Advertisement

الكيمياء عند العرب


الكيمياء عند العرب




الكيمياء عند العرب

تأليف
روحي الخالدي




الكيمياء عند العرب

روحي الخالدي

إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



علم جابر


تمهيد

الأمة الحية التي تحس بكيانها وتشعر بوجودها هي التي تعنى بعلمائها، وتقدِّر أعاظم رجالها حق قدرهم. فإن الأمة لا تستحكم في ربوعها الحضارة والعمران، ولا تكمل لها الدولة والسلطان، إلا بعناية أولئك الرجال الذين حبسوا أنفسهم على خدمة العلم، وتفانوا في كشف الحقيقة، وتجشَّموا في البحث عنها المتاعب والأخطار، وقطعوا في تحرِّيها الأمصار والبحار، وبذلوا دونها النفس والنفيس، وأذهبوا أعمارهم في التدبير والتفكير والتجارب والتحرير، كل ذلك للوقوف على غوامض أسرارها واجتناء يانع ثمارها.
إذا صح ما قيل إن العلم له غايتان: إحداهما عقلية، وهي التحري عن الحقيقة لذاتها، ومحاولة الوصول إلى كُنْهِ هذا العالم، ومعرفة سر هذا الوجود، ونظام هذا الكون، والأخرى إنسانية، وهي خير البشر، واستحكام الحضارة — فما أجدرنا أن نحاول في هذا البحث معرفة ما وصل إليه العرب في إدراك هاتين الغايتين، وما كان لهم من أثر حقيقي في خدمة العلم، وكشف الحقائق، للوصول بالبشر إلى درجة الكمال، والسير بهم في معارج السعادة.
قال ويلز الكاتب الإنجليزي المشهور في كتابه «تجربة في التاريخ العام»: «إنه في القرون التي سبقت ظهور محمد، كان الفكر العربي أشبه بالنار تحت الرماد، فلما انكشف عنه الرماد بالفتح الإسلامي، لمع لمعانًا لم يعهد أن فاقه فيه إلا الفكر اليوناني. وهذا في أسنى أدواره. فجاء الفكر العربي بشكل جديد، وبقوة جديدة، وعالج علاجًا شريفًا. تنمية العلوم الصحيحة نظير ما عالج اليونانيون. ولقد كان اليوناني أبًا للعلم، فجاء العربي وحل محله في هذه الأبوة. وكانت طريقة العربي هي أن ينشد الحقيقة بكل استقامة وبكل بساطة، وأن يجليها بكل وضوح وبكل تدقيق، غير تارك منها شيئًا في ظل الإبهام. فهذه الخاصة التي جاءتنا — نحن الأوروبيين — من اليونانيين، وهي نشدان النور، إنما جاءتنا عن طريق العرب، ولم تسقط إلى أهل العصر الحاضر من طريق اللاتين.»
وقال درابر: «ومن عادة العرب أن يراقبوا، ويمتحنوا، وقد حسبوا الهندسة والعلوم الرياضية وسائط للقياس. ومما تجدر ملاحظته أنهم لم يستندوا — فيما كتبوه في الميكانيكيات والسائلات والبصريات — على مجرد النظر، بل اعتمدوا على المراقبة والامتحان، بما كان لديهم من الآلات، وذلك ما هيأ لهم سبيل ابتداع الكيمياء وقادهم لاختراع أدوات التصفية والتبخير ورفع الأثقال، ودعاهم إلى استعمال الريع والإصطرلاب في علم الهيئة، واستخدام الموازنة في الكيمياء، مما خصوا به دون سواهم … وهم الذين أنشئوا في العلوم العملية علم الكيمياء، وكشفوا بعض أجزائها المهمة، كحامض الكبريتيك وحامض الفضة (النتريك) والكئول، وهم الذين استخدموا ذلك العلم في المعالجات الطبية، فكانوا أول من نشر تركيب الأدوية والمستحضرات المعدنية.» ولما كان البحث في أثر العرب في نواحي العلم المختلفة، يستوعب مجلدات ضخمة، ويحتاج إلى زمن طويل للتدقيق والتمحيص، رأينا أن نقصر بحثنا هذا، على ما قاموا به من التجارب في علم الكيمياء، التي لولاها لما وصل إلى ما هو عليه في هذا العصر من الرقي.
وجاء في التاريخ العام: «وكان الرازي وجابر أول من وضعا أساس الكيمياء الحديثة، وحاولا كشف الإكسير الذي يهب الحياة، ويعيد الشباب. وكانا يذهبان إلى معرفة حجر الفلاسفة الذي يحوِّل المعادن إلى الذهب. ولم تذهب هذه الأبحاث الوهمية سدى؛ لأنهم عرفوا بها التقطير والتصعيد والتجميد والحل، وكشفوا الكئول من المواد السكرية والنشوية الخاثرة.»
وضع جابر والرازي وابن سينا ومسلمة والكندي وعشرات غيرهم من العلماء أصول الكيمياء الحديثة، وساعدهم على ذلك روجر باكون، والبابا سلفستر الثاني، وألبير الكبير، وجمهرة كبيرة من علماء أوروبا في القرون الوسطى. وظل الأمر كذلك حتى جاء لافوازيه، فصحح مذهب المتقدمين من الكيميائيين، المؤسَّس على وجود العناصر الأربعة، ووضع في هذا العلم القواعد الصحيحة، والنظريات المبرهنة، فأوجد بذلك علم الكيمياء الحديث. قال هذا العالم الفرنسي الشهير: «موضوع علم الكيمياء هو تحليل الجسم بالعمليات الكيميائية إلى العناصر التي يتألف منها، ثم فحص كل عنصر من تلك العناصر على حدته. فغاية علم الكيمياء، هي تجزئة الأجسام. ولا يزال هذا العلم يسير إلى هذه الغاية حتى يبلغ درجة الكمال بتجزئة الأجسام المختلفة، التي في الطبيعة، ثم بتجزئة تلك الأجزاء ثانيًا وثالثًا وهلم جرًّا … فالكيمياء هي علم التحليل.»
وقال برتلو: «الكيمياء تكون موضوعها، وهذه الخاصة المكونة تميز هذا العلم تمييزًا ذاتيًّا عن العلوم الطبيعية والتاريخية؛ لأن موضوع كل من العلمين الأخيرين سابق عليهما، وخارج عن إرادة العالم بهما وعن عمله. فالكيمياء تخلق موضوعها، ولها قدرة على إعادة ما هدمته وإحياء ما أماتته. فالكيمياء هي علم التحليل والتركيب، وهذا التركيب يعم العناصر والمركبات، وليس له حد محدود.»
وقال جيرار: «إن الكيميائي يعمل بعكس ما تعمل الطبيعة الحية؛ لأن الكيميائي يحرق الأجسام، ويهدم تركيبها، ويجري جميع أعماله فيها بالتحليل. بيد أن الطبيعة الحية، أو القوة الحيوية، تجرى أعمالها بالتركيب، فهي تعيد بناء الهياكل التي هدمتها القوى الكيميائية.»
وقد خالف رجال الكيمياء الحديثة هذا القول، وكوَّنوا من الأجسام ما في وسع الطبيعة الحية والقوة الحيوية وحدهما تكوينه، وأعادوا بناء الهياكل التي هدمتها القوى الكيميائية. حكموا على المادة، وزادوا في الموجود، وجرت من أعماق أخيلتهم عوالم جديدة، وبرهنوا على أن المادة المعدنية والمادة العضوية تابعتان لقاعدة واحدة، ووضعوا النظريات التي يقوم عليها ذلك البحر الزاخر من الاختراعات والاكتشافات التي أوجدها لنا علم الكيمياء الحديث.
فالعلم الذي كان أساسًا لما نراه في هذا العصر، من الأدوية والمركبات والمواد الكيميائية الحديثة — عضوية كانت أم غير عضوية — لم يكن علمًا مبنيًّا على الأوهام والأباطيل. وبالرغم من وجود بعض الدجالين والمشعوذين، الذين لا يخلو منهم مكان أو زمان، فقد كانت للكيمياء الإسلامية نظريات صحيحة وقواعد ثابتة. وقد نعجب في بعض الأحيان لما نجده في كتبهم من التصورات والآراء، التي كنا نظنها عصرية، فإذا بهم قد سبقوا إليها، وذلك كمذهب النشوء والارتقاء في الكائنات العضوية. فقد كان هذا المذهب يعلَّم في مدارسهم، وكانوا يذهبون فيه إلى أبعد مما نذهب اليوم، بإطلاقه على الجواهر غير العضوية. وكان مبدأ الكيمياء الأساسي عندهم هو التركيب التدريجي في الأجسام المعدنية. قال الخازن: «إن الجهلة حينما يسمعون بتحول بعض الأجسام بطريق التكامل إلى ذهب، يفهمون أنه مر بصور الأجسام المعدنية الأخرى؛ أي إنه كان رصاصًا، ثم صار قصديرًا، ثم صار من نوع سكب الرمل ثم فضة إلى أن انتهى ذهبًا. ولا يدركون أن الفلاسفة يريدون بما يقولونه الإنسان أيضًا.»
فإذا كان الأمر كذلك فإلى أي مدى وصل العرب في وضع قواعد هذا العلم؟ ذلك ما نحاول الإجابة عنه في هذا البحث.
علم جابر

