قد يُدفَع بأن من الممكن منطقيًّا عدم حاجة الشيطان إلى محو الذاكرة (على الرغم من عدم إمكانية تحقيق ذلك فيزيائيًّا، ولهذا السبب تعتبر تجربة الشيطان تجربة عقلية وليس نموذجًا تخطيطيًّا). وإذا لم يجرِ محو أي معلومات، فربما يمكن تحقيق جميع العمليات الحسابية الأخرى نظريًّا بطرق قابلة لإجرائها عكسيًّا من ناحية الديناميكا الحرارية، وهو ما لا يتطلب أي إطلاق للحرارة، ومن ثَمَّ أي زيادة في الإنتروبي. سينتهي بنا المطاف إلى التعادُل المتمثل في إثبات أن النظام لا يعمل مجانًا مع عدم تسديد الشيطان فاتورة الطاقة. وبما أن الشيطان سينتفخ بكميات متزايدة من البيانات المسجلة، سيمثل الشيطان مساحة متزايدة من الذاكرات.
ربما يكون لدى الشخص المتشكك اعتراض أخير، يستطيع شيطان ماكسويل رؤية الجزيئات المفردة ومعالجتها. فإذا كان الكمبيوتر المتوافر كمبيوتر كميًّا، ألا يقدِّم ذلك حلًّا لكمية الموارد المعلوماتية اللازمة لدحض القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ الإجابة القصيرة هي لا، أما الإجابة الطويلة فتتطلب إفراد قسم إضافي.
(?) المعلومات الكمية

يتم تشفير البيانات الثنائية وتخزينها ومعالجتها من خلال السماح لكل وحدة بيانات بأن تكون في حالة واحدة محددة تمامًا وواضحة في المرة الواحدة. كانت العملات في الفصل الثالث تمثِّل نموذجًا نيوتِنيًّا كلاسيكيًّا، تكون فيه وحدة البيانات التقليدية إما ? أو ?، إما تعمل أو لا تعمل، إما صورة أو كتابة، وهكذا دواليك، ولا تمثل سوى قيمة وحيدة. في المقابل، تمتلك الحالات الكمية للجزيئات الذرية طبيعة خاصة، حيث يمكن استخدام الجزيئات الذرية في تخزين البيانات في صورة محددة لكنها حالة من التراكب الكمي غير المحدد من حالتين في الوقت نفسه. مجازيًّا، ربما يرغب القارئ في الرجوع إلى هذه الصور المجازية، وهي الصور التي دفع بها إلى الشهرة ماوريتس كورنيليس إيشر، والتي تحتوي على تفسيرين صحيحين بالتساوي، وإن كانا غير متوافقين في الوقت نفسه. على سبيل المثال، يستطيع أي شخص أن يرى بصورة تبادلية — لا آنية — وجه امرأة عجوز أو جانب وجه امرأة شابة. تُعرف نتيجة تراكب الحالات هذه باسم وحدة البت الكمي (أو الكيوبت). تمثل وحدة الكيوبت حالة الصفر وحالة الواحد «آنيًّا»، على الرغم من إمكانية حدوث ذلك بدرجات متفاوتة. تعتبر وحدة البت الكمي وحدة معلومات متغيرة، وهي بمجرد أن يتم ملاحظة أو قياس حالتها تتراجع بصورة غير قابلة للتغيير إلى الحالة ? أو ?. تعتبر هذه الحالة الفيزيائية من تراكب الحالات حالة عادية في الطبيعة ولكنها تعتبر حالة منافية لمنطقنا بقوة؛ إذ إن من الصعوبة بمكان فهم كيف قد تكوَّن الكيوبت في حالتين متعارضتين في الوقت نفسه. يتعامل الكمبيوتر الكمي مع الكيوبت؛ ولهذا السبب إذا أمكن بناء مثل هذا الكمبيوتر، فسيكون كمبيوتر في غاية القوة. هَبْ أن الكمبيوتر البسيط لدينا يعمل باستخدام ثلاث عملات فقط، كل عملة قد تمثل قيمة ? أو ?، وهناك إجمالي ثماني توفيقات ممكنة. بعبارة أخرى: ??؛ إذ تمثل ? عدد الحالات و? عدد العملات، وهو ما يُعرف باسم سجل وحدات البيانات الثلاث. يستطيع الكمبيوتر التقليدي باستخدام سجل وحدات البيانات الثلاث العملَ تتابعيًّا على واحد من ثماني حالات ممكنة في المرة الواحدة. ومن ثَمَّ يحتاج الكمبيوتر التقليدي إلى ? عمليات لإعداد كل حالة من حالات السجل الثماني. خُذْ مثلًا الآن جهاز كمبيوتر كمي يعمل باستخدام سجل ثلاث وحدات بيانات كمية. مع بعض عمليات التبسيط، يمكننا «تحميل» السجل الكمي ليمثِّل جميع الحالات ?? آنيًّا؛ وذلك نظرًا لأن العدد «ن» من العمليات الأساسية يستطيع تكوين حالة تتضمن ?ن حالات ممكنة. ومن ثم يستطيع الكمبيوتر الكمي تنفيذ ? عمليات آنيًّا، متفحصًا خلال جميع أنماط وحدات البيانات الكمية آنيًّا، وهو ما يُعرف باسم «التوازي الكمي»؛ أي توافر المصفوفة الكاملة للحالات الثماني أمام الكمبيوتر الكمي في عملية واحدة، حيث يستطيع الكمبيوتر الكمي استكشاف جميع الحلول الممكنة للمشكلة في خطوة واحدة. كلما كان السجل أكبر، صار الكمبيوتر الكمي أكثر قوة بكثير. وبذلك يستطيع الكمبيوتر الكمي الذي يشتمل على سجل من ?? كيوبت التغلب في أدائه على أي شبكة من أجهزة الكمبيوتر الفائقة. ستمثِّل أجهزة الكمبيوتر الكمية — إذا جرى تنفيذها فيزيائيًّا — نوعين من نظم المعلومات، بدلًا من أجهزة الكمبيوتر المتوافرة حاليًّا، بناءً على فيزياء نيوتن البسيطة. وستجبرنا هذه القدرة الحسابية الهائلة على إعادة التفكير في طبيعة وحدود التعقيد الحسابي. لن تكتفي أجهزة الكمبيوتر الكَمِّيَّة بتقديم تطبيقات في علم التشفير؛ بناءً على أخذ التحديات المتقادمة في الاعتبار بل توفِّر أيضًا سبلًا جديدة لتوليد أنظمة تشفير آمنة تمامًا، وبصورة أكثر عمومية، تحويل العمليات الحسابية الإحصائية ذات درجة التعقيد الفائقة إلى عمليات روتينية بسيطة.
لسوء الحظ، على الرغم من تحقيق بعض النجاحات في النظم البسيطة للغاية، قد يتضح أن صعوبات بناء كمبيوتر كَمِّيٍّ حقيقي يحل محل جهاز الكمبيوتر المحمول لهي صعوبات لا يمكن تخطيها. ففي بعض الأحيان يصعب للغاية تطويع بعض العمليات الفيزيائية للمعلومات لتلائم احتياجاتنا، فيما تعتبر الكيوبت أشياء هشة للغاية. وبالنسبة إلى المتشكك، ستظل أي نسخة كمية من شيطان ماكسويل تتقيد بالقيود التي نوقشت في القسم السابق. بالإضافة إلى ذلك، تتساوى الحدود الحاسوبية للكمبيوتر الكمي مع الكمبيوتر التقليدي. يستطيع الكمبيوتر الكمي حساب الدوالِّ التكرارية التي يمكن حسابها نظريًّا عن طريق الكمبيوتر التقليدي (الحوسبة الفعالة). يعتبر الكمبيوتر الكمي أكثر فعالية بكثير من الكمبيوتر التقليدي، من ناحية أنه يستطيع تنفيذ مهامَّ أكثر في زمن أقل بكثير، إلا أن ذلك يعتبر فرقًا كميًّا، لا فرقًا نوعيًّا، وهو فرق يتعلَّق بالموارد الفيزيائية المستخدمة للتعامل مع المعلومات. تعتمد عملية الحوسبة التقليدية على أن موارد المساحات (الموقع، الذاكرة، استقرار الحالات الفيزيائية، إلخ) لا تشكِّل مشكلة كبرى، فيما يعتبر الوقت كذلك. تتعامل الحوسبة الكمية مع تحديات الحوسبة التقليدية المتعلقة بالوقت (تستغرق بعض عمليات معالجة المعلومات وقتًا طويلًا للغاية) من خلال عملية انتقال. تعتبر العلاقة بين وقت الحوسبة (عدد الخطوات) والمساحة (حجم الذاكرة) عكسية. يصبح الوقت أقل إشكالية من المساحة عن طريق تحويل ظواهر التراكب الكمية التي تعتبر ظواهر قصيرة المدى ولا يمكن التحكم فيها على المستوى المتناهي الصغر، إلى ظواهر كمية طويلة المدى وقابلة للتحكم فيها على المستوى الكلي لتفعيل تنفيذ العمليات الحسابية. ستصبح أجهزة الكمبيوتر الكمية سلعة فقط إذا أمكن تحقيق عملية الانتقال هذه. يستطيع علماء الفيزياء إذن استخدام المعلومات الكمية باعتبارها وسيلة قوية لنمذجة وبحث فرضيات ميكانيكا الكم والظواهر الأخرى التي تُعَدُّ صعبةً للغاية حوسبيًّا بالنسبة إلى التكنولوجيا الحالية. في حقيقة الأمر — وفق بعض الباحثين — قد يكتشف هؤلاء أن الواقع نفسه يتألف من المعلومات (وحدة البيانات)، وهذا موضوع قسمنا الأخير.
(?) الواقع من وحدة البيانات

في الفصل الثاني، رأينا أن البيانات الطليقة وصفت باعتبارها «كسورًا في المتَّصِل» أو غياب في انتظام نسيج الواقع. على الرغم من عدم إمكانية وجود معلومات بلا بيانات، قد لا تتطلب البيانات تمثيلًا ماديًّا لها. وفي كثير من الأحيان يُفسَّر مبدأ «لا معلومات بدون تمثيل بيانات» بشكل مادي، باعتباره مبدأً يؤيد استحالة وجود المعلومات غير المادية، من خلال معادلة «التمثيل = التجسيد المادي». يعتبر هذا افتراضًا حتميًّا في فيزياء نظم المعلومات، حيث يجب الأخذ في الاعتبار بالضرورة الخواص والحدود المادية لنواقل وعمليات البيانات. إلا أن هذا المبدأ في حد ذاته لا يحدد ما إذا كان تحقُّق الحالات الرقمية أو الحالات التناظرية يتطلب بالضرورة تمثيلًا «ماديًّا» للبيانات محل البحث. قَبِل فلاسفة كثيرون المبدأ، مدافعين عن إمكانية أن يكون العالم غير مادي في نهاية المطاف، أو يعتمد على مصدر غير مادي. في حقيقة الأمر، يمكن إعادة بناء النقاش التقليدي حول الطبيعة الجوهرية للواقع في إطار التفسيرات الممكنة لهذا المبدأ. يفسِّر كل هذا السببَ وراء اتِّساق فيزياء المعلومات مع شعارين، وهما شعاران يتمتعان بالشعبية بين العلماء، فضلًا عن كونهما يؤيدان الطبيعة المادية الأولية للمعلومات. رفع الشعار الأول نوربرت وينر (????–????)، أبو السيبرانية: «المعلومات هي المعلومات، ليست مادة ولا طاقة. لا يستطيع أي مذهب مادي لا يقر بهذه الحقيقة الاستمرارَ في الوقت الحالي.» رفع الشعار الآخر جون أرتشيبولد ويلر (????–????) — وهو عالم فيزياء بارز صك تعبير: «الواقع من وحدة البيانات» للإشارة إلى أن الطبيعة النهائية للواقع المادي معلوماتية، آتيةٌ من «وحدة البيانات» أو البت. في كلتا الحالتين، ينتهي المطاف بالفيزياء إلى التأكيد على توصيف الطبيعة المبني على المعلومات. يتألف الكون بصورة أساسية من بيانات تُفهم باعتبارها ديدومينا — أنماط أو مجالات الاختلافات — بدلًا من مادة أو طاقة، بينما الأشياء المادية هي التجسيد الثانوي المعقد لها.
ربما تدعو هذه الميتافيزيقا المعلوماتية — وإن كانت لا تلزم بذلك — إلى رؤية أكثر خلافية للعالم المادي باعتباره كمبيوتر رقميًّا عملاقًا، وهي الرؤية التي تعتبر العمليات الديناميكية وفقها نوعًا من عمليات الانتقال بين الحالات الحوسبية. بينما قد يبدو الفارق طفيفًا، إلا أنه فارق مهمٌّ للغاية. تصور وصف المَعِدة كما لو كانت كمبيوتر (شاملة مدخلات، ومراحل المعالجة، والمخرجات) في مقابل القول إن المعدة هي كمبيوتر بالفعل. حيث يختلف ما إذا كان العالم المادي يمكن نمذجته بفعالية وبصورة ملائمة رقميًّا وحوسبيًّا عمَّا إذا كانت الطبيعة النهائية للعالم المادي رقمية وحوسبية في ذاتها. تعتبر الحالة الأولى مسألة عملية-رياضية لم يحسم الخلاف حولها بعد حتى الآن. بينما الحالة الثانية مسألة ميتافيزيقية ربما يجب الإجابة عليها بالنفي، على الأقل في نظر معظم علماء الفيزياء والفلاسفة. أحد أسباب ذلك هو أن النماذج المقترحة في الفيزياء الرقمية لا يمكن التوفيق بينها وبين فهمنا الحالي للكون في سهولة. على سبيل المثال، يرى سِث لويد أن العالم المادي — في ظل اعتباره نظامًا حوسبيًّا — كان يمكن أن ينفذ ????? عملية على ???? بت (????? بت بما في ذلك الدرجات التجاذبية للحرية) منذ الانفجار العظيم. تتمثل المشكلة الأساسية هنا في أنه إذا كان هذا صحيحًا فإن الكون «سيستنفد الذاكرة» نظرًا لأنه، كما أشار فيليب بول:لمحاكاة الكون في كل تفصيلة منذ بداية الحياة، يجب على الكمبيوتر أن يشتمل على ???? بت — أرقام ثنائية، أو أجهزة قادرة على تخزين رقمي ? أو ? — ويجب أن ينفذ ????? عملية معالجة لتلك البتات. لسوء الحظ، لا يوجد سوى نحو ???? من الجزيئات الأساسية في الكون. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان العالم كمبيوتر، فسيشير هذا ضمنًا إلى القابلية الكاملة لتوقُّع تطوراته وإلى إحياء شيطان آخر؛ شيطان لابلاس.
أشار بيير سيمون لابلاس (????–????) — أحد مؤسسي علم الفلك والإحصاء الرياضي — إلى أن في حال وجود كائن افتراضي (يُعرف باسم شيطان لابلاس) يمتلك جميع المعلومات اللازمة حول موضع وزخم كل ذرة في الكون على وجه الدقة، لأمكن له استخدام قوانين نيوتن في حساب تاريخ الكون بأسره. بينما كان هذا الشكل المتطرف من الحتمية لا يزال منتشرًا في القرن التاسع عشر، جرى تقويض هذه الحتمية خلال القرن العشرين من خلال الطبيعة الاحتمالية للظواهر الكَمِّية. انتقل العلم من الاعتماد على الضرورة والقوانين إلى الاعتماد على الاحتمالية والقيود. حاليًّا تتمثل الرؤية الأكثر قبولًا في الفيزياء في أن الجزيئات تتصرف على نحو غير حتمي وتتبع مبدأ عدم اليقين. وفق أفضل ما توصلنا إليه من معرفة — بعبارة أخرى: على الأقل وفق تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم، وهو الأوسع قبولًا بين علماء الفيزياء — ليست الحتمية الحوسبية خيارًا، ولا وجود لشيطان لابلاس، والأمر عينه ينطبق على الفيزياء الرقمية.
بينما قد لا تزال عملية إعادة التفسير الرقمية للفيزياء المعاصرة ممكنة نظريًّا، يبدو أن أي ميتافيزيقا تعتمد على أسس معلوماتية-نظرية تقدِّم منهجًا أكثر وعدًا. بعد وينر وويلر، ربما يمكن للمرء أن يفسر الواقع باعتباره يتألف من معلومات، بمعنى كيانات هيكلية مستقلة عن العقل، تعمل على دمج البيانات المتناثرة، والتي تُفهم باعتبارها نقاطًا مادية علائقية لغياب الانتظام. يسمح هذا الواقع أو يدعو إلى توفر مفاهيم محددة ويقاوم أو يعرقل مفاهيم أخرى، وهو ما يعتمد على التفاعلات مع نظم المعلومات التي تقطنها وطبيعة هذه النظم، على سبيل المثال «الكائنات المعلوماتية» مثلنا. إذا حاز أي منهج معلوماتي يتناول طبيعة الواقع على الرضا، فماذا يستطيع مثل هذا المنهج أن يخبرنا عن طبيعة الحياة؟ وكيف تتعامل الكائنات البيولوجية مع أنماط البيانات؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.

