Advertisement

المملكة الحيوانية


المملكة الحيوانية




المملكة الحيوانية

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
بيتر هولاند

ترجمة
أ.د. منير علي الجنزوري
مراجعة
محمد فتحي خضر



المملكة الحيوانية

The Animal Kingdom

بيتر هولاند

Peter Holland

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
     ?- الحيوان، علم – فسيولوجيا
     ?- الخلايا الحيوانية
          أ- العنوان



تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب المملكة الحيوانية أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Animal Kingdom
Copyright © Peter Holland 2011.
The Animal Kingdom was originally published in English in 2011. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



شكر وتقدير


يَدِين هذا الكتاب في بنيته ومحتواه بالكثير للطلاب السابقين والحاليين بجامعتَيْ أكسفورد وريدنج. لقد أجبَرَني تدريس مقرَّر دراسي عن التنوع لدى الحيوان لمجموعة من الطلاب النابهين الناقدين على التفكير في عناية بشأن هذا الموضوع، كما ساعدتْني استجابات الطلاب في تحديد أهم القضايا فيه. أتوجَّه بالشكر إلى جامعتَيْ ميرتون وأكسفورد وإلى أعضاء قسم علم الحيوان بجامعة أكسفورد، خاصة سايمون إليس وبيني شنيك لما قدَّموه لي من مساعدة. أشكر أيضًا ماكس تيلفورد وكلاوس نيلسن وبيل ماكجينيس وستو ويست وتريزا بيرت دي بيريرا وتوبَياس أولر وسالي ليز وبير آلبرج لما قدَّموه من تعليقات على أقسام الكتاب المتنوِّعة، وأشكر تاتيانا سولوفييفا لما قدمتْه من رسوم إيضاحية.

الفصل الأول
ما هو الحيوان؟


إنني النموذج الأمثل للجنرال المعاصر؛ لا يَخفَى عنِّي شيءٌ من نبات وحيوان وجماد. جلبرت وسوليفان، «قراصنة بينزانس» (????)بناء الحيوان

في خبراتنا اليومية، من السهل أن نحدِّد أيُّ الكائنات الحية حيوانات وأيها غير ذلك. فعند سيرنا في مدينة ما، قد نُصادف قططًا وكلابًا وطيورًا وقواقع وفراشات، وندرك أنها جميعًا حيوانات. علينا أن نضع البشر أيضًا في هذه القائمة. على النقيض، ليس لدينا شكٌّ في أن الأشجار والحشائش والزهور والفطريات التي نصادفها ليستْ حيوانات رغم أنها أيضًا كائنات حية. إن مشكلة تحديد «حيوان» أو التعرف عليه تنشأ عندما نتطرق إلى بعض الكائنات الحية غير المعتادة، التي يكون الكثير منها مجهريًّا؛ لذا، من المفيد البحث عن معايير دقيقة للإجابة عن السؤال: «ما هو الحيوان؟»
إحدى الصفات التي تشترك فيها كل الحيوانات أنها «عديدة خلايا»؛ وذلك يَعنِي أن أجسامها تتكون من العديد من الخلايا المتخصصة. ووفقًا لهذا المعيار، فإن الكائنات الوحيدة الخلية مثل الأميبا المعروفة لا تُعتَبَر حيوانات، وذلك على عكس الآراء التي كانت سائدة منذ قرن مضى. الواقع أن كثيرًا من البيولوجيين يحرصون على تجنب مصطلح protozoa بمعنى «الحيوانات الأولية» في حالة كائنات مثل الأميبا؛ نظرًا لأنه من واقع التعريف، لا يمكن لكائن ما أن يكون proto (أي «أوليًّا»، وتعني الكلمة أنه يمتلك خلية واحدة)، وzoa (وتعني حيوانًا) في الوقت نفسه. إن تكوُّن الجسم من العديد من الخلايا معيار ضروري، ولكنه ليس كافيًا في حدِّ ذاته؛ إذ توجد الخاصية نفسها أيضًا في النباتات والفطريات، وفي بعض كائنات أخرى مثل العفن الغروي، وليس أيٌّ منها حيوانًا. ثمة خاصية هامة ثانية للحيوانات، وهي أنها تحصل على الطاقة اللازمة للحياة عن طريق أكل كائنات أخرى أو أجزاء منها، إما ميتة وإما حيَّة. وهذا على عكس النباتات الخضراء التي تستغلُّ طاقة الشمس عن طريق التفاعلات الكيميائية لعملية البناء الضوئي التي تحدث داخل البلاستيدات الخضراء. ثمة نباتات تُضيف إلى البناء الضوئي عملية التغذية (مثل نبات خنَّاق الذباب)، وحيوانات تأوي داخلها طحالب خضراء حية (مثل المرجان والهيدرا الخضراء)، ولكن هذه الحالات لا تَطمِس الفرق الأساسي على نحو كبير.
ثمة خاصية يُنوَّه عنها كثيرًا، وهي قدرة الحيوانات على الحركة وعلى استشعار بيئتها. ينطبق هذا المعيار تمامًا على الحيوانات، ولكنْ علينا أن نتذكر أن كثيرًا من النباتات لها أجزاء يمكنها التحرك، في حين أن العفن الغروي الخلوي (وهو ليس حيوانًا) يمكنه تكوين تركيب يشبه البزاق بطيء الحركة.
إن تكوين خلايا حيوانات منوية وبويضات بأحجام مختلفة إلى حدٍّ كبير يُعتَبَر خاصية أخرى تميز الحيوانات، وهي خاصية ذات دلالات شاملة بالنسبة إلى تطور سلوك الحيوان، لكنها ليست من الخصائص التي يمكن ملاحظتها بسهولة. ولعل أكثر الصفات التركيبية ثباتًا نجدها عند إجراء فحص دقيق لخلايا حيوانات يافعة. فعلى الرغم من أن للحيوانات أنواعًا عديدة مختلفة من الخلايا، فثمة نوع واحد من الخلايا أثَّر على التكوين البيولوجي للحيوانات وعلى تطور المملكة الحيوانية، والخلية المعنيَّة هنا هي الخلية الطلائية. هذه الخلايا تتخذ شكل القرميد أو العمود؛ حيث تفتقد الجدار الخلوي الصلب الموجود في النباتات. تترتب الخلايا الطلائية في طبقات مرنة مع وجود بروتينات متخصصة تعمل على تماسك الخلايا المتجاورة، وبروتينات أخرى تسدُّ الفُرَج الواقعة بين الخلايا لتكوين طبقة غير منفذة للماء. وتوجد طبقات الخلايا أيضًا في النباتات، لكن تركيبها يختلف إلى حد كبير؛ حيث تكون أقل مرونة وأكثر نفاذية.
إن طبقات الخلايا الطلائية في الحيوانات جديرة بالملاحظة لأسباب وظيفية وتركيبية. يمكن للطبقات الطلائية التحكم في التراكيب الكيميائية للسوائل على كلا جانبَيِ الطبقة الطلائية؛ مما يسمح للحيوانات بتكوين أماكن مملوءة بالسوائل لأغراض متنوعة؛ مثل دعم الجسم أو تركيز الفضلات الناتجة. كانت الأماكن المملوءة بالسوائل من ضمن أوائل التراكيب الهيكلية في الحيوانات، كما كانت عاملًا سمح بزيادة الحجم خلال عملية التطور إلى جانب التحرك على نحو فعَّال من حيث الطاقة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن طبقات الخلايا الطلائية تتسم بالقوة، وبالمرونة أيضًا، وهي مدعمة بطبقة سميكة من البروتينات مثل الكولاجين؛ مما يسمح بحدوث حركات طيٍّ دقيقة. وهذا هام بشكل خاص خلال مرحلة النمو الجنيني لدى الحيوانات؛ حيث تُستخدم حركات الطيِّ في تشكيل بنية جسم الحيوان فيما يُشبِه بالأحرى كائنًا مُصغَّرًا. في الواقع، من السهل تمامًا محاكاة المراحل المبكرة من النمو لدى الحيوان باستخدام أفرخ من الورق. وعلى الرغم من اختلاف التفاصيل بين الأنواع، فإن النمو النموذجي لدى الحيوانات يمر عبر مرحلة تتألف من كرة من الخلايا الطلائية (الأُرَيمَة)، والتي تكوَّنت في حدِّ ذاتها عن طريق سلسلة من الانقسامات الخلوية لخلية واحدة، هي البويضة المخصبة. في معظم أَجِنَّة الحيوانات تنطوي كرة الخلايا بعدئذٍ إلى الداخل عند موضع ما أو على امتداد تجويف ما؛ مما يدفع بعض الخلايا إلى الداخل. وهذا الحدث، الذي يُكوِّن أنبوبًا سيشكِّل فيما بعدُ القناة الهضمية، هو الخطوة الحاسمة المعروفة باسم تكوُّن المُعَيدة. ويُطلَق على الكرة المنبعجة اسم المُعَيدة. تحدث عمليات طيٍّ أخرى لتكوين تراكيب دعامية مملوءة بسوائل وكُتَل عضلية، وفي الفقاريات — كما في حالتنا — الحبل الشوكي والدماغ. باختصار، تَبني طبقات الخلايا جسم الحيوان.
كل هذه الصفات هي معايير تمكننا من التعرف على الحيوانات، وتعطينا رؤية للتكوين البيولوجي الأساسي للحيوانات، لكنها لا تقدِّم التعريف الأدق لحيوان ما. في علم تصنيف الأنواع — أي تصنيف الكائنات الحية — تُمنَح الأفرع، كبيرة كانت أم صغيرة، أسماءً مختلفة على شجرة التطور. وهناك قاعدة أساسية، وهي أن المجموعات الفعلية أو «الطبيعية» يجب أن تضم مجموعات من الكائنات التي تشترك في سَلَف تطوري. وهذا يعني أن المصطلح «حيوان» يجب أن يتضمن مجموعة أنواع ذات علاقة بعضها ببعض. ولا يمكن تطبيق هذه الكلمة على كائنات حية تنتمي إلى فئات أخرى في شجرة التطور، حتى لو كان لها بعض الصفات الحيوانية. وبالمثل، فإننا لا نزال نستخدم المصطلح «حيوان» لأنواع فقدت بعض الصفات الحيوانية المعتادة التي كانت موجودة عند أسلافها. على سبيل المثال، فَقَدَتْ بعض الحيوانات خلايا الحيوانات المنوية والبويضات المميزة خلال التطور، بينما البعض الآخر لا يكون عديد الخلايا على نحو واضح في كل جزء من دورة حياته. ولكنْ ما دامتْ هذه الكائنات تشترك في سَلَف مع حيوانات أخرى، فإنها تُعرَّف بوصفها حيوانات. وبناء على ذلك، فإن الحيوانات هي مجموعة طبيعية (أو فرع حيوي) انحدرت من أصل عام مشترك. ويُطلَق على هذا الفرع الحيوي اسم المملكة الحيوانية أو البعديات.
أصل الحيوانات

مِمَّ نشأ سلف جميع الحيوانات الذي انقرض منذ أمدٍ بعيد؟ تبدو هذه مشكلة صعبة الحل؛ نظرًا لأن هذا السَّلَف موضوع السؤال انقرض ربما منذ ??? مليون سنة، وكان بالتأكيد مجهريًّا، كما لم يترك أي سجل حفري. من المدهش أن الإجابة معروفة وموثوق بها بقدْر كبير. وبالإضافة إلى ذلك فإنها اقتُرِحَت منذ ما يزيد عن ??? عامًا مضت. ففي عام ???? لاحظ عالم المجاهر والفيلسوف والبيولوجي الأمريكي هنري جيمس كلارك أن خلايا التغذية في الإسفنجيات — وهي بالتأكيد حيوانات — تبدو مماثلة تمامًا لمجموعة من الكائنات البحرية الوحيدة الخلية غير المعروف عنها الكثير كانت تُعرَف حينئذٍ باسم «السوطيات النقاعية». نحن الآن نُسمِّي هذه الكائنات المجهرية باسم «السوطيات المطوَّقة»، وتؤكِّد الدراسات المقارَنة لتتابعات الدنا أنها في الحقيقة أقرب الأقرباء لجميع الحيوانات. إن كلًّا من السوطيات المطوَّقة وخلايا التغذية في الإسفنجيات لها دائرة أو «طوق» من اللوامس الرفيعة عند أحد طرفيها؛ ممَّا يجعلها تُماثِل نسخة مصغَّرة من كرة تنس الريشة، بالإضافة إلى سوط واحد طويل (تركيب متحرك يشبه السياط) يبزغ من وسط الطوق. في السوطيات المطوَّقة ينشأ عن دفع أو ضرب السوط موجات مائية تدفع بجسيمات الغذاء نحو الخلية حيث تُحتَجَز بواسطة الطوق. إن الخلايا الغذائية للإسفنج تعمل بشكل مختلف، ولكنها أيضًا تستخدم السوط في توليد تيار مائي. وعلى ذلك فإن السلف الأكثر حداثة لجميع الحيوانات كان من المحتمل كرة مجهرية من الخلايا، لكلٍّ منها سوط. وقد اشتمل أصل المملكة الحيوانية على سلسلة من التغيرات التي سبَّبتِ انتقالًا من الحياة على صورة خلية واحدة إلى الحياة ككرة مائية مصغرة من خلايا.
شكل ?-?: أحد السوطيات المطوَّقة، مونوسيجا بريفيكوليس، يتغذى على البكتيريا.
كما سبق وأسلفنا فإن الحيوانات ليستِ الكائنات العديدة الخلايا الوحيدة الموجودة على كوكب الأرض؛ فالنباتات والفطريات والعفن الغروي هي أمثلة أخرى لأشكال من الحياة يتكوَّن كلٌّ منها من خلايا عديدة. بَيْدَ أن هذه المجموعات لم تنشأ من السَّلَف نفسه؛ إذ نشأ كلٌّ منها من كائن وحيد الخلية مختلف. إن النباتات العديدة الخلايا ليستْ قريبة الصلة بالحيوانات أو بالسوطيات المطوَّقة، فهي نشأتْ في موقع مختلف تمامًا من شجرة الحياة. والفُطريات، مثل عيش الغراب وخميرة الخبز وفُطْر القَدَم، ليست بحال من الأحوال قريبة للنباتات، ونشأتْ هي أيضًا من سَلَف خاص بها وحيد الخلية. وربما يكون من المدهش أن الفطريات وأسلافها تقع في المنطقة نفسها من شجرة الحياة مثل الحيوانات والسوطيات المطوَّقة، وهي مجموعة تُعرَف باسم خلفيات السوط. وقد نشأ التعدد الخلوي مرتين في خلفيات السوط: مرة كي تنشأ الحيوانات، ومرة أخرى كي تنشأ الفطريات. ومن الأمور الباعثة على التواضع تذكُّر أننا أكثر قربًا لعيش الغراب من قرابة عيش الغراب للنباتات.
ما السبب وراء نشوء تعدد الخلايا من الأساس؟ على أي حال، الأغلبية العظمى من الكائنات الحية على كوكب الأرض تتكون من خلية واحدة فقط، وهي تشمل البكتيريا و«العتائق» ومجموعة كبيرة من حقيقيات النوى وحيدة الخلية (تُسمَّى مجازًا الطلائعيات) مثل الأميبا والسوطيات المطوَّقة. إن تكوُّن الكائن من عِدَّة خلايا يَسمَح له بالنمو إلى حجم أكبر، وهذا بدوره قد يُعطيه الفرصة لتجنب الافتراس من جانب خلايا أخرى، أو استعمار بيئات ليستْ متاحة للحياة الوحيدة الخلية. قد يكون هذا صحيحًا، ولكنه ليس من المحتمل أن يكون السبب الأصلي لتطور خاصية تعدُّد الخلايا. فعلى أي حال، أول الكائنات العديدة الخلايا — مثل أسلاف الحيوانات — من المحتمل أنها لم تكن أكثر من كرة مجهرية من خلايا اقتصر وجودها على الموئل نفسه وطريقة الحياة الخاصة بقريباتها السوطيات المطوَّقة الوحيدة الخلية. إن مشكلة أصل الحيوانات تبقَى بلا حلٍّ رغم طرح بعض الأفكار المُثيرة. ومن الاقتراحات النابهة التي طرحها لين مارجوليس أن التعدد الخلوي يسمح بالتقسيم الواضح للعمل؛ فبعض الخلايا يمكنها الانقسام والنمو، بينما البعض الآخر يقوم بالاغتذاء. ولكن لماذا لا يمكن لخلية واحدة أن تنقسم وتغتذي في الوقت نفسه؟ الفكرة هي أنه في الكائنات الوحيدة الخلية ذات السوط — مثل السوطيات المطوَّقة — يجب توظيف جزء هام من الآلية الخلوية (يُعرَف باسم «مركز تنظيم الأنيبيبات الدقيقة») إما في تحريك الصبغيات خلال الانقسام الخلوي وإما في الاغتذاء من خلال توفير مرتكز للسوط المتموِّج، ولكنْ ليس للهدفين في الوقت نفسه.
هناك نموذج خيالي آخر يتضمن مشهدًا مروعًا إلى حدٍّ ما. وخلاصة الفكرة — التي وضعها مايكل كيرزبرج ولويس ولبرت — هي أن الْتِهام الكائن لأفراد من نوعه كان دافعًا أوليًّا لتطور التعدد الخلوي. تصوَّر مثلًا عشيرة من الكائنات الوحيدة الخلية — مثل السوطيات المطوَّقة أو أقربائها — تعيش مع عدد قليل من الأفراد الطافرة التي فيها لا تنفصل الخلايا الناتجة عن الانقسام الخلوي بعضها عن بعض. هذه الطافرات ستكوِّن تجمعات أو مستعمرات من خلايا. يغتذي كلا الطرازين على البكتيريا التي يقومان بترشيحها من المياه المحيطة، وعندما يكون الغذاء متوافرًا فإن الكائنات الوحيدة الخلية وأقرباءها المكوِّنة للمستعمرات ستحصل جميعها على الغذاء وتتكاثر بنجاح. ولكنْ في أوقات أخرى قد يكون الغذاء غير متوافر بسبب تغير في البيئة مثلًا. من المحتم عندئذٍ أن يموت كثير من الأفراد لعدم إمكانها الحصول على الغذاء اللازم لاستمرار أنشطتها الخلوية الأساسية. أما الأفراد الطافرة المكوِّنة للمستعمرات فسيكون بها آلية وقائية فعَّالة توظَّف بشكل عاجل عند الحاجة؛ وهي أن الخلايا يمكنها الْتِهام الخلايا المجاورة لها. يمكن أن يتم ذلك بالمشاركة في الغذاء؛ ما يسمح لنسبة فقط من خلايا المستعمرة بالعيش، أو بشكل أكثر درامية بأن تتحلل بعض الخلايا إلى مادة غذائية تتغذَّى عليها الخلايا المجاورة. ويترتب على ذلك أن طفور الأفراد المكونة للمستعمرات سيكون له ميزة انتقائية في أوقات نقص الطعام، وكثيرٌ منها سيَبقَى ويعيش ويتكاثر. قد يبدو الْتِهام الذات شيئًا مروِّعًا، ولكنه في الواقع استراتيجية يستخدمها العديد من الحيوانات بدءًا من الديدان المفلطحة حتى البشر، وذلك في وقت المجاعات.
تعود أصول المملكة الحيوانية كلها إلى هذه المستعمرات الخلوية القديمة. وعلى مدار الستمائة مليون عام الماضية — وربما أكثر من ذلك — تنوَّعتْ وتشعَّبت أنسال هذه المستعمرات الخلوية من خلال التطور وأنشأتِ الملايين من أنواع الحيوانات التي تعيش على كوكب الأرض الآن. لقد نشأتِ الحيوانات في البحر ولكنَّها بعد ذلك استعمرت المياه العَذْبة والأرض والهواء. وتشمل الأمثلة على ذلك: الديدان المفلطحة، والأسماك التي تعيش في المجاري المائية والأنهار، والقواقع والثعابين التي تعيش على الأرض الجافة، والفراشات والطيور التي تعيش في الهواء. البعض مثل الديدان المفلطحة والديدان الشريطية غزا أجسام حيوانات أخرى، بينما قليل من الحيوانات — مثل الدلافين — عاد إلى البحر مرة ثانية. وقد امتدَّ هذا التنوع العظيم عبر نطاق كبير من الحجوم. فالمواخط والرخويات المتطفلة تقلصت وأصبحت بسيطة؛ بحيث إنها لم تعد أكثر من مستعمرات بالغة الصغر من الخلايا، بينما شقَّتِ الحيتان العملاقة طريقها إلى المحيطات بأجسامها البالغ وزنها نحو ??? طن. ولكي نتفهَّم هذا التنوع العظيم فإننا نحتاج التركيز على وحدات التصنيف الأكثر جوهرية في المملكة الحيوانية؛ إنها الشعبة.

الفصل الثاني
شُعَب الحيوان


التصنيفات نظريات عن أساس النظام الطبيعي، وليست قوائم يتم إعدادها فقط لتجنب الفوضى.
ستيفن جاي جولد، «حياة رائعة» (????)نماذج وأفرع

على مدى قرون جاهَد دارسو الطبيعة والفلاسفة من أجل تفهم نطاق الحياة على كوكب الأرض. ومن الأفكار المبكِّرة والأكثر شيوعًا كانت فكرة «تدرُّج الطبيعة» التي من خلالها تم ترتيب الأشياء الحية وأحيانًا غير الحية في مراتب متسلسلة خطيًّا. وكل درجة متصاعدة في السُّلَّم مثَّلتْ «تقدُّمًا» متزايدًا، اعتمد على خليط من التعقيد التشريحي والمغزى العقائدي والأهمية العملية. استمدت الفكرة أصولها من أفكار أفلاطون وأرسطو، ولكنها تبلورت بعمل عالِم الطبيعة السويسري في القرن الثامن عشر شارل بونيه. في المخطط الذي وضعه بونيه ارتفع «تدرج الطبيعة» من الأرض والمعادن إلى الأحجار والأملاح، وتدرج إلى الفُطريات والنباتات وشقائق النعمان والديدان والحشرات والقواقع والزواحف والثعابين المائية والأسماك والطيور وفي النهاية الثدييات، مع وضع الإنسان على القمة، أو على القمة إلى حدٍّ ما؛ حيث كانت الملائكة وصفوة الملائكة تنازعه مكانته. من السهل اليوم التسفيه من هذه الفكرة، ولكن بونيه كان لديه معرفة حسنة بعالَم الطبيعة. فعلى سبيل المثال كان بونيه هو مكتشف التكاثر اللاجنسي في المن، وطريقة التنفس في الحشرات ويرقاتها. فضلًا عن ذلك فإن فكرة «تدرج الطبيعة» ما زالت تسود في معظم الكتابات المعاصرة؛ حيث يتحدث كثير من العلماء عن حيوانات «عُليا» أو حيوانات «سُفلى»، وهي لغة تحمل شبهًا واضحًا مع هذه الفكرة القديمة التي ثبت خطؤها.
تبين خطأ فكرة «تدرج الطبيعة» تدريجيًّا. جاءت ضربة مؤثِّرة من عالِم التشريح والحفريات الفرنسي المحترم ومستشار نابليون البارون كوفييه، الذي توصل من خلال دراساته المستفيضة للتشريح الداخلي للحيوانات إلى أن هناك أربع طرق مختلفة بشكل أساسي لبناء الجسم. وهذه ليست اختلافات سطحية، ولكن كان لها جذور قوية في تنظيم وظائف الجهاز العصبي والدماغ والأوعية الدموية. وفي عام ???? قسم كوفييه المملكة الحيوانية إلى أربعة أفرع كبيرة (تفريعات) عُرفت باسم الشعاعيات (الحيوانات المستديرة مثل قنديل البحر بالإضافة إلى نجم البحر، وهو ما يُثير دهشة علماء الأحياء المُحدَثين)، والمفصليات (الحيوانات التي أجسامها مقسمة إلى قِطَع مثل الحشرات وديدان الأرض)، والرخويات (حيوانات ذات صَدفة ودماغ)، والفقاريات (حيوانات ذات هياكل عظمية وقلب عضلي ودم أحمر). لم يوضع نظام لربط هذه التفريعات؛ ومن ثَم وقفت موازية بعضها لبعض في وضع متساوٍ، وليس في مراتب متسلسلة.
كان كوفييه — على عكس معاصره لامارك — لا يؤمن بالتطور. ولكن من قَبِيل المفارقة أن التطور هو الذي وفر السبب المنطقي وراء وقوف تفريعات كوفييه في موقف المساواة. وكما نادى كلٌّ من تشارلز داروين وألفريد راسل والاس في وقت لاحق فإن التطور يفسر سبب امتلاك كل نوع من الحيوانات لأوجه شبه مع الأنواع الأخرى، ويفسر سبب تمكننا من تحديد مجموعات من الأنواع ذات الملامح المشتركة. وإذا استعنَّا بالتشبيه المعتاد للتطور بوصفه شجرة متفرِّعة، أو المقولة الأكثر شاعرية لوالاس «شجرة بلوط كثيرة العُقَد»، يمكننا أن نَصِف «أغصانًا» صغيرة من الأنواع المتقاربة مطمورة داخل «أفرع» أكبر فأكبر تتضمن المزيد من الأقارب الأبعد، ولكنها كلها تشترك في سلف تطوري مشترك. عندئذٍ يمكننا منح أسماء ذات مغزًى للأفرع الصغيرة والكبيرة للشجرة؛ والأفرع الكبيرة في المملكة الحيوانية هي «الشُّعَب» (المفرد: شعبة).
يوضح تشبيه الشجرة أساس نظام تصنيف الحيوانات؛ فالأسماء يجب أن تعكس العلاقات الطبيعية الناشئة عن التطور. إن تسمية مجموعات الحيوانات يختلف إلى حدٍّ بعيد عن تصنيف مجموعة أشياء غير حية، مثل أباريق الشاي أو طوابع البريد أو قاعدة أكواب الجعة. إن الأشياء غير الحية يمكن تجميعها في عدد من الترتيبات المتعددة اعتمادًا على خصائص متباينة مثل اللون والحجم وبلد المنشأ، جميعها مرتبطة بالقدْر نفسه بهذه الأشياء. إن تصنيف الكائنات الحية بهذه الطريقة سيؤدِّي إلى فقدان النقطة المحورية؛ وهي وجود نظام تصنيف يعتمد على التطور يعكس الترتيب الطبيعي. إنه تقرير يوضح صلة القربى، وهو فرضية تقترح تاريخًا تطوريًّا معينًا.
قائمة الحياة

كم عدد شُعَب الحيوان؟ بكلمات أخرى، ما هو عدد الأفرع «الكبيرة» للشجرة التطورية للحيوانات؟ هذا السؤال يستدعي تساؤلًا فوريًّا عن مقدار كِبَر (أو صِغَر) الفرع بحيث يستحق أن يُسمَّى شعبة. هذه قضية خلافية، ولكنْ (عمليًّا) الحيوانات داخل الشعبة نفسها يجب أن تشترك في تراكيب أو ملامح تشريحية معينة تختلف عمَّا لدى الشُّعَب الأخرى. وحسب كلمات جيمس فالنتين، إن: «الشُّعَب أفرع من شجرة الحياة تعتمد على تشابه الشكل.» إن أسماء الشُّعَب لا يمكن أن تستخدم لتجمع معًا حيوانات من أفرع مختلفة، ولا يجب أن تتداخل شعبة ما في شعبة أخرى. هذه القواعد تعمل جيدًا جدًّا في معظم المملكة الحيوانية، وفي كل الأنواع الحيوانية المألوفة، ولكن ما زال هناك خلافات بشأن عدد الشعب المطلوبة لتصنيف الأنواع غير المعروفة جيدًا. والشيء المؤكد هو أن الفئات الأربع التي قال بها كوفييه تمثل تبسيطًا كبيرًا؛ إذ إن عدد الشُّعَب الحيوانية المذكورة اليوم يتراوح بين ?? و?? شعبة.
اقتُرح في السنوات الأخيرة العديد من الشُّعَب «الجديدة». ويحدث ذلك أحيانًا عندما يكون هناك حاجة لقسمة شعبة ما إلى اثنتين بسبب أن الأبحاث أوضحت أنها تحتوي خطَأً على حيواناتٍ من أفرع بعيدة من الشجرة الحيوانية. أحد الأمثلة هو قسمة الشعبة السابقة «الحيوانات الوسطى» إلى شعبتين؛ شعبة الرخويات التي تحتوي بعض الطفيليات الدودية الشكل الدقيقة الحجم، وشعبة مستقيمات السباحة التي تحتوي على طفيليات دودية الشكل أكثر صِغَرًا، التي تعيش على نحو غير متوقَّع في بول الأخطبوط والحبار. وهناك مثال أكثر جدلية يخص شعبة الديدان المفلطحة (الديدان المسطحة والشريطية والمثقوبات) التي حُذِف منها حديثًا بعض الأنواع ووضعت في شعبة جديدة باسم لا جوفيات الشكل. كما تُقترح أيضًا شُعَبٌ جديدة إذا ما وُجدت أنواع جديدة تمامًا لها تراكيب جسمانية غير عادية وتبدو فريدة، ولا تقع في شعبة موجودة سلفًا. ويجب توفُّر كلا المعيارين حتى تُنشأ شعبة جديدة. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي حدث ذلك مرات قليلة، أبرزها اكتشاف شعبة سيكليوفورا (حيوانات دقيقة تعيش متعلقة بأجزاء فم سرطان البحر والسكامبي)، وشعبة الكوسليات (حيوانات صغيرة جدًّا وعائية الشكل توجد متعلقة بحبات الرمل)، وشعبة الفكيَّات الدقيقة (حيوانات أصغر من سالفة الذكر توجد في ينابيع المياه العذبة في جرينلاند).
هناك أيضًا شُعَب فُقدت. لم يحدث هذا من خلال الانقراض، أو على الأقل يمكننا القول إنه لم تنقرض شعبة واحدة على مدار التاريخ البشري المسجل. بدلًا من ذلك فإن الشعبة تصبح تقسيمًا غير صحيح عندما يُكتشف أن المجموعة كلها مُتضمَّنة داخل شعبة أخرى، ومن المنطقي ضم المجموعتين في مجموعة واحدة. من المدهش أن ذلك يحدث كثيرًا، في العادة عندما تُصنَّف مجموعة من الحيوانات ذات بناء تشريحي غريب جدًّا على أنها شعبة محددة، ثم توضِّح أبحاث لاحقة أنها في جزء مُعدَّل من مجموعة أخرى من الحيوانات. أفضل مثال معروف هو الديدان الأنبوبية العملاقة — الملتحيات — المعروفة بوجودها في الشقوق المائية الحرارية البحرية العميقة حول جذر جالاباجوس وفي حيد وسط الأطلنطي. وعلى اعتبار أن بعض الملتحيات تنمو حتى تصل إلى مترين في الطول فإنه مما يُثير العجب أن علاقاتها التطورية ثبت صعوبة تتبعها. ولكن نتائج دراسات تتابعات الدنا توضح أن الملتحيات هي أفراد من شعبة الحلقيات، التي تضم حيوانات معروفة مثل ديدان الأرض والعلقيات. وهناك مثال آخر يتعلق بشعبة سالفة عُرفت باسم بنتاستوميدا، أو الديدان اللسانية، وهي تضم طفيليات حرشفية كبيرة (تصل إلى ?? سنتيمترًا) ذات خطاطيف تُغرَس في الممرات التنفسية للطيور والزواحف. ورغم منظرها المُرعِب فإنه اتضح الآن من تحاليل الدنا والتركيب الخلوي أن الديدان اللسانية هي في الواقع قشريات متحورة بشكل كبير تنتمي إلى شعبة المفصليات، بالقرب من قمل السمك.
سأميِّز ها هنا ?? شعبة حيوانية، منها ? شُعَب تتضمن حيوانات معروفة تمامًا لكل شخص تقريبًا. هناك ? شعب أخرى يمكن أن نشاهدها بقليل من الجهد في البِرَك والمَضَايق أو عند التمشي على طول ساحل البحر. الشعب التسع المألوفة هي: الإسفنجيات، واللاسعات (قنديل البحر والمراجين وشقائق النعمان)، المفصليات (تشمل الحشرات والعناكب والسرطانات وذوات المائة رِجْل)، والخيطيات (الديدان المستديرة مثل طفيلي العَمَى النهري لدى الإنسان والديدان الخيطية قاتلة الرخويات التي يستخدمها أصحاب الحدائق)، والحلقيات (ديدان الأرض وديدان الأسماك والعلقيات)، والرخويات (تشمل القواقع والمحاريات والأخطبوط) وشوكيات الجلد (نجم البحر وقنافذ البحر) والحبليات (تشمل الأسماك والضفادع والسحالي والطيور والثدييات مثل البشر). والشعب الأربع الإضافية التي توجد بسهولة نسبية هي المرجانيات (مثل الحيوانات الأشنية، وتُرى بسهولة على صورة منظومة من صناديق دقيقة تشبه القرميد على أوراق أعشاب البحر)، والديدان الخرطومية (ديدان «شريطية» حبَّارية بطيئة الحركة توجد أسفل الصخور على شاطئ البحر)، والدولابيات (حيوانات «عَجَلية» توجد بالآلاف في مياه البِرَك)، وبطيئات المشية («دببة الماء» المتناهية الصِّغَر الموجودة في الأُشن، ويراها معظم متخصصي علم الحيوان على أنها ألطف الحيوانات شكلًا).
في محاولات لتفهم كيف تنوعت الحيوانات خلال التطور، وكيف تعمل، وكيف تواءمت مع بيئات خاصة، من الأفضل البدء عند مستوى الشعبة. وما دامتِ الشُّعَب «أفرعًا في شجرة الحياة معتمدة على الشكل»، فيستتبع ذلك معرفة إلى أي شعبة ينتمي النوع ليساعدنا ذلك عندما نقوم بمقارنات مع أفراد من المجموعة نفسها أو مجموعة قريبة، وعند تقدير كيف يرتبط تشريح كائن ما بالوظيفة. على سبيل المثال، إن معرفتنا بأن حيوانًا ما ينتمي إلى شعبة الخيطيات يدفع بنا فورًا إلى الانتباه إلى الغشاء السميك المرن وإلى البلعوم الذي يعمل كمضخة في هذه الشعبة، وهذا وثيق الصلة بتفهم طبيعة حياة هذا الحيوان وخصائصه. وعلى العكس، فإن تجاهل التصنيف يؤدِّي إلى اضطراب المقارنات بين الأنواع المتباعِدة التي لها بناء جسمي مختلف جدًّا وضوابط مختلفة في تطورها وطريقة حياتها. ولكن علينا ألَّا ننظر إلى شُعَب الحيوان بوصفها قائمة من ?? فئة وحسب؛ إذ إن كلًّا منها يشمل فرعًا من الشجرة التطورية. بطبيعة الحال تكون الفروع دائمًا مرتبطة بفروع أخرى؛ ولذلك فإن بعض الشُّعَب تكون مرتبطة معًا بشكل أكبر من ارتباطها بشعب أخرى. وهذه المعلومة حيوية لتفهم كيف أن التركيب والوظيفة والتطور ترتبط معًا في المملكة الحيوانية.
جدول ?-?الشعبةموقعها في الشجرةأمثلةالصفيحياتحيوانات القاعدة?الإسفنجياتحيوانات القاعدةالإسفنجاللاسعاتحيوانات القاعدةقنديل البحر، المراجين، شقائق النعمانالممشطياتحيوانات القاعدةالهلاميات المشطيةالحلقياتالعجلانيات العرفيةديدان الأرض، ديدان الأسماك، العلقياتالرخوياتالعجلانيات العرفيةالقواقع، المحار، الحبار، الأخطبوطالديدان الخرطوميةالعجلانيات العرفيةالديدان الشريطيةذراعيات الأرجلالعجلانيات العرفيةأصداف القنديلالديدان الحدويةالعجلانيات العرفيةديدان حدوة الحصانالمرجانياتالعجلانيات العرفيةالحيوانات الأشنيةداخليات الشرجالعجلانيات العرفية?الديدان المفلطحةالعجلانيات العرفيةالديدان المسطحة، الوشائع، الديدان الشريطيةالرحوياتالعجلانيات العرفية?الدولابياتالعجلانيات العرفيةالحيوانات العَجَليةبطنيات الأهدابالعجلانيات العرفية?الديدان الفكيةالعجلانيات العرفية?الفكيَّات الدقيقةالعجلانيات العرفية?سيكليوفوراالعجلانيات العرفية?المفصلياتالانسلاخياتالحشرات، العناكب، السرطانات، ذوات المائة رِجلحاملات المخالبالانسلاخياتالديدان المخمليةبطيئات المشيةالانسلاخياتدببة الماءالخيطياتالانسلاخياتالديدان المستديرةالديدان الشعريةالانسلاخياتديدان شعر الحصانمتحرِّكات الخَطْمالانسلاخياتتنين الطينالقضيبياتالانسلاخياتديدان القضيبالكوسلياتالانسلاخيات?شوكيات الجلدثنائيات الفمنجم البحر، قنافذ البحر، خيار البحرنصف الحبلياتثنائيات الفمديدان البلوطالحبلياتثنائيات الفمنافورات البحر، السهيم، الأسماك، البشرهلبيات الفكالعجلانيات العرفية/الانسلاخياتالديدان السهميةلا جوفيات الشكلغير مؤكد?الديدان المسطحة الغريبةغير مؤكد?مستقيمات السباحةغير مؤكد?

