Advertisement

المادة في حياتنا


Table of Contents
تمهيد
?. الحصين
?. الموثوق
?. الأساسي
?. الشهيّ
?. المذهل
?. الخيالي
?. الخفيّ
?. غير القابل للكسر
?. مكرّر
??. الخالد
??. الاصطناعي
شكر وامتنان
حول الكتاب

”قد يتطلَّب الأمر جنوناً من نوعٍ ما لإنجاز ما حاول المؤلف
إنجازه في هذا الكتاب، نفخ الروح في الجماد.“
The Times ”كتاب عميق وساحر، يضفي الإثارة على أيّ مادّة مهما كانت
عاديّة.“
Sunday Times ”كتاب رائع، أسلوب ميودونك البديع يجعل الخرسانة تتلألأ
ألقاً.“
Financial Times ”مؤلِّف يمتاز بالخبرة، أسلوب بارع رشيق، ممتع لأقصى
درجات الإمتاع.“
Observer

هذا الكتاب مُجازٌ لمتعتك الشخصية فقط. لا يمكن إعادة بيعه أو إعطاؤه لأشخاصٍ آخرين. إذا كنت مهتمّاً بمشاركة هذا الكتاب مع شخصٍ آخر، فالرجاء شراء نسخة إضافيّة لكل شخص. وإذا كنتَ تقرأ هذا الكتاب ولم تشتره، أو إذا لم يُشترَ لاستخدامك الشخصي، فالرجاء شراء نسختك الخاصّة. شكراً لك لاحترامك عمل المؤلّف الشاق.
Mark Miodownik, Stuff Matters, Penguin Books, 2014
©Mark Miodownik, 2013
الطبعة العربية
©دار الساقي
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الورقية الأولى، ????
الطبعة الإلكترونية، ????
ISBN-978-614-03-0115-3
دار الساقي
بناية النور، شارع العويني، فردان، بيروت. ص.ب.: ????/???.

تابعونا على





دار الساقي


Dar Al Saqi
إلى روبي، لازلو، وآيدا
تمهيد
كنت أتساءل عمّا يجب فعله وقد وقفت في القطار أنزف ممّا صُنّف لاحقاً على أنه جرح طعنة بطول ثلاثة عشر سنتيمتراً. كان ذلك في شهر مايو عام ????، وكنت قد قفزت لتوّي إلى داخل قطار أنفاق في لندن في اللحظة التي انغلق فيها الباب محتجزاً المعتدي عليّ خارجاً، ولكن ليس قبل أن يتمكّن من جرح ظهري. كان الجرح يقرصني كجرح ورق مؤلم، ولم يكن لديّ أدنى فكرة عن خطورته، ولكن لكوني فتى مدرسة بريطانياً في ذلك الوقت، تغلب الإحراج على أيّ تفكير سليم لديّ، لذلك وعوضاً عن طلب المساعدة، قرّرت أنّ أفضل شيء يمكن القيام به هو الجلوس والذهاب إلى المنزل، وللغرابة، هذا ما فعلت.
حاولت أن أحلل ما حدث للتوّ في محاولة منّي لأصرف نفسي عن الإحساس بالألم وعن الشعور المقلق بالدم الذي يقطر في أسفل ظهري. لقد اقترب منّي مهاجمي على المنصة وطلب منّي المال، ولكن عندما هززت رأسي بالنفي، اقترب مني بطريقة غير مريحة ونظر إلي بإمعان وقال إنه يحمل سكيناً، وقد استقرّت بضع قطرات من بصاقه على نظارتي أثناء حديثه. تتبّعت نظرته إلى جيب معطفه الأزرق. ولكن إحساساً جريئاً تملكني بأن سبابته هي ما كانت تسبّب هذا النتوء. حتى وإن كان يملك سكيناً، فلا بد من أن تكون صغيرة جداً لتتسع في تلك الجيب لدرجة أنها لن تتمكن من إلحاق أي ضرر بي. كنت أمتلك مطاوي وكنت أعلم أن سكيناً كهذه ستجد صعوبة في اختراق الطبقات العديدة التي كنت أرتديها: معطفي الجلدي الذي كنت أفتخر به كثيراً، وتحته سترة المدرسة الصوفية الرمادية، وسترتي النايلون ذات القَبّة على شكل (V)، وقميصي القطني الأبيض مع ربطة عنق إجبارية مخططة ونصف معقودة، وصدريّة قطنيّة. سرعان ما رسمت خطة في رأسي: أن أدعه يتكلم ثمّ أتجاوزه إلى القطار دافعاً إيّاه جانباً في الوقت الذي تغلق فيه أبواب القطار. رأيت القطار وهو يصل، وكنت متأكداً من أنه لن يملك الوقت ليقوم بأي ردة فعل.
من المضحك أنني كنت محقاً في أمر شيء واحد: لم يكن يملك سكيناً، بل كان سلاحه شفرة موسى حلاقة ملفوفة بشريط لاصق. تمكنت هذه القطعة الصغيرة من الفولاذ، التي لا تتجاوز بحجمها الطابع البريدي، من اختراق خمس طبقات من الملابس التي كنت أرتديها، وطبقة الجلد والأدمة لبشرتي بشقٍّ واحد من دون أدنى عناء. انبهرت عندما رأيت ذلك السلاح في مركز الشرطة لاحقاً. كنت قد رأيت أمواساً من قبل بالطبع، ولكنني أدركت الآن أنني لم أكن أعرفها على الإطلاق. كنت قد بدأت الحلاقة لتوّي في ذلك الوقت، وكنت أرى الأمواس المغلفة بصناديق بلاستيكية برتقالية محببة على شكل أمواس الأمان من بيك (Bic). بينما كان رجال الشرطة يسألونني عن السلاح، اهتزّت الطاولة بيننا، وكذلك شفرة موسى الحلاقة التي كانت على الطاولة أيضاً، فومضت تحت ضوء الفلوريسنت. رأيت بوضوح أن حافتها الفولاذية ما زالت مصقولة تماماً، غير متأثرة بحادثة ما بعد الظهيرة.
أذكر لاحقاً أنه كان عليّ ملء استمارة، وكان والداي جالسين إلى جانبي بقلق مستغربين تردّدي. ربما نسيت اسمي وعنواني؟ في الحقيقة، كنت أحملق بمشبك الورق في أعلى الصفحة الأولى. كنت متأكداً تماماً من أنه مصنوع من الفولاذ أيضاً. هذه القطعة البسيطة من المعدن الفضي استطاعت أن تثقب طريقها بدقة وعناية في الورق. تفحصت ظهر المشبك فوجدت طرفيه مثنيَّين على نفسيهما بإحكام ممسكَين حزمة الأوراق بعناق قوي. لا يمكن لصائغ أن يصنعه أفضل من هذا. (اكتشفت لاحقاً أن أول دبّاسة أوراق صُنعت يدوياً لملك فرنسا لويس الخامس عشر وقد حُفرت شارته على كل مشبك ورق. من كان يعلم أن لمشابك الورق دماً ملكياً؟) أعلنت أنه ”متقن بعناية“ وأشرت إليه لوالديّ اللذين تبادلا النظرات بقلق، حسبا أنني أصبت بانهيار عصبي.
وأعتقد أنني كنت كذلك. من المحتّم أن شيئاً غريباً كان يحدث. لقد كانت ولادة هوسي بالمادة – بدءاً بالفولاذ. أصبحت فجأة حسّاساً بشكل استثنائي لوجوده في كل مكان. رأيته في رأس قلم الحبر الذي كنت أستخدمه لملء الاستمارة في مركز الشرطة. وصلصل من حلقة مفاتيح والدي الذي انتظر متململاً بعصبية، ثم أظلني لاحقاً في ذلك اليوم وأوصلني إلى المنزل مغطياً الهيكل الخارجي لسيّارتنا بطبقات لا تتجاوز سماكتها سماكة البطاقة البريدية. والغريب أنني شعرت بأن سيارتنا الميني (Mini) الفولاذية المزعجة عادةً، كانت بأفضل أداء لها ذلك اليوم، لعلها تعتذر بطريقة مادية عن حادثة الطعن. عندما وصلنا إلى المنزل جلست بجانب والدي إلى طاولة المطبخ، واحتسينا جميعاً الحساء الذي أعدته والدتي بصمت. ثم توقفت وقد أدركت أنني أضع قطعة من الفولاذ في فمي. مصصت شعورياً الملعقة المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ التي كنت أتناول بها حسائي وأخرجتها من فمي وتفحّصت شكلها اللامع البراق، كان لامعاً لدرجة أمكنني بها أن أرى انعكاساً مشوّهاً لصورتي في قعر الملعقة. سألت والدي ملوّحاً بالملعقة في وجهه: ”ما هو هذا الشيء؟ ولمَ ليس له طعم؟“ ثم وضعتها مجدّداً في فمي لأتأكد ومصصتها بدأب.
ثم تدفق مليون سؤال. كيف يمكن لهذه المادة أن تفعل الكثير لأجلنا، ومع ذلك قليلاً ما نتكلم عنها؟ إنها شخصية حميمة في حياتنا حيث إننا نضعها في أفواهنا، ونستعملها للتخلص من الشعر غير المرغوب فيه، ونتجول بها. إنها أكثر الأصدقاء إخلاصاً، ومع ذلك بالكاد نعرف ما الذي يجعلها تصدر صوتاً. لمَ تقطع شفرة موسى الحلاقة بينما ينثني مشبك الورق؟ لمَ تلمع المعادن؟ وبهذا الخصوص، لمَ الزجاج شفاف؟ ولمَ يبدو أن الجميع يكرهون الخرسانة ولكن يحبّون الألماس؟ ولمَ طعم الشوكولاته بهذه الشهيّة؟ لمَ تبدو أو تتصرف أيّ مادة كما تفعل؟
منذ حادثة الطعن أمضيت الغالبية العظمى من وقتي مهووساً بالمواد. لقد درست علم المادة في جامعة أكسفورد (Oxford University)، وحزت شهادة الدكتوراه في خلائط معدن المحرّك النفاث، كما عملت عالمَ مادّة ومهندساً في بعض من أكثر المختبرات تقدّماً في العالم. على طول الدرب ازداد انبهاري بالمواد، كما ازدادت معه مجموعتي من عيّنات استثنائية منها. أُدرجت هذه العينات ضمن مكتبة ضخمة من المواد بُنيت بالتعاون مع صديقيّ وزميليّ زوي لافلين (Zoe Laughlin) ومارتن كونرين (Martin Conreen). البعض منها غريب حدّ الاستحالة، كقطعة من الهلام الهوائي (الإيروجيل) من ناسا (NASA)، حيث تتكون من هواء يشبه الدخان الجامد بنسبة ??.?%، والبعض منها إشعاعي مثل زجاج اليورانيوم الذي وجدته في الجزء الخلفي من محلّ لبيع التحف في أستراليا. بعض العينات صغيرة ولكنها ثقيلة بشكل غير معقول، مثل سبائك التنغستين المستخرجة بعناية من معدن الولفراميت. بعضها معروف تماماً ولكن يحتوي على سرّ خفيّ، مثل عيّنة من الخرسانة الذاتية الالتئام. بجمعها معاً، تمثل هذه المكتبة المؤلفة من أكثر من ألف مادة المكونات التي بنت عالمنا، من منازل وألبسة وآلات وفن. هذه المكتبة موجودة ومحفوظة في كلية لندن الجامعية. بمحتويات هذه المكتبة يمكنك أن تعيد بناء حضارتنا، أو هدمها على حد سواء.
مع ذلك ثمة مكتبة مواد أكبر منها تحتوي على الملايين من المواد. إنها الأضخم على الإطلاق، ولا تزال تزداد بمعدل استثنائي: إنها العالم المصنوع بيد الإنسان. تأمّل الصورة في الصفحة (??). إنها تصوّرني أشرب الشاي على سطح منزلي. إنها عادية من كل النواحي، ولكن إن نظرت جيداً فستمنحك قائمة من الأشياء التي صنعت حضارتنا بأكملها. إن هذه الأشياء في غاية الأهمية، فإن أخرجت الخرسانة من الصورة، وكذلك الزجاج والقماش والمعدن والمواد الأخرى، فسأبقى عارياً مرتعشاً وسط الهواء. لعلنا نحب أن نرى أنفسنا متحضرين ولكن هذه الحضارة بجزئها الأكبر ممنوحة لنا من ثروة المواد. فلولا هذه الأشياء لواجهنا سريعاً صراع البقاء البدائي نفسه الذي تواجهه الحيوانات. لذلك نجد أن ما يجعلنا نتصرّف كبشر، إلى حد ما، هو ملابسنا ومنازلنا ومدننا وأشياؤنا التي نمنحها الحياة بعاداتنا ولغتنا. (وهذا يبدو جلياً إذا ما زرت منطقة منكوبة) إن عالم المواد ليس مجرّد معرض لتقنياتنا وثقافتنا، بل هو جزء منا. نحن من ابتكره، ونحن من صنعه، وهو بدوره يجعلنا ما نحن عليه.
إن الأهمية الجوهرية التي نوليها للمواد تبدو واضحة من الأسماء التي أطلقناها لتصنيف مراحل الحضارة – العصر الحجري، العصر البرونزي، العصر الحديدي – فكل عصر جديد من عصور الوجود الإنساني كان السبب وراءه اكتشاف مادة جديدة. فكان الفولاذ هو المادة المميزة للعصر الفيكتوري، حيث سمح للمهندسين بأن يطلقوا العنان لأحلامهم باختراع الجسور المعلقة والسكك الحديدية والمحركات البخارية وبواخر الركاب. وقد استعمله المهندس العظيم آيزامبارد كينغدوم برونيل (Isambard Kinkdom Brunel) ليغيّر المنظر الطبيعي ويبذر بذور الحداثة والتطوّر. لطالما اعتبر القرن العشرون عصر السيليكون إثر التقدّم العلمي في علم المادة الذي أدخل رقاقة السيليكون وثورة المعلومات. مع ذلك ليغفل دور مشكال (kaleidoscope) المواد الجديدة الأخرى التي أحدثت ثورة في الحياة العصرية في ذلك الوقت. أخذ المهندسون المعماريون الزجاج الصفائحي المنتج إنتاجاً ضخماً وأضافوه إلى الفولاذ الإنشائي لينشئوا ناطحات سحاب ابتكرت نمطاً جديداً من الحياة المدنية. وتبنّى مصمّمو الأزياء والمنتجات البلاستيك وغيّروا منازلنا وأزياءنا. واستُخدا البوليمر لإنتاج السيلولويد فأدخل أكبر تغيير في الثقافة البصرية لألف سنة ألا وهي السينما. وقد مكّننا التطوّر في خلائط الألمنيوم وخلائط النيكل الفائقة من بناء محركات نفاثة والطيران بأسعار زهيدة ما ساعد في تسارع تصادم الحضارات. وساعدنا السيراميك السنّي والطبّي في إعادة بناء أنفسنا وتغيير مفهوم العجز والتقدّم في السن، وكما يوحي مصطلح ”الجراحة التجميلية“ كانت المواد هي المفتاح لعلاجات جديدة استُخدمت في ترميم قوانا (تغيير ورك) أو لتحسين ملامحنا (زرع السيليكون لتكبير الصدر). كما يشهد معرض ”عوالم الجسد“ لغونثر فون هاغن (Gunther von Hagen) على الأثر الحضاري للمواد الحيوية، مما يدعونا إلى التأمّل في بدنيتنا سواء في الحياة والموت.
إن هذا الكتاب موجه لأولئك الذين يريدون حل شفرة عالم المادة الذي صنعناه ولمعرفة أصل هذه المواد ومنشئها وطريقة عملها وماذا تقول عنا. إن المواد بحد ذاتها غامضة إلى حد مدهش رغم وجودها حولنا. في الفحص الأولي نادراً ما تكشف عن خصائصها المميزة، وعادة ما تذوب في خلفية حياتنا. معظم المعادن لامعة ولونها رمادي، فكم من الأشخاص يستطيعون التمييز بين الألمنيوم والفولاذ؟ ومن الواضح أن الأخشاب تختلف بعضها عن بعض، ولكن كم شخصاً يمكن أن يعلم سبب الاختلاف؟ أما البلاستيك فهو مربك، فمن يعلم الفرق بين البوليثين والبوليبروبيلين؟ لقد اخترت صورتي على سطح منزلي كنقطة البداية والإلهام لمحتويات هذا الكتاب، وقد انتقيت عشر موادّ وجدتها في الصورة لأروي قصة المواد، وأحاول في كل مادة أن أكشف عن الرغبة التي أدّت إلى وجودها، وأفك شيفرة علم المادة الكامن وراءها، وأنبهر من البراعة التقنية التي مكنت من صنعها، ولكن الأهم من ذلك هو أنني أحاول شرح لمَ هي مهمة.

سنكتشف خلال رحلتنا أن الفروق الحقيقية بين المواد أعمق من السطح، مثلها مثل البشر. إنّه عالم مغيّب تماماً عن الكثيرين عدا أولئك الذين يملكون القدرة على الوصول إلى معدات علمية متقدمة. لذلك لكي نفهم المادية، علينا أن نرحل بعيداً عن المقياس الإنساني للخبرة إلى الفضاء الداخلي للمادة. وسنتمكن في هذا النطاق المجهري من أن نعرف لم بعض المواد لها رائحة بعكس غيرها، ولمَ تدوم بعض المواد آلاف السنين بينما يصفرّ بعضها الآخر ويتجعّد تحت الشمس، وكيف يمكن لبعض أنواع الزجاج أن تكون مضادة للرصاص بينما تتهشّم كأس النبيذ عند أضعف حركة مثيرة. ستكشف هذه الرحلة إلى العالم المجهري عن العلم الكامن وراء طعامنا، ملابسنا، أدواتنا، مجوهراتنا، وبالطبع وراء أجسامنا.
ولكن على الرغم من صغر المقياس المادي لهذا العالم، سنجد أن المقياس الزمني له أكبر بكثير. على سبيل المثال، لنأخذ قطعة من الخيط والذي يماثل بالمقياس وجود شعرة.
الخيط بنية من صنع الإنسان ضمن مدى بصرنا تمكّننا من صنع الحبال، البطانيات، السجاد، ولكن الأهم من ذلك تمكننا من صنع الملابس. يُعدّ القماش إحدى أقدم المواد التي صنعها الإنسان. فعندما نرتدي الجينز أو أي قطعة ملابس أخرى، إنما نرتدي بنية محوكة مصغرة يعود تصميمها إلى ما قبل ستونهنج (Stonehenge) بوقت طويل. لطالما أبقتنا الملابس دافئين وآمنين عبر التاريخ المسجل، بل وعلى الطراز أيضاً، ولكنها تقنيّة عالية أيضاً. لقد تعلمنا في القرن العشرين كيف نصنع بزّة فضاء من أقمشة قوية بما يكفي لتقي روّاد الفضاء على القمر، وصنعنا أقمشة صلبة للأعضاء الاصطناعية، ومن وجهة نظر شخصية، يسرني أن أشير إلى تطوير ألبسة داخلية مضادة للطعنات محوكة من ألياف اصطناعية شديدة المتانة تسمّى كيفلر (Kevlar). أتطرّق في هذا الكتاب مراراً وتكراراً إلى هذا التطور في تقنيات المواد على مر آلاف السنين.
يمثل كل فصل جديد مادة مختلفة، بل وطريقة مختلفة للنظر إليها أيضاً. بعض المواد يُنظر إليها من وجهة نظر تاريخية بشكل رئيسي، بينما أتبنّى وجهة نظر شخصية لبعضها الآخر. بعضها مثير بشكل واضح فيما بعضها الآخر أكثر علمية. البعض منها يركّز على الحياة الثقافية للمادة، بينما يؤكد بعضها الآخر قدراتها التقنية المدهشة. تقدّم فصول هذا الكتاب مزيجاً فريداً من هذه المناهج لسبب بسيط هو أن المواد وعلاقاتنا بها أكثر تنوّعاً من أن يلائم جميعَها منهجٌ واحد. كما أن علم المادة يقدّم الإطار المتين والمترابط لفهم المواد من ناحية تقنية، ولكن هناك أكثر من العلم بالنسبة للمادة. في النهاية، كل الأشياء صُنعت من شيء ما، وكذلك من أولئك الذين قاموا بالصنع من الفنانين والمصممين والطباخين والمهندسين وصانعي الأثاث وصاغة المجوهرات والجراحين وما إلى ذلك. فلكل منهم إدراك مختلف عن سمات موادّهم من الناحية العملية والعاطفية والحسّية. إن هذا التنوّع في المعرفة عن المادة هو ما حاولت تصويره.
على سبيل المثال، إن الفصل الذي يتحدث عن الورق على شكل سلسلة من اللقطات، ليس لمجرد أن للورق عدة أشكال بل لأن الجميع تقريباً يستخدمونه بطرق مختلفة لا تُعد ولا تُحصى، فيما الفصل الذي يتحدث عن المواد الحيوية هو بمثابة رحلة إلى عمق ثغرات أنفسنا المادية: أجسادنا تحديداً. إن هذا المجال من العلم يتحول على نحو متسارع إلى صحراء برّية بالنسبة لعلم المادة، حيث فتحت مواد جديدة المجال لعهد جديد من الأعضاء الإلكترونية، متيحة بذلك الفرصة للجسد ليعيد بناء نفسه بمساعدة التطعيم البيولوجي المصمّم ليتجانس ”بذكاء“ مع لحمنا ودمنا. إن لهذه المواد الأثر العميق على المجتمع لما تبشر من تغيير جوهري لعلاقتنا بأنفسنا.
ولأن كل شيء مبنيّ بشكل أساسي من الذرّات، ما كان بإمكاننا تجنّب الحديث عن القوانين التي تحكمها والمشروحة في النظرية المعروفة بميكانيكا الكمّ (Quantum Mechanics). وهذا يعني أنه بمجرد دخولنا إلى العالم الذرّي الدقيق، علينا أن نتخلى تماماً عن أيّ منطق سليم، وأن نتحدث عوضاً عن ذلك عن وظائف الموجات وحالات الإلكترون. ففي هذا النطاق صُمّم عدد متزايد من المواد من الصفر، ويمكنها أن تؤدي وظائف مستحيلة ظاهرياً. فقد أدخلت رقائق السيليكون المصممة باستخدام ميكانيكا الكم عصر المعلومات. كما أن الخلايا الشمسية المصممة بنفس الطريقة لديها القدرة على حل مشاكل الطاقة لدينا فقط باستخدام أشعة الشمس. ولكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، وما زلنا نعتمد على النفط والفحم. لماذا؟ أحاول في هذا الكتاب إلقاء بعض الضوء على قيود ما يمكننا أن نأمل تحقيقه وذلك بمعاينة الأمل الجديد العظيم في هذا المجال: ألا وهو الغرافين.
إن الفكرة الرئيسية لعلم المادة هي أن التغيّرات التي تطرأ في هذا النطاق المجهري تنعكس كتغيرات في سلوك المادة على نطاق بشري. إنها العملية التي عثر عليها أجدادنا لصنع مواد جديدة كالبرونز والفولاذ، بالرغم من عدم امتلاكهم مجهراً لرؤية ما يفعلونه – وهو ما يُعدّ إنجازاً عظيماً. فعندما تضرب قطعة معدن لا تغيّر شكلها فحسب، بل تغيّر بنيتها الداخلية أيضاً. إذا ضربت المعدن بطريقة معيّنة فستتغير بنيته الداخلية بطريقة تجعل المعدن أقسى، وهو أمر عرفه أجدادنا من خلال الخبرة ولكن من دون معرفة السبب وراء ذلك. إن هذا التراكم التدريجي للمعارف نقلنا من العصر الحجري إلى القرن العشرين قبل أن نفهم القيمة الحقيقية لبنية المادة.
ولكن تبقى أهمية الإدراك التجريبي للمادة والمغلف بحِرَف مثل الحدادة سائدة: إن جميع المواد الموجودة في هذا الكتاب نعرفها بأيدينا وبعقلنا على حدّ سواء.
إن لهذه العلاقة الشخصية والحسّية مع الأشياء تبعات مدهشة. فنحن نحب بعض المواد على الرغم من عيوبها بينما نكره بعضها حتى وإن كانت أكثر عملية. لنأخذ الخزف على سبيل المثال، إنه المادة المستخدمة لتناول الطعام: نصنع به الأطباق والأوعية والكؤوس. فما من بيت أو مطعم كامل من دون هذه المادة. وقد بدأنا باستخدامه منذ آلاف السنين مع ابتكار الزراعة، ومع ذلك نجد الخزف عرضة لأن يتشظى أو يتشقق أو يتحطم في الأوقات غير المناسبة. فلمَ لم نتحوّل إلى مواد أقوى كالبلاستيك أو المعدن من أجل أطباقنا وكؤوسنا؟ لمَ لا نزال ملازمين الخزف على الرغم من عيبه الميكانيكي؟ لقد درست هذا النوع من الأسئلة مجموعة متنوّعة من الأكاديميين بمن فيهم علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا والمصمّمون والفنّانون. ولكنْ هناك مذهب علمي مكرّس خصيصاً للبحث المنهجي في تفاعلنا الحسّي مع المادة يسمّى علم النفس البدني. وقد وصل هذا العلم إلى اكتشافات مثيرة للاهتمام. فمثلاً أظهرت دراسات عن ”القرقشة“ أن الصوت الناجم عن بعض الأطعمة يضاهي في أهميته طعمها بغية استمتاعنا بها، وهذا ما ألهم بعض الطهاة ابتكار أطباق مع تأثيرات صوتية مضافة، بينما قام بعض مصنعي رقائق البطاطا بزيادة القرقشة في منتجاتهم وتعزيز صوت الضجة الصادر عن الغلاف نفسه. لقد استكشفت النواحي النفسية البدنية للمادة في فصل عن الشوكولاته وبيّنت أنه لطالما كان دافعاً للإبداع على مر القرون.
يُعد هذا الكتاب بمثابة دراسة مفصلة للمواد وعلاقتها بالحضارة الإنسانية، بل هو لقطة تمثل الطريقة التي تؤثر بها المواد على حياتنا. ويبيّن كيف أن أكثر الأنشطة بساطة، كشرب الشاي على السطح، مبنيّ على تعقيد مادّي عميق. أنت لا تحتاج إلى زيارة متحف لتندهش من الطريقة التي أثّر بها التاريخ والتقنيات على الثقافة الإنسانية، لأن هذه التأثيرات موجودة حولك الآن، ولكننا نتجاهلها معظم الأوقات. ربما علينا ذلك لأننا سنُعامل كمجانين إن أمضينا كلّ وقتنا نمرّر أصابعنا على حائط من الخرسانة ونتنهّد. ولكن هناك أوقات لمثل هذا التأمّل والتدبّر: والتعرّض للطعن في محطة قطار أنفاق كان أحدها بالنسبة لي، وأتمنّى أن يوفر لك هذا الكتاب فرصة أخرى للتفكّر.
?. الحصين

لم يسبق لي أن وقّعت على اتفاقية عدم إفصاح في حمام إحدى الحانات من قبل، لذلك ارتحت عندما علمت أن هذا هو كل ما أراده براين منّي. كنت قد تعرّفت إلى براين لأول مرة قبل ساعة فقط، حين كنا في حانة شيهان في دَن ليري (Dun Laoghaire) بالقرب من مكان عملي في دبلن في ذلك الوقت. كان براين رجلاً ستينياً أحمر الوجه يحمل في يده عكازاً لساقه المصابة. وكان متأنقاً في بزّته وشعره الرمادي المموّه بصبغة ضاربة للصفرة. وكان يدخن سجائر سيلك كَت بشكل متواصل. ما إن علم براين أنني عالم حتّى خمّن مباشرة أنني سأهتمّ بسماع قصص حياته في السبعينيات في لندن عندما كان في الوقت والمكان المناسبين ليتاجر برقائق سيليكون ???? من شركة إنتل (Intel) كان قد استوردها ضمن اثني عشر ألف صندوق بسعر ? جنيه استرليني للقطعة ليعود فيبيعها على دفعات صغيرة لصناعة الكمبيوتر الناشئة حديثاً مقابل ?? جنيهات استرلينية للقطعة. عندما ذكرت له أنني أقوم ببحث عن خلائط المعدن في قسم الهندسة الميكانيكية في كلية دبلن الجامعية بدا عليه التأمّل وصمت للمرة الأولى، فرأيت أنها اللحظة المناسبة لأتوجّه إلى الحمام.
كانت اتفاقية عدم الإفصاح مخربشة على قطعة ورق من الواضح أنه مزقها من دفتر ملاحظاته على عجل. كانت محتوياتها مختصرة، مفادها أنه سيشرح اختراعه لي وأنا عليّ أن أحتفظ بالسرّية التامة، في المقابل سيدفع لي جنيهاً إيرلنديا واحداً. طلبت منه أن يخبرني المزيد ولكنه أحكم إغلاق فمه بطريقة كوميدية. لم أكن متأكداً لمَ علينا أن نخوض في حديث كهذا في حمّام. كنت أرى من فوق كتفه زبائن الحانة يدخلون ويخرجون من الحمام فتساءلت إن كان عليّ أن أصرخ لطلب المساعدة. بحث براين في معطفه وأخرج قلماً، كما أخرج ورقة جنيه مهلهلة من جيب بنطاله الجينز. لقد كان مصرّاً تماماً.
وقّعت الورقة مستنداً إلى الحائط المطلي بالكتابات والرسوم، وهو وقّع بدوره، وأعطاني الجنيه. وبهذا أصبحت قطعة الورق هذه وثيقة قانونية.
بعدما عدنا إلى مشروبنا بجانب البار أصغيت إلى براين الذي أخذ يشرح كيف اخترع آلة إلكترونية تشحذ شفرات أمواس الحلاقة غير الحادّة. سيؤدّي هذا إلى ثورة في مجال الحلاقة، قال شارحاً، لأن العملاء سيودّون الحصول على شفرة حلاقة واحدة في حياتهم. بضربة واحدة ستُخرج صناعة البليون دولار من عالم الأعمال، وتجعله رجلاً ثرياً بطريقة استثنائية، كما ستقلل من استهلاك ثروات الأرض المعدنية. ”ما رأيك بهذا؟“ سألني وهو يأخذ رشفة المنتصر من مشروبه.
حدّقت به مرتاباً، فعاجلاً أو آجلاً لا بدّ لكل عالم من أن يضجر نفسه بسماع حديث أحدهم عن فكرة لاختراع سخيف. أضف على ذلك أن شفرات أمواس الحلاقة هي موضوع حسّاس بالنسبة لي، فسرعان ما شعرت بالوخز والانزعاج حالما تذكّرت الندبة الطويلة في أسفل ظهري، وهو ما كان نتيجة مواجهتي على منصّة قطار في محطة هامرسميث (Hammersmith). على كل حال أومأت له ليستمرّ في حديثه وأنا تابعت الاستماع...
إنها لحقيقة غريبة أن العلم لم يتمكن من فهم الفولاذ حتى القرن العشرين. فقبل ذلك، ولآلاف السنين، بقيت صناعة الفولاذ تنتقل عبر الأجيال كحرفة يدوية. حتى في القرن التاسع عشر، عندما توصلنا إلى فهم نظري لافت في علم الفلك والفيزياء والكيمياء، لم تتحقق صناعة الحديد والفولاذ التي قامت عليها الثورة الصناعية إلا عن طريق التجريب – من خلال التخمين الحدسي، والملاحظة الدقيقة، والنصيب الوفير من الحظ. (هل يُعقل أن يكون لبراين هذا النصيب من الحظ ليعثر على طريقة ثورية جديدة لشحذ شفرات أمواس الحلاقة؟ اكتشفت أنني لم أكن مستعداً لصرف هذه الفكرة).
في العصر الحجري، كان المعدن نادراً جداً وثميناً جداً، ذلك لأن مصدره الوحيد على الكوكب هو النحاس والذهب، وكان يحدث بشكل طبيعي وقليل في القشرة الأرضية (على عكس أغلب المعادن التي كانت تُستخرج من الخامات). كما وجد بعض الحديد أيضاً حيث سقط معظمها من السماء على شكل نيازك.
يعيش راديفوك لاييتش (Radivoke Lajic) في البوسنة وهو رجل يعلم الكثير عن قطع المعدن الغريبة التي تسقط من السماء. ذلك أنه ما بين عامي???? و???? أصيب منزله بنحو خمسة نيازك، وهو أمر بعيد الاحتمال إحصائياً لدرجة أن زعمه أن سكان الفضاء يستهدفونه بدا أمراً معقولاً تقريباً. وبعد أن أعرب لاييتش عن شكوكه في عام ????، أصيب منزله بنيزك آخر. أكد العلماء الذين درسوا هذه الضربات أن الصخور التي أصابت منزله هي من نيازك حقيقية وهم يدرسون المجال المغناطيسي حول منزله في محاولة لشرح هذا التواتر الغريب لهذه النيازك.

في غياب النحاس والذهب وحديد النيازك، صنع أجدادنا في العصر الحجري أدواتهم من الصوّان والخشب والعظام. أيّ شخص حاول قط أن يصنع أيّ شيء باستخدام هذا النوع من الأدوات يعلم تماماً كم هي مقيِّدة وغير عملية. فإذا ضربت قطعة خشب فإما أن تتشظى أو تتشقق أو تنكسر، وكذلك الأمر بالنسبة للحجارة والعظام. ولكن المعادن مختلفة جوهرياً عن هذه المواد الأخرى حيث يمكن تحويلها إلى الشكل المطلوب بضربها بالمطرقة لأنها تنساب وهي ولينة. ليس هذا فقط، بل إنها تقسو عند ضربها. يمكنك أن تقوّي شفرة موسى حلاقة بمجرد ضربها بالمطرقة، كما يمكنك عكس العملية وذلك بوضع المعدن على النار وتسخينه، ما يسبّب تليينه. لقد تمكن أول من اكتشف هذه الخواصّ منذ عشرة آلاف سنة من اكتشاف مادة صلبة كالحجر تقريباً ولكنها تتصرّف كالبلاستيك ويمكن إعادة استخدامها بلا حدود. بمعنى آخر، لقد اكتشف المادة المثالية لصنع الأدوات، وعلى وجه الخصوص أداوت القطع كالفؤوس والأزاميل وأمواس الحلاقة.
لا بدّ من أن قدرة المعادن على التغيّر من مادة مرنة إلى قاسية كانت كوقع السحر على أجدادنا القدامى، وسرعان ما اكتشفت أنها كانت كالسحر بالنسبة لبراين أيضاً. لقد أوضح أنه توصل إلى اختراع آلته عن طريق التجربة والخطأ، من دون أي تقدير حقيقي للفيزياء والكيمياء الموجودين، ومع ذلك يبدو أنه نجح بطريقة ما. ما أراده مني هو قياس حدة موسى الحلاقة قبل وبعد خضوعها للمعالجة، لأن هذا الدليل فقط هو ما سيتيح له المجال لبدء مناقشات الأعمال الجادة مع شركات أمواس الحلاقة.

أوضحت لبراين أن الموضوع يتطلب أكثر من بضعة قياسات ليأخذوه على محمل الجدّ. والسبب هو أن المعادن مكونة من بلورات. فشفرة موسى الحلاقة العادية مكوّنة من بلايين البلورات، وفي كل بلورة منها تنتظم الذرّات بطريقة دقيقة جداً بنمط ثلاثي الأبعاد يقارب الكمال. تقوم الروابط بين الذرّات بتثبيتها في مكانها وإعطاء البلورة قوتها. لذلك يتثلم موسى الحلاقة بسبب التصادمات الكثيرة بينه وبين الشعر الذي يواجهه، فترغم هذه التصادمات أجزاءً من البلورات على إعادة تشكيل نفسها بطريقة مختلفة وذلك بكسر روابط وتأليف أخرى جديدة ما يؤدّي إلى خلق أثلام دقيقة في حافة الموسى الملساء. أما شحذ الموسى بواسطة تقنية إلكترونية كما اقترح براين فسيتطلب عكس العملية. بمعنى آخر، سيستوجب تحريك الذرّات لإعادة بناء البنية التي دُمّرت. لكي يؤخذ على محمل الجد، لن يحتاج براين إلى مجرد دليل على إعادة البناء على نطاق البلورات فحسب، بل سيحتاج إلى شرح منطقي في النطاق الذرّي للآلية التي تعمل عليها طريقته. فالحرارة، سواء تولّدت إلكترونياً أم لا، لها تأثير مختلف عادة عما يزعمه هو. ”فهي تلين بلورات المعدن“، أوضحتُ له. ولكن براين كان متعنّتاً لفكرة أن آلته لم تكن تسخن أمواس الحلاقة الفولاذية.
لعلّ من الغريب أن نفكر في أن المعادن مكوّنة من بلورات، ذلك أن الصورة النمطية التي كونّاها عن البلورات أنها حجر كريم شفاف متعدد الأسطح كالألماس والزمرّد. ولكن الطبيعة البلورية في المعادن مخفيّة عنا لأن بلورات المعدن معتمة وغير شفافة، وهي صغيرة مجهرياً في معظم الحالات. عند مشاهدتها بواسطة مجهر إلكتروني، تبدو البلورات في قطعة المعدن مثل رصفٍ مجنون، وفي داخل هذه البلورات خطوط متعرجة – تسمّى الانخلاعات. وهي اختلال في بلورات المعدن، وتمثل انحرافات في الانتظام المثالي البلوري في الذرّة – أي إنها اضطرابات ذرية لا يجب أن تكون موجودة. إنها تصدر صوتاً مزعجاً، ولكن تبيّن أنها ذات منفعة كبيرة. فهذه الانخلاعات هي ما يجعل المعدن مميزاً كمادة لصنع الأدوات، والحافات القاطعة، وأخيراً شفرات أمواس الحلاقة، لأنها تسمح لبلورات المعدن بتغيير شكلها.
أنت لست بحاجة إلى مطرقة لتختبر قوة الانخلاعات، فعندما تثني دبّوس ورق، فإن بلورات المعدن هي التي تنثني في الحقيقة. إن لم تنثنِ هذه البلورات فسيكون دبّوس الورق هشاً وسينقصف كعود خشب. إن هذا السلوك الأشبه بسلوك البلاستيك يتم بسبب الانخلاعات التي تتحرك داخل البلورة. فهي تنقل مع حركتها أجزاءً دقيقة من المادة من إحدى جهات البلورة إلى الأخرى. ويتم ذلك بسرعة الصوت. عندما تثني دبّوس ورق، أنت تسبّب تحريك ما يقارب (???.???.???.???.???) انخلاعاً بسرعة مئات آلاف الأمتار في الثانية. رغم أن كل انخلاع يحرّك جزءاً دقيقاً من البلورة (سطح ذرّي واحد في الحقيقة)، إلا أن هناك ما يكفي منها ليسمح للبلورات بأن تتصرف كبلاستيك قوي جداً بدلاً من حجر هشّ.

تُعدّ نقطة ذوبان المعدن مؤشراً على مدى تماسك ذرّات المعدن بعضها مع بعض، وبالتالي تؤثر على مدى سهولة تحرك الانخلاعات. إن نقطة ذوبان الرصاص منخفضة، وبالتالي تتحرّك الانخلاعات بسهولة تامة، ما يجعله معدناً ليّناً جداً، بينما نقطة ذوبان النحاس أعلى، ما يجعله أقوى. إن تسخين المعادن يسمح للانخلاعات بالتحرّك وإعادة ترتيب نفسها، ما يؤدي إلى نتائج منها جعل المعادن أكثر ليناً.
كان اكتشاف المعادن لحظة مهمة في فترة ما قبل التاريخ، ولكنه لم يحلّ المشكلة الجوهرية المتمثلة بندرتها. من الواضح أن أحد الخيارات هو انتظار بعضها ليسقط من السماء، ولكن هذا يتطلب صبراً جمّاً (فبعض الكيلوغرامات تسقط على سطح الأرض سنوياً، ولكن أغلبها يسقط في المحيطات). في مرحلة ما، حقّق الإنسان اكتشافاً سينهي العصر الحجري، ويفتح الباب على ما قد يكون مخزوناً غير محدود من المواد الخام. لقد اكتشف أنه عند وضع حجر مخضرٍّ من نوع معيّن في نار شديدة الحرارة محاطاً بجمرات متوهجة، يتحوّل الحجر إلى قطعة معدنية لامعة. إن هذا الحجر المخضرّ هو المالاكيت، وبالطبع كان المعدن الناتج هو النحاس. لا بدّ من أنه كان أكثر التجليات إبهاراً. بهذا وجد المكتشفون أنفسهم فجأة محاطين، لا بصخور جامدة ميتة، بل بأشياء غامضة تحتوي على حياة داخلها.
كانوا قادرين على إجراء هذا التحويل على أنواع معينة قليلة من الصخور، مثل المالاكيت، لأن إنجاح العملية بطريقة موثوقة يعتمد على تحديد هذه الصخور من جهة، وعلى التحكم الدقيق بالظروف الكيميائية للنار من جهة. ولكن لا بدّ من أنهم شكّوا في أن هذه الصخور التي لم تتحول، والتي بقيت متصلبة كالصخر مهما اشتدّت حرارة النار عليها لها سرّ خفي. وقد كانوا على حق. إنها عملية تنجح على العديد من المعادن، على الرغم من مضي آلاف السنين قبل فهم الكيمياء المطلوبة (التحكم بالتفاعلات الكيميائية بين الصخر وبين الغازات الناتجة عن النار) التي أدّت إلى تطور حقيقي في عملية الصهر.
في تلك الأثناء، منذ حوالى ???? سنة قبل الميلاد، لجأ الحدادون الأوائل إلى التجربة والخطأ لصقل عملية إنتاج النحاس. إن صناعة الأدوات النحاسية استحدثت نمواً مذهلاً في تكنولوجيا الإنسان، لفعاليتها في ولادة تقنيات ومدن أخرى وولادة أولى الحضارات العظيمة. إن أهرام مصر خير مثال على ما أصبح ممكناً الحصول عليه بوجود أدوات نحاسية وفيرة. استُخرجت كل كتلة حجرية لكل هرم من منجم ونُحتت يدوياً على حدة باستخدام أزاميل نحاسية. تشير التقديرات إلى أن عشرة آلاف طن من خامة النحاس نُقّبت في أرجاء مصر القديمة لصنع الثلاثمئة ألف إزميل المطلوبة. كانت إنجازاً ضخماً لولاه ربما لما أمكن بناء الأهرام، على الرغم من العبيد الذين سُخّروا للعمل، لأنّ من غير المجدي نحت الصخر من دون أدوات معدنية. ما يدعو للدهشة أكثر هو حقيقة أن النحاس ليس المادة المثالية لنحت الصخر لأنه ليس قاسياً جداً. إن نحت قطعة من حجر الجير باستخدام إزميل نحاسي يؤدي إلى ثلم الإزميل بسرعة. يُقدّر أن الأزاميل النحاسية كانت تحتاج إلى سنّ بعد عدة ضربات لكي تكون فعالة. بالتالي فإن النحاس ليس مثالياً لشفرات أمواس الحلاقة لنفس السبب.
يُعدّ الذهب معدناً ليناً نسبياً آخر، لدرجة أنّ من النادر جداً صنع الخواتم من الذهب الخالص لأنها تنخدش بسرعة. ولكن إذا خلطتَ الذهب بإضافة نسبة مئوية بسيطة من معدن آخر كالفضة أو النحاس، لا تغيّر لون الذهب فحسب – الفضّة يعطي الذهب لوناً أكثر بياضاً، بينما يجعل النحاس الذهب أكثر احمراراً – بل تجعل الذهب أقسى، بل أقسى بكثير. إن هذا التغيّر في خواصّ المعدن بإضافات بسيطة لمكوّنات أخرى هو ما يجعل دراسة المعادن ساحرة. في حالة سبائك الذهب، قد تتساءل أين تذهب ذرّات الفضّة. الجواب هو أنها تأخذ مكانها داخل البنية البلورية في الذهب، أي إنها تحتل مكان ذرّة الذهب. هذا التبدل داخل الشبكة البلورية في الذهب هو ما يجعله أكثر صلابة.
تميل خلائط المعدن لأن تكون أكثر صلابة من المعادن الخالصة لسبب واحد بسيط جداً: هو أن ذرّات الخليط لديها حجم وكيمياء مختلفان عن ذرّات المعدن المضيف، لذلك عندما تأخذ مكانها داخل البلورة المضيفة تسبب كل أنواع الاضطرابات الإلكترونية والميكانيكية، ما يؤدي إلى أمر جوهري آخر: هو أنها تجعل تحرك الانخلاعات أكثر صعوبة. وإن كان من الصعب على الانخلاعات التحرك، يصبح المعدن أكثر صلابة لأنه يصبح من الصعب على البلورات المعدنية أن تغيّر شكلها. إذاً فتصميم خلائط المعدن هو فنّ منع حركة الانخلاعات.
هذه التبدلات الذرية تحصل بطريقة طبيعية داخل بلورات أخرى أيضاً. فمثلاً نجد أن بلورة أكسيد الألمنيوم بلا لون إن كانت نقيّة، ولكنّها تصبح زرقاء إذا ما احتوت على شوائب من ذرّات الحديد. إنه حجر الياقوت الأزرق (الزفير). ونفس بلورة أكسيد الألمنيوم إذا احتوت على شوائب من ذرّات الكروم تشكل لدينا الحجر الكريم الياقوت الأحمر (الروبي).

تمثل عصور الحضارة، من العصر النحاسي مروراً بالعصر البرونزي إلى العصر الحديدي، تتابعاً أقوى فأقوى لخلائط المعدن. يُعد النحاس معدناً ضعيفاً، ولكنه يُستحدث بطريقة طبيعية ومن السهل صهره، بينما البرونز هو خليط من النحاس يحتوي على مقادير صغيرة من القصدير وفي بعض الأحيان من الزرنيخ، وهو أكثر متانة من النحاس بكثير. لذلك، إن كان لديك نحاس، وكنت تعلم ما تفعله، بجهد قليل مضاف يمكنك صنع أسلحة وأمواس أقوى وأقسى من النحاس بعشر مرات. ولكن المشكلة الوحيدة هي أن القصدير والزرنيخ نادران للغاية. لذلك استُحدثت طرق تجارية مدروسة في العصر البرونزي لجلب القصدير من أماكن مثل كورنوول (Cornwall) وأفغانستان إلى مراكز الحضارة في الشرق الأوسط تماماً لهذا السبب.
حتى أمواس الحلاقة الحديثة مصنوعة من خلائط معدنية، ولكن، كما شرحت لبراين، إنها نوع خاص جداً من الخلائط، أربك وجودها أجدادنا القدامى لآلاف السنين. الفولاذ، خليط الحديد والكربون، هو أقوى من البرونز، مع وجود مكونات متوافرة بكثرة، فتقريباً كل قطعة صخر تحوي على بعض الحديد، كما أن الكربون موجود في محروقات أيّ نار. لم يدرك أجدادنا أن الفولاذ هو خليط – وأن الكربون، في هيئة الفحم، لم يكن مجرد وقود يُستخدم للتدفئة ولإعادة تشكيل الحديد ولكن يمكنه أيضاً أن يدخل إلى داخل بلورات الحديد في أثناء العملية. رغم أن الكربون لا يفعل ذلك للنحاس أثناء الصهر، ولا للقصدير أو البرونز، ولكنه يدخل في الحديد. لا بد أنه كان أمراً غامضاً للغاية – الآن فقط، مع معرفة ميكانيكا الكمّ أصبحنا قادرين على الحصول على شرح حقيقي لسبب حصول هذا (لا يأخذ الكربون في الفولاذ مكان ذرّات الحديد في البلورة، ولكنه قادر على ضغط نفسه بين ذرّات الحديد، مما يكوّن بلورة ممتدة).
هناك مشكلة أخرى أيضاً. إذا اختلط الحديد مع الكثير من الكربون – إذا احتوى على سبيل المثال على ? بالمئة بدلاً من ? بالمئة من الكربون – يصبح هشاً للغاية وعديم الجدوى للأدوات والأسلحة. وهذا عائق رئيسي لأنّ ثمة الكثير من الكربون في النار. اترك الحديد في النار لمدّة طويلة، أو اتركها لتصبح سائلاً في النار، سيدخل كم كبير من الكربون إلى داخل بلورات المعدن، وسيجعل الخليط هشّاً جداً. لذلك تنقصف السيوف المصنوعة من هذا الفولاذ عالي الكربون أثناء المبارزة.
حتى القرن العشرين، عندما شُرحت عملية خلط المعادن على نحو تام لأول مرة، لم يفهم أحد لم نجحت بعض عمليات صناعة الفولاذ بينما فشل غيرها. لقد أنشئت عن طريق التجربة والخطأ، وأولئك الذين نجحوا فيها نقلوها إلى الجيل التالي وكانت عادة أسراراً مهنيّة. لكنها كانت معقدة جداً حتى إذا ما سرقت كانت فرص نجاح استنساخ عملية صناعة الفولاذ الخاصة بشخص ما ضعيفة جداً. أصبحت بعض عادات التعدين في بعض الثقافات معروفة بصناعة فولاذ عالي الجودة، وقد ازدهرت مثل هذه الحضارات.
في عام ???? اكتشف البروفسور ريتشموند (Richmond) من جامعة أكسفورد حفرة حفَرها الرومان في سنة ?? للميلاد، وقد احتوت على ???.??? مسماراً صغيراً بطول إنشين اثنين، ??.??? مسماراً متوسّط الحجم، ??.??? مسماراً كبير الحجم، و ?.??? مسماراً ضخماً بطول ?? إنشاً. كانت الذخيرة من الحديد والفولاذ لا من الذهب، ما أصاب معظم الناس بخيبة أمل كبيرة، على عكس البروفسور ريتشموند. تساءل في نفسه لمَ قد يدفن جيش روماني سبعة أطنان من الحديد والفولاذ؟
كان الجيش قد احتلّ مقرّ أغريكولا (Agricola) في مكان يُدعى إنشتوتهيل (Inchtuthil) في اسكتلندا. كانت هذه في الحدود الخارجية للإمبراطورية الرومانية، وكانت مهمّة الجيش حماية حدودها ممّا اعتبروه قبائل بربرية تهدّد حدودها: القبائل السلتية (The Celts). احتلّ الجيش المؤلف من خمسة آلاف رجل المنطقة لست سنوات قبل الانسحاب أخيراً، والتخلي عن قلعتهم في تلك العملية. لقد بذلوا كل جهدهم لئلا يتركوا أيّ شيء قد يساعد أعداءهم. فسحقوا كل عبوات الطعام والشراب وأحرقوا القلعة عن بكرة أبيها. ولكنهم لم يكتفوا بذلك. كانت المسامير الفولاذية التي عززت تماسك القلعة بين الرماد، وكانت أثمن من أن يتركوها للقبائل التي دفعتهم للخروج. بالحديد والفولاذ تمكن الرومان من بناء القنوات المائية والسفن والسيوف. لقد مكنتهم من صنع إمبراطورية. فترك المسامير لأعدائهم سيكون مفيداً لهم كترك مخبأ من الأسلحة، لذلك دفنوها في حفرة قبل الزحف باتجاه الغرب. من بين الأشياء القليلة والصغيرة التي ربما أخذوها معهم إضافة لأسلحتهم ودروعهم، كانت شفرات أمواس الحلاقة الرومانية نوفاتش (novacili) التي جسّدت طريقتهم الحضارية في الحياة. مكّنت النوفاتش والحلاقون الذين استخدموها الرومان من الانسحاب متأنّقين حليقي الذقون، لكي يميزوا أنفسهم عن القبائل البربرية التي طردتهم خارجاً.
لقد أوجد الغموض الذي لفّ صناعة الفولاذ أساطير مختلفة. وقد رُمز إلى توحيد بريطانيا واستعادتها للنظام في أعقاب انسحاب الرومان منها بواحدة من أكثر الأساطير استمراراً: إكسكاليبور. السيف الأسطوري للملك آرثر، الذي تُنسب إليه أحياناً قوىً خارقة كما يرتبط بالسيادة الشرعية لبريطانيا. في وقت كانت فيه السيوف تنقصف عادة في المعارك، تاركة الفارس أعزل، كان من السهل أن نرى كيف أصبح السيف الفولاذي العالي الجودة الذي يستخدمه محارب عظيم يمثّل تفوّق الحضارة على الفوضى. إن الحقيقة التي تقتضي اتباع طقوس معينة في صناعة الفولاذ تساعد بالضرورة على شرح السبب الذي جعل هذه المادّة ترتبط بالسحر.
لا يمكن لهذا أن يكون أكثر حقيقة في غير اليابان، حيث أخذت صياغة سيف الساموراي أسابيع وأصبح جزءاً من مراسم دينية. ”Ama-no-Murakumo-no-Tsurugi“ (سيف غيوم السماوات المتجمعة) هو سيف أسطوري ياباني كان يسمح للمحارب العظيم ياماتو تاكيرو (Yamato Takeru) بأن يتحكم بالريح ويهزم كل أعدائه. على الرغم من الطقوس والقصص المدهشة، لم تبقَ فكرة صنع سيوف أقوى وأحدّ بعشرة أضعاف من غيرها مجرد أسطورة بل حقيقة واقعة. في القرن الخامس عشر للميلاد، كان السيف الذي يصنعه من الفولاذ رجال الساموراي في اليابان أفضل سيف عرفه العالم وبقي بارزاً لخمسمئة عام حتى قدوم علم الفلزات كعلم في القرن العشرين.
كانت سيوف الساموراي تُصنع من نوع خاص من الفولاذ يسمى ”tamahagone“ ويمكن ترجمته (الفولاذ النفيس)، كان يُصنع من رمال المحيط الهادئ السوداء البركانية (غالباً ما تحتوي هذه على خامات حديد تُسمّى المغنيتيت، وهي المادة الأصلية المستخدمة في إبرة البوصلة). يُصنع هذا الفولاذ في حوض طيني ضخم يبلغ ارتفاعه أربعة أقدام وعرضه أربعة أقدام وطوله اثني عشر قدماً ويُسمى تاتارا (tatara). ”يُشوى“ الحوض – الذي يقسو ويتحوّل من طين مصبوب إلى خزف – وذلك بإشعال النار داخله. بعد شيّه يُرصّ بإتقان بطبقات من الرمل الأسود والفحم الأسود التي تتبدّد في أتون الخزف. تأخذ هذه العملية أسبوعاً وتتطلب انتباهاً مستمراً من فريق مؤلف من أربعة إلى خمسة أشخاص. يتأكد هؤلاء من بقاء حرارة النار عالية كفاية وذلك بضخ الهواء في التاتارا باستخدام منفاخ يدوي. في النهاية تتحطم التاتارا ويُنبش الفولاذ ”tamahagone“ من بين الرماد وبقايا الفحم والرمل. إن هذه الكتل من الفولاذ المتغيّر اللون تبدو مقززة، ولكنها تتألف من مجموعة كاملة من محتويات الكربون، بعضها نسبة الكربون فيها منخفضة جداً وفي بعضها عالية.
يكمن ابتكار الساموراي في القدرة على تمييز الفولاذ العالي الكربون، وهو قاسٍ ولكن هش، من الفولاذ القليل الكربون، وهو صلب ولكن ليّن نسبياً. وقد تمكنوا من تمييزه من مظهره، ومن ملمسه بين أيديهم، ومن صوته عند ضربه. عند فصل الأنواع المختلفة من الفولاذ، كانوا حريصين على استخدام الفولاذ القليل الكربون لصنع وسط السيف. ما منح السيف صلابة شديدة، مع مرونة بسيطة، بمعنى أنّ من المستبعد أن ينقصف النصل في المبارزة. ثم لحموا الفولاذ العالي الكربون على حافة النصل، وهو هش ولكن قاسٍ جداً وبالتالي كان من الممكن جعله حاداً جداً. باستخدام الفولاذ القوي العالي الكربون كغلاف فوق الفولاذ الصلب القليل الكربون تمكنوا من الحصول على ما ظنّه الكثيرون مستحيلاً: حسام قادر على الصمود أمام التصادم مع سيوف ودروع أخرى مع بقائه حادّاً بما يكفي ليقطع رأس إنسان. وهو أفضل ما في العالَمَين.
لم يتمكن أحد من صناعة فولاذ أقوى وأصلب من الساموراي حتى حلول الثورة الصناعية، حيث بدأت حينها الدول الأوروبية لأول مرّة ببناء بنىً على نطاق أوسع وأكثر طموحاً – كالسكك الحديدية والجسور والسفن – استعملوا الحديد الصبّ لأنه كان بالإمكان صنعه بكمّيات كبيرة وصبّه في قوالب. من سوء الحظ أنه كان شديد العرضة للتشقق في ظروف معينة، ومع ازدياد الطموح في الهندسة، طرأت هذه الظروف أكثر فأكثر.
من أسوأ الحوادث التي حصلت في اسكتلندا كان انهيار جسر نهر تاي المصنوع من الحديد الصب، أطول جسر في العالم، ليلة الثامن والعشرين من ديسمبر عام ????، وقذف قطار يحمل خمسةً وسبعين راكباً إلى نهر تاي في أثناء عاصفة قويّة وأدّى إلى موت كل من كان على متنه. لقد أكدت هذه الكارثة ما اعتقده الكثيرون، وهو أن الحديد لم يكن كفئاً للعمل. لم يكن المطلوب القدرة على صنع فولاذ صلب كسيف الساموراي فحسب، بل القدرة على الإنتاج الشامل له أيضاً.
في ذات يوم، قام مهندس يدعى هنري بيسمير (Henry Bessemer) من شيفيلد (Sheffield) ووقف في مؤتمر للجمعية البريطانية للتقدّم العلمي وأعلن أنه نجح في الأمر. لم تتطلب عمليته تلك الإجراءات المفصّلة للساموراي، بل كان بإمكانه صنع الفولاذ السائل. لقد كانت ثورة في الصناعة.
كانت عملية بيسمير بديعة ببساطتها. كانت تنطوي على نفخ الهواء في الحديد المصهور، فيتفاعل الأكسجين في الهواء مع الكربون في الحديد ويزيله على شكل غاز ثاني أكسيد الكربون. تطلب ذلك معرفة في الكيمياء ولأول مرة وضع صناعة الفولاذ على الطريق العلمي.
علاوة على ذلك، كان التفاعل بين الأكسجين والكربون عنيفاً جداً وأدّى إلى حرارة شديدة، هذه الحرارة رفعت حرارة الفولاذ ما جعله حاراً وسائلاً. كانت العملية بسيطة ويمكن تطبيقها في مجال الصناعة. لقد كانت الحلّ.
المشكلة الوحيدة في عملية بيسمير هي أنها لم تنجح، أو على الأقل هذا ما قاله كل من قام بتجربتها. سرعان ما طالبه صنّاع الفولاذ الغاضبون الذين اشتروا رخصة منه واستثمروا مبالغ كبيرة من المال في المعدات اللازمة لإنتاج الحديد الهشّ، باسترداد أموالهم. لم يكن لديه جواب لهم. ولم يفهم لمَ تنجح العملية حيناً وتفشل أحياناً، ولكنه تابع العمل على تقنيته، وبمساعدة عالم الفلزات البريطاني روبرت فورستر موشيت (Robert Forester Mushet) تبنّى تقنيّة الأخير. بدلاً من إزالة الكربون إلى أن يصل حدّ المقدار المطلوب، حوالى ? بالمئة، اقترح موشيت إزالة الكربون بكامله ثم إضافة نسبة ? بالمئة منه من جديد. فنجحت هذه العملية وكانت قابلة للإعادة.
بالطبع، عندما حاول بيسمير أن يثير اهتمام العالم بهذه العملية الجديدة، تجاهله صنّاع الفولاذ الآخرون وحسبوا أنها عملية احتيال أخرى. وأصروا على أن صنع الفولاذ من الحديد السائل ضرب من الاستحالة، وأن بيسمير رجل محتال. في النهاية رأى أنه لا خيار سوى إنشاء معمل فولاذ خاص به وبدأ بصنع المادة لنفسه. بعد عدة سنوات كانت مؤسسة هنري بيسمير وشركاه تنتج الفولاذ أرخص بكثير وبكمّيات أكبر من منافسيها فاضطرّ المنافسون بالنتيجة إلى شراء إجازة منه للقيام بالعملية، الأمر الذي جعله رجلاً فاحش الثراء وأدخل عصر الآلات.
هل يعقل أن يكون براين بيسمير آخر؟ هل يعقل أنه عثر صدفة على عملية تتيح له إعادة تنظيم بنية بلورات المعدن في حافة شفرة موسى الحلاقة من خلال نشاط في المجال الإلكتروني أو المغناطيسي، وهي عملية لم يكن على دراية بها ولكنها موجودة رغم ذلك؟ ثمة الكثير من القصص عن أولئك الذين سخروا من الأشخاص الحالمين ليعودوا فيحرجوا أمام نجاحهم اللاحق. كثيرون سخروا من أن فكرة آلات طائرة أثقل من الهواء فكرة ممكنة، ومع ذلك نطير كلنا فيها. وبالمثل التلفاز والهاتف النقال وأجهزة الحاسوب – كلها برزت من سحابة سخرية.
حتى القرن العشرين، كانت أمواس الحلاقة الفولاذية ومباضع الجراحة باهظة الثمن، ذلك أنها كانت تُصنع يدوياً من أجود أنواع الفولاذ لأن هذا النوع من الفولاذ يمكن شحذه بما يكفي لقصّ شعر الوجه بشكل نظيف وبلا جهد ومن دون تمزق. (أي شخص سبق أن استعمل موسى حلاقة مثلوماً يعلم تماماً شدّة ألم أدنى تمزق.) ولأن الفولاذ يتآكل بوجود الهواء والماء فإن تنظيف أمواس الحلاقة يثلمها أيضاً، حيث تصدأ الحافة القاطعة حرفياً. لذلك، كانت طقوس الحلاقة طوال آلاف السنين تبدأ بعملية السنّ: عملية شحذ الشفرة بتمريرها جيئة وذهاباً على طول قطعة جلد. قد تظنّ أنّ من غير المعقول لمادّة ناعمة كالجلد أن تكون قادرة على سن الفولاذ، وأنت على حق. إن ذلك المسحوق الخزفي الدقيق المخصب في المشحذ الجلد هو ما يقوم بعملية السن. كان يُستعمل تقليدياً معدن يُسمى أحمر الصائغ (jeweler’s rouge) ولكن يشيع في هذه الأيام استخدام مسحوق الألماس. إن عملية تمرير الفولاذ على المشحذ، بطريقة التقليب جيئة وذهاباً تسبّب مواجهة الموسى مع جسيمات الألماس القاسية الموجودة في المسحوق، ما يزيل مقادير صغيرة جداً من المعدن أثناء الاصطدام، فيعيد بذلك الحافة القاطعة الملساء الناعمة.
ولكن هذا تغيّر في عام ????، عندما قرّر رجل أعمال يدعى كينغ كامب جيليت (King Camp Gillette) استخدام الفولاذ الصناعي الرخيص المنتج على طريقة بيسمير لصناعة أمواس حلاقة قابلة للاستهلاك. كانت هذه عملية تعميم الحلاقة. كانت فكرته إلغاء الحاجة لسنّ الشفرة وذلك بجعلها زهيدة جداً لدرجة تمكنك من رميها ببساطة عند ثلمها. في عام ???? باع جيليت ?? موسى حلاقة و??? شفرة، وفي السنة التالية باع ??.??? موسى حلاقة و???.??? شفرة. وفي حلول عام ????، أقامت الشركة معامل في الولايات المتحدة وكندا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا، وتجاوزت مبيعات شفرات أمواس الحلاقة سبعين مليوناً. وأصبحت شفرات الحلاقة الفولاذية من اللوازم الدائمة في كلّ حمام، ولم يعد الناس بحاجة للذهاب إلى الحلاق لحلاقة الذقن. وهكذا بقيت الحال: مع وجود عدد من الحركات التي تدعو للعودة إلى الأصول في مجال إنتاج الأطعمة، لم يرغب أحد في أن يقص شعره بسكين نحاسية أو يحلق ذقنه بشفرة مثلومة.
كان تصميم عمل جيليت ذكياً لعدة أسباب أحدها هو أنه لا شك في أن أمواس الحلاقة ستتثلّم إن لم يكن بسبب الحلاقة فسرعان ما ستفقد حافتها بسبب الصدأ، ما سيضمن إعادة العملية. ولكن كانت هناك حبكة أخرى في الحكاية، وهي ابتكار بسيط إلى حدّ كبير لدرجة أن تم اكتشافه بمحض الصدفة.
في عام ????، بينما كانت القوات الأوربية مشغولة بتسليح نفسها للحرب العالمية الأولى، كان عمل هاري بريرلي (Harry Brearley) هو دراسة خلائط المعدن لابتكار بنادق مدفعية متطورة. وكان عمله في واحد من مختبرات علم الفلزات في شيفيلد في إنكلترا، فكان يضيف مختلف عناصر التأشيب1 للفولاذ، ويجمع عيّنة، ثم يختبر قسوتها ميكانيكياً. كان بريرلي يعلم أن الفولاذ ما هو إلا خليط من الحديد والكربون، وكان يعلم أن ثمة الكثير من العناصر الأخرى التي يمكن إضافتها لتحسين أو لتدمير خواصّه. لم يعلم أحد في حينها لماذا، لذا استمرّ بطريقة التجربة والخطأ، وإذابة الفولاذ وإضافة مختلف المكونات ليكتشف تأثيرها. في يوم ما كان الألمنيوم، والذي يليه كان النيكل.
1 عمليّة خلط المعادن بعضها ببعض (م).
لم يحرز بريرلي أيّ تقدم. إن تبيّن أن العينة ليست قاسية، كان يرميها في الزاوية. جاءت لحظة العبقرية بعد شهر عندما مرّ في مختبره ليلحظ بين كوم العينات الصدئة بريقاً لامعاً. بدلاً من تجاهله والتوجّه للحانة، التقط هذه العينة التي لم تصدأ ولاحظ أهميتها: كان يمسك بيده أول قطعة فولاذ مقاوم للصدأ عرفها العالم.
بمحض الصدفة، وبالحصول على النسب الصحيحة لاثنين من مكونات التأشيب، هما الكروم والكربون، تمكن من ابتكار بنية بلورية مميزة بحيث أدخلت ذرّات كل من الكروم والكربون إلى داخل بلورات الحديد. إن إضافة الكروم إلى الحديد لم تزد في قسوته لذلك رفض العينة، ولكنها فعلت شيئاً آخر أكثر إثارة للاهتمام. عادة، عندما يتعرض الفولاذ للماء والهواء، يتفاعل الحديد الموجود على السطح ليشكل أكسيد الحديد الثلاثي، وهو معدن أحمر يُعرف بالصدأ. عندما يتقشّر هذا الصدأ يعرّض طبقة أخرى لتآكل إضافي، ما يجعل الصدأ مشكلة مزمنة في بنى الفولاذ، ومن هنا جاءت الحاجة لطلي الجسور والسيارات الفولاذية. ولكن مع وجود الكروم يحدث شيء آخر. مثل ضيف شديد التهذيب، يتفاعل الكروم مع الأكسجين قبل أن تتمكن ذرّات الحديد المضيفة من ذلك منتجاً أكسيد الكروم. إن أكسيد الكروم معدن قاسٍ وشفاف ويثبت تماماً على الفولاذ. بمعنى آخر، إنه لا يتقشر ولا تعلم أنه موجود. بل يصنع طبقة كيميائية واقية غير مرئية على كامل سطح الفولاذ. الأكثر من ذلك، أصبحنا نعلم الآن أن هذه الطبقة الواقية ذاتية الالتئام، أي عندما تخدش طبقة الفولاذ المقاوم للصدأ، رغم أنك تكسر الحاجز الواقي يعيد تشكيل نفسه بنفسه.
تابع بريرلي في محاولة لصنع أول سكاكين فولاذية مقاومة للصدأ في العالم، ولكنه واجه مشاكل مباشرةً. لم يكن المعدن الناتج قاسياً ما يكفي لصنع حافة حادة، وسرعان ما سُميت السكاكين ”التي لا تقطع“. إن نقص القسوة هذا هو السبب الذي دعا بريرلي بالنتيجة إلى رفض هذا الخليط في صناعة مواسير البنادق. ولكن نقص القسوة سمح للخليط بفعل شيء آخر، بدا ظاهراً لاحقاً ذلك القرن – بمعنى أنه أمكن تشكيله بأشكال معقدة أدت بالنهاية إلى واحدة من أكثر قطع النحت تأثيراً، الموجودة تقريباً في كل منزل، ألا وهي حوض غسل الأطباق.
أثبتت أحواض غسل الأطباق من الفولاذ المقاوم للصدأ أنها حصينة ولامعة ويبدو أنها قابلة لاستيعاب كلّ ما يُرمى إليها. في عالم نحرص فيه على التخلص من الفضلات مباشرة وبشكل ملائم – من شحوم ومواد تبييض ومواد حامضية – نجت هذه المادة لأجلنا حتماً. لقد طردت أحواض الخزف من المطابخ، وستطرد وعاء الخزف من الحمام إن سمحنا لها، ولكننا ما زلنا لا نثق تماماً بهذه المادة الجديدة لذلك النوع الحميم من أعمال التخلص من الفضلات.
يُعدّ الفولاذ المقاوم للصدأ خلاصة عصرنا الحديث. إنه لامع ونظيف المظهر، ويبدو غير قابل للتلف، ولكنه ديمقراطي بشكل لا محدود: في أقل من مئة عام أصبح هذا المعدن أكثر معدن نحن على اطلاع ومعرفة به. في النتيجة، نحن نضعه في أفواهنا تقريباً كل يوم. فقد نجح بريرلي بالنهاية في صنع أدوات المائدة من الفولاذ المقاوم للصدأ، كما أن طبقة أكسيد الكروم هي التي تجعل الملعقة بلا طعم، بما أن لسانك لا يلمس المعدن أبداً في الواقع، ولأن لعابك لا يمكنه أن يتفاعل معه. عنى ذلك أننا من الأجيال الأولى التي لم يكن عليها تذوّق طعم أدوات المائدة. عادة ما استُخدم أيضاً في فن العمارة والفنون تحديداً لأن سطحه اللامع يوحي بأنه غير قابل للتآكل. خير مثال على ذلك بوابة الغيوم (Cloud Gate) لآنيش كابور (Anish Kapoor) في شيكاغو. إنها تعكس لنا شعورنا بالحداثة، وبكوننا تحليليين، وبانتصارنا على السخام والوسخ والفوضى في الحياة. إنها تعكس كوننا لا نقهر.
بإيجاد حل لمشكلة صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ والقاسي كفاية لأدوات المائدة، وجد علماء الفلزات الحل لمشكلة صدأ أمواس الحلاقة عن غير عمد. واختراع أفضل شفرة موسى حلاقة عرفها العالم، وبالتالي تغيير مظهر الكثير من الوجوه والأبدان. ولكن من دون قصد، كان تأهيل الحلاقة سبباً في خلق سلاح اختياري لجرائم الشارع: أمواس الحلاقة المتينة وزهيدة الثمن، ولكن أكثر من ذلك أنها حادة بشكل مطلق – وقادرة على شق عدّة طبقات من الجلد والصوف والقطن والبشرة، كما أعرف تمام المعرفة.
كنت أزن كل هذا في ذهني أثناء حديثي مع براين عن عمليته الجديدة لإعادة شحذ شفرات أمواس الحلاقة الفولاذية المقاومة للصدأ. بما أن الفولاذ المقاوم للصدأ، القاسي والصلب والحاد والمنيع أمام الماء والهواء، تمّ التوصل إليه عن طريق التجربة والخطأ على مرّ بضعة آلافٍ من السنين، لا يبدو من المستحيل تماماً أن يعثر أحدهم صدفة، ولو من دون تدريب علمي، على عملية لإعادة شحذ شفرة حلاقة. إن عالم المواد المجهري واسع ومعقد جداً لدرجة أن جزءاً صغيراً منه تمت دراسته.
في نهاية ذلك المساء، وعند مغادرتنا الحانة، صافحني براين وقال إنه سيبقى على اتّصال. بينما كان يترنح في طريق دبلن مغموراً بالضوء الأصفر لمصابيح الصوديوم في الشارع، التفت إليّ وصاح بثمالة ”مرحى لإله الفولاذ!“ افترضت أنه كان يقصد هيفيستوس (Hephastos) إله المعدن والنار والبراكين في الميثولوجيا الإغريقية، الذي كان يصوّر كلاسيكياً على أنه حدّاد في كور حدادة، معاق جسدياً ومشوّه، ربما يعاني من التسمّم بالزرنيخ، وهو بلاء شائع بين الحدادين في ذلك الوقت، الذين كانوا يتعرّضون لمستويات عالية من التسمم بالزرنيخ في أثناء صهر البرونز، ما كان يسبّب العرج وسرطان الجلد. نظرت إلى براين وهو يترنح في الطريق – بعكازه ووجهه المحمرّ – وتساءلت، ليس للمرة الأولى ذاك المساء، عمن كان.
?. الموثوق