الفصل السادس
المعلومات البيولوجية


قد تكون هناك معانٍ متعددة للمعلومات البيولوجية، وقد يمكن استخدامها لأغراض متنوعة للغاية بحيث يصبح تعبير المعلومات البيولوجية عامًّا للغاية ويفقد معظم قيمته التفسيرية. حتى نرى سبب ذلك، دعنا نرجع إلى تفاعلات جون مع بيئته (انظر الشكل ?-?). باعتباره كائنًا حيًّا، يمتلك جون شفرة جينية. باعتباره عاملًا فاعلًا، يسهم جون بمعلومات من البيئة من خلال العمليات الإدراكية (مثلًا: يرى جون الضوء الأحمر وامضًا)، ويعالج هذه المعلومات البيئية من خلال العمليات الجسمية-العصبية الداخلية (مثلًا: يدرك جون أن في حال كان الضوء الأحمر يومض، يجب أن تكون البطارية فارغة)، ويقوم بتقديم مخرجات من المعلومات الدلالية (مثلًا: من خلال الحديث إلى جاره). ربما تعتبر كل مرحلة حالة معلومات بيولوجية. لا تبدو عمليات الإدخال والمعالجة والإخراج واضحة الحدود تمامًا كما وضحتها للتو، بل تتشابك مع بعضها تشابكًا هائلًا. يمكن دراسة هذا النوع من المعلومات من خلال أكثر من مجال معرفي (فلسفة العقل، علم الأعصاب، علم النفس، علم وظائف الأعضاء، نظرية المعرفة، نظرية المعلومات، وهكذا) في ضوء المصطلحات الفنية في كل مجال والعديد من مفاهيم المعلومات في كل مجال من هذه المجالات. لا جدال في أن فوضى المفاهيم حتمية بل عادةً لا يمكن التراجع عنها. من هنا — وحتى لا نضل الطريق — يحلل هذا الفصل جانبين فقط للصورة المبسطة والتخطيطية في الشكل ?-?: طبيعة المعلومات الجينية (جون باعتباره كائنًا) وطريقة استخدام المعلومات في علم الأعصاب، الذي سأطلق عليه لغياب مصطلح أفضل: المعلومات العصبية (جون باعتباره دماغًا). جرى مناقشة مرحلتي الإدخال والإخراج في الفصول السابقة. شكل ?-?: المعلومات البيولوجية.
قبل بداية عمليات الاستكشاف، تتأتى لنا تفرقتان في المفاهيم؛ أولًا: من المفيد تذكُّر أن ثمة ثلاثَ طرق رئيسية للحديث عن المعلومات: (أ) المعلومات «باعتبارها» واقعًا، مثلًا: الأنماط، بصمات الأصابع، الحلقات الشجرية.
(ب) المعلومات «من أجل» الواقع، مثلًا: الأوامر، الخوارزميات، الوصفات.
(جـ) المعلومات «حول» الواقع، مثلًا: المعلومات ذات القيمة المعرفية، مثل: جداول مواعيد القطارات، الخرائط، بنود الموسوعات.
ربما يحمل الشيء عينه أكثر من معنًى من معاني المعلومات، وهو ما يعتمد على السياق. على سبيل المثال: ربما تكون قزحية العين لأحد الأشخاص مثالًا على المعلومات «باعتبارها» واقعًا (مثلًا: نمط الغشاء الرقيق في العين)، وهي معلومات توفِّر معلومات «من أجل» الواقع (مثلًا: وسيلة تحديد السمات البيولوجية لفتح أحد الأبواب عن طريق التحقُّق من هوية أحد الأشخاص)، أو «حول» الواقع (مثلًا: هوية الشخص). إلا أنه من الأهمية بمكان بيان أي معنًى من المعلومات يجري استخدامه في كل حالة: (أ) «ماديًّا»، (ب) «إرشاديًّا»، أو (?) «دلاليًّا». لسوء الحظ، يستخدم تعبير المعلومات البيولوجية عادةً بصورة ملتبسة بالمعاني الثلاثة في الوقت نفسه.
بينما يعتبر الفرق الثاني مفهوميًّا أيضًا، يمكن صياغته لغويًّا بطريقة أكثر سهولة، في إطار استخدامين مختلفين لتعبير «بيولوجي» أو «جيني»: (أ) «وصفي»: تعتبر المعلومات (الجينية) البيولوجية معلوماتٍ «حول» الحقائق (الجينية) البيولوجية.
(ب) «خبري»: المعلومات البيولوجية هي معلومات تعتبر «طبيعتها» بيولوجية (جينية) في حد ذاتها.
تدبَّر الأمثلة التالية: تعتبر المعلومات الطبية معلومات حول حقائق طبية (استخدام وصفي)، لا معلومات تحظى بخواصَّ علاجية. والمعلومات الرقمية ليست معلومات حول شيء رقمي بل معلومات تعتبر ذات طبيعة رقمية في حدِّ ذاتها (استخدام خبري). ربما تكون المعلومات العسكرية معلومات حول شيء عسكري (وصفي) وذات طبيعة عسكرية (خبري). عند الحديث عن المعلومات البيولوجية أو الجينية، يُعد المعنى الوصفي شائعًا وغير خلافي؛ ففي مجال المعلوماتية الحيوية، على سبيل المثال، قد تحتوي قاعدة بيانات على سجلات طبية وبيانات حول النسَب أو بيانات جينية حول جماعة بشرية بأكملها. لا يختلف أحد حول وجود هذا النوع من المعلومات البيولوجية أو الجينية، بينما يعتبر المعنى الخبري أكثر إثارة للجدل. هل تعتبر العمليات أو العناصر البيولوجية أو الجينية معلوماتيَّة في حد ذاتها؟ إذا كانت الظواهر البيولوجية أو الجينية تعتبر معلوماتية «خبريًّا»، فهل تعتبر هذه مسألة نمذجة؟ بعبارة أخرى: هل يمكن النظر إليها باعتبارها معلوماتية؟ إذا كانت هذه الظواهر معلوماتية حقًّا، فما طبيعة هذه الأشياء المعلوماتية؟ وما نوع المفاهيم المعلوماتية اللازمة لفهم طبيعتها؟ يسهم القسم التالي في تقديم بعض الإجابات.
(?) المعلومات الجينية

علم الجينات هو أحد فروع علم الأحياء، وهو يدرس التراكيب والعمليات المُتضمَّنة في الوراثة واختلاف المادة الجينية والسمات القابلة للملاحظة (الأنماط الظاهرية) للكائنات الحية. استخدمت الإنسانية الوراثة والاختلافات الجينية منذ قديم الأزل، على سبيل المثال لتربية الحيوانات. إلا أن الأمر اختلف في القرن التاسع عشر حين أثبت جريجور مندل (????–????) مؤسس علم الجينات أن الأنماط الظاهرية يمكن تمريرها من جيل إلى التالي من خلال ما صار يُعرف لاحقًا باسم الجينات. في عام ????، في كتاب رائع يعتمد في قوامه على سلسلة من المحاضرات، عنوانه «ما الحياة؟» عرض إرفين شرودنجر (????–????) — عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل — فكرةَ كيف يمكن تخزين المعلومات الجينية. وقد شبه شرودنجر المعلومات الجينية بأبجدية مورس. وفي عام ????، نشر جيمس واطسون (المولود عام ????) وفرانسيس كريك (????–????) نموذجهما الجزيئي لتركيب الحمض النووي؛ اللولب المزدوج الشهير، وأحد أيقونات العلم المعاصر. أقر كريك بصورة واضحة بفضل نموذج شرودنجر فيما قدمه من فكر. في عام ???? مُنح واطسون، وكريك، وموريس ولكنز (????–????) جائزة نوبل بالقسمة بينهم لعلم وظائف الأعضاء أو الطب «لاكتشافاتهم المتعلقة بالتركيب الجزيئي للأحماض النووية وأهمية ذلك في نقل المعلومات في المادة الحية.» صارت المعلومات أحد الأفكار التأسيسية في علم الجينات. لنرَ لماذا.
يمتلك جون ?? زوجًا من الكروموزومات في خلايا جسده (تعتبر الحيوانات المنوية، والبويضات، وخلايا الدم الحمراء استثناء)، يعود واحد من كل زوج من الكروموزومات إلى أمه فيما يعود الآخر إلى أبيه. يتألف كل كروموزوم من بروتينات وحمض نووي يسمى دي إن إيه (الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين، انظر الشكل ?-?)، وهو الجزيء الذي يحتوي على الشفرة الجينية لجميع أشكال الحياة خلا بعض الفيروسات. يتألف الدي إن إيه من وحدات كيميائية تسمى النوكليوتيدات. يحتوي كل منها على واحد من أربعة قواعد (أدنين = A، جوانين = G، سايتوسين = C، ثايمين = T)، وجزيء فوسفات واحد، وجزيء السكر دي أوكسي رايبوز. يمثل الجين قسمًا من جزيء الحمض النووي ويتضمن معلومات تكوين الجزيئات الوظيفية مثل آر إن إيه (الحمض النووي الريبي) والبروتينات التي تقوم بالتفاعلات الكيميائية في الكائن. شكل ?-?: الحمض النووي والشفرة الجينية.
تُخزن الشفرة الجينية لجون في أحد الشريطين الطويلين اللولبيين لحمضه النووي، في صورة سلسلة خطِّيَّة غير متداخلة من أحرف A, G, C, T. تعتبر هذه الأحرف «الأبجدية» المستخدمة في كتابة «كلمات الشفرة»، المعروفة باسم «الكودونات». يؤلف كل كودون مزيجًا فريدًا من ثلاثة أحرف، وهي الأحرف التي يجري ترجمتها في النهاية باعتبارها حمضًا أمينيًّا وحيدًا ضمن سلسلة. بما أن عدد الأحرف أربعة ولا تزيد المواضع التي تشغلها عن ثلاثة مواضع، فإن هناك ?? = ?? مزيجًا من الأحرف أو كودونًا ممكنًا. يعمل أحد هذه الكودونات كإشارة بدء تبدأ جميع التسلسلات التي ترمز إلى سلاسل الأحماض الأمينية، بينما تعمل ثلاثة من هذه الكودونات كإشارات إيقاف وتشير إلى اكتمال الرسالة. ترمز جميع التسلسلات الأخرى إلى أحماض أمينية محددة. حتى يتسنى الحصول على بروتين من أحد الجينات، يجب أن تتوفر عمليتان شديدتا التعقيد وإن كانتا لا تزالان غير مفهومتين تمامًا حتى الآن، ألا وهما «النسخ» و«الترجمة». من خلال عملية النسخ، أو تركيب آر إن إيه، يجري نسخ معلومات تسلسل نوكليوتيدات الحمض النووي إلى معلومات تسلسل آر إن إيه. يُطلق على شريط آر إن إيه نوكليوتيد المُكمل آر إن إيه الرسول «إم آر إن إيه»؛ نظرًا لأنه ينقل الرسالة الجينية من الحمض النووي دي إن إيه إلى نظام الخلية التي تركِّب البروتين. من خلال عملية الترجمة، أو عملية التركيب الحيوية المبدئية للبروتين، يجري فك شفرة إم آر إن إيه (وهو ناتج عملية النسخ) لإنتاج البروتينات. يعمل تسلسل إم آر إن إيه باعتباره قالبًا لإنتاج سلسلة من الأحماض الأمينية التي يجري تجميعها في النهاية في صورة بروتين. بمجرد إنتاجها بصورة صحيحة، يبدأ البروتين في العمل وتتولد السمة الجينية المصاحبة له، قد يكون هناك خطأ عَرَضي في بعض الأحيان (تغير، تكرار، فجوة) في إعادة إنتاج تسلسل الحمض النووي للجين، وقد تؤثر هذه الطفرة الجينية العرَضية هذه على إنتاج البروتينات، وربما تكون غير ضارَّة (لا تأثير لها)، أو ضارة (ذات أثر سلبي)، أو مفيدة (ذات أثر إيجابي). وفي هذه الحالة الأخيرة، تتصدر عملية التحوُّر نسخًا جديدة من البروتينات التي تمنح ميزة استمرار للكائنات محل البحث. على المدى الطويل، تسمح تلك الطفرات الجينية العشوائية بتطور أشكال جديدة من الحياة.
على الرغم من هذا العرض العام، يتضح بالفعل أن الدور الذي تلعبه المفاهيم المعلوماتية في علم الجينات مهمٌّ للغاية. يتمثل السؤال إذن في ماهية المعلومات البيولوجية الممكنة (باستخدام المعنى الإخباري لكلمة بيولوجي)، بالنظر إلى أن هناك مفاهيمَ مختلفة متعددة للمعلومات.
رأينا في الفصل الثالث أن المعلومات وفق نظرية شانون تقدِّم الخلفية اللازمة لفهم الأنواع الأخرى من المعلومات. من هنا، إذا كانت المعلومات البيولوجية نوعًا من المعلومات حقًّا، فإن القول إن المعلومات البيولوجية يجب أن تلتزم بالقيود السببية والترابطات الفيزيائية التي حددتها النظرية الرياضية للاتصال، لن يفيد كثيرًا. ركن بعض الباحثين — مدركين الحاجة إلى تفسير أكثر شمولًا — إلى التفسير الدلالي للمعلومات البيولوجية. لكن يبدو ذلك من قبيل ردة الفعل المبالغ فيها. بالمعنى الدقيق الذي يمكن استخدامه عن المعلومات الدلالية، تعتبر المعلومات الجينية بالكاد مثالًا عليها؛ إذ تفتقد المعلومات الجينية إلى جميع السمات النموذجية للمعلومات الدلالية، بما في ذلك المغزى، والعمدية، والموضوعية، والصحة. يحتوي الحمض النووي على الشفرة الجينية، وهو ما يعني بدقة أن الحمض النووي يحتوي في صورة مادية على الجينات التي ترمز إلى عملية تطور الأنماط الظاهرية. ومن ثَمَّ يحتوي الحمض النووي على المعلومات الجينية، مثلما قد يحتوي القرص المُدمَج على بعض البرامج. ولكن الشفرة الجينية أو — لِنَقُل — الجينات هي المعلومات نفسها. لا «تُرسِل» الجينات المعلومات على نحو ما يرسل الراديو من إشارة. بل تعمل الجينات بنجاح بصورة أو بأخرى، ومثلها مثل وصفة كعكة، قد لا تضمن تمامًا النتيجة النهائية، بما أن البيئة تلعب دورًا محوريًّا. لا «تحتوي» الجينات على معلومات، مثلما تحتوي الأظرف أو رسائل البريد الإلكتروني، ولا «تصف» الجينات المعلومات، كالمخطط التمهيدي، وإنما تشبه الجينات العبارات الأدائية كثيرًا. لا تتضمن عبارة «أعد بأن آتي في الساعة الثامنة مساءً» على وعدٍ بل تؤدي شيئًا، ألا وهو تفعيل الوعد نفسه من خلال الكلمات المنطوقة. كما لا «تحمل» الجينات معلومات مثل الحمامة التي قد تحمل رسالة، تمامًا مثلما لا يحمل المفتاح المعلومات الخاصة بكيفية فتح الباب. لا «تشفِّر» الجينات الإرشادات، مثلما قد تشفِّر سلسلة من الخطوط والنقط رسالةً باستخدام أبجدية مورس. حقًّا، يُقال عادةً إن الجينات هي «حاملة» المعلومات، أو «تنقل الإرشادات» اللازمة لتطور وعمل الكائنات، وهكذا دواليك، غير أن طريقة الحديث هذه تقول المزيد عنَّا أكثر ممَّا تقول عن علم الجينات. إننا نتحدث عادةً عن أجهزة الكمبيوتر الحالية كما لو كانت ذكية — مع علمنا أنها ليست كذلك — ونميل إلى أن نُعزي السمات الدلالية إلى التراكيب والعمليات الجينية، التي هي بطبيعة الحال بيولوجية-كيميائية وليست عمدية على الإطلاق. يجب عدم فهم مصطلح «الشفرة» بشكل حرفي تمامًا، كما لو كانت الجينات معلومات بالمعنى «الدلالي»-«الوصفي»؛ تحسبًا لمخاطر تشويش فهمنا لعلم الجينات. في المقابل، تمثل الجينات إرشادات، وتعتبر الإرشادات نوعًا من المعلومات الخبرية والفعالة/الإجرائية، مثل: الوصفات، والخوارزميات، والأوامر. من هنا، تعتبر الجينات تركيبات إجرائية ديناميكية تُسهم — بالإضافة إلى عوامل بيئية أخرى لا غنى عنها — في التحكم في تطوُّر الكائنات وتوجيهه. يُعد هذا معنًى يدعو إلى الاحترام الكامل؛ إذ تعتبر المعلومات البيولوجية في حقيقة الأمر نوعًا من المعلومات. تمثِّل التراكيب الإجرائية الديناميكية نوعًا خاصًّا من الكيانات المعلوماتية، تلك الكيانات التي تعتبر في حد ذاتها إرشادات، أو برامج، أو أوامر. رغم أن التفسير السابق يتماشى ويتكامل مع النظرية الرياضية للمعلومات، إلا أنه يعتبر تفسيرًا أقل تطلُّبًا من التفسير الدلالي. لهذا التفسير ميزة ألا وهي بيان كيف تُحقق الجينات ما تحققه، بما أن التفسير يُظهر الجينات باعتبارها إرشادات تتطلب التعاون الكامل مع المكونات ذات الصلة للكائن ومع بيئته حتى يجري تنفيذها بنجاح. وقد يوضح التفسير السابق المنهج المعلوماتي في تناول الشفرة الجينية في إطار حوسبي والذي يُفهم بصورة أفضل كثيرًا وغير عمدية على الإطلاق، من خلال عقد مقارنة مع برمجة الأوامر (المعروفة أيضًا باسم البرمجة الإجرائية) في علم الكمبيوتر. في برمجة الأوامر، تُغيِّر العبارات حالة برنامج ما، وتمثِّل البرامج سلسلة من الأوامر ينفذها الكمبيوتر. تمثِّل كل خطوة (كل قاعدة) أمرًا، وتحافظ البيئة المادية على الحالة التي يعدلها هذا الأمر. لا تزال العلاقة بين الإرشادات (الجينات، برامج الأوامر، الوصفات) والنتيجة وظيفيةً، سببيةً، تعتمد على القوانين. في المقابل، لا توجد حاجة إلى الدلالة هنا، تمامًا مثلما لا تلعب الدلالة أي دور في طريقة تصميم أجزاء الكمبيوتر لتنفيذ شفرة الماكينة، وهي الشفرة المكتوبة بأسلوب الأوامر ويفهمها الكمبيوتر. بناءً عليه — باستخدام شعار — في الشفرة الجينية، يمثل الوسيط (الجينات) الرسالة نفسها. تعتبر المعلومات البيولوجية — بالمعنى الإخباري — إجرائية. توجد المعلومات البيولوجية «من أجل» شيء ما، لا «حول» شيء ما. يمكن وضع المعلومات الجينية الآن في خريطتنا (انظر الشكل ?-?). شكل ?-?: المعلومات الجينية.
تعليق أخير قبل الانتقال إلى المعلومات العصبية. بطبيعة الحال، لا يقتصر الدور الحيوي للجينات على تفسير تطور الكائنات المفردة فقط، بل يمتد إلى وراثة الأنماط الظاهرية عبر الأجيال. بناءً عليه، جرى تبنِّي المناهج المعلوماتية في علم الجينات وفي البيولوجيا التطوُّرية، بل وفي المستوى الأعلى من الأنثروبولوجيا البيولوجية. واعتُبرت «الميمات» (وهي الوحدات أو العناصر المزعومة للأفكار، الرموز، أو الممارسات) على سبيل المثال، الأشباهَ الثقافية للجينات، وهي تنتقل من عقل إلى آخر من خلال الاتصال والظواهر القابلة للتقليد، والتكرار الذاتي، والاستجابة لضغوط مُنتقاة. لكن في سياقات شبيهة، ثمة مخاطرة تتمثل في أن مفهوم المعلومات البيولوجية ربما يفقد معناه الإجرائي المفيد والمادي، ويكتسب في صمت معنًى دلاليًّا بصورة متزايدة. بينما قد يكون هذا الانتقال نحو الجهة اليمنى من خريطتنا ذا دلالة، يجب عدم اعتبار هذا الانتقال متضمنًا لخبرة عملية، بل يُعد فقط طريقة لحل مشكلات محددة أو اكتشاف سمات جديدة للموضوعات قيد البحث. يعتبر هذا الانتقال مجازيًّا أكثر منه انتقالًا عمليًّا، ولا يكاد يقدِّم تفسيرات في إطار الترابطات المادية والآليات المتفاعلة.
(?) المعلومات العصبية

