Advertisement

غريب الحديث لابن قتيبة 002

قَوْله: نوضع حوله من الايضاع. يُقَال: أَوضعت بعيرى مَوضِع وَاسم السّير: الْوَضع وَهُوَ سير حثيث دون الْجهد. والا يجاف مثله. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} .
وَبَلغنِي عَن الأصمعى انه قَالَ: قيل لرجل أسْرع فِي مسيره كَيفَ كَانَ مسيرك فَقَالَ: كنت آكل الوجبة وأعرس اذا أفجرت وارتحل اذا أسفرت وأسير الْوَضع وأحتت الملع فجئتكم لمسير سبع.
والملع: سير شَدِيد وَمِنْه قيل للناقة ميلع وانما احتث الملع لِأَنَّهُ يحسر وَيقطع. وَلذَلِك قيل شَرّ السّير.
وَقَوله: كنت آكل الوجبة يُرِيد: انه كَانَ يَأْكُل فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَكلَة وَاحِدَة. يُقَال: فلَان يَأْكُل الوجبة والوزمة.
وَالَّذِي يُرَاد من الحَدِيث انه أوضع فِي الْإِفَاضَة وروى عَنهُ أَيْضا انه كَانَ يَقُول: وجدنَا الافاضة هِيَ الايضاع وَكَانَ غَيره يسير على هَيئته.
وروى أُسَامَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَفَاضَ وَعَلِيهِ السكينَة وَأمرهمْ بِالسَّكِينَةِ وأوضع فِي وَادي محسر.
(2/3)

وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه كَانَ يَقُول للخارص: إِذا وجدت قوما خرفوا فِي حائطهم فَانْظُر قدر مَا ترى أَنهم يَأْكُلُون فَلَا تخرصه عَلَيْهِم. يرويهِ معمر عَن يحيى بن سعيد.
قَوْله: خرفوا فِي حائطهم أَي: نزلُوا فِيهِ أَيَّام اختراف الثَّمَرَة. يُقَال: صَاف الْقَوْم بِالْمَكَانِ وشتوا وارتبعوا وخرفوا إِذا أَقَامُوا فِيهِ هَذِه الْأَزْمِنَة. فَإِن أردْت أَنهم صَارُوا فِي هَذِه الْأَزْمِنَة قلت: أصافوا وأشتموا وأربعوا وأخرفوا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه قَالَ: إِذا أجريت المَاء على المَاء جزى عَنْك. يرويهِ حَمَّاد عَن أَبى حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة.
قَوْله: إِذا أجريت المَاء على المَاء يُرِيد: إِذا صببت المَاء على الْبَوْل فِي الأَرْض جزى المَاء عَنْك فقد طهر الْمَكَان. وَلَا حَاجَة بك إِلَى غسل ذَلِك الْموضع ونشف المَاء بِخرقَة أَو غَيرهَا كَمَا يفعل كثير من النَّاس. وَالْأَصْل فِي هَذَا حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أَمر بصب المَاء على بَوْل الأعرابى فِي الْمَسْجِد وَلم يَأْمر يغسل الْمَكَان ونشف المَاء.
قَوْله: جزى عَنْك أَي: قضى عَنْك وأغنى من قَول الله جلّ وَعز: {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} .
(2/4)

فَإِن أدخلت الْألف قلت: أجزأك وهمزت وَمَعْنَاهُ: كَفاك. تَقول: أجزأني الشَّيْء يجزئني أَي: كفاني.
وحَدثني أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قيل لأبى هِلَال: مَا كَانَ الْحسن يَقُول فِي كَذَا. فَقَالَ: كَانَ يَقُول: أَنى فعلت ذَلِك جزى عَنْك.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه قَالَ: لَا يعْطى من الْمَغَانِم شَيْء حَتَّى تقسم الا لراع أَو دَلِيل غير موليه.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عمر بن أَبى إِسْحَق عَن ابْن جريج عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده.
الرَّاعِي هَاهُنَا عين الْقَوْم على الْعَدو وانما قيل لَهُ لِأَنَّهُ يرْعَى الْقَوْم أَي: يحفظهم ويرقبهم. وَمِنْه قيل: راعيت فلَانا اذا تأملته وَقَالَ النَّابِغَة: من الطَّوِيل ... رَأَيْتُك ترعاني بِعَين بَصِيرَة ... وتبعث أحراسا عَليّ وناظرا ...
أَي: ترقبني.
وَقَوله: غير موليه أَي: غير معطية شَيْئا لَا يسْتَحقّهُ وكل من أَعْطيته ابْتِدَاء غير مُكَافَأَة فقد أوليته. وَمِنْه قيل: الله يبلي ويولي. فَإِذا أَنْت كافأته على شء كَانَ مِنْهُ فقد أثْبته وأجرته. وَالثَّوَاب من الله وَالْأَجْر. إِنَّمَا هما الْجَزَاء على الْعَمَل. وَفِي هَذَا
(2/5)

الحَدِيث قلت: يَا موليه فَقَالَ: محابية. والتفسيران شَيْء وَاحِد.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن نادبته قَالَت: واعمراء. أَقَامَ الأود وشفى الْعمد. فَقَالَ عَليّ: أما وَالله مَا قالته وَلكنهَا قولته.
حَدَّثَنِيهِ أَبى عَن شيخ لَهُ عَن ابْن دأب اللَّيْثِيّ. وَرَوَاهُ أَبُو غزيَّة مُحَمَّد بن مُوسَى بن مِسْكين باسناد يتَّصل بالمغيرة بن شُعْبَة.
الْعمد ورم يكون فِي الظّهْر ودبر. يُقَال: عمد الْبَعِير يعمد عمدا.
وَأما قَول عَليّ: مَا قالته وَلكنهَا قولته. فَإِنَّهُ أَرَادَ: مَا هِيَ قالته وَلكنهَا ألقِي على لسانها كَأَن الله جلّ وَعز أَلْقَاهُ عَلَيْهِ. يُقَال: أقولت فلَانا كَذَا وَكَذَا وقولته اذا لقنته الشَّيْء فقاله.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه قَالَ: من النَّاس من يُقَاتل رِيَاء وَسُمْعَة. وَمِنْهُم من يُقَاتل وَهُوَ يَنْوِي الدُّنْيَا وَمِنْهُم من ألحمه الْقِتَال فَلم يجد بدا وَمِنْهُم من يُقَاتل صَابِرًا محتسبا أُولَئِكَ هم الشُّهَدَاء.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن رجل عَن الزُّهْرِيّ عَن ملك بن أَوْس.
(2/6)

قَوْله: ألحمه الْقِتَال أَي: رهقه وغشيه فَلم يجد مخلصا. يُقَال ألحم الرجل واستلحم وَمِنْه حَدِيث جَعْفَر يَوْم مُؤْتَة: انه أَخذ الرَّايَة بعد زيد فقاتل بهَا حَتَّى ألحمه الْقِتَال فَنزل وعقر فرسه. وَكَانَ أول من عقر فِي الْإِسْلَام.
وَيُقَال: ألحم الرجل إِذا نشب فَلم يبرح وَلحم اذا قتل. وَمِنْه قَول الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل. ... وَلَا ريب أَن قد كَانَ ثمَّ لحيم ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر ان الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب سَأَلَهُ عَن الشُّعَرَاء فَقَالَ: امْرُؤ الْقَيْس سابقهم خسف لَهُم عين الشّعْر فافتقر عَن معَان عور أصح بصرا.
رَوَاهُ الْهَيْثَم عَن ابْن عَبَّاس عَن الشّعبِيّ عَن دَغْفَل النسابة. قَوْله: خسف لَهُم عَن الْخَسْف وَهُوَ الْبِئْر الَّتِي حفرت فِي حِجَارَة فَخرج مِنْهَا مَاء كثير. وَجَمعهَا: خسف. وَمِنْه قَول الْحجَّاج لعضيدة السّلمِيّ حِين بَعثه يحتفر لَهُ بِئْرا بالشجى فَقَالَ: أخسفت أم أوشكت يُرِيد: أنبطت مَاء غزيرا أم قَلِيلا واشلا وَقَوله: افْتقر أَي: فتح وَهُوَ من الْفَقِير. وَالْفَقِير فَم
(2/7)

الْقَنَاة. وَقَوله: عَن معَان عور يُرِيد: ان امْرأ الْقَيْس من الْيمن وان الْيمن لَيست لَهُم فصاحة نزار فجعلهم مَعَاني عورا. يَقُول: فتح امْرُؤ الْقَيْس من معَان عور أصبح بصرا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه أرسل إِلَى أبي عُبَيْدَة رَسُولا فَقَالَ لَهُ حِين رَجَعَ كَيفَ رَأَيْت أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: رَأَيْت بللا من عَيْش. فقصر من رزقه ثمَّ أرسل إِلَيْهِ وَقَالَ للرسول حِين قدم كَيفَ رَأَيْته ففال: رَأَيْت حفوفا. فَقَالَ: رحم الله أَبَا عُبَيْدَة بسطنا لَهُ فَبسط وقبضنا فَقبض.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي. والخفوف والحفف وَاحِد. وَهُوَ: شدَّة الْعَيْش وضيقه. وَأَصله: اليبس. .
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال حفت أَرْضنَا وقفت إِذْ يبس بقلها.
وَحدثت عَن الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ رجل أتونا بعصيدة قد حفت فَكَأَنَّهَا عقب فِيهَا شقَاق هَكَذَا حَدثنِي الْمُحدث. وَإِنَّمَا هِيَ: الشقوق فِي الرجل. والشقاق فِي قَوَائِم الدَّابَّة. وَيُقَال: مَا رُوِيَ عَلَيْهِم خفف وَلَا ضفف. أَي: لم ير عَلَيْهِم أنر عود. وَيُقَال: قوم محفوفون إِذا كَانُوا محاويج والشظف
(2/8)

مثل الخفف. قَالَ ابْن الرّقاع العاملي: من الْكَامِل ... وَلَقَد أصبت من الْمَعيشَة لَذَّة ... وَلَقِيت من شظف الخطوب شدادها ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه كَانَ يَقُول: اغزوا والغزو حُلْو خضر قبل أَن يكون تَمامًا ثمَّ يكون رماما ثمَّ يكون حطاما. وَكَانَ يَقُول إِذا انتاطت الْمَغَازِي واشتدت العزائم ومنعت الْغَنَائِم فَخير غزوكم الرِّبَاط.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الحجي عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد عَن أَبِيه عَن عمر.
الثمام نبت ضَعِيف ن وَله خوص أَو شَيْء يشبه الخوص. وَرُبمَا حشي بِهِ. يقا ل: قد أمصخ الثمام إِذا خرجت أما صيخة. واحدتها أمصوخة وَهُوَ خوصَة. وَوَاحِد الثمام ثُمَامَة وَبِه سمي الرجل قَالَ عبيد بن الأبرص: من مجزوء الْكَامِل ... عيوا بأمرهم كَمَا عيت ببيضتها الحمامه
جعلت لَهَا عودين من بشم وَآخر من ثمامه
والبشم شجر يتَّخذ مِنْهُ القسي. يَقُول: قرنت البشم بالثمام
(2/9)

والثمام ضَعِيف فَسقط فَسقط الْبيض فانكسر. وَلِهَذَا قيل فِي الْمثل: أخرق من حمامة. لِأَنَّهَا لَا تجيد عمل العش فَرُبمَا وَقع الْبيض فانكسر.
وقرأت فِي الأنجيل: كونُوا حلماء كالحيات وبلهاء كالحمام. وَيُقَال: أَيْضا: أخرق من عقعق. لِأَنَّهُ من الطير الَّذِي يضيع بيضه وفراخه وأموق من نعَامَة. وَذَلِكَ أَنَّهَا تخرج للطعم فَرُبمَا رَأَتْ بيض نعَامَة أُخْرَى قد خرجت لمثل مَا خرجت هِيَ لَهُ فتحضن بيضها وَتَدَع بيض نَفسهَا. وَإِيَّاهَا أَرَادَ ابْن هرمة. بقوله: من المتقارب ... كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أُخْرَى جنَاحا ...
والرمام والرميم وَاحِد. وهومثل قَوْلك: طوال وطويل وعراض وعريض وعجاب وَعَجِيب يُقَال: رم الْعظم إِذا بلي وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم} وأرم إِذا صَار فِيهِ رم وَهُوَ المخ. والحطام: يبس النبت إِذا تكسر. قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {ثمَّ يهيج فتراه مصفرا ثمَّ يكون حطاما} وَلَا أرى عمر أَخذ الْمثل إِلَّا من هَذِه الْآيَة
(2/10)

من كتاب الله. أَرَادَ اغزوا والغزو وحلو خضر يُرِيد أَنكُمْ تبصرون فِيهِ وتوفون غنائمكم قبل أَن يهن ويضعف فَيكون كالثمام الضَّعِيف ثمَّ كالرميم ثمَّ يصير حطاما فَيذْهب وَيُقَال فِي مثل: هُوَ على طرف الثمام. يُرَاد أَنه مُمكن قريب. وَذَلِكَ ان الثمام لَا يطول. فَمَا كَانَ على طرفه فاخذه سهل.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} . أَخذ ضغثا من ثمام وَهُوَ مائَة عود فَضرب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من الأثل.
وَقَوله: انتاطت بَعدت. والنطي: الْبعيد. وَقَوله: اشتدت العزائم يَعْنِي: عزائم الْأُمَرَاء فِي الْمَغَازِي وَأَخذهم بهَا. وَفِي الحَدِيث: إِن رجلا قَالَ لِابْنِ مَسْعُود: يعزم علينا أمراؤنا فِي أَشْيَاء لَا نحصيها. أَي: لَا نطيقها.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه روئي فِي الْمَنَام فَسئلَ عَن حَاله فَقَالَ: ثل عَرْشِي لَوْلَا أَنِّي صادفت رَبًّا رحِيما أَو كَاد عَرْشِي ينثل.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن يحيى بن عبد الرَّحْمَن عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.
(2/11)

قَوْله: ثل عَرْشِي. هَذَا مثل يضْرب للرجل إِذا ذل وَهلك. يُقَال ثللت الشَّيْء إِذا هدمته وكسرته. وأثللته إِذا أمرت بإصلاحه. وللعرش هَا هُنَا معينيان:
أَحدهمَا: السرير وَالْأَصْل فِيهِ: ان الأسرة كَانَت للملوك. فَإِذا ثل عرش الْملك فقد ذهب عزه أَو هلك.
وَالْمعْنَى الآخر: الْبَيْت ينصب من العيدان ويظلل وَجَمعهَا: عروش. وَإِذا كسر عرش الرجل فقد هلك أَو ذل. وَهُوَ نَحْو قَوْلهم خرب بَيت فلَان.
قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: انشدنيه أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن هانىء قَالَ أنشدنيه الْأَخْفَش وَقَالَ: النَّضر بن شُمَيْل: من الْكَامِل. ... كن كَيفَ شِئْت فقصرك الْمَوْت ... لَا مزحل عَنهُ وَلَا فَوت
بَينا غنى بَيت وبهجته ... زَالَ الْغنى وتقوض الْبَيْت ...
كَانَ الْأَصْمَعِي ينشده مخفوضا. وَكَذَلِكَ بَيت أَبى
(2/12)

دؤيب: من الْكَامِل ... بَينا تعلقه الكماة وروغه ... يَوْمًا أتيح لَهُ جرىء سلفع ...
قَالَ: وَسَأَلت الرياشي عَن الْعلَّة فِي الْخَفْض فَقَالَ: بَينا ترفع الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ أَعْلَام مثل: ذيد وَعَمْرو فَتَقول: بَينا زيد وَعَمْرو يذهبان جَاءَ أَخُوك. فَإِذا وليت اسْما مأخوذا من فعل جرت قَالَ تَقول: بَينا قيام عبد الله وقعوده أَتَانَا زيد. قَالَ: وَهِي كَذَلِك بِمَعْنى بَين.
وَالْعرش: السّقف وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: فَهِيَ خاوية على عروشها وَذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النفخ فِي الصُّور قَالَ: فترنج: الأَرْض بِأَهْلِهَا فَتكون كالسفينة المرنقة فِي الْبَحْر تضربها الأمواج أَو كالقنديل الْمُعَلق بالعرش ترجحه الْأَرْوَاح.
وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله وَاحِد. وَمِنْه قيل: كرم معروش. وَمِنْه قيل: عرشت الْبِئْر اعرشها إِذا أَنْت طويت أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَلِيلا ثمَّ طويت سائرها بالخشب وَذَلِكَ الْخشب هُوَ الْعَرْش.
(2/13)

قَالَ زُهَيْر: من الطَّوِيل ... تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان إِذْ زلت بأقدامها النَّعْل ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه قَالَ لأبي مَرْيَم الْحَنَفِيّ: لأَنا أَشد بغضا لَك من الأَرْض للدم.
قَالَ ابْن سِيرِين: كَانَ عمر عَلَيْهِ غليظا وَكَانُوا يرَوْنَ أَنه قَاتل زيد بن الْخطاب وبغض الأَرْض للدم بِأَنَّهُ لَا يغوص فِيهَا. وانها لَا تنشفه وَمَتى جف فقشرته انقشر كُله وَظهر مَا وليه من الأَرْض ابيض.
وَبَلغنِي ذَلِك فِي كل دم إِلَّا دم الْبَعِير فَإِن الأَرْض تنشفه وحدثنى عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الْمُنعم عَن أَبِيه عَن وهب ان الأَرْض نشفت دم ابْن آدم الْمَقْتُول فلعن آدم الأَرْض فَمن أجل ذَلِك لَا تنشف الأَرْض دَمًا بعد دم هابيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه قا ل: ان اللَّبن يشبه عَلَيْهِ. يرويهِ سُفْيَان عَن ابْن جريح عَن عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن شُعَيْب بن خَالِد الْخَثْعَمِي عَن ابْن عمر عَن عمر.
قوه: يشبه يُرِيد: أَن الطِّفْل الرَّضِيع رُبمَا نزع بِهِ الشّبَه
(2/14)

إِلَى الظِّئْر من أجل اللَّبن يَقُول: فَلَا تسترضعوا إِلَّا من ترتضون أخلاقه وعفافه.
وَقد روى مثل هَذَا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر: من الْبَسِيط ... لم يرضعوا الدَّهْر إِلَّا ثدي وَاحِدَة ... لواضح الْوَجْه يحمي باحة الدَّار ...
يُرِيد: لم تنازغهم الظؤور فتميل إِلَى أخلاقهن وَلكنه اقْتصر لَهُم على ألبان الْأُمَّهَات.
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن ابْن أبي طرفَة الْهُذلِيّ عَن جُنْدُب ابْن شُعَيْب قَالَ: إِذا رَأَيْت الْمَوْلُود قبل أَن يغتذى من لبن غير أمه فعلى وَجه مِصْبَاح من الْبَيَان ألبان النِّسَاء تغيره.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر انه أجبر بني عَم على منفوس.
يرويهِ قبيصَة عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن سعيد ابْن الْمسيب.
المنفوس: الطِّفْل. وَهُوَ من قَوْلك: نفست الْمَرْأَة ونفست
(2/15)

إِذا ولدت. وَهُوَ صبي منفوس أَي: مَوْلُود. وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب أجلهَا.
وَقَالَ ابْن الْمسيب لَا يَرث المنفوس وَلَا يُورث حَتَّى يستهل صَارِخًا. وَقَالَ الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل ... فيا لهفتى على ابْن أُخْتِي لهفة ... كَمَا سقط المنفوس بَين القوابل ...
وَإِنَّمَا أَرَادَ انه أجبرهم على رضاعه. وروى عَنهُ أَيْضا أَنه أجبر رجلا على رضَاع أَخِيه. وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: يجْبر على كل ذِي رحم محرم.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر ان الْجِنّ ناحت عَلَيْهِ فَقَالَت: من الطَّوِيل ... عَلَيْك سَلام من أَمِير وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق ...
(2/16)

.. قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائق فِي أكمامها لم تفتق
فَمن يسع أَو يركب جناحي نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق
أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ أظلمت ... لَهُ الأَرْض تهتز العضاه بأسوق
وَمَا كنت أخْشَى أَن يكون وَفَاته ... يَكْفِي سبنتى أَزْرَق الْعين مطرق ...
حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن يزِيد بن حَازِم عَن سُلَيْمَان بن يسَار.
وحدثنيه ايضا أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن حَمَّاد عَن زيد عَن يزِيد عَن سُلَيْمَان إِلَّا أَنه قَالَ: بوائج وَلم يذكر: فَبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ: جُزْء الله خيرا من أَمِير.
قَوْله: قضيت أمورا. أَي: عملت أعمالا أحكمتها. وَهُوَ من قَول الله جلّ وَعز: {فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ} . أَي: صنعهن وأحكمهن. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(2/17)

وَذكر الدرْع من الْكَامِل ... وَعَلَيْهِمَا مسرودتان قضاهما دَاوُد أَو صنع السوابغ تَبْغِ ...
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ صنعهما دَاوُد.
غادرت: خلفت. وَمِنْه سمي الغدير. لِأَنَّهُ مَاء تخلفه السُّيُول وتمضي. والبائقة: الداهية وَهِي البائجة أَيْضا. وَجَمعهَا: بوائق وبوائج يُقَال: باقتهم تبوقهم بوقا. فِي اكمامها أَي: فِي أغطيتها وَاحِدهَا: كم. وغلاف الشَّيْء كمه. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَمَا تخرج من ثَمَرَات من أكمامها} . أَي من الْموضع الذى كَانَت فِيهِ مستورة لم تفتق عَنْهَا الأكمام. وَإِنَّمَا أَرَادَ: انك حِين وليت تركت بعْدك فتنا وأمورا عظاما مستورة لم تنكشف حِين مت. وستنكشف بعد.
وَقَوله: أَو يركب جناحي نعَامَة. يَقُول: من أَرَادَ بعْدك من الْخُلَفَاء أَن يلحقك ويبلغ مبالغك فِي سيرتك وتدبيرك لم يلحقك وَلَو سعي أَو عدا أَو ركب جناحي نعَامَة فعدت بِهِ.
والنعامة يضْرب بهَا الْمثل فِي السرعة. وَلذَلِك وتشبه الشُّعَرَاء النَّاقة بهَا وتشبه المنهزمين. قَالَ بشر بن أبي خازم: من المتقارب ... وَأما بَنو عَامر بالنسار ... فَكَانُوا غَدَاة لقونا نعاما ...
يُرِيد: أَنهم مروا مُسْرِعين منهزمين لَا يلوون على شَيْء. والظليم
(2/18)

إِذا عدا لم ينْه فِي عدوه شَيْء لِأَنَّهُ يُقَال: انه لَا يستمع. قَالَ الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل.
وأمهلت فِي إخوانه فَكَأَنَّمَا ... يسمع بِالنَّهْي النعام الشوارد ...
يَقُول: لم يقبل فَكَأَنِّي أسمعت بِقَوْلِي: نعاما شاردا وَلَا يسمع وَلَا يعرج. وَنَحْو مِنْهُ قَول الآخر: من الطَّوِيل. ... وَينْهى ذوى الأحلام عني حلومهم ... وَأَرْفَع صوتي للنعام المخزم ...
أَرَادَ: الْجُهَّال. شبههم فِي قلَّة أفهامهم بالنعام. يُرِيد: من كَانَ حَلِيمًا نَهَاهُ حلمه عني وَمن كَانَ جَاهِلا زجرتة أَشد الزّجر.
وَأما قَول عَلْقَمَة بن عَبدة يصف الظلأيم: من الْبَسِيط ... فوه كشق الْعَصَا لأيا تبينه ... أسك مَا يسمع الْأَصْوَات مصلوم ...
فَفِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا أَنه أَرَادَ لَا يسمع الْأَصْوَات. اما كَمَا قَالُوا لِأَنَّهُ أَصمّ وَلِأَنَّهُ لَا يعرج عَلَيْهَا وَإِن سَمعهَا كَمَا يُقَال: فلَان لَا يسمع قولي. أَي: لَا يعْمل بِهِ. وَهَذَا أشبه عِنْدِي لِأَنَّهُ يَقُول فِي هَذَا الشّعْر: من الْبَسِيط.
(2/19)

.. يوحي إِلَيْهَا بأنقاض ونقنقة ... كَمَا تراطن فِي أقنانها الرّوم ...
فَلَو لم يسمع لم يُوح إِلَيْهَا. وَمثله قَول الآخر: من المنسرح ... أَو خاضب يرتعي بهقلته ... مَتى ترعه الْأَصْوَات يهتجس ...
فلولا أَنه يسمع الْأَصْوَات مَا راعته.
وَالْقَوْل الآخر أَنه أَرَادَ أَنه أسك الَّذِي يسمع الْأَصْوَات وَالَّذِي يسمع الْأَصْوَات هُوَ الْأذن فَكَأَنَّهُ قَالَ: أسك الْأذن.
وَهَذَا الْبَيْت شَبيه بقول خفاف بن ندبة. حَدثنِي أَبُو حَاتِم وَعبد الرَّحْمَن عَن الْأَصْمَعِي ان قوم خفاف بن ندبة السّلمِيّ ارْتَدُّوا وأبى أَن يرْتَد وَحسن ثباته على الْإِسْلَام. فَقَالَ فِي أَبى بكر شعرًا قوافيه ممدودة مُقَيّدَة: من السَّرِيع ... لَيْسَ لشَيْء غير تقوى جداء ... وكل خلق عمره للفناء ... إِن أَبَا بكر هُوَ العشب إِذْ لم تزرع الأمطار بقلا بِمَاء
الْمُعْطِي الجرد بارسانها ... والناعجات المسرعات النَّجَاء ...
(2/20)

وَالله لَا يدْرك أَيَّامه ... ذُو طرة ناش وَلَا ذُو رِدَاء
من يسع كي يدْرك أَيَّامه ... يجْتَهد الشد بِأَرْض فضاء ...
الشد: الْعَدو. قَوْله: تهتز العضاه وَهُوَ شجر أَي: أبعد أَن قتل عمر تورق العضاه وتهتز من النِّعْمَة على سوقها. وَهُوَ جمع سَاق. وَهَذَا كَمَا قَالَ الآخر: من الطَّوِيل ... أيا شجر الخابور مَالك مورقا ... كَأَنَّك لم تجزع على ابْن طريف ...
(2/21)

وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم رب يسر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه قدم رجل من بعض الْفروج عَلَيْهِ فنثر كِنَانَته فَسَقَطت صحيفَة فَإِذا فِيهَا: من الوافر ... أَلا أبلغ أَبَا حَفْص رَسُولا ... فدى لَك من أخي ثِقَة إزَارِي
قلائصنا هداك الله إِنَّا ... شغلنا عَنْكُم زمن الْحصار
فَمَا قلص وجدن معقلات ... قفا سلع بمختلف النجار
يعقلهن جعدة من سليم ... معيدا يَبْتَغِي سقط العذاري ...
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو عَن أشهل بن حاتيم عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين.
(2/22)

الْفروج الثغور وَاحِدهَا فرج. قَالَ لبيد: من الرمل ... رابط الجأش على فرجهم ... أعطف الجون بمربوع متل ...
وَقَوله: رَسُولا أَي رِسَالَة وَمِنْه قَول الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... لقد كذب الواشون مَا بحت عِنْدهم ... بسر وَلَا أرسلتهم برَسُول ...
أَي: برسالة.
وَقَوله: فدى لَك من أخي ثِقَة إزَارِي أَي: أَهلِي وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {هن لِبَاس لكم وَأَنْتُم لِبَاس لَهُنَّ} قَالَ الْجَعْدِي وَذكر الْمَرْأَة: من المتقارب. ... إِذا مَا الضجيع ثنى جيدها ... تداعت عَلَيْهِ فَكَانَت لِبَاسه ...
(2/23)

وَيُقَال ايضا أَرَادَ بالإزار نَفسه لِأَن الازار يشْتَمل على جِسْمه فَسُمي الْجِسْم إزارا. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر امْرَأَة: من الطَّوِيل ... تَبرأ من دم الْقَتِيل وبزه ... وَقد علقت دم الْقَتِيل إزَارهَا ...
أَي: هِيَ نَفسهَا والإزار يذكر وَيُؤَنث.
وَقَوله: قلائصنا نصب يُرِيد: تدارك قلائصنا وَهِي: النوق الشواب كنى بهَا عَن النِّسَاء.
وَقَوله: فَمَا قلص وجدن معقلات يَعْنِي نسَاء مغيبات يعقلهن جعدة رجل من سليم وَأَرَادَ أَنَّهُنَّ معقلات للأزواج وَهُوَ يعقلهن أَيْضا.
معيدا أَي: فعل ذَلِك عودا كَأَن البدء للأزواج والاعادة لَهُ. أَو كَأَنَّهُ يَفْعَله مرّة بعد مرّة.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن الْأَصْمَعِي عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين قَالَ: فَقَالَ عمر أَدْعُو إِلَى جعدة فَأتي بِهِ فجلد معقولا.
(2/24)

وحَدثني أبي حَدثنِي أَيْضا عَن الْأَصْمَعِي عَن طَلْحَة بن مُحَمَّد ابْن سعيد بن الْمسيب ان سعيدا قَالَ: إِنِّي لفي الأغيلمة الَّذين يجرونَ جعدة إِلَى عمر.
قَالَ وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: كَانَ فِي الشّعْر: من الوافر
يعقلهن جعدة شيظمي ... وَبئسَ معقل الذود الظؤار ...
والشيظمي: الطَّوِيل. والظؤار جمع ظئر وَيُقَال: ان أصل هَذَا اللَّفْظ أَن النَّاقة تعقل للضراب فكنى عَنهُ بِهِ.
وَسقط العذارى عثراتها وزلاتها. يُقَال: فلَان قَلِيل السقاط إِذا كَانَ قَلِيل العثار.
وَقفا سلع: وَرَاءه وَهُوَ جبل.
(2/25)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه لما قدم الشَّام لقِيه المقلسون بِالسُّيُوفِ وَالريحَان.
يرويهِ هِشَام بن عمار عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن تَمِيم بن عَطِيَّة عَن عبد الله بن قيس.
المقلسون الَّذين يَلْعَبُونَ بَين يَدي الْأَمِير إِذا دخل الْبَلَد وَالْوَاحد مقلس وَمِنْه قَول الْكُمَيْت: من الْبَسِيط. ... قد استمرت تغنيه الذُّبَاب كَمَا ... غنى المقلس بطريقا بأسوار ...
أَرَادَ: مَعَ أسوار وَاحِد الأساورة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: بليت من الفواقر: جَار مقَامه إِن رَأْي حَسَنَة دَفنهَا وَإِن رأى سَيِّئَة أذاعها وَامْرَأَة إِن دخلت لسنتك وَإِن غبت عَنْهَا لم تأمنها وَإِمَام أَن أَحْسَنت لم يرض عَنْك وَإِن أَسَأْت قَتلك.
(2/26)

يرويهِ أَبُو قدامَة عَن عَليّ بن زيد.
الفواقر الدَّوَاهِي وَقد ذكرنَا اشتقاق هَذَا الْحَرْف فِي غير هَذَا الْموضع.
وَقَوله: لسنتك أَي: أخذتك بلسانها واللسن الْمصدر واللسن طول اللِّسَان قَالَ ابْن أم صَاحب: من الْبَسِيط ... إِن العواذل مِنْهَا الْجَهْل واللسن ...
واللسن واللغة يُقَال: لكل قوم لسن.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: فِي خطْبَة لَهُ: من أَتَى هَذَا الْبَيْت لَا ينهزه إِلَيْهِ غَيره رَجَعَ وَقد غقر لَهُ.
يرويهِ عباد بن عباد عَن وَاصل مولى أَبى عُيَيْنَة عَن حما د عَن أَبى الضُّحَى عَن مَسْرُوق.
قَوْله: ينهزه أَي: يَدْفَعهُ يُقَال: نهزت الرجل ولهزته وهمزته وَلَا أَحسب الْهَمْز فِي الْحُرُوف إِلَّا من هَذَا.
(2/27)

كَأَنَّك تدفعها ولمزته وَمِنْه قَوْله جلّ وَعز: {ويل لكل همزَة لُمزَة} كَأَنَّهُ يغمز وَيدْفَع إِذا عَابَ ووهزته أَيْضا وَفِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان مجمع ابْن جَارِيَة قَالَ: شَهِدنَا الْحُدَيْبِيَة مَعَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا انصرفنا عَنْهَا إِذا النَّاس ينهزون الأباعر فَقَالَ بَعضهم لبَعض: مَالهم قَالُوا: أُوحِي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فخرجنا مَعَ النَّاس نوجف يُرِيد أَن النَّاس كَانُوا يحثون ابلهم ويدفعونها وَإِنَّمَا أَرَادَ عمر أَن من حج لَا يَنْوِي فِي حجه غير الْحَج لَا تِجَارَة وَلَا يُرِيد هُنَاكَ حَاجَة رَجَعَ مغفورا لَهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ ان سُفْيَان ابْن عبد الله الثَّقَفِيّ كتب إِلَيْهِ وَكَانَ عَاملا لَهُ على الطَّائِف إِن قبلنَا حيطانا فِيهَا من الفرسك وَالرُّمَّان مَا هُوَ أَكثر من الْكَرم أصعافا ويستأمره فِي الْعشْر فَكتب إِلَيْهِ عمر: انه لَيْسَ عَلَيْهَا عشر هِيَ من العضاه.
يرويهِ عبد الرَّحْمَن بن حميد الرواسِي عَن جَعْفَر بن نجيع السَّعْدِيّ عَن بشر بن عَاصِم.
(2/28)

الفرسك: الخوخ. وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ لَا يرى فِي الْخضر زَكَاة وَلَا فِيمَا لَا يحول عَلَيْهِ الْحول فِي أَيدي النَّاس. وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَا يرى أَيْضا فِي زرع الصَّيف صَدَقَة. وَكَانَ طَاوُوس وَعِكْرِمَة يَقُولَانِ: لَيْسَ فِي العطب زَكَاة.
والعطب: الْقطن وَهُوَ من الغلات الصيفية وَمِنْه حَدِيث الْحسن رَحمَه الله إِنَّه كَانَ لَا يرى بغزل من عطب بِثَوْب من كرابيس نَسِيئَة بَأْسا.
فَأَما ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ كَانَ يرى الصَّدَقَة فِي جَمِيع مَا أخرجت الأَرْض.
قَالَ أَبُو رَجَاء: كَانَ يَأْخُذ صَدَقَاتنَا بِالْبَصْرَةِ حَتَّى رساتيج
(2/29)

الكرات. وَإِلَى هَذَا يذهب عَطاء وَإِبْرَاهِيم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه وضع يَده فِي كشية ضَب. وَقَالَ: إِن النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يحرمه وَلَكِن قذره.
يرويهِ ابْن أبي زَائِدَة عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد.
كشية الضَّب: شَحم بَطْنه وَجَمعهَا كشى. وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب: من الرجز ... وَأَنت لَو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضَّب يعدو بالواد ...
يَقُول: لَو عرفت طعمها مَعَ الأكباد لصدت الضَّب وَلم تتركه.
(2/30)

فَأَما المكن فبيضها.
يُقَال: ضبة مكون اذا جمعت الْبيض فِي بَطنهَا قَالَ أَبُو الْهِنْدِيّ: من المتقارب
وَمكن الضباب طَعَام العريب وَلَا تشتهيه نفوس الْعَجم وَقَوله: وضع يَده أَي: أكل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: لَا أُوتِيَ بِأحد انْتقصَ من سبل الْمُسلمين إِلَى مثاباتهم شَيْئا إِلَّا فعلت بِهِ كَذَا.
يرويهِ أَبُو أُسَامَة عَن مسعر عَن جَامع بن شَدَّاد عَن زِيَاد بن حدير.
المثابات هَاهُنَا الْمنَازل وَاحِدهَا مثابة وَإِنَّمَا قيل للمنزل مثابة لِأَن أَهله يتصرفون فِي أُمُورهم ثمَّ يثوبون إِلَيْهِ أَي: يعودون إِلَيْهِ.
يُقَال: ثاب فلَان إِلَى كَذَا أَي: رَجَعَ وثاب جسم فلَان إِذا عَاد بعد الْعلَّة.
وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا}
(2/31)

أَي: يرجعُونَ اليه وَمِنْه التثويب فِي الْأَذَان الْأَذَان.
وَأَرَادَ من اقتطع شَيْئا من طرق الْمُسلمين وَأدْخلهُ فِي دَاره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه كره النير.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن عمر وَقَالَ ابْن عمر: لَوْلَا انه كره ذَلِك لم أر بِهِ بَأْسا.
النير: الْعلم وَلَا أرَاهُ كره إِلَّا علم الْحَرِير وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عمر انه كَانَ يقطع الْعلم الْحَرِير من عمَامَته. يُقَال: نرت الثَّوْب نيرا وَجمع النير أنيار. قَالَ ذُو الرمة وَذكر النِّسَاء: من الطَّوِيل ... لحفن الْحَصَا انياره ثمَّ خضنه ... نهوض الهجان الموعثات الجواثم ...
يَقُول: جعلنه لحافا للحصى ثمَّ خضن فضول أذيالهن
(2/32)

كَمَا يخاض المَاء.
والموعثات اللواتي وقعن فِي وعث أَي: شدَّة. والجواشم اللواتي يتجشمنه على مشقة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه انْكَسَرت قلُوص من إبل الصَّدَقَة فجفنها.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ.
قَوْله: فجفنها أَي: اتخذ مِنْهَا طَعَاما وَجمع عَلَيْهِ. وَهُوَ من الْجَفْنَة مَأْخُوذ. وَكَانُوا يطْعمُون إِذا جمعُوا فِي الجفان. وَلذَلِك قَالُوا للرجل إِذا رثوه فوصفوه بإطعام الطَّعَام: جَفْنَة وَقد تقدم تَفْسِير هَذَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: عجبت لتاجر هجس وراكب الْبَحْر.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن رجل عَن الْحسن.
قَوْله: عجبت لتاجر هجر يُرِيد: كَيفَ يخْتَلف إِلَيْهَا مَعَ شدَّة وبائها ولراكب الْبَحْر كَيفَ يركبه للتِّجَارَة مَعَ مَا فِيهِ من الخطار بالأنفس لَا أعلم للْحَدِيث وَجها غير هَذَا. وكل مَوضِع كثر نخله اشْتَدَّ وباؤه.
(2/33)

وَرُوِيَ فِي الحَدِيث: إِن الْحمى فِي اصول النّخل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ ذَات لَيْلَة فِي مسير لَهُ لِابْنِ عَبَّاس: أنشدنا لشاعر الشُّعَرَاء قَالَ: وَمن هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: الَّذِي لم يعاظل بَين القَوْل وَلم يتبع حوشي الْكَلَام. قَالَ: وَمن هُوَ قَالَ: زُهَيْر. فَجعل ينشده إِلَى أَن برق الصُّبْح.
هَذَا حَدِيث كَانَ يرويهِ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن شيخ يكنى أَبَا مُحَمَّد ذكر أَنه لَا بَأْس بِهِ عَن أبي مخنف وَعَن أَبى مَسْعُود.
قَوْله: لم يعاظل بَين القَوْل أَي لم يكرره وَيحمل بعضه على بعض.
وَيُقَال: تعاظل الْجَرَاد اذا ركب بعضه بَعْضًا وَذَلِكَ حِين يُرِيد أَن يبيض. وَيُقَال للضبع اذا دخل عَلَيْهَا الصَّائِد: خامري أم عَامر ابشري بجراد عظال وكمر رجال. فتقر ونسكن حَتَّى يدْخل عَلَيْهَا فيربط يَديهَا ورجليها ويكمعها. وَقَالَ جرير: من الطَّوِيل
(2/34)

.. تراغيتم يَوْم الزبير كأنكم ... ضباع بِذِي قار تمنى الأمانيا ...
فَقَوله: تمنى الأمانيا هُوَ هَذَا الَّذِي يَقُوله الصَّائِد لَهَا. وروى تقلة الْأَخْبَار ان الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام حِين كَانَ من أَمر طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة مَا كَانَ: أَشرت عَلَيْك ثَلَاث مَرَّات فعصيتني. فَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: إِنَّك تخن خنين الْجَارِيَة هَات مَا الَّذِي أَشرت بِهِ عَليّ وَمَا الَّذِي عصيتك فِيهِ. فَذكر أَشْيَاء فَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا وَالله إِذا مثل الَّتِي أحيط بهَا فَقيل لَهَا زباب حَتَّى دخلت حجرها ثمَّ احتفر عَلَيْهَا فاجتر برجلها حَتَّى ذبحت. وَلَا أرَاهُ أَرَادَ إِلَّا الضبع كَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذا أَرَادوا صيدها أحاطوا بهَا ثمَّ قيل: زباب زباب تؤنس بذلك أَو تبشر بِهِ.
الزباب جنس من الفأر لَا يسمع. والخلد مِنْهُ لَا يبصر ولعلها ان تكون تَأْكُله كَمَا تَأْكُل الْجَرَاد.
والخنين: ضرب من الْبكاء.
قَالُوا: وَإِنَّمَا قيل: يَوْم العظالى وَهُوَ يَوْم للْعَرَب مَشْهُور لِأَن النَّاس ركب فِيهِ بَعضهم بَعْضًا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: ركب الِاثْنَان وَالثَّلَاثَة الدَّابَّة الْوَاحِدَة.
(2/35)

والذئاب وَالْكلاب تتعاظل إِذا تسافدت. وَقَول الصَّائِد: ابشري بكمر رجال لِأَن الضبع إِذا وجدت قَتِيلا قد انتفخ جردانه ألقته على قَفاهُ ثمَّ ركبته واستعملته. قَالَ الْعَبَّاس بن مرداس: من الطَّوِيل. ... فَلَو مَاتَ مِنْهُم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بِأَكْنَافِ الْأَرَاك عرائسا ...
فَقَوله: خامري أَي خالطي.
قَالَ الْكُمَيْت: من مجزوء الْكَامِل
أما أَخُوك ابو الْوَلِيد فلابس ثوبي مخامر
فعل المقرة للمقالة خامري يَا أم عَامر ...
وَأم عَامر هِيَ الضبع. وحوشي. الْكَلَام ووحشية وَاحِد. وَيُقَال: الابل الحوشية منسوبة إِلَى الحوش. وَأَنَّهَا فحول نعم الْجِنّ ضربت فِي بعض الابل فنسبت اليها. قَالَ رؤبة: من الرجز ... جرت رحانا من بِلَاد الحوش ...
(2/36)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِن نائلا قَالَ: سَافَرت مَعَ مولَايَ عُثْمَان بن عَفَّان وَعمر فِي حج أَو عمْرَة فَكَانَ عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر لفا وَكنت أَنا وَابْن البير فِي شببة مَعنا لفا فَكُنَّا نتمازح ونترامى بالحنظل. فَمَا يزيدنا عمر على أَن يَقُول: كَذَاك لَا تذعروا علينا. فَقُلْنَا لرباح ابْن المغترف: لَو نصبت نصب الْعَرَب فَقَالَ مَعَ عمر قُلْنَا افْعَل فَإِن نهاك عَنهُ فانته. فَفعل فَمَا قَالَ لَهُ عمر شَيْئا حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه السحر فاداه يَا رَبَاح أكفف فَإِنَّهَا فَإنَّا سَاعَة ذكر.
يرويهِ عبيد الله بن مُحَمَّد عَن عمر بن عُثْمَان التَّيْمِيّ عَن عُثْمَان بن نائل عَن أَبِيه.
قَوْله: كَانَ عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر لفا أَي حزبا وَفرْقَة وَهُوَ من الالتفاف مَأْخُوذ. كَأَنَّهُمْ حِين اجْتَمعُوا وانفردوا قِطْعَة وَاحِدَة التفوا فِي ذَلِك الِاجْتِمَاع.
وَذكر أَبُو عُبَيْدَة ان ألفافا فِي كتاب الله تَعَالَى جمع لف وَقَالَ غَيره هُوَ جمع لف. ولف جمع ألف كَأَنَّهُ جمع الْجمع.
(2/37)

وَقَول عمر كَذَلِك لَا تذعروا علينا يُرِيد: لَا تنفرُوا إبلنا فَحذف الابل اسْتِخْفَافًا.
وَقَوله: كَذَاك أَي: حسبكم وَمِنْه قَول أبي بكر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم بدر وَهُوَ يَدْعُو: يَا نَبِي الله كَذَاك فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك.
وشبيه بِهِ قَوْلهم: إِلَيْك أَي: تَنَح قَالَ الْقطَامِي وَذكر امْرَأَة استضافها: من الطَّوِيل
تَقول وَقد قربت كوري وناقتي ... إِلَيْك فَلَا تذْعَر عَليّ ركائبي ...
وتشببة جمع شَاب مثل كَاتب وكتبة وكاذب وكذبة وَقَوْلهمْ: لَو نصبت لنا نصب الْعَرَب أَي غنيتنا غناء الْعَرَب وَهُوَ غناء لَهُم يشبه الحداء غير أَنه أرق مِنْهُ.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَفِي الحَدِيث: كلهم كَانَ ينصب. أَي: يُغني النصب.
يُقَال: نصب فلَان ينصب نصبا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه سَأَلَ الْمَفْقُود الَّذِي استهوته الْجِنّ مَا كَانَ شرابهم فَقَالَ: الجدف.
(2/38)

ذكره أَبُو عُبَيْدَة وَقَالَ تَفْسِيره فِي الحَدِيث: انه مَا لَا يغطى. قَالَ: وَيُقَال هُوَ نَبَات يكون بِالْيمن لَا يحْتَاج آكله إِلَى شرب المَاء عَلَيْهِ وَلم أزل لهَذَا التَّفْسِير مُنْكرا لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَن شرابهم فَأَجَابَهُ بِذكر النَّبَات والنبات لَا يجوز أَن يكون شرابًا وان كَانَ صَاحبه يَسْتَغْنِي مَعَ أكله عَن شرب المَاء إِلَّا على وَجه من الْمجَاز ضَعِيف وَهُوَ أَن يكون صَاحبه لَا يشرب المَاء فَيُقَال ان ذَلِك شرابه لِأَنَّهُ يقوم مقَام شرابه فَيجوز أَن يكون قَالَ هَذَا ان كَانَت الحن لَا تشرب شرابًا أصلا.
وَأما التَّفْسِير الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يُوَافقهُ اللَّفْظ. وَبَلغنِي عَن بعض أَصْحَاب اللُّغَة انه كَانَ يَقُول: الجدف زبد الشَّرَاب ورغوة اللَّبن وَغَيره. سمي جدفا من موضِعين: أَحدهمَا لِأَنَّهُ يجدف عَن الشَّرَاب أَي: يقطع ويلقى إِلَّا الأَرْض والجدف والجذف وَاحِد. وَمِنْه يُقَال: قَمِيص مجدوف الكمين أَي مقطوعهما وقصيرهما يَقُول: جذفت الشَّيْء جذفا اذا قطعته. وَاسم مَا انْقَطع: جذف كَمَا تَقول: نفضت الشَّجَرَة نفضا وَاسم مَا سقط إِلَى الأَرْض مِنْهَا نفض وخبطتها خبطا وَاسم مَا سقط من وَرقهَا إِلَى الأَرْض: خبط.
والموضع الآخر ان الشَّرَاب يجدف أَي: يُحَرك فرتفع الرغوة فَمَا ارْتَفع مِنْهَا جدف. لِأَنَّهُ على الجدف كَانَ كَمَا مثلت لَك.
(2/39)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه كتب فِي الصَّدَقَة إِلَى بعض عماله كتابا فِيهِ: وَلَا تحبس النَّاس أَوَّلهمْ على آخِرهم فَإِن الرجن للماشية عَلَيْهَا شَدِيد وَلها مهلك. وَإِذا وقف الرجل عَلَيْك غنمه فَلَا تعتم من غنمه وَلَا تَأْخُذ من أدناها وَخذ الصَّدَقَة من أوسطها وَإِذا وَجب على الرجل سنّ فَلم تَجدهُ فِي إبِله فَلَا تَأْخُذ إِلَّا تِلْكَ السن من شروى إبِله. أَو قيمَة عدل. وَانْظُر ذَوَات الدّرّ والماخض فتنكب عَنْهَا فانها ثمال حاضرتهم.
وَفِي حَدِيث آخر إِنَّه قَالَ فِي صَدَقَة الْغنم: يعتامها صَاحبهَا شَاة شَاة حَتَّى يعْزل ثلثهَا ثمَّ يصدع الْغنم صدعين فيختار الْمُصدق من أَحدهمَا.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْقَاسِم عَن أَبِيه.
قَوْله: الرجن عَلَيْهَا شَدِيد. يَعْنِي الْحَبْس. يُقَال: رجن فلَان بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَمثله: دجن بِالْمَكَانِ دجونا ورجونا. وَمِنْه قيل لما يعلفه النَّاس فِي مَنَازِلهمْ من الشَّاء: دواجن. وَكَذَلِكَ الدَّجَاج وَالطير. وَمِنْه الحَدِيث: لعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مثل بدواجنه وَهُوَ أَن يجدعها
(2/40)

أَو يخصيها أَو ينصبها غَرضا فيرميها.
وحَدثني ابي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي ان عمر ابْن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لقط نويات من الطَّرِيق فَأَمْسكهَا بِيَدِهِ حَتَّى مر بدار قوم فألقاها فِيهَا وَقَالَ: تأكلها داجنتهم. يَعْنِي مَا يعلفونه فِي مَنَازِلهمْ من الشَّاء.
وَقَالَ غَيره: كَانَ يَأْخُذ النَّوَى ويلقط النكث من الطَّرِيق فَإِذا مر بدار قوم رمى بهما فِيهَا وَقَالَ: انتفعوا بِهَذَا.
والنكث: الْخَيط الْخلق من صوف أَو شعر أَو وبر وَجمعه أنكاث وَإِنَّمَا سمي نَكثا لِأَنَّهُ ينْكث أَي: ينْقض وَذَلِكَ أَن الْحَبل إِذا أخلق ورث نقض ليؤخذ شعره اَوْ وبره فيعاد مَعَ الْجَدِيد وَكَذَلِكَ الْخَزّ إِذا أخلق نكث أَي نقض وَمن هَذَا قيل لمن يُبَايِعك على شَيْء ثمَّ نقض مَا أَعْطَاك من نَفسه: ناكث قَالَ الله جلّ وَعز: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا} .
وَقَالَ قعنب بن ام صَاحب من الْبَسِيط ... رَأس الخنامنهم وَالْكفْر خامسهم ... وحشوة مِنْهُم فِي اللؤم قد دجنوا ...
يُرِيد: أَقَامُوا. قَالَ أَبُو زيد: والدجون من الشَّاء الَّتِي لَا تمنع ضرْعهَا سخال غَيرهَا.
وَقَوله: فَلَا تعتم من غنمه أَي: لَا تختر وَكَذَلِكَ قَوْله فِي
(2/41)

الحَدِيث الآخر: يعتامها صَاحبهَا شَاة شَاة أَي: يختارها. يُقَال: اعتام فلَان يعتام واعتمى يعتمي مقلوب. وعيمة المَال: خِيَاره.
قَالَ طرفَة بن العَبْد: من الطَّوِيل ... أرى الْمَوْت يعتام الْكِرَام ويصطفي ... عقيلة مَال الْفَاحِش المتشدد ...
وَقَوله: شروى إبِله أَي: مثلهَا. وَمِنْه الحَدِيث: ان شريحا ومسروقا كَانَا يضمنَانِ الْقصار شرواه يَوْم اخذه أَي: مثل الثَّوْب.
وَقَوله: ثمال حاضرتهم يُرِيد: عصمتهم وغياثهم يُقَال: فلَان ثمال قومه إِذا كَانَ يقوم بأمرهم. وَقَالَ أَبُو طَالب فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من الطَّوِيل ... وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه جعل على كل جريب عَامر أَو غامر درهما وقفيزا.
(2/42)

يرويهِ ابو مُعَاوِيَة عَن الشَّيْبَانِيّ عَن أبي عون الثَّقَفِيّ.
الغامر من الأَرْض مَا لم يزرع مِمَّا يحْتَمل الزِّرَاعَة وَقَالَ لي بعض أَصْحَاب اللُّغَة: إِنَّمَا قيل لَهُ غامر لِأَن المَاء يبلغهُ فيغمره. وَهُوَ فَاعل بِمَعْنى مفعول. كَمَا يُقَال: مَاء دافق بِمَعْنى مدفوق وسر كاتم أَي: بِمَعْنى مَكْتُوم وليل نَائِم أَي: منوم فِيهِ. فَإِن كَانَ كَمَا ذكرنَا فَإِنِّي أَحْسبهُ بني على فَاعل ليقابل بِهِ العامر وَقد خبرتك انهم يوازنون الشَّيْء بالشَّيْء إِذا كَانَ مَعَه كَقَوْلِهِم: إِنِّي لآتيه بالغدايا والعشايا فَجمعُوا الْغَدَاة غدايا لما قابلوه بالعشايا. كَمَا جمعُوا العشية وكقول الشَّاعِر: من الْبَسِيط ... هتاك أخبية ولاج أبوية ...
فَجمع الْبَاب أَبَوَيْهِ إِذْ كَانَ موازيا لأخبية. وَهَذَا الأَصْل فِي الغامر ثمَّ قيل لكل أَرض معطلة من زرع أَو بِنَاء أَو غرس: غامرة وَنَحْوهَا البراح. وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا فِي الغامر
(2/43)

قَول الشّعبِيّ: إِن عمر بعث عُثْمَان بن حنيف فقسم على كل جريب يبلغهُ المَاء عمله صَاحبه أَو لم يعمله درهما ومختوما: وَأما مَا لَا يبلغهُ المَاء من موَات الأَرْض فَلَا يُقَال لَهُ غامر. وَإِنَّمَا جعل عمر رَضِي الله عَنهُ على مَا لم يزرع الْخراج فِيمَا أرى لِئَلَّا يقصر النَّاس فِي الزِّرَاعَة وَأَرَادَ عمَارَة الأَرْض.
فَأَما مَا ترك عمله بِعُذْر بَين أَو مَا زرع فَلم ينْبت فَإِن صَاحبه كَانَ لَا يلْزم شَيْئا.
وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول: إِذا كَانَ للرجل أَرض خراج فعطلها فَعَلَيهِ خراجها وَإِن زَرعهَا فَأصَاب زَرعهَا آفَة اصطلمته فَلَا خراج عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ: اللَّبن لَا يَمُوت.
يرويهِ يحيى بن الْيَمَان عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن أَبى إِسْحَق عَن فرظة.
وَبَلغنِي عَن بعض الْفُقَهَاء انه كَانَ يذهب فِي تَأْوِيله إِلَى إِن
(2/44)

الصَّبِي إِذا رضع امْرَأَة ميتَة حرم عَلَيْهِ من وَلَدهَا وقرابتها من يحرم عَلَيْهِ من ولد الْحَيَّة وقرابتها إِذا رضعها. وَهَذَا إِن كَانَ من امْرَأَة فعلته. يُرِيد بِهِ يحرم وَلَدهَا على ولد الْميتَة أَو من صبي خلا بميتة فرضعها. وَسُئِلَ عَن ذَلِك عمر.
فَإِن هَذَا التَّفْسِير لَهُ وَجه وَإِلَّا فَإنَّا لَا نعلم أحدا يرضع وَلَده بِلَبن ميتَة.
وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَن الله جلّ وَعز حرَام النِّكَاح بِالرّضَاعِ فَقَالَ: {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة} .
وَالرّضَاع أَن يمتص الصَّبِي من الثدي فَإِذا فصل اللَّبن من الثدي فأوجره الصَّبِي أَو أَدَم لَهُ بِهِ أَو ديف لَهُ فِي الدَّوَاء أَو سقيه أَو سعط بِهِ لم يكن رضَاعًا وَلكنه يحرم بِهِ مَا يحرم بِالرّضَاعِ لَان اللَّبن لَا يَمُوت أَي: لَا يبطل عمله بمفارقته الثدي. وَمَعْنَاهُ: قَول الْفُقَهَاء السعوط والوجور يحرمان مَا يحرمه الرَّضَاع. وشبيه بِهِ وان لم يكن لَهُ كل مَعْنَاهُ قَوْلهم: الشّعْر لَا يَمُوت. وَالصُّوف لَا يَمُوت. وَذَلِكَ يكون فِي موضِعين: أَحدهمَا مجمع عَلَيْهِ. وَالْآخر مُخْتَلف فِيهِ.
فاما الْمجمع عَلَيْهِ فالصوف وَالشعر إِن أخذا من الْحَيّ فَإِنَّهُمَا لَا يموتان بمفارقة الْحَيّ كَمَا يَمُوت اللَّحْم وَالْجَلد ان قطعا مِنْهُ وَلكنه يحل اغتزالهما ولبسهما وَالصَّلَاة فيهمَا وَعَلَيْهِمَا.
(2/45)

وَأما الْمُخْتَلف فِيهِ فالشعر وَالصُّوف يؤخذان من الْميتَة يَقُول بعض الْفُقَهَاء: انهما ميتان. وَيَقُول بَعضهم: ليسَا بميتين.
وَسمعت بعض أَصْحَاب الْقيَاس يَقُول: ان اللَّبن إِن أَخذ من ميتَة لم يحرم وَقَالَ: كل شَيْء أَخذ من الْحَيّ فَلم يحرم. فَإِنَّهُ إِن أَخذ من الْمَيِّت لم يحرم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ: من حَظّ الْمَرْء نفاق أيمه وَمَوْضِع حَقه.
يرويهِ وَكِيع عَن مبارك بن فضَالة عَن الْحسن.
الأيم: الْمَرْأَة لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا. وَكَذَلِكَ الرجل إِذا لم تكن لَهُ امْرَأَة فَهُوَ أيم. وَيُقَال فِي مثل: الْحَرْب مايمة أَي: يقتل فِيهَا الرِّجَال فَتبقى النِّسَاء بِلَا أَزوَاج.
وَأَرَادَ عمر رَضِي الله عَنهُ أَن من جد الرجل أَن يخْطب إِلَيْهِ ويتزوج نساؤه من بَنَاته وأخواته وأشباههن فَلَا يبرن وَلَا يكسدن. وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يتَعَوَّذ بِاللَّه من بوار الأيم.
وَقَالَ بعض العباسيين للمنصور: إِذا نَحن اتسعنا فِي الْبَنَات وضقنا
(2/46)

فِي الْبَنِينَ وخفنا بوار الايامي فالى من نخرجهن فَقَالَ الْمَنْصُور: من الرمل
عبد شمس كَانَ يَتْلُو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب ...
يُرِيد: ان بني امية أكفاء بني هَاشم.
وَقَوله: وَمَوْضِع حَقه يُرِيد: من حَظّ الرجل أَيْضا أَن يكون حَقه عِنْد من لَا يَدْفَعهُ وَلَا يجحده وَلَا يَدْفَعهُ عَنهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر انه اسْتعْمل رجلا على عمل بِالْيمن فوفد عَلَيْهِ وَعَلِيهِ حلَّة مشهرة وَهُوَ مرجل دَهِين فَقَالَ: هَكَذَا بعثناك فَأمر بالحلة فنزعت وألبس جُبَّة صوف ثمَّ سَالَ عَن ولَايَته فَلم يذكر إِلَّا خير فَرده على عمله ثمَّ وَفد عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَإِذا أَشْعَث مغبر عَلَيْهِ أطلاس فَقَالَ: لَا وَلَا كل هَذَا إِن عاملنا لَيْسَ بالشعث وَلَا بالعافي كلوا وَاشْرَبُوا وادهنوا انكم ستعلمون الَّذِي أكره من أَمركُم.
يرويهِ الْفضل بن مُوسَى عَن عَمْرو بن مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه الأطلاس: الوسخة من الثِّيَاب يُقَال رجل أطلس الثَّوْب
(2/47)

8 - بَين الطلسة قَالَ ذُو الرمة وَذكر الصَّائِد: من الْبَسِيط ... مقزع أطلس الأطمار لَيْسَ لَهُ ... إِلَّا الضراء وَإِلَّا صيدها نشب ...
وَمِنْه قيل للذئب فِي لَونه أطلس. والعافي: الطَّوِيل الشّعْر يُقَال: عَفا وبر الْبَعِير إِذا طَال وعفت الأَرْض إِذا غطاها النَّبَات وَمِنْه الحَدِيث إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن تعفى اللحى وتحفى الشَّوَارِب.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ لِابْنِ أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ: أما تراني لَو شِئْت أمرت بفتيه سَمِينَة أَو قنية فألقي عَنْهَا شعرهَا ثمَّ أمرت بدقيق فنخل فِي خرقَة فَجعل مِنْهُ خبز مرقق وَأمرت بِصَاع من زبيب فَجعل فِي سعن حَتَّى يكون كَدم الغزال.
يرويهِ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال.
السعن: قربَة أَو إداوة ينْبذ فِيهَا وَتعلق بوتد أَو جذع نَخْلَة. وَبَلغنِي إِنَّهَا لَا تسمى سعنا حَتَّى يقطع أَسْفَلهَا ويشد رَأسهَا وَذَلِكَ إِذا أخلقت فَيكون مَا يلقى فِيهَا من مَوضِع الْقطع لسعته.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه رأى
(2/48)

رجلا يأنح ببطنه فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ: بركَة من الله فَقَالَ بل هُوَ عَذَاب يعذبك الله بِهِ.
يرويهِ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن الْحسن.
قَوْله: يانح ببطنه هُوَ من الأنوح صَوت يسمع من الْجوف وَمَعَهُ نفس وبهر يعتري السمين من الرِّجَال إِذا مَشى وَالْفرس الخوار الثقيل يُقَال: انج يأنح أنوحا وَهُوَ رجل أنوح وَفرس أنوح قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... جرى ابْن ليلى جرية السبوح ... جرية لَا كاب وَلَا أنوح ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه لما دنا من الشَّام ولقيه النَّاس جعلُوا يتواطنون فأشكعه ذَلِك وَقَالَ لأسلم: انهم لن يرَوا على صَاحبك بز قوم غضب الله عَلَيْهِم.
أشكعه: فِيهِ قَولَانِ يُقَال اغضبه ذَلِك تَقول أشكعني الامر وأحفظني أَي: أَغْضَبَنِي وَيُقَال أشكعه: أمله وأضجره. يُقَال: شكعت من كَذَا إِذا مللته وَهَذَا أعجب إِلَيّ الأول لقَوْل أبي وجزة: من الْبَسِيط
(2/49)

.. سل الْهوى ولبانات الْفُؤَاد بهَا ... وَالْقلب شاكي الْهوى من حبها شكع ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ ان عَاملا لَهُ على الطَّائِف كتب اليه ان رجَالًا من فهم كلموني فِي خلايا لَهُم أَسْلمُوا عَلَيْهَا وسألوني أَن أحميها لَهُم. فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِنَّمَا هُوَ ذُبَاب غيث فَإِن أَدّوا زَكَاته فاحمه لَهُم.
الخلايا مَوَاضِع النَّحْل الَّتِي تعسل فِيهَا الْوَاحِدَة خلية. وَقَوله: إِنَّمَا هُوَ ذُبَاب غيث أَي: يكون مَعَ الْغَيْث يُرِيد أَنَّهَا تعيش بالمطر لِأَنَّهَا تَأْكُل مَا ينْبت عَنهُ. فَإِذا لم يكن غيتا لم يكن لَهَا مَا تَأْكُل فشبهها بالراعي والسائم من النعم إِذا لم يكن على صَاحبهَا مِنْهَا مؤونة وَأوجب فِيهَا الزَّكَاة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِن سعد بن الأخرم قَالَ: كَانَ بَين الْحَيّ وَبَين عدي بن حَاتِم تشاجر فأرسلوني إِلَى عمر بن الْخطاب فَأَتَيْته وَهُوَ يطعم النَّاس من كسور إبل وَهُوَ قَائِم متوكيء على عصى متزر إِلَى أَنْصَاف سَاقيه خذب من الرِّجَال كَأَنَّهُ راعي غنم وَعلي حلَّة ابتعتها بِخمْس مائَة دِرْهَم فَسلمت عَلَيْهِ فَنظر إِلَيّ بذنب عَيْنَيْهِ وَقَالَ لي
(2/50)

رجل: أمالك معوز قلت: بلَى قَالَ: فَأَلْقِهَا قَالَ فالقيتها وَأخذت معوزا ثمَّ لَقيته فَسلمت فَرد عَليّ السَّلَام.
يرويهِ سُفْيَان عَن شيخ من طي عَن سعد بن الأخرم.
كسور الْإِبِل أعضاؤها والخدب الْعَظِيم الجافي وَلذَلِك قيل للظليم: خذب.
وَقَوله: كَأَنَّهُ راعي غنم يُرِيد فِي الْجفَاء والبذاذة. وَالْعرب تضرب بِهِ الْمثل براعي الْغنم فِي الْجفَاء وَكَذَلِكَ راعي الابل تضرب بِهِ الْمثل قَالَ أَبُو النَّجْم يصف رَاعيا: [من الرجز] صلب الْعَصَا جَاف عَن التغزل
يُرِيد أَنه يجفو عَن المغازية والمزاح وَأَشْبَاه هَذَا. وَالْعرب أَيْضا تضرب الْمثل [10 / ب] براعي الْغنم فِي الْجَهْل وَيَقُولُونَ: {اجهل من راعي ضَأْن} وَقَالَ حميد بن ثَوْر يصف بَعِيرًا: من الطَّوِيل. ... محلى بأطواق عتاق يبينها ... على الضّر راعي الضان لَا يتقوف ...
يُرِيد انه اذا تبينها راعي الضَّأْن على جَهله فَغَيره لَهَا أَشد نَبينَا وَلِهَذَا قَالَ الأخطل لجرير: من الْكَامِل
(2/51)

.. فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا ... منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا ...
وَلم يكن جرير براعي ضَأْن وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن بني كُلَيْب يعيرون برعي الضَّأْن وَجَرِير مِنْهُم فَهُوَ من جفاتهم وَمن ذهب فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع} . إِلَى انه شبههم براعي الضَّأْن فِي الْجَهْل كَانَ على مَذْهَب الْعَرَب وَجها غير أَنه لم يذهب إِلَيْهِ أحد من الْعلمَاء فِيمَا نعلم.
وَفِي حَدِيث حنين أَن دُرَيْد بن الصمَّة قَالَ: بِأَيّ وَاد أَنْتُم قَالُوا بأوطاس فَقَالَ: نعم مجَال الْخَيل لَا حزن ضرس وَلَا سهل دهس ثمَّ قَالَ لمَالِك بن عَوْف: مَالِي أسمع بكاء الصَّغِير ورغاء الْبَعِير ونهاق الْحمير ويعار الشَّاء. قَالَ مَالك. يَا أَبَا قُرَّة اني سقت مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وذراريهم وَأَرَدْت أَن أجعَل كل رجل مِنْهُم أَهله وَمَاله يُقَاتل عَنهُ فأنقض بِهِ دُرَيْد ثمَّ قَالَ: لبس المعوز رد عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذَا من الْأَئِمَّة تَأْدِيب وَلَا يجوز ذَلِك لغَيرهم لِأَن رد السَّلَام فرض.
(2/52)

.. يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع
أَقُود وطفاء الزمع ... كَأَنَّهَا شَاة صدع ...
قَوْله: انقض بِهِ دُرَيْد يُرِيد انه نقر بِلِسَانِهِ فِي فِيهِ كَمَا تزجر الشَّاة أَو الْحمار.
وَقَوله: رويعي ضَأْن يستجهله وَبَلغنِي أَن قوما من منتصبي صحابة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذهبون فِي قَول الْقَائِل فِي عمر رَضِي الله عَنهُ كَأَنَّهُ راعي غنم إِلَى هَذَا المغنى ومعاذ الله وَكَيف يظنّ هَذَا بِمن جعل الله ظَنّه كيقين غَيره. وَجعل السكينَة على لِسَانه وَالْحق مَعَه حَيْثُ زَالَ وَحَيْثُ كَانَ وَلكنه شبههه براغي الْغنم فِي جفائه عَن الْعَبَث والمزح وخشونته وبذاذة هَيئته وَنَحْو هَذَا قَول ابْن عمر فِيهِ: انه كَانَ يَصِيح الصَّيْحَة فيكاد من سَمعهَا يصعق كَالْجمَلِ المحجوم. والمحجوم هُوَ الْبَعِير يَجْعَل فوه فِي حجام لِئَلَّا يعَض. والحجام والكعام وَاحِد. وَذَلِكَ إِذا هاج والمعوز: الثَّوْب الْخلق وَجمعه: معاوز كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الوز أَي يلْبسهُ الْفَقِير المعوز وَخرج مخرج الْآلَة والأداة بِكَسْر الْمِيم كَمَا يُقَال: مقطع ومحمل وَإِنَّمَا ترك عمر رَضِي الله عَنهُ فَرد السَّلَام عَلَيْهِ وَنظر إِلَيْهِ بمؤخر عَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ اشْتهر الْحلَّة فَلَمَّا الْحلَّة فَلَمَّا لبس المعوز رد عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذَا من الْأَئِمَّة تَأْدِيب وَلَا يجوز ذَلِك لغَيرهم لِأَن رد السَّلَام فرض.
(2/53)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه مر بِرَجُل قد قصر الشّعْر فِي السُّوق فعاقبه.
قصّ الشّعْر أَي: جزه وانما عاقبه على ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُؤمن اذا جز فِي السُّوق أَن تحمله الرّيح فتلقيه فِيمَا يَأْكُلهُ النَّاس ويأتدمونه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ انه ذكر فتيَان قُرَيْش وسر فهم فِي الانفاق فَقَالَ: لحرفة أحدهم أَشد عَليّ من عيلته.
الحرفة هَا هُنَا ان يكون الرجل لَا يتجر وَلَا يلْتَمس الرزق أَو يكون محدودا لَا يرْزق إِذا طلب وَمِنْه قيل: فلَان محارف والعيلة: الْفقر. وَأَرَادَ عمر أَن إغناء الْفَقِير مِنْهُم أيسر عَليّ من إصْلَاح الْفَاسِد.
والحرفة فِي مَوضِع آخر الِاكْتِسَاب بالصناعة وَالتِّجَارَة. وَفِي حَدِيث آخر لعمر أَنه قَالَ: إِنِّي لارى الرجل فَيُعْجِبنِي فَأَقُول هَل لَهُ حِرْفَة فَإِن قَالُوا لَا سقط من عَيْني. وَمِنْه يُقَال: فلَان حريف فلَان إِذا عَامله فعيل فِي معنى فَاعل مثل جليس
(2/54)

وأكيل وشريب.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لرجل: مَا مَالك فَقَالَ: أقرن لي وآدمة فِي المنيئة فَقَالَ: فقومها وزكها.
الأقرن جمع قرن وَهِي جعبة من جُلُود تكون للصيادين يشق جَانب مِنْهَا لتدخلها الرّيح وَلَا يفْسد الريش وآدمة جمع أَدِيم مثل جريب وأجربة. والمنيئة: الدّباغ وَإِنَّمَا امْرَهْ بتزكيتها لِأَنَّهَا كَانَت للتِّجَارَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِن أَبَا أبي وجزة السَّعْدِيّ قَالَ:
شهدته يَسْتَسْقِي فَجعل يسْتَغْفر فَأَقُول: أَلا يَأْخُذ فِيمَا خرج لَهُ وَلَا أشعر أَن الاسْتِسْقَاء هُوَ الاسْتِغْفَار. فقلدتنا السَّمَاء قلدا كل خمس عشرَة لَيْلَة حَتَّى رَأَتْ الأرنبة يأكلها صغَار الابل من وَرَاء حقاق العرفط.
رَوَاهُ الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن عبد الله بن عمر عَن أَبى وجزة عَن أَبِيه.
قَوْله: قلدتنا السَّمَاء يُرِيد مطرتنا لوقت. والقلد
(2/55)

أَن يَأْتِيك لمطر. وَكَذَلِكَ قلد الْحمى هُوَ أَن تَأْتِيك لوقت.
وقلد الزَّرْع: أَن تسقيه يَوْم حَاجته يُقَال: أَقمت قلدي إِذا أَنْت سقيت زرعك فِي الْأَوْقَات الَّتِي تحْتَاج إِلَى السَّقْي فِيهَا وَمِنْه حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: أَن قيمه فِي الوهط استأذنه فِي بيع فضل المَاء فَكتب إِلَيْهِ: لَا تبعه وَلَكِن أقِم قلدك ثمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فالأدنى فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع فضل المَاء. وَفِيه قَول آخر يُقَال: القلد فِي الْمَطَر من المقاليد وَهِي المفاتيح. قَالَ الله جلّ وَعز {لَهُ مقاليد السَّمَاوَات وَالْأَرْض يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر} .
أَي لَهُ مَفَاتِيح خزائنها وواحدها اقليد وَيُقَال أَصله فَارسي: إكليذ فَكَأَن عمر رَضِي الله عَنهُ استفتح بالاستغفار بَاب الرَّحْمَة والمطر فقلدت السَّمَاء أَي فتحت.
وَقَوله: حَتَّى رَأَيْت الأرنبة تأكلها صغَار الْإِبِل يُرِيد: ان الأرانب حملهَا السَّيْل حَتَّى تعلّقت بالعرفط وَهُوَ شجر أَو شوك والسيل يحمل السباغ والظباء والأرانب قَالَ امْرُؤ الْقَيْس وَذكر سيلا: من الطَّوِيل
(2/56)

.. كَأَن سياعا فِيهِ غرفى عَشِيَّة ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل ...
وَقَالَ الْهُذلِيّ وَذكر سيلا: من المتقارب كَأَن الظباء كشوح النِّسَاء يطفون فَوق ذراه جنوحا
وَزَاد فِي الأرنب هَاء. كَمَا قَالُوا: عقرب وعقربة لِأَن الأرنب وَالْعَقْرَب مؤنثتان وَذكر الأرانب خزز. وَذكر الْعَقْرَب عقربان وأرنب وعقرب يَقع على الْمُذكر والمؤنث حَتَّى تَقول: خزز أَو عقربان فَيكون ذَلِك للذّكر خَاصَّة فَمن زَاد فيهمَا هَاء فَإِنَّهُ أظهر علم التَّأْنِيث كَمَا قَالُوا متن وَهِي مُؤَنّثَة ثمَّ قَالُوا: متنة فأظهروا علم التَّأْنِيث وَقَالُوا طَرِيق ثمَّ قَالُوا طَريقَة.
وحقاق العرفط: صغارها وشوابها شبهت بحقاق الْإِبِل وَهِي الَّتِي لَهَا أَربع سِنِين.
وانما خص صغَار الشّجر دون كباره لِأَنَّهُ يقر من الأَرْض ويتشعب مِنْهُ شوك فَإِذا حمل السَّيْل الأرانب وَمَا أشبههَا تعلق بشعب العرفط فَيبقى متشبثا بِهِ ويمضي السَّيْل. وَدلّ أَيْضا على انها تنْبت بذلك الْمَطَر. وَتخرج الْإِبِل الى المرعى فتأكل مَا تعلق بذلك من عِظَام الأرانب وَغَيرهَا وَالْإِبِل تَأْكُل عِظَام الْميتَة قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: من الطَّوِيل
(2/57)

وَكنت كعظم العاجمات اكتنفنه ... بأطرافها حَتَّى استدق نحولها ...
يَقُول: بليت حَتَّى صرت كعظم اكتنفته الْإِبِل ترتمه بأطرافها أَي: بأفواها حَتَّى استدق نَحْوهَا الابل إِذا لم تَجِد غَيره من المرعى وَكَانَ بعض الروَاة يذهب فِي تَفْسِير هَذَا الْبَيْت إِلَى غير مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَهَذَا أحسن مَا سمعناه فِيهِ. وأبعده من الاستكراه قَالَ لبيد: من الْبَسِيط
والنيب ان تعر مني رمة خلقا ... بعد الْمَمَات فَإِنِّي كنت أثئر ...
يَقُول: الابل ان تعتر مني عظما بَالِيًا بعد مماتي تَأْكُله فقد اثأرت افتعلت من الثأر أَي: قد كنت أنحرها وأعرقها وَأَنا حَيّ فقد ادركت ثَأْرِي.
وَقَالَ عِكْرِمَة: ان الَّذين يغرقون فِي الْبَحْر تقتسم لحومهم الْحيتَان فَلَا يبْقى مِنْهُم شىء إِلَّا الْعِظَام فتلقيها الأمواج على السَّاحِل فتمكث حينا ثمَّ تصير حائلة نخرة ثمَّ تمر بهَا الْإِبِل فتأكلها ثمَّ تجتر ثمَّ تسير الابل فتبعر ثمَّ يجىء قوم فينزلون فَيَأْخُذُونَ ذَلِك البعر فيوقدون بِهِ ثمَّ تخمد تِلْكَ النَّار فتجىء ريح فتلقي ذَلِك الرماد على الأَرْض. فَإِذا جَاءَت النفخة إِذا هم قيام ينظرُونَ يخرج اولئك وَأهل الْقُبُور سَوَاء وَفِي قَول آخر يُقَال ان الأرنبة ضرب
(2/58)

من النبت لَا يكَاد يطول وَأَرَادَ أَنه طَال بِهَذَا الْمَطَر حَتَّى أَكلته صغَار الْإِبِل وتناولته من وَرَاء شجر العرفط.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ: مَا ولي أحد إِلَّا حام على قرَابَته وقرى فِي عيبته وَلنْ يَلِي النَّاس كقرشي عض على ناجذه.
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي.
وَقَوله: حام على قرَابَته يُرِيد: عطف عَلَيْهِم وَقصد بالنفع لَهُم وحاطهم وَأَصله من قَوْله: الابل تحوم على المَاء إِذا دارت حوله لتشرب.
وَقَوله: وقرى فِي عيبته أَي: اختان وأصل قرى جمع يُقَال: قريت المَاء فِي الْحَوْض إِذا جمعته فِيهِ وقرى الدَّابَّة الْعلف فِي شدقه.
والعيبه: عَيْبَة الثِّيَاب وَكَانُوا يجْعَلُونَ فِيهَا حر مَتَاعهمْ وَأفضل مَا يحرزون ويخفون. فَقيل فلَان يقري فِي عيبته إِذا اختان وَقد بَين ذَلِك ابْن أَحْمَر حِين ذكر عُمَّال الصَّدَقَة وحياناتهم فقا ل: من الْبَسِيط
(2/59)

.. ان االعياب الَّتِي يخفون مشرجة ... فِيهَا الْبَيَان ويخفي عنْدك الْخَبَر
فَابْعَثْ إِلَيْهِم فحاسبهم محاسبة ... لَا تخف عين على عين وَلَا أثر
هَل فِي الثماني من التسعين مظْلمَة ... وربها بِكِتَاب الله مصبطر ...
يَقُول: هَل فِي ثَمَانِي فَرَائض أخذت من تسعين شَاة مظْلمَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ: لن تخور قوى مَا كَانَ صَاحبهَا ينْزع وينزو. بَلغنِي عَن ابْن عَائِشَة.
قَوْله: لن تخور أَي: لن تضعف وَمِنْه قيل للضعيف خوار وخار فلَان فِي الْعَمَل إِذا ضعف. والقوى جمع قُوَّة.
وَقَوله: مَا كَانَ صَاحبهَا ينْزع أَي: ينْزع فِي الْقوس وينزو يُرِيد: النزو على الْخَيل وَترك الِاسْتِعَانَة على الرّكُوب بالركب.
قَالَ الْعمريّ: كَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَأْخُذ
(2/60)

بِيَدِهِ الْيُمْنَى أذنة الْيُسْرَى تمّ يبجمع جزاميزه ويثب فَكَأَنَّمَا خلق على ظهر فرسه. جراميزه: رِجْلَاهُ ويداه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: تعلمُوا السّنة والفرائض واللحن كَمَا تعلمُونَ الْقُرْآن.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن عبد الله بن عبد الوهاب الحجي عَن عبد الواحد بن زِيَاد عَن عَاصِم الْأَحول عَن مؤرق الْعجلِيّ.
اللّحن هَاهُنَا: اللُّغَة يَقُول: تعلمُوا اللُّغَة يَعْنِي الْغَرِيب والنحو كَمَا تتعلمون الْقُرْآن لِأَن فِي اللُّغَة علم غَرِيب الْقُرْآن ومعانيه ومعاني الحَدِيث وَالسّنة وَمن لم يعرف اللُّغَة لم يعرف أَكثر كتاب الله وَلم يقمه وَلم يعرف اكثر السّنَن.
وروى شريك عَن أَبى اسحق قَالَ قَالَ أَبُو ميسرَة فِي قَول الله جلّ وَعز: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم} . ان العرم المسناة بلحن الْيمن يُرِيد بلغَة الْيمن وَمِنْه قَول ذِي الرمة: من الْبَسِيط ... فِي لحنه عَن لُغَات الْعَرَب تعجيم ...
(2/61)

أَي: فِي لغته تعجيم عَن لُغَات الْعَرَب.
وقاال ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ ان عَطاء بن يسَار قَالَ: قلت للوليد بن عبد الْملك قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: وددت أَنِّي سلمت من الْخلَافَة كفافا لَا عَليّ وَلَا لي. فَقَالَ أَو كذبت الْخَلِيفَة يَقُول هَذَا فَقلت: كذبت قَالَ: فَأَفلَت مِنْهُ بجريعة الذقن.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن إِسْحَق بن يحيى ابْن طَلْحَة عَن عَطاء بن يسَار. وخبرني ابو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ هَذَا مثل يُقَال: أفلت فلَان بجريعة الذقن. يُرَاد أَن نَفسه صَارَت فِي فِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِم وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال: أفلتني فلَان جريعة الذقن إِذا كَانَ قَرِيبا مِنْهُ كجرعة الذقن وَقَالَ الْهُذلِيّ مثل قَول الْأَصْمَعِي: من الطَّوِيل ... نجا سَالم وَالنَّفس مِنْهُ بشدقة ... وَلم ينج الا جفن سيف ومئزرا ...
تمّ حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ.
(2/62)

- حَدِيث عُثْمَان ابْن عَفَّان
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: وددت أَن مَا بَيْننَا وَبَين الْعَدو هوتة لَا يدْرك قعرها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن ابى اسحاق عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن الْحسن ان عُثْمَان قَالَ ذَلِك.
الهوتة بِمَنْزِلَة الهوة والهوة تقديرها فعلة من: هوى يهوى قَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي انما سميت هيت لِأَنَّهَا فِي هوة من الأَرْض وَكَأن الْيَاء فِي هيت منقلبة عَن وَاو للكسرة قبلهَا لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة من الهوتة. وَمثل ذَلِك: الْبَصَر وَالْبَصْرَة إِذا كسرت أَولهَا أسقطت الْهَاء وَإِذا فتحت اولها أثبت الْهَاء وَهِي حِجَارَة رخوة وَبهَا سميت الْبَصْرَة. وَمعنى الحَدِيث أَنه اراد سَلامَة الْمُسلمين فأثرها على الْجِهَاد مَعَ قَتلهمْ وَهُوَ مثل قَول عمر رَضِي الله عَنهُ: وددت أَن وَرَاء الدَّرْب جَمْرَة وَاحِدَة وَنَارًا توقد يَأْكُلُون مَا وَرَاءه وَنَأْكُل مَا دونه لَا يأتوننا وَلَا نأيتهم.
(2/63)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ ان سَعْدا وَعمَّارًا ارسلا اليه أَن ائتنا فانا نُرِيد ان نذاكر أَشْيَاء أحدثتها فَأرْسل إِلَيْهِمَا: ميعادكم يَوْم كَذَا وَكَذَا حَتَّى أتشزن ثمَّ اجْتَمعُوا لِلْمِيعَادِ فَقَالُوا: ننقم عَلَيْك ضربك عمارا فَقَالَ عُثْمَان: تنَاوله رَسُولي من غير أَمْرِي فَهَذِهِ يَدي لعمَّار فليصطبر. وَذكروا بعد ذَلِك أَشْيَاء نقموها عَلَيْهِ فأجابهم وَانْصَرفُوا راضين فَأَصَابُوا كتابا مِنْهُ إِلَى عَامله أَن خُذ فلَانا وَفُلَانًا فَضرب أَعْنَاقهم فَرَجَعُوا فبدءوا بعلي عَلَيْهِ السَّلَام فَجَاءُوا بِهِ مَعَهم فَقَالُوا: هَذَا كتابك. فَقَالَ عُثْمَان: وَالله ماكتبت وَلَا أمرت قَالُوا: فَمن تظن. قَالَ: اظن كاتبي وأظنك بِهِ يَا فلَان. فِي حَدِيث طَوِيل اختصرناه.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عَفَّان عَن أَبى مُحصن عَن حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن جهيم رجل من فهر.
قَوْله: أتشزن يُرِيد: استعد للاحتجاج وَهُوَ مَأْخُوذ من الشزن وَهُوَ عرض الشىء وجانبه كَأَن المتشزن يدع الظمأنينة فِي جُلُوسه وَيجْلس مستوفزا على جَانب.
وَقَالَ عبيد الله بن زِيَاد: نعم الشَّيْء الامارة لَوْلَا قعقعة الْبرد والتشزن للخطب.
وَقَوله: هَذِه يدى لعمَّار أَي: أَنا مستسلم لَهُ وَفِي الْيَد أَمْثَال:
(2/64)

مِنْهَا قَوْلهم: هَذِه يَدي لَك يُرِيد بِهِ الانقياد وَفُلَان يقلب كفيه على كَذَا إِذا نَدم. وَمثله: سقط فِي يَده إِذا نَدم ورددت يَدَيْهِ فِي فِيهِ إِذا غظته. وَأَصله: انه بعض على أَصَابِعه غيظا وتلهفا قَالَ الشَّاعِر: من المتقارب. ... يردون فِي فِيهِ عشر الحسود ...
يُرِيد انه يعَض عَلَيْهِم أَصَابِعه غيظا وَنَحْوه قَول الْهُذلِيّ: من المتقارب ... قد افنى أنامله أزمه ... فأضحى يعَض عَليّ الوظيفا ...
الأزم: العض.
وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم} وَخرج فلَان انازع يَد أَي عَاصِيا وهم عَلَيْهِ يَد أَي: مجتمعون وَأَعْطَاهُ عَن ظهر يَد أَي: ابْتِدَاء لَا عَن بيع وَلَا عَن مُكَافَأَة.
وَقَوله: فليصطبر أَي: فليقتص وأصل الاصطبار الْحَبْس على الْقود وَالْقصاص. يُقَال: صبرته واصطبرته فسميا اصطبارا.
وَقَوْلهمْ: من تظن بِذَاكَ أَي: من تتهم وَأَصله: تظتن من
(2/65)

الظنة فأدغمت الظَّاء فِي الثَّاء ثمَّ أبدلت مِنْهُمَا طاء مُشَدّدَة كَمَا تَقول: مظلم من الظُّلم وَالْأَصْل: مظتلم ومدكر من الذّكر وَالْأَصْل: مذتكر وأنشدوا: من الْبَسِيط ... هُوَ الْجواد الَّذِي يعطيك نائله ... عفوا وَيظْلم أَحْيَانًا فيظلم ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه جَاءَ ابْن أَبى بكر إِلَيْهِ فَأخذ بلحيته وَأَقْبل رجل مسقف بِالسِّهَامِ فَأَهوى بهَا إِلَيْهِ.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ سهل بن مُحَمَّد ثناه الْأَصْمَعِي عَن أبي الْأَشْهب.
المسقف الطَّوِيل وَفِيه مَعَ طوله انحناء وَكَذَلِكَ الأسقف يُقَال: هُوَ أَسْقُف بَين السّقف قَالَ الْمسيب بن علس وَذكر غائصا: من الْكَامِل ... فانصب أَسْقُف رَأسه لبد ... نزعت رباعيتاه للصبر ...
(2/66)

وحَدثني ابى حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبى عوَانَة أَو عوَانَة قَالَ: كَانَ القواد الَّذين ولوا قبله سِتَّة: عَلْقَمَة بن عبس وكنانة بن بشر وَحَكِيم بن جبلة وَالْأَشْتَر وعبد الله بن بديل كنَانَة بن بشر وَقتل مَكَانَهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَا يَغُرنكُمْ جشركم من صَلَاتكُمْ.
الجشر أَن يخرج لقوم دوابهم من الْمنَازل يرعونها يُقَال: بَنو فلَان جشر إِذا كَانُوا يُقِيمُونَ فِي الرَّعْي لَا يرجعُونَ إِلَى الْبيُوت كل لَيْلَة قَالَ الأخطل: من الْبَسِيط ... يعرمونك رَأس ابْن الْحباب وَقد ... أَمْسَى وللسيف فِي خيشومه أثر
تسأله الصَّبْر من غَسَّان إِذْ حَضَرُوا ... والحزن كَيفَ قراك الغلمة الجشر ...
(2/67)

وَالصَّبْر والحزن: قبيلتان من الْيمن وَكَانَ عُمَيْر بن الْحباب يَقُول: إِنَّمَا هم جشر لنا. قَالَ: فهم يَقُولُونَ لرأسه كَيفَ رَأَيْت قرى هَؤُلَاءِ الَّذين كنت تزْعم انهم جشر لَك. وَلِهَذَا قيل لراعي الدَّوَابّ: جاشر وجشار وَمِنْه حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عبد الله بن عمر قَالَ: كُنَّا فِي سفر مَعَه فنزلنا منزلا فمنا من ينتضل وَمنا من هُوَ فِي جشره فَنَادَى مناديه: الصَّلَاة جَامِعَة يُرِيد بالجشر: إِنَّهُم أخرجُوا دوابهم من الْمنزل الَّذِي نزلوه يرعونها قرب الْبيُوت وَالَّذِي أَرَادَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ بقوله لَا يَغُرنكُمْ جشركم من صَلَاتكُمْ انهم كَانُوا يتأولون فِي خُرُوجهمْ إِلَى الرعى السّفر فيقصرون الصَّلَاة. فَقَالَ: لَا تَفعلُوا ذَلِك لِأَن الْمقَام فِي المرعى وان طَال لَيْسَ بسفر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه أَمر مناديا فَنَادَى: ان الزَّكَاة فِي الْحلق واللبة لمن قدر وأقروا الْأَنْفس حَتَّى تزهق.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن
(2/68)

ابى إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الْمَعْرُور الْكَلْبِيّ عَن رجل.
قَوْله: لمن قدر يَعْنِي ان هَذَا زَكَاة مَا فِي يَديك فَإِنَّمَا مَا ند فزكاته فِي الْموضع الَّذِي وَقع فِيهِ سهمك أَو سَيْفك بِمَنْزِلَة الصَّيْد. وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا غَلَبَكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. هَذَا أَو نَحوه فِي الْكَلَام.
وَمِنْه الحَدِيث: إِن ناضحا تردى فِي بِئْر فذكي من قبل شاكلته فَأخذ ابْن عمر مِنْهُ عشيرا بِدِرْهَمَيْنِ.
والشاكلة: الخاصرة. وَفِي حَدِيث آخر: أَن قرمليا تردى فِي بِئْر. والقرملي الصَّغِير من الْإِبِل فِي جِسْمه.
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه لما قتل قيل انها فتْنَة باقرة كوجع الْبَطن.
يرويهِ سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَاصِم عَن ابى وَائِل. الباقرة: الْفَاتِحَة الموسعة من قَوْلك: بقرت بَطْنه أَي:
(2/69)

شققته وَأَرَادَ أَن الألفة والاجتماع كَانَا قبل قَتله فَلَمَّا قتل انصدع ذَلِك وانما سمي الاتب بقيرا للشق وَهُوَ برد يشق ثمَّ تلقيه الْمَرْأَة فِي عُنُقهَا من غير كمين وَلَا جيب وَشبههَا بوجع الْبَطن لِأَن وجع الْبَطن لَا يدرى مَا هاجه وَلَا كَيفَ يَتَأَتَّى لَهُ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الْفِتْنَة باقرة كوجع الْبَطن لَا يدرى أَنى يُؤْتى لَهُ.
قَالَ ابْن أَحْمَر: من الوافر ... أرانا لَا يزَال لنا حميم ... كداء الْبَطن سلا اَوْ صفارا ...
وَقَالَ آخر: من الطَّوِيل ... وَمولى كداء الْبَطن لَا خير عِنْده ... وَلَا شَرّ الا أَن يغيب الأدانيا ...
وَأَرَادَ أَنَّهَا فتْنَة لَا يدرى كَيفَ يَتَأَتَّى لسكونها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ إِن خبيب بن شَوْذَب قَالَ: كَانَ الْحمى حمى ضرية على عهد عُثْمَان سرح الْغنم سِتَّة الأميال ثمَّ زَاد النَّاس فِيهِ فَصَارَ خيال بامره
(2/70)

وخيال بأسود الْعين. وَقَالَ: وَحمى الربذَة نَحْو من حمى ضرية.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن حبيب بن شَوْذَب. قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي تَفْسِير الخيال انهم كَانُوا ينصبون خشبا عَلَيْهَا ثِيَاب سود ليعلم إِنَّه حمى وأنشدني الرياشي: من الطَّوِيل ... أخي لَا اخا لي غَيره غير أنني ... كراعي الخيال يستطيف لَا فكره ...
وَقَالَ: راعي الخيال: هُوَ الرأل ينصب لَهُ الصَّائِد خيالا فيالفه فَيَجِيء فَيَأْخُذ الخيال فيتبعه الرأل.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم وخبرني ابْن سَلام الجُمَحِي عَن يُونُس النَّحْوِيّ انه قَالَ: يُقَال لَيْسَ لي فِي هَذَا الْأَمر فكر بِمَعْنى: تفكر.
(2/71)

وإمرة وأسود الْعين: جبلان قَالَ الشَّاعِر يهجو قوما: من الطَّوِيل ... إِذا غَابَ عَنْكُم أسود الْعين كُنْتُم ... كراما وَأَنْتُم مَا أَقَامَ لئام ...
يُرِيد: ان لؤمكم لَا يَزُول حَتَّى يَزُول هَذَا الْجَبَل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: قد اخْتَبَأْت عِنْد الله خِصَالًا إِنَّنِي لرابع الْإِسْلَام وزوجني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنَته ثمَّ ابْنَته وبايعته بيَدي هَذِه الْيُمْنَى فَمَا مسست بهَا ذكري وَلَا تغييت وَلَا تمنيت وَلَا شربت خمرًا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام.
يرويهِ زيد بن الْحباب عَن ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بِهِ عَمْرو الْمعَافِرِي عَن أَبى ثَوْر الفهمي.
قَوْله: وَلَا تمنيت أَي: مَا افتعلت الْأَحَادِيث وتخرصت الْكَذِب وَذكر الْفراء: ان رجلا من بعض الْعَرَب سمع ابْن دأب وَهُوَ يحدث فَقَالَ: هَذَا شَيْء رويته أَو شَيْء تمنيته يُرِيد
(2/72)

اختلقته. وَيُقَال لتِلْك الْأَحَادِيث المفتعلة: أماني واحدتها: أُمْنِية.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: {وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني} فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن تجْعَل الأمنية التِّلَاوَة كَقَوْلِه تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} .
يَقُول: إِذا تَلا الْقُرْآن الشَّيْطَان فِي تِلَاوَته.
وَالْقَوْل الآخر أَن تجْعَل الأمنية: الإختلاق والافتعال يُرِيد: لَا يعلمُونَ الْكتاب الا أَحَادِيث يسمعونها من كبرائهم مفتعلة لَيست من كتاب الله تَعَالَى وَهَذَا أبين الْوَجْهَيْنِ عِنْدِي عَن الْفراء.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ ان أبان بن سعيد قَالَ لَهُ حِين بعث بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أُسَارَى الْمُسلمين: يَابْنَ عَم: مَا أَرَاك متحشفا أسبل فَقَالَ عُثْمَان: هَذَا إزرة صاحبنا.
يرويهِ عبيد الله بن مُوسَى عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه.
(2/73)

قَوْله: مَالِي أَرَاك متحشفا أَي: متيبسا متقلص الثَّوْب وَمِنْه يُقَال ليابس التَّمْر ورديئه حشف. وَيُقَال فِي مثل أحشفا وَسُوء كيلة أَي: أتجمع عَليّ أَن تُعْطِينِي رَدِيء التَّمْر وتسي الْكَيْل وَيُقَال: المتحشف اللابس للحشيف وَهُوَ الثَّوْب الْخلق كَمَا يُقَال متقمس للابس الْقَمِيص قَالَ الْهُذلِيّ وَذكر صائدا: من الْبَسِيط ... يدني الحشيف عَلَيْهَا كي يواريها ... وَنَفسه وَهُوَ للأطمار لِبَاس ...
عَلَيْهَا أَي على الْقوس وَقَوله: أسبل يُرِيد اسبل إزارك وَكَانَ قد شمره فَقَالَ عُثْمَان: هَكَذَا يأتزر صاحبنا يَعْنِي النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والإزرة مثل: الرّكْبَة والجلسة والقتلة وَالْميتَة وَيُقَال: مَاتَ فلَان ميتَة سوء وَهَذَا كُله يُرَاد بِهِ ذَلِك الْجِنْس أَو الضَّرْب من الْفِعْل فَإِن اردت الْمرة الْوَاحِدَة فَهُوَ بِالْفَتْح يُقَال: جلس جلْسَة وَاحِدَة وَقعد قعدة وَاحِدَة ولقيته لقية وأتيته أتية. وَقد تَجْتَمِع فعلة وفعلة فِي حرف وَاحِد وهما سَوَاء مثل الْهَيْئَة والهيئة والمهنة والمنهة أَي: الْخدمَة واللقمة واللقمة واللقوة واللقوة وَهِي الْعقَاب. فَأَما الَّتِي تسرع الْحمل: فَهِيَ لقُوَّة بِالْفَتْح لَا غير. وَفُلَان بعيد الهمة والهمة وَمن المعتل: الضعة والضعة والقحة والقحة والطاة والطيئة من الْوَطْأَة.
(2/74)

وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ: كل شَيْء يحب وَلَده حَتَّى الحباري. وَإِنَّمَا خص الْحُبَارَى من جَمِيع الْحَيَوَان لِأَنَّهُ يضْرب بهَا الْمثل فِي الموق. يَقُول فَهِيَ على موقها تحب وَلَدهَا وتعلمه الطيران إِذا هُوَ قوي وَذَلِكَ بِأَن تطير مرّة يمنة ويسرة عَنهُ وَهُوَ ينظر ليتعلم قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... وكل شَيْء قد يحب وَلَده ... حَتَّى الْحُبَارَى فتطير عِنْده ...
قَوْله: عِنْده أَي: عراضه وَمثل آخر يضْرب بهَا يُقَال: مَاتَ فلَان كمد الْحُبَارَى. وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا تحسرت وَأَلْقَتْ ريشها مَعَ إِلْقَاء الطير ريشه أَبْطَأَ نَبَات ريشها فَإِذا طَار الطير ورامت هِيَ الطيران فَلم تقدر عَلَيْهِ مَاتَت كمدا وَقَالَ أَبُو الْأسود: من الوافر
وَزيد ميت كمد الْحُبَارَى ... إِذا ظعنت هنيدة أَو ملم ...
ملم أَي: مقارب للْمَوْت.
(2/75)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه خرج يومامن دَاره وَقد جىء بعامر بن عبد قيس وأقعد فِي دهليزه فَرَأى شَيخا دميما أشغى ثطا فِي عباءة فَأنْكر مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي: ايْنَ رَبك قَالَ: بالمرصاد.
قَالَ الْأَصْمَعِي: الشغا فِي الْأَسْنَان وَهُوَ أَن يخْتَلف ثنيتها وَلَا تنسق يُقَال: رجل أشغى وَامْرَأَة شغواء وَقَالَ غَيره: الشغا: خُرُوج الثنيتين من الشّفة وارتفاعهما وَإِنَّمَا قيل للعقاب: شغواء لتعقف منقارها. والشط من الرِّجَال والأثط: هُوَ الذ ي عري وَجهه من الشّعْر الا طاقات فِي اسفل حنكه والسنوط والسناط هُوَ الكوسج.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه أهديت اليه يعاقيب وَهُوَ محرم بالعرج فَقَامَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ:
(2/76)

لم قُمْت فَقَالَ: لِأَن جلّ وَعز يَقُول: {وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما} .
يرويهِ سُفْيَان عَن يزِيد بن ابى زِيَاد عَن عبد الله بن الْحَرْث بن نَوْفَل. اليعاقيب: ذُكُور القبج وَاحِدهَا يَعْقُوب. وَقَالَ رجل لعطاء: أهديت لي يعاقيب وَأَنا بِمَكَّة وذبحتها فَقَالَ لي: تصدق بِثمنِهَا. قَالَ سَلامَة بن جندل وَذكر الشَّبَاب: من الْبَسِيط
ولى حثيثا وَهَذَا الشيب يتبعهُ ... لَو كَانَ يُدْرِكهُ ركض اليعاقيب ...
والر كض: الطيران وَيُقَال للْأُنْثَى حجلة وقبجة وَكَذَلِكَ الذّكر بِالْهَاءِ حَتَّى تَقول: يَعْقُوب وَمثله النعامة الذّكر وَالْأُنْثَى حَتَّى يَقُول ظليم وَكَذَلِكَ الدراجة للذّكر وَالْأُنْثَى حيقطان والنحلة للذّكر والانثى حَتَّى تَقول: يعسوب والبومة الذّكر وَالْأُنْثَى حَتَّى تَقول: صدى أَو فياد. والحبارى للذّكر وَالْأُنْثَى حَتَّى تَقول: خرب وَمثل هَذَا كثير. وَقد اخْتلف النَّاس فِي لحم الصَّيْد فِي الاحرام فكرهه قوم لقَوْل الله جلّ وَعز: {وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما} ذَهَبُوا إِلَى لفظ الْآيَة
(2/77)

لِأَنَّهُ يَتَّسِع للمعنيين جَمِيعًا صَيْده وَأكله مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَكَانَ يَقُول فِي هَذِه الْآيَة: هِيَ مُبْهمَة. وَمِنْهُم ابْن عمر وَمِنْهُم عَائِشَة وروت ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهديت إِلَيْهِ وشيقة - تُرِيدُ ظَبْي - فَردهَا وَمن ترخص وَأفْتى بِأَكْلِهِ: أَكثر مِنْهُم عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَالزُّبَيْر.
وروى أَبُو قَتَادَة الانصاري انه أصَاب حمَار وَحش وَهُوَ حَلَال فَأتى بِهِ أَصْحَابه وهم محرمون فشكوا فِي أكله فَلَحقُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ أمامم فَقَالَ: كلوه فَذهب هَؤُلَاءِ إِلَى أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا حرم على الْمحرم أَن يصطاده أَو يعقره وَلم يحرم عَلَيْهِ أكل لَحْمه إِذا صَاده حَلَال لغير حرَام أَو شَيْء من سَببه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ حِين تنكر لَهُ النَّاس إِن هَؤُلَاءِ النَّفر رعاع غثرة تطأطأت لَهُم إخْوَانًا وأراهموني الْبَاطِل شَيْطَانا أجررت المرسون رسنه وأبلغت الراتغ مسقانه فَتَفَرَّقُوا عَليّ فرقا ثَلَاثًا فصامت
(2/78)

صمته أنفذ من صول غَيره وساع أَعْطَانِي شَاهده ومنعنى غابه ومرخص لَهُ فِي مُدَّة زينت فِي قلبه فَأَنا مِنْهُم بَين ألسن لداد وَقُلُوب شَدَّاد وسيوف حداد عذيري الله مِنْهُم أَلا ينْهَى عَالم جَاهِلا وَلَا يردع أَو ينذر حَلِيم سَفِيها وَالله حسبي وحسبهم يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون.
وَفِي الحَدِيث أَن أم سَلمَة أرْسلت إِلَيْهِ يَا بني مَالِي أرى رعيتك عَنْك مزورين وَعَن جنابك نافرين لَا تعف سَبِيلا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحبها وَلَا تقدح بزند كَانَ أكباه توخ حَيْثُ توخى صاحباك فَإِنَّهُمَا ثكما الْأَمر ثكما وَلم يظلماه.
قَوْله: رعاع غثرة. كَذَا سمعته يرْوى عَثْرَة كَأَنَّهُ جمع عاثر مثل كَافِر وكفرة وَفَاجِر وفجرة وَلم أسمع لغائر جمعا إِنَّمَا يُقَال: رجل أغثر إِذا كَانَ جَاهِلا وَامْرَأَة غثراء والغثراء عَامَّة النَّاس ورعاعهم. الغثرة والغبرة وَاحِد. يُقَال شَيْء أغثر وأغبر والبغثاء والبرشاء الْجَمَاعَة من النَّاس وَإِنَّمَا قيل لَهَا بغثاء وبرشاء لِأَن فِيهَا الْأَحْمَر وَالْأسود. وَكَانَ يَنْبَغِي على هَذَا أَن يكون رعاع غثر مثل أغبر وغبر وَلَعَلَّه أَن يكون يجْتَمع فِي الْحَرْف أفعل وفاعل كَمَا يُقَال وَاحِد وأوحد ومائل وأميل أَو يكون أفعل قد
(2/79)

يجمع على فعلة فَإِنِّي سَمِعت فِي حَدِيث آخر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا أَخَاف على قُرَيْش إِلَّا أَنْفسهَا. ثمَّ وَصفهم فَقَالَ: أشحة بجرة يفتنون النَّاس حَتَّى تراهم بَينهم كالغنم بَين الحوضين إِلَى هَذَا مرّة وَإِلَى هَذَا مرّة.
والبجرة الْعِظَام الْبُطُون يُقَال رجل أبجر إِذا كَانَ عَظِيم الْبَطن ناتىء السُّرَّة وَمِنْه سمي الرجل بجيرا وَهُوَ مصغر مرخم يُرِيد أَنهم أَكلَة عِظَام الْبُطُون.
وَقَوله: تطأطأت يُرِيد: خفضت لَهُم نَفسِي وذللت وَيُقَال فِي الْمثل: تطأطأ لَهَا تخطك. يُرَاد انخفض لَهَا وَلَا تتعزز فَإِنَّهَا تمْضِي وَتذهب وَإِن كنت أشرفت لَهَا وتلقيتها بِمثلِهِ لم تأمن أَن تجر عَلَيْك: مَا هُوَ أَشد مِنْهَا. ثمَّ ضرب تطأطؤ الدلاة لتطأطئه لَهما مثلا.
والدلاه: جمع دَال وَهُوَ النازع بالدلو وَإِذا جذبها تطأطأ يُقَال مِنْهُ: دلا يدلوه إِذا نزع. فَإِن أَلْقَاهَا فِي المَاء ليستقي قيل: أدلى فَهُوَ مدل وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فأدلى دلوه} أَي أرسلها. وَأما قَول العجاج: من الرجز
(2/80)

.. تكشف عَن جماته دلو الدَّال ...
فَإِن المدلي كَانَ فِي هَذَا الْموضع أشبه بِمَا أَرَادَ وَلكنه أَرَادَ القافية وَعلم أَن الدَّال والمدلي جَمِيعًا صفتان للمستقي فَكَأَنَّهُ قَالَ: تكشف عَن جماته دلو المستقي. وجمة المَاء معظمه.
وَأما قَوْله: تلددت تلدد الْمُضْطَر فَإِن التلدد: التلفت يَمِينا وَشمَالًا وَهُوَ من اللديدين وهما صفحتا الْعُنُق ولديد الْوَادي جانباه وَمِنْه اللدود وَهُوَ الوجور فِي أحد جَانِبي الْفَم لِأَنَّهُ يجْرِي فِي أحد اللديدين. يُقَال: تركت فلَانا متحيرا يتلدد وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ انه داراهم وراقبهم كَمَا يفعل الْمُضْطَر وَلَيْسَ بمضطر.
والمرسون هُوَ الَّذِي جعل عَلَيْهِ الرسن يُقَال: رسنت الدَّابَّة وَالْبَعِير أرسنه رسنا وأرسنته وَهَذَا الْحَرْف وَحده جَاءَ من بَين أَمْثَاله على فعلت وأفعلت وسائرها على أفعلت يُقَال: أنفرت الدَّابَّة وألبدته وألببته وأعذرته وأحكمته من: الثفر واللبد واللبب والعذار وَالْحكمَة فَأَما فِي عقل الْبَعِير وشده فَقَالَ جَاءَ فعلت مثل هجرته بالهجار وعقلته بالعقال وأبضته بالأباض فِي حُرُوف كَثِيرَة.
وَقَوله: أحررته رسنه يُرِيد أَنه خلاه وَأَهْمَلَهُ يرْعَى كَيفَ شَاءَ كَأَنَّهُ ير رسنه اذا خلي وَنَحْو مِنْهُ قَوْلهم: حبلك
(2/81)

على غاربك. وَالْغَارِب: مقدم السنام وَالْأَصْل فِيهِ أَن يلقى حَبل النَّاقة على غاربها وتترك تسرح وَتذهب وتجىء حَيْثُ شَاءَت فكني بذلك عَن الطَّلَاق.
والراتع الَّذِي يرتعي والمسقاة مَوضِع الشّرْب وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم والعوام تقوم مسقاة بِكَسْرِهَا وَكَذَلِكَ مرقاة الدرجَة بِفَتْح الْمِيم وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه رفق برعيته ولان لَهَا فِي السياسة كمن خلا الركاب ترعى كَيفَ شَاءَت. وَهُوَ مَعَ ذَلِك يبلغهَا المورد فِي رفق وَمثل هَذَا فِي الرِّفْق بالابل قَول الرَّاعِي: من الطَّوِيل ... لَهَا أمرهَا حَتَّى إِذا مَا تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا ...
قَوْله: لَهَا أمرهَا يُرِيد انه جعل أمرهَا إِلَيْهَا تذْهب كَيفَ شَاءَت حَتَّى إِذا أَقَامَت فِي مَوضِع اختارته لأنفسها اضْطجع وَتركهَا ترعى.
وَقَوله: ومرخص لَهُ فِي مُدَّة زينت فِي قلبه والمدة: أَيَّام الْعُمر وَهِي الْعدة أَيْضا وَجَمعهَا: مدد وَعدد وَمِنْه قَول نادبة الْأَحْنَف: أما وَالَّذِي كنت من أَجله فِي عدَّة وَمن الْحَيَاة إِلَى مُدَّة وَمن الْمِضْمَار إِلَى غَايَة وَمن الْآثَار إِلَى نِهَايَة.
وَقَوله: زينت فِي قلبه يُرِيد أَن هَذِه الْأَيَّام فِي الدُّنْيَا حببت إِلَيْهِ فَبَاعَ بهَا حَظه من الْآخِرَة فَهُوَ يسْتَحل مني مَا يحرم عَلَيْهِ. أَو نَحوه من الْمَعْنى.
وَقَوله: فصامت صمته أنفذ من صول غَيره يَقُول
(2/82)

امساكه أَشد من تطاول غَيره ووعيده. يُقَال: صال عَلَيْهِ إِذا علاهُ.
وَمِنْه الحَدِيث: إِن هذَيْن الْحَيَّيْنِ من الْأَوْس والخزرج كَانَا يتصاولان مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تصاول الفحلين لاتصنع أَحدهمَا شَيْئا فِيهِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غناء إِلَّا قَالَ الآخر: لَا يذهبون بهَا فضلا علينا فَلَا ينتهون حَتَّى يوقعوا مثلهَا. وَكَانَ فِي دُعَاء النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ إنى بك أحاول وَبِك أصاول.
وَأما قَول أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا: لَا تعف سَبِيلا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحبها تُرِيدُ: لَا تَأْخُذ فِي غير الطَّرِيق الَّتِي أَخذ فِيهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتعفو سَبيله أَي: تدرس تبركك الْأَخْذ فِيهَا يُقَال: عَفا الْمنزل وعفته الرّيح إِذا درس. والعفاء: موت الْأَثر. وَقد ذكرنَا ذَلِك.
وَقَوْلها: لحبها أَي: نهجها وَالطَّرِيق اللاحب هُوَ الْمُسْتَقيم الْوَاضِح الَّذِي لَا يَنْقَطِع.
وَقَوْلها: وَلَا تقدح زندا كَانَ أكباها يُقَال: كبا الزند يكبو كبوا إِذا لم يور أَي: لم يخرج نَار. وأكبيته أَنا عطلته فَلم أور بِهِ وأرادت لَا تستعن على أَمرك بِمن كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد عطله فَلم يستعن بِهِ. يُرِيد فِي الْعَمَل
(2/83)

أَو فِي الرأى. وأحسبها ذهبت فِي ذَلِك إِلَى بعض أَقَاربه.
وَقَوْلها: توخ حَيْثُ مَا توخى صاحباك تُرِيدُ: تحر مَا تحرياه فَإِنَّهُمَا ثكما الْأَمر ثكما أَي: لزماه يَعْنِي أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يفارقاه يُقَال: ثكمت الْمَكَان أثكمه وثكمت الطَّرِيق إِذا لَزِمته وَكَذَلِكَ رمكت ورجبت ومكدت بِالْمَكَانِ كل هَذَا إِذا أَقمت بِهِ وَلم تَبْرَح.
وَقَوْلها: لم يظلماه أَي: لم يعد لَا عَنهُ وأصل الظُّلم: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَمثله فِي حَدِيث ابْن زمل: كبورا راوحلهم فِي الطَّرِيق فَلم يظلموه يَمِينا وَلَا شمالا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ إِن خيفان ابْن عرابة قدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: كَيفَ تركت أفاريق الْعَرَب فِي ذِي الْيمن فَقَالَ: أما هَذَا الْحَيّ من بلحارث بن كَعْب فحسك أمراس ومسك أحماس تتلظى الْمنية فِي رماحهم وَأما هَذَا الْحَيّ من أَنْمَار بن بجيلة وخثعم فجوب أَب وَأَوْلَاد عِلّة لَيست بهم قبْلَة وَلَا ذلة صعابيب وهم أهل الأنابيب وَأما هَذَا الْحَيّ من هَمدَان فأنجاد بسل مساعير غير عزل وَأما هَذَا الْحَيّ من مذْحج فمطاعيم فِي الجدب مساريع فِي الْحَرْب.
(2/84)

يرويهِ مُحَمَّد بِهِ عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن ثُمَامَة عَن أنس.
أفاريق الْعَرَب جمع: أفراق وأفراق جمع فرق وَفرْقَة وفريق بِمَنْزِلَة وَاحِدَة.
وَأما قَوْله: فحسك فَهِيَ جَمِيع حسكة وَهُوَ شوك حَدِيد صلب.
ذكر ابْن الأعرابى عَن هِشَام بن سَالم قَالَ وَكَانَ شَيخا مسنا من رَهْط ذِي الرمة قَالَ: أكلت حَيَّة بيض مكاء فَجعل المكاء يرفرف على رَأسهَا وَيَدْنُو مِنْهَا حَتَّى اذا فتحت فاها تريده وهمت بِهِ ألْقى فِي فِيهَا حسكة فَأخذت بحلقها حَتَّى مَاتَت فشبههم فِي امتناعهم على من أَرَادَهُم وصعوبة مرامهم بالحسك والأمراس: الَّذين مارسوا الْأُمُور وجربوها يُقَال: رجل مرس إِذا كَانَ كَذَلِك والأمراس أَيْضا: الحبال وَاحِدهَا مرس والمسك جمع مسكة يُقَال رجل مسكة إِذا كَانَ لَا يعلق بِشَيْء فيتخلص مِنْهُ وَلَا ينازله منَازِل فيفلت مِنْهُ وَلِهَذَا قيل للبخيل: مسكة بِضَم الْمِيم لِأَنَّهُ يمسك مَا فِي يَده فَلَا يُخرجهُ إِلَى اُحْدُ وَقد وَصفهم بِمثل هَذَا عَمْرو بن معدي كرب لعمر حِين أوفده إِلَيْهِ سعد بن أبي وَقاص بعد
(2/85)

فتح الْقَادِسِيَّة فَقَالَ لَهُ عمر: مَا قَوْلك فِي عِلّة بن جلد فَقَالَ: أُولَئِكَ فوارس أعراضنا وشفاء أمراضنا أحثنا طلبا وأقلنا هربا قَالَ: فسعد الْعَشِيرَة قَالَ: أعظمنا خميسا وأكثرنا رَئِيسا وأشدنا شريسا قَالَ: فبنو بلحارث بن كَعْب قَالَ: حسكة مسكة قَالَ: فمراد قَالَ: أُولَئِكَ الأتقياء البررة والمساعير الفخرة اكرمنا قرارا وأبعدنا آثارا.
أما قَوْله: فوارس أعراضنا فان الْأَعْرَاض: النواحي والجوانب يُرِيد أَنهم يحْمُونَ نواحينا وَاحِدهَا عرض وَعرض كل شىء جَانِبه والأعراض أَيْضا الجيوش وَاحِدهَا عرض قَالَ رؤبة: من الرجز ... إِنَّا إِذا قدنا لقوم عرضنَا ...
أَي: جَيْشًا عَظِيما. وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ فوارس جيوشنا.
وَقَوله: شِفَاء أمراضنا يُرِيد: انهم يدركون لنا ثَأْرنَا وَيَأْخُذُونَ لنا بدمائنا فيشفون أَنْفُسنَا.
وَقَوله: أعظمنا خميسا وَالْخَمِيس: الْجَيْش وأنشدنا
(2/86)

شريسا أَي: شراسة. يُقَال: قوم فيهم شريس وشراسة اذا كَانَت فيهم زعارة.
وَقد يكون الشريس الرجل الشرس كَمَا يُقَال: حزن وحزين وطرف فِي النّسَب وطريف ولسان ذلق وذليق والأحماس: الْأَشِدَّاء. يُقَال للشجاع: حمس وحميس وحمس الوغى إِذا اشْتَدَّ وَيَوْم أحمس إِذا صعبت الْحَرْب فِيهِ واشتدت.
والمساعير الَّذين يسعرون الْحَرْب أَي: يشبونها. واحدهم مسعر. بذلك سمي الرجل وَأَصله فِي النَّار. يُقَال: سعرت النَّار اذا ألهبتها وَكَذَلِكَ: سعرت الْحَرْب اذا هجتها وَأوقدت لَهَا نارها يُقَال: رجل مسعر حَرْب.
وبسل: جمع باسل وَهُوَ الشجاع وعزل جمع أعزل وَهُوَ الَّذِي لَا سلَاح مَعَه. آخر حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ.
(2/87)

- حَدِيث امير الْمُؤمنِينَ على بن ابى طَالب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه اشْترى قَمِيصًا بِثَلَاثَة دَرَاهِم وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي هَذَا من رياشه.
حَدَّثَنِيهِ ابى حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخطاب ثناه أَبُو عتاب عَن الْمُخْتَار بن نَافِع عَن أبي مطر قَالَ: رايت عليا فعل ذَلِك.
وحَدثني ابى أَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن أَبى عُبَيْدَة انه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التَّقْوَى} .
الريش والرياش وَاحِد وهما مَا ظهر من اللبَاس قَالَ: وَيُقَال: أَعْطَانِي فلَان رجلا بريشه ن أَي: بكسوته يَعْنِي كسْوَة الرجل. قَالَ: والرياش أَيْضا: الخصب والمعاش.
ويروى عَن مطرف بن عبد الله انه قَالَ: لَا تنظروا إِلَى خفض عيشهم ولين رياشهم وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى سرعَة ظعنهم وَسُوء منقلبهم وَمن هَذَا قيل: ريش الطَّائِر لِأَنَّهُ لِبَاسه.
(2/88)

حَدثنِي أَبى أَخْبرنِي عبد الرحمن بن عبد الله قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر انه قَالَ: الريش والرياش وَاحِد مثل: الدبغ والدباغ واللبس واللباس وَنَحْوه: الْحرم وَالْحرَام والحل والحلال.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: لَا قَود إِلَّا بالأسل.
حَدَّثَنِيهِ ابى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن أَبى غَسَّان النَّهْدِيّ عَن ابْن أَبى غنية عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن عَليّ. الأسل هَا هُنَا كل مَا أرق من الْحَدِيد وأرهف كالسنان وَالسيف والسكين وَمِنْه قيل: أسله الذِّرَاع لما استدق مِنْهُ ورق. وَقيل: أسيل الخد. وَأَرَادَ انه لَا يُقَاد من أحد الا بحديدة وان قتل بِحجر عَظِيم أَو عَصا كَبِيرَة يقتل مثلهمَا أَو خنق. وَجَاء هَذَا فِي حَدِيث آخر مُفَسرًا لَا قَود الا بحديدة. واكثر النَّاس عل هَذَا وَمِنْهُم من يذهب إِلَى انه يقْتله بِمثل مَا قتل بِهِ ان حجرا فحجرا وان عَصا فعصا وَإِن حديدا فحديدا. يذهب كثير من اصحاب اللُّغَة إِلَى ان الأسل الرماح خَاصَّة وَلَيْسَ كَذَلِك. وَهَذَا الحَدِيث يبين مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ الحَدِيث الآخر: ليذك لكم الأسل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: من أَرَادَ
(2/89)

الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليباكر الْغَدَاء وليقلل غشيان النِّسَاء وليخفف الرِّدَاء قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا خفَّة الرِّدَاء فِي الْبَقَاء قَالَ: الدّين.
حدثت بِهِ عَن زيد بن الْحباب عَن عِيسَى بن الأشعب عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ.
وحَدثني أَبى قَالَ ثناه أَبُو عبد الرحمن عَن أبي عُبَيْدَة انه قَالَ: يَقُول فَقِيه الْعَرَب من سره النِّسَاء وَلَا نسَاء فليكر الْعشَاء وليباكر الْغَدَاء وليخفف الرِّدَاء وليقلل غشيان النِّسَاء. والنسأ التَّأْخِير يُقَال: أنسأه الله أَجله ونسأ الله أَجله وَمِنْه النسئ فِي كتاب الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ تَأْخِير تَحْرِيم الْمحرم. وَمِنْه: النَّسِيئَة فِي البيع وَقَوله: فليكر الْعشَاء أَي: فليؤخره. قَالَ الحطيئة: من الوافر ... وأكريت الْعشَاء إِلَى سُهَيْل ... أَو الشعرى فطال بِي الأناء ...
وَيكون أكريت فِي غير هَذَا الْموضع: نقصت قَالَ ابْن أَحْمَر
(2/90)

وَذكر الابل: من الْكَامِل ... وتواهقت أخفافها طبقًا ... والظل لم يفضل وَلم يكر ...
يُرِيد: ان الابل قد انتعلته فَلَيْسَ يزِيد وَلَا ينقص وَهُوَ مثل قَول الآخر: من الْخَفِيف. ... إِذا الظل أحرزته السَّاق ...
وَأما قَوْله: ان الرِّدَاء هُوَ الدّين فمذهب فِي اللُّغَة حسن وَوجه صَحِيح لِأَن الدّين أَمَانَة وَأَنت تَقول: هُوَ لَك عَليّ وَفِي عنقِي حَتَّى أوديه إِلَيْك فَكَأَن الدّين لَازم للعنق والرداء موقعه صفحة الْعُنُق فَسُمي الدّين رِدَاء وكنى عَنهُ بِهِ وَقَالَ الشَّاعِر: من الْخَفِيف ... ان لي حَاجَة اليك فَقَالَ: ... بَين أُذُنِي وعاتقي مَا تُرِيدُ ...
يَقُول هُوَ بَين أُذُنِي وعاتقي فِي عنقِي والمعني: اني ضمنته لَك فَهُوَ عَليّ. وانما قيل للسيف رِدَاء لِأَن حمالته تقع موقع الرِّدَاء وَقَالَ الشَّاعِر: من المتقارب ... وداهية جرها جارم ... جعلت رداك لَهَا خمارا ...
(2/91)

أَي: ضربت بسيفك رُؤْسهمْ وَيُقَال: بل أَرَادَ تعصبت بردائك كَمَا يفعل المتأهب المستعد نَحْو قَول الْوَلِيد بن عقبَة: من الطَّوِيل ... إِذا مَا شددت الرَّأْس مني بمشوذ ... فغيك مني تغلب ابْنة وَائِل ...
والرداء فِي غير هَذَا الْموضع الْعَطاء. يُقَال: فلَان غمر الرِّدَاء إِذا كَانَ وَاسع الْعَطاء. قَالَ كثير: من الْكَامِل ... غمر الرِّدَاء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... غلقت لضحكته رِقَاب المَال ...
والرداء أَيْضا الْحسن والنضارة. قَالَ آخر وَذكر الْكبر: من الطَّوِيل ... وَهَذَا رِدَائي عِنْده يستعيره ... ليسلبني نَفسِي أمال ابْن حنظل ...
يَقُول: الْكبر يستلب بهجتي وَقَالَ رؤبة فِي مثله: من الرجز ... حَتَّى اذا الدَّهْر استجد سِيمَا ... من البلى يستوهب الوسيما
رِدَاءَهُ والبشر النعيما ...
أَرَادَ الْبشر الناعم وَقد يجوز أَن يكون كنى بالرداء عَن الظّهْر
(2/92)

لِأَنَّهُ يَقع عَلَيْهِ يَقُول: فليخفف ظَهره وَلَا يثقله بِالدّينِ كَمَا قَالَ الآخر: ... خماص الأزر ...
يُرِيد: خماص الْبُطُون.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه رأى رجلا فِي الشَّمْس فَقَالَ: قُم عَنْهَا فَإِنَّهَا مبخرة مجفرة تَتْفُل الرّيح وتبلي الثَّوْب وَتظهر الدَّاء الدفين.
قَوْله: مجفرة أَي: تذْهب شَهْوَة النِّسَاء وتقطع عَن النِّكَاح يُقَال: جفر الْفَحْل عَن الابل يجفر جفورا فَهُوَ جافر إِذا أَكثر الضراب حَتَّى يَتْرُكهَا ويعدل عَنْهَا وَمثله: فدر يقدر ويفدر فدورا وَمثله: أقطع الْفَحْل فَهُوَ مقطع.
وحَدثني أَبى حَدثنِي الْقطعِي ثَنَا الْحجَّاج عَن عبد الملك بن قدامَة عَن أَبى عُثْمَان الجُمَحِي عَن أمه عَن أَبِيهَا ان عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اني رجل تشق عَليّ هَذِه
(2/93)

الْعزبَة فِي الْمَغَازِي أفتأذن لي فِي الخصاء فَقَالَ: لَا وَلَكِن عَلَيْك بِالصَّوْمِ فانه مجفر.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن عَمه قَالَ: تكلم أَعْرَابِي فطمح بِهِ لِسَانه فَقَالَ: لَا تنكحن وَاحِدَة فتحيض إِذا حَاضَت وتمرض إِذا مَرضت وَلَا تنكحن اثْنَتَيْنِ فَتكون بَين شرتين وَلَا تنكحن ثَلَاثًا فَتكون بَين اثافي وَلَا تنكحن أَرْبعا فيفلسنك ويهرمنك وينجلنك ويجفرنك فَقيل لَهُ: حرمت مَا أحل الله فَقَالَ: سُبْحَانَ الله كوزان وقرصان وطمران وَعبادَة الرَّحْمَن.
وروى النَّاس عَن خَالِد بن صَفْوَان انه قَالَ: مَلَأت الْبَحْر الْأَخْضَر بِالذَّهَب الْأَحْمَر فاذا الَّذِي يَكْفِينِي من ذَلِك رغيفان وكوزان وطمران وَلست أَدْرِي أَيهمَا أَخذ من صَاحبه هَذَا الْكَلَام.
قَوْله: تَتْفُل الرّيح أَي: تنتنها وَالِاسْم: التفل يُقَال: امْرَأَة تفلة وَمِنْه الحَدِيث: لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله وليخرجن تفلات أَي: غير متطيبات وَقَالَ الراجز: من الرجز
(2/94)

يَابْنَ الَّتِي تصيد الوبارا ... وتتفل العنبر والصوارا ...
والصوار: الشَّيْء الْقَلِيل من الْمسك. والداء الدفين: هُوَ الْمُسْتَتر الَّذِي قد قهرته الطبيعة. يَقُول: فالشمس تعينه على الطبيعة وتظهره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان أَبَا جناب قَالَ: جَاءَ عمي من الْبَصْرَة يذهب بِي فَقَالَت أُمِّي: وَالله لَا أتركك تذْهب بِهِ ثمَّ ذكرت ذَلِك لعَلي رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ عمي: نعم وَالله لأذهبن بِهِ وان على رغم أَنْفك قَالَ: يَقُول عَليّ: كذبت وَالله وولقت ثمَّ ضرب بَين أدنيه بِالدرةِ.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ شَبابَة ثناه الْقَاسِم بن الحكم العزني ثناه أَبُو جناب.
قَوْله: وولقت أَي: كذبت وَكَذَلِكَ ولعت والولق والولع: الْكَذِب. يُقَال: ولق يلق ولقا. وَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله
(2/95)

عَنْهَا تقْرَأ: ... {إِذْ تلقونه بألسنتكم} قَالَ الشَّارِع فِي ولع وَذكر النِّسَاء: من الطَّوِيل ... وَهن من الأخلاف والولعان ... يَعْنِي: انهن من أهل الْخلف فِي المواعيد وَالْكذب.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه أَتَى بِالْمَالِ فكوم كومة من ذهب وكومة من فضَّة. وَقَالَ: يَا حَمْرَاء وَيَا بَيْضَاء احمري وابيضي وغري غَيْرِي. من الرجز ... هَذَا جناي وخياره فِيهِ ... كل جَان يَده إِلَى فِيهِ ...
حَدثنِي أَبى ثناه سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي الا أَنه قَالَ: وهجانه فِيهِ أَي: خالصه وَكَذَلِكَ الهجان من كل شَيْء هُوَ الْخَالِص وَقَالَ الشَّاعِر: من الْخَفِيف
(2/96)

.. وَإِذا قيل من هجان قُرَيْش ... كنت أَنْت الْفَتى وَأَنت الهجان ...
وَقَوله: هَذَا جناي وخياره فِيهِ مثل ضربه أَصله لعَمْرو ابْن عدي ابْن أُخْت جذيمة الأبرش وَكَانَ يجني الكمأة بَين يَدي جذيمة مَعَ أتراب لَهُ فَكَانَ أترابه إِذا وجدوا خيارا الكمأة أكلوها وَإِذا وجدهَا عَمْرو جعلهَا فِي كمة أَو فِي حجره وأتى بهَا خَاله وَهُوَ يَقُول هَذَا القَوْل. وَأَرَادَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه لم يتلطخ من ذَلِك المَال بِشَيْء وَلم يصبهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ ان رجلا استخرج معدنا فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ رجل بِمِائَة شَاة مُتبع فَأتى أمه فَأَخْبرهَا فَقَالَت: يابني إِن الْمِائَة ثَلَاث مائَة أمهاتها مائَة وَأَوْلَادهَا مائَة وكفأتها مائَة. فاستقاله فَأبى قَالَ: فاخذه فأذابه فاستخرج مِنْهُ ثمن ألف شَاة فَقَالَ لَهُ البَائِع: لَآتِيَن عليا فلأشين بك فَأتى عليا فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ عَليّ: مَا ارى الْخمس
(2/97)

الا عَلَيْك يَعْنِي: خمس الْمِائَة.
يرويهِ الْحجَّاج عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن سماك بن حَرْب عَن الْحَارِث ابْن أَبى الْحَارِث الْأَزْدِيّ ان أَبَاهُ كَانَ أعلم النَّاس بمعدن وانه أَتَى عَليّ رجل قد استخرج معدنا فَاشْتَرَاهُ بِمِائَة شَاة مُتبع وَذكر الحَدِيث.
الكفأة بِالضَّمِّ وفيهَا لُغَة أُخْرَى: الكفاة بِفَتْح الْكَاف وَالْأولَى أَجود وَهِي تكون فِي موضِعين أَحدهمَا أَن تدفع إِلَى رجل ابلك وَتجْعَل لَهُ أوبارها وَأَلْبَانهَا تَقول: أكفأته ابلي وأعطيته كفاة ابلي إِذا فعلت ذَلِك بِهِ والموضع الآخر ان تجْعَل ابلك قطعتين فتنتج كل عَام نصفا وَتَدَع نصفا كَمَا تصنع بِالْأَرْضِ فِي الزِّرَاعَة. وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا حَالَتْ سنة كَانَ أقوى لَهَا وَأَحْرَى أَن لَا تخلف. قَالَ التَّمْر بن تولب وَذكر رَوْضَة: من الْبَسِيط
ميثاء جاد عَلَيْهَا وابل هطل ... فأمرعت لاحتيال قرط أَعْوَام ...
لاحتيال يُرِيد: انها حَالَتْ أعواما فَلم تنبث ثمَّ أنبت فَكَانَ أَكثر لنبتها وَأقوى.
يَقُول اكفأت ابلي أَي: جَعلتهَا كفأتين بِضَم الْكَاف وَفتحهَا وَقَول الْمَرْأَة وكفأتها مائَة تريك: ان الْغنم لَا تقطع قطعتين كَمَا يفعل بالابل وَلكنهَا ينزى عَلَيْهِ جَمِيعًا وَتحمل جَمِيعًا فَتكون
(2/98)

كفأة مائَة من الشَّاء مائَة من الْأَوْلَاد كَمَا تكون كفأة مائَة من الأبل خمسين وَقَالَ ذُو الرمة يذكر ابلا: من الطَّوِيل
كلا كفأتيها تنفضان وَلم يجد ... لَهُ ثيل سقب فِي النتاجين لامس ...
قَوْله: كلا كفأتيها تنفضان يُرِيد أَن كل تِلْكَ الابل تحمل وانها لَا تقطع قطعتين فَتحمل على وَاحِدَة وتترك وَاحِدَة. وَلكنهَا يحمل عَلَيْهَا كلهَا فتنفض أَي: تضع. ثمَّ ذكر أَن اللامس وَهُوَ المذمر لم يجد فِي لمسه الأناث وَإِذا أنثت الابل كَانَ أَحْمد لَهَا من أَن تذكر.
وَقَوله: لأثين بك يُرِيك لأشين بك يُقَال: اثيت بِالرجلِ إِذا سعيت بِهِ الى السُّلْطَان فَأَنا أثي بِهِ. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: أشوت بِالْوَاو وَمثله مِمَّا يُقَال بِالْوَاو وَالْيَاء حنوت الْعود وحنيته وأتيت الرجل وأتوته.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان من وَرَائِكُمْ أمورا متماحلة ردحا مكلحا مبلحا.
(2/99)

يرويهِ مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن أَبى حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن كدير الضَّبِّيّ.
المتماحلة: الطوَال يَعْنِي فتنا يطول أمرهَا ويعظم يُقَال: رجل متماحل إِذا كَانَ طَويلا وسبسب متماحل. قَالَ الشَّاعِر وَذكر بَعِيرًا: من الطَّوِيل ... بعيد من الْحَادِي إِذا مَا ترقصت ... بَنَات الصوى فِي السبسب المتماحل ...
والردح: جمع رادح وَهِي الْعَظِيمَة وَيُقَال للكتيبة اذا عظمت رداح. وللمرأة الْعَظِيمَة العجيزة رداح. وَمِنْه حَدِيث أَبى مُوسَى وَقيل لَهُ: زمن عَليّ وَمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُمَا أَهِي هِيَ فَقَالَ: انما هَذِه الْفِتْنَة حَيْصَة من حيصات الْفِتَن وَبقيت الرداح الْمظْلمَة الَّتِي من أشرف لَهَا اشرفت لَهُ.
قَوْله: حَيْصَة هُوَ من قَوْلك: حَاص يحيص اذا عدل وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {مَا لَهُم من محيص} يُرِيد: أَنَّهَا عطفة من عطفات الْفِتَن وَلَيْسَت الْعَظِيمَة مِنْهَا.
وَقَوله: مكلحا أَي يكلح النَّاس بشدته يُقَال: كلح الرجل
(2/100)

وأكلحه الْهم. والمبلح من قَوْلك: بلح الرجل اذا انْقَطع من الاعياء فَلم يقدر على أَن يَتَحَرَّك. وَيُقَال: أبلحه السّير. وَقَالَ الْأَعْشَى: من الرمل ... واشتكى الأوصال مِنْهُ وبلح ...
يُرِيد: ان ذَلِك الْبلَاء يقطعهم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ يَوْم خَيْبَر: من الرجز
... أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره ... ضرغام آجام وَكنت قسوره
كليث غابات كريه المنظره ... أَو فيهم بالصاع كيل السندره ...
يرويهِ هَاشم بن الْقَاسِم عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن اياس بن سَلمَة عَن أَبِيه سَالَتْ بعض آل أَبى طَالب عَن قَوْله: أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدره. فَذكر ان أم عَليّ بن أَبى طَالب فَاطِمَة بنت أَسد ولدت عليا وَأَبُو طَالب غَائِب فَسَمتْهُ أسدا باسم أَبِيهَا فَلَمَّا قدم أَبُو طَالب كره هَذَا الِاسْم الذس سمته بِهِ أمه وَسَماهُ عليا. فَلَمَّا رجز عَليّ فِي يَوْم خَيْبَر ذكر
(2/101)

الِاسْم الَّذِي سمته بِهِ أمه. قَالَ: وحيدرة: اسْم من أَسمَاء الْأسد كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا الْأسد.
والسندرة شَجَرَة تعْمل مِنْهُ القسي والنبل. قَالَ الْهُذلِيّ أَبُو جند ب: من الطَّوِيل ... إِذا أدْركْت أولاهم أخرياتهم ... حنوت لَهُم بالسندري الموتر ...
يَعْنِي: القسي نَسَبهَا إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي تعْمل مِنْهَا. قَالَ رؤبة: من الرجز
... وارتاز عيري سندري مختلق ...
ارتاز أَي: رازه فغمز مَتنه وَالْعير: الْمُرْتَفع فِي وسط نصل السهْم والمختلق: التَّام والسندري فِي هَذَا الْبَيْت: يقا ل: نبل منسوبة وَنسب النصال اليها كَأَنَّهُ يَقُول: ارتاز نصال بل تَامَّة وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: السندري فِي بَيت
(2/102)

رؤبة الْأَزْرَق. وَحكى عَن أَعْرَابِي انه قَالَ: تَعَالَوْا نصد هَاهُنَا زريقا سندريا يُرِيد: طائرا خَالص الزرق. فالسندرة فِي الحَدِيث تحْتَمل أَن تكون مكيالا يتَّخذ من هَذِه الشَّجَرَة سمي باسمها كَمَا يُسمى الْقوس نبعة باسم الشَّجَرَة الَّتِي اتَّخذت مِنْهَا. فَإِن كَانَت السندرة كَذَلِك فَانِي أَحسب الْكَيْل بهَا كَيْلا جزفا فِيهَا افراط لِأَن من شَأْنهمْ ان يصفوا المجازاة للضرب والطعن بِالْوَفَاءِ وَالزِّيَادَة. كَمَا قَالَ أَبُو جُنْدُب: من الطَّوِيل ... فلهف ابْنة الْمَجْنُون أَلا تصيبه ... فتوفيه بالصاع كَيْلا غذارما ...
والغذرمة كيل فِيهِ زِيَادَة على الْوَفَاء يُقَال: غذرم لَهُ يغذرم وَفِي لُغَة أُخْرَى غمذر يغمذر وَهُوَ مقلوب وَهَذَا كَمَا يُقَال: كال لَهُ بالقنقل وَقَالَ أَعْرَابِي لبائع كمأة: من الرجز ... مَالك لَا تجرفها بالقنقل ... لَا خير فِي الكمأة ان لم تفعل ...
(2/103)

وتحتمل السندرة أَيْضا أَن تكون امْرَأَة تكيل كَيْلا وافيا أَو رجلا. وَهَذَا الَّذِي خبرتك بِهِ شَيْء يحْتَملهُ الْمَعْنى وَلم أسمع فِيهِ شَيْئا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: {من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ} . هَذَا مثل ضربه وانما أَرَادَ من كثر اخوته اشْتَدَّ ظَهره وَعز. وَضرب المنطقة اذ كَانَت تشد الظّهْر مثلا لذَلِك وَقَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... فَلَو شَاءَ رَبِّي كَانَ اير أبيكم ... طَويلا كأير الْحَارِث بن سدوس ...
قَالَ الاصمعي كَانَ لِلْحَارِثِ بن سدوس وَاحِد وَعِشْرُونَ ذكرا وَكَانَ ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ يَقُول: أَلا ان شَرّ حَائِل أم فزوجوا الْأُمَّهَات وَذَلِكَ أَنه صرع وأخذته الر ماح فأشبل عَلَيْهِ أخوته من أمه حَتَّى أنقذوه.
وأشبلوا: عطفوا.
وَأما الْمثل الآخر فِي قَوْلهم: من يطلّ ذيله ينتطق بِهِ فان أَبَا حَاتِم خبرني عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: يُرَاد بِهِ: من
(2/104)

وجد سَعَة وَضعهَا فِي غير موضعهَا. وَلَيْسَ من الْمثل الأول فِي شىء.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه ذكر مَسْجِد الْكُوفَة فَقَالَ: فِي زاويته فار التَّنور وَفِيه هلك يَغُوث ويعوق وَهُوَ الغاروق وَمِنْه سير جبل الأهواز ووسطه على رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَفِيه ثَلَاث أعين انبتت بالضغث تذْهب الرجس وتطهر الْمُؤمنِينَ عين من لبن وَعين من دهن وَعين من مَاء جَانِبه الْأَيْمن ذكر وجانبه الْأَيْسَر مكسر وَلَو يعلم النَّاس مَا فِيهِ من الْفضل لأتوه وَلَو حبوا.
حَدَّثَنِيهِ ابى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الدينَوَرِي ثَنَا خَالِد بن يزِيد الْكَاهِلِي ثَنَا أَبُو قيس البَجلِيّ عَن الْوَلِيد الْهَمدَانِي عَن حَبَّة العرني.
قَوْله: أنبتت بالضغث أَحْسبهُ اراد الضغث الَّذِي ضرب بِهِ أَيُّوب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَهله وَالْعين الَّتِي ظَهرت لما ركض بِالْأَرْضِ رجله. وَزَاد الْبَاء فِي الضغث كَمَا قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {تنْبت بالدهن} أَي: تنْبت الدّهن: {عينا يشرب بهَا عباد الله}
(2/105)

أَي: يشْربهَا.
وَقَوله: جَانِبه الْأَيْمن ذكر أَي: صَلَاة وَذكر الله عز جلّ وجانبه الْأَيْسَر مكر أرَاهُ الْمَكْر باللوذ بِهِ حِين قتل فِي الْمَسْجِد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عَليّ رَضِي الله عَنهُ ان رجلا ذكره فَقَالَ: عِنْده شجاعة مَا تنكش.
قَوْله: مَا تنكش أَي: لَا تستخرج وَاصل هَذَا فِي الْبِئْر يُقَال: هَذِه بِئْر مَا تنكش أَي مَا تنزح.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث أَبَا رَافع يتلَقَّى جَعْفَر بن أَبى طَالب فَأعْطَاهُ عَليّ حتيا وعكة سمن وَقَالَ لَهُ: اني أعلم بِجَعْفَر انه ان علم ترَاهُ مرّة وَاحِدَة ثمَّ أطْعمهُ فادفع هَذَا السّمن إِلَى أَسمَاء بنت عُمَيْس تدهن بِهِ بني أخي من صمر الْبَحْر وتطعمهم من الحتي.
(2/106)

رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مولى آل جَعْفَر بن أَبى طَالب عَن اسماعيل بن عبد الله ابْن جَعْفَر.
الحتي سويق يتَّخذ من الْمقل. قَالَ الْهُذلِيّ لأضيافه: من الْبَسِيط ... لَا در دري ان أطعمت نازلكم ... قرف الحتي وَعِنْدِي الْبر مكنوز ...
وقرفه قشور تبقى فِيهِ من قشور الْمقل وَقَوله: ترَاهُ مرّة أَي: بله كُله دفْعَة وَاحِدَة وأطعمه النَّاس. وَالثَّرَى: الندى.
وصمر الْبَحْر: نَتن رِيحه وغمقه وَمِنْه قيل للدبر الصمارى وَلَا أرى الصيمرة الا من هَذَا أَي: انها مُنْتِنَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا على المنامة فَقَامَ الى شَاة بكي فحلبها.
(2/107)

حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن عَفَّان عَن معَاذ عَن قيس ابْن الرّبيع عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَزْرَق عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام.
المنامة الدّكان هَا هُنَا وَهِي القطيفة فِي مَوضِع آخر.
والبكيء القليلة اللَّبن يُقَال: بكأت وبكؤت وَمِنْه قَول طَاوُوس: من منح منيحة لبن فَلهُ بِكُل حلبة عشر حَسَنَات غزرت أَو بكؤت.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لكميل بن زِيَاد: النَّاس ثَلَاثَة: عَالم رباني ومتعلم على سَبِيل نجاة وهمج رعاع أَتبَاع كل ناعق.
الهمج أَصله البعوض وَاحِدهَا همجة فَشبه بِهِ رذال النَّاس قَالَ أَبُو زيد نَحْو ذَلِك قَالَ: والهمجة من الرِّجَال والهجاجة الَّذِي لَا عقل لَهُ قَالَ الْحَارِث بن حلزة: من السَّرِيع.
(2/108)

.. بَينا الْفَتى يسْعَى وَيسْعَى لَهُ ... تاح لَهُ من أمره خالج
يتْرك مَا رقح من عيشه ... يعيث فِيهِ همج هامج ...
والترقيح: اصلاح المَال. يُقَال للتاجر: مرقح. وَمن ذَلِك قَول بعض قبائل الْعَرَب فِي تَلْبِيَة الْحَج فِي الْجَاهِلِيَّة: لم نأت للرقاحة جئْنَاك للنصاحة. أَي: لم نجىء للكسب وَالتِّجَارَة وَشبه الْوَارِث فِي ضعفه وصغره بالبعوض. وَفِي هَذَا الحَدِيث انه قَالَ: هَا ان هَاهُنَا - وأو مأ بِيَدِهِ الى صَدره - علما لَو أصبت لَهُ حَملَة بلَى أصبت لقنا غير مَأْمُون. قَالَ أَبُو زيد: اللقن الْفَهم يُقَال: لقنت الحَدِيث القنه لقنا وثقفته أثقفه ثقفا وثقافة وفهمته أفهمهُ فهما وفهما كُله وَاحِد. وَنَحْو هَذَا قَوْله فِي حَدِيث آخر: ويلمه كَيْلا بِغَيْر ثمن لَو أَن لَهُ وعَاء.
(2/109)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه كَانَ ينْزع الدَّلْو بتمرة وَيشْتَرط أَنَّهَا جلدَة.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان عَن أبي اسحاق.
الْجلْدَة: التمرة الصلبة والجلدة من الْأَرْضين: الصلبة وَمِنْه حَدِيث أَبى بكر فِي مهاجره مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ: ألم يَأن الرحيل فَقلت: بلَى فارتحلنا حَتَّى اذا كُنَّا بِأَرْض جلدَة كَأَنَّهَا مجصصة. وَالْجَلد أَيْضا كَذَلِك من الْأَرْضين وَقَالَ الشَّاعِر يهجو رجلا: من الطَّوِيل ... وَكنت اذا مَا قرب الزَّاد مُولَعا ... بِكُل كميت جلدَة لم توسف ...
كميت: تَمْرَة حَمْرَاء الى السوَاد. جلدَة: صلبة لم توسف: لم تقشر واذا لم تتقشر فَهُوَ عِنْدهم أَجود قَالَ النَّابِغَة: من الطَّوِيل ... صغَار النَّوَى مكنوزة لَيْسَ قشرها ... إِذا طَار قشر التَّمْر عَنْهَا بطائر ...
(2/110)

فَأَما الانصاري الَّذِي استقى ليهودي كل دلو بتمرة لَيْسَ لَهُ تارزة. فَإِن التارزة: الْيَابِسَة الْحَشَفَة يُقَال: ترز الرجل اذا مَاتَ. وَمِنْه قَول الشماخ وَذكر الصَّائِد: من الطَّوِيل ... كَأَن الَّذِي يَرْمِي من الْوَحْش تارز ...
يعي مَيتا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان ابْن الكسواء وَقيس بن عبَادَة جاءاه فَقَالَا: اتيناك مضافين مثقلين.
حَدَّثَنِيهِ ابى حَدَّثَنِيهِ بعض أَصْحَابنَا عَن الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبى هِلَال عَن الْحسن.
(2/111)

قَوْله: مضافين أَي: خَائِفين يُقَال: أضَاف فلَان من الْأَمر إِذا حاذره قَالَ الْهُذلِيّ أَبُو ذُؤَيْب: من الوافر ... وَمَا ان وجد معولة ثكول ... بواجدها اذا يَغْزُو وتضيف ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان الأشتر قَالَ لَهُ: ان هَذَا الْأَمر قد تفشغ. قَالَ الْأَصْمَعِي: تفشغ فَشَا وَكثر وَأنْشد لطفيل الغنوي: من الطَّوِيل ... وَقد سمنت حَتَّى كَأَن مخاضها ... تفشغها ظلع وَلَيْسَت بظلع ...
وحَدثني أَبى حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن رجل من قُرَيْش ان النَّجَاشِيّ قَالَ لقريش حِين أَتَوْهُ هَل تفشغ فِيكُم الْوَلَد فان ذَلِك من عَلَامَات الْخَيْر. قَالُوا: نعم أَي: هَل فَشَا وَكثر فَسَأَلَ عَن النَّجَاشِيّ هَل كَانَ يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ: ذكرُوا أَنه اقام بِبِلَاد الْعَرَب زَمَانا.
وَيُقَال: تفشغ فِي رَأسه الشيب اذا كثر وانتشر قَالَ
(2/112)

.. ابْن الرّقاع: من الْكَامِل ... اما ترى شيبا تفشغ لمتي ... حَتَّى علا وضح يلوح سوادها ...
أَي: تشفق. وَفِيه لُغَة اخرى: ضاف والضائف: المحاذر. والمضوفة: الْأَمر يخَاف مِنْهُ قَالَ الْهُذلِيّ. من الطَّوِيل ... وَكنت اذا جارى دَعَا لمضوفة ... اشمر حَتَّى ينصف السَّاق مئزري ...
وَيُقَال: ضاف فلَان عَن الْأَمر اذا عدل وَمِنْه قيل: ضيف وَكَذَا مُضَاف الى كَذَا أَي: ممال اليه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: خير بِئْر فِي الأَرْض زَمْزَم وَشر بِئْر فِي الأَرْض برهوت.
(2/113)

يرويهِ قبيصَة عَن سُفْيَان عَن فرات عَن عَامر بن وَاثِلَة عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام.
برهوت: بِئْر بحضرموت يرْوى أَن بهَا أَرْوَاح الْكفَّار. ذكر الْأَصْمَعِي عَن رجل من أهل برهوت يَعْنِي الْبَلَد الَّذِي فِيهِ هَذِه الْبِئْر قَالَ: نجد الرَّائِحَة المنتنة الفظيعة جدا ثمَّ نمكث حينا فَيَأْتِينَا الْخَبَر بَان عَظِيما من عُظَمَاء الْكفَّار قد مَاتَ فنرى ان تِلْكَ الرَّائِحَة مِنْهُ.
وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة أَخْبرنِي رجل انه أَمْسَى ببرهوت فَكَأَن فِيهِ أصوات الْحَاج وَسَأَلت أهل حَضرمَوْت فَقَالُوا: لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يُمْسِي بِهِ. الْأَصْمَعِي: ووبار بَين حَضرمَوْت وَبَين ريسوت وبرهوت. وَكَانَت وبار أمة فَكثر الرمل دونهم ودخلها دعيميص الرمل من بني سعد بن زيد مَنَاة وَرجع ثمَّ ذهب يعود فَضرب وَجهه برمل حَار وَقَالَ مرّة أُخْرَى: بِملَّة جَارة فَلم يقدر. وَبهَا نحل الْآن من أَولهَا الى آخرهَا وَبهَا نوى مثل الْكحل وَنوى محرق. قَالَ: وانما دَخلهَا دعيميص لِأَن فحلا من الابل جَاءَ فَضرب فِي ابله فَرَأى فِي وبره أقماع التَّمْر ثمَّ أَتَاهُم من قَابل يهدر.
(2/114)

فِي بَنَاته فحصروه فتهيأ ثمَّ رَكبه فَأتى وبار وَقد ذكر الشَّاعِر فَقَالَ: من الْكَامِل ... وَلَقَد ضللت أَبَاك تطلب دارما ... كضلال ملتمس طَرِيق وبار ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة مَجْنُونَة أَو جذماء أَو برصاء أَو بهَا قرن فَهِيَ امْرَأَته فان شَاءَ أمسك وان شَاءَ طلق.
يرويهِ وَكِيع عَن ابْن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ الاصمعي: الْقرن: العفلة الصَّغِيرَة وَقَالَ غَيره الْقرن كالعفلة وَمن العفلة يُقَال امْرَأَة عفلاء اذا كَانَ ذَلِك بهَا. وَمِنْه حَدِيث شُرَيْح انه اخْتصم اليه فِي قرن جَارِيَة فَقَالَ: أقعدوها فان اصاب الأَرْض فَهُوَ عيب وان لم يصب الأَرْض فَلَيْسَ بِعَيْب والقرن فِي غير هَذَا الْحَبل الصَّغِير والقرن: الدفعة من الْعرق يُقَال: عصرنا الْفرس قرنا أَو قرنين.
والقرن: الْخصْلَة من الشّعْر وَيُقَال: فلَان قرن فلَان فِي
(2/115)

السن وَهُوَ قرنه بِكَسْر الْقَاف فِي الشدَّة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: العفل أَيْضا شَحم خصيتي الْكَبْش وَمَا حوله وَمِنْه قَول بشر: من الطَّوِيل ... حَدِيث الخصاء وارم العفل معبر ...
وَقَالَ غَيره: العفل مجس الشَّاة اذا أَرَادوا أَن يعرفوا سمنها من هزالها يُقَال: غبطت الشَّاة اذا جست ذَلِك الْموضع.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَاس عينا بَيْضَة جعل عَلَيْهَا خُطُوطًا.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن حُسَيْن عَن عَليّ عَن أَبى جَعْفَر.
قَوْله: قَاس عينا هِيَ الْعين تلطم أَو تنخض أَو يُصِيبهَا مُصِيب بِغَيْر ذَلِك مِمَّا يضعف مَعَه الْبَصَر فيتعرف مِقْدَار مَا نقص مِنْهَا بَيْضَة يخط عَلَيْهَا خطوط وتنصب على مَسَافَة تلحقها الصَّحِيحَة ثمَّ تنصب على مَسَافَة دونهَا تلحقها العليلة ويتعرف مَا بَين
(2/116)

المسافتين فَيكون مَا يلْزم الجانبي بِحَسب ذَلِك. وَهُوَ نَحْو قياسهم مَا نقص من اللِّسَان بالحروف الْمُقطعَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تقاس الْعين فِي يَوْم غيم وانما نهى عَن ذَلِك: لِأَن الضَّوْء يخْتَلف يَوْم الْغَيْم فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة فَلَا يَصح الْقيَاس.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه ذكر الْمهْدي من ولد الْحسن فَقَالَ: رجل أجلى الجبين أقنى الأسف ضخم الْبَطن أزيل الفخذين أفلج الثنايا بفخذه الْيُمْنَى شامة.
الأزيل الفخذين: المتباعد مَا بَينهمَا وَهُوَ كالأفحج. يُقَال: تزيل الشَّيْء اذا انفرج قَالَ أَبُو النَّجْم يذكر بَعِيرًا يَسْتَقِي أَو رجلا: من الرجز
(2/117)

.. فِي لَحْمه بالغرب كالتزيل
يَقُول: تنفرج أعضاؤه من ثقل الدَّلْو.
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: عَلَيْكُم من النِّسَاء الحارقة.
بَلغنِي ذَلِك عَن ابْن عُيَيْنَة وانه قَالَ: هِيَ الضيقة وَلَا أرى هَذَا الا من قَوْلهم: هُوَ يحرق عَلَيْهِ الأرم فِي شدَّة الْعَدَاوَة والغيظ وَالْبَعِير يحرق نِيَابَة اذا صرف. وَذَلِكَ أَنه يشد نابا على نَاب وَقَالَ الْأَصْمَعِي: (هُوَ يعَض عَلَيْهِ الأرم) وَقَالَ الأرم الْأَصَابِع. وَقَالَ غَيره: يحرق. وَقَالَ: الأرم الأضراس.
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي كتاب: الْأَمْثَال لَو كَانَت الأضراس لكَانَتْ الأزم بالزاي ذهب الى الأزم وَهُوَ العض وأغفل الأرم وانما سميت الأضراس أرما لِأَن الأرم الْأكل يُقَال: أرم الْبَعِير يأرم أرما فَهُوَ أرم والجميع الأرم وَيجوز أَن تسمى
(2/118)

الْأَصَابِع أرما لِأَنَّهُ يُؤْكَل بهَا غير ان التَّفْسِير الأول هُوَ الصَّحِيح أَلا ترى أَن الْمُعَطل الْهُذلِيّ يَقُول: من الطَّوِيل ... وَفهم بن عَمْرو يعلكون ضريسهم ... كَمَا صرفت فَوق الْجذاذ المساحن ...
ويعلكون ضريسهم هُوَ مثل قَوْلهم: يحرقون الارم عَلَيْهِ لانه أَيْضا يُقَال: هُوَ يعلك على الأزم وَقَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... حبسنا وَكَانَ الْحَبْس منا سجية ... عصائب أبقتها السنون الأوارم ...
وَهِي السنون الَّتِي أكلت المَال واستأصلته وعصائب المَال: بقاياه. وَكَانَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام يقْرَأ: {لنحرقنه ثمَّ لننسفنه فِي اليم نسفا} وَقيل فِي تَفْسِيره: لنبردنه بالمبارد بردا. وَهُوَ من هَذَا.
والحارقة: الَّتِي تضم كَمَا يشد العاض أَو المغتاظ المتوعد أَسْنَانه. وَيُقَال لَهَا: العضوض والمصوص قريب من ذَلِك.
(2/119)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: ذِمَّتِي رهينة وَأَنا بِهِ زعيم لمن صرحت لَهُ العبر أَن لَا يهيج على التَّقْوَى زرع قوم وَلَا يظمأ على التَّقْوَى سنخ أصل الا وان أبْغض خلق الله إِلَى الله رجل قمش علما غارا باغباش الْفِتْنَة عميسا بِمَا فِي غيب الْهُدْنَة سَمَّاهُ أشباهه من النَّاس عَالما لم يغن فِي الْعلم يَوْمًا سالما بكر فَاسْتَكْثر مِمَّا قل مِنْهُ فَهُوَ خير مِمَّا كثر حَتَّى اذا مَا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل قعد بَين النَّاس قَاضِيا لتلخيص ماالتبس على غَيره ان نزلت بِهِ احدى المبهمات هيأ لَهَا حَشْوًا رثا رَأيا من رايه فَهُوَ من قطع الشُّبُهَات فِي مثل غزل العنكبوت لِأَنَّهُ لَا يعلم اذا أَخطَأ اخطأ أم أصَاب خباط عشوات رعاب جهالات لَا يعْتَذر مِمَّا لَا يعلم فَيسلم وَلَا يعَض فِي الْعلم بضرس قَاطع فيغنم يذرو الرِّوَايَة ذرو الرّيح الهشيم تبْكي مِنْهُ الدِّمَاء وتصرخ مِنْهُ الْمَوَارِيث ويستحل بِقَضَائِهِ الْفرج الْحَرَام لَا ملىء وَالله باصدار مَا ورد عَلَيْهِ وَلَا أهل لما فرظ بِهِ.
حَدَّثَنِيهِ ابى قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَليّ بن مُحَمَّد عَن اسماعيل بن اسحق الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن لَهِيعَة عَن عبد الله بن هُبَيْرَة.
الذِّمَّة الْعَهْد وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز
(2/120)

{لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة} وَهُوَ الذَّم أَيْضا قَالَ أُسَامَة الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل ... كَمَا نَاشد الذَّم الْكَفِيل الْمعَاهد ...
والزعيم: الْكَفِيل.
وَقَوله: أَلا يهيج على التَّقْوَى زرع قوم. يُرِيد: لَا يجِف يُقَال: هاج النبت إِذا يبس. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {ثمَّ يهيج فتراه مصفرا} .
والسنخ وَالْأَصْل وَاحِد وأضاف أَحدهمَا الى الآخر لما اخْتلف اللفظان وان كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا وَأَرَادَ انه من عمل لله عملا لم يفْسد ذَلِك الْعَمَل وَلم يبطل كَمَا يفْسد النبت بهيج أَعْلَاهُ وعطش أَسْفَله وَلكنه لَا يزَال ناضرا. وأغباش الْفِتْنَة ظلمها وَاحِدهَا غبش وأغباش اللَّيْل بقايا ظلمه وَمِنْه الحَدِيث فِي صَلَاة الصُّبْح: وَالنِّسَاء متلفعات بمروطهن مَا يعرفن من
(2/121)

الغبش. والهدنة هِيَ السّكُون يُقَال: هدن اذا سكن والمهادنة الاصلاح. وسمى بذلك لِأَن السّكُون يكون بِهِ وَأَرَادَ أَنه لَا يعرف مَا فِي الْفِتْنَة من الشَّرّ وَلَا مَا فِي السّكُون من الْخَيْر.
وَقَوله: وَلم يغن فِي الْعلم يَوْمًا سالما يُرِيد: أَن الْجُهَّال يسمونه عَالما وَلم يلبث فِي الْعلم يَوْمًا تَاما. وَهُوَ من قَوْلك: غنيت بِالْمَكَانِ اذا لَبِثت بِهِ. وَمِنْه قيل للمنزل مغنى وللنازل مغان لِأَنَّهُ يُقَام بهَا.
وَقَوله: حَتَّى إِذا مَا ارتوى من آجن والآجن: المَاء الْمُتَغَيّر. والآسن نَحوه. شبه علمه بِهِ.
وَقَوله: قعد لتلخيص مَا الْتبس على غَيره. يُرِيد: لتبيينه وَهُوَ التخليص متقاربان وَلَعَلَّهُمَا شىء وَاحِد من المقلوب خلصت ولخصت.
وَقَوله: ان نزلت بِهِ احدى المبهمات يُرِيد مَسْأَلَة معضلة مشكلة وانما قيل لَهَا: مُبْهمَة لِأَنَّهَا أبهمت عَن الْبَيَان كَأَنَّهَا أصمتت فَلم يَجْعَل عَلَيْهَا دَلِيل وَلَا اليها سَبِيل وَمن هَذَا قيل لما لَا ينْطق من الْحَيَوَان: الْبَهَائِم وَمِنْه قيل للمصمت اللَّوْن الَّذِي لَا شية لَهُ: بهيم وَمِنْه قيل للشجاع من الرِّجَال: بهمة لِأَنَّهُ
(2/122)

استبهم على مَنَازِله الْوَجْه الَّذِي يَأْتِيهِ فِي الْقِتَال مِنْهُ.
وَقَوله: خباط عشوات أَي: خبط ظلمات وخابط العشوة نَحْو واطىء العشوة. وَهُوَ الَّذِي يمشي فِي اللَّيْل بِلَا مِصْبَاح فيتحير ويضل وَرُبمَا تردى فِي بِئْر أَو سقط على سبع وَيُقَال فِي مثل: سقط الْعشَاء على سرحان وَذَلِكَ ان خَارِجا خرج يطْلب الْعشَاء فَسقط على ذِئْب فَأَكله. وَبَعض اصحاب اللُّغَة يزْعم أَن السرحان فِي هَذَا الْمثل الْأسد قَالَ: وَهُوَ مثل قَوْلهم للأسد فِي مَوضِع آخر: حَيَّة الْوَادي. وهذيل تسمي الْأسد سرحانا.
وَقَوله: وَلَا يعَض فِي الْعلم بضرس قَاطع يُرِيد: انه لم يتقن وَلم يحكم فَيكون بِمَنْزِلَة من يعَض بناجذ. والناجذ: آخر الأضراس وانما يطلع اذا استحكم شباب الرجل واستدت مرته وَلذَلِك تَدعُوهُ الْعَوام ضرس الْحلم كَأَن الْحلم يأتى مَعَ طلوعه وَتذهب نزقة الصَّبِي وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر: من الوافر ... أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون ...
(2/123)

وَيُقَال: رجل منجذ اذا كَانَ مجربا محكما وَأَصله من طُلُوع الناجذ. وَيُقَال: قد عض فلَان على ناجذه وَكَذَلِكَ الْبَعِير اذا عض على بازله فقد بلغ. وَالْفرس اذا عض على قارحه.
وَقَوله: يذرو الرِّوَايَة ذرو الرّيح الهشيم أَي: يسْرد الرِّوَايَة كَمَا تنسف الرّيح هشيم النبت. وَهُوَ مَا يبس مِنْهُ وتفتت. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَأصْبح هشيما تَذْرُوهُ الرِّيَاح} .
وَقَوله: لَا ملىء وَالله باصدار مَا قدر عَلَيْهِ يَقُول: لَيْسَ هُوَ كَامِل لرد مَا سُئِلَ عَنهُ وَمَا أصَاب فِيهِ وَلَا هُوَ أهل لما قرظ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: أسلم وَالله أَبُو بكر وَأَنا جذعمة أَقُول فَلَا يسمع قولي فيكف أكون أَحَق بمقام أَبى بكر.
يرويهِ الرّبيع بن نَافِع الْحلَبِي عَن ابراهيم بن يحيى الْمَدِينِيّ عَن صَالح مولى التؤمة.
الجذعمة: الصَّغِير وَالْمِيم زَائِدَة. وَأَصله الْجَذعَة وَالْمِيم تزاد آخرا رَابِعَة فَيكون الْحَرْف على فَعلم نَحْو: زرقم.
(2/124)

وَهُوَ الْأَزْرَق وستهم وَهُوَ الأستة وفسحم وَهُوَ الْوَاسِع الصَّدْر. وَأَصله الفسح وَيكون الْحَرْف على فَعلم نَحْو: شدقم وَهُوَ الْأَشْدَق وشجعم وَهُوَ الشجاع. وَيكون الْحَرْف على فَعلم نَحْو: دقعم وَهُوَ التُّرَاب. وَأَصله الدقعاء. يُقَال: فلام مدقع إِذا افْتقر فلصق بِالتُّرَابِ ودلقم وَهِي النَّاقة المنكسرة الاسنان. والاصل: اندلقت اسنانها أَي: خرجت وَسَقَطت. وَقَالَ سيبوية: وَلَا تجْعَل هَذِه الْمِيم زَائِدَة الا فِي الْموضع الَّذِي يعرف فِيهِ أصل الْحَرْف فَلَا تجدها هُنَاكَ. وَأما مَا لَا يعرف فِيهِ أصل الْحَرْف فنحو: عظلم وَهُوَ الوسمة وسلجم وَهُوَ الرَّأْس الطَّوِيل. وَأَرَادَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: أسلم أَبُو بكر وَأَنا كالجذعة فِي الصغر يُرِيد: انه لم يبلغ الْحلم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان ابْن عَبَّاس رَحمَه الله قَالَ: مَا رَأَيْت رَئِيسا محربا يزن بِهن لرأيته يَوْم صفّين وعَلى رَأسه عِمَامَة بَيْضَاء وَكَأن عَيْنَيْهِ سِرَاجًا سليط وَهُوَ يحمش أَصْحَابه الى أَن انْتهى الي وَأَنا فِي كثف فَقَالَ: معشر الْمُسلمين استشعروا الخشية وعنوا الاصوات
(2/125)

وتجلببوا السكينَة وأكملوا اللؤم وأخفوا الجنن وأقلقوا السيوف فِي الغمد قبل السلَّة وألحظوا الشزر واطعنوا الشزر أَو النتر أَو الْيُسْر كلا قد سَمِعت ونافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بِالنَّبلِ وامشوا الى الْمَوْت مشْيَة سجحا أَو سجحاء وَعَلَيْكُم الرواق المطنب فاضربوا ثبجه فان الشَّيْطَان راكد فِي كَسره نافج حضنيه مفترش ذِرَاعَيْهِ قد قدم للوثبة يدا وَأخر للنكوص رجلا.
والسليط: الزَّيْت وَهُوَ عِنْد قوم دهن السمسم قَالَ الْجَعْدِي وَذكر امْرَأَة: من المتقارب
تضيىء كضوء سراج السليط لم يَجْعَل الله فِيهِ تحاسا.
أَي: دخانا. وَمِنْه قَوْله الله تَعَالَى: {يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار ونحاس} .
وَقَوله: يحمشهم أَي: يذمرهم ويغضبهم وَيُقَال: أحمشت الرجل وأوابته وأحفظته أَي أغضبته وَيُقَال: أحمشت
(2/126)

النَّار اذا ألهبتها. والكثف: الْجَمَاعَة وَمِنْه: التكاشف والحشد نَحوه.
وَقَوله: وعنوا الْأَصْوَات إِن كَانَ الْمَحْفُوظ هَكَذَا بِفَتْح الْعين وَتَشْديد النُّون فَإِنَّهُ أَرَادَ أحبسوها وأخفوها وَهُوَ معنى صَحِيح نَهَاهُم عَن اللَّغط. والتعنية: الْحَبْس وَمِنْه قيل للأسير عان وَقد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْموضع بِأَكْثَرَ من هَذَا التَّفْسِير.
واللؤم: جمع لأمة على غير قِيَاس وَكَذَلِكَ يجمع كَأَنَّهُ جمع لؤمة. وللأمة الدرْع. والجنن: الترسة. يَقُول: اجْعَلُوهَا خفافا وأقلقوا السيوف فِي الغمد. يُرِيد: سهلوا سلها قبل أَن تحتاجوا إِلَى ذَلِك لِئَلَّا تعسر عَلَيْكُم عِنْد الْحَاجة.
والظبأ: جمع ظبة السَّيْف أَي حَده وَهِي من المنقوص مثل: قلَّة وثبة فتجمعها على الاصل.
وَقَوله: وصلوا السيوف بالخطى يَقُول: اذا قصرت عَن الضرائب تقدمتم وأسرعتم حَتَّى تلحقوا مثل قَول قيس بن
(2/127)

الخطيم: من الطَّوِيل ... اذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا ... خطانا الى أَعْدَائِنَا فنضارب ...
وَقَوله: والرماح بِالنَّبلِ يُرِيد: اذا قصرت الرماح بعد من تُرِيدُ أَن تطعنه مِنْك رميته بِالنَّبلِ.
وَقَوله: امشوا إِلَى الْمَوْت ميشية سجحا أَو سجحاء أَي: سهلة لَا تتكلوا. وَمِنْه قَول عَائِشَة لعَلي يَوْم الْجمل: ملكت فأسجع أَي: سهل.
وَيُقَال: خُذ أسجح أَي: سهل.
وَقَوله: عَلَيْكُم الرواق المطنب يَعْنِي: رواق الْبَيْت المشدود بالأطناب وَهِي حبال تشد بِهِ وَهَذَا مثل قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: صرف الشَّيْطَان روقة وَمد طنبه. وَقد ذكرته فِي حَدِيثهَا وفسرته.
وَقَوله: قد قدم للوثبة يدا وَأخر للنكوص رجلا هُوَ مثل قَول الله جلّ وَعز: {وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {نكص على عَقِبَيْهِ} أَي: رَجَعَ على عقيبة. وَأَرَادَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قد قدم يدا ليثب ان رأى فرْصَة وان رأى الْأَمر على من هُوَ مَعَه نكص رجلا.
(2/128)

وَقَوله: والحظوا الشزر وَهُوَ النّظر بمؤخر الْعين نظر الْعَدو الْمُبْغض. يَقُول: ألحظوهم شزرا وَلَا تنظروا اليهم نظرا يبين لَهُم فان ذَلِك أهيب لكم فِي صُدُورهمْ. والطعن الْيُسْر مَا كَانَ حذاء وَجهك. والشزر عَن يَمِينك وشمالك.
والنبر من الطعْن: الخلس وَهَذَا اشبه الْوَجْهَيْنِ عِنْدِي بِمَا أُرِيد بِالْحَدِيثِ لِأَن اختلاس الطعْن من حذق الطاعن تَقول الْعَرَب: طعن نبر وَضرب هبر أَي: يقطع من اللَّحْم قطعا يلقيها. وَرمي سعر: أَي: كَأَنَّهُ نَار. يُقَال: سعرت النَّار اذا ألهبتها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَيْضا: طعن نتر قَالَ: وطعنه الْفَارِس نترة وَكَانَ ينشد: من المتقارب ... فتبعته طعنة نترة ... يسيل على الصَّدْر مِنْهَا صبيب ...
وَغَيره يرويهِ: ثرة. وَقَالَ الشَّاعِر فِي اختلاس الطعْن: من الطَّوِيل.
(2/129)

0 - ... يخالس الْخَيل طَعنا وَهِي محضرة ... كَأَنَّمَا ساعداه ساعدا ذيب ...
قَالَ الْهُذلِيّ من الطَّوِيل ... وطعنة خلس قد طعنت مرشة ... يمج بهَا عرق من الْجوف قالس ... والحضنان: الجنبان.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان مكَاتبا لبَعض بني أَسد قَالَ: جِئْت بِنَقْد أجلبه الى الْكُوفَة فانتهيت بِهِ الى الجسر فَانِي لأسربه عَلَيْهِ أقبل مولى لبكر بن وَائِل يَتَخَلَّل الْغنم ليقطعه فنفرت نقدة فقطرت الرجل فِي الْفُرَات فغرق فَأخذت فارتفعنا الى عَليّ. فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ: انْطَلقُوا فان عَرَفْتُمْ النقدة بِعَينهَا فادفعوها اليهم وان اخْتلطت عَلَيْكُم فادفعوا شرواها من الْغنم.
يرويهِ ابْن أَبى غنية عَن أَبى حبَان عَن أَبِيه.
النَّقْد: صغَار الْغنم وَاحِدهَا نقدة. وَمِنْه يُقَال: فلَان أذلّ من النَّقْد.
(2/130)

1 - وَقَوله: اسربه: أَي: أرْسلهُ قِطْعَة قِطْعَة. يُقَال: سرب عَليّ الابل أَي أرسلها قِطْعَة قِطْعَة.
وَقَوله: فقطرت الرجل أَي: أَلقيته فِي الْفُرَات وَأَصله من الْقطر وَهُوَ نَاحيَة الشىء يُقَال: طعنه فقطره أَي: أَلْقَاهُ على أحد قطريه وطعنه فجد لَهُ أَي: أَلْقَاهُ بالجدالة وَهِي الأَرْض. وَأَشد أَبُو زيد: من الرجز ... قد أركب الْآلَة بعد الْآلَة ... وأترك الْعَاجِز بالجدالة ...
أَي: الأَرْض وشرواها مثلهَا. وَقد تقدم تَفْسِير ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: وَالله لود مُعَاوِيَة أَنه مَا بَقِي من بني هَاشم نافخ ضرمة الا طعن فِي نيطه.
(2/131)

الضرمة: النَّار. يُقَال: مَا بِالدَّار نافخ نَار وَلَا نافخ ضرمة سَوَاء أَي: مَا بهَا أحد.
وَقَوله: الا طعن فِي نيطه. يُرِيد: الا مَاتَ. وحَدثني أَبى قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد قَالَ: طعن فلَان فِي نيطه. أَي: طعن فِي جنَازَته. وَمن ابْتَدَأَ فِي شَيْء أَو دخل فِي شَيْء فقد طعن فِيهِ. والنيط: الْمَوْت. يُقَال: رَمَاه الله بالنيط.
وحَدثني أَبى قَالَ ثَنَا أَبُو سعيد انه طعن فِي نيطه. وَقَالَ: نِيَاط الْقلب وَهِي علاقته الَّتِي يتَعَلَّق بهَا فَإِذا طعن فِي ذَلِك الْمَكَان مَاتَ. وَكَانَ الْقيَاس ان يُقَال: نوط لِأَنَّهُ من ناط ينوط غير أَن الْيَاء تعاقب الْوَاو فِي حُرُوف كَثِيرَة قد ذكرتها فِي غير هَذَا الْموضع مثل: لَاطَ بقلبي يلوط ويليط لوطا وليطا.
وحَدثني أَبى قَالَ: أَخْبرنِي ابْن حبَان النَّحْوِيّ قَالَ أَخْبرنِي بكر الْمَازِني انه سَأَلَ يَا عُبَيْدَة والأصمعي عَن قَول
(2/132)

الْأَعْشَى: من الطَّوِيل ... لعمري لَئِن أَمْسَى من الْحَيّ شاخصا ... لقد نَالَ خيصا من عفيرة خائصا ...
فَقلت: خيصا أَو حيصا فَقَالَا: مَا نَدْرِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال فلَان يخوص فِي بني فلَان العطا اذا كَانَ يعطيهم شَيْئا يَسِيرا وَقَالَ بكر: فَقلت لَهُ فَيَنْبَغِي أَن يكون الْمصدر خوصا فَقَالَ: رُبمَا اشتق الْمصدر من غير لفظ الْفِعْل يُقَال: أَتَيْته آتيه وآتوه وَلَا نعلم أحدا يوثق بعربتيه يَقُول: أتوته الا أَن النَّحْوِيين لما سمعُوا أتوة قاسوه فَقَالُوا أتوته آتوه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: ان الله تَعَالَى أوحى إِلَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَن ابْن لي بَيْتا فِي الأَرْض فَضَاقَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بذلك ذرعا فارسل الله جلّ وَعز اليه السكينَة. وَهِي ريح خجوج فتطوت مَوضِع الْبَيْت كالحجفة.
(2/133)

حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن بشر بن آدم عَن أبي الْأَحْوَص عَن سماك بن حَرْب عَن خَالِد بن عرْعرة.
الخجوج من الرِّيَاح: السريعة المر وَيُقَال أَيْضا خجوجاة قَالَ ابْن أَحْمَر يصف الرّيح: من الْكَامِل
هوجاء رعبلة الرواح خجوجاة الغدو رواحها شهر والخجوجي: الطَّوِيل الرجلَيْن أَيْضا وَمثل هَذَا حَدِيثه الآخر انه قَالَ: السكينَة لَهَا وَجه كوجه الانسان وَهِي بعد ريح هفافة والهفافة: الْخَفِيفَة السريعة. قَالَ ابْن أَحْمَر وَذكر الظليم وبيضه: من الوافر ... ويلحفهن هفافا ثخينا ...
والهفاف: جنَاحه لِأَنَّهُ خَفِيف سريع فِي طيرانه وَهُوَ ثخين لتراكب الريش بعضه على بعض وَأما قَول ذِي الرمة: من الطَّوِيل ... وأبيض هفاف الْقَمِيص أَخَذته ... فَجئْت بِهِ للْقَوْم مغتصبا ضمرا ...
فَإِنَّهُ أَرَادَ: الْقلب وقميصه: غشاؤه. وَجعله هفافا لرقته وَقَوله: فَجئْت بِهِ للْقَوْم مغتصبا أَرَادَ أَن الْبَعِير الَّذِي أَتَاهُم بِقَلْبِه نحر عَن غير عِلّة. يُقَال: جزور مَغْصُوبَة ومعبوطة اذا نحرت
(2/134)

لغير عِلّة والضمر: اللَّطِيف. والحجفة: الترس.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه كتب الى ابْن عَبَّاس حِين أَخذ من مَال الْبَصْرَة مَا أَخذ: اني أَشْرَكتك فِي أمانتي وَلم يكن رجل من أَهلِي أوثق مِنْك فِي نَفسِي فَلَمَّا رَأَيْت الزَّمَان على ابْن عمك قد كلب والعدو قد حَرْب قلبت لِابْنِ عمك ظهر الْمِجَن بِفِرَاقِهِ مَعَ المفارقين وخذلانه مَعَ الخاذلين واختطفت مَا قدرت عَلَيْهِ من أَمْوَال الْأمة اختطاف الذِّئْب الْأَزَل دامية المعزى.
وَفِي الْكتاب: ضح رويدا فَكَأَن قد بلغت المدى وَعرضت عَلَيْك أعمالك بِالْمحل الَّذِي فِيهِ يُنَادي المغتر بالحسرة ويتمنى المضيع التَّوْبَة والظالم الرّجْعَة.
قَوْله: قد حَرْب أَي: غضب يُقَال: حَرْب الرجل يحرب حَربًا وحربته أَنا أَي: أغضبته وَأسد محرب أَي: مغضب.
(2/135)

وَقَوله: قلبت لِابْنِ عمك ظهر الْمِجَن هَذَا مثل يضْرب لمن كَانَ لصَاحبه على مَوَدَّة أَو رِعَايَة ثمَّ حَال عَن ذَلِك.
والمجن: الترس وَقَوله: اختطاف الذِّئْب الْأَزَل دامية المعزى إِنَّمَا خص الدامية دون غَيرهَا لِأَن فِي طبع الذِّئْب محبَّة الدَّم فَهُوَ يُؤثر الدامية على غَيرهَا ويبلغ بِهِ طبعه فِي ذَلِك انه يرى الذِّئْب مثله وَقد دمي فيثب عَلَيْهِ ليأكله قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... فَكنت كذئب السوء لما رأى دَمًا ... بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أحَال على الدَّم ...
وَقَالَ آخر: من الْبَسِيط
اني رَأَيْتُك كالورقاء يوحشها ... قرب الأليف وتغشاه اذا عقروا ...
والورقاء: ذئبة يَقُول: لَا تقرب الذِّئْب وتستوحش مِنْهُ فاذا عقر وَثَبت عَلَيْهِ.
وَقَوله: ضح رويدا هَذَا مثل وَهُوَ كَمَا تَقول.
(2/136)

اصبر قَلِيلا وَيُقَال أَصله من تضحية الابل وَهُوَ تغديتها يُقَال: ضحيتها اذا غديتها وَقَالَ زيد الْخَيل: من الطَّوِيل ... فَلَو أَن نصرا أصلحت ذَات بَينهَا ... لضحت رويدا عَن مظالمها عَمْرو ...
أَي: لكفت عَمْرو انفسها عَن ظلمها. وَنصر وَعَمْرو: حَيَّان من أَسد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: ان بني أُميَّة لَا يزالون يطعنون فِي مسحل ضَلَالَة وَلَهُم فِي الأَرْض أجل ومهابة حَتَّى يهريقوا الدَّم الْحَرَام فِي الشَّهْر الْحَرَام وَالله لكَأَنِّي أنظر الى غرنوق من قُرَيْش يَتَشَحَّط فِي دَمه فاذا فعلوا ذَلِك لم يبْق لَهُم فِي الأَرْض عاذر وَلم يبْق لَهُم ملك على وَجه الأَرْض بعد خمس عشرَة لَيْلَة.
يرويهِ هرون بن الْمُغيرَة عَن عمر بن سعيد عَن سَلمَة بن كهيل عَن أَبى صَادِق عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام.
قَوْله فِي مسحل ضَلَالَة هُوَ من قَوْلهم: ركب فلَان مسحلة
(2/137)

اذا جد فِي أَمر هُوَ فِيهِ كَلَام أَو غَيره وَمضى وَمِنْه: السحل وَهُوَ الصب يُقَال: سحلت السَّمَاء اذا صبَّتْ.
والغرنوق: الشَّاب وَيُقَال: غرنوق وَالْجمع غرانيق وغرانقة وَأما الغرانيق من طير المَاء فواحدها: غرنيق.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف لما تكلم يَوْم الشورى بالْكلَام الَّذِي ذكرته فِي حَدِيثه تكلم عَليّ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي اتخذ مُحَمَّدًا منا نَبيا وابتعثه الينا فَنحْن بَيت النُّبُوَّة ومعدن الْحِكْمَة أَمَان لأهل الارض وَنَجَاة لمن طلب وَلنَا حق أَن نعطه نَأْخُذهُ وان نمنعه نركب أعجاز الابل وان طَال السرى لَو عهد الينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عهدا لجالدنا عَلَيْهِ حَتَّى نموت أَو قَالَ لنا قولا لأنفذناه على رغمنا لن يسْرع أحد قبلي إِلَى صلَة رحم
(2/138)

أَو دَعْوَة حق وَالْأَمر اليك يَابْنَ عَوْف على صدق الْيَقِين وَجهد النصح اسْتغْفر الله لي وَلكم.
يرويهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد عَن أَبى عمر الزُّهْرِيّ عَن مُسلم عَن نشيط عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: لنا حق ان نعطه نَأْخُذهُ وان نمنعه نركب أعجاز الابل وان طَال السرى يُرِيد: أَنه ان مَنعه ركب مركب الصيم والذل على مشقة وان تطاول ذَلِك بِهِ. وأصل هَذَا: ان رَاكب الْبَعِير اذا ركب بِغَيْر رَحل وَلَا وطاء ركب عَجزه وَلم يركب ظَهره من أجل السنام وَذَلِكَ مركب صَعب يشق على رَاكِبه وَلَا سِيمَا اذا تطاول بِهِ الرّكُوب على تِلْكَ الْحَال وَهُوَ يسري أَي: يسير لَيْلًا واذا رَكبه بالوطاء والرحل ركب الظّهْر وَذَلِكَ مركب يطمئن بِهِ وَلَا يشق عَلَيْهِ وَقد يجوز أَن يكون أَرَادَ بركوب اعجاز الابل انه يكون ردفا تَابعا وَلَا يصبر على ذَلِك وان تطاول بِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان أهل الطَّائِف سَأَلُوهُ أَن يكْتب لَهُم الْأمان على تَحْلِيل الرِّبَا وَالْخمر فَامْتنعَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَامُوا وَلَهُم تغذمر وبربرة.
(2/139)

التغذمر: الْغَضَب والبربرة: كَلَام فِي غضب والدمدمة نَحوه. قَالَ الطرماح وَذكر ثورا: من المتقارب ... وبربر بربرة الهبرقي بِأُخْرَى خواذ لَهَا الآنحة ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه كَانَ من مزحه أَن يَقُول: من الرجز ... أَفْلح من كَانَت لَهُ مزخه ... يزخها ثمَّ ينَام الفخة ...
المزخة هَاهُنَا: الْمَرْأَة وأصل الزخ الدّفع يُقَال: زخ فِي قفا فلَان حَتَّى اخْرُج من الْبَاب ومزخة مفعلة من ذَلِك أَي: مَوضِع الزخ وَهُوَ النِّكَاح. وَمِنْه حَدِيث أَبى بكرَة حِين حدث مَعَه مُعَاوِيَة بقول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلَافَة نبوة ثمَّ يؤني الله الْملك من يَشَاء قَالَ: فزخ فِي أقفائنا.
والفخة: الغطيط فِي النّوم يُقَال: فخ يفخ فخيخا اذا غط فِي نَومه وَنَحْو من هَذَا حَدِيثه الآخر ذكره الرياشي قَالَ:
(2/140)

ثَنَا أَبُو عَاصِم قَالَ: ثَنَا معَاذ بن الْعَلَاء بن عمار قَالَ: حَدثنِي أَبى عَن جدي قَالَ: سَمِعت عليا على الْمِنْبَر يَقُول: مَا أصبت مُنْذُ وليت عَمَلي الا هَذِه القويريرة أهداها الي الدهْقَان بِضَم الدَّال ثمَّ نزل الى بَيت المَال فَقَالَ: خُذ ثمَّ قَالَ: من الرجز ... أَفْلح من كَانَت لَهُ قوصره ... يَأْكُل مِنْهَا كل يَوْم مره ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لما قتل ابْن آدم أَخَاهُ غمص الله الْخلق وَنقص الْأَشْيَاء.
قَوْله: غمص الله الْخلق من قَوْلك: غمصت فلَانا أغمصه غمصا واغتمصته اذا استصغرته واحتقرته. وَيُقَال: غمصت عَلَيْهِ قَوْله اذا عبته. وَمِنْه قَول عمر رَضِي الله عَنهُ للمستقي لَهُ فِي جَزَاء الصَّيْد الَّذِي اصابه وَهُوَ حرَام: أتغمص الْفتيا. وَيُقَال فلَان مغموص عَلَيْهِ فِي حَسبه ومغموز عَلَيْهِ. وَكَأن أصل الصَّاد فِيهِ
(2/141)

الزَّاي ومخرجاهما متقاربان. وَأرى معنى الحَدِيث انه نقص الْخلق من الطول والعظم وَالْقُوَّة والبطش وَأَشْبَاه ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعثه ليدي قوما قَتلهمْ خَالِد بن الْوَلِيد فَأَعْطَاهُمْ ميلغة الْكَلْب وعلبة الحالب ثمَّ قَالَ: هَل بَقِي لكم شَيْء فَأَعْطَاهُمْ بروعة الْخَيل ثمَّ بقيت مَعَه بَقِيَّة فَدَفعهَا اليهم. من حَدِيث مُحَمَّد بن اسحق فِي الْمَغَازِي.
ميلغة الْكَلْب: الظّرْف الَّذِي يلغ فِيهِ الْكَلْب اذا شرب وَأَرَادَ انه أَعْطَاهُم قيمَة كل مَا ذهب لَهُم حَتَّى ميلغة الْكَلْب الَّتِي لَا قدر لَهَا وَلَا ثمن لِأَن الْكَلْب انما يولغ فِي قِطْعَة من صَحْفَة أَو جَفْنَة قد انْكَسَرت وَكَذَلِكَ علبة الحالب وَهِي: الْقدح الَّذِي يحلب فِيهِ من خشب ثمَّ أَعْطَاهُم بروعة الْخَيل يُرِيد: أَن الْخَيل لما وَردت عَلَيْهِم راعت نِسَاءَهُمْ وصبيانهم فَأَعْطَاهُمْ أَيْضا شَيْئا لما أَصَابَهُم من هه الروعة.
وَفِي حَدِيث آخر انه بقيت مَعَه بَقِيَّة فَأَعْطَاهُمْ اياها وَقَالَ: هَذَا لكم بروعة صِبْيَانكُمْ ونسائكم.
(2/142)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ ان سَلامَة الْكِنْدِيّ قَالَ: كَانَ عَليّ يعلمنَا الصَّلَاة على النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ داحي المدحوات وبارىء المسموكات وجبار الْقُلُوب على فطراتها شقيها وسعيدها اجْعَل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والمعلن الْحق بِالْحَقِّ والدامغ جيشات الأباطيل كَمَا حمل فاضطلع بِأَمْرك لطاعتك مستوفزا فِي مرضاتك بِغَيْر نكل فِي قدم وَلَا وَهِي فِي عزم واعيا لوحيك حَافِظًا لعهدك مَاضِيا على نَفاذ أَمرك حَتَّى أورى قبسا لقابس وأنار علما لحابس آلَاء الله تصل باهله أَسبَابه بِهِ هديت الْقُلُوب بعد خوضات الْفِتَن والاثم موضحات الْأَعْلَام ونائرات الْأَحْكَام ومنيرات الاسلام فَهُوَ أمينك الْمَأْمُون وخازن علمك المخزون وشهيدك يَوْم الدّين وبعيثك نعْمَة وَرَسُولك بِالْحَقِّ رَحْمَة الل هم افسح لَهُ مفتسحا فِي عدلك أوعدنك وأجزه مضاعفات الْخَيْر من فضلك لَهُ مهنآت غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزل عطائك الْمَعْلُول اللَّهُمَّ أعل على بِنَاء الْبَابَيْنِ بناءه وَأكْرم مثواه لديك ونزله
(2/143)

وأتمم لَهُ نوره وأجزه من ابتعاثك لَهُ مَقْبُول الشَّهَادَة مرضِي الْمقَالة ذَا منطق عدل وخطة فصل وَحجَّة برهَان عَظِيم.
يرويهِ يزِيد بن هرون عَن نوح بن قيس عَن سَلامَة الْكِنْدِيّ.
قَوْله: داحي المدحوات يَعْنِي: باسط الْأَرْضين وَكَانَ عز وَجل خلقهَا ربوة ثمَّ بسطها. قَالَ جلّ ذكره: {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} وكل شىء بسطته ووسعته فقد دحوته وَمن هَذَا قيل لموْضِع بيض النعامة: أدحي لِأَنَّهَا تدحوه للبيض أَي: نبسطه وتوسعه وَهُوَ: أفعول.
وَقَوله: بارىء المسموكات أَي خَالق السَّمَاوَات وكل شىء رفعته وأعليته فقد سمكته. وسمك الْحَائِط وَالْبَيْت: ارتفاعه. قَالَ الفرزدق: من الْكَامِل ... ان الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز أطول ...
وَقَوله: جَبَّار الْقُلُوب على فطراتها شقيها وسعيدها
(2/144)

من قَوْلك: جبرت الْعظم فجبر اذا كَانَ مكسورا فلأمته وأقمته كَأَنَّهُ أَقَامَ الْقُلُوب وأثبتها على مَا فطرها عَلَيْهِ من مَعْرفَته والاقرار بِهِ شقيها وسعيدها وَلم أجعَل جبارا هَاهُنَا من: أجبرت فلَانا على الأمراذا أدخلته فِيهِ كرها وقسرته لَا يُقَال: من: أفعل فعال لَا أعلم ذَلِك الا أَن بعض الْقُرَّاء قَرَأَ: أهدكم سَبِيل الرشاد: بتَشْديد الشين وَقَالَ: الرشاد الله تبَارك وَتَعَالَى فَهَذَا فعال من أفعل وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة غير مستعملة.
وَأما قَول الله تَعَالَى: {وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار} . فانه أَرَادَ مَا أَنْت عَلَيْهِم بِملك والجبابرة: الْمُلُوك وَاعْتِبَار ذَلِك قَوْله عز وَجل: {لست عَلَيْهِم بمصيطر} أَي: بمسلط تسلط الْمُلُوك. فَإِن كَانَ يجوز أَن يُقَال من: أجبرت فلَانا على الْأَمر وَأَنا جَبَّار وَكَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فقد يجوز أَن يَجْعَل قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ: جَبَّار الْقُلُوب من ذَلِك وَهُوَ أحسن فِي الْمَعْنى.
(2/145)

وَقَوله: دامغ جيشات الأباطيل يُرِيد المهلك لما نجم وارتفع من الأباطيل وأصل الدمغ من الدِّمَاغ كَأَنَّهُ الَّذِي يضْرب وسط الرَّأْس فيدمغ. أَي: يُصِيب الدِّمَاغ. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه} أى: يُبطلهُ والدماغ مقتل فاذا أُصِيب هلك صَاحبه. وجيشات: مَأْخُوذ من جاش الشئ اذا ارْتَفع وجاش المَاء اذا طما وجاشت النَّفس.
وَقَوله: كَمَا حمل فاضطلع هُوَ افتعل من الضلاعة وَهِي الْقُوَّة وَيُقَال فلَان مضطلع بِحمْلِهِ اذا كَانَ قَوِيا عَلَيْهِ والضلاعة: الْعظم. وَمن الأضلاع أَخذ ذَلِك لِأَن الجنبين اذا عظما قوى الْبَعِير على الْحمل.
وَقَوله: بِغَيْر نكل فِي قدم. النكل: النّكُول. يُقَال: نكل ينكل عَن الْأَمر نكولا هَذَا الْمَشْهُور. وَنكل ينكل نكلا قَلِيله والقدم: التَّقَدُّم قاب أَبُو زيد: يُقَال رجل قدم اذا كَانَ شجاعا وَكَأن الْقدَم يجوز أَن تكون بِمَعْنى التَّقَدُّم وَبِمَعْنى الْمُتَقَدّم.
وَقَوله: وَلَا وَهِي فِي عزم أَي: وَلَا ضعف فِي رَأْي. وَقَوله: حَتَّى أورى قبسا لقابس أَي: أظهر نورا من الْحق. يُقَال:
(2/146)

أوريت النَّار اذا قدحت فاظهرتها. وَقَالَ الله تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون} .
وَقَوله: آلَاء الله تصل بأَهْله أَسبَابه يُرِيد: نعم الله وَهِي آلاؤه وَاحِدهَا ألأ تصل بِأَهْل ذَلِك القبس وَهُوَ الاسلام وَالْحق: أَسبَابه وَأَهله الْمُؤْمِنُونَ بِهِ.
هديت الْقُلُوب بعد الْكفْر والفتن موضحات الْأَعْلَام أَي: هديت لموضحات الْأَعْلَام. يُقَال: هديته الطَّرِيق وللطريق والى الطَّرِيق.
وَقَوله: تائرات الْأَحْكَام ومنيرات الاسلام يُرِيد: الواضحات الْبَينَات. يُقَال: نَار الشىء وأنار اذا وضح فَأتى باللغتين جَمِيعًا.
وَقَوله: شهيدك يَوْم الدّين. يُرِيد الشَّاهِد على أمته يَوْم الْقِيَامَة وبعيثك نعْمَة أَي: مبعوثك فعيل فِي معنى مفعول.
وَقَوله: افسح لَهُ مفتسحا أَي: أوسع لَهُ سَعَة فِي عدلك أَي: فِي ذِي عدلك يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة فَإِن كَانَ الْمَحْفُوظ عدنك فَإِنَّهُ أَرَادَ فِي جنتك جنَّة عدن. وَقَول: من جزل عطائك الْمَعْلُول من الْعِلَل وَهُوَ الشّرْب بعد الشّرْب فالشرب الأول: نهل وَالثَّانِي علل. يُرِيد: أَن عطاءه جلّ وَعز مضاعف كَأَنَّهُ يعل بِهِ عَاده أَي: يعطيهم عَطاء بعد عَطاء.
(2/147)

