Advertisement

دستور العلماء جامع العلوم في اصطلاحات الفنون 002


بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
( [حرف الْحَاء] )

(بَاب الْحَاء مَعَ الْألف)

الْحَافِظ: اعْلَم أَن الْحَافِظ فِي اللُّغَة كل من يحفظ الشَّيْء قُرْآنًا مجيدا أَو مَالا أَو غير ذَلِك. ثمَّ إِن لأهل الحَدِيث مَرَاتِب. أَولهَا: الطَّالِب وَهُوَ الْمُبْتَدِي الرَّاغِب فِيهِ. ثمَّ الْمُحدث وَهُوَ الْأُسْتَاذ الْكَامِل وَكَذَا الشَّيْخ وَالْإِمَام.
ثمَّ الْحَافِظ وَهُوَ الَّذِي أحَاط علمه بِمِائَة ألف حَدِيث متْنا وإسنادا وأحوال رُوَاته جرحا وتعديلا وتاريخا. ثمَّ الْحجَّة وَهُوَ الَّذِي أحَاط علمه بثلاثمائة ألف حَدِيث كَذَلِك. ثمَّ الْحَاكِم وَهُوَ الَّذِي أحَاط علمه بِجَمِيعِ الْأَحَادِيث المروية كَذَلِك قَالَه ابْن المطري. وَقَالَ الْجَزرِي رَحمَه الله هُوَ ناقل الحَدِيث بِالْإِسْنَادِ والمحدث من تحمل رِوَايَته واعتنى بدرايته. والحافظ من روى مَا يصل إِلَيْهِ ووعى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
الحاق: بتَشْديد الْقَاف الْوسط وَفِي الصِّحَاح حاق رَأسه أَي وسط رَأسه وَمعنى حاق الْوسط وسط الْوسط. لَا يُقَال إِنَّه إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لِأَن المُرَاد من الْمُضَاف غير الْمُضَاف إِلَيْهِ كَمَا فِي السِّرّ الْخَفي. وَفِي المطول شرح التَّلْخِيص وَالْكَلَام الْخَالِي عَن التعقيد الْمَعْنَوِيّ مَا يكون الِانْتِقَال فِيهِ من مَعْنَاهُ الأول إِلَى الثَّانِي ظَاهرا حَتَّى يخيل إِلَى السَّامع أَنه فهمه من حاق الْوسط انْتهى.
وَقَالَ بعض المحشين الحاق الْوسط يُقَال سقط فلَان على حاق رَأسه وَجَاء عمر فِي حاق الشتَاء. وَالْمعْنَى على أحد الْوَجْهَيْنِ: الأول: إِن الْمَقْصُود من اللَّفْظ إِذا كَانَ ظَاهرا كَأَنَّهُ يفهم من وَسطه يَعْنِي قبل تَمَامه كَمَا هُوَ شَأْن كل معنى ظَاهر من اللَّفْظ. وَالثَّانِي: أَن معنى الْمَعْنى إِذا كَانَ ظَاهرا كَانَ كالمعنى الَّذِي هُوَ فِي بطن اللَّفْظ.
الْحَال فِي اللُّغَة نِهَايَة الْمَاضِي وبداية الْمُسْتَقْبل فَهُوَ الْآن الَّذِي هُوَ حد مُشْتَرك بَين زماني الْمَاضِي والمستقبل. وَقد يعبر عَن الْحَال عِنْد النُّحَاة الْوَقْت الَّذِي أَنْت فِيهِ.
(2/3)

وَالْحَال عِنْد أَرْبَاب الْمعَانِي الْأَمر الدَّاعِي إِلَى التَّكَلُّم على وَجه مَخْصُوص ككون السَّامع مُنْكرا وخالي الذِّهْن ومترددا فَإِن كَون الْمُخَاطب مُنْكرا للْحكم حَال يَقْتَضِي تَأْكِيدًا فالتأكيد مثلا هُوَ الْوَجْه الْمَخْصُوص ومقتضاها وَقس عَلَيْهِ. وَالْحَال وَالْمقَام مُتحد الْمَفْهُوم والتغاير بَينهمَا اعتباري كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمقَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَعند أَرْبَاب السلوك الْحَال مَا يرد على قلب السالك من موهبة الْوَهَّاب ثمَّ يترقى عَنهُ. أَو يتنزل كَمَا قيل الْحَال مَا يرد على الْقلب من طرب أَو حزن أَو بسط أَو قبض وَإِنَّمَا سمي حَالا لتحوله ويقابله الْمقَام. وَقيل الْحَال عَطاء الله المتعال ذِي الْجلَال الَّذِي يرد على قلب السالك بِدُونِ الْكسْب وَلذَا قَالُوا إِن الْأَحْوَال مواهب والمقامات مكاسب وَالْأَحْوَال تَأتي من عين الْجُود. والمقامات تحصل ببذل المجهود.
وَالْحَال عِنْد الْحُكَمَاء صفة غير راسخة للنَّفس كالكتابة فِي الِابْتِدَاء وَبعد الرسوخ تسمى ملكة كَمَا ستعلم فِيهَا. وَالْحَال عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي أبي بكر الباقلاني منا وَأبي هَاشم من الْمُعْتَزلَة الْوَاسِطَة بَين الْمَوْجُود والمعدوم. وَقَالُوا إِن الْحَال صفة مَوْجُود لَكِن لَا مَوْجُودَة وَلَا مَعْدُومَة كالأمور الاعتبارية مثل الْإِيقَاع والإيجاد وَغير ذَلِك. وَالْحَال عِنْد النُّحَاة مَا يبين هَيْئَة الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول بِهِ وَالْحَال بِهَذَا الْمَعْنى تسْتَعْمل مؤنثا. (ف (32)) .
الْحَالَات: هِيَ الكيفيات النفسانية الْغَيْر الراسخة كالكتابة فِي الِابْتِدَاء.
الحافظة: قُوَّة مرتبَة فِي أول التجويف الآخر من الدِّمَاغ تحفظ مَا تُدْرِكهُ الْقُوَّة الوهمية من الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْغَيْر المحسوسة الْمَوْجُودَة فِي المحسوسات وَهِي خزانَة الْقُوَّة الوهمية وَإِن أردْت زِيَادَة هَذِه الْقُوَّة فَانْظُر إِلَى الْحِفْظ.
الحارضة: فِي الشجاع.
الحاسة: هِيَ الْقُوَّة الَّتِي تدْرك الجزئيات الجسمانية والحواس ظَاهِرَة وباطنة وكل مِنْهُمَا خمس بالوجدان فالمجموع عشر.
أما الْحَواس الظَّاهِرَة: فَهِيَ السّمع - وَالْبَصَر - والشم - والذوق - واللمس.
وَأما الْحَواس الْبَاطِنَة: فَهِيَ الْحس الْمُشْتَرك - والخيال - وَالوهم - والحافظة - والمتصرفة - وَوجه الضَّبْط أَن الحاسة إِمَّا مدركة أَو مُعينَة على الْإِدْرَاك. والمدركة إِمَّا مدركة للصور أَعنِي مَا يُمكن أَن يدْرك بالحواس الظَّاهِرَة وَهِي الْحس الْمُشْتَرك. وَإِمَّا مدركة للمعاني أَعنِي مَا لَا يُمكن أَن يدْرك بهَا وَهِي الْوَهم. والمعينة إِمَّا مُعينَة بِالتَّصَرُّفِ وَهِي المتصرفة. وَإِمَّا مُعينَة بِالْحِفْظِ. فإمَّا أَن يحفظ الصُّور وَهِي الخيال. وَإِمَّا أَن يحفظ الْمعَانِي وَهِي الحافظة وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا وَجه الضَّبْط لَا دَلِيل الْحصْر إِذْ لَا شكّ فِي أَنَّهَا غير منحصرة فِيمَا ذكر عقلا.
(2/4)

وَاعْلَم أَن الْحَواس كلهَا فِي الْإِنْسَان عِنْد الْمُحَقِّقين آلَة للإدراك إِمَّا لحدوثه أَو لحفظه والمدرك فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل.
الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ فِي الْمصدر الْمَبْنِيّ للْفَاعِل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْحَادِث اسْم فَاعل من الْحُدُوث فَعَلَيْك كشف الغطاء عَن الْحُدُوث حَتَّى يجلو لَك الْحَادِث. فَاعْلَم أَن الْحُدُوث يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا: وجود الشَّيْء بعد عَدمه بعدية زمانية. وَبِعِبَارَة أُخْرَى كَون الشي مَسْبُوقا بِالْعدمِ سبقا زمانيا وَهُوَ الْمُسَمّى بالحدوث الزماني ويقابله الْقدَم الزماني. فالحادث حِينَئِذٍ هُوَ الْمَوْجُود الْمَسْبُوق بِالْعدمِ سبقا زمانيا. والمتكلمون قَائِلُونَ بِأَن الْعَالم حَادث بِهَذَا الْحُدُوث. وَثَانِيهمَا: كَون الشَّيْء مفتقرا مُحْتَاجا فِي وجوده إِلَى غَيره أَي علته تَامَّة أَو نَاقِصَة. والحكماء يَقُولُونَ بِهِ فِي الْعُقُول والنفوس الفلكية والأجرام الفلكية بموادها وصورها الجسمية والنوعية بأشخاصها وأشكالها وأضواءها والأجسام العنصرية بموادها وَمُطلق صورها الجسمية لَا أشخاصها وَأما صورها النوعية فَقيل بجنسها فَإِن أطوار خُصُوصِيَّة أَنْوَاعهَا لَا تجب أَن تكون قديمَة وَالظَّاهِر من كَلَامهم قدمهَا بأنواعها.
وَنقل عَن أفلاطون أَنه قَالَ بحدوث الْعَامِل حدوثا زمانيا فالحادث على هَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره. وَبَين الْمَعْنيين عُمُوم وخصوص مُطلقًا تحققا. فَإِن الْمَعْنى الأول أخص مُطلقًا من حَيْثُ التحقق من الْمَعْنى الثَّانِي لِأَن كل شَيْء وجد فِيهِ الْحُدُوث الزماني وجد هُنَاكَ الْحُدُوث الذاتي بِلَا عكس كلي وَأما بِحَسب الصدْق فبينهما مبائنة كُلية كَمَا لَا يخفى. وَبَين الْحَادِث بِالْمَعْنَى الأول والحادث بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَيْضا عُمُوم وخصوص مُطلقًا كَذَلِك لَكِن بِحَسب الصدْق فَإِن كل شَيْء يكون مَوْجُودا بعد عَدمه كَانَ مفتقرا فِي وجوده إِلَى الْغَيْر وَلَيْسَ كل مَا كَانَ مفتقرا فِي وجوده إِلَى الْغَيْر يكون مَسْبُوقا بِعَدَمِهِ. فَإِن الْحُكَمَاء قَائِلُونَ بِأَن الْعُقُول وَغَيرهَا كَمَا مر حَادِثَة بِالذَّاتِ مُمكنَة محتاجة فِي وجودهَا إِلَى الْغَيْر وَهُوَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى وَمَعَ هَذَا قديمَة بِالزَّمَانِ لقدم علتها الْوَاجِبَة بِالذَّاتِ تَعَالَى شَأْنهَا. وَقدم الْعلَّة مُسْتَلْزم لقدم معلولها بِالضَّرُورَةِ.
وَقَالَ الباقر فِي الإيماضات إِن تخصص التقرر بآن أَو بِزَمَان مَا مَقْطُوع من جِهَة الْبِدَايَة يُقَال لَهُ الْحُدُوث الزماني. وموضوعه وَهُوَ الْحَادِث الزماني يكون لَا محَالة مَسْبُوق الْوُجُود فِي أفق التقضي والتجدد بِالزَّمَانِ الْقبل وباستمرار عَدمه الْوَاقِع فِيهِ سبقا زمانيا ويقابله الْقدَم الزماني وَهُوَ أَن يستوعب اسْتِمْرَار الْوُجُود قطرا فِي التقضي والتجدد. فَيتَحَقَّق فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة والآنات وَلَيْسَ الاتصاف بهما إِلَّا للزمانيات. وَوُقُوع التقرر رغب الْعَدَم الصَّرِيح فِي وعَاء الدَّهْر يُقَال لَهُ الْحُدُوث الدهري. وموضوعه
(2/5)

وَهُوَ الْحَادِث الدهري مَسْبُوق الْوُجُود فِي الدَّهْر سبقا دهريا بِعَدَمِ صرف فِي الْأَعْيَان لَا بِزَمَان أَو آن. وَلَا باستمرار الْعَدَم أَو لَا اسْتِمْرَار ويتصف بِهِ الْحَادِث الزماني بِمَا هُوَ مَوْجُود متقرر فِي وعَاء الدَّهْر لَا بِمَا هُوَ زماني وَاقع فِي أفق الزَّمَان ويقابله الْقدَم الدهري وَهُوَ السرمدية أَي تسرمد الْوُجُود فِي وعَاء الدَّهْر لَا فِي أفق الزَّمَان. وفعلية التقرر بعد بطلَان الْحَقِيقَة. وهلاك الذَّات فِي لحاظ الْعقل يُقَال لَهَا الْحُدُوث الذاتي. وموضوعه وَهُوَ الْحَادِث الذاتي فِي حد نَفسه مَسْبُوق الذَّات والوجود وَهُوَ مَوْجُود مَا دَامَ مَوْجُودا بِالْبُطْلَانِ والعدم أبدا. وَلَكِن سبقا بِالذَّاتِ وَفِي لحاظ الْعقل لَا سبقا دهريا. وَفِي الْأَعْيَان وَهُوَ يستوعب عَمُود عَالم الْإِمْكَان على الِاسْتِغْرَاق ويقابله الْقدَم الذاتي المساوق للْوُجُوب بِالذَّاتِ انْتهى.
وَقَالَ أهل الْحق إِن الْعَالم وَهُوَ مَا سوى ذَاته تَعَالَى وَصِفَاته حَادث بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ حدوثا زمانيا أَي وجد بعد عَدمه بعدية زمانية كَمَا حقق فِي الْكتب الكلامية الإسلامية. وَهَا هُنَا بحث وَهُوَ أَن الْحُدُوث الزماني يَسْتَدْعِي سبق الْعَدَم على الْوُجُود فِي الزَّمَان السَّابِق فَلَا بُد لَهُ من سبق الزَّمَان. وَالزَّمَان إِمَّا من جملَة الْعَالم أَو خَارج عَنهُ لَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي فَإِن وَرَاء الْعَالم لَيْسَ إِلَّا ذَاته تَعَالَى وَصِفَاته فَيكون الزَّمَان من جملَة الْعَالم بِالضَّرُورَةِ. فَأَقُول إِنَّه حَادث بالحدوث الزماني أَو الذاتي لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَنَّهُ على الأول يلْزم وجود الزَّمَان حِين عَدمه لما مر من أَن الْحُدُوث الزماني يَسْتَدْعِي سبق الْعَدَم فِي الزَّمَان السَّابِق وَهُوَ محَال بالبداهة لَا طَرِيق إِلَى الثَّانِي أَيْضا لِأَنَّهُ لَو كَانَ حُدُوثه ذاتيا لزم بطلَان قَوْلهم الْمَذْكُور أَعنِي أَن الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ حَادث بالحدوث الزماني مَعَ أَنهم لَا يَقُولُونَ بالحدوث الذاتي.
وَالْجَوَاب أَن الزَّمَان من جملَة الْعَالم. والمتكلمون قَائِلُونَ بِأَن تقدم بعض أَجزَاء الزَّمَان على الْبَعْض وتأخره عَنهُ وَكَذَا تقدم عدم الزَّمَان على وجوده وَتَأَخر وجوده عَن عَدمه تقدم وَتَأَخر بِالذَّاتِ أَي بِلَا وَاسِطَة الزَّمَان. وَهَذَا التَّقَدُّم والتأخر قسم سادس أحدثه المتكلمون كَمَا حققنا فِي التَّقَدُّم. لَكِن التَّقَدُّم الذاتي الَّذِي أثْبته المتكلمون غير التَّقَدُّم الذاتي الَّذِي أثْبته الْحُكَمَاء. والبعدية الذاتية أَيْضا كَذَلِك لِأَن التَّقَدُّم الذاتي عِنْد الْمُتَكَلِّمين هُوَ الْقبلية الَّتِي لَا يُجَامع مَعهَا الْقبل الْبعد وَكَذَا البعدية الذاتية. والتقدم الذاتي عِنْد الْحُكَمَاء هُوَ تقدم الْمُحْتَاج إِلَيْهِ على الْمُحْتَاج. فمراد الْمُتَكَلِّمين بقَوْلهمْ الْمَشْهُور الْمَذْكُور أَن الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَوْجُود بعد الْعَدَم بعدية لَا يُجَامع مَعهَا الْبعد الْقبل بعدية وجودية الزَّمَان عَن عَدمه كَذَلِك وَإِنَّمَا عبروا عَن هَذِه البعدية بالبعدية الزمانية المشعرة بوساطة الزَّمَان جَريا على اصْطِلَاح الْحُكَمَاء فَلَا يلْزم وجود الزَّمَان عِنْد عَدمه
وَإِن أردْت توضيح هَذَا المرام فاستمع لما قَالَه الْفَاضِل المدقق القمقام ملا يُوسُف
(2/6)

رَحمَه الله ولعلهم أَرَادوا بالبعدية الزمانية هَا هُنَا بعدية لَا يُجَامع مَعهَا الْقبل الْبعد وَلما كَانَ هَذَا الْمَعْنى عِنْد الْحُكَمَاء منحصرا فِي الزَّمَان وأجزائه عرضا أوليا لأجزاء الزَّمَان وعروضه لغير الزَّمَان وأجزائه ثَانِيًا وبالعرض وَكَانَ التَّقَدُّم الزماني هُوَ هَذَا وَكَأن أَقسَام التَّقَدُّم منحصرا فِي الْخمس كَمَا بينوا فِي مَوْضِعه وَإِن لم ينْحَصر عِنْد الْمُتَكَلِّمين كَمَا مر سموهُ بعدية زمانية على اصْطِلَاح الْحُكَمَاء انْتهى. وَلَك أَن تَقول إِن انْتِقَاض مَا تقرر أَن الْحَادِث الزماني يَسْتَدْعِي سبق الزَّمَان بَاقٍ على حَاله لأنكم تَقولُونَ إِن الزَّمَان حَادث بالحدوث الزماني وتقولون إِن تقدم عَدمه على وجوده وبعدية وجوده عَن عَدمه ذاتيان بِلَا وَاسِطَة الزَّمَان وَإِن سميته بعدية زمانية. وَيُمكن أَن يُقَال إِن ذَلِك الاستدعاء إِنَّمَا هُوَ عِنْد الْحُكَمَاء. وَأما عِنْد الْمُتَكَلِّمين فَلَا. نعم إِنَّهُم أَيْضا قَائِلُونَ بِأَن الْحَادِث الزماني يَسْتَدْعِي سبق الزَّمَان لَكِن لَا مُطلقًا بل إِذا كَانَ الْحَادِث زمانيا - وَأما إِذا كَانَ زَمَانا أَو أجزاءه فَلَا. وَمن طلعت عَلَيْهِ شموس حقائق الزَّمَان والدهر والسرمد فقد انْكَشَفَ عَنهُ ظلام أَمْثَال هَذِه المزالق الَّتِي زلت فِيهَا أَقْدَام القاصرين.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الحبر: بِالْكَسْرِ وَسُكُون الثَّانِي وَالرَّاء الْمُهْملَة هُوَ الْعَالم بتحبير الْكَلَام وتحسينه كَذَا فِي الصِّحَاح. وَفِي شرح المواقف الحبر بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح الْعَالم الَّذِي يحبر الْكَلَام ويزينه. قيل إِنَّمَا يُقَال للْعَالم حبرًا لِأَنَّهُ مقلوب الْبَحْر فَكَمَا أَن الْبَحْر مجمع المَاء كَذَلِك الْعَالم مجمع الْعلم وَالْعلم كَالْمَاءِ فَإِن المَاء سَبَب الْحَيَاة الدُّنْيَوِيَّة وَالْعلم سَبَب الْحَيَاة الأبدية أما سَمِعت من صَار بِالْعلمِ حَيا لم يمت.
الحبلي: الامرأة الْحَامِل. وَمن أَرَادَ أَن تَلد امْرَأَته الحبلى ذكرا فليضع يَده على بَطنهَا فَلْيقل إِنِّي سميت مُحَمَّدًا وَأحمد باسم نبيك عَلَيْهِ السَّلَام وَإِن كَانَ أُنْثَى تحول ذكرا.
(بَاب الْحَاء مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)

حتف أَنفه: أَي مَاتَ موتا على فرَاشه بِلَا قتل أَو جِرَاحَة أَو ضرب. ذكر فِي النِّهَايَة (الحتف) الْهَلَاك كَأَنَّهُمْ يتخيلون أَن روح الْمَرِيض يخرج من أَنفه فَإِذا جرح أَو ضرب يخرج من جراحته أَو مَوضِع ضربه.
(2/7)

(بَاب الْحَاء مَعَ الْجِيم)

الْحجر: بِفَتْح الْحَاء وَالْجِيم بِالْفَارِسِيَّةِ سنكك. وَقد يُرَاد بِهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة كَمَا يُقَال فلَان ابْن الْحجر أَي كثير المَال. وَمن هَذَا لقب الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْفضل أَحْمد بن عَليّ الْعَسْقَلَانِي بِابْن حجر رَحْمَة الله عَلَيْهِ. وَوجه تلقبه بذلك كَثْرَة مَاله وضياعه وَهَذَا لقبه رَحمَه الله وَإِن كَانَ بِصِيغَة الكنية وَهُوَ شَائِع فِي أَسمَاء الرِّجَال. وَقيل لقب رَحمَه الله بذلك لجودة ذهنه وصلابة رَأْيه بِحَيْثُ يرد اعْتِرَاض كل معترض حَتَّى قيل إِنَّه ابْن حجر لَا يتَصَرَّف فِيهِ أحد من حَيْثُ الإسكات والإلزام.
وَالْحجر بحركات الْحَاء وَسُكُون الْجِيم فِي اللُّغَة الْمَنْع مُطلقًا أَي منع كَانَ. وَمِنْه سمي الْعقل حجرا لِأَنَّهُ يمْنَع القبائح. قَالَ الله تَعَالَى {هَل فِي ذَلِك قسم لذِي حجر} . أَي لذِي عقل. وَالْحجر بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْجِيم فِي الشَّرْع هُوَ الْمَنْع عَن التَّصَرُّف القولي لَا الْفعْلِيّ لِأَن الْحجر لَا يتَحَقَّق فِي أَفعَال الْجَوَارِح. فالصبي وَالْعَبْد إِذا أتلف مَال الْغَيْر يجب الضَّمَان وَكَذَا الْمَجْنُون.
والأسباب: الْمُوجبَة للحجر ثَلَاثَة الصغر وَالرّق وَالْجُنُون فَلَا يجوز تصرف الصَّبِي إِلَّا بِإِذن وليه. وَلَا تصرف العَبْد إِلَّا بِإِذن سَيّده. وَلَا تصرف الْمَجْنُون فَإِن كَانَ الْمَجْنُون بِحَيْثُ لَا يفِيق أصلا وَهُوَ مسلوب الْعقل فَلَا يجوز تصرفه أصلا. وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يفِيق تَارَة وَيحسن أُخْرَى وَهُوَ الْمَعْتُوه. فَإِن عقد فِي حَال الْجُنُون فَلَا يجوز مُطلقًا إِذن لَهُ الْوَلِيّ أَولا. وَإِن كَانَ فِي كَلَامه اخْتِلَاط بِكَلَام الْعُقَلَاء والغفلاء. فَإِن عقد فالولي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أجَازه إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة وَإِن شَاءَ فسخ وَفِي كنز الدقائق وَمن عقد مِنْهُم وَهُوَ يعقله يُجِيزهُ الْوَلِيّ أَو يفسخه. وَالْمرَاد بقوله مِنْهُم الصَّبِي وَالْعَبْد وَالْمَجْنُون الَّذِي يخْتَلط كَلَامه لَا الَّذِي مسلوب الْعقل كَمَا عرفت. وَالْمرَاد بِالْعقدِ التَّصَرُّف الدائر بَين الْمَنْفَعَة والمضرة. فَإِن التَّصَرُّفَات ثَلَاثَة أَنْوَاع: ضار مَحْض كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق والهيبة وَالصَّدَََقَة فَلَا يملكهُ وَإِن أذن لَهُ وليه. وَنَافِع مَحْض كقبول الْهِبَة وَالصَّدَََقَة فَيملكهُ بِغَيْر إِذْنه أَيْضا. ودائر بَين النَّفْع وَالضَّرَر كَالْبيع وَالشِّرَاء. فَمن عقد مِنْهُم هَذَا العقد فالولي بِالْخِيَارِ بالتفصيل الْمَذْكُور لَكِن يشْتَرط أَن يكون الْعَاقِد عَاقِلا بِالْعقدِ الَّذِي تصرف فِيهِ وقاصدا إِيَّاه بِإِثْبَات حكمه لَا هازلا بِهِ وَلَا يحْجر بِسَفَه وَفسق وغفلة وَدين وإفلاس. وَإِمَّا إِذا بلغ الصَّبِي غير رشيد لم يدْفع إِلَيْهِ مَاله حَتَّى يبلغ خمْسا وَعشْرين سنة. وَإِذا بلغ الْمدَّة مُفْسِدا أَي غير رشيد يدْفع إِلَيْهِ مَاله. والسفه بالفتحتين فِي اللُّغَة الخفة أَي خفَّة الْعقل الَّتِي تعرض للْإنْسَان من غضب أَو فَرح يحملهُ على الْفِعْل من غير روية. وَفِي الشَّرِيعَة تبذير المَال وإتلافه على خلاف مُقْتَضى الشَّرْع وَالْعقل فارتكاب غَيره من الْمعاصِي كشرب الْخمر وَالزِّنَا لم يكن من السَّفه المصطلح فِي شَيْء.
(2/8)

وَفِي الْعَيْنِيّ شرح كنز الدقائق السَّفه الْعَمَل بِخِلَاف مُوجب الشَّرْع وَاتِّبَاع الْهوى. وَمن عَادَة السَّفِيه التبذير والإسراف فِي النَّفَقَة وَالتَّصَرُّف لَا لغَرَض أَو لغَرَض لَا يعده الْعُقَلَاء من أهل الدّيانَة غَرضا مثل دفع المَال إِلَى الْمُغنِي واللعاب وَشِرَاء الْحَمَامَة الطيارة بِالثّمن الغالي والغبن فِي التِّجَارَات. وَالْمرَاد بالسفه هَا هُنَا هُوَ تبذير المَال وإسرافه بخفة الْعقل. وَالْمرَاد بِالْفِسْقِ هُوَ الارتكاب بِخِلَاف المشروعات بِلَا تبذير المَال. والرشيد من ينْفق المَال فِيمَا يحل ويمسك عَمَّا يحرم وَلَا يتَصَرَّف فِيهِ بالتبذير والإسراف. وَهَذَا مُرَاد من قَالَ إِن الرشيد فعيل من الرشد وَهُوَ الْمُهْتَدي إِلَى وُجُوه الْمصَالح. وَالْمرَاد بالغفلة هُوَ الْغَفْلَة عَن التَّصَرُّفَات المربحة فكثيرا مَا يحصل لَهُ الْغبن فِي التَّصَرُّفَات لِسَلَامَةِ قلبه. وَقَالا رحمهمَا الله يحْجر بِالدّينِ بِأَن كَانَ رجل مديونا وَزَاد دينه على مَاله فيطلب الْغُرَمَاء من القَاضِي الْحجر عَلَيْهِ لِئَلَّا يهب مَاله وَلَا يتَصَدَّق وَلَا يقر لغريم آخر فَيجوز للْقَاضِي حجره عَن هَذِه التَّصَرُّفَات وَنَحْوهَا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال حق الْغُرَمَاء وَأما عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله لَا يحْجر.
وَاعْلَم أَن أَبَا حنيفَة رَحمَه الله يرى الْحجر على ثَلَاثَة - مفتي ماجن - وطبيب جَاهِل - ومكاري مُفلس - دفعا لضررهم عَن النَّاس. وَأما الْمُفْتِي الماجن فَهُوَ الَّذِي يعلم النَّاس الْحِيَل الْبَاطِلَة بِأَن يعلم الْمَرْأَة أَن ترتد فَتبين من زَوجهَا ثمَّ تسلم وَيعلم الرجل أَن يرْتَد فَتسقط عَنهُ الزَّكَاة ثمَّ يسلم وَلَا يُبَالِي بِأَن يحل حَرَامًا أَو يحرم حَلَالا فضرره مُتَعَدٍّ إِلَى الْعَامَّة. فِي الْقَامُوس مجن مجونا صلب وَغلظ. وَمِنْه الماجن لمن لَا يُبَالِي قولا وفعلا كَأَنَّهُ صلب الْوَجْه. والطبيب الْجَاهِل وَهُوَ الَّذِي لَا يعلم دَوَاء الْأَمْرَاض وتشخيصها فيسقي دَوَاء مهْلكا. والمكاري الْمُفلس هُوَ الَّذِي يكاري الدَّابَّة وَيَأْخُذ الْكِرَاء فَإِذا جَاءَ أَوَان السّفر فَلَا دَابَّة لَهُ. وَفِي الذَّخِيرَة وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ كِرَاء الْإِبِل وَلَيْسَ لَهُ إبل وَلَا ظهر يحمل عَلَيْهِ وَلَا مَال يَشْتَرِيهِ وَعند أَوَان الْخُرُوج يخفي نَفسه. وَفِي الْكَافِي هُوَ الَّذِي مَاتَت دَابَّته فِي الطّرق وَلم يجد دَابَّة أُخْرَى بِالشِّرَاءِ أَو الِاسْتِئْجَار فَيُؤَدِّي إِلَى إِتْلَاف مَال النَّاس.
الْحجب: بِالْفَتْح فِي اللُّغَة الْمَنْع الْمُطلق يُقَال امْرَأَة محجوبة أَي مَمْنُوعَة وَكَذَا حَاجِب الْأَمِير لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس عِنْد الدُّخُول على الْأَمِير من التَّكَلُّم مَعَه. وَمِنْه الْحجاب لما ستر بِهِ الشَّيْء وَيمْنَع من النّظر إِلَيْهِ. وَفِي اصْطِلَاح الْفَرَائِض منع شخص معِين عَن مِيرَاثه إِمَّا كُله أَو بعضه بِوُجُود شخص آخر - الأول حجب الحرمان - وَالثَّانِي حجب النُّقْصَان. وَالْفرق بَين الْحجب وَالْمَنْع أَن الْحجب يكون لجلب النَّفْع وَدفع الضَّرَر وَالنُّقْصَان يَعْنِي أَن الْحَاجِب إِنَّمَا يحجب ليجلب النَّفْع إِلَى نَفسه وَيدْفَع الضَّرَر وَالنُّقْصَان عَن ذَاته بِخِلَاف الْمَنْع فَإِنَّهُ يكون لأمر آخر كالاحتراز عَن تَوْرِيث الْأَجْنَبِيّ وَجَزَاء الاستنكاف وَالْجِنَايَة وَانْقِطَاع الْولَايَة والعصمة. وَأَيْضًا أَن الْحجب يكون بِوُجُود شخص
(2/9)