بدون التعديلات الجينية، لم يكن جون ليتطور أبدًا. ينتمي جون وتقريبًا معظم الحيوانات الأخرى (تعتبر الإسفنجيات من بين الاستثناءات المحدودة) إلى ما يُعرف باسم «الحيوانات ثنائية التماثُل». تمتلك هذه الحيوانات أشكالًا جسدية ثنائية التماثل؛ أي إن جانبي أجسادها متماثلان. تشير الدلائل الحفرية إلى أن الحيوانات ثنائية التماثُل ربما تطورت من خلال سلف مشترك قبل نحو ??? مليون عام. فيما يعتبر مفاجأة غير سارة لجون، كان ذلك السلف المشترك دودة أنبوبية بسيطة. لحسن حظه، كانت تلك الدودة دودة مميزة. لا يزال من غير الواضح تمامًا متى وكيف تطوَّر الجهاز العصبي لدى الحيوانات ثنائية التماثل، وكيف تطور ذلك في مجموعات مختلفة من الكائنات. لكن عند نقطةٍ ما حرجةٍ، اكتسب سلف جون جسدًا مقسمًا إلى قطاعات، يحتوي الحبل العصبي له على امتداد يُطلق عليه عقدة، لكل قسم من أقسام جسده، وعقدة كبيرة نسبيًّا في نهاية جسده يُطلق عليها الدماغ. هكذا ولد السلاح المضاد للإنتروبي. تعتبر الحياة البيولوجية صراعًا مستمرًّا ضد الإنتروبي الحراري. يمثِّل أي نظام حي أي كيان معلوماتي مضاد للإنتروبي. بعبارة أخرى: كيان معلوماتي قادر على تمثيل التفاعلات الإجرائية (يمثِّل هذا الكيان عمليات المعالجة المعلوماتية) بغرض الحفاظ على وجوده و/أو إعادة إنتاج نفسه (عملية التمثيل الغذائي). حتى الكائنات أحادية الخلايا تستخلص وتتفاعل مع المعلومات من بيئتها من أجل البقاء. إلا أن تطبيق العديد من السلوكيات المضادة للإنتروبي والتحكم فيها لم يتأتَّ إلا مع تطور نظام عصبي معقَّد يستطيع جمع، وتخزين، ومعالجة، وتوصيل كميات هائلة من المعلومات واستخدامها بنجاح. بعد مرور ملايين السنوات من التطور، يمكن الآن العثور على نُظُم عصبية في الكثير من الحيوانات متعدِّدة الخلايا. قد تختلف هذه النظم كثيرًا من ناحية الحجم، والشكل، والتعقيد بين الأنواع المختلفة. ولذا — حتى لا نحيد عن أغراضنا — سنركِّز ببساطة على جون باعتباره فاعلًا معلوماتيًّا مضادًّا للإنتروبي، وسنعرض قدراته في معالجة المعلومات.
من منظور بيولوجي-معلوماتي، يمثِّل الجهاز العصبي لجون شبكةً تدير المعلومات حول بيئته ونفسه، ما يتسبب في أفعال وردود فعل جسدية تفيده ككائن، وتدعم رفاهته، وتزيد من فرصه للبقاء والتكاثر. تتمثل العناصر البنائية لهذه الشبكة في «العصبونات» و«الخلايا الدبقية»، بنسبة تقريبية عشر خلايا دبقية إلى عصبون واحد. الخلايا الدبقية خلايا متخصصة تحيط بالعصبونات، وتوفر لها الانعزال، والمغذيات، وبعض المواد الكيميائية المتخصصة التي تسهم في عملية إرسال الإشارات الكهروكيميائية. العصبونات خلايا متخصصة، تعمل على تكامل، وتلقي، وإرسال الأنواع المختلفة للإشارات الكهروكيميائية، في إطار أنماط نشاط مختلفة. على الرغم من أن العصبونات تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا من ناحية الشكل، والحجم، والقدرات الوظيفية، فإنه يمكن تصنيفها وفق وظيفتها الحسية-الميكانيكية. تتلقى «العصبونات الحسية» المعلومات الحسية من أطراف الجسد، وفي المقابل، تتحكم «العصبونات الميكانيكية» في حركات العضلات. تقع «العصبونات البينية» بين العصبونات الحسية والميكانيكية. تشترك معظم العصبونات في بناء مشترك. يوضح الشكل ?-? تمثيلًا مبسطًا وتخطيطيًّا لبعض المكونات الأساسية للعصبون النموذجي. يُطلق على جسم الخلية «سوما»، وتشتمل السوما على «نواة» وتركيبات تشبه الأشجار، تُعرف باسم «التغصُّنات»، حيث يجري تلقي وتكامل الإشارات من العصبونات الأخرى. ربما توجد نتوءات متخصصة (الحسكات) تعمل على تنظيم تلقي الإشارات على النحو الأمثل. بشكل نموذجي، تشتمل الحسكات أو التغصنات على جزيئات مستقبلة على سطح الغشاء الرقيق، تتفاعل مع مادة ناقلة كيميائية — ناقل عصبي — يفرزه العصبون المجاور.
شكل ?-?: رسم تخطيطي مجرد لعصبون.
يتسبب اندماج الناقل العصبي مع أحد المستقبلات في عمل فتحة (قناة) في الغشاء تتدفق من خلالها الجزيئات المشحونة (الأيونات). يؤدي تدفق التيار خلال القناة إلى تيسير (استثارية) أو تثبيط (مثبط) احتمالية أن ينشط العصبون المتلقي ويرسل إشارته الكهروكيميائية الخاصة إلى الخلايا الأخرى. أما «المحور» فهو عبارة عن أنبوب طويل نحيف ينقل الإشارات الكهروكيميائية. تمثِّل المحاور العصبية خطوط النقل الرئيسية للجهاز العصبي، وهي تسهم كمجموعة في تشكيل الأعصاب. بينما تمتلك المحاور العصبية أقطارًا ميكروسكوبية، تبلغ نحو مايكرومتر واحد عرضًا (واحد على المليون من المتر أو ??/????? مليمتر. لاحظ أن سُمك شعرة الإنسان يبلغ ??? مايكرومتر)، ولكنها قد تكون طويلة للغاية. لعل أطول المحاور العصبية في جسد الإنسان هي محور العصب الوركي، والذي يمتد من قاعدة العمود الفقري إلى الأصبع الكبير في كل قدم.
يُطلق على الإشارة الكهروكيميائية التي ينقلها المحور «كامن الفعل». وإمكانية الحركة إشارة كهروكيميائية لها قيمة بولينية (كل شيء أو لا شيء) تنتقل عبر المحور العصبي إلى أطرافه، حيث تتسبَّب في وقوع عملية إطلاق للناقل العصبي. ماديًّا، ما كمون الفعل إلا موجة كهربية سريعة (متجددة) تبلغ ??? ملِّي فولت (? ملِّي فولت يساوي ??/????? فولت). يستمر كامن الفعل هذا ?–? ملي ثانية، وتنتقل عبر المحور العصبي بسرعات تبلغ ?–??? متر في الثانية. تنتقل المعلومات حول قوة التنشيط في العصبون؛ ومن ثَمَّ المعلومات التي تنقلها، من خلال تردد (معدل) كمونات الفعل؛ نظرًا لأن حجم وفترة كامن الفعل لا يتغيران بما يكفي لتشفير التغييرات في عملية التنشيط. تبعث بعض العصبونات كمونات فعل بصورة ثابتة، بمعدلات تبلغ ??–??? لكل ثانية، تكون عادةً في صورة أنماط زمنية غير منتظمة. تظل بعض العصبونات الأخرى ساكنة معظم الوقت، إلا أنها تبعث دفعة كبيرة من كمونات الفعل مرة واحدة.
تمثل أزرار الأطراف نهايات المحاور العصبية، حيثُ تتحول كمونات الفعل الآتية إلى عملية إطلاق لمادة الناقل العَصبي. تتفرع معظم المحاور العصبية بشدة، وقد يشتمل العصبون الواحد على آلاف الأطراف. نموذجيًّا، تشتمل الأطراف على حُزَم تمتلئ بجزيئات الناقل العصبي. تنشط المستقبلات التي تستشعر فرق الجهد من خلال كامن الفعل، وتؤدي إلى فتح قنوات في الغشاء الطرفي، يتبع ذلك سلسلة من الأحداث البيولوجية-الكيميائية، وهو ما يؤدي إلى إطلاق مادة الناقل العصبي. يمثل المشبك الوصلة بين عصبونين حيث يجري تبادل الإشارة الكهروكيميائية.
هناك مواد كيميائية عديدة تنقل الإشارات الاستثارية والمثبطة عند المشابك، يعتمد تأثير الناقل العصبي على العصبون على جزيئات المستقبل التي تنشطها. في بعض الحالات، يمكن أن يكون الناقل العُصيبي نفسه استثاريًّا أو مثبطًا، أو قد يكون له آثار سريعة للغاية أو طويلة الأمد للغاية. يمكن لعقاقير مثل الكافيين أن تحاكي أو تتداخل مع النشاط الدماغي عن طريق تيسير أو تثبيط عمل الناقل العصبي. وهناك العديد من الأحماض الأمينية التي يُعتقد أنها تقوم بعمل النواقل العصبية، ولعل أكثر النواقل العصبية انتشارًا في دماغ الثدييات هما حمض الجلوتومات وحمض جاما أمينو بيوتيريك. وبالنظر إلى بساطتهما وانتشارهما، وتوافرهما في الكائنات الأبسط، ربما كان هذان الحمضان من أوائل النواقل العُصيبية التي تطورت.
تعمل العصبونات من خلال تحويل الإشارات الكيميائية إلى نبضات كهربية والعكس. وبناءً عليه، يمثل الجهاز العصبي شبكة معقدة تعالج البيانات كهروكيميائيًّا. تنقسم بنية الشبكة عادةً إلى جهاز عصبي مركزي وجهاز عصبي طرفي. يتألف الجهاز العصبي الطرفي من عصبونات حسية والعصبونات التي تصلها بالحبل الشوكي والدماغ، وهو بدوره يكوِّن الجهاز العصبي المركزي. بناءً عليه، يمثل الجهاز العصبي الطرفي الواجهةَ بين جسد جون وتدفُّق البيانات المادية في العالم الخارجي (الأضواء، الأصوات، الروائح، الضغوط … إلخ)، كما ينسِّق الجهاز العصبي الطرفي حركة جون، بما في ذلك الحالات والوظائف الفسيولوجية. تستجيب العصبونات الحسية إلى مدخلات البيانات الخارجية (المثيرات المادية) عن طريق توليد ونقل البيانات الداخلية (الإشارات) إلى الجهاز العصبي المركزي، الذي يعالج وينقل البيانات المفسرة (الإشارات) مرة أخرى إلى النظام الجسدي. هناك شبكة معقدة أخرى تقع في مركز بنية الشبكة؛ ألا وهي الدماغ. يتألف دماغ جون من حوالي ??? مليار عصبون، كل منها يرتبط بنحو ?? آلاف صلة مشبكية.
بالرغم من هذا العرض السريع، يتضح لماذا تجري دراسة الجهاز العصبي — والدماغ على وجه خاص — من وجهة نظر معلوماتية. من جانب، يسعى علم المعلوماتية العصبية إلى تطوير وتطبيق الأدوات، والأساليب، والنماذج، ووجهات النظر، وقواعد البيانات الحوسبية وما إلى ذلك؛ بغرض تحليل ودمج البيانات التجريبية ولتحسين النظريات القائمة حول بنية ووظيفة الدماغ. على الجانب الآخر، يبحث علم الأعصاب الحوسبي الطبيعة الحوسبية والنظرية المعلوماتية للعصبونات البيولوجية والشبكات العصبية، وفسيولوجيتها وحركتها. وبناءً عليه، وفَّر علم الكمبيوتر وتكنولوجيات المعلومات والاتصال وسائل استثنائية لملاحظة وتسجيل الدماغ (عملية التصوير العصبي)، مثل عملية التصوير الكهربية للدماغ (وهي عملية تسجيل النشاط الكهربي على امتداد فروة الرأس، وهو النشاط الناشئ عن إطلاق الإشارات من العصبونات داخل الدماغ) وعملية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (وهي عملية قياس الاستجابات الحركية الدموية المتصلة بالنشاط العصبي في الدماغ). ومع ذلك، لا يزال الدماغ قارَّةً لم تُكتشف بالكامل؛ إذ يتمثل أحد الألغاز المعلوماتية الكبرى في الكيفية التي تقوم من خلالها الإشارات المادية — التي تنتقل عن طريق الجهاز العصبي — بإنشاء معلومات دلالية متطورة. عندما يرى جون الضوء الأحمر يومض، توجد سلسلة من أحداث معالجة البيانات تبدأ بالإشعاع الكهرومغناطيسي في البيئة، بطول موجي يتراوح بين ???–??? نانومترًا (واحد على مليار من المتر، أو واحد على مليون من المليمتر؛ يتألف اللون الأحمر بصورة أساسية من أكبر الأطوال الموجية للضوء الذي تستطيع العين الإنسانية تمييزه) وينتهي بإدراك جون أن هناك ضوءًا أحمرَ يومض أمامه، وهو ما ربما يعني أن البطارية فارغة. بينما تعتبر بعض أجزاء هذه الرحلة الاستثنائية معروفة، لا تزال أجزاء كبيرة منها غامضة حتى الآن. بطبيعة الحال، لا يوجد سحر في الأمر، لكن هذا لا ينفي إمكانية أن يكون التفسير النهائي الذي سنتوصل إليه يومًا ما مدهشًا.
يميل أي كائن حي إلى التعامُل مع العالم عن طريق وسيط؛ فهو يحوِّل — على نحو نشط — البيانات (الحسية) إلى معلومات، ثم يعالِج على نحو بنَّاء هذه المعلومات لإدراة تفاعلاته مع العالم. يتضمن كل ذلك تطوير وسيط أو كيانات داخلية تم تخزينها وتحويلها ومعالجتها وإيصالها عبر مدد زمنية مختلفة، بداية من الذاكرة قصيرة المدى إلى ما يصل حتى طوال العمر. عند البشر، تتضمن هذه العملية القدرة الفريدة على جمع، وتخزين، واستعادة، وتبادل، وتكامل، وتحديث، واستخدام، وإساءة استخدام المعلومات الدلالية المكتسبة عن طريق الآخرين، بما في ذلك الأجيال السابقة. نناقش هذا المجال الاجتماعي والاقتصادي للمعلومات في الفصل التالي.