وَقَوله: أعل على بِنَاء البانين بناءه يُرِيد: ارْفَعْ فَوق أَعمال العاملين عمله وَأكْرم مثواه أَي: منزله من قَوْلك: ثويت بِالْمَكَانِ اذا نزلته وأقمت بِهِ ونزله: رزقه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قيل لَهُ: أَنْت أمرت بقتل عُثْمَان أَو أعنت على قَتله فعبد وضمد.
العَبْد: الْغَضَب وَيُقَال مِنْهُ قَول الله جلّ وَعز: {قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين} أَي: الغضاب والضمد: شدَّة الغيظ. قَالَ النَّابِغَة: من الْبَسِيط ... وَمن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنْهى الظلوم وَلَا تقعد على ضمد ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: خُذ الْحِكْمَة أَنى أتتك فَإِن الْكَلِمَة من الْحِكْمَة تكون فِي صدر الْمُنَافِق
(2/148)

فنلجلج حَتَّى تسكن الى صَاحبهَا. يُرِيد: ان الْكَلِمَة قد يعلمهَا الْمُنَافِق فَلَا تزَال تتحرك فِي صَدره فَلَا تسكن حَتَّى يسْمعهَا الْمُؤمن مِنْهُ أَو الْعَالم فيثقفها فتسكن فِي صَدره إِلَى أخواتها من كلم الْحِكْمَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه لما تزوج فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام ذهب إِلَى يَهُودِيّ يَشْتَرِي ثيابًا فَقَالَ لَهُ: بِمن تزوجت فَقَالَ: بابنة النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: أنبيكم هَذَا قَالَ: نعم. قَالَ: لقد تزوجت امْرَأَة.
قَالَ أَبُو حَاتِم قَالَ ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن نَافِع القارىء قَالَ أَبُو حَاتِم: كَأَنَّهُ يعظم أمرهَا كَمَا يُقَال: فلَان رجل وكما قَالَ الْهُذلِيّ أَبُو خرَاش: من الطَّوِيل. ... لعمر أبي الطير المرية بالضحى ... على خَالِد لقد وَقعت على لحم ...
يعظم شَأْنه أَي: وَقعت على لحم أَي لحم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: الْبَيْت
(2/149)

الْمَعْمُور نتاق الْكَعْبَة من فَوْقهَا.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن دَاوُد عَن رجل عَن ابْن أَبى زَائِدَة عَن اسرائيل عَن سماك بن حَرْب عَن خَالِد بن عرْعرة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: نتاق الْكَعْبَة أَي: مطل عَلَيْهَا من فَوْقهَا من قَول الله جلّ وَعز: {وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة} أَي: زعزع فأظل عَلَيْهِم وكل شىء نقضته فقد نتقته.
وَقَالَ فِي قَول عَليّ: أَنا قسيم النَّار.
يرويهِ عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش عَن مُوسَى بن طريف. أَرَادَ: ان النَّاس فريقان رَفِيق معي فهم على هدى وفريق عَليّ فهم على ضلال كالجوارح. فَأَنا قسيم النَّار نصف فِي الْجنَّة معي وَنصف فِيهَا وقسيم فِي معنى مقاسم مثل جليس وأكيل وشريب.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أعطَاهُ الرَّايَة وَبعث بِهِ الى خَيْبَر خرج بهَا يؤج حَتَّى ركزها فِي رضم من حِجَارَة تَحت الْحصن.
(2/150)

يرويهِ اسحق عَن يزِيد بن سُفْيَان بن مروه الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه سُفْيَان عَن سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع.
قَوْله: يؤج أَي: يسْرع يُقَال: أج يؤج أجا وَيُقَال: الأج الهرولة قَالَ الشَّاعِر هُوَ الركاض الزبيرِي: من الطَّوِيل ... سدا بيدَيْهِ ثمَّ أج بسيره ... كأج الظليم من قنيص وكالب ...
وَقَالَ آخر: من الطَّوِيل ... وأج كَمَا أج الظليم المنفر ...
والرضم: جمع وَقد تقدم تَفْسِير ذَلِك. .
آخر حَدِيث عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ.
(2/151)

- حَدِيث الزبير بن الْعَوام
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لِابْنِهِ: لَا تخاصم الْخَوَارِج بِالْقُرْآنِ خاصمهم بِالسنةِ قَالَ ابْن الزبير: فخاصمتهم بهَا فكأنهم صبيان يمرثون سخبهم.
حَدَّثَنِيهِ سهل بن مُحَمَّد قَالَ ثناه الْأَصْمَعِي عَن ابْن ابي الزياد عَن ابْن الزبير.
السخب: جمع سخاب وَهُوَ الخرز ويروى ان أعرابية دخلت الْعرَاق فاتهمها قوم بِعقد من ذهب لَهُم وَأخذت بِهِ فَبينا هِيَ كَذَلِك مر طَائِر فَأَلْقَاهُ فَقَالَت من الطَّوِيل ... وَيَوْم السخاب من تعاجيب رَبنَا ... على أَنه من بَلْدَة السوء أنجاني ...
وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: انه حض على الصَّدَقَة فَجعلت الْمَرْأَة تلقي خرصها وسخابها.
والخرص: الْحلقَة من الذَّهَب أَو الْفضة. وَقَوله:
(2/152)

يمرثون: أَي: يعضون يُقَال: مرت الصَّبِي اذا عض يدردره وَهُوَ أصُول أَسْنَانه وَمِنْه قَول العجاج: من الرجز ... كَمَا تمنى مارث فِي مفطم ...
والمارث: الصَّبِي وَقَالَ آخر: من الْبَسِيط ... السن من جلفزيز عوزم خلق ... والحلم حلم صبي يمرث الودعه ...
يُقَال: ودعه وودعة جَمِيعًا. والجلفريز: المسنة وَكَذَلِكَ بالعوزم وَيُقَال أَيْضا: مرث فلَان الْخبز فِي المَاء ومرده اذا هُوَ فركه فِيهِ. وَمَات الدَّوَاء يموثه ودافه اذا خلطه بِالْمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير انه كَانَ أعفث.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ: ثناه أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي زَاد غَيره عَن ابْن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه. قَالَ: كَانَ الزبير طَويلا أَزْرَق أخضع أشعر رُبمَا أخذت وَأَنا غُلَام بِشعر كَتفيهِ حَتَّى أقوم تخط رِجْلَاهُ اذا ركب الدَّابَّة نفج الحقيبة.
(2/153)

وَفِي حَدِيث آخر انه كَانَ حسن الباد على السرج اذا ركب.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن الأعفث فَقَالَ: هُوَ الْكثير التكشف اذا جلس والفرج: الذى لَا يزَال ينْكَشف فرجه وَكَذَلِكَ الأجلع يُقَال للْمَرْأَة اذا كَانَت لَا تستتر: جالعة وَمِنْه قيل للرجل اذا لم تنضم شفتاه على أَسْنَانه: أجلع. خبرني أَبُو حَاتِم ان الْأَخْفَش النَّحْوِيّ كَانَ أجلع والأخضع الَّذِي فِيهِ جنأ وَمِنْه قيل للْقَوْم اذا نكسوا رُؤْسهمْ خضع قَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... واذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ ... خضع الرّقاب نواكس الْأَبْصَار ...
وَقَوله: نفج الحقيبة أَي: عَظِيم الْعَجز وَمِنْه قيل للدابة اذا شرب المَاء فَعظم جنباه قد انتفج وَهَذَا مِمَّا تصف الشُّعَرَاء بِهِ النِّسَاء والباد: أصل الْفَخْذ. والبادان ايضا من ظهر الْفرس مَا وَقع عَلَيْهِ فخذا الْفَارِس سميا باسم الْفَخْذ أَو سمي أصل الْفَخْذ بهما. قَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قيل لامْرَأَة: علام تمنعين زَوجك
(2/154)

القضة فانه يعتل بك. فَقَالَت: كذب وَالله اني لأطأطىء الوساد وأرخي الباد. تُرِيدُ: انها لَا تضمهما.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير رَضِي الله عَنهُ انه وصف الْجِنّ الَّذين رَآهُمْ لَيْلَة استتبعه النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: فَإِذا نَحن بِرِجَال طوال كَأَنَّهُمْ الرماح مستثفرين ثِيَابهمْ.
يرويهِ بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن نمير بن يزِيد عَن قُحَافَة بن بنت ربيعَة عَن الزبير.
والاستثفار بِالثَّوْبِ: أَن يدْخل مُؤخر ذيله بَين رجلَيْهِ وَمن هَذَا: ثفر الدَّابَّة قَالَ الْكُمَيْت: من الْبَسِيط ... واستثفر الْكَلْب انكارا لمولغه ... فِي حوله قصرت عَن نعتها الْحول ...
قَوْله: استثفر الْكَلْب يُرِيد: أَدخل ذيله بَين رجلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يعرف صَاحبه للبسة الْحَدِيد. وَكَذَلِكَ يفعل الْكَلْب اذا هُوَ خَافَ.
والحولة: الداهية وَقَالَ زيد الْخَيل: من الْكَامِل
(2/155)

.. يتبعن نَضْلَة أير كلب منعظ ... عض الْكلاب بعجبه فاستثفرا ...
وَفِي انكار الْكَلْب صَاحبه يَقُول الآخر: من الطَّوِيل ... لَا ترفعي صَوتا وكوني فصية ... اذا ثوب الدَّاعِي وأنكرني كَلْبِي ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير انه سَأَلَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا بِالْخرُوجِ الى الْبَصْرَة فَأَبت عَلَيْهِ فَمَا زَالَ يفتل فِي الذرْوَة وَالْغَارِب حَتَّى أَجَابَتْهُ.
الذرْوَة: أَعلَى السنام وَالْغَارِب: مقدمه. قَالَ الْأَصْمَعِي هَذَا مثل يُقَال: مَا زَالَ يفتل فِي ذروته أَي: يخادعه حَتَّى يُزِيلهُ عَن رَأْي هُوَ عَلَيْهِ.
وَذكر مُحَمَّد بن اسحق ان حيى بن أَخطب النضري أَتَى كَعْب بن أَسد الْقرظِيّ وَكَانَ كَعْب موادعا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: جئْتُك بعز الدَّهْر جئْتُك بِقُرَيْش مَعهَا قادتها
(2/156)

وسادتها حَتَّى أنزلتهم مَوضِع كَذَا وَكَذَا بغطفان مَعَ قادتها وسادتها حَتَّى أنزلتهم بِموضع كَذَا وَقد عاهدوني وعاقدوني ان لَا يبرحوا حَتَّى نستأصل مُحَمَّدًا وَمن مَعَه فَقَالَ لَهُ كَعْب: جئتني وَالله بدل الدَّهْر وبجهام قد هراق مَاءَهُ يرعد ويبرق فَلم يزل بِهِ حيى يفتل فِي الذرْوَة وَالْغَارِب حَتَّى نقض كَعْب عَهده.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير رَضِي الله عَنهُ ان صَفِيَّة بنت عبد المطلب أمة ضَربته فَقيل لَهَا: لم تضربينه فَقَالَت: من الرجز ... أضربه لكَي يلب ... وكي يَقُود ذَا الجلب ...
بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي. قَوْلهَا: يلب من للب وَهُوَ الْعقل يُقَال: لبب ألب لبا والجلب: جمع جلبة وَهِي أصوات وَيُقَال: قد جلب على فرسه يجلب جلبا اذا صَاح بِهِ من خَلفه ليسبق وَيُقَال مِنْهُ قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا جلب.
(2/157)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الزبير رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ فِي كَلَامه يَوْم الشوري حِين تكلم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِمَا ذكرته فِي حَدِيثه لَوْلَا حُدُود الله جلّ وَعز فرضت وفرائض لَهُ حدث تراح إِلَى أَهلهَا وتحيا لَا تَمُوت لَكَانَ الْفِرَار من الْولَايَة عصمَة وَلَكِن لله علينا إِجَابَة الدعْوَة وَإِظْهَار السّنة لِئَلَّا تَمُوت ميتَة عمية وَلَا نعمى عمياء جَاهِلِيَّة وَالْأَمر اليك بِابْن عَوْف.
يرويهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد عَن أبي عمر الزُّهْرِيّ عَن مُسلم بن نشيط عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: لَوْلَا حُدُود لله جلّ وَعز فرضت وفرائض حدت تراح إِلَى أَهلهَا. أَي ترد اليهم. وَأَهْلهَا هم الأيمة. وَيجوز أَن يكون الْأَئِمَّة يردونها على أَهلهَا من الرّعية يُقَال: أرح اليه حَقه أَي: رده اليه.
وَقَوله: لِئَلَّا نموت ميتَة عمية أَي: ميتَة فتْنَة وَجَهل وَمِنْه قَول طَاوُوس: من قتل فِي عمية فِي رميها تكون بَينهم بِالْحِجَارَةِ أَو جلد بالسياط أَو ضرب بعصا فَهُوَ خطأ عقله عقل الْخَطَأ. وَمن فعله عمدا فَهُوَ يُقَاد فَمن حَال دونه فَعَلَيهِ
(2/158)

لعنة الله وَهَذَا خلاف قَوْلهم: لَيْسَ فِي الهيشات قَود. يُرِيدُونَ الْفِتْنَة.
والرميا: الرَّمْي. يُقَال: كَانَت بَينهم رميا ثمَّ حجرت بَينهم حجيري. وَمثل فِي التَّقْدِير: الخصيصى والهجيري والخليفى الْخلَافَة والمنيني من الْمَنّ والبزيزي وَمِنْه حَدِيث أَبى عُبَيْدَة بن الْجراح رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: سَتَكُون نبوة وَرَحْمَة ثمَّ خلَافَة وَرَحْمَة ثمَّ ملك يَجعله الله جلّ وَعز لمن يَشَاء ثمَّ يكون بزيزى وَأخذ أَمْوَال بِغَيْر حق.
والبزيزي: السَّلب والتغلب من قَوْلك: بززته كَذَا أَي: سلبته اياه. وَمِنْه الْمثل: من عز بز. أَي: من علب سلب. آخر حَدِيث الزبير رَحمَه الله
(2/159)

- حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث طَلْحَة رَضِي الله عَنهُ انه أنْشد قصيدة فَمَا زَالَ شانقا نَاقَته حَتَّى كتبت لَهُ.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ ثناه الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبى عَمْرو بن الْعَلَاء.
قَوْله: شانقا نَاقَته: هُوَ من شنقت النَّاقة اذا كففتها بزمامها وَفِيه: لُغَة أُخْرَى: أشنقتها اذا أَنْت فعلت بهَا ذَلِك وَهُوَ من الشنق والشنق: الْحَبل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث طَلْحَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لعمر حِين استشارهم فِي جموع الْأَعَاجِم قد حنكتك الْأُمُور وجرستك الدهور وعجمتك البلايا فَأَنت ولي مَا وليت لَا ننبو فِي يَديك وَلَا نخول عَلَيْك.
(2/160)

يرويهِ أَبُو معشر عَن مُحَمَّد بن كَعْب فِي قصَّة نهاوند.
قَوْله: جرستك الدهور يُرِيد: جربتك وأحكمتك. يُقَال رجل مجرس محنك ومحكك.
وَقَوله: وعجمتك البلايا أَي خبرتك يُقَال: عجمت الرجل اذا خبرته وعجمت الشَّيْء اذا ذقته. وَمِنْه قَول الْحجَّاج: ان أَمِير الْمُؤمنِينَ نكب كِنَانَته فعجم عيدانها. وَقد ذكرته فِي حَدِيث الْحجَّاج وفسرته.
وَقَوله: وَلَا نخول عَلَيْك أَي: نتكبر. يُقَال: خَال الرجل يخول واختال يختال وَيُقَال: رجل خَال أَي مختال. وَذُو حَال أَي: ذُو مخيلة. قَالَ العجاج: من السَّرِيع ... وَالْخَال توب من ثِيَاب الْجُهَّال ...
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل مَا شِئْت والبس مَا شِئْت اذا أَخْطَأتك خلَّتَانِ سرف أَو مخيلة.
وَالْخُيَلَاء مِنْهُ. وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: الخولاء. لِأَن الْحَرْف من الْوَاو وَكَذَلِكَ يرْوى هَذَا: من المتقارب
(2/161)

.. فان كنت سيدنَا سدتنا ... وان كنت للخال فَاذْهَبْ فَخَل ...
بِضَم الْخَاء. فاما أَن يكون الْخُيَلَاء شاذا جَاءَ على غير أَصله أَو يكون الْفِعْل مِنْهُ بِالْوَاو وَالْيَاء.
آخر حَدِيث طَلْحَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
(2/162)

حَدِيث سعيد بن أَبُو وَقاص
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ اذا دخل مَكَّة مراهقا خرج الى عَرَفَة قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة ثمَّ يطوف بعد أَن يرجع.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ ثناه مُحَمَّد عَن القعنبى عَن مَالك.
قَوْله: مراهقا أَي: مقاربا لآخر الْوَقْت كَأَنَّهُ يقدم يَوْم التَّرويَة أَو يَوْم عَرَفَة وَهُوَ من قَوْلك: رهقت الشَّيْء اذا غَشيته أَو قاربته وَمِنْه قيل: غُلَام مراهق اذا كَانَ قد قَارب الْحلم وَأَرَادَ أَن سَعْدا كَانَ اذا وافى مَكَّة وَقد ضَاقَ الْوَقْت عَلَيْهِ خرج الى عَرَفَة فَشهد الْموقف والمشعر ثمَّ صَار بعد ذَلِك الى مَكَّة فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة طَوَافه الأول وَطواف الزِّيَارَة وهما الطوافان الواجبان.
وَكتب الي الرّبيع بن سُلَيْمَان يُخْبِرنِي عَن الشَّافِعِي انه
(2/163)

قَالَ: طواف الزِّيَارَة يجزىء من الطّواف الأول وَلَا يجزىء الطّواف الأول من طواف الزِّيَارَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ انه لما ذهب النَّاس يَوْم أحد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل سعد يَرْمِي بَين يَدَيْهِ وفتى ينبله كلما نفدت نبله وَيَقُول: ارْمِ ابا اسحق ثمَّ طلبُوا الْفَتى بعد فَلم يقدروا عَلَيْهِ.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن ابي اسحق عَن ابْن عون عَن عُمَيْر بن اسحق انه ذكر ذَلِك.
وَقَوله: ينبله كلما نفدت نبله نبله هَذَا غلط من بعض نقلة الحَدِيث وانما هُوَ ينبله كلما نفدت نبله أنبله أَي: يُعْطِيهِ النبل. يُقَال أنبلت فلَانا سَهْما أَي أَعْطيته اياه أَو ينبله يُقَال: نبلت الرجل ناولته النبل ونبلته أحجارا أَعْطيته اياها وَهَذَا مِمَّا جَاءَ فِيهِ افعلت وَفعلت تَقول: أنبلت ونبلت مثل: بكرت وأبكرت وَسميت وأسميت.
(2/164)

فَأَما نبلته أنبله فبمعنى رميته وَهُوَ لم يرمه وانما كَانَ يُعْطِيهِ النبل ليرمي بهَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ ان امْرَأَة راته متجردا وَهُوَ أَمِير على الْكُوفَة فَقَالَت: ان أميركم هَذَا لأهضم الكشحين فوعك سعد فَقيل لَهُ ان امْرَأَة قَالَت كَذَا فَقَالَ: مَالهَا ويحها أما رَأَتْ هَذَا وَأَشَارَ الى فقر فِي أَنفه. ثمَّ أمرهَا فتوضات وصب عَلَيْهِ.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر.
الكشح: الخصر وَهُوَ الْقرب أَيْضا والهضم فِيهِ انضمامه يُرِيد: انه لَيْسَ بمستفيض الخصر وَهَذَا مِمَّا يمدح بِهِ. قَالَ ذُو الرمة وَذكر الْمَرْأَة: من الطَّوِيل. ... وَبَين ملاث المرط والطوق نفنف ... هضيم الحشا رأو الوشاحين أصفر ...
والهضم فِي الْخَيل عيب والاجفار يحمدها فِيهَا. قَالَ: الْجَعْدِي يصف فرسا: من المنسرح ... خيط على زفرَة فتم وَلم ... يرجع الى رقة وَلَا هضم ...
(2/165)

قَوْله: خيط على زفرَة تَشْبِيه يَقُول: هُوَ مجفرة الجنبين كَأَنَّهُ زفر فانتفخ جنباه عِنْد الزفرة فخيط على ذَلِك وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {ونخل طلعها هضيم} ...
وَقَوله: فوعك سعد أَي حم يُقَال: وعكته الْحمى فَهُوَ موعوك ونفضته فَهُوَ منفوض من النافض ووردته فَهُوَ مورود من الْورْد وَهُوَ ان تَأْخُذهُ كل يَوْم وغبت عَلَيْهِ اذا أَخَذته يَوْمًا وَتركته يَوْمًا وأربعت عَلَيْهِ اذا أَخَذته الرّبع وصلبت عَلَيْهِ من الصالب فَهُوَ مصلوب عَلَيْهِ فان لم تُفَارِقهُ قيل: اردمت عَلَيْهِ وأغبطت.
والفقر: شقّ كَانَ فِي أَنفه يُقَال: فقرت أنف الْبَعِير اذا حززته بحديدة ثمَّ وضعت على مَوضِع الحز الْجَرِير وَعَلِيهِ وتر ملوي نتذله وتروضه وَمِنْه قيل عمل بِهِ الفاخرة وَهِي الداهية وَقيل انما قيل للداهية فاقرة من فقار الظّهْر كَأَنَّهَا تكسره يُقَال: فقرتهم الفاقرة وَرجل فقر وفقير أَي: مكسور الفقار. وَفِي حَدِيث لسعد رَضِي الله عَنهُ آخر: ان رجلا من الْأَنْصَار أَخذ لحى جزور فَضرب بِهِ أنف سعد ففزره فَكَأَن أَنفه مفزورا أَي: شقَّه يُقَال: فزرت الثَّوْب اذا فسخته وَمِنْه قَول طَارق بن شهَاب:
(2/166)

خرجنَا حجاجا فأوطأ رجل منا رَاحِلَته ظَبْيًا ففزر ظَهره فَرَأى فِيهِ عمر جديا قد جمع المَاء وَالشَّجر. يُرِيد جديا قد جمع المَاء وَالشَّجر.
وَقَوله: فَأمرهَا فَتَوَضَّأت وصب عَلَيْهِ قد بَين ابْن شهَاب كَيفَ يتَوَضَّأ العائن ويصبه الْمعِين على نَفسه وَذكر ذَلِك أَبُو عبيد رَحمَه الله.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ ان عمر رَضِي الله عَنهُ سَأَلَ عَنهُ عَمْرو بن معدي كرب فَقَالَ: خير أَمِير نبطي فِي حبوته أَو جبوته عَرَبِيّ فِي نمرته أَسد فِي تأمورته ويروي فِي ناموسه يعدل فِي الْقَضِيَّة وَيقسم بِالسَّوِيَّةِ وينقل الينا حَقنا كَمَا ينفل الذّرة.
قَوْله: نبطي فِي حبوته. لم يرد انه يحتبي احتباء النبطي لِأَن الاحتباء للْعَرَب كَانَ يُقَال: حبى الْعَرَب حيطانها وعمائمها تيجانها. وَلكنه أَرَادَ فِي حبوة الْعَرَب كالنبطي فِي علمه بِأَمْر الْخراج وَعمارَة الْأَرْضين وان كَانَ الْمَحْفُوظ: حبوته فانه يُرَاد جباية الْخراج يُقَال: جبيت المَال وجبوته وَهُوَ حسن
(2/167)

الجبية والجبوة للخراج.
والنمرة: بردة من صوف تلبسها الْأَعْرَاب وتلبسها الاماء وَجَمعهَا: نمار. قَالَ جران الْعود: من الطَّوِيل ... عَلَيْكُم بربات النمار فانني ... رَأَيْت صميم الْمَوْت فِي النقب الصفر ...
يَقُول: عَلَيْكُم بالاماء وَلَا تعصوا الْحَرَائِر وَقَالَ الْحسن فِي بعض كَلَامه: أَيْن الَّذين طرحوا الخزور والحبرات ولبسو البتوت والنمرات والبتوت: جمع بت وَهُوَ كسَاء كَالطَّيْلَسَانِ وَكَانَ الْحسن يقيل فِي بت يحلق الشّعْر من خشونته.
والتامورة هَاهُنَا عريسة الْأسد وَهُوَ عرينه الَّذِي يكون فِيهِ وأصل التامروة: الصومعة فاستعاره. وَيُقَال أَيْضا: تامور لَا هَاء.
(2/168)

وَأنْشد ابو سعيد لِرَبِيعَة بن مقروم الضَّبِّيّ وَذكر امْرَأَة: من الْكَامِل ... لَو أَنَّهَا عرضت لأشمط رَاهِب ... عبد الاله صرورة متبتل
لرنا لبهجتها وَحسن حَدِيثهَا ... وَلَهُم من تاموره بتنزل ...
والتامورة أَيْضا: علقَة الْقلب فَيجوز أَن يكون على هَذَا التَّأْوِيل: اسد فِي شدَّة قلبه وشجاعته. والتامور أَيْضا: الدَّم. وَرُبمَا جعل خمرًا وَأَصله بالسُّرْيَانيَّة قَالَ أَوْس بن حجر: من الْكَامِل ... نبئت أَن بني سليم أدخلُوا ... أبياتهم تامور نفس الْمُنْذر ...
أَرَادَ: الدَّم. أَي قَتَلُوهُ. وَمن رَوَاهُ: ناموسته فان الناموسة مكمن الصَّائِد شبه بِهِ مَوضِع الْأسد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ ان أمه قَالَت:
(2/169)

أَلَيْسَ قد أَمر الله ببر الوالدة فوَاللَّه لَا أطْعم طَعَاما وَلَا أشْرب شرابًا حَتَّى تكفر أَو أَمُوت فَكَانُوا اذا أَرَادوا أَن يطعموها أَو يسقوها شجروا فاها ثمَّ أَو جروها.
قَوْله: شجروا فاها يُرِيد: أدخلُوا لَهُ عودا وَهُوَ من الشجار والشجار: الْخَشَبَة الَّتِي تُوضَع خلف الْبَاب وَيُقَال لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: المترس وَمِنْه قَول الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: اني لمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم حنين آخذ بحكمة بغلته الْبَيْضَاء وَقد شجرتها بهَا.
وَمن وَجه آخر قد شنقتها بهَا أَي: كففتها.
والشجار أَيْضا مركب للنِّسَاء دون الهودج مَكْشُوف الرَّأْس وَفِي حَدِيث حنين ان دُرَيْد بن الصمَّة كَانَ يَوْمئِذٍ فِي شجار لَهُ يُقَاد بِهِ. وَيُقَال لَهُ أَيْضا: مشتجر والجميع مشاجر. وَمِنْه قَول الشَّاعِر هُوَ لبيد: من الوافر ... وأربد فَارس الهيجا اذا مَا ... تقعرت المشاجر بالفئام ...
(2/170)

تقعرت: سَقَطت والفئام: وطاء يكون فِي المشاجر وَيُقَال: بَات فلَان مشتجرا اذا وضع يَده على خَدّه وَلم ينم قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: من الْبَسِيط
نَام الخلي وَبت اللَّيْل مشتجرا ... كَأَن عَيْني فِيهَا الصاب مَذْبُوح ...
والصاب شجر يخرج مِنْهُ شَبيه بِاللَّبنِ اذا قطع يحرق ومذبوح: مشقوق.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رضى الله عَنهُ ان عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف لما تكلم يَوْم الشورى بالْكلَام الَّذِي قد ذكرته فِي حَدِيثه قَالَ سعد: الْحَمد لله بديا كَانَ وأخرا يعود أَحْمَده كَمَا أنجاني من الضَّلَالَة وبصرني من الْجَهَالَة فبمحمد بن عبد الله استقامت الطّرق واستنارت السبل وَظهر كل حق وَمَات كل بَاطِل اني نكبت قَرْني فَأخذت السهْم الفالج فِي القداح وَأخذت لطلْحَة بن عبيد الله مَا أخذت لنَفْسي فِي حضوري فَأَنا بِهِ زعيم وَبِمَا أَعْطَيْت عَنهُ بِهِ كَفِيل وَالْأَمر اليك بِابْن عَوْف ثمَّ تكلم
(2/171)

يعد بِكَلِمَة أسْتَغْفر الله مِنْهَا ...
يرويهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد عَن أَبى عمر الزري عَن مُسلم بن نشيط عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: نكبت قَرْني يُرِيد: كببت كِنَانَتِي والقرن: الجعبة من جُلُود يُقَال: نكب كِنَانَته اذا كبها فنثر مَا فِيهَا من السِّهَام وَمِنْه قَول الْحجَّاج: ان أَمِير الْمُؤمنِينَ نكب كِنَانَته فعجم عيدانها.
وَقَوله: فآخذت سهمي الفالج فِي القداح وَهُوَ الْقدح الَّذِي قمر بِهِ الرجل فِي الميسر وَقد يجوز أَن يكون السهْم الفالج الَّذِي سبق بِهِ فِي النضال وَهَذَا أعجب الْوَجْهَيْنِ الي لانه ذكر انه نكب كِنَانَته فَأخذ سَهْمه وانما يكون فِي الكنائن سِهَام الرَّمْي وَأَرَادَ اني أخذت خير الْأُمُور لي مغبة وأبلغها بِي الى الصَّوَاب والفوز وَأخذت لطلْحَة فِي غيبته مثل ذَلِك. أَي: أجزت عَلَيْهِ مثل الَّذِي أجزته على نَفسِي من الحكم وَأَنا بِهِ زعيم أَي: ضَامِن.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سعد رَضِي الله عَنهُ أَنه خطب امْرَأَة بِمَكَّة فَقَالَ: لَيْت عِنْدِي من رَآهَا وَمن يُخْبِرنِي عَنْهَا فَقَالَ
(2/172)

رجل مخنث: أَنا أنعتها لَك: اذا أَقبلت قلت: تمشي على سِتّ واذا أَدْبَرت قلت: تمشي على أَربع.
بَلغنِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن عِيسَى عَن ابْن أبي ليلِي عَن عبد الْكَرِيم عَن مُجَاهِد عَن عَامر بن سعد.
وَفِي حَدِيث آخر انه قَالَ: انها تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان وَقد ذكر ذَلِك أَبُو عبيد وَفَسرهُ وَهَذِه الْمَرْأَة بنت غيلَان الثقفية ذكر أَبُو الْيَقظَان انها سَبَب اتِّخَاذ النعش الاعلى قَالَ: وَكَانَت تَحت عبد الرحمن بن عَوْف فَهَلَكت فِي خلَافَة عمر رَضِي الله عَنهُ فصلى عَلَيْهَا فَرَأى خلقهَا من تَحت الثَّوْب ثمَّ هَلَكت بعْدهَا زَيْنَب بنت جحش وَكَانَت أَيْضا خَلِيقَة فَقَالَ عمر: اني لأخاف أَن يرى مِنْهَا مثل مَا روئي من بنت غيلَان فَهَل عنْدكُمْ حِيلَة فَقَالَت اسماء بنت عُمَيْس: قد رَأَيْت بِالْحَبَشَةِ نعوشا لموتاهم فَعمِلت نعشا لِزَيْنَب فَلَمَّا رَآهُ عمر قَالَ: نعم خباء الظعينة.
وَأما قَوْله: اذا اقبلت تمشي على سِتّ واذا أَدْبَرت قلت تمشي على أَربع فانه يُرِيد انها عَظِيمَة الْخلق فاذا أدبربت رَأَيْتهَا كالمكبة لعظم أردافها. فَقلت تمشي على أَربع واذا أَقبلت رَأَيْتهَا كالمستلقية وتحرك مِنْهَا ثدياها لعظمهما وارتفاعهما ومنكباها ورجلاها فَكَأَنَّهَا بحركة هَذِه السِّت تمشي على سِتّ وَنَحْو هَذَا قَوْلهم:
(2/173)

فلَان أصدر اذا استقبلته أكب اذا استدبرته وَهَذَا مِمَّا يحمد فِي الْخَيل وَلذَلِك قَالَ الْقَائِل فِي صفة فرس: اذا استقبلته أَفْعَى واذا استدبرته جبى.
آخر حَدِيث سعد رَحْمَة الله عَلَيْهِ
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَصلى الله على مُحَمَّد النبى وَآله وَسلم تَسْلِيمًا.
(2/174)

- حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزمري
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عون انه كَانَ فِي كَلَامه فِي أَصْحَاب الشورى يَا هَؤُلَاءِ ان عِنْدِي رَأيا وان لكم نظرا وان حابيا خير من زاهق وان جرعة شروب أنقع من عذب موب وان الْحِيلَة بالْمَنْطق أبلغ من السُّيُوب فِي الْكَلم فَلَا تطيعوا الْأَعْدَاء وان قربوا وَلَا تفلوا المدى بالاختلاف بَيْنكُم وَلَا تغمدوا السيوف عَن أعدائكم وتوتروا ثأركم وتولتوا أَعمالكُم لكل أجل كتاب وَلكُل بَيت امام بأَمْره يقومُونَ وبنهيه يرعون وقلدوا أُمُوركُم رحب الذِّرَاع فِيمَا نزل مَأْمُون الْغَيْب على مَا استكن يقترع مِنْكُم وكلكم مُنْتَهى يرتضي مِنْكُم وكلكم رضى.
يرويهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد عَن أبي عمر الزُّهْرِيّ عَن مُسلم بن نشيط عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: ان حابيا خير من زاهق. الحابي من السِّهَام: هُوَ الَّذِي يزحف الى الهدف يُقَال: حبا يحبو فان أَصْحَاب
(2/175)

الرقعة فَهُوَ حاسق وخازق ومقرطس فَأن جَاوز الهدف وَوَقع خَلفه فَهُوَ زاهق يُقَال: زهق السهْم اذا تقدم وزهقت الْفرس وانزهقت بَين يَدي الْخَيل وأزهقتها: قدمتها والزهق: التَّقَدُّم قَالَ رؤبة: من الرجز ... تكَاد أَيْدِيهنَّ تهوى فِي الزهق ...
وَأَرَادَ عبد الرَّحْمَن ان الحابي من السِّهَام وان كَانَ ضَعِيفا فقد أصَاب الهدف هُوَ خير من الزاهق الَّذِي قد جازه بِشدَّة مرّة وقوته. وَلم يصبهُ وَضرب السهمين مثلا لواليين أَحدهمَا ينَال الْحق أَو بعضه وَهُوَ ضَعِيف وَالْآخر يجوز الْحق وَيبعد مِنْهُ وَهُوَ قوى.
وَقَوله: وان جرعة شروب أَنْفَع من عذب موب. والشروب من المَاء هُوَ الْملح الَّذِي لَا يشربه النَّاس الا عِنْد الضَّرُورَة. والموبىء: الضار الْمدْخل فِي الوباء وَهُوَ الْمَرَض والحرف مَهْمُوز فَترك همزَة ليقابل بِهِ الْحَرْف الَّذِي قبله وَهَذَا أَيْضا مثل ضربه لِرجلَيْنِ أَحدهمَا أرفغ وأضر وَالْآخر أدون وأنفع.
وَقَوله: وان الْحِيلَة بالْمَنْطق أبلغ من السُّيُوب فِي الْكَلم يُرِيد: أَن الْقَلِيل من القَوْل مَعَ التلطف مِنْهُ أبلغ من الهذر وَكَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر رفق وَلَا تلطف.
والسيوب: مَا سيب وخلي فساب اي: ذهب وَمِنْه سمي الرجل السَّائِب.
(2/176)

وَقَوله: وَلَا تفلوا المدى بالاختلاف بَيْنكُم أَي: لَا تفلوا أحدكُم بالاختلاف وَضرب المدى مثلا وَهِي جمع مدية والفلول: تكسر يُصِيب حَدهَا.
وَقَوله: وَلَا تغمدوا السيوف عَن أعدائكم فتوتروا ثأركم أَي: توجدوه الْوتر فِي أَنفسكُم يُقَال: وترت فلَانا اذا اصبته بِوتْر واوترته: أوجدته ذَلِك. والثأر: الْعَدو لِأَنَّهُ مَوضِع الثأر.
وَقَوله: وتؤلتوا أَعمالكُم أَي: تنقصوها يُرِيد: انه كَانَت لَهُم مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعمال فِي الْجِهَاد فَإِذا هم تركوها وَاخْتلفُوا فِيهَا نقصوها. وَفِيه لُغَتَانِ: لانه يليته ليتا اذا نَقصه. وبهذه اللُّغَة قَول الله جلّ وَعز: {لَا يلتكم من أَعمالكُم شَيْئا} . وَكَانَ من دُعَاء أم هَاشم السلولية: الْحَمد لله الَّذِي لَا يلات وَلَا يفات وَلَا تشتبه عَلَيْهِ الْأَصْوَات. واللغة الاخرى: ألت يألت وبهذه اللُّغَة قَول الله جلّ وَعز: {وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من}
(2/177)

شىء والحرف فِي الحَدِيث: تؤلتوا كَأَنَّهُ من أولت يولت أَو آلت يؤلت ان كَانَ مهموزا وَلم أسمع بِهَذِهِ اللُّغَة الا فِي هَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: بنهيه يرعون أَي: يكفون. يُقَال: ورعت فلَانا عَن كَذَا فتورع وورع اذا أَنْت كففته فَكف. وَمِنْه الْوَرع فِي الدّين.
وَقَوله: قلدوا أَمركُم رحب الذِّرَاع فِيمَا نزل. أَي: وَاسع الذرع عِنْد الشدائد يجود وَيُعْطِي ويبسط يَده بالعطاء وَيفتح بِهِ بَاعه. مَأْمُون الْغَيْب على مَا استكن يُرِيد: قلدوا رجلا تمنون غيبَة فِي مَا خَفِي عَلَيْكُم فَلَا يخونكم وَلَا يبغيكم الغوائل ويقترع مِنْكُم أَي: يخْتَار يُقَال: فلَان قريع قومه أَي: الْمُخْتَار مِنْهُم للرياسة وَقد اقترعت من الابل فحلا أَي: اخترته.
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ انه لما بدا لَهُ أَن يُهَاجر أودع مطعم بن عدي جبجبة فِيهَا نوى من ذهب.
الجبجبة: زنبيل لطيف من جُلُود وَجمعه جباجب.
(2/178)

قَالَ الاصمعي: وَيُقَال أَيْضا لموْضِع منى جباجب وَلَا أحسببه سمي بذلك الا لِأَن الكروش تلقى فِيهِ أَيَّام الْحَج. والكروش يُقَال لَهَا الجباجب وَاحِدهَا: جبجبة بِفَتْح الجيمين فَسُمي الْمَكَان بهَا لكثرتها فِيهِ. والنوى: قطع من ذهب يُقَال وزن الْقطعَة خَمْسَة دَرَاهِم وَيُقَال: قيمتهَا خَمْسَة دَرَاهِم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن رَضِي الله عَنهُ ان الْحَارِث بن الصمَّة قَالَ: رَأَيْته يَوْم أحد عِنْد حر الْجَبَل فعطفت اليه.
حر الْجَبَل: أَسْفَله وَأَصله وَجمعه: حرار. قَالَ خفاف ابْن ندبة من المتقارب ... يعز العوادي سهل الطَّرِيق ... اذا طابقت وعشين الحرارا ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن رَضِي الله عَنهُ ان بِلَالًا رأى مَعَه يَوْم بدر أُميَّة بن خلف وَابْنه فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوته: يَا أنصار الله أُميَّة راس الْكفْر قَالَ: فأحاطوا بِنَا حَتَّى
(2/179)

جعلونا فِي مثل المسكة وَأَنا أذب عَنهُ فأخلف رجل بِالسَّيْفِ فَضرب رجل ابْنه فَوَقع وَصَاح أُميَّة فَقلت: انج بِنَفْسِك وَلَا نجاء بِهِ فهبتوا حَتَّى فرغوا مِنْهُمَا.
من حَدِيث مُحَمَّد بن اسحق فِي: الْمَغَازِي.
قَوْله: جعلونا فِي مثل المسكة يَعْنِي فِي مثل السوار يُرِيد: أَنهم استداروا حولنا وصرنا وسطا فَكَأَنَّمَا فِي مثل سوار مِنْهُم.
قَالَ أَبُو وجزة وَذكر أتنا وَردت المَاء: من الْبَسِيط ... حَتَّى سلكن الشوى مِنْهُنَّ فِي مسك ... من نسل جوابة الْآفَاق مهداج ...
يُرِيد: أَنَّهُنَّ أدخلن قوائمهن فِي المَاء فَصَارَ لَهَا بِمَنْزِلَة الْمسك وَهُوَ السوار من الذبل وَجعل المَاء من نسل ريح تجوب الْآفَاق لِأَنَّهَا استدرته. ومهداج: من الهدجة وَهُوَ حنين النَّاقة على وَلَدهَا.
وَقَوله: فأخلف رجل بِالسَّيْفِ. قَالَ الْأَصْمَعِي: الاخلاف: أَن يضْرب الرجل بِيَدِهِ الى السَّيْف فَيُقَال: أخلف الرجل الى مُؤخر رَاحِلَته أَو فرسه ليَأْخُذ من هُنَاكَ شَيْئا أَو من حقيبته.
(2/180)

وَقَوله: هبتوهما: أَي ضربوهما بِأَسْيَافِهِمْ حَيْثُ أدركوا وَكَذَلِكَ الهبج وَيُقَال لما علق من وَرَاء الرَّاكِب خلفة. أنشدنا الرياشي عَن أَبى زيد: من المتقارب ... كَمَا علقت خلفة الْمحمل ...
نجز حَدِيث عبد الرحمن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ.
(2/181)

2 - حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ ان عمر رَضِي الله عَنهُ خرج يَسْتَسْقِي بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ انا نتقرب اليك بعم نبيك وقفية آبَائِهِ وَكبر رِجَاله فانك تَقول وقولك الْحق: {وَأما الْجِدَار فَكَانَ لغلامين يتيمين فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْتَهُ كنز لَهما وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا} فحفظتهما لصلاح أَبِيهِمَا فاحفظ اللَّهُمَّ نبيك فِي عَمه فقد دلونا بِهِ إِلَيْك مستشفعين ومستغفرين ثمَّ اقبل على النَّاس فَقَالَ: {اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويمددكم} الى قَوْله: {أَنهَارًا} .
قَالَ: وَرَأَيْت الْعَبَّاس وَقد طَال عمر وَعَيناهُ تَنْضَحَانِ وسبائبه تجول على صَدره وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت الرَّاعِي لَا تمهل الضَّالة وَلَا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصَّغِير ورق الْكَبِير وَارْتَفَعت الشكوى وَأَنت تعلم السِّرّ وأخفى اللَّهُمَّ فأغشهم بغيائك من قبل أَن يقنطوا فيهلكوا فانه لَا ييأس من روحك الا الْقَوْم الْكَافِرُونَ. فَنَشَأَتْ طريرة من سَحَاب وَقَالَ النَّاس: ترَوْنَ
(2/182)

ترَوْنَ ثمَّ تلاءمت واستتمت ومشت فِيهَا ريح ثمَّ هدرت وَدرت فوَاللَّه مَا برحوا حَتَّى اعتلقوا الْحذاء وقلصوا المآزر وطفق النَّاس بِالْعَبَّاسِ يمسحون أَرْكَانه وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَك ساقي الْحَرَمَيْنِ.
يرْوى حَدِيث استسقاء عمر بِالْعَبَّاسِ رَضِي الله عَنْهُمَا من وُجُوه بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَهَذَا أتمهَا. وَهُوَ رِوَايَة أَبى يَعْقُوب الْخطابِيّ عَن ابيه عَن جده.
قَوْله: قفبية آبَائِهِ يُرِيد: تلوهم وتابعهم وَهُوَ من قَوْلك: قَفَوْت الرجل اذا تَبعته وَكنت فِي أَثَره يُقَال: هَذَا قفي الْأَشْيَاخ وقفيتهم اذا كَانَ الْخلف مِنْهُ وَكبر رِجَاله أَي: أقعدهم فِي النّسَب. وَقد تقدم تَفْسِير ذَلِك.
وَقَوله: فقد دلونا بِهِ اليك أَي: متتنا واستشفعنا. وَأَصله من الدَّلْو لِأَن الدَّلْو بِهِ يستقى المَاء وَبِه يُوصل اليه فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد جَعَلْنَاهُ الدَّلْو إِلَى مَا عنْدك من الرَّحْمَة والغيث.
وَقَوله: وسبائبه تجول على صَدره وَهِي جمع سبيبة مثل:
(2/183)

كتبية وكتائب والسبائب خصل الشّعْر وَقد تجمع أَيْضا: سبيب قَالَ الشَّاعِر أَبُو النَّجْم الْعجلِيّ: من الرجز ... ينفضن أفنان السبيب والعذر ...
وَأَرَادَ: وذوائبه تجول على صَدره وَهَذَا يدل على أَن الْعَبَّاس كَانَ ذَا جمة فينانة.
وَقَوله: لَا تهمل الضَّالة هَذَا مثل ضرّ بِهِ كَالرَّاعِي الْحسن الرّعية اذا ضلت ضَالَّة من غنمه لم يَدعهَا تذْهب وَلكنه يطْلبهَا حَتَّى يردهَا واذا اصاب شَاة مِنْهَا كسر لم يخلفها للسبع وَلكنه يعرج عَلَيْهَا ويرفق بهَا حَتَّى تصلح.
والطرة من السَّحَاب: قِطْعَة تبدو فِي الْأُفق مستطيلة وطرة الرَّأْس من ذَلِك.
وَأما قَوْلهم: هَنِيئًا لَك ساقي الْحَرَمَيْنِ فانهم أَرَادوا سقيا الله بِهِ حرم النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْيَوْم وانه مَعَ هَذَا ساقي الحجيج بِمَكَّة وصاحبة السِّقَايَة. نجز حَدِيث الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ. بِحَمْد الله.
(2/184)

- حَدِيث أبي ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة الْغِفَارِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ حَدِيث إِسْلَامه انه قَالَ قَالَ لي أخي انيس ان لي حَاجَة بِمَكَّة فَانْطَلق فَرَاثَ فَقلت: مَا حَبسك فَقَالَ: لقِيت رجلا على دينك يزْعم أَن الله جلّ وَعز أرْسلهُ. قلت فَمَا يَقُول النَّاس. قَالَ: يَقُولُونَ سَاحر شَاعِر كَاهِن. قَالَ أَبُو ذَر وَكَانَ أنيس أحد الشُّعَرَاء فَقَالَ وَالله لقد وضعت قَوْله على أَقراء الشّعْر فَلَا يلتئم على لِسَان أحد. وَلَقَد سَمِعت قَول الكهنة فَمَا هُوَ بقَوْلهمْ وَالله انه لصَادِق وانهم لَكَاذِبُونَ. قَالَ أَبُو ذَر: فَقلت أكفني حَتَّى أنظر. قَالَ: نعم. وَكن من أهل مَكَّة على حذر فانهم قد شنفوا لَهُ وتجهموا فَانْطَلَقت فَتَضَعَّفْت رجلا من أهل مَكَّة فَقلت: ايْنَ هَذَا الرجل الَّذِي تَدعُونَهُ الصابىء قَالَ: فَمَال عَليّ أهل الْوَادي بِكُل مدره وَعظم وَحجر فَخَرَرْت مغشيا عَليّ فارتفعت حِين ارْتَفَعت كَأَنِّي نصب أَحْمَر فَأتيت زَمْزَم فغسلت عني الدَّم وشربت من مَائِهَا ثمَّ دخلت بَين الْكَعْبَة وَأَسْتَارهَا فَلَبثت بهَا ثَلَاثِينَ من بَين يَوْم وَلَيْلَة وَمَالِي بهَا طَعَام
(2/185)

الا مَاء زَمْزَم فَسَمنت حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْني وَمَا وجدت على كبدى سخْفَة جوع. قَالَ: فَبينا أهل مَكَّة فِي لَيْلَة قَمْرَاء اضحيان قد ضرب الله على أصمختهم فَمَا يطوف بِالْبَيْتِ غير امْرَأتَيْنِ فاتتا عَليّ وهما تدعوان اسافا ونائلا فَقلت: أنكحوا احداهما الاخرى. قَالَ: فَمَا تناهما ذَلِك قَالَ: فَقلت وَذكر كلَاما فَاحِشا لم يكن عَنهُ فانطلقتا وهما تُوَلْوِلَانِ وَتَقُولَانِ: لَو كَانَ هَاهُنَا أحد من أَنْفَارنَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر بِاللَّيْلِ وهما هَابِطَانِ من الْجَبَل فَقَالَ لَهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لَكمَا قَالَتَا الصابىء بَين الْكَعْبَة وَأَسْتَارهَا. قَالَ: فَمَا قَالَ لَكمَا قَالَتَا: كلمة تملأ الْفَم. ثمَّ ذكر خُرُوجه الى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتسليمه عَلَيْهِ وَأَنه أول من حَيَّاهُ بِتَحِيَّة الاسلام وَقَالَ ذهبت لأقبل بَين عَيْنَيْهِ فقدعني عَنهُ صَاحبه.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ عَليّ بن مُحَمَّد عَن ابى ظفر الْبَصْرِيّ عبد السَّلَام ابْن مطهر عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال الْعَدوي عَن عبد الله بن الصَّامِت عَن أَبى ذَر.
قَوْله: انْطلق فَرَاثَ يَعْنِي: أَبْطَأَ يُقَال: راث علينا خبركم ريثا. وَمن الْأَمْثَال: رب عجلة تهب ريثا.
(2/186)

يُرَاد أَن المستعجل غير المتأني وَلَا المتثبت رُبمَا أَلْقَاهُ استعجاله فِي بطء.
وَقَوله: وضعت قَوْله على أَقراء الشّعْر يُرِيد: أَنْوَاعه وطرقه وَاحِدهَا: قري يُقَال: هَذَا الشّعْر على قري هَذَا.
وَقَوله: شنفوا لَهُ أَي: أبغضوه والشنف: الشانى الْمُبْغض يُقَال: شنفت لفُلَان شنفا.
وَقَوله: فَتَضَعَّفْت رجلا أَي: استضعفته. وَقد تدخل استفعلت على بعض حُرُوف تفعلت وَنَحْو: تعظم واستعظم وتكبر واستكبر وتيقن واستيقن وَتثبت فِي الْأَمر واستثبت.
وَقَوله: كَأَنِّي نصب أَحْمَر. وَالنّصب: صنم أَو حجر كَانَت الْجَاهِلِيَّة تنصبه وتذبح عِنْده فيحمر للدم. يُرِيد: أَنهم أدموه. قَالَ: وحَدثني أَبُو حَاتِم عَن أَبى عُبَيْدَة انه قَالَ فِي قَول الله عزوجل: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون} بِفَتْح النُّون الى علم وَمن قَالَ: الى نصب فَهُوَ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن.
(2/187)

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَمَا ذبح على النصب} وَاحِد الأنصاب. قَالَ: وَهِي قِرَاءَة أَبى عَمْرو. مَفْتُوحَة الأولى سَاكِنة الثَّانِي. وَقَالَ لي أَبُو حَاتِم: غلط أَبُو عُبَيْدَة وَلكنه يُقَال للشىء تنصبه: نصب وَنصب وَنصب. وَلَيْسَ نصب جمعا لنصب. كَمَا قَالَ ابو عُبَيْدَة وانما جعله جمعا لنصب فِيمَا نرى لِأَنَّهُ لَيْسَ يُوجد فِي الْكَلَام مَا جَاءَ على فعل وَفعل الا قَلِيلا وَلَا أحفظ من ذَلِك الا هَذَا الْحَرْف.
وَقَوْلهمْ: الْعَصْر وَالْعصر والعمر والعمر. يُقَال: أَطَالَ الله عمر فلَان وعمره ونرى قَوْلهم: لعمرك مِنْهُ ولعمر الله. كَأَنَّهُ قسم بِبَقَاء الله جلّ وَعز. وَيجوز فِي هَذِه الْحُرُوف اسقاط الضمة الثَّانِيَة فَيَقُول: عمر وعصر وَنصب. كَمَا يُقَال: السُّحت والسحت وَا لرعب والرعب.
وَكَانَ زيد بن ثَابت يقْرَأ: / كَأَنَّهُمْ الى نصب يوفصون / قَالَ الطرماح وَذكر ثورا يطوف حول شَجَرَة: من المنسرح
(2/188)

طوف متلي نذر على نصب ... نصب دوار محمرة جدده ...
وَقَالَ الْأَعْشَى: من الطَّوِيل ... واذا النصب الْمَنْصُوب لَا تنسكنه ... لعاقبة وَالله رَبك فاعبدا ...
وَقَوله: وَمَا وجدت على كَبِدِي سخْفَة جوع. قَالَ الْأَصْمَعِي: السخفة: الخفة وَلَا أَحسب قَوْلهم: هُوَ سخيف الا من هَذَا.
وَقَوله: فِي لَيْلَة قَمْرَاء أَي: بَيْضَاء. وَمِنْه يُقَال: حمَار أقمر. وَلَا أَحسب الْقَمَر الا من هَذَا. وَقَالَ بَعضهم: قعدنا فِي القمراء يُرِيد الْقَمَر أَو اللَّيْلَة المقمرة. قَالَ الراجز: من الرجز ... يَا حبذا القمراء وَاللَّيْل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج ...
والأضحيان: المضيئة. يُقَال: لَيْلَة اضحيان واصحيانة.
(2/189)

وضحيانة وَيَوْم ضحيان. قَالَ الراجز: من الرجز ... والظلمات والسراج الضحيان ...
يُرِيد: المضيىء. وَيُقَال: لَيْلَة ضحياء أَيْضا ووسم أضحى والأضحى يذكر وَيُؤَنث. فَمن أنثه جعله جمع أضحاه وَهِي الذَّبِيحَة. وَمن ذكره ذهب الى الْيَوْم.
وَقَوله: قد ضرب الله على اسمختهم هَكَذَا رُوِيَ بِالسِّين وانما هُوَ بالصَّاد. جمع: صماخ الْأذن وَهُوَ الْخرق الَّذِي يُفْضِي الى الرَّأْس وَهُوَ المسمع. وانما أَرَادَ أَنهم نَامُوا وَمثله قَول الله جلّ وَعز: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا} . وَفِي الْأذن أَمْثَال هَذَا أَحدهَا.
وَقَوْلهمْ: لبست عَلَيْهِ أُذُنِي أَي: سكت عَنهُ وَلم أَتكَلّم.
وَقَوْلهمْ: جعلته دبر أُذُنِي أَي: نَبَذته وَلم ألتفت اليه. وقولهما: كلمة تملأ الْفَم يُقَال ذَلِك لكل كلمة عَظِيمَة. وَحَتَّى الْأَصْمَعِي
(2/190)

عَن بَعضهم انه قَالَ: وَالله الَّذِي لَا اله الا هُوَ فانها تملأ الْفَم وتقطع الدَّم. يُرِيد: تحقن الدَّم. لقَوْل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا اله الا الله. فاذا قالوها عصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ الا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله.
وَيُقَال: أكْرمُوا الا بل فانها رقؤ الدَّم. يُرَاد: أَنَّهَا تدفع فِي الدِّيات فَيبْطل الْقود. قَالَ الْكُمَيْت: من المتقارب ... فَكنت هُنَاكَ رقؤ الدِّمَاء ... للمتبعات الأنين الزفيرا ...
وَقَوله: فقد عَنى عَنهُ. أَي: كفني. يُقَال: قدعت الرجل وأقدعته اذا كففته.
وقولهما: من أَنْفَارنَا يُريدَان: من قَومنَا وَكَأَنَّهُ جمع نفر. يُقَال: هَؤُلَاءِ نفر فلَان أَي: رهطه. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس يذكر راميا مصيبا: من المديد ... مَا لَهُ لَا عد من نفره ...
(2/191)

يَقُول: اذا عد يَوْمه لم يعد مَعَهم. يُرِيد: أماتة الله وَلم يرد وُقُوع الْأَمر وَلكنه كَمَا يُقَال: قَاتله الله وأخزاه اذا استجيد عمله أَو قَوْله. وَأنْشد الْأَصْمَعِي للشماخ فِي وصف حمير: من الطَّوِيل ... مسببة قب الْبُطُون كَأَنَّهَا ... رماح نحاها وَجهه الرّيح راكز ...
وَقَالَ: مسببة يُقَال: قاتلها الله وَنَحْوه. واما اساف ونائل وَيُقَال: نائلة فهما صنمان. وروى انهما كَانَا انسانين من بني عبد الدَّار طافا بِالْكَعْبَةِ فصادفا مِنْهَا خلْوَة فَأَرَادَ أَحدهمَا صَاحبه فنكسهما الله نُحَاسا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابى ذَر رَضِي الله عَنهُ أَن الْأسود قَالَ خرجنَا عمارا فَلَمَّا انصرفنا مَرَرْنَا بِأبي ذَر فَقَالَ:: أحلقتم الشعت وقضيتم التفث أما ان الْعمرَة من مدركم.
يرويهِ أَبُو النَّصْر عَن المَسْعُودِيّ عَن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه.
(2/192)

وحدثنى أَبى حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن أَبى عُبَيْدَة انه قَالَ: قَضَاء التفث الْأَخْذ من الشَّارِب والأظفار ونتف الابطين. والاستحداد وَهُوَ حلق الْعَانَة.
وَقَوله: أما ان الْعمرَة من مدركم يُرِيد: ان الْعمرَة من بلدكم الَّذِي تسكنونه ومدرة الرجل بَلَده وأنشدني الباهليون عَن الْأَصْمَعِي لبَعض الرجاز يصف حمارا: من الرجز ... شدّ على أَمر الْوُرُود مِئْزَره ... لَيْلًا وَمَا ندى أذين المدره ...
يُرِيد: مُؤذن بِالْمَدِينَةِ يَقُول: من أَرَادَ الْعمرَة ابْتَدَأَ لَهَا سفرا غير سفر الْحَج وَهَذَا مَذْهَب قد ذهب اليه قوم يَقُولُونَ شهور الْحَج لَا يعْتَمر فِيهَا ويحتجون بقول الله تَعَالَى: {الْحَج أشهر مَعْلُومَات} وَلم يذكر الْعمرَة. قَالُوا: فَمن أَرَادَ الْعمرَة أنشأ لَهَا سفرا من منزله فِي غير أشهر الْحَج. وَقد يجوز أَن يكون أَبُو ذَر أَرَادَ أَن فَضِيلَة الْعمرَة فِي افرادها بِالنِّيَّةِ وَالسّفر وَلم يقل ذَلِك على الْوُجُوب.
(2/193)

روى اسرائيل عَن أَبى اسحق عَن الْبَراء عَن عَازِب ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْتَمر فِي ذِي الْقعدَة.
وروى سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه ان أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يرَوْنَ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج من أفجر الْفُجُور ويسمون الْمحرم صفرا فَكَانُوا يَقُولُونَ اذا انْسَلَخَ صفر.
وَفِي حَدِيث آخر: اذا دخل صفر وَعَفا الْوَبر وبرأ الدبر فقد حلت الْعمرَة لمن اعْتَمر فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ عمر: مَا اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من التَّنْعِيم الا ليقطع أَمر الشّرك.
وَقَوْلهمْ: عَفا الْوَبر أَي طر وَكثر. وَمِنْه قَول حميد بن تور يذكر دَارا: من الطَّوِيل ... عفت مثل مَا يعْفُو الطليح فَأَصْبَحت ... بهَا كبرياء الصعب وَهِي ركُوب ...
يَقُول: غطاها النَّبَات والعشب كَمَا طر وبر الْبَعِير وبرأ دبره
(2/194)

ثمَّ رَجَعَ الى وصف النَّاقة وَترك الدَّار فَقَالَ: بهَا استكبار الصعب مِمَّا حمت وَهِي ذَلُول.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى ذَر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: بشر الكنازين برضفة فِي الناغض.
الرضفة: حجر يحمى بالنَّار وَحَجمه رضف. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: كَانَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا جلس فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ على الرضف حَتَّى يقوم.
والناغض من الكيف هُوَ فرع الْكَتف. وانما قيل لَهُ ناغض لِأَنَّهُ يَتَحَرَّك اذا عدا الرجل أَو حرك يَده. والنغض: الْحَرَكَة. يُقَال: نغض ينغض وينغض وانغض رَأسه اذا حركه وَقَالَ الله جلّ وَعز: {فسينغضون إِلَيْك رؤوسهم}
وَمِنْه قيل للظليم نغض لِأَنَّهُ يُحَرك رَأسه اذا عدا وَمِنْه قَول سلمَان فِي حَدِيث اسلامه: درت من خَلفه فاذا الْخَاتم فِي
(2/195)

ناغض كتفه الْأَيْسَر. يَعْنِي خَاتم النُّبُوَّة. وَفِيه لُغَة أُخْرَى يُقَال: طعنه على نغض كتفه. وَقَالَ عبد الله بن سرجس: نظرت الى الْخَاتم على نغض كتفه. يُرِيد: مثل جمع الْكَفّ. يُقَال: ضربه بِجمع كَفه اذا جمعهَا وَضم اصابعه وَفِيه لُغَة أُخْرَى: جمع الْكَفّ بِكَسْر الْجِيم جعل أَبُو ذَر مَا يكنز من الذَّهَب وَالْفِضَّة رضفا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابى ذَر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ للْقَوْم الَّذين حَضَرُوا وَفَاته: أنْشدكُمْ الله والاسلام ان يكفنني رجل مِنْكُم كَانَ أَمِيرا أَو عريفا أَو بريدا أَو نَقِيبًا.
يرويهِ: يحيى بن سليم عَن ابْن خثيم عَن مُجَاهِد عَن إِبْرَاهِيم بن الاشتر عَن أَبِيه.
الْبَرِيد: هُوَ الرَّسُول وَمِنْه الحَدِيث: اذا
(2/196)

أبردتم الي بريدا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم.
والنقيب قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ الْأمين وَالْكَفِيل على الْقَوْم من قَول الله جلّ وَعز: {وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا} فَأَما النكابة فَيُقَال هِيَ العرافة وَالِاسْم الْمنْكب وَقَالَ بَعضهم: الْمنْكب عون العريف. قَالَ أَبُو زيد يُقَال: نقب فلَان على قومه ينقب نقابة ونكب ينكب نكابة وَعرف يعرف عرافة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال نكب فلَان على قومه ينكب اذا كامنكبا لَهُم يعتمدون عَلَيْهِ.
وَيُقَال أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى ذَر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لنا مَوْلَاهُ تَصَدَّقت علينا بخدمتها وَلنَا عباءتان نكافىء بمها عَنَّا عين الشَّمْس واني لأخشى فصل الْحساب.
حَدثنِي ابى ثناه الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة. قَوْله: نكافىء بهما أَي: ندافع بهما. وأصل الْمُكَافَأَة المقاومة والموازنة. وَمِنْه يُقَال: فلَان كفىء فلَان وكفؤه وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَلم يكن لَهُ كفوا أحد} والكفاءة
(2/197)

الْمصدر. يُقَال: كفؤ كفاءة. وَمِنْه قَول الْأَحْنَف: لَا أُجِيب من لَا كفاءة لَهُ. وَيُقَال: مَالِي بِهِ قبل وَلَا كفاء أَي: مَالِي طَاقَة بِهِ. وَهُوَ مصدر كافأته. وَمِنْه الحَدِيث: ان أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا: انك مِمَّا اذا صليت همست فَقَالَ ذكرت نَبيا أعطي جُنُودا من قومه فَنظر اليهم فَقَالَ: من يكافىء هَؤُلَاءِ.
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى ذَر رَضِي الله عَنهُ ان ابا اسماء الرَّحبِي دخل عَلَيْهِ بالربذة وَعِنْده امْرَأَة سَوْدَاء مشنعة وَلَيْسَ عَلَيْهَا أثر المجاسد.
يرويهِ عَفَّان عَن همام عَن قَتَادَة عَن ابي قلَابَة عَن أَبى اسماء.
المجاسد: جمع مجسد وَهُوَ الْمَصْبُوغ المشبع بالزغفران والجساد الزَّعْفَرَان فَأَما المجسد بِكَسْر الْمِيم فانه الَّذِي يَلِي الْجَسَد من الثِّيَاب. وَقَالَ الْفراء: المجسد والمجسد وَاحِد. وَهُوَ
(2/198)

من: أجسد أَي: ألصق بالجسد فَكسر أَوله بَعضهم. وَكَذَلِكَ قَالُوا: مصحف وَهُوَ مَأْخُوذ من: أصحف أَي: جمعت فِيهِ الصُّحُف فَكسر أَوله. وَأَصله الضَّم ومطرف وَهُوَ من أطرف أَي: جعل فِي طَرفَيْهِ العلمان. وَيُقَال: مطرف ومصحف على الْقيَاس. والْحَدِيث يدل على أَن المجسد على مَا فسرنا أَولا لَيْسَ على مَا قَالَ الْفراء.
والمشنعة: القبيحة يُقَال: منظر أشنع وشنيع وشنع ومشنع.
آخر حَدِيث أَبى ذَر رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
(2/199)

- حَدِيث اسامة بن زيد
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث اسامة رَضِي الله عَنهُ انه ذكر سَرِيَّة خرج فِيهَا قَالَ: فصبحنا حَيا من جُهَيْنَة فَلَمَّا رأونا جبوءا من أخيبتهم وَانْفَرَدَ لي وَلِصَاحِب السّريَّة رجل فاشرع عَلَيْهِ الْأنْصَارِيّ رمحه فَالْتَفت وَقَالَ: لَا اله الا الله فَرفع عَنهُ الْأنْصَارِيّ وأدركته فَقتلته. ثمَّ ذكر قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: أقتلت رجلا يَقُول لَا اله الا الله فَقَالَ أُسَامَة: فَلَا أقَاتل رجلا يَقُول لَا اله الا الله حَتَّى أَلْقَاهُ. قَالَ سعد: وَأَنا لَا أقاتلهم حَتَّى يقاتلهم ذُو البطين وَكَانَ لأسامة بطن مندح.
يرويهِ هرون بن الْمُغيرَة عَن عَمْرو بن أَبى قيس عَن مَنْصُور عَن سعد ابْن عبيد عَن أَبى ظبْيَان.
قَوْله: جبوءا من أخيبتهم أَي: خَرجُوا مِنْهَا. يُقَال: جبأ عَلَيْهِ الْأسود من حجره أَي: خرج. وَمِنْه قيل للجراد جابىء
(2/200)

لطلوعه. قَالَ الْهُذلِيّ: من الْبَسِيط ... صابوا بِسِتَّة أَبْيَات وَأَرْبَعَة ... حَتَّى كَأَن عَلَيْهِم جابئا لبدا ...
والبطن المندح: المستفيض. وكل شىء اتَّسع فقد اندح. وَأَخْبرنِي الرياشي عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: يُقَال بنى فلَان بَيْتا فدحاه. أَي وَسعه. وحَدثني الرياشي ايضا أَنه سَأَلَ أَعْرَابِيًا عَن قَول الرَّاعِي: من الوافر ... تلقى نوؤهن سرار شهر ... وَخير النوء مَا لَقِي السرارا ...
فَقَالَ مُطِرْنَا الْعَام الأول لَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من الشَّهْر فاندحت الارض كلأ. وَقَول الْأَصْمَعِي: دحاه اصله: دحجة فأبدل كَمَا قَالَ: دَعَاهُ قلباه. وَأَصله لببه وكقول الله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} . آخر حَدِيث أُسَامَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
(2/201)

- حَدِيث حباب بن الأرث
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث خباب رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: هاجرنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَبِيل الله نبغي وَجه الله فَوَجَبَ أجرنا على الله فمنا من مضى لم يَأْكُل من أجره شَيْئا وَمنا من أينعت لَهُ ثَمَرَة فَهُوَ يهدبها.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن خباب.
أينعت: أدْركْت. يُقَال: اينعت الثَّمَرَة وينعت. قَالَ الشَّاعِر: من المديد ... فِي قباب عِنْد دسكرة ... حولهَا الزَّيْتُون قد ينعا ...
(2/202)

وَهُوَ الينع والينع. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه} .
وَقَوله: يهدبها أَي: يجنيها من ثَمَرهَا يقا ل: هدبها يهدبها هدبا اذا اجتناها. وهدب النَّاقة هدبا اذا احتلبها. فَأَما الهدب بِفَتْح الدَّال فانه من ورق الشّجر مَا لم يكن لَهُ عرض نَحْو: السرو والطرفاء.
آخر حَدِيث خباب رَضِي الله عَنهُ
(2/203)

- حَدِيث عمار بن يَاسر
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: الْجنَّة تَحت البارقة.
يرويهِ يحيى بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن أبجر عَن أَبِيه عَن سَلمَة بن كهيل عَن أَبى صَادِق عَن ربيعَة عَن عمار.
البارقة: السيوف تَقول: رَأَيْت بارقة الْقُوَّة اذا رَأَيْت بريق سيوفهم. وَيُقَال: أبرق فلَان بِسَيْفِهِ يَبْرق اذا لمع بِسَيْفِهِ. قَالَ الْأَعْشَى لامْرَأَته: من الطَّوِيل ... وبيني فان الْبَين خير من العصى ... والا تزالي فَوق رَأسك بارقة ...
يُرِيد: سَيْفا يَبْرق وَهَذَا كَقَوْلِهِم: الْجنَّة تَحت ظلال
(2/204)

السيوف. يُرَاد فِي الْجِهَاد. والبارقة فِي غير هَذَا السحابة يكون فِيهَا برق.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله فِي حَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: لَا يَلِي الامر بعد فلَان الا كل أصعر أَبتر.
الأصعر المعرض بِوَجْهِهِ. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَلَا تصعر خدك للنَّاس} والأبتر: النَّاقِص وَهُوَ من قَوْلك: بترت الشىء اذا قطعته وَمِنْه قيل لما لَا ذَنْب لَهُ: أَبتر كَأَنَّهُ بتر أَي: قطع. وَأَرَادَ عمار: أَنه لَا يَلِيهِ ال كل معرض عَن الْحق نَاقص.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ أَن رجلا وشى بِهِ الى عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ عمار: اللَّهُمَّ ان كَانَ كذب عَليّ فاجعله موطأ الْعقب.
وَقَوله: موطأ الْعقب أَي: كثير الأتباع كَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِأَن يكون
(2/205)

سُلْطَانا يطَأ النَّاس عقبه أَي: يتبعونه ويمشون وَرَاءه أَو بِأَن يكون ذَا مَال فيتبعه النَّاس لمَاله وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر: من الرجز. ... عهدي بقيس وَهِي من خير الْأُمَم ... لايطأون قدما على قدم ...
يُرِيد: عهدي بهم وهم قادة يتبعهُم النَّاس وَلَيْسوا أتباعا يطأون بأقدامهم على أَقْدَام قوم تقدموهم. وَيُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى: هم يخصفون أَقْدَامهم بأقدامهم أَي: يطبقونها عَلَيْهَا وَذكر أَعْرَابِي قوما أَغَارُوا عَلَيْهِم فَقَالَ: احتثوا كل جمالية عيرانة فَمَا زَالُوا يخصفون أَخْفَاف المطىء بحوافر الْخَيل حَتَّى أَدْركُوهُم بعد ثَالِثَة فَجعلُوا المران أرشية الْمَوْت فاستقوا بهَا أَرْوَاحهم.
قَوْلهم: يخصفون أَخْفَاف الْمطِي بحوافر الْخَيل يُرِيد: انهم قد ركبُوا الابل وجنبوا الْخَيل وارءهم. فالخيل تخصف أَخْفَاف الابل بحوافرها أَي تطبقها عَلَيْهَا. وَمِنْه يُقَال: خصفت نَعْلي اذا أطبقت عَلَيْهَا رقْعَة.
والمران: الرماح وتقديرها: فعال من المرانة وَهِي اللين.
(2/206)

وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لقوم: جروا الخطير مَا انجز لكم.
الخطير زِمَام النَّاقة وَالْمعْنَى: امضوا على أَمركُم مَا أمكنكم وَمَا تابعكم.
آخر حَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ.
(2/207)

- حَدِيث زيد بن ثَابت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: فِي الوترة ثلث الدِّيَة. وَفِي حَدِيث آخر فاذا استوعب جدع مارنه فَفِيهِ الدِّيَة كَامِلَة.
يرْوى الأول يزِيد عَن حجاج عَن مَكْحُول عَن زيد.
الوترة الحاجز بَين المنخرين وَهُوَ ايضا الوتيرة ووتيرة الْيَد مَا بَين الْأَصَابِع والمارن هُوَ مَا لَان مِمَّا انحدر عَن قَصَبَة الْأنف. والقصبة: عظم الْأنف.
وَقَوله: استوعب جدعه أَي: استقصي. يُقَال: أوعب فلَان أنف فلَان اذا قطعه أجمع وقطعه قطعا موعبا اذا قطعه أجمع.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث زيد انه كَانَ لَا يرى بِبيع القطوط اذا خرجت بَأْسا.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ.
(2/208)

القطوط: الأرزاق وَاحِدهَا قطّ. قَالَ الْأَعْشَى: من الطَّوِيل ... وَلَا الْملك النُّعْمَان يَوْم لَقيته ... بامته يُعْطي القطوط وبأفق ...
بأفق: يفضل وأصل القط الْكتاب وانما سمي الرزق قطا كَانَ لِأَنَّهُ يكْتب بِهِ الى النَّاحِيَة الَّتِي يكون فِيهَا حق السُّلْطَان من الطَّعَام فَسُمي باسم الْكتاب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول الله جلّ وَعز: {عجل لنا قطنا} . القط: الْحساب. وَلَا أرَاهُ سمي قطا الا لِأَنَّهُ يكون بالكتب الَّتِي أحصيت فِيهَا أَعمال بني آدم. وَقَالَ المتلمس حِين نظر فِي الصَّحِيفَة وَعرف مَا فِيهَا وَأَلْقَاهَا فِي المَاء: من الطَّوِيل ... ألقيتها بالثني من جنب كَافِر ... كَذَلِك أقنو كل قطّ مضلل ...
أقنو: أجزى وَقَالَ أَبُو وجزة وَكتب لَهُ رجل سِتِّينَ.
(2/209)

وسْقا من طَعَام فَحمل الْكتاب فِي حقيبته: من الْبَسِيط ... راحت بستين وسْقا فِي حقيبتها ... مَا كلفت مثله الْأَدْنَى وَلَا البعدا
وَلَا رَأَيْت قلوصا قبلهَا حملت ... سِتِّينَ وسْقا وَلَا جابت بِهِ بَلَدا ...
وَفِي الحَدِيث من الْفِقْه أَنه رخص فِي بيع مَا لم يقبض وَلم يَأْتِ هَذَا الا فِي الرزق خَاصَّة. فَأَما غَيره مِمَّا يُكَال أَو يُوزن فَلَا يُبَاع حَتَّى يقبض.
وحَدثني أَبى قَالَ حَدثنِي أَبُو وَائِل عَن المومل عَن الثورى انه قَالَ: لَا تبع شَيْئا من الْبيُوع وَلَا توله وَلَا تشارك فِيهَا كَائِنا مَا كَانَ حَتَّى تقبضه وَقَالَ لنا اسحق: لَا بَأْس بِبيع مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزن قبل الْقَبْض وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَة فان التَّوْلِيَة بيع.
آخر حَدِيث زيد رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
(2/210)

- حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث خَالِد رَضِي الله عَنهُ انه لما انْتهى الى الْعُزَّى ليقطعها قَالَ لَهُ السادن: يَا خَالِد انها قاتلتك انها مكنعتك.
يرويهِ الحكم بن عبد الْملك عَن قَتَادَة.
قَوْله: مكنعتك أَي: مقبضة جسمك ويديك والتكنع فِي الْيَدَيْنِ: تقفع الْأَصَابِع ويبسها يُقَال: قد اكتنغ الشَّيْخ اذا أَصَابَهُ ذَلِك من الْهَرم وتكنعت أَصَابِع الشَّيْخ اذا تقبضت. ذكر أَبُو الْيَقظَان سحيم بن حَفْص بن قادم العجيفي أَن أَبَا فوران الهُجَيْمِي شهد يَوْم الْجمل فكنعت يَدَاهُ فَمر بِهِ الْأَحْنَف فَقَالَ لَهُ أَبُو فوران يَا منخذل فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَف: أما وَالله وَالله لَو أطعتنى لأكلت بيمينك وامتسحت بشمالك وَمَا كنعت يداك.
وَمِنْه حَدِيث رَوَاهُ ابْن ابى الزِّنَاد عَن ابيه عَن عبيد الله بن عبد الله بن
(2/211)

عتبَة فِي غَزْوَة أحد: ان الْمُشْركين لما قربوا من الْمَدِينَة كنعوا عَنْهَا أَي: قصروا وانقبضوا عَن الاقتراب مِنْهَا. وَيُقَال: قد اكتنع الْمَوْت اذا قرب واذا حضر واكتنع اللَّيْل حضر وَقرب. قَالَ يزِيد بن مُعَاوِيَة: من المديد ... آب هَذَا اللَّيْل فاكتنعا ... وَأمر النّوم فامتنعا ...
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَكَذَلِكَ الكانع وَهُوَ الْحَاضِر أَيْضا. وَقَالَ النَّابِغَة: من الطَّوِيل ... وتسقي اذا مَا شِئْت غير مصرد ... بزوراء فِي أكنافها الْمسك كانع ...
يجوز أَن يكون كانع بِمَعْنى حَاضر وَيجوز ان يكون قد انْضَمَّ وَتَلَبَّدَ بعضه على بعض. وَيُقَال: زوراء دَار بِالْحيرَةِ للنعمان. وَيُقَال: بل هُوَ اناء من فضَّة يشرب فِيهِ. غير مصرد غير مَقْطُوع الرّيّ.
وَأما قَوْلهم فِي الدُّعَاء: اللَّهُمَّ انى أعوذ بك من الكنوع والخضوع فان الكنوع المذلة. وانما قيل لَهَا ذَلِك لِأَن الذَّلِيل
(2/212)

ينصاغر وينضم بعضه الى بعض.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث خَالِد رَضِي الله عَنهُ ان عَمْرو بن الْعَاصِ انْصَرف من بِلَاد الْحَبَشَة يُرِيد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسلم فَلَقِيَهُ خَالِد وَهُوَ مقبل من مَكَّة فَقَالَ: أَيْن يَا أَبَا سُلَيْمَان فَقَالَ: وَالله لقد استقام المنسم وان الرجل لنَبِيّ اذْهَبْ فَأسلم.
يرويهِ ابْن اسحق عَن يزِيد بن أَبى حبيب عَن رَاشد مولى ابْن أَبى أَوْس الثَّقَفِيّ عَن حبيب بن أَوْس قَالَ: حَدثنِي عَمْرو بن الْعَاصِ بذلك فِي حَدِيث فِيهِ طول. قَالَ الْأَصْمَعِي: رَأَيْت منسما من الْأَمر أعرفهُ أَي عَلامَة وَقَالَ أَوْس بن حجر: من الطَّوِيل ... لعمري لقد بيّنت يَوْم سويقة ... لمن كَانَ ذَا لب بوجهة منسم ...
أَي: استبان مِنْك الصرم بِأَمْر بَيَان. ويروي: وَجه مقسم. أَي: حسن من قَوْلك: رجل قسم وسم. أَي: جميل. وَأَرَادَ
(2/213)

خَالِد ان الْأَمر قد وضح وَتبين.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث خَالِد رَضِي الله عَنهُ انه لما أَخذ الرَّايَة يَوْم مُؤْتَة دَافع بِالنَّاسِ وخاشى بهم.
يرويهِ مُحَمَّد بن اسحق عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عُرْوَة ابْن الزبير.
خاشى بهم من خشيت أَي: اتَّقى عَلَيْهِم وحذر فانحاز
تَقول: خاشيت فلَانا اذا تاركته. آخر حَدِيث خَالِد رَحمَه الله.
(2/214)

- حَدِيث عبد الله ابْن انيس
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس رَضِي الله عَنهُ أَنه ذكر قَتله ابْن أبي الْحقيق قَالَ: فقدمنا خَيْبَر فدخلناها لَيْلًا فَجعلنَا نغلق أَبْوَابهَا من خَارج على أَهلهَا ثمَّ جَمعنَا المفاتح فطرحناها فِي فَقير من النّخل وَذكر دُخُول ابْن أَبى عتِيك عَلَيْهِ قَالَ: فَذَهَبت لأَضْرِبهُ بِالسَّيْفِ وَلَا أَسْتَطِيع مَعَ صغر الْمشْربَة فوجرته بِالسَّيْفِ وجرا ثمَّ دخلت انا فذففت عَلَيْهِ.
يرويهِ على بن مُجَاهِد عَن اسماعيل بن ابراهيم بن اسماعيل بن مجمع عَن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيه عَن أم أَبِيه وَهِي بنت عبد الله بن أنيس عَن أَبِيهَا.
الْفَقِير: بِئْر تحفر فِي أصل الفسيلة اذا حولت ويلقى
(2/215)

فِيهَا البعر والسرجين. يُقَال: فقرنا للودية تفقيرا.
وَقَوله: وجرته بِالسَّيْفِ يُرِيد: طعنته بِهِ طَعنا. وَيُقَال: أوجرته الرمْح بِالْألف وَلم أسمع بوجرته الا فِي هَذَا الحَدِيث. فَأَما من وجود الدَّوَاء فانه يُقَال: أوجرته الدَّوَاء ووجرته جَمِيعًا.
والمشربة: الغرفة. وَمِنْه حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ لما اعتزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نِسَاءَهُ دخلت الْمَسْجِد واذا النَّاس ينكتون بالحصى وَيَقُولُونَ: طلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نِسَاءَهُ. فَقلت: لأعلمن ذَلِك الْيَوْم. قَالَ: فَدخلت فاذا أَنا برباح غُلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَاعِدا على بَاب الْمشْربَة مدليا رجلَيْهِ على نقير من خشب.
فَأَما المسربة بِالسِّين غير مُعْجمَة فَهِيَ كالصفة تكون بَين يَدي الغرفة وفيهَا لُغَة أُخْرَى: مسربة كَمَا يُقَال: مأدبة ومأدبة.
وَقَوله: ينكتون بالحصى أَي: ينكتون بِهِ الأَرْض. وَذَلِكَ يكون من المفكر فِي الشَّيْء.
وَفِي حَدِيث للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر: انه بَينا هُوَ
(2/216)

ينكت اذ انتبه فَقَالَ: مَا من نفس الا قد كتب لَهَا ماهي فِيهِ. أَرَادَ: يفكر وَيحدث نَفسه وينكت فِي الأَرْض. وَنَحْو من هَذَا وَصفهم المهموم بلقط الْحَصَى والتخطيط فِي الأَرْض. قَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل {عَشِيَّة مَالِي حِيلَة غير أنني ... بلقط الْحَصَى والخط فِي الدَّار مولع ...
وَقَالَ النَّابِغَة وَذكر نسَاء سبين: من الطَّوِيل ... يخططن بالعيدان فِي كل مقْعد ... ويخبأن رمان الثدي النواهد ...
والنقير: جذع ينقر وَيجْعَل فِيهِ كالمراقي ويصعد عَلَيْهِ الى الغرف.
وَفِي حَدِيث آخر فِي قتل ابْن أبي الْحقيق رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن كَعْب بن مَالك: انهم خَرجُوا حَتَّى جاؤوا خَيْبَر فَدَخَلُوا الْحصن ثمَّ اسندوا اليه فِي مشربَة لَهُ فِي عجلة من نخل قَالَ: فوَاللَّه مَا دلنا عَلَيْهِ الا بياضه على الْفراش فِي سَواد اللَّيْل كَأَنَّهُ قبطية. وتحامل ابْن أنيس بِسَيْفِهِ فِي بَطْنه.
(2/217)

حَنى أنفذه. فَجعل يَقُول: قطنى قطني ثمَّ نزلُوا فزلق ابْن عتِيك فاحتملوه فَأتوا منهرا فاختبؤوا فِيهِ. ثمَّ خرج رجل مِنْهُم يمشي حَتَّى خش فيهم فسمعهم يَقُولُونَ: فاظ واله بني اسرائيل.
أسندوا اليه: صعدوا اليه. يُقَال: أسْند فلَان فِي الْجَبَل اذا صعده. والعجلة: دوحة من النّخل نَحْو النقير. والقبطية: ثوب أَبيض وَجمعه قَبَاطِي. والمنهر: خرق فِي الْحصن نَافِذ يدْخل فِيهِ المَاء.
وَقَوله: خشن فِي النَّاس أَي: دخل فيهم. وَمِنْه قيل لما يدْخل فِي أنف الْبَعِير: خشَاش لِأَنَّهُ يخْش أَي: يدْخل. وفاظ: مَاتَ. يُقَال: فاظ يفوظ فوظا اذا مَاتَ. قَالَ الْأَصْمَعِي:
(2/218)

لَا يكادون يَقُولُونَ فاظت نَفسه انما يُقَال: فاظ. وَأنْشد: من الرجز ... لَا يدفنون من مِنْهُم فاظا ...
آخر حَدِيث عبد الله بن أنيس رَضِي الله عَنهُ.
(2/219)

- حَدِيث أبي ايوب الْأنْصَارِيّ
- خَالِد بن زيد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ ان ابْن عَبَّاس والمسور بن مخرمَة اخْتلفَا بالأبواء. فَقَالَ: ابْن عَبَّاس: يغسل الْمحرم رَأسه. وَقَالَ الْمسور: لَا يغسل. فأرسلا الى أبي أَيُّوب فَوَجَدَهُ الرَّسُول يغْتَسل بَين القرنين وَهُوَ يستر بِثَوْب.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعْنبِي عَن مَالك بن زيد بن أسلم عَن ابراهيم بن عبد الله بن حنين عَن أَبِيه.
القرنان: قرنا الْبِئْر وهما منارتان تبنيان من حِجَارَة أَو مدر على رَأس الْبِئْر من جَانبهَا ويلقى عَلَيْهِ الْخشب قيل: فان كَانَتَا من خشب فهما زرنوقان وَيُقَال للزرنوق ايضا الْقَامَة والنعامة. وَقَالَ بعض الرجاز لبعيره:
(2/220)

.. تبين القرنين وَانْظُر ماهما ... أحجرا أم مدرا تراهما
انك لن تدل أَو تغشاهما ... وَترك اللَّيْل الى ذراهما ...
وَالْبَعِير ينفر من قُرُون الْبِئْر حِين يَرَاهَا ثمَّ يذل حَتَّى يبرك عِنْدهَا ويأنس بهَا. آخر حَدِيث خَالِد بن زيد رَضِي الله عَنهُ.
(2/221)

- حَدِيث ابي قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ فِي عرس وَجَارِيَة تضرب بالدف وَهُوَ يَقُول لَهَا: أرعفي.
يرويهِ وَكِيع عَن أُسَامَة بن زيد عَن شيخ من بني سَلمَة. قَوْله: ارعفي أَي: تقدمي. وَمِنْه قيل للْفرس الراعف: راعف. اذا تقدم الْخَيل. قَالَ الشَّاعِر: من الْخَفِيف
يرعف الْألف بالمدجج ذِي القونس حَتَّى يؤوب كالتمثال أَي: يسبقها. وحَدثني أَبى قَالَ أَخْبرنِي ابو حَاتِم انه سمع أَبَا عُبَيْدَة يَقُول لَهُ أَو لغيره الشَّك مني بَينا نَحن نذْكر رعف بك الْبَاب أَي: دخلت علينا.
آخر الْجُزْء الْخَامِس من غَرِيب الحَدِيث من أصل النجيرمي
(2/222)

- حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه اشْترى من دهقان أَرضًا على أَن يَكْفِيهِ جزيتهَا.
يرويهِ يزِيد عَن حجاج عَن الْقَاسِم بن عبد الرحمن عَن أَبِيه.
الْجِزْيَة هَاهُنَا الْخراج. وَقَالَ غير وَاحِد اشْترى هَاهُنَا بِمَعْنى اكترى مِنْهُ الأَرْض لِأَنَّهُ لَا يجوز ان يكون مُشْتَريا لَهَا وخراجها على البَائِع وَلم أسمع فِي غير هَذَا بِأَنَّهُ يجوز أَن تَقول: اشْتريت وَأَنت تُرِيدُ: اكتريت. فان كَانَ هَذَا مَعْرُوفا فَهُوَ على مَا فسر. والا فَانِي أرى عبد الله اشْترى الأَرْض من الدهْقَان قبل ان يُؤدى الدهْقَان خراجها للسّنة الَّتِي وَقع فِيهَا البيع فتضمن عبد الله أَن يَكْفِيهِ مَا يجب عَلَيْهِ من خراج تِلْكَ السّنة بِأَن يُؤَدِّيه. يُرَاد مِنْهُ أَنه يُؤَدِّي الْخراج غير من صَارَت اليه الْغلَّة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله ان رجلا قَالَ لَهُ: اني أردْت السّفر فأوصني. فَقَالَ لَهُ: اذا كنت فِي الوصيلة فأعط.
(2/223)

راحلتك حظها واذا كنت فِي الجدب فأسرع السّير وَلَا تهود واياك والمناخ على ظهر الطَّرِيق فانه منزل للوالجة.
يرويهِ سُفْيَان عَن مسعر عَن معن بن عبد الرحمن.
الوصيلة: الْعِمَارَة وَالْخصب وانما قيل لَهَا وصيلة لاتصالها واتصال النَّاس فِيهَا. يَقُول اذا كنت فِي الأَرْض العامرة فارفق براحلتك فاعطها حظها من الْكلأ.
وَقَوله: وَلَا تهود أَي: لَا تفتر فِي السّير وترفق. والتهويد: السّكُون. وَمِنْه يُقَال: مَا بيني وَبَينه هوادة وَقَالَ عمرَان بن حُصَيْن رَضِي الله عَنهُ: اذا مت فخرجتم بِي فَأَسْرعُوا الْمَشْي وَلَا تهودوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَي: لَا تَمْشُوا مشيا رويدا.
والوالجة: السبَاع والحيات وانما سميت والجة لولوجها بِالنَّهَارِ واستتارها فِي الأولاج. يُقَال: ولجت فِي الشَّيْء فَأَنا ألج اذا دخلت فِيهِ وَمِنْه قَوْله عز وَجل: {حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط}
(2/224)

أَي: تدخل فِي ثقب الابرة والولج: مَا ولجت فِيهِ من كَهْف أَو شعب. قَالَ طريح: من المنسرح ... أَنْت ابْن مسلنطح البطاح وَلم تعطف عَلَيْك الحني والولج ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: أصل كل دَاء الْبردَة.
يرويهِ الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة عَن عبد الله. وَقَالَ الْأَعْمَش: سَأَلت اعرابيا من كلب عَن الْبردَة فَقَالَ: هِيَ التُّخمَة وَلست أحفظ هَذَا من عُلَمَائِنَا فان كَانَ الْحَرْف صَحِيحا لم يَقع فَهِيَ تَغْيِير فَالْمَعْنى جيد حسن. وَأرى أصل الْحَرْف من الْبرد. وَسميت التُّخمَة بردة لِأَنَّهَا تبرد حرارة الْجُوع والشهوة وَتذهب بهَا. وَمَا أَكثر مَا تَأتي
(2/225)

فعلة فِي الأدواء والعاهات. مثل: الشترة والخرمة والقطعة والفطسة والفدعة والصلعة والنزعة.
وَقد روى من وَجه آخر: أصل كل دَاء الْبرد. وَمَا أبعد أَن يكون أَيْضا الْبردَة من هَذَا الْوَجْه فغلط فِيهِ بعض الروَاة على انه قد يجوز على هَذَا التَّأْوِيل ان يُسمى الاكثار بردا لِأَنَّهُ يبرد حرارة الْجُوع كَمَا سمي النّوم بردا لِأَنَّهُ يبرد حرارة فالعطش. قَالَ ذَلِك الْفراء. وَهَذَا الْمَعْنى ان صَحَّ فَهُوَ أعجب الي مِمَّا يذهب اليه النَّاس من أَن أصل كل دَاء الْبرد الَّذِي هُوَ ضد الْحر لأَنا قد نرى من الأدواء مَا يضْطَر الى أَن يعلم انه لَيْسَ عَن برد الزَّمَان وَلَا برد الطباع. وَلَا نرى دَاء يضطرنا انه لَيْسَ عَن الطّعْم. وكما قَالُوا: الدَّوَاء هُوَ الأزم. يعنون التَّخْفِيف وَالْحمية كَذَلِك الدَّاء هُوَ الشِّبَع المفرط والتخمة. وَكَانَ يُقَال: الشِّبَع دَاعِيَة البشم والبشم دَاعِيَة السقم والسقم دَاعِيَة الْمَوْت.
وَقَالَ بَعضهم: لَو سُئِلَ أهل الْقُبُور مَا سَبَب آجالهم لقالوا: التخم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: هَذَا
(2/226)

الملطاط طَرِيق بَقِيَّة الْمُؤمنِينَ هرابا من الدَّجَّال.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن المَسْعُودِيّ عَن حَمْزَة الْعَبْدي عَن أَشْيَاخ لَهُ عَن عبد الله.
قَالَ الْأَصْمَعِي: الملطاط سَاحل الْبَحْر وَأنْشد لرؤبة: من الرجز ... نَحن جَمعنَا النَّاس بالملطاط ... فَأَصْبحُوا فِي ورطة الأوراط ...
وَقَالَ غَيره: هُوَ شاطىء الْفُرَات.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: بَين كل سماأين مسيرَة خمس مائَة عَام وبصر كل سَمَاء مسيرَة خمس مائَة عَام.
يرويهِ أَبُو النَّضر عَن المَسْعُودِيّ عَن عَاصِم بن أَبى النجُود عَن زر عَن عبد الله.
الْبَصَر: الْجَانِب والحرف. يُرِيد غلظ السَّمَاء. وَفِيه
(2/227)

لُغَة أُخْرَى صَبر. واكثر مَا يجىء فِي الْكَلَام صَبر. قَالَ النمر بن تولب وَذكر رَوْضَة: من الْكَامِل ... عزبت وباكرها الشتى بديمة ... وطفاء تملؤها الى أصبارها ...
يُرِيد: الى حروفها وجوانبها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ قَالَ: اذا اختلفتم فِي الْيَاء وَالتَّاء فاجعلوها يَاء.
حَدَّثَنِيهِ الزيَادي قَالَ ثَنَا عبد الوارث بن سعيد عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ عَن عبد الله.
هَذَا مثل قَوْله فِي حَدِيث آخر: الْقُرْآن ذكر فذكروه. وَوَجهه عِنْدِي انه اذا جَاءَ فِي الْقُرْآن حرف يحْتَمل التأنيت والتذكير فذكروه. وَكَذَلِكَ كَانَ مذْهبه فِي قرائته. كَانَ يذكر الْمَلَائِكَة فِي كل الْقُرْآن فَيقْرَأ: فناداه الْمَلَائِكَة وانما قَرَأَهَا كَذَلِك
(2/228)

لِأَنَّهَا يَاء مُتَّصِلَة بهَا فِي كتاب الْمُصحف على صُورَة فناديه.
وَكَذَلِكَ كل حرف يحْتَمل الْمَعْنيين فَلَا يُفَارق فِيهِ الْكتاب اذا ذكر.
وحَدثني أَبى قَالَ ثَنَا الرياشي عَن أبي يَعْقُوب الْخطابِيّ عَن عَمه قَالَ قَالَ الزُّهْرِيّ: الحَدِيث ذكر يُحِبهُ ذُكُور الرِّجَال ويكرهه مؤنثوهم. وَأَرَادَ الزُّهْرِيّ: ان الحَدِيث أرفع الْعلم وأجله خطرا كَمَا أَن الذُّكُور أفضل من الاناث فألباء الرِّجَال وَأهل التَّمْيِيز مِنْهُم يحبونه وَلَيْسَ كالرأي السخيف الَّذِي يُحِبهُ سخفاء الرِّجَال فَضرب التَّذْكِير والتأنيث لذَلِك مثلا. وَكَذَلِكَ شبه ابْن مَسْعُود الْقُرْآن فَقَالَ: هُوَ ذكر فذكروه أَي: جليل خطير فأجلوه بالتذكير وَنَحْوه: الْقُرْآن فخم ففخموه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله انه قَالَ: مَا من شَيْء من كتاب الله جلّ وَعز الا وَقد جَاءَ على أذلاله.
قَوْله: على أذلاله يُرِيد: على وَجهه وَمِنْه قَول زِيَاد فِي خطبَته البتراء: واذا رَأَيْتُمُونِي أنفذ فِيكُم الْأَمر فأنفذوه على أذلاه أَي: على وَجهه. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: دَعه على أذلاله
(2/229)

أَي: على حَاله وَلم يعرف لَهَا وَاحِدًا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: مَا اجْتمع حرَام وحلال الا غلب الْحَرَام الْحَلَال.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن جَابر عَن عَامر عَن عبد الله.
قَوْله: غلب الْحَرَام الْحَلَال يُرِيد: الرجل يفجر بِأم امْرَأَته أَو بابنتها لتحرم عَلَيْهِ امْرَأَته فَهَذَا غَلَبَة الْحَرَام الْحَلَال وَهُوَ رَأْي الْكُوفِيّين.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا يحرم حرَام حَلَالا. يُرِيد: ان الزِّنَى بِأم الْمَرْأَة وابنتها لَا يحرم الْمَرْأَة وَهُوَ رَأْي الْحِجَازِيِّينَ وَمن سلك سبيلهم.
وَمثل هَذَا من غَلَبَة الْحَرَام الْحَلَال: الْخمر تمزج بِالْمَاءِ
(2/230)

فَيحرم المَاء والبغل يحرم أكل لَحْمه لِأَنَّهُ ممتزج من حرَام وحلال.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: اذا صلى أحدكُم فَلَا يصلين وَبَينه وَبَين الْقبْلَة فجوة.
الفجوة: المتسع. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {فِي فجوة مِنْهُ} أَي: متسع. وَجَمعهَا: فجوات وفجاء. وَأَرَادَ عبد الله: أَن لَا يبعد من قبلته وسترته. وَهُوَ مثل النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اذا صلى أحدكُم الى الشىء فليرهقه. يُرِيد: فليغشه وَلَا يبعد مِنْهُ. يُقَال: رهقت الشَّيْء غَشيته وأرهقته شرا أغشيته اياه. قَالَ الله جلّ وَعز: {وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسرا} . وَيُقَال: عدا الرهقي وَهُوَ ضرب من الْعَدو
(2/231)

