Advertisement

الجدول الدوري


الجدول الدوري




الجدول الدوري

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
إريك شيري

ترجمة
محمد عبد الرحمن إسماعيل
مراجعة
هاني فتحي سليمان



الجدول الدوري

The Periodic Table

إريك شيري

Eric R. Scerri

الطبعة الأولى م
رقم إيداع
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم بتاريخ
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه

     ?- العناصر الكيميائية
     ?- العناصر الفلزية
          أ- العنوان



تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب الجدول الدوري أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Periodic Table
Copyright © Eric R. Scerri 2011.
The Periodic Table was originally published in English in 2011. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



شكر وتقدير


أتقدم بالشكر والتقدير لجميع المحررين وطاقم العاملين بمطبعة جامعة أكسفورد، بمن فيهم جيرمي لويس؛ لاقتراحهم فكرة تأليف مقدمة قصيرة جدًّا. كما أتوجه بالشكر لزملائي وتلاميذي وأمناء المكتبة الذين ساعدوني أثناء إعداد هذا الكتاب. وأخيرًا وليس آخرًا، فإنني أشكر زوجتي إليسا لما أبدته من حب وصبر.

تمهيد


لقد كُتب الكثير عن عجائب الجدول الدوري، وأُورِدُ فيما يلي أمثلة قليلة فحسب: إن الجدول الدوري هو بمنزلة حجر رشيد الطبيعة ويُعتبَر بالنسبة إلى غير الخبراء مجرد مربعات مرقمة عددها مائة أو أكثر، في كلٍّ منها حرف أو اثنان، تنتظم في نمط متناسق ولكنه فريد وغير متماثل. أما بالنسبة إلى الكيميائيين فإن الجدول الدوري يكشف عن الأسس المنظمة لعلم الكيمياء، وعلى المستوى الأساسي تدخل الكيمياء كلها في إطار الجدول الدوري.
هذا لا يعني بالطبع أن نعرف كل ما في الكيمياء بوضوح من خلال الجدول الدوري، فالحقيقة بعيدة كلَّ البعد عن هذا المعنى، ولكن بنية الجدول الدوري تعكس البنية الإلكترونية للعناصر، ومن ثَمَّ خواصها وسلوكياتها الكيميائية، ولعل من الأنسب أن نقول إن الكيمياء كلها تبدأ من الجدول الدوري.
رودي باوم،
مجلة «كيميكال آند إنجنيرنج نيوز»،
عدد خاص عن العناصر
ويكتب الفلكي هارلو شابلي قائلًا: لعل الجدول الدوري هو من أكثر تصنيفات المعرفة التي توصَّلَ إليها الإنسان حتى الآن إحكامًا وقيمةً، وما يفعله الجدول الدوري للمادة هو ما يفعله جدولُ العصور الجيولوجية للزمن الكوني، وتاريخه هو قصةُ فتوحاتِ الإنسان الكبرى في عالمه الصغير.
كما يقول روبرت هيكس، المتخصِّص في تاريخ الكيمياء في تدوينة صوتية له على الإنترنت: لعل الجدول الدوري للعناصر من أكثر الرموز شهرةً في العلوم، ولقد صار هذا الجدول نموذجنا الذي نستعين به في معرفة كيف تترتَّب الذرات والجزيئات لتكوين المادة كما نعرفها، وكيف ينتظم العالَمُ في أدق مستوياته. عبر التاريخ تغيَّر الجدول الدوري؛ إذ أُضيفت إليه العناصر المكتشَفة حديثًا، كما تبيَّن بطلان وجود عناصر أخرى؛ فإما تمَّ تعديلها وإما حُذِفت نهائيًّا، وبهذه الطريقة يعمل الجدول الدوري كمخزنٍ لتاريخ الكيمياء وقالبٍ للتطورات الحالية، وأساسٍ لمستقبل العلوم الكيميائية … وخريطةٍ للَّبِنَات الأساسية للعالَم.
وكمثال أخير أُورد الآن قول سي بي سنو، وهو أخصائيٌّ في الكيمياء الفيزيائية معروفٌ بكتاباته عمَّا يُسمَّى «الثقافتين»: ما إن علمت بذلك الجدول حتى رأيت لأول وهلة مزيجًا من الحقائق المختلطة، يندرج في خط واحد ونظام واحد، وقد بَدَتْ أمام عيني جميعُ خلائط ووصفات الكيمياء غير العضوية وما كنتُ أجده فيها من «عشوائية» — حين كنتُ تلميذًا — قد توافقَتْ وانتظمَتْ في نظام واحد، وكأنني أرى أمامي دَغَلًا تختلط فيه الأشجار بلا نظام، وقد تحوَّل فجأةً إلى حديقة هولندية!
الشيء المهم في هذا الجدول الدوري ما فيه من بساطة ومألوفية، فضلًا عن مكانته الجوهرية بحقٍّ في المجال العلمي، وتتضح بساطته من الاستشهادات السابق ذكرها. يبدو أن الجدول الدوري يجسِّد المكونات الأساسية للمواد كلها، كما أنه مألوف لمعظم الناس؛ فجميع الناس تقريبًا الذين يعرفون شيئًا أوليًّا عن الكيمياء يمكنهم تذكُّر وجود الجدول الدوري، حتى لو نسوا كل الأشياء الأخرى التي تعلَّموها عن الكيمياء. والجدول الدوري مألوف ومعروف تقريبًا بنفس درجةِ معرفةِ الصيغة الكيميائية للماء، ولقد صار أيقونةً ثقافية حقيقية يستخدمها الفنَّانون والمعلنون، وبطبيعة الحال العلماء من جميع فروع العلم.
في الوقت نفسه يُعَدُّ الجدول الدوري أكثر من مجرد أداةٍ لتعليم الكيمياء وتعلُّمها، ويعكس النظامَ الطبيعي للأشياء في العالم، بل في الكون كله أيضًا على حدِّ علمنا. يتكوَّن الجدول الدوري من مجموعاتٍ من العناصر مرتَّبةٍ في أعمدة رأسية، فإذا كان أحد الكيميائيين أو حتى أحد طلبة الكيمياء يعرف خصائص عنصرٍ ما محدَّد في أي مجموعة، مثل الصوديوم، فستكون لديه فكرة جيدة عن خواص العناصر الواقعة في نفس المجموعة، مثل البوتاسيوم والروبيديوم والسيزيوم.
وعلى مستوًى أساسي أكثر، أدَّى النظام الكامن في الجدول الدوري إلى معرفة عميقة بتركيب الذرة، وإلى الفكرة القائلة بأن الإلكترونات تدور بالضرورة حول نواة الذرة في أغلفة خاصة ومدارات محدَّدة، وهذه الترتيبات للإلكترونات تعمل بدورها على إكساب الجدول الدوري معناه المنطقي؛ فهي تفسِّر بصورة عامة السببَ وراء كون عناصر الصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم وغيرها تندرج في نفس المجموعة في المقام الأول. لكن الأهم من هذا أن معرفة البنية الذرية التي توصَّلَ إليها العلماءُ في البداية، عند محاولتهم تعلُّم الجدول الدوري، قد تمَّ تطبيقها في مجالاتٍ علمية أخرى، وقد أسهمت هذه المعرفة في نشوء نظرية الكمِّ أولًا، ثم نشوء ذلك العلم القريب منها والأكثر نضجًا؛ وهو ميكانيكا الكم، الذي هو نوع من المعرفة لا يزال يُنظَر إليه باعتباره النظريةَ الأساسية للفيزياء التي يمكنها أن تفسِّر سلوكَ جميع المواد، بل جميع صور الإشعاع أيضًا، مثل الضوء المرئي والأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية.
وخلافًا لمعظم الاكتشافات العلمية التي تحقَّقت في القرن التاسع عشر، لم تتسبَّب المكتشفات التي تحقَّقت في القرنين العشرين والحادي والعشرين في تقويض الجدول الدوري، بل عملت الاكتشافات التي ظهرت في الفيزياء الحديثة بصفة خاصة على تنقية الجدول الدوري وتنسيق بعض الأشياء غير السليمة المتبقية فيه، ولكن بقيت صورته العامة وصلاحيته الشاملة سليمةً، كدليل آخَر على رسوخ هذه المنظومة العلمية وعمقها.
قبل دراسة الجدول الدوري سوف نُلقِي نظرة على محتوياته؛ أَلَا وهي العناصر، ثم نُلقِي نظرة سريعة على الجدول الدوري الحديث وبعض أشكاله المختلفة، قبل أن ننظر في تاريخه وكيف توصَّلنا إلى مستوى معرفتنا الحالية، وذلك ابتداءً من الفصل الثالث.

الفصل الأول
العناصر


لم يعرف فلاسفةُ الإغريق القدماء سوى أربعة عناصر فحسب، وهي: التراب والماء والهواء والنار، وجميعها يوجد في القسم الفلكي من البروج السماوية الاثني عشر. كان بعض أولئك الفلاسفة يعتقدون أن هذه العناصر المختلفة تتكوَّن من مكونات مجهرية لها أشكال مختلفة، وأن هذا يفسِّر الخواص المختلفة للعناصر، وكان من المعتقَد أن الأشكال الأساسية للعناصر الأربعة هي أشكال المجسمات الأفلاطونية (شكل ?-?) المكوَّنة بالكامل من نفس الأشكال ذات البُعْدين مثل المثلثات أو المربعات. كان الإغريق يعتقدون أن التراب يتكوَّن من دقائق مجهرية مكعَّبة، وقد افترضوا هذا لأن المكعب، من بين جميع المجسمات الأفلاطونية، هو الذي تكتسب وجوهُه أكبرَ مساحة سطحية، وفسروا سيولة الماء بأن دقائقه تتَّخِذ الشكل العشريني السطوح؛ ممَّا يجعلها أكثر نعومةً! بينما زعموا أن النار تحرق مَن يلمسها وتؤلمه لأنها تتكوَّن من دقائق حادة رباعية السطوح. أما بالنسبة إلى الهواء فاعتقدوا أنه يتكوَّن من دقائق ثمانية السطوح؛ باعتباره المجسم الأفلاطوني المتبقي الوحيد. بعد ذلك بفترةٍ ما اكتشَفَ علماءُ الرياضيات مجسمًا أفلاطونيًّا خامسًا، وهو الشكل الاثنا عشري السطوح؛ مما جعل أرسطو يفترض احتمالَ أن هناك عنصرًا خامسًا، أو ما يُسمَّى «الجوهر الخامس» الذي صار يُعرَف أيضًا بالأثير. شكل ?-?: المجسمات الأفلاطونية: كلٌّ منها يرتبط بأحد العناصر القديمة.
واليوم تُعتبَر الفكرةُ القائلة بأن العناصر تتكوَّن من مجسمات أفلاطونية فكرةً خاطئة، ولكنها كانت أصلَ الفكرة المثمِرة القائلة إن الخواص العيانية (أي التي تُرى بالعين المجردة) للمواد تترتَّب على تراكيب المكونات المجهرية التي تتألَّف منها، وقد استمرت فكرة هذه «العناصر» خلال العصور الوسطى ولما بعدها، مدعومةً بعناصر أخرى قليلة اكتشفها الخيميائيون؛ أيِ الكيميائيون القدماء والسابقون على علماء الكيمياء الحديثة. كان أشهر هدف لأولئك الخيميائيين هو تحويل العناصر الخسيسة إلى عناصر نفيسة، ولا سيما محاولتهم تحويل معدن الرصاص الرخيص إلى معدن الذهب النفيس، الذي جعله جمالُ لونه الجذاب وندرته و«خموله» الكيميائي من أكثر المواد نفاسةً منذ فجر الحضارة.
ولكن فضلًا عن أن فلاسفة الإغريق كانوا يعتبرون العناصر موادَّ يمكن أن تكون موجودة بالفعل، فإنهم كذلك فكروا فيها على أنها أسس أو ميول أو قدرات تؤدي إلى خواص العناصر التي يمكن ملاحظتها. وهذا التمييز الدقيق بين الصورة المجردة للعنصر وبين صورته القابلة للملاحظة لعب دورًا مهمًّا في نشوء علم الكيمياء، على الرغم من أننا في هذه الأيام نجد أن المعنى الأكثر دقةً غيرُ مفهومٍ حتى من قِبَل الكيميائيين المحترفين، ومع ذلك فقد عملت فكرة العنصر المجرد كمبدأ إرشادي أساسي لبعض روَّاد منظومة الجدول الدوري، مثل ديمتري مندليف الذي يُعَدُّ المكتشف الرئيسي لهذا الجدول.
شكل ?-?: قائمة لافوازييه للعناصر كمواد بسيطة.
وحسبما تقول معظم المراجع الأكاديمية، فإن الكيمياء لم تبدأ في اتخاذ منحاها السليم إلا حين ولِّتْ ظهرَها لتلك «الحكمة» الإغريقية القديمة وللخيمياء العتيقة، ولذلك الفهمِ الذي يبدو ضبابيًّا لطبيعة العناصر. ويُعَدُّ انتصار العلم الحديث بصفة عامة مبنيًّا على التجريب المباشِر، الذي يؤكِّد أن ما يمكن ملاحظته هو فقط ما يجب التعويل عليه، فلا يدهشنا أن يحدث بصفة عامة رفضٌ للمعنى الأكثر خفاءً وربما الأكثر أساسيةً لمفهوم العناصر؛ فعلى سبيل المثال: رأى أنطوان لافوازييه أن العنصر يجب تحديده باللجوء إلى الملاحظة التجريبية، مستبعِدًا فكرةَ العناصر المجردة أو العناصر كأسسٍ. وقد أكَّد لافوازييه على أن العنصر يجب تحديده كشيء مادي يجب تحليله بعد ذلك إلى مكونات أكثر أساسيةً. وفي عام ???? نشر لافوازييه قائمةً ? ?? مادة بسيطة، أو ما يُسمَّى «العناصر» تبعًا لهذا المفهوم التجريبي (شكل ?-?)، وحُذِفت العناصر العتيقة التي تشمل التراب والماء والهواء والنار عن حقٍّ، من قائمة العناصر، ولكن حُذِفت معها أيضًا فكرة العنصر المجرد. ويمكن اعتماد الكثير من المواد التي في قائمة لافوازييه كعناصر بناءً على المواصفات الحديثة، ولكن هناك أشياء أخرى مثل اللوماير (الضوء) والكالوريك (الحرارة) لم تَعُدْ تُعتبَر من العناصر، ومن المتوقَّع أن يساعد ما يتحقَّق من تقدُّم سريع في تقنياتِ فصلِ المواد الكيميائية وتمييزها على مدى السنوات القادمة؛ علماءَ الكيمياء في بسْطِ هذه القائمة وتوسيع نطاقها، ويُتوقَّع أن تفيد هذه التقنية المهمة من التحليل الطيفي باستخدام المطياف — تلك التقنية التي تقيس الطيفين الانبعاثي والامتصاصي لأنواعٍ مختلفة من الإشعاع — في استحداث وسيلةٍ شديدةِ الدقة، يمكن عن طريقها تحديدُ كلِّ عنصرٍ من خلال البصمة الخاصة به. واليومَ نعرف نحو ?? من العناصر الموجودة في الطبيعة، وفضلًا عن هذا أمكن تخليق نحو ?? عنصرًا إضافيًّا بطريقة اصطناعية.
اكتشاف العناصر

عُرِفت بعض العناصر مثل الحديد والنحاس والذهب والفضة منذ فجر الحضارة، وهذا يعكس الحقيقة القائلة بأن هذه العناصر يمكن أن توجد في صورة غير متحدة، أو أن من السهل فصلها من الخامات المعدنية التي توجد فيها.
يطلِق علماءُ التاريخ والآثار على أحقاب معينة في التاريخ البشري أسماءً مثل العصر الحديدي أو العصر البرونزي (البرونز سبيكة من النحاس والقصدير)، وقد أضاف الخيميائيون المزيدَ من عناصرَ عدَّةٍ إلى القائمة، وتشمل الكبريتَ والزئبق والفوسفور، وفي أزمنة حديثة نسبيًّا مكَّنَ اكتشافُ الكهربية علماءَ الكيمياء من عزل الكثير من العناصر الأشد تفاعُلًا، التي تختلف عن النحاس والحديد في عدم إمكان تحضيرها بتسخين خاماتها بالفحم (أي الكربون). خلال بعض الحُقَب الكبرى في تاريخ الكيمياء اكتُشِفت بضعة عناصر في غضون سنوات قلائل؛ فعلى سبيل المثال: استفاد عالِم الكيمياء الإنجليزي همفري ديفي من الكهربية، أو بتعبيرٍ أدق: استفاد من تقنية التحليل الكهربي، في فصل نحو عشرة عناصر، ومنها: الكالسيوم، والباريوم، والمغنسيوم، والصوديوم، والكلور.
وعقب اكتشاف النشاط الإشعاعي والانشطار النووي تمَّ اكتشاف المزيد من العناصر، وكانت العناصر السبعة الأخيرة التي تمَّ عزلها ضمن نطاق العناصر الموجودة في الطبيعة هي: البروتاكتينيوم، والهافنيوم، والرينيوم، والتكنيشيوم، والفرنسيوم، والأستاتين، والبرومثيوم، فيما بين عامَيْ ???? و????. ومن أواخر الثغرات التي تعيَّن مَلْؤها تلك الثغرةُ المقابلة للعنصر ??، الذي صار يُعرَف باسم التكنيشيوم من اللفظ «تكني» اليوناني ومعناه «اصطناعي»، وقد تمَّ «تصنيعه» من خلال تفاعلات كيميائية إشعاعية لم تكن لتتحقَّق قبل نشوء علم الفيزياء النووية. ومع ذلك يبدو الآن أن التكنيشيوم يوجد بصورة طبيعية في الأرض، وإن كان بكميات ضئيلة.
أسماء العناصر

إن جزءًا من جاذبية الجدول الدوري مستمَدٌّ من الطبيعة المميزة لكل عنصر من العناصر مثل اللون والملمس، كما يكمن الكثير ممَّا يثير الاهتمام في أسمائها. وقد ألَّفَ الكيميائي بريمو ليفي (الذي نجا من معسكر اعتقال الأسرى) كتابًا لاقَى استحسانًا كبيرًا سمَّاه ببساطةٍ «الجدول الدوري»؛ حيث أطلق على كلِّ فصلٍ فيه اسمَ أحد العناصر، ويدور أغلب هذا الكتاب حول علاقاته ومعارفه، ولكن كل حكاية ونادرة فيه تنطلق من حب ليفي لعنصر معيَّن. أما طبيب الأمراض العصبية والمؤلف المعروف أوليفر ساكس، فألَّفَ كتابًا سمَّاه «العم تنجستين»؛ فيه يحكي عن ولعه بالعناصر وبالكيمياء، ولا سيما الجدول الدوري. وفي فترةٍ أكثر حداثةً ألَّفَ سام كين وهيو ألدرسي ويليامز كتابَيْن مشهورَيْن عن العناصر، وأظن أنَّ من الإنصاف أن أقول إن مفهوم العناصر صار مُتقبَّلًا في مخيلة عامة الناس، بل إنه صار جذَّابًا أيضًا.
وعلى مدى قرون عديدة كانت تُكتشَف خلالها العناصرُ، استُخدِمت وسائل مختلفة كثيرة لإكسابها أسماءها التي تُعرَف بها؛ فالبروميثيوم وهو العنصر ??، يستمِد اسمه من بروميثيوس، ذلك الإله الأسطوري عند الإغريق الذين زعموا أنه سرق النار من السماء وأعطاها للبشر، وتعرَّضَ بسبب هذا لعقوبة زيوس. وتكمن العلاقة بين هذه الأسطورة الخيالية والعنصر ?? في الجهد البطولي الذي بذله العلماء لعزله، بما يقابل ما ذُكِر في الأساطير والخرافات الإغريقية من دورٍ بطوليٍّ خطيرٍ لعبه بروميثيوس. والبروميثيوم هو أحد العناصر القليلة التي لا توجد في الأرض بصورة طبيعية، فقد تمَّ الحصول عليه كناتج تحليلي من انشطار عنصرٍ آخَر هو اليورانيوم.
كما استُخدِمت الكواكب وغيرها من الأجرام السماوية في تسمية بعض العناصر؛ فالهيليوم اكتسب اسمَه من كلمة «هليوس»، وهو الاسم اليوناني للشمس، وقد لُوحِظ وجوده في طيف الشمس في عام ????، ثم اكتشف العلماءُ وجودَه في عينات أرضية لأول مرة في عام ????. وبالمثل لدينا البالاديوم الذي اكتسب اسمَه من الكويكب «بالاس»، الذي بدوره سُمِّي بهذا الاسم تبعًا لربة الحكمة في الخرافات الإغريقية التي سمَّوها «بالاس»، واكتسب عنصر السيريوم اسمه من سيريس، وهو أول كويكب اكتشفه العلماء في عام ????، وكذلك سُمِّي اليورانيوم تبعًا لكوكب أورانوس، وقد اكتُشِف كلٌّ من الكوكب والعنصر في عقد الثمانينيات من القرن الثامن عشر. وفي كثير من تلك الحالات أيضًا نجد السمةَ الخرافية مستمرةً؛ فأورانوس على سبيل المثال هو اسم إله السماء في الأساطير الإغريقية.
وقد اكتسبت عناصر كثيرة أسماءها من أسماء الألوان؛ فغازُ الكلور ذو اللون الأخضر المصفر سُمِّي بهذا الاسم المشتق من الكلمة اليونانية «كلوروس» التي ترمز إلى اللون الأخضر المصفر، وسُمِّي عنصر السيزيوم بهذا الاسم من الكلمة اللاتينية «سيزيوم»، ومعناها أزرق ضارب للرمادي؛ ذلك لأن في طيفه الضوئي خطوطًا واضحة لونها أزرق رمادي. أيضًا أملاحُ عنصر الروديوم كثيرًا ما يكون لها لونٌ وردي، وهذا يفسِّر السببَ في اختيار اسم العنصر تبعًا للفظ «رودون»، وهو الاسم اليوناني للوردة، واكتسَبَ معدن الثاليوم اسمَه من اللفظ اللاتيني «ثالوس»، ومعناه الغصن الأخضر، فهو عنصر اكتشفه عالِمُ الكيمياء البريطاني ويليام كروكس من وجود خط واضح أخضر اللون في طيفه.
كما جاء عدد كبير من أسماء العناصر من المكان الذي عاش فيه مكتشِف العنصر، أو أراد أن يكرمه، مثل: عناصر الأمريسيوم والبركليوم والكاليفورنيوم، والدارمشتاتيوم واليوروبيوم والفرنسيوم والجرمانيوم والهاسيوم، والبولونيوم والجاليوم، والهافنيوم (من كلمة هافنيا وهو الاسم اللاتيني لكوبنهاجن)، واللوتيشيوم (من كلمة لوتيشيا وهو الاسم اللاتيني لباريس)، والرينيوم (تبعًا لمنطقة نهر الراين)، والروثينيوم (من كلمة روس، وهي الاسم اللاتيني لمساحةٍ من الأرض تشمل المنطقة الغربية من روسيا الحالية وأوكرانيا وبيلاروس وأجزاء من سلوفاكيا وبولندا). إلا أن هناك أسماء عناصر أخرى اشتُقَّت من مواقع جغرافية ترتبط بمعادن توجد فيها، وتتضمَّن هذه الفئة حالة من أربعة عناصر سُمِّيت تبعًا لقرية سويدية اسمها يتيربي قريبة من العاصمة ستوكهولم، وأسماء هذه العناصر هي: إربيوم، وتربيوم، ويتربيوم، وإتريوم؛ وقد اكتُشِف وجودها كلها في خامات تقع حول هذه القرية، بينما أُطلِق على عنصر خامس اسم هولميوم نسبةً للاسم اللاتيني لستوكهولم.
وهناك حالات من عناصر تخليقية أكثر حداثةً أتت أسماؤها من أسماء مكتشِفِيها، أو من أسماء أشخاص أراد المكتشِفون أن يكرِّموهم؛ فعلى سبيل المثال لدينا: البوريوم، والكوريوم، والأينشتاينيوم، والفرميوم، واللورنسيوم، والمينتنيريوم، والمندليفيوم، والنوبليوم، والرونتجينيوم، والرذرفورديوم، والسيبورجيوم.
وقد شهدت تسمية عناصر ما بعد اليورانيوم (وعناصر ما بعد اليورانيوم هي العناصر ذوات الأعداد الذرية التي تزيد عن العدد الذري لليورانيوم) مجادلاتٍ ومعارضاتٍ لها طابعٌ قومي متشدِّد، ونشبت في بعض الحالات نزاعاتٌ مريرة بشأن أول مَن قام بتخليق العنصر، ومن ثَمَّ مَن يجب أن ينال شرف اختيار اسم له. وفي محاولة لحل تلك النزاعات، أصدَرَ الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية مرسومًا يقضي بأن العناصر يجب تسميتها، بطريقةٍ نزيهة ومنهجية، بالأعداد اللاتينية الخاصة بالعدد الذري للعنصر في كل حالة؛ فالعنصر رقم ??? — على سبيل المثال — يُعرَف هكذا باسم «أن-نيل-بنتيوم» (أن معناها واحد، ونيل معناها صفر، وبنتا معناها خمسة)، بينما يصير اسم العنصر ??? هو «أن-نيل-هكسيوم»، ولكن لاحقًا، وبعد الكثير من التفكير في أمر بعض تلك العناصر الفائقة الثقل التي في أواخر الجدول، أعاد الاتحادُ الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية حقوقَ التسمية إلى المكتشِفين أو المصنِّعين التخليقيِّين الذين قُضِي لهم بالأسبقية في كل حالة، وصار العنصران ??? و??? يُسمَّيان الآن دوبنيوم وسيبورجيوم على الترتيب.
وكذلك فإن الرموز التي تُستعمَل للدلالة على كل عنصر في الجدول الدوري لها قصةٌ تثير الاهتمام؛ ففي عصور الخيمياء القديمة غالبًا ما كانت رموزُ العناصر مقابِلةً لرموز الكواكب التي سُمِّيت بها أو اعتُبِرت مرتبطةً بها (جدول ?-?)؛ فعنصر الزئبق — على سبيل المثال — كان يتشارك في نفس الرمز مع كوكب عطارد؛ أقرب كواكب المجموعة الشمسية إلى الشمس، كما اعتُبِر النحاس مرتبطًا بكوكب الزهرة، وكان العنصر والكوكب يتشاركان في نفس الرمز. وحين نشر العالم البريطاني جون دالتون نظريتَه الذرية في عام ????، استبقى العديد من الرموز الخيميائية للعناصر، ولكنها كانت مُرهِقةً، ولم تكن طيِّعةً لنسخها في المقالات والكتب، ثم أدخَلَ الكيميائي السويدي يونز ياكوب بيرسيليوس في عام ???? الاستخدامَ الحديث لرموز الحروف.
جدول ?-?: أسماء العناصر القديمة ورموزها. (From V. Ringnes, ‘Origin of the Names of Chemical Elements’, from Journal of Chemical Education, 66, 731–738, 1989, p. 731. By permission, © American Chemical Society.)?المعدنالذهبالفضةالحديدالزئبقالقصديرالنحاسالرصاص?الرمز ?الجرم السماويSunMoonMarsMercuryJupiterVenusSaturnالأيام (باللاتينية)SolisLunaeMartisMercuriiJovisVenerisSaturniالأيام (بالفرنسية)Dimanchelundimardimercredijeudivendredisamediالأيام (بالإنجليزية)SundayMondayTuesdayWednesdayThursdayFridaySaturday
ويتم تمثيل عدد قليل من العناصر في الجدول الدوري الحديث بحرف واحد من الأبجدية، وهذه تشمل: الهيدروجين والكربون والأكسجين والنيتروجين والكبريت والفلور، التي تمثِّلها الحروف H، وC، وO، وN، وS، وF على الترتيب، ولكن معظم العناصر يُستدَل عليه بحرفين: أولهما حرف كبير والثاني صغير؛ فعلى سبيل المثال: لدينا الحروف المختصرة Kr، وMg، وNe وBa، وSc، لعناصر الكريبتون والمغنسيوم والنيون والباريوم والسكانديوم على الترتيب، وبعض الرموز الثنائية الحروف تكون واضحةً بالبديهة، مثل: Cu، وNa، وFe، وPb، وHg، وAg، وAu وغيرها، وهي مشتقة من الأسماء اللاتينية لعناصر النحاس والصوديوم والحديد والرصاص والزئبق والفضة والذهب على الترتيب، بينما يتم تمثيل التنجستين بحرف W تبعًا للاسم الألماني لهذا العنصر؛ وهو الفولفرام.
الفصل الثاني
نظرة سريعة على الجدول الدوري الحديث


الجدول الدوري الحديث

إن الطريقة التي تترتَّب بها العناصر وتنتظم في صفوف وأعمدة في الجدول الدوري تكشف عن الكثير من العلاقات فيما بينها، وبعض هذه العلاقات معروفٌ تمامًا والبعض الآخَر لا يزال ينتظر اكتشافه. في عقد الثمانينيات من القرن العشرين اكتشف العلماء أن قابلية التوصيل الفائقة، بمعنى تدفُّق التيار الكهربي دون مقاومة في الموصل؛ تحدث في درجات حرارة أعلى بكثير ممَّا كان يُلاحَظ سابقًا؛ إذ قفزت درجةُ حرارة التوصيلِ الفائقِ سريعًا جدًّا من قِيَم نمطية مقدارها ?? كلفن أو أقل، إلى قِيَم عالية، مثل ??? كلفن، وقد حدث اكتشاف هذه الموصلات الفائقة في درجات الحرارة العالية حين تمَّ الجمع بين عناصر اللانثانوم والنحاس والأكسجين والباريوم معًا لتكوين مركب معقَّد، تبيَّن أنه يتَّصِف بقابلية توصيل فائقة في درجات حرارة عالية. تبع ذلك جهودٌ عالمية نَشِطة في محاولةٍ لرفع درجة الحرارة التي يمكن عندها الاحتفاظ بهذا التأثير، وكان الهدف المنشود في النهاية هو تحقيق قابلية توصيل فائقة في درجة حرارة الغرفة؛ ممَّا يتيح إنجاز فتوحات تكنولوجية مثل إطلاق قطارات سكك حديدية تنزلق دون مجهود على قضبان فائقة التوصيل. كان أحد المبادئ الرئيسية المستخدَمة في هذا البحث هو الجدول الدوري للعناصر، فقد أتاح هذا الجدولُ للباحثين أن يبدلوا بعض العناصر في المركَّب بعناصر أخرى يُعرَف عنها أنها تسلك بطريقة مشابهة، وذلك لكي يفحصوا ناتج هذا على سلوكها الفائق التوصيل، وبهذه الكيفية تم إدخال عنصر الإتريوم في مجموعة جديدة من المركبات الفائقة التوصيل لإنتاج درجة حرارة للتوصيل الفائق مقدارها ?? كلفن في المركب YBa2Cu3O7. وما زالت هذه المعلومات — والمزيد منها بلا شك — تكمن بين ثنايا الجدول الدوري في انتظار أن تُكتشَف لتُستعمَل فيما ينفع الإنسان. وفي وقت أحدث، تم اكتشاف رتبة جديدة من الموصلات الفائقة في درجات الحرارة العالية، وتُسمَّى الأوكسي نيكتيدات؛ وهي رتبة من المواد التي تتضمن الأكسجين وأحد عناصر مجموعة النيكتوجين (المجموعة ?? من العناصر التي تُعرَف أيضًا بمجموعة النيتروجين) وعنصرًا آخَر أو أكثر، وقد زاد الاهتمام بهذه المركبات كثيرًا بعد نشر الخواص الفائقة التوصيل لمركبين هما: LaOFeP وLaOFeAs، اللذان تم اكتشافهما في عامَيْ ???? و???? على الترتيب، ومرةً أخرى أتتْ فكرة استخدام الزرنيخ As كما في المركب الأخير من موضعه الذي يقع مباشَرةً أسفل الفوسفور من الجدول الدوري. كما تنال حالاتُ التناظر الكيميائي بين عناصر في نفس المجموعة اهتمامًا كبيرًا في مجال الطب؛ فمثلًا: يقع عنصر البيريليوم على قمة المجموعة ? من الجدول الدوري وفوق المغنسيوم، ونظرًا للتشابه بين هذين العنصرين يمكن أن يحل البيريليوم محل عنصر المغنسيوم الذي يُعَدُّ ضروريًّا للبشر، وهذا السلوك يُعزَى إليه أحد الطرق الجديدة التي يكون البيريليوم من خلالها سامًّا للبشر. وبالمثل يقع عنصر الكادميوم مباشَرةً أسفل الزنك في الجدول الدوري؛ ونتيجةً لهذا يمكن أن يحل الكادميوم السام محلَّ الزنك في عديدٍ من الإنزيمات الحيوية، كما توجد أوجه تشابُه بين عناصر تقع في مواضع متجاورة في صفوف الجدول الدوري؛ فمثلًا يقع البلاتين إلى جوار الذهب، ولطالما كان معروفًا أن هناك مركبًا غير عضوي من البلاتين يُسمَّى «سيسبلاتين» يمكن أن يعالِج صورًا مختلفة من السرطان؛ ونتيجةً لهذا استُحدِثت عقاقير كثيرة جُعِلت فيها ذراتُ الذهب لتكون بديلًا عن البلاتين، ونتجت عن هذا بعض العقاقير الجديدة الناجحة.
وكمثال أخير للآثار الطبية الناتجة عن ترتيب العناصر ومواضعها في الجدول الدوري، نجد الروبيديوم الذي يقع مباشَرةً أسفل البوتاسيوم في المجموعة ? من الجدول، وكما في الحالات السابق ذكرها يمكن أن تحاكي ذراتُ الروبيديوم ذراتِ البوتاسيوم؛ ومن ثَمَّ يمكن أن تُمتَص بسهولة — مثل البوتاسيوم — لتدخل جسم الإنسان، ويتم استغلال هذا السلوك في تقنيات الفحص؛ إذ ينجذب الروبيديوم إلى السرطانات لا سيما التي تحدث في المخ.
يتكوَّن الجدول الدوري التقليدي من صفوف وأعمدة، ويمكن ملاحظة توجُّهاتٍ وعلاقاتٍ معينة بين العناصر أفقيًّا ومن أعلى لأسفل؛ إذ يمثِّل كلُّ صف أفقي دورةً واحدة من الجدول، وعند عبور إحدى الدورات يمر المرء من معادن مثل البوتاسيوم والكالسيوم، إلى اليسار خلال فلزات انتقالية مثل الحديد والكوبالت والنيكل، ثم يمر ببعض العناصر شبه الفلزية كالجرمانيوم، وبعدها بعض اللافلزات مثل الزرنيخ والسلينيوم والبروم في الجانب الأيمن من الجدول. وبصفةٍ عامة نجد تدرُّجًا لطيفًا في الخصائص الكيميائية والفيزيائية كلما عبرنا إحدى الدورات، ولكن توجد استثناءات كثيرة لهذه القاعدة العامة؛ مما يجعل دراسة الكيمياء حقلًا يثير الخيال ويزخر بأمور كثيرة غير متوقَّعة.
الفلزات نفسها يمكن أن تتفاوت من جوامد فيها ليونة ولا بريق لها مثل الصوديوم والبوتاسيوم، إلى مواد صلبة ولامعة كالكروم والبلاتين والحديد؛ وأما اللافلزات من الناحية الأخرى، فتميل لأن تكون جوامد أو غازات مثل الكربون والأكسجين (على التوالي). وفيما يتعلق بمظهرها، يكون من الصعب أحيانًا التمييز بين الفلزات الجامدة واللافلزات الجامدة، وقد يبدو للشخص العادي غير الخبير لا فلز جامدٌ ولامع أكثرَ فلزيةً من فلز ليِّن كالصوديوم. ويتكرَّر التوجُّه الدوري من الفلزات إلى اللافلزات مع كل دورة، حتى إذا اكتظَّتْ الصفوف بما فيها، فإنها تكوِّن أعمدة أو مجموعات من عناصر متشابهة، وتميل العناصر ضمن المجموعة الواحدة للتشارُك في العديد من الخواص الفيزيائية والكيميائية المهمة، وإن كانت توجد بعض الاستثناءات.
وقد أوصى الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية مؤخرًا بأن تلك المجموعات يجب ترقيمها بالتتابع برقم إنجليزي من اليسار إلى اليمين كمجموعات ? إلى ?? (شكل ?-?)، دون استخدام الحروف A وB … إلخ، التي يمكن أن نجدها على رءوس الجداول الدورية السابقة. شكل ?-?: جدول دوري ذو نمط متوسط الطول.
أنماط الجدول الدوري

لقد تمَّ إعداد ما يربو عن الألف من الجداول الدورية، وطُبِعت أو نُشِرت — مؤخرًا — على الإنترنت، فما طبيعة علاقاتها جميعًا؟ وهل ثمة جدول دوري مثالي؟ هذان سؤالان سيجري بحثهما في هذا الكتاب؛ إذ يمكن بهذا أن نعرف الكثير من الأمور المثيرة للاهتمام في العلم المعاصر.
هناك وجه لهذا السؤال يجب بحثه على الفور؛ فمن طرق تصنيف الجداول الدورية التي يتمُّ نشرها، أن تُوضَع في الاعتبار ثلاثةُ أشكال وتصميمات أساسية: أولها تلك الجداول التي وُضِعت أصلًا، ولها نمط قصير، والتي نشرها روَّاد الجدول الدوري مثل نيولاندز وَلوثار ماير وَمندليف، وكل ذلك سيجري بحثه عن كثب في الوقت المناسب (شكل ?-?). وقد حُشِرت في هذه الجداول جميع العناصر التي كانت معروفةً وقتئذٍ في ثمانية أعمدة أو مجموعات رأسية، وهي تعكس الحقيقة القائلة بصفة عامة بأن العناصر على ما يبدو تعود بعد فاصل من ثمانية عناصر إذا كانت العناصر مرتَّبة في تتابُع طبيعي (وهو موضوع آخَر للمناقشة)، ومع جمع المزيد من المعلومات عن خواص العناصر، واكتشاف المزيد من العناصر، بدأ يبرز نوع جديد من ترتيب العناصر سُمِّي «الجدول ذا النمط المتوسط الطول» (شكل ?-?)، واليوم نجد هذا النمط قد صار واسع الانتشار، ومن مظاهره الفريدة أن متن الجدول الرئيسي لا يحتوي على جميع العناصر، فإذا نظرتَ إلى شكل ?-?، فستجد فجوة بين العنصرين ?? و??، وهذا يتكرر بين العنصرين ?? و???. وقد تم تجميع العناصر «الناقصة» معًا فيما يظهر كهامش سفلي منفصل يقع أسفل الجدول الرئيسي. إن فصل تلك العناصر المسمَّاة «بالعناصر الأرضية النادرة» يجري بكامله بغرض أن يكون الجدول عمليًّا وملائمًا، فلو لم يحدث هذا لَبَدَا الجدولُ الدوري أعرضَ بكثير (بمقدار ?? عنصرًا بالضبط) بدلًا من أن يكون بعرض ?? عنصرًا. وهذا النسق بعرض ?? عنصرًا لا يطوع نفسه بسهولة ليتم نسخه على الغلاف الداخلي لكتب علم الكيمياء، ولا على اللوحات الحائطية التي تُعلَّق في قاعات المحاضرات والمختبرات، ولكن إذا تم إظهار العناصر في هذا النسق الممتد — كما يحدث أحيانًا — فسنحصل على الجدول الدوري ذي النمط الطويل (أو البالغ الاستطالة)، الذي قد نقول إنه أصح من النمط المألوف المتوسط الطول؛ بمعنى أنَّ تتابع العناصر يكون بلا ثغرات (شكل ?-?). ولكن ما هي العناصر التي تشغل الجدول الدوري؟ فلْنَعُدْ أدراجنا إلى الجدول الدوري عمومًا، ونختار النسق المألوف المتوسط الطول لمزيدً من الإيضاح لهذا الجدول الذي هو بمنزلة شبكة ذات بُعْدين؛ فكيف اكتُشِفت العناصر؟ وكيف تبدو؟ وما وجه اختلافها كلما اتجهنا لأسفل أحد أعمدة الجدول الدوري أو عبر دورة أفقية؟
المجموعات النموذجية للعناصر في الجدول الدوري

