Advertisement

السرنديبية


السرنديبية




السرنديبية

اكتشافات علمية وليدة الصدفة

تأليف
رويستون إم روبرتس

ترجمة
مصطفى محمد فؤاد



السرنديبية

رويستون إم روبرتس


تصميم الغلاف: محمد الطوبجي.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.



إلى فيليس
لقاؤها كان أهم مصادفة في حياتي.

شكر وتقدير


أدين بالشكر على وجه الخصوص للسير ديريك إتش آر بارتون؛ لأنه ذكر في تقديمه لإحدى المحاضرات في جامعة تكساس أن معظم الاكتشافات المهمة في الكيمياء العضوية كانت وليدة المصادفة، وقد وصف في تواضع بعضًا من اكتشافاته المبهرة مستخدمًا مصطلحات «التخطيط والاعتقاد الخاطئ والمصادفة» (يمكنك الاطلاع على بعض الأمثلة في الفصل الخامس والثلاثين).
في ذلك الوقت، كنتُ بحاجة إلى تشجيع من أجل إخراج فكرة طالما كانت تستهويني إلى النور. وبدأ اهتمامي بالفكرة بمصادفة علمية صادفتها بنفسي (والتي سأعرض لها في نهاية الفصل السابع عشر)، ويرجع السبب فيها جزئيًّا إلى هدية أعطاها لي أحد الطلاب منذ عدة سنوات، وكانت كتابًا صغيرًا بعنوان «اكتشافات علمية عارضة». كان هذا الطالب الذي لا أذكر اسمه الآن — هذا إن كنت أعرفه من الأساس — طيِّبًا جدًّا لدرجة أنه ذكر في إهدائه الذي ضمَّنه في الكتاب أنه على الرغم من استمتاعه بمحاضراتي، فإن هذا الكتاب الصغير قد يزوِّدني ببعض «المعلومات المثيرة» المفيدة لي في عملي المستقبلي. وأنا أرجو الشيء نفسه بالنسبة إلى كتابي هذا؛ إذ آمل أن يجده المعلِّمون من جميع المستويات مرجعًا مفيدًا.
ثمة العديد من الأشخاص الآخرين الذين كانوا عونًا لي، حيث زوَّدوني بأمثلة صادفوها بأنفسهم أو سمعوا عنها بشأن السرنديبية، ومن بين هؤلاء زملائي في جامعة تكساس بأوستن الأساتذةُ: ألين بارد، وآر مالكولم براون الابن، وجوزيف كارتر، وماري آن فوكس، وجي باري كيتو، ومايكل إس براون، من مركز العلوم الصحية بجامعة تكساس في دالاس. وقد كانت كريستين جونسون — أمينة مكتبة قسم الكيمياء بالجامعة — على قدر جيد من الكفاءة والحماس حتى إنها استطاعت أن توفِّر لي المقالات التي لم تكن متاحة. وأتوجه أيضًا بالشكر إلى جون سيلاجي — الممثل المحلي لمؤسسة وايلي — لاهتمامه بموضوع السرنديبية وتسهيل العقد الأصلي مع الناشر، وكذلك إلى الدكتورة كارول جونز من شركة آي بي إم بأوستن، وإلى كارل هيسلر الابن من أوستن، وإلى الدكتور إي شونفالدت الذي كان يعمل في شركة ميرك ويعمل الآن في أوستن، وإلى البروفيسور بريسكوت ويليامز من المعهد اللاهوتي المشيخي، وإلى البروفيسور إيه تي بالابان من معهد بوخارست المتعدد التقنيات، وإلى الدكتور جورج إف باس أستاذ علم الآثار البحرية في جامعة تكساس للعلوم الزراعية والميكانيكية، وإلى البروفيسور تشارلز سي برايس، صديقي الطيب ومعلمي المحترم في جامعة إلينوي. كما أدين بالفضل إلى البروفيسور جيمس جي تراينهام من جامعة ولاية لويزيانا، وإلى البروفيسور كينيث شيا من جامعة كاليفورنيا في إيرفين، وإلى البروفيسور إيه جي إم باريت من جامعة نورث ويسترن، وإلى البروفيسور روبرت جي بيرجمان من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وإلى البروفيسور دي زيباخ من المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ، وإلى الدكتور جيه جيه (كيم) رايت من شركة بريستول-مايرز، وإلى ريتش ساندرز وجُودي بوروفسكي من شركة ثري إم، وإلى بي جيه هانان، الذي كان يعمل في معمل أبحاث البحرية الأمريكية، وإلى الدكتور سي سي تشينج، تلميذي في مرحلة الدراسات العليا النابغ الذي أصبح الآن مدير أبحاث في مركز السرطان التابع لجامعة كانساس.
أودُّ أن أُعرِب عن امتناني الخاص للدكتور روي بلَنكيت من شركة دو بونت والدكتور دانيال دبليو فوكس من شركة جنرال إليكتريك لمشاركة تجربتهما معي؛ شخصيًّا وعن طريق الرسائل (انظر الفصلين السابع والعشرين والثاني والثلاثين.)
أعتذر لبعضٍ من المذكورين آنفًا لأن بعض قصصهم لم تظهر في الكتاب؛ إذ إن بعض تلك القصص لم أستطِعْ عرضَها عرضًا مُرضيًا بلغة غير فنية — فهذا الكتاب موجَّه بالأساس إلى القارئ العادي — والبعض الآخَر لم أستطِعْ عرضَه لعدم وجود مساحةٍ له بالكتاب.
أريد أيضًا أن أُعرِب عن تقديري وعرفاني لهؤلاء الذين ساعدوا في توفير الأشكال التوضيحية المعروضة بالكتاب: ثيلما ماكارثي من المؤسسة القومية لتاريخ الكيمياء في فيلادلفيا، وآن إي كوتنر من مكتبة نيلس بور التابعة للمعهد الأمريكي للفيزياء في نيويورك، وجاستن إم كاريزيو الابن وتيرينس كريسي وديان كوري من شركة دو بونت وآر سميلستور وريتشارد جي كول من شركة فيلكرو بالولايات المتحدة الأمريكية وجوان جيدريزياك من شركة سكويب.
وأخيرًا، أودُّ أن أشكر ديفيد سوبيل؛ لأنه كان محرِّرًا متمكِّنًا ومتفهِّمًا جدًّا، وكان العمل معه في هذا المشروع متعة كبيرة لي.

تمهيد


أثناء السنة الأولى من دراستي ما بعد الجامعية في عام ????، صادفت للمرة الأولى ما يُطلِق عليه الدكتورُ روبرتس «السرنديبية الوهمية». كنت أعمل في مشروعٍ في وقت الحرب لتصنيع كلوريد الفينيل (لصنع بولي كلوريد الفينيل، الذي يُعَدُّ الآن أشهرَ أنواع المواد البلاستيكية استخدامًا). وفي ذلك الوقت، كان كلوريد الفينيل يُصنَّع بإضافة كلوريد الهيدروجين إلى الأسيتيلين، فحاولت إنتاجه بطريقة بديلة؛ وهي تمرير ثاني كلوريد الإثيلين عبر أنبوب ساخن. كلوريد الفينيل المصنَّع اليوم كلُّه يتم إنتاجه بهذه الطريقة.
كنت أصفِّي ثاني كلوريد الإثيلين عن طريق التقطير فقط، لكن في أحد الأيام جرَّبت القيامَ بخطوة تصفية إضافية قبل التقطير؛ وجدت أن عملية إنتاج كلوريد الفينيل حينها قد سارت بمعدل أسرع وباستخدام درجة حرارة أقل. لكن هذه النتيجة لم تكن دائمًا قابلة للتكرار من يوم لآخَر، وكنت غاضبًا بشدة من ذلك! وأخيرًا، اكتشفت حقيقة الأمر. كان هذا لعدة أسباب؛ أولًا: خطوة التصفية الإضافية التي أزالت مادة مثبطة للتفاعل المرغوب، وثانيًا: وجود تسرُّب هواء غير مقصود (وغير متوقَّع) في تجهيزات التجربة؛ مما سمح بدخول الأكسجين، وهو عامل محفِّز للتفاعل المرغوب. وهكذا، فقد أدَّت الإزالة العرضية للمادة المثبطة والإضافة العَرَضية للقليل من الأكسجين إلى اكتشافٍ بالغ الأهمية في مجال الصناعة. ومنذ عام ????، كثيرًا ما توصلت إلى اكتشافات علمية بالمصادفة. وبالطبع، اعتمد هذا الاكتشاف على عقل مهيَّأ ومتأهب للاكتشاف الذي سيصادفه.
يقدم هذا الكتاب الذي ألَّفَه الدكتور رويستون روبرتس عرضًا رائعًا لما يُسمَّى بالسرنديبية، أو الاكتشاف العَرَضي، في مجالات علمية عدة. وهو مكتوب بلغة واضحة وبسيطة تتيح لمن لديهم معرفة علمية محدودة أو ليست لديهم معرفة علمية على الإطلاق فهم الكتاب والاستمتاع بمحتواه.
أعتقد أن هذا الكتاب سيلقى ترحيبًا كبيرًا؛ فقراءته تجعلك تدرك كيف أن العديد من الاكتشافات العلمية يمكن ألا يكون مخطَّطًا لها مقدمًا. فعندما تقدِّم طلبًا للحصول على تمويل لبحث ما من جهة ما، فإن ذلك سيعتمد على المعرفة الحالية، وليس على المعرفة المجهولة لنا، غير أن أكثر المعارف إمتاعًا هي تلك التي توجد في عالم المعرفة المجهولة. والسؤال الآن: كيف يمكن أن تنتقل من المعلوم إلى المجهول؟ أفضل سبيل إلى ذلك — في رأيي — أن تسير على درب مَنْ قاموا بذلك من قبلُ. فالاكتشاف، سواء بالمصادفة أو بالتخطيط، عادةً ما يأتي إلى نفس الأشخاص مرة بعد مرة.
إنَّ هذا الكتاب الرائع لا غنى عن قراءته لجميع القُراء من كل الأعمار، لكنه سيكون مفيدًا على نحو خاص لِمَنْ يخطون أولى خطواتهم في حياتهم المهنية. فعندما تكون صغيرًا، ترغب أن تكون كل المعارف الجديدة متوافقة مع النظريات السائدة (المسلمات العلمية الحالية). ولحسن الحظ، هذه ليست الطريقة التي تحدث بها الأمور دائمًا في الواقع.
السير ديريك إتش آر بارتون

مقدمة


ما الشيء المشترك بين الفيلكرو والبِنسلين وأشعة إكس والتيفلون والديناميت ومخطوطات البحر الميت؟ إنها السرنديبية! فكل هذه الاكتشافات المتنوعة كانت وليدة المصادفة، شأنها في ذلك شأن مئات الاكتشافات الأخرى التي تجعل حياتنا اليومية أكثر سهولة أو إمتاعًا أو صحةً أو إثارةً. كلُّها جاءت إلينا نتيجة المصادفة أو السرنديبية؛ وهي كلمة تعني — كما في التعريف القاموسي لها — القدرةَ على اكتشاف أشياء قيِّمة أو رائعة دون السعي وراءها، أو «القدرة على اكتشاف أشياءَ مهمة وغير متوقَّعَة على نحو عَرَضي.»
أول مَن صاغ كلمة «سرنديبية» هو هوراس وولبُول في خطابٍ إلى صديقه السير هوراس مان عام ????. كان وولبُول مُعجَبًا بقصة خيالية قرأها عن مغامرات «أمراء سرنديب الثلاثة» — اسم قديم لسيلان، وهي دولة تُعرَف الآن باسم سريلانكا — الذين «كانوا يكتشفون، بالمصادفة والفطنة، أشياءَ لم يكونوا يسعون وراء اكتشافها …» استخدم وولبُول الكلمةَ لوصف بعض اكتشافاته الوليدة بالمصادفة. وأُعِيدَ اكتشاف الكلمة حديثًا وهي تُستخدَم حاليًّا على نحو متزايد. (لم تظهر الكلمة في طبعات ???? أو ???? من أي قواميس إنجليزية معروفة، لكنها ظهرت في طبعات ???? والطبعات التالية منها، وفي القواميس الأخرى المعاصرة.)
أغلب الأشخاص الذين أنعم الله عليهم بالسرنديبية لا يمانعون في الاعتراف بدور الحظ في اكتشافاتهم، وهم عادةً يكونون مستعِدِّين لوصف الكيفية التي توصلوا بها إلى اكتشافاتهم. وأعتقد أنهم أدركوا أن السرنديبية لا تقلِّل من الفضل الذي يُنسَب إليهم في صنع اكتشافاتهم. أدرَكَ ذلك لوي باستير، صاحب الاكتشافات العظيمة في مجال الكيمياء والميكروبيولوجيا والطب، وأعرب عنه باقتضاب قائلًا: «في مجال العلوم، المصادفة لا تواتي إلا العقول المستعدة.» وحديثًا، قال بول فلوري — الحائز جائزةَ نوبل — عند حصوله على قلادة بريستلي، التي تُعَدُّ أرفع تكريم تمنحه الجمعية الأمريكية للكيمياء: إن الاختراعات المهمة لا تتم بمحض المصادفة، والاعتقاد الخاطئ بأنها تتم على هذا النحو سائد على نحو كبير، وللأسف لم تَقُم الدوائر العلمية والفنية بجهد كبير للتصدي لهذا الاعتقاد. في واقع الأمر، عادةً ما يكون للمصادفة دورٌ في الاكتشاف، لكن ثمة جوانب كثيرة متضمنة في عملية الاختراع أكثر من الاعتقاد الشائع بحدوث مصادفة مفاجئة؛ فالمعرفة العميقة والواسعة من المتطلبات الأساسية، وإن لم يكن العقل مستعِدًّا مسبقًا استعدادًا تامًّا، فربما لن تجد شرارة العبقرية الشهيرة — إذا وجب أن تُعرِب عن نفسها — شيئًا تُشعله أو تستثيره.
توضِّح العبارتان السابقتان لباستير وفلوري أنهما أدرَكَا ما قصده وولبُول عندما وصف السرنديبية بأنها اكتشافات تحدث «بالمصادفة والفطنة».
لقد صِغتُ مصطلح «السرنديبية الوهمية» لأشير إلى الاكتشافات العرَضية لطرق تحقيق هدف يُسعى إليه، وذلك على عكس المقصود ? «السرنديبية» (الحقيقية)، التي تصف الاكتشافات العرَضية لأشياء لم تكن مصحوبة بسعيٍ من أجل اكتشافها.
على سبيل المثال، اكتشف تشارلز جوديير عمليةَ تصليد المطاط عندما سقطت منه مصادفةً قطعة من المطاط مغطَّاة بالكبريت داخل فرن ساخن. فعلى مدى سنوات عديدة، كان جوديير منشغلًا بمحاولة العثور على طريقة لتطويع المطاط والاستفادة منه في مجال التصنيع، ولأن المصادفة وحدها هي التي قادته إلى اكتشاف تلك العملية الناجحة التي كان يسعى وراءها بكل جدية؛ فأنا أُسمي هذه سرنديبية وهمية. وعلى النقيض من ذلك، لم تكن لدى جورج دي ميسترال أية نية لاختراع شريط التثبيت اللاصق (الفيلكرو) عندما لاحَظَ كيفية التصاق بعض البذور البرية بإحكام بملابسه.
أعتقِدُ أن العديد من الاكتشافات المعروضة في هذا الكتاب يجب أن تُوصَف بأنها سرنديبية وهمية، وهذا لا يجعلها بالضرورة أقلَّ أهميةً. وفي بعض المواضع، أحدِّد لك إن كان الاكتشاف سرنديبيًّا حقيقيًّا أم وهميًّا، وفي مواضع أخرى أترك الحُكم لك. ولكن، يظل الاكتشاف في كلتا الحالتين اكتشافًا يستحقُّ اهتمامنا وإعجابنا.
تبدأ القصص الواردة في هذا الكتاب بواحد من أوائل الأمثلة المسجَّلَة على السرنديبية الوهمية. ففي القرن الثالث قبل الميلاد، كان أرشميدس يبحث عن طريقة لاكتشاف ما إذا كان ثمة معدن رخيص في تاج ذهبي صُنِع لملكه، ووجد الطريقة من خلال ملاحظة عرضية له في أحد الحمامات العامة بمدينة سرقوسة؛ مما جعله يخرج مُسرِعًا وهو عريان من الحمام صائحًا: «وجدتها!»
تحدث تلك المصادفات السعيدة لآلاف الناس، على الرغم من أن أغلبهم ربما لم يكن ردُّ فعله مثيرًا مثل رد فعل أرشميدس. وكلنا نستفيد عندما تظهر تلك الاكتشافات الناتجة عن هذه المصادفات. في هذا الكتاب، رتبتُ بعض هذه الاكتشافات — التي يعتبر بعضها شديد الأهمية والبعض الآخَر يكاد يكون تافهًا — زمنيًّا من الماضي إلى الحاضر. وعمومًا، فقد حاولت أن أعرض الاكتشافات بأسلوب يسهُل على القارئ العادي فهمه. ولكن البعض يحبذ استخدام المصطلحات الفنية أو العلمية، وإلا فسيجد المختصون أن القصص المعروضة لا معنى لها، وذلك على نفس النحو الذي سيجد به غيرُ المختصين بعض القصص كذلك إذا تمَّ عرضها بلغة فنية صارمة. وآمل أيضًا أن تفيد تلك القصص المعلمين والطلاب من كل المستويات — من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية — في تفعيل المحاضرات والنقاشات؛ لذلك، أقدم في بعض الأحيان بعض الشروح أو المعلومات الإضافية في شكل صيغ وأشكال توضيحية. وبالنسبة إلى مَنْ يرغبون في الحصول على معلومات إضافية أو عامة عن الموضوعات المعروضة في القصص، فقد تم توفير قائمة بالمراجع في الملحق، كما يمكنك — إذا أردتَ — الحصول على ملحق فني يشتمل على صيغ ومعادلات كيميائية إضافية، وهو ملحق يقدمه الناشر بناءً على طلبك.
لكلِّ مثال من الأمثلة المعروضة في هذا الكتاب المئات من الأمثلة الأخرى التي ليس لديَّ علم بها؛ آمل أن يكون هذا الكتاب محفِّزًا لك — إذا صادفْتَ مصادفة علمية في حياتك أو تعرف آخَرين صادفوا ذلك — كي تخبرني بتلك القصص بحيث أضمنها في الطبعات المستقبلية من هذا الكتاب.
سوف تصدر — بلا شك — طبعات مستقبلية من الكتاب لأن السرنديبية مستمرة؛ حدثٌ نشهده كل يوم!

الفصل الأول
أرشميدس: صاحب أقدم اكتشاف عَرَضي


كان أرشميدس — عالم الرياضيات الإغريقي — يعيش في مدينة سرقوسة في القرن الثالث قبل الميلاد. وله إسهامات علمية جليلة مثل اختراع الرافِعة (أو شادوف أرشميدس) الذي لا يزال مُستخدَمًا في مصر حتى الآن لرفع مياه النيل بهدف ري الأراضي المرتفعة، ووضع قانون الطفو الذي يُسمَّى في بعض الأحيان «قانون أرشميدس». وهو الذي خرج يجري عاريًا من أحد الحمامات العامة إلى شوارع سرقوسة صائحًا: «وجدتها، وجدتها!»
ما الذي وجده أرشميدس؟ ما الذي أثاره هكذا لدرجة أنه نسي ارتداء ملابسه قبل الإسراع إلى منزله؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نعرف ما الذي كان يفكِّر فيه أرشميدس عندما دخل أحد الحمامات العامة في ذلك اليوم. عَهِدَ هيرو — ملك سرقوسة وأحد الأصدقاء المقرَّبين إلى أرشميدس وربما أحد أقاربه — إلى أحد الصائغين بصنع تاج له من الذهب الخالص، وعندما استلم الملك هيرو التاج بعد أن انتهى منه الصائغ، شكَّ في كون التاج مصنوعًا من الذهب الخالص. وأخذ الملك يتساءل: هل استخدم الصائغ معدنًا أقل قيمةً مثل الفضة أو النحاس واستبدل به بعض الذهب الموجود في التاج ثم احتفظ بهذا الذهب لنفسه؟
شكل ?-?: اكتشف أرشميدس كيفية قياس حجم جسم غير منتظم مثل التاج.
كان معروفًا حينئذٍ طريقة مزج الذهب بالفضة والنحاس. وهذا المزيج — أو السبيكة — يحتفظ باللون الزاهي للذهب حتى عندما تضاف إليه كميات كبيرة من معادن أخرى. يُسمَّى الذهب الخالص ذهبًا عيار ?? قيراطًا، وتتكون سبيكة الذهب عيار ?? قيراطًا من ذهب بنسبة ??? ومعادن أخرى بنسبة ???. وهو كثيرًا ما يُستخدَم في صناعة المجوهرات، ويكاد يشبه الذهب الخالص تمامًا.
استدعى الملك هيرو صديقه أرشميدس، عالم الرياضيات الشهير، وعَهِدَ إليه بمهمة تحديد إن كان التاج مصنوعًا بالفعل من الذهب الخالص، ومحتويًا بالفعل على كل الذهب الصافي الذي أعطاه الملك للصائغ أم لا. ولم يكن يوجد تقدُّم في مجال التحليل الكيميائي في القرن الثالث قبل الميلاد مثلما هو الحال في مجال الرياضيات، لكن أرشميدس كان مهندسًا وعالم رياضيات بارعًا.
كان أرشميدس قبل ذلك قد توصَّلَ إلى صيغ رياضية لقياس حجم الأجسام الصلبة المنتظمة مثل الأجسام الكروية والأسطوانية. وأدرك أنه إذا استطاع قياس حجم تاج الملك، فسيمكنه تحديد إن كان التاج مصنوعًا من الذهب الخالص أم أنه مزيج من الذهب ومعادن أخرى.
عندما رأى الماء يفيض من أعلى المغطس عندما وضع فيه قدميه، أدرك أن حجم الماء المزاح مساوٍ تمامًا لحجم الجزء الذي أدخله من جسده في الماء؛ واستطاع حينئذٍ أن يجد طريقة لحساب حجم أيِّ جسم صلب غير منتظم، سواء أكان هذا الجسم هو قدمه أم تاج الملك. وهكذا إذا وضع التاج في إناء ممتلئ بالماء، فإن بإمكانه قياس حجم الماء المزاح، والذي سيكون مساويًا لحجم التاج.
دعنا نفترض أن الملك هيرو قد أعطى الصائغ مكعبًا من الذهب الخالص وزنه حوالي ? باوندات، وأن حجم حوافه ??? سنتيمترات (السنتيمتر الواحد يساوي ????? بوصة) وحجمه هو ??? سنتيمترًا مكعبًا. إذا صنع الصائغ التاج بهذا الذهب كله ولم يخلطه بأي معادن أخرى، فإن وزن التاج سيكون ? باوندات، وحجمه سيكون نفس حجم المكعب الأصلي، ??? سنتيمترًا مكعبًا، على الرغم من كونه في شكل مختلف. أما إذا كان الصائغ قد صنع التاج بنصف كمية الذهب فقط وأبدَلَ النصف الآخَر (??? باوند الأخرى) بكمية مساوية من الفضة — على سبيل المثال — فإن وزن التاج حينئذٍ سيكون ? باوندات، ولكن حجمه سيكون مختلفًا.
إذا تمَّ قياس حجم التاج، فسيكون أكثر من ??? سنتيمترًا مكعبًا؛ لأن الفضة كثافتها نصف كثافة الذهب، وكثافة المادة هي قياس الوزن لوحدة الحجم من هذه المادة، أو ما يُطلق عليه الوزن الحجمي للمادة. وكثافة الذهب أكبر من أي معدن آخَر أقل قيمةً؛ فكثافته ???? جرامًا لكل سنتيمتر مكعب، وكثافة الفضة ???? جرامات لكل سنتيمتر مكعب، وكثافة النحاس أقل؛ فهي ??? جرامات لكل سنتيمتر مكعب. وتاج وزنه ? باوندات، نصفه مصنوع من الذهب والنصف الآخَر من الفضة، سيكون حجمه ??? سنتيمترًا مكعبًا.
اكتشف أرشميدس هذا مصادفةً في أحد الحمامات العامة، فأصبح من السهل قياس حجم تاج الملك الجديد بوضعه في الماء وقياس حجم الماء المزاح. وعندما وجد الملك أن الحجم كان أكبر كثيرًا مما يجب أن يكون عليه تاج مصنوع من الذهب الخالص، أصدر أوامره سريعًا بأن يلقى الصائغ غير الأمين جزاءه وهو الإعدام. فيا له من اكتشاف عرضي سعيد (سرنديبية!) بالنسبة إلى أرشميدس، وإن لم يكن كذلك بالنسبة إلى الصائغ!
لقد كان هذا الاكتشاف — وليد المصادفة لطريقة قياس حجم أي جسم صلب — السببَ في نوبة الحماس العارم التي اعترت أرشميدس وجعلته يخرج مُسرِعًا من الحمام وهو عريان دون أن يدرك أنه لم يرتدِ ملابسه.

الفصل الثاني
كولومبوس: اكتشاف عالم جديد


معلومٌ للجميع أن كولومبوس أبحَرَ غربًا وليس شرقًا للبحث عن طريق جديدة إلى بلاد الشرق، ولكنه لم يبلغ بلاد الشرق وإنما اكتشف عالمًا جديدًا، وهو الأمريكتان. الواقع أن هذا الاكتشاف كان عرَضيًّا، لكن هل كان سرنديبيًّا؟
يوجد العديد من عوامل المصادفة في قصة كولومبوس غير معروفة على نطاق واسع مثل رحلته البحرية الشهيرة. وُلِد كريستوفر كولومبوس في جنوة عام ???? تقريبًا، ودرس الرياضيات والعلوم الطبيعية، بما فيها علم الفلك الملاحي في بافيا. وطبقًا لسيرته الذاتية التي رواها ابنه فرناندو، قام بأولى رحلاته البحرية وهو في سن الخامسة عشرة تقريبًا، وربما زار فيها إنجلترا وأيرلندا وأيسلندا، وكذلك اليونان والبرتغال وإسبانيا. وفي البرتغال، قابَلَ كولومبوس ابنةَ قبطانٍ كان يعمل مع المستكشِف الشهير هنري الملَّاح، الذي كان أول مَن اكتشف الجانب الغربي المطِلَّ على المحيط الأطلنطي لأوروبا وأفريقيا، وتزوَّجَها. ومن خلال دراسة خرائط هنري الملَّاح وغيره من الملَّاحين، تولَّدت لديه رغبة محمومة لاكتشاف طريق جديدة للوصول إلى ثروات بلاد الشرق؛ وذلك عن طريق الإبحار غربًا. ويعتقد الرحَّالة المعاصِر ثور هايردال أن كولومبوس قد اطَّلَع على الرسائل التي كُتِبت قبل أربعة قرون إلى الفاتيكان من قِبَل الكهنة النورديين في جرينلاند، تلك الرسائل التي وصفوا فيها الأراضي التي اكتُشِفت بالإبحار أقصى الغرب.
أدرك كولومبوس أن رحلةً طموحة كالتي يرغب في القيام بها تحتاج إلى رعاية ملكية؛ فطلب بإلحاحٍ هذا الدعمَ من ملوك البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإنجلترا. رفض هنري السابع ملك إنجلترا طلبه، لكن حاكِمَا إسبانيا الملك فرديناند والملكة إيزابيلا قَبِلَاه؛ ونتيجةً لذلك، أصبحت معظم أراضي العالم الجديد تابِعةً للإسبان وليس الإنجليز.
ثمة عامل آخر من عوامل المصادفة في اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد، وهو تقييمه الخاطئ لحجم العالم؛ فعلى الرغم من أنه كان محقًّا في اعتقاده بأن الأرض كروية، فإنه لم يقدِّر حجم العالم على نحو صحيح، واعتقد أن القارة الآسيوية أكبر حجمًا وأكثر قُرْبًا إلى إسبانيا مما هي عليه بالفعل؛ فبنى تقديراته اعتمادًا على مجسَّم الكرة الأرضية الأشهر في ذلك الوقت. إلا أن مصمِّمَ هذا المجسَّم، مارتن بيهايم، استخدَمَ قياس بطليموس لمحيط الأرض، وكان أصغر بنسبة ???. (هذا المجسَّم ما زال موجودًا؛ حيث يوجد في متحف في نورمبرج بألمانيا.) فبعد أن أبحر حوالي ? آلاف ميل، اعتقد كولومبوس أنه أخطأ ولم يصل إلى اليابان كما أراد، وأن الجزر التي عثر عليها ورسا عندها هي جزء من الهند الشرقية (ومن هنا جاءت تسميته لسكانها بالهنود) والتي توجد في جنوب اليابان، على الرغم من أن تلك الأراضي كانت توجد بالفعل على بُعْد آلاف الأميال جهةَ الغرب.
لكن هل اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد مثال على السرنديبية؟ أكَّدتُ قبلَ ذلك على أهمية الفطنة في تحويل أحد الأحداث إلى اكتشاف سرنديبي. فعلى الرغم من أن كولومبوس كان مستكشِفًا جريئًا، فإنه لم يكن فَطِنًا بالقدر الكافي حتى يدرك قيمةَ اكتشافه، ومات معتقِدًا أنه اكتشف مناطق جديدة من بلاد الشرق وليست قارة جديدة. كذلك، لم يستفِدْ من اكتشافه على النحو الذي كان يأمل فيه؛ فقد نال ثناءً وتقديرًا مؤقَّتًا من رعاة رحلاته من إسبانيا، لكن عندما لم يتحقَّق هدفُ الحصول على ثروات هائلة من بلاد الشرق لنفسه ولرعاته على أرض الواقع، لم يستمر الثناء ومات وهو يشعر بخيبة أمل كبيرة. وكان يأمل في اكتشاف طريق مختصرة إلى بلاد الشرق وثرواتها، ولم يستطع الاستفادة مما اكتشفه.
إن المصادفة السعيدة التي ربما سمحت لنا بأن نقول إن اكتشاف كولومبوس كان «سرنديبيًّا» هي نشأة حضارة في العالم الجديد، وهو أمر حدث بعد فترة طويلة من الاكتشاف العرَضي التاريخي الذي قام به هذا المستكشِف الكبير.

الفصل الثالث
مريضٌ هندي يكتشف الكينين


إنَّ أصل مادة الكينين غامض جدًّا لدرجة يصعب معها فصلُ الأسطورة عن الحقيقة؛ فطبقًا للرواية الأكثر شهرةً في أوروبا، شُفِيت زوجة نائب ملك بيرو، والمعروفة بكونتيسة كينتون Chinchon، من مرض الملاريا بتناول مستخلص من لحاء إحدى الأشجار من بيرو، وأُعجِبت للغاية بهذا العلاج لدرجة أنها أخذت معها بعضًا من هذا اللحاء إلى إسبانيا عام ????، وهكذا تكون هي مَن أدخلت مادة الكينين إلى أوروبا. واعتمادًا على هذه الرواية، أطلَقَ عالم النبات السويدي ليناوس عام ???? اسم «سينكونا» Cinchona على جنس الأشجار المأخوذ منه هذا اللحاء الطبي. لكن كان ثمة خطآن في هذا؛ أولًا: مع أن ليناوس قصد تخليد ذكرى الكونتيسة كينتون بصنيعه هذا، فإنه أخطأ في هجاء اسمها، فأهمل ثاني حرف فيه وهو حرف h. ثانيًا: لم تكن الكونتيسة مصابَة أصلًا بالملاريا، ولم تنقل هذا اللحاء الطبي معها إلى إسبانيا، وإنما تُوفيت في كارتاخينا بكولومبيا وهي في طريق عودتها إلى إسبانيا. كان أول استخدام مُسجَّل لمادة الكينين في علاج الملاريا من جانب الإرساليات اليسوعية في مدينة ليما عام ???? تقريبًا؛ ومن هنا، أُطلِق اسم «لحاء اليسوعيين» على هذا اللحاء الطبي، قبل ليناوس بنحو مائة عام. وربما يتعذر تمامًا أن نعرف على وجه التأكيد إن كان اليسوعيون قد عرفوا من الهنود الخصائص الطبية لهذا اللحاء المفيدة في علاج الملاريا. ومع ذلك، توجد أسطورة قديمة تقدِّم رواية معقولة للاكتشاف العرضي للخصائص العلاجية للحاء شجرة الكينا.
تدور الأسطورة حول رجل هندي كان يعاني من الحمى، وكان تائهًا في غابة عالية في جبال الإنديز. وتنمو هناك أنواع عديدة من شجرة السينكونا (التي يطلِق عليها الهنود «كينا-كينا») على المنحدرات الدافئة الرطبة لجبال الإنديز من كولومبيا إلى بوليفيا، على ارتفاعات تزيد عن ? آلاف قدم. وأثناء تقدُّمِه متعثِّرًا عبر الأشجار، وجَدَ بركة راكدة من الماء، فألقى نفسه بالقرب من حافتها لتناول بعض الماء البارد، ومن أول رشفة من الماء الذي أحسَّ بمرارته، أدرَكَ أنه مُزِج بلحاء أشجار «الكينا-كينا» المجاورة، الذي كان يعتقد أنه سام، ولكنه اهتمَّ بأن يروي عطشه الشديد ويقلِّل مؤقتًا أثر الحمى التي أصابته أكثر من اهتمامه بالآثار العكسية المميتة المحتمَلة؛ فاغترف من الماء الكثير.
ومما أثار دهشته أنه لم يمت! ففي حقيقة الأمر، هدأت الحمى التي كان يعاني منها وتمكَّن من العودة إلى قريته وهو في كامل قوته. أخبر أصدقاءه وأقرباءه بقصة هذا الدواء السحري؛ مما جعلهم يستخدمون مستخلصات من لحاء شجرة الكينا-كينا لعلاج الحمى الشديدة التي كان الكثير منهم يعانون منها. لقد كان السبب في هذه الحمى هو الملاريا، وكانت المادة الكيميائية الموجودة في هذا اللحاء هي مادة الكينين. وقد انتشرت أنباءُ هذا الاكتشاف في أرجاء المنطقة بأسرها، وربما وصلت إلى الإرساليات اليسوعية في أوائل القرن السابع عشر. ومما يؤكِّد تلك القصة — هذا إن كانت صحيحة — أنه حتى في المجتمعات البدائية، يمكن أن تسمح «الفطنة» بإعمال العقل للوصول بمحض المصادفة إلى اكتشافٍ ذي نتائج مدهشة.
شكل ?-?: هندي محموم من أمريكا الجنوبية يشرب ماءً من بركة ماءٍ في إحدى الغابات، ويكتشف مادة الكينين.
على الرغم من أن صحة تلك القصة على وجه الخصوص لا يمكن تأكيدها، فإن أمرًا كهذا كثيرًا ما يحدث. في بعض الأحيان، تكون النتيجة مصادفة سعيدة، كما في هذه الحالة، ولكن غالبًا ما تكون النتيجةُ هي موت أو مرض الشخص الذي يتناول مادة طبيعية قوية المفعول للمرة الأولى.
تعقيب

كان علاج الملاريا بمادة الكينين هو أول استخدام ناجح لمادة كيمائية لعلاج مرض مُعدٍ. (للتعرُّف على تاريخ إدخال مادة الكينين كدواء إلى أوروبا واستزراع شجرة السينكونا من أمريكا الجنوبية في جنوب شرق آسيا، انظر الفصل الثاني في كتاب سيلفرمان المذكور في الملحق.) لم تُستخلَص المادة الفعَّالة في علاج الملاريا الموجودة في لحاء شجرة السينكونا، وهي مادة الكينين، حتى عام ???? (وكان ذلك على يد الكيميائيَّيْن الفرنسيَّيْن بيير جوزيف بليتييه وجوزيف بيانامي كافنتو)، ولم تُعرَف الصيغة الكيميائية لتلك المادة على وجه التحديد حتى عام ????، ولم يُجرَ التخليقُ المعملي لها حتى عام ????. (للتعرُّف على اكتشاف عرَضي يرجع إلى محاولة بدائية لتخليق مادة الكينين في عام ????، انظر قصة ويليام بيركن والصبغة الأرجوانية في الفصل الثالث عشر.)
لا يزال مرض الملاريا أكثر الأمراض فتكًا على مستوى العالم، مع أنه قد اختفى تقريبًا في الدول المتقدمة؛ نظرًا لحملات مكافحة البعوض باستخدام المبيدات الحشرية. (ينتقل طفيل مرض الملاريا من دم الشخص المصاب إلى الأصحاء من خلال لدغات بعض أنواع البعوض.) ومع ذلك، فقد تسبب مرض الملاريا في موت عدد كبير من الأشخاص يفوق عددَ مَن ماتوا في كل الحروب المعروفة على مدار التاريخ؛ ومن ثم لا يمكن المبالغة في تقدير قدرة المبيدات الحشرية والأدوية التي يمكنها مكافحة هذا المرض الخطير. إذا تحدَّثَ البعض عن الضرر الكبير والمُثبت للمبيدات الحشرية على الطيور وبعض الحيوانات الأخرى، فيجب أن نضع في الاعتبار حياةَ آلاف الأشخاص الذين يتم إنقاذهم من الملاريا بسبب استخدام تلك المبيدات، خاصةً في ضوء ظهور مبيدات حشرية جديدة تلحق ضررًا أقل كثيرًا بالبيئة مقارَنةً ببعض المبيدات الأقدم منها.
كانت مادة الكينين من المواد المهمة في تاريخ السياسة العالمية. فنظرًا لعدم إمكانية الوصول إلى أشجار السينكونا في أمريكا الجنوبية، زُرعت تلك الأشجار في مناطق أخرى من العالم، ولا سيَّما في جزر الهند الشرقية الهولندية. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، حُرِمت ألمانيا من الوصول إلى المناطق التي يمكنها الحصول منها على إمداداتها من مادة الكينين؛ مما أدَّى إلى قيامها بجهود كبيرة لإنتاج بديلٍ تخليقيٍّ لها، وقد نجحت في إنتاج دواء يُسمَّى الأتابرين أو الكويناكرين. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تقاتل في مناطق كانَتْ ساحةً لتوالُدِ البعوض الناقل للملاريا (مثل شمال أفريقيا وأدغال جزر جنوب المحيط الهادئ) وكانت اليابان مسيطرة على أماكن زراعة أشجار السينكونا؛ وبالتالي كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى تطوير أدوية تخليقية فعَّالة لمواجهة الملاريا.
في شمال أفريقيا، أسَر الأمريكيون جنودًا إيطاليين كانت معهم أقراص شكُّوا أنها تعالج الملاريا؛ كانت تلك الأقراص بيضاء، في حين أن أقراص الأتابرين صفراء. ونُقلت تلك الأقراص إلى الولايات المتحدة وأُخضِعت لتحليل دقيق؛ فوجدوا أنها لدواء يُسمَّى كلوروكوين، وهو دواء آخَر مضاد للملاريا تم تطويره في نفس المعمل الألماني الذي طُوِّر فيه دواء الأتابرين ويحمل نفس براءة الاختراع الألمانية. كشفت الاختبارات الدوائية التي أُجرِيت على هذا الدواء أنه أكثر فاعليةً عشر مرات من الكويناكرين عند تناول نفس الجرعة من كلا الدواءين، كما أن آثاره الجانبية أقل ولون أقراصه أبيض.
كانت القوات الأمريكية في المحيط الهادئ آنذاك تستخدم دواءَ الكويناكرين، الذي كان يباع بالاسم التجاري أتابرين من قِبَل شركة وينثروب، وهي شركة أمريكية تابعة للشركة الألمانية التي طوَّرت الدواء، لكن الولايات المتحدة لم تكن تحصل على هذا الدواء بانتظام. أشاعت الإذاعة اليابانية الشهيرة «طوكيو روز» الناطقة بالإنجليزية في ذلك الوقت، وكانت تحاول بثَّ البلبلة بين صفوف الأمريكيين أن تناول الكويناكرين لا يؤدِّي فقط إلى اصفرار الجلد (وهذه معلومة صحيحة)، ولكن أيضًا إلى الإصابة بالعُقم (وهو أمر غير صحيح). ونتيجةً لذلك، أعرَضَ الأمريكيون عن تناوُلِ هذا الدواء، وعندما وصلت القوات الأمريكية إلى غينيا الجديدة، في غضون أسبوعين أُصِيب ??? منهم بالملاريا.
لقد أُبلِغنا نحن أعضاء البرنامج الحكومي لمكافحة الملاريا التابع للجنة الأبحاث الطبية بجامعة إلينوي بهذا الأمر حتى ندرك أهمية ما نقوم به. وقد قيل لنا إن إصابة ألف فرد من قوات البحرية بالملاريا أسوأ (من الناحية العسكرية) من موتهم؛ لأنه سيُخصَّص لهم أفراد من الجيش لعلاجهم. وجاء هذا بالتزامن تقريبًا مع تأكُّدنا من أن الكلوروكوين أفضل من الأتابرين عند حصول المريض على نفس الجرعة من الدواءين، وكان يُنظَر إلى عدم تسببه في اصفرار الجلد كميزة كبيرة أخرى.
رُوِّجت شائعة بأن الإيطاليين كانوا يستخدمون الكلوروكوين في شمال أفريقيا وليس الأتابرين؛ لأن الألمان وجدوا أن الكلوروكوين أقل فاعليةً ولذلك أعطوه لحلفائهم من دول المحور وادَّخَروا الأتابرين لجنودهم. وكان الألمان متميزين ككيميائيين، لكنهم لم يكونوا كذلك كاختصاصيين في علم الأدوية.
عندما كشفت الاختبارات الدوائية الأمريكية أن الكلوروكوين دواءٌ رائع، أعطينا الكلوروكوين أولوية كبيرة في برنامجنا المعني بمكافحة الملاريا. وبصفتي كيميائيًّا حاصلًا حديثًا على درجة الدكتوراه وأعمل في هذا البرنامج، طُلِب مني اكتشافُ طريقة جديدة لتخليق الكلوروكوين. وكان حصول الألمان على هذا الدواء في صورته النقية يمثِّل مشكلة بالنسبة إليهم؛ وهذا ربما كان سببًا آخَر لتفضيلهم الأتابرين.
لا أزال أتذكَّر بوضوحٍ الإثارةَ التي شعرت بها عندما رأيتُ بعض البلورات البيضاء الرائعة وهي تُفصَل من محلول يغلي في تجربة مهمة. كانت تلك البلورات لمركب وسيط في عملية تخليق الكلوروكوين، وقبل تصنيعي لأكثر من جرام من الكلوروكوين، كنت أنا والبروفيسور تشارلز سي برايس (مدير الأبحاث الذي أعمل معه) على متن أحد القطارات متوجِّهَين إلى مدينة بوفلو للتحدُّث إلى كيميائيين في إحدى الجهات التصنيعية بشأن كيفية إنتاج دوائنا بكمياتٍ كبيرة لإمداد الجيش بها. وكانت العملية ناجحة جدًّا لدرجة أنني والبروفيسور قد حصلنا على براءات اختراعٍ لها (باسم الحكومة الأمريكية)، وقد استُخدِمَتْ لإعداد أطنان عديدة من الكلوروكوين قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها.
في مرة أخرى، كان فريقنا البحثي بالكامل المعنيُّ بمكافحة الملاريا (الذي كان مكوَّنًا من حوالي ?? باحثًا من طلبة الدكتوراه ومن الحاصلين على الدكتوراه، بالإضافة إلى البروفيسور برايس) يسابق الزمن لصنع كميات كافية من الدواء لأحد المستشفيات التي كانت تُجرَى به اختبارات إكلينيكية عليه. وتلقَّيْنا مكالمة هاتفية من نيويورك بعد ظهيرة أحد أيام الجمعة يخبروننا فيها أنه يُجرى اختبار الدواء على المرضى بذلك المستشفى، وأن إمداداتهم تكاد تنفد. وما زلتُ أشعر بالقشعريرة عندما أذكر المخاطر التي خضناها ونحن نسارع الزمن لتصنيع الكميات المطلوبة، التي كان علينا الانتهاء منها قبل يوم الإثنين.
كان الكلوروكوين واحدًا من آلاف المركبات الجديدة التي صُنِّعت واختبِرت في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وقد استُخدِم هو وبعض المركبات التخليقية الأخرى المضادة للملاريا أثناء الحرب الكورية وحرب فيتنام. وبعد استخدام تلك الأدوية لسنوات عديدة وُجِد أنها أقل فاعليةً؛ إذ يبدو أن سلالات جديدة من طفيليات الملاريا قد ظهرت وكانت مقاوِمة لتلك الأدوية. ولكن نظرًا لأن هذا النوع من المقاوَمةِ لم يظهر تجاه مادة الكينين؛ فقد احتفَظَ الدواء الطبيعي بمكانته في معركتنا ضد الملاريا.
وأخيرًا، أودُّ أن أشير إلى ملحوظة طريفة بعض الشيء في إطار موضوعنا هذا؛ يقول البعض إن بريطانيا سيطرت على الهند سياسيًّا لفترة طويلة جدًّا نتيجةً لعادة البريطانيين في تناول شرابٍ هو مزيج من الجين (شراب مُسكِر قوي) وماء الصودا. ونظرًا لأن ماء الصودا مصنوعٌ من الكينين؛ فقد جنَّبَ هذا البريطانيين ومَنْ والاهم من الهنود شرَّ الإصابة بالملاريا، في حين عانَى الكثير من الرعايا الهنود — الذين لم يكونوا يفضِّلون هذا الشراب البريطاني — من الحمى والضعف العام الناتجَيْن عن الإصابة بالملاريا.

الفصل الرابع
السير إسحاق نيوتن: قصة التفاحة وقانون الجاذبية


يا له من شخص نادر هذا الذي يستطيع استخلاص قانون عام من حدث عادي يقع كل يوم، مثل سقوط تفاحة!
وُلِد السير إسحاق نيوتن في وولسثورب في لينكونشير بإنجلترا في ليلة رأس السنة في عام ????. مات أبوه قبل أن يُولَد، وتزوجت أمه عندما كان في الثالثة من عمره وتركته في رعاية جدته التي أرسلته إلى مدرسة في جرانثام، على بُعْد ? أميال تقريبًا من وولسثورب. ترمَّلت أمه مرةً أخرى عندما كان إسحاق في الرابعة عشرة وعادت إلى بيت العائلة في وولسثورب. ولأن إسحاق بَدَا كأنه طالب متوسط المستوى؛ أعادته أمه إلى البيت لإدارة المزرعة، لكن إسحاق كان مهتمًّا بالرياضيات وبعددٍ من الهوايات الميكانيكية أكثر من اهتمامه برعاية المزرعة. ولحسن الحظ، أدرَكَ عمه — الذي كان خريج كلية ترينيتي بكامبريدج — قدراته وطلب من أمه أن تعيد ابنها إلى المدرسة لإعداده من أجل الالتحاق بالجامعة. التحق إسحاق بجامعة كامبريدج في عام ???? وهو في الثامنة عشرة، وفي أثناء الأعوام الثلاثة التالية بالجامعة، بدأت تبزغ عبقريته في الرياضيات والعلوم. وفي تلك الأثناء، بدأ الطاعون ينتشر في أرجاء لندن، وأغلقت الجامعةُ أبوابَها في صيف عام ???? للحيلولة دون انتشار المرض. وكان نيوتن قد حصل على درجته العلمية في أوائل هذا العام؛ فعاد إلى بيته وقضى عامين هادئين هناك في الدراسة والتأمُّل قبل العودة إلى جامعة كامبريدج عندما أُعيد فتحها.
شكل ?-?: السير إسحاق نيوتن
عندما عاد إلى الجامعة، كان واضحًا أنه قد وضَع أُسُسَ نظرياته الشهيرة في علم البصريات والرياضيات وفيزياء الجاذبية والحركة. لكن نيوتن لم يطرح قانونَ الجاذبية بالكامل للنقاش — الذي نشأ عن ملاحظته العرضية لسقوط إحدى التفاحات — حتى نشر كتابه «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» عام ????، وذلك بعد مرور أكثر من ?? عامًا على تلك الواقعة. (أُثير جدل كبير حول سبب هذا التأخير في الإعلان عن ذلك القانون. وللاطِّلَاع على مناقشة مستفيضة حول هذا الجدل، انظر كتاب فلوريان كاجوري المذكور في الملحق.)
تشير العديد من المصادر إلى ملاحظة نيوتن لسقوط تفاحةٍ من شجرة وتبعات ذلك. ومن بين هؤلاء مارتن فولكس رئيس الجمعية الملكية، وفولتير الذي قيل إنه سمع القصة من كاثرين بارتون ابنة أخت نيوتن، وجون كوندويت الذي تزوَّجَ كاثرين لاحقًا، والدكتور ويليام ستيوكلي وهو فيزيائي وصديق مقرَّب إلى نيوتن.
شكل ?-?: السير إسحاق نيوتن يشاهد تفاحة تسقط من شجرة في حديقته.
على الرغم من أن رواية فولتير للقصة هي الأشهر، فثمة وصف أكثر مصداقيةً فيما يبدو وهو ما أورده الدكتور ستيوكلي في كتابه «مذكرات عن حياة السير إسحاق نيوتن» (????). زار ستيوكلي نيوتن بعد أن صار رجلًا عجوزًا، ووصف الحوار الذي جرى بينهما: بعد العشاء، كان الجو دافئًا، فتوجهنا إلى الحديقة كي نشرب الشاي تحت ظلال بعض أشجار التفاح، أنا وهو فقط. وأثناء الحوار، أخبرني أنه بينما كان في نفس الموقف أتَتْه فكرةُ مفهوم الجاذبية. وكان السبب هو سقوط تفاحة، حيث كان يجلس في مزاج تأمُّلي؛ فقال لنفسه: لماذا تسقط التفاحة دائمًا عموديًّا على الأرض؟ لماذا لا تنحرف جانبًا أو تصعد لأعلى، بل تسقط دائمًا باتجاه مركز الأرض؟ لا بد إذن أن الأرض قد جذبتها؛ بالتالي لا بد من وجود قوة جاذبة في تلك المسألة. ومجموع القوة الجاذبة في مسألة الأرض يجب أن يكون باتجاه مركز الأرض، وليس في أي جانب؛ بالتالي تسقط التفاحة عموديًّا، أو ناحية المركز. وإذا كانت الأشياءُ يجذب بعضها بعضًا، يجب أن يتناسب ذلك مع حجمها. فالتفاحة تجذب الأرض، كما تجذب الأرض التفاحة؛ بالتالي، توجد قوة — مثل تلك التي نسمِّيها هنا الجاذبية — تمتد عبر أرجاء الكون.
وهكذا بدأ بالتدريج في تطبيق خاصية الجاذبية هذه على حركة الأرض والأجسام السماوية لتقدير المسافات فيما بينها وأحجامها ودورانها المنتظم، ولإثبات أن تلك الخاصية بالإضافة إلى الحركة التدريجية المؤثرة عليها في بادئ الأمر تفسِّران بوضوح مساراتها الدائرية، وسبب عدم سقوط بعض الكواكب على بعضها أو سقوطها جميعًا في مركز واحد؛ وهكذا تكشَّفَ له الكون تدريجيًّا. وكانت تلك الواقعة بمنزلة الشرارة الأولى لتلك الاكتشافات المدهشة، التي بنى عليها فلسفته، وذلك على أساس ثابت وسط دهشة أوروبا كلها.
في كتاب «سيرة إسحاق نيوتن» (????) لمؤلفه إل تي مور، وصف مور قصة التفاحة بأسلوب أدبي أكثر، مؤكِّدًا على جانب المصادفة في الحدث وهو يلتقي مع «العقل المستعِد» للسير إسحاق نيوتن: كان قد تخرَّجَ توًّا في الجامعة، وكان متفوِّقًا جدًّا لدرجة أنه كان مرشَّحًا للحصول على منحة دراسية. عندما كان صبيًّا، كان يقضي أيامه في المزرعة، متأملًا المتاعب الطفولية التي كانت تشغله، والآن بعد أن شبَّ عن الطوق وأصبح رجلًا، عاد إلى حياته السابقة. ولكن عقله الآن مشغول بأفكار عميقة، وستُغيِّر تأمُّلاته من مسار التفكير المستقبلي كله. في فترات ما بعد الظهر الطويلة في الصيف، كان يجلس في الحديقة — التي ما زالت موجودة بالقرب من المنزل الحجري الرمادي القديم — وفي يوم مشهود، سقطت تفاحة مُصدِرة صوتًا مكتومًا عند قدميه. كان شيئًا عاديًّا تمر عليه العين مرورًا عابرًا آلاف المرات دون اكتراث. ولكن الآن، كانت تلك الحادثة هي الشرارة التي جعلت عقله يعمل بلا توقف، وكأنها ضغطة على مفتاح صغير أدت إلى تشغيل آلة كبيرة. فتراءى له — كما لو كان في رؤيا — أنه إذا كان التأثير الذي يمكن أن تُحدِثه القوة الجاذبة الغامضة للأرض يمتد عبر الفضاء، بحيث يصل إلى قِمَّة أية شجرة أو جبل، أو حتى إلى طائر يحلِّق عاليًا في الهواء، أو حتى إلى السحاب، فمن الممكن إذن أن يصل هذا التأثير إلى القمر. وإذا كان هذا هو الحال، فإن القمر سيكون مثل صخرة أُلقيت أفقيًّا، وتسقط دائمًا باتجاه الأرض، لكنها لا تصل أبدًا إلى الأرض؛ لأن حركتها السريعة تحملها بعيدًا عن الأفق. يا لها من فكرة بسيطة! لكن لماذا لم يكن لدى جاليليو، الذي حلَّ مشكلةَ القذائف، الخيال الكافي لتخمين أن القمر ما هو إلا قذيفة تتحرك بسرعةٍ كافيةٍ للمرور فيما وراء الأرض؟ ولماذا لم يستطع أحد — حتى هايجنز، الذي وضع قوانين الحركة وقوة الطرد المركزي — أن يكتشف هذا السر؟ ربما أهم ما يميِّز عبقرية نيوتن هو حقيقة أنه لم يخمِّن فقط قانونَ الجذب، ولكنه شرع أيضًا على الفور في مهمة تقدير قانون القوة الذي يمكنه أن يُبقي القمر في مداره.
ثمة مقولة للسير ديفيد بروستر تدعم أيضًا مصداقية قصة التفاحة. أورد بروستر هذه المقولة في كتابه الذي ألَّفه عن السيرة الذاتية لنيوتن بعنوان «مذكرات حول حياة السير إسحاق نيوتن وكتاباته واكتشافاته»، ويقول فيها: «رأيتُ الشجرة (يقصد شجرة التفاح التي شاهدها نيوتن) عام ???? وأحضرتُ جزءًا من أحد جذورها. كانت الشجرة متعفِّنة جدًّا لدرجة أنهم اقتلعوها عام ????، وحافَظَ على خشبها السيد تيرنور من ستوك روتشفورد.»
هكذا، لعبت السرنديبية دورًا في نشأة قانون الجاذبية حيث غرست بذرته الأولى في عقل شاب عمره ?? عامًا، أصبح واحدًا من أشهر العلماء الذين عرفهم العالم.

الفصل الخامس
البطارية الكهربائية والكهرومغناطيسية: اكتشافان من ملاحظة رِجْل ضفدعة وبوصلة


(?) البطارية الكهربائية

يُنسَب إلى اختصاصي علم وظائف الأعضاء الإيطالي لويجي جلفاني (????–????) اكتشافات كانت بمنزلة الشرارة الأولى لاكتشاف التيار الكهربائي. ففي عام ????، لاحظ أثناء تشريح ضفدعةٍ أن إحدى أرجلها تتحرك أثناء وضعها على طاولة بالقرب من مولِّد كهروستاتيكي. (لاحظ ذلك أيضًا فلوريانو كلداني قبله بثلاثين عامًا.) أتبع جلفاني ملاحظتَه بدراساتٍ لما أسماه «الكهرباء الحيوانية». علَّقَ رِجْل ضفدعة في سور شرفة حديدي بكُلَّاب من النحاس الأصفر، ولاحظ أن الجزء السفلي من الرِّجل انقبض عندما تلامس مع جزء آخَر من السور. (مرةً ثانية، يبدو أنه لم يكن يدرك أن هناك مَن لاحَظَ ذلك قبله بقرن تقريبًا في هولندا، وهو جان سوامردام.)
شكل ?-?: لويجي جلفاني (????–????).
أثارت ملاحظات جلفاني اهتمام عالِم إيطالي آخَر، وهو الفيزيائي أليساندرو فولطا. اعتقد فولطا أن رِجْل الضفدعة المعلَّقة في سور الشرفة انقبضت ليس بسبب الكهرباء الحيوانية، ولكن بسبب فرق الجهد بين معدنين غير متماثلين (النحاس الأصفر المكوَّن أساسًا من النحاس وهي المادة المصنوع منها الكُلَّاب، والحديد المصنوع منه سور الشرفة)، وقد تلامَسَا مصادفةً مع النسيج الحيواني. يرى فولطا أن أعصاب الضفدعة وعضلاتها تمثِّل مكشافًا كهربائيًّا غاية في الحساسية، سمح بالكشف عن تيار أضعف بكثيرٍ من أي شيء خضع للدراسة بواسطة جهازٍ كان متاحًا في ذلك الوقت.
أثبت فولطا نظريته فيما يتعلق باختلاف الجهد الكهربائي بين المعادن غير المتماثلة باختراع أول بطارية يمكن الاعتماد عليها، وهي التي وصفها في خطاب أرسله إلى الجمعية الملكية في لندن في عام ????. استُخدِمت في بطارية فولطا «خلايا» مصنوعة من معدنين مختلفين، مثل الفضة والزنك، يتم الفصل بينهما بأقراصٍ من الورق المقوَّى مُبلَلة بالماء المالح ومتصلة على التوالي. ومن مزيج تلك الخلايا (الجلفانية) صُنِعتْ بطارية تعتمد قوتها (فولطيتها) على عدد تلك الخلايا.
شكل ?-?: أليساندرو فولطا (????–????).
كانت البطاريات المنتَجة على هذا النحو هي أولَ مصدر لتوليد تيار كهربائي فعَّال يمكن الاستفادة منه. قبل ذلك، كانت توجد فقط المولِّدات الكهروستاتيكية التي كانت تنتج تفريغًا كهربائيًّا بفولطية عالية، ولكنها كانت لا تستطيع توفير تيار مستمر. وحتى في شكلها البدائي الأوَّلي، مهدت بطارية فولطا الطريقَ أمام اكتشافات كهروكيميائية مهمة مثل اكتشاف السير همفري ديفي لعنصرَي الصوديوم والبوتاسيوم.
(?) الكهرومغناطيسية

بنهاية القرن الثامن عشر، اكتشَفَ شارل أوجستان دي كولوم قانون التربيع العكسي للقوة، ولاحظ جلفاني التأثير الكهربائي للمعادن غير المتماثلة (لكنه فسَّره على نحو غير صحيح)، ونجح فولطا في تقديم تفسير صحيح لهذا التأثير. لكن الصلة بين المغناطيسية والكهرباء ظلت غير معروفة. واستطاع الفيزيائي الدنماركي هانس كريستيان أورستد اكتشاف تلك الصلة في عام ????.
لاحَظَ أورستد أن التيار الكهربائي المار في سلك فوق بوصلة يجعل إبرتها المغناطيسية تنحرف. ولم يوضح أورستد في كتاباته إن كان قد اكتشف هذا بالفعل في إحدى محاضراته أم أنه أعلَنَ عنه لأول مرة في تلك المناسبة. على أية حال، أدَّى هذا مباشرةً إلى اختراع ويليام ستيردجن في ???? للمغناطيس الكهربائي التطبيقي (ستيردجن كان صانع أحذية إنجليزيًّا)، فضلًا عن التحسينات التي أُدخِلت عليه من قِبَل الفيزيائي الأمريكي جوزيف هنري في عام ????. وقد أثَّرَ المغناطيس الكهربائي في حياتنا على نحو كبير من خلال الاستخدامات العديدة التي تتراوح من جرس الباب والتلغراف إلى المحركات الكهربائية.

الفصل السادس
التطعيم: إدوارد جينر وحالِبة اللبن ومرض الجُدَري


يسهم البنسلين والسلفانيلاميد وغيرهما من الأدوية المضادة للبكتيريا في إنقاذ حياة ملايين البشر كل يوم. (لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، انظر الفصل الرابع والعشرين.) ولكن ربما لعب الأثر الوقائي للتطعيم، وهو اكتشاف عرضي آخر، دورًا مهمًّا في إنقاذ حياة المزيد من البشر من خلال وقايتهم من الإصابة بالأمراض.
حتى القرن التاسع عشر، كان مرض الجُدَري من الأمراض الخطيرة التي تُودي بحياة أعداد كبيرة من البشر، ولم يكن يتساوى معه في درجة الخطورة ونسبة الوفيات إلا مرضَا الطاعون والملاريا. عرضنا (في الفصل الثالث) كيفية مكافحة مرض الملاريا باستخدام مادة الكينين والعقاقير المُصنَّعة المضادة للملاريا، وأوضحنا أن المبيدات الحشرية مفيدة أيضًا في القضاء على أنواع البعوض التي تحمل المرض. أما عن الطاعون، فقد أُحكِمت السيطرة عليه أخيرًا في الدول المتقدمة من خلال مراعاة الأصول الصحية والوقائية بعد أن اكتُشِف أن المرض ينتقل عن طريق البراغيث الموجودة على الجرذان.
شكل ?-?: إدوارد جينر يرى ندبات بسبب جُدَري البقر على يد سيدة تعمل في مجال حلب الألبان.
يرجع الفضل إلى إدوارد جينر في «ما قدَّمه إلى العالم من لقاحٍ أنقذ ملايين البشر من موت محقق بسبب مرض الجُدَري، وملايين أخرى من تشوُّه فظيع في شكلهم»، وذلك وفقًا لما كتبه إي إل كومبير في مقاله المنشور عام ???? بعنوان «البحث والسرنديبية وجراحة العظام». أضاف كومبير: لم يكتشف جينر لقاحَه نتيجةً لعمل طويل ومجهد في المعمل. ففي سن التاسعة عشرة، قالت له سيدة كانت تعمل سابقًا في حلب الألبان إنها لا يمكن أن تصاب بالجُدَري؛ لأنها أُصِيبت من قبلُ بجُدَري البقر، فتذكَّرَ جينر تلك المقولة عندما أدرَكَ لاحقًا بعد أن صار طبيبًا عدم جدوى محاوَلَة علاج مرض الجُدَري. بحث جينر الأمر ووجد أن السيدات اللاتي يعملن في حلب الألبان لا يُصَبن تقريبًا بمرض الجُدَري، حتى عندما يساعِدن في تمريض المصابين بالمرض. وواتته فكرةُ تطعيم المرضى بمادة مستخلصة من بثور جُدَري البقر حتى يقيهم من الإصابة بمرض الجُدَري الأكثر خطورةً. وكانت هذه سرنديبية حقيقية؛ ففكرة أن الإصابة بمرض جُدَري البقر تعطي مناعةً ضد الإصابة بالجُدَري واتته دون بذل جهد من جانبه. ولكن كل ما هنالك أنه كان لديه الإدراك السليم الذي مكَّنَه من إدراك قيمة تلك الفكرة والاستفادة منها.
وُلِد إدوارد جينر في بيركلي، جلوسترشير في عام ????، وكان ابنًا لكاهن إنجليزي مات بينما كان جينر في السادسة من عمره. تربَّى بمساعدة أخ أكبر له، وتلقَّى تعليمه المبكر في المدارس المحلية حيث أظهر اهتمامًا كبيرًا بالتاريخ الطبيعي، وبدأ دراسته للطب على يد دانيال لودلو، وهو جرَّاح من سادبيري، بالقرب من بريستول. وفي ذلك الوقت، ألهمته سيدة تعمل في حلب الألبان بفكرة وجود علاقة بين جُدَري البقر والجُدَري.
عندما بلغ الحادية والعشرين من عمره، انتقل إلى لندن ليتتلمذ على يد طبيب شهير يُدعى جون هانتر. عاش في منزل هانتر لمدة عامين، واستعان به السير جوزيف بانكس في تجهيز وتنظيم العينات الحيوانية التي كان بانكس قد جمعها في رحلة كابتن كوك البحرية الأولى في عام ????. وعُرِضتْ عليه وظيفة اختصاصي تاريخ طبيعي في رحلة كوك الثانية، لكنه رفض ليتابع ممارسته للطب في بيركلي ولاحقًا في تشيلتنم. كان مهتمًّا بعلم الطيور والجيولوجيا والموسيقى وكتابة الشعر، ولكن بحلول عام ???? قرَّرَ أن يقصر اهتمامه بصفة أساسية على الطب، ومُنِح درجة الماجستير من جامعة سانت آندروز.
في تلك الأثناء، لا بد أن فكرة التطعيم كانت قد اختمرت في ذهنه؛ فبينما كان في لندن ذكر العلاقة بين جُدَري البقر والجُدَري لهانتر، لكنه لم يُبْدِ اهتمامًا كبيرًا بها. وفي عام ????، بدأ جينر دراسة اعتقاد أهل الريف في جلوسترشير عن جُدَري البقر، وبحلول عام ???? كان قد اكتشف وجود نوعين مختلفين من جُدَري البقر، ونوعًا واحدًا فقط من الجُدَري تتوافر الوقاية منه. واكتشف أيضًا أن الشكل الفعَّال من جُدَري البقر لم يكن يقي من الإصابة بالجُدَري إلا عندما يُنقَل إلى المريض في مرحلة معينة من الإصابة بالمرض.
ونظرًا لأنه لم تكن لديه حالات إصابة عديدة بجُدَري البقر في منطقته، لم تكن لديه فرصة كبيرة لاختبار نظرياته. فرسَمَ يدَ سيدة تعمل في حلب الألبان على يدها بثور (أو حويصلات أو ندوب) بسبب الإصابة بجُدَري البقر، وأخذها إلى لندن لعرضها على الأطباء هناك، ولكنهم لم يفهموا المغزى من أفكاره. لكن في مايو ????، حقن صبيًّا عمره ثمانية أعوام يُدعَى جيمز فيبس بمادة مستخلصة من بثور جُدَري البقر من يد سيدة تعمل في حلب اللبن. وفي شهر يوليو التالي، تم حقن الصبي بعناية بمادة خاصة بالجُدَري، وكما توقَّعَ جينر: لم يُصَبِ الصبي بالجُدَري.
إنَّ المرء ليتساءل متعجبًا كيف أقنع جينر الصبي ووالدَيْه بخوض تلك المخاطرة؟! ربما كان مرض الجُدَري متفشيًا في المنطقة في تلك الفترة. طُرح تفسيرٌ ممكن لذلك في مقال عن المناعة في موسوعة «إنسيكلوبيديا بريتانيكا» (طبعة ????، مجلد ??، صفحة ???)، نصه كالتالي: «قبل اكتشاف لقاح الجُدَري في عام ????، كان الناس يخضعون للتطعيم ضد مرض الجُدَري عن طريق حقنهم بمادة تُؤخَذ من الطفح الجلدي لأشخاصٍ مصابين بالمرض. وكان بعض الأشخاص الذين يخضعون لهذا التطعيم يُصابون بالمرض، ولكن نظرًا للخوف الشديد من الإصابة بهذا المرض كان الكثير من الناس يفضِّلون الاحتمالَ الأقل للموت من جراء التطعيم عن الإصابة بالشكل الطبيعي المميت الأكثر احتمالًا.»
كانت النتيجة الإيجابية التي توصَّلَ إليها مع فيبس مشجِّعةً جدًّا لجينر، لكنه انتظر إلى حين إجراء تجربة ثانية قبل الإعلان عن اكتشافه. وتم هذا بعد عامين لأن مرض جُدَري البقر اختفى بصفة مؤقتة في جلوسترشير.
بعد نجاح التطعيم الثاني بمرض جُدَري البقر وما تبعه من الوقاية من الإصابة بمرض الجُدَري، أعَدَّ جينر نشرةً للإعلان عن اكتشافه، لكنه قرَّرَ الذهاب إلى لندن أولًا ثم تكرار التجربة هناك، لكن في لندن ولمدة ثلاثة أشهر لم يجد شخصًا يمكن أن يخضع للتجربة. ولكنه ما إن عاد إلى موطنه، حتى أجرى هنري كلاين — وهو أحد الأطباء البارزين في مستشفى سانت آندروز في لندن — عدة تجارب تطعيم ناجحة، وأخبر المجتمع الطبي هناك بمدى فاعلية الوقاية من مرض الجُدَري باستخدام لقاحٍ من جُدَري البقر.
مع ذلك، تأخَّرَ القبول العام لنجاح إجراء التطعيم الخاص بجينر؛ وذلك نظرًا لتحدِّيَيْن مختلفين؛ أولًا: النقد الشديد الذي تعرَّضَ له من جانب جرَّاح بارز يُدعَى جيه إنجينهاوس، وانحياز البعض ضده لفترة من الوقت. ثانيًا: سعى طبيب متهور يُدعَى جورج بيرسون إلى أن ينسب الفضل إلى نفسه في تطوير اللقاح دون معرفةٍ أو خبرة كافية، وقدَّمَ مادة تطعيم ملوَّثة تسبَّبَتْ في ظهور حالات طفح جلدي عديدة تُشبِه تلك الخاصة بمرض الجُدَري. أثبت جينر أن لقاح بيرسون كان ملوَّثًا، وانتشرت أخبار نجاح مادة لقاح جُدَري البقر النقية على مستوى العالم.
انهال التكريم في النهاية على جينر، وذلك كما يتضح من خلال القائمة التالية: تأسيس جمعية جينر الملكية في عام ???? للنشر الصحيح للقاح جينر في لندن، وحصول جينر على درجة الماجستير الفخرية من جامعة أكسفورد عام ????، والاحتفال بالذكرى السنوية لأول عملية تطعيم ناجحة (التي أُجرِيت على الصبي جيمز فيبس) لعدة سنوات كعيد في ألمانيا، وحصول جينر على منحة من وزير الخزانة في إنجلترا قدرها ?? ألف جنيه، ومَنْح الهند مبلغ ???? جنيهًا له، وعمل تمثالٍ لجينر في جلوسترشير ولندن. كما قيل إن نابليون قد أمر بنفسه بإطلاق سراح أسيرين إنجليزيين عندما قيل له إن جينر توسَّطَ من أجل إطلاق سراحهما، وقال: «إننا لا يمكن أن نرفض أيَّ طلب لهذا الرجل.»
تعقيب

لم يستخدم جينر كلمة «تطعيم» vaccination ولكن «الحقن بالمادة المستخلصة من بثور جُدَري البقر» variolae vaccinae. ولمدة قرن تقريبًا، كان التطعيم باستخدام لقاح جينر المستخلص من بثور جُدَري البقر الإجراءَ الوحيد للتحصين ضد أي مرض. في عام ????، طوَّرَ لوي باستير تطعيمًا للدواجن ضد شكل من أشكال مرض الكوليرا، الذي كان وباءً دمَّرَ ??? من الدواجن الفرنسية. فقد عزل نوعًا من البكتيريا من هذا المرض، وعن طريق زرع شكل مُوهَّن منها وتطعيم دواجن المزرعة به، حصَّنَها ضد الهجمات الشرسة للمرض. وكان هذا مُشابِهًا تمامًا، من حيث الفكرة، لتطعيم جينر المستخلص من جُدَري البقر؛ الذي يُوهَّن فيه فيروس الجُدَري في البقرة قبل نقله إلى السيدة التي تعمل في حلب اللبن في شكل جُدَري بقر.
تحوَّلَ باستير بعد ذلك إلى مرض الجَمْرة الخبيثة، وهو مرض يصيب الماشية والأغنام، وفي عام ???? عزل باستير البكتيريا العصوية. وزرع تلك البكتيريا في درجة حرارة أعلى من درجة حرارة جسم الحيوان لإنتاج مادة تطعيم تُحدِث هجمة متوسطة من مرض الجَمْرَة الخبيثة في الحيوان وتُكسِب هذا الحيوان مناعةً لبعض الوقت ضد أية هجمة عنيفة من المرض. واقترح باستير إطلاق كلمة vaccination على الإجراء العام للتطعيم الوقائي (والمشتقة من كلمة variolae vaccinae التي استخدمها جينر) تقديرًا منه «للجهود والخدمات الجليلة التي قدَّمَها جينر الذي يُعَدُّ أحدَ أعظم العلماء الإنجليز.» بعد ذلك بأربعة أعوام، طوَّرَ باستير لقاحًا للمرض الذي يُسمَّى داء الكلَب في الحيوانات و(أحيانًا) رُهابَ الماء في البشر. ونظرًا لعمل باستير الرائد الذي اعتمد على الاكتشاف السرنديبي الذي قام به جينر؛ أصبح التطعيم علمًا مفيدًا جدًّا، ومهَّد الطريق لإحداث ثورة في التعامل مع الأمراض المُعدية. ولا يوجد إسهام آخَر غير هذا — باستثناء اختراع المضادات الحيوية — له أثر عميق على صحة البشر. يرى دبليو آر كلارك في كتابه «الأسس التجريبية لعلم المناعة الحديث» (????) أن «أهم إنجازات عملية التطعيم» هو القضاء نهائيًّا على مرض الجُدَري. ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت حصيلة الوفيات سنويًّا من هذا المرض تتراوح ما بين مليونَيْ وثلاثة ملايين شخص، وقد سُجِّلت آخِر حالة إصابة بالجُدَري في الولايات المتحدة في عام ????، وكانت آخِر حالة إصابة في العالم في الصومال في عام ????.

الفصل السابع
اكتشاف العناصر الكيميائية


معظم الاكتشافات المبكرة في الكيمياء تقع ضمن نطاق السرنديبية الحقيقية، أو على الأقل السرنديبية الوهمية؛ لأنه لم تكن توجد أُسُس يُبنى عليها التخطيطُ لعمليات البحث.
كان أسلاف الكيميائيين، وهم الخيميائيون، يسعون إلى تحويل أشياء أخرى — على رأسها المعادن الأساسية — إلى ذهب. وجرَّبوا كلَّ طريقةٍ وإجراءٍ ومحاولةٍ ممكنة للقيام بهذا التحويل. ومع أنهم لم ينجحوا قطُّ في ذلك، فقد فعلوا ما في وسعهم لإقناع معاصريهم بأنهم نجحوا في هذا الأمر.
«العناصر»، بالنسبة إلى الخيمائيين، هي النار والهواء والأرض والماء. أما الآن، فمعلومٌ لنا أنه يوجد ما يزيد عن مائة صورة من أبسط صور المادة التي نسمِّيها «عناصر»، وأن هذه هي المكونات الأساسية للكون، وبعض تلك العناصر متاح بكثرة والبعض الآخَر نادر. تتكوَّن قشرة الأرض (حتى عُمْق ?? أميال تقريبًا) بصفة أساسية (?????) من ?? عنصرًا، وتشكِّل خمسة عناصر منها أكثر من ???، وهي حسب الترتيب التنازلي: الأكسجين، والسليكون، والألمونيوم، والحديد، والكالسيوم. إذا ضممنا المحيطات والغلاف الجوي، فسنجد أن الهيدروجين والنيتروجين ضمن أكثر العناصر وفرةً (يمثل الهيدروجين ??? من تركيب الماء، ويمثل النيتروجين ??? من تركيب الهواء).
سُمِّيت العصور التاريخية على اسم المادة الأساسية التي كانت تُصنَع منها الأدوات والمعدَّات في كل عصر، منها: العصر الحجري والعصر البرونزي والعصر الحديدي. البرونز هو مزيج (سبيكة) من النحاس والصفيح، ويحوي أحيانًا كميات صغيرة من فلزات أخرى. النحاس والصفيح متاحان على نطاق واسع، وعند صهرهما معًا، يكوِّنان مزيجًا أقوى من كلٍّ منهما على حدة. يقاوم النحاس والصفيح ومزيجهما التآكُلَ بسبب الهواء والماء؛ مما يجعلها موادَّ مفيدة لصنع الأدوات والأسلحة وأواني الطهي وغيرها من الأشياء الأخرى. أما النحاس الأصفر؛ فهو مزيج من النحاس والزنك، وهو معروف منذ عدة قرون. وأخيرًا، مزيج الحديد والصلب (وهو خليط من الحديد والكربون وبعض الفلزات الأخرى)، الذي يتم الحصول عليه بصعوبة أكبر، وبالتالي لم يظهر إلا في وقت أحدث.
يعد الألومنيوم أكثرَ الفلزات انتشارًا ووفرةً، ولكنه أقلها استخدامًا؛ نظرًا لصعوبة الحصول عليه في صورته الخام، فهو لا يوجد في حالته الحرَّة أو «العنصرية»؛ لأنه متفاعل جدًّا كيميائيًّا، فهو يرتبط بعناصر أخرى، على عكس النحاس والفضة والذهب. وفي المقابل، فإن ثبات الذهب والفضة يسمح لهما بالوجود في حالتهما العنصرية والاحتفاظ ببريقهما أكثر من معظم المعادن الأخرى.
لعبت المصادفة دورًا رئيسيًّا في اكتشاف بعض العناصر الأقل شيوعًا في الحالة العنصرية أو الموجودة فقط في حالة مركبة مع عناصر أخرى، بما في ذلك أكثر العناصر وفرةً، وهو الأكسجين.
(?) الأكسجين

يرجع الفضل في اكتشاف الأكسجين إلى كلٍّ من الإنجليزي جوزيف بريستلي، والسويدي كارل فيلهلم شيله. اكتشف شيله الأكسجين قبل بريستلي بأكثر من عام، ولكنه لم يعلن عن نتائج أبحاثه إلا بعد أن أعلن بريستلي في عام ???? عن تجربته ووصف خصائص «الهواء» الجديد غير العادية على حد تعبيره. وهكذا يُنسَب الفضل على نحوٍ أكبر إلى بريستلي في هذا الاكتشاف.
كان جوزيف بريستلي رجلًا غير عادي. وُلِد في عام ???? في فيلدهيد بالقرب من ليدز بإنجلترا، وتربَّى في كنف عائلة كلفنية متماسكة، وتأهب كي يصبح قسيسًا، لكن أفكاره الليبرالية سرعان ما جعلته يُنظَر إليه كمهرطق ليس فقط من قِبَل الكنيسة الأنجليكانية ولكن أيضًا من جانب الكلفنيين. ومع ذلك، في عام ???? عندما كان في الرابعة والثلاثين من عمره، أصبح بريستلي كاهنًا لرعية منشَقَّة صغيرة في ليدز. وأثناء تلك الفترة، كان أيضًا أمينَ مكتبة ومرافِقًا أدبيًّا لإيرل شيلبورن وأحد الوزراء التابعين لويليام بيت.
شكل ?-?: جوزيف بريستلي (????–????).
في إحدى رحلاته المتكررة إلى لندن، التقى بريستلي وبنجامين فرانكلين الذي أيقظ فيه اهتمامه بالعلوم وأصبح صديق عمره. بدأ بريستلي العمل دون تركيز كبير في الكيمياء، التي أصبحت بعد ذلك هوايته التي تستحوذ على معظم وقته وجهده. وكان تجريبيًّا ذا قدرات كبيرة في الملاحظة، لكن خلفيته العلمية كانت معدومة؛ لذلك فإن النتائج التي توصَّلَ إليها في تجاربه كانت في بعض الأحيان غير صحيحة وفي الغالب غريبة.
عاش بريستلي بجانب مصنع جعة في ليدز، وأصبح شغوفًا بطريقة عمله، خاصةً الغاز الذي كان يطفو فوق السوائل المُخمَّرة. ووجد أن هذا «الهواء» — كما سمَّاه — يُطفِئ نشارة الخشب المشتعلة التي كان يضعها بجانب السائل، وأن مزيج الغاز والدخان الذي كان يتسرَّب عبر جوانب الوعاء الضخم «يهبط إلى الأرض». ومن خلال هذه الملاحظة، استنتج أن الغاز (الذي كان ثاني أكسيد الكربون) أثقل من الهواء العادي، وتعلَّمَ كيف يُحضِّر هذا الهواء الثقيل في معمل منزله، ووجد أن الماء المذاب فيه له طعم مستساغ ولاذع؛ وهذا كما هو معلوم لجميع مَنْ يستمتعون بطعم المشروبات الغازية وغيرها من أنواع ماء الصودا. وقد حصل بريستلي على ميدالية من الجمعية الملكية عام ???? نظير اختراعه ماء الصودا.
شكل ?-?: العدسة الحارقة التي استخدمها بريستلي.
إن التجارب التي أجراها بريستلي على هذا الغاز أدَّتْ به إلى دراسة غازات أخرى استطاع تحضيرها. في ذلك الوقت، حصل على عدسة مكبِّرة أو «عدسة حارقة» ضخمة، قطرها ?? بوصة، والتي يمكن استخدامها لتركيز ضوء الشمس من أجل تسخين مواد إلى درجات حرارة عالية. ومن ابتكارات بريستلي لدراسة الغازات (أو «الأهوية» كما كان يُطلِق عليها) جهازٌ لتجميع الغازات فوق الزئبق؛ كان يضع موادَّ على سطح الزئبق السائل في وعاء زجاجي مغلق، ثم يسخِّنها باستخدام العدسة الحارقة، كانت أية غازات متكوِّنة تتجمع فوق الزئبق الذي لا يذيبها مثلما يحدث في حالة الماء.
كان من بين المواد العديدة التي كان يسخِّنها بريستلي بهذه الطريقة أكسيد الزئبق، الذي سمَّاه «كَلَس الزئبق الأحمر». عندما كان يسخِّن تلك المادة الصلبة الحمراء، كانت تنحل وتُنتِج غازًا عديم اللون فوق الزئبق السائل. اختبر بريستلي هذا الغاز باستخدام لهب شمعة، فوجد أن أغلب الغازات التي كان يُنتجها كانت تطفئ لهب الشمعة. وفي كتابه «تجارب وملاحظات عن أنواع الهواء المختلفة» الذي نشره بعد ذلك، وصف بريستلي ما حدث مع هذا «الهواء» قائلًا: لكن ما أدهشني على نحو كبير ولست أستطيع التعبير عنه أن الشمعة كانت تضيء في هذا الهواء وكان لهبها قويًّا على نحو ملحوظ … لا يمكنني، بعد مرور كل هذا الوقت، أن أذكر ما كنتُ أهدف إليه من قيامي بهذه التجربة، لكنني أعرف أنني لم أكن أتوقَّع ما توصَّلْتُ إليه … لكن إذا حدث، لأي سبب آخَر، ولم تكن أمامي شمعة مضاءة، فربما لم أكن لأقوم بالتجربة على الإطلاق … إن قطعةً من الخشب المشتعلة الحمراء لمعت فيه … واحترقت بسرعة بالغة … ذُهِلت بشدة لدرجة أنني لم أكن أعرف سبيلًا إلى تفسير ما حدث.
وقال بريستلي في مقدمته لهذا الكتاب: توفِّر محتويات هذا القسم توضيحًا مُدهِشًا لحقيقة ملحوظة ذكرتها أكثر من مرة في كتاباتي الفلسفية، والتي نادرًا ما تتكرر كثيرًا، حيث إنها تميل على نحو كبير إلى تشجيع عمليات الاستكشاف الفلسفية؛ فهي ترجع أكثر إلى ما نسمِّيه المصادفة، التي تعني — إذا تحدَّثنا من الناحية الفلسفية — ملاحظةَ أحداثٍ تنشأ لأسباب غير معلومة، ولا تستند إلى أي تخطيط محدَّد أو نظرية متصوَّرة سلفًا في هذا المجال.
بالنسبة إليَّ، أعترف بصراحة أنني، في بداية التجارب التي سأعرضها في هذا القسم، كنت بعيدًا كلَّ البُعْد عن تكوين أية فرضية تؤدِّي إلى الاكتشافات التي قمتُ بها بعد أدائي لها، لدرجة أن تلك الاكتشافات كانت ستبدو غير مقبولة بالنسبة إليَّ إذا أُخبِرت بها، وعندما انهالت عليَّ الحقائق الدامغة في النهاية، استسلمتُ ببطء شديد وبتردُّدٍ بالغ للأدلة التي تقدِّمها لي حواسي.
سرعان ما اكتشف بريستلي أن هواءه الجديد كان سيُبقِي أيَّ فأر على قيد الحياة لمدة تزيد بمقدار الضِّعف عما لو استنشق كميةً مماثلةً من الهواء العادي. واستنشق هو أيضًا هذا الهواء الجديد وقال: لم يكن شعوري به في رئتي مختلفًا عن شعوري بالهواء العادي، لكن أتصوَّر أنني شعرت تحديدًا بخفةٍ وراحةٍ في صدري، استمرت لبعض الوقت بعد ذلك. وربما يتحوَّل هذا الهواء النقي بمرور الوقت إلى نوعٍ من الرفاهية التي يُقبِل عليها الناس. وحتى الآن، فقد حصلتُ أنا وفأران على ميزة استنشاقه.
بعد شهرين، أرسل بريستلي بالنتائج التي توصَّلَ إليها إلى الكيميائي الفرنسي الشهير أنطوان لوران لافوازييه، الذي أعاد تجارب بريستلي وأجرى مزيدًا من الدراسات على الغاز الجديد، فأثبتَ أن هذا الغاز هو مكوِّن الهواء العادي الذي يتَّحد مع الفلزات عند تسخينها في الهواء. وقد اعترف به كعنصر جديد، وفي عام ???? اقترح له اسم «الأكسجين» (الأصل اللاتيني للمرادف الإنجليزي للكلمة الذي يعني «عامل تكوين الأحماض»؛ لأنه كان يعتقد (خطأً) أن كل الأحماض تحتوي على الأكسجين).
استخدم لافوازييه في البداية مقاييس حسَّاسة لقياس التغييراتِ الحادثة في وزن المواد ونتائج التفاعلات الكيمائية، واستطاع بهذه الطريقة أن يُثبِت أن أكسيد الزئبق عند تسخينه يقلُّ وزنه نظرًا لإطلاق الأكسجين، لكن النقص في الوزن يكون عادةً بقدر وزن الغاز المتصاعِد. وأثبت أيضًا أن العكس صحيح؛ أيْ عند تسخين أيِّ معدن في الهواء، فإن المعدن سيزيد وزنه بمقدارٍ مساوٍ لكمية الأكسجين التي يأخذها من الهواء. وقد اختصر نتائجَ مثل هذه في قانونٍ عُرِف بعد ذلك بقانون حفظ المادة أو بقائها، وهو ينصُّ على ما يلي: المادة لا تفنى ولا تُستحدَث من العدم، وإنما تتغيَّر من صورة إلى أخرى. (نعلم أن هذا القانون يجب تعديله ليتوافق مع تحوُّل المادة إلى طاقة، ويرجع الفضل في هذا إلى أينشتاين وإلى علماء معاصرين آخرين.)
كان اكتشاف الأكسجين من جانب بريستلي بمنزلة الدليل الذي مكَّن لافوازييه من تقديم تفسير صحيح لعملية الاحتراق، وقضى على نظرية «الفلوجيستون» الذي ظلَّ بريستلي يدعمها بإصرار حتى وفاته. وظلَّتْ تلك النظرية سائدة في عالم الكيمياء لمدة مائة عام تقريبًا، على الرغم من أنها على النقيض تمامًا من التفسير الصحيح لعملية الاحتراق. يعني الاحتراق اتحاد الأكسجين مع مواد أخرى وليس اتحاد مادة «الفلوجيستون» الغامضة مع «هواء لا يحتوي على الفلوجيستون»، وهو تعريف بريستلي للهواء الجديد الذي اكتشفه. يعتقد الكثير من العلماء أن الكيمياء الحديثة بدأت مع لافوازييه ونظريته الصحيحة عن الاحتراق وقانون حفظ المادة الذي وضعه.
قام بريستلي بملاحظتين عرضيتين أخريين متعلقتين بالأكسجين. ومع أنه لم يستطع أن يقدم تفسيرًا لهما، فإنه على الأقل سجَّلهما بعنايةٍ بحيث يمكن لآخَرين أن يستفيدوا منهما لاحقًا.
شكل ?-?: رسم كاريكاتوري بريشة جيمز جيلراي يصوِّر بريستلي وهو يطالِب برأس الملك في الاحتفال بيوم اقتحام سجن الباستيل في عام ????. وعلى الرغم من أن بريستلي لم يحضر هذا الاحتفال في حقيقة الأمر، تعرَّضَ منزله بعد ذلك للتدمير من جانب العامة.
قبل التجربة التي أنتج فيها الغازَ عن طريق تسخين أكسيد الزئبق باستخدام عدسة مكبِّرة، لاحَظَ بريستلي وجود علاقة بين الاحتراق وتنفُّس الحيوانات وحياة النبات؛ فلاحَظَ أن الهواء الذي احترقَتْ فيه شمعة حتى انطفأت من تلقاء نفسها كان قادرًا على دعم عملية الاحتراق مرة أخرى، والحفاظ على حياة الفئران «بعد نمو نباتات خضراء في الهواء المُستنفَد لبعض الوقت.» وبالتالي، لاحَظَ عملية التنفُّس التي يقوم بها النبات، والتي يستنشق فيها النبات ثاني أكسيد الكربون ويُطلِق الأكسجين، لكن العملية لم تُفهَم وتُركِت لآخرين فسَّروها بعد ذلك بفترة طويلة.
ثمة ملاحظة أخرى قال عنها بريستلي إنها «الأغرب بين كل الاكتشافات غير المتوقَّعة التي [توصَّل] إليها.» لاحَظَ بريستلي أن «مادة خضراء» تتكوَّن على جدران الدوارق التي كان يستخدمها في تجاربه تُطلِق غازًا عند تعرُّضها لضوء الشمس. واكتشف أنه نفس الغاز الناتج عند تسخين أكسيد الزئبق، لكنه لم يكن يعرف أنه أول مَن لاحَظَ إنتاج الأكسجين بفعل عملية «التمثيل الضوئي». تستخدِم تلك العمليةُ الطاقةَ التي توفِّرها الشمس، ثم تمزج بين ثاني أكسيد الكربون والماء، وتنتج مادة عضوية (وهي المادة التي أطلق عليها بريستلي «المادة الخضراء») إلى جانب الأكسجين. وبدون عملية التمثيل الضوئي، لا يمكن أن توجد حياة على الأرض.
تعقيب

