Advertisement

الذرة والقنابل الذرية


الذرة والقنابل الذرية




الذرة والقنابل الذرية

تأليف
علي مصطفى مشرفة




الذرة والقنابل الذرية

علي مصطفى مشرفة

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم بتاريخ
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تصميم الغلاف: سحر عبد الوهاب.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.



الذرة تتحطم!!


شكل ?: الصورة العليا يرى فيها القارئ ذرة اليورانيوم وهي تتحطم، فتتناثر منها جسيمات ألفا تتحرك في خطوط مستقيمة، والسفلى صورة مكبرة لخطين من هذه الخطوط!!
شكل ?: وأول من نجح في تصوير الذرات تصويرًا فوتوغرافيًّا هو تشارلس ويلسون عام ????، وهاتان الصورتان منقولتان عنه.

مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم


في كتابي «مطالعات علمية»? الذي نُشر بالقاهرة عام ???? أنشأت فصلًا تحت عنوان «تركيب الذرة»، قلت فيه: «لعل بعض حضرات القراء يشعر أنني إذ أتحدث إليهم عن الذرة، إنما أضيِّع عليهم الوقت في الكلام عن صغائر الأمور، فالذرة — باعتراف الجميع — شيء صغير، وإذن فهي في عُرف الكثيرين شيء ضئيل وتافه، لا يستحق أن نصرف الوقت والمجهود في التحدث عنه، ولكي أنفي عن نفسي أية تهمة يمكن أن توجَّه إليَّ من هذا النوع؛ أذكر أن الذرة — وإن كانت صغيرة الجسم والوزن، إلا أنها — عظيمة القوة شديدة القدرة، فلو استطعنا أن نحصل على الطاقة الكامنة في ذرات جرام واحد من المادة العادية لكفى مقدار هذه الطاقة لتحريك قطار وزنه مئات الأطنان حول الكرة الأرضية بأسرها.» وفي ? أغسطس سنة ???? أعلن كلٌّ من رئيس جمهورية الولايات المتحدة ورئيس الوزارة البريطانية أن القوة الجوية التابعة للجيش الأمريكي ألقت قنبلة على قاعدة الجيش الياباني في هيروشيما، وأن هذه القنبلة قنبلة ذرية تزيد قوتها عن قوة عشرين ألف طن من أشد أنواع الديناميت فتكًا، وقد كانت القوة المدمرة لهذه القنبلة فظيعة بدرجة لا يمكن وصفها، وكان أثرها واسع المدى؛ فقد قُتل من كانوا خارج المنازل حرقًا، وقُتل من كانوا داخلها بسبب الضغط والحرارة التي لا يمكن أن توصف شدتها، وفي يوم ? أغسطس سنة ???? جاء في بلاغ خاص أذاعه القائد العام للقوات الأمريكية الجوية في المحيط الهادي أن قنبلة ذرية ثانية أُلقيت صباح ذلك اليوم على ناجازاكي، الميناء الياباني الكبير، وقد ورد في التقارير عن هذه القنبلة أنها محت من الوجود ما يقرب من ميلين مربعين من مدينة ناجازاكي، ودمرت جميع الأهداف الحربية في تلك المدينة، ولا شك في أن إلقاء هاتين القنبلتين كان له أثر هام في تعجيل انتهاء الحرب؛ فقد استسلمت اليابان يوم ?? أغسطس سنة ????، وأشار الميكادو في إعلان استسلامه إلى القنابل الذرية على أنها سبب من أسباب الاستسلام.
وفي مقال آخر لي — في نفس الكتاب المشار إليه آنفًا — تحت عنوان «علاقة المادة بالإشعاع» قلت: «ومنذ سنة ???? حدث تقدم كبير في استخدام النيوترونات لإحداث ما يسمى بالنشاط الإشعاعي الاصطناعي أو المكتسب، فقد وُجد أن العناصر التي ليس لها نشاط إشعاعي ذاتي يمكن تحويلها إلى عناصر ذات نشاط إشعاعي مكتسب بتعريضها للنيوترونات المتحركة. ولا بأس من الإشارة هنا إلى ما حدث أخيرًا من التوصل إلى قسمة أو فلق ذرة اليورانيوم بتعريضها لنيوترونات بطيئة؛ فقد تمكَّن هاهن واشتراسمان? في برلين من الحصول على عنصر الباريوم، ووزنه الذري ???، من عنصر اليورانيوم.» وأذكر أنني التقيت بدولة النقراشي باشا في حفلة شاي أقامها المغفور له أحمد ماهر باشا بحديقة منزله عام ????، وكان معنا الدكتور فارس نمر باشا، فدار الحديث حول الأحداث الدولية التي سبقت قيام الحرب، فقلت عندئذ إن العمل الذي قام به هاهن واشتراسمان من فلق ذرة اليورانيوم ربما كان أهم حدث في أخبار العالم، وأحسب أن كلامي حُمِل على أنه مغالاة في تقدير العلم والعلماء، ولا شك في أن التوصل إلى صنع القنبلة الذرية قد هزَّ الناس هزًّا عنيفًا في أنحاء المعمورة، وجعلهم يهتمون بأمر الذرة وتركيبها، ويحفلون بشأن العلوم الطبيعية والبحوث العلمية، ويتوقون إلى معرفة معنى النشاط الإشعاعي وغيره من الظواهر الذرية الأخرى التي أدى البحث فيها إلى صنع القنابل الذرية، ومقياس الناس في ذلك إنما هو مقياس القوة، فالعلوم الطبيعية في نظرهم قد صارت هامة لأنها تسيطر على قوى عظيمة، ومع أنني وكل عالِم لا نُقر هذا المقياس ولا نزن الأمور بهذا الميزان، إلا أنني رأيت من واجبي أن أنتهز فرصة اهتمام الرأي العام بأمر الذرة وتركيبها لأقدِّم للجمهور المثقف من قراء العربية هذا السِّفر المتواضع منتحيًا فيه ناحية التبسيط والبعد عن التعقيد الفني، وكل ما أرجوه أن أثير اهتمام الناس في مصر والشرق العربي بهذه الناحية الشائقة من نواحي البحوث الطبيعية، وأن أعمل على انتشار العقلية العلمية بيننا، تلك العقلية التي هي أساس كل تقدم إيجابي في عصرنا الحديث.
هوامش

(?) انظر كتاب «مطالعات علمية»، طبعة القاهرة، سنة ????، صفحة ??.(?) Hahn & Strassnmann.
تمهيد


الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ

إن البحث في الذرة لم يكن الباعث عليه الرغبة في استخدام القوة الكامنة فيها، أو الاستفادة من الطاقة المدخرة بين ثناياها، وإنما نشأ البحث في الذرة وتركيبها كما نشأ البحث في مختلف فروع العلم عن رغبة في المعرفة، نشأ عن أن العقل البشري يميل إلى دراسة الطبيعة وتفهُّم أسرارها، يميل إلى دارسة الكون والتعرف على خفاياه وما استغلق من أمره؛ ففي الفلسفة الإغريقية القديمة نجد أن طاليس الذي عاش في ميليتوس حوالي سنة ??? قبل الميلاد يتكلم عن ضرورة وجود وحدة أساسية أو جوهر أوَّلي تتألف منه المواد، كما نجد لوسيبوس وديبوكريتوس ولوكريتيوس يتكلمون عن ذرات تتركب منها المواد المختلفة ويبحثون في اختلاف هذه الذرات وتشابهها. وفي العصر العربي نجد الفلاسفة والمتكلمين يبحثون في منطقية الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ؛ كل هذه الأبحاث قد نشأت عن رغبة الإنسان في تفهم ما يحيط به من الظواهر الطبيعية، وفي أن يدرك كنه هذه الظواهر إدراكًا صحيحًا.
وقد ظلَّ البحث في الذرات وخواصها فرعًا من فروع الفلسفة الكلامية لا يكاد يتصل بالتجربة العملية بسبب حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ ففي ذلك العصر تقدمت دراسة الكيمياء تقدمًا كبيرًا، وازداد البحث والتنقيب، وأجهدت القرائح، فقام العالم الإنجليزي جون دالتون بإحياء رأي الأقدمين في وجود الذرة، ودلَّل على صحة هذا الرأي بنتائج التجربة في التفاعلات الكيميائية، ونشأت فكرة الجزيء الذي هو عبارة عن جملة ذرات مجتمعة معًا، فوضع علم الكيمياء على أساس منطقي مقبول.
العناصر والمركبات – الذرات والجزيئات

وقد قسَّم دالتون? وأتباعه المواد التي نعرفها جميعًا إلى قسمين؛ وهما العناصر والمركبات، وجعلها تتألف من ذرات العناصر مجتمعة على هيئة جزيئات، فالماء مثلًا — وهو أحد المركبات — مؤلف من جزيئات الماء، وكل جزيء من جزيئات الماء مؤلف من ذرتين من ذرات عنصر الأيدروجين وذرة من ذرات عنصر الأوكسجين، والأوكسجين الذي هو أحد العناصر مؤلَّف كذلك من جزيئات، إلا أن كل جزيء في هذه الحالة إنما يتألف من ذرتين متشابهتين من ذرات عنصر الأوكسجين. بهذه الطريقة تمكَّن دالتون وأتباعه من إرجاع جميع المواد التي كانت معروفة عندئذ إلى نيف وسبعين عنصرًا، لكل واحد منها ذرة خاصة؛ أي إن العالم المادي بأسره قد أمكن تصوره على أنه مبني من نيف وسبعين نوعًا من أنواع الذرات. وقد زاد هذا العدد حتى وصل في الوقت الحالي إلى ثلاثة وتسعين عنصرًا، وإلى أواخر القرن الماضي كانت هذه الآراء تُعرف بالفرض الذري أو بالنظرية الذرية، على اعتبار أنها نظرية علمية تفرضها علينا الحقائق التي نعرفها عن التفاعلات الكيميائية وتتفق مع هذه الحقائق، ومن سوء الحظ أن كلمة أتوموس الإغريقية التي اشتق منها اسم الذرة في معظم اللغات الحديثة معناها الحَرفي: ما لا يقبل التجزئة؛ لذلك كان من الفِكَر الشائعة في الأذهان أن الذرة لا تقبل التجزئة، بعكس الجزيء الذي يقبل التجزئة إلى ذرات.
نشأة البحث في تركيب الذرة

وفي أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي حدث تطور عنيف في العلوم الطبيعية أدى إلى ثلاثة أمور جوهرية؛ الأمر الأول: أن الذرات قد أمكن تصويرها فوتوغرافيًّا واحدة واحدة، ويجد القارئ في? صورة فوتوغرافية للذرات متحركة؛ وبذلك تحول الكلام عن الذرات من مجرد فرض أو نظرية علمية إلى حقيقة واقعة؛ أي إن كل شك في وجود الذرة كوحدة مستقلة قد زال، وصارت الذرة شيئًا خاضعًا للمشاهدة المباشرة له وجود خارجي. والأمر الثاني: أن الذرة التي كان يُظن أنها غير قابلة للتجزئة قد ثبت أنها تتجزأ؛ فبعض الذرات ينفجر من تلقاء ذاته كذرات الراديوم واليورانيوم وغيرهما من العناصر ذات النشاط الإشعاعي، والبعض الآخر يمكن تحطيمه أو تهشيمه بوسائل خاصة. ويرجع الفضل في هذا التقدم إلى بيكيريل? وكوري،? ومدام كوري وأتباعهم في فرنسا، وإلى تومسون? ورَذرفورد? وأتباعهما في إنجلترا. والأمر الثالث: أن ذرات العنصر الواحد — وهي التي كان يُظن أنها متشابهة من جميع الوجوه — قد ثبت أن بينها اختلافًا في الوزن دون أن يكون لذلك أي أثر في خواصها الكيميائية أو في طبيعة الإشعاع الصادر عنها، ويرجع الفضل في إثبات ذلك إلى صودي? وآستون? وأتباعهما في إنجلترا؛ وبذلك تفتَّح أمام البشر عالم جديد، هو عالم داخل الذرة، ذلك العالم الذي ظلَّ مغلقًا مستعصيًا إلى عهدنا الحالي، ونشأ بحث — بل نشأت مباحث عدة — في تركيب الذرة، هي التي سأحاول أن أصف نتائجها فيما يلي. هوامش

(?) J. Dalton.(?) J. Becquerel.(?) J. & P. Curie.(?) J. J. Thomson.(?) E. Rutherford.(?) Saddy.(?) Aston.
الفصل الأول
ألفَا – بيتَا – جامَا


ألف – باء في تركيب الذرة

ألفا – بيتا – جاما؛ أول حروف الهجاء في اللغة الإغريقية، والحروف الإغريقية ليست غريبة علينا؛ إذ إن الحروف العربية نفسها قد رُتبت على نسق الحروف الإغريقية؛ فقيل: أبجد هوز … إلخ، وإذن فإن «ألفَا – بيتَا – جامَا» تقابل «ألف – باء – جيم»، ولذلك فهي تصلح كنقطة ابتداء لتعلُّم لغة الذرة، وقد دخلت هذه الحروف في لغة الذرة في أواخر القرن الماضي عندما اكتشف اليورانيوم والراديوم وغيرهما من العناصر ذات النشاط الإشعاعي.
والذين رأوا الشريط السينمائي عن حياة مدام كوري يذكرون ذلك التوهج أو ذلك الإشعاع المنير في الظلام الذي ظهر لمدام كوري عندما نظرت لأول مرة إلى عنصر الراديوم، وقد استرعى أمر هذه الأشعة نظر العالم العلمي؛ فقام العلماء يحللونها ويدرسون خواصها، وسُميت الظاهرة بظاهرة النشاط الإشعاعي؛ فمن ذلك أنهم جعلوا هذه الأشعة تمر بمجال مغناطيسي، فتحللت إلى ثلاثة أجزاء، انحرف أولها إلى جهة اليمين بفعل القوة المغناطيسية، وانحرف ثانيها إلى جهة اليسار بفعل نفس القوة، ومضى ثالثها في سبيله لا يلوي على شيء، ولما لم يكن السبب في ذلك واضحًا في أول الأمر فقد اكتفى العلماء بأن سموا الجزء الأول أشعة ألفَا، والجزء الثاني أشعة بيتَا، والثالث أشعة جامَا؛ تمييزًا للواحد منها عن الآخر.
وقد أثبتت البحوث فيما بعد أن أشعة ألفَا وأشعة بيتا ليستا أشعة بالمعنى العادي لهذه الكلمة، فهما ليستا من نوع أشعة النور، بل إن كلًّا منهما عبارة عن جسيمات صغيرة تحمل الكهرباء؛ فأشعة ألفَا تحمل كهرباء موجبة، ولذلك فهي إذا انحرفت إلى ناحية اليمين (انظر شكل ?-?) فإن أشعة بيتا التي تحمل كهرباء سالبة تنحرف إلى اليسار، أما أشعة جاما فليست جسيمات، وبالتالي فهي ليست مكهربة، وإنما هي أشعة بالمعنى العادي للكلمة تشبه أشعة النور، وإنما تختلف عنها في قصر موجتها، وهي في الواقع لا تختلف كثيرًا عن أشعة إكس التي يعرفها كل منا، ونستخدمها في تصوير عظامنا وداخل أحشائنا؛ من أجل ذلك سُميت الجسيمات المتحركة في أشعة ألفا جسيمات ألفا، وسميت الأخرى جسيمات بيتا. شكل ?-?: ألفا غما بيتا.
وسيَرد ذكر جسيمات ألفَا كثيرًا في هذا الكتاب، ولذلك يحسن أن يتعرف القارئ على خواص هذه الجسيمات، فالجسم الواحد من جسيمات ألفا لا يزيد وزنه على سبعة أجزاء من مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام، والواقع أن وزن مليون مليون جسيم من جسيمات ألفا يساوي نحو ??? أجزاء من مليون مليون جزء من الجرام، ووزن جسيم ألفا أربعة أمثال وزن ذرة الأيدروجين التي هي أخف الذرات جميعًا، أما جسيم بيتا فوزنه أقل من ذلك بكثير، ويساوي نحو جزء من ???? جزء من وزن ذرة الأيدروجين، والكهرباء التي يحملها جسيم ألفا ضعف كمية الكهرباء التي يحملها جسيم بيتا من حيث المقدار، وهي — كما قدمنا — مخالفة لها في النوع.
تهشُّم الذرة وتناثر بعض أجزائها

