Advertisement

غريب الحديث لابن قتيبة 001


الكتاب: غريب الحديث
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
المحقق: د. عبد الله الجبوري
الناشر: مطبعة العاني - بغداد
الطبعة: الأولى، 1397
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة قَالَ
الْحَمد لله أهل الْحَمد ووليه وَالْهَادِي إِلَيْهِ والمثيب بِهِ أَحْمَده بأرضى الْحَمد لَهُ وأزكاه لَدَيْهِ على تظاهر آلائه وَجَمِيل بلائه حمدا يكافي نعمه ويوافي مننه وَيُوجب مزيده وأسأله أَن يشغلنا بِذكرِهِ ويلهجنا بشكره وينفعنا بحب الْقُرْآن وَاتِّبَاع الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَحسن الْقبُول لما أدياه ويصرفنا عَن سبل الجائرين إِلَى سَوَاء السَّبِيل وينور بِالْعلمِ قُلُوبنَا وَيفتح بالحكمة أسماعنا وَيسْتَعْمل بِالطَّاعَةِ أبداننا ويجعلنا مِمَّن صمت ليسلم وَقَالَ ليغنم وَكتب ليعلم وَعلم ليعْمَل ونعوذ بِاللَّه من حيرة الْجَهْل وفتنة الْعلم وإفراط التعمق وَأَن يشغلنا التكاثر بِالْعلمِ عَن التفقه فِيهِ ويقطعنا مَا وَضعه الله عَنَّا عَمَّا كلفنا فِيهِ وَأَن يسْلك بِنَا إِلَيْهِ فِي غير طَرِيقه ويقحمنا فِيهِ من غير بَابه فكم من طَالب حَظه العناء وضارب فِي الأَرْض غنيمته الإياب يجوب الْبِلَاد ويغني التلاد وَيقطع الرَّحِم ويضيع الْعِيَال صَابِرًا على جَفا الغربة وَطول الْعزبَة وخشونة الْمطعم ورثاثة
(1/147)

الْهَيْئَة مبيته الْمَسَاجِد ومصباحه الْقَمَر وَطَعَامه قفار وهجوعه غرار وهمه الْجمع دون التفقه فِيهِ والطرق دون الْمُتُون والغرائب دون السّنَن والاستكثار من أَسمَاء الرِّجَال حَتَّى يعود كَمَا بَدَأَ لم يحل مِمَّا طلب إِلَّا بأسفار حملهَا وَلم يَنْفَعهُ علمهَا وَلَو يسر للصَّوَاب لعلم أَن أوجب عَلَيْهِ من حَدِيث أسلم سَالَمَهَا الله وغفار غفر الله لَهَا وَعصيَّة عَصَتْ الله.
وَمن الحَدِيث فِي أكل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحم حبارى أَن تسْأَل عَن معنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي يَوْم الْجُمُعَة من غسل واغتسل وَبكر وابتكر واستمع وَلم يلغ كفر ذَلِك مَا بَين الجمعتين يعرف معنى مَا غسل واغتسل وَيعرف الْفرق بَين بكر وابتكر فَيَأْخُذ بِهِ ليكفر الله عَنهُ وَأَن يسْأَل عَن قَوْله للرجل الَّذِي سَأَلَهُ أَن يقْضِي بَينه وَبَين خَصمه بِكِتَاب الله لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله ثمَّ قضى بِالرَّجمِ والتغريب وَلَيْسَ لَهما فِي الْقُرْآن ذكر ليعرف ذَلِك فَلَا يقْدَح فِي صَدره عَارض من الشكوك فِيمَا يَدعِيهِ قوم من أهل الْبدع على أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببتر الْقُرْآن ونقصه وَتغَير كثير مِنْهُ عَن جِهَته فَيهْلك باتهام السّلف الْبَراء مِمَّا قرفوهم بِهِ وَأَن يسْأَل عَن قَوْله لَو جعل الْقُرْآن فِي إهَاب ثمَّ ألقِي فِي النَّار مَا احْتَرَقَ ليعلم مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل قلبه ريب إِذا رأى الْمَصَاحِف تحترق بالنَّار وَرَأى الْمُلْحِدِينَ يغمزون بِهَذَا الحَدِيث ويطعنون بِهِ على الْمُسلمين وَأَن
(1/148)

يسْأَل عَن قَوْله كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ليعلم تَأْوِيله فَلَا يعلق بِقَلْبِه الهول بِالْقدرِ.
وَعَن قَوْله الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان كَيفَ جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة شُعْبَة من الْإِيمَان وَهُوَ عمل وَلم سمي الْغُرَاب فَاسِقًا والغراب غير مُكَلّف وَلَا مَأْمُور وَلم تعوذ فِي وَقت من الْفقر وَسَأَلَ الله غناهُ وغنى مَوْلَاهُ وَسَأَلَ فِي وَقت أَن يحييه مِسْكينا ويميته مِسْكينا ويحشره فِي زمرة الْمَسَاكِين وَقَالَ الْفقر أحسن بِالْمُؤمنِ من العذار الْحسن على حد الْفرس ليعلم معنى الْحَدِيثين فَلَا يتَوَهَّم على نقلة الحَدِيث مَا يشنع بِهِ ذَوُو الْأَهْوَاء عَلَيْهِم فِي مثل هَذِه الْأَحَادِيث من حمل الْكَذِب والمتناقض حَتَّى قَالَ بَعضهم من الرجز ... يروي أَحَادِيث ونروي نقضهَا ...
وَعَن قَوْله لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده وَيسْرق الْحَبل فتقطع يَده وَأهل الْعلم مجمعون على أَنه لَا يقطع مِمَّا دون ثمن الْمِجَن الْمَذْكُورَة قِيمَته والخوارج تخالفهم وتوجب عَلَيْهِ الْقطع فِي كل شَيْء قل أَو كثر لقَوْله عز وَجل: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} .
فَإِذا احْتج عَلَيْهِم مُحْتَج بِهَذَا الحَدِيث الْمِجَن عارضوه بِهَذَا الحَدِيث مَعَ ظَاهر الْكتاب وَأَن يسْأَل عَن قَوْله ضرس الْكَافِر فِي النَّار مثل أحد وكثاقة جلده أَرْبَعُونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار.
وَعَن قَوْله: (لَا تسبوا الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن) .
وَعَن قَوْله: (آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج) وَعَن قَوْله (إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن) وَأَن يسْأَل عَن قَوْله: (الكاسيات
(1/149)

العاريات لَا يدخلن الْجنَّة) ليعلم كَيفَ يكون الكاسي عَارِيا وَعَن قَول أبي بكر رَضِي الله عَنهُ: (سلوا الله الْعَافِيَة والمعافاة) لعرف مَا الْفرق بَينهمَا فنسأل الله مَا يُعلمهُ.
وَعَن قَول ابْن عَبَّاس حِين ذكر عِنْده قَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ: حرمتهن آيَة وأحلتهن آيَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس تحرمهن عَليّ قَرَابَتي مِنْهُنَّ وَلَا تحرمهن عَليّ قرَابَة بَعضهنَّ من بعض وأية قرَابَة بَين الرجل وَامْرَأَته وَمَا الْآيَة الْمحلة للْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَالْآيَة الْمُحرمَة لَهُ.
وَمثل هَذَا كثير يطول بِذكرِهِ الْكتاب وَفِيمَا ذكرت فِيهِ مَا دلّ على مَا أوردت وستقف على تَفْسِير هَذِه الْأَحَادِيث فِي أَضْعَاف الْكتاب إِن شَاءَ الله.
وَقد كَانَ تعرف هَذَا وأشباهه عسيرا فِيمَا مضى على من طلبه لِحَاجَتِهِ إِلَى أَن يسْأَل عَنهُ أهل اللُّغَة وَمن يكمل مِنْهُم ليفسر غَرِيب الحَدِيث وفتق مَعَانِيه وَإِظْهَار غوامضه قَلِيل فَأَما زَمَاننَا هَذَا فقد كفى حَملَة الحَدِيث فِيهِ مُؤنَة التَّفْسِير والبحث بِمَا أَلفه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ثمَّ بِمَا ألفناه فِي هَذَا بِحَمْد الله.
وَقد كنت زَمَانا أرى أَن كتاب أبي عبيد قد جمع تَفْسِير غَرِيب الحَدِيث وَأَن النَّاظر فِيهِ مستغن بِهِ ثمَّ تعقبت ذَلِك بِالنّظرِ والتفتيش والمذاكرة فَوجدت مَا تَركه نَحوا مِمَّا ذكر أَو أَكثر مِنْهُ فتتبعت مَا أغفل وفسرته على نَحْو مِمَّا فسر بِالْإِسْنَادِ لما عرفت
(1/150)

إِسْنَاده وَالْقطع لما لم أعرفهُ وأشبعت ذَلِك بِذكر الِاشْتِقَاق والمصادر والشواهد من الشّعْر وكرهت أَن يكون الْكتاب مَقْصُورا على الْغَرِيب فأودعته من قصار أَخْبَار الْعَرَب وأمثالها وَأَحَادِيث السّلف وَأَلْفَاظهمْ مَا يشاكل الحَدِيث أَو يُوَافق لَفظه لَفْظَة لتكثر فَائِدَة الْكتاب ويمتع قارئه وَيكون عونا على مَعْرفَته وَتَحفظه وَلم أعرض لشَيْء مِمَّا ذكره أَبُو عبيد إِلَّا أَحَادِيث وَقع فِيهَا ذَلِك فنبهت عَلَيْهِ ودللت على الصَّوَاب فِيهِ وأفردت لَهَا كتابا يدعى كتاب إصْلَاح الْغَلَط وَإِلَّا حروفا تعرض فِي بَاب وَلَا يعْمل ذَلِك الْبَاب إِلَّا بذكرها فَذَكرتهَا بِزِيَادَة فِي التَّفْسِير والفائدة وَلنْ يخفى ذَلِك على من جمع بَين الْكِتَابَيْنِ وَكنت حِين ابتدأت فِي عمل الْكتاب اطَّلَعت عَلَيْهِ قوما من حَملَة الْعلم والطالبين لَهُ وأعجلتهم الرَّغْبَة فِيهِ والحرص على تدوينه عَن انْتِظَار فراغي مِنْهُ وسألوا أَن أخرج لَهُم من الْعَمَل مَا يرْتَفع فِي كل أُسْبُوع فَفعلت ذَلِك حَتَّى تمّ لَهُم الْكتاب وسمعوه وَحمله قوم مِنْهُم إِلَى الْأَمْصَار ثمَّ عرضت بعد ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة فَعمِلت بهَا كتابا ثَانِيًا يدعى كتاب الزَّوَائِد فِي غَرِيب الحَدِيث ثمَّ تدبرت الْكِتَابَيْنِ فَرَأَيْت الأصوب فِي الرَّأْي أَن أجمعهما وأقدم مَا سَبيله أَن يقدم وأوخر مَا سَبيله أَن يُؤَخر وأحذف مَا سَبيله أَن يحذف فَمن رأى ذَيْنك الْكِتَابَيْنِ على غير تأليف هَذَا الْكتاب فَليعلم أَنَّهَا شَيْء وَاحِد وَأَن الِاخْتِلَاف بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير ومكرر من التَّفْسِير وَرَأَيْت أَن أفتح كتابي هَذَا بتبيين الْأَلْفَاظ الدائرة بَين النَّاس فِي الْفِقْه وأبوابه
(1/151)

والفراض وأحكامها لتعرف من أَيْن أخذت تِلْكَ الْحُرُوف فيستدل بأصولها فِي اللُّغَة على مَعَانِيهَا كَالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْأَذَان وَالصِّيَام وَالْعتاق وَالطَّلَاق وَالظِّهَار وَالتَّدْبِير وأشباهها مِمَّا لَا يكمل علم المتفقه والمفتي إِلَّا بِمَعْرِِفَة أُصُوله ثمَّ اتبعت ذَلِك تَفْسِير مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من ذكر الْقُرْآن وسوره وأحزابه وَسَائِر كتب الله ثمَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث وَالْكتاب من ذكر الْكَافرين والظالمين والفاسقين وَالْمُنَافِقِينَ والفاجرين والملحدين وَمن أَيْن أَخذ كل اسْم مِنْهَا ثمَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من ذكر أهل الْأَهْوَاء الرافضة والمرجئة والقدرية والخوارج.
ثمَّ ابتدأت بتفسير غَرِيب حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وضمنته الْأَحَادِيث الَّتِي يدعى بهَا على حَملَة الْعلم حمل المتناقض وتلوته بِأَحَادِيث صحابته رجلا رجلا ثمَّ بِأَحَادِيث التَّابِعين وَمن بعدهمْ وختمت الْكتاب بِذكر أَحَادِيث غير منسوبة سَمِعت أَصْحَاب اللُّغَة يذكرونها لَا أعرف أَصْحَابهَا وَلَا طرقها حَسَنَة الْأَلْفَاظ لطاف الْمعَانِي تضعف على الْأَحَادِيث الَّتِي ختم بهَا أَبُو عبيد كِتَابه أضعافا وَأَرْجُو أَن لَا يكون بَقِي بعد هذَيْن الْكِتَابَيْنِ من غَرِيب الحَدِيث مَا يكون لأحد فِيهِ مقَال.
وأسأل الله أَن ينفعنا بِمَا علمنَا ويتغمد برأفته زللنا ويوفقنا لصواب القَوْل وَالْعَمَل وَيجْعَل تعلمنا وتعليمنا لوجهه الْكَرِيم وثوابه الجسيم إِنَّه سميع قريب.
(1/152)

ذكر الْأَلْفَاظ فِي الْفِقْه وَالْأَحْكَام واشتقاقها
قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم فِي الْوضُوء وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أبوابه.
الْوضُوء
الْوضُوء للصَّلَاة
هُوَ من الْوَضَاءَة والوضاءة النَّظَافَة وَالْحسن وَمِنْه قيل فلَان وضيء الْوَجْه أَي نظيفه وَحسنه فَكَأَن الْغَاسِل لوجهه وضأه أَي نظفه بِالْمَاءِ وَحسنه وَمن غسل يَده أَو رجله أَو عضوا من أَعْضَائِهِ أَو سكن من شعث رَأسه بِالْمَاءِ فقد وضأه.
وَالْوُضُوء الَّذِي حَده الله تَعَالَى فِي كِتَابه للصَّلَاة هُوَ غسل الْوُجُوه وَالْأَيْدِي إِلَى الْمرَافِق وَالْمسح بالرؤوس والأرجل وَالْغسْل للرجل وَغَيرهَا يُسمى مسحا خبرنَا بذلك سهل بن مُحَمَّد عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ قَالَ وَقَالَ أَلا ترى أَنَّك تَقول تمسحت للصَّلَاة إِذا تَوَضَّأت لَهَا وَإِنَّمَا سمي الْغسْل مسحا لِأَن الْغسْل
(1/153)

للشَّيْء تَطْهِير لَهُ بإفراغ المَاء وَالْمسح تَطْهِير لَهُ بإمرار المَاء فالمسح خَفِيف الْغسْل.
وَكَانُوا يتوضؤون بِالْقَلِيلِ من المَاء وَلَا يسرفون فِيهِ وَكَانَ وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمد من مَاء وَالْمدّ رَطْل وَثلث برطل زَمَاننَا فَهَذَا يدلك على أَنه كَانَ يمسح بِالْمَاءِ يَدَيْهِ وَوَجهه وَرجلَيْهِ وَهُوَ لَهَا غاسل ويدلك أَيْضا مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم أَن رجلا قَالَ لَهُ إِن أُمِّي إِذا تَوَضَّأت أخذت المَاء بكفيها ثمَّ صبته ثمَّ مسحت وَجههَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم أَي وضوء أتم من هَذَا مَا كَانُوا يطلمون وُجُوههم بِالْمَاءِ فَهَذَا مسح وَهُوَ غسل وَالْوَاجِب على من أجنب أَن يغْتَسل بِالْمَاءِ وَلَو أَنه ترك عضوا من
(1/154)

أَعْضَائِهِ لم يغسلهُ ثمَّ ذكره فمسحه بندى يَده حَتَّى يعمه أَجْزَأَ ذَلِك عَنهُ وَكَانَ مغتسلا فَلَمَّا كَانَ الْمسْح قد يكون غسلا وَوَقعت الرؤوس فِي التِّلَاوَة بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا ثمَّ جَاءَت الأرجل بعد كَأَن الْمسْح بهَا هُوَ غسلهَا.
وَأما الْوضُوء مِمَّا مست النَّار فَهُوَ غسل الْيَد والفم بعد الْفَرَاغ من الطَّعَام لينظفا ويطيب ريحهما وَكَانَ أَكثر الْأَعْرَاب لَا يغسلون أَيْديهم وَيَقُولُونَ فَقده أَشد من رِيحه فأدبنا نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغسْل الْيَد مِمَّا مست النَّار يُرِيد الأطبخة والشواء وَقد جرى النَّاس بعد فِي كل مصر وكل نَاحيَة على الْوضُوء من الزهم وَأَن يَقُولُوا إِذا غسلوا أَيْديهم قبل أَن يطعموا توضأنا يُرِيدُونَ نظفنا أَيْدِينَا من الزهم لنطعم بهَا وَإِذا غسلوا أَيْديهم وأفواههم بعد الطَّعَام توضأنا يُرِيدُونَ نظفناها من الزهم وأمطناه عَنْهَا وَمن تَوَضَّأ مِمَّا غيرت النَّار فَغسل وَجهه
(1/155)

وَرجلَيْهِ فَإِنَّمَا وَقع غلطه فِي ذَلِك من جِهَة وضوئِهِ للصَّلَاة لِأَنَّهُ لما رأى وضوء الصَّلَاة على هَيئته ظن أَن كل وضوء أَمر بِهِ على تِلْكَ الْهَيْئَة وَالْوُضُوء فِي اللُّغَة على مَا أعلمتك قد يكون للعضو الْوَاحِد ويدلك على ذَلِك حَدِيث حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ عَن أبي عُبَيْدَة النَّاجِي عَن الْحسن أَنه قَالَ: الْوضُوء قبل الطَّعَام يَنْفِي الْفقر وَبعده يَنْفِي اللمم فَسُمي غسل الْيَد وضُوءًا وحَدثني أَبُو حَاتِم قَالَ أخبرنَا الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: غسل الْيَد وضوء ويوضح هَذَا أَيْضا حَدِيث عكراش أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكل ثمَّ غسل يَدَيْهِ وَمسح ببلل يَدَيْهِ وَجهه وذراعيه وَرَأسه وَقَالَ هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَكَذَلِكَ الْوضُوء من مس الذّكر والفرج والدبر هُوَ غسل الْيَد لِأَن هَذِه مخارج الْحَدث وَالْبَوْل وَالدَّم
(1/156)

وطرق النَّجَاسَات وَكَانَ أَكثر الْمُسلمين فِي صدر الْإِسْلَام يستنجون بالأحجار وَلَا يغسلون الْفروج بِالْمَاءِ وَمن مس من هَذِه الْمَوَاضِع شَيْئا لم يُؤمن أَن يعلق بِيَدِهِ مِنْهَا أَذَى وَإِن قل أَو ريح خبيثة فأدبنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغسْل أَيْدِينَا من مس الْفروج كَمَا أدبنا بغسلها مِمَّا مست النَّار وَمن أَسْوَأ أدبا وَأَقل توقيا مِمَّن مس فرجه أَو دبره أَو مس غمرا ثمَّ صَافح بهَا أَو طاعم أَو أَخذ وَأعْطى من غير غسل وَمثله الْوضُوء من مس الْإِبِط إِنَّمَا هُوَ غسسل الْيَد ويدلك على ذَلِك أَيْضا حَدِيث حَدَّثَنِيهِ أَبُو وَائِل قَالَ ثَنَا يزِيد بن هرون وعبد الله بن بكر عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فَلَا يغمس يَده فِي طهوره حَتَّى يفرغ عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده.
يَقُول لَعَلَّه فِي مَنَامه مس بهَا فرجه أَو دبره وَلَيْسَ يُؤمن أَن يخرج مِنْهُمَا فِي نَومه ندى أَو قاطر بَوْل أَو بَقِيَّة مني إِن كَانَ جَامع
(1/157)

قبل الْمَنَام فَيُصِيب الْيَد فَإِن أدخلها فِي الْإِنَاء من غير غسل أفسد المَاء إِن كَانَ مِمَّا ينجس مثله وَمن مس فرجه وَعلم يَقِينا أَنه لم يصب يَده مِنْهُ أَذَى فالأحوط لَهُ أَن يغسلهَا مستطهرا أَو أخذا بأدب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن لم يفعل فَلَا جنَاح عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله لِأَنَّهُ مَا سلم من الْأَذَى كعضو من أَعْضَائِهِ أَو جارحة من جوارحه وَقد جَاءَت فِي ذَلِك آثَار أَحْبَبْت أَن أذكرها فِي هَذَا الْمَوْضُوع لأوكد مَا ذهبت إِلَيْهِ بهَا.
حَدثنِي خَالِد بن مُحَمَّد ثَنَا عبد الرحمن بن مهْدي ومُوسَى بن مَسْعُود عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن جَابر عَن قيس بن طلق بن عَليّ عَن أَبِيه أَنه سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مس الذّكر فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ بضعَة مِنْك وحَدثني أَبُو وَائِل أَيْضا ثَنَا المؤمل عَن سُفْيَان عَن قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي مس الذّكر مَا أُبَالِي إِيَّاه مسست أَو أُذُنِي وحَدثني أَيْضا قَالَ ثَنَا يزِيد بن هرون قَالَ ثَنَا مسعر عَن إياد بن لَقِيط عَن الْبَراء بن قيس عَن حُذَيْفَة فِي مس الذّكر مَا أُبَالِي إِيَّاه مسست أَو أنفي وحَدثني أَيْضا قَالَ حَدثنِي مَحْبُوب ثَنَا أَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر وَكَانَ
(1/158)

قصابا عَن إِبْرَاهِيم أَن عليا عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: مَا أُبَالِي أإياه مسست أَو طرف أُذُنِي وحَدثني أَيْضا ثَنَا الرّبيع بن يحيى ثَنَا شُعْبَة عَن مسعر قَالَ سَمِعت عُمَيْر بن سعيد يَقُول: سَمِعت عمار بن يَاسر وَهُوَ يسْأَل عَن مس الذّكر فَقَالَ إِن لِلْيَدَيْنِ موضعا غَيره وَإِنَّمَا هُوَ بضعَة مِنْك وَلَا أرى الطَّهَارَة الَّتِي تخْتَار للنائم أَن يبيت عَلَيْهَا إِلَّا الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة يدلك على ذَلِك حَدِيث حَدَّثَنِيهِ حُسَيْن بن حسن الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن ابْن لَهِيعَة عَن عُثْمَان بن نعيم الرعيني عَن أبي الأصبحي عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ إِذا نَام الْإِنْسَان عرج بِنَفسِهِ حَتَّى يُؤْتى بهَا إِلَى الْعَرْش فَإِن كَانَ طَاهِرا أذن لَهَا بِالسُّجُود وَإِن كَانَ جنبا لم يُؤذن لَهَا فِي السُّجُود فَجعل طَهَارَة النَّائِم فِي نَومه أَن يكون على غير جَنَابَة وَأكْثر النَّاس على أَنه التَّوَضُّؤ للصَّلَاة وَالنَّوْم نَاقض للْوُضُوء وَلَيْسَ بناقض للْغسْل.
والاستنجاء
التمسح بالأحجار وَأَصله من النجوة وَهُوَ ارْتِفَاع من
(1/159)

الأَرْض وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجته تستر بنجوة فَقَالُوا ذهب يتغوط إِذا أَتَى الْغَائِط وَهُوَ المطمئن من الأَرْض لقَضَاء الْحَاجة ثمَّ سمي الْحَدث نَجوا واشتق مِنْهُ قد استنجى إِذا مسح مَوْضِعه أَو غسله.
والاستجمار أَيْضا
هُوَ التمسح بالأحجار وَمِنْه الحَدِيث: إِذا تَوَضَّأت فاستنثر وَإِذا استجمرت فأوتر أَي تمسح بِوتْر من الْحِجَارَة وَالْحِجَارَة الصغار يُقَال لَهَا الْجمار وَبِه سميت جمار مَكَّة.
وَيُقَال جمرنا تجميرا إِذا رمينَا الْجمار وَهِي الْحَصَى.
والاستنثار: سمي بذلك لِأَن النثرة الْأنف فالاستنثار استفعال
(1/160)

من ذَلِك يُرَاد اجْعَل المَاء فِي أَنْفك.
وَالتَّيَمُّم بالصعيد أَصله التعمد يُقَال تيممتك وتأممتك قَالَ الله عز وَجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} أَي تعمدوا تُرَابا طيبا ثمَّ كثر استعمالهم هَذِه الْكَلِمَة حَتَّى صَار التَّيَمُّم مسح الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ والقلة الَّتِي جعلت مِقْدَارًا بَين مَا ينجس من المَاء وَمَا لَا ينجس هِيَ مَأْخُوذَة من اسْتَقل فلَان بِحمْلِهِ وَأقله إِذا أطاقه وَحمله وَإِنَّمَا سمت الكيزان قلالا لِأَنَّهَا تقل بِالْأَيْدِي وَتحمل فيشرب فِيهَا والقلة تقع على الْكوز الصَّغِير والجرة اللطيفة والعظيمة وَالْحب اللَّطِيف إِذا كَانَ الْقوي من الرِّجَال يَسْتَطِيع أَن يقلهُ قَالَ جميل بن [معمر من الْخَفِيف] ... فظللنا بِنِعْمَة وأتكأنا ... وشربنا الْحَلَال من قلله ...
والقلل هَا هُنَا جرار يكون فِيهَا الشَّرَاب وَلست أعرف فِي ذَلِك على طَرِيق اللُّغَة حدا محدودا فَأَما الْمَدّ والصاع فَإِن خَالِد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ حَدثنِي عَن عبد الوهاب وَحَفْص بن رَاقِد عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة
(1/161)

عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَانَ يغْتَسل بالصاع يتَوَضَّأ بِالْمدِّ.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي مِقْدَار الْمَدّ والصاع فَكَانَ ابراهيم وَمن وَافقه من الْعِرَاقِيّين يَقُولُونَ صَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة أَرْطَال ومده رطلان رَوَاهُ حجاج عَن الحكم عَن ابراهيم وَكَانَ شريك يَقُول الصَّاع أقل من ثَمَانِيَة وَأكْثر من سَبْعَة وَكَانَ سُفْيَان يَقُول هُوَ مثل القفيز الْحَجَّاجِي والحجاجي ثَمَانِيَة أَرْطَال وَأخْبرنَا اسحق بن ابراهيم الْحَنْظَلِي الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه ان الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثَلَاث برطل زَمَاننَا وان الْمَدّ ربع الصَّاع.
وَحدثنَا أَحْمد بن سعيد اللحياني صَاحب أبي عبيد عَن أبي عبيد أَنه قَالَ فِي الصَّاع وَالْمدّ مثل ذَلِك قَالَ وانما نرى الْعِرَاقِيّين ذَهَبُوا الى ان الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال لأَنهم سمعُوا ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغْتَسل بالصاع وسمعوا فِي حَدِيث آخر انه كَانَ يغْتَسل بِثمَانِيَة أَرْطَال وَفِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ يتَوَضَّأ برطلين فتوهموا أَن الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال لهَذَا فَأَما أهل الْحجاز فَلَا اخْتِلَاف بَينهم فِيهِ أعلمهُ يعرفهُ عالمهم وجاهلهم ويتبايعون بِهِ فِي أسواقهم واحكام الْمُسلمين تَدور فِيمَا
(1/162)

ينوبهم من أَمر الْكَيْل فِي زَكَاة الْأَرْضين وَصدقَة الْفطر وَكَفَّارَة الْيَمين وفدية النّسك على أَن الْمَدّ رَطْل وَثلث والصاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث قَالَ والصاع ثلث الْفرق وَالْفرق سِتَّة عشر رطلا وَكَذَلِكَ قَالَ لنا اسحق قَالَ والقسط نصف صَاع.
قَالَ أَبُو عبيد ثَنَا هِشَام بن عمار عَن صَدَقَة بن خَالِد عَن عتبَة بن أبي حَكِيم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ حَدَّثتنِي عَائِشَة وبيننا وَبَينهَا حجاب قَالَت: كنت أَغْتَسِل أَنا وحبيبي من إِنَاء وَاحِد وأشارت الى اناء قدر الْفرق وَالْفرق سِتَّة أقساط وَلَا يعلم أَنه جَاءَ فِي وضوئِهِ انه كَانَ يتَوَضَّأ بِأَقَلّ من مد وَلَا فِي غسله انه كَانَ بِأَقَلّ من صَاع فَهَذَا أقل مَا يُجزئ وحَدثني خَالِد بن مُحَمَّد أَبُو وَائِل عَن المؤمل بن اسماعيل عَن سُفْيَان قَالَ الْمَدّ يَجْزِي فِي الْوضُوء والصاع يُجزئ من غسل الْجَنَابَة وَلَو كَانَ مَا دون هَذَا مجزيا لذكره وَقَالَ اسحق وَهَذَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اختبار وان أَتَى على مَا أَمر بِهِ فِي الْوضُوء وَالْغسْل فَكَانَ وضوءه بِأَقَلّ من مد وغسله بِأَقَلّ من صَاع أَجزَأَهُ أَلا ترى أَن عَائِشَة قَالَت: كنت أَغْتَسِل أَنا وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ
(1/163)

الصَّلَاة وَالسَّلَام من اناء وَاحِد وَهُوَ الْفرق وَذَلِكَ ثَلَاثَة أصوع فقد يعلم أَن المغتسلين من اناء وَاحِد يفضل أَحدهمَا على الآخر فَفِي هَذَا بَيَان أَن الْمَدّ والصاع ليسَا بحتم.
والأذنان حد الرَّأْس بَين الْوَجْه والقفا فهما يشكلان على قوم من أهل النّظر وَلَا يقضون عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا من الْوَجْه فيغسلونهما وَلَا انهما من الرَّأْس فيمسحونهما.
وَأخْبرنَا اسحق بن رَاهَوَيْه أَنه كَانَ يخْتَار أَن يغسل بَاطِن أُذُنَيْهِ مَعَ وَجهه وَيمْسَح ظاهرهما مَعَ رَأسه قَالَ وَقَالَ ابراهيم أما أَنا فأغسل مقدمهما مَعَ وَجْهي وأمسح مؤخرهما مَعَ رَأْسِي فان كَانَتَا من الْوَجْه كنت قد غسلتهما وان كَانَتَا من الرَّأْس مسحتهما.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا من الرَّأْس لَا من الْوَجْه لِأَن الْوَجْه مَا استقبلك كَمَا تَقول يستقبلك من وسط الْجَبَل وَجهه وصفحه والصفح فِي الْجَبَل مثل صفحة الْوَجْه وكما تَقول وَجه الْحَائِط وَوجه الدِّرْهَم وَمن الْوَجْه قيل واجهت فلَانا اذا استقبلته وَكنت حذاءه وَكَانَ وَجهك تجاه وَجهه والأذنان فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يكونَانِ من الْوَجْه كَمَا أَنه لَا يكون جانبا الْجَبَل من وَجهه وَلَا جانبا الْحَائِط من وَجهه.
وَمن اعْتبر هَذَا بآذان الْأَنْعَام وآذان السبَاع لم يخف عَلَيْهِ ان آذانها من رؤسها لَا من وجوهها وَيدل على ذَلِك قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل]
(1/164)

.. الى هَامة قد وقر الضَّرْب سَمعهَا ... وَلَيْسَت كأخرى سَمعهَا لم يوقر ... وَإِذا كَانَ السّمع لَهَا فالأذنان هما السامعتان والمسمعان. وَقَالَ آخر: [من الْبَسِيط] ... تكَاد آذانها فِي الْهَام تقصفها ... ويروى فِي المَاء. قَالَ وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَيْسَ فِي الأكسال إِلَّا الطُّهْر.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن ابْن كَعْب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الإكسال هُوَ أَن يُجَامع الرجل ثمَّ يُدْرِكهُ فتور فَلَا ينزل. يُقَال: أكسل الرجل يكسل إكسالا إِذا أَصَابَهُ ذَلِك.
وأحسب أَصله من الكسل يُقَال: كسل الرجل إِذا فتر وأكسل صَار فِي الكسل أَو دخل فِي الكسل. كَمَا يُقَال يبس الشَّيْء وأيبس إِذا صَار فِي اليبس وقحط إِذا أردْت أَنه صَار فِي الْقَحْط.
قلت: اقحط وَأَرَادَ أَن الْغسْل بإنزال الْمَنِيّ يجب لَا بملاقاة الْخِتَان وَقد ذهب هَذَا الْمَذْهَب قوم يَقُولُونَ المَاء من المَاء يُرِيدُونَ الْغسْل من الْمَنِيّ فَإِن لم ينزل فَلَا غسل عَلَيْهِ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْوضُوء
(1/165)

وَهَذَا كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام ثمَّ نسخ وَمثل هَذَا قَوْله من أَتَى فأقحط فَلَا يغْتَسل هُوَ من قَوْلهم قحط الْمَطَر إِذا انْقَطع وَقل. هذات آخر الطَّهَارَة.
(1/166)

فِي الصَّلَاة وأوقاتها وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أَبْوَابهَا وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله
أصل الصَّلَاة الدُّعَاء قَالَ الله عز وَجل {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} أَي أدع لَهُم.
وَقَالَ تَعَالَى {وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول} أَي دعاؤه فسميت الصَّلَاة بذلك لأَنهم كَانُوا يدعونَ فِيهَا ويدلك على ذَلِك الصَّلَاة على الْمَيِّت إِنَّمَا هِيَ دُعَاء لَهُ لَيْسَ فها رُكُوع وَلَا سُجُود.
فالركوع الانحناء يُقَال للشَّيْخ أذا انحنى من الْكبر قد ركع قَالَ لبيد [من الطَّوِيل] ... أَلَيْسَ ورائي إِن تراخت منيتي ... لُزُوم الْعَصَا تحنى عَلَيْهَا الْأَصَابِع
أخبر أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَت ... أدب كَأَنِّي كلما قُمْت رَاكِع ...
وَقد يجوز أَن يُسمى الرَّاكِع سَاجِدا غير أَنه لم يسْتَعْمل فِي
(1/167)

الصَّلَاة لِأَن السُّجُود أَيْضا إِنَّمَا هُوَ التطامن والميل مَعًا.
يُقَال سجد الْبَعِير وأسجد إِذا خفض رَأسه ليركب وسجدت النَّخْلَة إِذا مَالَتْ وَهَذِه نخل سواجد أَي موائل.
وَالرُّكُوع هُوَ سُجُود الْعَجم لساداتها وَإِنَّمَا قيل للواضع جَبهته بِالْأَرْضِ سَاجِدا لتطامنه وَيجوز أَن يزن سمي سَاجِدا لخشوعه وذله. وكل شَيْء خشع وذل فقد سجد وَمِنْه سُجُود الظلال إِنَّمَا هُوَ استسلامها لما سخرت وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب [مُشكل الْقُرْآن] بِأَكْثَرَ من هَذَا الْبَيَان.
والتحيات الْملك وَأَصله إِن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال أنعم صباحا وأبيت اللَّعْن وَلَا يُقَال ذَلِك لغيره قَالَ الشَّاعِر من [مجزوء الْكَامِل] ... وَلكُل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة.
(1/168)

يُرِيد إِلَّا أَنِّي لم أصر ملكا أَحْيَا بِتَحِيَّة الْمُلُوك فَيُقَال لي أَبيت اللَّعْن وأنعم صباحا ثمَّ سمي الْملك تَحِيَّة إِذْ كَانَت التَّحِيَّة لَا تكون إِلَّا للملوك قَالَ عَمْرو بن معدي كرب [من الوافر] ... أَسِيرهَا إِلَى النُّعْمَان حَتَّى ... أُنِيخ على تحيته بجند أَي على ملكه
وَقَول الْقَائِل فِي افْتِتَاح الصَّلَاة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك يُرِيد بسبحان الله التَّنْزِيه لله والتنزيه لَهُ من كل مَا ينْسبهُ إِلَيْهِ الْمُشْركُونَ بِهِ جلّ وَعز يُقَال سبح الله إِذا نزهه وبرأه من من كل عيب وَقَوله وَبِحَمْدِك مُخْتَصر كَأَنَّهُ يُرَاد وَبِحَمْدِك أفتح أَو سبح وتبارك اسْمك (تفَاعل) مَعَ الْبركَة كَمَا يُقَال تَعَالَى اسْمك من الْعُلُوّ يُرَاد أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ وأنشدني بعض أَصْحَاب أللغة بَيْتا حفظت عَجزه [من الطَّوِيل] ... إِلَى الْجذع جذع النَّخْلَة المتبارك
(1/169)

وَقَوله وَتَعَالَى جدك أَي عظمتك على كل شَيْء وَالْجد العظمة يُقَال جد فلَان فِي النَّاس أَي عظم فِي عيونهم وَجل فِي صُدُورهمْ وَمِنْه حَدِيث أنس بن مَالك: كَانَ الرجل منا إِذا قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان جد فِينَا أَي جد فِي صدورنا وَعظم فِي عيوننا.
وَقَوله فِي صَلَاة الْوتر وَإِلَيْك نسعى ونحفد يُرِيد بنحفد نبادر. وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع فِيهِ يُقَال حفد الْحَادِي وَرَاء الْإِبِل إِذا أسْرع ودارك خطوه وَمِنْه قيل للعبيد وَالْإِمَاء حفدة لأَنهم يسرعون إِذا مَشوا للْخدمَة.
وَقَالَ الله جلّ وَعز: {وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة} يُرِيد أَنهم بنُون وهم خدم وَقد ذكرت هَذَا
(1/170)

فِي مَوَاضِع أخر. وَقَوله: ويخشى عذابك الْجد بِكَسْر الْجِيم وَلَا تفتح أَي هُوَ الْحق لَا اللّعب وَلَا الْعَبَث أَي وَأَن عذابك بِالْكَفَّارَةِ مُلْحق بِكَسْر الْحَاء وَلَا تفتح هَكَذَا يرْوى هَذَا الْحَرْف يُقَال: لحقت الْقَوْم وألحقتهم بِمَعْنى وَاحِد وملحق فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى لَاحق وَمن قَالَ مُلْحق بِفَتْح الْحَاء أَرَادَ أَن الله جلّ وَعز يلْحقهُ إِيَّاه وَهُوَ معنى صَحِيح غير أَن الرِّوَايَة هِيَ الأولى وَمثل لَاحق وملحق تَابع ومتبع يُقَال تبِعت الْقَوْم وأتبعتهم.
والقنوت
أَصله الْقيام وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سُئِلَ عَن أفضل الصَّلَاة فَقَالَ: طول الْقُنُوت أَي طول الْقيام وانما قيل للدُّعَاء قنوت لانه كَانَ يدعى بِهِ وهم قيام قبل الرُّكُوع اَوْ بعده فَسُمي باسم الْقيام على مَا بيّنت من تَسْمِيَة الشئ باسم غَيره اذا كَانَ مِنْهُ بِسَبَب.
والقنوت يتَصَرَّف على وُجُوه قد ذكرتها فِي كتاب الْمُشكل وَالْوتر الْفَرد وَاحِدًا كَانَ ذَلِك أَو ثَلَاثَة أَو خَمْسَة وَمَا فَوق وَمن أوتر بِثَلَاث لَا يفصل بَينهَا بِتَسْلِيم أَو بِخمْس أَو
(1/171)

بِسبع فَهُوَ مُصِيب على طَرِيق اللُّغَة وَمن فصل بَينهمَا بِتَسْلِيم وأوتر بِوَاحِدَة فَهُوَ مُصِيب أَيْضا أَلا ترى انه قَالَ: اذا استجمرت فأوتر يُرِيد استنج بِثَلَاثَة أَحْجَار وَلم يرد استنج بِحجر وَاحِد وَقَالَ: اكتحلوا وترا لَا يُرِيد بِهِ الْميل الْوَاحِد وَيُقَال الله جلّ وَعز وتر وَهُوَ وَاحِد وَلما كَانَت الْمغرب وتر النَّهَار وَاخْتلف النَّاس فِي وتر اللَّيْل كَانَ أحسن الْأَشْيَاء أَن يشبه بهَا.
وَالْأَذَان
هُوَ اعلام النَّاس للصَّلَاة وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وأذان من الله وَرَسُوله} أَي إِعْلَام من الله وَأَصله من الاذن وَالْأُذن يُقَال آذنتك بِالْأَمر فاذنت أَي أعلمتك بِهِ فَعلمت يُرِيد أوقعته فِي أُذُنك وَقَوْلهمْ فِي الْأَذَان حَيّ على الْفَلاح أَرَادَ هَلُمَّ اليه يُقَال حَيّ الى كَذَا وَحي على كَذَا أَي أقبل اليه والفلاح الْبَقَاء فِي الْجنَّة الخلود وَلذَلِك قيل للفائزين المفلحون قَالَ عبيد [من مخلع الْبَسِيط]
(1/172)

أَفْلح بِمَا شِئْت فقد يبلغ بالضعف وَقد يخدع الأديب أَي عش بِمَا شِئْت من كيس أَو حمق.
والتثويب فِي أَذَان الْفجْر أَن تَقول بعد حَيّ على الْفَلاح
الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم وانما سمي تثويبا من قَوْلك ثاب فلَان الى كَذَا أَي عَاد اليه وثاب الى فلَان جِسْمه بعد الْعلَّة أَي رَجَعَ لِأَن الْمُؤَذّن قَالَ حَيّ على الْفَلاح فَدَعَا النَّاس الى الصَّلَاة ثمَّ قَالَ الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم فثوب أَي عَاد الى دُعَائِهِمْ بِهَذَا القَوْل يُقَال ثوب الدَّاعِي حَدثنِي أَبُو وَائِل عَن عَفَّان بن مُسلم عَن اسماعيل بن سِنَان عَن حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن طَاوُوس قَالَ أول من ثوب فِي صَلَاة الصُّبْح على عهد أبي بكر رَضِي الله عَنهُ بِلَال فَكَانَ اذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم وهما فجران فالفجر الأول هُوَ المستطيل الَّذِي يشبه بذنب
(1/173)

السرحان والسرحان الذِّئْب وانما يشبه بذنب السرحان لِأَنَّهُ مستدق صاعد فِي غير اعْتِرَاض وَهُوَ الْفجْر الْكَاذِب الَّذِي لَا يحل شَيْئا وَلَا يحرمه قَالَ الْكُمَيْت وَذكر ثورا عِنْد أَرْطَاة وكلابا [من المتقارب] ... فَلَمَّا علا سطة المضبأي ... ن من لَيْلَة الذَّنب الأشعل
وأطلع مِنْهُ اللياح الشيمط ... خدودا كَمَا سلت الأ نصل ...
يُرِيد مضبأ الثور ومضبأ الْكلاب حَيْثُ ضبأ وضبأت أَي لصقت بِالْأَرْضِ والذنب الأشعل يُرِيد آخر اللَّيْل من الْفجْر الأول واللياح الْأَبْيَض يُرِيد الصُّبْح والشميط فِيهِ لونان من ظلمَة وضوء وَمِنْه قيل شمط رَأسه اذا خالط سوَاده بَيَاض وَالْفَجْر الثَّانِي هُوَ المستطير الصَّادِق وانما سمي مُسْتَطِيرا لِأَنَّهُ مستعرض منتشر فِي الْأُفق وكل شئ انْتَشَر فقد استطار قَالَ جرير [من الوافر] ... أَرَادَ الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبِي فاستطار ... وَقَالَ حسان [من الوافر]
(1/174)

.. لهان على سراة بني لؤَي ... حريق بالبويرة مستطير ... وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا} أَي منتشرا وَيُقَال للفجر الثَّانِي الصَّادِق والمصدق لِأَنَّهُ صدق عَن الصُّبْح وَبَينه لَك قَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر الثور وَالْكلاب [من الْكَامِل] ... شعف الْكلاب الضاريات فُؤَاده ... فاذا يرى الصُّبْح الْمُصدق يفرغ ... يُرِيد أَنه يَأْمَن بِاللَّيْلِ لِأَن القناص انما يجيئون نَهَارا فاذا رأى الصُّبْح فزع وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا يهدينكم الطالع المصعد حَتَّى يعْتَرض لكم الْأَحْمَر فالطالع المصعد هُوَ الْفجْر الأول وَقَوله لَا يهدينكم هُوَ من هدت الشئ اذا حركته أَو أقلقته والأحمر هُوَ الْفجْر الثَّانِي وَفِيه يبين الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود وَذَلِكَ عِنْد ارفضاض عَمُود الصُّبْح وانتشار الضَّوْء فِي الْأُفق وَقَالَ أَبُو دؤاد الايادي [من المتقارب] ... فَلَمَّا أَضَاءَت لنا سدفة ... ولاح من الصُّبْح خيط أنارا ...
أَلا ترَاهُ يَقُول أَضَاءَت لنا سدفة وَهِي هَهُنَا الظلمَة وَيَقُول
(1/175)

.. لَاحَ من الصُّبْح خيط أنارا ... أَي بدا وَظهر.
وحَدثني خَالِد بن مُحَمَّد عَن بشر بن عَمْرو عَن مبارك عَن الْحسن أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر} هُوَ بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل وَلذَلِك جعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السّحُور فجرا لِأَنَّهُ بَين الْفجْر الأول وَالثَّانِي قبل أَن ينتشر الضَّوْء وَيكثر.
حَدثنِي خَالِد بن مُحَمَّد ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح عَن يُونُس بن سيف عَن الْحَارِث بن زِيَاد عَن أبي رهم عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ دَعَاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الى السّحُور فِي شهر رَمَضَان فَقَالَ: هَلُمَّ الى الْغَدَاء الْمُبَارك وحَدثني أَيْضا قَالَ ثَنَا روح ثَنَا أَشْعَث عَن الْحسن فِي الَّذِي يشك فِي الْفجْر قَالَ: كل حَتَّى لَا تشك وحَدثني أَيْضا قَالَ ثَنَا مُوسَى ابْن مَسْعُود قَالَ ثَنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت قَالَ بعث ابْن عَبَّاس غلامين ينْظرَانِ الْفجْر فَقَالَ أَحدهمَا قد طلع وَقَالَ الآخر لم يطلع فَقَالَ ابْن عَبَّاس: اخْتلفَا عَليّ أروني شرابي أَو قَالَ: ائْتُونِي شرابي الشَّك مني وهما شفقان فَالْأول الْأَحْمَر واذا غَابَ حلت صَلَاة عشَاء الْآخِرَة.
(1/176)

والشفق الثَّانِي هُوَ الْأَبْيَض الَّذِي يرى فِي الْمغرب وَآخر وَقت الْعشَاء الْآخِرَة عِنْد مغيبه على مَا روى عَن الْخَلِيل بن أَحْمد فانه قَالَ راعيته الى نصف اللَّيْل.
وَكَانَ طَاوُوس يُصَلِّي الْعشَاء قبل أَن يغيب الْبيَاض والزوال هُوَ انحطاط الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء الى جَانب الْمغرب وكبد السَّمَاء وَسطهَا الَّذِي تقوم فِيهِ الشَّمْس عِنْد الزَّوَال فَيُقَال عِنْد انحطاطها زَالَت ومالت وَرُوِيَ عَن عبد الْوَهَّاب عَن أبي معشر الْمدنِي عَن مُحَمَّد بن قيس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أمني جِبْرِيل مرَّتَيْنِ فصلى الظّهْر حِين مَالَتْ الشَّمْس قيد الشرَاك وَصلى الْعَصْر وظله مثله وَصلى الْمغرب حِين وَقعت الشَّمْس وَصلى الْعشَاء حِين غَابَ الشَّفق وَصلى الصُّبْح حِين طلع الْفجْر فَلَمَّا كَانَ الْغَد صلى الظّهْر وظله مثله وَصلى الْعَصْر وظله مثلاه وَصلى الْمغرب حِين وَقعت الشَّمْس وَصلى الْعشَاء حِين ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصف اللَّيْل وَصلى الْغَدَاة فأسفر بهَا وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ان الصَّلَاة فِيمَا بَينهمَا.
(1/177)

قَوْله حِين مَالَتْ الشَّمْس قيد الشّرك يُرِيد أَنَّهَا زَالَت فَصَارَ فِيمَا يسير قدر الشرَاك وَهَذَا الْوَقْت الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يتقدمه فِي صَلَاة الظّهْر وَلَيْسَ هَذَا يكون فِي كل بلد إِنَّمَا يكون فِي الْبَلَد الَّذِي ينتعل فِيهِ الظل عِنْد زَوَال الشَّمْس فَلَا يكون للشَّخْص فِيمَا أصلا وأحسب الْحجاز وَمَا يَلِيهِ كَذَلِك وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين ذكر صَلَاة الْفجْر: لَا صَلَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس وترتفع قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ ثمَّ الصَّلَاة مَقْبُولَة حَتَّى يقوم الظل قيام الرمْح وَلَا صَلَاة حَتَّى تَزُول الشَّمْس.
يُرِيد أَن الظل لَا يمِيل مِنْهُ شَيْء إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ وَلكنه يصير تَحت الشَّخْص فينتصب انتصابه وَهَذَا مثل قَول الْأَعْشَى [من الْخَفِيف] ... إِذا الظل أحرزته السَّاق ...
وَنَحْو مِنْهُ قَول الآخر [من الرجز] ... إِذا زفا الْحَادِي الْمطِي اللغبا ... وانتعل الظل فَكُن جوربا ...
(1/178)

وَقَالَ أَعْرَابِي خرجنَا حُفَاة وَالشَّمْس فِي قلَّة السَّمَاء حَيْثُ انتعل كل شَيْء ظله وَمَا زادنا إِلَّا التَّوَكُّل وَمَا مطايانا إِلَّا الأرجل حَتَّى لحقنا الْقَوْم فَأَما الْبَلَد الَّذِي تَزُول فِيهِ الشَّمْس وللشمس ظلّ فَإِنَّهُ يعرف قدر الظل الَّذِي زَالَت عَلَيْهِ فَإِذا زَاد عَلَيْهِ مثل طول الشَّخْص فَذَلِك آخر وَقت الظّهْر وَأول وَقت الْعَصْر وَإِذا زَاد عَلَيْهِ مثلا طول الشَّخْص فَذَلِك آخر وَقت الْعَصْر.
وحَدثني أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عَمْرو ابْن عون عَن خَالِد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود عَن عبد الله بن فضَالة عَن أَبِيه فضَالة الزهْرَانِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: حَافظ على العصرين قَالَ وَمَا كَانَت من لغتنا قلت وَمَا العصران قَالَ: صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة قبل غُرُوبهَا يُرِيد بالعصرين صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر وَقد أَمر الله عز وَجل بالمحافظة على الصَّلَوَات ثمَّ خص صَلَاة الْعَصْر فَقَالَ: {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} وَهِي صَلَاة الْعَصْر وَإِنَّمَا سميت وسطى لِأَنَّهَا بَين صَلَاتَيْنِ فِي اللَّيْل وصلاتين فِي النَّهَار وسمت باسم الْوَقْت كَمَا سميت الظّهْر باسم الْوَقْت والعصران الْغَدَاة والعشي وَكَذَلِكَ البردان قَالَ
(1/179)

الْحَارِث بن حلزة [من الْخَفِيف] ... آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وَقد دنا الإمساء ...
وَهَذَا مثل حَدِيثه الآخر: إِن اسْتَطَعْتُم أَن لَا تغلبُوا على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا فافعلوا وتلا: {وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب} .
والسبحة الصَّلَاة وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على تَأْخِير الْعَصْر وَفِي تَسْمِيَتهَا بِالْوَقْتِ دَلِيل على ذَلِك لِأَن الهاجرة عِنْدهم من الزَّوَال إِلَى الْإِبْرَاد قَلِيلا ثمَّ مَا بعد ذَلِك الْأَصِيل ثمَّ مَا بعد ذَلِك الْعَصْر وَالْقصر تطفيل الشَّمْس وَكَانَ ابْن عمر يَقُول: عجلوا بهَا يَعْنِي الْعَصْر قبل أَن تطفل الشَّمْس ثمَّ الجنوح حِين تجنح الشَّمْس للمغيب وَفِي الحَدِيث أَيْضا مَا دلّ على الْإِسْفَار بِصَلَاة الصُّبْح إِذْ سَمَّاهَا عصرا باسم الْوَقْت لِأَن جوز اللَّيْل وَسطه وجهمة اللَّيْل أول مآخيره والسدفة مَعَ الْفجْر والسحرة السحر الْأَعْلَى والتنوير الْإِسْفَار وَهُوَ أحد العصرين وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُصَلِّي الْعَصْر مِقْدَار مَا إِذا انْصَرف صلى رجل المكتوبه ثمَّ تغير الشَّمْس فروى الْعَلَاء بن عبد الكريم أَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ أَلا أريكم وقتا
(1/180)

لصَلَاة الْعَصْر قُلْنَا بلَى قَالَ هَذِه السَّاعَة فَقُمْت فقست الظل فَوَجَدته ثَمَانِي عشرَة قدما وَأما قَول أبي قلَابَة وَسَعِيد بن جُبَير أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّمَا سميت الْعَصْر لتعصر فَإِنَّهُمَا أخذا هَذَا الْمَعْنى من لفظ اسْمهَا وَإِنَّمَا سميت عصرا باسم الْوَقْت كَمَا أَخْبَرتك وَهُوَ مثل قَوْلهم إِنَّمَا سميي هوى لِأَنَّهُ يهوى بِصَاحِبِهِ فِي النَّار وَسمي درهما لِأَنَّهُ دَار الْهم وَالْعصر أَيْضا الدَّهْر وَيُقَال الْعَصْر وَالْعصر وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] ... أَلا انْعمْ صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل ينعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي ...
وَأما قَول الْفُقَهَاء فِي آدَاب الصَّلَاة: لَا تفترش ذراعيك وادعم على راحتيك وآبد ضبعيك فَإِن افتراش الذراعين أَن تضعهما بِالْأَرْضِ وَلَا تَتَجَافَى بهما والادعام على الراحتين الِاعْتِمَاد عَلَيْهِمَا مَأْخُوذ من الدعامة يُقَال هَذَا عماد الشَّيْء ودعامته لما قَامَ بِهِ الشَّيْء والضبعان العضدان وإبدادهما هُوَ تفريجهما يُقَال أَبَد فلَان يَده إِذا مدها
(1/181)

وَقد ذكرت هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح.
والإقعاء
الَّذِي نهي عَنهُ فِي الصَّلَاة وَهُوَ أَن يقْعد الرجل بِالْأَرْضِ على أليتيه وَينصب فَخذيهِ كَمَا تفعل السبَاع وَالْكلاب وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر فِي الْكَلْب [من الرجز] ... يقصر يمشي وَيطول باركا ...
يُرِيد أَنه إِذا مَشى كَانَ أقصر مِنْهُ إِذا أقعى واشتمال الصماء عِنْد الْعَرَب هُوَ أَن يتجلل الرجل بِإِزَارِهِ وَلَا يرفع فِيهِ جانبا وَإِنَّمَا قيل لذَلِك الصماء لِأَنَّهُ إِذا اشتملها شدّ على بدنه وَيَديه المنافذ كلهَا فَكَأَنَّهَا لَا تصل إِلَى شَيْء وَلَا يصل إِلَيْهَا شَيْء كالصخرة الصماء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا صدع وَلَا خرق.
والسدل
هُوَ أَن يسدل الرجل إزَاره من جابنيه وَلَا يضم طَرفَيْهِ بيدَيْهِ
(1/182)

سمي ذَلِك سدلا كَمَا قيل لإرخاء السّتْر سدل فَإِن ضم طَرفَيْهِ بيدَيْهِ لم يَك سادلا لِأَنَّهُ قد ضم إِلَيْهِ نشره.
والاضطباع
الَّذِي يُؤمر بِهِ الطَّائِف بِالْبَيْتِ هُوَ أَن تدخل الرِّدَاء من تَحت إبطك الْأَيْمن وَترد طرفه على يسارك وتبدي منكبك الْأَيْمن وتغطي الْأَيْسَر وَإِنَّمَا سمي اضطباعا لإبدائك فِيهِ ضبعيك وهما عضداك.
والتدبيح
الَّذِي نهي عَنهُ فِي الرُّكُوع هُوَ أَن يخْفض الرجل رَأسه حَتَّى يكون أَشد انخفاضا من أليتيه قَالَ الشَّاعِر من الْبَسِيط ... وَلَا يدبح مِنْهُم مُحدث أبدا ... إِلَّا رَأَيْت على بَاب استه القمرا ... يُرِيد أَنهم برص الأستاه
(1/183)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي الزَّكَاة وَالصَّدقَات وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أَبْوَابهَا
الزَّكَاة
من الزكاء وَهُوَ النَّمَاء وَالزِّيَادَة سميت بذلك لِأَنَّهَا تثمر المَال وتنميه يُقَال زكا الزَّرْع إِذا كثر ريعه وزكت النَّفَقَة إِذا بورك فِيهَا وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {أقتلت نفسا زكية} بِالْألف أَي نامية.
وَمِنْه تَزْكِيَة القَاضِي للشُّهُود لِأَنَّهُ يرفعهم بالتعديل وَالذكر الْجَمِيل ثمَّ يُقَال فِيهِ فلَان زكي وَفُلَان أزكى من فلَان وأطهر ثمَّ قيل لزكاة الْفطر فطْرَة والفطرة الْخلقَة وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا} أَي جبلته الَّتِي جبل النَّاس عَلَيْهَا يُرَاد أَنَّهَا صَدَقَة عَن الْبدن وَالنَّفس كَمَا كَانَت الزَّكَاة الأولى صَدَقَة عَن المَال.
(1/184)

والقطنية
الَّتِي أَخذ مِنْهَا عمر الزَّكَاة هِيَ الْحُبُوب وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا فَكَانَ قوم من الْفُقَهَاء يرَوْنَ أَلا زَكَاة على الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك وَرَأى بَعضهم أَن السلت من ذَلِك وَإِنَّمَا ألْحقُوا السلت بِهَذِهِ الْأَصْنَاف لِأَنَّهُ ضرب من الشّعير صغَار الْحبّ لَيْسَ لَهُ قشر.
وَسُئِلَ سعد بن أبي وَقاص عَن السلت بالبيضاء فكرهه والبيضاء الْحِنْطَة وَهِي السمراء أَيْضا وَإِنَّمَا كره بيع السلت بِالْحِنْطَةِ لِأَنَّهُمَا عِنْده جنس وَاحِد وَكَذَلِكَ الذّرة يلْحقهَا قوم بِهَذِهِ الْأَصْنَاف لِأَنَّهَا قوت للسودان كالحنطة لغَيرهم.
وَرَأى قوم على القطنية وَهِي الْحُبُوب مثل العدس والحمص والأرز والجلبان وَهُوَ الخلر والفول وَهُوَ الباقلاء وَهُوَ
(1/185)

الجرجر أَيْضا وَأَحْسبهُ معربا والترمس وَهُوَ الجرجر الرُّومِي والدخن وَهن الجاورس واللوبياء والذرة وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا يبْقى فِي أَيدي النَّاس لِلزَّكَاةِ لِأَنَّهَا حب.
وَأخْبرنَا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه أَن الَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ إِيجَاب الزَّكَاة على الْحُبُوب لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث رَوَاهُ: لَيْسَ فِي أقل من خَمْسَة أوساق من تمر وَلَا حب صَدَقَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَا زَكَاة فِي الْفَاكِهَة كلهَا رطبها ويابسها وَلَا فِي الْبُقُول وَلَا فِي قصب السكر وَلَا فِي الْجَوْز واللوز
(1/186)

والجلوز وَحب الْكَتَّان وَلَا الزَّيْتُون وَلَا الجلجلان وَلَا حب الفجل وَلَا زيوتها وَلَا فِي أثمانها حَتَّى يحول عَلَيْهَا الْحول. والجلجلان السمسم وحَدثني عبد الرحمن بن عبد الله عَن عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ سَمِعت نَافِعًا ينشد [من مجزوء الرمل] ... ضحك النَّاس وَقَالُوا ... شعر وضاح الْيَمَانِيّ
إِنَّمَا شعري قند ... قد خلط بجلجلان ...
أَي بسمسم وَإِنَّمَا سكن خلط لِاجْتِمَاع الحركات كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من السَّرِيع] ... فاليوم أشْرب غير مستحقب ... إِثْمًا من الله وَلَا واغل ...
قَالَ أَبُو زيد يُقَال أصبت جلجلان قلبه أَي حَبَّة قلبه وَقوم يذهبون إِلَى أَن على جَمِيع مَا أخرجت الأَرْض من رطب ويابس الزَّكَاة وَالْوَرق وَالْفِضَّة وَإِذا ضربت دَرَاهِم فَهِيَ ورق ويدلك على أَن الْفضة ورق إِن عرْفجَة بن أسعد أُصِيب أَنفه يَوْم
(1/187)

الْكلاب فَاتخذ أنفًا من ورق فانتن عَلَيْهِ فَأمره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يتَّخذ أنفًا من ذهب والرقة أَيْضا الْفضة وَالْعرب تَقول: إِن الرقين يُغطي أفن الأفين والرقين جمع رقة مثل عزين وعضين يُرَاد أَن المَال يُغطي على الْعُيُوب.
والكسعة الَّتِي لَا صَدَقَة فِيهَا هِيَ العوامل من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْحمير وَقيل لَهَا كسعة لِأَنَّهَا تكسع أَي تضرب مآخيرها إِذا سيقت وَفِي الحَدِيث: إِن رجلا من الْمُهَاجِرين كسع رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ الْأنْصَارِيّ يَا للْأَنْصَار وَقَالَ الْمُهَاجِرِي يَا للمهاجرين فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة.
والكسع أَيْضا: أَن يضْرب الضَّرع بِالْيَدِ بعد أَن ينضح بِمَاء بَارِد ليصعد اللَّبن قَالَ أَبُو جَعْفَر وَلَيْسَ من الْكتاب أَنْشدني
(1/188)

أبي رَحمَه الله قَول الْحَارِث بن حلزة [من السَّرِيع] ... لَا تكسع الشول بأغبارها ... إِنَّك لَا تَدْرِي من الناتج
واصبب لأضيافك من رسلها ... فَإِن شَرّ اللَّبن الوالج ...
الكسع أَن يضْرب لضرع بِالْيَدِ بعد أَن ينضح بِمَاء بَارِد ليصعد اللَّبن فِي الظّهْر فَيكون طرقا لَهَا فِي الْعلم الْمقبل وأغبارها جمع الغبر وَهُوَ بَقِيَّة اللَّبن فِي الضَّرع يَقُول لَا تفعل ذَلِك فَإنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّه يغار عَلَيْك فَيذْهب بهَا فَيكون النِّتَاج لغيرك وَشر اللَّبن الوالج يَقُول شَره مَا حقن فِي الضَّرع.
وَفِي الحَدِيث أَيْضا: لَا صَدَقَة فِي الْإِبِل الجارة وَلَا القتوبة والجارة الَّتِي تجر بأزمها وتقاد وَهِي فاعلة فِي معنى مفعولة كَمَا يُقَال سر كاتم وليلأ نَائِم وَأَرْض غامرة إِذا غمرها المَاء وَكتب عمر بن عبد العزيز: إِنَّه لَيْسَ فِي الْإِبِل العوامل وَلَا إبل القطار صَدَقَة.
(1/189)

والقتوبة
الَّتِي تُوضَع الأقتاب على ظُهُورهَا فعولة فِي معنى مفعولة كَمَا يُقَال: ركوبة الْقَوْم وحلبتهم لما يركبون ويحلبون وَأَرَادَ بِهِ لَيْسَ فِي الْإِبِل العوامل صَدَقَة إِنَّمَا الصَّدَقَة على السوائم وَهِي الَّتِي تسوم أَي ترعى وَتذهب فِي المراعي.
والركاز
الْمَعَادِن قَول أهل الْعرَاق وَقَالَ أهل الْحجاز هِيَ كنوز أهل الْجَاهِلِيَّة واللغة تدل على أَن القَوْل قَول أهل الْعرَاق لِأَن الرِّكَاز مَا ركز فِي الأَرْض وَأثبت أَصله والمعدن شَيْء مركوز الأَصْل لَا تَنْقَطِع مادته والكنز مَتى استخرج ذهب لِأَنَّهُ لَا أصل لَهُ وَلَا مَادَّة.
وَمن جعل الْكَنْز ركازا لِأَنَّهُ ركز فِي الأَرْض أَي جعل فِيهَا كَمَا يركز الرمْح فِي الأَرْض وَغَيره فقد ذهب مذهبا تحتمله
(1/190)

اللُّغَة على ضعف فِيهِ وَفرق مَا بَين الْفَقِير والمسكين إِن الْمِسْكِين هُوَ الَّذِي لَا شَيْء لَهُ وَالْفَقِير هُوَ الَّذِي لَهُ الْبلْغَة من الْعَيْش قَالَ الرَّاعِي [من الْبَسِيط] ... أما الْفَقِير الَّذِي كَانَت حلوبته ... وفْق الْعِيَال فَلم يتْرك لَهُ سبد ...
فَجعل للْفَقِير حلوبة وَجعلهَا وفقا لِعِيَالِهِ أَي قدر قوتهم وَلذَلِك فصل الله تَعَالَى بَين الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فِي آيَة الصَّدقَات وَلم يجمعهما باسم وَاحِد وَجعل لكل صنف مِنْهُمَا سَهْما فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} وَقَالَ يُونُس قلت لأعرابي أفقير أَنْت أم مِسْكين فَقَالَ لَا بل مِسْكين.
وَفِي الحَدِيث: لَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ
(1/191)

أواللقمة وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِين الْمُتَعَفِّف اقرؤ أَن شِئْتُم: {لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا} أَرَادَ بالمسكين هَا هُنَا السَّائِل الطّواف لِأَنَّهُ بمسئلته تَأتيه الْكِفَايَة وتأتيه الزِّيَادَة عَلَيْهَا فيزول عَنهُ اسْم المسكنة والغارمون الَّذين عَلَيْهِم الدّين وَلَا يَجدونَ الْقَضَاء لِأَن الْغرم فِي اللُّغَة الخسران وَمِنْه قيل فِي الرَّهْن لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه أَي ربحه لَهُ وخسرانه أَو هَلَاكه عَلَيْهِ فَكَأَن الْغَارِم خسر مَاله وَلَا يُقَال لمن وجد الْقَضَاء غَارِم وَإِن كَانَ مُثقلًا بِالدّينِ.
(1/192)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد
فِي الْبيُوع وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أَبْوَابهَا
بيع الْمُزَابَنَة الْمنْهِي عَنهُ
هُوَ بيع للثمر فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ كَيْلا وَبيع الْعِنَب على الْكَرم بالزبيب كَيْلا وَأخْبرنَا شيخ من أَصْحَاب اللُّغَة أَنه سمي مزابنة لِأَن الْمُتَبَايعين إِذا وَقفا فِيهِ على الْغبن أَرَادَ المغبون أَن يفْسخ البيع وَأَرَادَ الغابن أَن يمضيه فتزابنا أَي تدافعا واختصما.
والزبن الدّفع يُقَال زبنته النَّاقة إِذا دَفعته برجلها فَسُمي هَذَا الضَّرْب من البيع مزابنة لِأَن الْمُزَابَنَة وَهُوَ التدافع والقتال يَقع فِيهِ كثيرا وَمِمَّا يشْهد لهَذَا ان مَالِكًا كَانَ يَجْعَل كل بيع وَقع فِيهِ غرر ومخاطرة مزابنة.
حَدثنِي مُحَمَّد عَن العصبي عَن مَالك أَنه قَالَ الْمُزَابَنَة كل شَيْء من الجراف الَّذِي لَا يعلم كَيْله وَلَا وَزنه وَلَا عدده أبيع بِشَيْء
(1/193)

مُسَمّى من الْكَيْل وَالْوَزْن وَالْعدَد وشبيه بِهَذَا قَوْلهم لما يدْفع بَين السَّلامَة وَالْعَيْب فِي السّلْعَة أرش لِأَن الْمُبْتَاع للثوب على أَنه صَحِيح إِذا وقف فِيهِ على خرق أَو عيب وَقع بذلك بَينه وَبَين البَائِع أرش أَي خُصُومَة وَاخْتِلَاف من قَوْلك أرشت بَين الرجلَيْن إِذا أغريت أَحدهمَا بِالْآخرِ وأوقعت بَينهمَا الشَّرّ فَسُمي مَا نقص الْعَيْب الثَّوْب أرشا إِذا كَانَ سَببا للأرش.
والمحاقلة
الَّتِي نهي عَنْهَا فِيهَا أقاويل ثَلَاثَة يُقَال هِيَ بيع الزَّرْع بِالْحِنْطَةِ وَيُقَال هِيَ اكتراء الأَرْض بِالْحِنْطَةِ وَيُقَال هِيَ الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع وَأَقل من ذَلِك وَأكْثر وَهَذَا الْوَجْه أشبه بهَا على طَرِيق اللُّغَة لِأَن المحاقلة مأخودة من الحقل والحقل القراح والمفاعلة تكون من اثْنَيْنِ فِي أَمر وَاحِد كالمزارعة هِيَ من اثْنَيْنِ مَأْخُوذَة من الزَّرْع والمشاتمة وَالْمُضَاربَة وَيُقَال للأقرحة المحاقل كَمَا يُقَال لَهَا الْمزَارِع وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بمحاقلكم
(1/194)

قَالُوا نواجرها على الرّبيع وعَلى الأوسق من التَّمْر وَالشعِير قَالَ فَلَا تَفعلُوا فَكَمَا قيل للمزارع محاقل وَكَذَلِكَ المحاقلة الْمُزَارعَة يُقَال للرجل أحقل أَي إزرع.
والمخاضرة
الَّتِي نهي عَنْهَا بيع الثِّمَار وَهِي خضر لم يبد صَلَاحهَا يُسَمِّي ذَلِك مخاضرة لِأَن الْمُتَبَايعين تبَايعا شَيْئا أَخْضَر فَهِيَ من اثْنَيْنِ مَأْخُوذَة من الخضرة.
والمعاومة
بيع النّخل أَو الشّجر سنتَيْن أَو ثَلَاثًا فَمَا فَوق ذَلِك.
قَالَ جَابر بن عبد الله نهيت ابْن الزبير عَن بيع النّخل معاومة وَقَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال للنخلة إِذا حملت سنة وَلم تحمل سنة قد عاومت وسانهت وَيُقَال عاملت فلَانا معاومة ومسانهة ومساناة ومياومة وملايلة ومساوعة ومحاينة ومشاتاة ومصايفة ومرابعة ومخارفة ومداهرة ومزامنة.
(1/195)

وَالْمُخَابَرَة
هِيَ الَّتِي نهي عَنْهَا أَيْضا الْمُزَارعَة عل الثُّلُث وَالرّبع وَأَقل من ذَلِك وَأكْثر يُقَال خابرت بِالْأَرْضِ وَكَانَ ابْن الْأَعرَابِي يَقُول أصل المخابرة من خَيْبَر لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أقرها فِي أَيدي أَهلهَا على النّصْف فَقيل خابروهم أَي عاملوهم فِي خَيْبَر قَالَ ثمَّ تنازعوا فنهي عَن ذَلِك ثمَّ جَازَت بعد.
وَقيل للأكار من هَذَا خَبِير قَالَ والخبرة أَيْضا النَّصِيب وَأنْشد لعروة بن الْورْد [من الطَّوِيل] ... إِذا مَا جعلت الشَّاة للْقَوْم خبْرَة ... فشأنك إِنِّي ذَاهِب لشؤوني ...
قَالَ والخبرة أَن يَشْتَرِي الشَّاة جمَاعَة فيقسمونها.
والثنياء
الَّتِي نهي عَنْهَا هِيَ أَن يَبِيع الرجل شَيْئا جزَافا فَلَا يجوز لَهُ أَن يَسْتَثْنِي مِنْهُ شَيْئا قل أَو كثر لِأَنَّهُ لَا يدْرِي لَعَلَّ مَا اسْتَثْنَاهُ يَأْتِي على
(1/196)

جَمِيعه إِن كَانَ مِمَّن لَا يُؤمن هَذَا فِيهِ وَلَا يدْرِي كم يبْقى مِنْهُ هَذَا قَول الشَّافِعِي فِي الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ مَالك من بَاعَ ثمارا وَاسْتثنى مِنْهَا مكيله فَلَا بَأْس بذلك إِذا كَانَت للكيلة ثلث الشَّيْء فَمَا دون وَتَكون الثنيا فِي الْمُزَارعَة أَن يَسْتَثْنِي بعد النّصْف أَو الثُّلُث كَيْلا مَعْلُوما.
وَبيع العربان
الَّذِي نهي عَنهُ هُوَ أَن يَشْتَرِي الرجل السّلْعَة فَيدْفَع شَيْئا درهما أَو دِينَارا على إِنَّه إِن أَخذ السّلْعَة كَانَ ذَلِك الشَّيْء الَّذِي دَفعه من الثّمن وَإِن لم يدْفع الثّمن كَانَ ذَلِك الشَّيْء لصَاحِبهَا لَا يرتجعه مِنْهُ. وَيُقَال عربان وعربون وأربان وأربون والعوام تَقول ربون.
وَبيع المواصفة
هُوَ أَن يَبِيع الرجل سلْعَة لَيست عِنْده ثمَّ يبتاعها بعد فيدفعها إِلَى المُشْتَرِي وَإِنَّمَا قيل لَهَا مواصفة لِأَنَّهُ بَاعَ بِالصّفةِ من غير نظر وَلَا حِيَازَة ملك.
(1/197)

وَكَانَ عبد الله بن عمر يَقُول للْبَائِع: لَا تبع بِمَا لَيْسَ عنْدك وَيَقُول للْمُشْتَرِي: لَا تبع مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْده.
وَمن الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا
بيع مالم يقبض وَيكون ذَلِك فِي وُجُوه مِنْهَا أَن يسلف الرجل فِي طَعَام ثمَّ يَبِيعهُ من غير المستسلف عِنْد مَحل الْأَجَل قبل أَن يقبضهُ فَإِن بَاعه بِأَكْثَرَ من الثّمن فَهُوَ ربح مَا لم يضمن فَإِن بَاعه من المستسلف عِنْد مَحل الْأَجَل من غير أَن يقبضهُ فَذَلِك الدّين بِالدّينِ والكالئ بالكالئ.
وَمن ذَلِك البيع بالسلف وَهُوَ أَن يَقُول الرجل أبيعك هَذِه السّلْعَة بِكَذَا وَكَذَا على أَن تسلفني كَذَا وَكَذَا درهما وَكره هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يكون بَاعه السّلْعَة بِأَقَلّ من ثمنهَا من أجل الْقَرْض وَمن ذَلِك شَرْطَانِ فِي بيع السّلْعَة وَهُوَ أَن يَشْتَرِي الرجل السّلْعَة إِلَى شهر بدينارين وَإِلَى ثَلَاثَة دَنَانِير وَهُوَ بِمَعْنى بيعين فِي بيع وَمن ذَلِك تلقي الركْبَان وَذَلِكَ أَن أهل الْمصر كَانُوا إِذا بَلغهُمْ وُرُود الْأَعْرَاب بالسلع تلقوهم قبل أَن يدخلُوا الْمصر فاشتروا مِنْهُم وَلَا
(1/198)

علم للأعراب بِسعْر الْمصر فيغبونهم ثمَّ أدخلوه الْمصر فباعوه وأغلوه.
وَمِنْه بيع الْحَاضِر للبادي
وَكَانَ الْأَعْرَاب إِذا قدمُوا بالسلع لم يقيموا على بيعهَا فتسهلوا فِيهِ وَكَانَ نَاس من أهل الْمصر يَتَوَكَّلُونَ لَهُم بِبَيْعِهَا وينطلق الْأَعْرَاب إِلَى باديتهم فنهوا عَن ذَلِك ليصيب النَّاس مِنْهُم.
والنجش فِي الْمُبَايعَة
هُوَ أَن يزِيد الرجل فِي ثمن السّلْعَة وَهُوَ لَا يُرِيد شراءها ليزِيد غَيره بِزِيَادَتِهِ وأصل النجش الختل وَمِنْه قيل للصائد ناجش لِأَنَّهُ يخْتل الصَّيْد ويحتال لَهُ وكل من اسْتَشَارَ شَيْئا فقد نجش.
والشرك ثَلَاث
شركَة الْمُضَاربَة وَشركَة الْعَنَان وَشركَة الْمُفَاوضَة فَأَما شركَة الْمُضَاربَة فَهُوَ أَن يدْفع رجل إِلَى رجل مَالا يتجر بِهِ وَيكون الرِّبْح مِنْهُمَا على مَا يتفقان عَلَيْهِ وَتَكون الوضيعة على رَأس المَال.
(1/199)

وأصل الْمُضَاربَة الضَّرْب فِي الأَرْض وَذَلِكَ أَن الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يدْفع إِلَى الرجل مَاله على أَن يخرج بِهِ إِلَى الشَّام وَغَيرهَا فيبتاع الْمَتَاع على هَذَا الشَّرْط.
وَأما شركَة الْعَنَان
فَإِنَّهُ مَأْخُوذ من قَوْلك عَن لَك الشَّيْء يعن إِذا عرض لَك يُقَال شَارك فلَان شركَة عنان وهوأن يشتركا فِي شَيْء خَاص كَأَنَّهُ عَن لَهما أَي عرض فاشتركا فِيهِ.
وَأما الْمُفَاوضَة فِي الشّركَة
فَهُوَ أَن يشتركا فِي جَمِيع مَا يستفيدان فَلَا يُصِيب وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا إِلَّا كَانَ فِيهِ للْآخر شركَة وَسميت مُفَاوَضَة لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يعملان ويشرعان فِي الْأَخْذ والإعطاء ويستويان فِي الرِّبْح وَمِنْه يُقَال تفاوض الرّجلَانِ فِي الحَدِيث إِذا شرعا فِيهِ جَمِيعًا.
وَكتب إِلَيّ الرّبيع بن سُلَيْمَان يُخْبِرنِي عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ شركَة الْمُفَاوضَة بَاطِل وَلَا تقع الشّركَة عِنْده على أَمر مَجْهُول
(1/200)

وَلَا تجوز بالعروض وَلَا بِالدّينِ وَذَلِكَ أَن يَقُول الرجل للرجل مَا اشْتريت من شَيْء فَهُوَ فِيمَا بيني وَبَيْنك وَكَذَلِكَ مَا اشْتريت فَلَا تقع بِهَذَا شركَة وَمن اشْترى شَيْئا فَهُوَ لَهُ قَالَ وَلَا تجوز الشّركَة إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالدَّنَانِيرِ وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا دَنَانِير وَللْآخر دَرَاهِم لم يجز وَلَا تجوز أَيْضا حَتَّى يخلطا.
وَقَالَ لنا إِسْحَق: الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امْرِئ مَا نوى وَلم نسْمع أحدا حكى عَن من يلْزمنَا قبُول قَوْله أَنه لَا يجوز حَتَّى يخلطا وَهُوَ أَمر مُحدث.
وَأما أَصْحَاب الرَّأْي أَو أَكْثَرهم فيرون شركَة الْمُفَاوضَة جَائِزَة فِي كل شَيْء حَتَّى فِي الْهَدِيَّة تهدى لأَحَدهمَا وَفِي كل شَيْء خلا الْمِيرَاث.
وَأما بيع الْخِيَار
فَإِن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت تَدعُوهُ صَفْقَة الْخِيَار.
وحَدثني مُحَمَّد بن عبيد عَن عبد الصمد بن عبد الوارث عَن همام عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة بن أوفى عَن عمر أَنه قَالَ: البيع عَن ترَاض صَفْقَة الْخِيَار وَمَعْنَاهُ أَن البيع يجب أَن يفْتَرق الْمُتَبَايعَانِ راضيتين فَإِن وَقع البيع ثمَّ بدا لأَحَدهمَا فِيمَا أَخذ أَو أعْطى قبل الْفِرَاق فسخ.
(1/201)

وَأما قَول الْعَرَب صَفْقَة الْخِيَار فَإِنَّهَا كَانَت إِذا تبايعت وَرَضي كل وَاحِد قَالَ أَحدهمَا للْآخر اختر الْآن إِمْضَاء البيع أَو فَسخه فَإِن اخْتَار أَمْضَاهُ على مَا وَقع بَينهمَا وَجب البيع وَإِن لم يَتَفَرَّقَا وَإِن اخْتَار الْفَسْخ فسخ فَهَذِهِ صَفْقَة الْخِيَار وَهُوَ معنى حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: التغابن بِالْخِيَارِ مَا لم يفترقا إِلَّا بيع الْخِيَار يَقُول إِذا فعلا هَذَا وَجب البيع وَإِن لم يفترقا.
الشُّفْعَة
وَأما الشُّفْعَة فَإِن الرجل كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ بيع منزل أَو حَائِط أَتَاهُ الْجَار وَالشَّرِيك والصاحب فشفع إِلَيْهِ فِيمَا بَاعَ فشفعه وَجعله بِهِ أولى مِمَّن بعد سَببه فسميت شُفْعَة وَسمي طالبها شَفِيعًا وَجعلهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَقًا لقوم من ذَوي الْموَات والأسباب دون قوم.
(1/202)

النِّكَاح وَالطَّلَاق وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أَبْوَابهَا
(1/203)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أَبْوَابهَا
اخْتلف النَّاس فِي الإقراء فَقَالَ قوم هِيَ الْحيض لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَرْأَة تقعد أَيَّام أقرائها يُرِيد أَيَّام الْحيض وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا الإطهار وَاحْتَجُّوا بقول الْأَعْشَى [من الطَّوِيل] ... وَفِي كل عَام أَنْت جاشم غَزْوَة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مَالا وَفِي الأَصْل رفْعَة ... لما ضَاعَ فِيهَا من قُرُوء نسائكا ...
يُرِيد أَنَّك غزوت فأضعت أطهارهن إِذا لم تغشهن فِيهَا وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا مصيبان على طَرِيق اللُّغَة لِأَن الْقُرْء هُوَ الْوَقْت وكل شَيْء أَتَاك لوقت مَعْلُوم فقد أَتَاك لقرءه وقارئه وَالْحيض يَأْتِي لوقت فَهُوَ قرء وَالطُّهْر يَأْتِي لوقت فَهُوَ قرء قَالَ الْهُذلِيّ مَالك بن الْحَارِث [من الوافر]
(1/205)