وَالْمَنْع يكون بِوُجُود معنى من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ نَافِع جدا.
حجب الحرمان: هُوَ أَن يحجب عَن الْمِيرَاث بالمرة فَيصير محروما وممنوعا عَن مِيرَاثه بِالْكُلِّيَّةِ. وَفِي السِّرَاجِيَّة وَالْوَرَثَة فِيهِ أَي فِي حجب الحرمان فريقان فريق لَا يحجبون إِلَى قَوْله وفريق يورثون بِحَال ويحجبون بِحَال أَي حجب الحرمان وَهَا هُنَا إِشْكَال مَشْهُور وَهُوَ أَن الْفَرِيق الَّذين لَا يحجبون بِحَال كَيفَ يدْخلُونَ تَحت حكم الْحجب فَمَا وَجه قَوْله وَالْوَرَثَة فِيهِ فريقان وَالْجَوَاب أَن وزانه كوزان قَوْلهم النَّاس فِي خطابات الشَّرْع على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا دَاخل فِيهَا كالمكلف وَالْآخر غير دَاخل فِيهَا كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون فهما وَإِن كَانَا غير مخاطبين جعلا داخلين فِي التَّقْسِيم وكما قَالُوا إِن الْإِدْغَام على ثَلَاثَة أَنْوَاع: وَاجِب مثل مد - وَجَائِز مثل لم يمد - وممتنع مثل مددن.
وَالْحَاصِل أَن الحكم يتَعَلَّق بالشي إِمَّا بِالنَّفْيِ أَو بالإثبات فَيكون نَفْيه وإثباته من أَحْكَامه. فَإِن الحكم هَا هُنَا هُوَ الْحجب الَّذِي تعلق بِبَعْض الْوَرَثَة بِالنَّفْيِ وببعضها بالإثبات فَيكون كل من نفى الْحجب وإثباته من جملَة أَحْكَامه وبالقياس إِلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي شرح السِّرَاجِيَّة بقوله أَي فِي حجب الحرمان وبالقياس إِلَيْهِ.
حجب النُّقْصَان: هُوَ حجب عَن سهم أَكثر إِلَى سهم أقل كَمَا بَين فِي الْفَرَائِض.
الْحَج: بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَقيل بِالْكَسْرِ لُغَة نجد وبالفتح لغَيرهم وَقيل بِالْفَتْح اسْم وبالكسر مصدر وَقيل بِالْعَكْسِ كَمَا فِي فتح الْبَارِي وَهُوَ فِي اللُّغَة الْقَصْد إِلَى الشَّيْء الْمُعظم. وَفِي الشَّرْع قصد زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام بِصفة مَخْصُوصَة فِي وَقت مَخْصُوص وَهُوَ أشهر الْحَج بِفعل مَخْصُوص وَهُوَ الطّواف وَالسَّعْي بشرائط مَخْصُوصَة كالإحرام وَغَيره كَمَا بَين فِي الْفِقْه. وَفِي فتح الْقَدِير الْحَج عبارَة عَن الْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة من الطّواف وَالْوُقُوف فِي وقته محرما بنية الْحَج سَابِقًا ثمَّ الْحَج نَوْعَانِ: الْحَج أكبر هُوَ حج الْإِسْلَام وَالْحج الْأَصْغَر هُوَ الْعمرَة. وَالْحج فَرِيضَة بدلائل مَقْطُوعَة حَتَّى يكفر جاحدها وَأَنه لَا يجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة وَهُوَ فرض على الْفَوْر لَا على التَّرَاخِي وَهُوَ الْأَصَح فَلَا يُبَاح لَهُ أننا خير بعد الْإِمْكَان وَوُجُود الشَّرَائِط إِلَى الْعَام الثَّانِي فَلَو آخرا ثمَّ وَلَو آخِره وَأدّى بعد ذَلِك وَقع أَدَاء. وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله يجب على التَّرَاخِي والتعجيل أفضل وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ غَالب ظَنّه السَّلامَة إِمَّا إِذا كَانَ ظَنّه الْمَوْت إِمَّا بِسَبَب الْهَرم أَو الْمَرَض فَإِنَّهُ يتضيق عَلَيْهِ الْوُجُوب إِجْمَاعًا كَذَا فِي الْجَوَاهِر النيرة وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي حق المأثم حَتَّى يفسق وَترد شَهَادَته عِنْد من يَقُول على الْفَوْر وَلَو حج فِي آخر عمره فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِثْم بِالْإِجْمَاع وَلَو مَاتَ وَلم يحجّ أَثم بِالْإِجْمَاع كَذَا فِي التَّبْيِين.
(2/10)

الْحجاب: فِي اللُّغَة بِالْفَارِسِيَّةِ برده. وكل شَيْء مطلوبك سوى الله تَعَالَى فَهُوَ حجاب عِنْد أَرْبَاب السلوك. وَأَيْضًا قَالُوا الْحجاب انطباع الصُّور الكونية فِي الْقلب الْمَانِعَة لقبُول تجلي الْحق. نعم قَول الصائب.
(كذشتم ازسر مطلب تَمام شدّ مطلب ... نقاب جهره مَقْصُود بود مطلب هَا)

الْحجَّة: فِي اللُّغَة الْغَلَبَة من حج يحجّ إِذا غلب. وَفِي اصْطِلَاح المنطقيين الْموصل إِلَى التَّصْدِيق وَإِنَّمَا سمي بهَا لِأَن من تمسك بِهِ اسْتِدْلَالا على مَطْلُوبه غلب الْخصم فَهُوَ سَبَب الْغَلَبَة فتسميته بهَا من قبيل تَسْمِيَة السَّبَب باسم الْمُسَبّب وَهِي عِنْدهم ثَلَاثَة: (قِيَاس) و (استقراء) و (تَمْثِيل) .
الْحجَّة القطعية: هِيَ الْحجَّة الَّتِي تفِيد الْيَقِين وَلَا يقْصد بهَا إِلَّا الْيَقِين بالمطلوب.
الْحجَّة الإقناعية: هِيَ الْحجَّة الَّتِي تفِيد الظَّن لَا الْيَقِين وَلَا يقْصد بهَا إِلَّا الظَّن بالمطلوب. فَإِن قيل قد تقرر عِنْدهم أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَخبر الرَّسُول مفيدان لليقين فَكيف يَصح مَا قَالُوا إِن قَوْله تَعَالَى: {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} . حجَّة اقناعية على إِثْبَات أَن صانع الْعَالم وَاحِد وَلَا يُمكن أَن يصدق مَفْهُوم وَاجِب الْوُجُود إِلَّا على ذَات وَاحِدَة. قُلْنَا. المُرَاد أَن قَوْله تَعَالَى ذَلِك مَعَ قطع النّظر عَن كَونه متواترا وإتيان الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام بِهِ حجَّة إقناعية لاشْتِمَاله على الْمُلَازمَة العادية وَالْأَحْكَام المستندة إِلَى الْعَادة لَا تكون قَطْعِيَّة.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْآيَة حجَّة اقناعية. وبرهان التمانع الَّذِي تُشِير إِلَيْهِ هَذِه الْآيَة حجَّة قطيعة لاشْتِمَاله على الْمُلَازمَة الْعَقْلِيَّة وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي شرح العقائد النسفية بقوله وَتَقْرِيره إِنَّه لَو أمكن آلهان لأمكن بَينهمَا تمانع إِلَى آخِره.
(بَاب الْحَاء مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الحَدِيث: فِي اللُّغَة ضد الْقَدِيم لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا وَقد ورد إياك والْحَدِيث وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره. وأصول الحَدِيث علم بأصول يعرف بهَا أَحْوَال الحَدِيث الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من صِحَة النَّقْل عَنهُ وَضَعفه وطرق التَّحَمُّل وَالْأَدَاء. وموضوعه حَدِيث الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذْ الْبَحْث فِيهِ إِنَّمَا هُوَ عَن عوارضه وَإِن لم يكن بَعْضهَا ذاتيا كَذَا فِي جَوَاهِر الْأُصُول. والْحَدِيث فِي اصْطِلَاح الْمُحدثين قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَفعله وَتَقْرِيره وَصفته حَتَّى الحركات والسكنات فِي الْيَقَظَة والمنام ويرادفه السّنة عِنْد الْأَكْثَر. قَالَ فِي الْكِفَايَة الحَدِيث تِسْعَة قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (وَفعله وَتَقْرِيره وَقَول أَصْحَابه وفعلهم وتقريرهم وَالتَّابِعِينَ لَهُم) انْتهى. وَالْخَبَر بِمَعْنى الحَدِيث وَقيل أَعم وغايته الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ.
(2/11)

ثمَّ إِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي أَن السّنة عِنْد الْإِطْلَاق هَل تخْتَص بِسنة الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَو تعمها وَغَيرهَا. فَذهب المتقدمون منا وَصَاحب الْمِيزَان من الْمُتَأَخِّرين وَأَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله وَجُمْهُور أهل الحَدِيث إِلَى الأول وَالْبَاقُونَ إِلَى الثَّانِي.
الحَدِيث الصَّحِيح: مَا سلم لَفظه عَن ركاكة وَمَعْنَاهُ عَن مُخَالفَة آيَة أَو خبر متواتر أَو إِجْمَاع وَكَانَ رُوَاته عُدُولًا. وَفِي مُقَابلَته.
الحَدِيث السقيم: وأقسام الحَدِيث كَثِيرَة فِي أصُول الحَدِيث.
الحَدِيث الْقُدسِي: مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ نبيه بالإلهام أَو بالمنام فَأخْبر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن ذَلِك الْمَعْنى بِعِبَارَة نَفسه وللقرآن الْمجِيد تَفْضِيل عَلَيْهِ لِأَن نظمه منزل.
الحدس: سرعَة انْتِقَال الذِّهْن من المبادي إِلَى الْمَطْلُوب ويقابله الْفِكر وَالْفرق بَين الْفِكر والحدس أَنه لَا بُد فِي الْفِكر من حركتين: أَحدهمَا: حَرَكَة الذِّهْن لتَحْصِيل المبادي. وَثَانِيهمَا: حَرَكَة لترتبهما. وَأما رُجُوع الذِّهْن وانتقاله عَن المبادي الْمرتبَة إِلَى المطالب فَلَيْسَ بحركة لِأَنَّهُ آني الْوُجُود وَالْحَرَكَة تدريجية الْوُجُود بِخِلَاف الحدس إِذْ لَا حَرَكَة فِيهِ أصلا يَعْنِي لَا يلْزم فِيهِ حَرَكَة من الحركتين المذكورتين لجَوَاز أَن تسنح وَتظهر المبادي وَالْمَطْلُوب مَعًا فِي الذِّهْن من غير تقدم شوق وَطلب كَمَا لأَصْحَاب النُّفُوس القدسية. وَأما الِانْتِقَال فِي الحدس فآني الْوُجُود الْبَتَّةَ فَلَيْسَ بحركة وَالْمرَاد بقَوْلهمْ إِن تسنح المبادي الْمرتبَة للذهن فَيحصل الْمَطْلُوب أَن انْتِفَاء الْحَرَكَة الثَّانِيَة لَازم فِي الحدس سَوَاء وجدت الْحَرَكَة الأولى أَو لَا فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ مِمَّا خَفِي على المتعلمين بل على أَكثر من المعلمين.
الحدسيات: فِي البديهي
الْحَد: فِي اللُّغَة الْمَنْع. وَفِي عرف المنطقيين الْحَد الْمُمَيز الذاتي كَمَا أَن الرَّسْم هُوَ الْمُمَيز العرضي. ومدار التَّمام فيهمَا اشتمالهما على الْجِنْس الْقَرِيب وَالنُّقْصَان على عَدمه. وَلِهَذَا قَالُوا التَّعْرِيف بِالْفَضْلِ الْقَرِيب حد وبالخاصة رسم فَإِن كَانَ مَعَ الْجِنْس الْقَرِيب فَتَام وَإِلَّا فناقص وتفصيل الْحَد التَّام وَغَيره فِي كنه الشَّيْء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْحَد فِي قَوْلهم هَذَا الشَّيْء فِي حد ذَاته كَذَا مقحمة فَافْهَم واحفظ وَقد جَاءَ الْحَد بِمَعْنى الطّرف وَالنِّهَايَة لِأَن الْحُكَمَاء يَقُولُونَ إِن حد الْخط أَي نهايته نقطة وحد السَّطْح خطّ وحد الْجِسْم التعليمي سطح وَبِمَعْنى الْمرتبَة أَيْضا كَمَا قَالَ صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {لَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} أَي لَكَانَ الْكثير مِنْهُ مُخْتَلفا قد تفَاوت نظمه وبلاغته فَكَانَ بعضه بَالغا حد الإعجاز وَبَعضه قاصرا عَنهُ يُمكن معارضته انْتهى. وَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَن الْحَد بِمَعْنى المرتبه لِأَن الضَّمِير الْمَجْرُور فِي قَوْله
(2/12)

وَبَعضه قَاصِر عَنهُ رَاجع إِلَى الْحَد الْمُضَاف إِلَى الإعجاز لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بِالذكر فَحِينَئِذٍ لَو كَانَ الْحَد بِمَعْنى النِّهَايَة لَكَانَ الْمَعْنى وَبَعضه قَاصِر عَن نِهَايَة الإعجاز يَعْنِي لم يصل إِلَى نهايته وَإِن كَانَ دَاخِلا فِيهِ أَي فِي الإعجاز فالفساد ظَاهر لِأَن قَوْله يُمكن معارضته صفة كاشفة لقَوْله وَبَعضه قَاصِر عَنهُ. وَلما كَانَ ذَلِك الْبَعْض الْقَاصِر عَن نِهَايَة الإعجاز دَاخِلا فِي الإعجاز يكون معجز الْبَتَّةَ والمعجز لَا يُمكن معارضته بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْحَد بِمَعْنى الْمرتبَة لِأَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ وَبَعضه قَاصِر عَن مرتبَة الإعجاز أَي عَن الإعجاز لِأَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة. وَلَا ريب فِي أَن مَا كَانَ قاصرا عَن مرتبَة الإعجاز وَلم يكن مِنْهُ يُمكن معارضته هَذَا مَا حررناه فِي التعليقات على المطول.
الْحَد التَّام: هُوَ الْمركب من الْجِنْس والفصل القريبين للشَّيْء كالحيوان النَّاطِق للْإنْسَان. أما كَونه حدا فلكونه مَانِعا عَن دُخُول الأغيار فِي الْمَحْدُود. وَأما كَونه تَاما فلكونه جَامعا لتَمام ذاتياته.
الْحَد النَّاقِص: هُوَ مَا يكون بِالْفَصْلِ الْقَرِيب وَحده أَو بِهِ وبالجنس الْبعيد كتعريف الْإِنْسَان بالناطق أَو بالجسم النَّاطِق. أما كَونه حدا فَلَمَّا مر فِي الْحَد التَّام. وَأما كَونه نَاقِصا فلنقصه لحذف بعض الذاتيات عَنهُ وَهُوَ الْجِنْس الْقَرِيب.
الْحداد: بِالْكَسْرِ وَفتح الدَّال المخففة بِالْفَارِسِيَّةِ (سوكك كردن وَمَا تمّ نمودن) وَفِي الشَّرْع ترك الْمَرْأَة الْمُعْتَدَّة بِالطَّلَاق أَو موت زَوجهَا الزِّينَة وَسَائِر مَا ذكر فِي الْفِقْه. وَلَا حداد على الْمُطلقَة الرَّجْعِيَّة لِأَن نعْمَة النِّكَاح بَاقِيَة حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا.
الْحَد الْمُشْتَرك: مَا يكون نسبته إِلَى الجزأين نِسْبَة وَاحِدَة كالنقطة بِالْقِيَاسِ إِلَى جزئي الْخط. وَهَذَا مُرَاد من عرفه بِأَنَّهُ ذُو وضع بَين مقدارين يكون مُنْتَهى لأَحَدهمَا ومبدأ للْآخر وَلَا بُد أَن يكون مُخَالفا لَهما بالنوع.
حِدة: مصدر على زنة زنة وعدة تصريفها وحد يحد حِدة كوعد يعد عدَّة وَوزن يزن زنة والعوام بل بعض الْخَواص يقرؤون على حِدة بِالنّصب وَهُوَ غلط فَاحش لِأَن كلمة على حرف جر كَمَا أَن الْعَجز بِفَتْح الْعين وَالْمَشْهُور كَسره فافتح الْعين.
حَدثنَا: اعْلَم أَن أَدَاء الحَدِيث على أَنْوَاع - الأول حَدثنَا - وَالثَّانِي أخبرنَا - وَالثَّالِث ثَنَا. وَالرَّابِع أَنبأَنَا. واصطلح المحدثون على أَن حَدثنَا إِنَّمَا يسْتَعْمل إِذا كَانَ الْأُسْتَاذ قَارِئًا والتلامذة مُسْتَمِعِينَ - وَأخْبرنَا يسْتَعْمل على الْعَكْس - وثنا عبارَة عَن حَدثنَا - وأنبأنا عبارَة عَن أخبرنَا. وَالْبُخَارِيّ لم يفرق بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا وَكَذَا التِّرْمِذِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى.
(2/13)

وحَدثني: يسْتَعْمل فِيمَا إِذا كَانَ الْأُسْتَاذ قَارِئًا والتلميذ السَّامع وَاحِدًا.
الْحَدث: معنى قَائِم بِغَيْرِهِ بِشَرْط الْحُدُوث والتجدد. وَالْمرَاد بِقِيَام الْمَعْنى بِالْغَيْر اتصافه بذلك الْمَعْنى سَوَاء صدر عَن ذَلِك الْغَيْر كالضرب وَالْقَتْل أَو لَا كالطول الْقصر لَا المُرَاد بِهِ الِاخْتِصَاص الناعت أَو التّبعِيَّة فِي التحيز كَمَا هُوَ اصْطِلَاح الْمَعْقُول وَقَالَ الْعَارِف النامي الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي يَعْنِي بِالْحَدَثِ معنى قَائِما بِغَيْرِهِ سَوَاء صدر عَنهُ كالضرب وَالْمَشْي أَو لم يصدر كالطول وَالْقصر انْتهى. وَتَحْقِيق هَذَا الْمقَام بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي جَامع الغموض فِي مَبْحَث الْمصدر.
وَاعْلَم أَن الْحَدث الْمُعْتَبر فِي تَعْرِيف الْمصدر اعْتبر فِيهِ الْحُدُوث والتجدد فافترق الْمصدر وَالْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ بِأَن الْحُدُوث والتجدد مُعْتَبر فِي الْمصدر دون الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ. وَأَيْضًا الْحَدث النَّجَاسَة الْحكمِيَّة الْمَانِعَة من الصَّلَاة وَغَيرهَا. والخبث هُوَ النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة كالبول وَالْغَائِط وَالدَّم وَالْخمر وَغير ذَلِك وَالنَّجس بِفَتْح الْجِيم يعمهما.
الْحُدُوث: فِي الْحَادِث.
(بَاب الْحَاء مَعَ الذَّال الْمُعْجَمَة)

الْحَذف: فِي التَّاج التّرْك (دست برداشتن) والحذف (بيفكندن) . فَفِي الأول إِشَارَة إِلَى عدم الْإِتْيَان ابْتِدَاء. وَفِي الثَّانِي إِلَى إِسْقَاطه بعد الْإِتْيَان هَكَذَا يفهم من المطول فِي شرح قَوْله الْبَاب الثَّالِث فِي أَحْوَال الْمسند. أما تَركه فَلَمَّا مر فَانْظُر هُنَاكَ. وَقَالَ الْفَاضِل المدقق عِصَام الدّين رَحمَه الله فِي الأطول التّرْك الردع أَي الْكَفّ وَالْمَنْع - والحذف الْإِسْقَاط فَالثَّانِي يدل على سبق الثُّبُوت دون الأول. فَلهَذَا قَالَ الشَّارِح يَعْنِي الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله مَا حَاصله أَن فِي اسْتِعْمَال الْحَذف فِي الْمسند إِلَيْهِ وَالتّرْك فِي الْمسند إِشْعَار بِأَن احْتِيَاج الْكَلَام إِلَى الْمسند إِلَيْهِ أَشد فَكَأَنَّهُ كَانَ ثَابتا لَا محَالة ثمَّ أسقط لداع. وَأورد عَلَيْهِ أَن كَلَامه هَذَا يُنَافِي مَا ذكره فِي شرح الْكَشَّاف أَن قَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا من ترك التَّسْمِيَة فَكَأَنَّمَا ترك مائَة وَأَرْبع عشرَة آيَة من الْقُرْآن مُشكل لِأَنَّهَا لَا تُوجد فِي سُورَة الْبَرَاءَة حَتَّى يكون تاركها لِأَن كَلَامه هَذَا دلّ على التّرْك وَهُوَ يَقْتَضِي الثُّبُوت. وَالْأَوْجه أَن اخْتِلَاف الْعبارَات للنِّيَّة على تعدد مَا يعبر بِهِ عَمَّا يُقَابل الذّكر لَا للتفاوت وَإِلَّا لما عبر المُصَنّف عَن عدم ذكر الْمَفْعُول فِي بحث متعلقات الْفِعْل بالحذف انْتهى. والحذف أَعم من التَّقْدِير لِأَنَّهُ إِسْقَاط من اللَّفْظ مَعَ الْإِبْقَاء فِي النِّيَّة. والحذف هُوَ الْإِسْقَاط من اللَّفْظ مُطلقًا. والحذف عِنْد أَصْحَاب الْعرُوض إِسْقَاط سَبَب
(2/14)

خَفِيف مثل لن من مفاعيلن ليبقى مفاعي فينقل إِلَى فعولن وَمَا يَقع فِيهِ هَذَا الْحَذف يُسمى محذوفا.
(بَاب الْحَاء مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الْحَرَكَة: هِيَ الَّتِي تعرض للحرف عرضا يحله. وَعند الْحُكَمَاء خُرُوج صفة الشَّيْء وانتقالها من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل على سَبِيل التدريج. وتفصيلها أَن الشَّيْء الْمَوْجُود لَا يكون بِالْقُوَّةِ من جَمِيع الْوُجُود وَإِلَّا لَكَانَ وجوده بِالْقُوَّةِ فَيلْزم أَن يكون بِالْقُوَّةِ فِي كَونه بِالْقُوَّةِ فَيكون الْقُوَّة حَاصِلَة وَغير حَاصِلَة وَيلْزم أَيْضا أَن لَا يكون مَوْجُودا وَقد فرضناه مَوْجُودا هَذَا خلف. فَذَلِك الشَّيْء الْمَوْجُود إِمَّا مَوْجُود من جَمِيع الْوُجُوه وَهُوَ الْمَوْجُود الْكَامِل الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَمَال متوقع كالباري تَعَالَى عز اسْمه والعقول - أَو بِالْفِعْلِ من بعض الْوُجُوه وبالقوة من بَعْضهَا فَمن حَيْثُ إِنَّه مَوْجُود بِالْقُوَّةِ من بعض الْوُجُوه لَو خرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل فَذَلِك الْخُرُوج - إِمَّا أَن يكون دفْعَة وَاحِدَة وَهُوَ الْكَوْن وَالْفساد كانقلاب المَاء هَوَاء فَإِن الصُّورَة الهوائية كَانَت للْمَاء بِالْقُوَّةِ فَخرجت مِنْهَا إِلَى الْفِعْل دفْعَة فَذَلِك الانقلاب فَسَاد من جِهَة زَوَال الصُّورَة المائية وَكَون من حَيْثُ حُدُوث الصُّورَة الهوائية. وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك الْخُرُوج على التدريج فَهُوَ الْحَرَكَة.
ثمَّ الْحَرَكَة: قد تطلق على الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط.
وَقد تطلق على الْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع: فالحركة بِمَعْنى التَّوَسُّط هُوَ كَون الْجِسْم فِيمَا بَين المبدأ والمنتهى بِحَيْثُ أَي حد يفْرض يكون حَاله فِي ذَلِك الْآن مُخَالفا لحاله فِي آنين يحيطان بِهِ - وَبِعِبَارَة أُخْرَى أَن يكون الْجِسْم واصلا إِلَى حد من حُدُود الْمسَافَة فِي كل آن لَا يكون ذَلِك الْجِسْم واصلا إِلَى ذَلِك الْحَد قبل ذَلِك الْآن وَبعده - وَالْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع أَمر ممتد من أول الْمسَافَة إِلَى آخرهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تحصل عِنْد وجود الْجِسْم المتحرك إِلَى الْمُنْتَهى.
وتفصيلهما مَا قَالَه أرسطو من أَن الْحَرَكَة قد تطلق على كَون الْجِسْم بِحَيْثُ أَي حد من حُدُود الْمسَافَة الَّتِي تفرض لَا يكون ذَلِك الْجِسْم قبل آن الْوُصُول إِلَى حد من حُدُود الْمسَافَة وَلَا بعد آن الْوُصُول حَاصِلا فِي الْحَد الْمَذْكُور فَيكون فِي كل آن فِي جِهَة أُخْرَى وَيُسمى الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط لكَونهَا حَاصِلَة للجسم فِيمَا بَين المبدأ والمنتهى فَهِيَ صفة شخصية مَوْجُودَة فِي الْخَارِج دفْعَة مستمره إِلَى الْمُنْتَهى تَسْتَلْزِم اخْتِلَاف نسب المتحرك إِلَى حُدُود الْمسَافَة فَهِيَ بِاعْتِبَار ذَاتهَا مستمرة - وَبِاعْتِبَار نسبتها إِلَى تِلْكَ الْحُدُود سيالة - فباعتبار استمرارها وسيلانها تفعل فِي الخيال أمرا ممتدا غير قار تطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع لِأَنَّهُ يقطع الْمسَافَة بهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَمر ممتد لِأَنَّهُ لما ارتسم نِسْبَة المتحرك
(2/15)