وقد ثبت أن ما نسميه النشاط الإشعاعي لليوارنيوم والراديوم وأمثالهما إنما هو تهشُّم ذرات هذه المواد وتناثر أجزائها، فذرة اليورانيوم ليست باقية على حالها، وليست الأمور في داخلها مستقرة كما هو الحال في ذارت العناصر العادية، فهي ذرة مضطربة منفجرة يعوزها الاتزان والاستقرار، وتلك هي الميزة التي تميزها وأمثالها عن غيرها من الذرات، وإذا فهم القارئ ذلك فإنه يفهم ببساطة أهمية دراسة الجسيمات التي تنبعث عن الذرة في أثناء تهشُّمها وتحطمها؛ إذ إن هذه الجسيمات لا بد داخلة في تركيب الذرة، فهي — أجزاؤها أو أحشاؤها — تنبئنا بما استقر في باطنها، ونضرب لذلك مثلًا؛ فنفرض أن بناءً تهَشَّم وتناثرت بعض أجزائه، وأننا وجدنا بين هذه الأجزاء المتناثرة أحجارًا من نوع معين؛ فإنه يحق لنا أن نحكم بأن هذه الأحجار داخلة في تركيب هذا البناء، وهكذا الحال في أمر الذرة.
جسيمات بيتا أو الإلكترونات

وتمتاز جسيمات بيتا التي تنبعث من ذرات العناصر ذات النشاط الإشعاعي بأنها جسيمات شائعة في جميع المواد منتشرة في العالم المادي انتشارًا عظيمًا، وقد سبق الكشف عنها الكشف عن اليورانيوم والراديوم، فالأنابيب الغازية من النوع المبين في (شكل ?-?) إذا أُمِرَّ فيها تيار كهربائي وكان ضغط الغاز قليلًا صدر عن القطب السالب فيها (وهو الذي يسمى بالمهبط) أشعة تُعرف بأشعة المهبط ثبت أنها مؤلَّفة من جسيمات بيتا. شكل ?-?
والحصول على جسيمات بيتا من المادة أمر يسهل نسبيًّا، فنحن إذا أحمينا سلكًا معدنيًّا انبعثت منه هذه الجسيمات تحت تأثير قوة كهربائية جاذبة، بل إن مرور التيار الكهربائي في سلك من النحاس إنما هو عبارة عن حركة هذه الجسيمات بين ثنايا مادته، فجسيمات بيتا إذن جزء أساسي من أجزاء المادة، وقد أُطلق على هذه الجسيمات اسم أقصر وأسهل هو اسم الإلكترون، ومعنى هذا أن جسيمات بيتا إن هي إلا إلكترونات، والفرق الأساسي بين جسيمات بيتا المنبعثة عن الذرة وبين الإلكترونات المتحركة في أشعة المهبط إنما هو فرق في السرعة، فسرعة الإلكترونات في أشعة المهبط ربما وصلت إلى سرعة الضوء أو إلى نصفها، ولكنها لا تزيد على ذلك، أما الإلكترونات المنبعثة عن عنصر الراديوم فتصل سرعاتها إلى ما لا يقل عن سرعة الضوء بأكثر من ??. أول قنبلة ذرية

وما قيل عن الفرق بين السرعتين في حالة الإلكترونات يقال في حالة جسيمات ألفَا، فجسيمات ألفَا التي تُستحدث صناعيًّا داخل الأنابيب الغازية المفرغة، والتي تُعرف بأشعة القناة، ربما تصل سرعتها إلى جزء من مائة جزء من سرعة الضوء، أما جسيمات ألفَا الصادرة عن عنصر الراديوم فتصل سرعتها إلى عشرة أمثال هذا المقدار، ولما كان وزن جسيم ألفَا يعادل أربعة أمثال وزن ذرة الأيدروجين — كما تقدم — فإن اجتماع وزنه وسرعته معًا يجعله قذيفة لها خطرها إذا أُطلقت على الذرات عاملة على تفتيتها، فهي بمثابة قنابل يمكن إطلاقها على ذرات العناصر، فإذا اصطدمت بذرة اصطدامًا عنيفًا هزَّتها، وربما طردت بعض أجزائها خارجها.
وأول من استخدم جسيمات ألفَا كقنابل يطلقها على ذرات العناصر هو العالم الإنجليزي اللورد رذرفورد أستاذ الطبيعيات بجامعة كامبردج، ونحن إذا وصفنا تجارب رذرفورد على أنها إطلاق لقنابل ذرية فإننا لا نقصد بالقنابل الذرية تلك القنابل التي ألقيت على هيروشيما وناجازاكي والتي سُميت قنابل ذرية؛ لأن طاقتها مستمدة من داخل الذرات، أما القنابل التي أطلقها رذرفورد داخل معمله فهي قنابل ذرية، بمعنى أنها هي نفسها ذرات أو أجزاء من ذرات تُطلق على الذرات، ولما كانت كتلة القنبلة التي هي جسيم ألفَا لا تزيد على سبعة أجزاء من مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام — كما قدمنا — فإن أبحاث رذرفورد لم تسترعِ إلا انتباه العلماء الذين يقيسون الأمور بمقياس المنطق والمعرفة، وليس بمقياس القوة الغاشمة، ومع ذلك فإن قنابل رذرفورد الذرية المتناهية في الصغر والضآلة هي التي فتحت خزائن الطاقة الذرية لمن يريد أن يستخدمها في التخريب والتدمير.
النتيجة الأولى لأبحاث رذرفورد – النواة

وحتى عام ???? لم يكن العلماء يعرفون إلا القليل عن طريقة اجتماع أجزاء الذرة في داخلها، فالذرة تحتوي على جسيمات مكهربة، ولكن كيف تأتلف هذه الجسيمات؟ وهل تجتمع كلها في حيز صغير فتوزع فيه توزيعًا منتظمًا؟ وإذا كان التوزيع غير منتظم فبأي كيفية هو؟
وقد أدت بحوث رذرفورد إلى نتيجة هامة لا تزال ترشد الباحثين إلى يومنا هذا؛ ألا وهي أن الذرة مؤلفة من نواة أصغر كثيرًا من الذرة ذاتها، تحيط بها إلكترونات تتحرك في فضاء يحيط بالنواة، فالذرة عبارة عن نواة تحيط بها إلكترونات، والإلكترونات خارجية في تركيب الذرة؛ أي إنها تشغل الجزء الخارجي فيها، أما النواة فهي المركز الذي تجتمع حوله الذرة، والنواة هي التي تتركز فيها مادة الذرة بحيث يكون وزن النواة مساويًا تقريبًا لوزن الذرة بأكملها ولا يقل عنه إلا قليلًا، والسبب في ذلك: أن الجزء الخارجي من الذرة — وهو الإلكترونات — خفيف جدًّا، وقد سبق القول إن وزن الإلكترون لا يزيد عن جزء من ???? جزء من وزن أخف ذرة نعرفها وهي ذرة الأيدروجين،? فأبحاث رذرفورد هي التي أكدت للعلماء أن لكل ذرة نواة تحتوي على الجزء الأعظم من وزن الذرة، ويختلف عدد الإلكترونات المحيطة بالنواة باختلاف الذرات: فذرة الأيدروجين لها نواة يحيط بها إلكترون، وذرة الهيليوم لها نواة يحيط بها إلكترونان اثنان، وذرة الحديد لها نواة يحيط بها ستة وعشرون إلكترونًا، وهكذا، ولا يزيد قطر النواة عن جزء من عشرة آلاف جزء من قطر الذرة نفسها، أما قطر الذرة فيتراوح بين جزء من مائة مليون جزء، وجزء من عشرة ملايين جزء من السنتيمتر. وقد ثبت أن جسيمات ألفَا إن هي إلا نوى عنصر الهيليوم، كما أطلق اسم البروتون على نواة الأيدروجين الخفيف، واستُخدمت البروتونات في مهاجمة الذرات بنفس الطريقة التي استخدمت بها جسيمات ألفَا، إلا أنه لما كان وزنها يعادل ربع وزن جسيمات ألفَا فإن مقدرتها على تجزئة النواة تكون أقل تبعًا لذلك، ويحمل البروتون نصف ما يحمله جسيم ألفَا من الكهرباء الموجبة، وهذا يساوي في المقدار ويخالف في النوع ما يحمله الإلكترون.
النتيجة الثانية لأبحاث رذرفورد – تحويل العناصر

عندما أطلق رذرفورد جسيمات ألفَا على غاز الأزوت تحقق حلم قديم للكيميائين، ألا وهو تحويل العناصر الواحد منها إلى الآخر، والذي حدث هو أن جسيم ألفَا دخل في تكوين نواة الأزوت وخرج من النواة في الوقت ذاته بروتون، فتحولت النواة من نواة أزوت إلى نواة أوكسجين، ومع أن تحول العناصر من عنصر إلى آخر كان معروفًا في دائرة العناصر ذات النشاط الإشعاعي كالراديوم، إلا أن هذه الظاهرة كانت محدودة النطاق، أما تحويل عنصر مثل عنصر الأزوت إلى عنصر آخر مثل عنصر الأوكسجين فلم يكن في طاقة البشر، والتجارب التي أجراها رذرفورد لم تكن تجارب كيميائية، فالتحويل إنما حدث لعدد قليل من الذرات بحيث تعجز الوسائل الكيميائية عن امتحانه أو التعرف عليه، ومع ذلك فقد برهن رذرفورد وأتباعه على أن ذرة الأزوت قد تحولت فعلًا إلى ذرة الأوكسجين، وبذلك بدأ عصر جديد في علم الطبيعة وعلم الكيمياء على حد سواء.
هوامش

(?) تمييزًا له عن الأيدروجين الثقيل الذي سيأتي الكلام عنه فيما بعد.
الفصل الثاني
الأرقام الذرية وتركيب الذرة


ترتيب الذرات – جداول مندليف

من المعلوم أن العالم الروسي مندليف? وضع في عام ???? جدولًا للعناصر رتَّبها فيه وفق أوزانها الذرية، فوضع الأيدروجين — وهو أخف العناصر — أولًا، يليه الهيليوم ثم الليثيوم ثم البيريليوم ثم الكربون ثم الأزوت ثم الأوكسجين وهكذا، ولم يضع مندليف العناصر في قائمة رأسية، بل إنه رتَّبها على صورة جدول شبيه بجدول الضرب له خانات أفقية وأخرى رأسية، وجعل عدد الخانات الأفقية ثمانية، فإذا انتهى من خانة أفقية رجع إلى أول الخانة التي تليها، وبهذه الطريقة انقسمت العناصر إلى مجموعات أو أُسَر تقع كل أُسرة في خانة رأسية واحدة، فمن ذلك أن عنصر الفلور وعنصر الكلور وكذلك البروم واليود تقع كلها في خانة رأسية واحدة، وكذلك يقع الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم والسيزيوم في خانة أو أسرة أخرى. وقد وجه مندليف النظر إلى أن أعضاء الأسرة الواحدة تتشابه فيما بينها في خواصها الكيميائية، ومعنى هذا أن الخواص الكيميائية للعناصر تتكرر تكرارًا دوريًّا كل ثمانية عناصر، فالعنصر الثاني يشبه العنصر العاشر والثامن عشر وهكذا، والعنصر الثالث يشبه الحادي عشر والتاسع عشر وهكذا، ولعل هذا يذكِّر بعض القراء بما يحدث في السلم الموسيقي الذي تتكرر خواصه كلما انتقلنا من قرار إلى جواب ثم إلى جواب الجواب وهكذا. ومع أن جداول مندليف الدورية لم تكن لها صفة الكمال فلا شك في أنها ساعدت على تقدم البحث، حتى لقد أدت إلى اكتشاف بعض العناصر الجديدة لخلو أماكنها في الجدول، وقد وضع مندليف أمام كل عنصر في الجدول الرقم الذي يدل على وزنه الذري، متخذًا الأيدروجين مثقالًا للذرة، ثم وجد العلماء بعد ذلك أن من الأنسب استخدام مثقال آخر يساوي من وزن الأوكسجين، وهذه الوحدة الجديدة للقياس تقل عن سابقتها بنحو ثمانية أجزاء في الألف جزء، وتمتاز بأن الأوزان الذرية للعناصر تكون قريبة من الأعداد الصحيحة. منطق الأرقام

ومما يحكى أن الأستاذ مندليف عندما ألقى بحثه عن جداوله الذرية أمام المجمع العلمي الروسي اعترض عليه أحد الحاضرين في شيء من السخرية متسائلًا؛ لماذا لم يرتب الأستاذ مندليف العناصر حسب الحروف الهجائية لأسمائها، ثم يبحث عن التشابه في خواصها على هذا الأساس؟! والواقع أن الإنسان ليعجب من هذه المقدرة الهائلة التي تتسلط بها الأرقام على الطبيعة، وترتيب العناصر من ? إلى ?، ثم من ? إلى ??، ثم من ?? إلى ?? وهكذا، مسألة عددية بحتة، ومع ذلك فالتشابه بين عنصرين كالصوديوم والبوتاسيوم في خواصهما الكيميائية حقيقة واقعة في العالم المادي تظهر لنا بعيدة كل البعد عن حساب الأعداد والأرقام، ومنطق الأرقام في جداول مندليف منطق مقنع، وهو في الوقت ذاته منطق منتِج يؤدي إلى تقدم العلم والمعرفة البشرية.
الأرقام الذرية وعدد الإلكترونات الخارجية

سبقت الإشارة إلى أن ذرة كل عنصر من العناصر مؤلفة من نواة يحيط بها عدد من الإلكترونات، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما هو عدد الإلكترونات التي تحيط بالنواة في كل عنصر من العناصر؟ والعلم مدين في الإجابة عن هذا السؤال لشاب إنجليزي قُتل في الحرب الماضية ولم يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة اسمه موزلي،? فقد وجد موزلي من أبحاثه في أشعة إكس الصاردة عن العناصر المختلفة أن عدد الإلكترونات المحيطة بالنواة مساوٍ دائمًا للرقم الذري للعنصر، وهي حقيقة تجمع بين البساطة المتناهية والقوة النافذة، ومعنى هذا أننا إذا رتبنا العناصر تبعًا لأوزان ذراتها من الأخف إلى الأثقل وهكذا، ثم رقمناها ترقيمًا متسلسلًا، فإن الرقم المقابل لكل عنصر يساوي عدد الإلكترونات المحيطة بنواة الذرة، وفيما يلي قائمة تحتوي على الاثني عشر عنصرًا الأولى في جدول العناصر، وأمام كل عنصر الرقم الدال على ترتيبه في الجدول الذي هو نفسه الرقم الدال على عدد الإلكترونات المحيطة بالنواة. اسم العنصرعدد الإلكترونات المحيطة بالنواةالأيدروجين?الهيليوم?الليثيوم?البيريليوم?البورون?الكربون?الأزوت?الأوكسجين?الفلور?النيون??الصوديوم??المغنسيوم??
ويسمى رقم العنصر في جدول العناصر «الرقم الذري»، ويكون معنى قانون موزلي أن الرقم الذري يساوي عدد الإلكترونات المحيطة بالنواة.
طبقات الإلكترونات