إلى أقصى يسار الجدول نجد المجموعة ? تحتوي عناصر مثل فلزات الصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم، وهي مواد لينة ومتفاعلة بدرجة غير عادية، فهي لا تشبه تمامًا ما نعتبره عادةً فلزات، مثل الحديد والنحاس والكروم والذهب والفضة. وفلزاتُ المجموعة ? شديدةُ التفاعل لدرجة أن مجرد وضع قطعة صغيرة من أيٍّ منها في الماء النقي يسبِّب تفاعلًا نَشِطًا يُنتِج غاز الهيدروجين، ويخلِّف وراءه سائلًا قلويًّا عديم اللون. تتضمن عناصر المجموعة ? المغنسيوم والكالسيوم والباريوم، وتميل لأن تكون أقل تفاعلًا ونشاطًا من عناصر المجموعة ? في معظم النواحي.
إذا اتجهنا إلى اليمين فسنصادف «كتلة» مركزية مستطيلة الشكل من العناصر التي تُعرَف ككل باسم الفلزات الانتقالية، والتي تتضمَّن أمثلةً كالحديد والنحاس والزنك. في الجداول الدورية القديمة، التي تُعرَف بالجداول ذوات النمط القصير (شكل ?-?)، كانت هذه العناصر تُوضَع بين المجموعات التي تُسمَّى الآن عناصر المجموعة الرئيسية. شكل ?-?: جدول دوري ذو نمط قصير، نشره مندليف في عام ????.
افتُقِدت أوجُهٌ قيِّمة عديدة من كيميائية هذه العناصر في الجدول الحديث بسبب الطريقة التي فُصِلت بها عن المتن الرئيسي للجدول، وإن كانت مزايا هذا النظام الأخير ترجِّح أوجهَ النقص فيه. إلى اليمين من الفلزات الانتقالية في الجدول ذي النمط المتوسط الطول، تقع كتلة أخرى من العناصر التمثيلية بدءًا من المجموعة ??، وانتهاءً بالمجموعة ??، وتستقر الغازات النبيلة (الخاملة) في أقصى يمين الجدول.
في بعض الأحيان لا تكون الخواص التي تتشارك فيها إحدى المجموعات واضحة على الفور، وهذا ينطبق على المجموعة ??، التي تتكوَّن من الكربون والسيليكون والجرمانيوم والقصدير والرصاص، فهنا نلاحظ اختلافًا كبيرًا كلما اتجهنا لأسفل المجموعة؛ فالكربون، الذي يقع على رأس المجموعة، عنصرٌ صلب لا فلزي يوجد في ثلاثة أشكال بنيوية مختلفة تمامًا (الماس والجرافيت والفحم بأنواعه)، وهو يشكِّل أساس جميع الأنظمة والأجهزة الحية. العنصر التالي الذي يقع أسفل منه وهو السيليكون، شبه فلز، وما يثير الاهتمام أنه يشكِّل أساس الحياة الاصطناعية، أو الذكاء الاصطناعي على أقل تقدير؛ إذ يوجد في قلب جميع الحواسب الآلية. والعنصر التالي أسفله، وهو الجرمانيوم، اكتُشِف في وقت تالٍ، وهو شبه فلز تنبَّأ بوجوده مندليف، وتبيَّن فيما بعدُ أن فيه الكثيرَ من الخواص التي تَوقَّعَها ذلك العالم الروسي. وإذا تحركنا للأسفل، إلى عنصرَيِ القصدير والرصاص، نجدهما فلزَّيْن معروفين من قديم الزمان. وعلى الرغم من هذا التباين الشاسع فيما بين عناصر المجموعة ??، فيما يتعلق بسلوكها الفلزي أو اللافلزي، فإنها تتشابه في معنًى كيميائي مهم؛ وهو أنها جميعًا تُظهِر قوةَ ارتباطٍ قصوى، أو ما يُسمَّى بالتكافؤ، مقدارها أربعة.
ولو انتقلنا إلى المجموعة ?? لوجدنا الفرق الظاهر بين العناصر أكثر جلاءً، فعنصرَا الفلور والكلور اللذان يترأَّسان المجموعة كلاهما غازٌ سامٌّ. والعنصر التالي البروم، هو أحد العنصرين المعروفين الوحيدين اللذين يوجدان في صورة سائلة في درجة حرارة الغرفة، (والعنصر الآخَر هو فلز الزئبق). ثم لو تحركنا لأسفل المجموعة لَوجدنا اليود، وهو عنصر جامد ذو لون بنفسجي ضارب للسواد، ولو طلبنا من كيميائي مبتدئ أن يضع هذه العناصر في مجموعة واحدة طبقًا لمظهرها، فمن غير المرجَّح أن يصنِّف تلك العناصر معًا (أي الفلور والكلور والبروم واليود)، وهذه حالة يمكن أن يفيد فيها التمييز الدقيق بين ما هو قابل للملاحظة وما هو تجريدي في مفهوم العنصر؛ إذ يكمن التشابُه الذي بينها أساسًا في طبيعة العناصر التجريدية، وليست العناصر كمواد يمكن عزلها وملاحظتها.
مع استمرارنا في التحرك إلى أقصى اليمين، نجد مجموعةً من العناصر جديرةً بالملاحظة، هي الغازات النبيلة، وجميعها تم عزله قبيل القرن العشرين مباشَرةً أو في مستهله. وخاصيتها الرئيسية — بشكل قد يبدو متناقضًا ظاهريًّا، على الأقل حين عُزِلت لأول مرة — كانت تتمثَّل في أنها تفتقر إلى الخواص الكيميائية. وهذه العناصر الخاملة، التي تتضمن الهيليوم والنيون والأرجون والكريبتون، لم تكن مذكورةً ضمن الجداول الدورية القديمة؛ إذ لم تكن معروفةً وقتئذٍ، ولم يكن العلماء يتوقَّعون وجودها، وحين اكتُشِفت، فرَضَ وجودُها تحديًا كبيرًا للمنظومة الدورية للعناصر! ولكن تمَّ حل المشكلة في النهاية بنجاح، وذلك بمدِّ الجدول ليشمل الآن مجموعةً جديدة، تُسمَّى المجموعة ??.
شكل ?-?: جدول دوري ذو نمط طويل (مستطيل).
ثمة كتلة أخرى من العناصر، تجدها في أسفل الجدول الحديث، وتتكوَّن من العناصر الأرضية النادرة، التي صُوِّرت عمومًا على أنها منفصلة تمامًا، ولكن هذا مجرد ملمح ظاهري لهذا العرض المستخدَم عامةً للمنظومة الدورية، فكما يجري بصفة عامة إدخال الفلزات الانتقالية ككتلة داخل الكيان الرئيسي للجدول، فمن الممكن تمامًا أن يُفعَل نفس الشيء بالعناصر الأرضية النادرة. ولقد تمَّ في الحقيقة نشر الكثير من تلك الجداول ذوات النمط الطويل، ولكن كما أن جداول النمط الطويل (شكل ?-?) تمنح العناصر الأرضية النادرة مكانًا أكثر طبيعيةً بين بقية العناصر، فإنها صارت بذلك مزعِجةً بعض الشيء، وغير طيِّعة لنسخها على اللوحات الحائطية للجداول الدورية التي يجب أن تكون أشكالُها عمليةً ومناسِبةً، وعلى الرغم من أن هناك عددًا من الأنماط المختلفة من الجدول الدوري، فإن ما يشكِّل الأساسَ لهذا الصرح بأكمله، أيًّا كان نمط تمثيله، هو القانون الدوري. القانون الدوري

ينصُّ القانون الدوري على أنه بعد فواصل معينة منتظمة، ولكن متفاوتة، تُظهِر العناصر الكيميائية تكرارًا تقريبيًّا في خواصها؛ فمثلًا: تتشارك عناصر الفلور والكلور والبروم، التي تندرج جميعًا في المجموعة ??، في خاصية تكوين أملاح بلورية بيضاء لها صيغة NaX مع فلز الصوديوم (حيث X هو أي ذرة هالوجين)، وهذا التكرار الدوري للخواص هو الواقع الجوهري، الذي يشكِّل الأساس لكل أوجه الجدول الدوري. وهذا الكلام عن القانون الدوري يثير بعض القضايا المثيرة للاهتمام، أولها أن صفة الدورية بين العناصر ليست ثابتة ولا دقيقة؛ ففي النمط المتوسط الطول من الجدول الدوري، المستخدَم بصفة عامة، تجد في الصف الأول عنصرين اثنين فقط، بينما يحتوي كلٌّ من الصفين الثاني والثالث على ثمانية، والصفين الرابع والخامس على ?? وهكذا. وهذا يعني دورية متغايرة تتكون من ?، و?، و?، و??، إلخ، بما يختلف تمامًا عن نوع الدورية التي نجدها في أيام الأسبوع أو الأنغام في سلم موسيقي؛ ففي هاتين الحالتين الأخيرتين يكون طول الدورة ثابتًا، مثل أيام الأسبوع السبعة وعدد الأنغام في سلم موسيقي غربي.
ولكن فيما بين العناصر، لا يقتصر الأمر على تفاوت طول الدورة، بل إن صفة الدورية ليست دقيقة؛ فالعناصر الواقعة ضمن أي عمود من الجدول الدوري لا تكون تكرارات دقيقة بعضها لبعض. وفي هذا الصدد لا تختلف صفة دوريتها عمَّا يتصف به السلم الموسيقي؛ إذ يعود المرء إلى نغمة يدل عليها نفس الحرف، الذي يبدو صوتيًّا مثل النغمة الأصلية، ولكنها بالتأكيد ليست مطابقةً لها؛ إذ يكون أعلى بمقدار جواب (أوكتاف) واحد.
هذا الطولُ المتغاير لدورات العناصر والطبيعةُ التقريبية لتكرارها جعلا بعض علماء الكيمياء يهجرون لفظ قانون فيما يتعلَّق بصفة الدورية الكيميائية؛ فقد لا تبدو الدورة الكيميائية في شكل قانون مثل معظم قوانين الفيزياء، ولكن يمكن أن يجادل المرء قائلًا إن التشابه الدوري في الخواص الكيميائية يقدِّم مثالًا لقانون كيميائي نمطي، تقريبي ومعقد، ولكنه لا يزال في الأساس يُبدِي سلوكًا يشبه القانون.
ولعل هذا هو المقام المناسب لكي نناقش بعض النقاط الأخرى المتعلقة بعلم المصطلحات، فما وجه الاختلاف بين مصطلحَيِ «الجدول الدوري»، و«المنظومة الدورية»؟ إن مصطلح المنظومة الدورية (أو النظام الدوري) هو أكثر عموميةً من الآخَر؛ فالمنظومة الدورية هي الفكرة الأكثر تجريديةً التي تؤكِّد على وجود علاقة أساسية فيما بين العناصر. وحين يكون المرء في معرض إبراز المنظومة الدورية، يمكنه أن يختار نسقًا ثلاثي الأبعاد، أو شكلًا دائريًّا، أو أي عدد من الجداول المختلفة ذوات البُعْدين، وبالطبع، فإن لفظ «جدول» يفرض بالتحديد تمثيلًا ذا بُعْدين. وهكذا، فعلى الرغم من أن لفظ (أو مصطلح) الجدول الدوري هو الأكثر شهرةً من بين الألفاظ الثلاثة: «القانون، والمنظومة، والجدول»، فإنه في الحقيقة أكثرها حصريةً وأضيقها نطاقًا.
العناصر المتفاعلة وترتيب العناصر

إن الكثير مما هو معروف عن العناصر قد عرَفه العلماء من طريقة تفاعُلها مع عناصر أخرى، ومن خواص ارتباطها. والفلزات الواقعة في الجانب الأيسر من الجدول الدوري التقليدي هي الأضداد التكامُلية للَّافلزات، التي تميل لأن تقع تجاه الجانب الأيمن، وسبب هذا — بالمصطلحات الحديثة — أن الفلزات تكوِّن أيونات موجبة عن طريق فقدان الإلكترونات، بينما تكتسب اللافلزاتُ الإلكتروناتِ لتكوِّن أيوناتٍ سالبةً، وهذه الأيونات المتضادة في شحناتها تتَّحِد معًا لتكوِّن أملاحًا متعادلة الشحنة مثل كلوريد الصوديوم أو بروميد الكالسيوم. وهناك المزيد من الأوجه التكاملية للفلزات واللافلزات؛ إذ تذوب أكسيدات أو هيدروكسيدات الفلزات في الماء لتكوِّن قواعد، بينما تذوب أكسيدات أو هيدروكسيدات اللافلزات في الماء لتكوِّن أحماضًا، ويتفاعل الحمض والقاعدة معًا في تفاعل «تعادلي» لتكوين ملح وماء، وهكذا نجد القواعد والأحماض — تمامًا مثل الفلزات واللافلزات التي تتكوَّن منها — متضادة أيضًا ولكنها متكاملة.
للأحماض والقواعد ارتباطٌ بأصول الجدول الدوري؛ إذ إنها برزت بوضوح في مفهوم الأوزان المكافئة، الذي استُخدِم في البداية في ترتيب العناصر وتنسيقها، فالوزن المكافئ لأي فلز معين، على سبيل المثال، قد تم الحصول عليه أصلًا من كمية الفلز التي تتفاعل مع كمية محدَّدة من حمض قياسي وقع عليه الاختيار. وقد تم تقسيم مصطلح «الوزن المكافئ» بالتبعية ليدل على الكمية الخاصة بعنصرٍ ما التي تتفاعل مع كمية قياسية من الأكسجين. ومن الناحية التاريخية كان ترتيب العناصر عبر الدورات يتجدَّد بالوزن المكافئ، ثم بعد ذلك بالوزن الذري، وفي نهاية الأمر بالعدد الذري (المشروح فيما يلي).
وقد بدأ علماء الكيمياء في عقد مقارنات كميَّة فيما بين كميات الأحماض والقواعد التي تتفاعل معًا، وهذا الإجراء تم بسطه بعدها ليشمل التفاعلات بين الأحماض والفلزات، وهذا أتاح لعلماء الكيمياء أن يرتِّبوا الفلزات على أساس عددي تبعًا لأوزانها المكافئة، التي هي بالتحديد — كما ذُكِر توًّا — كمية الفلز التي تتَّحِد مع كمية محددة من الحمض.
وقد تم لأول مرة التوصُّل إلى الأوزان الذرية، باعتبارها تختلف عن الأوزان المكافئة، في مستهل القرن التاسع عشر على يد جون دالتون، الذي استدل عليها على نحوٍ غير مباشِر من قياسات لكتل عناصر تتَّحِد معًا. ولكن كان ثمة تعقيداتٌ في هذه الطريقة التي تبدو بسيطة، أجبرَتْ دالتون على أن يضع افتراضات للصيغ الكيميائية للمركبات التي تحوم حولها التساؤلاتُ، وكان مفتاح تلك التساؤلات هو تكافؤ العنصر، أو قدرته الارتباطية؛ فعلى سبيل المثال: ترتبط ذرة أحادية التكافؤ مع ذرات الأكسجين بنسبة ??:??، بينما ترتبط ذرة ثنائية التكافؤ مثل الأكسجين بنسبة ??:??، وهكذا.
أحيانًا يُعتبَر الوزن المكافئ كما ذُكِر أعلاه مفهومًا تجريبيًّا صرفًا؛ إذ لا يبدو أنه يعتمد على ما إذا كان المرء يؤمن بوجود الذرات أم لا. وعقب خروج الأوزان الذرية إلى النور، حاول الكثيرون من علماء الكيمياء، الذين شعروا بعدم الارتياح حيال فكرة الذرات، أن يعودوا إلى المفهوم السابق؛ أي للأوزان المكافئة، واعتقدوا أن الأوزان المكافئة ستكون مستنِدةً إلى التجربة العملية على نحوٍ خالص؛ ومن ثَمَّ أكثر أهليةً للثقة. ولكن كانت آمالهم أوهامًا؛ إذ ارتكزتِ الأوزانُ المكافئة أيضًا على افتراض صِيغ كيميائية معينة للمركبات، وتلك الصيغ هي أفكار نظرية.
وعلى مدى العديد من الأعوام، كان ثمة قدرٌ كبير من البلبلة الناتجة عن حرية الاختيار؛ ومن ثَمَّ الاستخدام المتبادل لأيٍّ من الوزن المكافئ أو الوزن الذري، ولقد افترض دالتون نفسه أن الماء يتكون من ذرة واحدة من الهيدروجين متحدة مع ذرة واحدة من الأكسجين، ولكن تخمينه عن تكافؤ الأكسجين تبيَّن أنه تخمين خاطئ. وقد استخدم مؤلفون كثيرون مصطلحَي «الوزن المكافئ» و«الوزن الذري» بالتبادل، مما زاد من حالة الارتباك. ولم تتحدَّد العلاقة الحقيقية بين الوزن المكافئ والوزن الذري والتكافؤ بوضوحٍ قبل عام ????، الذي عُقِد فيه أول مؤتمر علمي كبير في مدينة كارلسروه بألمانيا، وأدَّى هذا التوضيحُ والإقرار العام للأوزان الذرية المؤكدة، إلى تمهيد الطريق للاكتشاف المستقل للمنظومة الدورية على يد ستة أشخاص في دول مختلفة، افترضوا أنماطًا من الجدول الدوري، وكانت ناجحة بدرجات متفاوِتة، وكلٌّ منهم وضع العناصر بصفة عامة مرتَّبة على أساس تزايُد الوزن الذري.
كان ثالث مفاهيم ترتيب العناصر، كما ذكرنا آنفًا، وأحدثها هو العدد الذري، فما إن تمت معرفة مفهوم العدد الذري، حتى أزاح الوزنَ الذري باعتباره المبدأ المرتَّب للعناصر، فلم يَعُدِ الأمر يعتمد على تجميع الأوزان بأي حال؛ إذ يمكن الكشف عن العدد الذري بطريقة مجهرية بسيطة من خلال بنية الذرات لأي عنصر. ويتم التوصُّل إلى العدد الذري للعنصر عن طريق عدد البروتونات؛ أي وحدات الشحنة الموجبة، في نواة أيٍّ من ذراته، وهكذا فإن كل عنصر في الجدول الدوري به بروتون أَزْيد من العنصر السابق عليه، ونظرًا لأن عدد النيوترونات في النواة يميل أيضًا للزيادة كلما تنقَّلْنا خلال الجدول الدوري، فهذا يجعل العدد الذري والوزن الذري متناظرين تقريبًا، ولكن العدد الذري هو الذي يُستعمَل لتحديد هوية أي عنصر بعينه. بتعبير آخَر: إن ذرات أي عنصر معين دائمًا ما يكون لديها نفس عدد البروتونات، ولكن يمكن أن تختلف في عدد النيوترونات التي تحتوي عليها، وهي صفة تنتج عنها ظاهرةُ النظائرية، وتُسمَّى تلك الأنواع المختلفة ? «النظائر».
الطرق المختلفة لتمثيل المنظومة الدورية

تُعتبَر المنظومة الدورية الحديثة ناجحة بشكل لافت في ترتيب العناصر وتنظيمها على أساس العدد الذري، بطريقة تجعلها تندرج في مجموعات طبيعية. ولكن هذه المنظومة يمكن تمثيلها بأكثر من طريقة، وهكذا توجد صور وأنماط كثيرة من الجدول الدوري، وبعضها صُمِّم لاستخدامات مختلفة؛ فبينما قد يفضِّل عالِمٌ كيميائي صورةً تُلقِي الضوء على تفاعلية العناصر، قد يرغب مهندسٌ كهربائي أن يركِّز على التشابُهات والأنماط في قابلية تلك العناصر للتوصيل الكهربائي.
تُعتبَر الكيفية التي تظهر بها المنظومة الدورية أمرًا مدهشًا، ولا سيما أنه يثير مخيلة العامة، ويجذب اهتمامهم. ومنذ العهد الذي ظهرت فيه أوائل الجداول الدورية على يد كلٍّ من نيولاندز وَلوثار ماير وَمندليف، بُذِلت محاولات كثيرة للحصول على الجدول الدوري «النهائي». وفي حقيقة الأمر، قُدِّر عدد النُّسَخ المختلفة التي نُشِرت من الجدول الدوري في خلال مائة عام بعد صدور جدول مندليف الشهير في عام ????؛ بما يقرب من ??? نسخة، وتشمل جميعَ أنواع الأشكال والبدائل، مثل الجداول الثلاثية الأبعاد، والأشكال الحلزونية، والدوائر المتراكزة، والأشكال اللولبية، والأشكال المتعرجة، والجداول المتدرجة، وجداول صور المرآة … وهكذا. وحتى اليوم تُنشَر المقالات بانتظام، ومفادُها إظهارُ أشكالٍ جديدة ومحسنة من المنظومة الدورية.
الشيء الجوهري في كل هذه المحاولات هو القانون الدوري نفسه، الذي يوجد بصورة واحدة فحسب، ولا شيء من ذلك الكم من صور الجدول الدوري يغيِّر هذا الوجه من المنظومة الدورية. ويؤكد كيميائيون كثيرون أن كيفيةَ تمثيل هذا القانون شكليًّا غيرُ مهمة، ما دام أنه تم الوفاء بمتطلبات أساسية معينة. ومع ذلك، من وجهة نظر فلسفية، لا يزال من الملائم أن نضع في اعتبارنا أكثرَ صورِ تمثيل العناصر أساسيةً، أو ما يُسمَّى بالصورة «النهائية» للمنظومة الدورية، لا سيما أن هذا الأمر له علاقة بالتساؤل عمَّا إذا كان من الواجب النظر إلى القانون الدوري بطريقة واقعية، أم باعتباره شيئًا من العُرْف. وقد يبدو الجواب المعتاد بأن هذا التمثيل هو مجرد شيء من العُرْف، متعارِضًا مع الفكرة الواقعية القائلة بأنه قد يكون ثمة واقعٌ في هذا الأمر، فيما يتعلَّق بالنقاط التي يحدث عندها التكرارُ في خواص العناصر في أي جدول دوري.
التغييرات الحديثة في الجدول الدوري

في عام ???? افترض عالِمُ الكيمياء الأمريكي جلين سيبورج أن العناصر التي تبدأ بالأكتينيوم، وهو رقم ??، يجب اعتبارها سلسلةً من العناصر الأرضية النادرة، بينما كان يُفترَض في السابق أن سلسلة العناصر الأرضية النادرة الجديدة تبدأ بعد العنصر رقم ??، وهو اليورانيوم (شكل ?-?). وقد كشف جدول سيبورج الدوري الجديد عن وجود تناظُر بين اليوروبيوم (??) والجادولينيوم (??)، وأيضًا بين العنصرين ?? و?? على التوالي، اللذين لم يكونا قد اكتُشِفَا بعدُ وقتئذٍ، وعلى أساس هذه التناظرات، نجح سيبورج في تخليق هذين العنصرين الجديدين وتحديد هويتهما، وأُطلِق عليهما فيما بعدُ اسمَيِ «الأمريسيوم» و«الكوريوم»، وقد تلا ذلك تخليقُ عددٍ آخَر من عناصر ما بعد اليورانيوم. شكل ?-?: الجدول الدوري قبل تعديل سيبورج وبعده.
كما خضعت أيضًا الصورة القياسية للجدول الدوري لبعض التغييرات الطفيفة فيما يتعلَّق بالعنصرين اللذين يبدأ بهما الصفان الثالث والرابع من العناصر الانتقالية؛ فبينما تُظهِر الجداول الدورية السابقة هذين العنصرين تحت اسمَي اللانثانوم (??) والأكتينيوم (??)، فإن الدلائل والتحاليل الأكثر حداثةً وضعَتْ عنصرين آخَرين هما اللوتيشيوم (??) واللورنسيوم (???) في موضعيهما السابقين (انظر الفصل العاشر). ومن المثير للاهتمام أيضًا أن نلاحظ أنه حتى بعض الجداول الدورية السابقة التي وُضِعت على أساس الخواص العيانية قد تنبَّأَتْ بهذه التغييرات.
تلك أمثلة لمواضع الغموض الموجودة فيما قد نسمِّيه تصنيفًا ثانويًّا، ذاك التصنيف الذي ليس في نفس درجة الوضوح التي يتصف بها التصنيف الأوَّلي، أو الترتيب المتتابع للعناصر. ومن الناحية الكيميائية الكلاسيكية يتم شرح التصنيف الثانوي بالنظر إلى التشابهات الكيميائية بين العناصر المختلفة في مجموعةٍ ما، وأما من الناحية الكيميائية الحديثة فيتم شرح التصنيف الثانوي باستخدام مفهوم التوزيع الإلكتروني. وسواء أخذنا بالأسلوب الكيميائي الكلاسيكي أم بأسلوب أكثر فيزيائيةً على أساس التوزيع الإلكتروني، فإن التصنيف الثانوي من هذا النوع يُعَدُّ أكثرَ غموضًا وضعفًا من التصنيف الأوَّلي، ولا يمكن اعتباره قاطعًا. وتُعتبَر الطريقة التي يجري التعامُل بها مع التصنيف الثانوي، كما هو موجود هنا، مثالًا حديثًا للتوتر الحادث بين استخدام الخواص الكيميائية أو الخواص الفيزيائية للتصنيف. إنَّ وَضْع عنصر ما بدقة ضمن مجموعة الجدول الدوري يمكن أن يتفاوت حسبما إذا كنَّا سنركِّز أكثر على التوزيع الإلكتروني (وهي خاصية فيزيائية)، أم على خواصه الكيميائية. وفي الواقع، الكثير من المجادلات الحديثة عن وضع الهيليوم في المنظومة الدورية تحوم حول الأهمية النسبية التي يجب إيلاؤها لهذين الأسلوبين (انظر الفصل العاشر).
في السنوات الأخيرة زاد عدد العناصر حتى تجاوز المائة بكثير؛ وهذا نتيجة لتخليق عناصر اصطناعية. وفي وقت تأليفي هذا الكتابَ ظهرتْ دلائلُ تفيد بإضافة عنصرين جديدين، هما ??? و???، ويتميزان بعدم الاستقرار لدرجة كبيرة تجعل من المتعذر إنتاجُ أي قدرٍ منهما سوى ذرات قليلة في أي وقت من الأوقات. ومع ذلك تم استحداث تقنيات كيميائية عبقرية تتيح لنا فحص الخواص الكيميائية لتلك العناصر التي تُسمَّى «العناصر الفائقة الثقل»، كما تسمح لنا بأن نتحقَّق ممَّا إذا كانت توقُّعاتنا بشأن الخواص الكيميائية تَصدُق على تلك العناصر بذراتها الكبيرة جدًّا أم لا. وإذا نظرنا إلى هذا الأمر بطريقة فلسفية أكثر، نقول إن إنتاج هذه العناصر يتيح لنا أن نتبيَّن ما إذا كان القانون الدوري قانونًا بلا استثناء، من نوعية قانون الجاذبية لنيوتن، أو ما إذا كان من المحتمل حدوث انحرافات عن التكرارات المتوقَّعة في الخواص الكيميائية بمجرد الوصول إلى الأعداد الذرية العالية نسبيًّا. لم تحدث أي مفاجآت حتى الآن، ولكن لم يتم التوصُّل إلى جوابٍ شافٍ عن التساؤل عمَّا إذا كانت بعض تلك العناصر الفائقة الثقل تمتلك الخواصَّ الكيميائية المتوقَّعة أم لا، وثمة عقدةٌ مهمة تنشأ في هذه الجزئية من الجدول الدوري، وهي تزايُد أهميةِ الآثار المرتبطة بنظرية النسبية (انظر ما يلي)، فهذه الآثار تؤدِّي إلى توزيعات إلكترونية غير متوقَّعة من بعض الذرات، وقد تنتج عنها خواص كيميائية غير متوقَّعة بنفس القدر.
فهم المنظومة الدورية

كان لِمَا تحقَّق من تطورات في علم الفيزياء أثرٌ عميق في الطريقة التي يتم بها الآن فهمُ المنظومة الدورية، والنظريتان المهمتان في الفيزياء الحديثة هما النظرية النسبية لأينشتاين وميكانيكا الكم.
أُولى هاتين النظريتين كان لها تأثيرٌ محدود على فهمنا للمنظومة الدورية، ولكنها صارت أكثر أهميةً على نحو متزايد في الحسابات الدقيقة التي تجري على الذرات والجزيئات، وتنشأ الحاجةُ إلى أن نضع النسبية في اعتبارنا كلما تحرَّكت أشياء، أو جسيماتٌ ما، بسرعات تقارِب سرعةَ الضوء، فالإلكتروناتُ الداخلية للذرات، لا سيما التي توجد في الذرات الأكثر ثقلًا في المنظومة الدورية، يمكن بسهولة أن تصل إلى تلك السرعات؛ سرعات النظرية النسبية. وقد يكون من المستحيل إجراءُ حسابٍ دقيق، لا سيما إذا كانت الذرة ثقيلةً، دون إدخال التصحيحات اللازمة التي تراعي النظرية النسبية، وفضلًا عن هذا فإن الكثير من الخواص المادية للعناصر، مثل اللون المميز للذهب أو سيولة فلز الزئبق، يُفضَّل تفسيرها علميًّا باعتبارها من الآثار المتعلِّقة بالنظرية النسبية، نتيجةً للحركة الدورانية السريعة لإلكترونات الغلاف الذري الداخلي.
إلا أن النظرية الثانية للفيزياء الحديثة هي التي لعبت، إلى حد بعيد، الدورَ الأكثر أهميةً ضمن محاولات فهم المنظومة الدورية نظريًّا. وُلِدت نظرية الكم في الواقع في عام ????، وبدأ تطبيقها على الذرات على يد العالم الفيزيائي الدنماركي نيلز بور، الذي تتَبَّعَ الفكرةَ القائلة بأن التشابهات بين العناصر يمكن تفسيرها بأن لديها أعدادًا متساويةً من إلكترونات الغلاف الذري الخارجي، وإن تلك الفكرة بعينها عن وجود عدد معين من الإلكترونات في غلاف إلكتروني ذري تُعَدُّ في الأساس مفهومًا شبيهًا بنظرية الكم؛ إذ يُفترَض أن الإلكترونات لديها وحدات كمية (أو «عبوات») من الطاقة، وتبعًا لأعداد تلك «العبوات» من الكم التي لدى تلك الإلكترونات، فإنها تقع في غلافٍ ذريٍّ ما، أو غيره، وهي تدور حول نواة الذرة (انظر الفصل السابع).
وإثر إدخال بور نظريةَ الكم في دراسة الذرة، لم يلبث الكثيرون غيره من العلماء أن طوَّروا نظريتَه حتى تمخَّضت عن نظرية الكم القديمة نظريةٌ جديدةٌ سُمِّيَت «ميكانيكا الكم» (انظر الفصل الثامن)، وبمقتضى الوصف التفسيري الجديد تُعتبَر الإلكترونات — بدرجة كبيرة — من الموجات كما تُعتبَر من الجسيمات، والأغرب من هذا — في هذه النظرية — هي الفكرة الجديدة القائلة بأن الإلكترونات لم تَعُدْ تتبع مسارات دائرية محدودة حول النواة تُسمَّى مدارات، ولكن الوصف الجديد يغيِّر هذا المفهوم ليتحدَّث عن سُحْب إلكترونية تحيط بالنواة، وتشغل ما يُعرَف بالمدارات. وأحدث ما قُدِّم لتفسير المنظومة الدورية يتعلَّق بعدد الإلكترونات التي تشغل كلًّا من تلك المدارات، ويعتمد هذا التفسير الجديد على ترتيب الإلكترونات، أو ما يُسمَّى «التوزيع الإلكتروني» للذرة، الذي يتضح بحسب ما يتم احتلاله بالإلكترونات من مدارات تلك الذرة.
وهنا يبرز تساؤلٌ يثير الاهتمام حول ماهية العلاقة بين الكيمياء والفيزياء الذرية الحديثة، وتحديدًا ميكانيكا الكم. وجهةُ النظر القوية السائدة في أغلب الكتب الأكاديمية هي أن الكيمياء ليست سوى فيزياء «متعمقة»، وأن كل الظواهر الكيميائية، ولا سيما المنظومة الدورية، يمكن تطويرها بناءً على ميكانيكا الكم، ولكن توجد بعض المشكلات في وجهة النظر هذه سنضعها في الاعتبار؛ فعلى سبيل المثال: يَفترِض البعض أن التفسير الميكانيكي الكمي للمنظومة الدورية لا يزال بعيدًا عن الكمال، وهذا مهم لأن كتب الكيمياء، لا سيما الكتب المعنِيَّة بالتدريس، تميل لأن تعطي انطباعًا بأن تفسيرنا الحالي للمنظومة الدورية كاملٌ في الأساس، والواقع يقول غير هذا كما سنوضِّح فيما بعدُ.
يُعتبَر الجدول الدوري واحدًا من أكثر الأفكار قيمةً وتوحيدًا للآراء في العلم الحديث بكامله، وهو في هذا ربما يشبه نظرية داروين عن النشوء والارتقاء بالانتقاء الطبيعي. فبعد مسيرة من التطوُّر والارتقاء على مدى ??? عامًا تقريبًا من خلال جهود أشخاص عديدين، يبقى الجدول الدوري في قلب دراسة الكيمياء، وهذا يرجع في معظمه إلى أنه يتميَّز بفائدة عملية هائلة في إصدار توقُّعات بشأن كل ضروب الخواص الكيميائية والفيزيائية للعناصر واحتمالات تكوين الروابط؛ فبدلًا من أن يضطر الكيميائي الحديث أو طالب الكيمياء إلى تعلُّم خواص ??? أو أكثر من العناصر، يمكنه إصدار توقُّعات فعَّالة من خلال معرفة خواص عناصر نموذجية في كلٍّ من المجموعات الثماني الرئيسية، ومجموعات العناصر الانتقالية والعناصر الأرضية النادرة.
الآن وقد تم إرساء بعض الأسس الموضوعية وتعريف بعض المصطلحات الأساسية، سوف نبدأ في سَرْد قصة تَطَوُّر المنظومة الدورية الحديثة، بدءًا من مولدها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

الفصل الثالث
الوزن الذري وفرضية براوت وثلاثيات دوبرينير


أُجرِيت أول تصنيفات للعناصر إلى مجموعاتٍ بناءً على التشابهات الكيميائية بين العناصر؛ بمعنى أن هذا كان على أساس جوانبها النوعية الكيفية لا الكمية؛ فعلى سبيل المثال: كان من الواضح أن فلزات الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم تتشارك في كثير من أوجه الشبه بما فيها صفات الليونة والطفو على الماء، والحقيقة القائلة بأنها — خلافًا لأغلب الفلزات — يمكنها التفاعل بشكل مرئي مع الماء.
إلا أن الجدول الدوري الحديث يتأسس بناءً على الخصائص الكمية للعناصر بمقدارِ ما يتأسس على خواصها النوعية، وقد بدأ علم الكيمياء ككلٍّ في اكتساب الصفة الكمية؛ بمعنى دراسة «مقدارِ» ما يتفاعل وليس «الكيفية» التي يتم بها التفاعل، وذلك منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر. كان من العلماء المسئولين عن هذا الأسلوب أنطوان لافوازييه، وكان نبيلًا فرنسيًّا أُعدِم بالمقصلة في أعقاب نشوب الثورة الفرنسية. كان لافوازييه من بين أوائل الذين أجرَوْا قياسات دقيقة لأوزان المواد المتفاعلة كيميائيًّا ونواتجها، وبفعله هذا صار قادرًا على أن يفنِّد ادِّعاءً طالَ استمرارُه بأن هناك مادة تُسمَّى «اللاهوب»، تتكوَّن حين تُحرَق المواد.
على العكس من هذا الاعتقاد، اكتشف لافوزاييه أن حرق أي مادة، مثل عنصرٍ ما، تنتج عنه زيادةٌ في الوزن وليس نقصًا فيه. كما اكتشف أنه في أي عملية كيميائية، تكون كمِّيَّتَا المادة قبل العملية وبعدها متساويتين. وقد تبع اكتشافَ قانونِ بقاء المادة هذا اكتشافُ قوانين أخرى عن الارتباط الكيميائي، وبدأ كلُّ ذلك يحتاج لتفسيرٍ أعمق من شأنه أن يؤدِّي في نهاية الأمر إلى اكتشاف الجدول الدوري.
أيضًا ابتعد لافوازييه عن الفكرة الإغريقية التي تقضي بوجود عنصر تجريدي كحامل للخواص والصفات، وبدلًا من هذا ركَّز على العناصر باعتبارها المرحلةَ النهائية في تحلُّل أيِّ مركَّب. وعلى الرغم من افتراض أن العناصر التجريدية يمكن أن تعود فيما بعدُ في ثوب معدَّل، فقد كان لزامًا أن يضع حدًّا فاصلًا دون الأعراف اليونانية العتيقة، لا سيما وقد استمرَّ الكثير من الأفكار الغامضة وغير العلمية في الازدهار والاستفحال في العصور الوسطى بين الخيميائيين.
وعودة إلى الجوانب الكمية للعناصر، نشر بنيامين ريختر، الذي كان يعمل في ألمانيا في عام ????، قائمةً بما صار يُعرَف بالأوزان المكافئة (جدول ?-?)، وكانت قائمةً بأوزان فلزات مختلفة تتفاعل مع كمية محدَّدة من حمض معين كحمض النيتريك مثلًا؛ وهكذا أمكن حينئذٍ، ولأول مرة، المقارَنةُ بين خواص عناصر مختلفة بطريقة كمية بسيطة. جدول ?-?: جدول ريختر للأوزان المكافئة، بعد تعديل فيشر في عام ????. (From E. G. Fischer, Claude Louis Bethollet uber die Gsetze der Verwandtschaft, Berlin, 1802. Table on p. 229.)قواعد?أحماض?الألومينا???الهيدروفلوريك???المغنسيا???الكربونيك???النُّشادر???السيبايك???الجير???المورياتيك???الصودا???الأكساليك???الاسترونشيا????الفوسفوريك???البوتاس????الكبريتيك????الباريتا????السكسكينيك??????النيتريك??????الخليك??????السِّتريك??????الطرطريك????
دالتون