الفصل الثالث
الشجرة التطورية للحيوانات


أعتقد أن الوقت الذي سيكون لدينا فيه أشجار أنساب حقيقية جدًّا لكل مملكة عظمى في الطبيعة سيأتي لا محالة، رغم أنني لن أكون حيًّا لأشهده.
تشارلز داروين، في خطاب إلى تي إتش هَكسلي (????)بناء شجرة الحياة

أدرك داروين أن تشبيه الشجرة المتفرِّعة هو التشبيه الأمثل لوصف مسار التطور. وقد وضع في عام ???? رسمًا تخطيطيًّا صغيرًا لشجرة تطورية في إحدى مذكراته الشخصية تعلوه كلمتان مشوقتان: «أنا أظن.» وقد وَرَد هذا المفهوم بسرعة إلى داروين بمجرد أن تحقق من أن نوعًا ما يمكن أن يتسبب في ظهور نوعين «وليدين»، وهي العملية المعروفة باسم الانتواع. إن الأشجار التطورية، أو أشجار الأنساب، كما تُعرف أيضًا، هي ببساطة رسوم تخطيطية تُصوِّر أحداث الانتواع هذه. وكلُّ نقطة تفرع على شجرة علاقات القربى — حيث يتفرع خط واحد معطيًا خطين — هي تصوير مرئي لنوع واحد أصبح نوعين.
إن تفهم أشجار علاقات القربى يكون أمرًا سهلًا عندما تشمل أنواعًا حيوانية متشابهة. فعلى سبيل المثال إذا أدَّى خط واحد في الشجرة إلى الفراشة الكبيرة البيضاء، وأدَّى آخَر إلى الفراشة الصغيرة البيضاء فإن نقطة الْتقاء الخطين تحدد حدوث الانتواع الذي أدَّى إلى فصل هاتين الفراشتين المتماثلتين بقدْر كبير. إن هذه هي النقطة التاريخية التي عندها انفصلت عشيرتان عن «سَلَفهما المشترك» بما أدَّى إلى أنهما أصبحا لا يتزاوجان معًا. ومن المهم أن نذكر أن هاتين العشيرتين لن تكونا قد اكتَسَبَتَا بعدُ الصفاتِ المميزةَ للنوعين، فهما تبدوان في الواقع متماثلتين إلى حدٍّ كبير. ولكن غالبًا جدًّا ما نَجِد أن أشجار علاقات القربى لا تحتوي فقط الأنواع الشديدة التقارب بعضها من بعض؛ إذ إنها تُصوِّر العلاقات التطورية بين مجموعات كبيرة من حيوانات، مثل تلك التي بين الحشرات والعناكب والقواقع وقنديل البحر والبشر. ويجب النظر إلى أشجار علاقات القربى هذه بالطريقة نفسها تمامًا. وإذا ما أدَّى خطٌّ في الشجرة إلى حشرات، وخطٌّ آخر أدَّى إلى عناكب فإن نقطة الْتِقاء هذين المسارين تحدد موقع السَّلَف المشترك لهاتين المجموعتين، ذلك السلف الذي انقرض منذ أمَدٍ بعيد. إن السلف لم يكن حشرة ولا عنكبوتًا، وهو عندما مر بعملية الانتواع أعطى الأسلاف غير المتمايزة بشكل كبير لهاتين المجموعتين.
ورغم أن داروين خطَّ تصورًا لفكرة الشجرة في مفكرته الشخصية وتوسَّع في بيانها عن طريق الرسم الإيضاحي الوحيد لها في كتابه «أصل الأنواع» فإنه لم يحاول أن يحدد بدقة أي الأنواع قريب في الواقع من سواه من الأنواع. بالنسبة لداروين كانت الأشجار التطورية مجرد مفهوم؛ أي طريقة للتفكير بشأن التطور، وقد حاول الكثير من علماء بيولوجيا التطور فيما بعدُ وضعَ أسماء على أفرع الشجرة. إنها مشكلة صعبة ويجب أن تُحلَّ. في جميع الأحوال يجب أن يكون هناك شجرة واحدة لحياة الحيوان تحدد المسار الحقيقي لتطور الحيوان. وعلى ذلك فإن أي رسم لشجرة علاقات قربى هو فرضية واضحة وجلية للمسلك الذي اتُّبع في التطور. رُسمت بعض الأشجار المبكرة للتطور بواسطة عالِم علم الحيوان الألماني إرنست هيكل في ستينيات القرن التاسع عشر وسبعينياته. كان العديد من أشجار هيكل واضحة في تفصيلاتها البارعة، وكاملة بلحاء ذي عُقَد وأفرع ملتوية، وبأسماء مجموعات حيوانية معينة عند نهاية كل غُصَيْن أو ورقة. وقد اعتمد هيكل في شجرته، وكذلك في فرضياته حول تطور الحيوان، على العديد من خطوط الأدلة، ولكنه كان يَمِيل بوجْه خاص إلى الخصائص الآتية من دراسة علم الأجنة. يَرجِع ذلك جزئيًّا إلى اعتقاده بأن الأجنة تتغير ببطء خلال التطور. وأيضًا حتى عندما تبدو الحيوانات اليافعة مختلفة بعضها عن بعض، فإن هناك معالِمَ متشابهة توجد أحيانًا في مرحلة نمائها. إن بعض استنتاجات هيكل ما زالت متوافقة مع الأفكار الحديثة، مثل وضعه لقناديل البحر وشقائق النعمان في فرع انفصل مبكرًا عن باقي طرز الحيوانات. وهناك أفكار أخرى تُثير دهشتنا الآن، وهي بالتأكيد غير صحيحة، مثل وضْع شوكيات الجلد (نجم البحر وقنافذ البحر) كفرع قريب من مفصليات الأرجل مثل الحشرات والعناكب.
وعلى مدى الثمانين عامًا التالية وضَع علماء الحيوان أوصافًا أفضل لتشريح الحيوانات وقاموا بدراسة نموها الجنيني بتفصيل أكثر، مع التركيز على التنوع الكبير في شُعَب اللافقاريات. ولكن حتى عند منتصف القرن العشرين لم يتم التوصل إلى إجماع واضح. ولا توجد علاقة قربى واحدة عليها اتفاق في المملكة الحيوانية. إن كل مؤلف يرسم شجرة تطورية مختلفة قليلًا، وإن كانت ثمة علاقات معينة موجودة على الدوام. وقد أصبح أحد التصورات — والموضح فيما يلي — سائدًا على نحو خاص في الكتب الدراسية الأمريكية، وأُطلق عليه اسم «فرضية السيلوميات».
فرضية السيلوميات

في هذه الشجرة التطورية كانت مجموعات الأدلة الرئيسة التي استُخدمت في تحديد ماهية شُعَب الحيوان الأقرب بعضها لبعض هي: التناظر، والطبقات الجرثومية، والتجاويف الجسمية، والتفلُّق، ونظم الانقسام الخلوي في الجنين المبكر. إن معظم الحيوانات المألوفة — وتشمل الديدان والقواقع والحشرات والبشر — لها مستوًى واحد يقسم الجسم إلى قسمين طبق الأصل؛ أي لها محور تناظر. هذا المحور يمتدُّ في الاتجاه من الرأس إلى الذيل ويفصل الجانب الأيسر عن النصف المماثل له الواقع على الجانب الأيمن للجسم. هناك العديد من الانحرافات عن التناظر الدقيق كما في حالة الأصداف الملتفَّة للقواقع والأرجل الكلَّابية الغير متوازنة الشكل في السرطان، أو وضع قلب الإنسان في الجانب الأيسر للجسم، ولكن هذه كلها تعديلات طفيفة. إن معظم الحيوانات لها في الأساس تناظر شبه تام بين الجانبين الأيمن والأيسر، ويُطلَق على هذا التنظيم اسم التناظر «الجانبي». وعلى النقيض من ذلك، هناك أربع شعب حيوانية ليس لها نهايتا الرأس والذيل، وليس لها جانبان أيسر وأيمن. إن هذه الشعب العديمة التناظر الجانبي، أو الشعب الحيوانية القاعدية، إما ليس لها تناظر وإما لها تناظر شعاعي، وهي تشمل اللاسعات (نجم البحر وشقائق النعمان والمراجين) والإسفنجيات، بالإضافة إلى مجموعتين غير معروفتين جيدًا يُسمَّيَان الممشطيات والصفيحيات.
مجموعة الأدلة الثانية كان عدد «الطبقات الجرثومية». والطبقات الجرثومية هي طبقات الخلايا التي تنشأ مبكرًا في الجنين وتصبح أكثر تعقيدًا أثناء النماء. لمعظم الحيوانات ثلاث طبقات جرثومية، وتكوِّن الطبقة الداخلية (الأديم الباطن) جدار الأمعاء، وتكوِّن الطبقة الخارجية (الأديم الظاهر) الجلد والأعصاب، وتكوِّن الطبقة الوسطى (الأديم المتوسط) العضلات والدم وأنسجة أخرى. أما الشُّعَب العديمة التناظر الجانبي أو الشعب القاعدية فلها طبقتان جرثوميتان فقط (أديم ظاهر وأديم باطن) على الأقل في تقدير تقريبي أولي. وهناك اختلاف إن كان هناك شيء يماثل الأديم المتوسط في هذه الحيوانات. وبسبب هذين النوعين من الأدلة — التناظر والطبقات الجرثومية — وُضعت الحيوانات الثنائية التناظر في مجموعة واحدة كبيرة تُعرف باسم «ثنائيات التناظر» (تُسمَّى أيضًا «ثلاثيات الطبقات» على أساس أنها تنشأ من ثلاث طبقات جرثومية)، آخذين في الاعتبار أن الشُّعَب الأخرى نشأت من تفرعات انفصلت مبكرًا على مدى تطور الحيوانات.
عند تناول ثنائيات التناظر لَقِيَتْ صفة واحدة اهتمامًا خاصًّا في شجرة علاقات القربى بين السيلوميات، وهي وجود أو غياب مساحات مملوءة بسائل داخل الجسم. إن أجنة بعض ثنائيات التناظر، خاصة الحلقيات (مثل ديدان الأرض) والرخويات (مثل البزاقات والقواقع)، لها تجاويف جسمية كبيرة مملوءة بسائل، ومبطَّنة بطبقات غير منفذة من خلايا طلائية. ولأجنة الحبليات — مثل البشر — أيضًا هذه التجاويف كما هي الحال في أجنة شوكيات الجلد (نجم البحر وقنافذ البحر). يُعرف تجويف الجسم الذي من هذا الطراز باسم السيلوم؛ ولذا تُسمَّى هذه الشعب الحيوانية باسم السيلوميات، وقد جُمعت بعضها بجوار بعض في شجرة التطور. في ديدان الأرض يستمر بقاء السيلوم حتى الطور اليافع؛ حيث يعمل كهيكل سائل. وفي بعض حيوانات أخرى، تشمل مفصليات الأرجل (مثل الحشرات والعناكب)، قد يكون السيلوم صغيرًا جدًّا أو قد يختفي فيما بعد خلال فترة النماء، ولكن هذه الحيوانات وُضعت في الجزء الخاص بالسيلوميات في الشجرة. (في بعض أشجار علاقات القربى الأخرى جُمعت معًا فقط بعض السيلوميات.) السبب الآخَر لوضع مفصليات الأرجل قريبة من الحلقيات هو أن كلًّا من مجموعتي الحيوانات له أجسام مقسمة إلى وحدات متكررة متمفصلة معًا أو «فلقات». ويمكن مشاهدة التفلُّق بوضوح كامل في جسم مئويات الأرجل أو دودة أرض، وذلك كسلسلة من الحلقات حول (وداخل) الجسم. وعلى ذلك فإنه في كثير من الأشجار عُيِّنَ فرعٌ فوقيٌ من «السيلوميات المفلقة»، وسُمِّيت المتمفصلات.
على النقيض من السيلوميات، هناك أيضًا ثنائيات تناظر يبقى فيها السيلوم صلبًا دون أي تجويف مملوء بسائل. وقد سُميت هذه الحيوانات اللاسيلوميات، وهي تشمل الديدان المفلطحة (الديدان المسطحة والوشائع والديدان الشريطية) والديدان الخرطومية (الديدان المستديرة)، ولها تجاويف جسم غير محددة ومن دون طبقة من الخلايا الطلائية. وهناك افتراض تقوم عليه شجرة علاقات القربى بين السيلوميات مفاده أن كل السيلوميات تُجمَّع معًا، وأن اللاسيلوميات قد انفصلت مبكرًا. يُعتقد أن اللاسيلوميات هي أسلاف السيلوميات، وهي بذلك تُعتبر أكثر الحيوانات الثنائية التناظر «بدائية». وثمة نتيجة أخرى تمثلت في وجود تزايد في درجة التعقيد على مدى تطور ثنائيات التناظر، من اللاسيلوميات إلى السيلوميات عن طريق سيلوميات كاذبة على الأرجح، ويمكن رصده عن طريق شُعَب الحيوانات التي تعيش اليوم.
شجرة جديدة للحيوان

ليس كل مشتغل بعلم الحيوان يتماشى مع وجهة النظر السالفة الذكر، ولكن ما ذُكر بقي افتراضًا شائعًا لعقود عديدة. إن أكثر النظريات البديلة الشائعة تقسم ثنائيات التناظر إلى مجموعتين رئيستين (أَوَّليَّات الفم وثنائيات الفم) وأعطَتِ اهتمامًا أقل لتجاويف الجسم، ولكن هذه النظرية ما زالت تَستخدم التفلُّق لجَمْع مفصليات الأرجل مع الحلقيات في مجموعة المتمفصلات. ولكن في عام ???? ظهرت مجموعة جديدة من الأدلة في هذه المسألة أشارت إلى أن ثمة خطأً فادحًا ربما يعتري فرضية السيلوميات، وأيضًا في فكرة المتمفصلات. أعلن فريق من الباحثين بجامعة إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكية يترأسه رودلف راف استخدام بيانات تتابعات الجينات لبحث العلاقات التطورية بين شُعَب الحيوانات. وبما أن طفرات الجينات تتراكم مع الوقت، فإن الاختلافات في تتابع الدنا بين الأنواع يعكس طول الفترة التي مرت منذ كان يجمعها سلف مشترك. إن شُعَب الحيوانات الأكثر قرابة سيكون لها تتابعات دنا متشابهة من حيث جين معين، أما المجموعات الأبعد قرابة فستكون تتابعات الدنا الخاصة بها أكثر اختلافًا. وقد ركز راف وزملاؤه الاهتمام على الجينات التي تُشفِّر للرنا الموجود في الوحدات الصغيرة للريبوسومات، وهي إحدى مكونات الريبوسوم، وهو تركيب موجود في كل الخلايا. إن الميزة الرئيسة لهذا الجين هي وجوده في كل نوع من أنواع الحيوانات، وقيامه بالوظيفة نفسها؛ وهي المساعدة في بناء البروتينات.
كانت دراسة عام ???? بدايةً لثورة في استخدام معلومات تتابعات الدنا بهدف رسم شجرة علاقات قربى حقيقية للحيوانات. ورغم أن التكنولوجيا كانت جديدة وطرق التحليل كانت في بدايتها، فإن ثمة نتيجةً بعينها بَدَتْ واضحة منذ البداية؛ فالديدان الحلقية المفلَّقة ومفصليات الأرجل المفلَّقة كانت فيها التتابعات الجينية للرنا الريبوسومي مختلفة تمامًا؛ ومن ثَم لم يكن هناك أي دليل يدعم القول بوجود مجموعة للمتمفصلات. وعلى مدى العشرين عامًا التالية تم تحديد تتابعات الدنا في الكثير من الجينات، من الكثير من الأنواع الأخرى، كما أن طرق التحليل المعتمدة على الكمبيوتر صارتْ أفضل وأدقَّ. إن أشجار علاقات القربى التي يمكن الاعتماد عليها الآن تشمل ما يزيد على مائة جين من كل حيوان، وكلها تُعطي صورة متناغمة بشكل واضح. إن «علاقات القربى الجديدة للحيوانات» تحمل بعض الشَّبَه مع الأشجار القديمة، ولكن بها أيضًا اختلافات أساسية.
في علاقة القربى الجديدة للحيوانات تفرعت الشعب الأربع غير ثنائية التناظر عن الشجرة الرئيسة مبكرًا، تمامًا كما فعلت في أشجار علاقات القربى للسيلوميات وغيرها من الأشجار المعتمدة على الشكل. وهذا يعني أن الطبقات الجرثومية والتناظر أعطت صورة دقيقة. في الواقع، تُعتبر قناديل البحر وشقائق النعمان والمراجين وهلاميات المشط والإسفنج حيوانات قاعدية. وبعد الشُّعَب القاعدية هذه توجد بقية الحيوانات المنتمية لثنائيات التناظر. لكن داخل مجموعة ثنائيات التناظر هذه تختلف الفرضيات؛ فعلى سبيل المثال: في علاقات القربى الجديدة للحيوانات ليس هناك مكان لشجرة تتكون فقط من لا سيلوميات، ولا موقع للسيلوميات الكاذبة، ولا تجميع للسيلوميات فقط. بدلًا من ذلك فإن كل الطرز الثلاثة لتنظيم الجسم تكون مندمجة معًا.
وما دام السيلوم يوجد في أجزاء مختلفة عديدة من الشجرة «الجديدة» فإنه يترتب على ذلك إما أن تجاويف الجسم نشأت أكثر من مرة خلال التطور، وإما أنها يمكن أن تختفي، وإما الاحتمالان معًا. من الناحية الوظيفية ربما يكون ذلك مثيرًا للدهشة؛ فالتجاويف المملوءة بسائل توفر ميزة للافقاريات التي تعيش في بيئات عديدة؛ ذلك أنها توفر الدعم للجسم وتعمل كحقيبة غير قابلة للانضغاط تستطيع مجموعات مختلفة من العضلات أن تنقبض فوقها. وبالنسبة للحيوانات ذات الأجسام اللينة، فإن هذه التجاويف تزيد من قوة وكفاءة حركة الحيوان، وتوفر القدرة على الحفر وعلى الزحف بسرعة وكذلك على السباحة إن لزم الأمر. ومن وجهة نظر رسم شجرة التطور فإن هذا يعني أن تجاويف الجسم كانت أدلة متواضِعة على علاقات القربى. وهذا صحيح أيضًا بالنسبة للتفلُّق؛ إذ يوفر تقسيم الجسم إلى وحدات مميزات في بعض البيئات، وذلك، على سبيل المثال، عن طريق زيادة القدرة على الحركة، ومن المحتمل أن ذلك أيضًا نشأ أكثر من مرة. إن العُقَل مثل السيلوم تَظهَر وتَختَفِي بسرعة خلال التطور بحيث لا يمكن الاعتماد عليها كأدلة على علاقات القربى. ويبدو أنه ليس هناك مجموعة تُسمَّى السيلوميات أو المتمفصلات.
ما هو إذن الشكل الذي تتخذه شجرة التطور المعتمدة على تتابعات الدنا؟ في التصور الجديد لعلاقات القربى بين الحيوانات — الذي لَقِيَ قبولًا كبيرًا وسريعًا — تنقسم ثنائيات التناظر إلى ثلاث مجموعات يطلق عليها «شُعَب فائقة»، تحوي كلٌّ منها عدة شُعَب. ويُطلَق على الشعبة الفائقة التي ننتمي إليها اسم ثنائيات الفم. وبالإضافة إلى شعبتنا — «الحبليات» — فإن مجموعة ثنائيات الفم تشمل شوكيات الجلد (نجم البحر وقنافذ البحر) ونصف الحبليات (تشمل ديدان جوزة البلوط الكريهة الرائحة). إن التصور الأقدم لعلاقات القربى اشتمل دائمًا في الأغلب على مجموعة تُسمَّى ثنائيات الفم أيضًا، ولكنه عادة أيضًا ما شمل حيوانات أخرى قليلة تم نقلها إلى موضع آخر على أساس المعلومات الخاصة بالدنا، خاصة هلبيات الفك، أو الديدان السهمية.
إن الشعبتين الفائقتين الكبيرتين الأخرَيَيْن من ثنائيات التناظر شكَّلتَا مفاجأة؛ إذ كانَتَا غير متوقَّعتين من واقع المقارنة التشريحية وغير موجودتين في أيٍّ من الأشجار القديمة التقليدية، إلَّا أن كلًّا منهما مدعم ببيانات تتابعات الدنا. وبسبب أنهما قد اقتُرحتا حديثًا فقط، فإن هاتين المجموعتين من الحيوانات احتاجتا إلى اسمين جديدين. إن كلًّا منهما يمثل مجموعة كبيرة. ويُطلق على المجموعة الأولى منهما وتحتوي على مفصليات الأرجل (الحشرات والعناكب والسرطانات ومئويات الأرجل) والديدان الخيطية (الديدان المستديرة)، وشعب عديدة أخرى اسم «الانسلاخيات». أما المجموعة الثانية التي تضم الحلقيات (ديدان الأرض والعلق)، والرخويات (القواقع والأخطبوط)، والديدان المفلطحة (ديدان الأرض والوشائع والديدان الشريطية) والمرجانيات (الحيوانات الأُشنية)، وغيرها، فتُعرف باسم «العجلانيات العرفية».
شكل ?-?: شجرة التطور النوعي الجديدة للحيوانات بناءً على بيانات تسلسلات الدنا.
أفضل طريقة لإيضاح شجرة علاقات القربى عن طريق استخدام رسم تخطيطي. وكما هو واضح في الشكل ?-? فإن شجرة علاقات القربى الجديدة بين الحيوانات تشمل أربع شعب لا ثنائية التناظر تفرعت مبكرًا في التطور الحيواني تاركة مجموعة «ثنائيات التناظر» الكبيرة. تنقسم ثنائيات التناظر إلى ثلاث شعب فائقة كبيرة هي: ثنائيات الفم، والانسلاخيات، والعجلانيات العرفية كما هو موضح. المجموعتان الأخيرتان إحداهما أقرب للأخرى، وتقاربان مجموعة «أوليات الفم» المشار إليها في بعض أشجار علاقات القربى القديمة. ومن المهم إدراك أنه ضمن المجموعات الكبيرة الثلاث لا توجد مجموعة «أعلى» أو «أدنى» من الأخرى، ما دامتْ كلها جميعًا موجودة الآن. فلا يوجد تصاعد في تدرُّج الطبيعة. في الفصول الباقية للكتاب سوف نُلقِي نظرة على الحيوانات الموجودة في كل من هذه الأفرع؛ حيث نبدأ بالشُّعَب اللاثنائية التناظر، ثم نتناول الشعب الفائقة الثلاث الكبيرة لمجموعة ثنائيات التناظر. إن الترتيب عشوائي، ووجود البشر في شعبة ثنائيات الفم لا يُعطي هذه المجموعة أي أولوية في الشجرة.
الفصل الرابع
حيوانات القاعدة: الإسفنجيات والمرجانيات وقناديل البحر


كان القاع مختفيًا تمامًا بفعل سلسلة متصلة من المراجين والإسفنج وشقائق النعمان وكائنات بحرية أخرى ذات أبعاد ضخمة وأشكال متنوعة وألوان رائعة … لقد كان مشهدًا يستحق أن تحدق فيه لساعات، ولا يوجد وصف يُوفِيه حقَّه نظرًا لجماله الفائق وما يتضمنه من تشويق!
ألفريد راسل والاس، أرخبيل الملايو (????)الإسفنجيات

الإسفنجيات هي أقل الكائنات شَبَهًا بالحيوانات في المملكة الحيوانية. ومعظم الإسفنجيات تشبه الزُّهرية، ولكن بعضها يتخذ شكل كُتَل ذات نمو غير منتظم تغطي سطح الصخور في البحر أو الحصى والأفرع الساقطة في البحيرات والأنهار. بالنسبة إلى هذه الحيوانات، لا تنطبق بدقة مفاهيم الأبعاد الصريحة، مثل الأمام والخلف، أو الأعلى والأسفل، أو اليسار واليمين، ليس لها خلايا عصبية واضحة أو عضلات، ولكنها تستطيع التحرك ببطء شديد، يمكنها — مثل حيوانات أخرى — الاستجابة إلى اللمس وتستطيع استشعار التغيرات الكيميائية في بيئاتها. على غير الحيوانات الأخرى، ليس لها فم حقيقي أو مِعًى، ولكن بدلًا من ذلك توظف نظامًا معقدًا من تدفق الماء لالتقاط الغذاء. يمكن التعرف على الإسفنج عن طريق وجود ثقب كبير أو أكثر على أسطحها، مع وجود الآلاف من الثقوب الصغيرة جدًّا. يندفع خلال الثقوب الصغيرة تيار مستمر من الماء، الذي يخرج من الثقوب الكبيرة. إن تيار الماء هذا — الذي يحمل الأكسجين الذائب وفتات الغذاء مثل البكتيريا — ينشأ بفعل طراز هام من الخلايا يوجد في بطانة شبكة من القنوات المجوفة والتجاويف الموجودة داخل الإسفنج. هذه الخلايا الغذائية — أو الخلايا المطوَّقة — لها سوط ضارب وتشبه السوطيات المطوَّقة الوحيدة الخلية التي أُشير إليها من قبلُ، ولكنها تعمل بشكل مختلف؛ حيث إن الخلايا المطوَّقة — على عكس السوطيات المطوَّقة — لا تقتنص الطعام باستخدام الأطواق كشبكة بسيطة، بل عوضًا عن ذلك فإن الحجرات المحتوية على الخلايا المطوقة لها مساحة سطحية أكبر مما للثقوب؛ وهذا يعني أن تيار الماء يبطؤ كثيرًا بمجرد دخوله جسم الإسفنج. وبما أن تيار الماء الوافد أصبح الآن ساكنًا تقريبًا، فإن خلايا الإسفنج تستطيع التهام البكتيريا وفتات الطعام الأخرى.
رغم أن للإسفنج العديد من طرز الخلايا المختلفة، فإن معظمها لا ينتظم بحيث يكوِّن أعضاءً ذات وظائف محددة، مثل الكلى أو الأكباد أو المبايض (رغم أن حجرات الخلايا المطوقة يمكن اعتبارها أعضاء بسيطة)؛ ولهذا السبب فإن الإسفنجيات توصف أحيانًا بأنها تمتلك تنظيمًا «على مستوى الأنسجة». لبعض الإسفنجيات قدرة مدهشة على التجدد إلى حدِّ أنها أَلهَمَتِ الكائنات الفضائية الدائمة التجدد في مسلسل الخيال العلمي التليفزيوني «دكتور هو». نُشرَت التجارب الموضحة التي كشفت هذه الخاصية في عام ???? بواسطة هنري فان بيترز ويلسون من جامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية. قام ويلسون بطحن إسفنج حي ومرَّره من خلال قطعة قماش من ذلك المستخدَم في نخْل الدقيق، وبذلك تم تفكيك معظم الإسفنج إلى خلايا منفصلة. وقد لاحظ ويلسون عندئذٍ أن هذه الخلايا زحفتْ بالتدريج لتتجمع معًا وتنتظم مشكِّلة إسفنجًا جديدًا! بالإضافة إلى ذلك، فإنه إذا تم خلْط خلايا نوعَيْن مختلفَيْن معًا فإن هذه الخلايا سوف تقوم بفرز نفسها لتكوِّن من جديد الفردين الأصليين، كلٌّ منفصلٌ عن الآخَر. ورغم أن التجدد موجود في العديد من أفرع المملكة الحيوانية، فإنه لا يوجد حيوان آخَر لدَيْه القدرة التي تملكها بعض الإسفنجيات.
للإسفنج «نسيج ضام» بين الطبقتين الخارجية والداخلية، وهو مدعم بألياف جامدة من بروتين يُعرف باسم سبونجين، أو مدعم برماح أو نجوم (شويكات) مكونة من كربونات الكالسيوم أو السليكا. كان الطراز الأول من الإسفنج، الذي له هيكل من السبونجين، مصدرًا لإسفنج الحمام القديم الذي كان يُستخدم على نطاق واسع في عمليات الغسيل والتنظيف، وإن كان قد حلَّ محلَّه الآن الفوم الاصطناعي. تشمل الأمثلة لذلك جنسَيْ «سبونجيا» و«هيبوسبونجيا». ويعود جمع الإسفنج واستخدامه إلى عدة قرون مضت؛ ففي القرن الأول الميلادي وصف بلينيوس الأكبر بالتفصيل كيف تستخدم الإسفنجيات في تنظيف الجروح وتقليل الأورام وإيقاف النزيف ومعالجة اللدغات. وحتى في فترة سابقة على ذلك، وصف أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد أي نوع من الإسفنج هو الأنسب في تبطين الخوذ، فكتب: إن إسفنج أخيليس ناعم للغاية ومنسوج بشكل متماسك وقوي. ويستخدم هذا الإسفنج كبطانة للخوذات ودروع السيقان بغرض إخفات صوت الضربات.
وتجدر الإشارة إلى أن البشر ليسوا هم فقط الذين استخدموا الإسفنج كأدوات. ففي خليج القروش على الشاطئ الغربي لأستراليا هناك عشيرة من الدلافين قارورية الأنف تعلَّمتْ كيف تنتزع قِطَعًا من الإسفنج الحي وتثبِّتها على خطومها لحماية أنفسها عند بحثها عن الطعام في القيعان الرملية.
تؤلف الإسفنجيات شعبة كاملة، تنقسم بدورها إلى ثلاث طوائف: ديموسبونجيا (تشمل إسفنج الحمام)، كالكاريا (ذات شويكات من كربونات الكالسيوم)، وهكسا أكتينليدا، وهي شعبة نادرة تسكن أعماق البحر. إن شعبة هكسا أكتينليدا، التي تُعرف أيضًا باسم الإسفنجيات الزجاجية، جميلة بوجه خاص، وبها بعض الاختلافات الهامة عن باقي الإسفنجيات. ومن سماتها الخاصة أن معظم أجزاء جسمها مدمج خلوي؛ أي طبقات من سيتوبلازم يحوي العديد من الأنوية، وليس منقسمًا بواسطة أغشية إلى خلايا منفردة. وهي أيضًا غير عادية من حيث إن أشواك السليكا لديها منسوجة معًا مكوِّنة تراكيب دقيقة شبكية تُشبِه أقفاصًا زجاجية كثيرة العدد. أشهر مثال لذلك هو إسفنج «سلة زهرة فينوس» الذي يعيش ملتصقًا بالصخور في قاع المحيط الهادي، وله هيكل أسطواني يشبه البرج يبلغ ارتفاعه ?? سنتيمترًا، مصنوع من خيوط ألياف زجاجية متشابكة معقَّدة. في المعتاد يوجد داخلَه زوج من الروبيان الحي؛ ذكر وأنثى، محصوران داخل حيز الألياف الزجاجية التي نَمَتْ بقدْر كبير حالَ بينَ زوج الروبيان وبين السباحة إلى الخارج من خلال الفرجات الموجودة في هيكل الإسفنج. إلَّا أن نسل زوج الروبيان يمكنه الهروب من خلال الجدران الشبكية والسباحة بعيدًا والسكن في سلال زهور فينوس أخرى، تاركًا الأبوين خلفَه عالقَيْن في شراكة دائمة. ووفق عادة يابانية قديمة، كان يتم إهداء عينات من هذا الإسفنج كهدية زواج رمزًا للمشاركة الأبدية.
الحالة الغريبة لجنس تريكوبلاكس

ليست الإسفنجيات الحيوانات الوحيدة التي تفتقد إلى المحاور الثلاثة؛ الرأس إلى الذيل، والقمة إلى القاع، واليسار إلى اليمين (ثنائية التناظر). فهناك شُعَب ثلاث أخرى أيضًا «لا ثنائية» التناظر في تنظيمها، وهي: شعبة اللاسعات (شقائق النعمان والمراجين وقنديل البحر)، وشعبة الممشطيات، وشعبة الصفيحيات. وفي الأصل وُضع نوع واحد فقط في الشعبة الأخيرة، وهو كائن ضئيل يشبه الفطيرة يُسمَّى تريكوبلاكس أدهايرنز ويعني «الصفيحة اللاصقة المُشعرة». لكن تدل التحاليل الجينية الحديثة على أنه ليس الوحيد، وأن هناك في الواقع أنواعًا مماثِلة عديدة من هذه الكائنات الدقيقة، تزحف وتطفو في البحار الاستوائية وتحت الاستوائية من المحيط الهادي حتى الكاريبي، ومن المتوسط حتى البحر الأحمر. من الوهلة الأولى قد يختلط علينا ببساطة أمر الجنس تريكوبلاكس بحيث نعتبره أميبا كبيرة جدًّا يصل عرضها ما بين نصف ملِّيمتر وواحد مليمتر، ولكن عند الفحص الدقيق يتبيَّن أنه مكوَّن من آلاف الخلايا بما يشكل حيوانًا حقيقيًّا. بسبب شكله المفلطح لا يمكن تمييز جهة أمامية، وهو يزحف على الأسطح الصلبة في أي اتجاه من خلال الجمع بين تغيرات الشكل وضربات آلاف من الأهداب المجهرية التي تغطي سطحه السفلي. وهو بلا فم أو مِعًى ويغتذي عن طريق إفراز إنزيمات من سطحه السفلي تقوم بتحليل المادة الغذائية، مثل الطحالب الوحيدة الخلية، إلى مواد يتم امتصاصها. وبشكل عام، فإن الصفيحيات حيوانات غير عادية بقدر كبير وطالما حيَّرتِ المتخصصين في علم الحيوان.
شكل ?-?: (أ) رسم لأحد الإسفنجيات، ويُدعَى هاليكلونا، يوضح تركيب حجرة الخلية المطوقة. (ب) رسم لأحد الممشطيات، ويُدعَى نميوبسيس. (?) رسم لأحد الصفيحيات، ويُدعَى تريكوبلاكس.
اكتُشِفَت الصفيحيات للمرة الأولى عام ???? بواسطة عالِم علم الحيوان الألماني وخبير الإسفنج فرانز أيلهارد شولز، ولكن مما يُثير الاهتمام أنه لم يكتشف الجنس تريكوبلاكس في الطبيعة؛ إذ وجد شولز هذا الحيوان الجديد يزحف على الجدر الزجاجية لحوض بحري في النمسا، وهذا يعني أنه في البداية لم يكن هناك من سبيل لمعرفة أين يعيش في الطبيعة. في الواقع، زعم العديد من متخصصي علم الحيوان أن شولز أخطأ في وصف الجنس تريكوبلاكس باعتباره حيوانًا جديدًا، وذهبوا ببساطة إلى أنه يَرَقة حيوان معروف شبيه بشقائق النعمان. وبعد مرور قرن تم الإقرار برأي شولز؛ حيث أثبتَتِ الأبحاث المكثَّفة على الصفيحيات الآن، سواء تلك البرية أم تلك التي في المعمل — رغم قلة أعداد أنواعها — أنها تكوِّن شعبة مميزة بذاتها.
لكن يجب تحذير أولئك الراغبين في السَّيْر على نهج شولز؛ فقد أُرغمتُ مرة على مغادرة محل للأحواض المائية عندما وجدني المدير الغاضب أُحدِّق بعدسة مكبِّرة في النفايات الموجودة في أحواض الأسماك.
الممشطيات

تشكل الممشطيات شعبةً ثالثةً للحيوانات اللاثنائية التناظر، وهي مختلفة تمامًا في تنظيم الجسم عن كلٍّ من الإسفنجيات والصفيحيات. تُعرف الممشطيات أيضًا باسم هلاميات المشط، وهي مفترسات بطيئة الحركة مثل القشريات واليَرَقات البحرية. وعلى غير معظم المفترسات، فإن هلاميات المشط لا تتعقَّب فرائسها أو تطاردها، بل هي ببساطة ترتطم بحيوانات صغيرة من العوالق وتأسرها باستخدام قطرات صغيرة من صمغ تفرزه خلايا متخصصة، توجد عادة بكثافة على امتداد لامستَيْن طويلتَيْن تمتدَّان من عند جانبَيِ الفم. وعلى عكس الإسفنجيات والصفيحيات، فإن الممشطيات لها خلايا عصبية وعضو حساس للتوازن؛ ولذا فهي تستطيع التفاعل مع بيئتها بسرعة واستجابة. ورغم أن معظم هلاميات المشط في الأساس قطرات من الهلام يصل حجمها إلى بضعة سنتيمترات قليلة، فإن كل مَن يَرَى أحدها حيًّا يقوم بوضعه ضمن أجمل الحيوانات على الكوكب. إن أكثر ملامحها وضوحًا هي الأمشاط الثمانية التي تمتد كشرائطَ على مدى امتداد الجسم، وكل واحد منها يحوي آلاف الأهداب. إن الأهداب تضرب بشكل متضافر جدًّا، حيث يضرب كل واحد منها تمامًا عقب المجاور له لإصدار مجموعة من الموجات المتناسقة التي تُشبِه إلى حدٍّ ما «الموجات المكسيكية» التي تدور أحيانًا حول استاد كرة القدم خلال فترات الهدوء من اللعب. إن هذا الاندفاع الهادئ لآلاف الأهداب الدقيقة يدفع الحيوان ببطء وهدوء في البحر، ولكنه أيضًا يشتِّت الضوء بما يُنشئ قوس قُزَح مُضِيئًا من الألوان، يتغيَّر ويتذبذب باستمرار. إن أكثر هلاميات المشط المعروفة هي «الكشمش البحري» الذي في حجم العنب مثل النوع بليوروبرانشيا الموجود في المحيطين الهادي والأطلنطي، وحول الساحل البريطاني. ولكن هلام المشط الأكثر روعة هو بلا شك النوع العملاق سنتوم فنيريس البالغ طوله مترًا واحدًا، والمعروف أيضًا باسم حزام فينوس على اسم إلهة الحب عند الرومان. وبدلًا من شكل البيضة المعتاد لدى الممشطيات، فإن هذا الحيوان المدهش المُشِع بألوان قوس قُزَح، له جسم مستطيل شريطي الشكل، وهو يومض في البحر مع ارتطام أشعة الشمس بصفوف أهدابه. وحسب كلمات ريتشارد دوكينز فإن النوع سنتوم «أجمل من أن تتزين به أي إلهة.»
إن معظم هلاميات المشط ليس لها تأثير مباشر يُذكَر على البشر، إلَّا من خلال الدَّور الضئيل الذي تلعبه في شبكة الغذاء البحري. إلَّا أن نوعًا واحدًا برز على نحو خبيث من بين هذه اللافقاريات القاعدية؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين أُدخل هلام المشط الأطلنطي نميوبسيس إلى البحر الأسود عرضًا، ومن المحتمل أن ذلك تمَّ بمياه مُحمَّلة بالحصى محمولة على سفن تجارية. وبمجرد أن جاءت هذه الكائنات إلى بيئتها الجديدة، بعيدًا عن المنافسين الطبيعيين والمفترسين، فإنها تكاثرت بسرعة، واستهلكت كميات كبيرة من يرقات الأسماك والقشريات. وقد حددت بعض التقديرات (محل الخلاف) الكتلة الكلية لهلاميات المشط الصغيرة الحجم في البحر الأسود بأكثر من نصف مليار طن. وقد تعرض محصول سمك الأنشوجة المحلي، الذي يعاني بالفعل من الصيد المكثَّف، للانخفاض بشكل أكبر. وبينما كان علماء البيئة يتجادلون بشأن ما سيفعلونه، وَرَدَ حل غير مخطط له في شكل تدخل عرضي. كان الوافد الجديد هلام مشطٍ ثانٍ، هو في هذه المرة من النوع الشَّرِه بيروي. لحسن الحظ لا يأكل النوع بيروي الأسماك أو القشريات، ولكنه بدلًا من ذلك مفترس متخصص في هلاميات المشط الأخرى، ولا شيء غير ذلك. ومع اقتيات الغازي بيروي الآن على النوع نميوبسيس، فإن المخزون السمكي بدأ يَتَعَافَى تدريجيًّا.
اللاسعات: لدغات وكائنات عملاقة