ولم تقف بحوث موزلي عند إثبات هذا القانون الهام، بل إنه توصل إلى معرفة طريقة توزيع الإلكترونات حول النواة، فوجد أنها تقع في طبقات، طبقة داخلية تحيط بها أخرى ثم أخرى وهكذا، واستخدمت الحروف اللاتينية M, L, K … إلخ … للدلالة على هذه الطبقات، ولا بأس من استخدام الحروف ك، ل، م، إلخ … في لغتنا لهذا الغرض، فنتكلم عن طبقة «ك» أو الطبقة الكافيَّة للدلالة على طبقة الإلكترونات الداخلية التي هي أقربها للنواة، وطبقة «ل» أو اللاميَّة للتي تليها، وهكذا. ومن ألذِّ البحوث العلمية البحث في توزيع الإلكترونات بين الطبقات المختلفة وعلاقة ذلك بالإشعاع الصادر عن الذرة، وقد وجد أن لكل طبقة عددًا ثابتًا من الإلكترونات هو أكبر عدد يجوز أن يحل في هذه الطبقة، فالطبقة الكافيَّة لها إلكترونان اثنان، والطبقة اللامية ثمانية، والطبقة الميمية ??، والنونية ??، ثم يتناقص العدد بعد ذلك إلى الطبقات الخارجية. الرقم الذري وخواص الذرة

ويحدد الرقم الذري للعنصر خواصه الكيميائية والإشعاعية تحديدًا يكاد يكون تامًّا، فالعبرة في خواص العنصر ليست بوزنه الذري ولكن برقمه الذري، هذه حقيقة كان لها أثر عظيم في تطور البحث وجَّهت العلماء توجيهًا منتجًا في موضوع اختلاف ذرات العنصر الواحد، فقد كان المفروض حتى أوائل القرن الحالي أن ذرات العنصر الواحد كلها متشابهة من جميع الوجوه وخاصة متساوية في الوزن، واعتبر الوزن الذري للعنصر مساويَّا لوزن ذرته، هو أمر بديهي؛ إذ لا معنى للكلام عن الوزن الذري إذا لم نقصد به وزن الذرة.
وكان المفهوم أن الخواص الكيميائية للعنصر تتحدد بوزنه الذري، فلما عُرف أن الرقم الذري هو الذي يحدد خواص العنصر نشأ البحث في تشابه ذرات العنصر الواحد واختلافها، وهل يجوز أن تتفق ذرتان في الرقم الذري مع اختلافهما في الوزن؟ والرقم الذري هو عدد الإلكترونات المحيطة بالنواة، أما وزن الذرة فهو ثُقل النواة ذاتها التي تحتوي على جُلِّ مادة الذرة كما سبق الإشارة، وقد بدأ الشك يتطرق إلى الاعتقاد في تشابه ذرات العنصر الواحد من حيث الوزن، ونشأ هذا الشك من الناحية التجريبية من دراسة العناصر ذات النشاط الإشعاعي.
كهرباء النواة

وقبل البحث في موضوع النشاط الإشعاعي وعلاقته بوزن الذرة ورقمها سأشير إلى حقيقة بسيطة لا بد للقارئ أن يدركها إن لم يكن قد أدركها من تلقاء نفسه، فالذرة عبارة عن نواة يحيط بها عدد من الإلكترونات يساوي الرقم الذري للعنصر، وكل إلكترون من الإلكترونات يحمل كمية معينة من الكهرباء السالبة، وقد قام الباحثون في أوائل القرن الحالي بقياس هذه الكمية مقياسًا مضبوطًا، وبرهنوا على أن جميع الإلكترونات تحمل نفس الكمية من الكهرباء، حتى لقد صارت هذه الكمية وحدة ثابتة من وحدات علم الطبيعة، ولعل أدق من قاسوا هذه الوحدة العالِم الأمريكي ميليكان،? فوجد أنها تساوي ????? من عشرة آلاف مليون جزء من وحدات الكهرباء الإستاتيكية، فإذا اتخذنا هذه الكمية وحدة للقياس فإن الإلكترون الواحد يحمل وحدة منها، والإلكترونين يحملان وحدتين، وهكذا، وإذن فالإلكترونات المحيطة بالنواة تحمل عددًا من هذه الوحدات الكهربائية يساوي عدد الإلكترونات، ولما كانت الذرة في مجموعها متعادلة من الناحية الكهربائية وجب أن تحمل النواة عددًا من الوحدات الكهربائية الموجبة يساوي عدد الإلكترونات المحيطة بها؛ وذلك لكي تتعادل الكهرباء الموجبة والكهرباء السالبة للذرة. فنواة الذرة إذن تحمل كهرباء موجبة تزداد بازدياد الرقم الذري، ومعنى هذا أن نواة الأيدروجين تحمل وحدة من الكهرباء الموجبة، ونواة الهيليوم تحمل وحدتين، والليثيوم ثلاث وحدات، وهكذا.
عودٌ إلى النشاط الإشعاعي

وهنا نعود بالقارئ إلى ظاهرة النشاط الإشعاعي وننظر في شيء من التفصيل إلى ما يحدث لذرة اليورانيوم أثناء تجزُّئها؛ فاليورانيوم الذي يرمز له بالرقم ? عدده الذري ??، وإذن نواته تحمل اثنتين وتسعين وحدة من وحدات الكهرباء الموجبة، ويخرج من نواة (اليورانيوم ?) جسيم ألفَا فيتحول إلى ما يسمى (يورانيوم س?)، ولما كان من المعلوم أن جسيم ألفا يحمل وحدتين من الكهرباء الموجبة فإن كهرباء النواة تنقص لذلك بمقدار هاتين الوحدتين فيصير رقمه الذري ?? بدلًا من ??، ثم يتحول (يورانيوم س?) إلى (يورانيوم س?) بخروج جسيم بيتا من نواته، ويتحول هذا الأخير إلى (يورانيوم ?) بخروج جسيم بيتا آخر، ولمَّا كان كل جسيم من الجسيمَيْن بيتا يحمل وحدة من الكهرباء السالبة، فإن عدد وحدات الكهرباء الموجبة التي تحملها النواة يعود إلى ما كان عليه؛ أي يصير ?? وحدة، وإذن فأمامنا ذرتان؛ ذرة (يورانيوم ?) وذرة (يورانيوم ?) متساويتان في رقمهما الذري وهو ??، ومع ذلك فإننا نعلم علم اليقين أن وزن ذرة (اليورانيوم ?) أقل من وزن ذرة (اليورانيوم ?) بمقدار أربع وحدات من وحدات الوزن الذري، وذلك بسبب خروج جسيم ألفا الذي وزنه يساوي أربع وحدات، فالذرتان (يورانيوم ?) و(يورانيوم ?) متساويتان في رقمهما الذري ومختلفتان في وزنهما.
ولما كانت الخواص الكيميائية والإشعاعية للذرة لا تتوقف إلا على رقمها الذري، وجب أن نُسلِّم بأن (اليورانيوم ?) و(اليورانيوم ?) ذرتان لعنصر واحد.
اختلاف ذرات العنصر الواحد في الوزن – أصناف العنصر

وقد دلَّت الأبحاث التي قام بها صودي وآستون وغيرهما على أن كل عنصر من العناصر له ذرات مختلفة في الوزن مع تساويها في الرقم الذري، فعنصر الأوكسجين مثلًا له ذرة وزنها ??، وأخرى وزنها ??، وثالثة وزنها ??، والرقم الذري لكل واحدة من هذه الذرات المختلفة ?، وتسمى المواد المتحدة في خواصها الكيميائية والإشعاعية وفي الرقم الذري لذراتها مع اختلافها في الوزن الذري تسمى هذه المواد أصناف العنصر.? فعنصر الأوكسجين إذن له ثلاثة أصناف، وقد يصل عدد أصناف العنصر الواحد إلى عشرة كما هو الحال في عنصر القصدير، وتختلف النسب المئوية لأصناف العنصر الواحد، فبعضها يوجد بنسب عالية والبعض بنسب ضئيلة، فعنصر السيليكون مثلًا توجد له ثلاثة أصناف أوزانها الذرية ??، ??، ?? على التوالي، إلا أن نسبة وجود الصنف الأول في العنصر ????? والثاني ???? والثالث ????. ميزان الذرات أو مطياف الكتلة

وإذا كانت أصناف العنصر الواحد لا تكاد تختلف في خواصها الكيميائية ولا الإشعاعية، فكيف أمكن التوصُّل إلى معرفة ما بين ذرَّاتها من اختلاف في الوزن؟ إن أصناف العنصر الواحد تكوِّن مركبات متشابهة في خواصها الكيميائية؛ ولذلك كان من الضروري استحداث طرق خاصة لفصلها وتفريقها، أما طريقة التحليل الطيفي على ما انطوت عليه من قدرة ونفاذ فإنها تعجز عن التفرقة إلا فيما ندر، فذرة الليثيوم التي وزنها ? وذرة الليثيوم التي وزنها ? لهما طيفان متشابهان من جميع الوجوه، وإن شئت فقل: إنه طيف واحد، وإذن فلا يمكن الاعتماد على الخواص الكيميائية ولا على المطياف? الضوئي في التمييز بين أصناف العنصر الواحد. وقد استخدم طومسن وآستون وصودي جهازًا مستحدثًا لقياس الذرة أطلقوا عليه اسم مطياف الكتلة،? أمكن بوساطته قياس أوزان الذرات بدرجة عالية جدًّا من الدقة، والأساس الذي بنيت عليه طريقة هذا المطياف هي مرور الذرات المكهربة في مجال كهربائي مغناطيسي، فتسير الذرات في مسارات منحنية يمكن حسابها بغاية الدقة بتطبيق قوانين علم الميكانيكا، ولمَّا كانت هذه المسارات تختلف باختلاف أوزان الذرات فقد أمكن حساب وزن كل ذرة على حدة. وتُعرف الأوزان الذرية التي يحصل عليها بهذه الطريقة بالأوزان الذرية الطبيعية؛ تمييزًا لها عن الأوزان الذرية الكيميائية، وفيما عدا طريقة مطياف الكتلة قد استحدثت طرق أخرى طبيعية لمعرفة وزن الذرة، منها طريقة الانتشار، وطريقة القوة الطاردة المركزية، وأهمها في المدة الأخيرة طريقة التحليل الكهربائي، وقد أدت هذه الطرق مجتمعة إلى معرفة أوزان الذرات المختلفة بدقة عظيمة، كما أدت إلى اكتشاف بعض الجسيمات الجديدة مما سيأتي الكلام عنه في الفصل الآتي. هوامش

(?) Mendeléeff.(?) H. G. J. Moseley.(?) R. A. Millikan.(?) I sotopes.(?) Spectroscope.(?) Mass Spectrograph.
الفصل الثالث
أسلحة جديدة


الإلكترونات والبروتونات كأساس لبناء المادة

منذ نحو عشر سنوات ألقيت في المؤتمر السادس للمجمع المصري للثقافة العلمية محاضرة عنوانها: «الجسيمات التي كشف عنها حديثًا في علم الطبيعة»، وصفتُ فيها طرق الكشف عن هذه الجسيمات المستحدثة، وذكرت علاقتها بتركيب الذرة، وقد كنت أشعر — كما يشعر غيري من العلماء في ذلك الوقت — أن الكشف عن هذه الجسيمات أمر له خطره في البحوث الذرية، ثم أعدت نشر محاضرتي على صورة مقالة في كتابي «مطالعات علمية» الذي سبقت الإشارة إليه، وقد حققت الحوادث منذ ذلك الوقت ما كنا نترقبه من نتائج هامة للكشف عن هذه الجسيمات.
فإلى أوائل سنة ???? كان الإلكترون والبروتون هما الجسيمان الأساسيان في علم الطبيعيات الذرية، أحدهما يحمل كهرباء سالبة والآخر موجبة، وكان الرأي متجهًا إلى اعتبار هذين الجوهرين أساسًا لتركيب الذرة بحيث يتصور أن النواة مبنية من إلكترونات وبروتونات، فنواة الهيليوم مثلًا التي هي جسيم ألفا كان يُنظر إليها على أنها مركبة من أربعة بروتونات واثنين من الإلكترونات، وكذلك الحال في نوى العناصر الأخرى، ومع أن هذا الرأي لا تزال له وجاهته إلا أنه مما لا شك فيه أن الكشف عن الجسيمات الجديدة قد نفى عنه كثيرًا من بساطته.
النيوترون أو البروتون المتعادل

وأول هذه الجسيمات هو النيوترون، وهو مساوٍ للبروتون في وزنه، إلا أنه غير مكهرب، ويرجع الكشف عنه إلى البحوث التي قام بها بوث وبيكير? عام ????، وكانا يجريان تجاربهما على أشعة ألفا الصادرة عن عنصر البولونيوم فيسلطانها على عناصر مختلفة لمعرفة نتائج اصطدامها مع نوى ذرات هذه العناصر، وقد وجدا أن بعض العناصر لا سيما الليثيوم والبورون والفلور يصدر عنها في هذه الظروف أشعة تمر من خلال سنتيمترين من النحاس، وأن عنصر البريليوم على وجه خاص غني بمثل هذه الأشعة، ولما كانت هذه الأشعة عديمة الكهرباء، فقد افترض بوث وبيكير — بدون مناقشة — أنها أشعة جاما، أي إنها أشعة من نوع أشعة الضوء وليست جسيمات متحركة، وتابع جوليو وزوجه إيرين كورى جوليو? هذه الأبحاث مستخدمين مصدرًا أقوى من البولونيوم، فوجدا أن الأشعة المشار إليها تخترق عدة سنتيمترات من الرصاص، كما وجدا أن هذه الأشعة تطرد البروتونات عن شمع البارافين، إلا أن مدى هذه البروتونات لا يتفق مطلقًا وافتراض أن هذه الأشعة هي أشعة جاما، وفي ظرف يوم أو يومين من ظهور بحث جوليو وزوجه بيَّن تشادوك? أن كل الصعوبات القائمة في سبيل تفسير هذه الأشعة تنمحي إذا افترضنا أنها مؤلفة من جسيمات عديمة الكهرباء سميت نيوترونات. ومنذ ذلك الحين قد استحدثت النيوترونات بطرق مختلفة أخرى، أهمها طريقة استخدام بروتونات تزداد سرعتها بوساطة مجال كهربائي.
وقد وجد أن كتلة النيوترون تعادل كتلة البروتون، وقدَّر لها تشادوك ?????? من كتلة البروتون.
البوزيترون أو الإلكترون الموجب