في عام ???? نشر مدرسٌ شاب في مدينة مانشستر بإنجلترا، يُدعَى جون دالتون، بدايات نظريةٍ ذريةٍ حديثة. فبالسير على دَرْب العُرْف الجديد لكلٍّ من لافوازييه وريختر، عالَجَ دالتون الفكرةَ الإغريقية القديمة عن الذرات، أو الجسيمات الأصغر لأي مادة، فجعلها كميةً. ولم يكتفِ بأن افترض أن كل عنصر يتكوَّن من نوع معين من الذرات، بل بدأ أيضًا يقدِّر أوزانَها النسبية.
على سبيل المثال: اعتمد دالتون على تجارب لافوازييه عن ارتباط الهيدروجين والأكسجين لتكوين الماء، فلقد بيَّنَ لافوازييه أن الماء يتركَّب من ??? أكسجين و??? هيدروجين، وافترض دالتون أن الماء يتركب من ذرة واحدة من الهيدروجين ترتبط بذرة واحدة من الأكسجين لتكوين صيغة هي HO، وأن الوزن الذري للأكسجين بناء على هذا هو ???/??? = ????، مفترضًا أن وزنَ ذرة الهيدروجين وحدةٌ واحدةٌ. وأما في الوقت الحاضر، فالمعروف أن الوزن الذري الحقيقي للأكسجين هو ??، ويكمن الفارق في أمرين لم يكن دالتون يدركهما؛ أولهما أنه لم يكن مُصِيبًا حين افترض أن صيغة الماء هي HO، فكل الناس يعرفون الآن أن الصيغة الحقيقية هي H2O؛ وثانيهما أن بيانات لافوازييه لم تكن دقيقة جدًّا. لقد أعطت فكرةُ دالتون عن الأوزان الذرية تفسيرًا معقولًا جدًّا لقانون النسبية الثابتة، الذي ينص على أنه حين يتَّحِد عنصران معًا، فإن هذا يتم بنسبة ثابتة بين وزنَيْهما. ويمكن الآن اعتبار هذا القانون نُسخةً أشمل لاتحاد اثنتين أو أكثر من الذرات التي لديها أوزانٌ ذرية معينة. والحقيقةُ القائلة بأن العينات العيانية تتكوَّن من نسبة ثابتة وزنًا من عنصرين؛ تعكس واقعًا بأن ذرتين معينتين تتحدان مرات ومرات كثيرة، وحيث إن لديهما كتلتين معينتين، فإن ناتج اتحادهما سيعكس أيضًا النسبةَ الكتلية هذه.
إلا أن هناك كيميائيين آخَرين، فضلًا عن دالتون ذاته، اكتشفوا قانونًا آخَر عن الاتحاد الكيميائي، وهو قانون النِّسَب المتعددة؛ فحين يتحد العنصر «أ» مثلًا مع عنصر آخَر «ب»، ليكوِّنا أكثر من مركب واحد، تكون ثمة نسبةٌ بسيطة بين كتلتَيْ «ب» المتحدتين في المركبين الاثنين؛ فعلى سبيل المثال: يتحد الكربون والأكسجين معًا لتكوين أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون، ويكون وزنُ الأكسجين المتحد في ثاني الأكسيد ضعفَ وزن الأكسجين المتحد في أول الأكسيد. وفوق هذا، وجد هذا القانون تفسيرًا جيدًا في نظرية دالتون الذرية؛ لأنها افترضت أن ذرة واحدة من الكربون تتحد بذرة واحدة من الأكسجين في أول أكسيد الكربون CO، بينما تتَّحِد ذرتان من الأكسجين بذرة واحدة من الكربون في ثاني أكسيد الكربون CO2. فون هومبولت وَجاي لوساك

الآن ضع في اعتبارك قانونًا آخَر عن الارتباط الكيميائي، ولكن لم تفسِّره نظرية دالتون في بادئ الأمر. ففي عام ???? اكتشف كلٌّ من ألكسندر فون هومبولت وَجوزيف لويس جاي لوساك أنه حين يتكوَّن بخار الماء بتفاعل غازين هما الهيدروجين والأكسجين، يكون حجم الهيدروجين ضعفَ حجم الأكسجين تقريبًا. فضلًا عن هذا، يكون حجم بخار الماء المتكوِّن مثل حجم الهيدروجين المتحد تقريبًا.
حجمان من الهيدروجين + حجم من الأكسجين حجمان من بخار الماء. كما تبيَّن أن هذا النوع من السلوك الكيميائي ينطبق على غازات أخرى تتحد معًا؛ ومن ثَمَّ استطاع فون هومبولت وَجاي لوساك أن يستنتجا القانون التالي: إن أحجامَ الغازات الداخلة في تفاعل كيميائي والنواتجَ الغازية لهذا التفاعل؛ تكون بنسبة من أعداد صحيحة صغيرة.
هذا القانون الجديد في علم الكيمياء طرح تحديًا كبيرًا أمام نظرية دالتون الذرية الجديدة؛ فبحسب ما قاله دالتون، فإن الذرة — أي ذرة — تكون غير قابلة للانقسام، ولكن هذا القانون الجديد لا يمكن تفسيره إذا افترضنا أن ذرات الغازات المتفاعلة غير قابلة للانقسام، فلا بد بالضرورة أن تكون ذراتُ الأكسجين قابلةً للانقسام، حتى يمكن أن يحدث تفاعلُ الهيدروجين والأكسجين المذكورُ سابقًا بين ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين.
وقد جاء الحل لهذا اللغز حين أدرك فيزيائي إيطالي يُدعَى أميديو أفوجادرو أن جزيئين اثنين ثنائيَّي الذرة من الهيدروجين هما اللذان يتحدان مع جزيء واحد ثنائي الذرة من الأكسجين، ولم يخطر ببال أي امرئ قبله أن هذه الغازات تتركب من ذرتين من العنصر تتحدان معًا لتكوِّنا جزيئًا ثنائيَّ الذرة. ونظرًا لأن كلًّا من هذه الجزيئات يتركب من ذرتين، فإن الجزيئات هي التي تقبل الانقسام وليست الذرات. وهكذا فإن نظرية دالتون وفكرة عدم قابلية الذرات للانقسام لا يزال بالإمكان الأخذ بهما وقبولهما، وعن طريق افتراض وجود جزيئات غازية ثنائية الذرة، يتركب كلٌّ منها من ذرتين من نفس العنصر؛ يكون بالإمكان أيضًا تفسيرُ القانون الجديد لِفون هومبولت وجاي لوساك.
يحدث التفاعل بين الهيدروجين والأكسجين بحيث ينقسم جزيئان من الهيدروجين، كلٌّ منهما ثنائي الذرة، لتكوين أربع ذرات، بينما ينقسم جزيء واحد ثنائي الذرة من الأكسجين لتكوين ذرتين، وهكذا يتكون جزيئان اثنان من بخار الماء أو H2O، ليكونا الأصل لجميع الذرات الداخلة في التفاعل. كل هذا يبدو شديد البساطة الآن وقد اتضحت الأمور، ولكن إذا عرفنا أن الجزيئات الثنائية الذرة كانت تمثِّل في الزمن الماضي فكرةً ثورية، وأن الصيغة الكيميائية لجزيء الماء لم تكن معروفة، فلا عجب إذن أن هذه المعادلة الكيميائية البسيطة:
استغرقت نحو ?? عامًا قبل أن يتم فهمها فهمًا تامًّا. ولكن في تحوُّل تاريخي عجيب، رفض دالتون نفسه قبول فكرة الجزيئات الثنائية الذرة؛ لأنه كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أن أي ذرتين من نفس العنصر لا بد أن تتنافرَا؛ ونتيجةً لهذا فلا يمكن أبدًا أن تكوِّنا جزيئًا ثنائي الذرة. كانت فكرة وجود رابطة كيميائية بين أي ذرتين متشابهتين لا تزال جديدة، واستغرقت وقتًا حتى يتعوَّد المرء عليها، وخصوصًا امرأً مثل دالتون الذي كانت وجهة نظره معقَّدة بعض الشيء فيما يتعلَّق بالسلوك الواجب للذرات. وفي نفس الوقت استطاع شخص آخر، هو أفوجادرو، أن يكون أكثر جرأةً وتحرُّرًا، وأن يفترض وجود جزيئات ثنائية الذرة، فلا تعوقه فكرة أن الذرتين المتشابهتين تتنافران، وهي فكرة غير صحيحة في الواقع، كما ندرك في يومنا هذا.
كما وردت نفس فكرة أفوجادرو عن الجزيئات الثنائية الذرة على نحوٍ مستقل إلى مخيلة عالم فرنسي آخَر هو أندريه أمبير، الذي تُسمَّى الآن باسمه وحدة قياس شدة التيار (الأمبير)، ولكن بقي هذا الاكتشاف الحاسم كامنًا غير معروف لفترةٍ دامت نحو ?? عامًا، إلى أن أحيا هذه الفكرة عالِمٌ إيطالي آخَر اسمه ستانيسلاو كانيزارو، كان يقطن في صقلية.
فرضية براوت

بعد مرور بضع سنوات منذ أن بدأ دالتون وآخَرون نشْرَ قوائم عن الأوزان الذرية، لاحَظَ فيزيائي اسكتلندي يُدعَى ويليام براوت شيئًا يثير الاهتمام بعض الشيء. كان الكثير من الأوزان الذرية التي حدَّدها العلماء للعناصر يبدو كمضاعفات بأعداد صحيحة لوزن ذرة الهيدروجين. كان استنتاجه بديهيًّا إلى حدٍّ ما، فربما كانت جميع الذرات تتكوَّن ببساطة من ذرات من الهيدروجين. ولو كان هذا صحيحًا، فلعله يفترض أيضًا وحدة المادة كلها في مستواها الأساسي، وهي فكرة كانت تدور في مخيلة الكثيرين منذ فجر الفلسفة الإغريقية، وطفت على السطح مرات ومرات في صور مختلفة.
لكن ليست كل الأوزان الذرية التي تم نشرها مضاعفات دقيقة لوزن ذرة الهيدروجين، ولم يفُتَّ هذا الأمر في عضد براوت، بل افترض أن السبب يكمن في حقيقة أن أوزان هذه الذرات «الداخلية» لم تكن قد حُدِّدت بدقة حتى ذلك الحين؛ ومن ثَمَّ كانت فرضية براوت — كما صارت تُعرَف لاحقًا — مثمرةً حيث حفَّزت أناسًا آخَرين لأن يقيسوا الأوزان الذرية بمزيد من الدقة لكي يثبتوا صحةَ كلامه أو خطأه. وما نتج عن هذا من زيادة دقة الأوزان الذرية لعب من ثَمَّ دورًا محوريًّا في اكتشاف الجدول الدوري وتطويره.
ولكن كان الإجماع الأوَّلي للعلماء في البداية فيما يتعلَّق بفرضية براوت، أنها غير صحيحة؛ إذ أوحَتْ قياساتُ الأوزان الذرية الأكثر دقةً بأن الذرات — بصفة عامة — ليست مضاعفات من ذرات الهيدروجين، ومع ذلك، فإن فرضية براوت كانت مكرَّسة لتوطئة الطريق لمَن سيأتون فيما بعدُ، للوصول إلى صورة معدَّلة ومنقَّحة.
ثلاثيات دوبرينير

اكتشف الكيميائي الألماني فولفجانج دوبرينير مبدأً عامًّا آخَر، كان إسهامًا كذلك في سياق الحاجة لمزيدٍ من الدقة في قياس الأوزان الذرية، ومن ثَمَّ مهَّدَ الطريقَ للجدول الدوري؛ فبدءًا من عام ???? اكتشف دوبرينير وجودَ مجموعات مختلفة من العناصر، يكون فيها لأحد العناصر خواص كيميائية ووزن ذري مساوٍ تقريبًا لمتوسطِ ما يخص عنصرين اثنين آخرين، وهذه المجموعات المكوَّن كلٌّ منها من ثلاثة عناصر قد صارت تُعرَف بالثلاثيات؛ فعلى سبيل المثال: الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم كلها فلزات تميل لليونة، ولونها رمادي، وكثافتها منخفضة. لا يُظهِر الليثيوم تفاعلًا كبيرًا مع الماء، بينما يكون البوتاسيوم شديد التفاعل، وأما الصوديوم فيُظهِر مستوى تفاعليةٍ متوسِّطًا بين مستويَيْ تفاعليةِ هذين العنصرين الآخَرين، زميلَيْه في الثلاثية.
وفضلًا عن هذا، فإن الوزن الذري للصوديوم (??) يكون وسطًا بين الوزن الذري لِلِّيثيوم (?) وللبوتاسيوم (??). ويُعَدُّ هذا الاكتشافُ شديدَ الأهمية؛ لأنه أعطى أول تلميح لوجود انتظام عددي يكمن في قلب العلاقة بين الطبيعة وخواص العناصر، فقد أوحى بوجود نظام رياضي يحكم كيفيةَ الارتباط بين العناصر كيميائيًّا.
ثمة ثلاثية أساسية أخرى اكتشفها دوبرينير، تتكوَّن من ثلاثة عناصر هالوجينية؛ وهي الكلور والبروم واليود، ولكن دوبرينير لم يحاول أن يربط بين هذه الثلاثيات المختلفة معًا بأي طريقة، ولو كان فعل هذا، فلربما اكتشَفَ الجدول الدوري قبل مندليف وآخَرين بخمسين عامًا.
وخلال استكشاف دوبرينير لثلاثيات عدة، كان يشترط وجود تشابه كيميائي بين العناصر الثلاثة موضوع الدراسة، فضلًا عن العلاقة الرياضية المذكورة آنفًا. ولم يكن الباحثون الآخَرون الذين جاءوا بعده مثله في شدة الحرص على دقة التفاصيل في المقام الأول، فكان البعض منهم يعتقدون أنهم اكتشفوا الكثير من الثلاثيات الأخرى؛ فعلى سبيل المثال: في عام ????، نشر كيميائي ألماني في العشرين من عمره، يُدعَى إرنست لنسن، وكان يعمل في فيسبادن، مقالةً رتَّبَ فيها كلَّ العناصر الثمانية والخمسين المعروفة وقتئذٍ في عددٍ إجمالي مقداره ?? ثلاثية. وكانت عَشرٌ من هذه الثلاثيات تتكوَّن من لا فلزات وفلزات مكوِّنة للأحماض، والعشر الباقيات من الفلزات العادية.
جدول ?-?: ثلاثيات لنسن العشرون. (From E. Lenssen, ‘Uber die gruppirung der elemente nach ihrem chemisch-physikalishen charackter’, Annalen der Chemie und Pharmazie, 103, 121–131, 1857.)الأوزان الذرية المقررةالأوزان الذرية المحسوبة6.9523.0039.1123.03 =Na =(K + Li)/212047.6368.5944.29 =Sr =(Ba + Ca)/2255.732.51233.8 =Zn =(Mg + Cd)/2329.52827.528.5 =Fe =(Mn + Co)/2449.64747.328.5 =Ce =(La + Di)/25??32????Yt Er Tb613.7?59.5??Th norium Al76033.6733.5 =Zr?(Be + Ur)/2831.729.626.829.3 =Ni =(Cr + Cu)/29100103.6108104 =Pb =(Ag + Hg)/2106787 =N =(O + C)/2119.5111512.2 =Bo =(Si + Fl)/21263.54017.740.6 =Br =(Cl + J)/21364.239.71640.1 =Se =(S + Te)/2146037.51638 =As =(P + Sb)/215255992.358.7 =Sn =(Ta + Ti)/2164668.59269 =V =(W + Mo)/21751.252.153.252.5 =Ru =(Pa + Rh)21898.59999.498.9 =Pt =(Os + Ir)/21998.4100104101.2 =Hg =(Bi + Au)/220
وقد زعم لنسن، باستخدام الثلاثيات العشرين المذكورة في الجدول أدناه، أنه اكتشف عددًا إجماليًّا من ? ثلاثيات فائقة، يقع بها متوسط الوزن المكافئ من كل ثلاثية وسطية في منتصف المسافة تقريبًا بين متوسطات أوزان الثلاثيات الأخرى في مجموعة من ثلاث ثلاثيات؛ فكانت تلك ثلاثياتِ الثلاثياتِ كما افترضها. ولكن منظومة لنسن كانت قسريةً بعض الشيء؛ فعلى سبيل المثال: في مكان إحدى الثلاثيات الأصلية وضَعَ عنصرًا واحدًا فحسب، هو الهيدروجين، معتبرًا أنه يشكِّل ثلاثية؛ لأنه وجد أن من المناسب أن يفعل هذا. وفضلًا عن ذلك، فإن الكثير من الثلاثيات التي ادَّعَى لنسن وجودَها كانت تبدو مقبولةً من الناحية العددية، ولكن دون أهمية كيميائية. وصار لنسن وبعض الكيميائيين الآخرين مفتونين بالأوضاع العددية المنتظمة ظاهريًّا، تاركين الكيمياء وراء ظهورهم.
هناك منظومة أخرى لتصنيف العناصر تُنسَب إلى ليوبولد جملِن الذي كان يعمل في ألمانيا في عام ????. وقد اكتشف هذا الباحث بعضَ الثلاثيات الجديدة، وبدأ بالفعل يربطها معًا ليشكِّل منظومةً تصنيفية شاملة لها شكل محدَّد إلى حدٍّ ما (شكل ?-?). وكانت منظومته تحوي ما وصل إلى ?? عنصرًا. ويبدو أن جملِن — توقُّعًا لمنظومات ستُكتشَف فيما بعدُ — رتَّبَ أغلب العناصر على أساس تزايُد أوزانها الذرية، على الرغم من أنه لم يصرِّح بهذه الفكرة قطُّ. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار منظومة جملن منظومةً دورية؛ إذ إنها لا تُظهِر التكرار في خواص العناصر. بعبارة أخرى، خاصيةُ الدورية الكيميائية التي يشتق الجدول الدوري اسمَه منها لم تكن قد اتضحتْ بعدُ. وقد استخدم جملن منظومته من العناصر لكي يصدر كتابًا عن الكيمياء يتألف من ??? صفحة أو ما يقارب ذلك.
شكل ?-?: جدول جملِن للعناصر.
ولعل هذه أول مرة يُستخدَم فيها جدولٌ من العناصر كأساس لكتاب عن الكيمياء بكامله، وهو أمر يُعتبَر قياسيًّا في هذه الأيام، على الرغم من أننا يجب أن نتذكر أنه لم يكن جدولًا دوريًّا بحق.
كريمرز

إن الجدول الدوري الحديث ليس مجرد تجميع لمجموعات من العناصر التي تُظهِر خواصَّ كيميائيةً متشابهة؛ فبالإضافة إلى ما يحتويه ممَّا يمكن أن نطلق عليه «العلاقات الرأسية» التي تشمل ثلاثيات من العناصر، فإن ذلك الجدول الدوري الحديث يربط مجموعات من العناصر معًا في تتابع منتظم ومرتَّب.
جدول ?-?: فروق الوزن الذري لدى كريمرز في سلسلة الأكسجين.?O?S?Ti?P?Seالوزن الذري8?16?24.12?32?39.62الفرق?8?8?~8?~8?
يتركب الجدول الدوري من بُعْد أفقي يحتوي على عناصر غير متشابهة، فضلًا عن بُعْد رأسي به عناصر متشابهة. أول شخص فكَّر في وجود علاقة أفقية هو بيتر كريمرز من مدينة كولونيا في ألمانيا؛ فقد لاحَظَ الانتظام التالي بين سلسلة قصيرة من العناصر التي شملت الأكسجين والكبريت والتيتانيوم والفوسفور والسلينيوم (جدول ?-?). كما اكتشف كريمرز بعض الثلاثيات الجديدة مثل:
من وجهة نظر حديثة، قد لا تبدو هذه الثلاثيات مهمة من الناحية الكيميائية، ولكن هذا مرجعه أن النمط المتوسط الطول من المنظومة الدورية يخفق في إظهار العلاقات الثانوية بين بعض العناصر؛ فالكبريت والتيتانيوم — على سبيل المثال — كلاهما يُظهِر تكافؤًا مقداره أربعة، وعلى الرغم من ذلك فهُما لا يظهران في نفس المجموعة في النمط المتوسط الطول من المنظومة الدورية. ولكن ليس أمرًا بعيد المنال أن نعتبرهما متناظرين كيميائيًّا. وإذا عرفنا حقيقة أن التيتانيوم والفوسفور يُظهِران عمومًا تكافؤًا مقداره ثلاثة، فإن هذا الوضع ضمن المجموعات أيضًا ليس خطأً بالدرجة التي قد يظنها القارئ المعاصر. ولكن بمجمل القول، كما في حالة لنسن، فإن هذه تُعَدُّ محاولة يائسة لاستحداث ثلاثيات جديدة بأي ثمن، وقد صار الهدف على ما يبدو هو العثور على علاقات من الثلاثيات بين أوزان العناصر، بغضِّ النظر عمَّا إذا كانت لها أهمية كيميائية أم لا. وقد وصف مندليف في وقت تالٍ هذا النشاطَ بين زملائه باعتباره ولعًا غير سويٍّ بالثلاثيات، التي اعتقد أنها كانت السببَ وراء تأخُّر اكتشاف المنظومة الدورية السوية «الناضجة».
ولكن، عودةً إلى كريمرز، نقول إن أكثر إسهاماته حسمًا يكمن في اقتراحه نظامًا ثنائيَّ الاتجاه يتعلَّق بما سمَّاه «الثلاثيات المقترنة»؛ إذ تعمل هنا عناصر معينة كأفراد في ثلاثيتَيْن اثنتين محدَّدتين تتعامد كلٌّ منهما على الأخرى.
K 39.2Na 23Li 6.5Cd 56Zn 32.6Mg 12Ba 68.5Sr 43.8Ca 20
وهكذا كان كريمرز، وبطريقة أكثر عمقًا ممَّن سبقوه، يقارن كيميائيًّا بين عناصر غير متشابهة، وهي الطريقة التي لم تصل إلى اكتمال نضجها إلا في جداول لوثار ماير ومندليف.

الفصل الرابع
خطوات نحو الجدول الدوري


كان عقد الثمانينيات من القرن التاسع عشر عقدًا مهمًّا في اكتشاف الجدول الدوري؛ إذ بدأ الأمر بمؤتمر عُقِد في مدينة كارلسروه بألمانيا، وكان الهدف منه حل عددٍ من القضايا التقنية التي لها علاقة بفهم الكيميائيين لفكرة الذرات والجزيئات.
كما ذكرنا في الفصل الثاني، فإن قانون الأحجام الغازية المركبة الذي اكتشفه جاي لوساك، لم يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود جزيئاتٍ ثنائية الذرة وتقبل الانقسام، مكونةٍ من اثنتين أو أكثر من الذرات المترابطة (المتحدة) مثل H2 وO2 … إلخ. وهذا الافتراض لا يزال غير مقبول بوجه عام بسبب الانتقادات الموجَّهة لدالتون وآخرين. ولكن في مؤتمر كارلسروه، حصلت الفكرة أخيرًا على قبولٍ واسعِ النطاق بفضل تأييدٍ من كانيزارو، وهو عالِم إيطالي من نفس بلدة أفوجادرو، الذي كان أول مَن اقترح الفكرة قبل ذلك بخمسين عامًا. ولكن كانت هناك مشكلة تتمثَّل في أن الكثيرين من الباحثين أعطوا قِيَمًا مختلفة للأوزان الذرية للعناصر، حتى نجح كانيزارو في إنتاج مجموعة معقولة ومنطقية من القِيَم التي طبعها في كُتَيِّب صغير تم توزيعه على الوفود أثناء مغادرتهم المؤتمر، ولم يمر وقت طويل حتى تَمكَّن ستة من العلماء الفُرادَى، المتسلحين بما ورد في تلك التحسينات والإصلاحات العلمية، من استحداث منظومات دورية بدائية شملت أغلبَ العناصر المعروفة وقتئذٍ، وكان عددها ستين تقريبًا.
دو شانكورتوا

كان أولُ شخصٍ اكتشف الصفة الدورية الكيميائية للعناصر بالفعل جيولوجيًّا فرنسيًّا يُدعَى إميل بيجوييه دو شانكورتوا، الذي رتَّبَ العناصر بحسب تزايد أوزانها الذرية، على مخطط حلزوني نقشه حول أسطوانة معدنية، وبعد أن فعل هذا، لاحَظَ أن العناصر المتشابهة كيميائيًّا تقع على خطوط رأسية، تتقاطع مع اللولب أثناء الْتفافه حول الأسطوانة (شكل ?-?). وهنا يكمن الاكتشاف الأساسي، بأن العناصر عندما تُرتَّب في ترتيبها الطبيعي، يبدو أنها تتكرَّر تقريبًا على فترات منتظمة. فتمامًا مثل أيام الأسبوع، أو شهور السنة، أو أنغام سلم موسيقي، هكذا تبدو الصفة الدورية أو التكرارية خاصيةً أساسيةً للعناصر. وقد يظل السببُ الأساسي لهذه التكرارية الكيمائية سرًّا غامضًا لسنوات كثيرة قادمة. وقد أعرب دو شانكورتوا عن دعمه لفرضية براوت، وذهب في ذلك لدرجة تغييره قِيَمَ الأوزان الذرية وتقريبها إلى أعداد صحيحة في منظومته الدورية؛ فالصوديوم الذي وزنه الذري ??، ظهر في منظومته بعيدًا بدورة كاملة عن الليثيوم الذي وزنه الذري ?. وفي العمود التالي، وضع عناصر المغنسيوم والكالسيوم والحديد والإسترونشيوم واليورانيوم والباريوم، وفي الجدول الدوري الحديث تقع أربعة من هذه العناصر، وهي المغنسيوم والكالسيوم والإسترونشيوم والباريوم بالفعل في نفس المجموعة. وتبدو إضافةُ الحديد واليورانيوم لأول وهلة خطأً صريحًا، ولكن كما سنرى لاحقًا، فإن الكثير من الجداول الدورية القديمة ذوات النمط القصير كانت تُدرِج بعضَ العناصر الانتقالية ضمن ما صار يُسمَّى الآن «عناصر المجموعة الرئيسية».
شكل ?-?: لولب دو شانكورتوا الدوري.
كان ذلك الرجل الفرنسي عاثرَ الحظ إلى حدٍّ ما في أن أول وأهم ما نشره لم يتضمَّن شكلًا توضيحيًّا لمنظومته، وهو إغفال علمي شديد الوطأة، إذا أخذنا في الاعتبار حقيقةَ أن استخدام الأشكال والرسوم البيانية هو الجانب الحاسم والمهم في أي منظومة دورية. ولكي يعالج دو شانكورتوا مشكلته، أعاد نشر بحثه بصفته الشخصية، ولكنْ نتيجةً لهذا لم يَحْظَ هذا البحث بما هو مطلوب من الصيت الذائع والانتشار الواسع، وبقي مغمورًا مبهمًا في مجتمع الكيميائيين الفرنسيين في تلك الآونة. بل إن اكتشاف دو شانكورتوا الرئيسي لم يلحظه أحد من علماء الكيمياء في العالَم؛ لأنه لم يكن واحدًا منهم، إذ كان جيولوجيًّا. وفي النهاية يمكننا القول إن الاكتشاف لم يُلحَظ؛ لأنه سبق أفكار علماء زمنه.
في واقع الأمر، حتى بعد أن حقَّقَ مندليف قدرًا طيبًا من الشهرة عن منظومته الدورية، التي بدأ نشرها في عام ????، لم يكن معظم الكيميائيين قد سمعوا بعدُ عن بحث دو شانكورتوا، لا في وطنه فرنسا ولا في أي بلد آخَر. ثم أخيرًا في عام ????، بعد ظهور بحث دو شانكورتوا الثوري، جاء ثلاثة من الكيمائيين، وبلغوا مبالغ متفاوتة في محاولتهم إحياء بحثه.
ففي إنجلترا شعر فيليب هارتوج بالاستفزاز بعد سماعه مندليف وهو يقول إن دو شانكورتوا لم يكن يعتبر منظومته شيئًا طبيعيًّا؛ ومن ثَمَّ نشر هارتوج بحثًا يعضد فيه دو شانكورتوا. وفي نفس الوقت في فرنسا، قدَّمَ اثنان — هما بول إميل لو كوك دو بواسبودران، وَألبير أوجست لابارن — دفاعين مماثلين لصالح ريادة مُواطِنهما، واستعادَا على الأقل شيئًا ولو يسيرًا من شرفه الغالي.
نيولاندز

كان جون نيولاندز كيميائيًّا في مجال صناعة السكر، وكان يقيم في لندن وإن كانت أمه إيطالية المولد، وهذه حقيقة يبدو أنها دفعته للتطوُّع كمقاتل في حملة جاريبالدي الثورية لتوحيد إيطاليا. وعلى أي حال، فإن نيولاندز الشاب لم يلحقه أي أذًى؛ فسرعان ما عاد إلى عمله في لندن. وفي عام ????؛ أيْ بعد ظهور بحث دو شانكورتوا بعام واحد، نشر نيولاندز أول تصنيف له للعناصر، ودون أن يستخدم الأوزانَ الذرية لكانيزارو التي لم يكن يدركها، وضع نيولاندز العناصر المعروفة وقتئذٍ في إحدى عشرة مجموعة تُظهِر عناصرُها خواصَّ متناظِرة، وفضلًا عن هذا، لاحَظَ أن أوزانها الذرية كانت تختلف بعامل رياضي مقداره ثمانية أو أحد مضاعفات الثمانية (شكل ?-?). شكل ?-?: مجموعات نيولاندز السبع الأولى للعناصر في عام ????.
فعلى سبيل المثال: تكونت المجموعة ? لديه من الليثيوم (?)، والصوديوم (??)، والبوتاسيوم (??)، والروبيديوم (??)، والسيزيوم (???)، والثاليوم (???). ومن منظور حديث نقول إنه وضع الثاليوم في موضع غير صحيح؛ إذ إنه ينتمي في الحقيقة إلى مجموعة البورون والألومنيوم والجاليوم والإنديوم. كان عنصر الثاليوم قد اكتُشِف قبلها بعام واحد فقط على يد رجل إنجليزي يُدعَى ويليام كروكس، ولكن أول شخص وضع هذا العنصر في موضعه الصحيح في مجموعة البورون، كان مكتشِفًا مشارِكًا للمنظومة الدورية واسمه يوليوس لوثار ماير، وكان يعمل في ألمانيا. وحتى مندليف العبقري وضع الثاليوم في غير مكانه السوي في جداوله الدورية الأولى، ففعل مثل نيولاندز؛ إذ جعل ذلك العنصر ضمن الفلزات القلوية.
وقد أورد نيولاندز في بحثه الأول عن تصنيف العناصرِ الملاحظةَ التالية عن مجموعة الفلزات القلوية: إن العلاقة بين مكافئات هذه المجموعة ربما يمكن إلى أبسط حدٍّ النصُّ عليها كما يلي:
? ليثيوم (?) + ? بوتاسيوم (??) = ? صوديوم.
وهذا بالطبع ليس إلا إعادة لاكتشاف العلاقة الثلاثية بين هذه العناصر؛ إذ إن:
?Li 7Na 23?K 39
وفي عام ???? بدأ نيولاندز في نشر سلسلة من المقالات تَلمَّسَ من خلالها طريقَه نحو منظومة دورية أفضل، ونحو ما سمَّاه فيما بعدُ قانونَ الثُّمانيَّات؛ وهي فكرة تقول إن العناصر تتكرَّر بعد الانتقال خلال تتابُع من ثمانية. وفي عام ???? أدرج ?? عنصرًا ضمن منظومته، واستخدم أعدادًا ترتيبية بدلًا من الأوزان الذرية كوسيلةٍ لترتيب العناصر في تتابُع من الأوزان المتزايدة. ثم بدأ حينئذٍ، بثقة تامة في كتابة قانون جديد، بينما اقتصر دو شانكورتوا على وضع هذا الاحتمال في اعتباره، ولكن سرعان ما رفضه.
جدول ?-?: جدول نيولاندز موضحًا قانون الثُّمانيَّات كما قدَّمه إلى الأوساط الكيميائية في عام ????. (From J. A. R. Newlands, as reported in Proceedings of Chemical Societies: Chemical Society, Chemical News, 13 113-114, 1866, table on p. 113.)No.No.No.No.No.No.No.No.Pt & Ir 50I 42Pd 36Br & Ni 22Co & Ni 22Cl 15F 8H 1Os 51Cs 44Ag 37Rb 30Cu 23K 16Na 9Li 2Hg 52Ba & V 45Cd 38Sr 31Zn 24Ca 17Mg 10G 3Tl 53Ta 46U 40Ce & La 33Y 25Cr 19Al 11Bo 4Pb 54W 47Sn 39Zr 32In 26Ti 18Si 12C 5Bi 55Nb 48Sb 41Di & Mo 34As 27Mn 20P 23N 6Th 56Au 49Te 43Ro & Ru 35Se 28Fe 21S 14O 7
ولكن جزئيًّا بسبب هذا الاختيار من جانب نيولاندز للنمط الموسيقي عند مناقشته لقانون الثمانيات — التي تناظِر الأوكتافات الموسيقية — وأيضًا لأنه لم يكن كيميائيًّا أكاديميًّا، فقد تعرَّضت فكرته للسخرية والتهكُّم حين قدَّمَها شفهيًّا إلى جمعية الكيمياء الملكية في عام ???? (جدول ?-?). وقد اكتفى أحد أعضاء أولئك الحاضرين الصارمين بسؤال نيولاندز عمَّا إذا كان قد فكَّرَ في ترتيب العناصر أبجديًّا. لم ينشر نيولاندز بحثه ضمن محاضر أعمال هذه الجمعية، وإن كان قد نشر مقالاتٍ أخرى بعدها في عدد من الدوريات الكيميائية الأخرى؛ ومعنى هذا أن وقت قبول هذه الفكرة لم يكن قد حان بعدُ، على الرغم من أنها بدأت تخامِر عقول بعض الكيميائيين، ولكن نيولاندز تصرَّفَ كالجندي المطيع واستجاب لمنتقديه، بينما نشر عددًا من الجداول الدورية الأخرى. أودلنج

برز كيميائي آخر لينشر جدولًا دوريًّا مبكرًا وهو ويليام أودلنج، الذي كان بخلاف نيولاندز، كيميائيًّا أكاديميًّا رائدًا. كان أودلنج قد حضر مؤتمر كارلسروه وصار مدافعًا مغوارًا عن أفكار كانيزارو في بريطانيا، كما شغل مناصب مهمة؛ مثل درجة الأستاذية في الكيمياء بجامعة أكسفورد، ومدير المعهد الملكي بشارع ألبيمارل في لندن. وقام أودلنج مستقلًّا بنشر نسخته الخاصة من الجدول الدوري، وذلك بترتيب العناصر على أساس تزايُد أوزانها الذرية، كما فعل نيولاندز، وبإظهار العناصر المتشابهة في أعمدة رأسية.
جدول ?-?: جدول أودلنج الثالث عن فروق الأوزان الذرية. (From W. Odling, ‘On the Proportional Numbers of the Elements’, Quarterly Journal of Science, 1, 642–648, 1864, table on p. 645.)16.5=19—35.5orF—Cl16=23—39?Na—K16=7—23?Li—Na16=80—96?Se—Mo16=16—32?O—S16=24—40?Mg—Ca15=9—24?G—Mg17=14—31?N—P16.5=11—27.5?B—Al16=12—28?C—Si
وفي بحث كتبه أودلنج عام ????، نصَّ على ما يلي: عند ترتيب الأوزان الذرية أو الأعداد المتناسبة من العناصر الستين المعروفة، أو نحو ذلك، بحسب تدرُّج مقاديرها المختلفة، نلاحِظ استمراريةً ملحوظةً في السلسلة الحسابية الناتجة.
وقد أردف هذا بالمقولة التالية: إن مدى سهولة أن نجعل هذا التسلسُل الحسابي الصرف يتناسب مع ترتيبٍ أفقي للعناصر بحسب مجموعاتها العادية المعترَف بها؛ مبيَّنٌ في الجدول التالي، الذي يكون التتابعُ العددي سليمًا في الأعمدة الثلاثة الأولى منه، بينما تكون حالات الشذوذ في العمودين الآخرين قليلة وطفيفة.
ولا نعرف بوضوح السببَ في عدم قبول اكتشاف أودلنج، فهو لم تنقصه المؤهلات الأكاديمية. ويبدو أن السبب هو حقيقة أن أودلنج نفسه كان يُعْوِزه الحماس لفكرة الصفة الدورية الكيميائية، وكان ممتنعًا عن الاعتقاد بأنها قد تمثِّل قانونًا للطبيعة.
هنريخز