واجَهَ بريستلي مشكلات شخصية كبيرة بسبب معتقداته السياسية وآرائه الدينية الليبرالية، التي أعلنها ليس فقط على المذبح ولكن أيضًا في كتاباته. ربما نجا من اتهامات الهرطقة الدينية، ولكنه أعلن على الملأ دعمه للثورتين الفرنسية والأمريكية. ونظرًا لآرائه القوية التي أبداها تجاه هاتين الثورتين؛ أحرَقَ بعضُ العامة كنيسته ومنزله في برمينجهام. وانتقل بأسرته إلى لندن لكنه عانى من الاضطهاد لمدة ثلاث سنوات، حتى سافَرَ بحرًا في النهاية إلى الولايات المتحدة في عام ????.
عند وصوله إلى نيويورك، استقبله بحفاوةٍ حاكمُ الولاية كلينتون وآخرون من الشخصيات المهمة. وكان صيته كرجل دين وعالم وليبرالي قد سبقه إلى تلك المستعمرات، التي تحوَّلت فيما بعد إلى ما يُسمَّى بالولايات المتحدة الأمريكية. عرضت عليه الكنيسة التوحيدية أن يكون قَسًّا بها، كما عرضت عليه جامعة بنسلفانيا أن يصبح أستاذًا لمادة الكيمياء بها، وقد استشاره توماس جيفرسون بشأن تأسيس جامعة فيرجينيا، ودعاه الرئيس جورج واشنطن لتناول الشاي معه.
رفض أن يكون قَسًّا وأستاذًا جامعيًّا، وفضَّلَ أن يعتزل الحياة في مكان هادئ وهو قرية نورثمبرلاند، وهي من أوائل القرى في وسط بنسلفانيا. وقضى هناك آخِر عشر سنوات من حياته يزرع ويُجرِي تجارب في معمل أُنشئ من أجله. ولم يقتنع قطُّ بخطأ نظرية الفلوجيستون، لكنه كان واسِعَ الأفق بالقدر الكافي بحيث يُعلِن أنه ربما يكون مخطئًا. عاش حتى عام ????، ليرى صديقه جيفرسون يُنتخَب رئيسًا لأمريكا.
للأسف، أُنهيت مسيرة لافوازييه الرائعة مبكرًا بإعدامه بالمقصلة في باريس في نفس السنة التي سافَرَ فيها بريستلي إلى أمريكا. أُعدِم لافوازييه على يد الثوَّار (فهو لم يكن كيميائيًّا فقط، ولكنه كان أيضًا جامع ضرائب لأفراد الطبقة الأرستقراطية)، بينما اضطُهِد بريستلي من جانب مناهضي الثورة. لم يقدِّر الفرنسيون ولا الإنجليز هذين العالِمين الجليلين في قمة مسيرتهما العلمية، ولكنهم كرَّموهما بعد موتهما.
(?) اليود

اليود عنصر مرتبط كيميائيًّا بالكلور، وعند وضعه في محلول كحولي (يُسمَّى «صبغة»)، فإنه يعمل كمطهر. وقد اكتشفه مصادفةً برنار كورتوا.
درس كورتوا الكيمياء، لكنه بعد بضع سنوات من الدراسة والبحث في معهد بوليتكنيك بباريس، قرَّرَ في عام ???? أن يحذو حذو أبيه ويُقِيم مصنعًا للملح الصخري بالقرب من باريس. وازدهر عمله لأن نابليون كان يحتاج إلى الملح الصخري (نترات البوتاسيوم) لصنع الذخيرة. وكان عنصر البوتاسيوم — أحد مكوِّنات الملح الصخري — يُستخرج عادةً من رماد الخشب، بينما تُستخرج النترات من مادة نباتية متحللة.
بينما كان كورتوا يبحث عن مصدر أرخص للبوتاسيوم، وجد مبتغاه في طحلب بحري كان يجرف على الساحل المطِلِّ على المحيط الأطلنطي لفرنسا. فمن وقت إلى آخَر، كانت تظهر رواسب في الخزانات المستخدَمة في استخلاص البوتاسيوم من رماد الطحالب البحرية مما كان يستوجب تنظيفها بالأحماض. وفي أحد الأيام من عام ????، عندما استُخدِم حمض أقوى من الأحماض العادية في تنظيف الخزانات، حدث مشهد مدهش؛ إذ تصاعدت أبخرة بنفسجية من الخزانات، وترسَّبت بلورات داكنة ذات مظهر لامع كالمعدن في الأماكن التي تلامست فيها تلك الأبخرة مع أسطح باردة. وأدرك كورتوا عندئذٍ أن شيئًا غير عادي قد حدث، فجمع بعضًا من تلك البلورات الغريبة حتى يفحصها.
وجد كورتوا أن تلك البلورات لا تتحد مع الأكسجين لكنها تتحد مع الهيدروجين والفوسفور. ومع النشادر، كوَّنت مُنتجًا قابلًا للانفجار. ونظرًا لضغط العمل ونقص الإمكانيات المعملية، لم يُجرِ كورتوا مزيدًا من الأبحاث على المادة الجديدة، لكنه عهد بالأمر إلى صديقين له في معهد بوليتكنيك بباريس وهما سي ديسورم وإن كليمنت، وقد وصف هذان الكيميائيان المادةَ الجديدة المثيرة المأخوذة من طحلب بحري في ورقة بحثية نُشِرت في ديسمبر ????.
في ذلك الوقت، تصادف وجود السير همفري ديفي في باريس فأعطاه كليمنت بعضًا من المادة الغامضة، وعندما سمع بهذا جوزيف لوي جاي-لوساك، الذي كان أحد الكيميائيين الفرنسيين البارزين، لم يكن يرغب في أن يُنسَب إلى رجل إنجليزي الفضل في اكتشافٍ مهمٍّ كهذا؛ لذلك ذهب مباشرةً إلى كورتوا وحصل على عيِّنة من البلورات. وبعد فحص سريع ومكثَّف، أعلن جاي-لوساك عن اكتشاف عنصر جديد، واقترح له الاسم «أيود» iode، المشتق من كلمة لاتينية معناها «بنفسجي». وأكَّدَ ديفي اكتشاف عنصر جديد وأعطاه الاسم «أيودين» iodine، مفضِّلًا إضافة اللاحقة -ine ليجعل الاسم متوافقًا مع اسم عنصر قريب له كيميائيًّا وهو الكلور chlorine، الذي كان قد سُمِّي بهذا الاسم قبله. لكي نفهم قصة اكتشاف اليود في الطحلب البحري، علينا أن نعرف أن الماء المالح يحتوي على أملاح أخرى بجانب كلوريد الصوديوم، من بينها يوديد الصوديوم ويوديد البوتاسيوم، لكن بكميات أقل كثيرًا. تصبح أملاح اليوديد مركَّزة من خلال عمليات كيميائية حيوية تتم في الطحلب البحري، وعندما يُحرَق الطحلب، يزداد تركيز تلك الأملاح على نحو أكبر. يبدو أن الحمض الذي استخدمه كورتوا في تنظيف الخزانات قد حوَّلَ أملاح اليوديد إلى عنصر اليود الأوَّلي، الذي تحوَّلَ إلى بخار بنفسجي اللون بفعل حرارة التفاعل مع الحمض؛ ثم تكثَّف البخار مباشَرةً إلى شكل بلوري عندما صادف أسطحًا باردة.
مع أن اكتشاف عنصر جديد كان حدثًا مثيرًا بما يكفي في عام ????، فإنه لم يلبث أن تم التوصل إلى أحد استخداماته المهمة. ففي عام ????، خمَّنَ جون فرانسوا كوانديت، وهو طبيب في جنيف، أن العنصر الجديد المكتشَف في الطحلب البحري يجب أن يكون نفس المادة الموجودة في رماد الإسفنج، وأنه مفيد في علاج تضخُّم الغدة الدرقية. وبتحليل رماد الإسفنج وجد أنه يشتمل على اليود، واقترح كوانديت أنه يمكن استخدامُ اليود المستخرَج من الطحلب البحري في علاج مرض تضخُّم الغدة الدرقية أو فرط نشاط الغدة الدرقية.
إنَّ تضخُّمَ الغدة الدرقية مرض سببه نقص اليود في النظام الغذائي؛ إذ يحتاج التصنيع الحيوي لهرمون الثيروكسين في الغدة الدرقية إلى اليود. يتحكَّم هذا الهرمون في معدلات العديد من التفاعلات الكيميائية في الجسم؛ فبشكل عام، كلما زاد معدل هذا الهرمون، زادت سرعة الجسم في القيام بعملياته، وفي حالة وجود نقص في اليود في النظام الغذائي للفرد، ستحاول الغدة الدرقية تعويض هذا النقص بالتضخم لإنتاج المزيد من هذا الهرمون؛ ومن ثمَّ يظهر مرض تضخُّم الغدة الدرقية. لا يظهر هذا المرض غالبًا في الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من البحر؛ لأنهم يحصلون على الكمية الكافية من اليود من المصادر البحرية. ومن الشائع الآن إضافة كميات صغيرة من يوديد الصوديوم إلى الملح العادي (كلوريد الصوديوم)؛ لمنع الإصابة بهذا المرض في الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن البحر.
(?) الهليوم والغازات الخاملة

لم يُكتشَف الهليوم على الأرض وإنما على الشمس! كان هذا الاكتشاف الذي تمَّ في عام ???? قبل فترة طويلة من السفر عبر الفضاء، وكان اكتشافًا عرضيًّا.
اخترع عالمان ألمانيان، هما الكيميائي روبرت فيلهلم بُنسن والفيزيائي جوستاف روبرت كيرشهوف، جهازًا بصريًّا يُسمَّى منظار التحليل الطيفي في جامعة هايدلبِرج عام ????. يمكن لهذا الجهاز إنتاج طيف من الخطوط الضوئية (سلسلة من الخطوط اللامعة على خلفية داكنة، تكون مميزة لكل عنصر من حيث لون وعدد كل خط من هذه الخطوط والمسافة الفاصلة بينها) عندما يتم تسخين العنصر حتى درجة التوهُّج. وباستخدام هذا الجهاز، اكتُشِف عنصران جديدان في «عائلة الصوديوم» في الجدول الدوري، وهما السيزيوم والروبيديوم، في عامَيْ ???? و????.
سافَرَ بيير جانسين، رئيس مرصد الفيزياء الفلكية في مودو بفرنسا، إلى الهند لرصد ظاهرة كسوف الشمس والتقاط صور لها في ?? أغسطس ????. وفي أكتوبر، سجَّلَ جيه نورمان لوكيَّر — أستاذ الفيزياء الفلكية في الكلية الملكية للعلوم بلندن — أطيافَ غازاتٍ لامعة تحيط بالشمس، باستخدام تلسكوب خاص سمح بتسجيل هذا في غياب كسوف الشمس. لاحَظَ خطوطًا طيفية تشير إلى وجود الهيدروجين ضمن المجموعة الهائلة من الغازات التي تصدر عن الشمس، ورأى أيضًا خطين أصفرين كان من المعروف عنهما أنهما خاصان بالصوديوم. لكن كان ثمة خط ثالث ليس خاصًّا بأي عنصر معروف؛ فخلص إلى أنه ربما ينتمي إلى عنصر موجود ضمن الغازات المحيطة بالشمس ولكن ليس معروفًا على الأرض. نقل هذه النتيجة إلى الجمعية الملكية في نفس اليوم الذي توصَّلَ إليها فيه، في ?? أكتوبر من عام ????. وبعد ثلاثة أيام، نقل وارن دي لا رو ما توصَّلَ إليه لوكيَّر إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم.
في تلك الأثناء، درس جانسين الأطيافَ التي سجَّلَها في الهند في ?? أغسطس، ووجد نفس الخط الأصفر الجديد، وقد نقل ما توصَّلَ إليه إلى الأكاديمية الفرنسية عن طريق رسالة بالبريد في ?? أكتوبر، بعد دقائق قليلة من وصول رسالة لوكيَّر التي أرسلها دي لا رو. أثار هذا مشكلةً في معرفة مَنْ يُنسَب إليه الفضل في هذا الاكتشاف؛ فقد كانت ملاحظة جانسين سابقة على ملاحظة لوكيَّر، لكن لوكيَّر نقلها قبل جانسين. لكن بدلًا من أن يتنازَع الفلكيان على مَن له الأسبقية في الاكتشاف، أصبحا صديقين مقرَّبين، وأصدرت الأكاديمية الفرنسية ميداليةً تحمل اسم كلا العالمين ونبذة عنهما.
استمر لوكيَّر في أبحاثه بمساعدة إدوارد فرانكلاند، أستاذ الكيمياء بجامعة مانشستر، وأصبح مقتنعًا بأن الخط الطيفي الجديد خاص بعنصر جديد، سمَّاه «الهليوم» على اسم الشمس باللغة اللاتينية «هيليوس».
بدأ بعد ذلك البحث عن دليل لوجود الهليوم على الأرض، لكن مرَّ ?? عامًا قبل ظهور أي دليل على ذلك. ففي عام ????، لاحَظَ دبليو إتش هيلبراند من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية طيفَ غازٍ أُنتِجَ بتسخين خام اليورانيوم؛ كان بالأساس خاصًّا بالنيتروجين، لكن لم تكن بعضُ الخطوط في الطيف خاصة بالنيتروجين. وعندما قرأ السير ويليام رامزي ما توصَّلَ إليه هيلبراند، اشتبه في أن الخطوط الطيفية غير المعروفة خاصة بالأرجون، وهو عنصر غازي خامل ونادر كان قد اكتشفه هو واللورد رايلي في الهواء قبل عام واحد. وقد حصل على نوع آخَر من خام اليورانيوم وعالَجَه بالطريقة نفسها التي حصل بها هيلبراند على عينته؛ فوجده غاز الأرجون كما توقَّعَ، لكنه وجد خطًّا أصفر إضافيًّا لم يكن خاصًّا بالنيتروجين أو الأرجون.
اعتقد في البداية أن الخط خاص بالكِربتون (وذلك كما سُمِّي لاحقًا)، وهو غاز خامل آخَر توقَّعَ أنه مرتبط بالأرجون؛ لكن عندما أرسل عينات من الغاز إلى لوكيَّر والسير ويليام كروكس لإجراء مزيد من القياس الطيفي الدقيق، أكَّدَا أن طول موجة الخط الأصفر هو نفسه طول الهليوم الموجود في الغلاف الجوي للشمس؛ فأرسل رامزي مراسلات فورية إلى الجمعية الملكية البريطانية والأكاديمية الفرنسية للعلوم مُعلِنًا عن اكتشاف الهليوم على الأرض في ?? مارس من عام ????. حصل رامزي على جائزة نوبل في الكيمياء في عام ???? لاكتشافه الأرجون والهليوم (على الأرض) وغيرهما من الغازات النادرة، ثم اكتشف الكربتون والزينون والنيون بين عامَيْ ???? و????، مالئًا عمودَ الصفر في الجدول الدوري بالعناصر من عائلة الهليوم.
إن عمود الصفر في الجدول الدوري هو مكان العناصر النادرة أو الخاملة في الجدول الذي تُرتَّب فيه العناصر حسب العدد الذري والتشابهات المتكررة أو «الدورية». وعادةً ما يُنسَب الفضلُ إلى الكيميائي الروسي ديميتري مندليف في تصميم الجدول الدوري للعناصر، لكنه كان يعتقد أن العناصر الموجودة في عمود الصفر غير قادرة على الاتحاد مع عناصر أخرى (أي أنها عناصر عديمة القدرة الاتحادية، أو ذات قيمة تكافؤ تساوي صفرًا)؛ إلا أنه من المعروف الآن أنه حتى هذه العناصر من الممكن أن تتحد مع عناصر أخرى، ولكن ليس بسهولة.
في عام ????، كان الهليوم غازًا نادرًا، لكن في عام ????، بدأ الوضع يتغيَّر. دخلت السرنديبية الصورةَ مرة أخرى، فاكتُشِف بئر غاز طبيعي بالقرب من ديكستر في كانساس وضُخَّ الغاز إلى مولِّد بخاري لاستخدامه كوقود. لكن ما أثار دهشة الجميع أن الغاز لم يحترق. وعند تحليله من قِبَل العلماء في جامعة كانساس، وجدوا أنه نيتروجين في المقام الأول، لكن المدهش أنه احتوى على حوالي ?? هليوم. بعد ذلك، وُجِد أن الغازات المستخرَجة من العديد من الآبار الأخرى في تكساس ونيو مكسيكو ويوتا والعديد من المقاطعات الكندية تحتوي على كميات ضئيلة من الهليوم. ويوجد الآن مصدر كبير للهليوم في المنطقة التي تضم ?? مقاطعة والتي توجد في شمال تكساس بالقرب من أمريلو. ومع أن نسبة الهليوم ضئيلة (حوالي ????)، فإن حجم الغاز في هذا الحقل كبيرٌ جدًّا، لدرجة أنه يُعَدُّ المصدر الرئيسي للهليوم في العالم.
تعقيب

شكل ?-?: كارثة منطاد هيندنبرج؛ اشتعل الهيدروجين بفعل البرق. وبعد استبدال الهليوم بالهيدروجين في الطائرات، لم يَعُدْ من الممكن تكرارُ مثل هذه الكوارث.
بدايةً من أوائل القرن العشرين، طوَّرَ الألمان سفنًا جوية صلبة أخف من الهواء تُسمَّى مناطيد زبلين، نسبةً إلى مَن صمَّمها وهو الكونت فرديناند فون زبلين. اعتمدت تلك السفن الجوية على الهيدروجين كقوة رافعة، وكانت تُستخدَم للاستطلاع والهجوم بالقنابل في الحرب العالمية الأولى، ولخدمة نقل الركَّاب التجارية في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد انتهى استخدامها بكارثة الاحتراق المذهلة لمنطاد نقل الركَّاب هيندنبرج أثناء هبوطه في ليكهرست بنيو جيرسي في عام ????، وكان يُعتقَد أن السبب هو أن كهرباء الغلاف الجوي كانت تشعل الهيدروجين. وكان المفقودون الذين بلغوا ?? شخصًا أول الخسائر البشرية في تاريخ الطيران التجاري.
تمَّ لاحقًا في ألمانيا تصميم منطاد مماثل وتعديله من أجل العمل بالهليوم، لكن الوضع الدولي المتوتِّر أدَّى بالولايات المتحدة — التي كانت تحتكر إنتاج الهليوم — إلى رفض تصدير الهليوم.
أثناء الحرب العالمية الثانية، استخدمت الولايات المتحدة «مناطيد مراقبة» غير صلبة للقيام بمهام مضادة للغوَّاصات وأخرى خاصة بمراقبة الشواطئ. وكانت القوة الرافعة يتم الحصول عليها بالكامل من الهليوم، الذي يملك ??? من القوة الرافعة المعروفة عن الهيدروجين، ولا ينطوي على خطر اندلاع حريق؛ لأن الهليوم غاز لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال.
أدَّى تطوير الطائرات الحديثة التي هي أثقل من الهواء إلى اختفاء تلك التي هي أخف من الهواء والمستخدَمة في نقل الركَّاب، لكننا جميعًا نتذكَّر ذلك العنصرَ العجيب الذي اكتُشِفَ على نحو سرنديبي تمامًا على الشمس، ثم لاحقًا على الأرض، كلما رأينا منطاد «جوديير» يحوم حول استاد كرة قدم؛ حيث إنه يوفِّر منصة مدهشة للكاميرات التليفزيونية.

الفصل الثامن
استخدام أكسيد النيتروز والإثير في التخدير


أكسيد النيتروز من الغازات التي اكتشفها جوزيف بريستلي ودرسها باستخدام «جهازه الغازي» في عام ????، وذلك قبل عامين من اكتشافه الأكسجين (الذي عرضنا له في الفصل السابع). وقد اكتُشِف مبكرًا أن هذا الغاز غير سام، لكنَّ له آثارًا غريبة عند استنشاقه؛ إذ إنه يدفع الأشخاص الذين يستنشقونه إلى الإتيان بتصرفات غير معتادة مثل الغناء أو الشجار أو الضحك. وقد أدَّتْ نوبة الضحك التي تصيب مَن يستنشقه إلى تسميته بالاسم الشائع الذي يُطلَق عليه، وهو «الغاز المُضْحِك».
في عام ????، أصبح همفري ديفي (الذي كان حينها في العشرين من عمره) مسئولًا عن معهد الغازات الذي أسَّسَه الدكتور توماس بيدوز في بريستول بإنجلترا لدراسة الاستخدامات الطبية للغازات. وفي بداية العام التالي، اكتشَفَ ديفي أن استنشاق غاز أكسيد النيتروز لمدة أطول يؤدِّي إلى فقدان مؤقَّت للوعي. اختبر ديفي الغاز على نفسه، وذكر أنه استنشق ?? كوارتًا (? جالونات) من الغاز خلال ? دقائق، فأصبح في حالة «ثمالة تامة». وقد أدَّتْ قصصه المنمقة عن تجاربه إلى جذب الأنظار إليه وإلى المعهد الذي يرأسه حتى إنه استُقدِم إلى لندن ليتقلد منصبًا في المعهد الملكي في عام ????، وسرعان ما ترقى فيه إلى منصب أستاذ. وقد ذاع صيت ديفي بصفة أساسية بسبب اكتشافه لعناصر كيميائية عديدة وتحديده لطبيعتها الأساسية، لكنه «اكتشف» أيضًا مايكل فاراداي — عبقري الكهرباء — الذي اتخذه ديفي مساعدًا له، والذي خلف ديفي كأستاذ في المعهد الملكي. ومُنِح ديفي لقب «سير» وهو في سن الرابعة والثلاثين.
مع أن ديفي أشار إلى أن أكسيد النيتروز ربما يفيد في العمليات الجراحية، فلم تكن ثمة متابعة لهذا الأمر، وفي السنوات الأولى من القرن التاسع عشر كان الاستخدام الوحيد لهذا الغاز هو استخدامه من أجل التسلية والمتعة. وفي عام ???? في هارتفورد بكونيتيكت، تم تقديم عرض عام بغرض التسلية، فوقعت فيه حادثة أدَّتْ إلى اكتشاف التخدير في العمليات الجراحية.
طلب مقدِّم العرض، وهو رجل يُدعى كولتن، متطوعين لاستنشاق الغاز، فتقدَّمت مجموعة من الأشخاص ومن بينهم شاب صغير يُدعى صامويل كولي، جاء مع صديقه طبيب الأسنان هوراس ويلز. بعد استنشاق الغاز، أصبح كولي عنيفًا؛ حيث تشاجَرَ مع آخَرين وانزلق وسقط على الأرض، فأعاده الارتطام بالأرض إلى وعيه وذهب في هدوء إلى مقعده وسط الجمهور بجانب ويلز. لكن سرعان ما رأى أحد الأشخاص بركة من الدماء تحت مقعد كولي، ووُجِد أنها بسبب قطعٍ غائرٍ في رجله. لم يكن كولي واعيًا بالإصابة التي سبَّبَتِ الجرح، ولم يشعر بأي ألم حتى ذهب تأثير الغاز بعد فترة. ونظرًا لأن ويلز كان طبيب أسنان، فقد استرعى انتباهه ما حدث. لقد كان خلع الأسنان عمليةً مؤلمة جدًّا في تلك الأيام، فقال ويلز في نفسه إذا كان هذا الغاز يمكن أن يجعل المرء غير واعٍ لدرجة أنه لا يشعر بجرح غائر كالذي أصاب كولي، فإنه يمكن استخدامه في خلع الأسنان دون ألم.
لم يهدر ويلز أي وقتٍ وسارع باختبار هذه الاحتمالية، فاستدعى طبيبَ أسنان صديقًا له وطلب منه خلع ضرس مسوس لديه بعد أن استنشق غاز أكسيد النيتروز، وتمت عملية الخلع التجريبية في حضور شهودٍ شهدوا لاحقًا بأنهم رأوا العملية تُجرَى بينما ويلز غائب عن الوعي، وأن ويلز بعد أن استعاد وعيه، قال إنه لم يشعر بأي ألم.
قدَّمَ بعد ذلك ويلز عرضًا في مدرج مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن. وجد مريضًا كان مستعدًّا لاستنشاق الغاز وتم خلع إحدى أسنانه تحت تأثير الغاز. وقد أعطى ويلز، الذي كان على ما يبدو متوترًا ومنفعلًا، الأمر بخلع السنِّ قبل أن يسري تأثيرُ التخدير بالكامل، فصرخ المريض من الألم. وما كان من ويلز وقتها إلا أن غادر المدرج وهو يشعر بالخزي، واضطر بعد فترة قليلة أن يتوقف عن مزاولة مهنته.
في عام ????، بعد عامين من الفشل الذريع لعرض ويلز، قرَّرَ أحد طلبة ويلز — الذي أصبح شريكه بعد ذلك، ويُدعَى ويليام تي جي مورتون — تجربة هذا الغاز على مرضاه، وكان يعرف أن ويلز قد جرَّبه بنجاح على مرضاه بعد العرض السيئ الحظ الذي قدَّمَه. سأل مورتون شريكه في ذلك الوقت تشارلز تي جاكسون عن كيفية الحصول على أكسيد النيتروز، فطلب منه أن يجرِّب بدلًا منه الإثيرَ الذي ادَّعى أنه استخدمه من قبلُ كمادة تخدير. جرَّبَ مورتون الإثير ونجحت التجربة؛ فقد خلع سنًّا لأحد المرضى تحت تأثير الإثير دون أن يشعر المريض بالألم، وكان ذلك في ?? سبتمبر ????. وبعد فترة قصيرة، حصل على تصريح بتقديم عرض آخَر في مستشفى ويلز، وهذه المرة استأصل مورتون ورمًا من رقبة مريض بعد تخديره بالإثير. شهد جمهور كبير هذا العرض التاريخي، وأدى ذيوع العرض وانتشاره على هذا النحو إلى تمهيد الطريق للخلاف الكبير الذي نشب بين ويلز ومورتون وجاكسون. (المسمَّى الكيميائي الصحيح للسائل المتطاير الذي استخدمه مورتون هو إثير ثنائي الإيثيل، وهو يُعَدُّ الأشهر ضمن عائلةٍ من المركبات المرتبطة كيميائيًّا المعروفة عمومًا بعائلة الإثير؛ وعليه فعندما يقول شخص غير مختص «إثير»، فإنه عادةً ما يقصد «إثير ثنائي الإيثيل».)
لكن جاكسون كانت لديه رواية أخرى للقصة؛ حيث ادَّعَى أنه قد أقنع مورتون في الواقع باستخدام الإثير؛ لأنه كان قد جرَّبَ شخصيًّا خصائصه التخديرية قبل ذلك بفترة طويلة، ووصف كيف أنه في شتاء ????-???? كان يستخدم الكلور في إحدى التجارب عندما انكسر الوعاء المحتوي عليه فتأثَّرَ بشدة بسبب الكلور السام. واستنشق الإثير والنشادر بالتناوب، فوجد أنهما مسكِّنان للألم. وفي صباح اليوم التالي، استنشق مزيدًا من الإثير، فوجد أنه كان له أثر أقوى في تخفيف حالة احتقان الحَلْق التي كان يعاني منها، ولم يشعر على الإطلاق بأي ألم وفقد الوعي. وقال فيما يخص هذه الرواية: «عندما تأمَّلت هذه الظواهر، تصوَّرت أنني وصلت إلى الاكتشاف الذي طالما سعيت إلى الوصول إليه؛ أَلَا وهو اكتشاف طريقة لتعطيل الوظيفة الحسية لأعصاب الإحساس بصفة مؤقَّتة؛ بحيث يمكن إجراء عملية جراحية لمريض دون أن يشعر بالألم في تلك الأثناء.»
حاوَلَ جاكسون أن ينال الفضلَ وحده في هذا الاكتشاف من دون مورتون وويلز وحتى ديفي، وادعى على نحو مغلوط أن ديفي قال إن أكسيد النيتروز لا يمكن أن يُستخدَم كمخدر؛ إذ إنه قال إن ويلز قد وجد أيضًا أن هذا الغاز لا يُوقِف الألم وأكَّدَ هو نفسه على ذلك. اشتعل الصراع بين جاكسون وويلز ومورتون، واستمر الصراع بين مُناصِريهم حتى بعد انتحار ويلز في عام ????. وفي النهاية، عُرِض الصراع على الكونجرس الأمريكي كي يفصل فيه. وفي تلك الأثناء، ظهر منافِس آخَر على نيل فضل اكتشاف التخدير.
المنافس الرابع هو الدكتور كروفورد دبليو لونج من جيفرسن، بولاية جورجيا الأمريكية. في أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر، ظهرت تقليعة في الجنوب تتمثل في إقامة حفلات يُغيَّب فيها الحاضرون عن الوعي عن طريق استنشاق غاز أكسيد النيتروز، تمامًا مثل العرض الذي قُدِّم في هارتفورد بكونيتيكت الذي شهده ويلز. طلب بعض أصدقاء لونج منه أكسيد النيتروز، وحيث إنه لم يملك شيئًا منه، أخبرهم أن لديه الإثير بدلًا منه، وكان قد عرف بخبرته أنه يُحدِث «آثارًا مُبهِجة مكافئة». وبعد أن استنشقوا الإثير واستمتعوا بتأثيره عليهم، قرَّروا أنه سيكون من المسلي أن يجرِّبوه على العبد الأسود الذي كان يقدِّم المرطبات، لكن هذا الشخص لم تعجبه الفكرة، وخلال الشجار الذي نشب بينهم، أدَّى به تنفُّسه العميق إلى استنشاق كمية كبيرة من الإثير لدرجةٍ جعلته يسقط على الأرض فاقدًا الوعي. واستُدعي الدكتور لونج بسرعة؛ لأن أصدقاء لونج خشوا أن يكون قد مات، فأظهر الفحص أنه كان يتنفس بانتظام بنبضات منتظمة، لكنه لم يُفِقْ مباشَرةً، وعندما أفاق بعد عدة ساعات لاحقة، كان طبيعيًّا فيما عدا أنه لم يتذكَّر ما حدث.
انتبه لونج، مثل ويلز، إلى احتمالية إجراء عمليات جراحية على المرضى تحت تأثير مخدِّر ما، والذي كان يقصد به في هذه الحالة الإثير وليس أكسيد النيتروز. وحظي لونج بأول فرصة لاختبار نظريته في ?? مارس من عام ????، عندما استأصل ورمين من رقبة مريض دون أن يشعر بألمٍ بعد أن استنشق الإثير، وكان هذا قبل أربعة أعوام من إجراء مورتن لعملية جراحية على مريض بعد تخديره بالإثير في بوسطن. استخدم لونج بعد ذلك الإثير بانتظام لتخدير مرضاه، لكنه كان متواضعًا ولم يُعلِن عن اكتشافه.
لكن عندما نشب الخلاف بين جاكسون ومورتون وويلز، تقدَّمَ أصدقاء لونج بمذكِّرة إلى الكونجرس يُعلِنون فيها أسبقيته في اكتشاف تأثير الإثير، لكن الكونجرس لم يُصدِر أيَّ قرار رسمي بشأن هذا الخلاف. وأعلنت كلٌّ من الجمعية الأمريكية لطب الأسنان والجمعية الطبية الأمريكية في عام ???? أن ويلز (وذلك بعد وفاته) هو مكتشِف التخدير في الولايات المتحدة الأمريكية.
استمرَّ مورتون ولونج في استخدام الإثير في عملياتهما الجراحية. ووقعت حوادث كثيرة أثناء الاعتماد على الإثير في التخدير جعلت الأعضاء المحافِظين بشدة في مهنتَي الطب وطب الأسنان يُعارِضون استخدامه، وضُيِّق الخناقُ بالفعل على مورتون حتى ترك المهنة. وعُثِر عليه فاقدًا الوعي في حديقة «سنترال بارك» في نيويورك عام ????، ومات متأثرًا بجروح يُعتقَد أنها بسبب هجوم من معتدٍ غير معروف. ونال جاكسون بعض التقدير إلى جانب حصوله على نوط النسر الأحمر لبروسيا، لكنه مات في مصحة عقلية في عام ????. أما لونج، فقد مات ميتةً طبيعية في عام ????، وصنعت ولاية جورجيا تمثالًا له في قاعة المشاهير في واشنطن العاصمة، كُتِب تحته: «تقديرًا من جورجيا، لكروفورد دبليو لونج، مُكتشِف استخدام إثير الكبريتيك كمخدرٍ في الجراحة في ?? مارس ???? في جيفرسن بمقاطعة جاكسون في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية.» (وفي الواقع، كان هذا النوع من الإثير هو ما يُعرف تقنيًّا بإثير ثنائي الإيثيل.)
هناك اكتشافات قليلة أكثر ارتباطًا بالسرنديبية من الاكتشافات الخاصة بالتخدير باستخدام أكسيد النيتروز والإثير، لكن قليلًا منها هو ما كان مهمًّا للإنسانية بالقدر الذي رأيناه في اكتشافات التخدير، وربما لا يوجد غيرها من الحالات التي كان يصعب فيها تحديد مَنْ يمكن أن يُنسَب إليه الفضلُ في اكتشافها.
تعقيب

يقول البعض: «لا جديدَ تحت الشمس.» ويقول آخَرون: «لا يحصد المرء إلا ما زرع.» إن كلتا المقولتين يمكن أن تنطبِقَا على قصة اكتشاف أكسيد النيتروز واستخدامه؛ فقد كان يُستخدَم هذا الغاز في أوائل القرن التاسع عشر من قِبَل الشباب كغازٍ مثير للضحك، والآن يستخدمه المراهقون كنوع من المخدرات. كما أنه عامل مهم في تصنيع بديل الكريمة المخفوقة؛ ولذلك فهو متاح في أسواق السوبر ماركت المحلية أو لدى مورِّدي المطاعم. ونظرًا لسهولة الوصول إليه، فالكثير من الأشخاص يسيئون استخدامه، طبقًا لمحَاضِر الشرطة.

الفصل التاسع
تصنيع فولر لليوريا وبداية عصر الكيمياء العضوية


ربما يكون فيتامين ب?? هو أعقد المواد الطبيعية التي صُنِّعت في المعمل (انظر شكل ?-?). ففي عام ????، أعلن كلٌّ من روبرت بي وودورد وألبرت أشِنموسر عن تصنيعه، وكان هذا نتاج عمل مشترك في هارفرد وزيورخ شارك فيه ??? كيميائي من ?? دولة لمدة ?? عامًا. ومع أن تجربة التصنيع هذه لن تكون أبدًا مصدرًا فعليًّا للحصول على الفيتامين، فهي علامة بارزة في مجال التصنيع العضوي؛ لأن تفاعلات وتقنيات ونظريات جديدة قد تمَّ تطويرها أثناء هذا العمل. شكل ?-?: الصيغة الجزيئية لفيتامين ب??.
كانت اليوريا، وهي أولُ مادة طبيعية تُصنَّع في المعمل، أبسطَ بكثير من هذا الفيتامين (انظر شكل ?-?)، وقد صنَّعها فريدريك فولر في معمله في برلين بصورة غير متعمَّدة في عام ????. شكل ?-?: الصيغة الجزيئية لليوريا.
اكتُشِفت اليوريا في عام ???? كمركب عضوي أساسي. عرَّف الكيميائي السويدي المعروف يونز ياكوب برسيليوس مصطلحَ «حيوي» في عام ???? تقريبًا، وهو يُطلِقه على أية مادة ينتجها كائن حي، سواء أكان نباتًا أم حيوانًا، في مقابل المواد التي من مصادر معدنية غير حية والتي تُوصَف بأنها غير عضوية. وُضِعت كل المركبات الكيميائية المعروفة ضمن هاتين الفئتين في أوائل القرن التاسع عشر. وكانت المواد غير الفلزية، مثل العناصر المعدنية (الفلزات) الشائعة ومركباتها الموجودة في المعادن، أبسطَ بكثير من المواد العضوية مثل السكر والنشا والدهن الحيواني، وكان يُعتقَد أن المواد العضوية ذاتُ «قوة حيوية» يمكن أن تنتقل من نباتٍ أو حيوانٍ إلى آخَر. وتضمَّنت نظرية الحَيويَّة افتراض أنه في حين يمكن تصنيع المواد غير العضوية في المعمل، فإن هذا لا يمكن أن ينطبق على المواد العضوية؛ فعلى الأقل لا يمكن تصنيعها من مواد غير عضوية.
كانت اليوريا معروفة كمادة عضوية أساسية في عام ????. وفي واقع الأمر، كان فولر نفسه مهتمًّا بوجودها في البول، وأجرى تجارب على إنتاجها من قِبَل الكلاب وحتى نفسه، بينما كان يدرس الطب في جامعة هايدلبِرج.
وُلِد فريدريش فولر في عام ???? في قرية إشرسهايم بالقرب من فرانكفورت بألمانيا. والْتحق بالمدرسة الثانوية في فرانكفورت، لكنه لم يكن مميَّزًا كطالب؛ إذ كان يقضي كثيرًا من وقته في إجراء التجارب الكيميائية ولم يكن يخصص وقتًا كافيًا لاستذكار دروسه حسبما اعترف لاحقًا. ومن الواضح أنه كان مصدر إزعاج لأمه، حيث إنه حوَّل غرفته في المنزل إلى معمل، واستخدم الفرن الموجود في المطبخ، الذي كان يعمل بالفحم، لتسخين المعادن والمواد الكيميائية الأخرى التي كان يستخدمها.
بعد تخرُّجِ فولر في المدرسة الثانوية دخل جامعة ماربورج، وكان يسبِّب إزعاجًا لمالِك العقار هناك، تمامًا حسبما كان يفعل في منزله ولنفس السبب؛ إذ كان يُجري تجارب كثيرة في الحي السكني الذي كان يقطن فيه. وبعد قضاء عام واحد في جامعة ماربورج، انتقل إلى جامعة هايدلبِرج حيث تأثَّرَ بأحد الكيميائيين الألمان البارزين في تلك الفترة، ويُدعَى ليوبولد جِميلين. ومع أنه تخرج في هايدلبِرج طبيبًا، فقد نصحه جِميلين — الذي كان أيضًا طبيبًا ذات يومٍ — بأن يتخلَّى عن ممارسة الطب ويهب نفسه للكيمياء.
شكل ?-?: فريدريش فولر (????–????). تمثال نصفي من الجصِّ لفولر وهو في سن الثامنة والستين من عمره، وهو من عمل النحَّاتة الألمانية إليزابيت ناي، ويوجد التمثال في متحف إليزابيت ناي في أوستن بولاية تكساس. التمثال الأصلي المصنوع من الرخام، بالإضافة إلى تمثالٍ آخَر ليوستوس فون ليبيج من عمل النحَّاتة نفسها، كانا موضوعَيْن على جانبَيْ مدخل قسم الكيمياء بجامعة التكنولوجيا في ميونخ بألمانيا. وقد دُمِّر التمثالان والجامعة بقذيفة أثناء الحرب العالمية الثانية.
بمباركة جِميلين، ذهب فولر إلى ستوكهولم للدراسة والعمل مع برسيليوس، فقضى هناك عامًا واحدًا فقط، لكنه كوَّنَ هو وبرسيليوس صداقةً استمرت مدى الحياة. وعاد مرةً أخرى إلى هايدلبِرج لفترة قصيرة، ثم قَبِلَ منصبًا تدريسيًّا بأحد المعاهد الفنية في برلين. ومع أن هذه الوظيفة لم تكن وظيفة جامعية كبيرة، بل كانت تشبه في حقيقة الأمر وظيفةَ تدريسٍ بإحدى المدارس الليلية في تلك المدينة الكبيرة، فقد كان لديه معمل خاص به واستفاد منه جيدًا. وكان فولر هو أول مَن أنتج الألومنيوم في حالته الفلزية الحرَّة في عام ????، لكن لم تكن الطريقة التي استخدمها عملية، ولم يكن في الإمكان إنتاج الألومنيوم صناعيًّا إلا عندما اكتشف طالب أمريكي في كلية أوبرلين بأوهايو طريقةً تعتمد على التحليل الكهربائي بعدها بستين عامًا تقريبًا (انظر التعقيب الوارد في نهاية هذا الفصل).
في هذا المعمل بمدينة برلين، في عام ????، أجرى فولر التجربة التي كانَتْ سببَ شهرته في تاريخ الكيمياء العضوية. فقد سعى إلى تحضير سيانات الأمونيوم، الذي كان يُعتقَد أنَّ له الصيغة الجزيئية الموضَّحة في شكل ?-?، من سيانات البوتاسيوم وسلفات الأمونيوم، وهما من الأملاح غير العضوية الأساسية. وبعد تسخين الملحين معًا، بخَّر المحلول الذي يحتوي على ما توقَّع أنه سيانات الأمونيوم، لكنه حصل على بلورات بيضاء بَدَتْ مثل اليوريا التي طالما كان يحصل عليها من البول المأخوذ من الكلاب والإنسان. وسرعان ما أثبت أنها يوريا، ووصف النتيجة غير المتوقَّعَة بأنها «حقيقة مدهشة؛ لأنها تقدم مثالًا على الإنتاج الصناعي لمادة عضوية، أو حيوانية كما زعم، من مواد غير عضوية.» يوجد جانب آخَر لتلك النتيجة المدهشة كان مهمًّا بالنسبة إلى فولر، وأيضًا بالنسبة إلى برسيليوس الذي سرعان ما عَلِمَ باكتشاف فولر. كانت سيانات الأمونيوم واليوريا المنتَجَة منها من «الأيزومِرات» (التي يعني الأصل اللاتيني لها «أجزاء متساوية»)؛ وهو مصطلح ابتكره برسيليوس لوصف المركبات المكوَّنة من نفس العناصر وبنفس النِّسَب. تحتوي كلٌّ من سيانات الأمونيوم واليوريا على ذرة كربون وذرة أكسجين وذرتَيْ نيتروجين وأربع ذرات هيدروجين. يبدو أن فولر وبرسيليوس ركَّزَا على هذا الجانب من عملية التصنيع أكثر من تركيزهما على التأثير الذي من الممكن أن يحدثه ذلك على نظرية الحَيويَّة.
شكل ?-?: الصيغة الجزيئية لسيانات الأمونيوم.
مع ذلك، كان اكتشاف فولر العَرَضي بدايةَ النهاية بالنسبة إلى نظرية الحَيويَّة التي كانت تعرقل تطوُّرَ كيمياء مركبات الكربون. في البداية، أشار كيميائيو هذه الفترة إلى أنه على الرغم من أن سيانات البوتاسيوم وسلفات الأمونيوم عادةً ما كانا يُنظَر إليهما باعتبارهما مادتين غير عضويتين، فإن هاتين المادتين اللتين استخدمهما فولر كان يتم إعدادهما من مواد عضوية مثل القرون والدم وليس من العناصر المكوِّنة لهما؛ وبالتالي لم يكن ممكنًا الخلوص إلى أن عملية التصنيع المعملي التي أجراها فولر يمكن أن تلغي نظرية الحَيويَّة. ولم يُسلِّم هؤلاء بسقوط تلك النظرية نهائيًّا إلا في عام ????، عندما حضَّرَ هيرمان كولبا حمضَ الخليك من العناصر المكوِّنة له (وهي الكربون والهيدروجين والأكسجين). وأصبح تعريف الكيمياء العضوية «كيمياء مركبات الكربون» (وهو التعريف المُستعمَل حاليًّا)، سواءٌ أكانت تلك المركبات قد تم الحصول عليها من مصادر طبيعية أم من عمليات تصنيع معملية.
كان من المفترض أن يَهَبَ فولر نفسَه للكيمياء العضوية بقية حياته العملية، لكنه لم يفعل؛ فاهتمامه المبكر بالمعادن استمرَّ، وكان أغلب عمله اللاحق يختص بمجال الكيمياء غير العضوية. وبعد أن ترك برلين في عام ????، عمل لفترة قصيرة في كاسيل في معهد فني آخر، ثم حقَّق هدفه أخيرًا في عام ???? بالعمل أستاذًا في جامعةٍ ألمانية كبرى وهي جوتينجن. وفيها قدَّم بعضًا من أفضل أبحاثه التي نفَّذَها بالتعاون مع صديقه يوستوس فون ليبيخ، والذي كان وقتها أستاذًا في نفس الجامعة.
بسبب ارتقائه بقسم الكيمياء في جامعة جوتينجن، جذب فولر إلى الجامعة الكيميائيين من جميع أنحاء العالم، وبقي في الجامعة يدرِّس للكيميائيين ويدرِّبهم على إجراء الأبحاث ويؤلِّف مراجع علمية ويحرِّر مجلات البحث الكيميائي، حتى وافته المنية في عام ????.
درَّبَ فولر حوالي ? آلاف طالب في جامعة جوتينجن، من بينهم رودولف فيتي، الذي أصبح فيما بعد أستاذًا في جامعة تيوبنجن، وكان من بين من تتلمذوا على يديه إيرا ريمسن من الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما عاد ريمسن إلى الولايات المتحدة بعد دراسته في تيوبنجن طوَّر قسم الكيمياء بجامعة جونز هوبكينز حتى وصل به إلى المستوى المتميز لأقسام الكيمياء بالجامعات الأوروبية، وأصبح أحد المنابر المهمة لتدريب الأجيال المستقبلية من الكيميائيين في الولايات المتحدة الأمريكية. (في معمل ريمسن بجامعة جونز هوبكينز، اكتُشِف مصادفةً بديل السكر المعروف بالسكارين، وذلك كما سنوضِّح في الفصل الثاني والعشرين.)
على الرغم من الاكتشافات العديدة التي تُنسَب إلى فولر، فإن التصنيع المعملي غير المتوقَّع لمركب اليوريا البسيط الذي أجراه فولر من خلال تسخين سيانات الأمونيوم عندما كان في السابعة والعشرين من عمره يعد أهم إنجازاته على الإطلاق. وكل المراجع العلمية تقريبًا في مجال الكيمياء العضوية تذكر هذا الاكتشاف؛ فقد كتب هذا التصنيع المعملي لمركب عضوي من آخَر غير عضوي نهاية نظرية الحَيويَّة، وسجَّل بداية الكيمياء العضوية على أساسٍ عقليٍّ.
تعقيب

كان من بين جَمْع الكيميائيين الحاشِد الذين ذهبوا إلى جامعة جوتينجن من جميع أنحاء العالم من أجل التتلمذِ على يد فولر، فرانك إف جويت، الذي عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليُدرِّس في كلية أوبرلين بأوهايو. وفي الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كان جويت كثيرًا ما يَلفت نظر طلابه إلى الحقيقة المؤسِفة بأنه على الرغم من أن الألومنيوم هو المعدن الأكثر وفرةً على الإطلاق، فلم يستطع أحدٌ استخراجه من خامه المعقَّد باستخدام إجراء عملي. وقال لهم إن أستاذه الألماني فولر كان أول مَن حضَّر هذا المعدن، لكنَّ الإجراء الذي استخدمه في ذلك كان معقَّدًا ومكلِّفًا جدًّا لدرجةٍ جعلت المعدن غير مستغَلٍّ لمدةٍ تزيد عن ?? عامًا.
كان من بين تلاميذ جويت في كلية أوبرلين تشارلز مارتن هول. وكان هول مهتمًّا جدًّا بهذا التحدِّي الذي تمثله مشكلة الألومنيوم حتى إنه قرَّرَ إيجاد طريقة سهلة للحصول على المعدن من خاماته، وكان هذا مشروعه في سنته الأخيرة في الكلية، وأصبح مقتنعًا بأن الطريقة المثلى لتحضير الألومنيوم من خاماته تتمثل في استخدام الكهرباء، فصنع بطارية منزلية وفرنًا في السقيفة الخشبية التي توجد خلف منزل عائلته، وصهر مادة معدنية تُسمَّى الكريوليت في الفرن وأضاف خام الألومنيوم الموجود بوفرة، وهو البوكسيت، الذي وجدَ أنه يذوب في الكريوليت المنصهر، ثم مرَّرَ تيارًا كهربائيًّا عبر الخليط، وقد غمرته السعادة عندما رأى كريَّات فضية من الألومنيوم تتراكم حول القطب السالب لجهازه. وبمجرد أن بردت الكريَّات اللامعة للمعدن إلى حدٍّ كافٍ بحيث يمكنه حملها في يدَيْه، انطلق مسرعًا لإطلاع أستاذه جويت عليها في زهوٍ شديد. حدثت هذه الواقعة في ?? فبراير من عام ????، بعد ?? عامًا من إنتاج فولر للألومنيوم لأول مرة، وكان الشاب الذي وضع الإجراء العملي لإنتاج الألومنيوم تلميذًا لأحد تلامذة فولر!
بعد ذلك ببضعة أَشْهُرٍ، توصَّل شاب فرنسي يُدعَى بي إل تي هيرولت إلى نفس الإجراء، لكن في ذلك الوقت كان هول قد تقدَّمَ بطلبٍ للحصول على براءة اختراع لإجرائه، وقد أُعطيت الأولوية لطلبه. تأسست شركة الألومنيوم الأمريكية اعتمادًا على تجربة هول المبدئية هذه، حيث استخدمت الشركة نفس الإجراء المعتمِد على التحليل الكهربائي الخاص به؛ فأصبح هول غنيًّا، وعند وفاته أوصى بجزء كبير من تركته لمدرسته الأم؛ كلية أوبرلين. وربما يرى أي شخص يزور حرم الكلية الآن قاعة محاضرات رائعة مُهدَاة من هُول إلى أمه، وتمثالًا لهُول في مبنى قسم الكيمياء (والذي وُضِع هناك الآن لحمايته من مزاح الطلاب الذين وضعوه قبل ذلك في أماكن غير ملائمة حول الحرم)، فضلًا عن منزل عائلة هول، الذي يُعَدُّ جزءًا من الحرم. وقد صُنِع التمثال واللوحة التذكارية الموجودة في منزل هول من هذا المعدن على نحو يليق به.

الفصل العاشر
داجير واختراع التصوير الفوتوغرافي


هل رأيتَ من قبلُ صورةً فوتوغرافية لجورج واشنطن؟ كم عدد الصور الفوتوغرافية التي رأيتَها لأبراهام لنكولن؟
تمَّتْ أول عملية تصوير فوتوغرافي ناجحة على يد إل جيه إم داجير في عام ????، بعد وفاة جورج واشنطن وقبل أن يصبح لنكولن رئيسًا للولايات المتحدة. وقبل هذا الاختراع، كان الناس مضطرين للاعتماد على الرسَّامين لرسم صور المشاهير.
التقط داجير أولَ صورة فوتوغرافية له باستخدام «كاميرا مظلمة»، وهي في الأساس صندوقٌ في أحد أطرافه عدسة ولوح من الزجاج المُصنفَر حيث تركَّزت في بؤرته الصورة. وقد اخترِعت تلك الكاميرا المظلمة قبل ذلك بقرون عديدة؛ فقد وصف ليوناردو دافنشي واحدةً من تلك الكاميرات قبل عام ????، وفي عام ???? صحَّحَ إي دانتي الصورةَ المقلوبة بوضع مرآة خلف العدسة. وفي أيام داجير، كان الناس يستخدمون تلك الكاميرا المظلمة في تصوير الأجسام والمشاهد بوضع لوحٍ من الورق الرقيق فوق اللوح الزجاجي.
مِن أوائل مَنْ حاولوا «تثبيت» صورة تلك الكاميرا رجلٌ فرنسي آخَر يُدعَى جيه إن نيبس. استخدم نيبس مادةً تُسمَّى القار أو «بيتومين أوف جوديا»، التي ازدادت عدم قابليتها للذوبان في مذيبات معينة بعد التعرُّض للضوء، وبهذه الطريقة حصل بشكل أو بآخَر على صورة دائمة من الكاميرا المظلمة في عام ???? تقريبًا. وربما كانت هذه أول صورة فوتوغرافية في العالم، لكن المنتَج لم يكن مُرضيًا ولم يكن الإجراء عمليًّا. في تلك الأثناء، كان داجير يُجري تجارب على أملاح الفضة المعروفة بأنها حسَّاسة للتحلُّل بالضوء، وعندما علم بعمل نيبس، اتصل به وكوَّنَا شراكةً معًا، لكن نيبس مات بعد ذلك بفترة قصيرة (في عام ????) وواصل داجير العمل بمفرده، إلا أنه ارتبط بالتزام مادي مع ابن نيبس ويُدعَى إيزدور.
أعَدَّ داجير ألواحًا من النحاس المطلي بالفضة مصقولة جيدًا، وعرَّضها لبخار اليود الذي أنتج طبقة رفيعة من يوديد الفضة على السطح. وباستخدام الكاميرا المظلمة، عرَّضَ تلك الألواح للضوء؛ مما أدَّى إلى إنتاج صورة باهتة. جرَّبَ داجير عدة طرق لتكثيف شدة تلك الصورة لكن دون جدوى. وفي أحد الأيام، وضع لوحًا سبق أن تمَّ تعريضه للضوء ولم تكن به سوى صورة باهتة في خزانة تحتوي على مواد كيميائية متنوعة، وكان ينوي تنظيفه لإعادة استخدامه من جديد. وبعد عدة أيام، أخرج داجير اللوح واندهش حين رأى صورة قوية على سطحه.
كانت تلك هي المصادفة. والآن نظرًا لهذا الاكتشاف الذي جاء نتيجة «الفطنة» التي كان يتمتع بها داجير و«عقله المستعِد»، استنتج داجير أنه لا بد من أن مادة كيميائية واحدة أو أكثر في الخزانة قد كثَّفت شدة الصورة؛ لذا، كان كلَّ يوم يُخرِج مادة كيميائية من الخزانة ويضع في الخزانة لوحًا من يوديد الفضة الذي سبق أن تمَّ تعريضه للضوء. وعندما أخرج كل المواد الكيميائية، كان تكثيف شدة الصورة لا يزال يحدث! وبفحص الخزانة، وجد قطرات قليلة من الزئبق على أحد أرففها وقد انسكبت من ترمومتر مكسور؛ فاستنتج أن بخار الزئبق هو المسئول عن تكثيف شدة الصورة، وسرعان ما أثبت ذلك عن طريق التجربة، وكانت النتيجة هي الطريقة «الداجيرية» في التصوير الفوتوغرافي. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، أنتج المصورون الصورة الكامنة بوضع لوح معرَّض للضوء على كوب من الزئبق المسخَّن إلى ?? درجة مئوية تقريبًا.
عندما وصف داجير اكتشافه فيما يخص استخدام الزئبق في عملية التصوير، قال إنه كان يُجري تجاربه على مركبات الزئبق، ولم يكن يعرف أنه كان «على بُعْد خطوة بسيطة من اكتشاف فائدة استخدام أبخرة الزئبق الفلزي الذي قادني حظي الجيد إلى الاستعانة به.» (لسوء الحظ، عانى العديد من مستخدِمِي الطريقة الداجيرية في التصوير من أمراض خطيرة، وبعضهم تعرَّضَ للوفاة المبكرة؛ وذلك للسمِّيَّة العالية لبخار الزئبق التي باتت معروفة الآن.)
كانت الطريقة الداجيرية في التصوير تنتج صورة فوتوغرافية موجبة مباشرة. وكان الزئبق يتحد مع الفضة العنصرية التي تتكون بفعل التحلُّل الضوئي الكيميائي ليوديد الفضة في المناطق التي تعرَّضت على نحو عرضي للضوء، منتجةً مزيجًا ساطعًا. وفي المناطق التي لم تتعرَّض للضوء، كان يوديد الفضة يُزال في مرحلة لاحقة من الإجراء. تكوِّن مناطق مزيج الفضة والزئبق صورةً ساطعة عندما تنعكس خلفية مظلمة في مرآة اللوح الأصلي المطلي بالفضة. (إذا شاهدت صورة داجيرية ذات خلفية ساطعة، كما هو الحال عند التقاطها في وضح النهار أو في ضوء ساطع، فستكون الصورة معكوسة.) أما عملية إزالة يوديد الفضة غير المتغيِّر، فقد كانت في البداية عن طريق غسل الصورة ببساطة بمحلول ملحي (كلوريد الصوديوم العادي)، لكن تطوَّرت تلك العملية عندما اكتُشِف أن ثيوكبريتات الصوديوم (ملح الهيبو) عامل «تثبيت» أفضل.
شكل ??-?: صورة أولية التُقِطت بالطريقة الداجيرية على يد داجير نفسه في عام ????، باسم «منظر لجزيرة إيل دو لا سيتي مع كاتدرائية نوتردام»، وقد أرسل داجير صورة مماثلة إلى إمبراطور النمسا.
حقَّقَتِ الطريقة الداجيرية في التصوير نجاحًا سريعًا ومدوِّيًا؛ وذلك بصفة أساسية لأنها جذبت انتباه العديد من العلماء البارزين في باريس، ومنهم فرانسوا جون أراجو، سكرتير الأكاديمية الفرنسية للعلوم. أعلن أراجو عن هذا الاختراع في اجتماع للأكاديمية في ?? أغسطس ????، وتقدَّمَ باقتراحٍ إلى مجلس النوَّاب بمنح مكافأة لكلٍّ من داجير ونيبس. ومُنِحت المكافأة، ربما بدافع الكبرياء القومية والخوف من وقوع الاختراع في أيدٍ أجنبية. وقد أعطت هذه الإجراءات شهرةً كبرى لعملية التصوير الفوتوغرافي الجديدة، وسرعان ما انتشرت في إنجلترا وأمريكا فضلًا عن فرنسا. وفي واقع الأمر، فقد استُغلت وطُوِّرت بصفة أساسية في أمريكا، ومن ثمَّ تحقَّقَتْ مخاوف الحكومة الفرنسية.
سرعان ما أُدخل الكثير من التحسينات على عملية التصوير الفوتوغرافي بعد عمل داجير الرائد، وكان من أهم تلك التحسينات العملية السالبة/الموجبة. وقد أدى إعجاب الناس الكبير بالعملية الداجيرية في التصوير إلى مزيد من الاهتمام بالتصوير الفوتوغرافي في منتصف القرن التاسع عشر. وهكذا، كان الاكتشاف الذي أدَّى إلى ظهور الطريقة الداجيرية في التصوير وأدخَلَ مكتشِفها إلى عالم الشهرة اكتشافًا سرنديبيًّا.

الفصل الحادي عشر
المطاط الطبيعي والصناعي


(?) تصليد المطاط

في أوائل القرن السادس عشر، وجد كولومبوس وآخرون من المستكشِفين الإسبان أن هنود أمريكا الجنوبية يمارسون ألعابًا بكرة مصنوعة من مستحلب نباتي يُسمَّى اللاتكس مُستخلَص من أشجار معينة. وكان من بين الأسماء التي استخدمها الهنود لمادة اللاتكس هو «الهيفيا»، حيث كانت الشجرة الأساسية التي كانوا يحصلون منها على اللاتكس تسمَّى «هيفيا برازيليانسيس». ومع أن المستكشِفين الإسبان قد أحضروا بعضًا من هذا «الصَّمْغ الهندي» إلى أوروبا، فإنهم لم يجدوا أيَّ نفع منه، حتى وجد جوزيف بريستلي — مكتشِف الأكسجين — أن بإمكانه محو الكتابة المكتوبة بأقلام الرَّصاص من على الورق. ومن هنا جاء المقابل الإنجليزي لكلمة المطاط rubber نسبةً إلى الفعل «محا» rub؛ وذلك من أحد استخداماته البسيطة بعض الشيء، وإن كانت لا تزال مفيدة حتى الآن. لم يرَ الأوروبيون للمطاط استخدامًا مُهمًّا لأكثر من قرنين؛ لأنه يصبح مَرِنًا ويلتصق بالمواد عند تعرُّضه لدرجات حرارة مرتفعة، كما أنه يتجمَّد ويتفكَّك عند تعرُّضه لدرجات حرارة منخفضة. وبعد ذلك، اكتشف شاب اسكتلندي يُدعَى تشارلز ماكنتوش أحد الاستخدامات القليلة للمطاط الهندي، بعد أن تغلَّب على لزوجة المطاط عندما يتعرَّض للحرارة؛ وذلك بتغطية قطعتين من القماش بطبقة من المطاط والضغط عليهما حتى يلتصقا معًا بفعل المطاط الموجود بينهما الذي يعمل كنوع من الصَّمْغ. واستخدم ماكنتوش القماش المزدوج الذي أصبح بهذه الطريقة مقاوِمًا للماء لصنع المعاطف الواقية من المطر، وهكذا ظهر ما يُسمَّى بمعاطف ماكنتوش، وما زال الاسم مستخدَمًا في إنجلترا للمعاطف الواقية من المطر المصنوعة من أقمشة حديثة.
كانت الأحذية ذات الرقبة والأحذية العادية المصنوعة من المطاط أو القماش المغطَّى بطبقة من المطاط تُصنَّع في البداية في إنجلترا، وتُصدَّر إلى الولايات المتحدة، ثم بدأ تصنيعها في الولايات المتحدة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. لكن سرعان ما نفر الأمريكيون من الأحذية التي تتيبَّس في الشتاء وتصبح مَرِنة وقبيحة الشكل في الصيف. وهنا دخل تشارلز جوديير المشهد.
وُلِد جوديير في عام ???? في نيو هيفن بكونيتيكت، وكان ابنَ تاجرٍ ومخترعٍ غير ناجح. انشغل جوديير الصغير بإمكانية جعل المطاط لا يتأثر بالتغيرات في درجة الحرارة بحيث يصبح مفيدًا بطرق عديدة، وهذا الانشغال ملك عليه لبَّه؛ مما أدَّى إلى تدهور صحته وضياع الثروة الصغيرة التي امتلكها هو وأسرته بين عامَيْ ???? و????. وفي تلك الفترة، دخل السجن أكثر من مرة بسبب الدَّيْن، وأصبح عالة على أقاربه في الحصول على الطعام والسكن، لكن اهتمامه بموضوع المطاط لم يتوقَّف، وكانت إحدى المشكلات الكبرى التي تعرَّض لها تلك الطلبية الكبيرة التي باعها إلى الحكومة من حقائب البريد المُعالجة بالمطاط لتكون مقاومة للمياه، والتي أصبحت لَزِجة وتفكَّكت بفعل الحرارة قبل أن تخرج من المصنع.
بعد عدة محاولات غير ناجحة وغير علمية لمعالجة المطاط، التي تضمَّنت إحداها مزجه بالكبريت، حدث أن أراق بالمصادفة مزيجًا من المطاط والكبريت في فرن ساخن. ومما أثار دهشته أن المطاط لم ينصهر ولكنه احترق احتراقًا خفيفًا فقط، تمامًا كما يحدث لقطعة من الجلد، وعلى الفور أدرَكَ جوديير أهمية هذه المصادفة. قالت ابنته لاحقًا: بينما كنتُ أمرُّ إلى داخل الغرفة أو خارجها، لاحظتُ مصادفةً قطعةَ الصمغ الصغيرة التي كان يمسك بها بالقرب من النار، ولاحظت أيضًا أنه كان سعيدًا على نحوٍ غير عادي بسبب اكتشاف ما توصَّلَ إليه. ثم رأيته يثبِّت بمسمار قطعة الصمغ خارج باب المطبخ في البرد الشديد، وفي الصباح أدخلها وأمسك بها وهو يطير فرحًا؛ إذ وجد أنها مَرِنة على نحو تام كما كانت حين وضعها بالخارج (نقلًا عن كتاب «تجارب مخترِع: قصة حياة تشارلز جوديير واكتشافاته» لبيرس، صفحة ???).
بعد مزيد من الاختبارات، حدَّدَ جوديير درجة الحرارة المناسبة التي يُسخَّن فيها المطاط على هذا النحو، والمدة الملائمة لهذا التسخين حتى يصلد المطاط. وتقدَّمَ بطلب للحصول على براءة الاختراع، فحصل عليها في عام ???? لعملية سمَّاها تصليد المطاط vulcanization، وذلك على اسم إله النار الروماني، فولكان Vulcan. تعقيب

عندما يُسخَّن المطاط مع الكبريت، ترتبط ذرات الكبريت مع السلاسل الطويلة لجزيئات بوليمرات المطاط؛ مما يؤدي إلى تصلدها على النحو الذي يجعل مصفوفةَ المطاط ككلٍّ أقلَّ حساسيةً للتغيُّرات في درجة الحرارة.
لا يُعَدُّ الاكتشاف العَرَضي لعملية تصليد المطاط التي توصَّل إليها جوديير سرنديبيًّا، وذلك طبقًا للشرح الدقيق لتعريف وولبُول للكلمة. فبدلًا من اكتشاف شيء مصادَفةً لم يكن الشخص يسعى إليه، وجد جوديير بالمصادَفة حلًّا كان يسعى بشدة إلى إيجاده. وكما ذكرتُ في المقدمة، توجد أمثلة عديدة لمصادفات سعيدة أدَّتْ إلى اكتشافات عندما حدثت لأشخاص كانوا يسعون وراء شيء كان يتملَّص منهم دائمًا حتى حدثت المصادفة. وهذه الاكتشافات العَرَضية ليست هي ما كان وولبُول يقصده بالسرنديبية، ولكنها مرتبطة بها بما يكفي لأن يُطلَق عليها «السرنديبية الوهمية».
لم يَعِش جوديير سعيدًا حتى بعد اكتشافه عملية تصليد المطاط؛ فقد كان منشغلًا بالدفاع عن براءة اختراعه من اعتداءات الآخَرين، ولم يستطع الخروج من دوامة الدَّيْن الكبيرة التي كان واقعًا فيها قبل أن توافيه المنية في عام ????، على الرغم من نجاح دانيال وبستر في الدفاع عنه في إحدى محاولات التعدِّي على براءة اختراعه. لكن عملية تصليد المطاط أدَّتْ إلى حركة كبيرة في مجال تصنيع واستخدام المطاط، وبحلول عام ???? بلغت قيمة المنتجات المصنوعة من المطاط ? ملايين دولار، وتأسست كبرى شركات تصنيع المطاط، بما فيها شركة جوديير، في آكرون بأوهايو في عام ???? والسنوات التالية عليها، وكان هذا قبل ظهور السيارات والشاحنات والطائرات، التي تحتوي إطاراتها على معظم المطاط المستخدَم اليوم.
(?) المطاط الصناعي

إنَّ أول نوعين من المطاط التجاري يتم تصنيعهما بنجاح، وهما النيوبرين والثيوكول، تم إنتاجهما مصادفةً. إذ كان اكتشاف النيوبرين ضربًا من السرنديبية الوهمية، في حين كان اكتشاف الثيوكول ضربًا من السرنديبية الحقيقية.
اكتشف الكيميائيون التركيب الجزيئي للمطاط بتسخينه في ظروف مُحكَمة وتحديد طبيعة الأجزاء التي حصلوا عليها، ومن تلك الأجزاء الأيزوبرين، وهو مركب مكوَّن من خمس ذرات كربون يحتوي على رابطتين مزدوجتين. في عام ????، كتب هرمان شتاودنجر بحثًا شهيرًا اقترح فيه وصفًا لتركيب منتجات طبيعية مهمة مثل المطاط والسليلوز والبروتينات وبعض المنتجات الصناعية التي لها خصائص مماثلة. وافترض أن هذه المواد، التي تبدو مختلفة على نحو غامض عن المركبات العضوية الأبسط؛ هي بوليمرات polymers. (كلمة polymer أصلها كلمتان إغريقيتان هما poly وتعني «متعددة»، وmeros وتعني «أجزاء».) وتتكون البوليمرات من جزيئات كبيرة تحتوي على وحدات متكررة ترتبط معًا بنفس أنواع الروابط الكيميائية كما في المركبات الأبسط. على سبيل المثال، افترضت صيغة جزيئية للمطاط مفادها أن عددًا كبيرًا من وحدات «مونومر» الأيزوبرين (تعني كلمة «مونومر» أنها وحدات مكوَّنة من «جزء واحد») ترتبط معًا بفعل عملية التصنيع الحيوي التي تتم في شجرة المطاط لإنتاج جزيء بوليمر كبير من المطاط. بعد اقتراح هذه الصيغة للمطاط الطبيعي، تمت محاولات عديدة لصنع مطاط صناعي له نفس التركيب الجزيئي والمرونة اللذين يتميز بهما المطاط الذي يتم الحصول عليه من الأشجار. وتمت معالجة الأيزوبرين باستخدام عوامل محفِّزة متعددة لمعرفة إن كان يمكن بلمرتها لإنتاج شيء مماثل للمطاط أم لا. ونجحت تلك المحاولات جزئيًّا بما يكفي للبرهنة على صحة نظرية شتاودنجر، لكن العوامل الدقيقة للتركيب الجزيئي لم تُعرَف حتى اكتشف كارل تسيجلر العوامل المحفِّزة للانتظام الفراغي في عام ????. (سنتناول هذا الاكتشاف السرنديبي في الفصل السادس والعشرين.) اتضح أن المطاط الطبيعي له ترتيب «مقرون» لوحدات المونومر للأيزوبرين؛ يمكن تكرار هذا الترتيب في المطاط الصناعي باستخدام مواد محفِّزة جديدة، في حين أن المواد المحفِّزة السابقة أدَّتْ إلى ترتيب عشوائي للوحدات المقرونة والمفروقة. بعد ذلك، أصبح من الممكن إنتاج مطاط صناعي لا يمكن التفرقة تقريبًا بينه وبين المطاط الطبيعي، ويتحدد اليومَ الاختيارُ بين استخدام المطاط الطبيعي والصناعي لتصنيع الإطارات والأشياء الأخرى بصفة أساسية من خلال سعر البترول، الذي هو المادة الأولية لإنتاج المطاط الصناعي.
اهتم الدكتور دبليو إس كالكوت في معمل جاكسون التابع لشركة دو بونت بالتجارب التي أجراها الأب نيولوند من جامعة نوتردام. كان نيولوند قَسًّا كاثوليكيًّا وأستاذًا بجامعة نوتردام وكيميائيًّا، وقد نشر نتائج بحثه التي أظهرت أن الأسيتيلين، وهو هيدروكربون صيغته الكيميائية C2H2، يمكن مضاعفة جزيئاته مرة أو مرتين لإنتاج أسيتيلين الفينيل بصيغة C4H4 وأسيتيلين ثنائي الفينيل بصيغة C6H6. اعتقد كالكوت أن هذه الديمرات والتريمرات قد تكون مماثلة على نحو كافٍ للوحدة المكوَّن منها المطاط الطبيعي؛ الأيزوبرين، بحيث يمكن استخدامها لتحضير مطاط صناعي، وقد أسند تلك المهمة إلى بعض من كيميائيي شركة دو بونت، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، فذهب إلى والاس كاروثرز، رئيس مجموعة بالمحطة التجريبية التابعة لشركة دو بونت، وهي المعمل الذي أُجريت فيه معظم الأبحاث المتعلقة بالبوليمرات. اهتم كاروثرز بالأمر، وطلب من أحد الكيميائيين وهو أرنولد كولينز تنقية عينةٍ من المزيج الخام المستقَى من الأسيتيلين باستخدام طريقة نيولوند. وعندما فعل هذا، فصل كمية صغيرة من السائل التي لم يَبْدُ أنها أسيتيلين الفينيل أو أسيتيلين ثنائي الفينيل ولم تُوصَف من قبل نيولوند، لكنه لم يتخلَّص منها بل نحَّاها جانبًا على طاولة معمله وتركها خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي يوم الإثنين، لاحَظَ أن السائل قد تصلَّبَ، وعندما فحصه بدا له أنه مطاط، بل وارتد عندما أسقط على الطاولة.
ربما تقول إن هذه ليست مصادفة ولكنه فقط أمرٌ كان كالكوت يسعى وراءه، بل كان أيضًا يتوقعه. لكن عندما حلَّلوا السائل المطاطي، وجدوا أنه ليس شكلًا هيدروكربونيًّا بوليمريًّا من الأسيتيلين، لكنه كان يحتوي على «الكلور»، وهو أمر كان غير متوقَّع على الإطلاق. يبدو أن مصدر الكلور هو حمض الهيدروكلوريك HCl الذي كان يُستخدَم في طريقة نيولوند لصناعة ديمر وتريمر الأسيتيلين، وقد أُضيف إلى أسيتيلين الفينيل. وسُمِّيَ ناتج عملية الإضافة هذه الكلوروبرين؛ نظرًا لتشابهه مع الأيزوبرين. والاختلاف الوحيد كان ذرة الكلور في مقابل مجموعة الميثيل (وهي وحدة جزيئية مكوَّنة من ذرة كربون واحدة مرتبطة بثلاث ذرات من الهيدروجين؛ أيْ CH3) في جزيء المونومر. وهكذا أدَّتِ البلمرة الفورية لمادة الكلوروبرين أثناء وجودها على طاولة بمعمل كولينز في عطلة نهاية الأسبوع إلى إنتاج المادة الصلبة الشبيهة بالمطاط التي سمَّاها النيوبرين. وُجِد أن هذا المطاط الصناعي الجديد له درجة مقاومة كبيرة للبترول والبنزين والأوزون مقارَنةً بالمطاط الطبيعي، وقد أدت تلك الخصائص إلى إنتاجه وبيعه بالأسواق من قِبَل شركة دو بونت في عام ????، على الرغم من كونه أغلى بكثير من المطاط الطبيعي. وما زال هذا النوع مفيدًا وقيِّمًا؛ فقد تأكَّدت متانته وقوة تحمله في الاستخدامات القاسية مثل: الخراطيم الصناعية، وأنعال الأحذية، وحشيات النوافذ، وسيور نقل الحركة الشديدة الاحتمال، وتغليف الكبلات الكهربائية. وثمة استخدام حديث ومثير لهذا النوع، وهو استخدامه كمادة رابطة للأحزمة الجلدية ذات الوجهين؛ حيث يمكن الربط بين قطعتين من الجلد الأسود والبني على نحو دائم دون تخييطهما لإنتاج حزام من لونين يُلبَس على الوجهين.
في عام ????، بدأ جيه سي باتريك في محاولة إعداد شيء مفيد من الكميات الهائلة من الإثيلين والناتج الثانوي المتمثل في غاز الكلور المتاح من خلال العمليات الصناعية. وكان من المعروف أن هذين المركبين يتَّحدان معًا لإنتاج ثاني كلوريد الإثيلين. كان باتريك يختبر تفاعل مواد مختلفة مع ثاني كلوريد الإثيلين على أمل إنتاج جليكول الإثيلين، الذي يمكن أن يصبح منتجًا قابلًا للتسويق. وكان من بين المواد التي جرَّبها متعدد كبريتيد الصوديوم، لكنها لم تعطِه الجليكول السائل المطلوب، وإنما أعطته بدلًا من ذلك مادة شبه صلبة شبيهة بالمطاط. أدرك باتريك على الفور القيمة المحتمَلة لتلك المادة غير المتوقَّعة الشبيهة بالمطاط، واستغرق في مشروع بحثي مكثَّف سرعان ما أدَّى إلى حصوله على براءة اختراع وتأسيس شركة لتصنيع المطاط الصناعي الجديد.
طُرِح نوع المطاط الصناعي «ثيوكول إيه» في الأسواق في عام ????، وكان ذلك من خلال شركة «ثيوكول» للكيماويات التي كان باتريك رئيسها. وكان هذا النوع مختلفًا تمامًا عن المطاط الطبيعي من حيث تركيبه الجزيئي، لكنه كان مَرِنًا، ويمتاز عن المطاط الطبيعي بأنه، مثل النيروبرين، مقاوِم للمنتجات البترولية، ولكن سرعان ما ظهر أهم عيوبه وهو رائحته الكريهة جدًّا.
أنتجت شركة ثيوكول وشركات أخرى أنواعًا عديدة من المطاط المتعدد الكبريتيد. واستفادت استخدامات تلك المادة من قدرتها على مقاومة المنتجات البترولية وخصائصها الجيدة فيما يتعلق بمنع التسرب، مثل الزجاج الأمامي للسيارات المانع للتسرُّب وبطانة خزانات الوقود في أجنحة الطائرات. ونظرًا لأن أنواع المطاط التي أنتجتها شركة ثيوكول يمكن أن تصلد في درجات الحرارة المنخفضة، فقد استُخدِمت لبعض الوقت كمادة لاصقة وكأحد مكونات أنواع وقود الصواريخ الصلبة المستخدَمة لدفع الأقمار الصناعية وسفن الفضاء في مداراتها.
في عام ????، اشترت شركة مورتون سولت شركة ثيوكول وأسست شركة جديدة باسم مورتون ثيوكول. وكانت كل شركة منهما تنتج موادَّ كيميائية خاصة بها قبل أن تندمجَا، واستمرتا على هذا النحو حتى فيما بعدُ. اشتهرت شركة ثيوكول بأنها كانت المقاول الرئيسي لإنشاء مركبة الفضاء تشالنجر المنكوبة. ولم تكن الحلقات المطاطية العازلة التي قيل إنها السبب في انفجار مركبة الفضاء مصنوعةً من المطاط الصناعي المتعدد الكبريتيد الذي تنتجه شركة ثيوكول، وإنما كانت مصنوعة من الفيتون، وهو نوع من المطاط الصناعي الأقرب كيميائيًّا إلى مادة التيفلون.

الفصل الثاني عشر
باستير: جزيئات الجانب الأيسر والجانب الأيمن لملح حمض الطرطير


إن لوي باستير معروفٌ بإسهاماته في مجال الميكروبيولوجيا أكثر مما في مجال الكيمياء. فمع أنه قد بدأ مشواره المهني ككيميائي، فقد اشتهر بصفة أساسية بأنه فسَّرَ كيفية حدوث عملية التخمُّر في البكتيريا (فقد كانت أبحاثة مهمة جدًّا في تصنيع الخمور والبيرة)، وكيفية فساد الطعام (عملية «بسترة» اللبن التي ابتكرها ما زالت مستخدَمةً)، وكيفية الإصابة بالعدوى بسبب تلوث الجروح (أدَّى هذا إلى اختراع اللورد ليستر لعملية التعقيم أثناء الجراحة، التي أحدثت ثورة في عالم الطب)، وكيفية علاج بعض الأمراض (أنقذت دراساته حول مرض دودة القز صناعة الحرير في فرنسا، في حين أنقذ تطويره لِلِقاح مضاد لداء الكلَب حياة آلاف الأشخاص المصابين بداء الكلَب). لكن أحد الإسهامات التي قدَّمَها في مجال الكيمياء، على الرغم من أنه إسهام أقل شهرةً وأصعب في استيعابه، كان كفيلًا لذيوع صيته وتأكيد شهرته.
شكل ??-?: لوي باستير في معمله.
في عام ????، بينما كان باستير في سن الخامسة والعشرين من عمره، وكان قد حصل توًّا على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس، شرع في دراسة أحد أملاح الحمض الراسمي (العنقودي)، وهو مادة تترسب في براميل الخمر أثناء عملية التخمُّر. (يرجع أصل كلمة «راسمي» racemic إلى الكلمة اللاتينية racemus التي تعني «عناقيد العنب».) ذكر كيميائي آخَر يُدعَى أيلهارد ميتشرليش أن أحد أملاح الحمض الراسمي (وهو ملح أمونيوم الصوديوم الذي يُحضَّر عن طريق معالجة الحمض الراسمي بماء الصودا والنشادر) يكاد يطابق أحد أملاح حمض الطرطير الذي يظهر أيضًا في براميل الخمر، لكن ملح حمض الطرطير كان «نَشِطًا ضوئيًّا»، في حين أن ملح الحمض الراسمي ليس كذلك. (يُعرَف ملح حمض البوتاسيوم الموجود في حمض الطرطير بزُبد الطرطير.) يُقال على أية مادة إنها نَشِطةً ضوئيًّا إذا كان بإمكانها إحداث انحراف أو دوران في مستوى الضوء المستقطب استقطابًا استوائيًّا. يتألف الضوء العادي، طبقًا للنظرية الموجية، من موجات تتذبذب في مستويات في كل الاتجاهات، ويمكن لبلورات معينة فلترة الضوء بحيث يمكن للموجات التي تتذبذب في مستوًى واحد فقط المرور خلالها، ويُوصَف الضوء الناتج بأنه مُستقطَب.
لقد كان معروفًا في عام ???? أنه يمكن لمواد طبيعية معينة (مثل بلورات الكوارتز والتربنتين والمحاليل السكرية) تدوير الضوء المستقطب، لكن لم يكتشف أحدٌ الكيفية التي تفعل بها تلك المواد ذلك. وقد كان إثبات دوران الضوء المستقطب وقياسه يتم باستخدام جهاز يُسمَّى مقياس الاستقطاب. عندما تؤدي مادة إلى دوران مستوى الضوء المستقطب في اتجاه عقارب الساعة، تكون يمينية التدوير؛ أيْ تنتج دورانًا موجبًا، لكن إذا كانت تؤدي إلى دورانه في عكس اتجاه عقارب الساعة، فإنها تكون يسارية التدوير؛ أيْ تنتج دورانًا سالبًا.
أصيب باستير بالحيرة؛ فملحا حمض الطرطير والحمض الراسمي كان يقال إنهما متماثلان في التركيب الكيميائي والشكل البلوري، ومع ذلك فلهما تأثيرات مختلفة على الضوء المستقطب. فلم يكن لملح الحمض الراسمي أيُّ تأثير، في حين أن ملح حمض الطرطير كان يميني التدوير. عندما فحص باستير بلورات ملح الحمض الراسمي المنتجة طبقًا لوصف ميتشرليش، رأى شيئًا لم يَرَه ميتشرليش نفسه؛ إذ كان يوجد في واقع الأمر نوعان من البلورات، وكانا منطبقين كانطباق اليد اليمنى واليد اليسرى.
استخدم باستير ملقاطًا لفَصْل البلورات الموجودة على الجانب الأيمن عن البلورات الموجودة على الجانب الأيسر بعناية تحت الميكروسكوب، وعندما أصبح لديه ما يكفي من كل نوع، قام بشيء يُعَدُّ إلهامًا أو لحظة من العبقرية؛ إذ أخذ بعض البلورات من كل نوع وأذابها في الماء، كلًّا على نحو منفصل، ثم وضع المحلولين على التوالي في مسار الضوء المستقطب في مقياس استقطاب؛ فاكتشف أن محلول بلورات الجانب الأيسر أدار الضوء المستقطب للجانب الأيسر، في حين أن محلول بلورات الجانب الأيمن أدار الضوء المستقطب للجانب الأيمن. ذكر رينيه فالري-رادوت في كتابه «قصة حياة باستير» (????) أن العالِم الصغير انفعل بشدة بسبب اكتشافه لدرجة أنه خرج «مثل أرشميدس» مسرعًا من المعمل وهو يهتف: «فَعلتُها!» (ص??).
شكل ??-?: البلورات الموجودة على الجانبين الأيمن والأيسر من ملح حمض الطرطير.
عندما قاس باستير بعناية كمية كل نوع من البلورات وهو يُحضِّر محلولَيْهما، اكتشف أن درجة الدوران تكون متساوية تمامًا عند وجود كميات متساوية من كل نوع، ولكن تؤدي إلى تدوير الضوء المستقطب في «اتجاهين معاكسين»؛ إذ وجد أن مدى الدوران الذي أحدثته بلورات الجانب الأيمن كان نفسه الذي أحدثه محلول مماثل من ملح حمض الطرطير. وهكذا، أثبت باستير أن ملح الحمض الراسمي الموجودة بلوراته على الجانب الأيمن مطابِقٌ بالفعل لملح حمض الطرطير اليميني التدوير، وأن ملح الحمض الراسمي الموجودة بلوراته على الجانب الأيسر شكَّلَ صورة مرآوية مطابقة من ملح حمض الطرطير. وفي النهاية، صنع باستير خليطًا يتكوَّن من كميات متساوية من نوعَي البلورات، وكما توقَّعَ وجد أن محلول هذا الخليط غير نَشِط ضوئيًّا. وبالفصل بين نوعَي البلورات الموجودين في ملح الحمض الراسمي، قدَّم باستير أولَ وأشهرَ مثال لما يطلِق عليه الكيميائيون الآن تحليل الخليط الراسمي. (يُستخدَم الآن مصطلح «الحمض الراسمي» الخاص بهذا المركب الذي عمل عليه باستير لوصف أي خليط من المواد التي هي صورة مرآوية مطابقة بعضها لبعض.)
أصبحت تجارب باستير البلورية غير المعتادة مثارَ نقاش العلماء في باريس، وسرعان ما وصلت أخبارها جون باتيست بيو، عالِم الفيزياء المعروف الذي كانت له اكتشافات مهمة فيما يتعلَّق بتدوير الضوء المستقطب من جانب البلورات. كان بيو وقتها عضوًا في أكاديمية العلوم وكان عمره ?? عامًا، ومن ثمَّ لم يأخذ التجارب التي أجراها باستير كأمر مسلَّم به وإنما نزع إلى الشك في تعامله معها، وقبل أن يُبلِغ الأكاديمية بتلك النتائج، طلب من باستير تكرار التجارب التي قام بها في حضوره. قام باستير بهذا، وتولى بيو بنفسه تحضير المحاليل التي أنتجت البلورات، وعندما رأى بيو دوران الضوء المستقطب للجانب الأيسر بفعل بلورات الجانب الأيسر، توقَّفَ عن العمل وأمسك بذراع باستير الصغير وقال له بحرارة: «عزيزي الشاب، لقد أحببتُ العلمَ جدًّا في حياتي، وهذا ما جعل ما اكتشفتَه اليوم يمسُّ قلبي بشدة» (فالري-رادوت في كتابه «قصة حياة باستير»، صفحة ??).
شكل ??-?: القفازات كمثال على خاصية الكيرالية.
إذا نظرنا إلى الأمر من منظور محدود، فسنجد أن الفصل بين البلورات ذات الأشكال المختلفة، وإثباتَ أن محاليلها تدير سطح الضوء المستقطب في اتجاهات عكسية؛ كان تجربة بارعة ولكن بسيطة. فما الفارق الذي تحدثه فرضية أن موادَّ معينة تؤدي إلى دوران سطح الضوء المستقطب في اتجاه معين أو غيره في مقياس استقطاب؟ لكن إذا نظرنا إلى الأمر من منظور أوسع، فسنجد أن تجارب باستير كانت لها أهمية كبيرة؛ فقد كان أول مَن أثبت أن المركبات العضوية توجد في أشكال صورة مرآوية مطابقة على المستوى الجزيئي؛ أيْ إن الجزيئات لها خاصية اليدوانية، أو الكيرالية. والكيرالية مصطلح مأخوذ من كلمة إغريقية تعني اليد، وهو معنًى مناسب لأن اليدين هما أكثر الأمثلة شيوعًا للأشكال الانطباقية ذات الصور المرآوية المطابقة. وليست الجزيئات وحدها هي التي يمكن وصفها بأنها كيرالية أو غير كيرالية، ولكن الأجسام العادية أيضًا. على سبيل المثال، القفازات كيرالية لكن الجوارب غير كيرالية؛ لأن فردة الجورب الواحدة يمكن ارتداؤها في القدم اليمنى أو اليسرى.
شكل ??-?: شكلا حمض الطرطير في الجانبين الأيمن والأيسر (صورة مرآوية مطابقة).
قبل قيام باستير بتلك التجارب، كان العلماء يستخدمون شكل بلورات الكوارتز لتفسير تأثيرها على الضوء المستقطب؛ لأنه عندما تُصهَر تلك البلورات يختفي نشاطها الضوئي. لكن التأثيرات الضوئية لسوائل معينة مثل التربنتين والمحاليل السكرية خالفت هذا التفسير، وأثبتت تجاربُ باستير أن الاختلاف في شكل بلورات ملح الحمض الراسمي يعكس اختلافًا في شكل جزيئات الملح؛ لأن إذابة البلورات في الماء تدمِّر التركيب البلوري كما أن الصهر يدمِّر تركيب بلورات الكوارتز، لكن محلولَيْ نوعَي البلورات من حمض باستير كانا لا يزال لهما نشاط ضوئي. وحوَّلَ باستير بعد ذلك أملاح الحمض الراسمي المنفصلة إلى أشكال الحمض، وأثبت أن هناك شكلين أيسومريين، هما حمض طرطير الجانب الأيسر (السالب) وحمض طرطير الجانب الأيمن (الموجب) (انظر شكل ??-?). تعقيب

أدرك باستير أن اكتشافه كان يعني وجود علاقة مباشِرة بين الهندسة الجزيئية والنشاط الضوئي، وافترض أن الجزيئات التي تدير سطح الضوء المستقطب في اتجاهٍ ما مرتبطة بالجزيئات التي تديره في الاتجاه الآخَر كما يرتبط الشيء وصورته في المرآة. لكن لم تُفسَّر الكيفية التي تتجمع بها الذرات في تلك التراكيب الجزيئية إلا بعد ?? عامًا على يد عالمَيْ كيمياء شابين هما ياكوبس فانت هوف وجوزيف لوبيل. في تلك الأثناء، حوَّلَ باستير انتباهه إلى حل المشكلات البيولوجية التي ذكرناها آنفًا محقِّقًا نجاحًا كبيرًا فيها، لكن عمله الرائد في تحليل الحمض الراسمي فتح الطريقَ أمام غيره من الكيميائيين لتفسير علاقة الكيرالية في التركيب الجزيئي بالنشاط البيولوجي، وهنا تظهر الأهمية الحقيقية لعمل باستير.
مع أن فكرة كون الجزيئات الموجودة على الجانب الأيسر من حمض الراسمي (الشكل السالب من حمض الطرطير) تدير سطحَ الضوء المستقطب في عكس اتجاه عقارب الساعة ليست مهمة، فإنه من المهم جدًّا فهم سبب كون الجزيء الموجود على الجانب الأيمن من فيتامين سي (الشكل الموجب من حمض الأسكوربيك) فيتامينًا، في حين أن الشكل السالب من نفس الحمض ليس له نشاط بيولوجي، أي ليس فيتامينًا؛ وكون الشكل الموجب من الجلوكوز (الدِّكْسترُوز) مادةً غذائية، في حين أن الشكل السالب منه ليس كذلك؛ وكون الشكل السالب من الكلورومايستين مضادًّا حيويًّا فعَّالًا، في حين أن الشكل الموجب منه ليس كذلك؛ وكون الشكل السالب من الأدرينالين أكثر فاعليةً عدة مرات كهرمون من الشكل الموجب منه.
ثمة مثال مأسويٌّ لأهمية كيرالية الجزيئات، وهو استخدام عقَّار الثاليدوميد. كانت النساء الحوامل تستخدم هذا العقَّار في الخمسينيات من القرن العشرين قبل أن يكتشف الكيميائيون أنه مع كون الشكل الموجب من جزيئاته آمِنًا وفعَّالًا للتغلب على غثيان الصباح، فإن الشكل السالب منه عامل مشوِّه نَشِط (أي عامل يسبِّب التشوُّه البيولوجي). ولأن العقَّار كان يحتوي على كلا الشكلين من الجزيئات، فقد كان يتسبَّب في كثيرٍ من العيوب الخِلقية الخطيرة.
مع أن ما قام به باستير من رصد للأشكال المختلفة للبلورات وفصله لها واستنتاجاته بشأن معنى تأثيراتها العكسية على الضوء المستقطب كان بالفعل لمحات عبقرية؛ فقد لعبت السرنديبية دورًا كبيرًا في اكتشافاته. ثمة مصادفتان بارزتان كان لهما دور مهم في هذه الاكتشافات؛ أولًا: يُعَدُّ ملح أمونيوم الصوديوم للحمض الراسمي، وهو الملح الذي أجرى عليه باستير تجاربه، الملحَ الوحيد تقريبًا لهذا الحمض الذي يتبلور في شكلين انعكاسيين يمكن ملاحظة اختلافهما وفصلهما على نحو آلي. ثانيًا: لا يتبلور الحمض في شكلين إلا عند درجات الحرارة الأقل من ?? درجة مئوية (?? درجة فهرنهايت)؛ أما إذا زادت درجة الحرارة عن ?? درجة مئوية، فإن البلورات المتكوِّنة تكون متشابِهة وليس لها نشاط ضوئي. وضع باستير الدورق المحتوي على محلول الملح على إفريزِ نافذةٍ بارد في معمله في باريس، وتركه هناك لليوم التالي حتى تحدث عملية البلورة، ولولا الاختيار الموفَّق لملح الحمض الراسمي الصحيح والجو الباريسي البارد، ما كان لباستير أن يتوصل إلى اكتشافه المبهر.
إنَّ باستير — شأنه شأن كبار العلماء الذين أفادوا من السرنديبية — كان يدرك الفرق بين المصادفة والاكتشاف العَرَضي، وأعرب عن ذلك ببلاغة شديدة قائلًا: «في مجال المشاهدات البحثية، يحظى بالمصادفة العقلُ المستعدُّ فقط.» وكان لدى عالم الفيزياء الأمريكي العظيم جوزيف هنري نفس الاعتقاد عندما قال: «إن بذور الاكتشافات العظيمة تحوم حولنا باستمرار، لكنها تستقر فقط في العقول المستعدَّة لاستقبالها.»