أصبح الورق جزءاً من حياتنا اليومية حتى أصبحنا ننسى بسهولة كم كان نادراً وغالي الثمن معظم التاريخ. نحن نستيقظ صباحاً لنجد الورق يزين جدراننا، سواء على شكل ملصقات ومطبوعات أو على شكل ورق جدران. ثم نتوجّه إلى الحمام لنقوم بالتطهّر الصباحي حيث نستخدم ورق الحمام، وهي مادة سرعان ما تثير في غيابها أزمة شخصية. نتوجّه إلى المطبخ لنجد الورق على هيئة ورق مقوّى لا يوفر فقط عبوة لحبوب الفطور، بل ولوحة صوت لها أيضاً وهي تجلجل أغنية الصباح المرحة. وبالمثل نجد عصير الفواكه معبّأً في ورق مقوّى مشمّع، وكذلك الحليب. أوراق الشاي محفوظة داخل كيس شاي ورقي حتى يمكن غمرها في الماء الساخن ثم سحبها بسهولة، والقهوة أيضاً تُنقّى بالورق. قد نتوجّه بعد الفطور لمواجهة العالم، ولكن نادراً ما نفعل ذلك من دون أخذ الورق معنا على هيئة أوراق نقدية، سندات، كتب ومجلات. حتى إن لم نغادر المنزل ومعنا ورق، فسرعان ما نكدسه: يصدر الورق لنا على هيئة بطاقات النقل، نلتقط الصحف، أو نشتري وجبة خفيفة فنُسلّم وصلاً ورقياً كقيد شراء. معظم أعمال الناس تتضمّن الكثير من الأعمال الورقية: على الرغم من الحديث عن مكتب بلا ورق، هذا لم يحدث مطلقاً، ولا يبدو أنه سيحصل أيضاً. هكذا هي ثقتنا بهذه المادة كمخزن للمعلومات.
يشتمل الغداء على مناديل ورقية، من دونها تسقط معايير الصحّة الشخصية. حتى المتاجر مليئة بالبطاقات الورقية التي لولاها لما كنا سنعرف ماذا نشتري وما سعره. عادة ما توضع مشترياتنا في أكياس ورقية لأجل رحلتها إلى المنزل، وعند وصولها المنزل أحياناً ما نغلفها بورق التغليف كهدية عيد ميلاد مرفقة ببطاقة عيد ميلاد ورقية محفوظة ضمن مغلف ورقي. عند التقاط الصور في الحفلة قد نظهّرها على ورق تصوير وبذلك نصنع ذكرياتنا الملموسة. قبل الخلود للنوم نقرأ الكتب ونتمخط ونذهب في رحلة أخيرة إلى الحمّام لنجتمع مجدّداً بشكل حميمي مع ورق الحمّام قبل الاستسلام للأحلام (أو ربما لكوابيس عن عالم خالٍ من الورق). فما هي هذه المادة التي أصبحنا معتادين عليها هكذا؟
ورق الملاحظات

يبدو ورق الكتابة شيئاً مستوياً أملس ومتواصلاً، لكنّ هذه خدعة: إنه تل من ألياف متناهية الدقة يشبه حزمة قش. لا يمكننا الشعور ببنيتها المعقدة لأنها هُندست على نطاق مجهري يتخطى حاسة اللمس لدينا. فنحن نراها ملساء لنفس سبب المقياس الذي يجعل الأرض تبدو كروية تماماً من الفضاء ولكن عن قرب فيها زاد وفير من الهضاب والأودية والجبال.
معظم الورق يبدأ حياته كشجرة. تستمدّ قوة لبِّ الشجرة من ألياف صغيرة مجهرياً تسمّى السيلولوز، يرتبط بعضها ببعض بصمغ عضوي يسمّى الليغنين (lignin). إنها بنية مركبة قاسية ومرنة يمكنها أن تدوم مئات السنين. إن استخراج ألياف السيلولوز من الليغنين ليس سهلاً أبداً، إنه كمحاولة إزالة لبان من الشعر. تنطوي إزالة التخشب، كما تسمّى العملية، على طحن الخشب إلى قطع دقيقة، ثم غليها على درجة حرارة وضغط عاليين باستخدام مزيج كيميائي يحلّل الروابط الموجودة في الليغنين وتحرير ألياف السيلولوز. ما يبقى بعد تحقيق ذلك هو تشابك من الألياف يسمّى لبّ الخشب: في الحقيقة، خشب سائل – نجده في النطاق المجهري يشبه السباغيتي مع صلصة رقيقة. ينتج لدينا الورق لدى وضع هذا اللب على سطح مستوٍ وتركه ليجف.
هذا النوع الأساسي من الورق خام وبنّي اللون، أمّا جعله أبيض وأملس ولامعاً فيتطلّب مبيّضاً كيميائياً وإضافة مسحوق أبيض مثل كربونات الكالسيوم على شكل غبار الطبشور. ثم تضاف طبقات أخرى لكي تمنع الحبر الذي يوضع على سطح الورقة من الامتصاص إلى داخل تشابك السيلولوز، وهو ما يسبّب انتشار الحبر. بالشكل المثالي، يجب أن يتسرّب الحبر بكمية قليلة إلى سطح ورق الملاحظات ثم يجف مباشرة تقريباً، مودعاً شحنته من الجزيئات الملونة التي تتوضع هناك مثبتة داخل تشابك السيلولوز، ما يصنع علامة دائمة على الورقة.
من السهل الاستخفاف بأهمية ورق الملاحظات: إنها تكنولوجيا تعود إلى ألفي سنة. وتعقيدها مخفي عنا بالضرورة لدرجة أننا نراها مجرد صفحة خالية تسمح لنا بتسجيل ما نريد على سطحها، بدل أن نرهب نبوغها في المقياس المجهري.
السجلات الورقية

ترجمة محتوى الرسالة:
ميوداونيك...........................??، طريق بونيثون،
........................................نيوكوي (كورنوول)
........................................??، نوفمبر، ????
تي. إل. هورابن المحترم.، إم. بي.
??، طريق لورنس
جنوب نوروود،
لندن. إس. إي. ??.
عناية السيد هوربن،
يشرفني أن أسلمك نسخاً عن طلبي المؤرخ في ?? أغسطس، ????، ورسالتي إلى وزارة الداخلية بتاريخ ?، نوفمبر ????، وسأكون ممتناً لك إذا أعلمتني ما إذا يمكنك تعجيل قرار الدائرة.
لن أزعجك ولكن يبدو أن الوضع في بلجيكا يزداد خطورة كل يوم، وأنا وزوجتي توّاقان جداً لأن نجتمع بابننا ذي السنوات التسع، الذي يمكن إحضاره من بروكسل إلى البلاد عن طريق صديق يسافر في الطريق ذاته.
لذلك سنكون شاكراً لك إلى أبعد الحدود إن أمكنك المساعدة في التوصّل إلى قرار في أقرب وقت.
جزيل الشكر لك مقدماً على عنائك ولطفك، ونتطلع بشوق إلى ردّكم الكريم،
المخلص لك،
إسمار ميوداونيك
استحوذت عليَّ في صغري روايات جدي عندما عاش في ألمانيا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولكن الآن بعد وفاته، لا بدّ للوثائق التي خلفها وراءه أن تروي القصص بنفسها. لا شيء يضاهي حمل قطعة حقيقة من التاريخ بين يديك، مثل هذه الرسالة التي كتبها لوزارة الداخلية البريطانية في محاولة لإخراج أبي من بلجيكا خوفاً من الغزو الألماني.
يصفرُّ الورق مع مرور الزمن لسببين. إن كان مصنوعاً من اللباب الميكانيكي الرخيص والرديء، فسيحتوي على بعض الليغنين. والليغنين يتفاعل مع الأكسجين مع وجود الضوء ليشكل كروموفور (المعنى الحرفي: حامل لوني)، ما يحوّل الورق إلى اللون الأصفر مع ازدياد تركيزه. يُستخدم هذا النوع من الورق للمنتجات الورقية الرخيصة والقابلة للاستهلاك، ولهذا السبب تصفرّ أوراق الصحف بسرعة تحت الضوء.
كان من الشائع جداً رفع جودة الورق التركيبية بطلائها بكبريتات الألمنيوم، وهو مركب كيميائي يُستخدم أساساً لتنقية المياه، ولكن ما لم يتم إدراكه في ذلك الوقت هو أن هذه المعالجة تسبّب حالات حمضية. وهذا ما يجعل ألياف السيلولوز تتفاعل مع إيونات الهيدروجين، فينجم عنه شكل آخر من الاصفرار. كما أنه يقلل من قوة الورق. طُبعت أعداد كبيرة من الكتب في القرنين التاسع عشر والعشرين على ما يُسمّى ورقاً حمضياً، ويمكن الآن تمييزها في متاجر الكتب والمكتبات بمظهرها الأصفر الفاقع. كما أن الورق غير الحمضي عرضة لهذا النوع من التقادم مع مرور الزمن ولكن بمعدل أقل.
كذلك تنتج عملية التقادم أيضاً من خلال تشكيل مجموعة واسعة من الجزيئات العضوية المتطايرة (بمعنى أنها تتبخر بسهولة)، وهي المسؤولة عن رائحة الورق والكتب القديمة. تسعى المكتبات اليوم بنشاط لدراسة كيمياء روائح الكتب لترى إن كان بإمكانها تسخيرها لمساعدتها في مراقبة مجموعات كبيرة من الكتب والحفاظ عليها. رغم أنها رائحة التفسخ، يدركها الكثير كرائحة مستحبّة.
إن اصفرار وتفسخ الورق أمر مزعج، ولكنه يتمتع بالأصالة والقوة بسبب غشاء العتق الناتج عن التقادم، مثله مثل أيّ شيء عتيق. إن الانطباع الحسّي للورق القديم يتيح لك دخول الماضي بجاهزية أكبر، ويمنحك بوابة إلى ذلك العالم.
صورة فوتوغرافية

تكللت محاولة جدي استرحام وزارة الداخلية البريطانية بالنيابة عن ابنه بالنجاح. وكانت النتيجة التالي: بطاقة هوية ألمانية لوالدي ممهورة من مكتب الهجرة أثناء مغادرته بروكسل في الرابع من ديسمبر عام ????. كان والدي في التاسعة من عمره آنذاك. وكان يبدو في الصورة غافلاً عن مدى خطورة وضعه. اجتاح الألمان في مايو عام ????.
من الصعب أن نغالي في تقدير تأثير ورق التصوير على الثقافة الإنسانية. لقد قدم وسيلة لتوحيد مقاييس، والمصادقة على إثبات هوية التعريف، وبهذا المعنى، تم قبولها كالحَكم الفصل على مظهرنا، وبصورة موسعة، على ما نحن عليه في الحقيقة. تستمد الصورة الفوتوغرافية سلطتها شبه الفاشستية من طبيعتها غير المتحيّزة (ظاهرياً) نتيجة الطريقة التي تُلتقط الصورة بها. وهذا بدوره يكمن في الورق ذاته، بما أن المواد الكيميائية فيه تسجّل تلقائياً النقاط الساطعة والمعتمة لوجهك، وذلك ببساطة بالاستجابة للضوء المنعكس منه فتبدو الصورة بحد ذاتها غير متحيزة.
بدأت صورة والدي البيضاء والسوداء كقطعة ورق بيضاء مطليّة بمادة هلامية تحتوي على جزيئات بروميد الفضة وكلوريد الفضة. في عام ????، عندما دخل الضوء المرتد عن رأس والدي إلى عدسة الكاميرا ووقع على ورق التصوير، حول بروميد الفضة وجزيئات الكلوريد إلى بلورات صغيرة من معدن الفضة، التي تظهر كنقاط رمادية على الورق. لو أُخرجت الورقة من الكاميرا في هذه المرحلة، لضاعت صورة والدي. هذا لأن كل المساحات البيضاء التي لا توجد صورة عليها ستنغمر بالضوء، ما يجعلها تتفاعل أيضاً لتنتج صورة سوداء بالكامل. لمنع هذا من الحدوث ”ثُبّتت“ الصورة في غرفة مظلمة لتظهير الصور بمادة كيميائية لتمحو هاليدات الفضة غير المتفاعلة من الورق. فبقيت بذلك بلورات الفضة المغروسة بطبقة الهلام على سطح الورق. ما إن تم تجفيفها ومعالجتها، حتى أصبحت صورة والدي التي مكنته، دون غيره من الصبية، من الهروب من معسكر الاعتقال.
ما زال والدي موجوداً ليروي القصة، ولكن يوماً ما ستبقى الصورة الفوتوغرافية وحدها لتذكرنا بهذه اللحظة من التاريخ. حقيقة ملموسة من التاريخ تسهم في ذاكرتنا الجماعية. بالطبع الصور الفوتوغرافية ليست غير متحيزة في الحقيقة، وكذلك هي ذكرياتنا.
الكتب

إن التحول من الثقافة الشفوية التي نُقلت المعرفة فيها من خلال القصص والأغاني والتدريبات المهنية إلى ثقافة متعلمة تعتمد على الكلمة المكتوبة تأخّر قروناً بسبب نقص المواد المناسبة للكتابة، حيث استعملت ألواح الحجر والطين، ولكنها كانت عرضة للكسر ويصعب نقلها لضخامتها وثقلها. أما الخشب فيعاني من الانفطار وهو حسّاس لأي نوع من التفسخ، فيما كانت رسوم الجدران جامدة ومحدودة المساحة. لكن اختراع الورق، الذي يقال إنه واحد من أعظم أربعة اختراعات للصينيين، حل هذا المشاكل. ولكن لم تصل هذه المادة إلى إمكانياتها الكاملة قبل أن يستبدل الرومان الرّق بالمخطوطة – أو بما نطلق عليه الآن اسم الكتاب. كان ذلك منذ ألفي سنة خلت، ولا تزال حتى الآن شكلاً سائداً للكلمة المكتوبة.
تلك الورقة المصنوعة من مادة أنعم من الحجر والخشب، فازت كحارس للكلمة المكتوبة، ولها قصة مادة مثيرة. تعد رقة الورقة واحدة من مزاياها العظيمة، فهي تعطي الورقة المرونة لتتحمل الاستخدام المستمر، ولكن عند تكديسها بعضها فوق بعض على شكل كتاب تصبح قاسية وقوية – إنها بشكل جوهري كتلة خشب معدلة. باستخدام الغلاف القاسي الذي يجعله يتماسك، أصبح الكتاب حصن الكلمة لآلاف السنين.
إن النبوغ في تصميم ما يدعى المخطوطة – رزمة من الأوراق مرتبطة إلى صُلبٍ واحد ومحصورة بين غلافين – والسبب وراء تفوّقها على الرِّق، هو أنها تجعل النص على كلا وجهي الصفحة ومع ذلك توفر تجربة قراءة مستمرّة. توصلت بعض الثقافات الأخرى إلى شيء يشبه الكونسرتينا من حيث التصميم – تشكيل رزمة من خلال طيّ صفحة ورقية على بعضها بشكل متكرر – ولكن فائدة المخطوطة بصفحاتها المنفردة هي قدرة عدة نُسّاخ على العمل على ذات الكتاب في وقت واحد، وبعد اختراع آلة الطباعة أصبح بالإمكان إصدار العديد من النسخ للكتاب الواحد في وقت واحد. كما سبق أن أثبت علم الأحياء، إن النسخ الحثيث للمعلومة هو أفضل وسيلة للحفاظ عليها.
يقال إن الإنجيل هو من الكتب الأولى التي صُنعت بهذا التصميم الجديد، وقد ناسب هذا دعاة المسيحية لأنه يسمح لهم بتحديد النص المرتبط بموضوعهم باستخدام أرقام الصفحات عوضاً عن التقليب بين صفحات كتاب كامل بعناء. هذا الشكل من ”ذاكرة الوصول العشوائية“ تنبّأ بعصر الرقميات، وقد يدوم أكثر منه.
ورق التغليف

ليس الورق مفيداً فقط في الحفاظ على المعلومات، ولكن دوره في تغليف المواد أحسن صنيعاً في إبهامها. كيف سيكون عيد الميلاد لولا هذه المادة التي تعمل على بثّ الحماسة والترقب خيراً من الكثير المواد الأخرى؟ لقد تلقيت هدايا مغلفة بالقماش، أو مخبّأة داخل علبة، ولكن لا شيء يضاهي سحر ورق التغليف. فالهدية ليست هدية فعلاً ما لم تكن مغلفة بالورق. إنه الورق الذي يطقّس عملية الأخذ والتسلّم بإخفاء وكشف الغرض، فيحول هذا الغرض إلى هدية. إنه ليس مجرد ربط ثقافي، ولكن المادة تحتوي على خواص جوهرية تجعلها مثالية لهذا العمل.
إن الخواص الميكانيكية للورق تكسب نفسها ميزة الثني والطيّ، ذلك أن ألياف السيلولوز المصنوعة منها يمكنها أن تنقصف جزئياً في منطقة الثني الأقصى، فتسمح بتشكيل ثنية دائمة، بينما تبقى ألياف كافية سليمة لئلا تتشقق المادة وتنهار. في الحقيقة، في هذه الحالة تحافظ على قدرتها على مقاومة التمزق، ولكن يصبح من السهل تمزيقها بسهولة ودقة على طرف الثنية إذا برزت نقطة ضعف – تمزق ابتدائي صغير. هذا التركيب الفائز من الخواص الميكانيكية يجعلها قادرة على اتخاذ شكل أي شيء من خلال الثني والطي – ومن هنا جاء فن الأوريغامي. ثمة قلة من المواد بهذه الجودة: الصفائح المعدنية يمكنها أن تحتمل ثنية، ولكن التحكم بالثنية أصعب إلى حد ما. أما صفائح البلاستيك فلا تميل إلى تحمل ثنية على الإطلاق، إلا إن كانت طريةً جداً، فيميل في هذه الحالة إلى الافتقار إلى الصلابة (والرسمية) المرجوة من مادّة تغليف جيدة. إذاً فإن قدرة الورق على تحمّل الثنية مع البقاء يابساً هو ما يجعله ملائماً بشكل فريد لهذا الغرض.
إن تغليف الهديّة بالورق يمنحها قرقشة ونقاءً يعزز جدّة وقيمة الهديّة بداخلها. كما أن الورق قويّ كفاية ليحمي الهدية عند إرسالها بالبريد، ولكنه ضعيف جداً حتى إن رضيعاً يمكنه تمزيقه وفتحه. لحظة الفتح تلك تنقل الغرض الموجود في الداخل من الغموض إلى الشهرة في خلال بضع ثوان. إن إزالة تغليف هديّة ما تشبه الولادة، حيث تبدأ حياة جديدة للغرض.
الإيصالات

هذا إيصال من رحلة إلى متجر ماركس أند سبنسر (Marks & Spencer) قبل ولادة ابني لازلو عام ???? بثلاثة أيّام، عانت أمّه روبي من فترة حمل صعبة. كان ذلك جزئياً لأنها توحّمت على شرب الجعة، ولكنها ما كانت لتسمح لنفسها بالشرب، بل أصرّت، بدلاً من ذلك، على أن أشرب أنا نيابة عنها. في بعض الأوقات كان وحامها يصل إلى حدّ سيّئ بحسب ما يظهر إيصال (M&S) حتى تحتّم علي شرب ثلاث زجاجات جعة في ليلة واحدة، بينما كانت روبي تراقب كل رشفة مع نظرة توّاقة أحياناً ولكن اتهامية غالباً.
كان لازلو على وشك الولادة قبل أسبوعين، ولكن بسبب تقلب في الأحداث لا يمكن لأحدنا شرحه على نحو مرضٍ، رفض أن يخرج. بعد مضيّ أربع وعشرين ساعة في المستشفى طُلب منا الذهاب إلى المنزل، ونُصحت روبي بتناول الكاري الحارّ لعله يشجع لازلو على مغادرة الرحم. بعد أسبوعين كنّا قد تعبنا من وجبات الكاري الليلية التي كان عليّ الخروج لجلبها. أذكر أنني أحببت طبق روغن جوش بلحم الضأن (Lamb Rogan Josh) وأرى أننا تناولناه مجدداً في تلك الليلة. كان المنطق يقوم على أن الحمية الحارة ستجعل الحياة غير مريحة للازلو، ولكن في الحقيقة أجد أننا نحن من عانينا أكثر في التحدي الهضمي لحميتنا المتطرفة. وبالمناسبة، أصبح لازلو الآن في الثانية من عمره وهو يحب الطعام الحار.
على الرغم من ذكريات الأوقات المزعجة التي تثيرها الإيصالات، أنا سعيد بالاحتفاظ بها. إنها تقدّم نوعاً آخر من الحميمية غير الذي تقدّمه صورة فوتوغرافية أو حتى مذكرات، حيث يمكن لهذه التفاصيل البسيطة ظاهرياً لحياتنا أن تضيع. مع ذلك، من المؤسف أن الإيصالات لن تدوم طويلاً حتى يقرأها لازلو. لقد بدأت بالتلاشي لأن الورق الحراري المطبوعة عليه يتحلل مع مرور الزمن. والسبب وراء ذلك هو أن الطباعة على ورق حراري لا تعني إضافة الحبر إليه. بل إن الحبر سبق أن غُلّف بالورق على هيئة ما يُسمّى الصباغ ”الأبيض“ والحمض. تتطلب عملية الطباعة شرارة لتسخين الورقة لكي يتفاعل الحمض والصباغ معاً فيتحوّل الصباغ من الحالة الشفافة إلى لون داكن. تحرص تقنيّة الورق البارعة هذه على ألّاينفذ الحبر من آلات تسجيل النقد أبداً. ولكن مع مرور الوقت يعود اللون إلى حالته الشفافة الأصلية ويتلاشى الحبر آخذاً معه الدليل على وجبات عشاء الكاري والجعة. ولكن مع هذا يشجّعنا (M&S) بحماسة على أن ”نحتفظ بالسجلّات من فضلنا“ وهو ما قمت به بإخلاص.
المغلفات

تتطلب تعبيراً جسدياً مباشراً ومضة الإلهام تلك التي تأتيك وأنت في الحافلة أو في المقهى. تحتاج لأن تدوّنها بسرعة قبل أن تنساها. ولكن أين؟ أنت بعيد عن مكتبك ودفتر ملاحظاتك. تبحث في جيوبك عن أي قطعة ورق فتجد رسالة، ربما فاتورة كهرباء، ولكنها ستفي بالغرض، هناك مساحة كافية على ظهر المغلف تكفي لتوجز فكرتك فتفعل ذلك، تابعاً بذلك صفاً طويلاً من العلماء والمهندسين الذين اعتبروا عبر التاريخ ظهر المغلف مسرحاً مهماً للأفكار.
يشتهر عالم الفيزياء إنريكو فيرمي (Enrico Fermi) بحلّ مسائل علمية جوهرية عن الفضاء المحدود على ظهر مغلف، بل بجعل هذه العملية رسميةً أيضاً. يطلق على هذا النوع الجديد من الحساب – الذي يشبه أسلوب الشعر الياباني الهايكو – مصطلح حساب القيمة الأُسّية. إن هذه الطريقة للنظر إلى العالم لا تقدّر عالياً الأجوبة الدقيقة، بل الأجوبة السهلة الفهم التي توضح شيئاً جوهرياً عن العالم فقط باستخدام المعلومات المتوافرة على متن حافلة. لا بدّ لها من أن تكون دقيقة باستخدام ”قيمة أسّية“، أي يجب أن تكون دقيقة بمعامل بين اثنين إلى ثلاثة (بمعنى أن القيمة الحقيقية يمكن أن تكون إما صغيرة بنسبة ثلث النتيجة، أو كبيرة بنسبة ثلاثة أضعافها، ولكن لا أقل من ذلك ولا أكثر). هذه الحسابات تقريبية جداً، ولكن فيرمي وغيره استخدموها ليبرهنوا مفارقة: يجب أن يوفر العدد الهائل للكواكب والنجوم في الكون فرصاً وفيرة لتكوّن حياة ذكيّة أخرى وبالتالي احتمالية كبيرة لمواجهتنا لها، ولكن بالتسليم بأننا لم نواجهها، فإن العدد الهائل نفسه هو تحديداً ما يبرهن ندرة الحياة الذكية في الكون.
عندما كنت طفلاً كنت مهووساً بقصص علماء مشهورين قاموا بحل مسائل أساسية على ظهر مغلف حتى إنني اعتدت أن أحمل معي مغلفات قديمة إلى المدرسة وأتمرّن على حلّ المسائل على ظهرها. كان نوعاً من الفن المادي للذهن، حيث تتطلب قلماً ومغلفاً فقط. لم تساعدني فقط على تصفية أفكاري بل وعلى النجاح في الامتحانات أيضاً. كان أول سؤال في امتحان القبول الجامعي في أوكسفورد في مادة الفيزياء: ”أعط تقديراً عن عدد الذرّات على كوكب الأرض.“ ابتسمت حين قرأت هذا. لقد كان سؤالاً كلاسيكياً للحلّ على ظهر مغلف. لا أذكر كيف حللت السؤال في الامتحان، ولكن في الصفحة السابقة نسختي الحالية لهذه العملية الحسابية.
ورق الحمّام

تدهشني حقيقة أننا ما زلنا نمسح مؤخّراتنا بالورق على الرغم من اختراع عدد كبير من الوسائل أكثر صحّية وعملية للقيام بهذا العمل النتن والمتعلق بالأحشاء.
إن لاستخدام ورق الحمام العديد من التأثيرات غير المباشرة. بدايةً، بحسب ناشيونال جيوغرافيك، يتطلب مسح المؤخرات على نطاق عالمي قطع ومعالجة ??.??? شجرة يومياً. إن استخدام الورقة مرّة واحدة ثمّ رميها في المصرف يبدو نهاية مؤسفة لحياة الكثير من الشجر. ولكن هناك سيناريو أسوأ: هو أن تفشل الورقة بالانصراف في المرحاض. لقد حدث هذا معي أثناء إقامتي مع أخي في شقته في الطابق الرابع والثلاثين في مانهاتن. ثمّة رعب من نوع خاصّ مرتبط بتلك اللحظة التي تفشل فيها في تصريف برازك في شقة شخص آخر. لم ينصرف برازي في المرحاض، فوضعت البعض من ورق الحمام فوقها، ولو أنها بدت فكرة سيئة حتى في حينها، ولكنني لم أستطع منع نفسي. كانت العائلة كلها مجتمعة هناك بمناسبة عيد الميلاد، وكان المرحاض سيشهد المزيد من النشاط. قرّرت أن أعطيها تدفق ماء أخيراً. ارتفع منسوب المياه أكثر فأكثر، وارتفع معه ذعري. ثم حصل الأمر، تلك اللحظة التي تخشاها: طفح الماء عن الحوض وانسكب على أرض الشقة الأنيقة الحديثة الطراز. حقيقة أننا في الطابق الرابع والثلاثين جعلت الأمر أكثر سوءاً. تملّكتني رؤىً للبراز من الطوابق الأعلى وهي عالقة في طابور سينفجر قريباً في شقة أخي. كانت فكرة غير عقلانية مع ذلك، ولكن فيضان البراز يؤثر فيك هكذا. كان البراز وورق الحمّام يسبحان على الأرض، ويتقدّمان عبر البلاط نحوي.
حاصرني أخي في المرحاض الذي أصبح الآن منتناً كالمجاري، وأعطاني مماسح و كبّاس التصريف من خلال شق في الباب. لا بدّ من أنها أخذت ساعات للقيام بالتنظيف، ولكنها بدت أيّاماً. منذ ذلك الحين أوليت اهتماماً كبيراً ببدائل تقنيّة لمسح المؤخرة. من المؤكد أن القرن الواحد والعشرين سيشهد نهاية ورق الحمام وبداية طريقة جديدة لحلّ هذا المشكلة البدائية.
أكياس ورقيّة

أشعر بتوتر من نوع خاص لدى شرائي ملابس باهظة. إنها تبدو غريبة عندما أجرّبها في المتجر, بالرغم من الابتسامات وإيماءات الموافقة العديدة التي أتلقاها من المساعدين في المتجر لست متأكداً من ضرورة إنفاق المال. ولكن عندما أقول نعم، أكافأ بشيء لا أضجر منه أبداً.
في البداية يكون بشكله المسطح، ولكن عندما يُدفع قعره خارجاً، يصدر هزيم رعد عظيماً بينما تُنشر أطرافه الورقية المطوية إلى وضعها العمودي. يوضع هناك على واجهة الاستقبال الأمامية، كفراشة انبعثت أخيراً من شرنقتها: مكتملاً، أنيقاً ومستعداً. فجأة تبدو مشترياتي سديدة، بعدما وُضعت في هذه الحُقّة المتميزة لترافقها إلى المنزل.
على النقيض تماماً من ورق الحمّام، في شكله هذا يكون الورق مادة راقية وأنيقة: خفيفة وصلبة وقوية. ولكن القوة ما هي إلا وهم، لأن ألياف السيلولوز التي تصنع كيس الورق لم تعد مصحوبة بالليغنين الذي كان يلصقها معاً عندما كانت جزءاً من شجرة. رغم أن روابط هيدروجينية تتشكل بين الألياف أثناء مرحلة التجفيف، ما يعطيها بعض القوة، إلا أنه يجب دعمها بمواد صناعية لاصقة، حتى مع ذلك تبقى مادة ضعيفة قليلة المقاومة للماء: عند ابتلالها تفقد الألياف الروابط الهيدروجينية ويتحلل الكيس الورقي بسرعة.
مع ذلك، لعل هشاشة أكياس الورق هي التي تجعلها جذابة في مهمتها، حيث تميل الملابس الباهظة لأن تكون خفيفة ورقيقة، وربما حقيقة أن الورق هو كل ما تحتاج إليه في رحلتها إلى المنزل تدعم هذا. كذلك يتمتع الورق بمكانة ثقافية عالية: إنه يتحدث عن حرفية الصنع، وعن المصنوعات اليدوية، وعن ارتباطات تلائم الملابس المخيطة. مجدّداً، في حالة الورق، إنه وهم. إنه منتج صناعي مكتمل، ومكلف جداً من الناحية البيئية أيضاً. وجد أن التأثير لكيس ورق وحيد الاستعمال من حيث استخدام الطاقة أعظم من ذلك التأثير لكيس بلاستيكي. إنه انغماس ذاتي، مصمَّم للاحتفاء بمشترياتك الانتصارية، إنها تميّز لحظة الوصول إلى المنزل وذلك بالارتطام الحتمي على أطراف الباب أثناء معاناتك عبر الدهاليز، تلك الموسيقى التصويرية لدويّ الرعد الناعم تملأك حماسة وفخراً.
الورق اللمّاع

تبيّن أن مظهر وملمس الورق ذو أهمية بالغة وهو السرّ الكامن وراء منفعته كمادة. يمكنه التحوّل من ريفيّ إلى رسميّ. من متخلف إلى جذاب، وذلك ببساطة بتغيير الطبقة السطحية له. إن التحكم بهذا الاعتبارات الفنية أمر جوهري بالنسبة للثروات الاقتصادية للمطبوعات التجارية.
يُعدّ العلم وراء هذا التحول موضوعاً بحثياً متطوّراً جداً. أظهرت نعومة ولمعان ووزن الورق أنها أساسية في نجاح مجلات معينة، ولكن تم تقدير الصلابة كأهمّية أقل – أو بالأحرى، المرونة التي تنثني بها الورقة: إن كانت الورقة مرنة ستعطي انطباعاً بأنها بخسة، وإن كانت قاسية جداً فستوحي بالغطرسة. يتم التحكم بهذه الصلابة بإضافة ”التغرية“، وهي مسحوق مضاف دقيق، مثل مادة الكاولين وكربونات الكالسيوم، التي تقوم بعدة أشياء من بينها تقليل قدرة الورق على امتصاص الرطوبة، ما يجعل الحبر يجفّ على سطحه عوضاً عن التشرّب في أليافه، كما تسمح بالتحكم بدرجة بياض الورق. تشكل هذه المساحيق والروابط التي تربطها بألياف السيلولوز ما يسمّى ”المصفوفة المركبة“. (أفضل مثال للمادة المركبة هو الخرسانة، وهي مؤلفة من مادتين مختلفتين: الإسمنت، وهو مصفوفة أو ”رابط“، ونوع من الركام معروف على أنه ”مادّة مقوّية“.) إن التحكم بهذه المصفوفة يحدّد وزن وقوة وصلابة الورقة.
ولكنها ليست بهذه السهولة، إذ تبيّن أن مظهر وملمس المجلات الترفيهية المتداولة يتطلب مزيجاً من الصلابة والوزن الخفيف، ما يحوّل الورقة إلى أداة قطع. فتكون الورقة رقيقة جداً لدرجة أن حوافها حادة كالشفرة. في معظم الحالات تنثني بدل أن تقطع، ولكن إن مررت إصبعك على صفحة واحدة بزاوية صحيحة فستحصل على جرح من الورق. هذه الجروح مؤلمة كما هو معروف، ولكن السبب غير واضح تماماً. لعل السبب أنها تحدث في الأصابع، التي فيها كثافة عالية من المستقبلات الحسية، لذلك تبدو أشدّ إيلاماً من الجروح في مكان آخر في الجسم. بالطبع، إنها ثمن يستحق الدفع، أو هذا ما يظنّه ملايين الأشخاص الذين يبتاعون المجلات اللماعة أسبوعياً.
التذاكر

عندما تزداد سماكة الورقة تفقد مرونتها، وتصبح أكثر صلابة إلى أن تصبح صلبة كفاية لتدعم نفسها فلا تنثني بسبب وزنها. في هذه النقطة، تتبنّى أدواراً ثقافية جديدة، أحدها هو الإذن بالسفر. تذاكر الحافلات، القطارات والطائرات حول العالم كلها مصنوعة من ورق سميك يُسمّى بطاقة.
كل وسائل النقل تمت هندستها لتكون صلبة، وربّما هذا هو السبب وراء الصلابة الميكانيكية للبطاقة، لكي تصلح لتمثيل السفر. السيارات السريعة الالتواء غير اعتيادية، بل ومختلة وظيفياً أيضاً، إن لم يكن هيكل السيارة صلباً بما يكفي فستزيح الضغوط العالية التي تواجهها السيارة آلية ناقل الحركة. بنحوٍ مماثل، إذا التوى القطار كثيراً فسيقفز عن السكك الحديدية. وإذا ارتخت أجنحة الطائرة بسبب وزنها، فلن تتمكن من الارتفاع بالطائرة. لذلك كانت هندسة القطارات والطائرات والمركبات تتطلب تكريساً مقدّساً للصلابة.
بعيداً عن الصلابة، إن قوة ومتانة البطاقة تعطيها إحساساً بالسلطة. في النهاية، إنها نوع من جواز السفر المؤقت الذي يضمن لك حق العبور. في يومنا هذا لا بدّ للبطاقة من أن يفتشها الأشخاص والآلات على حد سواء، لذلك من الضروري أن تكون التذكرة قوية ما يكفي لئلا تنثني أو تتجعّد أثناء التعامل بها، وحشرها في الجيوب، وزلقها إلى داخل المحافظ وخارجها.
تسود الآلات الصلبة والقاسية عالم السفر، وهذا ما تعكسه البطاقة لنا. من المضحك أن السيارات والطائرات أصبحت أكثر خفة وفاعليّة، فعكست البطاقات ذلك وأصبحت أكثر رقة. قريباً قد تختفي كلها معاً لتصبح جزءاً من حياتنا الرقمية.
الأوراق المالية

يُعدّ المال أكثر إغراءً بصورته الورقية. قليلة هي الأشياء الأكثر إمتاعاً في الحياة من طباعة رقمك السرّي في فجوة في الحائط، وتسلّم أوراقٍ ماليةٍ جميلة وهشة. إن توافرت الكمّية الكافية منها، تُعدّ جواز مرورٍ لأي شيء ولأي مكان في العالم، إنها حُرّية تبعث على النشوة. كما أنها أكثر أنواع الأوراق تعقيداً التي صُنعت على الإطلاق، وهذا ما يجب أن تكونه لأنها تعبير مادّي وحرفي عن الثقة التي نوليها جميعاً للنظام الاقتصادي الكلي.
للورقة النقدية مجموعة من الخدع لمنع التزوير. بدايةً، إنها ليست مصنوعة من سيلولوز الخشب مثل باقي أنواع الورق، بل هي مصنوعة من القطن. وهذا يعطيها قوة أكبر ويمنعها من التحلل تحت المطر وفي الغسالات، بل ويغيّر من صوت الورق أيضاً: إن صوت خشخشة الورقة النقدية هو إحدى أكثر صفاتها تمييزاً.
كذلك هي واحدة من أفضل الاحترازات ضد التزوير لأن من الصعب تزويرها بورق مصنوع من الخشب. تراقب الآلات المصرفية البنّية الخاصة لورق القطن.
ثمّ إن البشر أيضاً حسّاسون تجاهها أيضاً. ففي حال الارتياب بورقة نقدية، ثمّة اختبار كيميائي سهل يمكن أن يؤكد ما إن كانت الورقة من القطن أم لا. ويمكن القيام بهذا في العديد من المتاجر باستخدام قلم اليود. في حال استخدام اليود على ورقة مصنوعة من السيلولوز يتفاعل مع النشاء الموجود في السيلولوز ويكوّن صبغة تبدو سوداء اللون. ولكن عندما يُستعمل القلم ذاته على ورق القطن، لا يوجد نشاءٌ ليتفاعل اليود معه، فلا تظهر أيّ علامات. هذا الاحتراز الأولي يتيح للمتاجر أن تحمي أنفسها من التزوير القائم على استخدام أجهزة التصوير الملوّنة.
ولكن للورقة النقدية خدعة أخرى هي العلامة المائية. إنها شكل أو صورة مضمّنة داخل الورقة يمكن رؤيتها فقط عندما يُرسَل ضوء من خلالها – بمعنى آخر، عندما تمسك ورقة نقدية في مواجهة الضوء. على الرغم من الاسم هي ليست لطخة مائية أو أيّ نوع من أنواع الحبر. تُصمَّم بخلق تغييرات صغيرة في كثافة القطن حتى تبدو الأجزاء المختلفة من الورقة أفتح أو أغمق لكي تشكل صورة – أو، كما في حال الأوراق المالية من الفئات المالية الأكبر من ? دولارات في الولايات المتحدة، تعطي شكل رؤوس رؤساء أميركا.
أصبحت الأوراق المالية صنفاً مهدّداً بالانقراض، ذلك أن المال أصبح بغالبه إلكترونياً في أيامنا هذه، ونسبة صغيرة من عمليات التبادل تتم بالنقد، وغالبها تكون عمليات تبادل ذات قيمة مالية منخفضة، ولكن النقد الإلكتروني مستعد ليأخذ مكانها أيضاً.
الأوراق الإلكترونية

منذ أن أصبح بالإمكان كتابة المعلومات على الورق، تحوّلت المكتبات إلى أهم أرشيف للمعرفة والحكمة المتراكمة لدى حضارة ما. وقد استمرّ هذا الدور الأساسي للمكتبة حتى وقت حديث جداً. كان الدخول إلى مكتبة ذائعة المفتاح للحصول على منحة في أي جامعة، ويُنظر إلى الدخول إلى أي مكتبة محلية كحق إنساني أساسي في المجتمعات الحديثة. ولكن الثورة الرقمية غيّرت المشهد بنسبة كبيرة، حيث أصبح بالإمكان الآن تزويد الجميع بمجموعة كاملة من الأعمال المكتوبة للجنس البشري من خلال الكمبيوتر. ولكن كان هناك الكثير من الممانعة للتحوّل من الكتاب الملموس إلى الكتاب الرقمي. والسبب الغالب لهذا لا يتعلق بالوصول بل بالمتعة الحسّية لعملية القراءة.
فجأة، وكما يحدث مراراً في تاريخ الهندسة، بعد أن كانت تكنولوجيا ما متوافرة منذ برهة من الزمن ولكن تطبيقاتها قليلة أو معدومة، تبرز وتأخذ مساحتها في العالم. إن الورق الالكتروني هو عبارة عن شاشة مسطحة تعرض النص باستخدام حبر حقيقي، وهي مصمّمة للقراءة بضوء عاكس يرتد عن الشاشة بنفس طريقة الكتاب الملموس. ولكن الفرق أن الورق الإلكتروني يمكن التحكم به رقمياً لعرض أيّ نصّ مطلوب في اللحظة ذاتها. كما يمكن تخزين وعرض الملايين من الكتب في حال دمجه مع رقاقة كمبيوتر.
تعتمد هذه التكنولوجيا على صنع الحبر على شكل ما يُسمّى جسيمات يانوس. يُصبغ كل جسيم من الحبر بحيث تصبح سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى. ثم تتعرّض كلتا الجهتين إلى شحنات إلكترونية متضادة. وبالتالي يمكن جعل كل بيكسل في الورق الإلكتروني أبيض أو أسود وذلك بتطبيق الشحنة الإلكترونية المناسبة. سُمّيت جسيمات يانوس تيمّناً بيانوس، إله الانتقالات عند الرومان، الذي ُصوِّر على أن له رأسين، وعادة ما يُربط بالبوابات والمداخل. ولأن جسيمات يانوس مصنوعة من حبر مادّي وتحتاج إلى دوران مادّي عند تغيّر النص، لا يمكنها أن تتغيّر بنفس سرعة عرض بلورات السائل على الآيباد أو الهاتف الذكي، وبالتالي لا يمكنها حالياً عرض فيلم أو أيّ أمور أنيقة أخرى، بل لديها جودة متخلفة جذابة تناسب، ربما، الكلمة المكتوبة.
لقد جعلت جسيمات يانوس قراءة الكتب الإلكترونية تشبه تجربة قراءة كتاب ملموس، على الأقل، في ما يتعلق بالطريقة التي تظهر بها الكلمات على الصفحة، وقد تكون مستقبل الكلمة المكتوبة. على كل حال، من غير المرجّح أن تحلّ الكتب الإلكترونية محل الورق تماماً لأنها تفتقر إلى رائحة الورق وصوته وملمسه المتميّز باعتبار هذه المادية التي تقحم عدّة حواس في تجربة القراءة هي واحدة من أفضل محاسنها. يحب الناس الكتب ربما أكثر من محبتهم للكلمة المكتوبة، فيستعملونها كوسيلة للتعريف عن أنفسهم وليقدّموا دليلاً ملموساً على قيمهم. فنرى الكتب على الرفوف وعلى الطاولات كنوع من النشاط التسويقي الداخلي، لتذكّرنا بمن نحن ومن نريد أن نكون. نحن أجسام ملموسة لذلك ربما من المنطق أن نعرف ونعبّر عن أنفسنا باستخدام أشياء ملموسة نحب أن نلمسها ونشمّ رائحتها أثناء القراءة.
الصحف

ثمة شيء مميّز في صورة مطبوعة أو عنوان صحافي يجعل الحادثة التي يصفها حقيقية أكثر من أي طريقة أخرى لنقل الأخبار. ربما لأنّ هناك واقعية لا يمكن نكرانها للصحيفة بحد ذاتها. إنها شيء مادي حقيقي. تلك الموثوقية في نقل الخبر. يمكن الإشارة إليها، وضع خط تحتها، قصّها، تثبيتها على لوح الملاحظات، لصقها على دفتر القصاصات أو أرشفتها في المكتبات. ثم يصبح الخبر أبدياً ومجمّداً في الزمن، قد تكون الحادثة انتهت منذ زمن بعيد، ولكنها تعيش كأنها حقيقة مثبتة بسبب حضورها المادي – حتى وإن كانت غير صحيحة.
على النقيض من هذا، تبدو أخبار المواقع الإلكترونية زائلة ومؤقتة. رغم أنها هي أيضاً تؤرشف، لا يوجد عنصر فيزيائي فريد يمكن الإشارة إليه كدليل على المعلومات التي تحملها. ولهذا السبب، هناك تصوّر بأنّه يمكن التلاعب بها بسهولة أكبر، وبالتالي يمكن تغيير التاريخ. ولكن في الوقت ذاته، إن فورية وانسيابية المحتويات تحديداً هي ما يجعل الإعلام الرقمي ممتعاً. فموقع الأخبار يتماشى مع عصر يرى التاريخ أقلّ توحّداً من العصور السابقة. كما أن مواقع الأخبار الرقمية أكثر ديمقراطية أيضاً، فمع أن الصحف المادّية تتطلب آلات طباعة ضخمة، وشبكة توزيع تربط القطارات والطائرات والشاحنات والمتاجر وأخيراً بائعي الصحف، في العالم الرقمي يمكن لشخص واحد أن يتواصل مع العالم أجمع باستخدام كمبيوتر واحد ومن دون الحاجة إلى قطع شجرة واحدة.
إن الابتعاد عن الصحف المطبوعة لن يغيّر المحادثات الداخلية في الدول والمدن فقط، بل والعادات الاجتماعية أيضاً. لن يعود حفيف الصحيفة جزءاً من طقوس فترة ما بعد الظهر في أيام الآحاد، ولن توضع الصحف بعد الآن تحت الأحذية الموحلة، ولن تكون مطويّة بتسكع على مقعد في محطة قطار. لن تكون متوفرة بعد الآن لتحمي الأرض من قطرات الطلاء، أو لتغليف القطع الثمينة لتحميها. لن تُجعَّد وتُحوَّل إلى كرة لإشعال النار، أو لرميها بصفاقة على أحد الأنسباء. لا شيء من هذه الاستخدامات للصحف جوهري بحد ذاته، ولكن بجمعها معاً، ترسم صورة عن مادة أليفة ومفيدة ومحبوبة جداً. مادة سنفتقدها جميعاً.
رسائل الحب

على الرغم من غزو التكنولوجيا الرقمية، يبقى من الصعب تصديق أن الورق سيختفي كلياً كوسيلة للتواصل. فنحن نثق به دون غيره من وسائل الإعلام لتوصيل رسائل معينة. لا شيء يشنّج المعدة ويجعل قلبك ينسى أن ينبض مثل رسالة تصل من محبوبك بالبريد. المكالمات الهاتفية جيّدة وحميمية، والرسائل النصّية والبريدية فورية وممتعة، ولكن أن تمسك بين يديك المادة نفسها التي لمسها محبوبك وأن تتنفس عذوبته من الورقة هو فعلاً من أمور الحب.
إنه تواصل أكبر من مجرد كلمات. إنه استمرار، ثبات مادّي ليطمئن أصحاب النفوس المتزعزعة. يمكن قراءتها مرات ومرات عديدة. إنها تأخذ مكاناً مادياً في حياتك. وتصبح الورقة ذاتها صورة لبشرة محبوبك، ورائحتها تمثيلاً لعبقه، ويصبح خطه تعبيراً عن طبيعته الفريدة كالبصمة. فلا يمكن تزييف رسائل الحب ولا يمكن قصّها ولصقها.
ما هو السر في الورق حتى يسمح بالتعبير عن كلمات كان يمكن أن تبقى طيّ الكتمان؟ إنها تُكتب في لحظات خاصة، وبهذا يمنح الورق نفسه للحب الحسّي – وتصبح عملية الكتابة مبنيّة أساساً على لمسة، على استرسال، على تذييل الحرف وتزيينه، على تعليقات جانبية عذبة، ورسوم صغيرة، إنها فردية متجرّدة من تقنيّة لوحة المفاتيح. يتحوّل الحبر إلى دم فيتطلب الصدق والتعبير، وينسكب على الصفحة فيسمح للأفكار بالانسياب.
كذلك تجعل الرسائل الفراق أصعب أيضاً، لأنها مثل الصور الفوتوغرافية يتردّد صداها في الصفحة إلى الأبد. إنها قسوة بالنسبة لمن تحطم قلبه، أمّا أولئك الذين تابعوا حياتهم فهي تأنيب لاذع عن الخيانة، أو على الأقل، إنها شوكة التقلب في شخصيتهم. رغم ذلك، إن الورق كمادة معتمدة على الكربون له حلّ لامع لمن يريد الانعتاق من هذا العذاب: عود الكبريت.
?. الأساسي

إسمنت خرساني

في ذات يوم ربيعي عام ????، كنت في طريقي لأخذ رغيف خبز من المتجر عندما انعطفت عند الزاوية لأجد أبراج ساوثوورك (Southwark) قد اختفت. الطبقات الخمس والعشرون لمبنى المكاتب الكلاسيكي منذ السبعينيات قد تهدمت بكاملها. أجهدت دماغي وأنا أتذكر متى كانت آخر مرة رأيتها فيها. حتماً كان ذلك الأسبوع الماضي عندما انطلقت لأقوم بهذه الرحلة تماماً. أصبت ببعض الاضطراب: هل كنت أفقد رباطة جأشي، أم أصبح هدم الأبنية أكثر فعالية؟ في كلتا الحالتين شعرت بأنني أقل ثقة بنفسي، وأقل أهمية بعض الشيء. كنت أحب أبراج ساوثوورك. كانت فيه أبواب أتوماتيكية صُنعت عندما كانت مثل هذه الأشياء عصرية ورائعة. والآن اختفت ناطحة السحاب تاركة وراءها فجوة في الشارع وفي حياتي أكبر ممّا كنت أتوقع، حيث لم يبدُ أيّ شيء كما كان. أخذت طريقي نحو الأسيجة الملوّنة بتألق والتي أصبحت تحيط المساحة الفارغة التي خلّفتها.
على جانب السياج، كان ثمّة إعلان يصرّح بأن أطول بناء في أوروبا، ذي شارد (The Shard)، سيُبنى هنا. وكانت ثمّة صورة لناطحة سحاب زجاجية ضخمة مدبّبة ستقوم على أنقاض برج ساوثوورك لتطل على محطة جسر لندن: لقد مجّد الإعلان رؤيا عن هذا الإنشاء الجديد وهو مسيطر على أفق لندن لعقود مقبلة.
شعرت بالانزعاج والقلق. ماذا لو أصبح هذا القضيب الزجاجي الضخم هدفاً للإرهابيين؟ ماذا لو هوجم مثل برجي التجارة وانهار وقتلني مع عائلتي؟ استشرت خرائط غوغل وطمأنت نفسي بأنه حتى لو انقلب هذا البناء ذو الـ??? متراً على جانبه فلن يصل إلى شقتي. في أقصى حدّ يمكن أن يصل إلى حانة شيكسبير المجاورة، التي لم أكن أتردّد إليها. ولكن مع ذلك، كان سيصنع سحابة غبار خانقة، تمتمت وأنا أمشي بمزاج تنبّئي للحصول على الخبز.
على مدار عدة سنوات، رأيت ناطحة السحاب هذه يجري إنشاؤها عند مدخل بيتي. كنت أشاهد مناظر استثنائية لمناقب هندسية مدهشة، ولكن معظم الوقت، استطعت التعرّف إلى الخرسانة بطريقة جيدة جداً.
في البداية باشروا بحفر حفرة كبيرة. وعندما أقول كبيرة، أقصد هائلة. أسبوعاً بعد آخر، أثناء مهمّتي لشراء الخبز، كنت أنظر من خلال شباك المراقبة على جانب السياج لأرى تقدّم عمل الآلات العملاقة التي كانت تجرف التراب وتحفر أكثر في العمق، كما لو كانت تنقّب عن شيء ما. ولكن جلّ ما كانوا يستخرجونه هو الطين – طين أودعه نهر التايمز هناك لمئات آلاف السنين. إنه نفس الطين السميك الذي لطالما استُخدم في الطوب الحراري لإنشاء المنازل والمستودعات التي أقامت مدينة لندن. ولكن هذا الطين لم يكن ليُستخدم لبناء ذي شارد.
ذات يوم، بعد إزالة كل هذا الطين، صبّوا حمل سبعمئة شاحنة من الخرسانة في الحفرة. كان هذا الأساس الذي سيدعم ناطحة السحاب الهائلة ويمنع الطوابق الاثنين والسبعين، والعشرين ألف قاطن فيها، من الغرق في الطين. لقد ملأوا الحفرة الهائلة بالخرسانة، طبقة بعد أخرى، وبنوا طابقاً جوفياً فوق آخر، إلى أن لم يعد هناك حفرة عملاقة، بل مجرد كاتدرائية باطنية من الخرسانة المصبوبة التي بدأت تصبح الآن صلبة تماماً. تم الأمر بطريقة ماهرة وبسرعة مثيرة للإعجاب، وهذا كان مهماً لأسباب التكلفة حيث بدأوا ببناء البرج قبل أن يُنهوا الأساس.
”باعتقادك كم من الوقت ستأخذ الخرسانة لتجفّ؟“ سألني رجل ومعه كلب بينما كان كلانا يحدّق من خلال شباك المراقبة في السياج. كذبت عليه فقلت: ”لا أعلم.“
كان الهدف من كذبتي هو إنهاء المحادثة، وهذا ما حصل. كانت كذبة اعتيادية، ولدتْ بسبب المعيشة في لندن وإيجاد طرقٍ مهذبة لتجنب الحديث مع الغرباء. وخاصة أنني لم أعلم كيف سيحب، هو أو كلبه، استهلال معرفتنا بتصحيح حديثه: الخرسانة لا تجفّ. على العكس تماماً، الماء هو أحد عناصر الخرسانة. عندما تجمد الخرسانة، إنها تتفاعل مع الماء، فتطلق سلسلة من التفاعلات الكيميائية لتشكل بنية مجهرية معقدة في عمق المادة، فتصبح هذه المادة، على الرغم من وجود كمّية كبيرة من الماء محبوسة داخلها، جافة ومقاومة للماء.
إن إنشاء الخرسانة عمل كيميائي بارع في جوهره، يحتوي على صخور مسحوقة كمكوّن نشط. ولكن ليست كل أنواع الصخور تجدي نفعاً. إذا أردت أن تصنع الخرسانة بنفسك فستحتاج إلى كربونات الكالسيوم وهي المكوّن الأساسي للجير، وستحتاج إلى صخرة تكوّنت نتيجة طبقات من الكائنات الحيّة على مرّ ملايين السنين انصهرت بعضها مع بعض بسبب الحرارة والضغط الناتج عن حركة القشرة الأرضية، كما ستحتاج إلى صخرة تحتوي على السيليكات – وهو مركب يحتوي على السيليكون والأوكسجين ويشكل ??% تقريباً من القشرة الأرضية – لذلك بعض الطين سيفي بالغرض. طحن هذه المكوّنات ومزجها مع الماء لن يوصلك إلى أيّ مكان، إلا إن كنت تريد الحصول على صلصال موحل. لكي تنشئ فيها المكوّن الأساسي الذي سيتفاعل مع الماء، عليك تحريرها من روابطها الكيميائية الحالية.
وهذا ليس سهلاً، لأن هذه الروابط مستقرّة جيداً، ولهذا السبب لا تتفتّت الصخور أو تتفاعل مع أي شيء – بل على العكس، إنها تدوم لملايين السنين. الخدعة هي أن تسخّنها على حرارة عالية جداً تصل إلى ????? درجة مئوية تقريباً، وهي درجة حرارة تتجاوز حرارة نار الحطب أو الفحم بكثير، التي تكون بين ??? و??? درجة مئوية إن كانت حرارتها تتوهّج باللون الأحمر أو الأصفر. عند درجة حرارة ????? تتوهّج النار بلون أبيض من دون أي مسحة من اللون الأحمر أو حتى الأصفر في لهيبها بل مسحة من اللون الأزرق. إنّها متوهّجة جداً ومثيرة للأعصاب، والنظر إليها شبه مؤلم.
عند هذه الدرجة من الحرارة، تبدأ الصخور بالانهيار لتشكل عائلة من المركّبات تسمّى سيليكات الكالسيوم. إنها عائلة لأنها تحوي على شوائب جزئيّة يمكنها أن تغيّر النتيجة التي حصلت عليها. لصنع الخرسانة، الألمنيوم والصخور الغنية بالحديد هي المكوّنات السحرية، ولكن فقط بالنسب الصحيحة. حين يبرد المزيح يتكوّن لديك مسحوق بلون القمر الرمادي المبيض. إذا وضعت يدك داخله ستجد البنية الحريرية للرماد – ثمّة شيء تَأسُليّ – ولكن سرعان ما ستشعر بيديك قد جفّتا كما لو كانتا تتعرّضان لهجوم غامض. إنّها مادة مميزة جداً ولها اسم مملّ جداً: الإسمنت.
إذا أضفت الماء الآن لهذا المسحوق فسيمتصّه بسهولة وسيصبح لونه قاتماً. ولكن عوضاً عن تشكيل طين موحل، وهذا ما يحصل عند إضافة الماء لمعظم الصخور المسحوقة: تحدث سلسلة من التفاعلات الكيميائية لتكوّن هلاماً. والهلام مادة متذبذبة ومتصلّبة جزئياً – الحلوى الهلامية التي تقدَّم في حفلات الأطفال هي نوع من أنواع الهلام، وكذلك الكثير من أصناف معجون الأسنان. إنها لا تُخضّ مثل السائل لأن فيها هيكلاً داخلياً يمنع السائل من الحركة. في حالة الحلوى الهلامية يكون ذلك بالجيلاتين. وفي حالة الإسمنت، يكون الهيكل مصنوعاً من لُييفات هيدروكسيد سيليكات الكالسيوم، وهي كيانات أشبه بالبلورة تكوّنت من جزيئات الكالسيوم والسيليكات، وانحلّت الآن في الماء بطريقة تبدو شبه عضوية (انظر الصورة بالأسفل). إذاً فإن الهلام المتكوّن داخل الإسمنت متغيّر باستمرار مع ازدياد نموّ الهيكل الداخلي وازدياد التفاعلات الكيميائية التي تحدث.