ويرجع الكشف عنه إلى بحوث أندرسن? من بايزينا بأمريكا عام ????، وكان يشتغل في البحث عن الجسيمات التي تفصلها الأشعة الكونية عن جزئيات الغازات، وكان أندرسن يستخدم مجالًا مغناطيسيًّا يعادل نحو ????? جاوس، لمعرفة مقدار طاقة الجسيمات، وقد عثر أندرسن على جسيمات يمكن أن تخترق لوحًا من الرصاص سمكه ? مليمترات، وبمقارنة انحناء مسار الجسيم في ناحيتي اللوح يمكن معرفة اتجاه حركة الجسيم، وقد وجد أن الجسيم يحمل كهرباء موجبة، وأن كتلته أقل بكثير من كتلة البروتون، وفي نفس الوقت كان بلاكيت وأوتشياليني? يجريان مثل تجارب أندرسن بجهاز يمتاز عن جهاز أندرسن بأن التمدد في الغاز لا يحدث إلا عند مرور الأشعة الكونية، وقد أثبت هذان الأخيران عام ???? أن الكهرباء موجبة، وقد أمكن إحداث الإلكترون الموجب بطرق أخرى، أهمها: (أ) أن الأشعة الصادرة عن عنصر البريليوم والناشئة عن وقوع أشعة من عنصر البولونيوم عليه، والتي تتألف من أشعة ألفا ونيوترونات، إذا وقعت على عنصر الرصاص صدر عن هذا العنصر إلكترونات موجبة، وقد وجد هذا كل من تشادوك وبلاكيت وأوتشياليني وغيرهم.
(ب) أن أشعة جاما الصادرة عن (الثوريوم C) أو (الراسب الفعال للثوريوم) إذا وقعت على الرصاص صدر عن هذا الأخير إلكترونات موجبة. وقد اكتشف ذلك المذكورون وأندرسن.
الديبلون أو الأيدروجين الثقيل

كان الكشف عن هذا الجسيم ناشئًا عن الدقة الشديدة في قياس الفروق الصغيرة وملاحظتها كما حدث في الكشف عن عنصر الأرجون في الهواء الذي قام به لورد رايلي؛ فكثافة غاز الأيدروجين يمكن قياسها بالطرق الكيميائية، ويمكن مقارنتها بكثافة غاز الأوكسجين، كما أنه من الممكن أيضًا قياس هاتين الكثافتين ومقارنتهما بطريقة حركة البروتونات في جهاز ولسن، وقد لاحظ بيرج ومندل? أن بين الطريقتين فرقًا يعادل نحو ، ووجدا أن هذا الفرق أكثر من الخطأ المحتمل وقوعه، وقد فرضنا أن العلة في هذا الفرق ربما كانت راجعة إلى وجود أيدروجين ذرته أثقل من ذرة الأيدروجين العادي. وقد حقق صحة هذا الزعم كل من يوري وبركودل وميرفي? بطريقة التحليل الطيفي بمشاهدة خط خافت في طيف الأيدروجين، وقد وجد يوري وواشيرن أن التحليل الكهربائي يزيد من نسبة الأيدروجين الثقيل في الماء، وحصلا على ماء ثقيل مركَّز بوساطة التحليل الكهربائي المتكرر، وهذا ما سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن طريقة التحليل الكهربائي في فصل أصناف العناصر؛ إذ إن الأيدروجين الثقيل يمكن اعتباره أحد أصناف عنصر الأيدروجين، ويوجد نحو سنتيمتر مكعب واحد من الماء الثقيل في كل ? لترات من الماء العادي، وأول من حضر الماء الثقيل خالصًا تقريبًا هو ج. ن. لويس? من كاليفورنيا، وأرسل عينات منه لمعامل أوربا وأمريكا لدارسة خواصه. وقد سمي الأيدروجين الثقيل باسم ديبلوجين، وتتألف ذرته من ديبلون وإلكترون، كما تتألف ذرة الأيدروجين الخفيف من بروتون وإلكترون.
والديبلون جسيم يحمل من الكهرباء قدر ما يحمله البروتون، ولكن كتلته تساوي ضعف كتلة البروتون.
جسيمات أخرى

وقد عثر على جسيم آخر يحمل كهرباء سالبة بقدر ما يحمل الإلكترون، ولكن وزنه يساوي وزن الإلكترون نحو مائتي مرة، وقد سمي هذا الكائن الإلكترون الثقيل أو الميزون، كما أن هناك أدلة على وجود جسيم غير مكهرب يساوي وزنه وزن الإلكترون، وقد أطلق على هذا الجسيم اسم (النيوترينو).
أثر الجسيمات الجديدة في البحث الذري

إن الجسيمات الجديدة، وخصوصًا النيوترون والديبلون، هي بمثابة أسلحة جديدة لمهاجمة الذرة وتحطيمها والكشف عن أجزائها وطريقة تركيبها، فاللورد رذرفورد لم يكن لديه من القنابل القوية إلا جسيمات ألفا يطلقها على ذرات العناصر، أما بعد سنة ???? فقد أضيفت قنبلتان أخريان هما النيوترون والديبلون، ويمتاز النيوترون بأنه غير مكهرب؛ ولذلك فإن مقدرته عظيمة على اختراق النواة والتغلغل فيها، فالنواة — كما تقدم — تحمل كهرباء موجبة، فيحدث تنافر بينها وبين الجسيمات التي تحمل كهرباء موجبة مثل جسيم ألفا، فخلو النيوترون من الكهرباء يجعله يتقدم نحو النواة ويصل إليها غير حافل بالمجال الكهربائي الذي يحيط به، وهو من أجل ذلك سلاح ماضٍ له خطره.
والديبلون سلاح جديد آخر يمتاز بأن وزنه يعادل ضعف وزن البروتون، فهو إذن أمضى وأشد فعلًا، أما إذا قارناه بجسيم ألفا؛ فإن وزنه يعادل نصف جسيم ألفا، فهو أقل منه فعلًا من هذه الناحية، ولكن الكهرباء التي يحملها نصف ما يحمل جسيم ألفا فأثره بالقوة الكهربائية للنواة يكون أضعف من تأثر جسيمات ألفا.
أسلحة من نوع آخر

من المعلوم أن مقدرة القذائف على الفتك والتدمير تتوقف على عاملين أساسيين؛ أولهما وزن القذيفة، والثاني سرعتها، فكلما زاد الوزن زاد الفتك، وكذلك كلما زادت السرعة زاد الفتك أيضًا، ولما كانت جسيمات ألفا — وكذلك البروتونات والديبلونات — تُستخدم كقذائف في تحطيم النواة والفتك بالذرة، لذلك كان من المهم أن تزاد سرعة هذه القذائف إلى أكبر حد ممكن، وقد شغلت هذه المسألة أذهان الباحثين، فقاموا باستحداث أجهزة مختلفة الغرض، منها إيجاد جسيمات مكهربة ذات سرعات عالية لاستخدامها كقذائف تُطلق على الذرة.
جهاز السيكلوترون

وأهم الوسائل المستحدثة لإحداث جسيمات مكهربة ذات سرعات عالية هو جهاز السيكلوترون الذي أنشأه العالم الأمريكي لورنس? الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، وقد أجرى لورنس أبحاثه الأولى في استحداث هذا الجهاز بالاشتراك مع ليفينجستون?? عام ????، وبهذه المناسبة نذكر أن هذا هو نفس العام الذي دَلَّ فيه تشادوك على النيوترون، وكشف فيه أندرسن عن البوزترون، فهو عامٌ مبارك في تطور البحوث الذرية. وقد استخدم لورنس في أبحاثه الأولى تيارًا كهربائيَّا عالي التردد يصل إلى أربعة آلاف ?ولت، وحصل على جسيمات متحركة بسرعات تقابل ??? مليون ?ولت؛ أي تساوي نحو من سرعة الضوء مستخدمًا الديبلون كقذيفة، وتخرج هذه القذائف من الجهاز من نافذة صغيرة، ويمكن رؤية القذائف فتظهر على شكل شعاع متوهج أزرق اللون يتوقف طوله على كثافة الهواء الجوي، ويمكن معرفة سرعات الجسيمات المتحركة في هذا الشعاع بصفة تقريبية بالنظر إلى مدى طوله في الهواء، فكلما زادت السرعة زاد المدى. وقد قام لورنس بنفسه ببناء سيكلوترونات مختلفة الحجم تتفاوت طاقة أشعتها من ?? ألف ?ولت إلى ?? مليون ?ولت، ويمتد شعاع هذه الأخيرة في الهواء بعد خروجه من نافذة الجهاز إلى ما يقرب من مترين، ويقدر عدد السيكلوترونات المعلوم وجودها في العالم كله بنحو أربعين سيكلوترونًا مختلفة الحجم، وقد جاءت الأخبار منذ نحو سنتين بأنهم شرعوا في إقامة سيكلوترون هائل في مدينة بيركلي بالولايات المتحدة يصل الضغط الكهربائي فيه إلى ما يقرب من ثلاثمائة مليون ?ولت، وينفذ شعاعه في الهواء إلى مدى ?? مترًا، وأغلب الظن أن هذا الجهاز قد تم إعداده واستخدامه.
شرح الجهاز وميزاته

وسأشرح للقارئ الأساس الذي بُني عليه طريقة استخدام السيكلوترون والأجزاء الرئيسية للجهاز، فمن المعلوم أنه إذا تحرك جسيم مكهرب في مجال مغناطيسي فإنه يتحرك في دائرة، ويتوقف قطر الدائرة على سرعة الجسيم، فكلما زادت السرعة كبرت الدائرة، فإذا بدأ جسيم في الحركة ثم ازدادت سرعته فإن الدائرة التي يتحرك فيها يكبر قطرها؛ وبذلك يتحرك الجسيم في شكل لولبي.
وقد استخدم لورنس في جهازه قطبين كهربائيين كل منهما على شكل نصف دائرة؛ بحيث ينتج من اجتماعهما دائرة كاملة، وتبدأ الجسيمات في الحركة بالقرب من مركز الدائرة، وتسير في أول الأمر في دوائر صغيرة قريبة من المركز بتأثير المجال المغناطيسي العمودي على مستوى الدائرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن نصفي الدائرتين متصلان بجهاز كهربائي يجعل أحد النصفين يختلف عن الثاني في جهده الكهربائي، ويجعل هذا الاختلاف يتغير تغيرًا دوريًّا سريعًا، أو بعبارة أخرى: يتردد ترددًا عاليًا على نحو ما يقال في علم الكهرباء.
والسر في المسألة كلها ينحصر في ضبط زمن هذا التغير أو هذا التردد، بحيث يتفق تمامًا مع زمن دوران الجسيمات في دوائرها، فإذا عبر جسيم القطر الفاصل بين نصفي الدائرتين ازدادت سرعته بفعل الفرق بين الجهدين الكهربائيين، فإذا أتم نصف دائرة من حركته وعاد يعبر القطر في الاتجاه المضاد كان اتجاه الفرق بين الجهدين قد تغيَّر بحيث تزداد سرعة الجسيم مرة أخرى، وهكذا كلما عبر الجسيم القطر الفاصل ازدادت سرعته بفعل الجهد الكهربائي المتردد، فتزداد سرعته مرتين في كل دورة كاملة، وينشأ عن ازدياد السرعة اتساع دائرة الحركة، فيقترب الجسيم تدريجيًّا من حافة الدائرة إلى أن يصل إلى النافذة الموجودة في حافة الجهاز، فيخرج منها وقد اكتسب سرعة هائلة. وما يحدث للجسيم الواحد يحدث لغيره من الجسيمات فتخرج جميعًا منطلقة على صورة شعاع أزرق، وفي التجارب الأولى التي أجراها لورنس وليفنجستون دار كل جسيم ??? مرة في الجهاز قبل خروجه منه، ولما كانت سرعة الجسيم تكتسب إضافتين أو «علاوتين» في كل دورة فيكون عدد العلاوات ثلاثمائة، وفي الأجهزة الكبيرة التي شيدت حديثًا يزداد عدد العلاوات عن ذلك كثيرًا.
والميزة الكبرى في السيكلوترون أنها لا تحتاج إلى ضغط كهربائي عالٍ، فالصعوبات العملية في إيجاد ضغط يساوي مائة ألف ?ولت مثلًا عظيمة، أما في جهاز لورنس فيكفي استخدام بضع عشرات الألوف من ال?ولت لإحداث جسيمات تقابل طاقتها عشرات الملايين من ال?ولت.
هوامش

(?) Bothe and Becker.(?) Joliot et Iréne Curie Joliot.(?) Chadwiek نشر بحثه في مجلة Natue في أوائل سنة ????.(?) C. D. Anderson.(?) Blaekett and Occhialini.(?) Birge and Mendel.(?) Urey, Birkweddle and Murphy.(?) G.N. Lewis.(?) E. O. Lawrence.(??) M. S. Livingston.
الفصل الرابع
الطاقة الذرية


الطاقة

الطاقة لفظ يستعمله العلماء بمعنى خاص يختلف عن معناه عند الأدباء، وإن كان بين المعنيين ارتباط، والعلم من عادته أن يتطفل على لغة الأدباء في كل عصر وفي كل أمة؛ فيقتبس منها ما يراه ملائمًا لغرضه من الألفاظ والعبارات، ثم هو يعمد إلى تحريفها عن موضعها فيكسبها معاني ومدلولات اصطلاحية أو تواضعية تحل في لغة العلم والعلماء محل المعاني الأصلية، وكذلك تتنكر الكلمات على أهلها وتحتاج إلى من يقدمها إليهم في زيها الجديد.
فالطاقة في لغتنا العادية معناها الوِسع أو المقدور، فيقال: ليس ذلك في طاقتي؛ أي ليس في استطاعتي، وهي في الغالب تضاف إلى الإنسان، فيقال: طاقة البشر وطاقة فلان من الناس.
أما في الاصطلاح العلمي، فقد نشأت فكرة الطاقة مرتبطة بالحركة الميكانيكية للأجسام، ثم تطورت وتغلغلت في التفكير العلمي حتى صارت خاصية أساسية من خواص المادة، وارتبطت بالدراسات الطبيعية في سائر نواحيها، حتى صار لها من الشأن والأهمية ما للمادة أو أكثر.
نشوء فكرة الطاقة

ويرجع التفكير في الطاقة إلى النصف الأول من القرن السابع عشر حين فكَّر الفيلسوف الفرنسي ديكارت? فيما سماه مقدرة الجسم على الحركة، فمن المعلوم أننا إذا قذفنا جسمًا (كحجر مثلًا) في اتجاه رأسي إلى أعلى، فإن مقدرته على الاستمرار في الحركة إلى أعلى تتوقف على سرعته، فإذا زادت السرعة التي نقذفه بها زادت مقدرته على الارتفاع، وإذا نقصت السرعة نقصت، وكان ديكارت يعتبر هذه المقدرة متناسبة مع سرعة الجسم، فإذا تضاعفت السرعة مثلًا تضاعفت المقدرة، ودلل على ذلك بما هو معلوم من أن زمن حركة الجسم إلى أعلى متناسب مع السرعة التي يقذف بها. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر فكر العالم الألماني لايبنتز? في مقدرة الجسم على الحركة هذه، ولكنه ارتأى فيها رأيًا آخر، فمن المعلوم أننا إذا قذفنا جسمًا في اتجاه رأسي إلى أعلى فإن أقصى ارتفاع يصل إليه يتناسب لا مع السرعة ذاتها ولكن مع مربعها، فإذا تضاعفت السرعة ضُرِب الارتفاع في أربعة، وإذا ضربت السرعة في ثلاثة ضُرِب الارتفاع في تسعة وهكذا، وقد اعتبر لايبنتز بناء على ذلك أن مقدرة الجسم على الحركة يجب أن تتناسب مع مربع السرعة، وسمَّى هذه المقدرة على الحركة «بالقوة الحية». وفي أوائل القرن الثامن من عشر نُشر كتابٌ كان قد وضعه العالم الهولندي هايجنز? (????–????) وضمنه بحوثًا أجراها على تصادم الأجسام المرنة، وقد ذكر هايجنز في كتابه أن «القوة الحية» هذه تنتقل من جسم إلى آخر عند التصادم؛ بحيث يكتسب أحد الجسمين منها ما يفقده الآخر، فكأنما هذه القوة الحية سلعة تباع وتشترى بين الأجسام. طاقة الحركة وطاقة الجهد