يكَاد يرهق بِهِ الْمَطْلُوب. وأرهق فلَان الصَّلَاة اذا أَخّرهَا حَتَّى تَدْنُو من الْأُخْرَى. وَيُقَال: أرهقت فلَانا أعجلته. وَمثل هَذَا الحَدِيث قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث آخر: اذا صلى أحدكُم الى ستْرَة فليدن مِنْهَا فان الشَّيْطَان يمر بَينه وَبَينهَا.
وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لَا يخْرجن أحدكُم الى ضبحة بلَيْل.
يرويهِ: وَكِيع عَن ابْن أبي خَالِد عَن أَبى عَمْرو الشَّيْبَانِيّ. وَبَعْضهمْ يَقُول: الى صَيْحَة بلَيْل. وهما جَمِيعًا متقاربان.
يُقَال: ضبح فلَان ضبحة الثَّعْلَب وَالْخَيْل تضبح من حلوقها أَي: تنحم. وَأَرَادَ عبد الله رَضِي الله عَنهُ أَن لَا يخرج أحد عِنْد صَيْحَة يسْمعهَا باليل فَلَعَلَّهُ يُصِيبهُ مَكْرُوه.
حَدثنِي أَبى قَالَ حَدثنِي اسحق بن ابراهيم بن جيب بن الشَّهِيد ثَنَا قُرَيْش بن أنس عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد الطَّوِيل عَن بكر بن عبد الله قَالَ: اسْتَغَاثَ قوم بلَيْل وَقد قتل صَاحبهمْ فَخرج المغيثون فأدركوا رجلا فَقَالَ: لم أَقتلهُ وانما خرجت مغيثا فَأمر بقتْله فجَاء رجل فَقَالَ: أَنا قتلت الرجل لَا أكون قتلت رجلا وَيقتل آخر بِي فَأمر عبد الله باطلاقهما. وَقَالَ: بَلغنِي أَن رَسُول الله صلى
(2/232)

الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أَحْيَا نفسا بِنَفسِهِ فَلَا قَود عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: من أحب الْقُرْآن فليبشر.
يرويهِ يعلى عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم.
قَوْله: فليبشر أَي: فليسر وليفرح. وَكَانَ أَصْحَاب عبد الله يقرؤون: أَن الله يبشرك.
وَقَالَ الْفراء: اذا ثقل فَهُوَ من الْبُشْرَى واذا خفف فَهُوَ من الافراح وَالسُّرُور. وَأنْشد: من الطَّوِيل ... بشرت عيالي اذ رَأَيْت صحيفَة ... أتتك من الْحجَّاج يُتْلَى كتابها ...
وَكَأَنَّهُ يُقَال على هَذَا: بَشرته فبشر فَهُوَ يبشر. مثل جبرت الْعظم فجبر وقرأت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ على الْبَصرِيين: بَشرته
(2/233)

فأبشر مثل: فطرته فَأفْطر. وَأَرَادَ عبد الله أَن محبَّة كتاب الله جلّ وَعز دَلِيل على مَحْض الايمان. فَكَانَ يُقَال من أحب كتاب الله فقد أحب الله جلّ وَعز وَمن أحب السّنة فقد أحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ لي شيخ من أَصْحَاب اللُّغَة فِي هَذَا الحَدِيث قولا قد ذكرته زعم أَنه من بشرت الْأَدِيم فَأَنا أُبَشِّرهُ بشرا اذا أخذت بَاطِنه بشفرة. وَقَالَ: أَرَادَ فليضمر نَفسه لِلْقُرْآنِ فان كَثْرَة الطّعْم وَكَثْرَة الشَّحْم ينسيه اياه. وَاسْتشْهدَ على ذَلِك حَدِيثا آخر لعبد الله قَالَ: اني لأكْره أَن أرى الرجل سمينا نسيا لِلْقُرْآنِ قَالَ: وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي نَحْو هَذَا يصف بَعِيرًا: من الرجز ... وَهُوَ من الأين حف نحيت ...
يَقُول: ضمر فَكَأَنَّهُ نحت بفأس. الأين: الاعياء. وَهُوَ مثل قَول الآخر وَهُوَ العجاج: من الرجز ... ينحت من أقطاره بفاس ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى} رَأْي رفرفا
(2/234)

أَخْضَر سد الْأُفق.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله.
الرفرف: يُقَال هُوَ بِسَاط. وَيُقَال هُوَ فرَاش. وَبَعْضهمْ يَجعله جمعا واحده رفرفة. ويحتج بقول الله جلّ وَعز: {متكئين على رَفْرَف خضر} وَيُقَال الرفرف: ضرب من النَّبَات.
قَالَ عبد الله رَأْي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جبرئيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي حلتي رَفْرَف قد مَلأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. وَأما قَول أَبى طَالب: من الطَّوِيل ... تتَابع فِيهَا كل صقر كَأَنَّهُ ... اذا مَا مَشى فِي رَفْرَف الدرْع أجرد ...
فان الرفرف هَاهُنَا مَا فضل من طول الدرْع فانعطف. يَعْنِي: ان الدرْع تطوله فينفضها كَمَا ينفض الْبَعِير الأجرد رجله. ورفرف الثَّوْب مَا ثني مِنْهُ. وَقَالَ الْمُعَطل الْهُذلِيّ
(2/235)

يصف الْأسد: من الطَّوِيل ... لَهُ أيكة لَا يَأْمَن النَّاس غيبها ... حمى رفرفا مِنْهَا سباطا وخروعا ...
قَالَ الْأَصْمَعِي: لَا أَدْرِي مَا الرفرف هَاهُنَا. وَقَالَ غَيره: الرفرف مَا انعطف واسترخى كَأَنَّهُ أَرَادَ مَا تهدل من غصون الشّجر. وشبيه بالرفرف الرفيف. قَالَ عقبَة بن صهْبَان: رَأَيْت عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ عَنهُ نازلا بِالْأَبْطح واذا فسطاط مَضْرُوب وَسيف مُعَلّق فِي رفيف الْفسْطَاط وَلَيْسَ عِنْده سياف وَلَا جلواز.
فالرفيف: مَا تدلى مِنْهُ إِلَى الأَرْض. ورفيف السَّحَاب هيدبه وَمَا تدلى مِنْهُ. قَالَ ابْن مطير يصف مَطَرا: من الْكَامِل ... وَله ربَاب هيدب لرفيفه ... قبل التبعق دِيمَة وطفاء ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله ان أَبَا جهل قَالَ لَهُ يَابْنَ مَسْعُود لأَقْتُلَنك فَقَالَ ابْن مَسْعُود: من يتأل على الله
(2/236)

يكذبهُ وَالله لقد رَأَيْت فِي النّوم أَنِّي اخذت حدجة حنظل فَوَضَعتهَا بَين كتفيك ورأيتني أضْرب كتفيك بنعل وَلَئِن صدقت الرُّؤْيَا لَأَطَأَن على رقبتك ولاذبحنك ذبح الشَّاة.
هَذَا حَدِيث كَانَ الْقَاسِم بن معن يرويهِ عَن من سمع الْقَاسِم بن عبد الرحمن يحدثه عَن ابْن مَسْعُود.
الحدجة: الحنظلة اذا صلبت واشتدت وَجَمعهَا: حدج. يُقَال: قد أحدجت الشَّجَرَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ انه ذكر بني اسرائيل وتحريفهم وتعييرهم وَذكر عَالما كَانَ فيهم عرضوا عَلَيْهِ كتابا اختلقوه على الله جلّ وَعز فَأخذ ورقة فِيهَا كتاب الله جلّ وَعز ثمَّ جعلهَا فِي قرن ثمَّ علقه فِي عُنُقه ثمَّ لبس عَلَيْهِ الثِّيَاب فَقَالُوا: أتؤمن بِهَذَا فَأَوْمأ الى صَدره وَقَالَ: آمَنت بِهَذَا الْكتاب. يَعْنِي الْكتاب الَّذِي فِي الْقرن. فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت بثبثوه فوجدوا الْقرن وَالْكتاب فَقَالُوا: انما عني هَذَا.
(2/237)

يرويهِ الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن الرّبيع بن عميلة عَن عبد الله.
قَوْله: بثبثوه أَي: كشفوه وَهُوَ من: بثبثت الْأَمر اذا أظهرته وَالْأَصْل: بثثوه فأبدلوها من الثَّاء الْوُسْطَى بَاء استثقالا لِاجْتِمَاع ثَلَاث ثاءات. كَمَا يُقَال: حثحثت وَالْأَصْل: حثثت.
آخر حَدِيث عبد الله رَضِي الله عَنهُ.
(2/238)

- حَدِيث أَبى بن كَعْب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي رَضِي الله عَنهُ انه سُئِلَ عَن النَّبِيذ فَقَالَ: عَلَيْك بِالْمَاءِ عَلَيْك بالسويق عَلَيْك بِاللَّبنِ الَّذِي نجعت بِهِ فعاودته: كَأَنَّك تُرِيدُ الْخمر.
حَدَّثَنِيهِ أَبى قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثناه أَبُو أُسَامَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن ذَر بن عبد الله عَن عبد الرحمن بن أَبْزي.
قَوْله: نجعت بِهِ أَي: سقيته يَعْنِي فِي الصغر. يُقَال: نجعت الْبَعِير اذا سقيته المديد وَهُوَ أَن تسقيه المَاء بالبزر أَو السمسم اَوْ الدَّقِيق وَمِنْه حَدِيث يرويهِ مَالك عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: ان الْمِقْدَاد بن الْأسود دخل على عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ بالسقيا وَعلي ينجع بكرات لَهُ دَقِيقًا وخبطا. وَاسم المديد: النجوع بِفَتْح النُّون. وَأرَاهُ سمي نجوعا لِأَنَّهُ
(2/239)

ينجع فِي الْجِسْم فَأَما النشوع فَهُوَ الوجور. قَالَ ذُو الرمة: من الوافر ... اذا مرئية ولدت غُلَاما ... فألأم مرضع نشع المحارا ...
المحار: الصدف واحدتها محارة. والنشوع أَيْضا السعوط. قَالَ الشَّاعِر هُوَ المرار: من الوافر ... اليكم يَا لئام النَّاس اني ... نشعت الْعِزّ فِي أنفي نشوعا ...
النشوع بِضَم النُّون مصدر نشعت. والنشوع بِفَتْحِهَا اسْم مَا يستعط بِهِ.
وَلَو كَانَت الرِّوَايَة نشعت بِهِ أَي: اوجرته لَكَانَ وَجها غير أَن الْمُحدثين جَمِيعًا يَرْوُونَهُ بِالْجِيم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك يُقَال: نجعته لَبَنًا ونجعته بِلَبن وَكَذَلِكَ نشعته اللَّبن ونشعته بِاللَّبنِ. كَمَا يُقَال أوجرته اللَّبن وأوجرته بِاللَّبنِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي رَضِي الله عَنهُ ان الْعَبَّاس وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا احْتَكَمَا اليه فَاسْتَأْذَنا عَلَيْهِ فحبسهما قَلِيلا ثمَّ أذن
(2/240)

لَهما فَقَالَ: ان فُلَانَة كَانَت ترجلني وَلم يكن عَلَيْهَا الا لفاع فحبستكما.
حَدَّثَنِيهِ أَبى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن أبي أُسَامَة عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن عبد الله بن خَالِد المَخْزُومِي عَن عبد الله بن أَبى بكر.
اللفاع: ثوب يُجَلل بِهِ الْجَسَد كُله والتلفع مِنْهُ. وَهُوَ أَن يشْتَمل بِهِ حَتَّى يُجَلل جسده وَهُوَ عِنْد الْعَرَب: الصماء لِأَنَّهُ لَيست فِيهِ فُرْجَة. يُقَال اشْتَمَل الصماء. وَقَالَ الْقطَامِي يصف نَاقَة: من الوافر ... فَلَمَّا ردهَا فِي الشول شالت ... بذيال يكون لَهَا لفاعا ...
أَي: شالت بذنبها فجللها من طوله. واذا شالت دلّت على حملهَا. وَقَوله: ترجلني وَهُوَ من ترجيل الشّعْر وَهُوَ تسريحه ودهنه وَمِنْه الحَدِيث: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن التَّرَجُّل الا غبا كرهه كل يَوْم وَأذن فِيهِ فِي الْيَوْمَيْنِ وَأكْثر من ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي رَضِي الله عَنهُ انه أعض انسانا اتَّصل.
(2/241)

اتَّصل: دَعَا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ أَن يَقُول: يَا آل فلَان. وَفِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ: من اتَّصل فأعضوه. وَقَالَ الْأَعْشَى وَذكر امْرَأَة سبيت: من الطَّوِيل ... اذا اتَّصَلت قَالَت: أبكر بن وَائِل ... وَبكر سبتها والأنوف رواغم ...
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي رَضِي الله عَنهُ قَالَ لرجل كَانَ لَا تخطئه الصَّلَاة مَعَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيته فِي أقْصَى الْمَدِينَة: لَو اشْتريت دَابَّة تقيك الوقع يَعْنِي: حمارا. فَقَالَ لَهُ: مَا أحب أَن بَيْتِي مطنب بِبَيْت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(2/242)

يرويهِ مَالك أَبُو غَسَّان عَن اسرائيل عَن عَاصِم عَن أَبى عُثْمَان عَن أبي.
الوقع: أَن تصيب الْحِجَارَة الْقدَم فتوهنها أَو حافر الدَّابَّة فتغمز. يُقَال: وَقعت فَأَنا أوقع وَقعا. قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... يَا لَيْت لي نَعْلَيْنِ من جلد الضبع ... كل الْحذاء يحتذي الحافي الوقع ...
والمطنب: المشدود بالأطناب. يَقُول: مَا أحب أَن يكون بَيْتِي الى جَانب بَيت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد شدّ بأطنابه.
وتوخى فِي بعد بَيته من الْمَسْجِد أَن تكْتب لَهُ خطاه اليه.
آخر حَدِيث أبي رَضِي الله عَنهُ.
(2/243)

- حَدِيث معَاذ بن جبل
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ للنخع: اذا رَأَيْتُمُونِي صنعت شَيْئا فِي الصَّلَاة فَاصْنَعُوا مثله فَلَمَّا صلى بهم أضرّ بِعَيْنِه غُصْن شَجَرَة فَكَسرهُ فَتَنَاول كل رجل مِنْهُم غصنا فَكَسرهُ فَلَمَّا صلى قَالَ: اني انما كَسرته لِأَنَّهُ أضرّ بعيني وَقد أَحْسَنْتُم حِين أطعتم.
يرويهِ وَكِيع عَن مُحَمَّد بن قيس الْأَسدي عَن عَليّ بن مدرك النَّخعِيّ.
قَوْله: أضرّ بعيني يَعْنِي دنا مِنْهَا. وكل شَيْء دنا من شَيْء فقد أضرّ بِهِ. وَأنْشد الرياشي: من الطَّوِيل ... سحيرا وأعناق الْمطِي كَأَنَّهَا ... مدافع ثغبان أضرّ بهَا الوبل ...
ثغبان: جمع ثغب وَهُوَ الغدير. وَفِيه لُغَة أُخْرَى ثغب سَاكِنة الْغَيْن.
(2/244)

وَقَوله: أضرّ بهَا يَعْنِي: ركبهَا. وَقَالَ النَّابِغَة الذبياني وَذكر مَاء: من الوافر ... مُضر بالقصور يذود عَنْهَا ... قراقير النبيط الى التلال ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ ان عمر رَضِي الله عَنهُ بعث ساعيا على بني كلاب أَو بني سعد بن ذبيان فقسم فيهم وَلم يدع شَيْئا حَتَّى جَاءَ بحلسه الَّذِي خرج بِهِ على رقبته فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: أَيْن مَا جِئْت بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْعمَّال من عراضة أهلهم فَقَالَ: كَانَ معي ضاغط.
يرويهِ الْحجَّاج عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي الْأَبْيَض عَن أَبى حَازِم وَزيد بن أسلم عَن سعيد بن الْمسيب.
قَوْله: عراضة أهلهم يُرِيد: الْهَدِيَّة. وَيُقَال لَهَا العراضة. تَقول: عرضت الرجل اذا أهديت لَهُ وَمِنْه حَدِيث رَوَاهُ ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير ان النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مهاجره لَقِي الزبير بن الْعَوام فِي ركب من الْمُسلمين كَانُوا تجارًا بِالشَّام قافلين
(2/245)

الى مَكَّة فعرضوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر ثيابًا بيضًا وَقَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... كَانَت عراضتك الَّتِي عرضتنا ... يَوْم الْمَدِينَة زكمة وسعالا ...
وَقَالَ آخر وَذكر نَاقَة عَلَيْهَا تمر: من السَّرِيع ... حَمْرَاء من معرضات الْغرْبَان ...
يُرِيد: أَنَّهَا تتقدم الابل وَعَلَيْهَا التَّمْر فَتَقَع الْغرْبَان عَلَيْهَا فتأكل التَّمْر. فَكَأَنَّهَا هِيَ أهدته الى الْغرْبَان.
وَقَوله: كَانَ معي ضاغط. يُرِيد: الْأمين. وَلَا أرَاهُ سمي ضاغطا الا لتضييقه على الْعَامِل وَقَبضه يَده عَن الْأَخْذ والفائدة. وَلم يكن معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَمِين وَلَا شريك. وَلَو كَانَ مَعَه مَا مد يَده. وانما أَرَادَ بِهَذَا القَوْل ارضاء أَهله. وَقد قَالَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا كذب الا فِي ثَلَاثَة وَذكر الْحَرْب والاصلاح بَين النَّاس وارضاء الرجل أَهله. وَيُقَال انه أَرَادَ بالضاغط الله عز وَجل. وَكفى بِهِ أَمينا ورقيبا.
(2/246)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ انه أجَاز بَين أهل الْيمن الشّرك.
يرويهِ عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه. الشّرك: مصدر شركته فِي الْأَمر أشركه شركا. وَأَرَادَ الِاشْتِرَاك فِي الأَرْض والمزارعة. وَذَلِكَ أَن يَدْفَعهَا صَاحبهَا بِالنِّصْفِ وَالثلث وَمَا أشبه ذَلِك. وَمثله حَدِيث عمر بن عبد العزيز: ان شرك الأَرْض جَائِز وَيكون الْبذر من السَّيِّد. يَعْنِي: رب الأَرْض.
نجز حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ.
(2/247)

- حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبَادَة انه قَالَ: يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم شَاءَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ترعى فَوق رُؤُوس الظراب وتأكل من ورق القتاد والبشام.
يرويهِ حَمَّاد عَن أَبى التياح عَن عبَادَة.
الظراب: دون الْجبَال وَاحِدهَا ظرب والبشام: شجر طيب الرّيح يستاك بِهِ واحدته بشامة وَبهَا سمي الرجل. قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ جرير: من الوافر ... أَتَذكر اذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقِِي البشام ...
يُرِيد: تُشِير الينا بمسواكها تودعنا. ويروى:
(2/248)

.. أَتَذكر يَوْم تصقل عارضيها ... بفرع بشامة ...
وانما خص القتاد والبشام لِأَنَّهُ كَانَ فِيمَا أرى أَكثر النبت فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
تمّ حَدِيث عبَادَة رَضِي الله عَنهُ.
(2/249)

- حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ انه ذكر خُرُوج عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ: تقَاتل مَعهَا مُضر مضرها الله فِي النَّار وأزد عمان سلت الله أَقْدَامهَا وان قيسا لن تنفك تبغي دين الله شرا حَتَّى يركبهَا الله بِالْمَلَائِكَةِ وَلَا يمنعوا ذَنْب تلعة.
يرويهِ معمر عَن وهب عَن أَبى الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة.
قَالَ ابو زيد: الماضر من اللَّبن الَّذِي يحذي اللِّسَان. يُقَال: قد مُضر اللَّبن يمضر مضورا وَكَذَلِكَ النَّبِيذ. قَالَ وَقَالَ أَبُو الْبَيْدَاء: اسْم مُضر مُشْتَقّ مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: مُضر سمي
(2/250)

لبياضه. وَمِنْه مضيرة الطبيخ وَلَا أرى المضيرة أَيْضا الا من اللَّبن الماضر لِأَنَّهَا تطبخ بِهِ فَهِيَ فعيلة بِمَعْنى مفعولة. وَقَوله: مضرها الله فِي النَّار أَي: جمعهَا فِي النَّار واشتق لذَلِك لفظا من اسْمهَا. وَتقول: مضرنا فلَانا فتمضر وقيسناه فتقيس أَي: صيرناه كَذَلِك بِأَن نسبناه إِلَيْهَا فَصَارَ.
قَالَ الْكسَائي: يُقَال ذهب دَمه خضرًا مضرا وَذهب بطرا اذا بَطل فان لم يكن مُضر فِي هَذَا الْموضع اتبَاعا فقد يجوز أَن تجْعَل مضرها الله فِي النَّار مِنْهُ.
وَالتَّفْسِير الأول أعجب الي. وَقَوله: سلت الله أَقْدَامهَا أَي: قطعهَا وَيُقَال: سلتت الْمَرْأَة الخضاب اذا مسحته وألقته وسلت الحلاق رَأس الرجل. وَمِنْه قيل للْمَرْأَة الَّتِي لَا تختضب: سلتاء.
والتلعة: مسيل مَا ارْتَفع من الأَرْض الى بطن الْوَادي: فاذا
(2/251)

صغر عَن التلعة فَهِيَ الشعبة فاذا عظم حَتَّى يكون مثل نصف الْوَادي فَهِيَ ميناء. والتلعة أَيْضا مَا انخفض من الْوَادي وَهُوَ من الأضداد. وَأَرَادَ ان الله جلّ وَعز يذلها فَلَا تقدر على أَن تمنع أَسْفَل تلعة. وَقَالَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حجُّوا قبل أَن لَا يحجوا قَالُوا: وَمَا شَأْن الْحَج قَالَ: تقعد أعرابها على أَذْنَاب أَوديتهَا فَلَا يصل الى الْحَج أحد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لجندب بن عبد الله البَجلِيّ: كَيفَ تصنع اذا أَتَاك مثل الوتد أَو مثل الذؤنون قد أُتِي الْقُرْآن من قبل أَن يُؤْتِي الايمان يَنْثُرهُ نثر الدفل فَيَقُول: اتبعني وَلَا أتبعك.
يرويهِ حَمَّاد عَن أَبى عمرَان الْجونِي عِنْد جُنْدُب.
الذؤنون: نبت ضَعِيف طَوِيل لَهُ رَأس مدور وَرُبمَا
(2/252)

أكله الْأَعْرَاب وَجمعه ذآنين. يُقَال. خرج النَّاس يتذأننون اذا خَرجُوا يأخذونه. وَكَذَلِكَ خَرجُوا يتطرثثون من الطراثيث ويتمغفرون من المغافير وَلَا أرَاهُ شبهه بالذؤنون الا لصغره وحداثة سنه
يُرِيد: انه غُلَام حدث وَهُوَ يَدْعُو الْمَشَايِخ الى اتِّبَاعه أَو نحول جِسْمه من الِاجْتِهَاد وَالْعِبَادَة وَهُوَ على هوى وضلال قَالَ الفرزدق: من الطَّوِيل ... عَشِيَّة وليتم كَأَن سُيُوفكُمْ ... ذآنين فِي أَعْنَاقكُم لم يسلل ...
شبه سيوفهم بالذآنين فِي ضعفها. وقله: قد أُوتِيَ الْقُرْآن قبل أَن يُؤْتى الايمان يُرِيد: انه قد حفظ الْقُرْآن وَأحكم حُرُوفه وضيع حُدُوده وَهُوَ مثل قَول ابْن مَسْعُود للهمذاني: انك ان اخرت الى قريب بقيت فِي قوم كثير خطباؤهم قَلِيل علماؤهم كثير سائلوهم
(2/253)

قَلِيل معطوهم يُحَافِظُونَ على الْحُرُوف ويضيعون الْحُدُود أَعْمَالهم تبع لأهوائهم.
وَذكر ابْن عَبَّاس الْخَوَارِج الَّذين أَتَاهُم بِأَمْر عَليّ فَقَالَ: دخلت على قوم لم أر قطّ أَشد اجْتِهَادًا مِنْهُم جباههم قرحَة من السُّجُود وأيديهم كَأَنَّهَا ثفن الابل وَعَلَيْهِم قمص مرحضة مسهدين مسهمة وُجُوههم.
والمرحضة: المغسولة يُقَال: رحضت الثَّوْب اذا غسلته. ومسهمة: من السهوم وَهُوَ الضمر.
وَقَوله: ينثر الدقل والدقل من التَّمْر أَو أَكْثَره لَا يلصق بعضه بِبَعْض فاذا نثر خرج سَرِيعا وتفرق وانفردت كل تَمْرَة عَن صاحبتها. شبه قِرَاءَته لِلْقُرْآنِ بذلك لهَذِهِ اياه. وَهُوَ كَقَوْل عبد الله: لَا تهذو االقرآن هَذَا كهذ الشّعْر وَلَا تنثروه نثر الدقل. يُرِيد: لَا تعجلوا فِي التِّلَاوَة. قَالَ الله
(2/254)

تَعَالَى: {ورتل الْقُرْآن ترتيلا} .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: انما تهلكون اذا لم يعرف لذِي الشيب شيبَة واذا صرتم تمشون الركبات كأنكم يعاقيب حجل لَا تعرفُون مَعْرُوفا وَلَا تنكرون مُنْكرا.
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن ابْن عَائِشَة عَن عبد العزيز عَن لَيْث عَن بشر عَن أَبى شُرَيْح.
قَوْله: تمشون الركبات أَي: تمضون على وُجُوهكُم بِغَيْر تثبت وَلَا روية وَلَا اسْتِئْذَان من هُوَ أسن مِنْكُم يركب بَعْضكُم بَعْضًا كَمَا يركب اليعاقيب - وَهِي القبج - بَعْضهَا بَعْضًا. واليعاقيب ذكورها والحجل اناثها. وَنَحْوه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تتايعون فِي الشَّرّ تتايع الْفراش فِي النَّار. والركبات: جمع ركبة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ:
(2/255)

للدابة ثَلَاث خرجات خرجَة فِي بعض الْبَوَادِي ثمَّ تنكمي.
يرويهِ عبد الرزاق عَن معمر عَن هِشَام بن حسان عَن قيس بن سعد عَن أبي الطُّفَيْل.
قَوْله: تنكمي أَي: تستتر يُقَال: كمى فلَان شَهَادَته اذا سترهَا وَمِنْه قيل للشجاعى كمي كَأَن الله عز وَجل كماه أَي: ستره. فعيل بِمَعْنى مفعول. وَمن أَمْثَال الْعَرَب: الشجاع موقى. وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ لخَالِد بن الْوَلِيد حِين أغزاه: احرص على الْمَوْت توهب لَك الْحَيَاة وَمِنْه قَول الخنساء: من المتقارب
نهين النُّفُوس وهون النُّفُوس يَوْم الكريهة أوقى لَهَا.
ويروى: أبقى لَهَا وَيجوز أَن يكون سمي كميا لِأَنَّهُ كمي بالدرع وَغَيرهَا أَي: سترهَا.
وَمِنْه حَدِيث يرويهِ ابْن شهَاب عَن جَابر بن عبد الله عَن أَبى الْيُسْر قَالَ كَانَ لي على الْحَارِث بن يزِيد الْجُهَنِيّ مَال فَأطَال حَبسه فَجِئْته فانكمى مني ثمَّ ظهر فَقَالَ: انك طَالب حق
(2/256)

وَكنت مُعسرا فَأَرَدْت أَن أنكمي مِنْك حَتَّى يَأْتِي الله بيساره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ ان سبيع بن خَالِد قَالَ: قدمت الْكُوفَة فَدخلت الْمَسْجِد فاذا صدع من الرِّجَال فَقلت: من هَذَا فَقَالُوا: أما تعرفه هَذَا حُذَيْفَة صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
يرويهِ قَتَادَة عَن نصر بن عَاصِم اللَّيْثِيّ عَن سبيع.
الصدع من الرِّجَال: الْمُتَوَسّط فِي خلقه وَهُوَ أَلا يكون صَغِيرا وَلَا كَبِيرا وَكَذَلِكَ الصدع من الْوَحْش. قَالَ دُرَيْد يَوْم حنين: من مجزوء الرجز ... أَقُود وطفاء الزمع ... كَأَنَّهَا شَاة صدع ...
صدع: يَعْنِي فرسا. والوطف فِي الزمع أَن تطول ثنتها وَهُوَ الشّعْر النَّابِت فِي مُؤخر الرسخ وطولها يحمد والزمع: يكون فِي مَوضِع الثنة للْفرس كَأَنَّهُ قرن صَغِير واحده: زَمعَة. وَيُقَال: كل عظم ينجبر الا زماع الشَّاء وسَاق النعامة
(2/257)

لِأَنَّهُ لَا مخ فِي ذَلِك. وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر فِي أَخِيه: من الطَّوِيل ... واني واياه كرجلي نعَامَة ... على مَا بِنَا من ذِي غنى وفقير ...
يُرِيد: اني وَأخي كرجلي نعَامَة لَا غنى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا عَن الاخرى: فَمَتَى انْكَسَرت وَاحِدَة بطلت أُخْتهَا أبدا لِأَن المنكسرة لَا تنجبر.
وَالشَّاة: الوعل وَيكون الثور من الْوَحْش.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: قومة بعد الْجِمَاع أوعب للْمَاء.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مُغيرَة عَن ابراهيم.
قَوْله: أوعب للْمَاء يُرِيد: ان المجامع اذا اغْتسل بعد نَومه كَانَ ذَلِك بعد انْقِطَاع الْمَنِيّ واذا اغْتسل بعد الْجِمَاع اغْتسل وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة لم تنزل. وَمِنْه يُقَال: استوعبت كَذَا اذا استقصيته كُله. وَمثل هَذَا قَول حَمَّاد: لَا يقطع الْجَنَابَة الا نوم أَو بَوْل.
(2/258)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ ان الْمُسلمين أخطأوا باليمان فَجعلُوا يضربونه بِأَسْيَافِهِمْ وَحُذَيْفَة يَقُول: أبي أبي فَلم يفهموه حَتَّى انْتهى اليهم وَقد تواشقة الْقَوْم.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ.
قَوْله: تواشقه الْقَوْم أَي: قطعوه. والوشيقة مِنْهُ. وَهُوَ أَن تقطع الشَّاة أَعْضَاء وتغلى شَيْئا ثمَّ ترفع فِي الأوعية ويتزودها الْمُسَافِر. وَيُقَال: بل الوشيقة أَن يقطع اللَّحْم ويجفف ثمَّ يتزوده الْمُسَافِر وَمِنْه قيل للكلب: واشق لِأَنَّهُ يخدش وَيقطع. هَذَا قَول ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة انه اشْترى نَاقَة من رجلَيْنِ من النخع وَشرط لَهما من النَّقْد رضاهما فجَاء بهما الى منزله فَأخْرج لَهما كيسا فَأَقْبَلَا عَلَيْهِ ثمَّ أخرج آخر فأفسلا عَلَيْهِ فَقَالَ حُذَيْفَة: اني أعوذ بِاللَّه مِنْكُمَا.
يرويهِ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حجاج عَن عبد الرحمن بن عَابس عَن أَبِيه.
(2/259)

0 - وَقَوله: افسلا عَلَيْهِ بِمَعْنى أرذلا عَلَيْهِ من الدَّرَاهِم وَأَصله من الفسل وَهُوَ الرَّدِيء. يُقَال: فسل يفسل فسالة وفسولة وَرجل فسل: رذل والفسل من كل شَيْء نَحْو الرذل وَكَذَلِكَ: رذل يرذل رذالة ورذولة. وَقَالَ الفرزدق: من الطَّوِيل ... فَلَا تقبلُوا مِنْهُم أباعر تشترى ... بوكس وَلَا سُودًا يَصح فسولها ...
والسود: دَرَاهِم وفسولها: رديئها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ انه ذكر قوم لوط وَخسف الله بهم فَقَالَ: وتتبعت أسفارهم بِالْحِجَارَةِ.
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن عَن أَبى النَّصْر عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن جُنْدُب عَن حُذَيْفَة.
الْأَسْفَار: هَاهُنَا المسافرون يَقُول: رموا بِالْحِجَارَةِ حَيْثُ كَانُوا فألحقوا بِأَهْل الْمَدِينَة وَهُوَ جمع سفر وسفر جمع
(2/260)

مُسَافر وان جعلته جمعا لسافر جَازَ. وَهُوَ قَلِيل نَحْو: صَاحب وَأَصْحَاب وَشَاهد وأشهاد وَيُقَال أشهاد جمع شَهِيد مثل: شريك وأشراك.
وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر: انها لما قلبت عَلَيْهِم رمي بقاياهم بِكُل مَكَان.
آخر حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ.
(2/261)

- حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه ذكر يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ: تَدْنُو الشَّمْس من رُؤُوس النَّاس وَلَيْسَ على أحد مِنْهُم يَوْمئِذٍ طحربة.
يرويهِ عبد الرازق عَن معمر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أَبى عمر النَّهْدِيّ. الطحربة: اللبَاس. يُقَال: مَا على فلَان طحربة وَلَا فراض أَي: لَيْسَ على شَيْء من اللبَاس. وَفِيه لُغَتَانِ أخريان: طحربة وطحربة وَهَذَانِ الحرفان انما يأتيان فِي النَّفْي يُقَال لَا على فلَان طحربة وَلَا عَلَيْهِ فراض. وَمثله فِي النَّفْي: مَا على الْمَرْأَة خربصيصة وَلَا هلبسيسة. يُرَاد مَا عَلَيْهِ شَيْء من الْحلِيّ.
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي: أَتَانَا وَمَا عَلَيْهِ هلبسيسة أَي: خرقَة.
(2/262)

وَقَالَ ابو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه قيل لَهُ: مَا يحل لنا من ذمتنا قَالَ: من عماك الى هداك وَمن فقرك الى غناك.
يرويهِ ابو مُعَاوِيَة عَن وقاء بن اياس عَن أَبى ظبْيَان عَن سلمَان.
قَوْله: من عماك الى هداك يُرِيد: اذا ضللت طَرِيقا أخذت الرجل مِنْهُم بالمجىء مَعَك حَتَّى يقفك على الطَّرِيق.
وَقَوله: من فقرك الى غناك يُرِيد: اذا مَرَرْت بحائطه أَو مَاله وَأَنت مُحْتَاج الى مَا يقيمك لَا غنى بك عَنهُ. أخذت قدر كفايتك. وَيُقَال: انما خص سلمَان فِي هَذَا لِأَن اهل الذِّمَّة صولحوا على ذَلِك وَشرط عَلَيْهِم فَأَما من لم يشرط عَلَيْهِ فَلَيْسَ يجب عَلَيْهِ فِي مَاله وَنَفسه شَيْء غير الْجِزْيَة ثمَّ يحرم مَا سواهَا الا بِالثّمن أَو الْأُجْرَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: يُوشك أَن يكثر اهلها يَعْنِي: الْكُوفَة فيملؤا مَا بَين النهرين حَتَّى يَغْدُو الرجل على البغلة السهوة وَلَا يدْرك.
(2/263)

يرويهِ سُفْيَان بن عبد الله بن شريك عَن جُنْدُب.
السهوة: اللينة السّير الَّتِي لَا تتعب راكبها وَلم أسمع من ذَلِك فعلا. قَالَ زُهَيْر وَذكر نَاقَة: من الطَّوِيل ... كناز البضيع سهوة الْمَشْي بازل ...
وَقَالَ الاصمعي: يُقَال أفعل ذَلِك سَهوا رهوا أَي: سَاكِنا بِغَيْر تشدد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ أكره أَن أجمع على ماهني مهنتين.
يرويهِ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن أَبى غفار عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ.
الماهن: الْخَادِم والمهنة: الْخدمَة بِفَتْح الْمِيم. قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي. قَالَ: وَيُقَال: مهنة بِالْكَسْرِ وَكَانَ الْقيَاس لَو قيل مثل: خدمَة وجلسة وركبة. الا أَنه جَاءَ على لفظ المفعلة
(2/264)

الْوَاحِدَة وأجازها بعض البغداديين بِالْكَسْرِ وَأَحْسبهُ الْكسَائي. وَفِي بعض الحَدِيث ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم خطب يَوْم جُمُعَة فَقَالَ: مَا على أحدكُم لَو اشْترى ثَوْبَيْنِ ليَوْم جمعته سوى ثوب مهنته. يَعْنِي: ثوبي بذلته. وَمِنْه يُقَال: امتهنني الْقَوْم أَي: ابتذلوني. وَالْأَصْل الْخدمَة. يُقَال: مهنت أمهنهم وأمهنهم. وَالَّذِي كره سلمَان أَن جمع على خادمه أمهنهم وأمهنهم. وَالَّذِي كره سمان أَن جمع على خادمه خدمتين فِي وَقت مثل أَن يطْبخ ويخبز فِي وَقت. هَذَا وَنَحْوه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ فِي سَرِيَّة وَهُوَ أميرها على حمَار وَعَلِيهِ سَرَاوِيل وخدمتاه تذبذبان.
يرويهِ وَكِيع عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن حبيب بن أَبى مَرْزُوق عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن رجل من عبد الْقَيْس.
أصل الْخدمَة: الْحلقَة وَلذَلِك قيل للخلخال.
(2/265)

خدمَة. وَيُقَال لكل مَا شدّ مَكَان الخلخال خدمَة أَيْضا. قَالَ زُهَيْر يذكر الْخَيل: من الْبَسِيط ... ترمى وتعقد فِي أرساغها الخدم ...
يَعْنِي: سيور المعاذات تعقد فِي أرساغها. وَيُقَال للبقر الوحشية مخدمة لِأَن فِي سوقها خُطُوطًا من سَواد مستديرة كالخدام وَيُقَال لموْضِع الخلخال من السَّاق المخدم للْمَرْأَة وَالرجل. وَلست أَدْرِي مَا خدمتا سلمَان فان لم تكن هُنَاكَ حلقتان لجام أَو غَيره فَانِي أرَاهُ أَن سَاقيه تتحركان فسماهما خدمتين اذ كَانَتَا موضعا للخدمتين من النِّسَاء كَمَا يُقَال لَهُ: المخدم من الرجل وَهُوَ لَا يلبس الخلخال. وَالْعرب تسمي باسم الشَّيْء اذا كَانَ مَعَه أَو بِسَبَبِهِ كَقَوْلِهِم للوشاح: كشح لِأَنَّهُ يَقع على كشح الْمَرْأَة.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: من المتقارب ... كَأَن الظباء كشوح النِّسَاء ... يطفون فَوق ذراه جنوحا ...
والكشوح: أوشحة من ودع. وكما قَالُوا: قوم لطاف الأزر أَي: خماص الْبُطُون وَمِمَّا يشْهد لهَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ذَهَبْنَا اليه فِي الخدمتين انه روى من وَجه آخر: ان سلمَان روئي فِي
(2/266)

هَذِه السّريَّة على حمَار عَلَيْهِ قَمِيص ضيق الْأَسْفَل وَكَانَ رجلا طَوِيل السَّاقَيْن كثير الشّعْر فارتفع الْقَمِيص حَتَّى بلغ قَرِيبا من رُكْبَتَيْهِ. فَلَمَّا انكشفت ساقاه وهما مخدماه سماهما خدمتين وَلَو كَانَتَا مستورتين لَكَانَ الْمَعْنى أبعد وَلَعَلَّه أَن يكون كَانَ على الْحمار مدليا رجلَيْهِ من جَانب وهما تتحركان. فقد رُوِيَ عَن حُذَيْفَة انه ركب هَذِه الرّكْبَة وَعَن غَيره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه اشْترى هُوَ وَأَبُو الدَّرْدَاء لَحْمًا فتدالحاه بَينهمَا على عود.
يرويهِ حَمَّاد عَن أَبى غَالب عَن أم الدَّرْدَاء.
قَوْله: تدالحاه أَي حملاه بَينهمَا كَأَنَّهُمَا جعلاه على عود ثمَّ أَخذ كل وَاحِد بِطرف الْعود. وَهُوَ من قَوْلك: دلح بِحمْلِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ ان أَبَا عُثْمَان ذكره فَقَالَ: كَانَ لَا يكَاد يفقه كَلَامه من شدَّة عجمته.
(2/267)

وَكَانَ يُسَمِّي الْخشب خشبانا.
رَوَاهُ يَعْقُوب بن ابراهيم عَن مُعْتَمر عَن ابيه عَن أبي عُثْمَان.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: أَنا أنكر هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ وصف شدَّة عجمة سلمَان وانه لم يكن يفقه كَلَامه وَقد قدمنَا من كَلَامه مَا يضارع كَلَام فصحاء الْعَرَب فان كَانَ انما اسْتدلَّ على عجمته بقوله للخشب خشبان فَهَذَا فِي اللُّغَة صَحِيح جيد وَله مخرجان أَحدهمَا أَن تَجْعَلهُ جمعا للخشب فَيكون جمع الحيمع مثل: حمل وحملان وسلق وسلقان وَنَحْوه مِمَّا جَاءَ على فعل سَاكن الْعين سمن وسمنان وبطن وبطنان.
والمخرج الآخر أَن تجمع خَشَبَة فَتَقول: خشب سَاكِنة الشين ثمَّ تزيد الْألف وَالنُّون فَتَقول: خشبان كَمَا تَقول: سود ثمَّ تَقول: سودان وحمر ثمَّ تَقول: حمْرَان وَلَا أَدْرِي مِمَّن سَمِعت فِي صفة قَتْلَى: من الْبَسِيط ... كَأَنَّهُمْ بجنوب القاع خشبان ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ:
(2/268)

كنت رجلا على دين الْمَجُوسِيَّة فاجتهدت فِيهَا حَتَّى كنت قطن النَّار الَّذِي يوقدها.
من حَدِيث مُحَمَّد بن اسحق عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة عَن مَحْمُود ابْن أَسد عَن ابْن عَبَّاس.
قطن النَّار: الْمُقِيم عِنْدهَا لَا يفارقها وَهُوَ من قَوْلك: قطن فلَان بِالْمَكَانِ اذا أوطنه وَأقَام بِهِ يقطن قطنا فَهُوَ قاطن وقطن. كَمَا يُقَال: هَذَا فارطكم الى المَاء وفرطكم. وَيجوز أَن يكون قطن جمع قاطن مثل حارس وحرس وغائب وغيب. وَكَذَلِكَ فرط.
آخر حَدِيث سلمَان رَضِي الله عَنهُ.
(2/269)

- حَدِيث ابي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: من يتفقد يفقد وَمن لَا يغد الصَّبْر لفواجع الْأُمُور يعجز. وَقَالَ: ان قارضت النَّاس قارضوك وان تَركتهم لم يتركوك وان هربت مِنْهُم أدركوك. قَالَ الرجل كَيفَ أصنع قَالَ: أقْرض من عرضك ليَوْم فقرك.
يرويهِ أَبُو أُسَامَة عَن مسعر عَن عون.
قَوْله: من يتفقد يفقد: يَقُول: من يتَأَمَّل أَحْوَال النَّاس وأخلاقهم ويتعرفها يفقد أَي: يعْدم أَن يجد فيهم أحدا يرتضيه. وان كَانَت الرِّوَايَة: من يتفقد يفقد فانه يُرِيد: من يتفقد أُمُور النَّاس يفقد أَي: يَنْقَطِع عَنْهُم وَعَن ملابستهم فَلَا يُوجد مَعَهم.
وَقَوله: وان قارضت النَّاس قارضوك يُرِيد: ان طعنت عَلَيْهِم ونلت مِنْهُم بلسانك فعلوا مثل ذَلِك بك. وان تَركتهم لم يتركوك. وَقد ذكر هَذَا الْحَرْف أَبُو عبيد.
وَأما قَوْله للرجل أقْرض من عرضك ليَوْم فقرك فانه أَرَادَ: من شتمك مِنْهُم فَلَا تشتمه وَمن ذكرك بِسوء فَلَا تذكره ودع ذَلِك.
(2/270)

قرضا لَك عَلَيْهِ الْيَوْم الْجَزَاء وَالْقصاص. وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وضع الله الْحَرج الا من اقْترض من عرض أَخِيه شَيْئا فَذَلِك الَّذِي حرج وَهلك. أَرَادَ: ان الله عز وَجل قد وضع عَنْكُم الضّيق فِي الدّين وفسح لكم فَلَا حرج الا فِي مَا تنالون من أَعْرَاض الْمُسلمين.
وَقد تقدم ذكر الْعرض فِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبينت مَا هُوَ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء انه قَالَ: اذا رَأَيْت نعرة النَّاس وَلَا تَسْتَطِيع أَن تغيرها فدعها حَتَّى يكون الله جلّ وَعز يغيرها.
يرويهِ حَرْمَلَة بن يحيى الْمصْرِيّ عَن عبد الله بن وهب عَن ابى شُرَيْح انه بلغه ذَلِك عَن أبي الدَّرْدَاء.
الأَصْل فِي النعرة ذُبَاب أَزْرَق لَهُ ابرة يلسع بهَا. وَرُبمَا دخل فِي أنف الْبَعِير فيركب رَأسه فَلَا يردهُ شَيْء.
وَالْعرب تسمي ذَا الْكبر من الرِّجَال اذا صعر خَدّه بذلك الْبَعِير وتشبه الرجل يركب رَأسه ويمضي على الْجَهْل فَلَا يردهُ شَيْء بذلك. وَمِنْه قَول عمر رَضِي الله عَنهُ: لَا أقلع عَنهُ حَتَّى أطير
(2/271)

نعرته. يَقُول: أخرج جَهله من رَأسه وَضرب النعرة لَهُ مثلا.
وَقَالَ صَدَقَة بن يسَار: مَا دلهم على قَاتل عُثْمَان الا حمَار أَخَذته النعرة فجَاء حَتَّى وقف على بَاب الْغَار فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فوجدوه فَقَتَلُوهُ. وَيُقَال للحمار اذا دخلت النعرة فِي انفه فَاسْتَدَارَ: حمَار نعر. وَقد نعر ينعر نعرا.
وَقَالَ أمرؤ الْقَيْس وَذكر كَلْبا طعنه ثَوْر: من المتقارب ... فظل يردنح فِي غيطل ... كَمَا يستدير الْحمار النعر ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: لأَنا أعلم بشراركم من البيطار بِالْخَيْلِ هم الَّذين لَا يأْتونَ الصَّلَاة الا دبرا وَلَا يسمعُونَ القَوْل الا هجرا وَلَا يعثق محررهم.
يرويهِ مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن سَالم بن أَبى الْجَعْد عَن أَبى الدَّرْدَاء.
دبر الصَّلَاة: آخرهَا ودبر الْبَيْت وكل شَيْء: مؤخرة. يُرِيد: انهم يتثاقلون عَن الصَّلَاة فاذا كَاد الْأَمَام يفرغ أتوها.
(2/272)

والهجر: الْخَنَا فِي القَوْل وَالْفُحْش. يُقَال: أَهجر فِي مَنْطِقه اذا جَاءَ بالخنا والقبيح من القَوْل. يَقُول: لَا يَسْتَمِعُون من القَوْل الا الهجر.
وَقَوله: وَلَا يعْتق محررهم. وَالْمُحَرر: الَّذِي جعل حرا أَي: اعْتِقْ. قَالَ الله جلّ وَعز حِكَايَة عَن أم مَرْيَم: {إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا} أَي: عتيقا لَك من الْخدمَة والتعبيد للدنيا وَجَعَلته لَك يعبدك وَهَذِه حجَّة من زعم ان الْوَلَد كالملك لِأَن النّذر لَا يكون الا فِيمَا يملك.
وَأَرَادَ أَبُو الدَّرْدَاء: انهم اذا اعتقوا عبدا لم يطلقوه وَلَكنهُمْ يستخدمونه كَمَا يستخدم العَبْد فَمَتَى أَرَادَ فراقهم ادعوا رقّه.
يُقَال: اعتقت الْغُلَام فَعتق يعْتق عتقا وعتاقة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: خير نِسَائِكُم الَّتِي تدخل قيسا وَتخرج ميسا وتملأ بَيتهَا أقطا وحيسا وَشر نِسَائِكُم السلقعة الَّتِي تسمع لأضراسها قعقعة وَلَا تزَال جارتها مفزعة.
(2/273)

يرويهِ اسماعيل بن عَيَّاش عَن رجل قد سَمَّاهُ عَن أَبى الدَّرْدَاء.
قَوْله: تدخل قيسا هُوَ من قست الشَّيْء فَأَنا أقيسه قيسا. كَمَا تَقول: كلته فَأَنا أكيله كَيْلا يُرِيد أَنَّهَا اذا مشت قاست بعض الخطى بِبَعْض فَلم تعجل فعل الخرقاء وَلم تبطىء. وَلكنهَا تمشي مشيا وسطا مستويا كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: من الْبَسِيط ... كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها ... مور السحابة لَا ريث وَلَا عجل ...
ويروي: مر السحابة أَيْضا. وهم يصفونَ الخرقاء بِسُرْعَة الْمَشْي قَالَ الشَّاعِر يصف نَاقَة: من الطَّوِيل ... مشت مشْيَة الخرقاء مَال خمارها ... وشمر عَنْهَا ذيل درع ومنطق ...
وحَدثني أَبى قَالَ حَدثنِي عبد الرَّحْمَن عَن عَمه قَالَ ثَنَا جَمِيع ابْن أَبى غاضرة وَكَانَ شَيخا مسنا من أهل الْبَادِيَة وَكَانَ من ولد الزبْرِقَان بن بدر من قبل النِّسَاء قَالَ: كَانَ الزبْرِقَان يَقُول: أحب كنائني الي الذليلة فِي نَفسهَا العزيزة فِي رهطها البرزة الحيية الَّتِي فِي بَطنهَا غُلَام ويتبعها غُلَام وَأبْغض كنائني الي الطلعة الخبأة الَّتِي تمشي الدفقي وتجلس الهبنقعة الذليلة فِي رهطها
(2/274)

العزيزة فِي نَفسهَا الَّتِي فِي بَطنهَا جَارِيَة وتتبعها جَارِيَة.
الطلعة الخبأة: الَّتِي تتطلع وتختبىء. وَقَوله: تمشي الدفقي أَي: تسرع فِي مشيها وَهُوَ من الاندفاق.
حَدثنِي أَبى حَدثنِي أَبُو حَاتِم ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة ان التدفق والدفقي أقصر الْعُنُق فاذا جاوزه الْفرس صَار الى الهرولة.
وَقَوله: تجْلِس الهبنقعة وَهُوَ: أَن تقعي وتضم فخذيها وتفتح رِجْلَيْهَا يُقَال: هبنقع اذا جلس الهبنقعة. قَالَ جرير: من الْكَامِل ... ومهور نسوتهم اذا مَا أنكحوا ... غدوي كل هبنقع سآل ...
ويروي: تنبال وَهُوَ الْقصير.
حكى أَبُو زيد عَن الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي غذوي بِالذَّالِ. وَقَالَ: الغذوية بِالذَّالِ شَاءَ صغارها يكره بيعهَا وشراؤها.
وَقَوله: تخرج ميسا هُوَ من: ماست تميس. والميس:
(2/275)

التَّبَخْتُر. وَمثله: الريس. وَيُقَال فِي مثل: الْغَنِيّ طَوِيل الذيل مياس.
يُرَاد: أَن الْمَار يظْهر فَلَا يخفى. والميح أَيْضا ملثه. وَمِنْه قَول ابْن مقبل يصف نسَاء: من الطَّوِيل ... يمحن بأطراف الذيول عَشِيَّة ...
والسلفعة: الجريئة واكثر مَا يُقَال: السلفع بِلَا لِأَنَّهُ اكثر مَا يُوصف بِهِ الْمُؤَنَّث. وَقد قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: من الْكَامِل ... بَينا تعنقه الكماة وروغه ... يَوْمًا أتيح لَهُ جرىء سلفع ...
فوصف بِهِ الْمُذكر.
والبلقعة: الَّتِي قد خلت من كل خير بِمَنْزِلَة الأَرْض البلقع. وَأكْثر مَا يُقَال: بِلَا هَاء.
وَقَوله: تسمع لأضراسها قعقعة يُرِيد: شدَّة وقعها فِي الْأكل وَيكون أَيْضا صريفها بأسنانها. يُقَال: فلَان يحرق بنانه اذا توعد
(2/276)

77 - وتهدد. وَفُلَان يحرق عَليّ الأرم. وَقد فسرنا ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: أَيّمَا رجل أشاد على امرىء مُسلم كلمة هُوَ مهنا برىء وَيرى أَن شينة بهَا كَانَ حَقًا على الله جلّ وَعز أَن يعذبه بهَا فِي نَار جَهَنَّم حَتَّى يَأْتِي بنفذ مَا قَالَ.
يرويهِ عبد الله بن الْمُبَارك عَن وهيب بن خَالِد عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سُلَيْمَان بن عمر بن ثَابت عَن جُبَير بن نفير الْحَضْرَمِيّ عَن أَبى الدَّرْدَاء.
أشاد: أَي: رفع ذَلِك وأظهره. يُقَال: أشاد فلَان بذكرى وَمِنْه يُقَال بِنَاء مشيد أَي: مطول مَرْفُوع. فَأَما المشيد فالمنبي باليشد وَهُوَ الجص. وَقَوله: ينفذ مَا قَالَ أَي: بالمخرج من ذَلِك.
حَدثنِي ابى حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الاصمعي عَن ابْن أَبى الزِّنَاد انه قَالَ: من شتم رجلا مُسلما حبس حَتَّى يأتى بنفذ مَا قَالَ. وَقَالَ قيس بن الخطيم: من الطَّوِيل ... طعنت ابْن عبد القيس طعنة ثَائِر ... لَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع اضاءها ...
(2/277)

وَقَالَ جرير فَذكر طعنة: من الطَّوِيل ... أنفاذها تقطر الدما ... وَهُوَ جمع نفذ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان الْقلب يدثر كَمَا يدثر السَّيْف فجلاؤه ذكر الله جلّ وَعز.
يرويهِ أَبُو كُدَيْنَة عَن خَالِد بن دِينَار عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة.
قَوْله: يدثر أَي: يصدأ وأصل الدُّثُور الدُّرُوس. يقا ل: دثر الرّبع اذا عَفا. قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: دثر مَكَان الْبَيْت فَلم يحجه هود وَلَا صَالح حَتَّى كَانَ إِبْرَاهِيم فبوأه الله إِيَّاه.
والدنور فِي الشّعْر كثير.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه ذكر الأبدال فَقَالَ: لَيْسُوا بنزاكين وَلَا معجبين وَلَا متماوتين.
(2/278)

النزاكون: العيابون للنَّاس وَأَصله من: النيزك وَهُوَ دون الرمْح لَهُ سِنَان وزج. يُقَال: نزكت الرجل اذا عبته. كَمَا يُقَال: طعنت عَلَيْهِ. وحَدثني أَبى قَالَ ثَنَا اسحق بن رَاهَوَيْه أَو غَيره عَن النَّضر بن شُمَيْل انه قَالَ: ذكر شهر بن حَوْشَب عِنْد ابْن عون فَقَالَ: ان شهرا نزكوه ان شهرا تَرَكُوهُ. يَعْنِي طعنوا فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: يَا رب قَائِم مشكور لَهُ وَيَا رب نَائِم مغْفُور لَهُ.
حَدَّثَنِيهِ أيى حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن المضاء عَن فرج بن فضَالة عَن لُقْمَان بن عَامر عَن أبي الدَّرْدَاء.
الْقَائِم المشكور لَهُ هُوَ المتهجد بِاللَّيْلِ يسْتَغْفر لِأَخِيهِ وَهُوَ نَائِم فيشكر لَهُ وَيغْفر للنائم.
آخر حَدِيث أَبى الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ.
(2/279)

- حَدِيث ابى سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي سعيد أَنه قَالَ: رَأَيْت فِي عَام كثر فِيهِ الرُّسُل الْبيَاض أَكثر من السوَاد ثمَّ رَأَيْت فِي عَام بعد ذَلِك كثر فِيهِ التَّمْر السوَاد أَكثر من الْبيَاض.
يرويهِ اسماعيل بن أبي أويس عَن كثير بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ربيح ابْن عبد الرحمن عَن أَبِيه عَن جده أبي سعيد.
الرُّسُل: اللَّبن وَأَرَادَ أَن اللَّبن وَهُوَ الْبيَاض اذا كثر قل التَّمْر وان التَّمْر وَهُوَ السوَاد اذا كثر قل اللَّبن وانهما لَا يكادان يَجْتَمِعَانِ على الْكَثْرَة فِي عَام وَاحِد. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال بالبدو اذا ظهر الْبيَاض قل السوَاد واذا ظهر السوَاد قل الْبيَاض. وَقَالَ: يعنون بِالسَّوَادِ التَّمْر وبالبياض اللَّبن والأقط. وَزَاد غَيره: واذا كثرت المؤنفكات زكتْ الأَرْض.
والمؤتفكات: الرِّيَاح اذا اخْتلفت واذا زخرت الأودية بِالْمَاءِ كثر الثَّمر.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: انما قيل للرياح مؤنفكات لِأَنَّهَا كَأَنَّهَا تنْقَلب أَو
(2/280)

تقلب الأَرْض وَقيل لمدائن قوم لوط: الْمُؤْتَفِكَات لانقلابها وَيُقَال: أفكت الرجل أفكه أفكا اذا صرفته عَن شَيْء وقلبته. قَالَ ابْن أذينة: من المنسرح
ان تَكُ عَن أحسن الصنيعة مأفوكا فَفِي آخَرين قد أفكوا. أَي: مصروفا عَن ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابي سعيد رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: خرجنَا فِي سَرِيَّة زيد بن حَارِثَة الَّتِي اصاب فِيهَا بني فزازة فأتينا الْقَوْم خلوفا فقاتل النحام الْعَدوي يَوْمئِذٍ وَقد أَقَامَ عَن صلبه نصيلا. فَقَالَ لَهُ زيد بن حَارِثَة: مَا هَذَا النصيل قَالَ: اني أفويت مُنْذُ ثَلَاث فَخفت أَن يحطمني الْجُوع.
يرويهِ فليح بن سُلَيْمَان عَن عمَارَة بن غزيَّة وَربح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن عبد الرحمن عَن أَبِيه.
(2/281)

النصيل: الْحجر الطَّوِيل المدملك والبرطيل مثله يشبه رَأس النَّاقة.
وَقَوله: قد أقويت أَي: قد نفذ زادي. كمل بِحَمْد الله وعونه.
(2/282)

- حَدِيث جُبَير بن مظعم
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث جبر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: نظرت النَّاس يقتتلون يَوْم حنين الى مثل البجاد الاسود يهوى من السَّمَاء حَتَّى وَقع فاذا نمل مبثوث قد مَلأ الْوَادي فَلم تكن الا هزيمَة الْقَوْم فَلم يشك انها الْمَلَائِكَة.
يرويهِ مُحَمَّد بن اسحق عَن أَبِيه.
البجاد: كسَاء وَجمعه بجد. وَمِنْه قيل: ذُو البجادين. يُقَال: بجد النِّسَاء اذا لبسن البجد على الْمَيِّت. قَالَ الشَّاعِر: من الرمل ... لَو وصل الْغَيْث أبنينا امرا ... كَانَت لَهُ قبَّة سحق بجاد ...
(2/283)

أبنينا: أَي: جعلنَا لَهُ بِنَاء مَكَان قبَّة سحق بجاد. والسحق: الْخلق.
يَقُول: لَو جَاءَ الْغَيْث وحملت الأَرْض غزونا فَصَارَ من كَانَ فِي قبَّة فِي كسَاء خلق.
يَقُول: أغرنا عَلَيْهِ وأخذنا مَاله وقبته.
نجز بِحَمْد الله وعونه.
(2/284)

- حَدِيث أبي لبَابَة رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي لبَابَة انه كَانَ ارْتبط بسلسلة ربوض الى أَن تَابَ الله عَلَيْهِ.
الربوض. الضخمة الثَّقِيلَة والشجرة الربوض هِيَ الْعَظِيمَة الغليظة. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... وَقَالُوا: ربوض ضخمة فِي جرانه ... وأسمر من جلد الذراعين مقفل ...
يَعْنِي بالربوض: سلسلة عَظِيمَة. وَيَعْنِي بالأسمر من جلد الذراعين غلا من قد قد من جلد الذراعين. والمقفل: الْيَابِس. وَكَذَلِكَ القافل.
كمل بِحَمْد الله وعونه.
(2/285)

- حَدِيث بِلَال موَالِي ابى بكر
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث بِلَال رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يُؤذن على أَطَم فِي دَار حَفْصَة يرقى على ظلفات أقتاب مغرزة فِي الْجِدَار.
الأطم: بِنَاء مُرْتَفع والأطم والأجم الْحصن وَجمعه: آطام وآجام. والظلفات من الرحل الخشبات الْأَرْبَع اللواتي يكن على جَنْبي الْبَعِير واحدتها ظلفة.
نجز بِحَمْد الله وعونه.
(2/286)

- حَدِيث ابى هُرَيْرَة عَمْرو بن عبد غنم
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ فِي قَضَاء رَمَضَان: يواتره.
الرياشي قَالَ ثَنَا أَبُو معمر عَن عبد الوارث عَن عَليّ بن الحكم عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَرْث عَن أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ عبد الْوَارِث: سَأَلت أَبَا عَمْرو بكر بن حبيب وَأَبا الدقيش وَأَبا خيرة عَن المواترة فَقَالُوا: تَصُوم يَوْمًا وتفطر يَوْمًا اَوْ تَصُوم يَوْمًا وتفطر يَوْمَيْنِ.
وَقَالَ الرياشي قَالَ الْأَصْمَعِي: لَا تكون المواترة مُوَاصلَة حَتَّى يكون بَينهمَا شَيْء.
وواتر كتبك اذا أَرَادَ معنى: وأصلهما فَهُوَ خطأ. وَهَذَا كَمَا ذكر الوقوم لَان أصل المواترة أَن تَأتي بالاشياء وترا وترا أَي:
(2/287)

وَاحِدًا وَاحِدًا فاذا أَنْت قضيت شهر رَمَضَان تباعا يَوْمًا فِي أثر يَوْم فقد شفعت الْيَوْم بِالْيَوْمِ وَالشَّفْع: الزَّوْج. واذا أَنْت صمت يَوْمًا وَأَفْطَرت يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ فقد واترت. لِأَنَّك أتيت بِيَوْم وَاحِد وتر صمته ثمَّ أفطرت ثمَّ أتيت بآخر صمته ثمَّ أفطرت. وَلم يرد أَبُو هُرَيْرَة انه لَا يجوز فِي قَضَاء رَمَضَان الا المواترة. وَمن صَامَ ذَلِك تباعا فَهُوَ أفضل وانما أَرَادَ: يواتره ان أحب ذَلِك. فَأَما الْمُتَابَعَة فَهُوَ الاجماع وَمِمَّا يشْهد لهَذَا التَّأْوِيل إِن يزِيد بَين زُرَيْع روى عَن عَليّ بن الحكم بباقي الاسناد ان أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: لَا بَأْس أَن يواتر قَضَاء رَمَضَان ان شَاءَ.
فَقَوله: لَا بَأْس يدل على التَّفْرِيق لِأَن الْمُتَابَعَة هُوَ مَا لايختلف فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ ان مَرْوَان كَسَاه مطرف خَز فَكَانَ يثنيه عَلَيْهِ أثْنَاء من سعته وَانْشَقَّ فبشكه بشكا وَلم يرفه.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ بن عبد العريز عَن ابْن عَائِشَة عَن حَمَّاد بن
(2/288)

سَلمَة عَن عمار بن أبي عمار.
بشكة أَي: خاطه يُقَال: بشكت الثَّوْب وشصرته ونصحته اذا خطته فان كَانَت خياطَة متباعدة قيل: شمجته وشمرجته.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: يُوشك أَن يَجِيء من قبل الْمشرق قوم عراض الْوُجُوه فطس الْأنف صغَار الْأَعْين حَتَّى يلْحقُوا الزَّرْع بالزرع والضرع بالضرع وَالرِّوَايَة يَوْمئِذٍ يستقى عَلَيْهَا أحب الي من لاء وَشاء.
يرويهِ أَبُو سَلمَة عَن حَمَّاد عَن ابي التياح عَن مجَالد أبي عبد العزيز عَن أبي هُرَيْرَة.
هَكَذَا يرويهِ الْمُحدث: لاء مثل مَاء. وَهُوَ غلط من بعض نقلة الحَدِيث وانما هُوَ من: ألاء تَقْدِير: ألعاء. وَهِي الثيران وَاحِدهَا لأ تَقْدِيره: لعا مَقْصُور مثل قفا وأقفاء. وَقَالَ الطرماح وَذكر فلاة: من الطَّوِيل
(2/289)

.. كَظهر اللأي لَو تبتغي رية بهَا ... نَهَارا لعيت فِي بطُون الشواجن ...
شبه الفلاة بِظهْر الثور فِي انملاسها يَقُول: لَو طابت بهَا مَا توري بِهِ النَّار مثل بَعرَة أَو عود لشق ذَلِك عَلَيْك وَلم اجْمَعْ لأ على وَهُوَ أقرب من لفظ الْمُحدث لِأَنَّهُ لم يَأْتِ لذَلِك مثل مِمَّا كَانَ آخِره الْألف من المعتل نَحْو: قفا وعصا وانما جَاءَ فِي السَّالِم نَحْو: جمل وجمال وأفعال لأدنى الْعدَد وَرُبمَا جَاءَ فِي الْحَرْف جَامعا للمعنيين نَحْو: رسن وأرسان للقليل وَالْكثير. قَالَ ذَلِك سِيبَوَيْهٍ.
وَالرِّوَايَة: الْبَعِير يستقى عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ من اقناء الْبَقر وَالْغنم كَأَنَّهُ يُرِيد الزِّرَاعَة لِأَن اكثر من يقتني الثيران وَالْغنم الزراعون.
وَقَوله: حَتَّى يلْحقُوا الزَّرْع بالزرع يُرِيد: اذا أهلكوا زرعا ألْحقُوا الَّذِي يَلِيهِ بِهِ فِي الاهلاك. وَكَذَلِكَ الضَّرع بالضرع.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ ان رجلَيْنِ خرجا يُريدَان الصَّلَاة قَالَا: فَأَدْرَكنَا أَبَا هُرَيْرَة وَهُوَ أمامنا فَقَالَ: مَا لَكمَا تفدان فديد الْجمل قُلْنَا: أردنَا الصَّلَاة. قَالَ: الْعَامِد لَهَا كالقائم فِيهَا.
(2/290)

يرويهِ دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن صَيْفِي عَن عَمه يحيى بن صَيْفِي عَن مَرْوَان بن خثيم وَرجل من آل سعيد بن الْعَاصِ.
قَوْله: تفدان أَي: تعلو أصواتكما. يُقَال: فد الرجل يفد فديدا. وَالْمعْنَى: انهما كَانَا يمشيان مشيا سَرِيعا أَو يعدوان فَيسمع لَهما صَوت فَأَمرهمَا أَن يمشيا مشيا رويدا وأعلمهما انهما فِي الصَّلَاة اذا أراداها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه دخل الْمَسْجِد وَهُوَ يندس الأَرْض بِرجلِهِ.
اراد: كَأَنَّهُ يضْرب الأَرْض بِرجلِهِ. يُقَال: ندس فلَان فلَانا اذا طعنه وخزقه. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... ندسنا أَبَا مندوسة الْقَيْن بالقنا ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ:
(2/291)

ان فرس الْمُجَاهِد ليستن فِي طوله فَيكْتب لَهُ حَسَنَات.
يرويهِ عَفَّان عَن همام عَن مُحَمَّد بن حجادة عَن أبي حُصَيْن عَن ذكْوَان عَن أبي هُرَيْرَة.
وحَدثني أبي قَالَ: حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: الاستنان أَن يحضر وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْفَارِس. يُقَال: فرس سِنِين وَذَلِكَ من النشاط. وأرد هَاهُنَا انه يمرح فِي الطول والطول: الْحَبل وَهُوَ الطيل ايضا قَالَ طرفَة: من الطَّوِيل ... لعمرك ان الْمَوْت مَا أَخطَأ الْفَتى ... لكالطول المرخى وثنياه بِالْيَدِ ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: أَصْحَاب الدَّجَّال عَلَيْهِم السيجان شواربهم كالصياصي وخفافهم مخرطمة.
يرويهِ أَبُو سَلمَة عَن حَمَّاد قَالَ: زعم أَبُو المهزم انه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول ذَلِك.
السيجان: الطيالسة الْخضر وَاحِدهَا: سَاج مثل: تَاج
(2/292)

وتيجان وقاع وقيعان وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس: انه زر ساجا لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ محرم فَافْتدى: وَقَالَ الشماخ: من الطَّوِيل ... بلَيْل كلون الساج أسود مظلم ... قَلِيل الوعى داج كلون الأرندج ...
والوعى الصَّوْت وَهُوَ مَقْصُور. والأرندج جُلُود سود. وفيهَا لُغَة أُخْرَى: يرندج. وانما شبه اللَّيْل بالساج وَهُوَ أَخْضَر لِأَن الخضرة عِنْدهم سَواد. وَلذَلِك قَالُوا لِليْل: أَخْضَر. وَقَالُوا لسواد النَّاس ومعظمهم: خضراؤهم.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَان لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة. يَا رَسُول الله: قد أبيدت خضراء قُرَيْش لَا قُرَيْش بعد الْيَوْم. وَالشَّيْء اذا اشتدت خضرته روئي أسود. قَالَ ذُو الرمة وَذكر مَطَرا: من الطَّوِيل ... كسا الأكم بهمى غضة حبشية ... تؤاما ونقعان الظُّهُور الأقارع ...
(2/293)

جعلهَا حبشية من شدَّة الخضرة. وَقَالَ حميد بن ثَوْر: من الطَّوِيل ... الى شجر ألمى الظلال كَأَنَّهُ ... رواهب أخر من الشَّرَاب عذوب ...
الألمى الْأسود. يَقُول: هُوَ كثيف فظله أسود ثمَّ شُبْهَة فِي سوَاده بالرواهب لِأَنَّهُنَّ يلبسن الأكيسة السود. أحر من من الشَّرَاب أَي: هن صائمات. عذوب: قيام لَا يأكلن وَلَا يشربن.
وحَدثني أبي قَالَ: أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: يُقَال: أباد الله غضراءهم أَي خَيرهمْ وغضارتهم. وَلَا يقا ل: خضراءهم. قَالَ: والغضراء والخضراء طِينَة علكة خضراء. يُقَال: أنيط بئره فِي غضراء. هَذَا أصل الْحَرْف. وَيُقَال: قوم مغضورن اذا كَانُوا فِي خير ونعمة. والخضراء فِي مَوضِع آخر اسْم من أَسمَاء الكتيبة.
والصياصي: قُرُون الْبَقر. يَقُول: قد أطالوا شواربهم وفتلوها فَصَارَت كَأَنَّهَا قُرُون بقر ملتوية وَاحِدهَا: صيصة.
(2/294)

وخفافهم مخرطمة أَي: ذَات خراطيم وأنوف.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه سُئِلَ عَن صيد الْكَلْب فَقَالَ: اذا وذمته وأرسلته فَذكرت اسْم الله فَكل مَا أمسك عَلَيْك مَا لم يَأْكُل.
يرويهِ وَكِيع عَن أبي الْمنْهَال الطَّائِي عَن عَمه عبد الله بن يزِيد.
قَوْله: وذمته أَي: شددته ومسكته. وَالْأَصْل فِيهِ: الوذام وَهِي سيور تقد طولا. واحدتها: وَذمَّة. وانما أَرَادَ بتوذيمه أَن لَا يطْلب الصَّيْد بِغَيْر ارسال وَلَا تَسْمِيَة. واذا كَانَ مُطلقًا فعل ذَلِك.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا فَكَانَ بَعضهم يَقُول: اذا أخرجت كلبك الى الصَّيْد فَكل مِمَّا أمسك عَلَيْك وان لم ترسله.
وَقَالَ بعض الْحِجَازِيِّينَ: اذا انفلت الْكَلْب بِغَيْر ارسال أَو أعَان غير مُرْسل مُرْسلا فَلَا تَأْكُل. وَهَذَا مَذْهَب أبي هُرَيْرَة.
وَكَانُوا يجْعَلُونَ العذب فِي أَعْنَاق الْكلاب. قَالَ ذُو الرمة وَذكر كلابا من الْبَسِيط ... مثل السراحين فِي أعناقها العذب ...
(2/295)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه ذكر قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَينا أَنا نَائِم أَتَانِي آتٍ بخزائن الأَرْض فَوضعت فِي يَدي. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لقد ذهب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنْتُم ترغثونها.
يرويهِ ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: ترغثونها أَي ترضعونها. يَعْنِي الدُّنْيَا. يُقَال: رغث الجدي أمه اذا رضعها. وشَاة رغوث اذا رضعها وَلَدهَا. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... وذموا لنا الدُّنْيَا وهم يرضعونها ... أفاويق حَتَّى مَا يدر لَهَا ثعل ...
وَأنْشد بَعضهم: يرغثونها.
وحَدثني أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم ثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: ثَنَا شيخ لنا أَن رؤبة بن العجاج دخل على سُلَيْمَان بِي عَليّ بالشبكة
(2/296)

فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: مَا عنْدك للنِّسَاء يَا أَبَا الجحاف فقا ل: أَجِدهُ يَمْتَد وَلَا يشْتَد وأرده فيرتد وأستعين عَلَيْهِ أَحْيَانًا بِالْيَدِ ثمَّ أورد فأقصب. فَشَكا سُلَيْمَان نَحوا من ذَلِك فَقَالَ رؤبة: بِأبي أَنْت لَيْسَ ذَاك السن انما ذَلِك لطول الرغاث. يُرِيد: لِكَثْرَة مَا تمصك النِّسَاء.
وَقَوله: أورد فأقصب هُوَ من الأقصاب. يُقَال: قصبت الابل فَهِيَ قاصبة اذا وَردت فَلم تشرب. وأقصب الرجل اذا لم تشرب ابله فَضرب ذَلِك لنَفسِهِ مثلا.
يُرِيد: انه اذا بَاشر لم يقدر على النِّكَاح.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: تعس عبد الدِّينَار وَعبد الدِّرْهَم الَّذِي ان أعطي مدح وضبح وان منع قبح وكلح تعس فَلَا انْتَعش وشيك فَلَا انتقش.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن لَيْث عَن رجل عَنهُ.
وَقَالَ: ضبح أَي: صَاح. وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان ينبح دُونك
(2/297)

يَقُول: اذا أعطي خَاصم وجادل دُونك.
وَقَوله: وشيك أَي: أُصِيب بالشوك فَلَا انتقش أَي: فَلَا أخرجه من الْموضع الَّذِي دخل فِيهِ. يُقَال: نقشت الشَّوْكَة اذا استخرجتها. وَمِنْه سمي المنقاش. وَقد تقدم تَفْسِير هَذَا.
وَقَوله: تعس أَي: عثر. وَمِنْه يُقَال: تعسا لَهُ وَقَوله: فَلَا قَامَ من مصرعه. وَمِنْه قيل: انْتَعش العليل اذا أَفَاق من علته ونهض. وَقَالَ ذُو الرمة فِي وصف ولد الظبية: من الْبَسِيط ... لَا ينعش الطّرف الا مَا تخونه ... دَاع يُنَادِيه باسم المَاء مبغوم ...
يَقُول: لَا يرفع عينه الا أَن يتعهده دَاع من أمه وَهُوَ صَوتهَا وَالْمَاء: حِكَايَة صَوت الظبية. مبغوم من البغام. وَيُقَال: نعش فلَان فلَانا اذا رفع من ذكره وَأمره وَمِنْه سمي النعش نعشا لِأَنَّهُ يرفع. وَسمعت من يرويهِ: تعس فَلَا انْتَعش.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ
(2/298)

يتَوَضَّأ الى نصف السَّاق وَيَقُول: ان الْحِلْية تبلغ الى مَوَاضِع الْوضُوء.
يرويهِ يزِيد بن هرون عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة.
الْحِلْية هَاهُنَا التحجيل يَوْم الْقِيَامَة من أثر الْوضُوء. وَأَرَادَ قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان أمتِي يَوْم الْقِيَامَة غر من السُّجُود محجلون من الْوضُوء.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ انه رأى قوما يتعادون فَقَالَ: مَا لَهُم قَالُوا خرج الدَّجَّال فَقَالَ: كذبة كذبهَا الصباغون أَو الصواغون.
يرويهِ أَبُو عباد عَن همام عَن فرقد.
يذهب النَّاس أَو اكثرهم الى أَنه أَرَادَ صاغة الْحلِيّ. وَرَأَيْت بعض الْفُقَهَاء قد جعل هَذَا الحَدِيث فِي بَاب من لَا تقبل شَهَادَته من
(2/299)

أهل الصناعات. وَهَذَا تَحْرِيف على أبي هُرَيْرَة وظلم للصاغة وانما أَرَادَ بالصواغين الْكَذَّابين الَّذين يصوغون الْكَذِب. يُقَال: فلَان يصوغ الْأَحَادِيث اذا كَانَ يَضَعهَا.
نجز وَالله الْمعِين.
(2/300)

- حَدِيث عبد الله بن عمر بن الْخطاب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه دفع من جمع وَهُوَ يَقُول: من الرجز ... اليك تعدو قلقا وضينها ... مُخَالفا دين النَّصَارَى دينهَا
ان تغْفر آللهم تغْفر جما ... وَأي عبد لَك لَا ألما ...
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ: حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثناه عَليّ بن عَاصِم عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خشيم عَن عبد الرحمن بن سابط قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُول ذَلِك.
وحَدثني ابي قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي سهل عَن الْأَصْمَعِي وعبد الرحمن أَيْضا عَنهُ بِبَعْض الحَدِيث قَالَ: حَدثنِي شيخ من نَجْرَان قَالَ: كَانَت كتب الْأَنْبِيَاء وصورها عِنْد النَّصَارَى بِنَجْرَان فَكَانَت الأساقفة اذا مَاتَ مِنْهُم ميت ختم قبل مَوته عَلَيْهَا فَكَانَت الْكتب عَلَيْهَا
(2/301)

خَوَاتِيم عدَّة فَخرج الأسقف الْأَكْبَر يمشي وَمَعَهُ ابْنه فعثر فَقَالَ: تعس شانىء مُحَمَّد.
قَالَ سهل: لم يقل كَذَا وَلَكِن الْأَصْمَعِي كنى عَنهُ بشىء فَقَالَ أَبوهُ: مَه يَا بني إِنَّه بني وان اسْمه وَصورته فِي الوضائع.
قَالَ الْأَصْمَعِي: والوضائع: كتب تكْتب فِيهَا الْحِكْمَة فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخ دق الابْن الخواثيم ودق خَاتم أَبِيه وَأخرج صفة النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصورته فَآمن بِهِ وَحج وَأَقْبل وَهُوَ يَقُول: من الرجز ... اليك تعدو قلقا وضينها ...
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فَحَدثني ابْن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة انه قَالَ: حدثت بِهَذَا الحَدِيث فشرق سنة أَو أَكثر ثمَّ رَجَعَ الينا وَقد زَاد فِيهِ أهل الْعرَاق بَيْتا: من الرجز ... مُعْتَرضًا فِي بَطنهَا جَنِينهَا ...
(2/302)

وحَدثني أبي قَالَ: خبرني عَن أبي عُبَيْدَة انه قَالَ: الْوَضِين: بطان منسوج وَهُوَ فعيل فِي معنى مفعول أَي: موضون. يُرِيد: ان نسجه بعضه على بعض.
وَقَوْلهمْ: للدرع موضونة من ذَلِك. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {على سرر موضونة} يُرِيد: أَنَّهَا مضاعفة بَعْضهَا فِي بعض مداخلة كَمَا توضن حلق الدرْع بَعْضهَا فِي بعض وتضاعف.
وَقَوله: قلقا يُرِيد أَن النَّاقة قد ضمرت وَلحق بَطنهَا فاتسع الْوَضِين واضطرب. وَقَالَ غَيره: الْوَضِين: الهودج والبطان للقتب والسفيف والتصدير للرحل. والحزام للسرج. وَقَوله: مُخَالفا دين النَّصَارَى دينهَا. لَيْسَ لَهَا هِيَ دين انما أَرَادَ نَفسه. وَقَوله: ان تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جما. حَدثنِي أبي حَدثنِي عبد الرحمن عَن عَمه عَن يَعْقُوب بن مُسلم بن أبي طرفَة الْهُذلِيّ انه قَالَ: مر أَبُو خرَاش الْهُذلِيّ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة وَهُوَ يَقُول: من الرجز
(2/303)

.. لَا هم هَذَا خَامِس ان تما ... أتمه الله وَقد أتما
ان تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جما ... وَأي عبدلك لَا ألما ...
والجم الْكثير. وَقَوله: لَا ألما أَي لم يلم بِالذنُوبِ ويقارفها. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَلَا صدق وَلَا صلى} أَي: فَلم يصدق وَلم يصل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: من اصبح على غير وتر أصبح على رَأسه جرير سَبْعُونَ ذرعا
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ شَبابَة بن الْحسن قَالَ: ثناه الْقَاسِم بن الحكم العرني القَاضِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن آدم بن عَليّ عَن ابْن عمر.
الْجَرِير: الْحَبل يكون فِي عنق النَّاقة من أَدَم وَلَا أَحْسبهُ سمي الرجل جَرِيرًا الا بِهِ. والجديل ايضا يكون فِي الْعُنُق. فاذا كَانَ فِي الْأنف فَهُوَ زِمَام وَمِنْه قَول رَسُول الله صلى الله
(2/304)

عَلَيْهِ وَسلم لبني عبد الْمطلب وهم ينزعون على زَمْزَم: انزعوا على سِقَايَتكُمْ فلولا أَن يغلبكم النَّاس عَلَيْهَا لنزعت مَعكُمْ حَتَّى يُؤثر الْجَرِير بظهري.
الا أَن جرير السِّقَايَة لَا يكون من أَدَم وَسمي جَرِيرًا لِأَنَّهُ يجر فعيل فِي معنى مفعول
أَرَادَ ابْن عمر معنى حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا من ذكر وَلَا أتنى الا وعَلى رَأسه جرير مَعْقُود. فاذا اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ حلت مِنْهُ عقده.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ يَقُول: يتقى من الضَّحَايَا وَالْبدن الَّتِي لم تسنن وَالَّتِي نقص من خلفهَا.
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ: حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
قَوْله: لم تسنن أَي: لم تنْبت أسنانها كَأَنَّهَا لم تعط
(2/305)

أسنانا. وَهَذَا كَمَا تَقول: فلَان لم يلبن أَي: لم يُعْط لَبَنًا. وَلم يسمن أَي: لم يُعْط سمنا. وَلم يعسل لم يُعْط عسلا. وَكَأَنَّهُ يُقَال: سنت الدَّابَّة اذا نَبتَت أسنانها وسنها الله. وَقد مثل النَّهْي فِي الْأَضَاحِي عَن الهتماء وَيكون فِي مَوضِع آخر سنت الشَّاة اذا أُصِيبَت فِي سنّهَا كَمَا تَقول: ثغر الْغُلَام اذا أُصِيب فِي ثغره وكبد اذا أُصِيب فِي كبده ورؤس اذا أُصِيب فِي على رَأسه. فاذا أردْت أَن ثغره نبت قلت: اثغر وأتغر وَلم أسمع: أسن الا فِي الْكبر وَهُوَ الْقيَاس جَائِز وَلَا أَحسب قَول الْأَعْشَى الا مِنْهُ: من المتقارب ... بحقتها قد ربطت فِي اللجي ... ن حَتَّى السديس لَهَا قد أسن ...
يَقُول: ربطت فِي اللجين مُنْذُ كَانَت حقة الى أَن أسن سديسها أَي: نبت وَصَارَ سنا. وَمن النَّاس من يذهب ألى أَن: أسن فِي هَذَا الْبَيْت بِمَعْنى: كبر كَمَا تَقول: اسن الرجل اذا كبر. وَلم نسْمع بِأَنَّهُ يُقَال: أسن رَأس الرجل اذا كبر وَلَا اسنت يَده وَكَذَلِكَ اسن فِي النبت نبت فِيمَا أثرى لَا أعرف وَجها غَيره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ
(2/306)

يقعي ويثري فِي الصَّلَاة.
بَلغنِي عَن ابْن عَائِشَة عَن هَاشم عَن عبد الملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء.
قَوْله: يثري من الثرى يُرِيد: انه كَانَ يضع يَده بالثرى بَين السَّجْدَتَيْنِ كَأَنَّهَا لَا تفارق الأَرْض حَتَّى يُعِيد السُّجُود. وَمن اقعى فعل ذَلِك. قَالَ جرير: رَأَيْت عَطاء يقعي بَين السَّجْدَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ أَن أَبَاهُ بعث بِهِ الى خَيْبَر فقاسمهم التَّمْر فسحروه فتكوعت اصابعه فَغَضب عمر فنزعها مِنْهُم يَعْنِي: خَيْبَر.
وَفِي حَدِيث آخرو: انهم دفعوه من فَوق بَيت ففدعت قدمه من حَدِيث مُحَمَّد بن اسحق.
قَوْله: تكوعت يَده من الْكُوع وَهُوَ أَن تعوج الْيَد من قبل الْكُوع والكوع رَأس الزند الَّذِي يَلِي الابهام وَالْكر سوع
(2/307)

رَأس الزند الَّذِي يَلِي الْخِنْصر. يُقَال: تكوعت وكوعت اذا اعوجت.
قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال للكلب اذا رمض: مر يكوع أَي: يطَأ على كوعه.
وَقَوله: فدعَتْ قدمه من الفدع وَهُوَ: زيغ بَينهَا وَبَين عظم السَّاق.
يُقَال: رجل أفدع وأكوع. وَمِنْه قَول عبد الله بن عمر فِي ذِي السويقتين الَّذِي يهدم الْكَعْبَة من الْحَبَشَة كَأَنِّي بِهِ أضيلع أفيدع قَائِما عَلَيْهَا يَهْدِمهَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ ان قوما اشْتَركُوا فِي قتل صيد فَقَالُوا: على كل رجل منا جَزَاء أم هُوَ جَزَاء وَاحِد. فَقَالَ: انه لمعزز بكم بل عَلَيْكُم جَزَاء وَاحِد.
يرويهِ سُفْيَان عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة.
(2/308)

قَوْله: انه لمعزز بكم أَي: مشدد عَلَيْكُم اذن.
حَدثنِي أبي خبرني عبد الرحمن عَن عَمه قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء عَن قَول الله عز جلّ: {فعززنا بثالث} فأنشدنا: من الْكَامِل ... أجد اذا ضمرت تعزز لَحمهَا ... واذا تشد بنسعها لَا تنبس ...
أَي: لَا ترغو وَيُقَال: عزز مِنْهُ أَي: شدد مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: مَا أعطي رجل أفضل من الطّرق يطْرق الرجل الْفَحْل فيلقح مئة فتذهب حيرى دهر.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن سُفْيَان عَن ربيع بن قزيع.
قَوْله: تذْهب حيري دهر يُرِيد: آخر الدَّهْر. وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: أبدا. يَعْنِي: ان آخر ذَلِك يجْرِي لَهُ مَا بَقِي الدَّهْر.
(2/309)

وَنَحْو من هَذَا قَوْلهم: لَا أفعل ذَلِك أَبَد الأبيد وأبد الأبدين وَمَا اخْتلف الملوان وهما اللَّيْل وَالنَّهَار. وَالْوَاحد: ملا مَقْصُور. وَكَذَلِكَ: الجديران والفتيان وَلَا أَفعلهُ مَا سمر ابْنا سمير وَلَا آتِيك سمير اللَّيَالِي. هَذَا كُله معنى قَوْلك: لَا أفعل ذَلِك أبدا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يخابر بأرضه وَيشْتَرط أَن لَا يعرها.
يرويهِ سُفْيَان عَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
المخابرة الْمُزَارعَة. وَقَوله: يشْتَرط أَن لَا يعرها من: العرة وَهِي الْعذرَة. وَمِنْه قَول النَّاس: انما أَنْت عرة. وَقد يستعار فيسمى بِهِ الْقَبِيح من الْأُمُور. قَالَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اياكم ومشارة النَّاس فانها تدفن الْغرَّة وَتظهر
(2/310)

الْغرَّة. فالغرة هَاهُنَا: الْحسن والعرة: الْقبْح.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه دخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَعَلِيهِ بردَان معافريان فنهد النَّاس اليه يسألونه الْبرد الْمعَافِرِي مَنْسُوب الى: معافر من الْيمن بِفَتْح الْمِيم. والعامة تضمها. وَمِنْه الحَدِيث: ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر معَاذًا حِين بَعثه الى الْيمن أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا أَو عدله من الْمعَافِرِي.
وَقَوله: فنهد النَّاس اليه يسألونه يُرِيد: قَامُوا اليه يسألونه. وَمِنْه قيل نهد ثدي الْمَرْأَة اذا ارْتَفع. ونهدت لِلْعَدو اذا
(2/311)

صمدت لَهُم. وَقَالَ أَبُو دؤاد: من مجزوء الْكَامِل ... كمقاعد الرقباء للضرباء أَيْديهم نواهد ...
والضرباء: الَّذين يضْربُونَ بِالْقداحِ فأيديهم مُرْتَفعَة. واحدهم: ضريب. والرقباء: الْأُمَنَاء عَلَيْهِم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ فِي العَبْد يكون تَحْتَهُ الْحرَّة أَو الْحر يكون تَحْتَهُ الْأمة أَيهمَا رق نقض الطَّلَاق برقه وَالْعدة للنِّسَاء.
يرويهِ معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر.
يَقُول: ان كَانَ الزَّوْج عبدا وَالْمَرْأَة حرَّة أَو كَانَ الزَّوْج حرا وَالْمَرْأَة أمة فانها تبين مِنْهُ بتطليقتين. وَهَذَا مَذْهَب النَّاس على غَيره أَو أَكْثَرهم.
كَانَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام وعبد الله يَقُولَانِ: الطَّلَاق بِالنسَاء يعنيان أَن الْحرَّة لَا تبين تَحت الْمَمْلُوك بِأَقَلّ من ثَلَاث وَتبين الْأمة تَحت الْحر بِاثْنَتَيْنِ وَهَذَا مَذْهَب الثَّوْريّ.
(2/312)

وَقَالَ زيد بن ثَابت: الطَّلَاق بِالرِّجَالِ. يَعْنِي: ان الْحرَّة تَحت الْمَمْلُوك تبين بِاثْنَتَيْنِ وَلَا تبين الْمَمْلُوكَة تَحت الْحر بِأَقَلّ من ثَلَاث وَهُوَ مَذْهَب الْحِجَازِيِّينَ.
وَأما قَوْله: وَالْعدة للنِّسَاء فان الْكُوفِيّين والحجازيين مجمعون على ذَلِك. وَالْمعْنَى: ان الْمَرْأَة ان كَانَت حرَّة اعْتدت بالوفاة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا اَوْ بِالطَّلَاق ثَلَاث حيض تَحت حر كَانَت أَو عبد. وان كَانَت أمة اعْتدت بالوفاة شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام وبالطلاق حيضتين تَحت عبد كَانَت أَو حر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَامَ الى مقرى بُسْتَان فَقعدَ يتوطأ فَقيل لَهُ: أتتوضأ وَفِيه هَذَا الْجلد فَقَالَ: اذا كَانَ قُلَّتَيْنِ لم يحمل نجسا.
(2/313)

يرويهِ عَفَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن الْمُنْذر.
المقرى الْحَوْض واكثر مَا يُقَال: مقراة بِالْهَاءِ للحوض فَسُمي بذلك لِأَنَّهُ يقرى فِيهِ المَاء أَي: يجمع. يُقَال: قريت المَاء فِي الْحَوْض أَي: جمعته. والقاري من الدَّوَابّ الَّذِي يجمع الْعلف فِي شدقه. يقا ل: قرى يقرى. والمقرى ايضا انآء يقرى فِيهِ الضَّيْف.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَو مَرَرْت على نهي نصفه مَاء وَنصفه دم لشربت مِنْهُ وتوضأت.
وَالنَّهْي: الغدير. وانما سمي نهيا لِأَن المَاء يَنْتَهِي اليه وَكَذَلِكَ التنهية هُوَ الْموضع يقف فِيهِ المَاء. سمي بذلك لِأَن المَاء يُنْهِي اليه وَجَمعهَا: تناه. وَيُقَال: انما قيل للغدير نهي لِأَن لَهُ حاجزا ينْهَى المَاء ان يفِيض مِنْهُ. وَكَذَلِكَ الْحَبْس هوالماء المستنقع سمي بذلك لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ حبس. وَيُقَال: الْحَبْس حِجَارَة تحبس تبنى فِي مجْرى المَاء لتحبسه للشاربة.
(2/314)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر ان عُيَيْنَة بن حصن أَخذ عجوزا من هوَازن فَلَمَّا رد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السبايا بست قَلَائِص أَبى أَن يردهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو صرد: خُذْهَا اليك فوَاللَّه مَا فوها ببارد وَلَا ثديها بناهد وَلَا بَطنهَا بوالد وَلَا زَوجهَا بواجد وَلَا درها بماكد أَو ناكد. فَردهَا وشكا الى الْأَقْرَع فَقَالَ: انك مَا أَخَذتهَا بَيْضَاء غريرة وَلَا نصفاء وثيرة.
يرويهِ مُحَمَّد بن اسحق عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
وَقَوله: وَلَا زَوجهَا بواجد أَي: محب والوجد الْمحبَّة. يُقَال: فلَان يجد بفلانة وجدا شَدِيدا.
وَقَوله: وَلَا درها بماكد أَي: دَائِم. يُقَال: مكد بِالْمَكَانِ يمكد بِهِ اذا أَقَامَ. والمكود: الَّتِي يَدُوم لَبنهَا وَلَا يَنْقَطِع قَالَ حميد ابْن ثَوْر: من الطَّوِيل ... فصاف صنيعا يمتري أرحبية ... مكودا اذا مَا الخور حارد جودها ...
(2/315)

وان كَانَ الْمَحْفُوظ: ناكدا فانه أَرَادَ الغزيز والنكد من الابل: الغزيرات اللَّبن. قَالَ الْكُمَيْت يذكر جديا: من الطَّوِيل ... وَلم يَك فِي النكد المقاليت مشخب ...
وَكَأن الْحَرْف من الأضداد. والغريرة والغرة والغر: الحدثة الَّتِي لم تجرب الْأُمُور. والوثيرة: الوطيئة.
حَدَّثَنى أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم الْأَصْمَعِي عَن المنتجع بن نَبهَان عَن النوار قَالَ: النِّسَاء فرش فَخَيرهَا أوثرها. .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: من حلف على يَمِين فِيهَا اصر فَلَا كَفَّارَة لَهَا.
يرويهِ اسحق بن ابراهيم عَن أبي مُعَاوِيَة عَن حميل بن زيد عَن ابْن عمر.
(2/316)

وَفِي الحَدِيث ان الاصر أَن يحلف بِطَلَاق أَو عتاق أَو مشي أَو نذر. والاصر الثّقل والشدة. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا} وَيُقَال: أصرت الرجل أصرا اذا أَنْت حَبسته وضيقت عَلَيْهِ.
فَأَرَادَ ابْن عمر ان الرجل اذا حلف بِالطَّلَاق أَو الْعتاق على شَيْء ثمَّ حنث لم تكن فِيهِ كَفَّارَة وَلم يكن فِيهِ الا أَن يُطلق أَو يعْتق. وَذَلِكَ أَن يَقُول: ان كلمت فلَانا فامرأته طَالِق أَو غلامي حر ثمَّ يكلمهُ. وَسمي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّذر: اصرا لِأَنَّهَا أثقل الايمان وأضيقها مخرجا.
وَقد أجمع الْفُقَهَاء على مَذْهَب ابْن عمر فِي الطَّلَاق أَنه لَا كَفَّارَة لَهُ. وَأما الْعتْق فقد ذكر عَن عَائِشَة انها رَأَتْ فِيهِ الْكَفَّارَة ووافقها على ذَلِك عَطاء وَالنَّاس جَمِيعًا بعد على أَنه بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَلَا كَفَّارَة لَهُ والاصر فِي مَوضِع آخر: الْعَهْد. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وأخذتم على ذَلِكُم إصري} .
318 -
(2/317)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يفرق بِالشَّكِّ وَيجمع بِالْيَقِينِ.
يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب.
قَوْله: يفرق بِالشَّكِّ يَعْنِي فِي الطَّلَاق وَذَلِكَ أَن يحلف الرجل على امْر قد اخْتلف النَّاس فِيهِ وَلَا يعلم من الْمُصِيب مِنْهُم. كَرجل قَالَ: كل امْرَأَة لي بِالْبَصْرَةِ طَالِق وَامْرَأَته بسفوان.
وَأهل الشَّام وَأهل الْحجاز يَزْعمُونَ انها من الْبَصْرَة وَأهل الْبَصْرَة يَزْعمُونَ انها لَيست من الْبَصْرَة. فَكَانَ ابْن عمر يفرق عِنْد مثل هَذَا من الشَّك احْتِيَاطًا. وَقد رُوِيَ عَن جَابر بن زيد فِي هَذِه الْقِصَّة بِعَينهَا أَنه لم ير فِيهَا طَلَاقا وَأَحْسبهُ كَانَ لَا يرى أَن يفرق فِي مثل هَذَا الا بِالْيَقِينِ أَو كَرجل كَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ فَبت طَلَاق احديهما بِعَينهَا ثمَّ أشكل عَلَيْهِ أَيَّتهمَا هِيَ فَكَانَ ابْن عمر يفرق عِنْد مثل هَذَا من الشَّك بَينه وَبَين امرأتيه جَمِيعًا. فان تبين لَهُ بعد الشَّك ايتهما طلق واستيقن ذَلِك جمع بَينه وَبَين الْأُخْرَى الَّتِي لم تطلق وَهُوَ معنى قَوْله: وَيجمع بِالْيَقِينِ.
(2/318)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يتَوَضَّأ ويغتسل بالحميم.
يرويهِ اسماعيل بن ابراهيم عَن أَيُّوب عَن نَافِع.
ويروى مثله عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ.
الْحَمِيم: المَاء الْحَار. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {يصب من فَوق رؤوسهم الْحَمِيم} وَهُوَ أَيْضا: الْعرق وبالحميم سمي الْحمام. قَالَ المرقش وَذكر امْرَأَة: من المنسرح. ... فِي كل يَوْم لَهَا مقطرة ... ذَات كباء معد وحميم ...
مقطرة: مجمرة. وَهِي مفعلة من الْقطر وَهُوَ الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ.
وَالَّذِي يُرَاد من الحَدِيث: انه كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وَقد عملت فِيهِ النَّار. وَالنَّاس على هَذَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه لَا فرق بَينه وَبَين الْبَارِد الا
(2/319)

مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد فانه رُوِيَ: انه كَانَ لَا يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ السخن الا فِي حَال ضَرُورَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يَغْدُو فَلَا يمر بسقاط وَلَا صَاحب بيعَة الا سلم عَلَيْهِ.
يرويهِ مَالك عَن اسحق بن عبد الله عَن الطُّفَيْل بن أبي بن كَعْب.
السقاط: بَائِع سقط الْمَتَاع وَهُوَ رذاله. والعوام تسميه: السَّقطِي. وبيعة من البيع مثل ركبة وشربة وسيمة من ساومت بِالْبيعِ سوما.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ أَن الْفِتْنَة ذكرت عِنْده فَقَالَ: لأكونن فِيهَا مثل الْجمل الرداح الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْحمل الثقيل فيهرج فيبرك وَلَا ينبعث حَتَّى ينْحَر.
يريويه عَليّ بن مُحَمَّد عَن الْحسن بن دِينَار عَن الْحسن.
الرداح: الْجمل الْعَظِيم من الابل وَقَوله: يهرج أَي:
(2/320)