مع نموّ اللُييفات والتقائها تتشابك بعضها مع بعض وتشكل روابط تحبس المزيد والمزيد من الماء إلى أن تتحول الكتلة الكلية من البنية الهلامية إلى صخر صلب. هذه اللُييفات لا تترابط بعضها مع بعض فحسب، بل أيضاً مع الصخور والأحجار الأخرى. وهكذا يتحول الإسمنت إلى خرسانة.
يُستعمل الإسمنت لتثبيت الآجر بعضه مع بعض لصنع المنازل، ولتثبيت الأحجار لصنع الصروح. ولكن في كلتا هاتين الحالتين يُرصّ بين الشقوق كعنصر ثانوي، أو صمغ عمراني. ولكن عند استخدامه في الخرسانة بمزجه مع الأحجار الصغيرة التي تؤدّي دور آجر صغير، يصل إلى طاقته القصوى ليصبح مادّة إنشائية.
كما في أي تفاعل كيميائي، إذا أخطأت في وضع نسب المواد، فستحصل على الفوضى. في حالة الخرسانة، إذا أضفت الكثير من الماء فلن تكون هناك سيليكات كالسيوم كافية من مسحوق الإسمنت لتتفاعل معه، وسيكون فائضاً في البنية ما سيجعلها ضعيفة. على نحو مماثل، إذا أضفت القليل من الماء فسيبقى الإسمنت غير متفاعل ما سيضعف البنية أيضاً. عادة ما يكون خطأ بشري من هذا النوع هو ما يؤكد خراب الخرسانة، حيث يمكن لخرسانة ضعيفة كهذه أن تبقى غير مكتشفة، ولكن ستؤدّي إلى كارثة بعد عدّة سنوات من رحيل البنّائين. لقد عُزيت درجة الدمار بسبب الزلزال في عام ???? في هاييتي إلى البناء الرديء الصنع والخرسانة الضعيفة الجودة، وذلك أدّى إلى انهيار ??.??? بناء، وقتل أكثر من ???.??? شخص، وتشريد مليون شخص آخر. الأسوأ من ذلك أن هاييتي ليست استثناءً على الإطلاق. فمثل هذه القنابل الخرسانية الموقوتة منتشرة حول العالم.
قد يكون تعقب منشأ هذه الأخطاء البشرية صعباً لأن الخرسانة تبدو جيدة من الخارج. لقد لاحظ المهندس المشرف على بناء مطار جون كينيدي الدولي (JFK) من خلال الاختبارات الروتينية، أن الخرسانة التي تصل على الشاحنات قبل الظهر صلابتها جيّدة عندما تجمد، ولكن الخرسانة القادمة مباشرة بعد الظهر أضعف نسبياً. لشدّة حيرته، بحث عن كل الأسباب الممكنة ولكن لم يتمكن من معرفة الجواب إلى أن قرّر تتبع الشاحنة التي تقوم بعملية توصيل الخرسانة أثناء رحلتها إلى المطار، فوجد أن السائق اعتاد أن يأخذ استراحة غداء حوالى الظهر ويرش الخرسانة بخرطوم مياه قبل استراحته، معتقداً أن إضافة المزيد من الماء ستبقي الخرسانة سائلة لمدّة أطول.
أثناء حفر الأساسات لبناء ذي شارد والبنى الداعمة له، وجد المهندسون دليلاً على نوع من الخرسانة سبق النموذج الحديث: الخرسانة الرومانية. لقد كانت تمسك بقايا حمّام روماني اكتشفوه عندما أبادوا متجر السمك والبطاطا المحلي الذي استقر الآن إلى جانب أبراج ساوثوورك سابقاً.

لقد حالف الحظ الرومان بالخرسانة. عوضاً عن الاضطرار لإجراء التجارب لتسخين مركبات مختلفة من الصخور المسحوقة على درجة حرارة عالية حدّ بياض اللهب، وجدوا إسمنتاً جاهزاً في مكان يُسمّى بوزوولي (Pozzuoli) على تخوم نابولي.
إن بوزوولي نتنة – حرفياً. اشتقت اسمها من الكلمة اللاتينية Putere (الإنتان)، نتيجة الرائحة الصادرة عن الكبريت الموجود في الرمل البركاني المجاور. النقطة الحسنة لتلك الرائحة هي أن المنطقة كانت تتعرض لحمم وثورانات من الرماد وحجر الخفاف لملايين السنين. نشأ هذا الرماد البركاني نتيجة شدة سخونة صخور السيليكات التي قذفت خارج الفوهة البركانية – وهي عملية مماثلة لعملية صنع الإسمنت الحديث بنحو مريب. كل ما كان على الرومان فعله هو تحمّل الرائحة والتنقيب عن المسحوق الصخري الذي تراكم على مرّ ملايين السنين. يختلف هذا الإسمنت المصنوع طبيعياً بعض الشيء عن الإسمنت البورتلاندي الحديث، ويحتاج لإضافة الجير ليجعله يجمد. ولكن ما إن عملوا على هذا الأمر وأضافوا الأحجار للدعم، حتى حصلوا بين أيديهم لأول مرة في تاريخ البشرية على مادّة بناء فريدة جوهرياً وهي الخرسانة.
إن الطبيعة المركبة للمباني الآجر هي جزء من جاذبيتها. فالأجر بحد ذاته هو وحدة بناء مصمّمة بحجم الكف، ما يعطي الوحدة الإجمالية مقياساً بشرياً. إلا أن الخرسانة مختلفة جوهرياً عن مادّة البناء هذه، لأنها تبدأ كسائل. هذا يعني أن الأبنية المصنوعة من الخرسانة يمكن صبّها، فتكون النتيجة بنية متصلة، من الأساس إلى السقف من دون أيّ موصلات.
إن شعار مهندس الخرسانة هو: تريد أساسات؟ سنصبّ لك أساسات. تريد دعائم؟ سنصبّ لك دعائم. تريد أرضية؟ سنصبّ لك أرضية. تريدها ضِعف الحجم؟ – لا مشكلة. تريدها مائلة؟ – لا مشكلة. باستخدام الخرسانة، إذا استطعت إنشاء القالب، يمكنك صنع البنية. إن سلطة هذه المادة ملموسة وتسبّب الإدمان لمن يزور موقع الإنشاء حيث تُصنع هذه المادة. أسبوعاً بعد آخر، كنت أنعم النظر من خلال فتحة المراقبة في موقع ذي شارد وأصاب بالذهول ممّا أرى. كان المبنى ينمو من الأساس، كان يصبّه إلى الوجود نملٌ بشري. صخور مسحوقة وأحجار وصلت إلى الموقع فتحوّلت إلى صخور مجدداً بالإضافة البسيطة للماء إليها. إنها فلسفة بقدر ما هي تكنولوجيا هندسية، إنها تنهي دورة بدأت عندما يكوّن الغلاف الأرضي الصخور والأحجار التي ترفع الجبال، ثم يستخرجها الإنسان ويحوّلها مجدداً إلى جبال من الصخور الصناعية الخاصة بنا، ثم نجعلها على التصميم الذي نريده لنسكن ونعمل فيها.
إن وجود الخرسانة يغذي طموح المهندسين. منذ أن اخترعها الرومان أدركوا أنها ستسمح لهم ببناء البنية التحتية لإمبراطوريتهم. لقد مكنتهم من بناء الموانئ أينما أرادوا، لأن الخرسانة لديهم يمكنها أن تجمد تحت الماء. تمكنوا من بناء القنوات المائية والجسور أيضاً – البني التحتية نفسها اللازمة لنقل المواد الخام لصنع الخرسانة أينما كانت الحاجة إليها، بدل الاعتماد على الحجر والطين المحلي. من هذا المنطلق، إن الخرسانة مثالية لبناء إمبراطورية. على أيّ حال، تقع أعظم تحف التصاميم الخرسانية الرومانية روعة في عاصمتها: قبة البانثيون في روما. ما زالت قائمة حتى اليوم، بعد مرور ألفي عام ما تزال أكبر قبّة خرسانية غير مدعمة في العالم.

لقد نجا البانثيون من انهيار الإمبراطورية الرومانية، على عكس الخرسانة. لم يعد هناك أي بنىً خرسانية لأكثر من ألف عام بعد توقف الرومان عن صناعتها. ويبقى السبب وراء خسارة تقنية المواد غامضاً حتى اليوم. لعلها فقدت لأنها كانت صناعية بطبيعتها وكانت بحاجة لإمبراطورية صناعية لتدعمها. لعلها فقدت لأنه لم يتم ربطها بمهارة أو حرفة معينة مثل الحدادة والنجارة ونحت الحجارة، وبالتالي لم يتم تناقلها كتجارة عائلية. أو ربما فقدت لأن الخرسانة الرومانية، برغم جودتها، كان فيها عيب جوهري، عيب عرفه الرومان ولكن لم يجدوا له حلاً.
هناك طريقتان لكسر المادة. إحداهما هي أن تكسرها بمرونة، على سبيل المثال، عندما تشدّ قطعة من اللبان بعضها عن بعض: تصبح المادة قادرة على إعادة تشكيل نفسها فتنساب وتصبح أرفع عند الوسط إلى أن تنفصل أخيراً إلى قطعتين. هذا ما تحتاج إلى فعله لكسر معظم المعادن. ولكن تحتاج إلى الكثير من الطاقة لتجعل المعادن تنساب بهذه الطريقة، (لأنك بحاجة إلى تحريك الكثير من الانخلاعات)، ولهذا السبب هي موادّ قوية وصلبة. الطريقة الثانية لكسر مادة ما هي بإنشاء صدع خلالها، وهذا ما يجعل الكأس أو فنجان الشاي ينكسر: فهو غير قادر على الانسياب ليستوعب الضغط الذي يسحبه بعيداً بعضه عن بعض.
إن ضعفاً وحيداً في هذا النوع من المواد يعرّض الكتلة كاملة للخطر، فإما أن تنشطر أو تتهشّم. هكذا تنكسر الخرسانة، وهذا ما كان مشكلة كبيرة عند الرومان.
لم يتمكن الرومان من حلّ هذه المشكلة، لذلك استخدموا الخرسانة في مواضع يمكن فيها ضغطها بدلاً عن مدّها، كما في عمود أو قبّة أو أساسات المبنى، حيث يُضغط كل جزء من الخرسانة بعضه على بعض بوزن البنية. في ظل هذا الضغط، تبقى الخرسانة قوية حتى بعد ظهور التصدّعات. إذا زرتَ قبّة البانثيون الخرسانية التي يبلغ عمرها ألفي عام، فستلاحظ أنها أحدثت تشققات على مرّ السنين. ربما كان ذلك نتيجة زلازل أو سقوط، ولكن هذه التشققات لا تعرّض البنية للخطر لأن القبة بكاملها تحت الضغط. عندما حاول الرومان صنع طوابق معلقة وعوارض من الخرسانة تحتاج لأن تحتمل ضغط الالتواء، عرفوا أن أصغر صدع سوف يسبّب انهيار البنية كاملة. عندما تتباعد المادّة على أحد الطرفين بسبب وزنها ووزن المبنى، لا يمكنها المقاومة. إذاً لاستخدام الخرسانة بأقصى إمكانياتها، كما نفعل اليوم، في بناء الجدران والأرضيات والجسور والأنفاق والسدود، كان لا بدّ من حلّ هذه المشكلة. ولكن هذا لم يحصل إلى أن لاحت الثورة الصناعية الأوروبية في الأفق، وحتى حينها، جاء الحل من مصدر غير متوقع.
كان البستاني الباريسي جوزيف مونييه (Joseph Monier) يحب صنع أصص نباتاته بنفسه. في ذلك الوقت، عام ????، كانت هذه الأصص تُصنع من الصلصال المشوي، أي إنّها كانت ضعيفة وهشّة ومكلفة الصنع، خاصة إن أراد الشخص أصصاً ضخمة لتستوعب جنون زراعة نباتات استوائية في البيوت الزجاجية. بدت الخرسانة هي الحلّ. كان بالإمكان استخدامها لصنع أصص ضخمة بسهولة أكبر بكثير من الصلصال لأنها لم تكن بحاجة للشيّ في أتون. كما كانت أزهد ثمناً لنفس السبب. ولكنها كانت لا تزال ضعيفة الضغط، لذلك في النهاية تصدعت أصصه الخرسانية تماماً مثل التيراكوتا (الطين النضيج).
كان حل جوزيف هو إدخال حلقات من الفولاذ إلى داخل الخرسانة. ما كان ليعرف أن الخرسانة تلتصق جيداً مع الفولاذ. كان من الممكن أن يتبيّن بسهولة أن الفولاذ كان كالزيت في صلصة الخرسانة، يفضّل أن يبقى منطوياً على نفسه. ولكن لا، فلُييفات سيليكات الكالسيوم في الخرسانة تلتصق بالحجر والمعدن على حد سواء.
الخرسانة أساساً شكل من أشكال الحجارة: فهي مشتقة منها وتشبهها بالمظهر والتركيب والخواص. ولكن الخرسانة المدعمة بالفولاذ تصبح مختلفة جوهرياً: لا توجد مادة مثلها تحدث طبيعياً. عندما تتعرّض الخرسانة المدعمة بالفولاذ لضغوط انحنائية، يمتصّ الهيكل الداخلي للفولاذ الضغط ويحميه من حدوث تصدّعات كبيرة. إنها مادتان في واحدة، كما أنها تحوّل الخرسانة من مادّة متخصّصة إلى مادّة متعدّدة الأغراض في البناء على الإطلاق.
شيء آخر ما كان ليعلمه جوزيف في ذلك الوقت، تبيّن أنه أحد المفاتيح لنجاح الخرسانة المسلحة. الموادّ ليست أشياء ساكنة. إنها تتجاوب مع بيئتها وخصوصاً الحرارة. معظم المواد تتمدّد عند الحرارة وتتقلص عند البرودة. أبنيتنا وشوارعنا وجسورنا كلها تتمدّد وتتقلص هكذا كأنها تتنفّس، إن لاحظنا دورة الحرارة الليلية والنهارية. إن هذا التمدّد والتقلص هو ما يسبّب الكثير من التصدّعات في الطرقات والمباني، وإن لم يؤخذ ذلك في الحسبان أثناء التصميم يمكن للضغوط المتراكمة أن تدمّر البناء. أيّ مهندس يخمّن نتيجة تجارب جوزيف قد يفترض أن الخرسانة والفولاذ، لاختلافهما، سيتمدّدان ويتقلصان بمعدلات مختلفة ستفسخ بعضهما بعضاَ، وأنه في حرارة الصيف أو في برودة الشتاء في حديقة جوزيف سينفلق الحديد عن الخرسانة ما سيسبّب تشقق الأصص. ربما هذا ما دعا بستانياً ليقوم بالتجربة بالدرجة الأولى – لقد بدا جليّاً تماماً أنها لن تنجح. ولكن شاء حسن الحظ أن يكون للفولاذ والخرسانة مُعامل تمدّد متماثل تقريباً. بمعنى آخر، إنهما يتمدّدان ويتقلصان تقريباً بنفس المعدل. هذه معجزة صغيرة، ولكن لم يكن جوزيف الوحيد ليلاحظ ذلك. عثر رجل إنكليزي يُدعى ويليام ولكنسون (William Wilkinson) على هذه التركيبة السحرية من المواد: جاء عهد الخرسانة المسلحة.
اذهب إلى أيّ دولة من الدول النامية في العالم وسترى الملايين من أفقر الناس يعيشون في مدن من أكواخ مصنوعة من الطين والخشب والأسطح من الفولاذ المموّج. هذه المساكن شديدة التأثر بالعوامل الطبيعية. إنها حارة جداً تحت الشمس، وتصبح راشحة ومتداعية تحت المطر. وتتحطّم باستمرار بفعل العواصف، وتنجرف بالفيضانات، أو تزال بالجرّافات في خدمة الشرطة والسلطة. لبناء دفاع متين ضد عوامل الطبيعة والطغاة، أنت بحاجة إلى مادّة ليست قوية فقط، بل مقاومة للنار والعواصف والماء، وزهيدة كفاية بحيث تكون متاحة للجميع في العالم.
والخرسانة المسلحة هي هذه المادة. بسعر ???£ للطن الواحد، أصبحت الخرسانة أرخص مادة بناء في العالم بفارق كبير. كما أنها تمنح نفسها لمكننة الإنشاء فتسمح بخفض أكبر للتكلفة. فشخص واحد وخلّاط خرسانة يمكنهما بناء أساسات وجدران وأرضيات وسطح منزل في عدة أسابيع، لأن كل هذه العناصر هي جزء من البنية يمكنها بسهولة أن تدوم لمئات السنين تحت كل عوامل المناخ. فالأساسات تحميه من ترسّب الماء، وهي حصينة ضد التعفّن وغزو الحشرات. ستقاوم الجدران الانهيار وتدعم النوافذ الزجاجية بإحكام. سيحتاج إلى بعض الصيانة: ولكن الآجرّ لن يتطاير منه، لأنه لا يحتوي على آجرّ. أما السطح فهو جزء متمّم للبناء حيث يمكن غرس الدوالي والنباتات وحتى العشب فوقه للاقتيات ولعزل المبنى حرارياً. (حقيقة أن الحدائق على الأسطح المستوية ممكنة بفضل الهيكل الداخلي للفولاذ في الخرسانة هي بمثابة تحيّة سارّة لأحد مخترعيها البستانيين – وإلا كانت القبب مثل البانثيون هي البديلة).
مع تقدّم العمل على ذي شارد، وجدت أنني لم أعد بحاجة لزيارة شباك المراقبة المشقوق في السياج للموقع نفسه. في الواقع لقد أتاح لي أسوأ مشاهدة. كل النشاطات أصبحت الآن على قمّة البرج الآخذ بالنموّ. حصلت على أفضل مشاهدة من سطح منزلي، وسرعان ما أصبحت عادة لديّ أن أنهض في كلّ صباح وأتأمّل تقدّم ذي شارد وأنا أشرب قهوتي الصباحية. بدأت أقيس مدى ارتفاعه بعلامة طبشور على مجموعة مواسير المداخن. لقد ارتفع إلى أعلى فأعلى فأعلى! في ذروة النشاط، حسبت أن المهندسين يضيفون طابقاً كاملاً تقريباً كل بضعة أيام.
ما جعل هذا ممكناً هو أن الخرسانة كانت مصبوبة باستمرار. كانت تصل بالشاحنة أسفل المبنى ثم تضخ للأعلى إلى داخل قالب. في هذه الأثناء يُجهَّز القالب الذي هو بحجم وشكل أرضية المبنى بقضبان فولاذية ستصبح لاحقاً الهيكل الداخلي للبرج الخرساني. ما إن تُصب الأرضية حتى تستخدم عندها لدعم القالب الذي يُنقل إلى طابق أعلى، على استعداد لصبّ الأرضية التالية. وهكذا كانت العملية تتكرّر. وكان المبنى يرتفع. كان يرتفع، بحسب حساباتي، بمعدل ثلاثة أمتار في اليوم.
ما جعلني أكثر دهشة أن هذه العملية بالإمكان أن تستمرّ على ما يبدو بقدر ما تهتمّ برفع القالب للطابق الأعلى وصبّ المزيد من الخرسانة. كان كبرعم على شتلة شجرة متنامية. ولكن في الواقع، هناك قيود حالية للعملية. لقد وجد مهندسو برج خليفة في دبي، الذي يفوق ارتفاع ذي شارد بحوالى ثلاثة أضعاف، أن قدرة الآليات على ضخّ الخرسانة عمودياً إلى أعلى البرج هي مشكلة بالغة.
مع ذلك، فإن المفهوم بارع. إن مكننة عملية البناء هي ما يجعل الخرسانة مادة عصرية. فهي تمنح نفسها للصبّ والقولبة، للبناء السريع للبنى الضخمة. إن البنى الضخمة القديمة، مثل كاتدرائيات أوروبا الحجرية أو سور الصين العظيم، أخذت عقوداً لبنائها. بينما أخذ المحور المركزي لمبنى ذي شارد، أحد أطول المباني في أوروبا، أقل من ستة أشهر. إن هذه المادة تمكنك من التفكير بطموح، من أن تحلم. إنها المادة التي أتاحت للمهندسين المدنيين تحقيق طموحاتهم. من الخرسانة المسلحة بُني سد هوفر(Hoover Dam) وجسر ميلو (Millau viaduct) وتقاطع غريفلي هيل (Spaghetti Junction).

ذات يوم، توقف ذي شارد عن الارتفاع، ثم خلال أيام اختفت معدّات قالب الخرسانة. وكلّ ما بقي هو برج من الخرسانة بارتفاع اثنين وسبعين طابقاً: كان رمادياً خاماً ومتجعّداً مثل طفل حديث الولادة. ثم بدأ العمل من الأسفل مجدّداً، بينما تأرجح أحدث برج خرساني في لندن بهدوء مع الرياح، من دون عمل على ما يبدو سوى المراقبة بينما أخذ النمل البشري يحتشد عند قاعدته. ولكنه لم يكن ساكناً. داخل المادة كانت لُييفات ماءات سيليكات الكالسيوم تتزايد وتتشابك بعضها مع بعض وتترابط مع الحجر والفولاذ. وبهذا، كان البرج يزداد صلابة. على الرغم من أن الخرسانة تتفاعل مع الماء لتتصلّب إلى حدود قوة معقولة خلال أربع وعشرين ساعة، إلا أن العملية التي تطوّر فيها هذه الصخرة الصناعية بنيتها الداخلية وبالتالي قوّتها الكاملة تستغرق سنوات. بينما أكتب هذا، ما زال المحور الخرساني لمبنى ذي شارد يزداد قساوة وصلابة، وإن كان بنحو غير ملحوظ.

حين يصبح بقوّته الكاملة، ستتحمّل البنية الخرسانية وزن عشرين ألف شخص سيقطنونه نهاراً. وستتحمّل وزن آلاف المكاتب والكراسي والأثاث والحواسيب، والأطنان من الماء. ستتحمّل كل هذا يوماً بعد يوم، من دون تشوّه مرئي. ستبقى الأرضيات صلدة وراسخة. وهي قادرة على دعم شاغري البرج وحمايتهم من عوامل الطبيعة لآلاف السنين من دون شكوى. هذا إذا اعتُني بالخرسانة.
لأنه بالرغم من الكفاءات المدهشة للخرسانة المسلحة كمادّة بناء، ما زالت تحتاج إلى العناية. في الواقع، إن نقطة ضعفها هي أصل قوّتها: بنيتها الداخلية.
في الظروف العادية، عند التعرض للعوامل الطبيعية، يكون الفولاذ المستخدم لدعم الخرسانة عرضة للصدأ. ولكن عندما يُغلّف الفولاذ داخل الخرسانة تهيّئ الحالة القلوية طبقة من هيدروكسيد الحديد فوق الفولاذ، الذي يقوم بمقام قشرة وقائية. ولكن خلال فترة حياة أيّ مبنى، وبسبب الاستهلاك العادي الناجم عن الاستخدام، والتمدّد والتقلص الذي يحصل خلال فصلي الشتاء والصيف، ستظهر تشقّقات صغيرة في الخرسانة. وهذه التشققات قد تسمح بتسرّب الماء، وقد يتجمد الماء ويتمدّد فيصنع شقاً أكثر عمقاً. هذا النوع من التآكل والاحتكاك يجب أن تحتمله المباني الحجرية. وهو أيضاً ما يجب على الجبال أن تحتمله، فهو ما يسهم في حتّها. لمنع الحجر والخرسانة من ابتلاء كهذا، يجب تنفيذ عملية صيانة كل خمسين سنة تقريباً.
ولكن قد تعاني الخرسانة من ضرر أشدّ فتكاً، يحدث هذا عندما يدخل الكثير من الماء إلى الخرسانة ويبدأ بنخر دعامة الفولاذ. ويزداد الصدأ داخل البنية ما يجعل التشقق أكبر، ويعرّض الهيكل الفولاذي الداخلي بكامله للخطر. ومن المرجح أن يحدث هذا خاصّة بوجود الماء المالح الذي يتلف هيدروكسيد الحديد الواقي ويسهم في صدأ الفولاذ بشدّة. إن الجسور والطرقات في الدول الباردة التي تتعرّض للملح دائماً (كما في استخدامه لإزاحة الثلج والجليد) أكثر عرضة لهذا النوع من الانحلال. ثبت أخيراً أن المعبر العلوي في هامرسميث (Hammersmith flyover) يعاني هذا النوع من تآكل الخرسانة.
مع التسليم بأن نصف بنى العالم حرفياً مصنوعة من الخرسانة، تمثّل صيانة البنى الخرسانية جهداً هائلاً ومتزايداً. ولتصعيب الأمور أكثر، الكثير من هذه البنى موجودة في بيئات لا نودّ أن نزورها دورياً، مثل جسر أوريسند?resund) ) الذي يربط الدنمارك والسويد، أو المحور الداخلي لمحطة طاقة ذرية. في مثل هذه الحالات، من المثالي أن نجد طريقة تسمح للخرسانة بالاعتناء بنفسها، وأن نصمّم خرسانة ذاتية الالتئام. أصبحت الآن مثل هذه الخرسانة موجودة بالفعل، ورغم أنها في بداية نشوئها أثبتت نجاحها.
بدأت قصة هذه الخرسانة الذاتية الالتئام عندما بدأ العلماء بدراسة أشكال الحياة التي يمكنها أن تصمد أمام الظروف القصوى. فوجدوا نوعاً من البكتيريا تعيش في بحيرات شديدة القلوية تكوّنت بسبب النشاط البركاني. لهذه البحيرات قيم أس هيدروجيني تراوح بين ?-??، وهي تسبّب الحروق لبشرة الإنسان. كان يُعتقد في السابق، وليس من دون منطق، أنه ما من حياة في هذه البحيرات الكبريتية. ولكن كشفت دراسة دقيقة أن الحياة عنيدة أكثر ممّا اعتقدنا. لقد عُثر على بكتيريا محبّة للقلوية قادرة على الحياة في هذه الظروف. وقد اكتُشف نوع معيّن يدعى (B.pasteurii) يمكنه إفراز معدن كالسيت (كربونات الكالسيوم البلورية)، أحد مكوّنات الخرسانة. وقد اكتُشف أيضاً أن هذه البكتيريا قوية للغاية وقادرة على الحياة خاملة داخل الصخر لعقود من الزمن.
تحتوي الخرسانة الذاتية الالتئام على هذه البكتيريا مزروعة في داخلها، وعلى نوع من أنواع النشاء كغذاء لهذه البكتيريا. في الظروف العادية، تبقى هذه البكتيريا خاملة، ومغلفة بلُييفات ماءات سيليكات الكالسيوم. ولكن إذا حدث صدع، تتحرّر البكتيريا من روابطها، وفي حال وجود الماء تستفيق وتبدأ بالبحث عن الغذاء. فتجد النشاء الذي أضيف إلى الخرسانة، فيجعلها تنمو وتتكاثر. أثناء هذه العملية تفرز معدن الكالسيت، وهو نوع من كربونات الكالسيوم. يترابط هذا الكالسيت مع الخرسانة ويبدأ ببناء بنية معدنية تتجاوز الصدع، وتمنعه من الازدياد وتسدّه.
إنها من نوع الأفكار التي تبدو جيدة نظرياً ولكن لا تنجح عملياً. إلا أنها نجحت فعلاً. تظهر الأبحاث الآن أن الخرسانة المتصدّعة التي أُعدّت بهذه الطريقة تستعيد ?? بالمئة من قوتها بفضل هذا البكتيريا. يجري الآن تطوير هذه الخرسانة الذاتية الالتئام لاستخدامها في البنى المعمارية الحقيقية.

ثمة نوع آخر من الخرسانة يحتوي على عنصر حيّ يسمّى فيلتركريت (filtercrete). إنّه نوع من الخرسانة يحتوي على مسامية من نوع خاصّ، بطريقة تسمح للبكتيريا الطبيعية باستعماره. كما أن المسامّ داخل الخرسانة تسمح للماء بالانسياب خلاله، ما يقلل الحاجة إلى المصارف، فيما تقوم البكتيريا داخل الخرسانة بتنقية المياه وذلك بتحليل الزيوت والملوّثات.
كذلك أصبحت هناك الآن نسخة قماشية من الخرسانة تُسمّى القماش الخرساني. تأتي هذه المادّة على شكل لفافة أسطوانية وكلّ ما تحتاج إليه هو إضافة الماء لتتصلب بالشكل الذي تريد. رغم أن لهذه المادة إمكانيات فنّية عظيمة، لعل أكبر تطبيقاتها يكون في المناطق المنكوبة، حيث يمكن لخيام مصنوعة من لفائف الخرسانة تُسقط من الجوّ في المكان الأصلي أن تنشئ مدينة في عدّة أيام، يمكنها أن تحمي من المطر والرياح والشمس لسنوات في أثناء استمرار جهود البناء.
ولكن ما حدث بعد ذلك لمبنى ذي شارد، لم يكن احتفاءً بإمكانيات الخرسانة. عوضاً عن ذلك، كسا البنّاؤون ببطء وانتظام الجانب الخارجي من مبنى ذي شارد بالفولاذ والزجاج ليزيلوا أيّ آثار للمحور الخرساني للمبنى. لقد كان هذا الإجراء قاسياً: كأنّما كانوا يشعرون بالخزي من الخرسانة. لم يكن مقدَّراً لها مشاركة المبنى مواجهة العالم الخارجي أو ساكنيه.
إن هذا السلوك مشترك لدى معظم الناس، إذ يُنظر إلى الخرسانة كمادة جيدة لبناء جسر طريق سريع أو سدّ كهرومائي، ولكن لا يُعدّ مادة مناسبة للبناء داخل المدن. إن استعمال الخرسانة للتعبير عن الشعور بالحرية والانعتاق، كما كانت حال مركز ساوثبنك (Southbank) عام ????، لم يعد الآن أمراً وارداً.
كانت فترة الستينيات من القرن الماضي فترة فوضويّة للخرسانة، حيث كانت تُستعمل على نطاق واسع لإعادة ابتكار مراكز المدينة وبناء عالم حديث. ولكن في مكان ما على طول الطريق ضاع هذا الترابط، وقرّر الناس أنها ليست مادة المستقبل في النهاية. ربما بُني الكثير من مرائب السيارات الطابقية من الخرسانة الرديئة الجودة، أو ربما تعرّض الكثير من الناس للسرقة في الطرقات السفلية الخرسانية المغطاة بالكتابات، أو ربما شعرت الكثير من العائلات بفقدان إنسانيتها بسبب عيشها في حالة ارتقاء للخرسانة. في تلك الأيام كان يُنظر إلى الخرسانة على أنها ضرورية، رخيصة، كئيبة، موحشة، معيبة، وحشية، وفوق ذلك بشعة.
ولكن الحقيقة هي أن التصميم الرديء هو تصميم رديء مهما كانت المادة، إذ يمكن استخدام الفولاذ في تصميم جيد أو رديء، وكذلك حال الخشب والآجر، ولكن بالخرسانة فقط التصق لقب ”بشعة“. ليس هناك أيّ شيء رديء جوهرياً في ما يتعلق بجمال الخرسانة. عليك فقط أن تنظر إلى دار أوبرا سيدني، التي صُنعت قبّتها؟ الأيقونية من الخرسانة، أو إلى الموجودات الداخلية لمركز باربيكان في لندن لتجد أن المادة قادرة على – وفي الحقيقة تجعل بالإمكان – تحقيق أعظم هندسة معمارية استثنائية. ولم يتغيّر هذا منذ ستينيات القرن الماضي. إن منظر الخرسانة هو ما يبدو غير مقبول، ما يعني أن الخرسانة الآن تُخفى عن العين على نحو رتيب، لتؤمن المحور والأساس ولكن ليس من المسموح لها بأن تكون ظاهرة.

ابتُكرت تحديثات جديدة للخرسانة لتنعش جاذبيتها الجمالية. آخرها كانت الخرسانة الذاتية التنظيف، التي تحتوي على جسيمات ثاني أكسيد التيتانيوم. توضع هذه على سطحها ولكنها دقيقة وشفافة، فلا تبدو مختلفة. على أيّ حال، عندما تمتص الأشعة فوق البنفسجية من الشمس، تصنع الجسيمات إيونات جذرية، تفتّت أيّ وسخ عضوي يحتكّ بها. ثم تُغسيل البقايا بفعل المطر أو نفخها بفعل الرياح. بُنيت كنيسة في روما تُدعى دايفز (Dives) في ميزيريكورديا (Misericordia) بمثل هذا النوع من الخرسانة الذاتية التنظيف.
في الحقيقة، يقوم ثاني أكسيد التيتانيوم بأكثر من مجرد تنظيف الخرسانة، يمكنه أيضاً أن يقلل مستوى أكسيد النتروجين في الهواء، الناتج عن السيارات، مثل محوّل محفز. أثبتت عدة دراسات أن من الممكن نجاحه، ويفتح المجال للمباني والطرقات في المستقبل في بيئة المدينة ألّا تكون سلبية: قد تصبح قادرة على تنقية الجوّ تماماً كالنبات.
الآن مع انتهاء مبنى ذي شارد، أخفيت الخرسانة عن الأنظار، وغُلّفت بمواد أكثر قبولاً، ولكن سرّنا البشع، وسرّ مبنى ذي شارد أيضاً، هو أن الخرسانة هي أساس مجتمعنا بكامله حرفياً: إنها أساس مدننا وطرقاتنا وجسورنا ومحطات الطاقة لدينا – إنها ??% من كل شيء نصنعه. ولكنها مثل العظام نفضّلها في الداخل، ونشمئزّ عندما تنتأ خارجاً. ولكن قد لا تكون هذه الحال دائمة. لعلها نهاية الموجة الثانية من الحماسة للخرسانة. أمّا الأولى فبدأت عند الرومان وانتهت لأسباب غامضة. الخرسانة الجديدة القادمة ستكون أكثر رقيّاً وقد تغيّر ذوقنا مجدّداً، مشعلة موجة ثالثة من الحماسة، هذه المرّة لخرسانة ذكيّة مزروع في داخلها بكتيريا قادرة على صنع هندسة معمارية حيّة تتنفس، وبالتالي تغيّر علاقتنا مع هذه المادة الأساسية.
?. الشهيّ
خذ قطعة من الشوكولاته الداكنة وضعها في فمك. لعدّة لحظات ستشعر بزواياها القاسية على لسانك وأعلى حلقك، ولكن ستتذوّق القليل من النكهة. من شبه المستحيل مقاومة الدافع لأخذ مضغة جيدة، ولكن حاول جهدك ألّا تفعل، حتى تتمكن من الشعور بما سيحدث لاحقاً: فجأة تصبح القطعة رخوة لأنها تمتص الحرارة من لسانك. عندما تصبح سائلة، ستشعر بأن لسانك أصبح أقل حرارة، ثم يفيض في فمك مزيج من النكهات الحلوة والمرّة، يتبعه إحساس فاكهي وجوزي، وأخيراً طعم ترابي موحل في آخر حلقك. للحظة مباركة واحدة، ستكون عبداً لأكثر الموادّ شهيّة التي صُمّمت على الإطلاق.
صُمّمت الشوكولاته لتتحول إلى سائل بمجرد أن تبلغ الفم. هذه الخدعة هي ذروة جهود مئات السنين من الهندسة والطهو، كان هدفها في البداية خلق مشروب شائع يثبت في وجه الشاي والقهوة. لقد فشل هذا الأمر فشلاً ذريعاً إلى أن أدرك مصنّعو الشوكولاته أن جعل الشوكولاته ساخنة في الفم أكثر شهيّة من تسخينها في وعاء طهو، وأكثر عصرية، وأكثر استحباباً على نحو واسع، أي إنهم صنعوا مشروباً متماسكاً، أصبح ممكناً بفهمهم للبلورات وتحكمهم بها – تحديداً بلورات زبدة الكاكاو. ومن حينها لم تلتفت صناعة الشوكولاته إلى الوراء.
إن زبدة الكاكاو هي من أفضل الدهون في مملكة الخضروات. وهي تتنافس مع زبدة الحليب وزيت الزيتون على موقع الصدارة. تبدو في قوامها الخالص مثل زبدة الحليب غير المملحة، وهي ليست أساسية في الشوكولاته فقط، بل في كريمات الوجه الفخمة والأغسال (ج.غسول). لا تدع هذا يقلقك – لطالما قدّمت الدهون للناس أكثر من مجرد طعام، سواء على شكل شموع، كريمات، زيت للمصابيح، طلاء، وصابون. ولكن زبدة الكاكاو هي دهن متميّز لأكثر من سبب. أولاً، إنها تذوب عند درجة حرارة الجسم، بمعنى أنه يمكن تخزينها صلبة ولكن تصبح سائلة عندما تحتكّ بالجسم البشري. وهذا ما يجعلها مثالية للأغسال. فضلاً عن ذلك، إنها تحتوي على مضادات أكسدة طبيعية، ما يمنعها من الزنخ، فيمكن تخزينها لسنوات من دون تلف (قارن هذا مع الزبدة المصنوعة من الحليب التي لها عمر تخزين لا يتجاوز بضعة أشهر.) إنها أخبار سارّة لمصنعي كريمات الوجه وأيضاً لمصنعي الشوكولاته.
لدهن الكاكاو خدعة سرّية أخرى: إنه يشكل بلورات، وهذا ما يمنح ألواح الشوكولاته القوة الميكانيكية. إن المكون الرئيسي لزبدة الكاكاو هو جزيء كبير يسمّى تريغليسريد (الدهون الثلاثية) الذي يشكل بلورات بطرق مختلفة عديدة بحسب الطريقة التي تتراكب فيه هذه التريغليسريدات. إنه مثل تعبئة صندوق السيارة تقريباً، هناك عدة طرق للقيام بذلك، ولكن بعضها يحتل مساحة أكبر من غيرها. كلما ازداد تراصّ التريغليسريد ازداد اكتناز البلورات في دهن الكاكاو. وكلما ازدادت كثافة دهن الكاكاو، ارتفعت نقطة ذوبانها وأصبحت أكثر استقراراً وقوة. كما أن الأنواع الأكثر كثافة للكاكاو هي الأصعب في الصنع.

إن النوع I والنوع II من البلورات، كما يطلق عليها، طريّان ميكانيكياً وغير مستقرّين. وعند توفر أي فرصة على الإطلاق، ستتحول إلى النوع الأكثر كثافة وهو النوع III والنوع IV. ومع ذلك، إنها نافعة في صنع طبقة الشوكولاته على المثلجات، لأن درجة ذوبانها المنخفضة، على درجة ??? درجة مئوية، تسمح لها بالذوبان في الفم حتى وإن بُرّدت بفعل المثلجات.
أما النوع III والنوع IV من البلورات فهما طريّان ومتفتّتان وليس لهما تأثير ”التكسّر“ الهش عند قضمهما. إن الخاصية الميكانيكية للتكسر ضرورية لصانعي وبائعي الشوكولاته لأنها تضيف المفاجأة والترقب لتجربتنا في تناول الشوكولاته. على سبيل المثال، إنها تسمح لهم بصنع قوقعة خارجية قاسية تغلّف الصميم الطري، فتقدم تبايناً تركيبياً. من وجهة نظر نفسوبدنية، في الوقت ذاته، إن الهشاشة والصوت المرتبط بفتح الشوكولاته يرتبطان بالانتعاش، ما يضفي المزيد من المتعة لتجربة أكل الشوكولاته ”بتكسّر“. أيّ شخص حاول أكل لوح من الشوكولاته بحماسة متوقعاً أن يكون قاسياً وهشاً فوجده لزجاً وذائباً يعلم مقدار خيبة الأمل لفقدان خاصّية التكسر (رغم أنّ من العدل القول إن الشوكولاته اللزجة لها مكانتها أيضاً...).
لكل هذه الأسباب يميل صناع الشوكولاته إلى الرغبة في تجنب استخدام النوع III والنوع IV من البلورات، ولكن لسوء الحظ إنها الأسهل في الصنع: إذا أذبت بعض الشوكولاته وتركتها تبرد، فمن شبه المؤكد أن تتكوّن لديك بلورات من النوع III والنوع IV – هذا النوع من الشوكولاته الناعم الملمس مع اختفاء اللمعة، يذوب بسهولة في اليد. ستتحول هذه البلورات إلى النوع V الأكثر استقراراً مع الوقت، ولكن أثناء ذلك ستفرز بعض السكر والدهن، الذي سيظهر على شكل مسحوق أبيض على سطح الشوكولاته – يُسمّى تزهير الشوكولاته.

النوع V هو بلورة عالية كثافة الدهن بنسبة كبيرة، وتمنح الشوكولاته سطحاً صلباً لامعاً وعاكساً إلى حد ما، و خاصية تكسّر ممتعة عند قصمه. كما أن درجة حرارة ذوبانه أعلى من أنواع البلورات الأخرى، عند درجة حرارة ??? درجة مئوية، لذلك يذوب فقط في فمك. بسبب هذه الخواص، يهدف معظم صناع الشوكولاته إلى صنع بلورات زبدة الكاكاو من النوع V. وهذا سهل القول أكثر من الفعل.
يجب صنعها من خلال عملية تدعى التطبيع، التي تنطوي على ”بذرة“ من بلورات النوع V المسبقة التكوّن، تضاف أثناء المرحلة الأخيرة من عملية التجميد. هذا يمنح بلورات النوع V البطيئة التطور بداية متقدمة على بلورات النوع III والنوع IV الأسرع تطوّراً، ما يسمح للكتلة السائلة بكاملها بأن تتجمّد إلى بنية بلورية أكثر كثافة قبل أن تسنح الفرصة لبلورات النوع III والنوع IV للاستمرار.
عندما تضع شوكولاته داكنة خالصة في فمك وتشعر بأنها بدأت بالتميّع، إنما أنت تشعر ببلورات زبدة الكاكاو من النوع V التي تمسك قوام الشوكولاته وهي تبدأ بالتزعزع. لو اعتُني بها جيداً، لأمضت كل ”حياتها“ عند درجة حرارة أقل من ??? درجة مئوية. أما الآن وهي في فمك، قهي تختبر درجة حرارة أعلى لأول مرة. هذه هي اللحظة التي صُنعت لأجلها. إنها أول وآخر أداء لها. فبينما تزداد حرارتها وتصل إلى عتبة درجة ??? درجة مئوية، تبدأ بالذوبان.
إن هذا التغيّر من المادة الصلبة إلى السائلة – الذي يسمّى تحوّلاً في الحالة – يتطلب طاقة لكسر الروابط الذرّية التي تمسك جزيئات البلورة بعضها ببعض، وبالتالي تحريرها لكي تتحرك كسائل. لذلك لكي تصل الشوكولاته إلى نقطة الذوبان، تستمدّ هذه الطاقة الزائدة التي تحتاج إليها من جسمك. وتحصل الشوكولاته على هذه الطاقة على هيئة حرارة كامنة، كما تُدعى، من لسانك. أنت تدركها على أنها تأثير انتعاش ممتع، يشبه تقريباً مصّ النعناع. إنه تأثير الانتعاش نفسه الذي ينتج عندما تتعرق، ولكن بدل أن يصبح الصلب سائلاً، يتحول السائل (التعرق) إلى غاز، ويمتص الحرارة الكامنة التي يحتاج إليها للقيام بذلك من بشرتك. تقوم النباتات بالعملية ذاتها لكي تبرّد نفسها.
في حالة بلورات الكاكاو، تترافق البرودة إثر ذوبان الشوكولاته مع إفراز مفاجئ لسائل سميك دافئ في الفم، إن هذا التركيب الجامح من الانطباعات هو المسؤول عن الشعور الفريد الذي تقدّمه الشوكولاته في الفم – إنها بداية تجربة الشوكولاته الساخنة.
ما يحدث لاحقاً هو أن مكونات الشوكولاته، التي كانت مترابطة قبلاً بمصفوفة زبدة الكاكاو المتينة، أصبحت حرّة للانسياب إلى حليمات الذوق. وكذلك حبيبات الكاكاو التي كانت مغلفة بزبدة الكاكاو أصبحت حرة. تحتوي الشوكولاته الداكنة عادة على ?? بالمئة من دهن الكاكاو وعلى ?? بالمئة من مسحوق جوز الكاكاو (ويشار إليها على الغلاف ”?? بالمئة من جوامد الكاكاو“) وكل الباقي تقريباً هو عبارة عن سكر. ثلاثون بالمئة من السكر كثير. إنه يساوي وضع مقدار ملعقة كبيرة من السكر في فمك. ولكن مع ذلك لا تكون الشوكولاته الداكنة حلوة بشكل مبالغ فيه، وأحياناً ليست حلوة على الإطلاق. هذا لأنه في نفس الوقت الذي يتحرّر فيه السكر بإذابة زبدة الكاكاو، كذلك تتحرر مواد كيميائية معروفة بالقلويدات (أشباه القلويات) وحمض الفينوليك في مسحوق الكاكاو. هذه جزيئات مثل الكافيين والثيوبرومين، وهي مرّة وقابضة للأنسجة بشكل كبير. فتنشط مستقبلات المرارة والحموضة وتكمّل حلاوة السكر. إن موازنة هذا الأذواق لتقديم نكهة شوكولاته شاملة هي أول مهمة لصناع الشوكولاته. إن إضافة الملح كمعزز للنكهة، وأيضاً إضافة بعدٍ آخر للشوكولاته العصرية، أدّت بدورها إلى استخدام الشوكولاته كمكوّن لأطباق شهيّة: إنه المكوّن الأساسي للطبق المكسيكي بولو كون مول (pollo con mole) وهو عبارة عن دجاج مطهوّ بالشوكولاته الداكنة.
ولكن يختلف مذاق الشوكولاته المطبوخة عن أكل الشوكولاته لسبب آخر. رغم أن الطعم الأساسي يتولد في اللسان بفعل حليمات الذوق التي تميز بين المر والحلو والمالح والحامض والأومامي (اللحمي والسائغ)، معظم النكهة تُدرك من خلال الرائحة. إن رائحة الشوكولاته العابقة من فمك هي المسؤولة عن طعمها المعقد. عندما تُطبخ الشوكولاته، تتبخر العديد من جزيئات الطعم أو تتلف بفعل الطبخ. وهذه مشكلة لا بالنسبة للشوكولاته الساخنة فحسب، بل للشاي والقهوة على حدّ سواء. لذلك يجب عليك احتساء هذه المشروبات خلال دقائق من اختمارها، وإلا اختفت النكهة في الهواء. وهذا السبب لفقدان معظم الإحساس بالنكهة عندما تعاني من الزكام – لأن مستقبلات الشمّ في الأنف مغطاة بالمخاط. إن عبقرية ابتكار شوكولاته ساخنة في الفم تكمن في زبدة الكاكاو التي تغلف جزيئات النكهة حتى اللحظة التي تأكلها فيها. عندها فقط تحرّر خليطاً من أكثر من ستمئة جزيء غريب إلى فمك وأنفك.
من أولى النكهات التي تستشعرها بأنفك، نكهة فاكهية تنتمي إلى عائلة إستر من الجزيئات. هذه الجزيئات هي المسؤولة عن رائحة النضج في الجعة والنبيذ وبالتأكيد في الفواكه. ولكن هذه الإسترات غير موجودة في حبّة الكاكاو النيئة. أعرف هذا لأنني أكلت حبّة كاكاو نيئة وكان طعمها مروّعاً: إنها ليفيّة، متخشبة، ومرّة وبلا طعم. ليس فيها طعم الفاكهة، أو مسحة من نكهة الشوكولاته، وحتماً ليس فيها سبب يدعو لتذوّق واحدة أخرى مجدداً. يتطلب الأمر بعض الهندسة لتحويل هذه الحبوب المثيرة بشكلها ولكن التافهة بطعمها إلى شوكولاته، إلى حد أن يدعوك التساؤل في الحقيقة عن كيفية الوصول إلى هذا الاختراع على الإطلاق.

تنمو أشجار الكاكاو في المناخ الاستوائي وتنتج فاكهة على شكل سُنُوف كاكاو كبيرة وجسيمة. تشبه هذه الثمار ضرباً من الشمّام الأرجواني أو البرتقالي الجلدي البرّي. تنمو السنوف مباشرة على جذع الشجرة بدلاً من الأغصان – ما يجعلها تبدو غير متطوّرة وتعود إلى ما قبل التاريخ على نحو مريب. يمكنك أن تتخيّل ديناصورات تحاول أن تأكلها (ثم تبصقها).
في داخل كل سنف ثلاثون إلى أربعين بذرة طريّة بيضاء بدينة تشبه اللوز وبحجم البرقوق الصغير. عند أول لقاء لي مع حبوب الكاكاو هذه، رميت واحدة في فمي ومضغتها متحمساً. ثم بصقتها لحظة شعرت بطعمها. تساءلت هل هي حبة كاكاو حقاً، وقيل لي إنها كانت كذلك. ”ولكن ليس لها طعم الشوكولاته،“ تذمرت قائلاً، وأنا أتصبّب عرقاً. كنت في ذلك الوقت أساعد في قطاف سنوف الكاكاو في مزرعة كاكاو هندوراسية بينما كنت أتعرّض لهجمات البعوض. كنت مصاباً بالخيبة والانزعاج رغم أنني أدركت أنني كنت أتصرّف بنكد، وأنه لا بدّ من أنني بدوت كواحد من حاملي البطاقات الذهبية من كتاب روال دال (Roald Dahl) تشارلي ومعمل الشوكولاته. حتى البيئة كانت غريبة بشكل خيالي إلى حد ما: كانت أشجار الكاكاو الكثيرة العقد تنمو في ظلّ أشجار الموز وجوز الهند، مملوءة بالفواكه التي كانت أوراقها تعكس ضوء الشمس الساطعة إلى ألف ظلّ من اللون الأخضر. ما حصل لاحقاً كان مقتبساً مباشرة من مدرسة ويلي وونكا لصناعة الشوكولاته أيضاً: قمنا بحصاد قرون الكاكاو باستخدام المناجل، وكدّسناها في كومة على الأرض، حيث تركناها لتتعفّن.
اكتشفت لاحقاً أن هذه لم تكن عادة غريبة عند مزارعي الكاكاو الهندوراس: بل هكذا تُصنع الشوكولاته. على مدار أسبوعين تبدأ أكداس حبوب الكاكاو بالتحلل والتخمّر، وتسخن أثناء العملية. يساعد هذا في ”قتل“ بذور الكاكاو، بمعنى أنها تتوقف عن النموّ إلى نبات الكاكاو. ولكن الأهم من ذلك أنها تحوّل مكوّنات قرن الكاكاو إلى مولدات نكهة الشوكولاته. إن لم تحدث هذه الخطوة، مهما حاولت العمل، فلن تصل إلى أي شيء يشبه الشوكولاته بأيّ شكل.
تتكوّن جزيئات إستر الفاكهية خلال فترة التخمّر، وهي نتيجة التفاعل بين الكحول والأحماض التي تصنعها إنزيمات فاعلة داخل قرن الكاكاو. مثل كل التفاعلات الكيميائية، هناك عدد هائل من المتغيرات المختلفة التي تؤثر على هذه النتيجة: نسبة المكوّنات، الحرارة المحيطة، توفر الأوكسجين، والعديد غيرها. هذا يعني أن طعم الشوكولاته يعتمد كثيراً لا فقط على نضج وفصيلة قرن الكاكاو، بل أيضاً على حجم وارتفاع أكداس قرون الكاكاو المتعفنة، وعلى المدة التي أخذتها لتتخمّر، وعموماً يعتمد على حالة الطقس.
إذا جعلك كل هذا تتساءل لمَ نادراً ما يتحدّث صناع الشوكولاته عن هذه الدقائق، فهذا لأنّها سرّ. في الظاهر يبدو الكاكاو مثل أيّ بضاعة: مكوّن أساسي، مثل السكر، يُجلب ويباع في الأسواق العالمية، مزوّداً صناعة البليون دولار بمنتجات صالحة للأكل. ولكن ما يجري الحديث عنه أقل بكثير هو أنه، مثل القهوة والشاي، التنوّعات المختلفة للقرون، والتقنيات المختلفة في التحضير تؤدّي إلى نكهات مختلفة اختلافاً واسعاً. والفهم العميق لهذين الأمرين مطلوب لشراء الصنف الصحيح من القرون. وعندما يتعلق الأمر بصنع أجود أنواع الشوكولاته، تجري حماية هذه المعرفة عن كثب. في الوقت ذاته، إن التحكم بالجودة يعني الأخذ بالحسبان تنوع الطقس الاستوائي، والاندفاع المتقطع للأمراض. بالمجمل، يتطلب إنتاج شوكولاته عالية الجودة قدراً عالياً من الاهتمام والرعاية، ولهذا السبب الشوكولاته الداكنة غالية الثمن.
رغم ذلك، إن ما تحصل عليه مقابل نقودك ليس فقط نكهات فاكهية لطيفة من الإستر المتخمر، بل على مجموعة من النكهات الترابية واللحمية والجوزية. ويجري إنتاجها في العملية التي تأتي بعد عملية التخمّر، بعد تجفيف القرون وتحميصها. كما في صناعة القهوة، يحوّل التحميص كل قرن إلى معمل كيميائي مصغر تحدث فيه مجموعة جديدة من التفاعلات. أولاً، تبدأ جزيئات الكربوهيدرات داخل القرن، التي تحتوي بغالبها على سكّر ونشاء، بالتفكّك بسبب الحرارة. وهذا ما يحدث بشكل جوهري إذا ما سخّنت السكر في مقلاة: يتكرمل. ولكن في هذه الحالة يحدث تفاعل الكرملة داخل قرن الكاكاو فيحوّله من اللون الأبيض إلى البني، ويصنع مجموعة مدهشة من جزيئات نكهة الكراميل الجوزي.
إن السبب وراء تغيّر جزيئات السكر إلى اللون البنّي عند تسخينها – سواء في قرن الكاكاو أو في مقلاة أو أي مكان آخر – هو وجود الكربون. إن السكريات هي من الكربوهيدرات، أي إننا نقول إنها تتكون من ذرّات الكربون (”carbo-“)، والهيدروجين، (”hydr-“)، والأكسجين (ate-). عندما تُسخّن هذه الجزيئات الطويلة تتحلل إلى وحدات أصغر، بعضها صغير جداً لدرجة أنها تتبخر (وهو ما يفسّر الرائحة الزكيّة). بالإجمال، الجزيئات الغنية بالكربون هي الأكبر، لذلك تبقى دون غيرها، وفي داخل هذه الجزيئات توجد بنية تسمّى رابطة كربون-كربون المضاعفة. تمتص هذه البنية الكيمائية الضوء. وبمقادير صغيرة، تعطي السكر المكرمل اللون البنّي المصفرّ. سيحوّل التحميص الإضافي بعض السكر إلى كربون صافٍ (روابط مضاعفة أينما كان)، ما يخلق نكهة محروقة ولوناً بنّياً داكناً. أما التحميص الكامل فيؤدي إلى الفحم: يصبح كل السكر أسود.
ثمة نوع آخر من التفاعل يحدث عند درجة حرارة أعلى، ويسهم أيضاً في نكهة ولون الكاكاو: تفاعل ميلارد، الذي يحدث عندما يتفاعل السكر مع البروتين. إذا كانت الكربوهيدرات هي وقود العالم الخلوي، فالبروتينات هي العمّال: إنها الجزيئات البنيوية التي تبني الخلايا وكل طرق عملها الداخلية. فيجب أن تحتوي البذور (سواء كانت بشكل حبوب أو قرون) على كل البروتين المطلوب لجعل الآلية الخلوية للنبات تعمل على أفضل وجه، لذلك يوجد الكثير من البروتين داخل قرون الكاكاو. تخضع البروتينات والكربوهيدرات لتفاعلات ميلارد عندما تتعرّض لدرجة حرارة ???? درجة مئوية فأعلى، فتتفاعل مع الأحماض والإسترات (التي تم إنتاجها خلال عملية التخمّر السابقة) فتنتج تشكيلة هائلة من جزيئات نكهة أصغر. ليس من المبالغة القول لولا تفاعلات ميلارد لكان العالم مكاناً أقلّ لذة بكثير: إن تفاعل ميلارد هو المسؤول عن نكهة طبقة الخبز المحمّصة، وعن الخضار المشويّة، والكثير من النكهات المحمّصة والسائغة. في حالتنا هذه، تفاعل ميلارد هو المسؤول عن النكهات اللحمية والجوزية في الشوكولاته، وعن تقليل اللذعة والمرارة.
اطحن حبّة الكاكاو المتخمّرة والمحمّصة وأضف إليها الماء الساخن تحصل على الشوكولاتل الساخن الأصلي الذي صنعه سكان أميركا الوسطى. هكذا شربه أبناء حضارتي الأولمك ومن ثم المايا، الذين كانوا أول من زرع الشوكولاته، وكان يُقدّر كشراب شعائري ومنشّط جنسي لمئات السنين. كما كانت حبوب الكاكاو تُستخدم كعملة متداولة. عندما اكتشف المستكشفون الأوروبيون هذا الشراب في القرن السابع عشر، بدأوا بتصديره إلى المقاهي، حيث تنافس هناك مع القهوة والشاي ليكون الشراب الاختياري للأوروبيين – ولكنه خسر. ما لم يذكره أحد في الحقيقة هو أن الشوكولاتل يعني ”الماء المر“، حتى وإن حُلّي بالسكر الجديد والرخيص المتدفّق الذي كان يستخرجه العبيد من مزارع في أفريقيا وأميركا الجنوبية، إلا إنه بقي رملياً وزيتياً وشراباً ثقيلاً، لأن ?? في المئة من قرن الكاكاو تحتوي على دهن الكاكاو. وهكذا بقي لمئتي سنة أخرى: شراباً غريباً، ملحوظاً ولكن غير شائع جداً.
ولكن مع اختراع عدة عمليات صناعية، تغيّرت أقدار الشوكولاته فجأة. أولاها كانت الضاغط اللولبي الذي اخترعته شركة ألمانية لتصنيع الشوكولاته تدعى فان هوتن (Van Houten) في عام ????. سحق القرون المتخمرة والمحمصة في هذه الآلة دفع زبدة الكاكاو إلى أن تتسرب خارجاً فتسمح لفان هوتن بفصلها عن جوامد الكاكاو الباقية. والآن بعد أن أصبح الكاكاو خالياً من الكثير من الدهن، صار بالإمكان طحنه إلى مسحوق أنقى، وهذا أفقده رمليته، وأصبح أملس وناعماً ومخملياً. في هذا الشكل بدأ الكاكاو يصبح شائعاً – واستمر حتى يومنا هذا – كشراب شوكولاته.
ثم جاءت لحظة عبقرية غير متوقعة: بعد إزالة وتنقية دهن الكاكاو، وبعد طحن مسحوق الكاكاو بشكل منفصل، لمَ لا نمزجهما معاً مجدداً، ونضيف إليهما بعض السكر، لنصنع قرن كاكاو مثالياً – القرن الذي ستودّ قطفه من الشجرة، القرن الذي يحتوي على المزيج الصحيح من السكر ونكهة الشوكولاته والدهن والذي كان سيوجد في عالم ويلي وونكا؟

أجرت عدة شركات لتصنيع الشوكولاته في كل من بلجيكا وهولندا وسويسرا تجارب على هذا الأسلوب، ولكن شركة إنكليزية تدعى ”فراي وأبناؤه“ (Fry and Sons) هي التي اشتهرت بإنتاج مثل هذه العقد ”لأكل الشوكولاته“، وبذلك صنعت أول ألواح الشوكولاته. مع ذوبان زبدة الكاكاو المنقاة في الفم، حرّرت بذلك مسحوق الكاكاو فشكلت شوكولاته ساخنة لحظية – إحساس فريد تماماً. ولأنه كان بالإمكان التحكم بمحتوى دهن الكاكاو بشكل منفصل عن مسحوق الكاكاو والسكر، أصبح من الممكن الآن تصميم مختلف أنواع الأحاسيس في الفم لتلائم مختلف الأذواق. وفي وقت سبق اختراع الثلاجات، كانت خاصية مانع الأكسدة لزبدة الكاكاو تعني أن الشوكولاته المصنوعة بهذه الطريقة لها عمر تخزين طويل يكفي لكي تصبح منتجاً تجارياً. وبهذا وُلدت صناعة الشوكولاته.
ما زال هذا النوع من الشوكولاته بالنسبة للبعض مرّاً، حتى بعد إضافة ?? بالمئة من السكر، لذلك أضيف مكوّن آخر، مكوّن أثر على مذاقه بعمق: إنه الحليب. لقد قلل الحليب من لذعة الشوكولاته إلى حد كبير، ومنح الكاكاو بإجماله نكهة أكثر اعتدالاً، ومنح الشوكولاته الناتجة نكهة أكثر حلاوة. كان السويسريون أول من قام بهذا في القرن التاسع عشر، حيث أضافوا قدراً وفيراً من الحليب المجفف الذي كانت تصنعه شركة نستله الحديثة النشوء، والتي كانت هي الأخرى تحوّل الحليب من منتج محلي طازج قصير الصلاحية إلى بضاعة قابلة للنقل وطويلة العمر. فكان دمج هذين المنتجين التجاريين ذوي مدة الصلاحية الطويلة ضربة موفقة.
في هذه الأيام يختلف نوع الحليب المضاف إلى الشوكولاته اختلافاً كبيراً حول العالم، ولهذا السبب يختلف طعم الشوكولاته بالحليب من دولة إلى أخرى. في الولايات المتحدة، يُنزع بعض الدسم من الحليب بفعل الأنزيمات، ما يمنح الشوكولاته نكهة تشبه الجبن وشبه فاسدة. أما في المملكة المتحدة، فيضاف السكر إلى الحليب السائل، فكان هذا المحلول، بعد تكثيفه، يضاف إلى الشوكولاته، ما يعطي نكهة كراميل أخف. بينما لا يزالون في أوروبا يستخدمون الحليب المجفف، ما يضفي على الشوكولاته نكهة ألبان طازجة وبقوام ذروري. هذه الأذواق المختلفة لا تنتقل جيداً. فعلى الرغم من العولمة، عند الحصول على طعم الشوكولاته بالحليب المفضّل، يبقى إقليمياً على نحو مفاجئ.
مع ذلك، هناك شيء واحد مشترك بين جميع أنواع الشوكولاته بالحليب، هو أن معظم محتوى الماء في الحليب يُنزع قبل إضافته. وهذا لأن مسحوق الشوكولاته هيدروفيلي (أي أليف للماء): سيمتص الماء حين تسنح له الفرصة، ولكنه بذلك سيُخرج طبقة الدهن (لأن الماء والدهن لا ينحلان معاً)، وسيتحلل أثناء هذه العملية إلى سائل متكتل يشبه كثيراً الشوكولاتل الخاصّ بحضارة المايا. أي شخص حاول إضافة الماء إلى شوكولاته مذابة لصنع صلصة منها سيواجه هذه المشكلة.
هناك الكثير من الناس، بمن فيهم أنا، ممّن يدمنون أكل الشوكولاته، وقد لا يكون السبب طعمها فقط. فهي تحتوي أيضاً على عناصر منشطة نفسياً. والأكثر شيوعاً بينها هو الكافيين، الذي يكون موجوداً في قرون الكاكاو بنسب ضئيلة، فينتهي به المطاف في الشوكولاته عن طريق مسحوق الكاكاو. العنصر الآخر المنشّط نفسياً هو الثيوبرومين، وهو منبّه ومضادّ أكسدة، مثل الكافيين، ولكنه سامّ جداً للكلاب. يموت العديد من الكلاب سنوياً بسبب أكل الشوكولاته، بشكل رئيسي في فترة الفصح والميلاد. ولكن تأثير الثيوبرومين على الإنسان يبدو أخف وطأة بكثير، كما أن مستويات المنبّه في الشوكولاته أقل بالمقارنة مع الشاي والقهوة، لذلك حتى وإن أكلت دزينة من ألواح الشوكولاته يومياً، فإنّ ذلك سيعادل شرب فنجان أو اثنين من القهوة الثقيلة فقط. كما تحتوي الشوكولاته على الكانابينويد، وهي موادّ كيميائية مسؤولة عن الشعور العالي الناتج عن تعاطي المخدِّرات. ولكن مجدداً، إن نسبها ضئيلة جداً، وعندما طُبّقت دراسات عن الذوق العشوائي لتحليل الشهوة تجاه الشوكولاته، وجد الباحثون دليلاً قليلاً يثبت أن أيّاً من هذه الكيميائيات ترتبط بشعور الشهوة.
هذا يترك احتمالاً آخر لتفسير سبب إدمان الشوكولاته. بدل أن يكون التأثير كيميائياً، لعل التجربة الحسّية لأكل الشوكولاته هي المسبّبة للإدمان. فالشوكولاته لا تشبه أيّ طعام آخر. عندما تذوب الشوكولاته في الفم، تفرز فجأة خليطاً من النكهات الجياشة والمعقدة، الحلو منها والمرّ في سائل غني ودافئ. إنها ليست مجرد نكهة، بل هي تجربة فموية كاملة. إنها مهدئة ومطمئنة، ولكنها أيضاً مثيرة و– بصراحة جارحة – تبدو أنها تشبع أكثر من جوع جسدي.
يقول البعض إن أكل الشوكولاته أفضل من ممارسة التقبيل، وقام العلماء، طواعية، باختبار هذه الفرضية وذلك بتنفيذ مجموعة من التجارب. في عام ????، عمل فريق بقيادة د. دايفيد لويس (David Lewis) على تطويع أزاوج من العشاق، وجرت مراقبة نشاط دماغهم ومعدّل نبضات قلوبهم أولاً عندما قبّل بعضهم بعضاً، ولاحقاً عندما تناولوا الشوكولاته (كلّ على حدة). فوجد الباحثون أنه رغم أن التقبيل زاد في ضربات القلب، لم يدم التأثير بقدر ما دام عندما أكل المشاركون الشوكولاته. كما أظهرت الدراسة أنه عندما بدأت الشوكولاته بالذوبان، استقبلت جميع مناطق الدماغ نشاطاً أكثر انفعالاً وأطول مدّة من نشاط الدماغ الذي تم قياسه أثناء عملية التقبيل.
رغم أنها وحيدة، تعطي هذه الدراسة مصداقية للفرضية التي تقول بأن للبعض تجربة حسّية عند أكل الشوكولاته أفضل منها عند ممارسة التقبيل. روّج مصنعو الشوكولاته هذا الارتباط بين الشوكولاته وبين المتعة الحسّية القصوى بنشاط، وبصورة ملحوظة ربما، عن طريق الإعلانات التلفزيونية للوح شوكولاته كادبوري فليك (Cadbury’s Flake) التي كانت مدّة عرضها طويلة.
أول إعلان رأيته لفليك على الإطلاق كان يعرض امرأة تمضي وقتاً مذهلاً في الحمّام. كنت صغيراً في ذلك الوقت، ولم يملأني الحمّام بهذا النوع من المتعة التي كانت تشعر بها هذه المرأة. بالنسبة إليّ، كان الحمّام وظيفياً وبارداً عادة، ذلك أن إخوتي الثلاثة الأكبر منّي كانوا في الحمّام قبلي. كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، كانت الطاقة باهظة، وكان الماء الساخن قليل التوفر في منزلنا. كان الحمّام مبهجاً بالنسبة لي فقط عندما كان يُسمح لي بإدخال قواربي معي. ولكن المرأة في التلفزيون لم يكن لديها ألعاب من أي نوع، بل عوضاً عن ذلك كانت مزوّدة فقط بلوح شوكولاته من فليك. في كل مرة تضع بعضه في فمها، تبدو أمواج من الرضى تجتاحها، وهذا كان يمنحها ما يبدو أصفى أنواع المتعة. أدركت أنني لم أشعر بهذا النوع من الحسية قط، فضلاً عن أنه في حمّام. كان للإعلان تأثير قويّ عليّ وعلى إخوتي، فحاولنا إقناع والدتي بأن تسمح لنا بإدخال الشوكولاته إلى حمّاماتنا الباردة، ولكن من دون أيّ جدوى. بدلاً من ذلك منعتنا من مشاهدة الإعلانات، ما كان توجيهات غير قابلة للتنفيذ لأنه لم يكن لدينا تلفزيون، وكنا نشاهد ”سيدة فليك“ عندما نكون عند أحد أصدقائنا. مرّ وقت طويل قبل أن أدرك أن الشوكولاته في الحمام ليست هي ما كانت تحاول حمايتنا منه.
دائماً ما تعرض هذه الإعلانات، التي بدأت في نهاية خمسينيات القرن الماضي حتى الآن، امرأة تسترخي وحدها وتنغمس في أكل شوكولاته فليك بمتعة سرّية. إن شكل وحجم قطعة الشوكولاته هذه التي تشبه القضيب، والأسلوب الإيحائي الذي تنغمس فيه المرأة، كانا كافيين لإرسال موجات من الغضب والذعر بين جمهور المشاهدين، على الرغم من حقيقة أن الإعلان لم يظهر أيّ تعرٍّ (بل مجرد تلميح له). في النهاية كان بمجمله ممارسة إيحائية. في الواقع، يظهر بحث على اليوتيوب، حيت تُحمَّل الإعلانات الأصلية، أن النسخ السابقة من الإعلانات كانت أكثر إيحاءً من الحديثة. ولكن بينما كان طلب مراقبة هذه الإعلانات ناجحاً، بقيت رسالتها الجوهرية، ويبدو أنها تردّد صدى العامّة، لعلها تشير إلى حقيقة متأصلة عن الشوكولاته: للكثيرين، إنها أفضل من ممارسة الجنس.