.. كرهت الْعقر عقر بني شليل ... إِذا هبت لِقَارِئِهَا الرِّيَاح ...
أَي إِذا هبت الرِّيَاح لوَقْتهَا وَذَلِكَ فِي الشتَاء وَقَالَ الآخر [من الرجز] ... يَا رب ذِي ضغن عَليّ فارض ... لَهُ قُرُوء كقروء الْحَائِض ...
يُرِيد أَن عداوته لأوقات كَمَا يَأْتِي الْحيض لأوقات والعقر الَّذِي تعطاه الْمَرْأَة على وَطْء الشُّبْهَة هُوَ مَأْخُوذ من عقرت لِأَن الْوَاطِئ للبكر يعقرها إِذا افتضها فَسُمي مَا أَعْطيته بالعقر عقرا ثمَّ صَار هَذَا للثيب وَمن وَطْء فِي غير الْفرج أَيْضا.
الشّغَار
وللشغار الْمنْهِي عَنهُ أَن يُزَوّج الرجل امْرَأَة هُوَ
(1/206)

وَليهَا رجلا على أَن يُزَوجهُ الآخر ويعقد بَينهمَا النِّكَاح على ذَلِك من غير مهر وَكَانَ الرجل يَقُول للرجل فِي الْجَاهِلِيَّة شاغرني أَي زَوجنِي أختك على أَن أزَوجك ابْنَتي وَقيل لذَلِك شغار لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يشغر إِذا نكح وأصل الشغر للكلب وَهُوَ أَن يرفع إِحْدَى رجلَيْهِ ويبول فكني بذلك عَن النِّكَاح إِذا كَانَ على هَذَا الْوَجْه وَجعل لَهُ علما كَمَا قيل للزِّنَا سفاح لِأَن الزَّانِيَيْنِ يتسافحان يسفح هَذَا المَاء أَي يصبهُ ويسفح هَذَا أما النُّطْفَة وَأما المَاء الَّذِي يغتسلان بِهِ فكني بذلك عَن الزِّنَا وَجعل لَهُ علما.
وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة يلقى الْمَرْأَة فَيَقُول لَهَا سافحيني فَيكون ذَلِك عِنْده أحسن من أَن يَقُول: زانيني.
الْعسيلَة
أما الْعسيلَة الَّتِي تذوقها الْمَرْأَة فِي النِّكَاح من الزَّوْج وَتحل بهَا للمطلق ثَلَاثًا فَإِنَّهَا تَصْغِير الْعَسَل وَإِنَّمَا صغر بِالْهَاءِ لِأَن الْعَسَل يؤنث وَيذكر والأغلب عَلَيْهِ التَّأْنِيث قَالَ الشماخ
[من الطَّوِيل] ... كَأَن عُيُون الناظرين تشوقها ... بهَا عسل طابت يدا من يشورها ...
وَكَذَلِكَ الضَّرْب وَهُوَ الْعَسَل الغليظ يذكر وَيُؤَنث
(1/207)

قَالَ الْهُذلِيّ أَبُو ذُؤَيْب
[من الطَّوِيل] ... فماضرب بَيْضَاء يأوي مليكها ... إِلَى طنف أعيا براق ونازل ...
وَلَو صغرت على مَذْهَب التَّأْنِيث لَقلت ضريبة كَمَا قلت عسيلة وَبَعض النَّاس يتَوَهَّم أَن عسيلة النِّكَاح الَّتِي تحل بهَا الْمَرْأَة للمطلق ثَلَاثًا هِيَ النُّطْفَة وَأرَاهُ توهم ذَلِك للهاء الَّتِي لحقته وَلَيْسَ ذَلِك كَمَا توهم وَإِنَّمَا الْعسيلَة كِنَايَة عَن حلاوة الْجِمَاع فَكل من جَامع حَتَّى يجوز الْخِتَان الْخِتَان فقد ذاق وأذاق الْعسيلَة وحلت بذلك الْمَرْأَة للزَّوْج الأول أنزل أَو لم ينزل.
وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح يذهبان إِلَى أَن الْمهْر إِنَّمَا يجب بذلك لَا بإغلاق الْبَاب وإرخاء السّتْر كَمَا يَقُول كثير من النَّاس وَقَالَت بنت الحمارس أنْشدهُ الْأَصْمَعِي [من الرجز] ... هَل هِيَ إِلَّا حظوة أَو تطليق ... أَو صلف مَا بَين ذَاك تَعْلِيق ...
(1/208)

.. قد وَجب الْمهْر إِذا غَابَ الحوق ... والحوق حرف الْحَشَفَة وَهُوَ إطارها الْمُحِيط بهَا.
الظِّهَار
وَالظِّهَار الَّذِي تحرم بِهِ الْمَرْأَة مَأْخُوذ من الظّهْر وَذَلِكَ أَن تَقول لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَكَانَت تطلق فِي الْجَاهِلِيَّة بذلك.
وَإِنَّمَا اختصوا الظّهْر دون الْبَطن والفخذ والفرج وَهَذَا أولى بِالتَّحْرِيمِ لِأَن الظّهْر مَوضِع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوبة إِذا غشيت فَكَأَنَّهُ إِذا قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَرَادَ ركوبك للنِّكَاح حرَام عَليّ كركوب أُمِّي للنِّكَاح.
فَأَقَامَ الظّهْر مقَام الرّكُوب لِأَنَّهُ مركوب وَأقَام الرّكُوب مقَام النِّكَاح لِأَن الناكح رَاكب وَهَذَا من لطيف الِاسْتِعَارَة للكناية.
وَقد أشكل على كثير من الْفُقَهَاء معنى قَول الله جلّ وَعز: {ثمَّ يعودون لما قَالُوا} حَتَّى ظن بَعضهم أَن الْمَرْأَة لَا تحرم على من ظَاهرهَا حَتَّى يُعِيد اللَّفْظ بالظهار ثَانِيَة فَيَقُول أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَهَذَا خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ الْفُقَهَاء.
(1/209)

وَكَانَ الشَّافِعِي يذهب إِلَى أَن الْعود لما قَالُوا أَنه الْعود إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة وَالرَّغْبَة فِيهَا وَقَالُوا إِذا ظَاهر من امْرَأَته وَلم يطلقهَا فَكَأَنَّهُ لزمَه الظِّهَار لِأَن إِمْسَاكه عَن الطَّلَاق سَاعَة ظَاهر هُوَ معاودته لما حرم مِنْهَا فيمسكه وأحسب أَن أَبَا عبيد يتبعهُ على هَذَا القَوْل وَلَا أرى هَذَا التَّأْوِيل على طَرِيق اللُّغَة صَحِيحا لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ بِالْعودِ الرُّجُوع إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة وَالرَّغْبَة فِيهَا لقَالَ: وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما كَانُوا عَلَيْهِ أَي يعودون إِلَى التَّمَسُّك بِالنسَاء وَالرَّغْبَة فِيهِنَّ وَلم يقل {ثمَّ يعودون لما قَالُوا} لِأَن الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ لم يكن قولا إِنَّمَا كَانَ نِكَاحا وتعاشرا وائتلافا.
وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ على طَرِيق التدبر وَالِاسْتِدْلَال وَالله أعلم أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يطلقون النِّسَاء بالظهار فَجعل الله جلّ وَعز حكم الظِّهَار فِي الْإِسْلَام خلاف حكمه عِنْدهم فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي تحلهن لَهُم وَأنزل: {وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم} يُرِيد فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ يعودون لما قَالُوا يَعْنِي مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ من هَذَا الظِّهَار فِي الْإِسْلَام {فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا} وأضمر فكفارته وَمثل هَذَا من الْمَحْذُوف فِي الْقُرْآن كثير وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
(1/210)

{فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} أَي فكفارة ذَلِك مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي وَقَوله بعد ذَلِك {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك} أَرَادَ فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه فحلق فَعَلَيهِ فديَة من صِيَام وشبيه بِهَذِهِ الْآيَة مِمَّا يشكل على كثير من أهل النّظر قَول الله تَعَالَى: {واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر} وَذَلِكَ أَنهم رَأَوْا الْيَأْس يَقِينا والارتياب شكا وَلم يَأْتِ فِي الْقُرْآن الْأَمر الَّذِي وَقع فِيهِ الارتياب فَيَقُول إِن ارتبتم فِي كَذَا وَكَذَا من أمورهن فَقَالُوا فِيهِ أقاويل لَا تخفى على من تدبرها إِذا فهم مَا قُلْنَاهُ.
وَالْمعْنَى إِن الله جلّ وَعز لما ذكر عدَّة اللواتي يحضن من النِّسَاء فَقَالَ: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} ارتاب النَّاس فِي اللائي لَا يحضن من الْقَوَاعِد وَالصغَار فَلم يدروا كَيفَ يعتدن فَأنْزل الله جلّ وَعز: {واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم} فَلم تعلمُوا كَيفَ يعتددن {فعدتهن ثَلَاثَة أشهر} وَكَذَلِكَ عدد اللائي لم يحضن وَإِن فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى إِذْ كَأَنَّهُ قَالَ إِذا ارتبتم والمفسرون يُقِيمُونَ إِن فِي مقَام إِذْ فِي كثير من الْقُرْآن نَحْو قَول الله جلّ وَعز:
(1/211)

{يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين} وَقَوله جلّ وَعز: {وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين} .
وَكَفَّارَة الظِّهَار
الصّيام والأيمان وَالنُّذُور
مَأْخُوذَة من كفرت الشَّيْء إِذا غطيته وسترته كَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب أَي تسترها وَكَذَلِكَ الغفران وَالْمَغْفِرَة السّتْر تَقول غفرت كَذَا إِذا سترته وَمِنْه قيل لجنة الرَّأْس مغفر لِأَنَّهُ يغْفر الرَّأْس وَلما كَانَت كَفَّارَة الذَّنب تسقطه وَكَأن غفران الذَّنب هُوَ أَلا يُؤَاخذ بِهِ وَكَانَ مَعْنَاهُمَا جَمِيعًا السّتْر رجونا أَن نَكُون من ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لم يؤاخذه فِي الْآخِرَة إِن شَاءَ الله
الطَّلَاق
وَالطَّلَاق مَأْخُوذ من قَوْلك أطلقت النَّاقة فَطلقت إِذا أرسلتها من عقال أَو قيد فَكَأَن ذَات الزَّوْج موثقة عِنْد زَوجهَا فَإِذا فَارقهَا أطلقها من وثاق وَيدل على ذَلِك قَول النَّاس هِيَ فِي حبالك إِذا كَانَت تَحْتك يُرِيد أَنَّهَا مرتبطة عنْدك كارتباط النَّاقة فِي حبالها ثمَّ
(1/212)

فرقوا بالحركات بَين فعل النَّاقة وَفعل الْمَرْأَة وَالْأَصْل وَاحِد فَقَالُوا طلقت النَّاقة بِفَتْح اللَّام وَقَالُوا طلقت الْمَرْأَة بضَمهَا وَقَالُوا أطلقت النَّاقة وَقَالُوا طلقت الْمَرْأَة.
ومتعة الْمُطلقَة
هُوَ نَفعهَا شَيْئا وكل من نفعته أَو أرفقته فقد متعته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة فِيهَا مَتَاع لكم} يَعْنِي بيُوت الْخَانَات يَقُول تنفعكم وتكنكم من الْحر وَالْبرد وَكَذَلِكَ قَوْله جلّ وَعز: {وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله} يُرِيد ابْتِغَاء مَنْفَعَة وَكَذَلِكَ قَوْله فِي النَّار {جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} أَي تذكركم جَهَنَّم وتنفعكم إِذا سافرتم وَلِهَذَا قيل للْمحرمِ بِعُمْرَة إِلَى الْحَج متمتع لِأَنَّهُ إِذا قضى طَوَافه تمتّع بِلبْس ثِيَابه وَحل لَهُ كل مَا حرم عَلَيْهِ وَلَيْسَ لمتعة الْمُطلقَة حد مَعْلُوم وإحداد الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا هُوَ منعهَا نَفسهَا من الزِّينَة والكحل والصبيغ وَالطّيب وكل من منعته من شَيْء فقد حددته عَنهُ وَمِنْه قيل للبواب حداد
(1/213)

لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس من الدُّخُول وَيُقَال دون ذَلِك حدد أَي منع وَالطَّلَاق للعدة هُوَ أَن تطلق الْمَرْأَة فِي قبل الطُّهْر أَي فِي أَوله من غير أَن تمسها لقَوْل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طلقوا الْمَرْأَة فِي قبل عدتهَا.
وَلقَوْله لعبد الله بن عمر وَقد طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض ليرجعها فَإِذا طهرت فليطلق أَو يمسك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يُطلق للعدة وَهِي المطهر وَيكون الاحتساب مِنْهُ بالعدة من الْحيض.
والمحصنة
ذَات الزَّوْج وَقد تكون الْحرَّة الْبكر يدلك على ذَلِك قَول الله تَعَالَى فِي الْإِمَاء: {فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب} أَي على الْحَرَائِر لَا ذَوَات الْأزْوَاج لِأَن ذَوَات الْأزْوَاج عَلَيْهِنَّ الرَّجْم وَالرَّجم لَا يَتَبَعَّض وَإِنَّمَا سميت الْحرَّة الْبكر مُحصنَة لِأَن الْإِحْصَان يكون لَهَا وَبهَا لَا بالأمة كَمَا قيل للبقر مثيرة وَإِن لم تثر شَيْئا لِأَن المثيرة مِنْهَا وكما قيل لِلْإِبِلِ هدي وَإِن لم تهد لِأَن الْهَدْي يكون مِنْهَا.
(1/214)

الفاظ تعرض فِي أَبْوَاب من الْفِقْه مُخْتَلفَة
(1/215)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي أَلْفَاظ تعرض فِي أَبْوَاب من الْفِقْه مُخْتَلفَة
الصّيام
الصّيام هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْمطعم وَالْمشْرَب والرفث وَمِنْه يُقَال خيل صِيَام إِذا كَانَت واقفة لَا تعتلف وَلَا تعْمل وَيُقَال صَامَ النَّهَار إِذا قَامَ قَائِم الظهيرة لِأَن الشَّمْس إِذا صَارَت فِي كبد السَّمَاء وَقت الزَّوَال وَكَأَنَّهَا تقف عَن السّير فَيُقَال عِنْد ذَلِك صَامَ النَّهَار وَلذَلِك قَالَ ذُو الرمة [من الْبَسِيط] ... وَالشَّمْس حيرى لَهَا بالجو تدويم ...
الِاعْتِكَاف
وَالِاعْتِكَاف هُوَ الْإِقَامَة يُقَال اعْتكف فلَان بمَكَان كَذَا إِذا أَقَامَ بِهِ وَلم يخرج عَنهُ وَعَكَفَ فلَان على فلَان إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {وَانْظُر إِلَى إلهك الَّذِي ظلت عَلَيْهِ عاكفا} أَي مُقيما وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب يذكر الأثافي [من المتقارب]
(1/217)

.. فهن عكوف كنوح الْكَرِيم ... قد شف أكبادهن الْهَوِي ...
أَي الأثافي عكوف كَمَا تعكف النوائح على الْقَبْر شف أكبادهن الْحزن فهوت أجوافهن يُقَال شفني الْأَمر أَي شقّ عَليّ يُرِيد أَن الأثافي مُقِيمَة لَا تَبْرَح مَكَانهَا.
الإهلال
والإهلال بِالْحَجِّ هُوَ الْإِظْهَار لَا يجابه بِالتَّلْبِيَةِ وَمِنْه يُقَال أهل الصَّبِي واستهل إِذا صَاح أَو بَكَى حِين يسْقط إِلَى الأَرْض.
الْإِحْرَام
وَالْإِحْرَام هُوَ الدُّخُول فِي التَّحْرِيم كَأَن الرجل يحرم على نَفسه النِّكَاح وَالطّيب وَأَشْيَاء من اللبَاس فَيُقَال أحرم أَي دخل فِي التَّحْرِيم كَمَا يُقَال أشتا إِذا دخل فِي الشتَاء وَأَرْبع إِذا دخل فِي الرّبيع وأقحط إِذا دخل فِي الْقَحْط.
وَالْإِحْرَام أَيْضا الدُّخُول فِي الْأَشْهر الْحرم يُقَال أحرم الرجل إِذا دخل فِي رَجَب وَأحل إِذا خرج مِنْهُ فَدخل فِي شعْبَان وَيُقَال حل من الأحرام من الأول بِغَيْر ألف وَحج الْبَيْت مَأْخُوذ من
(1/218)

قَوْلك حججْت فلَانا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد مرّة فَقيل حج الْبَيْت لِأَن النَّاس يأتونه فِي كل سنة وَقَالَ المخبل [من الطَّوِيل] ... وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا ...
يَقُول يأْتونَ الزبْرِقَان مرّة بعد مرّة لسؤدده وسبه عمَامَته وَقد ذكرت هَذَا الْبَيْت وَمَعْنَاهُ فِيمَا بعد.
الْعمرَة
وَالْعمْرَة الزِّيَادَة يُقَال أَتَانَا فلَان مُعْتَمِرًا أَي زَائِرًا قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... وراكب جَاءَ من تثليث مُعْتَمر ...
أَي زائر.
الْبَدنَة
والبدنة هِيَ النَّاقة سميت بَدَنَة بالعظم إِمَّا لسمنها أَو لسنها لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يساق مِنْهَا الصغار إِنَّمَا يساق مِنْهَا الثنيان فَمَا فَوق وكل مَا أسن مِنْهَا وَعظم فَهُوَ أفضل وَيُقَال للرجل المسن:
(1/219)

بدن قَالَ الْأسود بن يعفر [من السَّرِيع] ... هَل لشباب فَاتَ من مطلب ... أم مَا بكاء الْبدن الأشيب ...
التَّلْبِيَة
والتلبية مَأْخُوذَة من وَلَك ألب فلَان بِالْمَكَانِ إِذا لزمَه وَمعنى لبيْك أَنا مُقيم عِنْد طَاعَتك وعَلى أَمرك غير خَارج عَن ذَلِك وَلَا شارد عَلَيْك هَذَا وَمَا أشبهه وَإِنَّمَا ثنوه لأَنهم أَرَادوا بِهِ إِقَامَة بعد إِقَامَة وَطَاعَة مَعَ طَاعَة كَمَا قَالُوا حنانيك رَبنَا أَي هَب لنا رَحْمَة بعد رَحْمَة أَو رَحْمَة مَعَ رَحْمَة وكما قَالُوا سعديك أَي سَعْدا مَقْرُونا بِسَعْد.
وَيُقَال لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك بِكَسْر إِن وفتتحها فَمن كسرهَا ابْتَدَأَ القَوْل بهَا وَمن فتحهَا أَرَادَ لبيْك بِأَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك أَو لِأَن الْحَمد لَك وَالْكَسْر اعْجَبْ إِلَيّ.
إِشْعَار الْهَدْي
وإشعار الْهَدْي هُوَ أَن تطعن فِي أسنمتها وَإِنَّمَا سمي إشعارا لِأَنَّهُ جعل عَلامَة لَهَا ودليلا على أَنَّهَا لله تَعَالَى وكل شَيْء أعلمته بعلامة فقد أشعرته
(1/220)

وشعائر الله من هَذَا إِنَّمَا هِيَ إِعْلَام طَاعَته.
استلام الْحجر
واستلام الْحجر هُوَ افتعال فِي التَّقْدِير مَأْخُوذ من السَّلَام وَهِي الْحِجَارَة واحدتها سَلمَة تَقول استلمت الْحجر إِذا لمسته من السلمة كَمَا تَقول اكتحلت إِذا أخذت من الْكحل وادهنت إِذا أصبت من الدّهن
الملبد
والملبد الَّذِي لبد شعره حَتَّى لبد بلزوق يَجعله فِيهِ وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الْكَامِل] ... يحملن كل ملبد مأجور ...
الضامر والعاقص
والضامر الَّذِي فتل شعره كَمَا يضفر الْحَبل والعاقص الَّذِي لواه فَأدْخل أَطْرَافه فِي أُصُوله وَمِنْه قيل للشاة الملتوية الْقُرُون عقصاء
الرمل
والرمل فِي الطّواف الجمز والإسراع وَلذَلِك قيل
(1/221)

لخفيف الشّعْر والشدو رمل
الْحُدُود
وَقيل للعقوبات على الذُّنُوب حُدُود كَجلْد الزَّانِي الْبكر ورجم الْمُحصن وَقطع يَد السَّارِق لِأَنَّهَا عقوبات حَدهَا الله جلّ وَعز فَلَيْسَ لأحد أَن يتجاوزها وَلَا يقصر عَنْهَا وَمَا دون الْحُدُود تَعْزِير أَي تَطْهِير.
وَقد يكون التَّعْزِير لله جلّ وَعز أَن ينْسب إِلَى الظهارة والقدس.
الْغرَّة
والغرة الَّتِي يودى بهَا الْجَنِين هِيَ عبد أوأمة سميا بذلك لِأَنَّهُمَا غرَّة مَا يملك الرجل أَي أفضله وأشهره وَالْعرب أَيْضا تجْعَل الْفرس غرَّة لِأَنَّهُ غرَّة مَا يملك وَقَالَ ابْن أَحْمَر من الْبَسِيط ... إِن نَحن إِلَّا أنَاس أهل سَائِمَة ... مَا إِن لنا دونهَا حرث وَلَا غرر ... يُرِيد أَنه من أنَاس قليلي الْأَمْوَال لَيْسَ لَهُم من المَال إِلَّا مَا يرْعَى
(1/222)

وَلَيْسَ لَهُم زرع وَلَا عبيد وَلَا خيل.
الدِّيَة
وَالْعقل الدِّيَة وَالْأَصْل فِي ذَلِك إِن الْإِبِل كَانَت تجمع وتعقل بِفنَاء ولي الْمَقْتُول ثمَّ سميت الدِّيَة عقلا وَإِن كَانَت دَرَاهِم ودنانير وَقيل لمن أَدَّاهَا عَاقِلَة وَمثل هَذَا من كَلَام الْعَرَب كثير ستقف عَلَيْهِ فِي الْكتاب إِن شَاءَ الله.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي الْموضع الَّذِي تقطع فِيهِ يَد السَّارِق فَقَالَ بَعضهم الرسغ وَجُمْهُور النَّاس عَلَيْهِ وَقَالَ بَعضهم الْمرْفق وَقَالَ بَعضهم الْمنْكب وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى لم يحد فِيهِ حدا كَمَا حد فِي الْوضُوء فَقَالَ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي التَّيَمُّم فَقَالَ بَعضهم إِلَى الرسغ وَقَالَ بَعضهم إِلَى الْمرْفق قِيَاسا على وضوء الصَّلَاة.
وَبَعض النَّاس يتَوَهَّم أَن الْيَد حَدهَا الرسغ وَمَا دون الرسغ فَلَيْسَ يدا لما رأى الْكَفّ هِيَ المتناولة وَهِي المعطية والباطشة وَسمع النَّاس يَقُولُونَ أَخَذته بيَدي ولمسته بيَدي ظن أَن مَا دون الْكَفّ لَيْسَ من الْيَد وَالْيَد اسْم وَاحِد لعدة أَعْضَاء للأصابع والكف والذراع
(1/223)

والعضك وكل هَذَا يُسمى يدا كَمَا أَن الرَّأْس اسْم وَاحِد لِأَشْيَاء كالوجه والقفا وَالْعين وَالْأُذن يدلك على ذَلِك قَول الله جلّ وَعز: {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} فَجعل الذِّرَاع مِنْهَا ويدلك أَيْضا أَيدي الْأَنْعَام وَالسِّبَاع.
حَدثنَا سهل بن مُحَمَّد ثَنَا أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ عَن الْعَرَب أَن فِي فرسن الْبَعِير السلَامِي وَهِي عِظَام الفرسن وقصبها ثمَّ الرسغ ثمَّ الوظيف ثمَّ فَوق الوظيف من يَد الْبَعِير الذِّرَاع ثمَّ فَوق الذِّرَاع الْعَضُد ثمَّ فَوق الْعَضُد الْكَتف وَقَالُوا فِي رجله بعد الفرسن الرسغ ثمَّ الوظيف ثمَّ السَّاق ثمَّ الْفَخْذ ثمَّ الورك.
وَذكر نَحْو هَذَا فِي الْخَيل وَالْبَقر وَالْغنم وَالسِّبَاع وَإِن كَانَت قد تخْتَلف بعض أسمائها إِلَّا أَنَّهَا تجْعَل ذَلِك كُله يدا من الفرسن والظلف والحافر إِلَى الورك فَمن قطع الْيَد من الرسغ فقد قطع الْيَد كَمَا يقطع الشَّيْء نِصْفَيْنِ وَكَذَلِكَ من قطعهامن الْمرْفق وَمن قطعهَا من الْمنْكب فقد قطعهَا كلهَا وَمن وَجَبت لَهُ دِيَة يَد وَجَبت لَهُ بالرسغ كَمَا تجب بالمرفق كَمَا تجب بالمنكب سَوَاء وَلَا يُزَاد لفضل مَا قطعه على الْكَفّ وَلما كَانَت الْيَد على مَا أعلمتك لم يكن الحكم إِلَّا بتقليد من يجب تَقْلِيده فِي مَوضِع الْقطع.
الْمُدبر
وَالْمُدبر من العبيد وَالْإِمَاء مَأْخُوذ من الدبر لِأَن
(1/224)

السَّيِّد أعْتقهُ بعد مماته وَالْمَمَات دبر الْحَيَاة فَقيل مُدبر وَالْفُقَهَاء المتقدمون يَقُولُونَ الْمُعْتق من دبر أَي بعد الْمَوْت وَلَو ان رجلا أحبس فرسا بعد مَوته [25 / أ] لم يقل أحبسه عَن دبر وَلَا هُوَ فرس مُدبر وَإِن كَانَ الْقيَاس وَاحِدًا لِأَن هَذِه اللَّفْظَة لم تطلق إِلَّا فِي العبيد وَالْإِمَاء وَإِنَّمَا تَنْتَهِي فِي اللُّغَة إِلَى حَيْثُ انْتَهوا ونقف حَيْثُ وقفُوا.
الْمُعْتق
وَالْمُعتق مَأْخُوذ من قَوْلك عتقت عَليّ يَمِين أَي سبقت وَعتق فرخ القطاة إِذا طَار وعتقت الْفرس إِذا سبقت وَقَالَ أَعْرَابِي فِي كَلَامه هَذَا أَوَان عتقت الشقراء أَي سبقت.
فَكَأَن الْمُعْتق خلي فَعتق أَي فَذهب وَإِنَّمَا قيل بِمن أعتق نسمَة أعتق رَقَبَة وَفك رَقَبَة فخصت الرَّقَبَة دون جَمِيع الْأَعْضَاء لِأَن ملك السَّيِّد لعَبْدِهِ كالحبل فِي الرَّقَبَة وكالغل هُوَ بِهِ محتبس كَمَا تحبس الدَّابَّة بِحَبل فِي عُنُقهَا فَإِذا أعتق فَكَأَنَّهُ أطلق من ذَلِك.
عصبَة الرجل
وعصبة الرجل قرَابَته لِأَبِيهِ وَبَنوهُ وَسموا بذلك لأَنهم
(1/225)

عصبَة عصبوا بِهِ أَي أحاطوا بِهِ فالأب طرف وَالِابْن طرف وَالْعم جَانب وَالْأَخ جَانب وَالْعرب تسمي قَرَابَات الرجل أَطْرَافه أنْشد أَبُو زيد لعون بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود من الطَّوِيل ... فَكيف بأطرافي إِذا مَا شتمتني ... وَمَا بعد شتم الْوَالِدين صلوح ...
وَلما أحاطب بِهِ هَذِه الْقرَابَات عصبت بِهِ وكل شيءاستدار حول شئ واستكف فقد عصب بِهِ وَمِنْه العصائب وهم العمائم وَلم أسمع للْعصبَةِ بِوَاحِد وَالْقِيَاس أَن يكون عاصبا مثل طَالب وطلبة وظالم وظلمة.
الْكَلَالَة والكلالة هُوَ أَن يَمُوت الرجل وَلَا يتْرك ولدا لَا والدا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ مصدر تكلله النّسَب أَي أحَاط بِهِ فالأم [25 / ب] وَالِابْن طرفان للرجل فَإِذا مَاتَ وَلم يخلفهما فقد مَاتَ عَن ذهَاب طَرفَيْهِ فَسُمي ذهَاب الطَّرفَيْنِ كَلَالَة وَكَأَنَّهَا اسْم للمصيبة من تكلل النّسَب مَأْخُوذ مِنْهُ.
الْغلُول فِي الْمغنم
والغلول فِي الْمغنم أَصله ان الرجل كَانَ إِذا اخْتَار من
(1/226)

الْمغنم شَيْئا غله أَي أدخلهُ فِي أَضْعَاف مَتَاعه وستره فَسُمي الخائن غالا يُقَال غللت الشَّيْء فانغل أَي أدخلته وَمِنْه قيل للْمَاء الْجَارِي بَين خلال الشّجر غلل وَقيل فلَان يتغلغل إِلَى كَذَا أَي يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِالدُّخُولِ فِي أَسبَابه.
وَالْأَصْل يتغلل فأبدلوا من احدى اللامات غينا كَمَا قَالُوا يتكمكم وَالْأَصْل يتكمم. من الكمة وَهِي القلنسوة وَقَالُوا: يَتَحَلْحَل وَالْأَصْل: يتحيل وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْحَرْف إِذا كَانَ آخِره مشددا مثل الْحَث فَيُقَال: حثحثته وَالْأَصْل حثثته وغلغلته وَالْأَصْل غللته.
وَقد جَاءَ مِنْهُ حرف شَاذ تَقول الْعَرَب فِي مثل لَهَا تعظعظي ثمَّ عظيني وَقَالَ الْأَصْمَعِي لَا تعظيني وتعظعظي من الْوَعْظ وَلَا أعلم أَنه جَاءَ لَهُ مثل.
السّريَّة
والسرية الَّتِي تنفذ إِلَى بِلَاد الْعَدو وَأَصلهَا من السرى وَهُوَ سير اللَّيْل وَكَانَت تخفي خُرُوجهَا لِئَلَّا ينتشر الْخَبَر بِهِ وتكتب بِهِ الْعُيُون فَتخرج لَيْلًا فَيُقَال سرت سَرِيَّة أَي: خرجت وَسَار ت لَيْلًا وَهِي فعيلة بِمَعْنى فاعلة.
(1/227)

والفيء خراج الْأَرْضين وجزية رُؤُوس أهل الذِّمَّة وَكَانَ الْفَيْء على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أفاءه الله من الْمُشْركين مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيل وَلَا ركاب بصلح صالحوه عَلَيْهِ عَن أَمْوَالهم وأرضيهم فَلَمَّا قبض صَار ذَلِك للْمُسلمين بِمَنْزِلَة خراج الْأَرْضين الَّتِي افتتحت عنْوَة.
والفيء فِي اللُّغَة هُوَ الرُّجُوع يُقَال فَاء إِلَى كَذَا فَهُوَ يفِيء فَيْئا أَي رَجَعَ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {فَإِن فاؤوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم} وَالْمعْنَى أَنه مَال رجعه الله إِلَى الْمُسلمين ورده وَمِنْه قيل للظل بعد الزَّوَال فَيْء لِأَنَّهُ رَجَعَ عَن جَانب إِلَى جَانب.
الْغَنِيمَة
وَالْغنيمَة مَا غنمه الْمُسلمُونَ من أَرض الْعَدو عَن حَرْب
(1/228)

تكون بَينهم فَهِيَ لمن غنمها إِلَّا الْخمس وأصل الْغَنِيمَة وَالْغنم فِي اللُّغَة الرِّبْح وَالْفضل وَمِنْه يل فِي الرَّهْن لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه أَي فَضله للرَّاهِن ونقصانه عَلَيْهِ.
النَّفْل
وَالنَّفْل هُوَ مَا نفله الإِمَام قَاتل الْمُشرك من سلبه وفرسه وَمَا خص بِهِ السَّرَايَا بعد أَن تخمس الْغَنِيمَة مِمَّا جَاءَت واشباه ذَلِك مِمَّا يرى الامام أَن يخص بِهِ من جملَة الْغَنِيمَة وَمن الْخمس إِذا صَار فِي يَده.
وَالْأَصْل فِي النَّفْل مَا تطوع بِهِ الْمُعْطِي مِمَّا لَا يجب عَلَيْهِ وَمِنْه قيل لصَلَاة التَّطَوُّع نَافِلَة وَيُقَال تَنْفَلِت اذا صليت غير الْفَرْض فَكَأَن الْأَنْفَال شئ خص الله بِهِ الْمُسلمين ان لم يكن لغَيرهم من الْأُمَم السالفة.
وَكَذَلِكَ يرْوى فِي الحَدِيث: أَن الْمَغَانِم كَانَت مُحرمَة على الْأُمَم فنفلها الله جلّ وَعز هَذِه الْأمة.
وروى زَائِدَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لم تحل الْغَنَائِم لأحد قبلكُمْ كَانَت
(1/229)

تنزل نَار فتأكلها.
وَمن أوصى بشئ لولد وَلَده فَهُوَ لولد الذُّكُور دون ولد الْبَنَات لِأَن ولد الْبَنَات منسوبون إِلَى آبَائِهِم لَا إِلَى أمهاتهم وَقَالَ الشَّاعِر: [من الطَّوِيل] ... بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد ...
فان قَالَ لذريتي فَهُوَ للذكور والاناث من الْوَلَد وَولد الْوَلَد لِأَن الذُّرِّيَّة مَأْخُوذَة من ذَرأ الله الْخلق أَي خلقهمْ كَأَنَّهَا خلق الله من الرجل وانما ترك همزها اسْتِخْفَافًا كَمَا ترك همز الْبَريَّة وَهِي من برأَ الله الْخلق وَقد جعل الله تَعَالَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام من ذُرِّيَّة ابراهيم عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ من ولد الْبَنَات.
فان قَالَ لعترتي فَهُوَ ولولده وَولد وَلَده الذُّكُور والاناث ولعشيرته الأدنين يدلك على ذَلِك قَول أبي بكر: نَحن عترة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي خرج مِنْهَا وبيضته الَّتِي تفقات عَنهُ.
وان قَالَ لأختاني فأختانه ذَوُو محارم الْمَرْأَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء الَّذين تحرم عَلَيْهِم وتضع خمارها عِنْدهم وان قَالَت مرأة
(1/230)

هُوَ لأحمائي فاحماؤها أَمْثَال الْأخْتَان من أهل بَيت الرجل والأصهار تجمع الْفَرِيقَيْنِ فَتَقَع على قَرَابَات الزَّوْج وقرابات الْمَرْأَة فان قَالَ للأيامى من أهل بَيْتِي فهم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء أَبْكَارًا وَغير أبكار قَالَ الله جلّ وَعز: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ} أَرَادَ انكحوا من لَا زوج لَهُ من الرِّجَال وَالنِّسَاء وان قَالَ للعزاب فهم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء يُقَال رجل عزب وَامْرَأَة عزبة وانما قيل لَهُ عزب لِأَنَّهُ انْفَرد وكل شئ انْفَرد فَهُوَ عزب قَالَ ذُو الرمة وَذكر الثور [من الْبَسِيط] ... تجلو البوارق عَن مجر مز لهق ... كَأَنَّهُ متقبي يلمق عزب ...
وَمثله الْيَتِيم سمي يَتِيما لإنفراده وكل شئ انْفَرد فقد تيتم ييتم واليتيم فِي النَّاس من قبل الْأَب وَفِي الْبَهَائِم من قبل الْأُم.
الثّيّب
وَالثَّيِّب يكون للرجل وَالْمَرْأَة وَكَذَلِكَ الْبكر والعانس قَالَ قيس بن رِفَاعَة الوَاقِفِي من الْبَسِيط ... منا الَّذِي مَا عدا ان طر شَاربه ... والعانسون وَفينَا المرد والشيب ...
والكهول من الرِّجَال هم الَّذين جازوا الثَّلَاثِينَ قَالَ الله تَعَالَى فِي
(1/231)

عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: {ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ابْن ثَلَاثِينَ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم اكتهل النَّبَات اذا تمّ وَقَوي قبل أَن يهيج ثمَّ لَا يزَال الرجل كهلا حَتَّى يبلغ خمسين ويشيخ وَلَيْسَ لَهُ حد قَالَ الوَاقِفِي من الْبَسِيط ... هَل كهل خمسين ان شاقته منزلَة ... مسفه رَأْيه فِيهَا ومسبوب ... وَمن قَالَ كَذَا لبني تَمِيم فَهُوَ للذكور والاناث لِأَن الْبَنِينَ اذا خالطوا الْبَنَات غلب الذُّكُور فَقيل هَذِه بَنو تَمِيم قد انْتَقَلت وَهِي رجال وَنسَاء وان لم يكن بذلك الْمَكَان فهم الا اناث فَهُوَ لَهُم لِأَنَّهُ أَرَادَ من وَلَده تَمِيم وَكَذَلِكَ ان قَالَ لتميم وَهَذَا يجوز فِي الْقَبِيل [27 / ب] الْأَعْظَم الْمَشْهُور دون الْأَب الْأَدْنَى وَمن قَالَ كَذَا وَكَذَا لبني عبد الله فَهُوَ للاثنين فَمَا فَوْقهمَا لِأَن الِاثْنَيْنِ جَمِيع إِنَّمَا هما وَاحِد جمع مَعَ الآخر قَالَ الله جلّ وَعز: {فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس} يُرِيد أَخَوَيْنِ فَصَاعِدا وَقَالَ: {وَلما سكت عَن مُوسَى الْغَضَب أَخذ الألواح} جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنَّهُمَا لوحان وَقَالَ: {فقد صغت قُلُوبكُمَا} وهما قلبان وَمثل هَذَا كثير قد بَينته فِي كتاب تَأْوِيل مُشكل الْقُرْآن فِي بَاب مُخَالفَة ظَاهر الْكَلَام مَعْنَاهُ.
(1/232)

وان قَالَ لولد فلَان فَالْوَلَد يَقع على الْوَاحِد والاثنين والجميع وَمن قَالَ لأرامل بني فلَان فَهُوَ على طَرِيق اللُّغَة للرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَن الأرامل تقع على الذُّكُور والاناث يُقَال امْرَأَة أرملة وَرجل أرمل قَالَ الشَّاعِر من الزّجر ... أحب أَن أصطاد ضبا سحبلا ... رعى الرّبيع والشتاء أرملا ...
أَرَادَ لَا أُنْثَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذا سفد هزل.
وَقَالَ يزِيد الرقاشِي قيل لأعرابي تمنه فَقَالَ ضَب أَعور عنين بِأَرْض كلدة.
طلبه عنينا لِأَن المَاء اذا بَقِي فِي ظَهره كَانَ أسمن لَهُ وَطَلَبه أَعور لقلَّة تلفته وَالْأَرْض الكلدة الغليظة واذا كَانَت الضباب فِي الْحِجَارَة وبالبعد من المَاء كَانَ أسمن لَهَا.
حَدثنِي اسحق بن رَاهَوَيْه ثَنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن طَلْحَة الأعلم عَن الشّعبِيّ فِي رجل أوصى لأرامل بني حنيفَة قَالَ تُعْطى من خرج من كمرة حنيفَة قَالَ وأنشدنا غير وَكِيع من الْبَسِيط.
(1/233)

.. هذي الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا ... فَمن بحاجة هَذَا الأرمل الذّكر ... [28 / أ]
وَأما أَصْحَاب الرَّأْي فيرون الأرامل من النِّسَاء دون الرِّجَال هَذَا هُوَ الَّذِي يعرفهُ عوام النَّاس ويقصدون إِلَيْهِ فِي الْوَصِيَّة وَذَلِكَ لَا يعرفهُ الا الْخَواص وانما تقع الْفتيا على الْمَشْهُور المتعالم الْمَعْرُوف وعَلى قدر علم الْمُوصي وطبقته فِي النَّاس وَنِيَّته.
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس رَحمَه الله عَن رجل مَاتَ وَأوصى ببدنة أتجزئ عَنهُ بقرة فَقَالَ نعم ثمَّ قَالَ وَمِمَّنْ صَاحبكُم قيل لَهُ من بني رَبَاح فَقَالَ وَمَتى اقتنت بَنو رَبَاح الْبَقر الى الابل وهم صَاحبكُم أَي ذهب وهمه فَلم يَجْعَل الْفتيا مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ عِنْده وَلكنه قصد بهَا الى النِّيَّة وَلَو أَن رجلا قَالَ ثُلثي لموَالِي لم يكن ذَلِك الا لمواليه بالعتاقة دون بني عَمه وقرابته وهم أَيْضا موَالِيه قَالَ الله جلّ وَعز: {وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي} يَعْنِي الْعصبَة وَلَو قَالَ للغلمان لم يكن الا للذكور وَقد تَقول الْعَرَب لِلْجَارِيَةِ غلامة قَالَ الشَّاعِر فِي وصف فرس لَهُ من الوافر ... تهان لَهَا الغلامة والغلام
وَلَو قَالَ للرِّجَال لم يكن الا رجلة قَالَ الشَّاعِر من المديد
(1/234)

.. كل جَار ظلّ مغتبطا ... غير جيران بني جبله
هتكوا جيب فَتَاتهمْ ... لم يبالوا حُرْمَة الرجله ...
وَسُئِلَ بعض الْحُكَّام عَن رجل جعل مَالا فِي الْحُصُون فَقَالَ اشْتَروا بِهِ خيلا واحملوا عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله ذهب الى قَول الْجعْفِيّ [من الْكَامِل] ... وَلَقَد علمت على توقي الردى ... أَن الْحُصُون الْخَيل لَا مدر الْقرى ...
وَهَذَا من الألغاز والمنكرات الَّتِي لَا تذْهب الْعلمَاء اليها وانما قيل للقسم يَمِين لأَنهم كَانُوا اذا تحالفوا أَو توافقوا ضرب كل امْرِئ مِنْهُم يَمِينه على يَمِين صَاحبه كَمَا يفعل فِي بيعَة السُّلْطَان فَيُقَال أَخذ يَمِينه وَأخذ صفقته اذا فعل ذَلِك ثمَّ قيل للحلف بِاللَّه وَبِكُل مَا يحلف بِهِ يَمِين اذ كَانَ ذَلِك يَقع مَعَ التصافق بالأيمان.
وَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير وَالْفرق بَين سِبَاع الْوَحْش وهائمها بالأنياب وأنيابها تكون فِي مقاديم أفواهها مَكَان الْأَسْنَان لبهائم الْأَنْعَام والسبع كل صائد أَو عَاقِر أَو آكل لحم وَلَا تسمى سبعا حَتَّى تكون كَذَلِك مثل الْأسد وَالذِّئْب وَالْكَلب
(1/235)

والنمر والفهد.
فان بعض الْفُقَهَاء لَا يَرَاهَا سبعا وَيَقُول هِيَ نعجة من الْغنم وَلَو كَانَ قَالَ هِيَ حَلَال لظننا أَنه ذهب مَذْهَب من يُطلق جَمِيع السبَاع لقَوْل الله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ} الْآيَة وَلكنه قَالَ هِيَ نعجة من الْغنم وَلست أَدْرِي لم أخرجهَا من السبَاع وَجعلهَا من بَهِيمَة الْأَنْعَام وَهِي تساور من تعرض لَهَا وتأكل الْجِيَف وَلُحُوم الْمَوْتَى وتفرس الْغنم كَمَا يفرس الذِّئْب قَالَ كثير وَذكر نَاقَة [من المتقارب] ... وذفرى ككاهل ذيخ الخليف ... أصَاب فريقة ليل فعاثا ...
والذيخ ذكر الضباع والفريقة من الْغنم الْأُنْثَى أضلها صَاحبهَا أَصَابَهَا الذيخ فعاث فِيهَا وعيثه أَنه يَأْكُل وَيقتل مَالا يَأْكُل وَقَالَ مَالك بن نُوَيْرَة [من الْكَامِل] ... يَا لهف من عرفاء ذَات فليلة ... جَاءَت إِلَيّ على ثَلَاث تخمع ...
(1/236)

.. ظلت تراصدني وَتنظر حولهَا ... ويريبها دمق وأنى مطمع
وتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وَلَيْسَ حَيّ يدْفع
لَو كَانَ سَيفي بِالْيَمِينِ ضربتها ... عني وَلم أوكل وجنبي الأضيع ...
وأنشدني الرياشي فِي وصف ضبع [من الوافر] ... دفوع للقبور بمنكبيها ... كَأَن بوجهها تحميم قدر ...
فَأخْبر أَنَّهَا تستثير الْمَوْتَى من الْقُبُور لتأكل لحومهم وأنشدني لساعدة بن جؤية الْهُذلِيّ يذكر مَيتا [من الوافر] ... وغودر ثاويا وتأوبته ... مذرعة أميم لَهَا فليل ...
والمذرعة الضبع لِأَن لَهَا خُطُوطًا فِي ذراعيها والفليل مَا تكبب من شعرهَا فَإِن كَانَ إِنَّمَا رخص فِي لَحمهَا لما أوجبته الْعلمَاء من الْفِدْيَة فِيهَا فَإِن ذَلِك إِنَّمَا وَجب لِأَنَّهَا لَا تبتدئ بالعقر
(1/237)

وَلَا تعدو على حَيّ حَتَّى يعرض لَهَا وَكَذَلِكَ كل سبع يُؤمن فَفِيهِ الْفِدْيَة وترخص قوم فِي الثَّعْلَب وَلَا أَدْرِي أَيْضا لم ذَلِك فَإِن كَانَ لِأَنَّهُ قد يَأْكُل الثِّمَار وَالْأَعْنَاب وَلَا يساور لصِغَر جثته وَضَعفه فالأغلب عَلَيْهِ أكل اللَّحْم وَهُوَ يصيد كَمَا تصيد السبَاع وَذَا قوي على الأرنب فرسها وعَلى صغَار الشَّاء أكلهَا قَالَ دُرَيْد [من الطَّوِيل] ... إِذا نسبوا لم يعرفوا غير ثَعْلَب ... أَبِيهِم وَمن شَرّ السبَاع الثعالب ...
فَأَما الأرنب فَإِنَّهَا من هائم الْوَحْش تَأْكُل العشب وَلَا تصطاد وَإِنَّمَا كرهها من كرهها للْحيض
وَأما ذَوَات المخالب من الطير فَهِيَ سِبَاع الطير شبهت بسباع الْوَحْش لِأَنَّهَا تصطاد وتعقر وتجرح وتأكل اللَّحْم كالعقاب والبازي والصقر وَرُبمَا كَانَ من سِبَاع الطير مَا لَيْسَ لَهُ مخلب كالنسر لَا مخلب لَهُ إِنَّمَا ظفر كظفر الدَّجَاجَة وكالغراب والرخمة
فَإِن قَالَ قَائِل إِن هَذِه لَيست دَاخِلَة فِي التَّحْرِيم لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حرم ذَوَات المخالب قيل لَهُ لم يكن الْقَصْد بِالتَّحْرِيمِ للمخلب وَلَا للناب وَإِنَّمَا المخلب علم للسباع من الطير كَمَا كَانَ الناب علما للسباع من الْوَحْش لِأَن المخالب تكون لأكثرها وَإِنَّمَا الْقَصْد بِالتَّحْرِيمِ لما صَاد وعقر وَأكل اللَّحْم وكل مَا فعل ذَلِك فَهُوَ محرم وَإِن لم يكن ذَا مخلب والنسر أعظم الطير جثة وأشدها قُوَّة
(1/238)

والغراب سبع يَأْكُل اللَّحْم ويصيد حشرات الأَرْض والفأر وَيسْقط مَعَ الذِّئْب على الْجِيَف وَالْعرب تدعوهما الأصرمين لاجتماعهما على المآكل قَالَ المرار يذكر فلاة [من الوافر] ... على صرماء فِيهَا أصرماها ... وخريت الفلاة بهَا قَلِيل ...
يَعْنِي الذِّئْب والغراب وَقَالَ آخر [من الطَّوِيل] ... بملحمة لَا يسْتَقلّ غرابها ... دَفِينا ويمسي الذِّئْب فِيهَا مَعَ النسْر ...
قَوْله لَا يسْتَقلّ غرابها يُرِيد أَنه لَا يطير محلقا وَلكنه يطير عَن قَتِيل إِلَى قَتِيل وَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسِقًا لعِلَّة تذكرها فِيمَا بعد وَأمر بقتْله فِي الْحل وَالْحرم وَكَانَت الْعَرَب تتعاير بِأَكْل لَحْمه وتعده من الْخَبَائِث قَالَ وَعلة الْجرْمِي [من الوافر] ... فَمَا لحم الْغُرَاب لنا بزاد ... وَلَا سرطان أَنهَار البريص ...
(1/239)

فَانْتفى من أكل لَحْمه وَعرض بِقوم يَأْكُلُونَهُ وقرنه بلحوم السراطين وَكَذَلِكَ الرخمة هِيَ أقذر الطير طعمة لِأَنَّهَا تَأْكُل الْعذرَة وَتَقَع مَعَ الْغرْبَان على الْجِيَف والقتلى قَالَ الْكُمَيْت يذكر رجلا غازيا [من الْبَسِيط] ... فِي دَاره حِين يَغْزُو من وضائعه ... مَال تنافسه الْغرْبَان والرخم ...
فَإِن احْتج مُحْتَج بالدجاج وقذر طعمه وَأكله اللَّحْم قُلْنَا لَهُ لَيْسَ الدَّجَاج سبعا لِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ لقط الْحبّ وَإِنَّمَا يقْضى بأغلب الْأُمُور أَلا ترى أَنا قد نسمي الرجل حِرَاش أُمِّيا وَإِن كَانَ قد يكْتب الْحَرْف والحرفين والحروف وَكَذَلِكَ العصفور يشبه بسباع الطير لِأَنَّهُ يلقم فِرَاخه وَلَا يزق وَيَأْكُل اللَّحْم ويصيد النَّمْل وَالْجَرَاد إِلَّا أَنه يفارقها بِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ لقط الْحبّ وَأَنه لَا مخلب لَهُ وَلَا منسر وَأَنه مِمَّا يعايش النَّاس ويصاحبهم وَلَا يحل إِلَّا حَيْثُ حلوا فَصَارَ شَبِيها بالدواجن من الطير والدجاج
(1/240)

تَفْسِير مَا جَاءَ فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذكر الْقُرْآن
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي تَفْسِير ماجاء فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذكر الْقُرْآن وسوره وأحزابه وَسَائِر كتب الله عز وَجل
حَدثنِي سهل بن مُحَمَّد عَن أبي عُبَيْدَة أَنه سمي فرقانا لِأَنَّهُ فرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وَبَين الْكَافِر وَالْمُؤمن وَسمي قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع السُّور وَضمّهَا وَيُقَال للَّتِي لم تَلد من النوق مَا قَرَأت سلى قطّ أَي مَا ضمت فِي رَحمهَا ولدا وَكَذَلِكَ مَا قَرَأت جَنِينا وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِن علينا جمعه وقرآنه} أَي تأليفه قَالَ وَالسورَة تهمز وَلَا تهمز فَمن همزها جعلهَا من أسأرت يَعْنِي أفضلت فضلَة كَأَنَّهَا قِطْعَة من الْقُرْآن وَمن لم يهمز جعلهَا من سُورَة الْبناء أَي منزلَة بعد منزلَة
(1/241)

وَبَلغنِي عَن أبي عَمْرو الشياني أَنه قَالَ معنى آيَة من كتاب الله أَي جمَاعَة حُرُوف قَالَ وَمِنْه يُقَال خرج الْقَوْم بآيتهم أَي بجماعتهم والسبع الطوَال آخرهَا بَرَاءَة وَكَانُوا يرَوْنَ الْأَنْفَال وبراء سُورَة وَاحِدَة وَلذَلِك لم يفصلوا بَينهمَا ذكر ذَلِك سُفْيَان عَن مسعر عَن بعض أهل الْعلم
والسور الَّتِي تعرف بالمئين هِيَ مَا ولي السَّبع الطول وَإِنَّمَا سميت بمئين لِأَن كل سُورَة مِنْهَا تزيد على مائَة آيَة أَو تقاربها
والمثاني مَا ولي المئين من السُّور الَّتِي هِيَ دون المئة كَأَن المئين مباد وَهَذِه مثان وَقد تكون المثاني سور الْقُرْآن كُله قصارها وطوالها يُقَال من ذَلِك قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {كتابا متشابها مثاني} وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم}
وَإِنَّمَا سمي مثاني لِأَن الأنباء والقصص تثنى فِيهِ وَيُقَال
(1/242)

بل المثاني فِي قَوْله {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني} آيَات سُورَة الْحَمد سَمَّاهَا مثاني لِأَنَّهَا تثنى فِي كل صَلَاة وَفِي كل رَكْعَة
وَأما الْمفصل فَهُوَ مَا يَلِي المثاني من قصار السُّور وَإِنَّمَا سميت مفصلا لقصرها وَكَثْرَة الْفُصُول فِيهَا بسطر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَأما {آل حميم} فَإِنَّهُ يُقَال إِن {حم} اسْم من أَسمَاء الله أضيفت هَذِه السُّور إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قيل سُورَة الله لشرفها وفضلها وَإِن كَانَ الْقُرْآن كُله سور الله فَإِن هَذَا كَمَا يُقَال بَيت الله والبيوت كلهَا لله وَحرم الله وناقة الله وَقد يَجْعَل {حم} اسْما للسورة ويدخله الْإِعْرَاب وَلَا يصرف قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل ... يذكرنِي حَامِيم وَالرمْح شاهر ... فَهَلا تلِي حَامِيم قبل التَّقَدُّم ...
وَمن قَالَ هَذَا قَالَ فِي الْجمع الحواميم وبسم الله الرَّحْمَن
(1/243)

الرَّحِيم آيَة من الْحَمد لِاجْتِمَاع النَّاس على أَنَّهَا سبع آيَات وَلَا تكون سبعا إِلَّا بهَا
والبصريون يجْعَلُونَ {عَلَيْهِم} رَأس آيَة وأرداف رُؤُوس الْآي فِيهَا كلهَا الْيَاء والردف فِي {عَلَيْهِم} هَاء ورؤوس الْآي فِي أَكثر الْقُرْآن تأي على مِثَال وَلَا تكَاد أَن يُخَالف بَينهَا وَلِأَن {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} مفتتح كل كتاب بِكُل لِسَان وَلكُل أمة وَالدَّلِيل على ذَلِك كتاب سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْمَرْأَة
وَأما التَّوْرَاة
فَإِن الْفراء يَجْعَلهَا من ورى الزند يري إِذا خرجت
(1/244)

ناره وأوريته يُرِيد أَنَّهَا ضِيَاء وَفِيه لُغَة أُخْرَى وري الزند يري وَيُقَال وريت بك نَارِي وَمثله زهرت بك نَارِي
وَأما الزبُور
فَإِنَّهُ من زبر الْكتاب يزبره إِذا كتبه وَهُوَ فعول بِمَعْنى مفعول مثل جلوب بِمَعْنى مجلوب وركوب بِمَعْنى مركوب وأصل قَوْلهم كتب الْكتاب بِمَعْنى جمع حُرُوفه وَمِنْه كتب الخرز وَمِنْه يُقَال كتبت البغلة إِذا جمعت بَين شفربها بِحَلقَة وَفِيه لُغَة أُخْرَى الزبُور بِضَم الزَّاي وَكَأَنَّهُ جمع وَقد قرىء بهما قَالَ أَبُو ذُؤَيْب من [المتقارب] ... عرفت الديار كرقم الدواة ... يزبرها الْكَاتِب الْحِمْيَرِي ...
ويروى يذبرها أَيْضا وَهُوَ مثله يُقَال زبر الْكَاتِب الْكتاب يزبره ويزبره وذبره يذبره ويذبره
فَأَما الْإِنْجِيل
فَإِنَّهُ من نجلت الشَّيْء إِذا أخرجته وَمِنْه قيل لنسل الرجل
(1/245)

نجله كَأَنَّهُ هُوَ استخرجه يُقَال فتح الله ناجليه أَي وَالِديهِ وَقيل للْمَاء الَّذِي يظْهر من النز نجل يُقَال قد استنجل الْوَادي وإنجيل إفعيل من ذَلِك كَأَن الْحق كَانَ دثر ودرس كثير من معالمه وَكثر تَحْرِيف أهل الْكتاب وخفي على النَّاس مَا أحدثوه فأظهر الله جلّ وَعز ذَلِك
(1/246)

ذكر أَلْفَاظ وَردت فِي الْقُرْآن
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِيمَا جَاءَ فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كتاب الله تَعَالَى من ذكر الْكَافرين والظالمين والفاسقين وَالْمُنَافِقِينَ والفاجرين والملحدين وَمن أَيْن أَخذ كل حرف فِيهَا
أما الْكَافِر
فَهُوَ من قَوْلك كفرت الشَّيْء إِذا غطيته وَمِنْه يُقَال تكفر فلَان فِي السِّلَاح إِذا لبسه وَقَالَ بَعضهم وَمِنْه كافور النّخل وَهُوَ قشر الطلعة تَقْدِيره فاعول لِأَنَّهُ يُغطي الكفرى وَمِنْه قيل ليل كَافِر لِأَنَّهُ يستر كل شَيْء قَالَ لبيد وَذكر الشَّمْس [من الْكَامِل] ... حَتَّى إِذا أَلْقَت يدا فِي كَافِر ... وأجن عورات الثغور ظلامها ...
قَوْله أَلْقَت يدا فِي كَافِر أَي دخل أَولهَا فِي الْغَوْر وَهُوَ مثل قَول الآخر يصف ظليما أَو نعَامَة [من الْكَامِل] ... فتذكرا ثقلا رشيدا بَعْدَمَا ... أَلْقَت ذكاء يَمِينهَا فِي كَافِر ...
(1/247)

وذكاء هِيَ الشَّمْس وَمِنْه يُقَال للصبح ابْن ذكاء لِأَن ضوءه من الشَّمْس فَكَأَن الأَصْل فِي قَوْلهم كَافِر أَي سَاتِر لنعم الله عَلَيْهِ وَكَانَ بعض الْمُحدثين يذهب فِي قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض إِلَى التكفر فِي السِّلَاح يُرِيد ترجعوا بعد الْولَايَة أَعدَاء يتكفر بَعْضكُم لبَعض فِي الْحَرْب
وَأما الظَّالِم
فَهُوَ من قَوْلك ظلمت السقاء إِذا شربته قبل أَن يدْرك وظلمت الْجَزُور إِذا عقرته لغير مَا عِلّة
وَقَالَ ابْن مقبل يمدح قوما [من الْبَسِيط] ... هرت الشقاشق ظلامون للجزر ...
يُرِيد أَنهم يعتبطونها وَكَانَت الْعَرَب تذم بِأَكْل الْعَوَارِض وَهِي الَّتِي تنحر لعِلَّة تحدث بهَا فيخشون عَلَيْهَا ان تَمُوت فتذبح وَكَانُوا يَقُولُونَ بَنو فلَان أكالون للعوارض وكل من وضع شَيْئا فِي غير مَوْضِعه فقد ظلم فَكَأَن الظَّالِم هُوَ الَّذِي يزِيل الْحق عَن جِهَته وَيَأْخُذ مَا لَيْسَ لَهُ هَذَا وَمَا أشبهه
(1/248)

وَأما الْفَاسِق
فَإِن الْفراء يذكر أَنه الْخَارِج عَن طَاعَة ربه قَالَ وَمِنْه يُقَال فسقت الرّطبَة إِذا خرجت من قشرها وَاحْتج بقول الله تَعَالَى {إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه} قَالَ خرج عَن طَاعَته
وَقد جرى ذكر هَذَا فِي ذكر تَسْمِيَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفَأْرَة فويسقة
وَلَا أعلمني سَمِعت فِي هَذَا شَيْئا عنن غير الْفراء
أما الْمُنَافِق
فَهُوَ مَأْخُوذ من نافقاء اليربوع وَهُوَ جُحر من جحرته
قَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي وَله أَرْبَعَة جحرة والنافقاء وَهُوَ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ والقاصعاء تسمى بذلك لِأَنَّهُ يخرج تُرَاب الْجُحر ثمَّ يقصع بِبَعْضِه كَأَنَّهُ يسد بِهِ فَم الْجُحر وَمِنْه يُقَال خرج قد
(1/249)

قصع بِالدَّمِ إِذا امْتَلَأَ وَلم يسل
والداماء
سمي بذلك لِأَنَّهُ يخرج التُّرَاب من فَم الْجُحر ثمَّ يدم بِهِ فَم الآخر كَأَنَّهُ يطليه بِهِ وَمِنْه يُقَال ادمم قدرك بشحم أَو طحال أَي اطلها بِهِ
والراهطاء
وَلم يذكر اشتقاقه قَالَ وَإِنَّمَا يتَّخذ هَذِه الْحُجْرَة عددا لَهُ فَإِذا أَخذ عَلَيْهِ بَعْضهَا خرج من بعض وَكَأن النافقاء هُوَ الَّذِي يخرج مِنْهُ كثيرا لم يدْخل فِيهِ كثيرا
قَالَ أَبُو زيد هِيَ الَّتِي يخرج مِنْهَا إِذا فزع فَيُقَال قد نفق ونافق فَشبه الْمُنَافِق بِهِ لِأَنَّهُ يدْخل فِي الْإِسْلَام بِلَفْظِهِ وَيخرج مِنْهُ بعقده كَمَا يدْخل اليربوع من بَاب وَيخرج من بَاب
وَأما الْفَاجِر
فَهُوَ المائل والفجور الْميل قَالَ لبيد [من الطَّوِيل] ... وَإِن أخرت فالكفل فَاجر ...
وَلذَلِك قيل للكاذب فَاجر لِأَنَّهُ مَال عَن الصدْق وَقَالَ أَعْرَابِي فِي عمر رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ أَتَاهُ فَشَكا إِلَيْهِ نقب إبِله ودبرها
(1/250)

واستحمله فَقَالَ لَهُ كذبت وَلم تحمله من الرجز ... أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر ... مَا مَسهَا من نقب وَلَا دبر
اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر ... فَكَأَن الْفَاجِر المائل عَن الْحق
وَأما الملحد
فَهُوَ الْعَادِل الجائر عَن الْقَصْد وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا} أَي يَجُورُونَ ويعدلون وَمِنْه سمي اللَّحْد لِأَنَّهُ فِي نَاحيَة وَلَو كَانَ مُسْتَقِيمًا لَكَانَ ضريحا يُقَال ألحدت ولحدت
وَكَانَ الْأَحْمَر يفرق بَينهمَا فَيَقُول ألحدت ماريت وجادلت ولحدت جرت وملت وَقد قرئَ باللغتين جَمِيعًا يلحدون ويلحدون
(1/251)

ذكر أهل الْأَهْوَاء والرافضة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي ذكر ماجاء فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذكر أهل الْأَهْوَاء والرافضة والخوارج والمرجئة والقدرية وَمن أَيْن أَخذ كل حرف مِنْهَا
الرافضة
بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ إِنَّمَا سميت الرافضة لأَنهم رفضوا زيد بن عَليّ وتركوه ثمَّ لزم هَذَا الِاسْم كل من غلا مِنْهُم فِي مذْهبه وتنقص السّلف
وَأما الْخَوَارِج
فَإِنَّهُم سموا بذلك لخروجهم عَن الْبَيْضَة وشقهم الْعَصَا وَلذَلِك سماهم المارقين والمروق الْخُرُوج
(1/252)

وَأما الشراة
فَإِنِّي أحسبهم المسمين أنفسهم بِهِ يُرِيدُونَ أَنهم شروا أنفسهم لله أَي باعوها وَاسْتَخْرَجُوا ذَلِك من قَول الله جلّ وَعز {وَمن النَّاس من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله} وَهَذَا حرف من حُرُوف الأضداد
تَقول شريت الشَّيْء بِمَعْنى اشْتَرَيْته وشريت الشَّيْء بِعته وَمثله بِعْت الشَّيْء وَأَنت تُرِيدُ بِعته واشتريته وَمثله شعبت الشَّيْء جمعته وفرقته وَإِنَّمَا سميت الْمنية شعوب لِأَنَّهَا تفرق وخفيت الشَّيْء أظهرته وكتمته وأسررت الشَّيْء أخفيته وأعلنته وواحدهم شار أَي بَائِع
وَأما المرجئة
فَيُقَال بهمز وَبِغير همز وَهُوَ من أرجيت الشَّيْء وأرجأته إِذا أَنْت أَخَّرته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ} يقْرَأ مهموزا وَغير مَهْمُوز وَمثله مِمَّا يُقَال بِالْهَمْز وَبِغير الْهَمْز دارأتك
(1/253)

وداريتك وروأت فِي الْأَمر وَرويت وناوأت الرجل وناويته وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم زَعَمُوا أَن الْإِيمَان قَول وأرجؤا الْعَمَل
وَأما الْقَدَرِيَّة
فَإِنَّهُم منسوبون إِلَى الْقدر وَفِيه لُغَة أُخْرَى الْقدر وَبَلغنِي عَن الْكسَائي أَنه قَالَ يُقَال هَذَا قدر الله وَقدره وَقَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} لَو ثقلت كَانَ صَوَابا وَفِي قَوْله {أَوديَة بِقَدرِهَا} لَو خففت كَانَ صَوَابا وَأنْشد [من الطَّوِيل] ... وَمَا صب رجْلي فِي حَدِيد مجاشع ... مَعَ الْقدر إِلَّا حَاجَة لي أريدها ...
أَرَادَ الْقدر وَيُقَال هَذَا على قدر هَذَا وَقدر هَذَا
قَالَ الْأَصْمَعِي أَنْشدني عِيسَى بن عمر لبدوي [من الْخَفِيف] ... كل شَيْء حَتَّى أَخِيك مَتَاع ... وبقدر تفرق واجتماع
(1/254)

وَتقول قدرت الشَّيْء بِمَعْنى قدرته قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْهلَال إِذا غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ وَمِنْه قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فاقدروا قدر الْجَارِيَة الحديثة السن المشتهية للنَّظَر
وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يَزْعمُونَ أَن هَذَا الِاسْم لَا يلْزمهُم باللغة وَإِنَّمَا يلْزم غَيرهم وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك أَنه يدعا عَلَيْهِم أَنهم يَقُولُونَ لَا قدر فَكيف ينسبون إِلَى مَا يجحدون وَهَذَا تمويه من المحتج وَإِنَّمَا لَزِمَهُم لأَنهم يضيفون إِلَى أنفسهم الْقدر وَغَيرهم يَجعله لله عز وَجل دون نَفسه ومدعي الشَّيْء لنَفسِهِ أَحْرَى بِأَن ينْسب إِلَى ذَلِك الشَّيْء من جعله لغيره
(1/255)

حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَفْسِير غَرِيبه ومعانيه
1 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أهل الْجنَّة الضُّعَفَاء المغلبون وَأهل النَّار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع
حَدثنِي أبي رَحمَه الله قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن مُوسَى بن عَليّ عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النبيت صلى الله عَلَيْهِ وَسلم [34 / ب] وَأَخْبرنِي السجسْتانِي سهل بن مُحَمَّد عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ سعيد بن أَوْس بن ثَابت أَنه قَالَ الجواظ الْكثير اللَّحْم المختال فِي مشيته يُقَال جاظ يجوظ جوظانا (2) . وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِيهِ نَحْو ذَلِك وَأنْشد لرؤبة [من الرجز] : ... يَعْلُو بِهِ ذَا العضل الجواظا ...
قَالَ وَقَالَ أَبُو زيد والجعظري الَّذِي يتنفج لما لَيْسَ عِنْده وَهُوَ إِلَى الْقصر مَا هُوَ قَالَ الْأَصْمَعِي وَيُقَال أَيْضا جعظار وجعظارة
(1/256)

وَرُوِيَ عَن خلف أَنه سَأَلَ أَبَا الخضري عَن الجعظارة فَقَالَ بيدَيْهِ وألزق ضبعيه إِلَى جَنْبَيْهِ وَضم أَصَابِع يَدَيْهِ وَجعل كَأَنَّهُ يتجمع ويتوتر وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجز لَهُ يصف رجلا من الرجز ... لَيْسَ بقساس وَلَا نم نجث ... وَلَا يجواظ العشيات مغث
بالجار يعلق حبله ضبس شبث ...
القساس المتجسس والنجث الَّذِي يسْتَخْرج الْأَخْبَار والنجيثة تُرَاب الْبِئْر إِذا أخرج وَقد جَاءَ هَذَا الْحَرْف مُفَسرًا فِي حَدِيث آخر
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي القومسي عَن أبي نعيم قَالَ حَدثنِي الْبَراء بن عبد الله عَن عبد الله بن شَقِيق عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أَلا أنبئكم بِأَهْل النَّار كل جعطري هم الَّذين لَا يألمون رُؤْسهمْ أَرَادَ أَنهم المصحون وَلم يرد الرَّأْس خَاصَّة دون سَائِر الْبدن فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك فلَان مَا صدع رَأسه قطّ يُرِيد مَا اعتل وَقد جَاءَ هَذَا الحرفان فِي حَدِيث آخر بلغَة أُخْرَى مفسرين
حَدثنِي أبي حَدثنِي عَبدة بن عبد الله الصفار عَن يحيى بن آدم عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا أنبئك بِأَهْل الْجنَّة قلت بلَى قَالَ كل ضَعِيف متضعف ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله
(1/257)

جلّ وَعز لَأَبَره أَلا أنبئك بِأَهْل النَّار كل جظ جعظ مستكبر قلت مَا الجظ قَالَ الضخم قلت مَا الجعظ قَالَ الْعَظِيم فِي نَفسه
2 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بالأبكار فَإِنَّهُنَّ أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ أَحْمد ابْن الْخَلِيل عَن عبد الرحمن بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي ثَنَا مُحَمَّد بن طَلْحَة التَّيْمِيّ عَن عبد الرحمن بن سَالم بن عتبَة بن عويم بن سَاعِدَة عَن ابيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
قَوْله أنتق أرحاما يُرِيد أَكثر أَوْلَادًا قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال امْرَأَة ناتق أَي كَثِيرَة الْوَلَد وَأخذ من نتق السقاء وَهُوَ نفضه حَتَّى تقتلع الزبدة مِنْهُ وَقَالَ النَّابِغَة يصف جَيْشًا [من الْكَامِل] ... لم يحرموا حسن الْغذَاء وأمهم ... دحقت عَلَيْك بناتق مذكار ...
يُرِيد أَنهم غذوا غذَاء حسنا فنموا وكثروا وَقَوله دحقت عَلَيْك بناتق أَي هِيَ نَفسهَا ناتق كَمَا قَالَ الأخطل [من الطَّوِيل] ... بنزوة لص بعد مَا مر مُصعب ... بأشعث لَا يفلى وَلَا هُوَ يغسل
(1/258)

يُرِيد أَنه مر مُصعب وَهُوَ كَذَلِك
قَالَ أبي وأنشدنا الرياشي [من الرجز] ... ينتقن أقتاد الشليل نتقا ...
يَعْنِي إبِلا أَي ينفضن قَالَ وَيُقَال نتق الْمَاشِيَة الْكلأ وَهُوَ من هَذَا قَالَ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة} قَالَ كَأَنَّهُ قلع من أَصله
3 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث موادعته أهل مَكَّة وَإِسْلَام أبي سُفْيَان وَأَنه رأى الْمُسلمين لما قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّلَاة قَامُوا فَلَمَّا كبر كبروا فَلَمَّا ركع ركعوا ثمَّ سجد فسجدوا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان للْعَبَّاس يَا أَبَا الْفضل مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَة قوم وَلَا فَارس الأكارم وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن زِيَاد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة قَوْله وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَرَادَ قُرُون شُعُورهمْ وَكَانُوا يطولون ذَلِك فَكَانُوا يعْرفُونَ بِهِ وَقَالَ فِي قَول المرقش [من الْخَفِيف]
(1/259)

.. أبلغ الْمُنْذر المنقب عني ... غير مستعتب وَلَا مستعين
لات هُنَا وليتني طرف الز ... ج وَأَهلي بِالشَّام ذَات الْقُرُون ...
لات هُنَا أَي لَيْسَ هَذَا وَقت لدادتك والزج مَوضِع وَقَوله بِالشَّام ذَات الْقُرُون أَرَادَ الرّوم وَكَانُوا ينزلون الشَّام كَأَنَّهُ قَالَ بِالشَّام ذَات الْعَدو أَي لَيْتَني فِي بِلَاد الْعَدو
وَقد جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث آخر هَذَا الْحَرْف كالمفسر حَدثنِي أبي حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي عَمْرو عَن ابْن محيريز قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَارس نطحة أَو نطحتين ثمَّ لَا فَارس بعْدهَا أبدا وَالروم ذَات الْقُرُون كلما هلك قرن خلف مَكَانَهُ قرن أهل صَخْر وبحر هَيْهَات آخر الدَّهْر وَهَذَا حَدِيث مُنْقَطع فَإِن صَحَّ فَهُوَ مَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام
4 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عكراش بن ذُؤَيْب بَعَثَنِي بَنو مرّة بن عبيد بصدقات أَمْوَالهم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقدمت عَلَيْهِ بِإِبِل كَأَنَّهَا عروق الأرطى وَذكر حَدِيثا طَويلا فِيهِ أَنه أكل مَعَه قَالَ فأتينا بِجَفْنَة كَثِيرَة الثَّرِيد والوذر
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو الغنوي ثَنَا الْعَلَاء بن الْفضل
(1/260)

عَن عبيد الله بن عكراش عَن أَبِيه قَوْله كَأَنَّهَا عروق الأرطى فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه اراد كَأَنَّهَا حمر وحمر الْإِبِل كرامها وَلذَلِك يُقَال مَا يسرني بِكَذَا حمر النعم
وَالْآخر أَنه اراد أَنَّهَا دقاق رقاق كعروق الأرطى وَذَلِكَ من أَمارَة كرمها
والمعنيان جيدان جَمِيعًا لِأَن الشُّعَرَاء تشبه الثور وَالْحمار بعروق الشَّجَرَة فِي الضمر وَفِي الْحمرَة وتصف عروق الأرطى بالحمرة وَكَذَلِكَ السدر قَالَ الْهُذلِيّ يصف حمارا من مجزوء الْكَامِل ... خاظ كعرق السدر يسْبق غَارة الخوص النجائب ...
قَالَ الْأَصْمَعِي أَرَادَ كَأَنَّهُ فِي حمرته عرق سِدْرَة وَلَيْسَ يجوز أَن يكون أَرَادَ الضمر هَا هُنَا لِأَنَّهُ قَالَ خاظ والخاظي الممتليئ وَقَالَ العجاج يصف ثَوْر الْحفر عَن أصل أَرْطَاة [من الرجز] ... إِذا انتحى كالنابت المثير ... مرت لَهُ دون الرجا المحفور
نواشط الأرطاة كالسيور ...
أَي يعْتَرض لَهُ عروق الشَّجَرَة دون الرجا يَعْنِي نَاحيَة الكناس والنواشط عروق تَأْخُذ من جَانب إِلَى جَانب وَشبه
(1/261)

عروقها بالسيور فِي الرقة وَفِي الْحمرَة كَمَا قَالَ ذُو الرمة يصف ثورا بحفرة فِي أصل شَجَرَة [من الطَّوِيل] ... توخاه بالأظلاف حَتَّى كَأَنَّمَا ... يثير الكباب الْجَعْد عَن متن محمل ...
قَالَ الْأَصْمَعِي الْمحمل حمالَة السَّيْف شبه عروق الشَّجَرَة بحمرة حمائل السَّيْف قَالَ والكباب مَا تكبب من الرمل وَقَالَ آخر [من الْكَامِل] ... تَيْس قعيد كالوشيجة أعضب ... قَالُوا الوشيجة عرق الشَّجَرَة شبه بهَا فِي الضمر وَقَوله كَثِيرَة الوذر يُرِيد كَثِيرَة بضع اللَّحْم واحدتها وذرة
قَالَ أَبُو زيد يُقَال وذرت الوذرة أذرها وذرا وبضعتها أبضعها بضعا سَوَاء
وحَدثني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ رجل جاؤوا بثريدة ذَات حفافين من الْبضْع أَو الوذر وجناحين من الْعرَاق تجذب أولاها فتنقعر أخراها وَإِنَّمَا فرق بَين الْبضْع وَالْعراق لِأَن الْعرَاق الْعِظَام وَاحِدهَا عرق وَهِي تسمى عراقا إِذا كَانَت جردا لَا لحم عَلَيْهَا وَتسَمى عَلَيْهَا اللَّحْم عراقا لِأَنَّهَا تتعرق فَيُؤْخَذ مَا عَلَيْهَا من
(1/262)

اللَّحْم وَهِي فِي هَذَا الحَدِيث عَلَيْهَا اللَّحْم
وَمثله حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه دخل على أم سَلمَة وَقد تَوَضَّأ فانتشل كَتفًا أَو تنَاول عرقا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ وَأما موَاضعهَا وَهِي جرد فَمثل حَدِيث جَابر أَنه قَالَ أكلت مَعَ أبي بكر خبْزًا وَلَحْمًا وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ وَفِي يَده عرق يتمشمشه ثمَّ دلك يَده وَصلى وَلم يتَوَضَّأ
وَمثل قَول الْأَعرَابِي وَكَانَ يطرد الطير عَن زرع فِي سنة جَدب [من الرجز] ... عجبت من نَفسِي وَمن إشفاقها ... وَمن مطرادي الطير عَن أرزاقها
فِي سنة قد كشفت عَن سَاقهَا ... حَمْرَاء تبري اللَّحْم عَن عراقها
وَالْمَوْت فِي عنقِي وَفِي أعناقها ...
وَيُقَال ألأم من كلب على عرق
حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا الرياشي عَن أبي زيد أَنه قَالَ قَول النَّاس ثريدة كَثِيرَة الْعرَاق خطأ لِأَن الْعرَاق الْعِظَام وَلَكِن يُقَال
(1/263)

ثريدة كَثِيرَة الوذر وَأنْشد [من الوافر] ... إِذا استهديت من لحم فأهدي ... من المأنات أَو فدر السنام
وَلَا تهدي الْأَمر وَمَا يَلِيهِ ... وَلَا تهدن معروق الْعِظَام ...
المأنة الطفطفة الَّتِي عَلَيْهَا الشَّحْم تكون بَين الضدع والسرة وَالْأَمر المصارين ومعروق الْعِظَام هُوَ الْعرَاق وَلم يَأْتِ فعال بنية لجَمِيع إِلَّا فِي حُرُوف يسيرَة قَالُوا رخل ورخال وتؤم وتؤام وشَاة ربى وَهِي الَّتِي ولدت وغنم ربَاب وفرير وَهُوَ ولد الْبَقَرَة وفرار وعرق وعراق قَالَ الرياشي والعرام مثله يُقَال عرمت الْعظم أعرمه وَحدثنَا الرياشي عَن أبي عَاصِم عَن أبي مُحَمَّد بن السّمع قَالَ رَأَيْت أَبَا الْملح قيد ابْنا لَهُ فِي عرام
5 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أعْطى بِلَال بن الْحَارِث معادن الْقبلية جلسيها وغوريها
(1/264)

حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ حَدثنِي أبي عَن ثَوْر بن زيد عَن خَاله مُوسَى بن ميسر ة مولى بني الدئل عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَوْله جلسيها يَعْنِي نجديها وَيُقَال لنجد جلس قَالَ الْأَصْمَعِي وكل مُرْتَفع جلس يُقَال جبل جلس أَي مشرف وَيُقَال جلس الرجل إِذا أَتَى نجدا فَهُوَ جَالس قَالَ الشماخ وَذكر نَاقَته [من الطَّوِيل] ... فمرت على مَاء العذيب وعينها ... كوقب الصَّفَا جلسيها قد تغورا ...
جعل نجدا والغور لعينها مثلا أَرَادَ أَن مَا كَانَ من عينهَا عَالِيا بارزا قد غَار قَالَ الْهُذلِيّ [من الطَّوِيل] ... إِذا مَا جلسنا لَا تزَال ترومنا ... سليم لَدَى أَبْيَاتنَا وهوازن ...
أَي أنجدنا والقبلية من نَاحيَة الْفَرْع
6 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه بعث عشرَة عينا وَأقر عَلَيْهِم عَاصِم بن ثَابت فَلَقِيَهُ الْمُشْركُونَ فَقَالَ من الرجز
(1/265)

.. أَبُو سُلَيْمَان وَرِيش المقعد ... ووبر من متن ثَوْر أجرد
وضالة مثل الْجَحِيم الموقد ...
فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ حَتَّى قتلوره فِي سَبْعَة وَبعثت قُرَيْش إِلَى عَاصِم ليأتوا بِرَأْسِهِ وَشَيْء من جسده فَبعث الله جلّ وَعز عَليّ مثل الظلة من الدبر فحمته حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَمْرو بن أبي سُفْيَان الثَّقَفِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَقَوله أَبُو سُفْيَان يَعْنِي نَفسه والمقعد رجل كَانَ يعْمل النبل ويريشها وَكَانَ مقْعدا وضالة شَجَرَة من السدر تعْمل مِنْهَا النبل والضال من السدر مَا بعد من المَاء والعبري مَا نبت على شطوط الْأَنْهَار وَعظم وَكَانَ نبله الَّتِي كَانَت مَعَه من ضَالَّة وراشها هَذَا المقعد يَقُول فَمَا عِنْدِي وَأَنا عَاصِم وقوسي ونبلي هَكَذَا فِي أَن لَا أقاتلهم
وَقَوله مثل الْجَحِيم الموقد شبه السِّهَام بالجمر قَالَ الْهُذلِيّ من الطَّوِيل ... أذبهم بِالسَّيْفِ ثمَّ أبثها ... عَلَيْهِم كَمَا بَث الْجَحِيم القوابس ... [38 / أ]
قَالَ الْأَصْمَعِي الْجَحِيم الْجَمْر هَاهُنَا شبه النبلأ بهَا
قَالَ أَوْس بن حجر [من الطَّوِيل]
(1/266)

.. تخيرن أنضاء وركبن أنصلا ... كجمر غضا فِي يَوْم ريح تزيلا ...
والأنضاء القداح الَّتِي لم تبر وَالْوَاحد نضي وَقَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ فِي مثله من الْكَامِل ... ومعابلا صلع الظبات كَأَنَّهَا ... جمر بمسهكة تشب لمصطلي ...
المسهكة الْموضع الَّذِي تسهك فِيهِ الرّيح أَي تمر مرا سَرِيعا يُقَال ريح سهوك وَقَوله ضَالَّة مثل الْجَحِيم أَرَادَ سهاما من ضَالَّة مثل الْجَحِيم فَسُمي النبل ضَالَّة أَي تعْمل مِنْهَا وَمثل ذَلِك قَول سَاعِدَة بن جؤية الْهُذلِيّ من الطَّوِيل ... أجزت بمخشوب صقيل وضالة ... مباعج ثجر كلهَا أَنْت شائف ...
أَلا ترَاهُ أَنه قَالَ ضَالَّة ثمَّ وصفهَا بِصِفَات النبل فَقَالَ مباعج وَهِي العراض الْجراح والثجر العراض الأوساط لِأَنَّهُ أَرَادَ نبْلًا عملت مِنْهَا وشائف حَال والدبر جمَاعَة النَّحْل وَكَذَلِكَ الثول والخشرم وَلَا وَاحِد لشَيْء من هَذَا وَهُوَ كَمَا يُقَال لجَماعَة الْجَرَاد رجل ولجماعة النعام خيط ولجماعة الظباء إجل وَلَيْسَ بِشَيْء من هَذَا وَاحِد
(1/267)