الفصل الثالث عشر
الصبغات ومواد التلوين


(?) بيركن والصبغة الأرجوانية

في عام ????، قرَّرَ ويليام بيركن — الذي كان قد بلغ توًّا الثامنة عشرة من عمره، وكان يدرس في الكلية الملكية للكيمياء — تنفيذَ مشروع طموح في معمله بمنزله في أثناء إجازة عيد الفصح، وهو تصنيع مادة الكينين معمليًّا. في الكلية، كان ويليام مساعِدًا للكيميائي الألماني الشهير إيه في هوفمان. بعث الأمير البريطاني ألبرت إلى هوفمان يستحثه على القدوم من بون ليكونَ أولَ رئيس للكلية الملكية للكيمياء، وفي إحدى محاضراته قال هوفمان إنه سيكون من المفيد جدًّا تصنيع مادة الكينين معمليًّا؛ لأنه لم يكن يمكن الحصول على هذا العقَّار — الذي كان العقَّار الوحيد الفعَّال في علاج الملاريا — إلا من لحاء شجرة السينكونا، التي كانت تنمو في جزر الهند الشرقية. (لمزيد من المعلومات عن الاكتشاف العرَضي لمادة الكينين الطبيعية، انظر الفصل الثالث.)
اقترح بيركن تصنيعَ الكينين من مادة الطولويدين، المشتقة من قطران الفحم (الذي كان منتجًا ثانويًّا رخيصًا لصناعة الصلب)، باستخدام طريقة «الإضافة والطرح» التي كانت شائعة حينها. وكانت تلك الطريقة تعتمد على صيغ جزيئية بسيطة لمادة بادئة ومنتج نهائي. وبفحص الصيغ المعروفة للطولويدين والكينين، رأى بيركن أن بإمكانه تصنيع الكينين بإضافة عدد معين من ذرات الكربون والهيدروجين إلى الطولويدين، ثم إضافة ذرات أكسجين للوصول إلى عدد ونوع الذرات المناسب في الكينين، وكان هذا قبل عدة سنوات من اقتراح أوجست كيكوليه طريقةً يمكن من خلالها أن تتحد الذرات لتكوين «تراكيب» ثلاثية الأبعاد للجزيئات. (لمزيد من المعلومات عن كيكوليه والتراكيب الجزيئية، انظر الفصل الرابع عشر.) يتضح مدى سذاجة خطط بيركن عندما نعرف أن الصيغة التركيبية للكينين لم تُكتشَف حتى عام ????، وأن تصنيعها كان تحدِّيًا لمعظم الكيميائيين حتى عام ????.
نفَّذَ بيركن الخطوات التي اقترحها، أولًا بإضافة ثلاث ذرات كربون وأربع ذرات هيدروجين في شكل مجموعة «أليل» للطولويدين، ثم باستخدام العامل المؤكسِد الفعَّال المتمثِل في ثاني كرومات البوتاسيوم. وكانت النتيجة راسبًا كستنائي اللون، وبدلًا من أن يستسلم، قرَّرَ بيركن تجربة مادة بادئة أبسط تركيبًا، وهي الأنيلين. (في واقع الأمر، كانت مادة الأنيلين التي استخدمها بيركن تحتوي على كميات صغيرة من الطولويدين، الأمر الذي كان أساسيًّا في تكوُّن الصبغة الأرجوانية.) كان الناتج هذه المرة أسوأ؛ حيث كان مادةً صلبة سوداء، لكن عندما فحصها بيركن قبل التخلُّص منها، لاحَظَ أن الماء أو الكحول الذي استخدمه في إزالة تلك المادة من الدورق قد تحوَّلَ إلى اللون الأرجواني!
انبهر الكيميائي الشاب بتلك النتيجة غير المتوقَّعة، فاختبر المحاليلَ الأرجوانية ووجد أنها تصبغ القماش. وسرعان ما توصل بيركن إلى طريقة عملية لاستخلاص الصبغة الأرجوانية من الخليط الأسود، وأرسل عينةً من صبغته الصناعية إلى مَصْبَغة بريطانية شهيرة لتجربتها على الأقمشة الحريرية والقطنية، فكان التقييم أنها بدت واعدة جدًّا بالنسبة إلى الأقمشة الحريرية، على عكس الأقمشة القطنية. لكن سرعان ما اكتشف الصبَّاغون أنه يمكنهم زيادة فاعلية هذه الصبغة بالنسبة إلى القماش القطني بإجراء معالجة سابقة له.
وهكذا، فقد أدَّتْ محاولة ساذجة لتصنيع الكينين إلى الإنتاج العَرَضي لأول صبغة صناعية. وبحماس الشباب، قرَّرَ بيركن أن يتقدَّم بأوراقه للحصول على براءة اختراع لصبغته، وأن يبني مصنعًا ويدخل في مجال الصباغة، لكنه لم يحصل على أيِّ تشجيع من جانب أستاذه هوفمان، الذي طلب منه الاستمرار في الدراسات والأبحاث الأكاديمية، مؤكِّدًا له أن محاولة الدخول في عالم الصباغة ضربٌ من الغباء.
على الرغم من إعراضي الشديد (باعتباري أستاذًا جامعيًّا) عن الاعتراف بهذا، كان هوفمان مخطئًا؛ فلِحُسْن حظ الشاب بيركن، كان والده غنيًّا وكانت لديه ثقة كبيرة في ابنه النابه، وبدعم من والده وأخيه، حصل بيركن على براءة اختراع لصبغته وبنى مصنعه وحلَّ المشكلات الكبيرة المتعلقة بتحديث طريقة عمله لتتناسب مع عملية الإنتاج التجاري. وحدثت انفجارات كثيرة في المراحل الأولى لعملية التحديث هذه؛ وللسيطرة على تلك العملية، كان العمَّال يقفون بخراطيم ماء لرش الماء على وعاء تفاعُلِ حديد الزهر إذا غلَتِ المحتويات على نحو خارج عن السيطرة!
مع ذلك، حقَّقَ مصنعه نجاحًا كبيرًا، وذاع صيت صبغته، التي سُمِّيت أرجوان الأنيلين أو الأرجوان الملكي أو الموف (أو الموفين). أُطلِق الاسم الأخير على الصبغة الجديدة في فرنسا، وأصبح الاسم الأكثر استخدامًا لها.
قبل اكتشاف بيركن، كانت الصبغة الأرجوانية الثابتة الوحيدة، أو الصبغات المستخرجة من نبات الخزامي، باهظة الثمن جدًّا. فكانت الصبغة الطبيعية، التي كانت مستخدمة منذ عام ???? قبل الميلاد، وكانت تُسمَّى الأرجوان الملكي، تُستخرَج فقط من حيوانات رخوية صغيرة في البحر المتوسط، لكن تلك الرخويات كان من الصعب جمعها، وكان يتطلَّب إنتاجُ جرام واحد من الصبغة ? آلاف حيوان رخوي. ومن ثمَّ، كانت العائلة الملكية هي الوحيدة التي تستطيع الحصول على هذه الصبغة؛ ومن هنا جاء الارتباط بين الصبغة الأرجوانية والعائلة الملكية. وبعد تصنيع بيركن لصبغةٍ أرجوانية دائمة ورائعة من قطران الفحم، طُرحت تلك الصبغة في الأسواق بسعر يمكن لأي شخص تقريبًا تحمُّله، هذا فضلًا عن أن الصبغات الأرجوانية القديمة «كانت سريعة التغير جدًّا، لدرجة أنه لو وضعت سيدةٌ شريطًا بنفسجيًّا جديدًا على قبعتها في الصباح، فمن المحتمَل أن يتحوَّل لونه إلى اللَّوْن الأحمر في المساء!»
شكل ??-?: ويليام إتش بيركن في الولايات المتحدة في عام ???? أثناء حضوره احتفالًا بالذكرى الخامسة عشرة لاكتشافه الصبغة الأرجوانية.
كان نجاح صبغة بيركن بمنزلة ميلادٍ لصناعة الصبغات الصناعية، لكن الألمان — وليس البريطانيين — هم مَن رأوا احتمالات نجاحها وطوَّروها على نطاق واسع. ومع ذلك، فإن تطوُّرَ صناعة الصبغة الجديدة في إنجلترا تحت قيادة بيركن كان سريعًا جدًّا، لدرجة أنه بعد ست سنوات فقط من بدء العمل في أول مصنع له، طلبت منه الجمعية الكيميائية أن يُحاضِر عن الصبغات المستخلَصة من قطران الفحم.
كانت السنوات التالية في حياة بيركن مليئة بالتكريمات؛ فقد انتُخِب لعضوية الجمعية الملكية، وحصل على لقب سير، وحصل على ميدالية ديفي وميدالية هوفمان وميدالية لافوازييه، وحضر احتفالًا كبيرًا بالذكرى الخامسة عشرة لبدء صناعة الصبغات من قطران الفحم، حضره بعضٌ من أبرز العلماء في العالم في عام ????، وقد تم تخصيص ميدالية بيركن من جانب القسم الأمريكي في الجمعية البريطانية للصناعة الكيميائية كتعبير عن تقديرها الكبير للكيميائيين الأمريكيين.
يُعَدُّ اكتشاف الصبغة الأرجوانية من جانب بيركن مثالًا جيدًا على السرنديبية؛ فقد كان يسعى وراء شيء معين لكن الأمر انتهى به، من خلال مصادفة سعيدة، إلى عمل شيء مختلف لكنه أكثر أهميةً بكثير. فلم تكن توجد طريقة يستطيع من خلالها تصنيع الكينين في عام ????، وحتى لو فعل، فتحقيقه لهذا الهدف ربما لم يكن ليحظى بنفس أهمية تأسيسه لصناعة الصبغات الصناعية. إن تصنيعَ كلٍّ من آر بي وودورد وويليام فون إي دورينج للكينين في عام ???? كان عملًا عبقريًّا، لكنه لم يكن عمليًّا. فمع أن الولايات المتحدة كانت تخوض حربًا مع اليابان في مناطق بالقرب من المحيط الهادئ تجتاحها الملاريا وقُطِعت عنها إمدادات الكينين، فإنها لم تستخدم قطُّ مادة وودورد ودورينج في الإنتاج العملي للكينين الصناعي.
تعقيب

توجد صبغة مهمة أخرى مصنوعة من قطران الفحم كان بيركن هو مَنْ طوَّرَها وصنعها وهي الأليزارين، وهي صبغة حمراء كانت تُستخلص من جذور نباتات الفُوَّة منذ قرون. وفي عام ????، أعلن كلٌّ من كارل جريبا وكارل ليبرمان عن تصنيع الأليزارين من الأنثراسين، وهو أحد مركبات قطران الفحم. وكان التصنيع الأصلي الذي أجراه جريبا وليبرمان غير عملي بالنسبة إلى الإنتاج التجاري، لكن الإعلان عنه أثارَ اهتمام بيركن؛ نظرًا لمعرفته الوثيقة بمركب الأنثراسين أثناء دراسته مع هوفمان. وفي أقل من عام، استطاع التوصُّل إلى طريقة عملية لتصنيع الأليزارين بشكل تجاري باستخدام مركب الأنثراسين المأخوذ من قطران الفحم. وفي نهاية عام ????، كان مصنع بيركن قد أنتج طنًّا من صبغة الأليزارين، وبنهاية عام ???? كان ينتج ??? طنًّا كل عام.
في عام ???? باع بيركن مصنعه، وفي سن السادسة والثلاثين كان غنيًّا على نحو كافٍ بحيث يَهَبُ بقية حياته للبحث. اشترى منزلًا جديدًا لكنه استمرَّ في استخدام البيت الذي اكتشف فيه الصبغة الأرجوانية كمعملٍ له، وفي هذا المعمل صنَّع مادة الكومارين، وهي أول مادة عطرية تُستخلَص من قطران الفحم، وحضَّرَ حمض السيناميك (المرتبط بالقِرفة) بطريقة عُرِفت عمومًا بأنها مفيدة جدًّا أُطلِق عليها تفاعل بيركن. استخدم أدولف فون باير شكلًا مختلفًا من هذه الطريقة في عام ???? لتحضير مادة بادئة للتصنيع الشهير لصبغة النيلة، التي تُعَدُّ من الخطوات المهمة الأخرى في تاريخ صناعة الصبغات.
إن استخدام الصبغات المستخلصة من قطران الفحم ليس مقصورًا على صبغ الأقمشة؛ حيث إنها تُستخدَم كعوامل تلوين في الأبحاث الميكروبيولوجية؛ فقد اكتشف الباحثون عُصَيَّات السُّل الرئوي والكوليرا باستخدام تلك الصبغات في تقنيات التلوين.
يُنسَب الفضل في اكتشاف الصبغة الأرجوانية على يد بيركن إلى التطوُّر الهائل الذي حدث في الكيمياء العضوية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، خاصةً في ألمانيا. صحيحٌ أن عودة هوفمان إلى ألمانيا قد أدَّتْ إلى حدوث تطوُّر كبير في هذا المجال، لكن الأهم هو ازدهار «الكيمياء العطرية» في ألمانيا، بفضل كيكوليه والتركيب الكيميائي الذي اكتشفه. فالكثيرُ من الصبغات الصناعية الجديدة مركباتٌ عطرية مأخوذة من البنزين.
(?) جريبا وليبرمان وصبغة الأليزارين

كانت صبغة الأليزارين الحمراء معروفة منذ العصور القديمة؛ فقد استخدمها المصريون القدماء لصباغة الأقمشة التي كانت تُلَفُّ فيها المومياوات، وقد كانت تُستخلَص من جذور نبات الفُوَّة، الذي تنمو أنواعٌ عديدة منه في أنحاء العالم.
في عام ????، لم يكن التركيب الكيميائي للأليزارين معروفًا، لكنه أصبح محل دراسة في معمل أدولف فون باير في برلين. وقبل ذلك ببضع سنوات، كان باير يقوم بدراسات على صبغة النيلة، وهي صبغة طبيعية أخرى (انظر القسم التالي). وفي عمله مع صبغة النيلة، طوَّرَ باير طريقة جديدة لإزالة الأكسجين من المركبات العضوية المعقَّدَة لتحويلها إلى مركبات أبسط — كما كان مأمولًا — ومعروفة. واقترح تطبيق تلك الطريقة، التي تمثَّلَتْ في تسخين المركب مع مسحوق الزنك، على الأليزارين. وقام بهذا اثنان من زملائه الشباب هما كارل جريبا وكارل ليبرمان، وحصَلَا على منتج سرعان ما اكتشَفَا أنه الأنثراسين، وهو أحد المكونات الهيدروكربونية المعروفة لقطران الفحم.
قامَا بهذا بعد بضعة أعوام من اقتراح كيكوليه لتركيبه الحلقي لجزيء البنزين، وهكذا استطاعَا تحديد صيغة الأنثراسين كثلاث حلقات من البنزين مدمجة معًا. وكما سأوضِّح عند عرضي قصة كيكوليه، فإن وضعه لنظرية جزيئية تصويرية قد مهَّدَ الطريق لتوضيح تراكيب العديد من المركبات العضوية، خاصةً العطرية منها، مثل الأليزارين.
بعد ذلك، بدأ جريبا وليبرمان في عكس العملية؛ أي إنتاج الأليزارين بإضافة الأكسجين إلى الأنثراسين. واعتمدت خططهم على ما عُرِف الآن أنه اعتقادات خاطئة عن التفاعلات الكيميائية الممكنة، لكن السرنديبية الوهمية دخلت المشهد. فمع أنهما استخدَمَا طُرُقًا غير علمية، سرعان ما حصَلَا على منتج صناعي مطابِق لمادة الأليزارين الطبيعية! وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُصنَّع فيها صبغة طبيعية في المعمل. (كانت الصبغة الأرجوانية التي صنعها بيركن مادة جديدة، مشابِهة في لونها للأرجوان الملكي الطبيعي المستخلَص من حيوانات رخوية، ولكنها غير مشابِهة له في صيغتها الكيميائية.)
على الرغم من تميُّز هذا الإنجاز، فإن التصنيع المعملي لم يكن مناسِبًا بالمرة للإنتاج التجاري للأليزارين. جرَّبَ جريبا وليبرمان بمساعدة هاينريش كارو، وهو فنيٌّ من شركة تصنيع الأنيلين والصودا المعروفة اختصارًا باسم «شركة باسف»؛ طرقًا أخرى من أجل التوصُّل إلى طريقة تصنيعٍ عمليةٍ من ناحية الإنتاج التجاري. فشلت المحاولات الأولى، لكن كارو اكتشف في النهاية، في تجربة «غير مقصودة» على الإطلاق، مادةً وسيطةً غير معروفة يمكن تحويلها إلى أليزارين، وكانت هذه الطريقة التي تدخل ضمن نطاق السرنديبية الوهمية هي نفسها التي اكتشَفَها بيركن بمفرده وعلى نحو متزامن تقريبًا في إنجلترا. طُرِح الأليزارين الصناعي في الأسواق في ألمانيا وفي إنجلترا في عام ????، وسرعان ما حلَّ محل الصبغة الطبيعية.
(?) الترمومتر المكسور وصبغة النيلة

كما هو الحال بالنسبة إلى الأليزارين، كانت صبغة النيلة الزرقاء معروفة ومستخدَمة في الحضارات القديمة، وحتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان المصدر الوحيد لاستخلاصها هو النباتات. وفي الهند، عام ????، خُصِّصت مساحة مليونَيْ فدان تقريبًا لزراعة النباتات التي تُستخلَص منها تلك الصبغة. وفي تلك الأثناء، طوَّرَ أحد مصانع الكيماويات الألمانية طريقةً لتصنيع تلك الصبغة، وبدأ في بيع الصبغة الصناعية بسعر أقل من المنتج الطبيعي. وحدثت ثورة اقتصادية في الهند والدول الأخرى التي كانت تنتج صبغة النيلة الطبيعية. ويمكن إرجاع تلك الثورة الاقتصادية والثقافية إلى الانكسار العَرَضي لترمومتر في تجربة معملية، وإن بدا هذا التفسير غريبًا.
بدأ أدولف فون باير دراساته عن التركيب الكيميائي لصبغة النيلة في جامعة برلين في عام ????. وفي عام ????، كان مقتنعًا أنه توصَّلَ إلى التركيب الصحيح، وأثبت صحته بالطريقة التي كان يستخدمها علماء الكيمياء العضوية في ذلك؛ أي بتصنيع المركب الذي له هذا التركيب وإثبات أنه مطابِق للصبغة الطبيعية في كل خصائصها. وفي واقع الأمر، طوَّرَ عدة مركبات صناعية استخدَمَ في أحدها تفاعُلَ بيركن، لكن لم يكن من الممكن تعديل أيٍّ منها لإنتاج الصبغة الصناعية تجاريًّا، والتي يمكن أن تنافس صبغة النيلة الطبيعية في السعر.
في عام ???? تقريبًا، طوَّرَ كارل هويمان في شركة باسف أولَ طريقةٍ ناجحة لتصنيع صبغة النيلة تجاريًّا. ويُعزى نجاح تلك الطريقة إلى استخدام النفثالين كمادة بادئة لها. والنفثالين هو أحد مكونات قطران الفحم، وعمليًّا كان أحد مخلفات صناعة الصلب في ذلك الوقت. (يُستخدَم فحم الكوك في تحويل الحديد إلى صلب، وعند تحضير فحم الكوك من الفحم عن طريق التسخين، ينتج قطران الفحم ويُجمَع في شكل سائل أسود لزج سيئ الرائحة كان يُعتقَد أنه بلا فائدة. لكن مع اكتشاف الصبغات ومواد التلوين الصناعية، ثبت أنه مصدر مهم للمواد البادئة العضوية.)
السؤال الآن: ما المصادفة التي أدَّتْ إلى نجاح تصنيع صبغة النيلة تجاريًّا؟ كان كيميائيٌّ من شركة باسف يُدعى سابر يسخِّن مادة النفثالين مع حمض الكبريتيك المُدخن وكسر ترمومترًا دون قصدٍ؛ فوقع الزئبق الموجود بالترمومتر في وعاء التفاعل. لاحَظَ سابر أن التفاعل لم يتم على النحو المعتاد، ووجد أن مادة النفثالين تحوَّلت إلى أندريد الفثاليك، وبمزيد من الفحص اكتشف أن حمض الكبريتيك حوَّلَ الزئبق إلى سلفات الزئبق، ويعمل هذا المركَّب كعامل محفِّز لتأكسد النفثالين وتحويله إلى أندريد الفثاليك، الذي يمكن تحويله بسهولة إلى صبغة النيلة.
بدأت شركة باسف في بيع صبغة النيلة الصناعية في عام ???? بسعر أقل من سعر صبغة النيلة الطبيعية. وقد تغيَّرَتْ عملية إنتاج صبغة النيلة الصناعية وتطوَّرَتْ منذ عام ????، ولم يَعُدْ لصبغة النيلة الطبيعية مكانتها التي كانت لها في سوق الصبغات.
(?) داندريدج وفثالوسيانين النحاس

يمكن العثور على أمثلة أخرى عديدة على السرنديبية في تاريخ اكتشاف الصبغات ومواد التلوين. ومن بين تلك الأمثلة، التي حدثت بعد فترة طويلة من اكتشاف الصبغة الأرجوانية والأليزارين وصبغة النيلة، اكتشافُ إحدى مواد التلوين الزرقاء الجميلة على يد إيه جي داندريدج في عام ????. مادة التلوين — بخلاف الصبغة — هي مسحوق معتم غير قابل للذوبان في الماء يُستخدَم في تلوين مادة أخرى، وتُستخدَم تلك المواد بصفة أساسية في الطلاءات الوقائية والطلاءات المتعلقة بأعمال الديكور وأحبار الطباعة والبلاستيك والمطاط.
كان داندريدج كيميائيًّا في شركة الصبغات الاسكتلندية المحدودة، التي كانت تدير مصنعًا لإنتاج الفثاليميد بتمرير النشادر عبر أندريد الفثاليك في وعاءٍ حديدي. (ترجع تسمية الفثاليميد وأندريد الفثاليك الفريدة إلى حقيقة أنه يمكن استخلاصهما من النفثالين.) لاحَظَ داندريدج بعض البلورات الزرقاء على جانب الوعاء وغطائه، وكان لديه من الفضول ما جعله يجمع بعضها ويفحصه. عندما أجرى داندريدج وزملاؤه مزيدًا من الأبحاث على تلك البلورات، أثبتوا أنها نتاج تفاعُلٍ كيميائي بين الوعاء الحديدي ومحتوياته، وأنه يمكن لمعادن أخرى مثل النيكل والنحاس أن تحلَّ محلَّ الحديد في التفاعل لإنتاج مواد تلوين أخرى.
في عام ????، أرسلت شركة إمبريال للصناعات الكيميائية، وهي الشركة الأم لشركة الصبغات الاسكتلندية المحدودة، عيِّناتٍ من مواد التلوين إلى البروفيسور آر بي لينستيد في كلية إمبريال كوليدج بلندن، الذي تولَّى مهمة فحصها لأنه كان يعتقد أنها «قد تكون ذات أهمية أكاديمية». وكان اعتقاده صحيحًا بالتأكيد. أوضح لينستيد وزملاؤه التراكيب الكيميائية لمواد التلوين، التي أطلق عليها الفثالوسيانينات ووصفها في سلسلة من الأوراق البحثية في عام ????، فأدَّى هذا — بجانب فحص البلورات بأشعة إكس من قِبَل جيه إم روبرتسن في عام ???? — إلى التعرُّف على الصيغ التركيبية مثل تلك الخاصة بمادة التلوين المحتوية على النحاس. قال سي جيه تي كرونشو في تعليق عام على اكتشاف الفثالوسيانينات (في مجلة «إنديفر»، ????): مع أن وجود الفثالوسيانينات لم يكن متوقَّعًا، وربما لم يكن يمكن توقُّعه أصلًا، فإن اكتشافها حدث وتم التأكُّد من تركيب جزيئاتها، ولا يمكن لأحد أن يغفل حتمية وجودها. إن حقها في الوجود كان مؤثرًا! وإنه لمن العجيب معرفة الكيفية التي كانت بها كل المكونات الأربعة لها موجودة في درجة حرارة التفاعل الملائمة وفي وجود معدن مثل النحاس (ص??).
إن الصيغ التركيبية للفثالوسيانينات مماثلة لتلك الخاصة بوحدات التلوين الخاصة بالدم (مادة الهيمين، التي ذرتها الفلزية الرئيسية هي الحديد Fe وليس النحاس Cu)، والخاصة بالنباتات الخضراء (مادة الكلوروفيل، التي الذرة الفلزية الرئيسية فيها هي المغنيسيوم Mg). إن مواد التلوين ليست مثيرةً للاهتمام من الناحية الأكاديمية فقط، وإنما هي أيضًا ذات قيمة عملية؛ فقد حصل لينستيد وغيره على ?? براءة اختراع خاصة بها بين عامَيْ ???? و????، وقد مُنِح العديد منها منذ ذلك الحين. وقد وُجِد أن استبدالَ ذرة النحاس في المركب بالحديد ينتج مادةَ تلوينٍ زرقاء أفضل تُسمَّى «فثالوسيانين النحاس»، وهي أفضل مادة تلوين زرقاء متاحة للعملية الثلاثية الألوان المستخدَمة في الطباعة بالألوان. ويؤدي استبدال ذرات هيدروجين عديدة بذرات كلور في فثالوسيانين النحاس إلى إنتاج مواد تلوين خضراء رائعة.
أصبحت الفثالوسيانينات بعضًا من أهم مواد التلوين بالنسبة إلى أحبار الطباعة وألوان الفنَّانين ومواد الطلاء واللاكيهات. وتُعَدُّ مواد التلوين الرائعة هذه مثالًا جيدًا على اكتشافٍ اعتمَدَ على المصادفة والفطنة؛ أي السرنديبية.

الفصل الرابع عشر
كيكوليه: الأحلام واكتشاف التركيب الجزيئي للبنزين


في أوائل القرن الثامن عشر، كانت تضاء المسارح وغيرها من المباني العامة بوقود مصنوع من زيت الحوت. وعندما تم ضغط هذا الوقود لوضعه في براميل، انفصل عنه سائلٌ عطري متطاير. وفي عام ???? تقريبًا، فحص العالِم الشهير مايكل فاراداي هذا السائل ووجد أنه يحتوي فقط على الكربون والهيدروجين، بنسب متساوية. واتضح لاحقًا أن هذا السائل، الذي أُطلِق عليه اسم البنزين، هو أحد مكونات القطران المُقطَّر من الفحم عند إنتاج فحم الكوك، واكتُشِفت مركبات عطرية مرتبطة به كيميائيًّا من مصادر طبيعية عديدة.
مثَّلَ البنزين مشكلةً نظرية كبيرة بالنسبة إلى الكيميائيين بسبب خصائصه غير المعتادة؛ فأغلب المركبات التي كانت تحتوي على الكربون والهيدروجين فقط، والتي تكون فيها نسبة ذرات الهيدروجين إلى ذرات الكربون منخفضة؛ كان سلوكها مختلفًا عن البنزين. (كانت النسبة في هذه الحالة ??:?? لأنه كان من المعروف أن الصيغة الجزيئية للبنزين هي C6H6.) وكان يقال عنها إنها غير مُشبَعة فيما يخص الهيدروجين؛ أي إنها تضيف جزيئات عديدة من الهيدروجين، لكن البنزين لا يفعل ذلك. وثمة أمور أخرى غريبة فيما يتعلَّق بالبنزين؛ فلم يكن بإمكان أحد اقتراح الصيغة التركيبية الخاصة به قبل عام ????، والشخص الذي قام بهذا هو فريدريش أوجست كيكوليه. وُلِد كيكوليه في مدينة دارمشتات بألمانيا في عام ????، والتحق بجامعة جيسن لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه في تلك الجامعة تأثَّرَ بيوستوس فون ليبيج، الذي شجَّعته محاضراته الحماسية على أن يَهَب حياته للكيمياء. وانتقل كيكوليه من جامعة جيسن إلى باريس للعمل مع جون باتيست أندريه دوما وشارل أدولف فورتز، ثم إلى إنجلترا حيث عمل مع أفضل الكيميائيين البريطانيين. وعندما عاد إلى ألمانيا، درس أولًا في هايدلبِرج، ثم انتقل في عام ???? إلى جِنت ببلجيكا حيث عمل هناك أستاذًا للكيمياء. وبقي في جِنت حتى عام ???? عندما استدعي إلى بون لشغل منصب الأستاذية الذي تركه إيه دبليو هوفمان، فتقلَّدَ هذا المنصب في بون حتى موته في عام ????، وهو نفس العام الذي تُوفي فيه ألفريد نوبل. وتعلَّم على يد تلامذة كيكوليه ثلاثة من أوائل خمسة فائزين بجائزة نوبل في الكيمياء، وهم: ياكوبش فانت هوف (????)، وإيميل فيشر (????)، وأدولف فون باير (????). وكان كيكوليه يُعَدُّ واحدًا من أعظم أساتذة الكيمياء في القرن التاسع عشر.
على الرغم من شهرته بوصفه أستاذًا للكيمياء، عُرف وسط الكيميائيين بنظرياته عن التركيب الجزيئي للمركبات العضوية. فقبل عام ????، كان علماء الكيمياء العضوية يعملون على غير هدًى على نحو ما، وصحيحٌ أنهم حقَّقوا بعض الإنجازات المهمة، لكن لم يكن لديهم تصور ذهني عن شكل المواد التي كانوا يعملون معها على المستوى الجزيئي.
على سبيل المثال، اكتشف فريدريش فولر في عام ???? أن اليوريا مختلفة عن سيانات الأمونيوم (انظر الفصل التاسع)، مع أن كليهما يحتوي على الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين بنسبة: ??:???:???:??. ووجدوا أنهما يندرجان تحت «الأيزوميرات»، لكن لم يفهم أحدٌ الطريقةَ المختلفة التي يرتبط بها نفس العدد من نفس الذرات.
كان اقتراح كيكوليه لصيغة تركيبية مُرضِية للبنزين في عام ???? مهمًّا إلى حد كبير بالنسبة إلى المجتمع العلمي، لدرجة أنه تمَّ عقد احتفال كبير في مجلس مدينة برلين في عام ???? للاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين للإعلان عن تلك الصيغة. إذ يُنسَب الفضل إلى حدٍّ كبير في تطور صناعة الصبغات الصناعية في ألمانيا، وبالتأكيد في ازدهار الكيمياء العضوية هناك في أواخر القرن التاسع عشر؛ إلى النظريات التركيبية لكيكوليه وتلاميذه وزملائه. وفي هذا الاحتفال، ألقى كيكوليه خطابًا نُشِر في كبرى مجلات الكيمياء الألمانية. وفيما يلي اقتباسان أخذتهما من الترجمة الإنجليزية للخطاب المنشور في عام ????، الذي يوافق الذكرى المئوية للنظرية التركيبية العامة التي وصفها كيكوليه في خطابه: إننا نحتفل اليوم باليوبيل الفضي لنظرية البنزين. في البداية، يجب أن أخبركم أن نظرية البنزين بالنسبة إلي كانت نتيجة فقط، نتيجة بارزة جدًّا للأفكار التي كوَّنتُها عن تكافُؤ الذرات وطبيعة ارتباطها؛ وهي الأفكار التي نسمِّيها الآن نظريةَ التركيب الكيميائي والتكافؤ؛ فلم أكن لأقف مكتوفَ اليدين أمام تكافؤ الذرات غير المستخدَم. وأثناء إقامتي في لندن، كنتُ أقيم في طريق كلابِم … لكنني كنتُ كثيرًا ما أقضي أمسياتي مع صديقي هوجو مولر … كنَّا نتحدث عن الكثير من الأمور، لكن في أغلب الأحيان كان حديثنا عن موضوعات متعلِّقة بمحبوبتي الكيمياء. وفي مساء صيفٍ جميل، بينما كنتُ عائدًا في آخِر حافلة راكبًا على السطح العلوي في الهواء الطلق كالمعتاد، ومارًّا بالشوارع الخالية للمدينة … استغرقت في حلم يقظةٍ وفجأةً رأيت الذرات تتراقص وتثب أمام عيني. وعندما كانت تلك الأشياء الصغيرة تظهر أمامي قبل ذلك، كنتُ أجدها دائمًا تتحرك؛ لكني لم أكن قادرًا على تحديد طبيعة حركتها، لكن الآن رأيتُ على نحو متكرر كيف أن ذرتين صغيرتين تتَّحِدان لتكوِّنَا زوجًا، وكيف أن ذرة أكبر تضم الذرتين الصغريين، وكيف أن ذرات أكبر تضم ثلاثًا أو أربعًا من الذرات الأصغر، على الرغم من أن جميعها كانت تلف في حركة راقصة سريعة جدًّا. رأيت كيف أن الذرات الأكبر كوَّنت سلسلة، ساحبةً وراءها الذرات الأصغر، لكن هذا يحدث فقط في نهايتَي السلسلة … أيقظني من حلمي صياحُ المحصِّل: «طريق كلابِم.» لكنني قضيت جزءًا من الليل في رسم مخططات أولية للأشكال التي رأيتُها في حلمي. وكان هذا هو أصل «نظرية التركيب الكيميائي».
حدث شيء مشابه مع نظرية البنزين. أثناء إقامتي في جِنت، كنتُ أقيم في حيٍّ فخم للعُزَّاب في الطريق الرئيسي، لكن بحثي قادني إلى طريق مسدود ولم تظهر أية بادرة أمل في الأفق … كنتُ جالسًا أكتب في دفتري، لكن لم يكن ثمة أي تقدُّمٍ في البحث الذي كنتُ أقوم به؛ كانت أفكاري شاردةً في مكان آخَر. وجَّهْتُ الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه ناحية نار المدفأة وغفلت. أخذت الذرات تتراقص مرة أخرى أمام عيني، لكن هذه المرة لم تظهر لي المجموعات الصغرى من الذرات، وكانت عين عقلي — التي أصبحت أكثر حدة بسبب الرؤى المتكررة التي من هذا النوع — تستطيع الآن رؤيةَ التراكيب الأكبر في أشكال مختلفة؛ صفوف كبيرة في بعض الأحيان مرتبطة معًا على نحو أكثر تقاربًا، وكلها تتزاوج وتلف في حركة تشبه حركة الثعبان. انظر! ما هذا؟ أحد الثعابين قد أمسَكَ بذيله، والشكل تراقَصَ ساخرًا أمام عيني. واستيقظتُ كما لو أن ذلك تمَّ بفعل ومضة من البرق؛ هذه المرة أيضًا قضيتُ باقي ليلتي في التفكير في تبعات هذا الافتراض (بينفي، مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشن»، المجلد ??، صفحة ??، ????).
شكل ??-?: كيكوليه يحلم بثعبان يعضُّ ذيله، ويستيقظ ليقترح تركيبًا حلقيًّا لجزيء البنزين.
أدَّى حلمَا كيكوليه على السطح العلوي للحافلة في لندن وبجانب نار المدفأة في جِنت؛ إلى تطوير نظريات عميقة للتركيب الجزيئي العضوي أسهمت على نحو كبير في تطوُّر العلم. بعد الحلم الأول الذي كوَّنت فيه الذرات «سلسلة» و«ذرة أكبر تضم الذرتين الصغريين» و«ذرات أكبر تضم ثلاث — أو حتى أربع — ذرات أصغر»، افترض كيكوليه أنه يمكن لذرات كربون معينة الارتباط معًا في سلاسل، مع ارتباطها بذرات هيدروجين وذرات أخرى غيرها. على سبيل المثال، يمكن تمثيل الكحول الميثيلي والكحول الإثيلي، اللذين كان من المعروف أن صيغتيهما البسيطتين هما CH4O وC2H6O، بالصيغتين التركيبيتين المعروضتين في شكلي ??-? و??-?. وعلى نحو مماثل، يمكن تمثيل الصيغة التركيبية لليوريا كما في شكل ??-?، ولسيانات الأمونيوم كما في شكل ??-?. أما بعد الحلم الثاني، الذي رأى كيكوليه فيه ثعبانًا يعضُّ ذيله، فإنه اقترح وجود تركيب حلقي للبنزين، مع وجود ست ذرات للكربون في حلقة. وكما يتضح من شكل ??-? وحتى شكل ??-?، فإن الكربون مرتبطٌ بالذرات الأُخر في أربعة خطوط، وفي بعض الأحيان في خطين بذرَّة واحدة مثل الأكسجين O والنيتروجين N؛ يوضِّح هذا التكافؤَ الرباعيَّ الذي اقترحه كيكوليه للكربون في كل مركباته كنتيجة لحلمه الأول. وفي صيغة البنزين، حيث توجد ست ذرات كربون في حلقة وكل منها مرتبط بذرَّة هيدروجين، توجد فقط ثلاثة خطوط (روابط تكافؤ): خط من كل ذرة كربون إلى ذرتَي الكربون الأخريين وخط ثالث من كل ذرة كربون إلى ذرة هيدروجين، ما لم يتم إدراج بعض الروابط المزدوجة، كما يتضح في شكل ??-?. هذا ما فعله كيكوليه في «تكافؤ الذرات غير المستخدَم» في صيغته. شكل ??-?: الصيغة الجزيئية للكحول الميثيلي.
شكل ??-?: الصيغة الجزيئية للكحول الإثيلي.
شكل ??-?: الصيغة الجزيئية لليوريا.
شكل ??-?: الصيغة الجزيئية لسيانات الأمونيوم.
مع أن الكثير من الكيميائيين قبِلَ التركيب الحلقي وأُعجِب به، فإن آخَرين أشاروا إلى وجود خطأ محتمَل فيه؛ فإذا تم استبدال ذرتين أخريين بذرَّتَيْ هيدروجين متجاورتين، فسيكون هناك اثنان من «الأيزوميرات» المختلفة، أحدهما مرتبطة فيه الذرتان (X في شكل ??-?) بذرَّات الكربون المرتبطة معًا برابطة مزدوجة (خطان، كما في شكل ??-?أ)، والآخَر مرتبطة فيه الذرتان بذرات الكربون المرتبطة معًا برابطة فردية (خط واحد، كما في شكل ??-?ب). عدَّلَ كيكوليه مفهومه الخاص بالتركيب الحلقي كي يبرِّر عدم وجود مثل هذه الأيزوميرات، وافترض أن تركيبًا حلقيًّا مثل ذلك الموجود في شكل ??-? يبدل بسرعة بين الروابط المزدوجة والفردية لذرات الكربون في الحلقة. وبالتالي، فإن أيزوميرات مثل تلك الموجودة في شكل ??-? قابلة للتحويل فيما بينها، ومن ثمَّ لا يمكن الفصل بينها. شكل ??-?: الصيغة الجزيئية للبنزين.
شكل ??-?: أيزوميرات كيكوليه السريعة التوازن.
اقترِحت العديد من التراكيب الأخرى الممكنة للبنزين بين عامَيْ ???? و????، لكن لم يستطع أي منها اجتياز الاختبارات التجريبية أو تركيب كيكوليه. يشبه تصور كيكوليه فيما يخص تركيب البنزين وآلاف المركبات العطرية المرتبطة بها التصور الحديث الذي يعتمد على مفهوم ميكانيكا الكَم للارتباط الإلكتروني للذرات، على الرغم من أن الإلكترونات لم تكن معروفة، حتى بعد سنوات من الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لصيغة كيكوليه.
انتقد بعض الكُتَّاب (مجلة «كيميكال آند إنجنيرينج نيوز»، عدد ? نوفمبر ????، صفحة ??؛ وعدد ?? يناير ????، صفحة ?) بل شكَّكوا في مصداقية أحلام كيكوليه ودورها في نظرياته فيما يتعلَّق بالتركيب الجزيئي؛ إذ لم يُشِرْ كيكوليه إلى تلك الأحلام في أعماله المنشورة في ستينيات القرن التاسع عشر. ولكن الكثير من العلماء لم يشيروا في أعمالهم إلى مصدر أفكارهم، بل قدَّموا معلومات في ترتيبٍ يكاد يكون معاكسًا للتسلسل الفعلي للأحداث.
عادةً ما تكون المصادفة والخيال والأحلام عناصر مهمة في الاكتشافات العظيمة، لكنها تحدث فقط في بداية تلك الاكتشافات. فإذا لم يرغب كيكوليه في ذكر أنه حلم بنظرياته عن التركيب الجزيئي في أعماله المنشورة، واحتفظ بهذا للخطاب الذي ألقاه في الاحتفال بذكرى اكتشافه، فلا يمكن أن نندهش أو نشكِّك في الأمر. تأمَّلْ معي اقتباسًا آخَر من خطابه الذي يعكس كونه عالِمًا عظيمًا وحالمًا أيضًا: دعونا أيها السادة نتعلَّم كيف نحلم! ربما حينها سنصل إلى الحقيقة. دعونا لا نعلن عن أحلامنا حتى نختبرها بفهمنا الواعي (بينفي، صفحة ??).
مع أن كيكوليه لم يكن بإمكانه الحصول على جائزة نوبل؛ لأنها بدأت تُمنَح بعد وفاته، فإنه من نوعية الأشخاص الذين كان نوبل يقصدهم تمامًا عندما خصَّصَ الجائزة. وقبل بضعة أشهر من وفاته، قال نوبل: «أردتُ مساعدة الحالمين، الذين لا يحقِّقون الثراء في الحياة.»
لم يكن تطوير الصبغات فقط هو نتاج الكيمياء العطرية التي وضع أساسها كيكوليه باكتشافه لصيغة البنزين، وإنما كان نتاجها أيضًا تطوير عقاقير مثل الأسبرين والسلفانيلاميد والبنزين العالي الأوكتين والمنظفات الصناعية والبلاستيك والأقمشة مثل الداكرون.
تعقيب

في عام ????، اكتشف عالِم وظائف الأعضاء أوتو لوفي الانتقالَ الخلْطِي للنبضات العصبية عبر المواد الكيميائية. وطبقًا لما ذكره يو فايس وآر إيه براون (مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشن»، سبتمبر ????، صفحة ???)، جاءت فكرة هذا الاكتشاف لِلُوفي في حلم، ولم يكن ذلك لمرة واحدة بل مرتين. فبعد الاستيقاظ من الحلم الأول، نام مجدَّدًا ولم يستطع تذكُّر الحلم جيدًا عندما استيقظ، لكن بعد الاستيقاظ من الحلم الثاني، توجَّهَ لوفي مباشَرةً إلى معمله وأجرى التجارب التي استلهمها من كلا الحلمين، وكانت تجارب بسيطة لكنها مهمة. وكما هو الحال بالنسبة إلى كيكوليه، لم ينشر لوفي على الفور أصلَ الفكرة التي قام عليها اكتشافه، لكنه بخلاف كيكوليه، ذكرها مباشَرةً لأصدقائه وأسرته؛ لذلك فإن الأحداث كانت موثقة جيدًا. وتتذكَّر ابنة لوفي (التي هي في الوقت نفسه زوجة فايس، أحد كاتبَي المقال المشار إليه سابقًا الذي ظهر في عام ????) وصفَ أبيها لحلمَيْه والآثارَ التي ترتَّبَتْ عليهما، كما تتذكَّر كيف أن مساعِدي أبيها تنبَّئوا بأن اكتشافه الذي كان الحلمُ هو شرارةَ البدء فيه، سيجعله يحصل على جائزة نوبل. وكانوا محقِّين في توقُّعهم؛ فقد حصل في عام ???? على جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء مناصَفةً مع إتش إتش ديل، مع أنه لم يذكر مسألة الأحلام في محاضرته عند تسلُّمه للجائزة.
قال فايس وبراون لاحقًا: «تثبت قصةُ خلفيةِ اكتشافِ لوفي بما لا يَدَع مجالًا للشك أن أفكار الأبحاث العلمية المهمة جدًّا يمكن أن تظهر حقًّا أثناء النوم، كما قال كيكوليه.» وذكَرَا أيضًا أنهما وجدَا مقولة لهيرمان فون هيلمهولتس — اختصاصي علم وظائف الأعضاء وفيلسوف القرن التاسع عشر العظيم — تؤكِّد على أن الأفكار المثمرة «عادةً … ما تأتي في الصباح عند الاستيقاظ.»
من خلال خبرتي، يكون الخيال والذاكرة في قمة نشاطهما أثناء الأحلام أو أحلام اليقظة؛ فنادرًا ما خطرت — أو لم تخطر لي مطلقًا — فكرة عبقرية أثناء جلوسي في مكتبي في الجامعة، فمثل هذه الأفكار تأتي على الأرجح في الساعات الأولى من الصباح (كما قال هيلمهولتس)، أو في الطائرة أو الحافلة أو أثناء جولة مشي ممتعة أو حتى مملة، أو أثناء الاستحمام أو أثناء الاستمتاع بحفل موسيقي.
يذكر ملفين كالفن (الحائز جائزة نوبل في الكيمياء في عام ???? لشرحه عمليةَ التمثيل الضوئي في النبات) كيف جاء له مفتاح اللُّغز في تلك العملية، قائلًا: أريد أن أصف اللحظة (والمثير أنها كانت لحظة) التي اتضح لي فيها أحد الجوانب الأساسية في دورة ثاني أكسيد الكربون في عملية التمثيل الضوئي. ذات يوم، كنتُ منتظرًا في سيارتي بينما كانت زوجتي تقضي مهمةً ما، وكانت قد وصلتني منذ بضعة أشهر بعضُ المعلومات الأساسية من المعمل لم تكن متوافقة مع كل ما كنت أعرفه، وحتى ذلك الوقت. كنت منتظرًا، جالسًا أمام عجلة القيادة، ربما كنتُ مُتَوقفًا بسيارتي في المنطقة الحمراء عندما خطر على بالي المركَّب الناقص. لقد خطر لي، على نحو مفاجئ تمامًا، وفي غضون ثوانٍ معدودة، الطابع الدوري لمسار الكربون … في غضون ?? ثانية؛ لذا، فإنني أعتقد حقًّا في وجود شيء يُسمَّى الإلهام، لكن الشخص لا بد أن يكون مستعدًّا له (مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشن»، سبتمبر ????، صفحة ???).
قال تشارلز إتش تاونز (الحائز جائزة نوبل في الفيزياء في عام ????) إن «الليزر وُلِد في صباح يوم ربيعي رائع على مقعد في حديقة في واشنطن؛ فبينما كنتُ أجلس في ميدان فرانكلين أتأمَّلُ بإعجابٍ شجيرات الأزاليا، خطرت لي فكرةُ طريقةٍ عملية للحصول على شكل نقي جدًّا من الموجات الكهرومغناطيسية من الجزيئات» (مجلة «ساينس ??»، مجلد ?، صفحة ???).
درس اختصاصي البيولوجيا العصبية روجر سبيري (الأستاذ بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والحائز جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لعام ????) المصابين بالصرع الذين تمَّ فصل نصفَي الدماغ لديهم جراحيًّا. وأشارت أبحاثه إلى أن الأفكار والإلهام الذي يحدث في ظروفٍ كالمعروضة هنا يكون محلها النصف الأيمن من الدماغ، ويرى بعض الأشخاص أنه يمكن على نحو واعٍ تحفيزُ التفكير في النصف الأيمن من الدماغ، بل توجيهه أيضًا (إينجلباردت، مجلة «ريدرز دايجيست»، فبراير ????، صفحة ??).
لكن على الرغم من أهمية الأحلام وأحلام اليقظة، فإنني أتفقُ مع المقولة الأخيرة لكيكوليه التي ذكرناها سابقًا؛ فيجب مراجعة الأحلام واختبارها في ضوء النهار. فقد تحتاج الفكرة التي تأتي كومضة في الليل (أو النهار) إلى أيام أو حتى سنين من العمل الجاد والبارع حتى تسفر عن اكتشافٍ مهم.
لقد أوردتُ هذه الاكتشافات المستقاة من الأحلام كمثال على الاكتشافات السرنديبية؛ لأنها عادةً ما تُصنَّف هكذا. وربما تكون مسألة كون الأحلام أو الإلهام عَرَضيةً أو لا من الأمور المثيرة للجدل، لكن إذا اتخذها المرء ركيزةً لعمل اكتشافاتٍ قيِّمة كتلك التي صنعها كيكوليه ولوفي وكالفن وتاونز، فلا بد حتمًا من أن تُعَدَّ عَرَضيةً.

الفصل الخامس عشر
نوبل: الإنسان والاكتشافات والجوائز


أدَّى الكثير من الاكتشافات السرنديبية الواردة في هذا الكتاب إلى حصول أصحابها على جائزة نوبل، وكان للسرنديبية دور أيضًا في اكتشافات الرجل الذي أدَّتْ ثروته ووصيته إلى تخصيص تلك الجائزة؛ فقد وقع جدلٌ حول ما إن كان أشهر اكتشافاته وهو الديناميت، عَرَضيًّا أم مخطَّطًا له بعناية. في كلتا الحالتين، أدَّى اختراع أشهر مادة متفجِّرة وأقواها قبل اختراع القنبلة الذرية إلى امتلاك نوبل ثروةً كبيرةً، ثم إلى تخصيصه جوائز نوبل لاحقًا بسبب شخصيته المرموقة.
على الرغم من شهرة جوائز نوبل والحاصلين عليها حيث تنتشر أخبارهم في جميع أنحاء العالم، فإن الناس يعرفون القليل عن ألفريد نوبل وحياته واختراعاته وشخصيته الفريدة. إن نوبل يستحق أن يُوصَف بأنه مخترع رائد ورجل صناعة عملاق. فعلى الرغم من تحقيقه لثروة طائلة وذيوع صيته على نحو كبير قبل موته، فإنه كان يعاني دائمًا من ضعف الصحة والحزن الشديد والوحدة والاكتئاب. وبعد اختراعه لمواد متفجِّرة قادرة على إحداث خسائر شديدة في الأرواح والممتلكات على نحو فاق ما كان بالإمكان تخيُّله في السابق؛ سعى من خلال تَرِكَته إلى أن ينتصر — دعمًا للرخاء والازدهار — لأغلى القيم الثقافية للبشرية كلها في مجالات العلم والطب والأدب والسلام.
شكل ??-?: ألفريد نوبل (????–????).
وُلِد ألفريد برنارد نوبل في ستوكهولم في عام ????، وهو نفس العام الذي أفلسَ فيه أبوه إيمانويل نوبل. وكانت صحته ضعيفة منذ ميلاده، وقد كانت الرعاية الخاصة التي أولته إياها أمه هي السبب الرئيسي في بقائه على قيد الحياةِ. وكان من الواضح أنه المفضَّل لديها من بين أولادها الأربعة الذين استمروا على قيد الحياة لما بعد مرحلة الطفولة، وقد ردَّ لها هذا الحب بطرق شتى خلال حياته. كان أبوه مخترعًا ومهندسًا علَّمَ نفسه بنفسه، وقد أعطى لاهتماماته أولويةً أكبر من أسرته؛ فعندما فشل مصنعه في ستوكهولم، ترك زوجته وأولاده الثلاثة وانتقل إلى فنلندا، ثم إلى سانت بطرسبرج في روسيا؛ هربًا من السجن بسبب الديون، وفي محاولةٍ لتعويض خسائره المالية.
بعد عدة أعوام، نقل إيمانويل أسرته إلى سانت بطرسبرج حيث كان عمله في مجال تصنيع المواد المتفجِّرة العسكرية لحساب الحكومة الروسية في ازدهارٍ، حتى إنه أصبح شريكًا في مِلكية مَصْنَع ومَسْبَك. تلقى ألفريد تعليمًا رسميًّا لمدة عامين فقط في ستوكهولم، وكان يحصل على أعلى الدرجات في فصله. وفي روسيا، نظرًا لثراء أبيه، تعلَّمَ ألفريد وإخوته الكبار على يد معلمين، لكن هذا لم يستمر طويلًا؛ فبنهاية حرب القرم في عام ????، انتهى دعم الحكومة الروسية لمصنع إيمانويل الرائد في مجال تصنيع الألغام المتفجِّرة لسلاح البحرية، وأفلسَ للمرة الثانية. وفي هذه المرة، عاد إلى السويد مع زوجته وأصغر أولاده إيميل، تاركًا ألفريد وأخوَيْه الآخَريْن، روبرت ولودفيج، في روسيا. درس ألفريد الكيمياء على يد أستاذ روسي، وحصل على خبرة ميكانيكية وهندسية كبيرة من خلال مصنع أبيه، وانتقل إلى باريس كي يحاول اقتراض بعض المال لإنقاذ المصنع في سانت بطرسبرج، لكنه عاد خالي الوفاض.
في عام ????، عاد ألفريد إلى السويد لمساعدة أبيه في إنتاج النيتروجليسرين، وهي مادة متفجِّرة سائلة جديدة كان أول مَن حضَّرَها كيميائيٌّ إيطالي يُدعَى أسكانيو سوبريرو، قبل بضعة أعوام. وفي رحلته الثانية إلى باريس، نجح في الحصول على قرض سمح له بإنتاج المادة على نطاق محدود في السويد. وبعد عامين، عندما كان ألفريد في الثلاثين من عمره، صنع أول اختراعاته المهمة، وهو كبسولة تفجير من فلمينات الزئبق لمادة النيتروجليسرين، وحصل على براءة اختراعه. لم يكن اختراعه عرَضيًّا؛ إذ تشير الوثائق إلى أنه كان نتاجَ أكثر من خمسين عامًا من التجارب الشاقة في معمل ومصنع أبيه المتداعي الموجود في هيلينبورج، على أطراف ستوكهولم.
وقعت كارثة في سبتمبر ????؛ إذ حدث انفجار في المصنع الصغير أسفرَ عن مقتل خمسة أشخاص، من بينهم إيميل نوبل، أخو ألفريد الأصغر. ويبدو أن ذلك الحادث المأسويَّ قد أدَّى إلى إصابة إيمانويل بصدمة شديدة أضعفت من صحته في الأعوام الثمانية الأخيرة من حياته، وقد أعطت أيضًا ألفريد دافعًا لاكتشاف طريقةٍ لجعل مادة النيتروجليسرين آمِنةً في تصنيعها ونقلها واستخدامها. وأُلقِيت حينئذٍ مسئولية مصنع الأسرة بالكامل على كاهل ألفريد. وأقنع هيئةَ السكك الحديدية السويدية بأن مادة النيتروجليسرين أفضل بكثير من البارود في تفجير أنفاق عبر الجبال لتطوير نظام السكك الحديدية.
بسبب الانفجار الذي حدث في المصنع والذي أدَّى إلى موت أخيه، لم يكن أحدٌ يرغب في وجود مصنع لإنتاج مادة النيتروجليسرين بالقرب منه. وفي واقع الأمر، لم تكن ستوكهولم لتسمح بوجود مصنع كهذا داخل حدودها. ودون أن يثبط هذا من عزيمته شيئًا، نقل مصنعه إلى صندل تم إرساؤه في البحيرة المجاورة للمدينة، وبعد فترة قصيرة، وبدعمٍ من تاجر غني من ستوكهولم يُدعَى جيه في سميت، شُيِّد مصنع في منطقة منعزلة بالقرب من ستوكهولم، واستمر إنتاج مادة النيتروجليسرين هناك لمدةٍ تزيد عن خمسين عامًا. كما شُيِّد مصنع آخَر في كروميل، بألمانيا قرب هامبورج.
كانت هذه هي بداية التوسع الكبير في استخدام مادة النيتروجليسرين، ليس فقط في السويد، وإنما أيضًا في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، استُخدِمت تلك المادة في بناء خط السكك الحديدية للمنطقة الوسطى المطِلَّة على المحيط الهادئ عبر سلسلة جبال سييرا نيفادا في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من وقوع حوادث في بعض الأحيان، فقد أدَّى التوفير الهائل في الوقت والمال في عمليات التعدين وحفر الأنفاق إلى قبول تلك المادة المتفجِّرة السائلة الشديدة التأثير لبعض الوقت.
لكن تلك الفترة من النجاح لم تَدُمْ طويلًا؛ فقد بدأت تصل تقارير من جميع أنحاء العالم بحدوث انفجارات هائلة جراء استخدام تلك المادة، وهو ما كان يرجع جزئيًّا إلى عدم المعرفة الكافية بالمادة وتجاهل التعليمات الخاصة باستخدامها، لكنه في الأغلب أيضًا كان بسبب عدم استقرار مادة النيتروجليسرين. وفيما يتعلَّق بحساسية المادة للانفجار، فإنه وصف تلك المادة بأنها «متقلِّبة»، ففي بعض الأحيان تنفجر عند لمسها بريشة، وفي أحيانٍ أخرى يمكن إساءة استخدامها أو استخدامها بطرق غير ملائمة تمامًا دون أية صعوبة. على سبيل المثال، ثمة تقارير بأنها استُخدِمت في تشحيم وتلميع الأحذية العالية الرقبة المصنوعة من الجلد، وتشحيم محاور عجلات العربات.
ثم كانت الضربة القاضية بتدمير مصنع كروميل جراء انفجارٍ وقع في عام ????، مما حدَا بألفريد نوبل إلى أن يحاول بهمة أكبر إيجاد طريقة لجعل مادة النيتروجليسرين أكثر استقرارًا. لكننا أمام روايتين مختلفتين لكيفية التوصُّل إلى الحل الناجح لتلك المشكلة الذي أدَّى إلى اختراع مادة الديناميت.
لا خلاف في أن نوبل جرَّب طرقًا عدة لمحاولة تطويع مادة النيتروجليسرين؛ فقد ابتكر طريقة يضاف فيها الكحول الميثيلي إلى مادة النيتروجليسرين، الذي يمكن إزالته عن طريق الغسل بالماء عند استخدام المادة المتفجِّرة، ولكن ثبَتَ أن هذا حلٌّ غير عملي. جرَّبَ نوبل بعد ذلك استخدام مادة صلبة ليفية أو على شكل مسحوق، مثل نشارة الخشب والفحم النباتي والورق وحتى الغبار الأحمر، لكن لم تعطِ جميعها نتائج مُرضِية. فقد كانت المواد القابلة للاشتعال تشتعل على الأرجح بإضافتها إلى مادة النيتروجليسرين، وقلَّلت المواد الخاملة مثل الغبار الأحمر من القوة التفجيرية للمادة.
طبقًا للرواية الأولى للاختراع، تبيَّن وجود تسرُّب في إحدى الحاويات المعدنية لمادة النيتروجليسرين، وقد تسرَّبَ السائل متخللًا الغلاف بين الصفائح المعدنية. كانت مادة التغليف هذه هي التراب الدياتومي، وهي مادة معدنية رخيصة وخفيفة ومسامية كانت منتشرة في شمال ألمانيا. لاحَظَ نوبل مصادفةً الخليط اللَّزِج الناتج عن التسرُّب من الحاوية المُدَمرة. وعلى ما يبدو، خطر له أن يختبر تلك المادة ووجد أنه يمكن تشكيلها في مادة صلبة مضغوطة لها نفس القوة التفجيرية للمادة السائلة، لكنها تكون آمِنة ومستقرة حتى يتم تفجيرها من خلال كبسولة تفجير. وإذا كانت تلك الرواية صحيحةً، فيمكن أن تُعَدَّ مثالًا كلاسيكيًّا على السرنديبية الوهمية؛ فقد اكتشف نوبل مصادفةً حلًّا كان يسعى سعيًا حثيثًا خلفه.
لكنَّ ثمة دليلًا مقنعًا يخالف هذه الرواية الخاصة باكتشاف الديناميت بالمصادفة؛ فنوبل نفسه أنكرها بشدة وذكر أنه توصَّلَ إلى أن مادة التراب الدياتومي هي المادة الماصة المناسبة بعد تجارب علمية دقيقة. ولا يوجد سبب لعدم تصديق نوبل في إنكاره للرواية الخاصة بالمصادفة؛ فنوبل كان بكل المقاييس صادِقًا جدًّا، على الرغم من أنه كان عليه الدخول في صراعات عديدة مع خصوم جَشِعين وعديمي الضمير في مجال عمله.
لكن نوبل توصَّل إلى اكتشاف آخَر بعد عدة أعوام من اختراع الديناميت؛ فقد اكتشف الجلجنيت بالمصادفة وبالتخطيط في آنٍ واحد. ووصف نوبل الأحداث التي وقعت في عام ???? وأدت إلى اكتشاف تلك المادة؛ فبينما كان يعمل في المعمل في أحد الأيام، حدث قطعٌ في أحد أصابع يديه بسبب قطعة من الزجاج، وكما كان شائعًا في ذلك الوقت، وضع الكولوديون على الإصبع المصاب. والكولوديون محلولٌ لَزِج من نترات السليولوز في إثير أو كحول، كان يُستخدَم في تكوين طبقة مؤقَّتة على الجروح عندما تتبخَّر المذيبات. وكانت تلك الطبقات قابلةً للاشتعال بشدة؛ إذ كان السليولوز المعالَج بحمض النيتريك مادةً متفجِّرة قوية، وكان يُطلَق عليه اسم قطن البارود.
لم يستطع نوبل النوم في تلك الليلة من شدة الألم الذي كان يشعر به في إصبعه، فبدأ في التفكير في مشكلة كان يفكِّر فيها في وقتٍ سابق دون أن يصل إلى حلٍّ مُرضٍ، وهو كيفية الجمع بين مادتَيْ نترات السليولوز والنيتروجليسرين لإنتاج مادة متفجِّرة أقوى مما لو استُخدِمت أيٌّ من المادتين المتفجِّرتين منفردةً، ولكن تكون آمِنة مثل الديناميت. وكان قد جرَّبَ قطن البارود ولم يكن بإمكانه الجمع بينها وبين مادة النيتروجليسرين، ولكن مع وجود الكولوديون على إصبعه الذي كان يؤلمه، خطرَ له أنه ربما يمكنه بإجراء مستوًى أقل من النيترة، كالموجود في حالة الكولوديون، أن يسمح بتضمين قطن البارود على نحو أفضل في خليطٍ مع مادة النيتروجليسرين.
هُرعَ نوبل إلى معمله في الرابعة صباحًا وبدأ تجربة نِسَبٍ مختلفة من الكولوديون ومادة النيتروجليسرين، وعندما وصل مساعده في الصباح كان قد توصَّلَ إلى ما يريد، فعرضَ على مساعده مزيجًا صافيًا يشبه الجِلي من أقوى المواد المتفجِّرة المعروفة حينذاك. وأثبتت الاختبارات أن المزيج كان أقوى بالفعل من حيث القدرة التفجيرية عن كل مكون فيه على حدة. وبعد عدة تجارب تم التخطيط لها وتنفيذها بعناية لتحديد الصيغة المثلى للقوة التفجيرية والأمان، حصل نوبل على براءة اختراع لمادة الجلجنيت — أو الجيلاتين المتفجِّر — في عام ???? في إنجلترا، وفي عام ???? في الولايات المتحدة.
كان السبب في الفكرة التي أدَّتْ بنوبل إلى اكتشاف الجلجنيت هي القَطع العَرَضي الذي حدث بإصبعه، والذي جلب الكولوديون إلى دائرة اهتمامه في وقتٍ كان عقله مستعدًّا لرؤية ارتباط بين الكولوديون والمشكلة التي كان يحاول الوصول إلى حلٍّ لها. أما عن الجانب الآخَر للسرنديبية المتضِح هنا، فهو إدراك الأهمية الممكنة للفكرة والتحرُّك الفوري من جانب نوبل لاختبارها.
بعد تطوير أشكال آمِنة من مادة النيتروجليسرين تمثَّلت في الديناميت والجلجنيت وإدخال العديد من التعديلات الأخرى التي حصل نوبل على براءات اختراع لها، ازدهَرَ عمل نوبل في مجال المتفجرات على نحو كبير، وذلك فيما يتعلَّق بالاستخدامات العسكرية وغير العسكرية. فلم يكن بالإمكان إنشاء الأنفاق الكبيرة عبر سلاسل جبال الألب السويسرية — سانت جوتهارد وسيمبلون وأرلبِرك — دون القوة التفجيرية المذهلة للمواد المتفجِّرة الجديدة التي اخترعها نوبل.
تعقيب

مع أن نوبل قد أصبح ثريًّا ثراءً فاحشًا، فإنه بقي وحيدًا ومتشائمًا. والحقيقة الوحيدة التي يعلمها معظم الناس عنه هي أنه ترك ثروة هائلة أصبحت مصدرَ الجوائز التي تُمنَح سنويًّا كنوع من التكريم للأنشطة الاستثنائية التي تتم في شتى المجالات. وربما يتساءل المرء عن السبب في توجيه تلك الثروة في هذا الاتجاه بدلًا من أن تنتقل إلى وَرَثته.
كانت صحة نوبل ضعيفة طوال عمره؛ كما أن الاكتئاب كان مشكلة متكررة، إن لم تكن دائمة، يعاني منها. لم يتزوَّج نوبل قطُّ، وعندما وافته المنية في عام ????، لم يكن يُعرَف الكثيرُ عن علاقته بأي امرأة غير أمه؛ مما أدَّى إلى ظهور شائعات بأنه شاذ جنسيًّا. وجاء الدليل المناقِض لتلك الشائعات عندما اكتُشِف بعد ذلك بخمسين عامًا أن ثمة ثلاث سيدات أخريات كنَّ في حياته. وقد ظلت هذه المعلومات في طي الكتمان، خاصةً فيما يتعلَّق بإحداهن، في الملفات الخاصة بمؤسسة نوبل حتى عام ????؛ وذلك احترامًا لأشخاص كانوا قد ماتوا بحلول ذلك الوقت.
يبدو أن أول امرأة كانت فتاة قابَلَها نوبل في باريس عندما كان في الثامنة عشرة من عمره؛ فقد كان في مقتبل حياته يكتب قصائد شعرية، وإحداها كانت تتحدث عن فتاة «طيبة وجميلة» كانت تُبادِله الحب ومنحته — حين كانت حياته مثل «صحراء مقفرة» — سعادةً غامرة حتى أصبح «كلٌّ منهما جنةً للآخَر». لكنَّ موتها المفاجئ ربما أصابَه بأول خيبة أمل مريرة في حياته. ويبدو أن علاقة الحب المأساوية المبكرة هذه للشاب الحسَّاس نوبل قد شكَّلت حياته.
عندما كان نوبل في الثالثة والأربعين من عمره وفي باريس أيضًا، كان بحاجة إلى سكرتيرة ومديرة منزل. ردَّتْ على إعلانه الكونتيسة بيرتا كينسكاي، وهي امرأة شابة رائعة الجمال وحصيفة تنحدر من أسرة نمساوية نبيلة لكنها افتقرت. وقد أتت إلى باريس للعمل عند نوبل؛ لأنها كانت تحب رجلًا من عائلة أَرِسْتُقراطية في فيينا يُدعَى آرثر فون سوتنر، ولكن أسرته كانت تعارض بشدة هذا الزواج. بيرتا كانت جميلة وذكية وماهرة في الموسيقى واللغات؛ باختصارٍ، كانت تمتلك كلَّ الصفات التي كان يريدها ألفريد نوبل الخجول القليل الكلام. ومع أنه من المؤكَّد أن نوبل لم تكن له تطلُّعات رومانسية من تعيينه لسكرتيرة، فقد وقع على الفور في حبها، وذكر أنه سألها «إن كان قلبها خاليًا»، فأخبرته بأن قلبها ليس خاليًا، وبالتأكيد أُصِيب نوبل بخيبة أمل ثانية. لكن هذا اللقاء القصير أدَّى إلى صداقة طويلة بينهما.
بعد فترة قصيرة جدًّا، رجعت بيرتا إلى النمسا وتزوَّجت آرثر، بعد أن وافقَتْ أسرته أخيرًا على الزواج وقبلتها زوجةً لابنهم. أصبحت بيرتا فون سوتنر داعيةً قوية للسلام العالمي، وقد شاركها نوبل نفس الاهتمام، مع أنه اختلف معها في طريقة تحقيق هذا الهدف. كان نوبل وبيرتا يتبادَلان الرسائل بانتظام، وقد كان لها بلا شك تأثير كبير عليه، انعكس في التوصية بإطلاق جائزة نوبل للسلام. وقد كانت بريتا فون سوتنر خامسَ الحاصلين على تلك الجائزة في عام ????.
بعد فترة قصيرة من ترك بيرتا لباريس، دخلت المرأة الثالثة حياة نوبل؛ التي ربما تمثِّل حبه الأكبر وخيبة أمله الأعظم. ففي خريف عا ???? عندما كان نوبل في الثالثة والأربعين من عمره، ذهب إلى محل زهور في منتجع صحي في النمسا لشراء طاقة زهور لزوجة أحد معارفه من العمل والتي ستكون مضيفته، فالتقى هناك صوفي هيس، وهي فتاة جميلة ورشيقة في العشرين من عمرها ومن أسرة يهودية من الطبقة العاملة في فيينا. تكشف المراسلات العديدة التي كانت بينهما والوثائق التي لم تُكشَف إلا في عام ????؛ عن قصة حب غير عادية بين رجل غني وذكي ومثقف ومنضبط يسعى إلى الصُّحْبَة والراحة في بيت مريح، وفتاة صغيرة وجميلة غير متعلِّمة وغير منضبطة كانت تريد فقط أن تستمع بالحياة لأقصى حد.
أسكنها نوبل شقةً جميلة في باريس بها خدم، ولاحقًا في فيلا في إشيل قرب فيينا، لكنه كان يتركها بمفردها معظم الوقت بينما يذهب هو في رحلات عمل حول العالم. ولم يكن ليُكتَب النجاح لهذه العلاقة، التي استمرت ?? عامًا تخللتها بعض لحظات السعادة قبل أن تنتهي على النحو المتوقَّع لها. فقد أقامت السيدة صوفي نوبل — كما كان يناديها نوبل في مئات الرسائل (على الرغم من عدم عقد زواج رسمي بينهما) — علاقات مع شباب في المنتجعات الشهيرة حول أوروبا. حاول نوبل أن يخلق شابة ذكية ومثقفة من فتاة لعوب مدلَّلة تسعى وراء ملذاتها، لكن دون جدوى.
في النهاية، أخبرته صوفي بأنها تنتظر طفلًا من ضابط مجري شاب، حينها تخلَّى نوبل عن محاولاته تغيير صوفي وقرَّرَ ألَّا يراها مرة ثانية، لكنه كان يعطيها مبلغًا كبيرًا سنويًّا. تزوَّجت صوفي من الضابط المجري ولكنها لم تَعِشْ معه، وكلاهما حاوَلَ أن يبتزَّ أموالًا من نوبل حتى وفاته في عام ????. وحتى حينها، لم تكتفِ بذلك؛ فهدَّدت ببيع حقوق نشر رسائل نوبل إليها البالغ عددها ???، إذا لم تُعْطَ أكثر من المال المنصوص عليه لها في الوصية. وبعد مفاوضات طويلة، تم التوصُّل إلى اتفاقٍ تعيد صوفي بمقتضاه كلَّ الرسائل في مقابل استمرار حصولها على المبلغ الذي كانت تحصل عليه سنويًّا من نوبل أثناء حياته.
مات ألفريد نوبل في فيلته في سان ريمو بإيطاليا عام ????؛ إذ تعرَّضَ لنوبات قلب عديدة في أواخر أيامه وكان يعاني من ذبحات صدرية على فتراتٍ متكررة. وقبل موته بفترة قصيرة، كتب في رسالة يقول: «يبدو أن سخرية القدر تفرض عليَّ أن أتناول بنفسي مادة النيتروجليسرين، التي يطلقون عليها اسم الترينيترين حتى لا يخيفون الصيادلة والناس منها!» وفي عامَيْه الأخيرَيْن، تحسَّنَتْ حالة الاكتئاب التي كانت لديه، ربما لأسبابٍ عديدة. واستطاع الانفصال عن صوفي لكنه أمَّنَ مستقبلها ماديًّا، كما كان سعيدًا بمنزله في سان ريمو وبشرائه شركة بوفورز في السويد، حيث أقام مكانًا خاصًّا له في بيت ضيعة مجاور ومعملًا لتجاربه، كما وجد مساعدًا شابًّا جديدًا يمكن الاعتماد عليه، وهو راجنر سولمان (الذي أصبح فيما بعد القائمَ على تنفيذ وصيته).
في خريف عام ????، قضى نوبل شهرين في باريس حيث انتهى من كل تفاصيل الوصية التي ستكون الأساسَ لمؤسسة نوبل والجوائز. وكتب الوصية بخط يده بالسويدية ودون مساعدةٍ من المحامين؛ وبسبب هذا الأمر وحجم تركته، صُوِّبت نحوها أسهمُ النقد، واحتاج الأمر عدة سنوات قبل أن يكون بالإمكان تنفيذ وصيته. وعندما مات نوبل، لم يكن له زوجة أو أولاد، وكانت أمه قد ماتت وكذلك إخوته، فتمَّ التوصُّل إلى تسويات معقولة مع أقاربه وأسرهم. وتنصُّ الوصية على ما يلي: يُستثمَر رأس المال من قِبَل منفِّذي الوصية في سنداتٍ مالية آمِنة، ويُكوَّن صندوق يُوزَّع عائده سنويًّا في شكل جوائز للأشخاص الذين قدَّموا للإنسانية فوائد جلية خلال العام السابق. ويُقسَّم العائد المذكور إلى خمسة أجزاء متساوية، يكون تخصيصها كما يلي: جزء للشخص الذي يصنع أهم اكتشاف أو اختراع في مجال الفيزياء، وجزء للشخص الذي يصنع أهم اكتشاف أو تطوير كيميائي، وجزء للشخص الذي يصنع أهم اكتشاف في مجال علم وظائف الأعضاء أو الطب، وجزء للشخص الذي ينتج في مجال الأدب أفضل عمل ذي توجُّه مثالي، وجزء للشخص الذي قام بأفضل عمل أو جهد لنشر التآخي بين الأمم ولإنهاء أو تقليل المواجهات العسكرية بين الجيوش وعقد مؤتمرات السلام والتشجيع عليها.
سرعان ما تعرَّضَ أحد أهداف نوبل الكبرى، وهو التحرُّر من التحيز القومي، لانتقادات شديدة عندما عرف الناس بأمر الوصية؛ فزعمت الصحافة السويدية أنه كان حريًّا بمواطن سويدي ألَّا يتجاهل المصالحَ السويدية ويفضِّل الصالح العالمي. كما أن اختيار نوبل للبرلمان النرويجي كي يمنح هو جائزة نوبل للسلام تعرَّض لانتقاد شديد أيضًا؛ نظرًا للعلاقات المتوترة حينها بين السويد والنرويج. لكن بعد مناقشات عاصفة استمرت عدة أعوام بين القائمين على تنفيذ الوصية وأسرة نوبل، أُنشِئَتْ مؤسسة نوبل باتفاق تام مع رغبة ألفريد نوبل، وتولت الحكومة السويدية مسألةَ إدارة عملية إعطاء الجوائز، لكن دون أن توجِّه عملية اختيار الفائزين بها أو ترشيحهم. وقد أُعطِيَتْ جوائز نوبل للمرة الأولى في عام ????.
كان ألفريد برنارد نوبل يأمل من خلال وصيته أن يحقِّق ما لم يستطع أن يحقِّقه أثناء حياته، وهو أن يشجِّع الناس على تقديم فوائد جلية للإنسانية، وخاصةً السلام و«التآخي بين الأمم». فمع أنه ابتكَرَ أشهر وأقوى المواد المتفجِّرة العسكرية وروَّج لها، فإنه كان يأمل أن تمنع وصيته الحرب. ففي عام ????، طلبت بيرتا فون سوتنر من نوبل أن ينضمَّ إليها في أحد مؤتمرات السلام في سويسرا، لكنه رفض وقال لها: «مصانعي يمكن أن تُنهِي الحرب أسرعَ من مؤتمراتك. ففي اليوم الذي سيمكن فيه لجيشين متحاربين أن يقضي كلٌّ منهما على الآخَر في ثانية واحدة، ستعزف كل الأمم المتحضِّرة عن الحرب خوفًا من ويلاتها، وتسرِّح جيوشها.»
ثمة نموذج موازٍ أحدث لما فعله نوبل، وهو مؤسسة العلوم الذرية، التي تكوَّنت بعد صنع القنبلة الذرية (والتي فاقت في قوتها التفجيرية الديناميت والجلجنيت اللذين اخترعهما نوبل، على نحو لم يتخيَّله نوبل نفسه) على يد بعض مَن اشتركوا في تصنيع تلك القنبلة، وتحوَّلَتْ إلى ما يُسمَّى بمؤسسة العلماء الأمريكيين، التي كان هدفها الأساسي هو مراقبة الأسلحة على مستوى العالم.

الفصل السادس عشر
السيلولويد والرايون: العاج الصناعي والحرير الصناعي


(?) السيلولويد

كان أول نوع ناجح ظهر من البلاستيك الصناعي هو السيلولويد، الذي تم تطويره كبديل للعاج المستخدَم في تصنيع كرات البلياردو. وفي عام ????، كان هناك نقص في العاج — وهو المادة التي كانت تُستخدَم في صناعة كرات البلياردو — بسبب قلة قطعان الفيلة البرية في أفريقيا. (أليس من المدهش أن نعرف أن ما يمثِّل مشكلةً مهمة اليوم كان بالفعل محل اهتمام منذ مائة عام؟!) ومن ثمَّ، عرض أحد كبار مصنِّعي كرات البلياردو جائزةً لمن يقدِّم بديلًا للعاج يمكن استخدامه في تصنيع تلك الكرات.
بدأ عامِلُ طباعةٍ من نيو جيرسي يُدعَى جون ويسلي هايت وأخوه آيزايا في إجراء تجارب على العديد من المواد حتى يجد المادة التي يمكن استخدامها في تصنيع كرات البلياردو، ومن تلك المواد مزيج من النشارة والورق اللذين يتم إلصاقهما معًا بالغراء. وعندما حدث قطع في إصبع هايت وهو منهمك في العمل، توجَّه إلى الخزانة لإحضار بعض الكولوديون لإيقاف النزيف. (كان الكولوديون، الذي هو شكل من أشكال نترات السليولوز المذاب في إثير أو كحول، شائعَ الاستخدام لهذا الغرض في ذلك الوقت. وثمة تجربة مماثلة لألفريد نوبل، جعلته يخترع مادة الجلجنيت المتفجِّرة، وهذه التجربة عُرِضَتْ في الفصل الخامس عشر.) اندهش هايت حين وجد زجاجة الكولوديون مقلوبةً وقد انسكبت كلُّ محتوياتها وتبخَّرت المادة المذيبة، تاركةً طبقة صلبة من نترات السليولوز على الرَّف؛ فأدرك حينها أن تلك المادة قد تكون مادة لاصقة أفضل من الغراء الذي كان يستخدمه لمزيجه المكوَّن من النشارة والورق.
بعد عدة تجارب، وجد هايت وأخوه أن نترات السليولوز والكافور عند مزجهما بالكحول وتسخين المزيج بالضغط نتجت مادة بلاستيكية بَدَا أنها مناسبة لصناعة كرات البلياردو. ولقد صنع ألفريد نوبل مادة الجلجنيت المتفجِّرة من نترات السليولوز بعد مزجها مع النيتروجليسرين، فلا بد أن مادة الكافور قد غيَّرت إلى حد كبير من الطبيعة التفجيرية لنترات السليولوز، وذلك مع أن كرات البلياردو المصنوعة من السيلولويد كانت تنفجر أحيانًا.
شكل ??-?: إعلان عن ياقات مصنوعة من السيلولويد، يرجع تاريخه تقريبًا إلى عام ????.
لم يربح هايت وأخوه الجائزةَ الخاصة بكرات البلياردو الصناعية؛ ربما لأن الكرات التي صنعاها كان تنفجر أحيانًا، لكنهما حصَلَا على براءة اختراع لكرتهما المصنوعة من نترات السليولوز والكافور في عام ???? تحت اسم «السيلولويد»، وقد شاع استخدامها في أغراض أخرى. وفي أواخر القرن التاسع عشر، استُخدِمت في صناعة الياقات والأكمام للقمصان الرجالي، وفي صناعة أطقم الأسنان ومقابض السكاكين والنرد والأزرار وأقلام الحبر. وقد حلَّ محلَّ السيلولويد على نطاق كبير أنواعُ البلاستيك الحديثة، لكني أذكر أنني تعرَّفت عليها وأنا فتًى صغير على أنها المادة المصنوعة منها بطاقات التقويم الصغيرة؛ وذلك من خلال رائحة الكافور.
(?) الرايون

إن انسكاب زجاجة من الكولوديون كان أيضًا مصدرَ الإلهام الذي أدى إلى إنتاج أول بديل ناجح للحرير؛ فعندما كان باستير يحاول إنقاذ صناعة الحرير في فرنسا بسبب حدوث وباء مدمِّر لديدان القز، استعان بكيميائيٍّ شاب اسمه إيلير دو شاردونيه، ونظرًا لخبرته بمشكلة ديدان القز، اقتنع شاردونيه بأن إيجاد بديل صناعي للحرير أصبح ضرورة مُلحة. وبينما كان يعمل في غرفته المظلمة الخاصة بتظهير أفلام الصور مع الألواح الفوتوغرافية في عام ????، سكب زجاجة كولوديون. ولم يُزِل على الفور آثارَ الكولوديون المسكوب، وعندما فعل وجَدَ سائلًا لَزِجًا دبقًا تكوَّنَ بفعل التبخُّر الجزئي للمادة المذيبة، وأنتج خيوطًا طويلة ورفيعة من الألياف أثناء إزالته. وكانت تلك الأليافُ تشبه الحريرَ بدرجة كبيرة شجَّعت شاردونيه على إجراء مزيدٍ من التجارب على الكولوديون.
في غضون ست سنوات من حادثة السَّكْب العَرَضية، كان شاردونيه قد أنتج الحرير الصناعي، وقد استخلص الكولوديون من لب أوراق التوت (وهو الغذاء الطبيعي لديدان القز!) بعد إذابته في إثير أو كحول، واستخرج خيوط الألياف وعقدها معًا في هواء ساخن. ولاقَى القماشُ المصنوع من الحرير الصناعي الجديد نجاحًا كبيرًا حين عُرِض في معرض باريس في عام ????، لدرجة أن تمويلَ تصنيعه قد تمَّ الحصول عليه على الفور. وقد أُطلِق على النسيج الجديد اسم «الحرير الصناعي» حتى عام ???? تقريبًا عندما غُيِّرَ اسمه إلى «الرايون».
تعقيب

كان نسيج الرايون الذي اخترعه شاردونيه ذا قابلية كبيرة للاشتعال. واخترِعت لاحقًا عمليات أخرى لتحويل القطن إلى ألياف شبيهة بالحرير لم تكن قابلةً للاشتعال. ولم تَعُدْ نترات السليولوز، التي هي أصل الرايون، تُستخدَم كألياف نسيجية. وقد كانت نترات السليولوز تُستخدَم أيضًا لتصنيع أفلام الصور الفوتوغرافية، سواء الفيلم الثابت العادي أو الفيلم السينمائي التجاري، لكن قابليتها للاشتعال كانت سببًا في حدوث العديد من الحرائق المدمِّرة في دُور السينما؛ فإذا حدث عطل في جهاز العرض بحيث يبقى الفيلم متوقِّفًا في مسار الضوء المكثَّف لأكثر من بضع دقائق، فإن النيران كانت تُضرَم فيه ويشتعل. وكان «الفيلم غير القابل للاشتعال» الذي حلَّ محلَّ هذا الفيلم بعد عدة سنوات مصنوعًا من أسيتات السليولوز.
يكمن الاختلاف الأساسي في شكل الأنسجة القطنية والحريرية في الخيوط المنسوج منها كلٌّ منهما؛ فخيوط القطن مجعَّدة، في حين أن خيوط الحرير ناعمة، تمامًا مثل تلك التي تنتجها ديدان القز، وتلك الخيوط الناعمة هي التي تعطي الملمس الأملس للحرير. وكان نسيج الرايون الذي ابتكره شاردونيه يحاكي الحرير؛ لأنه تم تحويل السليولوز (الألياف القطنية أو الخشبية) إلى شكل مختلف كيميائيًّا (نترات السليولوز)، يمكن إذابته في إثير أو كحول، ثم يمكن بعد ذلك سحب الخيوط الناعمة وإخراجها من المحلول اللزج.
إن أكثر أنواع الرايون الحديثة نجاحًا هما رايون الزنتات ورايون الأسيتات. ويرجع اسم رايون الزنتات إلى العملية التي يتم فيها تحويل السليولوز إلى شكل مختلف كيميائيًّا وقابل للذوبان (وهو زنتات السليولوز)، ويتم إخراج المحلول اللَّزِج لزنتات السليولوز عبر ثقوب دقيقة على هيئة خيوط ناعمة في حمام كيميائي يحوِّل زنتات السليولوز مرة ثانية إلى السليولوز. والهدف من هذا هو تغيير شكل ألياف السليولوز المجعَّدة إلى ألياف ناعمة شبيهة بالحرير، وهذا النوع من الرايون هو شكل معدَّل من السليولوز.
يشبه رايون الأسيتات كثيرًا الرايونَ الأصلي الذي ابتكره شاردونيه. فيتم تحويل السليولوز إلى إستر الأسيتات وهو قابل للذوبان مثل إستر النترات، ويمكن تحويله إلى خيوط ناعمة، ولكن أسيتات السليولوز، على عكس نترات السليولوز، غير قابل للاشتعال. وتستخدم صناعة النسيج الآن الاسم العام «الأسيتات» للإشارة إلى رايون الأسيتات لمنع حدوث التباس بينه وبين نوع الرايون الرئيسي الآخَر وهو رايون الزنتات، فإذا كان الاسم مجرد «رايون» فقط، فقد تكون المادة رايون الزنتات. وربما يكون من الملائم هنا أن أوجه تحذيرًا بهذا الشأن إلى أي شخص يعمل في معمل تُستخدَم فيه مواد مذيبة عضوية مثل الأسيتون، فمادة «الأسيتات» قابلة للذوبان إلى حدٍّ ما في تلك المواد المذيبة؛ ولذلك يجب عدم ارتداء الملابس المصنوعة منه في البيئات التي يمكن أن يحدث فيها تلامس مع تلك المواد. أما «الرايون» العادي (رايون الزنتات)، فهو مطابق كيميائيًّا للقطن، وبالتالي غير مُنفِذ للمواد المذيبة العضوية.
منذ ذلك الحين، طُوِّرت العديد من الألياف الصناعية التي تشبه الحرير أكثر من الرايون، بل ربما تكون أفضل من الحرير في بعض الجوانب أيضًا، ومن هذه الألياف النايلون الذي ابتكره والاس كروثرز ومجموعته في شركة دو بونت في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد طُوِّرت أجيال جديدة من النايلون والألياف الصناعية الأخرى مثل أنواع البوليستر التي حلت محل الرايون في كثير من الاستخدامات المرتبطة بصناعة النسيج. (يعرض الفصل الخامس والعشرون قصة اكتشاف النايلون، ويذكر أيضًا نوعَي البوليستر المتمثلين في التريلين والداكرون.) أما الحرير الصناعي الذي اخترعه شاردونيه، فدخلَ في محاولاتٍ لمضاهاة النسيج المصنوع من الحرير الطبيعي أو تحسينه.