إِلَى الْجُزْء الثَّانِي فِي الخيال قبل أَن يَزُول نسبته إِلَى الْجُزْء الأول عَنهُ يتخيل أَمر ممتد ينطبق على الْمسَافَة كَمَا يحصل من القطرات النَّازِلَة والشعلة الجوالة أَمر ممتد فِي الْحسن الْمُشْتَرك فَيرى لذَلِك خطا أَو دَائِرَة - وَالْحَرَكَة بِهَذَا الْمَعْنى لَا وجود لَهَا إِلَّا فِي التَّوَهُّم لِأَن المتحرك مَا لم يصل إِلَى الْمُنْتَهى لم يُوجد الْحَرَكَة بِتَمَامِهَا وَإِذا وصل فَقَط انْقَطَعت الْحَرَكَة فالحركة بِمَعْنى الْقطع أَمر ممتد غير قار الْأَجْزَاء حَاصِل فِي الخيال بسيلان الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط.
ثمَّ اعْلَم أَن فِي وجود الْحَرَكَة اخْتِلَافا ذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحَرَكَة مَوْجُودَة بالبداهة. وَعبارَة الطوسي فِي التَّجْرِيد تنظر إِلَى هَذَا حَيْثُ قَالَ وجودهَا ضَرُورِيّ. وَبَعْضهمْ ذهب إِلَى أَنَّهَا لَيست مَوْجُودَة إِذْ لَو كَانَ لَهَا وجود لَكَانَ فِي أحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة والتالي بَاطِل فالمقدم مثله إِمَّا الْمُلَازمَة فظاهرة. وَإِمَّا بطلَان التَّالِي فَلِأَن الْمَوْجُود مِنْهَا لَيْسَ مَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ ظَاهر وَلَا فِي الْحَال لوُجُوب كَونه منقسما إِذْ لَو كَانَ غير منقسم لكَانَتْ الْمسَافَة الْمُطَابقَة لَهُ أَيْضا كَذَلِك وَيلْزم مِنْهُ الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ وَإِذا انقسم فَيكون بعضه مَاضِيا وَبَعضه مُسْتَقْبلا وهما معدومان فَإِذن لَا وجود للحركة أصلا.
وَأجَاب الشَّيْخ عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال بِأَن الْحَرَكَة الْحَاضِرَة وَإِن كَانَت منقسمة لَكِن انقسامها بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ إِذْ انقسامها إِنَّمَا هُوَ بِالْعرضِ لِأَنَّهُ تَابع لانقسام الْمسَافَة وَالزَّمَان وانقسام هذَيْن الْأَمريْنِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ.
وَلَا يخفى أَن الْكَلَام الْمَنْقُول عَن أرسطو كالمحاكمة بَين الْقَوْلَيْنِ.
وَتَحْقِيق الْحق من المذهبين أَن الْحَرَكَة إِن أُرِيد مِنْهَا مَا هُوَ بِمَعْنى الْقطع فَالْحق مَا ذكره النافون لوجودها - وَإِن أُرِيد مِنْهَا مَا هُوَ بِمَعْنى التَّوَسُّط - فَالْحق مَا نقل عَن الْقَائِلين بوجودها.
الْحَرَكَة فِي الكيف: هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من كَيْفيَّة إِلَى كَيْفيَّة أُخْرَى على التدريج مَعَ بَقَاء الصُّورَة النوعية كتسخن المَاء وتبرده وَتسَمى هَذِه الْحَرَكَة اسْتِحَالَة أَيْضا لانتقال الْجِسْم من حَال إِلَى حَال. وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعَ بَقَاء الصُّورَة النوعية إِذْ لَو زَالَت هَذِه الصُّورَة المائية إِلَى الهوائية بالتسخن أَو إِلَى الأرضية بالتبرد كَانَ هُنَاكَ أَيْضا انْتِقَال من كَيْفيَّة إِلَى كَيْفيَّة أُخْرَى وَلَكِن لَا يُطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة لكَونه دفعيا بل يُطلق عَلَيْهِ الْكَوْن وَالْفساد.
الْحَرَكَة الأينية: هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من أَيْن إِلَى أَيْن على سَبِيل التدريج وَيُسمى نقلة على وزن شعلة أَيْضا للنَّقْل من أَيْن إِلَى أَيْن وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة فِي الْعرف الْعَام. وَقيل هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من مَكَان إِلَى مَكَان تدريجا. وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان لَازم للحركة الأينية وَظَاهر أَنه غير مَحْمُول
(2/16)

لِأَن الأين لَيْسَ عبارَة عَن الْمَكَان حَتَّى يكون الْحَرَكَة فِي الأين الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان آخر - والأين هُوَ النِّسْبَة إِلَى الْمَكَان أَو الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للمتمكن من حُصُوله فِي الْمَكَان أَو الْحُصُول فِي الْمَكَان لَكِن لما كَانَ الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان لَازِما للحركة فِي الأين فَسرهَا بذلك اللَّازِم مجَازًا إطلاقا للازم على الْمَلْزُوم أَو أَرَادَ أَن الْحَرَكَة الأينية هِيَ الِانْتِقَال من حَالَة من مَكَان إِلَى حَاله حَاصِلَة من مَكَان آخر على التدريج يَعْنِي هِيَ الِانْتِقَال من نِسْبَة حَاصِلَة للجسم من حُصُوله فِي مَكَان إِلَى نِسْبَة حَاصِلَة لَهُ من حُصُوله فِي مَكَان آخر.
الْحَرَكَة كونان فِي آنين فِي مكانين: تَحْقِيقه فِي أَن السّكُون كونان فِي آنين فِي مَكَان وَاحِد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْحَرَكَة فِي المقولة: أَي وُقُوع حَرَكَة الْجِسْم فِي مقولة. وَمَعْنَاهُ أَن الْمَوْضُوع أَي مَوْضُوع المقولة يَتَحَرَّك من نوع تِلْكَ المقولة إِلَى نوع آخر مِنْهَا كانتقال الْجِسْم من الْبيَاض إِلَى السوَاد وَبِالْعَكْسِ - أَو من صنف من مقولة إِلَى صنف آخر من تِلْكَ المقولة كانتقال الْجِسْم من الْبيَاض الشَّديد إِلَى الْبيَاض الضَّعِيف وَبِالْعَكْسِ - أَو من فَرد من مقولة إِلَى فَرد آخر مِنْهَا كالانتقال من بَيَاض معِين إِلَى بَيَاض مثله وَقس على هَذَا فِي المقولات الثَّلَاث الْبَاقِيَة الَّتِي تقع الْحَرَكَة فِيهَا بِالذَّاتِ. وَاعْلَم أَن الْحَرَكَة تقع بِالذَّاتِ فِي أَربع مقولات وَفِي الْبَوَاقِي بِالْعرضِ وَتلك الْأَرْبَع الْكمّ والكيف والأين والوضع.
الْحَرَكَة فِي الْكمّ: هِيَ الِانْتِقَال من كمية إِلَى كمية أُخْرَى تدريجا كالنمو والذبول. وَهَذَا التَّعْرِيف أولى من انْتِقَال الْجِسْم من كم إِلَى كم تدريجا لِأَن الْجِسْم كَمَا ينْتَقل من كم إِلَى كم تدريجا كَذَلِك الصُّورَة والهيولي أَيْضا بل الْمُنْتَقل من كم إِلَى كم بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الصُّورَة لما بَين من أَن الْجِسْم التعليمي أَولا وبالذات قَائِم بالصورة إِلَّا أَن الْبَحْث مَخْصُوص بحركة الْجِسْم.
ثمَّ الْحَرَكَة الكمية: أَرْبَعَة أَقسَام النمو والذبول والتخلخل والتكاثف كَمَا فِي غَايَة الْهِدَايَة. وَقَالَ السَّيِّد الشريف قدس سره وَجه الْحصْر أَن الْحَرَكَة فِي الْكمّ لَا بُد أَن يكون بِزَوَال كمية وَحُصُول أُخْرَى - فالكم الأول إِمَّا أَن يكون أَصْغَر من الثَّانِي أَو أكبر. وعَلى الأول إِمَّا أَن يكون حُصُول الْأَكْبَر بانضمام شَيْء أَو لَا. وعَلى الثَّانِي إِمَّا أَن يكون حُصُول الْأَصْغَر بانفصال شَيْء أَو لَا فانحصرت فِي أَرْبَعَة.
ثمَّ اعْترض بِأَن السّمن والهزال أَيْضا من الْحَرَكَة الكمية مَعَ أَن الْوَجْه الْمَذْكُور دلّ على الانحصار فِي أَرْبَعَة وَأجَاب بِأَن الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرنَا فِي الْقِسْمَة شَامِلَة لَهما. وَإِن أردْت التَّصْرِيح قلت حُصُول الْأَكْبَر بانضمام شَيْء إِمَّا فِي جَمِيع الأقطار فَهُوَ النمو أَو فِي بَعْضهَا فَهُوَ السّمن وَكَذَا فِي الِانْفِصَال انْتهى. وَفِيه نظر أما أَولا فلأنا لَا نسلم أَن
(2/17)

السّمن لَا يكون فِي جَمِيع الأقطار فَإِنَّهُ كَمَا يكون فِي الْعرض والعمق يكون فِي الطول أَيْضا كَمَا صرح بِهِ بعض الْمُحَقِّقين. وَأما ثَانِيًا فلأنا لَا نسلم أَن كل كم يَقع فِيهِ الْحَرَكَة متصف بالأصغرية والأكبرية فَإِن الشمعة تَتَغَيَّر من جسم تعليمي إِلَى آخر على سَبِيل التدريج مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِه مثلا إِذا كَانَت الشمعة ذِرَاعا فِي الطول وَالْعرض والعمق وَتغَير كمها إِلَى كم آخر يكون ذِرَاعا فِي الأقطار الثَّلَاثَة وَأما ثَالِثا فَأَقُول مَا الْوَجْه فِي أَنهم لم يعدوا الورم وَرَفعه من أَقسَام الْحَرَكَة الكمية فَإِن قَالُوا إِن الْحَرَكَة فِي مقولة يَسْتَدْعِي أمرا وَاحِدًا بِعَيْنِه يتوارد عَلَيْهِ أَفْرَاد تِلْكَ المقولة وأفراد الْمِقْدَار فِي الورم وَرَفعه لَا يتوارد على شَيْء وَاحِد بِعَيْنِه فَنَقُول هَذَا مُشْتَرك بَين النمو والذيول وَالسمن والهزال فَمَا هُوَ جوابكم فَهُوَ جَوَابنَا انْتهى.
الْحَرَكَة فِي الْوَضع: هِيَ الْحَرَكَة الوضعية وَهِي انْتِقَال الْجِسْم من هَيْئَة وضعية إِلَى أُخْرَى على سَبِيل التدريج كَمَا إِذا كَانَ للجسم حَرَكَة على الاستدارة وكما أَن الْقَائِم إِذا قعد فَإِنَّهُ ينْتَقل من وضع إِلَى وضع آخر. وَمن هَذَا الْبَيَان قد ظهر لَك أَن الْحَرَكَة الوضعية لَيست منحصرة فِي الْحَرَكَة على الاستدارة كَمَا يظْهر من ظَاهر كَلَام أثير الدّين الْأَبْهَرِيّ رَحمَه الله فِي هِدَايَة الْحِكْمَة حَيْثُ قَالَ وحركة فِي الْوَضع وَهِي أَن تكون للجسم حَرَكَة فِي الْوَضع وَهِي أَن تكون للجسم حَرَكَة على الاستدارة وَأَنَّهَا منحصرة فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك لما ذكرنَا أَن الْقَائِم إِذا قعد ينْتَقل من وضع إِلَى وضع فَيتَحَقَّق الْحَرَكَة الوضعية وَلَيْسَ هُنَاكَ الْحَرَكَة على الاستدارة. وَإِنَّمَا قُلْنَا من ظَاهر كَلَامه رَحمَه الله لِأَنَّهُ يُمكن أَن يُقَال مُرَاده وَهِي كَانَ تكون الخ يَعْنِي لم يرد تَعْرِيف الْحَرَكَة الوضعية بِمَا ذكره وَلَا حصرها فِيمَا ذكره بل أَرَادَ تمثيلها بِهِ فَهَذَا تَمْثِيل وتشبيه بليغ بِحَذْف أداته. أَو لِأَن مُرَاده بِمَا ذكره أَن الْحَرَكَة الوضعية على سَبِيل الِانْفِرَاد لَا تُوجد إِلَّا وَقت أَن تكون للجسم حَرَكَة على الاستدارة يَعْنِي أَن مَقْصُوده حصر الْحَرَكَة الوضعية الصرفة فِي الْحَرَكَة على الاستدارة وَلَا شكّ أَن الْقَائِم إِذا قعد كَمَا انْتقل من وضع إِلَى وضع آخر كَذَلِك انْتقل من أَيْن إِلَى أَيْن آخر فَلَا تُوجد الْحَرَكَة الوضعية هُنَاكَ على سَبِيل الِانْفِرَاد. فعلى مَا ذكرنَا يصير كالعهن المنفوش مَا ذكره الشَّارِح الْحسن الميبذي رَحمَه الله من قَوْله أَقُول هَا هُنَا بحث إِذْ علم مِمَّا سبق الخ وَالْحَرَكَة الوضيعة الصرفة أَن يخْتَلف نِسْبَة أَجزَاء الْجِسْم من غير أَن يتبدل الْمَكَان.
الْحَرَكَة على الاستدارة: هِيَ أَن يُفَارق كل جُزْء من أَجزَاء المتحرك كل جُزْء من أَجزَاء مَكَانَهُ ويلازم كُله مَكَانَهُ كَمَا فِي حجر الرَّحَى ويتحقق الْحَرَكَة الوضعية حِينَئِذٍ على سَبِيل الِانْفِرَاد لاخْتِلَاف نِسْبَة أَجزَاء المتحرك إِلَى أَجزَاء مَكَانَهُ على سَبِيل التدريج فَقَط فَإِن قلت إِن الْحَرَكَة الوضعية متحققة فِي فلك الأفلاك وَلَا مَكَان لَهُ قُلْنَا المُرَاد كل جُزْء من أَجزَاء مَكَانَهُ لَو كَانَ لَهُ مَكَان يَعْنِي أَن اعْتِبَار الْمُفَارقَة المكانية فِي الْأَجْزَاء إِنَّمَا
(2/18)

هُوَ فِيمَا كَانَ لَهُ مَكَان لَا مُطلقًا. وَنَظِيره مَا قَالَ صَاحب المواقف أَن الْمَسْأَلَة مَا برهن عَلَيْهَا فِي الْفَنّ. وَقَالَ الشَّارِح رَحمَه الله أَن المُرَاد مَا برهن عَلَيْهَا على تَقْدِير كَونهَا نظرية لَا مُطلقًا. وَيُمكن الْجَواب أَيْضا بِأَن المُرَاد من الْمَكَان هُوَ الحيز فِي قَوْله أَجزَاء مَكَانَهُ إِذْ يجوز إِطْلَاق أَحدهمَا على الآخر لرابطة الْعُمُوم وَالْخُصُوص. ثمَّ اعْلَم أَن الْحَرَكَة المستديرة اصْطِلَاحا مَخْصُوص بِمَا لَا يخرج المتحرك عَن مَكَانَهُ. ولغة أَعم من ذَلِك فَإِن الْجِسْم إِذا تحرّك على مُحِيط دَائِرَة يُقَال إِنَّه متحرك بحركة مستديرة بِحَسب اللُّغَة.
الْحَرَكَة الذاتية: هِيَ الْحَرَكَة الَّتِي تعرض للمتحرك أَولا وبالذات من غير أَن تكون هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الْعرُوض وَإِن كَانَ هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الثُّبُوت لَا مَا يكون ذَات المتحرك عِلّة لَهَا كَيفَ فَإِنَّهَا تَنْقَسِم على ثَلَاثَة أَقسَام طبيعية وقسرية وإرادية ويقابلها.
الْحَرَكَة العرضية: فَهِيَ الَّتِي تعرض للمتحرك لَا أَولا وبالذات بل تكون هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الْعرُوض للجسم بِوَاسِطَة عروضها. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ مَا يكون عروضها للجسم بِوَاسِطَة عروضها لشَيْء آخر بِالْحَقِيقَةِ كالجالس فِي السَّفِينَة المتحرك بحركتها. وَهَذَا هُوَ مُرَاد الْحسن الميبذي رَحمَه الله مِمَّا قَالَ فِي (شرح الْهِدَايَة فِي الْحِكْمَة) مَا يُوصف بالحركة إِمَّا أَن تكون الْحَرَكَة حَاصِلَة فِيهِ بِالْحَقِيقَةِ أَو لَا بل تكون الْحَرَكَة حَاصِلَة فِي شَيْء آخر يقارنه فيوصف هَذَا بالحركة تبعا لذَلِك الشَّيْء وَالْحَرَكَة المنسوبة إِلَى الأول تسمى ذاتية والمنسوبة إِلَى الثَّانِي تسمى عرضية كحركة أَعْرَاض الْجِسْم انْتهى.
الْحَرَكَة الإرادية: وَإِنَّمَا تَنْقَسِم الْحَرَكَة الذاتية إِلَى الإرادية والطبيعية والقسرية لِأَن مبدأ الْحَرَكَة الَّذِي هُوَ طبيعة الْجِسْم المتحرك. إِمَّا أَن يَسْتَفِيد التحريك من أَمر خَارج فَهِيَ الْحَرَكَة القسرية أَولا يَسْتَفِيد فإمَّا لمبدأها شُعُور بِتِلْكَ الْحَرَكَة. أَولا، الأول: الْحَرَكَة الإرادية. وَالثَّانِي
الْحَرَكَة الطبيعية: كحركة الْحجر إِلَى السّفل.
الْحَرَكَة القسرية: هِيَ الْحَرَكَة على خلاف مُقْتَضى طبيعة المتحرك بِوُجُود مبدئها فِيهِ المتصف بِالتَّحْرِيكِ من خَارج فمبدأ الْحَرَكَة القسرية هِيَ طبيعة المقسور بمعاونة القاسر وتحريكها مُسْتَفَاد من الْخَارِج كالحجر المرمي إِلَى الفوق.
الْحَرَكَة المستقيمة: فِي اللُّغَة هِيَ الْحَرَكَة الْوَاقِعَة على الْخط الْمُسْتَقيم. وَفِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْحَرَكَة الأينية مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَت مُسْتَقِيمَة أَو منحنية أَو جوالة أَي وَاقعَة على الْخط الْمُسْتَقيم أَو المنحني أَو المستدير فالحركة المستقيمة أَعم اصْطِلَاحا وأخص لُغَة.
الْحَرَكَة المستديرة: فِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْحَرَكَة على الاستدارة الْمَذْكُورَة آنِفا. وَفِي اللُّغَة شَامِلَة للحركة على الاستدارة ولحركة المتحرك على خطّ مستدير وللحركة
(2/19)

الجوالة والمدحرجة والقوسية والمتحرك على الشكل البيضي فالحركة المستديرة أَعم لُغَة وأخص اصْطِلَاحا. وَاعْلَم أَن الْحسن الميبذي رَحمَه الله فِي شرح هِدَايَة الْحِكْمَة مَا قَالَ فِي فصل أَن الْفلك بسيط من أَن المستديرة هِيَ الوضعية جَوَاب دخل مُقَدّر تَقْرِيره أَن الْحَرَكَة المستقيمة مُقَابلَة للحركة المستديرة والأينية أَعم مِنْهُمَا فَلَمَّا فسر الْحَرَكَة المستقيمة بالأينية صَارَت أَعم من المستديرة عمومها يُنَافِي كَون المستقيمة مُقَابلَة للمستديرة لِأَنَّهُ لَا مُقَابلَة بَين الْأَعَمّ والأخص. وَحَاصِل الْجَواب أَن للمستديرة إطلاقين قد تطلق على الوضعية الْمَحْضَة وَبِهَذَا الْمَعْنى يُقَابل الْحَرَكَة المستقيمة والأينية لَيست أَعم مِنْهَا أَي شَامِلَة للمستديرة بِهَذَا الْمَعْنى. وَقد تطلق على الْحَرَكَة على الاستدارة بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ كَمَا إِذا تحرّك شَيْء على خطّ مستدير وَالْحَرَكَة المستديرة بِهَذَا الْمَعْنى نوع من الْحَرَكَة الأينية فَتكون نوعا من الْحَرَكَة المستقيمة أَيْضا وَلَا مُقَابلَة بَين المستقيمة والمستديرة بِهَذَا الْمَعْنى فتفسير الْحَرَكَة المستقيمة بالأينية لَا يرفع المقابله بَين الْحَرَكَة المستقيمة بِمَعْنى الْحَرَكَة الوضعية الْمَحْضَة يَعْنِي بِدُونِ الأينية. وَهَذَا تَحْقِيق فويق نَافِع هُنَاكَ.
الْحَرَكَة على التوالي وَالْحَرَكَة على غير التوالي: اعْلَم أَن لكل فلك سوى الْفلك الْأَعْظَم حَرَكَة مُتَوَالِيَة وَله حَرَكَة غير مُتَوَالِيَة. وحركة التوالي هِيَ الْحَرَكَة من الْمغرب إِلَى الْمشرق. وَلَا على التوالي هِيَ الْحَرَكَة من الْمشرق إِلَى الْمغرب.
الْحَرِيق: (آتش سوزان وآتش زبانه كشيده وآنجه درآتش سوخة شود) . وَعند الْحُكَمَاء الْحَرِيق النَّار المشتعل فِي الدُّخان الْمُتَّصِل بِالْأَرْضِ نازلة إِلَى الأَرْض وَإِنَّمَا سميت حريقا لإحراقها الْأَجْسَام الكائنة فِي مَحل نُزُولهَا.
الْحَرَارَة: كَيْفيَّة من شَأْنهَا تَفْرِيق المختلفات وَجمع المتشاكلات. وَعند الْأَطِبَّاء مرض يحدث بتعفن الأخلاط وَلها أقاسم وتدبيرات فِي كتبهمْ وَبَعض تَفْصِيل الْأَقْسَام فِي (الغب) إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْحَرْف: فِي اللُّغَة الطّرف. وَعند النُّحَاة كلمة دلّت على معنى غير مُسْتَقل بالمفهومية لاحتياجه فِي المفهومية إِلَى انضمام أَمر آخر إِلَيْهَا والحرف بِهَذَا الْمَعْنى مُقَابل للاسم وَالْفِعْل. وَاعْلَم أَنه قد يَجْعَل الْحُرُوف مُقَابل الْأَلْفَاظ فَيُقَال هِيَ أَلْفَاظ أَو حُرُوف فيراد بِاللَّفْظِ مَا يكون مركبا من حُرُوف التهجي. وبالحرف مَا لَا يكون مركبا مِنْهَا سَوَاء كَانَ مركبا من حرف من حُرُوف الْمعَانِي وَمن اسْم بسيط مثلا. أَو لَا يكون مركبا أصلا بِأَن يكون بسيطا، كالياء وَحده وَالْكَاف وَحده فِي بك فَإِنَّهُ مركب من أَدَاة وَاسم لَا من حُرُوف التهجي فَهُوَ حرف وكل وَاحِد من أَجْزَائِهِ أَيْضا حرف وَاحِد لِأَنَّهُ لَيْسَ بمركب مِنْهَا (فالحرف) بِهَذَا الْمَعْنى شَامِل للاسم وَالْفِعْل أَيْضا مثل كَاف الْخطاب و (ق) أمرا لَا مُقَابل لَهما بل مُقَابل للفظ بِمَعْنى مَا تركب من حُرُوف التهجي.
(2/20)

وَإِن أردْت أَن تعلم عدد مَا فِي الْقُرْآن الْمجِيد من الْكَلِمَات وحروف الْمعَانِي والمباني. فَاعْلَم أَن الْكَلِمَات سِتَّة وَسَبْعُونَ ألفا وَأَرْبع مائَة وَأَرْبَعُونَ والحروف مِائَتَان وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ ألفا وَأَرْبع مائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ و (الالفات) ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ وتسع مائَة وَاثْنَانِ وَتسْعُونَ و (الباءات) اثْنَا عشر ألفا ومائتان وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ و (التاءات) الفان وَأَرْبع مائَة وَأَرْبع و (الثاءات) ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة وَخَمْسَة و (الجيمات) أَرْبَعَة آلَاف ومائتان وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ و (الحاءات) أَربع آلَاف وَمِائَة وَعِشْرُونَ. و (الخاءات) أَلفَانِ وَخمْس مائَة وَخَمْسَة و (الدالات) خَمْسَة آلَاف وتسع مائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ و (الذالات) أَرْبَعَة آلَاف وَسبع مائَة وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ و (الراءات) اثْنَان وَعشرَة آلَاف ومائتان وَأَرْبَعُونَ و (الزايات) ثَلَاثَة آلَاف وَخمْس مائَة وَثَمَانُونَ و (السينات) خَمْسَة آلَاف وتسع مائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ و (الشينات) أَلفَانِ وَمِائَة وَخَمْسَة عشر و (الصادات) عشرُون ألفا وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ و (الضادات) سِتّ مائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ و (الطاءات) ألف وَثَلَاث مائَة وَسَبْعَة و (الظاءات) سبع مائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ و (العينات) تِسْعَة آلَاف ومائتان وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ و (الغينات) تِسْعَة آلَاف ومائتان وَإِحْدَى عشر و (الفاءات) ثَمَانِيَة آلَاف وَأَرْبع مائَة وَثَمَانِية عشر و (القافات) سِتَّة آلَاف وست مائَة وَاثنا عشر و (الكافات) عشرَة آلَاف وست مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ و (اللامات) ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألفا وَخمْس مائَة وَعِشْرُونَ و (الميمات) سِتَّة وَعِشْرُونَ ألفا وَخمْس مائَة وَخَمْسَة عشر و (النونات) خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمِائَة وَتسْعُونَ و (الواوات) خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَخمْس مائَة وَتِسْعَة وَثَمَانُونَ و (الهاءات) سِتَّة عشر ألفا وَسَبْعُونَ و (الياءات) خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وتسع مائَة وَتِسْعَة. هَكَذَا فِي (زِينَة الْقَارئ)
الْحُرُوف الْعَالِيَة: الشؤون الذاتية الكامنة فِي غيب الغيوب كالشجرة فِي النواة.
الْحرم: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي حوالي مَكَّة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر هُوَ من جَانب الْمشرق سِتَّة أَمْيَال. وَمن الشمَال اثْنَا عشر ميلًا وَيُقَال ثَلَاثَة أَمْيَال تَقْرِيبًا وَهُوَ الْأَصَح. وَمن الْمغرب ثَمَانِيَة عشر ميلًا. وَمن الْجنُوب أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ميلًا - وَالْحرم كُله كموضع وَاحِد كَذَا فِي (شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة) لأبي المكارم.
الْحَرَام: بِالْفَارِسِيَّةِ (بزركك وناروا) يَعْنِي مَمْنُوع - قَالَ بعض العارفين أَن آكل الْحَرَام والشبهة مطرود عَن الْبَاب بِغَيْر شُبْهَة. أَلا ترى أَن الْجنب مَمْنُوع عَن دُخُول بَيت الله والمحدث يحرم عَلَيْهِ مس كِتَابه مَعَ أَن الْجَنَابَة وَالْحَدَث أثران مباحان فَكيف من هُوَ منغمس فِي قذر الْحَرَام وخبث الشُّبُهَات لَا جرم أَنه أَيْضا مطرود عَن ساحة الْقرب غير مَأْذُون لَهُ فِي دُخُول الْحرم.
(2/21)

حرف التَّنْفِيس: السِّين وسوف وَإِنَّمَا سميتا بِهِ لِأَن التَّنْفِيس التَّأْخِير وهما أَيْضا للاستقبال وَالتَّأْخِير.
حُرُوف الْعلية: أَي الْحُرُوف الَّتِي تجْرِي على لِسَان العليل وَالتَّعْلِيل يجْرِي فِيهَا وَهِي ثَلَاثَة أحرف - الْوَاو - وَالْيَاء - ثمَّ الْألف - لَكِن لَا مُطلقًا بل الْألف الَّتِي تكون مبدلة عَن الْوَاو وَالْيَاء يجمعها (واي) قَالَ قَائِل:
(حرف علت نَام كردم وَاو ألف وياي را ... )

(هر كرا دردي رسد نَار جَار كو يَد واي را ... )