يسدر. يُقَال: هرج الْبَعِير يهرج هرجا. قَالَ أَبُو النَّجْم: من الرجز ... فِي يَوْم قيظ ركدت جوزاؤه ... وظل مِنْهُ هرجا حرباؤه ...
قَوْله: ركدت حوزاؤه: أَي: ركد بارحها.
نجز وَللَّه الْمِنَّة.
(2/321)

- حَدِيث ابي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ انه صلى فَلَمَّا جلس فِي آخر الصَّلَاة سمع قَائِلا يَقُول: قرنت الصَّلَاة بِالْبرِّ وَالزَّكَاة. فَقَالَ: أَيّكُم الْقَائِل كَذَا فأرم الْقَوْم فَقَالَ: لَعَلَّك يَا حطَّان قلتهَا قلت: مَا قلتهَا وَلَقَد خشيت أَن تبكعني بهَا.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ أَبُو وَائِل ثناه أَبُو دَاوُد عَن هِشَام عَن قَتَادَة عَن يُونُس بن جُبَير عَن حطَّان بن عبد الله الرقاشِي.
قَوْله: أرم الْقَوْم أَي: سكنوا فَلم يتكلموا. قَالَ الراجز: من الرجز ... يردن وَاللَّيْل مرم طَائِره ... مرخى رواقاه هجود سامره ...
وَيُقَال: أرم الْعظم اذا صَار فِيهِ رم أَي: مخ. ورم اذا يَلِي وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم} .
(2/322)

وَقَوله: تكبعني بهَا أَي تستقبلني بهَا. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال بكعت الرجل بكعا اذا استقبلته بِمَا يكره وَهُوَ نَحْو: التبكيت. يُقَال بكته بِذَنبِهِ تبكيتا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ: أَنه قَالَ: دلوني على مَكَان أقطع بِهِ هَذِه الفلاة فَقَالُوا: هويجة تنْبت الأرطى بَين فلج وفليج فحفر بِالْحفرِ وَلم يكن بالمنجشانية وماوية قَطْرَة الا ثماد ايام الْمَطَر ثمَّ اسْتعْمل سَمُرَة الْعَنْبَري على الطَّرِيق فَأذن لمن شَاءَ أَن يحْفر فابتدؤوا فِي يَوْم سبعين فَمَا من أَفْوَاه البئار.
حَدَّثَنِيهِ أبي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت القسومي يذكرهُ من ولد زبيب بن ثَعْلَبَة الْعَنْبَري يذكرهُ.
الهويجة: الْموضع المطمئن من الأَرْض والثماد: جمع ثَمد وَهُوَ المَاء الْقَلِيل. يُقَال: مَاء مثمود اذا كثر عَلَيْهِ النَّاس
(2/323)

حَتَّى يفنى وَقد ثمدته النِّسَاء اذا نزفت مَاءَهُ لِكَثْرَة الْجِمَاع.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ انه كتب إِلَى عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: انا وجدنَا بالعراق خيلا عراضا دكا فَمَا يرى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي اسهامها فَكتب اليه عمر: تِلْكَ البراذين فَمَا قارف الْعتاق مِنْهَا فَاجْعَلْ لَهُ سَهْما وَاحِدًا وألغ مَا سوى ذَلِك.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن رَاشد عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى. الدك: جمع أدك وَهُوَ العريض الظّهْر. وَيُقَال: الْقصير العريض. وَمن ذَلِك قيل للرابية: دكاء وَقيل للجبل الذَّلِيل: دك. وَجمع دكاء: دكاوات. وَجمع الدك: دككة.
وَأرى أَصله من: دككت الشَّيْء اذا أَلْصَقته بِالْأَرْضِ. قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذا جَاءَ وعد رَبِّي جعله دكاء} أَي: مدكوكا مُلْصقًا بِالْأَرْضِ. وَيُقَال للناقة الَّتِي لَا سَنَام لَهَا: دكاء.
وَقَوله: فَمَا قارف الْعتاق مِنْهَا أَي: دنا وشاكلها. وَقد اخْتلف النَّاس فِي اسهام البراذين وَالْخَيْل.
(2/324)

فَكَانَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يرَوْنَ الْخَيل والهجن سَوَاء اذا لحقت لُحُوق الْفرس.
وَقَالَ الشَّافِعِي: الهجن والبراذين بِمَنْزِلَة الْخَيل اذا أجازها الْوَالِي.
وَهُوَ أَيْضا مَذْهَب الثَّوْريّ غير أَن الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ يسهمان للْفرس أَو البرذون سَهْمَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُسهم لَهُ سهم وَلَا تفضل بَهِيمَة على انسان.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يفضل الْفرس على الهجين. وَأرى عمر فِي هَذَا الحَدِيث قد أسْهم لما أشبه الْعتاق من البراذين وألغى غَيرهَا مِمَّا لم يشبه الْعتاق فَلم يُسهم لَهُ.
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة ان الشّعبِيّ قَالَ: أول من عرب العراب رجل من وَادعَة هَمدَان اغارت الْخَيل فصبحت الْعَدو وأبطأت الكوادن فَجَاءَت ضحى
(2/325)

فاسهم للعراب وَترك الكوادن. ثمَّ كتب الى عمر بن الْخطاب بذلك فَقَالَ: هبلت الوادعي أمه. لقد أذكرني أمرا كنت أنسيته. وَقَالَ غير أبي عُبَيْدَة: لقد أدكرت بِهِ أمرا.
وَكتب اليه: أَن نعم مَا صنعت. ومقارفة البراذين الْعتاق أَن تقاربها فِي اللحوق والسرعة. وَأما المقاربة فِي الْخلقَة فانما تقع بَين الْعَتِيق والهجين وَبَين المقرف والهجين.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهجنة من قبل الْأُم والاقراف من قبل الاب. وَأنْشد لهِنْد بنت النُّعْمَان بن بشير فِي روح بن زنباع: من الطَّوِيل ... وَهل هِنْد الا مهرَة عَرَبِيَّة ... سليلة أَفْرَاس تجللها بغل ...
(2/326)

.. فان نتجت مهْرا كَرِيمًا فبالحرى ... وان يَك اقراف فَمن قبل الْفَحْل ...
هَكَذَا رَوَاهُ يَعْقُوب عَن من سَمعه من أبي عُبَيْدَة. وَالَّذِي حَكَاهُ لي أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة فِي كتاب: الْخَيل انه قَالَ: الاقراف أَن يضْرب فهيا عرق البراذين وَلم يذكر من أَي جِهَة ذَلِك.
وروى الْأَصْمَعِي أَن سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ ميز بَين الْعتاق والهجن لما تشابهت على عمر فَدَعَا بترس أَو بطست مَاء فَوضع بِالْأَرْضِ ثمَّ أُوتيت الْخَيل فَشَرِبت مِنْهُ فَمَا ثنى سنبكه ثمَّ شرب جعله هجينا لِأَن عُنُقه قصرت فَاحْتَاجَ الى أَن يثني سنبكه حَتَّى يبلغ المَاء وَمَا لم يثن سنبكه جعله عتيقا لِأَن عُنُقه طَالَتْ فاستغنى عَن ثني سنبكه.
نجز وَللَّه الْمِنَّة.
(2/327)

- حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن رَضِي الله عَنهُ انه أقسم لِأَن أكون عبدا حَبَشِيًّا فِي أعنز حضنيات أرعاهن حَتَّى يدركني أَجلي احب الي من أَن أرمي فِي أحد الصفين بِسَهْم أصبت أَو أَخْطَأت.
حضنيات منسوبة الى حضن وَهُوَ جبل عَظِيم بِنَجْد تَقول الْعَرَب فِي مثل: انجد من رأى حضنا. يَقُول: فَلِأَن أكون عبدا رَاعيا فِي هَذَا الْجَبَل بِنَجْد احب الي من أَن أشهد حَربًا فِي فتْنَة.
نجز وَللَّه الْمِنَّة.
(2/328)

- حَدِيث سهل بن حنيف
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث سهل رَضِي الله عَنهُ ان عَامر بن ربيعَة قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَسَهل نلتمس الْخمر فَوَجَدنَا خمرًا وغدير مَاء. وَدخل المَاء فَنَظَرت فَأَعْجَبَنِي خلقه فَأَصَبْته بِعَين فَأَخَذته قفقفة.
الْخمر: مَا واراك من الشّجر. يقا ل: ذِئْب خمر اذا كَانَ يلْزم الْخمر وَلَا يظْهر. كَمَا يُقَال: ذِئْب الغضا وسرحان الغضا. والقفقفة: الرعدة. قَالَ جرير: من الطَّوِيل ... هم رجعوها مسحرين كَأَنَّمَا ... بجعثن من حى الْمَدِينَة قفقف ...
نجز وَللَّه الْمِنَّة.
(2/329)

- حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس انه ذكر عِنْده قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرمتهن آيَة وأحلتهن آيَة.
فَقَالَ ابْن عَبَّاس: تحرمهن عَليّ قَرَابَتي مِنْهُنَّ وَلَا تحرمهن عَليّ قرَابَة بَعضهنَّ من بعض.
حَدَّثَنِيهِ أبي حدثنهي مُحَمَّد بن عبيد قَالَ: ثناه سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة.
أما قَول عَليّ: حرمتهن آيَة وأحلتهن آيَة فانه اراد للأخوات من الاماء دون الْحَرَائِر. فالآية الَّتِي حرمت الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ من الا مَاء قَول الله جلّ وَعز فِي آيَة التَّحْرِيم: {وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ} . فَلم يشْتَرط حرَّة دون أمة.
وَالْآيَة الَّتِي أحلته قَوْله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم} .
فَلم يسْتَثْن من ملك الْيَمين شَيْئا فَهُوَ على الْعُمُوم. واراد ابْن عَبَّاس أَن يخبر بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَقع من أجلهَا تَحْرِيم الْجمع بَين
(2/330)

الْأُخْتَيْنِ الحرتين ليدل بهَا على الْحَال فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ الأمتين فَقَالَ: لم يَقع ذَلِك بِقرَابَة احدى الْأُخْتَيْنِ الحرتين من الْأُخْرَى لِأَن التَّحْرِيم لَو كَانَ من أجل ذَلِك لم يحل بعد وَطْء وَاحِدَة مِنْهُمَا وَطْء الْأُخْرَى أبدا كَمَا لَا يجوز وَطْء الْأُم مَعَ الْبِنْت وَلَا بعْدهَا أبدا وَلكنه وَقع من أجل قرَابَة الرجل مِنْهُمَا لِأَن ذَوي محارم الْمَرْأَة مثل: أَبِيهَا وعمها وخالها وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا وَمن النِّسَاء مثل: أمهَا وعمتها وخالتها وَبنت اختها هم قَرَابَات الرجل بالختونة والصهر وَهُوَ قرابتهم مَا كَانَت الْمَرْأَة تَحْتَهُ فَحرم عَلَيْهِ أَن يتَزَوَّج الْأُخْت على الْأُخْت لِأَنَّهَا من أصهاره. وَكَذَلِكَ حرم عَلَيْهِ أَن يجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَالْمَرْأَة وخالتها لِأَن عمَّة الْمَرْأَة اذا جَعلتهَا رجلا كَانَت عَمَّا وَهُوَ محرم الْمَرْأَة. وَهَذَا معنى قَول سُفْيَان الثَّوْريّ: يكره للرجل أَن يجمع بَين امْرَأتَيْنِ. وَلَو كَانَت أحداهما رجلا لم تحل لَهُ الْأُخْرَى اذا كَانَ ذَلِك من نسب وَلَيْسَت بنت الْعم وَلَا بنت الْخَال كَذَلِك لِأَنَّك اذا جعلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ذكرا لم يكن للْمَرْأَة محرما فَجَاز للرجل أَن يجمع بَين ابْنَتي عميه وابنتي خاليه.
وَالدَّلِيل على أَن الصهر قرَابَة من تَأْوِيل الْكتاب قَول بعض الْمُفَسّرين فِي قَول الله عز وَجل: {وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة}
(2/331)

أَرَادَ بالحفدة الْأخْتَان أفما نرَاهُ على هَذَا التَّأْوِيل قد قرنهم بالبنين وجعلهم هبة من الْأزْوَاج.
وَقَوله جلّ وَعز: {وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا} أَرَادَ بِالنّسَبِ قرَابَة النّسَب والصهر قرَابَة النِّكَاح. وَالدَّلِيل على ذَلِك من النّظر ان الله جلّ وَعز ورث كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ صَاحبه كَمَا ورث قَرَابَات النّسَب وَلم يحجبهما عَن الْمِيرَاث بِأحد وَعلة التوريث هِيَ الْقَرَابَة الَّتِي وَقعت بَينهمَا بِالنِّكَاحِ لَا النِّكَاح لِأَن الْمَرْأَة قد أخذت ثمن الْبضْع وَهُوَ الْمهْر. فلولا الْقَرَابَة مَا ورثته وَلَا ورثهَا وَالدَّلِيل من اللُّغَة ان الصهر عِنْدهم قرَابَة النّسَب ايضا. يَقُولُونَ: فلَان مصهر بِنَا اذا كَانَ نسبه نسبهم وَمن ذَلِك قَول زُهَيْر: من الْبَسِيط ... فَضله فَوق أَقوام ومجده ... مَا لم ينالوا وان عزوا وان كرموا ...
(2/332)

قَود الْجِيَاد وأصهار الْمُلُوك وصبر فِي مواط ن لَو كَانُوا بهَا سئموا قَالُوا: لم يرد هَاهُنَا ختونة الْمُلُوك وانما أَرَادَ الْقَرَابَة مِنْهُم فان احْتج مُحْتَج بِأَن الرجل يُوصي لأقربائه بشىء يكون ذَلِك لِقَرَابَتِهِ بِالنّسَبِ من أَبِيه وَأمه. وَلَا يكون لأهل بَيت لقرابة مِنْهُ شَيْء قيل لَهُ: ان الصهر وان كَانَ بِمَعْنى الْقَرَابَة فانه شهر وَاسْتعْمل فِي قرَابَة النِّكَاح دون النّسَب وانما تقع الْأَحْكَام على مَا يتعارف النَّاس ويستعملون وَهَذَا بِمَنْزِلَة قَول الرجل: ثُلثي لموَالِي فَيكون ذَلِك لمواليه بالعتاقة دون بني عَمه وقرابته وهم أَيْضا موَالِيه وَأرى ابْن عَبَّاس قد أخرج لَا مَاء بِهَذَا القَوْل مِمَّن حكم الْحَرَائِر لِأَنَّهُ لَا قرَابَة بَين الرجل وَبَين ملك يَمِينه وَالنَّاس على غير هَذَا لَا يرَوْنَ بَين الحرتين والأمتين فرقا فِي تَحْرِيم الْجمع بَينهمَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان حل لتوطىء وتؤذي وتشغل عَن ذكر الله جلّ وَعز.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثناه ابْن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: حل هُوَ زجر النَّاقة يُقَال لَهَا: حل وَحل
(2/333)

اذا حثثتها على السّير. وَالْمعْنَى أَن زجرك نَاقَتك واعجالك اياها فِي الافاضة من عَرَفَات توطىء النَّاس وتؤذيهم ويشغلك عَن ذكر الله يوقل: فسر على هينتك فَأَما زجر الذُّكُور من الأبل فحوب وحوب وحوب. وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدَّثَنِيهِ أبي حَدثنِي القومسي عَن الْحمانِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه كَانَ اذا قدم من سفر قَالَ: آيبون تائبون لربنا حامدون حوبا حوبا.
كَأَنَّهُ كَانَ اذا فرغ من هَذَا الْكَلَام زجر بعيره وَقَالَ دُكَيْن: من الزجز ... اليك وجهنا الْمطِي نزجره ... حوب وعاج وَحل نذكرهُ ...
وَيُقَال: وعاج أَيْضا.
وَفِي حَدِيث آخر انه كَانَ اذا دخل أَهله قَالَ: توبا توبا لَا يُغَادر علينا حوبا.
(2/334)

وَالْحوب هَاهُنَا الاثم وَلَيْسَ هُوَ من الأول فِي شَيْء وَفِيه ثَلَاث لُغَات: حوب وحوب وحاب.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ ان أَبَا خيرة قَالَ: سَأَلته فَقلت: أأقصر الصَّلَاة الى الأبلة قَالَ: تذْهب وَترجع من يَوْمك قلت: نعم. قَالَ: لَا الا يَوْمًا متاحا.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عَبده الصفار عَن عبد الصَّمد عَن شُعْبَة عَن شبيل الضبعِي عَن أبي خيرة.
يُرِيد: لَا تقصر الصَّلَاة الا فِي مسيرَة يَوْم تَامّ الى اللَّيْل. وَمثل قَول ابْن عمر: لَا تقصر الصَّلَاة الا فِي يَوْم تَامّ. وَكَذَلِكَ يَوْم آخر ذُو جريد وبريد أَي: تَامّ.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي مِقْدَار السّفر الَّذِي تقصر فِيهِ الصَّلَاة. فَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: تقصر فِي مسيرَة ثَلَاثَة ايام سير الابل ومشي الْأَقْدَام.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من خرج من الْكُوفَة الى الْمَدَائِن قصر
(2/335)

وَأفْطر وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ فرسخا.
وَكَانَ الثَّوْريّ يَقُول: قصر الصَّلَاة فِي السّفر يكون ثَلَاثَة أَيَّام من غير تَوْقِيت فِي الفراسخ. قَالَ: وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء يقصر فِي مسيرَة يَوْم وَبَعْضهمْ فِي مسيرَة يَوْمَيْنِ. وَالثَّلَاثَة الْأَيَّام أحب الينا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقصر الْمُسَافِر الا أَن يكون سَفَره الَّذِي يُرِيد ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ميلًا بالهاشمي.
وَرَأَيْت اسحق بن رَاهَوَيْه يَقُول فِي هَذَا قولا يجمع الْأَقَاوِيل قَالَ: اذا كَانَ سفرك أَرْبَعَة برد بِثمَانِيَة وَأَرْبَعين ميلًا قصرت الصَّلَاة. وَذَلِكَ يَوْم تَامّ للمسرع وَثَلَاثَة للمبطىء الَّذِي يسير بعض الْيَوْم ويحط فِي بعضه.
قَالَ: وَأَخْطَأ هَؤُلَاءِ حَيْثُ وقتوا ثَلَاثِينَ فرسخا من غير سنة وَهُوَ يَقُولُونَ فِي الظَّاهِر ثَلَاثَة أَيَّام للمبطىء على الدَّوَابّ وللمشاة على الْأَقْدَام. وَمن يشك فِي ان الْمَاشِي على قَدَمَيْهِ لَا يقدر أَن يديم مشي عشرَة فراسخ
(2/336)

فِي كل يَوْم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض يُصَافح بهَا عباده أَو قَالَ: خلقه كَمَا يُصَافح النَّاس بَعضهم بَعْضًا.
حَدَّثَنِيهِ أبي ثناه أَبُو سُفْيَان الغنوي ثناه عبد الله بن يزِيد عَن عباد بن أبي خَليفَة أَو عباد بن أبي حليمة عَن ابراهيم بن يزِيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
هَذَا تَمْثِيل وتشبيه وَأَصله: أَن الْملك كَانَ اذا صَافح رجلا قبل الرجل يَده. وَكَأن الْحجر للله جلّ وَعز بِمَنْزِلَة الْيَمين للْملك يسْتَلم ويلثم.
وَقَالَ ابْن عَائِشَة: ان الله جلّ وَعز حِين أَخذ الْمِيثَاق من بني آدم {وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} .
قَوَّال: أما سَمِعْتُمْ اذا لمسوه يَقُولُونَ: ايمانا بك ووفاء بعهدك.
(2/337)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ لَا يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر وَيَقُول: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أَمر أَن يقْرَأ فِيهِ وَسكت فِيمَا أَمر أَن يسكت فِيهِ لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة وَمَا كَانَ رَبك نسيا.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن حَمَّاد عَن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة
يذهب قوم فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث الى ان صَلَاة الظّهْر وَالْعصر لَا قِرَاءَة فيهمَا.
واجماع الْمُسلمين على أَنه لَا صَلَاة الا ظَاهِرَة أَو مخفأة الا من غلط فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث.
وانما أَرَادَ عِكْرِمَة أَن ابْن عَبَّاس كَانَ لَا يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر جَهرا وَيسمع أُذُنَيْهِ وَرَأى قوما يقرؤون فيسمعون أنفسهم وَمن قرب مِنْهُم فَنهى عَن ذَلِك وَأمرهمْ أَن ياتسوا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا قَوْله جلّ وَعز: {وَمَا كَانَ رَبك نسيا} يُرِيد: أَن الْقِرَاءَة الَّتِي تجْهر بهَا أَو تحرّك بهَا لسَانك وتسمعها نَفسك يَكْتُبهَا الْمَكَان فاذا أَنْت قَرَأت فِي نَفسك لم يكتباها لَك الا ان الله جلّ وَعز لَيْسَ نسيا مَا لم يكتباه وَلَا يغفله. وَنَحْو هَذَا قَول أبي
(2/338)

هُرَيْرَة: اقْرَأ بهَا يَا فَارسي فِي نَفسك. يَعْنِي فَاتِحَة الْكتاب خلف الامام وان جهر.
يَقُول: لَا تحرّك بهَا لسَانك فَتكون قَارِئًا والامام يقْرَأ. وَلَكِن اجْعَل ذَلِك فِي نَفسك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: اذا بعتم السرق فَلَا تشتروه.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد ثناه احْمَد بن عبد الله بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن حَيَّان بن عُمَيْر عَن ابْن عَبَّاس.
السرق: الْحَرِير وَأَصله فَارسي سره أَي: جيد. فغرب. وَمثله من المعرب بِالْقَافِ الطابق وَالْخَنْدَق والفراتق انما هُوَ: بروانه والبرق: الْحمل انما هُوَ
(2/339)

بره
واليلمق: القباء وَأَصله: يلمه والرزدق السطر وَأَصله: رسته والمهرق: الصَّحِيفَة وَأَصله: مهره. والموق: الْخُف وَأَصله: موزه ويعرب أَيْضا فَيُقَال: موزج. وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان امْرَأَة رَأَتْ كَلْبا فِي يَوْم حَار يطِيف ببئر قد أدلع لِسَانه من الْعَطش فنزعت لَهُ بموقها فغفر لَهَا.
وَمِمَّا أعرب من الْفَارِسِي أَيْضا حَدثنِي أبي خبرني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: الزرجون الْخمر. وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ: زركون أَي: لون الذَّهَب قَالَ: والقفشليل: المغرفة وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ: الكفجلاز والكرد: الْعُنُق وَأَصله
(2/340)

بالفارسة: كردن.
وخبرني عَن أبي عُبَيْدَة انه رُبمَا وَافق الأعجمي الْعَرَبِيّ. قَالُوا: غزل سخت أَي: صلب. والزور: الْقُوَّة. والدست: الصَّحرَاء وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ: دشت وَلم يكن ذهب الى أَن فِي الْقُرْآن شَيْئا من غير لُغَة الْعَرَب. وَكَانَ يَقُول: هُوَ اتِّفَاق بَين اللسانين. وخبرنا بِمثل ذَلِك عَن أبي عُبَيْدَة عبد الله بن مُحَمَّد بن هانىء. وَكَانَ غَيره يزْعم ان القسطاس
(2/341)

الْمِيزَان بلغَة قوم من الرّوم. والمشكاة: الكوة بِلِسَان الْحَبَشَة والسجيل بِالْفَارِسِيَّةِ: سنك وكل. وَالطور: الْجَبَل بالسُّرْيَانيَّة. واليم: الْبَحْر بالسُّرْيَانيَّة.
وَأَرَادَ ابْن عَبَّاس بقوله اذا بعتم السرق فَلَا تشتروه: اذا بعتموه نَسِيئَة فَلَا تشتروه مِمَّن ابتاعه مِنْكُم بِنَقْد. وَلَيْسَ يكره هَذَا فِي الْحَرِير خَاصَّة دون غَيره وَلكنه فِي جَمِيع الْأَشْيَاء. وَلَا أرَاهُ خص الْحَرِير فِي هَذَا الحَدِيث الا أَنه بلغه عَن تجار انهم يبيعونه نَسِيئَة ثمَّ يشترونه نَقْدا مِمَّن باعوه مِنْهُ بِدُونِ الثّمن.
(2/342)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه لما بَايع النَّاس عبد الله بن الزبير قلت: أَيْن الْمَذْهَب عَن ابْن الزبير أَبوهُ حوارِي الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وجدته عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَفِيَّة بنت عبد المطلب وَعَمَّته خَدِيجَة بنت خويلد زوج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخالته أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة وجده صديق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ وَأمه أَسمَاء ذَات النطاقين فشددت على عضده ثمَّ أثر عَليّ الحميدات والتويتات والأسامات. فبأوت بِنَفس وَلم أَرض بالهوان ان ابْن أبي الْعَاصِ مَشى اليقدمية وَيُقَال: القدمية وان ابْن الزبير مَشى الْقَهْقَرَى.
وَفِي حَدِيث آخر ان ابْن الزبير لوى ذَنبه ثمَّ قَالَ لعَلي ابْن عبد الله بن عَبَّاس: الْحق بِابْن عمك فغثك خير من سمين غَيْرك ومنك أَنْفك وان كَانَ أجدع فلحق عَليّ بِعَبْد الْملك بن مَرْوَان فَكَانَ آثر النَّاس عِنْده.
(2/343)

يرويهِ سُلَيْمَان بن أبي شيخ عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن عوَانَة. ويروى أَيْضا بعض هَذِه الْأَلْفَاظ يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن الاعمش.
قَوْله: مَشى اليقدمية أَي: تقدم بهمته وأفعاله. يُقَال: مَشى فلَان القدمية والقدمية. وان ابْن الزبير الْقَهْقَرَى: أَي: نكص على عقيبة وَتَأَخر عَن مَا تقدم لَهُ الآخر.
وَقَوله: فبأوت بنفسي أَي: رفعتها وعظمتها. وأصل البأو التَّعْظِيم والتكبر. وَمِنْه قَول عمر فِي طَلْحَة بن عبد الله: لَوْلَا بِأَو فِيهِ وَأما قَوْله: أثر عَليّ الحميدات والتويتات والأسامات. فانه أَرَادَ آثر قوما من بني أَسد بن عبد العزى من قرَابَته وَكَأَنَّهُ صغرهم وحقرهم. قَالَ الْأَصْمَعِي: هم الحميديون من بني اسد من قُرَيْش. وَابْن أبي الْعَاصِ عبد الملك بن مَرْوَان نسبه الى أبي جده.
(2/344)

قَالَ عبد الله بن الزبير الْأَسدي فِي هَذَا الْمَعْنى: من الطَّوِيل ... مَشى ابْن الزبير الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمت ... أُميَّة حَتَّى أحرزوا القصبات ...
يُرِيد: قصبات السَّبق.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه ذكر ابراهيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين جَاءَ باسماعيل وَهَاجَر فوضعهما بِمَكَّة فِي مَوضِع زَمْزَم ثمَّ تَركهمَا فَلَمَّا ظمىء اسماعيل جعل يدحض الأَرْض بعقبيه وَذَهَبت هَاجر حَتَّى علت الصَّفَا الى الْوَادي والوادي يَوْمئِذٍ لَاحَ.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن ابْن عَائِشَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس.
اللاح: الضّيق. يُرِيد أَن ذَلِك كَانَ بِكَثْرَة الشّجر وَالْحِجَارَة ثمَّ وسع بعد وَمن هَذَا يُقَال: لححت عينه اذا التصقت. وَيُقَال: مَكَان لحح أَي: ضيق ولاح. وَقَالَ الشماخ يذكر الْعَينَيْنِ:
(2/345)

.. بخوصاوين فِي لحح كنين ...
يُرِيد: عينين فِي مَوضِع لحح أَي: ضيق يَعْنِي مستقرهما.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن الْمَدّ والجزر فَقَالَ: ملك مُوكل بقاموس الْبحار فاذا وضع قدمه فاضت واذا رَفعهَا غاضت.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ ابْن مَرْزُوق عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن صباح عَن أَشْرَس عَن ابْن عَبَّاس.
الْقَامُوس من الْبَحْر: وَسطه ومعظم مائَة. وَهُوَ فاعول من القمس والقمس: الغوص.
وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: انه رجم رجلا ثمَّ صلى عَلَيْهِ وَقَالَ: انه الْآن لينقمس فِي رياض الْجنَّة. وَفِي حَدِيث آخر: فِي أَنهَار الْجنَّة.
والقلمس: الْبَحْر نَفسه وَهُوَ الرجاف أَيْضا
(2/346)

وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه: من الْكَامِل ... المطعمون الشَّحْم كل عَشِيَّة ... حَتَّى تغيب الشَّمْس فِي الرجاف ...
قَالَ: وَكَانَ يَقُول فِي قَول لبيد: من الرجز ... حَتَّى اذا القت يدا فِي كَافِر
أَنه الْبَحْر وَغَيره يَقُول: اللَّيْل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ كَانَ أهل الْكتاب لَا يأْتونَ النِّسَاء الا على حرف. وَكَانَ الْأَنْصَار قد أخذُوا بذلك من صنيعهم وَكَانَ هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش يشرحون النِّسَاء شرحا مُنْكرا.
بَلغنِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير عَن مُحَمَّد بن اسحق عَن أبان بن صَالح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس.
(2/347)

قَوْله: يشرحون النِّسَاء يَعْنِي: يفتحونهن. وَمِنْه يُقَال: شرحت لَك الْأَمر اذا بَينته. انما هُوَ فتحك مَا انغلق مِنْهُ واحسب قَوْلهم: شرحت اللَّحْم من ذَلِك انما هُوَ فَتحته. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ} أَي يَفْتَحهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ ان رجلا قَالَ لَهُ: ان فِي حجري يَتِيما وان لَهُ ابلا فِي ابلي وَأَنا أمنح ابلي وأفقر فَمَا يحل لي من ابله فَقَالَ: ان كنت ترد نادتها وَتَهْنَأ جَرْبَاهَا وَتَلوط حَوْضهَا فَاشْرَبْ غير مُضر بِنَسْل وَلَا نَاهِك حَلبًا أَو قَالَ: فِي حلب.
يرويهِ سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن أبن عَبَّاس.
بَلغنِي ان شَرط الرَّاعِي فِيمَا بَينه وَبَين من استرعاه مَاشِيَته أَن يَقُول المسترعي لِلرَّاعِي: ان عَلَيْك أَن ترد ضَالَّتهَا وَتَهْنَأ جربتها وَتَلوط حَوْضهَا ويدك مبسوطة فِي الرُّسُل مَا لم تنهك حَلبًا أَو تضر بِنَسْل فَيَقُول عِنْد ذَلِك الرَّاعِي لرب الْمَاشِيَة: لَيْسَ لَك أَن تذكر امي بِخَير وَلَا شَرّ وَلَك حذفة بالعصا عِنْد غضبك
(2/348)

أَخْطَأت أم اصبت ولي مقعدي من النَّار وَمَوْضِع يَدي من الْحَار هَذَا مَا يرْوى عَنْهُم. وَلست أَدْرِي أَهَذا مَأْخُوذ من كَلَام ابْن عَبَّاس ام أَخذ ابْن عَبَّاس مَا قَالَ من هَذَا الشَّرْط.
أما قَوْله: امنح وأفقر فقد فسرناه فِيمَا تقدم.
وَقَوله: تلوط حَوْضهَا أَي تطينه وأصل اللوط اللصوق أَي: تلصق الطين بِهِ وَمِنْه قيل: فلَان ألوط بقلبي مِنْك وَفِيه لُغَة أُخْرَى: لَاطَ يليط وَهُوَ أليط بقلبي. وأنشدني ابْن حبَان عَن أَبِيه عَن أبي زيد: من الوافر ... الا قَالَت بهان فَلم تابق ... نعمت وَلَا يليط بك النَّعيم ...
وَمِنْه حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ: أَنه كَانَ يليط أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة بِمن أدعاهم فِي الاسلام.
(2/349)

وَيُقَال: هُوَ يمدر حَوْضه اذا أَخذ الْمدر فسد بِهِ حصاص مَا بَين حجارته. قَالَ بعض الْأَعْرَاب: من الْكَامِل ... خلق السَّمَاء وَأَهْلهَا فِي جُمُعَة ... وَأَبُوك يمدر حَوْضه فِي عَام ...
وَقَوله: مَا لم تنهك حَلبًا أَي: مَا لم تستوعب مَا فِي الضَّرع وتستقصيه فتضر بِالْوَلَدِ. وانما رخص لَهُ فِي شرب فضل اللَّبن. وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمعذرة وَهِي الخافضة: أشمية وَلَا تنهكيه فانه أحظى لَهَا عِنْد البعل يُقَال: عذرت الْغُلَام وأعذرته اذا ختنته. ونهكت النَّاقة فِي الْحَلب: جهدتها وَمِنْه النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَمر ضرار ابْن الْأَزْوَر أَن يحلب نَاقَة وَقَالَ لَهُ: دع دَاعِي اللَّبن
(2/350)

لَا تجهدن. يُرِيد: دع فِي الضَّرع مِنْهُ شَيْئا يسْتَنْزل اللَّبن وَلَا تنهكه حَلبًا فَيَنْقَطِع أَو يقل. وَلَيْسَ هَذَا من الْمَعْنى المذموم فِي شَيْء انما الْمَعْنى المذموم عِنْدهم: الكسع والتغزير. والكسع أَن تنصح الضرة بِمَاء بَارِد ثمَّ تضرب بالكف صعدا لتَصْعَد الدرة فِي الظّهْر فَيكون طرقا لَهَا فِي الْعَام الْمقبل وَقُوَّة فِي وَقتهَا ذَلِك.
قَالَ الْحَارِث بن حلزة: من السَّرِيع ... لَا تكسع الثول بأغبارها ... انك لَا تَدْرِي من الناتج ...
واصبب لأضيافك من رسلها ... فان شَرّ اللَّبن الوالج ...
والأغبار جمع غبر وَهُوَ بَقِيَّة اللَّبن فِي الضَّرع. يَقُول: لَا تفعل هَذَا فانك لَا تَدْرِي لَعَلَّك تَمُوت أَو يغار على ابلك فَيذْهب بهَا: فَيصير مهنؤها لغيرك.
وَقَالَ بعض الرجاز يذم رجلا: من الرجز ... أكبر مَا نعلمهُ من كفره ... أَن كلهَا يكسعه بغبره
ولايبالى وَطئهَا فِي قَبره ...
(2/351)

سمع بقول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان الابل وَالْغنم اذا لم يؤد صَاحبهَا الْحق عَلَيْهِ فِيهَا بطح لَهَا بقاع قرقر فوطئته.
يَقُول: فَهَذَا لَا يُبَالِي أَن تطَأ بعد مَوته. وَيُقَال: جهدت الرجل أَيْضا فِي السُّؤَال اذا ألححت عَلَيْهِ وَلبن مجهود أَي: منتهك. قَالَ الشماخ وَذكر ابلا بالغزارة: من الْبَسِيط ... تضحى وَقد ضمنت ضراتها غرقا ... من ناصع اللَّوْن حُلْو غير مجهود ...
ويروى: حُلْو الطّعْم مجهود.
والمجهود فِي هَذِه الرِّوَايَة: المشتهى. يُقَال: جهد الطَّعَام اذا اشتهي.
قَالَ أَبُو جَعْفَر عَن أَبِيه: غرقا جمع غرقة وَهُوَ دفْعَة من اللَّبن. وَكَذَلِكَ الكثبة. ناصع: أَبيض: غير مجهود: أَي ينهك.
(2/352)

وَلَا يجْهد فِي الْحَلب وَطلب الدرة أَي هُوَ يتحلب عفوا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا كَانَ أخلق للْملك من مُعَاوِيَة. كَانَ النَّاس يردون مِنْهُ أرجاء وَاد رحب لَيْسَ مثل الْحَصِير العقص يَعْنِي: ابْن الزبير ويروى: الْحصْر العصعص.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام بن مُنَبّه عَن ابْن عبا س.
قَوْله: يردون مِنْهُ أرجاء وَاد وَاسع لَا يضيق على من ورده ليشْرب.
والرجا: حرفه وشفيره. والحصر: الممسك الْبَخِيل. قَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... وَلَقَد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يَا أميم ضنينا ...
أَرَادَ: بَخِيلًا بسرك والحصور: الضّيق من الرِّجَال والعقص: السيء الْخلق المتلوي الْعسر. وَفِيه لُغَة أُخْرَى:
(2/353)

عكص. والشكس مثله. وَقَالَ ذُو الرمة: من الوافر ... وَلَا عقصا بحاجته وَلَكِن ... عَطاء لم يكن عدَّة مطالا ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ان الْحسن ذكره فَقَالَ: كَانَ أول من عرف بِالْبَصْرَةِ صعد الْمِنْبَر فَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وفسرهما حرفا حرفا. وَكَانَ مثجا يسيل غربا.
يرويهِ سُفْيَان عَن أبي بكر الْهُذلِيّ عَن الْحسن.
قَوْله: وَكَانَ مثجا هُوَ من الثج والثج: السيلان. وَمِنْه قَول رَضِي الله جلّ وَعز عَنهُ: {وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا} يُرِيد: انه يصب الْكَلَام صبا.
وَقَوله: يسيل غربا أَي: يسيل فَلَا يَنْقَطِع: يُقَال: بِعَيْنِه غرب اذا كَانَت تسيل فَلَا تَنْقَطِع دموعها. قَالَ الشَّاعِر:
(2/354)

من الرجز ... مَا لَك لَا تذكر أم عَمْرو ... الا لعينيك غرُوب تجْرِي ...
قَالَ أَبُو زيد: الْغُرُوب: الدُّمُوع حِين تخرج من الْعين. والغربان من كل عين مقدمها ومؤخرها.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وأصل هَذَا كُله: الدَّلْو. والغرب فِي غير هَذَا حد الشَّيْء. وَيُقَال فِي الرجل غرب أَي: حِدة. وَمِنْه حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس آخر سُئِلَ عَن السّلف فَقَالَ: أعن أبي بكر كَانَ وَالله برا تقيا من رجل كَانَ يصادى مِنْهُ غرب.
وَسُئِلَ الْحسن عَن الْقبْلَة للصَّائِم فَقَالَ: اني أَخَاف عَلَيْكُم غرب الشَّبَاب.
وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: لم أر امرأاة خيرا وَلَا أَكثر صَدَقَة وأوصل لرحم وأبذل لنَفسهَا فِي كل شَيْء يتَقرَّب بِهِ الى الله جلّ وَعز من زَيْنَب مَا عدا سُورَة من غرب كَانَ فِيهَا توشك مِنْهَا الْفَيْئَة.
(2/355)

تُرِيدُ: كل خلالها محمودة مَا خلا سُورَة من حِدة وَالسورَة والثورة وَاحِد. يُقَال: سَار يسور وَمِنْه قيل: ساوره الْأسد. وَقيل للمعربد: سوار.
قَالَ الأخطل: من الْبَسِيط ... وشارب مربح بالكأس نادمني ... لَا بالحصور وَلَا فِيهَا بِسوار ...
وَمِنْه يُقَال: بِهَذَا الشَّرَاب سور.
وَقَوْلها: توشك مِنْهَا الْفَيْئَة أَي: يتسرع مِنْهَا الرُّجُوع. وَقَوله: يصادي أَي يدارى. والمصاداة والمدالاة والمداجاة والمراداة والمداملة كل هَذَا فِي معنى المداراة ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن أَبَا بشامة قَالَ قلت لَهُ: اني قلت حَيَّة وَأَنا محرم فَقَالَ: هَل بهشت اليك. قَالَ قلت: لَا. قَالَ: لَا بَأْس بقتل الأفعو وَلَا برمي الحدوه. قَالَ: فَمَا نسيت خلاف كَلَامه لكلامنا.
يرويهِ روح بن عبَادَة عَن عمرَان بن حدير عَن منقر أبي
(2/356)

بشامة.
قَوْله: هَل بهشت اليك. يُرِيد: هَل أَقبلت اليك تريدك يُقَال: قد بهش فلَان الى كَذَا اذا خف اليه يُريدهُ. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... سبقت الرِّجَال الباهشين الى العلى ...
وَمِنْه الحَدِيث ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرسل أَبَا لبَابَة الى الْيَهُود فبهش اليه النِّسَاء وَالصبيان يَبْكُونَ فِي وَجهه.
وَأما قَوْله: الأفعو فان الْوَاو قد يبدلها بعض الْعَرَب من الْألف آخرا فَيَقُولُونَ: أفعو وحبلو. ذكر ذَلِك سِيبَوَيْهٍ وَغَيره.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ:
(2/357)

ان الله جلّ وَعز أوحى إِلَى الْبَحْر أَن مُوسَى يَضْرِبك فأطعمه فَبَاتَ وَله أفكل.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن ابراهيم بن ميسرَة عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس. الأفكل: الرعدة. قَالَ النمر: من الطَّوِيل ... أرى أمنا أضحت علينا كَأَنَّمَا ... تجللها من نافض الْورْد أفكل ...
يُرِيد: انها غضِبت حِين رَأَتْهُ يوثر بألبان ابله فأرعدت كَأَن بهَا حمى.
وَالْأَرْض أَيْضا: الرعدة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أزلزلت الأَرْض أم بِي أَرض. أَي: بِي رعدة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس انه قَالَ: لَا تَأْكُلُوا من تعاقر الْأَعْرَاب فَانِي لَا آمن أَن يكون مِمَّا أهل بِهِ لغير الله. يرويهِ معَاذ عَن عَوْف عَن أبي رَيْحَانَة.
تعاقر الْأَعْرَاب: عفرهم الابل وَذَلِكَ أَن يتبارى الرّجلَانِ ويتجاوروا فيعقر هَذَا ويعقر هَذَا حَتَّى يعجز أَحدهمَا أَو
(2/358)

يبخل وَيكون ذَلِك للنَّاس فَنهى ابْن عَبَّاس عَن أكله اذ كَانَ رِيَاء وَسُمْعَة لم يرد الله بِشَيْء مِنْهُ. وَشبهه بِمَا أهل بِهِ لغير الله أَي: أُرِيد بِهِ غَيره. وَقد كَانَ غَالب أَبُو الفرزدق عَاقِر سحيم بن وثيل الريَاحي ففخر الفرزدق بذلك على جرير فَقَالَ جرير لتميم: من الطَّوِيل ... دعوا الْمجد الا أَن تسوقوا كزومكم ... وقينا عراقيا وقينا يَمَانِيا ...
الكزوم: النَّاقة المسنة. يُرِيد: أَن تفخروا بِنَاقَة مُسِنَّة عقرهَا غَالب حِين عاقره سحيم.
وقينا عراقيا يَعْنِي: البعيث وقينا يَمَانِيا يَعْنِي: الفرزدق. وانما جعل هَذَا عراقيا وَذَا يَمَانِيا لمواضع منازلهما. وَقد نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن طَعَام المتباريين أَن يُؤْكَل.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ:
(2/359)

كَانَ دحْيَة اذا قدم لم تبْق معصر الا خرجت تنظر اليه المعصر: الْجَارِيَة اذا دنت من الْحيض وَيُقَال: هِيَ الَّتِي أدْركْت. قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... قد أعصرت أَو قد دنا اعصارها ...
وانما كن يخْرجن اليه لجماله. وَكَانَ جِبْرِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يشبه بِهِ واذا خرج المعاصير وَهن يحجبن ويمنعن من الْخُرُوج كَأَن النِّسَاء أَحْرَى بِالْخرُوجِ. وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله جلّ وَعز: {وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا} وَهِي السَّحَاب. وَالْأَصْل: معاصير الْجَوَارِي كَأَنَّهَا شبهت بهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المعصرات: الكثيرات الْمَطَر. وَيُقَال: هِيَ ذَوَات الأعاصير.
(2/360)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ انه قَالَ: الْجَرَاد نثرة حوت.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي خَالِد الوَاسِطِيّ عَن رجل عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: نثرة حوت أَي: عطسته وَيُقَال: نشرت الشَّاة تنثر نثرا اذا عطست.
والنثرة: الْأنف وانما قيل لأوّل نجم من الْأسد نثره الْأسد لأَنهم: أَرَادوا أَنفه. وَهُوَ من منَازِل الْقَمَر ونوءه عِنْدهم مَحْمُود وَمِنْه قيل للاستشاق: الاسنثار. وَالَّذِي يُرَاد من الحَدِيث: انه جعل الْجَرَاد من صيد الْبَحْر بِمَنْزِلَة السّمك يحل للْمحرمِ أَن يصيده ويأكله.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ أَنه سُئِلَ: مَا فِي أَمْوَال أهل الذِّمَّة فَقَالَ: الْعَفو.
قَوْله: الْعَفو يُرِيد: أَنه قد عُفيَ لَهُم عَمَّا فِيهَا من الصَّدَقَة وَعَن الْعشْر فِي أَرضهم.
(2/361)

وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا فَكَانَ مَالك يَقُول: لَيْسَ عَلَيْهِم فِي أرضيهم وَلَا مَوَاشِيهمْ وَلَا فِي أَمْوَالهم شَيْء الا مَا أمروا بِهِ فِي تِجَارَتهمْ. والجزية على رؤوسهم انما الصَّدقَات على الْمُسلمين طهرة لَهُم. وَزَكَاة لأموالهم وَكَانَ الثَّوْريّ يري عَلَيْهِم الْعشْر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: أَربع لَا يجنبن: الثَّوْب والانسان وَالْأَرْض وَالْمَاء. ذكره لنا اسحق ابْن رَاهَوَيْه وَفَسرهُ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْسِير.
قَالَ: الثَّوْب ان أَصَابَهُ عرق الْجنب لم ينجس وَكَذَلِكَ ان أَصَابَهُ عر ق الْحَائِض. والانسان ان صافحه جنب لم ينجس وَكَذَلِكَ ان صافحه مُشْرك أَو يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ.
وَالْمَاء ان اغْتسل فِيهِ جنب أَو أَدخل يَده فِيهِ ينجس. وَالْأَرْض ان اغْتسل عَلَيْهَا جنب لم تنجس.
والجنابة: النَّجَاسَة يُقَال: أجنبته فأجنب فَهُوَ مجنب.
(2/362)

وَقَالَ بَعضهم: وأصل الْجَنَابَة الْبعد وَكَأَنَّهُ من قَوْلك: جانبت الرجل اذا أَنْت قطعته وباعدته. ولج فلَان فِي جناب أَهله اذا لج فِي مباعدتهم. وَلذَلِك قَالُوا للغريب: جنب وللغربة: الْجَنَابَة. يقا ل: رجل غرُوب جنب اذا كَانَ غَرِيبا. وَنعم الْقَوْم هم لِجَار الْجَنَابَة أَي: لِجَار الغربة. فَسُمي الناكح مَا لم يغْتَسل جنبا لمجانبته النَّاس وَبعده مِنْهُم وَمن الطَّعَام حَتَّى يغْتَسل. كَمَا سمي الْغَرِيب جنبا لبعده من عشيرته ووطنه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: فِي الرجل يَسْتَفِيد المَال يُزَكِّيه يَوْم يستفيده.
يرويهِ يزِيد عَن هِشَام بن حسان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. لَا أعلم أحدا قَالَ بِهَذَا الا أَن يكون للرجل مَال قد حَال عَلَيْهِ الْحول وَوَجَبَت فِيهِ الزَّكَاة ويستفيد فِي وَقت وجوب الزَّكَاة عَلَيْهِ مَالا آخر فيضمه اليه ويزكيه. وَهَذَا شَيْء يذهب اليه بعض الْفُقَهَاء وَبَعْضهمْ يَقُول: لَا زَكَاة على الْمُسْتَفَاد حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول من يَوْم يستفيده وَلَا يرى أَن عَلَيْهِ ان يضمه الى مَا قد وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة أَو يكون أَرَادَ بِالْمَالِ هَاهُنَا مَا تخرجه الأَرْض من الْحبّ. فالزكاة فِيهِ وَاجِبَة يُسْتَفَاد اَوْ فِي ثمنه يَوْم يقبض.
(2/363)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه ذكر دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَيَوْم فتنته فَقَالَ: دخل المحرب وأقعد منصفا على الْبَاب.
الْمنصف: الْخَادِم والجميع مناصف. تَقول: نصفت الرجل فَأَنا أنصفه نصافة اذا خدمته. قَالَ عمر بن أبي ربيعَة: من الْبَسِيط ... قَالَت لَهَا ولأخرى من مناصفها ... لقد وجدت بِهِ فَوق الَّذِي وجدا ...
أَي: لأخرى من خدمها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: فِي قَول الله تَعَالَى: {وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة} .
الغرارة وَالْحَبل والخرص وَالشَّيْء. الْخرص: الْحلقَة حَلقَة القرط وحلقة الشنف وَالْجمع: أخراص. والخرص أَيْضا السنان وَجمعه: خرصان. وَرُبمَا جعلُوا الرمْح
(2/364)

خرصا والرماح خرصانا. قَالَ أَعْرَابِي فِي حَدِيثه وذكرقوما أَسرُّوا: استزلوهم عَن متون الْجِيَاد بلببة الخرصان نزع الدلاء بالأشطان.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: كَانَ الْوَحْي اذا نزل سَمِعت الْمَلَائِكَة صَوت مرار السلسلة على الصَّفَا.
يرويهِ حَمَّاد عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس.
المرار: أَصله الفتل وَمِنْه قيل للحبل مرار لِأَنَّهُ يمر أَي: يفتل. وَيُقَال: ماررت فلَانا اذا تلونت عَلَيْهِ وخالفته وَهُوَ من الفتل. قَالَ أَبُو الْأسود وَسَأَلَ عَن رجل: مَا فعلت امْرَأَته الَّتِي كَانَت تشاره وتهاره وتزاره وتماره.
قَوْله: تزاره من الزر وَهُوَ العض. ومرار السلسلة أَن يجر على الصَّفَا فتتلوى حلقها على الصَّفَا فَيسمع صَوت ذَلِك. وان كَانَت الرِّوَايَة صَوت امرار السلسة بِالْألف وَهُوَ مصدر: أمررت الشَّيْء اذا أجررته ومررت بِهِ. وَأَحْسبهُ كَذَلِك لِأَنِّي وجدت فِي
(2/365)

6 - حَدِيث حنين انهم سمعُوا صلصلة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض كامرار الْحَدِيد على الطست الْجَدِيد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ يَقُول: اذا أَفَاضَ من عِنْده فِي الحَدِيث بعد الْقُرْآن وَالتَّفْسِير احمضوا.
قَوْله: أحمضوا هُوَ من الحمض والحمض مَا ملح من النبت. وَالْعرب تلقي الابل فِي الْخلَّة وَهُوَ ماحلا من النبت. فاذا مِلَّته ألقتها فِي الحمض.
واراد ابْن عَبَّاس اذا مللتم من الحَدِيث وَالْفِقْه فَخُذُوا فِي الْأَشْعَار وأخبار الْعَرَب لتروحوا بذلك قُلُوبكُمْ. وَنَحْوه قَول الزُّهْرِيّ: هاتوا من أَشْعَاركُم فان الْأذن مجاجة وَالنَّفس حمضة.
يُرِيد: أَنَّهَا تشْتَهي الشَّيْء بعد الشىء كَمَا تشْتَهي الابل الحمض بعد الْخلَّة.
(2/366)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَن أنس ابْن سِيرِين قَالَ: استحيضت امْرَأَة من آل أنس بن مَالك فأمروني فَسَأَلت ابْن عَبَّاس عَن ذَلِك فَقَالَ: اذا رَأَتْ الدَّم البحراني فَليدع الصَّلَاة فاذا رَأَتْ الطُّهْر وَلَو سَاعَة من النَّهَار فلتغتسل ولتصل.
يرويهِ خَالِد الْحذاء عَن أنس بن سِيرِين.
الدَّم: دم الْحيض بِعَيْنِه لَا دم الِاسْتِحَاضَة وانما سَمَّاهُ بحرانيا لغلظه وَشدَّة حمرته حَتَّى يكَاد يسود وَنسبه الى الْبَحْر وَالْبَحْر عمق الرَّحِم وكل عمق وكل شقّ بَحر. وَمِنْه قيل: تبحر فلَان فِي الْعلم أَي: تعمق فِيهِ وَتوسع. قَالَ العجاج وَذكر دَمًا: من الرجز ... ورد من الْجوف وبحراني ...
أَي: عبيط خَالص من الْجوف وَزَاد الْألف وَالنُّون فِي النّسَب لِأَنَّهُ أَرَادَ دم الْحيض الغليظ الطبيعي لَا الْعَارِض الرَّقِيق فِي الِاسْتِحَاضَة من عرق يسيل أَو ركضة من الشَّيْطَان كَمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث. وَكَذَلِكَ ينسبون الى الْخلق والأعضاء فَيَقُولُونَ: رجل رقباني
(2/367)

اذا كَانَ غليظ الرَّقَبَة وجماني اذا كَانَ ذَا جمة وشعراني اذا كَانَ ذَا شعر. وَلَو نسبوه الى غير خلقه فِيهِ لأسقطوا الْألف وَالنُّون كَرجل أردْت أَن تنسبه الى شعر عِنْده أَو شعر يَطْلُبهُ فَتَقول: شعري وَلَا تقل شعراني.
وحَدثني أبي قَالَ: حَدثنِي أحنمد بن سعيد عَن أبي عُبَيْدَة انه قَالَ هَذِه امْرَأَة استحيضت وَلم تكن تعرف عدد ايام حَيْضهَا لاختلافها عَلَيْهَا فَأمرهَا أَن تتعرف ذَلِك من الدَّم فتقعد عَن الصَّلَاة مَا كَانَ الدَّم دم الْحيض الطبيعي الَّذِي ترَاهُ الْحيض من النِّسَاء ويعرفنه فاذا تغير ذَلِك ورق فَهُوَ حِينَئِذٍ عَارض فتستثفر وتتوضأ لكل صَلَاة وَتصلي فان رَأَتْ الطُّهْر سَاعَة من النَّهَار اغْتَسَلت فانء عاودها دم الِاسْتِحَاضَة تَوَضَّأت وصلت كَذَلِك أبدا حَتَّى ترى الدَّم البحراني ثَانِيَة فَتكون حَائِضًا فتقعد عَن الصَّلَاة وَلَو كَانَت هَذِه الْمَرْأَة تعرف أَيَّام حَيْضهَا لأمرها ان تقعد تِلْكَ الْأَيَّام عَن الصَّلَاة ثمَّ تستثفر وَتصلي وَلم يأمرها بِالنّظرِ الى الدَّم.
كمل حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ.
(2/368)

- حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ انه كتب الى عمر ابْن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ان الْبَحْر خلق عَظِيم يركبه خلق ضَعِيف دود على عود بَين غرق وبرق. فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: لَا يسألني الله عَن أحد حَملته فِيهِ.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عَمْرو بن شُعَيْب.
الْبَرْق: الدهش والحيرة. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَإِذا برق الْبَصَر} اذا حَار عِنْد الْمَوْت. وَمن قَرَأَ: برق أَرَادَ: بريقه اذا شخص وَأَرَادَ: ان رَاكب الْبَحْر اما أَن يغرق واما أَن يكون فِيهِ مدهوشا حيران.
(2/369)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان ابْن حنتمة بعجت لَهُ الدُّنْيَا معاها وَأَلْقَتْ اليه افلاذ كَبِدهَا ونقت لَهُ مختها وَأَطْعَمته شحمتها وأمطرت لَهُ جودا سَالَ مِنْهُ شعابها ودفقت فِي محافلها فمص مِنْهَا مصا وقمص مِنْهَا قمصا وجانب غمرتها وَمَشى ضحضاحها وَمَا ابتلت قدماه أَلا كَذَلِك أَيهَا النَّاس قَالُوا: نعم. رَحمَه الله.
يرويهِ حكم بن هِشَام عَن حكم بن عوَانَة عَن أَبِيه عَن عَمْرو بن الْعَاصِ.
ابْن حنتمة: عمر بن الْخطاب وَأمه حنتمة بنت هِشَام بن الْمُغيرَة.
وَقَوله: بعجت لَهُ الدُّنْيَا معاها مثل ضربه. أَرَادَ: أَنَّهَا كشفت لَهُ عَمَّا كَانَ فِيهَا مخبؤا عَن غَيره. والبعج: الشق وَالْفَتْح.
وَأَلْقَتْ اليه أفلاذ كَبِدهَا يَعْنِي: كنوزها. وهم يكنون عَن المَال بأفلاذ الكبد وَهِي قطعهَا وَلذَلِك يَقُول: عَابِر الرُّؤْيَا فِي الكبد انه مَال مدفون.
والشعاب: الأودية. والمحافل: الْمَوَاضِع الَّتِي يحتفل فِيهَا المَاء.
(2/370)

أَي: يجْتَمع وَيكثر.
وَقَوله: فمص مِنْهَا مصا أَي: نَالَ الْيَسِير. وقمص قمصا أَي: نفر يُقَال دَابَّة بِهِ قماص بِكَسْر الْقَاف. وجانب غمرتها أَي: كثرتها. وَمَشى ضحضاحها وَهُوَ مَا رق من المَاء على وَجه الأَرْض. وَمِنْه: ان أَبَا طَالب فِي ضحضاح من نَار.
وَمَا ابتلت قدماه. يَقُول: لم يتَعَلَّق مِنْهَا بِشَيْء.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لعُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَا عُثْمَان: انك قد ركبت بِهَذِهِ الْأمة نهابير من الْأَمر فتب.
يرويهِ خَالِد بن الْحَارِث عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن أبي عَلْقَمَة.
النهابير: أَصله مَا أشرف على الرمل وشق على الرَّاكِب ان يقطعهُ. وَاحِدهَا نهبور وَيجمع نهابر أَيْضا. قَالَ نَافِع بن
(2/371)

لَقِيط: من الْكَامِل ... أُعْطِيك ذمَّة وَالِدي كليهمَا ... لأذرفنك الْمَوْت ان لم تهرب
ولأحملنك على نهابر ان تثب ... فِيهَا وان كنت المنهت تعطب ...
لأذرفنك الْمَوْت أَي: لأشرفن بك على الْمَوْت. وَمِنْه يُقَال: ذرف فلَان على السِّتين أَي: أشرف عَلَيْهَا. وروى بَعضهم عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ: هَا أَنا الْآن قد ذرفت على السِّتين وَلَكِن لَا رَأْي لمن لَا يطاع.
وَهُوَ على هَذَا التَّفْسِير وَيحْتَمل ان يكون لم يبلغهَا وَلكنه قاربها وَيحْتَمل أَن يكون جازها فأرمى عَلَيْهَا.
يرويهِ سُفْيَان عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: قتل عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين.
(2/372)

وَقَالَ أَبُو زيد: ذرفت على السِّتين وزرقت ووذمت وأرميت: زِدْت. يَقُول: لأحملنك على مشقات كالنهابير لَا تسلم مِنْهَا وَلَو كنت المنهت وَهُوَ الْأسد. يُقَال: نهت ينهت نهيتا. وَمِنْه قيل للمهالك: نهابر. وَمِنْه الحَدِيث: من أصَاب مَالا من مهاوش أذهبه الله فِي نهابر.
والمهاوش: الْفِتَن والاختلاط.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ فِي سفر فَرفع عقيرته بِالْغنَاءِ فَاجْتمع النَّاس فَقَرَأَ فتقرقوا فَفعل ذَلِك وفعلوه غير مرّة. فَقَالَ: يَا بني المتكاء اذا أخذت فِي مَزَامِير الشَّيْطَان اجْتَمَعْتُمْ واذا اخذت فِي كتاب الله تفرقتم.
يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود.
(2/373)

عقيرته: صَوته. قَالَ الْأَصْمَعِي: وأصل ذَلِك أَن رجلا قطعت احدى رجلَيْهِ فَرَفعهَا ووضعها على الْأُخْرَى وصرخ بِأَعْلَى صَوته فَقيل لكل من رفع صَوته رفع عقيرته. وَقد كَانَ يذكر مَعَ ذَلِك حروفا قد ذكرتها فِي مَوَاضِع.
قَالَ وَمثله قَوْلهم: بَيْننَا وَبينهمْ مَسَافَة وَأَصله من السوف. وَهُوَ الشم. فَكَانَ الدَّلِيل بالفلاة رُبمَا أَخذ التُّرَاب فشمه ليعلم أَعلَى قصد هُوَ أم على جور ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سموا الْبعد مَسَافَة. قَالَ رؤبة: ... اذا الدَّلِيل استاف أَخْلَاق الطّرق ...
قَالَ وَمثله: الْعقل فِي الدِّيَة. وَالْأَصْل: ان الابل كَانَت تجمع بِفنَاء ولي الْمَقْتُول وتعقل فسميت الدِّيَة عقلا وان كَانَت وَرقا أَو عينا.
قَالَ وَمثله قَوْلهم: بنى فلَان على أَهله. وَالْأَصْل: ان الابل كَانَت تجمع بِفنَاء ولي الْمَقْتُول وتعقل فسميت الدِّيَة عقلا وان كَانَت وَرقا اَوْ عينا.
قَالَ وَمثله قَوْلهم: بنى فلَان على أَهله. وَالْأَصْل: ان كل من أَرَادَ مِنْهُم الدُّخُول على أَهله ضرب عَلَيْهِ قبَّة. فَقيل لكل دَاخل بأَهْله بَان.
وَمِنْه قَوْلهم: ادفعه اليه برمتِهِ وَأَصله: ان رجلا دفع الى رجل بَعِيرًا بِحَبل فِي عُنُقه.
والرمة: الْحَبل الْخلق فَقيل ذَلِك لكل من دفع شَيْئا بجملته. وَهَذَا الْمَعْنى أَرَادَ الْأَعْشَى فِي قَوْله للخمار: ... فَقُلْنَا لَهُ: هَذِه هَاتِهَا ... بأدماء فِي حَبل مقتادها ...
(2/374)

أَي: بِعني هَذِه الْخمْرَة بِنَاقَة برمتها.
وَقَوْلهمْ فلَان نَسِيج وَحده وَذَلِكَ أَن الثَّوْب اذا كَانَ نفيسا لم ينسج على منواله غَيره. فاذا لم يكن نفيسا عمل على منواله سدى لعدة أَثوَاب فَقيل ذَلِك لكل من أَرَادوا الْمُبَالغَة فِي مدحه.
والمتكاء فِيهِ قَولَانِ.
يُقَال: هِيَ الَّتِي لَا تحبس بولها فان كَانَت كَذَلِك فَانِي أَحسب الْحَرْف من المتك وَهُوَ الْخرق. وأبدلت الْمِيم من الْبَاء كَمَا يُقَال:: سمد رَأسه وسبده اذا استأصله كَأَنَّهَا لما لم تمسك بولها خرقاء.
وَيُقَال: المتكاء: الَّتِي لم تخْفض.
وروى عَن ابراهيم انه سُئِلَ عَن رجل قَالَ لرجل: يَا بن المتكاء فَقَالَ: لَا حد عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه لَهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ. كَيفَ تجدك قَالَ: اجدني أذوب وَلَا
(2/375)

أثوب. وَأَجد نجوى أَكثر من رزئي.
قَوْله: أذوب وَلَا أثوب يُرِيد: ان بدنه يذوب وَلَا يرجع شَيْء مِمَّا ذاب. يُقَال: ثاب جسم فلَان بعد النهكة. أَي: صلح وَعَاد.
والنجو: الْحَدث. يَقُول: هُوَ أَكثر من طعمي فَكيف الْبَقَاء على هَذَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَمْرو رَضِي الله عَنهُ ان مُعَاوِيَة دخل عَلَيْهِ وَهُوَ عَاتب فَقَالَ: ان العصوب يرفق بهَا حالبها فتحلب العلبة. فَقَالَ: أجل وَرُبمَا زبنته فدقت فَاه وكفأت انآءه. أما وَالله لقد تلافيت أَمرك وَهُوَ أَشد انفضاجا من حق الكهدل فَمَا زلت أرمه بواذئله وَأَصله بوصائله حَتَّى تركته على مثل فلكة الْمدر.
يرويهِ بعض نقلة الْأَخْبَار.
العصوب من النوق الَّتِي لَا تدر حَتَّى تعصب فخذاها
(2/376)

377 - قَالَ الْكُمَيْت: من المتقارب ... وَلم تعط بالعصب مِنْهَا العصوب الا النهيت والا الطحيرا ...
والطحير والطحر أَن تضرب برجليها. والزبن أَن تدفع الحالب. والانفضاج: الاسترخاء. وَمِنْه يُقَال: انفضج بَطْنه والوذائل جمع وذيلة وَهِي السبيكة من الْفضة قَالَ الشَّاعِر: من المنسرح ... وتريك وَجها كالوذيلة لَا ضمآن مختلج وَلَا جهم ...
والوصائل: ثِيَاب يَمَانِية. يُرِيد: انه رمه بِقطع الْفضة وَوَصله بِهَذِهِ الثِّيَاب. وَهَذَا مثل ضربه لاحكامه اياه وتحسينه لَهُ. وَيجوز أَن يكون أَرَادَ بالوصائل الصلات جمع وصيلة.
والمدر: الْجَارِيَة اذا فلك ثدياها ودر فيهمَا المَاء.
(2/377)

وَالْحَامِل اذا در لَبنهَا مدر أَيْضا. يُقَال: أدرت هِيَ ودر اللَّبن.
يَقُول: كَانَ أَمرك سَاقِطا مسترخيا فأقمته حَتَّى صال كَأَنَّهُ حلمة فِي ثدي قد أدر.
وَأما حق الكهدل فَلم أسمع فِيهِ شَيْئا مِمَّن يوثق بِعِلْمِهِ. وَبَلغنِي انه بَيت العنكبوت. وَبِه يضْرب الْمثل فِي الوهن والضعف. قَالَ الله جلّ وَعز: {وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت} وَيُقَال: هُوَ ثدي الْعَجُوز.
نجز وَللَّه الْمِنَّة.
(2/378)

- حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان أهل النَّار ليدعون يَا مَالك فيدعهم أَرْبَعِينَ عَاما ثمَّ يرد عَلَيْهِم انكم مَاكِثُونَ فَيدعونَ رَبهم مثل الدُّنْيَا فَيرد: اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون فَمَا ينبسون عِنْد ذَلِك مَا هُوَ الا الزَّفِير والاالشهيق.
يرويهِ معَاذ عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب الْأَزْدِيّ عَن عبد الله ابْن عَمْرو.
قَوْله: مَا ينبسون أَي: مَا ينطقون. وَقَالَ ابْن أبي حَفْصَة
(2/379)

أنشدت السّري بن عبد الله فَلم ينبس رؤبة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر فِي نَاقَة: من الْكَامِل ... واذا تشد بنسعها لَا تنبس ...
أَي: لَا ترغو.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ وَهُوَ بِمَكَّة: لَو شِئْت لأخذت سبتي فمشيت فيهمَا ثمَّ لم أمذح حَتَّى أَطَأ على الْمَكَان الَّذِي تخرج مِنْهُ الدَّابَّة.
يرويهِ الْعَبَّاس بن الْوَلِيد عَن يزِيد عَن سعيد عَن قَتَادَة.
السبت: النَّعْل المدبوغة بالقرظ. وَقَوله: لم أمذح هُوَ من المذح والمذح: أَن يصطك الفخذان من الْمَاشِي لِكَثْرَة لحهما. يُقَال: مذح يمذح مذحا. وَهَذَا يُصِيب السمين من الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَكَانَ عبد الله بن عَمْرو كَذَلِك.
(2/380)

قَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول الشَّاعِر: من الوافر ... كَأَن مَوَاضِع الربلات مِنْهَا ... فِئَام ينهضون الى فِئَام ...
وَالْمرَاد: اذا عظمت وسمنت مذحت. وَذَلِكَ اذا اصطك لحم فخذيها فَكَأَنَّهُ جيشان اصطكا.
والربلة: اللحمة الغليظة فِي بَاطِن الْفَخْذ. فان كَانَ الاصطكاك فِي الاليتين فَهُوَ الْمشق يُقَال: مشق الرجل مشقا. فان كَانَ فِي الرُّكْبَتَيْنِ فَهُوَ الصكك. يُقَال: صك يصك صككا وَلذَلِك قيل للنعامة صكاء.
وانما أَرَادَ عبد الله انه مَعَ سمنه لَا تصطك فخذاه حَتَّى يبلغ الْموضع لقُرْبه وَهَذَا مثل حَدِيثه الآخر: ان نَعْلَيْه كَانَتَا فِي يَدَيْهِ فَقَالَ: لَو شِئْت أَلا أنتعل حَتَّى أَضَع قدمي على الْمَكَان الَّذِي تخرج مِنْهُ الدَّابَّة لفَعَلت من أجياد مِمَّا يَلِي الصَّفَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ: الْحبَّة فِي الْجنَّة مثل كرش الْبَعِير يبيت نافشا.
(2/381)

يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن جرير عَن أبي عبد الرحمن الحبلي عَن عبد الله ابْن عَمْرو.
قَوْله: نافشا يَعْنِي: رَاعيا بِاللَّيْلِ. يُقَال: سرحت الابل والماشية بِالْغَدَاةِ وراحت بالْعَشي ونفشت بِاللَّيْلِ.
قَالَ الله جلّ وَعز: {إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم} وأنفشت الْغنم والابل انفاشا اذا أرسلتها بِاللَّيْلِ ترعى وَهِي ابل نفاش ونفش.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: صَلَاة الاوابين مَا بَين أَن ينكفت أهل الْمغرب الى أَن يثوب أهل الْعشَاء.
يرويهِ وَكِيع عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن أَخِيه عبد الله بن عُبَيْدَة عَن عبد الله بن عَمْرو.
الأوابون: التوابون وأصل الْحَرْف من آب يؤوب الى كَذَا أَي: رَجَعَ اليه فَقيل للتائب: أواب. لِأَنَّهُ يرجع عَن الْمعاصِي. وَقَوله: ينكفت أهل الْمغرب أَي: يَنْصَرِفُونَ الى مَنَازِلهمْ.
(2/382)

وَاصل الانكفات: الانضمام. وَيُقَال: كفت الشَّيْء اذا ضممته اليك فانكفت. أَي: انْضَمَّ. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا أَحيَاء وأمواتا} لِأَنَّهَا تضم الْحَيّ وَالْمَيِّت.
وحَدثني أبي ثَنَا السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: يُسمى بَقِيع الفرقد كفتا لِأَنَّهُ مَقْبرَة تضم الْمَوْتَى. قَالَ: وَيُقَال: وَقع فِي النَّاس فِي كفت أَي: موت. يُرِيد: انهم يكفتون. أَي: يضمون فِي الْقُبُور. وَمِنْه حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَقُول الله جلّ وَعز للكرام الْكَاتِبين: اذا مرض عَبدِي فَاكْتُبُوا لَهُ مثل مَا كَانَ يعْمل فِي صِحَّته حَتَّى أعافيه أَو أكفته. والراجع إِلَى منزله يَنْضَم إِلَيْهِ فَلذَلِك قيل لَهُ: منكفت.
وَقَوله: يثوب أهل الْعشَاء أَي يرجع من يُرِيد الْعشَاء الْآخِرَة الى الْمَسْجِد. وَأَرَادَ أَن صَلَاة الْأَوَّابِينَ مَا بَين صَلَاة الْمغرب وَصَلَاة الْعشَاء.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ أَنه
(2/383)

ذكر الْبَصْرَة فَقَالَ: أما انه لَا يخرج أَهلهَا مِنْهَا الا الألبة.
يرويهِ عبد الرحمن بن مهْدي عَن الحكم بن عَطِيَّة عَن عبد الله بن مطر عَن قيس بن عباد.
قَالَ أَبُو زيد وَغَيره: الألبة والجلبة جَمِيعًا المجاعة. قَالَ الْهُذلِيّ يذكر ضيفا: من الْبَسِيط ... وكأنما بَين لحييْهِ ولبته ... من جلبة الْجُوع جيار وأرزيز ...
والجلبة هَاهُنَا: الأزمة. والجيار: حر يخرج من الْجوف. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ بجيار جائرا وَلكنه جَاءَ بِهِ فعال يُقَال: ان للسم جائرا أَي: حرارة فِي الْجوف. وَمِنْه قَول الآخر: من الطَّوِيل ... تطالعني من ثغرة النَّحْر جَائِر ...
وانما قيل للمجاعة ألبة من التألب وَهُوَ التجمع كَأَن النَّاس فِي المجاعة يتجمعون وَيخرجُونَ أَرْسَالًا كَمَا تسمى المجاعة: قحمة وَذَلِكَ انها اذا وَقعت بِالْبرِّ أقحمتهم الى الرِّيف. وَكَذَلِكَ.
(2/384)

الجلبة يجوز أَن تكون اسْما مأخوذا من: أجلبوا وأحلبوا وتألبوا كُله. اذا اجْتَمعُوا وألبوا غَيرهم جمعوهم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ان قيم أرضه بالوهط استاذنه فِي بيع فضل المَاء وَذكر انه يطْلب بِثَلَاثِينَ ألفا فَكتب اليه: ان لَا تبعه وَلَكِن أقمء قلدك ثمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فالأدني فَانِي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن بيع فضل المَاء.
القلد يَوْم السَّقْي وَيَوْم الْورْد وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْورْد يَوْم الْحمى والقلد يَوْم تَأتيه الرّبع.
وَهَذَا هُوَ الأَصْل والوهط: مَال لَهُم وأصل الوهط: المطمئن من الأَرْض.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ: احرث لديناك كَأَنَّك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كَأَنَّك تَمُوت غَدا.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن الغيزار عَن عبد الله بن عَمْرو.
قَوْله أحرث لدنياك يُرِيد: اجْمَعْ. يُقَال: حرثت واحترثت وَيُقَال فِي الاحتراث اصلاح المَال وتثميره. قَالَ كثير: من المتقارب ... بأية اني مَا ذكرت عرفت خلائق مني ثَلَاثًا ...
(2/385)

عفافا ومجدا اذا مَا الرِّجَال تبالوا خلائقهم واحتراثا.
أَي: جمعا لِلْمَالِ واصلاحا لَهُ.
والمعنييان متقاربان وَلَا أَحسب الرجل سمي حارثا الا من هَذَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه ذكر الارضين السَّبع فوصفها فَقَالَ فِي صفة الْخَامِسَة: فِيهَا حيات كسلاسل الرمل وكالخطائط بَين الشقايق.
السلَاسِل: رمل مُنْعَقد ملتو مستطيل. والشقايق من الرمل قطع غِلَاظ تكون بَين جبلي الرمل وَاحِدهَا شَقِيقَة. فعيلة فِي معنى مفعولة. والخطيطة أَيْضا: الأَرْض الَّتِي لم تمطر بَين أَرضين قد مطرتا كَأَنَّهَا خطت بَينهمَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: يُؤْتى بِرَجُل يَوْم الْقِيَامَة وَيخرج لَهُ تِسْعَة وَتسْعُونَ
(2/386)

سجلا فِيهَا خطاياه وَيخرج لَهُ بطاقة فِيهَا شَهَادَة أَن لَا اله الا الله فترجح بهَا.
البطاقة رقْعَة صَغِيرَة.
وَهَذِه كلمة مبتذلة بِمصْر وَمَا والاها يدعونَ الرقعة الَّتِي تكون فِي الثَّوْب وفيهَا رقم ثمنه بطاقة. وَلَا أدرى من أَي شىء أَخذ ذَلِك. وَالَّذِي دَعَا الى تَفْسِير هَذَا الْحَرْف وَهُوَ مبتذل بِتِلْكَ النَّاحِيَة كَثْرَة من سَأَلَني عَنهُ وَبَلغنِي انها سميت بطاقة لِأَنَّهَا تشد بطاقة من هدب الثَّوْب وَلست من هَذَا على يَقِين.
نجز وَالْحَمْد لله.
(2/387)

- حَدِيث عبد الله بن سَلام أَو عبد الله بن عمر
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عبد الله بن سَلام انه قَالَ: فِي التَّوْرَاة انما بَعثك لتمحو الْخمر وَالْميسر والمزامير والكنارات وَالْخمر وَمن طعمها وَأقسم رَبنَا بيمنة وَعزة حيله لَا يشْربهَا أحد بَعْدَمَا حرمتهَا عَلَيْهِ الا سقيته اياها من الْحَمِيم.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن يزِيد بن هرون عَن عبد العزيز ابْن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن هِلَال بن ابي هِلَال عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن سَلام أَو عبد الله بن عَمْرو.
الكنارات: يُقَال هِيَ العيدان الَّتِي يضْرب بهَا وَيُقَال: الدفوف. وَقد ذكرهَا أَبُو عبيد.
وَأما قَوْله: وَعزة حيله فانه أَرَادَ حوله وهما الْحِيلَة. يُقَال: مَاله حول وَلَا حيل. وَهَذَا أَحول من هَذَا وأحيل أَي:
(2/388)

أَكثر حِيلَة وَمثله مِمَّا يُقَال بِالْيَاءِ وَالْوَاو: اني لَا أجد لَهُ لوطا بقلبي وليطا وَهُوَ ألوط بقلبي وأليط. وفوح الطّيب وفيحه وموث الدَّوَاء وميثه وَهُوَ أَن يدوفه وَبَينهمَا بون فِي الْفضل وَبَين فَأَما الْبعد فَهُوَ الْبَين بِالْيَاءِ لَا غير. وَأما قَول مُعَاوِيَة عِنْد مَوته: انكم لتقلبون حولا قلبا ان وقِي هول المطلع فان الْحول: الْكثير الاحتيال. وَالْقلب الْكثير التقلب وَالتَّصَرُّف. أَو التقليب والتصريف للأمور يدلك على ذَلِك قَول الشَّاعِر: من الْخَفِيف ... الْحول الْقلب الأريب وَلنْ يدْفع وَقت الْمنية الْحِيَل ...
نجز بِحَمْد الله.
(2/389)

- حَدِيث انس بن مَالك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ ان مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ: اصبحنا ذَات يَوْم بِالْبَصْرَةِ وَلَا نَدْرِي على مَا نَحن عَلَيْهِ من صومنا فَخرجت حَتَّى أتيت أنس بن مَالك فَوَجَدته قد أَخذ جذيذة كَانَ يَأْخُذهَا قبل أَن يَغْدُو فِي حَاجته ثمَّ غَدا.
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ: ثناه اسحق بن رَاهَوَيْه ثناه وَكِيع عَن مهْدي ابْن مَيْمُون عَن ابْن سِيرِين.
الجذيذة: شربة سويق وَسميت جذيذة لانها تجذ أَي: تكسر وتجش اذا طحنت وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فجعلهم جذاذا إِلَّا كَبِيرا لَهُم} أَي: قتاتا وَنَحْوه: الحطام والرفات وانما قيل لحجارة الذَّهَب: جذاذ لِأَنَّهَا تكسر وتسحن قَالَ الهذالي: من الطَّوِيل ... كَمَا صرفت فَوق الْجذاذ المساحن ...
والمساحن حِجَارَة تدق بهَا حِجَارَة الذَّهَب وَاحِدهَا: مسحنة.
(2/390)

وَيُقَال أَيْضا للسويق: جشيش وللشربة مِنْهُ جشيشة لِأَنَّهَا تجش أَي تكسر وترض. وَقَول الْعَامَّة: دشيشة غلط انما هِيَ: جشيشة لِأَنَّهَا تجش.
وَفِي حَدِيث الساحرة الَّذِي يرويهِ ابْن جريج عَن ابْن ابي مليكَة عَن عَائِشَة: انها قطعت جداول وَقَالَت: أحقل فاذا زرع يَهْتَز فَقَالَت: أفرك فاذا هُوَ قد يبس فَقَالَت: جشي هَذَا واجعليه سويقا واسقيه زَوجك.
وَالَّذِي يُرَاد من الحَدِيث أَن أنسا لما لم ير الْهلَال أصبح مُفطرا وَلم يتلوم على خبر يبلغهُ أَو على الظَّن انه قد رُؤِيَ فَيتم صَوْمه وَهَذَا على مَذْهَب من رأى: ان الصَّوْم لَا يجزىء الاذ بنية قبل الْفجْر وَلَا يجزىء من أصبح على الشَّك يَقُول: ان صَامَ النَّاس صمت وان أفطروا أفطرت.
قَالَ اسحق: روينَا عَن عمر بن عبد العزيز انه أصبح يَوْمئِذٍ فلعق لعقة من عسل ثمَّ شهدُوا عِنْده بِالرُّؤْيَةِ فَقَالَ: من كَانَ
(2/391)

أفطر فلييدله فرأي السّنة ترك التَّلَوُّم.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: أنفجنا أرنبا بمر الظهْرَان فسعى عَلَيْهَا الغلمان حَتَّى لغبوا فأدركتها فَأتيت بهَا أَبَا طَلْحَة فذبحها ثمَّ بِعْت بوركها معي الى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقبلها.
يرويهِ وَكِيع عَن شُعْبَة عَن هِشَام بن زيد.
قَوْله: أنفجنا أرنبا أَي: ذعرناه فعدت وَهَذَا كَمَا يَقُول: أعرق الْفرس تُرِيدُ: أعده لِأَنَّهُ اذا عدا عرق. فتكتفي بِذكر الْعرق من ذكر الْعَدو. وَكَذَلِكَ الأرنب اذا أثيرت انتفجت فَاكْتفى بِذكر الانتفاج من ذكر الْعَدو.
وَقَالَ عبيد الله بن زِيَادَة حَيْثُ بعث رَسُوله ليَأْتِيه بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذكر الْحَوْض: أعرق الْفرس حَتَّى تَأتِينِي بِالْكتاب وَقَالَ المرقش الْأَصْغَر وَذكر فرسا: من الطَّوِيل
(2/392)

.. شهِدت بِهِ فِي غَارة مسبطرة ... يطاعن أولاها فِئَام مصبح
كَمَا انتفجت من الظباء جداية ... أَشمّ اذا ذكرته الشد أفيح ...
مسبطرة: منقادة. وَالْمصْبح: المغار عَلَيْهِ فِي الصُّبْح كَمَا انتفجت جداية يَقُول: نشاط هَذَا الْفرس وحدته كحدة جداية من الظباء اذا ذعر فَعدا. اذا ذكرته الشد أَي: اردته مِنْهُ وَحَمَلته عَلَيْهِ. والشد: الْعَدو. أفيح وَاسع فِي الجري. والجداية: الرشاء. وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا تقدم.
وَأما الحَدِيث الآخر فِي فتنتين: تكون الأولى مِنْهُمَا فِي الْأُخْرَى كنفجة أرنب فانه يُرَاد ان الأولى مِنْهُمَا وان طَالَتْ اَوْ عظمت قَصِيرَة أَو خَفِيفَة عِنْد الثَّانِيَة كنفجة الأرنب اذا ذعرت.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: كَانَ الرجل اذا قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان جد فِينَا.
يرويهِ يزِيد عَن حميد عَن أنس.
قَوْله: جد فِينَا أَي عظم فِي صدورنا وَمِنْه يُقَال: تَعَالَى
(2/393)

جد رَبنَا أَي: عَظمته. وَالْجد فِي غير هَذَا الْحَظ. يُقَال: لهَذَا الرجل جد فِي كَذَا أَي: حَظّ. وَرجل مجدود. وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: رَأَيْت النَّاس فِي امارة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ جمعُوا فِي صردح ينفذهم الْبَصَر وَيسْمعهُمْ الصَّوْت وَرَأَيْت عمر رَضِي الله عَنهُ مشرفا على النَّاس.
يرويهِ عبد الملك بن عُمَيْر بن أنس.
الصردح: الأَرْض الملساء وَجَمعهَا: صرادح وَكَذَلِكَ: الصحصح والصحصحان.
وَقَوله: ينفذهم الْبَصَر قَالَ الاصمعي: يجوزهم الْبَصَر وان كَانَت الرِّوَايَة: ينفذهم بِضَم الْبَاء فانه يُرِيد: يخرقهم حَتَّى يبلغ آخِرهم ويراهم كلهم.
(2/394)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: ان الضَّب ليَمُوت هزلا فِي حجره بذنب ابْن آدم.
يرويهِ عمر بن يُونُس عَن هِلَال بن جهم عَن اسحق بن أبي طَلْحَة عَن أنس.
يُرِيد: ان الله عز جلّ يمسك السَّمَاء فَلَا تمطر بذنب ابْن آدم حَتَّى ينَال ذَلِك أحناش الأَرْض والهوام وانما خص الضَّب من بَين جَمِيع دَوَاب الأَرْض لِأَنَّهُ أبقى شَيْء ذماء وأصبر شَيْء على الْجُوع. ويزعمون انه يبلغ بالنسيم وانه مَعَ هَذَا طَوِيل الْعُمر. وَيُقَال: انه يَأْكُل حسوله وَلذَلِك قيل فِي الْمثل: أعق من ضَب
قَالَ الشَّاعِر: من الوافر ... أكلت بنيك أكل الضَّب حَتَّى ... تركت بنيك لَيْسَ لَهُم عديد ...
وَأما خِدَاش بن زُهَيْر: من الْبَسِيط
(2/395)

.. فان سَمِعْتُمْ بِجَيْش سالك سَرفًا ... أَو بطن مر فأخفوا الجرس واكتتموا
ثمَّ ارْجعُوا فأكبوا فِي بُيُوتكُمْ ... كَمَا أكب على ذِي بَطْنه الْهَرم ...
فان الْهَرم هَاهُنَا الضَّب جعله هرما لطول عمره وَذُو بَطْنه فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل:
يُقَال: انه وَلَده كَأَنَّهُ قَالَ: ارْجعُوا عَن الْحَرْب الَّتِي لَا تستطيعونها الى ذَرَارِيكُمْ.
وَيُقَال: ذُو بَطْنه بعره وانه اذا شتا وَلم يجد شَيْئا أكل بعره.
وَيُقَال: ذُو بَطْنه قيئه وانه يقيء ثمَّ يرجع فيأكله كَمَا يفعل الْكَلْب والسنور.
وروى فِي حَدِيث آخر: ان الْحُبَارَى لتَمُوت هزلا بذنب ابْن آدم. وانما خصت الْحُبَارَى من بَين الطير لِأَنَّهَا أبعدها نجعة بَلغنِي أَنَّهَا تذبح بِالْبَصْرَةِ فتوجد فِي حواصلها الْحبَّة الخضراء صحاحا وَبَين الْبَصْرَة وَبَين منابت البطم مسيرَة أَيَّام
(2/396)

وَأَيَّام.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يُقيم بِمَكَّة فاذا حمم رَأسه خرج فَاعْتَمَرَ.
يرويهِ سُفْيَان عَن ابْن أبي حُسَيْن عَن بعض ولد أنس.
قَوْله: حمم راسه اي: نبت بعد الْحلق. وَذَلِكَ حِين يسود يُقَال: قد حمم الفرخ اذا اسود جلده من الريش. وَكَذَلِكَ تحميم الرَّأْس وَهُوَ أَن يسود من قبل أَن يطول الشّعْر وَيُقَال: حمم وَجه الْغُلَام قَالَ كثير: من الطَّوِيل ... وهم بَنَاتِي ان يبن وحممت ... وُجُوه رجال من بني الأصاغر ...
وَمعنى الحَدِيث انه كَانَ لَا يُؤَخر الْعمرَة الى الْمحرم وَلكنه يخرج الى التَّنْعِيم أَو الى الْجِعِرَّانَة أَو الى مِيقَاته. وَلَيْسَ
(2/397)

على من أهل بِعُمْرَة الى الْحَج أَن يخرج من مَكَّة اذا أَرَادَ أَن يهل بِالْحَجِّ وَلكنه يهل فِيهَا من حَيْثُ شاءه.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ انه كَانَ شفرة أَصْحَابه فِي غزَاة.
يرويهِ يحيى بن آدم عَن الْحسن بن صَالح عَن خَالِد بن الفزر عَن أنس.
شفرة أَصْحَابه يَعْنِي: خادمهم. وَيُقَال: شفرة الْقَوْم أَصْغَرهم يُرَاد اولاهم بخدمتهم أَصْغَرهم.
نجز وَالْحَمْد لله وَحده.
(2/398)

- حَدِيث الْبَراء بن مَالك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الْبَراء بن مَالك رَضِي الله عَنهُ انه قَامَ يَوْم الْيَمَامَة لخَالِد بن الْوَلِيد أَو غَيره: طدني اليك. وَكَانَت تصيبه عرواء مثل النفضة حَتَّى يقطر.
قَوْله: طدني اليك أَي: ضمني اليك من قَوْلك: وطد يطد والمثبت والموطد وَاحِد.
وَكَانَ حَمَّاد بن سَلمَة يرْوى: اللَّهُمَّ أشدد وطدتك على مُضر. وَغَيره يَقُول: وطأتك. وَقَالَ الْقطَامِي: من الْبَسِيط ... وَمَا تقضت بوافي دينهَا الطادي ...
قَالَ الْأَصْمَعِي: الطادي صفة الدّين. وَالْأَصْل: واطد
(2/399)

وَلَكِن هَذَا من المقلوب وَهُوَ شَاذ.
والعرواء: الرعدة هَاهُنَا وَأَصله فِي الْحمى حِين تَأْخُذهُ بقرة. يُقَال: عري الرجل فَهُوَ معرو فاذا عرق فَهِيَ الرحضاء.
نجز وَالْحَمْد لله.
(2/400)

- حَدِيث الْبَراء بن عَازِب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله عَنهُ انه سُئِلَ عَن يَوْم حنين فَقَالَ: انْطلق جفَاء من النَّاس وحسر الى هَذَا الْحَيّ من هوَازن وَهُوَ قوم رُمَاة فَرَمَوْهُمْ برشق من نبل كَأَنَّهَا رجل جَراد فانكشفوا.
يرويهِ أَبُو أُسَامَة عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي اسحق عَن الْبَراء. الْجفَاء هَاهُنَا سرعَان النَّاس شبههم بجفاء السَّيْل من قَول الله جلّ وَعز: {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} وَهُوَ مَا جفأه.
(2/401)

السَّيْل فَرمى بِهِ. وَأَصله الْهَمْز تَقول: جفأته جفأ أَي دَفعته.
وروى أَبُو عُبَيْدَة عَن أبي عَمْرو انه قَالَ: يُقَال أجفأت الْقدر بزبدها اذا غلت فعلاها الزّبد.
والحسر: جمع حاسر وَهُوَ الَّذِي لَا جنَّة عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ يُرِيد: الرحالة وَقد تقدم ذكر هَذَا فِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(2/402)

- حَدِيث مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لرجل: كم عطاؤك قَالَ: أَلفَانِ وَخمْس مائَة فَقَالَ: مَا بَال العلاة بَين الفودين فَقَالَ: أَمُوت الْآن فَيكون لَك العلاة والفودان فرق لَهُ وَترك لَهُ عطاءه على حَاله.
الفودان: العدلان كل وَاحِد مِنْهُمَا فود وَيُقَال لجانبي الرَّأْس: فودان كل شقّ فود.
والعلاوة: مَا زيد على الْحمل وَوضع فَوْقه. أَرَادَ: مَا بَال خمس مائَة زَائِدَة على أَلفَيْنِ. وَأَرَادَ أَن يحطه اياها.
وَبَلغنِي ان هَذَا الرجل هُوَ لبيد بن ربيعَة الشَّاعِر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ انه
(2/403)

قَالَ: أَي النَّاس أفْصح فَقَامَ رجل فَقَالَ: قوم ارتفعوا عَن فراتية الْعرَاق ويروى: لخلخانية الْعرَاق وتياسروا عَن كسكسة بكر وتيامنوا عَن كشكشة تَمِيم لَيست فيهم غمغمة قضاعة وَلَا طمطمانية حمير. قَالَ: من هم قَالَ: قَوْمك قُرَيْش. قَالَ: مِمَّن أَنْت قَالَ: من جرم.
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة.
اللخلخانية: العجمة. يُقَال: رجل لخلخاني وَامْرَأَة لخلخانية. وَأَرَادَ النبطية هَاهُنَا والخوزية.
والكشكشة فِي تَمِيم وَهُوَ ابدالها الشين من الْكَاف كَقَوْل أَعْرَابِي مِنْهُم: من الرجز ... تضحك مني ان رأتني أحترش ...
(2/404)

.. وَلَو حرشت لكشفت عَن حرش ...
أَرَادَ: حرك. يُقَال: فلَان يكشكش الْكَلَام وَفِي تَمِيم أَيْضا: العنعنة وَهِي ابدالهم الْعين من الْهمزَة فِي: أَن يَقُولُونَ: ظَنَنْت عَنْك ذَاهِب يُرِيدُونَ: ظَنَنْت أَنَّك.
وَفِي حَدِيث قيلة: تحسب عني نَائِمَة. أَي: تحسب أَنِّي. وينشد بَعضهم: من الْبَسِيط ... أعن ترسمت من خرقاء منزلَة ... مَاء الصبابة فِي عَيْنَيْك مسجوم ...
يُرِيد: أأن
والكسكسة: ابدال السِّين من الْكَاف. وَبَلغنِي عَن الْكسَائي فِي ذَلِك حِكَايَة لست أحفظها. وَقَالَ الْفراء: يَقُولُونَ: أبوس وأمس يُرِيدُونَ: ابوك وأمك فِي مُخَاطبَة الْمُؤَنَّث.
والغمغمة كَلَام غير بَين وَهُوَ التغمغم أَيْضا وَكَأن
(2/405)

فِي الغمغمة حِكَايَة اللَّفْظ قَالَ العجاج: من الرجز ... كَأَنَّهُمْ من فائظ مجرجم ... أراح بعد الْغم والتغمغم ...
أراح: أَي: مَاتَ. وَقَالَ الْمسيب بن علس: من الْكَامِل ... كغماغم الثيران بَينهم ... ضرب تغمص دونه الحدق ...
وغماغمها أصوات لَا تفهم والطمطمانية والطمطمانة للعجم يُقَال: طمطم بِالْفَارِسِيَّةِ شبه بِهِ كَلَام حمير لِكَثْرَة مَا فِيهِ من الْأَلْفَاظ الْمُنكرَة عِنْد الْعَرَب مثل ابدالهم الْمِيم من لَام الْمعرفَة كَقَوْل أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ: طَابَ أم ضرب يُرِيد الضَّرْب.
وَيُقَال: للعجم طماطم كَمَا قَالَ كثير يصف خيلا: من الطَّوِيل ... ومقربة دهم وكمت كَأَنَّهَا ... طماطم يُوفونَ الوفور هنادك ...
(2/406)

أَرَادَ: هندا فَزَاد كافا. وَقَالُوا: سيوف هندكية. يُرِيدُونَ: هندية.
وَأما العجرفية: فانها تكون فِي أَعْرَاب قيس واليمن وَهِي جفَاء فِي الْقِرَاءَة وَالْكَلَام. وَقَالَ الهمذاني: جَلَست الى فتية من قُرَيْش أتعلم الْقُرْآن وَفِي عجرفية أهل الْيمن فَجعلُوا يَضْحَكُونَ.
والعجرفية فِي السّير أَيْضا جفَاء وخرق. وَقَالَ أُميَّة بن أبي عَائِذ الْهُذلِيّ: من المتقارب ... وَمن سَيرهَا الْعُنُق المسبطر ... والعجرفية بعد الكلال ...
قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي حِين حدث بِهَذَا الحَدِيث وجرم من فصحاء النَّاس فَقلت لَهُ: فَكيف وهم من أهل الْيمن فَقَالَ: بجوارهم مُضر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لقوم
(2/407)

قدمُوا عَلَيْهِ: كلوا من فحى أَرْضنَا فقلما أكل قوم من فحاء أَرض فضره مَاؤُهَا.
يرويهِ يُونُس بن اسحق عَن أبي السّفر عَن عبد الرحمن بن أبي ثَوْر.
الفحا مَقْصُور وَجَمعهَا: أفحاء وَهِي التوابل الَّتِي تلقى فِي الْقدر نَحْو: الثوم والبصل وَأَشْبَاه ذَلِك. يُقَال: فحيت الْقدر اذا بزرتها.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان ابْن الزبير قَالَ لَهُ: انا لَا نَدع مَرْوَان يَرْمِي جَمَاهِير قُرَيْش بمشقصة ويضر صفاتها بمعوله وَلَوْلَا مَكَانك لَكَانَ أخف على رقابنا من فراشة واذل فِي أَنْفُسنَا من خشاشة وأيم الله لَئِن ملك أَعِنَّة خيل تنقاد لَهُ ليركبن مِنْك طبقًا تخافه.
وَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا معشر قُرَيْش مَا أَرَاكُم منتهين حَتَّى يبْعَث الله عَلَيْكُم من لَا تعطفه قرَابَة وَلَا يذكر رحما يسومكم خسفا
(2/408)

ويوردكم تلفاص فَقَالَ ابْن الزبير: اذن وَالله نطلق عقال الْحَرْب بكتائب تموركرجل الْجَرَاد حافتيها الأسل لَهَا دوِي كَدَوِيِّ الرّيح تتبع غطريفا من قُرَيْش لم تكن أمه براعية ثلة. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أَنا ابْن هِنْد أطلقت عقال الْحَرْب المكرم ذرْوَة السنام وشربت عنفوان المكرم اذ لَيْسَ للآكل الا الفلذة وَلَا للشارب الا الرنق أَو الطّرق.
جَمَاهِير قُرَيْش جماعاتها ومعاظمها يُقَال: جمهرت الشَّيْء أَي: جمعته.
والمشاقص السِّهَام وَاحِدهَا مشقص. وَفِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان رجلا اطلع عَلَيْهِ فسدد اليه مشقصا فَرجع.
والمشقص أَيْضا: نصل من نصال السِّهَام فِيهِ طول فان كَانَ عريضا فَهُوَ معبلة وَمِنْه الحَدِيث: ان الطُّفَيْل ابْن عَمْرو الدوسي هَاجر الى الْمَدِينَة وَهَاجَر مَعَه رجل من قومه فاجتووا الْمَدِينَة فَمَرض فجزع فَأخذ مشاقص لَهُ فَقطع بِهِ براجمه فشخبت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ.
(2/409)

قَالَ أَبُو زيد: يُقَال اجتويت الأَرْض اذا كرهت الْمقَام بهَا وان كنت فِي عَافِيَة وان لم توافقك فِي بدنك قلت: استوبلتها.
والبراجم رُؤُوس السلاميات من ظهر الْكَفّ اذا قبض الْقَابِض كَفه نشزت وَارْتَفَعت والرواجب: بطُون السلاميات والصفاة: الصَّخْرَة. وَجَمعهَا: صفا وصفي جمع الْجمع.
والفراشة: وَاحِدَة الْفراش الَّذِي يتهافت فِي النَّار وَبِه يضْرب الْمثل فِي الخفة والطيش فَيُقَال: مَا هم الا فرَاش نَار وذبان طمع.
والخشاشة: وَاحِدَة الخشاش وَهِي الْهَوَام وَمِنْه الحَدِيث: فِي امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة ربطتها فمل تطعمها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض.
وَقَوله: ليركبن مِنْك طبقًا. والطبق فقار الظّهْر وكل فقرة طبقَة وَهَذَا نَحْو قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فِي عُثْمَان:
(2/410)