وقد جاءت الأبحاث النظرية التي قام بها برنولي? ولاجرانج? معززة لفكرة «القوة الحية»، موجهة النظر إلى أهميتها، وأطلق عليها اسم جديد أقرب إلى التفكير العلمي فسميت «طاقة الحركة»؛ أي الطاقة أو المقدرة الناشئة عن الحركة. وتعرف طاقة الحركة بأنها نصف حاصل ضرب كتلة الجسم في مربع سرعته، فالحجر الذي كتلته مائة جرام مثلًا وسرعته عشرة سنتيمترات في الثانية يقال إن له طاقة حركة تساوي خمسة آلاف إرجًا؛ أي خمسة آلاف وحدة من وحدات الطاقة، ويسمى هذا النوع من الطاقة بطاقة الحركة تمييزًا له عن النوع الآخر الذي يعرف بطاقة الجهد أو طاقة الموضع، وطاقة الجهد تنسب إلى الجسم الساكن إذا كان موجودًا في موضع يسمح له ببذل الشغل، فالحجر الموجود عند قمة جبل وإن كان ساكنًا إلا أن ارتفاع مكانه من شأنه أن يسمح له ببذل الشغل في هبوطه إلى مستوى سطح الأرض.
وأظهر مثال على ذلك مياه الشلالات أو الخزانات كخزان أسوان، فإن وجود هذه المياه في أماكن مرتفعة يجعل لها نوعًا من الطاقة أو المقدرة على العمل المفيد كإدارة الآلات الكهربائية، وتقاس طاقة الجهد لجسم معلوم بحاصل ضرب القوة التي تؤثر فيه في المسافة التي يقطعها في هبوطه من موضعه الممتاز إلى الموضع الطبيعي أو العادي له.
فكل جسم متحرك إذن هو مورد للعمل المفيد يصح أن يستغله الإنسان في إدارة آلاته، وكذلك كل جسم يمكن أن يتحرك بسبب وجوده في مكان ممتاز هو أيضًا مورد للعمل المفيد، وكلا النوعين من الأجسام له طاقة، فالأول له طاقة حركة ناشئة عن حركته الفعلية، والثاني له طاقة جهد أو طاقة موضع ناشئة عن وضعه الممتاز وإمكان اكتسابه للحركة بالهبوط منه، وفي كلتا الحالين ترتبط الطاقة بحركة الأجسام أو بإمكان حدوث هذه الحركة، ولذا تعرف بالطاقة الميكانيكية، ونحن إذا تأملنا في الطبيعة التي تحيط بنا، شاهدنا أمثلة عدة على وجود الطاقة الميكانيكية، فالمياه الجارية يمكن استخدامها في إدارة الطواحين والطلمبات، ومياه الشلالات والخزانات مورد غني من موارد الطاقة.
ولعل القراء يذكرون مشروع منخفض القطارة الذي لا يزال قيد البحث، فالفكرة الأساسية فيه هي الاستفادة من هبوط مياه البحر من منسوبها العادي إلى منسوب منخفض القطارة بالصحراء الغربية، بل إن بعض العلماء قد فكر في الاستفادة من حركات مياه المد والجزر واستغلال طاقتها لمنفعة البشر.
الطاقة والعلوم الطبيعية

وفي أوائل القرن التاسع عشر بدأت فكرة الطاقة تتغلغل في العلوم الطبيعية وتتعدى مجرد الفكرة الميكانيكية، ومن أهم الأبحاث التي ساعدت على ذلك ما قام به العالم العصامي جيمس جول? (????–????) من التجارب التي فتحت بابًا جديدًا للمشتغلين بالعلوم الطبيعية، فقد أثبت هذا العالم أن مقدار الحرارة التي تتولَّد من احتكاك الأجسام تتناسب ومقدار الطاقة الميكانيكية التي تبذل في هذا الاحتكاك؛ أي إن الطاقة الميكانيكية تتحول إلى طاقة حرارية، كما بيَّن أيضًا أن الحرارة التي تتولد في سلك رفيع بمرور تيار كهربائي فيه ترتبط ومقدار الطاقة التي تبذل، ومعنى ذلك أن الحرارة التي تشعر بها أجسامنا إن هي إلا نوع من أنواع الطاقة، وقد أدت أبحاث جول إلى نشوء نوع جديد من فروع المعرفة يعرف بعلم الديناميكا الحرارية، فيه يبحث في حركات الجزيئات التي تتألف منها الأجسام وارتباط ذلك بحرارتها. الطاقة والمادة

ولم يأتِ آخر القرن التاسع عشر إلا وفكرة الطاقة قد اتصلت بجميع نواحي العلوم الطبيعية، فالكهربائية والمغناطيسية والصوت والضوء وسائر الأشعة غير المرئية صار ينظر إليها جميعًا كمظاهر مختلفة من مظاهر الطاقة؛ بحيث أمكن أن يقال إنه لا شيء في الوجود الطبيعي إلا المادة والطاقة.
ومما ساعد على تدعيم هذا الرأي ما وجد من أن الطاقة إذا تحولت من مظهر إلى مظهر آخر — كأن تتحول من كهربائية إلى حرارة مثلًا — فإن ذلك يحدث بنسبة ثابتة، فنشأ المبدأ القائل بعدم انعدام الطاقة أو بتحولها، فكما أن المادة لا تنعدم، وإنما تتحول من مظهر إلى مظهر آخر فكذلك الطاقة لا تفنى وإنما تتكيف بكيفيات مختلفة، فإذا تصادم جسمان — مثلًا — كما حدث في تجارب هايجنز المشار إليها فيما سبق، فإن الطاقة الميكانيكية تنتقل من أحدهما إلى الآخر كما ذكر هايجنز، ولكن الحقيقة الكاملة أن جزءًا من الطاقة الميكانيكية يتحول إلى حرارة أو إلى صوت بحيث يبقى مبدأ بقاء الطاقة نافذًا.
وحدات الطاقة

والطاقة كأي كمية أخرى تقاس بوحدات خاصة، فمثلًا الكالوري أو السعر هو كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة جرام واحد من الماء بمقدار درجة واحدة مئوية، وإذن فهو وحدة من وحدات الطاقة الحرارية، والكيلو واط/ساعة هو مقدار الطاقة التي يبذلها تيار كهربائي قدرته كيلو واط في زمن قدره ساعة، ولما كانت أنواع الطاقة يمكن تحويلها الواحدة منها إلى الأخرى — كما سبق وصفه — فإن الطاقة الحرارية تتحول إلى طاقة كهربائية وبالعكس، ولذلك فلا داعي لاستعمال وحدات مختلفة لأنواع الطاقة المختلفة من حرارية وكهربائية … إلخ، بل يكفي استخدام وحدة مشتركة بينها جميعًا، ولتكن الكيلو واط/ساعة مثلًا، وهو يعادل ما يقرب من ??? ألف كالوري، والكيلو واط/ساعة هذا هو الوحدة التي تعاملنا على أساسه شركات النور، وثمنه في القاهرة نحو قرشين، فهو وحدة متداولة ومعروفة، ومن الوحدات التي تستخدم عادةً في قياس الطاقة الذرية ال?ولت الإلكتروني، وهو يعادل ?? ألف كالوري عن كل عدد من الجرامات يساوي الوزن الذري للمادة.
الطاقة ومدنية الأمم

إن مدنية الأمم المختلفة تقاس بمقدار الطاقة الميكانيكية التي تستخدمها هذه الأمم في صناعاتها وسائر مرافقها، سواء أكانت هذه الطاقة مستمدة من الوقود أم من مساقط المياه أم من الرياح … إلخ، فاستهلاك الطاقة في الدول الأوروبية وأمريكا قد يزيد على ???? كيلو واط/ساعة للفرد الواحد في الأمة؛ أي ???? مليون كيلو واط/ساعة عن كل مليون نسمة، وفي روسيا سنة ???? بلغ استهلاك الطاقة الكهربائية ???? ألف مليون، وزاد في سنة ???? إلى ?? ألف مليون كيلو واط/ساعة، وإذا أتم مشروع استنباط الكهرباء من سد أسوان فينتظر أن تبلغ كمية الطاقة المستخرجة منه سنويًّا نحو ???? مليون كيلو واط/ساعة، والواقع أن ألف مليون كيلو واط/ساعة وحدة مناسبة جدًّا لقياس الطاقة، سواء أكنا نتكلم عن الاستهلاك السنوي للأمم المختلفة أم انتقل بنا البحث إلى الطاقة الذرية، ومن باب الاختصار سأسمي ألف مليون كيلو واط/ساعة باسم وحدة الطاقة، فإذا قلت وحدة الطاقة دون أي وصف آخر قصدت بها ألف مليون كيلو واط/ساعة.
مصادر الطاقة

وقد كان الوقود ولا يزال مصدرًا أساسيًّا من مصادر الطاقة في حياة الأمم، فالفحم وزيت البترول مصدران هامان تدار بهما الآلات الميكانيكية، وقد زاد الاهتمام في العهد الأخير بمساقط المياه كمورد من موارد الطاقة، واتجه النظر أيضًا إلى حرارة الشمس وإلى قوى المد والجزر كما سبقت الإشارة، ولنلقِ نظرة على الوقود كمصدر من مصادر الطاقة.
إن احتراق مليون طن من الكربون النقي ينشأ عنه ??? من وحدات الطاقة، من أين تأتي هذه الطاقة؟ إن عملية الاحتراق عبارة عن تفاعل كيميائي، فذرات الكربون تبقى على ما هي عليه كذرات، وكذلك ذرات الأوكسجين، وكل ما هنالك هو أن هذه الذرات يعاد طريقة تنظيمها على شكل جزيئات لثاني أوكسيد الكربون، فالطاقة التي نحصل عليها إذن لا تأتي من داخل الذرة ولا تمس صميم المادة، وإنما منشؤها ما بين الذرات المختلفة من قوى، هي إذن طاقة كيميائية أساسها التفاعل الخارجي بين الذرات، هي قوى سطحية إن شئت بالنسبة إلى الذرة لا تصل إلى النواة التي هي مركز الذرة وسويداء قلبها النابض، والبحوث التي وصفتها في الفصول السابقة من هذا الكتاب تبين كيف أمكن لعلماء الطبيعة أن يصلوا إلى النواة، وأن يستخرحوا منها النيوترونات وجسيمات ألفا، فهل يستطيع الإنسان أن يحصل على الطاقة من باطن النواة؟ وهذه الطاقة التي يحصل عليها من صميم المادة ما منشؤها؟ وهل تبقى المادة مادة بعد تجريدها من صميم طاقتها؟
الذرة كمصدر من مصادر الطاقة

وأول من أعطى الناس جوابًا مضبوطًا عن مقدار الطاقة الذرية هو العلَّامة ألبرت أينشتين? عام ????، فقد حسب أن مقدار الطاقة المختزنة في بواطن ذرات كيلو جرام واحد من المادة يساوي ?? وحدة من وحدات الطاقة؛ أي ما يعادل كمية الحرارة المستمدة من احتراق ??? مليون طن من الكربون النقي. ومن المهم أن يفهم القارئ أن هذه الطاقة المختزنة في بواطن الذرات ليست شيئًا يضاف إلى المادة، بل إنما هي المادة ذاتها، فالحصول على ?? وحدة من وحدات الطاقة من كيلو جرام من المادة ليس معناه استخراج هذه الطاقة من داخل ذرات المادة مع بقاء الكيلو جرام كيلو جرامًا، بل إن معناه أعمق من هذا بكثير، ألا هو تحويل المادة إلى طاقة، فالكيلو جرام من المادة يعادل ?? وحدة من وحدات الطاقة ويساويها مساواة، وإذا أمكن الحصول على هذه الطاقة فيكون ذلك على حساب المادة ذاتها، فتفنى ويمحى أثرها من الوجود، ومعنى هذا أن المادة والطاقة قد صارا مظهرين لشيء واحد أو صورتين مختلفتين لنفس الشيء، أو معناه إن شئت أن المادة قد صارت في نظر العلماء صورة أخرى من صور الطاقة؛ كالطاقة الحرارية والطاقة الكهربائية، فأضيف هذا النوع الجديد من الطاقة، ألا وهو الطاقة المادية، إلى الأنواع الأخرى.
تحويل المادة إلى طاقة

ومن الأمثلة على تحول المادة إلى طاقة ما يحدث في الإشعاع الصادر عن الشمس، فمن المعلوم أن الشمس تشع كميات هائلة من الطاقة في كل لحظة، ولا يمكن تفسير هذه الطاقة على أنها ناشئة عن عملية احتراق؛ إذ لو أن الشمس كانت مصنوعة من أجود نوع من أنواع الوقود مختلطًا بغاز الأوكسجين بنسبة تسمح بالاحتراق التام لما زادت كمية الحرارة التي تنجم عن هذا الاحتراق على ما ينبعث من الشمس من الحرارة في مدة ???? سنة؛ أي إن عمر الشمس بناء على هذا الفرض لا يمكن أن يزيد على ???? سنة، وهذا طبقًا ما لا يمكن القول به، ولو فرضنا أن الشمس تحتوي على حرارة مختزنة، وأنها بدأت ذات درجة حرارة مرتفعة ثم بردت تدريجيًّا لكانت درجة حرارتها تنقص في وقتنا الحالي بمقدار ??? درجة مئوية كل سنة، وعلى أثر ذلك فلا يمكن أن تستمر في إرسال حرارتها أكثر من بضع آلاف السنين، بعدها تنخفض درجة حرارتها إلى ما يقرب من درجة الصفر المئوي، وكذلك ينجم عن ذلك الفرض أن الشمس كانت ترسل إلى الأرض من الحرارة من بضعة آلاف السنين أضعاف ما ترسله إلينا اليوم، وإذن فهذا الفرض أيضًا لا يستقيم.
أما التفسير الصحيح — فيما نعلم — لمصدر حرارة الشمس فهو تحويل جزء من مادتها إلى طاقة، وقد قدر أن ما ينعدم من مادة الشمس، أو بعبارة أصح، ما يتحول من مادة ذراتها إلى طاقة إشعاعية يبلغ ??? مليونًا من الأطنان في الدقيقة، وتبلغ درجة حرارة مركز الشمس نحو ? مليون درجة مئوية، ولا شك في أن هذه الدرجة العالية من الحرارة مما يساعد على تحول المادة إلى طاقة.
وفي النشاط الإشعاعي لذرة اليورانيوم والراديوم والثوريوم وأمثالها تتحول مادة الذرة إلى طاقة، فالجرام الواحد من الراديوم تنبعث منه في السنة من الطاقة ما يعادل نحو ??? كيلو واط/ساعة، وبذلك يبلغ ما يفقده الكيلو جرام الواحد بسبب انبعاث هذه الطاقة نحو ????? من المليجرام في السنة.
هوامش