في قائمة عن الدول ذات أعلى استهلاك للشوكولاته، تحتل سويسرا المرتبة الأولى، تليها النمسا، إيرلندا، ألمانيا والنرويج. في الواقع، ست عشرة من أصل عشرين دولة ذات أعلى استهلاك للشوكولاته تقع في أوروبا الشمالية. (في أميركا، يشيع استخدام الشوكولاته كمنكّه أكثر منه كلوح، حيث يقول أكثر من نصف السكان إنهم يفضّلون المشروبات والحلويات والبسكويت المصنوع من الشوكولاته أكثر من أيّ نكهة أخرى). بالتسليم بصيت الشوكولاته بديلاً من الجنس، من المغري القيام بكل أنواع الاستنتاجات الثقافية من هذه العلاقة. ولكن هناك تفسير محتمل آخر لهذا الاستهلاك الكبير للشوكولاته في هذه الدول، وهو أيضاً مرتبط بالحرارة.
حتى تتمكن الشوكولاته من التحوّل من الحالة الصلبة إلى السائلة داخل الفم، تتطلب حرارة محيطة باردة نوعاً ما. في مناخ دافئ جداً، إما ستذوب الشوكولاته على الرف، أو ستحتاج لأن توضع في البراد، ما يبطل الهدف منها كلياً – لأن الشوكولاته الباردة تُبتلع قبل أن تتمكن من الذوبان. (لعل هذه المشكلة تفسّر لم لم يحاول سكان أميركا الوسطى، أول من اخترع الشوكولاته في المناطق الاستوائية، صنع ألواح صلبة بل استهلكوها كشراب فقط.) فضلاً عن ذلك، إذا تعرّضت الشوكولاته الصلبة إلى درجة حرارة أعلى من ??? درجة مئوية، نتيجة تركها ربما تحت الشمس أو في السيارة حامية، فستمرّ بتغيرات جوهرية في بنيتها. يمكن ملاحظة التغيرات مباشرة لأنها تنتج عن ”التزهير“: يظهر الدهن والسكر على سطح الشوكولاته ويشكل مسحوق بلوري ضارب إلى البياض، وأحياناً على نمط علامة نهر.
بالإضافة إلى المتعة الصافية، إن نسبة السكر العالي في الشوكولاته والتأثيرات المحفزة في الكافيين والثيوبرومين أعطت الشوكولاته دوراً جديداً. مغلفاً بشعار ”قطعة مارس في اليوم تساعدك على العمل، الراحة واللعب“ أو ما يعادلها بالفرنسية ”Un coup de barre? Mars et ça repart!“ (”هل تشعر بالهزيمة؟ خذ قطعة مارس وستصبح مستعدّاً مجدّداً!“) أو الشعار الألماني ”Nimm Mars, gib Gas“ (”خذ مارس، وامشِ فوق الغاز“)، لأن لوح الشوكولاته العادي يحتوي على أكثر من ?? بالمئة من السكر و?? بالمئة من الدهن، من الواضح أنه يوفر مصدراً مركزاً للطاقة. ولكن لهذه الأسباب ذاتها، نجد صحّة برامج الحمية الغذائية الغنية بالشوكولاته أمراً مشكوكاً فيه.
إن زبدة الكاكاو دهن مشبع، وهو صنف مرتبط بمخاطر متزايدة للإصابة بأمراض القلب. على أيّ حال، أظهر المزيد من التحقيق حول الطريقة التي يهضم بها الجسم هذا الدهن أنه يقوم بتحويل هذا الدهن إلى دهن غير مشبع، ما يعتقد أنه أمر حميد. في الوقت ذاته، تحتوي جسيمات الكاكاو على مجموعة هائلة من مضادات الأكسدة، ولا أحد يعلم تماماً ماذا تفعل بالجسم. على أيّ حال، أظهرت دراسات منظمة في جامعة هارفرد أن الاستهلاك المنتظم لكميات قليلة من الشوكولاته الداكنة يؤدّي إلى زيادة متوسط العمر (بالمقارنة مع عدم استهلاك الشوكولاته على الإطلاق). لا أحد يعلم لماذا، وما زالت تجري دراسات أخرى. بالطبع، إذا ازدادت الشهيّة للشوكولاته كثيراً، فستعوّض أيّ فوائد بزيادة في الوزن. في هذه اللحظة، دع جانباً الاستهلاك الزائد، لم يعد يُنظر إلى الشوكولاته كضرر على صحّتنا، بل حتى إنها مفيدة.
لكل هذه الأسباب، رغم أننا بعيدون عن أن يصف الأطباء الشوكولاته أو أن تُعطى للأطفال كجزء من الحمية المدرسية، تبقى مادة مكملة في مؤن الجيش المعيارية في العديد من البلدان: فهي توفر السكر من أجل الطاقة، والكافيين والثيوبرومين لتنبيه الدماغ، والدهون لتعوّض عن التي فُقدت أثناء التمارين المجهدة، ولها عمر تخزين يصل إلى عدة سنوات، وأخيراً، وإن كان جدلياً بشكل واسع، قد تدرأ مشاعر العجز الجنسي.
أنا شخصياً أتناول الشوكولاته بنهم كل عصر وكل ليلة، لست متأكداً ممّا إن كان ذلك يُعزى لغسل الدماغ الذي تعرّضت له من مشاهدة إعلانات فليك، أم لإدمان نفسوبدني، أم لكبت جنسي نتيجة التربية السائدة في شمال أوروبا. أفضّل الاعتقاد بأن السبب هو أنني أقدّر حقاً فكرة أن الشوكولاته هي واحد من أعظم إبداعات الهندسة. حتماً هي ليست أقل تميّزاً ولا تعقيداً تقنيّاً من الفولاذ أو الخرسانة. من خلال النبوغ المطلق تمكنا من تحويل جوز الغابات المطرية الاستوائية غير الواعد ذي الطعم المقزز إلى مادّة صلبة باردة داكنة وهشّة مصمّمة لهدف واحد فقط: أن تذوب في فمك، أن تفيض أحاسيسك بنكهات دافئة، فوّاحة، حلوة ومرّة في آن واحد، وأن تثير مراكز المتعة في دماغك. على الرغم من إدراكنا العلمي، تعجز الكلمات والصيغ عن وصفها. يمكنني القول إنها تشبه إلى حدّ ما قصيدة مادّية، تعقيدها وجمالها يشبهان السوناتا، وهو السبب في أن يكون اسم ثيوبروما لهذه المادة، بحسب لينوس، اسماً ملائماً. إنه يعني ”طعام الآلهة“.
?. المذهل


رغوة
ذات يوم من عام ????، دخلت إلى المختبر في اللحظة التي كان فيها أحد التقنيين يخرج قطعة مادة من المجهر. وقال لي ”لست متأكداً إن كان من المسموح لك أن ترى هذا، لذلك من الأفضل أن نبقى على برّ الأمان، وإلّا فسأضطرّ لملء الكثير من الأعمال الورقيّة.“ وغطى المادة بسرعة.
كنت أعمل لمصلحة حكومة الولايات المتحدة في ذلك الوقت، في مختبر للأسلحة النووية في صحراء نيو مكسيكو. كان معي تصريح أمني أساسي لكوني بريطانياً، لذلك كانت هناك أماكن في مجمع المختبر لم يكن باستطاعتي الدخول إليها. بل معظم الأماكن، في الواقع. ولكن هذا كان مختبرنا نحن، لذلك كان تصرّف التقني غريباً حتماً. كنت أكثر حكمة من أن أسأله أكثر عن الموضوع. كان ذلك في أواخر تسعينيات القرن الماضي، في الوقت الذي كانت فيه الجاسوسية الصينية في المختبرات الوطنية في الولايات المتحدة أمراً حسّاساً، حيث كان قد ألقي للتو القبض على العالم الأميركي وِن هو لي (Wen Ho Lee) واتُهم ووُضع في السجن الانفرادي بتهمة سرقة أسرار نووية لمصلحة الصين2. كانت تُجرى مقابلات معي بانتظام حول الأمور الأمنية المحيطة بعملي، وكان زملائي الأميركيون تحت ضغط متزايد للتبليغ عن أيّ محادثة خارجة عن المألوف. بالنسبة إلى شخص بريطاني مثلي، يملك عقلاً فضولياً وولعاً بإلقاء الدعابات، كان طرح الأسئلة غير الضرورية أمراً فيه مخاطرة. ولكن المادّة كانت استثنائية، ورغم أنني رأيت جزءاً صغيراً منها فقط لمجرّد ثانية، كان من المستحيل نسيانها.
2 اتُهم في النهاية بالاستخدام غير السليم لمعلومات سرّية، وقد أقرّ بذلك. في النتيجة اعتذر القاضي منه عن الحبس الانفرادي.
كان أعضاء فريق البحث لدينا يذهبون معاً بانتظام لتناول الغداء في المقاصف المتنوّعة بالقرب من المجمع. هذا يعني ترك الأمان المكيّف هوائياً في بنائنا والانطلاق إلى الصحراء الملتهبة لأخذ سيّاراتنا من موقف السيارات الإسفلتي المنقوع تحت الشمس. تجاوزنا في طريقنا الأسيجة السلكية العالية التي تمتد وراءها الرمال البرتقالية المرقطة بالصبّار وتصل إلى قاعدة لسلاح الجوّ. كان المكان خيالياً من عدّة نواحٍ، وما زاده ذلك هو التباين بينه وبين روتيننا البسيط. جزء من هذا الروتين كان القيادة عبر الصحراء في رتل من السيّارات التي ارتفعت حرارتها إلى حد الغليان بفعل الشمس التي لا تطرف للوصول إلى مقاصف تقدّم أطباقاً أميركية-مكسيكية. يوماً بعد يوم، لم نتحدّث عن شيء، كأنّ محادثاتنا بهتت بسبب الحرارة. يوماً بعد يوم، كانت تطرأ إلى ذهني تلك المادة الغامضة، وكنت أتساءل عمّا يمكن أن تكون. وحقيقة أنني لم أتمكن من الحديث عنها لأحد، جعلت نسيانها أصعب.
أذكر أنها كانت شفافة، ومتلألئة بشكل غريب – مثل صورة جوهرة ثلاثية الأبعاد: مادة شبح. حتماً لم أرَ شيئاً مثلها في حياتي قط. أخذت أخمّن، هل يُمكن أنّها استُخلصت من مركبة فضائية؟ بعد برهة بدأت أشك في أنني رأيتها على الإطلاق. ثم أصبحت مرتاباً في أنهم قد يحاولون غسل دماغي ودفعي للتفكير في أنها من اختلاق مخيّلتي. ”لقد رأيتها بالفعل.“ كنت أقول لنفسي وأنا أقود من المقصف وإليه يوماً بعد يوم. شعرت بملكيتي لها بغرابة. في النهاية، كنت قلقاً لأنه لا يجري التعامل معها بطريقة صحيحة. في ذلك اليوم تحديداً قرّرت أنّ علي المغادرة.
مرّت عدة سنوات قبل أن أراها مجدّداً. كنت قد عدت إلى المملكة المتحدة، وكنت أعمل رئيساً لمجموعة البحث في المواد في جامعة الملك في لندن. ذات عصر، كنت في المنزل أصنع بطاقة عيد ميلاد لأخي دان عندما أعلنوا في الأخبار التلفزيونية أنه في الثاني من يناير عام ???? نجحت بعثة ناسا في الإمساك بغبار النجوم بالاحتكاك مع مذنّب وايلد ? (Wild ?) ثم عرض برنامج الأخبار صورة لمادّتي، حسناً، من الواضح أنها ليس مادتي، ولكنها المادة التي أردت بشدة أن تكون ملكي. ”إذاً فقد كانت فضائية!“ قلت لشقتي الفارغة بنبرة المنتصر، وأنا أنكبّ على حاسوبي لاكتشاف المزيد عن الأمر. فكرت: ”إنهم يحصدونها من الفضاء.“ ولكن كنت على خطأ.
تبيّن لاحقاً أن المادة هي جسم يدعى إيروجيل (الهلام الهوائي). لقد أسأت فهم التقرير الإخباري: لقد استخدم الإيروجيل لجمع غبار النجوم. لم أتوقف للتفكير بهذا بل تابعت الحرث، أجمع معلومات عن الإيروجيل وعن تاريخه.
اكتشفت أن الإيروجيل لم يكن من أصل فضائي، ولكن مع هذا، كانت له قصة غريبة. اخترعه في ثلاثينيّات القرن الماضي رجل يُدعى صاموئيل كيستلر (Samuel Kistler)، وهو مزارع أميركي تحوّل إلى كيميائي، هو الذي أحياه في الوجود فقط ليشبع فضوله عن الجل. الجل؟
ما هو الجل؟ تساءل. كان يعلم أنه ليس سائلاً، ولكنه لم يكن صلباً أيضاً. قرّر إذاً أنه سائل محبوس داخل سجن صلب، ولكنه سجن تشبه قضبانه شبكة رقيقة غير مرئية. في حالة الجيلي الصالح للأكل، تتكوّن الشبكة من جزيئات طويلة من الجيلاتين، المستمدة بدورها من البروتين، والكولاجين الذي يصنع معظم الأنسجة الضامّة، مثل الأوتار والجلد والغضاريف. عند إضافتها إلى الماء، تنحل جزيئات الجيلاتين هذه وتترابط بعضها ببعض لتشكل شبكة تحبس السائل داخلها وتمنعه من الانسياب. وهكذا يكون الجل مثل بالون ماء. ولكن بدل أن تحبس قشرةٌ خارجية الماءَ في داخلها، هو يمكث في الماء من الداخل.
يُحبس الماء في الشبكة بفعل قوّة تعرف باسم التوتر السطحي – وهي نفس القوة التي تجعل ملمس الماء نديّاً ويكوّن القطرات، ويجعله يلتصق بالأشياء. إن قوى التوتّر السطحي في الشبكة قوية بما يكفي لتمنع الماء من الهروب من الجل، ولكنها ضعيفة بما يكفي لتجعله يهتز – ولهذا يرتعش الجيلي. ولهذا أيضاً تبدو حلوى الهلام مذهلةً عند أكلها. إنه ??? بالمئة من الماء تقريباً، وعند نقطة ذوبان ??? درجة مئوية تذوب شبكة الجيلاتين الداخلية حالاً محرّرة بذلك الماء ليندفع في فمك.
هذا التفسير البسيط – سائل محبوس في شبكة داخلية صلبة – لم يكن كافياً لصاموئيل كيستلر. أراد أن يعرف ما إن كانت الشبكة الجيلاتينية غير المرئية الموجودة داخل الجل مؤلفة من قطعة واحدة. بمعنى آخر، هل كانت هيكلاً داخلياً مستقلاً ومترابطاً، بحيث إذا استطعت إيجاد طريقة لإزالة كل السائل الموجود منها، فهل ستتمكن الشبكة من الوقوف وحدها؟
للإجابة عن هذا السؤال قام بعدة تجارب، ونشر نتائج هذه التجارب في رسالة إلى المجلة العلمية نايتشر (Nature) في عام ???? (العدد ????، مجلد ???، صفحة ???). هذه الرسالة معنونة ”الترابط يمتدّ في الإيروجيل والجيلي“ وإليك مقدمة التقرير:
”إن تواصل السائل المتخلل في الجل إنما تتم برهنته من خلال التبعثر والانكماش والترشيح الغشائي، وحقيقة أنه يمكن استبدال السائل بسوائل أخرى ذات خصائص متنوّعة تدل بوضوح على أن بنية الجل هي بنية مستقلة عن السائل المغمورة فيه.“
ما يقوله في هذا المقطع الاستهلالي هو أن مختلف التجارب أظهرت أن السائل في الجيلي مترابط ومتصل، بدل أن يكون مقسّماً إلى أجزاء مستقلة، ويمكن استبداله بسوائل أخرى. وهذا برأيه يبيّن أن الهيكل الداخلي الصلب قد يكون بالفعل مستقلاً عن السائل في الجيلي. وباستخدام الكلمة ”جل“ ككلمة أعم من الجيلي، إنه يقول إن هذا ينطبق على مجموعة كاملة من المواد التي تشبه الجيلي والتي تسدّ الفجوة بين ما هو صلب تماماً وسائل تماماً، امتداداً من جل الشعر إلى مرق الدجاج المتماسك، وصولاً إلى الإسمنت الجامد (حيث تتكوّن الشبكة الداخلية من لُييفات سيليكات الكالسيوم).
ثم يشير إلى أنه لم يتمكن أحد بعد من فصل السائل في الجيلي عن هيكله الداخلي: ”حتى الآن تمخضت محاولة إزالة السائل من خلال التبخير إلى انكماش عظيم لدرجة قد يكون تأثيرها عميقاً على البنية.“ بمعنى آخر، أولئك الذين حاولوا في الماضي إزالة السائل من خلال التبخير اكتشفوا أن الهيكل الداخلي ينهار ببساطة. ثم يتابع ليقول بانتصار إنه تمكن مع شركائه من التوصّل إلى طريقة للقيام بالأمر:
”أنا والسيد تشارلز ليرند (Charles Learned) وبمساعدة ونصيحة البروفسور جي دبليو مكبين (J. W. McBain) أخذنا على عاتقنا تجربة الفرضية القائلة بأن السائل في الجيلي يمكن استبداله بالغاز من دون، أو مع القليل من، الانكماش. وتكللت جهودنا بالنجاح التام.“
كانت فكرتهم البارعة تقوم على استبدال السائل بالغاز أثناء وجوده في الجيلي، وبذلك استخدام ضغط الغاز لمنع الهيكل من الانهيار. رغم ذلك، في البداية وجدوا طريقة لاستبدال الماء في الجيلي بمذيب سائل (حيث استخدموا الكحول)، وهو ما كان أسهل في المعالجة.
ولكن خطورة استخدام مذيب سائل أنه هو أيضاً عرضة للتبخر، ولكنهم وجدوا طريقة لإيقافه.
”مجرد التبخر سيسبب الانكماش حتماً. ولكن يوضع الجيلي في موصدة مغلقة مع سائل فائض، وتُرفع درجة الحرارة إلى أعلى من درجة حرارة السائل الحرجة، بينما يُحافظ على الضغط عند، أو أعلى من، نقطة ضغط البخار كل الوقت، وبالتالي لا يمكن حدوث تبخر للسائل وبالنتيجة لا يمكن إحداث تقلص عند سطحه بفعل القوى الشعرية.“
الموصدة هي ببساطة خزان ضغط يمكن تسخينه. عند رفع الضغط في الموصدة، يُمنع السائل داخل الجيلي من التبخر، حتى وإن ارتفعت الحرارة إلى أعلى من نقطة الغليان، في ذات الوقت، تلك القوى الشعرية التي يتحدث عنها تنتج بفعل التوتر السطحي للسائل. يعتقد كيستلر أنه عندما يزال السائل بالتدريج عن طريق التبخر، هذه القوى التي تمسك الجيلي بعضه ببعض هي نفسها المسؤولة عن تفسّخه. ولكن عندما يرفع درجة حرارة الجيلي بكامله إلى أعلى من ”درجة الحرارة الحرجة“ – أي تلك النقطة التي ليس فيها فرق بين الغاز والسائل لأنهما يتمتعان بنفس الكثافة والبنية – يتحول السائل بكامله إلى غاز من دون التعرّض لعملية التبخّر المدمّرة. فيقول:
”عندما يتم تجاوز درجة الحرارة الحرجة، يتحوّل السائل مباشرة إلى غاز متواصل من دون تقطع. وهكذا ما من وسيلة ’ليعرف‘ الجيلي أن السائل داخل شبكته قد أصبح غازاً.“
إنها ضربة عبقرية: تحت الضغط الموجود في الموصدة، لا يمكن للغاز المصنوع حديثاً أن ينطلق من الجيلي، وبذلك يبقى الهيكل الداخلي متماسكاً.
”كل ما يبقى علينا فعله هو أن نسمح للغاز بالانطلاق، فيبقى لدينا إيروجيل متماسك وبحجم لم يتغير.“
الآن فقط يسمح للغاز بالانطلاق ببطء، تاركاً الهيكل الداخلي للجيلي متماسكاً تماماً وسليماً ميكانيكياً، وبهذا أثبت فرضيته. لا بد أنها كانت لحظة مُرضية جداً. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد. كانت هذه الهياكل الداخلية للجيلي أشياء خفيفة وهشة بشكل لا يصدق، مكوّنة بغالبها من الهواء. لقد كانت في الواقع رغوات. فكر ربما كان بإمكانه جعلها أقوى وذلك بصنع الجيلي لا من الجيلاتين بل من شيء أكثر صلابة. فكان أن قام بهندسة جل هيكله الداخلي مصنوع من معدن ثاني أكسيد السيليكون: وهو المكوّن الرئيسي للزجاج. باستخدام الطريقة ذاتها التي شُرحت آنفاً، وصنع لاحقاً ”إيروجيل السيليكا“ من هذا الجيلي: أخفّ مادة صلبة في العالم. هذه هي المادة التي رأيتها لجزء من الثانية كلّ هذه السنوات التي مضت في مختبر في الصحراء.


لم يكن كيستلر راضياً عن هذا الإنجاز لذلك تابع صنع أنواع أخرى من الإيروجيل، ويدرجها في التقرير:
”حتى الآن، قمنا بتحضير إيروجيل السيليكا، والألومينا، وطرطرات النيكل، وأكسيد القصديريك،وثالث أكسيد التنغستيك، والجيلاتين، والأغار، ونترات السيلولوز، والسيلولوز، وأُح البيض، ولا أرى سبباً لعدم توسيع هذه القائمة إلى ما لا نهاية.“
لاحظ أنه رغم انتصاره في إيروجيل السيليكا لم يقاوم صنع إيروجيل من أح البيض – أي زلال البيض. فبينما كان بقية العالم يستخدم البيض لطبخ عجّة خفيفة منفوشة ولخبز الحلويات، قام كيستلر بنوع آخر من الطبخ باستخدام الموصدة لصنع إيروجيل البيض: أخف حلوى ميرينغ في العالم.
يبدو إيروجيل السيليكا غريباً للغاية. إذا وضعته قبالة خلفية مضيئة يختفي بشكل شبه كامل. بمعنى أنه تصبح رؤيته أصعب – بل وأكثر خفاءً – من الزجاج العادي بالرغم من كونه أقلّ شفافية. عندما يمر الضوء من خلال الزجاج، ينحرف طريقه بشكل طفيف – ينكسر شعاع الضوء – وتعرف درجة انحراف الضوء بقرينة انكسار الزجاج. في حالة الإيروجيل، وببساطة بسبب وجود القليل من المادة، بالكاد ينحرف الضوء. ولهذا السبب ذاته، لا يوجد أثر لأيّ انعكاس على سطحه، وبسبب كثافته الفائقة الانخفاض لا تبدو له حافات واضحة، أي لا يبدو صلباً تماماً على الإطلاق. ولكنه ليس كذلك طبعاً. إن بنية الهيكل الداخلي في الجيل لا تختلف عن تلك التي في رغوة حمام الفقاقيع، ولكن باختلاف رئيسي واحد، هو أن كل الثقوب مترابطة. إن إيروجيل السيليكا مليء بالثقوب لدرجة أنه بإجماله ??.? بالمئة هواء وله كثافة أكبر من الهواء بثلاث مرات، ما يعني أنه عملياً ليس له وزن على الإطلاق.
في الوقت ذاته، عند وضعه قبالة خلفية معتمة يصبح الإيروجيل أزرق بلا ريب. ومع هذا، ولأنه مصنوع من الزجاج النقي، من المفترض ألا يكون له لون على الإطلاق. لعدة سنوات، تساءل العلماء عما يمكن أن يكون السبب. عندما تبيّن الجواب، كان غريباً على نحو مُرضٍ.
عندما يدخل ضوء الشمس إلى الغلاف الجوي للأرض، يضرب كل أنواع الجزيئات (جزيئات النتروجين والأكسجين في الغالب) أثناء طريقه إلى الأرض ويرتدّ عنها مثل الكرة في لعبة الكرة والدبابيس. يسمّى هذا بالتشتت، ويعني أنك إذا نظرت في يوم صافٍ إلى أيّ جزء في السماء، فإن الضوء الذي تراه كان يرتدّ في الغلاف الجوي قبل وصوله إلى عينيك. وإذا تشتّت كلّ الضوء بالتساوي، فستبدو السماء بيضاء، ولكنه لا يتشتت بالتساوي. والسبب هو أن الطول الموجي الأقصر للضوء من المحتمل أن يتشتت أكثر من الأطوال الموجية الأخرى، ما يعني أن الحزم الزرقاء ترتد في السماء أكثر من الحزم الحمراء والحزم الصفراء. لذلك عندما ننظر إلى السماء، عوضاً عن رؤية سماء بيضاء نراها زرقاء.

إن هذا التبعثر الذي يُطلق عليه تبعثر ريليه طفيف جداً في الواقع، لذلك تحتاج إلى حجم هائل من جزيئات الغاز لرؤيته: ينجح الأمر في السماء ولكن ليس في غرفة مملوءة بالهواء. بعبارة أخرى، أيّ جزء صغير في السماء لا يبدو أزرق ولكنها بكاملها تبدو كذلك. ولكن إذا صادف أن تغلّف قدراً صغيراً من الهواء داخل مادّة شفافة صادف أنها تحوي بلايين وبلايين الأسطح الداخلية الصغيرة، عندها سيكون تبعثر ريليه المرتدّ عن هذه الأسطح كافياً ليغيّر لون أيّ ضوء يمرّ من خلال هذه المادة. لإيروجيل السيليكا هذه البنية تماماً، ومن هنا تأتي مسحة اللون الأزرق. لذلك عندما تمسك قطعة من الإيروجيل بين يديك، وبشكل حقيقي جداً، تبدو كما لو أنك تمسك بقطعة من السماء.
تتمتع رغوات الإيروجيل بخواصّ أخرى مثيرة للاهتمام، ومن أبرزها على الإطلاق العزل الحراري – أي قدرتها على الوقوف كحاجز أمام الحرارة. إنها جيدة جداً في هذا الأمر لدرجة يمكنك فيها أن تضع شعلة من موقد بنزن على إحدى جهتي قطعة من الإيروجيل وزهرة في الجهة الأخرى، وستبقى قادراً على استنشاق عبير الزهرة لدقائق عدة.
يعتمد الزجاج المزدوج على تهيئة فجوة بين لوحي زجاج، ما يجعل من الصعب على الحرارة الوصول بينهما. تخيّل أن الذرّات في الزجاج منتظمة مثل جمهور في حفلة روك، كلها متجمّعة بعضها مع بعض تتراقص. ومع ارتفاع صخب الموسيقى والجمهور المتراقص بطاقة أكبر، يبدأ الناس بالارتطام بعضهم ببعض أكثر. والأمر عينه يحدث في الزجاج: بينما ترتفع حرارة المادّة، تتذبذب الذرّات أكثر. إن تعريف حرارة المادة هو في الواقع الدرجة التي تتذبذب فيها الذرّات في المادة. ولكن في حالة الزجاج المزدوج، ثمّة فجوة بين سطحي الزجاج، ما يعني أن ذرّات الزجاج المتذبذبة في أحد اللوحين تجد صعوبة في نقل طاقتها إلى تلك الذرّات في اللوح الآخر. بالطبع هذا يحدث في الجهتين: يمكن استخدام التزجيج المضاعف عينه للحفاظ على الحرارة داخل مبنى في القطب الشمالي، ولإبقائها خارج مبنى في دبي على حد سواء.
إن النوافذ المزجّجة بالزجاج المزدوج جيدة بما يكفي، ولكنها لا تزال تسرّب الكثير من الحرارة – أي شخص يعيش في دولة حارة أو باردة يعرف ذلك بالنظر إلى فواتير الطاقة لديه. هل يمكننا أن نصنع أفضل من هذا؟ حسناً، هناك بالطبع الزجاج الثلاثي الطبقات والرباعي الطبقات، الذي يقوم على إضافة طبقة جديدة من الزجاج وبالتالي حاجز جديد لنقل الحرارة. ولكن الزجاج كثيف ما يعطي وزناً وحجماً أكثر وشفافية أقل مع ازدياد الطبقات. أدخل الإيروجيل. لأنها رغوة، تحتوي داخلها على ما يعادل بلايين البلايين من طبقات الزجاج والهواء بين أحد جانبي المادة والجانب الآخر. هذا ما يجعلها عازلاً حرارياً ممتازاً. بعد أن اكتشف هذا الأمر وخواص أخرى مميزة، بيّنها كيستلر في جملته الختامية في تقريره كما يلي:
”بعيداً عن المدلول العملي لهذه الملاحظات، إن الخواص الفيزيائية الجديدة المطوّرة في المواد هي ذات أهمّية غير عادية.“
أهمّية غير عادية، بالفعل. لقد اكتشف أفضل عازل في العالم.
أثنى المجتمع العلمي بإيجاز، ولكن سرعان ما نسي كل شيء حول الإيروجيل. كان ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان لديهم أمور أخرى تشغل بالهم. كان من الصعب معرفة ما سيبني المستقبل وما سيغدو طيّ النسيان. في عام ????، العام الذي قدم فيه كيستلر إبداعه حول الإيروجيل، اخترع الفيزيائي إيرنست روسكا (Ernest Ruska) أول مجهر إلكتروني. في نفس العدد من مجلة نايتشر (Nature) الذي نشر فيه كيستلر اكتشافاته، قدّم عالم المادة الحائز جائزة نوبل ويليام براغ (William Bragg) اكتشافاته حول انحراف الإلكترون داخل البلورات. مهّد هؤلاء العلماء الطريق لفهم أعمق للبنية الداخلية للمواد وذلك بتطوير الأدوات التي تساعد على رؤيتها وإبصارها. كانت تلك المرة الأولى التي يُخترع فيها مجهر منذ اختراع المجهر البصري في القرن السادس عشر، وكان العالم المجهري بكامله يشرع أبوابه. وسرعان ما أصبح علماء المادّة ينظرون إلى المعادن، البلاستيك، الخزف، والخلايا الحيوية. وبدأوا يفهمون طريقة عملها من وجهة نظر جزيئية وذرّية. كان وقتاً مثيراً: عالم الموادّ يتفجّر، وقريباً سيقدّم علماء المواد النايلون وخلائط الألمنيوم ورقائق السيليكون والألياف الزجاجية (فايبر غلاس) والعديد من المواد الثورية. بطريقة ما، في خضم هذه الحماسة ضاع الإيروجيل ونسيه الجميع.
الجميع عدا شخص واحد فقط، كيستلر نفسه. لقد قرر أن خواص الجمال والعزل الحراري للهياكل الهلامية استثنائية ويجب أن يكون لها مستقبل. رغم أنه هش وضعيف مثل الزجاج، يتمتع إيروجيل السيليكا بالنسبة لوزنه (الضئيل جداً) بقوة جيدة، كافية تماماً لجعله ذا منفعة صناعية. لذلك سجّل الاختراع وباع رخصة تصنيعه لشركة كيميائية تُدعى شركة مونسانتو المساهمة (Monsanto Corporation). بحلول عام ???? كانت تصنع منتجاً يسمّى سانتوجيل (Santogel)، وهو مسحوق استُخلص من إيروجيل السيليكا.
لاح لسانتوجيل مستقبل مشرق لكونه أفضل عازل حراري في العالم، ولكن للأسف لم يكن الوقت مناسباً له، حيث كانت تكلفة الطاقة ترخص أكثر فأكثر، وليس العكس، ولم يكن هناك وعي لمشكلة الاحتباس الحراري. فلم يبدُ العازل الحراري الباهظ كالإيروجيل ذا جدوى اقتصادية.
بعد فشلها في الحصول على حصة سوقية في مجال العزل الحراري، وجدت شركة مونسانتو بنحو غريب تطبيقات للسانتوجيل في مختلف الأحبار وأنواع الطلاء، وكان دوره هو تمهيدها بصرياً بتشتيت الضوء، ما يضفي عليها لمسة مطفأة اللمعة. وانتهى المطاف أخيراً بالإيروجيل باستخدامه بطريقة مخزية، كعامل مخثّر في المراهم المضادة للدودة المتحلزة عند الأغنام وفي الهلام المستخدم لصنع النابالم للقنابل. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حلت بدائل أرخص محل الإيروجيل حتى في هذه الذخيرة المحدودة من التطبيقات، وأخيراً تخلت مونسانتو عن تصنيعه تماماً. وتُوفي كيستلر عام ???? من دون أن يتمكن من رؤية أروع مادّة له تحتل مكانها من العالم.
لم يأت انتعاش الإيروجيل نتيجةً للتطبيقات التجارية بل بسبب خواصّه الفريدة التي جذبت انتباه بعض فيزيائيي الجسيمات في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) الذين كانوا يدرسون شيئاً يُدعى إشعاع شيرينكوف، وهو الإشعاع الذي ينبعث من جسيم دون ذري عندما ينتقل خلال المادة أسرع من انتقال الضوء خلالها. إن اكتشاف وتحليل هذا الإشعاع يعطي دلائل عن طبيعة الجسيم ويقدّم وسيلة غريبة لتحديد أي الجسيمات غير المرئية العديدة يتعامل معها العلماء. وكان الإيروجيل مفيداً تماماً لهذا الغرض – لتهيئة مادّة يمكن للجسيم أن ينتقل خلالها – بما أنه عملياً نسخة صلبة عن الغاز، كما لا يزال يُستخدم لهذا الغرض حتى يومنا هذا، ليساعد الفيزيائيين على كشف خفايا العالم دون الذرّي. بمجرد أن شق الإيروجيل طريقه إلى مختبرات الفيزيائيين، بمعدّاتهم المعقدة وأهدافهم السرّية وميزانياتهم الضخمة، عادت سمعة المادّة لتصعد مجدّداً.
في ذلك الوقت في بداية ثمانينيات القرن الماضي، كان الإيروجيل باهظاً جداً للصنع لدرجة أنه كان يعيش فقط في المختبرات حيث لم يكن المال مشكلة. كانت (CERN) واحداً من هذه المختبرات، ولكن سرعان ما تبعتها ناسا (NASA). أول تطبيقات إيروجيل السيليكا في استكشاف الفضاء كان لعزل المعدات عن درجات الحرارة القصوى. وكان الإيروجيل مناسباً تحديداً لهذا النوع من التطبيق ليس فقط لأنه أفضل عازل في العالم، بل لأنه أيضاً خفيف جداً، وعندما تطلق مركبة فضائية إلى خارج مجال الجاذبية الأرضية فإن تقليل وزن الأشياء مهمّ جداً. استُخدم الإيروجيل أول مرة في عام ???? في بعثة استكشاف سطح المريخ مارس باثفايندر (Mars Pathfinder) واستُخدم كعازل للمركبات الفضائية منذ ذلك الحين. ولكن عندما اكتشف العلماء في ناسا أن الإيروجيل يتماشى مع السفر في الفضاء، أدركوا أن للمادة استخداماً ممكناً آخر.
إذا نظرت إلى السماء في ليلة صافية فقد ترى شهاباً، وهذا يبدو ذيلاً متوهّجاً من الضوء يجتاز السماء. منذ وقت طويل كان معروفاً أنّ هذه إنما هي نيازك تدخل الغلاف الجوي للأرض بسرعة عالية وتسخن حتى تحترق متوهّجة. كان يُعتقد أن معظمها غبار كوني، وهو مادّة تخلفت من خلق النظام الشمسي قبل ?.? بليون سنة خلت، هي والمذنبات والكويكبات. لطالما كان تحديد ماهية الموادّ التي صُنعت منها هذه الأجرام السماوية محط الاهتمام لسنوات، لأن هذه المعلومات قد تساعدنا على فهم كيفية تكوّن النظام الشمسي وقد تساعد أيضاً في تفسير التركيب الكيميائي للأرض.
لقد وفر لنا تحليل التركيب المادي للنيازك بعض الأدلة المثيرة، ولكن مشكلة هذه العينات هي أنها تعرضت للسخونة إلى درجات حرارة عالية لأقصى حد أثناء مرورها بالغلاف الجوي. فكر العاملون في ناسا، ألن يكون من الجميل أن نتمكن من الإمساك ببعض هذه الأشياء في الفضاء وأن نحضرها إلى الأرض بشكلها الأصلي؟
المشكلة الأولى في هذه الفكرة هي أن الأجسام في الفضاء تنتقل بسرعة، حيث ينتقل الغبار الكوني عادة بسرعة خمسين كيلومتراً في الثانية، أي ما يعادل ثمانية عشر ألف كيلومتر في الساعة، أي أسرع من الرصاصة بكثير. إن الإمساك بشيء مثل هذا ليس بالأمر السهل. كحال إيقاف رصاصة، لنقل، بجسدك، إما أن تتجاوز قوة الرصاصة ضغط التمزق لبشرتك، أي إنها تمر من خلالك، أو تستخدم سترة واقية من الرصاص مصنوعة من مادة ذات قوة تمزق عالية مثل الكيفلر، ما ينتج عنه رصاصة مضغوطة ومشوّهة. في كلتا الحالتين، إنه ضرب من المجازفة. رغم ذلك، من حيث المبدأ، إنه ممكن تماماً – مثل إمساك كرة كريكت أو كرة القاعدة بيدين ”ناعمتين“، حيث تكمن الخدعة في توزيع وتبديد طاقة الكرة بدل أن تقوّي نفسك لأجل ضربة وحيدة ذات ضغط عال. إذاً ما احتاجت إليه ناسا هو طريقة لتخفف سرعة الغبار من ثمانية عشر ألف كيلومتر في الساعة إلى صفر من دون إلحاق الضرر بالغبار أو بالمركبة الفضائية – بطريقة مثالية، لمادة خفيضة الكثافة جداً حتى تتمكن جسيمات الغبار من التباطؤ بلطف من دون الإضرار بها، بطريقة مثاليّة، لمادّة يمكنها فعل ذلك ضمن مساحة بضعة ميليمترات، وبطريقة مثاليّة، لمادّة شفافة، حتى يتمكن العلماء من رؤية الهباء الدقيق حالما يتوارى فيها.
وجود مادّة كهذه هو معجزة صغيرة. وكون ناسا سبق أن استخدمتها في رحلات الفضاء أمر استثنائي. لقد كانت بالطبع إيروجيل السيليكا. إن الآلية التي يحقق بها الإيروجيل هذا الإنجاز هي نفس التقنية التي يستخدمها الممثلون البهلوانيون عندما يسقطون من مبنى عالٍ: جبل من صناديق الورق المقوّى، كل صندوق يمتصّ بعضاً من طاقة الاصطدام بينما تنهار تحت وزن الممثل، وكلما زادت الصناديق، كان ذلك أفضل. بنفس الطريقة، كل جدار رغوي داخل الإيروجيل يمتصّ قدراً قليلاً من الطاقة عندما يضربه جسيم الغبار، ولكن بما أن هناك البلايين منها في السنتيمتر المكعب الواحد، هناك ما يكفي منها لإيقافه من دون ضرر نسبياً.
بنت ناسا مهمة فضائية كاملة حول قدرة الإيروجيل على جمع غبار النجوم بلطف. في السابع من فبراير عام ????، أطلقت مركبة غبار النجوم الفضائية، وهي تحتوي على كل المعدات الضرورية للقيام برحلة حول النظام الشمسي، كما كانت مبرمجة أيضاً للطيران عبر مذنب يدعى وايلد ? (Wild ?). كانت الفكرة أنها ستجمع غباراً نجمياً من عمق الفضاء وأيضاً الغبار المنطلق من مذنّب، لتسمح لناسا بدراسة تركيب كلتا المادتين. للقيام بهذا، طوّروا أداة تشبه مضرب تنس عملاقاً، لكن عوضاً عن الثقوب بين الأوتار كان هناك إيروجيل.
في خلال فترة صيف وخريف عام ????، عميقاً في الفضاء، وبعيداً ملايين الكيلومترات عن أيّ كوكب، فتحت مركبة فضاء غبار النجوم كوة وأخرجت منها مضرب التنس العملاق المزوّد بالإيروجيل. لم يكن له منافس في لعبة تنس الغبار النجمي هذه، وكانت الكرات التي يبحث عنها صغيرة مجهرياً: إنها بقايا نجوم أخرى أفلت منذ زمن بعيد، إنها العناصر الباقية من نظامنا الشمسي التي لا تزال تطير. لم تستطع مركبة غبار النجوم الفضائية الحَوم في الفضاء العميق لفترة طويلة لأن لديها موعداً عليها المحافظة عليه مع مذنب وايلد ?، المندفع الآن من الحدود القصوى للنظام الشمسي والمقترب إلى المركز، وهذا ما يفعله كل ?.? سنوات. بعد أن أدخلت مضرب تنس الإيروجيل، أسرعت المركبة الفضائية إلى موعدها. أخذت سنة ونيّفاً للوصول إلى الموقع الصحيح لها، ولكن في الثاني من يناير عام ????، وجدت المركبة الفضائية نفسها في مسار اصطدام مع المذنب، الذي كان يبلغ قطره خمسة كيلومترات وينطلق مسرعاً حول الشمس. بعد أن ناورت للوصول إلى مجال التيّار المتخلف عن المذنب، عند حوالى ??? كيلومتراً خلفه، فتحت المركبة الفضائية الكوة وأخرجت مجدّداً مضرب تنس الإيروجيل، هذه المرة باستخدام الجانب الأقل أهمية، وبدأت بجمع غبار شهابي بكر لأول مرة في تاريخ الإنسان.
بعد جمع غبار المذنب، عادت مركبة غبار النجوم الفضائية إلى الأرض، ووصلت بعد سنتين. ولكنها انحرفت عند اقترابها من الأرض وطرحت كبسولة صغيرة سقطت داخل نطاق الجاذبية الأرضية، ودخلت الغلاف الجوي بسرعة ??.? كيلومتراً في الثانية، وكان ذلك أسرع إعادة دخول سُجّلت على الإطلاق، فأصبحت بنفسها شهاباً لبرهة من الزمن. بعد خمس عشرة ثانية من السقوط الحر، وعند الوصول إلى درجة حرارة عالية حدّ الاحمرار، نشرت مظلة سحب لتخفيف سرعة معدل السقوط، بعد عدة دقائق، وعلى ارتفاع عشرة آلاف قدم فوق صحراء يوتا، طرحت الكبسولة مظلة السحب ونشرت المظلة الرئيسية. في هذه النقطة تكون لطاقم الإنقاذ على الأرض فكرة عن المكان الذي ستهبط فيه الكبسولة وتوجّهوا نحو الصحراء للترحيب بها بعد سبع سنوات غياب قطعت خلالها أربعة بلايين كيلومتر. ضربت الكبسولة رمال صحراء يوتا الساعة ??:?? صباحاً بتوقيت غرينتش من يوم الأحد، الخامس عشر من يناير عام ????.
”نشعر كأننا والدان بانتظار عودة طفلهما الذي غادر صغيراً وبريئاً، وعاد الآن حاملاً الأجوبة لأعمق المسائل المتعلقة بنظامنا الشمسي.“ قال توم دوكسبوري (Tom Duxbury)، مدير مشروع مختبر الدفع النفاث لناسا في باسادينا، كاليفورنيا.
على أيّ حال، إلى أن فتح العلماء الكبسولة وبدأوا بمعاينة عينات الإيروجيل، لم يكن لديهم أدنى فكرة عمّا إن كانت تحمل جواباً لأيّ شيء. لعلّ غبار الفضاء عبر مباشرة من خلال الإيروجيل. أو لعلّ عنف وتباطؤ عملية إعادة الدخول حللت الإيروجيل إلى مسحوق عقيم. أو لعله لم يكن هناك غبار على الإطلاق.
ما كان عليهم القلق. ما إن أعادوا الكبسولة إلى مختبرات ناسا وفتحوها، حتى وجدوا الإيروجيل متماسكاً وسليماً تماماً. كانت هناك علامات ثقوب صغيرة على سطحه وكانت هذه ما تبيّن لاحقاً أنها نقاط دخول غبار الفضاء. تمكن الإيروجيل من القيام بعملٍ لم تتمكّن أيّ مادّة أخرى من القيام به: لقد جلب عيّنات أصيلة لغبار مذنب تكوّن حتى قبل وجود الأرض.
منذ عودة كبسولة الإيروجيل استغرق علماء ناسا عدة سنوات لإيجاد القطع الدقيقة من الغبار مغروسة داخل الإيروجيل، واستمرّ العمل حتى هذا اليوم. إن الغبار الذي يبحثون عنه لا يُرى بالعين المجردة، لذلك لا بدّ من إيجاده من خلال المعاينة المجهرية للعينات، وهذا استغرق سنوات. كان المشروع ضخماً جداً لدرجة أن ناسا طوّعت العامة للمساعدة في البحث، حيث يدرّب برنامج غبار النجوم من المنزل (Stardust@home) المتطوعين على استخدام حواسيبهم المنزلية للبحث بين آلاف الصور المجهرية لعينات الإيروجيل ومحاولة اكتشاف علامات تدل على وجود غبار فضائي.
لقد أثمر العمل حتى الآن مجموعة من النتائج المثيرة للاهتمام، وكان أكثرها مفاجأة أن معظم الغبار من مذنب وايلد ? يظهر وجود قطيرات ذائبة غنية بالألمنيوم. من الصعب فهم كيف يمكن لهذه المركبات أن تتكوّن في مذنب لم يختبر سوى الظروف المتجمّدة في الفضاء، بما أنه يتطلب درجة حرارة تصل إلى أكثر من ????? درجة مئويّة لتكوّنها. ولأنه كان يُعتقد أن المذنّبات هي صخور متجمّدة يعود تاريخها إلى بداية نشوء النظام الشمسي، جاء هذا الاكتشاف كمفاجأة، هذا أقل ما يمكن أن يقال. بدت النتائج تشير إلى أن النموذج المعياري لتكوّن المذنّبات كان خاطئاً، أو هناك الكثير ممّا لا نعرفه عن كيفية تكوّن نظامنا الشمسي.
في هذه الأثناء، وبعد إتمام مهمّتها، نفد الوقود على متن مركبة غبار النجوم الفضائية. في ?? مارس عام ????، وعلى بعد ??? مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، استجابت للأمر الأخير من ناسا لقطع الاتصالات. أقرّت بتسلّم الأمر، وقالت الوداع الأخير. ولا تزال تسافر في أعماق الفضاء، كمذنب من صنع الإنسان.
والآن مع انتهاء مهمّة غبار النجوم، هل سيكون هذا مصير الإيروجيل أيضاً، أن ينتهي بطريقة غامضة؟ كل شيء ممكن. رغم أن الإيروجيل هو أفضل عازل لدينا، ثمنه باهظ جداً وليس من الواضح حتى الآن ما إن كنّا نهتمّ كفاية بالحفاظ على الطاقة لنقدّر الإيروجيل بطريقة اقتصادية. ثمة بعض الشركات التي تبيع الإيروجيل لمثل تطبيقات العزل الحراري هذه، ولكن في الوقت الراهن تقتصر تطبيقاته الأساسية على البيئات القاسية مثل عمليات الحفر.
من الممكن أن ترتفع تكلفة الطاقة أكثر فأكثر بالنظر إلى الاعتبارات البيئية. في مستقبل على قدر كافٍ من ارتفاع كلفة الطاقة، من المرجّح أن يُستبدل الزجاج المزدوج المضموم الذي اعتدنا عليه بمادة زجاجية أكثر تعقيداً تعتمد على تقنية الإيروجيل. ما زالت تقوم أبحاث لتطوير أصناف جديدة من الإيروجيل بمعدّل متسارع. وهناك الآن عدد من تقنيات الإيروجيل تنتج عنها مادة ليست قاسية وهشّة مثل إيروجيل السيليكا، ولكن مرنة وقابلة للثني. جُعلت هذه المادة التي تسمّى إكس-إيروجيل (x-aerogel) مرنة بعملية كيميائية منسّقة تفصل الجدران الرغوية القاسية بعضها عن بعض وتُدخل جزيئات من البوليمر في ما بينها، هذه الجزيئات تعمل كمفصلات داخل المادة. يمكن تحويل هذا الإكس-إيروجيل إلى مواد مرنة مثل القماش، ويمكن استخدامه لصنع أكثر البطانيات دفئاً وخفة في العالم، التي يمكنها أن تحل محل اللحاف وكيس النوم وما إلى ذلك. ولأنها خفيفة جداً ستكون مثالية أيضاً لملابس وأحذية الخروج المصمّمة للبيئات القاسية. ومن الممكن أيضاً أن تحلّ محلّ رغوة النعال في الأحذية الرياضية ما يجعل ذلك النوع من الأحذية مرناً ونابضياً. في المدّة الأخيرة صُنعت عائلة من إيروجيل الكربون لنقل الكهرباء، وأيضاً إيروجيل فائق الامتصاص يستطيع امتصاص الفضلات السامّة والغازات.
إذاً قد يكون الإيروجيل جزءاً من حياتنا اليومية، وهو ربما الحلّ للإقامة في المناخ الأكثر تقلباً وقسوة. ولكن رغم ذلك، وكعالِم في المادة، من الجيّد معرفة أن من المحتمل الحصول على المواد الصحيحة لنقدّمها للعالم في حال عدم تدارك مشكلة الاحتباس الحراري، إلا أنه ليس المستقبل الذي أتمنّاه لأبنائي. في عالم صنعنا فيه الكثير من المواد، بما فيها تلك التي نعتبرها مقدسة، مثل الذهب والألماس، أودّ أن أعتقد مجدداً أن ثمّة مكاناً لموادّ تُقدَّر فقط لجمالها وأهمّيتها. معظم الناس لن يمسكوا قطعة إيروجيل بين أيديهم، ولكن أولئك الذين يفعلون ذلك لن ينسوا ذلك أبداً. إنها تجربة فريدة. فليس له وزن يمكنك إدراكه، كما أن حافاته تتلاشى بنحو غير ملحوظ لذلك يصبح من المستحيل تمييز أين تتوقف المادة ويبدأ الهواء. أضف إلى ذلك لونه الأزرق الطيفي، فيبدو حقاً كما لو أنك تمسك قطعة من السماء بين يديك. يبدو أن للإيروجيل القدرة على إجبارك على التفكير في أيّ عذر للتعامل به. مثل ضيف حفلة غامض، تودّ فقط أن تكون بالقرب منه، حتى وإن لم تستطع أن تفكّر في أيّ شيء لتقوله. تستحق هذه المواد مستقبلاً مختلفاً، ليس الاندثار والدمج في جسيم مسرّع، ولكن أن يُقدَّر لنفسه فقط.
اختُرع الإيروجيل بمحض الفضول والابتكار والتعجب. في عالم نقول فيه إننا نقدّر مثل هذا الإبداع، ونمنح الميداليات لنكافئ نجاحه، من الغريب أننا ما زلنا نستخدم الذهب والفضّة والبرونز لذلك. لأنه إن كانت هناك مادّة تمثل قدرة البشرية على النظر إلى السماء والتساؤل عن كينونتنا، إن كانت هناك مادّة تمثّل قدرتنا على تحويل كوكب صخري إلى مكان ساحر ووفير، إن كانت هناك مادة تمثّل قدرتنا على اكتشاف عمق النظام الشمسي وفي الوقت نفسه التعبير عن ضعف الوجود الإنساني، إن كانت هناك مادّة زرقاء بلون السماء... فإنّها الإيروجيل.
?. الخيالي
أثناء تحضيري للدكتوراه في قسم المواد في جامعة أكسفورد، اعتدت الذهاب إلى الحفلات النهارية في السينما. إن مشاهدة فيلم في مسارح مظلمة وفارغة يريح ذهني بطريقة لا تستطيعها أيّ وسيلة استرخاء أخرى، وخاصة في فترات العصر الممطرة والكئيبة. رغم ذلك، في ذات يوم حصل أمر غريب. لقد خضت شجاراً محتداً مع غريب في البهو، كان الفيلم المعروض في ذلك العصر ”باتش كاسيدي أند ذا صندانس كيد“ (Butch Cassidy and the Sundace Kid)، فيلم كلاسيكي عن الغرب الأميركي من بطولة بول نيومان (Paul Newman) وروبرت ردفورد (Robert Redford). قبل بداية العرض، كنت أقف في رتل الانتظار لشراء كيس حلوى عندما سمعت الرجل الذي ورائي يتحسّر كم من المحزن أن فقدت السينما سحرها وأصبحت المتاجر المفخّمة تبيع الحلوى بأسعار مبالغ فيها. لاحظت أنه كان يقف في الرتل لأجل الحلوى ذاتها التي يزعم أنه يكرهها، ولكن هذا التناقض لم يكن كافياً ليطغى على كياستي البريطانية. بل ما قاله لاحقاً هو ما أثر فيّ حقاً. قال: ”لمَ تباع كلّ أنواع الحلوى بأكياس بلاستيكيّة؟ في أيّامي، كان الورق. كانت تُصنّف الحلويات في مرطبانات وتباع بالوزن في أكياس ورقية.“ قمت بنصف التفاتة، ممسكاً علبة الشوكولاته البرتقالية الفاقعة، ونظرت في عينه وقلت مبتسماً: ”ولكن حتماً للبلاستيك أكثر الحق للوجود في السينما من بين جميع المواد، وخاصة في سياق هذا الفيلم.“ ربما كانت نبرتي متنازلة بعض الشيء – لعلها كانت كذلك. كنت طالب دكتوراه واعتقدت أنني أعلم الكثير، ولكنني كنت حريصاً أيضاً على الدفاع عن البلاستيك، تلك المادة التي لطالما شُوّهت.
رغم ذلك، كنت قد اخترت الشخص الخطأ. هاجمني بالقوة الكاملة لمناصر أفلام رسمي. ما هذا الهراء الذي أقوله؟ ماذا أعرف عن السينما في سنّي؟ لقد عاشها وتنفّسها أثناء عصرها الذهبي. السينما هي نجوم الشاشة الفضّية، والأضواء الخفاقة، والمقاعد المخملية، وأزيز آلة العرض. لم يستمع إلى كلمة قلتها، وفي الحقيقة، ربما كان من الصواب ألّا يفعل. فبغضّ النظر عن الأساس الواقعي لحجّتي، لم أتحلَّ باللغة المناسبة لإيصالها بشكل هادف. في النهاية، ذهب كلّ منّا إلى صالة السينما بلون قرمزي من الغضب، وجلسنا على طرفين متقابلين في المدرج الفارغ. وتنفّست الصعداء عندما خفتت الأضواء أخيراً.
لطالما فكرت بهذا المشهد المخزي، وتساءلت كيف كان بإمكاني الدفاع عن البلاسيتك بطريقة أكثر فعالية. استنتجت أن الطريقة الوحيدة التي كان سيستمع بها إلى حديثي هي من خلال وسيلة يقدّرها أكثر من غيرها: اللغة البصرية للسينما. فها هي، نص سينمائي سيفض النزاع الذي خسرته حول علاقة مغلفات الحلوى البلاستيكية بالفيلم باتش كاسيدي أند ذا صندانس كيد. في بعض الأوقات، ربما يكون نصّي السينمائي البدائي وعلاقته بجدالي في بهو السينما غامضاً بعض الشيء، لذلك ألحقت كل مشهد ببعض الملاحظات التفسيرية.
المشهد الأول داخلي: حانة، سان فرانسيسكو، ????.
بداية فترة ما بعد الظهر. الطاولات والكراسي تملأ الغرفة. نصفها مشغول برجال يشربون ويلعبون الورق. بيانو في الركن لا أحد يعزف عليه. شمس كاليفورنيا الساطعة تتسرّب من بين الستائر المتكسّرة التي تصدر صريراً عند هبوب الرياح. ودخان السجائر عالق في الهواء.
شاغلو الحانة هم مجموعة من الرجال الخشني الملامح، ومعظمهم عاطل من العمل. بعضهم عمّال مناجم سابقون جاؤوا إلى الغرب أثناء حمّى الذهب في كاليفورنيا قبل عشر سنوات ثم انجذبوا للمدينة، بعد فشلهم في الوصول إلى الثراء. وبعضهم كانوا من محاربي الحرب الأهلية الذين انتهى بهم المطاف هنا كقتلة مأجورين. بعض النساء يرافقنهم.
هناك طاولة بليارد في الزاوية لتشبع الصرعة الجديدة للعبة ”البول“، باستخدام خمس عشرة كرة بليارد ملوّنة. بيل وأخوه الأصغر يلعبان. بيل راعي بقر جاء إلى المدينة فارّاً لقتله رجلاً في أوهايو. رجل صموت إلى حد كبير، ابتسامته درداء بسبب ضربة من فرس أسقطت أسنانه. لقد أقنع أخاه الأصغر بالسفر إلى هنا برفقته، باستخدام السكة الحديدية الجديدة في رحلتهما.
إيثان
(فوق طاولة البليارد على وشك القيام بضربة)
الكرة الزرقاء، في الجعبة الركنية.
بيل
(متكئاً على الحائط وعصا البليارد في يده)
نعم؟
إيثان
(يضرب الكرة إلى داخل الجعبة الركنية)
أجل سيدي! أحب هذه الكرات الجديدة، حتماً أنا كذلك.
بيل
نعم؟
إيثان
أجل، (متخذاً لهجة مؤنقة) مصنوعة لرجل مترف، ألا تعلم – ها نحن، صح، بيل؟ رجال مترفون؟ ها!
يتابع إيثان في إدخال كرتين إضافيتين، ويستمرّ بتعليقاته المتتالية بلهجته المؤنقة الزائفة، ويبتسم ابتسامات عريضة لبيل بين كل ضربة موفقة وأخرى. لا يبدي بيل الاهتمام، ملتهياً بجدال عند إحدى طاولات لعب الورق.
رجل محمرّ الوجه، وافد جديد، استنبط أخيراً أنه خُدع باستمرار في لعبة الورق فينهض على قدميه بسرعة وبترنّح وينقلب الكرسي من ورائه ويصطدم بالأرض بعنف. يضحك باقي الأفراد على الطاولة. الرجل المحمرّ الوجه ثمل جداً لدرجة أن الأفكار التي تمرّ في ذهنه تبدو واضحة على وجهه. يفكّر بطرح طاولة الورق أرضاً والمشي خارجاً، ولكن يده تجد مسدّسه فيبدأ يلوّح به أمام اللاعبين الآخرين. يتوقف الضحك، وبعد عدّة ثوانٍ كل شيء في الحانة يتوقف. ما عدا إيثان، الذي كان ظهره للغرفة وكان يصف ضربة أخرى تبدو موفقة.
إيثان
(بصوت مؤنّق زائف) الكرة الزرقاء، في الجعبة الأخيرة.
يسدّد الضربة في الصمت السائد، ولكنّ شيئاً غريباً يحدث عندما تضرب الكرة البيضاء الكرة الثامنة – يصدر وميض لامع مترافق مع فرقعة صادمة عالية. تخطئ الكرة الثامنة الهدف، وتخرج عن المسار بسبب الانفجار الصغير.
يجفل الرجل المحمرّ الوجه، الذي بدأ يتحوّل اهتمامه المرتبك نحو إيثان، بسبب الضجّة فيستجيب لذلك غريزياً بإطلاق طلقة باتّجاه طاولة البليارد قبل أن يفرّ خارج الحانة.
يستلقي إيثان على الأرض مضرّجاً بدمائه، بينما تتوقف الكرة البيضاء أخيراً التي لا تزال تحترق بسبب اصطدامها المتفجّر مع الكرة الثامنة.
ملاحظات على المشهد الأول
تطوّرت لعبة البول من البليارد التي انتشرت في القرن الخامس عشر في شمال أوروبا في الأماكن الملكية، وكانت بشكل أساسي نسخة عن لعبة الكروكيت للأماكن المغلقة. ولهذا السبب نجد لون سطح الطاولة أخضر لكي يحاكي لون العشب. إحدى نتائج الثورة الصناعية كانت جعل طاولات البليارد أرخص في الصنع. كما هي حالنا اليوم، اكتُشف أن لعبة البليارد يمكن أن تزيد دخل الحانات والنزل العامة، وبدأت طبقة الفقراء المدنيين الجدد بتبنّيها.
في القرن التاسع عشر أصبحت اللعبة أكثر تعقيداً تقنيّاً. أولاً، أصبحت عصا البليارد تدبّب بالجلد وتغطى بالطبشور، لتسمح بسيطرة أكبر على الكرة باستخدام طريقة الدوران. أدخل البحارة الإنكليز هذه التقنية إلى أميركا، ولا يزال يُشار إليها كوضع ”إنكليزي“ على الكرة. في أربعينيات القرن الثامن عشر، سمح اختراع المطاط المعالج بالكبريت الذي اخترعه تشارلز غوديير (Charles Goodyear) بإدخال ”الحشوة“ على جوانب سطح اللعب، فكانت ناعمة ونابضة بدل الخشبية حتى تتمكن الكرات من الارتداد عنها بطريقة يمكن التنبؤ بها لأول مرة. منذ تلك النقطة فصاعداً، أصبحت طاولات البليارد تشبه هذه التي نعرفها اليوم. أما التحول من لعبة البليارد التي تستخدم ثلاث أو أربع كرات إلى اللعبة الأحدث التي تستخدم خمس عشرة كرة فحدث في سبعينيات القرن الثامن عشر في أميركا. ولكن حتى تلك اللحظة، كانت الكرات مصنوعة من العاج وكانت باهظة الثمن.
للعاج خليط فريد من خواصّ المواد: فهو قاسٍ بما يكفي لتحمّل آلاف الاصطدامات السريعة بين الكرات من دون تثلّم أو قصّ. وهو قويّ بما يكفي لئلا يتشقق، ويمكن خرطه لتكوين الشكل الكروي. ومثل الكثير من الموادّ العضوية، يمكن صبغه بالعديد من الألوان. ما من مادّة أخرى في ذلك الوقت كان لها هذه الخواص. لذلك عندما انفجر شيوع البليارد إلى صرعة في حانات أميركا، كانت هناك فرصة حقيقية لأن يرتفع سعر العاج تماشياً مع الطلب وستصبح اللعبة باهظة لا يمكن تحمّل تكاليفها. من هنا كانت محنة العديد من الحانات في أرجاء القارة للحصول على كرات مصنوعة من مواد بديلة جديدة، مثل البلاستيك، وبعضها تصرّف بطريقة غريبة. كان البلاستيك مادة جديدة تختلف عن باقي المواد كاختلاف النصوص السينمائية والنثر.
المشهد الثاني
داخلي: كوخ في مركز مدينة نيويورك
هذا الكوخ يقوم مقام مختبر لجون ويسلي هايت (John Wesley Hyatt)، شاب يعمل عامل طباعة في صحيفة، ولكن في وقت فراغه يقوم بتجارب كيميائية. في عمر الثامنة والعشرين كان لديه براءة باسمه، وهو على وشك دخول كتب التاريخ كصانع أول بلاستيك صالح للاستخدام في العالم.
يزوره الجنرال ليفرتس (Lefferts)، جندي متقاعد ومستثمر، سبق أن دعم الشاب توماس أديسون مادياً وهو الآن مهتم بهايت. ليفرتس رجل ضخم ورسمي، عليه أن ينحني ليتجنّب ضرب رأسه بسقف الكوخ المليء بالأواني الزجاجية والبراميل الخشبية وكمّية مدهشة من العاج. وهناك رائحة قوية لمحاليل مذيبة رغم أن النوافذ مفتوحة على مصاريعها.
هايت
جاءتني فكرة ما أريد إطلاعك عليه عندما كنت أحاول صنع كرات بليارد اصطناعية. (يشير إلى زاوية الغرفة حيث يوجد صندوق من كرات البليارد المتنوّعة).
ليفرتس
كرات بليارد؟ لمَ كرات البليارد؟
هايت
في الوقت الحالي يمكن صنعها من العاج فقط، ولكنها غالية الثمن جداً. واللعبة شائعة جداً في هذه الأيام لدرجة أن مصنعي طاولات البليارد بدأوا يفزعون من أن تنفد لديهم. لذلك وضعوا إعلاناً في صحيفة نيويورك تايمز وجائزة قدرها عشرة آلاف دولار لمن يستطيع أن يخترع مادة بديلة.
ليفرتس
عشرة آلاف دولار! اللعنة، لا يمكن أن يكون هناك هذا القدر من المال في هذه اللعبة.
يقطع هايت الذي كان يعبث بأدواته الكيميائية ما كان يفعله ويبحث عن شيء وبسرعة يجده مثبّتاً بالدبابيس على الحائط. إنها قصاصة صحيفة مصفرّة عن إعلان جائزة نيويورك تايمز. يعطيها لليفرتس.
هايت
انظر بنفسك.
ليفرتس
(يقرأ المقالة بينما ينفث دخان سيجار) ”فيلان وكوليندر (Phelan & Collender)، أكبر مزوّدي بليارد في أميركا“ – لم يسق لي أن سمعت بهما... (يتابع القراءة بصمت، ويتفوّه ببعض الكلمات، ثم يقتبس مقطعاً) ”نحن نقدّم ثروة سخيّة بمقدار عشرة آلاف دولار لأيّ مخترع يستطيع صنع مادّة بديلة من العاج.“ حسناً، حسناً، هل يمكن أن يكون هذا صحيحاً؟
هايت
أوه إنه صحيح تماماً. فأنا أعمل على هذا المشكلة منذ عدة سنوات وقدّمت لهم العديد من النماذج. وقد تواصلوا معي منذ عدة أشهر ليخبروني أنهم أرسلوا عدة مجموعات من آخر نماذجي المعدلة للحانات في أرجاء البلاد كتجربة.
ليفرتس
إذاً فقد نجحت؟
هايت
حسناً، نعم... (ينظر للأسفل كما لو أنه غير متأكد كيف يتابع) ولكن هناك مشكلة... احم... دعني أرِكَ كيف صنعتها وسوف ترى، في الحقيقة، لهذا أحضرتك إلى هنا، لأنّ عليك أن ترى هذا لكي تصدّقه.
ينهي هايت العبث ببعض القطع من عدّته الاختبارية ويخرج ديواراً كبيراً، وهو نوع من القوارير الخوائية، من خزانة مقفلة ويبدأ بسكب سائل نقيّ منه في دَورَق.
هايت
هذا هو المفتاح للأمر كله، وكان أمام عيني كلّ الوقت!
ليفرتس
ما هو؟
هايت
إنه مستحضر من نترات السيلولوز والكحول.
ليفرتس
نترات السيلولوز... لقد سمعت بهذا... اممم... نعم، ولكن أليس هذا مادّة متفجرة؟!
يحمرّ وجه ليفرتس فجأة غضباً من سذاجته للقدوم وزيارة هذا العالم المجنون وتعريض حياته للخطر. يمسك سيجاره بين أصابعه بتوتّر – لقد رأى ما يكفي من الحوادث الخرقاء بسبب المتفجّرات في الحرب الأهلية.
هايت
(غير مهتمّ بقلق ليفرتس) أوه، أظنّ أنك تقصد النيتروغليسيرين, نعم، أعتقد أنها مشابهةٌ قليلاً من الناحية الكيميائية. ولكن هذه نترات السيلولوز، وتقنيّاً هي ليست مادّة متفجّرة. ربّما كانت متفجّرة قليلاً ولكن قابلة جداً للاشتعال حتماً. ولكنني حذر جداً.
يلتفت إلى ليفرتس هنا ليبتسم، ثم يلاحظ أن ليفرتس غاضب فيتابع الشرح أكثر لتهدئة الوضع.
هايت
النيتروغليسيرين مصنوع من نترجة الغليسيرول، وهو سائل زيتي لا لون له ينتج عن تصنيع الصابون، عليك فقط أن تمزج الغليسيرول مع حمض الآزوت، ولكن كما تقول أنت إنه غير مستقر كما أنه العنصر الرئيس في الديناميت. ولكن ما لديّ هنا هو نترات السيلولوز، وهو مصنوع من خلط لبّ الخشب مع حمض الآزوت. إذا جففته يصبح شيئاً يُسمّى البارود القطني، وهو شديد القابلية للاشتعال. أضمن لك هذا، ولكن (يلتفت مجدّداً إلى ليفرتس) لا ينفجر حقاً. ولكن في شكله السائل الذي أستعمله الآن والذي يُدعى كولوديون يقوم بعمل شيء أكثر إثارة للاهتمام. راقب.
يراقب ليفرتس بينما يضع هايت بضع قطرات من الحبر الأحمر داخل دورق محلول نترات السيلولوز، فتصبح حمراء متوهّجة، ثم يغمس كرة خشبية متدلية من خيط في السائل. عندما يسحب الكرة مجدداً، يجدها مغطاة بطبقة بلاستيكية لمّاعة جميلة سرعان ما تقسو. كان لهذا التحوّل التأثير المطلوب على ليفرتس.
ليفرتس
لا يُصدَّق. هل يمكنني لمسها؟
هايت
(يبدو مسروراً) نعم – حسناً، احم، لا، تحتاج لأن تجفّ قليلاً بعد. ولكن إليك بعضاً منها صنعته سابقاً.
ليفرتس
(يتحسّس كرات البول الاصطناعية، ويضرب بعضها ببعض بين يديه) إذاً فقد وجدت الحل. ما هي المشكلة؟ هل ما زالت قابلة للاشتعال؟
يأخذ ليفرتس السيجار من فمه وبحذر شديد يكز كرة البول التي تحترق ثم تنفجر لهباً. يلتقط هايت الكرة المشتعلة من بين يدي ليفرتس برشاقة ويرميها خارج النافذة.
هايت
حسناً، نعم، إنها قابلة للاشتعال. وهذا ليس مثالياً بالطبع. في الواقع هناك بعض التقارير تفيد أنه عندما تصطدم الكرات بعضها ببعض بسرعة عالية يمكنها أن تشتعل تلقائياً. ولكن المشكلة الحقيقية هي الصوت: عندما ترتطم الكرات بعضها ببعض لا يبدو الصوت كما يرام.
ليفرتس
آه، من بحق الجحيم يهتمّ لصوتها؟
هايت
أوه، إنّهم يهتمّون، وأنا أهتمّ أيضاً. ولكن ليس هذا ما أردت الحديث عنه معك. خذ. ألقِ نظرة على هذا. (يأخذ غرضاً من الدرج ويعطيه لليفرتس) ليفرتس
(ينظر إليه لبرهة) مشط عاجي. وماذا في ذلك؟
هايت
إنه ليس عاجياً! (يبتسم ببهجة) ها! لقد خدعتك. إنها مادة جديدة مصنوعة من نفس نترات السيلولوز التي تغطي الكرة الخشبية. ولكن، في عمليتي الجديدة، لا حاجة للكرة. يمكنني صنع أغراض كاملة فقط من نترات السيلولوز. عليك فقط إضافة النافتا، وهو محلول مشتق من النفط الخام، وهاي، بسرعة. تُسمّى العملية التلدين. (يبدأ بالخربشة داخل الدرج بحماسة) هذه فرشاة شعر، وهذه فرشاة أسنان، وهذا... عقد... (يسلّمها إلى ليفرتس) ليفرتس صامت لبرهة بينما يتفقد الأغراض العاجية المزيّفة.
ليفرتس
(بهدوء) كم يبلغ حجم سوق العاج؟
هايت
كبير، كبير جداً.
ليفرتس
إلى ماذا تحتاج لبدء إنتاج هذا... ماذا يسمّى؟
هايت
إنه مصنوع من السيلولوز، لذا أدعوه سيلولويد. ما رأيك؟
ليفرتس
لا بأس عندي مهما كان ما أردت أن تسمّيه. إلى ماذا تحتاج لتبدأ بإنتاج السيلولويد على صعيد صناعي؟
هايت
الوقت والمال.
ملاحظات على المشهد الثاني
كل هذه التفاصيل صحيحة واقعياً (حتى وإن كان الحوار تقريبياً نوعاً ما). من الصعب في تلك الأيّام تصديق أن أيّ أحد يمكنه تحقيق اكتشافات كيميائية جوهرية داخل أكواخهم. ولكن في أواخر القرن التاسع عشر، بداية العصر الذهبي للهندسة الكيميائية، تزامن الفهم المتنامي في الكيمياء مع فرص تجارية لجني المال باختراع مواد جديدة. كما كان الحصول على المواد الكيميائية أمراً سهلاً ورخيصاً، وكان بيعها غير مضبوط معظم الوقت. كان الكثير من المخترعين يعملون من منازلهم – وفي حالة غوديير، من سجن المدينين. ما إن أثبت المطاط الذي اخترعه جدارته، حتى ازداد الطلب على الحماية والراحة والمرونة التي يوفرها هذا النوع من المواد.
يدلّ المصطلح ”بلاسيتك“ على تشكيلة ضخمة من المواد، وجميع هذه المواد عضوي (يمكن القول إنها مصنوعة من مجموعة من المركبات المعتمدة على الكربون كعنصر أساسي)، صلب وقابل للتشكيل. كان مطاط غوديير نوعاً من أنواع البلاستيك، ولكن اختراع بلاستيك اصطناعي بكامله هو ما أحدث ثورة المصطلح. أقام جون ويسلي هايت وأخوه مختبراً في كوخهما فقط للقيام بهذا، مستلهمين جزئيّاً من إعلان في نيويورك تايمز منح ??.??? دولار لأي شخص يتمكن من اختراع مادة جديدة لكرات البليارد. كما كان هايت مدعوماً مادياً من تجمع مموّلين برئاسة المارشال ليفرتس، جنرال في الحرب الأهلية متقاعد. كانت ثمة شكاوى من انفجار الكرات المطليّة بالكولوديون من أصحاب الحانات، حيث بلّغ أحدهم أنّه ”في كل مرّة تصطدم فيها الكرات، يسحب جميع الرجال في الغرفة مسدّساتهم.“ في تلك الأيام كانت كرات البول والسنوكر مصنوعة من نوع من البلاستيك يُسمّى الراتينج الفينولي، وكان يستخدم السيلولويد فقط لصنع نوع واحد من الكرات، كرات تنس الطاولة.