المركوبة مِنْهُ الْفقر الْأَرْبَع وَالْمعْنَى: ليركبن مِنْك أمرا أَو حَالا.
وَقَوله: يسومكم خسفا وأصل الْخَسْف ان تحبس الدَّابَّة على غير علف ثمَّ يستعار فَيُوضَع فِي مَوضِع التذليل والهوان وَأَشْبَاه ذَلِك. وَقَالَ الْأَصْمَعِي رَحمَه الله: الْخَسْف النُّقْصَان. وَفِي خطْبَة عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل عَامله على الأنبار: من ترك الْجِهَاد ألبسهُ الله الذلة وسيم الْخَسْف وديث بالصغار.
والتدييث: كالتذليل وَقَوله: تمور أَي تجىء وَتذهب. وَقَالَ عِكْرِمَة لما نفخ فِي آدم عَلَيْهِ السَّلَام: الرّوح مار فِي رَأسه فعطس أَي: دَار. وَرجل الْجَرَاد: الْقطعَة. وَمِنْه يُقَال: مر بِنَا رجل من جَراد. وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه.
وَقَوله: لم تكن أمه براعية ثلة والثلة: الضَّأْن الْكثير وَلَا تكون من الْمعز وَقد تقدم ذكر ذَلِك.
(2/411)

فاذا ضممت الثَّاء فَقلت: الثلَّة فَهِيَ الْجَمَاعَة من النَّاس. قَالَ الله جلّ وَعز: {ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين} . وَكَانَ رعي الْغنم عِنْدهم فِي النِّسَاء عَيْبا يعير بعضم بَعْضًا بِهِ. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... اذا الْمَرْء صدت أمه وتقبلت ... فَلَيْسَ حَقِيقا أَن يَقُول الهواجرا ...
يَقُول: من كَانَت امهِ راعية تصر وتحلب فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يشْتم النَّاس ويعيرهم. وَقَالَ الآخر: من الطَّوِيل ... كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تنكحونها ... بني شَاب قرناها تصر وتحلب ...
أَرَادَ: بنى الَّتِي شَاب قرناها وَهِي تصر وتحلب.
وذروة السنام والجبل كل شَيْء أَعْلَاهُ. وَفِي الحَدِيث: على ذرْوَة كل بعير شَيْطَان.
وَكَانَ جرير بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ يتفل فِي ذرْوَة الْبَعِير لطوله.
وعنفوان المكرع: أول المَاء وَأَرَادَ: انه عز فَشرب أول المَاء وَشرب غَيره الرنق وَهُوَ الكدر يَعْنِي: آخر المَاء.
(2/412)

وَأكل أَعلَى السنام وَأكل غَيره الفلذة وَهِي الكبد وَهَذَا مثل.
والطرق من المَاء الَّذِي خاضته الابل فكدرته وبالت فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ أَن الشّعبِيّ وَصفه فَقَالَ: كَانَ كَالْجمَلِ الطِّبّ يَأْمر بِالْأَمر فان سكت عَنهُ أقدم وان رد عَنهُ تَأَخّر.
يرويهِ أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن أبي حَمْزَة الثمالِي عَن الشّعبِيّ.
الطِّبّ: الحاذق يُقَال: فلَان طب بِكَذَا وَطيب بِهِ اذا كَانَ حاذقا. والطب من الابل: الحاذق مَشْيه وحذقه: أَلا يضع خفه الا حَيْثُ يبصر.
وَقد رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة نَحْو هَذَا. قَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ: قد أعياني أَن أعلم: أجبان أَنْت أم شُجَاع فَقَالَ: من الطَّوِيل ... شُجَاع اذا مَا أمكنني فرْصَة ... والا تكن لي فرْصَة فجبان ...
وَقَالَ أَيْضا: لَا أَضَع سَيفي حَيْثُ يَكْفِينِي سَوْطِي وَلَا أَضَع سَوْطِي حَيْثُ يَكْفِينِي لساني ولوأن بيني وَبَين النَّاس شَعْرَة مَا انْقَطَعت. قيل: وَكَيف ذَلِك قَالَ: كنت اذا مدوها خليتها واذا خلوها
(2/413)

مددتها. وَهَذَا شَبيه بِالْحَدِيثِ الأول.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان مازح الْأَحْنَف بن قيس مرّة فَمَا رئي مازحان أوقر مِنْهُمَا. قَالَ لَهُ يَا أحنف: ماالشيء الملفف فِي البجاد فَقَالَ: هُوَ السخينة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي.
قَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ مُعَاوِيَة قَول الشَّاعِر: من الوافر ... اذا مامات ميت من تَمِيم ... فسرك أَن يعِيش فجىء بزاد
بِخبْز اَوْ بِتَمْر أَو بِسمن ... أَو الشىء الملقف فِي البجاد ...
قَالَ: والشي الملفف فِي البجاد وَهُوَ: وطب اللَّبن والبجاد: كسَاء يلف فِيهِ الوطب ليدرك اللَّبن.
وَأَرَادَ بقوله: هُوَ السخينة ان قُريْشًا كَانُوا
(2/414)

يعيرون بِأَكْل السخينة. وَهِي شَيْء يعْمل من دَقِيق وَسمن أغْلظ من الحساء وأرق من العصيدة. وانما تُؤْكَل فِي شدَّة الدَّهْر وَغَلَاء السّعر وعجف المَال.
وَفِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: انه دخل على عَمه حَمْزَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ فصنعت لَهُ سخينة فَأَكَلُوا مِنْهَا. وَسموا قُريْشًا سخينة تعييرا لَهُم بهَا. قَالَ خِدَاش بن زُهَيْر: من الْبَسِيط ... يَا شدَّة مَا شددنا غير كَاذِبَة ... على سخينة لَوْلَا اللَّيْل وَالْحرم ...
يَعْنِي: على قُرَيْش. وَقَالَ كَعْب: من الْكَامِل ... زعمت سخينة أَن ستغلب رَبهَا ... وليغلبن مغالب الغلاب ...
وَأما حَدِيثه الآخر ان عتْبَان بن مَالك حَبسه على خزيرة تصنع لَهُ. فان الخزيرة لحم يقطع صغَارًا وَيصب.
(2/415)

عَلَيْهِ مَاء كثير فاذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق فاذا لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة. واللفيتة: العصيدة الْمُغَلَّظَة.
وَفِي حَدِيث آخر يرويهِ مُحَمَّد عَن أنس انه كَانَ عِنْد أم سليم شعير فجشته فَجعلت للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطيفة وأرسلتني أَدْعُوهُ.
والخطيفة لبن يوضع على النَّار ثمَّ يذر عَلَيْهِ دَقِيق ثمَّ يطْبخ فيلعقه النَّاس. وَأَحْسبهُ سمي خطيفة لاختطاف النَّاس اياه بالملاعق والاختطاف كالاستلاب. وَمِنْه قيل لما تخرج بِهِ الدَّلْو من الْبِئْر: خطَّاف لِأَنَّهُ يخطف مَا علق بِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان رجلا قَالَ: خَاصَمت اليه فِي ابْن أخي فَجعلت أحج خصمي فَقَالَ: لست كَمَا قَالَ الشَّاعِر: من الْبَسِيط
(2/416)

.. أَنِّي أتيح لَهُ حرباء تنضبة ... لَا يُرْسل السَّاق الا ممسكا ساقا ...
رَوَاهُ الرياشي عَن عَبَّاس الْأَزْرَق عَن السّري بن يحيى عَن قَتَادَة. قَالَ الرياشي: وَذَلِكَ ان الحرباء يسْتَقلّ على نصف الشَّجَرَة ثمَّ يرتقي على أَغْصَانهَا اذا حميت الهاجرة فَيقبض على الْغُصْن بكفه ثمَّ يرتقى الى غُصْن أَعلَى مِنْهُ فَلَا يُرْسل الأول حَتَّى يقبض على الآخر وَهَذَا مثل يضْرب للرجل لَا يفرغ من حَاجَة حَتَّى يسْأَل أُخْرَى.
واراد مُعَاوِيَة ان هَذَا لَا تَنْقَضِي لَهُ حجَّة حَتَّى يتَعَلَّق بِأُخْرَى.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ كَيفَ ابْن زِيَاد قَالُوا: ظريف على أَنه يلحن فَقَالَ: أَو لَيْسَ ذَلِك أظرف لَهُ.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر
(2/417)

قَوْلهم: يلحن. أَرَادوا: اللّحن الَّذِي هُوَ الْخَطَأ. وَذهب مُعَاوِيَة الى اللّحن الَّذِي هُوَ الفطنة. وَالْأول بِسُكُون الْحَاء وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا. يُقَال: رجل لحن اذاكان فطنا وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَعَلَّ أحدكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض الآخر. وَقَول الله تَعَالَى: {ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل} أَي: فِي قَصده وَنَحْوه. وَقَالَ ابْن أَحْمَر: من الطَّوِيل ... وتعرف فِي عنوانها بعض لحنها ... وَفِي جوفها صمعاء تبلى النواصيا ...
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي وَأبي زيد: انهما قَالَا:
(2/418)

واللحن اللُّغَة من قَول ذِي الرمة: من الْبَسِيط ... فِي لحنه عَن لُغَات الْعَرَب تعجيم ...
وَقد تقدم ذكر ذَلِك. وَأما قَول الآخر فِي جَارِيَة لَهُ: من الْخَفِيف ... منطق عَاقل وتلحن أَحْيَانًا ... وَأحلى الحَدِيث مَا كَانَ لحنا ...
فانه أَرَادَ اللّحن الَّذِي هُوَ الْخَطَأ كَأَنَّهُ استملحه من الْمَرْأَة واستثقل مِنْهَا الاعراب وَكَانَ بَعضهم يذهب فِي قَول مُعَاوِيَة فِي عبد الله بن زِيَادَة هَذَا الْمَذْهَب وَلَا أرَاهُ كَذَلِك.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان سهم ابْن غَالب كَانَ من رُؤُوس الْخَوَارِج فَخرج أَيَّام عبد الله بن
(2/419)

عَامر بِالْبَصْرَةِ عِنْد الجسر فآمنه عبد الله بن عَامر فَكتب اليه مُعَاوِيَة: لَو كنت قتلته كَانَت ذمَّة خاشفت فِيهَا. فَلَمَّا قدم زِيَاد صلبه على بَاب دَاره.
بَلغنِي عَن أبي الْيَقظَان سحيم بن قادم. قَوْله: ذمَّة خاشفت فِيهَا أَي: أسرعت الى نقضهَا. يُرِيد: انه لم يكن فِي قَتلك لَهُ الا أَن يُقَال: أَخْفَر ذمَّته حسب وَيُقَال: خاشف فلَان الى كَذَا اذا أسْرع وَرجل مخشف ومخاشف قَالَ الفرزدق يذكر كلابا: من الطَّوِيل ... وضارية مَا مر الا اقتسمته ... عَلَيْهِنَّ خَواص الى الظنىء مخشف ...
والضارية: الْكلاب. والطنىء: الرِّيبَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ انه قدم مَكَّة فَذكر ابْنه يزِيد وعقله وسخاءه وفضله. فَقَالَ ابْن الزبير: أما انك قد تركت من هُوَ خير مِنْهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَة: كَأَنَّك أردْت نَفسك يَا أَبَا بكر. قَالَ: وان أردتها فَمه. قَالَ مُعَاوِيَة: ان بَيته بِمَكَّة فَوق بَيْتك. قَالَ ابْن الزبير ان الله جلّ وَعز اخْتَار أبي وَاخْتَارَ النَّاس أَبَاهُ. فَالله الْفَصْل بيني وَبَينه.
قَالَ مُعَاوِيَة: هَيْهَات منتك نَفسك مَا لَيْسَ لَك وتطاولت الى
(2/420)

مَا لَا تناله ان الله اخْتَار عمي لدينِهِ وَاخْتَارَ النَّاس أبي لدنياهم. فَدَعَا عمي أَبَاك فَأَجَابَهُ ودعا أبي عمك فَاتبعهُ فَأَيْنَ تجدك الا معي. قَالَ ابْن الزبير: ذَلِك لَو كنت من بني هَاشم. قَالَ مُعَاوِيَة: دع هاشما فانها تَفْخَر عَليّ بأنفسها وأفخر عَلَيْك بهَا وَأَنا أحب اليها مِنْك وَأحب اليك مِنْهَا وَهِي أحب الي مِنْك. قَالَ ابْن الزبير: ان الله جلّ وَعز رفع بالاسلام بَيْتا وخفض بِهِ بَيْتا فَكَانَ بَيْتِي مِمَّا رفع الله بالاسلام. قَالَ مُعَاوِيَة: أجل وَبَيت حَاطِب بن أبي بلتعة مِمَّا رفع الله.
يرويهِ نقلة الْأَخْبَار.
احتجنا لتفسير هَذَا الحَدِيث أَن نذْكر نسب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنسب مُعَاوِيَة وَنسب عبد الله بن الزبير ليَصِح مَا أَرَادَ مُعَاوِيَة.
أما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ: مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب.
وَأما مُعَاوِيَة فَهُوَ: ابْن صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن
(2/421)

عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب.
وَأما عبد الله فَهُوَ: ابْن الزبير بن العوم بن خويلد بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب.
فَقَوْل ابْن الزبير: ان الله اخْتَار أبي. يُرِيد: ان أَبَاهُ من الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ وَأَنه حوارِي النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأحد السِّتَّة الَّذين جعلت الشورى فيهم.
وَقَوله: اخْتَار النَّاس أَبَاهُ يَعْنِي: ان النَّاس اخْتَارُوا مُعَاوِيَة فولوه ففضل الزبير على مُعَاوِيَة بِأَن الزبير خَيره الله وان مُعَاوِيَة خَيره النَّاس.
وَأما قَول مُعَاوِيَة: ان الله جلّ وَعز اخْتَار عمي لدينِهِ. فانه يُرِيد: ان النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ولد هَاشم بن عبد منَاف وَابْنه من ولد عبد شمس بن عبد منَاف فهاشم عَمه. وَاخْتِيَار الله هاشما لدينِهِ هُوَ بِأَن جعل النُّبُوَّة فِي وَلَده.
وَقَوله: وَاخْتَارَ النَّاس أبي لدنياهم. يُرِيد: ان الْخلَافَة صَارَت لبني أُميَّة وامية جده.
وَقَوله: فَدَعَا عمي اباك فَأَجَابَهُ. يُرِيد: ان النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ولد هَاشم بن عبد منَاف عَم مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَخُو عبد شمس بن
(2/422)

عبد منَاف وَعبد شمس أَبُو مُعَاوِيَة دَعَا يَعْنِي: هاشما عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب. وَهُوَ أَبُو عبد الله بن الزبير فَأَجَابَهُ.
وَقَوله: دَعَا أبي عمك فَاتبعهُ. يُرِيد: ان النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ولد عبد منَاف وَعبد منَاف يجمع النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمُعَاوِيَة فِي الْأُبُوَّة دَعَا عبد الدار بن قصي وَهُوَ أَخُو عبد الْعُزَّى بن قصي وعبد العزى أَبُو عبد الله بن الزبير. وانما يُرِيد: أَوْلَاد هَؤُلَاءِ الَّذين ذكر وَبَين أَنه أقرب الى النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأمس بِهِ من ابْن الزبير وَلذَلِك قَالَ: اني أَفْخَر عَلَيْك بهاشم.
وَقَوله: وَأَنا أحب اليها مِنْك. يُرِيد: انه أقرب اليها فَهُوَ أحب اليها وَهِي أحب الي مِنْك اذ كَانَت أَيْضا اقْربْ اليه.
وَأما قَوْله: وَبَيت حَاطِب بن أبي بلتعة مِمَّا رفع الله فان حَاطِبًا كَانَ من الأزد من حَيّ يُقَال لَهُم: النمر مكَاتبا لعبيد الله بن حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن الْأسود بن الْمطلب بن
(2/423)

أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي فَأدى الْمُكَاتبَة وَقتل عبيد الله كَافِرًا فِي بعض الْمَغَازِي فَأَرَادَ مُعَاوِيَة: انك ان كنت تفتخر بِرَفْع الاسلام اياك فان الاسلام قد رفع أَيْضا حَاطِبًا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان أَبَا بردة قَالَ: دخلت عَلَيْهِ حِين أَصَابَته قُرْحَته فَقَالَ: هَلُمَّ يَا بن أخي فَانْظُر فتحولت فاذا هِيَ قد ثبرت فَقلت: لَيْسَ عَلَيْك بَأْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن سُفْيَان عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن أبي بردة.
قَوْله: ثبرت أَي: انفتحت. والثبرة: النقرة فِي الشَّيْء والهزمة. وَمِنْه قيل للنقرة فِي الْجَبَل يكون فِيهَا مَاء الْمَطَر: ثبرة. قَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر خمرًا: من المتقارب
(2/424)

فشج بِهِ ثبرات الرصاف ... حَتَّى تزيل رنق الْمدر ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ ان رجلا قَالَ لَهُ: أَتَذكر الْفِيل قَالَ: أذكر خذقه. يَعْنِي: روثه. يُقَال: خذق وذرق وزرق بِمَعْنى.
وَقَالَ أَبُو الْحُوَيْرِث: سَمِعت عبد الملك بن مَرْوَان يَقُول
(2/425)

لقباث بن أَشْيَم الْكِنَانِي: يَا قباث: أَأَنْت أكبر أم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَقَالَ: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكبر مني وَأَنا أسن مِنْهُ. ولد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفِيل ووقفت بِي أمتِي على رَوْث الْفِيل محيلا أعقله.
محيلا: أَتَى عَلَيْهِ حول.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ انه قيل لَهُ: أخبرنَا عَن نَفسك فِي قُرَيْش فَقَالَ: أَنا ابْن بعثطها وَالله مَا سوبقت الا سبقت وَلَا خضت بِرَجُل غمرة قطّ الا قطعتها عرضا. ذكره أَبُو الْيَقظَان.
قَالَ الْأَصْمَعِي: البعثط: سرة الْوَادي. يُرِيد: أَنه
(2/426)

وَاسِطَة قُرَيْش وَمن سرة البطاح.
وَقَوله: وَلَا خضت بِرَجُل غمرة الا قطعتها عرضا مثل ضربه لقُوَّة رَأْيه. وَمن خَاضَ الغمار فقطعها عرضا لَيْسَ كمن ضعف عَن ذَلِك فَاتبع الجرية حَتَّى يخرج بالبعد من الْموضع الَّذِي دخل فِيهِ. وَيُقَال: ان الْأسد يَخُوض الغمار عرضا لقُوته.
آخر الْجُزْء السَّادِس وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على رَسُوله سيدنَا الْمُصْطَفى مُحَمَّد النبى وَآله وَسلم تَسْلِيمًا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
(2/427)

فرغ من نسخه لنَفسِهِ عبد الْغَنِيّ بن عبد الْوَاحِد بن عَليّ الْمَقْدِسِي عَفا الله عَنهُ وَأصْلح حَاله وَختم بِالْحُسْنَى أَعماله وَهُوَ يصلى على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَيسْأل الله سُبْحَانَهُ الْعَفو عَن ذنُوبه والتجاوز عَن سيئاته وان يَنْفَعهُ بِمَا علمه وَلَا يَجعله وبالا عَلَيْهِ انه سميع الدُّعَاء مُجيب النداء.
وَذَلِكَ بفسطاط مصر حرسه الله فِي الْعشْر الاول من شهر ربيع الأول من سنة احدى وَسبعين وخمسماية
(2/428)

- حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الْمُغيرَة انه خرج مَعَ سَبْعَة نفر من بني مَالك الى مصر فَعدا علهم فَقَتلهُمْ جَمِيعًا وهم نيام وَاسْتَاقَ العير وَلحق برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجتمعت الأحلاف الى عُرْوَة بن مَسْعُود فَقَالُوا: مَا ظَنك بِأبي عُمَيْر سيد بني مَالك قَالَ: ظَنِّي وَالله انكم لَا تتفرقون حَتَّى ترو يخلج أَو يحلج قومه كَأَنَّهُ أمة مخربة وَلَا يَنْتَهِي حَتَّى يبلغ مَا يُرِيد أَو ويرضي من رِجَاله فَمَا تفَرقُوا حَتَّى نظرُوا اليه قد تكْتب يزف فِي قومه.
يرويهِ مُحَمَّد بن اسحق عَن عَامر بن وهب وعبد الله بن مطرق.
قَوْله: يخلج فِي قومه أصل الخلج الجذب. يُقَال: خلجه خلجا اذا جذبه.
وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ليردن عَليّ الْحَوْض أَقوام ثمَّ ليختلجن دوني أَي: ليجتذبون ويقطعون عني. وَمِنْه قيل للحبل خليج لِأَنَّهُ يجذب مَا شدّ بِهِ أَو لِأَنَّهُ يجذب اذا فتل وَأَرَادَ انه يمشي فِي قومه يجمعهُمْ.
(2/429)

ويذمرهم فَهُوَ لاسراعه يُحَرك يَدَيْهِ وأعضاءه.
وَمِنْه قَول الْحسن لرجل رَآهُ يمشي مشْيَة أنكرها فَقَالَ: تخلج فِي مشيته خلجان الْمَجْنُون لله فِي كل غضو مِنْهُ نقمة وللشيطان لعبة.
يُقَال: خلج بِعَيْنِه اذا غمز بهَا وخلجت عينه اذا تحركت والخلج أَن تَشْتَكِي مفاصل الرجل وأعضاؤه من عمل عمله أَو من كَثْرَة مشي وتعب. وان كَانَ الْمَحْفُوظ يحلج فانه أَيْضا من الاسراع. قَالَ العجاج: من الرجز ... تواضخ التَّقْرِيب قلوا محلجا ...
والمخربة: المثقوبة الْأذن. والخربة الثقبة وَالْجمع خرب. قَالَ ذُو الرمة وَذكر ظليما: من الْبَسِيط ... كَأَنَّهُ حبشِي يَبْتَغِي أثرا ... أَو من معاشر فِي آذانها الخرب ...
يَقُول: قد تطأطأ يرْعَى فَكَأَنَّهُ حبشِي يطْلب أثرا فِي الأَرْض أَو سندي فِي أُذُنه خربة.
يَقُول: رجل أخرب اذا كَانَ فِي أُذُنه ثقب فاذا انخرم فَهُوَ أخرم وانما شبهه بِأمة سندية لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الأدمة.
(2/430)

وَقَوله: تكْتب أَي: تحزم وَجمع عَلَيْهِ ثِيَابه. وَمِنْه قيل: كتبت الْكتاب أَي: جمعت حُرُوفه.
وَقَوْلهمْ: كَتِيبَة لاجتماعها.
وَقَوله: يزف أَي: يسْرع كَمَا يزف الظليم. قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون} .
(2/431)

- حَدِيث النُّعْمَان بن مقرن
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النُّعْمَان بن مقرن انه قَامَ خَطِيبًا فِي غَزْوَة نهاوند فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس ان هَذِه الْأَعَاجِم قد أخطروا وأخطرتم لَهُم اخطارا أخطروا رثَّة وأخطرتم لَهُم الاسلام أَلا وأنكم بَاب بَين الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين ان كسر ذَلِك الْبَاب دخل عَلَيْهِم مِنْهُ أَلا واني هاز لكم الرَّايَة فاذا هززتها فليثب الرِّجَال الى أكمة خيولها فيقرطوها أعنتها أَلا واني هاز لكم الرَّايَة الثَّانِيَة فليثب الرِّجَال فتشدهما بنهما على أحقائها.
ثمَّ ذكر أَن النُّعْمَان طعن برايته رجلا ثمَّ رفع رايته مختضبة دَمًا كَأَنَّهَا جنَاح عِقَاب كاسر.
قَالَ: وجمعت الرَّايَات كَأَنَّهَا الاكام - بعد قتل النُّعْمَان - الى السَّائِب.
يرويهِ سُفْيَان عَن أبي بكر الْهُذلِيّ.
قَوْله أخطروا وأخطرتم هُوَ من الْخطر وَذَلِكَ أَن
(2/432)

يراهن الرّجلَانِ فَيكون مَا وضعاه على يَدي الْعدْل خطرا فَأَيّهمَا فَازَ أَخذه ز
يُقَال: أخطرلي فلَان وأخطرت لَهُ. وَالنَّدْب ايضا الْخطر.
قَالَ عُرْوَة بن الْورْد: من الطَّوِيل ... أيهلك معتم وَزيد وَلم أقِم ... على ندب يَوْمًا ولي نفس مخطر ...
يُرِيد أَن خطركم الأسلام وخطرهم الرثاث وَاحِدهَا رثَّة وَهِي الْأَمْتِعَة الردئية من الْغَنَائِم. وَكَذَلِكَ الرثة من النا س هم خشارتهم وضعفاؤهم. وَأرَاهُ من الرثاثة مأخوذا. وَمِنْه قَول سِيرِين: كاتبني أنس بن مَالك على عشْرين ألفا وَكنت فِي مفتح تستر فاشتريت رثَّة فربحت فِيهَا.
وَقَوله فيقرطوها أعنتها أَي: يجْعَلُوا الأعنة وَرَاء آدانها وَذَلِكَ أَن يلجموها وَهُوَ من القرط مَأْخُوذ.
(2/433)

أَخْبرنِي عبد الرحمن عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ يُقَال قرط الْفرس لجامها أَي: أحملها على أَن تجْرِي جَريا شَدِيدا حَتَّى يَمْتَد على أنوفها فَيصير كَأَنَّهُ قرط. وَأنْشد قَوْله: من الْبَسِيط ... وقرطوا الْخَيل من فلج أعنتها ... مستمسك بهواديها ومصروع ...
وانهما هَاهُنَا المناطق.
وَقَالَ الْحَارِث بن حلزة يمدح رجلا: من مجزوء الْكَامِل ... يحبوك بالزغف الفيوض على ... هميانها والأدم كالغرس ...
شبهها بِالنَّخْلِ لطولها والزغف: الدرْع اللينة الْمس والفيوض: السابغة والهميان: المنطقة ويكنو التكة فِي مَوضِع آخر. وَمِنْه الحَدِيث: ان يُوسُف حل الْهِمْيَان وَقعد مِنْهَا مقْعد الخاتن.
والأحقاء: جمع حقو وَهُوَ الْوسط وَالْعِقَاب الكاسر الَّتِي تكسر جناحها اذا انحطت الى الأَرْض.
(2/434)

والأكمة: المخالي وَاحِدهَا كمام. سميت بذلك لِأَنَّهَا تكم الْفَم. والكمام والحجام مَا يَجْعَل على فَم الْبَعِير ويشد بِهِ لِئَلَّا يعَض. يُقَال: كممت الْبَعِير وحجمته أَرَادَ فليثب الرِّجَال فليأخذوا عَن الْخَيل فيلجموها.
(2/435)

- حَدِيث حسان بن ثَابت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث حسان انه أخرج لِسَانه فَضرب بِهِ رَوْثَة انفه ثمَّ أدلعه فَضرب بِهِ نَحره. وَقَالَ: يَا رَسُول الله ادْع لي بالنصر.
رَوْثَة الْأنف: أرنبته وَمَا يَليهَا من مقدمته. قَالَ الْهُذلِيّ: من الْكَامِل ... حَتَّى انْتَهَيْت الى فرَاش عزيزة ... شغواء رَوْثَة أنفها كالمخصف ...
يَعْنِي: عقَابا وفراشها عشها والمخصف الاشفى شبه بِهِ طرف أنفها.
(2/436)

- حَدِيث عبد الله بن الزبير
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير ان أهل الشَّام نادوه يَابْنَ ذَات النطاقين فقاال: ايه والاله أَو ايها واله. وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها ظَاهر عَنْك عارها من قَوْلك: لَا تجْعَل حَاجَتي ظهريا.
حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو عَن الْحجَّاج بن نصير عَن قُرَّة بن خَالِد عَن هِشَام بن عُرْوَة.
قَوْله ايها والأنه تَقول للرجل اذا استزدته ايه فان وصلته قلت: ايه حَدِيثا. قَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل ... وقفنا فَقُلْنَا: ايه عَن أم سَالم ... وَمَا بَال تكليم الديار البلاقع ...
يُرِيد حدثينا عَنْهَا. وَترك التَّنْوِين وَقد وصل لِأَنَّهُ نوى الْوُقُوف على الْحَرْف وان كَانَ الْمَحْفُوظ ايها فَهُوَ بِمَعْنى الارتضاء للشَّيْء والتصديق لِلْقَوْلِ. وَلها مَوضِع آخر وَذَلِكَ اذا أسكت رجلا
(2/437)

قلت: ايها عَنَّا. فاذا أغريته بِشَيْء قلت ويها واذ تعجبت من طيب شَيْء قلت واها. وَمِنْه قَول أبي النَّجْم: من الرجز ... واها لريا ثمَّ واها واها ...
وَقَوله: ظَاهر عَنْك عارها أَي: لَا يعلق بك وَلكنه ينبو عَنْك وَهُوَ من قَوْلك: ظهر فلَان على السَّطْح اي: علا عَلَيْهِ. قَالَ الرياشي قَالَ الله جلّ وَعز: فَمَا اسطاعوا أَن يظهروا. أَي: يعلوا عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: من الطَّوِيل ... وعيرها الواشون أيي أحبها ... وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها ...
وَلست أَدْرِي أَخذ بن الزبير هَذَا من أبي ذُؤَيْب أم ابتدأها هُوَ أَو هِيَ كلمة مقولة.
وحَدثني الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ أَبُو ذُؤَيْب صَاحب عبد الله بن الزبير فِي مغزى الى افريقية وَمَات أَبُو ذُؤَيْب فدلاه ابْن الزبير فِي حفرته. وَفِيه يَقُول أَبُو ذُؤَيْب فِي هَذِه الْغُزَاة: من المتقارب
(2/438)

.. وَصَاحب صدق كسيد الضرا ... ينْهض فِي الْغَزْو نهضا نجيحا
وشيك الفضول بعيد القفو ... ل الا مشاحا بِهِ أَو مشيحا ...
والشكاة: الْعَيْب والذم. قَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجزه: من الرجز ... يشكي بعي وَهُوَ البلغ الْحَدث ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه حض على الزّهْد وَذكر أَن مَا يَكْفِي الانسان قَلِيل فنزغه انسان من أهل الْمَسْجِد بنزيغة ثمَّ خبأ رَأسه فَقَالَ: ايْنَ هَذَا فَلم يتَكَلَّم. فَقَالَ: قَائِله الله ضبح ضبحة الثَّعْلَب وقبع قبعة الْقُنْفُذ.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي.
قَوْله: قبع أَي: أَدخل رَأسه. وَكَانَ غير الْأَصْمَعِي يروي عَن الزبْرِقَان بن بدر قَالَ: أبْغض الي كنائني الطلعة القبعة.
والأصمعي يرويهِ: الخبأة. وانما ضرب لَهُ الثَّعْلَب مثلا لجبته ورواغه والقنفذ. لاستخفائه فِي خُرُوجه فانه يخرج لَيْلًا وَقيل انه لَا ينَام.
(2/439)

وانما شبه النمام بالقنفذ لاستخفائه بِمَا يَأْتِي بِهِ قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... قنفذ ليل دَائِم التبحاث ...
وَقَالَ عَبدة: من الْكَامِل ... قوم اذا دمس الظلام عَلَيْهِم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع ...
حدجوا: رموا بِأَبْصَارِهِمْ اليها. ويروي: هدجوا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه قَالَ لما قتل عُثْمَان قلت لَا أستقيلها أبدا فَلَمَّا مَاتَ أبي أنقطع بِي ثمَّ استمرت مريرتي.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن ابْن أبي الزِّنَاد.
أصل المريرة: الفتل. يُقَال: استمرت مريرة فلَان على كَذَا. وَأَصله من الفتل: أَن يَسْتَقِيم للفاتل فَيضْرب مثلا.
(2/440)

قَالَ لَقِيط: من الْبَسِيط ... ثمَّ استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السن لَا قحما وَلَا ضرعا ...
والشزر: الفتل الى فَوق. واليسر الى أَسْفَل.
وَمِنْه أخذت مرّة الرجل وَهِي قوته ومنته لِأَن الْقوي من الرِّجَال كَأَنَّهُ فتل. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي.
قَالَ أَبُو زيد فلَانا لذُو مرّة اذا كَانَ قَوِيا محتالا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه نَازع مَرْوَان عِنْد مُعَاوِيَة فَرَأى ضلع مُعَاوِيَة مَعَ مَرْوَان فَقَالَ فِي كَلَام لَهُ: أطع الله نطعك فانه لَا طَاعَة لَك علينا الا فِي حق الله وَلَا تطرق اطراق الأفعوان فِي أصُول السخبر.
من حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك عَن هِشَام بن عُرْوَة.
الأفعوان: ذكر الأفاعي. والسخبر: شجر واحده
(2/441)

سَخْبَرَة. قَالَ حسان بن ثَابت: من الْكَامِل ... ان تغدروا فالغدر مِنْكُم شِيمَة ... واللؤم ينْبت فِي أصُول السخبر ...
وَهَؤُلَاء قوم تنْبت أَرضهم السخبر.
وَأَرَادَ ابْن الزبير لَا تتغافل عَمَّا نَحن فِيهِ وتطرق اطراق الأفعوان فِي أصُول السخبر وَمن شَأْنه أَن يأوى فِي أصُول السخبر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه قَالَ: من حمل السِّلَاح ثمَّ وَضعه فدمه هدر.
يرِيه زَمعَة عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه.
قَوْله ثمَّ وَضعه يُرِيد: ضرب بِهِ فِي الْفِتْنَة وَهُوَ مثل الحَدِيث الَّذِي يرْوى: لَيْسَ فِي الهيشات قَود.
يُرَاد الْفِتْنَة والاختلاط. وَهَكَذَا رُوِيَ فِي هَذَا الْموضع بِالْيَاءِ وروى فِي غَيره بِالْوَاو.
قَالَ ابْن مَسْعُود: اياكم وهوشات اللَّيْل.
(2/442)

وَمِنْه قيل لبَعض الشُّعَرَاء أَبُو المهوش. وَمِنْه الحَدِيث: من أصَاب مَالا من مهاوش. وكل شىء خلطته فقد هوشته. فَأَما قَول الْعَامَّة: شوشته وَشَيْء مشوش فان لم يكن بِالْفَارِسِيَّةِ فان غيرته. وَالصَّوَاب: هوسته. وَقَالَ ذُو الرمة وَذكر الدَّار: من الطَّوِيل ... تعفت لتهتان الشتَاء وهوشت ... بهَا نائحات الصَّيف شرقية كدرا ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه قَالَ لرجل مَا على أحدكُم اذا أَتَى الْمَسْجِد أَن يخرج قرفة أَنفه.
يرويهِ مُحَمَّد بن أبي ربيعَة عَن مُسْتَقِيم بن عبد الملك.
أصل القرفة: القشرة. وَمِنْه يُقَال: صبغ فلَان ثَوْبه بفرف السدر أَي: بقشره. وَمِنْه يُقَال: تَركتهم على مثل مقرف
(2/443)

الصمغة أَي: مقشرها. وأحسب قرفة الطّيب مِنْهُ.
وَأَرَادَ ابْن الزبير انه يَنْبَغِي لمن أَرَادَ الْمَسْجِد أَن ينظف أَنفه ويقرف مَا فِيهِ مِمَّا قد يبس وَصَارَ كَأَنَّهُ قشر.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير أَنه خرج فَبَاتَ القفر فَلَمَّا قَامَ ليرحل وجد رجلا طوله شبران عَظِيم اللِّحْيَة على الولية فنفضها فَوَقع ثمَّ وَضعهَا على الرَّاحِلَة وَجَاء وَهُوَ الْقطع فنفضه فَوَقع فَوَضعه على الرَّاحِلَة وَجَاء وَهُوَ بَين الشرخين فنفض الرحل ثمَّ شده وَأخذ السَّوْط ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: من أَنْت قَالَ: أَنا أزب. قَالَ: وَمَا أزب قَالَ رجل من الْجِنّ. قَالَ: افْتَحْ فَاك أنظر. فَفتح فَاه فَقَالَ أهكذا حلوقكم لقد شوه الله حلوقكم ثمَّ قلب السَّوْط فَوَضعه فِي رَأس أزب حَتَّى باص.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن وَسَهل عَن الْأَصْمَعِي عَن يعلي بن عقبَة شيخ من أهل الْمَدِينَة مولى لآل الزبير الا أَنَّهُمَا قَالَا حَتَّى سبقه وَقَالَ غَيرهمَا حَتَّى باص.
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: أهكذا خلوقكم بِالْخَاءِ مُعْجمَة. وَقَالَ سهل: حلوقكم.
الولية البردعة. وَالْقطع: الطنفسة تكون تَحت الرجل على كَتِفي الْبَعِير والجميع قطوع. قَالَ الشَّاعِر: من الوافر.
(2/444)

.. أتتك العيس تنفح فِي براها ... تكشف عَن مناكبها القطوع ...
والشرخان جانبا الرحل. وَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة وغزا مَعَه ابْن أَخِيه على زاملة فَأَحْرَقتهُ الحقيبة: لَعَلَّك ترجع بَين شرخي الرحل. يَقُول: أستشهد وَترجع على رَاحِلَتي. وَقَالَ ذُو الرمة: من الْبَسِيط. ... كَأَنَّهُ بَين شرخي رَحل ساهمة ... حرف اذا مَا اسْترق اللَّيْل مَأْمُوم ...
الْمَأْمُوم: المشجوج. اسْترق اللَّيْل أَي: حِين كَاد يذهب. أَرَادَ كَأَنَّهُ من النعاس مشجوج. وخلوقكم جمع خلق.
وَقَوله: حَتَّى باص أَي: حِين سبقه وَفَاته. وَفِي حَدِيث عمر أَنه أَرَادَ أَن يسْتَعْمل سعيد بن عَامر فباص
(2/445)

مِنْهُ كَأَنَّهُ هرب واستر.
والبوص فِي غير هَذَا اللَّوْن فَأَما البوص بِضَم الْبَاء فَهُوَ لعجز.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن الزبير أَنه خطب حِين بلغه قتل مُصعب فَقَالَ فِي خطبَته: انا وَالله مانموت حبجا وَلَا نموت الا فَتلا قعصا بِالرِّمَاحِ تَحت ظلال السيوف وَلَيْسَ كَمَا يَمُوت بَنو مَرْوَان.
يرويهِ الْهَيْثَم عَن أَي جناب الْكَلْبِيّ عَن شيخ من أهل مَكَّة.
الجبج من أدواء الابل وَهُوَ أَن تَأْكُل العرفج ليجتمع فِي بطونها عجر حَتَّى تَشْتَكِي مِنْهُ.
يُقَال: جبجت تحبج حبجا فان لم تخرج مَا فِي بطونها وانتفتخت قيل: حبطت تحبط حَبطًا.
قَالَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم.
(2/446)

والقعص: أَن يَمُوت الْمَضْرُوب أَو المطعون أَو المرمي يُقَال مِنْهُ: اقعصته اقعاصا وَنَحْوه: أصميته.
وَأَرَادَ ابْن الزبير: انا لَا نموت على التخم والاكثار من الْمطعم كَمَا يَمُوت آل مَرْوَان وَلَكنَّا نموت قتلا. وَيُقَال: الحبط أَن تنتفخ بطُون الابل عَن أكل الذرق هُوَ الحندقوق.
وَمن القعص حَدِيث الزبير أَنه كَانَ يقعص الْخَيل قعصا بِالرُّمْحِ - يَعْنِي يَوْم الْجمل - حَتَّى نوه بِهِ عَليّ فَقَالَ لَهُ مَا قَالَ فَانْصَرف.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن الزبير انه لما أَرَادَ هدم الْكَعْبَة وبناءها أرسل أَرْبَعَة آلَاف بعير تحمل الورس من الْيمن.
يُرِيد أَن يَجعله مدرها فَقيل لَهُ: ان الورس يرفت فَقَسمهُ فِي عجز قُرَيْش وبناها بالقصة وَكَانَت فِي الْمَسْجِد جراثيم فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس ابطحوا.
(2/447)

وَفِي الحَدِيث أَنه لما أبرز عَن ربضه دَعَا بكبره فنظروا اليه وَأخذ ابْن مُطِيع العتلة فعتل نَاحيَة من الربض وأقضه.
حَدَّثَنِيهِ شيخ لنا عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن ابْن جريج.
قَوْله: يرفت أَي: يتفتت والرفات نَحْو الفتات وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {أئذا كُنَّا عظاما ورفاتا} .
والقصة: الجص يُقَال: قصَص فلَان دَاره اذا جصصها.
والجراثيم جمع جرثومة وَهِي من تُرَاب أَو طين تعلو على الأَرْض.
وَيُقَال للشَّيْء اذا اجْتمع: قد تجرثم واجرنثم.
وانما أَرَادَهُ الْمَسْجِد كَانَ متعليا غير مستوي الأَرْض فَفِيهِ مَوَاضِع قد علت ومواضع قد تحفرت فَأَمرهمْ أَن يبطحوا أَي: يسووا الأَرْض بالبطحاء. وَهُوَ حمى وَرمل ينْقل من مسيل المَاء ويلقى فِي أَرض الْمَسْجِد حَتَّى يَسْتَوِي.
(2/448)

وَالْكبر: الْمَشَايِخ جمع أكبر والعتلة: البيرم وَقَوله: أقضه من القضة وَهُوَ الْحَصَى الصغار وَمِنْه قَول أبي ذُؤَيْب: من الْكَامِل ... أما لجنبك لَا يلائم مضجعا ... الا أقض عَلَيْك ذَاك المضجع ...
يَقُول: ثِيَابك. فَكَانَ فِيهِ قضة.
(2/449)

حَدِيث النِّسَاء
(2/450)

- حَدِيث ام الْمُؤمنِينَ عَائِشَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَائِشَة انها قَالَت: كَانَ الْمُسلمُونَ يوعبون فِي النفير مَعَ رَسُول الله فَيدعونَ مفاتحهم على ضمناهم وَيَقُولُونَ: ان احتجتم فَكُلُوا. فَقَالُوا: انما أحلُّوا لنا عَن غير طيب نفس. فَنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح} الى قَوْله: أَو مَا ملكتم مفاتحة.
حَدَّثَنِيهِ زيد بن أخزم الطَّائِي عَن بشر بن عمر عَن ابراهيم بن سعد عَن صلح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة.
قَوْلهَا: يوعبون أَي: يخرجُون بأجمعهم فِي الْمَغَازِي. يُقَال: أوعب بَنو فلَان لبني فلَان اذا جَاءُوا بأجمعهم. وَيُقَال: بَيت وعيب. اذا كَانَ وَاسِعًا يستوعب كلما جعل فِيهِ. وركض وعيب. وَهُوَ أقْصَى مَا عِنْد الْفرس.
قَالَ بعض العبديين: من المتقارب ... أخال بهَا كَفه مُدبرا ... وَهل ينجينك ركض وعيب ...
والضمنى هم الزمنى. واحدهم ضمن. مثل: زمن.
(2/451)

وزمنى وجرب وجربى. وَيُقَال: ضمن بَين الضمن وَالضَّمان.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة ان دقره قَالَ: كنت أَطُوف مَعهَا بِالْبَيْتِ وَعَلَيْهَا ثوب قد كَاد يشف فناولتها عطافا كَانَ عَليّ فرأت فِيهِ تصليبا فَقَالَت: نحيه عني.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن لَيْث عَن بديل عَن دقرة.
قَوْلهَا: قد كَاد يشف أَي: يرق حَتَّى يَبْدُو مِنْهُ خلقهَا. وَمِنْه قيل للستر الرَّقِيق: شف وشف. والعطاف: الرِّدَاء. يُقَال لَهُ أَيْضا: معطف. وَمثله مِمَّا جَاءَ على هَذَا التَّقْدِير: ملحف ولحاف ومنطق ونطاق ومسن وَسنَان ومسرد وسراد وَهُوَ الأشفى. والسرد الخرء. وَهُوَ الْمُتَابَعَة وَمِنْه
(2/452)

قيل: فلَان يسْرد الصَّوْم أَي: يُتَابِعه. وَقَالَ الشماخ: من الطَّوِيل ... كَمَا تابعت سرد الْعَنَان الخوارز ...
أَي: خرزه. ومقرم وقرام وَهُوَ السّتْر. وَمِنْه الحَدِيث: كَانَ على بَاب عَائِشَة قرام فِيهِ تمائيل.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة انها قَالَت لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ} انْقَلب رجال الْأَنْصَار الى نِسَائِهِم فتلوها عَلَيْهِنَّ فَقَامَتْ كل امْرَأَة الى مرْطهَا المرحل فصدعت مِنْهُ صدعة فَاخْتَمَرْنَ بهَا. فَأَصْبَحْنَ فِي الصُّبْح على رؤوسهن الْغرْبَان.
حَدَّثَنِيهِ سعد بن مَنْصُور عَن دَاوُد الْعَطَّار قَالَ: حَدثنِي ابْن خَيْثَم عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة.
المروط: أكسية من صوف وَرُبمَا كَانَت من شعر وَرُبمَا كَانَت من خَز. والمرحل: الْمُوشى. وَيُقَال لذَلِك الْعَمَل:
(2/453)

الترحيل. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس وَذكر امْرَأَة: من الطَّوِيل ... ذيل مرط مرحل ...
وَأما قَوْلهَا: فَأَصْبَحْنَ على رؤوسهن الْغرْبَان. تُرِيدُ: أَن المروط كَانَت من شعر أسود فَصَارَ على الرؤوس مِنْهَا مثل الْغرْبَان وَمِمَّا يُوضح هَذَا حَدِيث حَدَّثَنِيهِ عَبدة الصفار قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن بشر الْعَبْدي عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن مُصعب بن شيبَة عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج ذَات غَدَاة وَعَلِيهِ مرط مرحل من شعر أسود.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة انها قَالَت: اذا حَاضَت الْمَرْأَة حرم الجحران.
ذكره اسحق بن رَاهَوَيْه فَسمِعت رجلا من أهل الْحجاز من قُرَيْش يحْتَج بِهِ عَلَيْهِ فِي تَحْلِيل الأدبار وَقَالَ: لَوْلَا انهما كَانَا حَلَالا قبل الْحيض لم تقل: حرما بعد الْحيض. فَقَالَ فِي ذَلِك بعض أَصْحَاب اللُّغَة قولا ارْتَضَاهُ اسحق وعرفه وَقَالَ: انما هُوَ حرم الجحران بِضَم النُّون على لفظ الْوَاحِد. والجحران: الْفرج. وانشد فِيهِ بَيْتا أنسيته وَهَذَا مَذْهَب فِي اللُّغَة صَحِيح.
(2/454)

لِأَن هَذِه الْألف وَالنُّون تزادان آخرا. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: جِئْت فِي عقب الشَّهْر وعقبانه اذا جِئْت بعد مَا مضى وَجئْت فِي عقبه وَعقبَة اذا جِئْت فِي آخِره.
وَقَالُوا فِي الْجَمِيع سود وسودان وحمر وحمران. وَقَالُوا فرس عري أَي: لَا جلّ عَلَيْهِ وَرجل عُرْيَان وَلَا رجل عري. وأصلهما وَاحِد. فَكَذَلِك قَالُوا: جُحر الضَّب وجحر الأرقم وَقَالُوا لِلْفَرجِ خَاصَّة جحران فزادوا الْألف وَالنُّون ليَكُون اسْما مُمَيّزا لَهُ من سَائِر الجحرة. وَقد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا كثيرا قَالُوا: فحال النّخل وَفِي سَائِر الْأَشْيَاء: فَحل. وَقَالُوا أَخُوهُ بلبان أمه وَقَالُوا فِي سَائِر الْأَشْيَاء: لبن وَقَالُوا: عجيزة الْمَرْأَة. وَقَالُوا: عجز الرجل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا. وَعجز كل شىء آخِره.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة. انها خطبت بعد مقتل عُثْمَان بِالْبَصْرَةِ فَقَالَت: ان لي حُرْمَة الأمومة وَحقّ الصُّحْبَة لَا يتهمني مِنْكُم الا من عصى ربه قبض رَسُول الله بَين شجري وَنَحْرِي وَأَنا احدى نِسَائِهِ فِي الْجنَّة وَله خصني رَبِّي من
(2/455)

كل بضع وَبِي ميز مؤمنكم من منافقكم.
وَفِي رِوَايَة أخري: وَفِي رخص لكم فِي صَعِيد الأقواء وَأبي ثَانِي اثْنَيْنِ.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَأبي رَابِع أَرْبَعَة من الْمُسلمين وَأول من سمي صديقا قبض رَسُول الله وَهُوَ عَنهُ رَاض قد طوقه وهف الْأَمَانَة.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وهف الْأَمَانَة واضطرب حَبل الَّذين فَأخذ بطرفيه وربق لكم أثناءه ووقذ النِّفَاق.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وغاض نبغ الرِّدَّة وأطفأ مَا حشت يهود وَأَنْتُم يَوْمئِذٍ جحظ تنتظرون الدعْوَة.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: تنتظرون العدوة وتستمعون الصَّيْحَة فرأب الثأي وأوذم السقاء وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وأوذم العطلة وامتاح من المهواة واجتهر دفن الرواء حَتَّى قَبضه الله اليه واطئا على هام النِّفَاق مذكيا لِحَرْب الْمُشْركين يقظان اللَّيْل فِي نصْرَة الاسلام صفوحا عَن الْجَاهِلين.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بعيد مَا بَين اللابتين عركة للأذاة بجنبيه خشَاش الْمرْآة والمخبر. واني أَقبلت أطلب بِدَم الامام المركوبة مِنْهُ الْفقر الْأَرْبَع فَمن ردناعنه بِحَق قبلناه وَمن 457
(2/456)

ردنا عَنهُ بباطل قَاتَلْنَاهُ. فَرُبمَا ظهر الظَّالِم على الْمَظْلُوم وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين.
يروي أحدى الرِّوَايَتَيْنِ زَكَرِيَّا بن يحيى الْكُوفِي قَالَ: حَدثنِي عَم أبي زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن منْهب.
قَوْلهَا: قبض رَسُول الله بَين شجري وَنَحْرِي. قد ذكره أَبُو عبيد من هَذَا الحَدِيث وَفَسرهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلهَا فِي رِوَايَة آخرى: بَين حاقنتي وذاقنتي.
وَبَلغنِي عَن عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير انه قَالَ: انما هُوَ بَين شجري وبجري فَسئلَ عَن ذَلِك فشبك بَين أَصَابِعه وقدمها من صَدره كَأَنَّهُ يضم شَيْئا.
وَيُقَال: اشتجر النَّاس اذا اخْتلفُوا. وَالْأَصْل أَن يشتبكوا فِي خُصُومَة أَو قتال وشبيه بِهِ التضام فِي الرُّؤْيَة فِي قَول النبى: لَا تضَامون فِي رُؤْيَته أَي: لَا تختلفون فِيهِ فتشتجرون وينضم بَعْضكُم الى بعض.
أَرَادَ عمَارَة انه قبض وَقد ضمته بِيَدِهَا الى نحرها وصدرها. وخالفت بَين أصابعها كَمَا يفعل من يضم الشَّيْء الَّذِي بِمَا يَدَيْهِ الى صَدره. وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول. وَقَوْلها: قد طوقه وهف الْأَمَانَة أَو الامامة. تَعْنِي: الصَّلَاة. وَلست أعرف اشتقاق الْحَرْف. وَأَحْسبهُ وهق الْأَمَانَة.
(2/457)

وَقَوْلها: وَله خصني رَبِّي من كل بضع. أَي: من كل نِكَاح. وَكَانَ تزَوجهَا بكرا من بَين جَمِيع نِسَائِهِ.
ذكر الرياشي عَن الْأَصْمَعِي انه قَالَ: يُقَال: كرم الْعَيْش أكل وَشرب وبضاع ثمَّ نم. وَمِنْه قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تستأمر النِّسَاء فِي بضاعهن أَو أبضاعهن. يُقَال: أبضعت الْمَرْأَة ابضاعا اذا زوجتها كَمَا تَقول أنكحتها انكاحا. وَالْبكْر اذنها سكانها.
والصعيد: التُّرَاب. قَالَ الله جلّ وَعز: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} . أَي تعمدوا ذَلِك. والأقواء جمع قواء. وَهُوَ القفر من الأَرْض. والقي مِنْهُ وَهُوَ فعل.
تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَت سَبَب الرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم. قَالَ عمار بن يَاسر: كُنَّا مَعَ رَسُول الله فِي سفر ففقد عقد لعَائِشَة
(2/458)

فطلبوه حَتَّى أَصْبحُوا وَلَيْسَ من الْقَوْم مَاء فَنزلت الرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم.
وَقَوْلها: واضطراب حَبل الدّين فَأخذ بطرفيه وربق لكم أثناءه. تُرِيدُ: أَنه لَهما اضْطربَ الْأَمر أحَاط بِهِ من أَطْرَافه وضمه فَلم يشذ مِنْهُ أحد وَلم يخرج عَمَّا جمعهم عَلَيْهِ. وأصل ربق من تربيق البهم. يُقَال: ربقت البهم وربقتها اذا جعلت أعناقها فِي عرى حَبل. وَيُقَال: لكل عُرْوَة مِنْهَا ربقة. وَمِنْه الحَدِيث: من فَارق الْجَمَاعَة متبرئا فقد خلع ربقة الاسلام من عُنُقه وَيُقَال اللحبل: ربق.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وانما تربق الصغار لِأَنَّهَا لَا تقوى على أَن تتباعد فِي المرعى مَعَ الْأُمَّهَات فتربق حَتَّى تجىء الْأُمَّهَات فترضعها.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقول: رمدت المعزى فرنق رنق. ورمدت الضَّأْن فربق ربق والترميد من الْمعز والضأن أَن يستبين حملهَا وتعظم ضروعها.
وَقَالَ ابْن الأعربي فِي تَأْوِيل هَذَا: ان المعزى تدفع فِي أول من حملهَا. يَعْنِي: تنزل اللَّبن. فَيَقُول: انْتظر الْولادَة وان أبطأوا.
والترنيق: الِانْتِظَار. يُقَال: رنق الطَّائِر اذا رَفْرَف. ورنق فلَان فِي نظره الى الشَّيْء اذا أدامه.
(2/459)

قَالَ: والضأن لَا تدفع الا عِنْد الْولادَة فاذا رمدت فَهِيَ الأرباق لأولادها.
وأثناء الْحَبل مَا انثنى مِنْهُ واحده ثنى يُرِيد: أَنه جعل وسط الْحَبل ربقا لكم وأوثقكم بِهِ. وَقبض على طَرفَيْهِ. وَهُوَ مثل ضربه.
قَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ أَبُو مهْدي: تَعْنِي شُجَاع فَمر خَلْفي كَأَنَّهُ سهم زالج فَحدث عَنهُ فَرجع فاستكف كَأَنَّهُ كَفه حابل فرميته فانتظمت ثَلَاثَة أَثْنَائِهِ أَحدهَا رَأسه.
استكف اسْتَدَارَ والكفة: حبال الصَّائِد. والزالج من السِّهَام الَّذِي يمر على الأَرْض. يُقَال: زلج يزلج.
قَوْلهَا: وقذ النِّفَاق تُرِيدُ: انه أوهنه وأضعفه وَمِنْه يُقَال: فلَان وقيذ: اذا كَانَ شَدِيد الْعلَّة. وَقد وقذته الْعلَّة وَالْعِبَادَة اذا نهكته. وَمِنْه الموقوذ وَهِي الَّتِي تضرب حَتَّى تشرف على الْمَوْت ثمَّ تتْرك تَمُوت بِغَيْر ذَكَاة.
وَقَوْلها: غاض نبغ الرِّدَّة أَي: نَقصه وأذهبه. يُقَال: غاض المَاء اذا نقص. وغضته أَنا. ونبغ الرِّدَّة مَا نبغ مِنْهَا. أَي: ظهر. وانما سمي النَّابِغَة بقوله: من الوافر ... فقد نبغت لنا مِنْهُم شؤون ...
وَقَوْلها: وأطفأ مَا حشت يهود. تَعْنِي: مَا أوقدت من نيران الْحَرْب أَو الْفِتْنَة. يُقَال: حششت النَّار وأحمشتها اذا ألهبتها.
(2/460)

وَلم تصرف يهود لِأَنَّهُ يَجْعَل كالقبيلة. وَكَذَلِكَ مجوس. قَالَ الشَّاعِر: من الوافر ... كنار مجوس تستعر استعارا
وَقَوْلها: وَأَنْتُم يَوْمئِذٍ جحظ شاخصو الْأَبْصَار تترقبون أَن ينعق ناعق أَو يَدْعُو الى وَهن الاسلام دَاع وَالْعين تجحظ عِنْد الترقب وَعند الانكار للشَّيْء.
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن مُوسَى بن سعيد الجُمَحِي عَن ابْن مُصعب الزبيرِي قَالَ قَالَ لي عُثْمَان بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن حَاطِب الجُمَحِي وَكَانَ جزلا موجها ذَا عارضة أَتَانِي فَتى من قُرَيْش يستشيرني فِي امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَقلت: يَا بن أخي أقصيرة النّسَب أم طويلته قَالَ: فَكَأَنَّهُ لم يفهم. فَقلت: يَا بن أخي: إِنِّي أعرف فِي الْعين اذا أنْكرت وَأعرف فِيهَا اذا عرفت. وَأعرف فِيهَا اذا هِيَ لم تعرف وَلم تنكر. أما هِيَ اذا عرفت فتخواص وَأما اذ انكرت فتجحظ وَأما هِيَ اذا لم تعرف وَلم تنكر فتسحو.
القصيرة النّسَب يَا بن أخي الَّتِي اذا ذكرت أَبَاهَا اكتفيت والطويلة النّسَب الَّتِي لَا تعرف حَتَّى تطيل واياك يَا ابْن أخي وان تقع فِي قوم قد أَصَابُوا غثرة من الدُّنْيَا مَعَ دناءة فتضع نَفسك بهم.
قَوْله: تسحو أَي: تسكن والغثرة وَالْكَثْرَة هَاهُنَا بِمَعْنى. وَيُقَال لعوام النَّاس: الغثراء وَهَذَا شَبيه رؤبة عَن النسابة.
حدثنيى عبد الرَّحْمَن وَسَهل عَن الْأَصْمَعِي عَن الْعَلَاء بن أسلم الْعَدْوى
(2/461)

عَن رؤبة بن العجاج قَالَ أتيت النسابة الْبكْرِيّ فَقَالَ: من أَنْت قلت: ابْن العجاج قَالَ: قصرت وَعرفت لَعَلَّك كقوم عِنْدِي فان سكت عَنْهُم لم يَسْأَلُونِي وان حدثتهم لَو يعوا عني. قلت: أَرْجُو أَلا أكون كَذَلِك. قَالَ: فَمَا أَعدَاء الْمُرُوءَة قلت: تُخبرنِي قَالَ: بَنو عمر السوء ان رَأَوْا حسنا كتموه وان رَأَوْا سَيِّئًا أذاعوه ثمَّ تقال: ان للْعلم آفَة ونكدا وهجنة فآفته: نسيانه ونكده: الْكَذِب فَهِيَ وهجنته نشره عِنْد غير أَهله فَأخذ هَذَا الْمَعْنى رؤبة فَقَالَ: من الرجز ... قد رفع العجاج ذكرى فادعني ... باسم اذا الْأَنْسَاب طَالَتْ يكفني ...
وَقَوْلها: ورأب الثأي أَي: شده. يُقَال: رَأَيْت الشي. فَأَنا أرأبه اذا شددته. والثأي: الْفساد وَهُوَ فِي الخرز أَن تغلظ الاشفى ويدق السّير فيسيل المَاء. يُقَال: أثأت الخارزة اذا فعلت ذَلِك.
وَقَوْلها: وأوذم السقاء أَي: شده بالوذمة وَهُوَ سير يشد بِهِ. يُقَال: أوذمته وأوذمت الدَّلْو اذا شددت فِيهَا الوذم بَين آذانها والعرافي.
وَقَوْلها فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وأوذم العطلة فِيهِ قَولَانِ: يُقَال: هِيَ النَّاقة الْحَسَنَة. والعطلات الْجَمِيع. قَالَ الشَّاعِر: من الوافر
(2/462)

فَلَا تتجاوز العطلات مِنْهَا ... الى الْبكر المقارب والكزوم
وَلَكنَّا نعض السَّيْف صَلتا ... بأسوق عافيات اللَّحْم كوم ...
وَالْأَصْل فِي أوذم مَا أعلمتك. وَأَرَادَ أَنه شدّ النَّاقة لتسنو أَي: لتستقي.
وَالْقَوْل الآخر: أَن تجْعَل العطلة الدَّلْو الَّتِي ترك الْعَمَل بهَا حينا وَهُوَ من التعطل مَأْخُوذ. يُقَال: عطلت تعطل عطلا. يُرِيد: أَن أواذمها كَانَت قد رثت وتقطعت لبعد الْعَهْد بالمستقين فأوذمها واستقى بهَا.
وَقَوْلها: أمتاح من المهواة أَي: استقي. وَمِنْه يُقَال: فلَان يستميحني ويمتاحني اذا استعطاك. ومحته أميحه اذا أَعْطيته. والمائح الَّذِي يدْخل الْبِئْر فَيمْلَأ الدَّلْو. والماتح الَّذِي ينْزع الدَّلْو. والمهواة: الْبِئْر. وكل نفنف فَهُوَ مهواة. قَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل ... بَيت بمهواة هتكت سَمَاء ... الى كَوْكَب يزوي لَهُ الْوَجْه شَاربه ...
فالمهواة مَا بَين أَسْفَل الْبِئْر وأعلاها. وَمِنْه قيل: هوى يهوى. وَقيل للنار: الهاوية.
وكوكب المَاء معظمه. وَالْبَيْت هَاهُنَا بَيت العنكبوت. يُرِيد: انه هتكه بِدَلْو حِين استقى.
(2/463)

وَقَوْلها: واجتهر دفن الرواء تُرِيدُ: انه كبحه يُقَال: جهرت الْبِئْر اذا كَانَت مندفنة المَاء فأخرجت مَا فيا من الحمأة والطين وَالْمَاء الآجن حَتَّى يظْهر طيب المَاء ويثوب. يُقَال: آبار مجهورة. قَالَ الراجز: ... اذا وردنا آجنا جهرناه ... أَو خَالِيا من أَهله عمرناه ...
وَقَالَ الفرزدق وَذكر جَيْشًا: من الطَّوِيل ... تظل بِهِ الأَرْض الفضاء معضلا ... وتجهر أسدام الْمِيَاه قابله ...
والأسدام الْمِيَاه المندفنة. يُقَال ركية دَفِين وركايا دفن. والرواء المَاء الْكثير وَهُوَ مَمْدُود. فاذا كسرت أَوله قصرت فَقلت: روى.
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: مَاء رواء ومياه رواء سَوَاء بِفَتْح الرَّاء. وَهَذِه أَمْثَال ضربتها لضياع الْأَمر وانتشاره وَأَحْكَامه اياه. فشبهته بِرَجُل أَتَى على بِئْر قد اندفن مَاؤُهَا وتعطلت دلوها فنزحها وَأخرج مَا فِيهَا من الحمأة حَتَّى نبع المَاء.
وأوذم الدَّلْو ورمها وَشد سانية من خِيَار الابل
ثمَّ استقى. وَقَوْلها: بعيد مَا بَين اللابتين والملابة الجرة. وَجَمعهَا: لاب ولوب. وَالْأَصْل فِي هَذَا ان مَدِينَة الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة
(2/464)

وَالسَّلَام بَين لابتين وَحرم رَسُول الله مَا بَين لابتيها وَيُقَال: مَا بَين لابتيها أَجْهَل من فلَان. يُرَاد: مَا بَين طرفى الْمَدِينَة أَو الْقرْيَة أَجْهَل بِهِ. وأرادت عَائِشَة انه وَاسع الصَّدْر وَاسع العطن.
وَقَوله: صفوح عَن الْجَاهِلين تُرِيدُ: انه يعرض عَنْهُم. يُقَال: صفحت عَن الشَّيْء اذا أَعرَضت عَنهُ كَأَنَّك توليه صفحة وَجهك أَو صفحة عُنُقك.
قَالَ كثير وَذكر الْمَرْأَة: من الطَّوِيل ... صفوحا فَمَا تلقاك الا بخيلة ... فَمن مل مِنْهَا ذَلِك الْوَصْل ملت ...
أَي: معرضة بوجهها لَا ترى مِنْهُ الا جَانِبه. وَهُوَ احدى صفحتيه.
وَقَوْلها خشَاش الْمرْآة والمخبرة تُرِيدُ: انه لطيف الْجِسْم فِي رَأْي الْعين وَعند الاختبار أَيْضا اذا تجرد غير سمين وَيُقَال: رجل حشاش وخشاش اذا كَانَ ضربا لطيب الرَّأْس وَمِنْه قَول طرفَة: من الطَّوِيل ... أَنا الرجل الضَّرْب الَّذِي تعرفونه ... خشَاش كرأس الْحَيَّة المتوقد ...
وَقَوْلها: المركوبة مِنْهُ الْفقر الْأَرْبَع. والفقر: خَرَزَات الظّهْر ودأيه الْوَاحِدَة: فقرة ودأية.
(2/465)

قَالَ الْأَصْمَعِي: وانما قيل للغراب ابْن دأية لِأَنَّهُ يَقع على دابر الْبَعِير الدبر فينقره.
وَضربت فقر الظّهْر مثلا لما ارْتكب مِنْهُ لِأَنَّهَا مَوضِع الرّكُوب وَهَذَا كَمَا يُقَال: ركبت مني أمرا عَظِيما. وَقَالَ الأخطل: من الطَّوِيل ... لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يَابِس السيساء محدودب الظّهْر ...
والسيساء: عظم الظّهْر. وَهَذَا مثل أَي: حملتهم على مشقة وحملتها أَرْبعا لِأَنَّهَا أَرَادَت: انه ركب مِنْهُ أَربع عِظَام تجب لَهُ بهَا الْحُقُوق فَلم يرعوها وانتهكوها وَهِي حرمته بِصُحْبَة النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصهره.
وَحُرْمَة الْبَلَد وَحُرْمَة الْخلَافَة وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام.
وَكَانُوا قَتَلُوهُ فِي شهر حرَام. قَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما ... ودعا فَلم أر مثله مخذولا ...
أَي: دَاخِلا فِي حُرْمَة الشَّهْر. وَقَالَ الفرزدق: من الْكَامِل ... عُثْمَان اذ قَتَلُوهُ وانتهكوا ... دَمه صَبِيحَة لَيْلَة النَّحْر ...
ذكر انهم قَتَلُوهُ فِي يَوْم الْأَضْحَى وَمثله قَول الآخر فِيهِ:
(2/466)

من الْبَسِيط ... ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحا وقرآنا ...
وَمثل هَذَا فِي حَدِيث لَهَا آخر قَالَ مُوسَى بن طَلْحَة: أتيناها نسألها عَن عُثْمَان فَقَالَت: اجلسوا حَتَّى أحدثكُم بِمَا جئْتُمْ لَهُ وانا عبنا عَلَيْهِ كَذَا وَمَوْضِع الغمامة المحماة وضربه السَّوْط والعصا فعمدوا اليه حَتَّى اذا ماصوه كَمَا يماص الثَّوْب واقتحموا الْفقر الثَّلَاث حُرْمَة الشَّهْر وَحُرْمَة الْبَلَد وَحُرْمَة الْخلَافَة.
قَوْلهَا: مَوضِع الغمامة المحماة. تُرِيدُ: الْحمى الَّذِي حماه عُثْمَان. وَكَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا يعتدون بِهِ عَلَيْهِ: انه حمى الْحمى. وَقَالَ رَسُول الله: لَا حمى الا لله وَرَسُوله.
يُقَال: أحميت الْمَكَان فَهُوَ محمى اذا جعلته حمى وحميت الْمَكَان حميا منعت مِنْهُ وحميت الْقَوْم حماية نصرتهم وذببت عَنْهُم.
وانما جعلته موضعا للغمامة لِأَنَّهَا تسقيه بالمطر. والغمامة: السحابة. وَالنَّاس شُرَكَاء فِي الْكلأ اذا سقته السَّمَاء وَلم يسقه أحد وَلذَلِك أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَن يحمي كلأ تسقيه السَّمَاء وَالنَّاس فِيهِ شُرَكَاء.
وَقَوْلها: وضربه السَّوْط والعصا تُرِيدُ انه ضرب بهما فِي
(2/467)

الْعُقُوبَات كَانَ من قبله يضْرب بِالدرةِ والنعل وَلَا يضْرب بهما. وَقَالَ بعض المفسيرين فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين} قَالَ: بِالسَّوْطِ.
وَفِي بعض الحَدِيث انه بلغَهَا ان الْأَحْنَف قَالَ شعرًا يلومها فِيهَا فَقَالَت: لقد استفرغ حلم الْأَحْنَف هجاؤه اياي أَلِي كَانَ يستجم مثابة سفهه الى الله أَشْكُو عقوق أبنائي.
المثابة: الْموضع الَّذِي يثوب مِنْهُ المَاء وَجَمعهَا: مثاب. يُقَال: هَذِه بِئْر لَهَا ثآئب أَي: مَا يعود بعد النزح. وَقَالَ الرَّاعِي يذكر مَاء: من الْكَامِل ... سدما اذا التمس الدلاء نطافه ... صادفن مشرفة المثاب دحولا ...
والمثابة فِي غير هَذَا: مقَام الساقي. وأرادت ان الْأَحْنَف كَانَ حَلِيمًا عَن النَّاس فَلَمَّا صارد اليها سفه فَكَأَنَّهُ كَانَ يجم سفهه لَهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: قدم النبى من سفر وَقد سترت على بَابي درنوكا فِيهِ الْخَيل أولات الأجنحة فهتكه. يرويهِ وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه.
الدرنوك: الْبسَاط. وَجمعه: درانك. قَالَ عَطاء: صلينَا
(2/468)

مَعَ ابْن عَبَّاس على درنوك قد طبق الْبَيْت كُله.
وَيُقَال أَيْضا ان الدرانك: الطنافس. قَالَ ذُو الرمة يصف بَعِيرًا: من الطَّوِيل ... عبنى القرا ضخم العثانين أنبتت ... مناكبه أَمْثَال هدب الدرانك ...
شبه الْوَبر على مناكبه بهدب الطنافس.
وَقَالَ الْفراء: الزرابي: الطنافس. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الْبسط.
وأراهم قد سَموهَا جَمِيعًا زرابي كَمَا سَموهَا جَمِيعًا درانك.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تَصُوم فِي السّفر حَتَّى أذلقها السمُوم.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن ابْن عون عَن الْقَاسِم.
السمُوم: حر النَّهَار والحرور حر اللَّيْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يكون ذَلِك بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَالَ العجاج: من الرجز.
(2/469)

ونسجت لوامع الحرور ... برقرقان آلها الْمَسْجُور
سبائبا كسرق الْحَرِير ...
فَجعل الحرور فِي النَّهَار. وَقَوله: أذلقها السمُوم أَي: جهدها. وَمِنْه الحَدِيث فِي رجل رجمه رَسُول الله بالمصلى فَلَمَّا أذلقته الْحِجَارَة فر.
وَفِي السِّيرَة ان أَيُّوب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي مناجاته: أذلقني الْبلَاء فتكلمت وَمِنْه قيل: عَدو ذليق اذا كَانَ شَدِيدا قد بلغ فِيهِ الْجهد. قَالَ الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل ... أَوَائِل بالشد الذليق وحثني ... لَدَى الْمَتْن مشبوح الذراعين خلجم ...
والمشبوح الذراعين العريضهما والخلجم: الطَّوِيل.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا ذكر لَهَا الْمُتْعَة
(2/470)

فَقَالَت: مَا نجد فِي كتاب الله الا النِّكَاح والاستسراء ثمَّ تلت: {وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم} .
يرويهِ يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة.
الاستسرار: التَّسَرِّي. وَكَانَ الْقيَاس أَن تَقول: الاستسراء من تسريت الا أَنَّهَا ردَّتْ الْحَرْف ألى أَصله.
قَالَ الْأَصْمَعِي: واصله تسررت من السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح. قَالَ الله جلّ وَعز: {وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا} . أَي: نِكَاحا. فأبدل من الرَّاء يَاء كَمَا يُقَال: تظنيت من الظَّن. وَالْأَصْل: تظننت وتمطيت وَأَصله: تمططت. لِأَنَّهُ من: مط يَده أَي: مدها. وكما قَالَ العجاج: من الرجز ... تقضي الْبَازِي اذا الْبَازِي كسر.
(2/471)

أَرَادَ: تقضض. وَمثله كثير. وَقَالَ الْفراء: سَرِيَّة. فعلية منسوبة الى السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح. الا أَنهم ضمُّوا أول الْحَرْف كَمَا يغيرون فِي النّسَب.
قَالُوا: قروي فِيمَن نسب الى: الْقرى. وأموي فِيمَن نسب الى أُميَّة.
وَقَالُوا: أموي أَيْضا على الْقيَاس. وَرجل دهري أُتِي عَلَيْهِ الدَّهْر.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة انه ذكر لَهَا قَول ابْن عمر عَن رَسُول الله فِي قَتْلَى بدر فَقَالَت: وَهل ابْن عمر.
بَلغنِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه.
قَوْلهَا: وَهل ابْن عمر تُرِيدُ: غلط. والوهل أَن يذهب وهمك الى الشَّيْء وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك. يُقَال: وهلت أهل وهلا. وَمثله وهمت الى الشَّيْء أهم وهما. اذا ذهب وهمك اليه. وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن رجل مَاتَ وَأوصى ببدنة أتجزىء عَنهُ بقرة فَقَالَ: نعم وَمِمَّنْ صَاحبكُم قيل لَهُ: من بني رياض فَقَالَ: وَمَتى اقتنت بَنو ريَاح الْبَقر الى الابل وهم صَاحبكُم.
أَي: ذهب وهمه.
(2/472)

فَأَما وهمت أوهم وهما فبمعنى غَلطت. وأوهمت بِالْألف أسقطت تَقول: أوهمت فِي كَلَامي وَفِي حسابي. وأوهمت فِي صَلَاتي رَكْعَة.
وَأما الوهل بِفَتْح الْهَاء: فَهُوَ الفزغ. يُقَال: وهلت أوهل وهلا فَأَنا واهل ووهلته توهيلا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت اذا سُئِلت عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع قَرَأت: {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم} الْآيَة. وَتقول ان البرمة لترى فِي مَائِهَا صفرَة.
يرويهِ سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة.
أَرَادَت أَن الله حرم الدَّم فِي كِتَابه وَقد يترخص النَّاس فِي مَاء اللَّحْم فِي الْقدر وَهُوَ دم وَلَا يجعلونه حَرَامًا فَكيف يقْضِي على مَا لم يحرمه الله بِالتَّحْرِيمِ وَلَيْسَت تَخْلُو أَن تكون علمت بنهي النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل لُحُوم السبَاع فَقَالَت: لَا تلحقوه بالمحرم واجعلوه مِمَّا كره أَو لَا تكون علمت بذلك أَو لم يَصح عِنْدهَا فَقَالَت: نَحن قد نترخص فِي مَاء البرمة وَفِي دم وَلَا
(2/473)

نحرمه فَكيف تَسْأَلُونِي عَمَّا قد أطلق الله فِي كِتَابه وَلم يحرمه.
وَقَالَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا أَرَادَت بيع رباعها فَقَالَ ابْن الزبير: لتنتهين أَو لاحجرن عَلَيْهَا. فَقَالَت: لله عَليّ أَن ُأكَلِّمهُ أبدا فاستعان عَلَيْهَا فبلأ ي مَا كَلمته.
يرويهِ مُحَمَّد بن كثير عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزهير عَن الطُّفَيْل بن الْحَارِث وَفِي الحَدِيث انها بعثت الى الْيمن فاشتريت لَهَا أَرْبَعُونَ رَقَبَة فأعتقتهم.
الرباع: الْمنَازل. وَاحِدهَا ربع. وَقَوْلها: لله عَليّ أَن ُأكَلِّمهُ. أَرَادَت: أَلا ُأكَلِّمهُ فحذفت لَا وَالْمعْنَى اثباتها كَقَوْل الله تبَارك وَتَعَالَى: يبين الله لكم أَن تضلوا.
وَتقول فِي الْكَلَام وَالله أفعل ذَلِك أبدا تُرِيدُ: لَا أَفعلهُ.
وَقَوله: فبلأي أَي: بعد مشقة وَجهد. قَالَ الشَّاعِر وَذكر فرسا: من الطَّوِيل ... فلأيا بلأي مَا حملنَا غلامنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله ...
أَي: جهدا بعد جهد مَا قَدرنَا على حمله على الْفرس.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث عَائِشَة انه بلغَهَا أَن أُنَاسًا يتناولون.
(2/474)

من أَبِيهَا فَأرْسلت الى أزفلة مِنْهُم فَلَمَّا حَضَرُوا قَالَت: أبي وَالله لَا تعطوه الْأَيْدِي ذَلِك طود منيف وظل مديد نجح اذ أكديتم وَسبق اذ ونيتم سبق الْجواد اذا استولى على الأمد فَتى قُرَيْش ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويرش مملقها ويرأب شعبها حَتَّى حليته قلوبها ثمَّ استشرى فِي دينه فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله حَتَّى اتخذ بفنائه مَسْجِدا يحيى فِيهِ مَا أمات المبطلون. وَكَانَ وقيذ الجوانح غزير الدمعة شجي النشيج فانصفقت اليه نسوان مَكَّة.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى - فأصفقت اليه - ولدانها يسخرون مِنْهُ ويستهزئون بِهِ. وَالله يستهزىء بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون. وأكبرت ذَلِك رجالات قُرَيْش فحنت لَهَا قسيها وامتثلوه غَرضا فَلَمَّا فلوا لَهُ صفاة وَلَا قصموا لَهُ قناة.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَلَا قصفوا لَهُ قناة حَتَّى ضرب الْحق بجرانه وَألقى بركه ورست أوتاده فَلَمَّا قبض الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرب الشَّيْطَان روقه وَمد طنبه وَنصب جبائله واجلب بخيله وَرجله وظنت رجال أَن قد أكثبت أطماعهم ولات حِين الَّذِي يرجون وأنى وَالصديق بَين أظهرهم وفقام حاسرا مشمرا قد جمع حَاشِيَته وَضم قطريه فَرد نشر الاسلام على غره واقام أوده بثقافه فابذعر النِّفَاق بوطأته وانتاش الدّين بنعشه حى أراح الْحق على أَهله وَقرر الرؤوس على كواهلها وحقن الدِّمَاء فِي المعدلة ذَاك ابْن الْخطاب لله أم حفلت لَهُ وَدرت عَلَيْهِ لقد أوحدت بِهِ ففنخ الْكَفَرَة وديخها
(2/475)

وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض وبخعها فقاءت أكلهَا ولفظت خبيئها ترأمه ويأباها وتريده ويصدف عَنْهَا ثمَّ وزع فِيهَا فَيْئهَا ثمَّ تَركهَا كَمَا صحبها فأروني مَاذَا ترتأون وَأي يومى أبي تَنْقِمُونَ أيوم اقامته اذ عدل فِيكُم ام يَوْم طعنه فقد نظر لكم اقول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن عَليّ بن عبد الرحمن الْجَزرِي عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن عَليّ بن حُسَيْن عَن يحيى بن سُوَيْد السدُوسِي.
وَرُوِيَ لي عَن الْعُتْبِي وَعَن غَيره فَجمعت بَين الرِّوَايَات فَوَجَدتهَا مُتَقَارِبَة وأصلحت بَعْضهَا من بعض.
الأزفلة: الْجَمَاعَة من النَّاس وَكَذَلِكَ الثبة والزرافة. وَلَيْسَ لذَلِك عدد بِعَيْنِه.
لَا تعطوه الْأَيْدِي: لَا تتناوله وَلَا تبلغه. يُقَال: عطوت اذا تناولت. وَقَالَ الشَّاعِر وَذكر ظَبْيَة: من الطَّوِيل
... وتعطو بظلفيها اذا الْغُصْن طالها ...
والطود: الْجَبَل الْعَظِيم والمنيف: المشرف. يُقَال: أناف على كَذَا أَي: أشرف. وَمِنْه يقا لَك مائَة ونيف انما
(2/476)

هُوَ شَيْء زَائِد بعد الْمِائَة كَأَنَّهُ أظل.
وَقَوْلها: نجح من النجاح وَهُوَ الظفر بِالْحَاجةِ. يُقَال: أنجح الله حَاجته فنجحت وانجحه الله فنجح.
وَقَوْلها: أذا أكديتم تُرِيدُ: اذ خبتم وَلم تظفروا وَهُوَ من الكدية مَأْخُوذ. وَذَلِكَ أَن يحْفر الْحَافِر ليستنبط المَاء فاذا بلغ الكدية وَهِي الصلابة قطع لِأَنَّهُ ييأس من المَاء فَيُقَال: أكدى فلَان فَضرب ذَلِك مثلا لمن طلب شَيْئا فَلم يظفر بِهِ.
وَقَوْلها: سبق اذ ونيتم وَهُوَ من الونى. والونى مَقْصُور الفتور. يُقَال: ونى يني ووني يونا.
وَقَوْلها: استولى على الأمد أَي: على الْغَايَة. يُقَال: لَيْسَ لعذاب الْكَافِر أمد.
وَقَوْلها: يفك عانيها يَعْنِي: أَسِيرهَا أَي: يفتديه. وَمِنْه الحَدِيث: النِّسَاء عنْدكُمْ عوان: أَي: أسَارِي. وأصل التعنية: طول الْحَبْس.
وَقَوْلها: ويريش مملقها. والمملق: الْفَقِير. اي: يُغْنِيه. وَأَصله من الريش. كَأَن المعدم لَا نهوض بِهِ مثل المقصوص من الطير والمنتوف الريش. فأذا كسي نَهَضَ وطار. فَجعل الريش لِلْمَالِ مثلا وللباس.
وَقَوْلها: ويرأب شعبها أَي: يشده. والشعب: الصدع. تَقول: اذا اخْتلفت وافترقت لأم بَينهَا. وَمِنْه يُقَال لمصلح البرام المتكسرة: شعاب.
(2/477)

وَقَوْلها: ثمَّ استشرى فِي دينه. أَي: تَمَادى ولج. يُقَال: شري الْبَرْق واستشرى اذا تتَابع لمعانه. واستشرى الْفرس اذا جد فِي سيره بِلَا فتور وَلَا انكسار.
وَقَوْلها: فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله أَي: شدَّة نَفسه وأنفته. يُقَال: فلَان شَدِيد الشكيمة اذا كَانَ عَزِيز النَّفس أنفًا.
وَقَوْلها: وقيذ الجوانح. والجوانح: الضلوع الْقصار الَّتِي تلِي الْفُؤَاد واحدتها جانحة. والوقيذ: العليل الشَّديد الْعلَّة. يُقَال قد وقذته الْعلَّة وانما أَرَادَت أَنه عليل الْقلب محزونه. فَقَالَت: وقيذ الجوانح لِأَن الْقلب يَليهَا.
وَقَوْلها شجى النشيج: والنشيج: الصَّوْت مَعَه توجع. وَيُقَال: النشيج فِي الْبكاء مثل بكاء الصَّبِي اذا ردده فِي صَدره ثمَّ يُخرجهُ. وَمِنْه قيل لصوت الْحمار: نشيج. يُرِيد: انه يخزن ببكائه أَو بِصَوْتِهِ من سَمعه. والشجو: الْحزن. وَمِنْه قَالَت الشُّعَرَاء: أشجاك الرّبع وَقيل: بَكَى شجوه. وَيُقَال: شجوت الرجل أشجوه شجوا اذا أحزنته وأشجيته: أغصصته. وَيُقَال مِنْهُمَا: شجى يشجى شجا.
وَقَوْلها: فأصفقت لَهُ نسوان مَكَّة أَي: اجْتَمعْنَ. يُقَال: أصفق النَّاس على تأمير فلَان اذا اجْتَمعُوا وصفقوا لَهُ بالبيعة ضربوا بِأَيْدِيهِم على يَده. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي البيع.
وَقَوْلها: وَلَا قصموا لَهُ قناة أَي: لم يكسروها. وَمِنْه يُقَال: قَصم الله ظَهره. وَكَذَلِكَ قصفوا. وَمِنْه قيل: ريح قاصف اي: يقصف الشّجر والبنيان.
وَلَا فلوا لَهُ صفاة. والصفاة: الصَّخْرَة. وفلوا من
(2/478)

الفلول وَهُوَ الْكسر. يُقَال: فِي السَّيْف فلول اذا كَانَ فِي حَده تثلم. قَالَ النَّابِغَة: من الطَّوِيل ... وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب ...
وَلَا أَحْسبهُ قيل للمهزوم مفلول الا من هَذَا. كَأَنَّهُ كسر.
وَقَوْلها: ضرب الْحق بجرانه أَي: ثَبت وَأقَام. والجران: الصَّدْر وَكَذَلِكَ البرك وَالْأَصْل فِيهِ أَن يبرك الْبَعِير فَيضْرب بصدره الأَرْض. فَقيل ذَلِك للشَّيْء اذا ثَبت وَأقَام وَاسْتقر.
وَقَوْلها: ورست أوتاده أَي: ثبتَتْ. وكل شَيْء نبت فقد رسا يرسو.
وَقَوْلها: ضرب الشَّيْطَان روقه. والروق الرواق. وَهُوَ مَا بَين يَدي الْبَيْت. قَالَ الْأَصْمَعِي: رواق الْبَيْت سماوته وَهِي الشقة الَّتِي دون الْعليا. قَالَ الشَّاعِر وَذكر الْعَينَيْنِ: من الطَّوِيل ... لكلتيهما روق الى جنب مخدع ...
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: قد لغز الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَقد وصف عَيْني النَّاقة وَقَالَ: لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا رواق ومخدع. فَجعل حاجبها شبه الرواق وداخل الْعين شبه مخدع.
(2/479)

وكل شَيْء دخل فِي شَيْء فقد خدع يُقَال: خدع الرمش والأطناب: الحبال الَّتِي يشد بهَا الْفسْطَاط. وَهِي الأواخي أَيْضا وَاحِدهَا طُنب.
والحبائل: جمع حبالة الصَّائِد وأرادت أَن الشَّيْطَان بعد وَفَاة رَسُول الله أَقَامَ بَينهم يستغويهم وَينصب لَهُم المصايد.
وَقَوْلها: أكثبت أطماعهم أَي: قربت. والكثيب: الْقَرِيب قَالَ العجاج: من الرجز ... من الضُّحَى والمكثب المرئي ...
يَقُول: من قرب رُوِيَ. وَقَالَ النبى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَوْم بدر: ان اكثبكم الْقَوْم فأنبلوهم.
وَقَوْلها: قد جمع حَاشِيَته وَضم قطريه أَي: جانبيه. وأقطار الأَرْض: جوانبها. وانما أَرَادَت أَنه تحزم وشمر لتلافي الاسلام.
وَقَوْلها: فَرد نشر الاسلام على غره. والغر: الطي والغرور: مكاسر الْجَسَد وَاحِدهَا: غر.
رُوِيَ ان رؤبة بن العجاج اشْترى ثوبا من بزاز فَلَمَّا استوجبه قَالَ للبزاز: اطوه على غره أَي: على كَسره الأول. وَيُقَال للَّذي يطوي الثِّيَاب أَولهَا طيها حَتَّى تتكسر على طيه: القسامي.
قَالَ رؤبة: من الرجز ... طي القسامي برود العصاب ...
(2/480)

والعصاب: الغزال. تُرِيدُ: انه ورد مَا انْتَشَر من الاسلام الى حَاله الَّتِي كَانَت فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقَوْلها: وَأقَام أوده بثقافه أَي: عوجه بثقافه. والثقاف: مَا تقوم بِهِ الرماح ضَربته مثلا كَأَن الاسلام رمح اعوج فقومه بالثقاف. قَالَ عبيد: من مجزوء الْكَامِل ... انا اذا عض الثقاف بِرَأْس صعدتنا لوينا ...
وَيُقَال فِي مثل: دردب لما عضه الثقاف. أَي: خضع وذل. وَمثله بصبصن بالأذناب اذ حدينا.
وَقَوْلها: فابذعر النِّفَاق بوطأته أَي: وَطئه وطأ ثقيلا فابذعر أَي: تفرق وَمثله: اشفتر. وَقَوْلها: انتعاش الدّين بنعشه تُرِيدُ: انه استدركه واستنقذه بنعشه أَي: باقامته اياه من مصرعه. وَمِنْه يُقَال: انْتَعش العليل اذا أَفَاق وَقَامَ. وَيُقَال: نَعشك الله من هَذِه النكبة.
وَقَوْلها: حَتَّى أراح الْحق على أَهله أَي: رده قَالَ الْأَصْمَعِي: أرحت على الرجل حَقه رَددته عَلَيْهِ. وَأَصله: اراحة الرَّاعِي سائمته الى أَهلهَا. تَقول: لم يَدعه يشذ وَيذْهب وَلكنه أراحه كَمَا يرِيح الرَّاعِي غنمه.
(2/481)

وَقَوْلها: وَقرر الرؤوس على كواهلها تَقول: قد كَانَت الرؤوس على شفا ذهَاب بِوُقُوع الِاخْتِلَاف فأقرها على الكواهل أَو على مغارزها.
والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ وحقن الدِّمَاء فِي أهبها أَي: فِي الأجساد ضربت الأهب لَهَا مثلا لِأَنَّهَا أوعية للدم وَهُوَ مثل قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو جعل الْقُرْآن فِي اهاب ثمَّ ألقِي فِي النَّار مَا احْتَرَقَ أَي: فِي جَسَد. وَقد تقدم ذكر ذَلِك.
وَقَوْلها: ام حفلت عَلَيْهِ أَي: جمعت اللَّبن فِي ثديها. والمحفلة من الشَّاء هِيَ الَّتِي يجمع اللَّبن فِي ضرْعهَا ثمَّ يُبَاع. وَهِي الْمُصراة.
وَقَوْلها: لقد أوجدت بِهِ أَي: أَتَت بِهِ فَردا لَا نَظِير لَهُ.
وَقَوْلها: ففنخ الْكَفَرَة أَي: أذلها وقهرها. وَقَالَ العجاج: من الرجز ... تالله لَوْلَا أَن تحش الطَّبْخ ... بِي الْجَحِيم حِين لَا مستصرخ
لعلم الْجُهَّال أَنِّي مفنخ ...
وَقَوْلها: وديخها هُوَ بِمَنْزِلَة دوخها. وَفِي اللغتان جَمِيعًا الْوَاو وَالْيَاء. وَمثله قد وشوطه وشيطه وتوهه وتيهه وتصوح البقل وتصيح وتبيغ الدَّم وتبوغ وطوحه الله وطيحه.
وَقَوْلها: وسرد الشّرك شذر مذر أَي: فرقه وبدده فِي
(2/482)

كل وَجه وذهبوا أيادي سبأ أَو شعاليل أَي: تفَرقُوا. وبعج الأض أَي: شقها. تُرِيدُ فِي الزِّرَاعَة وَمِنْه يُقَال: بعجت بَطْنه أَي: شققته وبخعها أَي: نهكها بالحرث وَالزَّرْع وجهدها.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: بخعت لَهُ نَفسِي ونصحي أَي: جهدت لَهُ.
والباخع نَفسه المهلك نَفسه قَالَ الله جلّ وَعز: {لَعَلَّك باخع نَفسك أَلا يَكُونُوا مُؤمنين} .
وَقَوْلها: فقاءت أكلهَا. وَالْأكل اسْم مَا أكلت. وَالْأكل الْمصدر. وَمثله: الْغسْل وَالْغسْل فالغسل مصدر غسلت وَالْغسْل المَاء الَّذِي يغْتَسل بِهِ. وَكَذَلِكَ الظُّلم وَالظُّلم والدهن والدهن. وَأكل الأَرْض: الْبذر. تَقول: أَكلته وشربت مَاء الْمَطَر فقاءت ذَلِك حِين أنبتت. وَنَحْوه: لفظت خبيئها وَهُوَ فعيل فِي معنى مفعول من خبأت أَي: أَلْقَت مَا كَانَ
(2/483)

مخبوءا فِيهَا. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {يخرج الخبء فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} فخبء السَّمَوَات الْمَطَر وخبء الأَرْض: النَّبَات.
وَقَوْلها: ترأمه أَي: تعطف عَلَيْهِ كَمَا ترأم الْأُم وَلَدهَا والناقة حوارها فتشمه تترشفه. ويصدف عَنْهَا أَي: يعرض عَنْهَا. يُقَال: صدف عني بِمَعْنى صد عني.
(2/484)

- حَدِيث ام الْمُؤمنِينَ ام سَلمَة
وَقَالَ فِي حَدِيث أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت: مَا صدقت بِمَوْت رَسُول الله حَتَّى سَمِعت وَقع الكرازين.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعْنبِي عَن مَالك.
الكرازين: الفؤوس وَاحِدهَا: كرزين وكرزن. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... فقد جعلت أكبادنا تحتويكم ... كَمَا تحتوي سوق العضاه الكرازنا ...
وأرادت: أَنَّهَا لم تصدق بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعت وَقع الفؤوس فِي حفر قَبره.
وَكَانَ بَعضهم يذكر أَن الكرزين من الفؤوس مَا قطع بِهِ الشّجر ويحتج بِالْبَيْتِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
وَفِي الحَدِيث مَا دلّ على أَنه أَيْضا مَا حفر بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: الفأس هِيَ الَّتِي لَهَا رَأس. والحدأة الَّتِي لَهَا رأسان. والصاقور والمعول هُوَ الفأس الْكَبِيرَة الَّتِي يكسر بهَا الْحِجَارَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث أم سَلمَة انها قَالَت: ابْن صياد وَلدته
(2/485)

أمه وَهُوَ أَعور مَعْذُور مسرور.
يرويهِ سُفْيَان بن عبد الملك بن عُمَيْر عَن أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة. الْمَعْذُور: المختون. يُقَال: عذرت الْغُلَام وأعذرته اذا ختنته وَالطَّعَام الَّذِي يصنع فِي الْخِتَان يُسمى: الاعذار. وَبَعْضهمْ يرويهِ: مختون مسرور. والمسرور: الْمَقْطُوع السرر والسرر والسر: مَا تقطعه الْقَابِلَة. يُقَال: سررت الْغُلَام سرا والسرة مَا يبْقى.
وَقَالَ فِي حَدِيث أم سَلمَة أَنَّهَا أَتَت عَائِشَة لما أَرَادَت الْخُرُوج الى الْبَصْرَة فَقَالَت لَهَا: انك سدة بَين رَسُول الله وَأمته وحجابك مَضْرُوب على حرمته. وَقد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه وَبَعْضهمْ يرويهِ: فَلَا تبدحيه وَسكن عقيراك فَلَا تصحريها الله من وَرَاء هَذِه الْأمة. لَو أَرَادَ رَسُول الله أَن يعْهَد اليك عهدا علت علت بل قد نهاك رَسُول الله عَن الفرطة فِي الْبِلَاد ان عَمُود الاسلام لَا يُثَاب بِالنسَاء ان مَال وَلَا يرأب بِهن ان صدع
(2/486)

حماديات النِّسَاء غض الْأَطْرَاف وخفر الْأَعْرَاض وَقصر الوهازة مَا كَانَت قائلة لَو أَن رَسُول الله عارضك بِبَعْض الفلوات ناصة قلوصا من منهل الى آخر ان بِعَين الله مهواك وعَلى رَسُول الله تردين قد وجهت سدافته يروي: سجافته وَتركت عهيداه وَلَو سرت مسيرك هَذَا ثمَّ قيل ادخلي الفردوس لاستحييت أَن القي مُحَمَّدًا هاتكه حِجَابا قد ضربه عَليّ. اجعلي حصنك بَيْتك ووقاعة السّتْر قبرك حَتَّى تلقيه وَأَنت على تِلْكَ أطوع مَا تكونين لله مَا لَزِمته وأنصر مَا تكونين للدّين مَا جَلَست عَنهُ. لَو ذكرتك قولا تعرفينه نهشته نهش الرقشاء المطرق.
فَقَالَت عَائِشَة رَحمهَا الله: مَا أقبلني لوعظك وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تظنين ولنعم الْمسير مسير فزعت الي فِيهِ فئتان متناحرتان اَوْ متناجزتان ان أقعد فَفِي غير حرج وان أخرج فالى مَا لَا بُد من الازدياد مِنْهُ.
حَدَّثَنِيهِ شيخ بِالريِّ من أهل الْأَدَب. ورأيته عِنْد بعض الْمُحدثين غير أَنه كَانَ لَا يُقيم أَلْفَاظه.
السدة: الْبَاب وَمِنْه حَدِيث رَسُول الله انه ذكر أول من يرد الْحَوْض فَقَالَ: الشعث رؤوسا الدنس ثيابًا الَّذين لَا تفتح لَهُم السدر وَلَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ.
وأرادت انك بَاب بَين النبى وَبَين النَّاس فَمَتَى أُصِيب ذَلِك الْبَاب
(2/487)

بِشَيْء فقد دخل على رَسُول الله فِي حريمه وحوزته واستبيح مَا حماه. تَقول: فَلَا تَكُونِي أَنْت سَبَب ذَلِك بِالْخرُوجِ الَّذِي لَا يجب عَلَيْك فتحوجي النَّاس الى أَن يَفْعَلُوا ذَلِك. وَهَذَا مثل قَول النُّعْمَان بن مقرن للْمُسلمين فِي غَزْوَة نهاوند: أَلا وانكم بَاب بَين الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين إِن كسر ذَلِك الْبَاب دخل عَلَيْهِم مِنْهُ.
وَقَوْلها: وَقد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه أَي: لَا تفتحيه وتوسعيه بالحركة وَالْخُرُوج. يُقَال: ندحت الشَّيْء اذا وسعته. وَمِنْه يُقَال: أَنا فِي مندوحة عَن كَذَا أَي: فِي سَعَة. تُرِيدُ قَول الله جلّ وَعز: {وَقرن فِي بيوتكن} وان كَانَ الْمَحْفُوظ: تبدحيه فانه من البداح وَهُوَ المتسع من الأَرْض. وَهُوَ بِمَعْنى الأول.
وَقَوْلها: وَسكن عقيراك من عقر الدَّار وَهُوَ أَصْلهَا. وَأهل الْحجاز يضمون الْعين وَأهل نجد يفتحونها. يُقَال: أخرج فلَان من عقر دَاره أَي: من أَصْلهَا. فَكَأَن عقيري اسْم مَبْنِيّ من ذَاك على التصغير. وَمثله مِمَّا جَاءَ مُصَغرًا: الثريا والحميا وَهِي سُورَة الشَّرَاب. والبقيري وَهِي لعبة للصبيان. وَلَو أسمع بعقيري الا فِي هَذَا الحَدِيث.
(2/488)