في الولايات المتحدة عاش شاب دنماركي حديث الهجرة إلى البلاد، اسمه جوستافوس هنريخز، وكان منشغِلًا باستحداث منظومته الخاصة لتصنيف العناصر، التي نشرها في شكل شعاعي يلفت الأنظار. ولكن ما كتبه هنريخز كان يميل لأن ينطمس تحت طبقات من التلميحات الغامضة للخرافات والأساطير الإغريقية القديمة وغيرها من أوجه التطرُّف الشاذة، فضلًا عن حقيقة أنه كان يتعمَّد أن ينأى بنفسه عن زملائه وعن الاتجاهات الكيميائية السائدة في تلك الآونة.
وُلِد هنريخز في عام ???? في هولشتاين التي كانت حينئذٍ جزءًا من الدنمارك، ثم صارت بعدئذٍ إقليمًا ألمانيًّا. ونشر أول كتاب له وهو في سن العشرين حين كان طالبًا في جامعة كوبنهاجن. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة في عام ???? هربًا من الاضطهاد السياسي، وبعد عام من التدريس في مدرسةٍ ثانوية عُيِّن رئيسًا لقسم اللغات الحديثة بجامعة أيوا. وبعد عام آخَر فقط صار أستاذًا للفلسفة الطبيعية والكيمياء واللغات الحديثة. كما نال شرف تأسيس أول محطة للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل مديرًا لها على مدى ?? عامًا، وقد نُشِرت إحدى الكتابات التفصيلية القليلة عن حياة هنريخز وعمله، نشرها كارل زابفه، وقال فيها: ليس ضروريًّا أن تقرأ بعمق أو تتوغَّل في مطبوعات هنريخز العديدة لتتعرَّف على علامات حماسةٍ أنانيةِ الطابع طمستِ الكثيرَ من إسهاماته، بفعل غرابة الأطوار التي تجلب عدم الثقة. ولكن في وقت متأخِّر فقط، صار من الممكن فصْلُ تلك الإلهامات التي كانت واقعية — والتي سيطرت على تفكيره — عن الخلفية التي اكتسبها خلال مسيرة تعليمه. وأيًّا كان المصدر، عادةً ما كان هنريخز يُلبس ذلك بلباس من التفاخر بلغات متعددة، بل وصل الأمر به إلى تقمُّص فكرة أنه كان يعتبر الفلسفةَ الإغريقية فلسفتَه الشخصية.
ولقد امتدت اهتمامات هنريخز الواسعة إلى مجال علم الفلك؛ ففعل هنريخز مثل الكثيرين من الباحثين الذين سبقوه، وصولًا إلى أفلاطون؛ إذ لاحظ بعضًا من الانتظامات العددية فيما يتعلق بأحجام المدارات الكوكبية. وفي مقالةٍ نشرها عام ???? عرض هنريخز الجدولَ المبيَّن في جدول ?-?، الذي تولَّى شرحه وتفسيره. جدول ?-?: جدول هنريخز للمسافات الكوكبية (عام ????). (From G. D. Hinrichs, ‘The Density, Rotation and Relative Age of the Planets’, American Journal of Science and Arts, 2(37), 36–56, 1864, table on p. 43.)البُعْد عن الشمسعطارد??الزهرة??الأرض???المريخ???كويكب???المشتري???زحل????أورانوس????نبتون????
عبَّر هنريخز عن الفروق في هذه المسافات بالصيغة ؛ حيث n هو الفارق في بُعْدَيْ كوكبَيْ عُطارد والزهرة (مثلًا) عن الشمس، (أو ما يساوي ?? وحدة)، وعلى حسب قيمة X، تعطي الصيغة من ثَمَّ المسافاتِ التاليةَ:
… إلخ. وقبل ذلك بسنوات قليلة، وتحديدًا في عام ????، كان الألمانيان جوستاف كيرشوف وروبرت بنسن قد اكتشفا أن كل عنصر يمكن جعله يبعث ضوءًا يمكن من ثَمَّ تفريقه باستخدام منشور زجاجي وتحليله كميًّا. واكتشفَا أيضًا أن كل عنصر على حدة يعطي طيفًا مميزًا يتكوَّن من مجموعة من الخطوط الطيفية الخاصة بدآ في قياسها، ونشرَا القياسات التي توصَّلَا إليها في جداول تفصيلية. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذه الخطوط الطيفية قد تقدِّم معلوماتٍ عن العناصر المختلفة التي أنتجتها، ولكن هذه الافتراضات واجهتِ انتقاداتٍ عنيفةً من أحد مكتشفيها؛ وهو بنسن. في الواقع، ظل بنسن معارِضًا لفكرة دراسة الأطياف بهدف دراسة الذرات أو تصنيفها بطريقة أو بأخرى.
شكل ?-?: منظومة هنريخز الدورية.
ومع ذلك، لم يتردد هنريخز في ربط الأطياف بذرات العناصر، وصار بصفة خاصة مهتمًّا بحقيقة أنه في حالة أي عنصر معين، تكون تردُّداتُ خطوطه الطيفية على ما يبدو عبارةً عن مضاعفات بأعداد صحيحة لأصغر فارق؛ فعلى سبيل المثال: في حالة الكالسيوم، لُوحِظ وجود نسبة مقدارها ??:???:?? بين تردداته الطيفية. وكان تفسير هنريخز لهذه الحقيقة جريئًا ومتسقًا؛ إذ قال إنه إذا كانت أحجام المدارات الكوكبية تنتج سلسلة منتظمة من الأعداد الصحيحة، كما ذكر آنفًا، وإذا كانت النِّسَبُ بين فروق الخطوط الطيفية تنتج أيضًا نِسَبًا من أعداد صحيحة، فإن سبب ذلك الأخير قد يكمن في النِّسَب الحجمية بين الأبعاد الذرية للعناصر المختلفة.
تتكوَّن «الخطوط» الأحد عشر التي تشع من مركز منظومة هنريخز الشبيهة بالعجلة من ثلاث مجموعات تغْلُب فيها اللافلزات، وثماني مجموعات تحتوي على الفلزات (شكل ?-?). من منظور حديث، تبدو مجموعات اللافلزات مرتَّبةً على نحو غير صحيح، من حيث إن تتابُعها يكون بمجموعات ?? ثم ?? ثم ?? حين نتقدَّم من اليسار إلى اليمين على قمة المخطط اللولبي. وقد رتَّبَ هنريخز المجموعة المحتوية على الكربون والسيليكون مع المجموعات الفلزية، ويُحتمَل أن هذا بسبب أنها تتضمَّن أيضًا فلزات النيكل والبالاديوم والبلاتين. وفي الجدول الحديث، جُمِعت هذه الفلزات الثلاثة معًا بالفعل، ولكن ليس في نفس المجموعة مع الكربون والسيليكون، اللذين ينسجمان مع الجرمانيوم والقصدير والرصاص في المجموعة ??. ولكن بصفة عامة، تُعتبَر منظومة هنريخز الدورية ناجحةً نوعًا ما في تجميع الكثير من العناصر المهمة وتصنيفها معًا. ومن مزاياها الرئيسية وضوحُ تصنيفاتها، بالمقارنة مثلًا مع منظومتَيْ نيولاندز الأكثر تفصيلًا والأقل نجاحًا في عامَيْ ???? و????. كان هنريخز يمتلك معرفة عميقة بالكيمياء، فضلًا عن براعة في علم المعادن، ولعله كان أكثر مكتشفِي المنظومة الدورية جمعًا بين تخصُّصات مختلفة. وإن حقيقة أنَّ هنريخز توصَّل إلى منظومته من اتجاه يختلف عن الآخرين، قد يمكن الأخذ به لمنح المنظومة الدورية ذاتها دعمًا مستقلًّا.
وفي مقالة نُشِرت في مجلة «ذا فارماسيستس» في عام ????، ناقش هنريخز بعض المحاولات غير الناجحة السابقة لتصنيف العناصر، ولكن بفعله هذا أغفل ذِكْر جميع أترابه من المكتشفين المشاركين مثل دو شانكورتوا ونيولاندز وأودلنج ولوثار ماير ومندليف. ويبدو أن هنريخز قد تجاهَلَ كل المحاولات الأخرى لتصنيف العناصر تصنيفًا مباشِرًا على أساس أوزانها الذرية، وإن كان بوسع المرء أن يفترض أنه ربما كان مدرِكًا لتلك المحاولات، إذا أخذ بعين الاعتبار حقيقة أنه كان مُلِمًّا ببعض اللغات الأجنبية.
لوثار ماير

إن أول منظومة دورية تتصف ببعض التأثير في العالَم العلمي تُعْزَى إلى كيميائي ألماني اسمه يوليوس لوثار ماير كان يعمل بمدينة يينا. ولكن لوثار ماير يُنظَر إليه بصفة عامة باعتباره منافِسًا لمندليف فيما يتعلَّق بمَن اكتشف فعليًّا المنظومة الدورية. ويُعتبَر هذا التقييم حقيقيًّا بوجه عام، ولكن توجد بعض الجوانب في عمله توحي بأنه قد يُعتبَر مشاركًا في الاكتشاف، وليس مجرد منافس عادي.
فعل لوثار ماير مثل مندليف؛ إذ حضر مؤتمر كارلسروه، وكان حينئذٍ في شبابه، ويبدو أنه كان شديد التأثُّر بالأفكار التي قدَّمها كانيزارو في هذا الاجتماع، فسرعان ما نقَّح الطبعة الألمانية لأعمال كانيزارو. وفي عام ????، بعد مؤتمر كارلسروه بعامين فحسب، ابتكر لوثار ماير جدولين دوريين جزئيين يتكوَّن أحدهما من ?? عنصرًا، مرتَّبة بحسب تزايد الأوزان الذرية، وتكون العناصر مجمعة في أعمدة رأسية تبعًا لتكافؤاتها الكيميائية (شكل ?-?). وفي عام ???? نشر كتابًا قوي التأثير عن الكيمياء النظرية، أدخل فيه جدولَيْه المذكورين. وقد تضمَّن جدولُه الآخَر ?? عنصرًا، وكان مرتَّبًا — جزئيًّا — بحسب تزايد الأوزان الذرية.
شكل ?-?: منظومة لوثار ماير الدورية في عام ????.
كان أسلوب لوثار ماير معبِّرًا عنه باعتباره كيميائيًّا نظريًّا أو فيزيائيًّا؛ إذ منح المزيد من التركيز لأمور كمية، مثل الكثافات والأحجام الذرية ونقط الانصهار للعناصر، أكثر من اهتمامه بخواصها الكيميائية. وعلى النقيض من الرواية الشائعة، ترك لوثار ماير بالفعل بعض الثغرات في جدولَيْه الدوريين، بل غامَرَ أيضًا بالتنبؤ ببعض خواص العناصر التي ربما تملأ هذه الفراغات؛ وكان أحد هذه التنبؤات عن عنصر تمَّ فصله في عام ????، وسُمِّي الجرمانيوم. وبخلاف مندليف، كان لوثار ماير يؤمن بوحدة المادة كلها، وكان داعمًا لفرضية براوت عن الطبيعة المركبة للعناصر.
وفي عام ???? أصدر منظومة دورية موسعة للطبعة الثانية لكتابه الدراسي الذي احتوى على ?? عنصرًا معروفًا (شكل ?-?). ومما يُؤسَف له أن هذا الجدول لم يضعه الناشر في موضعه المطلوب، فلم يظهر في الطبعة الجديدة من كتابه ولا في أي مقالات بالدوريات. وحتى لوثار ماير نفسه، يبدو أنه نسي وجود هذا الجدول؛ إذ لم يذكر هذا الأمر مطلقًا بعد خلاف على الأسبقية شبَّ بينه وبين مندليف لاحقًا. فلو خرج هذا الجدول إلى النور وقتئذٍ، فلا نعرف، لعل ادِّعاء مندليف بالأسبقية ما كان ليحظى بهذا الثقل الذي يتمتع به اليوم. شكل ?-?: منظومة لوثار ماير الدورية في عام ????.
كان لجدول لوثار ماير المفقود ميزة كبيرة لتضمُّنه الكثيرَ من العناصر، ولوجود أوضاع معينة أخفَقَ جدولُ مندليف الشهير الذي صدر في نفس العام في التوصُّل إليها. وقد نُشِر الجدول المفقود بعدها، بل أيضًا بعد وفاة لوثار ماير في عام ????؛ أيْ بعد فوات الأوان بحيث لم يَعُدْ له أي تأثير على التساؤل الذي برز عمَّن هو أول مَن أنجز المنظومة الدورية الأولى الناضجة تمامًا.
وخلال فترة ذلك الخلاف العام، اتخذ مندليف أسلوبًا أكثر شدةً؛ إذ افترض أن الفضل يعود إليه وحده؛ لأنه ذهب لأبعد من اكتشاف المنظومة الدورية، حين أصدر عددًا من التنبؤات الناجحة. ويبدو أن لوثار ماير اتخذ وضعًا انهزاميًّا بعض الشيء حين اعترف بأنه كان يفتقر إلى الشجاعة لكي يصدر بعض التنبؤات.

الفصل الخامس
مندليف: العبقري الروسي


إنه ديمتري إيفانوفيتش مندليف، أشهر عالم روسي في العصر الحديث؛ فهو لم يكتشف فحسب المنظومةَ الدورية، بل أدرك أيضًا أن تلك المنظومة تشير إلى قانون عميق للطبيعة هو القانون الدوري. كما أمضى العديد من السنين محاوِلًا استنتاج ما يترتب على هذا القانون بشكل كامل، لا سيما عن طريق التنبؤ بوجود الكثير من العناصر الجديدة وبخواصها. وفضلًا عن هذا، فقد صحَّحَ الأوزانَ الذرية لبعض العناصر المعروفة بالفعل، ونجح في تغيير مواضع بعض العناصر الأخرى في الجدول الدوري.
ولكن لعل أهم شيء فعله مندليف في هذا الصدد أنه جعل الجدول الدوري مرتبطًا باسمه، وذلك بأن واصَلَ دراسته وتطويره خلال مراحل عديدة من حياته، على الرغم من أنه عمل في عدد من المجالات الأخرى الشديدة التشعُّب والتبايُن. وعلى النقيض من هذا، فإن أغلب مَن سبقوه أو عاصروه أخفقوا في متابعة اكتشافاتهم بعد بدايتها؛ ونتيجةً لهذا، ارتبَطَ اسم مندليف بالجدول الدوري برباط لا ينفصم، مثلما ترتبط نظريةُ النشوء والارتقاء عن طريق الانتقاء الطبيعي باسم داروين، ومثلما ترتبط النظرية النسبية باسم أينشتاين. ونظرًا لأهمية مندليف البالغة في قصة الجدول الدوري، سوف نخصِّص هذا الفصل بكامله لعرض جهده العلمي، فضلًا عن مراحل تطوُّره الأولى.
حين كان مندليف صبيًّا صغيرًا، أُصِيب والده، الذي كان يمتلك مصنعًا للزجاج، بالعمى ولم يلبث أن مات بعدها، تاركًا وراءه أربعة عشر من الأبناء، أصغرهم ديمتري، الذي تولَّتْ أمه الحنون تربيتَه، وكانت تحبه حبًّا جمًّا، فأصَرَّتْ على إتاحة أفضل تعليم ممكن له، ودفَعَها إصرارها هذا إلى قطع مسافات تصل إلى مئات الأميال مع ابنها الشاب في محاولةٍ فاشلةٍ ويائسة لإلحاقه بالدراسة بجامعة موسكو، وكان سبب رفض الجامعة، على ما يبدو، هو أصله السيبيري، كما كانت الجامعة لا تسمح بالدراسة فيها إلا للروس الأوروبيين. لم يفتَّ هذا في عضد والدة مندليف، فنجحتْ أخيرًا في إلحاقه بالدراسة في المعهد البيداجوجي الرئيسي بمدينة سانت بطرسبورج؛ حيث بدأ في دراسة علوم الكيمياء والفيزياء والأحياء والبيداجوجيا (علم أصول التدريس والتربية) بطبيعة الحال، وكان لهذا العلم الأخير تأثيرٌ واضح في اكتشافه فيما بعدُ للمنظومة الدورية. ولكن ما أثار الحزنَ في نفسه أن والدته تُوفِّيت بعد إلحاقه بالمعهد بوقت قصير، فلم يجد مناصًا من أن يعيل نفسه بنفسه.
بعد أن أنهى مندليف تعليمَه الجامعي، أمضى بعض الوقت في فرنسا، ثم في ألمانيا؛ حيث التحق رسميًّا بالعمل في معمل روبرت بنسن، بالرغم من أنه كان يفضِّل المكوثَ في بيته وإجراء تجاربه الخاصة على الغازات. وكانت تلك الفترة التي قضاها مندليف في ألمانيا هي التي حضر أثناءها مؤتمر كارلسروه في عام ????، ليس لأنه كان كيميائيًّا بارزًا، ولكن في الأساس لأنه وجد نفسه في المكان والزمان المناسبين. وعلى الرغم من أن مندليف سرعان ما أدرك قيمةَ أفكارِ كانيزارو، كما فعل لوثار ماير في هذا المؤتمر، فإن تحوُّلَ مندليف إلى استخدام الأوزان الذرية، أسوةً بكانيزارو، يبدو أنه استغرَقَ وقتًا أطول ممَّا فعل لوثار ماير.
وفي عام ????، أخذ مندليف يبدو واعدًا ومبشرًا بأمل حقيقي، حين نشر كتابًا دراسيًّا عن الكيمياء العضوية؛ ممَّا أهَّلَه للفوز بجائزة دوميدوف المرموقة في روسيا. وفي عام ???? دافَعَ عن أطروحته لنيل درجة الدكتوراه عن التفاعُل بين الكحول والماء، وبدأ في إعداد كتاب عن الكيمياء غير العضوية بُغْيةَ أن يحسِّن مستوى تدريس الكيمياء. وفي أول أجزاء كتابه الجديد، عالَجَ العناصرَ الأكثر شيوعًا دون ترتيب معين. وبحلول عام ???? كان قد أكمل هذا الجزء وشرع يفكِّر في كيفية انتقاله للعناصر الأخرى في جزء ثانٍ.
الاكتشاف الفعلي

على الرغم من أن مندليف ظل يفكر في العناصر وأوزانها الذرية وتصنيفها على مدار نحو عشر سنوات، فإنه لم يصل إلى لحظة الاستنارة، أو لنَقُلْ: «يوم الاستنارة»، إلا في يوم ?? فبراير ????؛ ففي هذا اليوم، ألغى رحلتَه المقرَّرة لزيارة مصنعٍ للجبن، باعتباره مستشارًا علميًّا، وصمَّمَ على العمل جديًّا للتوصُّل إلى ما صار أشهر بنات أفكاره؛ أَلَا وهو الجدول الدوري.
كان أول ما فعله أن كتب قائمةً برموز ثمانية عناصر، رتَّبَها في صفين، على ظهر تذكرة الدعوة إلى مصنع الجبن، على النحو التالي:
CsRbKNaCdZnMgBe
ثم كتب مجموعة، أكبر قليلًا، تتألف من ?? عنصرًا كما يلي:
????IBrClFAgCu??CsRbKNa??CdZnBaSrCaMg
وبحلول مساء نفس اليوم، كان مندليف قد كتب مسوَّدةً شملتْ جدولًا دوريًّا بكامله، تضمَّن ?? عنصرًا معروفًا، وفضلًا عن هذا تضمَّن العديد من المواضع الشاغرة لعناصر لم تكن قد عُرِفت بعدُ، بل تتضمَّن أيضًا حتى الأوزان الذرية التي تنبَّأ بها لبعض هذه العناصر. طُبِعت مائتا نسخة من الجدول الأول هذا وأُرسِلت إلى الكيميائيين في أنحاء أوروبا. وفي يوم ? مارس من نفس العام تمَّ الإعلان عن هذا الاكتشاف من قِبَل أحد زملاء مندليف في اجتماعٍ للجمعية الكيميائية الروسية. وفي غضون شهر واحد نُشِرت عنه مقالة في مجلة هذه الجمعية التي كانت حديثة التأسيس وقتئذٍ، كما نُشِرت مقالة أخرى أطول في ألمانيا.
يَزْعم الكثير من الكتب الشائعة والبرامج الوثائقية عن مندليف أنه توصَّل إلى جدوله الدوري هذا في أثناء حلم له، أو بينما كان يضع بطاقات لكلٍّ من العناصر أمامه ويرتبها كأنه يلعب لعبة سوليتير. وهذه الرواية الثانية تُعَدُّ الآن من الروايات التي اختلقها بعض رواة سيرة حياة مندليف كالمؤرخ العلمي مايكل جوردين.
لنَعُدِ الآن إلى أسلوب مندليف العلمي؛ إذ يبدو أنه اختلف كثيرًا عن منافسه لوثار ماير في كونه لم يؤمن بوحدة المادة كلها، وبالمثل لم يكن يدعم فرضية براوت عن الطبيعة المركبة لجميع العناصر. كما حرص مندليف على أن ينأى بنفسه عن فكرة ثلاثيات العناصر؛ فعلى سبيل المثال: اقترَحَ وضع عنصر الفلور في مجموعة واحدة مع الكلور والبروم واليود، حتى إن كان هذا سيترتب عليه تجاوُز مفهوم الثلاثية لتشكيل مجموعة تتألَّف من أربعة عناصر على الأقل.
وبينما ركَّز لوثار ماير على المبادئ الفيزيائية، وبالأساس على الخواص الفيزيائية للعناصر، كان مندليف يَأْلَف خواصها الكيميائية. من ناحية أخرى، حين تعين على مندليف أن يحدد أهم معيار لتصنيف العناصر، أصرَّ على أن ترتيب العناصر بحسب أوزانها الذرية لا يحتمل أي استثناءات. وبطبيعة الحال، أدرك كثير من السابقين على مندليف، مثل دو شانكورتوا ونيولاندز وأودلنج ولوثار ماير، أهميةَ ترتيبِ العناصر على أساس الوزن الذري ولكن بدرجات متفاوتة. إلا أن مندليف وصل أيضًا إلى فهم فلسفي أعمق للأوزان الذرية ولطبيعة العناصر، مما أتاح له أن ينتقل إلى منطقة مجهولة فيما يتعلَّق بعناصر لم تزل مجهولة.
طبيعة العناصر

هناك لغز طال أمده في الكيمياء، فحين يتحد الصوديوم والكلور ينتجان مادة جديدة تمامًا هي كلوريد الصوديوم؛ حيث لا يبدو أن العنصرين المتحدين قد بقيا على حالتهما الأصلية، من منظور بصري على الأقل. تلك هي ظاهرة الارتباط أو الاتحاد الكيميائي، التي تختلف بوضوح عن الخلط أو المزج الفيزيائي بين مسحوق الكبريت وبرادة الحديد على سبيل المثال. فمن الأمور المحيِّرة في حالة الاتحاد الكيميائي أن نفهم كيف تبقى العناصر المتحدة في المركب. وتزداد هذه القضية تعقيدًا في لغات عدة، ومنها اللغة الإنجليزية؛ إذ نستخدم لفظ element (أيْ عنصر) لنعبِّر عن المادة المتحدة، مثل الكلور حين يوجد في كلوريد الصوديوم. والآن نقول إن الشيء الذي يشكِّل الأساس لكلٍّ من غاز الكلور غير المتحد، بلونه الأخضر، والكلور المتحد؛ يُسمَّى أحيانًا أيضًا element، والآن تصير لدينا ثلاثة معانٍ أو مدلولات لنفس اللفظ أو المصطلح الكيميائي الرئيسي لوصف المواد التي يُفترض أن يصنِّفها الجدول الدوري. المعنى الثالث للفظ element كما ذكرنا توًّا قد أُطلِقت عليه أسماء مختلفة هي: «العنصر الميتافيزيقي»، و«العنصر التجريدي»، و«العنصر المتسامي»، وحديثًا أُطلِق عليه اسم «العنصر كمادة أساسية». هذا هو العنصر باعتباره حاملًا تجريديًّا للخواص، ولكن تعوزه بعض الخواص الظاهرية مثل لون الكلور الأخضر، وفي نفس الوقت يقال عن الكلور الأخضر إنه «عنصر في صورة مادة بسيطة». حين أحدث أنطوان لافوازييه ثورةً في الكيمياء في أواخر القرن السابع عشر، كان أحدَ إسهاماته تركيزُ الاهتمام على العنصر كمادة بسيطة؛ أيِ العنصر في صورة معزولة، وكان الهدف من هذا أن يحسِّن علم الكيمياء بتخليصه مما يحمله من أعباء ميتافيزيقية زائدة، وكانت بالفعل خطوة كبيرة للأمام؛ فصار الآن يتعيَّن اعتبار العنصر أساسًا الخطوةَ النهائية في فصل مكونات أي مركب، فهل قصد لافوازييه أن ينحِّي جانبًا المعنى الأكثر تجريديةً وفلسفيةً للعنصر؟ هذه نقطة نقاش ونظر، ولكن من المؤكد أن هذا المعنى بدأ يتراجع وراء معنى العنصر الذي يمكن فصله.
ومع ذلك، لم ينسَ علماء الكيمياء المعنى الأكثرَ تجريديةً للعنصر تمامًا. كان مندليف أحد أولئك الذين لم يفهموا هذا المعنى فحسب، بل أخذوا على عاتقهم أن يُعلوا من شأنه. في واقع الأمر، صرَّح مندليف مرارًا وتكرارًا أن المنظومة الدورية تُعَدُّ في الأساس تصنيفًا لهذا المعنى الأكثر تجريديةً للفظ «العنصر»، وليس بالضرورة العنصر الأكثر ماديةً الذي يمكن فصله.
السبب الذي دعاني إلى إثارة هذه القضية هو أن مندليف حين تسلَّح بهذه الفكرة، استطاع أن يحظى بوجهة نظر أعمق من الكيميائيين الذين حصروا أنفسهم في العناصر التي في صورة معزولة؛ فهذا الأمر منح مندليف احتمالية أن يذهب إلى ما وراء المظاهر السطحية، فإذا لم يظهر على عنصر معين أنه ملائم داخل مجموعة معينة، فبإمكان مندليف أن يعوِّل على المعنى الأكثر عمقًا للفظ «العنصر»؛ ومن ثَمَّ فبإمكانه إلى حدٍّ ما أن يتجاهل الخواص الظاهرية للعنصر كمادة معزولة أو بسيطة.
تنبُّؤات مندليف

أحد الانتصارات الكبرى التي أحرزها مندليف — وربما أكثر ما يُذكَر به — هو تنبُّؤه الصحيح بوجود عدد من العناصر الجديدة. وإضافةً إلى هذا، فقد صحَّح الأوزانَ الذرية لبعض العناصر، فضلًا عن ترحيل عناصر أخرى إلى مواضع جديدة داخل الجدول الدوري. وكما أشرتُ في القسم السابق، فإن بُعْد نظره هذا قد يكون نتيجةً لتمتُّعه بفهم فلسفي لطبيعة العناصر يفوق منافسيه؛ فعن طريق التركيز على المفهوم الأكثر تجريديةً للعناصر، تمكَّنَ مندليف من التغلب على العقبات الظاهرة التي نشأت عن اتخاذ خواص العناصر المعزولة كقيمة ظاهرية.
وعلى الرغم من أن تركيز مندليف انصبَّ في الأساس على الأوزان الذرية للعناصر، فإنه وضع في اعتباره أيضًا الخواصَّ الكيميائية والفيزيائية وأوجه الشبه «العائلية» فيما بينها. وبينما ركَّز لوثار ماير على الخواص الفيزيائية، منح مندليف اهتمامًا أكبر لكيميائية العناصر. ثمة معيارٌ آخَر استخدمه مندليف؛ هو أن كل عنصر يجب أن يحتلَّ مكانًا واحدًا في الجدول الدوري، على الرغم من أنه كان يرغب في انتهاك هذا المفهوم فيما يتعلَّق بما أطلق عليه المجموعة ? (شكل ?-?). إلا أن معياره الأكثر أهميةً كان ترتيبَ العناصر بحسب تزايد أوزانها الذرية، وقد ظهر في حالة واحدة أو حالتين كأنه انتهك هذا المبدأ، ولكن بمزيدٍ من الفحص يتبيَّن أن هذا لم يحدث. وتُعَدُّ حالة التيلوريوم واليود واحدة من أربع حالات من أزواج العناصر المنعكسة الأوضاع في الجدول الدوري وأشهرها، وهي عناصر تظهر في ترتيب معكوس عمَّا كان واجبًا بحسب تزايد قِيَم الوزن الذري (على أساس أن التيلوريوم Te وزنه الذري = ?????، واليود I = ?????، ومع ذلك يظهر التيلوريوم في الجدول قبل اليود). تركِّز كتابات تاريخية كثيرة على مهارة مندليف حين عكس مواضع هذه العناصر؛ وأنه بهذا يُعلِي من شأن الخواص الكيميائية لترقى فوق ترتيبها بحسب الوزن الذري. وهذا توجُّه غير صحيح من نواحٍ عدة؛ أولًا: مندليف لم يكن على الإطلاق أول كيميائي يفعل هذا الوضع العكسي بالذات؛ إذ كان أودلنج ونيولاندز ولوثار ماير جميعًا قد نشروا جداول عكسوا فيها وضعَيِ التيلوريوم واليود، قبل ظهور مقالات مندليف بفترة غير قصيرة. وثانيًا: لم يكن مندليف في الحقيقة يُولي تأكيدًا للخواص الكيميائية يفوق التأكيد على مسألة الترتيب بحسب الأوزان الذرية. لقد تمسَّك مندليف بمعياره الخاص بالترتيب بحسب تزايد الوزن الذري، وقرَّرَ بشكل متكرِّر أن هذا المبدأ لا يحتمل أي استثناءات. كانت فكرته فيما يتعلَّق بالتيلوريوم واليود — إلى حدٍّ ما — تتمثَّل في أن الوزن الذري لأحد هذين العنصرين أو كلَيْهما كان قد تَحدَّد على نحوٍ غير صحيح، وأن البحث العلمي في المستقبل سوف يكشف عن أنه، حتى على أساس الترتيب بالوزن الذري، يجب أن يُوضَع التيلوريوم قبل اليود. وفيما يختصُّ بهذه النقطة، كما حدث في حالات كثيرة مرَّتْ دون الانتباه إليها، نقول إن مندليف كان مخطئًا.
ففي الوقت الذي تَقدَّم فيه مندليف بباكورة أنظمته الدورية، كان من المعتقد أن الوزنين الذريين للتيلوريوم واليود هما ??? و??? على الترتيب. وكان اعتقاد مندليف بأن الوزن الذري هو المبدأ الترتيبي الأساسي للعناصر يعني أنه ليس لديه خيار سوى أن يشك في دقة هاتين القيمتين؛ ذلك لأنه كان من الواضح، فيما يتعلَّق بأوجه التشابه الكيميائي، أنه من الواجب أن يُوضَع التيلوريوم جنبًا إلى جنب مع عناصر المجموعة ?، واليود مع عناصر المجموعة ?، أو بتعبير آخَر، أن هذين العنصرين يجب عكسهما. واستمر مندليف في التساؤل عن موثوقية هذين الوزنين الذريين حتى نهاية حياته.
في بداية الأمر، كان مندليف يشك في صحة الوزن الذري للتيلوريوم، بينما يؤمن أن وزن اليود صحيح بالضرورة، وبدأ مندليف يضع التيلوريوم باعتبار أن وزنه الذري ??? في بعض جداوله الدورية التالية، بل إنه في وقتٍ ما زعم أن القيمة التي شاع ذكرها، وهي ???، حُدِّدت على أساس تجارب أُجرِيت على خليط من التيلوريوم وعنصر جديد أطلق عليه اسم «إيكا-تيلوريوم». وهذه المزاعم حفَّزت كيميائيًّا تشيكيًّا يُدعَى بوهوسلاف براونر لأنْ يبدأ سلسلةً من التجارب في مستهلِّ ثمانينيات القرن التاسع عشر، تهدف إلى إعادة تحديد الوزن الذري للتيلوريوم. وبحلول عام ???? صرَّحَ بأن القيمة التي تخص التيلوريوم يجب أن تكون ???، وأُرسِلت إلى مندليف برقية من مشاركين آخَرين كانوا حاضرين للاجتماع الذي أدلى فيه براونر بهذا التصريح. وفي عام ???? حصل براونر على نتائج جديدة تزيد على ما يبدو من أرجحية النتيجة السابقة بأن الوزن الذري للتيلوريوم = ???.
ولكن في عام ???? تغيَّرَ كل شيء؛ إذ بدأ براونر نفسه يعلن عن قيمة جديدة للتيلوريوم كانت أكبر من القيمة التي تخص اليود، وهكذا عادت الأمور إلى نقطة البداية الأولى. كان ردُّ فعل مندليف حينئذٍ أن بدأ يرتاب في دقة الوزن الذري المتَّفَق عليه لليود بدلًا من التيلوريوم؛ ففي هذه المرة طلب إعادةَ تقييمٍ للوزن الذري لليود، آملًا أن يَثبُت أن قيمته أكبر. بل إن مندليف في بعض جداوله الدورية التالية وضع التيلوريوم واليود باعتبار أن كلَيْهما وزنه الذري ???، ولم تُحَلَّ هذه المشكلة إلى أن أظهر بحثٌ أجراه هنري موزلي في عامَيْ ???? و???? أن العناصر يجب أن تُرتَّب بحسب العدد الذري وليس الوزن الذري، فإذا كان الوزن الذري للتيلوريوم أعلى من الوزن الذري لليود، فإن عدده الذري أقل؛ ولهذا وجب أن يُوضَع قبل اليود بما يتفق تمامًا مع سلوكه الكيميائي.
وعلى الرغم من أن تنبؤات مندليف قد تبدو من قبيل الإعجاز، فإنها في الحقيقة بُنِيت على تقييم وموازنة دقيقة فيما بين خواص العناصر التي تكتنف العناصر المجهولة. فبدأ يذكر تنبؤاته في أول مطبوعاته عن المنظومة الدورية في عام ????، وإن كان قد نشر تقريرًا أكثر تفصيلًا عن تنبؤاته في بحث مطول في عام ????، وبدأ بالتركيز على فجوتين؛ إحداهما أسفل الألومنيوم والأخرى أسفل السيليكون في جدوله الدوري، وأعطى العنصرين في هذين الموضعين اسمين مؤقتين هما إيكا-ألومنيوم وإيكا-سيليكون، مستخدِمًا البادئة السنسكريتية «إيكا» بمعنى «واحد» أو «أشبه بواحد»، وفي بحثه عام ???? كتب ما يلي: يجب أن نتوقَّع اكتشاف عناصر لم تَزَلْ مجهولةً؛ على سبيل المثال: عنصرين مناظرين للألومنيوم Al والسيليكون Si بوزنين ذريين يقعان ما بين ?? و??. وفي خريف عام ????، بدأ مندليف يتفكَّر في وجود عنصر ثالث يقع أسفل البورون في الجدول، وحدَّد الأحجام الذرية للعناصر الثلاثة كما يلي:
إيكا-بورونإيكا-ألومنيومإيكا-سيليكون????????
وفي عام ???? تنبَّأ بأوزانها الذرية كما يلي:
إيكا-بورونإيكا-ألومنيومإيكا-سيليكون??????
وأعطى مجموعة تفصيلية من التنبؤات عن خواص كيميائية وفيزيائية مختلفة للعناصر الثلاثة كلها.
مرت ?? عامًا قبل أن يتم فصل أول هذه العناصر المُتنبَّأ بها، الذي سُمِّي فيما بعدُ باسم الجاليوم، وكانت تنبُّؤات مندليف صحيحةً بدرجة تكاد تكون تامة. ويمكن أيضًا إدراك دقة تنبؤات مندليف بوضوح في حالة العنصر الذي سمَّاه إيكا-سيليكون، والذي سُمِّي فيما بعدُ باسم الجرمانيوم بعد أن فصله الكيميائي الألماني كليمنس فينكلر. ولعل الإخفاق المهم الوحيد هنا الذي مُنِي به مندليف يكمن — على ما يبدو — في الثقل النوعي لرباعي كلوريد الجرمانيوم (جدول ?-?). جدول ?-?: خواص الإيكا-سيليكون (الجرمانيوم) كما تنبَّأ بها مندليف، وكما لُوحِظت فيما بعدُ.الخاصيةإيكا-سيليكون تُنبِّئَ به عام ????الجرمانيوم المُكتشَف عام ????الكتلة الذرية النسبية???????الثقل النوعي???????الحرارة النوعية??????????الحجم الذري??سم??????سم?اللونرمادي داكنرمادي فاتحالثقل النوعي لثاني الأكسيد????????نقطة غليان رباعي الكلوريد??? سليزية?? سليزيةالثقل النوعي لرباعي الكلوريد????????نقطة غليان رباعي الإيثيل المشتق??? سليزية??? سليزية
تنبؤات مندليف التي لم تُصِب

لكن لم تكن جميع تنبؤات مندليف ناجحة لهذه الدرجة الرائعة، وهي سمة يبدو أنها أُغفِلت في أغلب الكتابات الشائعة عن تاريخ الجدول الدوري. فكما يظهر في جدول ?-?، أخفق مندليف فيما يتعلَّق بتسعة من بين تنبؤاته الثمانية عشر المنشورة، على الرغم من أنه ربما ليست كل هذه التنبؤات يجب إعطاؤها نفس القدر من الأهمية؛ ذلك لأن بعض العناصر التي أخفق فيها شملت «العناصر الأرضية النادرة» التي تتقارب جدًّا فيما بينها، والتي فرضت تحدِّيًا كبيرًا أمام الجدول الدوري على مدى سنوات كثيرة تالية. جدول ?-?: تنبُّؤات مندليف الناجحة وغير الناجحة.العنصر كما سمَّاه مندليفوزنه الذري الذي تنبَّأ بهوزنه الذري المحدَّد بعد اكتشافه (إن وُجِد)اسمه بعد اكتشافه (إن وُجِد)الكورونيوم???لم يُكتشَفلم يُكتشَفالإيثر????لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-بورون??????السكانديومإيكا-سيريوم??لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-ألومنيوم??????الجاليومإيكا-سيليكون????الجرمانيومإيكا-منجنيز?????التكنيشيوم (????)إيكا-موليبدينوم???لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-نيوبيوم???لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-كادميوم???لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-يود???لم يُكتشَفلم يُكتشَفإيكا-سيزيوم???لم يُكتشَفلم يُكتشَفتري-منجنيز??????الرينيوم (????)دفي-تيلوريوم??????البولونيوم (????)دفي-سيزيوم??????الفرنسيوم (????)إيكا-تانتالوم??????البروتاكتينيوم (????)
فضلًا عن هذا، أثارت تنبؤات مندليف التي لم تُصِب قضيةً فلسفية أخرى؛ فعلى مدى زمن طويل، تجادَلَ مؤرخو العلوم وفلاسفتها فيما إذا كانت التنبؤات الناجحة التي أُعلِن عنها في مسار التطورات العلمية، يجب اعتبارها في مرتبة أعلى أم أقل من الاستيعاب الناجح للمعطيات المعروفة بالفعل. بالطبع لا مراء في حقيقة أن التنبؤات الناجحة تعطي تأثيرًا نفسيًّا أكبر؛ إذ تكاد تدل ضمنيًّا على أن رجل العلم الذي نحن بصدده يمكنه أن يتنبَّأ بالمستقبل. ولكن الاستيعاب أو التفسير الناجح للمعطيات المعروفة سلفًا هو عملٌ فذٌّ كذلك، لا سيما وأنه غالبًا ما يتاح المزيد من المعلومات المعروفة سلفًا لإدخالها ضمن نظرية علمية جديدة. وكان هذا بصفة خاصة هو الحال مع مندليف والجدول الدوري؛ إذ تعيَّن عليه أن ينجح في تحديد مواضع ?? عنصرًا معروفًا ضمن منظومة مترابطة تمامًا.
في زمن اكتشاف الجدول الدوري، لم تكن منظومة منح جوائز نوبل قد تأسَّست بعدُ، ولكن كانت توجد جوائز ومكافآت أخرى، من أهمها «وسام ديفي» الذي تقدِّمه جمعية الكيمياء الملكية في بريطانيا، وسُمِّي بهذا الاسم تبعًا للكيميائي همفري ديفي. وفي عام ???? مُنِح «وسام ديفي» بالمشاركة إلى لوثار ماير ومندليف. وهذا يوحي — على ما يبدو — بأن الكيميائيين مقدمي الجائزة لم يتأثَّروا كثيرًا بتنبُّؤات مندليف الناجحة؛ إذ كانوا راغبين في الاحتفاء بلوثار ماير الذي لم يقدِّم أيَّ تنبؤات. وفضلًا عن هذا، فإن المقالة التفصيلية المصاحبة للجائزة المقدَّمة للوثار ماير ومندليف لم تذكر شيئًا على الإطلاق عن تنبُّؤات مندليف الناجحة. ويبدو على الأرجح أن تلك العصبة من الكيميائيين البريطانيين البارزين لم تتأثَّر نفوسهم بالتأثير النفسي للتنبؤات الناجحة، ولم يضعوها في مرتبة أرقى من قدرة المرء ونجاحه في وضع العناصر المعروفة في مواضعها الصحيحة بالجدول الدوري.
الغازات الخاملة