من الشُّعَب الأربع «اللاثنائية التناظر» تفتقد الإسفنجيات والصفيحيات لأي تناظر دقيق، بينما تمتلك هلاميات المشط تناظرًا شعاعيًّا ثنائيًّا، وهذا يعني أن أجسامها متناظرة بدوران ??? درجة. وتضم الشعبة الرابعة والكبرى من الشعب اللاثنائية التناظر — اللاسعات — بعض الحيوانات الشائعة جدًّا تشمل قناديل البحر وشقائق النعمان والمراجين. تفتقد أجسام هذه الحيوانات أيضًا وجود محاور الرأس إلى الذيل، والقمة إلى القاع، واليسار إلى اليمين، وفيما عدا استثناءات قليلة فإن لها تناظرًا شعاعيًّا أو دورانيًّا. إن الشكل الأساسي لجسم الحيوان اللاسع هو أن يكون فنجاني الشكل أو كأسي الشكل، مع وجود فتحة وحيدة كبيرة عند نهاية واحدة، وهي تعمل كفم وشرج معًا. تُحاط هذه الفتحة بلوامس، يُسلَّح كلٌّ منها بالآلاف من خلايا لادغة تُسمَّى الخلايا اللاسعة. وهذه الخلايا — التي تُطلِق رماحًا دقيقة أو خلايا لاسعة عليها مسحة من السم في غضون ? ملِّي ثوانٍ من لمسها — هي السلاح الرئيس للَّاسعات في الهجوم والدفاع.
تمتلك اللاسعات خلايا عصبية، وكما هي الحال في الممشطيات، فإن هذه الخلايا مرتبة في نظام أشبه بالشبكة حول الجسم بدلًا من أن تنتظم في دماغ واحد محدد وحبل عصبي مركزي كما في معظم الحيوانات الأخرى. وطبقتا الخلايا التي تكوِّن الجسم — الأديم الظاهر إلى الخارج والأديم الباطن إلى الداخل — تنفصل إحداهما عن الأخرى بطبقة تُسمَّى الطبقة الغرائية الوسطية. ورغم أن معظم الطبقة الغرائية الوسطية يتكوَّن من بروتينات وليس من طبقات من خلايا حية، ففي كثير من اللاسعات توجد خلايا متفرقة تتجول في الطبقة الغرائية الوسطية، وفي بعض الأنواع توجد خلايا عضلية تنتظم مكوِّنة أليافًا منقبضة. إلَّا أن الخلايا بداخل الطبقة الغرائية الوسطية لا تكوِّن أعضاءً مركبة؛ وعلى ذلك فإن اللاسعات توصف عادة بأن لها جسمًا يتكون فقط من طبقتين خلويتين أساسيتين.
تنقسم اللاسعات إلى أربع مجموعات. تشمل المجموعة الأولى — الزهريات الشعاعية — شقائق النعمان مثل شقائق سنيك لوك وبيدلِت ذات الألوان الزاهية والموجودة في البرك الصخرية. في هذه الحيوانات تتَّجه الفتحة الوحيدة للجسم إلى أعلى، بينما الطرف المقابل يلتصق التصاقًا ضعيفًا بالصخور. وبمجرد أن تغطِّيها مياه المدِّ، فإن شقائق النعمان تفتح إكليل اللوامس وتنتظر أن تنجرف أو تَسبَح بالقرب منها فرائس حيوانية صغيرة، تُلدَغ في الحال وتُؤكل. ورغم أنها بصفة عامة حيوانات غير متحركة، فإن شقائق النعمان ليست ثابتة دائمًا؛ ذلك أنه يمكنها الانفصال عن الأرضية والتحرك إلى موقع آخَر عن طريق الانجراف أو العوم برفق. يمكنها أيضًا الزحف ببطء باستخدام قَدَمها الوحيد اللاصق؛ وذلك أحيانًا للبحث عن موقع أكثر ملاءمة للحصول على الغذاء وأحيانًا لتشترك في معارك شرسة وبطيئة فيها يحاول حيوانان من شقائق النعمان أن يلدغ أحدهما الآخَر باستخدام زوائد ضخمة مزوَّدة بخلايا لاسعة.
المراجين هي أيضًا من الزهريات الشعاعية، وهي تتسم بخاصية نشأت بشكل متكرِّر في تطور الحيوانات، وهي بناء المستعمرات. يتكوَّن المرجان من الآلاف، أو حتى الملايين، من الحيوانات الصغيرة التي يُشبه كلٌّ منها شقيق نعمان صغير يبلغ عرضه عدة ميلِّمترات قليلة، ولكنها متصلة بعضها ببعض مكوِّنة كائنًا عملاقًا. إن المرجان الحي ينمو عن طريق تبرعم «حويِّنات» صغيرة بما يؤدِّي إلى أن يكون لكل أفراد المستعمرة البناء الجيني نفسه. إنها نَسْخ واحد كبير. في بعض الأنواع، تشبه المستعمرة مروحة؛ وفي أنواع أخرى تتفرع مثل قرون الغزال، وفي أنواع أخرى تنمو المستعمرة بشكل يُشبه أجزاء جسم مروِّعة مثل الأدمغة أو «أصابع رجال موتى». ولعل أكثرها إثارة للدهشة هي المراجين المُشيِّدة للحيود، التي تُفرز كربونات الكالسيوم حول الحوينات المتبرعمة لتكوِّن تراكيب طباشيرية تتخذها أنواع كثيرة من الحيوانات الأخرى مساكن لها.
أما المجموعة الثانية من اللاسعات — التي تبدو ظاهريًّا مثل شقائق النعمان — فهي الأبابيات. وهي تشمل بعض الأنواع البحرية الكبيرة والملونة، بالإضافة إلى الهيدرا ضئيلة الحجم الموجودة في البِرَك والأنهار. والهيدرا مسمَّاة على اسم وحش مائي متعدد الرءوس في الأساطير الإغريقية، وجسمها عبارة عن أنبوب صغير يبلغ طوله ملِّيمترات قليلة، ولها فمٌ عند طرفها العلوي محاط بلوامس لاسعة. وجميع أنواع الهيدرا تصطاد وتأكل اللافقاريات الدقيقة بالمياه العذبة، ولكن العديد من الأنواع يزيد على ذلك حيلة إضافية. فمثلًا «الهيدرا الخضراء» تقوم بأسْر طحلب وحيد الخلية، وهو ينمو بداخل خلايا مِعَى الهيدرا؛ مما يعطي الجسم كله مظهرًا أخضرَ براقًا ويمدُّ الهيدرا بالغذاء من خلال البناء الضوئي. وكما تعيش بعض الزهريات الشعاعية في مستعمرات متصلة بعضها ببعض، فإن بعض الأبابيات تقوم بذلك. إن الحيوان اللاسع الشهير «رجل الحرب البرتغالي» هو أبابي عملاق يشكل مستعمرات ويبني عوَّامة مملوءة بالغاز يوجد أسفلَها آلاف الحوينات المتصلة بعضها ببعض وتتدلَّى منها خيوط طولها ?? أمتار تهدد بالخطر؛ حيث إنها مُهلبة بخلايا لاسعة سامة.
عندما يكون لحيوان لاسع فم ذو موقع علوي، كما هي الحال في شقائق النعمان والمراجين والهيدرا فإنه يُسمَّى «بوليب». وعلى العكس عندما تكون فتحة الجسم على الجانب السفلي يطلق عليه اسم «ميدوسا»، وهو الطراز الذي يُشاهَد بشكل أمثل في الفنجانيات أو قنديل البحر. إن للعديد من اللاسعات دورات حياة تتبدَّل بين هذين الاتجاهين؛ فم علوي وفم سفلي. هناك أيضًا اختلافات أخرى غير مسألة الاتجاه، فقد أوضحتِ الأبحاث الحديثة باستخدام أنماط تعبير الجينات أن لوامس الميدوسا المتجهة إلى أسفل ليس لها في الواقع التركيب نفسه مثل لوامس البوليب المتجهة إلى أعلى. إن قنديل البحر — كما هي الحال في كل اللاسعات — حيوان مفترس. وتنجرف هذه الحيوانات الجيلاتينية جرسية الشكل أو تسبح برفق في المياه السطحية للبحر، مندفعة بواسطة انقباضات منتظمة لجدار جسمها. تعج المياه السطحية للمحيطات بالعوالق، مثل القشريات والأسماك غير الناضجة، التي توقعها قناديل البحر في شراكها بما لها من لوامس متدلية مسلحة بخلايا لاسعة سامة. وقد تعرَّض كثير من السبَّاحين للاحتكاك عرضًا بلوامس قنديل البحر، وعانَوْا من طفح جلدي مؤلِم. ظهرت أشكال متنوعة عديدة من البناء الأساسي لقنديل البحر، ويُرى أحد أكثر هذه التنويعات غرابة في الحيوانات من رتبة جذريات الفم. في قناديل البحر هذه، لا يوجد فم واحد في الاتجاه السفلي؛ ذلك أنه مغلق بواسطة نسيج مدمج، وبدلًا منه يوجد عدد كبير من فتحات صغيرة شبه فموية على ثمانية أذرع متفرعة، يتصل كلٌّ منها بالمِعى بواسطة جهاز معقد من القنوات. وكثير من جذريات الفم، مثل النوع ماستيجياس بابوا تكمل احتياجاتها الغذائية بأن تأوي في أنسجتها ملايين الطحالب التكافلية القادرة على إنتاج الطاقة بالبناء الضوئي. وهذا يُمكِّن هذا النوع من العيش بكثافة عالية لا تصدق. وفي «بحيرة قنديل البحر» على جزيرة المحيط الهادي إيل مولك في بالاو توجد تجمعات كثيفة من النوع ماستيجياس بابوا يمكن أن تصل أحيانًا إلى ألف حيوان، طول كلٍّ منها ? سنتيمترات، في المتر المكعب الواحد من مياه البحر.
شكل ?-?: شعبة اللاسعات: (أ) الزهريات الشعاعية: شقائق النعمان. (ب) الأبابيات: الهيدرا. (?) الفنجانيات (أو قنديل البحر): ماستيجياس بابوا. (د) المكعبيات (أو القناديل المكعبة): كاروكيا بارنزيه.
تعتبر الحيوانات المكوِّنة للمجموعة الرابعة من اللاسعات — وهي المكعبيات — أكثر خطورة على البشر من قناديل البحر الحقيقية أو حتى من رجل الحرب البرتغالي. تُعرف هذه المجموعة باسم المكعبيات، بسبب شكلها، وهي الأكثر شيوعًا على شواطئ البحار الاستوائية. وعلى عكس قناديل البحر الحقيقية، فإن لكل قنديل مكعب ?? عينًا منها ? لها عدسة وقزحية وشبكية قادرة على تكوين صورة للأشياء البعيدة. وبعض الأنواع مثل زنبار البحر يَتخوَّف منه عن حق السباحون بسبب سمِّه الشديد التأثير. إن لدغات هذا الكائن شديدة السمية، ويمكن أن تكون مُميتة حتى بالنسبة للإنسان. إن لدغات بعض أنواع مكعبيات أخرى أقل إيلامًا إذا ما تعرضنا لها، ولكنها قد تثير ردَّ فعل متأخِّرًا غير عادي يُعرف باسم «متلازمة إروكاندجي» نسبة إلى اسم السكان الأصليين لأستراليا من ساحل شمال كوينزلاند؛ حيث تشيع الهلاميات الصندوقية. إن السباحين الذين تلدغهم مكعبيات إروكاندجي يعانون بالتدريج من آلام ظهر مفرطة وتقلص عضلي ودُوار وارتفاع في ضغط الدم، فضلًا عن نطاق من التأثيرات النفسية تسبب «شعورًا بالهلاك الوشيك».

الفصل الخامس
ثنائيات التناظر: بناء جسم


ليس الإنسان إلَّا دودة.
إدوارد لينلي سامبورن، مجلة «بَنش» (????)الحياة مع نهاية أمامية

أنت ثنائي التناظر. هذا أيضًا هو حال الأسماك والطيور والديدان والحبار والصراصير، والملايين من حيوانات أخرى. في الحقيقة، معظم الحيوانات ثنائيات التناظر. وكما يدل الاسم، فإن هذا القسم الكبير من المملكة الحيوانية يشمل شُعبًا حيوانية ذات «تناظر ثنائي»؛ وهذا يعني أن هذه الحيوانات لها خط واحد لتناظر صورة المرآة يمتد مباشرة عبر مركز الجسم. يفصل خط التناظر هذا الجانب الأيسر عن الجانب الأيمن للجسم، وبالتبعية سيتحتم وجود نهايتين أمامية وخلفية، وسطحين علوي وسفلي، وهي كلها غير متناظرة. في البشر، يمكننا تحديد الجانب الأيسر والأيمن كما نشاء، لكن النهاية الأمامية لجسمك هي في الحقيقة رأسك، والنهاية الخلفية لجسمك هي الجزء من جسمك الذي تجلس عليه، وسطحك «الظهري» هو ما يمتد عبره عمودك الفقري، بينما سطحك «البطني» أو السفلي هو بطنك. تبدو هذه الاتجاهات منطقية عندما نتذكر أن البشر وقفوا منتصبين حديثًا فقط، وفق المنظور التطوري.
إن التناظر الجانبي يختلف عن التناظر الدوراني الموجود في اللاسعات وهلاميات المشط، ويختلف عن اللاتناظر الموجود في الصفيحيات والإسفنج. إن التناظر في تنظيم الجسم في ثنائيات التناظر أعمق مما يبدو على السطح. فالحيوانات الثنائية التناظر لها كُتَل محددة من العضلات التي يمكن استخدامها في التحرك النشط، وكلها تقريبًا لها أحبال عصبية متمركزة بدماغ أمامي، بالإضافة إلى أعضاء حس متخصصة متمركزة في النهاية الأمامية. ولمعظمها مِعًى أنبوبي الشكل أو ممتد، له فم وشرج منفصلان، وهو ما يسمح بمعالجة الغذاء بكفاءة، والاستثناءات — التي يكون فيها للمِعى فتحة واحدة فقط — هي حالة مخالفة ثانوية. ويدلل تطور الحيوانات الثنائية التناظر على ظهور حيوانات تتميز بحركة نشطة وقوية وموجهة، قادرة على الحفر أو الزحف أو العوم، بينما تواجه بيئاتها معتمدة على حشد من أعضاء الحس، تاركة نفاياتها خلفها. إن ثنائيات التناظر في الحقيقة تستكشف العالم وتسخِّره في أبعاد ثلاثة.
إن التفرقة بين ثنائيات التناظر — أو ثلاثيات الطبقات كما تُعرَف أيضًا — والشُّعب الحيوانية الأكثر «قاعدية» لوحظت منذ ما يزيد على قرن؛ ففي عام ???? قام عالِم علم الحيوان الإنجليزي العظيم التأثير راي لانكستر بعمل مقارنة بين أجنة حيوانات ثنائية التناظر وأجنة اللاسعات والإسفنجيات، وأشار إلى أن لثنائيات التناظر في نمائها المبكر طبقةً إضافية من الخلايا مآلها أن تنمو إلى كتل عضلية محددة في الحيوان البالغ. إن التشابهات المرصودة في الأجنة وفي تناظر الجسم هي بالتأكيد عناصر أساسية. وقرب نهاية القرن العشرين ذهل المشتغلون بعلم الحيوان بوجود تناظر بعيد المدى وعميق وصل إلى الدنا. ويمثل اكتشاف أن كل ثنائيات التناظر تستخدم مجموعة الجينات نفسها لبناء أجسامها واحدًا من أعظم الإنجازات العلمية المبهرة في القرن العشرين، كما أنه غَيَّر علم الأحياء منذ ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها. لقد كان اكتشافًا ذا تأثير مذهل، بيد أن فتيل تلك الثورة كان يشتعل ببطء.
التشبه وجينات هوكس

نذكر وليام باتسون هذه الأيام بوصفه أحد مؤسسي علم الوراثة. وقد نشر باتسون عقب إتمامه دراسته الجامعية الأولى، وقبل أن يُشتهر بفترة طويلة، سلسلة من الأبحاث العلمية عن تشريح دودة البلوط، وهي حيوان لا فقاري بحري، لم يكن حينئذٍ معروفًا وضعه التطوري. وقد استُقبل عمل باتسون ببعض الترحيب، إلا أنه لم يكن مقتنعًا، وقال إن ذلك لا يعطي سوى فكرة بسيطة عن كيفية عمل التطور. وقد كتب في خطاب إلى والدته: بعد خمس سنوات لن يفكر أحد في أي شيء يتعلق بهذا العمل، الذي سوف يُزدَرَى عن حق. فليس له تأثير بحال من الأحوال على الأشياء التي نودُّ أن نعرفها. لقد ورد إليَّ في لحظة حظ وتم بيعه في أوج السوق.
إن ما أراد باتسون أن يعرفه حقيقةً هو كيفية نشأة التنوع داخل النوع. وقد كرَّس باتسون نفسه على مدى الأعوام الثمانية التالية لكي يُفهرس «التنوعات» في الحيوانات والنباتات، وقد نشر في عام ???? رائعته «أسس دراسة التنوع». وقد ناقش باتسون ضمن روائعه في هذا الكتاب طرزًا غير عادية من التنوع فيه نجد حيوانًا استُبدل فيه تركيب ما بآخَر يوجد عادة في مكان آخَر من الجسم، ومثال ذلك نمو قرن استشعار في الموضع الذي يجب أن تقع فيه العين. وهذه «التنوعات المتشابهة» بقيت تُعتبر من العجائب حتى عام ???? حين أوضح كالفن بريدجز أن هذا التغير في ذبابة الفاكهة وُرِّث إلى نسل الذبابة. لقد كان التوريث هو المفتاح، وهذا أشار بالإصبع نحو الجينات. إن المعنى المتضمن هو وجوب وجود جينات توجِّه أجزاء الجسم لكي تتنامَى بشكل سليم، وأنه عندما يُصاب أحد هذه الجينات بخطأ — أي طفرة — فإن التعليمات يُساء قراءتها؛ ومن ثَم تنمو منطقة بالجسم كأنها كانت منطقة أخرى. في هذه الطفرة الأولى تنمو الأجنحة، أو أجزاء من أجنحة، في موضع يجب ألا تكون فيه. وقد قام بريدجز بتسمية الطفرة «ثنائية الصدر». إن عجائب مثل ثنائية الصدر شديدة الوقع إلى حد أنها لا تلعب أي دور مباشر في التطور؛ حيث إن الذباب الذي له هذه التغيرات التشريحية الكبيرة لن يبقى حيًّا في الطبيعة. ولكن الطفرة تعطي مفتاحًا لمعرفة كيف تقوم الجينات ببناء الأجسام، وهذا بالتأكيد وثيق الصلة بفهم كيف يعمل تطور الحيوان.
شكل ?-?: (أ) ذبابة فاكهة سوية. (ب) الطفرة ثنائية الصدر التي قال بها كالفن بريدجز.
وقد تم تناول هذه النتيجة والتوسع فيها بقوة عظيمة وإصرار بواسطة عالِم وراثة آخَر هو إد لويس. وقد أوضح لويس في سلسلة من الأبحاث الرائعة — تشمل بحثه الأيقوني الذي حصل من خلاله على جائزة نوبل في عام ???? — أن ثنائية الصدر ليست هي الطفرة الوحيدة؛ فهناك العديد من الجينات التي يمكن أن تطفر وينتج عنها طفرات التشبه، حيث تؤثر كل طفرة على جزء مختلف من جسم الذبابة، وكلها ترسم جزءًا واحدًا من أحد صبغيات ذبابة الفاكهة. وقد اكتشف عالم وراثة آخر هو ثوم كوفمان الجينات التي تتحكم في نماء الرأس والنهاية الأمامية للجسم، وبذلك تكوَّن تصور لمجموعة كاملة من «جينات التشبه»، يُبلِغ كل منها خلايا الجنين أين موقعها. وتعمل جينات التشبه كشفرات بريدية تبلغ الخلايا أين هي على مدى محور الرأس-الذيل للذبابة.
وقد اتضح عند تحليل دنا جينات التشبه أنها جميعًا تغيرت وأصبحت مماثلة بعضها لبعض خاصة على مدى منطقة من ??? من الأزواج القاعدية. وهذه المنطقة، التي أصبحت معروفة باسم «صندوق التشبه»، كانت دالة جزيئية لجينات التشبه، أو جينات (هوكس) Hox كما سُميت عقب ذلك. وجدت تتابعات صندوق التشبه أيضًا في دنا بعض الجينات الأخرى لذبابة الفاكهة، ولكنها موجودة دائمًا في الجينات التي لها دور ما في التحكم في النماء مثل الجين fushi tarazu الذي يلعب دورًا في تكوين عُقَل جسم الذبابة، ولكن سرعان ما امتدت القصة إلى ما هو أبعد من ذباب الفاكهة؛ ولم يكن أغلب علماء الأحياء مستعدِّين للتعامل مع تداعيات الأمر. في عام ????، في بازل بسويسرا، تسبب عمل فريق من الباحثين النشطين — يضم كلًّا من بِل ماكجينيس ومايك ليفاين وأتسوشي كوروا وإرنست هافن وريك جاربر وإدي دي روبرتس وأندرس كاراسكو وفالتر جيرنج — في توسعة آفاق المعارف البيولوجية. وقد بحث ماكجينيس وزملاؤه إذا كانت تتابعات صندوق التشبه يمكن تحديدها في دنا مستخلص من حيوانات أخرى، والخروج بنتائج لافتة للنظر. لم تكن الحشرات الأخرى فقط لديها صناديق تشبه، ولكن التجارب الأولى أوضحت أنها ربما تكون موجودة أيضًا في الديدان والقواقع، بل ومن الممكن أيضًا الفئران والبشر! وقد أسرع كاراسكو وماكجينيس ودي روبرتس بفصل وتحديد تتابعات الدنا في جين صندوق التشبه لضفدع وأثبتوا هذه النقطة: إن الفقاريات تمتلك بالفعل جينات صندوق التشبه. تسببت هذه النتائج في زلزلة المجتمع العلمي؛ فقد سارعت المجلات الرفيعة بنشر النتائج الجديدة، وكان كل بحث يُنشر يتلقَّفه القراء بنَهَم. هيمن موضوع صناديق التشبه على كل مؤتمر أو منتدًى للبحوث. وأتذكر أنه عقب محاضرة علمية في لندن — أشار فيها زميل إلى وجود جين جديد يختص بالتحكم في النماء — كان السؤال الأول الذي طُرح هو: «هل هذا الجين يمتلك … هل لي أن أقول الكلمة السحرية؟» وأنا أعرف العديد من العلماء الذين توقفوا عن القيام بأبحاث عكفوا عليها طوال عمرهم، وبدءوا من جديد في العمل على جينات صندوق التشبه.
كان اكتشاف صندوق التشبه وأن جينات صندوق التشبه توجد في حيوانات مختلفة مثل الذباب والضفادع محفِّزًا على بدء ثورة. فلم يكن هناك قبل عام ???? أي معرفة بكيفية تحكُّم الجينات في النمط العام للجسم في معظم الأنواع. فهل جينات صندوق التشبه مهَّدت طريقًا جديدًا للتعامل مع المشكلة؟ لقد دفع هذا السؤال جوناثان سلاك لتشبيه اكتشاف صندوق التشبه باكتشاف حجر رشيد القديم، الذي عُثر عليه في مصر في عام ????، ومنحنا أول ترجمة بين نصوص قديمة. بالطريقة نفسها، هل لدينا الآن طريقة لمقارنة نظام التحكم في النمو الجنيني في أنواع متباعدة كثيرًا؟ لم يكن الجميع متفائلين، لكن سريعًا ما تبيَّن أن لهذا التفاؤل أساسًا قويًّا. إن كثيرًا من جينات صندوق التشبه في فقاريات مثل الضفادع والبشر هي في الواقع مناظرة لجينات التشبه، أو جينات Hox، في ذبابة الفاكهة، وهي تلعب بالضرورة الأدوار ذاتها. وكما في الذباب فإن جينات Hox الخاصة بنا تقوم بدور شفرات بريدية، تخبر خلايا بشرية بموقعها عبر محور الرأس-الذيل. كانت التداعيات بالغة بالنسبة لعلم الأحياء التطوري. فإذا كانت الفقاريات والحشرات لها جينات Hox، يترتب على ذلك بالقطع أن يكون هذا هو حال كل ثنائيات التناظر. فإذا كانت الفقاريات والحشرات تستخدم هذه الجينات لتحدد الموقع على امتداد المحور الرئيس، فإن هذه الخاصية من المؤكد أنها تعود إلى الخلف حيث منشأ الحيوانات ثنائية التناظر. ويمكننا ببساطة الوثوق بهذه العبارات لأن السلف المشترك للذباب والبشر كان هو أيضًا السلف المشترك لجميع الانسلاخيات والعجلانيات العرفية وثنائيات الفم. من الممكن أن تكون إحدى شعب ثنائيات التناظر قد تفرعت مبكرًا قليلًا، وهي شعبة لا جوفيات الشكل، ولكن الدلائل الحديثة تقول بأنه حتى في هذه الحيوانات تلعب جينات Hox دورًا مماثلًا. وعلى ذلك فإن هذه المجموعة كلها للمملكة الحيوانية — الشعب الحيوانية التسع والعشرين التي لها نهايات أمامية وخلفية واضحة، تلك الشعب التي تستكشف بنشاط عالمنا الثلاثي الأبعاد — تستخدم المجموعة نفسها من الجينات لتنميط محور الرأس-الذيل الرئيس. ظهري وبطني، يسار ويمين

ماذا عن المحورين الآخرين للجسم: الظهري-البطني، واليسار-اليمين؟ هنا أيضًا اكتُشفَت جيناتٌ تؤكد أن الخلايا تعرف أين هي. بالإضافة إلى ذلك — كما شاهدنا مع جينات Hox تمامًا — فقد وُجد أن حيوانات ثنائية التناظر مختلفة تمامًا تستخدم الجينات نفسها بشكل أساسي، ولكن على نحو مثير للاهتمام. في جنين الذبابة تُكوِّن خلايا الجانب البطني أو السفلي الحبل العصبي الرئيس، حيث يلعب الجين sog دورًا رئيسيًّا. وتكون خلايا القمة أو الجانب الظهري البشرة، وهذا المصير العكسي يتم التحكم فيه بواسطة الجين dpp. تمتلك الفقاريات أيضًا الجينات sog وdpp، ولكنها تُعرف بأسماء مختلفة؛ فالجين sog في الفقاريات يُعرف باسم chordin، ويتم التعبير عنه على الجانب الذي سيُصبح ظهريًّا، حيث يقع حبلنا العصبي؛ أما الجين BMP4 — وهو أحد جينات dpp في الفقاريات — فإنه يحدد السطح البطني. ففيما يخص الاتجاه، الأمر معاكس تمامًا لما يحدث في الذباب. وبإجراء مقارنات واسعة بين هذه الجينات تبيَّنَ أن معظم الحيوانات تشارك الذباب في اتجاهات الجسم، ولكن شُعبتنا — الحبليات — عكست الاتجاهات رأسًا على عقب. يُعرف قدر أقل عن تطور محور اليسار-اليمين، ولكننا نعرف على الأقل أن جينين — هما nodal وPitx — مشتركان في تحديد نمط هذا المحور في حيوانات مختلفة تمامًا مثل القواقع والبشر. إن التناظر ليس مقصورًا على اتجاه الجسم، ولكنه يتجه إلى الداخل. فعلى سبيل المثال، العديد من الجينات التي تتحكم في تكوين القلب في الفقاريات موجود أيضًا في الحشرات؛ حيث إنها تحكم أيضًا نماء أنبوبة عضلية نابضة. هناك شبكات من الجينات تحدد أين ستتكون العين، ومعظم هذه الجينات تحدد أيضًا إذا ما كان الحيوان ذبابة أم دودة أم إنسانًا. وعند وضع هذه النتائج المدهشة معًا يتضح أن سلف جميع الحيوانات ثنائية التناظر — الذي انقرض منذ أمد — امتلك منظومة من الجينات لتمييز الجانب البطني عن الجانب الظهري، ولتمييز اليسار عن اليمين، ولتعريف الخلايا أين هي على مدى محور الرأس-الذيل، ولتكوين أعضاء جسم مختلفة وأعضاء حس. وقد تمت المحافظة على هذه الجينات وأدوارها على مدى مئات الملايين من السنين، ولكن مع بعض التحورات، ومع انقلاب أحد أسلافنا رأسًا على عقب لسبب ما. وقد ذهب عالِم الطبيعيات الفرنسي إيتيان جوفري سانت هيلار إلى هذا في وقت مبكر يعود إلى عام ????، ولكنه اعتمد على مقارنات تشريحية تخيلية إلى حدٍّ ما، وعلى أساس مثالي ملتبس. وقال جوفري: «من الناحية الفلسفية، هناك فقط حيوان واحد.» لم تُقبل وجهات نظره أثناء حياته، ولكن — على الأقل — ما قاله بشأن ثنائيات التناظر قد يبدو صحيحًا.
يُشار أحيانًا إلى المجموعة القديمة من الجينات الموظفة لبناء الجسم باسم «منظومة أدوات النماء»، تشفِّر بعض جينات هذه المنظومة من الجينات، مثل Pitx وجينات Hox لبروتينات ترتبط مع الدنا محوِّلة مجموعات من الجينات الأخرى ما بين النشاط والإخماد. تشفِّر جينات أخرى لبروتينات مُفرَزَة تقوم بنقل الإشارات بين الخلايا، ومن أمثلة هذه الجينات nodal وdpp، أو تتدخل مع الإشارات مثل sog. هذه الأمثلة ما هي إلا قمة جبل الجليد وحسب؛ ذلك أن منظومة أدوات النماء تشمل مئات الجينات التي تشفر لبروتينات ترتبط بالدنا، وعشرات تنتج عوامل مُفرَزَة، وأخرى تشفِّر لمستقبلات ترتبط بها عوامل مُفرزَة. توجد هذه الجينات كلها على امتداد شُعَب متنوعة من ثنائيات التناظر، إلَّا أنه في بعض الأحيان تُفقد بعض الجينات فرديًّا على مدى تطور مجموعات حيوانية معينة. إن أدوار هذه الجينات في الشُّعَب المختلفة غالبًا ما تكون متماثلة، كما في الأمثلة السابقة، ولكن في مجموعات أخرى يتم تجنيد جينات منظومة أدوات النماء للقيام بأدوار معينة في مجموعات تصنيفية متشعِّبة. وهذه هي الجينات القديمة المستخدَمة لبناء جسم ثنائيات التناظر. ولكن متى نشأتْ تلك الجينات؟ وهل تطوُّر منظومة أدوات النماء يدلُّنا على أي شيء يختص بالخطوات المبكرة لتطور الحيوان؟ إن الدراسة المتمعِّنة لتتابعات جينومات بعض الحيوانات اللاثنائية التناظر — الإسفنجيات، والصفيحيات، واللاسعات، وهلاميات المشط — يكشف صورة ثرية. إن بعض الجينات الأساسية توجد في جميع الحيوانات، ولكن العديد من الجينات غير موجود. إن اللاسعات — التي قد تكون أقرب لا ثنائيات التناظر إلى ثنائيات التناظر — بها معظم جينات منظومة أدوات النماء، رغم أن مجموعة Hox الخاصة بها أقل تعقيدًا. تفتقد بقية الشُّعب جينات أكثر من منظومة أدوات النماء؛ فعلى سبيل المثال، تفتقد الإسفنجيات جينات Hox تمامًا. وإذا ما خرجنا عن نطاق الحيوانات إلى السوطيات المطوقة فإننا سنشهد فرقًا أكبر؛ حيث الكثير من جينات منظومة أدوات النماء غائبة. والنتيجة واضحة؛ فالمجموعة الأساسية من الجينات الضرورية لبناء أجسام الحيوانات نشأت قرب الوقت الذي نشأ فيه تعدد الخلايا، ولكن هذه المجموعة من الجينات تمددت وعَظُمت على مدى المراحل الأولى لتطور الحيوان. وقد ظهر الكثير من جينات منظومة أدوات النماء مع فجر ظهور ثنائيات التناظر، وذلك منذ نصف مليار سنة مضت. واليوم تُوظَّف هذه الجينات في تشكيل وتنميط عدد ضخم من أجسام الحيوانات في المجموعات الثلاث الكبيرة لثنائيات التناظر: العجلانيات العرفية والانسلاخيات وثنائيات الفم.
الفصل السادس
العجلانيات العرفية: ديدان مدهشة


قد تكون هناك شكوك في أن عديدًا من الحيوانات الأخرى لعب دورًا مهمًّا في تاريخ العالم يناهز الدَّوْر الذي لعبتْه هذه الكائنات المتدنية التنظيم.
تشارلز داروين، «تكوُّن الفطر النباتي من خلال أنشطة الديدان» (????)الحلقيات: جرَّافات حيَّة وماصَّات دماء