الفصل السابع عشر
فريدل وكرافتس: ظهور كيمياء صناعية جديدة


سُمِّي تفاعل فريدل-كرافتس على اسم الكيميائيَّيْن شارل فريدل وجيمس إم كرافتس، اللذين لاحَظَا نتيجةً غير متوقَّعة لتجربة في معمل فريدل في باريس في عام ????. أدرك فريدل وكرافتس الأهميةَ العملية المحتمَلة لاكتشافهما العَرَضي، وحصَلَا على براءات اختراع في فرنسا وإنجلترا للطرق الخاصة بتحضير الهيدروكربونات والكيتونات. كان تقديرهما دقيقًا، وربما لم يكن ثمة تفاعل عضوي آخَر له أهمية عملية مثل تفاعلهما. وتُعَدُّ العمليات الأساسية لإنتاج البنزين العالي الأوكتين والمطاط الصناعي والبلاستيك والمنظِّفات الصناعية تطبيقات لما يُطلَق عليه «كيمياء فريدل-كرافتس».
وُلِد جيمس ماسن كرافتس في عام ???? في بوسطن، وبعد تخرُّجه في جامعة هارفرد وهو في التاسعة عشرة من عمره، قضى كرافتس عامًا في دراسة هندسة التعدين، وأثناء دراسته لعلم المعادن في فريبورج بألمانيا أصبح مهووسًا بالكيمياء؛ فعمل في معامل روبرت فيلهلم بُنسن في هايدلبِرج وشارل أدولف فورتز في باريس. وفي معمل فورتز، قابَلَ شارل فريدل وبدأ الاثنان العمل معًا في عام ????.
في عام ????، عاد كرافتس إلى الولايات المتحدة، وبعد العمل لفترة قصيرة كمفتش تعدين في المكسيك وكاليفورنيا، أصبح أستاذًا للكيمياء في جامعة كورنيل التي كانت قد افتُتِحت لتوِّها. وبعد ثلاثة أعوام، انتقل إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حيث أدخل العديد من التحسينات على المعامل وطريقة التدريس. وفي عام ????، ونظرًا لصحته الهزيلة، عاد إلى باريس حيث استأنف تعاوُنَه مع فريدل في معمل فورتز.
عندما ترك كرافتس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، توقَّعَ أن يعود بسرعة، ولكن نظرًا للمناخ المختلف أو ربما بسبب تحمسه للاكتشاف الذي توصَّلَ إليه مع فريدل، تحسَّنَتْ حالته الصحية إلى حدٍّ كبير وبقي في باريس لمدة ?? عامًا. وبين عامَيْ ???? و????، أنتج هو وفريدل أكثر من ?? ورقة بحثية وبراءة اختراع متعلِّقة بتفاعلات كلوريد الألومنيوم مع المركبات العضوية.
عندما تُوفي فورتز في عام ????، خَلَفه فريدل أستاذًا للكيمياء العضوية، وأصبح مديرًا للبحث في جامعة السوربون، وأسَّس الجمعية الفرنسية للكيمياء، وظلَّ لأربع دورات رئيسًا لها.
في عام ????، عاد كرافتس إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حيث أُعِيد تنصيبه أستاذًا، وفي عام ???? انتخِب رئيسًا له. وسعى إلى أن يجعل من المعهد منافِسًا للمؤسسات الجامعية الأوروبية؛ وذلك بتطوير طرق التدريس ووضع معايير للبحث. وبعد ثلاثة أعوام ترك منصبه الإداري ليتفرَّغَ لعمله البحثي الذي داوم عليه حتى موته في عام ???? عن عمر يناهز ?? عامًا.
دَعْنا نَعُدْ إلى الحدث البحثي العَرَضي الذي بسببه حُفِرَ اسما فريدل وكرافتس في التاريخ العلمي والصناعي على نحو فاق ما كان في المناصب الأكاديمية والإدارية التي كانا يتقلَّدانها. كان فريدل وكرافتس يحاولان تحضير يوديد الأميل عن طريق معالجة كلوريد الأميل بالألومنيوم والنشادر؛ فأنتج التفاعل كميات كبيرة من كلوريد الهيدروجين، والهيدروكربونات على نحو غير متوقَّع. وعندما جرَّبا كلوريد الألومنيوم بدلًا من الألومنيوم، وجَدَا أنه يعطي نفس النتائج غير المتوقَّعة. وكان كيميائيون سابقون قد أشاروا إلى نتائج مشابهة بعض الشيء من تفاعلات الكلوريدات العضوية مع فلزات معينة (الزنك، على سبيل المثال)، لكنهم لم يشرحوا تلك التفاعلات أو يشيروا إلى أن كلوريد الفلز هو المادة المحفِّزة أو المُتفاعِلة. وكان فريدل وكرافتس أول مَن أثبَتَا أن وجود كلوريد الفلز كان ضروريًّا.
في وصفهما لاكتشافهما لدى الجمعية الفرنسية للكيمياء، قالَا: «عند مزج الكلوريد والهيدروكربون، تتكوَّن الهيدروكربونات في نتاجٍ جيد من متخلفات الهيدروكربون مع نزع ذرة الهيدروجين H، ومن متخلفات الكلوريد مع نزع ذرة الكلور Cl. وهكذا تم الحصول على إثيل البنزين وأميل البنزين والبنزوفينون وغيرها.» وجد فريدل وكرافتس أن النتيجة غير المتوقَّعة التي توصَّلَا إليها كانت تبشِّر بإمكانية تصنيع مجموعة متنوعة من الهيدروكربونات والكيتونات (البنزوفينون من أمثلة الكيتونات التي تُعَدُّ ثاني أهم فئة من المركبات التي يمكن تصنيعها من خلال تفاعل فريدل وكرافتس الجديد)، وأثبَتَا ذلك بالتجربة. وفي الأعوام التالية لذلك، فتحت الأوراقُ البحثية الضخمة التي أعدَّها فريدل وكرافتس وبراءات الاختراع المتعلقة بها مجالًا نظريًّا وعمليًّا جديدًا في الكيمياء العضوية، وكانت أساسًا لبعض أهم العمليات الكيميائية الصناعية الحديثة.
ربما تبدو كيمياء فريدل-كرافتس متخصصة ومعقَّدَة، ولكنها أثرت في حياتنا بالعديد من الطرق المهمة. قال ونستن تشرشل، مشيرًا إلى انتصار بريطانيا في الحرب بفضل طيَّارِيها المقاتلين: «لم يحدث في تاريخ الصراع الإنساني أن دانَ عددٌ كبيرٌ من الناس بالكثير جدًّا لعدد قليل منهم.» فلم يكن الانتصار في المعركة الجوية نتيجةً لمهارة الطيارين البريطانيين وشجاعتهم فحسب، وإنما أيضًا للجودة العالية للبنزين المستخدَم في الطائرات المقاتِلة التي كانوا يستخدمونها. وصحيحٌ أن الطائرات المقاتِلة الألمانية كانت أكثر تطورًا من نظيراتها البريطانية والأمريكية، لكنَّ وقودَها لم يكن كذلك، فالوقود الذي كان يستخدمه البريطانيون والأمريكيون في طائراتهم أعطاهم ميزةً كبيرة على الألمان مما جعل أداءَهم أفضل. وكان هذا الوقود نتيجةً مباشِرةً لكيمياء فريدل-كرافتس؛ إذ كان يحتوي على التولوين بالإضافة إلى هيدروكربونات أروماتية قلوية أخرى.
على نحو مماثل، كان المطاط الصناعي مهمًّا للمعارك والعمليات البرية في الحرب العالمية الثانية بعد أن قُطِعت على الحلفاء الطريقُ إلى مصادر المطاط الطبيعي. وكانت الإطاراتُ ضرورية للسيارات والشاحنات والطائرات، ونظرًا للتعاون بين المسئولين الحكوميين والعلماء الأكاديميين والصناعيين والفنيين، تم إنتاج المطاط الصناعي بسرعة كبيرة، وقد تم تصنيعه من مادة الستيرين، وأُطلِق على هذا النوع من المطاط الصناعي «جي آر إس» (GRS الذي هو اختصار ? Government Rubber Styrene؛ أيْ مطاط الستيرين المنتَج من قِبَل الحكومة). ولم يكن سوى بوليمر مشترك من الستيرين والبيوتاداين C4H6، والبوليمر المشترك هو جزيء ضخم ينتج عن بلمرة مزيج من اثنين من المونومرات؛ والستيرين والبيوتاداين هما المونومران في هذه الحالة. ثمة الكثير من الاستخدامات للبوليمر المصنوع من الأكريلونتريل C3H3N والبيوتاداين والستيرين؛ فهو يتميز بمتانة البوليمر المشترك المكوَّن من الستيرين والأكريلونتريل، وبشيء من مرونة البوليمر المشترك المكوَّن من الستيرين والبيوتاداين. ومن أمثلة استخدامات البوليمر المصنوع من الأكريلونتريل والبيوتاداين والستيرين: إنتاجُ الأمتعة الخفيفة وقطع غيار السيارات. يمكن للستيرين بلمرة نفسه، ويتميز هذا البوليمر — المسمَّى البوليستيرين — بأنه متعدد الاستخدامات للغاية، ويمكن تشكيله على هيئة علب للراديوهات والبطاريات والألعاب وكل أنواع الحاويات. ونظرًا لخصائص رغوة البوليستيرين (الستيروفوم) العازلة وخفتها، فإنها تُستخدَم كعامِل عازل في المباني، ويتم تشكيلها على هيئة صناديق ثلج وأكواب للاستعمال مرةً واحدة للمشروبات الساخنة والباردة. وثمة تطور حديث في هذا الشأن، وهو استخدام الستيروفوم في أعمال النحت في مجال الإعلانات الخارجية. وقد تم إنتاج ما يزيد عن أربعة مليارات رطل من منتجات البوليستيرين في عام ????.
لقد غيَّرت المنظِّفات الصناعية من الطريقة التي نعيش بها اليوم؛ فنحن نغسل الأطباق والملابس بها، وعلى عكس الصابون، فهي تعمل جيدًا في الماء العَسِر، وتُعَدُّ مكونًا أساسيًّا في الشامبوهات. ومن الأمثلة الأساسية للمنظِّف الصناعي القابل للتحلُّل الحيوي دوديسيل بنزين سلفونات الصوديوم. إذ ترتبط السلسلة الجانبية المكوَّنة من ?? ذرة كربون بجزيء بنزين عن طريق تفاعل الألكلة فريدل-كرافتس.
يتم إنتاج الفينول المستخدَم في صناعة الأسبرين (انظر الفصل التاسع والعشرين) من أيزوبروبيل البنزين (الذي يُعرَف أيضًا بالكيومين)، والذي يُحضَّر باستخدام تفاعل فريدل-كرافتس من البنزين والبروبلين. ويتم إنتاج ما يزيد عن ?? مليون رطل من الأسبرين كل عام في الولايات المتحدة، بما يعادل ??? قرص لكل رجل وامرأة وطفل.
كانت هذه بعض الأمثلة على الاستخدامات العملية التي ظهرت في القرن الماضي بعد المصادفة المعملية التي لاحَظَها شارل فريدل وجيمس إم كرافتس في عام ????، وفسَّرَاها من خلال فطنتهما لتصبح اكتشافًا عظيمًا. كتب مؤلِّفَا كتاب «تفاعل فريدل-كرافتس والتفاعلات المرتبطة به» (????)، وهما جي إيه أُولاه وآر إي إيه ديير، عن اكتشاف فريدل وكرافتس يقولان: «لا يمكن إنكار حقيقة أن العديد من الاكتشافات العلمية المهمة تمت بالمصادفة، ولكنَّ المهم أن يتمتَّعَ الشخص القائم بالبحث بقدرة عالية على الملاحظة والإبداع حتى يتسنى له التوصل إلى أي اكتشاف، وإلا فسيبقى غير معلوم أو يتم تجاهله.»
تعقيب

بعد بضعة أعوام من الْتِحاقي بالكلية في جامعة تكساس في أوستن، قضيتُ الصيف في معمل أوك ريدج القومي أتعلَّم كيفية استخدام الكربون المشع 14C كأداة بحثية في الكيمياء العضوية. وهذا النوع من الكربون هو منتج فرعي لبرنامج الطاقة الذرية، ويمكن إدخال ذراته في الجزيئات العضوية، ويمكن لأدوات خاصة الكشف عن وجود تلك الجزيئات وأيضًا عن مواقعها بسبب نشاطها الإشعاعي. عندما عدتُ إلى الجامعة في أوستن، استخدمتُ تلك التكنولوجيا الجديدة في بحثي. وكان الموضوع الذي اخترته لتجربة الكربون المشع كمادة كاشفة هو أحد تفاعلات فريدل-كرافتس التي ذكرها الكيميائيون الألمان في عام ????؛ فبناءً على التفسيرات الحديثة لتفاعلات فريدل-كرافتس، بَدَتْ نتائجهم محل نظر، ولم يكن الدليل التجريبي الذي قدَّموه مُقنِعًا على نحو كبير. وأتيحت لي الفرصة للتأكيد على صحة نتائجهم أو دحضها باستخدام الطرق التجريبية الحديثة، ومن تلك الطرقِ التحليلُ باستخدام الأشعة تحت الحمراء والتحليل الكروماتجرافي الغازي؛ فكلاهما كان سيقدِّم إجابةً شافيةً لتلك المسألة، وكلاهما أبسط من التحليل الإشعاعي الكيميائي باستخدام الكربون المشع. لكن، نظرًا لإعجابي بطريقة التحليل بالكربون المشِعِّ الجديدة (بالنسبة إليَّ)، قرَّرتُ استخدامها لتحديد مدى صحة نتائج العلماء الألمان. ووافق ستانلي براندنبيرجر، أحد طلبة الدراسات العليا، على إجراء التجارب.
إذا كنَّا قد استخدمنا الطريقتين الأخريين للقيام بالتجربة، المتمثلتين في التحليل باستخدام الأشعة تحت الحمراء والتحليل الكروماتجرافي الغازي، فكنا سنجد أن نتائج العمل الأصلي صحيحة. لكن باستخدام طريقة الكربون المشع، اكتشفنا إعادةَ تنظيم جزيئيٍّ غير واضح. ومع كون هذا الاكتشاف مثيرًا، فإنه لم يكن له أهمية عملية؛ لأن الجزيئات الموسومة بالكربون المشع التي استخدمناها لم تكن موجودة في الهيدروكربونات الأروماتية العادية. ولكن بعد تنبُّهِنا إلى اكتشافنا من خلال الجزيئات الموسومة بالكربون المشع، بحثنا عن حالات إعادة تنظيم جزيئي مماثِلة في الجزيئات الهيدروكربونية الأروماتية العادية ووجدناها، بالإضافة إلى بعض الأهمية العملية لذلك.
استطعنا تصحيح بعض الإفادات غير الصحيحة في المصادر الكيميائية وتفسير بعض النتائج المحيِّرة، وقد شغلتنا دراسة «إعادة تنظيم ألكايل البنزين» التي اكتشفناها بالمصادفة منذ عدة سنوات، وزادت من اهتمامي المستمر بالتعرُّف على مزيد من الأمثلة في مجال السرنديبية.

الفصل الثامن عشر
أهم الاكتشافات الأَثرية العَرَضية


قالت ماري ليكي — وهي عالِمة آثار وزوجة عالِم آثار وأم عالِم آثار — ذات مرة: «إنك في مجال الآثار لا تجد تقريبًا ما تسعى في البحث عنه.» في واقع الأمر، إن العديد من الاكتشافات الأثرية الشهيرة قام بها أشخاص لم تكن لديهم أية نية لاكتشاف أشياء ذات أهمية تاريخية؛ أي اكتشفوها على نحو سرنديبي. لقد زوَّدتنا تلك الاكتشافات بمعلومات كثيرة عن الحضارات القديمة مثل الإمبراطورية الرومانية (في هركولانيوم وبومبي)، والإمبراطورية الصينية الأولى (بالقرب من شيان في وسط الصين)، وثقافات عصور ما قبل التاريخ المتمثلة في رسومات الكهوف في لاسكو وأورينياك في فرنسا، وسفن العصر البرونزي التي عُثِر عليها في قاع البحر المتوسط، والإنسان القديم المنتمي إلى فترات ما قبل التاريخ مثل إنسان تولوند الذي عُثِر عليه في الدنمارك، وإنسان نياندرتال الذي عُثِر عليه في ألمانيا، والتاريخ والتوثيق الديني مثل مخطوطات البحر الميت.
(?) عمليات حفرٍ تقود إلى نتائج غير متوقَّعة

هركولانيوم وبومبي: في عام ?? ميلاديًّا ثار بركان فيزوف؛ مما أدَّى إلى دفن مدينتَيْ هركولانيوم وبومبي وطمس معالمهما. وقد سقطت الحمم البركانية والرماد البركاني بسرعة كبيرة وبكميات هائلة لدرجة أنها دفنت على الفور سكانَ هاتين المدينتين المتجاورتين ومبانيهما. في عام ????، أثناء حفر بئر في مزرعة أُقيمت فوق مدينة هركولانيوم، أخرج أحد الفلاحين أجزاءً من الرخام لأعمال نحتية، وعندما علم أمير إيطالي بهذا الأمر، اشترى الأرضَ وأحضر عمَّالًا لتوسيع الحفر الرأسي ثم الحفر أفقيًّا. ووجد هؤلاء العديدَ من الأعمال النحتية السليمة لسيدات؛ إذ يبدو أن الحفر الرأسي هنا قد تغلغل في مسرح هركولانيوم. وانتشرت أخبار المدن المدفونة، واستأجر الملك الإيطالي تشارلز الثالث مهندسًا إسبانيًّا للتنقيب ونقل كل أثر يمكن نقله إلى متحفه الخاص. وفي أثناء الحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، كانت عمليات التنقيب العشوائية التي قامت بها الحكومةُ الفرنسية سيئةً مثلها في ذلك مثل العمليات التي قامت بها الحكومةُ الإيطالية قبلها؛ فقد أُخِذت الرسومات الجدارية المائية الجصية والتماثيل من المعابد وتُرِكت المباني المكشوفة عرضةً لعوامل التعرية.
عندما اعتلى الملك فيكتور إيمانويل الثاني عرش إيطاليا في عام ????، تملَّكته رغبة عارمة في التعرُّف على تاريخ الإمبراطورية الرومانية العظيمة، فشجَّعَ على القيام بعمليات تنقيبٍ منظمة في مدينة بومبي تحت إشراف جوزيبي فيوريللي الذي كان أستاذًا يعرف تاريخَ مدينة بومبي القديمة. ابتكر فيوريللي طريقةً جديدة لإنتاج قوالب جصية لضحايا البشر الذين غطَّتِ الحممُ البركانية أجسامَهم، والذين تحللت أجسامهم عبر القرون تاركةً تجاويف فارغة. وبعد ملء التجاويف بالجص وتركه حتى يتصلَّب، بدأ عمَّال التنقيب يُزِيلون بعناية «قوالبَ» الرماد وحجر الخَفَّاف، تاركين أشكال الضحايا بالحجم الطبيعي في الأوضاع التي كانوا عليها عند موتهم.
تم الآن استخراج وإخلاء ثلاثة أرباع منطقة بومبي، بما في ذلك مسرحان وسوق، وما زال باقي المدينة مدفونًا تحت منازل المدينة الإيطالية الحالية وحدائقها. وما زال البركان القريب يخرج منه دخان من آنٍ لآخَر؛ حيث كانت آخِر ثورة كبيرة له في عام ????.
مقبرة تشين: في عام ????، اكتشف أشخاص كانوا يحفرون آبارًا في جمهورية الصين الشعبية حضارة قديمة أخرى. فقد عثر الفلاحون على أجزاءٍ من تماثيل لجنود تيراكوتا بالحجم الطبيعي بالقرب من مقبرة تشين شي هوانج، الذي أعلن نفسه في عام ??? قبل الميلاد أولَ إمبراطور على الصين الموحَّدَة. وبناءً على أوامره، تم بناء سور الصين العظيم لحماية الحدود الشمالية لإمبراطوريته من هجمات المغول. كشف المزيد من عمليات التنقيب في موقع البئر عن سلسلة من الحفر الموجودة تحت الأرض، والتي تُعَدُّ واحدة من أعجب الاكتشافات الأَثرية. تضم الحفرة الأولى — وهي منطقة مساحتها أربعة أفدنة تقريبًا — تماثيلَ لستة آلاف جندي من جنود التيراكوتا بالحجم الطبيعي، وست عربات تجرُّها أربعة خيول في ?? صفًّا. وبعد عامين، اكتُشِفت حفرة ثانية على مساحة ??? فدان، وكانت تحتوي على ???? تمثال لخيول وأشخاص. وفي الوقت نفسه تقريبًا، اكتُشِفت حفرة ثالثة صغرى وكانت تحتوي على ?? تمثالًا للجنود التي كانت تحرس القادة الذين كانوا يقودون العربات الحربية. وفيما يبدو، فإن تماثيل الجنود الفخارية لم تُنتَج عن طريق خط تجميع؛ فكلٌّ منها كان له وجه مختلف؛ مما يُوحِي بأن أصحابها أشخاص حقيقيون. كما تعكس الملامح الجسدية المختلفة للجنود الذين كانوا يمثِّلون الجنسيات المختلفة الموجودة في شتى أرجاء الإمبراطورية؛ عدد الجنود الهائل الذين شكَّلوا جيش الإمبراطور الأول. كما قدَّمتْ ملابس الجنود وأسلحتهم معلومات أكثر عن الحرب في تلك العصور.
شُيِّد متحف مغطًى فوق الحفرة الكبرى، ينظر فيه الزائرون عبر الحواجز إلى الجنود الذين يرجع تاريخهم إلى ما قبل ???? عام وهم مصطفُّون في عرض عسكري في أرضية الحفرة التي توجد تحت سطح الأرض بمقدار ?? قدمًا. وقد تعرَّضَ العديد من الجنود والخيول للتدمير عندما سقط عليهم السقف في وقتٍ ما منذ أن تم نشر الجنود والخيول لأول مرة، لكن عملية الإصلاح والترميم مستمرة حتى اليوم.
طفل تونج: في عام ????، بينما كان بعض العمال ينقِّبون عن الجير في كهف تونج بالقرب من جوهانسبرج بجنوب أفريقيا، رأى أحدهم ضمن الصخور الجيرية شيئًا يشبه قالب مُخٍّ صغير، فأخذه إلى هيئة التعدين التي أرسلت بدورها رسالة إلى البروفسير رايموند دارت، رئيس قسم التشريح في جامعة فيتفاترزراند. وسرعان ما أعلن دارت في مجلة «نيتشر» البريطانية عن اكتشاف أول جمجمة شبه كاملة لطفل، تلك التي أَخرجَها من المصفوفة الجيرية في كهف تونج. وكان هذا الطفل يمثِّل أكبر جدٍّ للإنسان كان معروفًا في ذلك الوقت؛ إذ كان عمره أكثر من مليون عام. (عُرِضَتْ صورة من الهولوجرام المدهِش لجمجمة طفل التونج في غلاف عدد نوفمبر لعام ???? من مجلة «ناشونال جيوجرافيك».) ربما ظنَّ البعض أنه كان من الخطأ أن يُعهَد بمهمة التنقيب عن جمجمة طفل التونج لشخصٍ مثل دارت؛ فعلى كل حال، كان لا يزال شابًّا (?? عامًا) وقليل الخبرة ويميل قليلًا إلى تصديق البِدع العلمية. لكن كما اتضح فيما بعدُ، كان هو الرجل المناسب تمامًا الذي يستطيع أن يحوِّل اكتشافًا عَرَضيًّا إلى اكتشاف علمي كبير؛ فقد كان لديه من الذكاء والبصيرة ما مكَّنَه من إدراك أن هذا الطفل القديم المراهق هو ما يسمِّيه البعضُ «الحلقةَ المفقودة» بين الأسلاف البشريين وغير البشريين. ومن خلال زاوية حَمْل الرأس، كما استنتج من شكل الجمجمة في قاعدة القِحْف، ادَّعَى دارت أن طفل التونج كان يمشي منتصِب القامة. أثارت تلك الأفكار وغيرها من أفكاره موجةً من الجدل؛ حتى فيما يخص الحقيقة المتعلِّقة باكتشاف تلك الحفرية القديمة في أفريقيا، والتي لا يُعتقَد أنها المكان الذي عاش فيه أقدم أسلاف الإنسان. لكنَّ الأعمال اللاحقة التي قامت بها مجموعة متميزة من علماء الآثار (آل ليكي ودونالد يوهانسن وغيرهم) أكَّدت معظم مزاعم دارت.
إنسان نياندرتال: في عام ????، عثر عامل مَحْجَر — بينما كان يحفر في كهفٍ بالقرب من نياندرتال بألمانيا — على «إنسان» مثير للجدل. وفي واقع الأمر، كانت حفرية «إنسان نياندرتال» تتكون من مجموعة من العظام البُنية، بما فيها جمجمة. وفي تلك الأثناء، نشر داروين كتابه «أصل الأنواع» (????) وادَّعَى توماس هاكسلي أن التطوُّرَ بالانتخاب الطبيعي يوفِّر إطارًا نظريًّا لتاريخ الإنسان القديم. رفض بعض العلماء أن تكون جمجمة إنسان نياندرتال جمجمةَ قرد، لكن أشار هاكسلي إلى أنَّ لها خصائصَ شبيهة بجمجمة القرود، وأنها تُعَدُّ حلقةَ الوصل بين البشر والقرود. وقد تأكَّدت وجهة النظر القائلة بأن جمجمة نياندرتال خاصة بإنسان بدائي مع اكتشاف هياكل عظمية مشابهة في كهف في سباي ببلجيكا في عام ????، إلى جانب أجزاء من أدوات حَجرية وعظام حيواناتٍ لأنواع منقرضة كانت تعيش في المنطقة المجاورة للقطب الشمالي. ومن الثابت علميًّا الآن أن عمر إنسان نياندرتال يزيد عن ??? ألف عام. إنسان تولوند: في عام ???? في قرية تولوند الدنماركية، اكتشف شخصان كانَا يستخرجان الخث من أحد المستنقعات؛ جثةَ رجلٍ على قدر كبير من التماسك، كان يرتدي فقط قبعة وحزامًا من الجلد، وبدا على وجهه تعبير صافٍ على الرغم من وجود حبل جلدي ملفوف بإحكام حول رقبته. استنتج علماء الآثار أن هذا الرجل، الذي أُطلِق عليه «إنسان تولوند» قُتِل، ربما لتقديمه كنوعٍ من القربان الديني. وحلَّلَ علماء الآثار والتشريح والنبات كلَّ شيء فيه، بدءًا من القبعة وحتى آخِر وجبةٍ تناوَلَها. وظلت جثة هذا الرجل محتفظة بتماسُكها في الخث على نحوٍ جيد جدًّا، لدرجة أن شعر رأسه كان في حالة جيدة، وكانت لديه آثار لحية خفيفة لا يزال من الممكن رؤيتها. (تحتوي مستنقعات الخث على حمض التانيك، الذي يعمل كمادة حافظة، ويغطي الخث الأشياء بحيث يمنع وصول الأكسجين إليها الذي يمكن أن يتسبَّب في تحلُّلها.) وكان هذا الرجل حين قُتِل في الثلاثين من عمره تقريبًا، وذلك منذ حوالي ???? عام. إنسان ليندو: في أغسطس ????، كان أحد قاطعي الخث الذي كان يعمل بالقرب من المطار في مانشستر بإنجلترا، على وشك إلقاء كومة من الخث في آلة قطع، لكنَّ بعضًا من الأشنات الموجودة في الكومة وقع بعيدًا عن الخث، وبرزت منها قدمٌ بشرية. واستخرج علماءُ الآثار الذين تم استدعاؤهم إلى الموقع واحدًا من أكثر الأجسام البشرية القديمة التي تم العثور عليها احتفاظًا بحالتها. أظهرت الدراسات أن هذا الرجل، الذي أصبح يُطلَق عليه «إنسان ليندو»، كان من السلتيين، وينتمي إلى الطبقة الحاكمة المعروفة بالدرويدين. ويبدو أن هذا الرجل، شأنه شأن «إنسان تولوند»، قد تم تقديمه كقربان في احتفال ديني، وقد اختير بالقرعة وذلك منذ ???? عام. وكان يرتسم على وجهه تعبير صافٍ مما يدل على أنه سيق إلى الموت برغبته، وذلك في عملية قتل بَشِعة تم فيها إغراقه وقطع عنقه وتحطيم قصبته الهوائية بسير جلدي وضرب رأسه بهراوة.
كشف التحليل الكيميائي لمحتويات معدته وأمعائه عن وجود قطعة كعك محروقة تمامًا ومهضومة هضمًا جزئيًّا. واستنتجت الدكتورة آن روس، وهي عالِمة آثار متخصِّصة في التاريخ السلتي، أن تلك القطعة المحروقة من الكعك هي «ورقة اليانصيب» الخاسِرة التي ساقَتْ إنسان ليندو إلى مصيره كقربان لآلهة الدرويدين. واقترحت روس أن تلك القطعة هي جزءٌ من كعكة رفيعة ومستوية من الشعير المطحون، كانت تُستخدَم في احتفالات الدرويدين، وكان يُترَك جزءٌ منها حتى يحترق، ثم يقوم الكهنة بتقطيع الكعكة إلى أجزاء ووضعها في حقيبة جلدية، وتمرير الحقيبة على الحشد الموجود من البشر. وكان على كل شخص أن يأخذ قطعة، والشخص الذي يأخذ القطعة المحروقة كان يُقدَّم كقربان للآلهة.
يرى علماء الآثار أن اكتشاف هذا الرجل السلتي في إنجلترا له أهمية كبيرة فيما يتعلَّق بالتاريخ القديم لأوروبا؛ فهم يعتقدون أن السلتيين ربما قد سيطروا على مناطق عديدة من أوروبا أكثر مما نعتقد، وأنهم — وليس الألمان — مَنْ حكموا إسكندنافيا في القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد.
القرص الأزتيكي بمدينة مكسيكو سيتي: في عام ????، كان عمَّال تابعون لإحدى شركات المرافق العامة في مكسيكو سيتي يحفرون خندقًا لتركيب كبل كهرباء عندما عثروا مصادفةً على قرص حجري كبير. تعرَّفوا على الأشكال المنحوتة عليه التي قالوا إنها صور لأجزاءٍ مبتورة من جسم إلهة القمر عند الأزتيك، والتي — طبقًا للأسطورة — قُتِلت على يد أخيها، إله الحرب عند الأزتيك. ولم يُلتفَت إلى كبل الكهرباء عندما انتقل علماء الآثار للتنقيب في المكان. وظلت مدينة الأزتيك مدفونةً تحت مكسيكو سيتي لمدة أربعة قرون، والآن تم العثور على أطلال معبد ويتسيلوبوتشتلي الذي يحتوي على أكثر من مائة عنصر من المعدَّات والأدوات التي كانت تُقدَّم كقرابين للآلهة، بما في ذلك السكاكين والهدايا المقدَّمة للآلهة، وفي إحدى الحفر المبطنة جدرانها بالحجر، وُجِدت ?? جمجمة لأطفال من سن ثلاثة أشهر حتى ثمانية أعوام، قُدِّموا كقرابين لإله المطر تلالوك. بقايا حيوانات الماموث في بلاك هيلز: في عام ????، أثناء أعمال الحفر في مشروع تطوير عمراني جديد على أطراف هوت سبرينجز، وهي منطقة قريبة من سلسلة جبال بلاك هيلز في ساوث داكوتا؛ اكتشف مُشغِّل إحدى الجرَّافات ويُدعَى جورج هانسن مجموعةً من العظام مدفونة على بُعد ?? قدمًا تقريبًا تحت سطح الأرض. وذكر ابن هانسن ما اكتشفه أبوه لأستاذه السابق لاري أجينبرود، الذي ذكر أن تلك العظام خاصة بحيوانات ماموث كولومبية، وقد أُوقِع بها في مجرًى مائي منذ ?? ألف عام. وقد أُقيم الآن مبنًى فوق الموقع بحيث يمكن للزائرين رؤية العظام المتحجرة في الأماكن التي ماتت فيها تلك الحيوانات الضخمة التي كانت تعيش في فترات ما قبل التاريخ. وما زال التنقيب مستمرًّا في الموقع بمعدل شهر واحد كل عام. شكل ??-?: أنياب حيوانات ماسْتُودُون أثناء عملية حفر في موقع بناء في أوستن بتكساس.
حيوانات الماسْتُودُون في أوستن: في يناير ????، بينما كان يتم الحفر لإقامة مبنًى إداري مكوَّن من ?? طابِقًا في أوستن بتكساس، عثر مُشغِّل جرَّافة على ناب فيل عاجي في حالة متماسكة جدًّا. وحدَّدَ ألتون بريجز، عالِم الآثار الذي عيَّنَه المقاول في موقع البناء أثناء عملية الحفر (وهو إجراء شائع لأنه كثيرًا ما تحدث اكتشافات أَثرية أثناء عمليات الحفر) أن هذا الناب خاص بأحد حيوانات الماسْتُودُون، وهو نوع من الحيوانات التي كانت توجد في فترات ما قبل التاريخ مثل الماموث، وهو من عائلة الفيلة. إن حفريات هذا الحيوان أندرُ من تلك الخاصة بحيوان الماموث؛ فقد تم العثور على بضعة مئات منه فقط، في حين عُثِر على أكثر من ? آلاف من حفريات الماموث. وتم العثور على أنياب لثلاثة حيوانات ماسْتُودُون، إلى جانب ضلع وجزء من عظمة فك في الجانب الأيسر العلوي به سِنَّان كبيرتان سليمتان وعظام فقرية وعظمة ساقٍ وعظمة قدم. وقد كانت إحدى السِّنَّين، التي كانت ضرسًا، محتفظة بحالتها جيدًا لدرجة أنها كانت تلمع بعد أن تم غسلها. قال إرنست لندايليس، عالِم الحفريات بجامعة تكساس، الذي عمل مع بريجز بعد اكتشاف العظام؛ إن هذا الكشف كان غير عادي، وأضاف: «ليس من الشائع العثورُ على كل تلك الأجزاء من حيوانٍ في وضعٍ كهذا حيث يمكنك أن تنظر إلى مكان وجودها. وعادةً ما يتم استخراج عظام حيوانات الماسْتُودُون من قيعان خلجان، إذ ربما يكون انتهى بها المطاف إلى هناك بعد أن جرفها التيار.» ويُعتقَد أن هذا الموقع كان قاعًا لبركة بطول السهل الفيضي القديم لنهر كولورادو الذي يتدفَّق عبر أوستن. وحدَّدت تقنية التأريخ بالكربون المشع، التي أُجريت للطبقات الموجودة فوق المكان الذي عُثِر فيه على العظام وتحته، أن عمر العظام ?? ألف عام تقريبًا.
تمثال ملكة فرعونية في أخميم: في عام ????، بينما كنتُ في جولة تفقُّدية، شاهدتُ تمثالًا جميلًا لإحدى الزوجات المحبوبات للملك الفرعوني رمسيس الثاني (الذي حكم مصر من عام ???? إلى ???? قبل الميلاد) في أخميم، وهي مدينة مطلة على النيل في صعيد مصر. وكان العمال قد اكتشفوها لتوِّهم أثناء حفرهم لبناء مبنًى جديد. وكان التمثال مدفونًا في حطام معبد غير معروف منذ ?? قرنًا، غير أن اللون الأحمر لشفتَي الملكة الفرعونية ولون ظلال عيونها الأزرق كانا لا يزالان مرئيين على الرخام الناعم. شكل ??-?: تمثال لملكة فرعونية عُثِر عليه أثناء الحفر لبناء مبنًى جديد في أخميم.
(?) البحيرات التي جفَّتْ

قرية بيسكابين: في عام ????، لاحَظَ مُعلِّم كان في جولة خارجية مع فصله في بولندا؛ عددًا من القوائم الخشبية التي توجد بينها مسافاتٌ منتظمة بارزة من بحيرة، فزاد فضوله تجاهها. وقد أدَّتْ محاولاته لاستكشاف المكان إلى اكتشاف قرية بيسكابين التي بُنيَت على جزيرة في وسط البحيرة منذ أكثر من ???? عام، وقد هجرها أهلُها نظرًا لتدني مستوى الزراعة هناك وتعرُّضها للغزوات العسكرية، وبدأت تختفي تدريجيًّا مع ارتفاع منسوب الماء في البحيرة. وعندما أدَّى تجريف الأنهار في المنطقة إلى انخفاض منسوب الماء في البحيرة في ثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت الجزيرة والقرية القديمة المقامة عليها مرة ثانية. أزالت عمليات الحفر التي بدأت في عام ???? اللِّثامَ عن قرية جيدة التخطيط، مساحتها حوالي ? أفدنة، محاطة بآبار وسدٍّ من جذوع الأشجار. وكانت ضمنَ بقايا القرية التي ظلت على حالها أسلحةٌ وأدوات وآنية فخارية. استطاع علماء الآثار إعادة بناء معظم القرية، بما في ذلك صف من المنازل التي تشترك كلُّها في سقف واحد. وهكذا، فقد أدَّتْ ملاحظةُ المُعلِّم الدقيقة لبقايا القرية البارزة من البحيرة إلى ظهورِ مركز دراساتٍ مهم لحضارة لا نعرف عنها الكثير.
جماجم تايتسفيل: في عام ????، أدَّى التجفيف العَمْدي لإحدى البرك في مدينة تايتسفيل في فلوريدا إلى بعض النتائج غير المتوقَّعة؛ ففي الخُث الموجود في قاع البركة، عُثِر على عدد كبير من الجماجم البشرية التي يعود تاريخها إلى سبعة آلاف عام، والتي احتوت اثنتان منها على مخين في حالة جيدة. واستخلص العلماء الحمض النووي من أحد هذين المخين بهدف معرفة المزيد عن التغيُّرات التطوُّرية في التركيب الجيني للإنسان. (?) أشياء اكتُشِفت بمحض المصادفة

بطريقة أو بأخرى، اكتُشِف على سطح الأرض بمحض المصادفة بعضُ الأدوات القديمة، التي لاحَظَها بعض الراصدين اليَقِظين المتأهبين.
كهف أورينياك: في عام ????، أخرج أحد عمال إصلاح الطرق عظمةً بشرية من جُحر أرنب بالقرب من قرية أورينياك في التلال السفحية لسلسلة جبال البيرينيه في فرنسا. دفع الفضول العامِل إلى توسيع فتحة الجُحر، فوجد كهفًا يضم هياكل عظمية لسبعة عشر شخصًا، وأقراصًا صدفية مثقوبة وأسنانَ ثدييات. جمع المُشرِف على الطريق بعضًا من محتويات الكهف ليدرسها علماءُ الحفريات، وبالفعل لفتت انتباه إدوار لارتيه، وهو محامٍ كانت هوايته جمع عظام الحفريات. وبعد بضعة أعوام، زار لارتيه أورينياك، وبمزيد من الحفر حول الكهف وجَدَ أدوات مصنوعة من حجر الصَّوَّان وقرون وَعْل إلى جانب عظامٍ لثدييات منقرضة. وقد أدت تلك الأشياء التي اكتشفها والتي غابت عنها الأدوات المعدنية إلى اقتناعه بأن الشعب الأورينياكي القديم كان يعيش في بداية العصر الحجري. أدوات بان تشانج: في عام ????، كان ستيفن يونج يجري بحثًا اجتماعيًّا في تايلاند. وفي أحد الأيام، بينما كان يسير في طريق تمَّ شقها عبر إحدى الهضاب الصغيرة في قرية بان تشانج، تعثَّرَ في جذر شجرة ووقع على الأرض، وإذا به يجد نفسه وجهًا لوجه أمام آنية فخارية بارزة من الأرض، ورأى العديد من تلك الأواني على جانبَي الطريق. وخمَّنَ أنها قديمة جدًّا لأنها لم تكن مصقولةً. وعلى الرغم من أن سكان القرية قد نهبوا تلك المنطقة بشدة، فإنه عندما زارها تشستر جورمان، وهو عالِم آثار من جامعة بنسلفانيا، بعد بضعة أعوام وحفر تحت الجزء الأوسط من شارع قريب بالقرية، أخرجَ ?? طنًّا من المواد لدراستها، وتوصَّلَ إلى نظرية جديدة عن دراسة فترة ما قبل التاريخ لهذا الجزء من جنوب شرق آسيا؛ لأنه وجد أن تاريخ أنصال الرماح والحُلِيِّ البرونزية يعود إلى عام ???? قبل الميلاد تقريبًا. وطبقًا للنظرية القديمة، فإن الأدوات المعدنية ظهرت أولًا في الشرق الأدنى، ثم انتقلت إلى جنوب شرق آسيا في عام ??? قبل الميلاد. آثار حضارة فولسوم: في خريف عام ????، كان أحد رعاة البقر — ويُدعَى جورج ماكجانكين — يسير بطول وادٍ بالقرب من بلدة فولسوم في نيو مكسيكو، عندما رأى عظمةً تبرز من جدار الوادي. وعندما شدَّها، خرجت من الجدار وكانت عظمة كبيرة لكنه أدرك أنها لا تشبه أيًّا من عظام البقر أو الجاموس المألوفة لديه. وبعد عدة أعوام، زار جيسي فيجينس من متحف كولورادو للتاريخ الطبيعي الموقع وقرَّرَ أن تلك العِظام قد تكون لنوع من حيوان البيسون الذي يُعتقَد أنه انقرض منذ نهاية العصر الجليدي. والمدهش أكثر أنه عثر بجانب تلك العظام على رءوس رماح معدنية، كان بعضها مغروسًا في الهياكل العظمية للحيوانات. فحص تلك الأدواتِ فرانك روبرتس الابن من مؤسسة سميثسونيان، وأيَّدَ نظرية فيجينس بأن جماعات من البشر كانوا يعيشون في هذا الجزء من أمريكا في نهاية العصر الجليدي؛ أيْ منذ حوالي ?? آلاف عام. وكان هذا أسبق بحوالي ? آلاف عام مما كان يُعتقَد، وذلك قبل اكتشاف عظام حيوان البيسون المنقرض. حجر رشيد: ربما يكون حجر رشيد من أهم الاكتشافات الأَثرية التي نتجت عن العثور بالمصادفة على أشياءَ من صنع البشر، وهو المفتاح الذي فك طلاسم تاريخ مصر القديمة. فقد عثر جندي فرنسي من جيش نابليون على الحجر في أثناء ترميم حصن سانت جوليان بالقرب من بلدة رشيد، على ضفة أحد الفروع الغربية لنهر النيل في منطقة الدلتا، على بُعْد بضعة أميال من البحر و?? ميلًا تقريبًا غرب الإسكندرية. وفيما يلي وصفٌ لهذا الاكتشاف يسرده كارول آندروز من المتحف البريطاني الذي يوجد به الآن حجر رشيد: ثمة بعض الشك الذي يحيط بظروف اكتشاف حجر رشيد في منتصف شهر يوليو من عام ????. فطبقًا لإحدى الروايات، كان الحجر موجودًا على الأرض، لكن الرواية الأرجح هي أنه كان موجودًا في جدار قديم جدًّا أُمِرَتْ فرقة من الجنود الفرنسيين بهدمه، لإخلاء الطريق من أجل حفر أساس مبنًى ملحق بالحصن الذي عُرِف بعد ذلك بحصن سانت جوليان …
شكل ??-?: اكتشاف حجر رشيد من قِبَل جنود نابليون.
يُحسَب للضابط الذي كان يقود فرقة الجنود المسئولين عن هدم الجدار، وهو ملازم من سلاح المهندسين يُدعَى بيير فرانسوا كزافييه بوشار، ولزملائه من الضباط، إدراكُهم شبه الفوري لأهمية النقوش الثلاثة المختلفة المحفورة على الحجر؛ فقد كانت كلُّها نسخًا من نص واحد بثلاثة نظم مختلفة من الكتابة. ونظرًا لأن آخِر تلك النقوش كان مكتوبًا باللغة الإغريقية وبالتالي نجحوا في قراءته، فقد كان من الواضح أن ترجمة هذا النقش الأخير يمكن أن تكون بمنزلة مفتاح لفك شفرة الرموز الهيروغليفية الموجودة في القسم الأول من الحجر … وعند وصول الحجر إلى القاهرة في منتصف أغسطس، أصبح على الفور مثارَ اهتمام بالغ لدى العلماء الذين أخذهم نابليون معه في حملته على مصر.
في ?? أغسطس من عام ??? ميلاديًّا في جزيرة فيلة على الحد الجنوبي لمصر، يبدو أن الرموز الهيروغليفية قد استُخدِمت للمرة الأخيرة للنقش باللغة المصرية القديمة. ويرجع تاريخ النقش الأخير على الحجر بالكتابة الديموطيقية، التي تُعَدُّ أحدث نُظُم الكتابة الثلاثة التي كان يستخدمها المصريون القدماء وأكثرها استخدامًا للحروف المتصلة، إلى بعد ذلك بأقل من ?? عامًا؛ أي ??? ميلاديًّا … وعلى مدار ???? عامًا تالية، لم ترد أنباءٌ عن تاريخ مصر القديمة؛ نظرًا لأن فن قراءة نظم كتابتها القديمة قد اختفى. فلم يكن أحد يستطيع فَهْمَ النقوشِ الهيروغليفية التي لا حصرَ لها والتي تنتشر على كل الآثار، أو النصوصِ المكتوبة بالكتابة الديموطيقية والهيراطيقية المنتشرة على ورق البردي والألواح الصخرية والأواني الفخارية (آندروز، كتاب المتحف البريطاني عن حجر رشيد).
ثمة العديد من الأشخاص الذين ساهموا في فك شفرة الرموز الهيروغليفية، لكن جون-فرانسوا شامبليون، الذي درس حجر رشيد، هو مَن وضع الأسس التي تقوم عليها معرفتنا الحالية بلغة المصريين القدماء. فمع فك شفرة الرموز الهيروغليفية الموجودة على حجر رشيد، أعطَتِ المعلوماتُ الموجودة في النقوش التي كانت موجودةً بكثرة على الآثار؛ صورةً رائعة وشاملة عن الحضارة التي قامت على ضفاف النيل منذ قرون عديدة.
(?) الطبيعة ودورها في الاكتشافات الأَثرية العَرَضية

من الأشكال المختلفة لقانون مورفي أن «الطبيعة بطبيعتها منحرفة.» لكنها ليست كذلك دائمًا؛ فقد ساعَدَتْ في بعض الأحيان في الكشف عن بعض جوانب التاريخ القديم لعلماء الآثار. ومن أفضل الأمثلة على ذلك، وهو ما يجب أن يدخل ضمن نطاق السرنديبية الوهمية، قصةُ الحفرية لوسي التي عُثِر عليها من قِبَل أشخاص كانوا يسعون إلى إيجاد حفرية مثلها، ولكن هذا تم بمساعدة الطبيعة. (إن اكتشاف جمجمة طفل التونج في جنوب أفريقيا يُعَدُّ ضربًا من السرنديبية الحقيقية؛ لأن العمال الذين كانوا ينقبون عن الجير لم تكن لديهم أية نية للبحث عن الحفريات.)
الحفرية لوسي: في نوفمبر ????، كان أحدُ علماء الأنثروبولوجيا الذي يُدعَى دونالد جونسون وأحدُ طلاب الدراسات العليا الذي يُدعَى توم جراي يبحثان عن حفريات بشرية قديمة في شمال وسط أثيوبيا، لكنهما عثرا فقط على عظام حيوانات. وبينما كانا يسيران عبر أحد الأودية، لاحَظَا عظمة تبرز من منحدر متآكل فوقهما، ومع أنها كانت مدفونة تحت طبقات من الرَّماد البركاني والرواسب منذ قرون، فقد أظهر تلك العظمة فيضانٌ مفاجِئ حديث أدَّى إلى شق الوادي. ولم تكن تلك العظمة (التي كانت خاصة بذراع) فقط هي التي عُثِر عليها، وإنما عُثِر على العديد من العظام الأخرى؛ فبعد ثلاثة أسابيع من التنقيب المكثَّف، عثر جونسون وزملاؤه على عدة مئات من القِطَع العظمية، وثبت أن تلك القطع خاصة بشخص واحد؛ فهي لأنثى بالغة طولها ثلاث أقدام وثماني بوصات فقط، أطلقوا عليها اسم «لوسي»، وهو اسم مأخوذ من أغنية مشهورة لإحدى فرق البيتلز في ذلك الوقت. أثارت لوسي اهتمامًا كبيرًا؛ لأنها كانت تمثِّل أقدمَ أسلاف الإنسان التي كانت معروفةً في ذلك الوقت وأكثرها اكتمالًا، وقد قُدِّر عمرها بتقنية التأريخ الإشعاعي بحوالي ? ملايين سنة، وثبت من خلال طبيعة عظام الحوض أنها كانت تمشي منتصبةً على قدمين، وذلك قبل أن يعيش طفل التونج بمليون أو مليونَيْ سنة.
آثار هنود الماكاه في قرية أوزيت: تُعَدُّ قرية أوزيت مثالًا آخَر للكيفية التي ساعدت بها الطبيعة بطريقة السرنديبية الوهمية في الكشف عن آثار كانت مدفونة منذ زمن بعيد. وفيما يلي وصفٌ لهذا الاكتشاف يسرده بريان فاجان في كتابه «مغامرة علم الآثار» (????): كان لدى ريتشارد دورتي، وهو عالِم أنثروبيولوجي في جامعة ولاية واشنطن، عدد قليل من السجلات المكتوبة التي يمكنه الرجوع إليها عندما عثر على الآثار المدفونة في قرية أوزيت، وهي قرية ساحلية مهجورة في الركن الشمالي الغربي من واشنطن، لكن في محاولته تجميع المعلومات المتاحة لديه عن تاريخ هنود الماكاه معًا، استعان بأحفادهم الحاليين … فقد كان عجائزُ القبائل يحتفظون في ذاكرتهم بأساطير عن أجدادهم، وتحكي إحدى تلك القصص عن كارثة كبيرة؛ وهي أنَّ جبلًا هائلًا من الطين قد دفن قريتهم منذ فترة طويلة.
ظنَّ دورتي أن تلك القصة صحيحة، وفي عام ???? عندما أدت عواصف الشتاء العنيفة إلى حدوث مد وجزر على الشاطئ الواسع في أوزيت؛ تأكَّدَ ظنُّه. فقد جُرِف جزء من ضفة كاشفًا عن مجموعة كبيرة من الأشياء التي من صنع البشر: مجداف لزورق الكنو، وصنارات من الخشب، وعظام، وأجزاء من صناديق مُرصَّعة، وقصبة حربة، وقبعة مغزولة، كلُّها ترجع للوقت الذي وصل فيه كولومبوس إلى أمريكا، وقد استمرت على حالتها لعدة قرون تحت طبقة من الطين الكثيف …
بنى مجلس قبيلة الماكاه متحفًا ليحوي تلك الآثار الثقافية … وقال عنها: «إننا … نُولي رعاية خاصة للأشياء المستخرجة من الطين في أوزيت؛ لأن هذا هو تراثنا.»
(?) الحروب ودورها في الاكتشافات الأَثرية

في نهاية الحرب العالمية الثانية، أصاب الدمار مناطقَ كبيرة من بعض أعظم المدن الأوروبية — التي من بينها لندن وبرلين وروتردام وهامبورج — بسبب الغارات الجوية. وعلى الرغم من فداحة هذا الدمار، فإنه مثَّلَ فرصةً فريدة لعلماء الآثار. ففي وسط الحطام الموجود في لندن، أخذ مجلسُ التنقيب عن الآثار الرومانية وآثار القرون الوسطى في لندن، الذي لم يكن قد مضى على تشييده آنذاك وقت طويل، يبحث عن أي آثار لبلدة لندينيوم، وهي بلدة مطلة على ضفة نهرٍ أسسها الرومان في عام ?? ميلاديًّا تقريبًا.
عُثِر على معبد مخصَّص لميثراس، وهو إله كبير لاعتقاد شائع لدى الجنود الرومان. وقبل أن يشرع عمَّال البناء في استخدام آلات دقِّ الركائز في تدمير المعبد لحفر أساس لمبنًى إداري، ضغط الرأي العام على الحكومة كي تطلب من المقاول نقل الضريح الروماني إلى موقع قريب، حيث لا يزال يجتذب الزائرين المهتمين بتاريخ البلدة.
(?) الأولاد والكهوف

إنَّ فضول الأولاد بشأن الكهوف التي يكتشفونها أدَّى في حالتين على الأقل إلى العثور على معلومات أَثرية مهمة.
كهف لاسكو: في عام ????، بينما كان أربعة أولاد يستكشفون الغابات القريبة من بلدة مونتيناك في جنوب غرب فرنسا، اكتشفوا حفرةً صغيرة في الأرض. ودفعهم الفضول إلى توسيع الحفرة بحيث يمكنهم الزحف داخلها، فوجدوا ممرًّا ضيِّقًا يؤدِّي إلى كهف كبير تحت الأرض. وباستخدام ضوء مصباحهم الزيتي، اندهشوا عندما رأوا رسومات ذات ألوان زاهية لحيوانات على سقف الكهف وجدرانه البيضاء المصنوعة من الحجر الجيري، وذكروا اكتشافهم لمُعلِّم سابق لهم اتصل هاتفيًّا بآبي هنري بروي، أحد المتخصصين في فن عصور ما قبل التاريخ. وجاء بروي لرؤية رسومات الكهف وأعلن أنها قديمة، وعندما بلغت أخبار الاكتشاف مسامع الناس وعلماء الآثار والصحفيين والسائحين، جاءوا لزيارة الكهف؛ وكانوا يدخلون في مجموعات صغيرة وتحت رقابة شديدة. لكن بعد الحرب، وفَّرَتِ الحكومة الفرنسية وصاحب الأرض مدخلًا أكثر أمانًا وتأمينًا أفضل للرسومات، ومنذ ذلك الحين أصبح آلاف السائحين يأتون لزيارة الكهف، ويمكنهم الآن رؤية نسخةٍ طبق الأصل من الكهف شُيِّدت بجوار الكهف الأصلي للحيلولة دون الإضرار بالأعمال الفنية الأصلية التي لا يمكن تعويضها. مخطوطات البحر الميت: في عام ????، كان صبيٌّ من البدو يبحث عن نعجة ضلَّتْ طريقها وسط أجراف قاحلة متاخمة للساحل الشمالي الغربي للبحر الميت، فلاحَظَ فتحةً صغيرةً في أحد الأجراف، وقذف حجرًا فيها فسمع صوتَ انكسار إناءٍ فخاريٍّ في الداخل. فزع الصبي من الصوت، ولكنه عاد مع صديق له واستطاعَا الزحف إلى داخل الكهف حيث وجَدَا العديد من الأواني الفخارية الكبيرة. وفي بعض تلك الأواني، وجَدَا لفائفَ قديمة هي مخطوطات من الرق ملفوفة في قماش من الكتان، فأخَذَا اللفائف إلى معسكرهم، وتم بيع بعضها للمطْران السوري في القدس، وذلك على مسافة ?? ميلًا باتجاه الغرب. شكل ??-?: اكتشاف مخطوطات البحر الميت.
على الرغم من أن مجموعة كبيرة من الخبراء الذين فحصوا مخطوطات اللفائف أعلنوا أنها لا قيمةَ لها، فقد أرسلها المطْران إلى المدرسة الأمريكية للبحث الشرقي في القدس. واقتنع هناك الدكتور جون سي تريفر وويليام براونلي بالطبيعة الحسَّاسة لتلك الوثائق عندما شاهَدَا الأشكالَ القديمة للحروف العبرية، فصوَّرَا أقسامًا من إحدى المخطوطات (نسخة من السِّفْر الإنجيلي أشعياء) وأرسلاها إلى الدكتور ويليام إف أولبرايت، وهو حُجَّة في علم الكتابات العبرية القديمة في جامعة جونز هوبكينز. وعلى الفور، قال الدكتور أولبرايت إن هذه المخطوطة ترجع تقريبًا إلى عام ??? قبل الميلاد، ووصف المخطوطات بأنها «اكتشاف مُبهِر جدًّا.» وتأكَّد هذا التاريخ عندما استُخدِمت تقنية التأريخ بالكربون المشع. تسبق تلك المخطوطات كلَّ مخطوطات الكتاب المقدَّس بألف عام، وذلك باستثناء القليل من أجزاء المخطوطات الإنجيلية.
شكل ??-?: الكهف الرابع في منطقة قمران بالقرب من البحر الميت.
أخَّرَ الصراعُ المسلَّح بين العرب واليهود إجراءَ المزيد من عمليات البحث من جانب علماء الآثار حتى عام ????، وحينها فشلت عمليات البحث الأولية في العثور على مزيدٍ من المخطوطات وفي الحصول على معلومات عن الأشخاص الذين كتبوا تلك المخطوطات وأخفوها. لكنَّ بَدْوَ المنطقة الفقراء وجدوا في تلك المخطوطات مصدرًا جديدًا للدَّخْل (فهم الذين باعوا المخطوطات الأصلية لعلماء القدس الذين ساورتهم رغبة شديدة في شرائها)، فبدءوا في حماسٍ البحثَ في الصدوع والشقوق في صحراء أريحا المقفرة، بالقرب من البحر الميت. وفي عام ????، اكتشفوا شيئًا مهمًّا بالقرب من حطام منطقة قمران، على مسافة ميل من الاكتشاف الأصلي الذي عثر عليه الصبي البدوي في الكهف الأول. وقد أدَّى مزيد من عمليات البحث من جانب البدو وعلماء الآثار إلى الكشف عن بقايا منطقة قديمة كانت تسكنها طائفةٌ يهودية منعزلة تُسمَّى الأسينيين، وكانوا هم مَن كتبوا تلك المخطوطات وأخفوها، ربما كي يعودوا إليها بعد التخلُّص من الاضطهاد الروماني.
عُثِرَ على آلاف الأجزاء من حوالي ??? مخطوطة مختلفة، بما في ذلك أجزاء من كل سِفْر من أسفار الكتاب المقدس فيما عدا سِفْر إستير. وربما تمر عقود قبل تقييم المدلول الكامل لتلك المخطوطات، إلا أنها قد أدت بالفعل إلى سدِّ ثغرات مهمة في معرفتنا بالكتاب المقدس؛ فقد أعطتنا فهمًا جديدًا للمناخ الديني الذي وُلِد فيه المسيح، ولأول مرة تتكشف لنا طائفة الأسينيين الغامضة.
(?) غوَّاصو الإسفنج

إنَّ السفن التي غرقت منذ عدة قرون تعد سجلات للعصور التي كانت تبحر فيها. وحتى وقت قريب جدًّا، عندما ظهرت أجهزة متطوِّرة مثل جهاز قياس المغناطيسية والسونار وكاميرات الفيديو التي يتم التحكُّم فيها عن بُعْد؛ كان المصدر الوحيد لاكتشاف السفن الغارقة في البحار هو الغوَّاصين الذين يبحثون عن الإسفنج في البحر المتوسط. فكثيرًا ما كان يعثر هؤلاء الرجال على سفن غارقة أو آثار منها، بينما يبحثون عن الإسفنج في قاع البحر على أعماقٍ تزيد عن ??? قدم.
كتب أحد مستكشِفي السفن الغارقة ويُدعَى جورج باس في عدد ديسمبر ???? من مجلة «ناشونال جيوجرافيك» يقول: علَّمتنا خبرتنا الطويلة أن أفضل مصادر المعلومات عن السفن الغارقة القديمة هي الغوَّاصون في قوارب الإسفنج بتركيا … إنهم أهم بكثير من أجهزة قياس المغناطيسية والسونار المتطورة … ففي موسم صيفي واحد، يقضي الغوَّاصون في ?? قاربًا حوالي ?? ألف ساعة يغوصون في قاع الماء بحثًا عن الإسفنج.
إن استخدام المعلومات التي يوِّفرها غوَّاصُو الإسفنج كأساس للاستكشافات الأَثرية يجعل الاكتشافات التي يصل إليها هؤلاء غير سرنديبية. لكن الاكتشافات الأولى التي اعتمدت على ملاحظة غوَّاصي الإسفنج بلا شكٍّ سرنديبية؛ فلم يكن لدى هؤلاء أية نية للبحث عن سفن غارقة، فقد كان همُّهم فقط هو العثور على الإسفنج.
اكتشاف سفينة تنتمي للعصر البرونزي بالقرب من تركيا: قابَل بيتر ثروكمورتون، أحد الغوَّاصين المستكشِفين، ربَّانًا تركيًّا ضخم البنية لأحد قوارب البحث عن الإسفنج، وقد عثَرَ على أحد التماثيل البرونزية القديمة وجَرَّة فخارية في قاع البحر المتوسط. وأعرب الربَّان عن عدم رضائه عن معدات الغوص الحديثة المتمثلة في أجهزة التنفُّس تحت الماء، التي تستخدمها المجموعة الأمريكية من الغوَّاصين المستكشِفين؛ كان يرى أنها للسائحين فقط وليست للغواصين الحقيقيين. لكن سرعان ما اكتسب الأمريكيون ومعداتهم احترامَ الغوَّاصين التركيِّين. وفي واقع الأمر، فقد اعتاد غوَّاصو الإسفنج الأصغر سنًّا على استخدام تلك المعدات وتخلَّوا عن خوذات الغوص المعدنية القديمة التي كانوا يستخدمونها. مرَّ صيف عام ???? دون أي اكتشافات محددة، لكن عندما أعلن أحدُ غوَّاصي الإسفنج دون اكتراث عن وجود سبائك برونزية متآكلة على شكل جلود حيوانات، قرَّرَ ثروكمورتون وفريقه العودةَ مرة أخرى في صيف العام التالي حيث تمكَّنوا من تحديد موقع غرق إحدى السفن التي يرجع تاريخها إلى العصر البرونزي. ومع أنهم لم يستطيعوا العثور على السفينة، فقد عثروا على العديد من رءوس الأسهم والفئوس والسبائك البرونزية والأواني الفخارية البدائية. لكن الطقس السيئ حالَ دون إجراء المزيد من البحث عن السفينة حتى صيف العام التالي؛ أي عام ????. وفي ذلك الصيف، عثروا أخيرًا على السفينة أو على الأقل على أجزاء من هيكلها وبعض الأدوات الموجودة ضمن حمولتها بما يُرجح أن يكون تاريخُ آخِر رحلة للسفينة هو عام ???? قبل الميلاد تقريبًا. وقد وضعوا أكثر من طن من الأغراض المصنوعة من البرونز والنحاس الموجودة ضمن حمولة السفينة في متحف في مدينة بودروم بتركيا.
اكتشاف سفينة يونانية بالقرب من قبرص: تم العثور على سفينة يونانية غرقت بالقرب من ساحل قبرص في القرن الرابع قبل الميلاد. كان مفتاح الاكتشاف هنا أيضًا غوَّاصُ إسفنج؛ فقد رصَدَ الغوَّاص مجموعةً من الجِرار والأواني الفخارية وأواني الخمر التي كانت مستخدَمةً في ذلك الوقت، والتي كانت توجد عادةً في السفن التجارية بالبحر المتوسط. وفي عدد شهر يونيو لعام ???? من مجلة «ناشونال جيوجرافيك»، اقتبس مايكل كاتزيف ما قاله الغوَّاص القبرصي عن كيفية عثوره على الأواني، ثم عن الصعوبة التي واجهته في العثور عليها مرة ثانية: بينما كنتُ أغوص بحثًا عن الإسفنج، لاحظتُ فجأةً مرساة قاربي تُسحَب، فتتبعتها ووجدتها تنزلق خلف هذا التل، لكن عندما صعدتُ إلى السطح، كانت قد هبَّت عاصفة شديدة؛ ما لم يدع وقتًا أمامي لكي أحدِّد اتجاهي. وكنت أحاول على مدى ثلاث سنوات تحديد مكان الأواني مرةً ثانية. وإنكم لمحظوظون، فقد استطعتُ منذ بضعة أسابيع فقط رؤية السفينة مرةً أخرى، وهي ملككم الآن. فعلماء الآثار فقط مَنْ يتعيَّن عليهم لمسها. ولقد احتفظتُ بالسر من أجلكم ولضمان أن يُنسَب هذا الشرف إلى بلدتي. ويجب ألَّا تنسوا أنها جزءٌ من تاريخ كايرينيا.
كان هيكل السفينة الخشبي سليمًا تقريبًا، بسبب الرمال التي غطته لمدة ?? قرنًا، وبسبب طبقة من الصفيح كان الغرض منها حماية الخشب من ديدان السفن. ويبدو أن طاقم السفينة كانوا يؤمنون بشدة بأهمية الغطاء الصفيحي؛ فقد وجد علماءُ الآثار أن الديدان قد أحدثت دمارًا شديدًا في السفينة تحت الصفيح، وخمَّنوا أن الحَفْرَ الذي قامت به تلك الديدان ربما يكون السبب في غرق السفينة.
اكتشاف سفينة من العصر البرونزي في أولو بورون: في عام ????، أسَّسَ جورج إف باس معهدَ علم الآثار البحرية في جامعة تكساس للعلوم الزراعية والميكانيكية، حيث شغل منصب أستاذ في علم الآثار البحرية. يتولى هذا المعهدُ مع جمعية ناشونال جيوجرافيك ومؤسسة العلوم القومية وهيئة الوقف القومي للعلوم الإنسانية ومعهد تاريخ الحضارة الإيجية تمويل عمليات التنقيب عن حطام السفينة الغارقة في منطقة أولو بورون، التي بدأت في عام ???? واستمرت في عام ????. شكل ??-?: حطام سفينة غارقة يرجع تاريخها إلى العصر البرونزي في أولو بورون بتركيا. اكتشف القائمون على عمليات التنقيب صفوفًا من السبائك النحاسية رباعية الأيدي على عمق ??? قدمًا تقريبًا.
ظهرت أول إشارة إلى حطام السفينة الغارقة في منطقة أولو بورون في صيف عام ????. إذ ذكر غوَّاص إسفنج شاب لرئيسه أنه رأى «قطع بسكويت معدني ذات آذان» غريبة في قاع البحر، بينما كان يعمل على عمق ??? قدمًا بالقرب من نقطة تنقيب تحت سطح الماء. وأدرك رئيس الشاب أن وصف الشاب ينطبق تمامًا على سبائك النحاس المنتمية للعصر البرونزي التي رآها في رسمٍ كان معهدُ علم الآثار البحرية قد وزَّعَه على أصحاب قوارب تجميع الإسفنج، ونقل ذلك المعهد. تم عمل مسح مبدئي في صيف عام ????؛ فجعلت الصور والمخططات الدكتور باس يتعجَّب قائلًا: «نحن بصدد حلم طالما راود علماء الآثار!» وتم إحضار آلاف الأشياء من الحطام الذي يمثِّل سبع حضارات كانت موجودة في شرق البحر المتوسط في أواخر العصر البرونزي؛ في نفس الوقت الذي حكم فيه توت عنخ آمون في مصر، وسقطت فيه طروادة.
من بين الأشياء التي تم جلبها من الحطام: مئاتٌ من السبائك النحاسية، وسبائك صفيح (كانت تُستخدَم مع النحاس لصنع البرونز)، وكأس قداس ذهبية، وكوب مايسيني مصنوع من التراكوتا وساعد في تأريخ تلك الأدوات (فهو يشير إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد)، وجعران ذهبي صغير محفور عليه اسم الملكة نفرتيتي، وخشب أبنوس من نفس النوع المستخدَم في الأثاث في مقبرة توت عنخ آمون، وحبات كهرمان بلطيقي، وسبائك زجاجية لونها أزرق داكن من كنعان، وجرار مليئة بصمغ عطري يُستخدَم كبخور، ومئات من الصدف الرخوي من النوع الذي تُستخرَج منه صبغةُ الأرجوان الملكي (وهي الصبغة الأرجوانية المستخدَمة من قِبل الأسرة الملكية)، وأجزاء من «كتاب» خشبي صغير له حواف من العاج ربما يمثِّل أقدم كتابٍ في العالم. تُغطَّى «الصفحات» الخشبية بالشمع الذي يمكن النقش عليه باستخدام أداة الكتابة. ولم يوجد أيُّ أثر للشمع لكن وُجِد أحد مكونات الشمع في جرة مقفلة وسط الحطام. كما أن ألواح خشب السفينة كانت مربوطة بعضها ببعض باستخدام وصلات نقرة ولسان مثبتة من خلال أوتاد مصنوعة من الخشب الصلب، بنفس الطريقة التي وصف بها هوميروس تكوينَ سفينة أوديسيوس.
أقنعت الدراساتُ الأَثرية المستمرة فريق معهد علم الآثار البحرية بأن تلك السفينة غير عادية؛ ربما لأنها تحمل أشياءَ خاصة بالطبقة الحاكمة. وقد كان تحطُّمُ تلك السفينة صفعةً قويةً للكثير من الأشخاص المهمين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. لكن الاكتشاف السرنديبي لحطامها قدَّمَ الكثير من المعلومات الجديدة عن تلك الحقبة القديمة.
تعقيب

لقد أُجريَ العديد من الاكتشافات الأَثرية الأخرى، ليس فقط من خلال «المحاولة الدءوبة» ولكن أيضًا من خلال التنظيم الجيد، أو التخطيط، كما قال السير ديريك بارتون (انظر الفصل الخامس والثلاثين). ومن بين الأمثلة العديدة التي يمكن ذكرها في هذا الشأن اكتشاف سفينة تايتانيك. فقد أوضح هذا الإنجاز الذي أسر انتباه العالم الغربي التخطيطَ الجيد للعديد من الأشخاص واستخدام المعدات العلمية الجديدة، التي صمِّم بعضها خصيصَى لهذا الهدف. وقُدِّم وصفٌ لهذا المشروع موضح بالصور في مقالين في مجلة «ناشونال جيوجرافيك» في ديسمبر ???? و????، وفي كتاب روبرت دي بالرد «اكتشاف تايتانيك» (????).

الفصل التاسع عشر
اكتشافاتٌ فلكية وليدة المصادفة


(?) نظرية الانفجار العظيم

في عام ????، كان كل من آرنو بينزيس وروبرت ويلسن، من شركة بيل لابورتوريز في هولمديل بنيو جيرسي، يعدِّلون من عمل هوائي لاسلكي كان يُستخدَم لاستقبال إشارات من أقمار صناعية قديمة خاصة بالاتصالات؛ فقد كانا يحاولان استخدامه لإجراء بعض الدراسات العادية بعض الشيء على إشارات الراديو من الفضاء الخارجي. ومن أجل الإعداد لذلك، حاوَلَا الحدَّ من كلِّ مصادر إشارات الراديو الأرضية. وطردا زوجين من الحمام كانا يعشِّشان في الهوائي البوقي الشكل، وأزالَا ما يُطلَق عليه علميًّا «مادة عزل كهربائي بيضاء». وبعد أخذ كل هذه الاحتياطات، وجَدَا أنه ما زال يوجد بعض «التشويش» الإشعاعي، مقارَنةً بالتشويش الإذاعي.
كان للفلكيين نظريةٌ تقول بأن نشأة الكون بدأت منذ ?? مليار عام مع حدوث انفجار هائل لمادة مكثَّفة للغاية؛ وأطلقوا عليها تبسيطًا اسم نظرية الانفجار العظيم. أدَّى هذا الانفجار إلى حدوث إشعاع هائل من الطاقة أخذ يتناقص منذ ذلك الحين، وكان جيمس بيبلز قد قدَّم ورقة بحثية حول هذه النظرية في لقاء علمي في جامعة جون هوبكينز في أوائل عام ????. وبطريقة ما (حيث توجد روايات متعدِّدة حول هذا الموضوع)، سمع بينزيس وويلسن من شركة بيل بتلك الورقة وبنظريات بيبلز عن الانفجار العظيم، وعندما تبادَلَتْ فِرَقُ جامعة برينستن وشركةُ بيل تلك المعلوماتِ، وصلوا إلى أن «التشويش» المكتشَف من الهوائي اللاسلكي لشركة بيل هو طاقة متوقَّعة من الإشعاع المتبقِّي من عملية الانفجار العظيم، وقالوا: «إما أننا رأينا ميلادَ الكون، وإما (كما يمكن أن يقول الفيزيائيون الفلكيون) أننا رأينا كومة من الحَمَام!»
يبدو أن المسئولين عن جائزة نوبل قد قبِلَا النسخةَ الأكثر علميةً من هذا الاستنتاج، حيث منحوا بينزيس وويلسن جائزةَ نوبل في الفيزياء لعام ????.
(?) النجوم النابِضة

لم يكن أنتوني هيويش وجوسلين بيل يسعيان إلى اكتشاف النجوم النابِضة في عام ????. وحتى إن كانَا يسعيان إلى ذلك، فكيف يمكنهما إنجاز الأمر؟ فلم يكن يشكُّ أحد أن النجوم النيوترونية تطلِق إشاراتٍ نابضةً ذات تردُّد راديوي. لكن في جامعة كامبريدج في صيف ذلك العام، كان هيويش وبيل يحاوِلان قياسَ حجم مصادر الراديو، بتحديد ما إن كانت المصادر «تُومِض» مع مرور موجات الراديو الخاصة بها عبر الوسط الكواكبي أم لا.
لكن بيل لاحظت شيئًا غير عادي في المخططات الموسَّعة الأسبوعية التي ينتجها تليسكوب جامعة كامبريدج؛ إذ كانت تظهر تدفُّقات من الإشعاع في السجلات كلَّ منتصف ليل. وبنهاية شهر سبتمبر، كانت بيل وهيويش قد استبعَدَا احتمالَ كون تلك الإشارات تشويشًا أرضيًّا من أي نوع، ولاحَظَا أن التدفُّقات تأتي مبكرًا كلَّ ليلة، كما تفعل النجوم تمامًا. وعندما أصبحت الإشارات قويةً جدًّا في نوفمبر، اكتشَفَا نبضات قصيرة وعلى فترات منتظمة جدًّا، وحينها فحصت بيل أكوامَ سجلَّاتِ المخططات ووجدت ثلاثة نجوم نابِضة أخرى، وعندما تم الإعلان عن تلك النتائج، جرى البحث عن تفسيراتٍ لها وأُطلِقت الكثير من التفسيرات، تراوحت ما بين الطريف («اتصالات من «الرجال الخُضر الصغيري الحجم» في الفضاء الخارجي»)، والجاد (جسمٌ فلكي يولِّد تلك النبضات على نحوٍ ما).
جاء التفسير الصحيح من ديفيد ستيلن وإدوارد رايفينشتاين من المرصد الفلكي الراديوي الوطني في جرين بانك بولاية فيرجينيا الغربية، اللذين وجَدَا نجمةً نابِضةً في مركز سديم السرطان؛ وهكذا قيل إن النجوم النابِضة هي نجوم نيوترونية، وهي البقايا التي خلَّفها انفجار نجم مستعر أعظم.
(?) قمر كوكب بلوتو

أدى حادث عارض تعرَّضَ له أحدُ الأجهزة إلى اكتشافٍ فلكي سجَّله جيمس كريستي في مرصد البحرية الأمريكية في عام ????. فقد كان كريستي يقيس دورانَ كوكب بلوتو، وكي يقوم بهذا، وضَعَ لوحًا فوتوغرافيًّا يحتوي على صورة لبلوتو في جهازٍ يُسمَّى جهازَ مسح النجوم، وعندما فعل هذا، لاحَظَ استطالةً لصورة الكوكب. في البداية، افترَضَ أن تلك الاستطالة شيءٌ مصطنع، وكان على وشك التخلُّص من الصورة، لكن لحسن الحظ (كما اتضح لاحقًا)، بدأ الجهاز يتعطَّل في تلك اللحظة. استدعى كريستي فنيَّ إلكترونيات لإصلاح الجهاز، فطلب الفنيُّ من كريستي أن يبقى معه وهو يباشر إصلاح الجهاز؛ لأنه كان يعتقد أنه ربما يحتاج إلى مساعدة كريستي.
أثناء الساعة التي استغرقتها عملية الإصلاح، درس كريستي الصورةَ بعنايةٍ أكبر؛ ونتيجةً لذلك قرَّرَ البحثَ في أرشيف الصور عن صورٍ سابقةٍ للكوكب. وأول صورة وجدها كان مكتوبًا عليها: «صورة بلوتو. به استطالة. اللوح ليس جيدًا. مُستبعَدة.» أثَارَ ذلك اهتمامَه وبحث عبر الأرشيف مرة ثانية، فوجد ست صور أخرى مؤرَّخة بين عامَيْ ???? و???? أظهرت نفس الاستطالة. وأثبتَتْ دراساتٌ أخرى أجراها أن الاستطالة هي قمر تابع للكوكب. وهكذا، فلو لم يكن الجهاز قد تعطَّل، لم يكن لكريستي أن يكتشف القمر الجديد.

الفصل العشرون
اكتشافاتٌ طبية وليدة المصادفة


(?) الأنسولين

في عام ???? في ستراسبورج بألمانيا، بينما كان جوزيف فون ميرينج وأوسكار مينكوفسكي يدرسان وظيفة البنكرياس في عملية الهضم، استأصلا بنكرياس أحد الكلاب. وفي يوم لاحق، طلَبَ مساعِد لهما في المعمل أن ينظَرَا إلى الذباب الذي يقف على بول هذا الكلب؛ فأخذهما الفضول بشأن السبب الذي جذب الذباب إلى هذا البول، فحلَّلَاه فوجَدَا أنه مليء بالسكر. ووجود سكر في البول يمثل إحدى العلامات الشائعة للإصابة بمرض السكر.
أدرك العالمان أنهما يريان لأول مرة دليلًا على الإنتاج المعملي لمرض السكر في أحد الحيوانات. وأدت حقيقة استئصال البنكرياس من هذا الحيوان إلى اقتراح وجود علاقة بين البنكرياس ومرض السكر. ثم أثبتَ هذان العالمان أن البنكرياس ينتج إفرازًا يتحكَّم في استهلاك السكر، وأن وجود نقص في هذا الإفراز يسبِّب مشكلات في أيض السكر تظهر على هيئة أعراض لمرض السكر.
أُجريت محاولات عديدة لعزل هذا الإفراز، لكن دون نجاحٍ كبير، وذلك حتى عام ???? حين استطاع باحثان، هما: فريدريك جي بانتينج وهو طبيب كندي شاب، وتشارلز إتش بيست وهو طالب في كلية الطب، كانا يحاولان القيامَ بعملية العزل في معمل البروفيسور جون جيه آر ماكليود في جامعة تورونتو؛ عزلَ الإفراز من بنكرياس الكلاب. وعندما حقَنَا الكلابَ التي أُصِيبت بمرض السكر بسبب استئصال البنكرياس منها بالمادة المستخلَصة، عادَتْ مستويات السكر في الدم إلى معدلاتها الطبيعية أو أقل، وأصبح بولها خاليًا من السكر، وتحسَّنَتْ أيضًا الحالةُ العامة لتلك الكلاب.
اهتم البروفيسور ماكليود كثيرًا بالمشروع وطوَّر إجراءات استخلاص الهرمون ووضع معيارًا لجرعته، واقترح أيضًا اسمًا للإفراز وهو «الأنسولين» الذي عُرِف الآن أنه هرمون، عندما وجد أنه يُنتَج من قِبَل كتل من الخلايا المعزولة، أو المنفصلة، في البنكرياس تُسمَّى جزر لانجرهانز. وفي غضون عام، اختبِرت مستخلصات منقاة من بنكرياس الأبقار على مرضى السكر من البشر، وثبت أنها قلَّلت من أعراض المرض. ومن أوائل الأشخاص الذين اختبِر هذا العلاج عليهم أحدُ المتطوعين الذي كان يعاني بشدةٍ من مرض السكر، وهو أحد أصدقاءِ بانتينج ومن زملاءِ دراسته. وقد تحسَّنَتْ حالته كثيرًا وأصبح بمنزلة حقل تجارِب بشري لاختبارات معايَرة الجرعات.
قبل عام ???? (عندما استُخدِم الأنسولين لأول مرة إكلينيكيًّا)، كان العلاج القائم على النظام الغذائي يساعد في تقليل تأثير الأعراض ويطيل من عمر المريض، لكنه لم يكن مُرضيًا على الإطلاق؛ فقد كان مرضُ السكر مرضًا شديدًا وموهِنًا للمريض المصاب به، ومميتًا في معظم الحالات. وكان ثمة احتمال كبير لحدوث عدوى من شتى الأنواع، كما أن إجراء الجراحات كان خَطِرًا، وكان الحَمْلُ يشكِّل خطرًا على صحة الأم المصابة والمولود. ويمكن للأنسولين علاج معظم حالات الإصابة بهذا المرض، كما أنه يقلِّل أو يحدُّ من الأخطار الطارئة ويطيل من عمر المريض ويزيد من نشاطه.
أعلن بانتينج وماكلويد عن عزل الأنسولين واستخدامه إكلينيكيًّا لعلاج مرض السكر في ورقة بحثية قُدِّمت أمام الجمعية الأمريكية لعلم وظائف الأعضاء في يناير ????، وقد تقاسَمَا جائزةَ نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ????. ويُعَدُّ الوقت القصير جدًّا بين الاكتشاف والتكريم بجائزة نوبل دليلًا على أهمية الاكتشاف في مجال الممارسة الطبية.
إن الأنسولين بروتينٌ، بوليمر طبيعي مكوَّن من ?? حمضًا أمينيًّا بحد أقصى، مرتبطة معًا في تسلسُل محدَّد، في حلقتين متصلتين معًا. وقد اكتُشِف في الحلقتين تسلسُل الأحماض الأمينية للأنسولين البقري في عام ???? من قِبَل فريدريك سانجر من جامعة كامبريدج، الذي حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عن هذا الإنجاز في عام ????. وثمة اختلاف بسيط في تسلسل الأحماض الأمينية في بعض أنواع الحيوانات، لكن الاختلافات في التسلسُلِ ليست مهمةً للتأثير التنظيمي على أيض الكربوهيدرات في البشر؛ فيمكن لأي شخص لديه حساسية للأنسولين المأخوذ من الخيول، على سبيل المثال، استخدامُ الأنسولين المأخوذ من الخنازير. وحتى وقت قريب، كان كلُّ الأنسولين المستخدَم في علاج مرض السكر لدى البشر يأتي من بنكرياس الخيول والخنازير، ولكن نتيجةً للهندسة الوراثية واعتمادًا على المعرفة المتوافرة عن كيفية تحكُّم الحمض النووي في تصنيع البروتينات، بدأت شركة كبرى في مجال الصناعات الدوائية تنتج الأنسولين البشري باستخدام بكتيريا تُسمَّى إيشريشيا كولاي. وتبشِّر تلك العمليةُ بإتاحة إمداداتٍ كبيرةٍ من الأنسولين لا تعتمد على مصادر حيوانية لا يُعوَّل عليها في بعض الأحيان.
إننا نذكر فون ميرينج ومينكوفسكي الآن ليس لجهودهما فيما يتعلَّق بعملية الهضم، ولكن لعملهما الرائد في تحديد سبب مرض السكر ومواجهته بصفة أساسية. ويُنسَب إلى بانتينج وبيست الفضلُ الأكبر لإسهاماتهما في علاج هذا المرض الخطير، لكنَّ المعرفة المبدئية فيما يتعلَّق بسببه كانت نتيجةَ الاستجابة اليَقِظة لميرينج ومينكوفسكي لمنظر الذباب وهو يحوم حول بول كلب استؤصِل بنكرياسه، وهو أمر حدث بمحض المصادفة وكان يمكن أن يتجاهلاه وينظرا إليه كشيء مزعج وتافه.
(?) الحساسية وفرط الحساسية والأدوية المضادة للهيستامين

حصل شارل روبير ريشيه على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ???? لاكتشافاته المتعلِّقة بالحساسية وفرط الحساسية.
وُلِد ريشيه في باريس في عام ???? لأب كان بروفيسورًا للجراحة الإكلينيكية، وأصبح هو أيضًا بروفيسورًا في علم وظائف الأعضاء، لكنه لم يقصر اهتمامه على هذا المجال؛ فقد نشر أوراقًا بحثية في علم النفس والصيدلة والباثولوجيا والكيمياء الفيسيولوجية، وكان مُتابِعًا لتطوُّر علم الطيران عن قُرْبٍ وصمَّمَ بالفعل طائرة، وكان ناشطًا في الحركات الداعية للسلام. ويرى المرء في الاهتمامَيْن الأخيرين ما يثير المشاعر بعض الشيء؛ لأن أحدَ أولاده كان طيَّارًا وقُتِل في الحرب العالمية الأولى.
إن عمل ريشيه الذي فاز على أساسه بجائزة نوبل نشأ من نتيجة غير متوقَّعة تمامًا؛ ففي يوم الاحتفال بحصوله على الجائزة، وصف ريشيه اكتشافه في تواضُعٍ شديد قائلًا: دعوني أخبركم بالظروف التي لاحظْتُ خلالها تلك الظاهرةَ للمرة الأولى، واسمحوا لي بالدخول في بعض التفاصيل الخاصة بأصلها. سترون، في واقع الأمر، أنها لم تكن على الإطلاق نتاجَ التفكير العميق، ولكن لملاحظة بسيطة وتقريبًا غير مقصودة؛ مما يعني أنه ليس لي فضل فيها إلا أنني لم أرفض رؤيةَ الحقائق التي عرضَتْ نفسَها أمامي في وضوح تام.
أخذ ريشيه في وصف رحلة قام بها على يخت ألبرت أمير موناكو، وكيف أن الأمير شجَّعه على دراسة السُّم الذي يفرزه حيوان بحري يشبه قنديل البحر يُسمَّى رجل الحرب البرتغالي. (يواجه الكثيرون أسرابًا من تلك الحيوانات البحرية غير المرحَّب بها في الشواطئ، ويعانون من آلام رهيبة بسبب عضاتها.) وعندما عاد ريشيه إلى فرنسا حيث كان يعمل أستاذًا لعلم وظائف الأعضاء في جامعة باريس، لم يستطع الحصولَ على هذا الحيوان لدراسة سمه، وقرَّرَ دراسةَ سُم لوامس شقائق النعمان الموجودة بكثرة في الصخور على طول السواحل الأوروبية. واستخلص السُّم ووضعه في الجليسرين، وأخذ يحاوِل تحديد الجرعة السامة مستخدِمًا الكلاب كحيواناتٍ للتجربة. ولم تكن تلك الاختبارات بسيطةً؛ لأن مفعول السُّم كان يبدأ ببطء، وأحيانًا يتطلَّب عدة أيام حتى يصل إلى أقصى تأثير له.
استطاع بعض الكلاب النجاة من الموت؛ ربما بسبب أنها حصلت على جرعة غير مميتة أو لأي سبب آخَر غير معلوم. وبعد عدة أسابيع، عندما بَدَا على تلك الكلاب أنها استعادت عافيتها، تم استخدامها مرةً ثانية في تجارب جديدة. ثم حدث شيء غريب وغير متوقَّع؛ فالكلاب التي حصلت على جرعة أولى من السُّم ولم تَمُتْ، ظهرت عليها على الفور — بعد حصولها على جرعة «أخف بكثير» من السُّم في المرة الثانية — أعراضٌ رهيبة: قيء وفقدان وعي وفرط حساسية ثم ماتت. استمرَّ ريشيه في سرده لقصة اكتشافه قائلًا: مع تكرار تلك التجربة الأساسية في مرات مختلفة، استطعنا في عام ???? الوصولَ إلى ثلاث حقائق أساسية تمثِّل أساسَ قصة فرط الحساسية؛ أولًا: الحيوان الذي حُقِن بالسُّم قبل ذلك كان أكثر حساسيةً إلى حد كبير من الحيوان الذي لم يُحقَن على الإطلاق. ثانيًا: الأعراض التي ظهرت في حالة الحقن الثانية كانت تؤدِّي إلى انهيار سريع وكلِّي في الجهاز العصبي، ولم تكن تشبه الأعراض التي ظهرت في حالة الحقن الأولى. ثالثًا: تطلَّبت حالة فرط الحساسية هذه فترةً من ثلاثة إلى أربعة أسابيع حتى تحدث. وهذه ما يُطلَق عليها فترة الحضانة.
واصلَ ريشيه وآخَرون أبحاثهم من أجل تعميم ظاهرة فرط الحساسية الجديدة للجسم على عمليات الحقن التي تتم بكميات صغيرة من البروتينات. وقد أثبت ريشيه انتقالَ التأثير بأخذ دم الحيوان الذي لديه فرط حساسية وحقن حيوان طبيعي به لإنتاج حالة فرط حساسية في الحيوان الثاني. وهكذا تحدَّدت هوية العامِل المسبِّب بأنه مادة كيميائية في الدم.
وقد ابتكرَ ريشيه مصطلح «فرط الحساسية» (الذي يعني في الإنجليزية anaphylaxis أي ضد الوقاية) لوصف حالة الحساسية التي تحدث كرد فعل مناعي بسبب الحقن بالسموم البكتيرية، على سبيل المثال، وهو موضوعٌ درَسَه أيضًا ريشيه. وأصبح الآن مُسمَّى «الحساسية» المرادف هو الأكثر شيوعًا لوصف هذه الحالة المرضية. تمثِّل الآن أمراض الحساسية قسمًا كبيرًا من الطب الباطني، ويوجد شكلان أساسيان من العلاج لتلك الأمراض. يتمثَّل الأول في إزالة الحساسية عند تحديد المُسْتَضَدِّ أو المُسْتَضَدَّات. ويتم ذلك من خلال إدخال كميات قليلة من العوامل المسبِّبة المحتمَلة؛ مما يسبِّب التفاعلات الخاصة بالحساسية على فترات، مع زيادة الجرعات تدريجيًّا حتى تُبنى المقاومة في جسم المريض. في حين يتمثَّل الثاني في استخدام دواء مضاد للهيستامين؛ أي دواء يقابل تأثير الهيستامين المفرَز في جسم المريض بسبب العوامل المسبِّبة للحساسية، وتلك الأدوية شائعة جدًّا. وتمثِّل تلك الأدوية، سواء التي تُصرَف بوصفات طبية أم لا، شريحةً كبيرةً من سوق الأدوية. وهكذا، كان السبب في ظهور هذا المجال الطبي الأبحاث التي قام بها شارل ريشيه.
كل هذا كان السببُ فيه ردَّ فعلٍ غير متوقَّع لكلب تجاه جرعة صغيرة من سُمٍّ مستخلَص من حيوانات بحرية صغيرة، وهي شقائق النعمان، لكن ريشيه أدرك الطبيعة الغريبة لهذا التفاعُل ووجد تفسيرًا لها.
(?) الخردل النيتروجيني والعلاج الكيميائي للسرطان

كان الحادث العَرَضي الذي تعرَّضت فيه القوات المتحاربة لغاز الخردل أو الخردل الكبريتي أثناء الحرب العالمية الثانية علامةً فارقةً في طريقة العلاج الكيميائي للسرطان. إن غاز الخردل في واقع الأمر هو سائل، ولم تكن الجيوش المتحاربة تستخدمه عن قصد في الحرب العالمية الثانية، لكن كلا الجانبين كان يحرص على وضعه بالقرب من الجبهات الحربية؛ استعدادًا للانتقام إذا ما استُخدِم من طرف الجانب الآخَر. ويُوصَف بأنه غاز لأنه إذا استُخدِمَ تنشره القذائف؛ مما يحوِّله إلى بخار ينتشر في المناطق المحيطة ويؤثِّر على الإنسان.
تم تفجير سفينة لقوات الحلفاء تحمل سائل الخردل في ميناء إيطالي، وبعد انتشار المادة السامة في الماء، أُلقي بعض مقاتلي الحلفاء في الماء، وبعد إنقاذ هؤلاء الجنود، تمت معالجتهم من تأثيرات هذا الغاز، والعديد من هؤلاء أُصِيب باضطراب في الدم يتمثَّل في نقص خطير في عدد كرات الدم البيضاء. ولأن نقص عدد كرات الدم البيضاء يشير إلى تحسُّن في حالة بعض أنواع سرطان الدم التي يحدث فيها إفراط في إنتاج تلك الكرات في النخاع العظمي الورمي، فقد تمَّ اختبار غاز الخردل في المرضى المصابين بسرطان الدم. وكانت السمية العالية للعامِل المسبِّب زاجرًا لاستخدام غاز الخردل، لكن نظرًا لوجود تشابه في التركيب الجزيئي بين أنواع غاز الخردل النيتروجيني والكبريتي، فقد تم اختبار تأثيرها على أنواع سرطان الدم. إن الخردلَ النيتروجيني مركبٌ مماثِل لغاز الخردل (الكبريتي) الشائع، لكن في الخردل النيتروجيني تحل ذرة نيتروجين محل ذرة كبريت في جزيء الخردل الكبريتي.
تم تحضير أنواع عديدة من الخردل النيتروجيني والكبريتي لاستخدامها كغازات سامة في الحرب، لكن بعد التفجير الذي أدَّى إلى التسمُّم العرضي لقوات الحلفاء، اختبِرت مئات الأنواع من الخردل النيتروجيني المقابلة وغيرها من المركبات المرتبطة تركيبيًّا بها كعوامل مضادة للسرطان. ومع أن معظمها لم يقضِ تمامًا على أي نوعٍ من السرطانات التي تصيب الإنسان، فإن تأثيراتها المؤخِّرة لانتشار الأورام السرطانية زادت من الأمل في احتمال اكتشاف مركبات علاجية على المدى الطويل.
(?) حبوب منع الحَمْل