علم جابر هو الكيمياء، خصها علماؤنا المتقدمون بجابر بن حيان الصوفي؛ لأنه إمام المدونين فيها، فاخترنا هذا الاسم لإطلاقه على الكيمياء القديمة؛ لأن علماء الإفرنج في عصرنا، يفرِّقون بين الكيمياء المعرفة بأل التعريف العربية، وبين كيمياء بغير أداة التعريف، فيقولون: الكيمياء Alchemy وكيمياء Chemistry. ويطلقون الاسم الأول على علم الكيمياء القديم، المنقول عن جابر والمتداول بين الناس في القرون الوسطى، ويطلقون الاسم الثاني على علم الكيمياء الحديث، الذي هذبه وأحكم قواعده العلامة الفرنسي لافوازيه، (????–????) في النصف الأخير من القرن الثامن عشر للميلاد. كان الجمهور من علماء الإفرنج، يذهب قبل اليوم إلى أن علم جابر — أي الكيمياء القديمة — من الأباطيل التي دانت لها علماء الإسلام والنصارى في القرون الوسطى، حتى خيلت للمسلمين منهم استحضار «الإكسير» الذي يسمونه أيضًا «الحجر الكريم»، أو «الحجر المكرم»، «الحجر الأصفر»، ويزعمون بأنه تراب أو ماء، إذا رش أو صب منه على المادة القابلة للاستحالة، صيَّرها ذهبًا أو فضة. ووسوست للمسيحيين الذين أخذوا الكيمياء عن المسلمين بأن في «الإكسير» الذي سموه أيضًا «حجر الفلاسفة» منافع أخرى، كخاصة الدواء الشافي لكل داء، والماء الذي فيه الحياة وطول العمر، وغير ذلك من الخواص الكاذبة، التي أوهمت علماء الإفرنج بأن الكيمياء القديمة حديث خرافة من خرافات القرون الوسطى. غير أن كثيرًا من علماء هذا العصر، دحضوا آراء القائلين ببطلان الكيمياء القديمة، ومهدوا السبل للسالكين طريقة جابر، باكتشافهم التركيب الكيميائي، واصطناعهم المركبات العضوية، مما كانت الطبيعة متفردة بتكوينه قبل اليوم. وأثبتوا بأن علم الكيمياء الحديث والاكتشافات التي اكتشفت فيه لغاية هذا العصر لم يهدما أساس الكيمياء القديمة، المبنية على حقائق فلسفية، يقبلها العقل، ويؤيدها البرهان، وأفسدوا الاعتقاد ببطلان علم جابر.
في كل جيل أباطيل يدان بهافهل تفرد يومًا بالهدى جيل؟ فالكيمياء لغة مثل السيمياء — اسم صنعة — وهو عربي كما ذكر في مختار الصحاح، من كمي بمعنى استتر. ووجه التسمية ظاهر؛ لأن الكيمياء القديمة من الصناعات السرية المستترة، وكان منتحلو هذه الصناعة يراعون فيها قاعدة الستر والإخفاء. أما علماء الإفرنج فلم يتفقوا على أصل كلمة كيمياء Alchemy، فقد جاء في معجم لاروس الفرنساوي أن كيمياء لفظ يوناني مشتق من كيموس بمعنى العصارة. وقال بعضهم: إنه مشتق من اللاتينية، وجميعهم متفقون على أن أل الموجودة في كلمة الكيمياء هي أل التعريف العربية. هذا معنى الكيمياء في اللغة. وأما في اصطلاح جابر وشيعته، فهي علم يبحث فيه عن المادة، التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة. فهذه المادة يسمونها الإكسير، ويزعمون أنه يلقى منها على الجسم المعدني مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمى بالنار، فيعود ذهبًا إبريزًا، ويدَّعون بأن الإكسير موجود بالقوة في جميع الأجسام، سواء أكانت معدنية أم نباتية أم حيوانية. غير أنه يسهل استخراجه بالفعل من بعضها فقط، وفي الغالب من الجسم الحيواني؛ ولذلك نراهم يفحصون جميع المكونات من المعادن والنباتات والفضلات الحيوانية كالريش والعظام والبيض والدم وغيرها، ويعينون خواص جميع ذلك وأمزجتها وقواها، لعلهم يعثرون فيها على الإكسير. أما الأعمال التي يجرونها في فحص المكونات وتعيين خواصها، فهي كثيرة، منها حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية، بالتصعيد أو التقطير، وتجميد الذائب منها بالتكليس، وتركيب الأجسام بالتزويج والتعفين. والتزويج باصطلاحهم، هو اختلاط الجسم اللطيف بالغليظ، والتعفين هو التمشية والسحق، حتى يختلط بعض الأجسام ببعض، وتصير شيئًا واحدًا، لا اختلاف فيه ولا نقصان، بمنزلة الامتزاج بالماء، وهذا هو المعبر عنه في الكيمياء الحديثة بالامتزاج الكيميائي، للتفريق بينه وبين الاختلاط العادي، ومن تلك الأعمال أيضًا الغسل والتنقية والتنشيف، وغير ذلك مما هو معروف. ويستعينون على هذه الأعمال بآلات كثيرة، أهمها الإناء والقرن والقارورة والقرعة والفرن وغير ذلك. فموضوع الكيمياء القديمة هو تحول المعادن، بل انقلاب جميع المواد المستعدة لقبول التحول من نوعها إلى نوع آخر. وهذا هو الغرض الذي يجري وراءه اليوم علم التركيب الكيميائي، الذي هو باب عظيم من أبواب الكيمياء الحديثة. وغاية الكيمياء القديمة تحويل المعادن الخسيسة المبتذلة — كالرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين — إلى المعدنين الشريفين النادرين، وهما الذهب والفضة، فهذه الغاية هي التي أطمعت الناس في هذا العلم من قديم الزمان، واستهوت الكثيرين حتى استهلكوا في طلبها.
اختلفوا فيمن وضع علم جابر، وفي الزمان الذي وضع فيه. فزعم القدماء بأنه صنعة إلهية وفرع من فروع العلوم الروحانية، وقالوا بأن هذا العلم هو باصطلاحهم أحد العلوم الملهمة السرية — كالسيمياء والسحر والتنجيم والطلسمات — وجد في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة، وإن سندهم فيه يتصل إلى هرمس الأعظم الذي يحسبونه كبير فراعنة مصر، أو أعلم علمائها، وينسبون إليه جميع العلوم والحكمة، ويعتبرونه في مصاف الآلهة. غير أن علماء الآثار لم يقفوا في أبحاثهم وتحرياتهم على أثر لهرمس هذا. وقيل: كان هرمس الأعظم في بابل، ولعل مرادهم به حينئذ إدريس عليه السلام، حيث ورد بأنه من السريانيين أخوات الكلدانيين، وبأنه أول من أعطي النبوة وخط بالقلم، وأول من نظر في علم النجوم والحساب وغيرهما من العلوم، وأول من فصل الثياب وخاطها. وقال علماء العصر بأن هذا العلم لم يوضع إلا بعد القرن الثاني، بل الثالث للميلاد، وأن واضعيه علماء الروم في بيزانس أي القسطنطينية، وإنما عزوها إلى علماء مصر لأنها كانت بالنسبة إليهم ينبوع العلم ومهد الحضارة. واستدلوا على قولهم هذا بتدقيق الرسائل القديمة المدونة في الكيمياء، وهي لم تزل محفوظة بالخط اليوناني القديم في مكتبات أوروبا. ويظهر من ورقها وخطها اليوناني القديم وأسلوب إنشائها بأنها من مؤلفات القرن السابع للميلاد، ومؤلفها وإن كان من علماء القسطنطينية، إلا أنه عزاها إلى علماء مصر، وادعى باتصال سندها إلى هرمس الأعظم.
والذي يطمئن له القلب في تحقيق هذا البحث، أن الكيمياء على الإطلاق من قديمة وحديثة، تشتمل على أمرين؛ أحدهما القواعد النظرية، والآخر الصناعات العملية، فصناعة الكيمياء العملية وجدت في الأمم الخالية من قديم الزمان، ووجودها ملازم لوجود العمران. وقد تولدت من صناعات مصر وبابل ومن اشتغال الأمم السالفة في إذابة المعادن، وتخليطها واصطناع البلور وأحجار الفسيفساء وغيرهما، وصبغ الأقمشة وتلوينها؛ وقد ثبت في يومنا أن الصينيين صنعوا البارود والحبر والزجاج، وطلوا الفخار، وأذابوا المعادن قبل الميلاد بقرون كثيرة، وأن المصريين تقدموا في الصناعات العملية، فاستخرجوا شذور الذهب وأحجار الفضة، وغيرهما من المعادن، وأذابوها، وصفَّوْهَا، وخلطوها بعضها ببعض، وكان فيهم الفرَّان والزجاج والمصوِّر والنقَّاش والصبَّاغ. وجميع هذه الصناعات من تطبيقات علم الكيمياء، ولا بد فيها من معرفة هذا العلم معرفة عملية لا نظرية، وقد اشتهروا أيضًا بصناعة تحنيط الموتى، التي هي من أدق الصناعات وأعجبها، وبها حفظت الأجساد لهذا العهد، ولهذه الصناعة علاقة كبيرة بعلم الكيمياء.
وأما الأشوريون والفرس وأهل بابل من الكلدانيين، فإنهم خطوا خطوة كبرى في العمران والحضارة، ولم يزل العلماء يبحثون في آثارهم، وينقبون في خرائب مدنهم، ليعرفوا مبلغ ما وصلوا إليه من الرقي والتمدن. وكانت الصناعات متوفرة لديهم، كما تقدمت كذلك لدى الفنيين الذين اشتهروا بعمل الزجاج وإذابة المعادن وصبغ الأقمشة، حتى كان الداخل مدينة صور يشمئزُّ من روائح مصابغها الكثيرة، كما شاهد ذلك المؤرخ اليوناني إسترابو، وحكاه في تاريخه في القرن الأول للميلاد. وكان لهذه الأمم أيضًا عناية تامة بالسحر والتنجيم وما يتبعها من العلوم السرية، كما أيدت ذلك الاكتشافات، ونطق به القرآن المبين، في قصة هاروت وماروت ببابل، وشأن السحرة في مصر، وقصة نمرود وفرعون مع إبراهيم وموسى عليهما السلام.
وتقدمت صناعة الكيمياء أيضًا عند اليونان والرومان، فاستخرجوا معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها، وضربوا المسكوكات، ووقفوا على خواص كثير من الأملاح المعدنية، فاستفادوا منها في صناعاتهم، وطبخوا الصابون، وشووا الزجاج والفخار وطلوه. وما يشاهد في آثار بنيانهم من كلس الرخام وأنواع الطين دليل على وقوفهم على كثير من أسرار هذه الصناعة.
والظاهر أن الاعتقاد بإمكان وجود الذهب الصناعي تولَّد من رؤية الحوادث الأولية، التي حدثت في علم الكيمياء في أثناء اشتغال الأمم السالفة بالمعادن؛ وذلك أنهم لما رأوا بالتجارب أن الأجسام تتكيف، وتستحيل بالتدبير والمعالجة — أي بالعمليات الكيميائية — استولى على عقولهم الأمل باصطناع الذهب والفضة، وطمعوا في السعادة، فظنوا أنهم يتمكنون من تقليد الطبيعة في تكوينها هذين المعدنين الشريفين، وأنهم يتوصلون للحصول عليهما بالطريقة الصناعية، فقالوا بوجود الكيمياء، وسموها بالصنعة الهرمسية، وألحقوها بعلوم السحر والتنجيم وما شابههما.
وأما القواعد النظرية التي يشتمل عليها علم الكيمياء فأساسها قديم أيضًا؛ لأن القاعدة الأولى في هذا العلم هي العناصر التي يتألف منها الجسم كما يتألف الكون من مجموع الأجسام. وقد تبين لعلماء العصر من تدقيقهم الكتب القديمة، بأن أول من قال بتركيب الجسم من العناصر هم أهل الهند، فإنهم اعتبروا العالم السفلي — أي دنيانا هذه — مركبًا من أربعة عناصر، وهي الهواء والنار والماء والأرض، وأن العالم العلوي — أو السماء — عنصر خامس «الأثير». فالكون عند علماء الهند مؤلف من خمسة عناصر. وأقدم القائلين بمثل هذا القول من فلاسفة اليونان هو الحكيم أمبيدوجل؛ فإنه قال بوجود العناصر الأربعة فقط، ولم يذكر العنصر الخامس، وذلك قبل الميلاد بأربعة قرون ونصف قرن. وذهب فيثاغورس وغيره من حكماء اليونان إلى أن عنصري الماء والنار أصل كل شيء في الوجود، وقال بعضهم بأن عنصر النار وحده أصل الكون، غير أن أفلاطون وأرسطوطاليس أيَّدا رأي القائلين بأن المكونات تتألف من العناصر الأربعة وأوضحا هذا الرأي وبيَّنَاه، واتصل سند علماء الإسلام إلى أرسطوطاليس في جميع العلوم الفلسفية وفي الحكمة، فقالوا بأن الأجسام تتركب من العناصر الأربعة، وهي الأرض والماء والهواء والنار، ويقصدون بالأرض الجسم الصلب، وبالماء الجسم السائل، وبالهواء الجسم الغازي، وبالنار الحرارة والضوء. وبقي هذا الرأي هو المعمول به والمعول عليه بين العلماء إلى أن جاء لافوازيه في القرن الثامن عشر، وأبطل هذا الرأي، وقال بأن العناصر الأربعة ليست بأجسام بسيطة؛ لأن الماء يتألف من عنصرين بسيطين، وهما الهيدروجين (مولد الماء) والأكسجين (مولد الحموضة)، وبأن العناصر البسيطة تزيد عن أربعة بكثير. ومن قواعد الكيمياء النظرية القول بالجوهر الفرد، وأن الأجسام مؤلفة من ذرات متحركة، بينها خلايا، وأول من قال بذلك الحكيم اليوناني لوكيب، وتابعه عليه تلميذه ديموقراط، فأوضح هذا القول وبيَّنه.
فهذه القواعد النظرية، وتلك الصناعات العملية، هيأت علم الكيمياء للظهور والبروز. وفي القرن الثالث للميلاد وما بعده، أخذ اليونان يدونون هذا العلم، كما دون بقراط علم الطب بعد أن كان صنعة عملية، يتناقلها الابن مشافهة عن أبيه.
ولم يذهب أحد من علماء هذا العصر إلى أن الكيمياء من أوضاع الصابئين مع أن جابرًا إمام المدونين في هذا العلم من نسلهم، ورسائل الكيمياء القديمة مملوءة باعتقاداتهم ومذاهبهم. والصابئون طائفتان: إحداهما الحرانيون سكان حران، وهي مدينة في جنوب الرها وعلى مسافة بضع ساعات منها، وهؤلاء من نسل العرب، كما ذكر ذلك السيد جمال الدين الأفغاني في الرد على رينان، ويؤخذ ذلك أيضًا، ما نقله ابن الأثير في تاريخ الكامل، من أن بختنصر أخذ من في بلاده من تجار العرب، وبنى لهم حران بالنجف، وأسكنهم فيها، وجاء بطوائف من العرب وأنزلهم السواد، فابتنوا الأنبار، واتخذوا الحيرة منزلًا. وأساس مذهب الحرانيين التوحيد، والاعتراف بصانع العالم، وأنه حكيم قادر مقدس، إلا أنهم يتقربون إليه بالكواكب السبعة السيارة، ويعتقدون أنها مدبرة لهذا العالم السفلي، ولها أرواح مؤثرة فيه، ولكل كوكب منها تأثير خاص به؛ ولذا كانت عبادتها مبنية على التوسل إليها، بتلاوة العزائم والأقسام، وجعلوا لكل شيء وردًا قسمًا مخصوصًا. وللحرانيين آراء كثيرة على مذهب أرسطو في المادة، والعناصر، كما ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست، فلعلهم اقتبسوا شيئًا من فلسفة اليونان، غير أن أساس دينهم وعلومهم مأخوذ — ولا شك — من دين أهل بابل الأقدمين.
والطائفة الثانية من الصابئين هم جنس من أهل الكتاب، يقال لهم الكسائيون؛ نسبة لشيخهم الكسائي. وكان ظهورهم في القرن الثاني للميلاد، فيما بين واسط والبصرة. وأصل الكسائي — مؤسس هذا المذهب — مجوسي، هاجر من شمال بلاد العجم إلى جنوب الجزيرة، ونشر فيها مذهبه، وشرط في العبادة الطهر والاغتسال بالماء، ولذا قال المستشرقون بأن اسم الصابئة مشتق من صبا في اللغة الآرامية، ومعناها اغتسل، وقيل بأن الكسائيين هم المانيون؛ أي الذين هم على دين ماني النقاش. وكان ماني مطلعًا على كثير من العلوم، وله براعة في النقش والتصوير؛ فوضع كتاب «أرتنك» أو «أرجنك»، وادعى بأنه أنزل عليه من السماء. وأساس مذهب الكسائيين — ومذهب المانيين المسمى مذهب الثنوية — القول بوجود عالمين؛ عالم النور، وعالم الظلام، والأخذ بالنور والبراءة من الظلمة. وفي زعمهم أن النور يتألف من الهياكل الروحانية، وهي أشكال نورانية لطبقة عالية تصعد لأعلى طبقة من النور والبهاء. وعالم الظلام يتألف من الهياكل الجسمانية، وهي أشكال مظلمة كثيفة، تهوي للدرك الأسفل من الكثافة والظلام. فهذان العالمان على طرفي نقيض. والكمال والحسن في جانب النور لا في جانب الظلام.
وللصابئيين في العناصر الأربعة مذهب يحكى مذهب قدماء الهنود، فإنهم يقولون بأن الأجسام السفلية — أي التي تحت فلك القمر — مركبة من العناصر الأربعة. وأما جسم السماء — أي ما فوق القمر من الأفلاك — فهو عنصر خامس. وكان الصابئون يكتبون بلسان الآراميين أو الأرمانيين كما سماهم ابن الأثير، وهم نبط سواد العراق، ومن الأمم السامية الذين ملكوا أرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل. وكانت لغتهم السريانية منتشرة في سوريا والجزيرة والعراق، وهي لغة الدين والعلم والسياسة، قبل ظهور الإسلام، وانتشار العربية في هذه الأقاليم، حتى إن عرب الحيرة والأنبار وحران كانوا لا يقرءون ولا يكتبون إلا بالسريانية. وكان لدى الآراميين بقية من علوم الفلك والتنجيم، والسحر، والطلاسم، والنباتات، وغيرها من الطبيعيات، ورثوها عن آبائهم الأقدمين، من الكلدانيين والسريانيين أو الأشوريين، فأضافوا إلى هذه العلوم في منتصف القرن الثاني للميلاد فلسفة اليونان وعلومهم، بترجمتها من اليونانية إلى السريانية، واشتهر من هؤلاء المترجمين ابن ديصان — منجم الرها، وليس بأسقفها كما توهم كثير من المؤرخين — فأحيا اللغة السريانية، ووسع دائرة العلم وفن الأدب فيها. وفي ابتداء القرن الثالث أنشئت مدرسة الرها، وكانت على حدود مملكة الأكاسرة فسميت مدرسة الفرس، وهرع إليها الطلاب من العراق والعجم والشام، ودُرِّست فيها اللغة اليونانية، وترجمت كتبها إلى السريانية. واشتهر من حكمائها «أفريم» وغيره. ودخل النساطرة مدرسة الرها في أوائل القرن الخامس للميلاد، واشتهروا فيها بالطب، وبمعرفة كثير من الأدوية، والعقاقير المستفادة من المعادن والنباتات، ولما نفاهم القيصر زينون، وأقفل مدرسة الرها، تجمع النسطوريون في نزيب — وكانت في ملك الأكاسرة — ثم تفرقوا في بلاد فارس، ورحلوا إلى الهند والصين، ثم انضم إليهم أصحاب الرواق — من المشائين — لاضطهاد القياصرة لهم؛ ففتح لهم كسرى أنوشروان مدرسة للطب والفلسفة في جنديسابور، من إقليم خوزستان، واستمرت هذه المدرسة إلى زمن العباسيين. وكان في قنسرين — وهي على الضفة اليسرى لنهر الفرات — مدرسة أخرى لدرس العلوم اليونانية والفلسفة.
فيتضح من ذلك أن للآراميين والصابئين مشاركة في العلوم والفلسفة، حتى لقبهم المسعودي بعوام اليونانيين، وحشوية الفلاسفة المتقدمين، ولهم كتب كثيرة في الفلسفة والنجوم وغيرهما، ولم يصل إلينا منها إلا القليل، مثل كتاب المصاحف السبعة، والفلاحة النبطية التي هي من أوضاع أهل بابل، ولا يقتصر فيها على مجرد علم الفلاحة كما يستشعر من اسمها، وإنما النظر فيها للنبات عامة، من جهة غرسه وتنميته، ومن جهة خواصه وروحانيته، ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل، والمستعمل ذلك كله في باب السحر، وفيها شيء من أخبار النبط وعبادتهم وعوائدهم. وترجمت الفلاحة النبطية للعربية، واختصر ابن العوام ترجمتها، واقتصر فيها على فن الفلاحة، من جهة غرس النبات وتربيته.
فمن أغلب الاحتمالات أن للحرانيين معرفة بالكيمياء، ولا يبعد أن تكون مؤلفاتهم السريانية دثرت، كمؤلفات اليونان الأولية، التي وضعت بهذا العلم في القرن الثالث للميلاد وما بعده. فإنه لما تنصرت قياصرة الروم، وحرمت أساقفتهم النظر في العلوم العقلية، قتلوا العلماء، ونفوهم في الأرض، وأبطل القيصر ثيودوس (???م) التعليم في رومية، وشتت القيصر زينون (???م) شمل علماء الرها، وخرب مدرسة النسطوريين فيها، وأقفل القيصر يوستنيان رواق المشائين من أثينا (???م) دار الحكمة، ومهد الفلسفة، فكان القرن الرابع وما بعده إلى القرن السابع شؤمًا على العلم وأهله، وربما كانت رسائل كيمياء البيزانتيين — المحفوظة اليوم في مكتبات أوروبا — هي هذا العلم من المؤلفات الثانوية، التي سمح الدهر ببقائها لهذا العصر.
ولم تزل رسائل الكيمياء مهجورة، ككتب سائر العلوم في جميع العالم المسيحي، المستولي إذ ذاك على القسطنطينية، وبلاد اليونان والأناضول والشام والجزيرة والعراق ومصر وإيطاليا، وذلك لما اقتضاه الأخذ بدين النصرانية، وتعصب القياصرة. ودام كوكب العلم آفلًا إلى أن بزغت شمس الإسلام، وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له، وابتزوا الرومَ والفرسَ ملكهم، واستولوا على الشام ومصر والعراق وفارس، وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن العلوم والصناعات، حتى قويت شوكة الدولة، وأخذوا من الحضارة نصيبًا، وأقبلوا على العلوم العقلية، وترجموا كتبها للعربية عن خمس لغات، وهي الفارسية، والهندية، والسريانية، واليونانية، والعبرانية. واستخدموا لذلك بادئ الأمر علماء الأقوام الذين خضعوا لهم على اختلاف مللهم ونحلهم، وقربوهم، وأغدقوا عليهم. وكان الخلفاء والأمراء يتحرون أربعة أصناف من أصحاب العلوم والمعارف، وهم الحكماء، والأطباء، والعقلاء ذوو الرأي والتدبير، وذوو المهارة التامة في الصناعات. فأبو لؤلؤة الذي غدر بعمر (رضي الله عنه) كان من القسم الرابع وكانت بيده عدة صناعات، وسرجيوس بن منصور — المعروف بسرجون الرومي — خدم ثلاثة خلفاء، وهم معاوية، ويزيد، وعبد الملك بن مروان، وكان سرجون من العقلاء، وابنه يوحنا الدمشقي من المقربين إلى الخلفاء، وكان لمروان ابن الحكم طبيب يهودي، يتكلم السريانية، ترجم كتاب هارون الطبيب، الذي كان من أطباء الإسكندرية على عهد هرقل، واشتهر كتابه في بلاد الشام. وكان عند الحجاج عامل عبد الملك بن مروان طبيبان، يفهم من اسميهما بأنهما روميان، وهما «تيادك» و«تيودن».
وابتدأت ترجمة العلوم في خلافة أبي جعفر المنصور — ثاني خلفاء بني العباس ومؤسس مدينة بغداد — وكان في أول المترجمين ابن المقفع، وكان مجوسيًّا فأسلم ودخل في خدمة عيسى بن علي عم السفاح أول خلفاء العباسيين، فكان يستخدمه في الكتابة والإنشاء، فترجم كتاب كليلة ودمنة من البهلوية إلى العربية، وكان هذا الكتاب قد ترجم على عهد أنوشروان من الهندية إلى البهلوية. وكانت أنظار المسلمين اتجهت نحو علوم الفرس والسريانيين، فترجموا كتب ماني الحكيم، وكتب ابن ديصان، ثم بعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يرسل إليه كتب التعاليم، فبعث إليه بكتاب إقليدس، وبعض كتب الطبيعيات، والمجسطي لبطليموس، والمنطق لأرسطو، وغيرها من كتب اليونان. وفي سنة ??? للهجرة جاء إلى دار الخلافة هندي بكتاب «سندهند»، فأنعم عليه المنصور، وأمر بترجمته إلى العربية، فترجمه المنجم الفزاري، وابتدأ المسلمون يتعلمون منه الحساب الهندي، وعلم النجوم. وليس هنا محل ذكر الترجمة والمترجمين في الإسلام.
ولعل السابق إلى تحصيل الكيمياء والطب من قريش خالد بن يزيد بن معاوية — حكيم آل مروان، وعالم قريش وربيب مروان بن الحكم — فإنه رغمًا عن بعده عن العلوم والصناعات لأنه من الجيل العربي العريق في البداوة، أقبل على تحصيل الطب والكيمياء، وأخذ عن طبيب من أطباء الدولة الأموية يسمى مريانس، وعن غيره من علماء الروم والسريانيين، وألف في الكيمياء الرسائل المنقولة عنه، كالرسالة المترجمة إلى اللاتينية وعنوانها «رسالة في الكلمات الثلاث»، ونقل عنه المشتغلون بالكيمياء كثيرًا من مسائلها، كما كان من أعظم المشجعين على ترجمة كتب الفلاسفة، والنجوم والكيمياء والطب، من اللغات اليونانية والقبطية والسريانية. وهو أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة في الإسلام.
وكان خالد إلى جانب علمه متكلمًا، متصرفًا بفنون الأدب، وفصيحًا لسنًا، بل وشاعرًا يقرض الشعر الجيد، ونوادره وحكاياته التي تروى عن فصاحته كثيرة ومتفرقة في بطون كتب الأدب، وقد روي له شعر جيد، قاله حين تزوج من رملة بنت الزبير، أخت مصعب وعبد الله:
أحب بني العوام طرًّا لحبهاومن أجلها أحببت أخوالها كلبافلا تكثروا فيها الضجاج فإننيتنخلتها عمدًا زبيرية قلباتجول خلاخيل النساء ولا أرىلرملة خلخالًا يجول ولا قلبا وتلا خالد بن يزيد في العلوم العقلية والكيمياء الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين، بن الحسين بن علي بن أبي طالب — رضي الله عنهم أجمعين. وهذا محتمل لأن الإمام جعفرًا كان آية باهرة في العلم، وفريد عصره في المنقول والمعقول، وقد نبغ من تلامذته الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ابن ثابت، بعد أن انتظم في حلقة تدريسه، ونهل من بحر معارفه، حتى قيل بأنه لو لم يكن إمام المذهب، وصاحب الاجتهاد في المنقول، لكان من أعظم الحكماء والفلاسفة في المعقول. وينسب للإمام جعفر الجفر، الذي كان مكتوبًا عنده في جلد ثور، ورواه عنه هارون بن سعيد العجلي، رأس الزيدية. فلا يستبعد أن تكون للإمام جعفر معرفة بالكيمياء أيضًا، وبغيرها من العلوم، لا سيما وكان جليس أبي جعفر المنصور، وهو أول من أوفد الرسل إلى قيصر الروم لاستخراج علوم اليونانيين، وانتساخها بالخط العربي. ولم يأخذ الإمام جعفر هذا العلم عن خالد بن يزيد مشافهة لسبق وفاته في سنة ??، ولكنه قرأ كتبه وربما أخذ عن خالد آخر من أهل المدارك.
جابر بن حيان

هو أبو موسى جابر بن حيان الصوفي، إمام المدونين في الكيمياء التي نسبت إليه، فقيل لها علم جابر، وكان كأبي حنيفة من تلامذة الإمام جعفر الصادق. اختلف النسابون في نسبه، فذهب بعضهم إلى أنه حراني من بيت سنان بن ثابت بن قرة، الذي قال فيه الشاعر:
هل للعليل سوى ابن قرة شافبعد الإله وهل له من كافأحيا لنا رسم الفلاسفة الذيأودى وأوضح رسم طب عاففكأنه عيسى ابن مريم ناطقًايهب الحياة بأيسر الألطافيبدو له الداء الخفي كما بداللعين رضراض الغدير الصافي وإليهم انتسب البتاني أيضًا، وكلهم أفاضل، اشتهروا بالعلم والفلسفة. وذهب ابن النديم صاحب الفهرست إلى أن جابر بن حيان من طوس، إحدى مدن خراسان، وأنه من نسل البرامكة، الذين هم من مجوس الفرس، وقال آخرون بأن جابرًا عربي الأصل، من قبيلة الأزد من اليمن، عاش أبوه في الكوفة في أواخر عصر بني أمية، وكان صيدليًّا، وبقي يمارس مهنته حتى أوائل القرن الثامن للميلاد، حينما بدأ العباسيون يطالبون بني أمية بالخلافة، فشايعهم حيان، وأرسلوه إلى طوس لينشر مبادئهم، وهناك ولد جابر. وكيفما كان فجابر ولد مسلمًا، واستوطن الكوفة، وكانت حاضرة العلم والعرفان في صدر الإسلام. واشتغل جابر بالعلم في أواسط القرن الثاني للهجرة، وأخذ عن أكابر العلماء، وتصفح كتب القوم، سيما ما يختص منها بالكيمياء والسيمياء والطلسمات والسحر مثل الفلاحة النبطية ومصاحف الكواكب السبعة، وغيرهما، من كتب اليونان والسريان والهنود والفرس واليهود، وتبحر في جميع أنواع العلوم والمعارف التي كانت موجودة على عهده في الأمم المختلفة، وجمعها بقوة عقله وشدة ذكائه، وغاص على الصناعة، واستخرج زبدتها، وألف في الكيمياء والسيمياء والسحر التآليف التي لم يسبق إليها، وبحث في النجوم والنباتات وسائر العلوم الطبيعية، حتى بلغ عدد مؤلفاته على ما روي خمسمائة رسالة. وقال ابن خلدون: له في الكيمياء سبعون رسالة، وضعها أثناء البحث فيها، وسماها بالرسائل السبعينية. وأثنى ابن سينا والرازي وغيرهما من أهل العلم على جابر، وعدوه إمامًا في الطبيعيات، مع مخالفة ابن سينا له في الرأي بانقلاب المعادن. وجميعهم مدح تآليف جابر، وعدَّد الكثير منها صاحب الفهرست، ولم يذكر منها الكاتب جلبي صاحب كشف الظنون إلا «الخالص» و«كتاب الخواص». وروى الهلال الأغر بأن في المكتبة الخديوية في القاهرة كتابًا اسمه «كشف الأسرار وهتك الأستار»، وآخر اسمه «إخراج ما في القوة إلى الفعل» و«كتاب الصنعة الإلهية والحكمة الفلسفية»، وكلها خطية. ويوجد شيء من كتب جابر في مكتبات الأستانة. وفي مكتبات أوروبا كثير من الكتب العربية المنسوبة لجابر.
وكتب جابر شبيهة بالألغاز كسائر الكتب في هذا العلم، وزعموا أنه لا يفتح مغلقها إلا من أحاط علمًا بجميع ما فيها، لتوقف فهم الرسائل بعضها على بعض، كمسائل الهندسة التي لا يفهم أعلاها إلا بعد معرفة المقدمات والمسائل الابتدائية. غير أن هذه الألغاز مقصودة في كتب جابر لحجب فهمها عن العموم، وقد اهتم الكيميائي برتلو بما في باريس من كتب جابر، وأشار بترجمتها فترجمت، ووجد أنها تشتمل على مباحث العناصر الأربعة، وهي النار والهواء والماء والأرض، وعلى الكيفيات الأربع، وهي الرطوبة واليبوسة والبرودة والحرارة، كما تشتمل على قاعدتهم في أن بقاء الأجسام على حالتها الطبيعية يتوقف على موازنة هذه الطبائع. ووجد لجابر رأي، زعم برتلو أنه أخذه عن حكماء اليونان، وهذا الرأي هو أن للمعادن نفسًا وجسدًا وصفات ظاهرية وصفات باطنية. فإذا عولج الرصاص ودبر، وزيد في بعض هذه الخواص، ونقص من البعض الآخر، انقلب الرصاص ذهبًا. فهو يشرح كيفية هذه المعالجة وهذا التدبير، ويبين تركيب الحجر المكرم الحيواني، والحجر المكرم المعدني. وتشتمل هذه الترجمة أيضًا على خلاصة منطق أرسطو، وعلى شيء من علم ما وراء الطبيعة، وفيها كلام على الجسم والنفس، والعرض والقوى التي أبلغ عددها إلى سبعة عشر قوة، وقال بأن كل شيء في الوجود يتركب منها. وتشمل أيضًا على خلاصة في علم الطب والتشريح، وعلى كلام في المخ والرأس والأعصاب والقوة المخيلة والحافظة والمفكرة، وأكثر جابر في هذه الرسائل المترجمة من التوصية بتعلم علم النجوم، وزعم أن هذا العلم لا بد منه في هذه الصناعة، وبحث أيضًا في علم أسرار الحروف، ورتب جداول في قيم أعدادها وبيان خواصها. قال برتلو: وهذا مذهب قديم، كان عند الحكماء والمنجمين في مصر.
وطار لجابر ذكر في العالم، واشتهر في أوروبا أكثر من اشتهاره في العالم الإسلامي، وأقبل على كتبه في القرون الوسطى جميع علماء الإفرنج، وترجموا كثيرًا منها إلى اللاتينية، وتغالوا في مدحه والثناء عليه، وعدوه من العقول النادرة التي سمح الدهر بها مرة. وقال عنه غاردان، أحد علماء الإفرنج في القرن السادس عشر للميلاد: إنه واحد من العقول الاثني عشر التي ظهرت في الدنيا، وقال غيره من علمائهم في كلامه عن حجر الفلاسفة: ما هذا الحجر إلا مرآة ترى فيها أقسام العقل الثلاثة، فمن ملكها أصبح عاقلًا مثل أرسطو، وابن سينا، وجابر. ومن كتبه المترجمة إلى اللاتينية: «مبادئ علم الكيمياء» طبع في بال سنة ????م. و«وصية جابر» و«كيمياء جابر» و«مختصر الإكسير الكامل» و«نهاية الإتقان» و«رسالة الأفدان» وغيرها.
أبو بكر الرازي