فقط قبل عام من وفاته، نشر تشارلز داروين كتابه الأخير، قوبل هذا العمل بحماس، على الأقل في البداية، وبِيع بمعدَّل أسرع من «أصل الأنواع». وقد اشتمل كتاب «تكوُّن الفطر النباتي من خلال أنشطة الديدان» — الذي لم يكن متوقَّعًا له مثل هذا الرَّواج — على رؤًى ثاقبة مصدرها الأبحاث العلمية التي أجراها داروين ومرت بفترات نشاط وتوقف على مدى ?? عامًا. كان داروين حريصًا — وقد أصبح وقتَها جَدًّا ويَشعر بتقدُّم عمره — على أن ينشر النتائج التي توصل إليها بالنسبة لديدان الأرض، وذلك قبل أن يَلحَق بها، كما قال. وكانت أهم نتائج الكتاب هي أن ديدان الأرض يجب ألَّا يُنظَر لها في تقزُّز بوصفها محض نفايات قبيحة على البساط الفيكتوري الرائع الجمال، ولكنها في الواقع كانت محاريث حية ضرورية لصحة التربة. وقد أوضح داروين أن ديدان الأرض تسحب مواد عضوية مثل أوراق الشجر تحت الأرض، وأن أنفاقها تعمل على تهوية التربة، وتوفر ممرات لصرف المياه، وأنها تعمل على خلط مكونات التربة بما يَحول دون انضغاط طبقاتها، مما يحفز على نمو النبات. ولديدان الأرض تأثيرات حتى على الجيولوجيا، وذلك من خلال خلخلة الصخور والأحجار، وعلى علم الآثار القديمة من خلال دفن البقايا الأثرية.
تَتْبع ديدان الأرض شعبة الحلقيات، ويلعب بناء أجسامها دورًا محوريًّا في جعل هذه الحيوانات تمتلك هذا التأثير. والحلقيات ذات أجسام لينة وعضلية وممتدة، يقع الفم فيها عند إحدى النهايتين، ويقع الشرج عند النهاية الأخرى، ولها سلسلة من الحيزات، أو السيلومات، المملوءة بسائل، وذلك على امتداد الجسم؛ مما يوفر لها قدْرًا من الجسوء من خلال ضغط الماء بالداخل، جنبًا إلى جنب مع مرونة فائقة. وتساعد كل هذه الخصائص على الانضغاط من خلال الحيزات في التربة، وعلى تكوين أنفاق، أو حتى على نقل التربة بتمريرها عبر المِعى. على أن الخاصية الأهم للحلقيات من هذه الناحية هي بلا شك تقسيم الجسم إلى سلسلة من الوحدات أو الحلقات. هذه خاصية جليَّة من النظرة الأولى، وهي التي أعطت الحلقيات اسمها الشائع وهو «الديدان المُفلَّقة». ويسمح تجزؤ جسم ديدان الأرض إلى فلقات — لكلٍّ منها عضلاته وسيلومه وتحكمه العصبي — بتقليص بعض أجزاء الجسم بما يجعلها طويلة ونحيلة، بينما في الوقت نفسه تنضغط أجزاء أخرى على طول امتدادها لتصبح قصيرة وسميكة. تمكن الأجزاء النحيلة الدودة من المرور خلال الشقوق، بينما الأجزاء السميكة تستغل في تثبيت الدودة في موقعها، ومن خلال تمرير موجات انقباضية من الأمام إلى الخلف يندفع الجسم إلى الأمام خلال التربة.
هناك أكثر من ?? ألف نوع من الديدان الحلقية، يعيش معظمها في البحار والمياه العذبة، لا على اليابسة. وخلال تنوعها التطوري لعب تجزؤ جسم الحلقيات دورًا أساسيًّا؛ فعلى سبيل المثال، تقوم ديدان النفايات المفترسة البحرية بتقليص بعض فلقات الجانب الأيسر، وفلقات أخرى على جانبها الأيمن بما يؤدِّي إلى الْتِواء الجسم في موجات حركية من جانب لآخر. وتدفع هذه الحركات السريعة — ولكنها متناسقة — بالحيوان إلى الأمام بسرعة مما يمكِّنه من صيد فريسته والإمساك بها. وهناك ديدان حلقية سلبية بشكل كبير؛ حيث تعيش ساكنة في الشقوق والممرات، وتقوم بترشيح جسيمات من مياه البحر. ولكن حتى هذه الديدان تقوم بتوظيف تفلُّق أجسامها بقدْر متعاظم؛ ذلك أن موجات الانقباض المتناسقة توظَّف في إخراج المياه من الشقوق والممرات وإدخال مياه منعشة غنية بالأكسجين.
هناك مجموعة معروفة جيدًا من الديدان الحلقية لها كل سمات هذا النوع، ولكنها فقدت التفلُّق؛ وذلك لسبب منطقي، هذه المجموعة هي الهيرودينات، والمعروفة أكثر باسم العلقيات. بعض العلقيات مفترسات؛ إذ تقوم بافتراس لا فقاريات صغيرة بحرية، والبعض الآخَر — كما يَعرِف كل مكتشف للمناطق الاستوائية أو هاوٍ للسينما — يغتذي عن طريق التعلُّق بلحم الحيوانات الأكبر وامتصاص دمائها. تمسك هذه العلقيات المتطفلة بالجلد مستخدمةً ممصًّا قويًّا، وتقوم بحقن مادة قوية مضادة للتجلط لمنع تجلُّط الدم، كما تقوم بنهش اللحم مستخدمة ثلاثة فكوك تُشبِه الأمواس. وبما أن مصادر الغذاء مثل الأحصنة والغزلان والأسماك وأرجل البشر ليست شائعة الورود إليها، فإن العلقيات مهيَّأة لأن تستحوذ على وجبات ضخمة عندما تلوح لها فرصة، وهذا التحور يؤثر على التفلُّق. لقد نشأت العلقيات من حلقيات مائية لا تختلف عن ديدان الأرض، ولكنها فقدت الجدران (أو الحواجز) التي تفصل العُقَل من الداخل. وهذا يسمح للجسم بالامتداد عندما يتجرع العلقُ الدمَ؛ حيث يبسط جسمه فيما يشبه البالون. الجانب السلبي لهذا التحور هو أن العلقيات لا تستطيع أن تُنشئ موجات انقباضية متناسقة مثل تلك التي تستخدمها ديدان الأرض أو ديدان النفايات، ومعظم الأنواع تلجأ إلى حركات انقلابية أقل كفاءة.
استُغِلَّت قدرة بعض العلقيات على شرب الدم البشري دون إحداث أَلَم في الطب لقرون. وقد كتب الطبيب الإغريقي ثيميسون اللاذقي منذ ألفَيْ عام مضت عن استخدام العلقيات لفَصْد الدم، وقد استمرت هذه الممارسة في كثير من أنحاء العالم حتى مرور سنوات عدة من القرن التاسع عشر. لقد وفرت العلقيات طريقة لسحب «الدم الفاسد»، وإصلاح «الحالات الذهنية غير المتوازنة» التي نُظر إليها بوصفها مصدرًا لكثير من الاعتلالات التي كان سببها الحقيقي مجهولًا. وحتى كلمة «علق» leech، بالإنجليزية، يرجع مصدرها إلى كلمة loece، وهي كلمة أنجلوساكسونية تعني «طبيبًا» أو «يداوي». كان الطلب على العلقيات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كبيرًا، وقد تم استغلال العشائر الطبيعية للعلق الطبي الضخم بقدْر مفرط إلى حدِّ أن هذا النوع ما زال نادرًا في معظم مناطق أوروبا. انتشرتْ مزارع العَلَق، ولكن حتى هذا التوجه لم يؤدِّ إلى تلبية الاحتياجات المطلوبة، وهذا لا يُثير العجب كثيرًا؛ حيث إنه مع حلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر كان يتم استيراد ?? مليون علقة إلى فرنسا كل عام. ولم تكن العلقيات مرتبطة بتاريخ الطب فقط، وقد عادت بشكل مفاجئ للاستخدام في السنوات الأخيرة. من التعقيدات الشائعة في الجراحات الدقيقة الحديثة عدم كفاءة الأوردة، ويحدث ذلك عندما يجد الجراحون أنهم قادرون على إصلاح الشرايين، ولكنهم لا يستطيعون ذلك مع الأوردة الصغيرة والرقيقة الجُدُر، وهذا يؤدِّي إلى ارتفاع ضغط الدم في النسيج المُعاد بناؤه أو وصْلُه. وهذا يمكن شفاؤه باستخدام العلق حيث يقوم بامتصاص الدم الزائد، وحقن عوامل مضادة للتجلط؛ مما يعطي الفرصة لحدوث التئام طبيعي للنسيج. وقد استُخدمت هذه التقنية بنجاح خلال جراحات وصْل وإصلاح جفون الأعين والأذن والقضبان وأصابع الأيدي وأصابع الأقدام. هناك مجموعات ثلاث أخرى تم وضعها ضمن الحلقيات، كان كلٌّ منها شعبة مستقلة حتى تم معرفة وضعها التطوري المحتمل عن طريق التحليل الجزيئي. هذه المجموعات هي: شوكيات الذيل والمثيعبيات (أو ديدان الفستق) والملتحيات، التي تعيش في أعماق البحار. المجموعتان الأوليان ليستا مفلَّقتين، ويُعتَقَد أنهما فقَدَتَا هذه الصفة خلال التطور، بالطريقة نفسها التي حدثت للعلقيات، ولكن إلى مدًى أبعد. لطالما ظُن أن مجموعة الملتحيات غير مفلَّقة، وذلك حتى عام ???? عندما وُجد أن بعض العينات التي التُقطت من قاع البحر لها ذيل صغير مفلَّق. تبيَّن فجأة — وعلى نحو أصاب الجميع بالحرج — أن كل الأوصاف السابقة كانت معتَمِدة على عينات غير كاملة. إن معظم الملتحيات تعيش في جحور وهي رفيعة للغاية، وهي ذات أجسام ممدودة يصل طولها إلى سنتيمترات قليلة، ولكن بعضها الآخر عملاق، وتكوِّن أنابيبَ منتصبة ملتصقة بالصخور في أعماق المحيط.
اكتُشفت أول ديدان أنبوبية كبيرة عام ???? بواسطة بحرية الولايات المتحدة أثناء تشغيل غواصة أعماق أمام شاطئ باجا في كاليفورنيا. ورغم أن هذه الحيوانات، وتُدعَى «لامليبراشيا بارهامي»، بلغ طولها ما بين ?? و?? سنتيمترًا، وقزَّمت كل الملتحيات المعروفة من قبل، فإنه لم تمر سنوات قليلة إلا ووجدنا بعض العمالقة الحقيقيين.
شكل ?-?: شعبة الحلقيات: (أ) دودة الأرض. (ب) دودة النفايات. (?) العلقة الطبية «هيرودو». (د) الملتحيات «ريفتيا».
في أواخر سبعينيات القرن العشرين حدث أكثر الاكتشافات شهرة، وذلك عندما بدأ الجيولوجيون — باستخدام غواصة أعماق المحيطات «ألفين» — استكشافَ مساحة ذات نشاط بركاني تحت الماء قرب جزر جالاباجوس. اكتُشفت هناك مداخن ضخمة من صخور بركانية تُطلِق مياهًا ساخنة غنية بمواد كيميائية سامة مثل كبريتيد الهيدروجين. وعلى نحو مدهش، عُثر على كائنات حية وفيرة حتى في هذه البيئة المتطرفة، وقد شمل ذلك غابات من ديدان أنبوبية عملاقة يصل طولها إلى ??? متر. هذه الديدان تُسمَّى «ريفتيا باتشيبتيلا»، وهي مُزَيَّنة بإكليل من لوامس بلون الدم شكَّلتْ مشهدًا باهرًا من خلال نوافذ غواصة الأعماق. تشترك كل من الأنواع لامليبراشيا وريفتيا وبقية الحلقيات في حقيقة مثيرة للاهتمام، وهي أن هناك شيئًا أساسيًّا قد فُقد؛ ألَا وهو المِعى. فليس لهذه الديدان فم ولا شرج، وليس لها سبيل أن تأكل أي شيء. إن مفتاح الحياة للديدان الأنبوبية التي تعيش في أعماق البحار يقع داخل أجسامها؛ فهنا يوجد عضو فريد يُعرف باسم تروفوسوم يكتظ بملايين من البكتيريا الحية، كلها من طراز يستخدم المادة السامة عادة كبريتيد الهيدروجين كمصدر للطاقة لبناء كيماويات غذائية. وفي الأعماق المظلمة للمحيطات، تصنع هذه البكتيريا الغذاء بآلية «البناء الكيميائي»، وهو تفاعل مناظر للبناء الضوئي الذي تستخدمه النباتات، ولكنها تستخدم الطاقة الآتية من الروابط الكيميائية بدلًا من الطاقة الآتية من الشمس. إن الديدان الأنبوبية التي تعيش في أعماق المحيطات عبارة عن مزارعين، وما دامت مزرعتها البكتيرية توجد داخل الجسم، فهي لا تحتاج لأن تَأكل.
الديدان المفلطحة والديدان الخرطومية: المفلطحة والبطيئة

ليست كل الديدان تتبع شعبة الديدان الحلقية. فالديدان المفلطحة والوشائع والديدان الشريطية توضع معًا في شعبة أخرى هي الديدان المفلطحة، وهي على العكس تمامًا من الحلقيات ليس بها أي أثر داخل جسمها لتجويف مملوء بسائل (سيلوم). الديدان المفلطحة حيوانات مصمتة إلى حد ما لا تلْتَوِي أو تلتفُّ كما تَفعَل الديدان الحلقية؛ ذلك أن كُتَلها العضلية لا تتجزَّأ إلى عُقَل منفردة، ولأن عدم وجود هيكل سائل يعني أنه ليس هناك شيء جاسئ تنحني عليه العضلات. وعوضًا عن ذلك، فإن الديدان المفلطحة تتحرك بتفعيل تموجات صغيرة من الانقباضات العضلية على امتداد حوافها، أو — في الأنواع الأصغر — باستخدام أهداب تبرز من خلايا سطحية. إن عدم احتوائها على جهاز دوري أو خياشيم متخصصة يعني أن هذه الحيوانات تعتمد على الانتشار البسيط عبر سطح الجسم للحصول على الأكسجين لخلاياها، وهذا بدوره يفرض على معظم أعضاء المجموعة أن تتسم بالحجم الصغير والشكل المفلطح. ويمكن بسهولة مشاهدة الديدان المفلطحة تتقلَّب فوق صخور صغيرة في الجداول والأنهار؛ حيث تزحف بأجسامها البيضاوية — البالِغ طولها مليمترات إلى سنتيمترات قليلة — في بطء وثَبات ملتَهِمة الطحالب والفتات.
ولكن ليست كل الديدان المفلطحة تعيش هذه الحياة غير المؤذية؛ ذلك أن العديد منها سبَّب الأذى للإنسان، ربما أهمها الوشيعة المسماة «البلهارسيا المنسونية»، وهي العامل المسبِّب للبلهارسيا، التي تصيب في الوقت الحاضر أكثر من ??? مليون شخص. تختلف أعراض العدوى، ولكن في الحالات الشديدة يمكن للبلهارسيا أن تسبِّب تَلَفًا للأعضاء الداخلية، وحتى يمكنها أن تسبِّب الموت. ومثل العديد من الوشائع يحتاج طفيلي البلهارسيا عائلين مختلفين كي يكمل دورة حياته. فبَعدَ نمائها في قواقع المياه العذبة، تنطلق يَرَقات البلهارسيا إلى النهر حيث تبحث عن عائل ثانٍ لتخترق جلده، وعادة يكون هذا العائل الثاني إنسانًا.
شكل ?-?: (أ) شعبة الديدان المفلطحة: الدودة المفلطحة «دوجيسيا». (ب) شعبة الديدان الخرطومية: الدودة الشريطية «لينيوس رابر». (?) و(د) و(?) شعبة الرخويات: (?) السبيدج العملاق «أركيتيوتيس». (د) أحد البطنقدميات «موريكس برانداريس». (?) أحد عاريات الخياشيم.
الديدان الخرطومية، أو الشريطية، هي شعبة ثانية من الديدان غير المُفلَّقة، وهي توجد عادة على السطح السفلي لصخور شاطئ البحر. تعيش هذه الديدان حياتها في ممرات ضيقة، وتزحف عبر مساحات غير مأهولة، بازلة قدرًا ضئيلًا من الطاقة. تفتقر هذه الديدان أيضًا لوجود تجاويف كبيرة مملوءة بسائل تمكنها من تغيير شكلها ومد أجسامها لتتخذ أشكالًا ملتوية تشبه قطعًا خيطية من العلكة. ورغم نمط حياتها الكسول فإن الكثير من الديدان الشريطية مفترسات شَرِهة تقتنص وتلتهم لا فقاريات أخرى مستخدمة خرطومًا طويلًا مسلحًا إما بمادة صمغية لاصقة وإما بأشواك سامة. إن معظم الديدان الشريطية يبلغ طولها سنتيمترات قليلة فقط، إلَّا أن هناك نوعًا واحدًا بريطانيًّا — دودة رباط الحذاء — يُقال عنها إنها أطول حيوان على كوكب الأرض. هناك عينات بالتأكيد يصل طولها إلى ?? مترًا، وهي بهذا تُقارب في الطول الحوت الأزرق، بل هناك مزاعم بوجود ديدان من هذا النوع يزيد طولها عن ?? مترًا. لكن حتى في هذه الديدان العملاقة لا يزيد عرض جسم الدودة عن ملِّيمترات قليلة على الإطلاق.
الرخويات: من السبيدج إلى القوقع

إن شرف لقب «أكبر» حيوان لا فقاري يُعطَى عادة إلى حيوان من شعبة أخرى: شعبة الرخويات. إن السبيدج العملاق «أركيتيوتيس» حيوان ضخم، ورغم أنه قد لا يبلغ إطلاقًا طول دودة رباط الحذاء — فطوله يصل إلى ?? مترًا «فقط» — فإنه بالتأكيد الفائز على أساس الحجم الكلي. ومثل سائر أنواع السبيدج الأخرى، لهذا النوع جسم قصير مكتنز نسبيًّا، وثمانية أذرع تحمل ممصات، ولامستان أخريان بهما ممصات مسنَّنة عند طرفيهما. يعيش هذا الحيوان في أعماق المحيط، ورغم ذلك فقد نجح عالِم الحيوان تسونيمي كوبوديرا مؤخرًا في تصوير سبيدج عملاق حي وإعداد فيلم له، ذلك أن معظم معلوماتنا في هذا الشأن ما زال مصدرها عينات قذفتْها الأمواج على الشاطئ أو عينات وقعتْ بالمصادفة في شباك الصيد. وجنبًا إلى جنب مع الخرافات القديمة عن «الكراكن» العملاق، هناك على الأقل تقرير جدير بالتصديق عن سبيدج عملاق هاجَم سفينة، وهو مسجَّل في يوميات مركبة البحرية النرويجية «برونزويك» في ثلاثينيات القرن العشرين. أيضًا صدم القارب الثلاثي الفرنسي «جيرونيمو» سبيدجًا عملاقًا، وذلك خلال تنافسه من أجل الحصول على كأس جول فيرن عام ????، وقد وصف أحد أعضاء طاقم السفينة لوامسه بأنها «سميكة مثل ذراعي». من المرجح أن تتعلق قصص هجوم السبيدج على السباحين بحيوان مختلف هو السبيدج هومبولت، وهو سبيدج مكتنز يصل طوله إلى مترين. تقوم هذه الحيوانات الجسورة المفترسة بالصيد في أفواج كبيرة؛ حيث تهاجم الأسماك وفرائس عائمة أخرى بسرعة وشراسة، ولا عجب إذا ما ارتدى بعض الغواصين دروعًا عند التعامل مع قطيع من السبيدج هومبولت. وجنبًا إلى جنب مع الأخطبوط والحبار، فإن السبادج من الرأسقدميات، وهي إحدى المجموعات الرئيسة للرخويات. ليس الحجم هو سبب شهرتها الوحيد، والأخطبوط على الأخص يتسم بالقدْر الأكبر من التطور المعرفي من بين اللافقاريات. إنه يتسم بدماغ كبير ومعقَّد، ورؤية حادة، وهو قادر على حل الألغاز مثل المتاهات المخصصة لاختبار الذاكرة المكانية.
وعلى عكس معظم الرأسقدميات، فإن لمعظم الرخويات صَدَفة واضحة. والصَّدفة تُفرَز بواسطة طبقة متخصصة من خلايا — البرنس — وهي تتكون من ألواح من كربونات الكالسيوم. والوظيفة الرئيسة للصَّدفة هي حماية الحيوان من المفترسين. وفي الرخويات البطنقدمية مثل القواقع، يحمل الحيوان على ظهره الصَّدفة الوحيدة، حيث يستقر العديد من أعضائه الداخلية داخلها. ورغم فائدتها الواضحة، فإن بعض مجموعات البطنقدميات فقدتِ الصَّدفة بالكامل خلال التطور، والعديد منها لجأ إلى وسائل بديلة للحماية. فالبزاقات الأرضية — التي يكرهها أصحاب الحدائق — تفرز مادة غروية رديئة الطعم تنفِّر بعض المفترسين، ولكن ليس كلهم. إن غياب الصَّدفة هو ميزة إيجابية بشكل ما؛ ذلك أن البزاقات — على عكس القواقع — يُمكنها أن تَزدَهِر في بيئات ينخفض فيها الكالسيوم.
طورت مجموعة من البزاقات — بعيدة القربى عن بزاقات اليابسة والقواقع — وسيلة دفاع مثيرة للإعجاب للغاية. إن عاريات الخياشيم تتغذَّى على اللاسعات مثل شقائق النعمان، ولكنها بدلًا من أن تُلدَغ منها، فإنها تقوم بجمع الخلايا اللاسعة — أي عضيات اللدغ — وذلك دون أن تنطلق خيوطها اللاسعة. بعدئذٍ يتم إعادة تدوير هذه التراكيب دون الخلوية بواسطة بزاقات البحر ثم تُحمَّل على رقائق نسيجية تنمو على السطح العلوي لأجسامها. ومن ثمَّ، تحمل هذه البطنقدميات البحرية، مثلها مثل شقائق النعمان وقناديل البحر، درعًا من الرماح المؤلمة سامة الطرف. من حيوانات المجموعة الرئيسة الثالثة للرخويات الثنائيات المصراع، التي لها صدفتان. ومن الأمثلة المعروفة لها الجندوفلي والبطلينوس والمحار، ولها طرق معيشة متماثلة. للحيوان من هذا النوع خياشيم مُحكمة على شكل حرف W، مختفية بين الصدفتين، ومغطاة بواسطة آلاف من الأهداب التي تضرب لسحب تيار قوي من المياه الطازجة الغنية بالأكسجين. يحمل تيار المياه أيضًا جزيئات دقيقة من مواد غذائية عالقة، مثل الطحالب المجهرية التي تُسحَب في اتجاه فم الحيوان. على مدى آلاف السنين ظلت الرخويات مصدرًا مهمًّا من مصادر الغذاء للإنسان. وفي العديد من شواطئ العالم توجد أكوام أو هضاب من أصداف قديمة مهملة تمتد لمئات من الأمتار. وبالإضافة إلى استخدامها كغذاء، فإن كلًّا من بلينيوس الأكبر وأرسطو كَتَبَا عن صبغات نافعة يمكن الحصول عليها من الرخويات، خاصة الأرجوان الملكي المستخدم في صبغ أردية نبلاء الإغريق والرومان، وهذا الصبغ المتألق استُخرج من بطنقدم بحري اسمه «موريكس برانداريس» عن طريق تسخين مستخلص جسمه بعد خلطه بملح. إن بعض أنواع الرخويات تؤثر على الإنسان بأساليب أكثر إيذاء مثل قوقع المياه العذبة الذي أشرنا إليه من قبل كعائل وسيط لطفيلي البلهارسيا. لقد تسبَّب حيوان رخوي واحد في تغيير مسار التاريخ الأوروبي؛ ففي عام ???? أبحر الأسطول الإسباني إلى إنجلترا بنيَّة خلْع الملكة إليزابيث الأولى. هُزم الإسبان، ولكن ذلك لا يُنسَب فضله إلى السير فرانسيس دريك؛ فقبل الإبحار للمعركة رسا الأسطول الإسباني في ميناء لشبونة لعدة شهور، وهناك أُصيبتِ الجدر الخشبية للسفن بالحيوان الثنائي المصراع الثاقب الخشب «توريدو نافاليس»، وهذا الحيوان الرخوي السيئ السمعة — المعروف باسم «دودة السفن» — له جسم ممتد، وقد اختُزلت صدفتاه إلى لوحين صغيرين عند طرفيه استُخدما في عمل ممرات داخل مصدر الغذاء، وهو الخشب. وبذا أصبحت أخشاب قِطَع الأسطول مُثقَّبة كالغربال، مما أدَّى إلى إضعافه بشكل قاتل قبل بدء المعركة. كما أن عادات دود السفن هي السبب في حفظ عدد محدود من المراكب التاريخية حتى الآن، ومن الاستثناءات النادرة لهذا سفينة سويدية شراعية حربية ضخمة تُدعَى فازا ظلت باقية على حالتها الجميلة حتى الآن. غرقت فازا في رحلتها الأولى في بحر البلطيق في عام ????، ولم يكن البحر ذا ملوحة كافية ليعيش فيه دود السفن الثنائي المصراع الثاقب الخشب.
كل الشُّعَب السالفة الذكر — الحلقيات، والديدان المفلطحة، والديدان الخرطومية، والرخويات — هي جزء من العجلانيات العرفية، التي هي ذراع عملاقة من الشجرة التطورية للحيوانات ذات هذا الاسم العملاق. إن المقطع troche من اسم هذه الشعبة بالإنجليزية — Lophotrochozoa — مشتق من كلمة trochophore بمعنى «حاملات الدائرة»، وهو نوع معين من يرقات العوالق موجود في بعض — وليس كل — أنواع هذه الشعب (وهي أكثر وضوحًا في الحلقيات البحرية والرخويات). عادة ما توصف يرقات هذا النوع بأنها تشبه مغازل صغيرة ملتفة، بَيْدَ أن أفراد هذا النوع لا تلتفُّ في الواقع، ولربما يكون الوصف الأكثر موضوعية هو القول بأنها على شكل الكمثرى. يرجع المقطع الأول — lopho — إلى اسم تركيب غير معتاد يخص الاغتذاء يُعرف باسم lophophore بمعنى «حامل العرف»، وهو لا يوجد في أي من الشعب التي سبق تناولها، ويماثل تاجًا من الأذرع. توجد حاملات العرف في ثلاث شُعَب إضافية ليست بالضرورة دودية الشكل، وهي عضيات الأرجل ذات الأصداف، والديدان الحدوية، وهي نادرة، والمرجانيات، أو الحيوانات الأشنية، وهي دقيقة الحجم، وفي الأغلب توجد على صورة مستعمرات تشبه الحصير فوق سعف أعشاب بحرية كبيرة. وأفضل طريقة لمشاهدة هذه الحيوانات على طبيعتها هي أن تُحضر سعفة عشب بحري دُفعت إلى بركة بين صخور، وتقوم بفحص أي حُصْر بحرية بيضاء بواسطة عدسة مجهرية صغيرة التكبير أو بواسطة عدسة يدوية. في غضون دقائق قليلة من غمرها سوف تبدأ المئات من المرجانيات الصغيرة في دفع لوامسها الرقيقة في مياه البحر باحثة عن فتات طعام. ومن خلال مقارنة تتابعات الدنا اكتشفنا أن هذه الحيوانات ذات حاملات العرف تحتل الموقع نفسه في المملكة الحيوانية الذي تحتله حاملات الدائرة. وهذه المجموعة، العجلانيات العرفية، هي شعبة فائقة «شقيقة» لمجموعة كبيرة أخرى من الحيوانات الثنائية التناظر، هي الانسلاخيات.
الفصل السابع
الانسلاخيات: الحشرات والخيطيات


في تقريبٍ جيد، كل الأنواع حشرات.
روبرت ماي، مجلة «نيتشر» العدد ??? (????)الحشرات: سادة الأرض

لا يَعرف أحد كم نوعًا من الحشرات يوجد. تتراوح التقديرات بين ملايين قليلة إلى ما يزيد عن ?? مليونًا. وقد تم وصف ??? ألف نوع على الأقل وتسميتها بشكل منهجي، ولكن حتى هذا الرقم غير موثوق بدقته ما دام لم توضع به قائمة شاملة حتى الآن. وبالنسبة للأنواع التي وُصفت فإن توزيعها الجغرافي، ووضعها البيئي وسلوكياتها غير معروفة إلى حدٍّ بعيد. ولكنْ لماذا هذا العدد الكبير من أنواع الحشرات؟ هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه ببساطة، ولكن الأسباب يمكن أن تشمل بناء الجسم الذي يمكن بسهولة أن يتكيف لمواضع بيئية وأغذية نباتية متعددة، وذلك تماشيًا مع التنوع الكبير في أنواع النباتات، خاصة في المناطق الاستوائية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحشرات التي تعيش على اليابسة خرجت من البحار في وقت مبكر من تطور الحيوانات منذ نحو ??? مليون سنة مضت، مما أعطى الوقت لتنوع هائل، جنبًا إلى جنب مع نباتات اليابسة الناشئة.
إن الحشرات هي أبرز حيوانات الأرض، وهي جزء من شعبة مفصليات الأرجل، وكما هي الحال في جميع مفصليات الأرجل، فإن للحشرات هيكلًا خارجيًّا جامدًا ينسلخ على فترات ليسمح بالنمو، بالإضافة إلى أن له سلسلة من الأطراف المتمفصلة التي تستخدم في الحركة والتغذية. ورغم أن أسلافها قد عاشت في البحر، فإن الحشرات طورت مجموعة من أوجه التكيف كي تستطيع الحياة في بيئة قاسية عرضة للتطرف الحراري، ومحدودة الإمداد بالمياه، ونعني بهذا بيئة اليابسة التي نَصِفُها بأنها بيئة معادية. يوفر الهيكل الخلوي دعمًا أساسيًّا للجسم، سواء في البحر أم على الأرض، ولكن في الحشرات لا يسمح هذا الهيكل، المسمَّى الكيوتيكل، بمرور الماء وذلك بإضافة شموع إلى الطبقة الخارجية، وهذا يَحول بشكل فعَّال دون حدوث الجفاف الناتج عن البخر عند السطح الخارجي للجسم. هذا يحل جزءًا من المشكلة، ولكنه ما زال يترك عمليتين عرضة لفقد الماء؛ فأولًا: تحتاج الحيوانات اكتساب الأكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وفيزياء الانتشار الغازي تُملي أن يحدث ذلك بأعلى كفاءة عبر سطح مبتلٍّ. ولتحقيق تجنب تعريض الأسطح الرطبة للبيئة الخارجية — وهو ما من شأنه أن يُلغي المزية الناتجة عن امتلاك هيكل خارجي لا يسمح بمرور الماء — تكوَّنت للحشرات سلسلة من «القصبات» أو الأنابيب المُحكمة المبطنة بالكيوتيكل تلتوي وتتفرع من عند ثقوب يمكن غلقها على السطح الخارجي للجسم مباشرة إلى الأنسجة الداخلية للحيوان. وهناك يغيب غطاء الكيوتيكل، ويحدث تبادل الغازات في الموقع المنشود تمامًا. ثانيًا: كل الحيوانات تحتاج إلى التخلص من الفضلات المحتوية على النتروجين، تلك الفضلات التي تنتج خلال أيض البروتينات، والتي يمكن أن تكون سامة للخلايا. ويتغلب العديد من الحيوانات، وفيها البشر، على ذلك بتخفيف الفضلات وإخراج بول سائل، ولكن ذلك يُفقِد الجسم الكثيرَ من المياه. تستخدم الحشرات بشكل أساسي مسارَ أيض مختلفًا وتُنتج حمض اليوريك، الذي يتبلر إلى مادة صلبة — وذلك على عكس الأمونيا أو اليوريا اللذين يذوبان — وعندئذٍ تُستخدم غدد عالية الكفاءة لتُعيد امتصاص المياه قبل أن يتم إخراجها. وحيث إن حمض اليوريك ليس سامًّا، فإن كثيرًا من الحشرات تختزن بعضًا منه في خلايا متخصصة، بينما يقوم البعض الآخر في الواقع باستخدامه. إن اللون الأبيض لفراشات «بيريس»، مثل الفراشة البيضاء الكبيرة، ينشأ عن طريق تخزين حمض اليوريك في حراشيف الأجنحة.
من السمات الواضحة التي يشترك فيها جميع أعضاء شعبة مفصليات الأرجل سمةُ التفلُّق أو التعقيل. إن معظم أعضاء الجسم الرئيسة، بما فيها العضلات والأعصاب المعنية بالحركة، متكررة بشكل مسلسل على مدى طول الجسم، كما لو كان الجسم مقسمًا إلى مجموعة من الوحدات. وهذا الطراز من التنظيم يماثل ذلك الموجود في الديدان المُفلَّقة والحلقيات، ولكنْ — على عكس وجهات النظر التي تم الأخذ بها لفترة طويلة — هاتان الشعبتان ليستا قريبتين من الحشرات على الإطلاق؛ فالحلقيات تقع في مجموعة العجلانيات العرفية، ومفصليات الأرجل في مجموعة الانسلاخيات. في مفصليات الأرجل يؤثر التفلُّق أيضًا على الهيكل الخارجي الجاسئ، وعلى ذلك فهناك حاجة إلى مفاصل للكيوتيكل أكثر ليونة بين العُقَل لتسمح بليِّ الجسم وتحريكه. فمن دون المفاصل يصبح الحيوان أسيرًا داخل غلاف درع غير متحرك. وقد تحور طراز التفلُّق في الحشرات بطريقة ثابتة دعمت جزئيًّا التكيف الملحوظ في الحشرات. وبدلًا من أن يكون لها سلسلة عُقَل متشابهة إلى حدٍّ كبير تمتدُّ عبر طول الجسم، فقد اتحدت مجموعات من العُقَل في ثلاث وحدات رئيسة، أو «مناطق»؛ أولًا: هناك الرأس، وهي تتكون من ست أو سبع عُقَل مندمجة معًا، وتحتوي التجمعات العصبية الرئيسة، وأعضاء الحس وتراكيب متمفصلة للاغتذاء. وبعد مفصل الرقبة المَرِن يأتي الصدر، وهو يتكون من ثلاث عُقَل مندمجة معًا، ولكلٍّ منها زوج من الأرجل المتمفصلة. في معظم الحشرات نجد أن لكلٍّ من العقلتين الثانية والثالثة للصدر — T2 وT3 — زوجًا من الأجنحة أيضًا. وفي النهاية يوجد البطن، ويتكون من ثمانٍ إلى إحدى عشرة عقلة مندمجة معًا، ولكن بقدر أقل جساءة، وليس للبطن أرجل، ولكنه يحوي معظم الأعضاء الهضمية والتناسلية والإخراجية للحيوان. من الناحية الوظيفية فإن الرأس معنِي بالتغذية والإحساس، والصدر معني بالحركة، والبطن معنِي بالأيض والتكاثر. وهذا الانفصال في الوظائف جعل كل جزء من الجسم أكثر فعالية وتكيفًا. السيطرة على السموات: أجنحة وطيران