وَقَوْلها: فَلَا تصحريها أَي: لَا تبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصحراء. يُقَال: أصحرنا اذا أَتَيْنَا الصَّحرَاء. كَمَا يُقَال: أنجدنا وأحزنا وأسهلنا اذا أَتَيْنَا نجدا والسهل والحزن.
وَقَوْلها: علت علت. من الْعَوْل. والعول: الْميل والجوز. يُقَال: عَال فلَان يعول عولا اذا جَار. قَالَ الله جلّ وَعز: {ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا} وَسمعت من يرويهِ: علت بكشر الْعين. فان كَانَ ذَلِك هُوَ الْمَحْفُوظ فان علت بِمَعْنى: غرت علت. يُقَال: عَال فِي الْبِلَاد اذا ذهب فَهُوَ يعيل. وَمِنْه قيل للذئب: عِيَال.
والفرطة فِي الْبِلَاد من الفرط. والفرط: السَّبق والتقدم. يُقَال: فرطتم الى المَاء اذا سبقتهم. والفارط الى المَاء هُوَ الْمُتَقَدّم لتهيئة الدلاء واصلاح الأرشية. وَيُقَال فرط مني كَلَام لم أحببه. أَي: سبق مني. فَكَأَن الفرطة الفعلة الْوَاحِدَة من فرطت. والفرطة اسْم لِلْخُرُوجِ والتقدم. مثل غرفَة وغرفة وحسوة وحسوة. وَيُقَال فِي فلَان فرطة وفروطية اي: تقدم وَسبق.
(2/489)

قَالَ الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل ... وَكنت امْرَءًا فِي الوعث مني فروطة ... فَكل ريود حالق أَنا واثب ...
وَقَوْلها: ان عَمُود الاسلام لَا يُثَاب بِالنسَاء ان مَال. أَي: لَا يرد بِهن الى استوائه. من قَوْلك: ثَبت الى كَذَا أَي: عدت اليه وناب اليه جِسْمه اذا رَجَعَ وَلَا يرأب بِهن ان صدع أَي: لَا يشد بِهن. يُقَال: رأبت الصدع ولأمته اذا شددته فانضم. وَهَكَذَا رَوَاهُ لي: صدع. فان كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فانه يُقَال: صدعت الزجاجة فصدعت الزجاجة فصدعت كَمَا يُقَال: جبرت الْعظم فجبر والا فانه: وَلَا يراب بِهن ان صدع أَو: أنصدع.
وَقَوْلها: حماديات النِّسَاء هُوَ جمع حمادي. يُقَال: قصاراك ان تفعل ذَاك وحماداك كَأَنَّهُ تَقول: جهدك وغايتك.
غض الْأَطْرَاف يَعْنِي: جمع طرف الْعين. وخفر الاعراض والخفر: الْحيَاء. والاعراض هُوَ أَن يعرضن عَن كل مَا كره لَهُنَّ أَن ينظرن اليه. أَي: لَا يلتفتن نَحوه. من قَوْلك: أَعرَضت عَن فلَان فَأَنا عَنهُ معرض. اذا لم ألتفت اليه. وان كَانَت الرِّوَايَة: الْأَعْرَاض بِفَتْح الْهمزَة فانه جمع عرض وَهُوَ الْجَسَد.
(2/490)

أَرَادَت انهن للخفر ينشرن. يُقَال: فلَان طيب الْعرض. أَي: طيب ريح الْبدن.
وَقَوْلها: وَقصر الوهازة. فَقَالَ لي الْمُحدث بِالْحَدِيثِ: سَأَلت أَعْرَابِيًا عَالما فصيحا عَن الوهازة فَقَالَ: هِيَ الخطو. يُقَال للرجل هُوَ متوهز ومتوهس اذا وطىء وطأ ثقيلا. قَالَ ابْن مقبل يصف النِّسَاء: من الطَّوِيل ... يمحن بأطراف الذيول عَشِيَّة ... كَمَا وهز الوعث الهجان المزنما ...
شبه مشيهن بمشي ابل فِي وعث قد شقّ عَلَيْهِنَّ فثقل وطؤهن. والوعث: مَا ساحت فِيهِ الرجل من الرمل وَالتُّرَاب.
وَقَوْلها: ناصة قلوصا من مهل. أَي: رَافِعَة لَهَا فِي السّير وَالنَّص: سير مَرْفُوع. وَمِنْه يُقَال: نصصت الحَدِيث الى فلَان اذا رفعته اليه.
قَالَ عَمْرو بن دِينَار: مَا رَأَيْت أحدا أنص للْحَدِيث من الزُّهْرِيّ.
والسدافة أَو السدافة: الْحجاب والستر. وَهُوَ اسْم مَبْنِيّ من:
(2/491)

أسدف اللَّيْل اذا ستر بظلمته. كَأَنَّهُ أرْخى سدولا من الظلام وَهِي الستور. وَكَذَلِكَ السدف انما هِيَ شَيْء يُرْسل من الظلام فِي الضَّوْء أَو شَيْء يُرْسل من الضَّوْء فِي الظلام. وَلذَلِك جعلُوا السدفة الظلمَة وجعلوها الضَّوْء. قَالَ عَلْقَمَة الثَّقَفِيّ: كنت فِي الْوَفْد الَّذين قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضرب قبتين فَكَانَ بِلَال يأتينا بفطورنا وَنحن مسفرون جدا حَتَّى وَالله مَا نحسب الا أَن ذَاك شَيْء يبتار بِهِ اسلامنا. وَكَانَ يأتينا بِطَعَامِنَا للسحور وَنحن مسدفون. فَيكْشف الْقبَّة فيسدف لنا طعامنا.
قَوْله: وَنحن مسدفون أَي: داخلون فِي السدفة وَهُوَ الضَّوْء هَاهُنَا.
وَكَذَلِكَ قَوْله: فيسدف لنا أَي: يضيىء.
وَأَرَادَ: أَنه كَانَ يعجل الفطور وَيُؤَخر السّحُور.
والسجافة نَحْو السدافة. والسجف: السّتْر وَلَو اردت أَن تبني من سدل اللَّيْل اذا اظلم اسْما مثل سدافة لَقلت: سدالة.
غير اني لم أسمع بِهِ وانما نتكلم فِيمَا جَاءَ وننتهي الى حَيْثُ انْتَهوا فَيجوز أَن يكون ذَلِك الْحجاب السّتْر وَيجوز ان يكون بَاب الْبَيْت فقد
(2/492)

سمي سدفة قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... وَلَا يرى بسدفة الْأَمِير ...
وبسدة أَيْضا يُرِيد الْبَاب. وَيجوز أَن يكون دَاخل الْبَيْت لِأَنَّهُ حجاب وَستر.
وَقَوْلها: وجهت سدافته تُرِيدُ: أخذت وَجههَا. أَي: هتكت السّتْر يدلك على ذَلِك قَوْلهَا: لَو قيل لي ادخلي الفردوس لاستحيت أَن ألْقى مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاتكة حِجَابا قد ضربه عَليّ قَالَ العجاج يصف جَيْشًا كثيرا: من الرجز ... يُوَجه الأَرْض ويستاق الشّجر ...
أَرَادَ: يَأْخُذ وَجه الأَرْض. وَيجوز أَن يكون أَرَادَت بقولِهَا: وجهتها أزلتها من مَكَانهَا الَّذِي أمرت أَن تلْزمهُ وجعلتها أمامك. ووقاعة السّتْر موقعه على الأَرْض اذا أَرْسلتهُ. وَهِي موقعته أَيْضا. وَكَذَلِكَ موقعة الطَّائِر. والرقشاء: الأفعى سميت بذلك للترقيش فِي ظهرهَا وَهُوَ النقط. والجرادة أَيْضا رقشاء. قَالَ النَّابِغَة: من الطَّوِيل ... فَبت كَأَنِّي ساورتني ضئيلة ... من الرقش فِي أنيابها السم ناقع ...
وَهِي تُوصَف بالاطراق وَكَذَلِكَ الْأسد والنمر. قَالَ
(2/493)

الشَّاعِر وَذكر أَفْعَى: من السَّرِيع ... أَصمّ أعمى مَا يُجيب الرقى ... من طول اطراق واسبات ...
جعله أعمى من طول الاطراق وأصم لِأَنَّهُ لَا يُجيب الراقي فَكَأَنَّهُ لَا يسمع.
(2/494)

- حَدِيث أم أَيمن
وَقَالَ فِي حَدِيث أم أَيمن أَنَّهَا هَاجَرت الى الْمَدِينَة فِي لهبان الْحر فاستعطشت فدلي إِلَيْهَا دلو من السَّمَاء فَشَرِبت حَتَّى أراحت.
يرويهِ الْوَلِيد بن مُسلم عَن سعيد بن عبد العزيز.
يُقَال: أراح الرجل اذا رجعت اليه نَفسه بعد جهد من عَطش أَصَابَهُ أَو اعياء. قَالَ الراجز: من الرجز ... يرِيح بعد النَّفس الحفوز ... اراحة الجداية النفوز ...
وَلَا أرى قَوْلهم للانسان اذا مَاتَ: أراح الا من هَذَا كَأَنَّهُ يكون فِي جهد من السِّيَاق وعلز الْمَوْت فاذا مَاتَ أراح أَي: استراح من ذَلِك.
(2/495)

- حَدِيث زَيْنَب بنت ام سَلمَة
وَقَالَ فِي حَدِيث زَيْنَب أَنَّهَا قَالَت: كَانَت الْمَرْأَة اذا توفّي عَنْهَا زَوجهَا دخلت حفشا ولبست شَرّ ثِيَابهَا وَلم تمس طيبا وَلَا شَيْئا حَتَّى تمر سنة ثمَّ تُؤْتى بِدَابَّة: حمَار أَو شَاة أَو طير فتفتض بِهِ فقلما تفتض بِشَيْء الا مَاتَ.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعبني عَن مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن حميد بن نَافِع عَن زَيْنَب.
أما الحفش فقد تقدم ذكره فِي أول الْكتاب وفسرته.
وَقَوْلها: تفتض هُوَ من فضضت الشَّيْء اذا كَسرته أَو فرقته. وَمِنْه: فض خَاتم الْكتاب. وَقَول الله جلّ وَعز: {لانفضوا من حولك} وأرادت أَنَّهَا كَانَت تكون فِي عدَّة من زَوجهَا فتكسر مَا كَانَت فِيهِ وَتخرج مِنْهُ بالدابة.
وَبَعض الْمُحدثين يرويهِ: فتقبض بِهِ. وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ
(2/496)

مَالك. رَأَيْت الْحِجَازِيِّينَ جَمِيعًا يَرْوُونَهُ. وسألتهم عَن ذَلِك الافتضاض كَيفَ هُوَ فَذكر لي رجل مِنْهُم يكنى أَبَا يُونُس أَن الْمُعْتَدَّة كَانَت لَا تَغْتَسِل وَلَا تمس مَاء وَلَا تقلم ظفرا وَلَا تستاك وَلَا تنتف من وَجههَا شعرًا ثمَّ تخرج بعد الْحول بأقبح منظر ثمَّ تفتض بطائر تمسح بِهِ قبلهَا وتنبذه فَلَا يكَاد يعِيش.
تمّ حَدِيث الصَّحَابَة وَالْحَمْد لله وَحده.
(2/497)

- أَحَادِيث التَّابِعين وَمن بعدهمْ
(2/498)

- حَدِيث كَعْب الْأَحْبَار
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب أَنه قَالَ: تمسك النَّار يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تبص كَأَنَّهَا متن اهالة فاذا اسْتَوَت عَلَيْهَا أَقْدَام الْخَلَائق نَادَى مُنَاد: أمسكي أَصْحَابك ودعي أَصْحَابِي فتخنس بهم فَيخرج مِنْهَا الْمُؤْمِنُونَ ندية ثِيَابهمْ.
حَدَّثَنِيهِ الزيَادي قَالَ: حدّثنَاهُ عبد الْوَارِث بن سعيد قَالَ: حدّثنَاهُ الْجريرِي عَن أبي السَّلِيل عَن رجل عَن كَعْب.
قَوْله: تبص أَي تبرق. يُقَال: بص الشَّيْء ووبص وبصا وبصيصا اذا برق.
والاهالة: الدسم. قَالَ أَبُو زيد: الاهالة الشَّحْم أَو الزَّيْت.
وروى مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يدعى الى خبز الشّعير والاهالة السنخة فيجيب.
(2/499)

قَالَ ابْن الاعرابي: انما قيل صحراء الاهالة لسرعة المَاء بهَا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال مِنْهُ أَنا كحاقن الاهالة يُرَاد اني عَالم بِهِ.
وحاقن الاهالة لَا يخفيها حَتَّى يروزها وَيدخل اصبعه فِيهَا ينظر أمكنت أم لم تمكن ثمَّ يخفيها لِئَلَّا يخترق السقاء.
والسنخة: المتغيرة الرّيح لطول الْمكْث. يُقَال: سنخ الدّهن يسنخ ونمس ينمس فاستعار ذَلِك فِي الدسم.
وَقَوله: فتخنس بهم أَي: تجتذبهم وتتأخر بهم: كَمَا تخنس النُّجُوم الخنس وكما يخنس الشَّيْطَان اذا ذكر الله.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب أَنه ذكر دَارا فِي الْجنَّة ووصفها فَقَالَ: لَا ينزلها الا نَبِي أَو صديق أَو شَهِيد أَو مُحكم فِي نَفسه أَو امام عَادل.
حدّثنَاهُ اسحق بن رَاهَوَيْه: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَلمَة ابْن نبيط عَن عبيد بن أبي الْجَعْد عَن كَعْب.
قَالَ اسحق وَغَيره: الْمُحكم فِي نَفسه هُوَ الَّذِي يُخَيّر بَين الشّرك بِاللَّه أَو الْقَتْل فيختار الْقَتْل فَيقْتل وَلَا يُشْرك.
(2/500)

وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب انه قَالَ: أَن الله بَارك للمجاهدين فِي صلييان أَرض الرّوم كَمَا بَارك لَهُم فِي شعير سورية.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن صَفْوَان ابْن عَمْرو عَن كَعْب. قَالَ مُعَاوِيَة: سورية: الشَّام. وَأَنا أَحسب الِاسْم بالرومية. والصليان شجر تَأْكُله الْخَيل. واحده: صليانة. وأنشدني بعض البغداديين لبَعض الرجاز يذكر ابلا: من الرجز ... ظلت تلوذ أمس بالصريم ... وصليان كسبال الرّوم
ترشح الا مَوضِع الوسوم ...
والصريم: قِطْعَة من الشّجر. قَالَ: وانما شبه الصليان بسبال الرّوم لِأَن فِيهِ صهوبة.
وَقَوله: ترشح الا مَوضِع الوسوم يُرِيد: أَنَّهَا تعرق كلهَا الا مَوضِع الوسم مِنْهَا. وَيُقَال: ان مَوضِع الوسم بالنَّار لَا يعرق.
وَأما قَول قُتَيْبَة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فِي خطبَته: الْعَصَا من العصية وحول الصليان الزمزمة فان الزمرمة
(2/501)

الصَّوْت. وَكَذَلِكَ الزهرمة قَالَ الآخر: ... لَهُ زهزم كالمغن ...
وانما جعل الزمزمة حول الصليان لِأَن الصليان يقطع للخيل الَّتِي لَا تفارق الْحَيّ مَخَافَة الْغَارة فالأصوات حوله. وَمن قَالَ الزمزمة فان الزمزمة الْجَمَاعَة من النَّاس. قَالَ أَبُو زيد: الْخَمْسُونَ وَنَحْوهَا.
وَقَوله: الْعَصَا من العصية أَرَادَ أَن الْأَمر الْكَبِير يكون أَوله صَغِيرا كَمَا تكون الْعَصَا الْعَظِيمَة من الْغُصْن الدَّقِيق وَلَا أَرَاهُم قَالُوا: زَمْزَم الا لصوت المَاء حِين ظهر.
وروى سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: انما سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا مُشْتَقَّة من الهزمة يَعْنِي: هزمة جِبْرِيل صلى الله عَلَيْهِ بعقبه وَلَيْسَت زَمْزَم على طَرِيق اللُّغَة من الهزمة فِي شَيْء. والهزمة الكسرة فِي الأَرْض حَتَّى تصير فِيهَا كالنقرة. والتهزم: التكسر. وَأَرَادَ كَعْب أَن الله بَارك للمجاهدين فِي هَذَا الشّجر فَهُوَ يقوم لدوابهم مقَام الشّعير ويقويها كَمَا يقويها الشّعير.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب أَن عمر قَالَ لَهُ: لأي ابْني آدم كَانَ النَّسْل فَقَالَ: لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا نسل أما الْمَقْتُول فدرج
(2/502)

وَأما الْقَاتِل فَهَلَك نَسْله فِي الطوفان. وَالنَّاس من بني نوح ونوح من بني شبث بن آدم.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي وَهُوَ سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي عَن سَلمَة بن عَلْقَمَة الْمَازِني.
قَوْله: درج أَي: مَاتَ وَذهب. وَمِنْه يَقُول النَّاس: فلَان أكذب من دب ودرج. أَي: أكذب الْأَحْيَاء والأموات. قَالَ الشَّاعِر: من الْبَسِيط ... قَبيلَة كشراك النَّعْل دارجة ... ان يهبطوا الْعَفو لَا يُوجد لَهُم أثر ...
دارجة أَي: منقرضة. وَالْعَفو: الْموضع الَّذِي لم يُوطأ وجعلهم كشراك النَّعْل فِي الذلة.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب أَنه ذكر ملحمة للروم فَقَالَ: لله مأدبة من لُحُوم الرّوم بمروج عكا.
يرويهِ أَبُو الْعَوام عَن بَقِيَّة عَن ابْن ثَوْبَان عَن تبيع عَن كَعْب.
المأدبة: الطَّعَام الَّذِي يجْتَمع اليه النَّاس أَي طَعَام كَانَ يُقَال
(2/503)

آدب فلَان الْقَوْم يأدبهم اذا جمعهم. وَهُوَ من المأدبة. وَقَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... وَكَيف قتالي معشرا يأدبونكم ... على الْحق الا تأشبوه بباطل ...
وَأَرَادَ كَعْب أَن الله يقتل الرّوم بمروج عكا فتنتاب لحومهم السبَاع وَالطير تَأْكُل مِنْهَا فَكَأَن ذَلِك مأدبة لله.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب انه قَالَ: قَالَ الله لرومية اني أقسم بعزتي لأسلبن تاجك وحليتك ولأهبن سبيك لبني قاذر ولأدعنك جلحاء.
يرْوى بالاسناد الأول.
بَنو قاذر بنواسماعيل بن ابراهيم صلى الله عَلَيْهِمَا. يُرِيد: الْعَرَب.
وَقَوله: لأدعنك جلحاء أَي: لاحصن عَلَيْك. وَيُقَال للبقر الَّتِي لَا قُرُون لَهَا: جلح قَالَ الْهُذلِيّ قيس بن خويلد: من الطَّوِيل ... فسكتهم بالْقَوْل حَتَّى كانهم ... بواقر جلح أسكتتها المراتع ...
(2/504)

والحصون تشبه بالقرون لِأَنَّهَا تمنع من تحصن بهَا كَمَا تمنع الْبَقر قُرُونهَا وَلذَلِك قيل لَهَا: صياصي. فاذا ذهبت الْحُصُون جلحت الْقرى فَصَارَت بِمَنْزِلَة الْبَقر الَّتِي لَا قُرُون لَهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب انه قَالَ لابي عُثْمَان النَّهْدِيّ: الى جانبكم جبل مشرف على الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: سَنَام فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: فَهَل الى جَانِبه مَاء كثير السافي قَالَ: نعم. قَالَ: فانه أول مَاء يردهُ الدَّجَّال من مياه الْعَرَب.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَليّ بن زيد عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ.
السافي: الرّيح تسفي التُّرَاب. والسافي: التُّرَاب أَيْضا اذا حَملته الرّيح. وَهُوَ السافياء مَمْدُود. وَالْمَاء الَّذِي يقرب من سَنَام يُقَال لَهُ: سفوان وَقد ذكرته الشُّعَرَاء. وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا ذل على أَنه انما سمي سفوان لِأَن الرّيح تسفي عَلَيْهِ فِيهِ. والسفا مَقْصُور: التُّرَاب. قَالَ الشَّاعِر يذكر رجلا: من الطَّوِيل ... وَحَال السفا بيني وَبَيْنك والعدى ... وَرهن السفا غمر الطبيعة ماجد ...
(2/505)

والعدى هَاهُنَا: الْبعد.
وَقَالَ فِي حَدِيث كَعْب أَنه ذكر الْجنَّة فَقَالَ فِيهَا: هُنَا بير مسك يبْعَث الله عَلَيْهَا ريحًا تسمى: المثيرة فتثير ذَلِك الْمسك على وجوهم.
من حَدِيث جرير بن حَازِم عَن حميد بن هِلَال عَن بشير بن كَعْب عَن كَعْب.
الهنابير: رمال مشرفة واحدتها: هنبورة وَهِي مِمَّا قلب. وَالْأَصْل: نهابير وَاحِدهَا: نهبور. وَقد ذكرتها فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ. وَيجوز أَن يكون هنابير أنابير جمع أنبار ثمَّ تقلب الْهمزَة هَاء كَمَا يُقَال: هرقت وأرقت. وهبرية وابرية.
(2/506)

- حَدِيث شُرَيْح بن الْحَارِث القَاضِي
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَن امْرَأتَيْنِ اختصمتا اليه فِي ولد هرة فَقَالَ: القوها مَعَ هَذِه فان هِيَ قرت وَدرت واسبطرت فَهِيَ لنا وان هِيَ هرت وفرت واقشعرت فَلَيْسَ لَهَا.
وَمن وَجه آخر: وان هِيَ هرت وازبأرت.
حَدَّثَنِيهِ ابْن الْخَلِيل عَن ابْن الْمَدِينِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
قَوْله: اسبطرت. يُرِيد: امتدت للارضاع. يُقَال: اسبطر الشَّيْء اذا امْتَدَّ. وَمِنْه قيل للعنق من السّير مسبطر. قَالَ الْهُذلِيّ وَذكر نَاقَة: من المتقارب ... وَمن سَيرهَا الْعُنُق المسبطر ... والعجرفية بعد الكلال ...
(2/507)

أَي: الممتد. وازبأرت: اقشعرت وتنفشت. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس يصف فرسا: من المتقارب ... لَهَا تنن كخوافي العقا ... ب سود يفئن اذا تزبئر ...
والثنة الشّعْر الْمُتَعَلّق فِي مآخير قَوَائِمهَا. ويفئن: يكثرن. اذا تزبئر: أَي تتنفش.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَنه أبطل النفح الا أَن تضرب فتعاقب.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ: حدّثنَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ.
وَأَرَادَ الدَّابَّة تنفح برجليها وانه كَانَ يُبطلهُ وَلَا يلْزم صَاحبهَا شَيْئا الا أَن تضرب فتعاقب. أَي: تتبع ذَلِك رمحا. يقا ل: عَاقَبت كَذَا بِكَذَا اذا اتبعته اياه.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا اليه. فَقَالَ أَحدهمَا: ان هَذَا اشْترى مني أَرضًا من أَرض الْحيرَة وَقبض مني وصرها فَلَا هُوَ يرد الوصر وَلَا يعطيني الثّمن فَلم يجبهما بشىء حَتَّى قاما من عِنْده.
(2/508)

يرويهِ حَفْص عَن أَشْعَث عَن ابْن سِيرِين.
الوصر: فِيمَا أَحسب كتاب الشِّرَاء. يُرِيد: انه اشْترى الأَرْض مني وَأخذ كتاب شراءها وَالْأَصْل: اصر. ثمَّ قلبت الْهمزَة واوا كَمَا قَالُوا: ارث وَورث. وَهُوَ من: ورث. وَقَالُوا اكاف ووكاف. ووسادة. واسادة. وَقَالُوا للستر: اجاج ووجاج.
وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد. أَن أَحدهمَا قَالَ: اشْتريت من هَذَا أَرضًا. فَقلت: ادْفَعْ الي الاصر وانه يَأْبَى. فَقَالَ الآخر: انها أَرض جِزْيَة فَسكت شُرَيْح.
وانما سمي الْكتاب اصرا لِأَن الاصر: الْعَهْد. قَالَ الله جلّ وَعز: {وأخذتم على ذَلِكُم إصري} أَي: عهدي.
وَفِي الْكتاب مَا يَأْخُذهُ الْمُتَبَايعَانِ من الْعَهْد ويشترطانه. وَيجوز أَن يكون سمي اصرا لِأَنَّهُ يأصر الى الْحق أَي: يعْطف اليه. مثل يأظر وَمِنْه يُقَال: مَا بيني وَبَينه آصرة أَي: عاطفة رحم ولامودة.
وانما ترك شُرَيْح اجابتهما لِأَنَّهَا أَرض خراج. وَقد اخْتلف النَّاس فِيهَا فَكَانَ بَعضهم يترخص فِي بيعهَا وشرائها. وَبَعْضهمْ ينْهَى عَنهُ
(2/509)

فتوقف عَنهُ شُرَيْح.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَن رجلا قَالَ لَهُ: ابتعت من هَذَا شَاة فَلم أجد لَهَا لَبَنًا فَقَالَ شُرَيْح: لَعَلَّهَا لجبت ان الشَّاة تحلب فِي ربابها.
يرويهِ ابْن أبي زَائِدَة عَن اسماعيل بن أبي خَالِد.
قَوْله: لجبت أَي: خف لَبنهَا وَقل. يُقَال: شَاة لجبة ولجبات ولجاب. قَالَ أَبُو زيد: اللجبة من الْمعز خَاصَّة. وَمثلهَا من الضَّأْن: الجدود.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: اذا أَتَى على الشَّاة بعد نتاجها أَرْبَعَة أشهر فخف لَبنهَا وَقل فَهِيَ حِينَئِذٍ: لجبة. قَالَ الوَاقِفِي: من الْبَسِيط ... كَأَن أطباءها فِي الصَّيف اذا غزرت ... أَو لجبت أَو دنا مِنْهُنَّ تلجيب ...
وَقَوله: ان الشَّاة تحلب فِي ربابها يُرِيد: فِي قبل الْولادَة. يُقَال: شَاة رَبِّي بَيِّنَة الربَاب اذا ولدت. قَالَ أَبُو زيد: الربي من الْمعز وَمثلهَا من الضَّأْن: الرغوث وَيُقَال: ان ربَاب الشَّاة مَا بَين أَن تضع الى أَن يَأْتِي عَلَيْهَا شَهْرَان. فَأَرَادَ شُرَيْح: لَعَلَّك اشْتَرَيْتهَا بعد خُرُوجهَا من الربَاب. وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي تغرز فِيهِ وَحين صَارَت لجبة وَهِي الَّتِي خف لَبنهَا.
(2/510)

وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح ان رجلا جَاءَهُ فَقَالَ: اني طلقت امْرَأَتي تلافا وَهِي حَائِض. فَقَالَ: أما أَنا فَلَا أخلط حَلَالا بِحرَام.
انْتظر حَتَّى تطهر من حَيْضَتهَا ثمَّ تسأنف ثَلَاث حيض. ثمَّ لَا تحل لَك حَتَّى تنْكح زوجا غَيْرك.
يرويهِ هِشَام عَن لَيْث بن أبي سليم عَن الشّعبِيّ.
قَوْله: أما أَنا فَلَا أخلط حَلَالا بِحرَام. يُرِيد: لَا أحتسب بالحيضة الَّتِي وَقع فِيهَا الطَّلَاق من الْعدة. وَمن احتسب بهَا فقد خلط حَلَالا بِحرَام. أَلا ترى أَن الْمَرْأَة كَانَت حَلَالا للرجل فِي وَقت من أَيَّام تِلْكَ الْحَيْضَة فَلَمَّا طلق حرمت عَلَيْهِ فِي بَاقِي أَيَّام تِلْكَ الْحَيْضَة. فانقضت الْحَيْضَة وَالْمَرْأَة حَلَال فِي بَعْضهَا للرجل حرَام عَلَيْهِ فِي بَعْضهَا. ثمَّ أمره أَن تسْتَأْنف ثَلَاث حيض لِأَن الله جلّ وَعز أمرهَا أَن تَتَرَبَّص ثَلَاث قُرُوء فعلَيْهَا أَن تَأتي بهَا كوامل وَهِي مُحرمَة على الرجل فِي جَمِيع أَيَّامهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَنه كَانَ يَقُول: انما الْقَضَاء جمر فادفع الْجَمْر عَنْك بعودين.
يرويهِ وَكِيع عَن مسعر عَن أبي حُصَيْن.
العودان هَاهُنَا: الشَّاهِدَانِ. يُرِيد: توق النَّار بهما واجعلهما جنتك. وَهُوَ نَحْو قَوْله للشاهدين اذا حضرا. اني لم
(2/511)

أَدعكُمَا وَلَا أمنعكما ان قمتما واني متحرز بكما يَوْم الْقِيَامَة فتحرزا لأنفسكما.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح انه قَالَ: المعك طرف من الظُّلم. يرويهِ أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي اسحق.
المعك: المطل. يُرِيد: مطل الرجل غَرِيمه وَهُوَ واجده. قَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل ... أحبك حبا خالطته نصاحة ... وان كنت احدى اللاويات المواعك ...
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: دالكني حَقي مدالكة ومطلني مطلا ومعكني معكا ولواني ليانا وليا كُله وَاحِد.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَنه كَانَ يرد الحمارة من الْخَيل.
يرويهِ قبيصَة عَن سُفْيَان عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين. وَفِي الحَدِيث: انها الَّتِي تتبع الْحمر من الْخَيل وَلَا أعلمني سَمِعت هَذَا الا فِي هَذَا الحَدِيث وَلم أحفظ عَن أَصْحَاب اللُّغَة الا المحامر من الْخَيل وَاحِدهَا محمر.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الَّتِي تشبه الْحمير. والحامرة: جمَاعَة
(2/512)

الْحمير. وَمِنْه قيل لمَسْجِد بِالْبَصْرَةِ: مَسْجِد الحامرة. وَلَا أَحْسبهُ سَمَّاهَا: حمارة الا لدخولها فِي الْحمير واتباعها اياها فَكَأَنَّهَا حمارة مِنْهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَن رجلا اشْترى جَارِيَة وشرطوا: أَنَّهَا مولدة فَوَجَدَهَا تليدة فَردهَا شُرَيْح.
يرويهِ قبيصَة عَن سُفْيَان عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين.
التليدة هِيَ الَّتِي ولدت بِبِلَاد الْعَجم وحملت فَنَشَأَتْ فِي بِلَاد الْعَرَب. والمولدة: الَّتِي ولدت فِي بِلَاد الاسلام.
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ التليد مَا ولد عِنْد غَيْرك ثمَّ اشْتَرَيْته صَغِيرا فنبت عنْدك. والتلاد: مَا ولدت أَنْت وَهَذَا هُوَ مَا فسرناه.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَنه كَانَ لَا يُجِيز الاضطهاد وَلَا الضغطة.
(2/513)

يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين.
الاضطهاد: الظُّلم. والضغطة والعصرة من الْغَرِيم هُوَ أَن يمطل بِمَا عَلَيْهِ ويلوي بِهِ ثمَّ يَقُول لصَاحب المَال: تدع لي كَذَا وَتَأْخُذ الْبَاقِي معجلا فيرضى بذلك ويصالحه على شَيْء يَدعه لَهُ. فَكَانَ شُرَيْح لَا يُجِيز ذَلِك وَيلْزمهُ جَمِيع الشىء اذا رَجَعَ بِهِ صَاحب الْحق عَلَيْهِ. وَيَقُول: بينتك أَنه تَركه لَك وَهُوَ يقدر على أَخذه.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح أَن مُحَمَّدًا خَاصم غُلَاما لزياد اليه فِي برذونة بَاعهَا وكفل الْغُلَام فَقَالَ مُحَمَّد: حيل بيني وَبَين غريمي واقتضي مَالِي مُسَمّى واقتسم مَال غريمي دوني فَقَالَ شُرَيْح: ان كَانَ مجيزا وكفل لَك غرم وان كَانَ اقتضي مَالك مُسَمّى فَأَنت أَحَق بِهِ وان كَانَ الْغُرَمَاء أخذُوا مَاله دُونك فَهُوَ بَيْنكُم بِالْحِصَصِ.
والمجيز: الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة هَاهُنَا. وَيكون الْوَلِيّ فِي مَوضِع آخر. وَيكون الْوَصِيّ. وَمِنْه قَول شُرَيْح: اذا بَاعَ المجيزان فَالْبيع للْأولِ واذا أنكح المجيزان فَالنِّكَاح للْأولِ. وانما قيل لكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ: مجيز لِأَنَّهُ يُجِيز الشَّيْء أَي: يمضيه فَيجوز.
وَقَوله: ان كَانَ اقتضي مَالك مُسَمّى فَأَنت أَحَق. يَقُول:
(2/514)

ان كَانَ قبض مَالك على أَنه لَك فَأَنت أَحَق بِهِ. وان كَانَ الْغُرَمَاء أخذُوا المَال دُونك فَأَنت غَرِيم كبعضهم وَلَك فِيهِ حِصَّة على قدر مَالك.
وَقَالَ فِي حَدِيث شُرَيْح ان ابْن سِيرِين ذكره فَقَالَ: كَانَ عائفا وَكَانَ قائفا.
يرويهِ عَفَّان عَن سليم عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.
العائف: الَّذِي يعيف الطير أَي: يزجرها وَذَلِكَ أَن يعْتَبر بأسمائها ومساقطها وَأَصْوَاتهَا ومجاريها. يُقَال: عفت الطير أعيفها عيافة. قَالَ الشَّاعِر: من الوافر
تغنى الطائران ببين سلمى ... على غُصْنَيْنِ من غرب وَبَان
فَكَانَ البان أَن بَانَتْ سليمى ... وَفِي الغرب اغتراب غير دَان ...
فزجر فِي الغرب الغربة. وَفِي البان الْبَين. وَقَالَ جران الْعود. من الطَّوِيل ... جرى يَوْم جِئْنَا بالركاب نزفها ... عِقَاب وشحاج من الطير متيح ...
(2/515)

.. فَأَما الْعقَاب فَهِيَ مِنْهَا عُقُوبَة ... وَأما الْغُرَاب فالغريب المطوح ...
والشحاج: الْغُرَاب. والمتيح: الَّذِي يعرض فِي كل وَجه. وَأنْشد الْأَصْمَعِي: من الطَّوِيل ... وهون وجدي أنني لم أكن لَهُم ... غراب شمال ينتف الريش حاتما ...
قَالَ: وَيُقَال: من لَهُ طير شمال أَي: طير شُؤْم وَسموا الْغُرَاب حاتما لِأَنَّهُ عِنْدهم يحتم بالفراق.
وَقَالُوا: غراب الْبَين لِأَنَّهُ يسْقط فِي الديار اثر الظاعنين يتقمم. هَذَا قَول بَعضهم. وَقَالَ آخَرُونَ: سمي غراب الْبَين لبينه عَن نوح صلى الله عَلَيْهِ حِين أرْسلهُ ليَأْتِيه بِخَبَر مَاء الطوفان وَقد تقدم ذكر ذَلِك.
وَقَالَ الْكُمَيْت لجذام فِي انتقالهم الى الْيمن: من الطَّوِيل ... وَكَانَ اسمكم لَو يزْجر الطير عائف ... لبينكم طيرا مبينَة الفأل ...
يُرِيد: ان اسمكم جذام والزجر فِيهِ الانجذام وَهُوَ الِانْقِطَاع.
وحَدثني سهل بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: أَخْبرنِي
(2/516)

سعد بن نصر: ان نَفرا من الْجِنّ تَذَاكَرُوا عيافة بني أَسد فأتوهم فَقَالُوا انه ضلت لنا نَاقَة فَلَو أرسلتم مَعنا من يعيف فَقَالُوا لغليم مِنْهُم: انْطلق مَعَهم فاستردفه أحدهم ثما سَارُوا فلقيتهم عِقَاب كاسرة احدى جناحيها فاقشعر الغليم وَبكى فَقَالُوا: مَالك فَقَالَ: كسرت جنَاحا وَرفعت جنَاحا وَحلفت بِاللَّه صراحا مَا أَنْت بأنسي وَلَا تبغي لقاحا.
فَالْأَصْل فِي العيافة للطير وَمِنْه قيل: فلَان يتطير وَهُوَ شَدِيد الطَّيرَة ثمَّ قد تجدهم يعيفون بالبروج والسنوح وعضب الْقرن. قَالَ زُهَيْر وَذكر ظباء: من الوافر ... جرت سنحا فَقلت لَهَا أجيزي ... نوى مشمولة فَمَتَى اللِّقَاء ...
وَأَخْبرنِي الرياشي أَن الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين يتشاءمون بالسنوح وأنشدني لِابْنِ قميئة وَهُوَ جاهلي: من الطَّوِيل
... وأشأم طير الزاجرين سنيحها ...
وَقد كَانَ كثير مِنْهُم لَا يتطير وَلَا يرى مَا عَلَيْهِ أَكْثَرهم من هَذَا أَشْيَاء. قَالَ المرقش وَهُوَ جاهلي: من مجزوء الْكَامِل.
(2/517)

.. وَلَقَد غَدَوْت وَكنت لَا أغدو على واق وحاتيم
فاذا الأشائم كالايامن والأيامن كالأشائم ...
والواق: الصرد. يَقُول: مَا جَاءَك يَمِينا فَهُوَ كَمَا جَاءَك شمالا لَيْسَ الْأَمر بِشَيْء. وَقَالَ آخر: من الطَّوِيل ... وَلَيْسَ بهياب اذا شدّ رَحْله ... يَقُول: عداني الْيَوْم واق وحاتم
وَلكنه يمْضِي على ذَاك مقدما ... اذا صد عَن تِلْكَ الهنات الخثارم ...
والخثارم: المتطير. وَلم يرد ابْن سِيرِين أَن شريحا يعيف هَذِه العيافة وَكَيف يُرِيد هَذَا وَقد رُوِيَ: ان العيافة من الجبت. وَلكنه أَرَادَ أَنه مُصِيب الظَّن صَادِق الحدس. فَكَأَنَّهُ عائف. وَهَذَا كَمَا يُقَال: مَا أَنْت الا سَاحر اذا كَانَ رَفِيقًا لطيفا. وَمَا أَنْت الا كَاهِن اذا أصَاب بظنه. وَأما الفأل فَهُوَ فِي الْخَيْر. وَهُوَ يسْتَحبّ. وَفِي الحَدِيث: أصدق الطَّيرَة الفأل.
حَدثنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قلت لِابْنِ عون: مَا الفأل قَالَ: أَن تكون مَرِيضا فَتسمع يَا سَالم أَو بَاغِيا فَتسمع يَا وَاحِد. وَكَانَ ابْن سِيرِين يكره الطَّيرَة وَيسْتَحب الفأل. وَهَذَا يدلك على أَنه لم يرد أَن شريحا كَانَ يتطير ويعيف.
(2/518)

وَأما الْقَائِف فَهُوَ الَّذِي يعرف الْآثَار ويتبعها وَيعرف شبه الرجل فِي وَلَده وأخيه.
حَدثنِي سهل بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي عَن رجل من آل أبي مسروح عَن عَوْسَجَة بن مغيث الْقَائِف قَالَ: كُنَّا نَسْرِق نخلنا فَعرفنَا آثَارهم فَرَكبُوا الْحمر فَعرفنَا نمس أَيْديهم فِي العذوق. وحَدثني ايضا عَن الْأَصْمَعِي عَن ابْن أبي طرفَة الْهُذلِيّ قَالَ: رَآنِي قائفان وهما منصرفان من عَرَفَة بعد النَّاس بِيَوْم أَو اثْنَيْنِ أثر بعير فَقَالَ أَحدهمَا: نَاقَة وَقَالَ الآخر جمل فاتبعناه فَمرَّة يجْتَمع لَهما الْخُف وَمرَّة يريان الخطوة مِنْهُ حَتَّى دخلا شعبًا من شعاب منى فاذاهما بالبعير فأطافا بِهِ فاذا هُوَ خُنْثَى.
(2/519)

- حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة
وَقَالَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَنه ذكر رجلا يلى الْأَمر بعد السفياني فَقَالَ: حمش الذراعين والساقين مصفح الرَّأْس غائر الْعَينَيْنِ يكون بَين شث وطباق.
يرويهِ الْوَلِيد بن مُسلم عَن أبي عبد الله عَن عبد الكريم ان أُميَّة عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة.
قَوْله: حمش الذراعين والساقين يُرِيد دقيقهما. والمصفح الرَّأْس: العريض الرَّأْس. والشت. نبت ينْبت بتهامة وَهُوَ من شجر الْجبَال. والطباق: شجر ينْبت بالحجاز الى الطَّائِف.
وانما أَرَادَ أَن مقَامه أَو مخرجه يكون من هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي ينْبت بهَا هَذَانِ الضربان من الشّجر. قَالَ عُرْوَة بن الْورْد: من الطَّوِيل ... فيوما على نجد وغارات أَهله ... وَيَوْما بِأَرْض ذَات شث وعرعر ...
(2/520)

521 - يُرِيد: تغير مرّة على نجد وَمرَّة على تهَامَة. وَقَالَ تأبط شرا: من الْبَسِيط ... كَأَنَّمَا حثحثوا حصا قوادمه ... أَو أم خشف بِذِي شت وطباق ...
يَقُول: كَأَنَّمَا حركوا بِي صقرا من سرعتي أَو ظَبْيَة.
(2/521)

حَدِيث مَسْرُوق الأجدع
وَقَالَ فِي حَدِيث مَسْرُوق أَنه قَالَ: فِي الرجل تكون تَحْتَهُ الْأمة فيطلقها تَطْلِيقَتَيْنِ ثمَّ يَشْتَرِيهَا لَا تحل لَهُ الا من حَيْثُ حرمت عَلَيْهِ.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش عَن سهل بن بكار عَن أبي عوَانَة عَن جابرعن عَامر عَن مَسْرُوق.
تَفْسِير هَذَا أَن الْأمة تبين بتطليقتين فَلَا تحل للمطلق حَتَّى تنْكح زوجا غَيره. يَقُول: فَلَمَّا حرمت عَلَيْهِ بالتطليقتين واشتراها لم تحل لَهُ ان نحكها حَتَّى يُزَوّجهَا ثمَّ تطلق بتطليقتين فَيحل لَهُ بهما كَمَا حرمت عَلَيْهِ بهما. وَهَذَا مَذْهَب سُفْيَان. وَمن يرى أَن الطَّلَاق بِالْمَرْأَةِ.
وَكَانَ مَالك يرى: ان الْمَمْلُوكَة تَحت الْحر لَا تبين الا بِثَلَاث. قَالَ: فان بَانَتْ ثمَّ اشْتَرَاهَا لم يَطَأهَا حَتَّى تنْكح زوجا غَيره.
وَقَالَ فِي حَدِيث مَسْرُوق انه قَالَ: أَنهَار الْجنَّة تجْرِي فِي غير أخدُود وشجرها نضيد من أَصْلهَا الى فرعها.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن زَائِدَة عَن الْأَعْمَش عَن عمروبن مرّة عَن مَسْرُوق.
الأخذود: الشق. وَيُقَال: خد فِي الأَرْض خدا اذا شقّ فِيهَا
(2/522)

وَاسم الشق الْأُخْدُود. قَالَ الله جلّ وَعز: {قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود} .
وَقَوله: شَجَرهَا نضيد يُرِيد: لَيْسَ لَهُ سوق بارزة. وَلكنه منضود بالورق أَو بالثمر من أَصله الى أَعْلَاهُ وَهُوَ من قَوْلك: نضدت الْمَتَاع اذا وضعت بعضه على بعض. وَلَا أرى قَول الله جلّ وَعز: {وطلح منضود} الا من هَذَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الطلح: الموز هَاهُنَا. وَهُوَ عِنْد الْعَرَب شجر عِظَام كثير الشوك.
وَقَالَ فِي حَدِيث مَسْرُوق انه كَانَ يكره الجعائل.
يرويهِ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَابر عَن الشّعبِيّ.
الجعائل: جمع جعَالَة بِفَتْح الْجِيم وجعيلة وَهُوَ الْجعل من الْعَطِيَّة. تَقول: أجعلت لفُلَان جعالا. وأجعلت الْقدر أنزلتها
(2/523)

بالجعال وَهِي الْخِرْقَة الَّتِي تتنزل بهَا. وَجعلت لكذا جعلا أَي: صيرته لَهُ.
وَالِاسْم: الْجعل بِضَم الْجِيم وَمعنى الْجعَالَة أَن يضْرب الْبَعْث على الرجل فَيجْعَل لمن يغزوعنه شَيْئا وَيُقِيم أَو يدْفع الْمُقِيم الى الْغَازِي شَيْئا فيقيم وَيخرج هُوَ. وَذَلِكَ مُبين فِي حَدِيث لِلْحسنِ. وَسُئِلَ عَن الجعائل فَقَالَ: كَانَ الْمُقِيم يكره أَن يفتدى من غَزوه والغازي يكره أَن يَأْخُذ لغزوه ثمنا.
وَقَالَ مَنْصُور: كَانُوا يُعْطون فِي ذَلِك أحب اليهم من أَن يَأْخُذُوا. قَالَ الْهُذلِيّ عبد منَاف بن ربع: من الطَّوِيل ... وَقد بَات فِيكُم لَا ينَام مهجدا ... يثبت فِي خالاته بالجعائل ...
وَهَذَا رجل أَبوهُ من سليم وَأمه من هُذَيْل فَدلَّ على هُذَيْل بِجعْل جَعَلُوهُ لَهُ فَأَرَادَ أَنه جعل يثبت الْجعَالَة لنَفسِهِ ويوكدها عَلَيْهِم.
(2/524)

- حَدِيث عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَهُوَ عُبَيْدَة بن قيس
وَقَالَ فِي حَدِيث عُبَيْدَة ان مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ لَهُ: مَا يُوجب الْجَنَابَة فَقَالَ: الرف والاستملاق.
يرويهِ اسحق الْأَزْرَق عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.
أصل الرف: المص. يُقَال: رففت فَم الْمَرْأَة أرفه رفا اذا مصصته وترشفته. وَمِنْه قَول أبي هُرَيْرَة حِين سُئِلَ عَن الْقبْلَة للصَّائِم: اني لارفها رفا. والاستملاق وَهُوَ من قَوْلك: ملق الجدي أمه يملقها ملقا. اذا رضعها. وَكَذَلِكَ: ملجها أَيْضا. واراد ان الَّذِي يُوجب الْغسْل امتصاص الْمَرْأَة الرجل وقبولها مَاءَهُ:: مَا يقبل الرَّضِيع اللَّبن اذا ارتضع.
وَأرَاهُ على هَذَا التَّأْوِيل يذهب مَذْهَب الْأَنْصَار فِي أَن المَاء من المَاء وَقد تقدم ذكر هَذَا وبينت أَن مَنْسُوخ.
وَأما قَوْله فِي حَدِيث آخر وَسُئِلَ عَن مثل هَذَا فَقَالَ:
(2/525)

الخفق والخلاط.
فان الخفق: الْجِمَاع. وَأَصله الضَّرْب. وَمِنْه قيل للدرة: مخفقة.
والخلاط مصدر خالطت الْمَرْأَة فِي الْجِمَاع خلاطا ومخالطة. وَهَذَا رَاجع الى معنى الحَدِيث الأول وان لم يكن فِيهِ ذكر للْمَاء لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ أَن الَّذِي يُوجب الْغسْل: مجاورة الْخِتَان الْخِتَان كَفاهُ من الْوَصْف مَا دون الخفق والخلاط.
وَمن الخلاط قَول الْحجَّاج فِي خطبَته: لَيْسَ أَوَان يكثر الخلاط يَعْنِي: الْفساد. وَقد سَمِعت من يرويهِ: الدفق والخلاط.
(2/526)

- حَدِيث ابي مُسلم الْخَولَانِيّ
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي مُسلم أَنه أَتَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَجِير انه لَيْسَ من أجِير استرعي رعية الا ومستأجره سائله عَنْهَا. فان كَانَ داوى مرضاها وجبر كسراها وهنأ جَرْبَاهَا ورد أولاها على أخراها ووضعها فِي أنف من الْكلأ وصفو من المَاء وفاه أجره.
يرويهِ اسماعيل بن عَيَّاش عَن أبي بكر بن عبد الله عَن عَطِيَّة بن قيس.
قَوْله: رد أولاها على أخراها يُرِيد: لم يَدعهَا تتفرق وتشذ وَلكنه ضمهَا وَجَمعهَا. وَذَلِكَ من حسن الرّعية هَذَا اذا كَانَت قطيعا وَاحِدًا فاذا كثرت الأقطاع والرعاء فالأحمد عِنْدهم أَن تفرق ويفرقوا. وَلذَلِك كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ حبب بَين نسائنا وبغض بَين رعائنا وَاجعَل المَال فِي سمحائنا.
قَالَ الْأَصْمَعِي: اذا تباغض الرعاء لم يجتمعوا للْحَدِيث فيضيق المرعى. وَنَحْو مِنْهُ وَلَيْسَ بِعَيْنِه اختيارهم للسقي عجيما وعربيا لَا يفهم أَحدهمَا الآخر ليَكُون أحث للْعَمَل. قَالَ الراجز:
(2/527)

.. هَل يروين ذودك نزع معد ... وساقيان سبط وجعد ...
يُرِيد بالسبط: العجمي وبالجعد: الْأسود. وَمثله قَول الآخر: من الرجز. ... ان سرك الرّيّ أَخا تَمِيم ... فاعجل بعبدين ذ وي وزيم
بفارسي وَأَخ للروم ...
وزيم: لحم وعضل وأنف الكلا أَوله. يُرِيد: انه يتتبع بهَا الْمَوَاضِع الَّتِي لم ترع. وَمِنْه يُقَال: استأنفت كَذَا اذا ابتدأته. وَيُقَال: رَوْضَة أنف. لم ترع. وكأس أنف لم يشرب بهَا قبل ذَلِك. كَأَنَّهُ استونف شربهَا. وَقد أنفت اذا وطِئت كلأ أنفًا. وَيُقَال: أَرض أنيفية اذا استرعت النَّبَات. وَتلك أانف بِلَاد الله. وَيُقَال: أنف الأَرْض مَا اسْتقْبل الشَّمْس من الْجلد والضواحي من الْجبَال.
(2/528)

- حَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون
وَقَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون أَنه قَالَ: اياكم وَهَذِه الزعانيف الَّذين رَغِبُوا عَن النَّاس وفارقوا الْجَمَاعَة.
يرويهِ زُهَيْر عَن أبي اسحق عَن عَمْرو بن مَيْمُون.
الزعانيف: فرق النَّاس وَمن خرج عَن جَمَاعَتهمْ وَهِي الزعانف مثل: طواوس وطواويس. والواحدة زغنفة. وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: أصل الزعانف أَطْرَاف الْأَدِيم والأكارع. شبه من شَذَّ عَن النَّاس وفارقهم بأطراف الْجلد من الْأَدِيم. وَقَالَ مَالك بن نُوَيْرَة: من الطَّوِيل
(2/529)

.. فَقرب رِبَاط الجون مني فانه ... دنا الْحل واحتل الْجَمِيع الزعانف ...
يَقُول: صَار متفرقو النَّاس والنازلون بالأطراف الى جَمَاعَتهمْ الْخَوْف الْغَارة.
وَقَالَ أَوْس بن حجر يصف حمارا: من الطَّوِيل ... وَمَا زَالَ يغري الشد حَتَّى كَأَنَّمَا ... قوائمه فِي جانبيه زعانف ...
يَقُول: كَأَن قوائمه لَا تقع بِالْأَرْضِ فَهِيَ زِيَادَة فِي جانبيه.
(2/530)

- حَدِيث الْأَحْنَف بن قيس
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف انه كَانَ اذا وَفد مَعَ أَمِير الْعرَاق على مُعَاوِيَة لبس ثيابًا غلاظا فِي السقر وسَاق مَعَه نَاقَة مريا.
حَدَّثَنِيهِ سهل بن مُحَمَّد قَالَ: حدّثنَاهُ الْأَصْمَعِي عَن شيخ من بني حَنْظَلَة.
النَّاقة المري هِيَ الَّتِي تدر على الْمسْح وَهُوَ مَأْخُوذ من: مريت أَمْرِي مريا اذا مسحت الضَّرع. وَكَانَ يَسُوقهَا مَعَه ليشْرب ويسقي من لَبنهَا صحابته فِي السّفر.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف أَنه قَالَ: تبادلوا تحَابوا وتهادوا تذْهب الاحن والسخائم واياكم وحمية الأوغاب.
الأوغاب: هم أرذال النَّاس نَحْو الأوغاد. وَالْعرب
(2/531)

تَقول: تعوذوا بِاللَّه من حمية اللئام. وَتقول أَيْضا: تعوذوا بِاللَّه من حمية الأوقاب.
والأوقاب: الحمقى واحدهم وَقب. وانما قيل للأحمق وَقب يُرَاد انه أجوف لَا عقل لَهُ. كَمَا الله جلّ وَعز: {وأفئدتهم هَوَاء} أَي: خَالِيَة لَا تعي خَبرا.
وأصل الوقبة: النقرة فِي الْحجر أَو الْجَبَل وكل شَيْء نقبته فقد وقبته. قَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... أبني لبينا ان أمكُم ... أمة وان أَبَاكُم وَقب
أكلت خَبِيث الزَّاد فاتخمت ... مِنْهُ وشم خمارها الْكَلْب ...
يَقُول: تقتات فِيهِ فزهم فالكلب يشمه.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف انه قَالَ لعمر ان اخواننا من أهل الْكُوفَة نزلُوا فِي مثل حولاء النَّاقة من ثمار متهدلة وأنهار متفجرة.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن عَمه. وَقد ذكر أَبُو عبيد هَذَا
(2/532)

الحَدِيث بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تَقول الْعَرَب اذا وصفت الأَرْض وخصبها: تركت أَرض بني فلَان فِي مثل حولاء النَّاقة وَهِي جلدَة رقيقَة تخرج مَعَ الْوَلَد فِيهَا مَاء أصفر وفيهَا خطوط حمر وخضر. قَالَ الْكُمَيْت: من المتقارب ... وكالحولاء مرَاعِي المسيم عنْدك والرثة المنهل ...
وروى ان المعقر الْبَارِقي وَكَانَ قد كف بَصَره سمع صَوت رعد فَقَالَ لابنته: أَي شَيْء تَرين. قَالَت: أرى سحاء عقاقة كَأَنَّهَا حولاء نَاقَة ذَات هيدب دَان وسير وان. فَقَالَ: يَا بنية وائلي الى جنب قفلة فانها لَا تنْبت الا بمنجاة من السَّيْل.
عقاقة تنعق بالبرق أَي: تَنْشَق. والهيدب مثل الْحمل فِي السحابة ترَاهُ متدليا وسيروان أَي: ثقيل. والقفل ضرب من الشّجر واحدته قفلة وَهُوَ أَيْضا يَابِس الشّجر والمنجاة: مَا ارْتَفع عَن المسيل. وَقد تشبه الأَرْض أَيْضا اذا كَانَت مخصبة ذَات مرعى بالسابيا. وَهُوَ المَاء الَّذِي يخرج على رَأس الْوَلَد.
قَالَ سحيم عبد بني الحسحاس ينعَت الْغَيْم: من الطَّوِيل ... لَهُ فرق مِنْهُ ينتجن حوله ... يفققئين بالميث الدماث السوابيا ...
(2/533)

والمتهدلة: المسترخية المتعطفة. وَفِي الحَدِيث انه حبس الْأَحْنَف عَبده سنة وَقَالَ: اني قد خشيت أَن تكون مفوها لَيْسَ لَك جول.
والجول: الْعقل.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف انه نعي اليه شَقِيق بن ثَوْر فَاسْتَرْجع وشق عَلَيْهِ ونعي لَهُ حسكة الْحَنْظَلِي فَمَا ألْقى لذَلِك بَالا. فَغَضب من حَضَره من بني تَمِيم.
فَقَالَ: ان شقيقا كَانَ رجلا حَلِيمًا فَكنت أَقُول: ان وَقعت فتْنَة عصم الله بِهِ قومه. وان حسكة كَانَ رجلا مشيعا فَكنت أخْشَى أَن تقع فتْنَة فيجر بني تَمِيم الى هلكة.
حدّثنَاهُ الرياشي عَن الْأَصْمَعِي. يُقَال: مَا ألْقى لِقَوْلِك. بَالا أَي: مَا اسْتمع لَهُ وَلَا اكثرت. وأصل البال: الْحَال.
والمشيع هَاهُنَا العجول. وَأَصله من قَوْلك شيعت النَّار
(2/534)

تشيعا اذا القيت عَلَيْهَا مَا تذكيها بِهِ. والمشيع فِي غير هَذَا: الشجاع.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف ان الْحُسَيْن كتب اليه فَقَالَ للرسول قد بلونا فلَانا وَآل بني فلَان فَلم نجد عِنْدهم ايالة للْملك وَلَا مكيدة فِي الْحَرْب.
يرويهِ عَليّ بن مُحَمَّد عَن مسلمة بن محَارب عَن السكن بن قَتَادَة العريني.
الايالة: السياسة. يُقَال: فلَان حسن الايالة اذا كَانَ حسن الْقيام على مَاله. وَكَذَلِكَ الابالة. وَأَحْسبهُ مأخوذا من الابل. يُقَال لِلرَّاعِي الْحسن الرّعية وَهُوَ ترعية آبل.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف انه قَالَ لعَلي عَلَيْهِ السَّلَام يَا أَبَا الْحسن اني قد عجمت الرجل وحلبت أشطره فَوَجَدته قريب القعر كليل المدية. يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي حَمْزَة المثالي.
عجمت الرجل: أَي خبرته. وَقَوله: حلبت أشطره مثل يُقَال: حلب فلَان الدَّهْر أشطره أَي اختبر ضروبه من
(2/535)

خَيره وشره. وَأَصله: فِي حلب النَّاقة وَلها شطران قادمان وآخران فَكل خلفين شطر. يُقَال: أجمع بناقته اذا صر أخلاقها وَثلث بهَا اذا صر ثَلَاثَة أخلاف. وَشطر بهَا اذا صر خلفين وَخلف بهَا اذا صر خلفا.
وَفِي الحَدِيث انه قَالَ لَهُ: وانك قد رميت بِحجر الأَرْض يَعْنِي: عَمْرو بن الْعَاصِ. يُرِيد: انك رميت بِوَاحِد الأَرْض دهاء.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَيُقَال أَيْضا رمى فلَان بحجره اذا قرن بِمثلِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف ان الحتات قَالَ لَهُ: وَالله انك لضئيل وان أمك لورهاء.
الضئيل: النحيف الْجِسْم. يُقَال: هُوَ بَين الضؤولة. وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَحْنَف. وَقَالَ يُونُس فِي قَوْله: من الوافر
(2/536)

.. أَنا ابْن الزامرية أرضعتني ... بثدي لَا أجد وَلَا وخيم
أتمتني فَلم تنقص عِظَامِي ... وَلَا صوتي اذا اصطك الْخُصُوم ...
أَرَادَ بعظامه: اسنانه. وَهِي اذا تمت تمت الْحُرُوف. وَلم يرد عِظَام جسده لِأَنَّهُ كَانَ أحنف ضئيلا.
وَقَالَ عبد الملك بن عُمَيْر: قدم علينا الْكُوفَة مَعَ المصعب فَمَا رَأَيْت خصْلَة تذم الا وَقد رَأَيْتهَا فِيهِ. كَانَ صعل الرَّأْس متراكب الْأَسْنَان مائل الذقن ناتىء الْوَجْه باخق الْعَينَيْنِ خَفِيف العارضين أحنف الرجل. وَلكنه كَانَ اذا تكلم جلى عَن نَفسه. والصعل: الصَّغِير الرَّأْس. وَكَانُوا يذمون بذلك ويسمون الصَّغِير الرَّأْس رَأس الْعَصَا. قَالَ أحد الشُّعَرَاء فِي عمر بن هُبَيْرَة: من الطَّوِيل ... من مبلغ رَأس الْعَصَا أَن بَيْننَا ... ضغائن لَا تنسى وان هِيَ سلت ...
لقبه بذلك لِأَنَّهُ كَانَ صَغِير الرَّأْس. وَقَالَ طرفَة: من الطَّوِيل ... أَنا الرجل الضَّرْب الَّذِي تعرفونه ... خشَاش كرأس الْحَيَّة المتوقد ...
(2/537)

البصريون يَرْوُونَهُ عَن الْأَصْمَعِي خشَاش بِكَسْر الْخَاء وَغَيرهم يرويهِ: خشَاش بِفَتْحِهَا وَهُوَ اللَّطِيف الْجِسْم الصَّغِير الرَّأْس. فمدح نَفسه كَمَا ترى بِمَا يذم بِهِ.
الباخق الْعين المنخسف الْعين. وَذكر الْهَيْثَم بن عدي: أَن الْأَحْنَف بن قيس: اصيبت عينه بسمرقند وَذكره فِي: العور الْأَشْرَاف.
وَقَالَ غَيره: ذهبت عَيْني بالجدري. يُقَال: بخقت عينه اذا خسفتها.
والحنف فِي الرجل أَن تقبل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بابهامها على صاحبتها.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْأَحْنَف الَّذِي يمشي على ظهر قَدَمَيْهِ. والأقفد: الَّذِي يمشي على صدرها.
والورهاء من النِّسَاء: المتساقطة حمقا أَو هوجا وَالرجل: أوره ووره. قَالَ حميد بن ثَوْر يذكر امْرَأَة: من الطَّوِيل
(2/538)

.. جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرا لَدَيْهَا الجلامد ...
والجلبانة: الغليظة الْخلق الجافيته. قَالَ الْأَصْمَعِي: واذا خصت الْمَرْأَة الْحمار لم تَسْتَحي بعد ذَلِك من شَيْء.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأَحْنَف أَنه قَالَ فِي الْخطْبَة الَّتِي خطبهَا فِي الاصلاح بني الأزد وَتَمِيم كَانَ يُقَال: كل أَمر ذِي بَال لم يحمد الله فِيهِ فَهُوَ أكنع.
يرويهِ سُفْيَان عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ.
البال: الْحَال. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ الْعمريّ اذا سُئِلَ عَن حَاله قَالَ: بِخَير اصلح الله بالكم. قَالَ الله جلّ وَعز: {وَيصْلح بالهم} أَي: حَالهم.
وَقَوله: فَهُوَ أكنع أَي: نَاقص. يُقَال: قد اكتنع الشَّيْخ اذا دنا بعضه من بعض. وَقد تقدم ذكر هَذَا.
وَأَرَادَ أَن كل مقَام ذِي جلالة وَعظم لم يذكر الله فِيهِ بِحَمْد فَهُوَ نَاقص. وَمثله فِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(2/539)

كل أَمر ذِي بَال: لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد فَهُوَ أقطع.
وَفِي حَدِيث آخر: كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا شَهَادَة فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء أَي: القطعاء.
(2/540)

- حَدِيث عَلْقَمَة بن قيس
وَقَالَ فِي حَدِيث عَلْقَمَة بن قيس أَن امْرَأَة مَاتَت وأوصت بثلثها. وَكَانَ نسْوَة يأتينها متشارجات لَهَا. فَقَالَ عَلْقَمَة: خُذُوا مَا أوصت بِهِ لكم واسألوا عَن النسْوَة اللَّاتِي كن يختلفن اليها: هَل بَينهُنَّ وَبَينهَا قرَابَة فَسْأَلُوهُنَّ عَن ذَلِك فوجدوا احداهن بنت أُخْتهَا أَو بنت أَخِيهَا لأمها فَأَعْطَاهَا عَلْقَمَة مِيرَاثهَا.
يرويهِ أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم.
قَوْله: متشارجات لَهَا أَي: أتراب لَهَا واقران وأشكال. وَهُوَ من قَوْلك: هَذَا شرج هَذَا وشريجه اي: مثله فِي السن. وَتقول: هَذِه مشارجة هَذِه وَهن مشارجاتها. كَمَا تَقول: هَذِه مشاكلة هَذِه وَهن مشاكلاتها. وَتقول: شارجت هَذِه هَذِه. كَمَا تَقول: شاكلت.
(2/541)

- حَدِيث الْأسود بن يزِيد
وَقَالَ فِي حَدِيث الْأسود أَنه كَانَ يصهر رجلَيْهِ بالشحم وَهُوَ محرم.
يرويهِ وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة.
قَوْله: يصهر رجلَيْهِ أَي: يدهنها بالشحم. وَالْأَصْل فِي صهرت: أذبت. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {يصهر بِهِ مَا فِي بطونهم} قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذاب بِهِ. وَأنْشد للعجاج: ... شكّ السَّفَافِيد الشواء المصطهر ...
قَالَ: واذا أذبت الألية فَتلك الصهارة. يُقَال: صهرتني الشَّمْس. وَقَالَ ابْن أَحْمَر وَذكر القطاة: من السَّرِيع ... تروي لقى ألقِي فِي صفصف ... تصهره الشَّمْس فَمَا ينصهر ...
(2/542)

543 - تروي: أَي تصير رِوَايَة لفراخها كَمَا يرْوى الْبَعِير أَو الْحمار اذا نقل المَاء.
وَظَاهر لفظ الحَدِيث: يذيب رجلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِك. انما اشتق لِمَعْنى يدهن رجلَيْهِ فعلا من المصهور. وَهُوَ مَا أذيب من الشَّحْم كَمَا تَقول من الشَّحْم: شحمت رجْلي وخفي. اذا دهنته بالشحم. وزت يَدَيْهِ اذا دهنتها بالزيت. كَذَلِك تَقول: صهرت رجله اذا دهنتها بالصهير.
(2/543)

- حَدِيث عُرْوَة بن الزبير
وَقَالَ فِي حَدِيث عُرْوَة بن الزبير أَن الْحجَّاج رَآهُ قَاعِدا مَعَ عبد الملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ: أتقعد ابْن العمشاء مَعَك على سريرك لَا أم لَهُ فَقَالَ لَهُ عُرْوَة: أَنا لَا أم لي وَأَنا ابْن عَجَائِز الْجنَّة. وَلَكِن ان شِئْت أَخْبَرتك بِمن لَا أم لَهُ يَا بن المتمنية. فَقَالَ عبد الملك: أَقْسَمت عَلَيْك أَن تفعل فَكف عُرْوَة.
قَوْله: يَا بن المتمنية أَرَادَ أمه وَهِي الفريعة بنت همام ام الْحجَّاج بن يُوسُف. وَكَانَت تَحت الْمُغيرَة بن شُعْبَة. وَهِي القائلة: من الْبَسِيط ... أَلا سَبِيل الى خمر فأشربها ... أم لَا سَبِيل الى نصر بن حجاج ...
وَكَانَ نصر بن حجاج من بني سليم. وَكَانَ جميلا رائعا فَمر عمر بن الْخطاب ذَات لَيْلَة وَهَذِه الْمَرْأَة تَقول: أَلا سَبِيل الى خمر فأشربها. فَدَعَا بنصر بن حجاج فسيره الى الْبَصْرَة فَأتى مجاشع.
(2/544)

ابْن مَسْعُود السّلمِيّ وَعِنْده امْرَأَته شميلة وَكَانَ مجاشع أُمِّيا. فَكتب نصر على الأَرْض: أحبك حبا لَو كَانَ فَوْقك لأظلك وَلَو كَانَ تَحْتك لأقلك. فَكتبت الْمَرْأَة. وَأَنا وَالله. فكب مجاشع على الْكتاب انآء ثمَّ أَدخل كَاتبا فقرأه فَأخْرج نصرا وَطَلقهَا.
وَكَانَ عمر بن الْخطاب سمع أَيْضا قَائِلا بِالْمَدِينَةِ يَقُول: من الطَّوِيل ... أعوذ بِرَبّ النَّاس من شَرّ معقل ... اذا معقل رَاح البقيع مرجلا ...
يَعْنِي: معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ. وَكَانَ قدم الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ عمر بن الْخطاب: ألحق بباديتك.
(2/545)

546 - حَدِيث مُحَمَّد الباقر بن عَليّ ابي جَعْفَر
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي جَعْفَر انه قَالَ: ذَكَاة الأَرْض يبسها.
حَدَّثَنِيهِ خَالِد بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن عبد الملك عَن الْمطلب بن زِيَاد الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن هَاجر.
قَوْله: ذَكَاة الأَرْض يبسها. يُرِيد: طَهَارَتهَا من النَّجَاسَة مثل: الْبَوْل وأشباهه بِأَن تَجف وَيذْهب أثر تِلْكَ النَّجَاسَة. فَأَما اذا كَانَ الْمَكَان رطبا أَو كَانَ الْأَثر بَاقِيا فانه لَا يطهرها الا المَاء الْجَارِي على الْمَكَان. كَمَا أَمر النبى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يصب المَاء على بَوْل الْأَعرَابِي.
وحَدثني عَنهُ أَيْضا ان معمر بن خثيم قَالَ لَهُ: اني أتوضأ فَأخْرج الى الصَّلَاة فَأمر بِالْمَكَانِ الرطب لأ أحبسته الا بولا فَقَالَ لَهُ: امْضِ لصلوتك. فان الأَرْض يطهر بَعْضهَا بَعْضًا. يَعْنِي: ان الْيَابِس مِنْهَا يطهر من نَجَاسَة الرطب وَالطّيب مِنْهَا
(2/546)

- حَدِيث ابي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي وَائِل أَنه ذكر رجلا أَصَابَهُ الصفر قنعت لَهُ السكر فقا ل: ان الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم. هُوَ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة.
الصفر والجبن وَاحِد. وهما: اجْتِمَاع المَاء فِي الْبَطن. يُقَال: صفر الرجل فَهُوَ مصفور. قَالَ العجاج: من الرجز ... قضب الطَّبِيب نائط المصفور ...
والنائط: عرق يقطع للمصفور فتخف عَن قطعه علته. وَقد يُقَال لَهُ: الصفار كَمَا يُقَال: الكباد. وَيُقَال: الصفر كَمَا يُقَال: الطحل لوجع الطحال. يُقَال: صفر يصفر صفرا. كَمَا يُقَال: طحل يطحل طحلا. قَالَ ابْن أَحْمَر: من الوافر
... أرانا لَا يزَال لنا حميم ... كداء الْبَطن سلا أَو صفارا ...
(2/548)

- حَدِيث صلَة بن اشيم
وَقَالَ فِي حَدِيث صلَة أَنه قَالَ: خرجت الى حشر لنا وَالنَّخْل سلب وَكَانَ سريع الاستجاعة فَسمِعت وجبة فاذا سبّ فِيهِ دوخلة رطب فَأكلت مِنْهَا فَلَو أكلت خبْزًا وَلَحْمًا مَا كَانَ أشْبع لي مِنْهُ.
حَدَّثَنِيهِ سهل عَن الْأَصْمَعِي عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن صلَة.
الْحَشْر: قد تقدم تَفْسِيره فِي حَدِيث عمر.
وَقَوله: النّخل سلب أَي: لَا حمل عَلَيْهِ وَهُوَ جمع سلب. / يُقَال: نَخْلَة سليب فعيل فِي معنى مفعول ونخل سلب وَشَجر سلب اذا سقط ورقه. قَالَ ذُو الرمة وَذكر الرئال: من الْبَسِيط ... كَأَن أعناقها كسراث سائفة ... طارت لفائفه أَو هيشر سلب ...
والهيشر: شجر. والكراث نبت ولفائفه: قشوره. وسائفه:
(2/549)

مسترق الرمل.
والاستجاعة: الْجُوع. والسب: الثَّوْب الرَّقِيق. وَجمعه: سبوب. وَهُوَ الْخمار.
والدوخلة مُشَدّدَة اللَّام. وَكَذَلِكَ القوصرة مُشَدّدَة الرَّاء والعوام تَقُولهَا بِالتَّخْفِيفِ.
(2/550)

- حَدِيث صَفْوَان بن مُحرز
وَقَالَ فِي حَدِيث صَفْوَان أَنه كَانَ اذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة بَكَى حَتَّى يرى لقد اندق قضيض زوره: {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} .
بَلغنِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن عبد الله بن رَبَاح.
قَوْله: قضيض زوره: هُوَ عِنْدِي غلط من بعض نقلة الحَدِيث. وَأرَاهُ: قصَص زوره. وَهُوَ وسط الصَّدْر. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: قصّ وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِي الْكَلَام فَأَما قصَص فانه لأهل الْحجاز. وَالْعرب تَقول فِي مثل: هُوَ ألزم لَك من شَعرَات قصصك وقصك. لِأَنَّهُ كلما حلق نبت. والعامة تَقول: قس الشَّاة. وَهُوَ خطأ.
(2/551)

- حَدِيث ابي الْعَالِيَة الريَاحي
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي الْعَالِيَة الريَاحي أَنه قَالَ فِي قَول الله: {يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم} مَا بَين الحدين حد الدُّنْيَا وحد الْآخِرَة.
يرويهِ وَكِيع عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة. وروى شُعْبَة عَن الحكم عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي ذَلِك: مَا دون الحدين حد الدُّنْيَا وحد الْآخِرَة.
أما حد الدُّنْيَا فِيمَا يجب فِيهِ الْحَد من الذُّنُوب فِي الدُّنْيَا مثل السرق وَالزِّنَا وَقذف المحصنة وَشرب الْخمر. وَأما حد الْآخِرَة فَمَا أوعد الله عَلَيْهِ الْعَذَاب فِي الْآخِرَة مثل: أكل مَال الْيَتِيم وَقتل النَّفس.
وَأَرَادَ: ان اللمم من الذُّنُوب مَا كَانَ بَين هذَيْن من صغَار الذُّنُوب الَّتِي لم يُوجب الله بهَا حدا فِي الدُّنْيَا وَلَا أوجب عَلَيْهَا تعذيبا فِي الْآخِرَة. وَهَذَا معنى قَول الله جلّ وَعز: {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ}
(2/552)

فالسيئات الَّتِي يكفر الله على تَأْوِيل حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي الْعَالِيَة هِيَ اللمم. وَغَيرهمَا يذهب الى أَن اللمم: الذَّنب يلم بِهِ الرجل ثمَّ لَا يعود اليه. وَاللَّفْظ يحمل الْمَعْنيين جَمِيعًا.
(2/553)

- حَدِيث عَطاء بن يسَار
وَقَالَ فِي حَدِيث عَطاء بن يسَار أَنه قَالَ: قلت للوليد بن عبد الْملك قَالَ عمر بن الْخطاب: وددت أَنِّي سلمت من الْخلَافَة كفافا عَليّ وَلَا لي فَقَالَ: كذبت أالخليفة يَقُول هَذَا فَقلت: أَو كذبت قَالَ: فَأَفلَت مِنْهُ بجريعة الذقن.
حَدَّثَنِيهِ سهل عَن الْأَصْمَعِي عَن اسحق بن يحيى بن طَلْحَة عَن عَطاء بن يسَار.
وخبرني عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: هَذَا مثل يُقَال: أفلت فلَان بجريعة الذقن يُرَاد: ان نَفسه صَارَت فِي فِيهِ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: أفلتني فلَان جريعة الذقن اذا كَانَ مِنْهُ قَرِيبا كجرعة الذقن. وَقَالَ الهذالي فِي مثل قَول الْأَصْمَعِي: من الطَّوِيل ... نجا سَالم وَالنَّفس مِنْهُ بشدقه ... وَلم ينج الا جفن سيف ومئزرا ...
(2/554)

- حَدِيث سعيد بن الْمسيب
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ ذَات يَوْم: اكتبق يَا برد أَنِّي رَأَيْت مُوسَى النبى يمشي على الْبَحْر حَتَّى صعد الى قصر ثمَّ أَخذ برجلي شَيْطَان فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْر واني لَا أعلم نَبيا هلك على رجله من الْجَبَابِرَة مَا هلك على رجل مُوسَى. وأظن هَذَا قد هلك. يَعْنِي عبد الملك بن مَرْوَان فجَاء نعيه بعد أَربع.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن الْأَصْمَعِي عَن ابْن أخي الْمَاجشون قَالَ: اخبرني زوج بنت سعيد بن الْمسيب بذلك عَن سعيد.
قَوْله: هلك على رجله أَي: فِي زَمَانه وأيامه. يُقَال: هلك الْقَوْم على رجل فلَان أَي بعهده.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن الْمسيب ان عَليّ بن زيد قَالَ: سمعته وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ وَقد ذهبت احدى عَيْنَيْهِ ويعشو بِالْأُخْرَى يَقُول: مَا أَخَاف على نَفسِي فتْنَة هِيَ أَشد عَليّ من النِّسَاء.
(2/555)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَليّ بن زيد.
قَوْله: يعشو بِالْأُخْرَى أَي: يبصر بهَا بصرا ضَعِيفا. يُقَال: عشوت الى النَّار أعشو عشوا. اذا استدللت إِلَيْهَا ببصر ضَعِيف. وَمِنْه قَول الحطيئة: من الطَّوِيل
مَتى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد ...
وانما يعشو اليه لظلمة اللَّيْل لِأَنَّهُ لَا يبصر فِي اللَّيْل إِلَّا بصرا ضَعِيفا.
وَقَالَ الْأَعْشَى وَذكر امْرَأَة: من المتقارب ... عشوت اليها اذا مَا الظلام ... ألبسنا حَبَشِيًّا مجوبا ...
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا حَازِم قَالَ: ان نَاسا انْطَلقُوا اليه يسألونه عَن بعير لَهُم فجئه الْمَوْت فَلم يَجدوا مَا يذكونه بِهِ الا عَصا فشقوها فنحروه بهَا فَسَأَلُوهُ وَأَنا مَعَهم. فَقَالَ: ان كَانَت مارت فِيهِ مورا فَكُلُوا وان كُنْتُم ثردتموه فَلَا تاكلوه.
(2/556)

يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي حَازِم.
قَوْله: مارت فِيهِ أَي: ذهبت وَجَاءَت. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {يَوْم تمور السَّمَاء مورا} أَي تَجِيء وَتذهب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تكفأ وَهُوَ نَحوه. وَأنْشد للأعشى: من الْبَسِيط ... كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها ... مور السحابة لَا ريث وَلَا عجل ...
وَقَوله: ثردتموه من التثريد فِي الذّبْح وَهُوَ أَن تذبح الذَّبِيحَة بِشَيْء لَيْسَ لَهُ حد فيعذبها الذَّابِح وَلَا يسيل الدَّم الا قَلِيلا. وَلَيْسَ هَذَا بِذبح انما هُوَ قتل.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن الْمسيب أَنه كَانَ لَا يرى بالتذنوب أَن يفتضخ بَأْسا.
يرويهِ هِشَام عَن أبي عبد الله الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن الْحسن أَيْضا.
التذنوب: الْبُسْر الَّذِي قد بَدَأَ فِيهِ الارطاب من قبل الذَّنب. يُقَال: ذنبت البسرة فَهِيَ مذنبة. وروى عَن أنس بن مَالك أَنه كَانَ لَا يقطع التذنوب من الْبُسْر
(2/557)

اذا أَرَادَ أَن يفتضخه. وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على أَنه يُقَال أَيْضا للموضع الَّذِي بَدَأَ فِي الارطاب من الْبُسْر: تذنوب.
وروى عَن أبي هُرَيْرَة انه كَانَ يقطع ذَلِك ويفتضخ مَا خلص من الْبُسْر. وَلَا أرَاهُ كرهه الا لِأَنَّهُ كالخليطين.
وَقَوله: يفتضخ أَي: يشدخ ويتخذ من الفضيخ.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن الْمسيب أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته: ان مشطتك فُلَانَة فَأَنت طَالِق أَلْبَتَّة. فَدخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا تعقص رَأسهَا وومعها امْرَأَة أُخْرَى فَقَالَت امْرَأَته: وَالله مَا مشطتني هَذِه الْجَالِسَةُ وَلَكِن لم تحسن أَن تعقصه فعقصته هَذِه. فَسئلَ سعيد عَن ذَلِك فَقَالَ: مَا مشطت وَلَا تركت وَلَا سيبلع عَلَيْهِ فِي امْرَأَته.
يرويهِ عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن يُونُس بن يزِيد عَن زُرَيْق بن حَكِيم.
قَوْله: مَا مشطت وَلَا تركت. هُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: عملت وَمَا عملت. يُرِيد: أَنَّهَا عملت شَيْئا شَيْئا يَسِيرا من عمل كثير. وان
(2/558)

559 - الْحلف انما يَقع على مُعظم الْعَمَل.
وَقَوله: وَلَا سَبِيل عَلَيْهِ فِي امْرَأَته يَعْنِي: أَنَّهَا لم تطلق لِأَن الَّذِي ولي أَكثر الْعَمَل غَيرهَا وانما كَانَت هِيَ مُعينَة فِي شَيْء يسير.
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد أَنه قَالَ: لَا رَبًّا الا فِي ذهب أَو فضَّة اَوْ مَا يُكَال أَو يُوزن مِمَّا يُؤْكَل أَو يشرب.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن سعيد.
أَرَادَ: ان كل شَيْء يجوز أَن يُبَاع مِنْهُ الْوَاحِد بالاثنين وَالثَّلَاثَة وَأكْثر خلا هَذِه الْأَشْيَاء فان الرِّبَا يدخلهَا فَلَا يجوز أَن يُبَاع الْوَاحِد مِنْهَا الا بِمثلِهِ من صنفه نَقْدا نَحْو: دِرْهَم بدرهم وَصَاع حِنْطَة بِصَاع حِنْطَة ورطل زبيب برطل زبيب فان يخلتف النوعان مِنْهُمَا جَازَ أَن يُبَاع الْوَاحِد بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَقْدا. نَحْو الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بالزبيب وَالذَّهَب بِالْفِضَّةِ. هَذَا قَول سُفْيَان.
وَأما مَالك فانه قَالَ: ان كَانَ اخْتِلَافهمَا بَائِنا جَازَ أَن يُبَاع الْوَاحِد بِأَكْثَرَ مِنْهُ مثل التَّمْر بِالْحِنْطَةِ. وَالزَّبِيب وَالشعِير. وان كَانَ اخْتِلَافهمَا متقاربا مثل الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ. وَالسَّلب بِالْحِنْطَةِ لم يجز الا وَاحِد بِوَاحِد.
وَأما غير هَذِه من سَائِر الْأَشْيَاء الَّتِي تكال أَو توزن مِمَّا لَا يُؤْكَل
(2/559)

أَو يشرب مثل الْقطن والعصفر والقت وَالْحَدِيد والشبه والرصاص وَجَمِيع الْعرُوض من الثِّيَاب وَغَيرهَا فَجَائِز أَن يُبَاع الْوَاحِد بالاثنين وَالثَّلَاثَة وَأكْثر من جنسه نَقْدا لِأَن الرِّبَا لَا يَقع فِيهَا. فان اخْتلف النوعان من هَذِه فان مَالِكًا قَالَ: ان كَانَ اخْتِلَافهمَا متقاربا مثل: الشّبَه والصفر والرصاص والأسرف كرهت أَن يُبَاع الْوَاحِد مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ الى أجل وان كَانَ اخْتِلَافا بَائِنا كالحديد بالرصاص والقطن بالزعفران فَلَا بَأْس أَن يُبَاع الْوَاحِد بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَقْدا أَو الى أجل.
(2/560)

- حَدِيث وهب بن مُنَبّه
وَقَالَ فِي حَدِيث وهب أَنه قَالَ: قَرَأت فِي الْحِكْمَة ان الله يَقُول: أَنِّي قد أويت على نَفسِي أَن أذكر من ذَكرنِي.
يرويهِ عمر بن وهب عَن صَالح المري عَن أبان عَن وهب.
قَوْله: وأيت على نَفسِي غلط من بعض النقلَة الا أَن يكون مِمَّا قلب.
وَالصَّحِيح: وأويت من الوأي وَهُوَ الْوَعْد. يَقُول جعلته وَعدا على نَفسِي. يُقَال: وأويت أَي وأيا اذا وعدت. وَقَالَ أَبُو الْأسود: من الْكَامِل ... واذا وأييت الوأي كنت كضامن ... دينا أقرّ وأحضر كَاتبا ...
فاما أويت فَمَعْنَاه: رحمت. تَقول: أويت لفُلَان فَأَنا آوي لَهُ أَيَّة أَي: رَحمته. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: من الطَّوِيل
(2/561)

.. رَآنِي وَلَا كفران لله أَيَّة ... لنَفْسي لقد طالبت غير منيل ...
أَي: رَحْمَة لنَفْسي.
وَقَالَ الْحسن: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا سجد جافى حَتَّى يؤوي لَهُ.
وَتقول: أويت الى بني فلَان بِالْقصرِ وآويت فلَانا بِالْمدِّ وتأييت: تلبثث. يُقَال: لَيست الدُّنْيَا منزل تئية أَي: منزل تلبث. قَالَ الشَّاعِر: من الْكَامِل ... ومناخ غير تئية عرسته ... قمن من الْحدثَان نابي المضجع ...
وتأييت مِثَال: تعاييت أَي: تَعَمّدت.
وَقَالَ فِي حَدِيث وهب أَنه قَالَ فِي قصَّة ابراهيم انه واسماعيل كَانَا يبنيان الْبَيْت فيرفعان كل يَوْم مد ماكا. حديثيه عبد الرَّحْمَن عَن عبد الْمُنعم عَن أَبِيه عَن وهب.
قَالَ الْأَصْمَعِي: المدماك: الصَّفّ من اللَّبن أَو الْحِجَارَة
(2/562)

بلغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه الْعِرَاقِيُّونَ: الساف.
وَقَالَ فِي حَدِيث وهب أَنه قَالَ: كَانَ الرجل لَا يُنكر عمل السوء على أَهله جَاءَ طَائِر يُقَال لَهُ: القرقفنة فَيَقَع على مشريق بَابه فيمكث هُنَاكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فان أنكر طَار فَذهب وان لم يُنكر مسح بجناحيه على عَيْنَيْهِ فَلَو رَأْي الرجل مَعَ امْرَأَته تنْكح لم ير ذَلِك قبيحا. فَذَلِك: القنذع الديوث لَا ينظر الله اليه.
يرويهِ أَبُو النَّضر عَن قرط بن حُرَيْث عَن أبي سعيد الْمَدَائِنِي.
مشريق الْبَاب: مدْخل الشَّمْس. وَأما القنذع: فَهُوَ والديوث سَوَاء وَهُوَ: فنعل من القذع. والقذع: الْقَبِيح.
والديوث من التدييث وَهُوَ التذليل. كَأَن الَّذِي لَا يغار قد جمع الى الْقبْح الذل.
(2/563)

- حَدِيث أبي مجلز لَاحق بن حميد
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي مجلز أَنه قَالَ: قلت لرجل وَهُوَ على مقلتة: أتق رعته وصرع غرمته وَلَو صرع عَلَيْك رجل وَأَنت تَقول: اليك عني فأيكما مَاتَ غرمه الْحَيّ مِنْكُمَا.
يرويهِ عبد الملك بن الصَّباح عَن عمرَان بن حدير عَن أبي مجلز.
المقلتة: الْمهْلكَة. وَهُوَ من القلت. والقلت: الْهَلَاك. يُقَال: قلت فلَان يقلت قلتا اذا هلك.
وَحكى الْأَصْمَعِي عَن رجل من الْأَعْرَاب أَنه قَالَ: ان الْمُسَافِر ومتاعه على قلت الا مَا وقى الله.
وَمِنْه قيل: امْرَأَة مقلات اذا كَانَت لَا يبْقى لَهَا ولد. بِمَعْنى:
(2/564)

مهلاك. قَالَ بشر بن أبي خازم يذكر قَتِيلا: من الطَّوِيل ... تظل مقاليت النِّسَاء يطانه ... يقلن: أَلا يلقى على الْمَرْء مئزر ...
وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ: ان المقلات اذا وطِئت سيدا مقتولا أحيت. قَالَ الْكُمَيْت يذكر الْحُسَيْن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام حِين قتل: من الْخَفِيف.
وتطيل المرزءآت المقاليت اليه الْقعُود بعد الْقيام.
وَقَوله: غرمته أَي: وديته. وَكَانَ يذهب فِي هَذَا الى أَنه لَا يضيع دم رجل مُسلم.
وَكَانَ ابْن الزبير يَقُول: من قضى هَذَا الْقَضَاء فَعَلَيهِ لعنة الله. يَعْنِي: عبد الملك بن مَرْوَان. وَلَو أَن رجلا سقط على آخر فَمَاتَ كَانَ عَلَيْهِ دِيَته. وَكَانَ ابْن الزبير يَقُول: لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي مجلز أَنه قَالَ: اذا كَانَ الرجل مختلجا فسرك أَلا تكذب فانسبه الى امهِ.
يرويهِ معَاذ عَن عمرَان عَن أبي مجلز.
المختلج: هُوَ الَّذِي نقل عَن قومه وَنسبه مِنْهُم إِلَى قوم
(2/565)

آخَرين ونسبهم. وَهُوَ من: الخلج والخلج: الجذب كَأَنَّهُ جذب مِنْهُم وانتزع كالحميل وَهُوَ الَّذِي يحمل من بِلَاده صَغِيرا فيعزى الى من صَار اليه.
وَقَوله: فانسبه الى أمه يُرِيد: الى رهطها وَلم يرد النِّسْبَة اليها بِعَينهَا.
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كنت أَمْشِي مَعَ الْمُعْتَمِر فَقَالَ لي: مَكَانك حَتَّى أشهك. ثمَّ قَالَ: قَالَ لي: أَنِّي اذا كتبت صكا فا تكْتب: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَلَا تكْتب المري فان أبي كَانَ مكَاتبا لبجير بن حمْرَان وان أُمِّي كَانَت مولاة لبني سليم. فان كَانَ أدّى الْمُكَاتبَة قَالُوا: لَا لبني مرّة وَهُوَ: مرّة ابْن عباد بن صبيعة بن قيس فَاكْتُبْ: الْقَيْسِي. وان لم يكن أدّى الْمُكَاتبَة قَالُوا: لَا لبني سليم وَهُوَ: من بني قيس عيلان فَاكْتُبْ: الْقَيْسِي.
(2/566)

- حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن ابي بكر
وَقَالَ فِي حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد انه قَالَ: لَو أَن رجلَيْنِ شَهدا لرجل على حق أَحدهمَا شطير فانه يحمل شَهَادَة الآخر.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن اياس بن مُعَاوِيَة عَن الْقَاسِم.
الشطير: الْغَرِيب وَجمعه: شطر. وَالْأَصْل فِي الشطير والغريب: الْبعد. وَمِنْه قيل: شاطر وشطار لأَنهم يغيبون كثيرا ويبعدون عَن مَنَازِلهمْ. وَأنْشد الْفراء: من الرجز ... لَا تتركني فيهم شطيرا ... اني اذن أهلك أَو أطير ...
أَي: لَا تتركني غَرِيبا. وَأَرَادَ الْقَاسِم أَن الشَّاهِدين اذا كَانَ أَحدهمَا قرَابَة للْمَشْهُود لَهُ حملت شَهَادَة الْغَرِيب شَهَادَته. ويوضح هَذَا قَول قَتَادَة: شَهَادَة الابْن للْأَب وَالْأَب للِابْن أَو الْأَخ لِأَخِيهِ أَو الزَّوْج لامْرَأَته كل مَا كَانَ من هَذَا مَعَه شطير جَازَ
(2/567)

وَقَالَ فِي حَدِيث الْقَاسِم انه قَالَ فِي رجل نذر أَن يمشي فأعيا بمشي مَا ركب ويركب مَا مَشى.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو وَائِل قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عبد الرحمن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن الْقَاسِم.
يُرِيد: انه ينفذ لوجهه ثمَّ يعود فيركب الى الْموضع الَّذِي عجز فِيهِ عَن الْمَشْي ثمَّ يمشي من ذَلِك الْموضع كلما ركب فِيهِ من طَرِيقه ويركب كلما مَشى فِيهِ. والى هَذَا يذهب مَالك: اذا عجز ركب ثمَّ عَاد فَمشى من حَيْثُ عجز فان كَانَ لَا يَسْتَطِيع الْمَشْي فليمش مَا قدر عَلَيْهِ ثلم ليركب وَعَلِيهِ هدي.
(2/568)

- حَدِيث سَالم بن عبد الله بن عمر
وَقَالَ فِي حَدِيث سَالم أَنه كَانَ يَلِي صَدَقَة عمر فاذا دفت دافة الْأَعْرَاب وَجههَا أَو عاقتها فيهم وَهِي مسبلة.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن نَافِع بن أبي نعيم.
دافة الْأَعْرَاب: من يرد مِنْهُم. واصله من: الدفيف وَهُوَ سير لين. يُقَال: دف يدف دفيفا ودب يدب ويدج وَنَحْوه.
وحَدثني أَبُو حَاتِم أَيْضا عَن الْأَصْمَعِي عَن الْعَلَاء بن أسلم قَالَ: مَاتَ فِي الجارف أَرْبَعَة أَيَّام فِي كل يَوْم سَبْعُونَ ألفا فَالنَّاس الْيَوْم بَنو دواف الْأَعْرَاب وحوالي الْقرى وعواقب الجيوش.
وَمعنى حَدِيث سَالم انه كَانَ يُؤثر الْأَعْرَاب هَذِه الصَّدَقَة السبلة أَو بأكثرها اذا قدمُوا عَلَيْهِ لجذب بِلَادهمْ وضيق عيشهم وَلَا يمضيها فِي الْوُجُوه الَّتِي جعلهَا فِيهَا الْمُتَصَدّق. وَيرى أَن ذَلِك أفضل وَأوجب.
(2/569)

حَدِيث عَمْرو بن معد يكرب
وَقَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن معد يكرب أَنه قَالَ يَوْم الْقَادِسِيَّة: يَا معشر الْمُسلمين كونُوا أسدا عناشا فانما الْفَارِسِي تَيْس اذا القى نيزكه.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن اسماعيل بن أبي خَالِد عَن قيس. قَالَ رَأَيْت عمرا يَوْمئِذٍ يَقُول ذَلِك.
قَوْله: عناشا هُوَ من: عانشت الرجل أَي: عانقته وعانشت وعانقت بِمَعْنى وَاحِد. والعناش: مصدر عانشت. يُقَال: رجل عناش عَدو اذ كَانَ يعانق قرنه فِي النزال. كَذَلِك جَاءَ هَذَا الْحَرْف على الْمصدر وَقد يُوصف الرجل بمصدرالفعل.
(2/570)

وَفِي هَذَا الحَدِيث: ان عمرا حمل على الاسوار فأعتنقه ثمَّ ذبحه وَأخذ سلبه.
وَمثله مِمَّا يُوصف بِالْمَصْدَرِ: رجل كرم وَقوم كرم وَنسَاء كرم. لَا يجمع وَلَا يؤنث. قَالَ الشَّاعِر: من الوافر ... وَأَن يعرين ان كسي الْجَوَارِي ... فتنبو الْعين عَن كرم عجاف ...
وَمِنْه قَول عبيد الله بن جَعْفَر للحسين وَرَأى نَاقَته قَائِمَة على زمامها بالعرج وَكَانَ مَرِيضا: أَيهَا النّوم أَيهَا النّوم وَظن أَنه نَائِم واذا الرجل مُثبت وجعا.
وَيُقَال: هَذَا رجل صَوْم وَفطر وَرِجَال صَوْم وَفطر.
(2/571)

- حَدِيث زِيَاد بن أبي سُفْيَان
وَقَالَ فِي حَدِيث زِيَاد أَنه قَالَ فِي خطْبَة لَهُ: قد طرفت أعينكُم الدُّنْيَا وسدت مسامعكم الشَّهَوَات ألم تكن مِنْكُم نهاة تمنع الغواة عَن دلج اللَّيْل وغارة النَّهَار. وَهَذِه البرازق فَلم يزل بهم مَا ترَوْنَ من قيامكم بأمرهم حَتَّى انتهكوا الْحَرِيم ثمَّ أطرقوا وراءكم فِي مكانس الريب.
بَلغنِي عَن أبي الْحسن الْمَدَائِنِي.
قَوْله: طرفت أعينكُم الدُّنْيَا أَي: طمحت بأبصاركم اليها وشغلتكم عَن الْآخِرَة.
يُقَال: امْرَأَة مطروفة بِالرِّجَالِ اذا كَانَت تطمح اليهم. وَهَذَا رجل مطروف اذا كَانَ لَا يرى شَيْئا الا علقه ولهي عَمَّا فِي يَدَيْهِ. يُقَال: لَيْت شعري مَا طرفك عني اذا استبطأته. قَالَ الشَّاعِر: من الطول ... ومطروفة الْعَينَيْنِ خفاقة الشحا ... منعمة كالريم طابت وطلت ...
طلت أَي: مطرَت. دَعَا لَهَا بذلك. البرازق: المواكب وَالْجَمَاعَات. وَمِنْه الحَدِيث: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يكون النَّاس
(2/572)

برازيق أَي: جماعات. يُقَال: برازق وبرازيق. كَمَا يُقَال طواوس وطواويس.
وَيُقَال أصل الْحَرْف فَارسي: برزه قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... أَرضًا بهَا الثيران كالبرازق ...
وَقَوله: أطرقوا وراءكم فِي مكانس الريب. يُرِيد: استتروا بكم. والمكانس: جمع مكنس. وَأَصله مَوضِع الظبي من أصل الشَّجَرَة الَّذِي يقيل فِيهِ. يُقَال: كنس الظبي فَهُوَ كانس اذا دخله وَيُقَال لَهُ: كناس أَيْضا.
وَقَالَ فِي حَدِيث زِيَاد أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: ان الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ لَا يقطع بهَا ذَنْب عنز مُصَور لَو بلغت امامه لسفك دَمه.
بَلغنِي عَن أبي الْحسن الْمَدَائِنِي. قَالَ أَبُو زيد: المصور هِيَ من الْمعز خَاصَّة وَجَمعهَا: مصائر وَهِي الَّتِي انْقَطع لَبنهَا الا قَلِيلا. وَمثلهَا من الضان: الجدود. قَالَ الْأَصْمَعِي: انما قيل
(2/573)