المشهد الثالث
داخلي: ردهة جنازة، سان فرانسيسكو
تتمدد جثة إيثان عارية على طاولة عمليات. وملابسه التي قُصّت للتو ملقاة على الأرض. عدة جثث جديدة أخرى ممددة على المقاعد حول الغرفة، والدم يقطر من بعضها في برك صغيرة. ورائحة قوية لمواد كيميائية ممزوجة برائحة التفسّخ الأكثر حلاوة ولكن الأكثر لذعة. ينظف المحنّط جثة إيثان من الدم وبيل ينظر.
بيل
إذاً كم لديّ من الوقت؟
المحنّط
لإحضار الوالدين إلى هنا؟
يومئ بيل
المحنّط
ثلاثة أيام، في الظروف العادية.
بيل
(بفك مطبق) وماذا عن الظروف غير العادية؟
المحنّط
حسناً، لدي القليل من الفورمالديهايد الجديد. بقليل منه يمكننا الحفاظ عليه بشكل جيد جداً، ولكنه غالي الثمن. يمكنني القيام بشيء أرخص ثمناً باستخدام الزرنيخ، ولكنه لن يبقى على حاله.
يصمت بيل محدّقاً باهتمام في جثة أخيه، ولا يقول شيئاً.
المحنّط
سمعت أن كرات البليارد الجديدة هي ما أوصلته إلى هنا؟ تلك التي صنعها الرجل النيويوركي؟ كنت أقرأ عنه في الصحيفة. عالم ومخترع، هكذا يقولون، مثل إيديسون الذي صنع هذه المصابيح الكهربائية، ولكن ليس بنفس النجاح وفق ما سمعت.
بيل
نيويورك؟ هل هو ثري؟
المحنّط
لا بدّ من أنه كذلك، على ما أظن...
يهمّ بيل بالذهاب خارجاً.
المحنّط
هاي، إلى أين أنت ذاهب؟
ماذا أفعل بجثة أخيك؟
ملاحظات على المشهد الثالث
في عام ????، على الرغم من معرفة مبادئ التبريد، ولكن ليس قبل خمسين سنة أخرى حتى تتوفر البرادات. في الدول الحارة، كان هناك خياران اثنان في حال الوفاة: إما الدفن أو الإحراق إلى رماد، وإما التحنيط. أمّا التحنيط فكان يعتمد على الكحول أو محاليل خاصة تحتوي على مواد كيمائية سامة مثل الزرنيخ حتى عام ????. عندما اكتشف الكيميائي الألماني أوغست ولهلم فون هوفمان (August Wilhelm von Hofmann) الفورمالديهايد. على عكس الطرق السابقة، كان الفورمالديهايد يحافظ على الأنسجة بطريقة تضفي على الجثة مظهراً حيوياً. وسرعان ما أصبح الطريقة المختارة. فحُنّط كل من لينين وكمال أتاتورك وديانا أميرة ويلز باستخدام الفورمالديهايد.
في أيامنا هذه، قام غونثر فون هاغينز (Gunther von Hagens) بتطوير طريقة جديدة تسمّى التطرية. وتعتمد هذه على إزالة الماء والدهون (مثل الشحم) من الجسم وبديلها أيضاً باستخدام تقنيّة السحب الهوائي بمطاط السيليكون والراتنج الإيبوكسي ، وهي مادة متعدّدة الاستعمالات بنحو كبير تستخدم في كل أنواع الأطلية والمواد اللاصقة والمواد المرنة. فتمنح مظهراً حيوياً كالفورمالديهايد، ولكن بسبب جمود البلاستيك المستعمل، يمكن تثبيت الجثث بوضعيات حياتية. ثمة معرض لهذه الجثث المحفوظة المتوضعة يجول حول العالم منذ عام ???? باسم عوالم الجسد وقد شاهده الملايين.
المشهد الرابع
داخلي: قاعة محكمة في مدينة نيويورك، بعد عدّة سنوات.
يُستجوب هايت حول حقوق براءة الاختراع التي حصل عليها عن بلاستيك السيلولويد، والتي كانت شركته تجني الكثير من المال بسببها، لتصنيعها الأمشاط وفرش الشعر ومقابض أدوات المائدة وحتى أطقم الأسنان الصناعية. المحامي الذي يستجوبه موكل من دانييل سبل (Daniel Spill) وهو رجل إنكليزي يدّعي أنه اخترع بلاستيك مماثلاً يسمّى زيلونيت قبل سنة خلت. الجنرال ليفرتس، المساعد المالي لهايت، يجلس في الصف الأول من القاعة شبه الخالية، ويستمع إلى الدعوى.
المحامي
تقول إنك اخترعت السيلولويد في محاولة لصنع مادة بديلة لـ.... كرات البليارد؟
هايت
نعم، هذا صحيح. كنت أستخدم الكولوديون لأطلي الكرات الخشبية، ليمنح التأثير العاجي. ولكنني أدركت أنه إذا استطعت أن أجد طريقة أحوّل بها الطلاء إلى مادة صلبة، يمكنني الاستغناء عن الخشب، وربما صنع مادّة يشبه صوتها صوت العاج.
المحامي
يشبه صوتها صوت العاج؟ تبدو قصّتك غير مقنعة إلى حد ما، ألا تعتقد ذلك؟
هايت
كم مرّة عليّ أن أشرح! أيّ لاعب بليارد سيخبرك أن صوت ارتطام الكرات جزء من متعة اللعبة.
المحامي
إذاً أنت تنفي حصولك على معلومات في عام ???? من لندن عن مادة تسمّى زيلونيت وتمرّ بنفس العملية تماماً لتحويل نفس المادة تماماً – (يراجع ملاحظاته) – نترات السيلولوز، إلى مادّة بلاستيكية صلبة مطابقة تقريباً، باستخدام – (يراجع ملاحظاته مجدداً) – باستخدام الكافور كمحلول؟ هذه هي الخطوة الأساسية التي تستخدمها لتحوّل الكولوديون إلى ما تسمّيه سيلولويد، أليس كذلك؟ هل علينا أن نصدّق أن هذا بمحض الصدفة التامة؟
هايت
لا! أقصد نعم! أنا أنفي هذا. بالمطلق. (يحمرّ وجهه من الحنق) لقد اكتشفت الطريقة برمّتها وحدي.
المحامي
سواء اكتشفتها أو لم تكتشفها وحدك ليست المسألة تماماً كما تعلم جيداً يا سيد هايت. المسألة أن هناك براءة اختراع سابقة تحمي العملية الأساسية التي تستخدمها أنت في عمليات التصنيع لديك، وبراءة الاختراع هذه تعود إلى موكلي، السيد دانييل سبل من لندن، إنكلترا، الذي لم تدفع له أيّ مبلغ مالي.
هايت
دانييل سبل! هاه! إنه ليس مخترعاً. إنه فقط وصولي، رجل أعمال فاشل! أخذ أفكاره من ألكسندر باركس (Alexander Parkes)، عالم حقيقي ومخترع الباركسين. أمّا سبل فقد قلده فقط، والآن يريد أن يجني المال من جهدي الشريف. (يلتفت إلى القاضي، الذي لا يعيره الاهتمام) إنّه عار، سيادة القاضي.
المحامي
إذاً هل تتوقعنا الآن أن نصدّق أنك كنت مدركاً إلى حدّ ما لأعمال ألكسندر باركس، ومع ذلك كنتَ غافلاً تماماً عن أعمال السيد دانييل سبل؟
هايت
أيّ عمل لسبل؟ إنّ مادته لا تعمل! إن كنت لا أملك حقوق براءة اختراع السيلولويد بسبب بعض الجوانب الفنّية، فحتماً سبل لا يملكها أيضاَ. فألكسندر باركس هو من صنع أول بلاستيك، في عام ????. والكل يعلم هذا. ولكن باركس لم يتمكن من جعله يعمل بطريقة صحيحة. أمّا أنا نجحت – وليس بالتقليد، مثل دانييل سبل، ولكن بجهدي الخاص ومن خلال التجارب المنظمة. (يلتفت إلى القاضي، الذي يبدو ضجراً تماماً ويعبث بساعة جيبه) أنا أريد فقط أن أدير عملي الخاص من دون أن يحتال عليّ بعض الطفيليين الماليين!
ينصت ليفرتس باهتمام كل الوقت، ولكن عند اعتراف هايت بمعرفته للباركسين، ينظر ليفرتس إلى الأسفل لبرهة، يتأمّل شيئاً، ثم ينهض ويغادر.
ملاحظات على المشهد الرابع
على الرغم من وجود موادّ تشبه البلاستيك قبلاً، كان السيلولويد معروفاً على نحو واسع كأول بلاستيك تجاري قابل للتشكيل. في المعرض الدولي لعام ????، قدّم عالم الفلزات والكيميائي والمخترع ألكسندر باركس للعالم مادة غريبة جداً، مادة مصنوعة من لبّ النبات ولكنها كانت قاسية وشفافة وبلاستيكية. وسمّاها باركسين. هو أيضاً كان مهووساً بالكولوديون كبلاستيك محتمل، ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى محلول مناسب يمكّنه من تحويل نترات السيلولوز إلى مادّة قابلة للتشكيل. ولكن استخدام هايت للكافور، لبان كريه الرائحة موجود في الخشب، هو ما قام بالسحر. لقد مكنه من تحويل السيلولويد إلى مادة بلاستيكية يمكن تحمّل نفقتها.
في الوقت ذاته في إنكلترا، أعاد دانييل سبل إحياء عملية باركس، وتقدم بطلب للمزيد من براءات الاختراع، وأطلق بلاستيك مشابهاً يسمّى الزيلونيت. رغم فشل الزيلونيت تجارياً، قرّر سبل أن يقيم دعوى على هايت على أساس أنه كان يحوز براءة اختراع سابقة لاستخدام الكافور كمحلول في العملية. كاد نزاع براءة الاختراع مع دانييل سبل يُفقِد هايت تجارته. ولكن حكم القاضي – كل من سبل وهايت لا يمكنهما ادّعاء حقوق براءة الاختراع لبلاستيك نترات السيلولوز – هو ما فتح صناعة البلاستيك بكاملها على منافسة وإبداع كبيرين.
المشهد الخامس
داخلي: مخدع ماري لويز يونغ في بلدة بولدر، كولورادو.
ماري لويز سيدة أعمال ناجحة تمتلك المتجر الوحيد في البلدة. تجلس أمام المرآة وتجهّز نفسها للمساء فتمشّط شعرها وتجرّب الحليّ وهي تتكلم مع بيل.
ماري لويز
أوه، بيل، أنت فقط تريد أن تتزوّجني لتحصل على مالي وتتمكن من متابعة ترحالك. أنا أعلم بمبتغاك.
بيل
هناك رجل في نيويورك لديّ عمل معه. ولكنني سأعود حالما أنهي عملي.
ماري لويز
(تضحك) إذاً هذا صحيح! حسناً، إذا تزوّجت، أريد أن أتزوّج عن حب يا بيل. أريد أن أمشي في الطريق متشابكي الأذرع. أريد أن أخرج الفرس والعربة للذهاب في نزهة إلى أوركارد كريك (Orchard Creek)، وأن أجعلك تطعمني العنب ... (تضحك للفكرة) بيل
نزهة؟
ماري لويز
نعم، بيل، نزهة. أريد أن أشعر بأنني محترمة وحرّة، هذا ما أريد أن يجلبه الزواج لي. وأريدك أن تذهب إلى طبيب الأسنان. لن أتزوّج أحداً لا يملك أسناناً، أنا أحكم على هذا حتماً.
تجرّب ماري لويز ارتداء عدة عقود. ينهض بيل بعصبية ويخطف العقود من يديها بفظاظة ويرميها في الزاوية.
بيل
لماذا تهتمّين بهذا الهراء؟
ماري لويز
بيل! توقف. أنت دائماً تتصرّف هكذا عندما نتكلم بجدّية.
بيل
إنه مجرّد بلاستيك يا ماري لويز، بلاستيك. إنها ليست حليّاً حقيقية، وكأنك لست سيّدة حقيقية. إنها حليّ مزيّفة لشخص مزيّف!
ماري لويز
على الأقل لديّ طموحات يا بيل – وقيم! إن كنت تريد أن آخذ عرضك على محمل الجد، فأنت تعلم الآن ماذا أتوقع منك...
ملاحظات على المشهد الخامس
ازدهرت صناعة السيلولويد في سبعينيات القرن الثامن عشر، وراج تشكيل المادة بتشكيلة ضخمة من الأشكال والألوان والتركيبات. والأهم من ذلك، أصبح من الممكن صنعه ليشابه إلى حد كبير موادّ أغلى ثمناً مثل العاج والأبنوس وعظم ظهر السلحفاة وعرق اللؤلؤ. كانت الأشكال الأولى من البلاستيك تُستخدم بهذه الطريقة بشكل رئيسي. كونها زهيدة الصنع نسبياً عنى ذلك أرباحاً هائلة ممكنة من بيع كل أشكال البلاستيك مثل الأمشاط والعقود واللآلئ للطبقة المتوسطة المتنامية، التي كانت متعطشة للثراء المادّي الخاصّ بالأغنياء ولا تستطيع تحمّل نفقته.
المشهد السادس
داخلي: عيادة طبيب أسنان
غرفة خشبية بسيطة وكرسي كبير في الوسط وعدة طاولات ومجموعة مرتبة من الأدوات المعدنية. شهادة معلقة على الحائط تفيد بأن هارولد كلاي بولتن تخرّج من كلية سينسيناتي لطب الأسنان في عام ????. ثمة نافذة وحيدة في الغرفة تطلّ على أجمة. منتصف الصيف والطقس حارّ ورطب.
طبيب الأسنان
سيدي، أرجوك أن تخلع قميصك وأن تجلس هنا وتشعر بالاسترخاء. (يشير إلى كرسيّ الطبيب) بيل
(يجلس من دون أن يخلع قميصه) كم سيكلّف هذا؟
طبيب الأسنان
لا أعرف بعد. يعتمد الأمر على ما تحتاج إليه.
بيل
أحتاج إلى أسنان. بسيط جداً
طبيب الأسنان
نعم سيدي، ولكن يجب أن أنظر في فمك أولاً لأرى أيّ نوع من أطقم الأسنان سيناسبك. أخشى أن قميصك قد يتّسخ إن لم تخلعه.
بيل
أنت لن تفعل شيئاً، أنت ستنظر فحسب، أليس كذلك؟
طبيب الأسنان
نعم، ولكن...
بيل
إذاً قم بالأمر.
طبيب الأسنان
أريد أن آخذ شكلاً للثتك بهذه المادة. (يري بيل مسحوقاً جصّياً) ثم، اعتماداً على عدد الأسنان الإضافية التي تريدها، يمكنني استخدام المطاط أو هذه المادة المثيرة نوعاً ما، التي تشعرك براحة أكبر في الفم.
بيل
لا أكترث. أريدها فقط أن تعمل.
طبيب الأسنان
أوه. هذا السيلولويد قطعاً يعمل. إنه سهل القولبة بشكل رائع و...
بيل
ماذا؟َ!
طبيب الأسنان
سيولويد، إنه جديد جداً، وعصري جداً. ناعم بكلّ معنى الكلمة ولكن أيضاً... قاسٍ، إن كنت تعلم ما أقصد، ما يجعله مثالياً لغرضنا. الكل يستخدم – (يقطع حديثه عندما يلاحظ بيل يغضب) سيدي...؟ هل قلت شيئاً مزعجاً؟
بيل
اللعنة، أليس هناك مكان آمن من تلك المادّة اللعينة؟
طبيب الأسنان
ولكن، سيدي، البلاستيك هو حقاً أفضل مادّة، ومريحة جداً في الفم... (يتبع بيل، الذي نهض ومشى باتجاه الباب) سيدي، أنا لا أفهم، ما الأمر؟ (يضع يده على ذراع بيل) يسحبها بيل بعصبية، ويسحب مسدّسه ويوجّهه إلى طبيب الأسنان.
بيل
سأخبرك ما هو الأمر: أنت الأمر! (يلوّح بمسدّسه على المعدّات وموادّ طب الأسنان) أنتم كلكم الأمر!
ملاحظات على المشهد السادس
مما يدعو للغرابة، أنّ هايت حاول فعلاً أن ينشئ تجارة السيلولويد من خلال صنع أطقم أسنان بلاستيكية، ولكن السيلولويد لم يكن مناسباً لهذا التطبيق، يعود السبب في معظمه إلى أن الأسنان المزيّفة كانت تتشوّه بالحرارة كما كان يظهر طعم الكافور الداخل في التصنيع بقوّة. رغم ذلك لم يكن منافسه المصنوع من المطاط والذي يظهر طعم الكبريت أفضل حالاً. كان على مستخدمي أطقم الأسنان أن ينتظروا حتى القرن العشرين للحصول على بلاستيك الأكريليك ليمنحهم متعة وطعماً حيادياً وإحساساً ”طبيعياً“ أفضل بكثير.
المشهد السابع
داخلي: مكتب هايت، نيويورك
جاء جورج إيستمان، مصنع كاميرات، لزيارة هايت في مكتبه وهو زاوية مقسومة بالزجاج في الطابق الثاني من معمله السيلولويد.
هايت
... إذاً أعتقد أنه يمكننا صنع هيكل كاميرا سيكون واقياً للضوء أكثر بكثير من صناديقك الخشبية لأنه سيكون مصنوعاً قطعة كاملة، وأيضاً أقل وزناً بكثير من نظيره المعدني.
إيستمان
لم آت إلى هنا لأتحدّث معك عن الكاميرات.
هايت
لا؟
إيستمان
لا. (يصمت إيستمان لبرهة. وظهره لهايت، يراقب عمليات التصنيع في المعمل في الأسفل.) إلى أيّ درجة من الرقة يمكنك صنع السيلولويد؟
هايت
الرقة؟ حسناً، لقد بدأت تجارتي بطلي الأشياء، إن كان هذا مقصدك.
إيستمان
(يلتفت إلى هايت، من الواضح أنه عازم على شيء ما) كم تعرف عن الصفائح الفوتوغرافية؟
هايت
ليس الكثير... إنها مصنوعة من الزجاج، أليس كذلك؟
إيستمان
نعم، هذا صحيح: زجاج مطليّ بجل حسّاس للضوء.
هايت
إذاً... أنت تريد استخدام السيلولويد عوضاً عن الجل؟
إيستمان
(يبدو خبيثاً) بل أريد أن أستخدم السيلولويد عوضاً عن الزجاج.
هايت
(يحاول أن يستنتج السبب) اممم... حتى تصبح الصفائح الفوتوغرافية أقلّ عرضة للكسر؟
إيستمان
هل تعلم كم صفيحة فوتوغرافية يستطيع أن يحمل المصور، بالإضافة إلى باقي المعدات التي يحتاج إليها؟
يهز هايت رأسه بالنفي
إيستمان
عشرة، ربما خمسة عشر في الحد الأقصى. أنت عملياً تحتاج لدابة لتحملها كلها، إنّها ثقيلة جداً ومعرقلة. أو على الأقل خادم أو اثنان – الأمر كله مكلف جداً، إنها لعبة الأغنياء.
هايت
أتعتقد أن الصفائح الفوتوغرافية البلاستيكية ستجعلها أقلّ ثمناً؟
إيستمان
أريد أن أحوّل التصوير إلى شيء يمكن لأي شخص القيام به. رخيص وسهل جداً بحيث يمكنك أخذ كاميرا إلى حفلة عيد ميلاد أو نزهة أو في إجازة أو...
هايت
إلى الشاطئ
إيستمان
تماماً! ولهذا يجب أن نجعل الكاميرا أصغر وأخف. ولكن بشكل أساسي أحتاج لأن أتخلص من الصفائح الزجاجية الثقيلة. (ينظر بجدية إلى هايت) لقد طوّرت كاميرا كهذه. الخدعة هي أن تضع طبقة الفيلم الحسّاسة للضوء على شريط مرن. وبهذه الطريقة يمكن لعشرين أو لثلاثين صورة أن تتّسع لها علبة صغيرة. أسمّيها كاميرا كوداك، وستكون متاحةً للجميع. سوف أضع التصوير بين يدي العالم بأسره!
هايت
بالنسبة لهذا الشريط المرن... أنت تملك هذه التقنيّة قبل الآن؟
إيستمان
حسناً، لا. كنّا نستخدم الورق، ولكنه لا يعمل حقاً.
هايت
إذاً ماذا، أنت تريد استخدام السيلولويد عوضاً عن ذلك؟
إيستمان
هل هذا ممكن؟
ملاحظات على المشهد السابع
كان الزجاج مادّة ممتازة للصفائح الفوتوغرافية، لكونه شفافاً وجامداً كيميائياً، ولكن الصفائح كانت ثقيلة ومعرقلة وباهظة الثمن، ما يجعل التصوير مقتصراً على المحترفين والأغنياء. طوّر جورج إيستمان أفلام السيلولويد كمادة بديلة من صفائح الزجاج، وكان ذلك أمراً جوهرياً في ثورة التصوير تماماً مثل اختراعه كاميرات الكوداك المضغوطة. من خلال استبدال صفائح الزجاج بأفلام مرنة من السيلولويد يمكن لفها، نجح في جعل الكاميرا أصغر وأخف وأرخص وأبسط بكثير. لقد قدّم التصوير لكافة الشعب، وبجعل الكاميرا محمولة وزهيدة كفاية للاستخدام بشكل غير رسمي، خلق طريقة جديدة لمشاركة ذكريات العائلة من خلال التصوير. نحن نعيش الآن في وقت يُعدّ فيه شراء لفافة فيلم أمراً نادراً بالنسبة للكثير منا، بما أن هذه التقنية قد استُبدلت بالتقنيّات الرقمية. ولكن مع هذا، يُعد اختراع أفلام التصوير من السيلولويد لحظة جوهرية في الثقافة البصرية.
المشهد الثامن
داخلي: مكتب هايت، نيويورك، بعد عدة سنوات
تجاوزت الساعة منتصف الليل. كل الأضواء مطفأة ما عدا الذي في مكتب هايت في الطابق الثاني، حيث يعبث هايت بجهاز غريب. يسمع هايت ضجة وينظر إلى الأعلى.
هايت
من هناك؟ (يعود هايت للعمل، ولكن يسمع ضجة أخرى) مرحباً...؟ هل هناك أحد؟ هل هذه أنت يا بيتي...؟
يلتوي مقبض الباب ببطء ويفتح الباب. للحظة لا يمكن رؤية أحد، ولكن يظهر شكل بيل من الظلمة ثملاً.
بيل
حسناً، انظر من هنا.
هايت
من أنت؟ هل أنت المراقب الليلي؟ أرجوك اخرج، ولا تقاطعني مجدّداً.
بيل
لا، أنا لست المراقب الليلي، ولكنني كنت أراقب. أراقبك أنت.
هايت
ماذا تقصد؟ اخرج. (ينهض) اخرج، أتسمعني؟
بيل
لا، أنت لن تملي عليّ أوامرك. في الحقيقة، أنا من سيملي عليك الأوامر.
(يخرج مسدّسه ويوجّهه إلى هايت) اجلس.
هايت
ليس لديّ مال هنا، إن كان هذا ما تريده. كله في البنك، يؤخذ إلى هناك يومياً.
بيل
قلت اجلس.
هايت
من أنت؟
بيل
لقد قتلت أخي. لذلك أعتقد أنني سأردّ لك صنيعك وأقتلك، هذا يبدو عادلاً، أليس كذلك؟ هذا يجعلني... سيّافك.
هايت
ما الذي تقوله؟ لم أقتل أحداً في حياتي. لا بدّ من أن هناك خطأ ما.
بيل
ليس هناك أيّ خطأ. أنت من صنع كرات البليارد التي قتلته. لقد استغرق الأمر فترة لأتقفّى أثرك، مرّت عشر سنوات تقريباً منذ إصابته... ولكن ها أنا هنا.
هايت
نعم، لقد سمعت عن شخص تعرّض لإطلاق النار في حانة أثناء لعب البول بكراتي الجديدة، ولكن كان ذلك حادثاً. لم يكن خطئي. لم أكن هناك!
بيل
بل كان خطأك! كله خطأك! اخرس! سوف أضع حداً لكلّ هذا الهراء. (يشير إلى المعمل) هذا ليس طبيعياً – ولهذا السبب مات أخي. لقد عبثت بالطبيعة... بوضع مادتك البلاستيكية السخيفة في كل مكان، وجعلهم يصدّقون أنّها ثمينة كالعاج، وجني المال من رغبة النساء في الحليّ، والضحك عليهم. ولكن ليس أنا. لن تضحك علي بأسنانك البلاستيكية الغبيّة. على أحد ما أن يضع حداً لهذا. وسيكون أنا.
هايت
أرجوك! أرجوك لا تقتلني.أرجوك. اسمعني أرجوك. هذه المادّة، هذا البلاستيك الذي تكرهه، سوف يقوم بعمل المزيد لأجلك ولأجل أمثالك أكثر ممّا فعله لأيّ أحد آخر. سوف يخلّد طريقتك في الحياة! وقد يحوّلك إلى إله – لقد رأيت ذلك!
بيل
ما الذي تتحدث عنه؟ المزيد من الهراء!
هايت
لقد حُلّت مشكلة جعله حسّاساً للتصوير! الصور المتحرّكة، ألم ترها؟ قصص تُحكى على الشاشة الفضّية. أبطال مثلك، ورعاة بقر يقاتلون، ويفوزون بالغرب! الجميع يقفون في الطابور ليروهم في المدن. كلّ هذا بسبب هذا المادّة الشفافة المرنة الرائعة – ما كانت لتنجح في أيّ شيء آخر. رواية القصص لن تكون كما كانت من قبل. انظر، لديّ آلة عرض هنا، كنت أحاول أن ألقم الفيلم. دعني أرِكَ إيّاه.
بيل
لا، إنّه هراء، هذا كلّه...
يظهر ضوء من خلف بيل، وصوت خطوات رجل. يظهر المراقب الليلي، يحمل مشكاة.
المراقب الليلي
هل كلّ شيء على ما يُرام يا سيد هايت؟ لقد سمعت صراخاً.
يهرب بيل طارحاً المراقب الليلي أرضاً أثناء فراره. تتحطم المشكاة ويشعل اللهب دلواً فيه أفلام سيلولويد مهملة. يحاول هايت والمراقب الليلي إخماد الحريق، ولكن بوجود الكثير من مادة السيلولويد القابلة للاشتعال على طاولات العمل وفي صناديق مجاورة سرعان ما تخرج ألسنة اللهب عن السيطرة. يلوذان بالفرار، ومن الطريق يتمكنان فقط من مراقبة المعمل بأكمله يُدمَّر بالحريق.
ملاحظات على المشهد الثامن
إن اختراع أسطوانة الفيلم، الذي أصبح ممكناً باستخدام بلاستيك السيلولويد، أدّى مباشرة إلى تقنيّة الصور المتحركة. إن فكرة جعل الصورة ”تتحرّك“ من خلال إظهار تغييرات بسيطة متتابعة في الصورة كانت معروفة منذ مئات السنين، ولكن من دون وجود مادّة مرنة وشفافة، كانت الطريقة الوحيدة لجعلها تنجح هي استخدام أسطوانة منظار محيائي دوّار. ولكن السيلولويد غيّر كلّ شيء وسمح بالتقاط سلسلة من الصور على أسطوانة فيلم ثم إعادة تشغيلها بسرعة تكفي لكي تبدو الصورة تتحرك. لم يتح هذا إظهار تسلسل حركي أطول من المنظار المحيائي فحسب، ولكن يمكن عرض الصور المتحركة، لكي يشارك التجربةَ كامل جمهور المسرح. كانت هذا الفراسة الرئيسية للأخوين لوميير (Lumière) التي أدّت إلى تأسيس السينما.

التُقطت هذه الصورة للعصابة البرّية، عصابة سرقة القطارات التي يتزعمها باتش كاسيدي، في فورت وورث (Fort Worth)، تكساس، عام ????. تجسّد مآثر العصابة ما نسمّيه الغرب الأميركي، عهد الخارجين عن القانون والعنف، الذي استمرّ جنباً إلى جنب مع تطوّر كل أنواع التقنيّات العصرية مثل القطارات والسيّارات والطائرات وبالطبع البلاستيك. لا شك في أن مآثر هذه العصابة كانت ستتراجع إلى الظل لولا الفيلم في عام ???? من بطولة بول نيومان (Paul Newman) بشخصية باتش كاسيدي وروبرت ردفورد (Robert Redford) بشخصية صندانس كيد. صُوّر هذا الفيلم على مخزون من أفلام السيلولويد، وكالكثير من أفلام الغرب الأميركي، خلّد طريقة حياة سبقته بتاريخ طويل.
أمّا أنواع البلاستيك التي لحقت السيلولويد، مثل البيكاليت، والنايلون، والفينيل والسيليكون، والمعتمدة على قواها الإبداعية، فكان لها أيضاً أثر مهمّ على عقليتنا الثقافية. في فترة اختراع الهاتف والراديو والتلفاز، احتاجت هذه إلى مادّة جديدة لتجمع حداثتها داخلها، فكان البيكاليت مادة قابلة للتشكيل بديلة من الخشب. أمّا نعومة النايلون فاتّخذت لنفسها صناعة الأزياء، وحلّت محلّ الحرير كمادة للجوارب النسائية، ثم فرخت عائلة من الأقمشة مثل الليكرا والبولي فينيل كلورايد، وأيضاً مجموعة من الموادّ تُدعى اللدائن المرنة، التي لولاها لكانت ملابسنا فضفاضة ولسقطت سراويلنا. أمّا الفينيل فقد غيّر الموسيقى، وكيف قمنا بتسجيلها، وكيف استمعنا لها، وفي الطريق خلق نجوم روك. وأمّا السيليكون – حسناً، فقد حوّل السيليكون الخيال إلى حقيقة من خلال خلق شكل بلاستيكي للجراحة.
لولا البلاستيك لما وُجد فيلم باتش كاسيدي أند ذا صندانس كيد – وكلّ الأفلام الأخرى، ولا حفلات السينما النهارية، ولا السينما بحدّ ذاتها. ولكانت ثقافتنا البصرية مختلفة حقاً. لذلك رغم أنني لست من معجبي التغليف البلاستيكي المفرط، أتمنى أن أكون برهنت أنه إن كان هناك مكان وحيد ”يشعر“ فيه غلاف حلوى بلاستيكي بالأمان والتقدير، فحتماً سيكون السينما.
النهاية.
?. الخفيّ

في عام ????، أثناء تجوالي في طرقات الأندلس في إسبانيا، شهدت تأثيرات بصرية فاتنة. كنت أقود عبر واحدة من حقول الزيتون الكثيرة في المنطقة. بينما كانت الأشجار المصطفة على الطريق تتجاوزني بسرعة، وجدت نفسي ألتقط ومضات من الأيكات المتحركة بشكل متكرر بتخطيط مثالي، فتخفق مثل فيلم قديم صامت. كما لو كانت أشجار الزيتون المعمّرة تقوم بخدعة سحرية لأجلي، لكي تخفف عني ملل الرحلة ودبق الرطوبة. كانت هذه الومضات القصيرة لخط أشجار وراء آخر والممتدة إلى ما لا نهاية مثيرة للإدمان. كنت أراقب الطريق، ثم الخدعة، ثم الطريق، ثم الخدعة، ثم صدمت جرّاراً.
حتى هذا اليوم ليس لديّ فكرة كيف وجدته أمامي. عندما دست على الفرامل بعنف، اندفعت من مقعدي باتجاه الزجاج الأمامي. أذكر لحظة احتكاكي بالزجاج عندما اصطدمت به، كانت لقطة مجمّدة فجائية وحميمية بينما كان يتشقق من حولي. شعرت كما لو أنّي ارتطمت بحائط من فطيرة الزنجبيل الشفافة.
الرمل هو مزيج من أجزاء دقيقة من الأحجار التي سقطت من أجزاء أكبر من الصخور نتيجةً لحتّ الرياح والأمواج وأسباب البلى الأخرى التي تتعرّض لها الأحجار. إذا أنعمت النظر في حفنة من الرمل فستجد الكثير من هذه الأجزاء من الأحجار مصنوعة من الكوارتز (المرو)، وهو ثاني أكسيد السيليكون بشكل كريستالي. يوجد الكثير من الكوارتز في العالم لأن أكثر عنصرين كيميائيين توفراً على القشرة الأرضية هما الأوكسجين والسيليكون، اللذان يتفاعلان معاً ليكوّنا جزيئات ثاني أكسيد السيلكيون (SiO?). إن بلورة الكوارتز ما هي إلا ترتيب منتظم لجزيئات (SiO?) هذه، تماماً مثل بلورة الجليد التي هي ترتيب منتظم لجزيئات (H?O)، أو الحديد الذي هو ترتيب منتظم لذرات الحديد.
إن تسخين الكوارتز يمنح جزيئات (SiO?) الطاقة فتهتز، ولكن يجب أن تصل إلى درجة حرارة معيّنة حتى تحصل على الطاقة الكافية لتكسر الروابط التي تربطها مع جيرانها. وهذا هو جوهر المادة الصلبة. ولكن إذا تابعت تسخينها، فسيصل اهتزازها بالنتيجة إلى قيمة حرجة – وهي نقطة ذوبانها – التي تحصل فيها على الطاقة الكافية لكسر هذه الروابط والتنقل بفوضى عارمة، فتصبح سائل (SiO?). تقوم جزيئات (H?O) بالأمر عينه عندما تُذاب بلّورات الجليد، فتصبح ماءً سائلاً. ولكن هناك فرق مهم بين الاثنين.
الفرق هو أنّه عندما يُبرَّد الماء السائل، كما نعرف جميعاً، تعيد البلورات تشكيل نفسها بسهولة لتتحوّل إلى الجليد مجدّداً. من شبه المستحيل منع هذا من الحصول، في الواقع: من الجليد الذي يتكدّس في ثلاجتك إلى الثلج الذي يغطي الجبال، كلها مصنوعة من ماء سائل تجمّد فتحوّل إلى بلورات جليد. إن التصميم المتجانس لجزيئات (H?O) هو السبب في تكوين أشكال ناعمة لندف الثلج. يمكنك إذابة وتجميد الماء مراراً وتكراراً، وستعاود البلورات إعادة تشكيل نفسها. ولكن يختلف الأمر مع (SiO?)، عندما يبرد السائل، تجد جزيئات (SiO?) صعوبة في إعادة تشكيل بلورة، كما لو أنها تنسى تماماً كيف تقوم بالأمر: أيّ الجزيئات تذهب إلى أين؟ من يجب أن يكون بجانب من؟ تبدو مشكلة صعبة بالنسبة لجزيئات (SiO?). عندما يبرد السائل، تقلّ الطاقة لدى جزيئات (SiO?)، وتقلّ قدرتها على الحركة، ما يزيد المشكلة: يصبح من الصعب أكثر الوصول إلى المكان الصحيح في بنية البلورة. تكون النتيجة مادة صلبة ذات بنية جزيئية لسائل فوضوي: ألا وهو الزجاج.

بما أن الفشل في تشكيل بلورة هو كل ما تحتاج إليه لصنع الزجاج، قد تظنّ أن هذا سهل، ولكنه ليس كذلك. أشعل ناراً في رمال الصحراء، وبمساعدة الرياح للنفخ في اللهب، قد تتمكن من تسخينها بما يكفي لتبدأ الرمال بالذوبان وتصبح سائلاً لزجاً شبه شفاف. عندما يبرد هذا السائل، يصبح صلباً ويتحول فعلاً إلى زجاج. ولكن لا بدّ من أن يحتوي الزجاج المصنوع بهذه الطريقة على أجزاء صغيرة من الرمال التي لم تذب. سيكون بنيّ اللون وسريع التقشر وسرعان ما سينهار، ليصبح جزءاً من الصحراء مرة أخرى.
ثمّة مشكلتان في هذه الطريقة. الأولى هي أن معظم الرمل لا يحتوي على التركيبة الصحيحة من المعادن لصنع زجاج جيد: يُعدّ اللون البنّي إشارة مخيفة في الكيمياء، كدلالة على حصولك على مزيج من الشوائب. كذلك الأمر مع الطلاء: فالمزيج العشوائي للألوان لا يؤدّي إلى نتائج نقيّة، بل تحصل في المقابل على مسحة بنيّة رمادية. فيما تشجّع بعض المواد الإضافية، التي تدعى الصَّهور، مثل كربونات الصوديوم، على تشكيل الزجاج، فإن معظمها لن يفعل ذلك. لسوء الحظ، بالرغم من كون الرمل كوارتز بشكل أساسي، هو مصنوع من أي شيء تَذروه الرياح باتجاهه. المشكلة الأخرى هي أنه حتى إن كان للرمل التركيب الصحيح، فإن الحرارة المطلوبة لإذابته تصل إلى حوالى ????? درجة مئوية، أي نار متأجّجة أكثر من أيّ نار عاديّة تراوح درجة حرارتها ما بين ??? و???? درجة مئوية.
ولكن الصاعقة ستفي بالغرض. عندما تضرب إحدى الصواعق الصحراء، تتجاوز الحرارة ??.???? درجة مئوية، وهي درجة عالية بما يكفي لإذابة الرمل، مشكّلة قنوات من الزجاج تسمّى عيدان الصواعق (fulgurites). (الكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية fulgur، التي تعني الصاعقة). هذه العيدان الزجاجية المصنوعة من مادّة محترقة تشبه، بشكل خارق للطبيعة، صور الصواعق التي يقذفها آلهة الرعد غضباً، مثل الإله ثور في الميثولوجيا النوردية. إنها خفيفة بنحو مفاجئ، وذلك لأنها مجوّفة. إنها خشنة من الخارج، إلا أنها قناة مجوّفة ملساء من الداخل، تتشكل عندما تبخّر الصاعقة الرمل الذي تواجهه أولاً. وبينما تتجه الحرارة نحو الخارج من مركز الدخول، تذيب الرمل لتحوّله إلى غلاف أملس للقناة. أمّا درجات الحرارة في الجانب الخارجي فهي حارة كفاية لتلحم جسيمات الرمل بعضها ببعض، فتجعل حافاتها خشنة إلى حد ما. يعكس لون عيدان الصواعق تركيب الرمال التي تكوّنت منها، وهي تتنوّع ما بين أسود رمادي إلى شبه شفاف إن صُنعت في صحراء كوارتز. يمكن أن يصل طولها إلى خمسة عشر متراً وهي هشة، لأن معظم حجمها مصنوع من الرمل الملتحم بشكل خفيف. حتى وقت قريب، كان يُنظر إليها كظواهر غريبة فقط. على أيّ حال، لأنها تحبس في داخلها فقاقيع من الهواء عندما تُشكّل، تقدّم عيدان الصواعق القديمة للعلماء الذين يدرسون الاحتباس الحراري سجلّاً ملموساً لمناخات الصحراء في فترات سابقة.

في أحد أجزاء الصحراء الليبية، توجد منطقة من الرمال البيضاء النقيّة بنحو استثنائي، تتألف بكاملها تقريباً من الكوارتز. إذا بحثت في هذا الجزء من الصحراء، فقد تجد شكلاً نادراً من الزجاج لا يشبه أبداً عيدان الصواعق البائسة، ولكنها تمتلك في المقابل نقاء الزجاج الحديث الذي يشبه نقاء الجواهر.
تشكل قطعة من هذا الزجاج الصحراوي القطعة المركزية لخنفساء فرعونية زخرفية عثر عليها في جثة توت عنخ آمون المحنطة. ونعرف أن هذا الزجاج الصحراوي لم يصنعه الفراعنة لأنه تمّ التوصل حديثاً إلى أن عمره يعود إلى ستة وعشرين مليون سنة. والزجاج الوحيد الذي نعرف أنه يشبهه هو زجاج ترينيتي، الزجاج الذي تكوّن في موقع اختبار التفجير النووي ترينيتي في عام ???? في وايت ساندز، نيو مكسيكو. وبالتسليم بأنه لم يكن هناك انفجار نووي في الصحراء الليبية قبل ستة وعشرين مليون سنة، فإن النظرية الحالية تقول بأنه لا بدّ من أن درجات الحرارة القصوى التي كانت ضرورية لتكوين مثل هذا الزجاج النقيّ بصرياً كانت نتيجة اصطدام نيزك شديد القوة.