نشأ الطيران الفعال أربع مرات فقط في تاريخ الحياة على كوكب الأرض؛ في الطيور والخفافيش والتيروصورات والحشرات. إن الحشرات هي اللافقاريات الوحيدة التي تطير، وهي أيضًا أكثر الأنواع الطائرة شيوعًا وتنوعًا فوق هذا الكوكب. والطيران هو المفتاح الرئيس لتفهم نجاح الحشرات. إن امتلاك الحشرات زوجين من الأجنحة شيء مثير للاهتمام، ولكنه محيِّر قليلًا. فهل زوجان من الأجنحة أفضل من زوج واحد؟ على كل حال، إن الطيور والخفافيش لها زوج واحد من الأجنحة، ولكن بعض الديناصورات — ومن المحتمل أنها قريبة من أسلاف الطيور — لها ريش على كلٍّ من «الذراعين» و«القدمين». إن السبب في اختلاف عدد الأجنحة قد يرجع إلى التحديد الذي تفرضه طريقة النمو الجنيني في الفقاريات. وهناك بعض الأدلة على أن الفقاريات، مثل الخفافيش والطيور، أسيرة امتلاك زوجين فقط من الأطراف؛ وإن كان أحد الزوجين يلزم للمشي، إذن فهناك زوج واحد باقٍ للطيران. على العكس، فإن الأجنحة في الحشرات لم تنشأ من الأرجل، ولا يوجد مثل هذا القيد؛ وعلى ذلك بينما الفلقة T1 لها أرجل فقط، فإن الفلقتين T2 وT3 لكلٍّ منهما أجنحة وأرجل. إن امتلاك زوجين من الأجنحة يوفر تنوعًا أكبر في مدى أساليب الطيران الذي تقوم به الحشرات. تنقسم الحشرات إلى نحو ?? «رتبة» تشمل الجراد (أورثوبترا)، والرعاشات (أودونتا)، وذباب مايو (إفيميروبترا)، والعصويات (فاسميدا)، وذوات المقص (درمابترا)، والصراصير (دايكتيوبترا)، وبق اليابسة والماء (هيميبترا)، والبراغيث (سيونابترا). ولكن بدون شك، الرُّتَب «الأربع الكبرى» من الحشرات — التي تضم ما يزيد على ??? من الأنواع الموصوفة — هي الخنافس (كليوبترا)، والفراشات والعثة (ليبيدوبترا)، والنحل والدبابير والنمل (هيمينوبترا)، والذباب (دبترا). إن كلًّا منها مختلف بوضوح، وكلٌّ منها كَيَّفَ أجنحته بطريقة مختلفة.
إن لحشرات الرتبة ليبيدوبترا زوجين من الأجنحة تامَّيِ التكوين. في بعض العثة، هناك أشواك أو نتوءات تربط الأجنحة الأمامية والخلفية معًا، ولكن في كثير من حشرات هذه الرتبة يمكن أن تتحرك الأجنحة ويُتحكَّم فيها كلٍّ على حِدَةٍ أثناء الطيران. يختلف شكل الجناح بشكل كبير، من نتوءات ريشية في عثة الريش، إلى أجنحة ممتدة تشبه النصل في فراشة ساعي البريد في أمريكا الجنوبية، والأجنحة العريضة المنزلقة للفراشات ذات الذيل الخطافي.
إن العثة والفراشات قد تبدو مرهفة وقصيرة العمر، ولكن بعض الأنواع قوية وطويلة العمر. إن «الفراشة الملكية» تتجمع على مدى الشتاء في جماعات كبيرة في وسط المكسيك قبل قيامها بهجرة جماعية عبر أمريكا الشمالية. ويطير كل فرد مئات الكيلومترات، وفي خلال أجيال قليلة فقط من الأجيال الوليدة تستطيع أن تصل بعيدًا حتى كندا، على بُعْد ? آلاف كيلومتر من موقع التجمع الشتوي. وتُشتَهَر فراشة «السيدة المزخرفة» بسلوكها أثناء الهجرة. ويندر أن نجد من علماء التاريخ الطبيعي الأوروبيين مَن يَنسَى عامَيْ ???? و???? عندما طارت أسراب السيدة المزخرفة في اتجاه الشمال واكتسحت شمال أوروبا بدءًا من جبال أطلس الأفريقية، وتكاثرت أينما ذهبتْ، لتصل في النهاية شمالًا حتى اسكتلندا وفنلندا.
شكل ?-?: الحشرات، الرُّتَب الأربع الكبرى: (أ) ليبيدوبترا: فراشة ساعي البريد. (ب) هيمينوبترا: نحل العسل. (?) كليوبترا: خنفساء أطلس. (د) دبترا: ذبابة الكركي.
للنمل والنحل والدبابير — هيمينوبترا — أيضًا زوجان من الأجنحة، ولكن هذه الأجنحة بصفة عامة مرتبطة معًا بصفٍّ من الخطاطيف على الجناح الخلفي. إن معظم الأنواع مهيَّأة للطيران السريع المحكَم الذي يسمح للنحل بأن يَقتَحِم ويستهدف حيزات صغيرة لجمع الرحيق، وللزنابير بالإمساك بالفرائس أثناء الطيران، وللدبابير الطفيلية بالوجود قرب يَرَقات الفراشات؛ حيث تَضَع بيضَها داخلَ أجسامها. يُمكِننا أيضًا أن نُشاهِد في رتبة هيمينوبترا وجود مستعمرات من أفراد يعيشون معًا، وكذلك توزيع العمل. فمستعمرة نحل العسل، مثلًا، بها ملكة واحدة، ولكن بها عدة آلاف من الشغالات، كلهن شقيقات ملكة النحل. إن وجود أنثى واحدة فقط مسئولة عن وضع البيض، بينما كل الباقيات يقُمْنَ بأعمال مثل جمْع الطعام والتنظيف والدفاع هو شيء غير عادي ويحتاج إلى تفسير. لماذا يجب على المئات، أو حتى الآلاف، من شغالات النحل، والنمل والدبابير أن تمتنع عن التكاثر، بينما تُسخِّر طاقاتها لمساعدة فرد آخَر؟ كيف نشأ هذا الوضع؟ إن الإجابات ليست مباشرة؛ التفسير الذي ظلَّ شائعًا لسنوات طويلة اعتَمَدَ على «الفَرْدانِيَّة الضِّعْفانِيَّة»؛ وهي الآلية غير العادية لتحديد الجنس الموجودة في رتبة هيمينوبترا. في كثير من الحيوانات، يختلف الذكور عن الإناث بسبب صبغيٍّ جنسيٍّ واحد، مثل الصبغيَّيْن X وY في البشر. ولكن في النحل والنمل والدبابير يكون للذكور نصف عدد الصبغيات فقط الموجودة في الإناث. يرجع هذا إلى أن البويضات التي تُخصَّب بحيوانات منوية تُعطِي إناثًا؛ والبويضات التي تظلُّ بلا إخصاب تُعطِي ذكورًا بدلًا من أن تموت. وفي ظل هذا النظام الوراثي العجيب، تكون الشقيقات — مثل شغالات النحل وملكة النحل — متماثلات تمامًا من الناحية الوراثية. وفي الحقيقة أن إناث النمل والنحل والدبابير تماثل شقيقاتها بقدر أكبر من مماثلتها لأبنائها. وقد يحتِّم ذلك أن يكون التعاون بين الشقيقات مفضَّلًا من الناحية التطورية؛ حيث إنه بمساعدة الملكة، فإن الشغالات بالتبعية تساعد على بقاء نمطها الوراثي. بيدَ أن المأخَذ الذي يُشار إليه كثيرًا هو أنه في حالة «الفَرْدانِيَّة الضِّعْفانِيَّة»، تكون الشقيقات ضئيلة الارتباط بأشقائها، وهو ما يُلغِي التفضيل الوراثي. وبدلًا من ذلك، فإن الأصول الوراثية للجماعات في النمل والنحل والدبابير قد لا تتفق كثيرًا مع الوراثة غير المعتادة، وترتبط بشكل أكبر بالدفاع المشترك عن الموارد عن طريق الأقارب، وعن طريق نظام إنجاب من خلاله تكون العناية الممتدة بالصغار شيئًا طبيعيًّا. إن ارتباط الجناحين الأماميين مع الجناحين الخلفيين — كما هي الحال في رتبة هيمينوبترا — يعني أن للزوجين في الواقع الخصائص الحركية نفسها، كما لو كانا زوجًا واحدًا. وقد ذهبت رتبتان من أكبر رُتَب الحشرات خطوة أبعد من ذلك؛ حيث تستخدمان زوجًا واحدًا من الأجنحة للطيران. إن رتبة كليوبترا، أو الخنافس، تَطِير باستخدام جناحَيْهَا الخلفيين فقط، كما أن رتبة دبترا — الذباب الحقيقي — تستخدم فقط جناحَيْها الأماميين. وبالتأكيد فإن كلتا المجموعتين نشأتا من حشرات استخدمت زوجين من الأجنحة للطيران. في الخنافس تحولت الأجنحة الأمامية في الأسلاف إلى حوافظ جناحية صلبة (أغمدة) تغطي الأجنحة الخلفية وتحميها عندما تكون في غير حالة استخدام. فتح هذا التحور أمام الخنافس حيزات بيئية جديدة، فأصبحت تستطيع أن تحفر في التربة، وتثقب البذور، أو تكوِّن أنفاقًا في خشب عفن دون أن تُضَار أجنحة طيرانها الرقيقة المرهفة. لقد فَتَنَ التنوع الكبير للخنافس أجيالًا من المشتغلين بالعلوم البيولوجية، وكان تشارلز داروين الصغير مغرمًا بالخنافس، وفي كتابه «أصل الإنسان» تحمَّسَ داروين لخنفساء من خنافس الجعران، فكتب: إذا أمكننا تصور ذكر خنفساء الجعران بكسوة درعه البرونزية اللامعة، وقرونه المعقدة الضخمة، وقد تضخم ليصبح في حجم حصان أو حتى كلب، فإنه عندئذٍ سيصبح أحد أكثر الحيوانات مهابة في العالم.
وفي الذباب الحقيقي — دبترا — تحور الجناحان الخلفيان في الأسلاف إلى «دبوسَيْ توازن» ضئيلَيِ الحجم يتخذ كلٌّ منهما شكل الهراوة. وهما يهتزَّان إلى أعلى وأسفل خلال الطيران، دون علاقة بخفقات الجناحين الأماميين، وهما يكوِّنان جزءًا من نظام حسي استرجاعي معقَّد. فإذا مال جسم الذبابة إلى أحد الجانبين، فإن دبوسَيِ التوازن منوط بهما أن يستمرَّا في خفقاتهما في المستوى الأصلي — على غرار الجيروسكوب — وعندئذٍ فإن أعضاء الحس عند قاعدة دبوس التوازن ستحدد التغير في الزاوية الواقعة بين دبوس التوازن ووضع الجسم. وعلى ذلك، فإن الذبابة تستقبل باستمرار معلومات عن موقعها بالضبط في الفضاء. وبهذا فإن الذباب الحقيقي هو أكثر الحشرات رشاقة، وهو قادر على أن يحوم، أو يندفع كالسهم، أو يعكس اتجاهه بسرعة مدهشة ودقة.
من بين عشرات الآلاف من أنواع رتبة دبترا هناك العديد من الأنواع التي لها تأثيرات كبيرة على حياة الإنسان. تشمل هذه الأنواع البعوض الذي ينقل طفيلي الملاريا أو يحمل الفيروسات المسبِّبة للحُمَّى الصفراء وحُمَّى الدنج، ويموت كل عام ما يزيد على مليون شخص بسبب الأمراض التي ينقلها البعوض. وهناك أنواع أخرى من الذباب لها منافع؛ فمنها، على سبيل المثال، ما يقوم بعمليات التلقيح في النباتات، كما أن النوع «دروسوفيلا ميلانوجستر» لعب دورًا هامًّا في الأبحاث الطبية. كان هذا النوع من ذباب الفاكهة هو الكائن النموذجي المفضل في أبحاث الوراثة على مدى أكثر من قرن من الزمان لكونه صغير الحجم، وسهل التكاثر بأعداد كبيرة. وقد وفرت الأبحاث التي أُجريت باستخدام هذا النوع من ذبابة الفاكهة رؤًى ثاقبة لوظائف الجينات وتفاعلاتها، وكان لذلك صلة وثيقة بالعديد من الأمراض البشرية، وفيها السرطان.
المزيد من مفصليات الأرجل: العناكب، ومئويات الأرجل، والقشريات

بالإضافة إلى الحشرات، هناك ثلاث طوائف أخرى تعيش حاليًّا وتتبع شعبة مفصليات الأرجل. لقد غزت طائفتان منها اليابسة، وهما الكلَّابيات وعديدات الأرجل. أما الطائفة الثالثة فهي القشريات، وهي مائية في الأغلب، لكن بعضها يعيش على اليابسة. تشمل الكلابيات العناكب والعقارب، ورغم أن معظمها يعيش على اليابسة، فإن أصولها كانت في البحر. إن تركيبها ومواءماتها للحياة على اليابسة مختلفان كثيرًا عمَّا هي الحال في الحشرات. ومن الواضح أن الكلابيات والحشرات قام كل منهما بغزو اليابسة بشكل مستقل.
بالتحول إلى عديدات الأرجل نجد أن مئوية الأرجل وألفية الأرجل هما أكثر المجموعات المعروفة لنا. لهذه الحيوانات رأس متخصص، يَلِيه سلسلة من عُقَل عديدة تحمل أرجلًا متمفصلة. في مئوية الأرجل تنفصل عُقَل الجسم بعضها عن بعض بواسطة حلقات مرنة من الكيوتيكل؛ مما يسمح لها بأن تلتوي وتلتف، وبأن تجري بسرعة. ومئويات الأرجل مفترسة، تقوم بمطاردة واصطياد فرائسها والهجوم عليها مستخدمة مخالب سامة شديدة التأثير، وهي كلَّابات عملاقة سامة تبرز من زوج الأرجل الأمامية. على النقيض، فإن ألفية الأرجل تأكل في الأغلب الخشب أو الأوراق المتحلِّلة، وهي حيوانات أبطأ كثيرًا، كما أنها ليس لها مخالب سامة، وفي كثير من أنواعها تتعشق فلقات الجسم بعضها مع بعض لتسمح لها بالاندفاع خلال التربة أو النباتات المتعفنة وكأنها آلة قديمة بطيئة لدكِّ الحصون. ليس حقيقيًّا أن مئوية الأرجل لها مائة رِجْل، أو أن لألفية الأرجل ألف رِجْل، ولكن عندما نتحدث عن الأعداد، هناك بعض الغرائب غير المفهومة تمامًا. فمن العجيب أن لمئوية الأرجل دائمًا عددًا غير متساوٍ من أزواج أرجل المشي (لا يتضمن المخالب السامة)، وهذا يعني أنه بينما يكون لمئوية الأرجل عدد قليل من الأرجل مثل ?? (= ? × ??)، أو عدد كبير مثل ??? (= ? × ???)؛ فإنه لا يوجد نوع به تمامًا ??? رِجل. وحتى في الأنواع التي يختلف فيها عدد العُقَل، فإن الأفراد تختلف دائمًا بمضاعف زوجين. وتتسم ألفية الأرجل بِسمة أخرى عجيبة؛ فعندما يُنظَر إليها من أعلى، يبدو أن لها زوجين من الأرجل لكل عقلة؛ مما يؤدِّي إلى الاعتقاد بأنه خلال التطور اندمجت أزواج من العقل لتكون «فلقات مزدوجة».
شكل ?-?: مفصليات الأرجل: (أ) الكلَّابيات: عنكبوت. (ب) عديدات الأرجل: مئوية أرجل. (?) عديدات الأرجل: ألفية أرجل. (د) القشريات: الكريل.
إلَّا أن هذا النسق لا يُشاهَد من أسفل، وقد كشفتِ الدراسات الحديثة عن تعبير الجينات أن الحدود بين الفلقات عند الناحية العليا وعند الناحية السفلي تُحدَّد على نحو مستقل بعضها عن بعض. إن العُقَل في ألفية الأرجل ليست وحدات بسيطة متكررة.
إن لألفيات الأرجل — مثل الحشرات — قصبات هوائية لتوصيل الأكسجين لأنسجتها، ولها أطراف لا تتفرع. كما أن تركيب الرأس في مئويات الأرجل وألفيات الأرجل والحشرات متماثل إلى حدٍّ كبير. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان أقنعتْ هذه التشابهات متخصصي علم الأحياء بأن ألفية الأرجل والحشرات على درجة عالية من القرابة داخل مفصليات الأرجل. إلَّا أن الأدلة الجزيئية تشير إلى اتجاه مختلف، وتدل بشدة على أن الحشرات في الواقع أقرب إلى القشريات. وفي الحقيقة، يحتمل أن تكون الحشرات من ضمن القشريات. وما دامت القشريات هي في الأساس مجموعة مائية؛ فإن هذا يتضمن أن الحشرات وألفية الأرجل قامتا بغزو اليابسة كلٌّ على حِدَةٍ، وأن كل مجموعة ظهرتْ بها تكيفات مثل القصبات الهوائية والأرجل غير المتفرعة على نحو مستقل عن الأخرى للتكيف مع الحياة في بيئتها الجديدة. إن القشريات مجموعة متنوعة تشمل العديد من الحيوانات المألوفة مثل الكابوريا، وسرطانات البحر وبراغيث البحر، وكذلك بعض الأنواع الطفيلية مثل براغيث السمك. والعديد منها له أهمية بيئية عظيمة، مثل مجدافيات الأقدام الموجودة مع مليارات العوالق البحرية أو أفواج الكريل الممتدة التي تتغذى عليها الحيتان البالينية. ومن أشهر القشريات وأكثرها غرابة البرنقيل، الذي يبدأ حياته كيرقات حرة السباحة في البحر قبل أن يستقر فوق الصخور؛ حيث يَلصق رأسَه بها ويقضي بقية عمره يلوِّح بأرجله لاقتناص فتات الغذاء.
دببة الماء والديدان المخملية

هناك شعبتان من الحيوانات القريبة جدًّا من مفصليات الأرجل تُعَدَّان من أكثر الحيوانات تفضيلًا من جانب كل مشتغل بعلم الحيوان؛ وهما بطيئات المشية المجهرية والمخلبيات الساكنة الغابات. لكلا الطرازين من الحيوانات أطراف مسمارية الشكل وكيوتيكل ليِّن، وليس لهما أطراف متمفصلة جامدة وهيكل خارجي متصلب كالمفصليات الأخرى مثل الحشرات والعناكب. يصل طول بطيئات المشية — أو «دببة الماء» — إلى أقل من ملِّيمتر واحد، ويمكن أن توجد حية في المياه السطحية على أجسام الحزازيات الرطبة أو الأشن.
شكل ?-?: (أ) بطيئات المشية، أو دب الماء. (ب) دودة خيطية، أو دودة مستديرة. (?) حيوان مخلبي، أو دودة مخملية.
عند الفحص المجهري لبطيئات المشية فإنها تبدو بسبب أجسامها المكتنزة ومشيتها المتهادية وكأنها دببة مصغَّرة، ولكنها دببة بثمانية أرجل. وبالإضافة إلى جاذبيتها بصفة عامة، فإن بطيئات المشية تُشتهر بقدرتها الملحوظة على تحمُّل ظروف بيئية متطرفة؛ فإذا ما أصاب البيئة جفاف بطيء، فإن بطيئات المشية تُفرز غطاءً شمعيًّا وتسحب أرجلها بحيث تُشبه براميل دقيقة. وعندئذٍ تقلِّل إلى حدٍّ كبير استهلاكها من الأكسجين والماء حتى تدخل في حالة من الحياة المعلقة، وفي هذه الحالة، التي تُعرف باسم الاختفاء الأحيائي، تستطيع بطيئات المشية الحياة لعدة سنوات. ثَمة مزاعم بأن هذا قد يستمر لمدة قرن من الزمان، إلَّا أن هذه المدة الطويلة من البقاء ليست محتملة، وذلك حسب الدراسات الحديثة. ولبطيئات المشية أيضًا القدرة على التحمل بشكل واضح، ومن المعروف أنه بمجرد دخولها حالة الاختفاء الأحيائي فإنها تستطيع أن تتحمل درجة حرارة منخفضة تصل إلى ???? درجة مئوية أو درجة حرارة مرتفعة تصل إلى ??? درجة مئوية. وتظل الحياة معلقة حتى تتحسن الظروف.
تعيش المخلبيات — أو «الديدان المخملية» — على اليابسة ويمكن أن توجد في البيئات الرطبة، مثل جذوع الأشجار المتعفنة والفضلات الورقية في الغابات الاستوائية لأمريكا الجنوبية، أو في الغابات الأكثر برودة في نيوزيلندا. وهي حيوانات لينة، لها ملمس كالفراء إلى حد ما، وتشبه اليسروع، ويبلغ طولها سنتيمترات قليلة، ولها نحو ?? زوجًا من الأرجل القصيرة المكتنزة. ورغم حركتها البطيئة، فإن معظم الديدان المخملية هي في الواقع صيَّادة؛ إذ تغتذي على النمل الأبيض وحشرات أخرى. ولما كانت الحشرات الصغيرة تستطيع الحركة أسرع من الديدان المخملية، فهي لا تستطيع أن تطارد فرائسها وتمسك بها، وبدلًا من ذلك فإنها تضربها عن بُعد؛ فالديدان المخملية لها زوائد غير عادية على جانبَيِ الرأس — يُظن أنها نشأت من أرجل — تستخدم توليد تيارات من مادة غروية لزجة نحو الكائنات المستهدَفة. وهذه المادة الصمغية تُربِك الحشرة الفريسة التي يمكن حينئذٍ أن تُلتَهَم على مهل من جانب الدودة المخملية، وحتى لا تضيع الدودة أي طاقة ذات قيمة فإنه حتى المادة الصمغية ذات المحتوى البروتيني تُؤكَل أيضًا.
الديدان المنسلخة

إن الديدان الخيطية — أو الديدان المستديرة — هي أقل الكائنات التي يُرجَّح قرابتها لمفصليات الأرجل. فهي ليست معقَّلة، وليس لها هيكل خارجي، وليس لها أطراف. وكما يدل اسمها، فهي ببساطة ديدان طويلة ورفيعة ومرنة. على أنه منذ عام ????، تراكمت أدلة من تتابعات الدنا واحدًا بعد الآخر دلَّلت على أن الديدان الخيطية تقبع في المملكة الحيوانية بالقرب من مفصليات الأرجل، ودببة الماء، والديدان المخملية، بالإضافة إلى قليل من الحيوانات الغامضة مثل «تنانين الوحل» المجهرية صاحبة الاسم المدهِش. إن معظم متخصصي علم الحيوان مندهشون جدًّا من هذه النتيجة التي لم تُستنبَط من الدراسات التشريحية. ولكن في الحقيقة، كل هذه الحيوانات لها صفة أساسية واحدة مشتركة، وهي أنها تسلخ جلودها أثناء نموها. إن لمفصليات الأرجل هيكلًا خارجيًّا جامدًا، عليه أن يتساقط عدة مرات ليسمح للجسم الواقع أسفله بأن يكبر، وهي العملية التي تُعرف باسم الانسلاخ. إن لدببة الماء والديدان المخملية (وكذلك للحشرات غير اليافعة مثل اليساريع) كيوتيكلًا لينًا وأكثر مرونة، ولكن هذه أيضًا تنسلخ بسبب أن التركيب الجزيئي للكيوتيكل الخاص بها ليس مهيَّأً للتمدُّد. إن الديدان الخيطية لها كيوتيكل معقَّد مكوَّن من ألياف بروتينية مطوية بإحكام، وهي تلتف حول الجسم لتكون طبقات فوق طبقات من زنبرك مرن كثيف الحُزم، وهذه أيضًا يجب أن تسقط لتسمح بالنمو. وعندما أوضحت دلائل الدنا أن هذه الشُّعَب قريبة بعضها لبعض، كان لا بد من طرح اسم للمجموعة. وقد اقترح البيولوجيون أنَّا ماري أجينالدو وجيمس ليك وزملاؤهما — وهم البيولوجيون الذين اكتشفوا هذه العلاقة — اسمًا لهذه المجموعة هو «الانسلاخيات»، بمعنى الحيوانات المنسلِخة.
للديدان الخيطية تركيب داخلي غير عادي بشكل كبير؛ إن لها حيزًا داخل أجسامها مملوءًا بسائل، كما هي الحال في كثير من الديدان الأخرى، ولكن في حالة الديدان الخيطية يكون لهذا السائل ضغط عالٍ جدًّا، يبلغ حوالي عشر أضعاف ضغط هذا السائل في الديدان الأخرى. إن الضغط الداخلي يضغط على أنسجة جسم الدودة وعلى الكيوتيكل مما يجعل مقطعها العرضي دائريًّا، وهذا يفسِّر اسم «الديدان المستديرة» الشائع لها. وهناك خاصية أخرى للديدان الخيطية هي أن كل عضلات جسمها تمتدُّ في اتجاه محور الرأس-الذيل (طولي)، فليس لها عضلات تلتفُّ حول الجسم في دوائر. إن معظم الديدان الأخرى — بما فيها ديدان الأرض، وديدان النفايات، والديدان الشريطية — لها كلا الطرازين من العضلات التي تستطيع أن تنقبض على نحو معاكس بعضها لبعض؛ أي في اتجاهين متضادَّيْن، مما يسمح للحيوان بتغيير شكله، أو الزحف أو الحفر. كيف إذن يمكن للديدان الخيطية أن تلتوي وتتحرك ما دامت عضلاتها تستطيع فقط أن تنقبض في اتجاهات طولية؟ إن الإجابة تكمن في السائل ذي الضغط العالي الموجود في تجويف الجسم وفي الكيوتيكل الزنبركي، اللذين يضادَّان فعل العضلات، مما يمكِّن الدودة من دفْع جسمها في موجات سريعة. إن حركتها ليست متناسِقة بشكل جيد كما هي الحال في ديدان الأرض وديدان النفايات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الترتيب غير المعتاد للعضلات، وأيضًا إلى أن الديدان المستديرة ليست مُعقَّلة، ولا يمكنها جعل أجزاء مختلفة من الجسم تتحرك في اتجاهات متضادة. بدلًا من ذلك فإن الديدان الخيطية تتحرك وفق أسلوب مدروس؛ ذلك أن حركتها ليست فعَّالة بشكل جيد في العموم، ولكنها مناسبة تمامًا لمأواها المفضَّل، وهو داخل الأشياء. إن العديد من أنواع ديدان الأرض يعيش في التربة أو النباتات المتعفنة؛ ويحتشد الكثير منها داخل الفاكهة المتعفنة، بل إن هناك كذلك ديدانًا خيطية آكِلة للخميرة تُدعَى «فرش الجعة». وهناك عديد من الديدان الخيطية الأخرى يعيش متطفلًا داخل النباتات أو الحيوانات الأخرى. حتى البشر ليسوا محصَّنين ضدَّها، وهناك بعض الحالات الطبية التي تُعزى إلى ديدان خيطية متطفلة تشمل العمى النهري، ومرض دودة الخنزير، وداء السهميات، ومرض الفيل.
إن مَيْل الديدان الخيطية للعيش داخل كائنات أخرى تم وصفه على نحو شعري — ولكن به بعض المبالغة — في عام ????، من جانب «أبي علم الديدان الخيطية»، ناثان أوجستوس كوب، قال: إذا تم محو كل المادة في الكون فيما عدا الديدان الخيطية، فسيظل عالمنا يمكن التعرف عليه وسط هذه الظروف المعتمة، وإذا أمكننا — كأرواح غير مجسدة — أن نفتش فيه فسوف نجد أن جباله وهضابه وأوديته وأنهاره وبحيراته ومحيطاته ستمثل بطبقة رقيقة من الديدان الخيطية. سيكون من الممكن تبيُّن موقع المدن، لأنه سيوجد مقابل كل تكتل بشري تكتلٌ مُناظِر من ديدان خيطية معينة.
هناك مجموعة من الحيوانات قريبة جدًّا من الديدان الخيطية — حيث يوجد بينهما أوجه شبه عديدة — وهي تتسم بأنها طويلة ورفيعة إلى حد كبير، وتنتمي إلى شعبة خاصة تُعرف باسم الديدان الشعرية. ورغم أن عرضها نادرًا ما يزيد عن ملِّيمتر واحد، فإن طولها غالبًا ما يصل إلى ??–??? سنتيمتر. وهي مثل الديدان الخيطية لها كيوتيكل جامد، ينسلخ أثناء نموها، كما أن لها عضلات طولية فقط. وعلى خلاف الديدان الخيطية، فإنها لا تأكل أي شيء، أو على الأقل الديدان اليافعة لا تفعل ذلك، وتَضمُر أمعاؤها لتصير مجرد أثر. أما الديدان الشعرية الشابَّة فإنها بالتأكيد تأكل، حيث تتغذى على الأنسجة الداخلية لجسم العائل الذي يتبع مفصليات الأرجل، والذي يمكن أن يكون جرادة أو صرصورًا أو روبيان مياه عذبة. وهناك ستنمو الدودة وتنسلخ ويزداد طولها حتى تصل إلى حجم كبير لا يتحمَّله الحيوان العائل، ووقتها إما تنفجر وإما تزحف إلى الخارج تاركة خلفها جثة العائل سيئ الحظ. يجب أن تعيش الديدان اليافعة في الماء، وعلى ذلك إن كان العائل يعيش على اليابسة مثل الصرصور، فإن الطفيلي يوجِّه بطريقة ما سلوك العائل حيث يحثُّه على التحرك نحو الماء، ويسبح فيه منتظرًا الموت المروع. أما الديدان الشعرية التي تتطفل على عوائل تعيش في الماء مثل روبيان المياه العذبة فإنها تُعطَى الاسم الشائع لهذه الحيوانات وهو «ديدان شعر الحصان». وقد حدث قبل أن تُعرف دورة الحياة الحقيقية لهذه الحيوانات أنْ لاحظ أهل الريف أحيانًا وجود ديدان طويلة ورفيعة تسبح في مياه تبدو نظيفة خاصة بشرب الأحصنة، رغم أن هذه الديدان لم تكن موجودة في اليوم السابق. ونشأت أسطورة تقول إن هذه الديدان كانت شعرًا من ذيول أحصنة، ولكن دبَّت فيها الحياة. ولكن الحقيقة أقل إعجازًا، وترتبط بشكل أكبر بالموت؛ فالديدان العملاقة كانت طفيليات انطلقت من روبيانات صغيرة تعيش متوارية عن الأنظار في الماء.

الفصل الثامن
ثنائيات الفم ?: نجوم البحر ونافورات البحر والسُّهيمات


أودُّ أيضًا أن أُحيِّي شوكيات الجلد بوصفها مجموعة بارزة مصمَّمة خِصِّيصَى كي تُحيِّر المشتغلين بعلم الحيوان.
ليبي هايمان، «اللافقاريات: الجزء الرابع» (????)مفاتيح من أجِنَّة

وُصِفَتْ شوكيات الجلد بأنها أغرب الحيوانات على سطح الأرض؛ وذلك لسبب منطقي، والطوائف الخمسة التي تشملها شعبة شوكيات الجلد — وهي نجوم البحر وقنافذ البحر والنجوم الهشة، وخيار البحر، وزنابق البحر — لها صفات مشتركة بينها، ولكنها لا تتشارك هذه الصفات مع أي كائن آخَر تقريبًا. إن بناء أجسامها لا يشبه أي كائن آخر على الكوكب. ورغم ذلك فقد تبيَّن منذ زمن أنها تنتمي إلى الموضع نفسه في المملكة الحيوانية مثلك ومثلي: ثنائيات الفم. وأول مفتاح يوضح هذه العلاقة يوجد في الأجنة.
إن معظم الحيوانات تبدأ حياتها كخلية واحدة هي البويضة المخصبة، وهذه البويضة المخصبة تنقسم لتعطي خليتين، ثم أربع خلايا، ثم ثماني ثم ست عشرة، وهكذا. ورغم أن هذا يبدو أمرًا بسيطًا مباشرًا، يمكن ملاحظة أنماط مختلفة متعددة عندما نقارن حيوانات ثنائية التناظر مختلفة. اثنان من أشهر هذه الأنماط هما التفلُّج الحلزوني والتفلُّج الشعاعي. تبدو الاختلافات بينهما واضحة تمامًا إذا ما تم فحص الأجنة النامية من خلال ميكروسكوب. ففي التفلُّج الحلزوني، نجد أنه عند انقسام أربع خلايا لتعطي ثماني، فإن الخلايا الجديدة تستقر فوق الثلمات الواقعة بين الخلايا الأربع القديمة، وإذا حاولتَ أن ترصَّ أربع برتقالات فوق أربع برتقالات أخرى؛ فإن هذا بالضبط النمط الذي تستهدفه. ولكن في التفلُّج الشعاعي، تستقر الخلايا الجديدة تمامًا فوق قمة الخلايا الأربع القديمة، بطريقة تحتاج إلى مهارات توازن عالية إذا ما حاولتَ تنفيذها باستخدام البرتقال.
وسواء أكان التفلج حلزونيًّا أم شعاعيًّا، فإن الطراز نفسه يتكرر في كل انقسام خلوي تالٍ، حتى تتكون في النهاية كُرَة مجوَّفة من الخلايا. وبدءًا من نقطة أو فتحة على سطح الخلية، تتحرك عقب ذلك بعض الخلايا إلى الداخل، فيما يشبه دفع إصبع أو يد في بالون منفوخ. إن الثلمة التي تنثني عندها طبقة الخلايا إلى الداخل تُسمَّى ثقب الأُرَيمَة، والكُرَة الأصلية من الخلايا تُسمَّى الأُرَيمَة. ومع نمو الجنين أكثر وأكثر، تُكوِّن هذه الأنبوبة المثلومة المِعَى. وينشأ من خلال هذه العملية الفرق المهم الثاني بين الطرازين؛ ففي الحيوانات ذات التفلج الحلزوني قد يحدد ثقب الأُرَيمَة نهاية «الفم» للمعى، أو على نحو أكثر اعتيادًا يكون ثقب الأُرَيمَة على شكل شق وينغلق في الوسط ليترك نهايتين مفتوحتين؛ هما الفم والشرج. ولكن في الحيوانات ذات التفلج الشعاعي يحدد ثقب الأُرَيمَة النهاية الخلفية للجنين، حيث سيتكون الشرج. يظهر الفم بشكل منفصل عند النهاية الأخرى لجسم الجنين النامي، بينما يتمدد المِعَى الأولي في اتجاه الناحية البعيدة. ولهذا السبب طالما سُميت الحيوانات ذات التفلُّج الحلزوني «أوليات الفم»، وهو ما يشير إلى أن الفم ينشأ من الفتحة الأولى المتكونة بالجنين. تُعرف الحيوانات ذات التفلُّج الشعاعي، التي فيها يقع ثقب الأُرَيمَة في المؤخرة، باسم «ثنائيات الفم». ليست كل الحيوانات تقع في أيٍّ من هذين الطرازين المحكمين بالضرورة، خاصة إذا ما كانت أجنتها مزودة بكميات كبيرة من المُح تؤثر على طريقة انقسام الخلايا.
أوضح كارل جروبين في عام ???? الفروقات المميزة، ولكن بعد مرور قرن من الزمان بات من الضروري تناول هذه الفروقات بحذر. حسب التحاليل الجزيئية فإن شعبتَيْن فائقتَيْن كبيرتَيْن من ثنائيات التناظر — العجلانيات العرفية والانسلاخيات — تشملان جميع الحيوانات التي تتبع طراز أوليات الفم في النماء، ولكنها تشمل حيوانات عديدة أخرى. على سبيل المثال، فإن التفلُّج في انسلاخيات مثل الحشرات والديدان الخيطية ليس حلزونيًّا، وفي الحقيقة أيضًا ليس شعاعيًّا. ومع ذلك، ما زال المصطلح «أوليات الفم» يُستخدَم اليومَ كي يَعنِي العجلانيات العرفية بالإضافة إلى الانسلاخيات، مع العلم أنه فقط الاسم المتداول وليس قاعدة موحدة. وعلى نحو مُربِك بالمثل نجد أن التجمع التطوري الذي يُسمَّى الآن ثنائيات الفم، المُحدَّد حسب التحاليل الجزيئية أيضًا، يختلف قليلًا عن النظام الأصلي الذي وضعه جروبين. وتتضمن المجموعة حسب تعريفها الآن فقط بعض الحيوانات ذات التفلُّج الشعاعي والتكوُّن الثانوي للفم، وليس كلها. ربما يكون من الأفضل ألَّا نُلقي بالًا بالأسماء القديمة، فليست نظم التسمية منطقية دومًا. بدلًا من ذلك، لاحظ فقط أنه ليست كل الحيوانات المُدرجة ضمن مجموعة «أوليات الفم» تنمو بالطريقة نفسها لهذه المجموعة، بل في الواقع بعض الحيوانات الموضوعة ضمن أوليات الفم تنمو في الحقيقة على نمط ثنائيات الفم. وبالتبعية، ليست كل الحيوانات التي تنمو على نمط ثنائيات الفم تكون ثنائيات فم «حقيقية». في وقتنا الحالي، هناك فقط ثلاث شعب رئيسة لثنائيات الفم، بالإضافة إلى إمكانية ضم شعبة أو شعبتين «فرعيتين». والشعب الثلاث الرئيسة هي: شوكيات الجلد، ونصف الحبليات، والحبليات.
الحياة مع الرقم خمسة

اقطع تفاحة عند منتصفها، عندئذٍ سوف ترى نجمة ذات خمس نهايات مستدقة تحتوي على بذور. انظر عن كثب إلى وردة برية ولاحِظ بتلاتها الخمس. سواء نظرتَ إلى فاكهة أو زهور أو حتى أنماط لورقة نبات، ستجد أن الرقم خمسة شائع وملحوظ عبر المملكة النباتية، وأنه القاعدة لمعظم التنوعات والتكيفات. على النقيض، فإن الحيوانات لا تُلقِي بالًا بالرقم خمسة. قد يشير البعض إلى أننا نمتلك خمسة أصابع، ولكن ما دام لنا يدان فإن الرقم الحقيقي سيكون بالطبع عشرة (أو عشرين إذا قمنا بِعَدِّ جميع الأصابع). إن الرقم خمسة لا يَظهَر بوضوح في الحيوانات التي تتسم بالتناظر، ولها جانب أيمن وجانب أيسر، كما يُشاهَد في معظم المملكة الحيوانية. إن أعدادًا مثل اثنين وأربعة وثمانية تُشاهَد في كل موضع، وليس العدد خمسة. وحتى الحيوانات القاعدية مثل قناديل البحر في شعبة اللاسعات — رغم أنها ليس لها اتجاه واضح لتناظر اليمين-اليسار — فإن لها تناظرًا رباعيًّا وليس خماسيًّا.
بيدَ أن شوكيات الجلد تختلف؛ إذ إن تطور الشعبة كلها سيطر عليه الرقم خمسة. هذا النمط يُشاهَد بسهولة في نجوم البحر والنجوم الهشة، وهي لا فقاريات شائعة على شواطئ البحار وفي مناطق المد والجزر، ولها خمسة أذرع تخرج من منطقة مركزية أو قرص. في نجوم البحر تتصل الأذرع بالقرص المركزي بقوة. وعندما يتحرك الحيوان فإنه يبدو وكأنه ينزلق على قاع البحر، وهو عمل بارع يتم باستخدام آلاف من الأقدام الأنبوبية الصغيرة الحجم التي تبرز من سطحه السفلي. إن حركة الأقدام الأنبوبية مدفوعة بسلسلة من قنوات ممتدة داخل الجسم مملوءة بسائل، وهي لا توجد إلَّا في شوكيات الجلد، وتُعرف باسم الجهاز الوعائي المائي. ورغم أن النجوم الهشة تبدو ظاهريًّا مماثلة لنجوم البحر، فإن النجوم الهشة مختلفة في أن أذرعها الخمس أرفع وأكثر مرونة، وتستخدم في مساعدة الحركة لدى الحيوان عن طريق الإمساك والدفع. تختلف المجموعتان أيضًا من الناحية البيئية، خاصة من وجهة نظر الرخويات. إن النجوم الهشة تتغذى على الفتات والحطام، وتلتهم الأجزاء الصغيرة عن طريق فم صغير على السطح السفلي يقع في وسط القرص المركزي. على العكس من ذلك، معظم نجوم البحر مفترسات شرسة. إنها تتحرك ببطء، ولكن هذا لا يهم إذا كانت فريستك لا تتحرك على الإطلاق. إن معظم نجوم البحر تصطاد الرخويات الثنائية المصراع مثل أم الخلول والجندوفلي والبطلينوس، وهي حيوانات تعيش حياتها ساكنة داخل صدفتيها المرتبطتين معًا بإحكام. ورغم أن ثنائيات المصراع بصفة عامة محمية من المفترسين، فإن نجوم البحر هي أشد أعدائها. وعندما يقابل نجم بحر فريسةً مثل البطلينوس فإنه يلف أذرعه حولها ويمسك بها بشدة مستخدمًا أقدامه الأنبوبية الشبيهة بالممصات ويجذبها، وعند ظهور فرجة صغيرة بين الصدفتين يدفع نجم البحر — في إجراء يتضمن مُخاطرة — جزءًا من معدته إلى الخارج عبر فمه ويُدخِله في هذه الفرجة. تفرز المعدة إنزيمات تحلِّل البروتينات مما يُضعف عضلات البطلينوس ويؤدِّي إلى ابتعاد الصدفتين بقدْر أكبر إحداهما عن الأخرى، وفي النهاية، يصبح جسم البطلينوس عاريًا ويتم الْتِهامه. لا عجب إذن أن أنواع ثنائيات المصراع التي تستطيع العوم مثل الإسكالوب الملكة تحاول الهرب عند أقل استشعار بوجود نجم بحر.
إن القنافذ البحرية المسلَّحة بأشواك دفاعية وكذلك خيار البحر اللين المستطيل هي أيضًا من شوكيات الجلد. هنا يكون الرقم خمسة أقل وضوحًا للنظرة العَرَضيَّة، ولكنه بالتأكيد موجود، في كل حالة هناك خمسة نطاقات حول الجسم تحمل أقدامًا أنبوبية؛ وهذا دليل على أن هذه الحيوانات نشأت من أسلاف تشبه نجوم البحر انطوت فيها الأذرع فوق باقي الجسم. تشمل المجموعة الخامسة من الشعبة، الزنابق أو زنابق البحر، وهي حيوانات تتغذى بالترشيح لها فم على السطح العلوي محاط بتاج من أذرع خمسة مريَّشة. يقع هذا أحيانًا في أعلى ساق، خاصة في الأنواع التي تسكن أعماق البحر. وفي ضوء وجود أقدام أنبوبية وفم علوي، فإن الزنابق تُعتَبَر مقلوبة رأسًا على عقب مقارنة بنجوم البحر والنجوم الهشة.
شكل ?-?: (أ) شعبة شوكيات الجلد: نجم البحر. (ب) شعبة نصف الحبليات: دودة بلوط. (?) شعبة الحبليات: أسيديا يافعة. (د) شعبة الحبليات: السهيم.
إن الأصل التطوري للتناظر الخماسي لشوكيات الجلد مُثير للاهتمام. من الواضح أن التناظر الخماسي الشعاعي نشأ عن تناظر ثنائي (يسار-يمين) لثلاثة أسباب أساسية؛ أولًا: يرقات شوكيات الجلد ثنائية التناظر، تمامًا مثل يرقات العديد من الحيوانات البحرية الأخرى. فقط عندما تخرج من نطاق العوالق وتُجري التحول، يحدث ظهور للنمط الخماسي التناظر. ثانيًا: وُجد أن حفريات شوكيات الجلد بها جميع طرز التناظر، وفيها التناظر الجانبي؛ مما يُشير إلى أن النمط الخماسي التناظر فَرَض نفسَه متأخِّرًا إلى حدٍّ ما في رحلة تطورها. ثالثًا، والأهم: أن شعبة شوكيات الجلد — في الشجرة التطورية للحيوانات — مستقرة تمامًا ضمن ثنائيات التناظر؛ مما يدل على التطور من السلف المشترك نفسه، الذي تنحدر عنه جميع الحيوانات الثنائية التناظر التي تعيش هذه الأيام.
نصف الحبليات: ديدان نتنة