6 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله الله نشدتك بِاللَّه إِلَّا قضيت بَيْننَا بِكِتَاب الله فَقَامَ خَصمه وَكَانَ أفقه مِنْهُ فَقَالَ صدق أقض بَيْننَا بِكِتَاب الله وأئذن لي فَقَالَ قل قَالَ إِن ابْني كَانَ عسيفا على هَذَا فزنى بامرأته [38 / ب] فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَة شَاة وخادم ثمَّ سَأَلت رجَالًا من أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام وعَلى امْرَأَة هَذَا الرَّجْم فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله الْمِائَة الشَّاة وَالْخَادِم رد عَلَيْك وعَلى ابْنك جلد مائَة وتغريب عَام وعَلى امْرَأَة هَذَا الرَّجْم فاغد يَا أنس على امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها فغدا عَلَيْهَا فَاعْترفت فرجمها
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثناه سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد وشبل يذهب قوم من أهل الزيغ والهوى إِلَى أَن الْقُرْآن قد نقص مِنْهُ وَغير وَحذف بعض أَحْكَامه وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الحَدِيث لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله ثمَّ حكم بِالنَّفْيِ وَالرَّجم
(1/268)

وَلَيْسَ لَهما فِي الْقُرْآن ذكر وَقَالُوا فِي هَذَا دَلِيل على أَنَّهُمَا كَانَا فِيهِ بِكِتَاب الله هَا هُنَا الْقُرْآن وَإِنَّمَا أَرَادَ لأقضين بَيْنكُمَا بِمَا كتب الله أَي بِمَا فرض
وَالْكتاب يتَصَرَّف على وُجُوه قد ذكرتها فِي كتاب تَأْوِيل مُشكل الْقُرْآن وَمِنْهَا الْفَرْض قَالَ الله جلّ وَعز {كتاب الله عَلَيْكُم وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} أَي فَرْضه عَلَيْكُم وَقَالَ {كتب عَلَيْكُم الْقصاص} أَي فرض
وَقَالَ تَعَالَى {وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال} أَي فرضت وَقَالَ تَعَالَى {وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ} أَي فَرضنَا عَلَيْهِم فِيهَا وَقَالَ الْجَعْدِي [من الطَّوِيل] ... وَمَال الْوَلَاء بالبلاء فملتم ... وَمَا ذَاك قَالَ الله إِذْ هُوَ يكْتب ...
أَرَادَ مَالَتْ الْقَرَابَة بأحسابنا إِلَيْكُم وَمَا ذَاك قَالَ الله إِذْ هُوَ يحكم
7 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أنس بن مَالك قَالَ كناني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببقلة كنت أجتنيها
(1/269)

وحدثنيه أبي قَالَ حَدثنِي زيد بن أخزم الطَّائِي ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة عَن جَابر عَن أبي نصر عَن انس بن مَالك كَانَ أنس يكنى أَبَا حَمْزَة والحمزة فِي الطَّعَام لذعة وقرصة للسان يُقَال طَعَام فِيهِ حروة وَحَمْزَة فالحروة حرارة والحمزة حِدة وحرافة فِيهِ تقرص اللِّسَان كقرص الْخَرْدَل وأشباهه للفم
قَالَ ابو حَاتِم تغدى أَعْرَابِي مَعَ قوم وَاعْتمد على الْخَرْدَل فَقَالُوا مَا يُعْجِبك مِنْهُ قَالَ حراوته وحمزه وَمن ذَلِك حَدِيث رَوَاهُ أَبُو معمر عَن عبد الوارث عَن أبي عَمْرو قَالَ شرب عمر شرابًا فِيهِ حمازة يُرِيد شرابًا يحذي للسان إِمَّا لحموضة أَو غير ذَلِك وَمِنْه قَول الشماخ [عَن الطَّوِيل]
وَفِي الْقلب حزاز من اللوم حامز ...
أَي ممض للفؤاد محرق وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ أحمزها يُرِيد أمضها وأشقها وَكَأن البقلة الَّتِي كَانَ يجتنيها أنس كَانَ فِيهَا حَمْزَة أَي لذع اللِّسَان إِذا أكلت فسميت بِفِعْلِهَا وكنى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أنسا بهَا
8 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت أَتَيْته بقناع من رطب وَأجر زغب فَأكل مِنْهُ يرويهِ أسود بن عَامر عَن شريك عَن عبد الله بن مُحَمَّد
(1/270)

ابْن عقيل عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قنع وَهُوَ الطَّبَق الَّذِي تجْعَل فِيهِ الْفَاكِهَة أَو غَيرهَا ثمَّ يَأْكُلُون عَلَيْهِ جمعه أقناع وَقَالَ غَيره عَن ابي زيد أَنه يُقَال لَهُ القناع أَيْضا على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث والزغب القثاء
وَفِي حَدِيث آخر أَنه أهدي إِلَيْهِ ضغابيس وَهِي صغَار القثاء وَمِنْه قيل للرجل الضَّعِيف ضغبوس بِسَبَبِهَا فِي الضعْف
وَأَخْبرنِي عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عَن عَمه الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الضغابيس نبت ينْبت فِي أصل الثمام يشبه الهليون يسلق وَيجْعَل بالخل وَالزَّيْت ويؤكل
وروى الزيَادي عَنهُ نَحْو ذَلِك وَقَالَ وَإِن عجوزا قيل لَهَا مَا طَعَامك فَقَالَت الْحَار والقار وَمَا حشت بِهِ النَّار وَإِن ذكرت الضغابيس فَإِنِّي ضغبة قَالَ وضغبة مُشْتَقّ مِنْهُ وَأجر جمع جرو وَيجمع أَيْضا أجراء مَمْدُود وجرو القثاء وَالرُّمَّان والحنظل صغاره قَالَ الشَّاعِر وَذكر ظليما [من السَّرِيع]
(1/271)

.. أصك صعل ذُو جران شاخص ... وَهَامة فِيهَا كجرو الرُّمَّان ...
أَي صَغِيرَة
9 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لما طعن أبي بن خلف بالعنزة بَين ثدييه انْصَرف إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ قتلني ابْن أبي كَبْشَة فنظروا فَإِذا هُوَ خدش فَقَالَ لَو كَانَت بِأَهْل ذِي الْمجَاز لقتلتهم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الْمطلب بن حنْطَب
كَانَ الْمُشْركُونَ ينسبون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أبي كَبْشَة وَكَانَ أَبُو كَبْشَة رجلا من خُزَاعَة خَالف قُريْشًا فِي عبَادَة الْأَوْثَان وَعبد الشعرى العبور وَحكي أَنه كَانَ يَقُول إِن الشعرى العبور قطعت السَّمَاء عرضا وَلم يقطع السَّمَاء عرضا نجم غَيرهَا فسميت بذلك عبورا فعبدها وَخَالف قُريْشًا فَأنْزل الله جلّ وَعز {وَأَنه هُوَ رب الشعرى} أَي هُوَ رب هَذَا النَّجْم المعبود من دونه فَلَمَّا خالفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عبَادَة الْأَوْثَان ودعاهم إِلَى غَيرهَا قَالُوا هَذَا ابْن أبي كَبْشَة تَشْبِيها لَهُ
(1/272)

بِهِ يُرِيدُونَ أَنه خَالَفنَا كَمَا خَالَفنَا وَيُقَال كَانَ وهب بن عبد منَاف بن زهرَة جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمه ابْن بنت كَبْشَة فَأَبُو كَبْشَة جد جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمه يذهبون إِلَى أَنه نزع إِلَيْهِ فِي الشّبَه
10 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه خطب فَذكر الدَّجَّال وَقتل الْمَسِيح لَهُ قَالَ فَلَا يبْقى شَيْء مِمَّا خلقه الله جلّ وَعز يتَوَارَى بِهِ يَهُودِيّ إِلَّا أنطق الله ذَلِك الشَّيْء لَا شَجَرَة وَلَا حجر وَلَا دَابَّة إِلَّا فَيَقُول يَا عبد الله الْمُسلم هَذَا يَهُودِيّ فاقتله إِلَّا الغرقدة فَإِنَّهَا من شجرهم فَلَا تنطق وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل دَابَّة حَتَّى يدْخل الْوَلِيد يَده فِي الحنش فَلَا يضرّهُ وَتَكون الأَرْض كفاثور الْفضة تنْبت كَمَا كَانَت تنْبت على عهد آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجْتَمع النَّفر على القطف فيشمعهم
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن يُونُس بن عبد الرحيم الْعَسْقَلَانِي وَأحمد بن الْوَلِيد بن برد عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن يحيى بن عَمْرو عَن عَمْرو بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ عَن ابي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْغَرْقَد شجر من العضاه والعضاه كل شجر لَهُ شوك مثل الطلح وَالسّلم والسمر والسدر
وَبَلغنِي أَن الْغَرْقَد كبار العوسج إِنَّمَا قيل لمدفن أهل الْمَدِينَة
(1/273)

بَقِيع الْغَرْقَد لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ غرقد قَالَ ذُو الرمة [من الرجز] ... ألفن ضَالًّا نَاعِمًا وغرقدا ...
وَقَوله وتنزع حمة كل دَابَّة يُرِيد سمها وضرها والعامة تذْهب الى أَن حمة الْعَقْرَب شوكتها وَلَيْسَ كَذَلِك انما الْحمة سمها والشوكة هِيَ الابرة والحنش الأفعى قَالَ ذُو الرمة [من الطَّوِيل] ... وَكم حَنش ذعف اللعاب كَأَنَّهُ ... على الشّرك العادي نضو عِصَام ...
والذعف الْقَاتِل وَمِنْه قيل موت ذعاف أَي سريع الاجهاز والعصام حَبل الْقرْبَة شبه الأفعى بِحَبل خلق وَأما فاثور الْفضة فَفِيهِ قَولَانِ يُقَال انه خوان من فضَّة وَيُقَال انه جَام من فضَّة قَالَ لبيد وَذكر النُّعْمَان [من الطَّوِيل] ... حقائبهم رَاح عَتيق ودرمك ... وريط وفاثورية وسلاسل ...
يُقَال فِي الفاثورية أَنَّهَا أخونة وَيُقَال جامات والدرمك
(1/274)

الْحوَاري والسلاسل مَا يتسلسل من صفائه وسهولته وَيُقَال للخمر أَيْضا سلسل وانما أَرَادَ أَن الأَرْض تنقى من كل دغل وَشَوْك حَتَّى تعود الى حَالهَا فِي زمن آدم عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ يروي الحَدِيث: ان الأَرْض أنبتت الشوك بعد قتل ابْن آدم أَخَاهُ.
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّوْرَاة وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن سعيد الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ ابْن صياد عَن تربة الْجنَّة فَقَالَ: درمك بَيْضَاء مسك خَالص فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق.
وَذكر خَالِد بن صَفْوَان الدِّرْهَم فَقَالَ يطعم الدرمق ويكسو النرمق.
أَرَادَ النرم بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ اللين وَأَرَادَ بالدرمق الْحوَاري وَيُقَال درمك أَيْضا وَفِي الحَدِيث: ان النَّاس يحشرون على الأَرْض بَيْضَاء كقرصة النقي يُرِيد
(1/275)

الحوارى والقطف العنقود
والمحدثون أَو أَكْثَرهم يَرْوُونَهُ بِفَتْح الْقَاف وَالْقِيَاس أَن يكسر لِأَنَّهُ اسْم مَا قطف فَأَما القطف بِالْفَتْح فَهُوَ مصدر قطفت وَمثل ذَلِك الذّبْح وَالذّبْح فالذبح مصدر ذبحت وَالذّبْح الْمَذْبُوح والرعي والرعي فالرعي مصدر رعيت والرعي الْكلأ والطحن والطحن فالطحن مصدر طحنت والطحن الدَّقِيق وَمثل هَذَا كثير
11 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه نهى عَن الْجَلالَة وَالْمُجَثمَة وَفِي حَدِيث آخر وَنهى عَن الْخَطفَة
حَدثنِي أبي حَدثنِي بِالْأولِ القومسي عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أما الْجَلالَة فَهِيَ الَّتِي تَأْكُل الجلة والجلة البعر كنى بهَا عَن الْعذرَة وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة ذَلِك وَمِنْه قَوْله لرجل سَأَلَهُ عَن لُحُوم الْحمير أطْعم أهلك من سمين مَالك فَإِنِّي إِنَّمَا كرهت لَك جوال الْقرْيَة جمع جالة وَهِي بِمَنْزِلَة الْجَلالَة وَأما الْمُجثمَة فَهِيَ الَّتِي جثمت على الْمَوْت يُقَال برك الْبَعِير وربضت الشَّاة وجثم الطَّائِر وجثمت الأرنب وجثمتها إِذا أَنا فعلت بهَا مكْرها لَهَا عَلَيْهِ
(1/276)

وَهِي بِمَنْزِلَة المصبوة والمصبورة المحبوسة على الْمَوْت يُقَال صبرت الْبَهِيمَة أصبرها صبرا إِذا انت أوثقتها ثمَّ قتلتها رميا وَضَربا وَمِنْه حَدِيثه عَلَيْهِ السَّلَام أَنه نهى عَن صَبر الرّوح رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الزُّهْرِيّ الخصاء صَبر شَدِيد وَبَين الجاثم والمجثم فرق فالجاثم من الصَّيْد يجوز لَك أَن ترميه حَتَّى تضطاده والمجثم فَهُوَ مَا ملكته فجثمته ثمَّ جعلته غَرضا ترميه حَتَّى تقتله
وَأما مَا جثمته على الذَّكَاة فَلَيْسَ من هَذَا
والخطفة قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت عَنْهَا الْأَصْمَعِي فَقَالَ لَا أعرف ذَلِك قَالَ وَقَالَ غَيره هُوَ مَا اقتطعته السَّبع من الدَّابَّة فاختطفه نهي عَن أكله وَكَذَلِكَ مَا أبنته عَن الصَّيْد عَن ضَرْبَة بِسيف أَو غَيره فَهُوَ ميتَة لَا يحل أكله وَالْأَصْل فِي ذَلِك الحَدِيث أَنه قدم الْمَدِينَة وَبهَا نَاس يَعْمِدُونَ إِلَى أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فيجبونها فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا وَقع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميتَة
12 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الْمُنَافِق مثل الشَّاة ين الربضين إِذا أَتَت هَذِه نطحتها وَإِذا
(1/277)

أَتَت هَذ نطحتها حَدَّثَنِيهِ ابي حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي ثَنَا أَبُو دَاوُد ثَنَا المَسْعُودِيّ ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن قَالَ بَينا أَنا جَالس عِنْد عبيد بن عُمَيْر وَعِنْده ابْن عمر قَالَ عبيد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ذكر ذَلِك فَقَالَ ابْن عمر إِنَّمَا قَالَ كشاة بَين غنمين فاختلط عبيد وَغَضب فَقَالَ ابْن عمر لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم أَقَله ربض الْغنم مأواها وَلَا أَحسب سمي ربضا إِلَّا أَنَّهَا تربض فِيهِ وَجمعه أرباض وَقَالَ العجاج [من الرجز] ... واعتاد أرباضا لَهَا آري ...
فَأَما الربيض فجماعة الْغنم فَإِن كَانَ الْحَرْف على مَا رَوَاهُ من الربضين فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ منزلَة شَاة بَين مربضي غنم وَإِن كَانَ بَين الربيضين فَلَا فرق بَينه وَبَين الْغَنَمَيْنِ وَقد يُقَال ذَلِك للجماعتين إِذا انْفَرَدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا يُقَال الغنمان والإبلان قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... هما سيدانا يزعمان وَإِنَّمَا ... يسوداننا أَن يسرت غنماهما ...
وَقَالَ الْحَارِث بن حلزة [من الْخَفِيف] ... عنتا بَاطِلا وظلما كَمَا تعتر حجرَة الربيض الظباء ...
(1/278)

قَالَ الْأَصْمَعِي العتر الذّبْح والعتر الذّبْح فِي رَجَب وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا فرعة وَلَا عتيرة والحجرة الحظيرة وتتخذ للغنم والربيض جمَاعَة الْغنم وَكَانَ الرجل من الْعَرَب ينذر نذرا على شائه إِذا بلغت مئة أَن يذبح عَن كل عشر مِنْهَا شَاة فِي رَجَب فَكَانَت تسمى تِلْكَ الذَّبَائِح الرجبية والعتاتر فَكَانَ الرجل رُبمَا بخل بشائه فيصيد الظباء ويذبها عَن غنمه ليوفي بهَا نَذره فَقَالَ الشَّاعِر أَنْتُم تأذوننا بذنوب غَيرنَا كَمَا ذبح أُولَئِكَ الظباء عَن غَنمهمْ فَأَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمثل معنى قَول الله تَعَالَى {مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} وَلست أَدْرِي أَي شَيْء أنكر ابْن عمر من الربض أَو الربيض ومعناهما معنى الْغنم إِلَّا أَن يكون لذكر اللَّفْظ بِعَيْنِه دون الْمَعْنى وروى ابْن عمر فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث بَين غنمين
11 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن شُرَيْح بن هَانِئ قَالَ لعَائِشَة أَكَانَ رَسُول الله يُصَلِّي على الْحَصِير فَإِنِّي سَمِعت فِي كتاب الله تَعَالَى {وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا} فَقَالَت لم يكن يُصَلِّي عَلَيْهِ يرويهِ يزِيد عَن الْمِقْدَام [43 / أ] عَن أَبِيه عَن شُرَيْح عَن أَبِيه
(1/279)

أَنا أذكر هَذَا الحَدِيث للغلط فِي تاويله قَول الله جلّ وَعز {وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا} وَلِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَن عَائِشَة أَنه كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَصِير يبسطه بِالنَّهَارِ ويحتجره بِاللَّيْلِ يُصَلِّي عَلَيْهِ وروى ذَلِك مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي عَن عبد الله بن عمر عَن سعيد بن أبي سَلمَة بن عبد الرحمن عَن عَائِشَة
وَقَالَ أبي خبرني السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا} أَي محبسا وَهُوَ من قَوْلك حصرت الرجل إِذا حَبسته وضيقت عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قيل للْملك حَصِير لأنن مَحْجُوب فَهُوَ كالمحبوس وَأَحْسبهُ جَاءَ على فعيل بِمَعْنى مفعول قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل ... بني مَالك جَار الْحَصِير عَلَيْكُم ...
وَمِنْه قيل للبخيل حصر وَالَّذِي لَا يخرج مَعَه الشّرْب شَيْئا حصور وَقَوْلها يحتجره بِاللَّيْلِ أَي يحظره لنَفسِهِ دون غَيره وَمِنْه يُقَال احتجرت الأَرْض إِذا ضربت عَلَيْهَا منارا أَو أعلمت عَلَيْهَا علما فِي الْحُدُود للحيازة وَمِنْه حجر القَاضِي على الرجل حَتَّى
(1/280)

يقْضِي دينه وعَلى الْغُلَام المبذر حَتَّى يؤنس مِنْهُ الرشد
13 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عرْفجَة بن أسعد أُصِيب أَنفه يَوْم الْكلاب فِي الْجَاهِلِيَّة فَاتخذ أنفًا من ورق فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأمره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يتَّخذ أنفًا من ذهب
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو بن الْبَراء الغنوي [43 / ب] ثَنَا جناد بن هِلَال عَن ابي الْأَشْهب حَدثنِي عبد الرحمن بن طرفَة أَن عرْفجَة أُصِيب أَنفه وَذكر الحَدِيث الْوَرق الْفضة بِكَسْر الرَّاء وَالْوَرق بِفَتْح الرَّاء المَال من الْغنم وَالْإِبِل وَقَالَ لي يزِيد بن عَمْرو ذاكرت الْأَصْمَعِي بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخِذ أنفًا من ورق فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأَما الْوَرق فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة الذَّهَب لَا ينتن وأحسب الْأَصْمَعِي أَرَادَ بالورق الرّقّ الَّذِي كتب فِيهِ وَقد كنت أَحسب قَول الْأَصْمَعِي أَن الْوَرق لَا ينتن وَأَنه بِمَنْزِلَة الذَّهَب صَحِيحا ثمَّ خبرني بعض أهل الْخِبْرَة بهما أَن الذَّهَب لَا يبليه الثرى وَلَا يصدئه الندى وَلَا تنقصه الأَرْض وَلَا تَأْكُله النَّار وَلَا تَتَغَيَّر رِيحه على الفرك
وَأَنه ألطف شَيْء شخصا وأثقل شَيْء ميزانا قَالَ وقليله يلقى فِي الزئبق فيرسب ويلقى الْكثير من غَيره فيطفو
وَأَخْبرنِي أَن الْفضة تصدأ وتنتن وتبلى فِي الحمأة
وَقد روى أَبُو قَتَادَة عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد العزيز
(1/281)

فِي الْيَد إِذا قطعت أَن تختم بِالذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يقيح
14 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَأَن نَبِي الله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يحضر وَأَصْحَابه فيرغب إِلَى الله عز وَجل فَيُرْسل عَلَيْهِم النغف فِي رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس وَاحِدَة
قَالَ ثمَّ يُرْسل الله مَطَرا فتغسل الأَرْض حَتَّى يَتْرُكهَا كالزلفة
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن أَخِيه بن الْوَلِيد بن برد عَن بشر بن بكر عَن عبد الرحمن بن يزِيد عَن جَابر الْحِمصِي عَن عبد الرحمن بن نفير الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر ذَلِك
النغف دود يكون فِي أنوف الْغنم وَالْإِبِل واحدتها نغفة
وَمِنْه قَوْلك للرجل تحتقره يَا نغفة
وَقَوله فيصبحون فرسى أَي قَتْلَى وَمِنْه يُقَال فرس الذِّئْب الشَّاة يفرسها فرسا وَقد أَفرس الرَّاعِي إِذا فرس الذِّئْب شَاة من غنمه وَهَذِه فريسة الْأسد وأصل الْفرس دق الْعُنُق ثمَّ كثر وَاسْتعْمل حَتَّى صير كل قتل فرسا وَوَاحِد فرسى فريس مثل قَتِيل وقتلى وَأنْشد الْأَصْمَعِي لطفيل الغنوي [من الوافر]
(1/282)

.. وَيتْرك مَاله فرسى ويقرش ... إِلَى مَا كَانَ من ظفر وناب ...
يقرش يجمع وَمِنْه قيل قُرَيْش وَيُقَال ذبح الرجل ففرس إِذا بلغ النخاع وَهُوَ كالخيط الْأَبْيَض فِي الفقار ثمَّ دقه ولواه وَمِنْه الحَدِيث كره الْفرس فِي الذَّبِيحَة
وَيُقَال أَيْضا ذبح فنخع إِذا بلغ النخاع وَقَوله حَتَّى يَتْرُكهَا كالزلفة فالزلفة مصنعة المَاء وَجَمعهَا زلف قَالَ لبيد وَذكر ساقية تَسْقِي زرعا [من الْكَامِل] ... حَتَّى تحيرت الدبار كَأَنَّهَا ... زلف وَأُلْقِي قتبها المحزوم ...
والدبار المشارات تحيرت من كَثْرَة المَاء حِين لم يجد المَاء منفذا وَأُلْقِي قتب النَّاقة عِنْد فراغها وَيُقَال قتب وقتب مثل حلْس وحلس وَمثل وَمثل وَبدل وَبدل
واراد أَن الْمَطَر يكثر حَتَّى يقوم المَاء فِي الأَرْض فَتَصِير الأَرْض كَأَنَّهَا مصنعة من مصانع المَاء وَقد فسرت الزلفة فِي
(1/283)

الحَدِيث أَنَّهَا المحارة وَهِي الصدفة
وَلست أعرف هَذَا التَّفْسِير إِلَّا أَن يكون الغدير يُسمى محارة لِأَن المَاء يحور إِلَيْهِ ويجتمع فَيكون بِمَنْزِلَة تفسيرنا
15 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَتَرَى رَبنَا فَقَالَ أتضارون فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي غير سَحَاب قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنَّكُم لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته
يرويهِ عبد الله بن أدريس عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قُلْنَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك
وَفِي حَدِيث آخر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته
أما المحدثون أَو أَكْثَرهم فَيَقُولُونَ تضَارونَ وتضامون كَأَنَّهُ من الضير والضيم أَي لَا يضير وَلَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا بِأَن يَدْفَعهُ عَن ذَلِك أَو يستأثر دونه
وَقَالَ بعض أَصْحَاب اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ تضَارونَ وتضامون على تَقْدِير تفاعلون بإدغام الرَّاء وَالْمِيم فَأَما تضَارونَ فَهُوَ من الضرار والضرار أَن يتضار الرّجلَانِ عِنْد الِاخْتِلَاف يُقَال ضار فلَان فلَانا مضارة وضرارا وَقد وَقع الضرار بَينهمَا وَالِاخْتِلَاف قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي [من المتقارب]
(1/284)

.. وخصمي ضرار ذَوي مأقة ... مَتى يدن سلمهما يشغب ...
والمأقة الأنفة والحدة يُقَال رجل مئق وَالْمعْنَى أَنكُمْ لَا تختلفون وَلَا تمارون فيضار بَعْضكُم بَعْضًا
وَأما تضَامون فَإِنَّهُ من الانضمام يُرِيد أَنكُمْ لَا تختلفون فِيهِ حَتَّى تجتمعون للنَّظَر وينضم بَعْضكُم إِلَى بعض فَيَقُول وَاحِد هُوَ ذَاك وَيَقُول آخر لَيْسَ كَذَلِك فعل النَّاس عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال أول لَيْلَة من الشَّهْر
وَالْعرب تَقول للشَّيْء الْمُخْتَلف فِيهِ محلف ومحنث وَقَالُوا حضار وَالْوَزْن محلفان وهما نجمان يطلعان قبل طُلُوع سُهَيْل فِي نَاحيَة ة مطلعه ويأخذان على سمته ويشبهانه فِي المرأى فيختلف النَّاس فيهمَا ويتضامون فَيَقُول بَعضهم لأَحَدهمَا هَذَا سُهَيْل وَيَقُول بَعضهم لَيْسَ بِهِ وَلَا يزَال بهم الِاخْتِلَاف حَتَّى يحلف كل فريق مِنْهُم على مَا ادَّعَاهُ وَيُقَال كميت محلفة إِذا كَانَت تشبه الشقر وَغير محلفة إِذا كَانَت خَالِصَة الكمتة لَا تشبه الشقر فَيَقَع فِيهَا الِاخْتِلَاف وَالْحلف قَالَ الشَّاعِر [من الوافر] ... كميت غير محلفة وَلَكِن ... كلون الصّرْف عل بِهِ الْأَدِيم ...
16 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه
(1/285)

قَالَ سموا أَوْلَادكُم اسماء الْأَنْبِيَاء وَأحسن الْأَسْمَاء عبد الله وعبد الرحمن وَأصْدقهَا الْحَارِث وَهَمَّام وأقبحها حَرْب وَمرَّة
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عمرَان بن مُوسَى عَن يحيى بن صَالح عَن مُحَمَّد بن المُهَاجر عَن عقيل بن شهيب عَن أبي وهب الكلَاعِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أصدق الْأَسْمَاء الْحَارِث لِأَن الْحَارِث الكاسب يُقَال حرث فلَان إِذا كسب واحتراث المَال كَسبه وَلَيْسَ من أحد إِلَّا وَهُوَ يحرث قَالَ الله جلّ وَعز {من كَانَ يُرِيد حرث الْآخِرَة نزد لَهُ فِي حرثه وَمن كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا} أَي من كَانَ يُرِيد كسب الْآخِرَة نضاعف لَهُ كَسبه يُرِيد تَضْعِيف الْحَسَنَات وَمن كَانَ يُرِيد كسب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا
وحَدثني أبي حَدثنِي السجسْتانِي ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن الْعيزَار عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ احرث لدنياك كَأَنَّك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كَأَنَّك تَمُوت غَدا
(1/286)

قَالَ كثير [من المتقارب] ... بأيه أَبى إِذا مَا ذكرت عرفت خلائق مني ثَلَاثًا
عفافا ومجدا إِذا مَا الرِّجَال تبالوا خلائقهم واحتراثا ...
وَأما همام فَهُوَ من هَمت بالشَّيْء إِذا أردته وَلَيْسَ من أحد إِلَّا وَهُوَ يهم وأقبحهما حَرْب لما فِي الْحَرْب من المكاره وَمرَّة للمرارة وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحب الفأل الصَّالح وَالِاسْم الْحسن
حَدثنِي أبي حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو ثَنَا خَالِد بن يزِيد الصفار ثَنَا همام بن يحيى عَن حضرمي بن لَاحق أَو عَن أبي سَلمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد أرَاهُ عَن يحيى بن أبي كثير عَن حضرمي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكْتب إِلَى أمرائه إِذا أبردتم إِلَيّ بريدا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم
17 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إِن عَمْرو بن الْعَاصِ هجاني وَهُوَ يعلم أَنِّي لست بشاعر فاهجه اللَّهُمَّ والعنه عدد مَا هجاني أَو مَكَان مَا هجاني حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخطاب زِيَاد بن يحيى بن حسان ثناه أَبُو عتاب عَن عِيسَى بن عبد الرحمن السّلمِيّ حَدثنِي عدي بن ثَابت
(1/287)

عَن الْبَراء بن عَازِب أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
قَالَ ابو الْخطاب الشَّك من عِيسَى فِي عدد أَو مَكَان قَوْله أهجه يُرِيد جازه عَن الهجاء جَزَاء الهجاء وَمثل هَذَا كثير مِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من يسمع يسمع الله بِهِ وَمن يراءي يراءي الله بِهِ وَنَحْوه قَول الله عز وَجل {نسوا الله فنسيهم} وَالله أعلم جازاهم جَزَاء النسْيَان وَقد فسر تَرَكُوهُ فتركهم وَالْأَمر وَاحِد لِأَنَّهُ جازاهم جَزَاء التّرْك
وَقَوله تَعَالَى {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} وَجَزَاء السَّيئَة لَا يكون سَيِّئَة وَهُوَ من هَذَا أَرَادَ جَزَاء السَّيئَة مثلهَا عُقُوبَة وَقَوله {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم}
فالعدوان الأول ظلم وَالثَّانِي قصاص وَالْقصاص لَا يكون ظلما وَإِن خرج لَفظه كَلَفْظِ الأول
هَذَا قَول الْفراء ونرى هَذَا من قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/288)

كَانَ قبل إِسْلَام عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ
18 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من تَوَضَّأ للْجُمُعَة فبها ونعمت وَمن اغْتسل فَذَلِك أفضل حَدثنِي أبي حَدثنِي مُحَمَّد عَن عبد الله بن عبد الوهاب الحجني عَن أبي عوَانَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ ذَلِك
قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن التَّأْنِيث فِي قَوْله فبها فَقَالَ أَظُنهُ أُرِيد فبالسنة أَخذ أضمر ذَلِك إِن شَاءَ الله
وَأما قَوْله ونعمت فَفِيهِ قَولَانِ يُقَال أَرَادَ ونعمت الْخلَّة أَو الفعلة ثمَّ تحذف الْخلَّة اختصارا وَيُقَال ونعمت بِكَسْر الْعين وتسكين الْمِيم أَي نعمك الله
وَأما حَدِيثه الآخر فِي يَوْم الْجُمُعَة من غسل واغتسل وَبكر وابتكر واستمع وَلم يلغ فَإِن أَكثر النَّاس يذهبون فِي غسل إِلَى أَنه أَرَادَ مجامعة الرجل أَهله قبل خُرُوجه إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهِ أَن يرى فِي طَرِيقه مَا يُحَرك مِنْهُ ويشغل قلبه وَيذْهب آخَرُونَ أَنه أَرَادَ بقوله غسل تَوَضَّأ للصَّلَاة فَغسل جوارح
(1/289)

الْوضُوء وَثقل الْفِعْل لِأَنَّهُ أَرَادَ غسلا بعد غسلأ لِأَنَّهُ إِذا أَسْبغ وأكمل الطّهُور غسل كل عُضْو ثَلَاث مَرَّات ثمَّ اغْتسل بعد ذَلِك غسل الْجُمُعَة
وَأما قَوْله بكر فَإِن الْعَوام تذْهب فِي هَذَا إِلَى أَنه الغدو إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا التبكير هَا هُنَا إتْيَان الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا وكل من أسْرع إِلَى شَيْء فقد بكر إِلَيْهِ وَلذَلِك يُقَال بَكرُوا بصلا ة الْمغرب أَي صلوها عِنْد سُقُوط القرص وَيُقَال لأوّل شَيْء يَأْتِي من الْفَوَاكِه باكورة لِأَنَّهُ جَاءَ فِي أول الْوَقْت
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو وَائِل عَن شَاذ بن فياض عَن الْحَارِث بن شبْل عَن أم النُّعْمَان الكندية عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تزَال أمتِي على سنتي مَا بَكرُوا بِصَلَاة الْمغرب
وَأما قَوْله وابتكر فَإِنَّهُ أَرَادَ أدْرك الْخطْبَة من أَولهَا وأولها بكورتها كَمَا يُقَال ابتكر الرجل إِذا أكل باكورة الْفَاكِهَة وابتكر إِذا نكح بكرا أَو تزوج بكرا ويدلك أَيْضا على هَذَا التَّأْوِيل قَوْله بعقب ابتكر اسْتمع وَلم يلغ وَمن الدَّلِيل على هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث رَوَاهُ الزيَادي قَالَ ثَنَا أَبُو صَالح عَن اللَّيْث قَالَ حَدثنِي خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن ابي هِلَال عَن مُحَمَّد بن سعيد الْأَزْدِيّ عَن عباد بن نسي عَن أَوْس الثَّقَفِيّ صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من غسل رَأسه واغتسل ثمَّ هجر إِلَى الْمَسْجِد وابتكر ثمَّ دنا واقترب واستمع كتب لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها صِيَام سنة وَقيام سنة
(1/290)

19 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجد نفس ربكُم من قبل الْيمن يرويهِ يزِيد بن هرون عَن جرير عَن شبيب بن نعيم الكلَاعِي عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ يزِيد إِنَّمَا يَعْنِي بذلك أَن الْأَنْصَار من الْيمن وَأَن الله نفس عَنهُ الكرب بهم وَيُقَال أَنْت فِي نفس من أَمرك أَي فِي سَعَة وَيُقَال اعْمَلْ وَأَنت فِي نفس أَي فِي فسحة قبل الْهَرم والأمراض وَأَشْبَاه ذَلِك من الْحَوَادِث وَنَحْو هَذَا الحَدِيث قَوْله لَا تسبوا الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن يُرِيد أَنه تفرج بهَا الكرب وَيذْهب بهَا الجدب يُقَال اللَّهُمَّ نفس عني أَي فرج عني فَمن نفس الله بِالرِّيحِ أَنَّهَا إِذا هشت فِي الْبَلَد الْحَار والهواجر أذهب الوهد وأطابت للْمُسَافِر الْمسير وَإِذا هبت أنشأت السَّحَاب وألقحته بِإِذن الله وَكَانَت الْعَرَب تَقول إِذا كثرت الرِّيَاح كثر الْحبّ وَإِذا تنسمها عليل أَو محزون وجد فِي نسيمها شِفَاء وفرجا مِمَّا يجد قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
(1/291)

.. فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على كبد محزون تجلت همومها ...
قَالَ الْعُتْبِي هجمت على بطن بَين جبلين فِيمَا رَأَيْت وَاديا أخصب مِنْهُ فَإِذا وُجُوه أَهله مهجة وألوانهم مصفرة فَاسِدَة فَقلت واديكم أخصب وَاد وَأَنْتُم لَا تشبهون المخاصيب فَقَالَ لي شيخ مِنْهُم لَيْسَ لنا ريح وَقد نصر الله تَعَالَى رَسُوله بالصبا وَنَفس عَنهُ الكرب يَوْم الْأَحْزَاب بِالرِّيحِ فَقَالَ عز وَجل {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا} فَهِيَ من نفس الله كَمَا كَانَ الْأَنْصَار من نفس الله تَعَالَى وَمِمَّا يزِيد هَذَا التَّأْوِيل وضوحا حَدِيث حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ثَابت بن قيس عَن ابي هُرَيْرَة أَنه قَالَ لعمر الرّيح من روح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَالْعَذَاب فَلَا تسبوها فَروح الله بِمَنْزِلَة نفس الله مَا أَكثر من يذهب من حَملَة الحَدِيث إِلَى غير مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَإِذا وَقع الْحَرْف بَين تأويلين وَلم يكن لنا فيهمَا إِمَام من السّلف نقلد مثله ملنا إِلَى أقربهما من السَّلامَة أَلا ترى أَن من ذهب إِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي نفس الرَّحْمَن صَادِق وَإِن كَانَ مُرَاد النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام معنى آخر وَأَن من ذهب الْمَذْهَب الآخر إِن كَانَ مُرَاد النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(1/292)

مَا أردنَا متعسف فِي القَوْل غير مَأْمُون عَلَيْهِ المأثم
20 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عَامر بن الطُّفَيْل أَتَاهُ فوثبه وسَادَة وَقَالَ لَهُ أسلم يَا عَامر فَقَالَ على أَن لي الْوَبر وَلَك الْمدر فَأبى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَامَ عَامر مغضبا وَقَالَ وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا جردا ورجالا مردا ولأربطن بِكُل نَخْلَة فرسا رَوَاهُ الزبيرِي عَن ظمياء بنت عبد العزيز بن مؤله بن كثيف بن حمل قَالَت حَدثنِي أبي عَن جدي مؤله بذلك قَوْله وثبه وسَادَة أَي فرشه إِيَّاهَا وَأَجْلسهُ عَلَيْهَا والوثاب الْفراش بلغَة حمير وهم يسمون الْملك إِذا كَانَ لَا يَغْزُو موثبانا يُرِيدُونَ أَنه يُطِيل الْجُلُوس وَلَا يَغْزُو وَيَقُولُونَ للرجل ثب أَي اجْلِسْ
وَرُوِيَ أَن زيد بن عبد الله بن دارم وَفد على بعض مُلُوك حمير فَأَلْقَاهُ فِي متصيد لَهُ على جبل مشرف فَسلم عَلَيْهِ وانتسب لَهُ فَقَالَ لَهُ الْملك ثب يُرِيد اجْلِسْ فَظن الرجل أَنه أمره بالوثوب من الْجَبَل فَهَلَك فَقَالَ الْملك مَا شَأْنه فخبروه بِقِصَّتِهِ
(1/293)

فَقَالَ من دخل ظفار حمر وظفار الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ بهَا واليها ينْسب الْجزع الظفاري وَأَرَادَ من دخل ظفار فليتعلم الحميرية وليفهمها وَبَعْضهمْ يذهب بِهَذَا القَوْل هَذَا الْمَذْهَب قَالَ ظفار قَرْيَة فِيهَا مغرة فَمن دَخلهَا أصَاب من ذَلِك وَنَحْو من هَذَا الحَدِيث حَدِيث رَوَاهُ الْهَيْثَم عَن مُجَاهِد عَن الشّعبِيّ أَن عدي بن حَاتِم أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمر لَهُ بمنبذة وَقَالَ إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه
والمنبذة الوسادة سميت بذلك لِأَنَّهَا تنبذ أَي تلقى وَيجْلس عَلَيْهَا
21 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من يتتبع المشمعة يشمع الله بِهِ من حَدِيث عبد العزيز بن عمرَان عَن عبد الله بن مُصعب بن مَنْظُور عَن أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك فِي خطْبَة خطبهَا طَوِيلَة هَكَذَا يرْوى هَذَا الْحَرْف فِي هَذَا الحَدِيث بالشين مُعْجمَة وَفِي حَدِيث آخر من سمع النَّاس بِعَمَلِهِ يسمع الله بِهِ بِالسِّين غير مُعْجمَة أَي من يرائي بِهِ وَيُحب إِظْهَاره يشهره الله بالرياء ويفضحه وَهَذَا غير ذَلِك الْمَعْنى والمشمعة المزاح والضحك قَالَ المنتخل الْهُذلِيّ وَذكر
(1/294)

أضيافه [من الوافر] ... سأبدؤهم بمشمعة وأثني ... بجهدي من طَعَام أَو بِسَاط ...
يُرِيد أَنه يبْدَأ أضيافه عِنْد نزولهم بالمزاح والمضاحكة ليؤنسهم بذلك وَهُوَ نَحْو قَول الآخر [من الرجز] ... وَرب ضيف طرق الْحَيّ سرى ... صَادف زادا وحديثا مَا اشْتهى
إِن الحَدِيث جَانب من الْقرى ...
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن بن عبد الله عَن الْأَصْمَعِي عَن خلف الْأَحْمَر قَالَ سنة الْأَعْرَاب إِذا حدثوا الرجل الْغَرِيب وهشوا إِلَيْهِ ومازحوه أَيقَن بالقرى وَإِذا أَعرضُوا عَنهُ عرف الحرمان فَلذَلِك قَالَ إِن الحَدِيث جَانب من الْقرى
وَيُقَال شمع الرجل وَمَا جد فَهُوَ يشمع شموعا وَامْرَأَة شموع إِذا كَانَت كَثِيرَة اللَّهْو والمزاح قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يصف الْحمير [من الْكَامِل] ... فلبثن حينا يعتلجن بروضة ... فيجد حينا فِي العلاج ويشمع ...
وَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من كَانَ شَأْنه الْعَبَث بِالنَّاسِ والاستهزاء بهم أصاره الله إِلَى حَالَة يعبث بِهِ فِيهَا ويستهزأ مِنْهُ
(1/295)

22 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بلغ الكديد أَنه أَمر النَّاس بِالْفطرِ فأصح النَّاس شرجين حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد بن عبد العزيز عَن عَطِيَّة بن قيس عَن قزعة عَن ابي سعيد قَوْله أصبح النَّاس شرجين أَي فريقين كل وَاحِد مِنْهُمَا مثل الآخر يُرِيد أَن بَعضهم أصبح صَائِما وَبَعْضهمْ أصبح مُفطرا وَمثله شريجين يُقَال شرج وشريج وَهَذَا شرج هَذَا وشريجة إِذا كَانَ مثله ولفقه وَأَصله أَن تشق الْخَشَبَة نِصْفَيْنِ فَيكون أحد النصفين شريج الآخر
بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ قَالَ يُوسُف بن عمر أَنا شريج الْحجَّاج أَي مثله فِي السن وَقَالَ المنخل الْيَشْكُرِي [من مجزوء الْكَامِل] ... وَإِذا الرِّيَاح تكمشت ... بجوانب الْبَيْت الْقصير
الفينني هش الندى ... بشريج قدحي أَو شجيري ...
والشجير الْغَرِيب يُقَال نزل فلَان شجيرا فِي بني فلَان أَي غَرِيبا
(1/296)

وَقَالَ جندل [من الرجز] ... من شعب شَتَّى وأنساب شجر ...
يَقُول الفيتني فِي هَذَا الْوَقْت أضْرب بقدحين فِي الميسر أَحدهمَا لي وَالْآخر مستعار
23 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة فنظفوا أفنيتكم
وَفِي حَدِيث آخر فنظفوا عذراتكم وَلَا تشبهوا باليهود تجمع الأكباء فِي دورها حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن الْحسن بن بشر البَجلِيّ عَن المعافا بن عمرَان عَن خَالِد بن الياس عَن المُهَاجر ابْن مِسْمَار عَن عَامر بن سعد عَن سعد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
الأكباء جمع كبا وَهِي الكناسة وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِذا قصر فَهُوَ الكناسة وَإِذا مد فَهُوَ البخور
وَمن الأول حَدِيث يرويهِ مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن يزِيد عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن الْمطلب بن ربيعَة قَالَ أَن أُنَاسًا من الْأَنْصَار قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّا نسْمع من قَوْمك حَتَّى يَقُول الْقَائِل مِنْهُم
(1/297)

إِنَّمَا مُحَمَّد مثل نَخْلَة نَبتَت فِي كبا
وَفِي حَدِيث أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَيْن ندفن ابْنك قَالَ عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون وَكَانَ قبر عُثْمَان عِنْد كبا عَمْرو بن عَوْف
وَأما العذرات فَهِيَ الأفنية الْوَاحِدَة عذرة ويروى فِي حَدِيث الْيَهُود أنتن خلق الله عذرة أَي فنَاء وَمن ذَلِك سمي الْحَدث عذرة لِأَنَّهُ كَانَ يلقى بالأفنية فكني عَنهُ باسم الفناء كَمَا كني عَنهُ باسم الْغَائِط وَأنْشد الزيَادي عَن زيد بن كثوة الْعَنْبَري [من الطَّوِيل] ... أَلا أَن قومِي لَا تلط قدورهم ... وَلكنهَا يوقدن بالعذرات ...
يَقُول لَا تستر وَلكنهَا تطبخ بالأفنية وكل شَيْء سترته فقد لططت عَنهُ
24 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سيد أدام أهل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اللَّحْم وَسيد ريحَان أهل الْجنَّة الفاغية
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ القومسي قَالَ ثناه الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال الرَّاسِبِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/298)

وَقَالَ القومسي قَالَ الْأَصْمَعِي الْفَا غية هَاهُنَا نور الحنا وَقَالَ غَيره وفاغية كل نبت نوره
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عَبده الصفار ثَنَا سُلَيْمَان بن كثير الوَاسِطِيّ عَن عبد الحميد عَن أنس قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تعجبه الفاغية وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ الدُّبَّاء والدباء القرع واحدته دباءة قَالَ الْأَصْمَعِي والفغو أَيْضا هُوَ الفاغية وَأنْشد لأوس بن حجر [من الْكَامِل] ... لَا زَالَ ريحَان وفغو ناضر ... يجْرِي عَلَيْك بمسبل هطال ...
وَقَالَ الفغو هَا هُنَا نور الريحان وروى مُسلم بن قُتَيْبَة عَن ابْن دعامة عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن السّلف فِي الزَّعْفَرَان فَقَالَ إِذا فغا يُرِيد إِذا نور وَأَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن سيد رياحينهم فِي الْجنَّة أنوار الشّجر من كل ضرب وَلَا أَرَادَ نور الْحِنَّاء وَحده كَمَا ذكر الْأَصْمَعِي وَجعل اللَّحْم أدما وَبَعض أَصْحَاب الرَّأْي لَا يَجعله أدما وَيَقُول لَو أَن رجلا حلف لَا يأتدم حولا ثمَّ أكل لَحْمًا قبل تصرم الْحول لم يَحْنَث وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على خَطِيئَة وكل شَيْء قرنته بِشَيْء فقد أدمته بِهِ وَقَالَ النَّابِغَة الذبياني [من الْبَسِيط]
(1/299)

.. إِنِّي أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسوا الْجَفْنَة الأدما ...
يُرِيد اللَّحْم وَقَوله أتمم أيساري أَي نقص الأيسار وهمم المتقامرون أخذت مَا بَقِي فتممتهم ومثنى الأيادي إِعَادَة الْمَعْرُوف
وَيُقَال هُوَ مَا فضل من الْجَزُور يَشْتَرِيهِ فيقسمه على الأبرام والأبرام الَّذين لَا يدْخلُونَ فِي الميسر
25 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي ثَنَا خَالِد بن مخلد عَن مُحَمَّد بن هِلَال الْمدنِي عَن أَبِيه عَن مَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك وَقَوله يبت الصّيام يَعْنِي ينويه قبل الْفجْر وأصل الْبَتّ الْقطع يُقَال بت الْحَبل أَي قطعه وَبت الْقَضَاء على فلَان أَي قطعه وَمِنْه بت الطَّلَاق وَمِنْه قَوْلهم سَكرَان لَا يبت أَي لَا يقطع أمرا وَأَجَازَ الْفراء لَا يبت
(1/300)

على لفظ الْعَامَّة
وَقَالَ هما لُغَتَانِ بت وأبت فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا صِيَام لمن لم يقطع الصّيام على نَفسه قبل دُخُوله فِي وقته بِالنِّيَّةِ والعزيمة وَإِلَى هَذَا يذهب الشَّافِعِي وَمن سلك طَرِيقه وَأما أَصْحَاب الرَّأْي فيرون صِيَام من فَرْضه على نَفسه بعد دُخُوله فِي الْوَقْت وَفِي صدر النَّهَار تَاما وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على الصَّوَاب وَقد جَاءَ فِي هَذَا مَا هُوَ أبين من هَذَا الحَدِيث
روى مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن حَفْصَة قَالَت سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا صِيَام لمن لم يُوجِبهُ من اللَّيْل هَذَا مَعَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَوقت الصّيام من لدن طُلُوع الْفجْر إِلَى وجوب الشَّمْس وَكَيف يكون صَائِما من مضى عَنهُ من هَذَا الْوَقْت الْبَعْض وَهُوَ على عقد الْإِفْطَار
26 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عسله قيل يَا رَسُول الله وَمَا عسله قَالَ يفتح لَهُ عملا صَالحا بَين يَدي مَوته حَتَّى يرضى عَنهُ من حوله
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا زيد بن الْحباب
(1/301)

ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح حَدثنِي عبد الرحمن بن جُبَير بن نفير بن مَالك بن عَامر الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه أَنه سمع عَمْرو بن الْحمق الْخُزَاعِيّ يَقُول أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ذَلِك
قَوْله عسله أرَاهُ مأخوذا من الْعَسَل شبه الْعَمَل الصَّالح الَّذِي يفتح للْعَبد حَتَّى يرضى النَّاس عَنهُ ويطيب ذكره فيهم بالعسل يُقَال عسلت الطَّعَام أعسله وأعسله عسلا إِذا جعلت فِيهِ السّمن وزت الطَّعَام أزيته إِذا لتته بالزيت أَو جعلته فِيهِ فَهُوَ طَعَام معسول ومسمون ومزيت وَكَذَلِكَ عسلت الْقَوْم وسمنتهم وزتهم إِذا جعلت أدمهم الْعَسَل وَالسمن وَالزَّيْت فَإِن أردْت أَنَّك زودتهم ذَلِك قلت عسلتهم وسمنتهم وزيتهم بِالتَّشْدِيدِ فَالْمَعْنى وَالله أعلم فِي قَوْله عسله جعل فِيهِ كالعسل من الْعَمَل الصَّالح كَمَا يعسل الطَّعَام إِذا جعل فِيهِ الْعَسَل
27 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الْأَنْصَار لما أَرَادوا أَن يبايعوه قَالَ أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان يَا رَسُول الله إِن بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا وَنحن قَاطِعُوهَا فنخشى إِن الله أعزّك وَأَظْهَرَك أَن ترجع إِلَى قَوْمك فَتَبَسَّمَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم أَنا مِنْكُم وَأَنْتُم مني أُحَارب من
(1/302)

حَارَبْتُمْ واسالم من سَالَمْتُمْ من حَدِيث عبد الأعلى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن معبد بن كَعْب بن مَالك عَن أَخِيه عَن أَبِيه كَعْب قَوْله إِن بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا يَعْنِي قُريْشًا أَي بَيْننَا وَبينهمْ عهود ومواثيق وَالْحَبل الْعَهْد والأمان وَقَالَ الله جلّ وَعز {ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْن مَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس} أَي إِلَّا بِأَمَان وعهد وَمِنْه قَول الْأَعْشَى من الْكَامِل ... وَإِذا تجوزها إِلَيْك حبال قَبيلَة ... أخذت من الْأُخْرَى إِلَيْك حبالها ...
يُرِيد أَنه يستجير بِقوم بعد قوم وَتَأْخُذ مِنْهُم عهدا بعد عهد حَتَّى يصل وَأَرَادَ أَبُو الْهَيْثَم أَنه كَانَت بَيْننَا وَبَين قوم يَعْنِي قُريْشًا عهود ومواثيق ثمَّ قَطعْنَاهَا فِيك فلعلك ترجع إِلَى مَكَّة إِذا ظَهرت وتخلينا وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم فَهَكَذَا رُوِيَ فِي الحَدِيث وَقد اخْتلف فِي اللَّفْظ والتأويل لَهُ فَقَالَ بَعضهم كَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا احتلفت أَو حالفت غَيرهَا تَقول الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم يُرِيدُونَ تطلب بدمي وأطلب بدمك وَمَا هدمت من الدِّمَاء هدمت أَي مَا عَفَوْت عَنهُ وهدرته عَفَوْت عَنهُ وهدرته
وَقَالَ آخر كَانُوا يَقُولُونَ هدمي هدمك وَدمِي دمك وترثني أرثك وتطلب بِي وأطلب بك فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا وَرثهُ الآخر السُّدس وَدفع الْبَاقِي إِلَى ورثته فَهَذَا وَجه
(1/303)

وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى يَقُول هُوَ الْهدم الْهدم واللدم اللدم أَي حرمتي مَعَ حرمتكم وبيتي مَعَ بَيتكُمْ وَأنْشد ... ثمَّ الحقي بهدمي ولدمي ...
أَي بأصلي وَمَوْضِعِي وأصل الْهدم مَا انْهَدم تَقول هدمت هدما والمهدوم هدم وَسمي مبرك الرجل هدما لانهدامه وَيجوز أَن يكون الْهدم الْقَبْر سمي بذلك لِأَنَّهُ يحْفر ثمَّ يرد ترابه فِيهِ وَهُوَ هَدمه قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... كَأَنَّهَا هدم فِي الجفر منقاض ...
يُرِيد بالهدم مَا انْهَدم من جَوَانِب الْبِئْر فَسقط فِيهَا والجفر الْبِئْر ومنقاض سَاقِط فَكَأَنَّهُ أَرَادَ على هَذَا التَّأْوِيل مقبري مقبركم أَي لَا أَزَال حَتَّى أَمُوت عنْدكُمْ وَمِمَّا يشْهد لهَذَا التَّأْوِيل أَنه رُوِيَ فِي حَدِيث آخر أَن الْأَنْصَار قَالُوا أَتَرَوْنَ أَن نَبِي الله إِذا فتح الله عَلَيْهِ مَكَّة أرضه وبلده يُقيم بهَا فَقَالَ مَا قُلْتُمْ فأخبروه فَقَالَ معَاذ الله الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم
واللدم الْحُرْمَة جمع لادم مثل طَالب وَطلب وحارس وحرس
وَسمي أهل الرجل ونساؤه لدما لِأَنَّهُنَّ يلتدمن عَلَيْهِ إِذا مَاتَ أَي يضربن صدورهن أَو خدودهن واللدم الضَّرْب يُرِيد حرمي مَعَ حرمكم
(1/304)

28 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه خطب فَذكر أهل النَّار فَقَالَ أَلا وَإِن أهل النَّار خَمْسَة الضَّعِيف الَّذِي لَا زبر لَهُ الَّذين هم فِيكُم أَتبَاع لَا يَبْغُونَ أَهلا وَلَا مَالا والشنظير الفحاش وَذكر سَائِرهمْ
رَوَاهُ يزِيد عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن مطرف عَن عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله لَا زبر أَي لَا رَأْي لَهُ يرجع إِلَيْهِ يُقَال رجل لَا زبر لَهُ وَلَا زور لَهُ وَلَا صيور إِذا لم يكن لَهُ رَأْي يرجع إِلَيْهِ
والشنظير السيء الْخلق وأنشدني أَبُو حَاتِم لرجل فِي امْرَأَته ... شنظيرة الْأَخْلَاق رأراء الْعين ...
قَالَ والرأراء الْعين الَّتِي كَأَن حدقتها تموج وتدور وَقد سمعته فِي وصف الرجل أَيْضا بِالْهَاءِ رجل شنظيرة وَقَالَ الْفراء تدخل الْهَاء فِي نعت الْمُذكر يذهبون بِهِ إِلَى الداهية وعَلى الذَّم يذهبون بِهِ إِلَى الْبَهِيمَة وَقَالَت امْرَأَة من الْأَعْرَاب تصف زَوجهَا [من الرجز] ... شنظيرة زوجنيه أَهلِي ... من جَهله يحْسب رَأْسِي رجْلي
كَأَنَّهُ لم ير أُنْثَى قبلي ...
(1/305)

29 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه نهى عَن القنازع حد ثنيه أبي قَالَ حد ثني القومسي ثناه قبيصَة بن عقبَة ثَنَا سُفْيَان بن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن ذَلِك
قَالَ الْأَصْمَعِي القنازع واحدتها قنزعة وَهُوَ أَن يُؤْخَذ الشّعْر وَيتْرك مِنْهُ شَيْء متفرق فِي أَمَاكِن لَا يُؤْخَذ يُقَال لم يبْق من شعره إِلَّا قنزعة والعنصوة مثل ذَلِك وَجَمعهَا عناص وَمثله أَو نَحوه القزع الَّذِي نهى عَنهُ وَقد فسره أَبُو عبيد
وَفِي حَدِيث آخر ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأم سليم خضلي قنازعك
قَوْله خضلي أَي ندي والخضل الندى
30 - وَفِي خطْبَة لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب بهَا الْأَنْصَار فَقَالَ أوجدتم يَا معشر الْأَنْصَار من لعاعة من الدُّنْيَا تألفت بهَا قوما ليسلموا ووكلتكم الى إسلامكم فَبكى الْقَوْم حَتَّى أخضلوا لحاهم أَي بلوها بالدموع
واللعاعة أول مَا يَبْدُو من النبت وَهُوَ طري ناعم جعله
(1/306)

مثلا لما نالهم وَكَذَلِكَ زهرَة الدُّنْيَا أَصله زهرَة النَّبَات
والقنازع فِي حَدِيث أم سليم شعر تطاير وَقَامَ من الشعث بعد شَيْء مِنْهُ نتف فَأمرهَا أَن تنديه بدهن أَو مَاء ليسكن يُقَال رَطْل فلَان شعره اذا لينه بالدهن أَو المَاء من قَوْلهم فلَان رَطْل اذا كَانَ فِيهِ لين
31 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه ذكر الدَّجَّال فَقَالَ أَعور جعد أَزْهَر هجان كَأَن رَأسه أصلة أشبه النَّاس بِعَبْد الْعُزَّى بن قطن وَلَكِن الهلك كل الهلك أَن ربكُم لَيْسَ بأعور
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فاما هَلَكت هلك فان ربكُم لَيْسَ باعور حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد ثَنَا مُسلم بن ابراهيم عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الهجان الْأَبْيَض يُقَال رجل هجان وَامْرَأَة هجان وَرِجَال هجان ونسوة هجان هَذَا الْأَكْثَر وَرُبمَا قيل هجائن
قَالَ أَبُو زيد إمرأة هجان بَيِّنَة الهجانة وَفرس هجين بَين الهجنة والأزهر الْأَبْيَض
(1/307)

وَفِي حَدِيث زَائِدَة عَن سماك هجان أقمر والأقمر الْأَبْيَض الشَّديد الْبيَاض وَيُقَال للسحاب الَّذِي يشْتَد ضوؤه لِكَثْرَة مَائه أقمر وأتان قَمْرَاء أَي بَيْضَاء وَيُقَال إِذا رَأَيْت السحابة كَأَنَّهَا بطن أتان قمرءا فَذَلِك الْجُود
والأصلة الأفعى وَلست أَدْرِي لأي شَيْء شبه رَأسه بالأفعى غير أَن الْعَرَب تشبه الرَّأْس الصَّغِير الْكثير الْحَرَكَة بِرَأْس الْحَيَّة قَالَ طرفَة من الطَّوِيل ... أَنا الرجل الضَّرْب الَّذِي تعرفونه ... خشَاش كرأس الْحَيَّة المتوقد ...
وَلَا أرى هَذَا من ذَلِك لِأَن الأصلة كَبِيرَة الرَّأْس قَصِيرَة الْجِسْم وَأما الهلك كل الهلك أَن ربكُم لَيْسَ بأعور فَإِنَّهُ يُرِيد أَنه يَدعِي الربوبية لنَفسِهِ وَلَيْسَ على النَّاس بأَشْيَاء لَا تكون مثلهَا فِي الْبشر إِلَّا العور فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يُزِيلهُ وَلَا يُغَيِّرهُ
فالهلك كل الهلك [54 / ا] أَنه أَعور وَالنَّاس يعلمُونَ أَن الله جلّ وَعز لَيْسَ بأعور فبذلك يهْلك وَيبْطل مَا يَدعِيهِ
وَمن رَوَاهُ فَأَما هلك هلك فَإِنَّهُ يُرِيد فَإِن هَلَكت بِهِ هلك وصلت فاعلموا أَن الله لَيْسَ بأعور
وَهلك جمع هَالك مثل حاسر وحسر وَالْعرب تَقول أفعل ذَلِك أما هَلَكت هلك بِضَم اللَّام وتخفيفها أَي أَفعلهُ على مَا خيلت فَإِن كَانَت الرِّوَايَة كَذَلِك فَإِنَّهُ أَرَادَ فَإِن شبه عَلَيْكُم بِكُل معنى
(1/308)

فَلَا يتشبهن عَلَيْكُم إِن ربكُم لَيْسَ بأعور
وَأما الحَدِيث الَّذِي يرويهِ الفلتان عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صفة مسيح الضَّلَالَة إِنَّه رجل أجلى الْجَبْهَة مَمْسُوح الْعين الْيُسْرَى عريض النَّحْر فِيهِ دفأ
فَإِن الأجلى الْجَبْهَة هُوَ الَّذِي انحسر الشّعْر عَن مقدم رَأسه والجبهة مَسْجِد الرجل والجبينان يكتنفانها والأجلى والأجله وَالْأَجْلَح سَوَاء والجميع جلو وجله وجلح فَإِذا ارْتَفع ذَلِك الانحسار حَتَّى يبلغ اليافوخ فَهُوَ الصلع وَقَوله فِيهِ دفا يُرِيد انحناء وأصل الدفا الْميل قَالَ ذُو الرمة وَذكر حميرا من الطَّوِيل ... يحاذرن من أدفا إِذا مَا هُوَ انتحى ... عَلَيْهِنَّ لم تنج الفرور المشائح ...
جعله أدفى لِأَنَّهُ يمِيل على جَانب من نشاطه وَيُقَال شَاة دفواء إِذا مَال قرناها مِمَّا يَلِي العلباوين
32 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن العركي سَأَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّا نركب هَذِه الأرمات فِي الْبَحْر [54 / ب]
(1/309)

حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي ثَنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ ثَنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الرحيم عَن عبد الله بن زرير الغافقي عَن العركي
قَالَ الْأَصْمَعِي العركي صائد السّمك والجميع عَرك وَفِي كتاب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقوم من يهود إِن عَلَيْكُم ربع مَا أخرجت نخلكم وَربع مَا صَاد عروككم وَربع المغزل أَي ربع مَا غزل نِسَاؤُكُمْ وَهَذَا شَيْء خص بِهِ هَؤُلَاءِ وَلَا نعلم ألزم هَذَا غَيرهم وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي بَيت زُهَيْر لأ [من الْبَسِيط] ... يغشى الحداة بهم حر الْكَثِيب كَمَا ... يغشى السفائن موج اللجة العرك ...
العرك هَا هُنَا الملاحون وَقَالَ أَبُو عَمْرو إِنَّمَا سمي الملاحون عركا لأَنهم يصيدون السّمك وروى أَبُو عُبَيْدَة ... كَمَا يغشى السفائن موج اللجة العرك ...
والعرك فِي هَذِه الرِّوَايَة المتلاطم الَّذِي يدافع بعضه بَعْضًا لِشِدَّتِهِ والأرماث خشب يضم بعضه إِلَى بعض ويركب وَقد فسره أَبُو عُبَيْدَة
(1/310)

33 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ مَا ينْتَظر أحدكُم إِلَّا هرما مفندا أَو مَرضا مُفْسِدا رَوَاهُ الْمُعْتَمِر ابْن سُلَيْمَان عَن معمر عَن رجل من غفار عَن سعيد بن ابي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله هرما مفندا هُوَ من الفند يُقَال أفند الرجل إِذا كثر كَلَامه من الخرف وأفنده الْكبر
وَقَالَ أَبُو زيد إِذا لم يعقل من الْكبر قيل أفند فَهُوَ مُفند حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا طَلْحَة بن مُحَمَّد بن سعيد بن الْمسيب قَالَ حَدثنِي من رأى مساور بن هِنْد قد كبر وأفند وَعظم رَأسه وَاسْتَرْخَتْ أذنَاهُ وَقطع لَهُ حفش ووكلت بِهِ مرأة تقوم عَلَيْهِ فغفلت فَقَامَ حَتَّى قعد وسط الْبَيْت فكوم كومة من تُرَاب ثمَّ أَخذ بعرتين فجعلهما على رَأس الكومة ثمَّ ارسلهما فَقَالَ أرْسلت الحواء والبلندح ثمَّ نظر فَقَالَ سبقت الحواء فبصرت الْمَرْأَة فَأَقْبَلت تهودل وَهُوَ يدف حَتَّى دخل الحفش وَقَالَ إِمَّا لَا فهبي لي بعبقة البلندج السمينة
(1/311)

الْعَظِيمَة من النوق والحفش أَصله الدرج شبه مَا قطع لَهُ فِي الْبَيْت بِهِ بصغره وتهودل تسترخي فِي مشيها وتضطرب ويدف من الدفيف وَهُوَ مشي الْكَبِير إِذا أسْرع ويدج مثله ويدب نَحْو ذَلِك
34 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن فِي كل أمة محدثين أَو مروعين فَإِن يكن فِي هَذِه الْأمة أحد فَإِن عمر مِنْهُم يرويهِ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن الْأَشْعَث عَن الْحسن قَوْله محدثين يُرِيد قوما يصيبون إِذا ظنُّوا وَإِذا حدسوا يُقَال رجل مُحدث وَإِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يُصِيب رَأْيه وَيصدق ظَنّه إِذا توهم فَكَأَنَّهُ حدث بِشَيْء فقاله وَمِنْه قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي ابْن عَبَّاس إِنَّه لينْظر إِلَى الْغَيْب من ستر رَقِيق وَقَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وأبغي صَوَاب الظَّن أعلم أَنه ... إِذا طاش ظن الْمَرْء طاشت مقادره ...
وَقَالَ أَوْس بن حجر [من المنسرح] ... الألمعي الَّذِي يظنّ لَك الظَّن ... كَأَن قد رأى وَقد سمعا ...
(1/312)

وَيُقَال فِي بعض الْأَمْثَال من لم ينفعك ظَنّه لم ينفعك يقينه والمروع الَّذِي ألقِي فِي روعه الشَّيْء كَأَن الله جلّ وَعز أَلْقَاهُ فِيهِ
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب والروع النَّفس يُقَال وَقع كَذَا فِي روعي أَي فِي خلدي وَنَفْسِي وَكَانَ عمر يَقُول الشَّيْء ويظن الشَّيْء فَيكون كَمَا قَالَ وكما يظنّ كَقَوْلِه فِي سَارِيَة بن زنيم الدؤَلِي وَكَانَ ولاه جَيْشًا فَوَقع فِي قلب عمر أَنه لَقِي الْعَدو وَإِن جبلا بِالْقربِ مِنْهُ فَجعل عمر يُنَادِيه يَا سَارِيَة الْجَبَل الْجَبَل وَوَقع فِي قلب سَارِيَة ذَلِك فاستند هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى الْجَبَل فَقَاتلُوا الْعَدو من جَانب وَاحِد وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله جلّ وَعز جعل الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه
وَفِي حَدِيث آخر إِن السكينَة تنطق على لِسَان عمر هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام ويروى فِي بعض الحَدِيث إِن الْمُحدث هُوَ الَّذِي تنطق الْمَلَائِكَة على لِسَانه
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه
(1/313)

مر على أَسمَاء بنت عُمَيْس وَهِي تمعس إهابا لَهَا حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن عبد العزيز
قَوْله تمعس أَي تدبغ وأصل المعس الدَّلْك قَالَ الْأَصْمَعِي بعثت امْرَأَة من الْعَرَب بِنْتا لَهَا إِلَى جارتها فَقَالَت تَقول لَك أُمِّي أعطيني نفسا أَو نفسين أمعس بِهِ منيئتي فَإِنِّي أفدة
قَوْلهَا نفسا أَو نفسين أَي قدر دبغة من الدّباغ أَو دبغتين
والمنيئة الْجلد مَا كَانَ فِي الدّباغ قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... إِذا أَنْت باكرت المنيئة باكرت ... مداكا لَهَا من زعفران وإثمدا ...
وَقَوْلها فَإِنِّي أفدة أَي عجلة وَمِنْه يُقَال أفد الترحل
36 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عَائِشَة قَالَت لسودة إِذا دخل عَلَيْك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقولِي أكلت مَغَافِير فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَا وسيقول سقتني حَفْصَة شربة من عسل فَقولِي جرست نحله العرفط يرويهِ أَبُو اسامة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
المغافير وَاحِدهَا مغْفُور بِضَم الْمِيم وَيُقَال لَهَا مغثور أَيْضا كَمَا يُقَال ثوم وفوم وجدث وجدف وَهُوَ شَيْء ينضحه العرفط
(1/314)

حُلْو كالناطف وَله ريح مُنكرَة والعرفط شجر من العضاه كل شجر لَهُ شوك وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مفعول بِضَم الْمِيم الا مغْفُور ومغرود وَهُوَ ضرب من الكمأة وَجمعه مغاريد ومنحور وَهُوَ المنحر ومعلوق وَاحِد المعاليق شبه بفعلول.
وَقَوله جرست نحله أَي أكلت وَيُقَال للنحل جوارس بِمَعْنى أَو أكل وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر نحلا [من الطَّوِيل] ... يظل على الثمراء مِنْهَا جوارس ... مواضيع صهب الريش زغب رقابها ...
والثمراء شجر وَيُقَال جبل وَيُقَال جمع ثَمَرَة كَمَا قيل شَجَرَة وشجراء وقصبة وقصباء مراضيع مَعهَا أَوْلَادهَا وَهِي لَا ترْضع وَلكنه لما كَانَت المراضيع تستتبع أَوْلَادهَا شبهها بهَا وصهب الريش أَرَادَ صفر الأجنحة.
37 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الاكسال الا الطّهُور.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن أبي بن كَعْب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
الاكسال هُوَ أَن يُجَامع الرجل ثمَّ يُدْرِكهُ فتور فَلَا ينزل يُقَال أكسل الرجل يكسل اكسالا اذا أَصَابَهُ ذَلِك وأحسب أَصله من الكسل يُقَال كسل الرجل اذا فتر وأكسل صَار فِي الكسل أَو دخل فِي الكسل كَمَا يُقَال يبس الشئ أَو أيبس اذا صَار فِي اليبس.
(1/315)

وقحط فاذا أردْت انه صَار فِي الْقَحْط قلت أقحط وَأَرَادَ أَن الْغسْل بانزال الْمَنِيّ يجب لَا بملاقاة الْخِتَان الْخِتَان وَقد ذهب قوم يَقُولُونَ المَاء من المَاء يُرِيدُونَ الْغسْل من الْمَنِيّ فاذا لم ينزل فَلَا غسل عَلَيْهِ انما عَلَيْهِ الْوضُوء وَهَذَا كَانَ فِي صدر الاسلام ثمَّ نسخ وَمثل هَذَا قَوْله من أَتَى أَهله فأقحط فَلَا يغْتَسل هُوَ من قَوْلهم قحط الْمَطَر اذا انْقَطع أَو قل.
38 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سُئِلَ عَن الشُّهَدَاء فوصفهم ثمَّ قَالَ أُولَئِكَ يتلطون من الغرف العلى من الْجنَّة.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير.
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ الشُّهَدَاء فَقَالَ المجنوب فِي سَبِيل الله شَهِيد.
قَوْله يتلبطون هُوَ قَوْلك لبطت الرجل لبطا اذا أَنْت صرعته.
وَيُقَال لبط بِالرجلِ يلبط لبطا اذا سقط وَرجل ملبوط وَمِنْه حَدِيث سهل بن حنيف ان رجلا عانه فلبط بِهِ أَي صرع وَقد ذكر ذَلِك أَبُو عبيد فَكَأَن يتلبطون بِمَنْزِلَة
(1/316)

يتصرعون فِي التَّقْدِير وَالْمعْنَى يضطجعون.
والمجنوب الَّذِي بِهِ ذَات الْجنب يُقَال جنب الرجل فَهُوَ مجنوب وَمثله صدر فَهُوَ مصدور اذا اشْتَكَى صَدره وبطن فَهُوَ مبطون اذا اشْتَكَى بَطْنه.
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر قَالَ قلت لأعرابي مَا تَقول فِيمَن تصاب رئته قَالَ مرئي قلت فيصاب فُؤَاده قَالَ مفؤود قلت فتصاب كليته قَالَ مكلي وَفِي الْعين معِين وَفِي الْجنب مجنوب فَقَالَ لي مَا تَقول أَنْت فِي المكمور فَقلت انه لمكمور فَقَالَ شهِدت لَك بالفقه أَرَادَ أَن يَقُول مَا تَقول أَنْت فِيمَن تصاب كمرته فَلم يرفق فِي المسئلة وَيُقَال رجل فقر ظهر وفقر اشْتَكَى ظَهره وفقاره وَلم أسمع بمظهور وَلَا مفقور قَالَ طرفَة من الرمل ... واذا تلسنني ألسنها ... انني لست بموهون فقر ...
قَوْله تلسنني تأخذني بلسانها وَيُقَال فَقير أَيْضا وَمِنْه قَول الآخر من الْكَامِل ... لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل ...
(1/317)

39 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فان يَد الله على الْفسْطَاط يرويهِ سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز عَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفسْطَاط الْمَدِينَة وكل مَدِينَة فسطاط وَلذَلِك قيل لمصر فسطاط.
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ حَدثنِي رجل من بني تَمِيم قَالَ قَرَأت فِي كتاب رجل من قُرَيْش هَذَا مَا اشْترى فلَان بن فلَان من عجلَان مولى زِيَاد اشْترى مِنْهُ خمس مائَة جريب حِيَال الْفسْطَاط يُرِيد الْبَصْرَة.
وَمِنْه قَول الشّعبِيّ فِي الْآبِق اذا أَخذ فِي الْفسْطَاط عشرَة فاذا أَخذ خَارِجا من الْفسْطَاط أَرْبَعُونَ وَأَرَادَ ان يَد الله على أهل الْأَمْصَار وان من شَذَّ عَنْهُم وفارقهم فِي الرَّأْي فقد خرج عَن يَد الله وَفِي ذَلِك آثَار مِنْهَا حَدِيثه ان الله لم يرض بالوحدانية وَمَا كَانَ الله ليجمع أمتِي على ضَلَالَة بل يَد الله عَلَيْهِم فَمن شَذَّ تخلف عَن صَلَاتنَا وَطعن على أَئِمَّتنَا فقد خلع ربقة الاسلام من عُنُقه شرار أمتِي الوحداني المعجب بِدِينِهِ الْمرَائِي بِعَمَلِهِ المخاصم بحجته وَمِنْهَا قَوْله من عمل لله فِي الْجَمَاعَة تقبل الله مِنْهُ وان أَخطَأ غفر الله لَهُ وَمن عمل لله فِي الْفرْقَة فَأصَاب لم
(1/318)

يتَقَبَّل الله مِنْهُ فان أَخطَأ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار.
وَمِنْهَا قَوْله ان أمتِي لَا تجمع على ضَلَالَة فاذا رَأَيْتُمْ الِاخْتِلَاف فَعَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَلَيْسَت كل جمَاعَة اجْتمعت هِيَ فِي هَذَا السوَاد الْأَعْظَم انما السوَاد الْأَعْظَم جملَة النَّاس الَّتِي اجْتمعت على طَاعَة السُّلْطَان وبخعت بهَا برا كَانَ أَو فَاجِرًا مَا أَقَامَ الصَّلَاة كَمَا قَالَ أنس بن مَالك وَقَالَ يزِيد الرقاشِي روى عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن يزِيد بن ابان الرقاشِي قَالَ قلت لأنس أَيْن الْجَمَاعَة فَقَالَ أمرائكم.
40 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ بَينا رجل بفلاة من الأَرْض سمع صَوتا فِي سَحَابَة أَسْقِي حديقة فلَان فَتنحّى ذَلِك السَّحَاب فأفرغ مَاءَهُ فِي شرجة فاذا شرجة من تِلْكَ الشراج قد استوعبت ذَلِك المَاء.
يرويهِ يزِيد بن هَارُون عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن رجل عَن عبيد بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ الْأَصْمَعِي الشراج مجاري المَاء من الْحرار الى السهل وأحدها شرج هَذِه رِوَايَة أبي عبيد عَنهُ.
حَدثنِي أبي وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَنهُ قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن طَلْحَة يَقُول اقتتل أهل الْمَدِينَة وموالي مُعَاوِيَة فِي شرج من شرج
(1/319)

الْحرَّة سَالَتْ قَالَ والشرج شعب من الْحرَّة تسيل قَالَ وَفِي الحَدِيث خَاصم الزبير فِي شرج الْمَدِينَة وانما هُوَ شرج وشرج جمع الْجمع كَأَنَّهُ جمع شراج وشراج جمع شرج كَمَا قَالُوا رهن ورهان وَرهن وَفِي بعض الْأَمْثَال أشبه شرج شرجا لَو أَن أسيمرا يضْرب للشيئين يشتبهان وَيُفَارق أَحدهمَا صَاحبه فِي الْبَعْض وَلم أجعَل شرجا جمع شرج لِأَنَّهُ فعلا لَا يجمع على فعل وَقد كَانَ بعض أهل الْأَعْرَاب يَقُول رهن جمع رهن وسقف جمع سقف قَالَ وَيُقَال رجل حشر الْأذن أَي محددها وَرِجَال حشر الْأَذَان فرس ورد وخيل ورد وَهَذَا من الْجمع شَاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَا يعرف غَيره.
وَكَانَ الْفراء فِيمَا أَحسب أَو غَيره من البغداديين يَقُول رهن جمع رهان مثل كتاب وَكتب ورهان جمع رهن مثل كلب وكلاب وسقف جمع سقيف مثل كثيب وكثب وقضيب وقضب وَلَا أحفظ عَنْهُم فِي الحرفين الآخرين شَيْئا.
41 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يُصَلِّي الهجير الَّتِي يسمونها الأولى حِين تدحض الشَّمْس.
(1/320)

يرويهِ إِسْمَاعِيل بن علية عَن عَوْف عَن أبي الْمنْهَال عَن أبي بَرزَة قَوْله حِين تدحض الشَّمْس يَعْنِي تَزُول وَاصل الدحض الزلق يُقَال دحض يدحض دحضا إِذا زلق وَجعل الشَّمْس تدحض لِأَنَّهَا لَا تزَال ترْتَفع من لدن تطلع إِلَى أَن تصير فِي كبد السَّمَاء ثمَّ تنحط عَن الكبد للزوال فَكَأَنَّهَا تزلق فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَا تزَال فِي انحطاط حَتَّى تغرب وَمن ذَلِك قَول مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ حِين ذكر لَهُ مَا وَرَاه عبد الله ابْنه عَن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمَّار تقتلك الفئة الباغية لَا تزَال تَأْتِينَا بهنة تدحض بهَا فِي نولك أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله الَّذِي جَاءَ بِهِ
42 - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سبق المفردون قَالُوا وَمَا المفردون قَالَ الَّذين أهتروا فِي ذكر الله يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم فَيَأْتُونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا يرويهِ مُحَمَّد بن بشر عَن عمر بن رَاشد عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله أهتروا من الهتر وَهُوَ السقط من القَوْل والغلط يُقَال أهتر الرجل فَهُوَ مهتر إِذا أَصَابَهُ ذَلِك من الخرف وَمِنْه أَخذ التهاتر فِي القَوْل بَين الرجلَيْن قَالَ أَبُو زيد هُوَ أَن يَدعِي كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر بَاطِلا وَقَالَ غَيره هِيَ الْأَقَاوِيل والشهادات الَّتِي يكذب بَعْضهَا بَعْضًا وَالْأَصْل الهتر وَهُوَ أَن يحملهُ اللجاج وَالْحمية على أَن يتكلما بِهِ وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/321)

المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران وَأما المفردون فهم الهرمى الَّذين قد هلك لداتهم من النَّاس وَذهب الْقرن الَّذِي كَانُوا فِيهِ وبقوا فهم يذكرُونَ الله وَقد اهتروا وَهُوَ كَمَا تَقول قد هرم فلَان فِي طَاعَة الله وخرف فِي ذكر الله تُرِيدُ هرم وَهُوَ يُطِيع الله وخرف وَهُوَ يذكرهُ أَي لم يزل يفعل ذَلِك حَتَّى خرف وهرم هَكَذَا أرَاهُ وَالله أعلم
وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَنه قَالَ سبق المفردون المستهترون بِذكر الله وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز أَن تجْعَل الإهتار بِمَنْزِلَة الاستهتار وَهُوَ كالولوع بالشَّيْء وَتجْعَل المفردين المنفردين المتحلين من النَّاس بِذكر الله جلّ وَعز
43 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن سفينة أشاط دم جزور بجذل فَأَكله
رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عُثْمَان بن عمر عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بن أبي كثير عَن عمر بن هرون عَن صُهَيْب عَن سفينة [59 / ب] قَوْله أشاط دم جزور أَي سفكه يُقَال أشاط دَمه فشاط أَي أبْطلهُ فَبَطل وأصل الإشاطة الإحراق وَقَالَ الْأَعْشَى من الْبَسِيط
(1/322)

.. قد نخضب العير من مَكْنُون قَائِله ... وَقد يشيط على أرماحنا البطل ...
أَي يبطل دَمه وَهَكَذَا كَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ نخضب العير من مَكْنُون قَائِله والفائل والفال عرق فِي الْفَخْذ وَكَانَ غَيره يرويهِ قد يطعن العير فِي مَكْنُون فائله وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُنكر هَذَا وَيَقُول كَيفَ يطعنه فِي الدَّم
وَيُقَال أشاط فلَان دم فلَان إِذا عرضه للْقَتْل وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله الإحراق
والجذل أصل الشَّجَرَة يقطع وفيهَا لُغَتَانِ جذل وجذل هَذَا أَصله
وَرُبمَا جعل الْعود جذلا وَهُوَ كَذَلِك فِي هَذَا الْموضع أَرَادَ بِهِ ذبحه بِعُود قد أحده للذبح وَجمع الجذل أجذال وَفِي بعض الحَدِيث كَيفَ تبصر القذاة فِي عين أَخِيك وَلَا تبصر الجذل فِي عَيْنك
44 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه لما فرغ من قتال أهل بدر أَتَاهُ جِبْرِيل على فرس أُنْثَى حَمْرَاء عاقدا ناصيته عَلَيْهِ درعه وَرمحه فِي يَده قد عصم ثنيته
(1/323)