(?) Decartes.(?) Leilbnitz.(?) Huggens.(?) Bernouilli.(?) Logrange.(?) James Joule.(?) Albert Einstein.
الفصل الخامس
نشاط مصطنع


الأم والبنت

في عام ???? أعلن جوليو وزوجه إيرين كورى جوليو أنهما قد تمكنا من إحداث ظاهرة النشاط الإشعاعي في عناصر غير عنصري الراديوم واليورانيوم وغيرهما من العناصر ذات النشاط الإشعاعى الطبيعي، أو بعبارة أخرى: لم تعد ظاهرة النشاط الإشعاعي محصورة في الدائرة التي رسمتها لها الطبيعة، بل سار الإنسان يتحكم في العناصر العادية ويحولها إلى عناصر نشطة مُشعة، ومدام إيرين كوري جوليو هي بنت مدام كوري مكتشفة الراديوم، فجاء عملها مكملًا لعمل أمها، وقد مُنحت هي وزوجها جوليو جائزة نوبل على فتحهما هذا.
والتجربة التي أجرياها هي أنهما أطلقا جسيمات ألفا على كل من عنصري البورون والألومينيوم فتحولا إلى عنصرين مشعين تصدر عنهما البوزيترونات، وبعد أن أوقف إطلاق جسيمات ألفا استمر إشعاع البوزيترونات وتناقص تبعًا لقانون أُسى على نحو ما يحدث في العناصر ذات النشاط الإشعاعي الطبيعى، ونشأ عن هذا النشاط المصطنع أن تحولت ذرة البورون إلى ذرة أزوت كما تحولت ذرة الألومينيوم إلى ذرة الفوسفور.
النشاط الإشعاعي المصطنع

وقد نشأ عن هذا الفتح ميدان واسع من ميادين البحث العلمي، فاستحدث النشاط الإشعاعي في ذرات المواد بطرق مختلفة، منها إطلاق جسيمات ألفا عليها، ومنها إطلاق الديبلونات، ومنها إطلاق النيوترونات، وقد برهنت هذه القذيفة الأخيرة على مقدرة ممتازة في هذا الميدان، ومن الطريف حقًّا أن بعض الذرات ذات النشاط الإشعاعي الطبيعي قد استحدثت بهذه الطرق المصطنعة، فصنف الراديوم الذي يعرف باسم (راديوم E) والذي هو عنصر نشط الإشعاع طبيعيًّا قد استحدث صناعيًّا بإطلاق الديبلونات على عنصر البزموت، ولا يختلف هذا الراديوم المستحدث صناعيًّا عن الراديوم الطبيعي في خواصه وصفاته، فالعدد الذري لكل منهما ??، والوزن الذري ???، وكلاهما يتحول إلى بولونيوم بخروج أشعة بيتا منه، وزمن التحول واحد في الحالين، وهذه القاعدة صحيحة على وجه العموم، فخواص العنصر النشط الإشعاع لا تختلف باختلاف طريقة تحضيره. النشاط الإشعاعي واستقرار النواة

إن النواة جسم مؤلف من أجزاء ترتبط فيما بينها بقوى تعمل على تماسكها وترابطها، وهي جسم مكهرب تكتنفه وتتخلله مجالات كهربائية قوية، فلا بد من نظام يجمع هذا الشتات ويؤلف منه وحدة مستقرة الأحوال لها صفة البقاء والاستقرار، فنظام النواة — كأي نظام آخر — إما أن يكون مستقرًّا فيكفل له البقاء، أو يضطرب ويختل توازنه فيحدث التفكك والفساد الذي ربما يؤدي إلى الدمار، وقد تبين أن استقرار النواة واستتباب النظام فيها له شروط بعضها في غاية البساطة، فالنواة لها ثقل معين، كما أنها تحمل عددًا معينًا أيضًا من وحدات الكهرباء.
ومن الشروط البسيطة لاستقرار الأمور في النواة أن تكون النسبة بين كهربائها ووزن مادتها محصورة في حدود معينة، فهذه النسبة تكون عادة أقل من (إلا في حالة البروتون) كما أنها يجب أن تزيد عن قدر معين لكل عنصر من العناصر، فإذا خرجت عن هذه الحدود اختل التوازن واضطربت الأمور في النواة فانبعثت منها إلكترونات أو بوزيترونات أو جسيمات أخرى وتحولت إلى نواة جديدة، وهكذا تزول دولة الفساد والاختلال والفوضى وتحل محلها دولة النظام والاستقرار، وإذن فالنشاط الإشعاعي يمكن اعتباره محاولة للوصول بالنواة المضطربة المختلة التوازن إلى حالة الهدوء والاستقرار. تحولات النواة

ومنذ سنة ???? تعددت البحوث في جميع أنحاء الأرض في التحولات التي تحدث للنواة مع البروتونات والنيوترونات والديبلونات والإلكترونات والبوزيترونات وجسيمات ألفا وأشعة جاما، وإذا تذكرنا أن عدد العناصر المختلفة يزيد على التسعين عنصرًا، وأن العنصر الواحد له أصناف متعددة، لكل منها نواة خاصة به، فإن عدد النوى المعروف للذرات المختلفة يقرب من مائتي نواة، كل منها يجوز أن يتفاعل مع بروتون أو نيوترون أو … إلخ، إذا تذكرنا كل ذلك فإننا نستطيع أن نفهم اتساع الميدان الجديد الذي يصح أن يُسمى ميدان النواة، والذي هو نوع من الكيمياء الجديدة يتفاعل فيها النوى كما تتفاعل المواد الكيميائية.
للتسلية

جرت العادة على أن يسلي بعض القراء أنفسهم بحل بعض الألغاز كالكلمات المتقاطعة التي تنشر في الجرائد وغيرها من وسائل الترويح عن الأذهان والنفوس، وفيما يلي سأدل القارئ على وسيلة من هذه الوسائل أرجو أن يجد فيها متعة ولذة، أما حضرات القراء الذين يضيقون ذرعًا بالرموز والمعادلات فهؤلاء لا أقدم لهم أي اعتذار؛ إذ ما عليهم إلا أن يقفزوا بنظرهم ويتركوا الرموز والمعادلات لمن هو أوسع منهم صدرًا. والتسلية التي أقدمها للقارئ والتي ستمكنه من تتبع التحولات التي تتحولها النواة وفهم التفاعلات بين النوى يمكن شرح قواعدها بالطريقة الآتية: إن كل نواة تتميز بعددين؛ أولهما يدل على وزنها، والثاني على مقدار الكهرباء الذي تحمله، فنواة الألومينيوم مثلًا وزنها ?? وعدد وحدات كهربائها ??، وإذن يمكن أن تكتب على الصورة الرمزية (?? أل ??) حيث «أل» رمز على الألومينيوم، ونواة الهيليوم التي هي جسيم ألفا وزنها ? ووحدات كهربائها ?، وإذن يمكن أن يرمز لها بالرمز (? هي ?) حيث «هي» رمز على الهيليوم، وتوجد نواة لأحد أصناف السيليكون وزنها ?? وكهربائها ?? فنرمز لها بالرمز (?? سي ??) حيث «سي» رمز على السيليكون، ونواة الأيدروجين — التي هي البروتون — وزنها ? وكهربائها ?، فيرمز لها بالرمز (? يد ?) حيث «يد» رمز على الأيدروجين. والتسلية التي أقدمها للقارئ هي تفسير المعادلة الآتية:
(?? أل ??) + (? هي ?) = (?? سي ??) + (? يد ?)
فهذه المعادلة معناها أنه بإطلاق جسيمات ألفا على ذرات عنصر الألومينيوم تحصل على شيئين؛ أحدهما: نواة صنف السيليكون التي وزنها ??، والشيء الآخر: هو بروتون.
وعلى القارئ أن يتحقق من أمرين؛ أولهما: أن مجموع الأوزان في الطرف الأيمن من المعادلة يساوي مجموع الأوزان في الطرف الأيسر، والثاني: أن مجموع وحدات الكهرباء في الطرف الأيمن مساوٍ أيضًا لمجموع وحدات الكهرباء في الطرف الأيسر، والتحقق من ذلك أمر بسيط لأن:
?? + ? = ?? + ? = ??
وأيضًا ?? + ? = ?? + ? = ??
والمسألة — كما يرى القارئ — لا تعدو عمليتين من عمليات الجمع البسيط، وليست جميع المعادلات الدالة على تحولات النواة بسيطة إلى هذا الحد، فقد يحدث أن يدخل إلكترون في التفاعل وهذا كهرباؤه سالبة فتحل عملية الطرح محل عملية الجمع، كما أن وزن الإلكترون ضئيل فيحسب في المعادلة على أنه صفر، وقد يحدث أن يدخل نيوترون في العملية وهو غير مكهرب فتحسب كهرباؤه على أنها صفر، وكذلك أشعة جاما، فإن كلًّا من وزنها وكهربائها يكون صفرًا، والمعادلة الآتية تدل على ما حدث في التجربة التاريخية التي أجراها جوليو وزوجه عام ???? واستحدثا الفوسفور ذا النشاط الإشعاعي المصطنع:
(?? أل ??) + (? هي ?) = (? ن صفر) + (?? فو ??)
وفي هذه المعادلة يدل الرمز «ن» على النيوترون، كما يدل الرمز «فو» على الفوسفور، أما النشاط الإشعاعي المصطنع للفوسفور، وهو الفتح الجديد الذي أشرنا إليه، فإنه يتمثل في المعادلة الآتية:
(?? فو ??) = (?? سي ??) + (صفر بو ?)
حيث «بو» رمز على البوزيترون. وإنني أترك للقارئ أن يسلي نفسه بالتحقق من تساوي الوزن والكهرباء في طرفي كل معادلة من هاتين المعادلتين، والمعادلة الأخيرة تدل على عملية نشاط إشعاعي اصطناعي، فذرة الفوسفور التي وزنها ?? وكهرباؤها ?? ذرة غير مستقرة، ولذلك تنبعث منها بوزيترونات وتتحول إلى ذرة سيليكون، فذرة الفوسفور التي وزنها ?? مثال على ما ذكرناه فيما تقدم من أنه إذا وصلت نسبة الكهرباء إلى الوزن إلى حد معين فُقِد توازن النواة وانبعث منها جسيمات مكهربة.
دراسة تفاعلات النواة وتبويبها

إن تعدد التفاعلات المختلفة بين النوى والجسيمات الذرية واتساع دائرتها قد أدى إلى تبويبها، فالتفاعلات المتشابهة قد جمعت ورتبت واعتبرت نوعًا من أنواع التفاعلات، وهكذا نشأت دراسة جديدة في علم كيمياء النواة، وسأذكر بعض الأبواب المختلفة التي تقع فيها هذه التفاعلات، أو على الأصح ما عرف منها إلى الآن، فهنالك نحو ثمانية عشر بابًا من أبواب هذه التفاعلات، رتبت حسب نوع الجسيمات التي تدخل في النواة ونوع الجسيمات التي تخرج منها، فمثلًا إذا أطلق جسيم ألفا على نواة عنصر من العناصر؛ فدخل الجسيم في النواة واستقر فيها وخرج من النواة بروتون اعتبر هذا نوعًا خاصًا من أنواع التفاعل أيًّا كانت النواة التي تتأثر به، وإذا أطلق جسيم ألفا فخرج نيوترون كان هذا نوعًا آخر، وفي بعض الأحوال يخرج أكثر من جسيم واحد من النواة فيدخل فيها جسيم ألفا ويخرج منها نيوترونان مثلًا، وهذه عمليات على جانب عظيم من التعقيد، ولذلك اكتفي بالإشارة إليها دون زيادة في التفصيل.

الفصل السادس
فلق النواة


برلين سنة ????

ينتقل بنا البحث الآن إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور البحوث الذرية، وهي المرحلة التي أدت بطريقة مباشرة إلى صناعة القنابل الفتاكة التي ألقيت على اليابان، وقد أشرت في مقدمة هذا الكتاب إلى أبحاث هاهن واشتراسمان التي أجرياها في برلين عام ????، ورويتُ الرأي الذي صرَّحتُ به في تلك السنة من أن هذه الأبحاث تعتبر أهم حدث في أخبار العالم، وللقارئ أن يتساءل: ما هي الأهمية الخاصة لهذه البحوث؟ وهل تعدو أن تكون إحدى البحوث العديدة في تحولات النواة؟ وهي البحوث التي أشرت إليها في الفصل السابق، وذكرت أنها أجريت في جميع أنحاء المعمورة؟
الجواب على ذلك: أن العمل الذي قام به هاهن واشتراسمان ليس كغيره من تحولات النواة، فالتحولات التي كانت معروفة إلى هذا العهد كانت تقسيمًا للنواة، ولكنه تقسيم جزئي لا يفقد النواة إلا كسرًا بسيطًا من وزنها بخروج جسيم ألفا أو بروتون أو نيوترون أو ديبلون منها، فكأنما أتينا على كتلة من الخشب فضربناها بفأس في أحد أطرافها فانفصلت قطعة صغيرة منها، أما الكتلة ذاتها فظلت سليمة في مجموعها، وكل الأبحاث التي حدثت في تحولات النواة لغاية سنة ???? إنما كانت من هذا النوع من أنواع الانفصال.
أما ما قام به هاهن واشتراسمان فشيء آخر غير انفصال قطعة صغيرة من كتلة النواة، هذا الشيء هو فلق النواة فلقًا أو قسمة الكتلة إلى جزأين متقاربين في الوزن، فكأنما ضربنا بالفأس في مركز النواة فانفلقت فلقتين.
أبحاث فيرمي? والعنصر رقم ??