ثم اقتفى العلماء أثر جابر في هذا العلم، ونحوا منحاه، وألفوا فيه رسائل عديدة، وكتبًا كثيرة متنوعة، واشتهر من هؤلاء المؤلفين في المشرق أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (???–????) ولد في الري، وكانت في جوار طهران، وارتحل في طلب العلم إلى العراق، والشام، ومصر، والأندلس، فارتوى من بحوره، واشتهر بالطب، حتى سُمِّيَ جالينوس عصره، وحتى قيل: إن الطب كان معدومًا فأحياه جالينوس، وكان متفرقًا فجمعه الرازي، وكانت ناقصًا فكمله ابن سينا. وعُيِّن الرازي مديرًا للبيمارستان في بغداد، فكان من أشهر أساتذة مدرستها، وتقلد غيرها من الوظائف، وصار طبيبًا للمنصور بن نوح الساماني، صاحب ما وراء النهر وخراسان.
وكان الرازي يجلس في مجلسه ودونه التلاميذ، ودونهم تلاميذ آخرون، فكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من يلقاه، فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم، فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي. وكان كبير الرأس جليل الطلعة، يتهيب الناس مجلسه. ويروون عن ذكائه وإصابته نوادر كثيرة لا محل لها هنا.
وألف الرازي كتبًا كثيرة، كبيرة الحجم كثيرة الفوائد، منها ما هو في ثلاثين مجلدًا، ومنها ما هو في عشرة أو خمسة عشر مجلدًا، وخلَّف أكثر من مائتي مؤلَّف، لا يزال باقيًا منها إلى الآن بضعة وعشرون مؤلفًا، يطول بنا وصفها، وإنما نذكر أشهرها، وهو كتاب الحاوي في علم التداوي، وهو مترجم إلى اللاتينية، ومطبوع في البندقية، ومنها كتاب المنصوري، وكان يدرس في باريس. وله في الكيمياء خاصة اثنا عشر كتابًا، منها كتاب الرد على الكندي في إدخال صناعة الكيمياء في الممتنع، كتاب الإثبات، كتاب الحجر الأصفر، كتاب في محنة الذهب والفضة والميزان الطبيعي، وغيرها. وتُرجم الكثير من تآليفه إلى اللاتينية. وبعد أن ذكر في كتابه الحاوي الفوائد التي استفادها علم الطب من صناعة الكيمياء قال: وأما سر هذه الصناعة في تحول المعادن، فهو من الممكن لا من المستحيل، ولا يكشف الغطاء عن هذا السر إلا بكثرة التجارب والامتحان، وما أسعد الإنسان إذا تمكن من رفع طرف هذا الحجاب الذي احتجبت به الطبيعة عنا.
ولم يزل اسم الرازي يذكر في كتب الكيمياء الحديثة، وطريقته مستعملة في استحضار زيت الزاج، ويسميه الإفرنج حامض الكبريتيك. وقد قدر علماء أوروبا الرازي حق قدره؛ فقد اتفق أن جامعة باريس الطبية، أرادت في القرن الرابع عشر للميلاد أن تقوم ببعض ترميمات، وأعوزها المال، فلم تجد من يسلفها المال، إلا بعد أن استودعته حاوي الرازي مرتين، ولم يقبل المسترهن بشيء ثمين سوى هذا المؤلف.
على أن مؤلفات الرازي ألحقت بصاحبها الأذى، فقد ذكروا في سبب وفاته أنه ألف كتابًا في الكيمياء، وحمله إلى المنصور الساماني، فلما وصل إلى خراسان قدم الكتاب إلى المنصور، فأعجبه وشكره، ودفع إليه ألف دينار. ولكنه قال له: أريد أن تخرج هذا الذي ذكرت في الكتاب إلى حيز الفعل. والظاهر أن الرازي لم يكن يعتقد صحة الكيمياء، وإمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى الذهب والفضة، وإنما كان يؤلف بها الكتب على ما يصفها أصحابها التماسًا للمال، فلما طلب المنصور منه هذا الطلب، قال له: إن ذلك يحتاج إلى المؤن والعدد والعقاقير والدقة في العمل، مما يستغرق نفقات طائلة. فقال المنصور: كل ما احتجت إليه من الآلات أو العقاقير أو غيرها فإني أحضره لك، حتى تخرج ما ذكرته في كتابك هذا إلى العمل. فلما رأى إصرار المنصور أذعن، ولكنه عجز عن العمل، فقال له المنصور: ما اعتقدت أن حكيمًا يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة، يشغل بها قلوب الناس، ويتعبهم فيما لا يعود عليهم بمنفعة. ثم قال له: لقد كافأتك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار، ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب. ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع، ثم جهزه وسيره إلى بغداد. فكان ذلك الضرب سببًا في نزول الماء في عينيه، وجاءه رجل يداويهما، فقال له الرازي: كم طبقة للعين؟ قال لا أعلم. فقال لا يقدح عيني من لا يعلم ذلك، ثم قال: قد نظرت الدنيا حتى مللت فلا حاجة بي إلى عينين.
الفارابي

ممن عاصر الرازي وكتب في الكيمياء واشتغل بها الفارابي، المتوفى سنة ????. وهو أبو النصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان. ولد في فاراب، وهي في ما وراء النهر، ولا يعرف تاريخ ولادته، وتروى حكايات كثيرة عن نشأته، ولكن أكثرها مشكوك فيه. روى ابن أبي أصيبعة — في عيون الأنباء — أن الفارابي كان ناطورًا في بستان في دمشق، وكان دائم الاشتغال بالفلسفة، وكان فقيرًا، ويستضيء في الليل بالقنديل الذي للحارس، ثم إنه عظم شأنه.
وأقبل الفارابي على العلم، فتعلم كثيرًا من اللغات المتداولة في عصره، كالعربية والفارسية والتركية واليونانية والسريانية، وطاف بلاد العجم والعراق والشام ومصر، فأخذ العلم في بغداد عن أبي بشر متى بن يونس، وفي حران عن يوحنا بن حيلان، حتى صار أعلم أهل زمانه، ووفد على سيف الدولة بن حمدان أمير حلب، فأغدق عليه وبالغ في إكرامه، وأراد أن يغمره بعطاياه، فامتنع، واكتفى بقبول أربعة دراهم تخصص له في كل يوم، ولم يقبل سواها. وأقام عنده إلى أن وافته المنية في سياحة من حلب إلى دمشق، سنة ??? هجرية، عن سن يتجاوز الثمانين، ودفن خارج الباب الصغير. ولما توفي تزيا سيف الدولة بزي صوفي، ورثاه على قبره، ويؤيد هذه الرواية ما نقله ابن أبي أصيبعة، من أن سيف الدولة صلى عليه صلاة الجنازة في خمسة عشر رجلًا من خاصته.
وكان الفارابي محبًّا للعزلة يصرف أوقاته منفردًا تحت ظلال الأشجار، وعلى مجاري المياه، ويشتغل بالمطالعة والتحرير والتأليف، وكان من عاداته أن يحرر مؤلفاته على أوراق متفرقة، ولذا وجد نقصان وتشويش في كتبه، وأكثر استفادة ابن سينا كانت من كتب الفارابي. ونقلت عنه في الكيمياء أقوال كثيرة، ومن مؤلفاته مقالة في صناعة الكيمياء والرد على مبطليها. قال ابن خلدون في مقدمته: وأكثر من يعنى بالكيمياء ويقول بصحتها الفقراء من الحكماء، فإن ابن سينا — القائل باستحالتها — كان من علية الوزراء، ومن أهل الغنى والثروة، والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر، الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش، وهذه تهمة ظاهرة في أنظار النفوس المولعة بطرقها، وانتحالها؛ لأن بعض الوزراء الأغنياء — أمثال الطغرائي — قالوا بصحة الكيمياء، وإمكان وجودها.
وكان الفارابي ذكي النفس، متجنبًا عن الدنيا، كما رأينا من اكتفائه بأربعة دراهم في كل يوم، يسير سيرة الحكماء، واشتهر بعلو كعبه في الفلسفة والمنطق. واشتغل بكتب أرسطو. قال: قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودته. وأما في المنطق فقد جاء في طبقات الأمم أن الفارابي بلغ جميع الفلاسفة في صنعة المنطق، وأربى عليهم في التحقيق بها، فشرح غامضها، وكشف سرها، وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة، منبهة على ما أغفله الكندي وغيره، من صناعة التحليل، وإنحاء التعاليم وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وأفاد وجوه الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها، وكيف تعرف صورة القياس في كل مادة، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافة والنهاية الفاضلة.
وللفارابي كتب كثيرة، أشهرها مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة، وقد طبعت في ليدن سنة ????، وكتاب إحصاء العلوم، وقد ترجم إلى اللاتينية، وله رسالة في المنطق والتوفيق بين رأيي الحكيمين أرسطو وأفلاطون، وكتب أخرى في الرياضيات والكيمياء والموسيقى، متفرقة في مكتبات أوروبا والأستانة.
مسلمة

افتتح المسلمون إسبانيا منذ أواخر القرن الأول للهجرة، وأسسوا فيها دولتهم، واتخذوا قرطبة دارًا لخلافتهم، وزينوها بالجوامع والمدارس والقصور، حتى قيل في وصفها:
بأربع فاقت الأقطار قرطبةوهي قنطرة الوادي وجامعهاهاتان ثنتان والزهراء ثالثةوالعلم أفضل شيء وهو رابعها فكانت بضاعة العلم فيها رائجة، ومدارسها عالية جامعة، وفيها ندوة علمية، يتقاطر إليها العلماء من جميع الأمصار، ومكتبة عظيمة استوعبت ستمائة ألف مجلد. ثم انتشر العلم في قرطبة إلى بقية مدن الأندلس، مثل إشبيلية، وطليطلة، ومرسية، وكان في كل مدينة من هذه المدن مدرسة للطب، وكثير من أفاضل العلماء ومشاهير الحكماء، وامتاز علماؤها بالتدقيق في المباحث الفلسفية، واستنباط كثير من المسائل العلمية، فرقصت الأندلس على عهدهم بأكمام الحضارة، وازدهرت فيها العلوم والمعارف، وراجت سوق الصناعات، وكان للكيمياء حظ وافر من عناية علماء الأندلس، ونبغ في هذه الصناعة مسلمة بن أحمد المجريطي، ويكنى بأبي القاسم، وينسب لمجريط، التي يقال لها اليوم مدريد، عاصمة إسبانيا. وقيل: بل ولد في قرطبة في أوائل القرن الرابع للهجرة، وتوفي سنة ????. واشتهر في كافة العلوم الطبيعية والرياضية، حتى صار إمام أهل الأندلس في التعاليم، وهي العلوم الناظرة في المقادير، وهي أربعة: الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى. وأصبح «إمام الرياضيين في الأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بفهم كتاب بطليموس المعروف بالمجسطي».
ولخص مسلمة كتب من تقدمه، وجمع طرفيها، وكتب في الكيمياء كتابًا سماه «رتبة الحكيم»، وجعله قرينًا لكتابه الآخر في السحر، الذي سماه «غاية الحكيم»، وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة، وثمرتان للعلوم، ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع. ولا أدري إن كان لهذين الكتابين اليوم وجود في إحدى مكتبات الشرق أو الغرب، وهل أحد من علماء الإفرنج عني بترجمتهما ودرسهما أم لا؟ ولمسلمة كتاب في الحساب سماه كتاب المعاملات، وآخر في الهيئة سماه اختصار تعديل الكواكب من زيج البتاني. واشتغل كثيرًا برصد الكواكب، وبيَّن مواقع الكواكب الثابتة، وأصلح شيئًا من زيج من تقدمه، فقد عنى بزيج الخوارزمي، وقال صاعد الأندلسي في طبقات الأمم: «وزاد فيه جداول حسنة، على أنه اتبعه إلى خطته فيه، ولم ينبه على مواضع الغلط منه، وقد نبهت على ذلك في كتابي المؤلف في إصلاح حركات الكواكب، والتعريف بخطأ الراصدين.
ولمسلمة تلاميذ كثيرون، اشتهروا بالعلم والفضل، وأنشأ بعضهم مدارس في قرطبة وفي غيرها من مدن الأندلس، منهم الكرماني، وابن الصفار، وابن خلدون. ومن تلامذته الذين اشتهروا بعلوم الطبيعة على العموم وبعلم الكيمياء على الخصوص أبو بكر بن بشرون، وأبو السمح الغرناطي، وكلاهما من علماء الأندلس في القرن الرابع والخامس للهجرة. وللأول رسالة في صناعة الكيمياء، حررها لرفيقه الثاني، وافتتحها بمقدمة في معرفة تكوين المعادن، وتخليق الأحجار والجواهر، وطباع البقاع والأماكن. وملخص الرسالة مدرج في مقدمة ابن خلدون. قال ابن بشرون في الكلام على ما يسميه الكيميائيون بالبيضة: ولقد سألت مسلمة عن ذلك يومًا وليس عنده غيري فقلت له: أيها الحكيم الفاضل، أخبرني لأي شيء سمت الحكماء مركب الحيوان بيضة، اختيارًا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم إليه؟ فقال: بل لمعنى غامض. فقلت: أيها الحكيم، وما ظهر لهم من ذلك من المنفعة والاستدلال على الصناعة، حتى شبهوها وسموها بيضة؟ فقال: لشبهها وقرابتها من المركب، ففكر فيه، فإنه سيظهر لك معناه. فبقيت بين يديه مفكرًا لا أقدر على الوصول إلى معناه، فلما رأى ما بي من الفكر، وأن نفسي قد مضت فيه، أخذ بعضدي وهزني هزة خفيفة، وقال لي: يا أبا بكر، ذلك للنسبة التي بينهما في كمية الألوان عند امتزاج الطبائع وتأليفها، فلما قال ذلك، انجلت عني الظلمة، وأضاء لي نور قلبي. وقوي عقلي على فهمه، فنهضت شاكرًا الله عليه إلى منزلي، وأقمت على ذلك شكلًا هندسيًّا يبرهن به على صحة ما قاله مسلمة.» فيظهر لنا من ذلك شدة تحرزهم من إفشاء هذا العلم وعدولهم عن البيان إلى طريق الإلغاز والإيماء، ولمسلمة رسالة في الأصطرلاب ترجمت إلى اللاتينية، كما ترجمت أيضًا شروحه على كتاب بطليموس.
وما زال المسلمون في المشرق والمغرب يؤلفون في الكيمياء حتى طما بحرها، وتكلم فيها من ليس من أهلها، وادعاها كثير من أصحاب الغش، وهم ليسوا على شيء من العلم ولا من الفلسفة، وإنما هم من المتشبهين بالعلماء. وأشهر حكماء المشرق المتأخرين الذين ألفوا في الكيمياء الطغرائي، وهو أبو إسماعيل مؤيد الدين ابن علي الأصبهاني، أكبر فلاسفة القرن السادس وشعرائه، وقصيدته المشهورة بلامية العجم هي من محاسن الشعر العربي، وشرحها كثير من العلماء، وطبعتها الجوائب، هي وديوانه. وكان الطغرائي وزيرًا للسلطان مسعود بن محمد السلجوقي في الموصل، واشتهر لقبه بالأستاذ. ولما انتصر السلطان محمود على أخيه مسعود السلجوقي سعى وزيره بالطغرائي، واتهمه بالكفر والإلحاد، فقتل سنة ??? هجرية. وله في الكيمياء دواوين ومناظرات مع أهلها، وغيرهم من الحكماء. وبعض آرائه وأقواله مذكور في مقدمة ابن خلدون.
وممن ألف في الكيمياء أيضًا الإمام فخر الدين الرازي، (???–????) صاحب التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب. وهو أبو عبد الله محمد بن عمر التيمي البكري، قرشي النسب، وكان أبوه عالمًا خطيبًا، فاشتهر هو بابن الخطيب، وتلقى العلم عن كثير من المشايخ، وارتحل كثيرًا في طلب العلم، وتزوج من بنت طبيب من أشهر أطباء زمانه. وكتبه في العلوم النقلية شهيرة، وله في الكيمياء الكتاب الموسوم بالسر المكتوم، وكتاب في الرمل، ورسالة الجوهر الفرد، وكتاب الأشربة، ومسائل في الطب، وغيرها في الهندسة وبقية العلوم العقلية. وقد ينسبون بعض التآليف في الكيمياء للغزالي صاحب إحياء علوم الدين، ولغيره من أكابر العلماء ومشاهير الحكماء، مثل البوني وابن العربي، وجميع المشتغلين بأسرار الحروف وغيرها من العلوم السرية والأسرار الخفية، ولكن ذلك مشكوك فيه.
الكندي

علماء الكيمياء في الإسلام على مذهبين: أحدهما يقول بإمكان كون الذهب والفضة بالصناعة، ويعتقد بوجود الإكسير الذي يقلب عين المعادن والأحجار إلى المعدنين الشريفين. والثاني يقول ببطلان ذلك. وكلاهما يشتغل بتركيب الأجسام وتحليلها وتحضير الأدوية من الجواهر والعقاقير الطبية، وتركيب الأشربة والمعجون وغير ذلك مما هو مستعمل في الطب. إذ أول ما يلزم لصنعة الطب الاشتغال بالكيمياء. وكذا يشتغلون بتهيئة أنواع العطر والصبغ، وتعيين خواص المعادن والأحجار، وغير ذلك من تطبيق علم الكيمياء القديم والحديث.
وأشهر الكيميائيين القائلين بعدم استحالة المعادن الكندي، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن الصباح بن أشعث الصحابي رضي الله عنه، ابن قيس بن معدي كرب أمير قبيلة كندة من قبائل العرب. ولد في واسط، في أواخر القرن الثاني للهجرة، وقرأ في البصرة وبغداد، ومهر رغمًا عن بداوته في كافة العلوم، حتى لقب بالفيلسوف، وهو أول الفلاسفة. وأبو الحكماء في الإسلام، وكانت له معرفة باليونانية والسريانية، فقربه المأمون إليه، وأغدق عليه، وكان له نفوذ لدى المعتصم وابنه أحمد. وتآليفه أكثر من أن تذكر. ومنها يفهم أنه طرق جميع أبواب العلم والفلسفة، وكتب في الكيمياء خاصة رسالة في التنبيه على خدع الكيميائيين، ورسالة في كيمياء العطر، رسالة في العطر وأنواعه، رسالة إلى أحمد بن المعتصم بالله فيما يطرح على الحديد والسيوف حتى لا تنثلم ولا تكل، رسالة في نعت الحجارة والجواهر ومعادنها وجيدها ورديئها وأثمانها، رسالة في قلع الآثار من الثياب وغيرها.
فيرى من هذه التآليف أن الكندي اشتغل بأهم فروع الكيمياء، كالكيمياء المعدنية والكيمياء العضوية والكيمياء الصناعية وكيمياء البيت. ولعل رسالته في قلع الآثار عن الثياب تشتمل على قليل أو كثير من المواد المستعملة لهذه الغاية في يومنا هذا.
ابن سينا

ومن الكيميائيين القائلين بعدم استحالة المعادن، والذاهبين إلى بطلان علم جابر من المسلمين الشيخ الرئيس أبو علي حسين بن عبد الله، المعروف بابن سينا، بقراط عالم الإسلام، وأرسطوطاليسه، وأشهر أطباء العرب، ومن أعظم فلاسفتهم.
كان أبوه من أهل بلخ، فأتى بخارى على عهد نوح بن منصور الساماني، ودخل في الخدمة، وذهب واليًا لقرية خرميتان إحدى عواصم بخارى، وتزوج بفتاة من تلك القرية فولدت له صاحب الترجمة. وبعد ميلاده ببضع سنين عاد به أبوه إلى بخارى، وعني بتربيته. ولم يبلغ ابن سينا العاشرة من عمره حتى كان قد استظهر القرآن، وألم بجزء صالح من العلوم العقلية والنقلية، ثم بعد ذلك انكب على كتب الحكمة والفلسفة، فبرع فيها، وطيب نوح ابن منصور الساماني، فشفاه الله على يده. فقربه إليه وأدخله مكتبته، وكان فيها من نفائس كتب العلم شيء كثير، فطالعها، وطاف البلاد مع والده، واجتمع بالعلماء الأفاضل، واتصل بالأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير، ثم رحل إلى داغستان، فأصابه فيها مرض شديد، فأتى جرجان، وحرر كتابه الأوسط المسمى بالأوسط الجرجاني، ثم ذهب إلى الري وقزوين وهمذان، وصار وزيرًا لشمس الدولة مرتين، وذهب بعد ذلك إلى أصفهان ومن ثم إلى همذان فاشتد عليه مرض القولنج، فمات فيها في رمضان سنة ??? هجرية، وهو في الثامنة والخمسين من عمره. وقد دون تلميذه الجرجاني ترجمته، ونقلت هذه الترجمة إلى اللغة اللاتينية، وافتتحت بها عدة من مؤلفات الشيخ الرئيس التي نشرت في أوروبا.
وكتب ابن سينا في الطب والحكمة أشهر من أن تذكر، ومنها كتاب الشفاء والنجدة، والإشارات، والقانون، وقد شرحها وعلق عليها أكثر أطباء الإسلام، وحكمائهم، وترجمت إلى اللغات الأوروبية، وطبعت مرارًا. وظل كتابه القانون يشرح في بعض جامعات أوروبا إلى القرن الثامن عشر للميلاد. ولابن سينا في بطلان الكيمياء والرد على أصحابها رسالة حررها للشيخ أبي الحسن سهل، وقال فيها ببطلان صنعة الذهب والفضة، وبعدم إمكان استحالة المعادن بعضها لبعض. وهذه مسألة واحدة من مسائل الكيمياء، وفصل قصير من فصولها الطوال، وأبوابها الكثيرة، وله في بقية مسائل الكيمياء أقوال كثيرة مذكورة في الكتب المتقدم ذكرها، وفي غيرها من الكتب.
الجلدكي وأبو القاسم