الفصل السابع
المعلومات الاقتصادية


في فيلم «وول ستريت» (????) للمخرج أوليفر ستون، ورد على لسان الشخصية الرئيسية، جوردون جيكو (مايكل دوجلاس) أن «أكثر السلع التي أعرفها قيمة هي المعلومات»، وربما كان على حق. كانت المعلومات ولا تزال ذات قيمة عظيمة، ومن يملكها يَصِرْ عادة حريصًا على الحفاظ عليها. لهذا السبب — على سبيل المثال — هناك نظم قانونية تنظِّم الملكية الفكرية. تتعلق حقوق الملكية الفكرية بالإبداعات الفنية والتجارية للعقل البشري؛ ومن ثَمَّ ما يتصل بذلك من أنواع المعلومات والأصول غير المادية. كما تهدف حقوق التأليف والنشر، وبراءات الاختراع، وحقوق التصميمات الصناعية، والأسرار التجارية، والعلامات التجارية إلى توفير حافز اقتصادي للمستفيدين منها من أجل تطوير ومشاركة معلوماتهم من خلال وجود نوع من الاحتكار المؤقت. بالمثل — في العديد من الدول — يعتبر الاتِّجار في الأصول المالية لإحدى الشركات (مثلًا: السندات) بناءً على امتياز خاص في الاطلاع على المعلومات غير العلنية للشركة — وهي المعلومات التي يجري الحصول عليها أثناء العمل في الشركة — أمرًا غير قانوني (لهذا السبب يُشار إلى هذا النوع من الاتِّجار في الأصول المالية بالاتِّجار بناءً على معلومات سرية). تعتبر المعلومات العسكرية مثالًا جيدًا آخر. كان يوليوس قيصر (???ق.م–??ق.م) على درجة بالغة من الوعي بقيمة المعلومات، حتى إنه ابتكر أحد أوائل أساليب التشفير وأكثرها شهرة — وهو الأسلوب المعروف باسم شفرة قيصر — للاتصال بقادة جيشه. تتألف الشفرة من إزاحة كل حرف في الرسالة عن طريق حرف جرى نقلُه عددًا محددًا من المواضع في الأبجدية. على سبيل المثال: بالانتقال أربعة مواضع، يحل حرف E محل حرف A، وتنتقل B إلى F، … وهكذا. بالمثل، تعتبر أجهزة الكمبيوتر التي لدينا الآن نتاجًا جزئيًّا للعمل الذي قام به تورنج في بلتشلي بارك، المركز البريطاني لفك الشفرة، وهو العمل الذي تم لفك شفرة الاتصالات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، وجرى تطوير الإنترنت خلال الحرب الباردة لضمان أن القوات الجوية الأمريكية ستظل قادرة على تبادُل المعلومات الحيوية حتى بعد هجوم نووي. يتضح أنه عندما نتحدث عن القيمة الاقتصادية للمعلومات، فإن المعلومات هنا تعد «دلالية». وعلى الرغم من تقيُّد المعلومات رياضيًّا وتنفيذها ماديًّا — كمكالمة هاتفية، بريد إلكتروني، رسالة شفوية، إشارة راديو، معادلة كيميائية، صفحة على شبكة الإنترنت، أو خريطة — يعتبر المعنى الذي تنقله المعلومات هو الذي يمثل قيمة بالنسبة إلى العوامل الفاعلة ذات الصلة، وهذه العوامل الفاعلة هي من تفترض صحتها أو حقيقتها (انظر الشكل ?-?). شكل ?-?: المعلومات الاقتصادية.
قد يتم تخصيص قيمة اقتصادية للمعلومات وفق السعر الذي تحققه في سوق مفتوح وتنافسي (الاقتصاد الكلاسيكي الجديد). وعلى هذا النحو في الأساس يتحدد السعر الذي سيكون الشخص الفاعل المهتم بالحصول على المعلومات مستعدًّا لدفعه مقابل الحصول عليها. أو ربما تُخصص قيمة اقتصادية في إطار كمية الموارد التي ستُوفِّرها هذه المعلومات لصاحبها مثل الوقت، أو عدم الراحة، أو العمل (الاقتصاد الكلاسيكي). يمثِّل هذا مقدار الفائدة أو غياب الضرر الذي سيتمتع به صاحب هذه المعلومات، وكلا التفسيرين مرتبطان، فتمثِّل القيمة الاقتصادية للمعلومات المنفعة المتوقعة التي تؤدي إلى الاستعداد لدفع الثمن المقابل لها. في كلتا الحالتين، يجب أن تتسم المعلومات المقصودة ببعض السمات التي تضيف قيمة وتحفظها، مثل: دقة التوقيت، والملاءمة، والحداثة. لا يدفع أحد مقابل صحف الأمس أو المعلومات الخاطئة. تندرج هذه السمات تحت المصطلح العام «جودة المعلومات».
تشتمل المعلومات، حين تعامل باعتبارها سلعةً، على ثلاث خصائص رئيسية تميِّزها عن البضائع العادية الأخرى، مثل السيارات أو أرغفة الخبز. أولًا: تعتبر المعلومات «غير تنافسية». لا يمنع حصول (استهلاك) جون على معلومة أن البطارية فارغة من حصول (استهلاك) الميكانيكي على نفس المعلومة في نفس الوقت. في المقابل: يستحيل تحقيق ذلك مع رغيف خبز. ثانيًا: افتراضًا، تميل المعلومات إلى أن تكون «غير إقصائية». بينما تتمتع بعض المعلومات بالحماية — مثل الملكيات الفكرية، أو البيانات الخاصة والحساسة، أو الأسرار العسكرية — يتطلب هذا جهدًا إيجابيًّا نظرًا لأن الإقصاء — عادةً — لا يعتبر سِمَةً طبيعية للمعلومات التي تميل للكشف بسهولة والمشاركة. في المقابل: إذا أعار جارُ جون أسلاك تشغيل سيارته إليه، فلن يستطيع استخدامها في الوقت نفسه. أخيرًا: بمجرد توافر بعض المعلومات، تميل تكلفة إعادة إنتاجها إلى التقلُّص إلى قيمة هامشية (تكلفة هامشية صفرية). لا ينطبق ذلك بطبيعة الحال على الكثير من البضائع مثل رغيف الخبز. لجميع هذه الأسباب، ربما تُعتبر المعلومات «سلعة عامة»، وهي رؤية تبرر بدورها إنشاء المكتبات العامة أو تنفيذ مشاريع مثل «وكيبيديا»، وهي متاحة مجانًا للجميع.
تحظى المعلومات بقيمة اقتصادية نظرًا لفائدتها؛ إذ تسمح المعلومات للعوامل الفاعلة باتخاذ تدابير عملية (النظر في الخيارات، تجنُّب الأخطاء، الاختيار، اتِّخاذ قرارات عقلانية، وهكذا) تفضي على نحو طبيعي إلى مردودات أعلى (منفعة متوقعة) من الفوائد التي تحصل عليها العوامل الفاعلة في غياب هذه المعلومات. ربما يُفهم المردود — بيولوجيًّا — على صورة فرص أعلى للكائن المعلوماتي لمقاومة الإنتروبي الحراري لصالحه. في علم الاقتصاد، تمثل المعلومات مجموع «المنافع» المصاحبة لجميع النتائج الممكنة لعملٍ ما، يرجح كفتها احتمالية حدوث كل نتيجة من النتائج الممكنة، حيث تشير «المنافع» إلى مقياس الرضاء النسبي عن — أو درجة الرغبة في — نتيجة ما، مثلًا استهلاك سلعة أو خدمة ما. يجب أن تُفهم المنافع التي تجلبها المعلومات سياقيًّا؛ نظرًا لأن العوامل الفاعلة التي تتبادل المعلومات قد لا تكون بشرًا فقط، بل أيضًا عوامل فاعلة بيولوجية، أو مجموعات اجتماعية، أو عوامل فاعلة اصطناعية (مثل البرمجيات أو الروبوتات الصناعية)، أو العوامل الفاعلة التركيبية (مثل شركة أو دبابة)، وهي التي تشكِّل العوامل الفاعلة من جميع الأنواع.
رأينا في الفصل الأول كيف صار المجتمع الإنساني يعتمد على إدارة واستغلال عمليات المعلومات؛ وذلك من أجل استمراره ونموِّه على نحو صحيح. لا غرو أن في السنوات الأخيرة ازدهرت الدراسة العلمية للمعلومات الاقتصادية. في عام ????، مُنح جورج أكيرلوف (المولود عام ????)، ومايكل سبنس (المولود عام ????)، وجوزيف إي ستيجلتز (المولود عام ????) ما يُعرف بجائزة نوبل في الاقتصاد؛ «لتحليلاتهم للأسواق باستخدام المعلومات غير المتماثلة.» في حقيقة الأمر، صارت النُهُج المعلوماتية-النظرية في تناول الموضوعات الاقتصادية شائعة للغاية ومنتشرة للغاية؛ حتى قد يتغاضى المرء عن اعتبار الاقتصاد أحد فروع علم المعلومات. فيما تبقَّى من هذا الفصل، سنبحث بعض الطرق الأساسية التي يجري استخدام المعلومات الاقتصادية من خلالها. للتبسيط، وسيرًا على نهج الاتجاهات الحالية، سيجري عرض هذه الطرق في إطار نظرية الألعاب. في المقابل، بدلًا من تقديم تحليل قياسي لأنواع الألعاب أولًا، سنركِّز على مفاهيم المعلومات، ومن ثَمَّ طريقة استخدامها. (?) المعلومات الكاملة

نظرية الألعاب هي الدراسة الرسمية للمواقف والتفاعلات (الألعاب) الاستراتيجية بين العوامل الفاعلة («اللاعبون»، ليسوا بالضرورة بشرًا)، الذين يتمتعون بعقلانية كاملة (يعظِّم هؤلاء اللاعبون الفوائد العائدة عليهم دون أدنى اهتمام باللاعبين الآخرين)، وهم على دراية بعضهم ببعض وعلى دراية بأن قراراتهم تعتمد على بعضها وتؤثر على الفوائد الناتجة. عمومًا، تحدد اللعبة أربعة عناصر: (أ) لاعبيها، عددهم وهويتهم.
(ب) استراتيجيات كل لاعب، ما قد يقررون عمله بصورة عقلانية بالنظر إلى الظروف المتوافرة (تعتبر الاستراتيجية خطة عمل كاملة تحدد عملًا قابلًا للتحقيق لكل حركة قد يتخذها اللاعب).
(جـ) العوائد المتحققة من كل نتيجة، ما يحققونه من حركاتهم.
(د) متوالية (توقيت أو ترتيب) الحركات أو الحالات الفعلية، إذا كانت اللعبة تراتبية (انظر أدناه)، بصورة أساسية في أي موضع يوجد اللاعب في مرحلة معينة من اللعبة.
أحد الأهداف الرئيسية لنظرية الألعاب هو تحديد نوع المواقف المستقرة (حالات التوازن) التي يتبنى اللاعبون فيها استراتيجيات من غير المحتمل فيها أن تتغير، حتى في حال — من منظور عين الإله — عدم كونها مثالية من الناحية العقلانية. هناك أنواع كثيرة من الألعاب ومن ثَمَّ أشكال التوازن. تتمثل إحدى طرق تصنيفها في التأكد من كمية المعلومات المتعلقة باللعبة التي يمتلكها اللاعبون. بعبارة أخرى: من يملك أي نوع من الاطلاع على (أ)–(د).
يُقال إن اللعبة تعتمد على «معلومات كاملة» عندما يتوفر لجميع اللاعبين معلومات حول (أ)، و(ب)، و(?). تتمثل إحدى الطرق الأخرى في تعريف المعلومات الكاملة في إطار المعرفة المشتركة؛ وهي أن يعرف كل لاعب أن كل لاعب آخر يعرف أن … كل لاعب يعرف جميع اللاعبين الآخرين، واستراتيجيتهم، والمردود العائد على كل لاعب. ومن بين الأمثلة التقليدية على ذلك لعبة الصخرة-الورقة-المقص ومعضلة السجين. بينما لا توجد حاجة لوصف اللعبة الأولى، تعتبر اللعبة الثانية معقَّدة بما يكفي ما يستأهل بعض الشرح.
ندين بالبنية المنطقية لمعضلة السجين إلى الحرب الباردة. في عام ????، كانت مؤسسة راند (وهي مؤسسة بحثية غير هادفة للربح تم تأسيسها بغرض توفير الأبحاث والتحليلات للقوات المسلحة الأمريكية) مهتمة بنظرية الألعاب نظرًا لتطبيقاتها الممكنة في مجال الاستراتيجية النووية العالمية. كان ميريل فلود (المولود عام ????) وملفن دريشر (????–????) يعملان في مؤسسة راند، وصمما نموذجًا للتعاون والصراع وفقًا لنظرية الألعاب، وهو النموذج الذي أعاد تصميمه ألبرت تاكر (????–????) وأطلق عليه اسم «معضلة السجين». ها هو النموذج:
تم القبض على اثنين من المشتبه بهم: «أ» و«ب»، ولكن دون وجود أدلة كافية لإدانتهما إدانة كاملة. ولذا بمجرد عزل أحدهما عن الآخر، يُعرَض على كلٍّ منهما الصفقة التالية: إذا أدلى أحدهما بشهادته ضد الآخر («تخلى» عنه)، وظل الآخر صامتًا («تعاون»)، فلن تجري إدانة الواشي فيما سيصدر حكمٌ على الآخر مدة عشر سنوات كاملة. وإذا تعاون الاثنان، فسيصدر حكمٌ مدته عام واحد على كلٍّ منهما في ارتكاب جنحة. إذا وشى كلٌّ منهما بالآخر، فسيصدر حكمٌ ضد كلٍّ منهما بنصف المدة؛ أي خمس سنوات. يجب على «أ» و«ب» الاختيار بين تخلِّي أحدهما عن الآخر، أو تعاون أحدهما مع الآخر. لاحظ أن أيًّا من «أ» أو «ب» لا يستطيع معرفة ما سيفعله الآخر؛ لهذا السبب تُعتبر هذه النسخة الكلاسيكية من معضلة السجين لعبة «آنية»، تمامًا مثل لعبة الصخرة-الورقة-المقص. لا تعتبر المسألة مسألة توقيت (تعتبر لعبة الصخرة-الورقة-المقص، لعبة «تزامنية» أيضًا، يُظهر كلا اللاعبين أيديهما في الوقت نفسه) بل نقص معلومات حول حركة أو حالة اللاعب الآخر. ماذا يجب أن يفعل كل سجين؟
يتمثل الخيار العقلاني لكل سجين في التخلي عن الآخر (خمس سنوات في السجن)، على الرغم من أن الفائدة العائدة على كل سجين ستكون أكبر إذا تعاونا (عام في السجن). بينما قد يبدو هذا غريبًا، فإن كلا اللاعبين سيحصل على فائدة أكبر من خلال تخلي كل واحد منهما عن الآخر، مهما كان قرار السجين الآخر فكلٌّ منهما يحصل دومًا على فائدة أعلى عند تخليه عن الآخر. وبما أن احتمال تخلي كل سجين عن الآخر يغلب بقوة التعاون بينهما. بعبارة أخرى: بما أن تخلي كل لاعب عن الآخر في أي موقف يعتبر أكثر فائدة من التعاون؛ لذا يعتبر تخلي كل سجين عن الآخر هو القرار العقلاني المناسب (جدول ?-?). يُعرف هذا النوع من التوازن باسم حل «باريتو شبه المثالي» (وهو اسم مأخوذ من اسم الاقتصادي فلفريدو باريتو ????–????)؛ إذ قد يكون هناك تغيير ممكن (ما يُعرف باسم تطوير باريتو) لموقف ما لا يكون فيه أي لاعب أسوأ حالًا، ويكون فيه لاعب واحد على الأقل أفضل حالًا. على خلاف النتائج الثلاث الأخرى، يمكن الإشارة إلى الحالة التي يتخلى كل سجين فيها عن الآخر باسم «توازُن ناش». تعتبر هذه هي النتيجة التي يؤدي فيها كل لاعب أفضل ما يمكنه، بالنظر إلى المعلومات المتوافرة عن تحركات اللاعب الآخر. جدول ?-?: الشكل الطبيعي لمعضلة السجين النمطية. تمثل المصفوفة اللاعبَيْن «أ» و«ب» وخططهما (الأعمدة والصفوف) والفوائد العائدة عليهما (القيم بالخط العريض بالنسبة إلى اللاعب «أ» ومحددة بخط بالنسبة للاعب «ب»).
?السجين «أ»?التخليالتعاون?التخلي?????السجين «ب»التعاون?????
تعتبر حالات توازن ناش سمات محورية في نظرية الألعاب، باعتبارها تمثِّل المواقف التي لا يمكن أن يتحسن فيها وضع أي لاعب من خلال اختيار أي استراتيجية متوافرة أخرى، في الوقت الذي ينتقي اللاعبون الآخرون أيضًا أفضل خياراتهم دون تغيير استراتيجياتهم. أخذت حالات التوازن هذه اسمها عن جون ناش (المولود عام ????)، الذي تقاسم جائزة نوبل في عام ???? في الاقتصاد مع راينهارد سِلتِن (المولود عام ????) وجون هورشاني (????–????) لعملهم التأسيسي حول نظرية الألعاب.
تجعل المعلومات الكاملة الألعاب الآنية شائقة؛ فبدون هذا الشرط لن يكون اللاعبون قادرين على توقُّع آثار أفعالهم على سلوك اللاعبين الآخرين. تعتبر المعلومات الكاملة أيضًا افتراضًا أساسيًّا وراء النموذج النظري لسوق فعَّالة، تنافسية تمامًا، يفترض فيه أن تمتلك العوامل الفاعلة الاقتصادية — مثل المشترين والبائعين، والمستهلكين والشركات — جميع المعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات مثالية.
إلا أن ذلك يعتبر افتراضًا قويًّا للغاية. يعتمد العديد من الألعاب على «المعلومات غير الكاملة»، مع غياب المعلومات لدى لاعب واحد على الأقل عن عنصر واحد على الأقل من العناصر (أ)–(?). يعتمد صنف شائق من الألعاب التي تقوم على المعلومات غير الكاملة على مفهوم «المعلومات غير المتماثلة».
(?) المعلومات غير المتماثلة

هَبْ أننا نعامل التفاعلات بين جون ووكيل شركة التأمين عليه — واسمه مارك — باعتبارها لعبة. نعلم أن جون كثير الغفلة (ينسى جون إغلاق مصابيح سيارته) وليس محلًّا للثقة (يكذب ويحب أن يلوم زوجته على أخطائه). في المقابل، ليس لدى مارك جميع المعلومات عن جون؛ لذا تعتبر هذه حالة معلومات غير متماثلة، يمتلك فيها أحد اللاعبين المعلومات ذات الصلة بينما لا يمتلك اللاعب الآخر المعلومات الكافية. وهنا لا يمتلك مارك معلومات كافية، وهو ما قد يؤدي إلى نوعين معروفين من المشكلات: «الخطورة الأخلاقية» و«الاختيار الضار».
يتمثل سيناريو الاختيار الضار في ذلك السيناريو الذي يكون فيه لاعب كثير الغفلة مثل جون أكثر احتمالًا أن يشتري بوليصة تأمين لبطارية سيارته؛ نظرًا لأن اللاعب الذي لا يمتلك المعلومات الكافية — مثل مارك — لا يستطيع ضبط استجابته لجون (مثلًا: من خلال التفاوض حول قيمة تأمين أعلى) نظرًا لغياب المعلومات لديه (هذه هي النقطة المهمة هنا، ربما تكون هناك أسباب قانونية تقيِّد استجابة مارك حتى في حال ما إذا كانت لديه معلومات كافية).
يتمثل سيناريو الخطورة الأخلاقية في ذلك السيناريو في أنه بمجرد تأمين جون بطارية سيارته، يتصرف بصورة أقل حرصًا — مثلًا — من خلال ترك المصابيح مضاءة وجهاز الآي بود مستمرًّا في الشحن؛ نظرًا لأن مارك — اللاعب الذي لا يمتلك معلومات كافية — ليس لديه ما يكفي من المعلومات عن سلوك جون (أو لا يملك الصلاحيات القانونية لاستخدام هذه المعلومات؛ مرة أخرى: تُعتبر النقطة محل الاهتمام هنا مسألةً معلوماتية).
مثلما توضح الأمثلة، يمكن دمج كلتا المشكلتين بسهولة. ونظرًا لعدم وجود تماثُل معروف في المعلومات، يميل اللاعبون الذين لا يمتلكون معلومات كافية إلى رد الفعل المبالغ فيه. سيطلب مارك الحصول على قيمة تأمينية أعلى من كل عميل؛ لأن بعض هؤلاء العملاء يشبهون جون، وهنا ستبرز الحاجة إلى لاعبين «جيدين» لإبلاغ اللاعبين الذين لا يمتلكون معلومات كافية عن أنفسهم (يحددون «أنواعهم») ومن ثَمَّ يحققون توازنًا في العلاقة غير المتماثلة. ذكرنا قبل ذلك سبنس وستيجلتز، وقد طوَّر كلٌّ منهما تحليلًا مؤثِّرًا لكيفية التغلُّب على المعلومات غير المتماثلة، وذلك من خلال «الإشارة» و«الترشيح» على الترتيب.
ربما يمكن وصف الإشارة في إطار «المعلومات المشتقة» (انظر الفصل الثاني). يوفر اللاعب المُطَّلِع معلوماتٍ موثوق بها توضِّح بصورة اشتقاقية إلى اللاعب الذي لا يمتلك معلومات كافية نوعَ اللاعب أمامه. بما أن الإشارة كانت ولا تزال مؤثِّرة للغاية في مجال نظرية التعاقد، ها هو مثال نموذجي، معدَّل قليلًا. عندما وصلتُ أكسفورد للمرة الأولى، لم أستطع فهم لماذا يدرس طلاب كثيرون أذكياء الفلسفةَ واللاهوت، وهو ما يعرِّضهم لمخاطرة عدم الحصول على وظيفة. مَن عساه يريد جيشًا من دارسي اللاهوت والفلسفة؟ لم أدرك وقتها نظرية سبنس للإشارة. يدفع أرباب العمل — أو قد يدفعون — رواتب أعلى للمتقدمين الذين يمتلكون مهارات أفضل. في المقابل، لا يمتلك أرباب العمل معلومات كافية عن مهارات المتقدمين إلى الوظائف، الذين سيزعمون جميعًا امتلاكهم مهارات مرتفعة للغاية؛ لذا في مثل هذه الحالة من عدم تماثُل المعلومات (تعتبر عملية التوظيف قرارًا استثماريًّا يخضع لعدم اليقين)، يشير الموظفون المحتملون — من دارسي اللاهوت والفلسفة — إلى أنواعهم (مهاراتهم المرتفعة) لأرباب العمل المحتملين الذين لا يمتلكون المعلومات الكافية من خلال الحصول على درجة من مؤسسة مرموقة. تعتبر هذه العملية مكلِّفة، ليس ماليًّا فقط، بل من حيث المنافسة، والجهود، والمهارات المطلوبة، وما إلى ذلك. ولكن حتى يتسنَّى أن تقوم الإشارة بالتكلِفة بفائدتها، لا يعتبر أمرًا ذا صلة بأي موضوعات جرت دراستها (المعلومات الرئيسية) طالما أن حقيقة حصولهم على الدرجة المكلَّفة تقوم بإرسال الإشارة الصحيحة (المعلومات المشتقة).
يمكن النظر إلى عملية الترشيح باعتبارها عكس عملية الإشارة. بدلًا من وجود لاعبين لديهم معلومات يرسلون إشارات عن معلوماتهم، يحث اللاعبون الذين لا يمتلكون المعلومات الكافية اللاعبين ممَّن لديهم المعلومات على الكشف عن معلوماتهم من خلال عرض قائمة خيارات، مثلًا عدد من العقود المختلفة، بحيث تكشف اختيارات العوامل الفاعلة المطَّلعة عن معلوماتها. على سبيل المثال، ربما يعرض مارك على جون خيارات مختلفة من بوالص التأمين ذات القيم المختلفة، أو يعرض على جون الحصول على تخفيض على تأمين بطارية سيارته بحيث يتكشَّف ما إذا كان جون عميلًا ذا مخاطرة.
تتمثل إحدى طرق تغلُّب اللاعبين على مشكلة عدم امتلاكهم للمعلومات الكافية في محاولة إعادة بناء جميع الخطوات التي أدَّت إلى الموقف الذي يتعاملون معه؛ لهذا السبب يعقد المصرِف مقابلة مع أي عميل يقدم طلب رهن عقاري. عندما تجعل اللعبة المعلومات متوافرة بطريقة افتراضية، يُطلق على ذلك المعلومات الكاملة.
(?) المعلومات المثالية