حدث منذ سنوات مضت أن احتجتُ أن أحصل على دودة بلوط، إن هذه الديدان غريبة إلى حد ما، فهي غير مُعقَّلة وتنتمي إلى شعبة نصف الحبليات القريبة من شوكيات الجلد في شجرة التطور. إن النماء المبكر لأجنَّتها مماثل تمامًا لذلك الخاص بشوكيات الجلد؛ حيث لها تفلُّج شعاعي، وتكوِّن فمًا «ثانويًّا»، كما أن يرقاتها — التي توجد أحيانًا في عينات العوالق — يختلط الأمر بشأنها فيُظَن أنها يرقات شوكيات جلد. لم أشهد قط دودة بلوط في العراء، وكنتُ في حاجة إلى عينة لمشروع بحث. ولكن وصلتْني — عند مراسلة مشتغلين بالأحياء البحرية — إجابة واحدة حيَّرتْني؛ فقد قال لي مُرسِلها إنه لم يَرَ دودة بلوط واحدة في بريطانيا، ولكنه متأكد جدًّا من أنها توجد على شاطئ معين؛ حيث إنه شم رائحة واحدة. بالطبع لم أكن لأصدِّق دليلًا مصدرُه مجرد شَذَا. واستمر الوضع هكذا حتى قمتُ بالحصول عليها بنفسي. إن معظم نصف الحبليات يصل طولها إلى سنتيمترات قليلة، وتعيش مختبئة في شقوق رملية أو طينية؛ حيث تقوم بترشيح فتات الغذاء من مياه البحر التي تعلوها. وهي تقوم بذلك مستخدمة جهازًا من فتحات حاجزة للفتات في حلوقها التي تُستخدم في الحصول على الطعام والأكسجين. في الحقيقة، العديد من ديدان البلوط له رائحة نافذة تُشبه اليود إلى حد ما، وهي ترجع إلى مادة كيميائية سامة — تُدعَى دايبروموفينول ??? — توجد بتركيزات عالية في جلودها. إن وظيفة هذه المادة ليست واضحة تمامًا، ولكنها قد تمنع المفترِسات من محاولة افتراسها، أو قد تحد من النمو البكتيري في الشقوق، أو قد يكون للسببين معًا. بغض النظر عن وظيفتها التكيفية، فإن الرائحة تبقى على الملابس والأصابع، وإذا ما صادفتَها يومًا فإنها لا تُنسى.
إن ديدان البلوط ليست هي الوحيدة المنتسبة إلى شعبة نصف الحبليات. إن إخوتها في التطور مجموعة من الحيوانات تُسمَّى تيروبرانكس؛ وهي حيوانات صغيرة تسكن أنابيب، ولها تاج من اللوامس، وغالبًا لا يُعثَر عليها مصادفة، بل لا بد أن تبحث عنها في مواقعها. إن النوع البريطاني المعروف جيدًا «رابدوبلورا كومباكتا» يقِلُّ طوله عن ملِّيمتر واحد، وتوجد أنابيبه الدقيقة البيضاء بوفرة على السطح الداخلي للأصداف المهملة لأحد أنواع الرخويات، وهو كَوْكَل الكلب «جليسيميريس»، وحتى في هذه الحالة، فهو يوجد فقط في مواقع قليلة مختارة حول الشاطئ البريطاني. يمكن أن نجد أنواعًا أخرى في برمودا وفي المضايق الاسكندنافية، ولكن معلوماتنا البيولوجية عنها ما زالت محدودة. وهناك جنس محدد من التيروبرانكس هو «سيفالوديسكَس» تم اكتشافه على قاع البحر في مضيق ماجلان خلال البعثة الشهيرة للسفينة إتش إم إس تشالنجر في عام ????، وعندما تم التحقق من أن هذا الحيوان له فتحات بلعومية، أصبح واضحًا أن التيروبرانكس قريبة من ديدان البلوط، في شعبة نصف الحبليات. هناك جنس ثالث من التيروبرانكس يُدعَى «أتوباريا»، غير عادي من حيث كونه لا يعيش في أنبوب. لا يُعرَف عن بيولوجيا هذا الجنس إلا القليل؛ ذلك أن ما شوهد منه هو ?? عينة فقط، جُمعت كلها في ?? أغسطس عام ???? بواسطة بعثة بحرية أرسلها القصر الإمبراطوري في اليابان.
قِرَب البحر: هل كان الإنسان قِربة من جلد؟

إذا جذبتَ حبل المرسى الذي يربط العوامات في أي ميناء بحري، فمن المحتمل أن تجده مغطًّى بمئات الكُتَل الجلدية الزجاجية الشكل، ألوانها في الأغلب صفراء أو بُنِّيَّة، يبلغ كل منها سنتيمترات قليلة في الطول. اجذب واحدة من هذه الكُتَل وافصلها عن مرساها المغمور بالمياه، وقد تدفع بنافورة مياه في عينيك. هذه الحيوانات — رغم أنها لا تبدو في شكل حيوانات — هي نافورات البحر، أو الأسيديات. ورغم مظهرها العجيب الشكل، فإن هذه الكتل ضمن أقربائنا من الناحية التطورية، وهي أعضاء في شعبتنا؛ الحبليات. من ناحية البناء الخارجي فإن نافورات البحر مكسوة بغطاء خارجي جامد أو إهاب له ملمس أقرب شبهًا بالنبات منه للحيوان. يرجع هذا إلى أن الإهاب يحوي — على نحو عجيب — السيلولوز، وهو مادة كيميائية توجد عادة في النباتات لا في الحيوانات. هناك أنبوبتان، أو سيفونان، عند قمة الجسم، وتندفع مياه البحر إلى داخل الحيوان من خلال أحدهما، ثم يُطرد الماء إلى خارج جسم الحيوان من خلال الآخر، وينشأ تيار الماء بفضل دفعات آلاف من الأهداب الدقيقة الموجودة داخل جسم الحيوان. ويجلب هذا التيار المستمر من الماء فتاتًا مجهريًّا من مواد غذائية وأكسجين ذائب، كما يزيل النفايات.
من المفترض أن تضم الشعبة مجموعة حيوانات ذات علاقة تطورية بعضها ببعض ولها بناء عام متماثل للجسم. وهنا نكرر كلمات فالنتين: «الشُّعَب أفرع من شجرة الحياة تعتمد على الشكل.» كيف إذن تكون نافورة بحر في الشعبة نفسها التي تضم الفقاريات، جنبًا إلى جنب معك ومعي، وكذلك مع الطيور والأسماك؟ عند النظر إلى نافورة بحر يافعة — وهي كتلة ساكنة مرشِّحة للغذاء ومغلَّفة بالسيلولوز — يتضح قلة ما يبرر وجود علاقة قربى تطورية. وفي الواقع كان علماء التاريخ الطبيعي الأوائل يجهلون تمامًا العلاقة. كان أرسطو يعتبر نافورات البحر رخويات مثل البطلينوس والقواقع، بيد أنه ذكر بالفعل أنها كانت غير عادية من حيث إن «صدفتها» — الإهاب في الواقع — كانت جلدية وليست صلبة، وتحيط بكل الحيوان. وفي أوائل القرن التاسع عشر قام لامارك بحذفها من الرخويات، ووضع لها اسمًا كمجموعة جديدة هي «القِرْبيات»، ولكنه لم يحدد علاقتها التصنيفية. تغير كل ذلك عام ???? عندما نشر العالِم الروسي النابِه ألكسندر كواليفسكي وصفًا دقيقًا للنمو الجنيني واليرقي لنافورة بحر، وفوق ذلك كشف الأهمية العميقة لما كان قد توصل إليه. إن أجنة نافورات البحر تنمو وصولًا إلى «أبو ذنيبة» مصغر — يبلغ عادة ملِّيمترًا واحدًا في الطول — يسبح في البحر ليوم واحد أو يومين قبل أن يستقر، ورأسه إلى أسفل، فوق صخرة أو أي أرضية. وهناك يحدث لها تحول درامي إلى نسخة مصغَّرة من الحيوان اليافع. ومن هذه اللحظة لا يبرح الحيوان موقعه، ويبقَى ثابتًا في مكانه الذي وُضع فيه، حيث يقوم بترشيح مياه البحر. وقد وجد كواليفسكي أنه في مرحلة «أبو ذنيبة» العائم، يكون هناك دماغ صغير في المقدمة، متصل بحبل عصبي يمتد على مدى الناحية الظهرية، وهذا يقع بدوره فوق قضيب جاسئ، هو الحبل الظهري. إن هذه كلها هي السمات المميزة للفقاريات مثل البشر والأسماك، أو على الأقل مميزة لأجنتها، إن العلاقة التطورية مع الفقاريات واضحة.
اكتسحت أخبار الاكتشاف الدوائر العلمية؛ حيث كان هناك جدل كبير حول أي مجموعات اللافقاريات هي الأقرب للفقاريات. وفي كتابه الذي نُشر في عام ???? بعنوان «أصل الإنسان» كتب داروين: إن بعض المشاهدات التي قام بها إم كواليفسكي، وأكَّدها الأستاذ كوبفر، ستكون اكتشافًا ذا أهمية غير عادية … الاكتشاف هو أن يرقات الأسيديات على درجة قربى من الفقاريات من حيث طريقة نمائها، وفي موقع الجهاز العصبي، وفي وجود تركيب يناظر الحبل الظهري للحيوانات الفقارية، وهكذا يبدو أننا لو اعتمدنا على علم الأجنة، الذي ثبت دائمًا أنه المرشد الأسلم للتصنيف، فإننا نكون قد حصلنا أخيرًا على مفتاح للمصدر الذي نشأت منه الفقاريات.
نتج عن ذلك وجهة نظر، اتفق معها داروين، مفادها أن السلف المشترك — المنقرض منذ فترة طويلة — الذي نشأت منه نافورات البحر والفقاريات لا بد أنه حيوان صغير يشبه «أبو ذنيبة» له الخصائص المختلفة التي تُشاهَد اليوم في يرقات نافورة البحر. ولكن يرى العديد من متخصصي علم الحيوان الآخرين أن الفقاريات نشأت من سلف أكثر شبهًا بنافورة بحر حديثة، أصبحت كاملة بالتحول، وظلت وجهة النظر هذه سائدة حتى نهاية القرن العشرين. وقد اعتنق تشارلز نيفِس — محامٍ وشاعر من العصر الفيكتوري كتب الكثير عن التطور والجعة وحقوق المرأة — وجهة النظر هذه الأخيرة وصاغها في السطور التالية: كم عدد الأشياء العجيبة التي لا نرى سببًا لها!
وهذا أحد الأشياء التي تعوَّدتُ أن أفكِّر فيها، وهي أن معظم الرجال يُشبهون قطرة مشروب.
ولكن هنا يأتي داروين بخطته، ويظهر النسب الحقيقي للإنسان.
وهذا يفسر الأمر تمامًا؛ إذ إن الإنسان كان من قبل قِرْبةً من جِلْد!
وقد يكون نيفِس وجد في نفسه تبريرًا ليستمتع بمشروب (وأسهب بالفعل في ذلك في ثمانية أسطر تالية)، ولكنه لم يكن يعكس بدقة وجهة نظر داروين أو اكتشاف كواليفسكي. ليس هناك حاجة لأن نفترض أن السلف المشترك لنافورات البحر والفقاريات — السلف المشترك البعيد — كان له دورة حياة يحدث خلالها تحول في الشكل مثل نافورة البحر المعاصرة. في الواقع، هناك أقارب أحياء لنافورات البحر، تُعرف باسم اليرقيات، لا تقوم بالتحول، وتبقى ? «أبو ذنيبة» طوال حياتها، تتغذى وتتكاثر.
السُّهيمات: غِرْبال الرمال

يمكن تقسيم شعبة الحبليات إلى ثلاث مجموعات تطورية، أو شُعَيْبات، فبالإضافة إلى القِرْبيات (مثل نافورات البحر واليرقيات) والفقاريات، هناك مجموعة فاتنة من الحبليات البحرية تُسمَّى الرأسحبليات، وعادة ما يُشار لها باسم السُّهيمات. هناك العديد من المعالِم المميزة الموجودة في جميع الحبليات؛ وهي وجود دماغ وحبل عصبي يمتد بطول الناحية الظهرية، وليس على الناحية البطنية، ووجود حبل ظهري، وكُتَل عضلية متكررة على كلٍّ من جانبَيِ الجسم، وشقوق أو فتحات بين الحلق والعالَم الخارجي. هذه الخصائص تَصِف التصميم النموذجي لجسم كائن من الحبليات. شاهدنا في نافورات البحر معظم هذه الخصائص الموجودة في يرقة «أبو ذنيبة»، فيما عدا الشقوق البلعومية؛ فنافورة البحر اليافعة هي التي بها هذه التراكيب المرشِّحة. إن كل خصائص الحبليات موجودة في الأسماك؛ حيث إن بها خياشيم تنشأ عند الشقوق البلعومية، ولكن الحبل الظهري أصبح محاطًا بالعظم، وذلك خلال النماء، إلى أنِ انضغط واختفَى. ونحن كبَشَر نمتلك معظم هذه الخصائص في بعض مراحل نمائنا، ولكن مرة ثانية فإن الحبل الظهري في الحقيقة يكون واضحًا فقط في الجنين، بينما فتحاتنا البلعومية تكون مجرد ثلمات في الجنين لا تشق أبدًا جدار البلعوم لتكوِّن فتحات. ولكن الحيوانات التي تَظهَر فيها كل خصائص الحبليات بوضوح كامل، حتى في الحيوان اليافع، هي السُّهيمات. وهي تعطي أوضح مثال لتصميم جسم الحبليات نطمح إلى أن نراه.
هناك نحو ?? نوعًا من السُّهيمات في البيئات البحرية حول العالم، وهي توجد في الأغلب في البحار الاستوائية وتحت الاستوائية، ولكنها توجد أحيانًا في المياه الأكثر برودة. وهناك نوع يعيش قبالة ساحل أوروبا، ويوجد مدفونًا في الحصى عند مناطق من البحر المتوسط والقنال الإنجليزي بالقرب من شعاب إدستون الغادرة بفنارها الشهير. وهناك نوع آخر شائع يوجد في رمال المد والجزر حول شاطئ الخليج في فلوريدا، ونوع ثالث كان شائعًا جدًّا قرب مدينة شيامن الصينية، وهو يُستخدم هناك كطُعم لصيد الأسماك. إن كل الأنواع تشبه تقريبًا الأسماك في شكلها العام، وتبلغ سنتيمترات قليلة في الطول، وبها قِطَع عضلية متكررة على جانبَي حبل ظهري واضح يعمل كقضيب داعم. يعمل الحبل الظهري المرن على نحو مقابل لانقباض العضلات؛ مما يسمح للحيوان بالعوم بسرعة كبيرة جدًّا عند الحاجة، ومثال ذلك عندما يخرج من الرمال ليَضَع البويضات أو الحيوانات المنوية في مياه البحر. الشقوق البلعومية واضحة جدًّا وتستخدم لترشيح الطحالب من تيار مياه البحر التي تم سحْبُها عبر الفم. وعلى خلاف الأسماك الحقيقية — التي هي فقاريات — ليس بها عظام، وليس لها زعانف تبرز على جانبَيِ الجسم، كما أن رأسها أقل تعقيدًا بكثير. إن للسُّهيمات البناء الأساسي للحبليات، وذلك بغير العديد من التعقيدات التي تطورت في الفقاريات.
منذ قرن مضى، كانت السُّهيمات أحد أهم الموضوعات العامة للأبحاث في جميع مناحي علم الحيوان. ففي عام ???? كتب العالِم الألماني الكبير في مجال بيولوجيا التطور إرنست هيكل أنه «بَعْدَ الإنسان، تُعَدُّ السُّهيمات أهم الحيوانات وأكثر مدعاة للاهتمام.» أشعر بالرغبة في الاتفاق معه، لكن حتى بالنسبة لهيكل ومعاصريه، يطرح الأمر مشكلة محيِّرة؛ فمِن ناحية، ظن العديد من متخصصي علم الحيوان أن السُّهيمات لا بد أنها حيوان فقاري متنكس، ببساطة هي أسماك فقدتِ العديد من الصفات المتخصصة. ظن البعض الآخَر أن هذه الفرضية غير مرجَّحة على الإطلاق، وقد وصف عالِم التشريح المقارن البريطاني الكبير إدوين ستيفن جودرتش هذا الاقتراح بأنه سخيف. إن وجهة نظر جودرتش — المدعمة بدراسات دقيقة عن نماء وتشريح الحيوان — هي أن السُّهيمات احتفظت بالتنظيم الأكثر بدائية للحبليات، وأنها لا تختلف كثيرًا عن سلف الحبليات المنقرض منذ أمد بعيد. قُبِل هذا الرأي في النهاية، كما لقي حديثًا دعمًا قويًّا من دراسات تتابعات الجينوم. وعلى ذلك، فإن السُّهيمات تمثِّل حلقة وصل حاسمة بين اللافقاريات والفقاريات، وهي تُشبه في ذلك الوضع الذي مُنح ليرقة نافورة الماء. في حالة السُّهيمات، لدينا حيوان ما زال يعيش اليوم وله معظم صفات الفقاريات في صورة أثرية. إن له خصائصه الخاصة، ليس أقلها رأسه الغريب ذو العين الواحدة، وهو يماثل في ذلك السيكلوب في الأساطير الإغريقية. وقد حدثت هذه التغيرات الصغيرة على مدى نصف المليار سنة التي انقضت منذ أن انفصلت السُّهيمات والفقاريات عن سلفهما المشترك، وهو الإطار الزمني نفسه الذي شهد ظهور وتنوع الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثدييات؛ وعلى ذلك فإنه رغم أن السُّهيمات ليست سلفًا لأي حيوان يعيش الآن، فإنها تغيرت بقدر ضئيل عن سلف كل الفقاريات الذي انقرض منذ زمن بعيد.

الفصل التاسع
ثنائيات الفم ?: ظهور الفقاريات


لقد جعل الرومان في أوج انتصارهم الأسماك سيدة في كل حفلاتهم؛ فهم يبدءون بتناول أسماك الحفش والجلكيات وأسماك البوري.
إيزاك والتون، «الصياد الكامل» (????)الانقسام العظيم

من الشائع أن نشاهد كتبًا تعليمية في علم الحيوان تتناول فقط الحيوانات اللافقارية، وكتبًا أخرى تختص بالفقاريات (أي الحيوانات التي لها عمود فقري). وهناك العديد من المقررات الجامعية التي تعمد إلى تقسيم التنوع الحيواني على الأساس نفسه. وهذا ليس تقسيمًا جديدًا؛ فقد فرَّق جان باتيست لامارك — الذي نذكره اليوم بشكل أساسي لأفكاره غير الصحيحة عن توريث الصفات المكتسبة — بين الاثنين تفريقًا واضحًا، وكتب عن «الحيوانات الفقارية» منذ ??? سنة مضت. لكن لم يكن هو أول مَن قام برسم هذه الحدود؛ فمنذ ما يزيد عن ألفَيْ سنة مضت قسَّم أرسطو الحيوانات إلى «حمراء» (أي لها دم)، و«غير حمراء» (أي ليس لها دم)، وهذا بالضرورة يناظر التقسيم: فقاريات/لا فقاريات.
ورغم ثبات وجهة النظر هذه وشعبيتها، فإن كثيرًا من المشتغلين بعلم الحيوان أشاروا إلى مشكلة عميقة تعترضها؛ إن معظم أعداد الحيوانات. لا فقاريات، كما أن معظم الأنواع التي تم وصفها هي أيضًا لا فقاريات. إن الاختلاف في الأعداد شاسع، فهناك ملايين من أنواع اللافقاريات، ونحو ?? ألف نوع فقط مختلف من الفقاريات. ولكن المشكلة أعمق من كونها ببساطة مشكلة عدم تساوٍ؛ فالمشكلة تقع في الشجرة التطورية للحيوانات؛ أي تاريخ الحياة الحيوانية. إن الحيوانات تُصنَّف في شُعَب تمثل تفرعات لشجرة التطور تشمل أنواعًا لها تنظيم جسماني متشابه. ومن بين ?? شعبة حيوانية، أو نحو ذلك، هناك ?? شعبة خالصة للافقاريات. وحتى هذه الشعبة رقم ?? ليست خالصة للفقاريات، ولكنها تضم خليطًا من الحيوانات اللافقارية والفقارية. إنها شعبتنا بالطبع، الحبليات، وهي تحتوي من اللافقاريات على كلٍّ من القربيات والسُّهيمات، فضلًا على الفقاريات. إن تنظيم الجسم في جميع هذه الحيوانات متشابه بما يكفي لجعلها تُضَم معًا. وإذا أخذنا خطوة إلى الخلف ونظرنا إلى التنوع في المملكة الحيوانية، فسنجد أن الفقاريات ليست مختلفة بشكل كافٍ حتى تستحق أن يُخصَّص لها شعبة. فهل هذا يعني أن الفقاريات مجرد غصن في شجرة الحياة الحيوانية؟
فروق عميقة

رغم أن الحجة القائمة على الأعداد ومشاكل شجرة علاقات القربى لا يمكن التشكيك فيها، فإن للفقاريات قدرًا يُعتَدُّ به من الخصوصية. في الحقيقة تُعَدُّ الفقاريات بشكل ما حيوانات استثنائية. من الواضح أن كل الحيوانات «الكبيرة» على هذا الكوكب هي فقاريات. هناك بعض اللافقاريات الضخمة مثل السبيدج والأخطبوط وخنافس جالوت، ولكن الأغلبية العظمى من اللافقاريات لا تزيد أطوالها عن سنتيمترات قليلة. أما الفقاريات فهي عكس ذلك؛ حيث ضخامة الحجم هي القاعدة. ففي كلٍّ من الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثدييات نجد عمالقة. ربما يكون أكبر الحيوانات هو القرش الحوت الذي يبلغ طوله ?? مترًا، والسلمندرات العملاقة التي يبلغ طولها ??? متر، والديناصورات (المنقرضة بالطبع) التي كان يبلغ طولها ?? مترًا، والطائر الفيل (المنقرض أيضًا للأسف) الذي كان يبلغ طوله ? أمتار، والحوت الأزرق الذي يبلغ طوله ?? مترًا، ولكن كل حيوان منها يقع عند نهاية سلسلة متصلة من الحيوانات ذات الأحجام الكبيرة. وفي الواقع، لا وجود تقريبًا للأحجام الصغيرة للغاية في الفقاريات. تُعَدُّ السمكة الإندونيسية «بايدوسيبريس» أحد أقل الفقاريات حجمًا؛ حيث يصل طول السمكة البالغة إلى أقل من سنتيمتر واحد. وحتى هذه السمكة تعتبر عملاقة إذا ما قورنت بالكثير من اللافقاريات.
أحد المفاتيح اللازمة للنمو إلى حجم ضخم يكمن في وجود نظام معقَّد من الأوردة والشرايين يستخدم في توصيل الأكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون من الأنسجة النشطة الموجودة في أعماق الجسم؛ ونعني بهذا «الجهاز الدوري المغلق» العالي الكفاءة. من قَبِيل المصادفة أن بعضًا من أضخم اللافقاريات، مثل السبيدج والأخطبوط، لها أيضًا جهاز دوري مغلق، ولكن هذا نشأ بشكل مستقل. هناك صفة ثانية على درجة مساوية من الأهمية وفرت كبر الحجم، وهي التي منحت الفقاريات اسمها؛ إنها العمود الفقري. إن الهياكل تتخذ أشكالًا مختلفة في المملكة الحيوانية؛ فالعديد من الديدان له أجهزة دعامية تعتمد على السوائل، كما أن مفصليات الأرجل لها هيكل خارجي متين، ولشوكيات الجلد صفائح داخلية جاسئة من كربونات الكالسيوم. ولكن هيكل الفقاريات مختلف ولافت للنظر تمامًا. في بعض الفقاريات يتكون الهيكل من غضروف، وهو نسيج متين ولكنه مَرِن، يعتمد تكوينه على البروتينات، ولكن معظم الفقاريات هيكلها عظمي. إن العظم ليس فقط خفيفًا وقويًّا بشكل مدهش بما يجعله عاملًا فعَّالًا في دعم الأجسام الضخمة، ولكن له خاصية ممتازة ومتفردة؛ إنه حي. ففي داخل حشوة من البروتينات والمعادن توجد خلايا ترسب العظام، وخلايا أخرى تزيل العظام، هناك خلايا أخرى تستشعر الضغوط الميكانيكية وتُطلق رسائل تأمر العظم بأن ينمو أو يتقلص ويستجيب للظروف المتغيرة، إن العظم في حراك دائم، إنه نسيج غير عادي، وهو مناسب بشكل أمثل للحيوانات الكبيرة والنشطة والنامية، سواء أكانت تعيش في الماء أم على اليابسة.
تختلف الفقاريات أيضًا عن أقرب أقربائها من اللافقاريات — القربيات والسُّهيمات — في دماغها المعقَّد وأعضاء الحس. إن تنظيم الدماغ ثابت بدرجة كبيرة على مدى جميع الفقاريات، من الجلكيات حتى البشر؛ إذ تملك الفقاريات ثلاثة أنواع من المدخلات الحسية هي المدخلات البصرية (زوج من الأعين)، والكيميائية (زوج من أعضاء الشم)، والميكانيكية (ترصد تغيرات الضغط في الماء أو الصوت في الهواء). إن منطقة الرأس كلها في الفقاريات محكمة ومعقَّدة، تعتمد على جمجمة تكسو الدماغ، وأيضًا على تفعيل أعضاء الحس هذه لكي تتعامل مع العالم الخارجي. إن النمو الجنيني للجمجمة يكشف غرابة أخرى؛ طرازًا خاصًّا من الخلايا يُسمَّى العُرف العصبي. تنشأ هذه الخلايا عند حواف الحبل العصبي أثناء تكوينه، وتهاجر عبر الأنسجة الجنينية ثم تكوِّن تنوعًا كبيرًا من التراكيب تشمل عظم الجمجمة أو غضاريفها والفكين ودعامات الخياشيم. دون خلايا العرف العصبي لا تستطيع الفقاريات بناء منطقة الرأس المعقدة والمحمية؛ ودون خلايا العرف العصبي لا تستطيع الفقاريات أن تكون تلك المفترسات وآكلات العشب الكبيرة التي تسود الأنظمة البيئية على اليابسة أو في البحر.
تتضافر هذه الخصائص — كِبَر الحجم، والدورة الدموية ذات الكفاءة، والهيكل ذو الفعالية والمرونة، والدماغ المعقد، والجمجمة الحامية للدماغ، وأعضاء الحس العالية الكفاءة — كي تضع الفقاريات بعيدة عن أقربائها. إن الفقاريات تشارك السُّهيمات والقربيات في شعبة الحبليات، ولكن جسمها أكثر تعقيدًا ورقيًّا بكثير. والاختلافات داخل الشعبة أعمق من هذا، وقد كشفت المقارنات بين تتابعات الجينوم في الحيوانات الفقارية واللافقارية عن حقائق مبهرة؛ إذ كشفت تتابعات الدنا بوضوح أنه في الفترة المبكرة من تطور الفقاريات — عند القاعدة مباشرة أو بعدها بقليل — حدثت طفرات أساسية. لقد تضاعف كل الجينوم — كل جين — ثم تضاعف مرة أخرى. ومقابل كل جين في أي سلف للحبليات، بات لكل فقاري مبكر أربعة جينات. سرعان ما فُقدت بعض هذه الجينات «الزائدة»، ولكن منها ما ظل موجودًا، وترتب على ذلك أن صارت الفقاريات تمتلك تنوعًا أكبر من الجينات عما هي الحال في معظم اللافقاريات. إن مسألة هل كانت الجينات الجديدة قد أدَّتْ إلى تطور صفات جديدة للفقاريات أم لا محل جدال، ولكنَّ هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا؛ هو أن التقسيم إلى لا فقاريات/فقاريات يجب ألَّا يُتجاهل.
شجرة الفقاريات

الطريقة الشائعة لتصنيف الحيوانات ذوات العمود الفقري هي تقسيمها إلى أسماك وبرمائيات وزواحف وطيور وثدييات. وهذا التصنيف يصلح جيدًا لأغراض عدة، ولكنه لا يعكس بدقة شجرة الأصول الوراثية للفقاريات. إحدى المشكلات هي أن الأنواع المختلفة من الأسماك لا تقع معًا على مسار خط تطوري واحد منفصل عن المجموعات الأخرى. فالحيوانات التي تُسمَّى «أسماكًا» توجد مختلطة بفقاريات أخرى. وهناك مشكلة مماثلة مع «الزواحف»؛ حيث إن الزواحف الموجودة الآن تتشارك في المسار التطوري نفسه مع الطيور. وإذا كنَّا جادِّين في تصنيف الحيوانات حسب التاريخ التطوري، يجب ألَّا يكون للمجموعتين المسماتَيْن «الأسماك» و«الزواحف» وجود.
رغم هذا التعقيد، فإن مسار تطور الفقاريات — كما هو معروف من الحفريات وعلم الأحياء الجزيئي والتشريح — بسيط تمامًا. إن أول فقاريات نشأتْ كانت تُشبه الأسماك، ولكنها كانت تفتقد إلى فكوك قاضمة. ورغم أنها كانت متنوعة إلى حد بعيد في ذروة عصرها، منذ ما يزيد عن ??? مليون سنة مضت، فهناك الآن مساران فقط باقيان من هذه العجائب العديمة الفكوك: الجلكيات وسمك الجريث. نشأت الفقاريات ذوات الفكوك من أسلاف عديمة الفكوك، ثم تشعبت هذه المفترسات المبكرة إلى ثلاثة مسارات تطورية رئيسة، هذه المجموعات الثلاث هي «الأسماك الغضروفية» (وتضم القروش بهياكلها الغضروفية)، و«الأسماك الشعاعية الزعانف»، و«الأسماك الفصية الزعانف». وتشمل جميع هذه المسارات «أسماكًا» مائية، ولكن الأسماك الفصية الزعانف تشمل أيضًا فقاريات تركتِ المياهَ وظهرتْ على اليابسة. أصبحت هذه الحيوانات — التي لها تراكيب هيكلية قوية في زعانفها اللحمية — «رباعيات أقدام» لها أربعة أطراف. وهي تضم البرمائيات و«الزواحف» والطيور (التي تقع على الفرع التطوري نفسه الخاص ببعض الزواحف)، والثدييات.
الجلكيات وسمك الجريث: ولائم وزَبَد رغوي

إن الجلكيات وسمك الجريث ليس لها فكوك قاضمة؛ ولذا فهي تحتاج إلى وسائل أخرى لإدخال الطعام إلى أفواهها؛ للجلكيات اليافعة ممص فنجاني الشكل يحيط بفم كالمبرد مسلَّح بحلقات من أسنان حادَّة. وهذا الجهاز شرس المنظر يجعل الحيوان قادرًا على التمسك بشدة بلحم فريسته الحية، وهي عادة سمكة كبيرة، وأن يمتص دمها. تستطيع الجلكيات أن تظل ممسكة بفرائسها لأسابيع عديدة، متدلِّية في ارتخاء كزوائد طفيلية.
عندما تكون الجلكيات ممسكة بالفريسة بممصاتها، أو حتى ممسكة بصخور أو بقاع النهر، فإنها لا تستطيع الحصول على الأكسجين من المياه التي تأخذها عن طريق الفم. عوضًا عن ذلك، فإن الجلكيات لها «خياشيم طارئة»؛ حيث تندفع المياه من خلال ثقوب على جانبي رأس الحيوان، ثم تُطرَد من خلال الثقوب نفسها. على النقيض من ذلك، فإن يرقات الجلكيات — الأموسيتس — لها تيار مائي عادي وحيد الاتجاه — يدخل من خلال الفم عبر الخياشيم، ويخرج من خلال الفتحات الخيشومية — وهذا شيء متاح؛ حيث إن يرقات الجلكيات ليست طفيلية. تضع الجلكيات بيضها في أنهار ضحلة مبطنة بالحصى، وبعد الفقس تقوم يرقات الأموسيتس النامية بالحفر في طبقة طمي سميكة؛ حيث تبقى لسنوات عدة، وتغتذي على جزيئات مغذية مستخلصة من المواد المتحللة. يمكن الحصول على هذه اليرقات الزلقة الدودية الشكل بالحفر في طبقة الطمي السميكة التي توجد قريبة من المجاري الضحلة في العديد من المجاري المائية والأنهار البريطانية. وبعد التحول، حين يتكون الممص، فإن الأطوار اليافعة لمعظم الأنواع تهاجر إلى البحر. ولكن هناك العديد من الأنواع التي لا تترك اليابسة مثل الجلكي الضئيل الحجم (اللاطفيلي) «لامبترا بلانيري» الذي ينمو إلى ?? سنتيمترًا فقط، بالمقارنة بالجلكي البحري «بتروميزون مارينوس» الذي يبلغ طوله مترًا.
شكل ?-?: شجرة علاقات القربى للفقاريات.
لطالما ارتبطت الجلكيات بالمَلَكية؛ فقد تُوفِّي الملك هنري الأول ابن ويليام الفاتح بعد أن تناول «وليمة من الجلكيات» — وجبته المفضلة — وذلك عند زيارته أحفاده في نورماندي عام ????. كذلك كان حفيده هنري الثاني ينكبُّ على تناول هذه الوجبة من عديمات الفكوك، كما أن هنري الثالث كان يتناول وجبات بانتظام من فطائر الجلكيات المُعَدَّة له؛ «حيث إن كل الأسماك بعد الجلكيات تبدو غير مشوِّقة.» واستمرارًا للتقاليد المَلَكية، أرسلت مدينة جلوستر فطائر جلكيات في العيد الماسي للملكة فيكتوريا عام ????، وكذلك في العيد الفضي للملكة إليزابيث عام ????.
تماثل أسماك الجريث الجلكيات في كونها تفتقد الفكوك، ولكن بدلًا من الممصات فإن لها لوامس تحيط بلوحين قاضمين جانبيين وبلسان قرني قابل للانكماش، وهي تقتات على اللافقاريات الحية مثل الديدان البحرية، وتقوم أيضًا بكحْت لحوم الأسماك الميتة أو التي في طريقها للموت على قاع البحر. يقوم سمك الجريث باقتحام الأجسام الميتة لحيوانات أضخم تشمل الحيتان والأسماك الكبيرة وتلتهمها من الداخل. ومثل الجلكيات، فإن أسماك الجريث تفتقد إلى «زعانف مزدوجة» تقع على جانبي الجسم. إن وجود زوج من الزعانف الصدرية وآخر من الزعانف الحوضية هي سمات تميز الأسماك الحية ذات الفكوك، وقد تحولت إلى أرجل في أنسالها التي تسكن اليابسة. إن العمود الفقري لسمك الجريث ضامر إذا ما قورن حتى بما لدى الجلكيات، ولهذا السبب نجد أن بعض المشتغلين بعلم الحيوان لا يطلقون وصف فقاريات على سمك الجريث، ويستخدمون مصطلح «جمجميات» ليجمع سمك الجريث والجلكيات والفقاريات ذات الفكوك. إلا أن وجهة النظر هذه مثيرة للجدل؛ ذلك أنه يمكن أن يحدث فقد للخصائص المميزة خلال التطور، وهذا هو حال فقرات سمك الجريث. فعلينا ألَّا نقتلع حيوانًا من مجموعته الطبيعية بسبب فَقْد أشياء بشكل ثانوي. وعلى أساس الشكل العام ونمط النمو الجنيني، نجد أن سمك الجريث في الحقيقة مماثل تمامًا لباقي الفقاريات.
تتسم أسماك الجريث ببعض السمات الغريبة، وليس هناك أكثر إثارة للتعجب من المخاط اللزج، إن كثيرًا من الحيوانات لزجة الملمس، ولكن سمك الجريث يأخذ هذه الصفة إلى مستوًى جديد. إن أسماك الجريث هي سيدة اللزوجة بلا منازع. وعند انزعاج سمكة الجريث تبدأ ثقوب موجودة على مدى جانبَيِ الجسم في إطلاق إفراز بروتيني سرعان ما يتمدد بشكل متعاظم عند ملامسته للماء. إن حجم المادة الرغوية يصبح مدهشًا، ففي خلال ثوانٍ يمكن لسمكة جريث صغيرة طولها ?? سنتيمترًا أن تُنتج كميات كبيرة من مادة رغوية صمغية سميكة القوام، مناسبة تمامًا لإبعاد المفترسين. ولتجنيب نفسها الالتصاق بما أفرزتْه من مادة رغوية، فإن لسمكة الجريث حيلة بارعة؛ إذ إنها تربط نفسها بأنشوطة بسيطة جاهزة، وتنزلق هذه الأنشوطة عبر جسمها لتزيل ما التصق به وتعيده نظيفًا.
الفكوك: القروش، والورنكيات، وذوات الأشعة