إن المصادر التي بين أيدينا تهمل الترجمة لهذين العالمين إهمالًا تامًّا، مع أن لكل منهما أثره العظيم في علم الكيمياء، وذلك بما تركه لنا من مؤلفات كثيرة النفع، كبيرة الفائدة. وهما وإن سارا على منهاج من سبقهما من كبار الكيميائيين، وتأثرا في أبحاثهما وتجاربهما طرق المتقدمين، إلا أن لكل منهما مميزات خاصة، تجعلنا نُعنَى به وندرس مؤلفاته درسًا دقيقًا. فأبو القاسم العراقي الذي ربما عاش في القاهرة في القرن الثالث عشر للميلاد، ترك لنا عدة مؤلفات تمتاز بأنها تعرفنا اتجاه الفكر الإسلامي في علم الكيمياء، بعد انتقاله إلى أوروبا بمدة طويلة. وإذا عرفنا أن الفكر الأوروبي في ذلك العصر، لم يكن قد ابتدأ يؤثر في علماء المسلمين ومفكريهم، اتضحت لنا أهمية أبي القاسم بالمقارنة بينه وبين معاصره روجر باكون، وبذلك يتسنى لنا الاطلاع على ما أخذه الإفرنج عن المسلمين، ومعرفة ما أضافوه إلى هذا العلم في ذلك العصر.
ففي القرن الثالث عشر للميلاد، كانت قوة الإسلام العظيمة — تلك القوة التي اكتسح بها العالم، ودوخ الممالك، وثل العروش — قد ابتدأت تضعف وتكل، غير أن تلك الروح الجديدة — روح العلم والبحث والتحري والاستنباط — التي نشرها علماء الإسلام في أوروبا، أدت إلى نهضة علمية، وصلت إلى أوج عظمتها بعد مدة وجيزة. وبالرغم من تقدم علم الكيمياء العملي في ذلك العصر، بقيت آراء أبي القاسم ونظرياته على ما كان عليه سلفه من العلماء. الذين تقدموه بثلاثة قرون أو أربعة، ولم يكن أبو القاسم يدعم نظرياته بأقوال جابر فقط، بل كان يستشهد بآراء من تقدم جابرًا من علماء مدرسة الإسكندرية. وبالرغم من قيامه بكثير من التجارب في هذا العلم، وظهور آراء في مؤلفاته تدل على تفكير منطقي سليم، فإنه ظل يتأثر جابر بن حيان، ويتكئ على من شايعه من علماء المسلمين.
ويختلف المؤرخون في اسم الجلدكي، كما يجهلون تاريخ حياته، فمن قائل إن اسمه علي، ومن قائل إنه عز الدين أيدمر بن علي. وهو مؤلف كثير من الكتب التي تبحث في العلوم السرية، وخصوصًا علم الكيمياء. وله من الكتب المطبوعة كتاب المصباح في أسرار علم المفتاح، وكتاب آخر اسمه نتائج الفكر في أحوال الحجر. وكل ما يعرف عنه أنه ألف بعض كتبه في دمشق، والبعض الآخر في القاهرة.
ويظهر أثر الجلدكي جليًّا واضحًا — في تفكيره العميق، وعلمه الواسع — فيما نسميه بآداب الكيمياء الإسلامية. فإنه على ما يظهر لنا من مؤلفاته، قضى معظم حياته في جمع كتب الكيمياء، التي استطاع الحصول عليها وتفسيرها والتعليق عليها. وقد أجيرت جهوده العظيمة في عصرنا هذا، إذ أصبحت مؤلفاته معينًا لا ينضب، ومصدرًا مهمًّا لأبحاثنا في علم الكيمياء الإسلامية، ولدراساتنا عن الكيميائيين الإسلاميين. ونلاحظ أيضًا من خلال مؤلفاته، أن الجلدكي كان يجري بنفسه تجارب عديدة في هذا الموضوع، مع أن القسم الأكبر من مؤلفاته يحتوي على تعليقات وشروح لأعمال مَنْ تَقَدَّمَه من علماء الكيمياء. وعدَّد له صاحب كشف الظنون عشرات المؤلفات، التي شرح فيها آراء غيره من العلماء، أهمها شرح شذور الذهب في الإكسير، لأبي الحسن علي بن موسى الحكيم الأندلسي، وسماه غاية الشذور. قال: قد استوعب فيه جميع الحكمة المطلوبة والنعمة المرغوبة. وله كتاب البرهان في أسرار علم الميزان، وهو كتاب كبير في أربعة أجزاء كبار، ذكر فيه قواعد كثيرة من الطبيعي والإلهي، على مقدمات أصول القوم، وشرح فيه كتاب بليناس في الأجساد السبعة، وكتاب جابر في الأجساد، وحل فيه غالب كتب الموازين لجابر.
أما كتابه نهاية المطلب، فهو تعليقاته على كتاب لأبي القاسم العراقي. ومع أن شروحه لا تزيد عبارات الكتاب إيضاحًا، إلا أن عادته الحسنة في كثرة الاستشهاد بأقوال خالد، وجابر، والرازي، وغيرهم من رجال الكيمياء، ونقله عباراتهم الطويلة، مما يزيد في قيمة مؤلفاته، ويجعلها تزخر بالمعلومات القيمة عن الكيمياء الإسلامية. وهنا علينا أن نتساءل عما إذا كانت تلك العبارات القيمة، والحقائق التي يذكرها في مؤلفاته صادقة، وعما إذا كان الجلدكي من الذين يوثق بكلامهم، ويعتمد على رواياتهم، أو أننا يجب أن ننظر إليه بعين الشك، ونقرأ مؤلفاته بكل حذر. ومن دواعي سرورنا أن بعض الكتب التي ينقل عنها الجلدكي بين أيدينا، ولذلك فإنا نستطيع معرفة مقدار صحة ما نقله عنها بالرجوع إليها. وبإجراء أمثال هذه المقارنات، نجد أنه حريص على صحة النقل، وإننا نستطيع أن نأمن جانبه، ونركن إليه، ونعتمد عليه فيما يستشهد به من أقوال العلماء.
وللجلدكي رأي طريف في التأليف، لا بأس من إيراده. فقد جرت عادة العلماء والحكماء، أن لا يبسطوا جميع معلوماتهم في مؤلف واحد، بل يفرقوها في كتبهم المختلفة، قال: «إن من عادة كل حكيم. أن يفرق العلم كله في كتبه كلها ويجعل له من بعض كتبه خواص، يشير إليها بالتقدمة على بقية الكتب، لما اختصوا به زيادة العلم.» أما هو فإنه يعتقد أن العالم يجب أن لا يُخفِي من علمه شيئًا، إلا إذا كان يبحث في موضوع الكيمياء. قال: «ومن شروط العلم أن لا يكتم ما علمه الله تعالى، من مصالح يعود نفعها على الخاص والعام، إلا هذه الموهبة فإن الشرط فيها أن لا يظهر بصريح اللفظ أبدًا.»

انتقال الكيمياء من العرب إلى الإفرنج


أقدم عمران حققه التاريخ على وجه المعروف من اليابسة، هو العمران الذي كان على ضفاف الدجلة والفرات والنيل، وعلى سواحل سوريا من الأمم السامية، من الأشوريين، والكلدانيين، والفنيقيين، والمصريين، وكذا في الأمم الآرية الذين كانوا في بلاد فارس، وعلى ضفاف السند وضفاف سيحون. ثم اتصل العمران باليونان، ورسخت لهم قدم في العلم والحكمة، وطار لفلاسفتهم صيت في العالم، وأخذ عنهم الرومان الذين كانوا في روما، والروم الذين كانوا من القسطنطينية. وكانت الإسكندرية حاضرة علومهم، وكانت لهم مراكز أخرى للتعليم في بلاد الروم؛ أي في بر الأناضول، وفي الشام، والجزيرة، والعراق، مثل برغمة ومكتبتها، والرها ومدرستها، ونصيبين، وقنسرين، والحيرة، وجنديسابور من بلاد فارس.
ثم استنار العرب بنور الإسلام، واستولوا على مشارق الأرض ومغاربها، وأحاط المسلمون بعلوم الأمم السامية، والأمم الآرية، وهذبوا ما أخذوه منها، وزادوا فيه، وصححوه، وانتشر العلم في جميع البلاد الإسلامية، من سمرقند، فبغداد، فدمشق، فالقاهرة، فتونس، فمراكش، حتى قرطبة. ولما استقر العلم في الأندلس، وألقى فيها عصاه، وجد سماء صافية وأرضًا طيبة، فنبت فيها وأزهر، ونما عوده وأثمر.
وبينما كانت ديار الإسلام في المشرق والمغرب، رافلة في حلل الرفاه والسعادة، راتعة في بحبوحة الأمن والحضارة، كان الجهل لم يزل ضاربًا أطنابه في ديار الإفرنج، وأهلها محرومون من النعم، التي يقتضيها استبحار العمران، وتوسع نطاق العلوم. وكان التعصب الديني فيهم شديدًا، كما كانت كلمتهم متفرقة، بسبب نظام الحكم الذي كان متبعًا في القرون الوسطى. وفي الجملة فقد كان الإفرنج لا يدركون شيئًا من الوسط الذي كانوا فيه، ولا يفقهون الحق ولا الشرع. وأول شعاع من نور العلم أضاء أفق بلادهم، وإنما انعكس عليهم من شمس علوم الإسلام، التي كانت تتوهج في إسبانيا، وبيان ذلك أن المسلمين لما استحكمت حضارتهم في الأندلس، وزخر فيها بحر معارفهم، واستوطنوا جنوب فرنسا ومعظم سواحل إيطاليا، وجميع جزر البحر الرومي، كثرت المواصلات بينهم وبين مجاوريهم من الإفرنج، بسبب الحروب والغارات، وعظم الاختلاط بين الأمتين بسبب أخذ الأسرى، وإرسال السفراء، وكذلك بسبب التجارة ونقل السلع، فكان الإفرنج يشاهدون بأعينهم ما عليه المسلمون من الرقي والحضارة، فتشوقوا لاستطلاع أخبار المسلمين ورؤية ديارهم، ليعرفوا سر تقدمهم وسبب حضارتهم، ولكن كان دون ذلك خوض البحر الرومي، أو قطع عقاب البيرنيه، وهي أطول من عقاب لبنان التي قال فيها المتنبي:
وعقاب لبنانٍ وكيف يقطعهاوهي الشتاء وصيفهن شتاء ومع ذلك فالحاجز الطبيعي كان بسيطًا بالنسبة للحاجز المعنوي، وهو الدين. فقد بلغ التعصب الديني بهم مبلغًا عظيمًا، حتى كان يحظر رجال الدين على أبناء أمتهم الاختلاط بالمسلمين، أو معاملتهم، فضلًا عن دراسة كتبهم والإقبال على علومهم، والارتحال إلى بلادهم، للأخذ من مشايخهم وفلاسفتهم. وداموا على تلك الحال إلى أواخر القرن الرابع للهجرة. ثم شرع أصحاب العقول النيرة، وذوو الأقدام من أبناء أوروبا، يتغلبون على أمثال تلك الموانع الطبيعية والمعنوية، التي حالت زمنًا طويلًا بينهم وبين اقتباس العلوم، وأخذوا يتكبدون نفقات السفر ومشاق الغربة، وفراق الأهل والوطن، ويتحملون عبث العابثين ولوم المتعصبين، ويهرعون إلى مدارس الإسلام في قرطبة، ومرسية، وغرناطة، وطليطلة، كما نهرع نحن اليوم إلى جامعات لندن، وباريس، ونيويورك، وبرلين. وتلقَّى الإفرنج بهذه الكيفية على مشايخ المسلمين وعلمائهم، أنواع العلوم العقلية والنقلية، وجميع المعارف الإنسانية. وكان في مقدمة هذا الجيش من العقلاء البابا سلفستر الثاني.
(?) البابا سلفستر الثاني

ولد جيرر سنة ??? للميلاد في أورياق الواقعة في جنوب فرنسا، وهي مدينة صغيرة، على مسافة متوسطة بين بوردو ومرسيليا. وكثيرًا ما مرت بها جيوش المسلمين في أوائل القرن الثاني للهجرة، وتجاوزت ما وراء أورياق من البلاد التي تشمل على بواتيه من الغرب، وعلى ليون من الشرق، فكانت مدن كركسون وطولوز وبوردو في قبضة المسلمين، واستولوا أيضًا على ما في شمال ليون من المدن، مثل شالون التي على نهر السون، وأوتون وديجون، وهي على طريق سكة الحديد من باريس إلى مرسيليا. ولكن المسلمين لم يمكثوا طويلًا في شمال فرنسا، وإنما استوطنوا جنوبها نحو نصف قرن، وكانت مدينة نربون من أعظم المدن العامرة بالمسلمين، لقربها من ساحل البحر الرومي والحدود الإسبانية، وكذلك كانت مدينة كركسون، التي تبعد عنها ?? كيلومترًا في الداخل من جهة الغرب. وكانت المواصلات جارية بين مسلمي هاتين المدينتين، وبين ما في جوارهما من المدن المتروكة للإفرنج، مثل أورياق التي نشأ بها صاحب الترجمة. وتعلم جيرر القراءة والكتابة في أحد الأديرة باللغة اللاتينية، إذ لم يكن في أوروبا مدارس غير الأديرة، كما كانت اللاتينية في ذلك العصر لغة العلم والدين، والسياسة لجميع الأقوام الأوروبية من فرنسيين وإنكليز وألمانيين.
وبعد أن أكمل جيرر تحصيل فنون الأدب باللاتينية، ومبادئ العلوم اللاهوتية، ارتحل في طلب العلم إلى الأندلس، وقطع عقاب البيرنيه، وجاور في إشبيلية ثلاث سنين، وأخذ عن علماء الإسلام علوم الرياضيات والبلاغة والتنجيم، وكذا علم السحر، على ما رواه مؤرخو ذلك العصر من الإفرنج. قال مالمسبوري المؤرخ الإنكليزي في القرن الثاني عشر للميلاد: «لما كان جيرر في إسبانيا يقرأ التنجيم والسحر وما شاكلهما من العلوم، التي كان يدرسها علماء العرب، تعلم منهم أيضًا منطق الطير — يعني المؤرخ تفسير ما تخرجه الطيور من أصوات التغريد والصفير وأمثالهما — وتعلم كذلك استخدام الشياطين، ولا أتكلم عن مهارته في علوم الحساب والموسيقى والهندسة، التي أدخلها لفرنسا …» فبعد تعلم هذه العلوم، لم يترك علم الكيمياء بدون الوقوف على موضوعه، حيث كان لهذا العلم رواج عظيم في ذلك العصر. ولما عاد جيرر إلى بلاد الإفرنج، دخل سلك الرهبنة، وأقبل على الدرس والتعليم، ونشر العلوم التي أخذها عن المسلمين، فاشتهر أمره وشاع ذكره.
وفي سنة ???م أمر الإمبراطور بتعيين جيرر رئيسًا للأساقفة في مدينة رافن، وبعد سنتين انتخب للبابوية، فجلس على كرسي بطرس الرسول، وتلقب بالبابا سلفستر الثاني، وبقي صاحب الأمر والنهي والتحليل والتحريم في العالم المسيحي، إلى أن مات سنة ????م.
وكان سلفستر الثاني حسن الإدارة، غزير المعارف، وقيل بأنه أول من أدخل لبلاد الإفرنج الساعة ذات الرقاص، وأرقام الحساب، ولم يزل الإفرنج يسمونها الأرقام العربية، ونسميها نحن الأرقام الهندية، دلالة على أخذنا لها عن الهنود بحق الفتح، وعلى أخذ الإفرنج لها عنا بطريق التعليم. ويسمونها بالفرنسية «شيفر آراب» فكلمة شيفر chiffre مأخوذة من كلمة صفر العربية، وكانت تطلق على الرقم، ولم تزل هذه الكلمة تستعمل في بعض اللغات الأوروبية، فكلمة cipher في الإنكليزية معناها الصفر. فمعنى شيفر آراب Chiffre Arabe الأرقام العربية. وكان الإفرنج قبل أخذهم هذه الأرقام، يستعملون أرقام الرومان، وهي حروف تدل على الأعداد، بخلاف الأرقام العربية فإنها تدل بذاتها على قيمة، وبمنزلتها على قيمة أخرى. (?) ترجمة الكتب من العربية إلى اللاتينية

بعد أن قطع البابا سلفستر عقاب البيرنيه، وفتح لقومه باب العلوم الإسلامية، دخلوه طائعين أو مكرهين، وارتحل لممالك الإسلام كثير من الأقسة والرهابين، اقتداءً بهذا البابا الحكيم، وأخذوا عن علماء المسلمين، كما أخذ عنهم، واستفاضوا من بحار معارفهم، وترجموا كتبهم إلى اللاتينية، وانفتح باب الترجمة في العالم المسيحي، كما كان على عهد المنصور والمأمون في الخلافة العباسية، وصار العقلاء يسعون في طلب العلم من جميع الجهات. فالعالم إديلار الإنكليزي ارتحل من بريطانيا العظمى إلى الأندلس ومصر، وأقام في ديار الإسلام من سنة ???? إلى سنة ????م. وأتقن علوم اللغة العربية، وترجم مبادئ إقليدس من العربية إلى اللاتينية، قبل أن يعرف اللاتينيون الأصل اليوناني. وزادت رغبتهم في ترجمة الكتب شيئًا فشيئًا، حتى اجتمع في طليطلة من المترجمين عدد ليس بقليل. وكانوا سنة ????م يرجعون في أمرهم إلى كبيرهم الراهب ريمون. واستمروا يترجمون من اللغة العربية إلى اللاتينية مدة القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. ثم صارت تنقل علوم العرب من اللاتينية إلى بقية اللغات الأوروبية، وقد ذكر الدكتور ليكلرك في كتابه تاريخ طب العرب، أن الكتب العربية التي ترجمت إلى اللاتينية فقط، تزيد على ثلاثمائة كتاب. فترجموا مؤلفات جابر، والرازي، وابن سينا، وابن رشد، وأبي القاسم، وغيرهم من أكابر علماء الإسلام، وتعلموا منها فلسفة اليونان وعلوم الأقدمين.
قال جوستاف لوبون فيما ألفه عن المدنية العربية: «إن معرفتنا بعلوم السلف وحقائق القرون الأولى، كان في الأساس بهمة علماء الإسلام لا بهمة رهبان القرون الوسطى؛ لأن هؤلاء الرهبان لم يكن لهم في الأصل علم ببلاد اليونان، ولا باللغة اليونانية، وإنما ترجموا كتبهم عن العربية. فالواجب على عالم العلم والمدنية أن يشكر العرب على استخراجهم هذا الكنز المخفي وحفظه، لا أولئك الرهابين الذين لم يفعلوا إلا ترجمة الكتب من العربية إلى اللاتينية.» ويجب أن لا ننسى أن هذا عمل ليس بقليل، ويكفي أولئك الرهبان فخرًا وشرفًا أنهم أدركوا فوائد العلم، وجاهدوا في سبيل تحصيله ونشره في بلادهم، وبذلك أنقذوا أوطانهم من غياهب الجهل، ونشروا أنوار العلوم فيها. وبعد أن اطلع الإفرنج على فلسفة اليونان من كتب العرب، تحولت أنظارهم إلى كتب اليونان ولغتهم فدرسوها، وافتتنوا بفنون أدبها، وهاموا بأشعارها وخطبها، واستمروا في درسها إلى يومنا هذا، ولم يرجعوا لدرس الكتب العربية إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث ظهر المستشرقون فطبعوا الكتب العربية القديمة، وشرحوها، وعلقوا عليها، وترجموا كثيرًا منها إلى جميع اللغات الأوروبية الحية، مثل الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، والروسية وغيرها. ومن علماء الإفرنج الذين أخذوا الكيمياء عن العرب في القرون الوسطى …
ألبير الكبير

ولد سنة ????م، وكان أبوه من الأشراف، فأرسله إلى مدينة بادوفة — بجانب البندقية — لتحصيل العلم فيها. وشهرة بادوفة بالمعارف قديمة، ولم يزل فيها مكتبات جامعة لكثير من كتب الإسلام. وكان بنو الأغلب في إفريقية قد هاجموا جزر بحر الروم وسواحل إيطاليا، واستولوا على جزر مالطة وصقلية، وسردينية، واستولوا في إيطاليا على بلاد باري، ونابولي، وأوستيا، وبيزا، وجنوه. وأقاموا في جزيرة صقلية من سنة ???م إلى سنة ????م، حينما استردها منهم الملك روجر الأول، وهو والد روجر الثاني، صاحب الإدريسي. واستبحر عمرانهم في تلك الجزيرة، وزهت بهم مدنها، ثم أغاروا على ساحل دالماشية، وغزوا فيه ممتلكات البنادقة، وكان فتحهم لبرنديزي سنة ???م ولباري سنة ???م، وأقاموا في أرض نابولي من سنة ??? إلى سنة ???م. واقتربوا من أسوار روما، فصالحهم البابا على جزية قدرها ?? ألف رطل فضة، كل رطل ثماني أواق، ولم يخرجوا من سردينية إلا سنة ????م. هذا ما افتتحته دولة الإسلام المستقرة في إفريقية. وأما ما افتتحته دولة الإسلام المستقرة في جزيرة الأندلس غير بلاد إسبانيا، فهو جزائر مايورقة، ومينورقة، وكورسيكا، كما استولت على القسم الأعظم من فرنسا، واستقرت في القسم الجنوبي منها زمانًا طويلًا. ومن مدنها المشهورة أربونة، وطولوز، وكانوا يطلقون عليها اسم طلوشة، وبوردو وكانوا يسمونها برغشت.
ولم نطل البحث في تعداد هذه الفتوحات وبيان مواقع المدن، إلا لنبين كيفية انتقال العلم من المسلمين إلى من في جوارهم من المسيحيين. فكانت البلاد والمدن التي تقدم لنا ذكرها زاهرة بحضارة الإسلام، وكان علماء المسلمين يتجولون فيها، ويذهبون لما جاورها من الممالك المسيحية لأجل التعليم والتدريس، فذهب الشريف الإدريسي إلى روجر الثاني صاحب صقلية، وألف له كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ونقش له رسم الأرض على لوح مستدير من الفضة. وفي القرن السابع للهجرة كان أولاد ابن رشد يعلمون الحيوان والنبات والطب عند خلف روجر المسمى فردريك داراجون، وكان قصر ملكه ملجأ الحكماء والفلاسفة.
فيفهم مما تقدم ما كانت عليه حالة العلم في تلك العصور، التي ذهب فيها ألبير الكبير إلى بادوفة، كما يعرف سبب اختياره تحصيل العلم في إيطاليا على ما سواها من الممالك الأوروبية، التي كانت غارقة في بحار الجهالة. فدرس ألبير الكبير في مدينة بادوفة كتب الإسلام المترجمة إلى اللاتينية، وتعلم اللغة العربية لتصحيح الترجمة ومقابلتها بالأصل. وانكب على مؤلفات ابن رشد وابن سينا، وقلد علماء الكلام، ونحا منحاهم، وطبق علم اللاهوت على فلسفة أرسطو. ومما تعلمه أيضًا علم الكيمياء والتنجيم والسحر، فإن درس هذه العلوم في ذلك العصر كان من متممات العلم، وموجبات الكمال. وبعد أن أكمل ألبير تحصيله جاء باريس سنة ????م. ودرَّس فيها ثلاث سنوات، وكان الطلبة والناس يتسابقون إلى استماع درسه، حتى ضاقت بجمهورهم المدرسة، فصار يجلس للمواعيد في ساحة البلد، ويلقي دروسه تحت السماء، واشتهر في جميع أوروبا، وصار أوحد علماء عصره في اللاهوت وفي بقية العلوم، ولما طبعت مؤلفاته سنة ????م في مدينة ليون، بلغت واحدًا وعشرين مجلدًا. قال رينان: «علم ألبير كله مأخوذ من كتب ابن رشد وابن سينا، فهو لم يخرج عن ترجمته كتب العرب واستنساخها.» وعلى كل فألبير الكبير أول من رفع منار العلم في أوروبا، وفتح لعلماء القرون الوسطى أبواب البحث والجدل على الأسلوب الذي وضعه علماء الإسلام. وكان له اشتغال بعلوم ما وراء الطبيعة، وله باع طويل في الطبيعيات والكيمياء. ومن مؤلفاته في ذلك كتاب الأسرار العجيبة وكتاب الأسرار الصغير وكتاب الكيمياء.
روجر باكون