الْغُبَار فَقَالَ إِن الله جلّ وَعز أَمرنِي أَن لَا أُفَارِقك حَتَّى ترْضى فَهَل رضيت قَالَ نعم قد رضيت فَانْصَرف
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر بن عبد الله العسافي عَن عَطِيَّة بن قيس هَكَذَا رَوَاهُ قد عصم ثنيتيه الْغُبَار وَأَحْسبهُ غَلطا من بعض نقلة الحَدِيث وَالصَّوَاب عصب بِالْبَاء [60 / أ] أَي يبس الْغُبَار على ثنيتيه فتوهمه السَّامع عصم لقرب مخرج الْبَاء من مخرج الْمِيم وأشباههما فِي السّمع يُقَال عصب الرِّيق بِفِيهِ يعصب عصبا إِذا يبس وَقد عصب فَاه الرِّيق قَالَ ابْن أَحْمَر من الطَّوِيل ... يُصَلِّي على من مَاتَ منا عريفنا ... وَيقْرَأ حَتَّى يعصب الرِّيق بالفم ...
وَقَالَ بعض الرجاز من الرجز ... يعصب فَاه الرِّيق أَي عصب ... عصب الْجبَاب بشفاه الوطب ...
والجباب شَيْء يجْتَمع من ألبان الْإِبِل كالزبد وَلَيْسَ لِلْإِبِلِ زبد وَأما عصم فبمعنى منع وَمِنْه الْعِصْمَة فِي الدّين إِنَّمَا هُوَ الْمَنْع من الْمعاصِي وَقَوله {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} أَي لَا مَانع وَيُقَال قد عصمه الطَّعَام أَي مَنعه من الْجُوع وَلَيْسَ لعصم
(1/324)

فِي هَذَا الحَدِيث وَجه إِلَّا أَن يكون أعصم بثنيتيه أَي لزمهما ولصق بهما قَالَ أَبُو زيد أعصم الرجل بِصَاحِبِهِ إِذا لزمَه وَيُقَال أعصم الرجل يعْصم إِذا تشدد واستمسك بِشَيْء لِئَلَّا يصرعه فرسه أَو بعيره قَالَ الشَّاعِر من الْكَامِل ... كفل الفروسة دَائِم الإعصام ...
وَقَالَ طفيل [من الطَّوِيل] ... وَلم يشْهد الهيجا بألوث معصم ...
45 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ذكره فِيهِ أَن الْملك يَأْتِي العَبْد إِذا وضع فِي قَبره قَالَ فَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا فَيُقَال لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَيَقُول لَا دَريت وَلَا تليت وَلَا اهتديت رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عبد الملك بن عمر عَن عباد بن رَاشد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن أبي نصْرَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله وَلَا تليت هَكَذَا يَقُولُونَهُ وَإِذا قطع أَيْضا من لَا قَالُوا تليت وَهُوَ غلط وَفِيه قَولَانِ بَلغنِي عَن يُونُس الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هُوَ لَا دَريت وَلَا
(1/325)

أتليت سَاكِنة التَّاء يَدْعُو عَلَيْهِ أَن لَا تتلي إبِله أَي لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها أَي تتبعها يُقَال للناقة قد أتلت فَهِيَ متلية وتلاها وَلَدهَا إِذا تبعها وَقَالَ غَيره هُوَ لَا دَريت وَلَا ائتليت تَقْدِيره افتعلت من قَوْلك مَا ألوت هَذَا وَلَا استطعته وَيُقَال لَا آلو كَذَا أَي لَا أستطيعه كَأَنَّهُ يُقَال لَا دَريت وَلَا اسْتَطَعْت وَهَذَا أشبه بِالْمَعْنَى وَلَفظه أشبه بِاللَّفْظِ فِي الحَدِيث أَلا ترى أَنَّك إِذا خففت الْهمزَة وأدرجت الْكَلَام وَافَقت اللَّفْظَة لفظ الْمُحدث
46 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سمى الْغُرَاب فَاسِقًا
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعنسي عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه الْفَاسِق العَاصِي وأصل الْفسق الْخُرُوج من الشَّيْء قَالَ الله تَعَالَى {إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه} أَي خرج عَن طَاعَته قَالَ الْفراء وَلَا أَحسب الْفَأْرَة سميت فويسقة إِلَّا لخروجها من جحرها على النَّاس
(1/326)

حَدثنِي أبي حَدثنِي القومسي عَن عبد العزيز بن عبد الله الأوسي ثَنَا اللَّيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ غطوا الْإِنَاء وأوكوا السقاء وَأَغْلقُوا الْبَاب وأطفئوا السراج فَإِن الفويسقة تصرم على أهل الْبَيْت بَيتهمْ يَعْنِي الْفَأْرَة وَلَا اراه سمى الْغُرَاب فَاسِقًا إِلَّا أَن نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أرْسلهُ ليَأْتِيه بِخَبَر مَاء الطوفان فَوجدَ جيفة طافية على المَاء فشغل بهَا وَلم يرجع إِلَيْهِ فَأرْسل الْحَمَامَة بعده فَرَجَعت إِلَيْهِ بِمَا أحب من الْخَبَر فَدَعَا الله لَهَا بالطوق فِي عُنُقهَا والخضاب فِي رِجْلَيْهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وقرأت فِي التَّوْرَاة أَنه لما كَانَ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا فتح نوح كوَّة الْفلك الَّتِي صنع ثمَّ ارسل الْغُرَاب فَخرج وَلم يرجع حَتَّى يبس المَاء عَن الأَرْض وَأرْسل الْحَمَامَة مرّة بعد مرّة فَرَجَعت حِين أمست وَفِي منقارها ورقة زيتون فَعلم أَن المَاء قد قل عَن وَجه الأَرْض وأحسب هَذَا أصل قَوْلهم غراب الْبَين لِأَنَّهُ بَان فَذهب وَلذَلِك تشاءموا بِهِ وزجروا فِي نعيقه الْفِرَاق والإغتراب مِنْهُ
وَقَوْلهمْ قَذَفته نوى غربَة وَهَذَا شأو مغرب أَي بعيد وَهَذِه عنقاء مغرب أَي جائية من بعيد وَمَا أشبه هَذَا مشتقا من اسْمه لمفارقته نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام ومباينته إِيَّاه وَسَماهُ
(1/327)

رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسِقًا لمعصيته إِيَّاه وَأمر بقتْله فِي الْحرم وَقَالَ بَعضهم سمي غراب الْبَين لِأَنَّهُ يسْقط فِي الديار إِثْر الْقَوْم إِذا تحملوا يتقمم وَالتَّفْسِير الأول أعجب إِلَيّ وَالشَّاهِد عَلَيْهِ أقوى وَسُئِلَ بعض عُلَمَاء الْأَعْرَاب لم سمي الْغُرَاب غرابا فَقَالَ لِأَنَّهُ نأى واغترب وَذهب هَذَا إِلَى أَن اسْمه مُشْتَقّ من الغربة لَا إِن الغربة مُشْتَقَّة مِنْهُ وَهَذَا وَجه أَيْضا
وَمِمَّا يزِيد هَذَا الْمَعْنى وضوحا حَدِيث مُحَمَّد بن سِنَان الْعَوْفِيّ عَن عبد الله بن الْحَارِث بن أَبْزي الْمَكِّيّ قَالَ حَدَّثتنِي أُمِّي ريطة ابْنة مُسلم عَن أَبِيهَا قَالَ شهِدت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حنينا فَقَالَ لي مَا اسْمك قلت غراب فَقَالَ أَنْت مُسلم كره أَن يكون اسْمه غرابا لفسق الْغُرَاب ومعصيته فَسَماهُ مُسلما وَكَذَلِكَ كَانَ مذْهبه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الِاسْم إِذا كرهه للرجل أَن يُسَمِّيه بضد مَعْنَاهُ كَقَوْلِه لقوم قَالُوا لَهُ نَحن بَنو زنية فَقَالَ أَنْتُم بَنو رشدة
وَكَقَوْلِه لحزن جد سعيد بن الْمسيب أَنْت سهل كَذَلِك ذهب فِي تَسْمِيَته بِمُسلم إِلَى ضد معنى غراب لِأَن الْغُرَاب عَاص وَالْمُسلم مُطِيع مَأْخُوذ من الاستسلام وَهُوَ الإنقياد وَالطَّاعَة
(1/328)

45 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن ام سَلمَة قَالَت يَا رَسُول الله أَرَاك ساهم الْوَجْه أَمن عِلّة قَالَ لَا وَلكنه السَّبْعَة الدَّنَانِير الَّتِي أَتَيْنَا بهَا أمس نسيتهَا فِي خصم الْفراش فَبت وَلم أقسمها
يرويهِ حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة بن قدامَة عَن عبد الملك بن عُمَيْر عَن ربعي عَن أم سَلمَة
وخصم الْفراش جَانِبه وَكَذَلِكَ هُوَ من كل شَيْء وَجمعه خصوم وأخصام قَالَ الأخطل وَذكر السَّحَاب [من الطَّوِيل] ... إِذا طعنت فِيهِ الْجنُوب تحاملت ... بأعجاز جرار تداعى خصومها ...
أَي جوانبها وَطعن الْجنُوب فِيهِ سوقها إِيَّاه والجرار الثقيل ذُو المَاء تحاملت بأعجازه دفعت أواخره وخصومها جوانبها الْوَاحِد خصم يُرِيد تداعى بالرعد وَمِنْه قَول سهل بن حنيف يَوْم صفّين لما حكم الحكمان إِن هَذَا الْأَمر لَا يسد لله فِيهِ خصم إِلَّا انْفَتح علينا خصم آخر
46 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عبد الله
(1/329)

ابْن الشخير قَالَ قدمت عَلَيْهِ فِي رَهْط من بني عَامر فسلمنا عَلَيْهِ أَنْت والدنا وَأَنت سيدنَا وَأَنت الْجَفْنَة الغراء فَقَالَ قُولُوا بقولكم وَلَا يستجرينكم الشَّيْطَان يرويهِ يُونُس بن مُحَمَّد عَن مهْدي ابْن مَيْمُون عَن غيلَان بن جرير عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير عَن أَبِيه
قَوْلهم أَنْت الْجَفْنَة الغراء كَانَت الْعَرَب تَدْعُو السَّيِّد الْمطعم للطعام جَفْنَة لِأَنَّهُ يَضَعهَا وَيطْعم فِيهَا وَأكْثر مَا يَقع هَذَا فِي المراثي قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... يَا جَفْنَة كإزاء الْحَوْض قد كفؤوا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره ...
فَإِنَّمَا أَرَادَ رجلا قتل يَقُول فَلَمَّا قتل كفئت جَفْنَة وَقَالَ آخر [من الوافر] ... وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام ...
والشيزى خشب الجفان وَإِنَّمَا أَرَادَ كم بالقليب من جَفْنَة تكلل بالسنام يَعْنِي أَن صَاحبهَا قتل والغراء الْبَيْضَاء من الشَّحْم
وَقَوله لَا يستجرينكم الشَّيْطَان هُوَ من الجري والجري
(1/330)

الْوَكِيل
يَقُول جريت جَريا واستجريت جَريا أَي اتَّخذت وَكيلا تسجعوا فتكونوا كأنكم تنطقون عَن الشَّيْطَان وَقد قَالَ لرجل مسجع فِي مَنْطِقه أسجع كسجع الْكُهَّان وَجَاءَت فِي كَرَاهَة مثل هَذَا عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة ذكر فِيهَا البلغاء والثرثارين والمتشدقين والمتفيهقين
47 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن أهل الْجنَّة أَكْثَرهم البله رَوَاهُ عَمْرو بن حَمَّاد عَن سَلامَة بن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أَبِيه يذهب عوام النَّاس إِلَى أَن البله هَاهُنَا المجانين وَمن لَا يعقل ويمتد إِلَى خشائرهم وَلَا أرى إِلَّا أَن موحد الله وعابده بعقل وَعلم وَإِن كَانَت مِنْهُ الزلات والهفوات أفضل عِنْد الله من المجانين وَأولى بتعظيم الْحُرْمَة فِي الْمحيا وَالْمَمَات وَلَيْسَ البله الَّذين ذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنهم أَكثر أهل الْجنَّة على مَا ظنُّوا وَإِن كُنَّا لَا نبعد أُولَئِكَ أَيْضا من رَحْمَة الله وفضله وَإِنَّمَا البله فِي الحَدِيث الَّذين غلبت عَلَيْهِم سَلامَة الصُّدُور وَحسن الظَّن بِالنَّاسِ قَالَ النمر بن تولب [من الْكَامِل] ... وَلَقَد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها ...
يُرِيد أَنَّهَا غر لَيْسَ لَهَا دهاء فَهِيَ تُخبرنِي بأسرارها وَلَا تفهم
(1/331)

مَا فِي ذَلِك عَلَيْهَا وَلم يرد أَنَّهَا بمجنونة وَلَا معتوهة وَمن شَأْنهمْ أَن يصفوا الْجَارِيَة بالغرارة وسلامة الصَّدْر والانقطاع قَالَ ابْن الدمينة [من الطَّوِيل] ... بنفسي وَأَهلي من إِذا عرضوا لَهُ ... بِبَعْض الْأَذَى لم يدر كَيفَ يُجيب
وَلم يعْتَذر عذر البريء وَلم يزل ... بِهِ صعقة حَتَّى يُقَال مريب ...
وَقَالَ أَبُو دواد الْإِيَادِي يصف ضعفة النِّسَاء [من الْخَفِيف] ... يكتبين الينجوع فِي كبة المشتى وبله أحلامهن وسام ...
والأحلام هَاهُنَا الْعُقُول والبله فِيهَا سلامتها وعقلتها عَن الشَّرّ والخب وَالْمَكْر وَقد يكنى عَن الْعُقُول بالأحلام لِأَن الأحلام تكون عَنْهَا قَالَ الله تَعَالَى {أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا} وَإِلَى هَذَا بِعَيْنِه ذهب ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث وَمن الشَّاهِد عَلَيْهِ أَيْضا قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام حِين ذكر زَمَانا ذمّ أَهله وَقَالَ لَا ينجو فِيهِ إِلَّا كل نومَة يَعْنِي الْمَيِّت الذّكر أُولَئِكَ أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الْعلم لَيْسُوا بالعجل المذاييع الْبذر
(1/332)

وَفِي الحَدِيث إِن الله جلّ وَعز يدْخل الْجنَّة أَقْوَامًا بسلامة الصُّدُور لَيْسَ لَهُم كَبِير عمل هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام
49 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه صلى فِي ثوب وَاحِد متلببا بِهِ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي عَن عَمْرو بن كثير الْمَكِّيّ عَن عبد الرحمن بن كيسَان عَن أَبِيه
متلببا بِهِ أَي محتزما والتلبب التحزم وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يُصَلِّي الرجل حَتَّى يحتزم وَفِي حَدِيث آخر أَنه أَمر بالتحزم فِي الصَّلَاة وَقَالَ المنخل الْيَشْكُرِي وَذكر فُرْسَانًا [من مجزوء الْكَامِل] ... واستلأموا وتلببوا ... إِن التلبب للمغير ...
قَوْله استلأموا أَي لبسوا اللأمات وَهِي الدروع وَاحِدهَا لأمة وَمِنْه الحَدِيث لِأَن أقدم سقطا أحب إِلَيّ من أَن أخلف مائَة مستلئم أَي مائَة ابْن قد لبسوا الدروع وحاربوا وَمعنى الحَدِيث أَنهم كَانُوا يصلونَ فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَلَيْسَ تجوز الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا بِأَن تتحزم بِهِ إِن كَانَ إزارا أَو تزره إِن كَانَ قَمِيصًا كَمَا روى
(1/333)

انه قَالَ زره وَلَو بِالشَّوْكَةِ فَأَما الْمَرْأَة فَأول مَا تحزم للصَّلَاة درع تبلغ قدميها وخمار يستر صدرها كتب الي بذلك الرّبيع بن سُلَيْمَان يذكرهُ عَن الشَّافِعِي وَلم يذكر التحزم
وَقَالَ ابْن عمر من لم تَجِد غير ثوب فانها تتزر بِهِ اتزارا
50 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ تُوضَع الرَّحِم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا حجنة كحجنة المغزل تكلم بِلِسَان طلق ذلق أَو بألسنة ذلق يرويهِ عَفَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن أبي ثُمَامَة الثَّقَفِيّ عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله حجنة المغزل الصنارة وَهِي الحديدة العقفاء الَّتِي يعلق بهَا الْخَيط ثمَّ يفتل المغزل وكل شَيْء انعقف فَهُوَ أحجن وَيُقَال أحجن بَين الحجنة كَمَا يُقَال أَحْمَر بَين الْحمرَة وَمِنْه المحجن وَهُوَ شبه الصولجان روى ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَاف بِالْبَيْتِ يسْتَلم الْحجر بِمِحْجَنِهِ
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الله بن حبَان النَّحْوِيّ عَن مُحَمَّد بن
(1/334)

سَلام الجُمَحِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه حدث بِحَدِيث صَاحب المحجن الَّذِي كَانَ يسرق الْحَاج فِي الْجَاهِلِيَّة بمحجنة فاذا فطن لَهُ قَالَ لم آخذه انما تعلق بمحجني أَو انما أَخذه محجني فَقَالَ حَمَّاد لَو أدْرك زَمَاننَا هَذَا كَانَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة ولسرق هَذَا بِمِحْجَنِهِ قَالُوا احتجن فلَان المَال اذا اقتطعه هَكَذَا أَحسب وَالله أعلم.
51 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: انه كره من الشَّاء سبعا الدَّم والمرار وَالْحيَاء والغدة وَالذكر والأنثيين والمثانة.
رَوَاهُ أَبُو عَاصِم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن وَاصل بن أبي جميل عَن مُجَاهِد قَالَ الرياشي أرَاهُ أَرَادَ الْأَمر فَقيل لَهُ المرار وَالْأَمر المصارين وأنشدنا عَن أبي زيد [من الوافر]
(1/335)

.. وَلَا تهد الْأَمر وَمَا يَلِيهِ ... وَلَا تهدن معروق الْعِظَام ...
وَلَا أرى هَذَا الا كَمَا ذكر لِأَن المرار لَيْسَ أحد يستحبه فيكرهه لَهُ وَلَا يَأْكُلهُ فينهاه عَنهُ.
والمصران قد يُؤْكَل فكرهه لَا أَنه حرمه وَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ لمن اشتهاه وَقد نهي عَن لُحُوم الْجَلالَة وَكسب الْحجام نهي تَأْدِيب وَلَيْسَ هما مِمَّا حرم الله وَلَا رَسُوله فان احْتج مُحْتَج بِأَنَّهُ كره الدَّم وَالدَّم حرَام وَقَالَ وسبيل هَذِه الْأَشْيَاء سَبيله لِأَنَّهُ لَا يكون أَن يكره شَيْئَيْنِ فَيكون أَحدهمَا حَرَامًا وَالْآخر حَلَالا قُلْنَا لَهُ قد يجوز ذَلِك الا ترى أَن الله جلّ وَعز يَقُول: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} فالحج فَرِيضَة وَالْعمْرَة غير فرض الا فِي قَول من يُخَالِفهُ عَامَّة الْمُسلمين فِيهَا.
وَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن كل مُسكر ومفتر والمسكر محرم بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ قَالَ: كل مُسكر حرَام وكل مُسكر خمر.
(1/336)

والمفتر نهي عَنهُ نهي تَأْدِيب لِأَنَّهُ لم يَأْتِ فِي شئ من الحَدِيث انه قَالَ كل مفتر حرَام وَلَا كل مفتر خمر وَقد نهى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن شَيْئَيْنِ حكمهمَا مُخْتَلف وَجمع بَينهمَا فِي النَّهْي وَنهى عَن كسب المومسة وَكسب الْحجام والمومسة الزَّانِيَة وكسبها حرَام وَكسب الْحجام مَكْرُوه وَجمع بَينهمَا فِي النَّهْي.
52 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ويل لأقماع القَوْل وويل للمصرين يرويهِ يحيى بن أبي بكير عَن حريز بن عُثْمَان عَن حبَان بن زيد الشرعبي عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله ويل لأقماع القَوْل يَعْنِي الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل كثيرا وَلَا يعْملُونَ بِهِ وَهُوَ جمع قمع وَمِنْه لُغَة أُخْرَى قمع مثل ضلع وضلع شبه آذانهم لِكَثْرَة مَا يدخلهَا من الْوَعْظ وهم مصرون بالأقماع الَّتِي تفرغ فِيهَا الْأَنْوَاع وَلَيْسَ يبْقى فِيهَا مِنْهَا شَيْء وَيُقَال أصر الرجل على الذَّنب وأصر الْفرس أُذُنه وصر الشَّيْء اذا جمعه.
(1/337)

53 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه كَانَ يتَعَوَّذ من خمس من العيمة والغيمة وَالْأَيمَة والكزم وَالْقَرْمُ.
يرويهِ سُلَيْمَان بن الرّبيع الْكُوفِي عَن همام عَن أبي الْعَوام عمرَان بن دَاوُد الطان عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
العيمة شَهْوَة اللَّبن حَتَّى لَا تصبر عَنهُ يُقَال عَام الى اللَّبن يعام ويعيم عيما وَمَا أَشد عيمته وَرجل عيمان وَقوم عيامى.
والغيمة أَن يكون الانسان شَدِيد الْعَطش كثير الاسْتِسْقَاء للْمَاء يُقَال غام يغيم قَالَ الشَّاعِر يصف حميرا [من المتقارب] ... فظلت صَوَافِن خزر الْعُيُون الى الشَّمْس من رهبة أَن تغيما ...
يَقُول خشيت أَن يشْتَد عطشا فَهِيَ ترقب الشَّمْس الى أَن تغيب فَترد المَاء.
وَالْأَيمَة طول التعزب من قَوْلك رجل أيم وَامْرَأَة أيم اذا كَانَا عزبين وَالْقَرْمُ فِي اللَّحْم كالعيمة فِي اللَّبن يُقَال قرمت الى اللَّحْم وعمت الى اللَّبن اذا اشتدت شهوتك لَهما.
والكزم فِيهِ قَولَانِ يُقَال هُوَ شدَّة الْأكل من قَوْلك
(1/338)

كزم فلَان الشىء بِفِيهِ يكزمه كزما اذا كَسره الْمصدر سَاكن الزَّاي وَالِاسْم مفتوحها وَيُقَال هُوَ الْبُخْل من قَوْلك فلَان أكزم البنان أَي قصيها وأكزم الرجل وَهَذَا كَمَا يُقَال فِي الرجل الممسك جعد الْكَفّ وقصير البنان وَذهب قَتَادَة فِي تَفْسِير الكزم الى الْبُخْل.
54 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان صعصعة بن نَاجِية الْمُجَاشِعِي جد الفرزدق بن غَالب قدم عَلَيْهِ وَأسلم وَقَالَ اني كنت أعمل أعمالا فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل لي فِيهَا من أجر فَقَالَ مَا عملت قَالَ اني أضللت ناقتين لي عشراوين فَخرجت أبغيهما فَرفع لي بيتان فِي فضاء من الأَرْض فقصدت قصدهما فَوجدت فِي أَحدهمَا شَيخا كَبِيرا فَقلت هَل أحسست من ناقتين عشراوين قَالَ وَمَا نارهما قلت ميسم بني دارم قَالَ قد أصبْنَا ناقتيك وتجناهما فظأرناهما على أولادهما وَذكر حَدِيث الموؤدة واحيائه اياها فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا بَاب من الْبر وَلَك أجره اذ من الله عَلَيْهِ بالاسلام. [65 / ب]
حَدَّثَنِيهِ ابي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن مَرْزُوق عَن الْعَلَاء بن الْفضل عَن
(1/339)

عباد بن نسيب عَن طفيل بن عَمْرو عَن صعصة بن نَاجِية الْمُجَاشِعِي انه ذكر ذَلِك.
النَّاقة العشراء الَّتِي أَتَى على حملهَا عشرَة اشهر ثمَّ لَا يزَال ذَلِك أسمها حَتَّى تضع وَبعد أَن تضع أَيْضا.
وَجَمعهَا عشار وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {وَإِذا العشار عطلت} .
وَمثله فِي التَّقْدِير امْرَأَة نفسَاء وَجَمعهَا نِفَاس وَيُقَال عشرت فَهِيَ عشراء وَلَا يُقَال ذَلِك الا للناقة وَكَذَلِكَ الخلفة هِيَ الْحَامِل من النوق وَالْجمع خلفات ومخاض قَالُوا وكل ذَات حافر ننوج وعتوق وكل سَبْعَة ملمع وَذَلِكَ إِذا أشرقت ضروعها للْحَمْل واسودت حلماتها وَذَوَات الْحَافِر كَذَلِك أَيْضا وكل مقرب من الْحَوَامِل مجح وَقَالَ أَبُو زيد الاجحاح انما هُوَ للسباع فاستعير فِي الانسان وأصل الْحَبل للنِّسَاء.
وَقَوله مَا نارهما يُرِيد مَا ميسمها قَالَ الْأَصْمَعِي كل وسم بمكوى فَهُوَ نَار وَمَا كَانَ بِغَيْر مكوى فَهُوَ جرف وحز وُقُوع وقرم وزنم وَيُقَال فِي مثل: نجارها نارها أَي ميسمها يدلك على جوهرها قَالَ الشَّاعِر من الرجز
(1/340)

.. حَتَّى سقوا آبالهم بالنَّار ... وَالنَّار قد تشفي من الأوار ...
والأوار الْعَطش وَقَوله سقوها بالنَّار يَقُول سقوها على مواسمها فقدموا الْأَعَز مِنْهَا فالأعز أَرْبَابًا وَقَالَ بعض لصوص الْأَعْرَاب وَذكر ابلا سَرَقهَا من مواضيع كَثِيرَة من الرجز ... نجار كل ابل نجارها ... ونار كل الْعَالمين نارها ... [66 / أ]
وَقَوله نتجناهما يُقَال قد نتجت نَاقَتي على تَقْدِير فعلت كَأَن الْفِعْل لَك اذا ولدت عنْدك وَقَالَ الْكُمَيْت من المتقارب
وَقَالَ المذمر للناتجين مَتى ذمرت قلبِي الأرجل
ذكر دواهي فَضرب اليتن وَهُوَ الْجَنِين الَّذِي يخرج رِجْلَاهُ قبل يَدَيْهِ لَهما مثلا.
والمذمر الَّذِي يدْخل يَده فِي رحم النَّاقة ليعلم مَا الْجَنِين أذكر هُوَ أم أُنْثَى وَسمي بذلك لِأَن يَده على مذمره وَهُوَ أصل
(1/341)

الْقَفَا عِنْد الذفرى وَيُقَال نتجت النَّاقة اذا ولدت وَلَا يُقَال نتجت فاذا تبين حملهَا قيل أنتجت فَهِيَ نتوج وَلَا يُقَال منتج وَكَذَلِكَ أعقت الْفرس فَهِيَ عقوق وَلَا يُقَال معق.
وَقَوله ظأرناهما على أولادهما يُرِيد أَنهم عطفوهما على أولادهما وَلم يعطفوهما على غَيرهمَا قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب اذا أَرَادَت أَن تغير ظاءرت تَقْدِير فاعلت قَالَ وَذَلِكَ أَنهم يبقون اللَّبن ليسقوه الْخَيل وَيُقَال فِي مثل الطعْن يظأر أَي يعْطف على الصُّلْح.
55 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثِينَ وَمِائَة فَقَالَ هَل مَعَ أحد مِنْكُم طَعَام فاذا مَعَ رجل صَاع من طَعَام فَأمر بِهِ فعجن ثمَّ جَاءَ رجل مُشْرك طَوِيل مشعان بِغنم يَسُوقهَا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبيع أم عَطِيَّة أم هبة قَالَ بل بيع فَاشْترى مِنْهُ شَاة فَأمر بهَا فصنعت وَأمر بسواد الْبَطن أَن يشوى قَالَ وأيم الله مَا من الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة الا قد حز لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حزة من سَواد بَطنهَا يرويهِ الْمُعْتَمِر عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن
(1/342)

عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر.
قَوْله مشعان يُرِيد أَنه متنفش الشّعْر يُقَال رجل مشعان الرَّأْس وَشعر مشعان اذا كَانَ ذَلِك متنفشا.
وروى الْأَصْمَعِي عَن جوريرية بن أَسمَاء انه قَالَ خرج الْوَلِيد وَهُوَ مشعان الرَّأْس يَقُول هلك الْحجَّاج بن يُوسُف وقرة بن شريك يتفجع عَلَيْهِمَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَذَلِكَ الشوع هُوَ انتشار الشّعْر وَأرى قَوْلهم ابْن أَشوع مِنْهُ وَسَوَاد الْبَطن هُوَ الكبد.
56 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان سَعْدا استأذنه فِي أَن يتَصَدَّق بِمَالِه فَقَالَ لَا ثمَّ قَالَ الشّطْر فَقَالَ لَا قَالَ فَالثُّلُث قَالَ الثُّلُث وَالثلث كثير انك أَن تتْرك أولادك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه.
الشّطْر النّصْف يُقَال شاطره المَال شقّ الأبلمة والأبلمة الخوصة وَشطر الشَّيْء فِي مَوضِع آخر قَصده وَنَحْوه وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام}
(1/343)

وَقَوله عَالَة أَي فُقَرَاء وَهُوَ جمع عائل يُقَال عَال الرجل يعيل اذا افْتقر وعال يعول اذا جَار قَالَ الله تَعَالَى: {ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا} .
والعول فِي الْفَرِيضَة مِنْهُ وأعال يعيل اذا كثر عِيَاله.
وَقَوله يَتَكَفَّفُونَ النَّاس أَي يَسْأَلُونَهُمْ وَهُوَ من الْكَفّ مَأْخُوذ كَأَنَّهُمْ يبسطون أكفهم للنَّاس يَسْأَلُونَهُمْ يُقَال تكففت واستكففت وَمِنْه الحَدِيث الآخر: ان رجلا رأى فِي الْمَنَام كَأَن ظلة تنطف سمنا وَعَسَلًا وَكَانَ النَّاس يتكففونه فَمنهمْ المستكثر وَمِنْهُم المستقل هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام يَأْخُذُونَ بأكفهم وَقَالَ الْكُمَيْت [من الطَّوِيل] ... وَلَا يطعموا فِيهَا يدا مستكفة ... لغيركم لَو يَسْتَطِيع انتشالها ...
57 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ: أفضل الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط قَالَت سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ذَلِك.
(1/344)

الْكَاشِح الْعَدو وَقَالَ الْكُمَيْت [من مجزوء الْكَامِل] ... لما رَآهُ الكاشحون من الْعُيُون على الحنادر ...
والحنادر نواظر الْعُيُون وَاحِدهَا حندورة وحنديرة أَي رَأَوْهُ كَأَنَّهُ على أَبْصَارهم من بغضه وَيُقَال انما سمي الْعَدو كاشحا لِأَنَّهُ مخبأ الْعَدَاوَة فِي كشحه قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وأضمر أضغانا عَليّ كشوحها ...
والكشح والقرب وَالْخضر وَاحِد وَهُوَ مِمَّا يَلِي الخاصرة وَمِنْه يُقَال طوى كشحا اذا أعرض قَالَ الْأَعْشَى من الطَّوِيل ... صرمت وَلم أصرمكم وكصارم ... أَخ قد طوى كشحا وَأب ليذهبا ...
أَب تهَيَّأ وشمر للذهاب وَالِاسْم الأبابة والكبد فِي الكشح وانما يُرِيدُونَ أَن الْعَدَاوَة فِيهَا يُقَال عَدو أسود الكبد
كَأَن شدَّة الْعَدَاوَة قد أحرقت كبده قَالَ الْأَعْشَى [من الوافر] ... فَمَا أجشمت من اتيان قوم ... هم الْأَعْدَاء والأكباد سود ...
(1/345)

وَقَالَ العجاج [من الرجز] ... فَقَأَ أكبادهم المرار ...
يَقُول احتشت أكبادهم غيظا وَانْشَقَّ مِنْهُم المرارات وبخروج الكشحين يعرف حمل النَّاقة.
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو حَاتِم ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن اهاب بن عُمَيْر قَالَ قَالَ فلَان كَانَ لنا جمل يعرف كشح الْحَامِل من قبل أَن يشمها.
58 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَتَاهُ رجل وَعَلِيهِ شارة وَثيَاب فأتأره بصرة وجاءه رجل آخر فِيهِ بذاذة تعلو عَنهُ الْعين فَقَالَ هَذَا خير من طلاع الأَرْض ذَهَبا ان هَذَا لَا يُرِيد أَن يظلم النَّاس شَيْئا رَوَاهُ اسماعيل بن علية عَن الْجريرِي عَن عبد الله بن شَقِيق.
الشارة الْهَيْئَة واللباس يُقَال مَا أحسن شوار الرجل وشارته.
والشوار فِي غير هَذَا مَتَاع يحمل على الْبَعِير.
وَقَوله أتأره بَصَره أَي أحده إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... أتأرتهم بَصرِي والآل يرفعهم ... حَتَّى اسمدر بِطرف الْعين اتآري ...
(1/346)

وَقَوله اسمدر أَي ضعف نَظَرِي وَهُوَ من السمادير.
وَقَوله تعلو عَنهُ الْعين بِمَنْزِلَة تنبو عَنهُ واذا نبا الشَّيْء عَن الشَّيْء وَلم يلصق بِهِ فقد علا عَنهُ.
قَوْله طلاع الأَرْض حَدثنِي أبي قَالَ خبرني أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَظُنهُ يُرِيد مَا يمْلَأ الأَرْض حَتَّى يطلع ويسهل قَالَ وَمن ذَلِك حَدِيث الْحسن: لَان أعلم أَنِّي برِئ من النِّفَاق أحب إِلَيّ من طلاع الأَرْض ذَهَبا.
وحَدثني أبي قَالَ وحدثنيه أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي الْأَشْهب قَالَ أَظُنهُ عَن عَوْف عَن الْحسن.
59 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان سَلمَة ابْن الاكوع قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هوَازن فَبَيْنَمَا نَحن نتضحى مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ رجل على جمل أَحْمَر فأناخه ثمَّ انتزع طلقا من حقبه فقيد بِهِ الْجمل
وَفِي حَدِيث آخر بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث سَوَاء قَالَ سَلمَة غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبينا نَحن نزُول يَوْمًا جَاءَ رجل يَقُود فرسا عقوقا مَعهَا مهرَة فَقَالَ مَا فِي بطن فرسي هَذِه قَالَ غيب وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله يَرْوِيهَا عمر بن يُونُس اليمامي عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن أياس بن سَلمَة عَن أَبِيه سَلمَة
قَوْله نتضحى أَي نتغدى وَالِاسْم الضحاء وَإِنَّمَا سمي
(1/347)

الْغَدَاء ضحاء باسم الْوَقْت والضحاء مَفْتُوح الأول مَمْدُود فَإِذا أَنْت ضممت أَوله قصرت فَقلت الضُّحَى
والطلق قيد من جُلُود والطلق فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع الشوط يُقَال عدا طلقا أَو طلقين والطلق والقرب يَوْمَانِ يكونَانِ بَيْنك وَبَين المَاء فاليوم الأول الطلق وَالثَّانِي الْقرب
والحقب حَبل يشد على حقو الْبَعِير وَكَانَ قد علق الطلق يُقَال أحقبت الْبَعِير إِذا شددته بالحقب وأبطنته بالبطان إِذا شددت بطانه وصدرت عَنهُ من التصدير وَهُوَ الحزام قَالَ الراجز [من الرجز] ... محملج أدرج إدراج الطلق ... يَعْنِي حمارا
والحقب فِي غير هَذَا أَن يحقب الْبَعِير ببوله وَذَلِكَ أَن يُصِيب الحقب وَهُوَ الْحَبل ثيله فيحتبس بَوْله يُقَال حقب الْبَعِير يحقب حقبا وَلَا يُصِيب ذَلِك الْإِنَاث لِأَن الْحَبل لَا يبلغ حَيَاء النَّاقة وَمِنْه قَول عبَادَة بن أَحْمَر الْمَازِني كنت فِي إبلي عاها فأغارت علينا خيل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو خيل أَصْحَابه فَجمعت إبلي وَركبت الْفَحْل فحقب فتفاج يَبُول فَنزلت عَنهُ وَركبت
(1/348)

نَاقَة مِنْهَا فنجوت عَلَيْهَا وطردوا الْإِبِل
والعقوق هِيَ الْحَامِل يُقَال أعقت فَهِيَ عقوق وَلَا يُقَال معق وَكَانَ الْقيَاس ذَلِك والأبلق العقوق يضْرب مثلا لما لَا يكون لِأَن الأبلق ذكر وَالذكر لَا يكون عقوقا
60 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْحمى رائد الْمَوْت وَهِي سجن الله فِي الأَرْض يحبس بهَا عَبده إِذا شَاءَ ويرسله إِذا شَاءَ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخطاب قَالَ ثناه بشر بن الْمفضل عَن يُونُس عَن الْحسن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
رائد الْقَوْم رسولهم الَّذِي يرتاد لَهُم مساقط الْغَيْث وَمِنْه الحَدِيث إِن الرائد لَا يكذب أَهله يُرِيد أَنهم ينتقلون عَن مواضعهم بِخَبَرِهِ فَهُوَ لَا يكذبهم
وَبَلغنِي أَنهم كَانُوا يشمون الْبَرْق فَإِذا لمعت سَبْعُونَ برقة لم يرسلوا رائدا وانتقلوا كَأَنَّهُمْ يثقون بالغيث
يُرِيد أَن الْحمى رَسُول الْمَوْت
61 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ
(1/349)

كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ كَمَا تناتج الْإِبِل من بَهِيمَة جَمْعَاء هَل نحس من جَدْعَاء قَالُوا يَا رَسُول الله أَفَرَأَيْت من يَمُوت وَهُوَ صَغِير قَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد يَعْنِي ابْن عبد العزيز عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة
أما قَوْله كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَإِنَّهُ يُرِيد أَنه يُولد على الْإِقْرَار بِاللَّه وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله عَلَيْهِم حِين أخرجهم من ظهر آدم أَمْثَال الدّرّ {وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} فَالنَّاس جَمِيعًا وَإِن اخْتلفُوا فِي أديانهم ونحلهم عالمون بِأَن الله عز وَجل خالقهم والفطرة ابْتِدَاء الْخلقَة وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {الْحَمد لله فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض} أَي مبتدئهما وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب إصْلَاح الْغَلَط بِأَكْثَرَ من هَذَا الْبَيَان
وَمثله فِي كتاب الله جلّ وَعز {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم}
(1/350)

يُرِيد أَن الله جلّ وَعز فطر النَّاس على مَعْرفَته لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي لهَذَا من دين الله
والبهيمة الجمعاء هِيَ السليمة سميت بذلك لِاجْتِمَاع السَّلامَة لَهَا فِي أعضائها
وَلَا أَحْسبهُ قيل للبكر يدْخل بهَا زَوجهَا دخل عَلَيْهَا يجمع إِلَّا من هَذَا يُرَاد أَنه دخل بهَا وَهِي سليمَة وَشبه الْمَوْلُود حِين يُولد فِي سَلَامَته من الْكفْر بهَا ثمَّ يهود الْيَهُود أَبْنَاءَهُم وينصر النَّصَارَى أَبْنَاءَهُم أَي يعلمونهم ذَلِك كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تقطع آذان الْبَهَائِم السليمة وتفقأ عيونها وَأما سُؤَالهمْ إِيَّاه عَن الصَّغِير مِنْهُم يَمُوت فَإِنَّهُم أَرَادوا أَن يعلمُوا مَاذَا ينسبونهم إِلَيْهِ من كفر أَو إِيمَان فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين لَو أبقاهم
يُرِيد فَلَا تحكموا عَلَيْهِم بِكفْر آبَائِهِم إِذا لم يبلغُوا فيكفروا وَلَا تحكموا عَلَيْهِم بميثاق الْفطْرَة الَّتِي ولدُوا عَلَيْهَا لأَنهم لم يبلغُوا فيؤمنوا
62 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّهُم سَأَلُوهُ عَن بني عَامر بن صعصعة فَقَالَ جمل أَزْهَر متفاج يتَنَاوَل من أَطْرَاف الشّجر وسألوه عَن غطفان فَقَالَ
(1/351)

رهوة تنبع مَاء
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيم بن مُسلم ثَنَا أَبُو عَاصِم عَن سَلام بن سعد عَن زيد الْعمي عَن مَنْصُور بن زَاذَان عَن أبي هُرَيْرَة
الْأَزْهَر الْأَبْيَض من الْإِبِل وَهُوَ أحسن الْإِبِل إِذا كَانَ أسود المقلة
والمتفاج الَّذِي يفتح مَا بَين رجلَيْهِ ليبول يُرِيد أَنه مخصب فِي مَاء وَشَجر فَهُوَ لَا يزَال يتفاج للبول سَاعَة بعد سَاعَة وَذَلِكَ لِكَثْرَة مَا يشرب من المَاء
وَقَوله يتَنَاوَل من أَطْرَاف الشّجر يُرِيد أَنه فِي مرعى مخصب فَهُوَ شبعان وَلَيْسَ يرْعَى إِنَّمَا يستطرف ويصيب الشَّيْء بعد الشَّيْء وَفِي نَحْو هَذَا الْمَعْنى قَول ابْن ميادة من الْبَسِيط ... إِنِّي امْرُؤ أعتفي الْحَاجَات أطلبها ... كَمَا اعتفى سنق يلقى لَهُ العشب ...
والسنق المتخم والرهوة تكون الْمُرْتَفع من الأَرْض وَتَكون المنخفض مِنْهَا وَهِي حرف من حُرُوف الأضداد قَالَ الْأَصْمَعِي الرهاء أَمَاكِن مُرْتَفعَة وَاحِدهَا رهو قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
(1/352)

من الوافر ... نصبنا مثل رهوة ذَات حد ... مُحَافظَة وَكُنَّا المسنفينا ...
يُرِيد مثل جبل وَكَأَنَّهُ فِي هَذَا الْموضع اسْم جبل بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لم يعرفهُ وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَقد يكون الرهو الانخفاض وَحكي عَن أَعْرَابِي أَنه مر بِهِ فالج وَهُوَ الْبَعِير لَهُ سنامان فَقَالَ سُبْحَانَ الله رهو بَين سنَامَيْنِ وَحكى غَيره عَن بعض بني نمير أَنه قَالَ دليت رجْلي فِي رهوة فَهَذَا انخفاض وَأَرَادَ فِي الحَدِيث جبل يَنْبع مِنْهُ مَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه رُوِيَ فِي حَدِيث آخر عِنْد ذكره غطفان أَنه قَالَ أكمة خشناء وَيَتَّقِي النَّاس عَنْهَا يُرِيد أَن فيهم توعرا وخشونة وَهَذِه أَمْثَال ضربهَا لَهُم فِي أَحْوَالهم وَبَلغنِي عَن أبي الْيَقظَان أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أريت جدود الْعَرَب فَرَأَيْت جد بني عَامر جملا أَحْمَر يَأْكُل
(1/353)

من فروع الشّجر وَقَالَ اللَّهُمَّ أكفني عَامِرًا يَعْنِي بن الطُّفَيْل واهد بني عَامر
قَالَ أَبُو الْيَقظَان وهجان الْعَرَب قُرَيْش وعامر وحَنْظَلَة ابْن مَالك
آخر الْجُزْء الأول من الأَصْل
(1/354)

63 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أم سَلمَة قَالَت كنت مَعَه فِي لِحَاف فحضت فَخرجت فشددت عَليّ ثِيَابِي ثمَّ رجعت فَقَالَ أنفست يُرِيد أحضت يُقَال طمثت الْمَرْأَة ودرست ونفست تنفس وعركت تعرك وَمِنْه الحَدِيث كَانَت عَائِشَة إِذا عركت قَالَ لَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ائتزري على وسطك ويباشرها
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا قيل للْمَرْأَة إِذا ولدت نفسَاء لسيلان الدَّم وَفِي الحَدِيث أَن أَسمَاء بنت عُمَيْس نفست بِالشَّجَرَةِ فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ أَن يأمرها أَن تَغْتَسِل وتهل يُرِيد حَاضَت وَقَالَ إِبْرَاهِيم كل شَيْء لَيست لَهُ نفس سَائِلَة فَإِنَّهُ لَا ينجس المَاء إِذا مَاتَ فِيهِ أَي لَيْسَ لَهُ دم
64 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عمر قَالَ إِن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ أشرق ثبير كَيْمَا نغير وَكَانُوا
(1/355)

لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس فخالفهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
يرويهِ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حجاج وَعَن أبي إِسْحَق عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر رَضِي الله عَنهُ
قَوْلهم أشرق ثبير هُوَ من شروق الشَّمْس وشروقها طُلُوعهَا يُقَال شَرقَتْ الشَّمْس شروقا إِذا هِيَ طلعت وأشرقت إِذا أَضَاءَت وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَدخل أَيهَا الْجَبَل فِي الشروق كَمَا تَقول أشمل الْقَوْم إِذا دخلُوا فِي ريح الشمَال وأجنبوا إِذا دخلُوا فِي الْجنُوب وأراحوا إِذا دخلُوا فِي الرّيح وأربعوا إِذا دخلُوا فِي الرّبيع فَإِذا أردْت شَيْئا من هَذَا أَصَابَهُم قلت شَمل الْقَوْم وجنبوا وريحوا وربعوا وشرقوا
وَكَذَلِكَ غيثوا إِذا أَصَابَهُم الْغَيْث خبرني غير وَاحِد مِنْهُم الطوسي عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن ذِي الرمة أَنه قَالَ مَا رَأَيْت أفْصح من أمة بني فلَان قلت لَهَا كَيفَ الْمَطَر عنْدكُمْ أَو كَيفَ كَانَ مطركم فَقَالَت غثنا مَا شِئْنَا
وَقَوْلهمْ كَيْمَا نغير يُرِيدُونَ كَيْمَا ندفع للنحر قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال أغار إغارة الثَّعْلَب إِذا أسْرع وَدفع وَمِنْه قَالَ بشر بن أبي خازم [من الوافر] ... فعد طلابها وتعز عَنْهَا ... بِحرف قد تغير إِذا تبوع ...
(1/356)

يُقَال باعت تبوع إِذا مدت بِيَدَيْهَا فِي السّير وَأرَاهُ من الباع مأخوذا
ويروى
وتعد عَنْهَا
أَي انْصَرف عَنْهَا
65 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رد السَّلَام على الْيَهُود قَالَ أَنهم يَقُولُونَ السام عَلَيْكُم فَقولُوا وَعَلَيْكُم حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن يزِيد بن هرون عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سماكة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ الْأَصْمَعِي السام الْمَوْت والبرسام بالسُّرْيَانيَّة ابْن الْمَوْت وَذَلِكَ إِن بر هُوَ الابْن والسام هُوَ الْمَوْت
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَنهُ أَنه يُقَال وَمَا أَدْرِي أَي البرنساء هُوَ يُرَاد أَي النَّاس هُوَ وَأَصله بالسُّرْيَانيَّة ابْن الْإِنْسَان وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي هَذِه الْحبَّة السَّوْدَاء
(1/357)

شِفَاء من كل دَامَ إِلَّا السام قيل وَمَا السام قَالَ الْمَوْت
وَأما الحَدِيث الْأُخَر لَو كَانَ شَيْء يُنجي من الْمَوْت لَكَانَ السنا والسنوت فَإِن السنوت الْعَسَل وَفِيه لُغَة أُخْرَى السنوت
قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... هم السّمن بالسنوت لَا ألس فيهم ... وهم يمْنَعُونَ جارهم أَن يقردا ...
والألس الْخِيَانَة وَالْعَيْب وَمِنْه يُقَال لَا يوالس يَعْنِي لَا يمْنَعُونَ جارهم أَن يستذل كَمَا يستذل الْبَعِير إِذا نزع قردانه
والسام فِي غير هَذَا عروق الذَّهَب وَاحِدهَا سامة وَبهَا سمي سامة ابْن لؤَي قَالَ قيس بن الخطيم وَذكر قوما تراصوا فِي الْحَرْب واشتبكوا [من الطَّوِيل] ... لَو أَنَّك تلقي حنظلا فَوق بيضنا ... تدحرج عَن ذِي سامه المتقارب ...
وَذُو سامه الْبيض الْمَذْهَب وَعَن فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى فَوق يَقُول لَو ألقِي عَلَيْهِم حنظل لجرى فَوق الْبيض وَلم يسْقط إِلَى الأَرْض لشدَّة تراصفهم
(1/358)

65 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْعَبَّاس بن عبد المطلب قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أمتدحك قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك قَالَ الْعَبَّاس [من المنسرح] ... 1 - من قبلهَا طبت فِي الظلال وَفِي ... مستودع حَيْثُ يخصف الْوَرق
2 - ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد لَا بشر ... أَنْت وَلَا مُضْغَة وَلَا علق
3 - بل نُطْفَة تركب السفين وَقد ألْجم نسرا وَأَهله الْغَرق
4 - تنقل من صالب إِلَى رحم ... إِذا مضى عَالم بدا طبق
5 - حَتَّى احتوى بَيْتك الْمُهَيْمِن من خندف علياء تحتهَا النُّطْق
6 - وَأَنت لما ولدت أشرقت الأَرْض وضاءت بنورك الْأُفق
7 - فَنحْن فِي ذَلِك الضياء وَفِي النُّور وسبل الرشاد نخترق ...
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو الغنوي ثناه زَكَرِيَّا بن يحيى الْكُوفِي ثَنَا عَم أبي زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن ينهب قَالَ سَمِعت جدي حَرِيم بن أَوْس بن حَارِثَة يَقُول هَاجَرت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة بعد مُنْصَرفه من تَبُوك فَسمِعت الْعَبَّاس يَقُول ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(1/359)

قَوْله لَا يفضض الله فَاك أَي لَا يسْقط ثغرك والعوام تَقول يفضض الله وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا يُقَال يفضض بِفَتْح الْيَاء وَضم الضَّاد الأولى لِأَنَّهُ من فض يفض وَيُقَال فضضت جموعهم إِذا فرقتها وَقَالَ الله جلّ وَعز {وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك}
وَيُقَال فضضت الْكتاب من ذَلِك والفم يقوم مقَام الْأَسْنَان يُقَال سقط فَم فلَان فَلم تبْق لَهُ حاكة إِذا سَقَطت أَسْنَانه
وَرُوِيَ أَن النابعة الْجَعْدِي أنْشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شعره الَّذِي يَقُول فِيهِ [من الطَّوِيل] ... أتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وَيَتْلُو كتابا كالمجرة نيرا ...
فَلَمَّا بلغ ... وَلَا خير فِي حلم إِذا لم يكن لَهُ ... بَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدرا ...
قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يفضض الله فَاك فغبر مائَة سنة لم تنغص لَهُ سنّ وَأنْشد فيهمَا من الطَّوِيل
(1/360)

.. بلغنَا السَّمَاء مَجدنَا وجدودنا ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا ...
فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أَيْن يَا أَبَا ليلى فَقَالَ إِلَى الْجنَّة
وَأما قَول الْعَبَّاس من قبلهَا طبت فِي الظلال فَإِنَّهُ يَعْنِي فِي ظلال الْجنَّة وَأَرَادَ أَنه كَانَ طيبا فِي صلب آدم وآدَم فِي الْجنَّة قبل أَن يهْبط إِلَى الأَرْض والظلال جمع ظلّ وَلَيْسَ يُرِيد بِظِل الْجنَّة ظلّ الشّجر والبنيان إِنَّمَا يكون ذَلِك حَيْثُ تطلع الشَّمْس وَالْجنَّة كلهَا ظلّ لَا شمس فِيهَا قَالَ الله جلّ وَعز {وظل مَمْدُود}
أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ دَائِم لَا تنسخه الشَّمْس وَرُوِيَ فِي حَدِيث ظلّ الْجنَّة سَجْسَج والسجسج المعتدل لَا حر فِيهِ وَلَا برد وَقَالَ بَعضهم هُوَ كغدوات الصَّيف قبل طُلُوع الشَّمْس
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة سنة لَا يقطعهَا أَي ذراها وَهُوَ مثل قَوْلك للرجل أَنا فِي ظلك تُرِيدُ ي ذراك وناحيتك
(1/361)

وَالْعرب تجْعَل اللَّيْل ظلا وَهُوَ لَا شمس فِيهِ قَالَ ذُو الرمة [من الْبَسِيط] ... قد أعسف النازح الْمَجْهُول معسفه ... فِي ظلّ أَخْضَر يَدْعُو هامه البوم ...
والأخضر هَاهُنَا اللَّيْل والخضرة عِنْدهم سَواد وَأَرَادَ فِي ستر ليل أسود
وَقَوله فِي مستودع يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن يكون أَرَادَ بالمستودع الْموضع الَّذِي جعل بِهِ آدم وحواء عَلَيْهِمَا السَّلَام من الْجنَّة واستودعاه وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ الرَّحِم والنطفة فِيهِ
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع} قَالَ فمستقر فِي الصلب ومستودع فِي الرَّحِم
وَقَوله حَيْثُ يخصف الْوَرق أَي فِي الْجنَّة حَيْثُ خصف آدم وحواء عَلَيْهِمَا السَّلَام عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة أَي يخصفان الْوَرق بعضه إِلَى بعض وَلم يزدْ على ذَلِك فِي التَّفْسِير
(1/362)

والخصف هُوَ أَن تضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء وتشكه مَعَه أَو تلصقه بِهِ وَمِنْه يُقَال خصفت نَعْلي وَقيل للصانع خصاف ولإشفائه مخصف وكأنهما كَانَا يضمان الْوَرق بعضه إِلَى بعض ليَكُون لَهما لبسا وسترا وَقَوله ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد يُرِيد أَنه لما هَبَط آدم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الأَرْض هَبَطت لِأَنَّهُ فِي صلبه وَهُوَ إِذْ لَا بشر وَلَا لحم وَلَا دم يُرِيد أَنه نُطْفَة لم ينْتَقل فِي هَذِه الْمَرَاتِب الَّتِي ينْتَقل فِيهَا الْجَنِين أَلا ترَاهُ يَقُول بل نُطْفَة تركب السفين يُرِيد ركُوب نوح السَّفِينَة فِي وَقت الطوفان وَهُوَ فِي صلبه
ونسر أحد الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت لقوم نوح وَقَوله تنقل من صالب يَعْنِي الصلب وَلم أسمعهُ بِهَذِهِ اللُّغَة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث وَفِيه لُغَة أُخْرَى صلب وَمثله فِي التَّقْدِير سقم وسقم وبخل وبخل وَطَعَام قَلِيل النزل والنزل قَالَ
(1/363)

الراجز ... فِي صلب مثل الْعَنَان المؤدم ...
وَقَوله إِذا مضى عَالم بدا طبق يُرِيد إِذا مضى قرن بَدَأَ قرن وَإِنَّمَا قيل للقرن طبق لأَنهم طبق الأَرْض ثمَّ ينقرضون وَيَأْتِي طبق للْأَرْض آخر وَيُقَال هَذَا مطر طبق الأَرْض إِذا طبقها وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين استسقى اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا طبقًا وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] ... دِيمَة هطلاء فِيهَا وَطف ... طبق الأَرْض تحرى وتدر ...
وطبق الأَرْض يرفع وَينصب قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال قُرَيْش الكتبة الْحِسْبَة ملح هَذِه الْأمة علم عالمهم طباق الأَرْض فَيكون طباقا لَهَا وَقَالَ الله جلّ وَعز {لتركبن طبقًا عَن طبق} أَي حَالا بعد حَال كَذَلِك فسر وَهُوَ من ذَلِك قَالَ كَعْب بن زُهَيْر [من الْبَسِيط] ... كَذَلِك الْمَرْء إِن ينسأ لَهُ أجل ... يركب بِهِ طبق من بعده طبق ...
أَي ينْقل من حَال الشَّبَاب إِلَى الْهَرم
(1/364)

والنطق جمع نطاق وَهُوَ مَا انتطقت بِهِ الْمَرْأَة أَي شدته فِي وَسطهَا وانتطقت بِهِ وانتطق بِهِ الرجل أَيْضا وَبِه سميت المنطقة وَضرب هَذَا مثلا فِي ارتفاعه وتوسطه فِي عشيرته وعزه فَجعله فِي علياء وجعلهم تَحْتَهُ نطاقا لَهُ
وَقَوله وضاءت أَي أَضَاءَت وهما لُغَتَانِ أَضَاء النَّهَار وضاء
66 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو مَسْعُود الدَّارمِيّ قَالَ حَدَّثَنِيهِ جدي خرَاش قَالَ ثناه أنس بن مَالك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إِنَّمَا جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة شُعْبَة من الْإِيمَان وَهُوَ اكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي وَإِن لم يكن لَهُ تقية فَصَارَ كالإيمان الَّذِي يقطع عَنْهَا وَلذَلِك يُقَال إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت يُرَاد أَن من لم يستح صنع مَا شَاءَ لِأَنَّهُ لَا يكون لَهُ حَيَاء يحجزه ويكفه عَن الْفَوَاحِش والقبح
(1/365)

وَقَالَ رجل لِلْحسنِ بليتني الرجل وَأَنا أمقته مَا أعْطِيه إِلَّا حَيَاء فَهَل لي فِي ذَلِك من أجر قَالَ إِن ذَلِك من الْمَعْرُوف [74 / أ] وَإِن فِي الْمَعْرُوف لأجرا
67 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا تهْلك أمتِي حَتَّى يكون التحايل والتمايز والمعامع
يرويهِ مُحَمَّد بن كثم عَن إِسْمَاعِيل عَن هِشَام بن الْغَاز عَن مَكْحُول الوصفي قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك
أَرَادَ بالتحايل أَنه لَا يكون سُلْطَان يكف النَّاس من الْمَظَالِم فيميل بَعضهم على بعض بالغارة وَأَرَادَ بالتمايز أَن النَّاس يتَمَيَّز بَعضهم من بعض بهَا ويتحزبون أحزابا بِوُقُوع العصبية وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون} قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ تميزوا يُرِيد انْقَطَعُوا عَن الْمُؤمنِينَ وَكُونُوا فرقة وَاحِدَة وَقَوله {تكَاد تميز من الغيظ} أَي يَنْقَطِع بَعْضهَا عَن بعض وَأما المعامع فَهِيَ شدَّة الْحَرْب وَالْجد فِي الْقِتَال وَالْأَصْل فِيهِ معمعة النَّار وَهِي سرعَة تلهبها قَالَ الشَّاعِر وَوصف فرسا من المتقارب
(1/366)

.. جموحا مروحا وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد ...
شبه حفيفها من المرح فِي عدوها بحفيف النَّار إِذا التهبت فِي السعف وَمثله معمعة الْحر ومعمعات الصَّيف قَالَ ذُو الرمة من الْبَسِيط ... حَتَّى إِذا معمعان الصَّيف هَب لَهُ ... بأجة نش عَنْهَا المَاء وَالرّطب ...
والأجة من تأجج النَّار وَمِنْه يُقَال للْمَرْأَة الذكية المتوقدة معمع
حَدثنِي أبي حَدثنِي عبد الرحمن بن عبد الله عَن عَمه حَدثنِي أَبُو بكر بن ابي عَاصِم عَن مَوْلَاهُ ابْن الأجيد عَن أوفى بن دلهم [74 / ب] أَنه كَانَ يَقُول النِّسَاء أَربع فمنهن معمع لَهَا شَيْئا أجمع ومنهن تبع ترى وَلَا تَنْفَع وَمِنْهُم صدع تفرق وَلَا تجمع ومنهن غي وَقع بِبَلَد فأمرع أَي أنبت
قَالَ وَذكرت بعض هَذَا الحَدِيث لأبي عوَانَة قَالَ فَكَانَ عبد الملك بن عُمَيْر يزِيد فِيهِ ومنهن القرثع وَهِي الَّتِي تلبس درعها مقلوبا وتكحل إِحْدَى عينيها وتترك الْأُخْرَى
(1/367)

وشبيه بقَوْلهمْ معمة الْحَرْب الْآن حمي الْوَطِيس يرْوى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه فِي بغض مغازيه وَيُقَال أَن الْوَطِيس التَّنور أَو شَيْء يشبه التَّنور
68 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ ذَات يَوْم كَيفَ أَنْتُم إِذا مرج الدّين وَظَهَرت الرَّغْبَة وَاخْتلف الإخوان وَحرق الْبَيْت الْعَتِيق
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَبده الصفار قَالَ ثناه عبد الله بن مُوسَى عَن سعد بن أَوْس عَن بِلَال الْعَبْسِي عَن مَيْمُونَة
قَوْله مرج الدّين يَعْنِي فسد وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعبد الله بن عمر كَيفَ أَنْت إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم أَي فَسدتْ وأصل المرج أَن يقلق الشَّيْء فَلَا يسْتَقرّ يُقَال مرج الْخَاتم فِي يَدي مرجا إِذا قلق
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن ابي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى {فهم فِي أَمر مريج} أَي مختلط
(1/368)

وَقَالَ فِي قَول الله تَعَالَى {مرج الْبَحْرين} أَي خلاهما
يُقَال مرجت دَابَّتي إِذا خليتها وأمرجتها إِذا رعيتها قَالَ الشَّاعِر [من الرمل] ... مرج الدّين فأعددت لَهُ ... مشرف الحارك محبوك الكتد ...
وَقَوله ظَهرت الرَّغْبَة يُرِيد كثر السُّؤَال وَقل الاستعفاف وَمِنْه قَوْلك رغبت إِلَى فلَان فِي كَذَا إِذا سَأَلته إِيَّاه وَمثله قَول عبد الله بن مَسْعُود حِين ذكر نُقْصَان الْإِسْلَام فَقَالَ وَآيَة ذَلِك أَن تَفْشُو الْفَاقَة
وَقَوله وَاخْتلف الإخوان يُرِيد اخْتِلَاف الْمُسلمين فِي الْفِتَن وتحزبهم وَيكون الِاخْتِلَاف الَّذِي يَقع بَينهم فِي الْأَهْوَاء والبدع حَتَّى يتباغضوا ويتعادوا ويتبرأ بَعضهم من بعض
وَأما قَوْله لعبد الله بن عمر كَيفَ أَنْت إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس فَإِن الحثالة رذال النَّاس وشرارهم وَهُوَ الرَّدِيء من كل شَيْء وَمِنْه حَدِيثه الآخر لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على حثالة من النَّاس وَمثله الخشارة والحفالة
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ يذهب الصالحون الأول فَالْأول حَتَّى
(1/369)

تبقى حفالة كحفالة التَّمْر وَفِي الحثالة لفظ آخر رُوِيَ عَن أنس أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أبقى فِي حثل من النَّاس لَا تبالي أغلبوا أَو غلبوا
69 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن سَلمَة بن الْأَكْوَع سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي الْقوس والقرن فَقَالَ صل فِي الْقوس واطرح الْقرن
يرويهِ عقبَة بن خَالِد السكونِي عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ الْأَصْمَعِي الْقرن جعبة من جُلُود تشق ثمَّ تخرز وَإِنَّمَا تشق حَتَّى تصل الرّيح إِلَى الريش فَلَا يفْسد قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] ... يَابْنَ هِشَام أهلك النَّاس اللَّبن ... فكلهم يغدوا بقوس وَقرن ...
ويروى يعدو يُرِيد أَنهم أخصبوا فغزا بَعضهم بَعْضًا وَمثله قَول الآخر [من الْكَامِل] ... قوم إِذا نبت الرّبيع لَهُم ... نَبتَت عداوتهم مَعَ البقل ...
وَإِنَّمَا أمره بِنَزْع الْقرن فِيمَا أرى لِأَنَّهُ كَانَ من جلد غير ذكي
(1/370)

وَلَا مدبوغ فَأَما غير الْقرن من الجعاب فَلَا بَأْس بِأَن يصلى فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقرن إِن كَانَ من جلد ذكي مدبوغ
70 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه توضأك فاستوكف ثَلَاثًا حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد بن يزِيد بن هرون عَن شُعْبَة عَن النُّعْمَان بن سَالم عَن ابْن أبي أَوْس الثَّقَفِيّ عَن جده أَوْس
استوكف ثَلَاثًا يُرِيد أَنه غسل يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَهُوَ من وكف الْبَيْت يكف وكوفا ووكفا إِذا قطر وَتقول أَصَابَنَا وكف وواكف ووكف الدمع يكف وكوفا ووكفا إِذا قطر واستوكف استفعل من هَذَا أَرَادَ أَخذ ثَلَاث دفع من المَاء وَقَالَ حميد بن ثَوْر وَذكر الْحمر [من الطَّوِيل] ... إِذا استوكفت بَات الغوي يسوفها ... كَمَا جس أحشاء السقيم طَبِيب ...
أَرَادَ إِذا استقطرت وَمثله استودقت يُقَال استودفت الشحمة أَي استقطرتها وودف الشَّحْم سَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه صب على يَده المَاء وَلم يدخلهَا فِي الْإِنَاء وَهَذَا مثل حَدِيثه إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فَلَا يغمس يَده فِي طهوره حَتَّى يفرغ عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده وَقد تقدم ذكر هَذَا وَتَفْسِيره
(1/371)

71 - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن جَابر ابْن عبد الله قَالَ عرضت يَوْم الخَنْدَق كدية وَأخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسحاة ثمَّ سمى ثَلَاثًا وَضرب فَعَادَت كثيبا أهيل حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَن عبد الرحمن بن مُحَمَّد الْمحَاربي عَن عبد الواحد بن أَيمن الْمَكِّيّ عَن أَبِيه عَن جَابر
وَفِي حَدِيث آخر أَن الْمُسلمين وجدوا أعبلة فِي الخَنْدَق وهم يحفرون فضربوها حَتَّى تَكَسَّرَتْ معاولهم فدعوا لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا دَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهَا فَصَارَت كثيبا ينهال انهيالا
الكدية قِطْعَة من الأَرْض غَلِيظَة صلبة يُقَال حفرت حَتَّى أكديت
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {وَأعْطى قَلِيلا وأكدى} أَرَادَ وَقطع وَهُوَ من الكدية مَأْخُوذ وَذَلِكَ أَنه إِذا حفر فَبلغ الكدية يئس من المَاء لصلابة الأَرْض فَقطع الْحفر يُقَال بلغنَا كدية الرَّكية وَلِهَذَا قيل للرجل يطْلب الشَّيْء فَلَا يقدر عَلَيْهِ قد أكدى وَمَا أجدى وَيُقَال فِي مثل مَا هُوَ إِلَّا ضَب كدية وَإِنَّمَا نسب الضَّب إِلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يحْفر أبدا إِلَّا فِي صلابة خوفًا من انهيار الْحجر عَلَيْهِ
(1/372)

قَالَ كثير [من المتقارب] ... فَإِن شِئْت قلت لَهُ صَادِقا ... وَجَدْتُك بالقف ضبا جحولا
من اللائي يحفرن تَحت الكدى ... وَلَا يبتغين الدماث السهولا ...
فَإِن بلغ الْحَافِر المَاء قيل أنبط وأماه وأموه وَأمّهَا وأنهر وأعين إِذا بلغ الْعُيُون وأجبل بلغ الْجَبَل وأثلج بلغ الطين وأسهب بلغ الرمل
وَقَوله عَادَتْ كثيبا أهيل الْكَثِيب قِطْعَة من الرمل محدودبة والأهيل والمنهال وَاحِد وَهُوَ السَّائِل والأعبل والعبلاء حِجَارَة بيض قَالَ الشَّاعِر [من السَّرِيع] ... وَالضَّرْب فِي أقبال ملمومة ... كَأَنَّمَا لأمتها الأعبل

يَقُول درعها فِي الحصانة كالأعبل والأعبلة جمع على غير هَذَا الْوَاحِد
(1/373)

أَلْفَاظ من أَحَادِيث الْإِسْرَاء
رويت لنا من وُجُوه مُخْتَلفَة مِنْهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخَذَنِي جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل فصعدا بِي فَإِذا بنهرين عظيمين جلواخين قلت يَا جِبْرِيل مَا هَذَانِ النهران قَالَ سقيا أهل الدُّنْيَا
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ لَيْلَة الْإِسْرَاء فَقَالَ رَأَيْت الدَّجَّال فَإِذا رجل فيلق أَعور كَأَن شعره أَغْصَان الشّجر أشبه من رَأَيْت بِهِ عبد العزى بن قطن الْخُزَاعِيّ
وَفِي حَدِيث آخر قَالَ عرض عَليّ الْأَنْبِيَاء فَجعل النَّبِي يمر مَعَه الثَّلَاثَة والنفر وَالرجل وَالرجلَانِ وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه أحد حَتَّى مر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي كبكبة من بني إِسْرَائِيل أعجبتني فَقلت رب أمتِي فَقيل انْظُر عَن يَمِينك فَنَظَرت فَإِذا بشر كثير يتهاوشون قيل انْظُر عَن يسارك فَنَظَرت فَإِذا الظراب مستدة بِوُجُوه الرِّجَال قيل هَذِه أمتك أرضيت قلت رَبِّي رضيت
وَفِي حَدِيث آخر قَالَ انْطلق بِي إِلَى خلق من خلق
(1/374)

الله عَظِيم كثير مُوكل بهم رجال يَعْمِدُونَ إِلَى عرض جنب أحدهم فيحذون مِنْهُ الحذوة من اللحل مثل النَّعْل ثمَّ يضفزونه فِي فِي أحدهم وَيُقَال لَهُ كل كَمَا أكلت
وَفِي حَدِيث آخر قَالَ وَإِذا أَنا بأمتي شطرين شطرا عَلَيْهِم ثِيَاب بيض كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيس وشطرا عَلَيْهِم ثِيَاب رمد فحجبوا وهم على خير
الجلواخ الْوَاسِع يُقَال وَاد جلواخ إِذا كَانَ وَاسِعًا
وَكَذَلِكَ الحوأب والجواء أنْشد الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء لرجل من غطفان [من الطَّوِيل] ... أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... بأبطح جلواخ بأسفله نخل ...
وَقَوله فِي صفة الدَّجَّال رجل فيلق بِالْقَافِ وَلست أعرف الفيلق إِلَّا الكتيبة الْعَظِيمَة قَالَ الشَّاعِر [من المتقارب] ... فِي فيلق جَاءُوا بملمومة ... يعصف بالدارع والحاسر ...
فَإِن كَانَ جعله فيلقا لعظمه فَهُوَ وَجه إِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ الفيلم بِالْمِيم والفيلم الْعَظِيم من الرِّجَال قَالَ
(1/375)

البريق الْهُذلِيّ [من المتقارب] ... ويحمي الْمُضَاف إِذا مَا دَعَا ... إِذا فر ذُو اللمة الفيلم ...
والكبكبة الْجَمَاعَة الَّتِي قد انْضَمَّ بَعْضهَا إِلَى بعض
وَقَوله يتهاوشون أَي يدْخل بَعضهم فِي بعض ويخالط بَعضهم بَعْضًا وَلَا يستقرون وَهُوَ من قَوْلك هوشت الشَّيْء إِذا أخلطت بعضه بِبَعْض
وَمن الْمُحدثين من يروي من كسب مَالا من تهاوش بِالتَّاءِ مَنْصُوبَة وَالْوَاو مَضْمُومَة يُرِيد مصدر تهاوش الْقَوْم تهاوشا إِذا اختلطوا فِي الْفِتَن واضطربوا وَأَكْثَرهم يرويهِ مهاوش وَهُوَ فِي ذَلِك الْمَعْنى
وَقَوله يحذون أَي يقطعون وَمِنْه يُقَال حذوت النَّعْل حذوا وَقيل للصانع حذاء كَأَنَّهُ قطاع
وَجَاء فِي حَدِيث فِي مس الذّكر إِنَّمَا هُوَ حذْيَة مِنْك أَي قِطْعَة مِنْك
وَقَوله يضفزونه أَي يدفعونه فِي فِيهِ وَمِنْه قيل ضفز الرجل الْمَرْأَة إِذا وَطئهَا
(1/376)

وَالثيَاب الرمد هِيَ الغبر فِيهَا كدرة وَهُوَ من الرماد مَأْخُوذ وَمِنْه قيل لضرب من البعوض رمد قَالَ أَبُو وجزة وَذكر صائدا [من الْبَسِيط] ... تبيت جارته الأفعى وسامره ... رمد بِهِ عاذر مِنْهُنَّ كالجرب ...
يُرِيد بعوضا والعاذر الْأَثر من قرصهن فَإِن كَانَت الغبرة فِي حمرَة فَهِيَ قتمة وَإِن كَانَت الغبرة فِي صفرَة فَهِيَ عبسة وَبَعْضهمْ يرويهِ ثِيَاب ربد والأربد مثله وَأرى أَصله أرمد فأبدل من ميمه بَاء والأطحل والأغثر الَّذِي فِيهِ غبرة
(1/377)

أَلْفَاظ من أَحَادِيث المولد والمبعث
قَالَ أَبُو مُحَمَّد
حَدثنَا بهَا من وُجُوه مُخْتَلفَة مِنْهَا إِن سعد بن أبي وَقاص قَالَ خرج عبد الله يَعْنِي أَبَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم متقربا متخصرا حَتَّى جلس فِي الْبَطْحَاء فَنَظَرت إِلَيْهِ ليلى العدوية فدعته إِلَى نَفسهَا فَقَالَ أرجع إِلَيْك وَدخل على آمِنَة فألم بهَا ثمَّ خرج فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَت لقد دخلت بِنور مَا خرجت بِهِ
المتقرب الْوَاضِع يَده على قربه والقرب الخصر وَجمعه أقراب وَكَذَلِكَ المتخصر هُوَ الْوَاضِع يَده على خصره وَمِنْه قَول الشَّاعِر فِي صفة خيل [من الْكَامِل] ... قب الْبُطُون لواحق الأقراب ...
وَمِنْهَا أَن آمِنَة أمه قَالَت وَالله مَا وجدته تَعْنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قطن وَلَا ثنة وَلَا آخذه إِلَّا على ظهر كَبِدِي وَفِي ظَهْري وَجعلت توحم
الْقطن أَسْفَل الظّهْر والثنة أَسْفَل الْبَطن من السُّرَّة إِلَى مَا تحتهَا
وَقَوله جعلت توحم أَي تشْتَهي مَا تشْتَهي الْحَامِل
(1/378)

والوحمى هِيَ الَّتِي تشْتَهي الشَّهَوَات فِي حبلها يُقَال وَحمى بَيِّنَة الوحام وَقَالَ بشر بن ابي خازم يصف حُبْلَى [من المتقارب] ... تراهن من أزمها شزبا ... إِذا هن آنسن مِنْهَا وحاما ...
أَي إِذا أحسسن مِنْهَا شَهْوَة لِلْعَدو وَالْعرب تَقول فِي مثل وَحمى وَلَا حَبل
وَمِنْهَا أَنه بَينا هُوَ يلْعَب وَهُوَ صَغِير مَعَ الغلمان بِعظم وضاح مر عَلَيْهِ يَهُودِيّ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ لتقتلن صَنَادِيد هَذِه الْقرْيَة
وَعظم وضاح لعبة للصبيان بِاللَّيْلِ وَهِي أَن يَأْخُذُوا عظما أَبيض شَدِيد الْبيَاض فَيُلْقُوهُ ثمَّ يتفرقوا فِي طلبه فَمن وجده مِنْهُم ركب اصحابه
ولصبيان الْأَعْرَاب لعب مِنْهَا هَذِه وَمِنْهَا الفيال وَهِي بِالتُّرَابِ وَذَلِكَ أَن تخبئ فِيهِ خبيء ثمَّ يقسم نِصْفَيْنِ فَمن أصَاب النّصْف الَّذِي فِيهِ ذَلِك الخبيء قمر قَالَ طرفَة [من الطَّوِيل] ... كَمَا قسم الترب المفايل بِالْيَدِ ...
وَمِنْهَا البقيرى وَهِي أَيْضا بِالتُّرَابِ يُقَال بقر الصّبيان
(1/379)

فهم يبقرون قَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجزه ... كَأَن آثَار الظرابي تنتقث ... حولك بقيرى الْوَلِيد المنتحث
تُرَاب مَا هال عَلَيْك المجتدث ...
المجتدث القابر والجدث الْقَبْر
وَمِنْهَا الخطرة هِيَ بالمخراق وَمِنْهَا خراج وَهِي أَن يمسك أحدهم شَيْئا بِيَدِهِ وَيَقُول لسائرهم اخْرُجُوا مَا فِي يَدي
وَمِنْهَا لعبة الضَّب وَهُوَ أَن يصور الضَّب فِي الأَرْض ثمَّ يحول أحدهم وَجهه وَيُقَال لَهُ ضع يدك على صُورَة الضَّب ثمَّ يُقَال لَهُ على أَي مَوضِع من الضَّب وَضعته فَإِن أصَاب قمر
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ أَنه شقّ عَن قلبه وجئ بطست رهرهة
قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن ذَلِك فَلم يعرفهُ وَلست أعرفهُ أَنا أَيْضا وَقد التمست لهَذَا الْحَرْف مخرجا فَلم أَجِدهُ إِلَّا من مخرج وَاحِد وَهُوَ أَن تكون الْهَاء فِيهِ مبدلة من حاء وَهِي تبدل مِنْهَا لقرب مخرجها تَقول مدحته ومدهته وَهَذَا الْأَمر مُهِمّ لي ومحم بِمَعْنى وَاحِد فَكَأَنَّهُ اراد جِيءَ بطست رحرحة وَهِي
(1/380)

الواسعة فأبدل من الْحَاء هَاء
يُقَال إِنَاء رحراح إِذا كَانَ وَاسِعًا وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه للأغلب الراجز يذكر ساقيا [من الرجز] ... يعدو بِدَلْو ورشاء مصلح ... إِلَى إِنَاء كالمجن الرحرح ...
وإناء الْحَوْض مصب الدَّلْو وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي [من الرجز] ... تمتهي مَا شِئْت أَن تمتهي ... فلست من هوئي وَلَا مَا أشتهي ...
اراد تمدحي والهوء الهمة وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي
كَانَ يُقَال التمته يزري بالألباء وَلَا يتمته ذَوُو الْعُقُول
وَقَالَ فِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ بَيْنَمَا فِي حجر أبي طَالب فَكَانَ يقرب إِلَى الصّبيان تصبيحهم فيختلسون ويكف وَيُصْبِح الصّبيان غمصا وَيُصْبِح صقيلا دهينا
تصبيحهم غداؤهم
والغمص والرمص وَاحِد وَهُوَ الغمص فِي الْعين وَمِنْه قيل لإحدى الشعريين الغميصاء وَتقول الْأَعْرَاب فِي أحاديثها أَن سهيلا والشعريين كَانَت مجتمعة فانحدر سُهَيْل فَصَارَ يَمَانِيا وتبعته العبور فعبرت المجرة فسميت لذَلِك عبورا وأقامت
(1/381)

الغميصاء فَبَكَتْ لفقد سُهَيْل حَتَّى غمصت
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ اعْتِكَافه بحراء فَقَالَ فَإِذا أَنا بجبرائيل على الشَّمْس وَله جنَاح بالمشرق وَجَنَاح بالمغرب فهلت مِنْهُ وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ أَخَذَنِي فسلقني بحلاوة الْقَفَا ثمَّ شقّ بَطْني فاستخرج الْقلب وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ لي اقْرَأ فَلم أدر مَا أَقرَأ فَأخذ بحلقي فسأبني حَتَّى أجهشت بالبكاء ثمَّ قَالَ {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق} فَرجع بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترجف بوادره
قَوْله سلقني ألقاني وأصل السلق الضَّرْب وَكَذَلِكَ الصلق كَأَنَّهُ قَالَ ضرب بِي الأَرْض بحلاوة الْقَفَا أَي على حق الْقَفَا لم يمل بِهِ عَن ذَلِك على أحد جانبيه يُقَال حلاوة وحلاوة [79 / ب] وحلاوي الْقَفَا
وَقَوله سأبني أَي خنقني يُقَال سأبه يسأبه إِذا خنقه وسأته مثله فَإِذا قدمت الْبَاء قبل الْهمزَة فَهُوَ السلخ يُقَال سبأت جلده أَي سلخته وانسبأ الْجلد يَعْنِي انْسَلَخَ
وَقَوله أجهشت بالبكاء أَي تهيأت للبكاء قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
(1/382)

.. بَكَى جزعا من أَن يَمُوت وأجهشت ... إِلَيْهِ الجرشى وارمعل خنينها ... والجرشى النَّفس والبوادر واحدتها بادرة وَهِي لحْمَة بَين الْمنْكب والعنق وَكَذَلِكَ هِيَ من الْفرس وَغَيره وَإِنَّمَا ترجف من الْفَزع وَفِي حَدِيث آخر أَنه رأى جِبْرَائِيل ينتثر من جناحيه الدّرّ والتهاويل والتهاويل الألوان الْمُخْتَلفَة من الْأَحْمَر والأصفر والأخضر يُقَال لما يخرج فِي الزَّرْع أَو فِي الرياض من الشقائق والزهر التهاويل وَلما علق على الهودج من الصُّوف الْأَحْمَر والأصفر والأخضر التهاويل قَالَ الشَّاعِر يذكر نبتا من الْبَسِيط ... وعازب قد علا التهويل جنبته ... لَا تَنْفَع النَّعْل فِي رقراقه الحافي ...
وَفِي حَدِيث آخر أَن رجلا من الْيَهُود قَالَ لعبد المطلب صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي ولد فِيهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عبد المطلب الْمَوْلُود الَّذِي كنت أحدثكُم عَنهُ قد ولد البارحة فَقَالَ لَهُ عبد المطلب قد ولد لي البارحة غُلَام قَالَ فَمَا اسْمه قَالَ مُحَمَّد قَالَ الْيَهُودِيّ ثَلَاث يشهدن عَلَيْهِ مِنْهَا أَنه طلع نجمه البارحة وَمِنْهَا اسْمه مُحَمَّد وَمِنْهَا أَنه ولد فِي صيابة قومه وَأَنت صيابتهم
صيابة الْقَوْم صميمهم وخالصهم قَالَ ذُو الرمة وَذكر الْغرْبَان من الطَّوِيل ... ومستشحجات بالفرقا كَأَنَّهَا ... مثاكيل من صيابة النوب نوح ...
(1/383)