لَهَا مُصَور لِأَنَّهُ يتمصر لَبنهَا قَلِيلا قَلِيلا. والمصر وَالْفطر: الْحَلب باصبعين أَو بِثَلَاث. فان حلبتها الْكَفّ فقد صفقتها وَهُوَ الصَّفّ. وَأما الضَّب فَهُوَ الْحَلب بأطراف الْأَصَابِع. وَأَرَادَ زِيَاد أَن الرجل يتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ لَا تَنْفَعهُ وَلَا تجدي عَلَيْهِ وفيهَا ضرب عُنُقه لَو بلغت سُلْطَانه. ولمثل هَذَا قيل: مقتل الرجل بَين فَكَّيْهِ.
(2/574)

- حَدِيث أبي الْأسود الدؤَلِي
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي الْأسود أَنه قَالَ: عَلَيْكُم فلَانا فانه اهيس أَلَيْسَ الد ملحس ان سُئِلَ أرز وان دعِي انتهز.
قَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر. قَالَ الْأَصْمَعِي: الأهيس الَّذِي يَدُور ويهوس. والأليس: الَّذِي لَا يبرح. يُقَال: ابل لَيْسَ على الْحَوْض. وَأَرَادَ أَنه يَدُور فِي مَكَان وَاحِد ويدور فِي طلب شَيْء يَأْكُلهُ وَيقْعد عَمَّا سوى ذَلِك. وأصل اهيس الْوَاو الا أَنه وازى بِهِ أَلَيْسَ.
والملس: الَّذِي لَا يظْهر لَهُ شَيْء الا أَخذه وَهُوَ من لحست الشَّيْء.
وَقَوله: ان سُئِلَ أرز اي: انقبض. يُقَال: فلَان يأرز أروزا وَمِنْه قَول النبى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: ان الاسلام ليأرز الى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة الى جحرها أَي: يَنْضَم وتنقبض.
وَقَوله: ان دعِي انتهز اي افْترض ذَلِك. وَهِي الفرصة والنهزة.
(2/575)

وروى من وَجه آخر: ان سُئِلَ آرتز وان دعِي آهتز. ارتز: أَي: ثَبت مَكَانَهُ وَلم يهش وَلم ينبسط.
حَدثنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن شيخ من قُرَيْش انه قَالَ: قَامَ رجل الى الْمُخْتَار فَقَالَ: تهزني فأهتز أم ترزني فأرتز فَقَالَ أهزك. فَقَالَ: اني قَرَأت عِنْد بِلعان فَوجدت رجلا من القصران يخرج فِي العبدان يغلب على الكوفان.
أَرَادَ: تقبضني فأنقبض وَأثبت مَكَاني أَو تبسطني فأنبسط.
وَمِنْه يُقَال: ارتز السهْم اذا ثَبت السهْم اذا ثَبت فِي الأَرْض.
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ السليك يحضر فَتَقَع السِّهَام من كِنَانَته فترتز.
والهزة: حَرَكَة وَمِنْه يُقَال: فلَان تَأْخُذهُ للمعروف هزة. وَمِنْه: اهتزاز الموكب.
والقصران: جمع قصير نَحْو قضيب وقضبان وكثيب
(2/576)

وكثبان. وَمثله فِي الصّفة: صَغِير وصغران. قَالَ بعض الرجاز: من الرجز ... الرَّحِم بلها بِخَير البلان ... فان فِيهَا للديار الْعمرَان
وَأمر المَال وَنبت الصغران ... فانما اشْتقت من اسْم الرَّحْمَن ...
وَيكون القصران جمع قصر والعبدان جمعا لعبد. مثل: بطن وبطنان وَسمن وسمنان.
(2/577)

حَدِيث ابي رَجَاء العطاردي
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي رَجَاء أَنه قَالَ: ياتونني فيحملونني كأنني قفة حَتَّى يضعوني فِي مقَام الإِمَام فأقرأ بهم الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ فِي رَكْعَة.
يرويهِ سعيد بن عَامر عَن أَسمَاء بن عبيد.
قَوْله: كَأَنِّي قفة. ذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَن القفة من الرِّجَال الْقصير الجرم. يَقُول: قد انْضَمَّ بَعْضِي الى بعض من الْهَرم فَكَأَنِّي صَغِير الجرم وَلست كَذَلِك.
وَقَالَ يَعْقُوب فِي قَول النَّاس: كبر فلَان حَتَّى صَار كَأَنَّهُ قفة والقفة: الشَّجَرَة الْيَابِسَة البالية وَكَأَنَّهُ من قفت الأَرْض اذا يبس بقلها وقفت الشَّجَرَة اذا يَبِسَتْ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي رَجَاء أَنه قَالَ: لما بلغنَا أَن النبى عَلَيْهِ
(2/578)

الصَّلَاة وَالسَّلَام قد أَخذ فِي الْقَتْل هربنا فاستثر ناشلوا أرنب دَفِينا وألقينا عَلَيْهَا من بقول الأَرْض وفصدنا عَلَيْهَا فَلَا أنس تِلْكَ الْأكلَة.
يرْوى عَن عُثْمَان الشحام عَن أبي رَجَاء.
قَوْله: فصدنا عَلَيْهَا يَعْنِي الْإِبِل وَكَانُوا يفصدونها ويعالجون ذَلِك الدَّم ويأكلونه ويشربونه عِنْد الضَّرُورَة. وَيُقَال فِي مثل: لم يحرم من فصد لَهُ: وَبَعْضهمْ يَقُول: فزدله أَي: لم يحرم من نَالَ بعض حَاجته. ان لم ينلها كلهَا كَمَا لم يحرم من فصد لَهُ عِنْد الضَّرُورَة.
والشعوبية تعيب الْعَرَب بالفصد. والمجدوح وَالْعِلْهِز والفظ وَالْقد والحيات. فَأَما الفصد فَهُوَ مَا ذكرته والمجدوح من الدَّم. وَكَانُوا اذا جهدهمْ الْعَطش فِي مَسِيرهمْ نحرُوا بَعِيرًا وتلقوا لبته بانآء حتي يسيل الدَّم ثمَّ تَرَكُوهُ حَتَّى يبرد فاذا برد ضربوه بِالْأَيْدِي وجدحوه من المفازه.
وَالْعِلْهِز: قد تقدم تَفْسِيره فِي حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والفظ: أَن ينحروا بَعِيرًا فيعتصروا فرثه ويتصافنوا مَاء.
وَهَذِه أَشْيَاء كَانُوا يفعلونها عِنْد الضرورات وَفِي الْأَسْفَار والمجاعات وَكَذَلِكَ الْحَيَّات انما كَانَ يأكلها نازلة القفار والفلوات من الْفقر أَو من لَا يجد حِيلَة. وانما كَانَ يكون هَذَا عَيْبا لَو كَانَت الْعَرَب مختارة لَهُ فِي حَال الْغنى واليسر. وَكَانَت تمدحه وتحمد آكليه. وَقد ذكرت هَذَا
(2/579)

وأشباهه فِي كتاب فضل الْعَرَب والتنيبه على علومها واحتججت عَنْهَا فِيهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَة ان شَاءَ الله.
وَكَانَ أَبُو رَجَاء مِمَّن أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالنَّبِيّ وَلكنه أسلم بعده.
حَدثنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: قلت لأبي رَجَاء مَا تذكر قَالَ: أذكر قتل بسطَام بن قيس على الْحسن قَالَ الْأَصْمَعِي: وَالْحسن حَبل رمل. قَالَ ثمَّ أنْشد أَبُو حَاتِم: من الوافر ... وخر على الألاءة لم يوسد ... كَأَن حبينه سيف صقيل ...
(2/580)

- حَدِيث يحيى بن يعمر العدواني
وَقَالَ فِي حَدِيث يحيى بن يعمر أَن امراة خَاصَمت زَوجهَا اليه فَقَالَ ابْن يعمر ألأن سَأَلتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها.
حَدَّثَنِيهِ السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر.
الشبر: النِّكَاح وَمِنْه قَول النبى فِي دُعَائِهِ لعَلي وَفَاطِمَة: جمع الله شملكما وَبَارك فِي شبركما.
وَمِنْه حَدِيثه: أَنه نهى عَن شبر الْجمل يُرِيد أَخذ الْكِرَاء على ضرابه فَسمى الْكِرَاء شبْرًا باسم الضراب. وَمثله: نَهْيه عَن عسب الْفَحْل وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه لأم الْخِيَار صَاحِبَة أبي النَّجْم تَقوله لأبي النَّجْم: من الرجز ... لقد فخرت بقصير شبره ... يَجِيء بعد فعلتين قطره ...
(2/581)

يُرِيد: أَنه لَا يطاول فِي النِّكَاح والشبر بِفَتْح الْبَاء: الْعَطاء قَالَ العجاج: من الرجز ... الْحَمد لله الَّذِي أعْطى الشبر ...
ويروي: الحبر أَيْضا وَهُوَ السرُور.
وَمِنْه قَول عبد الله: آل عمرَان غنى النِّسَاء محبرة. أَي: سرُور. وَقَالَ الله جلّ وَعز: {فهم فِي رَوْضَة يحبرون} . فاذا أردْت الْمصدر فَهُوَ الحبر بِسُكُون الْبَاء قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقَالَ فِي مثل: شبر فتشبر أَي: كرم فتفتح. قَالَ: وَلَا أعرف أصل الْمثل.
وَالشُّكْر: الْبضْع. وَيُقَال الْفرج. وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(2/582)

أَو ابْنه أَبُو شهَاب فِي امْرَأَة: من الطَّوِيل ... صناع باشفاها حصان بشكرها ... جواد بقوت الْبَطن والعرق زاخر ...
أَي: عرقها يسمو بهَا.
وَقَوله: تطلها هُوَ من قَوْلك: طل دَمه اذا بَطل وهدر. يُقَال: طل الدَّم وأطله الله وطله. اذا هدر.
وَرَوَاهُ غير أبي حَاتِم: تلطها فان كَانَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فَهُوَ من: لططت فِي الْخُصُومَة. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: ألططت. وَمِنْه يُقَال: فلَان ملط اذا دفع عَن الْحق وَلزِمَ الْبَاطِل. واللغة الأولي هِيَ الْمَعْرُوفَة الجيدة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وكل شَيْء سترته فقد لططته. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: من السَّرِيع ... نلط دون الْحق بِالْبَاطِلِ ...
وَقَوله: وتضهلها أَي: تردها الى أَهلهَا وتخرجها. من قَوْلك: ضهلت الى فلَان اذا رجعت اليه. وَمن قَوْلك: هَل ضهل
(2/583)

اليك من مَالِي شَيْء أَي: هَل عَاد اليك. وَقَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل ... أفياء بطيئا ضهولها ...
والضهل أَيْضا: الْقَلِيل. وَيجوز أَن تَجْعَلهُ مِنْهُ. فَأَرَادَ ابْن يعمر: لما سَأَلتك الْمهْر تبطل حَقّهَا وترجعها.
(2/584)

- حَدِيث عمر بن عبد العزيز
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد العزيز أَن عدي بن أَرْطَأَة كتب اليه أَن عندنَا قوما أكلُوا من مَال الله وانا لَا نقدر أَن نستخرج مَا عِنْدهم حَتَّى يمسهم شَيْء من الْعَذَاب. فَكتب اليه عمر: انما أَنْت ربذة. من الربذ فوَاللَّه لِأَن يلْقوا الله بخيانتهم أحب الي من أَن ألْقى الله بدمائهم فافعل بهم مَا يفعل بغريم السوء.
حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن أبي سَلمَة الْمقري عَن أبي هِلَال الرَّاسِبِي عَن قَتَادَة. انه سَأَلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن الربذَة فَقَالَ: هِيَ خرقَة أَو وصوفة يهنأ بهَا الْبَعِير.
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الربذَة أَيْضا صوفة تعلق على الهودج. وَقَالَ: وَهِي أَيْضا خرقَة الْحيض. وفيهَا لُغَة أُخْرَى: ربذة.
وخبرني أَبُو حَاتِم قَالَ: أخبرنَا أَبُو زيد: ان الربذَة الصوفة أَو الْخِرْقَة الَّتِي يهنأ بهَا الْبَعِير ويدهن بهَا السقاء. وَيُقَال لَهَا: ثملة وثملة.
قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي مثل ذَلِك أَو نَحوه. وَأنْشد: من الرجز.
(2/585)

.. ممغوثة أعراضهم ممرطله ... كَمَا يلاث فِي الهناء الثملة ...
يُقَال: مرطل الرجل ثَوْبه بالطين اذا لطخه. وَأَرَادَ: أَنهم مدنسوا الأعراق.
وَالَّذِي أَرَادَ عمر ان كَانَ يذهب مَذْهَب الذَّم لعدي انك انما نصبت لتداوي وتشفي كَمَا تشفى الربذَة النَّاقة الدبرة أَو لِأَن يصلح بك كَمَا يصلح بالربذة السقاء المدهون بهَا وان كَانَ أَرَادَ الذَّم فَذَلِك مَا لَا نحتاج لَهُ الى تَفْسِير لوضوح مَعْنَاهُ.
وَقد كتب اليه أَيْضا: غرتني مِنْك صَلَاتك ومجالستك الْقُرَّاء وعمامتك السَّوْدَاء ثمَّ وجدناك على خلاف مَا أملناك قاتلكم الله أما تمشون بَين الْقُبُور.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد العزيز أَنه قَالَ لهِلَال بن سراج بن مجاعَة يَا هِلَال: هَل بَقِي من كهول بني مجاعَة أحد قَالَ: نعم وشكير كثير فَضَحِك عمر وَقَالَ: كلمة عَرَبِيَّة.
حَدَّثَنِيهِ القومسي باسناد لَا أحفظه فِيهِ طول.
قَوْله: وشكير كثير يُرِيد: ان فيهمَا أحداثا وأصل الشكير الْوَرق الصغار ينْبت فِي أصُول الْكِبَار. وَهُوَ أَيْضا النبت أول مَا يطلع. يُقَال: قد بدا شكير النبت. أَي: شَيْء قَلِيل رَقِيق وَكَذَلِكَ هُوَ من
(2/586)

الشّعْر والوبر وَالصُّوف. قَالَ حميد الأرقط: من الرجز ... وَالرَّأْس قد صَار لَهُ شكيير ...
واذا شاخ الرجل دق شعره ولان ورق وَصَارَ كالزغب. وَلذَلِك قَالَ أَبُو النَّجْم: من الرجز ... وأنبتت هامته المرعزي ...
والشكير فِي الشّجر ورق يخرج فِي أصل الشَّجَرَة تَقول الْعَرَب: وَمن عضة مَا ينبتن شكيرها. وَقد يستعار الشكير فيسمى بِهِ صغَار الْأَشْيَاء. قَالَ الرَّاعِي وَذكر ابلا: من الْكَامِل ... حَتَّى اذا احتسبت تبقى طرقها ... وثنى الرُّعَاة شكيرها المجولا ...
يَقُول: أَخذ الْعمَّال السمان ورد الرعاء الصغار الَّتِي قد تنجل مَا فِيهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَن يكون الرجل قَاضِيا حَتَّى تكون فِيهِ خمس خِصَال: يكون عَالما قبل أَن
(2/587)

يسْتَعْمل مستشيرا لأهل الْعلم ملقيا للرثع منصفا للخصم مُحْتملا للأئمة.
حدّثنَاهُ اسحق بن رَاهَوَيْه قَالَ: أخبرنَا بشر بن الْمفضل بن لَاحق قَالَ: حدّثنَاهُ الْمُغيرَة بن مُحَمَّد عَن عمر بن عبد العزيز.
الرثع الدناءة والتطفف من الدون من الْعَطِيَّة. قَالَ الْكسَائي: الرجل الرائع الَّذِي يرضى بِالْقَلِيلِ من الْعَطاء ويخاذن أخدان السوء. يُقَال: قد رثع فلَان رثعا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ ان رجلا سَأَلَ ربه سنة أَن يرِيه موقع الشَّيْطَان من قلب ابْن آدم فَرَأى فِيمَا يرى النَّائِم جَسَد رجل ممهى يرى دَاخله من خَارجه وَرَأى الشَّيْطَان فِي صُورَة ضفدع لَهُ خرطوم كخرطوم الْبَعُوضَة قد أدخلهُ من مَنْكِبه الْأَيْسَر الى قلبه يوسوس اليه فاذا ذكر الله خنسه.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرحمن عَن الْأَزْدِيّ عَن حَفْص بن عمر عَن الْفُرَات بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن عمر.
قَوْله: جَسَد ممهى اي مَصْنُوع من المها أَو ملبس
(2/588)

المها. والمها: البلور. يُقَال للْمَرْأَة اذا كَانَت بَيْضَاء ناصعة الْبيَاض كَأَنَّهَا المها. وَكَذَلِكَ الشّعْر اذا ابيض وَكثر مَاؤُهُ يُقَال: كَأَنَّهُ المها. وَكَذَلِكَ سمي أُميَّة بن أبي الصَّلْت الْكَوَاكِب: المها تَشْبِيها لَهَا بالبلور. قَالَ وَذكر السَّمَاء: من الْكَامِل ... رسخ المها فِيهَا فَأصْبح لَوْنهَا ... فِي الوارسات كأنهن الاثمد ...
والمها فِي غير هَذَا: بقر الْوَحْش الْوَاحِدَة: مهاة.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ ليزِيد بن الْمُهلب حِين ولاه سُلَيْمَان الْعرَاق: اتَّقِ الله يَا يزِيد فانا لما دفنا الْوَلِيد ركض فِي لحده.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش عَن أَبِيه عَن حَمَّاد بن زيد عَن خَالِد بن نَافِع عَن أبي عُيَيْنَة بن الْمُهلب عَن يزِيد بن الْمُهلب عَن عمر.
(2/589)

قَوْله: ركض فِي لحده أَي ضرب بِرجلِهِ الأَرْض. قَالَ الله جلّ وَعز: {اركض برجلك} وَمِنْه يُقَال: ركضت الدَّابَّة. انما هوتحريكك اياها برجلك.
وَقَول الْعَامَّة: ركضت الدَّابَّة خطا. انما يُقَال: ركضتها فعدت.
وَيُقَال: الدَّابَّة تركض. وَلَا يُقَال: تركض.
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كتب فِي صَدَقَة التَّمْر أَن يُؤْخَذ فِي البرني من البرني وَفِي اللَّوْن من اللَّوْن.
رَوَاهُ عبد الرزاق وَقَالَ: قَالَ ابْن جريج ذَلِك.
اللَّوْن: الدقل. وَيُقَال لَهُ: الألوان. وَأَرَادَ أَن يُؤْخَذ صَدَقَة كل صنف مِنْهُ وَلَا يُؤْخَذ من غَيره. وكل لون لَا يعرف اسْمه من النّخل فَهُوَ جمع. يقا لقد كبر الْجمع فِي أَرض فلَان. فاذا قلت: الألوان فانما تُرِيدُ الدقل خَاصَّة.
(2/590)

وَقَالَ فِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه دخل على سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك فمازحه بِكَلِمَة فَقَالَ: اياي وَكَلَام المجعة.
المجعة واحدهم: مجع وَهُوَ الرجل الْجَاهِل. وَيُقَال: الماجن والمجون بعد يرجع الى الْجَهْل. يُقَال: رجل مجع وَامْرَأَة مجعة وَيجمع المجع: مجعة. كَمَا يُقَال: قرد وقردة وفيل وفيلة.
(2/591)

حَدِيث مُجَاهِد بن جُبَير
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد} قَالَ الطوفان: الْمَوْت. الْجَرَاد: يَأْكُل مسامير رتجهم. يرويهِ وَرْقَاء عَن ابْن ابي نجيح عَن مُجَاهِد الرتج: الْأَبْوَاب. وَاحِدهَا ر تَاج وتقديرها: كتاب وَكتب. وَمِنْه يُقَال: ارتجت الْبَاب أَي: أغلقته وأرتج على فلَان اذا حصر فَلم يقدر على أَن يتَكَلَّم. كَأَنَّهُ أغلق عَلَيْهِ. ورتاج الْكَعْبَة: بَابهَا. والطوفان: السَّيْل وَهُوَ الْمَوْت وَهُوَ اللَّيْل أَيْضا. قَالَ أَبُو النَّجْم:
(2/592)

من الرجز ... وغم طوفان الظلام الأثأبا ...
والأثأب: شجر وغمه غطاه.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه كره أَن تصور شَجَرَة مثمرة. يرويهِ يحيى بن آدم عَن عبد السلام بن حَرْب عَن لَيْث عَن مُجَاهِد.
قَوْله: تصور شَجَرَة. فِيهِ قَولَانِ: احدهما: تميل. يُقَال: صرت عنق أصورها صورا. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: صرتها أصيرها صيرا. مِنْهُ قَول عمر بن الْخطاب. وَذكر الْعلمَاء فَقَالَ: تنعطف عَلَيْهِم بِالْعلمِ قُلُوب لَا تصورها الْأَرْحَام. وقرئت: {فصرهن إِلَيْك} بِضَم الصَّاد وَكسرهَا. أَي: ضمهن اليك ثمَّ اقطعهن وَاجعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا وَقَالَ العجاج وَذكر الْمَرْأَة: من الرجز ... وكفل ينصار لانصيارها ... على الْيَمين وعَلى يسارها ...
أَي: يمِيل كفلها كَيفَ مَالَتْ لعظمه. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول
(2/593)

الله جلّ وَعز: / فصبرهن اليك / يجوز أَن يكون: قطعهن وَاحْتج بقول خنساء: من الْبَسِيط ... لظت الشم مِنْهَا وَهِي تنصار ...
قَالَ: تصدع وتفلق وَيَقُول رؤبة: من الرجز ... صرنا بِهِ الحكم وأعيا الحكما ...
قَالَ: يُرِيد فصلنا بِهِ الحكم. وعَلى هَذَا التَّأْوِيل يجوز أَن يكون مُجَاهِد نهى أَن تقطع شَجَرَة مثمرة. وَالْمذهب الأول اشهر فِي اللُّغَة واعلا.
وانما كره أَن تميل الشَّجَرَة المثمرة لِأَنَّهَا تصفر وتضعف ويقل ثَمَرهَا. وَرُبمَا جَفتْ.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} ذكر الْبر ثمَّ ذكر التَّمْر فَقَالَ: اذا حَضَرُوهُ عِنْد جداده ألقِي لَهُم من التفاريق وَالتَّمْر.
التفاريق: جمع تفروق وَسمعت فَقِيها بِالْمَدِينَةِ كنت أجالسه يَقُول: كَانَ أَبُو عبيد يُفَسر من غَرِيب الحَدِيث مَا تعرفه اماؤنا
(2/594)

فَقلت لَهُ: تذكر لي من ذَلِك شَيْئا فَقَالَ: التفروق قلت: وَمَا هُوَ عدكم قَالَ: القمع الَّذِي يلزق بالبسرة. قلت هَكَذَا يزْعم بعض غلماننا.
وَالْأَحَادِيث تدل على أَن التفروق غير القمع. وَذكرت لَهُ حَدِيث مُجَاهِد هَذَا: يلقى للْمَسَاكِين من التفاريق وَلَا يجوز أَن يكون أَرَادَ الأقماع. وَكَأن التفروق على معنى هَذَا الحَدِيث شُعْبَة من الشمراخ والشمراخ: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْبُسْر. واصله فِي العذق فاذا ألقِي للْمَسَاكِين شُعْبَة من الشمراخ كَانَ فِيهَا تمرات أَو بسرات.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد انه قَالَ فِي قَول الله تبَارك وَتَعَالَى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود} لَيْسَ بالندب وَلكنه صفرَة الْوَجْه والخشوع.
يرويهِ سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد.
النّدب: أثر الْجراح اذا لم يرْتَفع عَن الْجلد والجميع: أنداب وندوب. قَالَ ذُو الرمة وَذكر الْمَرْأَة: من الْبَسِيط ... تريك سنة وَجه غير مقرفة ... ملساء لَيْسَ بهَا خَال وَلَا ندب ...
وَالنَّدْب فِي غير هَذَا: الْخطر. وَيُقَال: رجل ندب فِي الْأَمر
(2/595)

اذاكان شهما خَفِيفا فِيهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه قَالَ: وجدت النَّاس أخبر تقله. يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن سعيد بن حسان.
قَوْله: أخبر تقله يُرِيد: انك اذا أَخْبَرتهم وتعرفت أَمرهم قليتهم أَي: أبغضتهم. يُقَال: يُقَال: قليت الرجل فَأَنا أقليه قلى وقلاء ان كسرت أَوله قصرته وان فَتحته مددته.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه قَالَ: فِي الْوَبر شَاة وَفِي كل ذِي كرش شَاة.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن ابْن ابي نجيح عَن مُجَاهِد. يُرِيد فِي الْوَبر يُصِيبهُ الْمحرم شَاة وَلَا أرَاهُ جعل فديته شَاة وَلَيْسَ هُوَ لَهَا بند الا لِأَنَّهُ ذُو كرش.
وَبَلغنِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: الْوَبر تجتر واليربوع تجتر وَحكم عبد الله بن مَسْعُود فِي اليربوع بِشَاة.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه ذكر مَدَائِن قوم لوط فَقَالَ: حملهَا جِبْرِيل على خوافي جنَاحه. يُقَال: الْجنَاح عشرُون ريشة أَربع قوادم وَهِي مقدم الْجنَاح وَأَرْبع مناكب وَأَرْبع
(2/596)

أباهر وَأَرْبع خوافي وَأَرْبع كلى.
وَالْعرب تَقول: لَيْسَ عقر اللَّيْل كالدادي وَلَا توالي الْخَيل كالهوادي وَلَا قدامى النسْر كالخوافي.
وعقر اللَّيَالِي هِيَ بيض الشَّهْر والأعقر: الْأَبْيَض. والدادي: ثلث من آخر الشَّهْر قبل ثلث المحاق. وتوالي الْخَيل أواخرها وهواديها: أوائلها.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُجَاهِد أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {وَأَنْتُم سامدون} قَالَ: البرطمة.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن ابي نجيح عَن مُجَاهِد.
البرطمة: الانتفاخ من الْغَضَب. يُقَال رجل مبرطم. وَقد اخْتلف فِي السمود فَقَالَ بَعضهم السمود: اللَّهْو والغناء. يُقَال لِلْجَارِيَةِ: اسمدي لنا اي: غَنِي لنا.
وَيُقَال: السمود أَن يبهت الرجل وَيَنْقَطِع. وَمن الدَّلِيل.
(2/597)

على ذَلِك قَول الشَّاعِر: من الوافر ... رمى الْحدثَان نسْوَة آل حَرْب ... بِمِقْدَار سمدن لَهُ سمودا
فَرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن الْبيض سُودًا ...
يُرِيد: أَنَّهُنَّ لعظم مصيبتهن بهتن وانقطعن.
(2/598)

- حَدِيث عِكْرِمَة مولي ابْن عَبَّاس
وَقَالَ فِي حَدِيث عِكْرِمَة أَنه فِي شَرِيكَيْنِ أَرَادَ أَن يفترقا: يقتسمان مَا نض بَينهمَا من الْعين وَلَا يقتسمان الدّين فان أَخذ أَحدهمَا وَلم يَأْخُذ الآخر فَهُوَ رَبًّا.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن ابْن أبي لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عِكْرِمَة قَوْله: مَا نض أَي مَا صَار وَرقا اَوْ عينا بعد أَن كَانَ مَتَاعا. وَيُقَال لِلْمَالِ من الْعين وَالْوَرق اذا كَانَ كَذَلِك نآض. وَمِنْه حَدِيث عمر: انه كَانَ يَأْخُذ الزَّكَاة من ناض المَال عَن المَال كُله غائبه وَشَاهده. والنضيضة: الْمَطَر الْقَلِيل. والجميع: نضائض. قَالَ الشَّاعِر: من الرجز ... فِي كل عَام قطره نضائض ...
وَيُقَال: فلَان نضاضة ولد أَبِيه اي: آخِرهم. ونضاضة المَال أَو غَيره آخِره وبقيته.
(2/599)

وَكره عِكْرِمَة أَن يقتسما الدّين على النَّاس فَيَقُول أَحدهمَا: مَا على فلَان فلي وَمَا على فلَان فلك لِأَن غر وَلَا يدرى مَا يَصح مِنْهُ فاذا قبض اقْتَسمَا مَا قبضا.
وَقَالَ فِي حَدِيث عِكْرِمَة أَنه قَالَ: حَملَة الْعَرْش كلهم صور. يرويهِ ابراهيم بن الحكم عَن أَبِيه عَن عِكْرِمَة.
قَوْله: صور يُرِيد: جمع أصور وَهُوَ المائل الْعُنُق. من قَوْلك: صرت الشَّيْء فانصار اذا أملته فَمَال. قَالَ ذُو الرمة: من الطَّوِيل ... على أنني فِي كل سير أسيره ... وَفِي نَظَرِي من نَحْو دَارك أصور ...
أَي: مائل الْعُنُق نحوي. وَقَالَ فِي مثل قَول عِكْرِمَة أُميَّة بن أبي الصَّلْت يذكر الْعَرْش: من الْخَفِيف ... شرجعا مَا يَنَالهُ بصر الْعين ترى دونه الملائك صورا ...
(2/600)

- حَدِيث قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ: أَن تسْجد بِالآخِرَة مِنْهُمَا أَحْرَى أَلا يكون فِي نَفسك حوجاء.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الوهاب الحَجبي عَن أبي عوَانَة عَن قَتَادَة.
الحوجاء: الْحَاجة. يُرِيد: أَحْرَى أَلا يكون فِي نَفسك شكّ اَوْ رِيبَة. يُقَال: فِي نَفسِي من كَذَا حَاجَة وحوجاء اذا كَانَ فِي نَفسك مِنْهُ شىء. وَأَرَادَ قَتَادَة: أَن مَوضِع السُّجُود مُخْتَلف فِيهِ من سروة {حم} السَّجْدَة فبعضهم يرَاهُ فِي الْآيَة الأولى عِنْد قَوْله: {واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} مِنْهُم: الْحسن. وَكَانَ بَعضهم يرَاهُ فِي الْآيَة الْأُخْرَى عِنْد قَوْله: {وهم لَا يسأمون} .
فَاخْتَارَ قَتَادَة أَن يكون السُّجُود عِنْد انْقِضَاء الْآيَة الْأُخْرَى لانه ان كَانَ السُّجُود عِنْد الأولى لم يضررك أَن تسْجد عِنْد الْأُخْرَى وان كَانَ السُّجُود عِنْد الْأُخْرَى فسجدت فِي الأولى كنت قد قدمت السُّجُود قبل الْآيَة وَلَا يجزىء ذَلِك.
(2/601)

وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ: يتَوَضَّأ الرجل بِالْمَاءِ الرمد وَالْمَاء الطَّرْد.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عل بن عبد الله عَن مُعْتَمر عَن يزِيد بن ابراهيم التسترِي عَن قَتَادَة.
الرمد من الْمِيَاه الْمُتَغَيّر اللَّوْن الآجن. وأصل الْحَرْف من الرماد وَلذَلِك قيل للثوب الْوَسخ بالرمد والأرمد. وَالْمَاء الطَّرْد الَّذِي تخوضه الدَّوَابّ سمي بذلك لِأَنَّهَا تطرد فِيهِ أَي: تتَابع أَو تطرده أَي: تَدْفَعهُ اذا خاضته. وَأَرَادَ أَن التَّوَضُّؤ بِهَذَا جَائِز. وَمن وجده لم يتَيَمَّم فان كَانَ تغير رِيحه ولونه بِنَجَاسَة وَقعت فِيهِ لم يجز الْوضُوء بِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ: النَّضْح من النَّضْح.
حَدَّثَنِيهِ خَالِد بن مُحَمَّد عَن عبد الوهاب عَن سعيد عَن قَتَادَة.
قَوْله: النَّضْح من النَّضْح يُرِيد: من أَصَابَهُ نضح من الْبَوْل فَعَلَيهِ أَن ينضحه بِالْمَاءِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يغسلهُ. وَمثله حَدِيث الْحسن انه مر فِي ثَقِيف وأصابه نضح من كنيف فرش عَلَيْهِ المَاء. والنضح دون النَّضْح. فان أَصَابَهُ نضح وَجب عَلَيْهِ غسله.
(2/602)

وَكَانَ أَبُو حنيفَة لَا يرى فِي الْبَوْل ينتضح على الثَّوْب مِنْهُ مثل رُؤُوس الابر نضحا بِالْمَاءِ وَلَا غسلا.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَن قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون} قَالَ: الْخُشُوع فِي الْقلب والباد الْبَصَر فِي الصلوة.
يرويهِ عبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن قَتَادَة.
قَوْله: الباد الْبَصَر يَعْنِي: الزامه الأَرْض وَمَوْضِع السُّجُود. قَالَ: ألبد فلَان بِالْمَكَانِ اذا أَقَامَ بِهِ. وَهُوَ من لبد الشَّيْء يلبد وَتَلَبَّدَ اذا انْضَمَّ بعضه الى بعض.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ: الدَّجَّال قصد من الرِّجَال اجلى الجبين براق الثنايا محبل الشّعْر.
حَدَّثَنِيهِ سهل قَالَ: حدّثنَاهُ الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال عَن قَتَادَة.
محبل الشّعْر: جعده. وَأَصله من الحبال كَأَن كل قرن من قُرُون شعره حَبل لالتفافه.
وَفِي حَدِيث آخر: رَأسه حبك. والحبك: المتكسر من الجعودة مثل المَاء الْقَائِم تضربه الرّيح فَيكون لَهُ حبك. والرملة
(2/603)

تصيبها الرّيح وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز أَن يكون محبك الشّعْر.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ: تخرج نَار من مَشَارِق الارض تَسوق النَّاس الى مغاربها سوق الْبَرْق الْكسر. يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة.
والبرق: الْحمل وَهُوَ مُعرب. وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ: بره وَفِي بعض الحَدِيث: صَاحب راية الدَّجَّال رجل يُقَال لَهُ: فلَان بن الريب فِي عجب ذَنبه مثل ألية الْبَرْق وَفِيه هلبات كهلبات الْفرس وَعجب الذَّنب هُوَ العصعص وَهُوَ أول مَا يخلق وَآخر مَا يبْلى فِيمَا يُقَال. وَهُوَ من كل ذِي ذَنْب أصل الْعظم مِنْهُ.
والهلبات: شَعرَات فِيهِ أَو خصلات من شعره. والهلب: الشّعْر يُقَال هلبت الْفرس اذا أَنْت أخذت شعر ذَنبه. وَيُقَال: رجل أهلب وَامْرَأَة هلباء.
وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو: الدَّابَّة الهلباء الَّتِي كلمت تميما الدَّارِيّ هِيَ دَابَّة الأَرْض الَّتِي تكلم النَّاس. وَأَرَادَ قَتَادَة
(2/604)

أَن النَّار تسوقهم سوقا رَفِيقًا كَمَا يساق الْحمل الظالع.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ الله جلّ وَعز: {وَلَو نشَاء لمسخناهم} على مكانتهم قَالَ: لَو نشَاء لجعلناهم كسحا.
يرويهِ عبد الرزاق عَن معمر عَن قَتَادَة.
كسح: جمع أكسح وَهُوَ المقعد. وَمِنْه قَول الْأَعْشَى فِي وصف سكارى: من الطَّوِيل ... وخذول الرجل من غير كسح ...
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز: {يَأْخُذُونَ عرض هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سيغفر لنا} ... نبذوا الاسلام وَرَاء ظُهُورهمْ وتمنوا على الله الْأَمَانِي كلما وهف لَهُم فِي الدُّنْيَا شَيْء أكلوه لَا يبالون حَلَالا كَانَ أَو حَرَامًا.
قَوْله: وهف لَهُم أَي: بدا لَهُم وَعرض. يُقَال: قد وهف لَك الشَّيْء يهف وهفا وهففا يهفو اذا طَار. قَالَ الشَّاعِر فِي
(2/605)

وصف امْرَأَة: من الرجز
شَائِلَة الأصداع يهفو طاقها ...
أَي: يطير كساؤها. وَمِنْه قيل للزلة: هفوة. وللضوال من الابل: هوافي.
وَذكر أَبُو الْيَقظَان: أَن عُثْمَان بن عَفَّان ولى أَبَا غاضرة الهوافي: قَالَ وَهِي الابل الَّتِي تُوجد فِي الطرقات.
وَقَالَ فِي حَدِيث قَتَادَة أَنه ذكر مَدَائِن قوم لوط فَقَالَ: ذكر لنا أَن جِبْرِيل أَخذ بعروتها الْوُسْطَى ثمَّ ألوى بهَا فِي جو السَّمَاء حَتَّى سَمِعت الْمَلَائِكَة ضواغي كلابها ثمَّ جرجم بَعْضهَا على بعض ثمَّ اتبع شذان الْقَوْم صخرا منضودا.
قَوْله: ألوى بهَا أَي ذهب بهَا. يُقَال: ألوت بك العنقاء الْمغرب أَي: ذهبت بك. وَيُقَال: هِيَ الداهية. وَيُقَال: الْعقَاب.
وَقَوله: جرجم بَعْضهَا على بعض أَي: أسقط بَعْضهَا على بعض والمجرجم: المصروع. وَقَالَ العجاج: من الرجز ... كَأَنَّهُمْ من فائظ مجرجم ...
والفائظ: الْمَيِّت. وشذان الْقَوْم من شَذَّ مِنْهُم وَخرج عَن جَمَاعَتهمْ.
(2/606)

قَالَ امْرُؤ الْقَيْس وَذكر النَّاقة: من الطَّوِيل ... تطاير شذان الْحَصَى بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا ...
أَي: مَا تفرق مِنْهُ. وَهَذَا مثل الحَدِيث الآخر: انها لما قلبت عَلَيْهِم رمى بقاياهم بِكُل مَكَان.
(2/607)

- حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث الْحسن أَنه قَالَ:: وَالله ماكانوا بالهتاتين وَلَكنهُمْ كَانُوا يجمعُونَ الْكَلَام ليعقل عَنْهُم.
حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن ابْن عون. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال رجل مهت وهتات اذا كَانَ كثير الْكَلَام.
وَمثله: الهذر والمسهب بِفَتْح الْهَاء من: أسهب الرجل. وَكَانَ الْقيَاس: مسهب بِكَسْرِهَا. وَلَكِن هَكَذَا جَاءَ. وَلَا يعرف لَهُ مثل.
قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ عَمْرو بن شُعَيْب وَفُلَان يهتان الحَدِيث. وَقَالَ: الهت: الصب بعضه فِي أثر بعض. يقا ل: ظلت الْمَرْأَة تهت الْغَزل يَوْمهَا أجمع أَي: تغزل بَعْضًا فِي أثر بعض.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه استؤذن فِي قتال أهل الشَّام حِين خرج ابْن الاشعث فَقَالَ فِي كَلَام لَهُ: وَالله انها لعقوبة فَمَا أَدْرِي أمستأصله أم مجحجحة فَلَا تستقبلوا عُقُوبَة الله بِالسَّيْفِ وَلَكِن بالاستكانة والتضرع.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه قَالَ:
(2/608)

سَمِعت شَيخا فِي الْمَسْجِد الْجَامِع بِالْبَصْرَةِ يحدث بذلك.
قَوْله: مجحجحة: أَي. يُقَال جحجحت عَن الْأَمر أَي: كَفَفْت. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: حجحجت بِتَقْدِيم الْحَاء على الْجِيم وَهُوَ من المقلوب. وَيُقَال فِي غير هَذَا: جحجحت بفلان أَي: أتيت بِهِ جحجاجا.
خبرني عَن عبد الرحمن عَن عبد الله عَن عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ يُقَال: من الرجز ... ان سرك الْعِزّ فجحجح بجشم ...
أَي: جىء بجحجاح مِنْهُم وَهُوَ السَّيِّد أَو الْكَرِيم. وَقَالَ: جشم من الْخَزْرَج والشرف فيهم وَفِي عَوْف بن الْخَزْرَج.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَن وليدا التياس قَالَ: قلت لَهُ: اني رجل تياس فَقَالَ: لَا تبسر وَلَا تحلب.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم سهل قَالَ: حدّثنَاهُ الْأَصْمَعِي عَن وليد.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْبُسْر أَن يحمل على الشَّاة وَلَيْسَت بصارف. وعَلى النَّاقة وَلَيْسَت بهَا ضبعة.
يُقَال: بسرتها أبسرها بسرا وَهِي مبسورة. قَالَ
(2/609)

الْكُمَيْت وَذكر الْحَرْب وَشبههَا بناقته: من المنسرح ... مبسورة شارفا مصرمة ... محلوبها الصاب حِين تحتلب ...
والمصرمة الَّتِي صروا أخلافها فَانْقَطع لَبنهَا. وَمِنْه يُقَال: بسرت النَّبَات اذا رَعيته غضا وَكنت أول من أَتَاهُ. قَالَ لبيد: من الطَّوِيل ... بسرت نداه لم تسرب وحوشه ... بغرب كجذع الهاجري المشذب ...
والغرب الْحَدِيد. يَعْنِي: فرسا. والمشذب: الطَّوِيل.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه قَالَ: كَانَ ملك من مُلُوك هَذِه الْقرْيَة يرى الْغُلَام من غلمانه يَأْتِي الْحبّ فيكتاز ثمَّ يجرجر قَائِما فَيَقُول: يَا لَيْتَني مثلك. ثمَّ يَقُول: يَا لَهَا نعْمَة تَأْكُل لَذَّة وَتخرج سرحا.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سعيد بن
(2/610)

عَامر عَن أَسمَاء بن عبيد عَن الْحسن.
قَوْله: يكتاز: أَي: يغترف وَهُوَ يفتعل من الْكوز ثمَّ يجرجر أَي يشرب. وَالْأَصْل فِيهِ جرجرة المَاء فِي الْحلق. وَهُوَ صَوت الجرع.
وَهَذَا رجل كَانَ بِهِ أسر فَكَانَ لَا يرْوى من المَاء لشدَّة الْبَوْل عَلَيْهِ والأسر: احتباس الْبَوْل والحصر: احتباس الْحَدث.
وَقَوله: وَتخرج سرحا أَي: سهلا. وَمِنْه يُقَال: نَاقَة سرح الْيَدَيْنِ وسرح الملاطين أَي: الجنبين. والملاط: الْجنب. أَي: هما منسرحان للذهاب والمجيء.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه قَالَ: لَا تلقى الْمُؤمن الا شاحبا وَلَا تلقى الْمُنَافِق الاوباصا.
يرويهِ ضَمرَة عَن ابْن شَوْذَب عَن الْحسن.
وباصا أَي: براقا. يُقَال: قد وبص الشَّيْء يبص وبيصا اذا برق. قَالَ الْأَعْشَى: من المتقارب ... رجعت لما رمت مستحسنا ... ترى للكواكب كهرا وبيصا ...
كهرا: ارْتِفَاع النَّهَار. يَقُول: رجعت وَقد أظلم عَلَيْك نهارك
(2/611)

حَتَّى ترى الْكَوَاكِب فِيهِ. وَهُوَ كَمَا تَقول: أَرَانِي فلَان الْكَوَاكِب بِالنَّهَارِ اذا شقّ عَلَيْك وبرح بك. وَمِنْه قَول طرفَة: من الطومل ... ان تنوله فقد تَمنعهُ ... وتريه النَّجْم يجْرِي بِالظّهْرِ ...
وَيُقَال: قد أوبصت الأَرْض فِي أول مَا يظْهر نبتها وأوبصت النَّار فِي أول مَا يظْهر لهبها. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: يُقَال: بص الشَّيْء يبص بصيصا اذا برق.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَن رجلا سَأَلَهُ فَقَالَ: اني اتوضأ فينتضح المَاء فِي انآئي. فَقَالَ: وَيلك أفيملك نشر المَاء.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن يحيى بن عَتيق.
نشر المَاء مَا انْتَشَر مِنْهُ وتفرق. يُقَال: جَاءَ الْجَيْش نشرا. أَي مُتَفَرّقين. وَيُقَال: اللَّهُمَّ اضمم لي نشري. أَي: مَا انْتَشَر من أَمْرِي. قَالَ الزيَادي: والنشر: بِضَم النُّون والشيين خُرُوج الْمَذْي من الانتشار.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَن رجلا قَالَ لَهُ: رَأَيْتُك فِي النّوم
(2/612)

تحدث وتنشد فِي أَضْعَاف ذَلِك الْبَيْت من الشّعْر. فَقَالَ لَهُ الْحسن: ان ابْن آدم لَو أصَاب فِي كل شَيْء جن.
حدّثنَاهُ الرياشي قَالَ: حدّثنَاهُ الْأَصْمَعِي: قَوْله: جن يُرِيد: أَنه يعجب بِنَفسِهِ حَتَّى يكون كَالْمَجْنُونِ من شدَّة اعجابه بهَا. وأحسب قَول الشنفرى فِي الْمَرْأَة من هَذَا بِعَيْنِه: من الطَّوِيل ... فدقت وجلت واسبطرت وأكملت ... فَلَو وجن انسان من الْحسن جنت ...
يُرِيد: لَو أعجب انسان بحسنه حَتَّى يكون كَالْمَجْنُونِ لكَانَتْ كَذَلِك.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَن جرير بن حَازِم قَالَ: رَأَيْت عَلَيْهِ ثوبا مصلبا.
يرويهِ ابْن الْمُبَارك عَن جرير بن حَازِم.
قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال خمار مصلب. وَقد صلبت الْمَرْأَة خمارها وَهِي لبسة مَعْرُوفَة عِنْد النِّسَاء.
وَأما حَدِيث النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الثَّوْب المصلب: انه كَانَ اذا رَآهُ قضبه. فانه الثَّوْب الَّذِي يصور فِيهِ كَهَيئَةِ الصَّلِيب.
(2/613)

وروى فِي حَدِيث لأم سَلمَة مُفَسرًا أَنَّهَا كَانَت تكره الثِّيَاب المصلبة يَعْنِي الَّتِي تصور فِيهَا الصلب.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه قَالَ: كَانَ قتال على عهد رَسُول الله ثمَّ قتال على هَذِه الطعمة مَا بعدهمَا بِدعَة وضلالة.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم سهل عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال عَن الْحسن.
قَوْله: قتال على عهد رَسُول الله يَعْنِي قتال الْمُشْركين. وَقَوله: ثمَّ قتال على عهد رَسُول الله يَعْنِي قتال الْمُشْركين. وَقَوله: ثمَّ قتال على هَذِه الطعمة يَعْنِي: الْخراج حَتَّى يُؤَدِّي والجزية والزكوات.
يَقُول: وَلَا قتال بعد هَذَا على شَيْء. قَالَ زُهَيْر وَذكر الْخَيل: من الْبَسِيط ... ينزعن امة أَقوام لذِي كرم ... مِمَّا تيَسّر أَحْيَانًا لَهُ الطّعْم ...
الامة: النِّعْمَة. يَقُول: يسلبن فِي الْغَزْو أَقْوَامًا نعمهم لرئيس ذِي كرم تهَيَّأ لَهُ الْغَنَائِم فِي غَزوه. وَهِي الطّعْم.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه لما خرج يُرِيد ابْن الْمُهلب وَنصب رايات سُودًا وَقَالَ أدعوكم الى سنة عمر بن عبد العزيز
(2/614)

قَالَ الْحسن فِي كَلَام لَهُ طَوِيل: نصب قصبا علق عَلَيْهَا خرقا ثمَّ اتبعهُ رجرجة من النَّاس رعاع هباء.
يرويهِ أبان بن نميلَة عَن أبي بكر الْهُذلِيّ.
الرجرجة: بَقِيَّة تبقى فِي الْحَوْض من المَاء كدرة خائرة لَا يقدر أحد أَن يشْربهَا. هَذَا الأَصْل فَشبه شراب النَّاس وَسَقَطهمْ بهَا وَكَذَلِكَ شبهوا بالهباء وَهُوَ الْغُبَار.
أخبرنَا يَعْقُوب بن السّكيت ان الهباء المنبث مَا سَطَعَ من تَحت سنابك الْخَيل. والهباء المنثور مَا ترَاهُ فِي الشَّمْس الدَّاخِلَة فِي كوَّة السّقف.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن انه قَالَ لرجل سَأَلَهُ عَن شَيْء لبكت عَليّ.
قلوه: لبكت عَليّ أَي: خلطت. يُقَال: أَمر لبك أَي: مختلط وَمِنْه قَول زُهَيْر: من الْبَسِيط. ... رد القيان جمال الْحَيّ احتملوا ... الى الظهيرة أَمر بَينهم لبك ...
(2/615)

وَيُقَال: بكلت أَيْضا أَي: خلطت وَهُوَ من المقلوب. قَالَ المرار: من الطَّوِيل ... أَنَاة كَأَن الْمسك دون شعارها ... يبكله بالعنبر الْورْد مقطب ...
يبكله: أَي: يخلطه. والمقطب: المازج. يُقَال: قطبت الشَّرَاب وأقطبته.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن أَنه كَانَ يَقُول فِي الْمُسْتَحَاضَة تَغْتَسِل من الأولى الى الأولى وتدسم مَا تحتهَا وَتَوَضَّأ اذا أحدثت.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن عبد الله بن عبد الوهاب عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن عَوْف عَن الْحسن.
تدسم تسد فرجهَا وتحتشي. وَيُقَال لما سددت بِهِ القارورة: الدسام والعفاص.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن ان عَطاء السّلمِيّ سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا ابا سعيد أَكَانَ الْأَنْبِيَاء يشرحون الى الدُّنْيَا وَالنِّسَاء مَعَ علمهمْ بِاللَّه
(2/616)

فَقَالَ: نعم ان لله ترائك فِي خلقه.
يرْوى عَن مَيْمُون بن مُوسَى.
قَوْله: يشرحون أَي: ينبسطون. وَمِنْه يُقَال: شرحت لَك الْأَمر اذا فَتحته وأظهرته. وَقَول الله جلّ وَعز: {ألم نشرح لَك صدرك} .
وَأما قَوْله: ان لله ترائك فِي خلقه. فانه جمع تريكة يُرِيد: ان لله أمورا أبقاها فِي الْعباد من الأمل والغفلة بهَا يكون انبساطهم الى الدُّنْيَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث الْحسن ان رجلا حلف ايمانا فَجعلُوا يعاتونه فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَة.
رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن الْحسن وَسُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن هَذَا فَقَالَ: يعاتونه يرادونه فِي القَوْل فَيحلف ويعاسرونه وَلَا يقبلُونَ مِنْهُ فِي أول مرّة.
(2/617)

- حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين
وَقَالَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يخْتَار الصلوة على الْجد ان قدر عَلَيْهِ فان لم يقدر عَلَيْهِ فقائما فان لم يقدر فقاعدا.
حَدَّثَنِيهِ ابو وَائِل عَن عبد الله بن حمْرَان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد. الْجد شاطيء النَّهر وَهُوَ الْجدّة أَيْضا وَأكْثر مَا يُقَال: جدة بِالْهَاءِ وَبِه سميت جده لِأَنَّهَا سَاحل الْبَحْر. قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي وَقَالَ كل طَريقَة من سَواد أَو بَيَاض فَهِيَ جدة. الْجد فِي غير هَذَا الْبِئْر يكون فِي أَجود الْمَوَاضِع من الْكلأ.
ومعني الحَدِيث انه كَانَ يخْتَار لراكب السَّفِينَة أَن يصلى عَليّ شاطىء النَّهر ان قدر على ذَلِك فان لم يقدرصلى فِي السَّفِينَة قَائِما فان لم يقدر صلى قَاعِدا. وَهَذَا مَذْهَب النَّاس جَمِيعًا اذا كَانَ لَهُ عذر فان كَانَ يقدر على الْقيام بِغَيْر مشقة وَلم يفعل فان ابْن الْمُبَارك كَانَ يرى عَلَيْهِ الاعادة والى ذَلِك يذهب أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. وَأما أَبُو حنيفَة فَكَانَ يَقُول: ان صلى فِي السَّفِينَة جَالِسا من غير
(2/618)

عِلّة وَلَا عذر أَجزَأَهُ.
وَقَالَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين انه كَانَ يكره شِرَاء سبي زابل. وَقَالَ: ان عُثْمَان بن عَفَّان ولث لَهُم ولثا.
يرويهِ وَكِيع عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عَتيق عَن ابْن سِيرِين. قَوْله: ولث لَهُم ولثا أَي: اعطاهم عهدا.
قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال ولث لي ولثا من عهد اذا أعطَاهُ عهدا غير مُحكم. وَقَالَ فِي قَول رؤبة: من الرجز ... أرجوك اذ أغبط دين والث ... فَمَا ثنى يرغث مِنْك الراغث ...
لم يحسن فِي الْبَيْتَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُؤَكد أَمر الدّين والرغت: المص. وَلم يكن يَنْبَغِي أَن يَجْعَل مَا ينَال مِنْهُ مثل المص وَهُوَ يمدحه.
وَقَوله: أغبط دين من قَوْلهم: أغبطت عَلَيْهِ الْحمى أَي اذا لَزِمته.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجز لَهُ وَذكر بَعِيرًا عَلَيْهِ رجل حَاج
(2/619)

من الرجز ... يحمل بر المؤتلي مَتى يلث ... ولثايؤرب محصا لَا ينتكث ...
يَقُول: مَتى يُعْط طرفا من عهد لَا يحكمه وَلَا يُبَالغ فِيهِ يَجعله بِمَنْزِلَة الْمُحكم المستوثق مِنْهُ.
وَقَوله: يؤرب اي: يشدد. الأربة: الْعقْدَة. والمحص: الأملس الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ زئبر. وَاللَّفْظ للحبل وَالْمعْنَى للْعهد. وَوَلَّتْ السَّحَاب: الندى الْيَسِير.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن سِيرِين أَنه نهى عَن الرقى الا فِي ثَلَاث. رقية النملة والحمة وَالنَّفس.
يرويهِ عبد الرزاق عَن معمر بن أَيُّوب.
النملة قُرُوح فِي تخرج الْجنب وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: للشفاء: علمي حَفْصَة رقية النملة. وَقَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... وَلَا عيب فِينَا غير عرق لمعشر ... كرام وانا لَا نخط على النَّمْل ...
(2/620)

يُرِيد: انا لسنا بمجوس ننكح الْأَخَوَات وَكَانُوا يَقُولُونَ: ان ولد الرجل من أُخْته اذا خطّ على هَذِه القروح برأَ صَاحبهَا. والحمة: السم للعقرب وأشباها.
وَلم يرد بالحمة: الابرة. انما الْحمة السم. وَقد ذكرت هَذَا فِيمَا تقدم.
وحَدثني شَبابَة بن الْفَزارِيّ قَالَ: حَدثنَا الْقَاسِم بن الحكم قَالَ: حَدثنَا الثَّوْريّ عَن خَالِد عَن ابْن سِيرِين انه كره الترياق اذا كَانَ فِيهِ الْحمة. يَعْنِي لُحُوم الْحَيَّات لِأَنَّهَا سم فَهَذَا يدلك.
وَالنَّفس: الْعين. يُقَال: أَصَابَت فلَانا نفس أَي. وَمِنْه قَول ابْن عَبَّاس: الْكلاب من الْجِنّ وَهِي ضعفة الْجِنّ فاذا غشيتكم عِنْد طَعَامكُمْ فأ القولهن فان لَهُنَّ أنفسا.
وَمِنْه قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لرافع حِين مسح بَطْنه: فَألْقى شحمة خضراء: أَنه كَانَ فِيهَا أنفس سَبْعَة
(2/621)

أنَاس. يُرِيد: عيونهم. وَيُقَال للعائن: نافس. وَسمعت أعرابية بالحجاز فصيحة ترقي رجلا من الْعين فَقَالَت: أُعِيذك بكلم الله التَّامَّة الَّتِي لَا تجوز عَلَيْهَا هَامة من شَرّ الْجِنّ وَشر الْأنس عَامَّة وَشر النظرة اللامة أُعِيذك بمطلع الشَّمْس من شَرّ ذِي مشي هَمس وَشر ذِي نظر خلس وَشر ذِي قَول دس وَمن شَرّ الحاسدين والحاسدات والنافسين والنافسات والكائدين والكائدات نشرت عَنْك بنثره نشار عَن رَأسك ذِي الْأَشْعَار وَعَن عَيْنَيْك ذواتي الأشفار وَعَن فِيك ذِي الْمحَال وظهرك ذِي الفقار وبطنك ذِي الْأَسْرَار وفرجك ذِي الأستار ويديك ذواتي الْأَظْفَار ورجليك ذواتي الْآثَار وذيلك ذِي الْغُبَار وعنك فضلا وَذَا ازار وَعَن بَيْتك فرجا وَذَا أَسْتَار ورششت بِمَاء بَارِد نَارا وعينين وأشفارا وَكَانَ الله لَك جارا الْمَشْي الهمس الوط الْخَفي وَهُوَ أَيْضا الصَّوْت الْخَفي. وَالنَّظَر الخلس الَّذِي يختلس سَاعَة بعد سَاعَة وَالْقَوْل الدس هُوَ الَّذِي يدس ويحتال فِيهِ حَتَّى يدْفع بالقبيح. وَهَذِه الْأَفْعَال تكون من عَدوك وَمِمَّنْ يُرِيد اغتيالك.
والنافسون والنافسات هم العائنون. والمحار جمع محارة الحنك الْأَعْلَى. والفقار خرز الظّهْر واحدتها فقارة وَهِي الْفقر أَيْضا والواحدة فقرة. قَالَ أَبُو زيد: الْفقر هِيَ المفاصل أَيْضا فِي الصلب كل مفصل فقارة ومحالة والفقار والسناسن رُؤُوس الْفقر والواحدة: سنسنة وفقارة. وَالْفضل الَّذِي
(2/622)

عَلَيْهِ ثوب وَاحِد. يُقَال: امْرَأَة فضل اذا لم يكن عَلَيْهَا الا ثوب وَاحِد وَامْرَأَة حَسَنَة الفضلة. والأسرار فِي الْبَطن التكسر وأسرار الْجَبْهَة: الخطوط فِيهَا. وَكَذَلِكَ أسرار الرَّاحَة وَجَمعهَا أسرة.
قَالَ عَليّ فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ: كَأَن مَاء الذَّهَب يجْرِي فِي صفحة خَدّه ورونق الْجلَال يطرد فِي اسرة جَبينه.
وَالْبَيْت الْفرج المفتوح الَّذِي لَا ستر عَلَيْهِ وَلَا بَاب مغلق. يُقَال: بَاب فتح فرج. وَمِنْه قيل: رجل فرج اذا كَانَ لَا يكتم سره. كَأَن منفرج عَن السِّرّ غير منضم عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن سِيرِين أَنه بلغه أَن عمر بن الْعَزِيز أَقرع بَين الفطم فَأنكرهُ وَقَالَ: مَا رأى هَذَا الا من الأستقسام بالأزلام.
يرويهِ أَزْهَر عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.
الفطم جمع فطيم من اللَّبن وَأَرَادَ ذَرَارِي الْمُسلمين والأقراع: سهم فِي الْعَطاء. وانما أنكرهُ ابْن سِيرِين لِأَن الاقراع انما يكون ليفضل بعض على بعض فِي الْفَرْض. وَشبهه بالاستقسام.
(2/623)

بالأزلام. والأزلام: القداح. وَاحِدهَا: زلم وزلم. وَكَانَت الْعَرَب تستقسم بالأزلام فِي الْجَاهِلِيَّة عِنْد الْأَصْنَام اذا أَرَادَ ارجل سفرا أَو مغارا أَو غير ذَلِك.
أَتَى صنما فأجال القداح على الْأَمر الَّذِي عزم عَلَيْهِ فان خرج لَهُ الْأَمر نفذ لعزمه وان خرج لَهُ وان خرج لَهُ الناهي عدى عَنهُ. واذا اخْتلفُوا فِي الشَّيْء لم يكون تعرفوا ذَلِك بهَا. وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم} . أَي: أسهموا عَلَيْهَا أَيهمْ يكفلها. واذا أَرَادوا أَن يعرفوا حَظّ كل امرىء من الشَّيْء يكون بَين جمَاعَة تعرفوا ذَلِك مِنْهَا وَهُوَ معنى الاستقسام. انما هُوَ طلب معرفَة الْقسم بهَا وَهُوَ النَّصِيب. وَكَانَ مَذْهَب مُحَمَّد فِي انكاره عَلَيْهِ الاقراع ان يزِيد من رأى زِيَادَته بِلَا اقراع.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابْن سِيرِين انه كَانَ يَقُول: اني اعْتبر الحَدِيث.
يرويهِ عَفَّان عَن سليم عَن ابْن عون.
قَوْله: أعتبر الحَدِيث يُرِيد: أَنه يعبر الرُّؤْيَا على الحَدِيث. ويجعله لَهَا اعبتارا كَمَا يعْتَبر الْقُرْآن فِي تَأْوِيل
(2/624)

الرُّؤْيَا فتعبر عَلَيْهِ. وَمِنْه الْعبْرَة فِي الْأَمر. والعابر: النَّاظر فِي الشىء.
ذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: سَمِعت عجوزا لنا تَقول أعتبر الْكتاب قبل أَن تَقْرَأهُ وَأنْشد لرؤبة وَذكر رسم دَار: من الرجز ... يُبْدِي لعَيْنِي عَابِر تفهمه ... مَا فِيهِ الا أَنه يترجمه ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: لنا رِقَاب الارض لَيْسَ للتناء فِيهَا شَيْء.
يرويهِ أَزْهَر عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد.
وَقَوله: لنا رِقَاب الارض يَعْنِي أَنه مَا كَانَ من أَرض الْخراج فَهُوَ للْمُسلمين لَيْسَ لأَصْحَابه الَّذين كَانُوا قبل الاسلام فِيهِ شىء وَذَلِكَ لِأَنَّهَا افتتحت عنْوَة. وَلذَلِك نهى بَعضهم عَن شِرَاء أَرض الْخراج وَبَيْعهَا. وَقد رخص فِيهِ قوم. وَيُقَال: تنأث الْبَلَد فَأَنا تانىء بِهِ مَهْمُوز.
قَالَ أَبُو زيد: تَقول ثنأت بِالْبَلَدِ تنؤا اذا أوطنته.
(2/625)

- حَدِيث ابْن ابراهيم النَّخعِيّ
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: ان كَانُوا ليكرهون أَخْذَة كأخذة الأسف.
يرويهِ عبد الل هـ بن الْمُبَارك عَن مَالك بن معول عَن طَلْحَة.
قَوْله: أَخْذَة الأسف. يُرِيد: موت الْفُجَاءَة. والأسف الْغَضَب. قَالَ الله جلّ وَعز: {فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم} أَي: أغضبونا.
وَسُئِلَ رَسُول الله عَن موت الْفُجَاءَة فَقَالَ: رَاحَة لِلْمُؤمنِ وَأَخْذَة أَسف للْكَافِرِ. وَفِي حَدِيث آخر قيل لَهُ مَاتَ فلَان فَقَالَ: أَلَيْسَ كَانَ عندنَا آنِفا فَقَالُوا بلَى. قَالَ: سُبْحَانَ الله كَأَنَّهَا أَخْذَة على غضب والمحروم من حرم وَصيته.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ فِي الرجل يسْتَحْلف ان كَانَ
(2/626)

مَظْلُوما فورك الى شىء يجزى عَنهُ وان كَانَ ظَالِما لم يجز عَنهُ التوريك.
حَدَّثَنِيهِ خَالِد بن مُحَمَّد قَالَ: حدّثنَاهُ اسماعيل بن سِنَان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن حَمَّاد عَن ابراهيم.
قَوْله: فورك الى الشَّيْء يُرِيد: ذهب فِي يَمِينه الى معنى غير معنى المستحلف جزى عَنهُ اذا كَانَ مَظْلُوما وَهُوَ من قَوْلك: ورك فلَان ذَنبه على فلَان أَي: حمله عَلَيْهِ. وَقَالَ سَاعِدَة بن جؤية الْهُذلِيّ: من الطَّوِيل ... فورك لينًا لَا يثمثم نصله ... اذا صاب أوساط الْعِظَام صميم ...
قَالَ الْأَصْمَعِي: حمل عَلَيْهِم سَيْفا لينًا. والثمثمة: التمتمة والتردد. والصميم: الْخَالِص. وَيُقَال: وركت الْجَبَل توريكا اذا جاوزته.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: اذا آلتقى الماءآن فقد تمّ الطّهُور.
(2/627)

يرويهِ هِشَام عَن مُغيرَة عَن ابراهيم.
قَوْله: اذا التقى الماءآن يُرِيد: اذا أَنْت طهرت العضوين من أعضائك فآجتمع الماءآن فِي الظُّهُور فقد تمّ طهورك للصَّلَاة. وَلَا تبال أَيهمَا قدمت وَأيهمَا أخرت. ان قدمت الْأَيْمن مِنْهُمَا فَجَائِز وان قدمت الْأَيْسَر فَجَائِز.
وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب انه قَالَ: مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت اذا أتممت الْوضُوء.
وانه بلغه عَن أبي هُرَيْرَة انه كَانَ يبْدَأ بميامنه فِي الْوضُوء فَبَدَأَ بمياسره. وَهَذَا فِي العضوين الْمَذْكُورين فِي كتاب الله مَعًا مثل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ لِأَنَّهُ قَالَ: فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ الى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الْكَعْبَيْنِ. فَلم يقدم يَمِينا على يسَار وَلَا يسارا على يَمِين. فَأَما غير ذَلِك فان مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ يريان أَن من بَدَأَ بيدَيْهِ قبل وَجهه أَو برجليه قبل رَأسه فَعَلَيهِ الاعادة. وَأَنه لَا يتم لَهُ الْوضُوء لَا بِتَقْدِيم مَا قدم على مَا أخر.
وَأَصْحَاب الرَّأْي يرَوْنَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَاحِدًا ويحتجون بقول ابراهيم فِي حَدِيث آخر: مَا أصابة المَاء من مَوَاضِع الْوضُوء فقد.
(2/628)

طهر. وَيَقُول الْحسن: لَا بَأْس على من قدم من وضوئِهِ شَيْئا قبل شىء ويحتجون بِالنّظرِ بموافقة من خالفهم على أَن الغاط فِي المَاء اذا نوى الْوضُوء أَجزَأَهُ وَقد بَدَأَ برجليه قبل راسه وَيَديه.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم انه قَالَ: اذ دخلت عدَّة فِي عدَّة أَجْزَأت احداهما.
يرويهِ هِشَام عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن أبي معشر عَن ابراهيم.
قَوْله: اذا دخلت عدَّة أَجْزَأت احداهما. يُرِيد: اذا لَزِمت الْمَرْأَة عدتان من مَاء وَاحِد فِي حَال أحزأت وَاحِدَة عَن الْأُخْرَى. كَرجل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا ثمَّ مَاتَ وَهِي فِي عدتهَا وفانها تَعْتَد أقْصَى العدتين ان كَانَ ثَلَاث حيض أَكثر اعْتد ت ثَلَاث حيض. هَذَا قَول الثَّوْريّ.
فَأَما مَالك فانه كَانَ يرى عَلَيْهَا أَن تتمّ ثَلَاث حيض عدَّة الْمُطلقَة. وَلَا يرى عَلَيْهَا من الْأَشْهر شَيْئا. وكرجل طلق عِنْد كل حَيْضَة تَطْلِيقَة فانها تَعْتَد من الطَّلَاق الأول وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِنْد التطليقة الثَّالِثَة أَن تسأنف الْعدة. فان وَجب على الْمَرْأَة عدتان من مائين.
(2/629)

لم يجزها وَاحِدَة من الْأُخْرَى كَرجل غَابَ عَن امْرَأَته فبلغها انه قد مَاتَ فَتزوّجت وَدخل بهَا الزَّوْج ثمَّ قدم زَوجهَا الأول فَلَمَّا بلغه أَنَّهَا قد نكحت طَلقهَا فعلَيْهَا مِنْهُمَا عدتان لَا تجزى وَاحِدَة عَن الْأُخْرَى.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه لم يكن يري بالتتمير بَأْسا يرويهِ شريك عَن أبي حَمْزَة عَن ابراهيم.
التتمير: صفيف الْوَحْش أرادر أَنه لَا بَأْس أَن يتزوده الْمحرم أَو يَأْكُلهُ. يُقَال: تمرت اللَّحْم فَأَنا أتمره تتميرا. قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ أَبُو كَاهِل الْيَشْكُرِي: من الْبَسِيط ... لَهَا اشارير من لحم تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها ...
أَرَادَ من الثعالب وَمن أرانبها فأبدل يَاء من الْبَاء انما يجوز هَذَا من ابدال الْبَاء فِي مَوضِع الْخَفْض واذا كَانَ مَا قبل الْمُبدل مِنْهُ
(2/630)

مسكورا. وَمِنْه قَول الآخر: من الرجز ... ولضفادي جمه نقانق ...
أَرَادَ الضفادع. وَكَانَ الزبير يتزود صفيف الْوَحْش وَهُوَ محرم أَي: قديده.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابرهيم انه قَالَ فِي الْأَعْضَاء اذا انجبرت إِلَى غير عثم صلح واذا انجبرت على عثم فَالدِّيَة.
يرويهِ وَكِيع عَن أَبِيه عَن رجل عَن ابراهيم. . العثمهو أَن ينجبر على غير اسْتِوَاء. يُقَال: عثمت يَد الرجل تعثم وعثمتها انا وأجرت يَده تأجر أجرا وأجورا. وآجرتها أَنا ائتجارا. وَذَلِكَ أذا جبرتها وَلم تحكم فَبَقيت فِي الْعظم عقدَة. قَالَ الرَّاعِي للأخطل: من الطَّوِيل ... أَبَا مَالك لَا تنطق الشّعْر بعْدهَا ... واعط القياد اذ عثمت على كسر ...
وَهَذَا مَذْهَب قوم من الْعِرَاقِيّين فِي الْعمد وَالْخَطَأ.
(2/631)

وَأما مَالك فَالْأَمْر عِنْده ان من كسر عظما من الْجَسَد يدا أَو رجلا اَوْ غير ذَلِك عمدا أقيد مِنْهُ وَلم يعقل وان كَانَ خطأ فبرأ وَصَحَّ وَعَاد لهيئته فانه لَا عقل فِيهِ وان نقص أَو صَار فِيهِ عثم فَفِيهِ من عقله بِحِسَاب مَا نقص.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: التَّكْبِير جزو وَالْقِرَاءَة جزم وَالتَّسْلِيم جزم.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم.
أصل الْجَزْم الْقطع. وَمِنْه يُقَال: جذمت على فلَان بِكَذَا أَي قطعت عَلَيْهِ. وأجزم عَلَيْهِ أَي أقطع. وَكَذَلِكَ: جزمت وخذمت وجذذت وحذفت وجدفت.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: كَأَنِّي بِالتّرْكِ قد أتتكم على براذين مخذمة الآذان وانما قيل للْفِعْل مجزوم اذا لم يلْزمه الاعراب لذَلِك. كَأَنَّهُ مَقْطُوع عَن الاعراب.
(2/632)

وَأَرَادَ ابراهيم بقوله: الْقِرَاءَة جزم أَي لَا تمد الْمَدّ المفرط وَلَا تهمز الْهَمْز الْفَاحِش كنحو قِرَاءَة قوم.
وَبَلغنِي أَن الْكسَائي حج مَعَ الْمهْدي فقدمه بِالْمَدِينَةِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فهمز فَأنْكر ذَلِك أهل الْمَدِينَة وَقَالُوا: ينبر فِي مَسْجِد النبى بِالْقُرْآنِ كَأَنَّهُ ينشد الشّعْر.
وَذكر جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه انه كره الْهَمْز فِي الْقُرْآن. وَأَرَادُوا أَن تكون الْقِرَاءَة سهلة رسلة. وَكَذَلِكَ التكيبر وَالتَّسْلِيم لَا يمد فِيهَا وَلَا يتَعَمَّد الاعراب المشبع. وَمثل ذَلِك قَوْلهم: الأذآن جزم.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: كَانَ الْعمَّال يهمطون ثمَّ يدعونَ فيجابون.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مَنْصُور عَن ابراهيم.
قَوْله: يهمطون من الهمط وَهُوَ الظُّلم والخبط. يُقَال:
(2/633)

همطت أهمط همطا. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: اهتمط فلَان غَرَض فلَان اذا شَتمه وتنقصه.
وَأَرَادَ ابراهيم أَن الْعمَّال كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك ثمَّ يدعونَ الى طعامهم فيجابون.
وَقد رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود: انه رخص فِي اجابة طلب الرِّبَا اذا هُوَ دَعَا وَأكل طَعَامه. وَقَالَ: لَك المهنأ وَعَلِيهِ الوز رأو نَحوه من الْكَلَام. وَأكْثر النَّاس على التَّنَزُّه عَمَّا فِيهِ شُبْهَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: الْخلْع تَطْلِيقَة بَائِنَة وَهُوَ مَا دون عقَاص الراس.
يرويهِ عبد الرزاق عَن معمر عَن مُعَاوِيَة عَن ابراهيم.
قَوْله: مَا دون عقَاص الرَّأْس يُرِيد: أَن المختلعة ان افتدت نَفسهَا من زَوجهَا بِجَمِيعِ ماتملكه كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذ مَا دون شعرهَا من جَمِيع ملكهَا.
وَهَذَا مَذْهَب يذهب اليه بعض الْفُقَهَاء ويؤثر نَحوه عَن عمر وَعَن عُثْمَان. وَبَعْضهمْ يَقُول: لَيْسَ للزَّوْج أَن يَأْخُذ مِنْهَا أَكثر
(2/634)

مِمَّا أَعْطَاهَا وروى ذَلِك عَن: عَليّ وَالْحسن وطاووس وَالزهْرِيّ
وَقَالَ فِي حَدِيث ابراهيم أَنه قَالَ: لم يطلع سُهَيْل الا فِي الاسلام. قَالَ أَبُو حَاتِم: ذكرت ذَلِك للأصمعي فَقَالَ: كَيفَ ذَا وَقد قَالَ المتلمس وَهُوَ جاهلي لم يدْرك الاسلام: من الْبَسِيط ... وَقد ألاح سُهَيْل بَعْدَمَا هجعوا ... كَأَنَّهُ ضرم بالكف مقبوس ...
وَقَالَ: الاح تلألأ كَأَنَّهُ يَتَحَرَّك ولاح: ظهر وبدا.
وَقد قَالَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله سهيلا كَانَ عشارا بِالْيمن فمسخه الله شهابا.
(2/635)

- حَدِيث سعيد بن جُبَير
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن جُبَير انه قَالَ: الشُّهَدَاء ثنية الله.
يرويهِ شَبابَة عَن شُعْبَة عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة عَن حجر المدري عَن سعيد بن جُبَير.
قَوْله: ثنية الله يَعْنِي: من اسثناه الله فِي الصعقة حِين قَالَ: {وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله} .
وَتقول: هَذَا ثنيتي من كَذَا أَو كَذَا أَي: مَا استثنيته.
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: سَأَلت ابْن عمرَان القَاضِي عَن رجل وقف وَقفا واسثنى مِنْهُ فَقَالَ: لَا يجوز الْوَقْف اذا كَانَت فِيهِ ثنية.
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن جُبَير انه قَالَ: خلق الله آدم من
(2/636)

دحناء. وَفِي حَدِيث آخر: وَمسح ظَهره بنعمان السَّحَاب.
حدّثنَاهُ بشر بن آدم قَالَ: حدّثنَاهُ أَبُو أَحْمد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير.
دحناء أَرض يُقَال ان الله خلق آدم مِنْهَا. وَقَوله: وَمسح ظَهره بنعمان السَّحَاب. ونعمان: جبل فِي الغرب من غرفَة. وَبَلغنِي انه يتَّصل بوادي الْقرى ونواحيه وهما جبلان يُقَال لَهما جبلا نعْمَان. وَنسبه الى السَّحَاب لِأَنَّهُ مشرف فالسحاب يركد عَلَيْهِ ويعلوهما. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... أيا جبلى نعْمَان بِاللَّه خليا ... ريَاح الصِّبَا يخلص الي نسيمها
وَفِي حَدِيث آخر لِلْحسنِ: أَنه: خلق جؤجؤه من نقا ضرية أَي: خلق صَدره عَلَيْهِ السَّلَام من رمل ضرية.
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن جُبَير أَنه أَتَى بِهِ الْحجَّاج وَفِي عُنُقه زمارة.
(2/637)

الزمارة: الساجور. قَالَ الشَّاعِر وَكَانَ مَحْبُوسًا: من المتقارب ... ولي مسمعان وزمارة ... وظل مديد وحصن أمق ...
والأمق: الْمُرْتَفع. وَالرجل الأمق وَالْفرس الأمق: الطَّوِيل. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت عقبَة بن رؤبة يصف فرسا فَقَالَ: ... أمق أشق خبق ...
وَقَالَ الْمُنْذر لِضِرَار بن عَمْرو: مَا الَّذِي نجاك يَوْم كَذَا فَقَالَ: تَأْخِير الْأَجَل واكراهي نفسى على المق الطوَال. وَكَانَ بنوه استشالوه حَتَّى ركب فرسه.
مسمعان قيدان لصوتهما. والزمارة فِي الْبَيْت الغل سَمَّاهُ زمارة تَشْبِيها بالساجور لِأَنَّهُمَا فِي الْعُنُق.
(2/638)

الأشق الطَّوِيل والخبق أَيْضا الطَّوِيل.
وَقَالَ فِي حَدِيث سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ فِي الصلب الدِّيَة.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن يعلي بن عَطاء عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير. فِي هَذَا قَولَانِ أَحدهمَا: انه اراد ان كسر الصلب فحدب الرجل فَفِيهِ الدِّيَة.
وَالْآخر انه أَرَادَ ان أُصِيب الرجل بِشَيْء ذهب بِهِ الْجِمَاع فَلم يقدر عَلَيْهِ كَانَ على الْجَانِي الدِّيَة. فَسمى الْجِمَاع صلبا لِأَن الْمَنِيّ يخرج مِنْهُ.
(2/639)

- حَدِيث الشّعبِيّ عَامر بن شرَاحِيل
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ: مَا طلع السماك قطّ الا غارزا فِي برد.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن رجل عَن الشّعبِيّ.
السماك: نجم. وهما سماكان احدهما: السماك الأعزل. وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشّعبِيّ. وَالْآخر: السماك الرامح. وانما قيل لَهُ: رامح لكوكب بَين يَدَيْهِ صَغِير يُقَال لَهُ: راية السماك. وَقيل للْآخر: أعزل لِأَنَّهُ لَا شىء بَين يَدَيْهِ. والأعزل الَّذِي لَا سلَاح مَعَه. قَالَ ذَلِك أَبُو زيد. وَقَالَ الأميل الَّذِي لَا سيف مَعَه. والأجم لَا رمح مَعَه والأكشف الَّذِي لَا ترس مَعَه.
وطلوع السماك الأعزل لخمس لَيَال تَخْلُو من تشرين الأول. وَفِي ذَلِك الْوَقْت يذهب الْحر كُله وَيبدأ شىء من الْبرد.
(2/640)

قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: سَمِعت أَيُّوب بن مُوسَى يَقُول: اذا طلع السماك ذهبت العكاك وَبرد مَاء الحمقاء.
والعكاك جمع العكة وَهِي الْحر من غير ريح. يُقَال: يَوْم عك بَين العكيك. قَالَ طرفَة: من الرمل ... تطرد القر بَحر سَاكن ... وعكيك القيظ ان جَاءَ بقر ...
وانما خص الحمقاء فِي هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهَا لَا تبرد المَاء. يَقُول: فالبرد يَنَالهُ وان لم تبرد. وَقَوله: الا غارزا ذَنبه وَهُوَ لَا ذَنْب لَهُ. وانما هَذَا تَمْثِيل وتشبيه. وَأَصله: من غرز الْجَرَاد ذَنبه اذا أَرَادَ أَن يبيض.
وَالْعرب أَيْضا تَقول: لَا يطلع السماك الا وَهُوَ ماد عُنُقه فِي حرَّة. وَأكْثر من قَوْلهم: غارز ذَنبه وماد عُنُقه فِي التَّشْبِيه والتمثيل قَول الآخر: من الرجز
(2/641)

.. اذا رَأَيْت أنجما من الْأسد ... جَبهته أَو الخراة والكتد
بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقَاح فبرد ...
لما كَانَ الفضيخ يفْسد عِنْد طُلُوع هَذِه الأنجم أَي يبطل.
وَكَأن الشَّرَاب يفْسد بِأَن يبال فِيهِ. جعل سهيلا كَأَنَّهُ بَال فِيهِ. وَذَهَاب الفضيخ يكون فِي هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ يتَّخذ من الْبُسْر.
والبسر يصير فِي هَذَا الْوَقْت رطبا. وَسُهيْل يطلع من طُلُوع الْجَبْهَة وَذَلِكَ لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة تَخْلُو من آب.
والنؤ للسماك الأعزل وَهُوَ أحد الثَّمَانِية وَالْعِشْرين الَّتِي ينزل الْقَمَر كل لَيْلَة وَاحِدًا مِنْهَا.
فَأَما السماك الرامح فَلَا نوء لَهُ وَلَا هُوَ من الْمنَازل.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ أَنه ذكر الرافضة فَقَالَ: لَو كَانُوا من الطير لكانوا رخما وَلَو كَانُوا من الدَّوَابّ كَانُوا حمرا.
(2/642)

حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش قَالَ: حَدثنَا مُسلم بن قُتَيْبَة عَن مَالك بن مغول عَن الشّعبِيّ.
انما خص الرخم من بَين الطير لِأَنَّهَا ألأم الطير وأظهرها موقا وأقذرها طعما.
وَالْعرب تضرب بهَا الْمثل فِي الموق. قَالَ الْكُمَيْت يهجو رجلا: من مجزوء الْكَامِل
أنشأت تنطق فِي الْأُمُور كوافد الرخم الدَّوَائِر. ... اذ قيل: يَا رخم انْطِقِي ... فِي الطير انك شَرّ طَائِر
فَأَتَت بِمَا هِيَ أَهله ... والعي من شلل المحاور ...
الدَّوَائِر الَّتِي تَدور اذا حلقت. وَقَوله: اذا قيل يَا رخم انْطِقِي أَرَادَ قَول النَّاس: انك من طير الله فانطقي. وَجعل العي كالشلل.
وَأما قذر طعمها فانها تَأْكُل الْعذرَة. وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر: من الرجز
(2/643)

.. يَا رخما قاظ على ينكوب ... يعجل كف الخارىء المطيب ...
وَقَالَ الْكُمَيْت: من الوافر ... وَذَات اسْمَيْنِ والألوان شَتَّى ... تحمق وَهِي كيسة الحويل ...
يَعْنِي: الرخمة وَهِي تسمى أنوقا ورخمة. والحويل: الْحِيلَة.
بَلغنِي عَن الْمفضل الضَّبِّيّ انه قَالَ: قلت لمُحَمد بن سهل راوية الْكُمَيْت الشَّاعِر أَي كيس عِنْدهَا. وَنحن لَا نَعْرِف طائرا أموق مِنْهَا فَقَالَ: وَمَا موقها وَهِي تحضن بيضها وتحمي فرخها وتحب وَلَدهَا وَلَا تمكن الا زَوجهَا وتقطع فِي أول القواطع وَترجع فِي أول الرواجع وَلَا تطير فِي التحسير وَلَا تغتر بالشكير وَلَا ترب بالوكور وَلَا تسْقط على الجفير.
أما قَوْله: لَا تقطع فِي أول القواطع وَترجع فِي أول الرواجع فان الصيادين انما يطْلبُونَ الطير بعد أَن يعلمُوا أَن القواطع قد قطعت فتقطع فتقطع الرخمة أَولا فتنجو. يُقَال: قطعت الطير قطاعا
(2/644)

اذا قطعت من بلد الى بلد وَقطع الْبَلَد قطوعا وَقطع الْأَدِيم قطعا.
وَقَوله: وَلَا تطير فِي التحسير يُرِيد أَنَّهَا تدع الطيران أَيَّام التحسير كلهَا.
فاذا نبت الشكير وَهُوَ صغَار الريش لم يتحامل بِهِ كَمَا يفعل بعض الطير وَلكنهَا تنْتَظر حَتَّى يصير للريش قصب ثمَّ تطير.
وَقَوله: وَلَا ترب بالوكور. يُقَال: أرب فلَان بِالْمَكَانِ وألب بِهِ اذا أَقَامَ فِيهِ. ووكور الطير يكون فِي عرض الْجَبَل. يَقُول: فَهِيَ لَا ترْضى بمواضع الوكور فتبيض فِيهَا. وَلكنهَا تبيض فِي أعالي الْجبَال حَيْثُ لَا يبلغهُ انسان وَلَا سبع وَلَا طَائِر. وَلذَلِك يُقَال فِي الْمثل: دونه بيض الأنوق أذا كَانَ لَا يُوصل اليه. وَكَذَلِكَ يُقَال: دونه النَّجْم ودونه العيوق. وَقَالَ الْكُمَيْت: من الطَّوِيل ... وَلَا تجعلوني فِي رجائي ودكم ... كراج على بيض الأنوق احتبالها ...
يَقُول: لَا تجعلوني كمن رجا مَا لَا يكون. واحتبالها: صيدها بالحبالة.
يُرِيد: انه من رجا أَن يصيدها على بيضها فقد قدر مَا لَا يكون.
(2/645)

وَقَوله: وَلَا تسْقط على الجفير وَهِي الجعبة. يَقُول: لَا تسْقط فِي مَوضِع ترَاهَا فِيهِ لِأَنَّهَا تعلم ان فِيهَا سهاما.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه أُتِي بِهِ الْحجَّاج فَقَالَ: اخرجت عَليّ يَا شعبي فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير اجذب بِنَا الجناب وأحزن بِنَا الْمنزل واستحلسنا الْخَوْف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم يكن فِيهَا بررة أتقياء وَلَا فجرة أقوياء. قَالَ: لله أَبوك ثمَّ أرْسلهُ.
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم سهل قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي عَن عُثْمَان الشحام انه قَالَ: الجناب مَا حول الْقَوْم. يقا ل: اخصب جناب الْقَوْم واجدب جنابهم. وَمِنْه قَول مُجَاهِد: ان لأهل النَّار جنابا يستريحون اليه فاذا أَتَوْهُ لسعتهم عقارب كأمثال البغال الدلم.
وأحزن بِنَا الْمنزل وَهُوَ من الحزونة وَهُوَ غلظ الْمَكَان وخشونته.
وَقَوله: استحلسنا الْخَوْف من الحلس الَّذِي يبسط فِي الْبَيْت وَيقْعد عَلَيْهِ وَمِنْه قيل فِي الحَدِيث: كن جلس بَيْتك يَعْنِي فِي الْفِتْنَة.
(2/646)

وَقَالَ جَابر بن عبد الله: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَرَرْت على جِبْرِيل لَيْلَة أسرِي بِي كالحلس الْبَالِي من خشيَة الله. والحلس كسَاء يكون تَحت برذعة الْبَعِير أَي: صَار الْخَوْف لنا حلسا والسهر لنا كحلا. أصابتنا خزية أَي: خصْلَة خزينا مِنْهَا أَي: استحيينا. يُقَال: خزي فلَان يخزي خزاية. قَالَ الشَّاعِر: من الطَّوِيل ... فَانِي - بِحَمْد الله - لَا ثوب عَاجز
لبست وَلَا من خزية أتقنع ...
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ أَنه قَالَ: الرجل جَبَّار.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ: حدّثنَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي فَرْوَة عَن الشّعبِيّ.
قَوْله: الرجل جَبَّار. يُرِيد الدَّابَّة اذا كَانَ عَلَيْهَا رَاكب فرمحت أَو نفجت برجلها فَذَلِك هدر لَا شَيْء على الرَّاكِب فِيهِ.
يَقُول: لِأَنَّهُ من وَرَائه فَلَيْسَ يرَاهُ وَلَا يملك دَفعه. فَأَما مَا جنته بمقاديمها من وَطْء أَو وعض أَو غير ذَلِك فَهُوَ لَهُ ضَامِن.
(2/647)

فَهَذَا راي الْكُوفِيّين. وَأما مَالك وَالشَّافِعِيّ فانهما قَالَا يضمن قائديها وسائقيها وراكبيها مَا أَصَابَت بيد أَو فَم أَو رجل أَو ذَنْب. قَالَ الشَّافِعِي: وان جمحت بِهِ أَو غلبته فَهُوَ ضَامِن. وَقَالَ مَالك: لَا يضمن اذا غلبته. قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِي: وَأما قَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: العجماء جَبَّار فانها كل بَهِيمَة أفسدت شَيْئا أَو أتلفته وَلَيْسَ مَعهَا قَائِد وَلَا سائق وَلَا رَاكب.
قَالَ: وَهَذَا مطرد الا فِي مَوضِع وَاحِد خصّه النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذ قَالَ: وَمَا افسدت الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ فضمان ذَلِك على أَهلهَا وَمَا خلا هَذِه فَهُوَ جَبَّار.
كتب الي الرّبيع بن سُلَيْمَان يُخْبِرنِي بِهِ عَن الشَّافِعِي.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه كَانَ اذا سُئِلَ عَن معضلة
(2/648)

قَالَ زباء ذَات وبر أعيت قائدها وسائقها لَو ألقيت على أَصْحَاب مُحَمَّد لأعضلت بهم.
يرويهِ ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شبْرمَة عَن الشّعبِيّ.
قَوْله: زباء ذَات وبر يُرِيد: انها مَسْأَلَة شاقة صعبة. وَضرب الزباء من الابل لَهَا مثلا. وَيُقَال فِي الْمثل: كل أزب نفور: وَقَالَ زيد الْخَيل: من الوافر ... فحاد عَن الطعان أَبُو أَثَال ... كَمَا حاد الأزب عَن الظلال ...
وَفِي بَيت آخر: من الوافر
كَمَا حاد الأزب عَن الظعان ...
والظعان: وَهُوَ حَبل يشد بِهِ الهودج. والأزب من الابل يكثر شعر حاجبيه فَهُوَ يرَاهُ فينفر.
وَقَوله: لأعضلت بهم أَي: اشتدت عَلَيْهِم. وَمِنْه يُقَال: دَاء عضال أَي: شَدِيد.
وَأما قَول عمر: اعوذ بِاللَّه من كل معضلة لَيْسَ لَهَا أَبُو حسن يَعْنِي عليا. فانها من عضلت الْمَرْأَة اذا نشب.
(2/649)

الْوَلَد وَلم يخرج مِنْهُ الا قَلِيل وَبَقِي سائره مُعْتَرضًا. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: من الْكَامِل ... واذا الْأُمُور أهم غب نتاجها ... يسرت كل معضل ومطرق ...
فالمعضل مَا ذَكرْنَاهُ. والمطرق من قَوْلهم: طرقت القطاة اذا حَان خُرُوج بيضها فعسر عَلَيْهَا. يضْرب مثلا لكل أَمر يضيق. يُقَال: أَمر مطرق معضل.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ لأبي الزِّنَاد: تَأْتِينَا: بِهَذِهِ الْأَحَادِيث قسبة وتأخذها منا طازجة.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد عَن سلم بن قُتَيْبَة وَعَن وهب بن حبيب عَن الشّعبِيّ.
قَوْله: قسية: أَي: ردئية. يُقَال: دِرْهَم قسي اذا كَانَ ردئيا. وَيُقَال أَصله: فَارسي. فعرب. وَيُقَال:: بل هُوَ: فعيل من الْقَسْوَة أَي: فضته صلبة رَدِيئَة لَيست بلينة.
وَقَوله: تأخذها طازجة أَي: خَالِصَة صحاحا نقاء وَهُوَ
(2/650)

بِالْفَارِسِيَّةِ: اعراب تازه. وَهُوَ الشَّيْء الْخَالِص وَهُوَ الشَّيْء الطري.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ: لِأَن أتعنى بعنية أحب الي من أَن أَقُول فِي مسئلة برأيي.
يرويهِ وَكِيع عَن عِيسَى عَن الشّعبِيّ.
العنية: أخلاط تنقع فِي أَبْوَال الأبل وتترك حينا ثمَّ تطلى بهاالابل من الجرب. وَيُقَال للرجل اذا كَانَ جيد الرَّأْي: عنية تشفي الجرب. وانما سميت عنية لطول الْحَبْس وكل شَيْء حَبسته طَويلا فقد عنيته. وَمِنْه قَول الْهُذلِيّ فِي وصف خمر: من الطَّوِيل ... وعنتها الزقاق وقارها ...
أَي: حبستها فِيهَا وَمِنْه قيل للأسير: عان. وَكَانَ الشّعبِيّ يَقُول: مَا شَيْء أبْغض الي من أَرَأَيْت.
وَحدثنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن عمر بن أبي زَائِدَة قَالَ: قيل
(2/651)

لِلشَّعْبِيِّ: ان هَذَا لَا يجىء فِي الْقيَاس فَقَالَ: أير فِي الْقيَاس.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ: الشُّفْعَة على رُؤُوس الرِّجَال.
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَشْعَث عَن الشّعبِيّ.
معنى هَذَا أَن تكون الدَّار بَين جمَاعَة مختلفي السِّهَام فيبيع وَاحِد مِنْهُم فَيكون مَا بَاعَ لشركائه بَينهم سَوَاء على رؤوسهم لَا على سِهَامهمْ. وَكَانَ عَطاء يَقُول: الشُّفْعَة بِالْحِصَصِ. يُرِيد: أَن مَا بَاعَ شريكهم بيهم لكل وَاحِد مِنْهُم على قدر سهامه.
وَقَالَ الشّعبِيّ: الْعقل على رُؤُوس الرِّجَال ي يُرِيد: انه لَا ينظر الى الأعطية فَيلْزم الرجل على قدر عطائه وَلَكِن يلزمون الْعقل على الرؤوس.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ: فِي السقط اذا انكس
(2/652)

فِي الْخلق الرَّابِع وَكَانَ مخلقا عتقت بِهِ الْأمة وَانْقَضَت بِهِ عدَّة الْحرَّة.
يرويهِ هِشَام عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ نكس أَي: قلب فِي الْخلق الرَّابِع. وَهُوَ المضغة. وَذَلِكَ لِأَن الله تبَارك وَتَعَالَى يَقُول: {فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب} فَهَذِهِ حَال {ثمَّ من نُطْفَة} فَهَذِهِ حَال ثَانِيَة. ثمَّ من علقَة فَهَذِهِ حَال ثَالِثَة. ثمَّ من مُضْغَة مخلفة وَغير مخلقة فَهَذِهِ حَال رَابِعَة. والمخلقة: التَّامَّة الَّتِي قد تبين خلقهَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قَالَ: أُغمي على رجل من جُهَيْنَة فِي بَدْء الاسلام فظنوا أَنه قد مَاتَ وَهُوَ جُلُوس حوله وَقد حفروا لَهُ اد أَفَاق فَقَالَ: مَا فعل القصل قَالُوا مر بِنَا السَّاعَة فَقَالَ: أما انه لَيْسَ عَليّ بَأْس اني أتيت حَيْثُ رَأَيْتُمُونِي أُغمي عَليّ. فَقيل لي: لأمك هُبل الا ترى حفرتك تنثل أرأريت ان حولناها عَنْك بمحول ودفنا فِيهَا قصل الَّذِي مَشى فخزل أتشكر لِرَبِّك وتصلى وَتَدَع سَبِيل من أشرك وضل قلت: نعم فبرأ وَمَات القصل فَجعل فِيهَا.
(2/653)

حدثت بِهِ عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن اسماعيل بن أبي خَالِد عَن فراس عَن الشّعبِيّ.
الهبل: الثكل. وَمِنْه قَول الْقطَامِي: من الْبَسِيط ... وَالنَّاس من يلق خيرا قَائِلُونَ لَهُ ... مَا يَشْتَهِي ولأم المخطىء الهبل ...
وَقَوله: تنثل أَي: يسْتَخْرج ترابها. يُقَال: نثلت الرَّكية والنثيلة مَا أخرج من تُرَاب الْبِئْر.
وَقَوله: حولناها عَنْك بمحول يُرِيد: حولنا عَنْك هَذِه الحفرة الى غَيْرك. والمحول: مفعل من التَّحَوُّل كَأَنَّهُ آلَة وأداة لَهُ. وَمن رَوَاهُ بمحول فانه أَرَادَ مَوضِع التَّحَوُّل.
وَقَوله: الَّذِي مَشى فخزل أَي تفكك فِي مشيته. وَيُقَال لَهَا: المشية الخيزلي والخوزلى والخوزرى والخيزرى.
وَأنْشد الْفراء: من الرجز ... والناشئات الماشيات الخوزرى ...
وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ أَنه قَالَ: اذا ورثت الْمَرْأَة اعْتدت.
(2/654)

وَقَالَ: بَاب من الطَّلَاق.
يرويهِ يحيى بن زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة عَن أَبِيه عَن الشّعبِيّ.
وَتَفْسِيره: ان الرجل اذا طلق امْرَأَته وَهُوَ مَرِيض قبل أَن يدْخل بهَا ثمَّ مَاتَ فِي مَرضه فانها تَعْتَد مِنْهُ لِأَنَّهَا تَرثه. وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا فَذهب قوم الى مَا قَالَه الشّعبِيّ مِنْهُم: مَالك. وَقَالَ الثَّوْريّ: لَيْسَ بَينهمَا مِيرَاث لِأَنَّهَا لَا عدَّة عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ الرجل يُطلق امْرَأَة قد دخل بهَا فِي مَرضه ثمَّ يَمُوت بعد انْقِضَاء عدَّة الطَّلَاق بذلك الْمَرَض فان الشّعبِيّ: ان يُورثهَا مَا لم تتَزَوَّج: فاذا ورثت أوجب عَلَيْهَا عدَّة الْوَفَاة. وَهُوَ قَول مَالك. وَأما الثَّوْريّ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَكَانُوا يورثونها مَا كَانَت فِي الْعدة فاذا انْقَضتْ الْعدة لم يورثوها.
(2/655)

وَقَالَ فِي حَدِيث الشّعبِيّ انه قضى بِشَهَادَة القائس مَعَ يَمِين المشجوج.
يرويهِ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن حَفْص بن مَيْمُون.
القائس هُوَ الَّذِي يقيس الشَّجَّة بالملمول أَو غَيره ويتعرف مقدارها ليحكم فِيهَا بعقلها.
وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء يَجْعَل هَذَا الحَدِيث حجَّة فِي الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وباليمين. وانما كَأَن تكون حجَّة لَو كَانَت شَهَادَة القائس وَيَمِين المشجوج على أَمر وَاحِد وهما على أَمريْن مُخْتَلفين. لِأَن القائس يخبر بِقدر غور الشَّجَّة وَمَا حدث فِي الْقطع وَهُوَ مَقْبُول القَوْل كَمَا يقبل قَول الطَّبِيب.
والمشجوج يحلف على من ادّعى عَلَيْهِ الْجِنَايَة وَأرى الشّعبِيّ قد قبل دَعْوَى المشجوج مَعَ يَمِينه على الجناني وَقبل قَول القائس فِي مِقْدَار الشَّجَّة.
(2/656)