ومن الكيميائيين الأوروبيين في القرون الوسطى روجر باكون الإنكليزي. ولد سنة ????م في إيلشستر وتوفي سنة ????م. قرأ العلم في أكسفورد، ثم أكمل تحصيله في باريس، وعاد منها إلى وطنه سنة ????م. ولبس صوف الرهبانية، ودخل في طريقة القديس فرانسوا، واستوطن أكسفورد وتعلم عدا اللغة اللاتينية اللغة العربية ليبحر في العلم، ويرجع فيه إلى الأصل. وقرأ شيئًا من العبرانية واليونانية. وبعد درس اللغات درس الرياضيات اقتداءً بالعرب الذين اعتبروها آلة لفهم العلوم. ثم أقبل بعد ذلك على الاشتغال بالكيمياء والطبيعيات، وإجراء التجارب العديدة فيهما، ونسبت إليه عدة اكتشافات وآراء، غير أن كثيرًا من المحققين مثل العالم سيديو صاحب تاريخ العرب المطبوع بالعربية، وجوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب، وغيرهما، يقولون: إن كثيرًا من الاكتشافات والآراء المنسوبة لعلماء الإفرنج، تبين وجودها بعد ذلك في كتب العرب، وأن الإفرنج أخذوها عنهم، ونسبوها لأنفسهم أو نسبت إليهم.
وقيل: إن روجر باكون أول من أدرك الخطأ في حسابات بطليموس، فأشار بإصلاح التقويم المعروف بتقويم يوليوس. وعلى كل فهو الذي مهد طريق العلوم الطبيعية أمام العلامتين الشهيرين، غاليليو، ونيوتن، وأوضح كثيرًا من المسائل المتعلقة بقوس قزح، وبانتشار النور والأشعة، وبما يراه الناظر من جسامة قرص الشمس والقمر، عند الطلوع والغروب في الأفق. ووصف تركيب العين وطبقاتها وأغشيتها وصفًا مدققًا، ونسب إليه عن طريق الخطأ اختراع النظارات المكبرة والمصغرة المسماة تلسكوب وميكرسكوب.
وأما في الكيمياء فنسب إليه عن طريق الخطأ أيضًا اختراع بارود المدافع، والسبب في ذلك ما قرءوه في كتبه من الكلام على البارود، وإيضاح تركيبه الكيميائي. ولكن تبين لهم بعد ذلك أن هذا الكلام مأخوذ من كتب العرب. قال المستشرق الفرنسي رينو، ووافقه على ذلك أكثر المؤرخين والكتاب: إن الصينيين لم يستعملوا في الصنائع النارية إلا ملح البارود، وهو الذي يرسب على جدران البيوت والمغارات، التي تكثر فيها الرطوبة. فالصينيون موجدون للبارود من هذه الجهة، وأما الذي أوجد دقيق البارود المستعمل في يومنا للقذف بالأجسام الثقيلة، فهم لا الصينيون ولا الإفرنج بل هم العرب. وقد وجد في كثير من كتبهم كلام على كيمياء البارود، وكيفية اصطناعه، وصورة استعماله في الحرب. وينقل عن ابن خلدون أن أمير مراكش أبا يوسف، استعمل في حصار صقلية آلة غير المنجنيق، مشابهة للمدافع وذلك سنة ????. مع أن المؤرخين متفقون على أن استعمال المدافع في أوروبا لأول مرة، كان سنة ????م في الحرب التي وقعت بين إنكلترا وفرنسا.
ولما كان روجر باكون قريب عهد بعلماء الإسلام، أدرك اصطلاحاتهم وفهم ألغازهم في علم الكيمياء، ولذا كان أقل وسوسة وأكثر تعقلًا ممن جاء بعده من الكيميائيين الأوروبيين، وكان قصده من التحري على الحجر الفلسفي التوصل لإصلاح بعض المعادن، بواسطة الحرارة والتدابير الكيميائية، وتقليد الطبيعة في تخليقها المعادن، وهذا مقصد علماء الإسلام من اشتغالهم بهذا العلم. واشتغل باكون بالفلسفة واللاهوت، واجتهد في حل المسائل التي كانت موضوع بحث القوم في ذلك العصر، مثل مبحث الشكل والمادة، وحاول حلها بصورة مخالفة لعلم ما وراء الطبيعة، وخارجة عن أصول أرسطو. ومع ذلك فهو راهب متصلب في دينه، ملازم لتلاوة الكتاب المقدس، وطريقته الفلسفية هي قراءة التوراة والإنجيل في النسخ الأصلية، وفهمها فهمًا حقيقيًّا، بقطع النظر عن التراجم والتفاسير. ومن قواعده أن: «العلم التجاربي لا يتناول الحقيقة مما فوقه من العلوم العالية، بل هو الحاكم المطلق وغيره من العلوم خدام له.»
ولما شرع باكون في إجراء التجارب الكيميائية، اتهمه الناس بالسحر والشعوذة وباستخدامه الجن، فأعانه البابا كليمان الرابع، ومكنه من مداومة أعماله وتجاربه، فازداد حسد أبناء طريقته له، ونقموا عليه، ولما مات كليمان الرابع سنة ????م سعوا به ورموه بكيدهم، فحكم عليه بالسجن المؤبد، ولم يخل سبيله إلا بعد موت البابا نيقولا الرابع سنة ????م. ولكنه لم يعش طويلًا بعد ذلك، ومات في أكسفورد عن عمر يتجاوز الثمانين.
ومؤلفات باكون كثيرة، وجميعها باللاتينية، فمنها مرآة الكيمياء، أعمال الطبيعة والفن وبطلان السحر، التدبير في تأجيل هرم الشيخوخة وفي المحافظة على حواسنا، وقد ألف هذا الكتاب وهو في السجن، وبعث به إلى البابا نيقولا الرابع ليريه فوائد مؤلفاته، وعدم وجود الكفر فيها. ثم هناك مرآة الحساب، رسالة في النظارات، مؤلف جليل باسم البابا كليمان، وهو أعظم مؤلفاته، وقد قلد في تسميته صاحب كتاب الطب المنصوري.
بصيل فالانتين

وهو راهب أيضًا، قيل إنه بروسياني، وقيل ألزاسي، وقيل لا بل اسم مفروض لا حقيقة لمسماه، وإنما جعل رمزًا عن قوة الماء الملكي؛ لأن معنى بصيل باليونانية الملك، ومعنى فالانتين باللاتينية القادر، فمعنى الاسم الملك القادر، وهو إشارة إلى الماء الملكي الذي يذيب الذهب، وهو ملك المعادن عند المتقدمين. فكيفما كانت الحال، قيل بأن صاحب هذا الاسم أول من استعمل معدن الأنتيموني في معالجة الإسهال، وألف في ذلك رسالة ذكر فيها خواص هذا المعدن في الإسهال، وتصفية الدم، كما ذكر في هذه الرسالة استحضارات كيميائية كثيرة، مثل روح الملح، ويسمى اليوم حامض كلوريدريك، استخلصه من ملح البحر، ومن زيت الزاج المعروف بحامض الكبريتيك. وذكر فيها أيضًا استحضار روح الخمر باستقطار الخمر، أو البيرة، وتصفية الحاصل من الاستقطار على ملح الطرطير المكلس، أي (كربونات البوتاس). كما ذكر أيضًا كيفية استخراج النحاس من أحجار الكبريت، بتحويله أولًا إلى زاج النحاس (كبريتات النحاس)، بتأثير الهواء الرطب عليه، ثم بتغطيس قطعة من الحديد في هذا المذاب. وذكر فيها أيضًا معلومات تامة عن تنفس الحيوانات. وله رسالة في الأملاح، تشتمل على كثير من العمليات الكيميائية، وله كتاب سماه «أسرار العالم وطب الإنسان»، كله ألغاز لا يفهم، وله كتاب آخر سماه «مفاتيح الفلسفة الاثني عشر».
فهؤلاء المتقدم ذكرهم هم مشاهير الكيميائيين الأوروبيين، الذين أخذوا الكيمياء عن المسلمين في القرون الوسطى، وترجموا كتب العرب إلى اللاتينية. ويوجد كثير غيرهم على شاكلتهم، وكلامهم فيها أجمع على نسق كلام علماء المسلمين، ولهم فيها أشعار ودواوين باللاتينية، والفرنسية، وغيرهما من اللغات الأوروبية، وأسماء كتبهم تدل على أنها مأخوذة ومترجمة عن العربية.
ليونار تورنايسر

وما برح المنتحلون للكيمياء من الإفرنج يرتحلون في طلبها إلى بلاد الشرق الإسلامية، ويجوبون أقطارها الشاسعة، حتى القرن السادس عشر للميلاد، وأشهر هؤلاء المرتحلين في طلبها ليونار تورنايسر، وترجمته من عجائب القصص وفاكهة الروايات. ولد في بال سنة ????م. واشتغل بالكيمياء، وتوصل إلى تمويه المعادن وتذهيبها، حتى كادت تخفى على بعض النقاد، فانخدع به كثير من الناس واشتروا منه الذهب المموه بسعر الذهب الخالص، فانتبهت له الحكومة، وأرادت إلقاء القبض عليه، ففر إلى فرنسا، وجال في مدنها ومدن إنكلترا، واشتهر أمره بالاحتيال، ومهر في تقليد الذهب. ثم عاد إلى ألمانيا سنة ????م، واتصل بدسائسه بالأرشيدوق فرديناد، فحظي عنده بالقبول والإكرام، وأمده بالمال وسيره على نفقته في البلاد، يتحرى فيها على كتب الكيمياء، ويتعلم صناعة الإكسير الذي فيه السعادة وطول الحياة، فطاف البلاد التي كانت محط رحال المسلمين، ومظنة وجود كتبهم، مثل إسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، واليونان، والمجر، وكذا أكسفورد وباريس، ثم ذهب لمصر، والشام، والعراق، وبلاد العرب، واصطحب المسلمين وعاشرهم، وتحرى فيهم أصحاب المظنة، فلم يقف على حقيقة الإكسير ولا ظفر بصناعته.
كجوهر الكيمياء لست ترىمن ناله والأنام في طلبه غير أنه استفاد فائدة عظمى، من أطباء مصر والشام المسلمين، وتعلم منهم كثيرًا من المسائل الطبية وتراكيب الأدوية، واطلع على ما كان لديهم من العقاقير والبلاكم والكحل، والمعجون والشراب، وغير ذلك. وبعد سياحة طويلة عاد لألمانيا، ونزل مدينة فرانكفورت، فوجد فيها أمير براندبورغ، وكانت امرأته مصابة بداء عضال حار فيه نطس الأطباء، فطببها ونجح في معالجتها، فعينه الأمير طبيبًا خاصًّا له، وأنشأت له الأميرة زوجته معملًا للكيمياء، فاشتغل فيه واصطنع أنواع البلاسم والمعجونات، وصار يبيعها بأغلى الأثمان للأمراء والمترفين من الرجال والنساء، ويسمي مصطنعاته بأسماء موهمة، مثل سراب الذهب، وصبغ الذهب، وإكسير الشمس، وغير ذلك، واستخدم في معمله هذا عددًا كبيرًا من العمال، وأسس فيه مطبعة ومسبكًا للحروف، فطبع مؤلفاته التي استخرجها من كتب الإسلام، ونشر بعضها في أكثر لغات أوروبا، فاشتهر شهرة عظيمة، حتى صار أحدوثة الملوك والأمراء والأعيان، في جميع العالم الأوروبي. ومما تعلمه في سياحاته التنجيم والسحر والشعوذة، وكان يوهم الناس بأنه استخدم الشياطين، فكان يريهم شيطانه في زجاجة، فحصل بذلك على ثروة عظيمة واعتبار زائد. ثم إن أحد علماء فرانكفورت أظهر حيله وشعوذته، ونشر فيه كتابًا، فغضب عليه الأمير الذي كان يحميه، فأدرك حينئذ الخطر المحدق به، وفر ليلًا من برلين سنة ????م. فدخلوا معمله واكتشفوا أسراره، ووجدوا أن الشيطان الذي كان يريه للناس في زجاجة، عبارة عن عقرب مغموس بالزيوت.
فيتضح مما تقدم أن نخبة العلماء من الإفرنج حتى المشعوذين منهم، اغترفوا الكيمياء من بحر علوم الإسلام، ثم تفرغوا لدرسها وإجراء التجارب فيها، وكانوا يسرُّونها لتلامذتهم، ويحرصون على كتمانها وإخفاء كتبها، والإلغاز فيها، على نسق ما تقدم من خبر مسلمة مع تلميذه ابن بشرون. ولم يزل الإفرنج يشتغلون في الكيمياء جيلًا بعد جيل، حتى عم انتحالها في القرن الخامس عشر للميلاد، وتداولها الكثير منهم. غير أنه لعدم رسوخ العلم وانتشار الحضارة فيهم إذ ذاك، أنزلوها من أوج الحقائق الفلسفية، الذي وضعها فيه علماء الإسلام إلى مستوى الأوهام السخيفة، وأدخلوها في جملة الأسرار الخفية. وقد علل السبب في ذلك أحد علمائهم في هذا العصر، وهو موسيو فيكيه الفرنسي، في كتابه المسمى الكيمياء والكيميائيون بقوله: إن أساس التوحيد وبساطة الاعتقاد في الإسلام، أبعدا عن عقول المنتحلين للكيمياء من المسلمين التورط في مهاوي الخزعبلات والأباطيل. فلما وصلت الكيمياء إلى أوروبا في القرون الوسطى، اتخذت شكلًا جديدًا، ودخلت فيها أفكار جديدة، فأوصلت بعض المشتغلين بها إلى الاعتقاد بالخرافات والترهات؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقة المعاني التي ألغز بها جابر ومن تبعه من علماء المسلمين، فحملوها على ظاهرها، وغاصوا بها في بحار الأوهام، وطاروا في جو الخيالات، حتى اعتقدوا في الإكسير والحجر الفلسفي خواصَّ لم يقبلها العقل، مثل شفاء جميع الأمراض وإطالة العمر عن أجله الطبيعي، ودخول صاحب الحجر الفلسفي في عالم الملكوت، ورفع الحجاب له عما وراء الطبيعة، كما جعلوا في الحجر الفلسفي سعادة الإنسان في دنياه وآخرته.
قال نيقولا فلامل، وهو من أكابر الكيميائيين في القرون الوسطى، بأن الحجر الفلسفي طاهر مطهر لحامله من جميع الخطايا، وباعث على الصلاح والطاعة ومخافة الله. فالذي جرهم إلى هذا هو إلغاز جابر في مؤلفاته، كقوله في بعضها: «آتوني بالأبارص الستة أشفهم مما بهم.» فحملوا ذلك على ظاهره، وظنوا الإكسير يشفي الأبرص، وما دروا أن قصده آتوني المعادن الستة أحولها للمعدن السابع وهو الذهب. فهذه الخرافات لم تظهر إلا في القرن الثالث عشر وما بعده، حينما أوشكت رياح الجهل أن تتلاعب بنور العلم الإسلامي. وعلماء الكيمياء المعتد بهم في الإسلام، لم يقولوا إلا بخاصة واحدة للحجر المكرم أو الإكسير، وهي تحويله المعادن كتحويل الرصاص للفضة، والزئبق للذهب، ويشبهون فعل الإكسير في المعدن بفعل الخميرة في العجين، فهم يساوقون الطبيعة في عملها، كما يفعل اليوم المشتغلون بعلم التركيب الكيميائي الحديث، وهم بذلك أصحاب رأي علمي، واكتشاف فني، وما على القائل منهم بصحة الكيمياء والمدعي وجود الإكسير أو الحجر المكرم، إلا إثبات مدعاه، والإتيان بالحجج والبراهين، لتثبت دعواه ثبوتًا علميًّا. غير أن هذا المدعي ليس من غرضه إثبات ذلك، بل هو يتخذ هذا الاكتشاف سرًّا له، ويخفيه، كما يخفي في زماننا أصحاب المصانع والمعامل الأسرار الصناعية، فلا نرى صاحب معمل في أوروبا إلا ويكتم سر صناعته، فلا يفشي منها إلا ما لا أهمية له، خوفًا من تقليد الغير له، وكثيرًا ما يطلبون من الحكومة امتيازًا في انحصار العمل بمكتشف السر الصناعي.
ثم إن العلم لم يبرهن لهذا التاريخ على أن انقلاب المعادن بعضها لبعض أمر يستحيل، غير أن أصحاب الكيمياء لم يعثروا إلى الآن في معاملهم وتجاربهم على ما يؤيد هذا الانقلاب، كما أنه لم يثبت لديهم علميًّا استحالة هذا الانقلاب، فهم لا يقولون بصحته، كما يقول جابر وأشياعه، ولا ببطلانه كما يقول الكندي وابن سينا ومن تبعهما. وقد زعم برتلو الكيميائي الفرنسي، أن الاكتشافات التي اكتشفت في الكيمياء الحديثة، لم تهدم أساس الكيمياء القديمة التي هي علم جابر. ومن القائلين بصحتها أيضًا من كبار العلماء، الفيلسوف الهولندي سبينوزا (????–????م)، المنتمي لمذهب وحدة الوجود، وكذا الفيلسوف ليبنج (????–????م)، فإن كليهما من المعتقدين بإمكان استحالة المعادن، وبوجود الحجر الكريم.

مذهب المتقدمين في الكيمياء


لا نطمع في تلخيص مذهب المتقدمين في الكيمياء، ولا في تحقيق آرائهم وبيان الجرح والتعديل فيها؛ لأن ذلك عائد لأربابه المتخصصين لدرس هذا العلم والمتبحرين فيه. وإنما نذكر منهم من مذهبهم الشيء اليسير، لنبين أن حكماء الإسلام كانوا على جانب من العلم والتحقيق، لا كما يخالج أفئدة الكثيرين من أنهم مجردون عن كل رأي سديد، وإن كلامهم في الكيمياء خرافات وأباطيل، وقواعدهم فيها وهمية فاسدة، أظهر بطلانها العلم الحديث. فمن أمعن النظر في كتبهم، وجدهم قد تبحروا في درس عوالم الطبيعة وحقائق المكونات، وأظهروا من الآراء الفلسفية ما لم يجسر علماء العصر من الإفرنج على أن يهزءوا بها، بل لم يزل كثير منهم يدرسها درسًا دقيقًا، ليستكشف خفاياها، ويظهر غوامضها؛ لأن النظر في هذه الكتب يحتاج إلى دقة عظيمة، وتيقظ شديد، لجنوح أصحابها إلى الإلغاز والإبهام فيها على القارئين.
ولم يصل علماء الإفرنج بعد إلى حل رموزها، ولا إلى استخراج جميع كنوزها، لعدم رسوخهم في اللغة العربية، وعدم وقوفهم على اصطلاحات القوم فيها. ولم يزل المستشرقون يوسعون دائرة معارفهم في كل سنة عما قبلها. على أن التفريق في هذه الكتب بين الغث والسمين ليس بالأمر الهين؛ لأن الفريق الأعظم من المدعين معرفة هذا العلم، والمؤلفين فيه، ليسوا على شيء من الحكمة، وكلامهم في الكيمياء سفسطة لا يعبأ به، ولا يعول عليه. وأما المتكلمون فيها من الحكماء الذين شهدت لهم مؤلفاتهم بالفضل وكثرة التحقيق، فلهم نظر فلسفي، هو الذي أدى إلى ما نشاهده من الترقي العصري في هذا العلم. ولولا قواعد المتقدمين الأساسية لتأخر ظهور الكيمياء الحديثة أحقابًا طويلة.
عالم العناصر وعالم الأفلاك