وتتصل أبحاث هاهن واشتراسمان ببحوث فيرمي عن العنصر رقم ??، فإلى سنة ???? كان عدد العناصر المعروفة ?? عنصرًا، وفي تلك السنة نشر فيرمي بحثًا في مجلة (Nature) الإنجليزية دَلَّلَ فيه على وجود عنصر جديد يقع بعد عنصر اليورانيوم، وكان اليورانيوم آخر عنصر في جدول العناصر ورقمه الذري ??. والطريقة التي استخدمها فيرمي هي إطلاق النيوترونات على عنصر اليورانيوم نفسه وامتحان نتائج هذا التحول، وقد كان فيرمي وأعوانه قد دللوا من قبل على أن إطلاق النيوترونات على النواة من شأنه أن يُفْقِدَهَا توازنها فتنبعث منها إلكترونات، وبذلك يزداد رقمها الذري، فإطلاق النيوترونات على آخر عنصر في الجدول من شأنه إذن أن يخلَّ توازن النواة وتنبعث منها إلكترونات فيزيد رقمها الذري عن ??، أو بعبارة أخرى: تتحول إلى عنصر جديد رقمه الذري ?? أو أكثر يضاف إلى قائمة العناصر المعروفة. وقد استلفت عمل فيرمي نظر كثير من الباحثين، وقامت مناقشة بينهم حول إثبات وجود العنصر رقم ??، وأجريت تجارب عديدة لامتحان المسألة والتحقُّق من صحتها، وكان في مقدمة هؤلاء الباحثين هاهن واشتراسمان؛ إذ نجحا في عام ???? في إثبات وجود العنصر رقم ?? بالطريقة التي استحدثها فيرمي.
صناعة العناصر

واستحداث عنصر جديد يضاف إلى قائمة العناصر أمر له خطره، وخاصة إذا كان هذا العنصر مصنوعًا في المعمل، والواقع أن هذا الحدث له مغزى بعيد، فالنظرة التقليدية إلى العناصر أنها أشياء موجودة في الطبيعة، وأن مهمة العلم أن يحصيها وأن يكشف عن المجهول منها، وقد كان اكتشاف عنصر جديد في الأرض أو السماء يعتبر عملًا من الأعمال العلمية العظيمة ويرفع من قدر صاحبه بين مصاف الباحثين، وها نحن نرى أن الموقف قد تغير؛ فالعنصر رقم ?? لم يبحث عنه باحث بين المواد النادرة ليعثر عليه، بل إنه صُنع صنعًا كما لو كان بناءً يُشيَّد طبقًا للأوصاف الموضوعة، ومع أننا لا نزال بعيدين كل البعد عن تعميم هذا العمل في مدى واسع إلا أننا — ولا شك — نشعر بأهمية هذه القدرة الجديدة المكتسبة.
ما هو أهم

وقد توصل هاهن واشتراسمان إلى ما هو أهم من إثبات وجود العنصر رقم ?? الذي استحدثه فيرمي؛ إذ أوجدا الأمل لأول مرة في إطلاق طاقة الذرة من عقالها، فإطلاق النيوترونات البطيئة على ذرة اليورانيوم لا ينشأ عنه فلق هذه الذرة فحسب، بل تنشأ عنه طاقة قدَّرها هندرسون? عام ???? بمقدار ??? مليون فولت إلكتروني، وقدرها كانر? عام ???? بمقدار ??? مليون فولت إلكتروني. ماذا يحدث لفلقتي النواة؟

إذا اعتبرنا أن الوزن الذري لليورانيوم هو نحو ??? في المتوسط، فقد وجد أن وزن إحدى الفلقتين هو ?? والأخرى ??? في المتوسط … وأقول في المتوسط لأن اليورانيوم مؤلف من أصناف موجودة بنسب متفاوتة، وسيأتي الكلام فيما بعد عن أهمية أحد هذه الأصناف في صناعة القنابل الذرية — أقول: إذا اعتبرنا ذلك فإن كلًّا من الفلقتين تكون غير متوازنة، ولذلك يظهر لها النشاط الإشعاعي فتنبعث منها جسيمات، وقد قام باحثون عديدون بالبحث عن هذه الجسيمات فوجدوا أنها نيوترونات قدر لعددها نحو ثلاثة نيوترونات عن كل ذرة من ذرات اليورانيوم الأصلية، ومعنى هذا أننا نطلق النيوترونات على ذرة اليورانيوم وتتحول إلى فلقتين، ثم لا تلبث كل من هاتين الفلقتين أن تبعث بنيوترونات جديدة.
مفتاح الطاقة الذرية

وما إن وصل العلم إلى هذه النقطة حتى تجلت أهمية الموضوع من ناحية الحصول على الطاقة الذرية بمقياس واسع، فانقسام عدد محدود من الذرات وانطلاق الطاقة منها قد يكون له أهميته من الناحيتين العلمية والفلسفية، أما من الناحية العمرانية والصناعية فماذا تفيدنا طاقة بضع ذرات؟ بل ماذا تجدي طاقة مليون من الذرات؟!
إن الجرام الواحد من اليورانيوم يحتوي على آلاف ملايين ملايين الملايين من الذرات! أما إذا كان انقسام ذرة يتبعه انقسام جارتها ثم جارة جارتها بطريقة متسلسلة وحتمية فإن ذلك يكون المفتاح الذهبي لذلك الكنز الهائل من الطاقة المختزنة بين ثنايا المادة، فانبعاث النيوترونات من فلقتي ذرة اليورانيوم يكون أمرًا في منتهى الخطورة إذا أصابت هذه النيوترونات ذرة أخرى من ذرات اليورانيوم ففلقتها وأطلقت طاقتها من عقالها ثم انبعث عن الفلقتين الجديدتين نيوترونات جديدة وهكذا.
وهناك شرط آخر يجب أن يتحقق لتحقيق الغرض المنشود، ألا وهو أن هذه العمليات المتسلسلة يجب أن تنطلق في ملايين ملايين ملايين ملايين الذرات بسرعة تكفل إتمامها في لحظة قصيرة!
التفاعلات المتسلسلة

ويطلق على هذا النوع من التفاعلات اسم التفاعلات المتسلسلة، وهي عبارة عن سلسلة من التفاعلات تلي الواحدة منها الأخرى بحيث يكفي أن يحدث التفاعل الأول لحدوث جميع التفاعلات الأخرى الواحد منها تلو الآخر، ويشبه هذا النوع من التفاعلات ما يحدث عندما نضع أحجار «الدومينو» على نضد، كل حجر منها في وضع رأسي، وتكون الأحجار متقاربة وفي خط مستقيم، فإننا إذا دفعنا الحجر القائم في أول الصف بحيث ينقلب على الحجر المجاور له انقلب هذا على الذي يليه وهكذا، فتقع الحجارة كلها على النضد في زمن وجيز.
ومن التفاعلات المتسلسلة عملية الاحتراق؛ إذ من المعلوم أنه يكفي إشعال عود من الثقاب لكي تنتشر النار، ونحن إذا فكرنا مليًّا في عملية الاحتراق على أنها تفاعل بين ذرات مادة الوقود وذرات الأوكسجين فهمنا السبب في أن معظم النار من مستصغر الشرر، فمادة الوقود — ولتكن الكربون مثلًا — تتحد مع الأوكسجين في درجة حرارة معينة تسمى درجة حرارة الاشتعال، وعود من الثقاب كفيل برفع درجة حرارة الملايين من الجزيئات إلى درجة حرارة الاشتعال.
ولما كانت عملية الاحتراق هي نفسها مصدر للحرارة فإن احتراق الجزيئات الأولى من المادة يرفع درجة حرارة الجزيئات التي تليها فتصل إلى درجة حرارة الاشتعال، فتحترق، فتنبعث منها حرارة، فترفع حرارة الجزيئات المجاورة إلى درجة الاشتعال، فتحترق، وهكذا إلى أن تلتهم النيران ما حولها، فالتفاعلات المتسلسلة تفاعلات لها خطرها، من أجل ذلك كان لخبر انبعاث النيوترونات من فلقتي نواة اليورانيوم مغزى خاص عند الذين يعلمون.
هوامش

(?) E. Fermi.(?) Henderson.(?) Kanner.
الفصل السابع
يو ???


عنصر اليورانيوم – معادنه واستخراجه

أهم المعادن التي يستخرج منها عنصر اليورانيوم هو معدن اليورانيت، ويوجد من هذا المعدن نوع يعرف باسم بيتش بلند،? ومعنى كلمة Pitch القار أو (الزفت)؛ وذلك لأن لون هذا النوع من المعدن أسود لامع يشبه القار. واليورانيت معدن معقد التركيب الكيميائي يحتوي على يورانات اليورانيل والرصاص، كما يحتوي عادة على الثوريوم والزيركينيوم، وكذلك اللاثانوم والأستريوم، ويوجد بين ثناياه غازات الأزوت والهيليوم والأرجون بنسب متفاوتة تصل إلى ????، وربما يحتوي المعدن على عناصر أخرى، ويوجد اليورانيت أو البيتش بلند في أحجار البيجمانيت والجرانيت وفي بعض العروق التي تحتوي على معادن القصدير والنحاس والرصاص والفضة، حيث ترسَّب هذا المعدن في العصور الجيولوجية الماضية من محاليل فلذية، ومن أهم المناجم التي يستخرج منها اليورانيوم مناجم تشينكولوبوي في الكنغو البلجيكية بالقرب من مناجم النحاس في كامبوف. ويوجد اليورانيت مختلطًا في هذه المناجم بمعادن يورانيوم متأكسدة وذات ألوان زاهية تستلفت النظر، منها الأوتونيت وهو أصفر فاقع اللون، وكذلك الكوريت (نسبة إلى مدام كوري) ويضرب لونه إلى الحمرة أو الصفرة القاتمة، ومن المسلَّم به جيولوجيًّا أن هذه المناجم تتصل نشأتها بمناجم النحاس الكبيرة في كاتانجا بالكنغو البلجيكية، وأنها تكونت معها في وقت جيولوجي واحد من محاليل مجماتية? متصاعدة تحمل مواد منصهرة من مواد القشرة الأرضية، وقبل سنة ???? كانت خامات اليورانيوم التي يحصل عليها من الكنغو البلجيكية ترسل إلى «أولنْ» في بلجيكا لتحليلها وتنقيتها وتحتوي هذه الخامات على نحو ??? من أوكسيد اليورانيوم، كما تحتوي أيضًا على عنصر الراديوم، وقد كانت بلجيكا تحتكر عنصر اليورانيوم تقريبًا إلى سنة ???? عندما اكتشفت مناجم جديدة في منطقة بحيرة الدب الأكبر في الجزء الشمالي الغربي من كندا، وتقع هذه المناجم داخل الدائرة القطبية الشمالية، وقد كان الكشف عن هذه المناجم عملًا من الأعمال العظيمة في تاريخ التعدين يرجع الفضل فيه إلى علماء الجيولوجيا والمهندسين في كندا، وبالكشف عنها انخفض ثمن الراديوم بمقدار ???، وتوجد الرواسب المعدنية في مناجم بحيرة الدب الأكبر بين صخور متحولة وراسبية عند مناطق اتصالها بأحجار الجرانيت المتدخلة فيها، ويوجد مع البيتش بلند فضة خالصة، كما يوجد أيضًا أرسينور النيكل والكوبالت الذي تكوَّن من محاليل معدنية حارة تدفقت في العصور الجيولوجية الماضية بين الصخور النارية، وتحتوي الخامات على نسبة عالية من اليورانيوم، وتركز هذه الخامات، ثم ترسل بالطائرات الى أقرب محطة سكة حديدية، ومن هنالك ترسل إلى (بورت هوب) في أونتاريو من أعمال كندا لتنقيتها واستخلاص اليورانيوم والراديوم منها، وقبل استغلال مناجم الكنغو البلجيكية عام ???? كان معظم اليورانيوم والراديوم في العالم يستخرجان من معدن الكارنوتيت في مناجم منطقة «كلورادو» و«أونا» بالولايات المتحدة، والكارنوتيت معدن أصفر اللون ويحتوي على عنصر الفاناديوم ويوجد على شكل كتل مسحوقة في الصخور الرملية اليوراسية، ولا تزال كميات كبيرة من اليورانيوم تستخرج من معدن الكارنوتيت من هذه المناجم، أما كمية الراديوم المستخرج منها فقد تضاءلت كثيرًا. ومن أشهر مناجم اليورانيوم مناجم (يواخيمستال)? في تشيكوسلوفاكيا، ولا تزال هذه المناجم تنتج كميات صغيرة من معادن اليورانيوم والراديوم مستخرجة من عروق صخرية تحتوي على الكوبالت والنيكل والفضة، فمعدن البيتش بلند الذي استخدمته مدام كوري وزوجها في تجاربهما المشهورة عام ???? واستخرجت منه عنصر الراديوم لأول مرة، هذا المعدن كان مستخرجًا من مناجم (يواخيمستال)، وقد استخرجت كميات صغيرة من اليورانيوم والراديوم من مناجم القصدير في (كورنوول) في إنجلترا، كما أن البرتغال تنتج كميات صغيرة من البيتش بلند والأوتونيت. إنتاج العالم من اليورانيوم

كانت خامات الكارنوتيت المستخرجة من الولايات المتحدة هي المصدر الرئيسي لليورانيوم قبل سنة ????، ثم اكتشفت مناجم الكنغو البلجيكية الغنية بمعدن اليورانيت فازداد إنتاجها حتى فاق إنتاج الولايات المتحدة، فلما اكتشفت مناجم بحيرة الدب الأكبر في كندا صارت كندا أول الدول المنتجة لليورانيوم في العالم، وفي عام ???? أنتجت كندا ??? ألف كيلو جرام من أملاح اليورانيوم، كما أنتجت أيضًا ?? جرامًا من الراديوم، وفي نفس السنة أنتجت الولايات المتحدة نحو ?? ألف كيلو جرام من اليورانيوم ومعها نحو ? جرامات من الراديوم، أما إنتاج الكنغو البلجيكية من اليورانيوم فلم تنشر عنه أرقام إحصائية، ولكنه يقدر إلى أول الحرب بنحو ثلثي إنتاج كندا.
هل يوجد اليورانيوم في مصر؟

إن العمل الذي قام به علماء الجيولوجيا والمهندسون في كندا والذي أدى إلى العثور على مناجم بحيرة الدب الأكبر الغنية بعنصر اليورانيوم، إن هذا العمل لأكبر حافز لنا على البحث عن هذا العنصر في صحارينا المصرية بعد أن صارت له هذه الأهمية الكبرى في حياة الأمم، وقد سبقت الإشارة إلى أن اليورانيت أو البيش بلند يوجد في صخور الجرانيت وفي بعض العروق المعدنية التي تحمل القصدير والنحاس والرصاص، وأنه تكوَّن في العصور الجيولوجية من محاليل مجماتية، ومن الثابت أن القصدير والنحاس والرصاص موجودون في الصحراء المصرية، كما أن من الثابت أيضًا أن طريقة تكوُّن معادنِ بعضِها حدثت بالقرب من الصخور الجرانيتية المجماتية، فخامات القصدير مثلًا التي عثر عليها في عام ???? في منطقة جبل مويلح قد تكوَّنت في الغالب من حجر الجرانيت بفعل غازات وأبخرة بطريقة مشابهة لتكون اليورانيت، وإنني أبدي هذه الآراء بكل تحفظ تاركًا الرأي الأخير لعلمائنا الجيولوجيين ومهندسينا، وإذا كانت خامات اليورانيوم تُنقل بالطائرات في كندا فليس هناك ما يمنع من استخدام نفس الطريقة في مصر إذا عُثر على هذا العنصر الحيوي في مناطق منعزلة أو صعبة المواصلات.
أصناف اليورانيوم

سبقت الإشارة إلى أن العنصر الواحد قد تكون له أصناف متعددة تتفاوت في أوزان ذراتها مع اتحادها في عددها الذري؛ أي في عدد وحدات الكهرباء التي تحملها النواة، والعدد الذري لليورانيوم هو ??، وإذن فنواة اليورانيوم تحمل ?? وحدة من وحدات الكهرباء الموجبة ويحيط بها ?? إلكترونًا، ولكن ما وزنها؟
إن وزنها إلى حد ما نعلم إما أن يكون ??? أو ??? أو ???، وهذه إذن هي أوزان أصناف اليورانيوم الثلاثة المعروفة، ويمكن الرمز على هذه الأصناف بالرموز «يو ???» و«يو ???» و«يو ???» على الترتيب، ويكون معنى «يو ???» صنف اليورانيوم الذي وزن ذرته ???، ومعنى «يو ???» صنف اليورانيوم الذي وزن ذرته ???، ومعنى «يو ???» صنف اليورانيوم الذي وزن ذرته ???، وتمتزج هذه الأصناف بالنسب المبينة فيما يأتي:
يو ??? بنسبة ??????
يو ??? بنسبة ?????
يو ??? بنسبة ??????
ومن ذلك يتضح أن الصنف الأخير يتغلب على الصنفين الآخرين تغلبًا كبيرًا، وأن الصنف «يو ???» يوجد بنسبة سبعة في الألف تقريبًا، فكل كيلو جرام من اليورانيوم يحتوي على ??? جرام من «يو ???».
أصناف اليورانيوم وتحولات النواة