وأثقلها الْوَاو ثمَّ الْيَاء ثمَّ الْألف. وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهُمَا ثقيلتان من سَائِر الْحُرُوف بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْألف (وَأما) بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهَا من الْحُرُوف فخفيفتان وَلِهَذَا لَا تحتملان الْحَرَكَة الثَّقِيلَة على أَنفسهمَا وَلَا على مَا قبلهمَا فاحفظ فَإِنَّهُ مِمَّا خَفِي على المبتدين.
ثمَّ اعْلَم أَن حرف الْعلَّة إِذا سكن يُسمى حرف (لين) . ثمَّ إِذا جانسه حَرَكَة مَا قبله فَهُوَ (حرف مد) فَكل حرف مد حرف لين وَلَا ينعكس وَالْألف حرف مد أبدا - وَالْوَاو وَالْيَاء. تَارَة حرفا لين كَمَا فِي قَول وَبيع. وَأُخْرَى حرفا مد كَمَا فِي يَقُول وَيبِيع. وثالثة ليستا حر فِي لين وَلَا حر فِي مد بل هما بِمَنْزِلَة الصَّحِيح. وَذَلِكَ إِذا تحركتا كَمَا فِي وعد وَيسر. وَكَثِيرًا مَا يطلقون على هَذِه الْحُرُوف حُرُوف الْمَدّ واللين مُطلقًا فَهُوَ إِمَّا مَحْمُول على هَذَا التَّفْصِيل أَو تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يؤول إِلَيْهِ.
حُرُوف الزِّيَادَة: يجمعها سألتمونيها. وَلَيْسَ المُرَاد أَن هَذِه الْحُرُوف لَا تكون إِلَّا زَائِدَة بل المُرَاد أَنه إِذا زيد حرف فَلَا يكون إِلَّا مِنْهَا. وَأَيْضًا لَيْسَ المُرَاد أَن حُرُوف الزِّيَادَة لَيست إِلَّا هَذِه بل أَنه إِذا زيد حرف لغير الْإِلْحَاق والتضعيف فَلَا يكون إِلَّا مِنْهَا. فَإِن الزِّيَادَة قد تكون بالتضعيف أَي بتكرير حُرُوف الْكَلِمَة أَي حرف كَانَت نَحْو علم وَفَرح. وَأَيْضًا قد يكون للإلحاق من تِلْكَ الْحُرُوف نَحْو شملل وَمن غَيرهَا نَحْو جلبب. حُكيَ أَن الْأَخْفَش تلميذ سِيبَوَيْهٍ سَأَلَهُ عَن حُرُوف الزِّيَادَة فَأجَاب حُرُوف الزِّيَادَة فَأجَاب سألتمونيها. ثمَّ سَأَلَ عَنْهَا فَأجَاب الْيَوْم تنسها. ثمَّ سَأَلَ فَأجَاب هويت السمان. وَلَا يخفى لطفه ويجمعها قَوْلك يَا أَوْس نمت وقولك لم يأتنا سَهْو وَكَذَا الْيَوْم تنساه وَجَمعهَا بَعضهم فِي بَيت.
(يَا أَوْس هَل نمت وَلم يأتنا ... سَهْو فَقَالَ الْيَوْم تنساه)

وَهَذِه الْحُرُوف عشرَة وَإِنَّمَا اخْتصّت بِالزِّيَادَةِ دون غَيرهَا لوجه مَذْكُور فِي المطولات. وَهَذِه الْحُرُوف حُرُوف المباني لَا حُرُوف الْمعَانِي الَّتِي من أَقسَام الْكَلِمَة
(2/22)

وَمُرَاد النُّحَاة بحروف الزِّيَادَة الْحُرُوف الَّتِي من أَقسَام الْكَلِمَة حذفهَا لَا يخل بِأَصْل الْمَقْصُود وَإِنَّمَا تزاد لفائدة فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى كَمَا بيّنت فِي كتب النَّحْو مَا هُوَ الْمَشْهُور أَن حُرُوف الزِّيَادَة حُرُوف نأيت أَو أتين أَو تَأتي لَيْسَ المُرَاد بِهِ جَمِيع الْحُرُوف الَّتِي تزاد بل الْحُرُوف الَّتِي تزاد على الْمُضَارع.
حُرُوف الْمَدّ: قد مر ذكرهَا الْآن فِي حُرُوف الْعلَّة وَإِن أردْت معرفَة أَقسَام الْمَدّ فِي تِلَاوَة الْقُرْآن الْمجِيد فَارْجِع فِي الْمَدّ تصل إِلَى الْمَقْصُود إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
حُرُوف اللين: فِي حُرُوف الْعلَّة وَإِنَّمَا سميت بهَا لِأَن فِيهَا لينًا وضعفا.
الْحَرْف الْأَصْلِيّ: حرف يثبت فِي تصاريف الْكَلِمَة لفظا أَو تَقْديرا.
الْحَرْف الزَّائِد: حرف يسْقط فِي بعض تصاريف الْكَلِمَة لفظا أَو تَقْديرا.
الْحُرُوف عِنْد الصُّوفِيَّة: الْحَقَائِق البسيطة من الْأَعْيَان.
الْحِرْص: طلب شَيْء بِاجْتِهَاد فِي إِصَابَته.
الْحُرُوف الشمسية والقمرية: فِي اللَّام.
حُرُوف الْجَرّ: مَا وضع لإيصال معنى الْفِعْل أَو شبهه إِلَى اسْم بِدُخُولِهِ على ذَلِك الِاسْم سَوَاء كَانَ اسْما صَرِيحًا مثل مَرَرْت بزيد وَأَنا مار بزيد أَو كَانَ فِي تَأْوِيل الِاسْم كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ أَي برحبها} .
الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ: حُرُوف اعْتبر شبهها بِالْفِعْلِ للأعمال لفظا وَمعنى. أما لفظا فلانقسامها بِاعْتِبَار تَمام حروفها إِلَى الثلاثي - والرباعي - والخماسي - والسداسي - كانقسام الْفِعْل إِلَيْهَا بِاعْتِبَار تَمام حروفها أَصْلِيَّة أَو زَائِدَة وَكَون الِاسْم منقسما إِلَى تِلْكَ الْأَقْسَام لَا يضر فِي تِلْكَ المشابهة إِذْ غَايَة مَا فِي الْبَاب إِنَّهَا مشابهة للاسم أَيْضا لكنه لم تعْتَبر تِلْكَ المشابهة لعدم ثَمَرَتهَا ولبنائها على الْفَتْح كالفعل لاستثقالها بِسَبَب تَشْدِيد الْأَوَاخِر وَالتَّاء وَهِي جِهَة مشابهتها بالماضي. وَأما شبهها بِالْفِعْلِ فِي الْوَزْن (فَإِن) كفر و (أَن) كذب (وَكَأن) كقطعن و (لَكِن) كضاربن و (لَيْت) كليس و (لَعَلَّ) فِي بعض لغاتها وَهِي لعن كقطعن وَأما معنى فَلِأَن مَعَاني الْأَفْعَال لاشتمالها على النِّسْبَة إِلَى فَاعل معِين كَمَا أَنَّهَا جزئية كَذَلِك مَعَاني تِلْكَ الْحُرُوف لاشتمالها على النِّسْبَة إِلَى مُتَعَلق خَاص مَعَاني جزئية.
حُرُوف الشَّرْط هِيَ الْحُرُوف الدَّالَّة على تَعْلِيق حُصُول مَضْمُون جملَة بِحُصُول مَضْمُون جملَة أُخْرَى.
الْحر: بِالضَّمِّ آزاد. فِي الْمُحِيط سَأَلَ بعض التُّجَّار مُحَمَّدًا رَحمَه الله عَن بيع الْحر بِسَبَب اسْتِهْلَاك النَّفس للقحط فَأجَاب مُحَمَّد رَحمَه الله بيع الْحر بِسَبَب الِاسْتِهْلَاك
(2/23)

للقحط جَائِز وبدونها لَا يجوز. وَإِن وطئ الرجل الْجَارِيَة بِهَذَا البيع الْمَذْكُور وحملت الْجَارِيَة جَازَ وَولده صَحِيح النّسَب عندنَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
الْحُرِّيَّة هِيَ الْخُرُوج عَن الرّقّ. وَعند أَرْبَاب الْحَقِيقَة هِيَ الْخُرُوج عَن رق الكائنات وَقطع جَمِيع العلائق والأغيار وَهِي أَعلَى مَرَاتِب الْقرب.
وحرية الْعَامَّة: هِيَ الْخُرُوج عَن رق الشَّهَوَات.
وحرية الْخَاصَّة: هِيَ الْخُرُوج عَن رق المرادات والرسوم والْآثَار لفناء إرادتهم فِي إِرَادَة الْحق وانمحاقهم فِي تجلي نور الْأَنْوَار.
الْحِرْز: بِالْكَسْرِ وَسُكُون الثَّانِي التميمة أَي التعويذ. وَفِي الشَّرْع الْموضع الْحصين الَّذِي أعد لحفظ الْأَمْتِعَة كَالدَّارِ والحانوت والخيمة والشخص الْحَافِظ بِنَفسِهِ.
(بَاب الْحَاء مَعَ الزَّاي الْمُعْجَمَة)

الْحزن: مَا يحصل من الْقَبْض بِوُقُوع مَكْرُوه أَو فَوت مَحْبُوب فِي الْمَاضِي.
(بَاب الْحَاء مَعَ السِّين الْمُهْملَة)

ف (23) :
الْحسن: بِضَم الأول وَسُكُون الثَّانِي وَكَذَا الْقبْح مصدران يطلقان على ثَلَاثَة معَان: الأول: كَون الشَّيْء ملائما للطبع ومنافرا لَهُ. وَالثَّانِي: كَونه صفة كَمَال وَكَونه صفة نُقْصَان. وَالثَّالِث: كَون الشَّيْء مُتَعَلق الْمَدْح فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي العقبى وَكَونه مُتَعَلق الذَّم فِي الدُّنْيَا ومتعلق الْعقَاب فِي العقبى فهما متقابلان تقَابل التضاد. وَيعلم من هَا هُنَا الْحسن والقبيح اللَّذَان هما صيغتا الصّفة المشبهة. ثمَّ الْمَأْمُور بِهِ الَّذِي هُوَ الْحسن والقبيح فِي صفة الْحسن والقبح نَوْعَانِ: أَحدهمَا: الْمَأْمُور الَّذِي يكون حسنه فِي ذَاته بِأَن يكون حسن ذَلِك الْمَأْمُور بِهِ فِي ذَات مَا وضع لَهُ ذَلِك الْمَأْمُور بِهِ. وَالثَّانِي: الْمَأْمُور بِهِ الَّذِي يكون حسنا لغيره بِأَن يكون منشأ حسن ذَلِك الْمَأْمُور بِهِ هُوَ ذَلِك الْغَيْر فَلَا يكون لذَلِك الْمَأْمُور بِهِ دخل فِي حسنه وكل مِنْهُمَا على ثَلَاثَة أَقسَام وَقس عَلَيْهِ الْمَأْمُور بِهِ الَّذِي هُوَ الْقَبِيح وَالتَّفْصِيل فِي كتب أصُول الْفِقْه.
وَالْحسن من الحَدِيث: مَا يكون رَاوِيه مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة من غير أَن يبلغ دَرَجَة الحَدِيث الصَّحِيح لكَونه قاصرا فِي الْحِفْظ والوثوق وَهُوَ مَعَ ذَلِك يرْتَفع عَن حَال من دونه.
(2/24)

الْحساب: فِي اللُّغَة (شمردن) . وَعلم الْحساب علم يستعلم مِنْهُ اسْتِخْرَاج المجهولات العددية من مَعْلُومَات مَخْصُوصَة عددية اثْنَيْنِ أَو أَكثر.
وَاعْلَم أَن الْحساب نَوْعَانِ يَنْقَسِم إِلَى هوائي يستعلم مِنْهُ اسْتِخْرَاج المجهولات بِلَا مدخلية الْخَوَارِج وَغير هوائي يحْتَاج فِيهِ إِلَى اسْتِعْمَالهَا كأكثر الْقَوَاعِد الْمَذْكُورَة فِي خُلَاصَة الْحساب وَغَيرهَا من الرسائل الْمَشْهُورَة وَيُسمى الثَّانِي بِحِسَاب التخت وَالتُّرَاب وَيُسمى الأول بِالْعَمَلِ على التَّشْبِيه والتعريف يشملهما ونظري يبْحَث فِيهِ عَن ثُبُوت الْأَعْرَاض الذاتية للعدد وسلبها عَنهُ وَهُوَ الْمُسَمّى بالارتماطيقي وموضوعه الْعدَد الْحَاصِل فِي الْمَادَّة والمقارن بهَا لَا الْعدَد مُطلقًا وَمَا قيل إِن الحاسب كَمَا يبْحَث عَن الْعدَد الْمُقَارن للمادة فِي الْخَارِج كَذَلِك يبْحَث عَن الْعدَد المفارق للمادة بعروض الْعدَد بالمجردات كالعقول الْعشْرَة والنفوس الفلكية والإنسانية وَذَات الْوَاجِب تَعَالَى إِن قُلْنَا إِن الْوَاحِد عدد كَمَا سَيَجِيءُ تَحْقِيقه فِي الْعدَد فَالْجَوَاب عَنهُ أَن مَوضِع الْحساب لَيْسَ الْعدَد مُطلقًا بل من حَيْثُ حُصُوله فِي الْمَادَّة والبحث عَن الْعدَد فِي هَذَا الْفَنّ لَيْسَ على وَجه يَشْمَل المجردات لعدم تعلق غَرَض الحاسب بِهِ وغايته عدم الخطاء فِي الْحساب.
حسن التَّعْلِيل: فِي البديع أَن يَدعِي لوصف عِلّة مُنَاسبَة لَهُ بِاعْتِبَار لطيف غير حَقِيقِيّ أَي لَا يكون مَا اعْتبر عِلّة للوصف عِلّة لَهُ فِي الْوَاقِع وَهُوَ على أَرْبَعَة أَنْوَاع كَمَا بَين فِي مَحَله فَلَا يكون مثل قتل زيد أعاديه لدفع ضررهم من هَذَا الْبَاب.
الْحس الْمُشْتَرك: من الْحَواس الْبَاطِنَة وَهُوَ قُوَّة مرتبَة فِي مقدم التجويف الأول من الدِّمَاغ يقبل الصُّور المنطبعة فِي الْحَواس الْخمس الظَّاهِرَة. وَهَذِه الْخَمْسَة كالجواسيس لَهَا فتطلبها النَّفس من ثمَّة فتدركها وَلذَا سمي حسا مُشْتَركا أَي حسا اشْترك فِيهِ الْحَواس الظَّاهِرَة للْخدمَة كَمَا إِذا كَانَ لشخص خمس خوادم يُقَال لَهُ بنطاسيا فِي اللُّغَة اليونانية لِأَنَّهُ بِمَعْنى الرّوح. والحس الْمُشْتَرك أَيْضا بِمَنْزِلَة لوح للنَّفس الحيوانية والإنسانية فَإِن اللَّوْح كَمَا يقبل النقوش كَذَلِك الْحس الْمُشْتَرك يقبل انطباع جَمِيع الصُّور الْجُزْئِيَّة الجسمانية وتفصيل التجاويف الدماغية فِي الدِّمَاغ.
الْحَسْرَة: بُلُوغ النِّهَايَة فِي التهلف حَتَّى يبْقى الْقلب حسيرا لَا مَوضِع فِيهِ لزِيَادَة التلهف كالبصر الحسير لَا قُوَّة فِيهِ للنَّظَر.
الْحَسَد: تمني زَوَال النِّعْمَة الْمَحْسُود إِلَى الْحَاسِد.
(بَاب الْحَاء مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)

الْحَشْر: هُوَ الْبَعْث والمعاد كَمَا مر.
(2/25)

الحشو: فِي اللُّغَة مَا يمْلَأ بِهِ الوسادة. وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْمعَانِي الزَّائِد الْمُتَعَيّن الَّذِي لَا طائل تَحْتَهُ. وَفِي اصْطِلَاح أَصْحَاب الْعرُوض هُوَ الْأَجْزَاء الْمَذْكُورَة بَين الصَّدْر وَالْعرُوض وَبَين الِابْتِدَاء وَالضَّرْب من الْبَيْت.
الْحَشَفَة: مَا فَوق الْخِتَان من جَانب الرَّأْس لَا من جَانب الأَصْل.
(بَاب الْحَاء مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة)

الْحُصُول: مصدر حصل يحصل كنصر ينصر وَحُصُول شَيْء فِي الذِّهْن على نحوين: (حُصُول اتصافي) أصيلي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْآثَار، و (حُصُول ظرفي) ظِلِّي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ آثَار مثلا إِذا تصورت كفر الْكَافِر حصل فِي ذهنك صُورَة كفره الَّذِي هُوَ الْعلم وصرت بقيامها بذهنك عَالما بِهِ وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ آثَار الْعلم بِهِ. وَلما كَانَ الْعلم عين الْمَعْلُوم كَانَ كفره أَيْضا حَاصِلا فِي ضمن تِلْكَ الصُّورَة حصولا ظرفيا غير مُوجب للاتصاف بالْكفْر وَهُوَ الْوُجُود الظلي للمعلوم الَّذِي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ آثَار ذَلِك الْمَعْلُوم. وَمن هَذَا التَّحْقِيق ينْدَفع الِاعْتِرَاض الْمَشْهُور وَهُوَ أَن من تصور كفر كَافِر يلْزم أَن يكون كَافِرًا لِأَنَّهُ لما تصور كفره حصل صُورَة كفره فِي ذهنه وَصَارَ متصفا بِتِلْكَ الصُّورَة الَّتِي هِيَ علم. وَصُورَة الْكفْر عين كفر لِأَن الْعلم عين الْمَعْلُوم فَيلْزم أَن يكون متصفا بالْكفْر وَمن اتّصف بالْكفْر فَهُوَ كَافِر فَثَبت أَن من تصور كفر كَافِر يلْزم أَن يكون كَافِرًا بهَا.
الْحصْر: (تنكك كرفتن بركسي واحاطه كردن وَمنع كردن از سفر وَحبس نمودن) وإيراد الشَّيْء على عدد معِين وَمِنْه حصر الْمقسم فِي الْأَقْسَام وَهُوَ على أَنْوَاع لِأَن الْجَزْم بالانحصار إِن كَانَ حَاصِلا بِمُجَرَّد مُلَاحظَة مَفْهُوم الْأَقْسَام من غير استعانة بِأَمْر آخر بِأَن يكون دائرا بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فعقلي وَإِن كَانَ مستفادا من دَلِيل يدل على امْتنَاع قسم آخر (فقطعي) أَي يقيني وَإِن كَانَ مستفادا من تتبع (فاستقرائي) وَإِن حصل من مُلَاحظَة مُنَاسبَة تمايز وتخالف اعتبرها الْجَاعِل الْقَاسِم (فجعلى) .
الْحصَّة: فِي الْفَرد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
حُصُول شَيْء لآخر: على نحوين: أَحدهمَا: بطرِيق الْوُجُود العرضي لموضوعه كحصول الْقيام والسواد مثلا لزيد فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود ذَلِك الشَّيْء أَيْضا وَإِلَّا لجَاز اتصاف الْجِسْم بِالسَّوَادِ الْمَعْدُوم. وَالثَّانِي: بطرِيق الاتصاف وَالْحمل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود الْمُثبت لَهُ دون الْمُثبت لجَوَاز أَن يكون الاتصاف انتزاعيا فَلَا يرد مَا قيل إِن قَوْلنَا زيد أعمى قَضِيَّة خارجية مَعَ عدمية الْعَمى فِي الْخَارِج فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك جدا.
(2/26)

(بَاب الْحَاء مَعَ الضَّاد الْمُعْجَمَة)

الْحَضَانَة: بِالْكَسْرِ تربية الْوَلَد والأحق بحضانة الْوَلَد أمه قبل الْفرْقَة وَبعدهَا إِلَّا أَن تكون مرتدة أَو فاجرة غير مَأْمُونَة. ثمَّ أم الْأُم ثمَّ أم الْأَب ثمَّ الْأُخْت لأَب وَأم ثمَّ لأم ثمَّ لأَب. وَفِي رِوَايَة الْخَالَة أولى من الْأُخْت لأَب ثمَّ الخالات كَذَلِك ثمَّ العمات كَذَلِك أَي لأَب وَأم ثمَّ لأم ثمَّ لأَب. وَمن نكحت من هَذِه الْمَذْكُورَات غير محرم للْوَلَد يسْقط حَقّهَا فِي حق الْحَضَانَة ثمَّ بالفرقة يعود حَقّهَا. ثمَّ الْعَصَبَات بترتيبهم فِي الْعُصُوبَة. وَالأُم وَالْجدّة أَحَق بحضانة الصَّغِير حَتَّى يَسْتَغْنِي فيأكل وَيشْرب ويلبس وَحده ويستنجي وَحده. وَقدر زمَان اسْتغْنَاء الصَّغِير بِسبع سِنِين وهما أَحَق بحضانة الصَّغِيرَة حَتَّى تحيض. وَغير الْأُم وَالْجدّة أَحَق بحضانة الصَّغِيرَة حَتَّى تشْتَهي بِأَن تبلغ مبلغا بِجَامِع مثلهَا وَأَنه يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال من السّمن والهزال. وَالْقُوَّة والضعف. والقبح وَالْجمال.
(بَاب الْحَاء مَعَ الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ)

الحطم: الْكسر وَمِنْه الْحطيم وَهُوَ محوط مَحْدُود على صُورَة نصف دَائِرَة خَارج عَن جِدَار بَيت الله من جِهَة الشَّام تَحت الْمِيزَاب وَهُوَ من بَيت الله وَلَيْسَ كُله مِنْهُ بل مِقْدَار سِتَّة أَذْرع لحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ سِتَّة أَذْرع الْحجر من الْبَيْت وَمَا زَاد لَيْسَ من الْبَيْت. وَإِنَّمَا سمي حطيما لِأَنَّهُ مكسور من بَيت الله وَيُسمى حجرا لِأَنَّهُ حجر عَن الْبَيْت أَي منع مِنْهُ وقصته فِي شرح الْوِقَايَة.
(بَاب الْحَاء مَعَ الظَّاء الْمُعْجَمَة)

الْحَظْر: الْمَنْع وَفِي الشَّرْع مَا يُثَاب بِتَرْكِهِ ويعاقب على فعله. وَمِنْه الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْفَاء)

الْحِفْظ: ضبط الصُّور المدركة. قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ عَبَّاس أَلا أهديك بهدية علمنيها جِبْرَائِيل فِي الْحِفْظ قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تكْتب على الطس بالزعفران فَاتِحَة الْكتاب والمعوذتين وَقل هُوَ الله أحد وَسورَة الْحَشْر والواقعة وتبارك الْملك كلهَا إِلَى آخرهَا ثمَّ تصب عَلَيْهِ مَاء زَمْزَم أَو مَاء السَّمَاء أَو مَاء نظيفا ثمَّ تشربه على الرِّيق وَذَلِكَ عِنْد السحر مَعَ ثَلَاثَة مَثَاقِيل لبان وَعشرَة مَثَاقِيل سكر ثمَّ تصلي بعد الشّرْب رَكْعَتَيْنِ
(2/27)

تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَخمسين مرّة قل هُوَ الله أحد ثمَّ تصبح صَائِما لَا يَأْتِي عَلَيْك أَرْبَعُونَ يَوْمًا إِلَّا وَتصير حَافِظًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَهَذَا لمن دون سِتِّينَ سنة. قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ جربنَا فَإِذا هُوَ كَمَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَا فرحت بِشَيْء بعد الْإِسْلَام مَا فرحت بِهَذَا. قَالَ عِصَام وكتبت لنَفْسي وشربته وَكنت يَوْمئِذٍ ابْن خمس وَخمسين سنة فَلم يَأْتِ عَليّ شهر إِلَّا وَقد رَأَيْت فِي نَفسِي زِيَادَة مَا لَا أقدر أَن أصفه. قَالَ عِصَام وَكَانَ الزُّهْرِيّ يكْتب ويسقي أَوْلَاده وَقَالَ جربناه فوجدناه نَافِعًا لمن دون سِتِّينَ سنة. قَالَ الشّعبِيّ أَنا حفظت ألفا وَسبع مائَة دُعَاء للْحِفْظ لم أنتفع مَا انتفعت من هَذَا.
وَالْمَنْقُول من بعض الْمَشَايِخ أَن من أَرَادَ أَن لَا ينسى مَا يسمع وَيفتح لَهُ بَاب الْحِفْظ فَليصل رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي الأولى بعد الْفَاتِحَة {ففهمناها سُلَيْمَان} الْآيَة وَفِي الثَّانِيَة بعد الْفَاتِحَة سُورَة الْكَوْثَر وَيَدْعُو بعد السَّلَام اللَّهُمَّ افْتَحْ علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك وَأنزل علينا بركاتك وَلَا تنسنا ذكرك وصل على خير خلقك مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ
فِي الصراح (لبان) (كندر) . وَفِي الْقَامُوس (الرِّيق) بِالْكَسْرِ مَاء الْفَم و (الريقان) بِالْكَسْرِ ذُو الرِّيق الْخَالِص وكل مَا أكل أَو شرب على الرِّيق. فَمَعْنَى ثمَّ تشربه على الرِّيق أَن لَا تتَنَاوَل شَيْئا سوى الرِّيق الَّذِي هُوَ فِي فمك. وَحَاصِله من غير سبق أكل وَشرب. وَقَالَ الْأَطِبَّاء كَثْرَة شرب المَاء على الرِّيق توهن الْبدن. وعجبا لمن يدْخل الْحمام على الرِّيق ثمَّ يُؤَخر الْأكل بعد أَن يخرج كَيفَ لَا يَمُوت.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْقَاف)

الْحَقِيقَة: لَهَا معَان بِحَسب الاستعمالات فَإِنَّهَا. قد تسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الِاعْتِبَار فيراد بهَا الذَّات وَالْمرَاد بالاعتبارات الحيثيات اللاحقة للذات. وَقد تطلق فِي مُقَابلَة الْفَرْض وَالوهم وَيُرَاد بهَا حِينَئِذٍ نفس الْأَمر. وَقد تسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الْمَفْهُوم كَمَا يُقَال إِن الْبَصَر دَاخل فِي مَفْهُوم الْعَمى لَا فِي حَقِيقَته وَنسبَة تَدْبِير الْبدن دَاخِلَة فِي مَفْهُوم النَّفس لَا فِي حَقِيقَتهَا. وَقد تسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الحكم أما سَمِعت أَن اللَّفْظ مَا يتَلَفَّظ بِهِ الْإِنْسَان حَقِيقَة أَو حكما. وَقد تطلق فِي مُقَابلَة الْمجَاز كَمَا يُقَال إِن كلمة الْأسد حَقِيقَة فِي الْحَيَوَان المفترس مجَاز فِي الرجل الشجاع. فالحقيقة هِيَ الْكَلِمَة المستعملة فِيمَا وضعت لَهُ فِي اصْطِلَاح بِهِ التخاطب فَيخرج عَنْهَا الْمجَاز الَّذِي اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ فِي اصْطِلَاح بِهِ التخاطب كَالصَّلَاةِ إِذا استعملها الْمُخَاطب بعرف الشَّرْع فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ يكون مجَازًا لكَون الدُّعَاء غير مَا وضعت هِيَ لَهُ فِي اصْطِلَاح الشَّرْع لِأَنَّهَا فِي اصْطِلَاح الشَّرْع للأركان والأذكار الْمَخْصُوصَة مَعَ أَنَّهَا مَوْضُوعَة للدُّعَاء فِي اصْطِلَاح
(2/28)

اللُّغَة والاستعمال شَرط فِي كَونهَا حَقِيقَة كَمَا أَن الِاسْتِعْمَال فِي غير الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ شَرط فِي كَونهَا مجَازًا فاللفظ الْمَوْضُوع قبل الِاسْتِعْمَال لَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز وَإِنَّمَا سمي ذَلِك اللَّفْظ حَقِيقَة لِأَنَّهَا إِمَّا مَأْخُوذ من حق الْمُتَعَدِّي وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِي الْمَعْنيين يُقَال حق فلَان الْأَمر أَي أثْبته وَيُقَال حَقَّقَهُ إِذا كنت مِنْهُ على يَقِين. فعلى هَذَا الْحَقِيقَة فعيلة بِمَعْنى مفعول سَوَاء كَانَت مَأْخُوذَة من حق الْمُتَعَدِّي بِالْمَعْنَى الأول أَو بِالْمَعْنَى الثَّانِي. وَاللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمَوْضُوع الْأَصْلِيّ شَيْء مُثبت فِي مقَامه وَمَعْلُوم بِسَبَب معلومية دلَالَته عَلَيْهِ. وَإِمَّا مَأْخُوذَة من حق اللَّازِم فَهِيَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الثَّابِت. وَلَا شكّ أَن اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمَوْضُوع لَهُ الْأَصْلِيّ ثَابت فِي وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مَعْلُوم بِسَبَب معلومية دلَالَته عَلَيْهِ لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع لَا يعلم إِلَّا إِذا كَانَت دلَالَته على الْمَعْنى مَعْلُومَة.
فَإِن قيل إِن الفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَيكون عَارِيا عَن التَّاء فَلَا بُد أَن تكون الْحَقِيقَة على المأخذ الأول عَارِية عَن التَّاء، قلت: الْوَاجِب على ذَلِك المأخذ التَّأْوِيل فِي لفظ الْحَقِيقَة بِنَاء على الضابطة الْمَذْكُورَة والتأويل فِيهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التَّاء للنَّقْل من الوضعية إِلَى الاسمية فَإِن الفعيل الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث إِذا نقل من الوصفية الَّتِي علامتها العري عَن التَّاء إِلَى الاسمية الْحق بِآخِرهِ التَّاء للدلالة على عدم بَقَاء الْمَعْنى الوصفي. وَثَانِيهمَا: أَن ذَلِك الفعيل إِذا كَانَ جَارِيا على مَوْصُوف مؤنث غير مَذْكُور لَا بُد لَهُ من التَّاء كَمَا فِي قَوْلك مَرَرْت بقتيلة بني فلَان أَي مَرَرْت بِامْرَأَة قتيلة بني فلَان أَي بِامْرَأَة مقتولة قَتلهَا بَنو فلَان فَيجْعَل لفظ الْحَقِيقَة جَارِيا على مَوْصُوف مؤنث غير مَذْكُور وَأما إِذا كَانَت الْحَقِيقَة مَأْخُوذَة من حق اللَّازِم فَلَا يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذكر والمؤنث بل تذكر فِي الْمُذكر وتؤنث فِي الْمُؤَنَّث فَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ فِي التَّاء فَيكون لفظ الْحَقِيقَة الْجَارِي على الْمَوْصُوف الْمُؤَنَّث نقل فِي الِاصْطِلَاح إِلَى اللَّفْظ الْمَذْكُور. هَذَا مَا ذكره السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِيه على شرح الشمسية.
ثمَّ اعْلَم أَن الْحَقِيقَة عِنْد الْحُكَمَاء هِيَ الْمَاهِيّة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان أَي الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج بِوُجُود أُصَلِّي - وَلِهَذَا قَالُوا الْحَقِيقَة هِيَ الْأَمر الثَّابِت المتأصل فِي الْوُجُود خص فِي الِاصْطِلَاح بكنه الشَّيْء المتحقق. وَحَقِيقَة الشَّيْء مَا بِهِ الشَّيْء هُوَ كالحيوان النَّاطِق للْإنْسَان بِخِلَاف مثل الضاحك وَالْكَاتِب مِمَّا يُمكن تصور الْإِنْسَان بِدُونِهِ. وَقد يُقَال إِن مَا بِهِ الشَّيْء هُوَ هُوَ بِاعْتِبَار تحَققه حَقِيقَة وَبِاعْتِبَار تشخصه هوية وَمَعَ قطع النّظر عَن ذَلِك مَاهِيَّة. وَتَحْقِيق مَا بِهِ الشَّيْء هُوَ هُوَ والاعتراضات الْوَارِدَة فِيهِ فِي الْمَاهِيّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى والحقيقة والماهية مُتَرَادِفَانِ.
الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة: وَكَذَا الْمجَاز الْعقلِيّ عِنْد الْخَطِيب الدِّمَشْقِي صَاحب التَّلْخِيص صفة الْإِسْنَاد وَعند الشَّيْخ عبد القاهر والسكاكي صَاحب الْمِفْتَاح رحمهمَا الله صفة
(2/29)