إذا كان لدى اللاعبين إمكانية الوصول الكامل إلى النقطة (د). بعبارة أخرى: معرفة تاريخ جميع الحركات التي جرت في اللعبة أو حالات اللاعبين، يصبح لدى اللاعبين في هذه الحالة «معلومات مثالية». تُعتبر لعبة «إكس أو» ولعبة الشطرنج مثالين على ألعاب المعلومات المثالية. تشير هذه الألعاب إلى تعريف أكثر رسمية للمعلومات باعتبارها «مجموعة أحادية» من المعلومات (مجموعة من عنصر واحد فقط). تبين مجموعة المعلومات جميع الحركات الممكنة التي كان من الممكن أن تحدث في اللعبة، وفق لاعب محدد مع معرفة حالة المعلومات لدى هذا اللاعب. وبناءً عليه، في لعبة مثالية المعلومات، تشتمل كل مجموعة معلومات على عضو واحد فقط (مجموعة أحادية)، تحديدًا: وصف النقطة التي بلغتها اللعبة في تلك المرحلة. في لعبة «إكس أو» يمثل ذلك ترتيبًا محددًا لعلامتي X وO على شبكة مربعات ? × ?. وفي لعبة الشطرنج، يتمثل ذلك في ترتيب محدد لجميع قطع اللعب على لوحة الشطرنج. إذا كان عدد النقاط أكثر من اثنتين (ترتيبين اثنين لشبكة المربعات أو اللوحة)، فسيكون اللاعب غير متأكد من تاريخ اللعبة، ولا يعرف في أي الحالتين توجد اللعبة؛ ومن ثَمَّ لا يمتلك معلومات مثالية. بما أن المعلومات الكاملة تتعلق بالعناصر (أ)–(?) للعبة (اللاعبون، الاستراتيجيات، الفوائد)، بينما تتعلق المعلومات المثالية بالعنصر (د) (الحركات أو الحالات)، يبدو جليًّا إمكانية وجود لعبة تنطوي على معلومات كاملة ومثالية، مثل لعبة الشطرنج التي تكون فيها المعلومات مكتملة ولكنها غير مثالية، مثلما رأينا في القسم السابق، وفي ظِلِّ معلومات مثالية غير مكتملة. ربما يحدث ذلك عندما يلعب اللاعبون في اللُّعْبَة نفسها لعبة «مختلفة»، ومن ثَمَّ يفتقدون بعض المعلومات حول العنصر (ب) و/أو (?). من أمثلة ذلك أن يلعب جون الشطرنج مع ابنته جيل ولكنه يحقق فائدة أكبر عند الخسارة عنها عند الفوز طالما كان يسمح لها بالفوز دون أن تلاحظ هي ذلك.
تمثِّل المعلومات المثالية ملمحًا شائقًا لبعض الألعاب التراتبية. تكون الألعاب «تراتبيةً» عندما يكون هناك ترتيب محدد سلفًا يتحرك اللاعبون وفقه، وتتوافر المعلومات لدى بعض اللاعبين على الأقل عن حركات اللاعبين الذين يسبقونهم في الحركة. لا يعتبر وجود تراتبية في الحركات مسألةً كافيةً دون إمكانية الحصول على معلومات عن هذه الحركات؛ إذ إن في هذه الحالة تعتبر اللعبة آنيةً في حقيقة الأمر ولا يمثِّل الاختلاف في الوقت أي أهمية استراتيجية. إذا كان لدى جميع اللاعبين معلومات عن جميع الحركات أو الحالات السابقة لجميع اللاعبين الآخرين، فستعتبر اللعبة التراتبية إذن لعبة معلومات مثالية. ربما يمكن وصف شيطان ماكسويل وشيطان لابلاس (انظر الفصل السادس) باعتبارهما لعبتين كاملتي المعلومات ومثاليتين يلعبهما لاعب واحد. إذا توافرت المعلومات المثالية لدى بعض اللاعبين فقط، فستعتبر اللعبة التراتبية لعبة غير مثالية المعلومات. تشمل الأمثلة في هذه الحالة لعبة سكرابل وهي لعبة لا يعلم كل لاعب أيَّ مكعب حرف يحمله اللاعب الآخر، والبوكر لنفس السبب. في الألعاب التراتبية، يفتقد الفاعلون الذين لا يمتلكون معلومات مكتملة أو مثالية شيئًا ثمينًا، سواء أكان ذلك معلومات حول العناصر (أ)–(?) أو بعض المعلومات حول العنصر (د) للعبة. تُعرف الألعاب غير مكتملة المعلومات أيضًا باسم ألعاب بايز (انظر القسم التالي). في لعبة بايز، يجري إدخال الطبيعة — مصدر العشوائية وعدم اليقين — باعتبارها لاعبًا في اللعبة. يتمثل دور الطبيعة في جزأين. تخصص الطبيعة متغيرًا عشوائيًّا لكل لاعب، وهو المتغير الذي قد يتخذ قيمة من أنواع مختلفة (مثلًا: قد ينتمي اللاعب «أ» إلى النوع «س»، أو «ص»، أو «ع»)، كما تربط بعض الاحتمالات بتلك الأنواع. يحدد نوع اللاعب دالة الفائدة العائدة على ذلك اللاعب، ويمثل الاحتمال المصاحب للنوع احتمال أن ذلك اللاعب (الذي جرى تحديد هذا النوع له) يمثِّل هذا النوع. تشير حالة عدم اليقين هذه إلى أن هناك لاعبًا واحدًا على الأقل لا يعرف نوع اللاعب الآخر، والدالة المقابلة للفائدة العائدة على ذلك اللاعب. بناءً عليه، يمتلك اللاعبون بعض المعتقدات المبدئية حول نوع كل لاعب وإن كانوا في حاجة إلى مراجعة هذه الأنواع أثناء اللعبة، بناءً على الحركات الجديدة. وبجعل حركات الطبيعة (غير المعروفة) مصدر غياب المعلومات حول النوع؛ ومن ثَمَّ الفوائد العائدة لواحد من اللاعبين على الأقل، يمكن تحويل ألعاب المعلومات غير المكتملة إلى ألعاب معلومات غير مثالية. ربما يمكن أيضًا تحقيق توازُن ناش في ألعاب المعلومات غير المثالية ومن ثَمَّ تعميمها على حالات توازن بايز-ناش لألعاب المعلومات غير المكتملة.
متى كانت المعلومات غير كاملة أو غير مثالية، هناك حاجة عامة إلى القدرة على الحصول على المعلومات الغائبة قدر الإمكان — سواء عن اللاعبين (الأنواع، الاستراتيجيات، أو الفوائد) أو عن تاريخ اللعبة — عن طريق «توقع الماضي» من خلال المعلومات المتوافرة، للحصول على المعلومات الغائبة. تجري عملية الاستدلال العكسي هذه من خلال التفكير البايزي.
(?) المعلومات البايزية

باعتبارها أحد فروع نظرية الاحتمالات، هناك تطبيقات عديدة للبايزية وكان من الممكن عرضها في فصول أخرى. تجري مناقشة البايزية هنا لأنها تساعدنا على فهم كيف يمكن للعوامل الفاعلة التي تفتقر إلى المعلومات مراجعة معلوماتها أو تحديثها في سياق ديناميكي يجري فيه تعديل مسارات سلوكها مع توافر المزيد من المعلومات.
لنبدأ بذكر مثال بسيط. تتلقى «جيل»، ابنة جون، العديد من رسائل البريد الإلكتروني، ولا تُصاب سوى نسبة قليلة منها (قل ??) ببعض فيروسات البرامج. تستخدم جيل برنامجًا مضادًّا للفيروسات موثوقًا به، وهو برنامج ناجح بنسبة ???. بعبارة أخرى: يخطئ البرنامج فيما نسبته ?? فقط. وهذا البرنامج لا يمحو رسائل البريد الإلكتروني المصابة بالفيروس، وإنما يتم التخلص منها في ملف منعزل خاص تستطيع جيل فحصه. ترغب جيل في معرفة كم من المرات يجب أن تفحص الملف بحثًا عن الملفات السليمة. يتمثل السؤال الذي تسأله جيل ضمنيًّا في: «ما هو احتمال أن (= الرسالة مصابة)، بحسب المعطى (= جرى حجب الرسالة المصابة عن طريق البرنامج المضاد للفيروسات وتحويلها إلى ملف العزل) عندما تُصاب ?? في المتوسط، من رسائل البريد الإلكتروني بالفيروس ويكون البرنامج المضاد للفيروسات ناجحًا بنسبة ???؟» حددت جيل طريقة لامتلاك (تعلُّم) المعلومة الغائبة ستساعدها في تبني الاستراتيجية الصحيحة. إذا كان هناك احتمال ضعيف للغاية بأن تكون بعض رسائل البريد الإلكتروني غير المصابة في ملف العزل، فستفحص جيل الملف من وقت إلى آخر. كيف ستستطيع جيل الحصول على هذه المعلومة؟ تتمثل الإجابة في استخدام الأسلوب البايزي. كان توماس بايز (????–????) كاهنًا في الكنيسة المشيخية، وعالم رياضيات إنجليزيًّا أدت بحوثه — التي نُشرت بعد وفاته — في مجال الاحتمالات إلى ما يُعرف الآن باسم نظرية بايز وإلى ظهور فرع جديد من تطبيقات نظرية الاحتمالات. تحسب النظرية الاحتمالية اللاحقة لحدث في ظل وجود حدث (بعبارة أخرى: احتمال ) بناءً على الاحتمال السابق لحدوث (أي: احتمال ) تخبرنا النظرية، بشكل أساسي، عن نوع المعلومات التي يمكن توقعها بأثر رجعي. للتعريف بنظرية بايز، لنعد إلى مثالنا. ترغب جيل في معرفة ما يجب أن تقوم به، غير أنه ينقصها المعلومات الأساسية. لا تمتلك جيل معلومات كافية. إذا كانت جيل تستطيع معرفة احتمال إصابة البريد الإلكتروني بالفيروسات — بالنظر إلى أن البريد الإلكتروني جرى نقله إلى ملف العزل — فستستطيع جيل اتخاذ مسار التصرف الصحيح. تقرر جيل إجراء اختبار مثالي على مليون رسالة بريد إلكتروني. الشكل رقم ?-? يبين نتيجة ذلك. تبلغ نسبة احتمال إصابة رسالة بريد إلكتروني قبل حجبها عن طريق البرنامج المضاد للفيروسات ??، بينما تبلغ نسبة احتمال إصابة رسالة بريد إلكتروني بالفعل في ملف العزل ???. هكذا حصلت جيل على المعلومات الجديدة ذات الصلة اللازمة لتعديل مسار تصرفها. يجب على جيل فحص ملف العزل بصورة دورية. شكل ?-?: تطبيق بسيط لنظرية بايز، مقتبسة وأُعيد إصدارها بتصريح من مايكل شور، «تطبيق قاعدة بايز».
تصوغ نظرية بايز طريقة تفكير جيل من خلال المعادلة المعروفة التالية: SPECIAL_IMAGE-EPUB/Images/equation44.svg-REPLACE_ME
لنفكك الآن ما تقوله نظرية بايز: جيل فتاة ذكية بينما ماجي — صديقتها — ليست كذلك. تستخدم ماجي نفس البرنامج المضاد للفيروسات وتتلقى نفس عدد الرسائل تقريبًا ونفس عدد الإصابات تقريبًا، لكنها تُصاب بالدهشة عندما تُبيِّنُ لها جيل أنها يجب أن تفحص ملف العزل بصورة دورية. تظن ماجي أن في حال إصابة البريد الإلكتروني، سيتولى البرنامج المضاد للفيروسات حجبه، وبما أن ملف العزل يحتوي على رسائل بريد إلكتروني حجَبَها البرنامج المضاد للفيروسات، فيجب أن تكون جميع الرسائل في الملف مصابة بالفيروسات. بعبارة أخرى: تظن ماجي أن في حال حدوث ستحدث ، و مُعطى؛ ومن ثَمَّ تحدث . تشرح جيل لماجي أن الاستدلال السابق يعتبر خطأً منطقيًّا شائعًا (مغالطة)، على أنها يجب ألا تشعر بسخافة ما توصلت إليه على الإطلاق. لنُعِدِ النظر في نظرية بايز، انظر إلى المعادلة ، حيث تعتبر (المُكمِّل المطلق) تمثيلًا آخر لنفي . تشير إلى احتمال أن يحجب البرنامج المضاد للفيروسات البريد الإلكتروني عندما يكون البريد الإلكتروني غير مصاب . هَبْ أن لدينا برنامجًا مضادًّا للفيروسات مثاليًّا؛ أي إنه لا يخطئ الفيروسات. لن يصدر عن هذا البرنامج أي نتائج إيجابية خاطئة بالإصابة (لا أخطاء). غير أنه إذا لم تكن ثمة نتائج إيجابية خاطئة — بعبارة أخرى، إذا كان — إذن وستنخفض قيمة نظرية بايز إلى مجرد معنًى مزدوج؛ تحدث إذا — وإذا فقط — حدثت ، و مُعطًى؛ إذن ستحدث ، وهو ما لا يعتبر مغالطة بل قد يمثل ما كان يدور في رأس ماجي. على الجانب الآخر، إذا كانت هناك بعض النتائج الإيجابية الخاطئة بوجود إصابة — بعبارة أخرى، إذا كان — إذن وتشبه المعادلة المغالطة هنا كثيرًا، وهو ربما ما كان يدور في ذهن ماجي أيضًا. أيما كان الأمر، سلكت ماجي طريقًا مختصرًا (تغاضت عن الاحتمالات) للتركيز على نوع المعلومات التي قد تستطيع استخلاصها من وجود تلك الرسائل في ملف العزل. وبناءً على النصيحة الحكيمة بأنها من الأفضل لها أن تكون في مأمن من الفيروسات على أن تأسف على الإصابة، تعاملت ماجي مع محتوى الملف بأكمله باعتباره محتوًى خطرًا. كان من نتيجة ذلك أن ماجي أكثر حذرًا (تثِق ماجي في أعداد من رسائل البريد الإلكتروني أقل بكثير ممَّا تثق به جيل) بأن كانت أكثر اتصالًا بالبيئة منطقيًّا (تعتمد ماجي على أسلوب التفكير، الذي على الرغم من مغالطته يمكن إعادة تدويره لتوفير وسيلة سريعة وملتوية لاستخلاص المعلومات المفيدة من بيئتها). إذا كان هذا المثال لا يزال غير واضح، فربما نضرب مثلًا آخر للقارئ. يعلم جون أن المحرك لن يعمل في حال فراغ البطارية. لسوء الحظ لم يعمل المحرك؛ لذا يهاتف جون ورشة الصيانة. يخبر الميكانيكي جون أنه في ظل حقيقة أن البطارية حين تكون فارغة فإن المحرك بالتالي لا يعمل، وبما أن المحرك لا يعمل، لا بد وأن تكون هذه حالة فراغ البطارية. تعلَّم جون درسه البايزي من ابنته جيل؛ لذا يعلم أن منطق الميكانيكي مغلوط، إلا أنه يعلم أيضًا أن هذه المنطق دقيق إلى حدٍّ ما، باعتبار أن ذلك يُعَدُّ سبيلًا مختصرًا يضع الأمور في نصابها معظم الوقت، وأنه في المتوسط يعود سبب عدم عمل المحركات على الإطلاق وانعدام صوته وغير ذلك من الملاحظات، إلى فراغ البطاريات تمامًا. لقد اتخذ الميكانيكي طريقًا مختصرًا، لكنه كان عليه أن يضيف كلمة «ربما».