إذاً، من دون مساعدة ضربات النيازك والانفجارات النووية، كيف يُصنع الزجاج الذي نراه في نوافذنا ونظاراتنا وكؤوسنا؟
رغم أن المصريين والإغريق قدّموا تطوّرات في صناعة الزجاج، كان الرومان فعلاً هم من أدخل الزجاج إلى الحياة اليومية. هم من اكتشفوا التأثير النافع ل”الصَّهور“، وفي حالتهم كانت سماداً معدنياً يُسمّى النطرون، وهو تشكل طبيعي لكربونات الصوديوم. استطاع الرومان صنع زجاج شفاف به بدرجات حرارة أقلّ بكثير من تلك المطلوبة لإذابة الكوارتز النقيّ. صنّعوا الزجاج السائب في المواقع القليلة التي كانت تتوافر فيها المواد الخام المناسبة والوقود للأُتُن الشديدة الحرارة، ثم نقلوه إلى أرجاء الإمبراطورية الرومانية باستخدام البنية التحتية التجارية الضخمة لديهم، لتزوّد بها الحرفيين المحليين الذين سيحوّلونها إلى أغراض مفيدة. لم يكن أيّ من هذا ثورياً، حيث نُفّذ من قبل، ولكن بجعله أرخص ثمناً، بحسب بليني (Pliny)، أصبح متاحاً لعامة الشعب.
ربما يمكن إظهار حبّ الرومان للزجاج كمادّة على أفضل وجه من خلال استخداماتهم الجديدة والخيالية له. على سبيل المثال، اخترعوا النوافذ الزجاجية (windows) (والكلمة تعني عين الريح ”wind eye“). قبل عهد الرومان، كانت النوافذ عرضة للريح والمطر، ورغم أنها كانت مزوّدة بمصاريع خشبية أو ستائر قماشيّة لدرء الريح أو المطر القوي، كانت فكرة وجود مادة شفافة قادرة على توفير حماية كاملة، فكرة ثورية. مع الاعتراف بأن نوافذهم الزجاجية كانت صغيرة وملتحمة بعضها ببعض بالرصاص لأنهم لم يمتلكوا تقنيّة صنع ألواح زجاجية كبيرة، ولكنهم بدأوا هوسنا باستخدام الزجاج لأغراض البناء، الذي لا يزال يتزايد حتى اليوم.
كانت المرايا ببساطة سطوحاً معدنية مصقولة حتى اللمعان، إلى أن طُوّر الزجاج الشفاف. أدرك الرومان أن إضافة طبقة من الزجاج الشفاف ستحمي طبقة المعدن من الخدش والثلم، وفي الوقت نفسه ستسمح لهم بتقليل سماكة السطح المعدني إلى جزء من الميليمتر. فقلل هذا كلفة المرايا كثيراً وكذلك زاد فعاليتها وعمرها، ولا تزال الأساس لمعظم المرايا في يومنا هذا.
لم يتوقف إبداع الرومان بتقنية الزجاج هنا فحسب. حتى بداية القرن الأول للميلاد، كان معظم الزجاج يُصنع إلى أغراض عن طريق إذابته ثم صبّه في قالب. كان هذا ملائماً لأغراض من الزجاج الخشن، ولكن كان يتطلب مهارة عالية لصنع أشياء أكثر دقة. يتطلب صنع كأس نبيذ بجدران رقيقة، على سبيل المثال، قالباً بتجويف رقيق، ولكن كان من الصعب جعل الزجاج السميك واللزج ينساب داخله. رغم ذلك، لاحظ الرومان أنه يمكن جعل الزجاج الصلب يتصرّف كبلاستيك إن كان ساخناً بما يكفي. كان بإمكانهم سحبه لكل الأشكال قبل أن يبرد كثيراً وذلك باستخدام كماشة. كما كان بإمكانهم نفخ الهواء فيه بينما هو ساخن فيحصلون على فقاعة صلبة عندما يبرد. من حلال تطوير تقنية النفخ، نفخوا إلى الوجود كؤوس نبيذ رقيقة الجدران، برقة ورقيّ لم يشهدهما العالم من قبل.
حتى ذلك الوقت، كانت أواني الشراب كمداء3، مصنوعة من المعدن أو القرون أو الخزف. وكان تقدير النبيذ يعتمد فقط على طعمه، ولكن اختراع كؤوس الشراب عنى أن لون النبيذ وشفافيته وصفاءه أصبحت مهمّةً أيضاً. نحن معتادون رؤية ما نشرب، ولكن هذا كان جديداً على الرومان، وقد أحبّوه.
3 غير شفافة ولا ينفذ منها الضوء (م).
كانت كؤوس النبيذ الرومانية أعلى درجات التقنية والرقيّ الثقافي في وقتهم، إلا أنها خشنة بالمقارنة مع الكؤوس الحديثة. كانت مشكلتها الرئيسية أنها كانت مليئة بالفقاقيع. ولم يكن هذا مجرد مشكلة جمالية فحسب، بل أضعفت الزجاج كثيراً. عندما تتعرّض أي مادة لضغط ميكانيكي، يعود سببه إلى أيّ شيء مثل نقرها مع كأس أخرى أو سقوطها على الأرض بالخطأ، فإنّها تمتص القوة من خلال تشتيتها من ذرّة لأخرى، فتخفّف القوة الكاملة التي تحتاج إليها كل ذرّة امتصاصها.
أيّ ذرّة لا تستطيع تحمّل القوة الملمّة بها ستنفلع من مكانها في المادة مسبّبة تشققاً. أينما كان هناك تشقق أو فقاعة، يصبح للذرّات جيران أقلّ من الذرّات لتمسكها في مكانها ولتتشارك القوة معها، فتصبح هذه الذرّات أكثر عرضة للانفلاع من أماكنها. عندما يتهشم الزجاج، ذلك لأن القوة تكون عظيمة لدرجة أن سلسلة من التفاعلات تحدث داخل المادة، وفشل كل ذرّة يسبّب فشل الذرّة المجاورة. كلما كانت القوة أكبر، كان التشقق أو الفقاعة المطلوبة أصغر لبدء سلسلة التفاعلات هذه. أو لنقلها بطريقة أخرى، الفقاعة الكبيرة في كأس نبيذك تعني أنه غير قادر على تحمل ضغط كبير.
ربما تفسر هشاشة الزجاج العالية سبب تأخر صناعة الزجاج من بعد الرومان، على الرغم من أنهم حققوا تقدّماً كبيراً. عرف الصينيون صنع الزجاج، بل وتاجروا به مقابل زجاج الرومان، ولكنهم لم يطوّروه بأنفسهم. وهذا مفاجئ تماماً بالتسليم بأن براعة الصينيين في تقنيّات المواد تفوّقت على براعة الغرب للألف سنة بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، حيث كان الصينيون خبراء في الورق والخشب والمعادن، ولكنهم تجاهلوا الزجاج إلى حدّ كبير.
على النقيض من ذلك، في الغرب، نمّت بدعة كؤوس النبيذ احتراماً وتقديراً للزجاج وكان لها بالنتيجة أثر عميق على الثقافة. في أوروبا، وخاصة في الشمال الأوروبي البارد، كانت ألواح النوافذ الزجاجية الشفافة والواقية من الماء، التي تسمح بدخول الضوء ودرء تأثير العوامل الخارجية، تقنية مرغوبة أكثر من أن تُغفل. في البداية صُنعت ألواح زجاجية صغيرة بنقاء كافٍ وكثافة مناسبة لئلا تتحطم، ولكن كان يمكن لحمها معاً لصنع نوافذ أكبر باستخدام الرصاص، كما كان بالإمكان تلوينها بطبقات رقيقة شفافة. أصبحت النوافذ الزجاجية الملونة والمعشقة طريقة للتعبير عن الثراء والرقيّ، وهذا ما غيّر فنّ عمارة الكاتدرائيات الأوروبية جذرياً. مع مرور الوقت أصبح الحرفي الذي يصنع الزجاج المعشق للكاتدرائيات يحتلّ منزلة رفيعة تعادل منزلة البنّاء الذي يقطع الحجارة. ثم ازدهر فنّ الصقل في أوروبا.
استمرّ ازدراء الزجاج في الشرق حتى القرن التاسع عشر. قبل ذلك، اعتمد الصينيون واليابانيون على الورق لصنع نوافذ أبنيتهم، وقد أبلت هذه المادة بلاءً حسناً ولكن أدّت إلى نوع آخر من فنّ البناء. عنى الافتقار إلى تقنيات الزجاج في الشرق أنهم لم يخترعوا قطّ المرقب أو المجهر، على الرغم من تقدمهم التقني، ولم يتمكنوا من الوصول إلى أيّ منهما إلى أن قدّمتهما لهم البعثات التبشيرية الغربية. يبقى من الصعب معرفة ما إن كان افتقارهم لهاتين الأداتين البصريتين الأساسيتين هو ما منع الصينيين من استغلال تفوّقهم التكنولوجي وخلق ثورة علمية، كما حصل في الغرب في القرن السابع عشر. ولكن من المؤكد حتماً أنه من دون المرقب لن تتمكن من رؤية أن لكوكب لمشتري أقماراً تابعة، أو أن كوكب بلوتو موجود، أو أن تقوم بقياسات فلكية تعزز فهمنا المعاصر للكون. على نحو مشابه، من دون المجهر، من المستحيل رؤية خلايا كالبكتيريا ودراسة العالم المجهري بطريقة منظمة، وهو الأمر الجوهري لتطوير الأدوية والهندسة.
إذاً لماذا يمتلك الزجاج خاصية الشفافية العجيبة هذه؟ وكيف يمكن للضوء أن ينتقل من خلال هذه المادة الصلبة، بينما لا تسمح معظم المواد بذلك؟ في النهاية، يحتوي الزجاج على نفس الذرّات التي تصنع حفنة من الرمل. فلمَ يجب أن يكون أكمدَ في هيئته الرملية، وشفافاً وقابلاً لكسر الضوء في هيئته الزجاجية؟
الزجاج هو عبارة عن ذرّات من السيليكون والأوكسجين، وذرّات من أنواع أخرى قليلة. في داخل كل ذرّة نواة مركزية تحتوي على البروتونات والنيوترونات، ومحاطة بعدد متنوّع من الإلكترونات. إن حجم النواة والإلكترون الواحد ضئيل جداً بالمقارنة مع الحجم الكامل للذرة. فإن كانت الذرّة بحجم ملعب رياضي، تكون النواة بحجم حبّة بازلاء في مركزه، وتكون الالكترونات بحجم حبّات رمل على المقاعد المحيطة. لذلك في داخل كل ذرّة – وحتماً كل مادة – مساحات فارغة كبيرة، وهذا يوحي بأن هناك مساحة كافية للضوء ليمر من خلال الذرّات من دون الارتطام بالنواة أو بالإلكترونات. وهذا صحيح فعلاً. إذاً فالسؤال الحقيقي هنا هو ليس ”لماذا الزجاج شفافاً؟“، بل ”لم ليست كل المواد شفافة؟“.
لمتابعة الصورة التشبيهية، في داخل الملعب الذرّي، يُسمح للالكترونات بأن تكون في أجزاء محدّدة من المقاعد. كما لو أنه أزيلت معظم المقاعد وبقيت بعض الصفوف من المقاعد، وكل إلكترون مقيّد بالصف المخصّص له. إذا أراد إلكترون أن يرتفع إلى صف أفضل، فعليه أن يدفع المزيد – والعملة المتداولة هي الطاقة. عندما يمرّ الضوء من خلال الذرة، يقدّم لها دفعة من الطاقة، فإن كانت كمّية الطاقة المقدّمة كافية، يستخدم الإلكترون هذه الطاقة لينتقل إلى مقعد أفضل. وبهذه الطريقة يمتصّ الضوء، ويمنعه من المرور من خلال المادة.

ولكن هناك صعوبة مخبوءة. يجب أن تكون طاقة الضوء تتطابق تماماً مع تلك المطلوبة ليتمكن الإلكترون من الانتقال من مقعده إلى المقعد في الصف المتاح. أما إن كانت صغيرة جداً، أو لنقلها بطريقة أخرى، إن لم تكن هناك مقاعد فارغة في الصف الأعلى (أي إن الطاقة المطلوبة للوصول إليها كبيرة جداً)، عندها لن يتمكن الإلكترون من الارتفاع، ولن يتمّ امتصاص الضوء. إن فكرة عدم قدرة الإلكترون على التحرّك بين الصفوف (أو حالات الطاقة، كما تسمّى) إلّا في حال تطابق الطاقة تماماً، هي النظرية التي تسود العالم الذرّي، وتُدعى ميكانيكا الكمّ. إن الفجوات بين الصفوف تتوافق مع كمّيات معيّنة من الطاقة، أو الكموم. تنتظم هذه الكموم في الزجاج بطريقة تجعل التحرّك إلى صفّ متاح يتطلب طاقة أكبر من تلك الموجودة في الضوء المرئي. وبالتالي، لا يملك الضوء المرئي الطاقة الكافية ليسمح للإلكترون بالارتقاء بمقاعدها، وليس هناك خيار سوى المرور مباشرة من خلال الذرّات. لهذا السبب الزجاج شفاف. في المقابل، الضوء الذي يملك طاقة أعلى، مثل الأشعّة فوق البنفسجية، يمكن أن يرفع الإلكترون في الزجاج إلى أفضل المقاعد، ولذلك فإن الزجاج أكمد بالنسبة للأشعّة فوق البنفسجية. ولهذا لا تصاب بالسفع (سُمرة الشمس) من خلال الزجاج، لأن الأشعّة فوق البنفسجية لا تصل إليك أبداً. أما المواد الكمداء مثل الخشب والحجر فلديها الكثير من المقاعد الرخيصة المتاحة، لذلك يمكنها امتصاص الضوء العادي والأشعّة فوق البنفسجية بسهولة.
حتى وإن لم يمتصّ الزجاج الضوء، فإن المرور من داخل الذرّة لا يزال يؤثر في الضوء، ويقلل سرعته إلى أن يخرج من الجانب الآخر حيث يعود ليسرع مجدّداً. إذا ضرب الضوء الزجاج من زاوية، فستدخل أجزاء مختلفة من الضوء إلى الزجاج وتخرج منه بسرعات مختلفة، فتجبرها على الانتقال مؤقتاً بسرعات مختلفة بشكل طفيف. هذا الاختلاف اللحظي هو ما يسبّب انحراف الضوء أو انكساره، وهذا ما يجعل العدسة البصرية ممكنة، فالتحدّب في الزجاج يسبّب زوايا مختلفة للانكسار في نقاط مختلفة على سطح الزجاج. والتحكم بتحدّب الزجاج يعني قدرتنا على تكبير الصور، ما يتيح لنا صنع المَراقب والمجاهر، والنظارات.
ثم إنه، بشكل أساسي ربما، يحوّل الضوء إلى مادّة للاختبار بحد ذاته. لا بدّ من أن صانعي الزجاج عبر التاريخ لاحظوا أن الزجاج يصنع أقواس قزح صغيرة على الجدران عندما تضربها أشعّة الشمس في زوايا معيّنة، ولكن لم يتمكن أحد من تفسير السبب، سوى شرح ما هو واضح تماماً، وهو أن الألوان كانت تتولد داخل الزجاج بطريقة ما. إلى أن أدرك إسحق نيوتن في عام ???? أن ما كان واضحاً تماماً كان خطأ تماماً وتوصّل إلى التفسير الصحيح.
كانت لحظة الإبداع عند نيوتن هي عند ملاحظة أن الموشور الزجاجي لم يحوّل الضوء ”الأبيض“ إلى مزيج من الألوان فحسب، بل يمكنه أيضاً عكس العملية. ومن هنا استنتج أن كل الألوان التي تنشأ من خلال قطعة زجاج كانت موجودة في الضوء من البداية. لقد انتقلت من الشمس كشعاع من الضوء المختلط، لتتجزأ إلى الألوان المكونة لها عندما تضرب الزجاج. والأمر نفسه يحدث إذا ضربت قطرة ماء أيضاً، بما أنها شفافة هي الأخرى. بضربة واحدة، استطاع نيوتن تفسير الخواص الرئيسية لقوس قزح لأول مرة في التاريخ.
أظهر التفسير المرضي لظاهرة مناخية باستخدام التجارب المخبرية قدرة المنطق العلمي، كما أظهر دور الزجاج كمشارك مخبري في كشف خفايا العالم. لم يكن هذا الدور مقتصراً على البصريات. كذلك تحوّلت الكيمياء بفعل الزجاج ربما أكثر من أيّ فرع معرفي آخر. كل ما عليك فعله هو الذهاب إلى أيّ مختبر كيميائي لترى أن شفافية وخمول هذه المادة يجعلانها مثالية لخلط المواد الكيميائية ومراقبة تفاعلاتها. قبل ولادة أنبوب الاختبار الزجاجي، كانت التفاعلات الكيميائية تجري داخل آنية كمداء، فكان من الصعب رؤية ما يحدث. أما بوجود الزجاج، وخاصة بوجود نوع زجاج جديد يُدعى البيركس المحصّن من الصدمة الحرارية، فاستمرّت الكيمياء كفرع معرفي منهجي.
البيركس هو زجاج مضاف إلى عناصره أكسيد البورون، وهو جزيء آخر، يجد من الصعوبة تشكيل البلورات، كأكسيد السيليكون. والأهم من ذلك، كونه مادّة مضافة يعطّل نزعة الزجاج للتمدد عند التسخين أو التقلص عند التبريد. عندما تتعرّض أجزاء مختلفة من الزجاج لدرجات حرارة مختلفة، تتقلص وتتمدّد بمعدلات مختلفة، يتراكم الضغط داخل المادة بينما تنضغط أجزاء الزجاج المختلفة بعضها فوق بعض. تسبّب هذه الضغوط شقوقاً تكبر حتى تحطم الزجاج في النهاية. إذا حصل هذا في وعاء يحتوي على حمض الكبريتيك، فقد يسبّب هذا الإخفاق التشوّه أو الموت. ولكن اكتشاف زجاج البوروسيليكات (البيركس هو الاسم التجاري) وضع نهاية للتمدّد الحراري والضغوط المرتبطة به، وجعل الكيميائيين أحراراً في تسخين وتبريد تجاربهم كما يشاؤون، ليركزوا على الكيمياء لا على الخطورة المحتملة بسبب الصدمات الحرارية.
كذلك تمكن الكيميائيون من ثني الأنابيب الزجاجية في المختبر باستخدام موقد لحام، وصنع معدات كيميائية معقدة مثل أوعية الاستقطار ومستوعب مانع لتسرّب الغاز بطريقة أسهل بكثير. فأصبح من الممكن جمع الغاز والتحكم بالسوائل، وأتاحت لهم التفاعلات الكيميائية فعل ما يشاؤون. وباتت المعدات الزجاجية الحصان العامل في عالم الكيميائي – إلى درجة أن كل مختبر كيميائي محترف يحتوي على منفاخ زجاجي. كم من جوائز نوبل جعلتها هذه المادّة ممكنة؟ وكم من الاختراعات العصرية بدأت حياتها داخل أنبوب اختبار؟
يبقى سؤال ”هل العلاقة بين تقنية الزجاج والثورة العلمية في القرن السابع عشر هي علاقة سبب ومسبّب عادية؟“ سؤالاً مفتوحاً، حيث بدا من المرجّح أن الزجاج كان شرطاً ضرورياً أكثر من أن يكون سبباً للثورة. على أيّ حال، لا شك في أن الزجاج أغفِل على نحو كبير في الشرق لألف سنة. وخلال هذا الوقت، أحدث الزجاج ثورة في واحدة من أكثر عادات أوروباً تقديراً.
في الوقت الذي استخدم فيه الأثرياء الزجاج لشرب النبيذ لمئات السنين، حتى القرن التاسع عشر كانت معظم أنواع الجعة تُشرب في أوعية كمداء مثل أكواب الخزف أو القصدير أو الخشب. بما أن معظم الناس لم يكونوا قادرين على رؤية لون السائل الذي يشربونه، نفترض أنه لم يهمّ كثيراً شكل الجعة، بل طعمها. في الغالب، كانت مشروبات قاتمة بلون بنّي داكن. لاحقاً في عام ???? في بوهيميا، إحدى مقاطعات جمهورية التشيك الحالية، طُوّرت طريقة لإنتاج الزجاج إنتاجاً شاملاً، وأصبح رخيصاً بما يكفي لتقديم الجعة للجميع بكؤوس زجاجية. تمكن الناس نتيجة ذلك من رؤية شكل الجعة التي يشربونها، وفي معظم الأحيان لم يعجبهم ما رأوا: ما كان يُسمّى مشروبات التخمّر العلوي كانت تتنوّع في طعمها وفي لونها وصفائها على حدّ سواء. بعد عشر سنوات، قُدّم نوع جديد من الجعة في بلزن باستخدام تخمير سفلي للخميرة. كان صافياً وذهبياً ولونه فاتح أكثر، وكان يصدر فقاقيع مثل الشمبانيا – إنها جعة الليجر. كانت هذه جعة تُشرب بالعين وبالفم معاً، واستمرّت مشروبات الليجر الذهبية هذه بهذا العرف منذ ذلك الحين، مصمَّمة لتُقدَّم في كأس زجاجية. للمفارقة، هذا القدر من الليجر يُشرب من علبة معدنية كمداء، بمعنى أن الجعة الوحيدة التي يمكن تمييزها بشكل فريد من شكلها البصري هي رمز الكمد، جعة تقدَّم على طريقة ما قبل الزجاج، إنها جعة غينيس.
كان للتحوّل إلى تقديم الجعة في الكؤوس الزجاجية تأثير جانبي آخر غير متوقع. بحسب حكومة المملكة المتحدة، يُهاجَم أكثر من خمسة آلاف شخص بالكؤوس والزجاجات سنوياً، ما يكلف الخدمات الصحّية أكثر من بليوني جنيه استرليني لترميم المصابين جراحياً. على الرغم من تجربة مواد بلاستيكية بديلة لتقديم الجعة في الحانات، وكانت مواد شفافة وقاسية، لم تلق استحساناً. فشرب الجعة من كأس بلاستيكية يختلف تماماً عن متعة شربه من كأس زجاجية. وذلك ليس فقط لأن البلاستيك يعطي طعماً مختلفاً، ولكنه يقلل الناقلية الحرارية، وهي خاصية تجعله أكثر دفئاً من الزجاج، فيقلل متعة شرب جعة باردة كالثلج. كما أن البلاستيك أكثر ليناً من الزجاج، فسرعان ما تصبح كؤوس الجعة البلاستيكية باهتة ومخدوشة وكمداء، ما يغطي على صفاء الجعة كما يؤثر على إدراكنا لنظافة الكأس. من أفضل محاسن الزجاج أن مظهره اللامع يجعله يبدو نظيفاً حتى وإن لم يكن كذلك، وهو خداع جماعي نتقبّله كلنا لكي نتحاشى التفكير مليّاً في استخدام نفس الكأس التي كانت في فم شخص غريب قبل ساعة ربما. أصبح الآن صنع بلاستيك قاسٍ بما يكفي لتحمّل الخدوش هو الهدف الأساس لعلماء المادّة. إن اكتشافاً كهذا يمكن استخدامه في صنع نوافذ أخف للطائرات والقطارات والسيارات، وشاشات أخف لأجهزة الهواتف النقالة، ولكن يبدو حتى الآن أمراً بعيد المنال. في هذه الأثناء، وجدنا حلاً آخر للمشكلة: عوضاً عن استبدال الزجاج، لنجعله أكثر أماناً.
يسمّى هذا النوع من الزجاج بالزجاج المقسّى وقد اختُرع في صناعة السيارات بهدف تقليل الإصابات الناجمة عن أجزاء الزجاج في حوادث السيارات. يرجع الأصل العلمي للزجاج المقسّى إلى ظاهرة مشهورة في أربعينيات القرن السادس عشر تُعرف بدموع الأمير روبرت (Prince Rupert’s drops). وهي قطع زجاجية على شكل دموع يمكنها تحمّل ضغط عالٍ عند نهايتها المكوّرة، ولكنها تنفجر إذا أصيبت بأدنى إصابة عند ذيلها. من السهل جداً صنع دموع الأمير روبرت: كل ما عليك فعله هو أن تسقط قطعة صغير من الزجاج المصهور في الماء. إن التبريد السريع والعالي للطبقة الخارجية للقطرة يضع الطبقات السطحية للزجاج في حالة ضغط ميكانيكي. فيصبح كل الزجاج يتدافع بين نفسه، وبالتالي يصبح من الصعب تكوّن الشقوق بما أن شدة الضغط دائماً تدفع أطراف هذه الشقوق بعضها إلى بعض مجدّداً، ولهذا تأثير تقسية الطبقة الخارجية للزجاج لدرجة تصبح فيها قطرة الزجاج قادرة على تحمّل ضربة مطرقة بنحو لا يُصدَّق.
على أيّ حال، للمحافظة على شدّة الضغط هذه على سطحها، تتطلب قوانين الفيزياء إجهاد ”شد“ معادل ومعاكس في داخلها. نتيجة لذلك، تصبح الذرّات في وسط القطرة في حالة توتّر عالٍ: كلها تتباعد بعضها عن بعض. وبالتالي تصبح مثل انفجار صغير ينتظر أن ينطلق. إذا اختلّ توازن ضغط السطح ولو بنسبة طفيفة جداً، الذي يمكن تحقيقه بصنع ثلم صغير في ذيل القطرة، تنطلق سلسلة تفاعلات عبر المادة بكاملها لأن جميع الذرّات المتوترة تنتر إلى مكانها – وتنفجر المادة إلى أجزاء دقيقة لا تُحصى. ما تزال هذا الأجزاء حادة كفاية لتجرح، ولكنها صغيرة جداً لئلا تسبّب أذى جسيماً. كانت فكرة جعل الزجاج الأمامي للسيارة يتصرّف على هذا النحو تتوقف على إيجاد طريقة لتبريد السطح الخارجي للزجاج بسرعة تكفي لخلق حالة الضغط الموجودة في ”دموع الأمير روبرت“. لقد أنقذت المادة الناتجة عدداً لا يُحصى من الأرواح أثناء حوادث السيارات، حيث كانت تتفتّت، بنحو متميّز، إلى ملايين الأجزاء الدقيقة.
على مرّ السنين، صُنع الزجاج بطريقة أكثر أماناً. كان الزجاج الأمامي الذي ارتطمت به في إسبانيا مصنوعاً من أحدث أجيال الزجاج الآمن، يُدعى الزجاج الصفائحي. أعرف ذلك لأنه على الرغم من أنه تهشّم بنفس طريقة دموع الأمير روبرت، بقيت أجزاء الزجاج الأمامي متماسكة بعضها مع بعض بينما كنا نقطع رحلتنا فوق غطاء المحرّك إلى الإسفلت.
يحتوي هذا الجيل الجديد من الزجاج المقسّى على البلاستيك في وسطه، الذي يؤدّي دور الصمغ فيمسك قطع الزجاج بعضها مع بعض. هذه الطبقة المعروفة بالمصفحة هي أيضاً السرّ الكامن وراء الزجاج الواقي من الرصاص، وهو جوهرياً نفس التقنية ولكن تُدمج عدة طبقات من البلاستيك مع فواصل داخل الزجاج. عندما تضرب الرصاصة هذه المادة، تتهشم الطبقة الزجاجية الخارجية ممتصة القليل من طاقة الرصاصة ومثلمة رأسها. على الرصاصة دفع أجزاء الزجاج إلى طبقة البلاستيك التي تحتها، والتي تجري مثل دبس سميك، فتوزّع القوة على مساحة أكبر من نقطة الاصطدام. بمجرد أن تخترق الرصاصة هذه الطبقة حتى تواجه الرصاصة الثلمة طبقة أخرى من الزجاج، وتبدأ العملية من جديد.
كلما ازدادت طبقات الزجاج والبلاستيك، تمكّن الزجاج المضادّ للرصاص من امتصاص طاقة أكبر، فطبقة واحدة من المصفحة يمكنها إيقاف رصاصة مسدّس عيار ? ملم، وثلاث طبقات تمنع رصاصة ماغنوم ??، وثماني طبقات تمنع شخصاً يحمل كلاشنيكوف من قتلك. بالطبع بالكاد هناك مغزى من وجود نافذة بزجاج مضاد للرصاص إن لم تستطع الرؤية من خلالها، ولكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع طبقات المادة، بل في مطابقة معامل الانكسار عند الزجاج مع معامل الانكسار عند البلاستيك، حتى لا ينحرف الضوء كثيراً عندما ينتقل من طبقة إلى أخرى.
هذا الزجاج الآمن المصفح المعقد تقنياً مكلف جداً في الصنع، ولكنه ثمن كلنا مستعدون لدفعه لنستمتع بمنافعه. لا تفتأ هذه المادة تنبثق في كل مكان، لا فقط في السيارات بل في المدن الحديثة التي أصبحت تشبه القصور الزجاجية على نحو متزايد. في صيف عام ???? حصلت أعمال شغب في العديد من مراكز المدن في المملكة المتحدة. أثناء متابعتي للقطات مصوّرة على التلفاز لاحظت اختلافاً بينها وبين أعمال شغب مماثلة رأيتها في الماضي: في بعض الأحيان كان المشاغبون غير قادرين على كسر واجهات المتاجر برمي الآجر عليها لأن العديد من مؤسسات الأعمال ركّبت الزجاج المقسّى الآمن. ومن المرجّح ازدياد هذه النزعة. لا تستخدم المتاجر الزجاج لعرض بضائعها فقط بل لتحميها أيضاً. هذا الزجاج المصفح نفسه قُدّم كمادّة لكؤوس الجعة الآمنة، التي يمكنها أن تضع حدّاً لاستخدام الزجاج كسلاح في الحانات.
بات الآن من المستحيل تخيّل مدينة عصرية من دون زجاج. في جهة، نتوقع أن تحمينا مبانينا من عوامل المناخ: هذا هو السبب لوجودها في النهاية. ومع ذلك، عندما نواجه منزلاً أو مكان عمل محتملاً، من أول الأسئلة التي يسألها الناس: كم مدى الضوء الطبيعي فيه؟ فجاءت الأبنية الزجاجية التي ترتفع يوماً بعد يوم في المدن الحديثة كجواب هندسي لهذه الرغبات المتصارعة: أن تكون محميّاً من الريح والبرد والمطر، وأن تكون آمناً من اقتحام السارقين من جهة، ولكن من دون أن تعيش في ظلمة. إن الحياة التي نعيشها داخل الأماكن المغلقة، والتي تحتل معظم الوقت بالنسبة للكثير منا، أصبحت مضيئة وممتعة بوجود الزجاج . أصبحت النوافذ الزجاجية ترمز إلى أننا منفتحون على العمل، وأن عملنا سيكون شريفاً وواضحاً – فالمتجر من دون واجهة هو عملياً ليس متجراً على الإطلاق.
هذه المادة أساسية أيضاً بالطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. قد تكون قادراً على رؤية انعكاس صورتك على معدن صقيل أو في بركة، ولكن بالنسبة إلى معظمنا أصبحت المرايا الزجاجية الحكم الفصل والحميم لصورتنا الذاتية. حتى الصور الفوتوغرافية والفيديو تُنفّذ باستخدام عدسات زجاجية.
يقال إن ثمة القليل من الأماكن على سطح الأرض لم تُكتشف بعد، ولكن من يقول هذا إنما يشير إلى أماكن موجودة ضمن النطاق البشري. خذ عدسة مكبّرة إلى أيّ جزء من منزلك وستجد عالماً كاملاً لاستكشافه. أو استخدم مجهراً فعّالاً وستجد عالماً آخر، مليئاً بحديقة حيوانات من الكائنات الحيّة ذات طبيعة آسرة. على نحو بديل، خذ مرقباً وسينفتح أمامك كون من الاحتمالات. يبنى النمل مدناً بحسب مقياسه، كما تبني البكتيريا مدناً بحسب مقياسها. ليس ثمّة أمر مميّز حول مقياسنا وحول مدننا وحول حضارتنا سوى أننا نمتلك مادّة تمكننا من تجاوز نطاقنا – وهذه المادّة هي الزجاج.
رغم هذا، لا نكنّ الكثير من الحب لهذه المادة التي جعلت هذا ممكناً. لا يميل الناس إلى الإشادة بالزجاج كما يشيدون – لنقل – بالأرضيّات الخشبية أو محطة قطارات من الحديد الصبّ. نحن لا نمرّر أيدينا على آخر لوحة زجاج مزدوج ونتأمّل حسّية هذه المادّة. ربّما لأنها بأنقى صورة تبدو مادّة بلا خواصّ: ناعمة، شفافة، وباردة. هذه ليست صفات البشر. ينزع الناس إلى التواصل مع الزجاج الملوّن، المشكل، الرقيق، أو ببساطة المشوّه، ولكنه نادراً ما يكون فعالاً. ولكن أكثر أنواع الزجاج فعالية، الذي بنينا مدننا به، مسطح، سميك، وشفاف تماماً ولكنه الأقل استحساناً، والأقل شهرة، والأكثر تخفياً.
على الرغم من أهمّية الزجاج الكبيرة في تاريخنا وحياتنا، فشل في الفوز بتعاطفنا. عندما نكسر زجاج نافذة يصبح الأمر صادماً ومزعجاً ومؤلماً أيضاً كما في حالة حادث السيارة في إسبانيا، ولكننا لا نشعر بأننا حطمنا شيئاً ثميناً بجوهره. في هذه الحالات نكون قلقين على أنفسنا، أما بالنسبة للزجاج، فيمكن استبداله. ربما لأننا ننظر من خلاله أكثر من النظر إليه لذلك لم يصبح جزءاً من القوام الثمين في حياتها. الشيء الذي نقدّره لأجله هو نفسه الذي استبعده عن عاطفتنا: خموله وخفيته، لا فقط بصرياً، ولكن أيضاً ثقافياً.
?. غير القابل للكسر
أول مرة ذهبت فيها إلى صف الفنون أخبرنا المدرّس، رجل يدعى بارينغتون، أن كل شيء نراه مؤلف من الذرّات. كلّ شيء. وأنه إذا استطعنا إدراك ذلك، نكون قد خطونا أول خطوة لنكون فنّانين. اجتاح الصمت الصفّ. سألنا المعلم إن كان لدينا أيّ أسئلة، ولكننا كنا مصعوقين من الدهشة، نتساءل هل نحن في الصف الصحيح. تابع مقدمته عن الفن برفع قلمه الرصاص ورسم دائرة تامة على قطعة ورق كان قد ألصقها على الحائط. فعمّت حماسة عامّة وتنهدات راحة من التلاميذ المجتمعين. لعلنا كنا فعلاً في صف الفنون في النهاية.
”لقد نقلت الذرّات من قلم الرصاص إلى الورقة،“ قال المدرس. ثم ألقى كلمة عن عجائب الغرافيت كمادّة للتعبير الفني فقال: ”من المهمّ ملاحظة أنه رغم أن الألماس يُقدّر عبر الثقافات على أنه أسمى أشكال الكربون، هو في الواقع عاجز عن التعبير العميق، وعلى عكس الغرافيت، الألماس لا يصنع فنّاً جيداً.“ يمكنني فقط أن أخمّن ما فكر فيه لاحقاً حيال الجمجمة الملبّسة بالألماس لداميان هيرست (Damien Hirst)، واسمها ”حبّاً بالله“ (For the Love of God)، والمقدر ثمنها بخمسين مليون جنيه استرليني.
ولكنه كان مصيباً تماماً في وصف العلاقة بين شكلي الكربون هذين، الألماس والغرافيت، بأنها تنافسية. فالمعركة بين الغرافيت الأسود التعبيري والمنفعي، وبين الألماس السامي، البارد، القاسي واللامع، ما تزال مستعرة منذ القدم. من ناحية التقدير الثقافي، لطالما كان الألماس هو الفائز، ولكن قد يتغيّر هذا. فالفهم الجديد لبنية الغرافيت الداخلية جعله مصدراً للعجب.
بعد ثلاثين سنة من تقديم مدرّس الفنون الغرافيت إليّ، التقيت البروفسور أندر جيم (Andre Geim)، أحد أهم خبراء الكربون، في مكتبه المضاء بالفلوريسنت في الدور الثالث من قسم الفيزياء في جامعة مانشستر. أتمنى لو أمكنني القول إنه، مثل بارينغتون، هو أيضاً استخدم الغرافيت فقط للتعبير عن نفسه، ولكن عندما فتح جاروره رأيت أنه كان مليئاَ بأقلام الحبر الجاف وأقلام السبورة البيضاء. قال أندر بلهجته الروسية الثقيلة: ”لا وجود لشيء اسمه دائرة تامّة يا مارك.“ تاركاً إيّاي في حيرة في ما إن كان فهم الهدف من قصتي. ثم اصطاد من جاروره علبة عرض جلدية حمراء وقال، ”ألق نظرة على هذا بينما أعد القهوة.“
كان في داخل العلبة قرص من الذهب الخالص بحجم قطعة بسكويت، مزيّن بصورة بارزة لرجل. عندما وزنت القرص الثقيل بيدي وجدت أنه معدني بشكل فاحش: فالذهب هو الكريما الكاملة الدسم في عالم المعادن. كنت مندهشاً من تدهور المادة. كان الرجل المصوّر هو ألفرد نوبل، وكان النقش على الميدالية يعلن للعالم بأسره أن فريق أندر جيم قد تلقى في عام ???? جائزة نوبل في الفيزياء، لعمله المبدع في الغرافين، نسخة ثنائية البعد عن الغرافيت وأعجوبة في عالم المواد. بينما كنت أنتظر عودة أندر مع القهوة، تأمّلت إجابته الغامضة. لعله كان يلمح إلى أنه رغم أن بحثه في الكربون طوال عشر سنوات كان دائرياً لم ينتهِ حيث بدأ.
الكربون هو ذرّة خفيفة تحتوي على ستّة بروتونات وعادة ستّة نيوترونات داخل نواتها. وفي بعض الأحيان تحتوي على ثمانية نيوترونات، ولكنها في هذا الشكل، الذي يُعرف بالكربون-??، تكون النواة غير مستقرة، ويتفكك العنصر بالتحلل الإشعاعي، لأن معدّل التحلل ثابت على مر الوقت، ولأن هذا الشكل من الكربون يشق طريقه إلى العديد من المواد، فقياس وجوده في المادة يسمح لنا بحساب عمر المادة. هذا المنهج العلمي، المعروف بالتأريخ بالكربون، ألقى الضوء أكثر من أي شيء آخر على ماضينا. العمر الحقيقي لستونهنج (Stonehenge)، وكفن تورينو (Turin Shroud)، ومخطوطات البحر الميت (Dead Sea Scrolls) كلها كشفت عن طريق هذا الشكل من الكربون.
لنضع الإشعاعية جانباً، تؤدّي النواة دوراً صغيراً في الكربون. بالنظر إلى جميع خواصها وسلوكها الأخرى، إن الإلكترونات الستة التي تحيط وتحمي النواة هي المهمة. اثنتان منها مغروستان في القلب الداخلي بالقرب من النواة وليس لهما أيّ دور في حياة الذرّة الكيميائية – بل يكون تفاعلها مع العناصر الأخرى. يبقى لدينا أربعة إلكترونات، تشكّل الطبقة الخارجية، وهي الإلكترونات النشطة. إنها هذه الإلكترونات الأربعة التي تصنع الفرق بين الغرافيت في قلم رصاص، وبين الماسة في خاتم خطوبة.
أبسط شيء يمكن أن تفعله ذرّة الكربون هي مشاركة كل من هذه الإلكترونات مع ذرّة كربون أخرى، فتصنع أربعة روابط كيميائية. وهذا يحل مشكلة الإلكترونات الأربع النشطة: فكل إلكترون يشترك مع إلكترون متوافق ينتمي إلى ذرّة كربون أخرى. فتنتج عن ذلك بنية بلورة صلبة إلى حد بعيد. إنها الألماس.

تقع أكبر ماسة اكتُشفت في درب التبّانة ضمن برج كوكبة الثعبان، حيث تدور في فلك نجم يُسمّى PSR J????-????. إنها كوكب كامل أكبر من كوكب الأرض بخمسة أضعاف. والألماس على كوكب الأرض ضئيل بالمقارنة. أكبر ماسة وُجدت حتى الآن بحجم كرة القدم. ونُقّبت من منجم كالينان (Cullinan) في جمهورية جنوب أفريقيا. في النتيجة قُدّمت للملك إدوارد السابع في عام ???? في عيد ميلاده وأصبحت الآن جزءاً من مجوهرات تاج الملكية البريطانية.
تكوّنت هذه الماسة تحت سطح الأرض في عمق يقارب ثلاثمئة كيلومتر حيث، على مدار بلايين السنين، حوّلت درجات الحرارة العالية والضغط صخرة كربونية كبيرة نوعاً ما إلى ماسة ضخمة. من المرجح بعدئذ أنها صعدت إلى سطح الأرض بفعل ثوران بركاني، حيث بقيت خاملة وهادئة لملايين السنين إلى أن عُثر عليها على عمق ميل من سطح الأرض.
في صغري كنت أذهب على المتاحف رغماً عن أنفي، في مناسبات وطنية بين هذه وتلك، ومن دون استثناء كنت أشعر بالملل فيها جميعها. حاولت أن أفعل ما يفعله الراشدون وأن أمشي بصمت متفكّر أو أن أستغرق في أفكاري أمام لوحة أو منحوتة، ولكن ذلك لم ينجح معي. لم أتمكن من الوصول إلى شيء مهما حاولت الاستبطان. ولكن كان الأمر مختلفاً تماماً عندما ذهبنا لزيارة مجوهرات التاج. كنت دائخاً منذ اللحظة التي وطئت فيها قدمي إلى الداخل. كان ذلك كهف علاء الدين الحقيقي. بدت المجوهرات والذهب كأنها تتحدّث بلغة جوهرية معي، أكثر جوهرية من الفن، وأكثر بدائية. اعتراني شعور يشبه الإخلاص الروحي. بالنظر إلى الوراء، أعتقد أن تلك التجربة لم تكن تمتعاً بالثراء بل كانت ردة فعلي لتعرّضي لأول مرة لصورة خالصة للمادية. كانت هناك تشكيلة فريق ضخمة من الناس المتجمعين أمام نجمة أفريقيا العظيمة (كما سُمّيت أكبر جوهرة نُحتت من ماسة كالينان). كانت لمحة واحدة لهذه الماسة كفيلة بأن لا أنساها أبداً. حتى من موقع مشاهدتي من تحت إبط رجل ضخم يرتدي قميص حطاب رطباً ووراء امرأة هندية. كان وجود السيدة الهندية ملائماً. هذا ما اكتشفته لاحقاً من موسوعة والدي، بما أن الهند كانت المصدر الوحيد للألماس حتى منتصف القرن الثامن عشر، حيث عُثر عليه في بقاع أخرى من العالم، وعلى نحو ملحوظ في جنوب أفريقيا.
كلّ ماسة هي في الواقع بلّورة واحدة. في الماسة العاديّة يوجد حوالى مليون بليون بليون ذرّة (?.???.???.???.???.???.???.???.???)، وكلها منتظمة ومتجمّعة بشكل متناسق ضمن هذه البنية الهرمية. وهذه البينة هي التي تُعزى إليها خواصّها المميزة. في هذا التشكيل، تحبس الإلكترونات في حالة مستقرّة إلى أقصى حد، وهذا ما يمنحها قوتها الأسطورية. كما أنها شفافة ولكن مع تشتت بصري عالٍ استثنائي، ما يعني أنها تجزئ الضوء الذي يدخل من خلالها إلى الألوان المكونة له، ما يمنحها بريقاً لامعاً بألوان الطيف.
إن هذا التركيب من القساوة الشديدة والبريق البصري هو ما يجعل الألماس حجراً كريماً خالصاً. بسبب قساوته، لا يمكن لشيء أن يخدشه افتراضياً، لذلك يمكنه المحافظة على شكله المتعدّد الأسطح بنحو مثالي وعلى لمعانه العريق لا طوال عمر مرتديه بل طوال عمر حضارة كاملة – مهما كانت تقلبات الزمن، سواء ارتُدي في عاصفة رملية أو أثناء اجتياز الأدغال، أو أثناء القيام بعملية الغسيل. حتى منذ القدم عرف عن الألماس أنه أقسى مادة في العالم، حيث اشتُقت الكلمة (diamond) من الكلمة الإغريقية (adamas) بمعنى ”غير القابل للتغيير“ أو ”غير القابل للكسر“.
فرضت عملية نقل ماسة كالينان إلى بريطانيا تحدّياً أمنياً هائلاً على مالكيها، حيث جرى تناقل خبر اكتشاف أكبر ماسة خام في الصحف على نحو واسع. فكان يُخشى من المجرمين السيئي السمعة أمثال آدم وورث (Adam Worth)، الملهم لشخصية عدوّ شرلوك هولمز، موريارتي، الذي سبق أن تمكن من سرقة شحنة كاملة من الألماس، وكان يُنظر إليهم كتهديد حقيقي. في النهاية، وُضعت ونُفّذت خطة تليق بشرلوك هولمز. أرسِل حجرٌ طُعم على متن مركب بخاري تحت حراسة أمنية مشددة بينما أرسل الحجر الحقيقي بالبريد في علبة من الورق البنّي البسيط. نجحت الخدعة نجاحاً باهراً بسبب سمة أخرى متميّزة للألماس: لأنها مركبة من الكربون فقط، فهي بالغة الخفة. ماسة كالينان بكاملها كانت تزن نصف كيلوغرام ونيفاً.
لم يكن آدم وورث وحيداً، بينما كان الأثرياء يبحثون عن الألماس الكبير مقابل أيّ ثمن، وُلد نوع جديد من الحرف في هذه الفترة: لصوص المنازل. كانت خفّة الألماس وقيمته تعني أن سرقة ماسة، حتى وإن كانت بحجم البِلية، تمكّنك من التقاعد مدى العمر. وبمجرّد سرقتها، لا يمكن تتبع أثرها (بالتباين مع سرقة ميدالية أندر جيم الذهبية، التي كان يمكن أن تكسبني بضعة آلاف من الجنيهات الاسترلينية عند صهرها.) غُرس هذا النوع من سرقة المجوهرات الجديد في النفوس بفضل الألماس بحد ذاته: أنيق، راقٍ، ونقيّ. في أفلام سينمائية مثل ”تو كاتش إي ثيف“ (To Catch a Thief) وبينك بانثر (Pink Panther) يؤدّي الألماس دور أميرة مسجونة بوحشية. أعضاء مجتمع محترمون في النهار، ولصوص منازل في الليل، مثّل أدوار منقذيهم نجوم سينمائيون مثل كاري غرانت (Cary Grant) ودايفيد نيفن (Davie Niven). في هذه الأفلام، تصوَّر عملية سرقة الماسة كعمل نبيل. ولص الماسة رشيق ويتطلب فقط زيّاً ضيقاً أسود ومعرفة بالمنازل الفخمة والراقية وخزنات القفل التوافقي الموجودة خلف لوحة. في المقابل، صُوّرت سرقة نقود أو ذهب من بنك أو قطار كجريمة قذرة، عادة ما ينفذها رجال وحشيون جشعون.
على عكس الذهب، لم يكن الألماس جزءاً من النظام المالي العالمي على الإطلاق، على الرغم من قيمته المالية. إنه ليس أموالاً سائلة – وكذلك حرفياَ: لا يمكن صهره، وبالتالي، لا يمكن تسليعه. ليس لأحجار الألماس الكبيرة استخدام سوى لتثير الدهشة والإعجاب، والأهم من ذلك، لتأكيد المنزلة. قبل القرن العشرين، كان الأثرياء بحق هم القادرين على تحمل نفقتها. ولكن الثراء المتنامي عند الطبقات الأوروبية المتوسّطة هيّأ لمنقبي الألماس سوقاً مغرية جديدة. ولكن المشكلة التي واجهت شركة ديبيرز (DeBeers)، التي سيطرت في عام ???? على?? بالمئة من الإنتاج العالمي للألماس، هو كيف يجب البيع لهذه الشريحة الكبرى من السوق من دون إنقاص قيمة الأحجار أثناء ذلك، فتمكنوا من حلها عن طريق حملة تسويقية ماكرة: باختلاق عبارة ”الألماس إلى الأبد“، ابتكروا فكرة خواتم الخطوبة الألماسية كطريقة صادقة للتعبير عن الحب الأبدي. كل من أراد أن يقنع حبيبته بصدق مشاعره كان عليه أن يشتري واحداً، وكلما كان سعر الماسة باهظاً، كانت المشاعر المعبَّر عنها أصدق. انطلقت الحملة التسويقية بطريقة مذهلة قاذفة الألماس إلى ملايين المنازل ومتوّجة في فيلم جيمس بوند، مصحوبة بأغنية شيرلي باسي (Shirley Bassey) وجون باري (John Barry) التي قدّست الدور الاجتماعي الجديد للألماس كتجسيد للحب الرومانسي.
ولكن الألماس لا يدوم إلى الأبد، على الأقل على سطح هذا الكوكب. في الحقيقة، إن النسيب البنيوي للألماس، الغرافيت، هو الشكل الأكثر استقراراً، لذلك فإن كل الألماس، بما في ذلك نجمة أفريقيا العظيمة في برج لندن، يتحوّل ببطء إلى غرافيت في الواقع. هذه أخبار محبطة بالنسبة لمن يملك ماساً، رغم أنه يمكن طمأنتهم بأنها ستأخذ بلايين السنين قبل رؤية تشويه ملحوظ في الحجر لديهم.
تختلف بنية الغرافيت جذرياً عن الألماس، فهي تحتوي على سطوح من ذرّات الكربون مرتبطة بعضها ببعض بمنظومة سداسية. وكل سطح هو بنية مستقرة ومتينة جداً، والروابط بين ذرّات الكربون أقوى من تلك الموجودة في الألماس – الأمر الذي يدعو للدهشة، بالتسليم بأن الغرافيت ضعيف جداً لدرجة أنه يُستخدم كمادّة تزييت وكالرصاص في أقلام الرصاص.

لا يمكن تفسير اللغز سوى أنه داخل طبقات الغرافيت، كل ذرّة كربون لها ثلاث ذرّات مجاورة تتشارك معها إلكتروناتها الأربعة. بينما في الماسة، كل ذرّة كربون تتشارك إلكتروناتها الأربع مع أربع ذرّات. هذا يمنح كل طبقة غرافيت على حدة بنية إلكترونية مختلفة وترابطاً كيميائياً أقوى من الألماس. ولكن في المقابل، كل ذرّة في الغرافيت ليس لديها إلكترونات باقية لتبني روابط متينة بين طبقاتها. عوضاً عن ذلك، تتماسك هذه الطبقات بالصمغ الكلي في عالم المواد، وهي مجموعة قوى ضعيفة تتولد من خلال اهتزازات في المجال الإلكتروني للنواة، تسمّى قوى فان دير فالس (van der Waals forces). إنها ذات القوى التي تجعل اللبادة لاصقة. في النتيجة عندما يتعرّض الغرافيت لضغط، تتكسّر قوى فان دير فالس الضعيفة أولاً، ما يجعل الغرافيت ليّناً جداً. هكذا يعمل قلم الرصاص: عندما تضغط به على الورق أنت تكسر روابط فان دير فالس وتنزلق طبقات الغرافيت بعضها وراء بعض، مودعة نفسها على الورقة. لولا قوى فان دير فالس لكان الغرافيت أقوى من الألماس. وهذه كانت إحدى نقاط البداية لفريق عمل أندر جيم.
ألق نظرة على الغرافيت في قلم رصاص وستجد أنه رمادي داكن ولامع كالمعدن. لآلاف السنين خُلط بينه وبين معدن الرصاص الذي كان يشار إليه بـ”plumbago“ أو ”الرصاص الأسود“، من هنا جاءت كلمة رصاص للدلالة على الغرافيت المستخدم في قلم الرصاص. يمكن فهم الالتباس بما أن كليهما معدنان ليّنان (على الرغم من أننا نسمّي الغرافيت هذه الأيام بشبه معدن). أصبحت مناجم الرصاص الأسود أكثر قيمة مع ابتكار استخدامات جديدة للغرافيت، مثل اكتشاف أنها المادة المثالية لإطلاق قذائف المدافع وبنادق المسكيت القصيرة. في بريطانيا في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر أصبحت هذه المادّة باهظة الثمن حتى بلغ باللصوص أن يحفروا أنفاقاً سرّية إلى المناجم، أو العمل في المناجم واستخلاص الرصاص الأسود بأنفسهم. ومع ازدياد سعرها، كذلك ازدادت حركة التهريب والنشاط الإجرامي إلى أن أصدر البرلمان مرسوماً تشريعياً في عام ???? يفيد أن سرقة الغرافيت تُعد مخالفة يعاقب عليها القانون إما بالأعمال الشاقة لمدة سنة، أو بالنفي لسبع سنوات إلى أوستراليا. بحلول عام ???? أصبحت صناعة الغرافيت صناعة محترمة حتى فُرز حرّاس مسلحون عند مداخل مناجم الرصاص الأسود.
أما سبب أن الغرافيت معدني بينما الألماس ليس كذلك، فيعود إلى بنيته الذرّية السداسية، كما رأينا سابقاً، في بنية الألماسة، تتشارك الإلكترونات الأربع في كل ذرّة كربون مع إلكترونات متوافقة معها. بهذه الطريقة، تترابط جميع الذرّات في الشبكة برابط متين، فلا توجد إلكترونات ”حرّة“. لهذا السبب لا ينقل الألماس التيار الكهربائي، لعدم وجود إلكترونات حرّة لتنتقل داخل البنية ولنقل التيّار الكهربائي. في بنية الغرافيت، من جهة أخرى، لا تترابط الإلكترونات الخارجية مع نظيراتها في ذرّة مجاورة فقط بل تشكل بحراً من الإلكترونات داخل المادة. ينتج عن هذا العديد من التأثيرات، أحدها قدرة الغرافيت على نقل التيّار الكهربائي. بما أن الإلكترونات يمكنها التحرّك كالسائل، استخدم إيديسون الغرافيت لصنع فتيلة أول مصباح كهربائي لأن له نقطة ذوبان عالية، ما يجعله يتوهّج بحرارة بيضاء اللون دون أن ينصهر عندما يمرّ به تيّار كهربائي عالٍ. في الوقت ذاته، يتصرّف بحر الإلكترون مثل ترمبولين كهرطيسي للضوء، وانعكاس الضوء هذا هو ما يجعله يبدو لامعاً كالمعادن الأخرى. مع ذلك، لم يكن هذا التفسير الدقيق للخواص المعدنية للغرافيت هو ما منح فريق أندر جيم جائزة نوبل، بل كان نقطة البداية ليس إلا.
كل أشكال الحياة على الكرة الأرضية مبنية على الكربون، ورغم أن هذه الأنواع من الكربون تبدو مختلفة عن الغرافيت، من السهل تحويلها إلى بنية الغرافيت السداسية بالحرق: يتحوّل الخشب إلى فحم عند حرقه، والخبز يصبح خبزاً محمصاً محروقاً، ونحن أيضاً نصبح سوداً ومحروقين لدى تعرضنا للنار. ولكن ما من واحدة من هذه العمليات تنتج غرافيت خالصاً ولامعاً، لأن طبقات الكربون السداسية ليست متراصّة بنحو كثيف ولكن مختلطة من دون انتظام. ولكن هناك سلسلة متنوّعة من المواد السوداء القاتمة، وجميعها تشترك في شيء واحد: جميعها تحتوي على الكربون بشكله الأكثر استقراراً – الصفائح السداسية.
في القرن التاسع عشر، برزت هيمنة شكل آخر من الكربون القاتم. إنّه الفحم. لا تتكوّن الأسطح السداسية لذرّات الكربون في الفحم عن طريق التسخين، كما الحال مع قطعة خبز محمّص محروقة، ولكن من خلال عملية جيولوجية تعمل على مادّة النبات الميت على مدى ملايين السنين. يبدأ الفحم كشكل من أشكال الخث، ولكن مع الحرارة والضغط الذي يخضع له، وبالاعتماد على الظروف الدقيقة، يتحوّل إلى الليغنيت (نوع من أنواع الفحم الحجري)، ثم إلى الفحم القاري، ومن ثم إلى فحم الأنتراسيت (الفحم الصلب)، وأخيراً يتحول إلى الغرافيت. ما يحدث أثناء مروره بهذا التحول هو أنه، بالتدريج، يفقد مركباته المتطايرة، التي تحتوي على النتروجين والكبريت والأوكسجين الموجود في المادة النباتية الأصلية، فيصبح أثناء هذه العملية شكلاً أنقى من أشكال الكربون. عندما تبدأ الطبقات السداسية بالتكوّن، تكتسب المادة لمعة معدنية، وهذا يمكن ملاحظته بشكل واضح على نحو خاص في الوجه الأسود للمرآة لبعض أنواع الفحم مثل الأنتراسيت. مع ذلك، من النادر أن يكون الفحم شكلاً نقيّاً من أشكال الكربون، ولهذا السبب ينشر رائحة عند حرقه.
إن نوع الفحم الذي يُقدّر لمظهره الجمالي هو ذلك المشتق من أشجار الأروكاريا المتحجرة. إنه قاسٍ ويمكن تقطيعه وصقله بلمسة برّاقة، وله لمعان شديد السواد جميل. ويُدعى أحياناً بالجمر الأسود لأنه يمتلك خواصّ التكهرب بالاحتكاك تلك المشابهة للجمر: أي قدرته على توليد شحنة ساكنة وجعل الشعر يقف عند نهايته. يعرف بشكل شائع أكثر باسم الكهرمان. وقد ذاع رواجه في القرن التاسع عشر في بريطانيا مع الملكة فيكتوريا، التي حدّت على وفاة زوجها الأمير آلبرت بارتدائها ملابس سوداء ومجوهرات كهرمانية لبقيّة عمرها. أصبح هناك لاحقاً طلب شائع على الكهرمان من بقية الإمبراطورية البريطانية حتى أوقف سكان بلدة ويتبي في يوركشاير، البلدة التي كتب فيها لاحقاً برام ستوكير (Bram Stoker) تحفته القوطية دراكولا، بين عشيّة وضحاها، استخدام مخزون الفحم الضخم من الكهرمان للوقود وأصبحت البلدة مشهورة بإنتاج مجوهرات الرثاء والأسى.
كانت فكرة وجود شيء مشترك بين الألماس والغرافيت أو الفحم ضرباً من الخيال إلى أن بدأ الكيميائيون الأوائل بدراسة ما يحدث له عند تسخينه. قام أنطوان لافوازييه (Antoine Lavoisier) بذلك في عام ????، ووجد أن الألماس يحترق عندما يصبح متوهّجاً لدرجة الاحمرار من دون أن يترك أثراً، أيّ أثر على الإطلاق. بدا كما لو أنه يختفي في الهواء. كانت هذه التجربة مفاجئة تماماً. فقد ثبت أن الأحجار الكريمة الأخرى، مثل الياقوت والزفير، منيعة ضدّ التوهّج لدرجة الاحمرار أو لدرجة الابيضاض أيضاً: حيث إنها لم تحترق. ولكن الألماس، ملك الأحجار الكريمة، بدا أن عنده نقطة ضعف. ما فعله لافوازييه أطرب قلبي، فهكذا تكون أناقة التجارب. سخّن الماسة في خواء لعلها تصمد إلى درجات حرارة أعلى، لعدم وجود هواء ليتفاعل مع الماسة. كانت واحدة من تلك التجارب التي يسهل اقتراحها ولكن يصعب تطبيقها، وخاصة في القرن الثامن عشر، حيث لم يكن التفريغ الخوائي بحدّ ذاته سهل الوصول. ما حصل لاحقاً أدهش لافوازييه: ما زالت الماسة ضعيفة أمام اللهب، ولكن في هذه المرّة تحولت إلى غرافيت نقيّ – ما يبرهن أن هاتين المادتين في الحقيقة مصنوعتان من نفس المادة، وهي الكربون.
مسلحين بهذه المعلومة، بدأ لافوازييه والكثيرون غيره في أرجاء أوروبا بالبحث عن طريقة لعكس العملية، لتحويل الغرافيت إلى ألماس. كان الثراء الفاحش هو جائزة من يجد الطريقة، فبدأ السباق. ولكن المهمّة كانت هائلة. جميع المواد تفضّل أن تتحول من بنية أقل استقراراً إلى بنية أكثر استقراراً، ولأن بنية الألماس أقل استقراراً من بنية الغرافيت، يتطلب ذلك درجات حرارة عالية جداً وضغوطاً ”لإقناع“ الألماس بالتحوّل بالاتجاه المعاكس. هذه الظروف موجودة داخل القشرة الأرضية، ولكنها مع ذلك تأخذ بلايين السنين لتصنع بلورة ماسة كبيرة. محاكاة هذه الظروف داخل مختبر صعبة جداً. قدّمت حجّة بعد أخرى ثم سحبت. لم يصبح أحد من هؤلاء العلماء المعنيين فاحش الثراء بين عشيّة وضحاها، ما اعتبره البعض دليلاً على فشلهم. بينما ارتاب البعض الآخر في أن أولئك الذين توصّلوا إلى منقبة التحويل أبقوها سرّية وحققوا الثراء ببطء.
مهما كانت الحقيقة، ففي عام ???? عثر على دليل موثق على الوصول إلى مثل هذا التحويل. وازدهرت الآن صناعة الألماس الصناعي، ولكنه لم يتنافس جنباً إلى حنب مع صناعة مجوهرات الألماس الطبيعي. وهناك عدة أسباب لهذا. أولاً، رغم أن العملية الصناعية المتقنة في إنتاج ألماس صغير صناعي أقل كلفة بكثير من التنقيب عن الألماس الطبيعي، هو في الغالب ملوّن وغير نقيّ، لأن العملية المتسارعة لصنعه تجعل فيه عيوباً تلوّن الألماس. في الواقع، يُستخدم معظم هذا الألماس في مجال التنقيب، حيث يطرّزون المثقب وأدوات الحفر بها، ليس لأسباب جمالية، بل لتمكنهم من قصّ الغرانيت والصخور القاسية الأخرى. ثانياً، تستمد معظم قيمة الألماس من أصالته. من المهم عندما تتقدّم للخطوبة أن تكون الماسة التي تقدّمها قد تكوّنت في أعماق الأرض على مدار بلايين السنين، حتى وإن كانت مطابقة فيزيائياً لماسة اصطناعية. ثالثاً، إن كنت شخصاً عقلانياً جداً ولا تهتم بالتاريخ الطبيعي للأحجار الكريمة، لا يزال شراء ماسة اصطناعية أمراً مكلفاً للغاية لتزيّن محبوبتك. فهناك الكثير من البدائل البرّاقة التي ستتلألأ وتلمع ومع ذلك تخدع أيّ أحد إلّا خبير الألماس، مثل بلورات الزيركون المكعّب أو حتى الزجاج.
على أيّ حال، إن تفوّق الألماس على الغرافيت في صراعهما على السيادة تلقى ضربة أخرى عندما اكتشف أنه لم يعد أقسى مادة معروفة. في عام ????، اكتُشفت طريقة ثالثة لانتظام ذرّات الكربون لتنتج مادة أقسى من الألماس. تستند البنية إلى أسطح الغرافيت السداسية ولكنها معدلة لتكون ثلاثية الأبعاد. يُعتقد أن هذه البنية المسمّاة لونسداليت (lonsdaleite) أقسى بنسبة ?? بالمئة من الألماس، رغم أنها موجودة بكميات ضئيلة لدرجة يصعب فيها اختبارها. عُثر على العينة الأولى في نيزك وادي ديابلو (Canyon Diablo)، حيث حوّلت الحرارة الشديدة وضغط الاصطدام الغرافيت إلى لونسداليت.
لم يُصنع خاتم خطوبة من اللونسداليت على الإطلاق، ذلك لأن أنواع اصطدامات النيزك الذي يشكلها نادرة للغاية وتنتج عنها بلورات متناهية الصغر، ولكن اكتشاف هذه البنية الثالثة للكربون أدّى، تلقائياً ربما، إلى التساؤل هل ستوجد بنى كربونية أخرى، بالإضافة إلى بنية الألماس المكعّبة، والشكل المسدّس للفحم الحجري، والكهرمان، والفحم النباتي، والغرافيت، وبنية اللونسداليت السداسية في فراغ ثلاثي الأبعاد. سرعان ما انضمت بنية اصطناعية أخرى إلى القائمة، وذلك بفضل صناعة الطيران.
كانت الطائرات البدائية مصنوعة من الخشب لأنه كان خفيفاً وصلباً، في الواقع، إحدى أسرع طائرات الحرب العالمية الثانية كانت طائرة خشبية تسمى المسكيتو (the Mosquito). ولكن صنع هيكل الطائرة من الخشب أمر ينطوي على مشاكل، لأنه من الصعب تركيب هيكل خالي من العيوب. لذلك مع ازدياد نطاق طموح مهندسي الطيران، تحولوا إلى استخدام معدن خفيف يدعى الألمنيوم. ولكن حتى الألمنيوم ليس فائق الخفة، فكان يعتمل في عقل الكثير من المهندسين الأمل بوجود مادة أقوى وأخف من الألمنيوم بطريقة ما. ولكن لم يبد أنها موجودة، لذلك قرر مهندسون من مؤسسة الطيران الملكي في فارنبورو (Farnborough) في عام ???? اختراع هذه المادة.
صنعت ألياف الكربون، كما يدعونها، بغزل الغرافيت وتحويله إلى ليف. وعند لفّ صفائح هذا المادة بجعل اتجاه الألياف طولياً تمكنوا من الاستفادة من قوتها الكبيرة ومتانتها داخل الصفيحة. أما ضعفها، كما هي الحال في الغرافيت الخالص، فما زال يكمن في اعتماد بنية المادة على قوى فان دير فالس، ولكن تم التغلب على هذه المشكلة بتغليف الألياف بلدائن الإيبوكسي. وهكذا ولدت مادة جديدة: مركب ألياف الكربون.
رغم أن هذه المادة كانت ستطرد الألمنيوم من بناء الطائرة في نهاية الأمر (?? بالمئة من طائرة بوينغ الحديثة دريملاينر مصنوعة من مركب ألياف الكربون)، إلا أن ألياف الكربون استغرقت وقتاً طويلاً لتثبت جدارتها في صناعة الطيران. في المقابل، لاقت المادة استحساناً مباشراً من مصنعي الأدوات الرياضية. فقد غيرت أداء ألعاب المضرب بسرعة لدرجة أن أولئك الذين التزموا بالمواد التقليدية مثل الخشب والألمنيوم كانوا يخسرون بسرعة. أذكر بوضوح تلك اللحظة في حياتي عندما جاء صديقي جيمس في ملعب التنس حاملاً مضرب تنس مركباً بخاصية نقش مربعي أسود على أرضية سوداء من ألياف الكربون. قبل بدء المباراة، سمح لي بتجربة قوّته وخفته الفائقة بعدد ضربات تدريبية – ثم استبدله معي وهزمني شرّ هزيمة. ثمّة شيء مثير للأعصاب في اللعب مع خصم يملك مضرباً له نصف وزن وضعف قوة مضربك. قلت متعجّباً ”أنت كربون جادّاً!“4 [أنت لستَ جادّاً] ولكن ذلك لم يجدِ نفعاً.
4 هذا الجملة هي فكاهة من الكاتب تعتمد على اللعب بالألفاظ. الجملة الأصلية يجب أن تكون ”You cannot be serious!“ أي ”أنت لست جاداً!“ ولكنه استبدل كلمة ”cannot“ مع كلمة ”carbon“ لتشابه لفظ الكلمتين. (م)
سرعان ما أصبحت هذه المادة تغيّر أيّ، وكلّ، رياضة تعتمد على موادّ بوزن خفيف وقوة عالية – بمعنى آخر، تقريباً كل أنواع الرياضة. فقد تغيّر سباق الدرّاجات في تسعينيات القرن الماضي عندما بدأ المهندسون تصنيع دراجات بأشكال أكثر إيروديناميكية باستخدام بنى ألياف الكربون. ربما وصل تطوير هذه الدراجات إلى أوجه في المنافسة الرياضية لكريس بوردمان (Chris Boardman) وغراهام أوبري (Graeme Obree) ليحطما الرقم القياسي ”الساعة“: هذه المنافسة تسعى لتحديد أبعد نقطة يمكن أن يقطعها إنسان خلال ساعة بقوته البدنية. في تسعينيات القرن الماضي تمكن راكبا الدراجات من تحطيم الرقم القياسي العالمي، ثم تمكن كلّ منهما من تحطيم أرقام الآخر مراراً بمساعدة دراجات من ألياف الكربون الأكثر تعقيداً. في عام ????، قاد كريس بوردمان دراجته لمسافة ??.??? كيلومتراً في الساعة، ما أثار احتجاج الاتحاد الدولي للدراجات، فمنع استخدام هذه التصاميم الجديدة المعتمدة على ألياف الكربون. كان الاتحاد قلقاً من التغير الجذري في طبيعة هذه الرياضة في حال استخدام هذا النوع من الدراجات.
تبنّت الفورمولا وان الطريقة المعاكسة للإبداع المقدم من ألياف الكربون، مع التغيرات المستمرة في القوانين التي تدعو إلى إبداع أكثر في تصميم المواد. في الواقع، إن براعة التكنولوجيا أمر جوهري في هذه الرياضة، ويتحقق النجاح بالتقدم الهندسي ومهارة السائق على حد سواء. في الوقت نفسه، تؤدي ألياف الكربون دوراً حتى في رياضة الجري. فالمزيد من الرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة يستخدمون أعضاءً صناعية سفلية للساق من ألياف الكربون.
في عام ????، حاول الاتحاد الدولي لألعاب القوى منع هؤلاء اللاعبين من منافسة رياضيين كاملي الصحة على أساس أن هذه الأرجل الصناعية من ألياف الكربون تمنحهم ميزة غير عادلة. على أيّ حال، رفضت محكمة التحكيم الرياضية هذا القرار، وفي عام ???? تنافس الرياضي أوسكار بيستوريوس (Oscar Pistorius) كعضو ضمن منتخب فريق الأصحّاء لدولة جنوب أفريقيا في بطولة العالم لسباق التتابع ?×???، والذي فاز بالميدالية الفضية. إن ألياف الكربون معدّة لتصبح جزءاً مهماً في رياضة ألعاب القوى ما لم تتخذ اتحادات ألعاب القوى نفس منهج اتحاد الدراجات.
أوحى هذا النجاح العظيم لمركّب ألياف الكربون إلى العلماء تخيّل استخدامه على أعظم نطاق ممكن: هل كانت هذه المادة قوية بما يكفي لتحقيق حلم طويل الأمد، حلم بناء مصعد إلى الفضاء؟ مصعد الفضاء، المعروف بأسمائه المستعارة خطاف الفضاء، والسلم السماوي، والسكة المعلقة الكونية. سيكون هذا المصعد نقطة ربط على خط الاستواء مع قمر صناعي يدور في مدار ثابت فوقه مباشرة. إذا أمكن بناء مصعد فضائي، فسيصبح بالإمكان تعميم السفر إلى الفضاء بضربة واحدة، ما يتيح للناس والبضائع التنقل إلى الفضاء بسهولة وتقريباً بكلفة طاقة ضئيلة. طوّر هذه الفكرة المهندس الروسي يوري آرزوتانوف (Yuri Artsutanov) في عام ????، وكانت تقوم على بناء كابل بطول ستة وثلاثين ألف كيلومتر يربط بين القمر الصناعي وسفينة عائمة في المحيط عند خط الاستواء. تدل الدراسات على أن الفكرة معقولة ولكنها تحتاج إلى أن يُصنع الكابل من مادّة بمعدل شديد القوة بالنسبة لوزنها. السبب وراء إقحام الوزن في الموضوع هو، كما الحال مع أي بنية كابل، أنه يجب أن يكون قادراً بالدرجة الأولى على تحمّل وزنه هو من دون أن ينقصم. مع طول ستة وثلاثين ألف كيلومتر، أنت تحتاج إلى مادة قوية جداً لدرجة أن خيطاً واحداً منها يجب أن يكون قادراً على حمل فيل. في الواقع العلمي، تمكنت أفضل أنواع خيوط ألياف الكربون من رفع قطة فقط. ولكن السبب يعود إلى أنه مليء بالعيوب. توضح الحسابات النظرية أنه إذا تمت هندسة ليف كربوني نقيّ، فإن قوته ستكون أشدّ بكثير، بل ستتجاوز قوة الألماس. فبدأ البحث عن طريقة لصنع هذه المادة.
تم التوصّل إلى مفتاح لإيجاد الطريقة مع اكتشاف بنية كربونية رابعة في أبعد الأماكن احتمالية: لهب شمعة. في عام ????، اكتشف فريق البروفسور هاري كروتو (Harry Kroto) أن ذرّات الكربون في لهب الشمعة تقوم، بأعجوبة، بتجميع نفسها في مجموعات مؤلفة من ستين ذرّة تحديداً لتشكل جزيئات الكربون الفائقة. تبدو هذه الجزيئات ككرات قدم عملاقة وقد لقبت باسم ”باكيبول“ (Buckyballs) نسبة للمعماري باكمنستر فولر (Buckminster Fuller) الذي صمّم قباباً جيوديسية من البنية السداسية ذاتها. تلقى فريق كروتو جائزة نوبل في الكيمياء عام ???? لهذا الاكتشاف. وفتح بصيرة الجميع لفكرة أن العالم المجهري قد يحتوي على حديقة من بنى الكربون التي لم تُكتشف من قبل.