الْكَلَام وَلِهَذَا قَالَ الْخَطِيب رَحمَه الله الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر كَقَوْل الْمُؤمن أنبت الله البقل وَقَول الْجَاهِل أَي الدهري أنبت الرّبيع البقل وقولك جَاءَنِي زيد وَأَنت تعلم أَنه لم يَجِيء. وَقَالَ الشَّيْخ أَن الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة كل جملَة وصفتها على أَن الحكم المفاد بهَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْعقل وَاقع موقعه. وَقَالَ السكاكي الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة هِيَ الْكَلَام المفاد بِهِ مَا عِنْد الْمُتَكَلّم من الحكم فِيهِ كَمَا مر فِي الْإِسْنَاد.
الحقة: بِكَسْر الْحَاء هِيَ النَّاقة الَّتِي استكملت ثَلَاث سِنِين وَدخلت فِي الرَّابِعَة سميت بهَا لاستحقاقها الْحمل وَالرُّكُوب. وَبِضَمِّهَا الْجِسْم المدور الكروي وَلذَا يُطلق على الْفلك. وَكَثِيرًا مَا تطلق على الْجِسْم المدور المجوف الَّذِي يشرب مِنْهُ التنباكو سَوَاء كَانَ من الزّجاج أَو النّحاس أَو الطين الْمَطْبُوخ أَو غير ذَلِك وَأحسن من قَالَ فِي مدحها هَذَا الرباعي.
(حَقه ني خدمت كذار مجْلِس اند وز ادب ... )

(تا نيرسندش نكويد حرف بيش وكمتري ... )

(مي توان آموخت آدَاب محبت را ازو ... )

(سر نمي بيجد اكر برسر نهندش اخكرى ... )

الْحَقَائِق: جمع الْحَقِيقَة الَّتِي هِيَ الْأَمر الثَّابِت المتأصل فِي الْوُجُود خص فِي الِاصْطِلَاح بكنه الشَّيْء المتحقق.
الْحَقِيقَة: هِيَ الْقَضِيَّة الْمُنْفَصِلَة الَّتِي حكم فِيهَا بالمنافاة فِي الصدْق وَالْكذب مَعًا أَو بسلبها كَقَوْلِنَا إِمَّا أَن يكون هَذَا الْعدَد زوجا أَو هَذَا الْعدَد فَردا وَقَوْلنَا لَيْسَ إِمَّا أَن يكون هَذَا الْعدَد زوجا أَو منقسما إِلَى المتساويين. الأولى: حَقِيقِيَّة مُوجبَة وَالثَّانيَِة حَقِيقِيَّة سالبة وَإِنَّمَا سميت حَقِيقِيَّة لِأَن التَّنَافِي بَين جزئيها أَشد من التَّنَافِي بَين جزئي مَانِعَة الْجمع ومانعة الْخُلُو لِأَنَّهُ فِي الصدْق وَالْكذب مَعًا فَهِيَ أَحَق باسم الْمُنْفَصِلَة بل هِيَ حَقِيقَة الِانْفِصَال. والحقيقة الْمُقَابلَة للخارجية فِي الْقَضِيَّة الْحَقِيقِيَّة.
الْحق: فِي اللُّغَة الْأَمر الثَّالِث الَّذِي لَا يسوغ إِنْكَاره - وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْمعَانِي هُوَ الحكم المطابق للْوَاقِع وَيُطلق على الْأَقْوَال والعقائد والأديان والمذاهب بِاعْتِبَار اشتمالها على ذَلِك الحكم ويقابله الْبَاطِل - وَأما الصدْق فقد شاع فِي الْأَقْوَال
(2/30)

خَاصَّة ويقابله الْكَذِب. وَقد يفرق بَين الْحق والصدق بِأَن الْمُطَابقَة تعْتَبر فِي الْحق من جَانب الْوَاقِع - وَفِي الصدْق من جَانب الحكم فَمَعْنَى صدق الحكم مطابقته للْوَاقِع وَمعنى حَقِيقَته مُطَابقَة الْوَاقِع إِيَّاه فَإِن قيل لم سمي الحكم بِاعْتِبَار كَونه مطابقا بِالْفَتْح بِالْحَقِّ وَبِاعْتِبَار كَونه مطابقا بِالْكَسْرِ بِالصّدقِ قُلْنَا المنظور أَولا فِي مُطَابقَة الْوَاقِع للْحكم الْوَاقِع لِأَنَّهُ فَاعل الْمُطَابقَة وَالْفَاعِل يكون منظورا وملحوظا أَولا وَسَائِر المتعلقات ثَانِيًا وَكَذَا المنظور أَولا فِي مُطَابقَة الحكم للْوَاقِع وَاقع الحكم وَالْوَاقِع مَوْصُوف بِكَوْنِهِ حَقًا أَي ثَابتا متحققا وَالْحكم متصف بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ للصدق وَهُوَ الأنباء عَن الشَّيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَسُمي الحكم بِاعْتِبَار مُطَابقَة الْوَاقِع لَهُ حَقًا وَبِاعْتِبَار مُطَابقَة الحكم للْوَاقِع صدقا تَسْمِيَة للشَّيْء بِوَصْف مَا هُوَ مَنْظُور فِيهِ أَولا. فَإِن قيل لم لم يَجْعَل الْأَمر بِالْعَكْسِ بِأَن يُسمى كَون الحكم مطابقا بِالْفَتْح بِالصّدقِ وَكَونه مطابقا بِالْكَسْرِ بِالْحَقِّ تَسْمِيَة للشَّيْء بِوَصْف مَا هُوَ مَنْظُور فِيهِ ثَانِيًا وَأجِيب بِأَن التَّسْمِيَة بِوَصْف المنظور فِيهِ أَولا أرجح من التَّسْمِيَة بِوَصْف المنظور فِيهِ ثَانِيًا لقُرْبه مِنْهُ والسباقة إِلَى الْفَهم أَولا من وصف المنظور فِيهِ ثَانِيًا.
وَهَا هُنَا اعْتِرَاض مَشْهُور وَهُوَ أَن الحقية صفة الحكم ومطابقة الْوَاقِع إِيَّاه صفة الْوَاقِع فَلَا يَصح تَعْرِيف حقية الحكم بمطابقة الْوَاقِع إِيَّاه صفة الْوَاقِع فَلَا يَصح تَعْرِيف حقية الحكم بمطابقة الْوَاقِع إِيَّاه وَالْجَوَاب أَن الحكم بِحَيْثُ يطابقه الْوَاقِع. فَإِن قلت لَا نسلم أَن مَفْهُوم تِلْكَ الْمُطَابقَة صفة للْحكم لِأَنَّهُ لَو كَانَ صفة لَهُ لصَحَّ أَن يشتق مِنْهُ صفة لَهُ كَمَا تشتق من الحقية فَيُقَال حكم حق قُلْنَا ذَلِك الْمَفْهُوم مركب لَا يُمكن اشتقاق الصّفة مِنْهُ لِأَن اشتقاقها مَوْقُوف على كَون الْمُشْتَقّ مِنْهُ مُفردا فَمن عدم إِمْكَان اشتقاق الصّفة من ذَلِك الْمَفْهُوم لَا يلْزم عدم كَونه صفة. وَإِن أردْت توضيح هَذَا لجواب فَانْظُر فِي الدّلَالَة.
حق الْيَقِين: عِنْد الصُّوفِيَّة فنَاء العَبْد فِي الْحق والبقاء بِهِ علما وشهودا وَحَالا فَعلم النَّار بِأَنَّهَا جسم محرق علم الْيَقِين. ومعاينتها عين الْيَقِين. والحرق فِيهَا حق الْيَقِين. وكما أَن علم كل أحد بِالْمَوْتِ علم الْيَقِين. فَإِذا عاين الْمَلَائِكَة فَهُوَ عين الْيَقِين. فَإِذا ذاق الْمَوْت فَهُوَ حق الْيَقِين. وَقَالَ بَعضهم أَن علم الْيَقِين ظَاهر الشَّرِيعَة. وَعين الْيَقِين الْإِخْلَاص فِيهَا. وَحقّ الْيَقِين الْمُشَاهدَة فِيهَا.
حَقِيقَة الْحَقَائِق: هِيَ الْمرتبَة الأحدية الجامعة لجَمِيع الْحَقَائِق وَتسَمى حَضْرَة الْجمع وحضرة الْوُجُود.
الْحَقِيقَة المحمدية: هِيَ الذَّات مَعَ التعين الأول وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم.
الحقد: بِالْكَسْرِ طلب الانتقام قَالُوا إِن الْغَضَب إِذا لزم كظمه بعجز عَن الانتقام
(2/31)

والتشفي فِي الْحَال يرجع إِلَى الْبَاطِن وَيكون مُخْتَصًّا بِهِ فَيصير حقدا.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْكَاف)

الْحِكْمَة: فِي اللُّغَة دانائي. وَعند أَرْبَاب الْمَعْقُول فِي تَعْرِيفهَا اخْتِلَاف. وَالْمَشْهُور أَن الْحِكْمَة علم بأحوال أَعْيَان الموجودات على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر بِقدر الطَّاقَة البشرية. وَالْمرَاد (بأعيان الموجودات) الموجودات العينية إِلَى الخارجية (بالبشر) الْبشر الَّذِي يكون من أوساط النَّاس لَا فِي غَايَة الْعُلُوّ وَلَا فِي غَايَة السّفل و (بعلى مَا هِيَ عَلَيْهِ) على وَجه يكون أَحْوَال الْأَعْيَان على ذَلِك الْوَجْه من الْوُجُوب والإمكان والامتناع والتحيز والجسمية وَغَيرهَا من الْقدَم والحدوث. قيل إِن بعض الْحُكَمَاء قَائِلُونَ بِأَن الْعَالم قديم وَبَعْضهمْ بِأَنَّهُ حَادث وَكِلَاهُمَا حَكِيم وَلَيْسَ كلا مِنْهُمَا مطابقا لما فِي نفس الْأَمر بل وَاحِد مِنْهُمَا مُطَابق لَهُ فَيلْزم أَن لَا يكون أَحدهمَا حكيما وَكِلَاهُمَا حَكِيم. وَالْجَوَاب أَن المُرَاد علم بأحوال أَعْيَان الموجودات على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر بِزَعْمِهِ بِقدر الطَّاقَة البشرية وموضوعها على هَذَا التَّعْرِيف الموجودات الخارجية فَيخرج الْمنطق حِينَئِذٍ عَن الْحِكْمَة لِأَنَّهُ باحث عَن أَحْوَال الموجودات الذهنية لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن المنقولات الثَّانِيَة وَهِي الَّتِي لَا يحاذيها شَيْء فِي الْخَارِج.
وَمن عرف الْحِكْمَة بِمَا بِهِ خُرُوج النَّفس إِلَى كمالها الْمُمكن فِي جَانِبي الْعلم وَالْعَمَل. أما فِي جَانب الْعلم فبأن يكون متصورا للموجودات كَمَا هِيَ ومصدقا للقضايا كَمَا هِيَ. وَأما فِي جَانب الْعَمَل فَإِن يحصل لَهُ الملكة التَّامَّة على الْأَفْعَال المتوسطة بَين الإفراط والتفريط جعل الْمنطق من الْحِكْمَة بل جعل الْعَمَل أَيْضا مِنْهَا. وَكَذَا من ترك الْأَعْيَان فِي تَعْرِيفهَا جعله من أَقسَام الْحِكْمَة النظرية إِذْ لَا يبْحَث فِيهِ إِلَّا من المعقولات الثَّانِيَة الَّتِي لَيْسَ وجودهَا بقدرتنا واختيارنا. وَأَيْضًا الْحِكْمَة هِيَ هَيْئَة الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة العملية المتوسطة بَين الجزيرة الَّتِي هِيَ إفراط هَذِه الْقُوَّة والبلادة الَّتِي هِيَ تفريطها وتفصيلها فِي الْعَدَالَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَاعْلَم: أَنهم اخْتلفُوا فِي أَن الْمنطق من الْحِكْمَة أم لَا فَمن قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِعلم فَعنده لَيْسَ بحكمة إِذْ الْحِكْمَة علم بأحوال أَعْيَان الموجودات كَمَا مر. والقائلون بِأَنَّهُ علم يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه مِنْهَا أم لَا. والقائلون بِأَنَّهُ مِنْهَا يُمكن الِاخْتِلَاف بَينهم بِأَنَّهُ من الْحِكْمَة النظرية جَمِيعًا أم لَا بل بعضه مِنْهَا وَبَعض من العملية إِذا الْمَوْجُود الذهْنِي قد يكون بقدرتنا واختيارنا وَقد لَا يكون كَذَلِك والقائلون بِأَنَّهُ من الْحِكْمَة النظرية يُمكن الِاخْتِلَاف بَينهم بِأَنَّهُ من أقسامها الثَّلَاثَة أم قسم آخر.
وَقَالَ: صَاحب المحاكمات من جعل الْمنطق من أَقسَام الْحِكْمَة النظرية جعل
(2/32)

أقسامها أَرْبَعَة. وَقَالَ الْحِكْمَة النظرية إِمَّا أَن تكون مَطْلُوبَة لتَحْصِيل سَائِر الْعُلُوم وَهُوَ الْمنطق - أَو مَطْلُوبَة لذاتها وَهِي إِمَّا أَن تكون علما بأحوال مَا لَا يفْتَقر فِي الوجودين إِلَى الْمَادَّة إِلَى آخر الْأَقْسَام وَاسْتدلَّ على أَنه لَيْسَ من الْعُلُوم بِأَنَّهُ آلَة لَهَا فَلَا يكون مِنْهَا لِاسْتِحَالَة كَون الشَّيْء آلَة لنَفسِهِ. ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ آلَة لكلها بل لما عداهُ من أقسامها إِذْ الْعقل يخصص لفظ الْعُلُوم بِمَا عدا عُلُوم الْمنطق كَمَا يخصص لفظ كل شَيْء بِغَيْر الله سُبْحَانَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {الله خَالق كل شَيْء} .
وَأَيْضًا يُمكن رده بِمَنْع لُزُوم كَون الشَّيْء آلَة لنَفسِهِ لَا مَكَان كَون بعضه آلَة بعض آخر وَيمْنَع الاستحالة إِذْ يَكْفِي الِاخْتِلَاف الاعتباري. قَالَ السَّيِّد السَّنَد قدس سره النزاع لَفْظِي فِي اندراج الْمنطق تَحت الْحِكْمَة كالنزاع فِي اندراجه تَحت الْعلم. وَبَيَانه أَنه أرخص لفظ الْعلم بِمَا يبْحَث فِيهِ عَن المعقولات الأولى لم يكن متناولا لَهُ إِذْ يبْحَث فِيهِ عَن المعقولات الثَّانِيَة وَإِن لم يخص بالمعقولات الأولى كَانَ متناولا لَهُ وَإِن لم يخص بالأعيان كَانَت شَامِلَة.
وَاعْلَم أَن بعض أَصْحَابنَا أَعرضُوا عَن الْحِكْمَة أعراضا تَاما وَبَعْضهمْ جعلوها مقصدا أقْصَى وَالْحق أَن تكون جَامعا لأقسام الْحِكْمَة العملية أَعنِي تَهْذِيب الْأَخْلَاق - وتدبير الْمنزل - والسياسة المدنية. ولأقسام الْحِكْمَة الرياضية أَعنِي الْهَيْئَة - والهندسة - والحساب - والموسيقى -. ولأكثر مسَائِل الْحِكْمَة الطبيعية وموافق للحكماء وَفِي الألهيات وَبَعض من الطبيعيات مُوَافق للطائفة الْعلية الصُّوفِيَّة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ. وَهَذَا الطّور مشابه بطور أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ فِي حَرْب صفّين الصَّلَاة خلف عَليّ أتم وَطَعَام مُعَاوِيَة أدسم والتل أسلم.
ف (34) :
وَعَلَيْك أَن لَا تكون تَابعا للحكماء فِي الألهيات فَإِنَّهُم فِيهَا على الْبطلَان والخذلان. ثمَّ إِن الْحِكْمَة على قسمَيْنِ - الْحِكْمَة العملية - وَالْحكمَة النظرية. لِأَن تِلْكَ الْأَعْيَان الْمَأْخُوذَة فِي تَعْرِيف الْحِكْمَة. أما الْأَفْعَال والأعمال الَّتِي وجودهَا بقدرتنا واختيارنا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَسَائِر الْأَفْعَال الْحَسَنَة والسيئة. أَولا كالسماء وَالْأَرْض. فالعلم بأحوال الأول من حَيْثُ إِنَّه يُؤَدِّي إِلَى صَلَاح المعاش والمعاد يُسمى حِكْمَة عملية. وَالْعلم بأحوال الثَّانِي يُسمى حِكْمَة نظرية.
فالحكمة العملية: علم بأحوال الْأَشْيَاء الَّتِي وجودهَا بقدرتنا واختيارنا من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة آنِفا. وَقَالَ بَعضهم هِيَ الْعلم بالموجودات الَّتِي يتَوَقَّف وجودهَا على الحركات الاختيارية أَي الإرادية كالأعمال الْوَاجِبَة والأعمال المرضية وَلَا يخفى على الرِّجَال أَن هَذَا التَّعْرِيف يصدق على الْعلم بأحوال الابْن مثلا فَإِن وجوده مَوْقُوف على
(2/33)

الحركات الاختيارية وَقت الْجِمَاع. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن المُرَاد هِيَ الْعلم بالموجودات الَّتِي يتَوَقَّف وجود نوعها أَولا على الحركات الاختيارية. وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْعلم لهَذَا الِاسْم لِأَن غَايَة ابْتِدَاء الْأَعْمَال الَّتِي بقدرتنا دخل فِيهَا فنسب إِلَى الْغَايَة الابتدائية وَسمي بالحكمة العملية. وَإِنَّمَا قيدنَا الْغَايَة بالابتدائية لِأَن غَايَة الْحَقِيقَة السَّعَادَة وَهِي غَايَة الْغَايَة.
وَالْحكمَة النظرية: علم بأحوال الْأَشْيَاء الَّتِي لَيْسَ وجودهَا بقدرتنا واختيارنا كَالْعلمِ بأحوال الْإِنْسَان وَسَائِر الموجودات العينية الَّتِي لَيْسَ وجودهَا بقدرتنا واختيارنا. وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْعلم بالحكمة النظرية لِأَن الْمَقْصُود فِيهِ تَكْمِيل الْقُوَّة النظرية. أَو لِأَن النظريات فِيهِ أَكثر وَأقوى من العميلة. وَالْأولَى أَن يُقَال إِن غَايَة الابتدائية مَا حصل بِالنّظرِ وَهُوَ الإدراكات التصورية والتصديقية الْمُتَعَلّقَة بالأمور الَّتِي لَا مدْخل لقدرتنا واختيارنا فِيهِ فنسب إِلَى الْغَايَة الابتدائية وَيُسمى بالحكمة النظرية. وكل من الْحِكْمَة العملية وَالْحكمَة النظرية على ثَلَاثَة أَقسَام: (تَهْذِيب الْأَخْلَاق) و (تَدْبِير الْمنزل) و (السياسة المدنية) وَهَذِه الثَّلَاثَة أَقسَام الْحِكْمَة العملية. وَأما أَقسَام الْحِكْمَة النظرية. فأحدها: الْعلم الْأَعْلَى وَيُسمى بالإلهي والفلسفة الأولى وَالْعلم الْكُلِّي وَمَا بعد الطبيعية وَمَا قبل الطبيعية أَيْضا. وَالثَّانِي: الْعلم الْأَوْسَط وَيُسمى بالرياضي والتعليمي أَيْضا. وَالثَّالِث: الْعلم الْأَدْنَى وَيُسمى بالطبيعي أَيْضا واطلب تَعْرِيف كل من هَذِه الْأَقْسَام فِي مَوْضِعه من الْأَبْوَاب.
وَاعْلَم أَن أَقسَام الْحِكْمَة أصولا وفروعا مَعَ أَقسَام الْمنطق على مَا يفهم من رِسَالَة تَقْسِيم الْحِكْمَة للشَّيْخ الرئيس أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ. وَبِدُون أَقسَام الْمنطق خَمْسَة وَثَلَاثُونَ.
فأصول الإلهي: خَمْسَة. الأول: الْأُمُور الْعَامَّة. الثَّانِي: إِثْبَات الْوَاجِب وَمَا يَلِيق بِهِ. الثَّالِث: إِثْبَات الْجَوَاهِر الروحانية. الرَّابِع: بَيَان ارتباطات الْأُمُور الأرضية بِالْقُوَّةِ السمائية. الْخَامِس: بَيَان نظام الممكنات وفروعه قِسْمَانِ. الْقسم الأول: مِنْهُمَا الْبَحْث عَن كَيْفيَّة الْوَحْي - وَمِنْه صيرورة الْمَعْقُول محسوسا وَمِنْه تَعْرِيف الإلهيات وَمِنْه: الرّوح الْأمين. الْقسم الثَّانِي: الْعلم بالمعاد الروحاني.
وأصول الرياضي: أَرْبَعَة: الأول: علم الْعدَد. وَالثَّانِي: علم الهندسة. وَالثَّالِث: علم الْهَيْئَة. الرَّابِع: علم التَّأْلِيف الباحث عَن أَحْوَال النغمات وَيُسمى بالموسيقى أَيْضا وفروعه سِتَّة: الأول: علم الْجمع والتفريق. وَالثَّانِي: علم الْجَبْر والمقابلة. وَالثَّالِث: علم المساحة. الرَّابِع: علم جر الأثقال. وَالْخَامِس: علم الزيجات والتقاويم. وَالسَّادِس: علم الأغنون وَهُوَ اتِّحَاد الْآلَات.
وأصول الطبيعي: ثَمَانِيَة: الاول: الْعلم بأحوال الْأُمُور الْعَامَّة للأجسام.
(2/34)

الثَّانِي: الْعلم بتكون الْأَركان وفسادها. الرَّابِع: الْعلم بالمركبات الْغَيْر التَّامَّة ككائنات الجو. الْخَامِس: الْعلم بأحوال الْمَعَادِن. السَّادِس: الْعلم بِالنَّفسِ الإنسانية. السَّابِع: الْعلم بِالنَّفسِ الحيوانية. الثَّامِن: الْعلم بِالنَّفسِ الناطقة. وفروعه سَبْعَة: الأول: الطِّبّ. الثَّانِي: النُّجُوم. الثَّالِث: علم الفراسة. الرَّابِع: علم التَّعْبِير. الْخَامِس: علم الطلسمات وَهُوَ مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية. السَّادِس: علم النيرنجات وَهُوَ مزج قوى الْجَوَاهِر الأرضية. السَّابِع: علم الكيمياء وَهُوَ علم تَبْدِيل قوى الأجرام المعدنية بَعْضهَا بِبَعْض.
الْمنطق: تِسْعَة أَبْوَاب على مَا هُوَ الْمَشْهُور: الأول: بَاب الكليات الْخمس. الثَّانِي: بَاب التعريفات. الثَّالِث: بَاب التصديقات. الرَّابِع: بَاب الْقيَاس. الْخَامِس: الْبُرْهَان. السَّادِس: الخطابة. السَّابِع: الجدل. الثَّامِن: المغالطة. التَّاسِع: الشّعْر. وَهَذِه الْخمس الْأَخِيرَة هِيَ الصناعات الْخمس.
الْحَكِيم: من لَهُ الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة آنِفا.
الْحُكَمَاء خالفوا كَافَّة الإسلاميين فِي مسَائِل: من تِلْكَ قَوْلهم إِن الأجساد لَا تحْشر. وَإِنَّمَا المثاب والمعاقب هِيَ الْأَرْوَاح الْمُجَرَّدَة. والعقوبات روحانية لَا جسمانية وَلَقَد صدقُوا فِي إِثْبَات الروحانية وَلَكِن كذبُوا فِي إِنْكَار الجسمانية وكذبتهم الشَّرِيعَة فِيمَا قطعُوا بِهِ. وَمن تِلْكَ قَوْلهم إِن الله تَعَالَى يعلم الكليات وَلَا يعلم الجزئيات وَهُوَ أَيْضا كفر صَرِيح بل الْحق أَنه لَا يعزب عَن علمه تَعَالَى مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض. وَمن ذَلِك قَوْلهم بقدم الْعَالم وأزليته. فَلم يذهب أحد من الْمُسلمين إِلَى شَيْء من هَذِه الْمسَائِل. وَمَا وَرَاء ذَلِك من نفيهم الصِّفَات. وَمن ذَلِك قَوْلهم إِنَّه عَالم بِالذَّاتِ لَا بِعلم زَائِد وَمَا يجْرِي مجْرَاه. فمذهبهم فِيهَا قريب من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَلَا يجب تَكْفِير الْمُعْتَزلَة بِمثل ذَلِك.
الحكم: بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْكَاف أثر الشَّيْء الْمُتَرَتب عَلَيْهِ. وَفِي الْعرف إِسْنَاد أَمر إِلَى أَمر آخر إِيجَابا أَو سلبا. فَخرج بِهَذَا مَا لَيْسَ بِحكم كالنسبة التقييدية. وَفِي اللُّغَة تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام ثمَّ نقل إِلَى مَا يَقع بِهِ الْخطاب. وَلِهَذَا قَالُوا إِن مُرَاد الْأُصُولِيِّينَ بخطاب الله تَعَالَى هُوَ الْكَلَام اللدني.
وَالْحكم المصطلح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ: هُوَ أثر حكم الله الْقَدِيم فَإِن إِيجَاب الله تَعَالَى قديم وَالْوُجُوب حكمه وأثره. وَالتَّفْصِيل فِي كتب الْأُصُول وَفِي التَّلْوِيح أَن إِطْلَاق الحكم على خطاب الشَّارِع وعَلى أَثَره وعَلى الْأَثر الْمُتَرَتب على الْعُقُود والفسوخ بالاشتراك اللَّفْظِيّ. ومرادهم بالمحكوم عَلَيْهِ من وَقع الْخطاب لَهُ وبالمحكوم بِهِ مَا تعلق
(2/35)