لا يخفى أن الحكماء المتقدمين من أهل الإسلام — وهم الذين نقل عنهم المسعودي في مروج الذهب، وابن خلدون في مقدمته — يقسمون الوجود كله — أي ما سوى الله سبحانه وتعالى — إلى قسمين: أحدهما الحسي والآخر ما وراء الحسي، وهو عالم ما وراء الطبيعة من عوالم الروح والجن والآخرة … إلخ. ولا كلام لنا الآن على هذا القسم. وأما الحسي فهو هذه الكرة الأرضية وما أحاط بها من الهواء وما دار حولها من الأجرام السماوية بحسب مرأى الرائي. ولا نتعرض الآن لما حققه العالم الفلكي كوبرنيكس Copernicus من الأصول الجديدة. وينقسم الحسي عندهم إلى عالم العناصر المشاهدة، وإلى عالم الأفلاك. فالعناصر أربعة: الأرض، والماء، والهواء، والنار. والأفلاك تسعة: الفلك الأول وهو أصغرها وأقربها إلى الأرض للقمر، وهو فوق كرة الهواء. والفلك الثاني فوق الأول لعطارد. والثالث للزهرة. والرابع للشمس. والخامس للمريخ. والسادس للمشترى. والسابع لزحل. وحيث لم يروا بآلات رصدهم الضعيفة إلا مجرد الكواكب المذكورة، قالوا بأن في كل فلك — أي في كل مدار من هذه المدارات أو الأفلاك السبعة — كوكبًا واحدًا فقط. ثم فوق الفلك السابع — وهو فلك زحل — الفلك الثامن، وهو للكواكب الثابتة. ثم فوقه الفلك التاسع للبروج الاثني عشر. ونصوا على أن هيئة هذه الأفلاك هيئة الأكر بعضها في جوف بعض، وأشكالها الهندسية مستديرة، وهي أكبر الأشكال وأوسعها. وعرَّفوا الفلك بأنه نهاية لما تصير إليه الطبائع — أي العناصر — فهو بهذا التعريف ما يعبر عنه علماء الإفرنج بالأثير المنتشر في الفضاء الذي فيه مدارات الكواكب.
ثم إنهم يقولون إن عالم العناصر يتدرج صاعدًا من الأرض إلى الماء، ثم إلى الهواء، ثم إلى النار متصلًا بعضها ببعض. وكل واحد منها مستعد بالقوة إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدًا وهابطًا، وقد يستحيل بعض الأوقات بالفعل والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك، وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض، على هيئة، لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط، وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها. والحامل لهم على هذا القول، هو من جهة مشاهدتهم الوجود الحسي على هذا الترتيب. فالكرة الأرضية يغمر الماء ثلاثة أرباعها تقريبًا، ويعلوها الهواء وفوقه النار أو النور المنبعث من الشمس. ومن جهة أخرى، مشاهدتهم بعض الأجسام تنقلب من حالة الجسم الجامد، إلى الجسم السائل، إلى الجسم الغازي، إلى الجسم المحترق. وهذه الاستحالة موجودة في جميع الأجسام بالقوة، ولكنها لم تتحقق بالفعل إلا في بعضها، بسبب تزايد الحرارة أو تناقصها. فالماء الذي هو جسم سائل في حاله المعروفة، إذا نزلت درجة حرارته بميزان سنتغراد إلى الصفر، استحال إلى جسم جامد؛ أي صار جليدًا. وإذا ارتفعت درجة حرارته وتجاوزت المائة درجة، غلى الماء وتبخر وصار جسمًا غازيًّا. فإذا تحلل هذا الغاز كما في بعض المستنقعات، ظهر فيه جزء محترق يشتعل، كما يشتعل زيت الزيتون وزيت البترول في المصباح. وكلما عثروا على واسطة لتزييد الحرارة أو تنقيصها، كثر عدد الأجسام التي تجرى فيها هذه الاستحالة بالفعل. وقد توصلوا إلى إذابة أشد المعادن قساوة، كالحديد، والبلاتين، برفع درجة الحرارة إلى درجة عظيمة، كما توصلوا إلى إذابة الأجسام الغازية، مثل الأكسجين، والأزوت بخفض درجة الحرارة تحت الصفر إلى ما دون ??? درجة للأكسجين، وإلى ما دون ??? درجة للأزوت. مع استعمالهم الضغط والتضييق علاوة على التبريد.
ومن لطائف الفكاهات التي حدثت أول ما توصل العلماء إلى تحويل الهواء إلى جسم سائل، وحفظه في إناء بارد خوفًا من تبخره إذا عرض لحرارة الجو، أن أحد الظرفاء ذهب يتغدى مع رفيق له في أحد مطاعم باريس المشهورة، فجلس على مائدة الطعام، وطلب من الخادم أن يأتيه بصحن (بفتيك) وأوصاه بالاعتناء بها، فأحضر له الخادم أحسن قطعة مشوية، وكان ذاك الظريف مستحضرًا معه على قليل من الهواء السائل، فنقط منه نقطة على قطعة اللحم، فيبست من البرودة، فنادى الخادم ووبخه، ثم رفع قطعة اللحم بالشوكة والسكين، وتركها تسقط في الصحن، فنزلت فيه كأنها قطعة من حجر وكسرته. فعجب الحاضرون لذلك أشد العجب، ولم يعرفوا السبب. ثم إن ذاك الظريف وضع من ذلك السائل في شراب رفيقه فبرد، وشرب منه فاستطابه، ولم يمض عليه بضع دقائق إلا واحمر وجهه، وتفجرت عيناه، وانتفخ بطنه، وسقط من كرسيه مغشيًّا عليه؛ لأن ذلك السائل تبخر في جوفه، وصار جسمًا غازيًّا — أي هواءً — واتسع حجمه، فضغط على جدران معدة الرجل وسبب له تلك الانفعالات.
ثم إن المتقدمين من أهل الكيمياء، لم يقصدوا بالعناصر الأربعة عين الأرض، أو الماء، أو الهواء أو النار، كما قد يتبادر للذهن. كلا، بل هم يقولون إن كل جسم متكون لا بد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسب متفاوتة؛ أي لا بد أن يكون أحد العناصر غالبًا على الكل؛ إذ لو كانت غير متفاوتة بل كانت متكافئة، لما تم امتزاجها على زعمهم. ومن هذا يظهر معنى قولهم: «خذ الحجر الكريم وأودعه القرعة والإنبيق، وفصل طبائعه الأربع التي هي النار والهواء والماء والأرض.» فكل جسم عندهم مركب من هذه العناصر الأربعة. فإن كان عنصر الأرض غالبًا في هذا الجسم، كان على هيئة الأرض، أي جامدًا صلبًا. وإن كان عنصر الماء غالبًا كان الجسم على هيئة الماء؛ أي مائعًا سائلًا. وإن كان عنصر الهواء غالبًا كان الجسم على هيئة الهواء، أي غازًا. وإن كان عنصر النار غالبًا كان الجسم على هيئة النار أي محترقًا، إما بالاحتراق الشديد كاشتعال الفحم وضوء السراج، أو بالاحتراق البطيء كصدإ الحديد، وذلك أن الاحتراق في عرف الناس هو أن يتلاشى الجسم المحترق في الهواء شيئًا فشيئًا، وهو ينشر نورًا وحرارة، كاشتعال الفحم، والحطب، وزيت الزيتون، وزيت البترول. وأما في اصطلاح أهل الكيمياء الحديثة، فاحتراق الجسم هو اتحاده بمولد الحموضة المسمى أكسجين. فإن نشر نورًا وحرارة سموه احتراقًا شديدًا، وإن لم ينشر نورًا ولا حرارة سموه احتراقًا بطيئًا، كاتحاد الرصاص، والقصدير والزئبق بمولد الحموضة. هذا قول لافوازيه وأتباعه؛ وأما جابر وأتباعه فإنهم يحذرون في صناعتهم من النيران المحرقة، فليت شعري هل مرادهم من ذلك الاحتراق الشديد؟
فعالم العناصر الأربعة وعالم الأفلاك وهو العنصر الخامس عند المتقدمين، هما بمثابة قول أهل الكيمياء الحديثة بالأجسام البسيطة. فإن علماء الكيمياء الحديثة من الإفرنج يقسمون الأجسام إلى قسمين: أحدهما بسيط وهو الذي لا يمكن أن يستخرج بالتحليل الكيميائي، إلا نوعًا واحدًا من المادة مهما يكن المحلل، سواء أكان من الأرواح الكيميائية، أم الحرارة الشديدة، أم الكهربائية، فيبقى الجسم بعد معالجته بجميع ما ذكر بسيطًا، وذلك كالذهب، والفضة، والبلاتين، والقصدير، والحديد، والنحاس، والأكسجين، والهيدروجين، وغير ذلك. ويبلغ عدد الأجسام البسيطة في يومنا اثنين وتسعين، وكلها عناصر بسيطة لا سبيل بالصناعة من تحليلها إلى عناصر أخرى، وقلب عنصر منها لآخر.
فإذا اتحد نوعان فأكثر من هذه العناصر البسيطة اتحادًا كيميائيًّا سمى الجسم حينئذ مركبًا، لتركبه من عنصرين فأكثر. وهذه الأجسام المركبة هي جميع ما في الكون من الأجسام التي ليست ببسيطة. ويقسمون الأجسام البسيطة إلى قسمين: معدن وشبه معدن. ويقسمون الأجسام المركبة إلى ثلاثة أقسام: حامض، وأساس، وملح. ثم لهم في تقسيم كل منها وتصنيفها طرق مخصوصة لا حاجة بنا للتعرض إليها.
فقول المتقدمين بتألف الأجسام من العناصر الأربعة — التي هي الأرض والماء والهواء والنار — له نظير عند علماء الكيمياء الحديثة؛ وذلك أن علماء العصر من الإفرنج يذهبون إلى أن الأجسام التي فيها الحياة، ويسمونها ذوات الأعضاء، وهي عالم النبات، وعالم الحيوان، وكذا الأجسام المستخرجة منها، كالنشاء المستخرج من الحبوب، والسكر المستخرج من نبات قصب السكر، والألبومين المستخرج من بيض الدجاج، وكثير غيرها، ويسمونها الأجسام العضوية — جميع هذه الأجسام مؤلفة تقريبًا من أربعة عناصر بسيطة: (?) عنصر الفحم. (?) عنصر الهيدروجين وهو مولد الماء. (?) عنصر الأكسجين وهو مولد الحموضة والباعث على الاحتراق. (?) عنصر الأزوت وهي العنصر الأساسي في الهواء. ويسمون هذه العناصر الأربعة العناصر العضوية لتكوينها الأجسام العضوية. نعم يوجد في بعض هذه الأجسام غير العناصر الأربعة المذكورة شيء قليل من عنصر الكبريت، أو الفسفور، أو من عنصر الكلور، أو البرومين، أو اليود، ومن عناصر المعادن، كالحديد، وغيره، ولكن بدرجة طفيفة لا أهمية لها. والعناصر الأربعة المتقدم ذكرها المسماة بالعناصر العضوية، هي الأساسية، والمكونة لجميع الأجسام العضوية، وكل جسم منها يتركب من الفحم، ومن عنصر أو عنصرين آخرين، وهي الأكسجين والهيدروجين والأزوت. ويعتبر أيضًا علماء العصر من الإفرنج أن الأجسام المعدنية — أي عالم المعادن وهو ما اشتملت عليه الكتلة اليابسة من كرة الأرض — مؤلفة من العناصر البسيطة، التي اكتشفت الآن، وعددها اثنان وتسعون عنصرًا منها الذهب، والفضة، والبلاتين، والنحاس … إلخ. فبناءً على قولهم هذا تكون العناصر العضوية الأربعة المتقدم ذكرها، هي المكونة للهواء المحيط بكرة الأرض، وللماء الغامر ثلاثة أرباع وجه الأرض، ولجميع الأجسام الحية التي على الأرض من حيوان ونبات، ولما استخرج من هذه الأجسام الحية من فحم وسكر ونشاء وأمثالها. فالعناصر الأربعة التي يقول بها جابر، أشبه بالعناصر الأربعة التي يقول بها لافوازيه. فالأرض نظير الفحم، والماء نظير الهيدروجين، وهو مولد الماء، والهواء نظير الأزوت، وهو العنصر الأساسي فيه، والنار نظير الأكسجين وهو مولد الحموضة والباعث على الاحتراق.
ولما كان المتقدمون من حكماء الإسلام، يذهبون إلى أن الجسم المتكون لا بد فيه من اجتماع العناصر الأربعة، فهذا الجسم المتكون يبتدئ عندهم من المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. فآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات، وآخر أفق النبات متصل بأول أفق الحيوان. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد لأن يصير أول أفق الذي بعده. وبالاختصار فعالم التكوين عند المتقدمين من حكماء الإسلام، هو بمثابة الأجسام المركبة عند المتأخرين من علماء الكيمياء الحديثة.
مذهبا ابن سينا والفارابي في الكيمياء

إذا تقرر هذا فنقول: إن مبنى الكلام في صناعة الكيمياء عند المتقدمين من حكماء الإسلام على حال المعادن السبعة المتطرقة، وهي الذهب، والفضة، والرصاص، والقصدير، والنحاس، والحديد، والخارصين؛ أي التوتية المعدنية، المسمى زينكو من كلمة زنك، Zinc الإفرنجية. هل كل واحد من هذه المعادن السبعة نوع قائم بنفسه، أو كلها أصناف لنوع واحد، يختلف كل صنف منها باختلاف خواصه وكيفياته؟ فالذي ذهب إليه أبو علي ابن سينا، وتابعه عليه حكماء المشرق — وهو في الأصل مذهب الكندي كما علمت، وإنما اشتهر بين حكماء الإسلام بمذهب ابن سينا لوقوف الشهرة عنده — أن المعادن السبعة المذكورة أنواع متباينة، كل نوع منها قائم بنفسه، متحقق بحقيقته، ولا سبيل بالصناعة إلى قلب نوع منها إلى نوع آخر. وبنوا على هذا الرأي إنكار هذه الصناعة واستحالة وجودها. فهذا المذهب شبيه بقول علماء هذا العصر من الإفرنج، الذين يقسمون الأجسام إلى قسمين: بسيط، ومركب، ويقولون إن المعادن المذكورة هي من الأجسام البسيطة، كل واحد منها نوع قائم بذاته، متحقق بحقيقته، ولم يتوصلوا بالصناعة إلى قلب واحد منها للآخر.
والذي ذهب إليه أبو النصر الفارابي، وتابعه عليه حكماء الأندلس — وهو في الأصل مذهب جابر وخالد بن يزيد، وإنما اشتهر بين حكماء الإسلام بمذهب الفارابي، لوقوف الشهرة عنده — أن المعادن السبعة المذكورة كلها نوع واحد، وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات، من الرطوبة، واليبوسة، واللين، والصلابة، وبالألوان من الصفرة، والبياض، والسواد، وبالجلاء المعدني والرونق، وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد. وبنوا على اتفاقها بالنوع إمكان انقلاب بعضها إلى بعض، لإمكان تبدل الأعراض حينئذ وعلاجها بالصنعة. فمن هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء عندهم ممكنة سهلة المأخذ. ومن القائلين بهذا المذهب أبو الحسن الأنصاري الأندلسي المتوفى سنة ???? في فاس، ونظم رسالة في الكيمياء، سماها شذور الذهب، وكان حكيمًا شاعرًا، وله قصيدة طائية مطلعها:
بزيتونة الدهن المباركة الوسطىغنينا فلم نعدل بها الأنض والخمطا وكلهم في هذا المذهب عالة على أبي موسى جابر بن حيان الصوفي، وهو الإمام فيه على التحقيق، ولكنه لم يشتهر في قومه وبين أبناء لغته كما اشتهر بين الإفرنج الذين ترجموا شيئًا من كتبه إلى اللاتينية، وقدروه حق قدره.
فهذا المذهب يشبه رأي بعض فلاسفة الكيمياء في عصرنا، وصاحب هذا الرأي يذهب إلى أن مواد الكون كله إنما تتألف في الأصل من عنصر واحد. ثم باختلاف حركة أجزائه الفردة، واختلاف ترتيب أوضاعها، تكونت العناصر البسيطة المتقدم ذكرها، وبتركيب هذه العناصر بعضها مع بعض تكونت الأجسام، التي تتألف منها الأرض وسائر الأجرام.
قول الجابريين بوجود الزئبقية والكبريتية في المعادن

أما سبب اختلاف المعادن بالكيفيات والألوان على زعم جابر وشيعته، فهو ناشئ من تخلف مقدار الكبريت والزئبق، الموجودين في كل واحد من المعادن السبعة المذكورة. فالذهب في رأيهم داخله كثير من الزئبق اللطيف، وقليل من الكبريت الصافي. والنحاس فيه من الزئبق بمقدار ما فيه من الكبريت. وكلاهما في النحاس لم يبلغا الغاية في اللطف ولا في الصفاء. والقصدير فيه كثير من الكبريت الرديء، وقليل من الزئبق الغليظ وهكذا … ويدعون أن الكبريت والزئبق الداخلين في جسم كل معدن على قولهم، ليسا هما عين الزئبق ولا عين الكبريت المشاهدين في مناجم الطبيعة. وإنما الزئبقية في اصطلاحهم هي العنصر الأصلي في المعادن، والباعث على جلائها وانطراقها؛ أي للخاصة المعدنية فيها. والكبريتية تدل على العنصر المحترق والملون. اسمع ما قاله جابر في هذا المبحث: الشمس (يعني الذهب) تتألف من الزئبق اللطيف، ومن قليل من الكبريت الصافي الواضح، الذي له احمرار فاتح. وحيث لم يكن لهذا الكبريت لون واحد، بل كان بعضه أغمق من بعض، نشأ عن ذلك أن بعض الذهب أشد اصفرارًا من بعضه الآخر … فإذا كان الكبريت غير صافٍ، غليظًا، أحمر، أغبر، وكان أكثره ثابتًا وأقله غير ثابت، وكان ممزوجًا بزئبق غليظ غير صافٍ، بكيفية يكون معها الواحد لا أقل ولا أكثر من الآخر، تشكل من هذا المزيج الزهرة (يعني النحاس) … وإذا كان للكبريت ثبات قليل وبياض غير ناصع، وكان الزئبق غير صافٍ، وبعضه ثابت وبعضه طيار، ولم يكن له إلا بياض غير كامل، تشكل من هذا المزيج المشترى (يعني القصدير) …
فهذه الجملة منقولة بالحرف عن أصل كتاب جابر المترجم إلى اللاتينية باسم مختصر الإكسير الكامل. ولا يخفى أنهم يكثرون من استعمال الألغاز والرموز، ولذا كنى جابر في هذه العبارة عن الذهب بالشمس، وعن النحاس بكوكب الزهرة، وعن القصدير بالمشترى، وهلم جرًّا. وكثيرًا ما يلقبون الذهب ألقاب الملوك لاعتبارهم إياه ملك المعادن. فأول من وضع هذه القاعدة النظرية في تركيب المعادن هو جابر بن حيان الصوفي.
قول الجابريين بتخليق المعادن في أحشاءالأرض وانقلابها من طور لآخر

ثم إن لهم قاعدة أخرى أساسية في هذا العلم، وهي قولهم بأن المعادن تتخلق في أحشاء الأرض، كما يتخلق الجنين في أرحام الحيوانات؛ وذلك أنهم يعتبرون أن كل متكون من المولدات العنصرية، لا بد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسبة متفاوتة؛ أي لا بد أن يكون أحد العناصر، التي هي الأرض، والماء، والهواء، والنار غالبًا على الكل كما مر ذكره. ولا بد في كل ممتزج من المولدات العنصرية من حرارة غريزية، هي الفاعلة لكونه الحافظة لصورته. والحرارة تكون فوق الصفر وتحته. فحرارة الثلج تحت الصفر، والجسم الإنساني حرارته الطبيعية سبعة وثلاثون درجة ونصف درجة بميزان سنتغراد. فإن زادت الحرارة عن ذلك كان الجسم الإنساني محمومًا، وإن تجاوزت الحرارة ?? درجة أسرع إليه الهلاك. ثم إن كل متكون من المولدات العنصرية لا بد من اختلاف أطواره وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور، حتى ينتهي إلى غايته. مثال ذلك الإنسان في طور النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم التصوير، ثم الجنين، ثم الرضيع … إلى نهايته، ونسب العناصر الأربعة في كل طور تختلف في مقاديرها وكيفياتها، وإلا لكان الطور الأول هو بعينه الطور الآخر. وكذا الحرارة الغريزية في كل طور مخالفة للحرارة الغريزية في الطور الآخر. فجميع حكماء الإسلام من الموافقين لجابر والمخالفين له، يقولون بهذه المقدمات التي ذكرناها، غير أن الجابريين منهم يزعمون أن المعادن تتشكل في بطن الأرض، كما يتخلق الجنين في أحشاء الحيوانات، ولا يرون فرقًا بين تولد المعادن وتولد الحيوان والنبات. فالذهب على زعمهم ينتقل في أحشاء الأرض من طور إلى طور، وينقلب من حال إلى حال، ولا يتم تكوينه في معدنه إلا بعد ألف وثمانين من السنين من دورة الشمس الكبرى.
قال العلامة بويراف (????–????م): «إن الكيميائيين — يعني جابرًا وشيعته — يذهبون إلى أن جميع المخلوقات تتولد من مخلوقات من نوعها سابقة عليها في الوجود. فالحيوان يتولد من حيوان آخر سابق عليه في الوجود. والنبات كذلك يتولد من نبات آخر والمعدن من معدن آخر. ويدعون أن القوة المولدة مختفية في البزرة المكونة للجسم، وهي التي تفعل في الأجسام الأفاعيل المطلوبة، وتصيرها بالتدريج مشابهة للأصل الذي نشأت منه. وهذه البزور لا تتغير بمفاعيل الطبيعة، ولا تأكلها النيران المحرقة، بل النار تقوي خاصتها المولدة. فبناءً على ذلك يمكنها أن تتصرف في الجسم المعالج بأسرع ما يكون، وأن تغير مادة زئبقية إلى معدن من جنسها.»
وقال الحراني: «إن الصبغ كله أحد صبغين. إما صبغ جسد كالزعفران في الثوب الأبيض حتى يحول فيه، وهو مضمحل منتقض التركيب. والصبغ الثاني تقليب الجوهر من جوهر نفسه إلى جوهر غيره. ولونه، كتقليب الشجر التراب إلى نفسه، وقلب الحيوان النبات إلى نفسه، حتى يصير التراب نباتًا والنبات حيوانًا. ولا يكون إلا بالروح الحي والكيان الفاعل، الذي له توليد الأجرام وقلب الأعيان.» وهم يكنون بالروح عن الإكسير، وكان الحراني هذا من مشاهير أطباء الإسلام، ارتحل إلى الأندلس، واستوطن قرطبة، واشتغل بالطب والكيمياء، ورتب دواءً سماه (المغيث الكبير)، وكتم كيفية عمله وما يشتمل عليه من العقاقير الطبية، فاتفق عليه خمسة من أطباء قرطبة، واشتغلوا مدة من الزمن بتحليل الدواء، فتوصلوا إلى معرفة ما فيه من الأجزاء، ولكنهم لم يعرفوا مقدار كل جزء منها، فلما رأى منهم ذلك باح لهم بسر دوائه، وعلمهم تركيب أجزائه، فشاع استعماله بين جميع أطباء الأندلس، وكان ذلك في أواسط القرن الثالث للهجرة، على زمن محمد بن عبد الرحمن الخليفة الأموي.
فإذا تقررت هذه القاعدة فهم يقولون: إن المشتغل في الكيمياء إذا عثر على بزرة معدن من المعادن، تمكن من صوغ هذا المعدن بإضافة بزوره إلى الجسم المعالج. فإذا عثر مثلًا على بزرة معدن الذهب أو الفضة — أي على إكسيرهما المعبَّر عنه بالروح — أضافه إلى الجسم الذي يكون فيه استعداد لقبول صورة الذهب أو الفضة، وحاوله بالعلاج إلى أن يتم له المراد. فهذه البزور أو الإكسير تفعل في الجسم المعالج على زعمهم، كما تفعل الخميرة في العجين، أو كما يفيض النور على الأجسام بالصقل والإمهاء، كما عبَّر بذلك الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي قال: وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مثل العقرب من التراب، والنتن، ومثل الحيات المتكونة من الشعر، ومثل ما ذكره أصحاب الفلاحة من تكوين النحل إذا فقدت من عجاجيل البقر، وتكوين القصب من قرون ذوات الظلف وتصييره سكرًا بحشو القرون بالعسل، فما المانع إذًا من العثور على مثل ذلك في الذهب أو الفضة.
فصاحب الكيمياء يحتاج إلى أن يساوق فعل الطبيعة في تخليقها المعادن. ولذا فهو يتصفح المكونات كلها؛ أي يمتحن جميع الأجسام البسيطة والأجسام المركبة، ويجري فيها الأعمال الكيميائية، مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية، بالتصعيد، والتقطير، وجمد الذائب منها بالتكليس، وإمهاء الصلب بالفهر والصلاية وأمثال ذلك. ويعين مزاج كل جسم وقواه وخواصه وأشكاله. وبعد وقوفه على المادة المستعدة لقبول صورة الذهب يجعلها موضوعًا لعمله، ويحاذي في تدبيرها وعلاجها تدبير الطبيعة في الجسم المعدني، وقلبها له من طور إلى طور، حتى تصيره ذهبًا أو فضة. فهو يضاعف القوة الفاعلة — أي الحرارة الغريزية — ليتم عمله في زمن أقصر من زمن الطبيعة، وهو ألف وثمانون من السنين على زعمهم؛ لأن مضاعفة قوة الفاعل تنقص من زمن فعله، فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان زمن كون الذهب أقصر من ألف وثمانين سنة بكثير. ولا بد له أيضًا من تصور حالات الذهب، ونسب عناصره الأربعة في كل طور من أطواره، واختلاف الحرارة الغريزية عند انتقاله من حالة لأخرى، ومقدار الزمان في كل طور، وما ينوب عنه من مقدار القوى المضاعفة، ويقوم مقامه، حتى يحاذي بذلك كله فعل الطبيعة في المعدن. أو أن يعد لبعض المواد صورة في مزاجها، تكون كصورة الخميرة للخبز، وتفعل في هذه المادة بالنسبة لقواها ومقاديرها.
ثم إن اعتقادهم بتقلب المعادن في بطن الأرض من طور لطور، وبارتقائها على رأيهم من حالة النقص إلى حالة الكمال، جعلهم يقسمون المعادن إلى قسمين: ناقص وكامل، أو خسيس وشريف. ويقولون بأن تكوُّن المعادن الخسيسة — مثل الرصاص والقصدير والنحاس — لم يكن فيه الغاية المطلوبة؛ لأن الطبيعة في عرفهم تسعى بإفراغ مصنوعاتها في أكمل قالب، وتجتهد دائمًا بتوليد الذهب، ولكن الأقدار لا تبلغ الدنيا كل المنى، رغمًا عما لها من المهارة والدهاء. فيحصل في عملها هذا خطأ، ويتولد معها غير الذهب من المعادن، إذ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. قال بعض السالكين طريقة جابر من الإفرنج، وهو المسمى سلمون: ينبغي لنا ضرورة أن نقر بأن قصد الطبيعة في توليدها المعادن لم يكن عمل الرصاص، أو الحديد، أو النحاس، أو القصدير، بل ولا الفضة رغمًا عن كونها قريبة من الكمال، وإنما قصدها عمل الذهب. فهو ابن أمانيها، لأن الصانعة الحكيمة تبغي دائمًا أن يكون صنعها في أعلى درجة من الإتقان فإذا قصرت فيه عن رتبة الكمال، وظهر العيب في صنعها، فإنما يحصل ذلك بالرغم عنها. فلا ينبغي لنا أن نوجه اللوم عليها في ذلك، بل اللوم على حدوث الأسباب الخارجية … فلذلك يلزمنا أن نعتبر تولد المعادن الناقصة كتولد المسخ والناقص الأعضاء في الحيوان، فإن ذلك لا يحدث إلا لكون الطبيعة حادت في عملها عن الصراط المستقيم، فوجدت في طريقها عثرة زلت بها قدمها، وغلَّت يدها عن العمل، فلم تنصرف في أعمالها على مألوف عادتها. فالعثرة التي زلت بها قدم الطبيعة في تكوينها الذهب، هي ما تجده من الدرن — أي الوسخ — الملتصق في الزئبق، بسبب عدم نظافة المكان الذي يستقر فيه الزئبق، ليتحد بالكبريت، ويشكل الذهب، وبسبب رداءة الكبريت المتحد أيضًا وشدة قابليته للاحتراق.
فالمعادن عندهم تستحيل من حالة لأخرى، والطبيعة على زعمهم تسعى دائمًا في إخراج المعادن من حالة النقص والخسة إلى حالة الشرف والكمال. فحالة النقص هي اتصاف المعادن بالتغير، وحالة الكمال هي اتصافها بعدم التغير؛ أي بالثبات على مقاومة العوامل الطبيعية. فالحديد، والرصاص، والقصدير، والنحاس، والخارصين، وكذا الزئبق، كلها سريعة التغير، ولا ثبات لها على مقاومة العوامل الطبيعية، إذا عرِّضت للهواء الرطب والماء، وتتأثر بالحوامض الكيميائية. ولذا يسرع العطب لسطل الحديد الذي يستخرج به الماء من الآبار، ولذا نحتاج إلى إرسال الأواني النحاسية للبياض بين آونة وأخرى، كما نحتاج إلى صبغ حديد الأبواب وقضبان النوافذ؛ لأن جميع ذلك متخذ من المعادن الخسيسة، كالحديد، والنحاس، والخارصين، الذي يصنع منه مزاريب المياه، ويوضع على سطوح بعض البيوت عوضًا عن القرميد، منعًا للدلف وتسرب المياه. فجميع هذه المعادن تتغير وتصدأ. فصدأ الحديد في اللغة وسخه كما ورد في مختار الصحاح. وفي اصطلاح الكيميائيين في عصرنا هو اتحاد المعادن بالأكسجين، وهو مولد الحموضة. فإذا صدئ المعدن قالوا باصطلاحهم: تأكسد المعدن. ويسمون الصدأ أكسيد الحديد، أو الرصاص، أو النحاس. ولذا سميت المعادن المتقدم ذكرها بالمعادن الخسيسة، أو الدنيئة، أو الناقصة، أو غير الثمينة. بخلاف الذهب والفضة فإنهما لا يتغيران بالعوامل الجوية؛ أي لا يصدآن، ولا تذيبهما النار إلا إذا كانت الحرارة في درجة عظيمة كألف درجة سنتغراد أو نيف. ولا تؤثر فيهما الحوامض الكيميائية إلا ما ندر منها. فالذهب مثلًا لا يذاب إلا بالماء الملكي، الذي هو عبارة عن «حامض كلوريدريك وحامض أزوتيك» وأما في الزئبق فيمتزج به امتزاجًا، ويسمى حينئذ ملغمًا فمن أجل ذلك أطلق على الذهب والفضة اسم المعدنين الشريفين، أو الحجرين الثمينين، أو الكاملين، وعززتهما الاكتشافات الأخيرة بثالث هو البلاتين، أو الفضة الأميركية، وهو يفوق الذهب في هذا الشرف والكمال، ولذا كان أغلى منه ثمنًا.
أما الذي جرَّهم إلى القول بأن الطبيعة تدبر الجسم المعدني، وتعالجه قرونًا كثيرة، حتى يصير ذهبًا، فهو ما شاهدوه من الحالات الكثيرة والصور المختلفة، التي توجد عليها شذور الذهب؛ أي حجارتها قبل الغسل والتصفية. فتارة تكون الشذور على هيئة عروق في أحشاء الأرض وبين طبقاتها الصخرية والرملية، وتارة تكون على وجه الأرض وفي مجاري الأنهار. فظنوا هذه الحالات الكثيرة والصور المختلفة، هي الأطوار التي يتقلب فيها المعدن من طور لآخر. ولذا قالوا بأن المعادن يستحيل الأخس منها إلى الخسيس، وهذا يستحيل إلى الشريف، وتنتهي الاستحالات إلى أشرف المعادن وأكملها وهو الذهب الإبريز؛ أي الخالص. ثم اختلفوا إذا انتهى المعدن إلى هذه الدرجة القصوى من الكمال، هل يبقى مستمرًّا على هذه الحالة الشريفة أو ينعكس راجعًا إلى التراب؟ فالمسألة عندهم فيها قولان.
قولهم بأن المعادن روح