ظهرت حبوب منع الحَمْل في ستينيات القرن العشرين، وكان لها تأثير هائل على ثقافتنا؛ فقيل إنها مسئولة جزئيًّا عن الثورة الجنسية وتحرير المرأة وعلمنة الكنيسة الكاثوليكية في العالم الغربي. في الواقع، أصل تلك الحبوب ليس حدثًا سرنديبيًّا واحدًا؛ فالأمر أكثر تعقيدًا من هذا، لكن للسرنديبية بالتأكيد دورٌ في هذه القصة.
تبدأ القصة برائد أعمال نموذجي، يُدعَى راسل إي ماركر. عندما كان ماركر عضوًا في كلية الكيمياء بجامعة ولاية بنسلفانيا في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، اكتشف طريقةً لصنع هرمون الأنوثة البروجيسترون من نوع شائع إلى حدٍّ ما من السترويد يُسمَّى السابوجنينات. ومعروفٌ عن هذا الهرمون أنه مهم لعلاج اضطرابات الدورة الشهرية وللوقاية من الإجهاض، وحتى ذلك الوقت كان هذا الدواء متاحًا فقط من قِبل شركات الأدوية الأوروبية، حيث كان يُصنَّع من عمليات تصنيع مُضنية وكان ثمنه غاليًا جدًّا.
شكل ??-?: راسل ماركر والبطاطا الحلوة المكسيكية.
عرف ماركر أن السابوجنينات من النوع الذي كان يريده موجودة بكثرةٍ في بعض أنواع البطاطا الحلوة البرية في المكسيك. ولم يستطع الحصول على دعم من جامعته أو أية شركة أدوية أمريكية لتمويل رحلةٍ للحصول على هذا النوع من البطاطا وإجراء تجارب لتصنيع هرمون البروجستيرون منه؛ لذا، استقال راسل من منصبه في جامعة ولاية بنسلفانيا، وذهب إلى المكسيك واستأجر كوخًا وركب بغلًا إلى تلال جنوب المكسيك المغطَّاة بالغابات. جمع عشرة أطنان من تلك البطاطا وعزل السابوجنين الذي كان يريده، وهو الديوسجنين، وذلك في معمل مستأجر في مدينة مكسيكو سيتي، وعندما عاد إلى الولايات المتحدة، وفي معمل صديقٍ له، استخدَمَ عمليته في تصنيع ألفَيْ جرام من البروجستيرون التي كانت قيمتها في ذلك الوقت حوالي ??? ألف دولار.
عندما عاد إلى مدينة مكسيكو سيتي، عثر على عنوان معمل صغير من دليل الهاتف وأقنع مالكَيْه بالانضمام إليه في مخاطرة تصنيع البروجستيرون، وكوَّنوا معًا شركةً باسم «سينتيكس». استمر ماركر في تلك الشركة أقل من عامين نظرًا لخلافات بينه وبين زملائه، لكنَّ الشريكَيْن المكسيكيَّيْن استعانَا بكيميائيٍّ درس في سويسرا من كُوبا، وهو جورج روزنكرانتس، الذي استطاع مواصلة عملية التصنيع حتى نجح في تحضير هرمون الذكورة التستوستيرون من نفس البطاطا الحلوة المكسيكية. ثم كسرت الشركة الاحتكار الأوروبي، وانخفض سعر الهرمونات من ?? دولارًا إلى دولار واحد لكل جرام.
في عام ????، طُلِب من كارل دجيراسي أن يترأس فريقًا بحثيًّا في شركة سينتيكس لإنتاج سترويد آخَر، وهو الكورتيزون الذي اكتشفه إي سي كيندول منذ بضعة أعوام سابقة، وكان دواءً رائعًا في ذلك الوقت. وُلِد دجيراسي في فيينا بالنمسا، وهاجَرَ إلى الولايات المتحدة وحصل على ليسانس آداب من كلية كينيون وهو في سن التاسعة عشرة، وعلى دكتوراه من جامعة ويسكونسين وهو في سن الثانية والعشرين. وكان يعمل باحثًا كيميائيًّا في شركة سيبا للأدوية في نيو جيرسي عندما طُلِب منه التوجُّه إلى المكسيك لقيادة الأبحاث الخاصة بالسترويدات في شركة سينتيكس.
قال دجيراسي عندما ذهب إلى شركة سينتيكس: «لم يكن أحدٌ يخطط لابتكار حبوبٍ لمنع الحمل.» فقد كان الهدف الرئيسي هو إنتاج الكورتيزون، لكن كان ثمة هدفٌ بحثي مستهدف آخَر وهو إنتاج الإستراديول، وهو هرمون أنثوي يُستخدَم في علاج بعض الاضطرابات التي يمكن أن تحدث عند سن البلوغ أو سن اليأس. وأثناء محاولة تصنيع جزيء له التأثير البيولوجي للإستراديول، صنع دجيراسي وزملاؤه من الكيميائيين في الشركة على نحو عرَضي جزيئًا أكثر شبهًا بهرمون البروجستيرون. واحتوى هذا المركب، ??-نوربروجستيرون، في جزيئه على ذرات كربون أقل بواقع ذرة واحدة عما في البروجستيرون، ووجد أن له تأثيرًا مانعًا للحَمْل في الجسم أكثر من الهرمون الطبيعي، لكن لا مجال لدخوله إلى الجسم إلا عن طريق الحقن فقط في مجرى الدم.
يُطلَق على هرمون البروجستيرون أحيانًا أنه مانع الحَمْل الطبيعي، حيث إن من وظائفه منع التبويض أثناء الحَمْل، وكان الهدف التالي بالنسبة إلى كيميائِيِّي الشركة هو تعديل المركب الصناعي الشبيه بالبروجستيرون بحيث يمكن أخذه عن طريق الفم بدلًا من الحقن. واستطاعوا القيام بذلك عن طريق تعديل كيميائيٍّ بسيط، مستعينين في ذلك ببحث أجراه كيميائيٌّ ألماني يُدعَى هانس إنهوفن، قبل ذلك باثني عشر عامًا. وكان للمركب المعدَّل (النوريثيندرون) التأثيرُ المطلوب المانع للحَمْل الذي لهرمون البروجستيرون، وكان أيضًا مستقرًّا في المعدة، وبالتالي يمكن أخذه عن طريق الفم.
وهكذا أُنتِج أول دواءٍ لمنع الحَمْل؛ حيث بدأ الأمر باكتشاف راسل ماركر لطريقة جديدة في تحويل السابوجنينات إلى هرمونات جنسية، ومغامرته الجريئة في الغابات المكسيكية الاستوائية للحصول على السابوجنينات من البطاطا الحلوة المكسيكية البرية، ومخاطرة إنشاء معمل صغير جديد لتحدِّي الاحتكار الأوروبي. واستمرت القصة مع الإنتاج العَرَضي لدجيراسي لمانع حَمْل صناعي يشبه كثيرًا هرمونَ البروجستيرون الطبيعي وتعديله المقصود له بحيث يمكن أخذه عن طريق الفم.
مع تأكُّد إمكانية تصنيع أدوية منع الحَمْل، سرعان ما شرع آخرون في محاولة إيجاد طرق أخرى للتصنيع، ويوجد الآن العديدُ من البدائل الصناعية من تلك الأدوية. ولكن، لا يزال المركب الأول الذي تم تصنيعه في المعمل الدوائي المكسيكي الصغير، وهو النوريثيندرون، المكون النَّشِط في نصف أدوية منع الحَمْل الموجودة حاليًّا تقريبًا.
تعقيب

لم يترك راسل ماركر شركةَ سينتيكس فقط، وإنما أيضًا مجال الكيمياء. فبعد عام ????، عندما كان عمره ?? عامًا، توقَّفَ عن البحث والإنتاج الكيميائي، فهو كان مستقلًّا منذ أن كان في سن صغيرة؛ فقد رفض الحصول على درجة علمية في الكيمياء من جامعة ماريلاند؛ لأنه رفض دراسة الكيمياء الفيزيائية، وهي مادة من المواد الأساسية في الدراسة. وعلى الرغم من ذلك، حصل على منصب بحثي في جامعة كبرى وصنع له تاريخًا مشرِّفًا في الكيمياء في فترة قصيرة جدًّا من حياته.
بعد ثلاثة أعوام في المكسيك، عُيِّن كارل دجيراسي في منصب أكاديمي في جامعة وين ستيت، حيث رُقِّيَ من درجة أستاذ مساعِد إلى درجة أستاذ بحلول عام ????. واحتفظ بعمله في مجال البحث مع شركة سينتيكس ثم مع شركة زوكون لاحقًا. وفي عام ????، انتقل إلى جامعة ستانفورد وعمل هناك أستاذًا للكيمياء، وحصل على درجات فخرية وجوائز عديدة لبحثه الرائد في مجال الأدوية المضادة للهيستامين وأدوية منع الحَمْل.
(?) ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك

إنَّ قصة اكتشاف عقَّار الهلوسة، ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك، من أكثر القصص رعبًا في التاريخ الطبي المعروف. فتلك المادة مأخوذة من حمض الليسرجيك، وهو في حد ذاته لا يسبِّب الهلوسة، فهو يوجد إلى جانب عددٍ كبيرٍ من أشباه القلويات السامة في فطر الأرجوت الذي يتكوَّن أحيانًا على نباتات الجاودار في الحقل خلال الموسم المطير على وجه الخصوص. ولعدة قرون، كان يصيب هذا الفطر الناسَ من إسبانيا وحتى روسيا، الذين يأكلون — عن جهلٍ أو بسبب الجوع — خبزًا مصنوعًا من دقيق الجاودار الملوَّث. وكانت غرغرينا الأطراف تنتج عن ضيق الأوعية الدموية، وسُمِّي هذا المرض بتسمُّم الأرجوت أو نار سانت أنتوني؛ وذلك لأن ضحاياه كانوا يعانون إحساسًا مُوجعًا بأن جلدهم يحترق وأصابع أيديهم وأرجلهم المُسودَّة مسفوعة، وكانوا يستنجدون برهبان أخوية سانت أنتوني الذين كانوا بارعين في علاج هذا المرض. وخلال العصور الوسطى، كان أكل دقيق الجاودار الفاسد يتسبَّب في حالات إجهاض ومشكلات بصرية واضطرابات عقلية تؤدِّي إلى حدوث حالات جنون، وربما كان السبب في تلك الأعراض تناوُل جرعات زائدة من المواد شبه القلوية الموجودة في نباتات الأرجوت السامة، إلى جانب الهيستيريا الناتجة عن المرض المشوِّه، وليس بسبب حمض الليسرجيك. ولم تثبت خصائص حمض الليسرجيك المهلوسة إلا عندما ربطه صناعيًّا مع مجموعة ثنائي الإثيلاميد ألبرت هوفمان، الكيميائيُّ السويسري من شركة ساندوز لابورتوريز في بازل. وكان هوفمان يدرس حمض الليسرجيك والمركبات المرتبطة به على أمل تطوير دواءٍ لعلاج الصداع النصفي أو للتحكُّم في نزيفِ ما بعد الولادة.
إن السرد التالي لتجربته في هذا البحث مأخوذٌ من مذكرة هوفمان الشخصية كما نُقِل في كتاب «السرُّ الخفي: قصة ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك» (????) الذي ألَّفَه الدكتور سيدني كوهين: يوم الجمعة الماضي، ?? أبريل ????، كان عليَّ تركُ العمل في المعمل والذهاب إلى البيت؛ لأنني شعرت باضطرابٍ ودوار على نحوٍ غريب. وبمجرد الوصول إلى البيت، رقدتُ على الأرض ودخلتُ في حالة هذيان ليست سيئة كانت تتميَّز بدرجة عالية جدًّا من التوهُّم. وفي ظل هذه الحالة من الغيبوبة وأنا مغمض العينين (وجدت ضوءَ النهار يسطع في عيني على نحو مزعج)، كنت أرى حولي باستمرارٍ رؤًى خيالية بوضوح شديد يصاحبها تلوُّنٌ مكثَّفٌ. وبعد ساعتين، زالت تلك الحالة.
شكَّ هوفمان في أن تلك الأحاسيس الغريبة ربما ترجع إلى استنشاقه كمية صغيرة من إحدى المواد الكيميائية في المعمل أو إلى بلعه إياها دون قصدٍ. ولنستكمل روايتَه لما حدث معه: لكن في يوم الجمعة هذا، كانت المادتان الغريبتان الوحيدتان اللتان تعاملتُ معهما هما ثنائي إثيلاميد حمض الإيزوليسرجيك وثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك. وكنت أجرِّب طرقًا مختلفة لتصفية هذين الأيزومترين بالتكثُّف ولتحليلهما أيضًا إلى مكوناتهما. وفي تجربة سابقة، نجحتُ في إنتاج بضعة ملِّيجرامات من ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك كبلورةٍ قابلةٍ للذوبان بسهولة في شكل طرطرات محايدة، وهو ملح يتكوَّن من ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك وحمض الطرطريك. لكن كان احتمال حصولي على كمية من تلك المادة تؤدِّي إلى الحالة التي وصفتُها آنفًا؛ غير وارد. وإلى ذلك، لم يكن يبدو أن الأعراض نفسها مرتبطة بتلك الخاصة بمجموعة أرجوتامين-أرجونوفين. صمَّمْتُ على استيضاح الأمر وقرَّرتُ تجربةَ ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك البلورية الشكل على نفسي؛ فإذا كانت تلك المادة بحقٍّ هي السبب، فيجب أنها كانت نَشِطة عند التعرُّض لها بكميات صغيرة، وقرَّرتُ البدء بجرعة شديدة الصغر كانت تنتج بعض التأثير الذي ينتج عند التعرض لكميات مكافئة من الأرجوتامين أو الأرجونوفين.
تناول هوفمان ??? ميكروجرامًا (??????? جرام) من ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك، وبعد ?? دقيقة، لاحَظَ شعوره بالآتي: «دوار خفيف وارتباك، وعدم قدرة على التركيز، واضطراب بصري، وضحك هيستيري.» وهنا، انتهى ما كتبه في مذكرة معمله، وكتب كلماته الأخيرة بصعوبةٍ شديدةٍ. استمر في سرده للقصة لاحقًا قائلًا: طلبتُ من مساعدي في المعمل اصطحابي إلى البيت؛ حيث إنني كنتُ أتوقَّع أن الوضع سيتطوَّر على نحو مماثل لما حدث في يوم الجمعة الماضي. ولكن في طريقي إلى البيت (وهو على مسافة أربعة أميال بالدراجة، حيث لم تكن توجد وسيلة نقل أخرى متاحة بسبب الحرب)، تفاقمت الأعراضُ وأصبحت شدتها أكبر كثيرًا مما كانت عليه في المرة الأولى. فأصبحتُ أعاني صعوبةً شديدة في التحدُّث على نحو متماسِك، وحدث تذبذُب في مجال رؤيتي وتشوُّه وأصبح على هيئة انعكاساتٍ في مرآة ملاهٍ. وكان لديَّ أيضًا انطباعٌ بأنني كنتُ أتحرك بالكاد، لكن مساعدي لاحقًا قال لي إنني كنتُ أقود الدراجة بسرعة كبيرة.
بقدر ما يمكنني التذكُّر، هدأَت الحالة الشديدة عندما وصل الطبيب، وكانت أعراض الحالة كما يلي: دوار، واضطرابات بصرية، ووجوه من حولي كانت تبدو لي كأقنعة غريبة ملوَّنة، وهياج شديد تتناوب معه حالة خَدَر (شلل جزئي)، وأحيانًا يصبح كلٌّ من الرأس والجسم والأطراف باردًا ومنملًا، وأشعر بطعم مر في اللسان وبجفاف الحلق وذبوله، ويراودني شعورٌ بالاختناق وارتباكٌ يتناوب معه تقدير واضح للموقف، وفي بعض الأحيان أشعر بخروجي من جسدي كأنني مراقِب محايد، فأسمع نفسي وهي تتمتم بألفاظ فنية أو تصرخ كشخص نصف مجنون.
وجد الطبيب أن نبضي ضعيف بعض الشيء، لكن بصفة عامة كانت الدورة الدموية لديَّ طبيعية. وبعد ? ساعات من تناولي الدواء، تحسَّنَتْ حالتي إلى حدٍّ كبير.
لكن الاضطرابات الإدراكية كانت لا تزال موجودة. فقد بَدَا كل شيء كأنه يتموَّج، وكان هناك تشوُّه في نسب الرؤية، وبَدَتْ كأنها انعكاسات على سطح مياه متقلبة. وكان كل شيء يتغيَّر لدرجات ألوان خضراء وزرقاء مؤذية بشكل رئيسي وغير مبهجة. وعندما أغمضُ عينيَّ، كانت تجتاحني صور خيالية متعددة الألوان ومتحوِّلة. وما كان ملحوظًا على وجه الخصوص هو أن الأصوات كانت تُترجَم إلى أحاسيس بصرية، بحيث تُستدَعى صورة ملونة مقابلة من كل درجة لون أو صوت، والتي تتغيَّر في الشكل واللون على نحو تبادلي.
بعد الخلود إلى قسط جيد من الراحة ليلًا، شعر هوفمان بأنه «سليم تمامًا، لكنه كان متعبًا.» إن هذا التعرُّض غير المقصود من جانب هذا الكيميائي الشديد الذكاء لمادة ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك كان شرارةَ البدء لسلسلةٍ من الدراسات عن حالات تغيُّر الوعي بسبب التعرُّض لمواد كيميائية، وامتدت تلك الدراسات في كل مركز للأبحاث النفسية. وفي الواقع، لا تكمن أهمية اكتشاف هوفمان في وجود أية علاقة كيميائية مباشِرة بين تلك المادة ومرضٍ مثل الفصام؛ فتركيبه لا يمكن تقريبًا توقُّع تصنيعِه من قِبل عملية الأيض البشرية.
كان لاكتشاف ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك تداعيات أخرى مهمة؛ فهو يثبت أنه يمكن لكميات قليلة للغاية من مواد كيميائية أن تُحدِث اضطراباتٍ عقلية تشبه حالات الذُّهان التي تحدث على نحو طبيعي. وهذا ما أدَّى إلى زيادة الاهتمام بكيمياء الجهاز العصبي، وخاصةً النواقل الكيميائية عبر تشابكات الخلايا العصبية، كما أنه سمح بالدراسة المعملية لكلٍّ من العمليات العقلية الطبيعية وغير الطبيعية.
رغم تصنيع عدد كبير من مشتقات حمض الليسرجيك التي تؤدِّي إلى الإصابة بالهلوسة، فإنه ليس من بينها ما هو أقوى تأثيرًا من ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك. وقد اكتُشِفت أيضًا مجموعات كيميائية جديدة وغير مرتبطة تمامًا لها خصائص نفسية مشابهة. وفي يومٍ ما، ربما ستتضح كيمياء المرض العقلي جزئيًّا، بفضل تجربة ألبرت هوفمان السرنديبية الرهيبة التي كانت وليدة المصادفة.
تعقيب

نظرًا لأن دواء ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك كان يُسَاء استخدامه وتنتج عن هذا تلك العواقب الوخيمة؛ فقد أوقفت شركة ساندوز لابورتوريز إنتاجه في عام ????، وحوَّلَتْ كلَّ إنتاجها إلى المعهد القومي للصحة النفسية.
في فصلٍ لاحق من هذا الكتاب، عنوانه: «الأسوأ المحتمَل حدوثه»، يعلِّق الدكتور كوهين على الاستخدامات الممكنة لهذا الدواء وكيف يمكن إساءة استخدامه قائلًا: «إن عنوان هذا الفصل مأخوذ من الأغنية التحذيرية للمتحدِّثين باسم «رابطة الاكتشاف الروحي»، الذين يؤكِّدون أن «أسوأ شيء يمكن أن يحدث لك بعد تناوُل هذا الدواء هو أنك ستعود سيِّئًا كما كنتَ.» وهذه عبارة غير صحيحة؛ فقد تعود أسوأ كثيرًا مما كنتَ عليه، وقد لا تعود على الإطلاق.»
(?) اختبار مسحة بَاب

«منذ ?? عامًا، كان سرطان الرَّحِم أهم الأسباب وراء وفاة الأمريكيات؛ لكن اليوم، طبقًا لجمعية السرطان الأمريكية، توجد ??? ألف سيدة مصابة بهذا المرض «عُولِجن وما زِلْن على قيد الحياة وبصحة جيدة» بعد ? سنوات من العلاج، والفضل يرجع بصفة أساسية إلى اختبار مسحة بَاب.» إن هذا الاقتباس مأخوذ من تقريرٍ عن وفاة الدكتور جورج نيكولاس بابانيكلاو في عام ???? في مجلة «ميديكال وورلد نيوز».
طوَّرَ الدكتور بابانيكلاو اختبارَ مسحة بَاب بعد ملاحظةٍ سرنديبية من جانبه في عام ????. وذكر تلك الملاحظة لأول مرة في عام ???? في ورقة بحثية قصيرة بعنوان «تشخيص جديد لمرض السرطان» قدَّمَها في مؤتمر في مدينة باتل كريك بولاية ميشيجان. ونُشِرت الورقة بعد ذلك في مجلةٍ تُسمَّى «جروث»، لكن الوسط الطبي لم يهتم كثيرًا بها حتى لاحَظَها الدكتور جوزيف سي هينسي، الذي كان في عام ???? عميدًا للكلية الطبية بجامعة كورنيل. شجَّعَ الدكتور هينسي «الدكتور بَاب» على استئناف بحثه عن سرطان الرَّحِم في معملٍ وُضِع تحت تصرُّفِه في جامعة كورنيل. وفي عام ????، نشر الدكتور بَاب ورقةً بحثيةً مع الدكتور هربرت إف تروت بعنوان «تشخيص سرطان الرَّحِم من خلال أخذ مسحة من المهبل»، وقد جذبت أخيرًا اهتمام الوسط الطبي. وفي عام ????، طلب الدكتور تشارلز إس كاميرون، المدير الطبي والعلمي لجمعية السرطان الأمريكية، عقدَ مؤتمرٍ في بوسطن. وبعد ذلك، بدأ اختبار مسحة بَاب ينتشر تدريجيًّا على مستوى العالم.
بدأت حياة جورج بَاب اللافتة للنظر في عام ???? في بلدة كومي الصغيرة باليونان. كان ابنًا لطبيب، وحصل على درجته العلمية في الطب من جامعة أثينا. وقرَّرَ أن يَهَبَ حياته للبحث بدلًا من أن يصبح ممارِسًا عامًّا؛ لذلك انتقل إلى ألمانيا ودرس في جامعات ينَا وفرايبورج وميونخ، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة ميونخ في عام ????. توقَّفَتْ حياته المهنية بخدمته العسكرية في الجيش اليوناني في حرب البلقان، حيث قابَلَ أمريكيِّين من أصل يوناني أغراه وصفهم لأمريكا بأنها أرض الفرص بالانتقال إليها للسعي وراء مستقبله هناك. وذهب إلى أمريكا مع زوجته التي تزوَّجها بعد عودته إلى اليونان بعد استكمال دراسته في ميونخ، دون أية خطة محدَّدة بشأن كيفية تحقيق طموحاته البحثية في علم الأحياء والطب.
عمل ليوم واحد بائعَ سجاجيد في مركز تجاري بنيويورك. وبتوصية من الدكتور توماس مورجان، أستاذ علم الحيوان في جامعة كولومبيا الذي كان على علم ببحثه في ميونخ، حصل على وظيفة بدوام جزئي في قسم الباثولوجيا في مستشفًى بنيويورك كان تابعًا لكلية الطب بجامعة كورنيل. وسرعان ما انتقل إلى قسم التشريح في كلية الطب وترقَّى إلى درجة أستاذ مساعد، ثم أستاذ، ثم أستاذ فخري، ثم مدير لمعمل بابانيكلاو البحثي، ثم مستشار لمعمل بابانيكلاو لعلم الخلايا.
استمرَّ ارتباطه بجامعة كورنيل لحوالي نصف قرن. وكان يعمل لمدة ?? ساعة في اليوم و? أيام ونصف في الأسبوع في مَعامله في تلك الجامعة وفي بيته، وكانت زوجته هي مَنْ تساعده بصفة أساسية. وأخذ إجازة واحدة خلال ?? عامًا، وعلَّل ذلك قائلًا: «العمل ممتع للغاية، ويوجد الكثير الذي يجب إنجازه!»
إن الشهرة والنجاح اللَّذين حقَّقهما الدكتور بَاب كانَا نتيجةَ ملاحظةٍ أعلَنَ بنفسه عن أنها «كانت مسألة حظٍّ إلى حدٍّ كبير.» طلب البروفيسور تشارلز آر ستوكارد، رئيس قسم التشريح بكلية الطب بجامعة كورنيل، من الدكتور بَاب أن يعمل معه في الدراسات التي كان يقوم بها في مجال الوراثة المعملية، وفي ذلك الوقت كان ثمة اهتمام كبير بدور الكروموسومات في تحديد الجنس. وبدأ الدكتور بَاب في العمل على الخنازير الغينية؛ فقاده هذا البحث إلى نشر ورقة بحثية مع الدكتور ستوكارد في عام ???? تصفُ التغيرات الخلوية الملحوظة في النسيج المهبلي أثناء المراحل المختلفة من الدورة النزوية عند الخنزير الغيني. وحتى يعلم إن كانت تحدث تغيُّرات خلوية مهبلية مشابهة في الدورة الشهرية للسيدات أم لا، قام الدكتور بَاب في عام ???? بدراسة منهجية لعلم خلايا السائل المهبلي البشري، وأُجريت هذه الدراسة على مريضاتٍ في مستشفى نيويورك للنساء.
أُخِذت عينة من سيدة تعاني من سرطان الرَّحِم، وبفضل قدرة الدكتور بَاب على الملاحظة الدقيقة والتقدير الجيد، أدرَكَ وجودَ شذوذ تركيبي في الخلايا السرطانية في مسحات السائل المهبلي. وقال لاحقًا: «إن الملاحظة الأولى للخلايا السرطانية في مسحة عنق الرَّحِم أثارت دهشتي على نحو بالغ لم أصادفه قط في حياتي العملية.» وفي نهاية الورقة البحثية التي قدَّمها في عام ????، وبعد وصف الاختبار الجديد لسرطان الرَّحِم في المرحلة ما قبل الانتشارية، توقَّعَ قائلًا: «إن الفهم الأفضل والتحليل الأكثر دقةً لمشكلة السرطان مرهونٌ بنتيجة استخدام هذه الطريقة، ومن الممكن أن يتم تطويرُ طرقٍ مماثلةٍ لاكتشاف السرطان في أعضاءٍ أخرى. وإنني لأشعر أن تلك الطرق يمكن تطويرها وسيحدث هذا بالفعل في المستقبل.» تحقَّقَ توقُّعُ الدكتور بَاب، وتم تطبيق طريقته على القولون والكُلى والمثانة والبروستاتا والرِّئة والمعدة والثدي والجيوب وحتى الدماغ.
تعقيب

حصل الدكتور بَاب على الكثير من التكريم بما لا يتسع المجال لذكره هنا. ومن الأمثلة على ذلك تسمية معهدٍ لبحوث السرطان باسمه، وحصوله على العديد من الجوائز من جمعيات خاصة بالسرطان وبالسيدات، وثلاث درجات جامعية فخرية، وجائزتان من الحكومة اليونانية.
يُعَدُّ اختبار مسحة بَاب لاكتشاف سرطان عنق الرَّحِم في المرحلة ما قبل الانتشارية من أعظم الاكتشافات الطبية التي أدَّتْ إلى إنقاذ حياة عدد كبير من السيدات. وفي عام ????، ذكر مدير معهد الأورام في موسكو أن ثمانية ملايين سيدة خضعن لاختبار مسحة بَاب في روسيا. وفي السويد، حيث يُحتفَظ بأكثر السجلات الطبية اكتمالًا في العالم، خضعَتْ ?????? سيدة لهذا الاختبار على مدى عشر سنوات، وتم حفظ السجلات على الكمبيوتر. وأوضحت النتائج أن ثمة نقصًا في معدل الإصابة بسرطان عنق الرَّحِم بين السيدات اللاتي خضعن لاختبار مسحة بَاب بمعدل حالة واحدة على الأقل لمدة عشر سنوات؛ أي ما يُقدَّر بنسبة ???. ويقدِّر الأطباء في جامعة أوبسالا أن اتِّبَاع نظامٍ تخضع فيه السيدة لهذا الاختبار كل ثلاث سنوات يمكن أن يقلِّل من معدل حدوث سرطان عنق الرَّحِم الانتشاري لمستوًى يتراوح بين حالة واحدة و? حالات لكل مائة ألف سيدة كل عام.
(?) الضوء والصفرة عند حديثي الولادة

مُنِح نيلس فينسن جائزةَ نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ???? «تقديرًا لإسهامه في علاج الأمراض، خاصةً مرض الذئبة الشائعة باستخدام الأشعة الضوئية المركَّزة.» عُرِفت قيمةُ ضوء الشمس في الوقاية من مرض كساح الأطفال الذي يصيب العظام منذ عام ????؛ إذ يحوِّل الضوءُ طلائعَ فيتامين (د) في الجسم إلى فيتامين فعَّال يتحكَّم في تكلُّس العظام.
بعد ذلك، أُثيرت ادعاءات حول وجود العديد من الآثار المفيدة الأخرى للضوء، بعضها اكتُشِف مصادفةً. وبعض الادعاءات الخاصة بتأثير الضوء، سواء الطبيعي أو الصناعي، مثار جدل. ومن الادعاءات التي تم قبولها واستخدامها من قِبَل مزاولي مهنة الطب — وكانت اكتشافات سرنديبية — دور ضوء الشمس في علاج الصفرة عند حديثي الولادة.
أحيانًا يظهر اصفرار على جلد الأطفال الحديثي الولادة، وهي حالة تُعرَف بصفرة حديثي الولادة. والسبب واحد في هذا الاصفرار وغيره من أشكال الصفرة الأخرى؛ إذ تصل الصبغة الصفراوية المتمثلة في البيليروبين إلى تركيز غير طبيعي وتظهر في الجلد وبياض العينين. وتُفرَز صبغة البيليروبين نتيجةً لانحلال الهيموجلوبين؛ حيث يشير تركيزها العالي غير الطبيعي في الدم إلى وجود مشكلةٍ في الكبد أو الطحال أو المرارة. وفي حالة صفرة حديثي الولادة، لا يستطيع الكبد غير المكتمِل النمو لدى الطفل التخلُّص من البيليروبين بالسرعة الكافية لمنع حدوث تلف بالدماغ والوفاة.
في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، لاحظَتْ ممرضة ذكية في مستشفًى في إنجلترا أنه عندما يُوضَع حديثو الولادة المصابون بالصفرة بالقرب من نوافذ الحضانة في ضوء الشمس، يختفي المرض. وأثبتت الأبحاث التي أُجرِيت بعد ملاحظة الممرضة أن مكوِّن الأشعة فوق البنفسجية من ضوء الشمس ينقِّي جلد الأطفال محوِّلًا البيليروبين إلى شكلٍ يمكن التخلُّص منه. وقد أصبح الآن تعريضُ الأطفال الحديثي الولادة للضوء فوق البنفسجي ممارسةً قياسيةً في المستشفيات للوقاية من صفرة الأطفال الحديثي الولادة أو علاجها.
(?) مُستقبِلات الكوليسترول

يُعَدُّ ترسُّب الكوليسترول في الأوعية الدموية المؤدِّي إلى الإصابة بالأزمات القلبية من أهم المشكلات الصحية في عصرنا الحالي. حصل الدكتور مايكل إس براون والدكتور جوزيف إل جولدشتاين، من مركز العلوم الصحية بجامعة تكساس بدالاس، على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ????؛ لاكتشافهما لمستقبلات الكوليسترول الضرورية لتقليل نسبة الكوليسترول في مجرى الدم. وكان العمل في هذا المجال يسير في شكل دراسات علمية مخطَّط لها بعناية من قِبَل باحثين بارعين ومدرَّبين تدريبًا عاليًا وشديدي الإخلاص للعلم، ولكنه استفاد أيضًا من السرنديبية.
يتذكر الدكتور براون قائلًا: «في البداية، بدأنا بافتراضٍ كان غير صحيح … فقد كنَّا ندرس فرط كوليسترول الدم العائلي، وهو مرض يعاني فيه الأطفال من ارتفاع هائل في مستوى الكوليسترول في الدم. في البداية، كنَّا نظن أن ثمة خللًا في أحد الإنزيمات الذي كان ينتج كوليسترولًا زائدًا، لكن اتضح لنا أن هذا الإنزيم لم يكن هو المشكلة، لكن الحقيقة أن خلايا الجسم كانت لديها مشكلة في الحصول على الكوليسترول من أحد البروتينات الدهنية، وبالتالي في التخلُّص منه. لم يتراءَ لنا يومًا وجود شيءٍ مثل المستقبلات، فلم يكن ليطرأ على ذهن أي عالِم على مستوى العالم أن هناك شيئًا كهذا.»
بدأ براون وجولدشتاين دراساتهما بخلايا جلدية مزروعة من مرضى يعانون من فرط كوليسترول الدم العائلي؛ لأنه كان من الصعب أو المستحيل الحصول على أكباد هؤلاء المرضى. ولعبت المصادفة دورًا في هذا البحث عندما تلقَّى براون اتصالًا هاتفيًّا من طبيبٍ من دينفر استطاع الحصول على كبد من مريض مصاب بهذا المرض (وذلك عبر عملية زرع كبد). وحيث إن براون وزميله كانَا يقومان بالفعل بدراساتٍ على الخلايا الجلدية، طلب براون الحصول على بعض الجلد من هذا المريض بدلًا من الكبد، وحصل عليه بالفعل.
عرف براون وجولدشتاين من خلال دراساتهما الخاصة بالخلايا الجلدية أن مرضى فرط كوليسترول الدم العائلي ليست لديهم مستقبلاتُ الكوليسترولِ الضارِّ الوظيفيةُ الموجودة على أغشية الخلايا، والتي تُعَدُّ الحواملَ الأساسيةَ لكوليسترول الدم التي تنقله إلى خلايا الجسم.
في نفس الوقت تقريبًا، في عام ???? الذي كان يحاول فيه عالِمَا دالاس فهمَ الكيفية التي يمكن بها أن يؤدي نقص مستقبلات الكوليسترول الضار وفرط الكوليسترول الضار في الدم الناتج عن ذلك إلى الإصابة بالأزمات القلبية؛ توصلَ طبيب بيطري في اليابان إلى اكتشاف سرنديبي ساعَدَ على نحو كبير في الأبحاث الخاصة بمستقبلات الكوليسترول الضار. فحصَ يوشيو أتانابي من جامعة كوبي أرنبًا في سربه، فوجد أن تركيز الكوليسترول في دم الأرنب كان أعلى عشر مرات من التركيز الطبيعي للكوليسترول. وعن طريق عمليات التربية المناسبة، حصل أتانابي على سلالة من الأرانب كلها لديها مستويات عالية من الكوليسترول في دمها، وكلها أُصِيبت بأمراض القلب التاجية التي تشبه على نحوٍ كبيرٍ أمراضَ القلب التي يُصَاب بها البشر، ووجد أن تلك الأرانب تعاني من غياب المستقبلات الوظيفية للكوليسترول الضار، كما هو الحال مع البشر المصابين بفرط كوليسترول الدم العائلي.
إنَّ مرض فرط كوليسترول الدم العائلي هو السبب في عدد صغير فقط من حالات الإصابة بأمراض القلب التاجي. والشيء الذي ما زال غير مفهوم هو السبب في ارتفاع مستويات الكوليسترول في بعض البشر مع أنهم غير مصابين بمرض فرط كوليسترول الدم العائلي، ولا يحصلون على كميات كبيرة من الكوليسترول. هناك بالتأكيد عامل وراثي وراء كون بعض الأفراد أكثر عرضةً للمعاناة من تلك المشكلة أكثر من غيرهم، وقد أعطَتِ الدراسات الخاصة بمستقبلات الخلايا في كلٍّ من البشر والأرانب بعضَ الإجابات عن هذا السؤال، ومن المنتظَر أن تقدِّم المزيد. وبصفة أساسية، يرجع التركيزُ العالي للكوليسترول في مجرى الدم إلى عاملَيْن؛ الأول: هو الإنتاج المفرط للكوليسترول من جانب الكبد، والثاني: هو نقص استقبال الكوليسترول من جانب الكبد والغدد الكظرية المسئولة عن إنتاج الهرمونات السترويدية الحيوية من الكوليسترول.
لحسن الحظ، يبدو الآن أن تصحيح هذا الخلل أصبح ممكنًا؛ فقد اكتُشِف دواء يُسمَّى كولسترامين يزيد من مستقبلات الكوليسترول الضار، وهناك دواء آخَر تم عزله من عَفن يثبط تصنيع الكوليسترول في الكبد، يُسمَّى ميفينولين (أو لوفستاتين) اكتُشِف على نحو مستقل على يد أكيرو إندو من شركة سانكيو للأدوية وعالِمين من شركة ميرك؛ هما شارب ودوم. وستسوِّق شركةُ ميرك لهذا الدواء بالاسم التجاري ميفاكور. ويرى براون وجولدشتاين أن طريقة استخدام كلا الدواءين لتقليل مستويات الكوليسترول من الأفضل تجربتها على الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع مستويات الكوليسترول على نحو كبير جدًّا.

الفصل الحادي والعشرون
أشعة إكس والنشاط الإشعاعي والانشطار النووي


(?) اكتشاف أشعة إكس على يد رونتجن

في عام ????، اكتشف الفيزيائي الألماني فيلهلم كونراد رونتجن أشعة إكس بالمصادفة. كان رونتجن يكرِّر تجارب لفيزيائيين آخَرين تمَّ فيها تفريغُ كهرباء بجهدٍ عالٍ عبر الهواء أو بعض الغازات الأخرى في أنبوب زجاجي مفرَّغ جزئيًّا. وفي عام ????، وُجِد أن جدران الأنبوب الزجاجي تصبح ذات وميض فسفوري أثناء التفريغ. في عام ????، وصف السير ويليام كروكس «أشعة الكاثود» التي تسبِّب الوميض الفسفوري بأنها «تيار من الجزيئات الطائرة»، لكننا نعرف الآن أن تلك الأشعة هي في واقع الأمر تيارات من الإلكترونات المنبعثة من الكاثود، وينتج الوميض الفوسفوري عن تأثير تلك الإلكترونات على جدران الأنابيب الزجاجية.
إن اللافتات النيون والصمامات التليفزيونية والمصابيح الفلورية هي تطبيقات حديثة لتلك التجارب. وتكون المصابيح الفلورية مطلية من الداخل بمواد عالية الفلورية لإنتاج ألوان وظلال ضوءٍ مختلفة.
في عام ????، أثبت هاينريش هيرتس أن أشعة الكاثود يمكن أن تخترق ورق الفويل الرفيع. وبعد عامين، صنع فيليب لينارد الأنابيبَ المفرَّغة التي لها جدران رفيعة من الألومنيوم. وكانت تلك الجدران تسمح لأشعة الكاثود بالخروج من الأنبوب المفرَّغ حيث يمكن الكشف عنها من خلال الضوء الذي تنتجه على شاشة مصنوعة من مادة فسفورية (كانت تُستخدَم تلك الشاشات أيضًا للكشف عن الضوء فوق البنفسجي)؛ لكن وُجِد أنها تتحرك فقط لسنتيمترين أو ثلاثة سنتيمترات فقط في الهواء تحت الضغط العادي خارج الأنبوب المفرَّغ.
كرَّرَ رونتجن بعض هذه التجارب حتى يتعرَّف على الأساليب المستخدَمة فيها، ثم قرَّرَ أن يرى إن كان بإمكانه اكتشافُ أشعة الكاثود الصادرة عن أنبوب مفرَّغ زجاجي بالكامل، كالذي استخدمه كروكس؛ أيْ أنبوب بدون جدار رفيع من الألومنيوم. ولم يلاحظ أحدٌ إصدارَ أشعة كاثود في تلك الظروف؛ فاعتقد رونتجن أن سبب الفشل في القيام بهذا ربما يرجع إلى أن الوميض الفوسفوري القوي لأنبوب الكاثود يغطي على الفلورية الضعيفة للشاشة الكاشِفة. ولاختبار تلك النظرية، صنع غطاءً كرتونيًّا أسود لأنبوب الكاثود، ولتحديد مدى فاعلية الغطاء، جعل الغرفة مظلمةً وشغَّلَ ملف الجهد العالي لإمداد الأنبوب بالطاقة. وعندما تأكد من أن الغطاء الأسود الذي استخدمه كان يغطِّي الأنبوب بالفعل ولا يسمح بهروب أي ضوء إشعاعي فوسفوري، همَّ بإغلاق الملف وتشغيل أضواء الغرفة حتى يمكنه وضع الشاشة الفوسفورية على مسافات صغيرة مختلفة من الأنبوب المفرَّغ، لكنه لاحظَ شيئًا غريبًا.
في تلك اللحظة تحديدًا، لاحَظَ هيرتس ضوءًا ضعيفًا يُومِض من نقطة في الغرفة المظلمة لأكثر من ياردة من الأنبوب المفرَّغ. في البداية، اعتقَدَ أنه لا بد أن هناك تسرُّبًا ضوئيًّا من الغطاء الأسود الموجود حول الأنبوب، والذي انعكس من مرآة في الغرفة. لكن لم تكن توجد مرآة، وعندما مرَّرَ سلسلةً أخرى من الشحنات عبر أنبوب الكاثود، رأى الضوء يظهر في نفس المكان أيضًا، وكان يبدو مثل سحب خضراء باهتة تتحرك في تناغُمٍ مع الشحنات المتذبذبة لأنبوب الكاثود. أسرع رونتجن لإشعال عقب ثقاب، وما أثار دهشته أن مصدر الضوء الغامض كان الشاشةَ الفلورية الصغيرة التي خطَّطَ لاستخدامها كأداة كاشِفة بالقرب من أنبوب الكاثود المغطَّى، إلا أنها كانت ملقاة على المقعد الموجود على بُعْد أكثر من ياردة من الأنبوب.
أدرك رونتجن على الفور أنه صادَفَ ظاهرة جديدة تمامًا، فلم تكن هذه هي أشعة الكاثود التي أضاءت الشاشة الفلورية لأكثر من ياردة من الأنبوب! في الأسابيع العديدة التالية، خصَّصَ رونتجن كلَّ وقته وجهده وتفكيره لاستكشاف هذا الشكل الجديد من الإشعاع، وذكر النتائج التي توصَّلَ إليها في ورقة بحثية نشرها في فورتسبورغ، بتاريخ ?? ديسمبر من عام ???? بعنوان «نوع جديد من الأشعة، نتائج أولية». ومع أنه وصَفَ بدقةٍ معظمَ الخصائص الكيفية الأساسية للأشعة الجديدة في تلك الورقة، فإن اعترافه بأنه لم يفهمها بعدُ بالكامل ظهَرَ من خلال الاسم الذي أعطاه لها، أشعة إكس (أيْ مجهولة). (وكثيرًا ما يُطلَق عليها أشعة رونتجن.)
شكل ??-?: ويليام رونتجن، مكتشِف أشعة إكس.
ذكر أن الأشعة الجديدة لم تكن تتأثَّر بمغناطيس، كما هو معروف عن أشعة الكاثود. وليس الأمر فقط أنها تخترق مسافة أكثر من ياردة في الهواء، بعكس امتداد أشعة الكاثود التي كان حدُّها يصل إلى بوصتين أو ثلاث، لكن أيضًا (على حسب كلامه في الورقة البحثية): كل الأجسام شفافة لهذا العامل، لكن بدرجات متفاوتة جدًّا … الورق شفاف جدًّا؛ فخلف كتاب مجلد تتجاوز عدد صفحاته الألف، رأيتُ الشاشةَ الفلورية تضيء على نحو ساطع … بالطريقة نفسها، تظهر الفلورية خلف مجموعتين من ورق اللعب … كما أن الكتل الخشبية السميكة شفافة، فألواح الصنوبر التي سمكها يصل إلى سنتيمترين أو ثلاثة لا تمتص سوى القليل من تلك الأشعة. كما أن لوحًا من الألومنيوم سمكه يصل إلى ?? ملِّيمترًا، لم يجعل الفلورية تختفي بالكامل، مع أنه أضعف تأثير الأشعة إلى حدٍّ كبير … إذا وضعت اليد بين الأنبوب المفرَّغ والشاشة، فسيُرى الظلُّ الأكثر دُكْنةً للعظام داخل الصور الظلية الداكنة قليلًا المأخوذة لليد نفسها.
كما وجد أيضًا أن بإمكانه تسجيل هذه الصور الخاصة بالهيكل العظمي على فيلم فوتوغرافي. وقد جذبَتْ خاصية أشعة إكس هذه انتباهَ عالم الطب على الفور؛ ففي وقت قصير جدًّا، أصبحت تلك الأشعة تُستخدَم على نحو روتيني في التشخيص في المستشفيات على مستوى العالم.
شكل ??-?: رسم مجازي لهيكل مفتاح استخدمه رونتجن كفاصِل كتاب، تم إنتاجه بأشعة إكس على فيلم فوتوغرافي كان يوجد تحت الكتاب.
ثمة أحداث قليلة في تاريخ العلم كان لها تأثير قوي جدًّا مثل اكتشاف رونتجن. ففي خلال عامٍ بعد إعلانه عن اكتشافه لأول مرة، ظهر ?? كتابًا ومطويةً وأكثرُ من ألف مقال عن أشعة إكس، لكن لم يحدث أيُّ تقدُّمٍ ملحوظ في معرفة خصائص أشعة إكس عما توصل إليه رونتجن إلا بعد مضي ?? عامًا تقريبًا.
عندما بدأت الأكاديمية السويدية للعلوم في توزيع جوائز نوبل لأول مرة في عام ????، وقع اختيارها في مجال الفيزياء على رونتجن. ولا شك أن الأكاديمية كانت سعيدة للغاية بأنْ توافر لديها إنجاز كبير كهذا كي تكرِّمه بأول جائزة من جوائز نوبل.
تعقيب

وُلِد فيلهلم كونراد رونتجن في لينيب ببروسيا في عام ????. حصل على تعليمه الأولي في هولندا بعد أن انتقلت أسرته إلى هناك عندما كان رونتجن في الثالثة من عمره، وبعد الدراسة لفترة قصيرة في أوترخت في المدرسة الفنية ثم في الجامعة، التحَقَ بالمعهد السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، الذي حصل منه على دبلومة في الهندسة الميكانيكية. لكنه أصبح مهتمًّا بالعلوم المجردة أكثر من الهندسة، وبدأ في دراسة الرياضيات والفيزياء، وبعد التتلمُذِ على يد أوجست كونت، حصل على درجة الدكتوراه من جامعة زيورخ برسالة عنوانها «دراسات عن الغازات». ولحِق بكونت في فيرتسبورج بعد عام واحد، ثم في شتراتسبورج، حيث حصل على أول وظيفة له كمُعيد. وفي عام ????، قَبِل منصب أستاذ الفيزياء ومدير المعهد الفيزيائي في جامعة فيرتسبورج، وظلَّ في هذا المنصب لمدة ?? عامًا اكتشف أثناءها أشعة إكس. وفي عام ????، طلبت منه حكومة بافاريا رئاسة المعهد الفيزيائي في ميونخ، الذي ظلَّ فيه لبقية حياته المهنية. ومات في عام ???? عن عمر يناهز ?? عامًا.
كان من الممكن أن يموت قبل ذلك بكثير بسبب الإشعاع الذي اكتشفه، وذلك ما لم يَحْمِ نفسَه من أشعة إكس في معظم الوقت الذي كان يجري فيه تجاربه. فقد بنى كشكًا داخل المعمل، ليس من أجل حماية نفسه ولكن من أجل دقة التحميض الفوتوغرافي أثناء النهار؛ فلم تكن الآثارُ المميتة للتعرُّض المفرط لأشعة إكس قد عُرِفت بالكامل أثناء حياة رونتجن.
(?) اكتشاف النشاط الإشعاعي على يد بيكريل

تلا اكتشافُ النشاط الإشعاعي الطبيعي على يد هنري بيكريل مباشَرةً اكتشافَ أشعة إكس على يد رونتجن، وذلك لسبب جيد. قرأ بيكريل الورقة البحثية التي وصف فيها رونتجن أشعته المختَرِقة الجديدة على أنها نتاج أشعة كاثود تنتج وميضًا فوسفوريًّا أيضًا في زجاج الأنابيب المفرَّغة؛ ففكَّرَ بيكريل في أن المواد التي تنتج وميضًا فوسفوريًّا من خلال الضوء المرئي ربما تنتج إشعاعًا مخترقًا مماثلًا لأشعة إكس؛ وهي نظرية خاطئة أدَّت — على أية حال — إلى اكتشاف مهم.
اختار بيكريل مركب اليورانيوم ذا الوميض الفوسفوري. ولاختبار نظريته، لفَّ صفيحة فوتوغرافية في ورق أسود، ووضع بلورة من مركب اليورانيوم على الصفيحة الملفوفة في الورق، ثم وضع الكل في ضوء الشمس الساطع. وعندما تم تحميض الصفيحة الفوتوغرافية، وجد عليها صورةً لبلورة اليورانيوم، ولأن بيكريل كان عالمًا تجريبيًّا حَذِرًا، فإنه كان يعرف مسبقًا أن الورق الأسود سيحمي الصفيحة الفوتوغرافية من ضوء الشمس، ومن ثَمَّ كان متأكِّدًا من أن ضوء الشمس لم يكن وحده هو الذي أدَّى إلى تعرُّض الصفيحة للضوء، وقد اعتبر التجربةَ تأكيدًا على صحة نظريته.
ثم حدثت مصادفة أو على الأقل تدخُّل من حدثٍ طبيعي، لم يؤدِّ إلى بدء حقبة جديدة في الكيمياء والفيزياء فقط، ولكن أيضًا حقبة جديدة في حياة كل مَن على كوكب الأرض: العصر الذري والنووي. لم تسطع الشمس في باريس لعدة أيام (وهو أمر متكرِّر هناك). ولأن بيكريل كان يعتبر ضوءَ الشمس ضروريًّا لتنشيط الوميض الفوسفوري لبلورة اليورانيوم، أجَّلَ تجارَبَه ووضع البلورة بعيدًا في أحد الأدراج بأعلى صفيحة فوتوغرافية ملفوفة بإحكام.
بعد عدة أيام، قام بيكريل بتحميض الصفيحة التي كانت في الدرج مع بلورة اليورانيوم. وتوقَّعَ أن يجد فقط صورةً ضعيفة للبلورة نتيجةً لكمية الوميض الفوسفوري القليلة المتبقية في بلورة اليورانيوم، لكن بدلًا من ذلك — ويا لدهشته حينها! — كانت الصورة الموجودة على الفيلم قوية كحالها عندما تم تعريض البلورة والفيلم الملفوف لضوء الشمس! وعندئذٍ، توصَّلَ بيكريل إلى الاستنتاج الصحيح: ليس لتأثير ضوء الشمس في إنتاج الوميض الفوسفوري لبلورة اليورانيوم أيَّة علاقة بتعريض الصفيحة الفوتوغرافية المغطَّاة للضوء تحتها، لكن هذا التعرُّض نتج عن بلورة اليورانيوم نفسها، حتى في الظلام.
بدأ بيكريل في اختبار كل العينات المحتوية على اليورانيوم التي كان يستطيع إيجادها للأشعة التي عرَّضت الصفيحة الفوتوغرافية للضوء على الورق الأسود؛ الأشعة التي كان من الواضح أنها ليست أشعة ضوئية عادية. ووجد أنَّ كلَّ مركبِ يورانيوم نقي أو حتى خام اليورانيوم غير النقي له تلك الخاصية. واستطاع قياس الإشعاعات التي تصدر عن تلك المواد باستخدام مكشاف كهربائي؛ لأن الإشعاعات أدت إلى تأيين الهواء الذي مرت عبره. وتقوم فكرة عمل هذا المكشاف على حقيقة أن الشحنات المتشابهة تتنافر. وتُلاحَظ قوة التنافر من خلال انحراف موصل مَرِن يعمل في مقابل قوة إرجاع ميكانيكية.
حدَّدَ بيكريل أن درجة الإشعاع في كل العينات ما عدا عينة واحدة متناسِبة على نحو مباشِر مع نسبة اليورانيوم الموجودة في المركب أو الخام. والاستثناء الوحيد كان في خام يُسمَّى البيتشبليند، الذي أظهر إشعاعًا أكبر عدة مرات من ذلك الخاص باليورانيوم النقي. وأدَّى هذا الاكتشاف إلى استنتاج بيكريل أن هذا الخام يحتوي على شيء إلى جانب اليورانيوم، شيء له نشاط إشعاعي أعلى بكثير من اليورانيوم.
عند هذه النقطة، دخل آل كوري قصة النشاط الإشعاعي (وهو الاسم الذي اختارته ماري كوري لهذه الظاهرة). اقترح بيكريل على ماري سكلودوفسكا كوري أن يكون موضوعُ رسالة الدكتوراه الخاصة بها هو تحديد الشوائب غير المعروفة للنشاط الإشعاعي في خام اليورانيوم المتمثل في البيتشبليند. وبدأت كوري، بمساعدة زوجها الفيزيائي بيير، بحوالي ?? قدمًا مكعبًا من خام البيتشبليند، وعملت على كميات حجمها يصل إلى ?? رطلًا في المرة الواحدة، وقامت بتقليب المزيج المغلي في أحواض من الحديد الزهر ذات قضبان حديدية. ومن خلال هذا الجهد الجبَّار، نجحت في عزل عنصرين جديدين من البيتشبليند، كانَا ذَوَيْ نشاط إشعاعي أكبر من اليورانيوم. وأطلقَا على العنصر الأول اسم البولونيوم، وهو مقتبسٌ من اسم بلد ماري الأصلي وهو بولندا، بينما أطلقَا على العنصر الثاني اسم الراديوم لأسباب واضحة. كان البولونيوم والراديوم ذَوَيْ نشاط إشعاعي أكبر من اليورانيوم بستين وأربعمائة مرة على التوالي. وكان النتاج الكيميائي حوالي جزء واحد من الراديوم من عشرة ملايين جزء من الخام. وأعلن آل كوري عن اكتشافهما لعنصرَي الراديوم والبولونيوم في عام ????، بعد عامين فقط من اكتشاف بيكريل للنشاط الإشعاعي الطبيعي.
تقاسَم ماري وبيير كوري جائزة نوبل في الفيزياء مع بيكريل في عام ????؛ إذ مُنِح بيكريل نصفَ الجائزة نتيجة «اكتشافه النشاط الإشعاع الطبيعي»، وآل كوري النصفَ الآخَر نتيجة «أبحاثهما المشتركة حول الظواهر الإشعاعية المكتشَفة على يد البروفيسور هنري بيكريل».
تعقيب

كان أنتوني هنري بيكريل نتاجًا شهيرًا لنسل شهير. كان أبوه وجدُّه عالمين بارزين؛ كلاهما حصل على منصب أستاذ الفيزياء في متحف التاريخ الطبيعي في باريس. والتحق هنري الذي وُلِد في عام ???? بالمعهد السويسري للتكنولوجيا بعد إتمام تعليمه الأساسي وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم من هذا المعهد، وعمل مهندسًا في إدارة الطرق والكباري التابعة للحكومة الفرنسية، لكنه كان في الوقت نفسه يدرِّس الفيزياء في المتحف الذي كان يدرِّس فيه والده وجدُّه. وبعد وفاة والده في عام ????، حصل على منصب أستاذ الفيزياء الذي كان يشغله أبوه وجده قبله في المتحف. في عام ????، عُيِّنَ أستاذًا للفيزياء في المعهد السويسري للتكنولوجيا، وبعد ذلك بعام واحد توصل إلى الاكتشاف الذي كان السبب في شهرته، واستمر في إجراء دراسات في مجال النشاط الإشعاعي الجديد والمهم، حتى وفاته في عام ????.
شكل ??-?: هنري بيكريل (????–????).
في عام ????، حصلت ماري كوري على جائزة نوبل في الكيمياء. ومات بيير في حادث سير في عام ????، ولولا ذلك لكان سيشارك بيكريل وماري هذه الجائزة أيضًا؛ فقد خلفته ماري في منصب الأستاذ في جامعة السوربون. وقالَتِ الأكاديمية إنها منحت كوري الجائزة «لجهودها في تقدُّم الكيمياء باكتشافها لعنصرَي الراديوم والبولونيوم، وذلك بعزل الراديوم ودراسة طبيعة هذا العنصر المميز ومركباته.» ماتت ماري كوري في عام ???? جراء إصابتها بسرطان الدم، المرض الذي لا شك أنها أُصِيبت به نتيجة تعرُّضها للإشعاع الذي لم يكن خطره قد تمَّ تقديره حينها.
شكل ??-?: ماري كوري في معملها في عام ????؛ العام الذي تلا حصولها على جائزة نوبل للمرة الثانية.
(?) النشاط الإشعاعي الصناعي والانشطار النووي

أدَّى اكتشاف بيكريل للنشاط الإشعاعي الطبيعي إلى بدء حقبة جديدة تُعرَف بالعصر الذري والنووي، لكن لم يحدث ذلك مباشَرةً.
لم يكن النشاط الإشعاعي الطبيعي مفهومًا لعدة سنوات؛ فقد احتاج الأمرُ إلى أبحاثِ راذرفورد وسودي وآخَرين ورؤيتهم لاستنتاج طبيعة ومصدر الإشعاع الذي اكتشفه بيكريل وآل كوري، ولاقتراح أنه يتكوَّن من جسيمات (ألفا وبيتا) تنبعث عن نوى الذرات والإشعاع الكهربائي المغناطيسي العالي الطاقة المرتبط بتلك الانبعاثات. وكان اللورد راذرفورد مسئولًا إلى حدٍّ كبير عن إثبات أن كتلة الذرات تتركز بصورة أساسية (أكثر من ?????) في مراكزها، وتتكوَّن من جسيمات موجبة وسالبة تُسمَّى البروتونات والنيوترونات. وبدأت أسرار القوة الهائلة للطاقة النووية تتكشف في عام ???? تقريبًا.
في عام ????، اكتشفَتْ إيرين كوري ابنة ماري وبيير، وزوجها فريدريك جوليو، النشاطَ الإشعاعي الصناعي، وأوضَحَا أن جسيمات الألفا، التي اكتشفها راذرفورد كأجزاء من النوى الذرية التي تنتجها العناصر المشعَّة طبيعيًّا، يمكن استخدامها لقذف العناصر غير المشعة وجعلها مشعةً. ووصف البروفيسور آلان لايتمان في مجلة «ساينس ??» العملية دون الذرية قائلًا: «يبدو أن نوًى ذرية مستقرة معينة كان يمكن أن تصبح غير مستقرة إذا أُجبِرت على أخذ جسيمات دون ذرية إضافية. وبدأت هذه النوى الذرية تضطرب، فأطلقت أجزاءً صغيرة منها، تمامًا كما يحدث في النشاط الإشعاع الطبيعي.»
قرَّرَ إنريكو فيرمي، الذي كان حينها في روما، استخدامَ النيوترونات بدلًا من جسيمات الألفا، لقذف العناصر المستقرة، فقذف نواةَ ذرة يورانيوم كبيرة (وهي الشكل النظائري المستقر للعنصر) بتلك الطريقة. وافترض أن القذف بالنيوترونات سينشئ نوًى لعناصر قريبة في الوزن لليورانيوم. ولكن أوتو هان وفريتس شتراسمان، من معهد كايزر فيلهلم في برلين، وجَدَا أنه من بين نواتج قذف اليورانيوم بعض الباريوم، وهو عنصرٌ يبلغ حجم ذراته نصفَ حجم ذرات اليورانيوم. ولأنه لم يكن يوجد باريوم في العينة المقذوفة، فمن الواضح أن بعض نوى اليورانيوم قد انشطر نصفين!
في ديسمبر من عام ????، كتب هان إلى ليزا مايتنر يصف النتيجة غير المتوقَّعة التي توصَّلَ إليها. وكانت مايتنر إحدى الزميلات المقدرات من جانب هان التي عملت معه لمدة ?? عامًا، لكن نظرًا لأنها كانت يهودية، فقد هربت من ألمانيا إبَّان عصر هتلر، إلى السويد قبل ذلك بخمسة أشهر. وفي الكريسماس، زارها ابن عمها أوتو آر فريش، الذي كان أيضًا فيزيائيًّا وزميلًا للفيزيائي الدنماركي الشهير نيلس بور في كوبنهاجن، وناقَش معها خطابَ هان. وبعد بعض الحيرة التي أصابَتْهما أثناء سيرهما في الجليد، تذكَّرَا نظريةَ بور؛ ففي عام ????، أشار بور إلى أن جسيماتِ أيةِ نواة ذرية قد تتصرَّف على نحوٍ جماعيٍّ بحيث قد تتشوَّه النواة ولا تصبح ذات شكل كروي بسبب تصادم من جسيم ما، ولو كان صغيرًا مثل النيوترون. وقد تتغلَّب قوى التنافر في النواة على قوى التجاذب وتنقسم النواة شطرين، مُرسِلة الشطرين وهما يتحركان بسرعة كبيرة مع إصدار قدر هائل من الطاقة. وقد شبَّه النواة الذرية الثقيلة غير المستقرة بقطرة الماء المنهمرة.
شكل ??-?: ليزا مايتنر وأوتو هان في معملهما.
عندما عاد فريش إلى كوبنهاجن بعد عدة أيام، استطاع الحديث مع بور بينما كان يستقل إحدى سفن الخط الملاحي السويدي الأمريكي والتي تُسمَّى «إم إس دروتنينجهولم»، متوجِّهًا إلى نيويورك. وأدرك بور على الفور أهميةَ «الانشطار» النووي، وهو مصطلح ابتكَرَه فريش قياسًا على انقسام الخلية في علم الأحياء، والتجربة التي قام بها هان وتفسير مايتنر/فريش لها، بما في ذلك التشبيه الخاص بقطرة الماء. وكان بور في طريقه لحضور مؤتمر في واشنطن العاصمة عن الفيزياء النظرية وحمل إلى هذا المؤتمر تفسيرَ مايتنر وفريش. وبعد ذلك، كتب بور خطابًا قصيرًا إلى محرِّر مجلة «فيزيكال ريفيو»، أشار فيه إلى نظرية القطرة السائلة للانشطار النووي.
سرعان ما تمَّ إدراك الانشطار النووي في التفاعلات المتسلسلة على يد ليو سيلارد في كولومبيا. قدَّرَ بور، الذي كان حينها في برينستن، أن ثمة شكلًا نادرًا واحدًا فقط من اليورانيوم — وهو النظير الذي يُسمَّى يو-???، الذي يوجد في الطبيعة بنسبة ?? فقط من اليورانيوم الطبيعي — يمكن أن يقوم بالتفاعل المتسلسل. وكان الأمر يتطلب تركيز هذا النظير لبناء مفاعِل متسلسل، وكان بالإمكان فعل هذا وقد تم بالفعل. (سنعرض استخدام التيفلون في إحدى العمليتين المستخدمتين من قِبل الحكومة الأمريكية لتركيز هذا النظير من خلال عرضنا لقصة التيفلون في الفصل السابع والعشرين.) ولحسن الحظ، تمَّتْ هذه العملية في الولايات المتحدة قبل أن تتم في ألمانيا.
تعقيب

في ? أغسطس من عام ????، أرسل ألبرت أينشتاين خطابًا تحذيريًّا إلى الرئيس فرانكلين دي روزفِلت قال فيه: «هناك عمل حديث من قِبل إي فيرمي وإل سيلارد … جعلني أتوقَّع أنه ربما يتحوَّل عنصر اليورانيوم إلى مصدر جديد ومهم للطاقة في المستقبل القريب … ومن المرجَّح … أنه قد يتم صنع قنابل ذات مفعول قوي جدًّا من نوع جديد.»
إنَّ باقي برنامج الطاقة الذرية معروف جدًّا: صناعة القنابل الذرية واستخدامها في الحرب العالمية الثانية، والانشطار النووي، فضلًا عن اكتشافِ شكلٍ أكثر قوةً من الطاقة النووية وتطويره. وقد شُيِّدت مصانع للطاقة الذرية للاستخدام السِّلمي، لكن الطاقة الذرية لم ترتقِ حتى الآن إلى مستوى التوقُّعات في الولايات المتحدة، كما أن التخلُّص من النفايات النووية ما زال يمثِّل مشكلةً مهمةً، وظلَّ الفحم والنفط المصدرين الأساسيين للطاقة في القرن العشرين.
ما غيَّرته الطاقة النووية على نحو كبيرٍ ولا يمكن الرجوع فيه هو معنى الحرب؛ فكلُّ سلاح جديد عبر التاريخ كان يمثِّل تطوُّرًا كبيرًا عن الأسلحة السابقة عليه — كالمقلاع الروماني، والقوس الطويل الإنجليزي، والقوس المستعرض السويسري، والبارود، والنيتروجليسرين — لكن تلك التطورات تُعَدُّ بسيطةً مقارَنةً بالقفزة الهائلة التي تمت من الأسلحة التقليدية الحديثة إلى القنابل والقذائف النووية. إن اتحاد العلماء الذريين، وهي رابطة للعلماء الذين عملوا على تطوير القنبلة الذرية في أثناء الحرب العالمية الثانية، الذي غيَّرَ اسمه فيما بعدُ بقليل إلى اتحاد العلماء الأمريكيين، وأصبح هدفه الأساسي الآن هو نزع السلاح النووي؛ قد أعلن أن الأسلحة النووية قد جعلَتِ الحروبَ مستحيلةً. ويذكِّرنا هذا بردِّ ألفريد نوبل على برتا فون سوتنر حين طلبت منه أن ينضمَّ إليها في أحد مؤتمرات السلام: «مصانعي يمكن أن تُنهِي الحربَ أسرع من مؤتمراتِك.»
دعونا نأمل أن يكون جيلنا واستخدامه للطاقة النووية أكثر نجاحًا من نوبل ومَنْ خلفه في منع الحروب!

الفصل الثاني والعشرون
بدائل السكر: مذاق السكر الحلو ولكن بسعرات حرارية أقل


اكتُشِفت البدائل الثلاثة الأكثر شهرةً للسكر مصادفةً. فقد اكتُشِف السكارين، أول مُحلٍّ صناعي، منذ أكثر من مائة عام، وذلك قبل فترة طويلة من استخدامه كبديل لسكر المائدة العادي، السكروز. وحدث هذا في معمل أيرا ريمسن، أشهر كيميائي أمريكي في القرن التاسع عشر.
وُلِد ريمسن في نيويورك في عام ????، وانتقل إلى ألمانيا لعمل دراسات عليا في جامعات ميونخ وجوتينجن وتوبينجن، وعندما عاد إلى الولايات المتحدة، أصبح أستاذًا للكيمياء في كلية ويليامز، ثم في جامعة جون هوبكينز. وأنشأ أول قسم للكيمياء في الولايات المتحدة يضاهي مستواه مستوى أقسام الكيمياء في الجامعات الأوروبية، وكان من بين تلامذته هناك العديد ممَّنْ أصبحوا فيما بعدُ روَّادًا في مجال الكيمياء في الولايات المتحدة. ثم أصبح لاحقًا رئيسَ جامعة جون هوبكينز، ومن أشهر تلامذة ريمسن جدي الكبير العالِم إي بي كوهلر، ومن تلامذته جيمس بي كونانت الذي تتلمذ على يده لويس إف فيزر، الذي تتلمذ على يده تشارلز سي برايس، الذي تتلمذ على يده رويستن إم روبرتس. أحبُّ أحيانًا أن أوضِّح أنني أستطيع أن أرجع نسبي الكيميائي إلى فريدريش فولر، أبي الكيمياء العضوية (انظر الفصل التاسع) لأن ريمسن كان تلميذًا لرودولف فيتيج، الذي كان تلميذًا لفولر.
في عام ????، كان أحد زملاء ريمسن يقوم بمهمةٍ أُسنِدت إليه كجزء من برنامج بحثي نظري كان قائمًا في ذلك الوقت. وبينما هو يقوم بذلك، لاحَظَ هذا الشخص — ويُدعَى فهلبِرج — أن إحدى المواد التي حضَّرها وانسكبت دون قصدٍ على يده مذاقها حلو على نحو غير عادي. (لم يكن الكيميائيون يتوخون كثيرًا من الحذر تجاه تشمُّم المواد التي يعملون معها وتذوُّقها كما هم الآن.) ويبدو أن فهلبِرج استشعر الأهمية الممكنة للمادة الجديدة ذات المذاق الحلو حيث حضَّر شكلًا صناعيًّا تجاريًّا منها، وحصل على براءة اختراع عليها في عام ????. وكان الاسم الذي اختاره لها هو السكارين، من المقابل اللاتيني للسكر، وهو السكاروم.
في عام ????، كان طالب دراسات عليا متخصِّص في الكيمياء، يعمل مع البروفيسور إل إف أودريث في جامعة إلينوي، يحضِّر سلسلةً من المركبات تُسمَّى أملاح حمض السلفاميك؛ لأنه كان من المتوقَّع أن تكون لها بعض الخصائص الدوائية (وليست المُحلِّية) المهمة. لاحَظَ الطالب، ويُدعى مايكل سفيدا، مذاقًا حلوًا على نحو ملحوظ لسيجارة كان يدخِّنها في المعمل وأرجع المصدر إلى إحدى المواد التي كان يحضِّرها، وقد كانت ملح صوديوم حمض السايكلمك. كما وجد أن ملح الكالسيوم المقابل لنفس الحمض ذو مذاق حلو. واستُخدِم مِلحَا الصوديوم والكالسيوم من حمض السايكلمك كبديل للسكر، بينما تميَّز ملح الكالسيوم بأنه مفيد في النظم الغذائية القائمة على نسب منخفضة من الصوديوم. وقد استُخدِم هذان الملحان على نطاق واسع كبديل للسكر حتى عام ????، عندما حظرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية استخدامهما اعتمادًا على تجارب أُجرِيت على الحيوانات المعملية. وبعد الاكتشاف الأولي للمذاق الحلو لملح صوديوم حمض السايكلمك، تم تحضير مجموعة من أملاح حمض السلفاميك المرتبطة معه بشدة وفحصها، لكن لم يكن لأيٍّ منها مذاقٌ حلو مثل المادة التي اكتشفها سفيدا الدقيق الملاحظة. وقد تم مزج السايكلامات مع السكارين؛ لأن الاثنين معًا كان مذاقهما أحلى، وأقل مرارةً بعد تناولهما.
أما عن بديل السكر الثالث المهم، وهو الأسبراتام (الذي بِيعَ بالاسم التجاري نيوتراسويت)، فقد اكتُشِف بالمصادفة البحتة. إن الاسم الكيميائي الصحيح لتلك المادة هو إستر ميثيل فينيل الآلانين-حمض الأسبرتيك. حسبما يتضح من الاسم، فإن جزء «إستر الميثيل» يعني أنها مادة كيميائية قريبة جدًّا من ثنائي ببتيد فينيل الآلانين-حمض الأسبرتيك. وثنائي الببتيد هو مزيج من اثنين من الأحماض الأمينية التي تُعَدُّ العناصرَ المكوِّنة للبروتينات؛ فعندما نهضم أيَّ بروتين، فإنه يتحلَّل إلى مكوناته الأساسية من الأحماض الأمينية. وكان إستر ميثيل ثنائي الببتيد هذا مادةً وسيطةً حضَّرَها كيميائيو شركة سيرل أثناء تصنيع رباعي الببتيد (أيْ مزيج من أربعة أحماض أمينية). وكان من المفترض أن يكون رباعي الببتيد معيارًا حيويًّا في مشروع يهدف إلى تحضير دواءٍ مضاد للقرحة.
ذاق أحد الكيميائيين دون قصدٍ بعضًا من المادة الوسيطة واكتشفَ أنها ذات مذاق حلو على نحوٍ استثنائي. ولم يكن من الممكن توقُّع الطعم الحلو للأسبارتام مع معرفة خواصِّ الحمضين الأمينيين المكوِّنين له؛ فأحدهما لم يكن له طعم والآخَر كان طعمه مرًّا. وكان الطعمُ الحلو للغاية الناتج عن مزيج الحمضين وتحوُّلهما إلى إستر الميثيل شيئًا مفاجئًا تمامًا.
وصف الكيميائي جيمس إم شلاتر في كتابه «الأسبارتام: علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية» (????)، قصة اكتشاف الأسبارتام قائلًا: في ديسمبر ???? ، كنتُ أعمل مع الدكتور مايزر على تصنيع رباعي الببتيد ذي النهاية الكربونية للجاسترين. وكنَّا نصنع موادَّ وسيطةً ونحاول تنقيتها. وعلى وجه الخصوص، في وقتٍ ما في شهر ديسمبر من عام ????، كنت أُعِيد بلورة إستر ميثيل فينيل الآلانين-حمض الأسبرتيك (الأسبارتام) الذي تم تحضيره … وأعطاه لي الدكتور مايزر. كنتُ أسخِّن الأسبارتام في قارورة مع الميثانول عندما انسكب بعضٌ من المزيج خارج القارورة؛ ونتيجةً لذلك لامسَ بعض المسحوق أصابعي. وبعد فترة قصيرة، عندما لعقت إصبعي لأحضر قطعة من الورق، لاحظتُ مذاقًا حلوًا جدًّا. في البداية، ظننتُ أنه لا بد أنها بعض بقايا السكر التي ظلت على يدي من وقتٍ سابق خلال اليوم، لكنني سرعان ما أدركتُ أن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث؛ حيث إنني غسلت يدي في غضون ذلك. لذا، أدركتُ أن المسحوق الموجود على يدي مصدره القارورة التي وضعتُ فيها إستر ميثيل فينيل الآلانين-حمض الأسبرتيك البلوري. وشعرت أن إستر ثنائي الببتيد هذا من غير المحتمل أن يكون سامًّا؛ وهذا ما جعلني أتذوَّق القليلَ منه ووجدتُ بالفعل أنه كان المادة التي تذوَّقْتُها من قبلُ وكانت على يدي.
بخلاف السكارين والسايكلامات، اللَّذين يتم إنتاجهما دون تغيير، يحدث استقلاب للأسبارتام إلى مكوناته الطبيعية من الأحماض الأمينية التي يحدث استقلاب لها أكثر من خلال مسارات الجسم المعتادة. ولأن شلاتر كان يعرف هذا عن استقلاب الببتيدات، كان لديه من الجرأة ما يكفي للإقدام على تذوُّق المادة التي انسكب بعضها خارج القارورة التي يعمل بها.
شكل ??-?: الصيغ الجزيئية لبدائل السكر الثلاثة.
يوجد الكثير من الجدل حول مدى أمان السكارين والسايكلامات؛ فالسكارين استُخدِم لأكثر من ?? عامًا دون ظهور آثار جانبية لتناوله، لكن أُثيرت علامات الاستفهام حوله في سبعينيات القرن العشرين؛ لأن الأبحاث أثبتَتْ وجودَ أورام في مثانة فئران التجارب التي غُذِّيت بكميات كبيرة من السكارين. وأُرجئ الحظر المقترح للسكارين من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى حين إجراء المزيد من الاختبارات على الحيوانات المعملية وتقييمها. ومع أن الحظر على استخدام السايكلامات قد فُرِض في الولايات المتحدة في عام ????، فلا يزال بديل السكر هذا مُستخدَمًا في الكثير من الدول الأخرى.
من الصعب إعطاء نِسَب محدَّدة لمقدار حلاوة أي بديل من بدائل السكر المتاحة، لكن من المعروف علميًّا أن السكارين هو الأفضل بين كل بدائل السكر المعروفة حتى الآن؛ فهو أحلى مذاقًا بحوالي ??? مرة من السكروز، والأسبارتام أحلى من السكروز بحوالي ??? مرة، والسايكلامات أحلى منه بحوالي ?? مرة.
تُستخدَم مواد تحلية غير غذائية أخرى، طبيعية وصناعية، عبر أنحاء العالم إلى جانب المواد الثلاث السابقة الإشارة إليها، لكن تلك المواد الثلاث هي الأكثر شيوعًا في الولايات المتحدة. وقد اكتُشِفت المواد الثلاث بالمصادفة، لكن ربما لا تثير تلك الأمثلة على الاكتشافات السرنديبية الدهشة على غرار ما كان في الأمثلة الأخرى؛ وذلك لأن مسألة التذوُّق غير موضوعية ولا يمكن توقُّعها. لكن التراكيب الجزيئية للسكارين والسايكلامات والأسبارتام مختلفة تمامًا، كما يتضح من الشكل ??-?. فمع أن للسكارين والسايكلامات حلقةً مكوَّنة من ? ذرات كربون وكلتاهما ترتبط بذرة كبريت، فإن مادة الأسبارتام مختلفة تمامًا؛ فهي لا تحتوي في تركيبها الجزيئي على أي عناصر مشتركة مع المادتين الأخريين. إن المواد الأخرى المعروفة كمُحلِّيات مختلفةٌ أيضًا في صيغتها الكيميائية وتركيبها الجزيئي. والعلماء المتخصِّصون في الجزيئات مُدرِكون تمامًا لتلك الاختلافات الواضحة بين التركيب الجزيئي والوظيفة الفسيولوجية، وقد بدءوا في إحراز بعض التقدُّم في فهم تلك الاختلافات. وربما سيشهد هذا المجال تقدُّمًا مهمًّا في المستقبل القريب.

الفصل الثالث والعشرون
زجاج الأمان


حدث الاكتشاف العَرَضي لزجاج الأمان عندما كانت الحاجة إليه شديدة؛ بعد فترة قصيرة جدًّا من اختراع السيارة واستخدام الزجاج في صناعة زجاجها الأمامي. وكان احتمال تعرُّض السيارات لحوادث وتحطُّمها أكبر من العربات التي تجرها الخيول؛ مما كان يؤدِّي إلى تعرُّض راكبيها لإصابات بالغة بسبب انكسار الزجاج الأمامي.
كان الزجاج الطبيعي، مثل السَّبَج، موجودًا في الطبيعة منذ نشأة الأرض. وتشكَّلَ السَّبَج وغيره من الأشكال الأخرى للزجاج الطبيعي من عناصر شائعة في قشرة الأرض بسبب الحرارة البركانية الشديدة المتبوعة بتبريد سريع، وذلك قبل فترة طويلة من تفكير أيِّ أحدٍ في تغيير تركيبه أو لونه أو شكله.
ضَاعَ خبرُ أول مَن قام بعمل الزجاج الصناعي وسطَ الآثار القديمة والأساطير، ومن أشهر الأساطير في هذا الشأن تلك التي وثَّقَها الكاتب والمؤرِّخ بليني الأكبر الذي عاش في القرن الأول الميلادي. وكتب بليني ?? مجلَّدًا عن التاريخ الطبيعي، ومات وسط رماد إحدى ثورات بركان فيزوف في عام ?? ميلاديًّا، بعد أن أبحرَ مع بعضٍ من الأسطول الروماني بقيادته إلى الساحل قرب بومبي لمساعدة سكان تلك المنطقة المهدَّدة.
أرجع بليني الفضل إلى بعض التجار الفينيقيين في إنتاج الزجاج على نحو عَرَضي عندما أشعلوا نارًا على شاطئ رملي. وقيل إنهم وضعوا قدورَ الطهي الخاصة بهم على كتل من النطرون، وهي مادة معدنية من كربونات الصوديوم ربما يكونون قد جلبوها من مصر، وتركوها تشتعل طوال الليل كي يدفئوا أنفسهم. وفي الصباح اندهشوا حينما وجدوا زجاجًا منصهرًا يلمع عبر الرماد، حيث دمجت الحرارة كتل النطرون مع سيليكا الرمال. ومع أنه لا يمكن التحقُّق من هذا الاكتشاف العَرَضي وتاريخه (قُدِّر بأنه حدث في عام ???? قبل الميلاد)، فإن استخدام الزجاجات من قِبَل المصريين القدماء منذ عام ???? قبل الميلاد موثَّق على نحوٍ تامٍّ.
ظهر الزجاج منذ فترة طويلة، ونعرف أيضًا أن الرومان استخدموه في صنع النوافذ. وفي المرافق الثابتة في الأبنية، كان يُستخدَم بصفة عامة على هيئة ألواح صغيرة عديدة مع وضع إطار برونزي لها، وحتى عند استخدامه في النوافذ الصغيرة للعربات الصغيرة والكبيرة التي تجرُّها الخيول، لم يكن خطرُ كسرِه كبيرًا بالرغم من هشاشته الداخلية. ولكن مع ظهور العربات التي لا تجرها الخيول، أصبح استخدامه في الزجاج الأمامي والنوافذ مصدرًا محتمَلًا للإصابة.
في عام ????، أوقع كيميائيٌّ فرنسي يُدعَى إدوار بينيديكتس قارورةً زجاجيةً على أرض صلبة؛ تحطَّمت القارورة، لكن بينيديكتس لاحَظَ مندهشًا أنها بقيت تقريبًا قطعةً واحدةً على صورتها الأصلية ولم تتفتت. فحص بينيديكتس القارورة ولاحظَ وجود قشرة رقيقة في الداخل أبقَت الزجاجَ المكسور ملتحمًا بعضه ببعض؛ فأدرك أن تلك القشرة مصدرها تبخُّر محلول الكولوديون (أو نترات السليولوز التي يتم تحضيرها من القطن وحمض النيتريك)، الذي كان موجودًا في القارورة. (عرضنا اكتشافات عَرَضية أخرى تتضمن محلول الكولوديون في الفصلين الخامس عشر والسادس عشر.) وعند وجود محلول الكولوديون في القارورة الزجاجية المفتوحة، تبخَّرَتِ المادةُ السائلة تاركةً قشرةً رقيقة من الكولوديون داخل القارورة. ودوَّنَ بينيديكتس تلك الحادثة على بطاقةٍ ووضعها على القارورة المكسورة، لكنه تجاهَلَ الأمر في ذلك الوقت.
لكن بعد حدوث تلك الحادثة التي تعرَّضَ لها في المعمل، قرأ بينيديكتس خبرًا عن فتاة صغيرة تعرَّضَتْ لإصابات شديدة بسبب الزجاج في حادثة سيارة في باريس. وبعد ذلك ببضعة أسابيع، قرأ عن حادثة مشابهة ذات تبعات خطيرة بسبب الزجاج المتطاير، وفجأةً خطر على باله أن تجربته مع قارورة الزجاج التي تكسَّرت ولم تتفتَّت تُعَدُّ حلًّا محتمَلًا لمثل تلك المشكلات. اندفع إلى المعمل ووجد القارورة الموضوع عليها البطاقة وقضى الليل كله يفكِّر كيف يمكن وضع طبقة من نوع معين على الزجاج لجعله آمِنًا. وقيل إنه بحلول مساء اليوم نفسه، وبمساعدة مكبس النسخ أنتَجَ أولَ لوحٍ من زجاج الأمان.
كان الاسم الذي اختير لزجاج الأمان الجديد، وهو «التربلكس» (الذي يعني الثلاثي)، يشير إلى تصميم المادة؛ فهي تتكوَّن من لوحين من الزجاج بينهما لوح من نترات السليولوز، مع دمج الألواح الثلاثة المصنوعة من مادة شفافة معًا عن طريق الحرارة. وتطلَّبَ التحوُّل من تصنيع المادة في المعمل إلى تصنيعها في المصانع عدة سنوات، ولم يحصل بينيديكتس على أول براءة اختراع له على زجاج الأمان الجديد إلا في عام ????.
مع أن بينيديكتس اخترَعَ زجاجَ الأمان لمنع الإصابة بسبب الزجاج المتطاير من الزجاج الأمامي للسيارات ونوافذها، فلم يكن هذا هو الاستخدام العملي الأول للزجاج الرقائقي الجديد؛ فقد كان أول استخدام له في عدسات أقنعة الغاز في الحرب العالمية الأولى. ولكن مع ازدياد أعداد السيارات وسرعتها إلى حدٍّ كبير في عشرينيات القرن العشرين، أصبحت الإصابات بسببِ تطايُرِ الزجاج في حوادث السيارات مشكلة كبيرة، وأصبح الزجاج الرقائقي هو الزجاج القياسي المستخدَم في السيارات الأمريكية.
تعقيب

ربما يذكر بعضُ القرَّاء أن الزجاج الأمامي في السيارات القديمة كان يتحوَّل لونه إلى اللَّون الأصفر بمرور الوقت. ويرجع هذا إلى أن المادة البلاستيكية الأصلية التي كانت تُستخدَم بين طبقتَي الزجاج في زجاج الأمان كانت مصنوعةً من نترات السليولوز (أي الكولوديون)، التي يتحوَّل لونها بمرور الوقت وبالتعرض لضوء الشمس إلى اللَّون الأصفر.
في عام ????، حلَّت محل المادة الرابطة المتمثلة في نترات السليولوز مادةُ أسيتات السليولوز، التي كانت مقاوِمةً أكثر للتلوُّن بفعل ضوء الشمس، لكن مفعولها كان يضعف عند التعرُّض لنطاق من درجات الحرارة المختلفة، وتتسبب في بعض الغشاوة. والمادتان السابقتان كلتاهما مشتقتان من السليولوز، وهي مادة مأخوذة من الخشب وغيره من المصادر الطبيعية، وأدَّت الأبحاثُ التي كانت تبحث في المواد البلاستيكية الممكنة البديلة للسليولوز إلى اكتشاف وجود بوليمر صناعي بالكامل — وهو صمغ بولي فينيل البوتيرال — يُعَدُّ أفضلَ من أسيتات السليولوز. ومنذ عام ????، أصبحَتْ تلك المادةُ هي المادة القياسية للزجاج الرقائقي المستخدَم في السيارات والطائرات وغيرها من الأشياء التي تتطلَّب مادة شفافة قوية.
ثمة شكل آخَر من زجاج الأمان وهو الزجاج المُقَسَّى غير الرقائقي؛ أيْ لا يحتوي على طبقة داخلية بلاستيكية، وهو يتحطَّم إلى أجزاءٍ صغيرة عديدة قلَّما تؤدِّي إلى إيذاء أحد، وهو يُستخدَم في صناعة النوافذ الجانبية والخلفية للسيارات. لكن في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى يُستخدَم الزجاج الرقائقي لصناعة الزجاج الأمامي للسيارات.
تحتاج الطائرات إلى نوافذ مصنوعة من مادة قوية؛ لأنها تحتاج إلى مقاوَمة أقصى درجات الحرارة والضغط، ويجب أن تكون مَرِنة لمواجهة اصطدام الطيور الذي يتم بسرعة عالية. ويتم الوفاء بتلك المتطلبات من خلال نوعيةٍ خاصة ومعقَّدَة جدًّا من الزجاج الأمامي، تتكون من طبقات متعددة من الزجاج والبلاستيك.
شكل ??-?: أحدث ما في تكنولوجيا زجاج الأمان: الزجاج المضاد لتهتُّك الجلد.
وحديثًا، استُخدِمت طبقة بلاستيكية ثانية داخل الزجاج الأمامي للسيارات لمنع حدوث تهتُّك في الجلد عند الاحتكاك مع الزجاج المحطَّم الذي يلتحم بالطبقة البلاستيكية الوسطى في زجاج التربلكس الرقائقي العادي. وفي عام ????، تم إدخال هذا في بعض السيارات على سبيل التجربة، وكانت النتائج الأولية مُبشِّرة؛ فعند اصطدام رأس الشخص في إحدى الحوادث بالزجاج الأمامي للسيارة الذي له تلك الطبقة البلاستيكية الداخلية المضادة للتهتُّك، فإنه سيصاب بكدمة شديدة وصدمة، لكن لن يحدث قطع في الرأس أو الوجه.
في كل هذه الأنواع من زجاج الأمان ما عدا الزجاج المُقَسَّى، يكون الأساس — الذي لا يختلف عن ذلك الذي لاحَظَه بينيديكتس بشكل عَرَضي في عام ???? — واحدًا، وهو احتواؤه جسيمات الزجاج من خلال طبقة رقيقة من البلاستيك.