بِهِ الْخطاب كَمَا يُقَال حكم الْأَمِير على زيد بِكَذَا.
وَيعلم من التَّوْضِيح فِي بَاب الحكم أَن مورد الْقِسْمَة الحكم بِمَعْنى الْإِسْنَاد أَي إِسْنَاد الشَّارِع أمرا إِلَى أَمر فِيمَا لَهُ تعلق بِفعل الْمُكَلف من حَيْثُ هُوَ مُكَلّف صَرِيحًا كالنص أَو دلَالَة كالإجماع وَالْقِيَاس. فَفِي جعل الْوُجُوب وَالْملك وَنَحْو ذَلِك أقساما للْحكم بِهَذَا الْمَعْنى تسَامح ظَاهر.
وَفِي اصْطِلَاح الْمَعْقُول: يُطلق على أَرْبَعَة معَان: الأول: الْمَحْكُوم بِهِ. وَالثَّانِي: النِّسْبَة الإيجابية أَو السلبية. وَالثَّالِث: التَّصْدِيق أَي إذعان أَن النِّسْبَة وَاقعَة أَو لَيست بواقعة. وَالرَّابِع: الْقَضِيَّة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على الرابط بَين الْمَعْنيين. وَتَحْقِيق أَن الحكم فِي الْقَضِيَّة الشّرطِيَّة إِمَّا فِي الْجَزَاء أَو بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي الْقَضِيَّة الشّرطِيَّة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فَإِن أردْت الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَارْجِع إِلَيْهَا.
وَاعْلَم أَن الحكم بِمَعْنى التَّصْدِيق هُوَ الإذعان كَمَا مر. ثمَّ مُتَعَلق الإذعان عِنْد الْمُتَقَدِّمين من الْحُكَمَاء هُوَ النِّسْبَة الَّتِي هِيَ جُزْء أخير من الْقَضِيَّة الَّتِي هِيَ من قبيل الْمَعْلُوم عِنْدهم - وَعند الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم مُتَعَلق الإذعان هُوَ وُقُوع النِّسْبَة أَو لَا وُقُوعهَا الَّذِي هُوَ جُزْء أخير من الْقَضِيَّة فللقضية عِنْد الْمُتَقَدِّمين ثَلَاثَة أَجزَاء. وَعند الْمُتَأَخِّرين أَرْبَعَة كَمَا سَيَجِيءُ مفصلا فِي النِّسْبَة الْحكمِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَالْحكم هُوَ إِدْرَاك أَن النِّسْبَة وَاقعَة أَو لَيست بواقعة. والإدراك إِمَّا من مقولة الانفعال أَو الكيف فَالْحكم كَذَلِك وَانْظُر فِي الْإِدْرَاك حَتَّى يزِيد لَك الْإِدْرَاك.
وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّازِيّ مُتَرَدّد فِي كَون الحكم إدراكا أَو فعلا وَلم يذهب إِلَى تركيب التَّصْدِيق مَعَ فعلية الحكم كَمَا هُوَ الْمَشْهُور. نعم أَنه ذهب إِلَى تركيب التَّصْدِيق وَلِهَذَا قَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا عبد الْحَكِيم رَحمَه الله فِي حَوَاشِيه على حَوَاشِي السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره على شرح الشمسية قَوْله إِذا أردْت تقسيمه على مَذْهَب الإِمَام أَي على القَوْل بالتركيب فَلَا يرد أَن الإِمَام لَا يَقُول بِكَوْن الحكم إدراكا مَعَ أَنه قد نقل الْبَعْض أَن الإِمَام مُتَرَدّد فِي كَون الحكم إدراكا أَو فعلا. وَفِي حصر التَّقْسِيم على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ إِشَارَة إِلَى بطلَان القَوْل بتركيب التَّصْدِيق مَعَ فعلية الحكم كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من الإِمَام انْتهى.
فَالْحكم: الَّذِي هُوَ جُزْء التَّصْدِيق عِنْد الإِمَام هُوَ الْإِدْرَاك الْمَذْكُور لَا غير. وَيُؤَيِّدهُ أَن الحكم حكمان حكم هُوَ مَعْلُوم بِمَعْنى وُقُوع النِّسْبَة أَو لَا وُقُوعهَا وَهُوَ جُزْء أخير للقضية المعقولة وَحكم هُوَ علم بِمَعْنى إِدْرَاكه وَهُوَ تَصْدِيق عِنْد الْحُكَمَاء وَشَرطه فِي مَذْهَب مستحدث وَشطر أخير وتصور عِنْد الإِمَام لكنه إذعاني فيكتسب من الْحجَّة نظرا إِلَى الْجُزْء الْأَعْظَم من المبادئ فَلَا يُنَافِيهِ اكتسابه من الْمُعَرّف نظرا إِلَى جُزْء
(2/36)

إذعاني فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ من الْجَوَاهِر المكنونة. وَعند الأصولين الحكم خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين باقتضاء الْفِعْل أَو التّرْك أَو بالتخير فِي الْفِعْل وَالتّرْك. والاقتضاء الطّلب وَهُوَ إِمَّا طلب الْفِعْل جَازِمًا كالإيجاب. أَو غير جازم كالندب. أَو طلب التّرْك جَازِمًا كالتحريم. أَو غير جازم كالكراهة التحريمية -. وَالْمرَاد بالتخيير الْإِبَاحَة - وَفِي التَّوْضِيح وَقد زَاد الْبَعْض أَو الْوَضع ليدْخل الحكم بالسببية والشرطية وَنَحْوهمَا.
اعْلَم أَن الْخطاب نَوْعَانِ: إِمَّا تكليفي وَهُوَ الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال المتكلفين بالاقتضاء أَو التَّخْيِير وَإِمَّا وضعي وَهُوَ الْخطاب بِالْوَضْعِ بِأَن يكون هَذَا سَبَب ذَلِك أَو شطر ذَلِك كالدلوك سَبَب لصَلَاة الظّهْر وَالطَّهَارَة شَرط لَهَا - فَلَمَّا ذكر أحد النَّوْعَيْنِ وَهُوَ التكليفي وَجب ذكر النَّوْع الآخر وَهُوَ الوضعي وَالْبَعْض لم يذكر الوضعي لِأَنَّهُ دَاخل فِي الِاقْتِضَاء أَو التَّخْيِير لِأَن الْمَعْنى من كَون الدلوك سَببا للصَّلَاة أَنه إِذا وجد الدلوك وَجَبت الصَّلَاة حِينَئِذٍ وَالْوُجُوب من بَاب الِاقْتِضَاء لَكِن الْحق هُوَ الأول لِأَن الْمَفْهُوم من الحكم الوضعي تعلق شَيْء بِشَيْء آخر وَالْمَفْهُوم من الحكم التكليفي لَيْسَ هَذَا وَلُزُوم أَحدهمَا للْآخر فِي صُورَة لَا يدل على اتحادهما انْتهى.
وَالْحكم: بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْكَاف جمع الْحِكْمَة.
الْحكمِيَّة: بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْكَاف النِّسْبَة الْحكمِيَّة أَي النِّسْبَة الَّتِي هِيَ مورد الحكم. وبكسر الْحَاء وَفتح الْكَاف وَالْمِيم وَالْيَاء الْمُشَدّدَة موصوفها الْمُقدمَات أَو الْحَقَائِق يُقَال مُقَدمَات حكمِيَّة وحقائق حكمِيَّة. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْقيَاس فِي لَفْظَة الْحكمِيَّة تسكين الْكَاف لَكِن الْمُسْتَعْمل تحريكها بِالْفَتْح كَمَا فِي لفظ الأرضية انْتهى. وَوجه الْقيَاس أَن يَاء النِّسْبَة ترد الْجمع إِلَى الْمُفْرد وَالْأَصْل كالتصغير. وَأَنت تعلم أَن الحكم بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْكَاف جمع الْحِكْمَة كَمَا مر فِي الحكم.
الْحِكْمَة الْمَنْطُوق بهَا: هِيَ علم الشَّرِيعَة والطريقة.
الْحِكْمَة الْمَسْكُوت عَنْهَا: هِيَ أسرار الْحَقِيقَة الَّتِي لَا يطلع عَلَيْهَا عُلَمَاء الرسوم والعوام على مَا يَنْبَغِي فتضرهم أَو تهلكم كَمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يجتاز فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة مَعَ أَصْحَابه فأقسمت عَلَيْهِ امْرَأَة أَن يدخلُوا منزلهَا فَدَخَلُوا فَرَأَوْا أَوْلَاد الْمَرْأَة يَلْعَبُونَ حولهَا فَقَالَت يَا رَسُول الله أرْحم بعباده أم أَنا بأولادي فَقَالَ بل الله أرْحم الرَّاحِمِينَ - فَقَالَت يَا رَسُول الله أَترَانِي أحب أَن ألقِي وَلَدي فِي النَّار قَالَ لَا - قَالَت فَكيف يلقِي الله عبيده فِيهَا وَهُوَ أرْحم بهم. قَالَ الرَّاوِي فَبكى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ هَكَذَا أُوحِي إِلَيّ.
(2/37)

(بَاب الْحَاء مَعَ اللَّام)

الْحُلُول: مصدر يحل بِضَم الْحَاء لَا بِكَسْرِهَا فَإِنَّهُ مصدره الْحَلَال. وحلول الشَّيْء فِي الشَّيْء عبارَة عَن نُزُوله فِيهِ وَفِي عرف الْحُكَمَاء فِي تَعْرِيف الْحُلُول اخْتِلَاف. قَالَ بَعضهم الْحُلُول اخْتِصَاص شَيْء بِشَيْء بِحَيْثُ يكون الْإِشَارَة إِلَى أَحدهمَا عين الْإِشَارَة إِلَى الآخر. وَقيل معنى حُلُول الشَّيْء فِي الشَّيْء أَن يكون حَاصِلا فِيهِ بِحَيْثُ يتحد الْإِشَارَة إِلَيْهِمَا تَحْقِيقا كَمَا فِي حُلُول الْأَعْرَاض فِي الْأَجْسَام أَو تَقْديرا كحلول الْعُلُوم فِي المجردات. واتحاد الْإِشَارَة تَقْديرا بِأَن يكون الشيئان بِحَيْثُ لَو كَانَا مشارا إِلَيْهِمَا بالحس لكَانَتْ الْإِشَارَة إِلَى أَحدهمَا عين الْإِشَارَة إِلَى الآخر. وَقيل حُلُول شَيْء فِي شَيْء أَن يكون مُخْتَصًّا بِهِ ساريا فِيهِ. وَقد يُقَال الْحُلُول هُوَ الِاخْتِصَاص الناعت أَي التَّعَلُّق الْخَاص الَّذِي يصير بِهِ أحد المتعلقين نعتا للْآخر وَالْآخر منعوتا بِهِ. وَالْأول أَعنِي النَّعْت حَال. وَالثَّانِي أَعنِي المنعوت مَحل كالتعلق بَين الْبيَاض والجسم الْمُقْتَضِي تكون الْبيَاض نعتا وَكَون الْجِسْم منعوتا بِهِ بِأَن يُقَال جسم أَبيض. وَيعلم من هَذَا الِاخْتِلَاف أَن هَذِه رسوم للحلول وَمَا وصل سالك التَّعْرِيف إِلَى مَسْلَك الْحَقِيقَة وَمَعَ هَذَا فِي كل مِنْهَا اعتراضات وجوابات مَذْكُورَة فِي كتب الْحِكْمَة.
ثمَّ الْحُلُول نَوْعَانِ سرياني وطرياني. والحلول السرياني هُوَ أَن يكون الْحَال ساريا فِي كل جُزْء الْمحل كحلول الْبيَاض فِي سطح الثَّوْب فَإِنَّهُ سَار فِي أَجزَاء سطحه والحلول الطرياني بِخِلَافِهِ كحلول النقطة فِي الْخط فَإِنَّهَا حَالَة فِيهِ وَلم تتجاوز عَن محلهَا. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الْحُلُول السرياني عبارَة عَن اتِّحَاد الجسمين بِحَيْثُ يكون الْإِشَارَة إِلَى أَحدهمَا إِشَارَة إِلَى الآخر كحلول مَاء الْورْد فِي الْورْد وَيُسمى الساري حَالا والمسري فِيهِ محلا. والحلول الطرياني كَون أحد الجسمين ظرفا للْآخر كحلول المَاء فِي الْكَوْن وَيُقَال لَهُ الْحُلُول الْجَوَارِي أَيْضا.
الْحلف: (سوكندخوردن) . وَهُوَ يرادف الْيَمين بل الْيَمين يعم الْحلف بِاللَّه وَغَيره من التعليقات كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْيَمين إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي الْمُحِيط والظهيرية فِي كتاب الْإِيمَان رجل حلف ليصلين هَذَا الْيَوْم خمس صلوَات بِجَمَاعَة ويجامع امْرَأَته وَلَا يغْتَسل وَيَنْبَغِي أَن يُصَلِّي الْفجْر وَالظّهْر وَالْعصر بِالْجَمَاعَة ثمَّ يُجَامع امْرَأَته ثمَّ يغْتَسل كَمَا غربت الشَّمْس وَيُصلي الْمغرب وَالْعشَاء بِجَمَاعَة لَا يَحْنَث وَهَذَا مُرَاد من قَالَ:
(جامعت أَهلِي فِي النَّهَار ثَلَاثًا ... )

(وَلم أَغْتَسِل فِي ذَلِك الْيَوْم مثلثا ... )
(2/38)

(وَكنت صَحِيح الْبدن وَالْمَاء حَاضر ... )

(فَصليت خمْسا مَعَ الْجَمَاعَة مَسْجِدا ... )

(وَجَاز لي مَا فعلت عمدا مُتَعَمدا ... )

(على دين الْقرشِي مُحَمَّدًا ... )

ف (35) .
الحليف: (آنكه باتو عهد بسته باشد) . (ومرد تيز زبان وفصيح) .
الْحلم: بِالْكَسْرِ وَسُكُون اللَّام هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد سُورَة الْغَضَب وَقيل تَأْخِير مُكَافَأَة الظَّالِم. وبالضم بُلُوغ الصَّغِير وبالضمتين خواب ديدن وخواب.
الْحَلَال: كل شَيْء لَا يُعَاقب على اسْتِعْمَاله.
الْحل: بِالْفَتْح لُغَة مَشْهُور. والحل الَّذِي هُوَ مِمَّا يتَّصل بالسرقات الشعرية أَن ينثر النّظم. والحل فِي المناظرة تعْيين مَوضِع الْأَلْفَاظ فَإِن قيل أَصْحَاب المناظرة حصروا السُّؤَال فِي الثَّلَاثَة أَعنِي الْمَنْع والنقض الإجمالي والمعارضة فبإثباتهم الْحل يبطل الْحصْر الْمَذْكُور قُلْنَا الْحل مندرج فِي الْمَنْع لنَوْع مُنَاسبَة وَهُوَ أَن التَّعَرُّض لمقدمة مُعينَة كَمَا يكون فِي الْمَنْع كَذَلِك يكون فِي الْحل إِلَّا أَن الْمَقْصُود بِالْحلِّ تعْيين مَوضِع الْغَلَط لسوء الْفَهم لَا طلب الدَّلِيل بِخِلَاف الْمَنْع فَإِن الْمَقْصُود بالتعرض لمقدمة مُعينَة فِيهِ طلب الدَّلِيل عَلَيْهَا. وَقد يذكر الْحل فِي مُقَابلَة الْمَنْع بِهَذِهِ الْمُخَالفَة وَقد يُطلق الْحل مرادفا للْمَنْع. والحل بِالْكَسْرِ الْحَلَال وَمَا وَرَاء أَرض الْحرم.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْمِيم)

الْحمة: بِفَتْح الْحَاء وَالْمِيم سم الْعَقْرَب. فِي الْحصن الْحصين من كَلَام سيد الْمُرْسلين عرضنَا على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رقية من الْحمة فَأذن لنا فِيهَا وَقَالَ إِنَّمَا هِيَ من مواثيق الْجِنّ بِسم الله شجة قرنية ملحة بَحر قفطا.
الْحمل: بِالْكَسْرِ بار وبالفتح بار برداشتن وبارشكم وهرباري كه باشد. وَالْحمل مُخْتَصّ بالإنسان كالنتاج بِالْحَيَوَانِ وَلذَا قيل فِي كتب الْفِقْه الْحمل مَا فِي بطن الْإِنْسَان وَأَقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر بالِاتِّفَاقِ وَفِي أَكْثَرهَا اخْتِلَاف عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله وَأَصْحَابه سنتَانِ لما رُوِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت لَا يبْقى الْوَلَد فِي رحم
(2/39)

أمه أَكثر من سنتَيْن وَلَو بِقدر ظلّ مغزل وَمثل هَذَا لَا يعرف قِيَاسا بل سَمَاعا عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله أَربع سِنِين لما رُوِيَ أَن الضَّحَّاك ولد لأَرْبَع سِنِين وَقد بَدَت ثناياه وَهُوَ يضْحك فَسُمي ضحاكا وَعند لَيْث بن سعد الفهمي رَحمَه الله ثَلَاث سِنِين وَعند الزُّهْرِيّ رَحمَه الله سبع سِنِين. وبرج من البروج الاثْنَي عشر من الْفلك الْأَعْظَم.
وَالْحمل عِنْد أَرْبَاب الْمَعْقُول يُطلق بالاشتراك اللَّفْظِيّ على ثَلَاثَة معَان:
الأول: الْحمل اللّغَوِيّ، وَالثَّانِي: الْحلم الاشتقاقي، وَالثَّالِث: حمل المواطأة. (أما الْحمل اللّغَوِيّ) فَهُوَ الحكم بِثُبُوت شَيْء بِشَيْء أَو انتفائه عَنهُ وَحَقِيقَته الإذعان وَالْقَبُول. (وَأما الْحمل الاشتقاقي) فَهُوَ الْحمل بِوَاسِطَة (فِي) أَو (ذُو) أَو (لَهُ) وَحَقِيقَته الْحُلُول فَإنَّك إِذا قلت زيد ذُو مَال فقد حملت المَال على زيد بِوَاسِطَة (ذُو) . فَإِن قلت: إِن المَال مَحْمُول على زيد بِوَاسِطَة ذُو وَلَيْسَ حَالا فِيهِ فَكيف يَصح أَن حَقِيقَته الْحُلُول. قلت: الْمَحْمُول فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْإِضَافَة الَّتِي بَين زيد وَالْمَال وَهُوَ التَّمَلُّك. وَلَا شكّ أَن التَّمَلُّك حَال فِي زيد والتملك مَحْمُول على زيد فِي ضمن التَّمَلُّك الْمُشْتَقّ مِنْهُ كَمَا أَن الْكِتَابَة مَحْمُول على زيد فِي ضمن الْكَاتِب وَالْكَاتِب مَحْمُول عَلَيْهِ بالاشتقاق وَلِهَذَا سمي هَذَا الْحمل بالاشتقاق وَقس عَلَيْهِ زيد فِي الدَّار وَزيد أَب لعَمْرو فَإِن الْمَحْمُول فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْإِضَافَة الَّتِي بَين زيد وداره وَبَين زيد وَعَمْرو وَهِي الظَّرْفِيَّة والأبوة والنبوة.
وَأما حمل المواطأة فَهُوَ حمل شَيْء بقول على مثل الْإِنْسَان حَيَوَان يَعْنِي الْحَيَوَان مَحْمُول على الْإِنْسَان وَحَقِيقَته هُوَ هُوَ. وَبِعِبَارَة أُخْرَى نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع إِن كَانَت بِلَا وَاسِطَة وَهُوَ القَوْل على الشَّيْء فَهِيَ الْحمل بالمواطأة وَهَذَا الْحمل يرجع إِلَى اتِّحَاد المتغائرين فِي نَحْو من اتِّحَاد الْوُجُود بِحَسب نَحْو آخر من أنحائه فَإِن كَانَ الْمَحْمُول ذاتيا فَهُوَ حمل بِالذَّاتِ أَو عرضيا فَهُوَ حمل بِالْعرضِ. فَفِي حمل الذاتيات اتِّحَاد بِالذَّاتِ وَفِي حمل العرضيات اتِّحَاد بِالْعرضِ.
ثمَّ اعْلَم أَن الْحمل بالمواطأة يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: الأول: حمل الشَّيْء على نَفسه، وَالثَّانِي: الْحمل الْمُتَعَارف وَيُسمى الْحمل الشَّائِع أَيْضا. ثمَّ من الْقسم الأول الْحمل الأولي وَهُوَ يُفِيد أَن الْمَحْمُول هُوَ بِعَيْنِه عنوان حَقِيقَة الْمَوْضُوع وَإِنَّمَا سمي حملا أوليا لكَونه أولي الصدْق أَو الْكَذِب. وَمِنْه حمل الشَّيْء على نَفسه مَعَ تغاير بَين الطَّرفَيْنِ بِأَن يُؤْخَذ. أَحدهمَا: مَعَ حيثية أَو بِدُونِ التغاير بَينهمَا بِأَن يتَكَرَّر الِالْتِفَات إِلَى شَيْء وَاحِد ذاتا واعتبارا فَيحمل ذَلِك الشَّيْء على نَفسه من غير أَن يَتَعَدَّد الملتفت إِلَيْهِ وَالْأول صَحِيح غير مُفِيد وَالثَّانِي غير صَحِيح وَغير مُفِيد ضَرُورَة أَنه لَا يعقل النِّسْبَة إِلَّا بَين اثْنَيْنِ وَلَا يُمكن أَن يتَعَلَّق بِشَيْء وَاحِد التفاتان من نفس وَاحِدَة فِي زمَان وَاحِد والتغاير من جِهَة الِالْتِفَات لَا يَكْفِي هَا هُنَا لِأَن الِالْتِفَات لَا يلْتَفت إِلَيْهِ حِين الِالْتِفَات والتعدد فِي الِالْتِفَات لَا يتَصَوَّر إِلَّا بالتعدد فِي أحد هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة الملتفت والملتفت إِلَيْهِ
(2/40)

وَالزَّمَان. وَالْحمل الْمُتَعَارف يُفِيد أَن يكون الْمَوْضُوع من أَفْرَاد الْمَحْمُول أَو مَا هُوَ فَرد لأَحَدهمَا فَرد للْآخر وَإِنَّمَا سمي متعارفا لتعارفه وشيوع اسْتِعْمَاله.
وَرُبمَا يُطلق الْحمل الْمُتَعَارف فِي الْمنطق على الْحمل المتحقق فِي المحصورات سَوَاء كَانَت حَقِيقَة كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَو حكما كالمهملات. فالحمل فِي قَوْلنَا الْإِنْسَان كَاتب مُتَعَارَف على كلا الاصطلاحين وَفِي قَوْلنَا الْإِنْسَان نوع مُتَعَارَف على الِاصْطِلَاح الأول وَغير مُتَعَارَف على الِاصْطِلَاح الثَّانِي.
ثمَّ اعْلَم أَن الفارابي جعل الْحمل على أَرْبَعَة أَقسَام: حمل الْكَلْبِيّ على الجزئي مثل زيد إِنْسَان. وَحمل الْكَلْبِيّ على الْكُلِّي مثل الْإِنْسَان حَيَوَان وَالْإِنْسَان إِنْسَان وَحمل الجزئي على الجزئي مثل هَذَا زيد وَهَذَا الْإِنْسَان هَذَا الْكَاتِب. قَالَ الْفَاضِل الزَّاهِد فِي الْهَامِش على حَوَاشِيه على شرح المواقف أَن الأول وَالثَّالِث حمل مُتَعَارَف وَالْمرَاد بالفرد الْوَاقِع فِي تَعْرِيفه مَا صدق عَلَيْهِ مُطلقًا. وَالثَّانِي يحْتَمل أَن يكون متعارفا أَو غير مُتَعَارَف لِامْتِنَاع أَن يصدق جزئي على جزئي آخر إِلَّا بِأَن يكون الجزئي حِصَّة كحصة من الْإِنْسَان أَو الْكَاتِب فَحمل تِلْكَ الْحصَّة حملا متعارفا على حِصَّة أَو على جزئي آخر أَو عَكسه بِالنّظرِ إِلَى الْوُجُود بِالذَّاتِ أَو الْوُجُود بِالْعرضِ انْتهى.
وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِيه على شرح الشمسية كَون الجزئي الْحَقِيقِيّ مقولا على وَاحِد إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر وَإِمَّا بِحَسب الْحَقِيقَة فالجزئي الْحَقِيقِيّ لَا يكون مَحْمُولا مقولا على شَيْء أصلا بل يُقَال وَيحمل عَلَيْهِ المفهومات الْكُلية فَهُوَ مقول عَلَيْهِ لَا مقول بِهِ وَكَيف لَا وَحمله على نَفسه لَا يتَصَوَّر قطعا إِذْ لَا بُد فِي الْحمل الَّذِي هُوَ النِّسْبَة بَين الْمَوْضُوع والمحمول أَن تكون بَين أَمريْن متغائرين وَحمله على غَيره بِأَن يُقَال زيد عَمْرو إِيجَابا مُمْتَنع أَيْضا وَأما قَوْلك هَذَا زيد فَلَا بُد فِيهِ من التَّأْوِيل لِأَن هَذَا إِشَارَة إِلَى الشَّخْص الْمعِين فَلَا يُرَاد بزيد ذَلِك الشَّخْص الْمعِين وَإِلَّا فَلَا حمل من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا عرفت بل يُرَاد مَفْهُوم مُسَمّى بزيد أَو صَاحب اسْم زيد وَهَذَا الْمَفْهُوم كلي. وَإِن فرض انحصاره فِي شخص وَاحِد فالمحمول أَعنِي الْمَقُول على غَيره لَا يكون إِلَّا كليا انْتهى.
وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا عبد الْحَكِيم رَحمَه الله قَوْله لَا يكون مقولا على شَيْء لِأَن منَاط الْحمل الِاتِّحَاد فِي الْوُجُود وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن وجودا وَاحِدًا قَائِم بهما لِامْتِنَاع قيام الْعرض الْوَاحِد بمحلين بل مَعْنَاهُ أَن الْوُجُود لأَحَدهمَا بالإصالة وَللْآخر بالتبع بِأَن يكون منتزعا عَنهُ وَلَا شكّ أَن الجزئي هُوَ الْمَوْجُود إصالة والأمور الْكُلية سَوَاء كَانَت ذاتية أَو عرضية منتزعة عَنهُ على مَا هُوَ تَحْقِيق الْمُتَأَخِّرين. فَالْحكم باتحاد الْأُمُور الْكُلية مَعَ الجزئي صَحِيح دون الْعَكْس فَإِن وَقع مَحْمُولا كَمَا فِي بعض الْإِنْسَان زيد فَهُوَ مَحْمُول على الْعَكْس أَو على التَّأْوِيل فَانْدفع مَا قيل إِنَّه يجوز أَن يُقَال زيد إِنْسَان فليجز
(2/41)

الْإِنْسَان زيد لِأَن الِاتِّحَاد من الْجَانِبَيْنِ فَظهر أَنه لَا يُمكن حمله على الْكُلِّي وَأما على الجزئي فَلِأَنَّهُ إِمَّا نَفسه بِحَيْثُ لَا تغاير بَينهمَا أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه حَتَّى بالملاحظة والالتفات على مَا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين لَهُ إِذا لوحظ شخص مرَّتَيْنِ وَقيل زيد زيد كَانَ مغائرا بِحَسب الملاحظة وَالِاعْتِبَار قطعا وَيَكْفِي هَذَا الْقدر من التغاير فِي الْحمل فَلَا يُمكن تصور الْحمل بَينهمَا فضلا عَن إِمْكَانه. وَإِمَّا جزئي آخر مغائر لَهُ وَلَو بالملاحظة والالتفات فالحمل وَإِن كَانَ يتَحَقَّق ظَاهرا لكنه فِي الْحَقِيقَة حكم بتصادق الاعتبارين على ذَات وَاحِدَة فَإِن معنى الْمِثَال الْمَذْكُور أَن زيدا الْمدْرك أَولا هُوَ زيد الْمدْرك ثَانِيًا. وَالْمَقْصُود مِنْهُ تصادق الاعتبارين عَلَيْهِ وَكَذَا فِي قَوْلك هَذَا الضاحك هَذَا الْكَاتِب الْمَقْصُود اجْتِمَاع الوصفين فِيهِ فَفِي الْحَقِيقَة الجزئي مقول عَلَيْهِ للاعتبارين. نعم على القَوْل بِوُجُود الْكُلِّي الطبيعي فِي الْخَارِج حَقِيقَة كَمَا هُوَ رَأْي الأقدمين والوجود الْوَاحِد إِنَّمَا قَامَ بالأمور المتعددة من حَيْثُ الْوحدَة لَا من حَيْثُ التَّعَدُّد يَصح حمله على الْكُلِّي لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْوُجُود والاتحاد من الْجَانِبَيْنِ وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيّ على مَا نقل عَن الفارابي وَالشَّيْخ من صِحَة حمل الجزئي انْتهى.
وَقَالَ الباقر فِي الْأُفق الْمُبين نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع إِمَّا بِوُجُود (فِي) أَو توَسط (ذُو) أَو (لَهُ) بَين هُوَ هُوَ وَيُقَال لَهَا الْحمل الاشتقاقي. وَإِمَّا بقول (على) وَيُقَال لَهَا حمل المواطأة أَي الِاتِّحَاد بَين الشَّيْئَيْنِ بهو هُوَ وَهُوَ يُفِيد إِعْطَاء الِاسْم وَالْحَد وَيُشبه أَن يكون قَول الْحمل عَلَيْهِمَا باشتراك الِاسْم أَي بالاشتراك اللَّفْظِيّ دون الْمَعْنى وَالْآخر وَهُوَ مفَاد الْهَيْئَة التركيبية الحملية حَقِيقَة اتِّحَاد المتغائرين فِي نَحْو من أنحاء لحاظ التعقل بِحَسب نَحْو آخر من أنحاء الْوُجُود اتحادا بِالذَّاتِ أَو بِالْعرضِ وَفَوق ذَلِك ذكر سيقرع سَمعك إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَفْصِيله فِي تبصرة حمل شَيْء على شَيْء. إِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ أَن الْمَوْضُوع هُوَ بِعَيْنِه أَخذ مَحْمُولا على أَن يتَكَرَّر إِدْرَاك شَيْء وَاحِد بِتَكَرُّر الِالْتِفَات إِلَيْهِ من دون تكَرر فِي الْمدْرك والملتفت إِلَيْهِ أصلا وَلَو بِالِاعْتِبَارِ وَهُوَ حمل الشَّيْء على نَفسه وتأبى الضَّرُورَة الفطرية إِلَّا أَن تشهد بِبُطْلَانِهِ وَإِن وَقع بعض الأذهان فِي مَخْمَصَة تجويزه فَإِن صَحَّ فَكيف يَصح أَن تلْتَفت نفس وَاحِدَة إِلَى مَفْهُوم وَاحِد ذاتا واعتبارا فِي زمَان بِعَيْنِه مرَّتَيْنِ. وَإِمَّا أَن يَعْنِي ذَلِك لَكِن على أَن يَجْعَل تكَرر الْإِدْرَاك حيثية تقيدية يتكثر بحسبها الْمدْرك فَيحكم بِأَن الْمدْرك بِأحد الإدراكين هُوَ نفس الْمدْرك بالإدراك الآخر وَلَا يلحظ تعددا إِلَّا من تِلْكَ الْجِهَة وَهُوَ الَّذِي يُقَال إِنَّه ضرب مَنْصُور من حمل الشَّيْء على نَفسه وَلكنه هدر غير مُفِيد. وَإِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ أَن الْمَحْمُول هُوَ بِعَيْنِه نفس الْمَوْضُوع بعد أَن يلحظ التغاير الاعتباري أَي هُوَ بِعَيْنِه عنوان حَقِيقَته لَا أَن يقْتَصر على مُجَرّد الِاتِّحَاد
(2/42)