لا يخفى أن حكماء الإسلام يقولون: إن المعدن يستحيل نباتًا، والنبات يستحيل حيوانًا، والحيوان لا يستحيل إلى شيء هو ألطف منه إلا أن ينعكس راجعًا إلى الغلط. ويقولون أيضًا إنه لا يوجد في العالم شيء تتعلق به الروح غير الحيوان. والروح ألطف ما في العالم. ولم تتعلق الروح بالحيوان على زعمهم، إلا بمشاكلته إياها. فأما الروح التي في النبات فإنها يسيرة، فيها غلظ وكثافة، وهي مع ذلك مستغرقة كامنة فيه، لغلظها وغلظ جسد النبات، ولذلك لم يقدر النبات على الحركة لغلظه وغلظ روحه. والروح المتحركة ألطف من الروح الكامنة كثيرًا؛ وذلك لأن المتحركة لها قبول الغذاء والتنقل والتنفس، وليس للكامنة غير قبول الغذاء وحده. ولا تجري إذا قيست بالروح الحية إلا كالأرض عند الماء. كذلك النبات عند الحيوان. ولا يخفى أن مقصودهم بمقايسة الأرض عند الماء هو مقايسة الجسم الصلب السائل، فهم يعتبرون أن للمعادن روحًا، ولكن هذه الروح أغلظ وأكثف من الروح الكامنة في النبات، كما أن روح النبات غليظة وكثيفة بالنسبة لروح الحيوان المتحركة. فليت شعري ما قصدهم بروح المعدن؟
قولهم بتأثير الكواكب في تكوين المعادن

ثم إنهم يزعمون أن للنجوم تأثيرًا على فعل الطبيعة في الجسم المعدني حتى يصير ذهبًا. ولكن هذا التأثير بطيء جدًّا، ولا يتم إلا في مئات من السنين. فالاعتقاد بتأثير الأجرام العلوية في عالم العناصر قديم جدًّا، وعليه كان دين أهل بابل الأقدمين.
أما أثر الشمس في عالم العناصر؛ أي في كرتنا الأرضية وفي هوائها، فظاهر، لا يسع أحد جحده، مثل أثر الشمس في جميع أفعال الحياة وفيما على وجه الأرض من التغيرات، وكذا أثر القمر في المد والجزر. وأما تأثير غير الشمس والقمر من الكواكب فمشكوك فيه. ولا برهان على صحته، وقد جرت مناقشات عديدة في هذا التأثير بين علماء الفلك وعلماء التنجيم، ألطفها المناقشة التي جرت على أثر مقالة نشرها العلامة فلاماريون، الفلكي الشهير في باريس بكثرة مؤلفاته، ومن علماء هذا العصر. وقد جاء في هذه الرسالة أنه إن كان لغير النيرين من الكواكب السيارة والثابتة تأثير على الأرض من جهة الجاذبية والشعاع، فهذا التأثير بمثابة العدم، ولا حكم له في عالم العناصر. فكلام فلاماريون ينصت له العلماء، ويثق به الناس أجمعون، إذ هو صاحب الاكتشافات العظيمة في كوكب المريخ، ولذا دعاه أحد علماء أميركا كريستوفر كولمبس المريخ. ولما نشر العلامة فلاماريون هذا الرأي قام عليه المنجمون وسلقوه بألسنة حداد، وشددوا عليه النكير لإنكاره تأثير الكواكب، وأوردوا من حججهم وبراهينهم ما لا يسعنا التعرض لها هنا لضيق المقام، ولأن الخوض في مثل هذا البحث خارج عن حدود ما رسمناه لبحثنا هذا. ففي أوروبا كثير من المنجمين والمعتقدين بأحكام النجوم، وتأثيرها في عالم العناصر، وبمعرفتهم بهذا التأثير قبل حدوثه وإنبائهم عن الغيب على زعمهم ودعواهم. ويقولون بأن للقمر تأثيرًا في غير المد والجزر أيضًا. من ذلك أن قص الشعر في أول الشهر القمري موجب لتوقيف تساقط الشعر، وأن الجهة المقابلة لمطالع القمر من الأبنية القديمة أسرع انهدامًا وأقرب ميلًا لتلك الجهة مما عداها، وغير ذلك مما يسخر منه العلم الحديث. وكاميل فلاماريون المشار إليه من علماء الفلك، الذين يقولون بوجود النفس الإنسانية، وبأنها جسم لطيف قائم بذاته ومنفصل عن المادة. والذي أداه إلى هذا القول هو التحقيق والتدقيق الذي أجراه في ??? مسألة من مسائل الروح والنفس، وعالم ما وراء الطبيعة، واستنتج من ذلك هذه النتائج الأربع:
(?) النفس موجودة وجودًا حقيقيًّا ومنفصلة عن الجسد.
(?) للنفس خصائص لم تزل مجهولة في نظر العلم.
(?) للنفس تأثير وإدراك عن بعد بغير واسطة الحواس البدنية.
(?) المستقبل مهيأ من قبل الوقوع، ومعين بالأسباب الداعية لحدوثه. فالنفس يمكنها إدراك المستقبل في بعض الأحيان.
فهذا العلامة يعتقد بأن النفس مدركة للغيب في بعض حالاتها؛ أي إنها تحس ببعض الحوادث قبل وقوعها، وهو يقول عندما سأله أحد الصحفيين، إن كان رأى بنفسه شيئًا من الروحانيات: «كلا مع الأسف. لم تظهر لي ولا روح من أرواح الأحياء ولا الأموات، وليس لي إحساس قلبي بذلك، ولا أصدق بهذه الأمور إلا بناءً على مشاهدة الآخرين الذين امتحنتهم واختبرتهم بنفسي.» أي اختبر ما حدث لهم في إدراك النفس للغيب وفي تأثيرها. وهي منفصلة عن الجسد بدون اعتماد في إدراكها على الحواس الخمس وآلاتها. ولا نطيل الكلام في هذا الموضوع، بل نكتفي بذكر ما قاله أبو القاسم الرحوي، وكان من شعراء تونس في القرن الثامن للهجرة، من قصيدة نظمها عندما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن، وحاصروه بالقيروان، وكثر إرجاف المرجفين، وتنبؤ المنجمين:
رضيت بالله لي إلهًاحسبكم البدر أو ذكاءما هذه الأنجم السواريإلا عباديد أو إماءيقضى عليها وليس تقضيوما لها في الورى اقتضاءضلت عقول ترى قديمًاما شأنه الجرم والفناءوحكمت في الوجود طبعًايحدثه الماء والهواء وهي قصيدة جيدة، وأحسن منها قول أبي العلاء المعري، وله فضل المتقدم لوقوع وفاته في سنة ????:
للمليك المذكرات عبيدوكذاك المؤنثات إماءفالهلال المنيف والبدر والفرقد والصبح والثرى والماءوالثريا والشمس والنار والنثــرة والأرض والضحى والسماءهذه كلها لربك ما عابك في قول ذلك الحكماء النثرة اسم لنجمين صغيرين يقال لهما أنف الأسد. والقصيدة بديعة، وهي في اللزوميات.
ماهية الإكسير

تبين مما ذكرناه من المذاهب والآراء، أن السالكين طريقة جابر من أهل الكيمياء، يزعمون أن هناك بزورًا تفعل في الجسم فعل الخميرة في العجين، وتقلبه ذهبًا. وهذا ما يعبرون عنه بالإكسير، ويسمونه أيضًا الصبغ والحجر المكرم أو الكريم والإفرنج منهم يقولون له الحجر الفلسفي، أو حجر الفلاسفة، أو الإكسير الكامل، والعلم الأكبر، والعنصر الخامس. وإذا لم يقلب الجسم المعدني إلا للفضة فقط سموه حجر الفلاسفة الصغير، والإكسير الناقص، والعلم الأصفر.
واختلفوا في ماهية هذا الإكسير، إلا أن فحول المشتغلين بعلم جابر من مسلمين وإفرنج يشهدون على وجوده بالفعل لا بالقوة فقط، وعلى مشاهدتهم له واستعمالهم إياه. قال ابن بشرون في هذا المعنى: «ينبغي لطلاب هذا العلم أن يعلموا أولًا ثلاث خصال؛ أولها: هل تكون؟ والثانية: من أي شيء تكون؟ والثالثة: كيف تكون؟ فإذا عرف هذه الثلاث وأحكمها فقد ظفر بمطلوبه، وبلغ نهايته من هذا العلم. فأما البحث عن وجودها والاستدلال على تكونها، فقد كفيناكه بما بعثنا به إليك من الإكسير.» وهو الذي بعثه إلى صاحبه أبي السمح تلميذ مسلمة كبير علماء الأندلس. لكن ابن بشرون لم يعرفنا حقيقة الإكسير وخواصه بصريح العبارة، بل يقول إنه يخرج من الحيوان وينفصل طبائع أربعًا؛ أي يمر من حالة الجسم الصلب إلى السائل إلى الغازي إلى النار، وهي الحرارة والنور. فهو بهذه الأوصاف لم يزل في حيز الخفاء عندنا. وقال ألبير الكبير في كتابه الكيمياء والفلسفة: «عرفت كثيرًا من الأغنياء والرهبان وكبار الموظفين والجهلاء المقلدين، كلهم أضاعوا وقتهم ونقدهم في البحث عن هذه الصناعة، ولم يظفروا منها بشيء. ولكن ذلك لم يستوجب فتور همتي، ولا صدني عن مباشرتي، فاشتغلت بكل اجتهاد وسافرت من بلد لآخر وأنا أقول في نفسي: إن كانت تكون فكيف تكون؟ وإن كانت لا تكون فكيف لا تكون؟ وبقيت على ذلك إلى أن وصلت إلى معرفة كون استحالة المعادن إلى الفضة والذهب ممكنة.» فإن دققنا في هذه العبارة المنقولة عن كتاب فيكيه في الكيمياء والكيميائيين، نجدها عين عبارة ابن بشرون المدروجة في مقدمة ابن خلدون.
وأول من قال بهذه الخصال الثلاث المتقدم ذكرها هو خالد بن يزيد بن معاوية. وشهد فان هيلمون على أنه رأى الحجر الفلسفي بعيني رأسه، ولمسه بيده، قال: «فكان بكفي ثقيلًا، ولونه كلون مسحوق الزعفران، وله لمعان كثير.» وشهد غيره عليه أنه جسم صلب، لونه كلون الياقوت الغامق، شفاف قابل للانحناء، ولكنه ينكسر كالزجاج. وقال غيره: لونه كلون الخشخاش البري، ورائحته كرائحة الملح البحري. ويقول بعضهم: إنه كقطع الفحم، والبعض الآخر يقول: لونه كلون الكبريت. فتضاربت أقوالهم وتناقض كلامهم، ولكنهم في الغالب يصفونه بالتراب الأحمر، ومن هنا شاع على الألسن قولهم: أندر من الكبريت الأحمر. ويصفون به العلماء فيقولون: فلان هو الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر. ويقال: ذهب كبريت؛ أي خالص. وورد في كتاب خالد بن يزيد الأموي المترجم إلى اللاتينية باسم «رسالة في الكلمات الثلاث» — ولعلها الخصال الثلاث المتقدم ذكرها — عبارة تصحح هذه الأقوال، وتزيل التناقض والإشكال. وهذه العبارة هي قوله: «إن هذا الحجر يجتمع فيه جميع الألوان، فهو أبيض، وأحمر، وأصفر، وأزرق سماوي، وأخضر …» أما الإكسير الناقص الذي يقلب إلى الفضة فقط، فيصفونه غالبًا بالبياض الناصع، ويسمونه الصبغ الأبيض، ولكنهم قلما يبحثون فيه لاتجاه أفكارهم نحو الإكسير الكامل؛ إذ هو مطمح أنظارهم، ومبتغى آمالهم، وغاية أعمالهم.
وقد ينسبون إلى هذا الإكسير أفعالًا عجيبة، كخاصة الدواء الشافي لكل داء. روى لنا جابر عن نفسه هذه القصة، وهي تؤيد ما ذهب إليه الكيميائيون من وجود هذه الخاصة في الإكسير، قال: «كان ليحيى بن خالد البرمكي جارية، يضرب بها المثل في الجمال والذكاء، وكان يحبها كثيرًا، فمرضت ذات يوم، واشتد بها المرض حتى كان يودي بحياتها. فأرسل يحيى إلي رسولًا يستشيرني في الأمر، ويطلب لها علاجًا، ولم أكن رأيت الجارية من قبل، ولا عرفت سبب مرضها لأصف لها العلاج. فظننت أن بها تسممًا، فأشرت عليه باستعمال الماء البارد فلم يجد ذلك نفعًا. ثم أشرت بعدها بالدلك فلم ينفع ذلك أيضًا. وأخيرًا دعاني يحيى إلى بيته لأرى الجارية، وأصف لها الدواء. فذهبت إلى بيته ومعي الإكسير، وأعطيتها منه جرعة صغيرة فشفيت بإذن الله، وفرح يحيى فرحًا عظيمًا، وأجازني على ذلك.»
هذه هي زبدة آراء الكيميائيين في القرون الوسطى، وخلاصة الأقوال التي تبنى عليها صناعتهم، وتدور عليها مباحثتهم، ذكرناها دون مناقشة فيها، ليعلم أن السالكين طريقة جابر ليسوا مجردين عن العلم والتحقيق، وليست صناعتهم صرف وهم وخيال. نعم إن الإكسير لم يوجد للآن، ولا علمت حقيقته، ولا توصل أحد من أهل الكيمياء الحديثة إلى إثبات كون الذهب مركبًا من عنصر آخر غير عنصره البسيط، ولكن الجميع يعلمون أن للسالكين طريقة جابر قواعد علمية، ونظرًا فلسفيًّا في المكونات، هو الذي أدى إلى اكتشاف الكيمياء الحديثة، وإلى وضع قواعدها؛ لأن الفكر البشري لا بد له من أن يتسلسل في المسائل، ويرتقي في الإدراك درجة فدرجة، حتى يصل إلى نقطة الأوج والكمال. سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. فوجود علم جابر كان ضروريًّا لوجود علم لافوازيه، لتوقف وجود الثاني على وجود الأول.