الفصل الرابع والعشرون
المضادات الحيوية: البِنسلين وأدوية السَّلْفا والماجانينات


(?) البِنسلين: فليمنج وفلوري وتشين

ربما يُعَدُّ اكتشاف السير ألكسندر فليمنج للبِنسلين أهم وأشهر اكتشاف جاء وليد المصادفة البحتة، لكن ربما تكون الجوانب السرنديبية في هذا الاكتشاف أكثر مما يمكن لمعظم الناس تخيُّله، وهناك جهود تكميلية مهمة لهذا الاكتشاف تؤكِّد على أهميته، مع أنها أقل شهرةً.
إنَّ حياة فليمنج حافِلةٌ بأحداث تبدو غير مترابطة، ومن دون أيٍّ منها لم يكن لها أن تصل لما وصلَتْ إليه بالفعل، لدرجة تجعلنا «نشعر بأننا مدفوعون إلى إنكار حدوثها بسبب المصادفة المحضة»، وذلك كما قال صديقه وزميله البروفيسور سي إيه بانيت في تأبينه له عند وفاته.
وُلِد ألكسندر فليمنج في أيرشير الريفية في اسكتلندا عام ????. مات أبوه عندما كان في السابعة من عمره، تاركًا والدة ألكسندر لتتولى إدارة المزرعة وتربية أطفالها الأربعة إلى جانب أولاد زوجها. وكان ألكسندر يذهب مشيًا إلى المدرسة التي كانت توجد على بُعْد ميل من المنزل عندما كان في الخامسة، وعندما أصبح في العاشرة كان يذهب مشيًا إلى مدرسة على بُعْد أربعة أميال من البيت، وعندما أصبح في الثانية عشرة كانت المدرسة على بُعْد ?? ميلًا؛ لذا التحق بأكاديمية كيلمارنك، لكنه كان يمشي لمسافة ?? ميلًا كلَّ إجازة نهاية أسبوع ذهابًا وإيابًا من محطة القطار إلى منزله. وبعد عام ونصف في كيلمارنك، انتقل إلى لندن للانضمام إلى أخيه الأكبر واستكمال دراسته في معهد لندن للتكنولوجيا، لكن دراسته استمرت لفترة قصيرة؛ لأنه لم يستطع تحمُّل تكاليفها؛ فحصل فليمنج — الذي كان حينها في السادسة عشرة — على وظيفةٍ في شركة شحن، لكن كان لديه وقت للانضمام إلى متطوِّعِي الفِرقة الاسكتلندية في لندن. ومن خلال تلك الفِرقة، لعب ضمن فريقٍ لكرة الماء، وفي إحدى المرات لعب ضد فريقٍ من مستشفى سانت ماري، الذي كان تابعًا لجامعة لندن.
وبعد بضعة أعوام، ورث ميراثًا صغيرًا وشجَّعه أخوه على الالتحاق بإحدى الكليات الطبية. فقد كانت هناك ?? كلية طبية في لندن، ولم يكن فليمنج يعرف أيَّ شيء عن أيٍّ منها؛ فيما عدا تلك التابع لها مستشفى سانت ماري، والتي كان يعرف أن لها فريقَ كرة ماء، وهذا ما جعله يلتحق بها. وفي الوقت نفسه، انضم ألمروث رايت إلى تلك الكلية مدرسًا للبكتيريولوجيا. وكان فليمنج يخطِّط في البداية كي يصبح جرَّاحًا، لكن عُرِضت عليه بعد تخرجه وظيفةٌ بمعمل ألمروث رايت (الذي كان يُلقَّب حينها بالسير ألمروث رايت)، وقد عمل في هذا المعمل بقية حياته وأصبح أستاذًا للبكتيريولوجيا في عام ????.
في أثناء الحرب العالمية الأولى، أُرسِلَ فليمنج ورايت إلى فرنسا حيث عملَا على تضميد جراح الجنود المصابين، وكان الأطباء في ذلك الوقت يعتمدون على المطهرات لعلاج الجروح في المعارك. لكنَّ فليمنج لاحَظَ أن الفينول (أو حمض الكربوليك، الذي يُعَدُّ أشهرَ مطهِّرٍ في ذلك الوقت) كان ضرره يفوق نفعه؛ حيث إنه يقتل كرات الدم البيضاء أسرع من البكتيريا، وكان يعرف أن هذا أمر سيئ؛ لأن تلك الكرات هي وسائل الدفاع الطبيعية للجسم ضد البكتيريا.
في عام ????، اكتشف فليمنج بالمصادفة مضادًّا حيويًّا يقتل البكتيريا دون أن يقتل كرات الدم البيضاء. فبينما كان فليمنج يعاني من نزلة برد، صنعَ مزرعةً من بعض إفرازاته الأنفية، وبينما كان يفحص طبق المزرعة المليئة ببكتيريا صفراء، سقطت دمعة من عينه في الطبق. وعندما فحص المزرعة في اليوم التالي، وجد مساحة خالية حيث سقطت الدمعة؛ فجعلته ملاحظته الدقيقة وحبه الشديد للبحث يتوصَّل إلى الاستنتاج الصحيح: تحتوي الدمعة على مادةٍ تسبِّب التدمير السريع (الانحلال) للبكتيريا، لكنها لا تضر بالنسيج البشري. وسَمَّى إنزيم المضاد الحيوي الموجود في الدمعة «اللايسوزيم»، لكن اتضح أن تلك المادة ليسَتْ لها أهمية عملية كبيرة؛ لأن الجراثيم التي كانت تقتلها كانت غير ضارة نسبيًّا، لكن هذا الاكتشاف كان مقدمة ضرورية لاكتشاف البِنسلين، وذلك كما سنرى.
في صيف عام ????، كان فليمنج مُنشغِلًا بإجراء أبحاث عن الإنفلونزا، وبينما كان يقوم ببعض الإجراءات المعملية الروتينية التي تتضمن فحصًا ميكروسكوبيًّا لمزارع البكتيريا التي يتم إنماؤها في أطباق بِتري (وهي أطباق زجاجية مسطحة لها أغطية)، لاحظ في أحد الأطباق مساحة خالية غير معتادة، وأظهر الفحص أن المساحة الخالية كانت تحيط بمنطقة وقع فيها قليل من العَفن، على ما يبدو عندما كانت المزرعة غير مغطاة. متذكِّرًا تجربته مع اللايسوزيم، استنتج فليمنج أن العَفن يُنتِج شيئًا يقتل البكتيريا العنقودية في طبق المزرعة. قال فليمنج عن ذلك: لولا تجربتي السابقة مع اللايسوزيم، لكنتُ تخلَّصْتُ من محتويات الطبق، وذلك كما كان يفعل العديد من علماء البكتيريولوجيا … ومن المحتمَل أيضًا أن بعض هؤلاء العلماء قد لاحَظُوا حدوثَ تغيُّرات مماثِلة لتلك التي لاحظتها من جانبي … لكن في ظل غياب أيِّ اهتمام من جانبهم بالمواد المضادة للبكتيريا الطبيعية، كانوا يتخلصون ببساطة من المزارع … وبدلًا من التخلُّص من المزرعة الملوَّثة بالعَفن متعللًا بكلام لائق، أجريتُ بعض الفحوصات.
شكل ??-?: السير ألكسندر فليمنج وهو يعيد تمثيلَ فحصه لطبق بِتري «ملوَّث» بعَفن البنسليوم.
عزل فليمنج العَفن وحدَّد أنه ينتمي لنوع البنسليوم، وسمَّى المادة المضادة للجراثيم التي كان ينتجها البِنسلين. ولاحقًا قال: «توجد آلاف الأنواع من العَفن، وتوجد آلاف الأنواع من البكتيريا، والمصادفة التي وضعت العفنَ في المكان الصحيح في الوقت الصحيح كانت تشبه الفوز في سباق الخيل الخاص بالمستشفيات الأيرلندية.» إن تعليقه الذي يقول فيه: «توجد آلاف الأنواع من البكتيريا» كان صائبًا؛ لأنه على الرغم من أن البِنسلين يقضي على أنواع عديدة من البكتيريا، بما فيها البكتيريا العنقودية، فإنه ليس له أي تأثير على بعض الأنواع الأخرى من البكتيريا. ولحسن الحظ أن أنواع البكتيريا التي يقضي عليها البِنسلين تُعَدُّ بعضًا من تلك المسئولة عن العديد من أنواع العدوى البشرية الخطيرة والشائعة.
لم يكن استخدام أنواع العَفن لعلاج أنواع العدوى شيئًا جديدًا تمامًا في عام ????؛ فقد أشار لوي باستير وزميله جيه إف جيبير في عام ???? أن أحد الميكروبات يمكنه منع نمو ميكروب آخَر. وتوجد سجلات تقول إن بعض أنواع عَفن الخبز قد استُخدِمت من جانب المصريين القدماء والرومان، لكن توجد الآلاف من أنواع العَفن المختلفة التي تنمو على الخبز، والتي يكون للقليل منها فقط أثرٌ نافع مضاد للعدوى. ولا بد أن فليمنج كان يعرف ذلك، وبالتالي يمكننا أن ندرك سبب دهشته.
أثبت فليمنج بعد ذلك أن البِنسلين غير سام بالنسبة إلى الحيوانات وغير ضار لخلايا الجسم. وقد قال عن ذلك: إن كونه غير سام بالنسبة إلى كرات الدم البيضاء هو ما أقنعني أنه سيصبح يومًا ما بمنزلة مادة علاجية … إن البِنسلين الخام يُوقف نمو البكتيريا العنقودية تمامًا في محلول مخفَّف بنسبة واحد في الألف عند اختباره في الدم البشري، لكنه ليس له تأثير سام على كرات الدم البيضاء أكثر من وسط المزرعة الأصلي … وقد حقنته أيضًا في حيوانات، وثبت بوضوح أنه غير سام … عند إجراء بعض الاختبارات التجريبية على بعض المرضى بالمستشفيات، كانت النتائج طيبة لكنها ليست مذهلة، وهذا ما جعلني مقتنعًا … بضرورة أن يكون مركزًا … جرَّبنا تركيز البِنسلين، لكن اكتشفنا … أن البِنسلين يتلف بسهولة … وأن إجراءاتنا البسيطة نسبيًّا غير مجدية.
في تلك الأثناء، سلَّط النجاح الملحوظ للسلفانيلاميد الأضواءَ على العلاج الكيميائي (انظر القسم التالي للتعرُّف على قصة أدوية السَّلْفا)، وفشلت المحاولات التي قام بها هارولد ريزتريك بالتعاون مع فليمنج، لعزل البِنسلين وتركيزه، ولم يحدث أي تقدُّم فيما يتعلَّق بالبِنسلين لعدة أعوام. وفي أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، بدأ هوارد دبليو فلوري، أستاذ الباثولوجيا بجامعة أكسفورد، دراسةً بحثيةً مع إرنست بوريس تشين اختصاصي كيمياء حيوية يهودي لاجئ، هرب من ألمانيا إبَّان حكم هتلر، وأحضره فلوري إلى جامعة أكسفورد. شرع الاثنان في دراسة اللايسوزيم، الإنزيم المضاد للجراثيم الذي اكتشَفَه فليمنج، وغيرِه من المواد الطبيعية المضادة للجراثيم، وسرعان ما ركَّزَا عملهما على البِنسلين؛ نظرًا لكونه مبشِّرًا أكثر من كل تلك المواد.
باستخدام تقنيات كيميائية متقدِّمة فيما يخص عمليتي العزل والتركيز كانت متاحة في جامعة أكسفورد، وكانت معروفة جيدًا لفلوري وتشين وغير معروفة لفليمنج في مستشفى سانت ماري؛ نجح فريق جامعة أكسفورد في تركيز البِنسلين وتنقيته، لدرجة أنهما استطاعا إثبات خصائصه العلاجية، أولًا فيما يتعلَّق بأنواع العدوى المعملية في الفئران، ثم على المرضى من البشر الذين كانوا يعانون من العدوى بالبكتيريا العنقودية وغيرها من أنواع العدوى الخطيرة. (أُجريت عملية الاستنبات الأولى للبِنسلين الذي تمت تجربته على البشر في أوعية التبول في الفراش بالمستشفيات؛ تم الانتهاء من بعض الاختبارات الإكلينيكية مبكرًا بسبب ندرة الدواء، مع أنه يتم الحصول عليه من بول المرضى ويعاد استخدامه.)
ونظرًا لأهمية الاستخدام المحتمَل للبِنسلين لعلاج الأمراض ومداواة الجروح للعسكريين في الحرب العالمية الثانية، أصبح إنتاجه على نطاق واسع محل اهتمام كبير في كلٍّ من بريطانيا والولايات المتحدة. وجاء فليمنج إلى الولايات المتحدة لوصف الطرق المستخدَمة في بريطانيا لاستخلاص البِنسلين وإنتاجه، وعمل الكيميائيون في البلدين بحماس شديد من أجل تحديد التركيب الكيميائي للبِنسلين وإنتاجه عن طريق التصنيع أو التخمُّر، وقد صُنِع ذلك الجزيء المهم والمعقَّد لأول مرة بعد فترة طويلة من انتهاء الحرب، لكن كان التقدُّم الذي يتم إحرازه في إنتاجه بالتخمُّر أثناء الحرب سريعًا على نحوٍ غير عادي.
هنا لعبت السرنديبية دورها في تلك المرحلة من إنتاج البِنسلين، بالإضافة إلى اكتشافه؛ فعندما أتى فلوري إلى الولايات المتحدة في محاولةٍ للتوصُّل إلى طريقة لإنتاج البِنسلين على نطاق واسع، زار المعمل الشمالي للأبحاث الإقليمية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في بيوريا بإلينوي. وكان هذا المعمل يسعى لبعض الوقت إلى الوصول لاستخدامٍ صناعي لفائض محاصيل الحبوب، وكذلك الوصول إلى حلٍّ لمشكلة مرتبطة بهذا الأمر تتعلق بالتخلُّص من مستخلَص ضار كان نتاجًا فرعيًّا لعملية طحن الذرة. وعندما وُضِع هذا المستخلص في وسط المزرعة الخاصة بالبِنسلين، زاد ناتج العَفن المطلوب على نحوٍ غير متوقَّع بعشرة أضعاف.
ثمة إسهام ثانٍ لهذا المعمل، وهو تطوير سلالة محسَّنة من العَفن المُنتِج للبِنسلين؛ فقد كان يتم تجميع مئات أنواع العَفن من جميع أنحاء العالم وإحضارها إلى بيوريا لاختبارها. وعلى نحوٍ لا يُصدَّق، جاء الإسهام الفائز على يد سيدة محلية تُدعَى ماري هانت التي أصبح يُطلَق عليها «ماري صاحبة العَفن»؛ نظرًا لحماسها في البحث عن مصادر جديدة للعَفن المطلوب. أحضرت تلك السيدة ثمرة كانتالوب من سوقٍ للفاكهة في بيوريا، وكانت الثمرة تحتوي على عَفنٍ «له شكل ذهبي جميل». أدَّتْ تلك السلالة الجديدة من العَفن إلى مضاعفة إنتاج البِنسلين، وهكذا أدَّى الاكتشافان اللذان تمَّا في بيوريا إلى زيادة ناتج البِنسلين عشرين ضعفًا. مَن كان بمقدوره أن يتوقع أن يكون لبيوريا هذا الإسهام الكبير في إنتاج الدواء المعجزة الذي اكتُشِف مصادفةً في لندن؟!
لم يتم فقط إنقاذ حياة الآلاف بسبب البِنسلين أثناء الحرب، ولكن أيضًا تم تحفيز إجراء الأبحاث لاكتشاف مضادات حيوية أخرى، بما في ذلك عائلة من المركبات المرتبطة كيميائيًّا بالبِنسلين، وهي السيفالوسبورينات. وبعض هذه المضادات الحيوية الأحدث مضادة للبكتيريا المقاومة للبِنسلين. (سنعرض لقصة الاكتشاف العرضي للسيفالوسبورين سي في الفصل الثلاثين.)
تقاسم فليمنج وفلوري وتشين جائزةَ نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ????. وقد حصل جميعهم لاحقًا على لقب سير تكريمًا لهم على عملهم، الذي أدَّى إلى تخفيف معاناة الكثيرين وإنقاذ حياة عددٍ لا يُحصَى من البشر.
كان السير ألكسندر فليمنج على وعي بدور السرنديبية في حياته المهنية واكتشافه للبِنسلين؛ فقد قال ذات مرة: «ثمة بعضُ الإثارة والغموض في قصة اكتشاف البِنسلين، وهي تساعد في إثبات دور المصادفة أو الحظ أو القدر أو النصيب — سمِّها كما تشاء — في الحياة المهنية لأيٍّ منَّا.» وأضيف هنا أنه لولا ذكاء فليمنج — أو دعونا نقول «فطنته» حتى نستخدِمَ اللفظَ الذي كان مكونًا أساسيًّا في تعريف وولبُول للسرنديبية — ما كانت المصادفات التي حدثَتْ لفليمنج لتُسفِر عن شيء.
(?) أدوية السَّلْفا: دوماك وفورنو وآل تريفويل

يرجع السبب في اكتشاف السلفانيلاميد والأدوية الصناعية المضادة للبكتيريا المرتبطة به كيميائيًّا إلى اعتقاد خاطئ سنذكره لاحقًا (انظر الفصل الخامس والثلاثين)، لكنه يحمل إلينا قصة مذهلة كان للسرنديبية أيضًا دور فيها. وقد حصل جيرهارد دوماك على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام ???? عن هذا الاكتشاف، لكن ثمة شخصيات عديدة لعبت أدوارًا مهمة في قصة هذا الاكتشاف.
وُلِد دوماك في لاجو بألمانيا في عام ????. التحق بجامعة كيل، لكن الحرب العالمية الأولى أوقفت دراساته الطبية، وبعد الهدنة عاد إلى جامعة كيل وحصل على درجته العلمية في الطب في عام ????. وبعد بضعة أعوام قضاها مُعيدًا في جامعة جرايفسفالد وأستاذًا في المعهد الباثولوجي في مونستر، حصل في عام ???? على منصب مدير معمل الباثولوجيا والبكتيريولوجيا التجريبي التابع لاتحاد شركات إنتاج الصبغات الألمانية. وكانت مهمته في تلك الوظيفة هي اختبار الخصائص الدوائية للصبغات الجديدة المصنَّعة من قِبَل الكيميائيَّيْن فريتس ميتزش وجوزيف كلارر. حضَّر ميتزش أول دواء صناعي ناجح مضاد للملاريا، وهو الأتابرين. والمعروف أن الملاريا عدوى تنقلها الحيوانات الأولية، كما هو الحال بالنسبة إلى مرض الزُّهري، الذي وجد باول إيرليش أن السالْفرسان دواءٌ فعَّال لمعالجته، وأنه يُعَدُّ أول وصفة سحرية تُستخدَم لمقاومة مرضٍ بالعلاج الكيميائي. لكن لم تكن توجد مواد كيميائية فعَّالة لمقاومة البكتيريا في عام ????؛ تلك البكتيريا التي كانت تسبِّب الأمراض الخطيرة مثل الالتهاب الرئوي والالتهاب السحائي ومرض السيلان وعدوى البكتيريا العِقْدِيَّة والعنقودية.
بدأ فريق الاتحاد من الكيميائيين واختصاصيي الأدوية في البحث عن مركبات تعمل على قتل تلك الميكروبات دون الإضرار بمضيفيها من الحيوانات أو البشر. وقد كانت الخطة التي وضعوها هي تحضير صبغات معيَّنة لمعرفة إن كانت تلك المركبات مضادة للبكتيريا أم لا؛ لأن أنواعًا معينة من الصبغات، وخاصةً تلك التي تحتوي على مجموعة سلفوناميد، كان يبدو أنها على وجه الخصوص «مقيَّدَة» (ترتبط بشدة) بالأقمشة الصوفية؛ مما يشير إلى أن لها علاقة بجزيئات البروتين. وكان الكيميائيون يعتقدون أنه بسبب كونِ البكتيريا بروتينًا، فقد ترتبط بها تلك الصبغات وتُقيِّد نفسها بها لتُوقِف نموها أو تقتلها. وكما سنرى، فإن تلك النظرية كانت صحيحةً جزئيًّا فقط؛ إذ كانت مجموعة السلفوناميد ضرورية، لكنَّ جزءَ الجزيء الذي يحوِّلها إلى صبغة لم يكن ضروريًّا لفاعلية مضادات الجراثيم.
من الصبغات التي صنَّعها ميتزش وكلارر والتي اختبرها دوماك على الفئران والأرانب المعملية المصابة بالبكتيريا العِقْدِيَّة؛ صبغةُ البرونتوسيل. وقد ثبت أنها مضاد قوي ضد تلك البكتيريا، وأنه يمكن للحيوانات تحمُّلها، وذلك عند تناولها بجرعات كبيرة دون حدوث أي آثار ضارة. وربما يعود اكتشاف أثر تلك الصبغات المضاد للبكتيريا في الحيوانات إلى عام ????؛ فقد تقدَّمَ اتحاد شركات إنتاج الصبغات الألمانية بطلبٍ للحصول على براءة اختراع في ديسمبر من ذلك العام نظير هذا الاكتشاف. ويبدو أن الاختبارات المعملية (على المرضى من البشر) سرعان ما بدأت بعد ذلك، لكن الروايات متضارِبة في هذا الشأن. فتقول بعض الروايات إنه قبل أن تُجرى أي اختبارات أخرى على البشر، أعطى دوماك جرعةً من البرونتوسيل لابنته الصغيرة التي كان يائسًا من شفائها وكانت تصارع الموت جراء الإصابة بعدوى خطيرة من بكتيريا عِقْدِيَّة بسبب جرح بإبرة، وشُفيت البنت بسرعة. وتقول روايات أخرى إن أول اختبار إكلينيكي تمَّ على ولدٍ عمره ?? أشهر كان موته محتمًا بسبب تسمُّم للدم أحدثته البكتيريا العنقودية، فأعطاه طبيبه الذي يُدعَى ريتشارد فورستير صبغةَ البرونتوسيل. كان فورستير زميلًا للدكتور هانس شريوس الأستاذ بكلية الطب في دوسلدورف وصديقًا لهاينريش هيرلاين الذي كان رئيسًا على دوماك في اتحاد شركات إنتاج الصبغات الألمانية، وعندما استشار فورستير شريوس بشأن حالة الطفل الصغير المريض، تذكَّرَ أن هيرلاين ذكَرَ له أن هناك صبغة حمراء (البرونتوسيل) ذات فاعلية مدهشة في مقاومة البكتيريا العِقْدِيَّة في الحيوانات. ولأنه كان يشعر بأنه لن يخسر شيئًا إذا كانت الصبغة غير فعَّالة في مقاومة البكتيريا العنقودية؛ لأن الطفل كان على مشارف الموت على أية حال؛ أعطى فورستير الطفلَ جرعتين من الصبغة الحمراء، وكانت المفاجأة أن الطفل شُفي بسرعةٍ مما كان يُعتقَد أنه حالة تسمُّم دم مُمِيتة. وبغض النظر عن صحة أيٍّ من الروايتين أو كلتيهما، فمن المؤكَّد أنه بحلول منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، اكتُشِف علاج سحري عُرِف على نطاق واسع، وهو ما جعل دوماك يحصل على جائزة نوبل في عام ????.
لكن حدثت تطوُّرات أخرى مهمة في الفترة ما بين ???? و????. لم ينشر دوماك نتائج اختباراته التي أجراها على صبغة البرونتوسيل على العدوى في الحيوانات حتى فبراير عام ????، أيْ بعد أكثر من عامين من انتهاء تجاربه وبعد شهر من حصول اتحاد شركات إنتاج الصبغات الألمانية على براءة اختراع نظير البرونتوسيل. علِمَ فريق من زوج وزوجة في معهد باستير في باريس، وهما جيه وجيه تريفويل تحت إشراف إم فورنو بأمر الدراسات الألمانية وصنَعَا اكتشافًا مهمًّا؛ حيث فحصَا مركبات عديدة مرتبطة بشدة من حيث تركيبها الكيميائي بالبرونتوسيل، وهي صبغات «الآزو». يأتي azo المرادف الفرنسي لكلمة آزو من المقابل الفرنسي لكلمة نيتروجين azote، ويُستخدَم لوجود ذرتَيْ نيتروجين مرتبطتين معًا برابطة مزدوجة في وسط الجزيء. وتختلف تلك الصبغات على نحو ملحوظ في جزء من الجزيء، لكنها كلُّها تحتوي على نفس جزء السلفوناميد. ووجد آل تريفويل أن تلك الصبغات لها خصائص مضادة للبكتيريا تكاد تكون مماثلة تمامًا لتلك الخاصة بالبرونتوسيل. شكل ??-?: الصيغة الكيميائية للبرونتوسيل والسلفانيلاميد.
فسَّرَ هذا الاكتشافُ أيضًا لغزًا آخَر عن البرونتوسيل؛ فهو لم يكن فعَّالًا في مقاومة البكتيريا في الاختبارات المعملية، مع أنه كان فعَّالًا جدًّا عند تجربته على الإنسان عن طريق حقنه في الجسم. فبعض وظائف الجسم تجعل صبغات السلفوناميد مقاومة للبكتيريا. وقد أرجع العالِمان الفرنسيان ذلك إلى أن الصبغة في جسم الحيوانات تتحلَّل إلى جزأين، ويكون جزء السلفوناميد فقط هو العامل الفعَّال المضاد للبكتيريا. ولإثبات ذلك، صنَّعا جزء السلفوناميد الأبسط من البرونتسيل، وهو مركب ?-أمينو بنزين سلفوناميد الشهير، والمعروف ببساطة باسم «السلفانيلاميد»، ووجَدَا أنه فعَّال مثل البرونتوسيل في مقاومة العدوى البكتيرية. تظهر الصيغة الكيميائية للبرونتوسيل والسلفانيلاميد في شكل ??-?. إذا تم فلق جزيء البرونتوسيل عند الرابطة المزدوجة بين ذرتَي النيتروجين الوُسطيَيْن (الموضع المشار إليه بالسهم)، وأُضيفت ذرتَا هيدروجين إلى الجزء الأيمن، فإنه ينتج مركب السلفانيلاميد. ويحدث هذا الانفلاق في جسم الحيوان عندما يُحقَن بالبرونتوسيل أو عندما يتناوله عن طريق الفم، والسلفانيلاميد المُنتَج بهذا الشكل هو العامل الفعلي المضاد للبكتيريا. والسلفانيلاميد لا لون له كما هو الحال بالنسبة إلى النصف الآخَر من جزيء البرونتوسيل، وما يعطي صبغات الآزو لونَها هو الارتباط بين الجزأين عبر الرابطة المزدوجة بين ذرتَي النيتروجين الوُسطيَيْن. وهكذا، فإن النظرية القائلة بأن صبغات السلفوناميد من المفترض أن تكون مضادة للبكتيريا ضرب من الاعتقاد الخاطئ؛ لأن الجزء القاتل للميكروبات في جزيء الصبغة هو جزء السلفوناميد فقط؛ وحقيقة أنه كان جزءًا من جزيء صبغة كانت مصادفة، وبهذا يكون الاكتشاف كله عَرَضيًّا غير مقصود. إن اكتشاف آل تريفويل جعل براءة الاختراع التي حصل عليها اتحاد شركات إنتاج الصبغات الألمانية على البرونتسيل عديمةَ الفائدة. فعلى الرغم من أن تصنيع السلفانيلاميد والحصول على براءة اختراع له كمادة صبغية وسيطة قد تمَّ قبل ذلك بعدة سنوات، فقد انتهَتْ براءة الاختراع عندما وُجِد أن المادة مضاد قوي للبكتيريا.
بعد الإعلان عن النتائج من قِبَل فورنو من معهد باستير في عام ????، أُجريت تجارب إكلينيكية على السلفانيلاميد في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة بنجاح مبهر. ومن أشهر الحالات التي أعطت شهرةً للدواء الجديد كان استخدام البرونتوسيل لإنقاذ حياة فرنكلين دي روزفِلت الابن، ابن الرئيس الأمريكي. ففي عام ????، كان روزفِلت الصغير على مشارف الموت بسبب عدوى ببكتيريا عِقْدِيَّة، وطلبَتْ أمه إلينور روزفِلت من الدكتور جورج توبي من مستشفى ماساتشوستس العام إعطاءه البرونتوسيل، وكانت النتيجة أن تماثل الابن للشفاء بسرعة كبيرة.
تم تصنيع العديد من المركبات البسيطة المرتبطة كيميائيًّا بالسلفانيلاميد من قِبَل الكيميائيين واختبارها على الحيوانات ثم على البشر؛ ففي واقع الأمر، بحلول عام ???? تمَّ تحضيرُ أكثر من ? آلاف نوع من السلفوناميد المرتبط بالسلفانيلاميد واختبارها. ولم تكن كلها فعَّالة، لكن وُجِد أن بعضها أكثر فاعليةً من السلفانيلاميد في مقاومة بعض الأمراض. على سبيل المثال، تم تحضير السلفابيريدين في عام ????، ووُجِد أنه أكثر فاعليةً في علاج الالتهاب الرئوي، وقد تم إنتاج السلفاثيازول واستخدامه كدواءٍ بحلول عام ????.
تعقيب

إن التركيب الجزيئي لمركبات السلفوناميد الفعَّالة متماثِل على نحو ملحوظ. فمن بين آلاف المركبات التي تمَّ تحضيرها واختبارها، كان الاختلاف الوحيد في التركيب بالنسبة إلى كل المركبات الفعالة تقريبًا هو تغيير في مجموعة الذرات الموجودة إلى يمين ذرة النيتروجين الموضحة بخطٍّ عريض في تركيبي مادتي السلفابيريدين والسلفاثيازول المعروضين في شكل ??-?. استُخدِمت أدوية السَّلْفا بفاعلية كبيرة في أربعينيات القرن العشرين، ولا سيَّما من قِبَل القوات المسلحة في الحرب العالمية الثانية، وقد حلَّ محلها على نحوٍ كبير البِنسلين وغيرُه من المضادات الحيوية الحديثة، لكنها ما زالت مفيدة في علاج بعض الأمراض. ومن عيوب تلك الأدوية قابليتُها للانحلال، التي تؤدي إلى انحلالها في الكُلْيتين مما يضر بهما. وقد وُجِد أنه يمكن التغلُّب على تلك الصعوبة بتناول مزيجٍ من ثلاثة أدوية مختلفة من أدوية السَّلْفا؛ فالجرعة المجمَّعة لها نفس فاعلية كمية متساوية من كل دواء منها على حدة، على أن يكون تركيز كلٍّ منها الثُّلث، بحيث يتمكن الجسم من إخراجها على نحوٍ مرضٍ.
شكل ??-?: الصيغة الكيميائية للسلفابيريدين والسلفاثيازول.
لقد ذكرتُ آنفًا أن دوماك قد حصل على جائزة نوبل في عام ????. وهذا ليس صحيحًا تمامًا؛ فمع أنه قد اختير للحصول على الجائزة من قِبَل المسئولين في ستوكهولم، فإنه لم يحصل عليها بالفعل إلا بعد عدة سنوات. وعندما تلقَّى إخطارًا بالجائزة في أكتوبر من عام ????، أرسل دوماك خطابًا يُعلِن فيه قبوله للجائزة، ثم أرسل خطابًا آخَر يعلن فيه رفضه لها في نوفمبر، وكان الخطاب الثاني نتيجةً لضغوطٍ من النظام النازي؛ كان دوماك في ذلك الوقت في قبضة جهاز الشرطة السرية الألماني (الجيستابو). وبعد الحرب، استطاع دوماك في عام ???? زيارةَ ستوكهولم وإلقاء محاضرة نوبل والحصول على الجائزة والدبلومة؛ ولكنه رفض الحصول على مبلغ الجائزة وأعاده إلى مؤسسة نوبل.
(?) الماجانينات: مضاد حيوي من جلد الضفادع

حملق الدكتور مايكل زاسلوف — طبيب الأطفال واختصاصي الكيمياء الحيوية في المعهد القومي لصحة الطفل والنمو البشري — في الضفدعة في الحوض المائي الموجود في معمله. وكان هذا في صيف عام ????، فبينما كان يعمل على الضفدعة قبل ذلك ببضعة أيام لاستئصال مبيضَيْها كجزءٍ من دراسته لأنواع عدوى الرئة للأطفال المولودين ولديهم تليُّف كيسي؛ أدهشه فجأةً أن الجرح الذي كان في الضفدعة جرَّاء الجراحة التي أجراها لها كان نظيفًا ومُغلَقًا ويتعافَى بسرعة في الماء العكِر للحوض المائي بالمعمل، الذي كان يعج بالبكتيريا التي كان من المفترض أن تسبِّب عدوى. ولم تكن هذه أول حالة يصادفها من هذا النوع؛ فمثل العديد من العلماء الآخَرين، كان يعمل على هذا النوع من الضفادع الأفريقية لعدة مرات، وكانت جروح الضفادع تندمل على نحوٍ جيد في كل مرة، لكن تلك كانت هي المرة الأولى التي أدرك فيها أنه أمام معجزة، وتساءل عما يحدث!
في بحث تالٍ، عزل الدكتور زاسلوف اثنين من الببتيدات (وهي أجزاء من البروتينات) من جلد الضفدعة، وحدَّدَ تسلسُلَ الأحماض الأمينية في كلٍّ منها. وكان هذان الببتيدان فعَّالين جدًّا في مقاومة أنواع مختلفة من البكتيريا والفطريات والحيوانات الأولية مثل طفيل الملاريا. وأطلق الدكتور زاسلوف على هذين الببتيدين اسم «الماجانينات»، التي تعني بالعبرية الدرع الواقي. وقد عزل الدكتور زاسلوف وزملاؤه جينات الماجانينات من الضفادع واستخدموها في البحث عن جينات مماثلة في البشر.
ومع أن هذا الاكتشاف لم يكن في خطط الدكتور زاسلوف على الإطلاق، فإن عقله كان مستعدًّا له؛ فقد كان منشغلًا لفترة طويلة بموضوعين كلٌّ منهما مرتبط بالآخَر؛ الأول كان الفضول لمعرفة السبب في إصابة الأطفال المولودين بتليُّف كيسي — وهو مرض وراثي — بعدوى شديدة ومتكررة في الرئة من بكتيريا ليست موجودة في رئات الأشخاص الأصحاء. أما الموضوع الآخَر، فكان اهتمامه الشديد بتبعات اكتشاف السيكروبينات الذي تم قبل ذلك بعدة سنوات، وهي مواد موجودة في بعض الحشرات التي يبدو أنها توفِّر حمايةً قويةً وطبيعية ضد البكتيريا. والسيكروبينات هي ببتيدات، ويبدو أنها تدمِّر البكتيريا بإحداث خلل في أغشية خلايا البكتيريا دون الإضرار بأغشية خلايا الحشرات المأخوذة منها. وتُعَدُّ الماجانينات أول جهاز دفاع كيميائي غير الجهاز المناعي يوجد في الحيوانات الفقارية.

الفصل الخامس والعشرون
تصنيع النايلون وعملية السحب على البارد


ثمة مقولة تقول: «قيراط حظ ولا فدان شطارة.» وطبقًا لملحمة نوردية قديمة، كان الفايكنج يرغبون في المخاطرة بحياتهم بالسير في أعقاب ليف إريكسون عبر منطقة شمال الأطلنطي المضطربة في قوارب مكشوفة، ليس لأنه كان قويًّا أو شجاعًا أو ذكيًّا (مع أنه ربما كان يتَّصِفُ بهذا كله)؛ وإنما لأنهم كانوا يعتقدون أنه كان محظوظًا. وفي واقع الأمر، فإن المقابل الإنجليزي لاسمه الأول يعني المحظوظ؛ أما اسمه الكامل «ليف إريكسون» فهو تركيب في اللغة النوردية القديمة يعني «المحظوظ ابن إريك». وكان ابن إريك الأحمر هو مؤسِّسَ أولى المستوطنات الإسكندنافية في جرينلاند. ويُعَدُّ اكتشاف ليف إريكسون لأمريكا الشمالية في عام ???? ميلاديًّا تقريبًا مثالًا آخَر على السرنديبية. فقد فوَّضَه ملك النرويج لنشر المسيحية في جرينلاند، لكنه انحرف عن مساره من آيسلندا إلى جرينلاند بسبب الطقس السيئ ونزل في نيوفنلند بدلًا منها.
شكل ??-?: والاس إتش كروثرز في معمله في المحطة التجريبية التابعة لشركة دو بونت بالقرب من ويلمينجتن بديلاوير.
إنَّ مقولة الحظ السابقة تنطبق فيما يبدو على قصة اكتشاف النايلون؛ فقد انتقل والاس هيوم كروثرز إلى شركة دو بونت للإشراف على برنامجها الرئيسي الجديد في مجال البحث الكيميائي؛ لأن زملاءه في جامعة إلينوي وجامعة هارفرد قالوا عنه إنه أذكى عالمِ كيمياء حيوية كانوا يعرفونه على الإطلاق. وأطلق كروثرز برنامجًا بحثيًّا هدفه فهمُ تركيب البوليمرات الطبيعية مثل السليولوز والحرير والمطاط، وإنتاجُ مواد صناعية مشابهة لها. ومع أن فريقه بحلول عام ???? قدَّم معلومات أساسية مهمة في تلك المجالات، فقد كان على وشك أن يقرَّ بفشل جهوده لإنتاج ألياف صناعية مشابهة للحرير، عندما حدثَتْ مصادفةٌ أثناء بعض المزاح الثقيل بين زملائه في المعمل؛ فحوَّلَتْ تلك المصادفة الفشلَ المزمع إلى ذلك النجاح الكبير الذي رُوِّج له في عام ???? في معرض نيويورك العالمي على أنه «النايلون، الحرير الصناعي المصنوع من الفحم والهواء والماء!»
شكل ??-?: جوليان هيل، أحد زملاء كروثرز، يعيد تمثيلَ اكتشاف تأثير عملية السحب على البارد لإنتاج الألياف القوية للنايلون.
في مقال نُشِر في يوليو من عام ???? في مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشن»، وصف الدكتور كارل سبيد مارفل المصادفة التي أدَّتْ إلى التطوير التجاري للنايلون. (ثمة روايات عديدة حول طريقة حصول سبيد مارفل على اسم الشهرة الخاص به. فعندما كنتُ طالبًا بالدراسات العليا في جامعة إلينوي، سمعتُ أنه استطاع في ستة أسابيع الحصول على دورة معملية في التحليل العضوي، وكان من المفترض أنها تستمر لمدة فصل دراسي كامل. لكن سبيد نفسه رفض هذا وادَّعَى أن اسمه مردُّه إلى أنه كان يستيقظ متأخِّرًا عن زملائه في دار الأخوية الكيميائية التي كان يوجد فيها، ومع ذلك كان يسبق الجميع إلى طاولة الإفطار، فأطلقوا عليه «سبيد»؛ أي سريع.) لقد تم تصنيع النايلون (وهو بولي أميد، له تركيب مماثِل لتركيب الحرير)، ولم يَبْدُ أن له خصائص مفيدة على نحو خاص، ووُضِع جانبًا على الرَّف دون الحصول على براءة اختراع له. واستمرَّ العملُ على سلسلة البوليسترات، التي قدَّمت منتجات قابلة للذوبان أكثر وأنعم في التعامل معها، وبالتالي أبسط في العمل معها في المعمل. وبينما كان يعمل جوليان هيل مع تلك المواد الأكثر نعومةً، لاحَظَ أنه إذا جمع كرة صغيرة من هذا البوليمر على طرف قضيب تقليب (زجاجي) وسحبها من الكتلة، فسوف تتمدَّد تلك الكرة وستصبح مثل الحرير في الشكل. وجذب هذا انتباهه وانتباه مَن كانوا يعملون معه، وقيل إنه ذات يومٍ، بينما كان كروثرز في وسط المدينة، حاوَلَ هيل وزملاؤه أن يروا إلى أي مدًى يمكنهم مطُّ إحدى تلك العينات، فأخذوا كرةً صغيرة على قضيب تقليب، ثم مطُّوها عبر الردهة على شكل خيط، وبقيامهم بهذا لاحظوا الشكل القريب جدًّا من شكل الحرير «للخيوط» الممطوطة، وأدركوا أنهم كانوا يوجهون جزيئات البوليمرات ويزيدون من قوة المنتج.
نظرًا لأنه كان لأنواع البوليستر التي كانوا يعملون عليها نقاطُ انصهارٍ منخفضة جدًّا بحيث لا يمكن استخدامها في المنتجات النسيجية، رجعوا إلى البولي أميدات التي نحَّوْها جانبًا ووجدوا أن تلك الألياف أيضًا يمكن «سحبها على البارد» لزيادة قوة الشد بدرجةٍ كبيرةٍ لتتحوَّل إلى أنسجة رائعة، ويمكن أيضًا تصنيع الخيوط والآلات وغيرها من الأشياء الأخرى المشكَّلَة من البوليمر ذي قوة الشد الكبيرة، وذلك من خلال عملية السحب على البارد. قال لي الدكتور مارفل: إن شركة دو بونت لم تحصل على براءة اختراع على «تركيب مادة» النايلون، ولكنها حصلت على براءة اختراع فقط لعملية السحب على البارد. وقد أدَّتْ تلك العملية، التي اكتُشِفت بالمصادفة، إلى أهم منتج تطرحه الشركة في السوق. لكن حادثة المزاح الثقيل أدَّتْ إلى اكتشافٍ ذي أهمية اقتصادية واجتماعية عالمية، فقط بسبب التبصر الذي أَبْدَاه جوليان هيل وزملاؤه في إدراك التبعات العلمية للشكل والخصائص المادية للخيوط الممطوطة للبوليستر التي كانوا يعبثون بها.
شكل ??-?: بوليمر النايلون قبل عملية السحب على البارد وبعدها. يمثِّل كل ركن في الخط المتعرج ذرةَ كربون ترتبط معها ذرتا هيدروجين (CH2). إن الذرات المتضمَّنة في عمليات الربط التي تحدث بين الجزيئات فقط هي التي تظهر برموزها.
يوضِّح شكل ??-? آلية عمل عملية السحب على البارد. إن أشهر أنواع النايلون هو النايلون ?-?. ويشير رقما ? هنا إلى عدد ذرات الكربون في وحدتَي المونومر، وتتكون إحداهما وهي وحدة حمض ثنائي القاعدة من ست ذرات كربون (محتوٍ على ذرات أكسجين)، والأخرى ثنائي أمين مكوَّن من ست ذرات كربون (محتوٍ على ذرات نيتروجين). وعندما ترتبط وحدتَا المونومر معًا كيميائيًّا لإنتاج البوليمر، فإنهما تقومان بذلك عن طريق إزالة جزيء ماء H2O بين كل طرف من كل وحدة مونومر، ثم يحدث تبديلٌ في الأماكن بين الوحدتين في السلسلة، وذلك كما يمكن أن يتضح من الجزء العلوي في الشكل. وفي عملية السحب على البارد، تتحاذَى جزيئات البوليمرات الطويلة بعضها مع البعض بحيث يمكن أن تكوِّن كلُّ ذرة أكسجين في سلسلة بوليمرات واحدة رابطةَ هيدروجين مع ذرة نيتروجين في سلسلة مجاورة. ويؤدِّي هذا إلى ربط جزيئات البوليمرات الفردية معًا بنفس الطريقة تقريبًا التي تنفصل بها الخيوط في حبل عندما تلتف معًا لتكوِّن كبلًا، وهذا الارتباط لجزيئات البوليمرات الخطية عبر الربط الهيدروجيني مسئولٌ عن القوة الكبيرة لألياف النايلون. أعتقد أن نفس المبدأ ينطبق على قوة ألياف الحرير؛ إذ يتم توجيه جزيئات البولي أميد الطبيعية للحرير بطريقة تجعل روابط الهيدروجين تربط الجزيئات الفردية معًا، وتقوم ديدان القز بعملية السحب على البارد وهي تبثق خيوط الحرير اللَّزِجة. تعقيب

على الرغم من أن عملية السحب على البارد — التي جعلَتْ من النايلون إحدى الألياف الصناعية الناجحة — اكتُشِفت مع أنواع البوليستر، فإن أنواع البوليستر التي صنَّعها كروثرز كانت أليافًا نسيجية رديئة. فبعد وقت قصيرٍ من ظهور النايلون كنسيج صناعي، اكتشف كيميائيون بريطانيون نوعًا من البوليستر كان «قويًّا» على نحو كافٍ لصنع نوعٍ من الألياف الممتازة، وطرحوه بالأسواق تحت الاسم التجاري «التريلين». ومع أن الكيميائيين التابعين لكروثرز صنعوا أنواعًا عديدة من البوليستر من الأحماض الثنائية القاعدة وأنواع الكحول ثنائي الهيدروكسيل، فثمة حمض ثنائي القاعدة لم يختبروه وهو حمض التيريفثاليك؛ وهو الحمض الثنائي القاعدة الذي يُنتِج أفضل أنواع الألياف.
مع ذلك، استطاعت شركة دو بونت الاستفادةَ من الدراسات الخاصة بأنواع البوليستر؛ لأن قسم تصنيع الأفلام بها وجَدَ أن نوع البوليستر الذي استخدمه الكيميائيون البريطانيون في إنتاج التريلين يمكن استخدامه لصناعة فيلم قوي إذا تمَّ شده على نحو ثنائي المحور (ربما كان نفس المبدأ متضمنًا كما في السحب على البارد للخيوط). وتم تسويق الفيلم باسم مايلار، وأنتجت شركة دو بونت نسختَها من التريلين باسم داكرون في نفس الوقت تقريبًا. وفي زيارة للشركة منذ عدة أعوام، سمعتُ قصةً ممتعةً عن تسمية نوع ألياف البوليستر الخاصة بها؛ فقد عقد المسئولون مسابقةً لاختيار الاسم، وفي الليلة السابقة على إعلان الاسم وتقديم الجائزة، شعر الشخص المسئول عن المسابقة بالقلق وقرَّرَ أن يتحقَّقَ مرة ثانية للتأكد من أن الاسم المختار غير مسجَّل من قبلُ، واتضح من خلال هذا التحقُّق النهائي أنه كان مسجلًّا. وبسبب الارتباك الذي أحدثه هذا، اختير الاسم التالي في القائمة وهو الداكرون، دون أن يتم التحقُّق منه على نحو كامل. ومع أنه غير مستخدَم لتسمية شيء آخَر، فإنه يُعتبَر خرقًا لإحدى القواعد المهمة المتبَعة في الشركة، وهي ضرورة انتفاء أي احتمال لنطق الاسم التجاري على نحو خاطئ. تأمَّلْ معي، على سبيل المثال، منتجَي الشركة: النايلون والأورلون؛ فمن الصعب أن تفكِّر في وجود نطق ثانٍ لتلك الكلمتين، لكن داكرون يمكن نطقها هكذا أو دكرون! وقد حُكِيت لي تلك القصة عندما سألتُ أحدَ الأشخاص في الشركة: «ما النطق الصحيح لكلمة داكرون؟»
أصبح الداكرون مكوَّنًا شائعًا في أقمشة ملابس الرجال، سواء بمفرده أو مع الصوف. وقد استُخدِمت أفلام مايلار منذ خمسينيات القرن العشرين في الميكروفيلم وأفلام الصوت المغناطيسية، ومؤخرًا أصبحت المادة المفضَّلة لتصنيع الأقراص المضغوطة. وثمة استخدام مثير آخَر للداكرون، وهو القماش القوي والخفيف والرفيع جدًّا الذي يغطي أجنحة الدراجة الطائرة دايدالوس، التي حقَّقَتْ رقمًا قياسيًّا جديدًا في قطع المسافات، حيث طارت من جزيرةٍ لأخرى عبر بحر إيجه في أبريل من عام ????.
شكل ??-?: باعت النجمة السينمائية بيتي جرابل جوربها النايلون في المزاد بمبلغ ?? ألف دولار في تجمُّع لسندات الحرب. وقد كانت هناك إعلانات تشجِّع النساء على التبرُّع بجواربهن النايلون حتى يتم صهرها لتصنيع قماش المظلات.
إن ظهور النايلون في المعرض العالمي بنيويورك عام ???? كان من أكثر الأحداث إبهارًا للجمهور في كل الأوقات؛ فقد قدَّم جناحُ شركة دو بونت عرضًا رسوميًّا يشرح طريقة التصنيع الكيميائي للنايلون من «الفحم والهواء والماء»، وقدَّموا نموذجًا جذَّابًا في «أنبوب اختبار» زجاجي كبير يعرض الجورب الجديد المصنوع من النايلون بطريقة بارزة جدًّا. وكنتُ حينها كيميائيًّا شابًّا، وقد جذب العرض انتباهي بالتأكيد.
عندما طُرحت «الجوارب النايلون» لأول مرة للبيع في مدينة نيويورك في ?? مايو من عام ????، بِيعَت أربعة ملايين زوج منها في الساعات القليلة الأولى من طرحها، لكن تلك المبيعات لم تكن لتتكرَّر لفترة طويلة جدًّا؛ لأن سُحُبَ الحرب قد بدأت بالفعل تلوح في الأفق، ولم تَكَدِ النساءُ الأمريكيات تولع بالنسيج الجديد حتى تم أخذه واستغلاله في الحرب، وخاصةً لتصنيع المظلات. ولم يقتصر الأمر فقط على عدم وجود جوارب نايلون جديدة يمكن لهن شراؤها، ولكن السيدات اللاتي كانت لديهن جوارب نايلون بالفعل كنَّ مُضطراتٍ للتخلي عنها من أجل تحويلها إلى مظلات.

الفصل السادس والعشرون
اكتشاف البولي إثيلين بسبب تسرُّبٍ أو تلوث في أدوات البحث


اكتُشِفت مادة التيفلون (البولي تترافلوروإثيلين) وطُورت إبان الحرب العالمية الثانية مباشَرةً؛ نظرًا لفائدتها في إنتاج القنابل الذرية. وثمة بوليمر آخَر، اكتُشِف أيضًا في ثلاثينيات القرن العشرين، وكان مهمًّا للغاية لقوات الحلفاء في جهودها الحربية، أَلَا وهو البولي إثيلين، الذي كان يُستخدَم في عزل كبلات أجهزة الرادار، وكان عنصرًا فاعلًا إلى حدٍّ كبير في كفاءة تلك المعدات الإلكترونية الجديدة. ذكرتُ في الفصل الخاص بتفاعل فريدل وكرافتس أنه كان من بين الاستخدامات العملية للاكتشاف الناتج عن التعاون الفرنسي-الأمريكي إنتاجُ وقودِ طائراتٍ عالي الأوكتين ساعد في تفوق الطيارين البريطانيين على الطائرات الألمانية. وعند النظر إلى التيفلون والبولي إثيلين والوقود العالي الأوكتين — وهي ثلاثة استخدامات فقط للاكتشافات وعمليات التطوير الكيميائية — يمكننا أن نفهم سبب الفخر الذي كان يشعر به الكيميائيون في دول الحلفاء بدورهم وإسهاماتهم في الانتصار في الحرب العالمية الثانية.
يُنسَب عادةً الفضلُ في اكتشاف مادة البولي إثيلين، أو البوليثين كما يُطلِق عليها البريطانيون، إلى الكيميائيين البريطانيين من شركة إمبريال للصناعات الكيميائية، حيث تم إنتاجها مصادفةً وطُورت لاحقًا بعد فترة قصيرة لاستخدامها في تطبيق مهم في وقت الحرب. ويصف هذا الاكتشافَ العَرَضي جيه سي سوالو، وهو أحد الكيميائيين في تلك الشركة، في الفصل الأول من كتاب «تاريخ البوليثين» (????) قائلًا: مع مرور الوقت، أصبح هناك ميل لإضفاء طابع من المثالية على قصة أي اكتشافٍ، وتقديمها على نحو يوحي بوجود تقدُّم منطقي ومنظَّم منذ بداية البرنامج البحثي وحتى اكتشاف المنتج الناتج عن هذا الاكتشاف وتطويره. لكن قصة البوليثين تُعَدُّ مثالًا واضحًا، على نحو غير معتاد، على التوصُّل إلى النتائج غير المتوقعة التي ربما تنتج عن البحث وعن أهمية دور المصادفة في هذا الشأن … بدأت القصة الفعلية لاكتشاف البوليثين في عام ???? في نورثويتش، بتشيشر، في قسم القلويات بشركة إمبريال للصناعات الكيميائية، عندما أوصى إم دبليو بيرين وسوالو (مؤلِّف هذا الفصل) بإجراء أبحاثٍ حول تأثير درجات الضغط العالية جدًّا على التفاعلات الكيميائية … تمت تجربة أكثر من خمسين تفاعلًا أثناء عامَيْ ???? و????، وكانت النتائج كلها مخيِّبة للآمال؛ أيْ لم ينتج عن أيٍّ منها منتجات مثيرة أو قيِّمة. ومن بين تلك التفاعلات التفاعل بين الإثيلين والبِنزالدهيد، الذي تمت تجربته في مارس عام ???? عند درجة حرارة ??? درجة مئوية، مع تعريض الإثيلين لدرجة ضغط تماثِل درجةَ الضغط في ???? غلاف جوي (أيْ درجة ضغط عالية جدًّا). وفي نهاية التجربة، وُجِد أن جدران وعاء التفاعل مغطَّاة بطبقة رقيقة من «مادة صلبة شمعية بيضاء»، وذلك حسب قول آر أو جيبسون الكيميائي الذي قام بالتجربة، في كلماته التي وردت في مفكِّرته. واكتُشِف أن المادة الصلبة هي أحد بوليمرات الإثيلين، لكن عند تكرار التجربة مع استخدام الإثيلين فقط تحلَّلَ الإثيلين بعنف شديد.
ذكر سوالو أنهم توقفوا عن العمل عند درجات الضغط العالية حتى يتمكَّنوا من تصميم وإنشاء معدَّات أفضل. وفي ديسمبر من عام ????، أُجريت تجارب أخرى على الإثيلين باستخدام جهاز تجربة محسَّن، وعند الوصول إلى درجة حرارة ??? درجة مئوية، انخفض الضغط، وبالتالي تم ضخُّ كمية أكبر من الإثيلين. وعندما فتح الكيميائيون وعاء التفاعل الصغير، وجدوا مادةً صلبةً على هيئة بودرة بيضاء إجمالي وزنها ? جرامات. ووجدوا أن بلمرة الإثيلين وتحوُّله من الشكل الغازي إلى الشكل البوليمري الصلب لا يمكن أن يكون السبب لكلِّ هذا الانخفاض الملحوظ في الضغط، وشكُّوا في وجود تسرُّب في مفصِّلات جهاز التجربة.
كتب سوالو يقول: هنا أيضًا لعبت المصادفة دورًا مهمًّا، واستغرق الأمر عدة شهور من العمل المكثَّف من قِبَل كل أعضاء الفريق البحثي لتحديد الأسباب الكاملة التي كانت ستؤدي إلى أن تكون التجربة أقل نجاحًا عمَّا كانت عليه، وربما تكون تكرارًا للتجارب السابقة غير الناجحة، لولا حدوث هذا التسرُّب.
كان نجاح التجربة في ديسمبر يرجع في حقيقة الأمر إلى إضافة الإثيلين الجديد إلى وعاء التجربة ليحل محل ما تسرَّبَ. وكان الإثيلين الجديد يحتوي بالمصادفة على الكمية الصحيحة من الأكسجين اللازم لتحفيز تكوُّن كميات متتابعة من البوليمر.
كتب سوالو أيضًا أنهم وجدوا أن البولي إثيلين يمثِّل ظاهرة «السحب على البارد» التي لاحَظَها دبليو إتش كاروثرز من شركة دو بونت كخاصية لأنواع البوليستر والبولي أميد (المعروضة في الفصل الخامس والعشرين)، التي تشير إلى أن هذا البوليمر من الإثيلين كان بوليمر مستقيمَ السلسلة ذا وزن جزيئي كبير نسبيًّا. لكنَّ المسئولين في شركة إمبريال للصناعات الكيميائية وجدوا أنه لا فائدة من البوليمر الجديد، وكان سيظل حبيس الأدراج لولا الدور الذي لعبته المصادفة من جديد.
سمع جيه إن دين من الشركة البريطانية لإنشاء وصيانة التلغراف — التي كانت معنيَّة بإنتاج كبلات مائية خاصة بالتلغراف والتليفون — عن البوليمر الجديد، وشعر القائمون عليها أنه ربما يكون مادة عازلة جيدة للكبلات المائية. (ثمة تشابُه مذهل بين الطريقة التي طوَّر بها البريطانيون البولي إثيلين لاستخدامه في أجهزة الرادار عبر التواصل غير المقصود بين الدكتور دين وشركة إمبريال للصناعات الكيميائية؛ والطريقة التي طوَّرت بها الولايات المتحدة التيفلون لاستخدامه في أبحاث القنبلة الذرية عبر التواصل غير المقصود بين شركة دو بونت والجنرال جروفز. انظر قصة التيفلون في الفصل السابع والعشرين.) أعرَبَ دين عن اهتمامه الكبير بفحص المادة، حتى لو كانت متوافرة بكميات صغيرة جدًّا. وبالإضافة إلى ذلك، اكتشف أحد موظفي شركة إمبريال للصناعات الكيميائية وجود تشابه بين الخصائص الميكانيكية للبولي إثيلين وتلك الخاصة بمادة الجوتابرشا (وهي مادة بوليمرية طبيعية شبيهة بالمطاط، لكنها غير لدنة)، التي كانت مستخدَمة في عزل كبلات التلغراف.
في شهر يوليو من عام ????، صنَّعت شركة إمبريال للصناعات الكيميائية كميةً من البولي إثيلين تكفي لكبل تحت مائي طوله ميل بحري، ووُجِد أنها تفي بالغرض المطلوب، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون إجراء تجارب كاملة. واتضح أن الخبرة المكتسَبَة في إنتاج هذا الكبل مهمة جدًّا للتطورات السريعة التي كانت مطلوبة بعد بضع سنوات؛ فعلى أساس الاحتياجات المتوقَّعة لكبلات التليفون الخاصة بالغواصات، أُنشئ مصنع صغير بدأ العمل فيه في سبتمبر من عام ???? في اليوم الذي غزا فيه الألمان بولندا. وفي واقع الأمر، وُضِعت الكبلات البحرية المعزولة باستخدام البولي إثيلين قربَ نهاية الحرب، حيث شكَّلت حلقة وصل مهمة بين إنجلترا وفرنسا.
لكن في بداية الحرب، ظهرت حاجة فورية إلى وجود كبل معزول مَرِن ذي تردُّد عالٍ لأجهزة الرادار الأرضية والمحمولة جوًّا. وقد تم إنتاج البولي إثيلين المخصَّص لهذا الغرض من جانب شركة إمبريال للصناعات الكيميائية في إنجلترا وشركتَيْ دو بونت ويونيون كاربايد في الولايات المتحدة.
تتضح أهمية مادة البولي إثيلين لأجهزة الرادار على نحو كبير من خلال ما قاله السير روبرت واتسون وات، مُكتشِف الرادار، وذلك في أغسطس من عام ???? (ذكر سوالو هذا الاقتباس في كتابه «تاريخ البوليثين»): أدَّى توافر مادة البوليثين إلى تحويل مشكلاتِ التصميم والإنتاج والعزل والصيانة الخاصة بأجهزة الرادار الجوية من مشكلاتٍ غير قابلة للحلِّ تقريبًا إلى مشكلاتٍ يمكن التعامُل معها بسهولة؛ ويرجع هذا إلى خصائصها شبه المثالية في العزل والمتانة الهيكلية … أصبح من الممكن تنفيذُ مجموعةٍ كاملة من التصميمات الجوية والخاصة بخطوط التغذية التي لم تكن ممكنةً قبل ذلك، واستبعادُ مجموعةٍ كاملة من مشكلات الصيانة الجوية التي كانت غير قابلة للحل من قبلُ. وهكذا لعبت مادة البوليثين دورًا لا غنى عنه في سلسلة الانتصارات الكبيرة التي تحقَّقَتْ جوًّا وبحرًا وبرًّا، والتي يُعزى الفضلُ فيها إلى أجهزة الرادار.
كانت مادة البوليثين عنصرًا مهمًّا في هذا «الجهاز الفني الفريد» الذي نَسبَ إليه هتلر التراجُعَ «المؤقَّت» (والدائم، كما اتضح لاحقًا) للغواصات الحربية الألمانية.
وقد كان لها إسهامُها المهم في المعارك البحرية الكبيرة؛ حيث مكَّنت أجهزة الرادار — كما ذكر القائد الأعلى — أسطولنا من «العثور على البارجة الألمانية شارنهورست، وتحديد موقعها، ومحاربتها والقضاء عليها.» وكان لها دورها في العمليات التي تم خلالها القضاء على السفن الحربية الصغيرة.
وكان لها دورها الحيوي في المجموعة الصغيرة من معدَّات الرادار الجوية المضادة للغواصات الحربية الألمانية، التي استطاعَتْ — بمساعدة مثيلاتها الموجودة في السفن الحربية، التي ساعدها كثيرًا أيضًا استخدام البوليثين — إغراقَ مائة من تلك الغواصات في غضون بضعة أسابيع.
كما ضاعفت نُظُم الرادار الجوية السنتيمترية المستخدَمة فيها مادة البوليثين من فاعليةِ سلاحِ الطائرات المقاتلة القاذفة بدرجة كبيرة جدًّا في واقع الأمر …
لم تكن مادة البولي إثيلين، شأنها شأن التيفلون، معروفةً على نطاق واسع من جانب الناس إلا بعد انتهاء الحرب، عندما استُخدِمت في تصنيع الرقائق البلاستيكية والأشياء المشكَّلة منها. وقد تطوَّرَ إنتاج الرقائق البلاستيكية بسرعةٍ في الولايات المتحدة عندما بدأت مادة البولي إثيلين تحل محل السلوفان في العديد من التطبيقات. وتُستخدَم تلك الرقائق الآن في تغليف المنتجات الزراعية والأطعمة المجمَّدة السريعة التلف وجميع أنواع السلع والمنسوجات. وتتضمن الاستخدامات الأخرى لتلك الرقائق تطبيقاتٍ واسعةً في الزراعة (الصُّوبات الزجاجية، وأغطية التربة، والأغشية العازلة المُبطِّنة للقنوات والبرك والخزانات)، وفي البناء (حواجز الرطوبة، والمواد المغطية للمرافق، والأغطية الواقية)، ناهيك عن أكياس القمامة التي لا غنى عنها. وما زال عزل الكبلات الكهربائية أحد الاستخدامات المهمة أيضًا للبولي إثيلين. وقد كان البولي إثيلين أول نوع من البلاستيك يزيد معدل إنتاجه عن مليار رطل في العام (في عام ????).
إن نوع البولي إثيلين المستخدَم في التطبيقات الشائعة، والمُنتَج تحت ضغط بتحفيز الأكسجين، تمامًا كما اكتشفه كيميائيو شركة إمبريال للصناعات الكيميائية، هو البولي إثيلين المنخفض الكثافة المتفرِّع. وتشير كلمة «متفرِّع» إلى طبيعة السلسلة البوليمرية المكوَّنة من وحدات مونومر الإثيلين المحتوية على ذرتي كربون. ويكون جزيء البوليمر «غير متفرِّع» إذا ارتبطت جزيئات الإثيلين بعضها ببعض بالكامل من طرف السلسلة للطرف الآخر، كما يتضح من شكل ??-?. لكن البوليمر المُنتَج حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين كانت له بعض التفرعات، مثل فرع الشجرة، وهذا التفرُّع كان يجعل درجة انصهاره وكثافته أقل (أيْ أخف) من النوع العالي الكثافة الخطِّي (أي غير المتفرِّع) الذي تم إنتاجه في النهاية في خمسينيات القرن العشرين بطرق جديدة. لم يكن الإنتاج غير المقصود للبولي إثيلين من قِبَل كيميائيي شركة إمبريال للصناعات الكيميائية في عام ???? المرةَ الأولى التي حدث فيها هذا؛ فقبل ذلك بثلاثة أعوام، أُنتِجت تلك المادة دون سابق إنذار أو توقُّع كمنتج فرعي في تجربةٍ قام بها إم إي بي فريدريش، بينما كان لا يزال طالبَ دراسات عليا تحت إشراف البروفيسور كارل إس مارفل في جامعة إلينوي. تضمَّنَتِ التجربةُ استخدامَ الإثيلين في وجود مركَّب ألكيل الليثيوم في الضغط الجوي العادي.
في شريط فيديو تمَّ تصويره في عام ???? من قِبَل قسم تعليم الكيمياء بالجمعية الأمريكية للكيمياء، وصف البروفيسور مارفل قصةَ تلك المصادفة التي وقعت في عام ???? مُعتبِرًا إياها «تمهيدًا للبحث في مجال البوليمرات»، الذي قدَّمَ فيه إسهامات كبيرة على مدى ?? عامًا. ثم علَّقَ قائلًا إنه على الرغم من ذلك، فلم يعقب تلك الملاحظة بمتابعة على الفور؛ لأنه «لم يكن أحد يعتقد أن مادة البولي إثيلين مفيدة على الإطلاق.»
شكل ??-?: ارتباط جزيئات الإثيلين لتكوين بولي إثيلين غير متفرِّع.
يذكِّرني هذا بمثال كلاسيكي آخَر لإساءة التقدير أو ربما عدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل. فمنذ عدة سنوات، حدث أنني تحدَّثْتُ إلى البروفيسور إيميت ريد من جامعة جون هوبكينز، الذي قال لي إنه كان أول مَن اكتشَفَ كيفيةَ تحضير إثيل البنزين في نتاج جيد من الإثيلين والبنزين من خلال تفاعل فريدل-كرافتس. (انظر الفصل السابع عشر.) لم يفكِّر ريد في الحصول على براءة اختراع لتلك العملية؛ لأنه فكَّرَ حينها أن «إثيل البنزين لا فائدة منه». وكان هذا صحيحًا حقًّا في عام ????، لكن هذا المركب هو الذي تشكَّلَ منه مركب الستايرين. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين اكتُشِف أن الستايرين يمكن تحويله إلى البوليستايرين، والبوليستايرين مادة مفيدة جدًّا ومتعددة الاستخدامات؛ ففي عام ???? تم تسويق أكثر من خمسة مليارات رطل من المنتجات المصنوعة من تلك المادة في الولايات المتحدة.
تشير القصتان السابقتان إلى العدد اللانهائي من المصادفات التي لم تؤدِّ — على الأقل عندما حدثت — إلى اكتشافاتٍ مهمة؛ أيْ لم تكن سرنديبية.
نتج اكتشاف البولي إثيلين المنخفض الكثافة المتفرِّع من تسرُّبٍ في وعاء ضغط ومن عمليات البحث التي تلت تلك الملاحظة. أما اكتشاف البولي إثيلين العالي الكثافة الخطي، فنتجَ عن استخدام أداة غير نظيفة، أو على الأقل لم تُنظَّف جيدًا منذ آخِر استخدام لها.
شكل ??-?: كارل تسيجلر (ومعه الدلو المصنوع من البولي إثيلين) وزميله.
في عام ????، كان كارل تسيجلر مديرَ معهد ماكس بلانك لأبحاث الفحم في مولهايم بألمانيا، وقد تابَعَ ووسَّعَ من قبلُ عملَ مارفل وفريدريش بمزجِ ألكايلات الليثيوم وبعض الكواشف العضوية الفلزية الأخرى (مركبات محتوية على ذرة فلز مرتبطة بمجموعة عضوية من الذرات) مع الإثيلين، في محاولة لبلمرته عند درجات ضغط أقل من تلك المستخدَمة من قِبَل كيميائيِّي شركة إمبريال للصناعات الكيميائية. ونتج عن تلك التجارب بوليمرات إثيلين لم تكن كبيرةً بالقدر الكافي الذي يجعلها مفيدة. وفي أحد الأيام، أُجريت تجربة فلم ينتج عنها أي بوليمر على الإطلاق، ولكن نتج عنها ديمر إثيلين؛ أي جزيئان فقط من الإثيلين ارتبَطَا معًا. وأثارت هذه النتيجة دهشة تسيجلر وزميله إي هولتسكامب على نحو كافٍ؛ مما جعلهما يبحثان عن السبب وراء ذلك. وأخذ هذا الأمر منهما عدة أسابيع، لكنهما في النهاية وجَدَا أن الوعاء الذي حدث فيه هذا التفاعل احتوى على كمية صغيرة من مركب النيكل الذي لم يتم التخلص منه تمامًا بعد استخدامه في تجربة سابقة.
جعل هذا الاكتشاف تسيجلر وفريقه من الكيميائيين يجرون تجارب منهجية على تأثيرات النيكل وفلزات عديدة أخرى ومركباتها على تفاعلات الإثيلين؛ فوجدوا أن بعض الفلزات الأخرى لها نفس تأثير النيكل وتمنع بلمرة الإثيلين، لكن الاكتشاف المدهش أنه كانت ثمة كلوريدات لفلزات أخرى يمكن عند مزجها بمركبات ألومنيوم عضوية أن تكون عوامل تحفيز فعَّالة جدًّا لإنتاج بولي إثيلين له وزن جزيئي عالٍ جدًّا، ودرجة انصهار عالية وتركيب جزيئي خطي؛ أي غير متفرِّع على الإطلاق، وذلك كما أوضحنا من خلال شكل ??-?. من الاستخدامات العملية لنقطة الانصهار العالية لنوع البولي إثيلين الخطي الجديد أنه يمكن استخدامه في صناعة الأقداح وغيرها من أدوات المطبخ، التي لن تنصهر في غسالة الأطباق. وقد تم إنتاج حوالي ? مليارات رطل من هذا النوع من البولي إثيلين في الولايات المتحدة في عام ????.
من الأشياء المهمة جدًّا بالنسبة إلى المصنِّعين حقيقةُ أن عملية البلمرة يمكن إجراؤها تحت الضغط العادي ودرجة الحرارة المنخفضة، على عكس درجات الضغط والحرارة العالية التي كانت مطلوبةً للعملية الخاصة بشركة إمبريال للصناعات الكيميائية. يحتوي عامل التحفيز الأمثل على رابع كلوريد التيتانيوم وثالث إثيل الألومنيوم، ولأن عامل التحفيز لم يكن يُستنفَد في عملية البلمرة ويمكن إعادة استخدامه؛ فلم يكن ارتفاع سعر التيتانيوم يمثل مشكلة. وأصبح يُطلَق على تلك العملية عملية مولهايم لتحضير البولي إثيلين تحت الضغط العادي، وسرعان ما جذبت إليها الأنظارَ من مختلف أنحاء العالم.
شكل ??-?: جوليو ناتا.
علِمَ البروفيسور جوليو ناتا — وهو كيميائيٌّ إيطالي كان مستشارًا لشركة مونتيكاتيني في ميلان — على الفور بأخبار عملية إنتاج البولي إثيلين الجديدة؛ وذلك بفضل اتفاقية الترخيص المبرَمة بين معهد تسيجلر وتلك الشركة. فاستخدم عامِلَ تحفيز تسيجلر لبلمرة البروبلين وغيره من المركبات الهيدروكربونية القريبة من الإثيلين، وأثبت أنه فعَّال أيضًا معها. وبالتالي، أصبح من الممكن إنتاج البولي بروبلين في أشكال خطية وعالية الكثافة وذات درجة انصهار عالية، وكانت مفيدة أكثر من أي أشكال سابقة عليها. وقد أصبح البولي بروبلين أحد أنواع البلاستيك الأساسية في العالم؛ فقد تم إنتاج حوالي ? مليارات رطل منه في الولايات المتحدة في عام ????، وقد استُخدِم في تصنيع العديد من الأشياء المقولبة والمصبوبة، بما في ذلك أجزاء السيارات وصناديق الثلج بالإضافة إلى أدوات عديدة أخرى، هذا إلى جانب ألياف النسيج في السجاجيد والحِبال والكبلات. وتتميز البوليمرات المشتركة المصنوعة من الإثيلين والبروبلين بأنها مَرِنة ويمكن استخدامها بدلًا من المطاط في بعض الاستخدامات.
باستخدام عوامل التحفيز الجديدة، أصبح من الممكن لأول مرة صنع مطاط صناعي مطابِق للمطاط الطبيعي. وقد سمح عامل التحفيز الجديد بالتحكُّم في الطريقة التي يتم بها الربط بين وحدات المونومر (الأيزوبرين) معًا لإعطاء شكل لولبي لجزيء المطاط البوليمري؛ أي التركيب الجزيئي المسئول عن مرونة المطاط. (انظر القسم الخاص بالمطاط الصناعي الذي عرضناه في الفصل الحادي عشر.)
تعتمد المادة المصنوعة منها إطارات السيارات الآن إلى حدٍّ كبير على السعر النسبي للمطاط الطبيعي والصناعي، وعادةً ما يُستخدَم مزيج من النوعين. والدليل على تأثير اكتشاف تسيجلر على صناعة البوليمرات هو تقدير قيمة كل المواد المُنتجَة من العمليات المعتمِدة عليه، التي تصل إلى أكثر من مليار دولار كل عام.
وقد تقاسم تسيجلر وناتا جائزة نوبل في الكيمياء في عام ????. وفي ندوة دولية عُقِدت تكريمًا لتسيجلر بعد وقت قصير من وفاته في عام ????، قال جيه فيلكه، خليفته في معهد ماكس بلانك: «يتمثل المبدأ الأساسي لكارل تسيجلر في أنه من غير الممكن توقُّع شيء جديد في واقع الأمر؛ لأنه في هذه الحالة لا يمكن اكتشافه إلا بالتجربة فقط … وكان من مبادئ تسيجلر أيضًا ضرورة أن يترقَّب المرء أيَّ تطورات غير متوقَّعة، وألَّا يتجاهل أية ظاهرة جديدة تكون غير ذات علاقة بالمشروع الأساسي الذي يعمل به.»
تعقيب

بولي (كلوريد الفينيل): هو مركب قريب كيميائيًّا من البولي إثيلين. لا يختلف مونومر كلوريد الفينيل CH2 = CHCl عن الإثيلين إلا في احتوائه على ذرة كلور بدلًا من إحدى ذرات الهيدروجين الموجودة في الإثيلين. وربما يُعَدُّ هذا البوليمر المادة البلاستيكية الأكثر استخدامًا والأهم صناعيًّا؛ فقد وصلت مبيعاته في عام ???? إلى أكثر من ??? مليون دولار. كما أنه يُعَدُّ أرخص أنواع البلاستيك، وربما أكثرها من حيث الاستخدامات؛ حيث إنه يُستخدَم في صناعة الأنابيب ووصلاتها (وهي أوسع الاستخدامات نطاقًا على الإطلاق)، وأقراص الكمبيوتر المَرِنة، وخراطيم الحدائق، وورق الحائط، وعزل الأسلاك والكبلات، وتغليف الأطعمة، وأغطية مقاعد السيارات، وستائر الحمام، والعديد من الاستخدامات المنزلية الأخرى. وكان من أوائل أنواع البلاستيك التي يتم تصنيعها تجاريًّا في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وربما يُعَدُّ أول بوليمر صناعي. كان حدث إنتاجه لأول مرة وليد المصادفة البحتة. ففي عام ????، وصفَ كيميائيٌّ فرنسي يُدعَى فيكتور رينيو تكوُّنَ مسحوق أبيض عند تعرُّض أنابيبَ زجاجيةٍ محكَمة الغلق من كلوريد الفينيل السائل لضوء الشمس. وبعد عدة سنوات، وتحديدًا في عام ????، أعلن إي باومان عن تحويل كلوريد الفينيل إلى كتلة صلبة بيضاء «لا تتأثَّر بالمذيبات أو الأحماض»، لكن لم يتم إدراك أهمية هذه الملاحظة إلا بعد ذلك بفترة طويلة، ولم يتم تطوير كلوريد الفينيل تجاريًّا إلا بعد تطوير الطرق التحفيزية العملية لبلمرته.
بولي (أكسيد الإثيلين) وبولي (أكسيد البروبلين): في صيف عام ????، فتح جورج فاولر ووالت دينيسن، وهما كيميائيان في شركة يونيون كاربايد في ساوث تشارلستون بولاية ويست فيرجينيا، صمامَ أسطوانة بها أكسيد الإثيلين CH2CH2O، متوقعَيْن خروجَ غاز عديم اللون، لكن بدلًا من ذلك خرج سائل أسود لَزِج؛ فاعتقد العالِمان أن الأسطوانة كانت تالفةً، فوضَعَاها جانبًا لفترة مؤقَّتة وأرسَلَا في شراء واحدة جديدة، واستمرَّا في تجربتهما كما هو مخطَّط لها. لكن لحسن الحظ، كان لدى العالِمَين من الفضول ما يكفي لدفعهما إلى فحص الأسطوانة التالفة ومحتوياتها. (يذكِّرني هذا بقصة روي بلانكيت الذي اكتشف التيفلون في ظروف مماثلة؛ انظر الفصل السابع والعشرين.) فتركَا السائل الأسود يخرج من الأسطوانة ووجَدَا أنه تحوَّلَ إلى مادة صلبة سوداء جامدة، لكنها كانت على الرغم من ذلك قابلةً للذوبان في الماء. وعندما قامَا بترشيح السائل الأسود، انفصَلَ إلى مسحوق أسود (على المرشح) ومحلول عديم اللون، وعندما تبخَّرَ المحلول، ترسَّبَتْ مادة صلبة بيضاء جامدة. وبتحليل المادة الصلبة السوداء، تبيَّنَ أنها تحتوي على عنصر الحديد، فأعطاهما ذلك مؤشرًا على سبب تكوُّنِ المادة الصلبة القابلة للذوبان في الماء. فقد كان السبب هو بوليمر من أكسيد الإثيلين تكوَّنَ بفعل محفِّز أكسيد الحديد (الصدأ) الذي كان داخل الأسطوانة التالفة، وأسفرت التجارب التي أُجريت بعد ذلك عن اكتشاف إجراءات إنشاء بوليمرات أكسيد الإثيلين بأوزانٍ جزيئية تتراوح بين مائة ألف وخمسة ملايين. وبعد بضعة أعوام لاحقة، استطاع تشارلز سي برايس بلمرةَ أكسيد البروبلين النَّشِط ضوئيًّا وإنتاجَ بوليمر نَشِط ضوئيًّا.
في واقع الأمر، كان الكيميائيون الألمان قد قاموا ببلمرة أكسيد الإثيلين قبل ذلك بثمانية عشر عامًا، لكن لم يهتم أحد بما نشروه عن ذلك. وفي الواقع، فإن لبولي (أكسيد الإثيلين) الذي أُعيدَ اكتشافه خصائص عديدة جعلته مهمًّا للكيميائيين الصناعيين، من بينها أنه يزيد لزوجة الماء على نحوٍ كبير، ويجعل المحاليل متجانسة القوام، وذلك حتى عند استخدام كميات صغيرة جدًّا منه. وتمت الاستفادة من تلك الخاصية في تغليظ قوام أنواع الطلاء المعتمِدة على الماء، وتصنيع أدوات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة والمنظِّفات السائلة المستخدَمة في غسل الأطباق.
ثمة استخدام آخَر للبوليمر القابل للذوبان في الماء، وهو في مجال الزراعة؛ إذ يمكن استخدامه في صنع أشرطة أنبوبية الشكل وملئها بالبذور على مسافات منتظمة واستخدامها في عملية الزراعة. ويمكن وضع «شريط البذور» في أخدود ضحل وتغطيته على نحو غير محكَم بالتربة، وعند سقيه بماء المطر أو الري، سيذوب الشريط وتُنتِج البذورُ عند الإنبات نباتاتٍ على مسافات منتظمة؛ مما يسهِّل من الزراعة والحصاد.
ومن أكثر الخصائص المثيرة لهذا البوليمر أن إضافة كميات صغيرة جدًّا منه إلى الماء يقلِّل بشدة احتكاك الماء عند تدفُّقه عبر الأنابيب أو الخراطيم. وقد طُبِّقت تلك الفكرة عند ضخ الخلطة الخرسانية عبر الأنابيب في مواقع البناء. واستُخدِمت أيضًا في مكافحة الحريق؛ مما يسمح للماء حتى عند ضخه عبر خراطيم أصغر أن تصل إلى مسافة أكبر مع استخدام نفس قوة الضخ.
يوجد الكثير من الافتراضات المهمة في هذا الاكتشاف. فعلى سبيل المثال، ماذا لو حدثت عملية البلمرة داخل الأسطوانة التالفة؟ ما كان لشيء أن ينتج، وربما لم يَقُمِ الكيميائيان بأية محاولة لتحديد السبب وراء ما حدث. لكن لحسن الحظ، حدثَتْ عملية البلمرة خارجَ الأسطوانة لتسمح بظهور مادة لَزِجة مثيرة تجذب اهتمام العالِمَين فاولر ودينيسن وتثير فضولهما.

الفصل السابع والعشرون
التيفلون: من القنبلة الذرية إلى المِقلاة


إنَّ التيفلون هو الاسم التجاري لمادة البولي تترافلوروإثيلين، وهو المنتج الذي درَّ مليار دولار على شركة دو بونت، والمستخدم في صناعة أغراض كثيرة، بدءًا من القلَّايات التي لا يلتصق بها الطعام، إلى بِدَل روَّاد الفضاء، وحتى صمامات القلب الصناعية. واكتُشِفت تلك المادة مصادفةً، حين لاحَظَها روي جيه بلانكيت، وهو كيميائيٌّ شاب بشركة دو بونت كان قد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو، وذلك قبل عامين من اليوم المحتوم ? أبريل من عام ???? الذي حدث فيه هذا الاكتشاف. في هذا اليوم، فتح الدكتور بلانكيت أسطوانة بها مادة التترافلوروإثيلين الغازية على أمل تحضير غاز تبريد غير سام منها، لكن بلانكيت ومساعده جاك ريبوك اندهشا حين لم يخرج غاز منها. ولم يستطع بلانكيت فهم السبب وراء هذا؛ لأن وزن الأسطوانة كان يشير إلى أنها يجب أن تكون ممتلئةً بمادة الفلوروكربون الغازية.
بدلًا من أن يتخلَّص بلانكيت من هذه الأسطوانة ويحصل على أسطوانة أخرى لاستكمال بحثه الخاص بغاز التبريد، قرَّرَ أن يُشبِع فضولَه فيما يتعلَّق بالأسطوانة «الخالية»، فبعد التأكُّد من أن الصمام لم تكن به مشكلة؛ وذلك بتمرير سلك عبر فتحته، قصَّ الأسطوانة من النصف مستخدِمًا مِنشارًا وألقى نظرةً عليها من الداخل، فوجد مسحوقًا أبيض شمعيًّا، وبوصفه كيميائيًّا أدرك ما يجب أن يعنيه هذا.
شكل ??-?: رُوي بلانكيت (على اليمين)، مُكتشِف التيفلون، وهو يُعيد تمثيل الكيفية التي اكتشف بها مادة التيفلون في معمله.
ارتبطت جزيئات التترافلوروإثيلين الغازي بعضها ببعض (أي حدثت «بلمرة» لها)، لدرجة أنها كوَّنَتْ مادة صلبة. ولم يلاحظ أحدٌ من قبلُ بلمرةَ هذا المركب على وجه الخصوص، لكن حدثَتْ تلك العملية بطريقة ما في هذه الأسطوانة «الخالية» الغامضة. وتشجَّعَ بلانكيت والكيميائيون الآخَرون في شركة دو بونت باكتشاف بلانكيت الوليد المصادفة، وبالخصائص غير العادية للبوليمر المكتشَف، وسرعان ما وجدوا طرقًا لإنتاج مادة «البولي تترافلوروإثيلين» عند الطلب.
لُوحِظَ أن للمسحوق الأبيض الشمعي في واقع الأمر خصائص مدهشة؛ فقد كان خاملًا أكثر من الرمل — إذ لم يكن يتأثَّر بالحرارة أو القلويات أو الأحماض القوية، ولم يكن لأي مذيب أن يذيبه — لكنه، بخلاف الرمل، كان «أملس» للغاية. وعلى الرغم من تلك الخصائص المثيرة وغير المعتادة، ولولا اندلاع الحرب العالمية الثانية، ربما ما كان لشيء أن يحدث لهذا البوليمر الجديد لفترة طويلة؛ لأنه كان غالي الثمن. لكن في غضون بضعة شهور، احتاج العلماء المعنِيُّون بتصنيع أول قنبلة ذرية إلى مادة للحشيَّات تقاوِم غازَ سادس فلوريد اليورانيوم الذي يُحدِث تآكلًا شديدًا في الأسطح التي تلامسه، وهو إحدى المواد المستخدَمة في إنتاج اليورانيوم-??? الذي يدخل في تصنيع القنبلة الذرية.
حدث ذات يومٍ أن عَلِمَ الجنرال ليسلي آر جروفز، المسئول عن حصة الجيش الأمريكي في مشروع إنتاج القنبلة الذرية، من معارفه في شركة دو بونت عن تلك المادة البلاستيكية الجديدة الخاملة المدهشة. (ثمة مصادفة مشابهة شجَّعَتْ على تطوير البولي إثيلين في وقت الحرب لاستخدامه كمادة عازلة في أجهزة الرادار في إنجلترا، وذلك كما أوضحنا في الفصل السادس والعشرين.) وعندما قيل له إن تلك المادة غالية الثمن، ردَّ الجنرال بأن التكلفة في هذا المشروع ليست مهمة، وهكذا استُخدِم البوليمر الأملس الجديد في الحشيات والصمامات التي أصبحت مقاومة لمركب اليورانيوم المسبِّب للتآكل، وأنتجت شركة دو بونت التيفلون لاستخدامه في هذا الغرض أثناء الحرب، ولم يعرف الناس شيئًا عن هذا البوليمر إلا بعد انتهاء الحرب.
في واقع الأمر، لم يظهر أول جيل من صواني المافن والقلَّايات المبطَّنة بمادة التيفلون في السوق إلا في عام ????. ومثل العديد من منتجات البوليمرات الجديدة عندما تُقدَّم إلى الناس للمرة الأولى، كانت تلك المنتجات المبطَّنة بالتيفلون محبطة للناس بعض الشيء. فمع أن المادة البلاستيكية كانت مادةً مثالية لتبطين أسطح أواني الطهي التي لا يلتصق بها الطعام، فإنه كان من الصعب أن ترتبط بأواني الطهي المعدنية، وبالتالي لم تكن تصمد أمام عمليات التنظيف التي كانت ربات البيوت معتادة على القيام بها بالنسبة إلى أوعية الطهي والقلَّايات. وبعد تجربة تقنيات متعددة وإنتاج أربعة أجيال من تشغيلات التيفلون المبطِّنة، أعلنَتْ شركة دو بونت في عام ???? أن منتجها «سيلفر ستون سوبرا» له ضعف متانة منتج الجيل الثالث «سيلفر ستون». وفي غضون ذلك، اكتُشِف العديد من الاستخدامات الأخرى للتيفلون، التي جعلت تبطين أدوات الطهي يبدو استخدامًا غير مهم نسبيًّا.
شكل ??-?: رُوي بلانكيت ومعه كبل معزول بمادة التيفلون، وصينية لخبز المافن مبطَّنة بالتيفلون.
وُلِد روي جيه بلانكيت في نيو كارلايل بأوهايو في عام ????، وحصل على درجته العلمية من جامعة مانشيستر في عام ????، ونظرًا لأنه لم يستطع العثور على وظيفة في خضم فترة الكساد العظيم؛ واصل الدراسات العليا في جامعة ولاية أوهايو. وحين كان طالبًا جامعيًّا وطالبَ دراسات عليا، كان زميلَ دراسة وصديقًا لكيميائيٍّ شهير آخَر، هو بول فلوري الذي حصل على جائزة نوبل في عام ???? لإسهاماته في مجال الكيمياء الفيزيائية للبوليمرات. وبعد حصول روي بلانكيت على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو في عام ????، التحق بشركة دو بونت للعمل في معامل جاكسون التابعة لها، حيث أُسنِدَتْ إليه مهمة إجراء أبحاث على الفلوروكربونات كمواد للتبريد. وأثناء عمله في تلك الأبحاث، توصَّل الكيميائيُّ الشاب إلى اكتشافه المذهل. وقد عهد بمهمة تطوير مادة التيفلون لأقسام أخرى في شركة دو بونت، التي كانت لها خلفية كبيرة في مجال منتجات البوليمرات.
واصل بلانكيت العمل على مهمة أخرى بوصفه كيميائيًّا، وصعد بعد ذلك السلَّم الإداري في الأقسام المعنيَّة بالعمليات الخاصة بالفلوروكربونات ورابع إثيل الرصاص في شركة دو بونت. وأثناء عمله مديرًا في قسم منتجات الفريون بالشركة، كان له دور مهم في إنشاء مصنعٍ بالقرب من مدينة كوربس كريستي بتكساس، وعندما تقاعَدَ من الشركة في عام ????، انتقل إلى بيتٍ بجزيرة في مدينة كوربس كريستي، حيث كان يستمتع هو وزوجته بالصيد ولعب الجولف. وحصل على درجات دكتوراه فخرية من جامعتَيْ مانشيستر وولاية أوهايو، ومن جامعة واشنطن. ومن التكريمات الأخرى حصوله على ميدالية جون سكوت من مدينة فيلادلفيا، وجوائز من الاتحاد القومي للمصنِّعين وجمعية صناعة البلاستيك والمعهد الأمريكي للكيميائيين. وفي عام ????، دخل قاعة المشاهير الخاصة بالبلاستيك، وفي عام ???? دخل قاعة مشاهير المخترعين القوميين.
وعلاوةً على تلك التكريمات والجوائز، يفتخر بلانكيت أيضًا بالاستخدامات العديدة لمادة التيفلون التي تدخل في حياة ملايين الأشخاص على مستوى العالم. ويقول إنه «لا يستطيع تجاهُلَ» الخطابات والمكالمات التي لا يزال يستقبلها من الناس الذين لا يزالون على قيد الحياة اليوم؛ لأنه تم تركيب شريان أورطي أو منظِّم نبض مصنوع من مادة التيفلون في أجسامهم. ونظرًا لأن التيفلون من المواد القليلة التي لا يرفضها الجسم؛ فإنه يمكن استخدامها في صنع قرنيات صناعية، وعظام صناعية للذقن والأنف والجمجمة والورك، ومفاصل الركبة، وأجزاء الأذن والقصبة الهوائية الصناعية، وصمامات القلب والأوتار والخيوط الجراحية، وأطقم الأسنان والقنوات الصفراوية.
تُستخدَم مادة التيفلون في صناعة الطبقة الخارجية لملابس روَّاد الفضاء، وهي مادة عازلة للكبلات والأسلاك الكهربائية التي تقاوِم الإشعاع العنيف للشمس على القمر. كما تُستخدَم في تصنيع الأجزاء الأمامية المخروطية الشكل وغيرها من الدروع الحرارية وخزانات الوقود الخاصة بسفن الفضاء.
إنَّ كل تلك الاستخدامات القيِّمَة والمدهشة كانت نتاج هذا الاكتشاف الذي توصَّل إليه روي بلانكيت بمحض المصادفة. صحيحٌ أن الاكتشاف تمَّ على نحو عَرَضي غير مقصود، لكنه لم يصبح اكتشافًا إلا بفضل ذكاء هذا الرجل وفضوله.
تعقيب

أُسنِدت إلى روي بلانكيت مهمة تطوير مادة تبريد من مركب الفلورين على إثر حادث سرنديبي آخر. ففي عام ????، بدأ تشارلز إف كيترينج من قسم الثلاجات بشركة جنرال موتورز بحثًا عن مادة تبريد آمِنة، تكون عديمة اللون والطَّعْم والرائحة وغير سامة وغير قابلة للاشتعال، لتحلَّ محلَّ المواد السامة والضارة مثل النشادر وثاني أكسيد الكبريت التي كانت مُستخدَمة في الثلاجات في ذلك الوقت. وبعد بحث دقيق في الكتب والمصادر الكيميائية، قرَّرَ توماس ميدجلي الابن وألبرت هيني أن مركباتٍ كربونية معيَّنة محتوية على الفلورين والكلور قد تكون مناسبة، مع أن بعض التقارير ذكرت أحيانًا أن مركبات الفلورين سامة.
لاختبار مدى صحة تلك التقارير عن سُميَّة تلك المركبات، احتاج ميدجلي وهيني إلى تحضير عينات من كلوروفلوروكربون بسيطٍ واستخدامها في اختبارات تجرى على الحيوانات. وأرسلا في شراء خمس زجاجات بكلٍّ منها أوقية واحدة من ثالث فلوريد الأنتيمون (الذي كان موجودًا فقط في الولايات المتحدة الأمريكية!) من شركة كيماويات. واختارَا واحدة من تلك الزجاجات على نحو عشوائي واستخدماها لتحضير الكلوروفلوروكربون، ووضَعَا خنزيرًا غينيًّا تحت ناقوس زجاجي به مركب الكلوروفلوروكربون الغازي، فوجَدَا أن الحيوان لم يتأثَّر نهائيًّا بالغاز، وهذا يؤكِّد اعتقادهما بأن المركبات العضوية المحتوية على الفلورين غير سامة.
لمزيد من التحقُّق من نتيجة التجربة، حضَّرَ الكيميائيان عينات أخرى من غاز الكلوروفلوروكربون باستخدام الزجاجات الأخرى من ثالث فلوريد الأنتيمون، ثم كرَّرَا التجارب على الخنازير الغينية. وفي كل اختبار من تلك الاختبارات اللاحقة، كان الخنزير الغيني يموت! وأظهر الفحص الدقيق أن كلَّ الزجاجات الخمس المحتوية على ثالث فلوريد الأنتيمون تحتوي على ماء فيما عدا زجاجة واحدة، وقد أدَّى وجود الماء في العينات الأربع إلى إنتاج غاز الفوسجين، وهو غاز مميت. (نتجَ الكلور الموجود في هذا الغاز من الكلور العضوي المستخدَم مع ثالث فلوريد الأنتيمون كمادة بادئة لتحضير الكلوروفلوروكربون.) وتبيَّن أن غاز الفوسجين — وليس غاز الكلوروفلوروكربون — هو الذي أدَّى إلى موت الحيوانات.
إذا لم يختَرْ ميدجلي وهيني مصادفةً استخدامَ الزجاجة الوحيدة التي بها ثالث فلوريد أنتيمون جاف لاختبارهما الأول على الخنازير الغينية، لَكانَا قد تخلَّيَا عن فكرة استخدام الكلوروفلوروكربونات كمواد للتبريد، ولَكانَا قد قبِلَا بالتقارير (غير الصحيحة) التي ذكرَتْ أن تلك المركبات سامة. لكن بدلًا من ذلك، أدَّى التعاون المشترَك بين قسم الثلاجات بشركة جنرال موتورز وشركة دو بونت، إلى إنشاء قسم الفريون بشركة دو بونت للبحث في الكيمياء الخاصة بالكلوروفلوروكربونات وتطويرها، وفي هذا القسم اكتشَفَ روي بلانكيت مادةَ التيفلون.