فِي الْوُجُود وَيُسمى الْحمل الأولي الذاتي لكَونه أولى الصدْق أَو الْكَذِب غير معنى بِهِ إِلَّا أَن هَذَا الْمَفْهُوم هُوَ نفس ذَاته وعنوان حَقِيقَته. فَإِذا اعْتبر بَين المفهومات المتغائرة فِي جليل النّظر رُبمَا احْتِيجَ تعْيين الْإِيجَاب أَو السَّلب إِلَى تَدْقِيقه كَمَا يَقُول الْوُجُود هُوَ الْمَاهِيّة أَو لَيْسَ والوجود هُوَ الْوحدَة أَو لَيْسَ يحْتَاج فِي الأذهان إِلَى الْبُرْهَان. وَإِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ مُجَرّد اتِّحَاد الْمَوْضُوع والمحمول ذاتا ووجودا وَيرجع إِلَى كَون الْمَوْضُوع من أَفْرَاد الْمَحْمُول أَو كَون مَا هُوَ فَرد أَحدهمَا هُوَ فَرد الآخر وَيُسمى الْحمل الْعرفِيّ الْمُتَعَارف لشيوعه بِحَسب التعارف الصناعي وينقسم بِحَسب كَون الْمَحْمُول ذاتيا للموضوع أَو عرضيا لَهُ إِلَى الْحمل بِالذَّاتِ وَالْحمل بِالْعرضِ.
ثمَّ إِن فِي الْحمل الْمُتَعَارف قد يكون الْمَوْضُوع فَردا حَقِيقِيًّا للمحمول وَهُوَ مَا يكون أخص بِحَسب الصدْق كالإنسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَان وَقد يكون فَردا اعتباريا وَهُوَ مَا يكون أخصيته بِحَسب نَحْو الِاعْتِبَار كمفهوم الْمَوْجُود الْمُطلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعْيِينه وَكَذَلِكَ الْمُمكن الْعَام وَالْمَفْهُوم والكلي وَمَا ضاهاها فتلطف فِي سرك تنتصر انْتهى. وَإِنَّمَا قَالَ وَيُشبه الخ لِأَن معنى حمل المواطأة أَعنِي الِاتِّحَاد الْمَخْصُوص لَا يصلح مقسمًا لَهُ وللحمل الاشتقاقي كَمَا لَا يخفى.
وَفِي الْأَسْفَار اعْلَم أَن حمل الشَّيْء على الشَّيْء واتحاده مَعَه يتَصَوَّر على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: الشَّائِع الصناعي الْمُسَمّى بِالْحملِ الْمُتَعَارف وَهُوَ عبارَة عَن مُجَرّد اتِّحَاد الْمَوْضُوع والمحمل ووجودا وَيرجع إِلَى كَون الْمَوْضُوع من أَفْرَاد مَفْهُوم الْمَحْمُول سَوَاء كَانَ الحكم على نفس مَفْهُوم الْمَوْضُوع كَمَا فِي الْقَضِيَّة الطبيعية أَو على أَفْرَاده كَمَا فِي القضايا المتعارفة من المحصورات وَغَيرهَا سَوَاء كَانَ الْمَحْكُوم بِهِ ذاتيا للمحكوم عَلَيْهِ وَيُقَال لَهُ الْحمل بِالذَّاتِ أَو عرضيا لَهُ وَيُقَال لَهُ الْحمل بِالْعرضِ والجميع يُسمى حملا عرضيا. وَثَانِيهمَا: أَن يَعْنِي بِهِ أَن الْمَوْضُوع هُوَ بِعَيْنِه نفس مَاهِيَّة الْمَحْمُول وَمَفْهُومه بعد أَن يلحظ نَحْو من التغاير أَي هَذَا بِعَيْنِه عنوان مَاهِيَّة ذَلِك لَا أَن يقْتَصر على مُجَرّد الِاتِّحَاد فِي الذَّات والوجود وَيُسمى حملا ذاتيا أوليا. أما ذاتيا فلكونه لَا يجْرِي وَلَا يصدق إِلَّا فِي الذاتيات. وَأما أوليا فلكونه أولى الصدْق أَو الْكَذِب. فكثيرا مَا يصدق ويكذب مَحْمُول وَاحِد على مَوْضُوع وَاحِد بل مَفْهُوم وَاحِد على نَفسه بِخِلَاف اخْتِلَاف هذَيْن الحملين كالجزئي واللامفهوم واللاممكن بالإمكان الْعَام واللاموجود بالوجود الْمُطلق وَعدم الْعَدَم والحرف وَشريك الْبَارِي والنقيضين وَلذَلِك اعْتبرت فِي التَّنَاقُض وحدة أُخْرَى سوى المشروطات الثَّمَانِية الْمَشْهُورَة وَتلك هِيَ وحدة الْحمل والجزئي مثلا جزئي بِالْحملِ الذاتي لَيْسَ بجزئي بل كلي بِالْحملِ الْمُتَعَارف وَمَفْهُوم الْحَرْف حرف بِالْأولِ اسْم بِالثَّانِي انْتهى. وَإِنَّمَا أطنبت الْكَلَام. فِي هَذَا الْمقَام. لِأَنَّهُ زل فِيهِ اقدام الْإِعْلَام. ونقلت أَيْضا مَا ذكره الْعلمَاء الْكِرَام. عَسى أَن يَتَّضِح بِهِ المرام.
(2/43)

حمل النقيض على النقيض: جَائِز عِنْد الْجُمْهُور. فَإِن قلت. حق النقيض أَن يكون مُخَالفا للنقيض لَا مُوَافقا لَهُ فَكيف يحمل أَحدهمَا على الآخر. قلت: النقيض لَهُ طرفان طرف للثبوت وطرف للنَّفْي فَيحمل أَحدهمَا على الآخر لاشْتِرَاكهمَا فِي كَونهمَا طرفين فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة حمل النظير لَا حمل النقيض على النقيض وَقد نبه على هَذَا الشَّيْخ عبد القاهر قدس سره فِي النظير.
حمل الْمُشْتَقّ على الْمُشْتَقّ: فِي صدق الْمُشْتَقّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْحَمد: فِي اللُّغَة هُوَ الْوَصْف بالجميل على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التَّعْظِيم والتبجيل -. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على قصد التَّعْظِيم وَهَذَا هُوَ الْحَمد القولي -. وَفِي الْعرف فعل يُنبئ عَن تَعْظِيم الْمُنعم بِسَبَب كَونه منعما فعل قلب أَو لِسَان أَو جارحة. وَحَقِيقَة الْحَمد عِنْد الصُّوفِيَّة إِظْهَار الصِّفَات الكمالية وَمن هَذَا الْقَبِيل حمد الله تَعَالَى - وَالْحَمْد الْفعْلِيّ هُوَ الْإِتْيَان بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّة ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى - وَالْحَمْد الحالي هُوَ الَّذِي يكون بِحَسب الرّوح وَالْقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية.
وَاعْلَم أَن الْحَمد وَالصَّلَاة واجبان شرعا وعقلا. إِمَّا شرعا فَلقَوْله تَعَالَى: {فسبح بِحَمْد رَبك} {وَقل الْحَمد لله وَسَلام على عبَادَة الَّذين اصْطفى} و {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا} . وَإِمَّا عقلا فَإِن شكر الْمُنعم وَاجِب لدفع الضَّرَر وجلب النَّفْع واستفاضة الْقَابِل من المبدأ يتَوَقَّف على مُنَاسبَة بَينهمَا وَالنَّفس الإنسانية منغمسة فِي العلائق الْبَدَنِيَّة ومكدرة بالكدورات الطبيعية والحكيم الْعَلِيم المفيض عَن اسْمه فِي غَايَة النزاهة مِنْهُمَا لَا جرم وَجَبت الِاسْتِعَانَة فِي استفاضة الكمالات من حَضرته تَعَالَى بمتوسط ذِي جِهَتَيْنِ حَتَّى يقبل الْفَيْض مِنْهُ تَعَالَى بِجِهَة التجرد وَيفِيض علينا بِجِهَة التَّعَلُّق فَلذَلِك يجب التوسل فِي استحصال الْكَمَال خُصُوصا الْحِكْمَة النظرية والعملية إِلَى الْمُؤَيد لتأييدات. مَالك أزمة الكمالات. بِأَفْضَل الْوَسَائِل وَهُوَ إهداء الصَّلَاة. بإلي جناب خَاتم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ الصَّلَاة ولاسلام. وَكَذَا الْحَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآل وَالْأَصْحَاب فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعلو جنابه وتقدس ذَاته لَا بُد لنا فِي الاستفاضة مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام من الوسائط. وَقَوْلنَا: على جِهَة التَّعْظِيم أَو التبجيل احْتِرَاز عَن الْوَصْف الْمَذْكُور بطرِيق السخرية والاستهزاء. وخصص بَعضهم النِّعْمَة بالواصلة إِلَى الحامد فِي الْحَمد الاصطلاحي وعممها بَعضهم. وَالْحَمْد والمدح بعد اتِّفَاقهمَا فِي جَوْهَر الْحُرُوف مُخْتَلِفَانِ بِأَن الْحَمد مُخْتَصر بالمحمود عَلَيْهِ الِاخْتِيَارِيّ والمدح أَعم وَلم يثبت الْمَدْح الاصطلاحي لأَنهم لم يتفقوا على معنى للمدح حَتَّى يكون معنى اصطلاحيا. وَبَين الْحَمد اللّغَوِيّ والمدح عُمُوم مُطلق لجَوَاز أَن يَقع الْمَدْح على الْجَمِيل الْغَيْر الِاخْتِيَارِيّ مثل مدحت اللُّؤْلُؤ على صفائه.
وَمعنى الشُّكْر اللّغَوِيّ عين معنى الْحَمد الاصطلاحي بِشَرْط تَعْمِيم النِّعْمَة بالواصلة
(2/44)

وَغَيرهَا. وَالشُّكْر فِي الِاصْطِلَاح صرف العَبْد على جَمِيع مَا أنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ فَإِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أعْطى الْعقل ليصرف النّظر فِي مطالعة المصنوعات اسْتِدْلَالا على وجود الصَّانِع. وَبَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالْحَمْد الاصطلاحي عُمُوم من وَجه. وَبَين الْحَمد الاصطلاحي وَالشُّكْر اللّغَوِيّ ترادف إِن عممت النِّعْمَة وَأما إِن خصصت بالواصلة فعموم مُطلق. وَلما كَانَ بَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالْحَمْد الاصطلاحي عُمُوم من وَجه - وَبَين الْحَمد الاصطلاحي وَالشُّكْر اللّغَوِيّ ترادف يكون بَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ عُمُوم من وَجه - وَبَين الشُّكْر اللّغَوِيّ وَالشُّكْر الاصطلاحي عُمُوم مُطلق أَيْضا - وَبَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالشُّكْر الاصطلاحي تبَاين.
والمصنفون يَقُولُونَ الْحَمد لله امتثالا لما رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ بِحَمْد الله فَهُوَ أقطع. قيل الْحَمد لله إِخْبَار عَن حُصُول الْحَمد والإخبار عَن الشَّيْء لَيْسَ ذَلِك الشَّيْء فَلَا يحصل الِامْتِثَال بِهِ. وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم أَنه إِخْبَار بل إنْشَاء فَإِن صِيغ الْإِخْبَار قد تسْتَعْمل فِي الْإِنْشَاء كَقَوْلِك بِعْت واشتريت فِي إنْشَاء البيع وَالشِّرَاء. وَلَو سلم فَلَا نسلم أَن الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَيْسَ ذَلِك الشَّيْء مُطلقًا وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك لَو لم يكن الْإِخْبَار من جزئيات مَفْهُوم الْمخبر عَنهُ. أما إِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا كَمَا فِي قَوْلنَا الْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وَكَون الْإِخْبَار فِيمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الْقَبِيل ظَاهر لصدق تَعْرِيف الْحَمد عَلَيْهِ بل هُوَ حمد إجمالي مُحِيط لجَمِيع أَفْرَاد الْحَمد فَافْهَم واحفظ.
حمى يَوْم كَفَّارَة سنة: فِي الحَدِيث فِي شرح الْمِنْهَاج لِابْنِ الْأنْصَارِيّ لِأَنَّهَا تضرب مِنْهَا عروق الْبدن وَهِي ثَلَاث مائَة وَسِتُّونَ عرقا وألم عرق كَفَّارَة يَوْم.
الحمية: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين بِالْفَارِسِيَّةِ برهيز.
(بَاب الْحَاء مَعَ النُّون)

الْحَنَابِلَة: هم أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله عَنهُ.
الحنيف: المائل من كل دين بَاطِل إِلَى دين الْحق من الحنف وَهُوَ الْميل فِي الْقدَم.
الْحِنْث: بِالْكَسْرِ (بزه مندشدن درسوكند وسوكند را شكستن) . فَهُوَ الْمُخَالفَة بِمُوجب الْيَمين ويقابله الْبر فَإِنَّهُ الْعَمَل بِمُوجبِه. وَإِن أردْت توضيح هَذَا الْمقَال فَارْجِع إِلَى الْيَمين. ثمَّ اعْلَم أَن من الْأَفْعَال مَا يَحْنَث الْحَالِف بِالْمُبَاشرَةِ بِهِ لَا بِالْأَمر كَالْبيع
(2/45)

وَالشِّرَاء وأمثالهما. وَمِنْهَا مَا يَحْنَث فِيهِ بهما كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وأمثالهما. والضابطة المضبوطة فِيهِ أَن كل فعل ترجع حُقُوقه إِلَى الْمُبَاشرَة لَا يَحْنَث الْحَالِف فِيهِ إِلَّا بمباشرته لَا بِمُبَاشَرَة مأموره لوُجُوده مِنْهُ حَقِيقَة وَحكما وَإِلَّا يَحْنَث مُطلقًا أَي بمباشرته وبمباشرة مأموره أَي وَكيله أَيْضا فَإِن الْعَاقِد يصير سفيرا والآمر فَاعِلا. فَافْهَم واحفظ.
(بَاب الْحَاء مَعَ الْوَاو)

الْحَواس: جمع الحاسة وتفصيل الْحَواس قد مر فِي الحاسة فَانْظُر إِن كنت مُجْتَمع الْحَواس نعم قَول الصائب.
(هر سرى موئ حواس من براهى ميرود ... )

(ايْنَ بريشان سيررا در بزم وحدت بارده ... )

الحوكة: جمع الحائك.
الْحِوَالَة: من التَّحَوُّل بِمَعْنى الِانْتِقَال. وَفِي الشَّرْع نقل الدّين وتحويله من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتصّت بالديون لِأَنَّهَا تنبئ عَن النَّقْل والتحويل. وَذَلِكَ فِي الدّين لَا فِي الْعين. لِأَن هَذَا نقل شَرْعِي وَالدّين وصف شَرْعِي فَيظْهر أَثَره فِي الْمُطَالبَة فَجَاز أَن يُؤثر النَّقْل الشَّرْعِيّ فِي الثَّابِت شرعا أما الْعين فحسي فَلَا ينْتَقل بِالنَّقْلِ الشَّرْعِيّ بل يحْتَاج إِلَى النَّقْل الْحسي.
الْحَوْض: حوضان صَغِير وكبير. الْحَوْض الصَّغِير مَا لَا يكون عشرا فِي عشر وَالْكَبِير مَا يكون كَذَلِك إِذا كَانَ مربعًا وَإِن كَانَ مدورا يعْتَبر ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ حَتَّى إِذا كَانَ دونه لَا يجوز كَذَا فِي الْخُلَاصَة وَهُوَ الْأَحْوَط كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ وَفِي الغياثية وَلَو كَانَ الْحَوْض مدورا قَالَ بَعضهم يجب أَن يكون دوره أَرْبَعَة وَأَرْبَعين حَتَّى يكون عشرا فِي عشر.
وَقَالَ عَامَّة أهل الْحساب سِتَّة وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا لِأَن طَرِيق مساحته أَن يضْرب نصف عموده فِي نصف الدائرة فَمَا بلغ فَهُوَ تكسره. وَفِي السِّرَاجِيَّة المَاء إِذا كَانَ لَهُ طول وَلَيْسَ لَهُ عرض وَهُوَ بِحَال لَو جمع وَقدر يصير عشرا فِي عشر لَا بَأْس بِالْوضُوءِ تيسيرا على الْمُسلمين. وَتبين من هَذَا الْبَيَان أَن الْحَوْض الْكَبِير هُوَ الَّذِي يكون عشرا فِي عشر أَي مائَة ذِرَاع تكسيرا.
ف (36) .
(2/46)

(بَاب الْحَاء مَعَ الْيَاء)

الْحَيْثِيَّة: إِذا كَانَت عين المحيث كَانَ مَعْنَاهَا الْإِطْلَاق وَأَنه لَا قيد هُنَاكَ حَتَّى عَن قيد الْإِطْلَاق أَيْضا. وَإِذا كَانَت غير المحيث فمعناها أَنه مَحْكُوم عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى ذَلِك الْغَيْر وَقطع النّظر عَن غير ذَلِك الْغَيْر.
الحيز: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة التَّحْتَانِيَّة بنقطتين قيل هُوَ وَالْمَكَان عِنْد الشَّيْخ وَجُمْهُور الْحُكَمَاء متحدان فهما لفظان مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنى السَّطْح الْبَاطِن من الْجِسْم الْحَاوِي المماس للسطح الظَّاهِر من الْجِسْم المحوي. وَلِهَذَا يرد عَلَيْهِم أَن قَوْلهم كل جسم فَلهُ حيّز طبيعي ينْتَقض بالفلك الْأَعْظَم الْمُحِيط فَإِنَّهُ جسم وَلَيْسَ لَهُ حيّز بِمَعْنى السَّطْح الْمَذْكُور إِذْ لَيْسَ وَرَاءه جسم آخر. وَقَالُوا إِن الشَّيْخ بَين أَن الْمُغَايرَة بَين الْمَكَان والحيز عِنْد الْمُتَكَلِّمين والاتحاد بَينهمَا عِنْد الْحُكَمَاء وَأَرَادَ بالمغايرة المباينة بَينهمَا وبالاتحاد الصدْق على شَيْء وَاحِد وَهَذَا لَا يُنَافِي عُمُوم الحيز من الْمَكَان.
وَالْمَفْهُوم من كَلَام الشَّيْخ فِي مَوضِع من طبيعيات الشِّفَاء أَن الحيز أَعم من الْمَكَان بِمَعْنى السَّطْح الْمَذْكُور لتناول الحيز الْوَضع والمحاذاة الَّذِي يمتاز بِهِ الْفلك الْمَذْكُور عَن غَيره فِي الْإِشَارَة الحسية فَهُوَ متحيز وَلَيْسَ فِي مَكَان فالحيز عِنْدهم بِمَعْنى مَا بِهِ يمتاز الْأَجْسَام فِي الْإِشَارَة الحسية. وَصرح الطوسي أَن الْمَكَان عِنْد الْمُتَكَلِّمين هُوَ الْبعد الموهوم أَي الْفَرَاغ المتوهم مَعَ اعْتِبَار حُصُول الْجِسْم فِيهِ. والحيز عِنْد الْحُكَمَاء هُوَ الْفَرَاغ المتوهم من غير اعْتِبَار حُصُول الْجِسْم فِيهِ أَو عَدمه فالحيز عِنْدهم أَعم من الْمَكَان. والحيز الطبيعي للجسم هُوَ الحيز الَّذِي يكون مُسْتَندا إِلَى صورته النوعية وَقد يُرَاد من كَون الحيز طبيعيا للجسم أَنه من عوارضه الذاتية لَا من عوارضه الغريبة. وَأَنت تعلم أَنه لَا مُنَافَاة بَينهمَا وَالْحَاصِل أَن الحيز الطبيعي مَا يَقْتَضِي الْجِسْم لطبعه الْحُصُول فِيهِ. والحيز عِنْد الْمُتَكَلِّمين هُوَ الْفَرَاغ الموهوم الَّذِي يشْغلهُ شَيْء ممتد كالجسم وَهَذَا الْمَعْنى قريب من الْمَعْنى اللّغَوِيّ للمكان وَهُوَ مَا يعْتَمد عَلَيْهِ المتمكن كالأرض للسرير.
الحينونة: مَعْنَاهَا فِي قَوْلهم بَاب الْأَفْعَال يَجِيء للحينونة أَي لإِفَادَة أَنه حَان وَقت يسْتَحق فِيهِ فَاعل أَن يُوقع عَلَيْهِ أصل الْفِعْل كأحصد أَي حَان أَن يحصد أَي قرب وَقت حَصَاده. وَالْفرق بَينهَا وَبَين الصيرورة أَن الصيرورة لَا بُد لَهَا من حُصُول الْمُشْتَقّ مِنْهُ للْفَاعِل بِخِلَاف الحينونة فَإِنَّهَا بِمَعْنى قرب وَقت حُصُوله وَإِن لم يحصل تَقول أغد الْبَعِير أَي صَار ذَا غُدَّة. وَتقول أحصد الزَّرْع وَهُوَ لم يحصد بعد.
الحينية الممكنة: هِيَ الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بسلب الضَّرُورَة الوصفية أَي الضَّرُورَة مَا دَامَ الْوَصْف عَن الْجَانِب الْمُخَالف مثل كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع حِين هُوَ كَاتب بالإمكان.
(2/47)

الحينية الْمُطلقَة: هِيَ الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بفعلية النِّسْبَة حِين اتصاف ذَات الْمَوْضُوع بِالْوَصْفِ العنواني مثل كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع حِين هُوَ كَاتب بِالْفِعْلِ.
الْحيض: فِي اللُّغَة الشَّيْء الْخَارِج والسائل من الشَّيْء يُقَال حَاضَت الأرنب إِذا سَالَ مِنْهَا الدَّم. وحاضت الشَّجَرَة إِذا خرج عَنْهَا الصمغ. وَفِي (الشَّرْع) الدَّم الَّذِي ينفضه رحم امْرَأَة سليمَة عَن دَاء وَصغر. وَقَوْلهمْ (رحم امْرَأَة) احْتِرَاز عَن الدَّم الْخَارِج عَن غَيره. وَقَوْلهمْ: (سليمَة عَن دَاء) احْتِرَاز عَن دم الِاسْتِحَاضَة وَعَن النّفاس إِذْ النّفاس فِي حكم الْمَرَض حَتَّى اعْتبر تصرفها من ثلث التَّرِكَة وبالصغر احْتِرَاز عَن دم ترَاهُ بنت سبع سِنِين فَإِنَّهُ لَيْسَ بحيض فِي الشَّرْع.
فوقت الْحيض من تسع سِنِين إِلَى الْإِيَاس والإياس مُقَدّر بِخمْس وَخمسين سنة. وَأَقل مُدَّة الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَثَلَاث لَيَال وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام وَلَا يشْتَرط فِي الْحيض السيلان بل التلون. طَاهِرَة رَأَتْ على الكرسف أثر الدَّم يحكم بحيضها من حِين الرّفْع. وألوان الْحيض سِتَّة السوَاد - والحمرة - والصفرة - والكدرة - والخضرة - والتربية - واستيعاب الدَّم مُدَّة الْحيض لَيْسَ بِشَرْط بِالْإِجْمَاع. فالطهر المتخلل بَين الدمين الواقعين فِي مُدَّة الْحيض حيض كَمَا أَن الطُّهْر المتخلل بَين الدمين الواقعين فِي مُدَّة النّفاس نِفَاس. وَإِن أردْت تَحْقِيق هَذِه الْمَسْأَلَة فَانْظُر فِي الطُّهْر المتخلل بَين الدمين وَمَسْأَلَة الصائمة إِذا حَاضَت فِي النَّهَار فِي لُزُوم إتْمَام النَّفْل بِالشُّرُوعِ فَانْظُر هُنَاكَ.
ف (37) .
الْحَيَاة: صفة وجودية توجب للمتصف بهَا أَن يعلم وَيقدر. والحياة الدُّنْيَا هِيَ مَا تشغل العَبْد عَن الْآخِرَة
الْحيَاء: انقباض النَّفس من الشَّيْء وَتَركه حذرا من اللوم فِيهِ وَهُوَ على نَوْعَيْنِ نفساني وإيماني - (أما النفساني) فَهُوَ الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِي النُّفُوس كلهَا كالحياء عَن كشف الْعَوْرَة وَالْجِمَاع بِحُضُور النَّاس - (وَأما الإيماني) فَهُوَ مَا يمْنَع الْمُؤمن من فعل الْمعاصِي خوفًا من الله تَعَالَى.
الْحَيَوَان: جَوْهَر جسم نَام حساس متحرك بالإرادة وَهَذَانِ الأخيران فصلان لَهُ. فَإِن قلت. لَا يجوز أَن يكون لشَيْء وَاحِد فصلان قريبان لِأَن الْفَصْل الْقَرِيب هُوَ الَّذِي يعين الْجِنْس ويحصله بِحَيْثُ لَا يحْتَاج فِي تَحْصِيله إِلَى أَمر آخر فَمثل هَذَا الْفَصْل لَو كَانَ مُتَعَددًا فَإِن لم يتَحَصَّل بِأَحَدِهِمَا الْجِنْس فَلَا يكون فصلا قَرِيبا وَهَذَا خلف فَكيف يكون الحساس والمتحرك بالإرادة فصلين قريبين للحيوان. قلت: قد يُؤْخَذ الْفَصْل من مبادئ مُتعَدِّدَة وَحِينَئِذٍ يكون الْفَصْل مجموعها وكل مِنْهَا جُزْء الْفَصْل التَّام وَقد يكون لَهُ مبدأ وَاحِد يُؤْخَذ مِنْهُ كالناطق فَذَلِك المبدأ هُوَ الْفَصْل فِي الْحَقِيقَة وَلَكِن إِذا لم يكن الْفَصْل
(2/48)