سبق القول بأن نواة اليورانيوم إذا أُطلقت عليها نيوترونات انفلقت فلقتين، والسؤال الذي يخطر بالبال هو: ما الذي يحدث لكل صنف من أصناف اليورانيوم؟ وهل تتأثر كلها بدرجة واحدة؟ ثم إن النيوترونات التي استخدمها هاهن واشتراسمان كانت نيوترونات بطيئة أو نيوترونات حرارية كما تسمى، فما هو تأثير بطء النيوترونات وسرعتها في عملية الانقسام؟ لقد كانت سنة ???? هي السنة الفاصلة في الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ نُشرت أبحاث لكل من نير? وبوث? وكنجدون? وغيرهم في أمريكا دلت كلها على أن الصنف «يو ???» هو الذي تنفلق ذراته بفعل النيوترونات البطيئة، فقد فصل هؤلاء الباحثون أصناف اليورانيوم بوساطة مطياف الكتلة، وشاهدوا أثر النيوترونات في كل منها على حدة، فالصنف «يو ???» إذن هو المادة السحرية التي يمكن أن تحل بها سلسلة من التحولات بفعل النيوترونات البطيئة فتفتح لنا خزائن الطاقة في باطن المادة، وقد وجد الباحثون أن الصنف «يو ???» لا يكاد يتأثر بالنيوترونات، كما وجدوا أن الصنف «يو ???» وهو الصنف المتغلب في العنصر يتأثر بفعل النيوترونات السريعة. فلق النواة بطرق أخرى

وقد نجح بعض الباحثين في فلق النواة بطرق أخرى غير إطلاق النيوترونات عليها؛ منهم جانت? الذي استخدم ديبلونات، وكذلك «فيرمي» الذي استخدم جسيمات ألفا، إلا أنه حتى عام ???? لم تكن هذه الأبحاث قد نشأ عنها احتمال إطلاق الطاقة من عقالها. سرعة النيوترونات وبطؤها

ومن الصعوبات التي قامت في سبيل الحصول على الطاقة الذرية بإطلاق النيوترونات على اليورانيوم أن النيوترونات الصادرة عن فلقتي النواة هي نيوترونات سريعة وليست نيوترونات بطيئة أو حرارية كالتي استخدمها هاهن واشتراسمان في تجاربهما، وقد اقترح أدلر? إضافة عنصر الكادميوم إلى اليورانيوم لانقباض سرعة النيوترونات وتقريبها من السرعات الحرارية. فصل الصنف «يو ???»

لما كان الصنف «يو ???» هو العامل الأساسي في عملية استخراج الطاقة الذرية، لذلك كان من المهم تركيز هذا الصنف، أو إذا أمكن تحضيره بصورة نقية، وهو موجود — كما سبق القول — بنسبة ??? في الألف في اليورانيوم العادي، وعملية فصله أو عزله تكتنفها صعوبات جمة، وخاصة بسبب ارتفاع الوزن الذري لليورانيوم، وبذلك لا يكون الفرق النسبي في الوزن بين «يو ???» و«يو ???» إلا نحو ????.
هوامش

(?) Pitchblende.(?) magmatic.(?) Joachimsthal.(?) A. O. Nier.(?) T. T. Bwoth.(?) K. H. Kingdou.(?) D. H. I. Gont.(?) Adler.
الفصل الثامن
التنفيذ العملي


تقرير لجنة السير جورج طومسون

ورد في الأخبار على لسان رئيس وزراء إنجلترا أنه في صيف سنة ???? استطاعت لجنة السير جورج طومسون? أن تذكر في تقريرها أنها ترى ثَمَّةَ فرصة معقولة لإنتاج القنبلة الجديدة قبل نهاية الحرب، وورد أيضًا أن القرار استقر في عام ???? على إنشاء مصانع الإنتاج على مدى واسع في أمريكا، وأن حكومة كندا كانت تقوم بإمداد المصانع بالمواد الخام التي لم يكن للمشروع غنى عنها، ومع أن تقرير السير جورج طومسون لم تُنشر تفاصيله إلا أن من السهل أن نتكهن بخلاصة ما بني عليه هذا التقرير، فخلاصة الموقف في سنة ???? عندما قدمت لجنة السير جورج طومسون تقريرها كانت ما يأتي: أولًا: ثبت له أن أحد أصناف اليورانيوم وهو الصنف «يو ???» إذا أطلقت على ذراته نيوترونات بطيئة انبعثت منها طاقة تقدر بنحو ??? أو ??? مليون فولت إلكتروني.
ثانيًا: ثبت أن انبعاث هذه الطاقة يصحبه انبعاث نيوترونات جديدة مما يبعث على الأمل في تسلسل التفاعلات؛ أي في الحصول على الطاقة بمدى واسع.
ثالثًا: سرعة النيوترونات الجديدة أكثر مما يجب، وهناك اقتراحات عملية من شأنها أن تخفض سرعة النيوترونات إلى الحد المطلوب.
رابعًا: يستخرج اليورانيوم من منطقة بحيرة الدب الأكبر في كندا؛ حيث تعتبر مناجم هذه المنطقة أغنى مناجم العالم المعروفة بهذه المادة.
خامسًا: الصنف «يو ???» وهو الصنف الفعال في استخراج الطاقة موجود في اليورانيوم بنسبة ??? في الألف، وعملية عزله أو تحضيره بصورة نقية عملية شاقة وبطيئة وكثيرة التكاليف ولكنها ممكنة.
سادسًا: ربما يؤدي البحث إلى استخرج الطاقة الذرية باستخدام جسيمات أخرى غير النيوترونات مثل جسيمات ألفا الديبلونات، وتوجد وسائل أهمها جهاز السيكلوترون لاستحداث هذه الجسيمات بسرعات عظيمة.
مادة القنابل الذرية

وقد أعلن من محطة راديو لندن أن المادة التي استخدمت فعلًا في صنع القنابل الذرية هي الصنف «يو ???» لليورانيوم، ويجوز لنا أن نستنتج من ذلك أن جزءًا أساسيًّا من المصانع التي شيدوها يقصد به إلى تحضير هذا الصنف من اليورانيوم، وهو موجود — كما تقدم — بنسبة ??? في الألف، والذي يتصوره الإنسان هو أن اليورانيوم المستخرج من بحيرة الدب الأكبر في كندا يُنقل بالطائرات إلى هذه المصانع الجديدة حيث يستحضر منه الصنف «يو ???».
أما عن طريقة تحضير هذا الصنف وفصله عن الصنف المتغلب «يو ???» فقد سبقت الإشارة إلى استخدام جهاز مطياف الكتلة لهذا الغرض. كما سبقت الإشارة أيضًا إلى إمكان استخدام بعض الطرق الأخرى كطريقة الانتشار وطريقة التحليل الكهربائي المتكرر، ولا بد أن تكون إحدى هذه الطرق، ولعلها طريقة مطياف الكتلة هي التي تستخدم فعلًا في تحضير «يو ???» في المعامل الأمريكية.
طاقة القنبلة ووزنها

سبقت الإشارة إلى أن هندرسون قدَّر للطاقة الناشئة عن فلق ذرة اليورانيوم ??? مليون فولت إلكتروني، وأن كانر قدر لها ??? مليون فولت إلكتروني، وقد أجريت تجارب أخرى لتقدير هذه الطاقة، فجاءت كلها قريبة من ذلك، وإذا حسبنا الطاقة على أساس ??? مليون فولت إلكتروني كرقم تقريبي فإن ذلك يعادل ما يقرب من ?? ألف كيلو واط/ساعة عن كل جرام من مادة اليورانيوم، ولما كان الطن من المواد المتفجرة كالديناميت وما إليه تقدر طاقته بنحو ?? آلاف كيلو واط/ساعة فإن طاقة الجرام الواحد من مادة هذه القنابل الجديدة تعادل طاقة نحو ? طن من المتفجرات الكيميائية، وقد ورد في الأخبار أن فتك القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما يزيد على فتك ?? ألف طن من الديناميت، وهذا الرقم يمكننا من تقدير وزن اليورانيوم في القنبلة الذرية، فهذا الوزن يساوي إذن نحو عشرة كيلو جرامات؛ أي نحو ?? رطلًا.
طاقة القنبلة منسوبة إلى طاقة ذراتها

أشرت فيما تقدم إلى أن الطاقة المختزنة في بواطن ذرات جرام واحد من المادة تعدل نحو ?? مليون كيلو واط/ساعة، ولما كانت طاقة القنبلة الذرية تعدل نحو ?? ألف كيلو واط/ساعة — كما تقدم — فإن الطاقة التي استخلصت من ثنايا المادة في القنابل التي ألقيت على اليابان لا تزيد على جزء من ألف جزء من الطاقة المختزنة في المادة، فالخزانة إذن لا تزال عامرة بالطاقة، والقنابل التي روَّع العالم فتكها ليست إلا شيئًا صغيرًا بالنسبة إلى الطاقة الذرية.
وبهذه المناسبة أذكر أن نفس النسبة، وهي واحد في الألف أو ?، قد وردت في الأخبار التلغرافية، وهذا مما يعزز ظني بأن أساس عمل القنابل الذرية هو فعل النيوترونات بنواة اليورانيوم. مسألة سرعة النيوترونات

أما مسألة سرعة النيوترونات وتخفيضها إلى الحد المطلوب فإن حلها لا يزال سرًّا من الأسرار، هل أضيف الكادْمِيُوم إلى اليورانيوم كما اقترح «أدلر»، أم هل كشف عن طريقة أخرى؟ إن شيئًا واحدًا محقق وهو أن المسألة قد حُلَّتْ، وأغلب الظن أن حل هذه المشكلة سيؤدي إلى تطورات جديدة في علم الطاقة الذرية؛ فإن أثرها لا يقف عند حد صنع القنابل، بل يتعداها إلى الدائرة الاقتصادية والعمرانية؛ إذ يمكننا من تقييد الطاقة واستخدامها في المحركات الميكانيكية.
التطبيق الاقتصادي

وإذا كانت الطاقة الذرية قد طلعت على الناس في شكل قنبلة مدمرة فإن هذا لا يجب أن ينسينا النواحي الاقتصادية والعمرانية التي يمكن أن تستخدم فيها هذه الطاقة، فقد أصبح في مقدورنا أن نستخرج من كيلو جرام واحد من المادة ما يعدل محصول ???? طن من أجود أنواع الوقود، وإذا كنا قد حصلنا على هذه الطاقة على شكل انفجار هائل فإنما يرجع ذلك إلى أننا أردنا أن نحصل عليها على هذه الصورة، فبُذلت الجهود ووجهت نحو هذا الغرض.
أما وقد حل السلام وظهرت الحاجة الملحة إلى التعمير بدلًا من التدمير فإنني لا أشك في أن الجهود ستتجه إلى استخدام الطاقة الذرية كأداة محركة في الآلات الميكانيكية، كما أنني لا أشك أيضًا في أن التطورات الهندسية ستكون مملوءة بالمفاجآت، فتجربة واحدة من نوع تجربة هاهن واشتراسمان قد تقلب الموقف رأسًا على عقب.
ومن يعشْ يرَ!!
هوامش

(?) sir G. P. Thomson وهو نجل السير J. J. Thomson الذي سبقت الإشارة إليه.
خاتمة


وبعد، فأين نحن من هذا كله؟ لطالما ناديت ونادى غيري بأن العناية بأمر العلم قد صارت ضرورة من ضرورات الحياة في كل أمة، فهل يصل دوي القنابل الذرية إلى آذاننا فيزيل ما بها من وقر؟ وهل يصل بريقها إلى أعيننا فيزيل ما عليها من غشاوة؟! أم على قلوب أقفالها؟
وهل يظن ساستنا حقًّا أنهم يستطيعون أن يصلوا إلى شيء ونحن عُزَّل من العلم وأسلحته؟! لقد أخبرنا رئيس الولايات المتحدة أنهم أنفقوا ألفي مليون دولار في الأبحاث العلمية التي تفيد الحرب معتمدين على معونة العلماء، فبكم مليونًا — بل كم ألفًا — خصصنا في ميزانيتنا للبحوث العلمية؟
إن خير وسيلة لاتقاء العدوان أن تكون قادرًا على رده بمثله، وينطبق ذلك على الأسلحة العلمية أكثر من انطباقه على أي شيء آخر، فالإيطاليون قد استخدموا الغازات السامة ضد الأحباش؛ لأن الأحباش لم يكونوا يملكون استخدامها ضدهم، ولم يتجاسر الألمان في استخدام الغازات السامة ضد الإنجليز؛ لأن الإنجليز يستطيعون أن يكيلوا لهم الصاع بمثله، فالمقدرة العلمية والفنية قد صارتا كل شيء، ولو أن الألمان توصلوا إلى صنع القنبلة الذرية قبل الحلفاء لتغيرت نتيجة الحرب.
ولندع الحديث عن الحرب جانبًا، أليست أمامنا مشكلات السلم؟ لقد ذكرت في كتابي هذا أن الطاقة الميكانيكية مقياس لحضارة الأمة، وأن كل فرد من أفراد أوروبا وأمريكا تسخَّر له ألفا وحدة من وحدات الطاقة الميكانيكية، فكأنها الخيول المطهمة تروح وتغدو في خدمته، فكم وحدة من وحدات الطاقة الميكانيكية تسخَّر للفرد في مصر يا ترى؟!
إنها لا تعد بالألوف ولا بالمئات، بل ولا بالعشرات، وإذا أتم مشروع الكهرباء من خزان أسوان فإن ما يخص الفرد منه لا يعدو ??? وحدة من وحدات الطاقة، ولا إخالنا نملك الآن عُشر هذا المقدار، فمن أين يأتي الغذاء والكساء والدواء لهذه الملايين من البطون الجائعة والأجسام العارية العليلة؟!
أم إنها ألفاظ نتشدق بها ونقول بألسنتنا ما ليس في قلوبنا؟!
وهذه الثروة المعدنية المبعثرة في صحارينا، متى ننظر إليها ونعنى بتحصيلها؟!
أم يصدق علينا قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول وإن رقة حالتنا المادية لتهون إلى جانب تجزُّئنا المعنوي، فالعلماء الذين قاموا بتسخير الطاقة الذرية لخدمة بلادهم إنما فعلوا ذلك بباعث من الإيمان، الإيمان بحق وطنهم عليهم وحق هذا الوطن في أن يحيا وأن يحتفظ بمُثُلِهِ الروحية والاجتماعية، ونحن قوم لوطننا حق قديم علينا لعله أقدم الحقوق جميعًا، ولنا ثقافة تليدة يحق لنا أن نفتخر بها، أفلم يأنِ لها أن تفخر هي بنا؟
وهذه الطاقة الذرية الهائلة المروعة ماذا يكون نصيبنا منها؟َ!
لقد دللتُ في الفصل السابع من هذا الكتاب على احتمال وجود اليورانيوم في الصحاري المصرية، فماذا نحن فاعلون؟!
لعل كثرة النفقات وغيرها من الأعذار الواهية تستحي من الناس — إن لم تستحِ من الله — وقد صار الكيلو جرام الواحد يعدل ألفي طن من الوقود.
إن الشعب المصري والحكومة المصرية والبرلمان المصري يجب أن يضعوا هذه الأمور في المرتبة الأولى من مراتب عنايتهم ورعايتهم، فهل هم فاعلون؟!
أرجو … وأرجو ألا يطول بي الرجاء!