اكتشافات المسلمين في الكيمياء الحديثة


هذا الباب هو من أهم ما ورد في هذه الرسالة؛ إذ هو الغاية من الكيمياء والنتيجة الصحيحة التي أنتجها علم جابر. ولكن الإحاطة بجميع ما اكتشفه المسلمون في الكيمياء الحديثة متعسرة، بل وربما كانت متعذرة؛ لأن الكتب الإسلامية ضاع أكثرها ودثر. فمنها ما أغرق في دجلة حينما دخل هولاكو بغداد، ومنها ما أحرق في الأندلس حينما استردها الإسبان، ولم تزل النكبات تتوالى على ما بقي من تآليف المسلمين في مكتبات الخواص من ذوي البيوت القديمة، أو في مكتبات الجوامع والمدارس العمومية، حيث كانت عادة العلماء المتقدمين في الغالب أن يجعلوا مؤلفاتهم في أوراق متفرقة، وكراريس غير محبوكة، يضعونها في محفظة من الجلد. وعلى مر الأيام وكر الأعوام اختلط بعض الأوراق ببعض، وصارت (دشتًا) متفرقًا، لا يعرف لها أول ولا آخر. ثم إن كثيرًا من هذه الكتب لم يعن بها العناية التامة، فطمستها الرطوبة ورعت في جوانبها الأرضة، ولذلك تلف ولم يزل يتلف من تلك المؤلفات الثمينة أكثر مما أغرق في بغداد أو أحرق في الأندلس.
هذا ولا يزال هناك مؤلفات كثيرة مبعثرة في أنحاء العالم، وهي في طي النسيان لم تمتد إليها يد، لوجودها بين يدي أفراد لم يتيسر لهم نشرها على العالم، أو طبعها للاستفادة منها. وأمثال ذلك كثير؛ فالمستشرقون في هذا العصر ما يزالون يواصلون البحث، وينفقون الأموال الطائلة، ويقضون السنين الطويلة لاستخراج الكتب من المكتبات المندثرة، أو الحصول عليها بجميع الوسائل الممكنة، ونفض الغبار عنها، ومقابلتها، وتصحيحها، وطبعها، وترجمتها، والتعليق عليها، والاطلاع منها على مختلف العلوم والفنون، والوصول منها إلى النتائج الصحية لتلك العلوم. ولو أخذنا نعدد أسماء الكتب التي استخرجت وطبعت في مختلف الموضوعات لطال بنا البحث، وبحسبنا أن نذكر أن تمبكتو — وهي المدينة التي كانت تعد في أقصى المعمور من الأرض — بعد أن افتتحها الفرنسيون وجدوا بها مكتبة عظيمة وكتبًا قيمة، فجاءوا بها إلى باريس. وقد استخرج منها المستشرق الفرنسي المسيو هوداس كتابًا لطيفًا عنوانه «تاريخ السودان»، وطبعه سنة ????م. ومؤلف هذا التاريخ هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السعدي، وقد ذكر فيه ملوك السودان، ومدينة تمبكتو، ونشأتها، ومن ملكها من الملوك، وذكر العلماء والصالحين الذين توطنوا فيها، وغير ذلك من الأخبار والفوائد إلى سنة ?????.
فيفهم من ذلك أن السلف الصالح من المسلمين لم يهملوا شيئًا، ولم يغادروا صغيرة ولا كبيرة من مسائل العلم إلا قيدوا أوابدها، ووضعوا فيها الرسائل والمؤلفات العديدة. وكثرة كتبهم تفوق الحصر؛ فمنها ما انعدم اسمه ورسمه كالذي أغرق وأحرق، ومنها ما خفي علينا وجوده كالذي بقي في خزائن الكتب مهملًا، ومنها ما بقي اسمه مذكورًا وذهب مسماه، كالكتب التي وردت أسماؤها في كتاب الفهرست لابن النديم، وفي كتاب كشف الظنون للكاتب جلبي المشهور بالحاج خليفة، وفي غيرهما من الكتب، ولم يجد علماء زماننا لهذه الكتب أثرًا ولا في مكتبة من مكتبات الشرق والغرب، ومنها ما فقد أصله العربي، ولم تبق إلا ترجمته اللاتينية أو العبرانية، أو غيرهما من اللغات. مثال ذلك كتاب «نهاية الإتقان» و«رسالة الأفران» و«رسالة في الكلمات الثلاث» لخالد بن يزيد، وجميعها باللاتينية. وبعض كتب ابن رشد بالعبرية، وهي محفوظة في المكتبة الأهلية في باريس، ونحو ذلك. فإن السلف الصالح جدَّ واجتهد وخلَّف لنا كنوزًا، أضعناها ولم نحافظ عليها.
يكفيك حزنًا ذهاب الصالحين معًاونحن بعدهمُ في الأرض قطان فيتضح من ذلك أن كتب الكيمياء كثيرة لإقبال الناس على هذه الصناعة وعنايتهم بها. ومنها ما هو مستقل بالتأليف، ومنها ما هو مندمج في غيره من المؤلفات، مثل كتاب الوشي المصون واللؤلؤ المكنون في علم الخط، الذي بين الكاف والنون، ذكره العالم المحقق أحمد زكي باشا في رسالته موسوعات العلوم العربية، قال: وهو عبارة عن مجلدات كثيرة في علم الجفر والحروف، أورد فيه مؤلفه ستمائة وثلاثة وعشرين علمًا. وصاحب هذا الكتاب رجل اسمه أحمد بن محمد، صنفه للملك المظفر: فليت شعري من هو أحمد بن محمد، ومن هو الملك المظفر؟ سوف يعرفنا المستقبل بهما. ونظير هذا كتاب العلم المخزون في علم الخواص، وهو مجلد على أجزاء مشتمل على ثلاثمائة كتاب كما قيل، ومثله عيون الحقائق وكشف الطرائق، ذكروه في الجفر، وهو على ثلاثين بابًا، كل باب في علوم غريبة. وكذا الغيث المنسجم في شرح لامية العجم للصفدي، فإنه أفاض في ذكر العلوم العربية والفلسفية، وأتى بلمع وافية من علم الكيمياء ومن علم الأفلاك؛ لأن الطغرائي صاحب اللامية من أئمة هذا الشأن، مع ما له من اليد الطولى في فنون الأدب وشجون العجم والعرب، وما هو عليه من جلالة القدر وأبهة الوزارة. وذكر الصفدي في شرحه هذا شيئًا كثيرًا، على طريق الاستطراد، فصار الكتاب مشحونًا بغرائب الجد والهزل. وعلى هذا الشرح حاشية. وفي رسائل إخوان الصفا أبحاث في المعادن وتكوينها، ومن ذلك أيضًا كتب المجربات، وهي كثيرة.
فجميع هذه الكتب تشتمل على مسائل كثيرة وفوائد مهمة في علم الكيمياء، والإحاطة بجميع هذه المؤلفات متعذرة كما رأينا، وقد علمنا أن فهم الرسالة الواحدة من رسائل جابر مثلًا يتوقف على الإحاطة بجميع ما في رسائله السبعين، فكيف يتيسر لنا جمعها، وهي إن لم يفقد أكثرها فما بقي منها مشتت في جميع جهات الكرة الأرضية. والمتحري عليها ينبغي أن يبتدئ من مكتبة إسكوريال في إسبانيا، ويتعقب المكتبات الإسلامية واحدة واحدة، حتى ينتهي منها جميعها، وهذا عمل فيه من المصاعب ما لا يخفى على أحد.
هذا ما كان من أمر كتب الكيمياء الإسلامية، وأما ما احتوت عليه هذه الكتب فالمظنون أيضًا بأنه شيء كثير؛ لأن قاعدتهم الأساسية تلجئهم إلى فحص جميع العناصر والمكونات، وتعيين أمزجتها وقواها. ولذا لم يتركوا شيئًا بدون أن يجروا فيه تجاربهم، واتصلوا بذلك لأغرب المجربات، منها ما نقل عن مسلمة المجريطي، وهو وإن كان غريبًا لا يقبله العقل فإنا نورده على سبيل التفكهة. ذكر مسلمة في كتابه غاية الحكيم: أن آدميًّا إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم ومكث فيه أربعين يومًا يغتذي بالتين والجوز، حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق، وشئون رأسه، فيخرج من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصة والعامة. وقد أجروا كثيرًا من التجارب في أنفسهم بالرياضة، ليتعرفوا تأثير القوى الموجودة في العالم. فصاموا الأيام الكثيرة، ودخلوا الفرن الحار ليختبروا أثر الجوع وفعل الحرارة في الجسد. وحاولوا بالمجاهدة موتًا صناعيًّا بإماتة جميع القوى البدنية، ليثبتوا وجود النفس، ويتعرفوا أخبارها، وليبرهنوا بالبرهان التجريبي على قولهم بأن الموت إذا نزل بالبدن ذهب الحس وحجابه، واطلعت النفس على ذاتها وعالمها.
والخلاصة أن أهل الكيمياء في الإسلام أجروا تجارب عديدة، ودونوا مجرباتهم في كتب كثيرة، فلا بد أن يكونوا عثروا أثناء تجاربهم على اكتشافات مهمة في علم الكيمياء الحديثة، تلقى بعضها عنهم الإفرنج فنسبت لهم، ولم يزل البعض الآخر مدفونًا في كنوز الكتب التي تختزن في طياتها الرطوبة، وترتع في صفحاتها الأرضة. ومهما يكن فنحن لا نذكر في هذا الفصل إلا ما أقر الإفرنج أنفسهم بأنهم تلقوه عن المسلمين، من مسائل الكيمياء، وما نزال ندرسه في مدارسنا الابتدائية، فضلًا عن العالية في يومنا هذا. ونحن نعجز عن حصر جميع هذه الاكتشافات لما ذكرناه سابقًا من الأسباب. غير أن ما يدرك جله لا يترك كله. فإذا أجلنا النظر في كتب الكيمياء الحديثة — وخصوصًا في تلك الكتب التي عني بها مؤلفوها بتاريخ الكيمياء — نجد أنها تكرر اسم جابر والرازي وابن سينا وغيرهم من علماء الكيمياء في الإسلام. ونفهم منها أن أبا موسى جابر بن حيان الصوفي هو أول من وصف المعادن الشائع استعمالها وصفًا مدققًا، كالمعادن السبعة المتطرقة، والزئبق والكبريت والزرنيخ. فهو أول من تكلم على هذه المعادن وعرفها تعريفًا كيميائيًّا. ولم يزل علماء الإفرنج يقولون به ويرددونه في كتبهم. وفي كتاب جابر المترجم إلى اللاتينية باسم الشيميا كلام مفيد على استحضار ماء الفضة، والماء الملكي، وكيفية تأثير ماء الفضة على المعادن، وتأثير الماء الملكي على الذهب والفضة والكبريت. وفي كتاب جابر هذا أيضًا كلام جيد في وصف كثير من المركبات الكيميائية المستعملة في المعامل الصناعية، وفي الصيدليات الطبية مثل كلامه على حجر جهنم المستعمل في فن الجراحة لإحراق العضلات الفاسدة، وإماتتها، ولغير ذلك، ويسميه أهل الكيمياء الحديثة «نترات الفضة»، ومثل كلامه على الزئبق المصعد الذي يأكل الأجسام، ويدفع التعفن، ويسهل البطن وهو سام قتال.
وتكلم أيضًا على ما يسميه أهل الكيمياء اليوم «رايالغار»، وهو أكسيد الأرسنيك المكبرت الأحمر، وعلى زهرة الكبريت، وملح الطرطير، وملح البارود، والزاج، والقبرصي، وروح النشادر، وحجر الشب، والشب اليماني. وجاء في كتاب «واضعو علم الكيمياء» لمؤلفه أريك جون هولميرد: «لم يهمل جابر تطبيق الكيمياء عمليًّا وإجراء التجارب فيها، فهو يصف لنا طرقًا لصنع الفولاذ وصقل المعادن الأخرى، كما وصف طرقًا لصبغ الأقمشة والجلود، واستحدث مركبات لصبغ الشعر ونحو ذلك.»
ومما اكتشفه الرازي في الكيمياء، وصرح الإفرنج بأنهم أول ما رأوه في كتبه كالحاوي وغيره الكئول. قال في معجم لاروس: Alcool كلمة عربية الأصل، مؤلفة من أل التعريف وكلمة «كحل» بضم الحاء أو تسكينها، ومعناها الشيء الدقيق الناعم. وقيل: لا بل من كلمة «القلي» المرادفة للشوي، والأول أظهر من جهة الاشتقاق، والثاني أتم من جهة المعنى. ولم يكن الرومانيون ولا اليونانيون يعرفون الكئول. وأول من نقله عن كتب العرب وأشاع استعماله في أوروبا هو أرنو دو فيلنيف، في القرن الثالث عشر للميلاد. ثم شرح أوصاف الكئول ريمون لول، ثم جاء لافوازيه وعرفه التعريف اللائق، وبين كيفية استحصاله، وكان الرازي يستعمل الكئول في الصيدليات لاستحضار الأدوية والعلاجات، حينما كان يطبب ويدرس في مدارس بغداد والري. ومما ذكره في كتبه أيضًا الزرنيخ، وملح الصباغة، وبعض مركبات الكبريت مع الحديد والنحاس، وبعض أملاح الزئبق، وكثير من مركبات السليماني، وأطنب في ذكر منافع الكيمياء وخدمتها لفن الطب. وحيث كانت أفكار المتقدمين متجهة نحو قلب المعادن الخسيسة إلى المعدنين الشريفين، أطنبوا في ذكر أوصاف المعادن السبعة المتطرقة، ثم أردفوها بذكر الأرواح المعدنية وهي أربعة: الكبريت، والزئبق، والزرنيخ، وروح النشادر، ويسميه الإفرنج أمونياك. وزعموا أن هذه الأرواح هي التي تؤثر في بعض المعادن السبعة. وتقلبها بالصناعة إلى الذهب والفضة. فالمتقدمون وصفوا جميع هذه الأجسام أحسن وصف، وبينوا جميع خواصها، وهي كلها مما يسميه أهل الكيمياء الحديثة من العناصر البسيطة، ما عدا روح النشادر فإنه مركب من الأزوت والهيدروجين.
وجاء في كتب الكيمياء الحديثة: ومما اكتشفه العرب:
الحامض الأزوتي: أول من ذكره جابر وسماه الماء المحلل، ثم جاء ألبير الكبير فوصف استحضاره وصفًا مدققًا، وتوجد اليوم معامل كثيرة لاصطناعه، ويستهلك منه كميات كبيرة في العالم للصناعات المختلفة التي لا بد فيها من استعماله، مثل صنع الحامض الكبريتي، والماء الملكي، والنيترو بنزين، والنيتروكليسرين، وقطن البارود، والمواد الملونة، ويستعمله الحكاكون لحك النحاس ويسمونه الماء الغالب، ويستعمله المصورون ويسمونه الماء المساعد، كما يستعمله الصياغ ويسمونه ماء الفضة.
حامض كلوريدريك: أخذه علماء الكيمياء الحديثة عن كتاب بصيل فالانتين، وهو أخذ عن كتب العرب وسماه روح الملح، ويستعمل هذا الحامض لاستحضار الماء الملكي، والحامض الكربونيك وروح النشادر وغيرها.
الماء الملكي: اكتشفه جابر، وهو مزيج من الحامضين المتقدمين؛ وهما الحامض الأزوتي وحامض كلوريدريك، ومن خواصه إذابة الذهب والبلاتين؛ لأنهما لا يذوبان في كل واحد من الحامضين المذكورين على حدته، بخلاف غيرهما من المعادن فإنها تذوب في حامض الأزوتيك. وسمي بالماء الملكي لأنه يذيب ملك المعادن وهو الذهب.
روح النشادر: وسماه العرب أيضًا القلي الطيار، وكلهم وصفوه وعرفوه أحسن تعريف، ويسميه الإفرنج أمونياك، ويستعملونه في الصناعات وفي الطب، ويصنع به الجليد بآلات مخصوصة.
الحامض الكبريتي: أول من ذكره في مؤلفاته أبو بكر الرازي، وسماه زيت الزاج والزاج الأخضر. فنقله من كتبه ألبير الكبير وسماه كبريت الفلاسفة وروح الزاج الروماني. وذكره بصيل فالانتين في كتبه ووصفه وصفًا غير تام. واعلم أنه لا صنعة إلا ويستعمل فيها الزاج، وهو أنفع ما جاءت به الكيمياء.قال الكيميائي دومًا: يمكننا الاستدلال على توسع صناعات الأمة من مقدار زيت الزاج الذي تستهلكه؛ لأنه يستعمل لاستحضار غيره من الحوامض الكثيرة الاستعمال في الصناعات وفي الأصبغة، ويستعمل في اصطناع المياه المعدنية والشمع والسكر وتصفية كثير من الزيوت.
البارود: لعهد قريب كان الناس والعلماء يظنون أن مخترعه ألماني يدعى شوارتز، ولكنهم اليوم عدلوا عن هذا الرأي وقالوا: البارود مزيج من الكبريت والفحم ومن ملح البارود. والأولان من العناصر المحترقة والأخير من العناصر المشتعلة. ولصنعه أصول مخصوصة، وقد زالت أهميته في زماننا لاكتشاف غيره من المواد المتفجرة، وبقي استعماله مختصًّا بالصيد. استمر الناس زمنًا طويلًا وهم يعزون اختراعه للراهب الألماني شوارتز من أهل القرن الرابع عشر للميلاد، ولكن ظهر اليوم للمحققين بأن الصينيين يعلمون من قديم الزمان ممزوجات العناصر المحترقة. وأول ذكر في الكتب لبارود المدافع وجد في كتاب عربي يبحث فيه عن آلات الحرب، ويظهر منه أن مؤلفه كان في مصر في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، وذلك في تاريخ الحرب الصليبية التي قام بها لويس القديس. ثم نقله ألبير الكبير وبيَّن تركيبه وخواصه.
وكان استعمال البارود في المدافع لأول مرة سنة ????م، في الحرب التي نشبت بين إنكلترا وفرنسا، وكانت جنود الإنكليز مسلحة بالقوس والنشاب ومعهم بعض المدافع. غير أن ابن خلدون ذكر في تاريخه أن أبا يوسف سلطان مراكش لما حاصر سجلماسة سنة ???? الموافقة سنة ????م «نصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعردات وهندام النفط القاذف بحصى الحديد، ينبعث من خزانة أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة، ترد الأفعال إلى قدرة باريها.» وقيل بأن أهل مراكش استعملوا الأسلحة النارية قبل ذلك أيضًا في محاربتهم سرقوسة سنة ????م. وكانوا قبل هذا التاريخ يستعملون في حروبهم النار اليونانية. ذكر المؤرخ الإنكليزي جيبون أن مخترع هذه النار رجل من بعلبك اسمه كالينيكوس، كان يصنعها من النفط، أو الغاز السائل، ومن الكبريت وخشب الصنوبر بطريقة مخصوصة. ثم فر من الخلفاء إلى القسطنطينية وعلمها لقياصرة الروم فسلحوا بهذه النار عساكرهم وقابلوا بها جنود المسلمين الذين أتوا لحصار القسطنطينية في خلافة معاوية ثم في خلافة الوليد.
ونحن لا نقصد في هذا الفصل ذكر جميع المكتشفات الكيميائية التي أقر الإفرنج بأخذهم إياها وتلقيهم لها عن المسلمين؛ لأن ذلك من وظيفة أساتذة الكيمياء الذين يؤلفون الكتب في هذا العلم الجليل. وفيما ذكر في هذا الرسالة من الأمثال والقواعد كفاية لفهم حقيقة علم جابر وكيفية توليده للكيمياء الحديثة، وكيفية أخذ الإفرنج هذا العلم عن المسلمين. ولم تزل الكلمات العربية موجودة في اصطلاحات هذا العلم بأصلها العربي أو بترجمتها الحرفية عن العربية، كقولهم «سبيرتو» ومعناه الروح، و«أسبري دوفين» بالفرنسية ومعناه روح الخمر، وكذا قولهم «لودو في» ومعناه ماء الحياة، وأمثال ذلك. والذي أبقوه على لفظه العربي كثير أيضًا مثل الكحل المتقدم ذكره، والأمبيق الذي هو آلة التقطير، والقلي وهو نبات بحري يصنع من رماده الصابون، ويقال له بالاصطلاحات الجديدة الصودة. والقطران والصابون وعشرات من الكلمات.
على أن أعظم فائدة أفادها جابر ومن سلك طريقته هي وضعهم فن المجربات؛ أي إثباتهم القضايا العلمية بالتجربة والاختبار؛ لأن المتقدمين لذلك العهد كانوا يثبتون قضاياهم العلمية بالقياس المنطقي، فيقولون مثلًا: هذا معدن ذهب، فالمعدن جنس، والذهب فصل، فهو كقولنا للإنسان: هذا حيوان ناطق. والفصل لا سبيل بالصناعة إليه. وإنما يخلقه خالق الأشياء وهو الله عز وجل، والفصول مجهولة الحقائق رأسًا بالتصور، فكيف يحاول انقلابها بالصنعة. إذ من شرط الصناعة أبدًا تصور ما يقصد إليه بالصنعة، فمن الأمثال السائرة للحكماء: أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل. فلا بد لنا من تصور الفصل ليتيسر لنا تخليقه وإبداعه. وتصور الفصل غير ممكن، فينتج من ذلك أن تخليقه أيضًا مستحيل. وبناءً عليه فصناعة الذهب؛ أي قلب المعادن مستحيل. فأثبتوا استحالة هذه الصناعة بالقياس المنطقي، شأنهم في سائر المسائل العلمية. وهذه كانت طريقتهم ومذهبهم الذي تلقوه بالسند المتصل إلى أرسطوطاليس. ولا يخفى ما في هذا المذهب من الخلل؛ لأننا كثيرًا ما نرى مباينة بين البرهان العقلي والبرهان التجريبي. وربما قام الدليل العقلي أو القياس على ثبوت شيء ثم ظهر بالتجربة ضد ذلك الشيء. وقولهم أول العمل آخر الفكرة باطل؛ لأن أكثر المكتشفات في الكيمياء — بل وفي غيرها — عثر عليها العلماء بالصدفة. وكثيرًا ما نرى الكيميائي يشتغل في معمله لاستحصال مادة ثم في نتيجة العمل تظهر له مادة أخرى. ولو بقي العلماء على غفلتهم منتظرين تصور الفصل لما تيسر لهم إيجاد شيء من اللوالب التي تدور عليها رحى هذه المدنية. فمن هذا يتضح لنا السبب الذي حمل علماء الإفرنج على الإقبال على علم الكيمياء وعلم الطبيعة، وتخصيص غرفة في كل معهد لتكون مختبرًا يجري فيه التلاميذ تجاربهم واختباراتهم، ويستعملون لذلك أدوات وآلات بلغت في زماننا من الإتقان والكثرة درجة عظيمة.
فجابر لم يلتفت لذاك القياس المنطقي، بل شرع يتصفح المكونات كلها، ويجري فيها أنواع التجارب والامتحانات، ويعين أمزجتها وقواها عله يعثر فيها على الإكسير، فعثور جابر على الإكسير — كما يزعم — لم يزل مشكوكًا فيه لهذا التاريخ، ولم تزل هذه القضية محتملة للصدق والكذب، وأغلب الظن أنها حديث خرافة ومجرد وهم، ولكن عثور جابر وأتباعه على كثير من الحقائق العلمية ثابت بالعيان. ومجموع هذه الحقائق هي التي أنتجت بالضرورة علم الكيمياء الحديث الذي بهر العالم، وغير وجه الأرض بنتائج اكتشافاته وتطبيقاته التي نشأت بأجمعها عن هذا الأصل الذي وضعه جابر، وتسلسلت عنه كحلقات السلسلة المرتبط بعضها ببعض.
أما قواعد التجربة والامتحان التي وضعها جابر في هذا الفن فهي مذكورة في كتبه المترجمة إلى اللاتينية، مثل كتاب «نهاية الإتقان» و«رسالة الأفران» فإنهما يشتملان على وصف التجارب والعمليات وصفًا يليق استعماله وتطبيقه في عصرنا لدرس المسائل الكيميائية في كافة المدارس، التي فيها غرفة لحفظ الإنبيق والقرعة والأنابيب والأباريق، والفرن، وبقية أدوات الكيمياء.
ثم سلك فريق من العلماء — وهم القائلون بصحة الكيمياء — مسلك جابر، واقتفوا أثره في فن التجارب وأصول الامتحان، وانتقلت الكيمياء بعد ذلك من العرب إلى الإفرنج بما فيها من قواعد التجارب وأصولها، فطبقها علماؤهم، واشتغلوا على موجبها في القرون الوسطى، وتوصل روجر باكون في القرن الثالث عشر للميلاد بهذه الأصول التجاربية إلى إظهار اكتشافات في علم الطبيعيات، حارت لها عقول أبناء زمانه. فالشرف في إيجاد الأصول التجاربية وعدم الالتفات لأصول المناطقة راجع لجابر وأهل طريقته. واستعمال هذه الأصول وتطبيقها في القرن السابع عشر للميلاد هو الذي أحدث الانقلاب العلمي الذي كان من أبطاله غاليليو، وفرانسس باكون، ونيوتن، وغيرهم من علماء الإفرنج. وإن النقطة التي ابتدأت منها الأصول التجاربية على التحقيق هي مؤلفات جابر وأتباعه، لا مؤلفات ألبير الكبير كما زعم بعضهم؛ لأن ذلك العدد القليل من الإفرنج الذين عكفوا في القرن الثالث عشر على درس العلوم الطبيعية كما سبقت الإشارة إليه ما هم إلا صادرون عن حياض المعارف الإسلامية. وناهلون من بحار علومهم، ومقتبسون لطرقهم وأصولهم، وإن كنا لا ننكر فضلهم في خدمة الإنسانية؛ إذ إنهم حملوا مشاعل العلم في عصر كانت فيه أوروبا تئن تحت نير الجهل، فأناروا بذلك الطريق، ومهدوا السبيل لمن جاء بعدهم.
فيتبين لنا مما تقدم أن أصحاب الكيمياء في الإسلام هم الذين وضعوا أصول التجارب الذي عليه مدار الكيمياء الحديثة وسائر العلوم الطبيعية. ولهم في الكائنات نظر فلسفي، لم يجرؤ علماء الإفرنج في هذا العصر على الادعاء بأنه حديث خرافة أو أباطيل. وهذا رغمًا عما كان يلحق علماء الكيمياء في الإسلام من أذى المتعصبين وظلم المستبدين، وهم يجاهدون بأنفسهم وأموالهم في سبيل كشف الحقائق وتحوير المسائل العلمية. ولو حصل لهم تنشيط من الأمة ومدت إليهم أيدي المساعدة لتأسيس المعامل الكيميائية، والمختبرات العلمية، وتنظيم المكتبات وجمع الكتب اللازمة لها، لتوصلوا — ولا شك — إلى وضع العلوم الحقيقية، وأصول الفلسفة الجديدة، ولتوسعوا في دوائر بحوثهم، وجاءوا بنتائج أعظم مما جاءوا به، وأحدثوا قسمًا كبيرًا من هذا الانقلاب العظيم الذي جاء به الإفرنج، وغيروا بسببه وجه الأرض، ولم يزالوا يظهرون لنا في كل يوم من معجزات العلم وخوارق الاكتشافات والاختراعات ما تحار في صنعها الألباب، وتقصر عن إدراكها العقول.