شبه الْغرْبَان فِي سوادها وشحيجها بنساء مثاكيل من أَشْرَاف النّوبَة يَنحن وَفِيه لُغَة أُخْرَى صوابة وَفِي حَدِيث يرويهِ وهب بن مُنَبّه إِن الله جلّ وَعز أوحى إِلَى شعيا أَنِّي أبْعث أعمى فِي عُمْيَان وَأُمِّيًّا فِي أُمِّيين أنزل عَلَيْهِ السكينَة وأؤيده بالحكمة لَو يمر إِلَى جنب السراج لم يطفئه وَلَو يمر على الْقصب الرعراع لم يسمع صَوته إِنَّمَا قيل لمن لَا يكْتب أُمِّي لِأَنَّهُ نسب إِلَى أمة الْعَرَب أَي جماعتها وَلم يكن من يكْتب من الْعَرَب إِلَّا قَلِيل فنسب من لَا يكْتب إِلَى الْأمة فَقيل أُمِّي كَمَا تَقول رجل عَامي تنسبه إِلَى عَامَّة النَّاس ثمَّ لزم هَذَا الِاسْم كل من لَا يكْتب فَقيل الْعَرَب أُمِّيُّونَ والقصب الرعراع الَّذِي قد طَال وَمِنْه يُقَال قد ترعرع الصَّبِي إِذا شب يُقَال صبي مترعرع ورعراع كَمَا تَقول تقَعْقع الشَّيْء فَهُوَ متقعقع وقعقاع وَمِنْه سمي الرجل الْقَعْقَاع قَالَ لبيد [من الطَّوِيل] ... تبْكي على إِثْر الشَّبَاب الَّذِي مضى ... أَلا أَن إخْوَان الشَّبَاب الرعارع ...
وَإِذا طَال الْقصب فَهبت عَلَيْهِ أدنى ريح أَو مر بِهِ ألطف شخص تحرّك وَصَوت وَأَرَادَ جلّ وَعز أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/384)

وقور سَاكن الطَّائِر قَالَ عَمْرو بن أُميَّة بن عبد غنم فِي مجاشع [من الرجز] ... يَا قصبا هبت لَهُ الدبور ... فَهُوَ إِذا حرك جَوف خور ...
وَبِهَذَا الْبَيْت قيل لمجاشع الخور قَالَ جرير [من الوافر] ... وخور مجاشع تركُوا لقيطا ... وَقَالُوا حنو عَيْنك والغرابا ...
وَفِي حَدِيث آخر أَنه بَينا هُوَ وجبرئيل يتحدثان تغير وَجه جِبْرِيل حَتَّى عَاد كَأَنَّهُ كركمة والكركمة وَاحِدَة الكركم وَهُوَ الزَّعْفَرَان وَأَحْسبهُ فارسيا معربا وَبِه سمي الدَّوَاء الْمَنْسُوب إِلَى الكركم أنْشد أَبُو عُبَيْدَة [من الرجز] ... غيبا أرجيه ظنون الأظنن ... أماني الكركم إِذْ قَالَ اسْقِنِي ...
وَهَذَا كَمَا يَقُول النَّاس منى الكمون
وَفِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ يَأْتِي حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ اللَّيَالِي أَي يتعبد وَقيل للتعبد التحنث لِأَنَّهُ
(1/385)

يلقِي الْحِنْث عَن نَفسه وَمِنْه التحوب والتأثم وَلَيْسَ يعرف تفعل الرجل إِذا ألْقى الشَّيْء عَن نَفسه غير هَذِه قَالَ الْكُمَيْت وَذكر ذئبا أطْعمهُ وسقاه [من الطَّوِيل] ... وصب لَهُ شول من المَاء غابر ... بِهِ كف عَنهُ الحيبة المتحوب ...
فَقَوله كف عَن نَفسه بِمَعْنى أَلْقَاهُ عَنهُ وَمِنْه قَول حَكِيم ابْن حزَام يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أمورا كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من صَدَقَة وصلَة رحم هَل لي فيهمَا من أجر فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسلمت على مَا سلف من خير يُرِيد بأتحنث ألقِي عَن نَفسِي الْحِنْث وأطلب النَّمَاء وَالْبركَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه وَأَبا بكر حِين خرجا مُهَاجِرين استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا فَأخذ بهم يَد بَحر يرويهِ معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة.
قَوْله هاديا خريتا يُرِيد دَلِيلا ماهرا بِالدّلَالَةِ وَالدّلَالَة جَمِيعًا بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَيُقَال إِنَّه سمي خريتا لِأَنَّهُ يَهْتَدِي
(1/386)

لمثل خرت الإبرة وَلَا يخفى عَلَيْهِ قَالَ الطرماح وَذكر فلاة [من الطَّوِيل] ... إِذا اجتابها الخريت قَالَ لنَفسِهِ ... أَتَاك برجلي حائن كل حائن ...
أَرَادَ قَوْلهم فِي الْمثل أتتك بحائن رِجْلَاهُ أَي ساقته رِجْلَاهُ إِلَيْك لحينه والخوتع أَيْضا مثل الخريت قَالَ الراجز [من الرجز] ... بهَا يضل الخوتع المشهر ...
يُرِيد مفازة وَقَوله يَد بَحر يُرِيد السَّاحِل لِأَنَّهُ الطَّرِيق عَلَيْهِ وَمن هَذَا يُقَال للْقَوْم إِذا تفَرقُوا فِي الْبِلَاد تفَرقُوا أَيدي سبا يُرَاد أخذُوا طَرِيق سبا الَّذين مزقهم الله جلّ وَعز فِي الْبِلَاد كل ممزق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أريت فِي الْمَنَام أَنِّي أنزع على قليب بِدَلْو بكرَة فجَاء أَبُو بكر فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين فَنزع نزعا ضَعِيفا وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ جَاءَ عمر فاستقا فاستحالت غربا فَلم أر عبقريا يفري فريه حَتَّى رُوِيَ النَّاس وضربوا بِعَطَن
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا مُحَمَّد بن بشر
(1/387)

الْعَبْدي عَن عبيد الله بن عمر عَن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم القليب الْبِئْر وَجَمعهَا قلب والذنُوب الدَّلْو قَالَ الراجز [من الرجز] ... إِنَّا إِذا نازعنا شريب ... لنا ذنُوب وَله ذنُوب
فَإِن أَبى كَانَ لَهُ القليب ...
ونازعنا فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ من مُنَازعَة الْخُصُومَة وَلكنه من مُنَازعَة الدلاء نَحْو المساجلة يَقُول ننزع دلوا وَينْزع دلوا والغرب الدَّلْو الْعَظِيم يكون من مسك الثور للسانية يُرِيد أَن الدَّلْو الصَّغِيرَة الَّتِي كَانَ يستقى بهَا أَبُو بكر صَارَت حِين استقى بهَا عمر دلوا عَظِيمَة وَذَلِكَ مثل لأفعاله وآثاره وقوته فَإِن نصبت الرَّاء فَقلت الغرب فَهُوَ المَاء السَّائِل بَين الْبِئْر والحوض
والعطن الْموضع الَّتِي تبرك فِيهِ الْإِبِل إِذا رويت وصدرت عَن الْحَوْض يُقَال إبل عواطن وَقد ضربت بِعَطَن إِذا بَركت وَفِي الحَدِيث إِن رَسُول الله صلى ت الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ صلوا فِي
(1/388)

مرابض الشَّاء وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل وَقد فسر أَبُو عبيد رَحمَه الله فَلم أر عبقريا يفري فريه
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر نزُول الْمَسِيح وَقَالَ ينزل عِنْد المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق فِي مهرودتين قَالَ وَتَقَع الأمنة فِي الأَرْض
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن أَحْمد ابْن الْوَلِيد بن برد عَن بشر بن بكر عَن عبد الرحمن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ عَن يحيى بن جَابر الْحِمصِي عَن عبد الرحمن بن جُبَير بن نفير الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله مهرودتين هَذَا عِنْدِي غلط من بعض نقلة الحَدِيث وَلَا أرَاهُ إِلَّا مهروتين يُرِيد ملاءتين صفراوين
(1/389)

يُقَال هريت الْعِمَامَة إِذا لبستها صفراء وَكَأن فعلت مِنْهُ هروت قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... رَأَيْتُك هريت الْعِمَامَة بَعْدَمَا ... أَرَاك زَمَانا حاسرا لم تعصب ...
وَإِنَّمَا أَرَادَ بأنك لبست عِمَامَة صفراء كَمَا يلبس السَّادة وَكَانَ السَّيِّد يعتم بعمامة مصبوغة بصفرة وَلَا يكون ذَلِك لغيره قَالَ المخبل [من الطَّوِيل] ... وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا ...
يحجون يَعْنِي يعودون مرّة بعد مرّة وَحج الْبَيْت من هَذَا لِأَنَّهُ يُؤْتى فِي كل سنة
والسب الْعِمَامَة يَقُول يأْتونَ الزبْرِقَان لسؤدده وَيُقَال إِنَّمَا سمي الزبْرِقَان لصفرة عمَامَته واسْمه حُصَيْن يُقَال تزبرقت الشَّيْء إِذا صفرته والزبرقان الْقَمَر أَيْضا وَمِمَّا يشْهد لهَذَا الْمَذْهَب الحَدِيث الآخر فِي صفة الْمَسِيح عِنْد نُزُوله رجل مَرْبُوع إِلَى الْحمرَة وَالْبَيَاض بَين مُمَصَّرَتَيْنِ والممصرة من الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا صفرَة خَفِيفَة وَهِي نَحْو المهروة وَإِن كَانَت الرِّوَايَة مهرودتين فَلَا أعلم لَهَا وَجها إِن لم يكن مَنْسُوبا إِلَى نَبَات يصْبغ بِهِ إِلَّا أَن يَجْعَل من
(1/390)

الهرد والهرد والهرت الشق كَأَنَّهُ قَالَ بَين شقتين والشقة نصف الملاءة فِي الْعرض فَإِذا وصلت نصفا بِنصْف فَهِيَ ملاءة فَإِن كَانَت الملاءة قِطْعَة وَاحِدَة فَهِيَ ريطة قَالَ سَاعِدَة بن العجلان الْهُذلِيّ [من الوافر] ... غَدَاة شواحط فنجوت شدا ... وثوبك فِي عباقية هريد ...
بِمَعْنى مهرود فعيل فِي معنى مفعول أَي مشقوق والعباقية قَالَ الْأَصْمَعِي هِيَ ضرب من الشّجر والأمنة والأمن وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى {إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة} مِنْهُ يَقُول يَقع فِي الأَرْض حَتَّى يَأْمَن صغَار الطير وضعافها كِبَارهَا وجوارحها وَحَتَّى يَأْمَن الشَّاء الذئاب والأنعام السبَاع
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع النِّسَاء لَا يعشرن وَلَا يحشرن حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو بن الْبَراء ثَنَا بن الْحَارِث ثَنَا هِشَام بن عبد الله ثَنَا بسام بن عبد الرحمن قَالَ سَمِعت أنسا يذكر ذَلِك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله لَا يعشرن أَي لَا يُؤْخَذ الْعشْر من أموالهن وَمثله
(1/391)

حَدِيثه الآخر إِن وَفد ثَقِيف اشترطوا عَلَيْهِ أَن لَا يحْشرُوا وَلَا يعشرُوا وَلَا يجبوا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا خير فِي دين لَا رُكُوع فِيهِ أَرَادوا أَن لَا يلزموا مَعَ الزَّكَاة وَالصَّدَََقَة عشرا فِي أَمْوَالهم
وَقَوله لَا يحشرن أَي لَا يحشرن إِلَى الْمُصدق ليَأْخُذ مِنْهُنَّ الصَّدقَات وَلَكِن يُؤْخَذ مِنْهُنَّ الصَّدقَات فِي مواضعهن وَقَالَ بسام لَا يحشرن أَي لَا يخْرجن فِي الْمَغَازِي وَلَيْسَ لهَذَا وَجه إِنَّمَا التَّفْسِير مَا أعلمتك
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو وَائِل ثَنَا مُوسَى بن مَسْعُود عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن معقل بن عبيد الله عَن عَطاء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تُؤْخَذ صدقَات الْمُسلمين عِنْد بُيُوتهم وأفنيتهم وعَلى مِيَاههمْ
وَأما شَرط ثَقِيف أَلا يجبوا فَإِن التجبية بمعنيين أَحدهمَا أَن يكب الرجل على وَجهه باركا وَالْآخر أَن يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ قَائِم وينحني وَهَذَا هُوَ الرُّكُوع يُقَال فيهمَا جَمِيعًا جبى الرجل يجبي تجبية
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ
(1/392)

كل رَافِعَة رفعت علينا من الْبَلَاغ فقد حرمتهَا أَن تعضد أَو تخبط إِلَّا لعصفور قتب أَو مسد محَالة أَو عَصا حَدِيدَة حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الحجي عَن أبي حَازِم عَن حرَام بن عُثْمَان عَن ابي جَابر بن [83 / أ] عبد الله عَن جَابر
قَوْله كل رَافِعَة رفعت علينا يُرِيد كل جمَاعَة مبلغة تبلغ عَنَّا وتذيع مَا نقُوله وَهَذَا كَمَا تَقول رفع فلَان على الْعَامِل إِذا أذاع خَبره وَحكى عَنهُ أَي فَكل حاكية حكت عَنَّا وَبَلغت فلتحك أَنِّي قد حرمتهَا يَعْنِي الْمَدِينَة أَن تعضد أَي يقطع شَجَرهَا يُقَال عضدت الشَّجَرَة إِذا قطعتها أَو قطعت مِنْهَا شَيْئا وَاسم مَا قطعته عضد قَالَ الْهُذلِيّ من الْبَسِيط ... ضرب الْمعول تَحت الديمة العضدا ...
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ لَا يخضد شَوْكهَا يُرِيد لَا يقطع يُقَال خضدته وحصدته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {فِي سدر مخضود}
أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ لَا شوك فِيهِ فَكَأَنَّهُ خضد شوكه أَي قطع وَمن هَذَا قيل لمن أكل بجفاء
(1/393)

وَسُرْعَة رجل مخضد
وروى الْحسن بن مُوسَى عَن أبي هِلَال عَن جبلة بن عَطِيَّة عَن مسلمة بن مخلد قَالَ أَبُو هِلَال أَو عَن رجل عَن مسلمة أَنه رأى مُعَاوِيَة يَأْكُل فَقَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ إِن ابْن عمك هَذَا المخضد أما إِنِّي أَقُول هَذَا وَقد سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول اللَّهُمَّ علمه الْكتاب وَمكن لَهُ فِي الْبِلَاد وقه الْعَذَاب
فَقَوله أَو تخبط أَي يخبط وَرقهَا أَي يضْرب حَتَّى يسْقط إِلَى الأَرْض وَاسم مَا ضَربته فَسقط إِلَى الأَرْض خبط وَبِه سمي خبط الْإِبِل الَّذِي توجره لِأَنَّهُ ورق يخبط على شَجَرَة فَيسْقط ثمَّ يدق
وَقَوله إِلَّا لعصفور قتب والقتب قتب الرحل وعصافيره عيدَان [83 / ب] تكون فِي الرّحال صغاره قَالَ الطرماح وَذكر الرّحال من المنسرح ... كل مَشْكُوك عصافيره ... قانئ اللَّوْن حَدِيث الدمام ...
والدمام الطلاء من حمرَة أَو غَيرهَا يُقَال أدمم قدرك أَي أطلها
والمسد هَاهُنَا الليف والمحالة البكرة يُرِيد إِلَّا الليف يمسد أَي يفتل فيسقى بِهِ المَاء
(1/394)

وَقَوله عَصا حَدِيدَة يُرِيد عَصا تقطع وَتجْعَل فِيهَا حَدِيدَة كالعنزة وأشباهها يَقُول فَلَا يقطع مِنْهَا شَيْء. . ذَلِك لبِنَاء وَلَا لغيره
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه ذكر قوما يخرجُون من النَّار ضبائر فيطرحون على نهر من أَنهَار الْجنَّة فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل رَأَيْتُمْ الصبغاء وَفِي حَدِيث آخر أَو كَمَا تنْبت التغاريز أَو الثعارير
حَدَّثَنِيهِ أبي عَن يحيى بن سعيد عَن عُثْمَان بن غياث عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث طَوِيل
الضبائر الْجَمَاعَات وكل شَيْء جمعته وضممت بعضه إِلَى بعض فقد ضبرته وَمِنْه قيل ضبرت الْكتب إِذا جمعتها وَمِنْه قيل للْجَمَاعَة يَغْدُونَ ضبر
والحبة بزر النَّبَات وَقد ذكر أَبُو عبيد فِي حَدِيث
(1/395)

آخر لَيست فِيهِ هَذِه الْأَلْفَاظ وَقَوله هَل رَأَيْتُمْ الصبغاء شبه نَبَات لحومهم بعد احتراقها بنبات الطَّاقَة من النبت حِين تطلع وَذَلِكَ أَنَّهَا حِين تطلع تكون صبغاء فَمَا يَلِي الشَّمْس من أعاليها أَخْضَر وَمَا يَلِي الظل أَبيض والأصبغ من الدَّوَابّ الَّذِي ابْيَضَّتْ ناصيته وَمن المعزى الَّتِي ابيض طرف ذنبها ويوضح هَذَا حَدِيث آخر يرويهِ عَطاء بن بشار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل ألم تَرَوْهَا مَا يَلِي الظل مِنْهَا أصفر أَو أَبيض وَمَا يَلِي الشَّمْس مِنْهَا أَخْضَر وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَهِيَ صبغاء
والتغاريز يُقَال هُوَ مَا حول من فسيل النّخل وَغَيره سمي بذلك لِأَنَّهُ يحول فيغرز وَهُوَ التغريز والتنبيت قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] ... صحراء لم ينْبت بهَا تنبيت ...
وَمثله فِي التَّقْدِير التناوير جمع تنوير وَهِي نور الشّجر قَالَ عدي بن زيد [من الْخَفِيف] ... ومجود قد اسجهر تناوير ... كلون العهون فِي الأعلاق ...
اسجهر ظهر وانبسط والتعارير الثآليل وَاحِدهَا ثعرور والثعارير أَيْضا حمل الطراثيث
(1/396)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه قَالَ فِي قصَّة خَيْبَر لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يفتح الله على يَدَيْهِ فَبَاتَ النَّاس يدوكون فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا عَلَيْهِ السَّلَام فَأعْطَاهُ الرَّايَة
وَفِي حَدِيث آخر أَنه لما أعطَاهُ الرَّايَة خرج بهَا يؤج حَتَّى ركزها فِي رضم من حِجَارَة تَحت الْحصن
يرويهِ عبيد بن هَاشم عَن عبد العزيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل بن سعد
قَوْله يدوكون أَي يَخُوضُونَ فِيمَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ يُقَال النَّاس فِي دوكة إِذا كَانُوا فِي اخْتِلَاط وخوض
وَقَوله يؤج أَي يسْرع يُقَال أج يؤج أجا وَيُقَال لَهُ أج الهرولة قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... سدا بيدَيْهِ ثمَّ أج بسيره ... كأج الظليم من قنيص وكالب ...
وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... يؤج كَمَا أج الظليم المنفر ...
والرضم جمع رضمة وَهِي صخور أَمْثَال الجزر
(1/397)

يكن بَعْضهَا على بعض
يُقَال بنى فلَان دَاره فرضم فِيهَا الْحِجَارَة رضما وَمِنْه قيل رضم الْبَعِير بِنَفسِهِ إِذا رمى بِنَفسِهِ والرجمة دون الرضمة وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه لما نزلت {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين}
أَتَى رضمة جبل فعلا أَعْلَاهَا حجرا فَنَادَى بالعهد يَا آل عبد منَاف إِنِّي نَذِير إِنَّمَا مثلي ومثلكم كَمثل رجل ذهب يربأ أَهله فَرَأى الْعَدو فخشي أَن يسبقوه فَجعل يُنَادي أَو يَهْتِف يَا صَبَاحَاه
وَفِي حَدِيث آخر أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة بَات يفخذ عشيرته يَدعُوهُم إِلَى الله جلّ وَعز فَقَالَ الْمُشْركُونَ لقد بَات يهوت
قَوْله يفخذ عشيرته أَي يَدعُوهُم فخذا فخذا وَقَوْلهمْ
يهوت أَي يُنَادي يُقَال هيت بالقوم يهيت تهييتا إِذا قَالَ لَهُم هيت هيت ويهوت أَيْضا من هوت هوت
وَفِي حَدِيث خَيْبَر إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/398)

غَدا إِلَى النطاة وَقد دله الله على مشارب كَانُوا يستقون مِنْهَا ودبول كَانُوا ينزلون إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فيتروون من المَاء فقطعها فَلم يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى أعْطوا بِأَيْدِيهِم
الدبول الجداول سميت بذلك لِأَنَّهَا تدبل أَي تنقى وَتصْلح
قَالَ الْكسَائي يُقَال أَرض مدبولة إِذا أصلحتها بالسرجين وَغَيره حَتَّى تجود وكل شَيْء أصلحته فقد دبلته ودملته وَمِنْه يُقَال داملت الصّديق إِذا استصلحته قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل ... شنئت من الإخوان من لست زائلا ... أدامله دمل السقاء المخرق ...
وَقَوله يربأ أَهله أَي يحفظهم من عدوهم وَالِاسْم الربيئة يُقَال هَذَا ربيئة الْقَوْم أَي كالئهم وعينهم وَيُقَال ربأتهم أربؤهم ربأ وَإِنَّمَا قيل لَهُ ربيئة لِأَنَّهُ يكون على جبل أَو شرف ينظر وَيُقَال إِنِّي لأربأ بك عَن كَذَا أَي أرفعك وَمَا عرفت فلَانا حَتَّى أربأ لي أَي أشرف
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر
(1/399)

يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَقَالَ عراض الْوُجُوه صغَار الْعُيُون صهب الشعاف وَمن كل حدب يَنْسلونَ يرويهِ مُحَمَّد ابْن بشر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن خَالِد بن عبد الله بن حَرْمَلَة عَن خاليه ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب فَقَالَ فِي خطبَته ذَلِك وَقَالَ فِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ اهلاك الله اياهم فَقَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ ان دَوَاب الأَرْض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم
قَوْله صهب الشعاف يُرِيد شعر الرؤوس وَاحِدهَا شعفة وَهِي أعلا الشّعْر وشعفة كل شَيْء أَعْلَاهُ وَكَذَلِكَ شعفة الْجَبَل قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ رجل ضَرَبَنِي عمر رَضِي الله عَنهُ فَسقط الْبُرْنُس عَن رَأْسِي فأغاثني بشعيفتين فِي رَأْسِي يَعْنِي أَنَّهُمَا وقتاه الضَّرْب وَقَوله تشكر أَي تمتليء وَمِنْه قيل شكرت الشَّاة تشكر شكرا اذا امْتَلَأَ ضرْعهَا لَبَنًا وشَاة شكرى وَبَعْضهمْ يتَوَهَّم انه تسكر سكرا من لحومهم وَالرِّوَايَة بالشين مُعْجمَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ من اقتراب السَّاعَة اخراب العامر وَعمارَة
(1/400)

الخرب وَأَن يكون الْفَيْء رفدا وَأَن يتمرس الرجل بِدِينِهِ تمرس الْبَعِير بِالشَّجَرَةِ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن ابي اسحاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن خراشة عَن عَمْرو بن مُحَمَّد ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
قَوْله اخراب العامر وَعمارَة الخرب يُرِيد نَحوا مِمَّا يَفْعَله الْمُلُوك من اخراب بِنَاء جيد مُحكم وابتناء غَيره فِي الْموَات والخراب فِي الأَرْض لغير مَا عِلّة الا اعطاء النَّفس الشَّهْوَة ومتابعة الْهوى وَيكون ان يُرِيد ادالة موتان الأَرْض من عامرها فِي آخر الزَّمَان حَتَّى يخرب العامر بالحاح الْفِتَن عَلَيْهِ ويعمر الخراب
وَقد جَاءَت فِي هَذَا الْمَعْنى آثَار مِنْهَا ان خراب الْبَصْرَة بِالْغَرَقِ وخراب السوَاد بِالسَّيْفِ والجوع وخراب الجزيرة بممر الجيوش عَلَيْهَا وخراب خُرَاسَان بِالتّرْكِ
وَقَوله وان يكون الْفَيْء رفدا أَي يكون الْخراج الَّذِي هُوَ لجَماعَة الْمُسلمين رفدا أَي صلات وَيُوضَع مَوْضِعه وَلَا يفرق على أَهله لكنه يخص قوم دون قوم على قدر الْهوى لَا بِالِاسْتِحْقَاقِ والرفد الصِّلَة يُقَال رفدت الرجل أرفده رفدا فالمصدر مَفْتُوح الرَّاء وَالِاسْم مكسورها
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه قَالَ قَالَ عمر لرجل مَا مَالك قَالَ أَلفَانِ مضمومان فِي بَيت المَال فَقَالَ أنجد مَالا سوى هَذَا فيوشك أَن يَأْتِي من لَا يُعْطي إِلَّا من يحب
(1/401)

وَقَوله أَن يتمرس الرجل بِدِينِهِ أَي يتلعب بِهِ ويعبث فِيهِ وَمِنْه قَول النَّاس فلَان يتمرس بِي أَي يتحكك ويتعبث وَقَوله تمرس الْبَعِير بِالشَّجَرَةِ أَي كَمَا يتحكك الْبَعِير بهَا أَو يتعبث
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ سَار مَعَه لَيْلًا فَسَأَلَهُ عَن شَيْء فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ فَقَالَ عمر ثكلتك أمك يَا عمر نزرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَارًا لَا يجيبك
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب
قَوْله نزرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي ألححت عَلَيْهِ قَالَ كثير [من المنسرح] ... لَا أنزر النائل الْخَلِيل إِذا مَا اعتل ... نزر الظؤور لم ترم ...
اراد لم ترأم فَحذف الْهمزَة وَنقل لَهَا جرها إِلَى الرَّاء وَمِنْه يُقَال أَعْطَانَا عَطاء غير منزور أَي بِغَيْر إلحاح فِي سُؤال وَقَالَ آخر [من الطَّوِيل] ... فَخذ عَفْو من آتاك لَا تنزرنه ... فَعِنْدَ بُلُوغ الكد رنق المشارب ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه
(1/402)

قَالَ كَانَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء يخط فَمن صَادف مثل خطه يرويهِ عبيد الله بن مُوسَى عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الخطاط هُوَ الَّذِي يخط بإصبعه فِي الرمل ويزجر والعائف هُوَ الَّذِي يعيف الطير أَي يزجرها يُقَال عفت الطير أعيفها عيافة أَي زجرتها وعافت الطير تعيف عيفا إِذا حامت على المَاء وعاف الرجل الطَّعَام يعافه عيافا إِذا كرهه
والطارق بالحصى هُوَ الَّذِي ينثرها ويزجر وَإِنَّمَا قيل لَهُ طَارق لِأَنَّهُ يضْرب بهَا الأَرْض والطرق الضَّرْب وَمِنْه سميت مطرقة الْحداد لِأَنَّهُ يضْرب بهَا ومطرق النجاد عوده الَّذِي يضْرب بِهِ الصُّوف
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد أَنه قَالَ للخطين الَّذين يخطهما الخطاط فِي الأَرْض ثمَّ يزْجر إبنا عيان فَإِذا زجرهما قَالَ ابْني عيان أَسْرعَا الْبَيَان
قَالَ الرَّاعِي وَذكر قدحا [من الطَّوِيل] ... وأصفر عطاف إِذا رَاح ربه ... غَدا ابْنا عيان بالشواء المضهب ...
يَقُول إِذا رَاح صَاحب هَذَا الْقدح بِهِ علم أَنه يخرج فائزا فَإِذا
(1/403)

قمر أَتَى بالشواء فرواح صَاحبه بِهِ دَلِيل على الشواء كدلالة ابْني عيان وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى {أَو أثارة من علم} أَي أَنه الْخط
آخر الرَّابِع من الأَصْل
(1/404)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الصَّلَاة مثنى وَتشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ تبأس وتمسكن وتقنع يَديك وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَة وتقنع رَأسك وَتقول اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج
قَالَ أَبُو جَعْفَر حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ حُسَيْن بن حُسَيْن بن حَرْب الْمروزِي قَالَ ثناه عبد الله بن الْمُبَارك عَن لَيْث بن سعد عَن عبد ربه بن سعيد عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع بن العمياء عَن ربيعَة بن الْحَرْب عَن الْفضل بن الْعَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله تبأس من الْبُؤْس وروى الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر أَنه قَالَ أَنْشدني ذُو الرمة من الطَّوِيل ... وَظَاهر لَهَا من يَابِس الشخت واستعن ... عَلَيْهَا الصِّبَا وَاجعَل يَديك لَهَا سترا ... [87 / أ]
ثمَّ أنْشد فِيهِ ثَانِيَة ... وَظَاهر لَهَا من يأبس الشخت ...
فَقلت لَهُ إِنَّك أنشدتنيه من يَابِس فَقَالَ اليبس هُوَ الْبُؤْس وَقَوله تمسكن أَي تذل وتخضع وأصل الْحَرْف السّكُون والمسكنة مفعلة مِنْهُ وَكَانَ الْقيَاس تسكن كَمَا يُقَال
(1/405)

تشجع وتحلم إِذا تشبه بالشجعاء والحلماء إِلَّا أَنه جَاءَ فِي هَذَا الْحَرْف تفعل وَمثله تمدرع من المدرعة وَأَصله تدرع
قَالَ سِيبَوَيْهٍ كل مِيم كَانَت فِي أول حرف فَهِيَ مزيدة إِلَّا مِيم معزى وَمِيم معد تَقول تمعدد وَمِيم منجنيق وَمِيم مأجج وَمِيم مهدد وَقَوله وتقنع يَديك يُرِيد ترفعهما إِلَى السَّمَاء مُسْتَقْبلا ببطونهما وَجهك والإقناع فِي الرَّأْس أَيْضا نَحْو ذَلِك هُوَ أَن ترفعه وَتقبل بطرفك على مَا بَين يَديك قَالَ الله تَعَالَى {مهطعين مقنعي رؤوسهم}
والمهطع المسرع يَقُول فَمن لم يفعل ذَلِك فَصلَاته خداج أَي نَاقِصَة وَأَصله من خدجت النَّاقة إِذا أَلْقَت وَلَدهَا قبل تَمام الْوَقْت يُقَال خدجت فَهِيَ خادج فَإِن ألقته لتَمام وَهُوَ نَاقص الْخلق قيل أخدجت فَهِيَ مُخْدج
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه
(1/406)

خرج ذَات يَوْم وَهُوَ محتضن أحد ابْني بنته وَهُوَ يَقُول وَالله إِنَّكُم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وَإِنَّكُمْ لمن ريحَان الله وَإِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج
يرويهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة [87 / ب] قَالَ سَمِعت ابْن أبي سُوَيْد يَقُول سَمِعت عمر بن عبد العزيز يَقُول زعمت الْمَرْأَة الصَّالِحَة خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون ثمَّ ذكر ذَلِك
قَوْله تبخلون وتجبنون وتجهلون سَمِعت قوما من حَملَة الحَدِيث فِي مجْلِس إِسْحَق يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِه الْحُرُوف فَيَقُول بَعضهم هِيَ مُشَدّدَة وَيَقُول بَعضهم هِيَ مُخَفّفَة تبخلون وتجبنون وتجهلون وَأَنا مُبين لَك اجْتِمَاع فعلت وأفعلت فِي بعض الْحُرُوف وافتراقهما إِن فعلت تَأتي بِمَعْنى أفعلت كَقَوْلِك خبرت وأخبرت وبكرت وأبكرت وَسميت فلَانا لَا فرق بَينهمَا أَيهمَا قلت فَهُوَ بِمَعْنى الآخر وَتدْخل فعلت على إفعلت إِذا أردْت تَكْثِير الْعَمَل وَالْمُبَالغَة كَقَوْلِك أَجدت وجودت وأغلقت الْأَبْوَاب وغلقت وأقفلت وقفلت وأنزلت وَنزلت
وَكَذَلِكَ تدخل فعلت على فعلت بتكثير الْعَمَل وَالْمُبَالغَة كَقَوْلِك كَسرته وكسرته وَفتحت الْبَاب وَفتحت
(1/407)

الْأَبْوَاب وطفت فِي الْبِلَاد وطوفت
وَتَأْتِي فعلت أفعلت فِي حرفو يخْتَلف المعنيان فيهمَا من ذَلِك قَوْلك أكفرت الرجل وأضللتته إِذا أدخلته فِي الْكفْر والضلال فَإِن أردْت أَنَّك رميته بهما نسبته إِلَيْهِمَا قلت كفرته وضللته وَكَذَلِكَ حوبته وطلحته وفسقته وفجرته وسرقته
وَقد قرئَ إِن ابْنك سرق أَي نسب إِلَى السرق أَو رمي بِهِ وَمن ذَلِك أبخلت الرجل وأجهلته وأجبنته أَي وجدته بَخِيلًا جَاهِلا جَبَانًا
وَمثله أحمدته وأذممته وأخلفته أَي وجدته مَحْمُودًا ومذموما ومخلافا للوعد
وَرُوِيَ عَن عمر بن معدي كرب أَنه قَالَ لبني سليم قاتلناكم فَمَا أجبناكم وسألناكم فَمَا أبخلناكم وهاجيناكم فَمَا أفحمناكم أَي لم نجد جبناء وَلَا بخلاء وَلَا مفحمين
وَلَا يُرَاد بأفعل فِي شَيْء من هَذِه أدخلناكم فِي ذَلِك فَإِذا قلت بخلته وجهلته وجبنته فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّك رميته بذلك وَمثله شجعته وَكَذَلِكَ تَقول إِذا أردْت أَنَّك أدخلته فِي شَيْء من هَذِه وَهُوَ معنى الحَدِيث بِالتَّشْدِيدِ تُرِيدُ أَن الْوَلَد ينْسب
(1/408)

أَبَاهُ إِلَى الْبُخْل والجبن وَالْجهل لِأَنَّهُ سَبَب لنسب النَّاس إِيَّاه إِلَى ذَلِك أَو أَنه يدْخلهُ فِي هَذِه الْخلال وَهَذَا كالحديث الآخر الْوَلَد مَبْخَلَة مَجْبَنَة مجهلَة
وَأما قَوْله آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج فَإِنِّي أرَاهُ وَالله أعلم أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بِالطَّائِف وَوَج هِيَ الطَّائِف وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة آخر غزَاة غَزَاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّائِف وحنين وَاد قبل الطَّائِف وَذهب أَيْضا فِي تَفْسِير هَذَا الْحَرْف هَذَا الْمَذْهَب وَهَذَا شَبيه بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَابعث عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف وَمِنْه يُقَال وطأهم وطأ ثقيلا ووطأ الْمُقَيد يُرِيد بذلك أَنه طحنهم وأبادهم قَالَ الشَّاعِر [من الْكَامِل] ... ووطئتنا وطأ على حنق ... وطأ الْمُقَيد يَابِس الْهَرم ...
(1/409)

ويروى نابت الْهَرم والهرم نبت ضَعِيف من الحمض والمقيد أثقل شَيْء وطأ لِأَنَّهُ يرسف فَيَضَع رجلَيْهِ مَعًا فِي مَوضِع فَإِذا وطئ الْهَرم كَسره وفته وَذكر الْأَصْمَعِي إِن أَعْرَابِيًا جِيءَ بِثَوْب رَقِيق فَقَالَ هَذَا حمضة قَالَ وَذَلِكَ أَن الحمضة إِذا مست تفتت وَفِيه قَول آخر حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو ثَنَا عبد الله بن الزبير الْمَكِّيّ ثَنَا عبد الله بن الْحَارِث عَن ابي بكر بن عبد الرحمن عَن كَعْب قَالَ إِن وجا مقدس مِنْهُ عرج الرب إِلَى السَّمَاء يَوْم قضى خلق الأَرْض
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن رجلا قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله مَا تركت من حَاجَة وَلَا داجة إِلَّا أتيت قَالَ أَلَيْسَ تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ بلَى قَالَ فَإِن هَذَا بِذَاكَ
حَدَّثَنِيهِ زيد بن أخزم الطَّائِي ثناه أَبُو عَاصِم عَن مُسْتَوْرِد عَن عباد عَن ثَابت عَن أنس بن مَالك
وَقَوله حَاجَة وَلَا داجة إِلَّا أتيت يُرِيد أَنه لم يدع شَيْئا دَعَتْهُ نَفسه إِلَيْهِ من الْمعاصِي إِلَّا رَكبه وداجة فِي هَذَا الْموضع إتباع كَمَا يُقَال حسن بسن وعطشان نطشان وَشَيْطَان
(1/410)

ليطان وَإِنَّمَا يتبعُون الْحَرْف الأول هَذَا التَّالِي بِإِرَادَة التوكيد وَالْمُبَالغَة فِي الْوَصْف وَالِاسْتِقْصَاء للمعنى وَمثله من الإتباع فِي الْجحْد بتكرير لَا قَوْلهم مَاله أثر وَلَا عثير وَمَاله حم وَلَا رم أَي لَا بُد من ذَلِك ورم تبع
وخبرني أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ بنيت سلحين مَدِينَة بِالْيمن فِي ثَمَانِينَ أَو سبعين سنة وبنيت براقش ومين بغسالة أَيْديهم فَلَا يرى لسلحين أثر وَلَا عثير وَهَاتَانِ قائمتان وَأنْشد لعَمْرو بن معدي كرب [من الوافر] ... دَعَانَا من براقش أَو معِين ... فاسمع واتلأب بِنَا مليع ...
إتلأب تتَابع ومليع طَرِيق والعثير تبع فَأَما العثير فَهُوَ الْغُبَار وحَدثني الرياشي أَن العيثر أخفا من الْأَثر حَدثنَا عبد الله بن حبَان النَّحْوِيّ عَن أَبِيه عَن بعض الْعلمَاء إِن العثير هُوَ عين الشَّيْء يُرِيد شخصه وَهُوَ مثل قَوْلهم مَاله عين وَلَا أثر وَأنْشد [من الوافر] ... لعمر أَبِيك يَا صَخْر بن عَمْرو ... لقد عيثرت طيرك لَو تعيف ...
(1/411)

أَي لقد أَبْصرت وعاينت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى عَلَيْهِ وَسلم أَنه دَعَا بِلَالًا بِتَمْر فَجعل يَجِيء بِهِ قبصا قبصا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْفق بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا حَدثنِي ابي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو سُفْيَان الغنوي قَالَ ثناه مُوسَى بن مَسْعُود النَّهْدِيّ ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق قَالَ سَمِعت مسروقا يَقُول ذَلِك
قبص جمع قبصة وَهُوَ من القبص والقبص بأطراف الْأَصَابِع والقبص بالكف كلهَا وَمثل ذَلِك مِمَّا يتقارب فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى القضم والخصم فالقضم بالأسنان والخضم بالفم كُله والنصح والنصخ والنصخ أَكثر من النصح وَلَا يُقَال مِنْهُ فعلت والحزم والحزن يُقَال إِن الحزم أرفع من الْحزن وَيُقَال هما جَمِيعًا وَاحِد لِأَن الْمِيم تبدل من النُّون وتبدل النُّون مِنْهَا لقرب مخرجها
والمضمضة والمصمصة فالمصمصة بِطرف اللِّسَان والشفتين والمضمضة بالفم كُله حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن إِسْحَق عَن صَفْوَان عَن ابي الْمثنى عَن عتبَة بن عبد الرحمن وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن رَسُول
(1/412)

الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْقَتْلَى ثَلَاثَة رجل كَذَا وَرجل كَذَا وَرجل مُؤمن قرف على نَفسه من الذُّنُوب جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل حَتَّى يقتل فَتلك ممصمصة محت ذنُوبه وخطاياه إِن السَّيْف محاء الْخَطَايَا
أَرَادَ أَن الْقَتْل طهُور لَهُ من الذُّنُوب كَمَا يطهر التمضمض وَمن المصمصة حَدِيث أبي قلَابَة كُنَّا نمصمص من اللَّبن وقرأت بِخَط الْأَصْمَعِي حَدثنِي أَبُو الْأَشْهب عَن الْحسن أَنه كَانَ يقْرَأ فقبصت قبصة من أثر الرَّسُول على صَاد غير مُعْجمَة وَقَالَ أحفظ عَن ابي رَجَاء قبضت على ضاد مُعْجمَة وَكَأن قبصة اسْم مَا قبصت وقبصة بِفَتْح الْقَاف هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة تَقول قبصت قبصة وَمثل هَذَا الغرفة والغرفة وَبَلغنِي عَن يُونُس أَنه قَالَ غرفت غرفَة بِالْفَتْح إِذا أردْت الْمرة الْوَاحِدَة وَفِي الْإِنَاء غرفَة وَكَذَلِكَ حسوت حسوة وَاحِدَة وَفِي الصحفة حسوة وَقَالَ الْفراء خطوت خطْوَة وَاحِدَة والخطوة مَا بَين الْقَدَمَيْنِ فالمضموم من هَذِه هُوَ اسْم الشَّيْء بِعَيْنِه وَالْمعْنَى إِن بِلَالًا كَانَ يَأْتِيهم بِهِ قَلِيلا قَلِيلا فَقَالَ لَهُ أنْفق وَلَا تخف فقرا
(1/413)

قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا يوطن الْمَسَاجِد للصَّلَاة وَالذكر رجل إِلَّا تبشبش الله بِهِ من حِين يخرج من بَيته كَمَا تبشبش أهل الْبَيْت بغائبهم إِذا قدم عَلَيْهِم
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن دَاوُد عَن عبد الله بن وهب عَن رجل عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله يتبشبش هُوَ من البشاشة وَهُوَ يتفعل إِلَّا أَنهم يستثقلون الْكَلِمَة إِذا جَاءَت على هَذَا الْوَزْن وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ ثَلَاثَة أحرف فيبدلون الْأَوْسَط مِنْهَا وَمثله قَوْلهم فلَان يتململ على فرَاشه وَإِنَّمَا أَصله يتملل من الْملَّة يُرِيدُونَ كَأَنَّهُ على مِلَّة وَهِي مَوضِع الخبزة فِي الرماد أَو فِي الْجَمْر وَمِنْه قَوْلهم حثحثته إِنَّمَا أَصله حثثته وكفكفته إِنَّمَا هُوَ كففته وتكمكمت الْجَارِيَة إِنَّمَا هُوَ تكممت من الكمة وَهِي القلنسوة وَقَالَ الفرزدق يصف نسَاء [من الطَّوِيل] ... مَوَانِع للأسرار إِلَّا لأَهْلهَا ... ويخلفن مَا ظن الغيور المشفشف ...
أَرَادَ المشفف وَهُوَ الَّذِي شفته الْغيرَة وَمثل هَذَا حَدِيثه الآخر
(1/414)

إِن نَاقَته أناخت عِنْد بَيت أبي أَيُّوب وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام وَاضع زمامها ثمَّ تلحلحت وأرزمت وَوضعت جِرَانهَا
تلحلحت أَقَامَت وَثبتت بمكانها يُقَال تلحلح الرجل إِذا أَقَامَ وَلم يبرح فَإِذا قدمت الحاءين قبل اللامين فَقلت تحلحل أردْت ذهب وَلم يقم لِأَن أصل تلحلح تلح مَأْخُوذ من ألح يلح كَأَنَّهَا ألحت على الْمَكَان فَلم تَبْرَح وَيُقَال ألحت النَّاقة كَمَا يُقَال حرن الْفرس إِذا اقام وَلم يبرح وأصل تحلحل تتحلل والتحلحل هُوَ الذّهاب والافتراض قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... أنَاس إِذا قيل انفروا قد أتيتم ... أَقَامُوا على أثقالهم وتلحلحوا ...
وَقَوله أرزمت أَي صوتت يُقَال أرزمت النَّاقة ترزم إرزاما وَالِاسْم الرزمة وَهُوَ صَوت لَا تفتح بِهِ فاها دون الحنين
حَدثنِي أبي حَدَّثَنى عبد الرحمن بن عبد الله عَن عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا بعض جلساء أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ ضرب الْمَخَاض امْرَأَة من أهل الْبَادِيَة فَاجْتمع إِلَيْهَا النِّسَاء فَلَمَّا ولدت سكتن وارتابت بسكوتهن وَلم ترهن تبشبشن وَلَا فرحن فَقَالَت [من الرجز] ... كأنني من قولهن الهمس ... وَقلة التَّكْبِير عِنْد اللَّمْس ...
(1/415)

.. مَعَ الأشاكي سليم يأس ... مَا بك من جَارِيَة من بَأْس ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أرسل أم سليم تنظر إِلَى امْرَأَة فَقَالَ شمي عوارضها وانظري إِلَى عقبيها
يرويهِ إِسْحَق بن مَنْصُور عَن عمَارَة الصيدلاني عَن ثَابت عَن أنس
الْعَوَارِض الْأَسْنَان الَّتِي فِي عرض الْفَم وَعرضه جَانِبه وَهِي مَا بَين الثنايا والأضراس وَاحِدهَا عَارض يُقَال امْرَأَة نقية الْعَارِض والعارضين قَالَ جرير من الوافر ... أَتَذكر يَوْم تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سقِِي البشام ...
وكل جَانب عَارض قَالَ الْأَصْمَعِي للْإنْسَان من فَوق ثنيتان ورباعيتان مُخَفّفَة ونابان وضاحكان وست أرحاء ثَلَاث من كل جَانب وناجذان وَمِنْه الحَدِيث ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه يُرَاد انْفَتح فوه من شدَّة الضحك حَتَّى رأى آخر أَضْرَاسه من استقبله وَله مثل ذَلِك من أَسْفَل والنواجذ للْفرس أَيْضا أقْصَى أَضْرَاسه وَهِي الأنياب من الْخُف والسوالغ من
(1/416)

الظلْف وَاحِدهَا سالغ
قَالَ أَبُو زيد لكل خف وظلف ثنيتان من أَسْفَل فَقَط وللحافر وَالسِّبَاع كلهَا أَربع ثنايا وللحافر بعد الثنايا أَربع رباعيات وَأَرْبَعَة قوارح وَأَرْبَعَة أَنْيَاب وَثَمَانِية أضراس
والعارض أَيْضا الخد فِي غير هَذَا الْموضع يُقَال أَخذ من عارضيه أَي من خديه وَإِنَّمَا أمرهَا أَن تشم عوارضها لتبور بذلك ريح فمها وَتنظر إِلَى عقبيها لتستدل بِهِ على جَسدهَا
قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا اسود عَقبهَا اسود سائرها وَأنْشد قَول النَّابِغَة [من الْبَسِيط] ... لَيست من السود أعقابا إِذا انصرفت ... وَلَا تبيع بجنبي نَخْلَة البرما ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سحر جَاءَنِي رجلَانِ فَجَلَسَ أَحدهمَا عِنْد رَأْسِي وَالْآخر عِنْد رجْلي فَقَالَ أَحدهمَا مَا وجع الرجل قَالَ مطبوب قَالَ من طبه قَالَ لبيد بن الأعصم قَالَ فِي أَي
(1/417)

شَيْء قَالَ فِي مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْر ذِي أروان
يرويهِ ابْن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
وَفِي حَدِيث أَنه حِين أخرج سحره جعل عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام يحله وَكلما حل عقدَة وجد لذَلِك خفَّة فَقَامَ فَكَأَنَّمَا أنشط من عقال
المطبوب المسحور وأصل الطِّبّ الحذق بالأشياء يُقَال رجل طب بِكَذَا إِذا كَانَ حاذقا بِهِ وَمِنْه قَول عنترة من الْكَامِل ... فإنني طب بِأخذ الْفَارِس المستلئم ...
وَيُقَال فِي مثل عمله لَك عمل من طب لمن حب أَي عمل الحاذق لمن يحب وَمن هَذَا قيل للمعالج طَبِيب
والمشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس إِذا سرح بالمشط وَمثله مَا جَاءَ على فعالة مِمَّا يسْقط على معالجة وَعمل النحاتة وَهِي اسْم مَا وَقع عَن النحت والنخالة اسْم مَا وَقع عَن النّخل والقوارة اسْم مَا وَقع عَن التقوير وقلامة للظفر اسْم
(1/418)

مَا وَقع عَن تقليمه والسحالة اسْم مَا وَقع عَن السحل والخلالة اسْم مَا سقط من الْفَم عَن التخلل والكساحة وَالْقُمَامَة والخمامة اسْم مَا وَقع عَن الكسح والقم والخم وَهُوَ الكنس وجف الطلعة قشرها
وَأما الجف الَّذِي نهي أَن ينْبذ فِيهِ فَإِنَّهُ شَيْء ينقر من جذع النَّخْلَة وَهِي أَيْضا قربَة يقطع عِنْد يَديهَا وينبذ فِيهَا وبئر ذِي أروان بِئْر مَعْرُوفَة
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَبَعْضهمْ يخطأ فَيَقُول ذروان
وَقَوله أنشط من عقال أَي حل يُقَال أنشطت الْعقْدَة حللتها ونشطتها عقدتها بأنشوطة وَقد جَاءَت حُرُوف على هَذَا الْمِثَال وَيكون أفعلت فِيهَا ضدا لفَعَلت مثل قَوْلهم أخفيت الشَّيْء سترته وخفيته أظهرته وأفرطت جَاوَزت الْقدر وفرطت قصرت وأعذرت فِي طلب الْحَاجة بالغت وعذرت قصرت وأقسطت فِي الحكم عدلت وقسطت فِيهِ جرت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن المقسطين فِي الدُّنْيَا على منائر من لُؤْلُؤ يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ أَبُو مُوسَى من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة
(1/419)

الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط فَهَذَا من أقسطت أَي عدلت
وَقَالَ الله جلّ وَعز {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} وَهَذَا من قسطت أَي جرت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر الْحق على صَاحب الْإِبِل فَقَالَ إطراق فَحلهَا وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على المَاء وَحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله
يرويهِ يعلى عَن عبد الملك عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله إطراق فَحلهَا يَعْنِي إنزاؤه يُقَال طرق الْفَحْل النَّاقة إِذا نزا عَلَيْهَا وَيُقَال أطرقني فحلك وفرسك والطروقة هِيَ الَّتِي يضْربهَا الْفَحْل
ومنحتها إعارتها فِي هَذَا الْموضع وَهُوَ أَن يدْفع مِنْهَا بَعْضًا إِلَى قوم لَا در لم يَنْتَفِعُونَ بألبانها وَمِنْه حَدِيثه الآخر حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو الْحطاب عَن بشر بن الْمفضل عَن يُونُس عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل من رجل يمنح من إبِله نَاقَة
(1/420)

أهل بَيت لَا در لَهُم تَغْدُو برفد وَتَروح برفد إِن أجرهَا لعَظيم
والرفد الْقدح فَإِن أَنْت دفعت مِنْهَا شَيْئا ليركب فَذَلِك الإفقار يُقَال أفقرت فلَانا بَعِيرًا وَمِنْه حَدِيثه الآخر قَالَ أَبُو رهم الْغِفَارِيّ خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك فَسَأَلَنِي عَن قوم تخلفوا عَنهُ وَقَالَ مَا يمْنَع أحدهم أَن يفقر الْبَعِير من إبِله فَيكون لَهُ مثل أجر الْخَارِج فَإِن أَنْت دفعت مِنْهَا شَيْئا للضراب فَذَلِك الإطراق وَتَكون المنحة فِي مَوضِع آخر الْهِبَة
وَأما قَوْله وحلبها على المَاء فَإِنَّهُ أَرَادَ عِنْد المَاء يَقُول عَلَيْهِ من الْحق أَن يحلبها فِي الْمجمع ليسقي أَهله وَهَذَا مثل نَهْيه عَن جدَاد النّخل بِاللَّيْلِ وَهُوَ صرامه
أَرَادَ أَن يصرم نَهَارا ليحضره النَّاس فينالوا من التَّمْر وَكَانُوا إِذا أوردوا الْإِبِل حلبوها يَوْم الْورْد وَسقوا من حضر
قَالَ النمر بن تولب لامْرَأَته حِين عاتبته على إيثاره بألبان إبِله [من الطَّوِيل] ... عَلَيْهِنَّ يَوْم الْورْد حق وَحُرْمَة ... وَهن غَدَاة الغب عنْدك حفل ...
يَقُول على الْإِبِل يَوْم وردهَا حق وَهُوَ أَن يسقى من حضر
(1/421)

أَلْبَانهَا وَهِي بعد الْورْد بِيَوْم تَأْتِيك حفلا أَي ممتلئات الضروع فاسكبي وَلَا تجزعي وَمثله الحَدِيث الآخر أَنه قَالَ نعم الْإِبِل الثَّلَاثُونَ تحمل على نجيبها وتمنحها يَوْم وردهَا فِي أعطانها
اراد تدفع مِنْهَا يَوْم الْورْد مَا يحلب وَيشْرب لبنه ثمَّ ترد إِلَيْك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن السقط ليراغم ربه إِن أَدخل أَبَوَيْهِ النَّار فيجترهما بسرره حَتَّى يدخلهما الْجنَّة
يرويهِ مُصعب بن الْمِقْدَام عَن منْدَل عَن الْحسن بن الحكم عَن أَسمَاء بنت عَبَّاس عَن أَبِيهَا عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَوْله يراغم ربه من المراغمة وَهِي الْغَضَب يُقَال راغمت فلَانا إِذا أغضبته وترغمت أَي غضِبت
وَأما التزغم بالزاي فَهُوَ الْغَضَب مَعَ كَلَام
فَأَما الحَدِيث الآخر إِنَّه يظل محبنطيا على بَاب الْجنَّة فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قد ذكر وَفَسرهُ
المحبنطئ المتغضب المستبطئ للشَّيْء قَالَ فَإِذا همز فَهُوَ الْعَظِيم الْبَطن المنتفخ وذاكرت بِهَذَا الْحَرْف شَيخا من الْعلمَاء باللغة فَقَالَ لي المحبنطىء المتمدد وأنشدني فِي مقتل النُّعْمَان بن الْمُنْذر
(1/422)

[من السَّرِيع] ... بَين فيول الْهِنْد يحبطنه ... محبنطئا تدمى نواحيه ...
والسرر للمولود مَا تقطعه الْقَابِلَة وَهِي السِّرّ وَمَا بَقِي بعد الْقطع فَهُوَ السُّرَّة يُقَال سر فلَان إِذا قطع سرره
وَمِنْه حَدِيث ابْن عمر فِي شَجَرَة سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا أَي قطع سررهم وَأَخْبرنِي الرياشي فِي بَيت أبي ذُؤَيْب [من المتقارب] ... بِآيَة مَا وقفت والركاب بَين الْحجُون وَبَين السرر ...
قَالَ هُوَ هَذَا الْموضع الَّذِي سر فِيهِ الْأَنْبِيَاء وَهُوَ من مَكَّة إِلَى أَرْبَعَة أَمْيَال وَكَانَ عبد الصمد بن عَليّ بنى عَلَيْهِ مَسْجِدا
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي عَن عبد الأعلى عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن مُسلم بن يسَار عَن أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على عبَادَة بن الصَّامِت يعودهُ فِي مَرضه
(1/423)

فَذكر الشُّهَدَاء فَقَالَ وَالنُّفَسَاء شَهَادَة يجرها وَلَدهَا بسرره إِلَى الْجنَّة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لرجل أَتَاهُ أرب إبل أَنْت أم رب غنم قَالَ من كل قد أَتَانِي الله فَأكْثر وَأطيب قَالَ فتنتجها وافية أعينها وآذانها فتجدع هَذِه فَتَقول صربى وَتقول بحيرة فساعد الله أَشد وموساه أحد وَلَو شَاءَ أَن يَأْتِيك بهَا صربى أَتَاك
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن سعيد صَاحب أبي عبيد عَن ابْن حَنْبَل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ ثَنَا أَبُو الزعرا عَمْرو بن عَمْرو عَن عَمه أبي الْأَحْوَص عَن أَبِيه قَالَ أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَصَعدَ فِي الْبَصَر وَصوب ثمَّ قَالَ لي ذَلِك
قَوْله فتنتجها يُرِيد فتنتج عنْدك يُقَال نتجت نَاقَتي إِذا ولدت عنْدك ونتجت إِذا ولدت وَلَا يُقَال نتجت فَإِذا تبين حملهَا قيل أنتجت فَهِيَ نتوج وَلَا يُقَال منتج
وَقَوله وافية أعينها وآذانها يُرِيد تَامَّة الْأَعْين والآذان
يُقَال وفا شعره إِذا تمّ وَطَالَ وَهُوَ واف وأوفيته أَنا
(1/424)

وأحسب الْوَفَاء بالعهد والميثاق من هَذَا وَمِنْه قَوْله أتيت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم تقْرض شفاههم كلما قرضت وفت فَقَالَ جِبْرِيل هَؤُلَاءِ خطباء أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
وَقَوله وَتقول بحيرة بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَق أَنه قَالَ الْبحيرَة بنت السائبة وَكَانَت السائبة فيهم أَن النَّاقة إِذا تابعت بَين عشر إناث لَيْسَ فِيهِنَّ ذكر سيبت فَلم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إِلَّا ضيف فَمَا نتجت بعد ذَلِك من أُنْثَى شقّ أذنها ثمَّ خلي سَبِيلهَا مَعَ أمهَا فَلم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إِلَّا ضيف فَمَا نتجت بعد ذَلِك من أُنْثَى شقّ
حَدثنِي أبي أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ الْبحيرَة النَّاقة إِذا نتجت خَمْسَة أبطن فَكَانَ آخر سقبا ذكرا شَقوا أذن النَّاقة وخلوا عَنْهَا فَلَا تحلأ عَن مَاء وَلَا مرعى وَلَا ينْتَفع بهَا ويلقاها المعيي فَلَا يركبهَا تحرجا
وحَدثني أبي حَدثنِي ابْن مَرْزُوق ثَنَا صَفْوَان بن هُبَيْرَة ثَنَا أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ الْبحيرَة النَّاقة إِذا ولدت خَمْسَة أبطن ينظر فِي الْبَطن الْخَامِس فَإِن كَانَ سقبا ذبحوه فأكلوه وَإِن كَانَ ربعَة تكوى أذنها وَقَالُوا هَذِه بحيرة فَلم يشرب لَبنهَا وَلم يفقر ظهرهَا وَهَذِه ثَلَاثَة أقاويل فِي الْبحيرَة وَإِنَّمَا سميت بحيرة لشقهم أذنها وَالْبَحْر الشق وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَأما السائبة فقد بَينا مَا قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق فِيهَا
(1/425)

وحَدثني أبي أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ السائبة أَن يسيب الرجل بعيره فَلَا يركب وَلَا يحلأ عَن مَاء كالبحيرة وَكَانُوا ينذرون السائبة عِنْد الْمَرَض إِن عافى الله مِنْهُ أَو الضَّالة إِن ردهَا الله وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ عِكْرِمَة فِيهِ نَحْو قَول أبي عُبَيْدَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم
وَأما الوصيلة فَإِنَّهَا من الْغنم بإجماعهم جَمِيعًا قَالَ ابْن إِسْحَق هِيَ الشَّاة إِذا أنأمت عشر إناث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أبطن لَيْسَ فِيهِنَّ ذكر جعلت وصيلة فَقَالُوا قد وصلت فَكَانَ مَا ولدت بعد ذَلِك للذكور دون الْإِنَاث
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَت الْعَرَب إِذا ولدت الشَّاة ذكرا قَالُوا هَذَا لِآلِهَتِنَا فيتقربون بِهِ وَإِذا ولدت أُنْثَى قَالُوا هَذِه لنا وَإِذا ولدت ذكرا وَأُنْثَى قَالُوا وصلت أخاها فَلم يذبحوه لمكانها وَقَالَ عِكْرِمَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم الوصيلة الشَّاة إِذا ولدت سَبْعَة أبطن نظر فِي الْبَطن السَّابِع فَإِن كَانَ جديا ذبحوه فَأَكله الرِّجَال دون النِّسَاء وَقَالُوا هَذَا حَلَال لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وإناثنا وَإِن كَانَ عنَاقًا سرحت فِي غنم الْحَيّ وَإِن كَانَ جديا وعناقا قَالُوا وصلت أخاها فسميت وصيلة
وَأما الحامي فَإِنَّهُ الْبَعِير ينْتج من صلبه عشرَة أبطن
(1/426)

فَيُقَال حمي ظَهره ويخلى اتَّفقُوا جَمِيعًا على ذَلِك
وَزَاد أَبُو عُبَيْدَة وَكَانَت الْعَرَب إِذا بلغت إبل الرجل ألفا فَقَأَ عين بعير مِنْهَا من خِيَارهَا وخلي وأنشدني ابْن حبَان النَّحْوِيّ عَن أَبِيه [من الطَّوِيل] ... إِذا عَار عين الْفَحْل لم ير أَهله ... بِأَهْل وَلم يقنع سُوَيْد بِأَرْبَع ...
وخبرني عَن أَبِيه أَنهم كَانُوا يفقئون عين الْفَحْل مَخَافَة الْعين عَلَيْهَا يَقُول فَهَذَا الرجل إِذا كثر مَاله ازدرى أَهله وَلم يقنع بِأَرْبَع نسْوَة يخدمنه أَو قَالَ يخدمن إبِله
وَقَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وافية أعينها يُرِيد هَذَا الْمَعْنى أَنَّهَا تولد صِحَاح الْعُيُون فيفقئون عينهَا
وصربى هُوَ من قَوْلك صربت اللَّبن فِي الضَّرع إِذا أَنْت جمعته فِيهِ وَلم تحلبه وَيُقَال لما اجْتمع مِنْهُ وَمن غَيره الصريب قَالَ الْكُمَيْت يمدح رجلا [من الوافر] ... صنعت إِلَيّ مَا سيغب عِنْدِي ... وَذخر مَا لحاقته الصريب ...
وَإِنَّمَا قيل للبحيرة صربى لأَنهم كَانُوا لَا يحلبونها إِلَّا لضيف فيجتمع اللَّبن فِي ضرْعهَا كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق
وَقَالَ ابْن شهَاب سَمِعت ابْن الْمسيب يَقُول الْبحيرَة الَّتِي
(1/427)

يمْنَع درها للطواغيت فَلَا يحلبها أحد من النَّاس وَنَحْوه شَاة شكرى إِذا كَانَت ممتلئة الضَّرع وشكرة والإشتكار الإحتفال كَأَنَّهَا اشتكرت وَكَأن الصربى من صربت اللَّبن فِي ضرْعهَا أَي جمعته والصرب من اللَّبن الحامض يُقَال قد صرب اللَّبن فِي الوطب يصربه صربا إِذا حلب بعضه على بعض وَتَركه يحمض
قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... سيكفيك صرب الْقَوْم لحم مغرض ... وَمَاء قدور فِي القصاع مشوب ...
والمغرض الَّذِي لم ينضج فَإِن أَنْت فتحت الرَّاء فَقلت الصرب فَهُوَ الصمغ الْأَحْمَر قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... أَرض عَن الْخَيْر وَالسُّلْطَان نائية ... فالأطيبان بهَا الطرثوث والصرب ...
وَبَعْضهمْ يَجْعَل الصربى من الصرم وَهُوَ الْقطع والجدع وَيجْعَل الْبَاء فِيهِ مبدلة من مِيم كَمَا يُقَال لَازم فِي لازب وَمِنْه قيل للسيف صارم أَي قَاطع وصرمت الْحَبل صرما بِفَتْح الصَّاد إِذا كَانَ مصدرا والصرم الِاسْم بضَمهَا وَهَذَا عِنْدِي أصح التفسيرين لقَوْله
فتجدع هَذِه فَتَقول صربى وَلِأَنَّهُ رُوِيَ من وَجه آخر أَنه قَالَ فَقطع آذان بَعْضهَا فَتَقول هَذِه بَحر وتشق آذان
(1/428)

أُخْرَى فَتَقول هَذِه صرم وَمِنْه الحَدِيث الآخر فِي هَذِه الْأمة خمس فتن قد مَضَت أَربع وَبقيت وَاحِدَة وَهِي الصيرم وَهُوَ فيعل من صرمت مثل الفيصل من فصلت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي غَزْوَة خَيْبَر من كَانَ مضعفا أَو مصعبا فَليرْجع
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق الْفَزارِيّ عَن يسر بن نمير عَن الْقسم عَن أبي أُمَامَة
قَوْله من كَانَ مصعبا يُرِيد من كَانَ بعيره صعبا وَكَذَلِكَ قَوْله من كَانَ مضعفا أَي كَانَ بعيره ضَعِيفا
يُقَال أصعب الرجل وأضعف وَأقوى إِذا كَانَ بعيره كَذَلِك وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك لَا يخْرجن مَعنا إِلَّا رجل مقو
يُقَال للحمال قوي مقو إِذا كَانَ قَوِيا فِي بدنه وَكَانَت إبِله قَوِيَّة وَيُقَال رجل خَبِيث مخبث إِذا كَانَ خبيثا وَأَصْحَابه خبثاء
فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ المضعف أَمِير على أَصْحَابه يَعْنِي فِي السّفر يُرِيد أَنهم يَسِيرُونَ بسيره وَهُوَ مثل قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقطف الْقَوْم دَابَّة أَمِيرهمْ
(1/429)

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من حفظ مَا بَين فقميه وَرجلَيْهِ دخل الْجنَّة
يرويهِ مُعلى بن مَنْصُور عَن مُوسَى بن أعس عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عقيل مولى ابْن عَبَّاس
الفقمان هَاهُنَا اللحيان يُرِيد من حفظ لِسَانه وفرجه دخل الْجنَّة ويروى أَن أَكْثَم بن صَيْفِي قَالَ مقتل الرجل بَين فَكَّيْهِ والفكان اللحيان قَالَ أَبُو زيد يُقَال للرجل إِذا قَاتل رجلا فَأخذ بلحييه وذقنه أَخذ بفقميه والفقم فِي الْفَم أَن يتَقَدَّم الثنايا السُّفْلى فَلَا يَقع عَلَيْهَا الْعليا إِذا ضم الرجل فَاه
وحَدثني أبي ثَنَا السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي الْأَشْهب العطاردي قَالَ كَانَ يُقَال من وقِي شَرّ لقلقه وَشر قبقبه وَشر ذبذبه فقد وقِي
وَقَالَ الْأَصْمَعِي اللقلق اللِّسَان والقبقب الْبَطن والذبذب الْفرج وَقَالَ غَيره إِنَّمَا قيل للسان لقلق من اللَّقْلَقَة وَهِي الجلبة وَكَأن اللَّقْلَقَة حِكَايَة الْأَصْوَات إِذا كثرت
(1/430)

وَمِنْه حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ مَا على نسَاء بني الْمُغيرَة أَن يسفكن من دُمُوعهنَّ على أبي سُلَيْمَان مالم يكن نقع وَلَا لقلقَة
وَقَالَ إِنَّمَا قيل للبطن قبقب من القبقبة وَهُوَ صَوت يسمع من الْبَطن وَكَأن القبقبة حِكَايَة ذَلِك الصَّوْت
وَمثل هَذَا الحَدِيث فِي قوم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز جراجرهم
قَالَ الْأَصْمَعِي أَرَادَ حُلُوقهمْ وسماهاه جراجر لجرجرة المَاء إِذا شرب وَإِنَّمَا تكون الجرجرة فِي الْحلق وَكَأَنَّهَا حِكَايَة الجرع قَالَ وَلَا وَاحِد لَهَا وَأنْشد للنابغة [من الطَّوِيل] ... لهاميم يسيلهونها فِي الجراجر ...
وَنَحْو من هَذَا قَول الْهُذلِيّ [76 / ب] من الْبَسِيط ... بالطعن شغشغة وَالضَّرْب هيقعة ... ضرب المعولأ تَحت الديمة العضدا ...
فالشغشغة حِكَايَة صَوت الطعْن والهيقعة حِكَايَة صَوت الضَّرْب ثمَّ شبهه بِصَوْت ضرب الرجل عضدا وَهُوَ مَا قطع من الشّجر ليبنى بِهِ عَالَة وَهِي شبه الطلة يسْتَتر بهَا من الْمَطَر
(1/431)

وَمثله قَول رُؤْيَة من الرجز ... وَلم يزل عز تَمِيم مدعما ... للنانس يَدْعُو هيقما وهيقما ...
قَالَ شبهه بفحل وضربه مثلا
وهيقم حِكَايَة صَوته وَبَعْضهمْ يرويهِ كالبحر يَدْعُو فَمن رَوَاهُ كَذَلِك أَرَادَ حِكَايَة أصوات موجه وَمثله فِي شعر رُؤْيَة ... تسمع للجن بهَا زيزيما ...
وَهُوَ حِكَايَة أصوات الْجِنّ قَالَ وَإِنَّمَا قيل لِلْفَرجِ ذبذب لِأَنَّهُ يتذبذب إِذا مَشى الرجلأ أَي يذهب وَيَجِيء وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز فِي الْمُنَافِقين {مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} يُرِيد أَنهم متحيرون بَين الْفَرِيقَيْنِ لَا يقتلهُمْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ
وَقد ضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُم الشَّاة بَين الربضين مثلا وَقد تقدم تَفْسِير ذَلِك
وَأنْشد أَبُو زيد من الرجز ... وَلَو رأتني وَالنُّعَاس غالبي ... على الْبَعِير نائسا ذباذبي ...
يَعْنِي مذاكيره ونوسها حركتها يُرِيد أَنه ينَام فَتحَرك
(1/432)

مذكيره بحركة الْبَعِير
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَرَوْحَة فِي سَبِيل الله أَو غدْوَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة أَو مَوضِع قده خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
حَدَّثَنِيهِ ابي رَحمَه الله حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَق عَن حميد الويل عَن أنس بن مَالك
قَوْله قاب قَوس أحدكُم أَي مِقْدَار قوسه إِذا أَلْقَاهَا قَالَ الله جلّ وَعز {فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى} وَقَوله أَو مَوضِع قده بِكَسْر الْقَاف يَعْنِي مَوضِع سَوْطه وَيُقَال للسوط الْقد المقدود وَهُوَ مثل الْقسم وَالْقسم فالقسم مصدر قسمت وَالْقسم النَّصِيب وَمثل السَّقْي والسقي فالسقي مصدر سقيت والسقي حظك من المَاء وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه ليزِيد بن الصَّعق بقوله لبني أَسد [من الطَّوِيل] ... فَرَغْتُمْ لتمرين السِّيَاط وكنتم ... يسن عَلَيْكُم بالقنا كل مربع ...
قَالَ فَأَجَابَهُ الْأَسدي فَقَالَ [من الطَّوِيل]
(1/433)

.. أعبتم علينا أَن تمرن قدنا ... وَمن لَا يمرن قده يتقطع
يجنبها الْجَار الْكَرِيم ويمتري ... بهَا الْحَبل فِي أَطْرَاف شرب ممنع ...
هَكَذَا رَوَاهُ يسن عَلَيْكُم بِالسِّين غير مُعْجمَة وَغَيره يرويهِ يَشن وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي شن وَسن وَاحِد
وَكَانَ ابْن السّكيت يفرق بَينهمَا فَيَقُول شن المَاء على وَجهه خطأ إِنَّمَا هُوَ سنّ بِالسِّين غير مُعْجمَة أَي صبه صبا سهلا وَسن عَلَيْهِ درعه أَي صبها قَالَ وَإِنَّمَا يُقَال شن الْغَارة عَلَيْهِم أَي فرقها وَقَالَ أَبُو زيد وَالْقد بِفَتْح الْقَاف الْأَدِيم وَيُقَال فِي مثل مَا يَجْعَل قدك إِلَى أديمك يَقُول مَا يَجْعَل مسك السخلة إِلَى الْأَدِيم الْعَظِيم يضْرب مثلا للرجل إِذا تعدى طوره قَالَ وَيُقَال قد وَثَلَاثَة أقد وَهِي القداد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن جَابر بن عبد الله قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمر الظهْرَان نجني الكباث فَقَالَ عَلَيْكُم بالأسود مِنْهُ فَإِنَّهُ أطيبه
حَدَّثَنِيهِ عبد الله بن إِسْحَق إجَازَة عَن عُثْمَان بن عمر الْجَوْهَرِي عَن
(1/434)

يُونُس الإبلي عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر
قَالَ الْأَصْمَعِي البرير ثَمَر الْأَرَاك والغض مِنْهُ المرد والنضيج الكباث وأسوده أشده نضجا قَالَ الْجَعْدِي وَذكر مَاء [من المتقارب] ... كَأَن البرير بحافاته ... جواليق بِالسوقِ من يثرب ...
شبه مَا سقط فِيهِ بجوانب المَاء لشدَّة سوَاده وتراكبه بجواليق فِيهَا مَتَاع تجار بسوق يثرب
وَإِنَّمَا قيل لعناقيد البرير غربان البرير لسوادها وَقَالَ بشر وَذكر امْرَأَة [من الطَّوِيل] ... رأى درة بَيْضَاء يحفل لَوْنهَا ... سخام كغربان البرير مقصب ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَزوَاجه كن يدلحن بِالْقربِ على ظهورهن يسقين أَصْحَابه بادية خدامهن يَعْنِي فِي غَزْوَة أحد
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن دَاوُد عَن عبد الواحد بن غياث عَن حَمَّاد عَن ثَابت عَن أنس
(1/435)

قَوْله يدلحن أَي يحملن وكل من حمل حملا ثقيلا فَمر بِهِ فقد دلح بِهِ يدلح قَالَ الْكُمَيْت وَذكر الْغَيْث [من مجزوء الْكَامِل] ... خضل النطاف مَعَ القطاف يمج من دلح مواقر ...
النطاف هَاهُنَا الْقطر وَيُقَال نطف السقاء إِذا قطر وَمِنْه حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن رجلا قَالَ لَهُ رَأَيْت فِي النّوم ظلة تنطف سمنا وَعَسَلًا
والقطاف السّير البطيء والدلح السحائب المثقلة وَكَذَلِكَ المواقر هِيَ الموقرة
وَقَوله بادية خدامهن يَعْنِي خلاخيلهن الْوَاحِدَة خدمَة وَهِي أَيْضا الحجول وَاحِدهَا حجل وَهِي البرين والبري أَيْضا واحدتها برة. وانما قيل برذون محجل ومخدع (172) من الحجل والخدمة لِأَنَّهُ ابيض موضعهما مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه دخل يَوْمًا حائش نخلأ فَرَأى بَعِيرًا فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِير خن أَو
(1/436)

حن وذرفت عَيناهُ فَمسح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سراته وذفراه فسكن فَقَالَ لصَاحبه أحسن إِلَيْهِ فَإِنَّهُ شكا إِلَيّ إِنَّك تدئبه وتجيعه
يرويهِ أسود بن عَامر عَن مهْدي بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أبي يَعْقُوب عَن الْحسن بن سعد عَن عبد الله بن جَعْفَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
حائش النّخل جمَاعه وَمثله الصُّور وَمِنْه قَوْله يطلع من تَحت هَذَا الصُّور رجل من أهل الْجنَّة فطلع أَبُو بكر وَلَا وَاحِد بِشَيْء مِنْهَا من لَفظه وَهُوَ بِمَنْزِلَة الربرب من الْبَقر
والضوار وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا لَا وَاحِد لَهُ قَالَ الأخطل [من الْكَامِل] ... وَكَأن ظعن الْحَيّ حائش قَرْيَة ... داني الجناة وَطيب الأثمار ...
والسراة الظّهْر والذفريان أصُول الْأُذُنَيْنِ وَكَذَلِكَ المقذان بتَشْديد الذَّال وهما أول مَا يعرق من الْبَعِير وَإِنَّمَا سميا بذلك لذفر الْعرق
قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لأبي عَمْرو والذفرى من الذفر فَقَالَ
(1/437)

نعم والمعزى من الْمعز فَقَالَ نعم والذفر شدَّة الرَّائِحَة من الشَّيْء الطّيب أَو الشَّيْء الْخَبيث الرّيح
فَأَما الذفر بتسكين الْفَاء فَإِنَّهُ النتن خَاصَّة وَمِنْه قيل للدنيا أم ذفر وَمن النَّاس من يرى أَن شكوى الْبَعِير لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تبين أثر الضّر والإتعاب فَقضى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ متكلما لاشتكى مَا ذكر يذهب إِلَى قَول عنترة فِي فرسه [من الْكَامِل] ... فازور من وَقع القنا بليانه ... وشكا إِلَيّ بعبرة وتحمحم ...
وَهَذَا تعسف فِي القَوْل وبخس لعلم النُّبُوَّة فَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكر لم يكن للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فضل على غَيره فِي هَذَا الْخَبَر لِأَن النَّاس قد يفهمون عَن الْبَهَائِم من هَذَا الْوَجْه وَالْقَوْل فِي هَذَا إِن الله جلّ وَعز أفهمهُ عَن الْبَعِير من الْوَجْه الَّذِي أفهم بِهِ سُلَيْمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام كَلَام النَّمْل والنمل مِمَّا لَا يصوت وَمن الْوَجْه الَّذِي يتفاهم مِنْهُ الْبَهَائِم وَلَيْسَ شكوى الْبَعِير بِأَعْجَب من قَصده إِلَيْهِ بالحنين وذروف الْعين
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم قَالَ قَالَ لي جِبْرِيل لم يَمْنعنِي من الدُّخُول عَلَيْك البارحة إِلَّا أَنه كَانَ على بَاب بَيْتك ستر فِيهِ تصاوير وَكَانَ فِي بَيْتك كلب فَمر بِهِ فَليخْرجْ
(1/438)

وَكَانَ الْكَلْب جروا لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام تَحت نضد لَهُم
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش حَدثنِي سلم بن قُتَيْبَة عَن يُونُس بن أبي إِسْحَق عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم
النضد هَاهُنَا السرير وأصل النضد مَا نضد من الثِّيَاب بعضه على بعض قَالَ النَّابِغَة [من الْبَسِيط] ... خلت سَبِيل أُتِي كَانَ يحْبسهُ ... ورفعته إِلَى السجفين فالنضد ...
يُقَال سجف وسجف وَإِنَّمَا سمي السرير نضدا لِأَن النضد يكون عَلَيْهِ وَقد يُسمى الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه أَو بِسَبَبِهِ من ذَلِك تسميتهم النبت ندى لِأَنَّهُ عَن الندى يكون وتسميتهم السحم ندى لِأَنَّهُ عَن النبت يكون وَهُوَ من أغرب مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب قَالَ ابْن أَحْمَر [من الطَّوِيل] ... كثور العداب الْفَرد يضْربهُ الندى ... تعلى الندى فِي مَتنه وتحدرا ...
يَعْنِي بالندى الثَّانِي الشَّحْم وَمن ذَلِك قَوْلهم للمطر سَمَاء لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل يُقَال مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم قَالَ الشَّاعِر [من الوافر]
(1/439)

.. إِذا سقط السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا ...
قَوْله رعيناه أَي رعينا مَا نبت عَنهُ وَمثل هَذَا كثير وَلم أزل أسأَل عَن السَّبَب الَّذِي أَمر لَهُ بقتل الْكلاب وإخراجها حَتَّى بَلغنِي أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور سَأَلَ عَمْرو بن عبيد عَن الحَدِيث فِيمَن اقتنى كَلْبا لغير زرع وَلَا حراسة أَنه ينقص كل يَوْم من أجره قِيرَاط فَقَالَ عَمْرو بن عبيد هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث وَلَا أَدْرِي لم ذَلِك فَقَالَ الْمَنْصُور خُذْهَا بِحَقِّهَا إِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَنَّهُ ينبح الضَّيْف ويروع السَّائِل وَأنْشد [من الْكَامِل] ... أَعدَدْت للضيفان كَلْبا ضاريا ... عِنْدِي وَفضل هراوة من أرزن ...
(1/440)

.. ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكيا عض الزَّمَان الألزن ...
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى عَن لونين من التَّمْر الجعرور ولون الحبيق يرويهِ سُلَيْمَان ابْن كثير عَن ابْن شهَاب عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف عَن أَبِيه
قَالَ الْأَصْمَعِي الجعرور ضرب من الدقل يحمل شَيْئا صغَارًا لَا خير فِيهِ
وَأما لون الحبيق فَإِن الْأَصْمَعِي قَالَ عذق حبيق ضرب من الدقل رَدِيء والعذق النَّخْلَة بِفَتْح الْعين والعذق الكباسة كَأَن التَّمْر سمي باسم النَّخْلَة إِذْ كَانَ مِنْهَا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي عذق ابْن حبيق ولون الحبيق نَحْو ذَلِك أَيْضا لِأَن الدقل يُقَال لَهُ الألوان وَاحِدهَا لون
وَالْمعْنَى أَنه نهى أَن يُؤْخَذ هَذَانِ الضربان من التَّمْر فِي الصَّدَقَة لرداءتها وَكَانَ النَّاس يخرجُون شرار تمرانهم
(1/441)

الصَّدَقَة فَنهى عَن ذَلِك وَأنزل الله جلّ عز {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون}
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن عَن عَمه عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ لَا يَأْخُذ الْمُصدق الجعرور وَلَا مصران الْفَأْرَة وَلَا عذق حبيق قَالَ وَقَالَ مَالك بن أنس رَحمَه الله من عِنْده وَلَا يَأْخُذ البردي قَالَ الْأَصْمَعِي ومصران الْفَأْرَة ضرب من التَّمْر رَدِيء والبردي من أَجود التَّمْر فَأَرَادَ أَنه لَا يَأْخُذ الردي جدا وَلَا الْجيد جدا وَلَكِن يَأْخُذ الْوسط
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْعشَاء فَإِن اسْمهَا فِي كتاب الله جلّ وَعز الْعشَاء فَإِنَّمَا يعتم بحلاب الْإِبِل
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمن عَن ابْن عمر
قَوْله يعتم بحلاب الْإِبِل وَهُوَ من عتمة اللَّيْل
(1/442)

وعتمته ظلامه
يُقَال قد عتم اللَّيْل يعتم وَقد أعتم النَّاس إِذا دخلُوا فِي ظلمَة اللَّيْل مثل أشملوا وأجنبوا إِذا دخلُوا فِي الشمَال والجنوب وَكَانُوا يحتلبون الْإِبِل عِنْد نتاجها بلَيْل ويسقى اللَّبن الْحَيّ وَكَانُوا يسمون تِلْكَ الحلبة الْعَتَمَة وَإِنَّمَا سميت عتمة باسم عتمة اللَّيْل وَهِي ظلامه بقول فَإِنَّمَا يَقع هَذَا الِاسْم على حلاب الْإِبِل على الصَّلَاة وَيُقَال قرى عاتم أَي بطيء وَقد عتم قراه أَي أَبْطَأَ وأعتم الرجل قراه إِذا أَخّرهُ قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... فَلَمَّا رَأينَا أَنه عاتم الْقرى ... بخيل ذكرنَا لَيْلَة الهضب كردما ...
وَمِنْه يُقَال ضربه فَمَا عتم أَي مَا احْتبسَ فِي ضربه وَقعد قدر عتمة الْإِبِل أَي احْتبسَ بِقدر احتباسها فِي عشائها
وحَدثني أبي قَالَ أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ قَالَ سَمِعت الْعَرَب تَقول للهلال إِذا كَانَ ابْن لَيْلَة عتمة سخيلة حل أَهلهَا برميلة وَلابْن لَيْلَتَيْنِ حَدِيث أمتين بكذب مين وَلابْن ثَلَاث حَدِيث فتيات جد غير مؤتلفات وَلابْن أَربع عتمة ربع غير جَائِع وَلَا مرضع وَلابْن خمس عشَاء خلفات من الْإِبِل الْحَوَامِل واحدتها خلفة وَهِي الْمَخَاض أَيْضا وَلَا وَاحِد للمخاض من لَفظهَا إِنَّمَا واحدتها خلفة وَمثله النِّسَاء لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِنَّمَا وَاحِدهَا امْرَأَة وَمن هَذَا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم ثَلَاث آيَات يقرؤهن أحدكُم فِي صلَاته خير لَهُ من
(1/443)