الكل يعرف أن القروش لها فكوك، سواء شاهد فيلم عام ???? وأعجبه أم لا. إن الفكوك — ومعها الزعانف المزدوجة — خصائص مميزة لأكبر ثلاث مجموعات تطورية للفقاريات المعاصرة: الأسماك الغضروفية (مثل القروش وسمك الكلب)، وشعاعيات الزعانف، ولحميات الزعانف. ومن كلمات ألفريد شيروود رومر: «ربما يكون أهم عناصر الارتقاء في تاريخ الفقاريات هو نمو الفكوك.» وقد أوضحت الدراسات التي أُجريت على أجنة القروش من نوع سمك الكلب، وفقاريات أخرى ذات فكوك بوضوح كيف نشأت هذه التراكيب العالية الكفاءة والمختصة بالتغذية. في النمو الجنيني تتحرك موجات من خلايا مهاجرة من الأعراف العصبية، وذلك من حواف الدماغ الخلفي المتكون إلى سلسلة من الانتفاخات، حيث تُنشئ دعامات هيكلية للخياشيم. في الفقاريات ذات الفكوك — من القروش إلى البشر — أحد هذه الانتفاخات — وهو قوس الفك السفلي — لا ينمو إلى دعامة لخيشوم، بل ينمو إلى عظام أو غضاريف للفكوك. يكوِّن تيار الخلايا الموجود خلفه — القوس اللامي — تركيبًا دعاميًّا يصل ما بين الطرف الخلفي للفكين والجمجمة. تكشف هذه المسارات وأنماط هجرة الخلايا في الجنين أن الفكوك نشأت في الأغلب من دعامات خيشومية متحورة.
شكل ?-?: (أ) و(ب) و(?): أسماك غضروفية: (أ) سمك الكلب. (ب) ورنك صغير. (?) كيميرا. (د)، (?): أسماك شعاعية الزعانف: (د) السمكة المخططة. (?) السمكة المجدافية.
إن الفك العلوي في القروش المعاصرة ليس ملتحمًا بالجمجمة من فوقه، بل يتدلَّى — منفصلًا تمامًا — من أربطة مرنة بالإضافة إلى دعم من القوس اللامي من الناحية الظهرية. يسمح ذلك للقرش عندما يقوم بالاغتذاء بأن يُبرِز فكيه لالتقاط الفرائس الصغيرة الحجم برشاقة من قاع البحر أو بأن يغرس أسنانه داخل لحم الفرائس الكبيرة الحجم. إن أسنان معظم القروش مسنَّنة بحِدَّة، وقادرة على النفاذ في النسيج بمجرد أن تنغمس الفكوك داخل جسم الفريسة وتشقه من جانب إلى آخر. وتعتمد ملاحقة الفريسة على مجموعة تُثير الإعجاب من أعضاء الحس المعقدة؛ إن للقروش حاسة شمٍّ تتسم بكونها حساسة وموجَّهة. في بعض القروش — خاصة القرش المطرقة — تقع فتحتا الأنف بعيدًا على امتدادين غريبين يبرزان على جانبي الرأس؛ مما يسمح لهما بالاستدلال بشكل أدق على اتجاه التركيز الأعلى لمادة كيميائية. وعندما تقوم القروش بالاقتراب أكثر وأكثر من فرائسها فإنها تستخدم الرؤية والإحساس الحركي بتموجات الماء في تحديد موقعها واقتناصها. وعندما تبدأ الهجوم تقوم معظم القروش بإسدال أغشية حماية فوق أعينها بما يحول دون الإضرار بها وإعاقة الرؤية. إن العمى المؤقت لا يُعطي فرصة للفريسة لأن تهرب؛ حيث إن القرش عندئذٍ يعتمد على مستقبلات كهربية حساسة بشكل رائع لتحديد النطاقات الكهربية الضعيفة التي تصدر عن عضلات الحيوان. توجد هذه الخلايا الحسية في «قارورات لورِنزيني»، وهي سلسلة من حُفَر متخصصة في جلد القرش. وقد وُصفت لأول مرة في عام ???? من جانب عالِم التشريح الإيطالي العبقري ستيفانو لورِنزيني الذي حُبس فيما بعدُ على يد دوق توسكانا العظيم بسبب صداقته لزوجة الدوق المنفصِلة عنه.
ومن الصفات الملحوظة التي تَضَع القروش وسمك الكلب والورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف منفصلةً عن معظم الفقاريات الأخرى ذات الفكوك أن هياكلها غضروفية وليست عظمية. أيضًا، تفتقر هذه الأسماك إلى التجويف الممتلئ بالغاز داخل أجسامها، وهو التركيب الذي يُعرف باسم مثانة العوم ويوجد في الأسماك الشعاعية الزعانف، ونشأت عنه الرئات في فقاريات اليابسة. ومن دون مثانة العوم قد يظن المرء أن القروش ستغطس في قاع البحر إذا ما توقَّفت عن السباحة، ولكن هذه ليست الحال، بدلًا من ذلك، حلَّت القروش مشكلة الطفو بطريقة مختلفة تمامًا. إن مفتاح التكيف هو كبد عملاق يحتشد فيه الزيت، خاصة السكوالين، وهو هيدروكربون طويل السلسلة، تتعادل كثافته المنخفضة مع الكثافة العالية لهيكل القرش وأسنانه وحراشيفه مما يجعل القروش طافية بقدر معتدل. ويتحقق التوازن والدفع الإضافي إلى أعلى عن طريق زعانف مزدوجة غليظة على كلا جانبي الجسم. إن الطفو ليس أيضًا مشكلة لمعظم الورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف التي هي ذات قربى لصيقة بالقروش؛ حيث إن هذه الحيوانات عادة ما تكون قاعية، بمعنى أنها تعيش على قاع البحر، وذلك على عكس القروش التي تعيش في عرض البحر؛ أي حرة السباحة. إن بعض الأسماك الشعاعية الزعانف، مثل سمك شعاع العباءة، تقضي وقتًا أقل على القاع، وبدلًا من ذلك فهي تطوف في المحيط؛ حيث تقوم بخفق زعانفها الصدرية فائقة الضخامة، وتقوم بترشيح العوالق عن طريق شبكة من نسيج إسفنجي متصل بأقواسها الخيشومية.
المجموعة الأخيرة من الأسماك الغضروفية — وهي تطوريًّا مختلفة تمامًا عن القروش وسمك الكلب والورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف — هي أسماك الجرذ الغريبة أو الكيميرات، لهذه الأسماك أيضًا هيكل غضروفي وتعوزها مثانة عوم، وهي ذات إخصاب داخلي مثل القروش، ولكن الكيميرات تختلف عن باقي الأسماك الغضروفية الأخرى في أن الفك العلوي ملتحم مع الجمجمة، وفي أن هناك فتحة خيشومية واحدة على كل جانب بدلًا من وجود عدد من الفتحات. كما أن الرأس في هذه الأسماك متين البنيان وله خطم لحمي يشبه ذلك الخاص بالفيل، وهذا يعطي لهذه الحيوانات مظهرًا عجيبًا. لهذه الحيوانات شكل عام «سمكي»، ولها زعانف كبيرة، ولكن عيونها الكبيرة وأسنانها الناتئة تماثل ما لدى أرنب كاريكاتوري، بينما بعض الأنواع لها أيضًا ذيل طويل يشبه ما لدى الجرذ. وعلى نحو ملائم، فإن التسمية «كيميري» تذكرنا بالمسخ الأسطوري لدى الإغريق القدامى، والمكون من أجزاء حيوانات مختلفة، وصفه هوميروس في الإلياذة بأنه «جسم خالد، ليس بشريًّا، له رأس أسد، ونهاية ثعبان، وبدن ماعز.»
الأسماك ذات الزعانف الشعاعية: المرونة

معظم الأنواع المعروفة جيدًا من الأسماك تنتمي إلى مجموعة متنوعة تسمى الأسماك الشعاعية الزعانف، ومن أمثلتها الأسماك التجارية مثل القُد والحدوق والرنكة والتونة والثعابين؛ وأيضًا أجناس تُحفظ في المرابي المائية مثل السمك الذهبي والتترا والجوبي والقراميط؛ ومعظم الأسماك التي يتم اصطيادها بالصنانير مثل السلمون والشبوط وسمك الكراكي والروش والقاروص؛ والعديد من الأسماك الأخرى يشمل المنوه، وأبو شوكة والقوبيون. من السهل وضع قائمة ? «الأسماك» التي ليست شعاعية الزعانف؛ إذ إنها تقتصر فقط على أسماك الجريث والجلكيات والقروش والورنكيات وسمك الراي اللاسع والكيميرات والشوكيات الجوف والأسماك الرئوية. هناك ما يزيد عن ?? ألف نوع من الأسماك الشعاعية الزعانف، وهي تسكن محيطات العالم وبحاره وأنهاره وبحيراته.
إن الأسماك الشعاعية الزعانف لها زعانف «غير مزدوجة» وأخرى «مزدوجة»، تمامًا مثل القروش. تقع الزعانف غير المزدوجة على مدى الخط الأوسط للجسم، وهي تشمل زعنفة أو زعنفتين ظهريتين على الناحية الظهرية، وزعنفة ذيلية عند الذيل، وزعنفة شرجية على الجانب البطني. هناك أيضًا مجموعتان من الزعانف المزدوجة: صدريتان تقعان خلف الخياشيم مباشرة، وحوضيتان تقعان إلى الخلف. في الأسماك الشعاعية الزعانف — كما يدل الاسم — تُدعَم الزعانف بواسطة أشعة عظمية رفيعة؛ مما يعطيها قدرة على المناورة. وهذا مهم بوجه خاص للزعانف الصدرية، التي يمكنها أن تنثني وتلتوي؛ لأنه يحقق التحكم الدقيق سواء أكانت السمكة تعوم أم تلتف، أم حتى تبقى بلا حراك في الماء. وعلى مدى تطور الأسماك الشعاعية الزعانف تحورت الزعانف بطرق عديدة مختلفة، وكان هذا بوضوح أحد العوامل التي يُعزى إليها التنوع في هذه المجموعة. وفي أمثلة واضحة لذلك، نلاحظ أن أسماك السكين تستطيع العوم ببطء سواء إلى الأمام أو إلى الخلف باستخدام تموجات صادرة عن زعنفة شرجية متضخمة إلى حد كبير، بينما السمك الطائر له زعانف صدرية كبيرة تُشبه الأجنحة، وهذا يمكِّنها من الاندفاع في الهواء لمسافات تصل إلى ?? مترًا. تستطيع أسماك التونا ملاحقة فرائسها بانطلاقات سريعة تتحقق بفضل دفعات مركزة من الزعنفة الذيلية والجزء الخلفي من الجسم؛ بينما يفتقد فرس البحر إلى الزعنفة الذيلية تمامًا، وهو يسبح ببطء باستخدام تموجات الزعنفة الظهرية.
تتنوع الأشعة العظمية التي تدعم الزعانف؛ ففي بعض الأنواع تؤدي وظيفة دفاعية، مثال ذلك الأشواك الحادة البارزة في الزعنفة الظهرية لسمك الفرخ وسمك أبو شوكة؛ وفي أحيان قليلة يمكنها أن تحقن مادة سامة كما في سمك الحجر وسمك الطرخين وسمك الأسد. يمكن أيضًا استخدامها كأعضاء ثانوية في التغذية، كما في سمك الغُرنار وسمك الصنارة. يعيش سمك الغُرنار عند القاع، ولزعانفه الصدرية أشعة طويلة مزودة بصف من مستقبلات حسية تستخدم من أجل «المشي» على قاع البحر واستشعار الفريسة. وفي سمك الصنارة نجد أن الأشواك الثلاثة الأولى بالزعنفة الظهرية طويلة إلى مدًى غير عادي، وتندمج معًا لتكون «عصا صيد» تستخدم في إغراء الفريسة نحو فمها المنفرج.
حلت الأسماك الشعاعية الزعانف مشكلة الكثافة بطريقة مختلفة عن القروش. فأسفل العمود الفقري مباشرة يوجد حيز مملوء بغاز؛ مثانة العوم، وهي تعمل كعوامة داخلية تساعد في تحقيق الطفو. في بعض الأسماك كالشبوط والسلمون تتصل مثانة العوم بالمِعى عن طريق أنبوب، بما يحقق امتلاءها بالهواء الذي يُتجرَّع عند السطح. وفي أسماك أخرى، مثل سمك الفرخ، لا يوجد اتصال للمثانة بالمِعى، وتمتلئ مثانة العوم بغدة متخصصة تفرز غازات يتم امتصاصها من الدم. يستخدم العديد من أسماك المياه العذبة — بما فيها أسماك من فصيلة الشبوط — مثانة العوم بها لتدعيم حاسة السمع، باستخدام أشواك متحورة على الفقرات لنقل تموجات المثانة الغازية إلى الأذن الداخلية. ومن المدهش أيضًا أن تستطيع بعض الأسماك أن تُصدر أصواتًا عن مثانة العوم بها بهدف لفت انتباه شريك التزاوج، أو إبعاد المنافس. على سبيل المثال، يقوم ذكر سمك الضفدع بإصدار أصوات عن طريق انقباض «عضلات صوتية» سريعة متصلة بمثانة العوم؛ مما يسبب اهتزاز جدرها بسرعة. وينتج عن ذلك صوت صاخب حزين.
إن رأس الأسماك الشعاعية الزعانف مركب ومعقد. في معظم الأسماك الشعاعية الزعانف يستطيع الفكان السفليان الأيسر والأيمن أن ينفتحا إلى الجانب، بينما تستطيع إحدى عظام الفك العلوي — عظم القواطع السائب — أن يبرز إلى الأمام. تسمح هذه الحركات بتضخيم تجويف الفم فجأة؛ مما ينتج عنه قوة شفط قوية توظَّف في أسْر فريسة كان يمكنها الهروب. إن التغذية بالشفط تُشاهَد في عدد كبير من الأسماك الشعاعية الزعانف، كما تقوم عليها العلاقات الإيكولوجية للعديد من الأنواع. عند مؤخرة الرأس توجد الخياشيم، وهي تختفي تحت غطاء لا يحمي فقط الخياشيم الرقيقة، ولكنه أيضًا يلعب دورًا أساسيًّا في طريقة أدائها. وبغلق الغطاء وتوسيع الفم، ثم غلق الفم وفتح الغطاء، تقوم السمكة الشعاعية الزعانف بدفع الماء بشكل فعال عبر الخياشيم، حتى لو لم تكن تعوم. إن وجود إمداد دموي للخيوط الخيشومية يتجه في اتجاه مضاد لاندفاع الماء يسمح للأسماك الشعاعية الزعانف بأن تستخلص من المياه أقصى حدٍّ من الأكسجين.
إن التنوع الكبير للأسماك الشعاعية الزعانف يفسره جزئيًّا وجود مثانة العوم، ومواءمة أشعة الزعانف، والتغذية بالشفط وغطاء الخياشيم. إن ارتفاع أعداد الأنواع يعتمد على تضافر عوامل عدة تشمل مزيجًا من الفُرَص البيئية، والبناء الجسمي المتوافِق، فضلًا عن خصائص موازية للجينوم. بالنسبة للنقطة الأخيرة، من المثير أن الأسماك العظمية، التي تكوِّن أغلبية الأسماك الشعاعية الزعانف، تتشارك في تضاعف إضافي في الجينوم إلى جانب التضاعفين اللذين يقعان عند قاعدة الفقاريات. ليس من الواضح حاليًّا إن كان ذلك قد سمح بتكيف أفضل لبنيان الجسم، أم إن ذلك حتى سبَّب تسارع معدل الانتواع من خلال اختفاء جينات متنوعة في عشائر مختلفة. لم يؤثر التضاعف الجينومي الإضافي في كل الأسماك الشعاعية الزعانف، وما زال هناك عدد قليل من أنسال التفرعات التطورية المبكرة لهذه المجموعة، وهي تُسمَّى «الأسماك اللاعظمية الشعاعية الزعانف»، وهذه تشمل الأسماك المجدافية المتغذية بالرشح (بوليودون) وهي ذات رأس ملعقية الشكل، وأبو منقار المدرع، وأنواع مختلفة من الحفش — العديد منها يندر وجوده الآن ومهدد بالانقراض — الذي يتم تناول بيضه على صورة كافيار.

الفصل العاشر
ثنائيات الفم ?: فقاريات على اليابسة


عين لسمنْدل الماء، وإصبع قدم ضفدع،وصوف وطواط، ولسان كلب،ولسان أفعى مشقوق، وإبرة العظاءة العمياء،ورجل سحلية، وجناح بومة صغيرة،من أجل تعويذة نافذة الأثر،مثل حساء مسحور يغلي ويبقبق في الجحيم.ويليام شكسبير، «مكبث»، الفصل الرابع، المشهد الأولمن الزعانف الشحمية إلى الأرجل

في ?? ديسمبر عام ???? عُرض على شاب أمين متحف في جنوب أفريقيا سمكة غير عادية في زرقة قوس قُزَح ضمن حصيلة صيد قارب محلي. أصبحت السمكة — التي يبلغ طولها نحو مترين، ولها زعانف لحمية قوية، وحراشف متعاظمة الحدة — محطَّ اهتمام الرأي العام. إنها أول عينة حية تتبع رتبة الأسماك الشوكية الجوف، «شوكيات الجوف»، وهي مجموعة من الأسماك القديمة يبدأ عمر حفرياتها من ??? مليون سنة مضت حتى انقراضها المفترض منذ ?? مليون سنة مضت. وقد وصفت مجلة «أخبار لندن المصورة» هذا الكشف باعتباره «أحد أعجب أحداث عالم التاريخ الطبيعي في القرن العشرين»، ومنذ ذلك الحين تم اصطياد عينات من السمكة الشوكية الجوف «لاتيميريا تشالومناي» — التي سُمِّيَتْ على اسم أمين المتحف مارجوري كورتيناي لاتيمير — عدة مرات من أمام شاطئ شرق أفريقيا، خاصة قرب شواطئ جزر القمر. كما أن نوعًا آخر من شوكيات الجوف، ويُدعَى «لاتيميريا مينادوينسيس»، تم اكتشافه في المحيط الهندي. إن الإثارة في موضوع شوكيات الجوف الحية ليست في أنه كان يُظن أنها انقرضت. بل الأهم أن لهذه الحيوانات دلالة خاصة في فهم تطور فقاريات اليابسة، وهي خطوة حاسمة في تاريخ تطورنا. إن الزعانف اللحمية — التي تتحرك مستقلة على الجانبين الأيمن والأيسر كما لو كانت شوكيات الجوف «تمشي» في البحار المتسعة — هي محور هذا الطرح. إن تركيبها، جنبًا إلى جنب مع الخصائص المختلفة لجماجمها، تكشف أن شوكيات الجوف تنتمي إلى مجموعة «لحمية الزعانف»؛ أي «فقاريات ذات زعانف شحمية»، وليس إلى الأسماك الشعاعية الزعانف. وبالإضافة إلى شوكيات الجوف، فإن المجموعتين الأخيرتين من الفقاريات الحية ذات الزعانف الشحمية هما الأسماك الرئوية ورباعيات الأرجل، وتشمل الأخيرة جميع فقاريات اليابسة بما فيها البشر. ليست شوكيات الجوف ولا الأسماك الرئوية هي السلف الحقيقي لفقاريات اليابسة، ولكن المجموعات الثلاث مرتبطة بعضها ببعض وكلٌّ منها انحدر من أسماك شحمية الزعانف كانت تسبح في العصر الديفوني المبكر منذ نحو ??? مليون سنة مضت. وتشير الأدلة الحفرية والبيانات الجزيئية إلى أن رباعيات الأقدام أقرب قليلًا إلى الأسماك الرئوية من شوكيات الجوف، ولكن كلا المجموعتين من الأسماك الشحمية الزعانف مهمتان لتفهم أصولنا. إن الأسماك الرئوية الحية — التي منها أربعة أنواع في أفريقيا، ونوع في أمريكا الجنوبية، ونوع في أستراليا — هي كلها حيوانات متخصصة وغير عادية تمامًا، ولكنها في الحقيقة أسماك تتنفس الهواء، حيث إن لها رئات تناظر رئات فقاريات اليابسة.
وبينما قامت مجموعات عديدة من اللافقاريات — مثل الحشرات وعديدات الأرجل والعناكب والقواقع — بانتقال صعب من العيش في المياه إلى العيش على اليابسة، فإن هذا الانتقال لم ينجح إلَّا مرة واحدة فقط في التاريخ التطوري للفقاريات. إن الخط التطوري الوحيد للفقاريات الذي تغلب على تحدِّيات العَيْش على أرض جافة نشأتْ عنه جميع فقاريات اليابسة التي ما زالت تعيش اليوم؛ جميع البرمائيات وجميع الزواحف وجميع الطيور وجميع الثدييات. ومن أجل العيش بنجاح على اليابسة، يجب أن تكون الحيوانات قادرة على الحصول على الأكسجين من الهواء، وأن تجد الغذاء على اليابسة وتستطيع اقتناصه، وأن تحمل ثقل أجسامها في وسط أقل دعمًا بكثير من المياه، وأن يمكنها دفع أجسامها على اليابسة، وأن تتجنب الجفاف الناتج عن الفقد الشديد للرطوبة. تستطيع الأسماك الرئوية، وهي أقارب لصيقة بفقاريات اليابسة، أن تستخدم رئاتها في تنفس الهواء، وكذلك استخدام خياشيمها في الحصول على الأكسجين من الماء؛ مما يدلِّل على أن تنفسها الهواء نشأ قبل الانتقال الحقيقي إلى العيش على اليابسة بفترة طويلة. ولكن دعم الجسم والاغتذاء والحركة على اليابسة شكلت تحديًا أكبر، واحتاجت تغيرات تطورية عديدة للانتقال من «الأسماك» إلى «رباعيات الأرجل». وقد أَلْقَتْ بعض الحفريات الهامة الضوء على هذه التحورات، وكشفت أيضًا عن الترتيب الذي حدثتْ به.
أحد التغيرات التشريحية كان تطور خطم مفلطح قادر على نهش الفريسة، بدلًا من استخدام طريقة المص التي تعمل جيدًا تحت المياه. وتوضح الحفريتان المنقرضتان «باندريخثيس» و«تيكتاليك» — اللتان عاشتا منذ ??? مليون سنة مضت — هذه الخاصية تمامًا، وكانت هذه الحيوانات تمتلك نهاية أمامية شبيهة بما لدى التماسيح. ولكنها ما زالت مرتبطة بالأسماك من حيث إن زعانفها لها أشعة رقيقة عند طرف الأجزاء الهيكلية بدلًا من أصابع عظمية قوية. وقد أدى هذا الجمع بين صفات الأسماك وصفات رباعيات الأقدام ? «نيل شوبين» — مكتشف الحفرية «تيكتاليك» — إلى وصف هذا الحيوان بأنه «سمك قدمي». أما النوع «أكانثوستيجا» — الذي كان يعيش بعد ذلك بقليل، منذ ??? مليون سنة مضت — فكانت له زعانف تنتهي بوحدات متمفصلة أصبعية الشكل، تجعله أقرب إلى رباعيات الأقدام. ومن المدهش أنه لم يكن لديه خمسة أصابع فقط كما نجد اليوم في معظم الفقاريات الحية على اليابسة، ولكن كان له ثمانية في الطرف الأمامي، وغالبًا العدد نفسه على الطرف الخلفي. كان النوع «أكانثوستيجا» يعيش على نحو شبه مؤكد في المياه وكان يتنفس باستخدام الخياشيم، ولكنه كان قادرًا على أن ينتقل إلى اليابسة؛ ربما ليقتنص الغذاء أو ليستدفئ بالشمس. وهناك حفرية رباعي أقدام مبكر آخَر هو «أيكيوستيجا» ربما مَثَّل خطوة أخرى في الانتقال للحياة على الأرض؛ ذلك أنه بالإضافة إلى الخصائص المذكورة سابقًا، فقد كان يتمتع بهيكل «محوري» أقوى؛ أي عمود فقري، مع وجود نتوءات عظمية طويلة تُعرف باسم «نتوءات نيرية» تُمكِّن الفقرات من أن تتعشق معًا وتساعد على دعم وزن جسم الحيوان.
العلاجيم والسلمندرات: متنفسات بالجلد

ربما كانت حيوانات انقرضت منذ أمد بعيد في العصر الديفوني هي صاحبة أولى محاولات انتقال الحيوانات ذات العمود الفقري إلى اليابسة، ولكن هذه الحيوانات كانت لا تزال معتمدة بشكل كبير على المياه، على الأقل من أجل التكاثر. وهذا أيضًا ينطبق على بعض رباعيات الأقدام التي تعيش اليوم، ونقصد مجموعة من الحيوانات تقضي معظم حياتها على اليابسة، ولكنها تضع بيضها في المياه أو حولها. وهذه الحيوانات هي: العلاجيم والضفادع والسمندل المائي والسلمندر وعديمات الأرجل؛ أي البرمائيات المعاصرة، إن معظم هذه الحيوانات لا يبعد كثيرًا عن البيئات الرطبة؛ ذلك أن جلدها ليس حائلًا لنفاذ الماء، وفي كثير من الأنواع يجب أن يظل الجلد رطبًا كسطح يقوم بتبادل الغازات. والسبب الثاني للاعتماد على الماء هو أن البويضات والصغار يحتاجان بيئة رطبة. إن يرقات معظم البرمائيات الحية، مثل «أبو ذنيبة» الخاص بالعلاجيم، لها خياشيم تقوم باستخلاص الأكسجين مباشرة من بيئاتها المائية. وعند طرح موضوع البرمائيات، فإنه قد يكون مغريًا — ولكن ليس دقيقًا — أن ننظر إلى الأنواع الحية بوصفها تمثل خطوة أخرى في الطريق نحو الحياة «الحقيقية» على اليابسة، وأنها أقل نجاحًا وأقل تقدمًا عمَّا هي الحال في الزواحف والطيور والثدييات. ولكن الحقيقة هي أنه ما دام أنها تعيش جميعها الآن فإن هذا دليل على نجاحها المستمر. وفي الحقيقة، البرمائيات الحية متخصصة إلى حد كبير وتختلف كثيرًا عن برمائيات اليابسة المبكرة. بالإضافة لذلك، لبعض أنواعها أعداد كبيرة، خاصة أنواع العلاجيم والضفادع. على سبيل المثال انتشر علجوم القصب وأصبح شائعًا جدًّا في شمال أستراليا، بعد إدخاله المقصود والكارثي في عام ????، وهو الآن يمثل آفة غازية كبرى.
شكل ??-?: لحميات الزعانف: (أ) شوكية الجوف. (ب) ضفدع أفريقي ذو أظفار. (?) سقنقور ثلج تسماني. (د) دجاجة.
تقضي أنواع قليلة من البرمائيات حياتها كلها في الماء، فهي لا تغامر بالخروج إلى اليابسة على الإطلاق، حتى الأطوار اليافعة منها. وتشمل الأمثلة على ذلك السلمندر الياباني العملاق «أندرياس جابونيكاس» الذي ينمو إلى ??? متر، والسلمندر الأمريكي العجيب «كريبتوبرانكوس أليجانينسيس» والضفدع الأفريقي ذا الأظفار «زينوبوس». على أن أشهر حيوان «برمائي مائي» هو السمندل المكسيكي «أمبليستوما مكسيكانوم» المعروف باسم عفريت الماء، الذي يبلغ طوله ?? سنتيمترًا، وله شكل شرغوف بالغ له خياشيم خارجية ريشية الشكل. وهذه بالضبط حقيقة هذا الكائن؛ نظرًا لأن عفريت الماء نشأ من سلمندرات يابسة «عادية» من خلال تغير في عملية نموها الفسيولوجية، وأصبحت الآن ناضجة من دون المرور بالتحول إلى الشكل اليافع للأسلاف. وعفريت الماء يذكِّرنا بقوة بأن التطور لا يسير في طريق ذي اتجاه واحد، وأن هناك سلالات مختلفة للحيوانات، تتكيف كل واحدة منها حسب ظروفها المحلية، بغض النظر عن أي اتجاهات علوية قد نستشعرها.
الحراشف والجنس: الزواحف

تمثل الزواحف «مستوًى» من مستويات التنظيم، أكثر من كونها مجموعة متفردة على الشجرة التطورية للفقاريات، وتتضمن الأنواع الحية مجموعة متباينة من الحيوانات تشمل السحالي والثعابين والسلاحف والتماسيح ومنقاريات الرأس القديمة في نيوزيلندا. إن الديناصورات هي أيضًا زواحف تقع على الخط التطوري نفسه مع الزواحف والطيور، بينما شملت زواحف أخرى منقرضة التيروصورات ذات الأجنحة، والإكتيوصورات البحرية، والموزاصورات، والبلصورات. وقد عادت هذه الأنواع البحرية — مثل السلاحف البحرية الآن — إلى المياه بشكل ثانوي؛ إذ إنها نشأت عن أنواع عاشت بشكل كامل على اليابسة. إن الملمح الحاسم للزواحف الأولى هو أنها مثَّلتِ انفصالًا تامًّا عن البيئات المائية؛ فهي المجموعة الأولى من الفقاريات التي فعلت ذلك، والزواحف التي تسكن اليابسة تستطيع العيش والاغتذاء والتكاثر دون العودة إلى الماء على الإطلاق.
ثمة ابتكاران أساسيان يبدو أنهما أساس هذا الانتقال؛ تطور جلد حائل لنفاذ الماء، وامتلاك بيضات ذات قشرة ولها عدة أغشية داخلية. إن الخاصية الأولى تبدو واضحة بشكل كافٍ، وقد تحققت بتكوين جلد أكثر تعقيدًا له عدة طبقات من الخلايا تُنتج بروتينات كيراتينية ودهونًا، أحد تداعيات هذا التغير هو أن الجلد أصبح لا يمكن استخدامه للتنفس (كما هي الحال في العلاجيم والسلمندرات الحديثة)؛ ذلك أن الأسطح الرطبة فقط هي التي تسمح للأكسجين وثاني أكسيد الكربون بالنفاذ عبرها. بدلًا من ذلك فقد ظهر في الثدييات «تنفس ضلعي» حيث تُستخدم العضلات المتصلة بالضلوع في تهوية الرئات، محوِّلة الرئات بذلك إلى أعضاء تنفس مؤثرة. إن أهمية «البيضة الأمنيوتية» أقل وضوحًا، ولكنها حيوية أيضًا. يكمن سر هذه البيضة في أغشية ثلاثة هي الأمنيون والغشاء المنباري والكوريون، التي تحيط بالجنين وتوفر مدًى متسعًا من الأوعية الدموية لتبادل الغازات، بالإضافة إلى أنها توفر موقعًا لتراكم النفايات النتروجينية السامة في أمان بعيدًا عن الجسم النامي. ورغم أن معظم أنواع الزواحف — ومنها السلاحف والتماسيح — تضع بيضات أمنيوتية محاطة بقشرة، فإن بعض الثعابين والسحالي تلد صغارًا أحياء. وهذا أكثر شيوعًا في أفعى الرباط والبوا والأفاعي السامة، وهنا تحتضن الأم بيضات كبيرة غنية بالمح داخل جسمها طوال فترة نمائها. في بعض الزواحف الأخرى تأتي التغذية من الأم مباشرة وليس من المح؛ وفي أكثر الحالات تطرفًا يتحقق ذلك عن طريق مشيمة، كما في جنسي السقنقور «مابويا» و«سيدوميا». وهذه التواؤمات الفسيولوجية والتشريحية والسلوكية العديدة مكَّنتِ الزواحف من أن تغزو بعض أكثر البيئات حرارة وجفافًا، وهذه تشمل الصحراء الساخنة في أفريقيا وأستراليا وآسيا والأمريكتين.
إن فسيولوجية الجسم في الزواحف تناسب تمامًا ظروف الحرارة المرتفعة؛ حيث إن معظمها يستدفئ تحت أشعة الشمس لزيادة درجة حرارة أجسامها. هذا يساعد على ارتفاع معدل الأيض وتحقيق نمط حياة نشطة حتى من دون عزل جيد للجسم. تؤثر درجة الحرارة أيضًا على بيولوجية العديد من الزواحف بطريقة مختلفة كثيرًا وغير عادية؛ إذ تمكِّنها من تحديد جنس نسلها. فعلى سبيل المثال، إذا حُفظ بيض التمساح الأمريكي في درجة حرارة أقل من ?? درجة مئوية، فإنه يفقس إناثًا، بينما البيض المحفوظ عند درجة ?? درجة مئوية يفقس ذكورًا. تُعرف هذه الظاهرة باسم «تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة»، وهذا على النقيض مع النظام الشائع المعروف وهو «تحديد الجنس المعتمد على الجينات»، الذي فيه يتحكم اختلاف الجينات في تحديد جنس النسل، ومثال ذلك الجينات المحدِّدة للذكورة الواقعة على الصبغي Y في الثدييات. ولكن، لماذا يستخدم بعض الزواحف (وفي هذا الشأن، بعض الأسماك) نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة في حين أنه يبدو من أول نظرة أن الطريقة المعتمدة على الجينات يمكن التعويل عليها بقدر أكبر؟ أليس هناك مخاطرة في أن يؤدِّي تغير في الظروف البيئية، مثل تغير المناخ، إلى انقراض العشائر المعتمدة على تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ما دام كل النسل عندئذٍ سيتبع الجنس نفسه؟ إن الإجابة تقع في التواؤم مع الظروف البيئية المحلية كما اتضح ذلك ببراعة من الأبحاث الحديثة التي أُجريت على سقنقور الثلج التسماني بواسطة إدو بن وتوبياس أُلر وزملائهما. يعيش هذا الحيوان الزاحف في نطاق يمتد من مستوى سطح البحر حتى المناطق الجبلية، ويلاحظ أن العشائر التي تعيش على ارتفاعات منخفضة تتكاثر وفقًا لنظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ولكن حيوانات النوع نفسه التي تعيش عند ارتفاعات عالية تعتمد في تحديد الجنس الناتج على الطراز الجيني. والسبب في هذا الاختلاف هو أن الأمهات عند الارتفاعات المنخفضة تستخدم نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة لكي ينتج عنه نِسَب أكبر من الإناث في السنوات الحارة وبذا يكون لها فُرَص عالية في النمو والخصوبة خلال الصيف الطويل، ولكنها تنقلب إلى العكس فتنتج ذكورًا أكثر في السنوات الأكثر برودة؛ حيث إن حجم الذكر أقل أهمية في سقنقور الثلج. لا توجد هذه الميزة عند الارتفاعات العالية؛ حيث تكون معدلات النمو أبطأ، وحيث يكون للفروق الكبيرة في درجات الحرارة تأثير مدمر على النِّسَب بين الجنسين إذا لم يتوقف نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ويتم تفعيل نظام تحديد الجنس اعتمادًا على الجينات. ريش وطيران: الطيور