مثَّل اكتشافُ الغازات الخاملة في نهايات القرن التاسع عشر تحديًا مثيرًا للمنظومة الدورية لعدد من الأسباب؛ أولها أنه على الرغم من تنبؤات مندليف الرائعة لكثير من العناصر الأخرى، فإنه فشل تمامًا في التنبؤ بهذه المجموعة من العناصر بكاملها: «الهيليوم He، والنيون Ne، والأرجون Ar، والكريبتون Kr، والزينون Xe، والرادون Rn». فضلًا عن هذا، لم يتنبأ أي شخص آخر بهذه العناصر ولا حتى بإمكانية وجودها. كان أول ما تم فصله منها هو الأرجون، في عام ???? بكلية لندن الجامعية. وخلافًا للكثير من العناصر التي سبقت مناقشتها، فقد «تآمرت» بعض العوامل وتضافرت لجعل عملية استيعاب هذا العنصر في الجدول مهمة شاقة وعسيرة. ولم تتخذ الغازات الخاملة موضعَها كمجموعة ثامنة بين الهالوجينات والفلزات القلوية إلا بعد مرور ست سنوات.
ولكن لنعُدْ إلى أول ما تمَّ فصله من الغازات النبيلة (الخاملة)، وهو الأرجون؛ فقد حصل عليه بكميات ضئيلة كلٌّ من اللورد رايلي وويليام رامزي اللذين كانا يُجرِيان التجارب على غاز النيتروجين، ولم يتوصَّلَا بسهولة إلى الوزن الذري للأرجون الذي يُعتبَر مهمًّا جدًّا ومطلوبًا لو تسنَّى وضْعُه في الجدول الدوري. وكان هذا بسبب حقيقة أن الطبيعة الذرية للأرجون ذاتها لم يكن من السهل تحديدها، وأشارت أغلب التقديرات إلى أنه أحادي الذرة، ولكن جميع الغازات الأخرى المعروفة وقتئذٍ كانت ثنائيةَ الذرة (H2، وN2، وO2، وF2، وCl2). فلو كان الأرجون أحادي الذرة حقًّا لَكان وزنه الذري ?? تقريبًا؛ مما يجعل وضعه ضمن الجدول الدوري مشكلة عويصة بعض الشيء؛ إذ لم تكن توجد فجوة فيه عند هذه القيمة من الوزن الذري؛ فعنصر الكالسيوم وزنه الذري ?? تقريبًا، ويتبعه السكانديوم، وهو أحد العناصر التي نجح مندليف في التنبؤ بها، ووزنه الذري ??. وهذا الأمر على ما يبدو لم يترك فراغًا في الجدول الدوري لعنصر جديد وزنه الذري ?? (شكل ?-?). كانت هناك فجوة أكبر بين الكلور (????) والبوتاسيوم (??)، ولكن وضع الأرجون فيما بين هذين العنصرين يَنتج عنه حالة انعكاسٍ زوجي مقحمة نوعًا ما؛ إذ يجب أن نتذكر أنه في ذلك الوقت لم تكن توجد حالاتُ انعكاسٍ زوجي لأوضاع العناصر في الجدول سوى حالة واحدة فقط، تشمل عنصرَي التيلوريوم واليود، وكان هذا السلوك يُعتبَر شاذًّا بدرجة كبيرة، وقد استنتج مندليف أن الانعكاس الزوجي للتيلوريوم واليود ناتج عن تقدير خاطئ للوزن الذري للتيلوريوم أو لليود أو ربما لكلا العنصرين.
إلا أن هناك وجهًا آخَر غير عادي لعنصر الأرجون، هو خموله الكيميائي التام؛ بما يعني أن «مركباته» لا يمكن دراستها لسبب بسيط هو أنه لا يكوِّن أيَّ مركبات. وقد زعم بعض الباحثين أن خمول هذا الغاز يعني أنه ليس عنصرًا كيميائيًّا حقيقيًّا، ولو كان هذا الزعم صحيحًا لكان من السهل الخروج من مأزق الحيرة بشأن وضع هذا العنصر في الجدول؛ إذ لن تكون هناك حاجة لوضعه في أي موضع.
ولكن الكثيرين من العلماء الآخرين صمدوا في محاولتهم وضع العنصر في الجدول الدوري؛ إذ كان وضعُ الأرجون ضمن منظومة الجدول الدوري هدفَ الاجتماع العام للجمعية الملكية في عام ????، الذي حضره الرواد من الكيميائيين والفيزيائيين في ذلك الوقت. وقد جادل مكتشِفَا الأرجون؛ رايلي وَرامزي، قائلين إن عنصر الأرجون على الأرجح أحاديُّ الذرة، ولكنهما اعترفا بعدم قدرتهما على تأكيد هذا الأمر، كما أنهما لم يستطيعا التيقُّن من أن هذا الغاز المحيِّر ليس خليطًا، فلو كان خليطًا فلربما كان هذا يعني أن وزنه الذري في الواقع ليس ??. وقدَّمَ ويليام كروكس بعضَ الأدلة التي تدعم دقة تحديد نقطتَيْ غليان وانصهار الأرجون؛ مما يشير إلى أنه عنصر واحد وليس خليطًا. كما أدلى هنري أرمسترونج — وهو من روَّاد الكيمياء — بدَلْوِه قائلًا إن الأرجون ربما يسلك سلوك النيتروجين من حيث إنه يشكِّل جزيئًا خاملًا ثنائيَّ الذرة، على الرغم من أن كلًّا من ذرتَيْه قد تكون شديدة التفاعل.
ثم تدخل فيزيائي يُدعَى آرثر ويليام راكر قائلًا إن الوزن الذري الذي يساوي ?? تقريبًا قد يكون صحيحًا، وإنه لو تعذَّر وضْعُ هذا العنصر ضمن الجدول الدوري، فإن المشكلة تكون في الجدول ذاته. وهذا التعليق يثير الاهتمام؛ لأنه يُظهِر أنه حتى بعد مرور ?? عامًا على نشر جدول مندليف الدوري، وبعد إنجازه لتنبُّؤاته الثلاثة الشهيرة، لم يتحقَّق إجماعٌ عام على الصلاحية التامة للمنظومة الدورية.
ومن ثَمَّ كانت النتائج التي توصَّلَ إليها اجتماع الجمعية الملكية غير حاسمة، إلى حدٍّ ما، بشأن مصير عنصر الأرجون الجديد، أو حتى بشأن ما إذا كان يجب اعتباره عنصرًا جديدًا. بل إن مندليف نفسه، الذي لم يحضر هذا الاجتماع، نشر مقالة في مجلة «نيتشر» اللندنية، وفيها استنتج أن الأرجون هو في الواقع ثلاثيُّ الذرة، وأن كل جزيء منه يتكوَّن من ثلاث ذرات من النيتروجين. وقد بُنِي هذا الاستنتاج على حقيقة أن الوزن الذري المفترض، وهو ??، إذا قسمناه على ? يكون الناتج ???? تقريبًا، الذي لا يبعد كثيرًا عن الرقم ??، وهو الوزن الذري للنيتروجين. وبالإضافة إلى هذا، فإن الأرجون كان قد اكتُشِف من خلال تجارب أُجرِيت على غاز النيتروجين؛ مما جعل فكرة أنه ثلاثي الذرة أكثر قبولًا لديه واستحسانًا.
ثم حُلَّتِ القضية أخيرًا في عام ????؛ ففي مؤتمرٍ عُقِد في برلين، تحدَّث رامزي، الذي كان أحدَ المشاركين في اكتشاف غاز الأرجون الجديد، مُبْلِغًا مندليف بأن المجموعة الجديدة، وهي مجموعة الغازات الخاملة (التي كانت قد تعزَّزت بغازات الهيليوم والنيون والكريبتون والزينون)، يمكن إسكانها ببراعة في مجموعة ثامنة بين الهالوجينات والفلزات القلوية، وإن كان الأرجون على نحوٍ خاص — وهو أول هذه العناصر الجديدة — قد سبَّبَ إزعاجًا لأنه كان يمثِّل حالةً فريدة من الانعكاس الزوجي للعناصر؛ فوزنُه الذري يبلغ نحو ??؛ ومن ثَمَّ يظهر في الجدول قبل البوتاسيوم الذي وزنه الذري نحو ??، وهكذا صار مندليف يتقبَّل بسهولة هذا الافتراض، فكتب بعدها يقول: لقد كان هذا الأمر بالغَ الأهمية له [أيْ لرامزي] كتأكيدٍ لموضع العناصر المكتشَفة حديثًا، ولي أيضًا كتأكيدٍ رائع لقابلية القانون الدوري للتطبيق بصفة عامة.
وبذلك لم تكن الغازات الخاملة مهدِّدةً للجدول الدوري، بل إن اكتشافها وإسكانها بنجاح في هذا الجدول قد ساعَدَ بالأحرى على إبراز ما تتمتَّع به منظومةُ مندليف الدورية من قوةٍ كبيرة وعمومية واسعة.

الفصل السادس
علم الفيزياء يقتحم الجدول الدوري


على الرغم من أن جون دالتون كان قد أعاد إدخال فكرة الذرات إلى مجال العلوم، تبع ذلك نشوب الكثير من المجادلات بين علماء الكيمياء، وأنكر أغلبهم حرفيًّا وجود الذرات في حد ذاتها. كان من أولئك الكيميائيين المتشكِّكين مندليف نفسه، ولكن كما رأينا في فصول سابقة، فإن هذا لم يمنعه من نشر أنجح منظومة دورية من بين كل ما قُدِّم في عصره. ولكن إثر ما ظهر من أبحاثٍ لعلماء في الفيزياء مثل ألبرت أينشتاين، صارت حقيقة الذرة أكثر تأكيدًا مع بدايات القرن العشرين؛ فقد قَدَّم بحثٌ لأينشتاين في عام ???? عن الحركة البراونية — مستخدِمًا وسائل إحصائية — تبريرًا نظريًّا حاسمًا لوجود الذرات، ولكن كان ينقصه الدعم التجريبي؛ وسرعان ما قدَّمَ هذا الدعمَ التجريبيَّ الفيزيائيُّ التجريبي الفرنسي جان بيرين.
كان هذا التغيير مصحوبًا بكثير من الخطوط البحثية التي تهدف إلى استكشاف بنية الذرة، كما كان مصحوبًا أيضًا بتطوُّرات كان لها بالتأكيد تأثيرٌ كبير على محاولات العلماء لفهم المنظومة الدورية نظريًّا. وفي هذا الفصل ندرس بعضًا من هذه الأبحاث الذرية، فضلًا عن العديد من الاكتشافات الرئيسية الأخرى في مجال علم فيزياء القرن العشرين، التي أسهمت فيما أسمِّيه غزْوَ الفيزياء للجدول الدوري.
لقد جاء اكتشاف الإلكترون، وأول جسيم تحت ذري، وأول تلميح إلى أن للذرة بنية تفصيلية؛ في عام ???? على يد العالم الرائع جيه جيه طومسون، أثناء عمله بمختبر كافندش في كامبريدج. وقبل هذا بقليل، وتحديدًا في عام ????، كان العالم فيلهلم كونراد رونتجن قد اكتشف الأشعةَ السينية في فيورتسبورج بألمانيا، وسرعان ما وُضِعت تلك الأشعة الجديدة موضعَ الاستخدام المثمِر من قِبَل هنري موزلي، وهو فيزيائي شاب كان يعمل في البداية في مانشستر، ثم انتقل إلى أكسفورد ليقضي فيها بقيةَ حياته العلمية القصيرة.
وبعد أن قدَّمَ رونتجن وصفًا علميًّا للأشعة السينية بعام واحد فقط، اكتشف هنري بيكريل في باريس ظاهرةً مهمة جدًّا اسمها النشاط الإشعاعي؛ حيث تتحلَّل ذرات معينة تلقائيًّا بينما تطلق عددًا من أنواع جديدة مختلفة من الأشعة. أما مَن سكَّ بالفعل مصطلح «النشاط الإشعاعي» فهو العالمة البولندية المولد، والفرنسية الإقامة، ماريا سكلودوفسكا (التي صار اسمها فيما بعدُ ماري كوري) (شكل ?-?)، التي شاركتْ زوجَها العالم الفرنسي بيير كوري عملَه العلمي بإجراء التجارب على تلك الظاهرة الجديدة الخَطِرة، وسرعان ما اكتشفَا عنصرين جديدين أطلقَا عليهما اسمَي البولونيوم والراديوم. شكل ?-?: ماري كوري.
وعن طريق دراسة كيفية تفكُّك الذرات بينما يحدث لها تحلُّلٌ إشعاعيُّ النشاط، صار من الممكن سبر أغوار مكونات الذرة بفاعلية أكبر، فضلًا عن القوانين التي تحكم كيفية تحوُّل الذرات إلى ذرات أخرى؛ ومن ثَمَّ، وعلى الرغم من أن الجدول الدوري يتعامل مع ذرات فردية متمايزة أو ذرات لعناصر مختلفة، فإن هناك على ما يبدو بعض «الصفات» التي تسمح لبعض الذرات بأن تتحوَّل إلى ذرات أخرى في الظروف السليمة وبالشروط الصحيحة؛ فعلى سبيل المثال: فقدان عنصرٍ ما لجسيم ألفا الذي يتركَّب من نواة هيليوم فيها بروتونان، ينتج عنه خفض العدد الذري لهذا العنصر بمقدار وحدتين.
هناك فيزيائي آخَر كان له تأثير كبير، وكان يُجرِي أبحاثه في تلك الآونة؛ هذا العالم اسمه إرنست رذرفورد، وهو نيوزيلندي الأصل، وصل إلى كامبريدج ليحصل على زمالة بحثية، ثم أمضى فترات من الزمن بجامعة ماكجيل في مونتريال وبجامعة مانشستر، وبعد ذلك عاد إلى كامبريدج ليتولى إدارة معمل كافندش خَلَفًا للعالم جيه جيه طومسون. كانت إسهامات رذرفورد في علم الفيزياء الذرية كثيرة ومتنوعة، وشملت اكتشاف القوانين التي تهيمن على الانحلال الإشعاعي، فضلًا عن كونه أول مَن «شطر الذرة». كما كان رذرفورد أول مَن حقَّقَ عملية «تحويل» العناصر إلى عناصر أخرى جديدة، وبهذه الطريقة حقَّقَ نظيرًا اصطناعيًّا لعملية النشاط الإشعاعي التي تُنتِج بالمثل ذرات من عنصر مختلف تمامًا، كما أكَّد مجددًا على فكرة أخرى هي الوحدة الجوهرية لجميع صور المادة، ومن قبيل المصادفة أن مندليف كان يعارض بشدةٍ هذه الفكرة أثناء حياته.
كما كان لرذرفورد اكتشاف آخَر يتمثَّل في النموذج النووي للذرة، وهو مفهوم يكاد يكون من المسلمات اليومَ؛ هذا المفهوم يتمثَّل تحديدًا في الفكرة القائلة بأن الذرة تتركَّب من نواة مركزية تحيط بها مدارات تدور فيها إلكترونات سالبة الشحنة. وكان سلفه في كامبريدج، وهو طومسون، يظن أن الذرة تتركب من كرة موجبة الشحنة تدور في داخلها الإلكترونات في شكل حلقات.
ومع ذلك، لم يكن رذرفورد أول مَن اقترح نموذجًا نوويًّا للذرة يشبه نظامًا شمسيًّا مصغرًا؛ إذ إن هذا المفهوم المتميز ينتمي إلى الفيزيائي الفرنسي جان بيرين، الذي افترض في عام ???? أن الإلكترونات السالبة تدور حول النواة الموجبة كما تدور الكواكب السيارة حول الشمس. وفي عام ???? تعرَّضت هذه المضاهاة الفلكية لتحريفٍ جديد من جانب هانتارو ناجاوكا من اليابان، الذي تقدَّم بنموذجه «الزُّحلي» الذي حلت فيه الإلكترونات محل الحلقات الشهيرة التي حول كوكب زحل، ولكن لم يستطع بيرين ولا ناجاوكا التوصُّل إلى دليل تجريبي قوي يدعم نموذجَيْهما عن الذرة، بينما استطاع رذرفورد ذلك.
قام رذرفورد، ومعه زميلاه جايجر ومارسدن، بإطلاق سيل من جسيمات ألفا تجاه رقاقة معدنية مصنوعة من الذهب، فحصلوا على نتيجة أدهشتهم كثيرًا؛ فبينما مرت معظم جسيمات ألفا خلال رقاقة الذهب بسهولة ودون إعاقة تقريبًا، فإن عددًا ملحوظًا منها انحرف بزوايا مائلة جدًّا. وكان استنتاج رذرفورد أن ذرات الذهب أو أي شيء آخَر يتصل بهذه المادة، يتركب في معظمه من فراغ تام، باستثناء نواة مركزية كثيفة. وحقيقةُ أن بعض جسيمات ألفا قد ارتدَّتْ عكسيًّا بشكل غير متوقَّع باتجاه تيار جسيمات ألفا المسلَّطة؛ كانت دليلًا على وجود نواة مركزية دقيقة في كل ذرة.
ومن ثَمَّ تبيَّن أن الطبيعة أكثر مرونةً ممَّا كان يُظَن سابقًا؛ فعلى سبيل المثال: كان مندليف يعتقد أن العناصر لها طبيعة فردية تمامًا، ولم يتقبَّل فكرة أن العناصر يمكن أن تتحوَّل إلى عناصر أخرى مختلفة. وفي الواقع، وبعد أن بدأ الزوجان كوري يعلنان عن التجارب التي توحي بتفكُّك الذرات، سافَرَ مندليف إلى باريس ليرى الأدلةَ بنفسه، وحدث هذا قرب نهاية حياته. وليس من الواضح ما إذا كان قد وافَقَ على هذه الفكرة الجديدة غير العادية حتى بعد زيارته لمختبر كوري.
الأشعة السينية

في عام ???? حقَّقَ العالم الفيزيائي الألماني رونتجن اكتشافًا خطيرًا وهو في سن الأربعين، وفي هذا الشأن كان نتاجُ أبحاثه رائعًا إلى حدٍّ كبير، وقد كتب في حقه فيما بعدُ العالِمُ الفيزيائي إيميليو سيجريه يقول: بحلول عام ???? كان رونتجن قد كتب ثمانية وأربعين بحثًا، صارت الآن في طي النسيان تقريبًا. ولكن في بحثه التاسع والأربعين حقَّقَ اكتشافًا مذهلًا.
كان رونتجن يستكشف تأثير تيار كهربي داخل أنبوب زجاجي مفرَّغ يُسمَّى أنبوب كروكس؛ إذ لاحظ أن هناك شيئًا ما يتوهَّج — لم يكن جزءًا من تجربته — على الجانب الآخَر من مختبره. كان هذا الشيء عبارة عن شاشةٍ مغطاةٍ بمادة بلاتينوسيانيد الباريوم، وسرعان ما تأكَّدَ أن التوهُّج ليس نتيجةً لتأثير التيار الكهربي، واستنتج أنه قد يكون ثمة نوعٌ جديد من الأشعة نتج داخل أنبوب كروكس الذي لديه. وسرعان أيضًا ما اكتشف رونتجن أشهر خاصية تُعرَف بها الأشعة السينية؛ فقد وجد أن بإمكانه أن يصنع صورة ليده تُظهِر بوضوح شكلَ عظامه فقط. وخرجت بهذا إلى النور تقنيةٌ قوية جديدة تتيح تطبيقاتٍ طبيةً عديدة. وبعد أن كان رونتجن يعمل سرًّا على مدى سبعة أسابيع، صار جاهزًا للإعلان عن نتائجه وإبلاغها إلى الجمعية الفيزيائية الطبية في فورتسبورج، وهي مصادفةٌ مثيرة للاهتمام إذا أخذنا في الاعتبار مسألةَ أن أشعته الجديدة سيكون لها ارتباطٌ بالمجالَيْن الطبي والفيزيائي، اللذين كانا لا يزال كلٌّ منهما متباعِدًا عن الآخر في تلك الآونة.
أرسل رونتجن بعضًا من صور أشعته السينية الأصلية إلى باريس؛ حيث وصلت إلى هنري بيكريل، الذي صار مهتمًّا بدراسة العلاقة بين الأشعة السينية وخاصية التفسفر (أي الوميض الفوسفوري)؛ حيث تطلِق موادُّ معينةٌ ضوءًا عند تعرُّضها لأشعة الشمس. ولكي يختبر بيكريل هذه الفكرةَ غلَّفَ بعض بلورات أحد أملاح اليورانيوم بورق سميك، ونظرًا لغياب أشعة الشمس في تلك الفترة، قرَّرَ أن يضع هذه المواد في أحد الأدراج لبضعة أيام. وكانت ضربةَ حظٍّ أخرى؛ إذ كان بيكريل قد وضع بلوراته المغلَّفة فوق لوحة فوتوغرافية غير مُظهَّرة (أي غير محمضة)، قبل أن يغلق الدرج ويذهب لبعض مشاغله لبضعة أيام من أيام باريس الملبدة بالغيوم.
وعندما فتح بيكريل الدرج أخيرًا، أخذته الدهشة حين وجد صورةً تكوَّنت على اللوحة الفوتوغرافية بسبب بلورات اليورانيوم، على الرغم من عدم وجود أشعة الشمس لتؤثِّر عليها؛ وأوحى إليه هذا بوضوح أن ملح اليورانيوم كان يُطلِق أشعةً ذاتية، بغضِّ النظر عن عملية التفسفر. وهكذا اكتشف بيكريل النشاطَ الإشعاعي بعينه، وهي عملية طبيعية تحدث في بعض المواد؛ حيث يُطلِق الانحلالُ التلقائيُّ للذرات انبعاثاتٍ قويةً، تكون خَطِرة في بعض الحالات. وكانت ماري كوري هي التي أطلقَتْ على هذه الظاهرة اسمَ «النشاط الإشعاعي» بعد ذلك ببضع سنين.
وقد تبيَّن أن العلاقة التي افتُرِضت بين هذه التجارب والأشعة السينية غيرُ صحيحة؛ إذ أخفق بيكريل في العثور على أي علاقة بين الأشعة السينية والتفسفر. وفي واقع الأمر، لم تكن الأشعة السينية قد دخلت ضمن هذه التجارب. ومع ذلك اكتشف بيكربل ظاهرةً قُدِّر أن تكون لها أهميةٌ هائلة بأكثر من جانب؛ فأولًا: كان النشاط الإشعاعي خطوة مبكرة وجوهرية نحو استكشاف المادة والإشعاع، وثانيًا: قُدِّر لها أن تؤدِّي بشكل غير مباشر إلى تطوير أسلحةٍ نوويةٍ.
عودة إلى رذرفورد

نحو عام ???? توصَّلَ رذرفورد إلى استنتاج أن الشحنة التي في نواة الذرة تساوي ما يقرب من نصف وزن تلك الذرة؛ أي إن Z ? A/2، وذلك بعد تحليله لنتائج تجارب التشتيت الذري. وقد دعم هذا الاستنتاجَ فيزيائيٌّ في أكسفورد يُدعَى تشارلز باركلا، الذي توصَّل إليه من طريق مختلف تمامًا، مستعينًا بتجاربه على الأشعة السينية. وفي الوقت نفسه، كان هناك شخص خارج نطاق هذا المجال، هو الخبير الاقتصادي الهولندي أنطون فان دن بروك، كان يتفكَّر مليًّا في إمكانية تعديل جدول مندليف الدوري. وفي عام ???? تقدَّم بجدول جديد يحتوي على ??? عنصرًا، بالرغم من أنه قد ترك فيه فراغاتٍ كثيرةً خالية. ثم تمَّ بعدها شَغْل عددٍ لا بأس به من تلك الأماكن الشاغرة ببعض المواد المكتشَفة حديثًا، وإن كانت حالتُها كعناصر كانت لا تزال غير مؤكَّدة، وتشمل ما يُسمَّى انبعاث الثوريوم واليورانيوم-إكس (وهو منتجٌ تحلُّليٌّ من اليورانيوم غيرُ معروف)، وا? Gd2 (وهو منتجٌ تحلُّليٌّ من الجادولينيوم)، وأنواعًا أخرى جديدة كثيرة. إلا أن السمة الحقيقية لقصة بحث فان دن بروك تَمثَّلَت في افتراضه أن جميع العناصر هي مركبات لجسيم سمَّاه «ألفون»، يتركَّب من نصف ذرة هيليوم، وتساوي كتلتُه وحدتَيْ وزنٍ ذري. وفي عام ???? نشر مقالةً أخرى أسقط منها أيَّ ذِكْر للألفونات، ولكنه استبقى فكرة أن العناصر تختلف بمقدار وحدتين من الوزن الذري. ثم تَقدَّمَ خطوةً أخرى نحوَ مفهوم العدد الذري؛ إذ كتب خطابًا من ?? سطرًا أرسله إلى مجلة «نيتشر» اللندنية قال فيه: … إن عدد العناصر المحتمَلة مساوٍ لعدد الشحنات الدائمة المحتمَلة …
وهكذا كان فان دن بروك يفترض أنه إذا كانت الشحنة النووية للذرة نصفَ وزنها الذري، وكانت الأوزانُ الذرية للعناصر المتتابعة تزداد بطريقة تدريجية بمقدار اثنين، فإن الشحنة النووية تحدِّد موضعَ العنصر في الجدول الدوري. وبتعبير آخَر، فإن كل عنصر تالٍ في الجدول الدوري تكون شحنتُه النووية أكبرَ بمقدار واحد من العنصر الذي يسبقه.
وقد لفتَتْ مقالةٌ أخرى نشرها في عام ???? انتباهَ نيلز بور، الذي استشهد بفان دن بروك في بحثه الثلاثي الشهير في عام ???? عن ذرة الهيدروجين والتوزيعات الإلكترونية للذرات الكثيرة الإلكترونات. وفي نفس العام كتب فان دن بروك مقالةً أخرى نُشِرت أيضًا في مجلة «نيتشر»، وفي هذه المرة ربط بوضوحٍ العددَ المسلسلَ لكل ذرة بشحنة كل ذرة. ولعل ما هو أهم من هذا أنه فصل هذا العددَ الذري المسلسل عن الوزن الذري. وقد أشاد بهذه الطبعة الفارقة العديدُ من الخبراء في هذا المجال، وفيهم سودي ورذرفورد؛ فجميعهم أخفقوا في رؤية هذا الأمر بالوضوح الذي رآه به ذلك الهاوي فان دن بروك.
موزلي

صحيح أن الهاوي فان دن بروك أذهل الخبراء وحيَّرهم بتوصُّله إلى مفهوم العدد الذري، إلا أنه لم يُكمِل تمامًا مهمةَ تأسيس هذا العمل العلمي الكبير، والشخص الذي أكمله بالفعل، والذي يُمنَح على نحوٍ شبه دائم شرفَ اكتشاف العدد الذري، هو العالم الفيزيائي الإنجليزي هنري موزلي، الذي مات في الحرب العالمية الأولى ولم يتجاوز عمره ?? عامًا. وقد بُنِيت شهرته على بحثين اثنين فقط، أكَّدَ فيهما تجريبيًّا أن العدد الذري هو مبدأ ترتيبي للعناصر أفضل من الوزن الذري. كما يُعتبَر هذا البحث العلمي مهمًّا أيضًا؛ لأنه أتاح للآخرين أن يحدِّدوا عددَ العناصر التي لم تكن قد اكتُشِفت بعدُ فيما بين حدود العناصر الموجودة طبيعيًّا (ما بين الهيدروجين واليورانيوم).
كان موزلي قد تلقَّى تدريبه في جامعة مانشستر كتلميذ لأستاذه رذرفورد، وتضمَّنت تجاربه قيامه بجعل الضوء يرتدُّ عن أسطح عيِّنات من عناصر مختلفة، وتسجيل التردُّد المميز للأشعة السينية التي أطلقها كلٌّ منها. تحدُث هذه الانبعاثات بسبب طرد إلكترون داخلي من الذرة؛ مما يحثُّ إلكترونًا خارجيًّا على أن يملأ الفراغَ الناتج في عمليةِ تكوُّنٍ مصحوبة بانبعاث للأشعة السينية.
بدأ موزلي بانتقاء ?? عنصرًا، ? منها — وهي من التيتانيوم إلى الزنك — كوَّنت تتابُعًا مستمرًّا من العناصر في الجدول الدوري. وما اكتشفه هو أن الرسم البياني المكوَّن من تردُّد الأشعة السينية المنبعِثة في مقابل مربع عددٍ صحيح يمثِّل موضعَ كل عنصر في الجدول الدوري؛ يشكِّل خطًّا مستقيمًا. كان هذا تأكيدًا لفرضية فان دن بروك بأن العناصر يمكن ترتيبها عن طريق تتابُعٍ من الأعداد الصحيحة، التي سُمِّيت فيما بعدُ «بالأعداد الذرية»؛ عدد لكل عنصر بدءًا من الهيدروجين = ?، ثم الهيليوم = ?، وهكذا.
وفي بحث آخَر، بسط موزلي نطاقَ هذه العلاقة لتشمل ?? عنصرًا آخَر؛ ممَّا قوى مركزه أكثر. ثم صار من السهل نسبيًّا على موزلي أن يُثبِت ما إذا كانت المزاعمُ التي تُطلَق بين الحين والآخَر عن عناصر كثيرةٍ جديدةٍ صحيحةً أم لا؛ فعلى سبيل المثال: كان الكيميائي الياباني سيجي أوجاوا قد زعم أنه عزل عنصرًا ما ليملأ الفراغَ الذي يوجد أسفل المنجنيز في الجدول الدوري، وقاس موزلي تردُّدَ الأشعة السينية التي أطلقَتْها عينة أوجاوا حين سلَّطَ عليها وابلًا من الإلكترونات، فوجَدَ أنه لا يتطابق مع القيمة المتوقَّعة من العنصر ??.
بينما كان الكيميائيون يستخدمون الأدوات الذرية لترتيب العناصر، كان ثمة قدرٌ كبير من عدم اليقين بشأن عدد العناصر الباقية التي لم تُكتشَف بعدُ؛ وكان هذا بسبب الفجوات غير المنتظمة الموجودة بين قِيَم الأوزان الذرية للعناصر المتتابعة في الجدول الدوري. وقد اختفت هذه المشكلة حين تحوَّلَ العلماء إلى استخدام العدد الذري، وحينئذٍ صارت الثغراتُ التي بين العناصر المتتابعة منتظمةً تمامًا، بمقدار وحدة واحدة من العدد الذري.
بعد وفاة موزلي استخدم كيميائيون وفيزيائيون آخَرون طريقته، ووجدوا أن العناصر المجهولة المتبقية أعدادُها الذرية هي ??، و??، و??، و??، و??، و??، و??، متخللة التتابع المتساوي المسافات من الأعداد الذرية. وتمَّ شَغْل آخِر تلك الفراغات في عام ????، عقب تخليق عنصرٍ رقمه الذري ??، وهو البروميثيوم.
النظائر

يُعَدُّ اكتشافُ نظائر أيِّ عنصر معين خطوةً مهمةً أخرى على طريق فهم الجدول الدوري تحقَّقت في فجر علم الفيزياء الذرية. ويتألَّف مصطلح «النظير» أو isotope من مقطعين؛ هما: iso (أيْ «نفسه»)، وtopos (بمعنى «مكان»)، ويُستخدَم لوصف نوع ذري من أي عنصر معين يختلف عنه في الوزن، ولكنه يحتلُّ نفس المكان في الجدول الدوري. وقد جاء هذا الاكتشاف بصفة جزئية بدافع من الضرورة، وأدَّت التطورات الجديدة في الفيزياء الذرية إلى اكتشاف عددٍ من العناصر الجديدة، مثل: الراديوم Ra، والبولونيوم Po، والرادون Rn، والأكتينيوم Ac، وهي العناصر التي اتَّخذتْ بسهولة مواضعَها الصحيحة في الجدول الدوري. ولكن فضلًا عن هذا، تم اكتشاف نحو ?? من العناصر الجديدة الأكثر بروزًا على مدى فترة زمنية وجيزة، وأُطلِقت على هذه الأنواع الجديدة أسماء مؤقتة؛ مثل: انبعاث الثوريوم، وانبعاث الراديوم، والأكتينيوم-إكس، واليورانيوم-إكس، والثوريوم-إكس، وغير ذلك؛ للدلالة على العناصر التي يبدو أنها تنتجها. وتدل اللاحقة إكس على أنها أنواع مجهولة. وقد تَبيَّنَ فيما بعدُ أنها نظائر لعناصر مختلفة في أغلب الأحيان؛ فعلى سبيل المثال: تَبيَّنَ لاحقًا أن اليورانيوم-إكس هو نظير للثوريوم. وقد حاوَلَ بعض مصمِّمي الجدول الدوري، مثل فان دن بروك، أن يُسكِنوا هذه «العناصر» الجديدة في جداول دورية ممتدة كما رأينا آنفًا. وفي الوقت نفسه أعَدَّ سوِيدِيَّان، هما دانيال أسترومهولم وتيودور سفيدبيرج، جداولَ دورية أقحمَا فيها بعضًا من هذه الأنواع الجديدة الغريبة في نفس الموضع؛ فعلى سبيل المثال: أسفل غاز الزينون الخامل وضعَا انبعاثَ الراديوم، وانبعاث الأكتينيوم، وانبعاث الثوريوم، وهذا على ما يبدو يمثِّل توقُّعًا لوجود النظائر، ولكنه ليس تأكيدًا واضحًا لهذه الظاهرة.
وفي عام ????، الذي تُوفِّي فيه مندليف، أعلن عالم الكيمياء الإشعاعية الأمريكي هربرت ماكوي عن استنتاجٍ يفيد بأن الثوريوم المُشِع غيرُ قابل للانفصال مطلقًا عن الثوريوم بالعمليات الكيميائية. وكانت هذه ملاحظة مهمة لم تلبث أن تكرَّرت بشأن الكثير من أزواج المواد الأخرى التي كان يُعتقَد أصلًا أنها عناصر جديدة، وحظيت هذه الملاحظات الجديدة بالتقدير الكامل من قِبَل فريدريك سودي الذي كان تلميذًا سابقًا لرذرفورد.
وبالنسبة إلى سودي، كان عدم قابلية الفصل كيميائيًّا يعني شيئًا واحدًا؛ أن هذه المواد المُشِعَّة هي صورتان أو أكثر من نفس العنصر الكيميائي. وفي عام ???? ابتكر سوديٌّ لفظَ النظائر للتعبير عن وجود ذرتين أو أكثر من نفس العنصر، وهي ذرات غير قابلة للفصل كيميائيًّا بالمرة، إلا أن أوزانها الذرية مختلفة. وقد لاحظ أيضًا هذه الصفة من عدم القابلية للانفصال كيميائيًّا كلٌّ من فريدريش بانيث وجورج فون هيفيشي في حالة الرصاص و«الرصاص المشع»، بعد أن طَلَب منهما رذرفورد أن يفصلاهما كيميائيًّا. وبعد محاولتهما إنجازَ هذا العملِ الفذِّ بعشرين وسيلة كيميائية مختلفة، لم يجدوا بُدًّا من الاعتراف بالفشل الذريع، وقد كان فشلًا في بعض النواحي إلا أنه أضاف المزيدَ من الدعم لفكرة وجود عنصرٍ ما، وهو الرصاص في هذه الحالة، في صورة نظائر لا تقبل الفصلَ كيميائيًّا. ولكن لم يذهب كلُّ هذا العمل البحثي أدراجَ الرياح؛ إذ أتاحت جهودُ بانيث وفون هيفيشي لهما أن يستحدِثَا تقنيةً جديدة لتصنيف الجزيئات من حيث النشاط الإشعاعي، ممَّا صار الأساس لنظامٍ ثانوي مفيد إلى حدٍّ بعيد وكبيرٍ وله تطبيقات بعيدة التأثير، في مجالات مثل الكيمياء الحيوية والأبحاث الطبية.
وفي عام ???? حظيت قضية النظائر بالمزيد والمزيد من الدعم بفضل أبحاثٍ أجراها تي دبليو ريتشاردز بجامعة هارفرد، الذي تولَّى قياسَ الوزن الذري لاثنين من نظائر نفس العنصر، وقد اختار هو أيضًا الرصاص؛ إذ إن هذا العنصر يُنتِجه عددٌ من سلاسل التحلُّل المشع، ولا يثير الدهشة أن ذرات الرصاص المتكوِّنة من هذه المسارات البديلة، التي تضم عناصرَ وسيطةً مختلفة تمامًا، نتج عنها تكوُّنُ ذراتِ رصاصٍ تختلف بقيمة كبيرة نسبيًّا مقدارها ???? من وحدة الوزن الذري، وقد تَمكَّنَ علماء آخرون فيما بعدُ من زيادة هذه النتيجة إلى ???? عن الوحدة.
وأخيرًا، أتاح اكتشافُ النظائر المزيدَ من الحل لمشكلةِ وجودِ أزواجِ العناصر المنعكسة، كما في حالتَي التيلوريوم واليود اللتين ابتُلِي بهما مندليف. إن التيلوريوم وزنه الذري أعلى من اليود، على الرغم من أنه يسبقه في الجدول الدوري؛ لأن متوسط أوزان جميع نظائر التيلوريوم قيمته واقعيًّا أعلى من متوسط أوزان نظائر اليود؛ ومن ثَمَّ يُنظَر إلى الوزن الذري باعتباره شيئًا أو كمًّا اشتراطيًّا ثانويًّا يعتمِد على مقدار وفرة جميع نظائر عنصرٍ من العناصر. وأما الكمُّ الأكثر أساسيةً، فيما يتعلَّق بالجدول الدوري، فهو العدد الذري الذي أوصى به كلٌّ من فان دن بروك وموزلي، أو بتحديدٍ أكثر — كما أدرك العلماء فيما بعدُ — هو عدد البروتونات في نواة الذرة. ويُعرَف نوع العنصر بعدده الذري وليس بوزنه الذري؛ إذ إن هذا الأخير يختلف تبعًا للعينة المحدَّدة التي عُزِل منها العنصر.
وفي حين أن الوزن الذري للتيلوريوم في المتوسط أعلى ممَّا لليود، فإن عدده الذري أقل بمقدار وحدة واحدة، فإذا استخدمنا العددَ الذري بدلًا من الوزن الذري كمبدأ ترتيبي للعناصر، يندرج كلٌّ من التيلوريوم واليود ضمن مجموعتيهما المناسبتين من حيث السلوك الكيميائي. نخلص من هذا إلى أن العلماء لجئوا إلى الانعكاسات الزوجية لبعض العناصر، فقط لأنهم استخدموا مبدأً ترتيبيًّا غير سليم في جميع الجداول الدورية التي أُعِدت في مرحلةِ ما قبل بدايات القرن العشرين.