الفصل الثامن
أخلاقيات المعلومات


توشك رحلتنا عبر المفاهيم المتنوعة للمعلومات أن تكتمل. بدأنا بالنظر في ثورة المعلومات، وسنرى الآن بعض تداعياتها الأخلاقية.
بيَّنت الفصول السابقة بعض التحوُّلات المهمة التي جلبتها تكنولوجيات المعلومات والاتصالات إلى حياتنا. تعتبر الحياة الأخلاقية لعبة كثيفة المعلومات؛ لذا تفضي أي تكنولوجيا تغيِّر «حياة المعلومات» بصورة جذرية إلى آثار أخلاقية عميقة على أي لاعب أخلاقي. تذكَّر أننا نتحدث عن ثورة وجودية، ليس فقط تغييرًا في تكنولوجيا الاتصالات. لا تضيف تكنولوجيات المعلومات والاتصال — من خلال تغيير السياق الذي تبرز فيه الموضوعات الأخلاقية تغييرا جذريًّا — أبعادًا جديدة شائقة إلى المشكلات القديمة، بل تؤدي بنا إلى إعادة التفكير — منهجيًّا — في الأسس نفسها التي تقوم عليها مواقفنا الأخلاقية. لنر كيف يحدث ذلك.
(?) أخلاقيات المعلومات بصفتها أخلاقيات بيئية جديدة

شكل ?-?: نموذج المورد-المنتج-الهدف «الخارجي».
تؤثِّر تكنولوجيات المعلومات والاتصال على الحياة الأخلاقية للعامل الفاعل بطرق متعددة. للتبسيط، يمكن تنظيم تكنولوجيات المعلومات والاتصال تخطيطيًّا وفق ثلاثة مسارات على النحو التالي: هب أن الفاعل الأخلاقي «أ» حريص على مواصلة ما يعتبره أفضل مساراته، بالنظر إلى حالته. سنفرض أن تقييمات الفاعل «أ» وتفاعلاته تحظى بقيمة أخلاقية «ما»، وإن لم تكن ثمة حاجة إلى تحديد قيمة محددة في هذه المرحلة. بداهةً، قد يستفيد «أ» ببعض المعلومات لنفسه (المعلومات بصفتها «موردًا») لتوليد بعض المعلومات الأخرى (المعلومات بصفتها «منتجًا») وبعمل ذلك، تتأثر بيئته المعلوماتية (المعلومات بصفتها «هدفًا»). سيساعد هذا النموذج البسيط، الذي يلخصه الشكل ?-?، في توجيهنا بعض الشيء في الموضوعات المتعددة التي تنتمي إلى مجال أخلاقيات المعلومات. سأشير إلى هذا النموذج باسم نموذج المورد-المنتج-الهدف. يفيد نموذج المورد-المنتج-الهدف في تصحيح التركيز الزائد في بعض الأحيان على بعض التكنولوجيات بعينها (يحدث هذا بصورة ملحوظة في مجال أخلاقيات «الكمبيوتر»)، من خلال تسليط الضوء على الظاهرة الأكثر جوهرية للمعلومات في جميع تنويعاتها وتاريخها الطويل. كان ذلك أيضًا هو موقف وينر، وتتعلق الصعوبات الكثيرة التي يجري مواجهتها في الأسس المفهومية لأخلاقيات الكمبيوتر بعدم الاعتراف بَعدُ بأخلاقيات الكمبيوتر باعتبارها أخلاقيات بيئية في المقام الأول، ومجال اهتمامها الرئيسي يجب أن يكون الإدراة البيئية وسلامة الحيز المعلوماتي.
منذ ظهور الأعمال الأولى في ثمانينيات القرن العشرين، كانت أخلاقيات المعلومات تدور حول دراسة الموضوعات الأخلاقية المنبثقة عن أحد «أسهم المعلومات» الثلاثة المختلفة في نموذج المورد-المنتج-الهدف.
(?) أخلاقيات المعلومات بصفتها موردًا

دعنا نتدبَّر أولًا الدور المحوري الذي تلعبه المعلومات كمورد بالنسبة إلى عمليات التقييم الأخلاقية التي يقوم بها «أ» وأفعاله. تتضمن عمليات التقييم والأعمال الأخلاقية مكوِّنًا معرفيًّا؛ إذ ربما يُتوقع أن يسعى «أ» إلى مواصلة التصرف وفقًا «لأفضل ما لديه من معلومات»، بمعنى تحقيق أفضل استفادة من أي معلومات يستطيع جمعها من أجل بلوغ نتائج (أفضل) حول ما يمكن وما يجب أن يجري في بعض الظروف. دفع سقراط بأن الفاعل الأخلاقي حريص بالسليقة على اكتساب أكبر قدر ممكن من المعلومات كلما تطلَّبت الظروف ذلك، وأن الفاعل المُطَّلع سيفعل الأمر الصائب على الأرجح. تحلِّل «العقلانية الأخلاقية» الشر والسلوك الخاطئ أخلاقيًّا باعتبارهما نتاج معلومات معيبة. في المقابل، تنحو «المسئولية» الأخلاقية إلى أن تتناسب طرديًّا مع درجة المعلومات المتوافرة لدى «أ»، حيث يقابل أي انخفاض في المعلومات عادةً لدى «أ» انخفاض في المسئولية الأخلاقية لديه. هذا هو المعنى الذي تدخل وفقه المعلومات في عباءة الدليل القضائي، وهو أيضًا المعنى الذي يجري الحديث فيه عمَّا يقوم به «أ» من اتخاذ القرار القائم على المعلومات، أو الموافقة القائمة على المعلومات، أو المشاركة القائمة على المعلومات. في الأخلاقيات المسيحية — على سبيل المثال — حتى أسوأ الخطايا يمكن غفرانها في ضوء نقص المعلومات لدى المذنب، وبما أنه من الممكن أن نتخيل تقييمًا للموقف معاكسًا للواقع إذا قلنا إنه في حال إبلاغ «أ» بالمعلومات كما يجب، فإن «أ» كان سيتصرف بصورة مختلفة؛ ومن ثَمَّ لم يكن ليرتكب الخطيئة (لوقا ???:???). في سياق علماني، يذكرنا أوديب وماكبث كيف قد تؤدي عملية سوء إدارة الموارد المعلوماتية إلى نتائج مأساوية.
من منظور «الموارد»، يبدو أن الماكينة الأخلاقية تحتاج إلى معلومات — بل الكثير منها — حتى تعمل كما يجب. غير أنه حتى ضمن الإطار المحدود الذي يتبناه تحليل يعتمد فقط على المعلومات كمورد، وهو ما يمثل مجرد رؤية دلالية للحيز المعلوماتي، يجب توخي الحذر؛ تحسبًا لاختذال الخطاب الأخلاقي إلى الفروق الدقيقة التي تخص الكم الكبير أو الجودة العالية أو المفهومية للموارد المعلوماتية. لا تعتبر قاعدةُ كلما كانت المعلومات أكثر كان ذلك أفضل القاعدةَ العامة الوحيدة أو الفضلى؛ إذ قد يصنع السحب (الظاهر والواعي في بعض الأحيان) للمعلومات فرقًا كبيرًا. ربما يحتاج «أ» إلى غياب (أو منع نفسه من الاطلاع على) بعض المعلومات بغرض تحقيق غايات مرغوبة أخلاقيًّا، مثل: حماية سرية الأشخاص، أو ترسيخ المعاملة العادلة، أو إجراء تقييم موضوعي. وطبقًا لجون راولز صاحب مفهوم «حجاب الجهل» يستغل هذا المفهوم على نحو معروف هذا الملمح للمعلومات بصفتها موردًا، من أجل وضع منهج موضوعي للعدل في إطار العدالة. ليست مسألة الاطَّلاع أمرًا محمودًا دائمًا، بل ربما تكون خطأً أو خطرًا من الناحية الأخلاقية.
وسواء أكان الوجود (الكمي والكيفي) أو الغياب (الكامل) للمعلومات بصفتها موردًا محلًّا للسؤال، ثمة سبب وجيه للغاية في أن توصف أخلاقيات المعلومات بأنها دراسة الموضوعات الأخلاقية الناشئة عن كلٍّ من إتاحة الموارد المعلوماتية، وإمكانية الوصول إليها، ودقتها، وذلك بصرف النظر عن شكل هذه الموارد، ونوعها، ودعمها المادي. ممَّا نعده من الأمثلة على الموضوعات في أخلاقيات المعلومات كموارد ما يُطلق عليه اسم «الفجوة الرقمية»، ومشكلة «التخمة المعلوماتية»، وتحليل الاعتمادية والوثوقية في مصادر المعلومات.
(?) أخلاقيات المعلومات بصفتها منتجًا

معنًى ثانٍ وثيق الصلة تلعب فيه المعلومات دورًا أخلاقيًّا مهمًّا؛ ألا وهو المعلومات بصفتها «منتجًا» لعمليات التقييم الأخلاقية التي يقوم بها «أ» وأفعاله. لا يعتبر «أ» مستهلكًا للمعلومات فقط، بل هو أيضًا منتج للمعلومات، ربما يخضع إلى قيود فيما ينتهز الفرص. تتطلب تلك القيود والفرص تحليلًا أخلاقيًّا. من هنا، ربما تغطي أخلاقيات المعلومات — كما نفهمها الآن كأخلاقيات معلومات بصفتها منتجًا — الموضوعات الأخلاقية المنبثقة، على سبيل المثال: في سياق «المحاسبة»، «المسئولية»، «قضايا التشهير»، «الشهادة»، «السرقات الأدبية»، «الإعلان»، «الدعاية»، «إيصال المعلومات الخاطئة»، وبصورة عامة «القواعد العملية للاتصال». يعتبر تحليل لا أخلاقية «الكذب» الذي طرحه إيمانويل كانط (????–????) أحد أفضل دراسات الحالة في الكتابات الفلسفية المتعلقة بهذا النوع من أخلاقيات المعلومات. تذكرنا كاسندرا ولاوكون، في تحذيرهما العبثي للطرواديين من الحصان الخشبي لليونانيين، بما قد تؤدي إليه الإدارة غير الفعالة للمنتجات المعلوماتية من عواقب مأساوية.
(?) أخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا

بصرف النظر عن مدخلات «أ» من المعلومات (الموارد المعلوماتية) والمخرجات (المنتجات المعلوماتية)، هناك معنًى ثالث ربما تخضع فيه المعلومات إلى تحليل أخلاقي، تحديدًا عندما تؤثر عمليات تقييم وأفعال «أ» الأخلاقية على البيئة المعلوماتية. تشمل أمثلة ذلك احترام «أ»، أو انتهاكه، خصوصية أو سرية معلومات شخص آخر. ومثال جيد آخر ألا وهو «القرصنة»؛ لأنها بمثابة الاطِّلاع غير المصرَّح به على نظام معلومات (مميكن عادةً). ومن الشائع اعتبار القرصنة على نحو غير صحيح إحدى المشكلات التي تجب مناقشتها في الإطار المفهومي لأخلاقيات الموارد المعلوماتية. وهي بذلك خطأ في التصنيف يسمح للقرصان بالدفاع عن موقفه من خلال الدفع بعدم استخدام المعلومات التي تم الدخول إليها (دع عنك إساءة استخدامها). إلا أن القرصنة — بمفهومها الصحيح — هي أحد أشكال انتهاك الخصوصية. محل السؤال الآن لا يتمثل فيما إذا كان «أ» يستخدم المعلومات التي جرى الاطِّلاع عليها دون تصريح، بل ما يعنيه أن يدخل «أ» إلى البيئة المعلوماتية دون تصريح. لذا ينتمي تحليل القرصنة إلى أخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا. تشمل الموضوعات الأخرى ذات الصلة هنا «الأمن»، «تخريب الممتلكات» (من حرق المكتبات والكتب إلى نشر الفيروسات)، «القرصنة»، «الملكية الفكرية»، «تطبيقات المصدر المفتوح»، «حرية التعبير»، «الرقابة»، «الترشيح»، و«رقابة المحتوى». يعتبر كتاب «عن حرية الفكر والحوار» لمؤلِّفه جون ستيوارت مِل (????–????) أحد الكتب الكلاسيكية حول أخلاقيات المعلومات والذي تم تفسيرها بأخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا. تبين جولييت من خلال محاكاة موتها، وهاملت من خلال تمثيل الإعداد لقتل أبيه؛ كيف قد تؤدي الإدارة غير الآمنة لبيئة المعلومات إلى عواقب مأساوية.
(?) أوجه قصور أي نهج لدراسة أخلاقياتالمعلومات على المستوى المصغر

مع نهاية هذا العرض العام، يبدو أن نموذج المورد-المنتج-الهدف قد يساعد المرء في الحصول على بعض التوجيه المبدئي في عدة موضوعات تنتمي إلى التفسيرات المختلفة لأخلاقيات المعلومات. لكن رغم مميزات هذا النموذج، يمكن نقده باعتباره غير كافٍ من وجهتين:
من جانب: يعتبر النموذج تبسيطيًّا للغاية. يمكن الدفع بأن العديد من الموضوعات المهمة تنتمي «بصورة رئيسية وليس حصريًّا» إلى تحليل أحد «الأسهم المعلوماتية» وأحدها فقط. ربما يكون القارئ قد أعمَل فكرَه في العديد من الأمثلة التي تبين المشكلة. فشهادة أحد الأشخاص قد تعتبر معلوماتٍ موثوقًا بها عند شخص آخر. بينما قد تتحدد مسئولية «أ» عن طريق المعلومات المتوافرة لديه، ربما تتعلق المسئولية أيضًا بالمعلومات التي ينتجها «أ»، حيث تؤثر الرقابة على «أ» باعتباره مستخدمًا للمعلومات ومنتجًا لها. إن تشويه المعلومات (بعبارة أخرى: الإنتاج والتوزيع العمدي لمفاهيم خاطئة ومضللة) لهو مشكلة أخلاقية تتعلق «بالأسهم المعلوماتية» الثلاثة جميعها، كما تؤثر حرية التعبير أيضًا على توافر المحتوى المسيء (مثلًا: مواد الأطفال الإباحية، والمحتوى الذي يتَّسم بالعنف، والعبارات المؤذية اجتماعيًّا، وسياسيًّا، ودينيًّا) وهو ما قد يشكل موضع مساءلة أخلاقية ويجب عدم تداوله.
على الجانب الآخر، ليس النموذج شاملًا بما يكفي، حيث إن هناك موضوعات مهمة أخرى لا يمكن وضعها بسهولة على الخريطة على الإطلاق؛ نظرًا لأنها تنبثق من — أو تعتمد ضمنيًّا على — التفاعلات بين «الأسهم المعلوماتية». ربما يكفي هنا مثالان مهمان. «الأخ الأكبر»، بمعنى مشكلة «المراقبة» و«التحكم» في معلومات قد تهم «أ»، والنقاش حول ملكية المعلومات (بما في ذلك حقوق التأليف والنشر، وسَنُّ قوانين براءات الاختراع) و«الاستخدام العادل» الذي يؤثر على المستخدمين والمنتجين، في الوقت الذي يشكِّل بيئتهم المعلوماتية.
لذا يعتبر النقد معقولًا. وحقيقةً لا يعتبر نموذج المورد-المنتج-الهدف نموذجًا كافيًا، إلا أن سبب عدم كفايته وكيفية تحسينه أمران مختلفان. وعلى الرغم من فائدة هذا التحليل الثلاثي إلى حَدٍّ ما إلا أنه ليس مُرضيًا، ويرجع ذلك على وجه الدقة إلى أن أي تفسير لأخلاقيات المعلومات يعتمد على واحد فقط من «الأسهم المعلوماتية» يعتبر اختزاليًّا إلى حَدٍّ كبير. مثلما تؤكد الأمثلة المذكورة عاليَه، يواجه من يدعمون التفسيرات الضيقة لأخلاقيات المعلومات بصفتها «أخلاقيات مصغَّرة أي على مستوى الفرد» (بعبارة أخرى: أخلاقيات عملية، محددة المجال، تطبيقية، ومهنية) مشكلة عدم القدرة على التكيُّف مع عدد كبير من الموضوعات ذات الصلة، والتي تبقى مبهمةً أو غير مفهومة. يبين النموذج أن النسخ ذات الخصوصية من أخلاقيات المعلومات، والتي تفضِّل بعض الأوجه المحدودة فقط «لدورة المعلومات»، غير مرضية. يجب عدم استخدام النموذج في الزَّجِّ بالمشكلات في تصنيفات ضيقة، وهو ما يُعد أمرًا مستحيلًا. وإنما علينا استغلال النموذج باعتباره وسيلةً مفيدة يمكن إبدالها، في ضوء ظهور مناهج أكثر شمولًا في تناول أخلاقيات المعلومات بصفتها «أخلاقيات واسعة النطاق»؛ أي أخلاقيات نظرية، لا تعتمد على مجال محدد، وقابلة للتطبيق.
يحتاج أي منهج أكثر شمولًا في تناول أخلاقيات المعلومات إلى اتخاذ ثلاث خطوات؛ فيجب أن يجمع المنهج «الأسهم المعلوماتية» الثلاثة معًا، كما يجب أن يأخد المنهج في الاعتبار دورة المعلومات بأسرها، ويجب الأخذ على محمل الجد النقلةَ الوجودية في طبيعة الحيز المعلوماتي التي جرى التأكيد عليها في الفصل الأول. يعني ذلك التحليل المعلوماتي لجميع الكيانات المتضمنة (بما في ذلك الفاعل الأخلاقي «أ») وتغيراتها، وأفعالها، وتفاعلاتها، وعدم اعتبارها في معزل عن البيئة المعلوماتية التي تنتمي إليها، وإنما هي جزء منها لأنها هي نفسها نظم معلوماتية. بينما لا تشكِّل الخطوتان الأوليان أي مشكلات — وربما يمكن استخدامهما في المناهج الأخرى التي تتناول أخلاقيات المعلومات — تشكل الخطوة الثالثة عاملًا حاسمًا لكنها تتضمن «تحديثًا» في المفهوم الوجودي «للمعلومات» محل البحث. بدلًا من قصر التحليل على المحتويات الدلالية (الصحيحة) — مثلما يحدث حتمًا في أي تفسير ضيق لأخلاقيات المعلومات بصفتها أخلاقيات مصغرة — يتعامل المنهج البيئي لأخلاقيات المعلومات «أيضًا» مع المعلومات بصفتها كيانًا كذلك. بعبارة أخرى: ننتقل من مفهوم معرفي أو دلالي شامل لأخلاقيات المعلومات — التي قد تتساوى فيه المعلومات تقريبًا مع الأخبار أو المحتويات — إلى مفهوم وجودي يتعامل مع المعلومات بصفتها تكافئ أنماطًا أو كيانات في العالم الواقعي. وبناءً عليه، في النمط المعدَّل لنموذج المورد-المنتج-الهدف، الذي يمثله الشكل ?-?، يتجسد الفاعل ويجري تضمينه باعتباره عاملًا فاعلًا معلوماتيًّا أو كائنًا معلوماتيًّا في بيئة معلوماتية مماثلة. شكل ?-?: نموذج المورد-المنتج-الهدف «الداخلي»: الفاعل «أ» متضمن داخل الحيز المعلوماتي على نحو صحيح.
ربما تساعد مشابهة بسيطة في عرض هذا المنظور الجديد. تصور النظر إلى العالم بأسره من منظور كيميائي. حيث يحقق كل كيان وعملية صيغة كيميائية محددة. على سبيل المثال: يتألف الإنسان أساسًا من الماء. ننتقل الآن إلى المنظور المعلوماتي. سيجري وصف الكيانات نفسها بأنها مجموعات بيانات، بعبارة أخرى: باعتبارها أشياء معلوماتية. بصورة أكثر دقة، سيمثل الفاعل «أ» (مثل أي كيان آخر) حزمة مستقلة، مكتفية بذاتها، شاملة تتضمن (?) هياكل البيانات المناسبة، التي تشكِّل طبيعة الكيان محل البحث. بعبارة أخرى: حالة الشيء، هويته الفريدة، وصفاته؛ و(?) مجموعة من العمليات، والوظائف، والإجراءات، التي يجري تنشيطها من خلال تفاعلات أو مؤثرات متنوعة (أي الرسائل التي يجري تلقيها من الأشياء أو التغيرات الأخرى في داخلها نفسها)، وتحدد بالتالي كيفية تصرف أو ردود فعل الأشياء. عند هذا المستوى من التحليل، ترتقي النُّظم المعلوماتية بهذا الشكل، بدلًا من كونها مجرد أنظمة حية بصفة عامة إلى دور العوامل الفاعلة والمفعول بها لأي عمل، مع وصف موازٍ للعمليات، والتغييرات، والتفاعلات البيئية معلوماتيًّا.
يغير فهم طبيعة أخلاقيات المعلومات وجوديًّا — لا معرفيًّا — من تفسير «مجالها». لا تقتصر أخلاقيات المعلومات البيئية على اكتساب رؤية عالمية لدورة المعلومات الكاملة؛ ومن ثَمَّ تتجاوز حدود المناهج الأخلاقية المصغرة الأخرى، بل يمكنها أيضًا أن تكتسب دورًا باعتبارها أخلاقيات موسعة شاملة. بعبارة أخرى، باعتبارها أخلاقيات تتعلق بعالم الواقع بأسره، مثلما هو مبيَّن في القسم التالي.
(?) أخلاقيات المعلومات بصفتها أخلاقيات موسعة