الفصل الثامن والعشرون
تكنولوجيا البنزين: نظريات فلاوري، وإنتاج البنزين من الغاز الطبيعي


سنعرض في هذا الفصل اكتشافين عَرَضيين في تكنولوجيا البنزين، أحدهما يرجع إلى بداية ظهور السيارات والآخَر تطوُّرٌ حديث.
(?) سائل الإثيل

بدأ البحث عن مادة تضاف إلى البنزين لمنع أصوات الطَّرْق التي تُصدِرها محركات السيارات، عندما انزعج تشارلز إف كيترينج من هذا الطَّرْق في محركات سيارات الكاديلاك المنتجَة ما بين عامَيْ ???? و????. وكانت أول محاولة ناجحة في هذا الشأن نتاج مزيج غريب من الاعتقاد الخاطئ والمصادفة. اعتقد كيترينج وباحث زميل له في شركة ديلكو (التي استحوذت عليها بعد ذلك شركة جنرال موتورز) يُدعَى توماس ميدجلي، أن هذا الطَّرْق هو انفجار مؤجَّل بسبب الاحتراق غير الكامل للبنزين. وعقدا قياسًا تشبيهيًّا بين الإزهار المبكر لنبات القَطْلَب وظهور أوراقه التي لها لون الصدأ في الربيع، حتى مع استمرار وجود الثلج على الأرض، والاحتراق المتأخر للبنزين وتمنيَّا لو أن لون البنزين كان أحمر داكنًا حتى يمتص الطاقة الإشعاعية بسرعة أكبر ويتبخر في وقت مبكر على نحو كافٍ لمنع حدوث الطَّرْق! لذا، في أحد أيام شهر ديسمبر من عام ????، ذهب ميدجلي إلى المعمل الكيميائي للحصول على بعض الصبغة الحمراء فلم يجد، ووجد زجاجة من اليود الذي اختبره لأنه كان يعطي لونًا أحمر للبنزين.
لحسن حظ الباحثين، حلَّ اليود مشكلة الطَّرْق، لكن الاختبارات اللاحقة أثبتَتْ أن لون الوقود ليست له علاقة بعدم وجود طَّرْق في محركات السيارات. مع ذلك، أدرَكَ الباحثون الآن أن ثمة مادة يمكن إضافتها لمنع الطَّرْق بعض الشيء. لكن اليود كان غاليًا ومسبِّبًا للتآكُل للغاية؛ مما لم يجعله حلًّا يُعتد به. لذا استمر البحث، وبعد عدة تجارب، اكتُشِفت مادة رابع إثيل الرصاص في عام ???? نتيجة اعتقادٍ يميل أن يكون علميًّا أكثر من القياس التشبيهي الخاص بالقَطْلَب، وكان هذا الاعتقاد يقوم جزئيًّا على بيانات تجريبية تم الحصول عليها «بالطريقة الإديسونية» (أي عن طريق التجربة والخطأ، واستخدام كل الزجاجات الموجودة على الرَّف واختبار محتوياتها)، لكنه يستند جزئيًّا أيضًا، وعلى نحو أكثر علمية، إلى نظرية ماندليف للخصائص الدورية للعناصر.
بدأ البحث عن المادة التي يمكن إضافتها إلى البنزين لمنع الطَّرْق في محركات السيارات ببعض الاكتشافات العَرَضية غير المقصودة، وانتهت باكتشافٍ مخطَّطٍ له وهو اكتشاف مادة رابع إثيل الرصاص، التي تكوِّن سائل الإثيل عند ذوبانها في البنزين. ووُجِد أن سائل الإثيل هذا عامِلٌ رائع مضاد للطَّرْق، فكان أحد المكونات الأساسية التي تضاف إلى البنزين لأكثر من ?? عامًا، أما الآن فقد أصبح مصدرًا للقلق بسبب الخطر الذي يمثِّله الرصاص على البيئة.
(?) من الميثان إلى البنزين

في عام ????، بدأ أحد المصانع في نورث آيلاند بنيوزيلندا في إنتاج البنزين من الغاز الطبيعي، وبسبب النجاح الذي حقَّقَه هذا المصنع، أصبح لدى نيوزيلندا الآن اكتفاء ذاتي بنسبة ??? من أنواع الوقود السائل.
إنَّ الجانب الكيميائي المتعلِّق بالخطوة الأولى في عملية الإنتاج هذه هو تحويل الميثان CH4، الذي يُعَدُّ المكوِّن الأساسي للغاز الطبيعي، إلى الميثانول (CH3OH، الذي يُعرَف أيضًا بالكحول الميثيلي أو الكحول الخشبي). وتتمثَّل الخطوة الثانية في تحويل الميثانول إلى البنزين، الذي هو خليط من هيدروكربونات ذات أحجام جزيئية في نطاق يتراوح بين C6 وC12، وذات نسبة تطاير في النطاق المناسب لمحركات السيارات. يبدو أن تلك الخطوة أكثر تعقيدًا من الخطوة الأولى التي تتمثَّل فقط في إضافة ذرة أكسجين واحدة إلى جزيء الميثان، لكن المثير للدهشة أن الخطوة الأولى لم تكن كذلك. ففي واقع الأمر، ربما اعتمد النجاح الطويل الأمد للعملية على التحسينات التي أُدخِلت على هذه الخطوة الأولى لتقليل تكلفتها، وربما تعزى تلك التحسينات إلى إيجاد مادة محفِّزة صناعية يمكنها تكرار عملية تحويل إنزيمية من المعروف أنها تُستخدَم بواسطة البكتيريا. إنَّ نجاح الخطوة الثانية هو النتيجة المباشِرة لاكتشاف عَرَضي من قِبَل الكيميائيين الباحثين في شركة موبيل للبترول. عرضَ عدد ?? يونيو لعام ???? من مجلة «كيميكال آند إنجنيرينج نيوز» خبرًا عن المصنع الجديد الموجود في نيوزيلندا الذي يحوِّل الميثان إلى البنزين. وفي خطاب لنفس المجلة في عدد ? سبتمبر لعام ????، كتب ويليام إتش لانج وهو باحث كيميائيٌّ متقاعد، قصةَ هذا الاكتشاف؛ فقال إنه في يوم ?? مارس من عام ???? كان يحاوِل هو وكليرنس تشانج تحضيرَ النيوبنتان من الأيزوبيوتان باستخدام مادة محفِّزة بلورية معتمدة على مادة سيليكا الألومينا، التي تُسمَّى زد إس إم-? (ZSM-5) (الصيغة الكيميائية للأيزوبيوتان هي C4H10). ثم أردف قائلًا: تم تحويل كل الميثانول وكذلك جزء من الأيزوبيوتان إلى هيدروكربونات سائلة دون أن يتم إنتاج النيوبنتان. ونظرًا لأنني أجريتُ أبحاثًا سابقة من أجل تحسين النافثا (مزيج هيدروكربوني في حجم البنزين)؛ عرَّفت على الفور تركيب منتجات الهيدروكربون على أنها بنزين عالي الأوكتين. وأكَّدت تجربتنا التالية مع الميثانول ونفس المادة المحفِّزة تحويلَ الميثان إلى هيدروكربونات في نطاق البنزين … وبعد سنوات من البحث والتطوير، دخل هذا الاكتشاف حيز التنفيذ على أرض الواقع في نيوزيلندا.
كان عقل الدكتور لانج مستعدًّا من خلال الأبحاث السابقة التي أجراها في مجال كيمياء البنزين، وبالتالي استطاع الاستفادة من الملاحظة العَرَضية.

الفصل التاسع والعشرون
أدوية اكتُشِفت بالمصادفة فائدتها في علاج أمراضٍ أخرى


اكتُشِف البِنسلين وأدوية السَّلْفا والسيفالوسبورينات والسيكلوسبورين على نحو عَرَضي؛ فقد اكتُشِفت «أغلب» الأدوية بشكل سرنديبي أو على الأقل عبر السرنديبية الوهمية. وعادةً ما يُكتشَف أيضًا أن الدواء المستخدَم لغرضٍ معين مفيدٌ لغرض مختلف تمامًا، يفوقه أحيانًا في الأهمية. يعرض هذا الفصل بعضًا من الاكتشافات التي من هذا النوع.
(?) الأسبرين

يُعدُ الأسبرين واحدًا من أكثر الأدوية استخدامًا على مدار سنوات عديدة، وقد نال مؤخرًا اهتمامًا أكبر. تم تحضيره في البداية لاستخدامه كمطهِّر داخلي، لكن تبيَّن أنه غير فعَّال. ومع ذلك، وُجِدَ أنه مسَكِّن ومضاد للحمى جيد، ويُوصَى الآن بتناوله للوقاية من النوبات القلبية.
بعد فترة قصيرة جدًّا من استخدام جوزيف ليستر للفينول كمادة مطهِّرة في العمليات الجراحية، فكَّرَ العلماء في إيجاد دواء يمكن إعطاؤه داخليًّا للمرضى الذين يعانون من الأمراض البكتيرية. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر تم تصنيع حمض الساليسيليك واستخدامه لهذا الغرض؛ لأنه كان من المعروف أنه يؤدي إلى إنتاج الفينول في الجسم، لكن على الرغم من تأثيره المخفِّف للحمى، فهو لا يؤثِّر في العدوى المسبِّبة لها، كما أنه يؤدي إلى الغثيان. حضر فيليكس هوفمان — وهو كيميائيٌّ في شركة باير — لاحقًا شكلًا معدَّلًا من حمض الساليسيليك، أحد مشتقات الأسيتيل، الذي وُجِد أنه مضاد للحمى ومخفِّف لآلام التهاب المفاصل وله آثار جانبية أقل. وقد جاء اسم «الأسبرين» aspirin من حقيقة أن حمض الساليسيليك كان يتم الحصول عليه من الأساس من نباتات «السيبريا» spiraea، وقد أُضيف حرف a للإشارة إلى مادة الأسيتيل. منذ ظهور الأسبرين في سوق الأدوية في تسعينيات القرن التاسع عشر، أقبل الناس على استخدامه أكثر من أي دواء آخَر. وتُعَدُّ فائدته المحتمَلة في الوقاية من النوبات القلبية تطوُّرًا لم يتم اختباره بالكامل بعدُ، إلا أنه يتم بالفعل إنتاجُ أكثر من ?? مليون رطل منه في الولايات المتحدة الأمريكية سنويًّا؛ أيْ حوالي ??? قرص للفرد سنويًّا.
(?) أدوية العلاج النفسي

قبل خمسينيات القرن العشرين، لم تكن الأمراض النفسية قابلةً للعلاج بالأدوية؛ إذ كان يتعيَّن إيداع المصابين بمرض الفُصام والذين يعانون من مرض اكتئابي هوسي شديد وحالات العُصاب في مستشفيات للأمراض النفسية، لكن في غضون عشر سنوات تقريبًا، قدَّمَ العلاجُ بأدوية العلاج النفسي الأملَ في عيش حياة أقرب إلى الحياة الطبيعية، وأصبحت مستشفيات الأمراض النفسية تقريبًا خالية. وكان للسرنديبية دورٌ في اكتشاف كل أدوية العلاج النفسي تقريبًا.
الكلوربرومازين: في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، أراد جرَّاح الأعصاب الفرنسي هنري لابوري دواءً لتهدئة مرضاه قبل إخضاعهم للعمليات الجراحية؛ حتى قبل تخديرهم. واعتقد أن استخدام أحد مضادات الهيستامين قد يفي بالغرض؛ لأنه من المعروف أن الهيستامين يتم إفرازه في جسم المريض بسبب القلق السابق لإجراء العملية، فزوَّدت إحدى شركات الأدوية الدكتورَ لابوري بمهدِّئ مضاد للهيستامين يُسمَّى البروميثازين، ويبدو أن هذا الدواء قد ساعد بعض المرضى، فطلب لابوري مضاد هيستامين أقوى. وتم إعطاؤه دواء الكلوربرومازين، فأُعجِب لابوري بشدة بالتأثير «المهدِّئ المصحوب بالبهجة» الذي يُحدثه هذا الدواء في المرضى قبل إخضاعهم للعمليات الجراحية، لدرجة أنه بدأ يوصي زملاءه باستخدامه. وجد طبيبان نفسيان فرنسيان آخَران، وهما جون ديلاي وبيير دينيكر، أن الدواء لم يكن فقط مفيدًا قبل إجراء العمليات للمرضى الطبيعيين المقبلين على جراحة، وإنما كان فعَّالًا أيضًا في تهدئة مرضاهم في المرحلة الهوسية من المرض الاكتئابي الهوسي. جرَّبَ هذان الطبيبان إلى جانب أطباء نفسيين آخَرين هذا الدواءَ على المرضى النفسيين الآخَرين في الفترة ما بين عامَيْ ???? و????، ووجدوا أنه فعَّال على نحو خاص في علاج مرض الفُصام.
في أواخر خمسينيات القرن العشرين، بدأ استخدام دواء الكلوربرومازين على نطاق واسع في أوروبا والولايات المتحدة، وفي خلال عقد من الزمن كان بالإمكان خروج المصابين بحالات شديدة من الفُصام من المصحات النفسية، حيث كانوا يُحتَجَزون في غرف مبطَّنة ويرتدون سترات الحَجْر، وأصبح بإمكانهم العودة إلى مزاولة الوظائف الإنتاجية وممارسة الأنشطة الحياتية في المجتمع على نحو شبه طبيعي تقريبًا. وفي الولايات المتحدة، قلَّت أعداد المرضى النفسيين بالمصحات النفسية بمئات الآلاف؛ إذ أصبح من الممكن توفير خدمات الصحة النفسية المجتمعية، التي تهدف إلى علاج المرضى النفسيين في منزل مع الأسرة والأصدقاء، بفضل قدرة دواء الكلوربرومازين على تخفيف أعراض الذُّهان حتى لدى المرضى الذين يعانون من أشدِّ درجات الاضطراب.
أدَّى استخدام دواء الكلوربرومازين إلى حدوث ثورة ثانية في العلاج الطبي للمرضى النفسيين، وقد وجدت الاختبارات الإكلينيكية أن الجرعات الزائدة من هذا الدواء تسبِّب أعراضًا مماثلة لتلك الخاصة بمرض باركنسون. وقد أدَّى هذا الاكتشاف إلى إجراء دراسات على آثار الأدوية في المناطق المختلفة للدماغ وحالات الخلل الجزيئية في الدماغ المرتبطة بالمرض النفسي.
وُجِد أن الدوبامين — وهو ناقل عصبي يوجد بتركيز عالٍ في أجزاء الدماغ المسئولة عن تنظيم النشاط الحركي — يكاد يكون غائبًا في أدمغة المرضى الذين ماتوا بمرض باركنسون. وقد أدَّى حقن إل-دوبا، وهي مادة كيميائية تتحول بفعل العمليات الطبيعية في الدماغ إلى الدوبامين، إلى حدوث تحسُّن كبير في حالة المرضى المصابين بمرض باركنسون.
خمَّنَ آرفيد كارلسون، اختصاصي علم الأدوية السويدي، أنه على الرغم من أن أدوية مثل الكلوربرومازين تعالج مرض الفُصام، فإنها قد تُحدِث بالفعل نفس آثار نقص الدوبامين في الدماغ عن طريق تثبيط مستقبلات الدوبامين. وفي عام ????، عندما أصبح من الممكن قياس مستقبلات الدوبامين في الدماغ في معامل جون هوبكينز الخاصة بالدكتور سولومون إتش سنايدر، تأكَّدت فاعلية الآثار العلاجية للأدوية المضادة للفُصام مثل الكلوربرومازين؛ نظرًا لدورها في تثبيط مستقبلات الدوبامين. وتشير تلك النتائج إلى أن المشكلة الأساسية في أدمغة المصابين بالفُصام إما الزيادة المفرطة في إفراز الدوبامين وإما فرط الحساسية لمستقبلات الدوبامين.
الإيميبرامين: أدَّى النجاح السرنديبي لدواء الكلوربرومازين في علاج الفُصام إلى التشجيع على تصنيع مجموعة من الأدوية المماثلة له كيميائيًّا واختبارها، ومن بين تلك الأدوية الإيميبرامين، الذي صنَّعته شركة أدوية سويسرية تُسمَّى جيجي. وعندما وجد الدكتور رولاند كون على نحوٍ مثير للدهشة أن هذا الدواء غير فعَّال في علاج الفُصام، استمرَّ في دراسته وحاوَلَ تقييمَ مدى فاعليته في علاج أنواع أخرى من الأمراض النفسية. وفي عام ????، أثبتَ فاعليته المدهشة كمضاد للاكتئاب، وهو أثر يكاد يكون معاكسًا لذلك الخاص بدواء الكلوربرومازين. الليثيوم: كان اكتشاف الليثيوم كدواء نفسي أكثر الاحتمالات المستبعَدَة على الإطلاق. ففي أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، توقَّعَ طبيب نفسي أسترالي شاب يُدعَى جون كيد أن الهوس المصاحب للمرض الاكتئابي الهوسي قد يرجع السبب فيه إلى الأيض غير الطبيعي لحمض اليوريك. ولاختبار تلك النظرية، حقن حيوانات التجارب بهذا الحمض في شكل ملح ليثيوم ومعه كربونات الليثيوم، ولاحَظَ استجابات علاجية مهمة. ومع أنه نشر تلك النتائج في مجلة أسترالية، فلم ينتبه إلى نتائجه سوى القليل من الأطباء النفسيين حتى منتصف خمسينيات القرن العشرين. ثم صادَفَ أن قرأ طبيب دنماركي يُدعَى مونتش سكو الورقةَ البحثية الخاصة بكيد، واختبر مركبات كيد في علاج الهوس ووجد أنها فعَّالة. لكن سرعان ما اتضح أن جزء حمض اليوريك من الدواء لم تكن له أية علاقة بفاعليته، لكن حقيقة استخدام «ملح ليثيوم» فقط كانت هي المسئولة عن التأثير العلاجي للدواء؛ إذ وُجِد أن أملاح الليثيوم الأخرى مفيدة أيضًا على نحو مساوٍ.
نظرًا لكثرة وجود أملاح الليثيوم وعدم إمكانية الحصول على براءة اختراع لها كدواء، كانت شركات الأدوية غير راغبة في الالتزام بإنتاجها على نطاق واسع للاستخدام الإكلينيكي. وثمة عامل آخَر أخَّرَ الاستخدام الإكلينيكي للليثيوم، وهو الخطر المحتمَل المتمثِّل في احتمال تصارُع أيونات الليثيوم، عند تناول جرعات كبيرة من الدواء، مع أيونات الصوديوم المرتبطة بها كيميائيًّا في الجسم، وتكون لذلك آثار سامة.
بالتالي، تأخَّرَ استخدام الليثيوم إكلينيكيًّا في الولايات المتحدة حتى عام ????، أيْ بعد أكثر من ?? عامًا من اكتشاف قيمة أملاح الليثيوم في علاج مرض الاكتئاب الهوسي. ويُعَدُّ أيون الليثيوم البسيط أكثرَ عامل ذي فاعلية تم اكتشافه في علاج الهوس، لكن طريقة عمله لا تزال غامضة.
الليبريوم والفاليوم: كان عام ???? عامًا مهمًّا في تاريخ العلاج الكيميائي؛ فقد كان لدواءين تم إنتاجهما في ذلك العام تأثيرٌ كبيرٌ على المجتمع بطرق مختلفة؛ أحدهما: الليبريوم الذي كان يمثل أول سلسلة جديدة من المهدئات، والآخَر: مانع للحَمْل يتم تناوله عن طريق الفم ويحتوي على هرمون الإستروجين. (لقد عرضنا في الفصل العشرين قصة حبوب منع الحَمْل.) تصدَّر دواء الليبريوم قائمة الأدوية التي يتم وصفها في ستينيات القرن العشرين، إلا أن دواء الفاليوم القريب منه كيميائيًّا حلَّ محله في سبعينيات القرن العشرين. وتقوم قصة تطوير هذين المهدئين على السرنديبية الوهمية، حين قام ليو ستيرنباخ من شركة هوفمان-لا روش بأبحاثٍ لتطوير دواء مضاد للقلق. وُلِد ليو ستيرنباخ في عام ???? في بلدة في شبه جزيرة بولا التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من النمسا-المجر، ولكنها الآن جزء من يوغوسلافيا. وحصل على درجتَي الماجستير والدكتوراه في الصيدلة من جامعة كراكو الموجودة الآن في بولندا. وفي عام ????، كان يعمل في شركة هوفمان-لا روش في بازل بسويسرا؛ وفي العام التالي، انتقل إلى معمل الشركة في نوتلي بنيو جيرسي. وفي عام ????، حصل على الجنسية الأمريكية، وفي عام ???? تقاعد وهو في منصب مدير الكيمياء الدوائية في شركة هوفمان-لاروش.
في عام ????، كُلِّف الدكتور ستيرنباخ بمهمة إيجاد فئة جديدة من الأدوية المضادة للقلق (أو المهدئة)، مع مراعاة أن تكون في المركبات المطلوبة بعضُ التحديات التصنيعية، وتكون غير مستكشَفَة نسبيًّا؛ وذلك لتقليل احتمال تصنيع نفس الأدوية من قِبل المنافسين. لكن الاعتبارات الاقتصادية اقتضت أن يتم تحضير تلك المركبات من مواد بادئة في المتناول. بالإضافة إلى ذلك، كان من المفضَّل أن تسمح الوحدة الجزيئية الأساسية للمركبات بالتحوُّل إلى عدد كبير من المشتقات لزيادة فرصة الوصول إلى دواء فعَّال. وتذكَّرَ ستيرنباخ أبحاثه التي أجراها في جامعة كراكو على المركبات التي كانت موادَّ بادئة محتمَلة لتصنيع الصبغات.
كانت تتوافر في تلك المركبات معظم معايير الأدوية المضادة للقلق المطلوبة. وكان الغموض يحيط بها (فلم يعمل عليها أي شخص منذ أن حضَّرَها ستيرنباخ منذ ?? عامًا)، وكان يمكن تحضيرها بسهولة إلى حدٍّ ما، كما أن لها ذرة نيتروجين مرتبطة بحلقة أروماتية مثل العديد من المركبات ذات النشاط البيولوجي المعروف. لكن ظهرت مشكلة كبيرة، وهي أنها ليست لها الخصائص المطلوبة المضادة للقلق.
في أبريل من عام ????، طلب ستيرنباخ من فريقه البحثي وقْفَ العمل مع تلك المركبات، والتوجُّه إلى أنواع مركبات أخرى. وفي غضون ذلك، قدَّمَ له أحدُ الكيميائيين مركبًا كان قد حضَّرَه منذ عامين، لكنه لم يختبره دوائيًّا، فاختبروا تلك المادة معتقدين أن النتيجة السلبية لهذا المركب ستؤكِّد أن هذا النوع من المواد الكيميائية لا أملَ فيه، وأن عليهم التحول إلى أنواع أخرى من المركبات.
اندهش ستيرنباخ حين اتضح له أن لهذا المركب المهمَل آثارًا مهدئة قوية. وعندما سعى الكيميائيون للوصول إلى تفسير للخصائص المضادة للقلق لهذا المركب (الذي كانوا يعتقدون أنه مماثِل كيميائيًّا للمركبات التي لم تكن لها آثار مهدئة)، اكتشفوا أن هذا المركب لم يكن كما اعتقدوا؛ ففي أثناء تصنيعه، حدثت إعادة ترتيب غير متوقَّعة داخل الجزيئات، ونتج عن ذلك تركيب مختلف تمامًا. وبعد ذلك، صنعوا مركبات أخرى لها نفس التركيب الحقيقي للمركب المهمَل، لكن لم يكن أيٌّ منها بنفس فاعلية المركب الأصلي.
بعد إجراء المزيد من الاختبارات الإكلينيكية الدقيقة، طُرِح «المركب المهمَل» في الأسواق في عام ???? تحت اسم الليبريوم، وقد حقَّق نجاحًا مدويًّا. لكن حتى قبل ظهور دواء الليبريوم، اكتشف كيميائيو شركة هوفمان-لا روش أن أحد منتجات التحلُّل المائي للليبريوم الذي كانوا يعتقدون أن الدواء ينتجه في الجسم، له نفس فاعلية الدواء. لذا، صنعوا مشتقات عديدة من هذا المنتج، ووجدوا أن أحدها كان أفضل في جوانب كثيرة من الليبريوم، وأُطلِق على الدواء الجديد اسم الفاليوم. وبعد طرحه في الأسواق في عام ????، سرعان ما حلَّ محلَّ الليبريوم في الفاعلية كمهدئ.
المثير للدهشة أن الكلوربرومازين وهو مهدئ قوي ومضاد فعَّال للفصام، والإيميبرامين وهو دواء مضاد للاكتئاب، لهما صيغ جزيئية مماثلة على الرغم من آثارهما الدوائية المتضادة تقريبًا. إن الصيغة الجزيئية لكلٍّ من الليبريوم والفاليوم متشابهة ولكن ليست متطابقة. لقد عرضنا في الفصل العشرين الاكتشاف العَرَضي لمادة ثاني إثيلاميد حمض الليسرجيك التي لها تأثير نفسي قوي مع أنها ليست مفيدة كمهدئ.
منذ ظهور دواء الفاليوم، تم تطوير ?? دواءً آخَر لها تراكيب كيميائية مماثلة للفاليوم، وبيعت في الولايات المتحدة، هذا إلى جانب تطوير ?? دواءً آخَر مماثِلًا في دول أخرى عبر العالم، غالبًا بسبب الضوابط الأقل تشدُّدًا، لكن لم يحدث تطوُّر دوائي مهم في مجال المهدئات منذ الاكتشاف العَرَضي لكلٍّ من الليبريوم والفاليوم.
(?) الأدوية المضادة لاختلال نظْم القلب

يُستخدَم النوفوكايين والزيلوكايين (واسماهما غير المسجَّلين: البروكايين والليدوكايين) على نطاق واسع كمخدر موضعي (على سبيل المثال، في مجال طب الأسنان). وفي أربعينيات القرن العشرين، اكتُشِف بالمصادفة أن حقن النوفوكايين في الكلاب — التي تعاني من اختلالاتٍ خطيرة مهدِّدة للحياة في نظْمها القلبي (أيْ ضربات قلب غير منتظمة) عند حقنها بمخدرٍ عام — يؤدي إلى انتظام ضربات القلب وعودتها إلى المعدل الطبيعي. وبعد وقت قصير جدًّا من علم أطباء التخدير بهذا، أُتِيحت الفرصة لتقييم هذا التأثير في البشر في أحد مراكز الصدر التابعة للجيش الأمريكي، وذلك على مرضى يعانون من اختلال قلبي وعائي حاد. وأجرى تلك الاختبارات الرائدة الرائدُ تشارلز بيرستين، وأعلن عن نتائجها في عام ????.
من المفترض أن تُجرَى تلك الاختبارات الأولية على حالاتٍ يكون فيها «الاختلال» خطيرًا جدًّا. فقد كان يتم دائمًا تجنُّب حقن النوفوكايين في المريض الواعي، حيث كان من المعروف أن هذا يؤدي إلى حدوث تشنجات. لكن في الحالات التي يتم فيها حقن المخدر الموضعي في مريضٍ «مخدَّرٍ» يعاني من اختلال شديد في النَّظْم القلبي، لم تكن هناك آثار عكسية، وإنما لُوحِظ في الواقع حدوث تحسُّن في الوظائف القلبية الوعائية. وفي عام ????، قدَّمَ جيه إل ساوثوورث وزملاؤه دليلًا إكلينيكيًّا على أن دواء الزيلوكايين ذو تأثير جيد كمضاد لاختلال النَّظْم القلبي. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحقن الوريدي للعديد من مواد التخدير الموضعي فيما يتعلَّق بالجراحات القلبية ممارسةً شائعة.
يُعَدُّ هذا مثالًا واضحًا آخَر على دواءٍ تم تطويره لغرضٍ ما، واكتُشِف بالمصادفة أنه مفيد لغرض آخَر مختلف تمامًا.
(?) المينوكسيديل وأثره في نمو الشعر

في عام ????، كتب الدكتور أنتوني زاباكوستا من برين ماور في بنسلفانيا خطابًا إلى مجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين»، واصفًا نمو الشعر الجديد على فروة رأس رجل عمره ?? عامًا كان يتناول دواءً لعلاج ضغط الدم المرتفع اسمه المينوكسيديل، وقد كان هذا المريض أصلع تقريبًا منذ كان في العشرين من عمره. وقد أثار خطاب زاباكوستا وغيره من التقارير التي بدأت في الظهور قدرًا كبيرًا من الاهتمام بين أطباء الأمراض الجلدية؛ وبالطبع بين الرجال بمجرد أن وصلت إليهم تلك الأخبار. فبرغم كل شيء، كان تساقُط الشعر — وما زال — يمثِّل مشكلةً لدى الكثيرين، وقد تم البحث عن علاج لها منذ أيام قدماء المصريين.
من أطباء الأمراض الجلدية هؤلاء الدكتورة فيرجينيا فيلدر-فايس من جامعة مركز إلينوي الطبي في شيكاجو. تساءلَتْ في نفسها إن كان الدواء سيساعد على نمو الشعر بدون الأثر القوي الخاص بخفض ضغط الدم المرتفع، وبدون الآثار الجانبية غير المرغوب فيها، إذا تم استخدامه على نحو موضعي. فحضَّرت مستحضرًا من مسحوق أقراص المينوكسيديل، ودهنت به فروة رأس ثلاثة من المرضى بمعدل مرتين يوميًّا، وفي خلال أسابيع وجدت أن اثنين من المرضى قد نما الشعر عندهما! وعندما اتصلت فيلدر-فايس بشركة أبجون المصنِّعة لهذا الدواء، علمت أن الشركة قد بدأت بالفعل دراسات أولية باستخدام محلول من الدواء. بعد ذلك، تعاوَنَتْ فيلدر-فايس مع الشركة في دراسة كبرى، وقد نُشِرت ورقة بحثية في عام ???? ذكرت أن ?? مريضًا من واقع ?? نما لديهم شعر جديد، لكن حصل ?? مريضًا فقط على نتائج مقبولة من الناحية التجميلية.
بحلول عام ????، كانت قد أُجريت العديد من الدراسات الأخرى، وفيما يلي النتائج التي تمَّ التوصُّل إليها: من غير المحتمَل أن يساعد محلول المينوكسيديل معظم الأشخاص الذين يعانون من تساقط الشعر بمعدل كبير، وأفضل استخدام للدواء هو مساعدة المرضى على الإبقاء على الشعر الذي لديهم بالفعل ومنع حدوث الصلع المبكر، ويبدو أن هذا الدواء يجدي فقط إذا تم استخدامه لعدد غير محدَّد من المرات، كما أن أمان استخدامه على الجلد على المدى الطويل غير مؤكَّد. وفي أواخر عام ????، لم تتم الموافقة عليه للاستخدام العام من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وحتى لو تمَّتْ تلك الموافقة، فسيحتاج المريض إلى الحصول عليه بوصفة طبية.
على الرغم من ذلك، ثَبَت بالتجارب الإكلينيكية أن هذا الدواء الذي كان يُستخدَم في الأساس لعلاج ضغط الدم المرتفع يؤدِّي إلى نمو شعرٍ جديد. وقد خلصت ورقة بحثية نُشِرت في مجلة «كلينيكال فارماسي» (مايو ????) إلى ما يلي: «إن المؤشرات التي تبشِّر بأن المرضى سيستجيبون للعلاج لم تُحدَّد على نحو دقيق، وربما سيزيد اختيار طريقة مثلى للعلاج من فاعلية الدواء، لكن يجب أن نضع في الاعتبار احتمال حدوث آثار عكسية شديدة. ونحتاج إلى معلومات أكثر قبل أن نتعامل مع المينوكسيديل على أنه أحد الأدوية المعالِجَة لتساقُط الشعر.»
(?) الإنترفيرون: علاجٌ للسرطان والتهاب المفاصل

في عام ????، وصف آيزيكس وليندنمان الإنترفيرونات كمجموعة من البروتينات والبروتينات السكرية التي تنتجها الخلايا استجابةً لعدوى فيروسية، ويمكن أن تثبط نمو مجموعة متنوعة من الفيروسات. وقد جذب احتمال ظهور نوع جديد من أدوية السرطان اهتمامَ الصحافة والناس والعالم الطبي.
لكن التقدُّمَ في تطبيق هذه العوامل في الطب الإكلينيكي كان بطيئًا جدًّا؛ نظرًا لصعوبة الحصول على كميات مناسبة من المادة الأصلية. وتغيَّرَ الوضعُ على نحو كبير منذ بضعة أعوام، عندما تم استنساخ أول جينات إنترفيرون بشرية.
أدَّتْ ملاحظة عَرَضية أثناء تجربة إكلينيكية خاصة بعلاج السرطان في عام ???? إلى اكتشافٍ مدهش، وهو أن حقن الإنترفيرون يؤدي فيما يبدو إلى تخفيف الألم وتقليل التورُّم الذي يتسبَّب فيه التهابُ المفاصل الروماتويدي. وقد أظهرت الدراسات الأولية أن الهرمون كان فعَّالًا في حوالي ثلثَي الأشخاص الذين لم يفِدْهم العلاج المعتاد. وإذا ثبت أن تلك النتائج عامة، فيمكن أن توفِّر سوقًا جديدة كبيرة وغير متوقَّعة للهرمونات البشرية الخاصة بالهندسة الوراثية المنتجَة على نطاق واسع.
تمَّ الاكتشاف العَرَضي لتأثير دواء السرطان على علاج التهاب المفاصل أثناء دراسة في شركة بايوفيرون، وهي إحدى الشركات الألمانية التابعة لشركة بايوجين العاملة في مجال التكنولوجيا الحيوية. قال الدكتور سيث رودنيك: إن عددًا من المرضى المصابين بالسرطان والتهاب المفاصل الروماتويدي قد حدث لديهم بعض التحسُّن من ألم التهاب المفاصل. وكان المسئولون بالشركة متشكِّكين في الأمر في البداية، لكنهم أجْرَوا اختبارًا على ?? مريضًا في ألمانيا، وفي غضون أسبوع أو اثنين من الحقن (الذي تم بمعدل خمس مرات في الأسبوع)، وُجِد أن ?? مريضًا قد قلَّ ألمُ التهاب المفاصل لديهم، حتى إنه قد اختفى عند بعضهم. ويجب إجراء مزيد من الاختبارات لعقد مقارَنةٍ بين الإنترفيرون وبعض الأدوية الوهمية، مع ضرورة القيام بمحاولات لمعرفة إن كان الهرمون له تأثير علاجي على مرض التهاب المفاصل إلى جانب تخفيفه لأعراضه أم لا.

الفصل الثلاثون
اكتشاف أدوية من الصرف الصحي والتربة


اكتُشِف اثنان من أهم الأدوية الحديثة في ماء الصرف الصحي والتربة! فقد اكتُشِفت المضادات الحيوية المعروفة بالسيفالوسبورينات، التي تمثِّل نوعًا جديدًا من البِنسلين، وسطَ ماء الصرف الصحي في كالياري بسردينيا. وعُثِر على السيكلوسبورين، وهو المضاد الحيوي الذي يساعد في عمليات زرع الأعضاء البشرية، في تربة أحضرها موظفو إحدى الشركات الدوائية من ويسكونسين والنرويج إلى سويسرا. وفي كلتا الحالتين، كانت الفطريات هي المسئولة عن إنتاج المضادين الحيويين.
بالنسبة إلى معظم الناس، فإن كلمة «فِطْر» تستحضِر في الذهن أشياءَ غير جيدة، مثل مرض تينيا القدم أو عَفَن الخبز أو ما يتكوَّن على ستائر الحمام. وبالنسبة إلى المزارعين، فإنها تستحضر نفورًا أكبر؛ لأنها من الممكن أن تدمِّر المحاصيل. لكن للفطريات جوانب جيدة؛ فإنتاج الجعة والخمر وصنع الخبز وكل العمليات الصناعية التي تتضمن التخمُّر يعتمد على الخمائر، التي تُعَدُّ نوعًا من الفطريات.
ومن أهم وظائف الفطريات إنتاجُ مركبات من المضادات الحيوية ذات أثر سام على الكائنات الحية الضارة، وبخاصة البكتيريا.
(?) السيفالوسبورينات

في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، كان الأطباء المعالِجون بالبِنسلين يصادفون مشكلة خطيرة، وهي وجود أنواع من البكتيريا، خاصةً البكتيريا العنقودية، لا تتأثر بالبِنسلين. وكان قد اكتُشِف سبيلٌ إلى حل تلك المشكلة قبل ذلك بعدة سنوات، لكنه ظلَّ غير معروف لبعض الوقت.
في عام ????، عزل جوزيبي بروتسو أستاذ البكتيريولوجيا في سردينيا — وهي جزيرة إيطالية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط — مادةً من البحر بالقرب من مخرج لتصريف الصرف الصحي بمدينة كالياري. وهذه المادة هي مضاد حيوي ينتجها أحد الفطريات، الذي هو سلالة من فطر «سيفالوسبوريام أكريمونيم». أراد بروتسو دراسة الوظيفة المحتمَلة للمضاد الحيوي في التنقية الذاتية لمياه الصرف الصحي، لكن عندما وجد أن سائل المزرعة المركَّز من الفِطْر هو مضاد حيوي فعَّال، تجاوَزَ الاختبارات المعملية التي تُجرى على الحيوانات وأعطى المادة للمرضى من البشر المصابين ببعض أنواع العدوى، عن طريق الاستخدام الظاهري والحقن. ولاحظ ظهور بعض التحسُّن على مرضاه، خاصةً أولئك المصابين بالحمى التيفودية.
في عام ????، بعد فشل بروتسو في جذب انتباه أي من شركات الأدوية الإيطالية إلى النتائج التي توصَّلَ إليها، نشر تلك النتائج في مجلة اسمها (بالإنجليزية) «ووركس أوف ذا إنستيتيوت أوف هايجين أوف كالياري»، ذاكرًا أنه يأمل أن يلقى اهتمامًا من الآخرين بعمله؛ لأن لديه تجهيزات ومعدات محدودة في سردينيا. كما أنه نقل النتائج التي توصَّلَ إليها إلى مسئول بريطاني سابق في مجال الصحة العامة في سردينيا، وهو السير إدوارد أبراهام في كلية الباثولوجيا في جامعة أكسفورد في إنجلترا. وبعد عدة سنوات، كتب أبراهام يقول: «لولا تلك الأحداث، لم يكن من الممكن أن نسمع عن عمل بروتسو. كنَّا نعتقد في البداية أن بحثه نُشِر في عدد من إحدى المجلات المحلية، لكن عندما سألناه لاحقًا عن معدل صدور هذه المجلة، ردَّ بابتسامة قائلًا إنها لم يصدر منها أي أعداد قبل ذلك ولا بعد ذلك، لكن ربما سيكون هناك عدد آخَر منها إذا توصَّل إلى اكتشاف له أهمية مماثلة!»
قام أبراهام بدراسة مركَّزة في جامعة أكسفورد للمضادات الحيوية التي ينتجها فِطْر السيفالوسبوريام، وقد وجد العلماء بالجامعة أن الفِطْر أنتَجَ عدة مضادات حيوية مختلفة، وأول مضاد حيوي تم عزله كان نَشِطًا بصفة أساسية ضد البكتيريا الموجبة لصبغة جرام؛ لذا أُطلِق عليه السيفالوسبورين بي. لكن بروتسو أشار إلى أن ما حضَّره من الفِطْر كان نَشِطًا ضد كلٍّ من البكتيريا الموجبة والسالبة لصبغة جرام؛ لذا حاوَلَ العلماء بجامعة أكسفورد عزل مضادات حيوية أخرى من المُستنبَت، وبحلول عام ???? حصل أبراهام وزملاؤه على شكلٍ شبه نقي من مضاد حيوي آخَر سمَّوه السيفالوسبورين إن؛ لأنه كان مضادًّا للبكتيريا السالبة لصبغة جرام. وأُجري المزيد من الدراسات التي أظهرت أن تلك المادة قريبة جدًّا من البِنسلين لدرجة أنه تم تغيير اسمها إلى البِنسلين إن.
بحلول عام ????، تم الحصول على مادة بلورية نقية سمَّوها السيفالوسبورين سي. كانت درجة سمِّيَّتها قليلة جدًّا، وكانت مضادة لبعض أنواع البكتيريا الشرسة التي كانت مقاوِمةً لأنواع البِنسلين في الاستخدام العام في خمسينيات القرن العشرين. وفي عام ????، أعلن أبراهام وجاي نيوتن عن التركيب الجزيئي للسيفالوسبورين سي، اعتمادًا على الأدلة الكيميائية. وفي نفس العدد من المجلة، أكَّدَتْ دورثي كروفوت هودجكين وإي إن ماسلين على صحة التركيب بالاعتماد على تحليل حيود أشعة إكس. وكانت دورثي هودجكين قد قدَّمَتِ الدليلَ الواضح على تركيب البِنسلين عن طريق أشعة إكس في أربعينيات القرن العشرين؛ فحصلت على جائزة نوبل في الكيمياء في عام ????. ومع أن العلماء في جامعة أكسفورد قاموا بمعظم عملية العزل وتحديد تركيب السيفالوسبورينات، فإن روبرت بي وودوارد وزملاءه في جامعة هارفرد قد قاموا بتصنيع السيفالوسبورين سي، وأعلن وودوارد عن عملية التصنيع تلك في الخطاب الذي ألقاه أثناء تسلُّمه جائزة نوبل في عام ????.
كان النتاج الكيميائي لمادة السيفالوسبورين سي من الفِطْر الأصلي أقل بكثير من أن يكون عمليًّا، لكن حدث تطوران أدَّيَا إلى استخدام السيفالوسبورينات في مجال الطب. تمثَّلَ الأولُ في اكتشاف سلالة طافرة من الفِطْر الذي أنتج كميات كبيرة من السيفالوسبورين سي، في حين تمثَّلَ الثاني في اكتشاف طرق لتعديل جزيء السيفالوسبورين سي كيميائيًّا لإنتاج مجموعة متنوعة من المضادات الحيوية القيِّمة طبيًّا تُسمَّى البيتا-لاكتام. إن البيتا-لاكتام هو جزيء يحتوي على حلقة رباعية تتضمن ذرة نيتروجين. وتعدُّ أنواع البِنسلين من البيتا-لاكتام، إلا أن لها حلقة أخرى خماسية في حين أن السيفالوسبورينات لها حلقة سداسية، وذلك كما يتضح من شكل ??-?. ويوجد الآن حوالي ?? نوعًا من السيفالوسبورين في الولايات المتحدة، ويوجد غيرها الكثير في مجال التصنيع. تشترك السيفالوسبورينات الستة الجديدة التي تنتمي إلى الجيل الثالث في أنها جميعًا لها نفس نواة البيتا-لاكتام الأساسية، وتختلف في العناصر المكوِّنة لها عند المواضع المشار إليها بالآتي: R1 وR2 وR3 في شكل ??-?. وكلُّها لها نطاق ممتد من النشاط المضاد للبكتيريا السالبة لصبغة جرام، لكن مع وجود اختلافات مهمة بين عوامل معينة. شكل ??-?: صيغة جزيئية معينة لأحد أنواع البِنسلين، وصيغة جزيئية عامة للسيفالوسبورينات.
تَلَتْ سلسلة غريبة من الأحداث البحثَ الأولي عن كيفية تنقية مياه الصرف الصحي التي يتم ضخُّها في البحر من مدينة ساحلية مطلة على البحر الأبيض المتوسط في مياه البحر. وأدَّتْ تلك الأحداث إلى اكتشاف ترسانة جديدة بالكامل من المضادات الحيوية!
(?) السيكلوسبورين

منذ عام ????، أحدث السيكلوسبورين ثورة هائلة في مجال زرع الأعضاء البشرية؛ فهذا الدواء يمنع رفض الجسم للعضو المزروع، وهو الإجراء الذي يتخذه النظام المناعي للجسم عندما يتعرَّف على نسيج غريب والذي يجعل العضو المزروع عاطلًا عن العمل، في بعض الأحيان بعد عملية الزرع مباشَرةً. ومن المدهش أيضًا أن له آثارًا جانبية قليلة. في عام ????، ذكر الدكتور توماس ستارزل، وهو جرَّاح في كلية الطب بجامعة بيتسبِرج، أنه أثناء جلسات الاستماع بالكونجرس التي دعا إليها ألبرت جور، رئيس لجنة العلوم والتكنولوجيا بالكونجرس، قبل توافر هذا الدواء في عام ????، كانت عمليات زرع الكبد مهدَّدة بفشل ذريع. وقال: «على مدار ?? عامًا تقريبًا، كان لا يبدو أن ثمة طريقة للخروج من هذا المأزق؛ فمن جانبٍ، لم تكن الأدوية المستخدَمة مجديةً فيما يتعلَّق برفض الجسم للعضو المزروع، ومن جانب آخر، كانت شديدة الخطورة.» أما مع دواء السيكلوسبورين، فإن نسبة المرضى الذين استمرت عمليات زرع الكبد لديهم أثناء العام الأول — وهو العام الفارِق في تلك الجراحات — قد زادت من حوالي ??? إلى ?? أو ???.
قدَّم الدكتور جي ميلفيل ويليامز من جامعة جون هوبكينز شهادته عن عمليات زرع الكُلى قائلًا: «جرَّبتْ أربعة مراكز في هذا البلد دواء السيكلوسبورين الجديد الذي يُوقِف ردَّ الفعل المناعي للجسم ضد العضو المزروع، واتفق كلُّ الباحثين فيها على أن العديد من الممارسات التي كنَّا نطبِّقها لبقاء العضو المزروع قد تبطل عندما يصبح هذا الدواء متاحًا للاستخدام العام.» فمع استخدام السيكلوسبورين، تبلغ نسبة النجاح في عمليات زرع الكلى المنقولة من الموتى من ?? إلى ???، في حين تبلغ نسبة النجاح ??? تقريبًا عند عدم استخدامه.
كما أن دواء السيكلوسبورين يساعد على نحو كبير في نجاح عمليات زرع القلب أو القلب والرئتين. ويعلق جرَّاح ستانفورد الدكتور نورمان شامواي على هذا قائلًا: «منذ أن بدأنا استخدامَ دواء السيكلوسبورين في ديسمبر من عام ????، لا توجد حالة واحدة من حالات رفض الجسم المشخَّصة إكلينيكيًّا لعمليات زرع القلب المنقولة من متبرع.»
لفهم اكتشاف دواء السيكلوسبورين، يجب أن تعرف أن بعض شركات الأدوية طلبت من موظَّفِيها الذين يتنقلون بين أرجاء العالم إحضارَ عينات من التربة لاختبارها لمحاولة إيجاد كائنات دقيقة ربما يمكن إنتاج مضادات حيوية منها. ومن تلك الشركات شركة ساندوز في بازل بسويسرا، وفي عام ????، فحص عالِم الميكروبيولوجيا جون بوريل بعض عينات التربة التي أحضرها موظفو الشركة من ويسكونسين في الولايات المتحدة، ومن النرويج؛ فأظهر بحثه أن عينات التربة التي تم إحضارها من هذين المكانين كانت تحتوي على سلالتين جديدتين من الفطريات التي أنتجت مادة قابلة للذوبان في الماء. ولم تكن لتلك المادة، التي سُمِّيَتْ السيكلوسبورين إيه، أيُّ خصائص قوية كمضاد حيوي، لكن انخفاض سُميَّتها غير المعتاد أدَّى إلى إجراء مزيدٍ من الاختبارات، وتوصَّل بوريل إلى اكتشافه المدهش في يناير من عام ????، الذي يتمثَّل في تأثيرها الملحوظ المثبط لرد الفعل المناعي. لكن بعد فترة قصيرة، قرَّرت إدارة شركة ساندوز تقليلَ نشاطها في مجال المناعة، وطلبت من بوريل وقف أبحاثه على مادة السيكلوسبورين إيه.
اعترض بوريل على القرار بشدة، ولحسن الحظ سُمِح له بمواصلة بحثه على السيكلوسبورين إيه، فوجد أن التأثير المثبط لرد الفعل المناعي ظهر في كل أنواع الحيوانات التي أُخضِعت للاختبار، وعندما تحوَّل إلى اختبار المادة على الإنسان، واجهَتْه مشكلة الامتصاص بسبب عدم قابلية المادة للذوبان في الماء. وتناوَلَها الأشخاص المتطوِّعون للدراسة على هيئة كبسولات جيلاتينية، لكن كانت النتيجة هي ظهور أثر ضعيف له في مجرى دمهم أو عدم ظهور أي أثر على الإطلاق. وفي تلك المرحلة من الدراسة، كان بوريل مقتنعًا أن المشكلة تكمن في طريقة التناول، وأنه يمكن حل تلك المشكلة؛ فخاطَرَ بتناول كوكتيل من الدواء المذاب في كحول شبه صافٍ يحتوي على القليل من الماء وعامل استحلاب. وذكر أنه شعر بأنه «ثمل قليلًا»، لكن بعد ساعتين أصبح بالإمكان اكتشاف تركيز نَشِط دوائيًّا من دواء السيكلوسبورين في دمه! ثم اكتُشِف أن زيت الزيتون يُعَدُّ وسطًا أفضل لتناول الدواء عن طريق الفم.
في يونيو من عام ????، فحص الجرَّاحون في إنجلترا أولَ مرضى من البشر استُخدِم هذا الدواء معهم في عمليات زرع النخاع العظمي والكُلَى المنقولة من شخص ميت التي لا يوجد فيها توافق بين الجسم والعضو المزروع. والآن بعد سنوات عديدة من الجهود من قِبَل عشرات العلماء، فاقَ نجاحُ الدواء كلَّ التوقعات، وقد اعتمدته إدارةُ الغذاء والدواء الأمريكية، وأصبح متاحًا للاستخدام العام في المراكز التي يمكن فيها إجراء عمليات زرع أعضاء. لكن يجب نقل العضو من جسم المتبرع إلى الجسم الذي سيُزرَع فيه في غضون ?? ساعة. وعادةً ما يتطلب هذا القيد سرعة كبيرة في إخراج العضو من جسم المتبرع في مكانٍ ما ونقله (عادةً عن طريق الجو) إلى مكان آخَر، ثم زرعه في جسم المريض بعد تحضيره لعملية الزرع بدواء السيكلوسبورين إيه. وقد تم الآن تغيير الاسم المعتمَد لدواء السيكلوسبورين إيه إلى السيكلوسبورين فقط.
ثمة استخدام مدهش آخَر لدواء السيكلوسبورين، وهو علاج الأمراض الطفيلية؛ فالدواء يقتل الديدان الطفيلية التي تسبِّب المرض الاستوائي المعروف باسم البلهارسيا. اعتقد الدكتور إرنست بودينج من كلية الطب بجامعة جون هوبكينز أن هذا الدواء ربما يحسِّن بعضَ الشيء من أعراض مرض البلهارسيا. لكن التجربة أدهشته، وكما قال: «وجدنا بالمصادفة البحتة أن له تأثيرًا مباشِرًا على ديدان البلهارسيا!» كما أنه يثبط تأثير طفيل الملاريا، وقد اكتُشِف هذا أيضًا بالمصادفة في التجارب التي أُجرِيت على الفئران، وهي أحد الحيوانات القليلة المسبِّبة لمرض الملاريا. بل ثبت أيضًا أنه فعَّال في مقاومة سلالات الملاريا المضادة للكلوروكوين. (كان دواء الكلوروكوين فعَّالًا ضد الملاريا في أربعينيات القرن العشرين، لكن ظهرت منها سلالات مقاوِمة له في أثناء حرب فيتنام.)
لا يعرف أحد حتى الآن كيف يعمل دواء السيكلوسبورين، سواءٌ فيما يتعلق بالحيلولة دون رفض الجسم للعضو المزروع أو بقتل الطفيليات، فتركيبه الكيميائي جديد في مجال الكيمياء؛ فهو جزيء حلقي يتكوَّن من ?? مُكونًا من الأحماض الأمينية. ومن تلك المكونات مركب معروف من قبلُ لكن في صورة الجانب الأيمن D-form غير المعتادة؛ فأغلب الأحماض الأمينية تكون في صورة الجانب الأيسر L-form. (انظر قصة الجزيئات في الجانبين الأيمن والأيسر في الفصل الثاني عشر.) وثمة حمض أميني آخَر جديد تمامًا في طبيعته؛ فقد تم تصنيع الجزيء والكيميائيون مشغولون في تحضير مشتقات ونظائر لتحديد أي أجزاء هذا التركيب ضرورية لإحداث تأثيراته البيولوجية. وحتى الآن، لا يوجد دواء أفضل من السيكلوسبورين. إنَّ هذا الاكتشاف مثال آخَر على دور السرنديبية في الاكتشافات العلمية. فمع أن شركة ساندوز كانت تبحث عن مضادات حيوية في عينات التربة المأخوذة من مناطق مختلفة من العالم، اكتشف علماؤها دواءً جديدًا أحدَثَ ثورةً في عمليات الزرع الجراحية لأعضاء مهمة مثل القلب والرئتين والكبد والكلى؛ وهو اكتشاف إن لم يكن أكثر أهميةً من اكتشاف مضاد حيوي جديد، فهو على الأقل شيء مختلف جدًّا عمَّا كانوا يتوقعونه.

الفصل الحادي والثلاثون
براون وفيتيج: استخدام البورون والفسفور في عمليات التصنيع العضوي


فيما يلي نصُّ الإعلان عن جائزة نوبل لعام ???? في الكيمياء: «تُقدَّم الجائزةُ مناصفةً إلى البروفيسور هربرت سي براون من ويست لافيت بإنديانا، والبروفيسور جورج فيتيج من هايدلبِرج؛ لتحويلهما مركبات محتوية على البورون والفسفور، على التوالي، إلى موادَّ كاشفةٍ في عمليات التصنيع العضوي.» لقد دُعي هذان العالِمان، من قارتين مختلفتين وخلفية مختلفة، للحضور كي يتقاسما معًا جائزة نوبل نظير إسهاماتهما المتشابهة للمجتمع العلمي. وقد اشتركا أيضًا في هبة السرنديبية التي لعبت دورًا في حصولهما على هذا التكريم.
(?) تفاعل الهيدروبورونية

وُلِد براون في لندن بإنجلترا، وانتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة في عام ???? عندما كان في الثانية من عمره. قضى سنوات عمره الأولى في شيكاجو بإلينوي، حيث حصل على تعليمه وتخرَّج مع مرتبة الشرف في معهد رايت جونيور في عام ????، وحصل على درجته العلمية من جامعة شيكاجو في عام ????، حيث أكمل عامين من الدراسة في عام واحد. وكانت ثمة إحدى المصادفات التي تمَّتْ في ذلك الوقت، والتي لم يكن أحد يدركها: فقد أهدته صديقته (التي صارت زوجته فيما بعد) عند تخرُّجِه كتابًا بعنوان: «هيدريدات البورون والسيليكون». واختارت تلك الهدية التي أصبح لها أكبر الأثر في توجُّه حياة براون المهنية؛ لأن الكتاب كان من أرخص الكتب الموجودة عن الكيمياء في متجر الكتب، وكان هذا أثناء فترة الكساد العظيم. ويقال إن زوجة براون المستقبلية كتبَتْ إهداءً على الكتاب تقول فيه: «إلى الفائز المستقبلي بجائزة نوبل.» ويُرجِع براون الفضل إلى والديه لتبصُّرِهما المدهش بإعطائه اسمًا بالحروف الأولى التالية: إتش سي بي (وهي الرموز الكيميائية للهيدروجين H والكربون C والبورون B). أيًّا كان الأمر، اهتم براون بشدة بكيمياء عنصر البورون، وقرَّرَ تحضير رسالة دكتوراه مع البروفيسور إتش آي شليسينجر في هذا المجال في جامعة شيكاجو، وقد حصل عليها في عام ????. وكباحث ما بعد الدكتوراه، استمر براون في العمل مع شليسينجر على مركبات من البورون واليورانيوم تحت رعاية وزارة الدفاع في أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي أثناء هذا العمل، طوَّرَا معًا طرقًا جديدة وعملية لإعداد بوروهيدريدات الصوديوم والليثيوم.
شكل ??-?: هربرت سي براون.
بعد أربع سنوات في الكلية بجامعة وين ستيت في ديترويت، انتقل براون إلى جامعة بيرديو أستاذًا للكيمياء غير العضوية حيث استمر في اهتمامه بمركبات البورون. وتمَّ البحث الذي أُجرِيَ على بوروهيدريد الصوديوم بموجب عقودٍ حكوميةٍ أثناء الحرب، ولم يكن بالإمكان نشر نتائجه لعدة سنوات بعد الحرب؛ لأنها كانت سرية. أما البحث الخاص بهيدريد ألمونيوم الليثيوم، فقد أُجري بعد الحرب، ولم تصادفه تلك الصعوبة، فنُشِر قبل البحث الآخَر وجذب إليه قدرًا كبيرًا من الانتباه من جانب المجتمع الكيميائي.
في خمسينيات القرن العشرين في جامعة بيرديو، بدأ براون برنامجًا شاملًا لدراسة تأثيرات المذيبات والمواد البديلة وأيونات الفلزات على الخصائص المختزلة لبوروهيدريد الصوديوم، المركب الذي شعر براون أنه تجاهله بسبب الشهرة السابقة لهيدريد ألومنيوم الليثيوم. وكان من المعروف أن بوروهيدريد الصوديوم يختزل (أي يضيف ذرة هيدروجين إلى) روابط الكربون-الأكسجين المزدوجة للمركبات المعروفة بالإسترات مثل بنزوات الإثيل وستيارات الإثيل، عندما يتم تحفيز (تسريع) التفاعل بوجود كلوريد الألومنيوم إلى جانب بوروهيدريد الصوديوم. وكان كل إستر من الإسترَيْنِ يأخذ ذرتَيْ هيدروجين من كمية مكافئة من بوروهيدريد الصوديوم، لكن عندما أُجريت تجربة مقابلة باستخدام أوليات الإثيل، كانت كمية بوروهيدريد الصوديوم المستخدَمة من قِبل الإثيل مقابلة لأكثر من ذرتَيْ هيدروجين بكثير.
كان الكيميائي الذي يعمل مع البروفيسور براون في تلك التجربة هو الدكتور بي سي سوبا راو، الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة بيرديو في عام ???? عن بحثٍ قام به تحت إشراف البروفيسور براون، الذي كان لا يزال يعمل معه في تلك الفترة. وعندما ذكر لبراون السلوك غير المألوف لأوليئات الإثيل، أرجعه في البداية إلى الشوائب الموجودة في عينة أوليئات الإثيل. واقترح براون أن يُختبَر هذا التفسير عن طريق التنقية الدقيقة للعينة، مع تكرار التجربة مع المادة المُنقَّاة. ويشير براون في كتابه «البورانات في الكيمياء العضوية» (????) إلى أن «مدير البحث كان في موقفٍ لا يُحسَد عليه جعله يصرُّ على الالتزام بالمعايير العالية؛ إذ لم يكن عليه القيام بالتجربة الفعلية! وأقنعت الدكتور سوبا راو بالرجوع إلى المعمل وتكرار التجربة باستخدام أوليئات الإثيل النقي.»
لكن عند تكرار التجربة كانت النتيجة واحدة؛ مما يعني أن الشوائب في عينة أوليئات الإثيل لم تكن مسئولة عن التفاعل الإضافي مع بوروهيدريد الصوديوم. وفي واقع الأمر، أظهر التكرار الدقيق للتجربة أن أوليئات الإثيل كان يتفاعل مع «ثلاث» كميات مكافئة من بوروهيدريد الصوديوم، في حين أن ستيارات الإثيل كانت تحتاج إلى كميتين مكافئتين فقط؛ حينها أدرك براون أن هذا دليل على أن جزءًا من جزيء أوليئات الإثيل خلاف جزء الكربون-الأكسجين الذي تشاركه مع ستيارات الإثيل، كان يتفاعل مع (يستهلك) بوروهيدريد الصوديوم. وعليه، فالاختلاف بين أوليئات الإثيل وستيارات الإثيل يتمثل في وجود رابطة كربون-كربون مزدوجة في جزيء أوليئات الإثيل لا توجد في ستيارات الإثيل. وأدرك براون أن تلك الرابطة هي المسئولة عن التفاعل الإضافي في حالة بوروهيدريد الصوديوم، وكان هذا غير متوقَّع على الإطلاق.
كانت الخطوة التالية تتمثَّل في اختبار جزيء له رابطة كربون-كربون مزدوجة، وليس رابطة كربون-أكسجين مزدوجة (ألكين بسيط)، لمعرفة إن كانت ستتفاعل مع بوروهيدريد الصوديوم وكلوريد الألومنيوم أم لا. وعندما حدث التفاعل، كان على الباحثين أن يقرروا على وجه التحديد ما كان يحدث؛ لأن هذا التفاعل لم تتم ملاحظته من قبلُ.
قرَّرَ براون أن التفاعل يجب أن يتضمَّن التكوُّن الوسيط لثنائي البوران، الذي ينتج من تفاعل بوروهيدريد الصوديوم وكلوريد الألومنيوم، وكان ثنائي البوران هو ما يُضاف إلى الرابطة المزدوجة منتِجًا ما يُسمَّى بالبوران العضوي. أُجريت تجربة من قبل لملاحظة أثر إضافة ثنائي البوران إلى ألكين. وقد سُمِّي التفاعل بالهيدروبورونية؛ لأنه تضمَّنَ إضافة هيدروجين وبورون إلى جزيء آخَر. وفي دراسة سابقة، حدث هذا التفاعل فقط تحت ظروف تجريبية مشدَّدة وبنتاج كيميائي غير عملي. وخمَّنَ براون أن النجاح في إنتاج هذا التفاعل بنتاج كيميائي جيد وفي ظروف عادية يرجع بالتأكيد إلى التأثير التحفيزي لكلوريد الألومنيوم. وأثبت هو وسوبا راو أن بإمكانهما في واقع الأمر إنتاج ثنائي البوران من بوروهيدريد الصوديوم وكلوريد الألومنيوم في محلول إثير (إن الإثير الذي كانَا يستخدمانه هو مذيب متاح تجاريًّا وغير متطاير، وليس إثير ثنائي الإيثيل المستخدَم كمادة تخدير) في ظروف عادية، وأن ثنائي البوران سيضيف مزيدًا من الخصائص إلى الألكينات البسيطة.
قبل أن ينشر براون وراو تقريرًا عن هذا الإجراء العملي الجديد لتفاعل الهيدروبورونية، الذي أرجَعَا نجاحه إلى التأثير التحفيزي لكلوريد الألومنيوم، قرَّرَا تكرار التجربة للتأكيد على نظريتهما، وذلك في تجربة تستخدم ثنائي البوران مع الألكين في محلول الإثير مع استبعاد كلوريد الألومنيوم. واندهشا حين حدث التفاعل على نحو جيد دون كلوريد الألومنيوم. وبعد مزيد من التفكير والتجريب، استنتجا أن السرَّ وراء نجاح التفاعل كان يكمن في الاستخدام غير المقصود لأحد المذيبات الإثيرية.
طوَّرَ البروفيسور براون وزملاؤه هذا الإجراء إلى طريقة عامة ومفيدة وسريعة لتحضير مركبات البورون العضوية، وبمجرد أن أصبحت تلك المركبات متاحة، استُخدِمت على نحو مفيد جدًّا كمواد وسيطة في تصنيع العديد من المركبات العضوية القيِّمة، التي أغلبها لا يحتوي على الكربون. إن الشاهِد على قيمة هذا الإجراء الذي توصَّلَ إليه براون ومعاونوه لا يقتصر فقط على جائزة نوبل التي حصل عليها براون، ولكن أيضًا الكتب والمجلات والمنشورات البحثية التي قام بها كيميائيون من جميع أنحاء العالم استفادوا من الاكتشاف العَرَضي لتلك «القارة العريضة غير المُستكشَفة» (كما يسمِّيها براون) لتفاعل الهيدروبورونية.
لم يفتح اكتشاف براون المجال لتصنيع جزيئات عضوية معقدة فقط، ولكن لتصنيع الجزيئات العضوية البسيطة أيضًا، التي لا يمكن صنعها جيدًا على أي نحو آخَر. على سبيل المثال، إن كحول الأيزوبروبيل — الذي يمكن أن تجده في أية صيدلية بوصفه المكوِّن الرئيسي لكحول التطهير — يتم تحضيره على نحو سهل ورخيص من البروبيلين، وهي مادة بادئة معتمِدة على البنزين. لكن لا يمكن صنع الأيزومير الخاص به، وهو الكحول البروبيلي (كحول إن-بروبيلي)، على نحو جيد من البروبيلين بسبب المبدأ المحدد في قاعدة ماركوفنيكوف. فعن طريق إجراء الهيدروبورونية الخاص ببراون، يمكن صنع الكحول البروبيلي من البروبيلين باستخدام إجراء يتضمَّن «إضافة عكس قاعدة ماركوفنيكوف» كخطوة، وهو إجراء موصوف تقريبًا في كل مرجع أساسي عن الكيمياء العضوية.
تعقيب

وصف براون اكتشافًا عَرَضيًّا آخَر يتعلق بخصائص بوروهيدريد الصوديوم. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، أراد سلاح الإشارة بالجيش الأمريكي مصدرًا عمليًّا لإعداد غاز الهيدروجين ميدانيًّا، وكان قد سمع أن شليسينجر وبراون قد اكتشَفَا طريقة لإنتاج الغاز من بوروهيدريد الصوديوم، فطلب منهما تقديم طريقة جيدة لإعداد بوروهيدريد صوديوم نقي. وفي التجارب التي استهدفت تطوير تلك الطريقة، اختبر براون طريقةً للتنقية يُستخلَص فيها بوروهيدريد الصوديوم باستخدام الأسيتون وهو أحد المذيبات الشائعة؛ فوجد أن البوروهيدريد يذوب في الأسيتون مع إنتاج حرارة، وعند فحص المحلول وجد أن الأسيتون يتحوَّل إلى كحول الأيزوبروبيل. وبهذه الطريقة، اكتُشِف الإجراء العام والمفيد جدًّا لتحويل الألديهيدات والكيتونات (التي من بينها الأسيتون) إلى مواد كحولية من خلال التفاعل مع بوروهيدريد الصوديوم.
مع أن قرب انتهاء الحرب أعاق تطوير الاستخدام الميداني لبوروهيدريد الصوديوم في إنتاج الهيدروجين، فإن اكتشاف الخصائص المختزلة للمجموعة الوظيفية للألديهيدات والكيتونات بالتفاعل مع بوروهيدريد الصوديوم أحدث ثورةً في الطرق المستخدَمة من قِبَل اختصاصيي الكيمياء العضوية لتلك التفاعلات، ولهذا المركب «الذي كان منتجًا تم تطويره للوفاء بمتطلبات البحث في أثناء الحرب، ووجد لاحقًا استخدامه الأساسي في صناعة الدواء».
(?) تصنيع الألكينات

وُلِد جورج فيتيج، الذي شارك براون جائزة نوبل في عام ????، في برلين في عام ????. وهو شاب، أظهر مهارة كبيرة واهتمامًا في كلٍّ من العلم والموسيقى. وثمة شخصية شهيرة أخرى كانت ممزقة على نحو مماثل بين العلم والموسيقى، وهي الكيميائيُّ والمؤلف الموسيقي الروسي ألكسندر بورودين. لا يعرف الكثيرون أن بورودين كان أستاذًا للكيمياء والطب؛ لأنه معروف عنه أنه المؤلف الموسيقي لأولى المقطوعات الموسيقية الروسية المهمة. ومع أننا لا يسعنا أن نعرف ما افتقده العالم على مستوى الموسيقى بسبب تفضيل فيتيج لمجال الكيمياء، فإن العديد من الكيميائيين الذين استفادوا من إسهاماته القيِّمة في الكيمياء العضوية وغير العضوية قد يشعرون بالامتنان؛ لأن الموسيقى لم تستحوذ على الاهتمام الرئيسي لفيتيج. ويوجد عشق ثالث لفيتيج في شبابه وطوال حياته وهو تسلُّق الجبال. ولحسن الحظ أنه كان قادرًا على ممارسة هذا العشق كهواية، والبعض يرى أن ثمة تشابهًا بين تسلُّقه للجبال وطريقته في البحث الكيميائي، وهو أنه كان يستكشف مجالات نادرة وعالية في كلا النشاطين.
بدأ المشوار المهني لفيتيج في جامعة تيوبنجن في عام ????، وقاطَعَه الالتحاق بالخدمة العسكرية في أثناء الحرب العالمية الأولى، لكنه أنهى دراسته الجامعية في جامعة ماربورج واستمر هناك حتى حصل على درجة الدكتوراه في عام ????. درس في جامعة ماربورج حتى عام ????، ثم انتقل إلى جامعة براونشفايج للتكنولوجيا، ثم إلى جامعة فرايبورج (بألمانيا)، وفي عام ???? أصبح أستاذًا ومديرًا لمعهد الكيمياء في جامعة تيوبنجن. وفي عام ????، انتقل إلى جامعة هايدلبِرج رئيسًا للقسم، وأصبح أستاذًا فخريًّا هناك في عام ???? قبل أن يشارك إتش سي براون جائزة نوبل في عام ????. تُوفي فيتيج في أغسطس ???? وهو في سن التسعين.
أثناء عمله في جامعة تيوبنجن في عام ????، صادف السرنديبية التي أدَّتْ إلى حصول فيتيج على جائزة نوبل. كان فيتيج وتلميذه جورج جايسلر يدرسان المركبات التي ترتبط فيها ذرة فوسفور مع خمس ذرات أخرى؛ أي مركبات الفوسفور الخماسية التكافؤ. وفي إحدى التجارب، وجَدَا أن مركب الفوسفور العضوي تفاعَلَ مع مركب يحتوي على رابطة كربون-أكسجين مزدوجة (وهي تُعَدُّ الوحدة التركيبية المميزة في الجزيئات الخاصة بالفئات المهمة للمركبات التي تُسمَّى الألديهيدات والكيتونات)، بحيث تحل رابطة كربون-كربون مزدوجة محل رابطة كربون-أكسجين مزدوجة. وفي الورقة البحثية الأصلية التي وضعها مع جايسلر، كتب فيتيج يقول: «إن سلوك المركب V (مركب الفوسفور العضوي) مع البنزوفينون (الكيتون المحتوي على رابطة كربون-أكسجين مزدوجة) كان مدهشًا!» مع أن هذا كان جزءًا صغيرًا من هذه الورقة البحثية، وكان غير متوقَّع على نحو واضح، فمما يدل على إدراك فيتيج لأهميته هو ظهور ورقة بحثية ثانية تقريبًا في وقت متزامن لفيتيج مع باحث آخَر من أحد تلامذته وهو أولريش شولكوبف، تحت عنوان: «ثلاثي فينيل فوسفين الإثيلين كمادة كاشفة مكوِّنة للأولفين.» في هذه الورقة البحثية، ثبت أن التفاعل المكتشَف بالمصادفة تمَّ في ظروف معملية عادية، ويمكن استخدامه في تحضير العديد من الأولفينات (هناك مصطلح أحدث للأولفينات وهو «الألكينات»)، التي لا توجد طريقة أخرى للحصول عليها بسهولة. وتكمن أهمية طريقة تصنيع فيتيج في أنها تسمح بتكوين أولفينات برابطة كربون-كربون مزدوجة في موضع محدَّد في الجزيء، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنًا بأية طريقة أخرى معروفة في عام ???? (أو اليوم) لهذا الغرض. وثمة ميزة أخرى لطريقة فيتيج، وهي أن الظروف المعملية العادية التي استخدمها تسمح بإنتاج مواد حساسة لظروف أصعب من حيث درجة الحرارة والمواد الكاشِفة الأقوى.
وسرعان ما صدرت أوراق بحثية أخرى من معمل فيتيج، وأيضًا من معامل كيميائيين آخَرين حول العالم. وعدد الأوراق البحثية هذه لا يُحصَى، لكنَّ مرجِعًا حديثًا ذكَرَ أن ثمة كتابين و?? مقالًا نقديًّا صدرت حول هذا الموضوع. وهناك معيار آخَر لقياس أهمية الاكتشاف، إلى جانب حصول صاحبه على جائزة نوبل، وهو حقيقة استخدام طريقة التصنيع التي اكتشفها فيتيج في تحضير فيتامين إيه بكميات كبيرة.
يظهر حب فيتيج للموسيقى في ورقةٍ بحثيةٍ قدَّمَها في مؤتمر دولي في طوكيو في عام ????. وهو يصف قصة اكتشافه في عام ???? لطريقة التصنيع التي حملت اسمه في ورقة بحثية ذكَرَ فيها أن التفاعل الذي صادفه على نحو عَرَضي كان مماثِلًا للتفاعل الذي اكتشفه هيرمان شتاودنجر قبل ذلك بثلاثين عامًا. وعقد موازنة بين الشكل الكيميائي المختلف عن تفاعل شتاودنجر ومؤلَّفات الموسيقيين الكلاسيكيين المعتمِدة على المؤلَّفات الخاصة بالسابقين عليهم؛ على سبيل المثال، لحْنُ برامس المعتمِد على لحن باجانيني. لكن اكتشاف فيتيج لطريقة عملية لاستخدام المركبات الفوسفورية العضوية في التصنيع كانت مبتكرة وغير معدَّلة من طريقة قديمة. وفي واقع الأمر، أقرَّ فيتيج صراحةً أنه لم يكن على عِلْم بعمل شتاودنجر حتى استعرض المراجع الكيميائية بعد اكتشافه السرنديبي.
إنَّ الإسهامات المتماثلة لكلٍّ من براون وفيتيج التي أقرَّها المسئولون عن جائزة نوبل تتمثل في استخدامهما عنصرين غير كربونيين في تصنيع مركبات عضوية ذات تركيب جزيئي محدَّد بطرق عملية. وكلا الاكتشافين كانا نتيجة مصادفتين تبعتهما الاستجابة الذكية من قِبَل براون وفيتيج، حيث إن عقليهما كانا مستعدين للتعامل مع هاتين الحادثتين العَرَضيتين.

الفصل الثاني والثلاثون
مركبات البولي كربونات: مادة متينة


تدخل المصادفة في مجال البحث الكيميائي بطرق شتى لتوفِّر فرصًا للاكتشافات. وهي تتمثَّل أحيانًا في الوجود غير المعروف لملوِّث في مادة بادئة، كما في اكتشاف الإثيرات التاجية الذي أدَّى إلى حصول كلٍّ من تشارلز جيه بيدرسين ودونالد جيه كرام وجون-ماري لين على جائزة نوبل في عام ???? (انظر الفصل السادس والثلاثين). وأحيانًا، تتمثل في الوجود العَرَضي لعامل محفِّز كما في بلمرة الإثيلين التي أجراها الكيميائيون البريطانيون استجابةً للضرورة المُلحة لإنتاج العازل المثالي المطلوب لأجهزة الرادار (انظر الفصل السادس والعشرين). وأحيانًا، تكون بسيطة مثل عدم وجود المادة الكاشِفة المطلوبة في المخزن واستبدال مادة أخرى بها.
إن عامل المصادفة الأخير هو ما أدَّى إلى اكتشاف فئة مفيدة من البوليسترات في معمل بحثي تابع لشركة جنرال إليكتريك. والبوليستر المكتشَف ليس النوع الذي نصنِّع منه ملابسنا، لكننا رغم ذلك نصادفه كل يوم تقريبًا. وربما لا تعرفه باسم البولي كربونات، لكن ربما يكون لديك ممتص صدماتٍ، أو مصباح خلفي في سيارتك مصنوع منه، أو ربما تجلس في طائرة نفَّاثة بجانب نافذة مصنوعة منه، أو قد تشاهد الرؤساء أو الزعامات الدينية وهم يستقلون سيارة محميَّة بغطاء مصنوع منه. عندما تصادف هذا المركب في أية صورة من الصور السابقة، كُنْ ممتنًّا لدانيال فوكس الذي لم يعثر على المادة التي كان يريدها في المخزن في ذلك اليوم في عام ????.
عُهِد إلى الدكتور فوكس — الذي أتمَّ رسالة الدكتوراه الخاصة به في جامعة أوكلاهوما قبل ذلك بعامين — في المعمل البحثي لشركة جنرال إليكتريك في مدينة سكنيكتدي؛ بمهمة إنتاج مادة عازلة للأسلاك الممغنطة الكهربائية حتى لا تتحلَّل في درجات الحرارة والرطوبة العالية. وفي إحدى الجلسات التخطيطية الخاصة بمجموعة العمل، أعرب أحدهم بصوتٍ عالٍ عن أمنية له قائلًا: «ليتنا نكتشف بوليستر مستقرًّا مقاومًا للتحلُّل المائي (أيْ لا يتحلل بالحرارة والرطوبة)!» ولامَسَ هذا وترًا في ذاكرة فوكس: ففي مشروع بحثي له بعد حصوله على درجة الدكتوراه في العام السابق على ذلك، اندهش حين وجد أن إستر كربونات لمركب فينولي اسمه الجاياكول كان مُقاوِمًا على نحوٍ غير متوقَّع للتحلُّل المائي (اندهش لأن معظم المركبات من هذا النوع تتحلَّل بفعل الماء)؛ لذا، ذهب إلى المخزن للحصول على مركب كيميائي قريب كيميائيًّا إلى الجاياكول، وهو ثنائي الجاياكول، وهو مركب اعتقدَ أنه سيكوِّن روابط عند طرفَيْ جزيئاته، وبالتالي يُنتِج البوليستر المطلوب.
لحسن الحظ — كما اتضح فيما بعدُ — أنه لم يكن يوجد ثنائي جاياكول في المخزن، وهذا ما جعل الدكتور فوكس يستقر على مُركَّب قريب كيميائيًّا اسمه ثنائي الفينول-إيه. وكان هذا المركب رخيصًا ومتاحًا؛ لأنه أحد المكوِّنات في الراتنجات الإيبوكسية، التي ظهرت توًّا بالأسواق في ذلك الحين. وبعد عدة تجارب تم فيها تسخين ألكيلات الكربونات مع ثنائي الفينول-إيه وفشلت في تقديم أي شيء مبشِّر، سخَّنَ فوكس مركبًا أروماتيًّا هو ثاني فينول الكربونات مع ثنائي الفينول-إيه، ومع تقطير المنتج الفرعي المتوقَّع للتفاعل، وهو الفينول (الذي هو سائلٌ درجةُ غليانه عالية) من إناء التفاعل، أصبحت محتويات الإناء أكثر لزوجةً. وتم رفع درجة الحرارة وتخفيض الضغط تدريجيًّا لإزالة الكثير من الفينول ذي درجة الغليان العالية، واستمر هذا حتى توقَّفت القلَّابة الميكانيكية عن اللَّف بسبب تعطُّل المحرك الذي يشغلها.
شكل ??-?: أول راتنج من البولي كربونات، يتكوَّن حول قلَّابة في إناء زجاجي، وهو الذي كان يجب كسره بعيدًا عنه.
نظرًا لأن المنتج كان سميكًا جدًّا بحيث لا يمكن صبُّه من الإناء، تركه فوكس حتى يبرد. وبعد أن بردَ، تصلَّبَ المنتج وتقلَّصَ داخل الإناء الزجاجي. وكسر فوكس الإناءَ بعد ذلك بعيدًا عن المحتويات المتصلبة، تارِكًا كتلةً نصف كروية صلبة في نهاية قلَّابة من الصُّلب مع وجود بعض الأجزاء الملتصقة من الإناء الزجاجي داخلها. وصف فوكس في خطاب له عام ???? الخطوات التالية: سُحِقت تلك المطرقة (كتلة المنتج) وأُلقيت على الأرض الأسمنتية دون أن يظهر لها تأثير، كما أنها استُخدِمت لطَرْق بعض المسامير على لوح من خشب الصنوبر. وفي النهاية، نُشِرت أجزاء منها وضُغِط البعض الآخَر في صورة فيلم خام عند درجات حرارة تقترب من ??? درجة مئوية … وعلى الرغم من وجود عدد من الكيميائيين المتخصصين في البوليمرات في المؤسسة، فإن أغلب الفريق لم يكن لديه خلفية أو كانت لديه خلفية محدودة في تصنيع البوليمرات ذات التلدُّن الحراري، ولم يكن لديهم أي تقدير للأهمية التجارية لبوليمر مختلف مثل هذا البولي كربونات؛ لذا أُهمِلت مركبات البولي كربونات لفترة قصيرة …
لكن، كان هناك قسم للتطوير الكيميائي، أُنشئ حديثًا في بيتسفيلد بغرض تطوير أعمال جديدة، وكان يبحث عن مشروعات. كان مدير هذا القسم في ذلك الوقت، الذي يُدعَى إيه بيتشوكس، قد التحق بشركة جنرال إليكتريك من شركة بيتسبيرج بليت جلاس، حيث اكتسب خبرةً لا بأس بها في العمل مع مركبات البولي كربونات الأليفاتية. ونظرًا للفرق بين مركبات البولي كربونات الأليفاتية (الهشة، ذات درجة الانصهار المنخفضة) الخاصة بشركته القديمة، ومركبات البولي كربونات الأروماتية (المتينة، ذات درجة الانصهار العالية) الخاصة بشركته الجديدة؛ أصبح على الفور هو القائم على التطوير الأولي لمركبات البولي كربونات.
إنَّ تطوير نوع البلاستيك الجديد لم يكن سريعًا أو بسيطًا، لكن نجحت شركة جنرال إليكتريك في عملية التطوير ووجدت العديد من الاستخدامات المبتكرة له. ولم تكن الشركة هي الوحيدة التي تطوِّر مركبات بولي كربونات أروماتية؛ فقد كانت الشركة الألمانية باير إيه جي أيضًا في الصورة، مع أن عملية التطوير لديها كانت مختلفة بعض الشيء. وحتى أكون عادلًا، فقد كان اكتشاف فوكس في واقع الأمر إعادةَ اكتشافٍ؛ لأنه تم تحضير بوليمرات مماثلة في ألمانيا في عام ????، مع أنه لم يكن هناك استخدام لها، ولم يكن أحد يعرف على وجه الدقة ما هو البوليمر في تلك الأيام.
أكَّدت شركة جنرال إليكتريك على شفافية مركبات البولي كربونات ومتانتها، وسرعان ما تم الترويج لأنواع البلاستيك الأخرى على أنَّ «لها تقريبًا نفسَ متانة مركبات البولي كربونات» أو أنها «ذات متانة مماثلة لمركبات البولي كربونات».
تتميز مركبات البولي كربونات بأنها شفافة وذات متانة عالية وقادرة على العمل في نطاقات مختلفة من درجات الحرارة. وأصبحت الهياكل الشفافة المضادة للرصاص ممكنة، بما في ذلك الدروع الواقية التي تحمي الرؤساء أو الزعامات الدينية أو أبنية السفارات الأجنبية وأقسام الصرافة بالبنوك، والنوافذ التي بلا قضبان في السجون، والأغطية الواقية للنوافذ الثمينة المصنوعة من الزجاج الملوَّن، وحواجز حماية المشاهدين في ملاعب الهوكي، والأغطية الشفافة لمقصورات الطيَّارين بالطائرات التي تفوق في سرعتها سرعة الصوت، وأقنعة الغوص والدروع الخاصة بفِرَق التدخُّل السريع.
إنَّ خصائص القوة والشفافية والقابلية للتعقيم بالبخار التي تتمتع بها هذه الأنواع من البلاستيك تجعل لها استخدامات عديدة، بدءًا من زجاجات الرضاعة إلى زجاجات المياه التي تصل سعتها إلى خمسة جالونات، ومن المعدات الطبية إلى النظارات الواقية والخوذات.
لقد صُمِّمت ألواح رقائقية للزجاج الأمامي لقطارات شركة أمتراك قادرة على مقاومة الاصطدام بالقوالب الخرسانية، وللأغطية الشفافة لمقصورات الطيَّارين بالطائرات القادرة على مقاومة الاصطدام بالطيور في الطائرات التي هي أسرع من الصوت. وتتضمن الاستخدامات الأقل إلحاحًا نوافذَ السيارات والحافلات والقطارات والطائرات، ورفوفَ الأمتعة في الطائرات، والمصابيحَ الخلفية والأمامية ذات التصميمات الحديثة بالسيارات.
استُخدِم مزيج من هذه الأنواع من البلاستيك ومن أنواع أخرى من البوليسترات لتصميم مصدَّات للصدمات مقاوِمة للاصطدام في ?? طرازًا مختلفًا من السيارات عبر أنحاء العالم.
أنهى الدكتور فوكس خطابه في عام ???? قائلًا: «إنه لمن بواعث المتعة والرضا الذاتي أن أرى المدى الذي وصلت إليه الكتلة التي في القلَّابة، والتأثير الكبير لذلك في حياة الناس!» وأعتقد أننا جميعًا ممتنون لفشله العَرَضي في العثور على المادة البادئة التي كان يريد الوصول إليها والاختيار السرنديبي لبديلتها، وفطنة الدكتور فوكس وزملائه.