الفصل السابع
البنية الإلكترونية


تناول الفصل السابق اكتشافاتٍ في الفيزياء الكلاسيكية لم تتطلَّب نظرية الكم، وقد انطبق هذا على الأشعة السينية وظاهرة النشاط الإشعاعي، اللتين أُجرِيت دراستهما في الأساس دون اللجوء لمفاهيم نظرية الكم، وإن كانت هذه النظرية قد استُحدِثت لاحقًا لتوضيح جوانب معينة. وفضلًا عن هذا، كان أغلب الفيزياء المشروحة في الفصل السابق يتعلَّق بعملياتٍ تنشأ في نواة الذرة. ويتعلق النشاط الإشعاعي أساسًا بتحلُّل النواة، وبالمثل يحدث التحوُّل بين العناصر عند مستوى النواة. وإضافةً إلى هذا، يُعتبَر العدد الذري خاصيةً من خواص أنوية الذرات، ويتمُّ التمييز بين النظائر عن طريق الكتل المختلفة للذرات من نفس العنصر، والتي تتكوَّن بالكامل تقريبًا من كتلة أنويتها.
في هذا الفصل سوف نسبر أغوار الاكتشافات المتعلقة بالإلكترونات، وهي دراسة تطلَّبت بالضرورة استخدامَ نظرية الكم منذ بداياتها الأولى. ولكن يجب أولًا أن نذكر شيئًا عن أصول نظرية الكم ذاتها؛ إذ بدأت مع بدايات القرن العشرين في ألمانيا؛ حيث حاوَلَ عدد من الفيزيائيين أن يفهموا سلوك الإشعاع المنحصر في تجويف صغير ذي جُدر معتمة. تم تسجيل السلوك الطيفي ? «إشعاع الجسم المعتم» هذا بدقةٍ عند درجات حرارة مختلفة، ثم أُجرِيت محاولات لعمل نموذج من الرسوم البيانية الناتجة رياضيًّا. وبقيت المشكلة دون حل لمدة غير هيِّنة من الوقت إلى أن أدلى العالِمُ الفذُّ ماكس بلانك بافتراضه الجريء في عام ????، بأن طاقة ذلك الإشعاع تتكوَّن من حُزَم أو «كمَّات» متمايزة. ويبدو أن بلانك نفسه كان متردِّدًا في قبول الأهمية الكاملة لنظريته الجديدة (نظرية الكم)، فترك الأمر برمته لعلماء آخرين حتى يتوصَّلوا إلى بعض التطبيقات الجديدة لها.
تفترض نظرية الكم أن الطاقة تأتي في حُزَم أو مقادير منفصلة متميزة، وأنه لا يمكن أن توجد قِيَم وسيطة فيما بين مضاعفات أعداد صحيحة معينة للكم الأساسي للطاقة، وقد تم تطبيق هذه النظرية بنجاح على التأثير الكهروضوئي في عام ????، على يد ألبرت أينشتاين دون غيره، الذي ربما يُعَدُّ أكثر فيزيائيي القرن العشرين ألمعيةً، وكان نتاج بحوثه أن الضوء يمكن اعتباره ذا طبيعة كمية أو جسيمية. ومع ذلك سرعان ما بدأ أينشتاين يَعتبِر ميكانيكا الكم نظريةً ناقصة، واستمرَّ في انتقاده لها لبقية حياته.
وفي عام ???? طبَّق العالِم الدنماركي نيلز بور نظريةَ الكم على ذرة الهيدروجين، التي كان يفترض — كما افترض رذرفورد — أنها تتكوَّن من نواة مركزية وإلكترون يدور حولها. وافترض بور أن الطاقة المتاحة للإلكترون تكون فقط بقِيَم متفردة معينة، أو نقول، بتعبير تصويري، إن الإلكترون يمكن أن يوجد في أي عدد من الأغلفة أو المدارات حول النواة. وهذا النموذج أمكنه أن يفسِّر، ولو إلى حدٍّ ما، مظهرَيْن لسلوك ذرات الهيدروجين، بل في الواقع لسلوك ذرات أي عنصر أيضًا؛ فأولًا: أوضح النموذجُ السببَ في أن ذرات الهيدروجين التي تتعرَّض لدفعة من الطاقة الكهربائية ينتج عنها طيفٌ متقطِّع لا يُلاحَظ فيه سوى بعض التردُّدات المحددة. ورأى بور أن هذا السلوك يظهر حين يحدث للإلكترون انتقالٌ من أحد مستويات الطاقة المتاحة إلى مستوًى آخَر، ويكون هذا الانتقال مصحوبًا بانطلاقٍ للطاقة — أو امتصاص لها — بما يقابل بالضبط فرْقَ الطاقة بين مستويَي الطاقة في الذرة.
ثانيًا، وهو أمر أقل قبولًا: أوضَحَ هذا النموذج السببَ في أن الإلكترونات لا تفقد طاقتها وتصطدم بالنواة في أي ذرة، كما يُتوقَّع عند تطبيق الميكانيكا الكلاسيكية على جسيم مشحون يتحرك حركة دائرية. وكان رأي بور أن الإلكترونات ببساطة لا تفقد طاقتها ما بقيت في مداراتها المحددة، كما افترض أن ثمة مستوًى أدنى للطاقة لا يمكن بعده أن تحدث للإلكترون أيُّ انتقالات لأسفل.
بعد ذلك عمَّم بور نموذجه ليغطي أي ذرة متعددة الإلكترونات غير مُكْتَفٍ بالهيدروجين، كما شرع في محاولة التوصُّل إلى الطريقة التي تترتَّب بها الإلكترونات في أي ذرة بعينها. وعلى الرغم من وجود تساؤلات بشأن صحة إجراء هذه القفزة من الإلكترون الواحد إلى الإلكترونات المتعددة نظريًّا، فإن هذا لم يَثْنِ بور عن سعيه الحثيث غير مبالٍ بشيء. والتوزيعاتُ الإلكترونية التي توصَّل إليها موضَّحةٌ في جدول ?-?. إلا أن تعيين بور للإلكترونات في أغلفة لم يكن مبنيًّا على أسس رياضية، كما لم يستعِنْ بأيِّ عونٍ واضح من نظرية الكم؛ بل في المقابل، احتكَمَ بور إلى أدلة كيميائية مثل معرفة أن ذرات عنصر البورون يمكن أن تكوِّن ثلاثَ روابط، كما تفعل عناصر أخرى في مجموعة البورون؛ ومن ثَمَّ يجب أن تكون لذرة البورون ثلاثةُ إلكترونات في أغلفتها الخارجية حتى يكون هذا ممكنًا. وحتى مع هذه النظرية الأولية التي لا يُستدَل منها على شيء، قدَّمَ بور أولَ تفسيرٍ ناجح معتمِدٍ على الإلكترونات حول سبب وجود عناصر مثل الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم في نفس المجموعة من الجدول الدوري، وكذلك حول السبب في الانتماء إلى أي مجموعة في الجدول الدوري، وفي حالة عناصر الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم يكون السبب أن كل ذرة من ذراتها لديها إلكترون واحد منفرد عن بقية الإلكترونات في غلاف خارجي.
جدول ?-?: نظام بور الأصلي في عام ???? للتوزيعات الإلكترونية للذرات. (From N. Bohr, ‘On the Constitution of Atoms and Molecules’, Philosophical Magazine, 26, 476–502, 1913, 497.)????1H1????2He2???12Li3???22Be4???32B5???42C6???34N7??224O8??144F9???28Ne10??128Na11??228Mg12??328Al13??428Si14??348P15?2248S16?1448Cl17??288Ar18?1288K19?2288Ca20?3288Sc21?4288Ti22?3488V2322288Cr24
جدول ?-?: توزيعات بور الإلكترونية في عام ???? على أساس عددَيْن كميَّيْن. (From N. Bohr, ‘Linienspektren und Atombau’, Annalen der Physik, 71, 228–288, 1923, p. 260.)????1H????2He???12Li???22Be???32B???42C??142N??242O??342F??442Ne?1442Na?2442Mg12442Al?4442Si14442P24442S34442Cl44442Ar
يعيب نظرية بور أنها تعاني بعض القيود الأخرى؛ ومنها أنها لا تنطبق بدقة إلا على الذرات ذوات الإلكترون الواحد مثل الهيدروجين، والأيونات مثل: He+، وLi2+، وBe3+، … إلخ. كما تَبيَّنَ أن بعض خطوط الأطياف التي تخصُّ هذه الأطياف «الهيدروجينية» تُقطع إلى أزواج غير متوقَّعة من الخطوط. وقد افترض آرنولد سومرفيلد الذي يعمل في ألمانيا، أن النواة قد يكون موقعها عند إحدى بؤرتَيْ شكل بيضاوي، وليس في قلب ذرة دائرية. وأظهرت حساباته أن على المرء أن يضيف مستوياتٍ تحت غلافية ضمن الأغلفة الرئيسية للإلكترونات في نموذج بور. وفي حين أن نموذج بور كان يتميَّز بعدد كمي يدل على كلٍّ من الأغلفة أو المدارات المنفصلة، فإن نموذج سومرفيلد المعدَّل تطلَّب عددين كميَّيْن لتعيين المسار البيضاوي للإلكترون. وحين أصبح لدى بور هذه الأعداد الكمية الجديدة، صار قادرًا على أن يجمع مجموعةً أكثر تفصيلًا من التوزيعات الإلكترونية في عام ????، كما يظهر في جدول ?-?. بعد ذلك ببضع سنين، وجد الفيزيائي الإنجليزي إدموند ستونر أن الأمر يحتاج أيضًا إلى عدد كمي ثالث لتعيين بعض التفاصيل الأكثر دقةً في طيف الهيدروجين وذرات أخرى. ثم في عام ???? اكتشف عالِم نظريات نمساوي المولد يُدعَى فولفجانج باولي الحاجةَ لعدد كمي رابع، وقد عرف هذا العدد من مفهوم اتخاذ إلكترونٍ ما لإحدى قيمتَيْ نوع خاص من الزخم الزاوي. وقد سُمِّي بعد ذلك هذا النوع من الحركة باسم الزخم الزاوي (أو «اللف المغزلي» الإلكترون)، وإن كانت الإلكترونات لا تدور بنفس الطريقة التي تدور بها الأرض حول محورها بينما تقوم في ذات الوقت بحركة مدارية حول الشمس.
وترتبط الأعداد الكمية الأربعة بعضها ببعض عن طريق مجموعة من العلاقات المتداخلة، فيعتمد العدد الكمي الثالث على قيمة العدد الكمي الثاني، التي بدورها تعتمد على قيمة العدد الكمي الأول. بينما يكون العدد الكمي الرابع الذي افترضه باولي مختلفًا قليلًا؛ إذ يمكن أن يأخذ قيمتين هما: +??/?? أو ???/??، بغضِّ النظر عن قِيَم الأعداد الكمية الثلاثة الأخرى. وتكمن أهمية العدد الكمي الرابع بصفة خاصة في أن التوصُّل إليه قدَّمَ تفسيرًا جيدًا للسبب في أن كل غلاف إلكتروني يمكن أن يحتوي على عدد محدَّد من الإلكترونات (?، ?، ??، ?? … إلخ)، بدءًا من الغلاف الأقرب إلى النواة.
وفيما يلي طريقة عمل هذا النظام. يمكن أن يأخذ العدد الكمي الأول n أيَّ قيمة تكاملية بدءًا من العدد ?، والعددُ الكمي الثاني، الذي يُرمَز له بالرمز ، يمكن أن يأخذ أيًّا من القِيَم التالية المتعلِّقة بقِيَم n:
وفي حالة ما إذا كانت n = 3 على سبيل المثال، فإن يمكن أن يأخذ القِيَم ? أو ? أو ?. والعدد الكمي الثالث، الذي يُرمَز له بالرمز ml، يمكن أن يأخذ قِيَمًا مرتبطة بقِيَم العدد الكمي الثاني، كما يلي:
فعلى سبيل المثال، إذا كانت ()، فإن القِيَم المحتملة للعدد الكمي الثالث () تكون: ?2, ?1, 0, +1, +2
وفي النهاية، نصل إلى العدد الكمي الرابع الذي يُرمَز له بالرمز ms، والذي لا يمكن أن يأخذ سوى قيمتين محتملتين فقط هما إما +??/?? وإما ???/?? من وحدات اللف المغزلي للزخم الزاوي كما أسلفنا. ومن ثَمَّ هناك تدرُّج هرمي من قِيَم الأعداد الكمية الأربعة التي يتعلَّق بعضها ببعض، والتي تُستخدَم لوصف أي إلكترون معين في ذرةٍ ما (جدول ?-?). ونتيجةً لهذا النظام، يتضح السبب في أن الغلاف الثالث مثلًا يمكن أن يحتوي على ?? إلكترونًا. فإذا كان العدد الكمي الأول هو ? (تبعًا لرقم الغلاف)، فإن العدد الإجمالي للإلكترونات في الغلاف الثالث يساوي ? × (?)?؛ أي إنه يساوي ?? إلكترونًا، والعدد الكمي الثاني () يمكن أن يأخذ القِيَم ? أو ? أو ?. وكل قيمة من قِيَم هذه ينتج عنها عدد من قِيَم المحتملة، وكلٌّ من هذه القِيَم تُضرَب في عاملِ ضربٍ قيمتُه اثنان؛ إذ إن العدد الكمي الرابع يمكن أن يأخذ إحدى القيمتين ??/?? أو ???/??. جدول ?-?: تجميع للأعداد الكمية الأربعة لتوضيح العدد الإجمالي للإلكترونات في كل غلاف.nقِيَم المحتمَلةرموز المستويات تحت الغلافيةقِيَم المحتمَلةالمدارات تحت الغلافيةعدد الإلكترونات في كل غلاف101s012202s01??12p1, 0, ?138303s01??13p1, 0, ?13??23d2, 1, 0, ?1, ?2518404s01??14p1, 0, ?13??24d2, 1, 0, ?1, ?25??34f3, 2, 1, 0, ?1, ?2, ?3732
إلا أن الحقيقة القائلة إن الغلاف الثالث يمكن أن يحتوي على ?? إلكترونًا، لا تفسِّر تمامًا السببَ في أن بعض الدورات في الجدول الدوري تحتوي على ?? خانة للعناصر. كان من الممكن أن تكون تفسيرًا قويًّا لهذا الأمر لو كانتْ أغلفةُ الإلكترونات ممتلئةً بطريقة متتابعة تمامًا؛ لكن هذا لا يحدث بدءًا من العنصر رقم ??، وهو البوتاسيوم. وتتشكَّل التوزيعات الإلكترونية وتتصاعد بدءًا من المدار 1s الذي يمكن أن يحتوي على إلكترونين، وتنتقل إلى المدار 2s الذي يمتلئ بالمثل بإلكترونين آخَرين، ثم تأتي مدارات 2p التي تحتوي إجمالًا على ? إلكترونات أخرى … وهكذا. وتستمر هذه العملية بالطريقة المتوقَّعة حتى نصل إلى العنصر ??، وهو الأرجون الذي لديه التوزيع الإلكتروني التالي: 1s2, 2s2, 2p6, 3s2, 3p6
وقد يتوقَّع المرء أن يكون التوزيع الإلكتروني للعنصر التالي رقم ?? — البوتاسيوم — كما يلي:
1s2, 2s2, 2p6, 3s2, 3p6, 3d1
حيث يحتل الإلكترون الأخير ما تحت الغلاف التالي الذي يُرمَز له بالرمز 3d، ويكون هذا متوقَّعًا لأنه وصولًا إلى هذه النقطة كان النمط هو إضافة الإلكترون المتميز إلى المدار المتاح التالي على مسافاتٍ متزايدة من نواة الذرة. ولكن تشير الأدلة التجريبية إلى أن توزيع إلكترونات البوتاسيوم يجب أن يُرمَز إليه كما يلي: 1s2, 2s2, 2p6, 3s2, 3p6 4s1
وبالمثل في حالة العنصر ??، وهو الكالسيوم، يدخل الإلكترون الجديد أيضًا المدار 4S، ولكن في العنصر التالي رقم ??، وهو السكانديوم، لُوحِظ أن توزيع الإلكتروني كما يلي: 1s2, 2s2, 2p6, 3s2, 3p6 4s2, 3d1
هذا النوع من الحذف للخلف وللأمام فيما بين المدارات المتاحة مع ملء الإلكترونات للعناصر المتتابعة؛ يتكرَّر مجدَّدًا مرات عدة، ونظامُ الملء هذا تمَّ تلخيصه في شكل ?-?. شكل ?-?: نظام ملء المدارات الذرية، اتبع السهام المائلة من أعلى لأسفل.
ونتيجةً لنظام الملء هذا، تحتوي الدورات المتتابعة في الجدول الدوري على العدد التالي من العناصر: ?، ?، ?، ??، ??، ??، … إلخ؛ مما يُظهِر وجود «تضاعفية» في كل دورة فيما عدا الدورة الأولى.
وبينما تقدِّم قاعدةُ تجميعِ الأعداد الكمية الأربعة توضيحًا قويًّا للنقطة التي تقفل عندها الأغلفة، فإنها لا تقدِّم توضيحًا قويًّا بنفس الدرجة للنقطة التي تقفل عندها الدورات وتنتهي. بالإمكان إعطاء بعض التبريرات لنظام الملء هذا، ولكن هذه التبريرات تميل لأن تكون معتمِدة إلى حدٍّ ما على الحقائق التي يحاول المرء أن يوضِّحها. نحن نعرف أين تقفل الدورات لأننا نعرف أن الغازات النبيلة توجد عند خانات العناصر: ?، و??، و??، و??، و??، … إلخ. وبالمثل لدينا معرفة بنظام الملء من الملاحظات العلمية وليس من الأمور النظرية. والاستنتاج، الذي نادرًا ما يُنوَّه عنه في المقالات التي تتحدَّث عن شرح الجدول الدوري في الكتب الأكاديمية، هو أن فيزياء الكم تشرح الجدول الدوري بصفة جزئية فحسب، ولم يستنبط أيُّ إنسان حتى الآن نظامَ ملءِ المدارات من مبادئ ميكانيكا الكم. لكن ليس معنى ذلك أن هذا الأمر قد لا يتحقَّق في المستقبل، أو أن نظام الملء بالإلكترونات ليس في متناول علم فيزياء الكم إلى الأبد بأي حال من الأحوال.
الكيميائيون وتوزيعات الإلكترونات

لقد فتح اكتشاف جيه جيه طومسون للإلكترون في عام ???? الطريق لشروح جديدة، بجميع أنواعها، في الفيزياء، فضلًا عن خطوط جديدة تمامًا من التجارب العملية. كما كان طومسون من أوائل الذين ناقشوا الطريقة التي تترتَّب بها الإلكترونات في الذرات، على الرغم من أن نظريته لم تكن ناجحةً جدًّا؛ إذ لم يكن العلماء يعرفون ما يكفي عن عدد الإلكترونات التي توجد في أي ذرة معينة. وكما رأينا، فإن أول نظرية جوهرية من هذا النوع تُعزَى إلى نيلز بور، الذي أدخَلَ أيضًا فكرةَ كمِّ الطاقة إلى عالَم الذرة وإلى مهمة الترتيبات الإلكترونية. وقد نجح بور في نشر مجموعة من التوزيعات الإلكترونية لكثير من الذرات المعروفة، ولكن هذا تحقَّق فقط بعد مراجعته للسلوكيات الكيميائية والطيفية التي قام آخَرون بتجميعها على مدى سنين كثيرة.
ولكن ماذا كان يفعل الكيميائيون في تلك الآونة؟ وكيف تقارن محاولاتهم للتعامُل مع الإلكترونات بمحاولات بور وغيره من فيزيائيي الكم؟ بدْءُ هذا الاستقصاءِ يتطلَّب الرجوع زمنيًّا إلى عام ???? بعد اكتشاف الإلكترون بقليل؛ إذ كان العالِم الكيميائي الأمريكي جي إن لويس يعمل في الفلبين في تلك الآونة، ورسم رسمًا تخطيطيًّا — مبيَّنًا في شكل ?-? — وما زالت نسخته الأصلية محفوظة حتى يومنا هذا. وفي هذا الرسم افترَضَ أن الإلكترونات تُوجَد عند أركان شكل مكعَّب، وأنه كلما تنقلنا خلال الجدول الدوري، العنصر الواحد تلو الآخَر، يضاف إلكترون إلى كل ركن. وقد يبدو اختيار لويس للشكل المكعب غريبًا في عصرنا الحديث؛ إذ من المعروف الآن أن الإلكترونات تدور في مدارات حول النواة، ولكن نموذج لويس يُعتبَر شيئًا جيدًا من وجهة نظر مهمة ترتبط بالجدول الدوري؛ فرقمُ ثمانية يمثِّل عدد العناصر التي يجب أن يعبرها المرء في الجدول الدوري قبل أن يحدث تكرارٌ لخواص العناصر. شكل ?-?: مخطَّط لويس عن «المكعبات» الذرية.
ومن ثَمَّ كان لويس يفترض أن صفة الدورية الكيميائية وخواص العناصر المتفردة محكومةٌ بعدد الإلكترونات في المكعب الخارجي الذي يحيط بنواة الذرة، وكل ما يُعَدُّ خطأً في هذا النموذج هو اعتبارُ الإلكترونات ثابتةً في أماكنها، لكن اختيار شكل المكعب أمر طبيعي وذكي يعكس حقيقةَ أن الدورية الكيميائية مبنِيَّة على أساس مسافات فاصلة تتألَّف من ثمانية عناصر.
شكل ?-?: تصوُّر لويس لرابطةٍ ثنائيةٍ بين ذرتين.
في نفس هذا المخطَّط الشهير رسم لويس شكلًا يبيِّن كيفيةَ اتحاد ذرتَي الصوديوم والكلور لتكوين مركب كلوريد الصوديوم، بعد انتقال إلكترون من ذرة الصوديوم إلى ذرة الكلور، وذلك لكي يحتلَّ مكانَ الإلكترون الثامن المفقود في المكعب الخارجي من ذرة الكلور. وقد انتظر بعدها لويس لمدة أربعة عشر عامًا قبل أن ينشر هذه الأفكار، فضلًا عن توسيعها لتشمل صورة أخرى من ارتباط الذرات، وهي الروابط التساهُمية، التي تتضمَّن تشارُك الذرات المختلفة في الإلكترونات بدلًا من نقلها فيما بينها.
وقد وضع لويس في اعتباره الكثيرَ من المركبات المعروفة، كما أحصى عددَ الإلكترونات الخارجية التي تحتوي عليها ذرات تلك المركبات، وبهذه الطريقة توصَّلَ إلى استنتاجٍ مفاده أنه في أغلب الحالات ينتج عن إحصاء الإلكترونات عددٌ زوجي. أوحت إليه هذه الحقيقة بأن الارتباط الكيميائي قد يكون ناتجًا عن ازدواج الإلكترونات، وهي فكرة سرعان ما صارت أساسيةً في الكيمياء ككلٍّ، وبقيت صحيحةً بالضرورة حتى يومنا هذا، وحتى بعد ظهور نظريات ميكانيكا الكم عن الارتباط الكيميائي.
ولكي يمثِّل لويس تشارُك الإلكترونات بين ذرتين، رسَمَ مكعبين متجاورين يشتركان في حافة واحدة، أو في إلكترونين؛ وبالمثل، قام بتمثيل الرابطة الثنائية (أو المزدوجة) بمكعبين يتشاركان في وجه واحد، أو في أربعة إلكترونات (شكل ?-?). ولكن برزت هنا مشكلة؛ إذ كان من المعروف في الكيمياء العضوية، أن بعض المركبات، مثل الإسيتيلين C2H2 تحتوي على رابطة ثلاثية، فأدرك لويس أن نموذجَه عن الإلكترونات التي توجد عند أركان مكعبٍ، لا يصلح لتمثيل الروابط الثلاثية؛ فتحوَّلَ في نفس البحث إلى نموذج جديد توجد فيه أربعة أزواج (أيْ ثمانية) من الإلكترونات عند أركان شكل رباعي الأوجه بدلًا من المكعب؛ ومن ثَمَّ مثَّل الرابطةَ الثلاثية بشكلين رباعيَّي الأوجه يتشاركان في وجه مشترك. جدول ?-?: التراكيب الإلكترونية الخارجية ? ?? عنصرًا كما بيَّنها لويس. يمثِّل الرقم الذي في أعلى كل عمودٍ الشحنةَ الموجبة على نواة الذرة، وكذلك عدد إلكترونات الغلاف الخارجي لكل ذرة (من إعداد المؤلف).7654321??????HFONCBBeLiClSPSiAlMgNaBrSeAs?ScCaKITeSb??SrRb??Bi??BaCs
كما عاد لويس في نفس البحث إلى مسألة التوزيعات الإلكترونية للذرات، وقد بَسَطَ ترتيباته للعناصر لتشمل ?? عنصرًا كما يظهر في جدول ?-?. وقبل أن ننتقل إلى مشاركين آخَرين، يجدر بنا أن نذكر أن جي إن لويس ربما كان أهمَّ كيميائيٍّ في القرن العشرين لم يحصل على جائزة نوبل، وهذا يرجع لوفاته المبكرة في مختبره نتيجةً للتسمُّم بغاز سيانيد الهيدروجين، ومن المعروف أن جوائز نوبل لا تُمنَح إلا للأحياء. وأخيرًا وليس آخِرًا، فقد اكتسب لويس الكثيرَ من الأعداء في مسيرة حياته الأكاديمية؛ ومن ثَمَّ لم يُقْدِم أحدٌ من زملائه على أن يرشحه لنيل الجائزة. شكل ?-?: الجدول الدوري لِلانجموير.
وقد اتسعت أفكار لويس واكتسبت شعبيةً على يد خبير أمريكي في الكيمياء الصناعية يُدعَى إرفينج لانجموير؛ فبينما اقتصر لويس على تحديد التوزيعات الإلكترونية ? ?? عنصرًا فقط، أخذ لانجموير على عاتقه أن يُكمِل المهمة؛ وبينما أحجَمَ لويس عن تحديد التوزيعات الإلكترونية لذرات العناصر الفلزية الانتقالية، فقد أعَدَّ لانجموير قائمةً بهذه التوزيعات ضمن بحث له في عام ????، كما يلي:
ZnCuNiCoFeMnCrVTiSc1211109876543
وفعل لانجموير مثل سلفه لويس؛ إذ استخدم الخواصَّ الكيميائية للعناصر لترشده إلى هذه التوزيعات الإلكترونية، ولم يستعِنْ بأي حجج من نظرية الكم (شكل ?-?)، ولا يدهشنا أن هذين الكيميائيَّيْن تمكَّنَا من تحسين هذه التوزيعات الإلكترونية التي كان فيزيائيون مثل بور يتلمَّسون طريقهم إليها. وفي عام ????، كان يعمل كيميائي إنجليزي اسمه تشارلز بيري في الكلية الجامعية في ويلز، وقد تحدَّى فكرةً كانت متضمَّنة في بحثَيْ لويس ولانجموير، وهي افتراض أن الأغلفة الإلكترونية تمتلئ تباعًا كلما تنقلنا خلال الجدول الدوري، وذلك بإضافة إلكترون زائد لكل عنصر جديد نصل إليه، كما ذكرنا سابقًا في هذا الفصل. وافترض بيري أن مجموعته المنقَّحة من التوزيعات الإلكترونية تحقِّق اتفاقًا أفضل مع الحقائق الكيميائية المعروفة، ويقول: حيث إن العدد ثمانية هو العدد الأقصى للإلكترونات في الطبقة الخارجية للذرة، فلا بد أن تشكِّل عناصر البوتاسيوم والكالسيوم والسكانديوم طبقةً رابعة، على الرغم من أن الطبقة الثالثة لدى تلك العناصر ليست كاملة، فتكون تراكيبها كما يلي: ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?، ?.
كما اختلف بيري مع لويس ولانجموير حين افترض أن مجموعات الثمانية إلكترونات الداخلية التي تبدو مستقرة، يمكن أن تتغيَّر إلى مجموعات من ?? إلكترونًا، وبالمثل فإن مجموعات ا? ?? إلكترونًا يمكن أن تتغيَّر إلى مجموعات من ?? إلكترونًا. وتمثِّل هاتان الصفتان بعضًا من العلامات المبكرة لنشوء النمطَيْن من الجداول المتوسِّطة الطول والطويلة على الترتيب.
وفي الختام، أقول بإيجاز إن علماء الفيزياء قدَّموا دعمًا قويًّا لمحاولات فهم القاعدة الأساسية للجدول الدوري، ولكن علماء الكيمياء وقتئذٍ كانوا في كثيرٍ من الحالات قادرين على تطبيق الأفكار الفيزيائية الجديدة، مثل التوزيعات الإلكترونية، لتحقيق نتيجة أفضل.

الفصل الثامن
ميكانيكا الكم


ناقَشَ الفصل السابق تأثيرَ نظرية الكم المبكرة، لا سيما نظرية بور، على شرح الجدول الدوري، وقد تُوِّج هذا الشرح بمساهمة من باولي، وهي إدخاله لعدد كمي رابع، ولمبدأ الاستبعاد الذي يحمل اسمه في الوقت الحاضر. ثم صار من الممكن تفسير السبب في أن كل غلاف حول الذرة يمكن أن يحتوي على عدد معين من الإلكترونات (? في الغلاف الأول، و? في الغلاف الثاني، و?? في الغلاف الثالث … إلخ). فإذا افترضنا النظامَ الصحيح لملء المدارات ضمن هذه الأغلفة، فبإمكاننا حينئذٍ أن نفسر حقيقة أن أطوال الدورات هي في الواقع: ?، و?، و?، و??، و?? … إلخ. ولكن أي تفسير ذي قيمة للجدول الدوري يجب أن يكون قادرًا على اشتقاق هذه القِيَم المتتابعة من مبادئ أولية، دون افتراض النظام المرصود لملء الدورات.
ومن ثَمَّ كانت نظرية الكم التي أبدعها بور، حتى بعد تعزيزها بإسهامات من باولي، مجرد خطوة نحو نظرية أكثر تقدُّمًا. إن النسخة التي أخرجها بور وباولي تُسمَّى عادةً نظرية الكم، وأحيانًا تُسمَّى نظرية الكم القديمة؛ تمييزًا لها عن التطور التالي الذي حدث في عامَيْ ???? و????، وهو ما صار يُعرَف باسم «ميكانيكا الكم». إن استخدام كلمة «نظرية» للدلالة على النسخة القديمة أمرٌ غير موفَّق إلى حدٍّ ما؛ لأنه يدعم المفهوم الخاطئ الشائع الذي يزعم أن النظرية شيء غامض واهٍ بعض الشيء، وتحتاج لأن تتطوَّر لتصير قانونًا أو شيئًا آخَر أكثر قوةً وصلابةً في عالَم المعرفة.
ولكن النظرية في عالَم العلوم هي كمٌّ معرفي مدعوم بقوة، وإن لم يتم إثباته فقد يكون في مستوًى أرقى من قوانين علمية؛ فقوانين كثيرة مختلفة غالبًا ما ترتدي عباءة نظرية مهيمنة عليها؛ ومن ثَمَّ تُعتبَر ميكانيكا الكم، تلك النظرية الحديثة، «نظريةً» بكلِّ ما تحمله هذه الكلمة من معنًى، مثل سابقتها نظرية الكم القديمة التي توصَّل إليها بور، حتى إنْ كانت أكثر عموميةً ونجاحًا.
إلا أن نظرية الكم القديمة تلك لها مثالب عدة، ومنها حقيقة أنها لا يمكنها أن تفسر الارتباط الكيميائي، ولكن كل هذا تغيَّرَ بعد مجيء ميكانيكا الكم؛ ومن ثَمَّ صار ممكنًا الذهاب لأبعد من تلك الفكرة البدائية التي خطرتْ ببال جي إن لويس، والقائلة إن الارتباط الكيميائي ناتجٌ عن مجرد تشارُك الإلكترونات بين ذرتين وأكثر في جزيءٍ ما. فتبعًا لميكانيكا الكم، تسلك الإلكترونات سلوكَ الموجات بقدرِ ما تسلك سلوكَ الجسيمات. وقد استطاع العالِمُ النمساوي إرفين شرودنجر، عن طريق كتابة معادلة موجية لحركة الإلكترونات حول النواة، أن يتقدَّم بخطوة قوية إلى الأمام. وتمثِّل حلولُ معادلة شرودنجر، التي يوجد منها الكثير، حالاتِ الكم الممكنة التي يمكن أن تجد الإلكترونات أنفسها فيها في ذرةٍ ما. وبعد ذلك بقليل، استحدث عالمان فيزيائيان هما هوند وموليكن، كلٌّ منهما على حدة، النظريةَ المدارية الجزيئية التي وُجِد فيها أن الارتباط الكيميائي يحدث نتيجةً لتداخُل بنَّاء وهدَّام بين موجات إلكترونية لكل ذرة في أحد الجزيئات.
ولكن يلزمنا أن نعود إلى الذرات والجدول الدوري، فباستخدام نظرية بور، تُعتبَر الذرات الوحيدة التي يمكن حساب مستويات طاقتها هي تلك التي تحتوي على إلكترون واحد، وهذه تشمل ذرة الهيدروجين H، والأيونات ذوات الإلكترون الواحد مثل: الهيليوم He+1، والليثيوم Li+2، والبيريليوم Be+3 … إلخ. وفي حالة الذرات المتعددة الإلكترونات؛ أي التي يحتوي كلٌّ منها على أكثر من إلكترون واحد، تقف نظريةُ بور القديمة مكتوفةَ اليدين. في المقابل، باستخدام ميكانيكا الكم الجديدة يستطيع الفيزيائيون النظريون أن يتعاملوا مع الذرات المتعددة الإلكترونات، وإنْ كان هذا يتم بشكل تقريبي وليس بدقة تامة، وهذا نتيجة لقيود رياضية؛ فأيُّ نظام به أكثر من إلكترون واحد يتضمَّن ما يُسمَّى «مسألة تعدُّد الجسيمات»، ومثل هذه المسائل لا تسمح إلا بحلول تقريبية. ومن ثَمَّ فإن طاقات حالات الكم بالنسبة إلى أي ذرة متعددة الإلكترونات، يمكن حسابها تقريبيًّا من مبادئ أولية، على الرغم من وجود اتفاقٍ جيد للغاية مع قِيَم الطاقة المرصودة. ومع ذلك، ما زال بعضٌ من الجوانب الشاملة من الجدول الدوري غيرَ مشتقٍّ من مبادئ أولية حتى يومنا هذا. ويُعَدُّ نظامُ ملء المدارات الذي ذكرناه آنفًا مثالًا على ذلك.
وكما رأينا في الفصل السابق، فإن المدارات الذرية التي تتشكَّل منها الأغلفةُ وما تحت الأغلفة في أي ذرة، تمتلئ بالإلكترونات بنظام القِيَم المتزايدة لمجموعِ عددَي الكم الأَوَّلَين الدالَّين على أي مدار معين. ويتم تلخيص هذه الحقيقة في ، أو ما يُسمَّى قاعدة ماديلونج. وتمتلئ المدارات بحيث تزداد الكمية تدريجيًّا، بدءًا من القيمة ? للمدار 1s. وباتباع الأسهم المائلة بدءًا من المدار 1s، ثم الانتقال إلى مجموعة الأسطر المائلة التالية (شكل ?-?)؛ نحصل على نظام ملء الدورات، وهو كما يلي:
… إلخ.
وعلى الرغم من النجاحات المبهرة التي حقَّقَتْها ميكانيكا الكم، فإنها لم تنجح في اشتقاق هذا التتابع من قِيَم بطريقة نظرية تمامًا. وهذا لا يقلِّل من شأن النجاحات التي حقَّقَتْها هذه النظرية الحديثة التي تُعتبَر مُبهِرةً بحقٍّ؛ فقط أردتُ أن أشير إلى أمرٍ احتاج إلى الإيضاح، ونأمل أن ينجح أحد فيزيائي الكم في اشتقاق قاعدة ماديلونج في المستقبل، أو ربما نحتاج إلى نظرية أكثر قوةً لتحقيق هذا. ولستُ أحاول أن أفترض نوعًا كامنًا من عدم مرونة الظواهر الكيميائية للخضوع لفيزياء الكم، ولكنني فقط أركِّز على ما تمَّ تحقيقه بالفعل حتى الآن في مجال الجدول الدوري. شكل ?-?: نيلز بور.
ولكن لنَعُدْ إلى ما سلَّطتْ ميكانيكا الكم الضوءَ عليه فيما يتعلَّق بالدورية الكيميائية؛ فكما ذكرنا سلفًا يمكن كتابةُ معادلة شرودنجر وحلُّها بالنسبة إلى أي نظام ذري في الجدول الدوري، دون أي مُدخل تجريبي بأي حال من الأحوال؛ فعلى سبيل المثال: نجح الفيزيائيون والكيميائيون النظريون في حساب طاقات التأيُّن للذرات في الجدول الدوري، وعند مقارنة هذه الحسابات بالقِيَم التجريبية نجد قدرًا ملحوظًا من الاتفاق (شكل ?-?). وهكذا نجد أن طاقة التأيُّن هي واحدة من كثير من خواص الذرات التي تُبدِي صفةَ الدورية بشكل واضح. وكلما زدنا العددَ الذري Z بدءًا من Z = 1 للهيدروجين، ازدادتْ طاقةُ التأيُّن إلى أن تصل إلى العنصر التالي مباشَرةً؛ وهو الهيليوم، وهذا يتبعه انخفاضٌ حادٌّ قبل أن نصل إلى Z = 3؛ أي الليثيوم. ثم وُجِد أن قِيَم طاقة التأيُّن التالية تزداد، بصفة عامة، إلى أن نصل إلى عنصر مناظر كيميائيًّا للهيليوم وهو النيون، الذي يُعتبَر عنصرًا نبيلًا آخَر، ثم يتكرَّر هذا النمط من الزيادة الإجمالية في طاقة التأيُّن عبر جميع دورات الجدول الدوري. وفي كل دورة، تظهر القيمة الدنيا لعناصر في المجموعة الأولى مثل الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم، بينما تظهر القيمة القصوى، كما رأينا توًّا، للغازات النبيلة مثل الهيليوم والنيون والأرجون والكريبتون والزينون، كما يوضِّح شكل ?-? المنحنى الحاصلَ عند ربط القِيَم المحسوبة نظريًّا بعضها ببعض. شكل ?-?: طاقات التأيُّن للعناصر من ? إلى ?? المحسوبة نظريًّا (على شكل مثلثات) والمرصودة (على شكل دوائر).
خلاصة ذلك أنه حتى لو لم تكن ميكانيكا الكم قد حقَّقَتْ حتى الآن اشتقاقًا عامًّا للمعادلة الخاصة بنظام ملء الدورات (وهي قاعدة: )، فقد فسَّرَتْ على أي حال صفةَ الدورية في خواص ذرات جميع العناصر، وإن كان هذا يتم على أساس واحد في كل مرة لكل ذرة على حدة، وليس من خلال الحل بأسلوب الواحد العام للكل. والسؤال الآن هو كيف كان هذا ممكنًا في ميكانيكا الكم مقارَنةً بنظرية الكم القديمة لِبور؟ لكي نجيب عن هذا السؤال، يلزمنا أن ننقب قليلًا في عمق الفارق بين النظريتين، ولعل أفضل شيء نبدأ به هو مناقشة مختصرة لطبيعة الموجات، فكثيرٌ من الظواهر في علم الفيزياء تبرز في صورة موجات؛ فالضوء ينتقل كموجات ضوئية، والصوت كموجات صوتية. وإذا ألقيت حجرًا في الماء تتكوَّن سلسلة من التموجات أو الموجات المائية التي تترقرق وتتشعَّب في شكل حلقات من النقطة التي دخل الحجر فيها الماء. وهناك ظاهرتان مثيرتان للاهتمام تُصاحِبان هذه الأنواع الثلاثة من الموجات، بل الموجات من أي نوع بالفعل؛ أولى هاتين الظاهرتين أن الموجات تُبدِي تأثيرًا يُسمَّى «الحيود»، الذي يصف الطريقة التي تميل الموجةُ بها للانتشار حين تمر من خلال فتحة ضيقة أو حول عائقٍ ما.
والظاهرة الأخرى أنه إذا وصلتْ موجتان (أو أكثر) معًا إلى حاجزٍ ما، فسيُقال إنهما «داخل الطور»، ويحدثان تأثيرًا يُسمَّى «التداخل البنَّاء» الذي يؤدِّي إلى زيادة إجمالية في الشدة إضافةً إلى شدتَي الموجتين المنفصلتين. وعلى العكس من هذا، إذا وصلتْ موجتان (أو أكثر) إلى حاجزٍ ما بطريقة «خارج الطور»، فإنهما تحدثان تداخلًا هدَّامًا، وتكون نتيجته إنقاص الشدة الموجية أو إبطالها. في بدايات عقد العشرينيات من القرن العشرين، ولأسباب لا مجالَ لذِكْرها هنا، خمَّن بعض العلماء أن الجسيمات المتناهية الصغر كالإلكترونات ربما تسلك سلوكَ الموجات تحت ظروف معينة. وكانت هذه الفكرة باختصار، في اتجاه عكسي منطقي لأبحاث أينشتاين في التأثير الكهروضوئي؛ التي توصَّلَ من خلالها إلى أن موجات الضوء تسلك أيضًا سلوكَ الجسيمات.
ولكي نختبر ما إذا كانت الجسيمات، مثل الإلكترونات، تسلك حقًّا سلوكَ الموجات، صار لزامًا علينا أن نرى ما إذا كانت الإلكترونات قد تُحدِث أيضًا تأثيرَي الحيود والتداخُل كاللذين تُحدِثهما جميع الأنواع الأخرى من الموجات. ومما يثير الدهشة على ما يبدو أن تلك التجارب نجحت وتم إثبات الطبيعة الموجية للإلكترونات بصفة نهائية حاسمة. فضلًا عن هذا، وُجِد أننا إذا سلَّطنا حزمةً من الإلكترونات على بلورة واحدة من النيكل الفلزي، فإنها تُحدِث سلسلةً من الحلقات المتراكزة؛ بمعنى أنه يتكوَّن نمط من الحيود نتيجةً لموجات الإلكترونات التي تنتشر حول البلورة ولا ترتدُّ عنها فحسب.
من هذا المنطلق، تعيَّن أن يُنظَر إلى الإلكترونات وغيرها من الجسيمات الأساسية على أنها تمتلك نوعًا من الطبيعة الفصامية؛ إذ تسلك سلوك الجسيمات والموجات. وبتحديدٍ أكثر، فإن الأخبار القائلة بأن الإلكترونات تسلك سلوكَ الموجات سرعان ما وصلتْ إلى المجتمع الأوسع من الفيزيائيين النظريين، وفيهم إرفين شرودنجر، ذلك الفيزيائي النظري النمساوي الذي شرع في استخدام التقنيات الرياضية التي استُخدِمت كثيرًا لصياغة نماذج للموجات، من أجل وصف سلوك الإلكترون الذي في ذرة الهيدروجين. كان أول افتراضاته أن الإلكترونات تسلك سلوك الموجات، وثانيها أن الطاقة الكامنة في الإلكترون هي نفسها طاقة انجذابه للنواة. وقد حلَّ شرودنجر معادلته بأنْ فَعَل ما يفعله الفيزيائيون الرياضيون دائمًا عند محاولتهم حلَّ معادلات تفاضُلية من هذا النوع؛ إذ يفرضون شروطًا حدِّيَّة.
لتتفكَّر في وترِ جيتار «مقيَّد» ومثبت عند نهايتيه، اللتين تُسمَّيان الصامولة والمشط على التوالي. والآن اضرب الوتر الحر عند منتصفه. كما يُظهِر شكل ?-?، سوف يتذبذب الوتر بحركة لأعلى ولأسفل في شكل نصف موجة كاملة، ولكن هل من طريقة أخرى يمكن أن تؤدي إلى تذبذب الوتر؟ الجواب أنه من الممكن أن يتذبذب أيضًا في شكل نصفين من الطول الموجي (أي طول موجي كامل)، وهذا يمكن تحقيقه في وتر الجيتار بوضع أصبع بخفة على الوتر عند منتصف المسافة أمام عتب الجيتار (العتبة الثانية عشرة)، وإطلاقه في جزء من الثانية بعد نقر الوتر في منطقة فتحة الصوت باليد الأخرى. وإذا أُجرِي هذا بطريقة سليمة، فإن الصوت الناتج يكون نغمًا عذبًا شجيًّا يشبه صوت الناقوس، وهو ما يسمِّيه الموسيقيون نغمةً توافقية أو لحنًا إيقاعيًّا. وهناك طرق إضافية يمكن بها أن يتذبذب الوتر، وتتكوَّن من أنصاف موجية مقاديرها ?، و?، و? … إلخ. ويمكن أن يتذبذب الوتر بعدد صحيح فقط من الأنصاف الموجية؛ فعلى سبيل المثال: لا توجد طريقة ممكنة للتذبذب تتكوَّن من اثنين ونصف أو ثلاثة وثلث من الأنصاف الموجية. شكل ?-?: الشروط الحدية وبروز صفة الكمية.
من الناحية الرياضية، فضلًا عن الناحية الفيزيائية، فإن ما حدث هو أنَّ فرض شروط حديَّة (نقطتا التثبيت في حالة الجيتار الوتري) نتجت عنه مجموعةٌ من الحركات التي تتميَّز بأعداد صحيحة؛ وهذا لا يعدل شيئًا سوى صفة الكَمية، أو الاقتصار على مضاعفاتٍ لأعداد صحيحة بقيمةٍ ما. وعلى سبيل المناظرة، أقول إن شرودنجر حين طبَّق تلك الشروط الحدية الرياضية على معادلته، تَبيَّنَ أن الطاقات التي حسبها للإلكترون كمية، وهو أمر كان بور قد أُجبِر على إدخاله خلسةً إلى معادلاته من البداية. وفي حالة شرودنجر، هناك تحسُّن جوهري يتمثَّل في أنه نجح في اشتقاق صفة الكمية للطاقة بدلًا من مجرد إدخالها بشكل مصطنع؛ وهذه علامة على معالجة أعمق تبرز فيها صفة الكمية كوجه طبيعي للنظرية.
ثم هناك مكون مهم آخَر ميَّز ميكانيكا الكم الجديدة عن نظرية بور القديمة، وهذا المكون الثاني اكتشفه فيزيائي ألماني يُدعَى فيرنر هايزنبرج، الذي توصَّل إلى العلاقة التالية الشديدة البساطة عن ضرب مقدار عدم اليقين بشأن موضع جسيمٍ ما (مثل الإلكترون) في مقدار عدم اليقين بشأن الزخم، كما يلي:
تفترض هذه المعادلة أنه لزامًا علينا أن نهجر المفهوم الشائع بأن أي جسيم (مثل الإلكترون) له موضع وزخم محدَّدان تمامًا. وما تقول به علاقة هايزنبرج هذه هو أننا كلما حدَّدنا بدقة موضعَ الإلكترون، قلَّتْ قدرتنا على تحديد زخمه بدقة، والعكس بالعكس. ويكون الأمر كأن حركة الجسيمات تتخذ طبيعة غامضة أو غير مؤكدة. وفي حين اشتمل نموذج بور على مدارات محددة للإلكترونات تدور حول نواة الذرة مثل مدارات الكواكب، فإن وجهة النظر الجديدة في ميكانيكا الكم تتمثَّل في أننا قد نتوقَّف عن الحديث عن مدارات محدَّدة للإلكترونات. بدلًا من ذلك، تعود النظرية إلى الحديث من منظور الاحتمالات لا اليقين. وعندما يتم الجمع بين هذه النظرة الجديدة والفكرة القائلة بأن الإلكترونات هي موجات، فإن الصورة الناتجة تكون مختلفةً جذريًّا عن نموذج بور.
وفي ميكانيكا الكم، يُنظَر إلى الإلكترون على أنه ينتشر خلال غلاف كروي حول النواة، وكأن ذلك الجسيم المألوف لدينا قد تحوَّل إلى «غاز» ينتشر ليملأ جميع محتويات كرةٍ ما تتوافق تقريبًا مع نموذج معدل ثلاثي الأبعاد لنموذج بور للمدار ذي البُعْدين. وإضافة إلى هذا، فإن تلك الكرة المشحونة في نظرية ميكانيكا الكم ليست لديها حافة حادة؛ وذلك بسبب حالة عدم اليقين الهايزنبرجية تلك. والمدار الأول المسمَّى مدار 1s، الذي تحدَّثنا عنه الآن، هو في الواقع حجم مرتبط باحتماليةٍ نسبتُها ???، عادةً ما نعتبرها جسيمًا محدَّد الموضع يُسمَّى الإلكترون. وهذا ليس سوى الحل الأول من حلول كثيرة لمعادلة شرودنجر الموجية؛ فالمدارات الأكبر حجمًا، كلما ابتعدنا عن النواة، تبدأ في اتخاذ أشكال أخرى غير الأغلفة الكروية (شكل ?-?). شكل ?-?: المدارات s، وp، وd، وf.
والآن لنفكِّر في الصورة الأوسع نطاقًا في شأن نظرية الكم وميكانيكا الكم والجدول الدوري. كما رأينا في الفصل السابع، فإن إدخال بور في الأصل للمفهوم الكمي في دراسة البنية الذرية كان قد تم على أساس ذرة الهيدروجين، ولكن في نفس مجموعة أبحاثه الأصلية بدأ في شرح تكوين الجدول الدوري، بافتراض أن طبيعة الكم في الطاقة تحدث أيضًا في كثيرٍ من الذرات المتعددة الإلكترونات. وما تم تبعًا لذلك من إدخالٍ لثلاثة أعداد كمية أخرى، إضافةً إلى العدد الكمي الأول لبور، كان أيضًا بغرض شرحٍ أفضل للجدول الدوري. وحتى قبل دخول بور في خضم مفاهيم الكم، كان رائدُ علم الفيزياء الذرية في زمانه؛ جيه جيه طومسون، قد بدأ بالتأمُّل في ترتيبات الإلكترونات في الذرات المختلفة، تلك الذرات التي تشكِّل الجدول الدوري.
وهكذا عمل الجدول الدوري كأساس اختباري لنظريات الفيزياء الذرية، ولكثير من الجوانب المبكرة لنظرية الكم وميكانيكا الكم التي تبعتها. والموقفُ الحالي اليومَ هو أن الكيمياء، ولا سيما الجدول الدوري، تُعتبَر مُفسَّرة تمامًا من قِبَل ميكانيكا الكم. وحتى لو كان هذا غير صحيح تمامًا، فإن الدور التفسيري الذي تستمر تلك النظريةُ في لعبه لا يمكن إنكاره. ولكن ما يبدو منسيًّا في مناخ الاختزالية السائد هو أن الجدول الدوري أدَّى إلى نشوء الكثير من أوجه ميكانيكا الكم الحديثة وتطوُّرها؛ ومن ثَمَّ فإن مِن قِصَر النظر أن يصرَّ البعض على أن ميكانيكا الكم تفسِّر فقط الجدول الدوري.