في فترة وجيزة، أصبح الكربون أحد المواضيع المثيرة في علم المواد، وسرعان ما ظهر نوع آخر من الكربون، كربون يستطيع صنع أنابيب بعرض بضعة نانوميترات. على الرغم من تعقيد هندستها الجزيئية، لهذه الأنابيب النانوية ميزة خاصة: يمكنها تجميع نفسها بنفسها. فهي لا تحتاج إلى مساعدة خارجية أو إلى معدات عالية التقنية حتى تكوّن هذه الأشكال المعقدة. بل كان باستطاعتها فعل ذلك بنفحة دخان شمعة. كانت تلك اللحظة تعادل اكتشاف البكتيريا المجهرية. فقد بدا العالم مكاناً أكثر تعقيداً مما كنا نتخيل. لم تكن الكائنات الحية فقط هي القادرة على تجميع نفسها في بنى معقدة، بل والعالم غير الحيّ أمكنه ذلك أيضاً. استحوذ على العالم هوس إنتاج ودراسة جزيئات المقياس النانوي، وغدت تكنولوجيا النانو طرازاً جديداً.

تعد الأنابيب النانوية الكربونية كرسم مصغر عن ألياف الكربون إلا أنها لا تملك روابط فان دير فالس ضعيفة، بل تبيّن أنها تملك أعلى معدّل قوّة بالنسبة لوزن أيّ مادّة على الكوكب، ما يعني أنها قويّة كفاية لبناء مصعد الفضاء. هل حلت المشكلة؟ حسناً، ليس تماماً. يبلغ طول الأنابيب النانوية الكربونية في الحدّ الأقصى بضع مئات من النانومترات، ولكن يجب أن يكون طولها بالأمتار لتكون ذات منفعة. في الوقت الحالي تعمل فرق بحث في تكنولوجيا النانو حول العالم على حلّ هذه المشكلة، ولكن فريق أندر جيم لم يكن واحداً منها.
طرح فريق أندر سؤالاً أكثر بساطة: إن كانت كل هذه الأشكال من الكربون مبنية على البنية السداسية للغرافيت، والغرافيت مليئاً بطبقات الكربون السداسية هذه، إذاً لماذا لم يكن الغرافيت مادة عجيبة أيضاً. الجواب: لأن الصفائح تنزلق الواحدة تلو الأخرى بسهولة كبيرة، لذلك فإن المادة ضعيفة جداً. إذاً لمَ لا تكون هناك صفيحة كربون سداسية واحدة؟ كيف ستكون هذه المادة؟
عندما عاد أندر جيم بالقهوة، كنت لا أزال أمسك جائزته النوبل الذهبية في يدي. شعرت بذنب غريب رغم أنه هو من ناولني إيّاها لألقي نظرة عليها. وضع القهوة وأخذ الميدالية من يدي، ووضعها مع كتلة من الغرافيت المنقب في مناجم الرصاص الأسود في كمبريا (Cumbria). قال إنه حصل على الغرافيت من المنجم مباشرة، الذي كان على طريقه من مكتبه في جامعة مانشستر، ثم بيّن لي كيف صنعت مجموعة البحث لديه صفيحة واحدة من الكربون السداسي.
أخذ قطعة من الشريط اللاصق وألصقها على كتلة الغرافيت. عندما أزالها، التصقت رقاقة ضئيلة من الغرافيت المعدني البراق بقطعة الشريط اللاصق. ثم أخذ قطعة أخرى من الشريط وألصقها على تلك الرقاقة الدقيقة، ثم قشرها. انقسمت الرقاقة الآن إلى جزأين. أدى القيام بهذا لأربع أو خمس مرات إلى خلق رقائق غرافيت أكثر ضآلة. أخيراً أعلن أنه صنع بعض الغرافيت بسماكة ذرّة واحدة. نظرت إلى قطعة الشريط اللاصق التي كان يمسكها. كانت تحتوي على بضع لطخات سوداء، ولئلا أقلل من قيمتها، بقيت أنظر باهتمام شديد.
قال مبتسماً: ”لا يمكنك رؤيته بالطبع. فهو شفاف في هذا المقياس.“ أومأت له بشكل مبالغ فيه بينما كان يقودني إلى الباب المجاور حيث المجهر الذي سيتيح لنا رؤية هذه الطبقات الذرية من الغرافيت.
لم يحصل فريق عمل أندر على جائزة نوبل لصنعهم طبقة وحيدة من الغرافيت. بل حصلوا عليها لإثباتهم أن هذه الطبقات المفردة من الغرافيت تتميّز بخواص استثنائية حتى بالنسبة لمعايير تكنولوجيا النانو – استثنائية لدرجة أنها استحقت اسمها الخاص كمادة جديدة: الغرافين.

بدايةً، الغرافين هو أرق وأقوى وأمتن مادة في العالم، كما أنه ينقل الحرارة أسرع من أيّ مادة معروفة أخرى، ويمكنه نقل كهرباء أكثر وأسرع وبأقل مقاومة من أيّ مادّة أخرى، ويتميّز بنفقية كلين (Klein tunneling)، وهو تأثير كمّي غريب يجعل الالكترونات في المادة قادرة على فتح نفق خلال الحواجز وكأنها لم تكن. كل هذا يعني أن لهذه المادة الإمكانية لتصبح محطة لتوليد الكهرباء، ومن الممكن أن تحلّ محلّ رقائق السيليكون في صلب جميع تجهيزات الحوسبة والاتصالات. إن رقتها القصوى وشفافيتها وقوتها وخواصها الإلكترونية تعني أنه قد ينتهي بها المطاف لتكون المادة المختارة لواجهات اللمس المستقبلية، ليس فقط شاشات اللمس المعتادين عليها ولكن ربما إدخال حساسية اللمس إلى أغراض جديدة تماماً وحتى مبانٍ أيضاً. ولكن أكثر ما يثير شهرتها هو أنها ثنائية البعد. هذا لا يعني أن ليس لها سماكة، بل يعني أنه لا يمكن جعلها أكثر سماكة أو رقة مع بقاء المادة ذاتها. هذا ما بيّنه فريق عمل أندر: أضف طبقة إضافية من الكربون إلى الغرافين وسيعود ليصبح غرافيت، في المقابل، أزل طبقة فلا يصبح للمادة أيّ وجود على الإطلاق.
على الرغم من أن أستاذي في الفنون، بارينغتون، لم يكن على دراية تامّة عندما زعم أن الغرافيت هو شكل كربون أكثر تفوّقاً من الألماس، كان مصيباً على كافة الأصعدة التقنيّة. كما كان مصيباً في أهمّية طبيعة الغرافيت الذرّية. أمّا الغرافين فهو كتلة البناء الرقيقة أوتوماتيكياً للغرافيت. إنها ما تودعه أحياناً على الورقة عندما تستخدم قلم رصاص. ويمكن استخدامها بشكل متفرّد كمادّة فن تعبيري. ولكنها أكثر من ذلك بكثير: ستصبح هذه المادة، ونسختها الملفوفة على شكل أنابيب نانوية، جزءاً مهماً في عالمنا في المستقبل، من أصغر نطاق إلى أكبره، من الإلكترونيات إلى السيّارات إلى الطائرات إلى الصواريخ وأيضاً – من يعلم؟ – إلى مصاعد الفضاء.
إذاً هل تفوّق الغرافيت أخيراً، بإنجابه الغرافين، على الألماس؟ هل هو الفائز غير المتوقع في هذه المنافسة التاريخية؟ ما زال من المبكر الحكم، ولكنني أشك في ذلك. رغم أنّ من المرجح أن يُدخل الغرافين عهداً جديداً من الهندسة، ومن المؤكد أن العلماء والمهندسين مغرمون بهذه المادة، قد لا يمنحه هذا مكانة مرموقة في العالم بأكمله. قد لا يكون الألماس أقوى وأقسى مادة بعد الآن، ونعلم أنه لن يدوم إلى الأبد، ولكنه ما زال يقدّم هذه الصفات لمعظم الناس. لا يزال الألماس الحجر الذي يربط العشاق في كل مكان. لعل الارتباط بين الألماس والحب الحقيقي يعود فضله إلى حملات العلاقات العامّة، ولكنه ليس أقل حقيقة بالنسبة لنا بعد الآن.
في المقابل، قد يكون الغرافين أكثر فعالية من الألماس، ولكنه لا يلمع كما أنه غير مرئي، ورقيق للغاية، وثنائي البعد – ليست هذه الصفات التي يود أيّ أحد أن يربط بينها وبين عشقه. باعتقادي، إلى أن تكتشف شركات العلاقات العامة الغرافين، ستبقى بنية الكربون البلورية المكعبة هي أفضل صديق للفتاة.
?. مكرّر
في يناير عام ????، كانت عائلة ميوداونيك تستعد للاحتفال بزواج والدي، بيتر ميوداونيك (Peter Miodownick) بخطيبته كاثلين. نُفّذت مخططات حفل الزواج، ودُعي الأصدقاء، وكانت التعليمات الدينية لمراسم زفاف هذا الرجل اليهودي بالمرأة الكاثوليكية تتقدّم، فقد ينتصر الحبّ الحرّ أو قد لا ينتصر، ولكن من المؤكد أن هدايا الزفاف للثنائي الشاب قد طُلبت، وكانت إحداها طقم شاي من الخزف الصيني العظمي.
تم توصيلها إلى منزل والديّ في صندوق خشبي من متجر هارودز. بعد أن أخرجت الفناجين وصحونها من فوق مفرش نشارة الخشب، غُسلت ووُضعت على طبق التنشيف في المطبخ. من هنا حصلوا على النظرة الأولى لمنزلهم: مطبخ بسيط ولكن كبير في ضواحي لندن. انزلق أحد فناجين الشاي من أعلى حوض الغسيل على الأرض، ولكنه ارتدّ عن مشمع الأرضية بدل أن يتحطم لدهشة الثنائي السعيد الذي ابتسم ابتسامة عريضة من الذهول. فقررا أنه بشارة خير، وهذا ما تبيّن لاحقاً: لقد خدمت الفناجين طيلة فترة زواجهما. بعد خمسين سنة، بقي الفنجان الموجود في صورتي على سطح منزلي هو الناجي الوحيد.
في تلك الأيام، كان على فناجين الشاي الخزفية أن تتشارك خزانة المطبخ مع بضعة أكواب خشبية كانت قد أحضرتها والدتي معها من إيرلندا. لا بدّ من أن ذلك ملأها رعباً. للخشب جاذبية قروية بالطبع، إنها مادة جميلة وطبيعية، وبساطتها العضوية تستهوي أولئك الذين يتوقون إلى حياة أكثر ريفية. ولكن يصعب الدفاع عنه كمادّة للشرب بها. ففيها طعم قوي كما تمتصّ نكهات أخرى داخل مسامّها بسهولة، ما يفسد طعم الشرب التالي.
كذلك كانت أكواب المعدن تقرقع في المطبخ في ذلك الوقت. يبدو أنها كانت جزءاً من مجموعة أدوات التخييم، وقد أحضِرت إلى المطبخ لأن حديثي الزواج كان لديهم بضعة أُخَر. ولكن لم يكن المعدن أفضل بكثير من الخشب لشرب الشاي. نحن نضع أدوات المائدة المعدنية في أفواهنا طوال الوقت، ونفضّلها على موادّ أخرى بسبب صلابتها وقوّتها التي تسمح للأشواك والملاعق بأن تكون رفيعة وملساء دون أن تلتوي أو تنكسر. بنحو حاسم، إن لمعانها وسلاستها يجعلان من السهل اكتشاف إن نُظّفت تماماً منذ أن كانت في فم أحدهم آخر مرة. ولكن هذه المادة تنقل الحرارة أفضل من أن تُستخدم للمشروبات الساخنة. عدا عن أن صوتها العاصف والصاخب لا يلائم نكهات الشاي الراقية.
انضمّت بعض الأكواب البلاستيكية إلى الأسرة عندما وُلدت أنا وإخوتي، كانت ملوّنة ومتينة مثل معظم الأغراض المصمّمة للأطفال، فكانت تلائم المشروبات التي تحتويها، والتي كانت أكثر حلاوة وفاكهية من الشاي. في الوقت نفسه، إن الإحساس بالبلاستيك الرقيق هو إحساس دافئ ومريح ومطمئن. إنها تبدو مرحة ولطيفة، هذه المادة تعكس مرحلة الطفولة. كان من الملائم لو أن أكواب العصير البلاستيكية تنمو لتصبح فناجين شاي خزفية، فتغدو أقوى وأصلب وأكثر تميّزاً. ولكن من المؤسف أن ما يحصل لأكواب البلاستيك أنها تموت شابّة، وتتحلل بنيتها بفعل الأشعّة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس. كل نزهة تسلب عدّة سنوات من عمر الكأس البلاستيكية. أخيراً تصفرّ وتصبح ضعيفة لتنهار في النهاية.
في المقابل، فإن الخزف منيع ضدّ التحلل فوق البنفسجي أو الهجوم الكيميائي. وهو يقاوم الخدش أفضل من أيّ مادة أخرى أيضاً. كما أن معظم اللطخات مثل الزيوت والشحوم ترتدّ عنها. رغم أن العفص وبعض الجزيئات الأخرى تلتصق به، الحمض والكلورور كفيلان بتنظيفه بسهولة معقولة. في النتيجة، يحافظ الخزف على مظهره لمدة طويلة جداً. في الواقع، لولا التشقق في فنجاني، الذي يمتدّ من الشفة إلى المقبض، ولولا أنه أصبح ملطّخاً بالعفص، لكان سيبدو، إلى حد بعيد، كما كان قبل خمسين سنة. ثمة القليل من الأشياء التي يمكنك قول هذا عنها. قد تبدو الأكواب الورقية قابلة للاستمرار لأن الورق قابل لإعادة التدوير، ولكن الغلاف الشمعي المطلوب لجعلها ضد الماء يجعل ذلك مستحيلاً تقريباً. ولكن للديمومة الحقيقية، علينا أن نتطلع إلى الخزف.
لنضع الجانب العملي جانباً، ثمّة عار في تقديم الشاي بالورق أو البلاستيك أو تقريباً أيّ مادّة غير الخزف. فشرب الشاي أكثر عمقاً من مجرّد ابتلاع سائل: إنه طقس اجتماعي، واحتفال بمثاليات معيّنة. والخزف جزء أساسي من هذه الطقوس – وبالتالي جزء أساسي من المنزل المتحضر.
تعود قصة وصول الخزف إلى مكانته المرموقة هذه إلى زمن بعيد جداً، قبل الورق، وقبل البلاستيك، وقبل الزجاج، وقبل المعدن. بدأت القصة عندما بدأ البشر بوضع الطين من مجرى النهر في النار عندما أدركوا أن بإمكانهم تحويله. لم يجفّ فحسب. لا، بل حدث شيء آخر حوّل الطين الطريّ الليّن إلى مادّة جديدة قاسية تتمتع بجميع خواصّ الحجر تقريباً. كانت قاسية وصلبة ويمكن تشكيلها إلى أوعية جمع وتخزين للحبوب والماء. لولا هذه الأوعية لكانت الزراعة والاستيطان مستحيلين، ولما انطلقت الحضارة كما نعرفها اليوم. بعد عشرة آلاف سنة أخرى تقريباً، عُرفت هذه الأوعية بالقدور وهذا الجنس البدائي من الخزف بالفخاريات.
ولكن لم يكن هذا الخزف البدائي كالحجر حقاً. بل كان هشّاً، سهل الكسر، ومغبرّاً ومسامياً (لأن قشرته كانت مليئة بالثقوب في النطاق المجهري). يُعد التيراكوتا (الطين النضيج) والأواني الفخارية من الأنسباء العصريين لهذا الخزف البدائي. إنها بسيطة الصنع بشكل جميل، ولكن ما زالت ضعيفة جداً. لمرّات لا تُحصى، كنت أضع واحداً من أطباق التيراكوتا هذه، التي عادة ما اشتُريت في العطلات، داخل الفرن محتوياً على الكسرولة ليخرج منه بعد ساعة متشققاً ويسرّب ما بداخله. من بين كل الأماكن، يجب أن يكون الفرن مكاناً مريحاً للخزف، لأنه المكان الذي تكوّن فيه في البداية، ولكن التيراكوتا يفشل مرة بعد أخرى. والسبب هو أن السائل يتسرّب في مسامّه ثم يتمدّد إلى بخار عند تسخينه، فتتحوّل المسامّ إلى تشققات دقيقة متفجرة ترتبط أخيراً بتشققات دقيقة أخرى مثل روافد النهر لينفجر أخيراً على سطح طبق التيراكوتا، لافظاً نهاية الطبق، وكذلك الوجبة المحتواة داخله في أغلب الأوقات.
على عكس المعادن والبلاستيك والزجاج، لا يمكن صهر الخزف أو صبّه. بالأحرى، لا تتوفر لدينا المواد القادرة على تحمّل درجات الحرارة المطلوبة لاحتواء مثل هذا السائل. يُصنع الخزف من المواد ذاتها المكوّنة للجبال والصخور والحجارة التي تكون في صيغتها السائلة حمم الأرض وصهارتها. ولكن حتى إن تمّ جمع الحمم وصبّها في قالب، فلن تشكل خزفاً قوياً – حتماً ليس الخزف الذي ستصنع منه كوباً. ما يشكله بالطبع هو الصخر البركاني المليء بالثقوب والشوائب. يستغرق الأمر ملايين السنين من الحرارة والضغط في عمق الأرض لتتحوّل هذه المادة إلى ما يُسمّى الصخور والحجارة النارية التي تكوّن الجبال. لهذه الأسباب، تعتمد محاولات صنع بدائل اصطناعية من الصخور إما التفاعلات الكيميائية، كما تعمل طريقة الإسمنت والخرسانة، أو بتسخين الطين على سطح، لا بهدف صهره، بل للاستفادة من خواص مميّزة جداً للبلورات، كما هي الحال في الفخار.
الصلصال هو مزيج من المعادن المسحوقة الدقيقة والماء. وكحال الرمل، هذه المساحيق المعدنية هي نتيجة نشاط حت الرياح والماء على الصخور، وهي في الحقيقة بلورات دقيقة. يتكوّن الصلصال في الغالب في مجاري الأنهار، حيث تنجرف المعادن المتحاتّة من الجبال لتستقرّ في مجرى النهر وتشكل عجينة طريّة وليّنة. تؤدّي خلطات المعادن المختلفة إلى أنواع مختلفة من الصلصال. في حال التيراكوتا، تتكوّن البلورات عادة من الكوارتز والألومينا والصدأ، ما يضفي على التيراكوتا لونه الأحمر.
عندما يُسخّن، أول ما يحدث هو أن الماء يتبخّر، تاركاً البلورات الدقيقة مجموعة في قلعة رملية فيها الكثير من الثقوب حيث كان الماء سابقاً. ولكن شيئاً مميزاً يحدث عند درجات حرارة عالية: ستقفز ذرّة من إحدى البلورات إلى بلورة مجاورة ثم تقفز مجدداً. ولكن على أيّ حال، لا تعود الذرّات في بعض البلورات إلى موقعها الأصلي، وبالتدريج تنشأ جسور من الذرّات بين البلورات. في النتيجة، تُبنى البلايين من الجسور، وتصبح مجموعة البلورات عبارة عن كتلة متواصلة واحدة.
السبب لقيام الذرّات بهذا الأمر هو السبب نفسه لتفاعل أيّ مادتين كيميائيتين: في داخل كل بلورة، تكون جميع إلكترونات الذرّات جزءاً من ترابط كيميائي مستقرّ مع جيرانها – كما لو أنها ”محتلة“ – ولكن عند أطراف وسطح البلورة ثمّة إلكترونات ”غير محتلة“، إلكترونات ليس لها ذرّات أخرى لترتبط بها، ما يعادل النهايات المفتوحة. لهذا السبب، تنشدّ جميع الذرّات في البلورة إلى موقعاً داخل جسم البلورة لا على سطحها، أو، لنقلها بطريقة مختلفة، هذه الذرّات الموجودة على السطح هي ذرّات غير مستقرّة ومتوفرة ومضمونة الانتقال في حال توفر أيّ فرصة مناسبة للقيام بذلك.

عادة، عندما تكون البلورات باردة، لا تملك الذرّات الطاقة الكافية للتحرك والقيام بأيّ شيء حيال مأزقها. ولكن عندما تكون درجة الحرارة عالية كفاية، يمكن للذرات التنقل: تبدأ بإعادة تنظيم نفسها بحيث تضطرّ أقل ذرّات ممكنة إلى المكوث في موقع على سطح البلورة – في الواقع، إلى أن يصبح السطح أقل بالمجمل. بهذه الطريقة، تعيد تشكيل البلورات لتتلاءم بعضها مع بعض بطريقة كاملة واقتصادية قدر الإمكان، مزيلة بذلك الثقوب بينها. وببطء ولكن بالتأكيد، تصبح مجموعة البلورات الدقيقة مادّة واحدة. إنه ليس سحراً، ولكنه سحري.
بالطبع، هذه النظرية، ولكن الكيمياء في بعض أنواع الصلصال تجعله أسهل من غيره. إن ميزة طين التيراكوتا هي سهولة العثور عليه، وعملية إعادة التكوين هذه تحدث عند درجات حرارة منخفضة نسبياً – حرارة نار أو أتون خشبي تفي بالغرض. هذا يعني أن صنع تيراكوتا يتطلب درجة قليلة من المعرفة التقنيّة. نتيجةً لذلك، بُنيت مدن وبلدات كاملة من هذه المادة: إن الآجر المنزلي العادي هو في جوهره شكل من أشكال التيراكوتا. ولكن المشكلة الكبيرة في خزف التيراكوتا هي أنها لا تتخلص من جميع الثقوب أبداً، وبالتالي لن تصبح كاملة الكثافة أبداً. لا بأس بهذا بالنسبة لآجر المنازل الذي يحتاج لأن يكون قوياً بنسبة معقولة، وحين يُثبت بالإسمنت لن يتعرّض للضرب أو التسخين أو التبريد بنحو متكرر. ولكنها كارثة بالنسبة لكوب أو وعاء يجب أن يكون جسمه رقيقاً وأن يتحمّل شدائد المطبخ. لن يصمد أبداً: فطرقة صغيرة واحدة وتبدأ التشققات بالتكوّن من المسامّ ولن تتوقف أبداً.
صنّاع خزف الشرق هم من حلوا مشكلة الهشاشة والمسامية. كانت خطوتهم الأولى أن أدركوا أنه عندما يُغطّى الفخار بنوع معيّن من الرماد، فسيتحوّل هذا الرماد أثناء الشيّ إلى طبقة زجاج تلتصق بالجانب الخارجي للقدر. ستسدّ هذا القشرة الزجاجية كلّ المسامّ الخارجية للفخار. وبتنويع تركيب وتوزيع الطبقة الصقيلة، أصبح بالإمكان تلوين القدور وتزيينها. لم يمنع هذا من تسرب الماء إلى الداخل فحسب، ولكنه فتح فجأة مملكة جمالية جديدة بكاملها للسيراميك.
غالباً ما تلاحظ في هذه الأيام هذه الأواني الخزفية المصقولة. وحتماً يوجد الكثير منها في مطبخي – على شكل بلاط يغطي الجدران وسطوح الجلي والطبخ، ما يجعله سهل التنظيف وحسن المظهر – وفي الحمّامات والمراحيض. يرتبط ارتباطاً خاصاً استخدام البلاط المزخرف لتغطية الأرضيات والجدران وحتى مبانٍ كاملة بالفن المعماري العربي والشرق أوسطي.
مع أن الصقل منع الماء من الدخول إلى الصلصال المشويّ، لم يحلّ مشكلة المسامية داخل جسم السيراميك، وهو ما يسبّب تكوّن التشققات بالدرجة الأولى. لذلك ما زال القرميد ضعيفاً نسبياً، كما هي حال أكواب وأوعية التيراكوتا المصقولة. حلّ الصينيون هذه المشكلة أيضاً، ولكنه استلزم صنع نوع جديد تماماً من السيراميك.
قبل ألفي عام، جرّب صنّاع الفخّار في مملكة هان الشرقية، في أثناء بحثهم عن طريقة لتحسين السيراميك لديهم، أنواعاً مختلفة من الصلصال، بل جرّبوا أيضاً أنواع صلصال من إعدادهم الخاص، بإضافة معادن إليها ما كانت لتنتهي في الأنهار. كانت إحدى هذه الإضافات معدن الكاولين الأبيض. لماذا؟ لا أحد يعلم. ربما كان بمحض الاستكشاف، أو ربما أحبّوا اللون.
لا شك في أنهم جرّبوا كل أنواع الخلطات المختلفة، ولكن في النهاية عثروا على تركيب معيّن من الكاولين وبعض المواد الأخرى مثل معادن الكوارتز (quartz) والفلدسبار (feldspar)، ما خلق صلصالاً أبيض، وعند شيّه أعطى سيراميك جميل المظهر. لم يكن أقوى من الأواني الخزفية، ولكن على عكس أيّ نوع صلصال آخر عرفوه، إذا رفعوا درجة حرارة الأتون إلى ????? درجة مئوية، حصل شيء غريب.
تحوّل الصلصال إلى مادة صلبة شبه مائعة: سيراميك أبيض يتمتع بسطح أملس أشبه بالكمال. كان ببساطة أجمل سيراميك رآه أحد قط. كما كان أقوى وأقسى من أيّ سيراميك موجود. كان قويّاً لدرجة أمكن فيها صنع الأكواب والأوعية برقة شديدة، تقريباً برقّ الورقة، من دون المجازفة بقدرتها على تحمّل التشققات. كانت هذه الأكواب ممتازة جداً حتى إنها كانت شبه شفافة. إنه البورسلين.
ألقت هذه التركيبة من الخواص – القوة والخفة والرقة والنعومة الفائقة – تصريحاً سيادياً، وسرعان ما ارتبطت هذه المادة بالشخصيات المَلَكية، عاكسة صورة ثرائهم وذوقهم الجمالي الراقي. ولكن كان لها معنى آخر أيضاً: لأنها كانت تحتاج إلى معرفة عميقة ومهارة لصنع المزيج الدقيق من المعادن لصنعها ولبناء الأتون القادر على توليد درجات الحرارة لشيّها، جاء البورسلين ليمثل الارتباط المثالي بين المهارة التقنية وبين التعبير الفنّي. ما بدأ كمصدر فخر لمملكة هان أصبح نوعاً من الهويّة التي تجسّد مهارتها العالية. من تلك اللحظة فصاعداً في تاريخ الصين، ارتبطت سلالات ملكية مختلفة بأنواع مختلفة من البورسلين الإمبراطوري.
تباهت السلالات الملكية بالسيراميك لديها من خلال صنع مزهريات بديعة الجمال وسلطانيات شعائرية زيّنوا بها قصورهم. ولكنهم أدركوا أنه لكي ينبهر ضيوف الشرف من شبه شفافية وخفة هذه المادة الجديدة كان عليهم أن يشعروا بها كما ينظرون إليها. فقدم شرب الشاي الطريقة المثلى لذلك. غدا تقديم الشاي لضيف أحدهم في فناجين من البورسلين تعبيراً عن الرقيّ وعن السموّ الحضاري بعد أن أصبح من الطقوس الاحتفالية بالنهاية.
تفوّق البورسلين الصيني على أيّ سيراميك آخر حتى أدرك مباشرة التجّار من الشرق الأوسط والغرب لدى احتكاكهم به أنه سلعة نفيسة. فبدأوا بتصدير البورسلين، بل وعادة شرب الشاي أيضاً، ما جعلهما سفيري الثقافة الصينية، ومصدر الحسّية أينما حلّا. في ذلك الوقت كان الأوروبيون يشربون بالخشب والقصدير والفضة والأواني الفخارية. فكان البورسلين دليلاً ملموساً على مدى تقدم التكنولوجيا الصينية أكثر من أيّ حضارة في العالم. أن تملك طقماً من فناجين الشاي البورسلين وأن تقدّم فيه أفضل شاي صيني أمرٌ يميّزك مباشرة. تبعاً لذلك، بدأت تجارة هائلة لهذا البورسلين الأبيض السامي المسمّى ”الذهب الأبيض“ أو ”الصيني“.
أصبحت هذه التجارة عظيمة الشأن لدرجة أن أدرك الأوروبيون أنهم إذا استطاعوا تعلم كيفية صنع البورسلين بأنفسهم فسيصبحون فاحشي الثراء. ولكن لم ينجح أحد، وبقيت طريقة صنع البورسلين سرّاً محروساً بالغيرة ومعروفاً فقط لدى الصينيين، على الرغم من إرسال الأوروبيون جواسيس إلى الصين لاكتشاف السرّ. بعد مرور خمسمئة عام سجَنَ ملك ساكسونيا رجلاً يدعى يوهان فريدريك بوتكر (Johann Friedrich B?ttger) الذي قال إن حياته تعتمد على اكتشافه، عندها صنع أول بورسلين أوروبي.
كان بوتكر كيميائياً، ولكن في عام ????، وبينما كان في السجن، أمروه بالعمل تحت إشراف رجل يدعى فون تشرنهاوس (Von Tschirnhaus) لينفذ مجموعة تجارب منتظمة باستخدام أنواع عديدة من المواد البيضاء لكي يتوصّل لصنع البورسلين. كان اكتشاف مخزون من الكاولين نقطة التحول، وما إن وصلوا إلى درجة الحرارة المطلوبة، حتى اكتشفوا ما كان الصينيون يعرفونه منذ ألف سنة.
لم يختر بوتكر أن يبرهن على صنعه البورسلين بتقديم الشاي بالفناجين الجديدة، بل بإزالة واحد منها من الأتون الشديد الحرارة حيث كانت تشوى عند درجة ????? ورميها مباشرة في دلو ماء. معظم أنواع السيراميك تتحطم تحت هذه الظروف بسبب الصدمة الحرارية، بينما ينفجر الخزف والفخّار. ولكن صلابة وقوة البورسلين كانت عظيمة لدرجة أنها بقيت سليمة5. أجزل الملك العطاء لكل من بوتكر وفون تشرنهاوس، لأن اختراع البورسلين الأوروبي كان على وشك أن يجعله فاحش الثراء.
5 رغم أن القصّة لا تصدّق على نحو واسع، أعدنا إجراء التجربة في يوليو ???? في برنامج بي بي سي ? سلسلة السيراميك: كيف تعمل، وأكدنا أن البورسلين يصمد أمام الصدمة الحرارية جراء إزالته من نار متوهّجة حد الابيضاض إلى الماء مباشرة.
بعد ذلك، بدأ العلماء وصنّاع الفخار في أرجاء أوروبا بإجراء التجارب لاكتشاف سرّ البورسلين بأنفسهم. كان التجسّس الصناعي رائجاً، ولكن مع ذلك استغرق الأمر خمسين سنة أخرى حتى توصّل البريطانيون إلى نسختهم الخاصة من البورسلين، باستخدام مواد محلية، وكان يسمّى ”البورسلين الصيني العظمي“. من هذه المادة صُنع طقم الفناجين الذي قُدّم لوالديّ هديّةَ زفاف.
في عام ????، في عام إعلان زواج آل ميوداونيك، انطلق عمّال المناجم في كورنوول (Cornwall)، كما اعتادوا كل صباح طوال مئتي عام، ليشقوا طريقهم بين السرخس البرّي في كورنش هيل (Cornish Hill)، مبعثرين في الحفر والطواحين المائيّة، إلى حفرة تريفيسكو (Treviscoe Pit) ليستخرجوا مخزوناً ضخماً من الطين الأبيض النادر، إنه الكاولين. في هذه الأثناء، على قارعة الطريق في منجم غرانيت، كان عمال المناجم الآخرون يستخرجون الحجارة مثل الميكا والفلدسبار والكوارتز. وكان الفلاحون في مقاطعة ستافورد شاير (Staffordshire) والمقاطعات المحيطة شيشاير (Cheshire)، ديربي شاير (Derbyshire)، ليسيستر شاير (Leicestershire)، وورويك شاير (Warwickshire)، وورسستر شاير (Worcestershire)، وشروب شاير (Shropshire) يقومون بتربية المواشي التي كانت تنتهي عظامها بالحرق والسحق. كل هذه العناصر شقت طريقها إلى ستوك أون ترينت (Stoke-on-Trent)، حيث وُلد فنجاني مع بقيّة إخوته في يوم من أيّام الشتاء.
في هذا الوقت من السنة، يكسو المدينة الضباب والدخان الكثيف، الذي ينشأ عن المئات من الأفران التي تشبه الزجاجة بشكلها وبقرميدها الأحمر والتي جعلت هذه المدينة أحد مواطن صناعة الفخار البريطاني. يحمل الضباب في هذا الوقت رائحة كبريتية مميّزة وحمضية بعض الشيء. ربما، كما اعتادت أن تفعل عندما عشت هناك في عام ????، تكون الغيوم معلقة على انخفاض لدرجة يبدو أن دخان المداخن يمتزج فيها فتجعل المدينة خيالية، كما لو كانت جزءاً من حلم. أما داخل المعامل، فيكون الهواء المسخن بسبب الأفران دافئاً وجافاً ومستكيناً، والغرفة بعد الأخرى مليئة بالمقاعد والمعدات الكيميائية، يقوم بالعناية بها رجال ونساء منغمسون في العمل، وصنع كل أنواع السيراميك، ولكن بشكل رئيسي الأطباق، وصحون الفناجين، وبالطبع فناجين الشاي. إنه نشاط هائل، وهواء التركيز الصناعي يسود كل شيء، وكل شيء مصنوع من المادّة ذاتها. لقد سيطرت على المعمل وتركت أثرها في كل مكان. المكان كله ملطخ بهذا المسحوق الأبيض الرائع، مزيج المعادن والعظم.
كان المسحوق بحدّ ذاته يبدو عادياً جداً، وحتى بعد إضافة الماء ليصبح صلصالاً قابلاً للتشكيل بقوام عجينة لزجة، ما كان ليبدو أكثر استحساناً. كانت الفناجين تقولب يدوياً في معمل ويدج وود (Wedgwood) بيد امرأة كانت تقوم بهذا العمل طوال حياتها. كانت تتحوّل من فقاعة العجين إلى فنجان بسرعة كبيرة، بمساعدة عجلة فخار والأيدي الماهرة لحرفي متمرّس. ثم كانت تُصفّ على صينية، هشّة ورطبة، من دون حول أو قوّة تقريباً، مثل رُضّعٍ خُدّج. ولكن من دون مساعدة الآن ستجفّ وترتخي وتتشقق ثم تنهار، تماماً مثل أيّ فنجان مصنوع من الطين. ولكن عوضاً عن ذلك ستُنقل بسرعة إلى طرف آخر من المعمل.
ثمّة رجل بأصابع خشنة وبراعة عالية سيبني صندوقاً يسمّى ”sagger“ من نوع معيّن من الصلصال الحراري (صلصال يمكنه تحمّل درجات عالية من الحرارة ويُستعمل لذلك لإيواء أنواع أخرى من الصلصال عند شيّها) ووضع الفناجين كلها بداخله. كانت كلها مصفوفة بحذر ومدعومة ميكانيكياً لئلا يلمس أحدها الآخر. وعندما يصبح كل شيء جاهزاً، كان يُختم عليها داخل الصندوق بقطعة أخيرة من الصلصال. سيكون داخل الصندوق مظلماً وبارداً ورطباً، والفناجين لا تزال رطبة وهشّة.
في اليوم التالي، كان الصندوق يكدّس مع خمسمئة صندوق غيره بحذر داخل أحد الأفران التي تشبه الزجاجة بشكلها إلى أن يمتلئ بكامله. ثم يُختم وتُشعل نار الفحم تحته. لأن الفناجين محمية داخل الصندوق الذي يتعرّض للدخان، تبقى في الداخل بلونها الأبيض الناصع لتجف ببطء مع ازدياد الحرارة على مدار يوم كامل إلى أن يتبخر الماء الذي كان يجعلها متماسكة.
الآن تأتي أكثر خطوة حساسية في عملية ميلادها. عند هذه المرحلة، تكون الفناجين ضعيفة جداً، مجرّد مجموعة من البلورات المعدنية المتعلقة بعضها ببعض ولكن من دون أيّ شيء بينها ليقوم مقام الصمغ، بينما كان الصندوق يحميها من التيّارات القويّة من الهواء الحارّ والدخان، ولولاه لكانت طارت.
مع ازدياد الحرارة أكثر، تبدأ مركبات المعادن، البلورات، بالتحوّل وتغيير شكلها. وتتقافز الذرّات من بلورة إلى أخرى، لتبني جسوراً في ما بينها ولتغيّر كامل البناء الداخلي للفنجان إلى كتلة صلبة واحدة.
بعد ذلك، مع ازدياد درجة الحرارة أكثر حتى ????? درجة مئوية ليصبح الفرن بكامله متوهّجاً لدرجة الابيضاض، يبدأ السحر: تتحوّل بعض الذرّات المنسابة بين بلوراتها إلى نهر من الزجاج. أصبحت الآن صلبة في الغالب، ولكنها جزء من سائل أيضاً، كما لو كان للفناجين دم يجري في عروقها على شكل زجاج سائل. يتدفق هذا السائل إلى كل المسامّ الصغيرة بين البلورات ويغلّف كلّ الأسطح. والآن، على عكس جميع أنواع السيراميك تقريباً، تحسّ الفناجين كيف يكون شعور أن تكون خالية من العيوب.
يستغرق الأمر يومين حتى يبرد الفرن بما فيه الكفاية ليُفتح، إلا أن الفناجين تكون حارّة من أجل إخراجها بأمان. ولكن مع هذا، يخرجها فريق من الرجال الأقوياء والضخام، والمسودّين من السخام، يرتدون ثلاث طبقات من السترات والمعاطف الصوفية. قد تنكسر بعض الصناديق أثناء الشيّ، ما يعرّض الفناجين داخلها لدخان الفرن ولهبه، يا لنهايتها التعيسة! ولكنّ فناجين ميوداونيك بقيت سليمة، مدفونة في رحم صندوقها، إلى أن فُتح بحذر، وتمّت ولادتها إلى العالم، ذلك النوع الاستثنائي من الخزف الصيني العظمي الكامل النموّ. تُفحص بحثاً عن عيوب، ومن ثم، للاختبار الأخير، وتقريباً مثل صفع مؤخّرة الوليد، يُنقر على الفنجان نقرة الخبير.
إن صوت رنين الفنجان أوضح وأمكن طريقة لمعرفة هل تشكّل بنحو كامل من الداخل. فإن كانت هناك أيّ عيوب داخله، فإن الثقوب التي لم يسدّها نهر الزجاج المنساب عندما كانت ساخنة ستمتصّ القليل من الصوت وتمنع من ترديد الصدى. فنجان كهذا سيصدر صوتاً كتيماً. ولكن الفنجان المكتمل الكثافة سيرنّ ويرنّ. هذه الرنة هي ما أعلن القبول الرسمي لفناجين ميوداونيك للدخول إلى العالم. انقر على فنجان تيراكوتا ولن تسمع شيئاً تقريباً، أو ضربة مكتومة في أحسن الأحوال. ولكن لأن البورسلين في فنجاني كثيف تماماً، ومن دون أيّ شوائب، فقد حافظ على شكله الرفيع والرقيق، على الرغم من أنه شبه شفاف وكالورق في رقته، لمدة خمسين سنة، ويمكنك حتى الآن أن تسمع قوته وحدّته في رنّته.
استخدمت هذه الفناجين في جميع المناسبات الخاصة في عائلة ميوداونيك. كانت جزءاً من طقم الشاي الذي استُخدم عندما جاءت جدّتي من إيرلندا في زيارة لوالدتي لرؤية منزلها الجديد. وكانت موجودة عندما اجتمعت العائلة بكاملها لتحتفل بولادة الولد البكر لآل ميوداونيك، شين. كما كانت موجودة عندما دُعي الجيران للاحتفال باليوبيل الفضّي في عام ???? وشرب العم آلان الفودكا في واحد منها خفية وسقط في حوض الزرع. وكانت موجودة في يوم الميلاد عندما عطست أوبا ميوداونيك، وغطت المائدة المفروشة بالمخاط ما أدّى إلى مشاجرة فوقع أحد الفناجين وتحطم على الأرض. وكانت موجودة عندما تزوّج كل ابن من أبناء ميوداونيك، ما عدا شين، الذي قفز من طائرة في هاواي وتزوّج على الشاطئ.
لأنها هديّة زفاف ثمينة، شهدت هذه الفناجين الجانب الاحتفالي في عائلة ميوداونيك. وأخرِجت فقط لنيل الإعجاب في المناسبات الخاصّة. لم تشارك قطّ في الحياة اليومية: لم تقدّم الشاي في السرير، أو لجدار الحديقة من رقعة الخضروات، أو للأولاد الذين يلعبون كرة القدم. كانت هذه المواقف المنزلية ضمن صلاحيات الكوب، وهو فنجان فخاري أو حجري أقلّ جودة في الصقل. تكون هذه الأكواب سميكة الجدران لأنها مصنوعة من مادّة ضعيفة جداً ما كانت لتصمد لولا ذلك.
رخيصة ومبهجة، إن حجمها وشكلها هما ما يجعلها بسيطة. والشاي الذي يُشرب فيها رخيص ومبهج أيضاً. إنه الشراب البريطاني الوطني، على الرغم من أصله الصيني. ولكن دوره مختلف تماماً عن الشاي الذي كان يُقدَّم في مملكه هان ليعكس الثراء والرقيّ. يُصنع الشاي في بريطانيا بالدرجة الأولى من كيس شاي يحتوي على شاي مطحون بعناية ومختلط من أرخص أنواع الشاي. نحب أن يكون قاتماً، بنّياً ويحتوي على الشعير. إنه لون مرتبط بفنجان شاي لذيذ، ولكن الحقيقة أنّ الشاي لدينا له نكهة مبتذلة بالمقارنة مع الأنواع الأكثر نقاءً. ويُشرب مع الحليب لموازنة النكهات اللاذعة، وليمنحنا الراحة أيضاً في الأيام الباردة والممطرة. إنه شراب النكهات البدائية، بسيط وساذج، وخاصة عندما يُشرب من الكوب.
إن الفنجان البورسلين الذي أشرب منه الشاي في الصورة هو الأخير في المجموعة التي قُدّمت لأمي وأبي لحفل زفافهما. منذ ذلك الحين تغيّرت الأمور، ولم يعد طقم الشاي جزءاً أساسياً في منزل الأزواج الجدد، لأنّ الرقيّ والسموّ لم يعد يقدّر بالخزف الممتاز والشاي الممتاز بعد الآن، بل أعاد البورسلين اختراع نفسه كمادّة عصرية منفعية. أصبحت هدايا الزفاف هذه الأيام تشتمل على البورسلين ولكن عادة ما تكون على شكل أطباق بيضاء بسيطة وأحياناً أكواب، مصمّمة لتبدو أنيقة والأهم من ذلك لتكون متوافقة مع غسّالة الأطباق.
أنا أعلم أن استخدامي اليومي لهذا الفنجان الأخير من زفاف آل ميوداونيك هو ما سيجعله بالنهاية يلفظ أنفاسه. في كلّ مرّة يُسكب فيها الشاي فيه، تسبّب حرارة الشاي ضغوطاً داخل إطاره، ما يزيد في التشقق، فيما يسبّب وزن الشاي في داخله تحطم المزيد من الروابط الذرّية. شيئاً فشيئاً، يزداد طول التشقق، ناخراً في الفنجان من الداخل كدودة صغيرة. يوماً ما سيتحطم إلى أجزاء. ربّما لا يجب أن أستخدمه بعد الآن وأن أحتفظ فيه كتذكار زواج والديّ. ولكن أفضّل الاعتقاد بأن استخدامه لشرب الشاي هو الطريقة لشرب نخب حبّهما، وهو ما صُمّم الفنجان لأجله.
??. الخالد
في سبعينيات القرن الماضي كان هناك برنامج تلفزيوني بعنوان ”رجل الستة ملايين دولار“. تقوم فرضية هذا المسلسل على أن رائد فضاء يدعى ستيف أوستن تعرّض لحادث مروّع حتى شارف على الموت، فكان جديراً بأن تُجرى له عملية جراحية اختبارية لترميم جسمه وقواه الحسّية. ولكن العملية لم تكن مصمّمة لترميمه فحسب، بل لتعديله بالكامل، وجعله ”أفضل، أقوى، أسرع“. لم يتعمّق المسلسل كثيراً في تفاصيل العملية المعقدة في زرع الأجهزة العضوية المطلوبة، بل ركز على إمكانيات ستيف، الإنسان الجبّار المعدّل، الذي أصبح بإمكانه الآن الركض بسرعة لا تُصدّق، والقفز فوق أسيجة عالية، والشعور بالأخطار البعيدة. أحببت أنا وإخوتي هذا المسلسل التلفزيوني وصدّقناه. عندما كسرت ساقي ذات يوم لقفزي من أعمدة التسلق، ذهبت إلى المستشفى تنتابني مشاعر التعجّب والترقب، كنت في سيّارتنا البيجو ??? العائلية، محشوراً في الخلف مع إخوتي الثلاثة، وكان الكلّ يغنّون بصوت عال: ”يمكننا تعديله، أفضل، أقوى، أسرع...“
لدى وصولي إلى غرفة الطوارئ، تم فحصي بسرعة وتشخيص حالتي بخبرة. بالفعل اعتبرت ساقي مكسورة، ولكن الأطباء قالوا إن عملية الشفاء الذاتي لعظمي كفيلة بإعادة ترميم الكسر. كان ذلك خبراً مخيّباً للأمل وبدا انسحاباً من طرف المؤسسة الطبية. لماذا لن يقوموا بإعادة بنائي؟ استشرت والدتي، وأكدت لي أن شيئاً قاسياً كالعظم يمكن أن يشفي نفسه بنفسه.
شرح العلماء أنّ للعظام لبّاً داخليّاً طريّاً مغلّفاً بطبقة خارجية أكثر قساوة، كالشجرة تقريباً، ذاك أن هذا اللب الداخلي، في مقياس دقيق، مصنوع من بنية مسامية تشبه الشبكة، ما يسمح للخلايا داخل العظم بالتنقل باستمرار، فتكسر العظم وتعيد تكوينه. لذلك نرى العظام، كالعضلات، تزداد قوة أو ضعفاً بحسب استخدامها، فتبني نفسها استجابة للقوى المفروضة عليها بفعل نشاطات مثل القفز والركض ولكن بشكل رئيسي بتحمّل وزن المرء. شرح لي الأطبّاء أن إحدى أكبر مشاكل روّاد الفضاء هي خسارة قوة العظم التي تحدث بسبب عدم وجود هذه القوى المفروضة عليها بسبب انعدام الوزن في الفضاء. سألوني إن كنت في الفضاء أخيراً، معتقدين أن ذلك مضحك، فعبست في وجوههم.
على الرغم من عملية إعادة التشكيل المستمرة داخل عظامنا، تتطلب إعادة ترميم ساق مكسورة بطريقة جيدة أن يبقى طرفا الكسر في تطابق تام معاً، ما يعني أنني سأحتاج إلى علاج لتثبيت ساقي لبضعة أشهر، كما شرح لي الأطبّاء – كان علاجاً من أصول قديمة، استخدمه المصريون القدماء والإغريق القدماء، ولم يكن يتطلب تقنيات عالية. كان يقتضي ببساطة ربط ساقي برباط قاسٍ.
استخدم المصريون الكتان والطريقة نفسها التي كانت تشتمل عليها عملية التحنيط للغرض ذاته، أما الإغريق فقد استخدموا القماش ولحاء الشجر والشمع والعسل. ولكن الجبيرة التي قُدّمت إليّ كانت مصنوعة من الجبس، ابتكار تركي من القرن التاسع عشر. الجبس هو عبارة عن سيراميك مصنوع من معدن الجص المجفف، الذي يصبح قاسياً كالإسمنت إذا ما خلط بالماء. مع ذلك، فإن الجبس هشّ جداً إذا استُخدم وحده. ببساطة سيتشقق إلى قطع بعد عدّة أيام، ولكنه يصبح أقسى بكثير إذا ما خُلط مع أربطة قطنية، حيث تدعم ألياف الرباط الإسمنت وتمنع التشققات من التمدّد. بهذه الطريقة سيحمي ويغلف الساق المكسورة لأسابيع. ولكن الميزة الرئيسية التي تمتاز بها هذه الطريقة على طرق المصريين والإغريق هي أنني لم أكن مضطرّاً للحبس في السرير طوال الأشهر الثلاثة التي يستغرقها عظمي ليترمّم. فالجبيرة الجبس قاسية وقوية بما يكفي لتحتمل وزن المرء ولتتحمّل الصدمات التي تحدث عند المشي باستخدام العكازات، بينما تتيح الشفاء الكامل. كان كسر الساق يسبّب عرجاً دائماً إلى أن ابتُكرت هذه المادة.
ما زلت أذكر اللحظة التي وضع فيها الجبس المبتلّ على الرباط الذي لفّ ساقي. كان تركيباً غريباً من الحرارة، بسبب تفاعل الجصّ مع الماء، ووخز عندما أخذ الرباط اللين المحيط ببشرتي بالتيبّس. انتابتني حكّة مفاجئة في وسط ساقي تماماً ولكنني مُنعت من محاولة تلبيتها، ما جعلها مؤلمة. لعدة أشهر تالية، كانت تنتابني الحكّة بين الفينة والفينة، وعادة في منتصف الليل، ولكن لم يكن بيدي حيلة. قالت لي أمي إن هذا هو الثمن لإعادة بنائي مثل رجل الستة ملايين دولار. تذمّرت لأنه لم يُعَد بنائي – تمنيت لو أنه أعيد بنائي – ولكن عوضاً عن ذلك كانوا يتركون جسدي ليعيد بناء نفسه ليس إلا. لن أكون أسرع أو أقوى أو أفضل من ذي قبل. بل سأبقى على حالي، لست سريعاً أو قويّاً على الإطلاق. فطلبت منّي أمّي أن أصمت، ليس من دون سبب.
منذئذ وحياتي مرقمة بسلسلة من الإصابات المرتبطة بزيارات للمستشفى. لم أكسر كلّ عظمة في جسدي، ولكنني قمت بمحاولة جيدة في سبيل ذلك. لقد كسرت بعض الأضلاع والأصابع، وشققت رأسي، واصطدمت بالزجاج المتحطم، ومزقت بطانة المعدة، وتعرّضت للطعن، ولكن بعد كل حادثة، قام جسدي بمعالجة نفسه، وإن كان تحت إشراف مؤسّسة طبّية. طوال حياتي، تعرّضت لحادثتين استدعتا الأطباء ل”إعادة بنائي“. كانت الأولى قبل فترة مضت، ولكنها استمرّت كمشكلة متكرّرة منذ ذلك الوقت.
بدأ الأمر بألم ضعيف في فمي، تحوّل بعد عدة أيام إلى ألم حاد وبالغ في إحدى أسناني. كان شرب المشروبات الساخنة يزيد الألم، وفي ذات يوم كنت أقضم شطيرة عندما سمعت صوت طحن مروّعاً، ذلك الصوت الذي تقشعرّ له الأبدان. الأسوأ أنه كان صادراً من فمي، بل والأسوأ من ذلك أنه كان مصحوباً بألم مبرّح بدا أنه ينتقل كالصاعقة من أعلى فمي إلى دماغي. بحذر شديد تحسّست المنطقة المصابة بطرف لساني ولذعري اكتشفت أن القمم المثلمة قبلاً أصبحت سناً قاسية ملساء. شعرت كما لو أن سنّي قد قُصّت، وهو كذلك بالفعل. بعدئذ، لم أتمكن من الأكل أو الشرب، لأن أحد أعصابي أصبح مكشوفاً بسبب الكسر وكان شديد الحساسية لأيّ شيء يحتكّ به، فكان يطعنني في كلّ مرة يحدث هذا. بدا فمي الآن منطقة محظورة خارجة عن السيطرة، ولم أفكر في شيء آخر سوى كيفية إيقاف الألم.
لم يتمكن المصريون أو الإغريق من ترميم هذا. فقد عاش أجدادنا مع فجوات سنّية، وعاشوا مع وجع أسنان يومي. عندما كان الألم يزداد سوءاً، كانت السن تُقلع، إمّا بيد الحدّاد المحلي باستخدام زرديته أو، إن كانوا محظوظين، بيد فيزيائي مدرّب. مع تقدّم الطبّ، أصبحت المسكنات متوافرة لتسكين الألم مثل اللودانيون، وهو عبارة عن صبغة الأفيون.
عام ????، كان اختراع خليط معدني يتألف بشكل أساسي من الفضّة والقصدير والزئبق نقطة التحول، وكان يُسمى الأملغم أو (الحشوة الملغمية). في شكله الأولي، الأملغم هو عبارة عن سائل معدني بدرجة حرارة الغرفة بسبب وجود الزئبق فيه. ولكن عندما يُمزج بالمركبات الأخرى، يحدث تفاعل بين الزئبق والفضّة والقصدير ما يؤدي إلى بلورة جديدة، بلورة صلبة تماماً وقاسية وصعبة التلف. يمكن بخّ هذه المادة المعجزة في الفجوة السنّية وهي في حالتها السائلة، ثم تركها لتتصلب، يتمدّد الأملغم بشكل طفيف أثناء تصلبها ليرصّ الحشوة في الفجوة حتى تصبح مرتبطة ميكانيكياً بالسنّ. كانت الحشوات المصنوعة من الأملغم أفضل بكثير من نظيرتها المصنوعة من الرصاص والقصدير، والتي جرت تجربتها ولكنها كانت طريّة جداً لتصمد طويلاً، كما لم يكن بالإمكان صبّها في الفجوة كسائل من دون تسخينها إلى نقطة ذوبانها العالية، مؤدّية إلى ألم عميق أثناء العملية.
بعد مئة وخمسين سنة من استخدام هذا الخليط لأول مرة لمعالجة الفجوات السنّية بكلفة رخيصة ومن دون قلع الأسنان، تلقيت أوّل حشوة ملغمية لي. ما زالت لديّ الآن، ويمكنني أن أتحسّس سطحها الأملس والناعم بلساني. لقد حوّلتني الحشوة من صبيّ محطم جسدياً وعقلياً إلى صبيّ متقافز، وربما مزعج قليلاً، من جديد. منذئذ أصبح لديّ ثماني حشوات أخرى، الأربع الأولى باستخدام الأملغم، والأربع الأخرى باستخدام راتنج مركب. هذه الحشوات المركبة هي عبارة عن خليط من البلاستيك الشفاف القوي ومسحوق السيليكا الذي يجعلها قاسية ومقاومة للبلى، كما أنها توافق لون الأسنان أكثر من الأملغم. تُصبّ هذه الحشوات، تماماً كالأملغم، عندما تكون سائلة. وما إن تصبح في مكانها، حتى تُسلّط أشعة فوق بنفسجية قليلة على الفم، ما ينشط تفاعلاً كيميائياً داخل الراتنج فيجعله يتصلب مباشرة. أمّا الخيار العصري الآخر فهو إزالة السن المتضرّرة تماماً واستبدالها بنسخة مطابقة من البورسلين (أو الزيركونيا). تميل هذه لأن تكون أكثر مقاومة للبلى من الحشوات المركبة، كما أنها أكثر مطابقة للون الأسنان أيضاً. لولا هذه المواد البيولوجية السنّية، لكان لديّ بضع أسنان باقية.
ثمّة مادّة بيولوجية أخرى أعتمد عليها حتى هذا اليوم، زُرعت في جسدي في عام ???? عندما كنت أعمل في نيو مكسيكو. جاء اعتمادي عليها نتيجة لعب كرة القدم في باحة مغلقة. كانت الكرة عند قدمي وكنت أقوم بالتفافة سريعة عندما شعرت بألم شديد في ركبتي صاحبه صوت طقطقة متميّز جداً. بدت فكرة مجرد ليِّ ركبتي من دون أيّ ضغط خارجي عليها قد يسبّب تمزيقها ميكانيكياً فكرة غريبة. ولكن هذا ما فعلته. لقد مزقت الرباط الذي أمسك ركبتي اليمنى في مكانها، واسمه الرباط التصالبي الأمامي.
الأربطة هي الروابط المطاطية في الجسد. ومع العضلات والأوتار التي تربط عضلاتنا بعظامنا، تمسك مفاصلنا بعضها ببعض لتجعلنا نابضين، إن وظيفة الأربطة هي ربط العظمة بالأخرى. إنها لزجة ومرنة، ما يعني أنها تتمدّد مباشرة بمقدار معيّن، ولكن إن تمت المحافظة على هذا التمدّد، فستنساب وتطول. وهذا جزء من السبّب لقيام الرياضيين بتمارين التمدّد لكي يجعلوا مفاصلهم أكثر مرونة: فهم يمدّدون أربطتهم. على الرغم من هذا الدور الحساس في مفاصلنا، تفتقر الأربطة لإمدادات الدم، لذلك عندما تتمزق يصبح من المستحيل افتراضياً أن تنمو مجدّداً. لذلك، ولكي أتمكن من استخدام ركبتي استخداماً كاملاً مجدّداً، كنت بحاجة إلى بديل.
ثمة العديد من الطرق الجراحية لهذا. اختار جرّاحي استعمال جزء من عرقوبي لإعادة هيكلة الرباط التصالبي الأمامي، ولكن لكي يتمكن من ربطه بركبتي عليه أن يستخدم بعض البراغي. البراغي التي ستمسك الرباط البديل في مكانه بكل تأكيد، حتى إن مارست كرة القدم والتزلج مجدّداً.
إن أجسادنا نيّقة جداً بشأن الموادّ المزروعة فيها، فتُلفظ معظم الأشياء، ولكن التيتانيوم هو أحد المعادن القليلة التي تحتملها أجسامنا. والأكثر من ذلك، يخضع التيتانيوم لعملية التحام عظمي، ما يعني أنه يكوّن روابط قوية مع العظم الحيّ. وهذا مفيد إن أردت ربط جزء من العرقوب بالعظمة وأن تتأكد من أن هذا الرباط لن يضعف أو يرتخي مع الوقت. بقيت براغي التيتانيوم في مكانها عندي لأكثر من عشر سنوات لاحقة، ولأن للتيتانيوم تركيباً متميّزاً من القوة والخمول الكيميائي – هناك القليل من المعادن التي لا تتفاعل بطريقة ما مع الجسم، حتى الفولاذ المقاوم للصدأ منيع ضد التفاعل الكيميائي للحياة داخل الجسم – يجب أن يكون في حالة أصلية. بفضل الغلاف السطحي القوي من أكسيد التيتانيوم، يمكن للتيتانيوم أن يدوم طوال العمر، وبالتأكيد أتمنى أن يدوم التيتانيوم لديّ هذه الفترة. كما يمكن للتيتانيوم أن يحتمل الضغط العالي، لذلك من المرجح أن تكون البراغي آخر شيء ملاحظ لي عندما أموت وأحرق. عندما يظهرون في الضوء مجدّداً، أتمنى من أقربائي أن يولوها المقام المستحق، فمن دونها ما كنت لأستطيع أن أقوم بالعديد من الأشياء التي أحب القيام بها: الجري، لعب كرة القدم مع عائلتي، أو المشي في الجبال. لقد أعادت لي براغي التيتانيوم، وجرّاحي أيضاً، اهتمامي بالرياضة، ما يجعلني أدين لها بالكثير.
لم أمت بعد، بالطبع، وأودّ أن أحافظ على صحّتي وقوتي الجسدية لخمسين سنة أخرى. ولكن لأجل هذا من شبه المؤكد أنني سأحتاج إلى المزيد من الترميم. يمنحني النظر إلى التكنولوجيا الحالية الأمل، لأنه على الرغم من أننا بعيدون كل البعد عن الحصول على تكنولوجيا رجل الستة ملايين دولار، وصلت الأربعون سنة الأخيرة بنحو لافت للنظر إلى هذه الجبهة.
في الصفحة التالية صورة لجدّي، الذي تُوفي عن عمر الثامنة والتسعين. لقد قاد حياة طويلة، وكان نشيطاً عقلياً وقادراً على المشي، حتى وإن كان بمساعدة عكّاز، حتى وفاته. ليس الكلّ محظوظاً هكذا. حتى وإن عانى من العديد من المشاكل الصحّية، وتقلص طوله بشكل ملحوظ جداً. هل هذا التدهور حتمي؟ أم هل سنكون في المستقبل قادرين على مصارعة التأثيرات الرئيسية للشيخوخة بترميم الجسد البشري؟ هل ستتيح لي التكنولوجيا الجديدة الناجمة عن مختبرات الأبحاث الطبّية البيولوجية أن أتطلع للحياة حتى عمر الثامنة والتسعين وأنا قادر على المشي، الجري، وحتى التزلج، بنفس الصحّة والحركة التي أتمتع فيها الآن بعمر الثالثة والأربعين؟