الفصل الثالث والثلاثون
الفيلكرو ومنح أخرى أهدتها السرنديبية إلى الحياة الحديثة


(?) الفيلكرو: من نباتات الأرقطيون إلى سفن الفضاء

ربما تُعَدُّ أشرطة التثبيت اللاصقة التي من نوع الخطَّاف والحلزون، المعروفة تجاريًّا باسم الفيلكرو؛ أكثرَ طرق التثبيت ابتكارًا في العالم، وأكثرها تعددًا من حيث الاستخدام. ومثل الكثير من الاكتشافات المهمة، جاءت فكرة اكتشاف الفيلكرو من ملاحظة عَرَضية.
ففي أوائل خمسينيات القرن العشرين، خرج جورج دي ميسترال للتمشية في منطقة ريفية ببلده سويسرا، وعند العودة إلى منزله لاحَظَ أن سترته مغطَّاة بنباتات الأرقطيون. وعندما بدأ في نزع تلك النباتات، قال في نفسه: «ما الشيء الذي يجعل تلك النباتات تلتصق على هذا النحو الشديد؟» وقاده فضوله إلى استخدام ميكروسكوب لاستقصاء الأمر على نحو أكبر، فاكتشف أن تلك النباتات مغطَّاة بخطَّافات تنغرس في خيوط نسيج قماش السترة؛ إذ إن الطريقة الطبيعية لانتشار هذه النباتات وتكاثرها تتمثَّل في التصاق خطَّافات البذور بالطيور والحيوانات المارة بها. وتساءَلَ الدكتور جورج دي ميسترال إن كان يمكن تصميم نظام على غرار ما يفعله نبات الأرقطيون، يكون مفيدًا بدلًا من أن يكون مصدرَ إزعاج.
شكل ??-?: صورة لنبات أرقطيون تم تكبيرها لإظهار الخطَّافات.
أما الباقي، فيتمثَّل في قصة أشرطة التثبيت. تُستخدَم أشرطة التثبيت اليوم لتثبيت أي شيء بدءًا من أحذية الأطفال وحتى الميكروفونات في سفن الفضاء؛ إذ طُوِّرت تلك الأشرطة لاستخدامها في العديد من المنتجات المختلفة، مثل السيارات والمفروشات المنزلية والمستلزمات الطبية والمعدات العسكرية وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره.
تم تصنيع أول شريط تثبيت من الفيلكرو في فرنسا؛ وكان الإنتاج حينها يدويًّا وبطيئًا على نحو كبير. وعلى الرغم من أن التصنيع الآلي لتلك الأشرطة كان سهلًا إلى حدٍّ ما، فإن صنع جزء الخطَّاف كان يمثِّل مشكلة كبيرة في البداية. وتمثَّلَ الحل الذي جعل النظام عمليًّا في إنتاج حلزونات يمكن قطعها بالقرب من النهايات لصنع خطَّاف من كل حلزون! وقد أُدخِلت العديد من التحسينات على أشرطة التثبيت الأصلية منذ ظهورها في الأسواق؛ فقد تم تصنيع مُكَوني الخطَّاف والحلزون باستخدام المواد الحديثة. وفي البداية، زِيدَ سُمك خيوط النايلون المستخدَمة في صنع الخطَّافات والحلزونات، ثم تمت تقوية الخطوط بالمزج بين البوليستر والنايلون، ثم استُخدِمَ شريطٌ من البوليستر الخالِص لجعله مقاومًا للضوء فوق البنفسجي والمواد الكيميائية والرطوبة. والآن، يُستخدم أيضًا الصُّلب والأقمشة الصناعية الخاصة بالفضاء لصنع أشرطة التثبيت التي يمكن استخدامها في الطائرات وسفن الفضاء لتحمُّل درجات حرارة حتى ??? درجة فهرنهايت. وبعض تلك الأشرطة المصمَّمة للاستخدام في الفضاء تكون غير قابلة للاشتعال حتى في ظل الأكسجين النقي.
شكل ??-?: صورة مجهرية مكبَّرة تُظهِر الخطَّافات والحلزونات، وهما المكوِّنان الأساسيان لأشرطة تثبيت الفيلكرو.
ينزعج الكثيرون بسبب نباتات الأرقطيون التي تلتصق بملابسنا عندما نسير عبر الغابات؛ ولذلك يجب أن نكون جميعًا ممتنين لجورج دي ميسترال لأنه كان لديه الفضول لاكتشاف الكيفية التي يحدث بها هذا، وكان مبدعًا على نحو كافٍ بحيث يصل إلى طريقة يحاكي من خلالها ما يحدث في الطبيعة على نحو يجعل حياة الملايين من البشر أكثر سهولةً.
(?) صابون أيفوري

من بين مجموعة الأنواع المختلفة للصابون اليدوي، يُعَدُّ صابون أيفوري هو الوحيد الفريد لأنه «يطفو على سطح الماء». في عام ????، غفلَ عامل عن آلةَ تقليبٍ وتركها تعمل أثناء ساعة الغداء، فأدَّى هذا إلى إدخال قدر كبير من الهواء إلى كمية الصابون الذي كان يتم تصنيعه، لدرجة أن الشركة المصنِّعة وهي شركة بروكتر آند جامبل فكَّرت في البداية في التخلُّص من تلك الكمية الكبيرة، لكنها كرهت أن تتخلَّص من كلِّ هذا الإنتاج؛ لذا عالجته ثم باعته. ويا لدهشتها الكبيرة حين بدأت تتلقَّى رسائل من عدد من المشترين يطلبون فيها مزيدًا من هذا الصابون الرائع الذي يطفو على سطح الماء.
بدأ هارلي بروكتر الدعاية لنوع الصابون الجديد الطافي، وقال إنه يمكن استخدامه في الحمام والغسيل، وقد صمَّمَ قِطَع الصابون بحيث يمكن تقسيمها إلى جزأين. وحلَّل هارلي هذا الصابون ليقارنه بثلاثة أنواع مستوردة أخرى شهيرة وغالية، وعندما أظهر التحليل أن صابون شركة بروكتر آند جامبل كان يحتوي على أقل نِسَب الشوائب، روَّج له على أنه نقي بنسبة ??????. وأصبح معروفًا عنه هذا منذ ذلك الحين!
شكل ??-?: صابون يطفو على سطح الماء.
أما عن الاسم، فإنه قد خطر على بال هارلي أثناء وجوده في الكنيسة في أحد أيام الآحاد بعد أن قرأ في مزمور ?? عن «قصور العاج (الترجمة العربية لكلمة أيفوري)».
(?) رقائق الإفطار المصنوعة من الذرة والقمح

لعبت المصادفة دورًا مهمًّا بعض الشيء في اكتشاف عملية صنع هذين النوعين من حبوب الإفطار؛ على الأقل بما يتيح لنا أن نصفها بأنها ضربٌ من السرنديبية الوهمية. ظهرت رقائق الذرة أو الكورن فليكس أولًا في عام ????. ترك الأخوان كيلوج (دبليو كيه وجيه إتش) بعض القمح المطهو لأكثر من يوم، وعندما تم إدخاله عبر آلات الطحن الخاصة بهما، دُهِشَا وسعِدَا عندما وجَدَا أنه خرج على شكل رقائق بدلًا من قطع مسطحة. وتكررت نفس العملية مع الذرة لإنتاج رقائق الذرة التي اشتهرت على الفور. ولسببٍ ما، لم يظهر منتج ويتيس الذي يقدِّم نفس النوع من رقائق القمح إلا بعد ?? عامًا أخرى.
(?) الملاحظات اللاصقة

أدَّى إلهام إلهي، مقرونٌ بفشلِ منتجٍ، إلى ظهور واحدٍ من أعلى المنتجات بيعًا في عام ????، الذي يُعَدُّ الآن من الأشياء الأساسية في حياتنا. فالأشخاص الذين يستخدمون الأوراق اللاصقة التي عادةً ما يكون لونها أصفر ولكن يمكن أن تكون بأي لون آخَر؛ لا يمكنهم تخيُّل ما يمكنهم فعله بدون تلك الأوراق. توجد قِطَع الورق الصغيرة هذه في المكاتب على الخطابات والمجلدات والهواتف وشاشات الكمبيوتر، وفي المنازل على الثلاجات وشاشات التليفزيون أو ربما على الباب الخلفي. وتلك الملاحظات، التي اكتُشِفت في شركة ثري إم وأُطلِق عليها اسم بوست-إت، تم تقليدها وبيعها من قِبَل شركات كثيرة.
دعونا نرجع إلى الإلهام الإلهي. ففي عام ????، تم توظيف آرت فراي من قِبَل شركة ثري إم لتطوير المنتجات، وفي أيام الآحاد كان يغنِّي ضمن مُنشِدي الكنيسة المشيخية الشمالية في مدينة نورث سانت بول بمينيسوتا. وكان يُعلِّم صفحات كتاب الإنشاد بقِطَع من الورق ليسهِّل على نفسه الوصول إلى الصفحات الصحيحة بسرعة في الوقت المناسب في قسم الإنشاد التالي، لكن قِطَع الورق هذه كانت في بعض الأحيان تقع فجأة دون سابق إنذار، مما كان يجعل فراي يقلِّب الصفحات باندفاع متخلِّفًا عن زملائه في القداس الثاني.
يقول فراي: «لا أعرف إن كان الأمر بمنزلة موعظة مملة أو إلهام إلهي، لكن عقلي بدأ يعمل وفكرت فجأةً في صنع مادة لاصقة اكتشفها قبل عدة أعوام عالِمٌ آخَر في شركة ثري إم، وهو الدكتور سبنسر سيلفر.» تذكَّرَ فراي أن سبنسر قد تخلَّص من تلك المادة؛ لأنها لم تكن قويةً بالقدر الذي يجعلها مفيدة دائمًا. والإلهام الذي جاء لفراي هو أن تلك المادة قد تُستخدَم في تمييز الموضع الذي توقف عنده في كتاب الإنشاد دون أن تلتصق به العلامة على نحو دائم؛ فما كان يريده فراي — على حد وصفه — «شيء لاصق دائم لفترة مؤقتة».
شكل ??-?: تشكيلةٌ متنوعة من الملاحظات اللاصقة.
عندما عاد فراي إلى العمل في يوم الإثنين وبدأ يصنع فواصل الكتاب التي كان يريدها، لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ يتصوَّر استخداماتٍ أخرى لها. وأدرك أنه أسلوب منهجي لكتابة الملاحظات؛ لأن الملاحظات وسيلة يمكن إلحاقها وإزالتها. لكن لم تحقق الفكرة نجاحًا فوريًّا؛ فقد كان يجب تعديل المادة اللاصقة قليلًا لجعلها مؤقتة ودائمة في آن واحد، وقد أخذ هذا الأمر قدرًا من التجريب.
بعد حوالي عام ونصف، قرَّرَ فراي أنه تخلَّص من كم كبير من الأخطاء الموجودة في الملاحظات ويمكنه الآن تقديمها إلى فريق التسويق. في البداية، لم يُعجَبوا بها إلى حدٍّ كبير؛ فلم يكونوا متأكدين من أن الناس بحاجة إلى ورقة ملاحظاتٍ لاصقة كهذه، تلك التي ستباع حتمًا بسعر منافس مقارَنةً بورق التسويد. وفي عام ????، اختبِرت تلك الملاحظات تسويقيًّا في أربع مدن أمريكية، وجاءت النتائج غير مشجِّعة في مدينتين من المدن الأربع، لكن في المدينتين الأخريين كانت النتيجة مذهلة. وعند دراسة هذا الاختلاف في النتائج، اكتشفوا أن التجار في المدينتين اللتين كان استقبال المنتج فيهما مشجِّعًا قد قدَّموا عينات مجانية للجمهور. وكان هذا هو كل ما في الأمر؛ أن تصل الملاحظات إلى يد المستهلكين، والباقي معروف. ففي عام ????، استُخدِمت تلك الملاحظات على نطاق واسع عبر الولايات المتحدة، وبحلول أوائل عام ???? تساوت المبيعاتُ في أوروبا مع المبيعاتِ في الولايات المتحدة.
(?) منتج سكوتش جارد

وفقًا لدعاية شركة ثري إم، كان اكتشاف منتجها سكوتش جارد المقاوم للبقع القائم على الفلورين اكتشافًا عَرَضيًّا. فقد سكب أحد الأشخاص جزءًا من المنتج المطور حديثًا على حذاء تنس، ولاحظ أن المنطقة التي انسكب فيها لا تصيبها البقع بسهولة، ففكَّرَ فيما يمكن أن يعنيه هذا. وهذه مصادفة أخرى صارت اكتشافًا.

الفصل الرابع والثلاثون
الحمض النووي: ملف الحياة


إنَّ معظم الناس يعتقدون على نحوٍ غامضٍ أن حروف «دي إن إيه» شيء مهم بعض الشيء، والبعض يعرف أنها تشير إلى الحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين (الذي سنشير إليه هنا بالحمض النووي)، لكن القليل من غير المتخصِّصين يعرف قيمةَ المادة التي تحمل هذا الاسم الصعب. وقد أُطلِق على معرفة تركيبه الجزيئي ووظيفته البيولوجية سرُّ الحياة.
في عام ????، تقاسم جيمس واتسون وفرانسيس كريك وموريس ويلكينز جائزةَ نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب نظير بحثهم الذي كشف النقاب عن تركيب الحمض النووي. وكان واتسون عالِم أحياء، وكريك فيزيائيًّا، وويلكينز اختصاصيًّا في تصوير البلورات بأشعة إكس. وتفصيل بحثهم مذكور في كلِّ مرجع للكيمياء العضوية والكيمياء الحيوية؛ لكن لم يذكر أيٌّ من تلك المراجع أن حدثًا سرنديبيًّا متعلِّقًا بكيميائيٍّ كان هو مفتاحَ هذا الاكتشاف الذي فتح الطريق إلى جائزة نوبل. كشف واتسون نفسه عن هذا الحدث في كتابه الذي حكى فيه قصة الاكتشاف الخاص بالحمض النووي، والذي كان بعنوان «الحلزون المزدوج». ويقدم هذا العنوان وصفًا تصويريًّا لتركيب هذا الجزيء المهم.
حصل جيمس واتسون على درجة الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة إنديانا في عام ???? وكان عمره وقتها ?? عامًا فقط. انتقل إلى أوروبا لاستكمال دراسات وأبحاث ما بعد الدكتوراه، وفي العام الثاني، كان في جامعة كامبريدج في معمل السير لورانس براج الذي حصل على جائزة نوبل في عام ???? لاستخدامه أشعة إكس في تحديد تركيب البلورات. وفي كامبريدج، قضى واتسون معظم وقته في العمل مع فرانسيس كريك الذي كان فيزيائيًّا بارعًا وغير تقليدي بعض الشيء. وقرَّرَ الاثنان توحيدَ جهديهما اللذين كانا في مجالين مختلفين بهدف الفوز بجائزة نوبل عن طريق حل لغز الحمض النووي.
واسترشدا بطريقة لينوس بولينج في اكتشاف تركيب حلزون الألفا للبروتينات (وهو صف خطي حلزوني أو لولبي في الجانب الأيمن من الذرات في الجزيئات الكبيرة). حصل بولينج على جائزة نوبل في عام ???? على عمله، وكان واتسون وكريك يتوقَّعان ذلك حتى منذ عام ????. وكانت طريقة بولينج تعتمد على قوانين الكيمياء البنيوية التي طوَّرَ الكثيرَ منها بنفسه وطبَّقَها على نماذج البروتينات التي تشبه ظاهريًّا الألعاب التي تُقدَّم لأطفال الحضانة. لكنَّ نماذج بولينج كانت مصمَّمةً لتناسِب أحجام وأشكال البروتينات التي تم تحديدها اعتمادًا على صور البلورات بأشعة إكس.
كان من المعروف عن الحمض النووي أنه جزيء ضخم مثل أي بروتين، والبيانات المتاحة عن طريق أشعة إكس كانت متوافِقةً مع تركيب على هيئة حلزون أو ملف. وقد حصل واتسون وكريك على أفضل بيانات متاحة باستخدام أشعة إكس من معمل موريس ويلكينز في كلية كينجز التي هي جزء من جامعة لندن، وتم التوصل إلى تلك البيانات بالتعاون بين روزاليند فرانكلين وويلكينز. وجزيئات البروتينات مصنوعة من وحدات أحماض أمينية متعددة (مونومرات) ترتبط معًا لتصنع جزيئًا كبيرًا أو بوليمر، وقد أظهرت تحليلات الحمض النووي بحلول عام ???? أن البوليمر مصنوع من أكثر من نوع من المونومرات. وكانت وحدات المونومرات المتكررة هي الحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين (وهو نوع من السكر) وحمض الفسفوريك بالإضافة إلى أربع قواعد عضوية مختلفة، وهي: الأدينين والثيمين والجوانين والسيتوزين.
من الأدلة التي ساعدت واتسون وكريك في حل لغز الحمض النووي ما قدَّمَه كيميائيٌّ نمساوي المولد في جامعة كولومبيا يُدعَى إروين شارجاف. ذكر شارجاف أنه من خلال دراساته للحمض النووي من مصادر حية متعددة كان يجد علاقة واحدٍ لواحدٍ بين الأدينين مع الثيمين من جهة، والجوانين مع السيتوزين من جهة أخرى. وبعبارة أخرى، فإن الأدينين يرتبط دائمًا مع الثيمين، والجوانين يرتبط دائمًا مع السيتوزين.
طوَّرَ واتسون وكريك نموذجًا للحمض النووي به شكلان حلزونيان أو ملفان، مصنوعان من وحدات حمض الفوسفوريك والحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين من الخارج، اللذين يرتبطان معًا بطريقةٍ ما من خلال القواعد العضوية الموجودة داخل الحلزون المزدوج. وخطَّطَا لاستخدام نماذج الوحدات المكوَّنة المصنوعة في المشغل الصناعي لمعمل كافنديش بجامعة كامبريدج، ولتجميع أجزاء النموذج معًا بطريقة تتوافق مع المقاييس المحددة من خلال صور أشعة إكس لبلورات الحمض النووي. وأثناء انتظاره العمال حتى ينتهوا من صنع وحدات النموذج المعدنية، شغل واتسون نفسَه برسومات القواعد وصنَعَ نماذجَ من الكرتون، فوصل إلى نتيجة مفادها أن القواعد — التي كان من المعروف أنها مكونات متكررة بانتظام من الملفات الخارجية من الجزيء البوليمري — تربط الملفات معًا بطريقة ما من خلال روابط الهيدروجين بين أزواج القواعد في علاقة تربط المتشابه معًا؛ الجوانين مع الجوانين، والسيتوزين مع السيتوزين وهكذا.
إنَّ روابط الهيدروجين نوعٌ من الروابط — أو الصلات — الكيميائية بين الذرات، التي من المعروف أنها قادرة على الربط بين الجزيئات على غرار القواعد الموجودة في الحمض النووي. وترتبط أيضًا جزيئات الماء معًا في مجموعات من خلال الارتباط الكيميائي؛ لذا فإن الحجم الجزيئي الفعلي للماء أكبر بكثير وقدر تطايُرها أقل بكثير مما لو وُجِد الماء على هيئة جزيئات مفردة من H2O. ولولا ذلك، لَكُنَّا سنعيش في عالم مختلف تمامًا؛ إذ لن يكون هناك ماء سائل على كوكبنا! لكن واتسون عرف أن قواعد الحمض النووي يمكن أن توجد في صور مختلفة؛ وهذا يعني أن ذرة الهيدروجين المسئولة عن صنع رابطة يمكن أن تكون في أكثر من موضع في جزيء القاعدة. واستخدم واتسون صِيَغًا مأخوذة من كتاب معاصِر ادَّعى أنه وضع ذرات الهيدروجين الخاصة بالقواعد في المواضع الصحيحة، وربط أجزاء الملفات معًا بروابط هيدروجينية بين القواعد في علاقة تجمع الأشباه معًا. وراقَ النموذج المنتَج على هذا النحو لواتسون؛ لأنه رآه طريقةً لتفسير عمليةِ تناسُخ الجينات المعروفة، لكنه فشل في التوافق مع الأبعاد الجزيئية التي حدَّدتها البيانات المأخوذة من أشعة إكس أو قاعدة شارجاف الخاصة بحدوث ربط بين الأدينين والثيمين من جهة، والجوانين والسيتوزين من جهة أخرى. ومع عدم رضائه بعضَ الشيء عن التركيب المقترَح، وبسبب العجلة من أجل التفوُّق على لينوس بولينج وربما على آخَرين للوصول إلى جائزة نوبل؛ فإنه أرسَلَ خطابًا إلى زميل ادَّعَى فيه أنه «صمَّمَ لتوِّه تركيبًا رائعًا للحمض النووي.»
شكل ??-?: منظر علوي لنموذج جزيء حمض نووي. قارنه بشكل ??-?.
شكل ??-?: منظر جانبي لنموذج جزيء الحمض النووي.
بعد أقل من ساعة من إرساله الخطاب، قابَلَ واتسون جيري دونوهيو، وهو أمريكيٌّ متخصِّص في الكيمياء الفيزيائية وتصوير البلورات، في مكتبه وبدأ يشرح النظرية له. وتصادَفَ أن دونوهيو كان يشارك واتسون وكريك نفس المكتب في ذلك الوقت. هاجَمَ دونوهيو على الفور تركيبَ واتسون، وقال إن واتسون قد استخدم الصور غير الصحيحة في تشكُّل القواعد للربط الهيدروجيني الذي يربط السلاسل الحلزونية معًا، فردَّ واتسون أنه ليس فقط الكتاب الذي رجع إليه هو ما صوَّر القواعدَ في صور التشكُّل التي استخدمها، ولكن هناك أيضًا كتب أخرى صوَّرتها كذلك، فقال دونوهيو إنه تم نشر صور تشكُّل غير صحيحة للقواعد منذ سنوات دون وجود دليل مؤكَّد لدعم صدقها. ولأن دونوهيو قد قام بدراساتٍ قائمةٍ على تصوير البلورات بأشعة إكس على الجزيئات مثل قواعد الحمض النووي في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (مقر عمل بولينج)، فقد كان يتكلم بثقةٍ عندما قال لواتسون إنه استخدَمَ صورَ التشكُّلِ غير الصحيحة.
عاد واتسون إلى مكتبه وصنع نماذجَ كرتونية جديدة اعتمادًا على صور التشكُّل الأخرى (الصحيحة، من وجهة نظر دونوهيو)، فوجد أنها غير ممكنة على الإطلاق. وعندما عرض على كريك التركيبَ بعد تعديله حسب وجهة نظر دونوهيو، أدرك كريك أيضًا أنه غير مرضٍ؛ لأنه لا يتناسب مع أبعاد الصور المأخوذة بأشعة إكس ويتعارَض مع قاعدة شارجاف.
ذهب واتسون إلى منزله في تلك الليلة وهو في قمة الإحباط، لكنه عاد إلى مكتبه في وقت مبكر من صباح اليوم التالي. يصف واتسون ما حدث بعد ذلك في كتابه «الحلزون المزدوج» قائلًا: عندما وصلتُ إلى مكتبي الهادئ الخالي في صباح اليوم التالي، أفرغتُ بسرعةٍ الأوراقَ الموجودة على سطح مكتبي حتى تتوافر لي مساحة كبيرة مسطحة لتكوين أزواج قواعد ترتبط معًا بروابط هيدروجينية. ومع أنني انحزْتُ في البداية إلى آرائي الخاصة بالربط بين الأشباه، فإني أدركتُ بعد ذلك أنها لن تؤدي إلى شيء. وعندما دخل جيري، نظرتُ إليه ورأيت أنه لم يكن فرانسيس، وبدأت أحرِّك القواعد وأجرِّب احتمالات الترابط المختلفة. وأدركتُ فجأةً أن زوج الأدينين والثيمين المرتبطين معًا برابطتَيْ هيدروجين كان متطابقًا في الشكل مع زوج الجوانين والسيتوزين المرتبطين معًا بِذَرَّتَيْ هيدروجين على الأقل. وبَدَا الآن أن كل ذرات الهيدروجين تتكوَّن على نحو طبيعي؛ فلم تكن هناك حاجة للتلاعب لجعل نوعَيْ أزواج القواعد متطابقين في الشكل. وسرعان ما استدعيت جيري كي أساله إن كان لديه هذه المرة أي اعتراض على أزواج القواعد الجديدة الخاصة بي أم لا. وعندما لم يعترض، ارتفعَتْ معنوياتي إلى عَنان السماء؛ لأنني اعتقدتُ أننا توصَّلْنا الآن إلى حل اللُّغز.
وأضاف لاحقًا: «كانت فكرتنا رائعة للغاية … لدرجة أننا أيقنا أن تركيبًا كهذا لا بد أن يكون موجودًا.» يعرض شكل ??-? أزواج القواعد التي كان واتسون يعمل عليها. شكل ??-?: أزواج قواعد الأدينين والثيمين والجوانين والسيتوزين في صور التشكُّل الصحيحة.
قدَّمَ واتسون وكريك بسرعةٍ ورقةً بحثية قصيرة إلى مجلة «نيتشر»، بدأت بعبارة بسيطة قالَا فيها: «نودُّ أن نقترح تركيبًا لملح الحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين. ولهذا التركيب سمات جديدة ستكون لها أهمية بيولوجية كبيرة.» وفي الواقع، كانت الجملة الثانية عبارة خجولة لا تفي هذا الإنجاز حقه.
قرب نهاية الكتاب، كتب واتسون قائلًا: «إن المصادفة التي أدت إلى مشاركة جيري المكتب مع فرانسيس وبيتر (بولينج) وإيَّاي أمرٌ مسكوت عنه، مع أنه واضح للجميع. ولو لم يكن معنا في كامبريدج، لَكنتُ ما زلتُ متمسكًا بوجهة نظري فيما يتعلق بتركيب الأشباه.»
وهكذا فإن السرنديبية في قصة الحمض النووي تتمثَّل في «مشاركة جيري المكتب مع فرانسيس … وإيَّاي.» وهذا مثالٌ آخَر على أهمية السرنديبية في اكتشافٍ حصل أصحابه على جائزة نوبل.

الفصل الخامس والثلاثون
عمليات التصنيع الحيوي الناتجة عن تصوراتٍ واعتقادات خاطئة وأحداثٍ عارضة


تقاسم السير ديريك إتش آر بارتون جائزة نوبل في الكيمياء مع أود هاسل من النرويج في عام ????. تمَّ منح الجائزة لكل من بارتون أستاذ الكيمياء العضوية في كلية إمبريال كوليدج بلندن، وهاسل أستاذ الكيمياء الفيزيائية الذي ترك التدريس في جامعة أوسلو، لعملهما في مجال تحليل «التشكُّل الجزيئي»، وهو دراسة العلاقات الثلاثية الأبعاد للجزيئات. يشار إلى التشكُّل conformation في بعض الأحيان بأنه رابع الكلمات التي تبدأ بحرف السي، والتي تصف هيكل الجزيئات العضوية، والكلمات الثلاث الأخرى هي: التركيب composition، والتكوين constitution، والتشكيل configuration. يصف آخِر مصطلحين الجوانب الثلاثية الأبعاد من الهيكل الجزيئي. (لمزيد من المعلومات عن تشكيل الجزيئات العضوية، انظر الفصل الثاني عشر في الجزء المتعلِّق باكتشافِ باستير للجزيئات الموجودة على الجانبين الأيمن والأيسر.) شكل ??-?: السير ديريك إتش آر بارتون.
وُلِد أود هاسل في أوسلو في عام ????. وتلقى تعليمه في جامعة أوسلو فيما بين عامَيْ ???? و????، ثم عمل فيما بين عامَيْ ???? و???? مع البروفيسور هيرمان مارك في جامعة برلين، حيث حصل على درجة الدكتوراه ثم عاد إلى جامعة أوسلو. ومع أنه أراد استكمال البحث في مجال تصوير البلورات بأشعة إكس الذي تعلمه على يد مارك، فقد كان عليه الاكتفاء بقياس العَزْم ذي القطبين في أوسلو؛ لأن معدَّات أشعة إكس لم تكن متوافرة في البداية. ويمكن القيام بالدراسات الخاصة بالعَزْم ذي القطبين باستخدام معدات أبسط كانت توجد في متناول هاسل. ربما كان هذا أمرًا عَرَضيًّا؛ لأن تلك الدراسات التي بدأت بقياسات للمركبات الحلقية ذات ذرات الكربون السداسية أدَّتْ مباشرةً إلى الدراسة التي حصل بموجبها على جائزة نوبل.
منذ عصر أدولف فون باير في عام ???? وحتى عشرينيات القرن العشرين، كان معظم الكيميائيين يعتقدون أن حلقة ذرات الكربون السداسية الخاصة بالهكسان الحلقي مستويةٌ، كما هو موضَّح في الشكل ??-?أ. لكن بين عامَيْ ???? و????، تم إقرار صحة شكلين غير مستويين، وأُطلِق عليهما القارب الشكل ??-?ب والكرسي الشكل ??-??، مع تفضيل الأخير بسبب بعض التنافرات بين الذرات في شكل القارب. وبحلول عام ????، توصَّلَ هاسل من خلال دراساته إلى نتيجةٍ مفادها أن المركبات المحتوية على حلقة من ذرات الكربون السداسية للهكسان الحلقي كلُّها تقريبًا لها شكل الكرسي، لكنه نشر تلك النتيجة باللغة النرويجية في مجلة بحثية نرويجية غير معروفة تم تجاهُلها بصفة عامة. شكل ??-?: صيغ تشكُّلية للهكسان الحلقي.
بعد ذلك بفترة قصيرة، غزا الألمان النرويج، وحُبِس هاسل على يد النازيين لمدة عامين في معسكر اعتقال. وبعد الحرب، عاد إلى جامعة أوسلو أستاذًا، واستمر هناك حتى اعتزالِه التدريسَ في عام ????، لكنه احتفظ بصلته بالجامعة حتى وفاته في عام ????. وفي مصادفة مثيرة، رافَقَ هاسل في السجن في نفس الزنزانة راجنار فريش، الذي حصل أيضًا على جائزة نوبل (في علم الاقتصاد) في عام ????، وهو نفس العام الذي حصل هاسل فيه على جائزة نوبل في الكيمياء بالمشاركة مع بارتون.
في مؤتمر في ألمانيا، عرض بارتون القصة المثيرة الخاصة بالإسهامات التي قدَّمها هو وهاسل في مجال الكيمياء، وكان عنوان الورقة البحثية واضحًا: «كيف تفوز بجائزة نوبل: عرضٌ لقصة بداية التحليل التشكُّلي». يعود مصدر بعض المادة العلمية السابقة والتالية عن هاسل وبارتون إلى هذه الورقة.
وُلِد ديريك هارولد ريتشارد بارتون في عام ???? في جريفزيند بإنجلترا. كان أبوه وجده نجَّارين، وأسَّسَ أبوه شركة لتجارة الأخشاب حققت من النجاح ما يكفي للسماح لابنه بالالتحاق بمدرسة جيدة (تونبريدج)، لكنه أُجبِرَ على تركها (دون أن يحصل على أيِّ مؤهل) عندما تُوفي أبوه فجأةً في عام ????. وبعد أن عمل في مجال الأخشاب لمدة عامين، اقتنع أن هناك أشياء أكثر أهميةً وإثارةً في الحياة، وفي غضون أعوام قليلة حصل على درجتَي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء العضوية من كلية إمبريال كوليدج بلندن، وهي جزءٌ من جامعة لندن. وبعد قضاء عامين في الخدمة العسكرية أثناء فترة الحرب، ثم عام في شركة أبيه، استغلَّ الفرصة التي أُتيحت له للتدريس في كلية إمبريال كوليدج.
في ربيع عام ????، دعاه البروفيسور لويس فيزر للانتقال إلى جامعة هارفرد لتقلُّدِ منصبٍ كان خاليًا على نحو مؤقت وكان خاصًّا بآر بي وودوارد الذي حصل على إجازة لمدة عام. وفي أثناء العام الذي قضاه في جامعة هارفرد، كتب بارتون ورقةً بحثيةً مبتكرة (وكانت قصيرة لأنه — كما يقول بارتون — كان عليه أن يكتبها بنفسه) وادَّعَى أنها كانت السبب في حصوله على جائزة نوبل. كان موضوع هذه الورقة البحثية هو حل لمشكلةٍ طرَحَها فيزر في حلقة نقاشية، تتعلق بتحليل نتائج فيزر فيما يخص التشكُّل المفضَّل للجزيء السترويدي المحتوي على حلقات كربون متعددة ذات ذرات كربون سداسية. وغيَّرَتْ تلك الورقة من نظرة الكيميائيين إلى العديد من الجزيئات، وأرجَعَ بارتون الفضل إلى هاسل لتقديمه أساسَ نظريته الخاصة بالتحليل التشكُّلي.
عاد بارتون إلى إنجلترا للتدريس في كلية بيركبيك بجامعة لندن وجامعة جلاسكو، ثم عاد إلى التدريس بكلية إمبريال كوليدج في عام ???? حيث عمل أستاذًا للكيمياء العضوية لمدة ?? عامًا. وفي عام ????، استقال ليصبح مديرًا لمعهد كيمياء المنتجات الطبيعية الموجود في إحدى ضواحي باريس، ثم ترك هذا المعهد في عام ???? ليصبح أستاذًا في جامعة تكساس للعلوم الزراعية والميكانيكية في كوليدج ستيشن بتكساس.
رتَّبَ السير ديريك بحثَه حول عمليات التصنيع إلى عملياتٍ ناتجة عن تصورات واعتقادات خاطئة وأحداث عَرَضية. تعدُّ الاعتقادات الخاطئة والأحداث العَرَضية التي ذكرها أمثلةً رائعة على السرنديبية وتوضِّح التصورات الصحيحة التي وصَفَها أهميةَ البحث المخطَّط له. ومع أنني أركِّز في هذا الكتاب على الأحداث الوليدة المصادفة التي أدَّتْ إلى اكتشافاتٍ مهمة، فإني قد حاولتُ التأكيدَ على أنه في كل حالةٍ أدَّت المصادفة إلى اكتشافٍ، لكن فقط من خلال «العقل المستعِد» (كما قال باستير) و«الفطنة» (كما قال وولبُول) للشخص الذي حدثت معه المصادفة.
كمثال لعملية تصنيع مخطَّط لها، وصف السير ديريك تحويلَ مركب متاح وهو أسيتات الكورتيكوستيرون إلى الألدوستيرون، وهو هرمون مسئول إلى حدٍّ كبير عن الحفاظ على التوازن الطبيعي بين الأملاح في جسم الإنسان. وفي وقت ميلاد العملية الكيميائية الضوئية من قِبَل بارتون، كان إمداد العالم من الألدوستيرون النقي يُقاس بالملِّيجرام (تزن قطرة صغيرة من الماء حوالي ?? ملِّيجرامًا). وبعد عام، كان لدى بارتون وزملائه حوالي ?? جرامًا (أي ?? ألف ملِّيجرام) من الهرمون النقي؛ مما سمح بالتقييم الصحيح لنشاطه البيولوجي للمرة الأولى.
شكل ??-?: الصيغة الجزيئية للإيسترون و??-هيدروكسي الإيسترون.
ثمة عملية اتضح أنها مفيدة في تصنيع مواد أخرى موجودة على نحو طبيعي، وكان اكتشافها من خلال اعتقاد خاطئ. تم تصميم الإجراء الأصلي لإنتاج وحدةٍ حلقية في جزيء مركب تُسمَّى جاما-لاكتون، لكن الإجراء لم ينتج الجاما-لاكتون وإنما أعطى ناتجًا غير متوقَّع تمامًا. وبعد تحليل دقيق للمسار الفعلي للتفاعل، استطاع بارتون وزملاؤه استخدامَ هذا التفاعل الجديد للقيام بعمليات تصنيع مهمة أخرى. لكن نظرًا للإحباط الذي شعر به لعدم قدرته على تحقيق هدفه الأصلي، قرَّرَ بارتون أن يُعِيد المحاولة ويحاول إنتاج الجاما-لاكتون عن طريق تعديل المواد البادئة والمواد الداخِلة في التفاعل. ونجح هذه المرة، وبعد ذلك بأعوام قليلة وبالتعاون مع جاك بالدوين (وهو الآن أستاذ في جامعة أكسفورد)، استخدَمَ الإجراءَ المعدَّل في تحويل الإيسترون (الشكل ??-?أ) إلى ??-هيدروكسي إيسترون (الشكل ??-?ب)، وهو «مركب يوجد بكميات صغيرة جدًّا في البول لدى الإناث، ولا يمكن تقييم نشاطه البيولوجي (مثل ذلك الخاص بالألدوستيرون) على نحو صحيح إلا بعد إتاحته من خلال التصنيع.» وهكذا، فقد أدَّى إجراء السير ديريك الأصلي الخاطئ إلى ناتجين جديدين ومهمين كان لهما شأن في الكيمياء العضوية الحيوية. شكل ??-?: عملية التصنيع العَرَضي لتروبون.
ذكرت هذه الورقة البحثية أمثلةً عديدة على الأحداث العَرَضية، ووصف ديريك أحدها في حلقة نقاشية في جامعة تكساس في أوستن في خريف عام ????. (بدأ ديريك تلك الحلقة بالتعليق التالي: «هل تعرفون أن معظم التفاعلات المهمة في مجال الكيمياء العضوية اكتُشِفت بالمصادفة؟» ثم أخذ يعطي أمثلةً عديدةً قبل وصف أحدث لقاء له مع السرنديبية. في هذا الوقت، كنتُ مهتمًّا منذ عدة أعوام بموضوع السرنديبية وإسهاماتها في العلم، وبعد تلك الحلقة بدأتُ التفكير جديًّا في تأليف كتاب عن هذا الموضوع.) وفي العام السابق، قرَّرَ هو وزملاؤه في معهد كيمياء المنتجات الطبيعية إعدادَ مكونات نموذجية لمقارنتها مع منتج طبيعي معقَّد كانوا يدرسونه. وكان للمركبات النموذجية المطلوبة الصيغة الموضحة في النقطة (ب) في شكل ??-?، وكان من المتوقَّع أن يكون هذا المنتج هو نتاج تفاعل المركب (أ) الموضَّح في شكل ??-? مع عامل الاختزال المتمثل في هيدريد التريبوتيلتين؛ إذ ستحل ذرتا هيدروجين محل ذرتي الكلور في المركب (أ) محوِّلة مجموعة CHCl2 إلى مجموعة CH3. واندهش بارتون كثيرًا حين لم يتم الحصول على المنتج المنتظر ولو بكمية قليلة (الشكل ??-?ب)، حيث نتجت كمية كبيرة من مركبٍ يحتوي على حلقة الكربون ارتفع فيها عدد ذرات الكربون من ست ذرات إلى سبع ذرات (الشكل ??-??). تعرَّفوا على الناتج الذي ظهر على أنه عضو في مجموعةٍ تُعرَف بالتروبونات، وهي مهمة جدًّا لاختصاصيي الكيمياء العضوية والحيوية. إن التروبونات والتروبولونات (وهي مركبات مرتبطة كيميائيًّا بها) مثيرة للاهتمام؛ فهي من الناحية النظرية ذات حلقاتٍ غير اعتيادية تحتوي على ذرات كربون سباعية كجزء من تركيبها الجزيئي، كما أنها مواد موجودة بشكل طبيعي ولها خصائص فسيولوجية مهمة. فالكولشيسين، على سبيل المثال، يُستخدَم على نحو فعَّال في علاج النقرس. ونظرًا لأنه يزيد من عدد الكروموسومات أثناء انقسام الخلية في النباتات؛ فإنه يُستخدَم تجاريًّا في إنتاج أنواع جديدة من النباتات. وقد كان من الصعب تصنيع تلك المركبات قبل ذلك، ولكن نظرًا لأن المركب البادئ (أ) في شكل ??-? والمركبات المماثلة يتم تحضيرها بسهولة من مواد بادئة بسيطة، فإن بارتون وزملاءه أدركوا هذا الاكتشاف العَرَضي كإجراء تصنيعي مفيد بصفة عامة. لم يكن اكتشاف التروبون كناتج غير متوقَّع لتفاعل كان الهدف منه شيئًا آخر إنجازًا غير مهم. وكان تفسير آلية التفاعل عملًا مهمًّا في مجال الكيمياء العضوية. وربما يُعَدُّ الناتج غير المتوقَّع أكثر أهميةً من الناتج الذي كان مُستهدَفًا من التفاعُل؛ ومن ثمَّ فهو مثال واضح على دور السرنديبية في الاكتشاف العلمي.

الفصل السادس والثلاثون
الإثيرات التاجية والكريبتاندات


تقاسم جائزة نوبل في الكيمياء لعام ???? ثلاثةُ علماء؛ اثنان من أمريكا والثالث من فرنسا. ويمثِّل هؤلاء العلماء ثلاثة أجيال مختلفة من الكيميائيين، وهؤلاء العلماء هم: تشارلز جيه بيدرسين الذي حصل على درجة الماجستير في الكيمياء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام ????، ودونالد جيه كرام الذي حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة هارفرد في عام ????، وجون-ماري لين الذي حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة ستراسبورج في عام ????. توصَّل بيدرسين إلى الاكتشاف مصادفةً في ستينيات القرن العشرين، بينما قام العالمان الآخَران لاحقًا بتوسعة عمله لاستخدامات عضوية حيوية لا يمكن تخيُّلها. ويفتخر بيدرسين بأنه قد أجرى بحثه الذي حاز من خلاله جائزةَ نوبل في فترة لاحقة من حياته المهنية في شركة دو بونت، وبعد علمه بحصوله على الجائزة، قال: «يبدو أن أفضل الأعمال التي يقوم بها العلماء تتم عندما يصلون إلى عمر الخامسة والثلاثين. لقد تم إنجاز هذا البحث في الأعوام التسعة الأخيرة لي في شركة دو بونت.» كان بيدرسين يبلغ من العمر ?? عامًا عندما نُشِر بحثه، وتقاعَدَ بعد ذلك بعامين.
حدث اكتشاف بيدرسين بسبب ملوِّث تصادف وجوده في إحدى المواد الكيميائية التي كان يستخدمها في إحدى التجارب. وقد حوَّلَ بيدرسين تلك المصادفة إلى اكتشافٍ له أهمية كبيرة، وذلك عندما لاحظَ الظهور غير المتوقَّع ? «منتج فرعي بلوري أبيض ليفي»، وعزله وفحصه وحدد خصائصه المميزة. ووجد أن تلك المادة يمكن أن ترتبط مع أملاح غير فلزية مثل كلوريد الصوديوم وكلوريد البوتاسيوم، وتجعلها قابلة للذوبان في السوائل الفلزية بطريقةٍ لم تكن ممكنة من قبلُ.
بعد أن اكتشف بيدرسين المنتج الفرعي بالمصادفة، استطاع أن يصنعه عن قصدٍ واستمر في العمل حتى صنع سلسلةً كاملة من المركبات المشابهة له. وكانت تلك المركبات الجديدة هي الإثيرات الحلقية التي ترتبط تركيبيًّا مع إثير ثنائي الإيثيل، العقَّار المخدِّر الشهير. لكن بدلًا من أن تشتمل تلك المركبات على ذرة أكسجين واحدة لكل جزيء، تضمَّنَتْ ذراتِ أكسجين متعددة منفصلة بعضها عن بعض بذرتَيْ كربون أو أكثر في حلقة متعددة العناصر. وعند ارتباطها مع ملح غير فلزي، تكوِّن تلك الإثيرات الحلقية مركبًا معقدًا يتجمَّع فيه الإثير الحلقي حول جزء الفلز من الملح مثل التاج الذي يُوضَع على رأس الإنسان؛ ولذلك سمَّى بيدرسين الإثيرات الحلقية الجديدة «الإثيرات التاجية».
يوضِّح شكل ??-? صيغةَ أول إثير تاجي اكتشفه بيدرسين يتجمَّع كالتاج حول أيون فلز (الجزء الموجب من الملح الذي ربما كان أيون Na+ أو K+). وفي الشكل، يشار بالأحرف إلى ذرات الأكسجين وأيون المعدن الموجب فقط؛ إذ يمثل كل ركن في الرسم ذرة كربون مرتبطةً بها ذرة هيدروجين واحدة أو ذرتان. ويعتمد الشكل على صورة ثلاثية الأبعاد بأشعة إكس لبلورة من المركب. إن شكل ??-?أ هو منظر علوي، أما شكل ??-?ب فهو عرض منظوري من أمام المركب وأعلاه قليلًا؛ فهو يعرض بوضوحٍ أكبر تشابُهَ الجزيء مع التاج. يحدِّد حجمُ الحلقة وأيونات الفلز وعددُ ذرات الأكسجين في حلقة الإثير المتعدد مدى استقرار المجموعات.
شكل ??-?: الصيغ الجزيئية لمجموعة ثنائي بنزو-??-تاجي-?.
على الرغم من أن تكوُّنَ أول إثير تاجي كان عَرَضيًّا، فإن بيدرسين كان لديه «العقل المستعِد» اللازم لتحويل هذه المصادفة إلى اكتشاف كبير. ففي أبحاثه في شركة دو بونت، كان يستكشف لأعوام عديدة قدرةَ بعض الجزيئات العضوية على الارتباط (التكالُب) مع المعادن، وقد استخدَمَ عمليةَ التكالب هذه لإزالة كميات صغيرة من المعادن التي تلوِّث البنزين والمنتجات البترولية الأخرى. وقد حصل على العديد من براءات الاختراع الخاصة بمضادات الأكسدة والمواد المثبتة والمواد المثبطة اعتمادًا على تكالُب المعادن مع المركبات العضوية، وهكذا كان من الطبيعي بالنسبة إليه أن يحوِّل انتباهه على الفور إلى الخصائص المجمِّعة للمعادن الخاصة بالإثير التاجي الجديد الذي أنتجه، وإلى تصنيع إثيرات تاجية مرتبطة به، ومقارنتها معه.
كان رد الفعل تجاه أول وصف منشور من جانب بيدرسين للإثيرات التاجية (في عام ????) سريعًا ومشجِّعًا وعالمي النطاق. فقد وسَّعَ جون-ماري لين في فرنسا من نطاق مجموعات بيدرسين لثلاثة أبعاد، وأدخل عناصر في الحلقات إلى جانب الأكسجين (مثل النيتروجين). وقد أدَّى الشكل الثلاثي الأبعاد لجزيئات لين إلى جعل تلك الجزيئات أكثر صلابةً وزاد من نطاق الركائز التي يمكن أن ترتبط بها. وقد ابتكر أسماءً جديدة لمجموعاته سمَّاها المجموعات الثلاثية الأبعاد «الكريبتات» والمكوِّنات المضيفة «الكريبتاندات»؛ اشتق بيدرسين هذين الاسمين من الكلمة اليونانية «كريبتوس» التي تعني «المخفي».
وسَّع دونالد جيه كرام في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس من نطاق عمل بيدرسين لتأسيس مجال جديد سمَّاه كيمياء «المضيف-الضيف»، الذي يكون فيه المضيف هو الجزيء المستقبِل، والضيف هو الركيزة المستلمة. ومع أن لين وكرام استخدَمَا طرقًا مختلفة، فإن كليهما طبَّقَ مفهومًا يقوم على تصنيع جزيئات عضوية كانت صلبة على نحوٍ كافٍ، ومحتوية على تجاويف بحجم وشكل مناسبين لأن تتضمن ركائزَ مطلوبة معينة. فعلى سبيل المثال، تصوَّرَا إعدادَ عوامل محفِّزة بسيطة نسبيًّا (على عكس الجزيئات الكبيرة للإنزيمات البيولوجية) من شأنها أن تحاكي العمليات التي تقوم بها الإنزيمات في الخلايا والوظائف مثل تحلُّل جزيئات البروتينات إلى الأحماض الأمينية المكوِّنة لها.
ونظرًا لأن كيمياء المضيف-الضيف تقوم على شكل ومرونة أو صلابة الجزيئات الثلاثية الأبعاد، فقد استخدم كرام على نحو كبير نماذجَ جزيئات كتلك المعروضة في الصور التالية. ويمكن مقارنة تلك الصور بالصيغ المعروضة في شكل ??-?. إنَّ تلك النماذج مصنوعة من كرات بلاستيكية متداخلة؛ تمثِّل الأحجامُ النسبية لتلك الكرات والزوايا المرتبطة بها بدقةٍ إلى حدٍّ ما الأبعادَ الذرية وزوايا الارتباط المعروفة الفعلية. وبعد إعداد حوالي ?? مركبًا من مركبات المضيف-الضيف، وجدَ كرام وزملاؤه أن تراكيبها، المحددة من خلال حيود أشعة إكس، كانت مماثلة تقريبًا لما هو متوقَّع من النماذج في معظم الحالات.
شكل ??-?
يشهد هذا المجال الخاص بالتعرُّف الجزيئي في الكيمياء العضوية نموًّا في المجالات البحثية الأساسية والتطبيقية، وقد ساعد على نحو كبير في فهمنا للتفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل الخلايا البشرية، ووضع أساسًا لمجالٍ في البحث الطبي الحيوي شهدَ نموًّا سريعًا. وكان هذا هو موضوع الحلقة الدراسية في الاجتماع القومي للجمعية الأمريكية للكيمياء في دينفر بكولورادو في ربيع عام ????، حيث وصف كيميائيون من جامعاتٍ وشركاتِ دواءٍ متعددة أعمالَهم الأخيرة التي يمكن إرجاعها جميعًا إلى عمل كرام ولين ثم إلى اكتشاف بيدرسين.
شكل ??-?: تشارلز جيه بيدرسين.
عندما حصل بيدرسين على جائزة نوبل التي شاركه فيها كلٌّ من كرام ولين في نوفمبر من عام ????، كان عمره ?? عامًا وكان مريضًا، وبعد العودة من ستوكهولم حيث شارَكَ في احتفالات نوبل، أجرى شيخار هاتانجادي حوارًا معه في منزله لمجلة «إندستريال كيميست»، وفيما يلي مقتطفاتٌ منه: تخيَّلْ تسلسلَ الأحداث هذا، في حوالي عام ????: يقرر مهندس من النرويج السفرَ حول العالم إلى كوريا حيث يعمل في منجم للذهب. وتقرِّر أسرة يابانية تعاني من نقص في المدخرات الذهابَ إلى كوريا حيث السوق مفتوحة هناك. ويشرع أحد أبناء الأسرة اليابانية في فتح شركة بالقرب من المنجم، وتقابل أخته الشاب النرويجي ويتزوَّجان. وبعد عدة سنوات، يسافِر ابنهما إلى الولايات المتحدة للدراسة، ويصبح كيميائيًّا ويحصل على جائزة نوبل.
يقول بيدرسين متعجِّبًا وهو يسرد تاريخ أسرته: «يعدُّ هذا أكثر السيناريوهات غير المحتمَلة التي يمكن أن أتصوَّرها … لقد تحدَّثتُ عن هذا في ستوكهولم.»
إنه لا يتذكَّر … التفاصيل الدقيقة للمنهج الذي أدَّى إلى اكتشافه التاريخي للإثيرات التاجية، ويقول: «يمكن تلخيص قصة هذا الاكتشاف ببساطة في: فعل الشيء الصحيح في الوقت الصحيح. لكن لا يمكنني الآن إخبارك لماذا فعلتُ ما فعلتُ.»
على مدى السنين، كان بيدرسين مؤمنًا … بحقيقتين؛ الأولى: أنه ليس بالضرورة أن تكون حاصلًا على درجة الدكتوراه حتى تجري أبحاثًا جيدة، والثانية: أنه ليس بالضرورة أن تكون شابًّا حتى تقوم بأفضل أبحاثك. ويقول، متذكِّرًا أنه بدأ البحث الخاص بالمركبات التاجية وهو في الستينيات من عمره: إذا كانت لدى رجلٍ عجوز أفكارٌ، فيجب أن تدعه يجرِّبها.
قابل هيرمان شرويدر تشارلز بيدرسين لأول مرة منذ ?? عامًا، وكان زميلًا له في شركة دو بونت، وأصبَحَا صديقين منذ ذلك الحين. وفي احتفال باليابان لتكريم بيدرسين في الذكرى العشرين لاكتشافه لمركبات الإثير التاجية، حلَّ شرويدر محل العالِم المريض صاحب التكريم في كل شيء، وألقى خطبة مؤثِّرة معدِّدًا فيها إنجازات صديقه … قال: «يجب أن تفهموا اكتشافَ الإثيرات التاجية. كان تشارلي خبيرًا كبيرًا في مجال الكيمياء التناسقية … عرف ما يمكن أن يحدث وما لا يمكن أن يحدث؛ كان مستعدًّا، على نحوٍ ما، لهذا الاكتشاف. ولم يكن الأمر مجرد أنه عثَرَ عليه بالمصادفة، لكن بَدَا كأن المركب كان يمشي أمامه والتقطه هو. وكي تقوم بهذا، فأنت بحاجة إلى عقل حادٍّ ومستعدٍّ ومَرِن.»
إنه تأكيدٌ آخَر على ما ذكرتُه عدة مراتٍ في قصص الاكتشافات العَرَضية المذكورة في هذا الكتاب؛ تظل المصادفة مصادفةً حتى تحدث للشخص الصحيح ثم تصير اكتشافًا!

خاتمة


كيف تتحوَّل المصادفة إلى اكتشاف؟
إن هذا الكتاب يتحدَّث عن الاكتشافات العَرَضية في العلم. وربما أدركت أنه في كلِّ مثال من أمثلة الاكتشافات العَرَضية في هذا الكتاب، تتحوَّل المصادفات إلى اكتشافاتٍ بسبب فطنة الشخص الذي حدثت له المصادفة (بعبارة وولبُول). وفي هذه الخاتمة، سأشرح المقصودَ بالفطنة المطلوبة لحدوث الاكتشاف، وسأقترح كيفية تنميتها والتشجيع عليها.
قال باستير: «في مجال العلوم، المصادفة لا تواتي إلا العقول المستعِدة.» فما المقصود بالعقل المستعِد؟ وكيف يمكن اكتسابه؟ إنني متأكِّد أن ثمة قدرة أو مهارة فطرية لصنع الاكتشافات تكمن داخل العديد من هؤلاء الذين يستفيدون من السرنديبية من أمثال بريستلي وباستير وبيركن. والفضول هو السمة الغالبة لدى هؤلاء العلماء الثلاثة ولدى الكثير ممن حوَّلوا المصادفات إلى اكتشافات. فقد كان لديهم الفضول لفهم المصادفة التي لاحظوها.
من السمات الأخرى التي اشتركوا فيها سمة التبصُّر؛ فقد لاحظوا ظاهرة غير متوقَّعة وتنبَّهوا إليها بدلًا من أن يتجاهلوها معتبرين إياها شيئًا تافهًا أو مزعجًا. فلا شك أن العديد من الأشخاص قد لاحَظ غازًا صدر على نحو غير متوقَّع أو بلورات لها شكل غريب أو لون غامض في فضلات يتم طرحها؛ لكنهم لم يكتشفوا الأكسجين الذي يُعَدُّ العنصر الأكثر أهميةً، أو يستنبطوا تركيبًا جزيئيًّا مهمًّا جدًّا للحياة نفسها، أو يطوِّروا صبغة جميلة من قطران الفحم الأسود. ويعبِّر ألبرت سينت جيورجي عن هذا على نحوٍ بليغٍ قائلًا: «يتمثَّل الاكتشاف في رؤيةِ ما يراه الجميع، والتفكيرِ فيما لا يفكِّر فيه أحد.»
مع أن بعض الأشخاص قد يتمتعون بالفطنة والتبصُّر أكثر من غيرهم، فإنه يمكن تنمية هاتين الخصلتين والتشجيع عليهما، كما يرى رونالد إس لينوكس. ففي مقال عنوانه «التدريب من أجل الاكتشاف السرنديبي» (مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشين»، مجلد ??، لعام ????، صفحة ???)، عرض لينوكس عدة طرق يمكن للطلاب من خلالها الاستعداد للاستفادة من الحوادث العَرَضية. تتمثَّل الطريقةُ الأولى في تقديم تدريب على إبداء الملاحظات وتسجيلها، بما في ذلك النتائج المتوقَّعة وغير المتوقَّعة. ويقترح لينوكس أن هذا التدريب يتطلَّب من الطالِب الاحتفاظ بمذكرة بالمعمل، سيتابعها المدرب ليس فقط على أساس النقاط الصحيحة وغير الصحيحة، ولكن أيضًا على أساس المهارات الخاصة بإبداء الملاحظات وتسجيلها.
يجب تشجيع الطلاب على المرونة في التفكير والتأويل؛ فالشخص الذي يرى فقط ما هو متوقَّع ويتجاهل النتائج غير المتوقَّعة وينظر إليها على أنها خاطئة، لن يصل إلى أي اكتشافات. ومن واقع خبرتي، لديَّ مثالان جيدان يدعمان هذا المبدأ: قام أحد طلاب الدراسات العليا بتجربةٍ وذكَرَ نتيجةً كنت قد توقعتُها. وبعد فترةٍ، لم يستطِع طالب آخَر الوصولَ إلى تلك النتيجة، وبالتالي نظر إلى التجربة على أنها أُجريت على نحوٍ غير صحيح. واكتشفتُ أن الطالب الأول كان يعاني ضيقًا في الوقت وأنه ذكَرَ بالخطأ النتيجة التي قال له أستاذه إنه يتوقعها من التجربة. (لحسن الحظ، أننا لم ننشر البيانات غير الصحيحة وانتظرنا حتى تم حل المشكلة لاحقًا.) لكن في الحالة الثانية، طُلب من الطالب أن يتوقَّع نتيجةً معينة لكنه لاحَظَ شيئًا رأى أنه مختلف تمامًا وذكر على نحو صحيح ما لاحظه، فأدَّتِ النتيجةُ غير المتوقَّعة إلى مفهوم جديد تمامًا خارج نطاق البرنامج البحثي الموضوع؛ أي إلى اكتشاف جديد.
ثمة طريقة أخرى يمكن إعداد الطالِب من خلالها للاستفادة من السرنديبية، وهي الدراسة المتأنية والدقيقة في مجال البحث المختار. عبَّر عالِم الفيزياء الأمريكي جوزيف هنري عن نفس فكرة باستير عندما قال: «إن بذور الاكتشافات العظيمة تحوم حولنا باستمرار، لكنَّها تستقر فقط في العقول المستعِدة لاستقبالها.» على سبيل المثال، مع أن فليمنج لم يكن يبحث عن عامل مقاوم للبكتيريا في الوقت الذي طفَا فيه عفنٌ في طبق بتري الخاص به، فإنه كان قارئًا ومدربًا جيدًا في مجال الميكروبيولوجيا، واستطاع بسهولة فهم معنى المساحة الخالية في المزرعة البكتيرية الناتجة عن الوجود العَرَضي للعَفَن.
إنَّ بعض الاكتشافات التي وصفتُها بأنها تقع ضمن السرنديبية الوهمية، ربما لم تكن لتصبح اكتشافات إن لم يكن الشخص الذي حدثت له المصادفة يرى أنها سبيل للوصول إلى النتيجة التي يسعى إليها، مع أن هذا السبيل عَرَضي وغير متوقَّع على الإطلاق. على سبيل المثال، أدرك جوديير بسرعة أن مصادفة تسخين المطاط مع الكبريت تجعل تطويع المطاط غير متأثِّر بالحرارة أو البرودة، وهو أمر كان يسعى وراءه لعدة سنوات، وسرعان ما توصَّل إلى طريقة لاختباره. وعلى نحو مماثل، رأى نوبل في السَّكْب العَرَضي للنيتروجليسرين في الغلاف بين الصفائح المعدنية لحاوية معدنية حلًّا محتمَلًا للطبيعة الخطرة للمادة المتفجِّرة التي كان يسعى سعيًا حثيثًا وراءها. وسرعان ما تراءى له هذا الاكتشاف لأنه جرَّبَ أن يمزج السائل المتقلِّب مع مواد أخرى قبل ذلك، وعرف الكيفية التي يختبر بها هذا المزيج الذي تكوَّن بالمصادفة.
على النقيض من تلك الاكتشافات القليلة التي تقع ضمن السرنديبية الوهمية، توجد الاكتشافات الناتجة عن السرنديبية الحقيقية؛ أي المصادفات التي أدَّتْ إلى أشياءَ جديدة غير متوقَّعة تمامًا، ولم يكن يوجد سعيٌ صريح للتوصل إليها، والتي أصبحت اكتشافاتٍ بسبب فطنة الشخص الذي حدثت له المصادفة. لا أحد يمكن أن ينكر أهميةَ «وجود الشخص في المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح»، لكن يجب أن تلاحظ جيدًا أن وولبُول في تعريفه للسرنديبية أعطى كلًّا من «المصادفة» و«الفطنة» نفسَ المكانة. فقد قال لصديقه السير هوراس مان إن الأمراء الثلاثة من سرنديب «كانوا يكتشفون، بالمصادفة والفطنة، أشياء لم يكونوا يسعون وراء اكتشافها.»
تأمَّلْ معي بعض المصادفات التي عرضتها في الكتاب والتي منها: التفاحة التي وقعت على الأرض عند قدم نيوتن، وإنتاج اليوريا على يد فولر بدلًا من سيانات الأمونيوم، واكتشاف الصبغة الأرجوانية على يد بيركن، والعثور على تماثيل أَثرية بدلًا من الماء على يد شخص إيطالي أثناء حفره بئرًا، والعثور على حجر عليه نقوش غريبة أثناء ترميم حصن في مصر على يد ضابط فرنسي، وإلقاء صبي فلسطيني صخرةً في كهف مظلم وسماعه صوتًا غير متوقَّع، وحصول باستير على بلورات ذات شكل فريد بسبب أن درجة الحرارة على إفريز النافذة كانت أقل من ?? درجة مئوية، والشاشة الفلورية التي تصدر وميضًا في الظلام على نحو غير متوقَّع، والبلورات الفوسفورية التي تحمِّض فيلمًا فوتوغرافيًّا محاطًا بغطاءٍ أسود، وملاحظة مقاوَمةِ السيدة العاملة في حلب الألبان لمرض خطير من قِبَل طبيب ريفي، ووقوع عَفَن في طبق بتري مفتوح خاص بفليمنج، واكتشاف إحدى الألياف الممطوطة القوية بصورة غير معتادة على يد كيميائيين في شركة دو بونت بينما كانوا يمزحون مزاحًا ثقيلًا في المعمل، واكتشاف عدم خروج غاز من أسطوانة (حتى في حالة عدم خلوها) على يد كيميائي آخَر في شركة دو بونت، وتكوُّن البوليمرات على نحو غير متوقَّع بسبب تسرب أو تلوث في أداة البحث، والوجود العَرَضي لملوِّث في مادة بادئة لأحد الإثيرات «التاجية» الجزيئية الجديدة.
كان من الممكن أن تمر تلك المصادفات مرورًا عابرًا دون أن ينتبه إليها أحد، وأن تبقى مجرد أحداثٍ عَرَضية لا أهمية لها. لكن بدلًا من ذلك، وبفضل فطنة الأشخاص الذين صادفوها، توافر لدينا الآن تفسيرٌ للقوانين التي تتحكَّم في حركة الكواكب، وركيزة لعلم الكيمياء العضوية تستند إلى أساسٍ عقلاني، وبدأنا نفهم العلاقةَ بين التركيب الجزيئي والنشاط الفسيولوجي. كما أصبحت لدينا الآن صبغات جميلة في متناول الجميع وليس طبقة الأثرياء فقط، ومفاهيم حول ثقافة الحضارات القديمة ولغتها، وأشعة إكس ودورها في التشخيص والعلاج الطبي، وطاقة نووية ونشاط إشعاعي، وتطعيمات ضد الجُدري وأمراض أخرى، ودواءٌ سحري يتمثل في البِنسلين وما تلاه من أدوية، وأصبحنا نستخدم النايلون والبوليستر في صناعة الملابس، والتيفلون في صناعة القلَّايات وصمامات القلب، والبوليمرات الأخرى في تصنيع أكياس القمامة البلاستيكية وصناديق الثلج وعزل الرادار وحبال التزلُّج على الماء والدروع الواقية من الرَّصاص ونوافذ الطائرات. فضلًا عن الجزيئات المصنَّعة التي من المفترَض أن تحاكي العمليات الحيوية للإنزيمات الطبيعية.
هذه مجرد فوائد قليلة للسرنديبية، ودورها في الاكتشافات التي توصَّل إليها بعض الأشخاص الموهوبين بالمصادفة والفطنة البحتة وكانوا لا يسعون في الأساس وراء اكتشافها. تمَّ بعض هذه الاكتشافات منذ قرون، والبعض الآخَر تمَّ مؤخرًا. ولقد شهدت معلوماتنا في مجالات العلم والطب والتكنولوجيا نموًّا مذهلًا في القرن العشرين، ولا يمكننا تصوُّرُ التقدُّم الذي يمكن أن يحدث في المستقبل؛ كما هو الحال — على سبيل المثال — في مجال السفر عبر الفضاء بين الكواكب والتوصُّل إلى علاج للسرطان. لكن الشيء المؤكَّد أن وقوع الأحداث العَرَضية سوف يتوالى، ومع وجود العقول البشرية الأكثر استعدادًا من ذي قبل نتوقَّع أن تتحوَّل تلك «الأحداث العَرَضية» إلى «اكتشافات» مذهلة تفوق تخيُّلاتنا، والبطل في هذه القصص كلِّها هو السرنديبية.

ملحق: مراجع وقراءات إضافية


(?) أرشميدس: صاحب أقدم اكتشاف عَرَضي

“Archimedes.” Encyclopaedia Britannica. IX Edition. 1878. Vol. 2.
“Archimedes.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 2.
(?) كولومبوس: اكتشاف عالم جديد

“Columbus, Christopher.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 6.
Judge, Joseph and J. L. Stanfield; Luis Marden; Eugene Lyon. “Columbus and the New World.” National Geographic, November 1986.
(?) مريضٌ هندي يكتشف الكينين

Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Cinchona” (Vol. 5) and “Quinine” (Vol. 18).
Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 45.
Lednicer, Daniel, and Lester A. Mitscher. The Organic Chemistry of Drug Synthesis. Vol. 1. New York: Wiley-lnterscience, P. 337.
Silverman, M. Magic in a Bottle. New York: Macmillan, 1941. Chapter 2.
(?) السير إسحاق نيوتن: قصة التفاحة وقانون الجاذبية

Andrade, E. N. da C. “Newton.” In Newton Tercentenary Celebrations. The Royal Society. Cambridge: Cambridge University Press, 1947.
Andrade, E. N. da C. Isaac Newton. London: Max Parrish, 1950.
Anthony, H. D. Sir Isaac Newton. London: Abelard-Schuman, 1960.
Brewster, Sir David. Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton. Vols. I and II. Edinburgh: Edmonston and Douglas, 1850.
Cajori, Florian. “Newton’s Twenty Years’ Delay in Announcing the Law of Gravitation.” In Sir Isaac Newton, 1727–1927, A Bicentenary Evaluation of His Work. The History of Science Society. Baltimore: Williams and Wilkins, 1928.
de Villamil, R. Newton: The Man. London: Gordon D. Knox, 1931.
More, L. T. Isaac Newton: A Biography. New York: Charles Scribner’s Sons, 1934.
Stukeley, William. Memoirs of Sir Isaac Newton’s Life. 1752. Reprint. London: Taylor and Francis, 1936.
Sullivan, J. W. N. Isaac Newton, 1642–1727. New York: Macmillan, 1938.
(?) البطارية الكهربائية والكهرومغناطيسية: اكتشافان من ملاحظة رِجْل ضفدعة وبوصلة

Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Battery” (Vol. 3), “Electromagnet” (Vol. 8), and “Oersted” (Vol. 16).
Bailar, John C., et al. Electrochemistry. New York: Academic Press, 1978. Chapter 24.
Shamos, M. H., ed. Great Experiments in Physics. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1959. Chapter 9.
Shapiro, Gilbert. A Skeleton in the Darkroom. San Francisco: Harper & Row, 1986. Chapter 2.
(?) التطعيم: إدوارد جينر وحالِبة اللبن ومرض الجُدري

“Jenner, Edward.” Encyclopaedia Britannica. IX Edition. 1878. Vol. 13.
“Jenner, Edward.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 12.
Compere, E. L. “Research, Serendipity, and Orthopedic Surgery.” Journal of the American Medical Association (21 December, 1957): P. 2070.
Clark, W. R. The Experimental Foundations of Modem Immunology. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, 1986. Pp. 4–7.
(?) اكتشاف العناصر الكيميائية

Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. This book offers articles on oxygen, iodine, and helium.
“Chemistry.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 5. A discussion of the phlogiston theory is given here in connection with the work of Priestley and Scheele. See also “Helium” (Vol. 11) and “Airship” (Vol. 1).
الأكسجين

Farber, E., ed. Great Chemists. New York: Interscience, 1961. This book offers articles on Joseph Priestley, Carl Wilhelm Scheele, Joseph Louis GayLussac, and Humphry Davy.
Moore, F. J. A History of Chemistry. 1st ed. New York: McGraw-Hill Co., 1918.
Priestley, Joseph. Experiments and Observations on Different Kinds of Air. Reprint No. 7. London: Alembic Club. This reprint gives the portions directly related to the discovery of oxygen.
Rhees, David J. “A Catalogue to an Exhibit Celebrating the 250th Birthday of Joseph Priestley and the Inauguration of the Center for History of Chemistry. Philadelphia: The Center for the History of Chemistry, 1983.
(?) استخدام أكسيد النيتروز والإيثر في التخدير

Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 17.
Farber, E., ed. Great Chemists. New York: Interscience, 1961.
Moore, F. J. A History of Chemistry. 1st ed. New York: McGraw-Hill Co., 1918.
Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Anesthesia and Anesthetics” (Vol. 1) and “Davy, Sir Humphry” (Vol. 7).
(?) تصنيع فولر لليوريا وبداية عصر الكيمياء العضوية

“W?hler, Friedrich.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 23.
Farber, E., ed. Great Chemists. New York: Interscience, 1961. P. 507.
Moore, F. J. A History of Chemistry. 1st ed. New York: McGraw-Hill Co., 1918. Chapter 12.
Williams, T. I., ed. A Biographical Dictionary of Scientists. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, Inc., 1982. P. 566.
Wheland, G. W. Advanced Organic Chemistry. 2d ed. New York: John Wiley and Sons, Inc., 1949. P. 2.
Jaffe, Bernard. Crucibles: The Story of Chemistry. Premier Reprint. Greenwich, Conn.: Fawcett Publications, Inc., 1957.
(??) داجير واختراع التصوير الفوتوغرافي

Gernsheim, Helmut and Alison Gernsheim. The History of Photography. New York: McGraw-Hill Book Co., 1969. Chapter 6.
“Photography.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 17.
Schaaf, Larry J. “Nineteenth Century Photographic Processes.” Report to the Faculty of the Graduate School of the University of Texas at Austin (August 1973). Chapters 2 and 3. Includes a definitive description of the daguerreotype.
(??) المطاط الطبيعي والصناعي

تصليد المطاط

Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Rubber” (Vol. 19) and “Goodyear, Charles” (Vol. 10).
Halacy, D. S., Jr. Science and Serendipity. Philadelphia: Macrae Smith Co., 1967.
Garrett, A. B. The Flash of Genius. Princeton, N.J.: D. Van Nostrand Co., 1963.
Peirce, B. K. Trials of an Inventor, life and Discoveries of Charles Goodyear.
New York: Carlton and Porter, 1866. P. 106.
المطاط الصناعي

Berenbaum, M. B. Encyclopedia of Polymer Science and Technology. Vol. 11. New York: Wiley-lnterscience, 1969. Pp. 425–447.
Gaylord, N. G., ed. Polyethers. New York: Wiley-Interscience, 1962. Chapter 13.
Marvel, C. S. “The Development of Polymer Chemistry in America—The Early Days.” Journal of Chemical Education 58 (July 1981): 535.
(??) باستير: جزيئات الجانب الأيسر والجانب الأيمن لملح حمض الطرطير

Kauffman, G. B., and R. D. Myers. “The Resolution of Racemic Acid.” Journal of Chemical Education 52 (December 1975): 777.
“Pasteur, Louis.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 17.
Moore, F. J. A History of Chemistry. New York: McGraw-Hill Book Co., 1918. P. 204ff.
Vallery-Radot, Rene. The Life of Pasteur. Translated from French by Mrs. R. L. Devonshire. 2 vols. New York: McClure, Phillips and Co., 1902.
(??) الصبغات ومواد التلوين

Harrow, B. Eminent Chemists of Our Time. 2d ed. New York: D. Van Nostrand Co., 1927. Pp. 1, 241.
Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 7.
Perkin, W. H. Hofmann Memorial Lecture, Memorial Lectures delivered before the Chemical Society, 1893–1900. London: Gurney and Jackson, 1901.
Crowther, J. G. British Scientists of the Nineteenth Century. London: Pelican Books; Penguin Books, 1940-1941. P. 375.
Levinstein, H. Chemistry and Industry 16 (1938): 1137.
Cronshaw, C. J. T. Endeavour 1 (1936): 79.
(??) كيكوليه: الأحلام واكتشاف التركيب الجزيئي للبنزين

Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 10.
“Kekule.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 13.
Benfey, O. T. Journal of Chemical Education 35 (January 1958): 21.
Chemical and Engineering News (November 4, 1985): 22; (January 20, 1986): 3.
Weiss, U. and R. A. Brown. Journal of Chemical Education 64 (September 1987): 770.
Cannon, W. B. The Way of an Investigator. New York: W. W. Norton & Co., 1945. Chapter 5.
(??) نوبل: الإنسان والاكتشافات والجوائز

“Nobel, Alfred Bernhard.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 16.
Bergengren, Erik. Alfred Nobel, The Man and His Work. 1st English ed. London: Thos. Nelson and Sons, Ltd., 1962.
Henriksson, F. The Nobel Prizes and Their Founder, Alfred Nobel. Stockholm: Alb. Bonniers, 1938.
Nobel Foundation, ed. Nobel, The Man and His Prizes. Amsterdam: Elsevier Publishing Co., 1962.
Halasz, N. Nobel: A Biography of Alfred Nobel. New York: Orion Press, 1959.
Sohlman, R. and H. Schuck. Nobel, Dynamite and Peace. New York: Cosmopolitan Book Corp., 1929.
Pauli, H. E. Alfred Nobel, Dynamite King—Architect of Peace. New York: L. B. Fischer, 1942.
(??) السيلولويد والرايون: العاج الصناعي والحرير الصناعي

“Celluloid.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 5.
Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 43.
(??) فريدل وكرافتس: ظهور كيمياء صناعية جديدة

Olah, G. A., and R. A. Dear. Friedel-Crafts and Related Reactions, edited by G. A. Olah. Vol. 1. New York: Interscience Publishers, 1963.
Roberts, R. M., and A. A. Khalaf. Friedel-Crafts Alkylation Chemistry. New York: Marcel Dekker, Inc., 1984.
(??) أهم الاكتشافات الأَثرية العَرَضية

Fagan, Brian M. The Adventure of Archaeology. Washington, D.C.: National Geographic Society, 1985.
عمليات حفرٍ تقود إلى نتائج غير متوقَّعة

Hao, Q., C. Heyi, and R. Suichu. Out of China’s Earth. New York: Harry N. Abrams, Inc., and Beijing: China Pictorial, 1981. P. 65.
“Neanderthal Man.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 16.
Weaver, Kenneth F. “The Search for Our Ancestors.” National Geographic (November 1985).
Austin American-Statesman (8, 9, 11 January 1985; 14 August 1987; 31 January 1988).
Washington Post (January 13, 1985).
أشياء اكتُشِفت بمحض المصادفة

“Rosetta Stone.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 19.
Andrews, Carol. The British Museum Book of the Rosetta Stone. New York: Peter Bedrick Books, 1985.
Cottrell, Leonard, ed. The Concise Encyclopaedia of Archaeology. 2d ed. New York: Hawthorn Books, Inc., 1971. Pp. 323, 324.
الطبيعة ودورها في الاكتشافات الأَثرية العَرَضية

Weaver, Kenneth F. “The Search for Our Ancestors.” National Geographic (November 1985).
الأولاد والكهوف

Tushingham, A. Douglas. “The Men Who Hid the Dead Sea Scrolls.” National Geographic (December 1958).
غوَّاصو الإسفنج

Bass, George F. “Oldest Known Shipwreck Reveals Splendors of the Bronze Age.” National Geographic (December 1987).
Katzev, Michael L. “Resurrecting the Oldest Known Greek Ship.” National Geographic (June 1970).
Throckmorton, Peter. “Oldest Known Shipwreck Yields Bronze Age Cargo.” National Geographic (May 1962).
———. “Thirty-three Centuries Under the Sea.” National Geographic (May 1960).
Weaver, Kenneth F. “The Search for Our Ancestors.” National Geographic (November 1985).
(??) اكتشافاتٌ فلكية وليدة المصادفة

Hannan, Patrick J., Rustum Roy, and John F. Christman. “Serendipity in Chemistry, Astronomy, Defense, and Other Useless Fields.” Chemtech (July 1988): 402. Several other serendipitous discoveries, including others in astronomy, are described.
Shipman, Harry L. Black Holes, Quasars, and the Universe. 2d ed., Boston: Houghton Mifflin Co., 1980. P. 51ff.
Trefil, James S. The Moment of Creation. New York: Collier Books, Mac-millan Publishing Co., 1983. Chapter 1.
(??) اكتشافاتٌ طبية وليدة المصادفة

الأنسولين

Cannon, Walter B. The Way of an Investigator. New York: W. W. Norton & Co., Inc., 1945. P. 72.
Sourkes, T. L. Nobel Prize Winners in Medicine and Physiology. London: Abelard-Schuman, 19. P. 111.
Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Diabetes Mellitus” (Vol. 7); “Insulin” (Vol. 12); “Mering, Baron Joseph von” (Vol. 15), and “Minkowski, Oskar” (Vol. 15).
الحساسية وفرط الحساسية والأدوية المضادة للهيستامين

Sourkes, T. L. Nobel Prize Winners in Medicine and Physiology. London: Abelard-Schuman, 19. P. 79.
Cannon, Walter B. The Way of an Investigator. New York: W. W. Norton & Co., Inc., 1945. Pp. 71, 179.
Encyclopaedia Britannica. 1962. See “Allergy and Anaphylaxis” (Vol. 1); “Immunity” (Vol. 12); and “Richet, Charles Robert” (Vol. 19).
الخردل النيتروجيني والعلاج الكيميائي للسرطان

Rhoads, C. P. Journal of Mt. Sinai Hospital, N. Y. 13 (1947): 299.
حبوب منع الحَمْل

Djerassi, Carl. “The Making of the Pill.” Science 84. P. 127.
Russell E. Marker, personal communication, April 1988. Center for the History of Chemistry News Letter, Philadelphia (June 1987): 3.
ثنائي إثيلاميد حمض الليسرجيك

Cohen, Sidney. The Beyond Within: The LSD Story. New York: Atheneum, 1970. Chapters 1 and 9.
Hofmann, Albert. “The Discovery and Subsequent Investigation on Naturally Occurring Hallucinogens.” In “Discoveries in Biological Psychiatry”, edited by F. J. Ayd, Jr. and B. Blackwell. Philadelphia: Lippincott, 1970.
اختبار مسحة بَاب

Classics in Oncology 23 (May/June 1973).
Cameron, Charles S. “Dedication of the Papanicolaou Cancer Research Institute.” Journal of the American Medical Association 182 (3 November 1962): 556.
Stenkvist, B., R. Bergstrom, G. Eklund, and C. H. Fox. “Papanicolaou Smear Screening and Cervical Cancer, What Can You Expect? Journal of the American Medical Association 252 (21 September 1984): 1423.
“Death of ‘Dr. Pap’.” Medical World News 2 (1962): 46.17.
الضوء والصفرة عند حديثي الولادة

Fincher, Jack. “Notice: Sunlight may be necessary for your health.”
Smithsonian (June 1985): 71.
مُستقبِلات الكوليسترول

Banta, Bob. Austin American-Statesman (27 October 1985).
Brown, Michael S., and Joseph L. Goldstein. Science 232 (4 April 1986): 34.
Curtis, Gregory. Texas Monthly (December 1985).
Kolata, Gina. Science 221 (16 September 1983): 1164.
(??) أشعة إكس والنشاط الإشعاعي والانشطار النووي

اكتشاف أشعة إكس على يد رونتجن

Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 57.
Encyclopaedia Britannica. 1962. See “R?ntgen, Wilhelm Conrad” (Vol. 19) and “X Rays” (Vol. 23).
Garrett, A. B. The Flash of Genius. Princeton, N.J.: D. Van Nostrand Co., Inc., 1963. P. 57.
Moore, F. J. A History of Chemistry. New York: McGraw-Hill, 1918. P. 252.
Nobel Foundation, ed. Nobel, The Man and His Prizes. Amsterdam: Elsevier Publishing Co., 1962. Pp. 446–448.
Shapiro, Gilbert. A Skeleton in the Darkroom. San Francisco: Harper and Row, 1986.
اكتشاف النشاط الإشعاعي على يد بيكريل

Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 47.
“Becquerel.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 3.
Wolke, Robert L. “Marie Curie’s Doctoral Thesis.” Journal of Chemical Education 65 (1988): 561.
النشاط الإشعاعي الصناعي والانشطار النووي

Lightman, Alan P. “To Cleave an Atom.” Science 84: 103.
“Bohr, Niels.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 3.
(??) بدائل السكر: مذاق السكر الحلو ولكن بسعرات حرارية أقل

Fieser, L. F. and M. Advanced Organic Chemistry. New York: Reinhold Publishing Co., 1961. P. 701.
Abstracts, Journal of the Chemical Society (1879): 628. A brief summary in English of the original article in the German journal (see the next reference).
Fahlberg, C., und I. Remsen. “Ueber die Oxydation des Orthotoluolsulfamids.” Berichte der Deutschen Chemischen Gesellschaft 12 (1879): 469. This is the first publication that mentions the sweet taste of saccharin.
Journal of the Chemical Society (1927): 3186. Obituary notice for Ira Remsen.
O’Brien, L., and R. C. Gelardi. “Artificial Sweeteners.” Chemtech (May 1981): 274.
Bakal, A. I. “Functionality of Combined Sweeteners in Several Food Applications.” Chemistry and Industry (19 September 1983): 700.
Kirk-Othmer, ed. Concise Encyclopedia of Chemical Technology. New York: John Wiley and Sons, Inc., 1985. P. 1147.
(??) زجاج الأمان

“Glass.” Encyclopaedia Britannica. IX Edition. 1878. Vol. 10.
“Glass.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 10.
Boyd, David C., and David A. Thompson. “Glass.” Encyclopedia of Chemical Technology. Vol. 11. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, 1982.
Lavin, Edward, and James A, Snelgrove. “Vinyl Polymers.” Encyclopedia of Chemical Technology. Vol. 23. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, 1982.
Sowers, Robert M. “Laminated Materials, Glass.” Encyclopedia of Chemical Technology. Vol. 13. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, 1982.
Wilson, J. “Safety Glass: Its History, Manufacture, Testing, and Development. Journal of the Society of Glass Technology 16 (1932): 67.
“Face-Saving Windshields.” DuPont Magazine (September-October 1986): 20.
(??) المضادات الحيوية: البِنسلين وأدوية السَّلْفا والماجانينات

البِنسلين: فليمنج وفلوري وتشين

Ludovici, J. Nobel Prize Winners. London: Arco Publishers Ltd., 1957. P. 165.
Kauffman, G. B. “Maize, Melon and Mould—Keys to Penicillin Production.” Education in Chemistry 17 (1980): 180.
Abraham, E. P. “Introduction.” In Chemistry and Biology of ?-Lactam Antibiotics, edited by R. B. Morin and M. Gorman. Vol. 1. New York: Academic Press, 1982.
Sourkes, T. L. Nobel Prize Winners in Medicine and Physiology. London: Abelard-Schuman, 1966. P. 235.
Garrett, A. B. The Flash of Genius. Princeton, NJ: D. Van Nostrand Co., Inc., 1963. P. 31.
Halacy, D. S. Jr. Science and Serendipity. Philadelphia: Macrae Smith Co., 1967. P. 31.
Fieser, L. F. and M. Topics in Organic Chemistry. New York: Reinhold Publishing Corp., 1963. Pp. 309, 313ff.
Accidental Scientific Discoveries. Chicago: Schaar and Co., 1955. P. 35.
أدوية السَّلْفا: دوماك وفورنو وآل تريفويل

Northey, E. H. The Sulfonamides and Allied Compounds. American Chemical Society Monographs. New York: Reinhold Publishing Corp., 1948. P. 1ff.
Sourkes, T. L. Nobel Prize Winners in Medicine and Physiology. London: Abelard-Schuman, 1966. P. 214.
Silverman, M. Magic in a Bottle. New York: Macmillan: 1941. P. 283ff.
Noller, C. R. Chemistry of Organic Compounds. 3d ed. Philadelphia: W. B. Saunders Co., 1965. P. 534.
Solomons, T. W. G. Fundamentals of Organic Chemistry. 2d ed. New York: John Wiley and Sons, 1986. P. 743.
“Domagk, Gerhard.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 7.
الماجانينات: مضاد حيوي من جلد الضفادع

Okie, Susan (Washington Post Service). Austin American-Statesman (30 July 1987).
Chemical and Engineering News (3 August 1987): 22.
(??) تصنيع النايلون وعملية السحب على البارد

Marvel, C. S. “The Development of Polymer Chemistry in America—The Early Days.” Journal of Chemical Education 58 (July 1981): 535.
Farber, E., ed. Great Chemists. New York: Interscience, 1961. P. 1600.
(??) اكتشاف البولي إثيلين بسبب تسرُّبٍ أو تلوث في أدوات البحث

Swallow, J. C. “The History of Polythene.” Polythene—The Technology and Uses of Ethylene Polymers, edited by A. Renfrew. 2d ed. London: Iliffe and Sons, Ltd., 1960.
Chien, J. C. W. Coordination Polymerization, A Memorial to Karl Ziegler. New York: Academic Press, Inc., 1975.
Friedrich, M. E. P., and C. S. Marvel. “The Reaction Between Alkali Metal Alkyls and Quaternary Arsonium Compounds.” Journal of the American Chemical Society 52 (1930): 376. This article briefly mentions the polymerization of ethylene by butyllithium.
Owen, E. D., ed. Degradation and Stabilization of PVC. London: Elsevier Applied Science Publishers, 1984. Chapter 1.
Myerly, Richard C. Journal of Chemical Education 57 (1980): 437.
Price, Charles C. et al. Journal of the American Chemical Society 78 (1956): 690.
(??) التيفلون: من القنبلة الذرية إلى المِقلاة

The American Institute of Chemists. “The Original Teflon Man.” The Chemist (May 1985): 4.
Midgely, T., Jr. The Perkin Medal address. Journal of Industrial and Engineering Chemistry 29 (1937): 241.
Plunkett, Roy J. “The History of Polytetrafluoroethylene Discovery and Development.” Paper given at the AAAS Meeting in Philadelphia, May 1986.
(??) تكنولوجيا البنزين: نظريات فلاوري، وإنتاج البنزين من الغاز الطبيعي

Robert, Joseph C. Ethyl, A History of the Corporation and the People Who Made It. Charlottesville, Va.: University of Virginia Press, 1983. P. 104ff.
Chemical and Engineering News (22 June 1987).
(??) أدوية اكتُشِفت بالمصادفة فائدتُها في علاج أمراضٍ أخرى

الأسبرين

Badger, G. M. In Proceedings of the Royal Australian Chemical Institute. October 1973. P. 273.
Van, Jon (Chicago Tribune Service). Austin American-Statesman (February 16, 1988): C9.
أدوية العلاج النفسي

Snyder, Solomon H. “Medicated Minds.” Science 84. P. 141.
Center for the History of Chemistry News Letter, Philadelphia (Fall 1986): 6.
الأدوية المضادة لاختلال نظْم القلب

Katz, R. L., and G. J. Katz. In Lidocaine in the Treatment of Ventricular Arrhythmias: Proceedings of a Symposium held in Edinburgh in September 1970, edited by D. B. Scott and D. G. Julian. Edinburgh: E. and S. Livingstone, 1971. P. 112.
Burstein, Charles. “Treatment of Acute Arrhythmias During Anesthesia by Intravenous Procaine.” Anesthesiology 7 (1 March 1946): 113.
المينوكسيديل وأثره في نمو الشعر

Steinbrook, Robert (Los Angeles Times Service). Austin American-Statesman (21 September 1986).
Rumsfield, J. A., D. P. West, and V. Fiedler, Weiss. “Topical Minoxidil Therapy for Hair Regrowth.” Clinical Pharmacy 6 (May 1987): 386.
Stern, Robert S. “Topical Minoxidil.” Archives of Dermatology 123 (January 1987): 62.
“Topical Minoxidil for Baldness,” The Medical Letter on Drugs and Therapeutics 29 (September 1987): 87.
الإنترفيرون: علاجٌ للسرطان والتهاب المفاصل

Taylor-Papadimitriou, Joyce, ed. Interferons: Their Impact in Biology and Medicine. Oxford: Oxford University Press, 1985.
“Interferon found to relieve arthritis.” Austin American-Statesman (AP) (October 9, 1985).
(??) اكتشاف أدوية من الصرف الصحي والتربة

السيفالوسبورينات

Abraham, E. P. “Introduction.” In Chemistry and Biology of ?-Lactam Antibiotics, edited by R. B. Morin and M. Gorman. Vol. 1. New York: Academic Press, 1982.
Manhas, M. S., and A. K. Bose. ?-Lactams: Natural and Synthetic. New York: Wiley-Interscience, 1971. Part 1, pp. 31–49.
Research papers by E. P. Abraham and co-workers in the Biochemical Journal, Vol. 50, p. 168 (1951); Vol. 58, p. 94 (1954); Vol. 79, p. 377 (1961).
Gregory, G. I., ed. Recent Advances in the Chemistry of ?-Lactam Antibiotics: Proceedings of the Second International Symposium, Cambridge, England. London: The Royal Society of Chemistry, 1981.
Hodgkin, D. C., and E. N. Maslen. Biochemical Journal 79 (1961): 393.
Brown, A. G., and S. M. Roberts eds. Recent Advances in the Chemistry of ?-Lactam Antibiotics: Proceedings of the Third International Symposia, Cambridge, England. London: The Royal Society of Chemistry, 1985.
Glatt, A. E. “Third-Generation Cephalosporins.” Physician Assistant (January 1986).
السيكلوسبورين

Borel, J. F. In Cyclosporin A: Proceedings of an International Conference on Cyclosporin A, Cambridge, England, edited by D. J. G. White. Amsterdam: Elsevier Biomedical Press, 1982.
Kolata, Gina. “Drug Transforms Transplant Medicine.” Science (July 1983): 40.
(??) براون وفيتيج: استخدام البورون والفسفور في عمليات التصنيع العضوي

تفاعل الهيدروبورونية

Brown, H. C. Hydroboration. New York: W. A. Benjamin, Inc., 1962. Chapter 2.
Brown, H. C. Boranes in Organic Chemistry. Ithaca, N. Y.: Cornell University Press, 1972. P. 258.
Loudon, G. Marc. Organic Chemistry. Reading, Mass.: Addison-Wesley Publishing Co., 1984. Pp. 916, 917.
The Robert A. Welch Foundation. Research Bulletin N. 33 and Program of the XVII Conference on Chemical Research (5–7 November 1973). Houston, Texas.
تصنيع الألكينات

March, J. Advanced Organic Chemistry. 2d ed. New York: Wiley-Interscience, 1985. P. 845.
Wittig, G., and G. Geissler. “The Course of Reactions of Pentaphenylphosphorus and Certain Derivatives.” Annalen der Chemie 580 (1953): 44.
Wittig, G., and U. Schoellkopf. “Triphenylphosphinemethylene as an Olefinforming Reagent.” Chemische Berichte 97 (1954): 1318.
Wittig, G. “Variationen zu einem Thema von Staudinger; ein Beitrag zur Geschichte der Phosphororganischen Carbonylolefinierung.” Pure and Applied Chemistry 9 (1964): 245. Contains a summary in English.
“Nobel Prizes.” Encyclopaedia Britannica, Yearbook for 1980. P. 101.
(??) مركبات البولي كربونات: مادة متينة

Fox, D. W. “From Plant Pigments to Polymers.” The Chemist (September 1987): 12. This is the text of Dr. Fox’s 1987 Chemical Pioneer Address.
Fox, D. W. “Polycarbonates.” In Encyclopedia of Chemical Technology. Vol. 18. 3d ed. New York: John Wiley and Sons, 1982. P. 479.
(??) الفيلكرو ومنح أخرى أهدتها السرنديبية إلى الحياة الحديثة

الفيلكرو: من نباتات الأرقطيون إلى سفن الفضاء

Brochures published by Velcro USA, Inc.
“Cocklebur.” Encyclopaedia Britannica. 1962. Vol. 5.
صابون أيفوري ورقائق الإفطار المصنوعة من الذرة والقمح

Fichter, George. United Airlines Magazine 31 (October 1986): 87, 90.
الملاحظات اللاصقة

Hutchinson, Julie. Austin American-Statesman (1 September 1985).
Brochure available from the 3M Company, courtesy of Rich Sanders in the Technical Services Department and Judy Boroski, Staff Marketing Services, St. Paul, Minn.
(??) الحمض النووي: ملف الحياة

Watson, James D. The Double Helix, New York: Atheneum, 1968.
Watson, James D., and F. H. C. Crick. “A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid.” Nature 171 (1953): 737, 748.
(??) عمليات التصنيع الحيوي الناتجة عن تصوراتٍ واعتقاداتٍ خاطئة وأحداثٍ عارضة

Encyclopaedia Britannica, Yearbook for 1970. See “Barton, Derek H. R.” (p. 138) and “Hassel, Odd,” (p. 149).
Barton, D. H. R. In Stereochemistry of Organic and Bioorganic Transformations, edited by W. Bartmann and K. B. Sharpless. Weinheim, Federal Republic of Germany, VCH Verlagsgesellschaft mbH, 1987. P. 205.
Barton, D. H. R. Experientia 6 (1950): 316.
Barton, D. H. R. “The Invention of Organic Reactions Useful in Bioorganic Chemistry.” In Frontiers in Bioorganic Chemistry and Molecular Biology; edited by Yu. A. Ovchinnikov and M. N. Kolosov. Elsevier/North-Holland Biomedical Press, 1979.
Barbier, M., D. H. R. Barton, M. Devys, and R. S. Topgi. “A Simple Synthesis of the Tropone Nucleus.” Journal of the Chemical Society, Chemical Communications (1984): 743.
(??) الإثيرات التاجية والكريبتاندات

“Winners of Nobels in Chemistry and Physics.” New York Times (October 19, 1987).
“Nobel Prizes: U. S., French Chemists Share Award.” Chemical and Engineering News (19 October 1987): 4.
“Progress Made in Synthesizing Enzyme Mimics.” Chemical and Engineering News (19 October 1987): 30.
“Chemistry in the Image of Biology.” Science (30 October 1987): 611.
Du Pont Magazine, College Report supplement (January-February 1988).
Industrial Chemist (February 1988): 22. An interview with Charles J. Pedersen.
Pedersen, C. J. “Cyclic Polyethers and Their Complexes with Metal Salts.” Journal of the American Chemical Society 89 (1967): 7017.
Pedersen, C. J. “The Discovery of the Crown Ethers” (Nobel lecture). Angewandte Chemie, International Edition in English 27 (1988): 1021.
خاتمة

Lenox, Ronald S., Journal of Chemical Education 64(1985): 282.