الفصل التاسع
الخيمياء الحديثة: من عناصر ناقصة إلى عناصر تخليقية


يتألف الجدول الدوري من نحو ?? عنصرًا موجودًا في الطبيعة، انتهاءً بالعنصر ??، وهو اليورانيوم. وأقول نحو ?? لأن هناك عنصرًا أو اثنين، مثل التكنيشيوم، تم إنتاجهما اصطناعيًّا في بادئ الأمر، ثم تَبيَّنَ فيما بعدُ وجودهما في الأرض بشكل طبيعي.
وقد نجح الكيميائيون والفيزيائيون في تخليق بعض العناصر التي كانت ناقصة ومفقودة فيما بين الهيدروجين (?) واليورانيوم (??). وفضلًا عن هذا، قاموا بتخليق نحو ?? عنصرًا آخَر جديدًا فيما يلي اليورانيوم، وإن كان قد تبيَّن فيما بعدُ مجدَّدًا وجود عنصر أو اثنين من تلك العناصر، مثل النبتونيوم والبلوتونيوم، في الطبيعة بكميات ضئيلة للغاية.
وفي وقت كتابتي لهذه السطور، يُعتبَر أثقل عنصر تقوم عليه أدلةٌ تجريبية جيدة هو العنصر ???. كما كان قد تم بنجاح تخليقُ جميع العناصر الأخرى التي بين العنصرين ?? و???، وفيها العنصر ??? الذي أُعلِن عنه في أبريل عام ????.
وقد تضمَّنت عمليةُ تخليق الكثير من العناصر البدءَ بنواة ذرة معينة، وقذفها بجسيمات صغيرة بهدف زيادة العدد الذري؛ ومن ثَمَّ تغيير هوية النواة المستخدَمة. وفي زمن أحدث من هذا تغيَّرت طريقةُ التخليق لتتضمَّن تصادُمَ أنوية ذراتٍ أوزانُها كبيرةٌ، ولكن أيضًا بهدف تكوين نواة أكبر وأثقل.
بصورةٍ جوهريةٍ ما، انحدرت جميع العمليات التخليقية الاصطناعية هذه من تجربة حاسمة مهمة أجراها رذرفورد وسودي عام ???? بجامعة مانشستر. ما فعله رذرفورد وزملاؤه هو قذف أنوية ذرات النيتروجين بدقائق ألفا (أيونات الهيليوم)، ونتج عن ذلك أن نواة الهيدروجين تحوَّلَتْ إلى نواة عنصر آخَر. كما نتج عن هذا التفاعلِ نظيرٌ للأكسجين، وإن كان العالمان لم يدركا هذا في بادئ الأمر؛ وبهذا حقَّق رذرفورد أولَ عملية تحويل لعنصرٍ ما إلى عنصر مختلف تمامًا. تحوَّل حلم الخيميائيين القدماء إلى واقع، واستمرَّتْ هذه العملية العامة في إنتاج عناصر جديدة حتى وقتنا هذا.
إلا أن هذا التفاعل بالذات لم يُنتِج عنصرًا جديدًا تمامًا بمعنى الكلمة، وإنما مجرد نظير لعنصر موجود بالفعل؛ فقد استخدم رذرفورد دقائقَ ألفا الناتجة عن التحلُّل الإشعاعي لأنوية ذراتٍ غير مستقرة كاليورانيوم، وسرعان ما تبيَّن إمكانية إجراء عمليات مشابِهة لتحويل العناصر باستخدام ذرات مستهدفة غير النيتروجين، ولكنها لا تتعدَّى عنصرَ الكالسيوم الذي عدده الذري ??. فإذا أراد العلماء تحويلًا لأنوية ذرات أثقل، فهذا يتطلَّب قذائف أكثر نشاطًا من دقائق ألفا التي يتم إنتاجها بصورة طبيعية.
وقد تغيَّر هذا الموقف في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، إثر ظهور السيكلوترون (المعجل الحلقي للدقائق الذرية)، الذي اخترعه إرنست لورنس بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي الأمريكية. فهذا الجهاز جعل من الممكن تسريع دقائق ألفا أكثر بمئات بل آلاف المرات من السرعة الحاصلة باستخدام دقائق ألفا المنتجة طبيعيًّا. وفضلًا عن هذا، اكتُشِف نوعٌ آخَر من الدقائق القاذفة هو النيوترون في عام ????، متمتعًا بميزة إضافية تتمثَّل في أن شحنته الكهربية صفر؛ أيْ إنه متعادِل الشحنة، بما يعني أن بإمكانه اختراق الذرة المستهدفة دون أن يعاني أي تنافر أو إعاقة من قِبَل البروتونات الموجبة الشحنة التي في داخل النواة.
العناصر الناقصة

في منتصف عقد الثلاثينيات من القرن العشرين بقيت أربع ثغرات وجب ملؤها في الجدول الدوري الذي كان موجودًا وقتئذٍ، وتتكون هذه الثغرات من عناصر أعدادها الذرية ?? و?? و?? و??. ومما يستحق الذكر أن وجود ثلاثة من هذه العناصر كان قد تنبَّأ به مندليف بشكل واضح قبلها بسنوات كثيرة، وأعطاها أسماءً من عنده؛ هي: إيكا-منجنيز (??)، وإيكا-يود (??)، وإيكا-سيزيوم (??). وقد اكتُشِفت ثلاثة من هذه العناصر الأربعة الناقصة نتيجةً لتخليقها اصطناعيًّا في القرن العشرين.
في عام ???? أُجرِيت تجارب لدى وحدة السيكلوترون في بيركلي بالولايات المتحدة، وفيها تم قذف هدف من عنصر الموليبدينوم بقذائف الديوتيريوم (وهي نظائر للهيدروجين كتلتُها ضعفا كتلة النظير الأكثر وفرةً). وقد أخذ أحد الباحثين — ويُدعَى إيميليو سيجري، وهو زميل ما بعد الدكتوراه وصقلي إيطالي — الألواحَ التي تم تعريض ما فيها للإشعاع معه عائدًا إلى وطنه الأصلي. وفي باليرمو، قام سيجري وبيرييه بتحليل الألواح واستطاعَا التأكُّد من تكون عنصر جديد عدده الذري ??، سمَّياه بعدها التكنيشيوم.
كان هذا هو أول عنصر جديد تمامًا يتم الحصول عليه بعملية تحويل العناصر، وذلك بعد مرور ?? عامًا من تجربة رذرفورد الكلاسيكية التي أظهرتْ هذه الاحتمالية. وقد اكتُشِف بعد ذلك وجود آثار من هذا العنصر الجديد — التكنيشيوم — في الأرض بصورة طبيعية وبكميات ضئيلة للغاية.
كان العنصر ??، أو ما سمَّاه مندليف إيكا-يود، هو ثاني العناصر الناقصة التي اكتُشِفت نتيجةً للتخليق الاصطناعي. ونظرًا لأن عدده الذري ??، فكان من الممكن أن يتشكَّل إما من البولونيوم (??) وإما من البزموت (??). والبولونيوم عنصر غير مستقر ومُشِع بدرجة عالية؛ ومن ثَمَّ تَحوَّلَ الاهتمام إلى البزموت، الذي يُعَدُّ بالفعل آخِر عنصر مستقر، بينما تتحلَّل جميع العناصر التي تليه بفعل النشاط الإشعاعي. ونظرًا لأن العدد الذري للبزموت أقل مما للعنصر ?? باثنين، فمن المرجح أن يكون العامل القاذف هو دقائق ألفا مجددًا. وفي عام ???? أجرى كورسون وَماكينزي وَسيجري — الذي كان حينئذٍ قد استقر نهائيًّا في الولايات المتحدة — تجربةً في بيركلي، مثل التي ذكرنا، وحصلوا على نظير العنصر ?? وله عمر نصفي مقداره ??? ساعات. لقد سمَّوْه الأستاتين؛ من الكلمة الإغريقية أستاتوس astatos ومعناها «غير مستقر». وكان ثالث العناصر الناقصة المطلوب تخليقها هو العنصر ??، وتم هذا أيضًا بسيكلوترون بيركلي، وفي هذه المرة كان الفريق البحثي يتكوَّن من مارينسكي وجلندينين وكوريل، وشمل التفاعُل إجراءَ قذفٍ لذرات النيوديميوم بذرات الديوتيريوم. ولكي نكمل قصتنا هذه، أقول إن العنصر الرابع الناقص اكتشفتْه كيميائيةٌ فرنسية تُدعَى مارجريت بيري عام ????، وكانت قد بدأت بالعمل كمساعدة مختبر لدى مدام كوري، ولم تكن حتى حاصلة على شهادة جامعية في وقتِ اكتشافها هذا. وسمَّتِ العنصر الجديد الذي اكتشفتْه الفرنسيوم، نسبة لبلدها الأصلي. لم يتطلَّب هذا العنصر استخدامَ التخليق الاصطناعي، وإنما وُجِد أنه مجرد ناتج ثانوي لتحلُّل عنصر الأكتينيوم الطبيعي المُشِع. وكان نتاج ذلك أن رُقِّيت مارجريت إلى درجة أستاذة، وإلى منصب مديرة المعهد الرئيسي للكيمياء النووية في فرنسا.
عناصر ما بعد اليورانيوم

والآن لندرس تخليق العناصر التي بعد العناصر الأصلية (من ? إلى ??) في الجدول الدوري. ففي عام ????؛ أيْ بعد تخليق التكنيشيوم بثلاث سنوات، بدأ العالم الإيطالي إنريكو فيرمي، الذي كان يعمل في روما، بقذف عناصر مستهدفة بالنيوترونات، على أمل تخليق عناصر ما بعد اليورانيوم. وكان فيرمي يظن أنه نجح في إنتاج عنصرين منهم، فلم يلبث أن سمَّاهما الأوسونيوم (??) والهسبيريوم (??)، ولكنَّ ظنَّه هذا لم يكن في محله.
فبعد أن أعلن فيرمي عن نتائجه في خطبة تسلُّمه جائزة نوبل في نفس العام، سرعان ما تراجَعَ عن زعمه حين اضطر إلى إعداد نسخة مكتوبة من حديثه هذا. وقد ظهر التعليل لخطأ دعواه بعدها بعام، وتحديدًا في عام ???? حين اكتشف ثلاثة علماء ألمان، هم أوتو هان وَفريتز شتراسمان وَليز مايتنر، الانشطارَ النووي؛ فصار واضحًا أنه عند استخدام النيوترون في صدم نواة ذرة اليورانيوم، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي هذا إلى تحطيم النواة لتكوين نواتين متوسطتَي الحجم بدلًا من تكوين نواة أكبر حجمًا؛ فعلى سبيل المثال: يمكن أن يتكوَّن من اليورانيوم عنصرَا السيزيوم والروبيديوم بالتفاعل الانشطاري التالي:
كان فيرمي ومساعدوه يرصدون نواتج الانشطار النووي تلك، بدلًا من محاولة تكوين أنوية ذرات أثقل كما كانوا يظنون في البداية.
عناصر ما بعد اليورانيوم الحقيقية

لقد تم التعرُّف الفعلي على العنصر ?? في نهاية الأمر عام ????، على يد إدوين ماكميلان ومساعديه في بيركلي. وأُعطِي اسم النبتونيوم؛ لأنه يعقب اليورانيوم في الجدول الدوري كما يعقب كوكبُ نبتون كوكبَ أورانوس من حيث البُعْد عن الشمس. وقد اكتشف أحد الكيميائيين في ذلك الفريق البحثي، ويُدعَى فيليب أبلسون أن العنصر ?? لا يسلك سلوكًا يجعله إيكا-رينيوم، كما كان متوقَّعًا من موضعه المفترض في الجدول الدوري؛ وعلى أساس هذا الأمر ونتائج مشابهة عن العنصر ??، وهو البلوتونيوم، تقدَّم جلين سيبورج بتعديل رئيسي للجدول الدوري (انظر الفصل الأول). ونتيجة لهذا لم يَعُدْ عنصر الأكتينيوم (??) وما بعده بالتتابُع، من الفلزات الانتقالية، ولكن أصبح يُنظَر إليها كعناصر مناظِرة لمجموعة اللانثانيدات. نتيجةً لهذا لم تَعُدْ ثمة حاجة لأن يسلك عنصران مثل ?? و?? سلوكًا يجعلهما إيكا-رينيوم وإيكا-أوزميوم، بعد أن «هاجرا» إلى موضعين مختلفين في الجدول الدوري المعدل.
وقد تم تخليق العناصر الأربعة من ?? إلى ??، وهي تحديدًا البلوتونيوم والأمريسيوم والكوريوم والبركيليوم، في السنوات الباقية من عقد الأربعينيات من القرن العشرين. وأما العنصر ??، وهو الكاليفورنيوم، فقد ظهر على الساحة في عام ????. ولكن هذا التتابع من العناصر بَدَا وكأنه أوشك أن ينتهي؛ إذ كلما زاد ثقل نواة الذرة، زاد عدم استقرارها بصفة عامة. وصارت المشكلة تنحصر في الحاجة إلى تجميع ما يكفي من المادة المستهدفة، على أمل ضربها بالنيوترونات لتحويل عنصر تلك المادة إلى عنصر أثقل. وهنا تدخَّلَتِ المصادفة؛ ففي عام ???? أُجرِيت تجربةٌ لانفجار نووي حراري (واسمها الرمزي «مايك») بالقرب من جزر مارشال في المحيط الهادي، وكان من نتائجها أن تكوَّنَتْ «سيول» جارفة من النيوترونات؛ مما مكَّن من إحداث تفاعلات ما كان يمكن أن تحدث في تلك الآونة لولاها؛ فعلى سبيل المثال: يمكن قذف نظير اليورانيوم U-238 ? ?? نيوترونًا لتكوين نظير آخَر لليورانيوم هو U-253، وهذا بدوره يحدث له فقدان لسبع دقائق بيتا؛ مما ينتج عنه تكوُّن عنصر آخَر هو العنصر ??، المعروف باسم أينشتاينيوم:
كذلك العنصر ???، المسمَّى فيرميوم، تكوَّن بطريقة مماثلة كنتيجة لدفقٍ غزيرٍ من النيوترونات الناتجة عن نفس الانفجار النووي، وتم اكتشافه بتحليل التربة من جزرٍ بالمحيط الهادي قريبة من موقع الانفجار.
العناصر من ??? إلى ???

احتاج التقدُّم على طول تتابُع أنوية الذرات الأثقل إلى أسلوب مختلف تمامًا؛ نظرًا لأن التحلل الإشعاعي المنتج لدقائق بيتا لا يحدث للعناصر التي تتجاوز أعدادُها الذرية ???. واحتاج الأمر إلى الكثير من المبتكرات التكنولوجية، بما فيها استخدام المعجلات الخطية بدلًا من السيكلوترونات؛ فالمعجلات الخطية تمكِّن الباحثين من تسريع حُزَم عالية الشدة من الأيونات بطاقات محدَّدة جيدًا، وفي هذه الحالة يمكن أن تكون قذائف الجسيمات أثقل من النيوترونات ومن دقائق ألفا. وإبان الحرب الباردة لم تكن تمتلك هذه الإمكانات سوى القوتين العُظميَين، وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.
في عام ???? أُنتِج العنصر ???، وهو المندليفيوم بهذه الكيفية، باستخدام المعجل الخطي في بيركلي كما يلي:
وزادت التجميعات الممكنة لأنوية الذرات وتنوَّعت؛ فعلى سبيل المثال: أُنتِج العنصر ???، وهو الرذرفورديوم في بيركلي بالتفاعُل التالي:
وفي مدينة دوبنا في روسيا تم تخليق نظير مختلف لنفس العنصر بالتفاعُل التالي:
وهكذا، بصفة إجمالية، تم تخليق ستة عناصر من ??? إلى ??? بهذه الطريقة. وقد نشبت نزاعاتٌ ساحقة وشدٌّ وجذبٌ بشأن مزاعم أسبقية تخليق معظم هذه العناصر، وحدث هذا إلى حدٍّ ما نتيجةً لضغوط الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. واستمرت هذه النزاعات لعدة سنوات. ولكن حين تمَّ الوصول إلى العنصر ???، برزت مشكلة جديدة استلزمت اللجوء إلى وسيلة جديدة. وفي ذلك الحين دخل علماء ألمان إلى الحلبة بتأسيسهم لمعهد «بحوث الأيونات الثقيلة» ومقره مدينة دارمشتات، وقد أطلقوا على هذه التكنولوجيا الجديدة اسم «الاندماج البارد»، ولكن لا علاقةَ له بذلك النوع من الاندماج البارد الذي يتم في أنابيب الاختبار، والذي أعلن عنه الكيميائيان مارتن فليشمان وستانلي بونز في عام ????.
فالاندماج البارد الذي نحن بصدده في مجال عناصر ما بعد اليورانيوم هو تقنيةٌ تُستخدَم لجعل أنوية الذرات تتصادم فيما بينها بسرعات أبطأ ممَّا كان يجري سابقًا؛ ونتيجةً لهذا يتولَّد قدرٌ أقل من الطاقة؛ ومن ثَمَّ يقل احتمال أن تتفكَّك النواة الكبيرة بعد تكوينها وتجميعها. وقد ابتكر هذه التقنية في الأصل العالِمُ الفيزيائي السوفيتي يوري أوجانيسيان، ولكن تم تطويرها لاحقًا في ألمانيا إلى مستوًى أكثر اكتمالًا.
العنصر ??? وما بعده

في بدايات الثمانينيات من القرن العشرين تم بنجاح تخليق العناصر ??? (البوريوم)، و??? (الهاسيوم)، و??? (المايتنريوم)؛ في ألمانيا باستخدام طريقة الاندماج البارد. ولكن ظهرت بعدها عقبةٌ أخرى في الطريق؛ إذ حلَّتْ فترةٌ من التقلُّبات السياسية حدث من خلالها سقوط حائط برلين في ألمانيا وتفكُّك الاتحاد السوفيتي. ولكن بعدها تم تجريب الكثير من الأفكار والتقنيات الجديدة، أثناء فترة التعاون بين الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا التي حلت محل الاتحاد السوفيتي. وفي عام ????، بعد عشر سنوات من الركود، أعلن المختبر الألماني في دارمشتات عن تخليق العنصر ??? المتكون من تصادم أيونات الرصاص والنيكل كالآتي:
وقيس العمر النصفي للنظير الناتج فكان ??? ميكرو ثانية فحسب، وأطلق الألمان على عنصرهم الجديد اسم الدارمشتاتيوم. ولا عجب هنا، فقد كان هذا على غرار تسمية عنصرَي البركيليوم والدوبنيوم من قِبَل الفريقَيْن الأمريكي والروسي على الترتيب. وبعد ذلك بشهر حصل الألمان على العنصر ???، الذي صار يُعرَف بعدها باسم الرونتجينيوم؛ نسبةً إلى رونتجين مكتشِف الأشعة السينية. ثم شهد فبراير عام ???? تخليقَ العنصر التالي في ذلك التتابُع، وهو العنصر رقم ???، الذي سُمِّي رسميًّا في عام ???? باسم الكوبرنيكيوم، ولا يزال يُعَدُّ أثقل عنصر مُسمَّى رسميًّا حتى وقت كتابة هذه السطور.
العناصر من ??? إلى ???

منذ عام ????، نُشِرت مطالبات عدة بتخليق العناصر من ??? وصولًا إلى ???، وآخِر ما تم تخليقه فعليًّا منها كان العنصر ???، وذلك في عام ????. وهذا الموقف يمكن تفهُّمه جيدًا إذا عرفنا أن أنوية الذرات، التي عدد بروتوناتها فردي، دائمًا ما تكون غير مستقرة بدرجةٍ تَفُوق تلك التي عدد بروتوناتها زوجي. وهذا الاختلاف في الاستقرار يحدث لأن البروتونات، مثل الإلكترونات، تقوم بحركة نصف دائرية، وتدخل في مداراتٍ للطاقة اثنين اثنين في حركات دورانية عكسية. ويترتب على هذا أن البروتونات التي أعدادها زوجية، كثيرًا ما يكون إجمالي حركاتها الدورانية صفرًا؛ ومن ثَمَّ تكون أنويتها أكثرَ استقرارًا من أنوية الذرات التي أعداد بروتوناتها فردية، والتي تكون محصلة حركاتها الدورانية فوق الصفر كما هو الحال في العنصرين ??? و???.
وقد كان تخليق العنصر ??? أمرًا متوقَّعًا بدرجة كبيرة؛ إذ كان العلماء قد تنبَّئُوا لفترةٍ ما أنه سيمثِّل ما سمَّوْه «جزيرة الاستقرار»؛ بمعنى أن يكون جزءًا من قائمة من أنوية الذرات التي تتميَّز بدرجة استقرار عالية. وكان أول مَن افترض وجود العنصر ??? هو مختبر دوبنا الروسي في أواخر عام ????، ولكن لم يتم إنتاجه فعليًّا إلا بتجارب أُجرِيت فيما بعدُ، في عام ????، شملت صدْمَ هدفٍ من البلوتونيوم بأيونات الكالسيوم-??. وقد تمكَّنَ مختبرَا بيركلي ودارمشتات مؤخرًا من إثبات هذا الاكتشاف. وفي وقت كتابتي لهذه السطور أُعلِن عن ?? عملية تحلُّل إشعاعي نتج عنها العنصر ???، ومنها ?? حدثت من تحلُّل أنوية ذرات أثقل، مثل ??? و???. كما عُرِف أن أطول نظائر العنصر ??? عمرًا، كتلتُه الذرية ???، وعمره النصفي نحو ?.? ثانية، بما يتفق مع التنبؤات التي قالت إن هذا العنصر يُظهِر استقرارًا كبيرًا.
وفي ?? ديسمبر عام ???? نشر مختبر دوبنا، متضامِنًا مع مختبر ليفرمور، بحثًا مشتركًا، يفترض أن العنصر ??? تَكوَّن نتيجةً للتفاعُل التالي:
وبعد عدة محاولات فاشلة لإعادة الحصول على هذه النتيجة في اليابان وفرنسا وألمانيا، سُحِب هذا الافتراض رسميًّا في يوليو ????، وتبع ذلك الكثير من الجدل، ونتج عنه فصل أحد كبار أعضاء الفريق البحثي، الذي نشر الزعم الأصلي.
وبعد هذا ببضعة أعوام، أعلن مختبر دوبنا عن افتراضات جديدة، وأتبعها مختبر لورنس-ليفرمور في كاليفورنيا في عام ???? بافتراضات إضافية. وبصفة إجمالية أصدر العلماء الأمريكيون والروس افتراضًا أقوى بأنهم اكتشفوا أربع عمليات تحلُّل أخرى تُنتِج العنصر ??? من خلال التفاعل الآتي:
والباحثون على درجة عالية من الثقة بأن النتائج مُرْضِية؛ حيث إن احتمال أن تكون هذه الكشوف مجرد أحداث عشوائية قُدِّر بأنه أقل من واحد من ??? ألف، ومن نافلة القول أنه لم تُجرَ أي تجارب كيميائية حتى الآن على هذا العنصر؛ نظرًا لقلة الذرات الناتجة والقِصَر الشديد في أعمارها النصفية بما يقلُّ عن ملِّي ثانية واحدة.
وفي عام ???? تمَّ تخليق وتحديد عنصر أشد في عدم استقراره، وهو رقم ???، وذلك على يد فريق كبير من الباحثين العاملين بمختبر دوبنا الروسي، فضلًا عن عدد من المختبرات في الولايات المتحدة. وقد وصل الجدول الدوري إلى نقطة تثير الاهتمام؛ وهي أن جميع العناصر ا? ??? إما أنها توجد في الطبيعة وإما أنها تم تخليقها اصطناعيًّا في تجارب خاصة. هذا يتضمَّن ?? عنصرًا مهمًّا مما بعد عنصر اليورانيوم الذي اعتُبِر في السابق آخِر العناصر الموجودة بصفة طبيعية. وفي وقت كتابتي لهذه السطور تُوضَع خططٌ في محاولةٍ لتخليق عناصر أثقل من هذا مثل ??? و???. ولا يوجد ما يفرض علينا الاعتقاد بوجود نهاية فورية لتتابُع العناصر التي يمكن تكوينها.
كيميائية العناصر التخليقية

يثير وجود العناصر فوق الثقيلة تساؤلًا جديدًا مهمًّا وتحدِّيًا أيضًا للجدول الدوري، كما يتيح نقطةَ تلاقٍ جديدة جذَّابة لوضع التنبُّؤات النظرية في مقابل النتائج التجريبية؛ فالحسابات النظرية تفترض أن تأثيرات صفة «النسبية» (أي المتعلِّقة بالنظرية النسبية) تزداد أهميتُها باطراد كلما زادت الشحنة النووية للذرات؛ فعلى سبيل المثال: اللون المميز للذهب مع تواضُع عدده الذري إلى حدٍّ ما، وهو ??، يُفسَّر الآن بالاحتكام إلى النظرية النسبية لأينشتاين. فكلما زادت الشحنة النووية، زادت سرعة حركات إلكترونات الغلاف الداخلي للذرة، ونتيجةً لاكتساب تلك الإلكترونات الداخلية سرعاتٍ مرتفعةً «نسبيًّا»، فإنها تُسحَب للداخل مقترِبةً أكثر من النواة، ويكون هذا بدوره السببَ في زيادة حجب الإلكترونات الخارجية التي تحدِّد الخواص الكيميائية لأي عنصر معين. وقد تنبَّأ بعض العلماء بأن بعض ذرات العناصر ستسلك كيميائيًّا بطريقة غير متوقَّعة لا تناسب مواضعها المفترضة في الجدول الدوري.
ومن ثَمَّ تمثِّل التأثيراتُ المعزوَّة للنظرية النسبية آخِرَ التحديات لاختبار عمومية الجدول الدوري وشموليته. وقد نشر باحثون مختلفون تلك التنبؤات النظرية على مدى سنوات كثيرة، ولكن لم يصل الموقف إلى ذروته إلا بعد إجراء الفحص الكيميائي للعنصرين ??? و???، وهما الرذرفوريوم والدوبنيوم؛ فقد تَبيَّنَ أن السلوك الكيميائي لهذين العنصرين مختلفٌ إلى حدٍّ ما في الحقيقة عمَّا يتوقَّعه المرء بالبديهة من خلال موضعَيْهما في الجدول الدوري؛ حيث إن عنصرَي الرذرفورديوم والدوبنيوم لم يسلكَا على ما يبدو سلوكَ الهافنيوم والتانتالوم، على الترتيب، كما كان يجب أن يكون.
شكل ?-?: جزء مُقتطَع من الجدول الدوري، يُظهِر المجموعات من ? إلى ?? بما فيها من العناصر.
فعلى سبيل المثال: في عام ????، أعلن العالم كيه آر تشيرفينسكي أن السلوك الكيميائي للعنصر ???، وهو الرذرفورديوم، يختلف عمَّا يخص كلًّا من الزيركونيوم والهافنيوم، وهما العنصران الواقعان فوقه في الجدول الدوري. كما أشار تشيرفينسكي في نفس الوقت إلى أن كيميائية الرذرفوريوم تشبه كيميائيةَ عنصرِ البلوتونيوم الذي يقع بعيدًا جدًّا عنه في ذلك الجدول. وأما عن الدوبنيوم، فقد أظهرتِ الدراساتُ الأولية أنه هو أيضًا لا يسلك سلوكَ العنصر الواقع فوقه، وهو التانتالوم (شكل ?-?)؛ ولكن خلافًا لهذا، لُوحِظتْ أوجه شبه أكبر بينه وبين عنصر البروتاكتينيوم (الذي يقع في مجموعة الأكتينيدات). وفي تجارب أخرى، كان عنصرَا الرذرفورديوم والدوبنيوم، على ما يبدو، يسلكان سلوكًا أشبه بسلوك عنصرين يقعان فوق عنصرَي الهافنيوم والتانتالوم، وهما تحديدًا الزيركونيوم والنيوبيوم. هذا، ولم يتمكَّن الجدول الدوري من استعادةِ ما يجب أن يتمتَّع به من استتباب السلوك الدوري المتوقَّع والمفترض إلا بعد أن فُحِصت كيميائية العنصرَيْن التاليَيْن، وهما السيبورجيوم (???) والبوريوم (???). ونُشِرت مقالات علمية بعدها لتعلن عن هذه الاكتشافات بعناوين تتحدَّث عن نفسها، وكان منها ما معناه «السيبورجيوم العادي بشكل غير عادي» و«البوريوم الممل»، ويشير هذان العنوانان إلى استعادة الوضع المستقر العادي للجدول الدوري. وعلى الرغم من أنه كان من الأجدر حتى التحدُّث أكثر عن تأثيرات النظرية النسبية فيما يتعلَّق بهذين العنصرين، فإن السلوك الكيميائي المتوقَّع يبدو أنه أكثر أهميةً من ذلك.
ويمكن تبيُّن حقيقة أن البوريوم يسلك كعضوٍ أصيل في المجموعة ? من البرهان التالي الذي طرحتُه. هذا الأسلوب يمثِّل أيضًا نوعًا من «الدائرة المكتملة»؛ إذ إنه يشمل ثلاثيةً من العناصر. وقد يتذكَّر القارئ من الفصل الثالث أن اكتشاف الثلاثيات كان أول تلميح على الإطلاق لوجود انتظام عددي فيما يتعلَّق بخواص العناصر ضمن مجموعة عامة. وفيما يلي أعرِضُ قِيَمَ حرارة التسامي التي تخص المركبات المتناظرة لعناصر التكنيشيوم والرينيوم والبوريوم المتكونة مع الأكسجين والكلور (أيْ قياسات الطاقة اللازمة لتحويل مادةٍ صلبةٍ مباشرة إلى غازٍ).
جدول ?-?: قياسات طاقة التسامي الخاصة بثلاثة عناصر في المجموعة ?، وتُظهِر أن العنصر ??? هو عضو أصيل في هذه المجموعة.TcO3Cl=?? كيلوجول/مولReO3Cl=?? كيلوجول/مولBhO3Cl=?? كيلوجول/مول
وجديرٌ بالذكر أن التنبُّؤ بالقيمة الخاصة بمركب Bho3Cl باستخدام طريقة الثلاثيات يعطي مقدار ?? كيلوجول/مول، بنسبة خطأ تُقدَّر ? ???? فقط مقارَنةً بالقيمة التجريبية المذكورة أعلاه، وقدرها ?? كيلوجول/مول، وهذه الحقيقة تمنح دعمًا إضافيًّا لفكرة أن البوريوم يعمل كعنصر أصيل في المجموعة ?. شكل : المجموعة ?.
ويصير التحدي الذي يجابه القانون الدوري من قبل تأثيرات النظرية النسبية أكثرَ شدةً في حالة العنصر رقم ???، وهو الكوبرنيكيوم، الذي يُعتبَر أحدث عنصر أُجرِيت عليه تجاربُ كيميائية. فمجددًا، أشارتْ حسابات النسبية إلى وجود سلوك كيميائي معدل لهذا العنصر، لدرجة أنه كان من المعتقَد أنه يسلك سلوكًا أشبه بأحد الغازات النبيلة، وليس سلوكًا أشبه بالزئبق الذي يقع هو تحته في الجدول الدوري. ثم أظهرتِ التجارب التي أُجرِيت — فيما يتعلَّق بقِيَم حرارة التسامي التي تخص العنصر ??? — أن هذا العنصر، خلافًا للتوقُّعات السابقة، ينتمي بالفعل إلى المجموعة ?? مع الزنك والكادميوم والزئبق.
قدَّمَ العنصر ??? قصةً مشابهة بحسابات وتجارب سابقة أوحَتْ بأنه يسلك سلوكًا أشبه بغاز نبيل، إلا أن التجارب الأكثر حداثةً دعَّمَتْ فكرة أن هذا العنصر يسلك سلوكًا أشبه بفلز الرصاص كما يُتوقَّع من موضعه في المجموعة ??. ويُستنتَج في النهاية أن صفة الدورية الكيميائية هي ظاهرة راسخة بدرجة كبيرة، وحتى تأثيراتُ النسبية القوية الناتجة عن التحركات السريعة للإلكترونات، لا يبدو أنها قادرةٌ على أن تطيح باكتشاف علمي بسيط حدث منذ نحو ??? عامًا مضت.