من ناحية الحركة، ليست العضلات أو حتى الأربطة (لم أكن محظوظاً من هذه الناحية) هي أول ما يبلى في الجسد، بل الأسطح الداخلية للمفاصل. إن مفاصل الركبة والورك خاصّةً، ضعيفة من هذه الناحية لأنها آلية حركة معقدة تحمل الكثير من الوزن، ولكن مفاصل الكوع والكتف والأصابع تبلى أيضاً. يؤدّي هذا التآكل الميكانيكي إلى الفُصال العَظْمِيّ. هناك نوع آخر من التهابات المفاصل يُسمّى التهاب المفاصل الروماتويدي وهو يحدث بسبب الجهاز المناعي في الجسم الذي يهاجم المفاصل وله تأثير مشابه. ولكن سواء كانت مفاصلك تدمّر نفسها، أم أنت تدمّرها إما باصطدام سيّارتك أو بممارسة الرياضة، ما إن تخسر قدرتك على استخدام وركك أو ركبتك أو كوعك أو أيّ مفصل آخر، لن تحلّ المشكلة مهما استغرقت في الاسترخاء وعدم التحرّك. على العكس من باقي عظامك، هذه الأسطح الداخلية للمفاصل لن ترمّم نفسها بنفسها، ذلك أنها ليست مصنوعة من العظم نهائياً.
شاعت عمليات تبديل مفصل الورك منذ فترة من الزمن. كانت أول محاولة لاستبدال المفصل عام ???? وقد استخدم العاج في ذلك الوقت، ولكن التيتانيوم والسيراميك أكثر استخداماً في يومنا هذا. لطالما كانت عمليات استبدال المفاصل هذه تلقى نجاحاً باهراً، جزء من السبب هو أن آليّة الورك بسيطة نوعاً ما: آلية كرة وتجويف، تسمح لسيقاننا بالدوران بطرق مختلفة (معظم الطرق لا تأتي بشكل طبيعي – إن سبق أن مارست اليوغا ستعلم ما أعني). حتى إن هناك عادة اجتماعية مصمّمة لعرض حركة الورك، وتدعى رقص الديسكو، وقد يدعو النجاح في هذا المجال، المصحوب بزيّ عصري، إلى تلقيب شخص ما براقص ”هيب“.
تشكلت أوراكنا داخل الرحم: كرة عظمية تنمو فوق عظم الفخذ، تنسجم تماماً داخل التجويف المطابق في الحوض. من تلك اللحظة فصاعداً، تنمو كلتا العظمتين بمعدل واحد، ما يضمن مع تقدّمنا في العمر أن يبقى المفصل منسجماً. إن سطح هذه المفاصل (وكذلك جميع العظام) قاسية نوعاً ما، لذلك يقوم جسمك بتنمية طبقة خارجية من الأنسجة، تسمّى الغضاريف، لتكسو التجويف عند النقطة التي تتلامس فيها العظمتان. هذا النسيج أكثر ليناً من العظم ولكن أقسى بكثير من العضلات، ويخلق واجهة ملساء بين العظمتين كما يقوم بامتصاص الصدمات. ثم تتماسك المفاصل بعضها مع بعض بالأربطة والعضلات والأوتار، ما يقيّد حركتها ويمنع اقتلاع الكرة من تجويفها أثناء الجري أو القفز أو، نعم، رقص الجاز. عندما يصاب بالمرء بالروماتيزم، تتضرّر هذه الغضاريف ولا تنمو مجدّداً.
إذاً تقتضي عملية تبديل مفصل الورك نشر الكرة أعلى الفخذ وإزالتها ثم استبدالها بكرة من التيتانيوم. ثم يُحفر تجويف مطابق لهذه الكرة في داخل الحوض ويُكسى ببوليثيلين عالي الكثافة، ليقوم بدور الغضروف. تستعيد عميلة الاستبدال هذه الحركة الكاملة ويمكنها أن تدوم عشرات السنين، في النهاية تحتاج إلى تبديل البوليثيلين فقط عندما يتآكل. صُنعت نماذج جديد من مفاصل الأوراك الصناعية بحيث ينسجم بعضها مع بعض بسلاسة من دون الحاجة لحشوة البوليثيلين، مع ذلك من المبكر الآن معرفة هل ستكون أطول عمراً، ذلك أنه قد تنشأ مشاكل تآكل أخرى بسبب الاحتكاك المباشر للمعدن على المعدن أو للسيراميك على السيراميك، كما هي الحال في عمليات الزرع الجديدة. ولكن مع ذلك، غدت عمليات تبديل مفصل الورك عمليات روتينية وقد ساعدت الملايين من الناس حتى الآن على استعادة قدرتهم على الحركة في العمر المتقدّم.
تعتمد عملية تبديل مفصل الركبة على طريقة مشابهة، باستثناء أن المفصل أكثر تعقيداً في آليته: فهو ليس مفصل كرة وتجويف، ومع ذلك عليه أن يقوم بحركات الثني والليّ. في المرة المقبلة التي تجلس فيها في مقهى من دون القيام بالكثير سوى مشاهدة العالم، انظر إلى الطريقة التي يمشي بها الناس. أنت تدفع ركبتك أمامك، لتصل إلى فوق الموقع الذي تريد وضع قدمك عليه، ما يتيح للقدم والساق أن تتأرجحا إلى المكان تحتها. حين تذرع الخطوة، على القدم أن تعدّل زاويتها على الموقع سواء بفتلها أو بإمالتها، وهاتان الطريقتان تعتمدان على تعديلات وتصحيحات معقدة في الركبة. كما أن الجري أكثر ضغطاً على الركبة لأن عليها القيام بكل هذا أثناء تعرّضها لاصطدامات متكرّرة. حاول المشي من دون ثني ركبتيك وسترى أهمّية هذا المفصل في الحركة.
إنّي أرى احتمال تبديل ركبتيّ ووركيّ بالمجمل خلال السنوات العشرين المقبلة أمراً مثيراً للذعر، على الرغم من ضرورة العملية لي لأتمكن من الحركة، فلا بد إذاً من أن أخضع لها. ولكن عشر سنوات مدّة طويلة في الطبّ وعلم المادة، وهناك بحث قائم الآن قد يسمح لي بتجنب العملية وذلك بتسهيل إعادة نموّ الغضروف المتضرّر داخل المفاصل.
إن الغضروف مادّة حيّة معقدة. مثلها مثل الهلام، لها هيكل داخلي مصنوع من الألياف، ولكن في حالة الغضروف فهو مصنوع بغالبه من الكولاجين (الكولاجين هو جزيء ابن عم الجيلاتين وهو أكثر جزيئات البروتين شيوعاً في الجسم البشري، وهو مسؤول عن إعطاء البشرة والأنسجة الأخرى قوامها المطاطي – ولهذا تذكر الكريمات المضادة للتجاعيد احتواءها على الكولاجين في تركيبها.) مع ذلك، على عكس الهلام، توجد داخل هيكله الداخلي خلايا حيّة، وهي المسؤولة عن خلقه والحفاظ عليه، تُدعى خلايا الأرومة الغضروفية. أصبح الآن من السهل تنمية خلايا الأرومة الغضروفيّة من الخلايا الجذعية للمريض. على أيّ حال، إن مجرد حقن هذه الخلايا في مفصل موجود أصلاً لا يؤدي إلى ترميم الغضروف، جزء من السبب هو أن الخلايا لا تستطيع أن تعيش خارج موطنها الأصلي، أي هيكلها الكولاجيني، فتموت في غياب هذا الموطن. سيبدو كما لو أنك تحاول إعادة خلق الجنس البشري بوضع اللندنيين على القمر: عاجزون في الغالب من دون وجود البنية التحتيّة لمدينة حاضرة.
المطلوب هو إنشاء بنية مؤقتة داخل المفصل تحاكي التركيبة الداخلية الأساسية للغضروف. إن تعريض خلايا الأرومة الغضروفية لمثل هذه السِقالة، كما تُدعى، يسمح لها بالنموّ والانقسام والتكاثر، ما يمنحها الوقت والمساحة لبناء موطنها، وبالتالي إعادة إنماء الغضروف. الأنيق في طريقة السِقالة هذه هو إما أن تستهلك الخلايا السقالة أو يمكن تصميمها بحيث تتحلل حين تنتهي الخلايا من بناء موطنها، مخلفة وراءها غضروفاً سليماً في الركبة أو الورك.
تبدو فكرة إعادة بناء نسيج الغضروف باستخدام السقالة فكرة بعيدة الاحتمال، ولكنها منهج مطبّق، ابتكره البروفسور لاري هينش (Larry Hench) في ستينيات القرن الماضي. فقد تحدّاه كولونيل في الجيش للعثور على طريقة للمساعدة في تجديد عظام جنود الحرب الفييتنامية التي ستُبتر إن لم يتمّ ذلك. ”نستطيع إنقاذ أرواح ولكن لا نستطيع إنقاذ أعضاء. نحن بحاجة إلى موادّ جديدة لا يرفضها الجسم.“ بحث هينش وغيره عن موادّ أكثر توافقاً مع العظم، واكتشفوا مادّة تسمّى هيدروكسيل أباتيت، وهي معدن ينشأ داخل الجسم ويترابط بقوّة مع العظم. جرّبوا الكثير من التراكيب وفي النهاية وجدوا أنه عندما يُصنع على شكل الزجاج يتميز بخواصّ استثنائية. تبيّن أن هذا الزجاج المنشّط حيوياً مسامي، بمعنى أنه يحتوي على قنوات دقيقة. ”أحبّت“ خلايا العظم، التي تُدعى الخلايا البانية للعظم، السكن في هذه القنوات، وبينما تقوم الخلايا بخلق عظم جديد، ستكسر الزجاج الحيوي من حولها، كما لو أنّها تأكله.

سقالة الزجاج الحيوي وخلايا تنمو داخل البنية.
أثمرت هندسة النسيج هذه نجاحاً منقطع النظير واستُخدمت لتوفير طُعم عظمي اصطناعي، ولإعادة بناء عظام الجمجمة والوجه. لم تُستخدم بعد على عظام أكثر بنيويّة عليها تحمّل الكثير من الوزن، بما أنّها تستغرق وقتاً طويلاً لإعادة ترميم العظم ولا يمكن للسقالة وحدها تحمّل الضغط الكبير أثناء حدوث هذا الترميم. الاستراتيجية الحالية لإعادة ترميم مثل هذه البنى هي القيام بها في المختبر، بما أن عملية السقالة تحدث في داخل الجسم وخارجه على حدّ سواء. في هذه الحالة، يجب تغذية الخلايا في مفاعل حيوي يحاكي درجة الحرارة والرطوبة داخل الجسم البشري بينما يزوّد الخلايا بالتغذية في الوقت ذاته. أثمر نجاح هذه التقنيّة إمكانية بناء أعضاء صناعية برمّتها كاملة الأداء. لقد تمّ القيام بالخطوات الأولى، وذلك بتطوير رغامى بشرية في المختبر بنجاح.
بدأ المشروع مع مريض يعاني من رغامى مسرطنة تحتاج للاستئصال. مع عدم وجود بديل لها، سيحتاج المريض إلى الأجهزة الميكانيكية لمساعدته على التنفس لبقيّة حياته. كانت أول خطوة هي إجراء مسح للمريض باستخدام تقنيّة أشعّة شائعة في المستشفيات تُعرف باسم تصوير مقطعي محوري محوسب (ت.م.م.م). تُستخدم عملية المسح (ت.م.م.م) للكشف عن أورام سرطانية في الدماغ أو في أعضاء أخرى. ولكن في هذه الحالة، استُخدمت تقنيّة (ت.م.م.م) لتقدّم صورة ثلاثية الأبعاد لرغامى المريض. ثمّ نقلت هذه الصورة إلى طابعة ثلاثيّة الأبعاد، وهي تقنيّة مصنعيّة جديدة تخلق أغراضاً برمّتها بالاستناد إلى المعلومات الرقمية. إنها لا تختلف كثيراً في طريقة عملها عن الطابعة العادية، سوى أن رأس الطبع فيها يخرج قطرات من المادّة، فيودع طبقة من الغرض بالتدريج ويبني الغرض طبقة فوق طبقة، بينما توزّع الطابعة العادية نقاط الحبر على الصفحة. يمكن استخدام هذه التقنية الآن لطباعة أغراض بسيطة كالفناجين والزجاجات، ولطباعة أغراض أكثر تعقيداً أيضاً بأجزاء متحرّكة مثل المفصّلات والمحركات. في الوقت الحالي، يمكن لهذه التقنية أن تطبع على مئات المواد المختلفة، بما فيها المعدن، الزجاج، والبلاستيك. استخدم البروفسور آليكس سيفاليان (Alex Seifalian) وفريقه طابعة ثلاثية الأبعاد لصنع نسخة مطابقة تماماً لرغامى مريضه مصنوعة من سقالة من مادّة خاصّة جداً عملوا على تطويرها، مصمّمة خصيصاً لتلائم الخلايا الجذعية للمريض.
إن وظيفة الخلايا البالغة هي تجديد أنسجتنا، ولكلّ نوع من الخلايا خليّة جذعية لإنتاجها. تُسمّى الخلايا الجذعية التي تنتج العظم الخلايا الجذعية المتعلقة باللُحمة المتوسطة. بعدما أنهى فريق البروفسور سيفاليان بناء السقالة، زرعوا فيها خلايا جذعية متعلقة باللُحمة المتوسّطة مأخوذة من نقي العظم عند المريض، ووضعوا الجسم كله في المفاعل الحيوي. تحوّلت هذه الخلايا الجذعية بعد ذلك إلى مجموعة مختلفة من الخلايا التي بدأت ببناء الغضروف والبنى الأخرى، منشئة بذلك بيئة خلويّة ذاتية الدعم، وفي الوقت ذاته قامت بتحليل السقالة من حولها. في النتيجة، كان كلّ ما بقي هو رغامى جديدة.

إحدى أهم مزايا هذه التقنيّة هي أن التطعيم يحصل من خلايا المريض نفسه، وما إن تُطعَّم حتى تصبح جزءاً من جسمه. وبالتالي ليس على المريض تناول العقاقير المثبّطة للمناعة، التي لها تأثيرات جانبية بالغة، لمنع الجسم من لفظ التطعيم. (تثبيط الجهاز المناعي لكي يحمي التطعيم قد يجعل المريض أكثر عرضة لأنواع شتى من الالتهابات والطفيليات.) على أيّ حال، لكي يكون العلاج فعّالاً يجب على الجسم أن ينشئ إمداداً دمويّاً للرغامى، وحتى اللحظة من غير الواضح تماماً كيف ينشئ الجسم روابط الإمداد هذه. كذلك على البيئة الخلوية للرغامى أن تحافظ على استقرارها لكي تستعيد الرغامى شكلها وتسمح للمريض بالتنفس بطريقة طبيعية.
هناك مشكلة أخرى هي التعقيم. فالبوليمر الذي طُبعت السقالة عليه حسّاس للغاية، ولا يمكنه الصمود أمام درجات الحرارة العالية للتعقيم التقليدي. ولكن مع ذلك، وعلى الرغم من كلّ هذه التحدّيات، أجريت أول عملية تطعيم لرغامى مصنوعة من الخلايا الجذعية لدى المريض في السابع من يوليو، عام ????.
لقد عجّل نجاح هذه التقنيّة التطوّر نحو إنتاج جيل جديد من موادّ السقالات. على الرغامى أن تكون فعّالة وظيفياً وأن تنشئ إمداداً دموياً لتصمد على المدى الطويل، ولكنها ليست عضواً ذا دور تنظيمي في الجسم. التحدي التالي هو تنمية كبد، كلى، بل وحتى القلب. في الوقت الحالي، إذا حدث قصور في أيّ من هذه الأعضاء الرئيسية، فأنت بحاجة إلى زرع ليعيدك إلى صحّتك الكاملة. يتطلب مثل هذا الزرع أعضاء متبرِّع صحّية وتتوافق بيولوجياً مع جسمك، كما أنك بحاجة لأن تتناول العقاقير لبقيّة حياتك لتمنع جسمك من لفظ العضو المزروع. ولكن لأن أعضاء المتبرّعين، في معظم الحالات، هي الأمل الوحيد للمريض ليستعيد عافيته واستقلاليته التي تمتّع بها في ما مضى، فهي غير متوافرة بما يكفي.
تنتج عن هذا النقص المزمن ثلاث مضاعفات. أولاً، هذا يعني أن المريض الذي يعاني من قصور في الكبد أو الكلى بحاجة إلى رعاية طويلة الأمد، وهو أمر مكلف جداً ويسرق من المريض استقلاليته. ثانياً، في معظم الأحيان يموت المرضى الذين ينتظرون زرع قلب قبل توفر العضو المناسب لهم. وأخيراً، هناك سوق سوداء للأعضاء تزداد يوماً بعد يوم، ما يعني أن الفقراء، وخاصة في الدول النامية، يتعرّضون لضغط متزايد لبيع أعضائهم. تم توثيق هذا النشاط في عدة دراسات، وفي جامعة ولاية ميتشيغان أخيراً. وقد أظهرت الدراسة أن ثلاثة وثلاثين بائع كلى في بنغلادش لم يحصلوا على المال الموعود وعانوا من مشاكل صحّية حادّة نتيجةً لعمليتهم. إجمالاً، تتضمّن هذه الممارسة الطيران إلى دولة أخرى والدخول إلى مستشفى خاصّ حيث يكون المستقبل الثريّ منتظراً العضو وتُنفَّذ العملية. يبلغ سعر الكلية الوسطي ?.???$.
لن تزول هذه المشاكل ما لم يُطوَّر علاج بديل لزرع الأعضاء. تُعدّ هندسة الأنسجة باستخدام سقالات من موادّ حيوية أبرز تقنيّة بديلة واعدة في الوقت الحالي. من الواضح أن التحدّيات هائلة. فهذه الأعضاء تتألف من بنى داخلية معقدة، وعادة ما تحتوي على أنواع مختلفة من الخلايا تتفاعل في ما بينها لتقوم بوظيفة العضو. في حالة الكبد والكلى، تحتاج الخلايا فقط لإنشاء إمداد دموي وأن تكون أيضاً مرتبطة بالشرايين الرئيسية في الجسم. أمّا القلب فهو مشكلة بالغة لأننا نمتلك واحداً فقط، ومن دون قلب واحد يعمل، نموت. طُوّرت أنواع من القلوب الاصطناعية، ولكن أطول مدّة عاشها شخص بقلب صناعي هي سنة واحدة.

من المرجّح أن تؤدّي الطباعة ثلاثية الأبعاد دوراً رئيسياً في أيّ تقنيّة تنطوي على هندسة أعضاء جديدة. تستخدم هذه الطابعات الثلاثية الأبعاد مسبقاً في عمليات زراعة الأسنان، وفي عام ????، استخدمت هذه التقنية ذاتها لصنع عظم فكّ اصطناعي لامرأة في الثالثة والثمانين من العمر. صُنع هذا الفك من التيتانيوم، ولكن إمكانية طباعة مادّة سقالة تلائم الخلايا التي ستحوّل السقالة إلى عظم حقيقي للمريض أصبحت ممكنة على نحو متسارع.
يبدو أن كل قطع الأحجية أصبحت في مكانها لإعادة هندسة بالمجمل للأعضاء الرئيسية في جسم الإنسان، وليس من الغريب أن أفكر أنني في عمر الثامنة والتسعين قد أكون حصلت على قلب جديد، وعدّة أعضاء بديلة أخرى، ومفاصل جديدة تبقيني سليماً وصحياً. ولكن هل سأكون مثل رجل الستة ملايين دولار، ”أفضل، أقوى، أسرع“؟
من الصعب الحكم، ولكن الإجابة هي على الأرجح لا. السبب هو أن ما يجعلنا نكبر ليس عمر خلايانا بل تدهور الأجهزة التي تولد هذه الخلايا. التقدّم في العمر هو المكافئ الخلوي للعبة الهاتف المقطوع: كلّ جيل من الخلايا لا يولد البنية التي ورثها تماماً، فتتسلل الأخطاء والعيوب. لم تتقدّم بشرتي في العمر لأن خلايا البشرة لديّ أصبحت في الثالثة والأربعين من العمر – إنها ليست كذلك، تُستبدل باستمرار بخلايا جديدة تولّدها الخلايا الجذعية البالغة لديّ – ولكن لأنه مع تقدّم الوقت تطوّرت مشاكل وعيوب في بنية بشرتي ثم نُقلت هذه المشاكل من جيل خلايا إلى آخر. وهكذا تتكوّن البقع، وترقُّ البشرة، وتظهر التجاعيد. وستستمر هذا المشاكل بالظهور.
كذلك ينطبق الأمر على جهاز الدوران. يُعزى ثلث حالات الوفاة تقريباً في المملكة المتحدة إلى أمراض جهاز الدوران، أكثر من أيّ سبب آخر للوفاة. بمعنى آخر، من المرجّح أن أموت بسبب نوبة قلبية أو سكتة دماغية. يعود هذا بشكل أساسي إلى قصور ميكانيكي في جهاز الدوران، وشبكة القلب والرئتين والشرايين والأوردة التي تبقي جسمي مستمرّاً. ولكن رغم أن الجرّاحين اليوم أصبحوا ماهرين في ترقيع الجهاز، وسمكرته عندما يتعطل، بل وحتى استبدال قطع منه بأعضاء مزروعة (أو بالتطعيم الاصطناعي النمو)، لا يغيّر هذا حقيقة أن الجهاز بكامله قد شهد استهلاكاً كبيراً. فجهاز الدوران الذي يبلغ ثمانية وتسعين عاماً سيبقى عمره ثمانية وتسعين مهما جرى إصلاحه وسيصبح أكثر عرضة للفشل. للمستقبل القريب، إن استبدال الجهاز الوعائي ليس محتمل الحدوث على الإطلاق.
خلاصة الحديث أنه رغم الفعالية المتزايدة لتنمية أو استبدال أعضاء الجسم، سيستمر الترابط بين هذه الأعضاء المختلفة وآلاف الأجهزة المختلفة التي تعتمد عليها أجسامنا في تكديس العيوب التي تضعف الأداء، وسوف نتقدّم في العمر.
إن التطعيم الاصطناعي حلّ جذري لمشكلة بعض الأجزاء التي تتآكل قبل البقيّة، ولكنها ليست الحلّ للمشكلة الكبرى (إذا أمكننا تسميتها كذلك) وهي الموت: ما تقدّمه هو حياة أفضل. لقد طًوّرت مسبقاً أعضاء آليّة لتحلّ محلّ الأعضاء المبتورة. تلتقط هذه الأجهزة الكهرو-ميكانيكية السيال العصبي المرسل من الدماغ إلى العضو المفقود، وتترجمها إلى قبضة اليد أو حركة الساق في العضو الصناعي. استُخدمت هذه التقنية لمساعدة أولئك الذين يعانون من شلل من العنق إلى أسفل للتحكم بالأعضاء الآلية واستعادة قدر من الاستقلالية. على الرغم من أن هذه التقنيات مصمّمة للمعاقين والمصابين بالشلل، يمكن أن يستخدمها شخص فقد الحركة نتيجةً لتقدّم العمر.
إنه نوع مختلف من المستقبل عن ذلك الذي تقدّمه إلينا هندسة النسيج: إنه مستقبل البيولوجيا الإلكترونية حيث تصبح المكوّنات الاصطناعية والإلكترونيّة وسيطاً لحركتنا وتواصلنا المادّي مع العالم من حولنا أكثر فأكثر. هذه هي التقنيّة التي تم تخيّلها في برنامج رجل الستة ملايين دولار، والتي سمحت له بأن يكون ”أفضل، أقوى، أسرع“. بلغة المال في وقتنا هذا، إنه يلقي الضوء على حقيقة مهمّة حول تقنيات إطالة الحياة: إنها باهظة الثمن. من المرجح أن تكلف التقنيّة التي تسمح لنا بعيش حياة صحّية وسليمة حتى عمر المئة مقداراً عظيماً من المال.
من سيدفع؟ هل ستكون ترفاً؟ هل سيكون الأثرياء فقط هم القادرين على لعب التنس في عمر الثامنة والتسعين بينما بقيّتنا على الكراسي المتحركة؟ أم هل ستسمح لنا التكنولوجيا ببساطة بالعمل لفترة أطول، وأن تجعل من الطبيعي فعل ذلك في عمر الثامنة والتسعين؟ أنا أفضّل المستقبل الأخير، ولكن إن كان مبلغ خمسة وثلاثين مليون دولار قريباً بما يكفي للرقم الصحيح، إذاً فلن يستطيع معظمنا تحمّل التكلفة، مهما استغرقنا سنين في العمل.
الأرجح أنني سأعيش حتى عمر الثامنة والتسعين. ولكن إن كنت سأتقلص في الطول وأمشي الهوينى بمساعدة عكّاز كما كان جدّي من قبلي، أم إن كنت سألعب التنس وكرة القدم مع أحفادي، سيعتمد ذلك على بحث الموادّ الحيوية اللامع وعلى مدى نجاح الاقتصاد الدوائي. ولكنني أتمنى فعلاً أن الأغنية التي غنّاها لي إخوتي طوال هذه السنوات – ”يمكننا تعديله، أفضل، أقوى، أسرع“ – تصبح حقيقة فعلاً، حيث يمكنني تحمّل القليل من الخلود.
??. الاصطناعي

خضت في هذا الكتاب في عالم المادة في محاولة لأبيّن أنه رغم أن الموادّ من حولنا تبدو كفقاقيع من الأشياء المختلفة الملوّنة، هي في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير: إنّها تعبير معقّد لحاجات الإنسان ورغباته. ولكي نصنع هذه المواد – لنرضي حاجتنا لأشياء كالمأوى والملبس، ورغبتنا للشوكولاته والسينما – كان علينا القيام بشيء لافت للنظر: كان علينا أن نتقن التعامل مع بنيتها الداخلية المعقدة. تسمّى هذه الطريقة لإدراك العالم علم المواد، ويعود عمرها إلى آلاف السنين. فهي ليست أقلّ أهمّية أو إنسانية من الموسيقى والفن والفيلم والأدب، أو أيّ علم آخر، ولكنّها أقل شهرة. في هذا الفصل الأخير أودّ استكشاف لغة علم الموادّ بشمولية أكبر، لأنّها تقدّم مبدأً جامعاً يشمل كلّ المواد، لا فقط تلك التي تعرّضنا لها بالتفصيل في هذا الكتاب.
يقول هذا المبدأ الجامع بأنه على الرغم من أن المادة قد تبدو بنية واحدة، وعلى الرغم من أنها تبدو متجانسة بكاملها، يبقى هذا خدعة: في الواقع، تتكوّن المواد من كيانات مختلفة عديدة تتّحد لتؤلف الشكل المجمل، وتكشف هذه الكيانات المختلفة نفسها ضمن نطاقات مختلفة. من الناحية البنيوية، تشبه المادّة اللعبة الروسية: مصنوعة من العديد من البنى المتداخلة الواحدة ضمن الأخرى، وكلها تقريباً لا تُرى بالعين المجردة، وكل واحدة أصغر ومحتواة داخل تلك التي قبلها. إنّه هذا البناء الهرمي الذي يمنح الموادّ كيانها المعقد – وبالمعنى الحرفي، يمنحنا هويّتنا أيضاً.
تُعدّ الذرّة واحدة من أهمّ هذه البنى في المادّة، ولكنها ليست البنية الوحيدة ذات الأهمّية. في النطاق الواسع هناك الانخلاعات والبلورات والألياف والسقالات والهلام والرغوة، فقط لذكر القليل ممّا ذكرناه في هذا الكتاب. تشبه هذه البنى، بمعزل عن بعضها، الشخصيّات في رواية، كلّ منها يسهم بشيء للشكل العام. أحياناً تسيطر شخصيّة ما على كامل القصّة، ولكن عندما تجتمع كلها معاً تفسّر تماماً لماذا تتصرّف المادة كما تفعل. كما رأينا، يعود السبب إلى عدم وجود طعم للملعقة المصنوعة من الفولاذ المضادّ للصدأ، لتفاعل ذرّات الكروم الموجودة في الذرّة مع الأوكسجين في الهواء، لتكوّن طبقة واقية غير مرئيّة من أكسيد الكروم على السطح. وإذا خدشت سطحها، فستنمو هذا الطبقة الواقية مجدّداً وبسرعة قبل أن يتكوّن الصدأ. ولهذا نكون نحن أول الأجيال التي لم تتذوّق طعم أدوات مائدتها. هذا التفسير الجزيئي مُرضٍ، ولكن في هذه الحالة لا يشرح سبب خاصّية أخرى لهذه المادة: عدم وجود طعم لها. يتطلب الفهم الكامل للطريقة التي يتصرّف بها الفولاذ المقاوم للصدأ التفكّر في كلّ البنى التي يتألف منها.

عندما تبدأ بالنظر إلى المواد بهذه الطريقة، سرعان ما ستدرك أن لجميع المواد مجموعة مشتركة من البنى في داخلها. (لنأخذ أبسط مثال، كلّ المواد مصنوعة من الذرّات.) ولن تأخذ وقتاً طويلاً لتدرك أنّ هناك أشياء مشتركة بين المعدن والبلاستيك، الذي بدوره يشترك مع البشرة والشوكولاته والمواد الأخرى. لكي نستطيع أن نتصوّر هذا الترابط بين المواد، نحن بحاجة إلى خريطة لهذه البنية المادّية الشبيهة باللعبة الروسية: ليست خريطة عادية تظهر التضاريس المتنوّعة ضمن نطاق واحد، بل خريطة تبيّن التضاريس ضمن عدة نطاقات مختلفة: الفضاء الداخلي للموادّ.
لنبدأ بالمكوّنات الأساسية: الذرّات. إنّها أصغر منا بعشرات بلايين الأضعاف، وبالتالي من الواضح أن البنى ضمن المجال الذرّي لا تُرى بالعين المجرّدة. يوجد بشكل طبيعي على سطح الأرض أربعة وتسعون نوعاً مختلفاً من الذرات. ولكن ثمانية من هذه العناصر تشكل ??.? بالمئة من كتلة الأرض: الحديد، الأوكسجين، السيليكون، المغنيزيوم، الكبريت، النيكل، الكالسيوم، والألمنيوم. أمّا البقيّة فهي عناصر شحيحة تقنيّاً، بما فيها الكربون. نحن نملك التقنيّة لتحويل بعض هذه العناصر الشائعة إلى عناصر نادرة، ولكن ذلك يتطلب مفاعلاً نووياً كلفته أكثر من كلفة التنقيب كما ينتج فضلات إشعاعية. ولهذا السبب بشكل أساسي لا يزال الذهب ثميناً في القرن الواحد والعشرين. إذا جُمع بعضه مع بعض، فكل الذهب الذي تم تنقيبه يمكن أن يتسع داخل تاون هاوس كبير. ولكن مع هذا، إن ندرة بعض العناصر المعيّنة على كوكب الأرض، مثل النيوديميوم أو البلاتينيوم المفيدة تقنيّاً بنحو كبير، قد لا تكون مشكلة، لأن المادة لا تحدّد من مكوّناتها الذرية فحسب. كما أصبحنا نعلم الآن، إن الفرق بين الألماس الشفاف والقاسي وبين الغرافيت الأسود الليّن ليس له علاقة بالذرّات، فكلاهما مصنوعان من العنصر النقيّ ذاته، وهو الكربون، بل بالطريقة التي تنتظم بها الذرّات. بل تأتي الفروق الجذرية لخواصّ المادة بتغيير الذرّات من البنية المكعّبية إلى طبقات من الصفائح السداسيّة. هذه البنى ليست اعتباطية – لا يمكنك صنع أيّ بنية – ولكن تحكمها قوانين ميكانيكا الكمّ، التي لا تعامل الذرّات على أنها جسيمات منفردة بل كتعبير عن العديد من أمواج الاحتمالية. (ولهذا نجد من المنطق الإشارة إلى الذرّات بحدّ ذاتها كبنى، وكذلك تشكيلها عندما تترابط بعضها مع بعض.) تخلق بعض هذه البنى الكمّية إلكترونات يمكنها التنقل، فينجم عن ذلك مادّة يمكنها نقل الكهرباء. للغرافيت مثل هذه البنية، وبالتالي فهو ينقل الكهرباء. الذرّات نفسها في الألماس ولكن في بنية مختلفة لا تسمح للإلكترون بالتنقل بسهولة داخل البلورة، لذلك فإن الألماس لا ينقل الحرارة. ولهذا السبب هو شفاف أيضاً.
تبيّن هذه الكيمياء الواضحة أنه حتى ضمن مجموعة محددة من المكونات الذرية، يمكنك أن تخلق موادّ ذات خواصّ مادّية مختلفة على نطاق واسع. وأجسامنا خير مثال على هذا: نحن مكوّنون بالمعظم من الكربون، الهيدروجين، الأوكسجين، والنتروجين، ومع ذلك فإن إعادة التشكيل الدقيق للبنى الجزيئيّة لهذه العناصر، مع نثر بعض المعادن كالكالسيوم والبوتاسيوم، تنتج عنها تشكيلة متنوّعة من المواد الحيوية كالشعر والعظم والجلد. من الصعب المغالاة في تقدير الأهمية الفلسفية والتكنولوجية لهذا القول المأثور في عالم المواد: إن معرفة التركيب الكيميائي الرئيسي ليست كافيةً لفهم المادّية. ففي النهاية، هي ما يجعل العالم الحديث ممكناً.
إذاً لصنع أيّ مادّة، نحن بحاجة إلى ربط الذرّات بعضها ببعض. إذا جمعت بضع مئات منها، يصبح لديك ما يُسمّى بنية نانوية. ”نانو“ يعني ”العدد الترتيبي بليون“. يبرز هذا العالم من النطاق النانوي أشياء أصغر منا ببليون مرّة تقريباً. إنه نطاق الجزيئات الضخمة، حيث تترابط العشرات والمئات من الذرّات بعضها مع بعض لتشكل بنى أكبر. وهذا يشمل البروتين والدهون في أجسامنا. كما أنها تتضمّن جزيئات في قلب البلاستيك مثل نترات السيلولوز المستخدمة في السيلولويد، أو اللبّ المستخلص من الخشب لصنع الورق. تشكل الثغرات في هذا النطاق رغوة جيدة، كالإيروجيل. هذه هي كلّ البنى التي عُرضت في هذا الكتاب في أوجه مختلفة. ولكن ما يوحّدها هو أنّها تعبّر عن صفاتها في المقياس النانوي، والمعالجة في هذا المقياس هو ما يؤثر على خواصّها.
تحكّم البشر بالمقياس النانوي منذ آلاف السنين ولكن بطريقة غير مباشرة، مستخدمين الكيمياء أو علم الفلزات في الجوهر. عندما يطرق حدّاد قطعة من المعدن، إنما يقوم بتغيير شكل بلورات المعدن داخلها من خلال ”تنوية“ انخلاعات ضمن المقياس النانوي – بمعنى آخر، من خلال حث الذرّات على التنقل من إحدى جهات البلورة إلى الأخرى بسرعة الصوت. بالطبع نحن لا نرى هذه الآليات في المقياس النانوي. ولكن في مقياسنا نحن، نحن ببساطة نرى تغيّر شكل المعدن. ولهذا ندرك المعدن على أنه بنية واحدة وأشبه بالصفيحة: كل هذه الآليّات المتشابكة للبلورات كانت تتعدّى إدراكنا حتى وقت قريب.
أصبحت التكنولوجيا النانوية كلمة رنّانة اليوم لأننا أصبحنا نمتلك المجاهر والأدوات التي تمكّننا من معالجة البنى مباشرة ضمن هذا النطاق وبالتالي صنع تشكيلة أوسع من هذه البنى النانوية. أصبح بالإمكان الآن صنع بنى ضمن هذا المقياس يمكنها ادّخار الضوء وتخزينه ككهرباء، لصنع مصادر للضوء، وأيضاً لصنع جسيمات نانوية يمكنها الإحساس بالروائح. تبدو الاحتمالات لا محدودة، ولكن المثير للاهتمام أكثر هو أن العديد من هذه البنى ضمن هذا المجال ذاتيّة الإنشاء. هذا يعني أن المواد قادرة على تنظيم نفسها بنفسها. قد يبدو ذلك مخيفاً، ولكنه يتماشى تماماً مع قوانين الفيزياء. فالفرق الجوهري بين محرّك السيارة وبين محرّك النانو هو أنه في حالة النسخة النانوية، القوى الفيزيائية المسيطرة في هذا النطاق مثل القوى الإلكتروستاتية وقوى التوتّر السطحي التي تشدّ الأشياء بعضها إلى بعض، قوية جداً، بينما تكون القوى التجاذبية ضعيفة جداً. على مقياس السيارة، فإن أقوى قوة هي القوة الانجذابية للأرض، التي تباعد القطع المختلفة لمحرّك السيارة بعضها عن بعض. النتيجة هي أنه يمكن تصميم الأجهزة النانوية لتجميع نفسها بفعل القوى الإلكتروستاتية وقوى التوتّر السطحي (وأن تشفي نفسها ذاتياً بالطريقة نفسها). معظم هذه الأجهزة الجزيئية موجودة مسبقاً داخل الخلايا، ولهذا يمكن تجميع نفسها بنفسها، بينما في المقياس البشري نحن بحاجة إلى أشياء كالعضلات والصمغ.
لا تزال البنى النانوية أصغر من أن تُرى أو يُشعر بها. لذلك لكي نطوّرها إلى أشياء مادّية يمكننا التفاعل معها، علينا أن نجمع بعضها مع بعض ونربطها ضمن بنى مجهرية، وهي أكبر بعشرة أضعاف إلى مئة ضعف من البنى النانوية، ولكن رغم ذلك لا تزال غير مرئيّة. هذا هو النطاق الذي حققنا فيه إحدى أعظم انتصاراتنا التكنولوجية في القرن العشرين: رقاقة السيليكون. هذه الرقائق هي عبارة عن مجموعات دقيقة من بلورات السيليكون وناقلات إلكترونية، وهي المحرّك الأساسي في العالم الإلكتروني. يوجد البلايين منها داخل الكثير من الأجهزة الإلكترونية المحيطة بنا – إنها تعزف موسيقانا، وتلتقط صور إجازاتنا، وتغسل ملابسنا. إنها المكافئ الذي صنعه الإنسان للخلايا العصبية في أدمغتنا وتوجد ضمن نفس نطاق النوى في خلايانا. من الغريب أنها لا تمتلك أجزاءً محركة، بل تستخدم فقط الإلكترون والخواص المغناطيسية للموادّ لتتحكم في انسياب المعلومات.
هذا أيضاً نطاق الخلايا البيولوجية، وبلورات الحديد، وألياف السيلولوز في الورق واللييفات في الخرسانة. لا نزال نجد ضمن هذا المقياس بنية لافتة من صنع الإنسان: البنية المجهرية للشوكولاته. هنا تكوّن الأنواع الستّة للبنى البلورية لزبدة الكاكاو، بدرجة ذوبان مختلفة لكل واحدة، قواماً مختلفاً للشوكولاته. وفي هذا المقياس أيضاً توجد بلورات السكر وحبيبات جوامد الكاكاو التي تحتوي على جزيئات النكهة في الشوكولاته. فالتحكم في هذه البنية المجهرية يعني التحكم بطعم وقوام الشوكولاته، وهو الجزء الأكبر في حرفية صناعة الشوكولاته.
ضمن هذا النطاق المجهري، يبدأ علماء المادّة بتصميم بنى قادرة على التحكم بالضوء. يمكن صنع هذه المواد، التي تُسمّى المواد الخارقة، بمؤشرات انكسار متنوّعة، ما يعني أنها قادرة على كسر الضوء بالطريقة التي تريد. وقد أثمر هذا، الجيلَ الأول من الدروع غير المرئية. فعندما تحيط بغرض ما، فإنك تكسر الضوء من حوله بحيث لا يمكنك أن تراه من أيّ اتجاه تحاول النظر إليه.
يربط المقياس العياني البنى الذرّية، والبنى النانوية، والبنى المجهرية.
إنه على حافة ما نستطيع رؤيته. وشاشة اللمس للهاتف الذكيّ خير مثال على هذه البنية. تبدو ملساء من دون تفاصيل، ولكن إن وضعت قطرة ماء على الشاشة، تقوم بدور عدسة تجعلك ترى أن الشاشة في الحقيقة مصنوعة من بيكسل دقيقة وفردية من الألوان الأحمر والأخضر والأزرق. يمكن التحكم في كل هذه البلورات الدقيقة السائلة على حدة، ما يتيح لها أن تتجمّع على مقياس بشري لتمثّل كل ألوان الطيف البصري، ويمكن وصلها وفصلها بسرعة ليصبح من الممكن مشاهدة الأفلام. البورسلين مثال آخر على تأثير التغيّرات على المقياس العياني: هنا تجتمع البنى البلورية المختلفة للزجاج لتنتج مادّة قويّة وسلسة وديناميكية بصرياً.
يقوم المقياس المصغر بجمع البنى الذرّية، والبنى النانوية، والبنى المجهرية، والبنى العيانية في بنية قابلة للرؤية بالعين المجردة. هذا هو مقياس الخيط أو جديلة شعر، مقياس الإبرة وعرض حجم الخط. عندما تنظر وتشعر بحبيبات الخشب، إنما ترى وتشعر بتركيب كلّ هذه البنى ضمن المقياس المصغر. هذا التركيب يعطي ملمس الخشب صفة كونه جامداً ولكن ليس قاسياً جداً، وكونه خفيفاً ودافئاً. على نحو مماثل، تُصنع الحبال، والبطانيات، والسجّاد، والأهم من ذلك الملابس، ضمن هذا المقياس، كما أنّ قوة هذه المواد ومرونتها ورائحتها وملمسها هي النتيجة ضمن هذا المقياس لتركيب كلّ هذه البنى المتضمّنة داخلها: فخيط القطن قد يبدو شبيهاً بشكل سطحي بخيط الحرير أو خيط الكيفلر، ولكن التفاصيل المخفيّة للبنى الذرّية، والنانوية، والمجهرية، والعيانية، والمصغرة هي التي تصنع الفرق بين شيء يمكن أن يحمي من السكّين وبين شيء ناعم كالقشدة. في هذا المقياس تحتكّ حاسّة اللمس لدينا بالمواد.
وأخيراً نصل إلى المقياس البشري، المقياس الذي تجتمع فيه كل البنى الآنفة الذكر، والمقياس الذي نلاقي به الأشياء التي يمكننا إمساكها بأيدينا، أو تسكن أجسادنا، أو نضعه في أفواهنا بملء الشوكة. هذا هو مقياس التماثيل والفن، مقياس السمكرة والطبخ، مقياس المجوهرات وإنشاء المباني. في هذا المقياس تصبح المواد أغراضاً ملحوظة، مثل أنابيب البلاستيك، ومواسير الطلاء الزيتي، وكتل الأحجار، وأرغفة الخبز والمسامير الحديدية. في هذا المقياس تبدو الأشياء مجدّداً وحدة واحدة، ولكننا رأينا أن هذه ليست الحقيقة. ولكن بالاعتبار أنه بالتكبير وحده يمكن الكشف عن الأعماق الخفيّة لهذه الكتل من الأشياء، استغرق الأمر حتى القرن العشرين لنكتشف هذا البناء المتعدّد المقاييس الذي يسكن داخل الأشياء من حولنا. إنه هو ما يفسّر لمَ قد تتشابه جميع المعادن فيما تتصرّف بنحو مختلف، ولمَ بعض أنواع البلاستيك طريّة وقابلة للثني بينما غيرها قاسٍ، وكيف يمكننا أن نحوّل الرمال إلى ناطحات سحاب. إنّه أحد أعظم إنجازات علم المادة، لأنه يفسّر الكثير.
على الرغم من أن تصميم البنى ضمن مقاييس مختلفة قد أتاح لنا تصميم مواد جديدة، التحدي الحقيقي للقرن الواحد والعشرين هو ربط البنى المصمّمة ضمن كل هذه المقاييس في غرض عياني بحجم الإنسان. مع أن الهواتف الذكيّة مثال على هذا التكامل، كجمع شاشة حسّاسة للمس ضمن المقياس العياني بإلكترونيات ضمن المقياس النانوي، إلا أن إمكانية توصيل أشياء برمّتها سلكياً، كما لو أنها جهاز عصبي متغلغل، أصبحت الآن جائزة. وإن تمكنا من تحقيق هذا، فربما يمكن لغرف أو مبانٍ أو ربّما جسور بكاملها أن تولّد طاقتها الخاصّة، وتنقلها إلى حيث الحاجة، وتكشف الخلل، وتعالج نفسها. إن كان هذا يبدو خيالاً علمياً، تذكر أن هذا ما تقوم به الموادّ الحيّة من قبل.
بما أن النطاقات الصغيرة للمواد محتواة ضمن النطاقات الأكبر، فمع ازدياد حجم الشيء يزداد تعقيده. هذا يعني أن عالم الجسيمات دون الذرّية وميكانيكا الكم، رغم أنها تُعدّ غالباً أكثر أقسام العلم تعقيداً، هي في الحقيقة أقل تعقيداً من، لنقل، زهر البيتونيا. منذ زمن طويل لطالما أدرك هذا علماء الأحياء والفيزيائيون ممّن كان علمهم مدفوعاً بالمناهج التجريبية والاختبارية (أكثر من المناهج النظرية) تحديداً لأن الكائنات الحيّة التي يدرسونها، لكونها ضخمة وحيّة، معقدة بحيث تتحدّى التفسير النظري. ولكن كما تظهر قائمة المقاييس، لا تختلف المواد الحيّة، إلى حدّ ما، عن المواد غير الحيّة من حيث المفهوم.
ولكن ما يميّز الاثنين جوهرياً هو أنه في المواد الحيّة نجد مستوى عالياً من الاتّصال بين المقاييس المختلفة: تقوم الموادّ الحيّة بتنظيم بناها الداخلية بفاعلية. تقوم بهذا من خلال إنشاء التواصل بين المقاييس المختلفة للكائن الحيّ، بينما في المواد غير الحيّة، فإن الضغط الميكانيكي المفروض ضمن المقياس البشري كفيل بكل التأثيرات على المقاييس المختلفة، فيؤدّي إلى تفاعل العديد من الآليات كاستجابة لهذا الضغط: في النتيجة قد يتغيّر شكله أو ينكسر أو يرنّ أو يقسو. في المقابل، يمكن أن تستشعر الموادّ الحيّة مثل هذا الضغط فتتخذ مسار عمل كاستجابة: قد تقاوم، أو تأمر الكائن بكامله بالهرب. من الواضح أن هناك تشكيلة واسعة من هذه السلوكيات الحيوية: يتصرّف غصن الشجرة بسكون، كما لو أنه مادّة جامدة، في معظم الوقت، بينما ساق قطّة تُعدّ حتماً حيّة معظم الوقت. إن من أحد أكبر أسئلة العلم: هل الاتصال بين المقاييس، مصحوباً بالاستجابة النشطة، كافٍ لتفسير ما يجعل الأشياء حيّة. لا تهدف هذه الفرضية إلى تقليل شأن الكائن الحيّ بل لترفع من شأن المواد غير الحيّة: فهي أكثر تعقيداً ممّا تبدو.
مهما كانت رياح التغيير في تقنيّاتنا تجري بسرعة حتى الآن، لم يتغيّر التنظيم الجوهري للمواد على الكوكب. هناك أشياء حيّة ندعوها الحياة، وهناك أشياء غير حيّة ندعوها صخوراً، أدوات، مباني، وما إلى ذلك. ولكن نتيجة لإدراكنا المتزايد للمواد، قد يغدو هذا التمييز ضبابياً عندما نُدخل عصراً جديداً من المواد. سيصبح الناس الآليون بأعضاء وعظام وحتّى أدمغة اصطناعية هم النمط السائد.
ولكن ما يجعلنا آدميين ليس فقط المادّية الفيزيائية لأجسامنا، سواء كانت اصطناعية أم لا. فنحن نقطن عالماً معنوياً أيضاً: عالم تفكيرنا ومشاعرنا ومفاهيمنا. ولكن العالم المادّي، على الرغم من انفصاله، ليس مستقلاً تماماً عن هذه العوالم – بل هو يؤثر عليها تأثيراً كبيراً، كما يعلم الجميع: الجلوس على أريكة مريحة يؤثر على حالتنا العاطفية بطريقة تختلف عن جلوسنا على كرسيّ خشبي. هذا لأن المواد بالنسبة للبشر ليست وظيفية فحسب. يظهر الدليل الأثري البدائي أننا بمجرّد أن طوّرنا الأدوات بدأنا أيضاً بابتكار الحليّ التزيينية، والألوان، والفنّ، والملابس. طُوّرت هذه المواد لأسباب جمالية وثقافية، ولطالما كان هذا دافعاً قوياً لتكنولوجيا المواد عبر التاريخ. بسبب هذا التواصل العميق بين المواد ودورها الاجتماعي، فإن المواد التي نفضّلها والتي نحيط أنفسنا بها مهمّة لنا. فهي تعني لنا شيئاً، إنّها تجسّد مبادئنا، إنّها تعطينا جزءاً من هويّتنا.
هذه المعاني المادّية مغروسة في نسيج عالمنا وتتداخل بحسب منفعتها. فالمعدن قاسٍ وصلب، لذلك من المنطق أن نبني الآلات به، ولكن الموثوقية والليونة المرتبطة بالمعدن تدفع المصمّمين لاستخدامه بطريقة واعية ليمنحوا هذه الصفات لمنتجاتهم. فمظهر المعدن جزء من لغة التصميم الصناعي: فهو يتحدث عن الثورة الصناعية التي منحتنا أولى وسائل نقل جماعية وأدخلت عصر الآلات. حقيقة أننا نستطيع إنتاج المعادن إنتاجاً شاملاً ثم تشكيلها هي جزء من هويّتنا. نحن نقدّر هذه المادة لأنها الحصان العامل الموثوق والقاسي والقويّ ميكانيكياً. نحن جميعاً نعتمد عليه في كلّ مرّة نركب فيها سيّارة أو قطاراً، وفي كل مرّة نضع فيها ملابسنا في الغسّالة، وفي كل مرّة نحلق فيها أجسامنا.
إن ثقافتنا المادّية معقدة لأنّ لدينا تاريخاً طويلاً. فللسبب ذاته الذي نقدّر المعدن لأجله – ارتباطه بالصناعة، مثلاً – قد نكرهه أيضاً. فللمواد معانٍ متعدّدة، لذلك فإن اختياري للصفات المختلفة التي تعنون الفصول ليس القصد منه أن تكون جازمة. فهي اختيارات شخصية، وكل فصل مكتوب من وجهة نظر شخصية، لكن أوضح أنّ لكلّ منّا علاقات شخصية مع عالمنا المادّي، وهذه هي علاقاتي ببساطة.
نحن جميعاً حسّاسون لمعاني المواد، سواء شعورياً أو لاشعورياً.
وبما أن كل شيء مصنوع من شيء ما، فإن هذه المعاني تتغلغل في عقولنا. فنحن نتعرّض لوابل منها من بيئتنا باستمرار. إنها تؤثر علينا سواء كنا في مزرعة أو في مدينة، في قطار أو طائرة، في مكتبة أو في مركز تسوّق. بالطبع، يستخدم المصمّمون والمهندسون هذه المعاني بوعي لابتكار الملابس والمنتجات والمباني التي نحبّها، والتي تشبهنا، والتي نودّ أن نحيط أنفسنا بها. بهذه الطريقة تصبح معاني المواد مرسّخة من خلال سلوكنا الجماعي، لذلك يصبح لها معنىً جماعي. يشتري الناس الملابس التي تعكس الشخص الذي يودّون أن يكونوه، أو يطمحون لأن يكونوه، أو المجبرين على أن يكونوه – مصمّمو الأزياء خبراء بهذه المعاني. ولكن في كل مناحي حياتنا نحن نختار المواد التي تعكس قيمنا، في حمّاماتنا، في غرف معيشتنا، وفي غرف نومنا. على نحو مماثل، يفرض الآخرون قيمهم علينا في أماكن العمل، في مدننا، وفي مطاراتنا. ثمّة انعكاس وامتصاص وتعبير مستمرّ يجري في عالم المواد يغيّر خريطة معاني المواد من حولنا باستمرار.
ولكن هذا التخطيط ليس طريقاً ذا اتّجاه واحد. فالرغبة، لنقل، في قماش أقوى وأكثر راحة، واقٍ من الماء وقابل للتنفس، خلقت الحاجة إلى فهم البنى الهندسية الداخلية للمادّة والمطلوبة لصنعه. إن هذا ما يقود فهمنا العملي، وبالتالي يقود علم المادّة. إذاً، بصورة حقيقية جداً، تعكس الموادّ ما نحن عليه، تعبير متعدّد المقاييس عن حاجاتنا ورغباتنا الإنسانية.

نظرة أخيرة على صورة سطح منزلي. أتمنّى أن تراها بشكل مختلف، نتيجةً لقراءة هذا الكتاب.
شكر وامتنان
منذ طفولتي المبكّرة غذى فضولي وجود أبٍ عالم: رجل كان يحضر زجاجات الحمض المكتوب عليها خطر، وكان يقوم بالتجارب في ورشته في القبو، وكان من أوائل الذين اشتروا آلات حاسبة من شركة تكساس إنسترومنتس (Texas Instruments). أنا أحظى بثلاثة إخوة: شين، آرون، ودان. عندما كنّا أطفالاً كنا نستكشف العالم بأسلوب حسّي، فكنا نبني ونحفر ونكسر ونلكز ونقفز. كان ذلك تحت عين أمّي الرحيمة، التي أيّدت الهواء العليل، والأكل، والشعر المسرح. كلّ الصبيان، بمن فيهم أنا، جاءنا الصلع في وقت مبكر من شبابنا، لذلك لم نستطع أن نفرحها في الحياة المقبلة بتسريحات شعرنا المرتبة، ولكننا جميعاً نحب الطبخ وهذا تكريم لها. أشعر بالحزن العميق لأنّها تُوفيت في ديسمبر ????، ولأنها لم ترَ الكتاب مطبوعاً.
بدأت دراستي لعلم المواد بجدّ في قسم المواد في جامعة أكسفورد، وأودّ أن أشكر هيئة التدريس والجهاز الإداري، وخاصّة مدرّسي جون مارتن (John Martin)، كريس غروسفينور (Chris Grosvenor)، آلفرد سيريزو (Alfred Cerezo)، براين ديربي (Brian Derby)، جورج سميث (George Smith)، آدريان سَتون (Adrian Sutton,)، آنغس ويلكنسون (Angus Wilkinson)، وبالطبع، رئيس القسم، بيتر هيرك (Peter Hirsch). لقد تعلمت الكثير من آندي غودفري (Andy Godfrey) الذي تشاركت معه المكتب عندما كنّا طلاب دكتوراه.
عندما غادرت أكسفورد في عام ????، انتقلت أولاً إلى الولايات المتحدة لأعمل في مختبرات سانديا الوطنية (Sandia National Laboratories)، ثم انتقلت إلى كليّة دبلن الجامعية (University College Dublin) للعمل في قسم الهندسة الميكانيكية، ثمّ إلى كليّة الملك في لندن (King’s College London)، وأخيراً إلى كليّة لندن الجامعية (University College London) حيث أعمل الآن. هناك الكثير من الأشخاص الذين تعلمت منهم أشياء مهمّة على طول الدرب. وأنا أدين تحديداً لإليزابيث هولم (Elizabeth Holm)، ريتشارد لوسار (Richard LeSar)، توني روليت (Tony Rollett)، دايفيد سرولوفيتز (David Srolovitz)، فال راندل (Val Randall)، مايك آشبي (Mike Ashby)، آلان كار (Alan Carr)، دايفد براون (David Browne)، بيتر غودهيو (Peter Goodhew)، مايك كلود (Mike Clode)، سامجد منان (Samjid Mannan)، باتريك مسكيدا (Patrick Mesquida)، كريس لورينز (Chris Lorenz)، فيتو كونت (Vito Conte)، خوسيه مونوز (Jose Munoz)، مارك ليثغو (Mark Lythgoe)، أوصاف أفضال (Aosaf Afzal)، سيان إيد (Sian Ede)، ريتشارد وينتوورث (Richard Wentworth)، آندريا شيلا (Andrea Sella)، هاري ويتشل (Hary Witchel)، بو لوتو (Beau Lotto)، كوينتن كوبر (Quentin Cooper)، فيفيان باري (Vivienne Parry)، ريك هال (Rick Hall)، آلوم شاها (Alom Shaha)، غايل كاردو (Gail Cardew)، أولمبيا براون (Olympia Brown)، آندي مارميري (Andy Marmery)، هيلين مينارد كايسلي (Helen Maynard-Casely)، دان كيندال (Dan Kendall)، آنا إيفانز فريك (Anna Evans Freke)، دايفد دوغان (David Dugan)، آليس جونز (Alice Jones)، هيلين توماس (Helen Thomas)، كريس سولت (Chris Salt)، براين كينغ (Brian King)، ديبورا كوهين (Deborah Cohen)، شارون بيشوب (Sharon Bishop)، كيفن درايك (Kevin Drake)، وأنتوني فينكلشتاين (Anthony Finklestein).
توسّع تقديري لهذا الموضوع من خلال العمل مع بعض أعظم المنظمات التي أقامت الفعاليات والمعارض، وعرضت برامج عن المواد. أودّ أن أشكر مهرجان تشلتنهام للعلوم (Cheltenham Science Festival)، ذا ويلكم كولكشن (The Wellcome Collection)، متحف تيت مودرن (Tate Modern)، في أند إيه (the V&A)، مركز ساوثبانك (ٍSouthbank Centre)، المعهد الملكي (the Royal Institution)، الأكاديمية الملكية للهندسة (the Royal Academy for Engineering)، وحدة العلوم في بي بي سي راديو 4 (BBC Radio 4 Science Unit)، وقسم العلوم في تلفزيون بي بي سي (BBC TV Science Department).
لمعهد يو سي إل للصنع منزلة خاصّة جداً، فهو وطن معرفي، وأودّ أن أشكر كامل الفريق على صداقتهم ودعمهم أثناء تأليفي للكتاب: مارتن كونرين (Martin Conreen)، إليزابيث كوربن (Elizabeth Corbin)، إيلي دوني (Ellie Doney)، ريتشارد غاميستر (Richard Gamester)، فيل هاوز (Phil Howes)، زوي لافلين (Zoe Laughlin)، سارا ويلكس Sarah Wilkes))، وأخيراً سوبينيا ونغسريروكسا (Supinya Wongsriruksa).
أودّ أن أشكر كلّ من قرأ وعلّق على فصول معيّنة. وهم فيل بورنيل (Phil Purnell)، آندريا شيلا (Andrea Sella)، وستيف برايس (Steve Price).
وهناك من لم يعلقوا فقط على الكتاب أثناء تأليفه، بل شجّعوني على طول الدرب. شكري العميق لصديقي العزيز باز باوم (Buzz Baum)، ووالدي الغالي، وإخوتي، وزوجات إخوتي، وأبناء وبنات إخوتي، وأعضاء ورشة بحث بيروجيا ???? لإنريكو كوين (Enrico Coen’s Perugia ????).
ما كان هذا الكتاب ليتحقق على الإطلاق لولا وكيل المكتبة بيتر تالاك (Peter Tallack)، ومحرّري البريطاني ويل هاموند (Will Hammond)، ولولا بصيرة والتزام محرّرتي الأميركية كورتني يونغ (Courtney Young)، وفريق هوتون ميفلين هاركورت (Houghton Mifflin Harcourt).
وأخيراً، تمّت كتابة هذا الكتاب في الفترة بين ولادة ابني لازلو (Lazlo)، وابنتي آيدا (Ida)، إنهما مع أمّهما روبي (Ruby) القوة المبدعة التي تنساب بين الصفحات.









نسيج

حول الكتاب
نبذة عن الكتاب
مغامرة مثيرة
تحملنا إلى أعماق المواد المحيطة بنا يومياً،
مليئة بحكايات تثير الدهشة
وبالمعلومات العلمية الساحرة.
لماذا نرى الزجاج شفافاً؟
ما الذي يجعل المطاط مرناً؟
يتفحّص ميودونك ملياً المواد التي يصادفها، ويكشف لنا معجزات الحِرفة والتصميم والهندسة والإبداع المحيطة بحياتنا اليومية.
كتاب يثير الذهول والبهجة وسيغيّر نظرتك إلى المادّة تغييراً كاملاً.
قيل في الكتاب
* «قراءة ممتعة وسهلة» Bill Gates * حائز جائزة Royal Society Winton 2014
* «كتابٌ آسر» Guardian * «دليل خفيف الظل يجعل من اليومي العادي مصدراً للإثارة» Times Sunday نبذة عن المؤلف
مارك ميوداونِك بروفسور في المادة والمجتمع في كلية لندن الجامعية. اختير بين 100 عالم في قائمة التايمز الافتتاحية لأكثر العلماء تأثيراً في المملكة المتحدة. يقدّم برامج وثائقية على قناة بي BBC2.