ثَلَاث خلفات سمان عِظَام
والقعساء الَّتِي قد مَال رَأسهَا نَحْو ظهرهَا وعنقها نَحْو نحرها وَجَمعهَا قعس وَإِنَّمَا يعنون بقَوْلهمْ عتمة سخيلة إِن مكث الْهلَال اللَّيْلَة يحلو من الشَّهْر حَتَّى يغيب قدر احتباس سخلة فِي الرَّضَاع وَكَذَلِكَ سَائِر الْحُرُوف هَذَا أَصْلهَا
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا زِمَام وَلَا خزام وَلَا رَهْبَانِيَّة وَلَا تبتل وَلَا سياحة فِي الْإِسْلَام حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك
قَوْله لَا زِمَام وَلَا خزام الزِّمَام فِي الْأنف وَلَا يكون فِي غَيره يُقَال زممت الْبَعِير أزمه زما والخزام والخزامة وَاحِد وَقد يكون الخزام جمعا لخزامة وَهِي حَلقَة من شعر تجْعَل فِي أحد جَانِبي المنخرين فَإِن كَانَت تِلْكَ الْحلقَة من صفر فَهِيَ برة والخشاش من خش يُقَال خششت الْبَعِير وخزمته وأبريته هَذِه وَحدهَا بِالْألف
وَأَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا كَانَ عباد بني إِسْرَائِيل يَفْعَلُونَهُ من حرق التراقي وزم الأنوف
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن بن الْحُسَيْن عَن مُحَمَّد بن يحيى
(1/444)

عَن الْمَنْصُور عَن الْحَارِث بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ دخل يحيى بن زَكَرِيَّا بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ ابْن ثَمَانِي حجج فَنظر إِلَى عباد بَيت الْمُقَدّس وَقد لبسوا مدارع الشّعْر وبرانس الصُّوف وَنظر إِلَى متهدديهم أَو قَالَ مجتهديهم قد خرقوا التراقي وسلكوا فِيهَا السلَاسِل وشدوها إِلَى حنايا بَيت الْمُقَدّس فهاله ذَلِك وَرجع إِلَى أَبَوَيْهِ فَمر بصبيان يَلْعَبُونَ فَقَالُوا يَا يحيى هَلُمَّ فلنلعب فَقَالَ إِنِّي لم أخلق للعب فَأتى أَبَوَيْهِ فَسَأَلَهُمَا أَن يدرعاه الشّعْر ففعلا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ يَخْدمه نَهَارا وَيُصْبِح فِيهِ لَيْلًا حَتَّى أَتَت عَلَيْهِ خمس عشرَة حجَّة فَأَتَاهُ الْخَوْف فساحا وَلزِمَ أَطْرَاف الأَرْض وغيران الشعاب فِي حَدِيث فِيهِ طول
قَوْله نظر إِلَى متهجديهم يَعْنِي الْمُصَلِّين بِاللَّيْلِ يُقَال تهجدت إِذا سهرت وهجدت إِذا نمت قَالَ الله جلّ وَعز {وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك}
وَقَوله يصبح فِيهِ لَيْلًا أَي يسرج والمصباح السراج
قَوْله وَلَا رَهْبَانِيَّة يُرِيد فعل الرهبان من مُوَاصلَة الصَّوْم وَلبس المسوح وَترك أكل اللَّحْم وَأَشْبَاه ذَلِك
وأصل الرهبانية من الرهبة ثمَّ صَارَت اسْما لما فضل عَن
(1/445)

الْمِقْدَار وأفرط فِيهِ (219) .
وَقَوله وَلَا تبتل يُرِيد ترك النِّكَاح وَاصل البتل الْقطع (220) .
يُقَال بتلت الشَّيْء وبلته وَمِنْه قيل صَدَقَة بتة بتلة كَأَنَّهُ قطعهَا من مَاله وَمِنْه قيل لِمَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام الْعَذْرَاء البتول يُرِيد المنقطعة عَن النِّكَاح
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان الغنوي حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الرُّومِي ثَنَا أَبُو صَالح الْعمي وَالْعَبَّاس بن الْفضل الْأنْصَارِيّ وَأَبُو فَاطِمَة مسكن الطَّاحِي عَن برد عَن مَكْحُول عَن عَطِيَّة بن بسر عَن عَكَّاف بن ودَاعَة الْهِلَالِي إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ يَا عَكَّاف أَلَك امْرَأَة قَالَ لَا قَالَ فَأَنت إِذن من إخْوَان الشَّيَاطِين إِن كنت من رُهْبَان النَّصَارَى فَالْحق بهم وَإِن كنت منا فَمن سنتنا النِّكَاح من حَدِيث فِيهِ طول [102 / أ] .
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ لَهُ أَو لرجل آخر أَلَك شاعة وَهِي الْمَرْأَة وَكَذَلِكَ الطلة والحنة والعرس والحليلة
وَقَوله وَلَا سياحة يُرِيد مُفَارقَة الْأَمْصَار والذهاب فِي
(1/446)

سالأرض كَفعل يحيى بن زَكَرِيَّا حِين صَاح وَلزِمَ أَطْرَاف الأَرْض وَفعل غَيره من عباد بني إِسْرَائِيل وَمن هَذَا قيل ماسح وسائح إِذا جرى فَذهب وَأَرَادَ أَن الله جلّ وَعز قد وضع هَذَا عَن الْمُسلمين وَبَعثه بالحنيفية السمحة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا يحل لأحد مِنْكُم من مَال أَخِيه شَيْء إِلَّا بِطيب نَفسه فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن يثربي يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن لقِيت غنم ابْن عمي أجتزز مِنْهَا شَاة فَقَالَ إِن لقيتها نعجة تحمل شفرة وزنادا بخبت الجميش فَلَا تهجها
يرويهِ عبد العزيز بن عمرَان عَن عبد الملك بن حسن الْحَارِثِيّ عَن عبد الرحمن بن سعد بن يثربي عَن عَمْرو بن يثربي قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد سَأَلت الْحِجَازِيِّينَ عَن خبت الجميش فَأَخْبرُونِي أَن بَين مَكَّة والحجاز صحراء تعرف بالخبت والخبت الأَرْض الواسعة المستوية وَإِنَّمَا خص الخبت
(1/447)

لسعته وَبعده وَقلة من يسكنهُ وحاجة الْإِنْسَان فِيهِ إِذا هُوَ سلكه فأقوى فِيهِ إِلَى مَال أَخِيه فقد وسع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غير هَذَا الحَدِيث لِابْنِ السَّبِيل فِي اللَّبن وَفِي التَّمْر عِنْد الضَّرُورَة فَأَما أصُول المَال فَلَا يعلم بِرُخْصَة أَتَت فِيهِ عَنهُ وَقَالَ تحمل شفرة أَي سكينا وزنادا أَي مقدحة يُرِيد إِن أَتَت النَّاقة فِي هَذَا الْموضع القواء بِمَا تحْتَاج إِلَيْهِ لذبحها واتخاذها فَلَا تعرضن لَهَا وَنَحْو هَذَا قَول الْعَرَب حتفها تحمله ضَأْن بأظلافها وَأَصله أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر عمد إِلَى كَبْش فَجعل فِي عُنُقه مدية وزندا ثمَّ خلاه وَقَالَ من ذبحه قتلته بِهِ فَمَكثَ بذلك زَمَانا يجول وَلَا يعرض لَهُ أحد ثمَّ أَنه مر على أَرقم ابْن علْبَاء الْيَشْكُرِي فَقَالَ كَبْش يحمل حتفه بأظلافه ثمَّ وثب عَلَيْهِ فذبحه واشتواه وَقَالَ شعرًا طَويلا فِيهِ [من الطَّوِيل] ... أخوف بالنعمان حَتَّى كأنني ... قتلت لَهُ خالا كَرِيمًا وَابْن عَم
أَمن أجل كَبْش لم أَجِدهُ بمنزل ... وَلَا بَين أذواد رتاع وَلَا غنم ...
وَإِنَّمَا جعلهَا تحمله بأظلافها وَهِي فِي عُنُقهَا لِأَن الأظلاف هِيَ الْحَوَامِل للجسم وَمَا عَلَيْهِ
(1/448)

وَقيل للخبت خبت الجميش لِأَنَّهُ لَا نَبَات بِهِ كَأَنَّهُ جمش نَبَاته أَي حلق يُقَال جمش الحالق رَأسه إِذا حلقه وَهَذِه نورة جموش وَركب جميش أَي حليق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن مَرْيَم بنت عمرَان سَأَلت رَبهَا أَن يطْعمهَا لَحْمًا لَا دم فِيهِ فأطعمها الْجَرَاد فَقَالَت اللَّهُمَّ أعشه بِغَيْر رضَاع وتابع بَينه بِغَيْر شياع
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة ابْن الْوَلِيد عَن نمير بن يزِيد قَالَ حَدثنِي أبي أَنه سمع أَبَا أُمَامَة يذكر ذَلِك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الشياع دُعَاء الرَّاعِي يَقُول شايعت بِالْإِبِلِ شياعا إِذا دَعَوْت بهَا لتجتمع وتنتسق وَأَنا مشايع قَالَ جرير لراعي الْإِبِل [من الطَّوِيل]
(1/449)

.. فألق استك الهلباء فَوق قعودها ... وشايع بهَا واضمم إِلَيْك التواليا ...
يُرِيد صَوت بهَا لتلحق أخراها بأولاها
وَقَوْلها تَابع بَينه تَعْنِي فِي الطيران لِأَنَّهُ يطير وَيتبع بعضه بَعْضًا ويأتلف من غير أَن يشايع بِهِ كَمَا يشايع بِالنعَم حَتَّى تَجْتَمِع وَلَا تتفرق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه قَالَ مَا أُبَالِي مَا أتيت إِن أَنا شربت ترياقا أَو تعلّقت تَمِيمَة أَو قلت الشّعْر من قبل نَفسِي
يرويهِ أَبُو عبد الرحمن الْمقري عَن سعيد بن أبي أَيُّوب عَن شُرَحْبِيل الْمعَافِرِي عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
التميمة خرزة كَانَت الْجَاهِلِيَّة تعلقهَا فِي الْعُنُق وَفِي الْعَضُد تتوقى بهَا وتظن أَنَّهَا تدفع عَن الْمَرْء العاهات وَكَانَ بَعضهم يظنّ أَنَّهَا تدفع الْمنية حينا ويدلك على ذَلِك قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... إِذا مَاتَ لم تفلح مزينة بعده ... فنوطي عَلَيْهِ يَا مزين التمائما ...
قَالَ أَبُو زيد التميمة خرزة رقطاء روى عقبَة بن عَامر أَن
(1/450)

رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من تعلق تَمِيمَة فقد أشرك
وَبَعض النَّاس يتَوَهَّم أَن المعاذات هِيَ التمائم وَيَقُول فِي قَول عبد الله إِن التمائم والرقى والتولة من الشّرك
والرقى الْمَكْرُوهَة مَا كَانَ بِغَيْر لِسَان الْعَرَبيَّة وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا التميمة الخرز وَلَا بَأْس بالمعاذات إِذا كتب فِيهَا الْقُرْآن وَأَسْمَاء الله عز وَجل
وَأما شرب الترياق فَلَا أَحْسبهُ كرهه إِلَّا لما يَجْعَل فِيهِ من لُحُوم الْحَيَّات فَإِذا لم يكن فِيهِ ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قد أَمر بالتداوي وَكَانَ ابْن سِيرِين يكره الترياق إِذا كَانَت فِيهِ الْحمة يُرِيد لحم الْحَيَّات إِلَّا أَن يكون للجاهلية فِي الترياق مَذْهَب كمذهبهم فِي التميمة فكرهه لذَلِك
وَأما قَول الشّعْر فَإِنَّهُ خَاص لَهُ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول {وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}
(1/451)

وَأما مَا رُوِيَ عَنهُ من قَوْله ... أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب ...
وَقَوله ... هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع دميت ... وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت ...
فَلَيْسَ هَذَا شعرًا وَإِن وَافق فِي الْوَزْن الشّعْر لِأَنَّهُ لم يُنَوّه وَلَا قارنه بأمثاله وَإِنَّمَا هُوَ وفَاق وَقع بَينه وَبَين الشّعْر
حَدثنِي أبي ثَنَا أَبُو عبد الرحمن صَاحب الْأَخْفَش وَأبي عُبَيْدَة أَن رجلا سَأَلَ أَبَا عُبَيْدَة عَن هَذَا من قَول النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ مالم يعن بِهِ الشّعْر فَلَيْسَ بِشعر
والقليل من الْكَلَام يتَغَيَّر عَن حَاله بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّة وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب تَبْيِين الْغَلَط وشرحته هُنَاكَ بِأَكْثَرَ من
(1/452)

هَذَا الشَّرْح
وَالشعر من غير كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَالْكَلَامِ حسنه حسن وقبيحه قَبِيح وَلَا بَأْس فِيهِ إِذا لم يكن فِيهِ رفث وَلَا كذب مؤثم وَإِنَّمَا أقحم الله جلّ وَعز عَنهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليخلص قلبه وَلسَانه لِلْقُرْآنِ ويصون الْوَحْي عَن صَنْعَة الشّعْر وَلِأَن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْقُرْآن أَنه شعر وهم يعلمُونَ أَنه لَيْسَ بِشعر وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يصنع الشّعْر فَلَو كَانَ يصنعه لوجدوا شَاهدا على مَا يدعونَ ولقالوا فِي الْقُرْآن أَنه ضرب من شعره الَّذِي يَقُوله
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أَكثر منافقي هَذِه الْأمة قراؤها
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو عَن عبد الله بن يزِيد عَن ابْن لَهِيعَة عَن مشرح بن هاعان عَن عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إِنَّمَا جعل النِّفَاق فِي أَكثر الْقُرَّاء لِأَن الرِّيَاء فيهم أَكثر مِنْهُ فِي غَيرهم والرياء نفاق أَلا أَن الْمُنَافِق يظْهر غير مَا يسر وَذُو الرِّيَاء يُبْدِي للنَّاس خلاف مَا يضمر
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك هم الزَّنَادِقَة والنفاق على عهد
(1/453)

رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الزندقة بعده وَأما قَوْله فِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ الْمُنَافِقين فَقَالَ مستكبرون لَا يألفون وَلَا يؤلفون خشب بِاللَّيْلِ صخب بِالنَّهَارِ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بقوله خشب بِاللَّيْلِ أَنهم نيام بِاللَّيْلِ صرعى كَأَن جثثهم مطرحة وَالْعرب تَقول للقتيل خر كَأَنَّهُ خَشَبَة وَكَأَنَّهُ جذع وَكَذَلِكَ النَّائِم وَقَالَ جميل بن معمر وَذكر [من الطَّوِيل] ... قعدت لَهُ وَالْقَوْم صرعى كَأَنَّهُمْ ... لَدَى العيس والأكوار خشب مطرح ...
يُرِيد أَنهم قد تمددوا كَأَنَّهُمْ الْخشب المطرحة وَقَالَ الآخر فِي قَتْلَى [من المتقارب] ... لَدَى معرك لعوافي السبَاع تخالهم خشبا بائدا ...
يُرِيد أَن الْمُنَافِقين فِي ليلهم نيام لَا يصلونَ وَلَا يذكرُونَ الله فِي نهارهم تاركون لذَلِك مقبلون على الْخُصُومَات
وَأما قَول الله جلّ وَعز {كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة} لم يرد فِي هَذَا الْموضع فِيمَا يرى وَالله أعلم أَنهم نيام وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن أَجْسَادهم عطاف تعجبك إِذا رَأَيْتهمْ كَأَنَّهُمْ خشب
(1/454)

مُسندَة وهم مَعَ ذَلِك جبناء يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم من جبنهم
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يستظل بِظِل جَفْنَة عِنْد عبد الله بن جدعَان فِي الْإِسْلَام فِي صَكَّة عمي
بَلغنِي عَن الْعمريّ حَفْص بن عمر عَن ابي سُفْيَان مولى أبي جَعْفَر عَن هِشَام بن عُرْوَة
هَذِه جَفْنَة كَانَت لعبد الله بن جدعَان فِي الْجَاهِلِيَّة يطعم فِيهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ يَأْكُل مِنْهَا الْقَائِم والراكب لعظمها وَذكر بعض الروَاة أَنه وَقع فِيهَا صبي فغرق وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة رُبمَا حضر طَعَام عبد الله بن جدعَان وَكَانَ لَهُ مُنَاد يُنَادي هَلُمَّ إِلَى الفالوذ
وَقَوله صَكَّة عمي يُرِيد الهاجرة يُقَال لقِيت فلَانا صَكَّة عمي إِذا لَقيته نصف النَّهَار عِنْد احتدام الْحر
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم أَن عميا فِي هَذَا الْموضع مصغر مرخم كَأَنَّهُ تَصْغِير أعمى كَمَا قَالُوا سُوَيْد وَإِنَّمَا هُوَ أسود مصغر مرخم وكما قَالُوا يجْرِي بليق ويذم وَإِنَّمَا هُوَ تَصْغِير
(1/455)

أبلق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لجَابِر فِي الْجمل الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَتَرَى إِنَّمَا كستك لآخذ جملك جد جملك وَمَالك فهما لَك يرويهِ ابْن أبي زَائِدَة عَن زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيّ
قَوْله كستك هُوَ من الْكيس يُقَال كايسني الرجل فكسته أَي كنت أَكيس مِنْهُ وبايضني فبضته أَي كنت أَشد بَيَاضًا مِنْهُ وطاولني فطلته من الطول والطول جَمِيعًا أَي كنت أطول مِنْهُ وتضمه لِأَنَّهُ من الْوَاو وَالْأول من الْيَاء وَكَذَلِكَ ساودني فسدته من سَواد اللَّوْن والسؤدد جَمِيعًا وَبَعْضهمْ يرويهِ ماكستك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه بلغه أَن سعد بن عبَادَة يَقُول لَو وجدت مَعهَا رجلا لضربته بِالسَّيْفِ غير مصفح
يرويهِ حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن عبد الملك بن عُمَيْر عَن وراد عَن الْمُغيرَة
قَوْله غير مصفح هُوَ من صفحة السَّيْف وَهِي عرضه يُقَال أصفحت بِالسَّيْفِ فَأَنا مصفح وَالسيف مصفح بِهِ إِذا أَنْت ضربت بعرضه وَأَرَادَ سعد أَنه لَو وجد رجلا
(1/456)

مَعَ امْرَأَته لضربه بِحَدّ سَيْفه لَا بعرضه وَلم يصبر إِلَى أَن يَأْتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَبَا أَيُّوب قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة فَقَالَ لَهُ أرب مَاله تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتصل الرَّحِم
يرويهِ أَبُو الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن أبي أَيُّوب
قَوْله أرب مَاله هُوَ من الْآرَاب مَأْخُوذ والآراب الْأَعْضَاء وَاحِدهَا إرب وَمِنْه قيل قطعته إربا إربا أَي عضوا عضوا وَالْمعْنَى فِي قَوْله أرب أَي سَقَطت أعضاؤه وَأُصِيبَتْ وَهِي كلمة مقولة لَا يُرَاد بهَا إِذا قيلت وُقُوع الْأَمر كَمَا يُقَال عقرى حلقى أَي عقرهَا الله وأصابها فِي حلقها بوجع وكقولهم قَاتله الله وكقولهم تربت يداك أَي افْتَقَرت وَأَشْبَاه هَذَا كثير وَمِنْه حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لليحارث بن أَوْس أربت عَن ذِي يَديك يُرِيد سَقَطت آرابك من الْيَدَيْنِ خَاصَّة وَقد ذكر هَذَا أَبُو عبيد فِي حَدِيث عمر وَقد بَلغنِي أَنه يرْوى أرب مَاله
(1/457)

بِالرَّفْع فَإِن كَانَ الْمَحْفُوظ هَذَا فَإِن الأرب من الرِّجَال ذُو الْعلم والخبرة وَقَالَ أَبُو الْعِيَال الْهُذلِيّ يصف رجلا يرثي ابْن عَم لَهُ من مجزوء الوافر ... يلف طوائف الفرسان وَهُوَ يلفهم أرب ...
أَي ذُو علم بذلك وخبرة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عمر بن الْخطاب قَالَ دخلت عَلَيْهِ وَعِنْده غليم أسود يغمز ظَهره فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذَا الغليم فَقَالَ إِنَّه تقحمت بِي النَّاقة اللَّيْلَة
يرويهِ هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب
قَوْله تقحمت يُرِيد أَنَّهَا ندت فَلم تضبط وَهُوَ عَلَيْهَا وَمِنْه يُقَال فلَان يتقحم فِي الْأُمُور إِذا كَانَ يدْخل فِيهَا بِغَيْر تثبت وَلَا روية وَمِنْه قحمة الْأَعْرَاب وَهُوَ أَن يجدبوا فِي البدو فيدخلوا الرِّيف وأنشدني ابْن الْأَعرَابِي [من الرجز] ... أَقُول والناقة بِي تقحم ... وَأَنا مِنْهَا مكلئز معصم
وَيحك مَا اسْم أمهَا يَا علكم ...
(1/458)

قَوْله مكلئز أَي منقبض يُقَال اكلأز الرجل إِذا انقبض والمعصم المستمسك قَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانُوا يَقُولُونَ أَن النَّاقة إِذا ندت فَلم تضبط فسميت أمهَا وقفت وَإِن الْبَعِير إِذا ند فَسُمي أَب من آبَائِهِ وقف
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أُتِي بكبش أقرن يطَأ فِي سَواد وَينظر فِي سَواد ويبرك فِي سَواد ليضحى بِهِ
يرويهِ عبد الله بن وهب عَن حَيَاة عَن أبي صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة
قَوْله ينظر فِي سَواد يُرِيد أَن حدقته سودءا لِأَن إِنْسَان الْعين فِيهَا وَبِه ينظر فَإِذا هِيَ اسودت نظر فِي سَواد قَالَ كثير وَذكر الْمَرْأَة [من الوافر] ... وَعَن نجلاء تَدْمَع فِي بَيَاض ... إِذا دَمَعَتْ وَتنظر فِي سَواد ...
قَوْله تَدْمَع فِي بَيَاض يُرِيد أَن دموعها تسيل على خد أَبيض وَأَن نظرها من حدقة سَوْدَاء وَأَنا أَحْسبهُ لم يرد فِي الْكَبْش الحدقة وَحدهَا وَلكنه أَرَادَ الْعين وَالْوَجْه يَقُول نظره من وَجه أسود وَقَوله يطَأ فِي سَواد يُرِيد أَنه أسود القوائم وَقَوله ويبرك فِي سَواد يُرِيد أَن مَا يَلِي الأَرْض مِنْهُ إِذا برك أسود
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ
(1/459)

مَا ذئبان عاديان أصابا فريقة غنم أضاعها رَبهَا بأفسد فِيهَا من حب الْمَرْء المَال والشرف لدينِهِ
يرويهِ عِيسَى بن يُونُس عَن سعيد بن عُثْمَان البلوي عَن عَاصِم عَن أَبِيه عَن جده عَاصِم بن عدي
الفريقة الْقطعَة من الْغنم وَيُقَال هِيَ الْغنم الضَّالة يُقَال أفرق فلَان غنمه إِذا أضلها وَقَالَ كثير يذكر نَاقَة [من المتقارب] ... وذفرى ككاهل ذيخ الخليف أصَاب فريقة ليل فعاثا ...
والخليف مَا بَين الجبلين يَعْنِي غنما ضلت فِي اللَّيْل والذيخ ذكر الضباع وَالْفرق من الْغنم بِكَسْر الْفَاء القطيع وَمِنْه حَدِيث أبي ذَر أَنه قيل لَهُ مَا المَال فَقَالَ فرق لنا وذود وَتَفْسِيره فِي الحَدِيث إِنَّه الْغنم الْيَسِيرَة وَقَالَ يَعْقُوب هُوَ القطيع الْعَظِيم وَلَا أرى الصَّحِيح إِلَّا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث لِأَن الْمَشْهُور عَن أبي ذَر أَنه كَانَ خَفِيف المَال والذود أَيْضا يشْهد على ك لِأَنَّهُ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة
قَالَ أَبُو زيد الفزر من الضَّأْن مَا بَين الْعشْر إِلَى الْأَرْبَعين والصبة من الْمعز مثل ذَلِك وَمِنْه قَول عمر رَضِي الله عَنهُ لرجل
(1/460)

بَعثه على الْحمى ادخل صَاحب الصبة والصرمة وإياي وَنعم ابْن عَوْف وَنعم ابْن عَفَّان
والقوط الْمِائَة فَمَا زَادَت والقطيع عِنْدهم نَحْو الفزر والصبة وَقَالَ غَيره والرف من الضَّأْن الْجَمَاعَة وَيُقَال للضأن الْكثير ثلة وَلَا يُقَال للمعزى ثلة وَلَكِن حِيلَة فَإِذا اجْتمعت الضَّأْن والمعزى قيل لَهَا ثلة والثلة الصُّوف يُقَال كسَاء جيد الثلَّة وَلَا يُقَال للشعر وَلَا للوبر ثلة فَإِذا اجْتمع الصُّوف والوبر وَالشعر قلت عِنْد فلَان ثلة كثير
(1/461)

تَفْسِير أَحَادِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطوَال والوفادات
حَدِيث أم معبد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه حِين خرج من مَكَّة خرج مِنْهَا مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة وَأَبُو بكر وَمولى أبي بكر عَامر بن فهَيْرَة وَدَلِيلهمَا اللَّيْثِيّ عبد الله بن أريقط فَمروا على خَيْمَتي أم معبد وَكَانَت بَرزَة جلدَة تختبئ بِفنَاء الْخَيْمَة ثمَّ تَسْقِي وَتطعم فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا يشترونه مِنْهَا فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مشتين فَنظر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة فَقَالَ مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد قَالَت شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم فَقَالَ هَل بهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك قَالَ أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا قَالَت بِأبي أَنْت وَأمي إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها فَدَعَا بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا وسمى الله جلّ وَعز ودعا لَهَا فِي شَأْنهَا فتفاجت عَلَيْهِ وَدرت واجترت ودعا بِإِنَاء
(1/462)

يربض الرَّهْط فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى علاهُ الْبَهَاء ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت وَسَقَى أَصْحَابه حَتَّى رووا فَشرب آخِرهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أراضوا ثمَّ حلب فِيهِ ثَانِيًا بعد بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا ثمَّ بَايَعَهَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا فَقيل مَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا تشاركن هزلا ضَبْحًا مُخّهنَّ قَلِيل فَلَمَّا رأى أَبُو معبد اللَّبن عجب وَقَالَ من أَيْن لَك هَذَا يَا أم معبد وَالشَّاء عَازِب حِيَال وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت قَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك من حَاله كَذَا وَكَذَا قَالَ صَفيه يَا أم معبد قَالَت رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة أَبْلَج الْوَجْه حسن الْخلق لم تَعبه ثجلة وَلم تزر بِهِ صقلة وسيما قسيما فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ وَفِي أَشْفَاره عطف أَو غطف الشَّك مني وَفِي صَوته صَحِلَ وَفِي عُنُقه سَطَعَ وَفِي لحيته كَثَافَة أَزجّ أقرن إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سما أَو سَمَّاهُ وعلاه الْبَهَاء أجمل النَّاس وَأَبْهَاهُ من بعيد وَأحسنه وأجمله من قريب حُلْو الْمنطق فصل لَا نزر وَلَا هذر كَأَنَّمَا مَنْطِقه خَرَزَات نظم يتحدرن ربعَة لَا يائس من طول وَلَا تَقْتَحِمُهُ عين من قصر غُصْن بَين غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَة منْظرًا وَأَحْسَنهمْ قدرا لَهُ رُفَقَاء يحفونَ بِهِ إِن قَالَ أَنْصتُوا لقَوْله أَو أَمر تبَادرُوا إِلَى أمره مَحْفُودٌ محشود لَا عَابس وَلَا مُعْتَد
قَالَ أَبُو معبد هُوَ وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره
(1/463)

مَا ذكر بِمَكَّة لقد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا فَأصْبح صَوت بِمَكَّة عَالِيا يسمعُونَ الصَّوْت وَلَا يَدْرُونَ من صَاحبه [من الطَّوِيل] 1 - ... جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حلا خَيْمَتي أم معبد ... 2 - ... هما نَزَّلَاهَا بِالْهدى واهتدت بِهِ ... فقد فَازَ من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد ... 3 - ... فيا لقصي مَا زوى الله عَنْكُم ... بِهِ من فعال لَا يجارى وسؤدد ... 4 - ... لِيهن بني كَعْب مقَام فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد ... 5 - ... دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبت ... لَهُ بِصَرِيح ضرَّة الشَّاة مُزْبِد ... 6 - ... فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب ... يُرَدِّدهَا فِي مصدر ثمَّ مورد ...
(1/464)

حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ سُلَيْمَان بن الحكم بِقديد حَدثنِي أخي أَيُّوب بن الحكم عَن حزَام بن هِشَام عَن ابيه هِشَام بن حُبَيْش عَن أَبِيه حُبَيْش بن خَالِد صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله كَانَت بَرزَة يُرِيد أَنه خلا لَهَا سنّ فَهِيَ تبرز لَيست بِمَنْزِلَة الصَّغِيرَة المحجوبة
وَقَوله مُرْمِلِينَ يُرِيد أَنه قد نفد زادهم قَالَ أَبُو زيد يُقَال أرمل الرجل وَأنْفق وَأقوى إِذا ذهب طَعَامه فِي سفر أَو حضر
وَقَوله مشتين يُرِيد داخلين فِي الشتَاء يُقَال شتا الْقَوْم بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامُوا بِهِ وصافوا كَذَلِك
وَيُقَال أشتوا وأصافوا إِذا دخلُوا فِي الشتَاء والصيف وَيُقَال أشمل الْقَوْم وأجنبوا إِذا دخلُوا فِي ريح الشمَال والجنوب فَإِن أردْت أَنَّهَا أَصَابَتْهُم قلت شملوا وَمن النَّاس من يرويهِ
(1/465)

مُسنَّتَيْنِ أَي داخلين فِي السّنة وَهِي الجدب والمجاعة
يُقَال أَسِنَت الْقَوْم فهم مسنتون وَلَيْسَت الرِّوَايَة إِلَّا مشتين والشتاء هُوَ وَقت ألصق عِنْدهم قَالَ الحطيئة [من الوافر] ... إِذا نزل الشتَاء بجار قوم ... تجنب جَار بَيتهمْ الشتَاء ...
يُرِيد أَنه لَا يبين على جارهم أثر ضيق الشتَاء لتوسعهم عَلَيْهِ وَكسر الْخَيْمَة جَانب مِنْهَا وَالْأَصْل فِي الْكسر أَنه أَسْفَل الشقة الَّذِي يَلِي الأَرْض وَفِيه لُغَتَانِ كسر وَكسر مثل بزر وبزر ونفط ونفط وجسر وجسر
وَقَوله فتفاجت يُرِيد فتحت مَا بَين رِجْلَيْهَا للحلب يُقَال تفاج الرجل إِذا فتح مَا بَين رجلَيْهِ للبول وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن ابْنة الخس أَنَّهَا قَالَت فِي وصف نَاقَة بِشدَّة الضبعة عينهَا هاج وصلاها راج وتمشي وتفاج وَكَأن لَهَا بِكُل طَرِيق هوى
قَوْلهَا عينهَا هاج أَي غائرة يُقَال هججت عينه إِذا
(1/466)

غارت وهجمت فَهِيَ مهجمة وهاجمة وَكَأن هاج من هجت عينه وَذكرت الْعين وَهِي مُؤَنّثَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا علم من أَعْلَام التَّأْنِيث وكل اسْم مؤنث لَا علم فِيهِ للتأنيث فقد يجوز لَك أَن تذكره مثل السَّمَاء وَالْأَرْض والقوس وَالْحَرب وَالْقدر وَالنَّار وَالشَّمْس وَأَشْبَاه ذَلِك
فَأَما الموسى فَإِن الْكسَائي قَالَ هِيَ فعلى مُؤَنّثَة وَقَالَ الْأمَوِي هُوَ مفعل مُذَكّر من أوسيت رَأسه أَي حلقته
وَقَوله وصلاها راج والصلوان مَا عَن يَمِين الذَّنب وشماله يرتجان أَي يتحركان ويضطربان من شدَّة الضبعة
وَقَوله دَعَا بِإِنَاء يُرِيد الرَّهْط أَي يرويهم حَتَّى يثقلوا فيريضوا قَالَ لنا الرياشي يُقَال أريضت الشَّمْس إِذا اشْتَدَّ حرهَا حَتَّى تريض الشَّاة والظبي
والرهط مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَكَذَلِكَ النَّفر والعصبة مَا فَوق ذَلِك إِلَى أَرْبَعِينَ
وَفِي حَدِيث رَوَاهُ عبد الرحمن بن عقبَة عَن أَبِيه عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ أم معبد يَا غُلَام هَات قروا فَأَتَاهُ بِهِ فَضرب ظهر الشَّاة فاجترت وَدرت
(1/467)

وحَدثني أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد أَنه قَالَ القرو إِنَاء صَغِير وَجمعه أقرّ وَمِنْه قَول الْأَعْشَى من السَّرِيع ... وَأَنت بَين القرو والعاصر ...
قَالَ وَقد يكون أصل النَّخْلَة ينقر ثمَّ يَجْعَل فِيهِ الشَّرَاب وَأَحْسبهُ أَرَادَ بِهِ النقير الَّذِي نهي عَن الإنتباذ فِيهِ قَالَ الْكسَائي التِّبْن أعظم الأقداح يكَاد يروي الْعشْرين ثمَّ الصحن مقارب لَهُ ثمَّ الْعس يروي الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة ثمَّ الْقدح يروي الرجلَيْن وَلَيْسَ لذَلِك وَقت ثمَّ الْقَعْب يروي الرجل
وَقَوله حلب مِنْهَا ثَجًّا والثج السيلان قَالَ الله جلّ وَعز {وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا} أَي سيالا وَقَوله حَتَّى علاهُ الْبَهَاء يُرِيد علا الْإِنَاء بهاء اللَّبن وَهُوَ وميض رغوته يُرِيد أَنه ملأَهُ والبهاء فِي غير هَذَا النَّاقة الَّتِي تستأنس إِلَى الحالب يُقَال نَاقَة بهاء مَمْدُود وَرُوِيَ من وَجه آخر حَتَّى علاهُ الثمال وَهُوَ جمع ثمالة وَهِي الرغوة
(1/468)

وَالْعرب تَقول قَالَت الينمة أَنا الينمة أكب الثمال فَوق الأكمة وأغبق الصَّبِي بعد الْعَتَمَة
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الْإِبِل تسمن على الينمة وَلَا تغزر فَأَرَادَ أَن لَبنهَا تكْثر رغوته وَإِذا كثرت رغوته فَلَا خير فِيهِ فتهراق الرغوة وَإِذا لم يرغ أَيْضا فَلَا خير فِيهِ والجيد مَا قلت رغوته
وَقَوْلهمْ أغبق الصَّبِي بعد الْعَتَمَة يُرَاد أَن لَبنهَا مِقْدَار غبوق صبي وَقَوله ثمَّ أراضوا وَرُوِيَ من وَجه آخر فَسَقَاهَا فَشَرِبت حَتَّى رويت ثمَّ سقى أَصْحَابه فَشَرِبُوا حَتَّى أراضوا عللا بعد نهل وَشرب آخِرهم يُرِيد شربوا حَتَّى رووا فنقعوا بِالريِّ وَيُقَال أراض الْوَادي واستراض إِذا استنقع فِيهِ المَاء وَكَذَلِكَ أَرض الْحَوْض وَيُقَال لذَلِك المَاء رَوْضَة قَالَ الراجز [من الرجز] ... وروضة سقيت مِنْهَا نضوتي ...
وَقَوله تشاركن هزلا أَي عمهن الهزال فَلَيْسَ فِيهِنَّ مثغية وَلَا ذَات طرق وَهُوَ من الِاشْتِرَاك فكأنهن اشتركن فِيهِ فَصَارَ لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ حَظّ
(1/469)

وَرُوِيَ من الْوَجْه الآخر مَا تساوق هزلى لَا نقي بِهن أَي لَا تنساق من الضعْف والهزال
والنقي المخ وَمن وَجه آخر يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا تساوك هزلى أَي تتمايل من الضعْف قَالَ كَعْب من الْكَامِل ... حرف توارثها السفار فجسمها ... عَار تساوك والفؤاد خطيف ...
فَقَوله وَالشَّاء عَازِب أَي بعيد فِي المرعى يُقَال عزب فلَان إِذا بعد
وَقَوْلها أَبْلَج الْوَجْه تُرِيدُ مشرق الْوَجْه مضيئه وَمِنْه يُقَال تبلج الصُّبْح إِذا أَسْفر وانبلج الْفجْر وَلم ترد بلج الْحَاجِب أَلا ترى أَنَّهَا تصفه بالقرن والحيال الَّتِي لم تحمل يُقَال حَالَتْ الشَّاة حيالا وحالت الْقوس تحول حولا وَكَذَلِكَ حَال الرجل عَن الْعَهْد
وَقَوْلها لم يعبه نحلة والنحل الرقة والضمر يُقَال نحل جِسْمه بِفَتْح الْحَاء نحولا والنحل اسْم مَأْخُوذ من ذَلِك وَلم أسمع بالنحل فِي غير هَذَا الْموضع إِلَّا فِي الْعَطِيَّة يُقَال نحلته نحلا ونحلة ونحلته القَوْل نحلا وَلم يزر بِهِ
(1/470)

صقلة والصقل مُنْقَطع الأضلاع تُرِيدُ أَنه ضرب لَيْسَ بمنتفخ وَلَا ناحل والصقلة الخاصرة يُقَال فرس صقل إِذا كَانَ طويلها وَذَلِكَ عيب يُقَال مَا طَالَتْ صقلة فرس قطّ إِلَّا قصر جنباه
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لم تَعبه ثجلة وَلم تزر بِهِ صعلة أَو صقلة والثجلة عظم الْبَطن واسترخاء أَسْفَله يُقَال رجل أثجل إِذا كَانَ عَظِيم الْبَطن وَكَذَلِكَ العثجل
والصعلة صغر الرَّأْس يُقَال رجل صعل إِذا كَانَ صَغِير وَذَلِكَ قيل للظليم صعل لِأَنَّهُ صَغِير الرَّأْس والصقلة هُوَ من الصقل إِن كَانَ الْمَحْفُوظ
والوسيم الْحسن الوضيء يُقَال وسيم من الوسامة وَعَلِيهِ ميسم الْحسن والقسيم أَيْضا الْحسن والقسام الْحسن والقسيمة الْوَجْه
والدعج السوَاد فِي الْعين وَفِي غَيرهَا
وَقَوْلها وَفِي أشفاه عطف أَو غطف
سَأَلت الرياشي عَنْهُمَا فَقَالَ لَا أعرف الْعَطف وَأَحْسبهُ غطفا بالغين مُعْجمَة وَمِنْه سمي الرجل غطيفا وغَطَفَان وَهُوَ
(1/471)

أَن تطول الأشفار ثمَّ تنعطف
والغضف فِي الآذان نَحوه وَهُوَ أَن تدبر إِلَى الرَّأْس وينكسر طرفها وَلذَلِك قيل لكلاب الصَّيْد غضف لانكسار آذانها والعطف أَيْضا إِن كَانَ هُوَ الْمَحْفُوظ شَبيه بذلك وَكَأَنَّهُ اسْم مَبْنِيّ من عطفت مثل الغضف من غضفت فالغضف انكسار الْأذن والغضف مصدر غضفت أُذُنه وَكَذَلِكَ الْعَطف انعطاف الأشفار والعطف مصدر عطفت
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَفِي أَشْفَاره وَطف وَهُوَ الطول يُقَال رجل أَوْطَفُ وَامْرَأَة وطفاء
وَفِي وصف عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام لَهُ أَنه أهدب الأشفار أَي طويلها
وَقَوْلها وَفِي صَوته صَحِلَ تُرِيدُ فِيهِ كالبحة وَهُوَ أَن لَا يكون حادا والصحل البحة وَفِي الحَدِيث إِن ابْن عمر كَانَ يرفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يصحل صَوته وَقَالَ الشَّاعِر [من الوافر]
(1/472)

.. فقد صحلت من النوح الحلوق ...
وَقَوْلها وَفِي عُنُقه سَطَعَ أَي طول يُقَال عنق سطعاء وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة فِي وصف خلق الْفرس أَنه قَالَ الْعُنُق السطعاء الَّتِي طَالب وانتصبت علابيها وَقَوْلها إِن تكلم سما تُرِيدُ علا بِرَأْسِهِ أَو بِيَدِهِ وَهُوَ مثل قَول ابْن زمل فِي صفة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذا هُوَ تكلم يسمو
وَقَوْلها فِي وصف مَنْطِقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فصل لَا نزر وَلَا هذر تُرِيدُ أَنه وسط لَيْسَ بِقَلِيل وَلَا كثير قَالَ ذُو الرمة من الطَّوِيل ... لَهَا بشر مثل الْحَرِير ومنطق ... رَقِيق الْحَوَاشِي لَا هراء وَلَا نزر ...
والهراء الْكثير
وَقَوْلها لَا يائس من طول هَكَذَا رَوَاهُ وَأَحْسبهُ لَا بَائِن من طول وَبِذَلِك وَصفه أنس فَقَالَ لَيْسَ بالقصير وَلَا بالطويل الْبَائِن على أَنِّي قد اعْتبرت قَوْلهَا لَا يائس من طول بَيْتا
(1/473)

لأبي وجزة وَهُوَ قَوْله [من الْكَامِل] ... يئس الْقصار فلسن من نسوانها ... وحماشهن لَهَا من الحساد ...
يَقُول يئس الْقصار من مباراتها فِي القوام فَكَأَنَّهُ يجوز على هَذَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ بالطويل الَّذِي يؤيس مباريه من مطاولته
وَقَوْلها وَلَا تَقْتَحِمُهُ عين من قصر أَي لَا تحتقره وَلَا تزدريه يُقَال اقتحمت فلَانا عَيْني إِذا عَيْني إِذا احتقرته واستصغرته وَقَوْلها مَحْفُودٌ أَي مخدوم والحفدة الخدم قَالَ الله جلّ وَعز {وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة} يَقُول هم بنُون وهم خدم
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ الحفدة هم الأعوان وَمَا أقرب هَذَا من ذَلِك وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الحفد أَصله من مداركة الخطوة وَأنْشد لحميد بن ثَوْر فِي وصف بعير [من الطَّوِيل]
(1/474)

.. فدته المطايا الحافدات وَقطعت ... نعالا لَهُ دون الإكام جلودها ...
يَدْعُو لجمله بِأَن يَجْعَل جُلُود المطايا نعالا لَهُ قَالَ وَمِنْه يُقَال فِي دُعَاء الْوتر وَإِلَيْك نسعى ونحفد يُرِيد بنحفد نبادر وَقَالَ الرَّاعِي وَذكر فلاة [من الْبَسِيط] ... تغتال مجهولها نُوق يَمَانِية ... إِذا الحداة على أكسائها حفدوا ...
وأكساؤها أعجازها حفدوا عدوا
وَقَوْلها محشود هُوَ من قَوْلك أحشدت لفُلَان فِي كَذَا إِذا أردْت أَنَّك أَعدَدْت لَهُ وجمعت لَهُ وَيُقَال عِنْد فلَان حشد من النَّاس أَي جمَاعَة كَأَنَّهُمْ احتشدوا فِي اجْتِمَاعهم وَقَوْلها لَا عَابس تُرِيدُ لَا عَابس الْوَجْه وَلَا مُعْتَد من العداء وَهُوَ الظُّلم
وَقَوله فَأصْبح صَوت ببكة عَالِيا خبرني أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ بكة اسْم لبطن مَكَّة وَذَلِكَ أَنهم يتباكون فِيهِ ويزدحمون وَكَانَ بَعضهم يزْعم أَن بكة هُوَ مَوضِع الْمَسْجِد
(1/475)

وَمَا حوله مَكَّة كَمَا قرق بَين الأيكة وليكة فَقيل الأيكة الغيضة وليكة الْبَلَد حولهَا
وَكَانَ بَعضهم يَجْعَل مَكَّة وبكة شَيْئا وَاحِدًا يُقيم الْبَاء مقَام الْمِيم كَمَا يُقَال سمد رَأسه وسبده إِذا استأصله وكما يُقَال لَازم ولازب
وخبرني السجسْتانِي وَغَيره باشتقاق أَسمَاء من أَسمَاء الْبِلَاد ذكرت مِنْهَا بَعْضًا فِي هَذَا الْموضع
قَالُوا الرقة الْموضع الَّذِي نضب عَنهُ المَاء وَالْبَصْرَة الْحِجَارَة الرخوة تضرب إِلَى الْبيَاض وَقَالَ ذُو الرمة وَذكر حوضا [من الطَّوِيل] ... جوانبه من بصرة وَسَلام ...
فَإِذا حذفوا الْهَاء قَالُوا بصر فكسروا الْبَاء وَلذَلِك يُقَال فِي النّسَب إِلَى الْبَصْرَة بَصرِي وبصري والكوفة رَملَة مستديرة وَمِنْه يُقَال كَأَنَّهُمْ يدورون فِي كوفان أَي فِي شَيْء مستدير بِنصب الْكَاف وَضمّهَا والأبلة الفدرة من التَّمْر
(1/476)

والأردن النعاس وَهَذَانِ الحرفان عَن يَعْقُوب ابْن السّكيت وَأنْشد [من الرجز] ... وَقد علتني نعسة أردن ...
ومصر الْحَد وَأهل هجر يَكْتُبُونَ فِي شروطهم اشْترى فلَان الدَّار بمصورها كلهَا أَي بحدودها وَقَالَ عدي بن زيد [من الْبَسِيط] ... وَاجعَل الشَّمْس مصرا لَا خَفَاء بِهِ ... بَين النَّهَار وَبَين اللَّيْل قد فصلا ...
أَي حدا
والربذة صوفة من العهن تعلق على الْإِبِل وهيت هوة من الأَرْض وَسميت هيت لِأَنَّهَا فِي هوة قَالُوا أَو من قَالَ مِنْهُم ونرى هَذِه أصُول أَسمَاء هَذِه الْأَمْصَار
وَقَول الْهَاتِف فتحلبت لَهُ بِصَرِيح والصريح الْخَالِص وَمِنْه قيل عَرَبِيّ صَرِيح وَمِنْه قيل صرح بِالْأَمر إِذا جَاءَ بِهِ
(1/477)

خَالِصا لم يكن عَنهُ
والضرة لحم الضَّرع وَقَوله فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب يُرِيد أَنه خلف الشَّاة عِنْدهَا مرتهنة بِأَن تدر
(1/478)

حَدِيث ابْن زمل الْجُهَنِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث ابْن زمل الْجُهَنِيّ أَنه قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى الصُّبْح قَالَ وَهُوَ ثَان رجله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ أسْتَغْفر الله إِن الله كَانَ تَوَّابًا سبعين مرّة ثمَّ يَقُول سبعين بِسبع مائَة لَا خير وَلَا طعم لمن كَانَت ذنُوبه فِي يَوْم وَاحِد أَكثر من سبع مائَة ثمَّ يسْتَقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ فَيَقُول هَل رأى أحد مِنْكُم شَيْئا قَالَ ابْن زمل أَنا يَا رَسُول الله قَالَ خير تَلقاهُ وَشر توقاه وَخير لنا وَشر على أَعْدَائِنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين اقصص قلت رَأَيْت جَمِيع النَّاس على طَرِيق رحب لاحب سهل فَالنَّاس على الجادة منطلقون فَبينا هم كَذَلِك أشفا ذَلِك الطَّرِيق بهم على مرج لم تَرَ عَيْني مثله قطّ يرف رَفِيقًا يقطر نداه فِيهِ من أَنْوَاع الْكلأ فَكَأَنِّي بالرعلة الأولى وَحين أشفوا على المرج كبروا ثمَّ أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق فَلم يظلموه يَمِينا وَلَا شمالا ثمَّ جَاءَت الرَّعْلَة الثَّانِيَة من بعدهمْ وهم أَكثر مِنْهُم أضعافا فَلَمَّا أشفوا على المرج كبروا ثمَّ
(1/479)

أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق فَمنهمْ المرتع وَمِنْهُم الْآخِذ الضغث ومضوا على ذَلِك ثمَّ جَاءَت الرَّعْلَة الثَّالِثَة من بعدهمْ وهم أَكثر مِنْهُم أضعافا فَلَمَّا أشفوا على المرج كبروا ثمَّ أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق وَقَالُوا هَذَا خير الْمنزل فمالوا فِي المرج يَمِينا وَشمَالًا فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك لَزِمت الطَّرِيق حَتَّى أتيت أقْصَى المرج فاذا أَنا بك يَا رَسُول الله على مِنْبَر فِيهِ سبع دَرَجَات وَأَنت فِي أَعْلَاهَا دَرَجَة واذا عَن يَمِينك رجل طوال آدم أقنى اذا هُوَ تكلم يسمو يكَاد يفرع الرِّجَال طولا واذا عَن يسارك رجل ربعَة تار أَحْمَر كثير خيلان الْوَجْه اذا هُوَ تكلم أصغيتم اليه اكرما لَهُ واذ أَمَام ذَلِك شيخ كأنكم تقتدون بِهِ واذا أَمَام ذَلِك نَاقَة عجفاء شَارف واذا أَنْت كَأَنَّك تبعثها يَا رَسُول الله قَالَ فانتقع لون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ سري عَنهُ فَقَالَ أما مَا رَأَيْت من الطَّرِيق الرحب اللاحب السهل فَذَلِك مَا حملتكم عَلَيْهِ من الْهدى فَأنْتم عَلَيْهِ وَأما المرج الَّذِي رَأَيْت فالدنيا وغضارة عيشها لم نتعلق بهَا وَلم نردها.
وَأما الرَّعْلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقص كَلَامه فانا لله وانا اليه رَاجِعُون وَأما أَنْت فعلى طَريقَة صَالِحَة فَلَنْ تزَال عَلَيْهَا حَتَّى تَلقانِي وَأما الْمِنْبَر فالدنيا سَبْعَة آلَاف سنة أَنا فِي آخرهَا ألفا وَأما الرجل الطوَال الآدم فَذَلِك مُوسَى نكرمه بِفضل كَلَام الله اياه وَأما الرجل الربعة التار الْأَحْمَر فَذَلِك عِيسَى نكرمه بِفضل مَنْزِلَته من الله جلّ وَعز وَأما الشَّيْخ الَّذِي رَأَيْت كأننا نقتدي
(1/480)

بِهِ فَذَلِك ابراهيم عَلَيْهِ السَّلَام وَأما النَّاقة الْعَجْفَاء الشارف الَّتِي رَأَيْتنِي أبعثها فَهِيَ السَّاعَة علينا تقوم نَبِي بعدِي وَلَا أمة بعد أمتِي قَالَ فَمَا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد هَذَا أحدا عَن رُؤْيا الا أَن يجِئ الرجل مُتَبَرعا فيحدثه بهَا.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عبد الله بن هرون ثَنَا حَازِم بن مُحَمَّد التمار عَن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مسرح الْحَرَّانِي عَن سُلَيْمَان بن عَطاء عَن مسلمة بن عبد الله الْجُهَنِيّ عَن عَمه أبي مشجعَة بن ربعي الْجُهَنِيّ عَن ابْن زمل الْجُهَنِيّ.
أما قَوْله على طَرِيق رحب فالرحب الْوَاسِع وَمِنْه يُقَال رَحبَتْ بِلَاده أَي اتسعت وَمِنْه يُقَال مرْحَبًا.
قَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول النَّاس مرْحَبًا أتيت رحبا أَي سَعَة وَقَوْلهمْ أَهلا أَي أتيت أَهلا لَا غرباء فاستأنس وَلَا تستوحش وسهلا أَي أتيت سهلا حزنا وَهُوَ فِي مَذْهَب الدُّعَاء كَمَا تَقول لقِيت خيرا وَأما اللاحب فالطريق المنقاد الَّذِي لَا يَنْقَطِع قَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] ... على لاحب لَا يهتدى بمناره ... اذا سافه الْعود الديافي جرجرا ...
(1/481)

قَوْله لَا يهتدى بمناره أَي لَيْسَ ثمَّ منار يهتدى بِهِ
وسافه شمه وَالْعود الْجمل المسن جرجر رغا وَإِنَّمَا يرغو لمعرفته بِطُولِهِ وَهَذَا مثل قَول لبيد [من الرمل] ... ترزم الشارف من عرفانه ... كلما لَاحَ بِنَجْد واحتفل ...
وَقَوله يرف رفيفا يُقَال ذَلِك للشَّيْء إِذا كثر مَاؤُهُ من النِّعْمَة والغضاضة حَتَّى يكَاد يَهْتَز قَالَ بعض الرجاز [من الرجز] ... يالك من غيث يرف بقله ...
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي أَبُو بكر الْعمريّ عَن الْأَعْين الْعَنزي وَكَانَ من أهل الْبَصْرَة أَن نَوْفَل بن أبي عقرب الْكِنَانِي أحد بني عويج هَكَذَا قَالَ وَأَحْسبهُ أَبَا نَوْفَل بن أبي عقرب من عريج سقط فوه حَتَّى لم تبْق لَهُ حاكة فَقَالَ فسد لساني وطعامي وحسبت أَن يطول الْعُمر قَالَ فدعوت الله فَخرج يرف قَالَ فَلَقَد عَاد من أحسن أهل الْبَصْرَة ثغرا وَفِيه لُغَة أُخْرَى ورف يرف وريفا
(1/482)

قَالَ ذُو الرمة يصف رماما [من الطَّوِيل] ... وأحوى كأيم الضال أطرق بَعْدَمَا ... حبا تَحت فينان من الظل وارف ...
والأيم الْحَيَّة شبه الزِّمَام بِهِ وَقَوله فَكَأَنِّي بالرعلة يُقَال للقطعة من الفرسان رعلة وَيُقَال لجَماعَة الْخَيل رعيل
وَقَوله أشفوا على المرج يُرِيد أشرفوا وَلَا يكَاد يُقَال أشفى إِلَّا على الشَّرّ وَكَذَلِكَ هُوَ على شفا كَذَا أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ
وَقَوله أَكَبُّوا رواحلهم هَكَذَا تحدث بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ كبوا رواحلهم يُقَال كببت الْإِنَاء إِذا قلبته وكبه الله لوجهه بِغَيْر ألف قَالَ الله تَعَالَى {فكبت وُجُوههم فِي النَّار} وَيُقَال أكب الرجل على وَجهه قَالَ الله تَعَالَى {أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه} وَمعنى قَوْله كبوا رواحلهم أَي ألزموها الطَّرِيق كَمَا تكب رجلا على الْعَمَل فيكب هُوَ وَيُقَال كببت الْجَزُور إِذا عقرته وَقَالَ الشَّاعِر [من الوافر] ... يكبون العشار لمن أَتَاهُم ... إِذا لم تسكت المئة الوليدا ...
(1/483)

يُرِيد أَنهم يعقرون الابل لمن أَتَاهُم فِي جَدب الزَّمَان اذا لم يكن فِي مائَة من الابل مَا يُعلل بِهِ صبي.
وَقَوله فَمنهمْ المرتع يُقَال رتعت الابل اذا رعت وارتع الرجل اذا خلى الركاب ترعى وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: {يرتع ويلعب} والمدنيون يقرؤنه: {يرتع} بِكَسْر الْعين كَأَنَّهُ نفتعل من رعيت أَي يحفظ بَعْضنَا بَعْضًا.
وَقَوله وَمِنْهُم الْآخِذ الضغث الحزمة تجمعها من الخلى وَمن العيدان قَالَ الله جلّ وَعز: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} وَأَرَادَ أَن الْفرْقَة الثَّانِيَة نَالَتْ من الدُّنْيَا وَأَن الأولى لم تنَلْ شَيْئا لزموا الطَّرِيق فَلم يظلموه أَي لم يعدلُوا عَنهُ.
وأصل الظُّلم وضع الشَّيْء غير مَوْضِعه وَمِنْه يُقَال من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم أَي مَا وضع الشّبَه غير مَوْضِعه وَمِنْه ظلم السقاء وَهُوَ أَن تشربه قبل أَن يدْرك قَالَ الشَّاعِر [من الوافر]
(1/484)

.. وقائلة ظلمت لكم سقائي ... وَهل يخفى على العكد الظليم ...
والعكد جمع عكدة وَهِي أصل اللِّسَان والظليم الْمَظْلُوم فعيل فِي معنى مفعول يَقُول لَا يخفى مذاقه مَا شرب من اللَّبن قبل الادراك.
وَقَوله فِي الْفرْقَة الثَّالِثَة وَقَالُوا هَذَا حِين الْمنزل يُرِيد أَنهم ركنوا الى مَا فِي المرج من الرَّعْي وأوطنوه وتخلفوا عَن الْفرْقَتَيْنِ المتقدمتين.
وَقَوله اذا هُوَ تكلم يسمو يُرِيد أَنه يَعْلُو بِرَأْسِهِ وبدنه اذا تكلم وَيُقَال فلَان سَام بِنَفسِهِ وَهُوَ يسمو لي الْمَعَالِي أَي يَتَطَاوَل اليها.
وَقَوله يكَاد يفرع الرِّجَال أَي يطولهم وَيُقَال فرعت الْقَوْم أفرعهم فرعا وَمِنْه سميت الْمَرْأَة فارعة وَقَوله ربعَة تار قَالَ أَبُو زيد التار الممتلئ الْعَظِيم يُقَال تَرَ يتر ترارة وَأنْشد [من الوافر] ... ونصبح بِالْغَدَاةِ أتر شَيْء ... ونمسي بالْعَشي طلنفحينا ...
الطلنفح الْخَالِي الْجوف وَيُقَال أَنه الكال المعيي والناقة
(1/485)

الشارف هِيَ المسنة من النوق وَلَا يُقَال للذّكر شَارف وَكَذَلِكَ التار من النوق هِيَ المسنة وَلَا يُقَال للذّكر تار.
وَقَوله فانتقع لون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي تغير يُقَال امتقع لَونه وانتقع واهتقع وابتقع كل هَذَا اذا تغير من حزن أَو فزع.
واللغة الْعَالِيَة امتقع وَقَوله ثمَّ سري عَنهُ أَي كشف ذَلِك عَنهُ وَأَحْسبهُ مأخوذا من قَوْلك سروت الثَّوْب عَنهُ أَي نَزَعته فَأَنا أسروه.
(1/486)

حَدِيث ابْن أبي هَالة التَّمِيمِي
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث ابْن أبي هَالة التَّمِيمِي وَفِي وَصفه قَالَ كَانَ فخما مفخما يتلألأ وَجهه تلألؤ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر أطول من المربوع وأقصر من المشذب عَظِيم الهامة رجل الشّعْر ان انفرقت عقيقته فرق والا فَلَا يُجَاوز شعره شحمة أُذُنه اذا هُوَ وقره أَزْهَر اللَّوْن وَاسع الجبين أَزجّ الحواجب سوابغ فِي غير قرن بَينهمَا عرق يدره الْغَضَب أقنى الْعرنِين لَهُ نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أَشمّ كث اللِّحْيَة سهل الْخَدين ضليع الْفَم أشنب مفلج الْأَسْنَان دَقِيق المسربة كَأَن عُنُقه جيد دمية فِي صفاء الْفضة معتدل الْخلق بادن متماسك سَوَاء الْبَطن والصدر عريض الصَّدْر بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ ضخم الكراديس أنور المتجرد طَوِيل الزندين رحب الرَّاحَة شثن الْكَفَّيْنِ والقدمين سَائل الْأَطْرَاف خمصان الأخمصين مسيح الْقَدَمَيْنِ ينبو عَنْهُمَا المَاء اذا زَالَ زَالَ قلعا يخطو تكيفا وَيَمْشي هونا
(1/487)

ذريع المشية اذا مَشى كانما ينحط من صبب اذا الْتفت الْتفت جَمِيعًا خافض الطّرف نظره الى الأَرْض أطول من نظره الى السَّمَاء جلّ نظره الملاحظة يَسُوق أَصْحَابه وَيبدأ من لَقِي بِالسَّلَامِ.
وَقَالَ فِي وصف مَنْطِقه يفْتَتح الْكَلَام ويختتمه بأشداقه يتَكَلَّم بجوامع الْكَلم فصلا لَا فضول وَلَا تَقْصِير دمثا لَيْسَ بالجافي وَلَا المهين يعظم النِّعْمَة وان دقَّتْ وَلَا يذم مِنْهَا شَيْئا لم يكن يذم ذواقا وَلَا يمدحه واذا غضب أعرض وأشاح جلّ ضحكه التبسم ويفتر عَن مثل حب الْغَمَام.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثَنَا مَالك بن اسماعيل ثَنَا جَمِيع ابْن عمر الْعجلِيّ ثَنَا رجل من بني تَمِيم منى ولد أبي هَالة زوج خَدِيجَة عَن ابْن أبي هَالة التَّمِيمِي عَن الْحسن بن عَليّ قَالَ سَأَلت خَالِي هِنْد ابْن أبي هَالة وَكَانَ وصافا عَن حلية النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِك قَالَ الْحسن فكتمتها الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام زَمَانا ثمَّ حَدَّثَنِيهِ فَوَجَدته قد سبقني اليه فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلته عَنهُ وَوَجَدته قد سَأَلَ أَبَاهُ عَن مدخله ومخرجه وشكله فَلم يدع مِنْهُ شَيْئا قَالَ الْحُسَيْن سَأَلت أبي عَن دُخُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كَانَ دُخُوله
(1/488)

لنَفسِهِ مَأْذُون لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَ اذا أَوَى الى منزله جزأ دُخُوله ثَلَاثَة أَجزَاء جُزْءا لله عز وَجل وجزءا لأَهله وجزءا لنَفسِهِ ثمَّ جزأ جزءه بَينه وَبَين النَّاس فَيرد ذَلِك بالخاصة على الْعَامَّة وَلَا يدّخر عَنْهُم شَيْئا وَذكر دُخُول النَّاس عَلَيْهِ فَقَالَ يدْخلُونَ رَوَّادًا وَلَا يتفرقون الا عَن ذواق وَيخرجُونَ أَدِلَّة وَذكر مَجْلِسه فَقَالَ مجْلِس حَيَاء وحلم وصبر وَأَمَانَة لَا ترفع فِيهِ الْأَصْوَات وَلَا تؤبن فِيهِ الْحرم وَلَا تنثى فلتاته اذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير فاذا سكت تكلمُوا وَلَا يقبل الثَّنَاء الا عَن مكافئ.
قَوْله كَانَ فخما مفخما أَي عَظِيما مُعظما يُقَال فخم بَين الفخامة وأتينا فلَانا ففخمناه أَي عظمناه ورفعنا من شَأْنه وَقَالَ رؤبة [من الرجز] ... نحمد مَوْلَانَا الْأَجَل الأفخما ...
وَقَوله أقصر من المشذب والمشذب الطَّوِيل الْبَائِن وأصل التشذيب التَّفْرِيق يُقَال شذبت المَال اذا فرقته فَكَأَن المفرط الطول فرق خلقه وَلم يجمع قَالَ الشَّاعِر يصف فرسا [من مجزوء الْكَامِل] ... بمشذب كالجذع صاك على حواجبه خضابه ...
(1/489)

صاك لزق خضابة وَكَانُوا يخضبون الْفرس بِدَم صَيْده يُرِيد انه لَيْسَ بمفرط الطول وَلكنه بَين الربعة وَبَين المشذب وَيُقَال للشَّيْء يتفرق شذب.
وَقَوله ان انفرقت عقيقته فرق وأصل الْعَقِيقَة شعر الصَّبِي قبل أَن يحلق فَإِذا حلق وَنبت ثَانِيَة فقد زَالَ عَنهُ اسْم الْعَقِيقَة وَإِنَّمَا سمي الذّبْح عَن الصَّبِي يَوْم السَّابِع من مولده عقيقة باسم الشّعْر لِأَنَّهُ يحلق فِي ذَلِك الْيَوْم وَرُبمَا سمي الشّعْر عقيقة بعد الْحلق على الِاسْتِعَارَة وَبِذَلِك جَاءَ هَذَا الحَدِيث يُرِيد أَنه كَانَ لَا يفرق شعره إِلَّا أَن يفْتَرق هُوَ وَكَانَ هَذَا فِي صدر الْإِسْلَام ثمَّ فرق
روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ أَمر لم يُؤمر فِيهِ بِشَيْء يَفْعَله الْمُشْركُونَ وَأهل الْكتاب أَخذ بِفعل أهل الْكتاب فسدل ناصيته مَا شَاءَ الله ثمَّ فرق بعد ذَلِك
وَقَوله أَزْهَر اللَّوْن يُرِيد أَبيض اللَّوْن مشرقه وأحسب قَوْلهم سراج يزهر مِنْهُ أَي يضيء وَمِنْه سميت
(1/490)

الزهرة لشدَّة ضوئها فَأَما الْأَبْيَض الْمشرق فَهُوَ الأمهق
وَقَوله أَزجّ الحواجب والزجج طول الحاجبين ودقتها وسبوغهما إِلَى مُؤخر الْعَينَيْنِ ثمَّ وصف الحواجب فَقَالَ سوابغ فِي غير قرن والقرن أَن يطول الحاجبان حَتَّى يلتقي طرفاهما وَهَذَا خلاف مَا وَصفته بِهِ أم معبد لِأَنَّهَا قَالَت فِي وَصفه أَزجّ أقرن وَلَا أرَاهُ إِلَّا كَمَا ذكر ابْن أبي هَالة
وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب تكره الْقرن وتستحب البلج والبلج أَن يَنْقَطِع الحاجبان فَيكون مَا بَينهمَا نقيا
وَقَوله أقنى الْعرنِين والعرنين المعطس وَهُوَ المرسن والقنا فِيهِ طوله ودقة أرنبته وحدب فِي وَسطه
وَقَوله يحسبه من لم يتأمله أَشمّ والشمم ارْتِفَاع القصبة وحسنها واستواء أَعْلَاهَا وإسراف الأرنبة قَلِيلا تَقول لحسن قِنَا أَنفه واعتدال ذَلِك يحْسب قبل التَّأَمُّل أَشمّ
وَقَوله ضليع الْفَم أَي عظيمه يُقَال ضليع بَين
(1/491)

الضلاعة وَمِنْه قَول الجني لعمر: اني مِنْهُم لضليع وَكَانَت الْعَرَب تحمد ذَلِك وتذم صغر الْفَم وَقَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... لحا الله أَفْوَاه الدبى من قَبيلَة ...
هجاهم بِضيق أَفْوَاههم وَشبههَا بأفواه صغَار الْجَرَاد وَكَذَلِكَ قَالَ الضَّبِّيّ أنشدنا أَبُو سعيد وَفَسرهُ [من الْبَسِيط] ... أَكَانَ كري واقدامي لفي جرذ ... بَين العواسج أحنى حوله المصع ...
قَالَ هَذَا رجل لقبه بفي جرذ لضيق فَمه كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] ... لعمري لسعد حَيْثُ حلت دياره ... أحب الينا مِنْك فافرس حمر ...
لقبه بفي فرس لنتن فَم الْفرس الْجَمْر وَلم يرد فِي هَذَا الْبَيْت صغر الْفَم.
والمصع ثَمَر العوسج وَكَانُوا يمدحون برحب
(1/492)

الشدقين وَمِنْه قَوْله فِي وصف مَنْطِقه انه كَانَ يفْتَتح الْكَلَام ويختمه بأشداقه وَذَلِكَ لرحب شدقيه يُقَال للرجل اذا كَانَ كَذَلِك أشدق بَين الشدق. وحَدثني السجسْتانِي وَعبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ الهاشميان انهما قَالَا أَو أَنه قيل لأبي المخش أَكَانَ لَك ولد فَقَالَ أَي وَالله المخش وَمَا المخش كَانَ وَالله خر طمانيا أشدق اذا تكلم سَالَ لعابه ينظر بِمثل الفلسين كَأَن مشاشة مَنْكِبَيْه كركرة بعير وَكَأن ترقوته بوان أَو خالفة فَقَأَ الله عَيْني ان كنت رَأَيْت قبله وَلَا بعده مثله.
سَأَلت أَبَا حَاتِم عَن المخش فَقَالَ هُوَ الَّذِي ينخش فِي الْقَوْم وَيدخل مَعَهم وهم يَأْكُلُون وَعَن قَوْله ينظر بِمثل الفلسين فَقَالَ أَرَادَ خضرَة عَيْنَيْهِ وَقَالَ لي غَيره أَرَادَ غؤور عَيْنَيْهِ وَأَحْسبهُ كَذَلِك لأَنهم يجعلونه من الْجمال.
(1/493)

قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لأعرابي مَا الْجمال فَقَالَ غؤور الْعَينَيْنِ واشراف الحاجبين ورحب الشدقين.
وَأما قَوْله كَانَ خر طمانيا اذا تكلم سَالَ لعابه فان السَّامع لهَذَا يحسبه عَيْبا وذما وَلَيْسَ كَذَلِك وانما أَرَادَ بقوله كَانَ خرطمانيا طول أَنفه وَكَانُوا يمدحون بذلك.
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن الْوَلِيد بن يسَار ان امْرَأَة عقيل بن أبي طَالب وَهِي بنت عتبَة قَالَت لَا يحبكم قلبِي يَا بني هَاشم أبدا أَيْن أخي أَيْن عمي أَيْن فلَان أَيْن فلَان كَأَن أَعْنَاقهم أَبَارِيق الْفضة ترد أنوفهم قبل شفاههم فَقَالَ لَهَا عقيل اذا دخلت النَّار فَخذي عَن يسارك وَأنْشد الْأَصْمَعِي فِي مثل ذَلِك [من الطَّوِيل] ... كرام ينَال المَاء قبل شفاههم ... لَهُم واردات الْغَرَض شم الأرانب ...
(1/494)

قَالَ أَرَادَ الغر ضوف فَقطع وَأَرَادَ بقوله اذا تكلم سَالَ لعابه انه عِنْد الْكَلَام رابط الجأش ثَابت الْجنان لَا يتهيب ففوه رطب والجبان الْحصْر اذا تكلم جف رِيقه فِي فِيهِ وهم يمدحون بِكَثْرَة الرِّيق عِنْد المقامات والخطب وَفِي الْحَرْب وَيَوْم اللِّقَاء لِأَنَّهُ دَلِيل على ثبات الْقلب وَقُوَّة النَّفس.
أَنْشدني شيخ من أَصْحَاب الْمعَانِي لبَعض الشُّعَرَاء يصف قوما يَتَكَلَّمُونَ ويشيرون بِأَيْدِيهِم [من الطَّوِيل] ... تلقح أَيْديهم كَأَن زبيبهم ... زبيب الفحول الصَّيْد وَهِي تلمح ...
قَوْله تلقح أَيْديهم وَيَعْنِي انهم يشيرون بهَا اذا تكلمُوا وأصل التلقح للناقة اذا شالت بذنبها تريك أَنَّهَا لاقح وَلَيْسَ بهَا لقح.
وَالزَّبِيب الَّذِي يجْتَمع فِي الأشداق من الزّبد اذا تكلم الرجل فَأكْثر يُقَال قد زبب شدقاه وَذَلِكَ لِكَثْرَة رِيقه.
والتلمح الْأكل الْيَسِير والفحول اذا هَاجَتْ لَا تَأْكُل الا لماجا أَي قَلِيلا.
(1/495)

وَأما فِي الْحَرْب فان ابْن هُبَيْرَة سَأَلَ عَن مقتل عبد الله ابْن حَازِم فَقَالَ رجل مِمَّن حضر مَجْلِسه سَأَلت وَكِيع بن الدورقية كَيفَ قتلته فَقَالَ غلبته بِفضل فتاء كَانَ لي عَلَيْهِ فصرعته وَجَلَست على صَدره وَقلت يَا لثأرات دويلة يَعْنِي أَخَاهُ من أمه فَقَالَ من تحتي قَتلك الله تقتل كَبْش مُضر بأخيك وَهُوَ لَا يُسَاوِي كف نوى ثمَّ تنخم فَمَلَأ وَجْهي فَقَالَ ابْن هُبَيْرَة هَذِه وَالله البسالة اسْتدلَّ عَلَيْهَا بِكَثْرَة الرِّيق فِي ذَلِك الْوَقْت.
والبوان عَمُود من عمد الخباء يكون فِي مقدمه وَجمعه بون مثل خوان وخون وَيُقَال خوان وَهُوَ أَجود والخالفة عَمُود يكون فِي مؤخره وَجَمعهَا خوالف.
ومشاشة الْمنْكب الْجيد الْمشرق مِنْهَا أَرَادَ بِهِ عَظِيم الْخلق غليظ الْعِظَام فَأَما مَا جَاءَ عَنهُ فِي المتشادقين فانه أَرَادَ بِهِ الَّذين يتشادقون اذا تكلمُوا فيميلون بأشداقهم يَمِينا وَشمَالًا ويتنطعون فِي القَوْل كَمَا قَول الْقَائِل فِي عَمْرو بن سعيد [من الطَّوِيل]
(1/496)

.. تشادق حَتَّى مَال بالشدق قَوْله ... وكل خطيب لَا أبالك أشدق ...
أَي بالْقَوْل شدقه. وَقَوله أشنب من الشنب فِي الْأَسْنَان وَهُوَ تحدد فِي أطرافها وَيُقَال الشنب برد وعذوبة.
روى الرياشي عَن ابْن عَائِشَة أَنه قَالَ سُئِلَ رُؤْيَة عَن الشنب فِي قَول ذِي الرمة [من الْبَسِيط] ... لمياء فِي شفتيها حوة لعس ... وَفِي اللثاث وَفِي أنيابها شنب ...
فَأخذ حَبَّة رمان فَقَالَ هَذَا هُوَ الشنب لم يزدهم.
وَقَوله دَقِيق المسربة والمسربة الشّعْر المستدق مَا بَين اللبة الى السُّرَّة قَالَ الشَّاعِر [من المنسرح] ... ألآن لما ابيض مسر بتي ... وعضضت من نابي على جذم ...
والجذم الأَصْل وَكَذَلِكَ جذم الْحَائِط أَصله وَمِنْه
(1/497)

الحَدِيث فِي الْأَذَان ان عبد الله بن زيد رأى فِي الْمَنَام كَأَن رجلا نزل من السَّمَاء عَلَيْهِ ثَوْبَان أخضران فعلا جذم حَائِط فَأذن.
يَقُول لما أسننت وعضضت من الأنياب على الْأُصُول يُرِيد أَنَّهَا قد ذهبت الا أُصُولهَا.
وَقَوله كَأَن عُنُقه جيد دمية فِي صفاء الْفضة والجيد الْعُنُق والدمية الصُّورَة وَجَمعهَا دمى وَشبههَا فِي بياضها بِالْفِضَّةِ وَمثل ذَلِك قَول الْمَرْأَة كَأَن أَعْنَاقهم أَبَارِيق الْفضة وَكَذَلِكَ تصف الشُّعَرَاء النِّسَاء فَتَقول ... السوالف وَلَيْسَ يُرَاد بِهَذَا الْعُنُق خَاصَّة دون سَائِر الْجَسَد وَلَكِن السالفة اذا ابْيَضَّتْ ابيض سَائِر الْجَسَد وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأم سليم حِين بعث بهَا تنظر الى امْرَأَة: انظري الى عقبيها.
قَالَ الْأَصْمَعِي لِأَن الْعقب اذا اسودت اسود سَائِر جَسدهَا.
وَقَوله بادن متماسك البادن الضخم يُقَال بدن الرجل يبدن بدنا وبدانة وَهُوَ بادن اذا ضخم وبدن الرجل بِالتَّشْدِيدِ اذا أسن قَالَ حميد الأرقط [من الرجز]
(1/498)

.. وَكنت خلت الشيب والتبدينا ... والهم مِمَّا يذهل القرينا ...
وَيُقَال مِنْهُ هَذَا رجل بدن اذا كَانَ مسنا قَالَ الْأسود ابْن يعفر [من السَّرِيع] ... هَل لشباب فَاتَ من مطلب ... أم مَا بكاء الْبدن الأشيب ...
وَقَوله متماسك يُرِيد انه مَعَ بدانته متماسك اللَّحْم لَيْسَ بمسترخيه وَلَا منفضجه.
وَقَوله سَوَاء الْبَطن والصدر يُرِيد ان بَطْنه غير مستفيض فَهُوَ مسَاوٍ لصدره وان صَدره عريض مسَاوٍ لبطنه.
وَقَوله ضخم الكراديس يُرِيد الْأَعْضَاء وَفِي صفة عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: انه كَانَ جليل المشاش أَي عَظِيم رُؤْس الْعِظَام مثل الرُّكْبَتَيْنِ والمنكبين هِيَ مثل الكراديس وَفِيمَا روى النَّاس من الْأَخْبَار الْقَدِيمَة ان لُقْمَان بن عَاد ولقيما ابْنه أغارا فأصابا ابلا ثمَّ انصرفا نَحْو أهلهما فنحرا نَاقَة فِي منزل نزلاه فَقَالَ لُقْمَان
(1/499)

أتعشي أم أعشي لَك قا لقيم أَي ذَلِك شِئْت قَالَ لُقْمَان اذْهَبْ فَادع إبلك حَتَّى ترى النَّجْم قُم رَأس وَحَتَّى ترى الجوزاء كَأَنَّهَا قطا نوافر وَحَتَّى ترى الشعرى كَأَنَّهَا نَار فَإِن لَا تكن عشيت فقد آنيت فَقَالَ لَهُ لقيم واطبخ أَنْت لحم جزورك حَتَّى ترى الكراديس كَأَنَّهَا رُؤْس شُيُوخ صلع وَحَتَّى ترى الضلوع كَأَنَّهَا نسَاء حواسر والوذر كَأَنَّهَا قطا نوافر وَحَتَّى ترى اللَّحْم يَدْعُو عطيفا أَو غطيا أَو غطفان فَإِن لم تكن أَصبَحت فقد آنيت
وَقَوله أنور المتجرد والمتجرد مَا جرد عَنهُ الثَّوْب من بدنه وَهُوَ الْمُجَرّد أَيْضا وأنور من النُّور يُرِيد شدَّة بياضه وَأكْثر مَا يسْتَعْمل هَذَا فِي نير ومنير فجَاء بِهِ على أفعل كَأَنَّهُ قَالَ أَبيض المتجرد
وَقَوله طَوِيل الزندين والزند من الذِّرَاع مَا انحسر عَنهُ اللَّحْم وللزند رأسان الْكُوع والكرسوع فالكرسوع رَأس الزند الَّذِي يَلِي الْخِنْصر وَهُوَ الوحشي والكوع رَأس الزند الَّذِي يَلِي الْإِبْهَام وَهُوَ الْإِنْسِي
(1/500)

وحَدثني أبي أَخْبرنِي عبد الرحمن بن عبد الله عَن الْأَصْمَعِي قَالَ أَخْبرنِي أبي أَنه لم ير أحدا أعرض زندا من الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ كَانَ عرضه شبْرًا
وَقَوله رحب الرَّاحَة يُرِيد أَنه وَاسع الرَّاحَة وَكَانَت الْعَرَب تحمد ذَلِك وتمدح بِهِ وتذم صغر الْكَفّ وضيق الرَّاحَة قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... مناتين أبرام كَأَن أكفهم ... أكف ضباب انشقت فِي الحبائل ...
شبه أكفهم فِي صغرها بأكف الضباب وَيُقَال فِي الْمثل أقصر من إِبْهَام الضَّب وأقصر من إِبْهَام الْحُبَارَى وأقصر من إِبْهَام القطاة وَقَالَ الأخطل وَذكر قتل الْمُخْتَار بن أبي عبيد [من الطَّوِيل] ... وناطوا من الْكذَّاب كفا صَغِيرَة ... وَلَيْسَ عَلَيْهِم قَتله بكبير ...
ناطوا عَلقُوا كفا صَغِيرَة قَالَ ابْن الْأَعرَابِي رَمَاه بالبخل وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن ضيق الْكَفّ يدل على الْبُخْل
وَقَوله شثن الْكَفَّيْنِ والقدمين يُرِيد أَنَّهُمَا إِلَى الغلظ وَالْقصر وَفِيه لُغَة أُخْرَى شثل
(1/501)

وَقَوله سَائل الْأَطْرَاف يُرِيد الْأَصَابِع أَنَّهَا طوال لَيست بمنعقدة وَلَا متغضنة
وَقَوله خمصان الأخمضين والأخمص فِي الْقدَم من تحتهَا وَهُوَ مَا ارْتَفع عَن الأَرْض فِي وَسطهَا وَأَرَادَ بقوله خمصان الأخمصين أَن ذَاك مِنْهُمَا مُرْتَفع وَأَنه لَيْسَ بأرج والأرج هُوَ الَّذِي يَسْتَوِي بَاطِن قدمه حَتَّى يمس جَمِيعه الأَرْض وَيُقَال للْمَرْأَة الضامر الْبَطن خمصانة
وَقَوله مسيح الْقَدَمَيْنِ يُرِيد أَنه مَمْسُوح ظَاهر الْقَدَمَيْنِ فالماء إِذا صب عَلَيْهِمَا مر عَلَيْهِمَا سَرِيعا لِاسْتِوَائِهِمَا وإملاسهما
وَقَوله إِذا زَالَ زَالَ قلعا هُوَ بِمَنْزِلَة قَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي وَصفه إِذا مَشى تقلع
وَقَوله يخطو تكفيا وَيَمْشي هونا يُرِيد أَنه يميد إِذا خطا وَيَمْشي فِي رفق غير مخال لَا يضْرب عطفا
والهون بِفَتْح الْهَاء الرِّفْق قَالَ الله جلّ وَعز {وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا} فَإِذا ضممت الْهَاء فَهُوَ الهوان قَالَ الله تَعَالَى {عَذَاب الْهون}
(1/502)