الفصل العاشر
أنماط الجدول الدوري


لقد قيل الكثير عن الجدول الدوري في الفصول السابقة، ولكنَّ هناك جانبًا مهمًّا لم أتحدَّث عنه حتى الآن، ويتعلَّق بالأسئلة التالية: لماذا نُشِرت جداول دورية كثيرة؟ ولماذا يُروَّج للكثير منها حاليًّا في الكتب والمقالات وعلى الإنترنت؟ وهل يوجد ما يُسمَّى الجدول الدوري «المثالي»؟ وهل حتى هذا السؤال يُعتبَر منطقيًّا وفعَّالًا؟ وإذا كان كذلك، فماذا تَحقَّقَ من تقدُّمٍ نحو تحديد هذا الجدول المثالي والتوصُّل إليه؟
في كتابٍ جامع عن تاريخ الجدول الدوري، أدرج إدوارد مازورس أشكالًا توضيحية، فضلًا عن مراجع علمية، لنحو ??? من الجداول الدورية التي نُشِرت منذ تشكيل أول جدول دوري في عقد الستينيات من القرن التاسع عشر. وفي خلال الأربعين عامًا — تقريبًا — التي انصرمت منذ نشر كتاب مازورس، ظهر ما لا يقل عن ??? جدول آخَر، لا سيما لو ذكرنا نُظمًا جديدة دورية تمَّ بثُّها على الإنترنت. وإن تلك الحقيقة بالذات القائلة بوجود الكثير جدًّا من الجداول الدورية هي أمر يحتاج لتفسير، وبالطبع، فإن الكثير من هذه الجداول لا يقدِّم جديدًا، بل إن بعضها غير سليم من الناحية العلمية، ولكن حتى لو حذفنا هذه الجداول المضلِّلة، فسيبقى مع ذلك عددٌ كبير جدًّا من الجداول.
في الفصل الأول، رأينا أن هناك ثلاثةَ أنماطٍ أو أشكالٍ أساسية من الجداول الدورية: النمط القصير، والنمط المتوسط الطول، والنمط الطويل. والأنماط الثلاثة جميعها توصل لدرجةٍ كبيرة نفسَ المعلومات، على الرغم من أنه — كما لُوحِظ — يتم بالفعل التعامُل مع تصنيف العناصر، التي لديها نفس التكافؤ، بطريقةٍ مختلفة في كلٍّ من هذه الأنماط. وفضلًا عن هذا، توجد جداول دورية لا تبدو كجداول بالمعنى الحرفي للجدول ذي الشكل المستطيل التقليدي. وتوجد صورة مهمة من هذا النوع، وتشمل منظوماتٍ دوريةً لها أشكالٌ دائرية وبيضاوية، تفيد في إبراز فكرةِ تواصليةِ العناصر وتتابُعها بطريقةٍ ربما كانت أفضل ممَّا تفعله الأنماطُ المستطيلة العادية؛ ففي المنظومات الدائرية أو البيضاوية لا توجد انقطاعات في اتصال العناصر وتتابُعها عند نهايات الدورات كما يحدث في الأشكال المستطيلة بين عنصرَي النيون والصوديوم، أو بين الأرجون والبوتاسيوم على سبيل المثال. ولكن من ميزات الأنماط المستطيلة أن أطوال الدورات تتفاوت بوضوح، بعكس ما يحدث للدورات في الأشكال الدائرية التي تشبه الساعة؛ ونتيجةً لهذا وجب على مَن يصمِّم جدولًا دوريًّا دائريًّا أن يدمج فيه بطريقةٍ ما الدوراتِ الأكثرَ طولًا، التي تشتمل على عناصر انتقالية. وأذكر على سبيل المثال «جدول بنفي» (شكل ??-?)، الذي يحقِّق هذا باستخدام نتوءات لتستوعب الفلزات الانتقالية التي تبرز إلى خارج المنظومة الدائرية الرئيسية. وكذلك توجد جداول دورية ثلاثية الأبعاد، مثل الجدول الذي صمَّمه فرناندو دوفور من مونتريال بكندا (شكل ??-?). شكل ??-?: منظومة «بنفي» الدورية.
شكل ??-?: شجرة دوفور الدورية.
ولكنني سأفترض أن كل هذه الأنماط المتنوعة تتعلَّق فقط بتغيير شكل المنظومة الدورية، ولا يوجد فارق جوهري بينها. إن ما يشكِّل اختلافًا رئيسيًّا هو وضع عنصر أو أكثر في مجموعة تختلف عمَّا تُوضَع فيه عادةً في الجدول التقليدي. ولكن قبل أن أشرع في معالجة هذه النقطة، دَعْني أتوقَّف برهةً لأناقش تصميم الجدول الدوري بصفة عامة.
إن الجدول الدوري يبدو فكرة بسيطة على خلاف الحقيقة، وهذا ما يدعو العلماءُ الهواةَ ليجرِّبوا أنفسهم في استحداث أنواع جديدة، كثيرًا ما يقولون إنها تفوق جميع المنظومات التي نُشِرت سابقًا. وفضلًا عن هذا يوجد عددٌ من الحالات التي أنجَزَ فيها الهواةُ أو الدخلاءُ على مجالَي الكيمياء والفيزياء إسهاماتٍ كبيرةً حقًّا؛ فعلى سبيل المثال: كان أنطون فان دن بروك، الذي ذكرناه في الفصل السادس، عالِمًا اقتصاديًّا أدرك فكرةَ العدد الذري، وهي فكرة استحدثها ونُشِرت في مقالات عدة في مجلات مشهورة مثل مجلة «نيتشر». وهناك مثال آخَر هو شارل جانيه، المهندس الفرنسي الذي نشر في عام ???? أولَ نوع معروف من المنظومة الدورية، وهو المُدرَّج من اليسار، والذي لا يزال يحظى بالكثير من الاهتمام بين هواة الجدول الدوري، علاوةً على خبرائه (شكل ??-?). والآن، ماذا عن السؤال الآخَر الذي طرحْتُه سلفًا؟ هل من المنطقي أن ننشد جدولًا دوريًّا مثاليًّا، أم هل الهواةُ يخدعون أنفسَهم جنبًا إلى جنب مع الخبراء الذين يكرِّسون الوقتَ لهذا السؤال؟ في اعتقادي، يكمن الجواب عن هذا السؤال في مواقفنا الفلسفية حيال المنظومة الدورية؛ فإذا اعتقد المرء أن التكرار التقريبي في خواص العناصر هو حقيقةٌ موضوعية تتعلَّق بالعالَم الطبيعي، يكون المرءُ حينئذٍ متَّخِذًا موقفَ الواقعيين؛ فبالنسبة إليه، يكون السؤال المتعلِّق بالتماس جدول دوري مثالي متَّسِمًا بالمعقولية التامة. فالجدول الدوري المثالي هو الجدول الذي يمثِّل حقائقَ الشيء أو الموضوع المتعلِّق بصفة الدورية الكيميائية بأفضل صورة، حتى إن كان هذا الجدول المثالي لم يُكتشَف حتى الآن على الأرجح.
شكل ??-?: الجدول الدوري المُدرَّج من اليسار لشارل جانيه.
من ناحية أخرى، قد يعتقد المولع بالذرائعية أو المناهِض للواقعية، فيما يتعلَّق بالجدول الدوري، أن صفة الدورية في العناصر هي خاصيةٌ أُقحِمت على الطبيعة من طرف البشر؛ ولو كان هذا صحيحًا، لَمَا كانت هناك رغبةٌ قوية لاكتشاف الجدول الدوري المثالي؛ إذ لن يكون له وجود مطلقًا. فبالنسبة إلى ذلك الشخص التقليدي أو المناهِض للواقعية، لا يهمه أين تُوضَع العناصر بالضبط في الجدول الدوري؛ لأنه يعتقد أن ذلك الجدول الذي نتعامل معه هو مجرد علاقة اصطناعية، وليست طبيعية، بين العناصر.
ولكي أُعرِبَ عن موقفي الشخصي، أقول إنني واقعيٌّ بدرجة كبيرة حين يتطرَّق الأمر إلى الجدول الدوري؛ فعلى سبيل المثال: يدهشني أن أجد الكثيرين من الكيميائيين يتَّخِذون موقفًا معاديًا للواقعيين فيما يتعلَّق بالجدول الدوري، بل إن بعض الكيميائيين إذا سُئِلوا عمَّا إذا كان عنصر الهيدروجين ينتمي إلى المجموعة ? (مجموعة الفلزات القلوية) أم المجموعة ?? (مجموعة الهالوجينات)، يردُّون قائلين إن هذا الأمر لا يهم.
هناك بعض القضايا العامة النهائية أود أن أذكرها قبل أن أعرض تفاصيلَ الجداول البديلة والجداول المثالية المحتمَلة، ومن بين تلك القضايا القضيةُ المتعلِّقة بفائدة هذا الجدول الدوري أو ذاك. يميل علماء كثيرون إلى تفضيل نوعٍ معينٍ ما أو غيره من الجداول الدورية، آمِلين أن تكون له فائدةٌ أكبر لهم في أعمالهم العلمية، سواءٌ أكانوا من الفلكيين أم الجيولوجيين أم الفيزيائيين … إلخ. هناك جداول مبنية أساسًا على مبدأ المنفعة، وتوجد أيضًا جداول أخرى تتحرَّى إعلاء «الحقيقة» فيما يختصُّ بالعناصر، سعيًا إلى تعبير أفضل مع غضِّ النظر عن فائدته لبعض صنوف العلماء. ولا حاجةَ إلى القول بأن أي سعي للحصول على جدول دوري مثالي يجب أن يتجنَّب مبدأَ المنفعة، ولا سيما إذا كانت تقتصر على فرع علمي معين واحد أو ما دون هذا الفرع. وعلاوةً على هذا، فإن الجدول الذي ينشد الحقيقةَ بخصوص العناصر، من المأمول أن تتجلى فائدته لمختلف فروع العلم، إذا نجح في اغتنام الطبيعة الحقيقية والعلاقة الحقيقية بين العناصر. ولكن هذه المنفعة تأتي كعلاوة إضافية؛ إذ ليست شيئًا يتحتَّم عليه أن يقرِّر الطريقة التي يصل بها الجدولُ المثالي إلينا.
كما أن هناك قضية مهمة أخرى تتعلق بالتناسُق الشكلي، وهي أيضًا قضية خادعة إلى حدٍّ ما؛ فالكثيرون من مؤيدي الجداول الدورية البديلة يزعمون أن جداولهم أفضل لأن العناصر ممثَّلة فيها بطريقة أكثر تناسُقًا أو انتظامًا، أو ربما أكثر اتساقًا أو جمالًا. ولقد تعرَّضَتْ مسألة التناسُق الشكلي والجمالي في العلم للكثير من الجدل، ولكن كما هو الحال في جميع القضايا الحسية الجمالية، فإن ما قد يبدو جميلًا في عين شخصٍ ما ربما لا يُعتبَر جميلًا في نظر شخص آخَر. وأيضًا يجب أن يَحْذر المرء من فرض جمال أو انتظام غير موجود فعليًّا على الطبيعة. ويبدو أن الكثيرين من مناصِري الجداول البديلة يدافعون حصريًّا عن انتظام تلك الجداول التي تضم العناصر، ناسين أحيانًا أنهم يتكلمون عن مجرد جداول تحتوي العناصرَ، وليس عن العالَم الكيميائي ذاته.
بعض الحالات الخاصة

الآن وقد ذكرنا كل هذه المبادئ الأولية، يمكننا أن نغوص معًا داخل بعض الجداول الجديدة المقترَحة، مفترِضين — بالطبع بحسب رأيي الشخصي — أنه من المنطقي أن ننشد جدولًا دوريًّا مثاليًّا. لنبدأ بالجدول الدوري ذي التدريج اليساري (أي المدرَّج من جهة اليسار)، الذي يُعَدُّ من تلك المنظومات الدورية المختلفة جوهريَّا؛ من حيث إن العناصر تُوضَع فيه في مجموعات تختلف عن التي في الجداول الأكثر تقليديةً. أول مَن ابتدع الجدول المدرَّج من اليسار هو شارل جانيه في عام ????، بعد نشوء ميكانيكا الكم بقليل. ومع ذلك، يبدو أن ابتكار جانيه هذا لا يَدِين بأي فضلٍ لميكانيكا الكم، ولكنه بُنِي بالكامل على الأسس الجمالية. ولكن سرعان ما صار واضحًا أن هناك بعض الصفات الرئيسية في الجدول المدرَّج من اليسار، التي تتفق على نحوٍ أفضل مع موقف ميكانيكا الكم من الذرات مما تفعل الجداولُ التقليدية.
بدايةً نتساءل: ما هو بالضبط الجدول المدرَّج من اليسار؟ وبماذا يختلف عن سائر الجداول الدورية؟ وللجواب أقول: يتم الحصول على الجدول المدرَّج من اليسار بنقل عنصر الهيليوم من قمة الغازات النبيلة (في المجموعة ??)، إلى قمة الغازات الأرضية القلوية (في المجموعة ?)، ثم يجري نقل المجموعتين اللتين إلى يسار هذا الجدول بكاملهما إلى حافة الجانب الأيمن لتكوين جدول جديد. وفضلًا عن هذا، فإن تلك الكتلة المكوَّنة من ?? عنصرًا، وهي العناصر الأرضية النادرة، التي تظهر عادةً كحاشية سفلية للجدول الدوري؛ يتم نقلها إلى الجانب الأيسر من الجدول الجديد. ونتيجةً لهذا النقل تصير العناصرُ الأرضية النادرة داخلةً ضمن الجدول الدوري إلى يسار كتلة الفلزات الانتقالية.
من بين مزايا الجدول الجديد حقيقةُ أن شكله العام صار أكثرَ انتظامًا وأكثرَ توحُّدًا، وعلاوةً على هذا فقد صار لدينا الآن دورتان قصيرتان جدًّا بدلًا من واحدة فحسب كما نرى في الجداول الدورية العادية. وعلى هذا، بدلًا من أن نحصل على طول دوري واحد بشكلٍ شاذٍّ ولا يتكرر، نجد في الجدول المدرَّج من اليسار جميع الأطوال الدورية تتكرَّر مرةً واحدة لتعطي تتابُعًا دوريًّا للعناصر كالآتي: ?، ?، ?، ?، ??، ??، … إلخ. ولا يتعلق أيٌّ من هذه الميزات بميكانيكا الكم، ولكنها صفات قدَّرها جانيه، دون أن يدري شيئًا عن هذه النظرية. وكما رأينا في الفصل الثامن، فإن إدخال ميكانيكا الكم إلى الجدول الدوري نتج عنه فهمٌ قائم على التوزيعات الإلكترونية. وفي هذا المنحى، تختلف العناصر في الجدول الدوري بعضها عن بعض تبعًا لنوع المدار الذي يشغله الإلكترون المميِّز (وهو آخِر إلكترون يدخل الذرة في العملية التزايدية).
في الجداول التقليدية، يقال عن العناصر الواقعة في أقصى مجموعتين إلى اليسار إنها تشكِّل الكتلة s لأن إلكتروناتها المميزة تدخل المدار s، فإذا اتجهنا نحو اليمين فإننا نصادف الكتلة d، ثم الكتلة p، وأخيرًا الكتلة f، وتلك هي آخِر كتلة تكمن أسفل الجسم الرئيسي للجدول. وهذا النظام من الكتل من اليسار إلى اليمين لا يُعتبَر الأكثرَ «طبيعيةً» ولا الأكثرَ توقُّعًا؛ إذ إنه في كل غلاف، يتبع البُعْدُ عن النواة النظامَ التالي:
ويحافظ الجدول المدرَّج من اليسار على هذا النظام، وإن كان بترتيب معكوس، ولكنَّ هناك خلافًا فيما إذا كان هذا يُعَدُّ ميزةً أم لا؛ إذ إن نظام ملء المدارات بالإلكترونات يأخذ ذلك النسق:
ذاك النسق الذي يتَّسِق تمامًا مع الجدول التقليدي ذي النمط الطويل؛ حيث تترتَّب كتلُ العناصر من اليسار إلى اليمين. وفضلًا عن هذا، فإن نظام الملء، وليس بُعْد الإلكترونات في الأنواع المختلفة من المدارات عن النواة، هو الذي ينبغي اعتباره أكثر أهميةً.
ولكن قد تكون ثمة ميزةٌ أخرى من وجهة نظر ميكانيكا الكم؛ فلا جدال بشأن حقيقة أن التوزيعَ الإلكتروني لذرة الهيليوم يُظهِر إلكترونين اثنين كلاهما في مدار 1s، وهذا من شأنه أن يجعل الهيليوم عنصرًا من الكتلة s. ولكن في الجداول الدورية التقليدية يُوضَع الهيليوم بين الغازات النبيلة بسبب خواصه الكيميائية، فهو خامل لدرجة كبيرة مثل بقية الغازات النبيلة (وهي النيون والأرجون والكريبتون والزينون والرادون). وهذا الموقف على ما يبدو يتوازى مع تلك الحالة التاريخية التي ناقشناها سابقًا عن انعكاس وضعَي التلوريوم واليود؛ حيث يتحتَّم تجاهُل الترتيب بحسب الوزن الذري من أجل الحفاظ على التشابُهات الكيميائية في الجدول. بالمثل، في حالة الهيليوم يظهر أن هناك احتمالين: (?) ليست البنية الإلكترونية هي الحكم الأخير في إسكان العناصر في مجموعات، وقد يجري الاستعاضة عنها ببعض المعايير الجديدة الجيدة بمرور الزمن (فعلى سبيل المثال: تمَّ في نهاية المطاف الاستعاضة عن الوزن الذري بالعدد الذري في ترتيب العناصر؛ ومن ثَمَّ حل مشكلة الانعكاس الزوجي).
(?) ليست لدينا بالفعل حالةٌ موازية، ولا يزال التوزيع الإلكتروني هو الفيصل، وفي هذه الحالة يجب تجاهُل صفة الخمول الكيميائي الظاهرة في عنصر الهيليوم، وتركه كما هو في الجدول الدوري.
لاحِظْ أن الخيار رقم ? يحبِّذ بالفعل الجداولَ الدورية التقليدية، بينما يحبِّذ الخيارُ رقم ? الجدولَ المدرَّج من اليسار. ومن الواضح أنه ليس سهلًا أن نقرِّر ما إذا كان الجدول المدرَّج من اليسار يمثِّل ميزة من وجهة نظر ميكانيكا الكم أم لا. دَعْني الآن أطرح فكرة أخرى وسط هذا المزيج. هل تذكر ما قيل في الفصل الرابع عن طبيعة العناصر، وكيف أن مندليف على الأخص عضَّدَ النظرة إلى العناصر بالمفهوم الأكثر تجريديةً، لا التقيُّد باعتبار العناصر موادَّ بسيطةً أو معزولةً؟ هذا الاعتماد على المدلول التجريدي للعنصر يمكن استخدامه لتبرير نقل الهيليوم إلى المجموعة الأرضية القلوية. وأما الانشغال بمسألة أن الخمول الكيميائي للهيليوم يحرمه من وضعه ضمن مجموعة العناصر الأرضية القلوية الأكثر نشاطًا، فيمكن تدارُكه بأن ننتبه إلى طبيعة العنصر ككيانٍ تجريديٍّ، بدلًا من التركيز على خواصه الكيميائية. ومع ذلك، هذا النقل معناه أن نتساءل: «لماذا لا» نضع الهيليوم ضمن العناصر الأرضية القلوية، إذا كان من الممكن تجاهُل طبيعته الكيميائية؟
معيار جديد: الحفاظ على الثلاثيات أو ابتكار ثلاثيات جديدة

قد يكون ثمة معيار أقوى وأكثر إيجابيةً (وهو التساؤل ? «لماذا نعم» بدلًا من «لماذا لا») للاستقرار على قرارٍ بشأن موضع الهيليوم، أو أي عنصر آخر في الجدول الدوري؛ وهذا المعيار الجديد يمثِّل — بدرجةٍ ما أو بأخرى — دائرةً كاملةً فيما يتعلَّق بتطوير الجدول الدوري. تذكَّرْ كيف جاء أول تلميح إلى وجود انتظام عددي بين العناصر في عام ???? باكتشاف دوبرينير لثلاثيات العناصر مثل الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم؛ حيث يكون للوزن الذري للعنصر الأوسط قيمة متوسطة بين العنصرين السابق واللاحق. ولكن ذلك المبدأ التصنيفي القائم على الوزن الذري تمَّ الاستعاضة عنه بمبدأ العدد الذري؛ فما الذي أدَّى إليه هذا التغيير فيما يختص بوجود ثلاثيات العناصر في الجدول الدوري؟ حسنًا، إذا كان أدَّى إلى أي شيء، فإنه يقوِّي هذا المفهوم بعد أن تمَّ الآن الاستعاضة عن ثلاثيات الوزن الذري التقريبية السابقة بثلاثيات العدد الذري الدقيقة. تأمَّلِ الثلاثيتَيْن الكلاسيكيتَيْن التاليتَيْن القائمتَيْن على الوزن الذري باستخدام أوزانٍ ذرية معبَّر عنها بأربعة أو خمسة أرقام:
الليثيوم?????الكلور?????الصوديوم????? (بينما المتوسط بين العنصرين السابق واللاحق ?????)البروم????? (بينما المتوسط بين العنصرين السابق واللاحق ?????)البوتاسيوم?????اليود??????
والآن: تأمَّلِ الثلاثيتَيْن المقابلتَيْن القائمتَيْن على العدد الذري:
الليثيوم?الكلور??الصوديوم??البروم??البوتاسيوم??اليود??
فبينما نجد أن الوزن الذري لكلٍّ من الصوديوم والبروم لا يقابل المتوسط الحسابي الذي نحصل عليه من وزنَي العنصرين السابق واللاحق لكلٍّ منهما، فإننا نجد أن العدد الذري لكلٍّ من الصوديوم والبروم يساوي تمامًا متوسط عددَي العنصرين السابق واللاحق لكلٍّ منهما.
والآن، ماذا لو حاولنا أن نستقر على إسكان عنصر الهيليوم في الجدول الدوري، عن طريق أخذ ثلاثيات العدد الذري في الاعتبار؟ إن نتاج تطبيق هذا الأسلوب واضحٌ وجليٌّ للغاية. فإذا تُرِك الهيليوم في مكانه المعهود بين الغازات النبيلة، فإنه يشكِّل بالفعل جزءًا من ثلاثيةٍ مثاليةٍ من الأعداد الذرية، هكذا:
الهيليوم?النيون??الأرجون??
ولكن إذا نقلنا الهيليوم إلى مجموعة العناصر الأرضية القلوية كما يحدث في الجدول المدرَّج من اليسار، نكون بهذه الكيفية قد نجحنا فقط في القضاء على ثلاثية جيدة تمامًا من الأعداد الذرية:
الهيليوم?البيريليوم?المغنسيوم??
تطبيق نفس المعيار على عناصر أخرى يصعب تسكينها في أماكن مناسبة

هناك عنصر آخَر كان — ولم يزل — يسبب مشكلات في إسكانه في الجدول الدوري، وهو أول العناصر جميعًا؛ إنه الهيدروجين H الذي ينتمي على ما يبدو، من الناحية الكيميائية، إلى المجموعة ? (مجموعة الفلزات القلوية) بسبب قدرته على تكوين أيونات أحادية الشحنة الموجبة H+. ولكن الهيدروجين ينفرد إلى حدٍّ ما بقدرته أيضًا على تكوين أيونات سالبة الشحنة H? كما في حالة هيدريدات الفلزات، مثل: هيدريد الصوديوم NaH، وهيدريد الكالسيوم CaH2 … إلخ. وهذا السلوك يدعم إسكان الهيدروجين في المجموعة ?? (مجموعة الهالوجينات) التي تكون أساسًا أيوناتٍ سالبةَ الشحنة كذلك. فكيف يمكن حل هذه الإشكالية على نحو صريح ومباشِر؟ يتجنَّب بعضُ المؤلفين هذه الإشكاليةَ بطريقة بسيطة؛ وهي جعل الهيدروجين «يطفو» في شموخ فوق الجسم الرئيسي للجدول الدوري، وكأنهم — بتعبير آخَر — يمسكون بالعصا من منتصفها دون أن يلتزموا بأيٍّ من طريقتَي التسكين المحتمَلتين المذكورتين أعلاه. لطالما بَدَا لي هذا الأمر إظهارًا ? «التميُّز كيميائيًّا»؛ فهو يشير ضمنيًّا إلى أنه في حين تخضع جميع العناصر للقانون الدوري، فإن الهيدروجين يُعَدُّ حالةً خاصة بدرجةٍ ما؛ ومن ثَمَّ يُعتبَر فوق القانون، ويشبه في هذا إلى حدٍّ كبير العائلةَ المالكة البريطانية في ماضي الزمان. ولكن ماذا عن محاولة استخدام معيار ثلاثيات العدد الذري لحل مشكلة إسكان الهيدروجين؟ كما في حالة الهيليوم، فإن استخدام هذا المنحى تنجم عنه نتيجةٌ شديدةُ الوضوح تدعم وضْعَ الهيدروجين ضمن الهالوجينات وليس ضمن الفلزات القلوية؛ ففي الجدول الدوري التقليدي، حيث يُوضَع الهيدروجين مع الفلزات القلوية، لا توجد ثلاثية مثالية، في حين إذا سُمِح للهيدروجين بأن يتربَّع على قمة الهالوجينات، فسوف تخرج ثلاثية جديدة من الأعداد الذرية إلى حيِّز الوجود.
شكل ??-?: الجدول الدوري على أساس تعظيم استخدام ثلاثيات العدد الذري.
الهيدروجين??الهيدروجين??الليثيوم?(? + ??)/? ? ?الفلور?(? + ??)/? = ?الصوديوم???الكلور???
والآن دَعْني أضم معًا النتائجَ المبنية على الثلاثيات، التي تخص عنصرَي الهيليوم والهيدروجين، فإذا اعتبرنا ثلاثيات العدد الذري شيئًا أساسيًّا، كما أُوصي، فإن الهيليوم يجب أن يبقى في المجموعة ??، بينما يجب أن يُنقَل الهيدروجين إلى المجموعة ??؛ وبهذا يتَّخِذ الجدولُ الدوري الناتجُ، الذي اقترحتُه في عددٍ من المقالات، الصورةَ المبينة في شكل ??-?. تطبيق ثلاثيات العدد الذري على المجموعة ?

هناك أيضًا جدلٌ طال أمده بين الكيميائيين ومعلِّمي الكيمياء فيما يتعلَّق بالمجموعة ? من الجدول الدوري؛ فبعض الجداول الدورية القديمة تُظهِر العناصرَ التالية في المجموعة ? على النحو الآتي:

وفي وقتٍ تالٍ لهذا، بدأَتِ الجداول الدورية المنشورة في الكثير من الكتب الأكاديمية تُظهِر المجموعةَ ? على النحو الآتي:

وذلك مع وجود براهين مبنية على توزيعات إلكترونية مفترضة؛ ففي عام ???? نشر ويليام ينسن من جامعة سنسيناتي الأمريكية مقالةً مؤثرةً، حاوَلَ فيها أن يوضِّح بشكل مُقنِع إلى حدٍّ ما أن مؤلفي الكتب الأكاديمية ومصمِّمي الجداول الدورية يجب أن يعودوا إلى إظهار المجموعة ? على النحو التالي: Lr، Lu، Y، Sc. ثم في وقتٍ تالٍ بعدها ألقى بعض المؤلفين بأنفسهم في هذا المعترك، مجادِلين ومطالِبين بالعودة إلى الوضع القديم، وهو: Ac، La، Y، Sc. فكيف تؤثِّر فكرةُ ثلاثيات العدد الذري — إن كان لها تأثيرٌ — على إشكالية المجموعة ? هذه؟ إذا وضعنا نصب أعيننا ثلاثيات العدد الذري، يكون الجواب مجددًا سريعًا وصريحًا. وأقول تحديدًا إن هذا يكون تعضيدًا لنظام ينسن لمجموعات الجدول الدوري؛ حيث تكون الثلاثيةُ الأولى التالية المذكورة أسفله صحيحةً: الإتريوم??اللوتيشيوم?? = (?? + ???)/?اللونسيوم???
وأما الثلاثية الثانية التالية فغير صحيحة:
الإتريوم??اللانثانوم?? ? (?? + ??)/? = ??الأكتينيوم??
ولكنَّ هناك سببًا آخَر جعل ترتيب ينسن هو الأفضل، وهذا لا يعتمد على أي مناصَرة لثلاثيات العدد الذري.
لو وضعنا في اعتبارنا الجدولَ الدوري ذا النمط الطويل، وحاولنا أن نُدخِل اللوتيشيوم Lu واللورنسيوم Lr، أو اللانثانوم La والأكتينيوم Ac في المجموعة ?؛ فإن الترتيب الأول فقط هو الذي يكون معقولًا؛ إذ ينتج عنه تتابُعٌ متزايد باستمرار من الأعداد الذرية. وعلى العكس من هذا، فإن إدخال اللانثانوم والأكتينيوم في المجموعة ? في الجدول ذي النمط الطويل، تنتج عنه حالتان شديدتان من الشذوذ الواضح فيما يتعلَّق بتتابُعات الأعداد الذرية المتزايدة (شكل ??-?). شكل ??-?: جدولان دوريان ذوا نمط طويل يُظهِران طريقتين مختلفتين لوضع عنصرَيْ Lu وLr، فالجدول العلوي فقط هو الذي يحافظ على التتابُع المستمِر للأعداد الذرية.
وأخيرًا، هناك في الواقع احتمالٌ ثالث، ولكنه يشمل نوعًا ما من التقسيم غير الموفق لعناصر الكتلة d كما يظهر في شكل ??-?. شكل ??-?: خيار ثالث لإظهار الجدول الدوري ذي النمط الطويل، الذي تنقسم فيه الكتلة d إلى جزأين غير منتظِمين من مجموعة واحدة وتسع مجموعات.
فعلى الرغم من أن بعض الكتب تورد جدولًا دوريًّا مرتَّبًا مثل شكل ??-?، فإن هذا التصميم لم يحظَ بشهرة كبيرة لأسباب بديهية إلى حدٍّ ما؛ فإظهار الجدول الدوري بهذه الطريقة يتطلَّب أن تقسم الكتلة d من الجدول الدوري إلى جزأين غير متكافئَيْن بدرجة كبيرة، ومنهما كتلةٌ عرضُها عنصرٌ واحد فقط، وكتلةٌ أخرى بعرض تسعة عناصر. فإذا عرفنا أن هذا السلوك لا يحدث في أي كتلة أخرى من الجدول الدوري، تَبيَّنَ لنا أن هذا الجدول المعيب هو الأبعد — مقارَنةً بالجدولين الآخَرين — من أن يعبِّر عن الترتيب الحقيقي للعناصر في الطبيعة. بالعودة إلى الهيدروجين والهيليوم، دَعْني أذكر نقطةً أخيرة؛ فمن حيث البراهين الكيميائية والفيزيائية، لا أظن أن بإمكاننا حتى الآن أن نحلَّ قضيةَ الجدول الدوري النهائي الكامل، أو نعرفَ ما إذا كان الجدول المدرج من اليسار أفضل من الجدول الذي أساسه ثلاثيات العناصر.
وفي الختام، آمُل أن يكون القارئ قد خرج من هذا الكتاب وهو يدرك أن الجدول الدوري لا يزال إلى حدٍّ كبير موضوعًا يثير الاهتمام ويخضع للتطوير. كما أنصحه بالاطِّلاع على قائمة القراءات الإضافية.

قراءات إضافية


H. Aldersey-Williams, Periodic Tales (Viking, 2011).
P. Ball, The Elements: A Very Short Introduction (Oxford University Press, 2004).
M. Gordin, A Well-Ordered Thing (Basic Books, 2004).
T. Gray, The Elements: A Visual Exploration of Every Known Atom in the Universe (Black Dog and Leventhal, 2009).
S. Kean, The Disappearing Spoon: And Other True Tales of Madness, Love, and the History of the World from the Periodic Table of the Elements (Little, Brown and Company, 2010).
E. Mazurs, Graphical Representations of the Periodic System during 100 Years (University of Alabama Press, 1974).
E. R. Scerri, The Periodic Table, Its Story and Its Significance (Oxford University Press, 2007).
E. R. Scerri, Selected Papers on the Periodic Table (Imperial College Press, 2009).
J. W. van Spronsen, The Periodic System of Chemical Elements: A History of the First Hundred Years (Elsevier, 1969).
?مواقع إلكترونية موصًى بها??

Eric Scerri’s website for history & philosophy of chemistry and the periodic table, http://ericscerri.com/.
Webelements, the leading periodic website, maintained by Mark Winter of Sheffield University, http://www.webelements.com/.
Mark Leach’s metasynthesis site. A wonderful compendium of periodic tables, http://www.meta-synthesis.com/webbook/35_pt/pt_database.php.

مصادر الصور


(1-1) From O. Benfey, ‘Precursors and Cocursors of the Mendeleev Table: The Pythagorean Spirit in Element Classification’, Bulletin for the History of Chemistry, 13-14, 60–66, 1992-1993, figure on p. 60. By permission from the publisher.
(1-2) From A–L. Lavoisier, Traite Elementaire de Chimie, Cuchet, Paris, 1789, p. 192.
(2-2) From D. I. Mendeleev, ‘Sootnoshenie svoistv s atomnym vesom elementov’, Zhurnal Russkeo Fiziko-Khimicheskoe Obshcestv, 1, 60–77, 1869, table on p. 70.
(3-1) From L. Gmelin, Handbuch der anorganischen chemie 4th ed, Heidelberg, 1843, vol 1, p. 52.
(4-1) From A. E. Beguyer De Chancourtois, ‘Vis Tellurique: Classement naturel des corps simples ou radicaux, obtenu au moyen d’un systeme de classification helicoidale et numerique’, Comptes Rendus de L’Academie, 54, 757–761, 840–843, 967–971, 1862. Redrawn in J. van Spronsen, The Periodic System of the Chemical Elements, the First One Hundred Years, Elsevier, Amsterdam, 1969, p. 99. By permission from the publisher.
(4-2) From J. A. R. Newlands, ‘On Relations among the Equivalents’, Chemical News, 7, 70–72, 1863, table on p. 71.
(4-3) From G. D. Hinrich, Programm der Atomechanik oder die Chemie eine Mechanik de Pantome, Augustus Hageboek, Iowa City, IA, 1867. As simplified by J. van Spronsen, The Periodic System of the Chemical Elements, the First One Hundred Years, Elsevier, Amsterdam, 1969. By permission from the publisher.
(4-4) From J. Lothar Meyer, Die modern theorien und ihre Bedeutung fur die chemische Statisik, Breslau (Wroclaw), 1864, p. 135.
(4-5) From J. Lothar Meyer, unpublished system of 1868.
(6-1) AIP Emilio Segrè Visual Archives, W. F. Meggers Gallery of Nobel Laureates.
(7-2) From G. N. Lewis, unpublished memorandum of March 28, 1902.
(7-3) From A. Stranges, Electrons and Valence, Texas A&M University Press, College Station, TX, 1982, p. 213. By permission from the publisher.
(7-4) From W. Langmuir, ‘Arrangement of Electrons in Atoms and Molecules’, Journal of the American Chemical Society, 41, 868–934, 1919, p. 874.
(8-1) AIP Emilio Segrè Visual Archives, Weber Collection.
(8-2) From E. Clementi, Computational Aspects of Large Chemical Systems, Lecture Notes in Chemistry, vol 19, Springer-Verlag, Berlin, 1980, p. 12. By permission from the publisher.
(8-3) From R. Chang, Physical Chemistry for the Chemical Biological Sciences, University Science Books, Sausalito, CA, 2000, p. 576. By permission from the publisher.