إحدى الطرق المباشرة في التعريف بأخلاقيات المعلومات بصفتها منهاجًا عامًّا في تناول الموضوعات الأخلاقية هي مقارنتها بالأخلاقيات البيئية. تعتمد الأخلاقيات البيئية في تحليلها للوضع الأخلاقي للكيانات والنظم البيئية البيولوجية على القيمة الجوهرية «للحياة»، وعلى القيمة السلبية الجوهرية «للمعاناة». إنها طريقة تعظم من أهمية دور الكائنات الحية الأخرى بخلاف الإنسان، وتسعى إلى تطوير أخلاقيات تهتم بالكائنات المفعول بها، وقد لا يكون هذا «المفعول به» بشرًا فقط بل أي شكل من أشكال الحياة. في حقيقة الأمر، تمتد أخلاقيات الأرض في مفهومها عن المفعول به ليشمل أي مكون للبيئة، ومن ثَمَّ تقترب أكثر من المنهج الذي تدعمه أخلاقيات المعلومات. يتمتع أي شكل من أشكال الحياة ببعض الخصائص الأساسية أو المصالح الأخلاقية التي تستأهل وتتطلب الاحترام، على الأقل وفق الحد الأدنى، ونسبيًّا — أي وفق معنًى يمكن تجاوزه — عند مقارنتها بالمصالح الأخرى. لذا، تشير الأخلاقيات التي تُعظم من أهمية الكائنات الحية الأخرى إلى أن طبيعة وسلامة المفعول به (المتلقي) في أي عمل تشكِّل (على الأقل جزئيًّا) موقفه الأخلاقي، وأن الموقف الأخلاقي يؤثر تأثيرًا كبيرًا على الفاعل المتفاعل. يجب أن تسهم هذه الادِّعاءات من حيث المبدأ في توجيه القرارات الأخلاقية للعامل الفاعل وفي تقييد السلوك الأخلاقي له. يقع «مُتلقي» العمل، أو المفعول به، في القلب من الخطاب الأخلاقي، باعتباره مركزًا للاهتمام الأخلاقي، بينما ينتقل «ناقل» أي عمل أخلاقي — أو الفاعل — إلى هامشه.
الآن ضع كلمة «الوجود» محل كلمة «الحياة» وسيصبح جليًّا ما تعنيه أخلاقيات المعلومات. تمثِّل أخلاقيات المعلومات أخلاقيات بيئية تتمحور حول المتلقي لكنها تجعل «التمحور حول الوجود» يحل محل «التمحور حول الكائنات الحية». تشير أخلاقيات المعلومات إلى أن ثمة شيئًا أكثر جوهرية من الحياة، ألا وهو «الوجود»؛ أي وجود وازدهار جميع الكيانات وبيئتها العالمية، بل ثمة شيء أكثر جوهرية من المعاناة؛ ألا وهو تحديدًا «الإنتروبي». الإنتروبي هنا ليس مفهومَ الإنتروبي الحراري الذي جرت مناقشته في الفصل الخامس، بمعنى مستوى الاختلاط في أحد النُّظم. بل يشير الإنتروبي هنا إلى أي نوع من «دمار»، و«فساد»، و«تلوث»، و«نضوب» الأشياء المعلوماتية (العقل، وليس فقط المعلومات بصفتها محتوًى دلاليًّا). بعبارة أخرى: أي شكل من أشكال إفقار الواقع. توفِّر أخلاقيات المعلومات إذن مفردات مشتركة لفهم عالم «الوجود» بأسره معلوماتيًّا. يشير مفهوم أخلاقيات المعلومات إلى أن «الوجود»/المعلومات يحظى بقيمة جوهرية. تدعم أخلاقيات المعلومات هذا الموقف من خلال إدراك أن أي كيان معلوماتي لديه حق الاستمرار على حالته، وحق الازدهار، بمعنى تحسين وإثراء وجوده وجوهره. بناءً على هذه «الحقوق»، تقيِّم أخلاقيات المعلومات واجب أي فاعل أخلاقي في إطار المساهمة في نمو «الحيز المعلوماتي»، وأي عملية، أو عمل، أو حدث يؤثر سلبًا على الحيز المعلوماتي بأسره — ليس مجرد الكيان المعلوماتي — في صورة زيادة في مستوى الإنتروبي به، ومن ثَمَّ حالة من الشر. في أخلاقيات المعلومات، يتعلق الخطاب الأخلاقي بأي كيان معلوماتي. بعبارة أخرى: ليس فقط بجميع الأشخاص، وثقافتهم، ورخاءهم، وبالتفاعلات الاجتماعية، وليس فقط بالحيوانات، والنباتات، وحياتها الطبيعية المناسبة، بل أيضًا بأي شي موجود — من اللوحات والكتب إلى النجوم والأحجار — وأي شيء قد يوجد أو سيوجد، مثل الأجيال القادمة، وأي شيء كان موجودًا ولم يعد كذلك، مثل الأسلاف أو الحضارات القديمة. إن أخلاقيات المعلومات تتسم بالموضوعية والعمومية؛ نظرًا لأنها تستكمل عملية التوسُّع في مفهوم ما يمكن اعتباره مركزًا (مهما كان ضئيلًا) لأي ادِّعاء أخلاقي استكمالًا تامًّا، وهو ما يشمل حاليًّا جميع أمثلة «الوجود» من الناحية المعلوماتية، سواء جرى تنفيذها ماديًّا أو لا. في هذا المقام، تشير أخلاقيات المعلومات إلى أن كل كيان، بوصفه تعبيرًا عن «الوجود»، له كرامة، يشكِّلها نمط وجوده وجوهره (مجموع الخصائص الأساسية كافة التي تشكل هذا الكيان وتجعله ما هو عليه)، ويستأهل الاحترام (على الأقل في الحد الأدنى وفيما يمكن التغاضي عنه)؛ ومن ثَمَّ تحمِّل أخلاقيات المعلومات الفاعل المتفاعل ادِّعاءات أخلاقية، ويجب أن تسهم في تقييد قراراته وسلوكه الأخلاقي وتوجيهها. يشير «مبدأ المساواة الوجودي» هذا إلى أن أي شكل من أشكال الواقع (أي مثال من أمثلة المعلومات/«الوجود»)، لمجرد كونه ما هو عليه، يحظى بحق أدنى، مبدئي، مهم في الوجود وفي التطور على نحو يلائم طبيعته. يفترض الإدراك الواعي لمبدأ المساواة الوجودية افتراضًا مسبقًا توافُرَ حكم موضوعي للموقف الأخلاقي من منظور موضوعي، بمعنى أنه منظور غير متمحوِر حول الإنسان كأهم كائن في الكون قدر الإمكان، وبدون توافر هذة القيمة المعرفية يصبح السلوك الأخلاقي أقل احتمالًا في حدوثه. يتحقق تطبيق مبدأ المساواة الوجودية، متى كانت الأفعال موضوعية، وعامة، و«مراعيةً للآخر». يكمن في أصول هذا المنهج «الثقة الوجودية» التي تجمع العوامل الفاعلة والمفعول بها معًا. تتمثل إحدى الطرق المباشرة لتوضيح مفهوم الثقة الوجودية في عقد مقارنة مع مفهوم «العقد الاجتماعي».
تشير الأشكال المتنوعة من التعاقدية (في علم الأخلاق) والعقدية (في الفلسفة السياسية) إلى أن الالتزام الأخلاقي، أو واجب الولاء السياسي، أو عدالة المؤسسات الاجتماعية، تكتسب دعمها من خلال ما يُطلق عليه «العقد الاجتماعي». وقد يكون العقد الاجتماعي اتفاقية افتراضية بين الأطراف التي تشكِّل المجتمع (مثلًا: بين الشعب والحاكم، أو بين أعضاء جماعة ما، أو بين الفرد والدولة). يتفق الأطراف على قبول شروط العقد ومن ثَمَّ يحصلون على بعض الحقوق في مقابل بعض الحريات التي — زعمًا — سينالونها في حالة افتراضية للطبيعة. تمثل الحقوق والمسئوليات للأطراف المشاركة في الاتفاق شروط العقد الاجتماعي، بينما يمثل المجتمع، الدولة، الجماعة … إلخ، الكيانَ الذي جرى إنشاؤه بغرض تفعيل الاتفاقية. لا تثبُت الحقوق والحريات بل قد تتغير، وذلك بناءً على تفسير العقد الاجتماعي.
تميل تفسيرات نظرية العقد الاجتماعي إلى أن تتمحور حول الإنسان بوصفه الكائن الأهم (عن غير وعي عادةً) بصورة كبيرة (يتمثل التركيز على العوامل الفاعلة العقلانية البشرية) والتشديد على الطبيعة القسرية للاتفاق. بينما لا يعتبر هذان الملمحان من سمات مفهوم الثقة الوجودية، إلا أن الفكرة الأساسية للاتفاق الأساسي بين الأطراف باعتباره أساسًا للتفاعلات الأخلاقية يمكن إدراكها. في حالة الثقة الوجودية، يتحول الاتفاق إلى «ميثاق» افتراضي بالكامل، بدائي، يسبق منطقيًّا العقد الاجتماعي، الذي لا تملك جميع العوامل الفاعلة إلا التوقيع عليه عند قدومهم إلى الوجود، وهو الاتفاق الذي يتجدد باستمرار في الأجيال اللاحقة.
في النظام القانوني الإنجليزي، تمثل الثقة كيانًا يمتلك فيه أحد الأشخاص (الموثوق فيه) ويدير الأصول السابقة لشخص (مانح الثقة، أو المانح) لصالح أشخاص أو كيانات محددة (المستفيدين). بصيغة أكثر تحديدًا، الأصول ليست ملكًا لأحد، بما أن مانح الثقة تبرَّع بها، والشخص الموثوق به له حق الملكية القانونية فقط، ولا يمتلك المستفيد سوى حق ملكية مساوٍ لذلك. والآن، يمكن استخدام الشكل المنطقي لهذا الاتفاق لنمذجة الثقة الوجودية، على النحو التالي: يمثل العالم الأصول أو «الذخيرة»، بما في ذلك العوامل الفاعلة والمرضى الحاليين.
يمثل المانحون جميعهم «أجيالًا» ماضية وحالية من العوامل الفاعلة.
يمثل الأشخاص الموثوق فيهم جميعهم عوامل فاعلةً «فردية» حالية.
يمثل المستفيدون جميعهم العوامل الفاعلة والمفعول بها من «الأفراد» الحاليين والقادمين.
مع مجيئه إلى الوجود، يصبح العامل الفاعل ممكنًا، وذلك بفضل وجود الكيانات الأخرى. يصبح العامل الفاعل إذن مقيدًا بكل ما هو موجود فعليًّا، «قسرًا» و«حتميًّا» بل و«رعايةً» أيضًا: «قسرًا»؛ نظرًا لأنه لا يوجد شخص يأتي إلى الوجود طوعًا، على الرغم من أن كل شخص يستطيع — نظريًّا — الخروج طوعًا من الوجود. «حتميًّا»؛ نظرًا لأن الرابط الوجودي قد ينفرط عن طريق العامل الفاعل على حساب عدم الاستمرار في الوجود باعتباره عاملًا فاعلًا. رغم أن الحياة الأخلاقية لا تبدأ من خلال أحد أفعال الحرية، إلا أنه من الممكن أن تنتهي بها. أما جزئية الرعاية، فتتأتى نظرًا لأن المشاركة في الواقع عن طريق أي كيان، بما في ذلك أي فاعل — أي يعتبر أي كيان تعبيرًا لما هو موجود — يوفر الحق في الوجود ويمثل دعوة (لا واجب) لاحترام ورعاية الكيانات الأخرى. لا يتضمن الاتفاق إذن أي قسر، بل علاقة تبادلية من التقدير والعرفان والرعاية، والتي يدعمها الإدراك المتمثل في اعتماد جميع الكيانات على بعضها. يبدأ الوجود من خلال هبة، حتى وإن كانت هبة غير مرغوب بها. يصبح الجنين مستفيدًا فقط من العالم في البداية. بمجرد ميلاده وصيرورته إلى فاعل أخلاقي كامل، سيصبح الجنين مستفيدًا وشخصًا موثوقًا فيه في العالم. سيكون الجنين مسئولًا عن العناية بالعالم، وطالما كان عضوًا في جيل العوامل الفاعلة الحية سيكون مانحًا أيضًا للعالم. بمجرد موته، يترك العامل الفاعل العالم لعوامل فاعلة أخرى من بعده ومن ثَمَّ يصبح عضوًا في جيل المانحين. اختصارًا، تصبح حياة العامل الفاعل الإنساني رحلة من كونه مستفيدًا فقط إلى كونه مانحًا فقط، مارًّا عبر مرحلة كونه عاملًا فاعلًا مسئولًا موثوقًا به في العالم. بينما نبدأ حياتنا العملية كعوامل فاعلة أخلاقية باعتبارنا غرباء عن العالم، يجب أن تنتهي حياتنا العملية باعتبارنا أصدقاء له.
بالتأكيد ستختلف الالتزامات والمسئوليات التي تفرضها الثقة الوجودية بناءً على الظروف، ولكن التوقع هنا — بصورة أساسية — هو أنه سيجري اتخاذ الأفعال أو تجنُّبها في ضوء رفاهة العالم بأسره.
لا يمكن المبالغة في تقدير الأهمية البالغة للتغيير الجذري في المنظور الوجودي. تفشل الأخلاقيات البيولوجية والأخلاقية البيئية في تحقيق مستوى من الموضوعية الكاملة؛ نظرًا لأنها لا تزال متحيزة ضد الكيانات غير العاقلة، والكيانات التي لا حياة فيها، والكيانات غير الملموسة، والكيانات المجردة (حتى الأخلاقيات الأرضية تعتبر منحازة ضد التكنولوجيا والأشياء المصطنعة، على سبيل المثال). من منظورها، يستحق كل ما هو حي بداهةً اعتباره مركزًا ملائمًا للادعاءات الأخلاقية، مهما كانت ضئيلة؛ لذا يفوتها عالم بأسره. يعتبر هذا الآن هو الحد الأساسي الذي تتجاوزه أخلاقيات المعلومات، وهو ما يخفض أكثر من الحد الأدنى الذي يجب تحقيقه، من أجل اعتباره مركزًا للاهتمام الأخلاقي، وصولًا إلى العامل المشترك الذي يشترك فيه أي كيان، ألا وهو حالته المعلوماتية. وبما أن أي شكل من أشكال «الوجود» يعتبر في أي حالة أيضًا كيانًا متماسكًا من المعلومات، فإن القول بأن أخلاقيات المعلومات تتمحور حول المعلومات، يساوي تفسيرها، على نحو صحيح، كنظرية ترتكز على الوجودية.
تتمثل النتيجة إذن في أن جميع الكيانات — «باعتبارها» أشياء معلوماتية — تحظى بقيمة أخلاقية جوهرية، على الرغم من كونها قيمة ضئيلة وقابلة للإبطال؛ ومن ثَمَّ يمكن اعتبارها عوامل أخلاقية مفعولًا بها، تحظى ولو بالنزر اليسير بدرجة من الاحترام الأخلاقي تفهم كاهتمام «منزَّه عن الأغراض»، «تقديري»، و«يتسم بالرعاية». مثلما أشار الفيلسوف أرني نيس (????–????): «تتمتع جميع الأشياء في المحيط الحيوي بحق متساوٍ في الحياة والازدهار.» يبدو أنه ليس ثمة سبب وجيه في عدم تبنِّي منظور أعلى، أكثر شمولًا، ومتمحورًا حول الوجود. تحظى فيه الجمادات إضافة إلى الأشياء المثالية، والأشياء غير الملموسة، والأشياء الفكرية بدرجة دنيا من القيمة الأخلاقية، مهما كانت ضآلتها، وهو ما يستوجب احترامها.
هناك فقرة مشهورة في أحد خطابات ألبرت أينشتاين، تلخص جيدًا هذا المنظور الوجودي الذي تدعمه أخلاقيات المعلومات. قبل سنوات قليلة من وفاته، تلقى أينشتاين خطابًا من فتاة تبلغ من العمر ?? عامًا تتأسى فيه على فقدان أختها الصغرى. كانت الفتاة ترغب في معرفة ما إذا كان العالِم المشهور لديه ما يقوله ليواسيها. في ? مارس ???? أجابها أينشتاين قائلًا: يعتبر الإنسان جزءًا من الكل الذي نطلق عليه «الكون»، جزءًا محدودًا في الزمان والمكان. يفكر الإنسان في نفسه، أفكاره ومشاعره، باعتبارها شيئًا منفصلًا عن باقي الأشياء، نوع من الضلالات البصرية لوعيه. تعتبر هذه الضلالة نوعًا من السجن لنا، يحصرنا في رغباتنا الشخصية وفي ودِّنا نحو أشخاص قليلين قريبين منَّا. يجب أن تكون مهمتنا هي تحرير أنفسنا من سجننا من خلال توسيع دائرة تعاطُفنا لتشمل الإنسانية جمعاء والطبيعة بأسرها بجمالها. ورغم أنه لا يستطيع أحد تحقيق هذا بالكامل، فإن بذل الجهد من أجل تحقيق ذلك في حدِّ ذاته هو جزء من عملية التحرر وأساس للأمن الداخلي.
دفع علماء البيئة العميقة بأن الجمادات أيضًا قد تنطوي على قيمة جوهرية؛ ففي مقال مشهور، تساءل المؤرخ لين تاونسند وايت الابن (????–????): هل لدى الناس التزامات أخلاقية تجاه الصخور؟ [وأجاب على ذلك] بالنسبة إلى جميع الأمريكيين تقريبًا، ممن لا يزالون متشبعين بالأفكار السائدة تاريخيًّا في المسيحية … ليس للسؤال أي معنًى على الإطلاق. فإذا حان الوقت الذي لا يصبح فيه سؤالٌ مثل هذا مثيرًا للسخرية، فربما سنكون على مشارف تغيير في بِنى القيمة التي توفر إجراءات ممكنة للتعامل مع الأزمة البيئية المتزايدة. يأمل المرء في أن يكون هناك مزيد من الوقت المتبقي لذلك.
وفقا لأخلاقيات المعلومات، هذا هو المنظور البيئي الصحيح، وهو يعتبر منطقيًّا للغاية بالنسبة إلى أي معتقدات دينية أو روحية (بما في ذلك المعتقدات اليهودية-المسيحية) التي تعتبر الكون بأسره خلقًا إلهيًّا، يسكنه الإله، ويُعد هبة للإنسانية، وهو الكون الذي يجب على الإنسانية أن تعتني به. تترجم أخلاقيات المعلومات كل هذا إلى مصطلحات معلوماتية. إذا كان ثمة شيء يمكن أن يكون عاملًا أخلاقيًّا مفعولًا به أو متلقيًا، فيمكن إذن أخذ طبيعته في الاعتبار من قبل أي فاعل أخلاقي «أ»، ويسهم هذا المتلقي في تشكيل أفعال «أ»، مهما صَغُرت. وإذا وضعنا ذلك في صيغة أكثر ميتافيزيقية، فإن أخلاقيات المعلومات تدفع بأن جميع جوانب وأمثلة «الوجود» تستأهل شكلًا مبدئيًّا، ربما كحد أدنى وبما يمكن التغاضي عنه، من أشكال الاحترام الأخلاقي.
إن للتوسع في مفهوم ما قد يُعَدُّ مركزًا للاحترام الأخلاقي ميزة تتمثل في تمكين المرء من فهم الطبيعة الابتكارية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال، باعتبارها توفر إطارًا مفهوميًّا قويًّا وجديدًا. كما أنه يمكِّن المرء من التعامل مع السمة الأصلية لبعض موضوعاته الأخلاقية على نحو مُرضٍ، من خلال تناول هذه الموضوعات من منظور قوي نظريًّا. بمرور الوقت، انتقل علم الأخلاق بثبات من مفهوم ضيِّق إلى مفهوم أكثر شمولًا لما يمكن أن يُعد مركزًا للقيمة الأخلاقية، من المواطن إلى المحيط الحيوي. إن ظهور عالم المعلومات، باعتباره بيئة أثينية جديدة يقضي فيها البشر معظم حياتهم، يفسِّر الحاجة إلى التوسُّع أكثر في مفهوم ما قد يُعد طرفًا أخلاقيًّا مفعولًا به أو متلقيًا. وبناءً عليه، تمثل أخلاقيات المعلومات التطور الأكثر حداثة في هذا الاتجاه المسكوني، ومنهاجًا بيئيًّا دون تحيُّز مُنْصَبٍّ حول الكائنات الحية. فهي تترجم الأخلاقيات البيئية إذن في إطار كيانات الحيز المعلوماتي والكيانات المعلوماتية؛ إذ لا تقتصر المساحة التي نشغلها على الأرض فقط.