وَقَوله ذريع المشية يُرِيد أَنه مَعَ هَذَا الرِّفْق سريع المشية يُقَال فرس ذريع بَين الذراعة إِذا كَانَ سَرِيعا وَامْرَأَة ذِرَاع إِذا كَانَت سريعة الْغَزل
وَقَوله إِذا مَشى فَكَأَنَّمَا ينحط من صبب والصبب الانحدار وَجمعه أصباب فقد وَصفه عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام بذلك وَفَسرهُ أَبُو عبيد
وَقَوله يَسُوق أَصْحَابه يُرِيد أَنه إِذا مَشى مَعَ أَصْحَابه يقدمهم بَين يَدَيْهِ وَمَشى وَرَاءَهُمْ
وَفِي حَدِيث آخر كَانَ ينس أَصْحَابه والنس السُّوق وَكَانَت مَكَّة تسمى الناسة لِأَن الْبَاغِي فِيهَا والمحدث يخرج مِنْهَا
وَقَوله كَانَ دمثا الدمث من الرِّجَال السهل اللين وَهُوَ من الدمث مَأْخُوذ وَهُوَ الأَرْض اللينة
وَقَوله لَيْسَ بالجافي وَلَا المهين فَإِن كَانَت الرِّوَايَة كَذَلِك فَإِنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ بِالْفَظِّ الغليظ وَلَا الجافي وَلَا الحقير الضَّعِيف
وَقَوله يعظم النِّعْمَة وَإِن دقَّتْ يَقُول إِنَّه لَا يستصغر شَيْئا أوتيه وَإِن كَانَ صَغِيرا وَلَا يحتقره
(1/503)

وَقَوله وَلَا يذم ذواقا وَلَا يمدحه يُرِيد أَنه كَانَ لَا يصف الطَّعَام بِطيب وَلَا بِفساد إِن كَانَ فِيهِ وَيُقَال مَا ذقت ذواقا
وَقَوله إِذا غضب أعرض وأشاح والإشاحة تكون بمعنيين أَحدهمَا الْجد فِي الْأَمر يُقَال أشاح إِذا جد
وَالْآخر الْإِعْرَاض بِالْوَجْهِ يُقَال أشاح إِذا عدل بِوَجْهِهِ وَهَذَا معنى هَذَا الْحَرْف فِي هَذَا الْموضع وَمِنْه حَدِيثه الآخر أَنه قَالَ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة ثمَّ أعرض وأشاح أَي عدل بِوَجْهِهِ وَذَلِكَ فعل الحذر من الشَّيْء أَو الكاره لِلْأَمْرِ
وَقَوله يفتر أَي يتبسم وَمِنْه يُقَال فَرَرْت الدَّابَّة إِذا نظرت إِلَى سنّهَا وَحب الْغَمَام الْبرد شبه ثغره بِهِ والغمام السَّحَاب
وَقَوله سَأَلَهُ أَبَاهُ عَن شكله فَإِنَّهُ أَرَادَ سَأَلَهُ عَن نَحوه وَمن ذَلِك قَول أبي ذُؤَيْب [من الطَّوِيل] ... فَمَا أَدْرِي أشكلهم شكلي ...
(1/504)

وَمِنْه يَقُول النَّاس هَذَا شكل هَذَا وَهَذَا لَا يشاكل هَذَا وَقَوله فِي دُخُوله جزأ جزءه بَينه وَبَين النَّاس فَيرد ذَلِك بالخاصة على الْعَامَّة يُرِيد أَن الْعَامَّة كَانَت لَا تصل إِلَيْهِ فِي منزله فِي ذَلِك الْوَقْت وَلكنه كَانَ يُوصل إِلَيْهَا حظها من ذَلِك الْجُزْء بالخاصة الَّتِي تصل إِلَيْهِ فتوصله إِلَى الْعَامَّة
وَقَوله يدْخلُونَ رَوَّادًا وَهُوَ جمع رائد والرائد الَّذِي يبْعَث بِهِ الْقَوْم يطْلب لَهُم الْكلأ ومساقط الْغَيْث وَلم يرد الْكلأ فِي هَذَا الْموضع وَلكنه ضربه مثلا لما يَلْتَمِسُونَ عِنْده من النَّفْع فِي دينهم ودنياهم وَالْعلم
وَقَوله وَلَا يتفرقون إِلَّا عَن ذواق والذواق أَصله الطّعْم وَلم يرد الطّعْم هَاهُنَا وَلكنه ضربه مثلا لما ينالون عِنْده من الْخَيْر
وَقَوله وَيخرجُونَ أَدِلَّة يُرِيد أَنهم يخرجُون من عِنْده بِمَا قد علموه مدلون عَلَيْهِ النَّاس وينبؤنهم بِهِ وَهُوَ جمع دَلِيل وَهُوَ مثل شحيح وأشحة وسرير وأسرة وجليل وأجلة وَقَوله فِي ذكر مَجْلِسه لَا تؤبن فِيهِ الْحرم أَي لَا تقرف فِيهِ يُقَال أبنته بِكَذَا من السِّرّ إِذا رميته بِهِ وَمِنْه قَوْله فِي حَدِيث الْإِفْك أَشِيرُوا عَليّ فِي أنَاس أبنوا أَهلِي وأبنوهم بِمن وَالله
(1/505)

مَا علمت عَلَيْهِ من سوء قطّ
وَمِنْه قَول أبي الدَّرْدَاء إِن نؤبن بِمَا لَيْسَ فِينَا فَرُبمَا زكينا بِمَا لَيْسَ عندنَا فَلَعَلَّ هَذَا أَن يكون بِهَذَا وَمِنْه قيل رجل مأبون أَي مقروف بخلة من السوء وَيُقَال أبنته آبنه جَمِيعًا
وَقَوله لَا تنثى فلتاته أَي لَا يتحدث بهفوة أَو زلَّة إِن كَانَت فِي مَجْلِسه من بعض الْقَوْم يُقَال نثوت الحَدِيث فَأَنا أنثوه إِذا أذعته والفلتات جمع فلتة وَهِي هَاهُنَا الزلة والسقطة وكل شَيْء فعل أَو قيل على غير روية وَتثبت فقد افتلت
وَقَوله إِذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير يُرِيد أَنهم يسكتون فَلَا يتحركون ويغضون أَبْصَارهم وَالطير لَا تسْقط إِلَّا على سَاكن وَيُقَال للرجل إِذا كَانَ حَلِيمًا وقورا أَنه لساكن الطَّائِر كَأَنَّهُ لما سكن سكن طَائِره وَلَيْسَ أَن طائرا عَلَيْهِ وأحسب قَول الْهُذلِيّ من هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه [من الوافر] ... إِذا حلت بَنو لَيْث عكاظا ... رَأَيْت على رُؤْسهمْ الغرابا ...
يُرِيد أَنهم يذلون ويسكتون فَكَأَن على رؤوسهم غرابا لسكونهم
(1/506)

وَخص الْغُرَاب لِأَنَّهُ أحذر الطُّيُور وأبصرها يُقَال أحذر من غراب وَأبْصر من غراب وَمِنْه يُقَال طارت عصافير رَأسه إِذا ذعر أَي كَأَنَّمَا كَانَت على رَأسه عصافير عِنْد سكونه فَلَمَّا ذعر طارت قَالَ الْعَبْدي [من السَّرِيع] ... فنخب الْقلب ومارت بِهِ ... مور عصافير حَشا الْموعد ...
وَيُقَال أصل هَذَا الْمثل أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَقُول للريح أقلينا وللطير أضلينا فتقله وَأَصْحَابه الرّيح وتظلهم الطير فَكَأَن أَصْحَابه يَغُضُّونَ أَبْصَارهم هَيْبَة وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا إِن سَأَلَهُمْ فيجيبوه فَقيل للْقَوْم إِذا سكنوا كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير
وَقَوله لَا يقبل الثَّنَاء إِلَّا عَن مكافئ يُرِيد أَنه كَانَ إِذا ابتدئ بمدح كره ذَلِك وَإِذا اصْطنع مَعْرُوفا فَأثْنى عَلَيْهِ بِهِ مثن وشكره لَهُ قبل ثناءه
(1/507)

حَدِيث أبي عَمْرو النَّخعِيّ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَبَا عَمْرو النَّخعِيّ قدم عَلَيْهِ فِي وَفد من النخع فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْت فِي طريقي هَذَا رُؤْيا رَأَيْت أَتَانَا تركتهَا فِي الْحَيّ ولدت جديا أسفع أحوى فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل لَك من أمة تركتهَا مَسَرَّة حملا قَالَ نعم تركت أمة لي أظنها قد حملت قَالَ فقد ولدت غُلَاما وَهُوَ ابْنك قَالَ فَمَا لَهُ أسفع أحوى قَالَ أدن مني فَدَنَا مِنْهُ قَالَ هَل بك برص تكتمه قَالَ نعم وَلَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا رَآهُ مَخْلُوق
(1/508)

وَلَا علم بِهِ قَالَ فَهُوَ ذَلِك قَالَ وَرَأَيْت النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَلَيْهِ قرطان ودملجان ومسكتان قَالَ ذَلِك ملك الْعَرَب عَاد إِلَى أفضل زيه وبهجته قَالَ وَرَأَيْت عجوزا شَمْطَاء تخرج من الأَرْض قَالَ تِلْكَ بَقِيَّة الدُّنْيَا قَالَ وَرَأَيْت نَارا خرجت من الأَرْض فحالت بيني وَبَين ابْن لي يُقَال لَهُ عَمْرو ورأيتها تَقول لظى لظى بَصِير وأعمى أَطْعمُونِي أكلكم كلكُمْ أهلكم ومالكم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تِلْكَ فتْنَة تكون فِي آخر الزَّمَان قَالَ وَمَا الْفِتْنَة يَا رَسُول الله قَالَ يقتل النَّاس إمَامهمْ ثمَّ يشتجرون اشتجار أطباق الرَّأْس وَخَالف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أَصَابِعه يحْسب الْمُسِيء أَنه محسن وَدم الْمُؤمن عِنْد الْمُؤمن أحل من شرب المَاء
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أبي عَن شيخ لَهُ كَانَ يرويهِ عَن ابْن دأب اللَّيْثِيّ
الأسفع الَّذِي أصَاب خَدّه لون خَالف سَائِر لَونه من سَواد أَو حمرَة أَو غير ذَلِك وَلذَلِك قيل للثور الوحشي أسفع وللبقر الوحشية سفع لِأَن فِي خدودها سوادا يُخَالف سَائِر لَوْنهَا قَالَ الْعَبْدي وَذكر نَاقَة [من السَّرِيع]
(1/509)

.. كَأَنَّهَا أسفع ذُو جدة ... يمسده القفر وليل سدي
كَأَنَّمَا ينظر من برقع ... من تَحت روق سلب مذود ...
يمسده يطويه ليل سد أَي ند وَلَا يزَال البقل فِي تَمام مَا سقط الندى عَلَيْهِ أَرَادَ أَنه يَأْكُل البقل فيجنبه عَن المَاء فيطويه ذَلِك وَشبه السفعة فِي وَجهه ببرقع وشبيه بِهَذَا قَول الآخر [من المتقارب] ... وبرقع خديه ديباجتان ...
وَمِنْه حَدِيث رَوَاهُ مُسَدّد هُوَ ابْن مسرهد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن النهاس عَن شَدَّاد أبي عمار عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَنا وَامْرَأَة سفعاء الْخَدين يَوْم الْقِيَامَة كهاتين يُرِيد السبابَة وَالْوُسْطَى
(1/510)

امْرَأَة آمت من زَوجهَا ذَات منصب وجمال حبست نَفسهَا على يتاماها
أَرَادَ الْمَرْأَة الَّتِي مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا فقصرت نَفسهَا على وَلَدهَا وَتركت التصنع فشحب لَوْنهَا وَتغَير بِالْعُمُومِ وابتذال النَّفس فِي خدمَة الْوَلَد
وحَدثني أبي حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو الغنوي ثَنَا قَحْطَبَةَ بن غُدَانَة الجشعي حَدَّثَنِيهِ مرّة بنت منْجَاب الجشمية عَن السفعاء بنت سعد أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة عَن سفع بوجهها فَقَالَت إِن كَانَ حَدثا فاقشريه وَإِن لم يكن حَدثا فَلَا تقشريه
والأحوى الْأسود لَيْسَ بالشديد السوَاد فَأَرَادَ أَن الجدي كَانَ أسود لطيما فِي الْخَدين بَيَاض والمسرة للْحَمْل هِيَ المجنة لَهُ وكل شَيْء أخفيته فقد أسررته وَمِنْه سر الحَدِيث يُقَال أجنت الْحَامِل وأسرت وأضمرت
والمسكتان السواران وَمِنْه الحَدِيث فِي مرأة أَتَت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وحليها مسكتان من ذهب وشبيه بِهِ الحَدِيث الآخر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى على أَسمَاء بنت يزِيد سِوَارَيْنِ من ذهب وخواتم من ذهب فَقَالَ أتعجز إحداكن أَن تتَّخذ
(1/511)

حلقتين أَو تومتين من فضَّة ثمَّ تلطخهما بعبير أَو ورس أَو زعفران
والتومة مثل الدرة من فضَّة وَجَمعهَا توم وَقَالَ ذُو الرمة وَذكر نبتا [من الْبَسِيط] ... وحنف كَأَن الندى وَالشَّمْس ماتعة ... إِذا توقد فِي أفنانه التوم ...
يُرِيد كَأَن الندى إِذا تتوقد الشَّمْس التوم فِي نواحيه
وَقَالَ عدي بن زيد [من الْبَسِيط] ... شكل العهن فِي التوم ...
وَقَالَ بَعضهم التوم القرط وَمَا علق فِي شحمة الْأذن
والشنف مَا علق فِي أَعلَى الْأذن
وَذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَوْثَر فَقَالَ حَاله الْمسك ورضراضه التوم وَالْحَال الحمأة والرمل والتوم هَاهُنَا الدّرّ فَأَما التؤامية فَهِيَ
(1/512)

الدرة بِعَينهَا منسوبة إِلَى تؤام وَهِي قَصَبَة عمان
والعبير أخلاط من الطّيب يجمع بالزعفران قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يزْعم أَن العبير الزَّعْفَرَان بِعَيْنِه وَقَالَ فِي قَول الْأَعْشَى من المتقارب ... وتبرد برد رِدَاء الْعَرُوس بالصيف رقرقت فِيهِ العبيرا ...
أَرَادَ الزَّعْفَرَان وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على أَن القَوْل مَا قَالَ الْأَصْمَعِي
وَقَوله يشتجرون اشتجار أطباق الرَّأْس يُرِيد أَنهم يشتبكون فِي الْحَرْب اشتباك أطباق الرَّأْس وَهِي عِظَامه الَّتِي يدْخل بَعْضهَا فِي بعض كَمَا يدْخل بعض الْأَصَابِع فِي بعض وَمِنْه يُقَال شجر بَيْننَا كَلَام لِأَن المتجادلين يدْخل بعض كَلَامهم فِي بعض
(1/513)

حَدِيث لُقْمَان بن عَاد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن لُقْمَان بن عَاد خطب امْرَأَة قد خطبهَا أخوته قبله فَقَالُوا بئس مَا صنعت خطبت امْرَأَة قد خطبناها قبلك وَكَانُوا سَبْعَة هُوَ ثامنهم فَصَالحهُمْ على أَن ينعَت لَهَا نَفسه وَإِخْوَته بِصدق وتختار هِيَ أَيهمْ شَاءَت فَقَالَ خذي مني أخي ذَا البجل إِذا رعى الْقَوْم غفل وَإِذا سعى الْقَوْم نسل وَإِذا كَانَ الشَّأْن اتكل قريب من نضيج بعيد من نيىء فلحيا لصاحبنا لحيا ثمَّ قَالَ خذي مني أخي ذَا البجلة يحمل ثقلي وَثقله ويخصف نَعْلي وَنَعله وَإِذا حل يَوْمه قدمت قبله ثمَّ قَالَ خذي مني أخي ذَا العفاق صفاق أَفَاق يعْمل النَّاقة والساق ثمَّ قَالَ خذي مني أخي إِذا النمر حييّ خفر شُجَاع
(1/514)

ظفر أعجبني وَهُوَ خير من ذَلِك إِذا سكر ثمَّ قَالَ خذي مني أخي ذَا الْأسد جَوَاب ليل سرمد وبحرا إِذا زبد ثمَّ قَالَ خذي مني أخي ذَا الحممة يهب البكرة السنمة والمئة الْبَقَرَة العممة والمئة الضائنة الزنمة أَو الزلمة وَإِذا أَتَت لَيْلَة على عَاد مظْلمَة رتب رتوب الكعب وولآهم شزنة فَقَالَ أكفوني الميمنة سأكفيكم المشأمة وَلَيْسَت فِيهِ لعثمة إِلَّا أَنه ابْن أمة
قَالَت أم حَبِيبَة وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحدث حَدِيثهمْ أخذت هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ رويدك فَإِنِّي لم أفرغ من حَدِيثهمْ ثمَّ قَالَ خذي مني حَزينًا أولنا إِذا غدونا وآخرنا إِذا استنجينا وعصمة أَبْنَائِنَا إِذا شتونا وفاصل خطة أعيت علينا وَلَا يعد فَضله لدينا أَو علينا قَالَت أم حَبِيبَة وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحدث حَدِيثهمْ أخذت هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ رويدك فَإِنِّي لم أفرغ من حَدِيثهمْ بعد ثمَّ قَالَ أَنا لُقْمَان بن عَاد لعادية لعاد إِذا انضجعت لَا أجلنظئ وَلَا تملأ رئتي
(1/515)

جَنْبي إِن أر مطعي فحدأ تلمع وَإِلَّا أر مطمعي فوقاع بصلع
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو بن الْبَراء الغنوي ثناه مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ثَنَا سعيد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن ابيه قَالَ عُرْوَة فَبَلغنَا أَنَّهَا تزوجت حَزينًا
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان قَالَ قَالَ الْأَصْمَعِي عَن قَوْله خذي مني أخي ذَا البجل فَقَالَ يُقَال رجل بجال وبجيل إِذا كَانَ ضخما قَالَ وأنشدني [من الرجز] ... شَيخا بجالا وَغُلَامًا حزورا ...
وَمثله عقام وعقيم وشحاح وشحيح وَأَنا أَحسب قَوْلهم بجلت فلَانا إِذا عَظمته من ذَلِك
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْقُبُور فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أصبْتُم خيرا بجيلا وسبقتم شرا طَويلا
وَقَوله إِذا رعى الْقَوْم غفل لم يرد رعيه الْغنم وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه إِذا يحافظ الْقَوْم لشَيْء يخافونه غفل وَلم يرعهم وَمِنْه يُقَال رعاك الله وَمِنْه قيل راعي الْغنم لِأَنَّهُ يحفظها وَقَوله إِذا سعى الْقَوْم نسل يُرِيد إِذا عدا الْقَوْم لغارة أَو لمخافة نسل هُوَ قَالَ أَبُو زيد يُقَال أبز الرجل يأبز أبزا وأفر يأفر أفرا
(1/516)

والتبط التباطا وسعى سعيا كل ذَلِك إِذا عدا وَمن الالتباط قَول الْحجَّاج السّلمِيّ حِين دخل مَكَّة للْمُشْرِكين عِنْدِي من الْخَبَر مَا يسركم قَالَ فالتبطوا بجنبي نَاقَته يَقُولُونَ إيه يَا حجاج
قَوْله نسل من النسلان وَهُوَ مقاربة الخطو مَعَ الْإِسْرَاع نَحْو الهدج قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي وخبرني أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ هُوَ مشي الذِّئْب إِذا بَادر إِلَى شَيْء وَمثله العسلان قَالَ الشَّاعِر من الرمل ... عسلان الذِّئْب أَمْسَى قاربا ... برد اللَّيْل عَلَيْهِ فنسل ...
يُرِيد قاربا من المَاء وَمن النسلان قَول الله تَعَالَى {وهم من كل حدب يَنْسلونَ}
وحَدثني أبي حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن ابْن عَيْنِيَّة عَن رجل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِأَصْحَابِهِ وهم يَمْشُونَ فشكوا الإعياء فَأَمرهمْ أَن ينسلوا
(1/517)

وَقَوله إِذا كَانَ الشَّأْن اتكل يُرِيد انه مواكل لَا ينْهض بِالْأَمر إِذا وَقع وَلكنه يتكل فِيهِ على غَيره وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أَتَاهُ الْفضل بن الْعَبَّاس وَابْن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد المطلب يسألانه عَن أبويهما السّعَايَة فتواكلا الْكَلَام فَقَالَ أخرجَا مَا تصرران قَالَ فكلمناه فَسكت ورأينا زَيْنَب من وَرَاء الْحجاب تلمع أَلا تعجل
قَوْله فتواكلا الْكَلَام أَي اتكل كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر فِيهِ
وَقَوله أخرجَا مَا تصرران أَي مَا تجمعان من الْكَلَام فِي صدوركما وكل شَيْء جمعته فقد صررته وَمِنْه قيل للأسير مصرور لِأَن يَدَيْهِ جمعتا بالغل إِلَى عُنُقه وَرجلَيْهِ جمعتا بالقيد قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ بعث عبد الله بن عَامر إِلَى ابْن عمر وَهُوَ بِفَارِس بأسير موثق ليَقْتُلهُ فَقَالَ أما وَهُوَ مصرور فَلَا
وَقَوله تلمع أَي تُشِير بِيَدِهَا وَيُقَال للمواكل من الرِّجَال رجل تكلة
حَدثنِي أبي حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي أَبُو الْجراح قَالَ استشارت امْرَأَة امْرَأَة فِي رجل تزَوجه فَقَالَت لَا تفعلي فَإِنَّهُ وكلة تكلة يَأْكُل خلله قَالَ وَلَيْسَ
(1/518)

بَين وكلة وتكلة فرق فِي الْمَعْنى وَإِنَّمَا قلبت الْوَاو فِي تكلة تَاء كَمَا قَالُوا تخمة وَهِي من الوخامة وَقَالُوا تراث وَهُوَ من ورث وَكَذَلِكَ التكلان أَيْضا قَالَ وَأما قَوْلهَا يَأْكُل خلله فَإِنَّهَا أَرَادَت أَنه يَأْكُل مَا يخرج من أَسْنَانه إِذا تخَلّل وَهُوَ الخلالة أَيْضا وَلم أسمع فِي اللؤم والحرص والشوه شرا من هَذَا القَوْل
وَمن قَوْلهم فلَان يثير الْكلاب عَن مرابضها يُرِيدُونَ أَنه لشرهه يثيرها عَن موَاضعهَا يطْلب تحتهَا شَيْئا قد فضل من طعمها يَأْكُلهُ
وَقَوله قريب من نضيج بعيد من نيء حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان قَالَ سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن ذَلِك فَقَالَ أَرَادَ أَنه يَأْكُل النضيج وَلَا يَأْكُل النيء لم يزدْ على ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه يَأْكُل مَا طبخ وَمَا اتخذ لإلفه الْمنزل وَطول مكثه فِي الْحَيّ وَلَا يَأْكُل النيء كَمَا يَأْكُلهُ من غزا واصطاد وَمن أعجله الزماع عَن إنضاج مَا اتخذ وهم يمدحون بذلك قَالَ الشماخ [من الطَّوِيل] ... وَأَشْعَث قد قد السفار قَمِيصه ... وجر الشواء بالعصا غير منضج ...
يُرِيد أَنه لَا ينضجه لعجلته
وَقَالَ الْكُمَيْت [من الطَّوِيل]
(1/519)

.. ومرضوفة لم تون فِي الطَّبْخ طاهيا ... عجلت إِلَى محورها حِين غرغرا
مرضوفة قدر أنضجت بالرضف وَهِي حِجَارَة تحمى وتطرح فِيهَا والطاهي الطباخ يُقَال طهوت اللَّحْم وطهيته لم تون لم تحبس من الونا
والمحور مَا ابيض مِنْهَا قبل النضج حِين غرغرا حِين غلا أول غلية يُرِيد أَنه على عجلة
وَقَوله فلحيا لصاحبنا لحيا هُوَ من لحوت الرجل ولحيته إِذا عذلته ولمته وَفِيه اللغتان جَمِيعًا الْوَاو وَالْيَاء وَكَذَلِكَ لحوت الشَّجَرَة ولحيتها إِذا أخذت لحاءها وَهُوَ القشر وَإِنَّمَا نصب على مَذْهَب الدُّعَاء كَمَا يُقَال بعدا لَهُ أَي أبعده الله وَكَذَلِكَ لحيا أَي لحاه الله
وَقَوله فِي الآخر يحمل ثقلي وَثقله ويخصف نَعْلي وَنَعله يُرِيد أَنه يضينه على أمره وَيحمل عَلَيْهِ
وَقَوله خذي مني أخي ذَا العفاق حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان قَالَ سَأَلت الْأَصْمَعِي عَنهُ فَقَالَ هُوَ من عفق يعفق إِذا ذهب ذَهَابًا سَرِيعا هَكَذَا قَالَ والعفق هُوَ الْعَطف أَيْضا
(1/520)

وَعَن قَوْله صفاق فَقَالَ هُوَ الَّذِي يصفق على الْأَمر الْعَظِيم وَعَن الأفاق فَقَالَ هُوَ الَّذِي يتَصَرَّف وَيَأْتِي الْآفَاق
وَقَول يعْمل النَّاقة والساق أَي يركب تَارَة وَيَمْشي تَارَة يُرِيد أَنه كَامِل للأمرين وَقَوله جَوَاب ليل يَقُول يَدُور اللَّيْل كُله لَا ينَام يُرِيد أَنه جري على اللَّيْل وأصل جبت خرقت وَمِنْه سمي الرجل جَوَابا وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {جابوا الصخر بالواد}
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة سمي رجل من بني كلاب جَوَابا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحْفر بِئْرا وَلَا صَخْرَة إِلَّا أماهها
حَدثنِي أبي قَالَ خبرني بذلك أَبُو حَاتِم عَنهُ قَالَ فالسرمد الدَّائِم وكل شَيْء لَا يَنْقَطِع من غم أَو بلَاء فَهُوَ سرمد وَإِنَّمَا جعل اللَّيْل سرمدا لطوله شبه بالشَّيْء لَا يَنْقَضِي كَمَا قَالَ النَّابِغَة وَذكر لَيْلًا [من الطَّوِيل] ... تطاول حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقض ... وَلَيْسَ الَّذِي يهدي النُّجُوم بآيب ...
(1/521)

وَالَّذِي يهدي النُّجُوم هُوَ الَّذِي يتقدمها بآيب أَي بساقط
يَقُول لَا أرى الْمُتَقَدّم للنجم يغيب وَيُقَال آبت الشَّمْس إِذا غَابَتْ وَقَالَت أم تأبط شرا تبْكي ابْنهَا وَا ابناه وَا ابْن اللَّيْل لَيْسَ بزميل شروب للقيل يضْرب بالذيل كمقرب الْخَيل وَا ابناه لَيْسَ بعلفوف تلفه هوف حشي من صوف
والزميل الضَّعِيف والقيل شربه نصف النَّهَار تَقول لَيْسَ هُوَ بمهياف يحْتَاج إِلَيْهَا يضْرب بالذيل تَقول إِذا عدا صفق برجليه من شدَّة عدوه كَمَا يفعل المقرب من الْخَيل وَهِي الَّتِي حَان أَن تضع فَهِيَ تصرع من دنا مِنْهَا والهوف الرّيح الحارة يُقَال هوف وهيف
وَقَوْلها حشي من صوف تَقول لَيْسَ هُوَ بخوار أجوف والعلفوف الجافي المسن تَقول لَيْسَ هُوَ بالجافي المسن فتصمه الرِّيَاح فَلَا يَغْزُو وَلَا يركب
وَقَوله حييّ خفر قَالَ أَبُو زيد خفرت الْمَرْأَة تخفر خفرا إِذا استحيت والخفر الْحيَاء نَفسه وَكَانَ يُقَال خير النِّسَاء المبتذلة لزَوجهَا الخفرة فِي قَومهَا وَقَالَ الفرزدق
(1/522)

[من الْكَامِل] ... يأنسن عِنْد بعولهن إِذا خلوا ... وَإِذا هم خَرجُوا فهن خفار ...
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو ثَنَا يزِيد بن هرون عَن وهب بن وهب عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ خير نِسَائِكُم العفيفة فِي فرجهَا العلمة لزَوجهَا
وَقَوله ذَا الحممة والحممة الفحمة وَجَمعهَا حمم وَمِنْه الحَدِيث إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِيَهُودِيٍّ محمم مجلود فَدَعَا الْيَهُود فَقَالَ هَكَذَا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ محمم أَي مسود الْوَجْه وَهُوَ مفعل من الحمم وَيُقَال فلَان أسود كَأَنَّهُ الحمم قَالَ الْأَصْمَعِي وَمِنْه يُقَال رجل أحم وَامْرَأَة حماء إِذا كَانَا أسودين
وَقَوله البكرة السنمة يُرِيد الْعَظِيمَة السنام
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان عَن الْأَصْمَعِي قَالَ قيل لأعرابي
(1/523)

أَي الطَّعَام أطيب قَالَ جزور سنمة فِي غَدَاة شبمة ومواس خذمة الشبمة الْبَارِدَة والشبم الْبرد والخذمة القطاعة قَالَ وَسَأَلته عَن الضائنة الزنمة أَو الزلمة فَقَالَ الزنمة هِيَ الَّتِي قطع من أذنها شَيْء للوسم وَترك مِنْهُ شَيْء فالمتروك يُقَال لَهُ الزنمة والوسم الزنم والزنمة من العنوق الَّتِي لَهَا زنمتان فِي حلقها والزنمة والزلمة وَاحِد وَكَذَلِكَ المزنم من الْإِبِل والمزلم وَهُوَ الْكَرِيم مِنْهَا قَالَ وَسَأَلته عَن قَوْله رتب رتوب الكعب فَقَالَ انتصب كَمَا ينْتَصب الكعب إِذا أَلقيته وَمِنْه قيل فلَان راتب فِي الْبَلَد أَي ثَابت فِيهِ قَالَ أَبُو كَبِير يصف رجلا [من الْكَامِل] ... وَإِذا يهب من الْمَنَام رَأَيْته ... كرتوب كَعْب السَّاق لَيْسَ بزمل ...
يَقُول إِذا اسْتَيْقَظَ من نَومه رَأَيْته منتصبا كانتصاب الكعب
وَرُوِيَ أَن عبد الله بن الزبير كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وأحجار المنجنيق تمر على أُذُنَيْهِ وَمَا يلْتَفت كَأَنَّهُ كَعْب راتب وَمن هَذَا حَدِيث حَدَّثَنِيهِ ابي حَدَّثَنِيهِ عبد الله بن يزِيد عَن الْمُقْرِئ عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن أبي هاني أَن أَبَا عَليّ الْجَنبي حَدثهُ أَنه سمع فضَالة بن عبيد
(1/524)

يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من مَاتَ على مرتبَة من هَذِه الْمَرَاتِب بعث عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة
يَعْنِي الْغَزْو وَالْحج
قَالَ وَسَأَلته عَن قَوْله وولاهم شزنه فَقَالَ الشزن عرضه أَي جَانِبه وَفِيه لُغَة أُخْرَى شزن قَالَ ابْن أَحْمَر [من الوافر] ... أَلا لَيْت الْمنَازل قد بلينا ... فَلَا يرمين عَن شزن حَزينًا ...
يُرِيد أَنه حِين دهمهم الْأَمر أقبل عَلَيْهِ وولاهم جَانِبه وَقَالَ أكفوني الميمنة سأكفيكم المشأمة أَي الميسرة قَالَ الله جلّ وَعز {وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة}
وَيُقَال لليد الْيُسْرَى الشومى قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمن ذَلِك سميت الشَّام وَمن الْيَمين سميت الْيمن
وَعَن قَوْله وَلست فِيهِ لعثمة إِلَّا أَنه ابْن أمة
قَالَ التلعثم التَّوَقُّف عَن الشَّيْء حَتَّى تفكر فِيهِ وَمِنْه
(1/525)

حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي أبي بكر مَا أحد عرضت عَلَيْهِ الْإِسْلَام إِلَّا كَانَت فِيهِ كبوة غير أبي بكر فَإِنَّهُ لم يتلعثم
يَقُول لم يتَوَقَّف وسارع وَفِي حَدِيث آخر فَإِنَّهُ مَا عكم عَنهُ حِين ذكرته لَهُ وَمَا تردد فِيهِ
قَوْله مَا عكم أَي مَا تحبس فِيهِ وَلَا انْتظر فَأَرَادَ أَنه لَيْسَ فِي خلاله كلهَا شَيْء يتَوَقَّف عَنهُ وَعَن مدحه لَهُ إِلَّا أَنه ابْن أمة وَسَائِر ذَلِك حميد
وَقَوله أولنا إِذا غدونا يُرِيد أَنه يُبَادر إِذا نَحن خرجنَا لمهم من الْأُمُور فَيكون أولنا وآخرنا إِذا استنجينا وَيَقُول يكون حاميتنا إِذا نَحن ولينا
وَقَوله استنجينا هُوَ من النَّجَاء والنجاء الْإِسْرَاع يُقَال نجوت واستنجيت بِمَعْنى وَمِنْه الحَدِيث إِذا سافرتم فِي الجدوبة فاستنجوا
وَقَوله وعصمة أَبْنَائِنَا إِذا شتمونا يَقُول يعصمهم الله جلّ وَعز فِي جَدب الزَّمَان وَشدَّة الْبرد من الْجُوع والبؤس وَأَرَادَ الْأَطْفَال وَإِذا تعذر عَلَيْهِم قوت الطِّفْل فَذَلِك غَايَة الْجهد وكلب الزَّمَان قَالَ الْكُمَيْت [من الطَّوِيل]
(1/526)

.. وَأَنْتُم غيوث النَّاس فِي كل شتوة ... إِذا بلغ الْمحل الفطيم المعفرا ...
والمعفر هُوَ الصَّبِي الَّذِي تُرِيدُ أمه فطامه فتقطع عَنهُ الرَّضَاع يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ ترده إِلَيْهِ ثمَّ تقطعه عَنهُ أَيَّامًا ثمَّ ترده وَهِي فِي ذَلِك تعلله بالشَّيْء ليستغني بِهِ عَن اللَّبن قَالَ الْكُمَيْت أَيْضا يذكر سنة جَدب [من الوافر] ... وَكَانَ السوف للفتيان قوتا ... تعيش بِهِ وهييت الرقوب ...
والسوف التسويف يَقُول عشن بالأماني والرقوب الَّتِي لَا يبْقى لَهَا ولد تَقول لَهَا آلَات الْأَوْلَاد هَنِيئًا لَك لَيْسَ لَك ولد فَيحْتَاج إِلَى غذَاء
وَقَوله وفاصل خطة أعيت علينا يَقُول إِذا وَقعت معضلة قَامَ بهَا أَو مشكلة عرفهَا وَبَينهَا
وَقَوله وَلَا يعد فَضله لدينا أَو علينا أَي لَا يمن علينا بِمَا يَأْتِيهِ إِلَيْنَا
وَقَوله أَنا لُقْمَان بن عَاد لعادية لعاد قَالَ سَأَلت عَنهُ الْأَصْمَعِي فَقَالَ تَقول أَنا لوَاحِد وَلِجَمِيعِ والعادية خيل تعدو وَتَكون أَيْضا رجَالًا يعدون
وَقَوله إِذا انضجعت لَا أجلنظي والمجلنظئ هُوَ الَّذِي يستلقي على ظَهره وَيرْفَع رجلَيْهِ يُقَال اجلنظأت
(1/527)

بِالْهَمْز واجلنظيت بِلَا همز وَمثله فِي التَّقْدِير احبنطأت واحبنطيت يَقُول لست أفعل هَذَا إِذا انضجعت ولكنني أَنَام مستوفزا على جنب كَمَا قَالَ أَبُو كَبِير يصف رجلا فِي نَومه [من الْكَامِل] ... مَا أَن يمس الأَرْض إِلَّا منْكب ... مِنْهُ وحرف السَّاق طي الْمحمل
فَإِذا قذفت لَهُ الْحَصَاة رَأَيْته ... ينزو لوقعتها طمور الأخيل ...
وَقَوله وَلَا تملأ رئتي جَنْبي يَقُول لست جَبَانًا ينتفخ سحره
يُقَال انتفخ سحر فلَان وسحره إِذا جن والحدأ جمع حدأة وَهِي الطَّائِر فَأَما الفأس فَهِيَ حدأة بِفَتْح الْحَاء وَجَمعهَا حدأ
يَقُول إِن رَأَيْت شَيْئا أطمع فِيهِ انْقَضتْ عَلَيْهِ مَا ينْقض الحدأ وَيُقَال لمع الطَّائِر بجناحيه إِذا خَفق بهما ولمع الرجل بِيَدِهِ إِذا أَشَارَ وَيُقَال للجناح ملمع قَالَ حميد بن ثَوْر وَذكر قطاة [من المتقارب] ... لَهَا ملمعان إِذا أوغفا ... يحثان جؤجؤها بالوحا ...
(1/528)

أوغفا أَسْرعَا والوحا الصَّوْت أَرَادَ بِهِ الحفيف
وَقَوله وقاع بصلع حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان قَالَ قَالَ لي أَبُو سَلمَة سَأَلت ابْن مناذر عَن الصلع فَقَالَ الْحجر
وحَدثني أَبُو سُفْيَان قَالَ وَسَأَلت الْأَصْمَعِي عَنهُ فَقَالَ هُوَ الْموضع الَّذِي لَا نبت فِيهِ وَأَصله من صلع الرَّأْس يُقَال للْأَرْض الَّتِي لَا نبت فِيهَا صلعاء
(1/529)

حَدِيث لَقِيط بن عَامر وَافد بني المنتفق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر الصَّيْحَة قَالَ فلعمر إلهك مَا يدع على ظهرهَا من شَيْء إِلَّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ رَبك فَأصْبح يطوف فِي الأَرْض وخلت عَلَيْهِ الْبِلَاد فَأرْسل السَّمَاء بهضب من عِنْد الْعَرْش فلعمر إلهك مَا يدع على ظهرهَا من مصرع قَتِيل وَلَا مدفن ميت إِلَّا شقَّتْ الأَرْض عَنهُ حَتَّى يخلقه من قبل رَأسه
وَسَأَلَهُ لَقِيط فَقَالَ كَيفَ يجمعنا الله بعد مَا مزقتنا الرِّيَاح والبلى وَالسِّبَاع قَالَ أنبئك بِمثل ذَلِك فِي إل الله الأَرْض أشرفت عَلَيْهَا مَدَرَة بالية فَقلت لَا تحيا أَبَد ثمَّ أرسل رَبك عَلَيْهَا السَّمَاء فَلم تلبث عَلَيْك إِلَّا أَيَّامًا ثمَّ أشرفت عَلَيْهَا وَهِي شربة وَاحِدَة ولعمر إلهك لَهو أقدر على أَن يجمعكم من المَاء على أَن يجمع نَبَات الأَرْض فتخرجون من الأصواء فتنظرون إِلَيْهِ سَاعَة وَينظر إِلَيْكُم قَالَ يَا رَسُول الله فَمَا يفعل رَبنَا إِذا لقيناه قَالَ تعرضون
(1/530)

عَلَيْهِ باديا لَهُ صفحاتكم لَا تخفى مِنْكُم عَلَيْهِ خافية فَيَأْخُذ ربكُم بِيَدِهِ غرفَة من المَاء فينضح عَلَيْكُم فَأَما الْمُسلم فيدع وَجهه مثل الريطة الْبَيْضَاء وَأما الْكَافِر فتخطمه بِمثل الحمم الْأسود أَلا ثمَّ ينْصَرف من بَيْنكُم ويفترق على أَثَره الصالحون أَلا فتسلكون جِسْرًا فِي النَّار يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة ثمَّ يَقُول حس يَقُول رَبك وَإنَّهُ أَلا فتطلعون على حَوْض الرَّسُول لَا يظمأ وَالله ناهله فلعمر إلهك مَا يبسط أحد مِنْكُم يَده إِلَّا وَقع عَلَيْهَا قدح مطهرة من الطوف والأذى قَالَ يَا رَسُول الله فعلى مَا نطلع من الْجنَّة قَالَ على أَنهَار من عسل مصفى وأنهار من كأس مَا بهَا صداع وَلَا ندامة ثمَّ بَايعه على أَن يحل حَيْثُ شَاءَ وَلَا يجر عَلَيْهِ إِلَّا نَفسه
يرويهِ إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن عبد الرحمن بن الْمُغيرَة حَدثنِي عبد الرحمن بن عَيَّاش السمعي الْأنْصَارِيّ عَن دلهم بن الْأسود عَن عَاصِم ابْن لَقِيط أَن لَقِيط بن عَامر خرج وافدا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر ذَلِك عَنهُ فِي حَدِيث فِيهِ طول اختصرته واقتصرت مِنْهُ على مَا يُفَسر
قَوْله فَأرْسل السَّمَاء بهضب أَي بمطر يُقَال هضبت السَّمَاء تهضب هضبا قَالَ الْكُمَيْت من الطَّوِيل ... سحابته مَا شمتها فَهِيَ تهضب ...
(1/531)

أَي تمطر وَقَالَ العجاج [من الرجز] ... سَحا أهاضيب وبرقا مرعجا ... فالأهاضيب دفعات من الْمَطَر وَهُوَ جمع الْجمع كَأَنَّهُ جمع أهضاب وأهضاب جمع هضب مثل قَول وأقوال وأقاويل
والمرعج من الْبَرْق هُوَ المتتابع يُقَال أرعج الْبَرْق وارتعج إِذا كثر وتتابع
وَقَوله أنبئك بِمثل ذَلِك فِي إل الله الإل هَاهُنَا بِمَعْنى الربوية وَمِنْه قَول أبي بكر حِين سمع كَلَام مُسَيْلمَة إِنَّه لكَلَام لم يخرج من إل كَأَنَّهُ أَرَادَ أخْبرك بِمثل ذَلِك فِي قدرته وَفِي إلاهيته
فإل فِي غير هَذَا الْعَهْد وَهُوَ أَيْضا الْقَرَابَة
وَقَوله فتخرجون من الأصواء يَعْنِي الْقُبُور وأصل الأصواء الْأَعْلَام تنصب فِي الأَرْض للهدى شبه الْقُبُور بهَا وَهِي أَيْضا الصوى وَاحِدهَا صوة وَمِنْه الحَدِيث إِن
(1/532)

لِلْإِسْلَامِ صوى ومنارا كمنار الطَّرِيق قَالَ رؤبة وَذكر السراب [من الرجز] ... إِذا جرى بَين الفلا رهاؤه ... وخشعت من بعده أصواؤه ...
يَقُول تنظر إِلَى أَعْلَامه صغَارًا من بعده كَأَنَّهَا خاشعة وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الصوة الْمَكَان الْمُرْتَفع فِيهِ غلظ والجميع صوى وَأنْشد لحميد بن ثَوْر الْهِلَالِي فِي وصف طَرِيق [من الطَّوِيل] ... يجر إِلَى أصوائه عَن طَرِيقه ... عِظَام مطي كالمحاجن تبرق ...
وَقَوله أشرفت عَلَيْهَا وَهِي شربة وَاحِدَة هَكَذَا رَوَاهُ وَأَنا من ذَلِك على ارتياب فَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ الْمَحْفُوظ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن المَاء قد كثر فَمن حَيْثُ أردْت أَن تشرب شربت وَإِن كَانَ الْمَحْفُوظ شربة وَاحِدَة بِفَتْح الرَّاء فَإِن الشربة حَوْض يكون فِي اصل النَّخْلَة يمْلَأ بِمَاء لشربها يُرِيد أَن المَاء قد وقف فِي مَوَاضِع مِنْهَا فَشبه تِلْكَ الْمَوَاضِع بالشربات قَالَ زُهَيْر يذكر الضفادع [من الْبَسِيط] ... يخْرجن من شربات مَاؤُهَا طحل ... على الْجُذُوع يخفن الْغم والغرقا ...
(1/533)

وَقَالَ بعض الْعلمَاء غلط زُهَيْر فِي توهمه أَن خُرُوج الضفادع من المَاء مَخَافَة الْغم وَالْغَرق وَلَيْسَ خروجهن لذَلِك قَالَ وَأما قَول أبي ذُؤَيْب [من الطَّوِيل] ... ضفادعه غرقى رواء كَأَنَّهَا ...
فَإِنَّهُ مثل قَوْلهم فلَان غرق فِي النَّعيم وَكَذَلِكَ قَول طفيل [من الطَّوِيل] ... فصادفن جونا للعلاجيم فَوْقه ... مجَالِس غرقى لَا يحلأ ناهله ...
وَبَعض الْمُحدثين يرويهِ شرية وَاحِدَة والشرية الحنظلة وَجَمعهَا شري فَإِن كَانَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن الأَرْض قد اخضرت بالنبات فَكَأَنَّهَا شرية وَاحِدَة وَوصف الأَرْض بالنبات فِي هَذَا أشبه بِالْمَعْنَى من اللَّفْظَيْنِ الْأَوَّلين لِأَنَّهُ شبه من أَحْيَاهُ الله من الْمَوْتَى بالنبات الَّذِي أخرجه الله من الأَرْض الهامدة بالمطر وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله وَهُوَ أقدر على أَن يجمعكم من المَاء على أَن يجمع نَبَات الأَرْض وَمثله فِي حَدِيث لَهُ آخر قَالَ كَيفَ يبْعَث الله الْمَوْتَى فَقَالَ اضْرِب لَك مثلا هَل مَرَرْت
(1/534)

بواد أهلك محلا قَالَ نعم قَالَ ثمَّ مَرَرْت بِهِ يَهْتَز خضرًا قَالَ نعم قَالَ فَكَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى
والحنظل أَخْضَر ناعم قَالَ ذُو الرمة وَذكره [من الطَّوِيل] ... إِذا مَا المطايا سفنها لم يذقنها ... وَإِن كَانَ أَعلَى نبتها نَاعِمًا نضرا ...
وَيضْرب بهَا الْمثل فِي البريق وَالَّذِي قَالَ أَبُو النَّجْم يصف إبِلا [من الرجز] ... شربت والحشو من حفانها كالحنظل ...
قَالَ الْأَصْمَعِي شبهها بهَا فِي البريق والري وَذَلِكَ أَن الحنظلة إِذا شققتها قطرت مَاء والريطة الملاءة إِذا لم تكن لفقين وَجَمعهَا رياط وريط فَإِذا كَانَت لفقين فَلَيْسَتْ بريطة
وَقَوله فتخطمه بِمثل الحمم الْأسود أَي تصيب خطمه يُقَال رأست الرجل وبطنته وكبدته وخطمته فَأَنا أرأسه وأبطنه وأكبده وأخطمه كل هَذَا إِذا أردْت أَنَّك أصبت شَيْئا من ذَلِك وَمِنْه الحَدِيث فِي دَابَّة الأَرْض إِن مَعهَا
(1/535)

عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان فتجلو وَجه الْمُؤمن بالعصا وتخطم أنف الْكَافِر بالخاتم
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ فِي بَيت أَوْس بن حجر [من الطَّوِيل] ... يجود وَيُعْطِي المَال من غير ضنة ... ويخطم أنف الأبلخ المتغشم ...
هَذَا مثل أَي يضْرب أَنفه فَيجْعَل لَهُ أثرا مثل أثر الخطام فَيردهُ بصغر
والحمم الفحم واحدته حممة وَقَوله يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة فَيَقُول حس هَذِه كلمة يَقُولهَا الْإِنْسَان إِذا أَصَابَهُ الشَّيْء غَفلَة فأمضه وَأحرقهُ كالجمرة تسْقط على يَده أَو الْجراحَة تقع بِهِ وَقَالَ طَلْحَة ذَلِك حِين أُصِيبَت يَده يَوْم أحد فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَ ذكر الله لدخلت يَده الْجنَّة أَو لدخل الْجنَّة وَالنَّاس ينظرُونَ
وَحكى أَبُو زيد ضَربته فَمَا قَالَ حس وَلَا بس مَفْتُوحَة الأول مَكْسُورَة الآخر وَمِنْه حَدِيث أبي رهم الْغِفَارِيّ قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير
(1/536)

فِي مضيق وَإِلَى جَنْبي رجل ضغطه بعض المرار فَقَالَ حس فَنَظَرت فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا عرفني سَأَلَني عَن قوم تخلفوا عَنهُ
والمرار الْحَبل وَقَوله وَيَقُول رَبك وَإنَّهُ فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن تجْعَل إِنَّه بِمَعْنى نعم
وَالْآخر أَن تجْعَل الْكَلَام مُخْتَصرا مُقْتَصرا مِمَّا بعده عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ وَإنَّهُ كَذَلِك أَو أَنه على مَا تَقول وَمثله قَول الشَّاعِر من مجزوء الْكَامِل ... بكرت عَليّ عواذلي ... يلحينني وألومهنه
وَيَقُلْنَ شيب قد علاك ... وَقد كَبرت فَقلت إِنَّه ...
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه بِمَعْنى نعم وَقَالَ أَعْرَابِي وَهُوَ ابْن الزبير الْأَسدي لِابْنِ الزبير لَا حملت نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك
(1/537)

فَقَالَ إِن وصاحبها وَقَالَ بعض أَرَادَ إِنَّه كَمَا تقلن فَحذف اختصارا وَمثل هَذَا من الِاخْتِصَار فِي الْقُرْآن والأشعار كثير قَالَ النمر بن تولب [من المتقارب] ... فَإِن الْمنية من يخشها ... فَسَوف تصادفه أَيْنَمَا
وَإِن تتخطاك أَسبَابهَا ... فَإِن قصاراك أَن تهرما ...
أَرَادَ أَيْن مَا ذهب أَو أَيْن مَا كَانَ وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب [من الطَّوِيل] ... عصيت إِلَيْهَا الْقلب إِنِّي لأَمره ... سميع فَمَا أَدْرِي أرشد طلابها ...
أَرَادَ أرشد هُوَ أُمَم غي فَحذف
وَقَوله لَا يظمأ ناهله يَقُول من روى مِنْهُ لم يعطش بعد ذَلِك والناهل الَّذِي قد شرب حَتَّى رُوِيَ
وَقد يكون فِي غير هَذَا الْموضع العطشان وَهُوَ حرف من الأضداد
(1/538)

قَالَ النَّابِغَة [من السَّرِيع] ... والطاعن الطعنة يَوْم الوغى ... ينهل مِنْهَا الأسل الناهل ...
أَتَى بالمعنيين جَمِيعًا فِي الْبَيْت أَي يرْوى مِنْهَا الرمْح والعطشان وَيُقَال أصل الْحَرْف وَهُوَ الرّيّ وَإِنَّمَا قيل للعطشان ناهل على وَجه التفاؤل لَهُ بِالريِّ والتطير من الْعَطش كَمَا قيل للديغ سليم وللفلاة مفازة
وَقَوله قدح مطهرة من الطوف فأنث الْقدح لِأَنَّهُ ذهب إِلَى الشربة وَكَذَلِكَ أنثوا الكأس لأَنهم ذَهَبُوا إِلَى الْخمر ثمَّ صَار الكأس اسْما للخمر إِذْ كَانَت تكون فِيهِ أَلا ترَاهُ يَقُول وأنهار من كأس أَي من خمر وَقَالَ الْأَعْشَى [من المتقارب] ... وكأس شربت على لَذَّة ... وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا ...
وَمثل هَذَا قَوْلهم للعنب خمر لِأَنَّهَا مِنْهُ تعصر وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَول الله تَعَالَى {إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا}
(1/539)

قَالَ أَي أعصر عنبا
وحَدثني أبي قَالَ أَخْبرنِي سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي عَن مُعْتَمر قَالَ لقِيت حميريا مَعَه عِنَب فَقلت مَا مَعَك فَقَالَ خمر وَلَقِيت آخر عمانيا أَو حميريا فَقلت مَا مَعَك قَالَ سخام والسخام الفحم وَمِنْه قيل سخم الله وَجهه أَي سوده
والطوف الْحَدث من الطَّعَام وَهُوَ من الصَّبِي قبل أَن يطعم العقي يُقَال إطاف الرجل يُطَاف أطيافا إِذا قضى حَاجته وَيُقَال عقى الصَّبِي يعقى عقيا وَالِاسْم العقي بِكَسْر الْعين وَمثله مِمَّا يُخَالف مصدره الِاسْم الْقسم مصدر قسمت وَالْقسم النَّصِيب والسقي مصدر سقيت والسقي الْحَظ من المَاء يُقَال كم سقِِي أَرْضك أَي كم حظها من المَاء
وَمن الطوف الحَدِيث لَا يُصَلِّي أحدكُم وَهُوَ يدافع الطوف وَالْبَوْل
(1/540)

وَفِي حَدِيث آخر وَهُوَ يدافعه الأخبثان يعنيهما والأذى هَاهُنَا الْحيض قَالَ الله جلّ وَعز {ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى} يُرِيد أَنه من شرب تِلْكَ الشربة طهر من الْحَدث وَالْحيض قَالَ الله تَعَالَى {وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة} يَعْنِي من الْحيض وَالْحَدَث وَالْبَوْل وَجَمِيع النَّجَاسَات
وَقَوله وَلَا يجر عَلَيْهِ إِلَّا نَفسه يُرِيد أَنه لَا يُؤْخَذ بجريرة غَيره لَا وَالِد وَلَا ولد وَلَا عشيرة وَهَكَذَا كَقَوْلِه فِي حَدِيث آخر لرجل رأى مَعَه ابْنه فَقَالَ لَا يجنى عَلَيْك وَلَا يجنى عَلَيْهِ
وكقول الله تَعَالَى {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} وَهُوَ خلاف مَا رُوِيَ عَن زِيَاد وَالْحجاج من قَول كل وَاحِد مِنْهُمَا على الْمِنْبَر لآخذن البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر
(1/541)

حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سَأَلَ جرير ابْن عبد الله عَن منزله ببيشة فوصفها جرير فَقَالَ سهل ودكداك وَسلم وحمص وعلاك بَين نَخْلَة ونخلة ماؤنا ينبوع وجنابنا مريع وشتاؤنا ربيع فَقَالَ لَهُ يَا جرير إياك وسجع الْكُهَّان هَكَذَا قَالَ ابْن دأب فَأَما غَيره فيخالفه فِي بعض هَذِه الْأَلْفَاظ
حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن مُسلم عَن إِسْمَاعِيل بن مهْرَان عَن الديَّان بن عباد الْمذْحِجِي عَن عَمْرو بن مُوسَى الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله ابْن عتبَة عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ شتاؤنا ربيع وماؤنا يميع أَو يريع لَا يُقَام ماتحها وَلَا يحسر صابحها وَلَا يعزب سارحها فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن خير المَاء الشبم وَخير المَال الْغنم وَخير المرعى الْأَرَاك وَالسّلم إِذا أخلف كَانَ لجينا وَإِذا سقط كَانَ درينا وَإِذا أكل كَانَ لبينا
(1/542)

فِي أَلْفَاظ اختصرتها واقتصرت مِنْهَا على مَا يُفَسر
وَفِي الحَدِيث أَنه قَالَ خلق الله الأَرْض السُّفْلى من الزّبد الْجفَاء وَالْمَاء الكباء
الدكداك من الرمل مَا التبد مِنْهُ بِالْأَرْضِ وَلم يرْتَفع ذَلِك الِارْتفَاع وَأَرَادَ أَن أَرضهم غير ذَات حزونة وَالسّلم شجر من العضاه واحدته سَلمَة وَبهَا سمي الرجل سَلمَة والحمض من النبت مَا كَانَت فِيهِ ملوحة مثل الرمث والهرم والنجيل والقلام وَيُقَال هُوَ القاقلى وَالْعرب تَقول الْخلَّة خبز الْإِبِل والحمض لَحمهَا أَو فاكهتها
والخلة مَا لم تكن فِيهِ ملوحة من صغَار الشّجر الَّذِي ترعاه الْإِبِل فَإِذا ملت الْخلَّة حولت إِلَى الحمض
والعلاك شجر ينْبت بالحجاز وَهُوَ العلك قَالَ لبيد وَذكر إبِلا [من الْكَامِل] ... لتقيظت علك الْحجاز مُقِيمَة ... فجنوب ناصفة لقاح الحوأب ...
والجناب مَا حول الْقَوْم والمريع الخصيب
(1/543)

وَقد ذكرته فِي حَدِيث اسستقاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله ماؤنا يميع أَي يسيل من علو وكل سايل فَهُوَ مايع وَمن رَوَاهُ تريع أَرَادَ يعود ويثوب وكل شَيْء عَاد فقد رَاع
وَقَوله لَا يُقَام ماتحها الماتح المستقي الَّذِي ينْزع بالدلو والمائح الَّذِي ينزل فِي الْبِئْر إِذا قل المَاء فَيمْلَأ الدَّلْو أَرَادَ أَن ماءها جَار على وَجه الأَرْض فَلَيْسَ يُقَام بهَا ماتح لِأَن الماتح يحْتَاج إِلَى إِقَامَته على الْآبَار
وَقَوله وَلَا يحسر صابحها يُرِيد أَنه لَا يعي وَلَا يكل يُقَال حسرت من كَذَا أحسر فَأَنا حسيرا إِذا كللت وانقطعت وَيُقَال للبعير إِذا قَامَ إعياء وكلالا قد حسره السّير وَهَذِه إبل حسرى قَالَ الله جلّ وَعز {يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير}
والصابح الَّذِي يصبح الْإِبِل أَي يسقيها صباحا يَقُول لَيْسَ يتعب فِي سقيها حَتَّى يحسر لِأَنَّهُ يوردها مَاء ظَاهرا على وَجه الأَرْض فَهِيَ تشرب من غير أَن يَسْتَقِي لَهَا أَو يمتح وَلَو كَانَت ترد آبارا لاحتاج إِلَى أَن يَسْتَقِي لَهَا مخسر
(1/544)

وَقَوله وَلَا يعزب سارحها والسارح مَا سرح من الْأَنْعَام يُقَال سرحت الْإِبِل وَالْغنم إِذا غَدَتْ للمرعى لَا تعزب يُرِيد أَنه لَا يبعد إِذا خرج يرْعَى لِأَنَّهُ يجد بِالْقربِ من مَنَازِلهمْ مرعى يَكْفِيهِ فَهُوَ لَا يعزب وَلكنه يرْعَى فِي جنابهم وناحيتهم
وَقَوله خير المَاء الشبم هَكَذَا رُوِيَ والشبم الْبَارِد والشبم الْبرد وَأَنا أَحْسبهُ السنم والسنم المَاء على وَجه الأَرْض وكل شَيْء علا شَيْئا فقد تسنمه وَيُقَال للشريف سنيم وَهَذَا مَأْخُوذ من السنام وَهَذَا أشبه بِمَا ذكره عَن مَائِهِمْ لِأَنَّهُ قَالَ وماؤنا يميع أَي يجْرِي من علو فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير المَاء السنم أَي مَا كَانَ ظَاهرا على الأَرْض وَلم يذكر جرير أَن مَاءَهُمْ بَارِد
فَيَقُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير المَاء الشبم قَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَول الله جلّ وَعز {ومزاجه من تسنيم} أَنه يمزج بِمَا ينزل من علو
وَقَوله إِذا أخلف يُرِيد إِذا أخرج الخلفة وَهِي ورق يخرج بعد الْوَرق الأول فِي الصَّيف وَيكون إِذا أخلف فَلم يحمل واللجين هُوَ الْخبط بِعَيْنِه وَذَلِكَ إِن ورق الْأَرَاك
(1/545)

وَالسّلم يخبط حَتَّى يسْقط ويجف ثمَّ يدق حَتَّى يتلجن أَي يلتزج وَيصير كالخطمي ثمَّ تؤجره الْإِبِل وكل شَيْء تلزج فقد تلجن قَالَ الشماخ [من الوافر] ... وَمَاء قد وَردت لوصل أروى ... عَلَيْهِ الطير كالورق اللجين ...
قَالُوا وَمِنْه قيل للناقة البطيئة الثَّقِيلَة لجون
وَقَوله إِذا سقط كَانَ درينا يُرِيد أَنه إِذا سقط ثمَّ أَخذ جافا كَانَ درينا والدرين حطام المرعى إِذا قدم قَالَ الشماخ وَذكر نَاقَة [من الوافر] ... تعللها مسود الدرين
وَقَوله إِذْ أكل لبينا أَي مدرا للبن مكثرا لَهُ يُرِيد أَنه يلبن النعم إِذا رعته يَعْنِي البرير وَحمل السّلم وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل كَمَا يُقَال قدير بِمَعْنى قَادر وحفيظ بِمَعْنى حَافظ وَكَذَلِكَ لبين بِمَعْنى لِابْنِ للنعم وَكَأَنَّهَا يُعْطِيهَا اللَّبن كَمَا يَقُول لبِنْت الْقَوْم وسمنتهم إِذا أدمتهم اللَّبن وَالسمن
والزبد الْجفَاء هُوَ مَا جفاه الْوَادي فَرمى بِهِ هَذَا أَصله
(1/546)

يُقَال أجفأت الْقدر بزبدها إِذا ألقته قَالَ الله تَعَالَى {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} فَأَرَادَ أَنه خلق الأَرْض من زبد اجْتمع للْمَاء وتكاثف فِي جنبات المَاء وَالْمَاء الكباء هُوَ الْعَظِيم العالي وَمِنْه يُقَال فلَان كابي الرماد أَي عَظِيم الرماد منتفخه وَقد كبا الْفرس يبكو إِذا رَبًّا وانتفخ وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَيْضا مَا انتفخ على المَاء وَربا من الزّبد
(1/547)

حَدِيث ذِي المشعار مَالك بن نمط الْهَمدَانِي
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن وَفد هَمدَان قدمُوا عَلَيْهِ فَلَقوهُ مُقبلا من تَبُوك فَقَالَ مَالك بن نمط يَا رَسُول الله نصية من هَمدَان من كل حَاضر وباد أتوك على قلص نواج مُتَّصِلَة بحبائل الْإِسْلَام لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام عَهدهم لَا ينْقض عَن سنة ماحل وَلَا سَوْدَاء عنقفيز مَا قَامَت لعلع وَمَا جرى اليعفور بصلع
فَكتب لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله لمخلاف خارف وَأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مَعَ وافدها ذِي المشعار مَالك بن نمط وَمن أسلم من قومه على أَن لَهُم فراعها ووهاطها وعزازها مَا أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة يَأْكُلُون علافها ويرعون عفاءها لنا من دفئهم
(1/548)

وصرامهم مَا سلمُوا بالميثاق وَالْأَمَانَة وَلَهُم من الصَّدَقَة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري وَعَلَيْهِم بِهِ الصالغ والقارح هُوَ من حَدِيث أبي روق
قَوْله نصية من هَمدَان أَي رُؤَسَاء مختارون مِنْهُم يُقَال هَؤُلَاءِ نصية قَومهمْ أَي خيارهم وَهَذِه نصية الْإِبِل أَي خِيَارهَا وانتصيت من الْقَوْم رجلا أَي اخترته وأحسب أصل الْحَرْف من الناصية كني عَن الْخِيَار بهَا كَمَا كنى عَنْهُم بِالرَّأْسِ يُقَال هَذَا رَأس قومه وَهَؤُلَاء رُؤُوس الْقَوْم وكما كني عَن الأرذال بالأذناب لِأَن رَأس كل شَيْء خَيره وَأَعلاهُ وذنب كل شَيْء شَره وَأَدْنَاهُ وَرُبمَا كني عَن الْأَشْرَاف بالناصية فَيُقَال هَؤُلَاءِ نواصي الْقَوْم وَأُولَئِكَ أذنابهم قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... قوم هم الرَّأْس والأذناب غَيرهم ... وَمن يُسَوِّي بأنف النَّاقة الذنبا ...
وَبِهَذَا الْبَيْت قيل هُوَ أنف النَّاقة
والقلص شواب النوق وَاحِدهَا قلُوص والنواجي السراع واحدتها نَاجِية وَبهَا سمي الرجل وَيُقَال نجت تنجو والنجاء الِاسْم وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي السّير
وخارف ويام قبيلتان ينْسب إِلَيْهِمَا فَيُقَال فلَان الخارفي
(1/549)

واليامي من يام
والمخلاف لأهل الْيمن كالرستاق لغَيرهم وَجمعه مخاليف وَقَوله وعدهم لَا ينْقض عَن سنة مَا حل والماحل السَّاعِي بالنمائم والإفساد بَين النَّاس يَقُول لَيْسَ ينْقض عَهدهم بسعي مَا حل فِي النَّقْص وَهُوَ سنته أَي طَرِيقَته وَهَذَا كَمَا نقُول أَنا لَا أفسد مَا بيني وَبَيْنك بمذاهب الأشرار يُرِيد بإفسادهم وسعايتهم
وَقَوله وَلَا سَوْدَاء عنقفير وَهِي الداهية أَي لَا ينْقض عَهدهم من داهية عَظِيمَة تنزل بهم وتضطرهم إِلَى النَّقْض وَلَكنهُمْ يُقِيمُونَ على الْعَهْد وَمِمَّا كَانُوا يكتبونه فِي عهودهم مِمَّا يشبه هَذَا لكم الْوَفَاء منا بِمَا أعطيناكم فِي الْعسر واليسر وعَلى المنشط وَالْمكْره
ولعلع جبل أَي لكم الْوَفَاء مَا قَامَ هَذَا الْجَبَل يُرِيدُونَ أبدا وَمَا جرى اليعفور وَهُوَ ولد الْبَقَرَة بصلع وَهِي
(1/550)

الصَّحرَاء البارزة المستوية الَّتِي لَا نبت فِيهَا وَمثله فِي حَدِيث لُقْمَان بن عَاد إِلَّا أر مطمعي بوقاع بصلع
وجناب الهضب مَوضِع وحقاف الرمل جمع حقف وَيجمع أَيْضا أحقاف وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {إِذْ أنذر قومه بالأحقاف} يُقَال كَانَت مَنَازِلهمْ بالرمل والحقف من الرمل مَا اعوج واستطال وَمِنْه يُقَال لما اعوج قد احقوقف
والفراع أعالي الْجبَال وَمَا أشرف من الأَرْض وَاحِدهَا فرعة
والفرعة فِي غير هَذَا القملة وَمِنْه حسان بن الفريعة إِنَّمَا هُوَ تَصْغِير فرعة وَيُقَال جبل فارع إِذا كَانَ عَالِيا وَامْرَأَة فارعة إِذا كَانَت طَوِيلَة
والوهاط الْمَوَاضِع المطمئنة وَاحِدهَا وهط وَبِه سمي
(1/551)

الوهط وَهُوَ مَال كَانَ لعَمْرو بن الْعَاصِ بِالطَّائِف
والعزاز مَا صلب من الأَرْض وَهُوَ الْجلد وَأخذ من قَوْلك تعزز لحم النَّاقة إِذا اشْتَدَّ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {فعززنا بثالث} أَي قوينا الِاثْنَيْنِ بثالث قَالَ الزُّهْرِيّ كنت أختلف إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أكتب عَنهُ فَكنت أقوم لَهُ إِذا خرج وأسوي ثِيَابه إِذا ركب ثمَّ ظَنَنْت إِنِّي قد استفرغت مَا عِنْده فَخرج يَوْمًا فَلم أقِم لَهُ فَقَالَ لي إِنَّك فِي العزاز فَقُمْ والعزاز يكون فِي أَطْرَاف الأَرْض وجوانبها فَإِذا توسطتها صرت فِي السهولة واللين فَأَرَادَ عبيد الله إِنَّك بعد فِي الْأَوَائِل من الْعلم والأطراف وَلم تبلغ الأوساط فعد إِلَى التَّعْظِيم الَّذِي كنت عَلَيْهِ إِذْ كنت لم تستغن وَلم تكمل
وَقَوله يَأْكُلُون علافها جمع علف يُقَال علف وعلاف كَمَا يُقَال جمل وجمال وَيُقَال أَيْضا أعلاف كَمَا يُقَال أحمال
والعفاء من الأَرْض مَا لَيْسَ لأحد فِيهِ شَيْء
(1/552)

وَقَوله لنا من دفئهم يَعْنِي من إبلهم وشائهم وَسميت دفأ لما يتَّخذ من أوبارها وأصوافها من الأكسية والبيوت وَغير ذَلِك مِمَّا يستدفأ بِهِ قَالَ الله تَعَالَى {والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع}
والصرام النّخل لِأَنَّهُ يصرم أَي يجتنى ثمره وأصل الصرم الْقطع وَيكون الصرام التَّمْر بِعَيْنِه
وَقَوله لنا من ذَلِك مَا سلمُوا بالميثاق وَالْأَمَانَة يُرِيد أَنهم مأمونون على صدقَات أَمْوَالهم بِمَا أَخذ عَلَيْهِم من الْمِيثَاق وَلَا يبْعَث فِيهِ إِلَيْهِم مُصدق وَلَا عَاشر
وَقَوله لَهُم من الصَّدَقَة الثلب وَهُوَ من الْإِبِل الذُّكُور الَّذِي قد تَكَسَّرَتْ أَسْنَانه
وَكتب عَمْرو بن الْعَاصِ مُعَاوِيَة إِنَّك قد جربتني فوجدتني لست بالغمر الضَّرع وَلَا الثلب الفاني والضرع الصَّغِير والناب الهرمة من النوق سميت بذلك لِأَن نابها يطول
(1/553)

إِذا هرمت وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لرجل من بني نهد كَيفَ أَنْت عِنْد الْقرى قَالَ ألصق وَالله بالناب الفانية وَالْبكْر والضرع
قَوْله ألصق بالناب يُرِيد أَنه يعرقها إِذا عرقها ألصق بهَا السَّيْف فاختصر قَالَ الرَّاعِي وَذكر أضيافا طرقوه [من الطَّوِيل] ... فأومأت إِيمَاء خَفِيفا لحبتر ... وَللَّه ثوبا حبتر أَيّمَا فَتى
وَقلت لَهُ ألحق بأيبس سَاقهَا ... فَإِن يجْبر العرقوب لَا يرقأ النسا ...
والفارض المسنة وَمِنْه قَول الله تَعَالَى {لَا فارض وَلَا بكر} أَي لَا كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة
والداجن الَّتِي يعلفها النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلَا يبْعَث بهَا إِلَى المرعى
والصالغ من الْغنم وَالْبَقر الَّذِي كمل وانتهت سنه وَذَلِكَ فِي
(1/554)

السّنة السَّادِسَة مِنْهُ
والقارح من الْخَيل مثله والكبش الحوري أرَاهُ مَنْسُوبا إِلَى الْحور وَهِي جُلُود حمر تتَّخذ من جُلُود الْمعز وَمن جُلُود بعض الضَّأْن قَالَ أَبُو النَّجْم يذكر قَتِيلا [من الرجز] ... كَأَنَّمَا برقع خديه الْحور ...
يَقُول صَار الدَّم على خديه فَكَأَنَّهُ حور لحمرته
(1/555)

آخر الْجُزْء الثَّانِي
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على رَسُوله سيدنَا الْمُصْطَفى مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَسلم تَسْلِيمًا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
فرغ من نسخه لنَفسِهِ عبد الغني بن عبد الواحد بن عَليّ الْمَقْدِسِي بفسطاط مصر حرسه الله فِي محرم سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ يسْتَغْفر الله من ذنُوبه ويسأله الْعَفو عَن زللة وَسُوء عمله
وَأَن يمن عَلَيْهِ ببلوغ أمله قبل انْقِضَاء أَجله إِنَّه على كل شَيْء قدير وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
(1/556)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أخبرنَا القَاضِي الْأَجَل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أدبنا أَبُو يَعْقُوب ابْن خرزاذ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن المهلبي قَالَ أخبرنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة قَالَ أخبرنَا أبي
حَدِيث أبي بكر الصّديق عبد الله بن عُثْمَان
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي بكر أَنه ركب فرسا يشوره فَقَامَ إِلَيْهِ فَتى من الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُ احملني عَلَيْهِ يَا خَليفَة رَسُول الله فَقَالَ أَبُو بكر لِأَن أحمل عَلَيْهِ غُلَاما ركب الْخَيل على غرلته أحب إِلَيّ من أَن أحملك عَلَيْهِ فَقَالَ أَنا وَالله أَفرس عَلَيْهِ مِنْك وَمن أَبِيك قَالَ الْمُغيرَة فَمَا تمالكت حِين سمعته أَن آخذه بأذنيه وَركبت أَنفه بركبتي فَكَأَن أَنفه مزادة انبعثت وَمن وَجه آخر عزلاء مزادة فتواثبت إِلَيّ رجال من الْأَنْصَار وَمضى أَبُو بكر فَلَمَّا رأى مَا يصنعون بِي قَالَ أَن الْمُغيرَة رجل وازع فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك أرسلوني
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو أُسَامَة عَن إِسْمَاعِيل بن
(1/557)

أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر
قَوْله يشوره أَي يعرضه يُقَال شار الدَّابَّة يشورها شورا إِذا عرضهَا وَالْمَكَان الَّذِي تعرض فِيهِ الدَّوَابّ يُسمى المشوار
حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي أَن أبجر الْعجلِيّ قَالَ لحجار ابْنه إياك والخطب فَإِنَّهَا مشوار كثير العثار
وَقَوله ركب الْخَيل على غرلته يُرِيد ركبهَا فِي صغره وَهُوَ أغرل أَي أقلف
والغرلة القلفة وفيهَا لُغَة أُخْرَى القلفة وَمثلهَا من الْكَلَام قِطْعَة وَقطعَة لقطع الْيَد وخدمة وخدمة وصلعة وصلعة
وَيُقَال رجل أغرل وأرغل وَهُوَ من المقلوب وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا
وَمن لم يركب الْخَيل على صغره فَهُوَ نَاقص الفروسية قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... لم يركبُوا الْخَيل إِلَّا بَعْدَمَا كبروا ... فهم ثقال على أكتافها ميل ...
(1/558)

حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن رجل عَالم بِالْخَيْلِ لم يسمه قَالَ كَانَ يُقَال إِن طفيلا ركب الْخَيل بغرلته وَرَآهَا أَهله وَأَن أَبَا دؤاد ملكهَا لنَفسِهِ ووهبها لغيره وللملوك
وَأَن النَّابِغَة الْجَعْدِي أسلم النَّاس وآمنوا ثمَّ اجْتَمعُوا فتحدثوا فَسمع مَا قَالُوا إِلَى مَا كَانَ سمع قبل ذَلِك
فَهَؤُلَاءِ نعات الْخَيل وَكَانُوا يَقُولُونَ من عَلَامَات السؤدد طول الغرلة
حَدثنِي عبد الرحمن عَن عَمه قَالَ أخبرنَا جَمِيع بن أبي غاضرة وَكَانَ شَيخا مسنا من أهل الْبَادِيَة وَكَانَ من ولد الزبْرِقَان بن بدر من قبل النِّسَاء
قَالَ كَانَ الزبْرِقَان يَقُول أبْغض صبياننا إِلَيّ الأقيعس الذّكر الَّذِي كَأَنَّمَا يطلع فِي جحرة وَإِن سَأَلَهُ الْقَوْم أَيْن أَبوك
(1/559)

هر فِي وُجُوههم وَقَالَ مَا تُرِيدُونَ من أبي
وَأحب صبياننا إِلَيّ الطَّوِيل الغرلة السبط الْغرَّة العريض الورك الأبله الْعُقُول الَّذِي يُطِيع عَمه ويعصي أمه وَإِن سَأَلَهُ الْقَوْم أَيْن أَبوك قَالَ مَعكُمْ
والأقيعس الذّكر هُوَ تَصْغِير أقعس والقعس فِي الظّهْر دُخُوله وَخُرُوج الصَّدْر والحدب دُخُول الصَّدْر وَخُرُوج الظّهْر
قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي من الطَّوِيل ... فَإِن حدبوا فاقعس وَإِن هم تقاعسوا ... لينتزعوا مَا خلف ظهرك فاحدب ...
كَأَنَّهُمْ كَانُوا يتفرسون بقعس الذّكر ويستدلون بِهِ على معنى من السوء كَمَا استدلوا بطول الغرلة على السِّيَادَة
وَقَوله الأبله الْعُقُول يُرِيد إِنَّه كالأبله لشدَّة حيائه وتعاقله وَهُوَ عقول وَهَذَا شَبيه بقول الشَّاعِر [من الْبَسِيط]
(1/560)

.. لَا خير فِي خب من ترجى فواضله ... فاستمطروا من قُرَيْش كل منخدع
كَأَن فِيهِ إِذا حاولته بلها ... عَن مَاله وَهُوَ وافي الْعقل والورع ...
وَيُقَال فِي مثل لَيْسَ أَمِير الْقَوْم بالخب الخدع
وَقَوله أَن الْمُغيرَة رجل وازع هُوَ من وزعت الرجل إِذا كففته عَن الشَّيْء يَفْعَله والوازع فِي الْجَيْش هُوَ أكبرهم يدبر أَمرهم ويضعهم مواضعهم وَيرد من شَذَّ مِنْهُم وَمن كَانَ كَذَلِك لم يقْتَصّ مِنْهُ إِذا أدب
والعزلاء فَم المزادة الْأَسْفَل وَجَمعهَا عزالي والمزادة الراوية وركبته أصبت أَنفه بركبتي وَهُوَ أَن يَأْخُذ بأذنيه فَيضْرب أَنفه بركبته يُقَال مِنْهُ ركبته أركبه ركبا
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه مر بِالنَّاسِ فِي معسكرهم بالحرف فَجعل يكْتب الْقَبَائِل حَتَّى مر ببني فَزَارَة فَقَامَ إِلَيْهِ رجل مِنْهُم فَقَالَ لَهُ
أيؤمر جبانكم قَالُوا نَحن يَا خَليفَة رَسُول الله أحلاس الْخَيل وَقد قدناها مَعنا فَقَالَ أَبُو بكر بَارك الله فِيكُم
(1/561)

حَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيم بن مُسلم عَن دَاوُد بن شَيبَان الْعَبْسِي عَن الْوَاقِدِيّ عَن عبد الرحمن بن إِبْرَاهِيم المري عَن يزِيد بن عبيد السَّعْدِيّ أبي وجزة
قَوْلهم نَحن أحلاس الْخَيل يُقَال هَؤُلَاءِ أحلاس الْخَيل إِذا كَانُوا يقتنونها ويضمرونها ويفتلونها ويلزمون ظُهُورهَا وَلِهَذَا يَقُول النَّاس لس من أحلاسها وَأرى أَصله من الحلس وَهُوَ كسَاء يكون تَحت البرذعة أَي نلزم ظُهُورهَا كَمَا يلْزم الحلس ظهر الْبَعِير والحلس أَيْضا بِسَاط يبسط فِي الْبَيْت وَمِنْه قيل فِي الحَدِيث كن حلْس بَيْتك أَي إلزمه فِي الْفِتْنَة والهرج لُزُوم الْبسَاط لَهُ وَيُقَال للَّذين يرَوْنَ هَذَا فِي الْفِتْنَة الحلسية
الرياشي قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِسْحَق بن تَوْبَة عَن حَمَّاد بن زيد قَالَ دخل الضَّحَّاك بن قيس على مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَة [من الطَّوِيل] ... تطاولت للضحاك حَتَّى رَددته ... إِلَى حسب فِي قومه متقاصر ...
فَقَالَ قد علم قَومنَا أننا أحلاس الْخَيل فَقَالَ لَهُ صدقُوا أَنْتُم أحلاسها وَنحن فرسانها
يُرِيد أَنْتُم راضة وساسة وَنحن الفرسان وَنَحْو هَذَا قَول
(1/562)

جرير [من الْكَامِل] ... تصف السيوف وغيركم يعْصى بهَا ... يَابْنَ القيون وَذَاكَ فعل الصيقل ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ كَانَ يخرج إِلَيْنَا وَكَأن لحيته ضرام عرفج
يرويهِ خَالِد عَن حُصَيْن عَن الْمُغيرَة بن شبْل عَن قيس بن أبي حَازِم الضرام لَهب النَّار وَمِنْه يُقَال اضطرمت النَّار إِذا التهبت والضرمة النَّار يُقَال مَا فِي الديار نافخ ضرمة أَي مَا بهَا أحد والعرفج نبت ضَعِيف تسرع النَّار فِيهِ ثمَّ لَا تلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى تطفأ
وَقيل لامْرَأَة من الْأَعْرَاب مالكن يَا معشر نسَاء آل فلَان رسحا فَقَالَت أرسحتنا نَار الزحفتين تَعْنِي نَار العرفج وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تسرع الالتهاب فِيهِ وتقوى حَتَّى تؤذي بحرها من يدنو فيزحفون للتاخر عَنْهَا وَاحِدَة ثمَّ يسْرع خمودها فيزحفون أُخْرَى للتقدم إِلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] ... يَا موقد النَّار أوقدها بعرفجة ... لمن تبينها من مُدْلِج ساري ...
(1/563)

أمره أَن يوقدها بعرفج لِأَن سنا ناره أَشد من سنا غَيرهَا لضَعْفه وَقلة دخانه هَذَا إِذا كَانَ يَابسا فَإِذا كَانَ رطبا فالمثل يضْرب بِهِ فِي كَثْرَة الدُّخان قَالَ الرَّاعِي [من الْكَامِل] ... كدخان مرتجل بِأَعْلَى تلعة ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا ...
وَإِنَّمَا شبه الْمُشبه لحية أبي بكر بسنا نَار العرفج الْيَابِس لِأَنَّهُ كَانَ يخضبها بِالْحِنَّاءِ ويشبعها خضابا فتشتد حمرتها
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه قَالَ لأسامة حِين أنفذ جَيْشه إِلَى الشَّام أغر عَلَيْهَا غَارة سحاء لَا تتلاقى عَلَيْك جموع الرّوم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حدّثنَاهُ أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه وحدثنيه أَيْضا عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق بِإِسْنَادِهِ إِلَّا أَنه قَالَ مسحاء أَو سنحاء
قَوْله سحاء هُوَ فعلاء من السح والسح الصب يُقَال يَدَاهُ تسحان أَي تصبان المَال صبا وَالسَّمَاء تسح أَي تصب وَمِنْه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمِين الله سحاء لَا يغيضها شَيْء اللَّيْل وَالنَّهَار أَي لَا ينقصها شَيْء
(1/564)

يُقَال غاض المَاء يغيض غيضا إِذا نقص وغضته أَنا وَمِنْه يُقَال للسمان من الشَّاء وَغَيرهَا سحاح
وَقَالَ خَالِد بن مَالك حِين نافره الْقَعْقَاع بن معبد أَنا أنحر للسحاح وأطعن بِالرِّمَاحِ وَأنزل بالتبراح والتبراح المتسع من الأَرْض
وخبرني عبد الرحمن عَن عَمه أَنه قَالَ فِي قَوْلهم لحم ساح هُوَ بِالتَّشْدِيدِ وَمَعْنَاهُ أَنه من سمنه يصب الودك صبا قَالَ الشَّاعِر [من الوافر] ... وربت غَارة أَوضعت فِيهَا ... كسح الخزرجي جريم تمر ...
يُرِيد أَنه صبها عَلَيْهِم كَمَا صب الخزرجي التَّمْر فَتفرق والجريم التَّمْر المصروم والجرام الصرام ومسحاء فعلاء من مسحهم يمسحهم إِذا مر بهم مرا خَفِيفا لم يقم فِيهِ عِنْدهم وَهُوَ يشبه الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ أَبُو بكر رَحمَه الله لِأَنَّهُ اراد أَن تكون غارته عَلَيْهِم غَارة سريعة لِئَلَّا تحشد لَهُ الرّوم وتجتمع عَلَيْهِ
وَمَا أَكثر مَا تَأتي فعلاء وَلم يَأْتِ للمذكر أفعل كَقَوْل
(1/565)