إحدى مجموعات الزواحف المُحتفَى بها هي الديناصورات التي سادت حياة اليابسة على كوكب الأرض لملايين عِدَّة من السنين. لقد ظهرتْ أُولى الديناصورات منذ حوالي ??? مليون سنة مضت، وتنوَّعت إلى العديد من الأنواع ذات الأحجام والأشكال والعادات المختلفة حتى انقراضها المفاجئ والشهير منذ ?? مليون سنة مضت، وحتى نكون أكثر دقة نقول: حتى انقراضها الظاهري. إن الانطباع الشائع بالاختفاء الكلي للديناصورات مضلِّل إلى حدٍّ ما؛ ذلك أن بعض الحيوانات التي تعيش الآن هي سليلٌ تطوُّري مباشِر لمجموعة من الديناصورات، هي الثيروبودا. إن الثيروبودا المنقرضة المعروفة جيدًا تشمل آكِل اللحوم العملاق التيرانوصور، والديناصور الأصغر ولكن المخيف بالقدْر نفسه الفيلوسيرابتور، الذي صنع شهرته من خلال الفيلم «الحديقة الجوراسية». بالطبع لم تَعُدِ التيرانوصورات والفيلوسيرابتورات تجوب سطح كوكب الأرض، ولكن يمكنك أن ترى بعض أقاربهما المقرَّبين في كل يوم. إن مجموعة من الثيروبودا لم تنقرض منذ ?? مليون سنة مضت، ولكنها بقِيَتْ على قيد الحياة بعد الكارثة العظمى التي ألمَّت بالديناصورات، وتنوعت حتى يومنا الحاضر؛ إنها الطيور.
من وجهة نظر تطورية، الطيور هي مجموعة من الديناصورات التي لم تنقرض. إن فكرة أن الطيور نشأت من الديناصورات وُضعت لأول مرة بواسطة توماس هنري هكسلي في سبعينيات القرن التاسع عشر، لقد لاحَظَ هكسلي تشابهات أساسية في البناء العام لهيكل ديناصورات الثيروبودا مع هيكل الطائر المنقرض أركيوبتركس الذي استُدل عليه من عدد قليل من حفريات حُفِظت جيدًا على امتداد ??? مليون سنة. ورغم أن الأركيوبتركس له سمات تُشبه إلى حدٍّ كبير تلك الخاصة بالسحالي، مثل الأسنان والذيل الطويل المدعم بالعظم، فإن له أيضًا أجنحة وريشًا. والآن يُعَدُّ الأركيوبتركس أحد أوائل الطيور التي ظهرت. كانت فكرة هكسلي مُثيرة للجدل، ورغم أن كل البيولوجيين كانوا متقبِّلين لوجهة النظر القائلة بأن الطيور نشأت من زواحف قديمة، فإن فكرة أنها في الواقع سلالات مباشِرة للديناصورات ذهب عنها التعاطف سريعًا. ظلت هذه الفكرة معلَّقة على مدى معظم القرن العشرين، حتى عادت بقوة إلى السطح في ثمانينيات القرن العشرين من خلال الإنجاز الدقيق لجون أوستروم الأستاذ في جامعة ييل الأمريكية. ولكن أهم الدلائل المُثيرة والحاسمة لم تَظهَر حتى العَقْد الأخير من القرن العشرين، عندما اكتُشف العديد من الحفريات اللافتة للنظر الخاصة ? «ديناصورات ذات ريش» في الصين، وهذه كانت بلا شك «ديناصورات لا تطير»، ولكنها بريش يغطِّي أجسامها وأرجلها. إن الديناصورات المريَّشة لا تقدِّم فقط دليلًا قويًّا على العلاقة بين الطيور والديناصورات، ولكنها تسلِّط الضوء على الريش بوصفه أداة تكيف مبكرة، ربما لحفظ الدفء، مهدت الطريق فيما بعد لنشوء الطيران.
إن ريش الطيور الحديثة هي تراكيب جديرة بالملاحظة؛ فالريش المستخدَم في الطيران له تركيب معقَّد وغير متناظر يوفر الجسوء والقوة عند الضرب لأسفل، وهو أيضًا قوي وخفيف الوزن بقدر كبير. للريشة ساق مركزي يبرز منه عدد ضخم من أسلات متقاربة بعضها لبعض، يحمل كل منها أسيلات خطافية دقيقة تتعشق معًا. وعلى النقيض، فإن الزغب المستخدم كعازل للجسم لا يتعشق معًا بالأسلوب نفسه، وهو يحصر حيزات من الهواء بدلًا من تكوين أسطح تشبه الأغطية. وبالإضافة إلى هاتين الوظيفتين الأساسيتين — الطيران والعزل ضد البرد — يلعب الريش أدوارًا في عدم نفاذ الماء، وفي التمويه، وفي التواصل بين الأفراد. إن الريش والطيران يسودان كل عناصر البيئة والسلوك في الطيور، وتضافرا لتشكيل تطورها. إن الوزن قضية هامة في الطيران؛ وبناءً على ذلك فإن الطيور نشأت ليكون لها عظام رقيقة مجوَّفة، مقوَّاة بدعامات داخلية. وخلال التطور فقدت الطيور الأسنان الثقيلة، وكذلك الذيل الطويل. ولكن الأهم من الوزن المطلق هو توزيع هذا الوزن، وعلى ذلك فإن تشريح الطيور متكيف لوضع مركز الثقل إلى الأمام عمَّا هي الحال في معظم الفقاريات، فأصبح بين الجناحين مباشرة. وقد تحقق ذلك بثني عظم فخذ الطرف الخلفي إلى الأمام، وذلك على كل من جانبَيِ الجسم، وكذلك إطالة القدم؛ وهذا يفسر لماذا تبدو الركبتان في الطيور بارزتين إلى الخلف، فهما ليستا رُكبتين في الواقع، ولكن رُسغَيْ أقدام.
هناك نحو ?? آلاف نوع من الطيور تعيش اليوم، وهي توجد في كل قارة، وتطير فوق كل بحر. وهي تشمل الطيور الطنانة في أمريكا الجنوبية، وطيور الجنة المُثيرة للإعجاب في غابات غينيا الجديدة، والنسور الملكية التي تحوم فوق ممرات جبال الأنديز، وطائر جَلم الماء الذي ينزلق فوق موجات المحيط على بُعْد مئات الأميال من اليابسة، وصقور العوسق التي تحوم فوق منحدرات عشبية، وطيور الصعو، وطيور أبو الحناء، وطيور الدُّج، وأكثر من ذلك. قد يبدو ذلك كمشهد للتنوع، ولكن في الواقع كل الطيور متشابهة إلى حد كبير، على الأقل في التشريح. هناك طيور قليلة تمثل استثناءات واضحة، حيث فقدتِ استثناءً القدرةَ على الطيران. إن البطاريق متكيفة، بأشكال أجسامها غير العادية، مع العيش في المياه وليس في الهواء، والنعام بحجمه الكبير وضخامته لا يَطِير، وتُذكرنا هذه الاستثناءات بأن الطيران يَضَع قيودًا ثقيلة على تشريح وفسيولوجية الطيور. إن التطور لا يمكنه أن يراوغ قوانين الفيزياء.
لبن وشَعر: الثدييات

إن نظام الحياة النشط للطيور ممكنٌ فقط بفضل درجة حرارة جسمها الدافئة نسبيًّا، والناتجة عن ارتفاع معدل الأيض، فضلًا على العزل الحراري الذي يوفره الريش. أما المجموعة الأخرى من فقاريات اليابسة التي توَلِّد وتحفظ حرارة أجسامها فهي تلك المجموعة التي ننتمي إليها؛ الثدييات. في حالة الثدييات، يحدث العزل الحراري بفضل الشَّعر، ويُلاحَظ أن تركيب الشعر أقل تعقيدًا بكثير من الريش، فهو يتكون من شرائط بسيطة تتكون من ألياف بروتين هو الألفا كيراتين، ويمكن لطبقات الشعر المتراكِبة بعضها فوق بعض أن تحجز الهواء بكفاءة، وبذا تحفظ للجلد دفئه. واحتجاز الحرارة هذا يمكِّن الثدييات من أن تذهب هنا وهناك في ظروف البرودة، وذلك قبلَ أن تجد أشعة الشمس فرصة لتدفئة أقاربها من الزواحف. وعلى عكس الطيور، فإن الثدييات لم تنشأ من داخل التنوع المعتاد للزواحف؛ ففي الشجرة التطورية للرهليات (فقاريات اليابسة ذات بيضات تُحاط فيها الأجنة بغشاء الرهل)، أُعطِيَ أحد الفروع الزواحف والثعابين والتماسيح والديناصورات والطيور، بينما أُعطِيَ خطٌّ تطوري مناظر مجموعةً منقرضة — هي السينابسيدات — ومن هذه المجموعة انحدرت الثدييات.
إلى جانب الشَّعر، هناك صفة هامة ثانية تشترك فيها كل الثدييات، هي الإرضاع؛ إنتاج لبن لإعاشة النسل. هذا تكيف على درجة عظيمة الأهمية لأنه يسمح للثدييات بالتكاثر في أي وقت من العام، حتى عندما يكون تنوع الغذاء غير سهل الحصول عليه، أو يتفاوت الحصول عليه من وقت لآخر. إن الإناث البالغات تستطيع الاحتفاظ بمخزون من الغذاء عندما يكون متاحًا، وتخزن الطاقة كمخزون من الدهون، ويستطيع النسل بعد ذلك أن يُزوَّد باللبن العالي الطاقة عن طريق الرضاعة من الأم. إن الفرد البالغ الخبير من المرجَّح أن يكون أكثر كفاءة في جمع الغذاء من الفرد الحديث السِّنِّ؛ وهذا يعني أن رضاعة اللبن التي يقوم بها الصغير تمكِّنه من استغلال قدر أكبر من الطاقة في عملية النمو.
قد يكون غريبًا على أسماعنا القول بأن اعتماد الصغار على رضاعة اللبن مهَّد الطريق لتنوع بيئي كبير في الثدييات وذلك من خلال تطور الأسنان المعقَّدة. وفيما يلي إيضاح لذلك؛ بسبب الإرضاع، فإن حديث الولادة لا يحتاج أسنانًا، وهذا يعني أن الجمجمة والفك ينموان بقدر كبير قبل ظهور الأسنان، وبالتبعية، مكَّن ذلك من عدم الاستبدال المستمر للأسنان البسيطة، وهو النظام الذي يحدث في معظم الرهليات بما فيها السحالي، بدلًا من ذلك، فإن الثدييات أنشأت نظام «ثنائية التسنين»، بما يعني إنتاج مجموعتين من الأسنان؛ مجموعة بسيطة في الصغار، ثم أسنان معقَّدة في الفك الكامل الحجم. ولأن تكوين الأسنان يتأخر وفق هذا الأسلوب، فإن أسنان الثدييات يجب أن تحقق تطابقًا دقيقًا بين الفكين العلوي والسفلي، وهي خاصية تُعرَف باسم انطباق الأسنان، إن هذه الخاصية يصعب تخيُّلها في حيوان ينمو فكَّاه بشكل متسارِع بينما هما محتويان على أسنان. إن انطباق الأسنان أعطى الثدييات قدرة حاسمة على مضغ وطحن الغذاء، خاصة المواد النباتية المتينة أو القِطَع المُنتزَعة من لحم فرائسها. لقد تنوَّعت الثدييات المبكرة مزوَّدة بهذا الجهاز الهائل لتستغل مدًى كبيرًا من مصادر الغذاء وأساليب الاغتذاء بأكثر مما يُشاهَد في أي مجموعة أخرى من الفقاريات.
هناك نحو ???? نوع من الثدييات، وهو عدد يَقِلُّ عن نصف أنواع الطيور، ولكن الثدييات تتميز بتنوع أكبر في أشكال الأجسام، والأحجام، وطرق المعيشة. ومن هذه، يوجد خمسة أنواع فقط وحيدة المخرج، أو ثدييات تضع البيض: خُلد الماء، وأربعة طرز من النضناض، أو آكِل النمل الشوكي. جميع الثدييات الأخرى «ولودة» وتَلِد صغارًا أحياء. وهي تشمل مئات قليلة من أنواع الجرابيات التي تَلِد صغارًا غير ناضجة إلى حدٍّ كبير وتقوم بتغذيتها وهي داخل كيس، ومن أمثلتها الكانجارو والوُمبات والأبسوم والبوترو والبندقوط والكوالا والشيطان التسماني. إن الأغلبية العظمى من الثدييات الحية هي من ذوات المشيمة، وهذه لها مدة أطول في الحمل، وليس لها كيس. والتنوع البيئي للثدييات المشيمية مدهش، وهي تشمل آكِلات الحشرات مثل الزباب، وآكِلات الأعشاب الراعية مثل الظباء والأفيال والزراف وثيران البيسون، والمفترسات الصيادة مثل الثعالب والأسود، والحيوانات المتنوعة التغذية مثل الفئران والجرذان والبشر، وآكِلات أعشاب مثل خرفان البحر، والمفترسات المائية مثل الفقمة والدولفين، كما أن هناك مجموعة من الثدييات تُحلِّق في السماء هي الخفافيش.
على مدى معظم القرن العشرين كان هناك قدر من عدم الوضوح حول شجرة علاقات القربى الخاصة بالثدييات المشيمية. ففي وسط كل هذا التنوع، مَن يكون أقرب إلى مَن؟ هذا السؤال قريب الآن من الحل، خاصة منذ التطبيق الحديث لتقنيات تتابعات الدنا. ثمة إجماع واضِح على تقسيم الحيوانات المشيمية إلى أربعة مسارات كبيرة. ومن الملاحظ أن مسارات الأنساب هذه تنطبق بشكل رائع على التاريخ الجيولوجي المعروف للقارات، بما يقترح أن تنوع المشيميات حدث مع انفصال كتلة اليابسة العظمى إلى أجزاء تمثِّل قارات اليوم. هناك فرع «الأفريقيات» الحيوي، الذي يشمل، كما يدل الاسم، رُتَبًا ثديية نشأتْ في أفريقيا وتضم الأفيال وخنزير الأرض وخرفان البحر. ومن أمريكا جاءت «غريبات المفاصل» وتشمل آكِل النمل والكسلان والمدرَّع. وتشمل «اللوراسيات» مجموعة من الثدييات يُظن أنها نشأت على القارة العظمى الشمالية لوراسيا، التي نشأت منها قارة أوروبا ومعظم قارة آسيا. شملت هذه المجموعة القطط والكلاب والحيتان والخفافيش والزباب والبقر والأحصنة ضمن حيوانات أخرى كثيرة. وفي النهاية هناك فوق الرئيسيات، وهي تشمل الجرذان والفئران والأرانب، بالإضافة إلى الرئيسيات مثل القرود والقِرَدة العليا.
إذا نظرنا إلى موقعنا على الشجرة التطورية للحيوانات، سنجد أن البشر يمثلون مجرد غصن ضئيل. فنحن نستقر داخل مجموعة الرئيسيات، التي بدورها تقع داخل فوق الرئيسيات. وهذه تستقر داخل ذوات المشيمة، التي هي جزء من الثدييات الولودة، التي تستقر داخل الثدييات، التي هي جزء من الرهليات، التي تقع بدورها داخل رباعيات الأرجل، التي تستقر بدورها داخل لحميات الزعانف. كما أن لحميات الزعانف هي إحدى مجموعات ثلاث للفقاريات ذات الفكوك، وتقع الفقاريات داخل الحبليات، وتقع الحبليات داخل ثنائيات الفم، وهذه تقع داخل ثنائيات التناظر، داخل الشجرة الكبيرة لتطور الحيوانات.

الفصل الحادي عشر
حيوانات مُبهمة


هناك أشياء معروف أنها معروفة؛ إنها أشياء نعرف أننا نعرفها. وهناك أشياء معروف أنها غير معروفة، بمعنى أن هناك أشياء نعرف الآن أننا نجهلها. ولكن هناك أيضًا أشياء غير معروف لنا أننا لا نعرفها؛ أي إن هناك أشياء نجهل أننا نجهلها.
دونالد إتش رامسفيلد، مؤتمر صحفي بوزارة الدفاع الأمريكية، ????شُعَب جديدة، رؤًى جديدة

إن تاريخ علم الحيوان يمثِّل قصة لآراء متغيِّرة. وعلى مدار قرن من الزمان شهِدْنا جدالًا ونقاشًا حول العلاقات التطورية بين الحيوانات، وقد تعقدت المشكلة مع اكتشاف أنواع جديدة كل يوم. وفيما يخص مئات الأنواع، نعرف المزيد كل سنة عن التشريح والبيئة والنماء والسلوك. لكن من الضروري أن نتمهل قليلًا ونتساءل: ما مدى دقة وضعنا المعرفي الآن؟ أسيكون هناك المزيد من الدراسات العميقة، أم إن لدينا الآن إطارًا موثوقًا به يمكننا من خلاله التعمق بشكل أكبر في دراسة بيولوجيا الحيوان؟ وعلينا أولًا أن نسأل هل كنَّا ندرك حقًّا التنوع الكامل داخل المملكة الحيوانية أم لا؟
من المؤكَّد أن هناك عدة آلاف، أو حتى ملايين، من أنواع الحيوانات التي لم تُستكشف بعدُ. إن الغابات الممطرة الاستوائية والبحار العميقة مثالان لنظامين بيئيين يعجَّان بالحياة، ورغم ذلك فإن التناول العلمي لهما كان سطحيًّا فقط. على أن كشف نوع جديد، أو حتى ألف نوع جديد، لن يغير بشكل جوهري فهمنا لبيولوجيا الحيوان. لا شك أن هذا الأمر له أهمية كبيرة؛ على سبيل المثال، من شأن معرفتنا بكل الأنواع في أي نظام بيئي أنها يمكن أن تساعد في محاولة فهم دورة المواد الغذائية وأنماط تدفق الطاقة. وهذه الرُّؤَى مهمة. لكن معظم الأنواع الجديدة التي اكتُشفت هي أقارب وثيقة الصلة بأنواع معروفة من قبلُ، وعلى ذلك، إذا ما أردنا فهم الإطار الشامل للتنوع الحيواني على الكوكب، فإن هذه الاكتشافات ليست هي المفتاح. إنها تُضيف تفصيلات، ولكنها لن تَفرِض تغييرًا جوهريًّا على حالتنا المعرفية.
القصة مختلفة عند المستويات العليا للتصنيف، إن الفئة الرئيسة في تصنيف الحيوانات، بالطبع، هي الشعبة، ولنستخدم كلمات فالنتين مرة أخرى: «الشُّعَب أفرع من شجرة الحياة تعتمد على الشكل.» وعلى ذلك فإن اكتشاف شعبة جديدة في الحقيقة لا يغير حالتنا المعرفية، إنه يضيف فرعًا جديدًا إلى الشجرة التطورية للحيوانات، وبالدرجة نفسها من الأهمية يكشف مورفولوجيا جديدة طريقة أخرى لبناء الجسم. إن وضع الاثنين معًا — فرع جديد ومورفولوجيا جديدة — يمكن أن يغير وجهات نظرنا حول توقيت وسبب وكيفية ظهور صفات معينة خلال التطور، ربما صفات أساسية مثل التناظر، أو التفلُّق، أو الجهاز العصبي المركزي. ولكن، هل هناك أي شُعَب باقية لم تُكتَشَف؟
لقد ميزتُ في هذا الكتاب ?? شعبة حيوانية مختلفة، ومعظم هذه الشعب معروفة منذ وقت طويل. وقد ظن الكثير من المشتغلين بعلم الحيوان عند نهاية القرن العشرين أنه قد تم اكتشاف كل الشُّعَب. كانت مفاجأة، في عام ????، أن يقوم عالِم علم الحيوان الدنماركي رينهارت كريستنسن بوصْف نوع جديد كان مختلفًا عن أي شيء آخر، لدرجة أنه استلزم وضع شعبة جديدة تمامًا. وقد أطلق على هذه الشعبة اسم الكوسليات. تشبه هذه الحيوانات الدقيقة — التي يبلغ طولها عادة أقل كثيرًا من ملِّيمتر واحد — صورة مصغَّرة جدًّا من قدور حفظ المشروبات أو مخاريط الآيس كريم، وهي تتعلق بحبيبات الرمل. كانت قِلة من متخصصي علم الحيوان الآخرين قد شاهدتْ هذه الحيوانات في ثمانينيات القرن العشرين، منهم روبرت هيجنز، الذي تُسمَّى باسمه الآن اليرقة السابحة هيجنز. ولكن المفاجأة الكبرى هي أن الشعبة الجديدة غير موجودة في أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها من العالم، بل هي توجد أمام شاطئ روسكوف في فرنسا؛ حيث يوجد موقع مركز نشط لأبحاث البيولوجيا البحرية.
أيضًا، «الشعبة الجديدة» التي اكتُشفت تاليًا — السيكليوفورا — كان متخصصو علم الحيوان يغفلون عن وجودها هي الأخرى. والسيكليوفورات حيوانات تكافلية تعيش فوق أجزاء أحد القشريات (نيفروبس) وسرطان البحر (هوماروس). إن الأنواع التي تَعُول هذا الحيوان الدقيق شائعة جدًّا، ويقوم الآلاف من البشر بأكلها دون إدراك ما تحتويه من سيكليوفورات تمثل عجائب حيوانية. وتجدر الإشارة إلى أن كريستنسن أيضًا هو الذي وصف الحيوان الجديد في عام ???? — مع بيتر فانش — وذلك بعد أن قام توم فِنشل باكتشافه.
في عام ???? تم تسجيل بنيان جسدي جديد ثالث، وكان ذلك في موقع بعيد قام بزيارته عدد قليل جدًّا من العلماء. وقد تم ذلك عندما قام كريستنسن — مرة أخرى — بقيادة رحلة ميدانية للطلاب إلى جزيرة دسكو الواقعة أمام شاطئ جرينلاند. اكتشف الطلاب هناك بعض الحيوانات المجهرية الغريبة التي تعيش في ينبوع مياه عذبة جليدية. كان طول الحيوانات يبلغ من ??/??? إلى ??/?? الملِّيمتر فقط، وله فكوك معقَّدة تستطيع البروز من خلال فتحة الفم، وكان تشريح أجسامها يختلف تمامًا عن أي شيء آخر إلى حدِّ أنها تستحق أن تُفرَد لها رتبة جديدة، أو حتى شعبة جديدة. وقد سُمِّيَتْ باسم «الفكيَّات الدقيقة».
هل يمكن إذن أن تكون هناك شعبة جديدة تَنتَظِر أن تُكتشَف؟ هذا أمر وارد الحدوث. إن الأمثلة الثلاثة التي ذُكرتْ آنِفًا تخص كلها حيوانات دقيقة، يبلغ طولها أقل كثيرًا من ملِّيمتر واحد، وفي إطار هذه الحيوانات المجهرية فإن هناك احتمالات مستقبلية لاكتشافات مماثلة. هناك موقع واعِد للبحث وهو وسط المِيوفونا؛ أي وسط الحيوانات التي تعيش بين حبات الرمال. ويُشِير اكتشاف الكوسليات أمام الشواطئ الفرنسية إلى أن هذا الكشف يمكن تكراره في أي مكان في العالَم، ويُمكِنني أن أقترح بأن البيئات البعيدة في قاع البحار يمكن أن تكون أفضل رهان. ولكنك إذا أردتَ حقيقةً أن تَصِف شعبة حيوانية جديدة؛ فإنني أنصحك بعدم البدء في البحث عن نوع جديد، بدلًا من ذلك، من الممكن أن تكون هناك شعبة جديدة في وسط الشعب التي سبق معرفتها.
شُعَب جديدة من أخرى قديمة؟

قد يبدو الأمر فيه نوع من التناقض، ولكن نتج العديد من التعديلات على القائمة المعروفة للشُّعَب الحيوانية — سواء تمثَّلتْ هذه التعديلات في اكتشاف شُعَب جديدة أو اكتشافات داخل الشُّعَب القديمة — بفضل دراسات أكثر تفصيلًا تناولت أنواع سبق وصفها. إن الشعبة يجب أن تحتوي حيوانات من فرع تطوري واحد؛ ومن ثَم إذا ما دلَّتْ معلومات جديدة على أن الشعبة تحتوي أنواعًا متشابهة ظاهريًّا ولكنها من أجزاء مختلفة من الشجرة التطورية، فإنه حينئذٍ يجب أن تُقسَّم الشعبة إلى شعبتين، ليس هناك بديل آخَر. وقد حدث ذلك عدة مرات على مدى العَقْدين الماضيين، خاصة عندما وُظفت بيانات تتابعات الدنا في اختبار العلاقات التطورية بين الحيوانات. وعندما تقدِّم بيانات الدنا دليلًا واضحًا على أن ثمة نوعًا في غير موقعه الصحيح من الشجرة؛ فإن التصنيف يجب أن يُعدَّل. من الممكن نَسَب نوع قديم لشعبة جديدة.
المثالان الأكثر أهمية — وإثارة للجدل — يتعلقان بمجموعتين من ديدان غير عادية، هما لا جوفيات الشكل والديدان المسطحة الغريبة. ورغم أن أيًّا من النوعين لا يشتمل على حيوانات مألوفة جدًّا، أو حتى حيوانات شائعة، فإنهما معروفان للعلم منذ زمن طويل. وهذان النوعان — رغم أنهما ليسا جديدين — فإنهما يستحقان شعبة أو شعبتين جديدتين. تحتوي لا جوفيات الشكل على كائنات صغيرة بحرية تشبه الديدان المفلطحة، يبلغ طولها عادة ملِّيمترات قليلة. والدودة الأسهل في الحصول عليها هي الجميلة «سيمساجيتيفيرا روسكوفينسيس»، أو «دودة صلصة النعناع»، ذات اللون الأخضر الزاهي بسبب الطحالب التي تعيش داخل أجسامها. تعيش هذه الدودة على الشواطئ الرملية حول أوروبا، خاصة على الساحل الفرنسي قرب روسكوف؛ حيث تَظهَر كمادة لزقة على الرواسب الطينية الموجودة في البِرَك الصغيرة المُوحِلة. إنك إذا اقتربتَ ببطء نحو هذه المادة اللزقة، فإن هذه الحيوانات عادة ما تختفي. إن هذه الرواسب الطينية الحية مكونة من آلاف من الديدان الخضراء التي تزحف ببساطة بين الرمال إذا ما أُزعجت. وضعت هذه الديدان — وكثير مما يشبهها — بشكل تقليدي في شعبة الديدان المفلطحة، جنبًا إلى جنب مع الديدان المفلطحة «الحقيقية»، والوشائع والديدان الشريطية. لكن طالما كانت هناك دائمًا أصوات معارضة قليلة تدعو إلى الانتباه إلى السمات غير العادية لتشريحها، ولكن ظلت دودة صلصلة النعناع وأقرباؤها داخل شعبة الديدان المفلطحة. فقط عندما قورنت تتابعات الجينوم أصبح من الواضح بشدة أنها ليست قريبة على الإطلاق للديدان المفلطحة والوشائع والديدان الشريطية، ووضعت لها شعبة جديدة.
كانت قصة الديدان المسطحة الغريبة مشابهة. هذه الحيوانات أكبر في الحجم من لا جوفيات الشكل، وأول نوع اكتُشف منها هو «زينوتوربيلا بوكي» في زقاق بحري سويدي، ويبلغ طوله عدة سنتيمترات، ونوع آخر أكبر حجمًا اكتُشف في المحيط الهادي. هذه أيضًا ديدان مسطحة، ومنظرها غير جاذب للنظر إليها، وهي حيوانات بسيطة لونها بُنِّيٌّ مُصفَرٌّ، ويصعب تبيُّن أعضائها، فيما عدا قناة هضمية نهايتها مسدودة. وقد اعتبرها معظم المشتغلين بعلم الحيوان ديدانًا مفلطحة أيضًا، رغم أن البعض قالوا بأنها أقرب إلى شويكات الجلد أو نصف الحبليات. وقد ذهب أحد الاقتراحات المعتمِدة على تحاليل تتابعات الدنا إلى أن الجنس زينوتوربيلا هو من الرخويات، ولكن هذا الاستنتاج كان خطأً للأسف سببه أن الدنا المستخلص كان لآخِر وجبة تناولها هذا الحيوان وليس مستخلصًا من خلاياه. وقد أصبح واضحًا بعد استخلاص دنا من الحيوان زينوتوربيلا ذاته، وتحليل تتابعات العديد من الجينات، أن الحيوان ليس من الديدان المفلطحة، ولا من الرخويات أو شوكيات الجلد أو نصف الحبليات، ولكنه شيء مختلف تمامًا عن المجموعات الحيوانية الأخرى. لقد وُضعت له شعبة جديدة في عام ????.
يبدو من غير المستبعَد أن توجد شُعَب حيوانية جديدة بين ثنايا الشُّعَب القديمة المعروفة من قبل، وأنها قد صُنِّفت في موضع خطأ في شجرة علاقات القربى الحيوانية. أين إذن ينظر الواحد منَّا؟ هناك العشرات من الحيوانات اللافقارية غير المألوفة التي تشارك أقرباءها المفترضين في عدد محدود من الصفات. إن التحدِّيَ الذي يقف أمام المشتغلين بعلم الحيوان هو تحديد أيٍّ من هذه الأنواع له صفات غير متوافِقة مع شُعَبها؛ حيث أدَّى التطور إلى تحور في بناء أجسامها، مما ضلَّل علماء علم الحيوان لعقود. على سبيل المثال، جذبت كاترين فورسا الانتباه إلى دودة بحرية غير عادية تُدعَى «ديورودريلوس» تُعتبَر حاليًّا من الديدان الحلقية، ولكن لها فقط قليل من الصفات المعروفة للحلقيات، كما أنها يمكن أن تكون مفتقِدة للتعقيل. ويمثل الجنس «لوباتوسيريبروم» حالة مماثِلة؛ حيث إن لهذه الدودة صفات كلٍّ من الحلقيات والديدان المفلطحة. كذلك فإن مجموعة الميزوستوميدات — وهي حيوانات غير عادية تشبه الحلقيات وتتطفل على زنابق البحر — تمثل مشكلة أخرى. فهل أيٌّ من هذه تمثل شعبة جديدة؟
يمثل النوع «بوليبوديوم هايدريفورم» إحدى العجائب الأخرى، بل ربما يُعَدُّ أكثر الحيوانات غرابة على سطح الكوكب. إن هذا الحيوان الضئيل يقضي معظم حياته في الواقع داخل بيض أسماك الحفش، وعندما يخرج من البيض فإنه ينطلق كسرب من قناديل البحر المجهرية، وهو في الواقع من أقارب قناديل البحر، وعضو في شعبة اللاسعات، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنه عضو غريب بالتأكيد. قد يكون قريبًا للنوع «بودينبروكيا بلوماتيلا»، وهو طفيلي عجيب دودي الشكل ليس له مقدمة واضحة أو مؤخرة أو قمة أو قاع أو يسار أو يمين كذلك، كما أنه ليس له جهاز عصبي مركزي. إن لِكلا الحيوانين تراكيب تشبه إلى حدٍّ ما مَحَافظ اللدغ في اللاسعات. وتشير التحاليل الجزيئية إلى أن النوع بودينبروكيا ينتمي في الحقيقة إلى اللاسعات، وهذا يعني أن الشعبة التي كان يُنسب إليها في السابق، المواخط، يجب أن تُصنَّف ضمن اللاسعات. وعلى هذا، تستطيع المعلومات الجديدة أن تزيل شُعَب من القائمة، وتستطيع كذلك أن تُولِّد شُعَبًا جديدة.
وجهة النظر المُترقَّبة

ماذا سيحدث لو أن بعضًا من هذه الحيوانات غير العادية وُضعت في شُعَب لا تخصُّها؟ السبب الأساسي هو أننا في كل مرة نَضَع فيها بنيانًا خاصًّا للجسم، أو شكلًا متفردًا، على شجرة الأنساب التطورية للحياة الحيوانية، يحدث تغير لنظرتنا بشأن مسار التطور. فلنتناول المجموعتين: الديدان المسطحة الغريبة ولا جوفيات الشكل. إن حيوانات كِلا المجموعتين لها تناظر جانبي، ولكنها تفتقد وجود حبل عصبي مركزي رئيس عند الخط المنصِّف للجسم. هذا بالطبع عكس الحال في معظم ثنائيات التناظر، مثل معظم الانسلاخيات والعجلانيات العرفية وثنائيات الفم التي لها حبل عصبي رئيس. فإذا كان وجود حبل عصبي مركزي يمثل سِمَة عامة للحيوانات الثنائية التناظر، فمن المحتمل أن هاتين الشعبتين الجديدتين انحدرتا من تفرعات مبكرة جدًّا في الشجرة التطورية للحيوانات. هل الديدان المسطحة الغريبة ولا جوفيات الشكل، أو حتى إحداهما، تفرعت قبل تشعب ثنائيات الفم والعجلانيات العرفية والانسلاخيات (ولكن بعد اللاسعات)؟ إذا كان الأمر كذلك، فربما تزودنا بلمحة شائقة عن الكيفية التي قامت بها الأجسام الحيوانية الأولى المتناظرة جانبيًّا بوظيفتها قبل ظهور الحبل العصبي الرئيس لتحقيق تكامل المعلومات. وقد أوضحت التحاليل الجزيئية المبدئية صحة هذا الرأي، على الأقل بالنسبة لمجموعة لا جوفيات الشكل، رغم أن الاستنتاجات كانت متضاربة. وقد وَضَعَتْ دراسة جزيئية أخرى مجموعتَيِ الديدان المسطحة الغريبة ولا جوفيات الشكل ضمن ثنائيات الفم بموازاة شوكيات الجلد ونصف الحبليات والحبليات. فإذا كان ذلك صحيحًا، فلماذا لم تمتلك حبلًا عصبيًّا رئيسًا؟ هل فقدتْه خلال عملية التطور عن طريق توزيع الجهاز العصبي في مناطق الجسم المختلفة؟ أم هل جانَبَنَا الصواب في وجهة نظرنا عن الأصل المشترك لثنائيات التناظر؟ هذه أسئلة هامة يجب الإجابة عنها، ولكنها تتوقف على الموضع الذي تستقر فيه المجموعتان؛ لا جوفيات الشكل والديدان المسطحة الغريبة، على شجرة الحياة، وقد اتضح أن عملية تحديد الموضع هذه صعبة، حتى في ظل البيانات الوفيرة للدراسات الجزيئية.
هذا الجدل يدفعنا إلى التساؤل إن كان علينا أن نثق بشجرة الأنساب التطورية للمملكة الحيوانية من الأساس. إن «الشجرة الجديدة للأصول» تُظهِر تشعُّبًا مبكرًا لأنسال منعدمة التناظر الجانبي (الإسفنجيات، والصفيحيات، والممشطيات، واللاسعات)؛ بحيث انفصلت عن الفرع المؤدي إلى ثنائيات التناظر، التي بدورها تنقسم إلى ثلاث شُعَب فائقة كبيرة: الانسلاخيات والعجلانيات العرفية وثنائيات الفم. إلى أي مدًى نحن متأكدون من هذا الطرح؟ لقد تغيرت الافتراضات حول العلاقات التطورية بشكل كبير على مدى القرن الماضي، فهل ستتغير مرة أخرى؟ أتوقَّع ألَّا يحدث ذلك. وبدلًا من ذلك، أرى أنه حان الوقت للوثوق في «الشجرة الجديدة للأصول»، على الأقل في خطوطها العريضة. إن شجرة الأصول تعتمد تمامًا على مقارنة تتابعات الدنا الخاص بالجينات الموجودة في كل الحيوانات. ورغم أن أولى الأشجار الجزيئية بُنيت من جين واحد أو عدد قليل من الجينات، فإن الإطار الأساسي تأيَّد منذ ذلك الحين عن طريق تحاليل مكثفة اشتملت ما يزيد عن مائة جين لكل نوع. إن تتابعات الدنا توفِّر منجمًا من المعلومات عن التاريخ الذي مضى، وهو رغم كونه قابلًا للتحليل بشكل مباشر، فإنه يوفر أفضل مجموعة معلومات متماسكة المضمون بشأن هذه المشاكل. حقيقيٌّ أن عددًا قليلًا من الحيوانات — مثل لا جوفيات الشكل — يصعب تحديد موضعه حتى باستخدام البيانات الجزيئية، ولكن هذه الطرق على الأقل أثبتتْ أنها بلا موضع محدد، أو وضعتْها في مواضع مُختَلَف عليها، ولم تَضَعها عنوة في مواضع تبدو مناسبة وحسب.
شكل ??-?: الشجرة التطورية للمملكة الحيوانية تبيِّن الافتراضات البديلة لموضع المجموعتين: لا جوفيات الشكل والديدان المسطحة الغريبة.
إني مؤمن بأننا في وقت من تاريخ علم الحيوان نمتلك فيه للمرة الأولى شجرة تطورية متميزة للتنوع الحيواني. على أنه يجب علينا أن نتذكر أن شجرة الأصول التطورية هذه هي مجرد نقطة بداية للبحوث البيولوجية. إن الشجرة بذاتها لا تقدم تفهمًا لشيء، بل إن ما تقدمه هو إطار يتيح لنا تفسير البيانات البيولوجية بعناية ودقة. إن الدراسات المورفولوجية — التي كانت تستخدم في السابق لبناء الأشجار — أصبحتِ الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ حيث إن هذه الدراسات يمكن تفسيرها في ضوء شجرة مستقلة. وفقط في ظل الإطار المتين لشجرة الأصول التطورية نستطيع أن نقارن بين أنواع الحيوانات من النواحي التشريحية والفسيولوجية والسلوكية والبيئية والنمائية بطريقة ذات معنًى؛ أي طريقة توفِّر رؤًى عن نمط وعملية التطور البيولوجي.

قراءات إضافية


الفصل الأول

L. W. Buss, The Evolution of Individuality (Princeton: Princeton University Press, 1987).
الفصل الثاني

A. L. Panchen, Classification, Evolution and the Nature of Biology (Cambridge: Cambridge University Press, 1992).
J. A. Valentine, On the Origin of Phyla (Chicago: University of Chicago Press, 2004).
الفصل الثالث

M. J. Telford and D. T. J. Littlewood (eds.), Animal Evolution: Genomes, Fossils and Trees (Oxford: Oxford University Press, 2009).
الفصل الرابع

R. Dawkins, The Ancestor’s Tale (Boston: Houghton Mifflin, 2004).
الفصل الخامس

R. A. Raff, The Shape of Life: Genes, Development, and the Evolution of Animal Form (Chicago: University of Chicago Press, 1996).
S. B. Carroll, Endless Forms Most Beautiful: The New Science of Evo Devo and the Making of the Animal Kingdom (New York: W. W. Norton, 2005).
الفصل السادس

R. B. Clark, Dynamics in Metazoan Evolution: The Origin of the Coelom and Segments (Oxford: Clarendon Press, 1964).
J. A. Pechenik, Biology of the Invertebrates, 3rd edn. (New York: McGraw-Hill, 2009).
الفصل السابع

D. Grimaldi and M. Engel, Evolution of the Insects (Cambridge: Cambridge University Press, 2005).
الفصل الثامن

H. Gee, Before the Backbone (London: Chapman & Hall, 1996).
الفصل التاسع

J. A. Long, The Rise of Fishes (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2010).
الفصل العاشر

F. H. Pough, C. M. Janis, and J. B. Heiser, Vertebrate Life, 5th edn. (New Jersey: Prentice Hall, 1999).