خاتمة


زواج الطبيعة والعلم التطبيقي
بالنظر إلى التغير المهم في فهمنا لأنفسنا (الفصل الأول) وفي نوع التفاعلات التي تجري من خلال تكنولوجيات المعلومات والاتصال التي ستتزايد في تعاملاتنا مع العوامل الفاعلة الأخرى — سواء أكانت بيولوجية أو صناعية (الفصل الثامن) — ربما تكون أفضل طرق تناول التحديات الأخلاقية الجديدة التي تصوغها تكنولوجيات المعلومات والاتصال هي تناوُلها من منظور بيئي. بينما يجب ألا يقتصر هذا التناول على كل ما هو طبيعي وبكر، يجب التعامل مع جميع أشكال الوجود والسلوك باعتبارها أصلية وحقيقية، حتى تلك الأشكال التي تعتمد على أشياء صناعية، تركيبية، أو مُهندَسة. يتطلب هذا النوع من «توجُّه حماية البيئة» الشمولي إدخال تغيير إلى منظورنا الميتافيزيقي حول العلاقة بين «الطبيعة» كونها عامل النمو والتطور والواقع و«العلم التطبيقي». لا يعتبر سؤال ما إذا كانت «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» قابلين للتوافق سؤالًا له إجابة مسبقة، تنتظر أن يتم تخمينها، بل هو مشكلة عملية بالأساس، يحتاج حلها إلى الابتكار. إذا ما أردنا تشبيه ذلك فلا نسأل ما إذا كان يمكن مزج مركَّبَيْن كيميائيَّيْن أم لا، بل عمَّا إذا كان مزجهما موفقًا. هناك متسع للإجابة على السؤال، شريطة توافر الالتزام الواجب. يبدو دون أدنى شك أن وجود زواج ناجح بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» يعتبر مسألة حيوية لمستقبلنا ومن ثَمَّ تستأهل جهودنا المتصلة. تعتمد مجتمعات المعلومات بازدياد على التكنولوجيا حتى تزدهر، إلا أنها تحتاج بصورة متساوية إلى بيئة صحية وطبيعية للازدهار. حاول تصوُّر العالم ليس غدًا أو في العام القادم، بل في القرن القادم أو في الألفية التالية. سيكون الانفصال بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» كارثيًّا سواء لرفاهتنا أو لسلامة بيئتنا الطبيعية. وهو ما يجب أن يفهمه محبو التكنولوجيا والمتعصبون لحماية البيئة؛ إذ إن الفشل في إيجاد علاقة مثمرة تكافلية بين التكنولوجيا والطبيعة ليس مطروحًا كخيار أمامهم.
لحسن الحظ، يمكن تحقيق زواج ناجح بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي». حقيقة، هناك حاجة إلى تحقيق الكثير من التقدم؛ إذ ربما تستهلك فيزياء المعلومات كمية كبيرة من الطاقة ومن ثَمَّ لا تعتبر صديقة للبيئة؛ ففي عام ????، استهلكت مراكز البيانات ???? من كهرباء العالم، وزاد هذا الرقم إلى ?? في عام ????؛ لذا تعتبر مراكز البيانات الآن مسئولة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًّا أكثر من الأرجنتين أو هولندا، وإذا استمرت المعدلات الحالية فستزداد انبعاثات هذه المراكز أربعة أضعاف بحلول عام ????، لتبلغ ??? مليون طن. حينها، يُقدَّر أن البصمة الكربونية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال ستكون أعلى من البصمة الكربونية لحركة الطيران. غير أنه وفق دراسات حديثة، ستسهم تكنولوجيات المعلومات والاتصال أيضًا في التخلُّص من حوالي ? جيجا طن متري من الانبعاثات الحرارية سنويًّا بحلول عام ????، وهو ما يكافئ ??? من الانبعاثات العالمية حاليًّا وخَمس مرات أكثر من الانبعاثات المتوقعة من تكنولوجيات المعلومات والاتصال في عام ????. يفضي بي هذا التوازن الإيجابي والقابل للتحسن إلى ملاحظة نهائية.
تعتبر الماكينة الأكثر صداقة للبيئة هي الماكينة التي تبلغ كفاءتها في استخدام الطاقة ????. لسوء الحظ، يكافئ هذا ماكينةً دائمة الحركة، ولقد رأينا في الفصل الخامس أن مثل هذه الماكينة ليست إلا وهمًا، إلا أننا نعرف أيضًا أن هذا الهدف المستحيل يمكن الوصول إليه تدريجيًّا؛ إذ يمكن تقليص الهادر من الطاقة بصورة هائلة كما يمكن زيادة كفاءة الطاقة بشدة (لا تتماثل العمليتان بالضرورة، قارن بين إعادة التدوير وتنفيذ المزيد من الأعمال باستخدام موارد أقل). عادةً، يمكن دعم هاتين العمليتين فقط من خلال الاعتماد على التحسينات الكبيرة في إدارة المعلومات (مثلًا: بناء وإدارة الآلات والعمليات بصورة أفضل). لذا، ها هي الطريقة التي يمكن أن نفسِّر بها العقلانية الأخلاقية لسقراط، التي تناولناها في الفصل السابق. فنحن نفعل الشر لأننا لا نعلم ما هو أفضل من ذلك، بمعنى أنه كلما كانت إدارة المعلومات أفضل، كان الشر الأخلاقي الحادث أقل. إلا أن هناك شرطًا: تفترض بعض النظريات الأخلاقية أن اللعبة الأخلاقية التي تلعبها عوامل فاعلة في بيئتها قد يكون النصر فيها مطلقًا. بعبارة أخرى: ليس النصر هنا وفقًا للنتيجة الأعلى، بل قد تكون النتائج النهائية قليلة ما دامت لا توجد أي خسارة أو أخطاء أخلاقية، وهو ما يشبه قليلًا الفوز في مباراة كرة قدم بتسجيل هدف واحد ما دام لم يكن هناك أهداف سُجِّلَتْ من الفريق الآخر. يبدو أن هذه الرؤية المطلقة أدت إلى تقليل الأطراف المختلفة من أهمية الحلول الوسطى الناجحة. تخيَّل أحد مناصري البيئة لا يستطيع قبول وجود أي تكنولوجيا تؤدي إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مهما كانت هذه التكنولوجيا توازن تلك الانبعاثات. لعل الرؤية الأكثر واقعية وتحديًا تتمثل في أن الشر الأخلاقي هو أمر حتمي؛ ومن ثَمَّ يكمن الجهد الحقيقي في الحد منه وتحقيق التوازن معه من خلال المزيد من الخيرية الأخلاقية. تساعدنا تكنولوجيات المعلومات والاتصال في محاربة الدمار، والإفقار، والتخريب، وإهدار الموارد الطبيعية والبشرية، بما في ذلك الموارد التاريخية والثقافية. لذا، يمكن أن تصبح تكنولوجيات المعلومات والاتصال حليفًا قويًّا فيما أطلقت عليه في موضع آخر «البيئية الاصطناعية» أو «البيئية الإلكترونية». يجب أن نقاوم أي ميل معرفي إغريقي لاعتبار «العلم التطبيقي» سندريلا المعرفة، أو أي ميل ينحاز للمطلق بما يمنع القبول بوجود توازن أخلاقي بين شر حتمي وخيرية أكثر، أو أي إغراء حديث، متطرف، ميتافيزيقي لزرع الشقاق بين الطبيعية والبنائية، من خلال تفضيل الطبيعية باعتبارها البعد الحقيقي الوحيد في الحياة الإنسانية. يتمثل التحدي الأساسي في التوفيق بين أدوارنا ككائنات وعوامل معلوماتية فاعلة في الطبيعة وبين دورنا كحُماة الطبيعة. لعل الأنباء السارة هنا تتمثل في أن هذا التحدي نستطيع التغلُّب عليه. والشيء الغريب أننا ندرك في بطءٍ أن لدينا هذه الطبيعة الهجينة. تتمثل نقطة التحوُّل في عملية فَهمِنَا لذاتنا فيما أشرت إليه في الفصل الأول «بالثورة الرابعة».
المراجع


مقدمة

W. Weaver, ‘The Mathematics of Communication’, Scientific American, 1949, 181(1), 11–15.
C. E. Shannon, Collected Papers, edited by N. J. A. Sloane and A. D. Wyner (New York: IEEE Press, 1993).
C. E. Shannon and W. Weaver, The Mathematical Theory of Communication (Urbana, IL: University of Illinois Press, 1949; reprinted 1998).
الفصل الأول

L. Floridi, ‘A Look into the Future Impact of ICT on Our Lives’, The Information Society, 2007, 23(1), 59–64.
S. Freud, ‘A Difficulty in the Path of Psycho-Analysis’, The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, XVII (London: Hogarth Press, 1917-19), 135–44.
الفصل الثاني

J. Barwise and J. Seligman, Information Flow: The Logic of Distributed Systems (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).
G. Bateson, Steps to an Ecology of Mind (Frogmore, St Albans: Paladin, 1973).
T. M. Cover and J. A. Thomas, Elements of Information Theory (New York; Chichester: Wiley, 1991).
F. I. Dretske, Knowledge and the Flow of Information (Oxford: Blackwell, 1981).
D. S. Jones, Elementary Information Theory (Oxford: Clarendon Press, 1979).
D. M. MacKay, Information, Mechanism and Meaning (Cambridge, MA: MIT Press, 1969).
J. R. Pierce, An Introduction to Information Theory: Symbols, Signals and Noise, 2nd edn (New York: Dover Publications, 1980).
A. M. Turing, ‘Computing Machinery and Intelligence’, Minds and Machines, 1950, 59, 433–60.
الفصل الثالث

C. Cherry, On Human Communication: A Review, a Survey, and a Criticism, 3rd edn (Cambridge, MA; London: MIT Press, 1978).
A. Golan, ‘Information and Entropy Econometrics—Editor’s View’, Journal of Econometrics, 2002, 107(1-2), 1–15.
P. C. Mabon, Mission Communications: The Story of Bell Laboratories (Murray Hill, NJ: Bell Telephone Laboratories, 1975).
C. E. Shannon and W. Weaver, The Mathematical Theory of Communication (Urbana, IL: University of Illinois Press, 1949; reprinted 1998).
الفصل الرابع

F. I. Dretske, Knowledge and the Flow of Information (Oxford: Blackwell, 1981).
J. Barwise and J. Seligman, Information Flow: The Logic of Distributed Systems (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).
Y. Bar-Hillel, Language and Information: Selected Essays on Their Theory and Application (Reading, MA; London: Addison-Wesley, 1964).
M. D’Agostino and L. Floridi, ‘The Enduring Scandal of Deduction: Is Propositional Logic Really Uninformative?’, Synthese, 2009, 167(2), 271–315.
L. Floridi, ‘Outline of a Theory of Strongly Semantic Information’, Minds and Machines, 2004, 14(2), 197–222.
J. Hintikka, Logic, Language-Games and Information: Kantian Themes in the Philosophy of Logic (Oxford: Clarendon Press, 1973).
K. R. Popper, Logik Der Forschung: Zur Erkenntnistheorie Der Modernen Naturwissenschaft (Wien: J. Springer, 1935).
الفصل الخامس

P. Ball, ‘Universe Is a Computer’, Nature News, 3 June 2002.
C. H. Bennett, ‘Logical Reversibility of Computation’, IBM Journal of Research and Development, 1973, 17(6), 525–32.
R. Landauer, ‘Irreversibility and Heat Generation in the Computing Process’, IBM Journal of Research and Development, 1961, 5(3), 183–91.
S. Lloyd, ‘Computational Capacity of the Universe’, Physical Review Letters, 2002, 88(23), 237901–4.
J. C. Maxwell, Theory of Heat (Westport, CT: Greenwood Press, 1871).
J. A. Wheeler, ‘Information, Physics, Quantum: The Search for Links’, in Complexity, Entropy, and the Physics of Information, edited by W. H. Zureck (Redwood City, CA: Addison Wesley, 1990).
N. Wiener, Cybernetics or Control and Communication in the Animal and the Machine, 2nd edn (Cambridge, MA: MIT Press, 1961).
الفصل السادس

E. Schr?dinger, What Is Life? The Physical Aspect of the Living Cell (Cambridge: Cambridge University Press, 1944).
الفصل السابع

M. D. Davis and O. Morgenstern, Game Theory: A Nontechnical Introduction (London: Dover Publications, 1997).
J. Nash, ‘Non-Cooperative Games’, Annals of Mathematics, Second Series, 1951, 54(2), 286–95.
الفصل الثامن

A. Einstein, Ideas and Opinions (New York: Crown Publishers, 1954).
A. Naess, ‘The Shallow and the Deep, Long-Range Ecology Movement’, Inquiry, 1973, 16, 95–100.
J. Rawls, A Theory of Justice, revised edn (Oxford: Oxford University Press, 1999).
L. J. White, ‘The Historical Roots of Our Ecological Crisis’, Science, 1967, 155, 1203–7.
N. Wiener, The Human Use of Human Beings: Cybernetics and Society, revised edn (Boston, MA: Houghton Mifflin, 1954).