امْرِئ الْقَيْس [من الرمل] ... دِيمَة هطلاء فِيهَا وَطف ... طبق الأَرْض تحرى وتدر ...
وَلم يقل فِي الْمُذكر أهطل إِنَّمَا يُقَال سَحَاب هطل وكقول العجاج [من الرجز] ... حدواء جَاءَت من جبال الطّور ...
يُرِيد الشمَال وَجعلهَا حدواء لِأَنَّهَا تحدو السَّحَاب أَي تسوقه وَلَيْسَ يُقَال للمذكر أحدى إِنَّمَا يُقَال حاد وَكَذَلِكَ مسحاء وَلم يقل فِي الْمُذكر أَمسَح وَفِي مثل هَذِه الْغَارة أَو نَحْوهَا قَول ضَمرَة [من السَّرِيع] ... ماوي بل ربت مَا غَارة ... شعواء كاللذعة بالميسم ...
يُرِيد كَأَنَّهَا فِي سرعتها لذعة بميسم فِي وبر والشعواء المتفرقة
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه قَالَ فِي خطْبَة لَهُ أَلا إِن أَشْقَى النَّاس فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْمُلُوك الْملك إِذا ملك زهده الله فِيمَا عِنْده ورغبه فِيمَا فِي يَدي غَيره وانتقصه شطر أَجله وأشرب قلبه الإشفاق فَإِذا وَجب ونضب عمره وضحا ظله حَاسبه الله فأشد حسابه وَأَقل عَفوه وَقَالَ بعد ذَلِك فِي كَلَام لَهُ
(1/566)

وسترون بعدِي ملكا عَضُوضًا وَأمة شعاعا ودما مفاحا فَإِن كَانَت للباطل نزوة وَلأَهل الْحق جَوْلَة يعْفُو لَهَا الْأَثر وَتَمُوت السّنَن فالزموا الْمَسَاجِد واستشيروا الْقُرْآن وَليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر
قَوْله فَإِذا وَجب يُرِيد مَاتَ وأصل الْوُجُوب السُّقُوط يُقَال قد وَجَبت الشَّمْس تجب وجوبا إِذا غربت وَيُقَال دفعت الرجل فَوَجَبَ أَي سقط قَالَ الله جلّ وَعز {فَإِذا وَجَبت جنوبها}
وَيُقَال وَجب الْقلب إِذا خَفق وَيجب وجيبا
وَقَوله نضب عمره أَي نفد يُقَال نضب المَاء إِذا ذهب ينضب نضوبا قَالَ الْأَصْمَعِي وَالْأَصْل فِي نضب بعد
وَقَوله وضحا ظله أَي صَار شمسا وَإِذا صَار الظل شمسا فقد بَطل صَاحبه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه مَاتَ يُقَال ضحا الرجل يُضحي إِذا صَار فِي الشَّمْس وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز {وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى}
خبرني أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ هُوَ من الضحاء
(1/567)

وَهُوَ الْحر وَأنْشد بَيت عمر بن أبي ربيعَة [من الطَّوِيل] ... رَأَتْ رجلا أما اذا الشَّمْس عارضت ... فيضحى وَأما بالْعَشي فيخصر ...
وَمثل هَذَا الْمَعْنى قَول كثير [من الوافر] ... فَلَمَّا أَن رَأَيْت العيس صبَّتْ ... بِذِي المأثول مجمعة التوالي
وقحم سيرنا من قور حسمى ... مروت الرَّعْي ضاحية الظلال ...
وَقَوله مروت الرَّعْي يُرِيد جمع مرت وَهِي الأَرْض الملساء الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا يَقُول رعيها مرت أَي رعى بهَا وظلها ضاح أَي لَا ظلّ فِيهَا وَقَوله وَأمة شعاعا أَي مُتَفَرّقين مُخْتَلفين يُقَال ذهبت نَفسِي شعاعا اذا انتشرت وَقَالَ قيس بن الخطيم يصف طعنة [من الطَّوِيل] ... طعنت ابْن عبد الْقَيْس طعنة ثَائِر ... لَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع أضاءها ...
النفذ مخرج الدَّم والشعاع مَا تفرق من الدَّم وانتشر يَقُول لَوْلَا ذَلِك لَأَضَاءَتْ لَك حَتَّى يَسْتَنِير وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... فَلَا تتركي نَفسِي شعاعا فانها ... من الوجد قد كَادَت عَلَيْك تذوب ...
وَأما قَوْله ودما مفاحا فانه من قَوْلهم فاحت الشَّجَّة
(1/568)

تفيح فيحا اذا نفحت بِالدَّمِ وأفحتها أَنا وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ يُقَال للغارة فِي الْجَاهِلِيَّة فيحي فياح مَكْسُورَة مثل قطام وحذام وَكَذَلِكَ اذا دفعت أَي اتسعي وَقَوله فاح الدَّم نَفسه اذا سَالَ وَيُقَال دَار فيحاء وَمَكَان أفيح أَي وَاسع.
فَأَرَادَ انكم ترَوْنَ قتلا ذريعا فاشيا بِكُل مَكَان.
وَقَوله وَلأَهل الْحق جَوْلَة هُوَ من قَوْلك جال يجول فِي الْبِلَاد يُرِيد أَنهم لايستقرون على أَمر يعرفونه ويطمئنون اليه فهم متحيرون.
وَقَوله يعْفُو لَهَا الْأَثر أَي يدرس والعفاء موت الْأَثر.
حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي شيخ مسن من بني نهشل قَالَ كَانَ فِي أقطاع النَّاس اني أقطعتك من عفاء الأَرْض وَحقّ السُّلْطَان وَابْن السَّبِيل أول شَارِب.
قَالَ السجسْتانِي عَنهُ العفاء موت الْأَثر وَقَالَ الزيَادي عَنهُ عَفا الأَرْض مَا كَانَ عافيا لَيْسَ فِيهِ لمُسلم وَلَا لمعاهد شَيْء وَالْقَوْلَان جَمِيعًا متقاربان.
والصفقة وَمَا يجمعُونَ عَلَيْهِ يُقَال صفق الْقَوْم لَهُ بالبيعة وَأَصله من صفق يَده على يَده وَعنهُ يُقَال ربحت صفقتك اذا اشْتريت شَيْئا وَيُقَال أَتَت الحلفة صفقتهم أَي بيعتهم كَأَنَّهُمْ كَانُوا يتصافقون بِأَيْدِيهِم عِنْد كل أَمر يبرمونه فَيكون ذَلِك
(1/569)

كالحلف وَالدَّلِيل على انْقِطَاع الْأَمر وَيُقَال أصفق النَّاس لفُلَان أَي اجْتَمعُوا لَهُ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر حَدِيث الشَّفَاعَة انه قَالَ انما نَحن حفْنَة من حفنات الله تَعَالَى.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن اسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عَن سعيد ابْن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا بكر قَالَ ذَلِك.
الحفنة والحثوة شَيْء وَاحِد يُقَال حفن الْقَوْم من المَال وحاث لَهُم اذا أعْطى كل رجل مِنْهُم حثوة وانما أَرَادَ أَبُو بكر انا على كثرتنا يَوْم الْقِيَامَة قَلِيل عِنْد الله كالحفنة.
ويروى أَن عمر قَالَ: ان الله ان شَاءَ أَدخل خلقه الْجنَّة بكف وَاحِدَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق عمر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه ذكر الْمُسلمين فَقَالَ: فَمن ظلم مِنْهُم أحدا فقد أَخْفَر ذمَّة الله وَمن ولي من أَمر النَّاس شَيْئا فَلم يعطهم كتاب الله فَعَلَيهِ بهلة الله وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن نصر بن عمرَان أَو نصر بن عَاصِم عَن رَافع الطَّائِي عَن أبي بكر.
قَوْله أَخْفَر ذمَّة الله أَي نقض ذمَّة الله وَعَهده يُقَال
(1/570)

أخفرت فلَانا اذا كَانَ بَيْنك وَبَينه عهدا أَو حلف فنقضه وَقَالَ زيد الْخَيل [من الطَّوِيل] ... اذا أخفروكم مرّة كَانَ ذَلِكُم ... جيادا على فرسانهن العمائم ...
يَقُول اذا نقضوا مَا بَيْنكُم وَبينهمْ من الصُّلْح كَانَ ذَلِك النَّقْض فُرْسَانًا يغيرون عَلَيْكُم.
وَيُقَال خفرت الرجل بِغَيْر ألف اذا حفظته فَأَنا خفير.
قَالَ عدي بن زيد [من الْخَفِيف] ... من رَأَيْت الْمنون خلدن أم من ... ذَا عَلَيْهِ من أَن يضام خفير ...
وَأَرَادَ أَبُو بكر أَن الْمُسلم قد أَخذ من الله باسلامه عهدا أَو ذمَّة فَمن ظلمه فقد أَخْفَر تِلْكَ الذِّمَّة أَلا ترَاهُ يَقُول وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
وفيهَا لُغَتَانِ أخريان خفارة وخفارة وَمثله بِشَارَة ودراية اللَّبن ودوايته للَّذي يَعْلُو شبه الْجلْدَة الرقيقة.
وروى الْكسَائي الزِّيَارَة والزوارة وَقَالَ غَيره والفتاحة والفتاحة وَهِي المحاكمة والفتاح الْحَاكِم.
(1/571)

وَقَوله عَلَيْهِ بهلة الله أَي لعنته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين} .
وفيهَا لُغَة أُخْرَى بهلة وَمثله سدفة اللَّيْل وسدفة وجهمة وجهمة وبرهة من الدَّهْر وبرهة وَمَالِي عَلَيْهِ عرجة وَلَا عرجة وبقعة من الأَرْض وبقعة وَجَلَست نبذة ونبذة أَي نَاحيَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه أشرف من كنيف وَأَسْمَاء بنت عُمَيْس ممسكته وَهِي موشومة الْيَدَيْنِ حِين اسْتخْلف عمر فَكَلَّمَهُمْ.
يرويهِ وَكِيع عَن يُونُس بن أبي اسحاق عَن أبي السّفر.
وَقَوله أشرف من كنيف يَعْنِي من ستْرَة وكل شَيْء سترك فَهُوَ كنيف وَلذَلِك قيل للترس كنيف وَقَالَ لبيد من الوافر ... حريما يَوْم لم يمنح حريما ... سيوفهم وَلَا الحجف الكنيف ...
أَي السَّاتِر وَمِنْه يُقَال كنفت الرجل اذا حطته وَمِنْه يُقَال أَنْت فِي كنف الله أَي فِي ستر الله وَيُقَال أَيْضا كنف فلَان عَن الشَّيْء وصدف ونكب أَي عدل وَمِنْه قَول الْقطَامِي
(1/572)

[من الطَّوِيل [ ... ليعلم مَا فِينَا عَن البيع كانف ...
أَي عَادل.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه تزوج بنت خَارِجَة بن أبي زُهَيْر وهم بالسنح فِي بني الْحَارِث بني الْخَزْرَج فَكَانَ اذا أَتَاهُم تَأتيه النِّسَاء بأغنامهم فيحلب لَهُنَّ فَيَقُول أأنفج أم ألبد فان قَالَت أنفج باعد الاناء من الضَّرع حَتَّى تشتد الرغوة فان قَالَت ألبد أدنى الاناء من الضَّرع حَتَّى لَا يكون لَهُ رغوة.
يرويهِ يحيى بن آدم عَن ابْن ادريس عَن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الراهب.
قَوْله أأنفج هُوَ من نفجت الشَّيْء فانتفج أَي عَظمته وَمِنْه قيل انتفج الدَّابَّة اذا شرب المَاء فَعظم جنباه.
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ لمن ولدت لَهُ بنت هَنِيئًا لَك النافجة يُرِيدُونَ أَنه يَأْخُذ
(1/573)

مهرهَا ابلا يضمها الى ابله فينفجها.
وَقَوله أم ألبد هُوَ من لبد الشَّيْء يلبد لبودا وَتَلَبَّدَ أَيْضا اذا انْضَمَّ بعضه الى بعض يُقَال ألبد فلَان بِالْمَكَانِ فَهُوَ ملبد بِهِ اذا لزمَه وَأقَام بِهِ وَمِنْه قَول ابْن أبي بَرزَة وَذكر قوما يعتزلون الْفِتْنَة عِصَابَة ملبدة خماص الْبُطُون من أَمْوَال النَّاس خفاف الظُّهُور من دِمَائِهِمْ.
وخبرني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ وَمن أمثالهم تلبدي تصيدي يُرَاد انما تلبدتك لتثب وَمثله مخر نبق لينباع والمخر نبق اللاطيء لينباع أَي لينبسط فيثب وَأنْشد [من السَّرِيع] ... ثمَّة ينباع انبياع الشجاع ...
وَقَول الله جلّ وَعز: {كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا} هُوَ من هَذَا أَي كَادُوا يركبونه ويلبدون بِهِ رَغْبَة فِيمَا سمعُوا من الْقُرْآن وشهوة لَهُ.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ان الْجِنّ أَتَوا فَجعلُوا يركبون رَسُول
(1/574)

الله وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لبدا جماعات متظاهرين وَالْأَصْل من هَذَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان حسان لما هجا قُريْشًا قَالَت قُرَيْش ان هَذَا الشتم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عَن عَمه عَن ابْن أبي الزِّنَاد قَوْلهم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة لم يُرِيدُوا أَن أَبَا بكر واطأ حسان على الهجاء وَلَا حَضَره حِين هجاهم وانما أَرَادوا ان أَبَا بكر عَالم بالأنساب وَالْأَخْبَار وان ذَاك لم يخف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ رَحمَه الله هَذَا قَول الْأَصْمَعِي.
وَذكر ابْن اسحق ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لحسان: نافح عَن قَوْمك واسأله عَن معايب الْقَوْم يَعْنِي أَبَا بكر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان الْأَنْصَار قَالَت لقريش منا
(1/575)

أَمِير ومنكم أَمِير فجَاء أَبُو بكر فَقَالَ انا معشر هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش أكْرم النَّاس أحسابا وأثقبه أنساباء ثمَّ نَحن بعد عترة رَسُول الله الَّتِي خرج مِنْهَا وبيضته الَّتِي تفقأت عَنهُ وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا كَمَا جيبت الرَّحَى عَن قطبها.
يرويهِ زيد بن هرون عَن أبي مَالك النصري عَن عَليّ بن زيد قَوْله أثقبه أنسابا يُرِيد أبينهم وأوضحهم والثاقب المضيء يُقَال حسب ثاقب وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} أَي نجم مضيء.
يُقَال أثقب نارك والثقوب مَا تذكى بِهِ النَّار وَهُوَ مثل الْوقُود وَقَالَ أَبُو الْأسود [من الطَّوِيل] ... أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياء نَار أوقدت بثقوب ...
وَيُقَال أثقبت النَّار فثقبت وَمِنْه قَول سَاعِدَة [من الْكَامِل] غَابَ تشيمه ضرام مثقب
تشيمه دخل فِيهِ.
وَقَوله وَنحن عترة رَسُول الله يُرِيد رهطه وَقد بيّنت هَذَا فِي صدر هَذَا الْكتاب.
(1/576)

وَقَوله وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا يُرِيد خرقت الْعَرَب عَنَّا فَكُنَّا وسطا وَكَانَت الْعَرَب حوالينا كَمَا خرقت الرَّحَى فِي وَسطهَا للقطب وَهُوَ الَّذِي تَدور عَلَيْهِ فقريش كالقطب وَفِيه ثَلَاث لُغَات قطب وقطب وقطب وَيُقَال جبت الْقَمِيص اذا قورت جيبه وجبيته اذا جعلت لَهُ جيبا.
وَأَرَادَ أَن قُريْشًا وَاسِطَة الْعَرَب ولبابها وَلذَلِك قيل فِي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام هُوَ أوسطهم حسبا أَي خَيرهمْ ووسط كل شَيْء خَيره وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} . قَالَ الشَّاعِر [من الْكَامِل] ... كَانَت قُرَيْش بَيْضَة فتفلقت ... فالمخ خالصه لعبد منَاف ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان رجلا وقف عَلَيْهِ فلاث لوثا من كَلَام فِي دهش فَقَالَ أَبُو بكر قُم يَا عمر الى الرجل فَانْظُر مَا شَأْنه فَسَأَلَهُ عمر فَذكر أَنه ضافه ضيف فزنى بابنته.
يرويهِ يزِيد عَن مُحَمَّد بن اسحق عَن نَافِع عَن ابْن عمر أصل اللوث الطي يُقَال لثت الْعِمَامَة ألوثها لوثا وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وَلم ينفض الادلاج لوث العمائم ...
(1/577)

وَأَرَادَ أَنه تكلم بِكَلَام مطوي لم يشرحه وَلم يُبينهُ للاستحياء حَتَّى خلا بِهِ عمر فَصرحَ بِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان عبد الرَّحْمَن ابْنه قَالَ لَهُ لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لكنك لَو أهدفت لي لم أضف عَنْك.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين قَوْله لقد أهدفت لي أَي أشرفت لي يُقَال أهدف فلَان واستهدف للشَّيْء إِذا أربأ لَهُ وَمِنْه قيل للْبِنَاء الْمُرْتَفع هدف وَأرى هدف الرَّمْي مِنْهُ لِأَنَّهُ شَيْء إرتفع للرامي فَرَآهُ وَيُقَال فِي غير هَذَا الْموضع أهدفت الى فلَان أَي لجأت اليه.
وَقَالَ كَعْب الغنوي [من الطَّوِيل] ... عَظِيم رماد الْبَيْت يحتل بَيته ... الى هدف لم يحتجبه غيوب ...
ويحتل وَيحل وَاحِد والهدف الْموضع الْمُرْتَفع لم يحتجبه غيوب أَي لم يصر فِيهَا فيحجبه والغيوب مَا اطْمَأَن من الأَرْض وَاحِدهَا غيب يُرِيد انه ينزل الْمَوَاضِع المرتفعة لِئَلَّا يخفى مَكَانَهُ على ضيف أَو طَالب حَاجَة وَمثل هَذَا قَول الآخر
(1/578)

[من الطَّوِيل] ... عِظَام الْبيُوت ينزلون الروابيا ...
وَقَوله فضفت عَنْك أَي عدلت عَنْك وملت يُقَال ضاف فلَان عَن الشَّيْء وَمثله ضَاقَ قَالَ أَبُو زبيد [من الْخَفِيف] ... علل الْمَرْء بالرجاء ويضحى ... غَرضا للمنون نصب الْعود
كل يَوْم ترميه مِنْهَا برشق ... فمصيب أَو ضاف غير بعيد ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه أكل مَعَ رجل بِهِ ضروة من جذام. . هُوَ من ضرّ بِي الْعرق يضرو اذا سَالَ كَأَنَّهُ من الضراوة يُرَاد أَن داءه قد ضري بِهِ قَالَ العجاج [من الرجز] ... مِمَّا ضرى الْعرق بِهِ الضري ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه قَالَ فِي كَلَام لَهُ سلوا الله
(1/579)

الْعَفو والعافية والمعافاة وَاعْلَمُوا أَن الصَّبْر نصف الايمان وَالْيَقِين الايمان كُله.
أما الْعَفو فالعفو عَن الذُّنُوب يكون بَين الله وَبَين العَبْد وَأما الْعَافِيَة فالعافية من آفَات الدُّنْيَا وأهوال الْآخِرَة وَأما المعاناة فان تَعْفُو عَن النَّاس وَيَعْفُو عَنْك فَلَا يكون يَوْم الْقِيَامَة قصاص.
والمفاعلة تكون من اثْنَيْنِ نَحْو الْمُضَاربَة والمشاتمة وَهُوَ أَن تضرب وتضرب وتشتم وتشتم وَكَذَلِكَ المعافاة هِيَ أَن تَعْفُو ويعفى عَنْك
وَقد تكون المعافاة من الله جلّ وَعز تَقول رب عَافنِي كَمَا تكون المعاقبة والمشارفة من وَاحِد إِلَّا أَن المعافاة فَفِي حَدِيث أبي بكر على مَا أعلمتك
وَأما الصَّبْر فَثَلَاث دَرَجَات أَولهَا الصَّبْر على الْمُصِيبَة وَثَانِيها الصَّبْر على الطَّاعَة وأعلاها الصَّبْر على الْمعْصِيَة
وَأما الْيَقِين فدرجتان إِحْدَاهمَا يَقِين السّمع وَالْأُخْرَى يَقِين النّظر وَهَذَا أَعلَى الْيَقِين قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي} أَي يَقِين النّظر وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ الْمخبر كالمعاين حِين ذكر مُوسَى إِذْ
(1/580)

أعلمهُ الله جلّ وَعز أَن قومه عبدُوا الْعجل فَلم يلق الألواح فَلَمَّا عاينهم عاكفين عَلَيْهِ غضب وَألقى الألواح حَتَّى انْكَسَرت
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه رأى رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ عَلَيْك بالمغفلة والمنشلة
يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن الْحَارِث قَالَ عَن عقبَة بن مُسلم عَن أبي عبد الرحمن الحبلي عَن الصنَابحِي
قَالُوا المغفلة العنفقة سميت بذلك لِأَن كثيرا من النَّاس يغْفل عَنْهَا وَعَما تحتهَا
والمنشلة مَوضِع الْخَاتم من الْخِنْصر وَلَا أَحْسبهُ سمي مَوضِع الْخَاتم منشلة إِلَّا لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ غسله نشل الْخَاتم من ذَلِك الْموضع أَي اقتلعه مِنْهُ ثمَّ غسله ورد الْخَاتم
(1/581)

حَدِيث عمر بن الْخطاب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب النَّاس فَقَالَ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن يُؤْخَذ الرجل الْمُسلم البريء عِنْد الله فيدسر كَمَا يدسر الْجَزُور ويشاط لَحْمه كَمَا يشاط لحم الْجَزُور يُقَال عَاص وَلَيْسَ بعاص فَقَالَ عَليّ وَكَيف ذَاك وَلما تشتد البلية وَتظهر الحمية وتسب الذُّرِّيَّة وتدقهم الْفِتَن دق الرَّحَى بثفالها
يرويهِ سعيد بن مُحَمَّد الْجرْمِي عَن أبي ثميلة وَهُوَ يحيى بن وَاضح عَن رُمَيْح بن هِلَال عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن عمر
قَوْله يدسر أَي يدْفع حَتَّى يسْقط يُقَال دسرته دسرا وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن أذينة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر أَي دَفعه وألقاه
وَقَوله يشاط لَحْمه كَمَا يشاط لحم الْجَزُور أَي يبضع وَيقطع وَالْأَصْل فِي الإشاطة الإحراق فاستعير وَمِنْه قَول عمر الْقسَامَة توجب الْعقل وَلَا تشيط الدَّم
يَقُول إِذا حَلَفت فَإِنَّمَا تجب الدِّيَة لَا الْقود
(1/582)

ويروى عَن عمر بن عبد العزيز وَابْن الزبير إنَّهُمَا أقادا بالقسامة
وَمن الإشاطة الحَدِيث فِي يَوْم مُؤْتَة أَن زيد بن حَارِثَة قَاتل براية رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى شاط فِي رماح الْقَوْم وَقَول عَليّ دق الرَّحَى بثفالها والثفال جلدَة تبسط تَحت الرَّحَى ليَقَع عَلَيْهَا الدَّقِيق قَالَ زُهَيْر وَذكر الْحَرْب [من الطَّوِيل] ... فتعرككم عَرك الرَّحَى بثفالها ... وتلقح كشافا ثمَّ تحمل فتتئم ...
العرك الدَّلْك وَقَوله عَرك الرَّحَى بثفالها يُرِيد دقتها للحب إِذا كَانَت مثقلة وَلَيْسَت تكون مثقلة إِلَّا وَهِي تطحن فَأَرَادَ دق الرَّحَى وَهِي طاحنة
وَأَرَادَ عَليّ رَحمَه الله الرَّحَى الَّتِي تديرها الْيَد لِأَن الثفال يوضع تحتهَا فَهِيَ تدقه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ لَا تفطروا حَتَّى تروا اللَّيْل يغسق على الظراب
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ
(1/583)

أرسل الْحجَّاج إِلَى عبد الله بن عكيم فَذكر ذَلِك عَن عمر فِي حَدِيث فِيهِ طول
يغسق يظلم يُقَال غسق فَهُوَ غَاسِق والظراب جمع ظرب وَهُوَ دون الْجَبَل قَالَ الشَّاعِر [من الْخَفِيف] ... إِن جَنْبي على الْفراش لناب ... كتجافي الْأسر فَوق الظراب ...
وَقد يجمع الظراب فَيُقَال ظرب مثل كتاب وَكتب يُقَال فِي بعض الحكم إياك والرعب فَإِنَّهُ يزِيل الْحلم كالظراب وَإِنَّمَا اخْتصَّ الظراب لقصرها فَأَرَادَ أَن ظلمَة اللَّيْل تقرب من الأَرْض قَالَ الْهُذلِيّ [من مجزوء الْكَامِل] ... دلجي إِذا مَا اللَّيْل جن على المقرنة الحباحب ...
المقرنة الْجبَال الَّتِي يدنو بَعْضهَا من بعض كَأَنَّهَا قرنت والحباحب الصغار مِنْهَا فَإِذا اشْتَدَّ سَواد اللَّيْل اسْتَوَت الْأَعْلَام والأكام فِي الْعين وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... إِذا لم يُنَازع جَاهِل الْقَوْم ذَا النهى ... وبلدت الْأَعْلَام بِاللَّيْلِ كالأكم ...
يَقُول استسلم الْقَوْم للأولاد وَسكت من سواهُم لأَنهم فِي تيه وَفِي ليل وبلدت كَأَنَّهَا لزقت بِالْأَرْضِ بِاللَّيْلِ والأعلام
(1/584)

الْجبَال الطوَال صَارَت كَأَنَّهَا آكام فِي الْعين وَمثله [من مخلع الْبَسِيط] ... حَتَّى إِذا مَا دجا وَسوى ... بَين القرارات والآكام ...
القرارات جمع قرارة وَهُوَ مَوضِع مطمئن يسْتَقرّ فِيهِ مَاء الْمَطَر
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن عمرَان بن سوَادَة أَخا بني لَيْث قَالَ لَهُ أَربع خِصَال عاتبتك عَلَيْهَا رعيتك فَوضع عود الدرة ثمَّ ذقن عَلَيْهَا وَقَالَ هَات قَالَ ذكرُوا أَنَّك حرمت الْعمرَة فِي أشهر الْحَج فَقَالَ عمر أجل إِنَّكُم إِن اعتمرتم فِي أشهر حَجكُمْ رأيتموها مجزئة لكم من حَجكُمْ فقرع حَجكُمْ فَكَانَت قائبة قوب عامها وَالْحج بهاء من بهاء الله قَالَ وَشَكوا مِنْك عنف السِّيَاق وقهر الرّعية قَالَ فَنزع الدرة ثمَّ مسحها حَتَّى أَتَى على سيورها وَقَالَ أَنا زميل مُحَمَّد فِي غَزْوَة قرقرة الكدر ثمَّ إِنِّي وَالله لأرتع فأشبع وأسقي فأروى وأضرب الْعرُوض وأزجر العجول وأذب قدري وأسوق خطوي وأرد اللفوت وأضم العنود وَأكْثر الزّجر وَأَقل الضَّرْب وَأشهر بالعصا وأدفع بِالْيَدِ وَلَوْلَا ذَلِك لأغدرت
يرويهِ يُوسُف بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن عبد الرحمن بن نباتة عَن
(1/585)

عمرَان بن سوَادَة أخي بني لَيْث
قَوْله ذقن عَلَيْهَا أَي وضع عَلَيْهَا ذقنه يستمع وَقَوله فقرع حَجكُمْ أَي خلت أَيَّام الْحَج من النَّاس وَكَانُوا يتعوذون بِاللَّه من قرع الْغناء وَذَلِكَ أَلا يكون عَلَيْهِ غاشية وزوار وَمن قرع المراح وَذَلِكَ أَلا تكون إبل
والقائبة قشر الْبَيْضَة إِذا خرج مِنْهَا الفرخ والقوب الفرخ
وأنشدني مُحَمَّد بن عمر عَن ابْن كناسَة للكميت وَذكر النِّسَاء [من الوافر] ... لَهُنَّ وللمشيب وَمن علاهُ ... من الْأَمْثَال قائبة وقوب ...
وَفَسرهُ فَقَالَ أَرَادَ أَن النِّسَاء ينفرن من ذِي المشيب ويفارقنه كَمَا يُفَارق القوب وَهُوَ الفرخ القائبة وَهِي الْبَيْضَة فَلَا يعود إِلَيْهَا بعد خُرُوجه مِنْهَا أبدا وَأَرَادَ عمر أَنكُمْ إِذا رَأَيْتُمْ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج كَافِيَة من الْحَج خلت مَكَّة من الْحَاج فَكَانَت كبيضة فَارقهَا الفرخ فخلت عامها
وَقَوله إِنِّي وَالله أرتع فأشبع وأسقي فأروي يُرِيد أَنه حسن الرّعية لِلْإِبِلِ إِذا أرتع الْإِبِل أَي أرسلها ترعى تَركهَا حَتَّى تشبع وَإِذا سَقَاهَا تَركهَا حَتَّى تروى وَلم يرد الْإِبِل هَاهُنَا وأنما هُوَ مثل ضربه لسياسته النَّاس
(1/586)

وَقَوله أضْرب الْعرُوض وَالْعرُوض هُوَ الَّذِي يَأْخُذ يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يلْزم المحجة يَقُول أضربه حَتَّى يعود إِلَى الطَّرِيق
وَمثله قَوْله وأضم العنود أَي الَّتِي تعند عَن الطَّرِيق وأذب قدري وأسوق خطوي أَي أذب قدر طاقتي وأسوق قدر خطوي وأرد اللفوت وَهُوَ الَّذِي يتلفت يَمِينا وَشمَالًا ويروغ
وَقَوله وَأكْثر الزّجر وَأَقل الضَّرْب يُرِيد أَنه يقْتَصر أبدا على الزّجر وَمَا اكْتفى بِهِ حَتَّى يضْطَر إِلَى الضَّرْب
وَقَوله وَأشهر بالعصا وأدفع بِالْيَدِ يُرِيد أَنه يرفع الْعَصَا يرهب بهَا وَلَا يستعملها وَلكنه يدْفع بِيَدِهِ
وَقَوله وَلَوْلَا ذَلِك لأغدرت يُرِيد لَوْلَا هَذَا التَّدْبِير وَهَذِه السياسة لخلفت بعض مَا أسوق
وَهَذِه أَمْثَال ضربهَا أَصْلهَا فِي رعيه الْإِبِل وسوقها وَإِنَّمَا يُرِيد بهَا حسن سياسته النَّاس فِي هَذَا الْغُزَاة الَّتِي ذكرهَا
يَقُول فَإِذا كنت أفعل هَذَا فِي أَيَّام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ طَاعَة النَّاس لَهُ وتعظيمهم إِيَّاه فَكيف لَا أَفعلهُ بعده وَإِن كَانَ راعي الْإِبِل رَفِيقًا بهَا عَالما بمصالحها قيل لَهُ ترعية وَإِذا كَانَ عنيفا بهَا يخرق فِي إيرادها وإصدارها قيل حطمة لِأَنَّهُ يحطمها ويلقي بَعْضهَا على بعض
وروى جرير بن حَازِم عَن الْحسن عَن عَائِذ بن عَمْرو أَنه دخل
(1/587)

على عبيد الله بن زِيَاد فَقَالَ لَهُ أَي بني سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول شَرّ الرعاء الحطمة وَكَانَ بعض الروَاة يعيب قَول أبي النَّجْم فِي صفة راعي الْإِبِل [من الرجز] ... صلب الْعَصَا جَاف عَن التغزل ...
وَيَقُول الرَّاعِي لَا يُوصف بصلابة الْعَصَا وَإِنَّمَا الْجيد قَول الرَّاعِي [من الطَّوِيل] ... ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ ... عَلَيْهَا إِذا مَا أمحل النَّاس إصبعا ...
أَي أثرا حسنا
وَقَالَ بَعضهم لم يرد أَبُو النَّجْم الْعَصَا الَّتِي تكون مَعَه إِنَّمَا أَرَادَ أَنه صلب الْقَنَاة يَعْنِي الْبدن وَيُقَال أَيْضا حطم بِلَا هَاء وَأنْشد الْأَصْمَعِي [من الرجز] ... قد حشها اللَّيْل بسواق حطم ...
(1/588)

وَتَفْسِير هَذَا يَقع فِي تَفْسِير حَدِيث الْحجَّاج بن يُوسُف
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ للسائب ورع عني بالدرهم وَالدِّرْهَمَيْنِ
حدّثنَاهُ إِسْحَق بن رَاهَوَيْه قَالَ حدّثنَاهُ الْمُقْرِئ عبد الله بن يزِيد عَن سعيد بن أبي أَيُّوب عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن ابْن شهَاب
وَقَوله ورع عني أَي كف عني الْخُصُوم فِي قدر الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ بِأَن تنظر فِي ذَلِك وتقضي فِيهِ بَينهم وتنوب عني وكل من كففته فقد ورعته وَقَالَ الرَّاعِي وَذكر الْإِبِل [من الطَّوِيل] ... إِذا ورعت أَن تركب الْحَوْض كسرت ... بأركان هضب كل رطب وذابل ...
يَقُول إِذا كفت عَن أَن تزدحم على الْحَوْض قحمت بأجسام كأركان الْجبَال فَكسرت كل رطب وذابل عَن عصي الرعاء وَمِنْه الْوَرع فِي الدّين إِنَّمَا هُوَ الْكَفّ عَن الْمعاصِي وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب لَا تنظروا إِلَى صِيَام أحدكُم وَلَا صلَاته وَلَكِن انْظُرُوا من إِذا حدث صدق وَإِذا اؤتمن أدّى وَإِذا أشفى ورع
يُرِيد إِذا أشرف على مَال يَأْخُذهُ أَو على مَعْصِيّة تركب ورع أَي كف
(1/589)

وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس لينكح الرجل مِنْكُم لمته من النِّسَاء ولتنكح الْمَرْأَة لمتها من الرِّجَال حَدَّثَنِيهِ هرون بن مُوسَى عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَق الطَّالقَانِي عَن عِيسَى بن يُونُس عَن أبي بكر الغساني عَن أبي المجاشع الْأَزْدِيّ
لمة الرجل من النِّسَاء مثله فِي السن وَمِنْه قيل فِي الحَدِيث الْمَوْضُوع على فَاطِمَة رَحمهَا الله إِنَّهَا خرجت فِي لمة من نسائها تتوطأ ذيولهاه حَتَّى دخلت على أبي بكر فكلمته بذلك الْكَلَام وَقد كنت كتبته وَأَنا أرى أَن لَهُ أصلا ثمَّ سَأَلت عَنهُ رجال الحَدِيث فَقَالَ لي بعض نقلة الْأَخْبَار أَنا أسن من هَذَا الحَدِيث وَأعرف من عمله
وَحدثنَا أَحْمد بن نصر النَّيْسَابُورِي بِإِسْنَاد ذكره إِن فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام قَالَت بعد موت أَبِيهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم [من الْبَسِيط] ... قد كَانَ بعْدك أنباء وهنبثة ... لَو كنت حاضرها لم تكْثر الْخطب
إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها ... فاختل قَوْمك فاشهدهم وَلَا تغب ...
(1/590)

وَهَذَانِ البيتان هما سَبَب وضع ذَلِك الْكَلَام
أَرَادَ عمر لَا تنْكح الشَّابَّة الشَّيْخ الْكَبِير وَلَا ينْكح الشَّاب الْعَجُوز وَأَن ينْكح كل وَاحِد قرنه وشكله
وَكَانَ سَبَب هَذِه الْخطْبَة أَن شَابة زوجت شَيخا فَقتلته
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن رجلا أَتَاهُ يشكو إِلَيْهِ النقرس فَقَالَ كذبتك الظهائر
يرويهِ أَبُو نعيم عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن ابي حَازِم
الظهائر جمع ظهيرة وَهِي الهاجرة وَقت الزَّوَال وَقَوله كذبتك أَي عَلَيْك بهَا وَهَذِه كلمة تَقُولهَا الْعَرَب فِي معنى الإغراء كَذبك كَذَا أَي عَلَيْك بِهِ وَكذب عَلَيْك كَذَا وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحجامَة
روى أَبُو عبد الرحمن الْمقري عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الْمثنى بن عَمْرو عَن أبي سِنَان عَن أبي قلَابَة عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحجامَة على الرِّيق فِيهَا شِفَاء وبركة وتزيد فِي الْعقل وَفِي الْحِفْظ فَمن احْتجم فَيوم الْخَمِيس والأحد كذباك أَو يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء فَإِنَّهُ
(1/591)

الْيَوْم الَّذِي كشف الله فِيهِ عَن أَيُّوب الْبلَاء وأصابه يَوْم الْأَرْبَعَاء ثمَّ قَالَ وَلَا يَبْدُو بِأحد من جذام أَو برص إِلَّا فِي يَوْم أربعاء أَو لَيْلَة أربعاء
قَوْله كذباك أَي عَلَيْك بهما وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر [من الطَّوِيل] ... كذبت عَلَيْكُم أوعدوني وعللوا ... بِي الأَرْض والأقوام قردان موظبا ...
قَوْله عللوا بِي الأَرْض أَي تغنوا بهجائي فِي أسفاركم وعللوا بِهِ السّفر يَا قردان موظب
وَإِنَّمَا أَمر عمر صَاحب النقرس أَن يبرز للْحرّ فِي الهاجرة وَيَمْشي فِيهَا حافيا ويبتذل نَفسه فَإِن ذَلِك يذهب النقرس
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن رجلا كسر مِنْهُ عظم فَأتى عمر بن الْخطاب يطْلب الْقود فَأبى أَن يُقَيِّدهُ فَقَالَ الرجل هُوَ إِذا كالأرقم إِن يقتل ينقم وَإِن يتْرك يلقم قَالَ فَهُوَ كالأرقم
يرويهِ يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الْحجَّاج عَن عَطاء الأرقم الْحَيَّة وَجمعه أراقم وَمِنْه قيل لبني جشم الأراقم وَذَلِكَ أَن قَائِلا
(1/592)

قَالَ ورآهم صغَارًا كَأَن عيونهم عُيُون الأراقم
وَقَوله إِن يقتل ينقم يُرِيد إِن قتلته كَانَ لَهُ من ينْتَقم مِنْك وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَزْعمُونَ أَن الْجِنّ تطلب بثأر الجان فَرُبمَا مَاتَ قَاتله وَرُبمَا أَصَابَهُ خبل
وَرُوِيَ ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله أَمر بقتل الْحَيَّات وَقَالَ من خَافَ ثأرهن فَلَيْسَ منا
وَقَالَ ابْن عَبَّاس الجان مسيخ الْجِنّ كَمَا مسخت القردة من بني إِسْرَائِيل
وَقَوله إِن يتْرك يلقم يَقُول إِن تركته أكلك وَهَذَا مثل يضْرب للرجل يجْتَمع عَلَيْهِ أَمْرَانِ من الشَّرّ لَا يدْرِي كَيفَ يصنع فيهمَا وَمثله قَوْلهم أشقر إِن يتَقَدَّم ينْحَر وَإِن يتَأَخَّر يعقر
وَيُقَال إِن أول من قَالَه لَقِيط بن زُرَارَة فِي يَوْم جبلة وَأنْشد أَبُو زيد فِي نَحْو هَذَا [من الطَّوِيل]
(1/593)

.. وَهل أَنا إِلَّا مثل سيقة العدى ... إِن استقدمت نحر وَإِن جبأت عقر ...
سيقة العدى أَي سَاقه الْأَعْدَاء يُقَال أَيْضا شيقة العدى أَي طَلِيعَة الْأَعْدَاء جبأت تَأَخَّرت فَأَرَادَ الرجل أَنه قد وَقع بَين أَمريْن كسر عظم من عِظَامه وَعدم الْقود من الْجَانِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْعظم إِذا كسر قَود لِأَنَّهُ يخَاف على الْمُقْتَص مِنْهُ الْمَوْت وَلَكِن فِيهِ الدِّيَة
روى يحيى بن زَكَرِيَّا عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه قَالَ لَا قصاص فِي عظم قَالَ فَذكرت ذَلِك لعامر فَقَالَ مَا أنْكرت من ذَلِك أَرَأَيْت لَو كسر فَخذه أَكنت تكسر فَخذه أَو كسر سَاقه أَكنت تكسر سَاقه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه أَتَى قبَاء فَرَأى فِيهِ شَيْئا من غُبَار وعنكبوت فَقَالَ لرجل ائْتِنِي بجريدة وَاتَّقِ العواهن قَالَ فَجِئْته بهَا فَربط كميه بوذمة ثمَّ أَخذ الجريدة فَجعل يتتبع بهَا الْغُبَار
يرويهِ ضرار بن صرر عَن عبد العزيز بن مُحَمَّد عَن إِسْحَق بن الْمُسْتَوْرد عَن عبد الرحمن بن يزِيد بن حَارِثَة عَن أبي حَارِثَة عَن أبي ليلى قَالَ أَتَانَا عمر فِي مَسْجِدنَا فِي قبَاء ثمَّ ذكر الحَدِيث
(1/594)

الجريدة السعفة وَجَمعهَا جريد وَهِي أَيْضا الْخرص وَجَمعهَا خرصان
والعواهن هِيَ السعفات اللواتي بَين القلبة والقلبة جمع قلب
وَأهل نجد يسمون العواهن الخوافي وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْهَا إشفاقا على الْقلب أَن يضر بِهِ قطعهَا والعواهن فِي غير هَذَا عروق فِي رحم النَّاقة
والوذمة سير من سيور الدَّلْو وَيكون لغَيْرهَا وَجَمعهَا وذم وَهِي الَّتِي تكون بَين أَذَان الدَّلْو والعراقي يُقَال أوذمت الدَّلْو إِذا شددتها بالوذم والعرقوتان الخشبتان اللَّتَان تعرضان على الدَّلْو مثل الصَّلِيب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب فَقَالَ فِي خطبَته أَلا لَا تضربوا الْمُسلمين فتذلوهم وَلَا تمنعوهم حُقُوقهم فتكفروهم وَلَا تجمروهم فتفتنوهم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي فراس قَالَ خَطَبنَا عمر فَقَالَ ذَلِك
(1/595)

قَوْله لَا تجمروهم هُوَ من التجمير وَذَلِكَ أَن يتْرك الْجَيْش فِي مغازيهم لَا يقفلون قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] ... فاليوم لَا ظلم وَلَا تسيير ... وَلَا لغاز إِن غزا تجمير ...
وَيُقَال ايضا أجمرتهم فَأَنا أجمرهم إجمارا قَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... معاوي إِمَّا أَن تجهز أهلنا ... إِلَيْنَا وَإِمَّا أَن نؤوب معاويا
أأجمرتنا إجمار كسْرَى جُنُوده ... ومنيتنا حَتَّى مللنا الأمانيا ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه أَتَى بمروط فَقَسمهَا بَين نسَاء الْمُسلمين وَدفع مِرْطًا بَقِي إِلَى أم سليط الْأَنْصَارِيَّة وَكَانَت تزفر الْقرب يَوْم أحد تَسْقِي الْمُسلمين
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ
المروط أكسية من صوف كَانُوا يَأْتَزِرُونَ بهَا وَرُبمَا كَانَت من خَز أَو غَيره
وَقَوله تزفر الْقرب أَي تحملهَا على ظهرهَا
(1/596)

والزفر الْحمل على الظّهْر وَيُقَال للإماء اللواتي يحملن الْقرب على ظهورهن زوافر قَالَ الْكُمَيْت وَذكر الْمنَازل [من مجزوء الْكَامِل] ... تمشي بهَا ربد النعا ... م تماشي الآم الزوافر ...
الآم جمع أمة
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان قَالَ بَينا أَنا جَالس فِي أَهلِي حِين متع النَّهَار إِذا رَسُوله فَانْطَلَقت حَتَّى أَدخل عَلَيْهِ وَإِذا هُوَ جَالس على رمال سَرِير ثمَّ ذكر حَدِيثا طَويلا فِي الْفَيْء وسبله
يرويهِ عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن مَالك بن أَوْس
متع النَّهَار أَي تَعَالَى وَهُوَ من الماتع والماتع الطَّوِيل وَإِنَّمَا أَرَادَ تطاول مَا مضى من النَّهَار وَمِنْه يُقَال فِي الدُّعَاء أمتع الله بك
(1/597)

ويروى عَن كَعْب أَنه ذكر الدَّجَّال فَقَالَ يسخر مَعَه جبل ماتع خلاطه ثريد قَالَ الْمسيب بن علس [من الْكَامِل] ... وَكَأن غزلان الصرائم إِذْ ... متع النَّهَار وأرشق الحدق ...
وَمثله تلع النَّهَار أَيْضا إِذا ارْتَفع وَقَوله رمال سَرِير يُرِيد نسجا فِي وَجه السرير من السعف يُقَال رملته وللمرأة الَّتِي تعْمل ذَلِك راملة وَفِيه لُغَة أُخْرَى أرملت قَالَ كَعْب بن زُهَيْر يصف طَرِيقا [من الْبَسِيط] ... ولاحب كحصير الراملات ترى ... من الْمطِي على حَافَّاته حبقا ...
وَقَالَ الراجز [من الرجز] ... كَأَن نسج العنكبوت المرمل ...
جر المرمل بالجوار
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ اعطوا من الصَّدَقَة من
(1/598)

أبقت لَهُ السّنة غنما وَلَا تعطوا من ابقت لَهُ السّنة غنمين
يرويهِ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن أبي نجيح عَن رجل عَن عمر السّنة هَاهُنَا الأزمة يُقَال أَصَابَتْهُم السّنة إِذا أجدبوا وَأَرْض بني فلَان سنة إِذا كَانَت مُجْدِبَة وَمِنْه قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ وَنقص من الثمرات}
وَكَانَ عمر لَا يُجِيز نِكَاحا فِي عَام سنة وَيَقُول لَعَلَّ الضيقة تحملهم على أَن ينكحوا غير الْأَكفاء وَقَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل ... أَرَادَ ابْن كوز والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا إِن شتونا لياليا ...
وَكَانَ عمر أَيْضا لَا يقطع سَارِقا فِي عَام سنة
وَقَوله غنما أَي قِطْعَة من الْغنم يُقَال لفُلَان غنمان أَي قطعتان من الْغنم قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... هما سيدانا يزعمان وَإِنَّمَا ... يسوداننا إِن يسرت غنماهما
فَأَرَادَ عمر أَن يُعْطي من الصَّدَقَة من لم تبْق لَهُ السّنة من غنمه إِلَّا قِطْعَة وَاحِدَة لَا يقطع مثلهَا فَتكون الصَّدَقَة قطعتين
(1/599)

لقلتهَا وَألا يُعْطي مِنْهَا من أبقت لَهُ غنما يقطعهَا ويجعلها فِي مكانين لكثرتها أَلا ترى أَن الْغنم قد تكون خمْسا وَعشرا وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل وَأَن الْغَنَمَيْنِ لَا يكون أَحدهمَا إِلَّا قطيعا وَنَحْوه لِأَنَّهَا لَا تفرق فَتكون فِي مكانين إِلَّا للكثرة
وَقَالَ ابْن أبي نجيح الْغنم مائَة شَاة كَأَن القطيع الَّذِي يفرد عِنْده مائَة وَلست أحفظ عَن عُلَمَائِنَا فِي الْغنم حدا محدودا وَقَالَ الرياشي عَن الْأَصْمَعِي إِذا كَانَت الْإِبِل مائَة قيل لَهَا إبل يُقَال لَهُ إبلان أَي مِائَتَان من الْإِبِل وَلم يذكر فِي الْغنم شَيْئا فَإِن كَانَ الَّذِي ذكره ابْن أبي نجيح مَحْفُوظًا مَعْرُوفا فَأرى عمر رَحمَه الله عِنْده قد أَمر بِأَن تدفع الصَّدَقَة إِلَى من لَهُ مائَة من الْغنم وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَغَنِيّ وَالَّذِي تقدم من تفسيرنا مُوَافق للسّنة واللغة
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه انكفأ لَونه فِي عَام الرَّمَادَة حِين قَالَ لَا آكل سمنا وَأَنه اتخذ أَيَّام كَانَ يطعم النَّاس قدحا فِيهِ فرض فَكَانَ يطوف على القصاع فيغمز الْقدح فَإِن لم تبلغ الثريدة الْفَرْض فتعال فَانْظُر مَاذَا يفعل بِالَّذِي ولي الطَّعَام
حَدَّثَنِيهِ عبد الرحمن السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ
قَوْله انكفأ لَونه يُرِيد تغير عَن حَاله وَحَال
(1/600)

وَالْأَصْل فِي الانكفاء الانقلاب وَمِنْه يُقَال كفأت الْإِنَاء إِذا قلبته وَقَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال أرمد النَّاس إِذا جهدوا وَلذَلِك قيل عَام الرَّمَادَة والرمد الْهَلَاك وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... صببت عَلَيْكُم حاصبي فتركتكم ... كأصرام عَاد حِين جللها الرمد ...
والقدح السهْم وَجمعه قداح وَالْفَرْض الحز يُقَال فرضت المسواك والزند إِذا حززت فيهمَا وَمِنْه قَول عَمْرو بن الْعَاصِ للنجاشي إِنَّهُم يَعْنِي الْمُهَاجِرين يخالفونك فِي عِيسَى وَأمه قَالُوا بقول كَمَا قَالَ الله هُوَ كلمة الله وروحه أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاء البتول الَّتِي لم يمسسها بشر وَلم يفترضها ولد
يُرِيد قبل الْمَسِيح وَكَأن عمر جعل هَذَا الْفَرْض عَلامَة لمنتهى الثَّرِيد فِي الصحاف
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه كَانَ أروح كَأَنَّهُ رَاكب وَالنَّاس يَمْشُونَ كَأَنَّهُ من رجال بني سدوس
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب الأروح الَّذِي يتدانى عقباه وتتباعد صُدُور قَدَمَيْهِ يُقَال أروح بَين الرّوح والأفحج الَّذِي تتدانى صُدُور قَدَمَيْهِ
(1/601)

ويتباعد عقباه وتنفحج ساقاه والوكع ميل إِبْهَام الرجل على الْأَصَابِع حَتَّى تَزُول فَيرى شخص أَصْلهَا خَارِجا وَمِنْه يُقَال أمة وكعاء
وَبَنُو سدوس من شَيبَان والطول أغلب عَلَيْهِم
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن ابْن عَبَّاس قَالَ دَعَاني عمر فَإِذا حَصِير بَين يَدَيْهِ عَلَيْهِ الذَّهَب منثورا نثر الحثا فَأمرنِي بقسمه
يرويهِ أَبُو النَّضر عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن زُهَيْر بن حَيَّان قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس يذكر ذَلِك
الحثا التِّبْن وَيُقَال هُوَ دقاق التِّبْن قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وأغبر مسحول التُّرَاب ترى بِهِ ... حثى طردته الرّيح من كل مطرد ...
ويروى ترى بِهِ جثى جمع جثوَة وَهِي جُمُعَة من التُّرَاب تجمعها الرّيح وَقَالَ أحد الرجاز يهجو رجلا [من الرجز] ... وَيَأْكُل التَّمْر وَلَا يلقِي النَّوَى ... كَأَنَّهُ غرارة ملأى جثا ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ النِّسَاء ثَلَاث فهينة لينَة
(1/602)

عفيفة مسلمة تعين أَهلهَا على الْعَيْش وَلَا تعين الْعَيْش على أَهلهَا وَأُخْرَى وعَاء للْوَلَد وَأُخْرَى غل قمل يَضَعهُ الله فِي عنق من يَشَاء ويفكه عَمَّن يَشَاء
وَالرِّجَال ثَلَاثَة رجل ذُو رَأْي وعقل وَرجل إِذا حزبه أَمر أَتَى ذَا رَأْي فَاسْتَشَارَهُ وَرجل حائر بائر لَا يأتمر رشدا وَلَا يُطِيع مرشدا
كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يروي هَذَا الحَدِيث عَن عبد الملك بن عُمَيْر وحدثنيه عبد الرحمن عَن عَمه عَن شيخ من بني العنبر أَنه قَالَ كَانَ يُقَال وَذكر الْكَلَام كُله وَلم يروه عَن عمر
وَقَالَ وَرجل يَنْتَهِي إِلَى رَأْي ذِي اللب والمقدرة وَقَالَ الْمقدرَة من التَّقْدِير والمقدرة من الْيَسَار والحائر المتحير فِي أمره يُقَال رجل حيران وحائر وَامْرَأَة حيرى والبائر الْهَالِك يُقَال بار يبور بورا وأباره الله وَمِنْه قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {قوما بورا} يُقَال رجل بور إِذا كَانَ فَاسِدا هَالكا لَا خير فِيهِ وَقوم بور
وَقَوله غل قمل وَالْأَصْل فِيهِ أَنهم كَانُوا يغلون بالقد وَعَلِيهِ الشّعْر فيقمل على الرجل
وَقَوله لَا يأتمر رشدا أَي لَا يَأْتِي برشد من ذَات نَفسه يُقَال لمن فعل الشَّيْء عَن غير مُشَاورَة قد ائتمر وَيُقَال
(1/603)

بئس مَا أتمرت لنَفسك قَالَ النمر بن تولب [من المديد] ... اعلمي أَن كل مؤتمر ... مُخطئ فِي الرَّأْي أَحْيَانًا
فَإِذا مالم يصب رشدا ... كَانَ بعض اللوم ثنيانا ...
يَقُول إِذا ركب رَأسه وَفعل الشَّيْء عَن غير مُشَاورَة فَلَا بُد من أَن يُخطئ فَإِذا لم يصب رشدا لامه النَّاس لوما بعد اللوم الأول على ركُوبه هَوَاهُ بِغَيْر مُشَاورَة وَالثَّانِي على خطأه وَقَالَ ربيعَة بن جشم [من المتقارب] ... أحاربن عَمْرو كَأَنِّي خمر ... يعدو على الْمَرْء مَا يأتمر ...
خمر أَي كَأَنِّي خامرني دَاء أَو وجع وَيُقَال أَرَادَ كَأَنِّي فِي عقب خمار وَقَوله ويعدو على الْمَرْء مَا يأتمر يَقُول إِذا ائتمر أمرا على غير رشد عدا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ من حفر حُفْرَة وَقع فِيهَا وَأَنا أَحسب أصل هَذَا الْحَرْف يفتعل من الْأَمر كَأَن نَفسه أَمرته بِشَيْء فائتمر أَي فأطاعها أَو أَن هَوَاهُ دَعَاهُ إِلَى شَيْء فتابعه وَمثله فِي الْكَلَام عذلته فاعتذل أَي فأعتب ورددته فَارْتَد
(1/604)

فَأَرَادَ عمر أَنه لَا يَأْتِي برشد من ذَات نَفسه وَلَا يقبل مِمَّن يرشده وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز {إِن الْمَلأ يأتمرون بك} أَرَادَ يتشاورون فِيك وَاسْتشْهدَ أَبُو عُبَيْدَة على يتشاورون فِيك قَوْله ويعدو على الْمَرْء مَا يأتمر وَلَيْسَ يجوز أَن يكون فِي هَذَا الْموضع يأتمر يشاور لِأَن الْمُشَاورَة رشد وَخير فَكيف يعدو عَلَيْهِ مَا شاور فِيهِ
وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ وَأما قَول النمر بن تولب [من المتقارب] ... أرى النَّاس قد أَحْدَثُوا شِيمَة ... وَفِي كل حَادِثَة يؤتمر ...
فَإِنَّهُ أَرَادَ فِي كل أَمر يحدث تفكر وَنظر وارتياء رَأْي
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خرج لَيْلَة فِي شهر رَمَضَان وَالنَّاس أوزاع فَقَالَ إِنِّي لأَظُن أَن لَو جمعناهم على قَارِئ كَانَ أفضل فَأمر أبي بن كَعْب فَأمهمْ ثمَّ خرج لَيْلَة وهم يصلونَ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ نعم الْبِدْعَة هَذِه وَالَّتِي ينامون عَنْهَا أفضل من الَّتِي يقومُونَ فِيهَا
يرويهِ إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة ابْن الزبير عَن عبد الرحمن بن عبد الْقَارِي الأوزاع الْفرق
(1/605)

يُرِيد أَنهم كَانُوا يتنقلون فِي شهر رَمَضَان بعد صَلَاة الْعشَاء فرقا وَمِنْه يُقَال وزعت المَال بَينهم إِذا فرقته وَقَالَ الْمسيب بن علس يمدح رجلا [من الْكَامِل] ... أحللت بَيْتك بِالْجَمِيعِ وَبَعْضهمْ ... متفرق ليحل بالأوزاع ...
أَي حللت وسط الْقَوْم وَلم تنتح فِرَارًا من الْقرى حَيْثُ لَا يعرف مَكَانك فَتكون من الأوزاع وَهَذَا مثل قَول الآخر [من الْبَسِيط] ... وَلَا يحل إِذا مَا حل معتنزا ... يخْشَى الرزية بَين المَاء والبادي ...
والمعتنز الْمُنْفَرد يَقُول لَا ينزل وَحده مَخَافَة أَن ينزل بِهِ ضيف على المَاء أَو فِي البدو
وَقَوله الَّتِي تنامون عَنْهَا يُرِيد صَلَاة آخر اللَّيْل خير من الَّتِي تقومون فِيهَا يَعْنِي صَلَاة أَوله
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن أَصْحَاب مُحَمَّد تَذَاكَرُوا الْوتر فَقَالَ أَبُو بكر أما أَنا فأبدأ بالوتر وَقَالَ عمر لكني أوتر حِين تنام الضغطى
يرويهِ يعلى عَن الْأَجْلَح عَن ابْن أبي الْهُذيْل
(1/606)

الضغطى جمع ضغيط وَهُوَ الرجل الضَّعِيف الرَّأْي الْجَاهِل يُقَال رجل ضغيط بَين الضغاطة وَمِنْه قَول عمر فِي حَدِيث آخر اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الضغاطة
وَمِنْه قَول ابْن عَبَّاس لَو لم يطْلب النَّاس بِدَم عُثْمَان لرموا بِالْحِجَارَةِ من السَّمَاء فَقيل لَهُ أَتَقول هَذَا وَأَنت عَامل لفُلَان فَقَالَ إِن فِي ضغطات وَهَذِه إِحْدَى ضغطاتي وَمثله ضَعِيف وضعفى ومريض ومرضى
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه لما قدم إِلَى الشَّام تفحل لَهُ أُمَرَاء الشَّام رَوَاهُ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي قَوْله تفحل لَهُ أُمَرَاء الشَّام يُرِيد أَنهم اخْشَوْشِنُوا فِي الزي واللباس والمطعم وَأَصله من الْفَحْل لِأَن التصنع فِي الزي وَالْقِيَام على النَّفس عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ للإناث أَو من تأنث
وَقد قَالَ عمر اخْشَوْشِنُوا أَو اخشوشبوا وَتَمَعْدَدُوا يَقُول دعوا عَنْكُم التنعم وزي الْعَجم وَعَلَيْكُم بمعد وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زيهم ومعاشهم وَكَانُوا أَصْحَاب غلظ وخشونة
(1/607)

وَقَوله اخشوشبوا أَي تيبسوا وَأَصله من الْخشب يبس الْخشب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه كَانَ فِي وَصيته إِن توفيت وَفِي يَدي صرمة ابْن الْأَكْوَع فسنتها سنة ثمغ
رَوَاهُ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي
الصرمة هَاهُنَا قِطْعَة من نخيل وَيُقَال أَيْضا للقطعة من الْإِبِل صرمة إِذا كَانَت خَفِيفَة قَالَ الْأَصْمَعِي وَيُقَال للَّذي لَهُ صرمة مصرم وَلَا أَحْسبهُ قيل للمقل مصرم إِلَّا من هَذَا
وثمغ مَال لعمر كَانَ وَقفه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه مر على رَاع فَقَالَ يَا راعي عَلَيْك الظلْف لَا ترمض فَإنَّك رَاع وكل رَاع مسؤول
من حَدِيث ابْن أبي حليمة عَن مَالك بن مغول عَن طَلْحَة بن مصرف
قَوْله عَلَيْك الظلْف يُرِيد عَلَيْك الْمَوَاضِع الصلبة الَّتِي لَا يكون فِيهَا رمل وَلَا تُرَاب فارع الْغنم فِيهَا يُقَال ظلفت أثري إِذا مشيت فِي مَكَان صلب لَا يتَبَيَّن فِيهِ أثر الْقدَم وَمن هَذَا يُقَال كَذَا أظلف من كَذَا وظلفت نَفسِي من كَذَا
وَقَوله لَا ترمض أَي لَا تصب الْغنم بالرمضاء وَهُوَ
(1/608)

حر الشَّمْس والرمضاء تشتد فِي الدهاس والرمل
قَالَ حَدثنِي الْأَعْرَاب أَنهم إِذا أَرَادوا صيد الظباء فِي الرمل أَثَارُوهَا نصف النَّهَار من تَحت الشّجر فَإِذا رمضت أظلافها فِي الرمل نصلت فَأَخَذُوهَا بِأَيْدِيهِم
يُقَال فلَان يترمض الظباء إِذا فعل ذَلِك
وروى سُفْيَان عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد بن وهب عَن خباب أَنه قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله الرمضاء فَلم يشكنا يُرِيد أَنهم شكوا إِلَيْهِ حر الشَّمْس وَمَا يُصِيب أَقْدَامهم مِنْهَا فِي صَلَاة الظّهْر وسألوه تَأْخِيرهَا إِلَى الْإِبْرَاد قَلِيلا
وَقَوله فَلم يشكنا أَي لم ينْزع عَن ذَلِك وَلم يجبهم وَهَذَا الْحَرْف لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا ضد الآخر تَقول أشكيت الرجل فَأَنا أشكيه إِذا أحوجته إِلَى الشكاية وأشكيته نزعت عَن الْأَمر الَّذِي شكاني لَهُ وَقَالَ بعض الرجاز من الرجز
(1/609)

.. تمد بالأعناق أَو تثنيها ... وتشتكي لَو أننا نشكيها ...
وَمثل هَذَا الْحَرْف أطلبت الرجل أخرجته إِلَى الطّلب وَلذَلِك قَالُوا مَاء مطلب إِذا بعد فأحوج إِلَى طلبه وأطلبته أسعفته بِمَا طلب وأفزعت الْقَوْم أحللت بهم الْفَزع وأفزعتهم إِذا فزعوا غليك فأغثتهم وأودعت فلَانا مَالا دَفعته وَدِيعَة إِلَيْهِ وأودعته قبلت وديعته هَذَا الْحَرْف عَن الْكسَائي
وَفِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَنه كَانَ يُصَلِّي الظّهْر وَالْجَنَادِب تنقز من الرمضاء
وَالْجَنَادِب الْجَرَاد وَاحِدهَا جُنْدُب وَبِه سمي الرجل تنقز تقفز
وَقَالَ ذُو الرمة وَذكر الجندب [من الْبَسِيط] ... معروريا رمض الرضراض يركضه ... وَالشَّمْس حيرى لَهَا بالجو تدويم ...
يُرِيد أَنه قد ركب حرارة الْحَصَى وَهُوَ ينزو من شدَّة
(1/610)

الْحر وَقَالَ آخر [من الرجز] ... ونقز الظهائر الجنادبا ...
وَمن الرمضاء قيل أمضني الْأَمر وأرمضني وَمِنْه [من الْبَسِيط] ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قدم مَكَّة فَسَأَلَ من يعلم مَوضِع الْمقَام وَكَانَ السَّيْل احتمله من مَكَانَهُ فَقَالَ الْمطلب بن أبي ودَاعَة السهي أَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كنت قدرته وذرعته بمقاط عِنْدِي
رَوَاهُ سُفْيَان عَن حبيب بن أبي الأشرس
المقاط الْحَبل وَجمعه مقط قَالَ الرَّاعِي وَذكر حميرا [من الْبَسِيط] ... كَأَنَّهَا مقط ظلت على قيم ... من ثكد واغتمست فِي مَائه الكدر ...
شبهها بالحبال فِي ضمرها واندماجها والقيم جمع قامة وَهِي الْبكر وثكد مَاء لبني نمير
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ للَّذي قتل الظبي وَهُوَ
(1/611)

محرم خُذ شَاة من الْغنم فَتصدق بلحمها واسق إهابها
يرويهِ سُفْيَان عَن عبد الملك بن عُمَيْر عَن قبيصَة بن جَابر الْأَسدي قَوْله اسْقِ إهابها أَي اجْعَلْهُ لغيرك سقاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُقَال اسْقِنِي إهابك أَي اجْعَلْهُ لي سقاء واسقني عسلا أَي اجْعَلْهُ لي شِفَاء وَقَالَ غَيره أقدني خيلا أَي أَعْطِنِي خيلا أقودها واسقني إبِلا أَي أَعْطِنِي إبِلا أسوقها وأقبرني فلَانا أَي أعطينيه لأقبره
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَت بَنو تَمِيم للحجاج أَو غَيره من عُمَّال الْعرَاق أقبرنا صَالحا يعنون صَالح بن عبد الرحمن وَكَانَ قَتله وصلبه وَقَالَ أَبُو زيد أسقيت فلَانا إهابا أَي وهبته لَهُ ليتَّخذ مِنْهُ سقاء وأسقيته سقاء أَي وهبته لَهُ مَعْمُولا أَيْضا
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه ذكر عِنْده التَّمْر وَالزَّبِيب أَيهمَا أطيب وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ لرجل من أهل الطَّائِف الحبلة أفضل أم النَّخْلَة فَأرْسل إِلَى أبي خَيْثَمَة الْأنْصَارِيّ فَقَالَ إِن هَؤُلَاءِ قد اخْتلفُوا فِي التَّمْر وَالزَّبِيب
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَجَاء أَبُو عمْرَة عبد الرحمن بن مُحصن الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَبُو خَيْثَمَة لَيْسَ الصعر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل تعلة الصَّبِي وقرى الضَّيْف وَبِه يحترش الضَّب فِي الأَرْض الصلعاء كزبيب إِن أَكلته
(1/612)

ضرست وَإِن تركته غرثت
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَقَالَ أَبُو عمْرَة الزَّبِيب إِن آكله أضرس وَإِن أتركه أغرث لَيْسَ كالصقر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل خرفة الصَّائِم وتحفة الْكَبِير وصمتة الصَّغِير وخرسة مَرْيَم وتحترش بِهِ الضباب من الصلعاء
يروي الأول الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الرّبيع بن لوط من أهل الْكُوفَة من ولد الْبَراء بن عَازِب
الحبلة الأَصْل من الْكَرم وَكَذَلِكَ الحفنة وَمِنْه الحَدِيث إِن نوحًا لما خرج من السَّفِينَة غرس الحبلة هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام وَرُوِيَ أَنه كَانَ لأنس بن مَالك حبلة تحمل كرا وَكَانَ يسميها أم الْعِيَال
فَأَما الحبلة بِضَم الْحَاء فَهُوَ ثَمَر العضاه وَمِنْه قَول سعد بن أبي وَقاص كُنَّا نغزو مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا لنا طَعَام إِلَّا الحبلة وورق السمر والحبلة أَيْضا ضرب من الْحلِيّ يَجْعَل فِي القلائد قَالَ النمر بن تولب من المتقارب ... وكل خَلِيل عَلَيْهِ الرعاث والحبلات كذوب ملق ...
إِنَّمَا قيل لَهُ حبلة لِأَنَّهُ يصاغ على مِثَال ثَمَر بعض
(1/613)

العضاه وَقَوله إِن أتركه أغرث أَي أجوع والغرث الْجُوع يُقَال رجل غرثان وَامْرَأَة غرثى وَمن أمثالهم غرثان فاربكوا لَهُ وَذَلِكَ أَن رجلا أَتَى أَهله فبشتر بِغُلَام ولد لَهُ فَقَالَ مَا أصنع بِهِ أآكله أم أشربه فَقَالَت امْرَأَته غرثان فاربكوا لَهُ فَلَمَّا شبع قَالَ كَيفَ الطلا وَأمه وَقَوْلها فاربكوا لَهُ من الربيكة وَهُوَ الأقط وَالتَّمْر وَالسمن يعْمل رخوا لَيْسَ كالحيس فيؤكل وَرُبمَا صب عَلَيْهِ مَاء فَشرب
قَالَ الْأَحْمَر الربيكة شَيْء يطْبخ من بر وتمر يُقَال مِنْهُ ربكته أربكه ربكا والطلا الصَّبِي وأصل الطلا ولد الظبية فاستعاره
وَقَالَ ابْن كثوة فِي بعض كَلَامه تركته يلْعَب مَعَ طلوان الْحَيّ أَو مَعَ صبيانهم
يُرِيد أَنه إِذا أكل الزَّبِيب ثمَّ تَركه تَركه وَهُوَ جَائِع لِأَنَّهُ لَا يعْصم كَمَا يعْصم التَّمْر
وَقَوله لَيْسَ كالصقر والصقر عسل الرطب قَالَ الْمسيب بن علس يصف ظَبْيًا [من الطَّوِيل]
(1/614)

لسسن بقول الصَّيف حَتَّى كَأَنَّمَا ... بأفواهها من لس حلبها الصَّقْر ...
حلبها يَعْنِي النبت الَّذِي يُسمى الحلبلاب وتسميه الْعَامَّة اللبلاب
والصقر فِي مَوضِع آخر اللَّبن الحامض الشَّديد الحموضة والرقل جمع رقلة وَهِي النَّخْلَة الطَّوِيلَة وَأهل نجد يدعونها العيدانة إِذا طَالَتْ وَهِي دون السجوف وَفَوق الجبارة الَّتِي فاقت الْيَد يُقَال نَخْلَة جبارَة وناقة جَبَّار بِلَا هَاء إِذا عظمت وسمنت والجميع جبابير قَالَ الشَّاعِر وَذكر ظعنا [من الْخَفِيف] ... كاليهودي من نطاة الرقال ...
أَرَادَ كنخل الْيَهُودِيّ الرقال ونطاة من خَيْبَر
وَقَوله وخرفة الصَّائِم والخرفة اسْم مَا اخترفت أَي اجتنيت ونسبها إِلَى الصَّائِم لأَنهم كَانُوا يستحبون أَن يفطروا على التَّمْر
وروى أنس بن مَالك أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يبْدَأ إِذا أفطر بِالتَّمْرِ
وحَدثني أَبُو وَائِل قَالَ حَدثنَا السَّهْمِي قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن حَفْصَة عَن الربَاب عَن سلمَان بن عَامر أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِذا أفطر أحدكُم فليفطر على تمر
(1/615)

فَإِن لم يجد تَمرا فماء فَإِن المَاء طهُور
قَوْله وصمتة الصَّغِير يُرِيد أَنه إِذا بَكَى أصمت بِهِ والصمتة والسكتة وَاحِد وَهُوَ مَا أسكت بِهِ الصَّبِي والمصمت الَّذِي يسكته قَالَ الراجز لجمله [من الرجز] ... إِنَّك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت ... فاصبر على الدَّاء الدوي أَو مت ...
وَقَالَ أَوْس بن حجر [من المنسرح] ... وَذَات هدم عَار نواشرها ... تصمت بِالْمَاءِ تولبا جدعا ...
الْهدم الثَّوْب الْخلق وَجمعه أهدام والنواشر عصب الذِّرَاع واحدتها نَاشِرَة وَبهَا سمي الرجل وَإِنَّمَا نعرى من الهزال
وَقَوله تصمت بِالْمَاءِ أَي تسكت صبيها بِالْمَاءِ إِذا بَكَى وتعلله لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا لين وتعلة الصَّبِي مثل الصمتة لَهُ وَهُوَ من التَّعْلِيل والتولب ولد الْحمار الصَّغِير فاستعاره والجدع السيء الْغذَاء الْمَقْطُوع الرّيّ وَمِنْه يُقَال جدعت أَنفه أَي قطعته
(1/616)

وَقَول ابْن مقبل [من الطَّوِيل] ... وغيث مريع لم يجدع نَبَاته ... ولته أهاليل السماكين معشب ...
وَهَذَا الْبَيْت هُوَ الَّذِي وَقع فِيهِ التشاجر بَين الْمفضل الضَّبِّيّ والأصمعي عِنْد جَعْفَر بن سُلَيْمَان
قَالَ حَدثنِي الباهليون إِن الْمفضل أنْشدهُ تولبا جذعا فَقَالَ لَهُ الْأَصْمَعِي صحفت إِنَّمَا هُوَ تولبا جدعا فصاح الْمفضل وَأكْثر فَقَالَ لَهُ الْأَصْمَعِي لَو نفخت فِي الشبور مَا نفعك تكلم بِكَلَام النَّمْل وأصب
وَقَوله وخرسة مَرْيَم والخرسة مَا تطعمه النُّفَسَاء عِنْد ولادها يُقَال خرستها إِذا أَنْت أطعمتها الخرسة وَيُقَال فِي مثل تخرسي لَا مخرسة لَك
فَأَما الخرسى بِلَا هَاء فَهُوَ طَعَام الْولادَة كَمَا يُقَال لطعام الْخِتَان إعذار ولطعام القادم من سفر نقيعة ولطعام الْبناء إِذا
(1/617)

فرغ مِنْهُ وكيرة يُرِيد إِن الله أطْعم مَرْيَم الرطب حِين ولدت
وَقَوله وتحترش بِهِ الضباب أَي تصطاد وَيُقَال إِن الضَّب يعجب بِالتَّمْرِ والحارش صائد الضباب وحرشها هُوَ أَن يُحَرك يَده عِنْد جُحر الضَّب فَيرى أَنه حَيَّة فَيخرج قَالَ الْأَصْمَعِي وَمن أمثالهم هَذَا أجل من الحرش قَالَ وَأَصله فِيمَا يتحدثون بِهِ عَن الْبَهَائِم والأحناش
إِن الضَّب قَالَ لِابْنِهِ إِذا سَمِعت صَوت الحرش فَلَا تخرج قَالَ فَسمع الحسل صَوت الْحفر فَقَالَ للضب يَا أَبَت هَذَا الحرش فَقَالَ يَا بني هَذَا أجل من الحرش
فَهَذَا أصل حرش الضباب ثمَّ قيل لصائدها بِأَيّ وَجه صادها حارش وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي [من الطَّوِيل] ... سوى أَنكُمْ دربتم فجريتم ... على عَادَة والضب يخْتل بِالتَّمْرِ ...
وَقَوله من الصلعاء يُرِيد الصَّحرَاء الَّتِي لَا نبت فِيهَا مثل الرَّأْس الأصلع وَهِي الْحَصَا أَيْضا مثل الرَّأْس الأحص
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ من يدلني على نَسِيج
(1/618)

وَحده فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى مَا نعلمهُ غَيْرك فَقَالَ مَا هِيَ إِلَّا إبل موقع ظُهُورهَا قَوْله نَسِيج وَحده يُرِيد رجلا لَا عيب فِيهِ وأصل هَذَا أَن الثَّوْب إِذا كَانَ نفيسا لم ينسج على منواله غَيره فَإِذا لم يكن نفيسا عمل على منواله سدى بعدة أَثوَاب فَقيل ذَلِك لكل من أَرَادوا الْمُبَالغَة فِي مدحه
وَالْبَعِير الْموقع الَّذِي تكْثر آثَار الدبر بظهره لِكَثْرَة مَا ركب وَالْعرب تَقول أَصْبِر من عود بجنبيه الجلب وَهُوَ مثل الْموقع
وَأَرَادَ عمر أَنا مثل تِلْكَ الْإِبِل فِي الصَّبْر وروى مُحَمَّد ابْن عمر عَن أُسَامَة بن زيد عَن شيخ من بني سعد بن بكر إِن حليمة قدمت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فشكت إِلَيْهِ جَدب الْبِلَاد فَكلم لَهَا خَدِيجَة فأعطتها أَرْبَعِينَ شَاة وبعيرا موقعا للظعينة فَانْصَرَفت بِخَير
والظعينة الهودج وَسميت الْمَرْأَة ظَعِينَة لِأَنَّهَا تكون فِيهِ وَقَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي حَدثنِي بعض الْأَعْرَاب فَقَالَ فِي حَدِيثه خرج فلَان مجروحا فعثر فِي ظَعِينَة فُلَانَة أَي فِي مركبها وَلَا أَحسب الْمركب سمي ظَعِينَة إِلَّا من الظعن وَهُوَ الْخُرُوج يُرَاد أَن
(1/619)

الْمَرْأَة تظعن فِيهِ
وحَدثني السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قَالَ الظعن والأظعان الهوادج كَانَ فِيهَا نسَاء أَو لم يكن وَلَا يُقَال حمول وَلَا ظعن إِلَّا لِلْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج وَإِن لم يكن فِيهَا نسَاء
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن رجلا قَرَأَ عَلَيْهِ حرفا فَأنكرهُ فَقَالَ من أَقْرَأَك هَذَا فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ إِن أَبَا مُوسَى لم يكن من أهل البهش البهش الْمقل مَا كَانَ رطبا فَإِذا يبس فَهُوَ الخشل وَفِيه لُغَتَانِ الخشل والخشل وَهُوَ كالحشف من التَّمْر قَالَ الشَّاعِر [من الوافر] ... ترى قطعا من الأحناش فِيهِ ... جماجمهن كالخشل الفريع ...
وَيُقَال للْقَوْم إِذا كَانُوا قباحا سُودًا وُجُوه البهش
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن أَبَا مُوسَى لَيْسَ من أهل الْحجاز والمقل ينْبت بالحجاز يُرِيد أَن الْقُرْآن نزل بلغَة قُرَيْش وَنَحْو مِنْهُ قَوْله لعبد الله بن مَسْعُود حِين بلغه أَنه يقرئ النَّاس عتى عين يُرِيد {حَتَّى حِين} إِن الْقُرْآن لم ينزل بلغَة هُذَيْل فاقرئ النَّاس بلغَة قُرَيْش
(1/620)

وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه لما قَالَ ابْن أبي معيط أقتل من بَين قُرَيْش قَالَ عمر حن قدح لَيْسَ مِنْهَا
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي وَقَالَ الْأَصْمَعِي هَذَا مثل يضْرب للرجل يدْخل نَفسه فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُم
قَالَ الْأَصْمَعِي وَلَا أَدْرِي أقاله عمر مبتدئا أَو قيل قبله والقدح هَاهُنَا أحد قداح الميسر وهم يصفونه بالحنين قَالَ الشَّاعِر [من الرمل] ... وحنين من عنود بدأة ... أَقرع النقبة حنان لحم ...
وَكَانُوا يستعيرون الْقدح يدخلونه فِي قداحهم كَأَنَّهُمْ يتمنون بِهِ ويثقون بفوزه قَالَ ابْن مقبل وَذكر قدحا من الطَّوِيل ... إِذا امتنحته من معد عِصَابَة ... غَدا ربه قبل المفيضين يقْدَح ... امتنحته استعارته وهما منيحان أَحدهمَا أحد الثَّلَاثَة الَّتِي لَا حظوظ لَهَا وَإِنَّمَا تُوصَف بالكر والمعاودة فَيُقَال كركر المنيح لِأَنَّهُ يُعَاد فِي كل ربابة يضْرب بهَا لتكثر بِهِ ولصاحبيه وَالْآخر
(1/621)

الممتح لثقتهم بفوزه وَهُوَ الْمَحْمُود قَالَ ابْن قميئة [من الطَّوِيل] ... بِأَيْدِيهِم مقرومة ومغالق ... تعود بأرزاق الْعِيَال منيحها ...
وَقَالَ الآخر [من السَّرِيع] ... وجامل خوع من نيبه ... زجر الْمُعَلَّى أصلا والمنيح ...
خوع نقص وَنَحْوه خوف وخون ونيبه جمع نَاب فَمَتَى رَأَيْت المنيح مَذْكُورا بفوز فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ الْمُسْتَعَار
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه ركب نَاقَة فارهة فمشت بِهِ مشيا جيدا فَقَالَ [من الْبَسِيط] ... كَأَن راكبها غُصْن بمروحة ... إِذا تدلت بِهِ أَو شَارِب ثمل ...
حَدَّثَنِيهِ عبد الرحمن عَن عَمه عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء
المروحة الْموضع الَّذِي تخترق فِيهِ الرّيح بِفَتْح الْمِيم فَإِن كسرت الْمِيم فَهِيَ الَّتِي يتروح بهَا لِأَنَّهَا مِمَّا يعتمل مثل مرْآة ومطهرة ومرفقة وَمِلْحَفَة
(1/622)

وَشبه راكبها لوطأتها ولينها بِغُصْن تميله الرّيح أَو بسكران يميد
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن الطَّبِيب من الْأَنْصَار سقَاهُ لَبَنًا حِين طعن فَخرج من الطعنة أَبيض يصلد
من حَدِيث أنس بن عِيَاض عَن أبي الحكم عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن ابْن عمر
قَوْله يصلد أَي يَبْرق يُقَال صلد اللَّبن يصلد وصلد رَأس الرجل يصلد إِذا برق للصلع قَالَ رُؤْيَة [من الرجز] ... براق أصلاد الجبين الأجله ...
وَمِنْه حَدِيث رُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار أَنه كَانَ فِي سفينة فِي الْبَحْر فَنَامَ ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ رَأَيْت أَنِّي أدخلت الْجنَّة فسقيت فِيهَا لَبَنًا فَقَالَ لي بعض الْقَوْم أَقْسَمت عَلَيْك لما تقيأت فقاء لَبَنًا يصلد وَمَا فِي السَّفِينَة لبن وَلَا شَاة
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن أهل الْكُوفَة لما أوفدوا
(1/623)

العلباء بن الْهَيْثَم السدُوسِي إِلَيْهِ فَرَأى عمر هَيْئَة رثَّة وَمَا يصنع فِي الْحَوَائِج فَقَالَ لكل أنَاس فِي جميلهم خبر
حدّثنَاهُ الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدَّثَنِيهِ شيخ رَأَيْته عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء
قَوْله لكل أنَاس فِي جميلهم خبر هَذَا مثل يضْرب وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنهم سودوه ورأسوه على معرفَة مِنْهُم بِمَا فِيهِ من الْخلال المحمودة وَكَانُوا أعلم بِهِ من غَيرهم وَالْمعْنَى أَن خَبره فَوق منظره
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن الْأسود قَالَ أفضنا مَعَه على جمل أَحْمَر وَنحن نوضع حوله
يرويهِ أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود وَرَوَاهُ وَكِيع بِهَذَا الْإِسْنَاد وَنحن نوجف حوله.
(1/624)