الْحَقِيقِيّ مَعْلُوما بماهية إِلَّا بِاعْتِبَار عوارضه فَيدل عَلَيْهِ بأقوى عوارضه وَيُوضَع مَكَانَهُ وَيُطلق عَلَيْهِ اسْم الْفَصْل تسامحا يَعْنِي رُبمَا لَا يدل على المبدأ الْحَقِيقِيّ إِلَّا بِعرْض ذاتي لَهُ فيشتق للفصل اسْم من ذَلِك الْعرض كالناطق الْمُشْتَقّ من النُّطْق الدَّال على مبدأ فصل الْإِنْسَان وَإِن كَانَ لذَلِك المبدأ أَعْرَاض مترتبة فيشتق مِمَّا هُوَ أقرب كالنطق بِالنِّسْبَةِ إِلَى مبدأ فصل الْإِنْسَان دون التَّعَجُّب والضحك فَإِنَّهُمَا يترتبان على النُّطْق أَي إِدْرَاك الكليات. وَإِن وجد لذَلِك المبدأ عرضان ذاتيان يشْتَبه تقدم أَحدهمَا على الآخر فقد يشتق لَهُ عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا اسْم وَيجْعَل الْمَجْمُوع قَائِما مقَام الْفَصْل الْحَقِيقِيّ كالحساس والمتحرك بالإرادة فَإِن مبدأ الْفَصْل الْحَقِيقِيّ هُوَ النَّفس الحيوانية الَّتِي هِيَ معروضة الْحس وَالْحَرَكَة وَقد اشْتبهَ تقدم أَحدهمَا على الآخر فاشتق عَن كل مِنْهُمَا للفصل الْحَقِيقِيّ اسْم وَجعل الْمَجْمُوع قَائِما مقَام الْفَصْل الْحَقِيقِيّ فَلَيْسَ الْفَصْل التَّام للحيوان إِلَّا وَاحِدًا لَا تعدد فِي ذَاته.
وَلما ظهر من هَا هُنَا أَنهم يتسامحون فِي إِطْلَاق الْفَصْل على النَّاطِق مثلا وَأَن النَّاطِق لَيْسَ ذاتيا للْإنْسَان وَكَذَا الحساس والمتحرك بالإرادة للحيوان انْدفع مَا اسْتشْكل أَن الْإِدْرَاك مثلا من الْأَعْرَاض فَلَا يجوز أَن يكون فصلا للْإنْسَان الْجَوْهَر فَإِن الْمركب من الْجَوْهَر وَالْعرض لَيْسَ بجوهر وخلاصة الدّفع أَن مُرَادهم بِأَن النَّاطِق فصل الْإِنْسَان والحساس والمتحرك بالإرادة فصلان للحيوان أَن مبدأ النَّاطِق فصل وَأَن مبدأ الحساس والمتحرك بالإرادة فصل ويطلقون اسْم الْفَصْل عَلَيْهَا مجَازًا ومسامحة. هَذَا مَا ذكرنَا فِي الْحَوَاشِي على حَوَاشِي عبد الله اليزدي على تَهْذِيب الْمنطق وَهُنَاكَ تحقيقات أخر تركناها خوفًا من الْأَطْنَاب.
الْحَيَاة الْعَقْلِيَّة: هِيَ مبدأ الْإِدْرَاك وَغَيره من الكمالات وَهِي غير مُخْتَصَّة بِالْحَيَوَانِ بِخِلَاف.
الْحَيَاة الحسية: الَّتِي هِيَ مبدأ الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة بِالْحَيَوَانِ.
(2/49)

( [حرف الْخَاء] )

(بَاب الْخَاء مَعَ الْألف)

الخارق للْعَادَة: الناقض لَهَا من شقّ الْقَمَر وإحياء الْأَمْوَات وَقطع الْمسَافَة الْبَعِيدَة فِي الْمدَّة القليلة وَظُهُور الطَّعَام وَالشرَاب واللباس عِنْد الْحَاجة وَالْمَشْي على المَاء والطيران على الْهَوَاء وَكَلَام الجماد والعجماء واندفاع المتوجه من الْبِلَاد وكفاية المهم من الْأَعْدَاء وَغير ذَلِك. والخارق سَبْعَة - إرهاص - ومعجزة - وكرامة - ومعونة - وإهانة - واستدراج - وسحر.
فَإِن الخارق إِن كَانَ صادرا من نفس شرير خبيثة بِمُبَاشَرَة أَعمال يجْرِي فِيهَا التَّعْلِيم والتعلم فَهُوَ سحر - وَإِلَّا فَإِن كَانَ مِمَّن يَدعِي النُّبُوَّة فَإِن كَانَ قبل بعثته فَهُوَ إرهاص - وَإِن كَانَ بعد بعثته فَهُوَ معْجزَة بِشَرْط أَن يكون مُوَافقا لما ادَّعَاهُ من أَنه رَسُول الله - وَإِن لم يكن مُوَافقا بل مُخَالفا فَهُوَ إهانة وَتَكْذيب كَمَا رُوِيَ أَن مُسَيْلمَة الْكذَّاب دَعَا لأعور أَن تصير عينه العوراء صَحِيحَة فَصَارَت عينه الصَّحِيحَة عوراء. وَإِن لم يكن مِمَّن يَدعِي النُّبُوَّة فَإِن كَانَ تَابعا لنَبِيّ زَمَانه فَإِن كَانَ وليا فَهُوَ كَرَامَة وَإِن كَانَ من عَامَّة الْمُسلمين فَهُوَ مَعُونَة وَإِن لم يكن تَابعا لنَبِيّ زَمَانه بل رَاهِبًا مرتاضا فَهُوَ اسْتِدْرَاج لِأَن الله تبَارك وَتَعَالَى لَا يضيع أجر العاملين - وَالصَّحِيح أَن السحر لَيْسَ من الخارق للْعَادَة لِأَنَّهُ يحصل بالآلات وَالْكَسْب فَإِنَّهُ لَا يَقُول أحد أَن الشِّفَاء بعد شرب الدَّوَاء. والهلاك بعد أكل السم خارق وَلِهَذَا قَالُوا فِي وَجه الضَّبْط أَن الخارق إِمَّا ظَاهر عَن الْمُسلم وَالْكَافِر. وَالْأول: إِمَّا أَن يكون من عوام الْمُسلمين تخليصا لَهُم عَن المحن والمكاره وَهُوَ المعونة.
وَإِمَّا من خَواص الْمُسلمين وَحِينَئِذٍ إِمَّا مقرون بِدَعْوَى النُّبُوَّة فَهُوَ المعجزة أَولا وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ظَاهرا من النَّبِي دَعْوَاهُ فَهُوَ الإرهاص - وَإِلَّا فَهُوَ الْكَرَامَة. وَالثَّانِي: أَعنِي الظَّاهِر على يَد الْكَافِر إِمَّا أَن يكون مُوَافقا لدعواه فَهُوَ الاستدراج أَولا فَهُوَ الإهانة وَلَا يخفى حسن هَذَا الْبَيَان على الخلان.
الْخَاتم: بِفَتْح التَّاء الفوقانية بنقطتين وَكسرهَا الَّذِي يخْتم بِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ انكشتري. وَرُوِيَ عَن الأنيس السالك أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ كَانَ خَاتم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من ورق وَكَانَ فصه حَبَشِيًّا. وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا كَانَ نقش خَاتم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُحَمَّد - سطر - وَرَسُول - سطر - وَالله - سطر وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء نزع
(2/50)

خَاتمه وَرُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ اتخذ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَاتمًا من ورق وَكَانَ فِي يَد أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثمَّ كَانَ فِي يَد عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ حَتَّى وَقع فِي بِئْر أريس نقشه مُحَمَّد رَسُول الله.
وَاعْلَم أَنهم ميزوا خَاتم النُّبُوَّة عَن خَاتم يخْتم بِهِ بِإِضَافَة الأول إِلَى النُّبُوَّة وَالثَّانِي إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالخاتم فِي قَوْلهم خَاتم النُّبُوَّة هُوَ الْأَثر الْحَاصِل بِهِ لَا الطابع وإضافته إِلَى النُّبُوَّة إِمَّا بِمَعْنى أَنه ختم على النُّبُوَّة بحفظها وَحفظ مَا فِيهَا أَي بصيانتها عَن تطرق التَّكْذِيب والقدح إِلَيْهَا صِيَانة الشَّيْء المستوثق بالختم وَإِمَّا الْمَعْنى عَلامَة لنبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل خَاتم فضَّة وَكَانَ ذَلِك الْخَاتم أَيْضا عَن نبوته.
وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ رَحمَه الله حدث من طَرِيق أبي رَجَاء عتيبة فَإِذا هُوَ مثل زر الحجلة. وَأَيْضًا حدث عَن طَرِيق سعيد بن يَعْقُوب أَن الْخَاتم بَين كَتِفي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غُدَّة حَمْرَاء مثل بَيْضَة الْحَمَامَة. وَأَيْضًا حدث عَن طَرِيق مُحَمَّد بن بشار أَن الْخَاتم شَعرَات مجتمعات. وَأَيْضًا حدث عَن طَرِيق مُحَمَّد بن بشار حدث عَن بشر بن الوضاح أَنه كَانَ خَاتم النُّبُوَّة فِي ظَهره بضعَة نَاشِرَة أَي قِطْعَة من اللَّحْم مُرْتَفعَة. وَأَيْضًا حدث عَن أبي الْأَشْعَث أَحْمد بن الْمِقْدَام الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ قَالَ أَنبأَنَا حَمَّاد بن زيد عَن عَاصِم الْأَحول عَن عبد الله بن سرجس قَالَ أتيت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ فِي أنَاس من أَصْحَابه فَدرت هَكَذَا من خَلفه فَعرف الَّذِي أُرِيد فألقي الرِّدَاء عَن ظَهره فَرَأَيْت مَوضِع الْخَاتم على كَتفيهِ مثل الْجمع حولهَا خيلان كَأَنَّهَا الثآليل فَرَجَعت حَتَّى استقبلته فَقلت غفر الله لَك يَا رَسُول الله فَقَالَ وَلَك فَقَالَ الْقَوْم اسْتغْفر لَك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ نعم وَلكم ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة {واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} انْتهى.
الزر: بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة تكمه (والحجلة) بِالتَّحْرِيكِ وَاحِد حجال الْعَرُوس وَهِي بَيت يزين بالثياب والأسترة كَذَا فِي الصِّحَاح (وغدة حَمْرَاء) أَي قِطْعَة من اللَّحْم حمرتها أَكثر من بياضها فِي الْمِقْدَار مثل بَيْضَة الْحَمَامَة (وشعرات مجتمعات) أَي عَلَيْهِ شَعرَات (وَالْجمع) بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْمَجْمُوع وَفِي هَذَا الْموضع يُرِيد جمع الْكَفّ وَهُوَ أَن يجمع الْأَصَابِع ويضمها (وخولها) التَّأْنِيث إِمَّا بِاعْتِبَار الْبضْعَة أَو بِاعْتِبَار الشعرات (والخيلان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء جمع الْخَال (والثآليل) جمع الثؤلول وَهِي الْحبَّة الَّتِي تظهر فِي الْجلد بالحمصة. وَالْمرَاد بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَاتم الْأَنْبِيَاء أَنه لَا نَبِي بعده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبِه تمت أُمُور النُّبُوَّة وكملت. وَالْمرَاد بالخاتم انكشتري فِي قَول الْفُقَهَاء وَلَا يتحلى الرجل بِالذَّهَب وَالْفِضَّة إِلَّا بالخاتم وَيجْعَل الفص إِلَى بَاطِن كَفه بِخِلَاف النِّسَاء حَيْثُ يجوز لَهُنَّ الفص إِلَى ظَاهر الْكَفّ. ثمَّ احفظ ضابطة عَجِيبَة تنفعك فِي مجْلِس الأحباب أَنه إِذا أَخذ الْإِنْسَان فِي يَده الْخَاتم فَقل لَهُ خُذ فِي الْيَد الَّذِي فِيهِ
(2/51)

الْخَاتم أَرْبَعَة أعداد وَفِي الآخر ثَلَاثَة أعداد ثمَّ قل لَهُ زد على الْعدَد الَّذِي فِي يَمِينك خَمْسَة أَمْثَاله وعَلى الَّذِي فِي يسارك أَرْبَعَة أَمْثَاله فَقل لَهُ أجمع المبلغين ثمَّ نصف الْمَجْمُوع وسله بعد ذَلِك عَن الْكسر فَإِن قَالَ فِيهِ كسر فالخاتم فِي يَمِينه وَإِن قَالَ لَيْسَ فِيهِ كسر فالخاتم فِي يسَاره.
الْخَاصَّة: من الْخُصُوص وخاصة الشَّيْء مَا يُوجد فِيهِ وَلَا يُوجد فِي غَيره. وَعند المنطقيين الْخَاصَّة كلي مقول على أَفْرَاد حَقِيقَة وَاحِدَة فَقَط قولا عرضيا فَإِن وجد فِي جَمِيع أَفْرَاده فَهِيَ شَامِلَة كالكاتب بِالْقُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان وَإِلَّا فَغير شَامِلَة كالكاتب بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
الْخَاص: فِي أصُول الْفِقْه كل لفظ وضع لمسمى مَعْلُوم على الِانْفِرَاد وَالْمرَاد بِالْمُسَمّى مَا وضع اللَّفْظ لَهُ عينا كَانَ أَو معنى عرضا وبالانفراد اخْتِصَاص اللَّفْظ بذلك الْمُسَمّى.
الخاشع: المتواضع لله تَعَالَى بِقَلْبِه وجوارحه.
الخاطر: مَا يرد على الْقلب من الْخطاب الْوَارِد الَّذِي لَا تعمد للْعَبد فِيهِ وَمَا كَانَ خطابا فَهُوَ أَرْبَعَة أَقسَام. (زماني) وَهُوَ أول الخواطر وَهُوَ لَا يخطي أبدا وَقد يعرف بِالْقُوَّةِ والتسلط وَعدم الاندفاع، و (ملكي) وَهُوَ الْبَاعِث على مَنْدُوب أَو مَفْرُوض وَيُسمى إلهاما، و (نفساني) وَهُوَ مَا فِيهِ حَظّ النَّفس وَيُسمى هاجسا، و (شيطاني) وَهُوَ مَا يَدْعُو إِلَيّ مُخَالفَة الْحق. قَالَ الله تَعَالَى {الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء} .
الْخَارِج: مَعْرُوف وَيُرَاد بِهِ تَارَة مَا يرادف الْأَعْيَان وَتارَة خَارج النِّسْبَة الذهنية وَتارَة يُرَاد بِهِ نفس الْأَمر كَمَا سَيَجِيءُ فِي النِّسْبَة الخارجية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْخَارِجِي: فِي الْبَاغِي.
الخارجية: فِي الْقَضِيَّة الخارجية.
(بَاب الْخَاء مَعَ الْبَاء)

الْخَبَر: قد يُقَال وَيُرَاد بِهِ خبر الْمُبْتَدَأ أَي الْمَحْمُول. وَقد يُرَاد بِهِ الْقَضِيَّة فَيكون مرادفا لَهَا وعرفوه بِأَنَّهُ الْكَلَام الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب فَإِن قيل: إِن الصدْق وَالْكذب إِمَّا عبارتان عَن مُطَابقَة الْخَبَر للْوَاقِع وَعدم تِلْكَ الْمُطَابقَة. وَإِمَّا عَن الْخَبَر عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَالْخَبَر لَا على مَا هُوَ بِهِ فعلى أَي حَال يلْزم الدّور لكَون الْخَبَر مأخوذا فِي تَعْرِيف الصدْق وَالْكذب المأخوذين فِي تَعْرِيف الْخَبَر فتوقف الْخَبَر على الْخَبَر وَلَو بِوَاسِطَة. قُلْنَا: أَولا: إِن هَذَا إِنَّمَا يرد على من فسر الصدْق وَالْكذب بِمَا ذكر وَأما إِذا
(2/52)

فسر الصدْق بمطابقة النِّسْبَة الإيقاعية أَو الانتزاعية للْوَاقِع وَالْكذب بِعَدَمِ مطابقتها لَهُ فَلَا. وَثَانِيا: بِأَن الْخَبَر الْمَأْخُوذ فِي تعريفي الصدْق وَالْكذب بِمَعْنى الْأَخْبَار بِدَلِيل تعديته بِكَلِمَة عَن فَهُوَ غير الْخَبَر الْمُعَرّف بالْكلَام الْمَذْكُور فَلَا دور وَأَيْضًا أَن الصدْق وَالْكذب كَمَا يُوصف بهما الْكَلَام كَذَلِك يُوصف بهما الْمُتَكَلّم وَالْمَذْكُور فِي تَعْرِيف الْخَبَر صفة الْكَلَام بِمَعْنى مُطَابقَة نسبته للْوَاقِع وَعدمهَا وَالْخَبَر عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَلَا على مَا هُوَ بِهِ صفة الْمُتَكَلّم فَلَا دور.
وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره وَقد يتَوَهَّم أَن مَا هُوَ صفة للتكلم رَاجع إِلَى صفة الْكَلَام حَقِيقَة بِنَاء على أَن قَوْلنَا مُتَكَلم صَادِق مَعْنَاهُ صَادِق كَلَامه أَو مَوْقُوف على مَا هُوَ صفة الْكَلَام بِنَاء على أَن مَعْنَاهُ كَون الْمُتَكَلّم بِحَيْثُ يكون كَلَامه صَادِقا فالدور لَازم انْتهى. أما على الأول فَلِأَن تَعْرِيف صدق الْمُتَكَلّم مثلا بالْخبر عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ تَعْرِيف لصدق الْكَلَام على ذَلِك التَّقْدِير فقد أَخذ الْخَبَر فِي تَعْرِيف الصدْق الْمَأْخُوذ فِي تَعْرِيف الْخَبَر فتوقف الْخَبَر على الْخَبَر من حَيْثُ التعقل وَهَذَا هُوَ الدّور. وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لما توقف صدق الْمُتَكَلّم مثلا من حَيْثُ التعقل على صدق الْكَلَام لِأَن معنى صدق الْمُتَكَلّم كَونه بِحَيْثُ يكون كَلَامه صَادِقا. وَأَنت تعلم أَنه لَا جَهَالَة فِي كَونه بِحَيْثُ كَذَا إِلَّا بِاعْتِبَار الْجَهَالَة فِي مَا يُضَاف إِلَيْهِ كلمة حَيْثُ وَهُوَ صدق الْكَلَام فَيكون التَّعْرِيف الْمَذْكُور أَعنِي الْخَبَر عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ تعريفا لصدق الْكَلَام وَقد أَخذ فِي هَذَا التَّعْرِيف الْخَبَر الْمَأْخُوذ فِي تَعْرِيفه صدق الْكَلَام فتوقف صدق الْكَلَام على الْخَبَر الْمَوْقُوف على صدق الْكَلَام فَلَزِمَ الدّور فِي تَعْرِيف صدق الْكَلَام وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد رَحمَه الله وَجَوَابه. أما على الأول فَهُوَ أَن الصدْق وَالْكذب وَإِن اتحدا فِي التعريفين على ذَلِك التَّقْدِير لَكِن الْخَبَر مُتَعَدد فيهمَا كَمَا ذكره أَي الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول فَلَا دور.
نعم لَو فسر الْإِخْبَار بالإتيان بالْخبر عَاد الدّور واحتيج فِي دَفعه إِلَى وَجه آخر انْتهى.
حَاصله إِن لُزُوم الدّور مَبْنِيّ على مقدمتين اتِّحَاد الْخَبَر فِي التعريفين واتحاد الصدْق وَالْكذب فيهمَا يَعْنِي أَن الدّور إِنَّمَا يلْزم لَو وجد الاتحادان مَعًا والمتوهم أورد كلَاما أثبت بِهِ اتِّحَاد الصدقين أَي الصدْق فِي تَعْرِيف الْخَبَر والصدق الْمُعَرّف بالْخبر عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَفرع على هَذَا الِاتِّحَاد فَقَط لُزُوم الدّور.
فَأجَاب السَّيِّد السَّنَد رَحمَه الله بِأَن تَفْرِيع لُزُوم الدّور على مُجَرّد اتِّحَاد الصدْق غير صَحِيح لجَوَاز تعدد الْخَبَر فيهمَا إِنَّمَا يتم ذَلِك لَو اتَّحد الْخَبَر أَيْضا فيهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن المُرَاد بالْخبر الْمُعَرّف الْكَلَام الْمخبر بِهِ وبالخبر فِي تَعْرِيف الصدْق وَالْكذب الْإِخْبَار عَن الشَّيْء فتوقف الْخَبَر بِمَعْنى الْكَلَام الْمخبر بِهِ على الصدْق الْمَوْقُوف على الْخَبَر
(2/53)

بِمَعْنى الْإِخْبَار. وَهَا هُنَا نظر لِأَن لَك أَن تَقول كَون الْخَبَر فِي تَعْرِيف الصدْق وَالْكذب بِمَعْنى الْإِخْبَار غير صَحِيح لِأَن صدق الْمُتَكَلّم رَاجع إِلَى صدق الْكَلَام وتعريفه تَعْرِيفه وَلَا يُمكن تَعْرِيف صدق الْكَلَام بالإخبار عَن الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كَمَا لَا يخفى. وَالْجَوَاب أَن معنى صدق الْكَلَام حِينَئِذٍ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء أَي الْإِعْلَام بِالنِّسْبَةِ على مَا هُوَ بِهِ أَي كَون النِّسْبَة معلما بهَا على مَا هُوَ بِهِ. فَإِن قلت: لُزُوم الدّور بَاقٍ على حَاله لِأَن الْإِخْبَار عَن الشَّيْء بِمَعْنى الْإِتْيَان بِخَبَرِهِ أَي الْكَلَام الْمخبر بِهِ عَن ذَلِك الشَّيْء قُلْنَا: لَو فسر الْإِخْبَار بِمَعْنى الْكَشْف عَن حَال الشَّيْء فَلَا إِشْكَال وَإِن فسر بالإتيان الْمَذْكُور فَنَقُول الْخَبَر الْمُعَرّف مَعْلُوم بِوَجْه مَا وَإِلَّا لامتنع طلبه وَالْمَقْصُود مَعْرفَته بِوَجْه يمتاز عَمَّا عداهُ ويساويه وَهُوَ الْكَلَام الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب وَقد أَخذ فِي تعريفهما الْخَبَر الْمَعْلُوم بِوَجْه مَا فَلَا دور.
وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد رَحمَه الله وَإِمَّا على الثَّانِي أَي إِمَّا على الْجَواب عَن لُزُوم الدّور على تَقْدِير توقف صدق الْمُتَكَلّم على صدق الْكَلَام فَهُوَ إِن صدق الْمُتَكَلّم إِلَى آخِره.
حَاصله أَن كَون صدق الْمُتَكَلّم على هَذَا التَّفْسِير أَي كَونه بِحَيْثُ يكون كَلَامه صَادِقا مَوْقُوفا على صدق الْكَلَام بل على معرفَة الْكَلَام أَيْضا مُسلم وَلَيْسَ شَيْء من معرفَة الْكَلَام وَصدقه مَوْقُوفا على صدق الْمُتَكَلّم حَتَّى يلْزم الدّور.
وَهَا هُنَا كَلَام طَوِيل فِي حل المطول وَلما يَأْبَى عَنهُ الْمقَام اقتصرنا على هَذَا الْمُخْتَصر وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع فَليرْجع إِلَى الْحَوَاشِي الحكيمية وَإِن أردْت أَن تسمع خبر هَلَاك جذر الْأَصَم فاستمع لما يَقُول الْمركب التَّام فَإِنَّهُ مخبر صَادِق بِهِ وَسَيَأْتِي نبذ من التحقيقات فِي الْقَضِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَيْضا.
خبر الْمُبْتَدَأ: هُوَ الْمُجَرّد عَن العوامل اللفظية الْمسند إِلَى الْمُبْتَدَأ أَو الِاسْم الظَّاهِر الَّذِي رَفعه الصّفة الْوَاقِعَة بعد حرف النَّفْي أَو الِاسْتِفْهَام فَالْأول مثل زيد قَائِم وَالثَّانِي مثل مَا قَامَ زيد وأقائم زيد. فَإِن الْقَائِم مُبْتَدأ ضَرُورِيّ وَزيد فَاعله قَائِم مقَام الْخَبَر. فَإِن أردْت توضيح هَذَا المرام فَارْجِع إِلَى الْمُبْتَدَأ.
خبر الْوَاحِد: هُوَ الحَدِيث الَّذِي يرويهِ الْوَاحِد أَو الِاثْنَان فَصَاعِدا مَا لم يبلغ الشُّهْرَة والتواتر.
الْخَبَر الْمُتَوَاتر: هُوَ الْخَبَر الثَّابِت بِإِخْبَار قوم لَا يجوز الْعقل توافقهم على الْكَذِب ومعياره أَي مَا يصدقهُ وَيدل على بُلُوغه حد التَّوَاتُر حُصُول الْعلم وَالْيَقِين فَكلما حصل لنا الْعلم اليقيني بالإخبار علمنَا أَن هَذَا الْخَبَر متواتر. فعدد المخبرين مثل خَمْسَة أَو اثْنَي عشر أَو عشْرين أَو أَرْبَعِينَ أَو سبعين على مَا قيل لَيْسَ بِشَرْط فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْمُفِيد لليقين بِالضَّرُورَةِ بِلَا نظر وَكسب وَإِنَّمَا سمي مثل هَذَا الْخَبَر متواترا لِأَنَّهُ فِي
(2/54)

الْغَالِب يَقع على سَبِيل التَّعَاقُب والتوالي وَإِن أمكن وُقُوعه دفْعَة كَمَا إِذا كَانَ المخبرون المجتمعون فِي الجلس متكلمين بالْخبر مَعًا.
فَإِن قيل لَا يَصح أَن يكون معياره حُصُول الْعلم اليقيني لِأَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر سَبَب لحُصُول الْعلم اليقيني فَلَو كَانَ هَذَا الْحُصُول سَببا للْخَبَر الْمُتَوَاتر للَزِمَ الدّور. قُلْنَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر نَفسه سَبَب للْعلم اليقيني وَالْعلم بِهَذَا الْعلم سَبَب للْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر فَلَا دور لعدم اتِّحَاد الْمَوْقُوف عَلَيْهِ. وَمَا قيل إِن الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر لَيْسَ بموقوف على الْعلم بِالْعلمِ اليقيني لَيْسَ بِشَيْء للوجدان الْعَام بِأَنَّهُ لَا يحصل لنا الْعلم بِوُجُود الْخَبَر الْمُتَوَاتر وبلوغه حد التَّوَاتُر إِلَّا بعد علمنَا بِأَن مَا حصل لنا هُوَ علم يقيني وعقب توجهنا إِلَيْهِ.
الخبن: فِي الْعرُوض حذف الْحَرْف الثَّانِي السَّاكِن مثل ألف فاعلن ليبقى فعلن وَيُسمى الْبَاقِي مخبونا.
الْخبط: الضَّرْب بِالْيَدِ واختلاط الْعقل بالجنون.
(بَاب الْخَاء مَعَ التَّاء)

الْخِتَان: (ختنه كردن) وَهُوَ قطع الْجلد الزَّائِد على الْحَشَفَة. فِي الْيَنَابِيع وَإِن ولد وَهُوَ شَبيه المختون لَا يقطع مِنْهُ شَيْء. وَفِيه أَيْضا للْأَب أَن يختن وَلَده الصَّغِير ويداويه. وَفِي الظَّهِيرِيَّة قَالَ الشَّيْخ الإِمَام شمس الْأَئِمَّة الحلوائي رَحمَه الله فِي الْخِتَان ثَلَاثَة أَقْوَال: (سنة) وَقَالَ بَعضهم (وَاجِب) وَقَالَ بَعضهم (فَرِيضَة) وَالصَّحِيح أَنه سنة لما رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ختان الرِّجَال سنة وَالنِّسَاء مكرمَة وَكَانَت النِّسَاء يختن فِي زمن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك مكرمَة لِأَن يكون ألذ للرجل على المواقعة. فِي كِفَايَة الشّعبِيّ قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين يُؤَخر الْخِتَان إِلَى أَن يبلغ سبع سِنِين - وَقَالَ بَعضهم إِلَى عشر سِنِين. وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة رَحمَه الله بِأَنَّهُ لَا يُوَقت وَلَكِن ينظر إِلَى حَال الصَّبِي فَإِن كَانَ بِهِ من الْقُوَّة مَا يُطيق ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر وَأما إِذا كَانَ ضَعِيفا فَإِنَّهُ يُؤَخر إِلَى أَن يتقوى ثمَّ يختن. وَفِي آخر كنز الدقائق فِي مسَائِل شَتَّى وَوَقته أَي وَقت الْخِتَان سبع سِنِين أَي ابْتِدَاء وَقت الْخِتَان الْمُسْتَحبّ سبع سِنِين وَذكر فِي الذَّخِيرَة أقْصَى وَقت الْخِتَان اثْنَتَا عشرَة سنة. ثمَّ اعْلَم أَن ولد الْمُسلم يختن مَا لم يبلغ وَإِمَّا بعد الْبلُوغ فَلَا لِأَن الْخِتَان مسنون وَستر الْعَوْرَة فرض فِي حَقه فَفِي ختانه ترك الْفَرْض لتَحْصِيل السّنة بِخِلَاف من أسلم بعد كفره فَإِنَّهُ يجوز ختانه وَإِن كَانَ بَالغا صِيَانة عَن لُحُوقه بالكفار.
(2/55)

ف (38) .
الخثي: بِكَسْر الأولى وَسُكُون الْمُثَلَّثَة رجيع الْبَقر وَأما الروث فَهُوَ لكل ذِي حافر كالفرس والبغل كَذَا فِي الْمغرب وَلَكِن الْفُقَهَاء استعملوا الروث فِي رجيع سَائِر الْبَهَائِم كَذَا فِي حَوَاشِي (كنز الدقائق) .
(بَاب الْخَاء مَعَ الرَّاء)

خرط القتاد: القتاد شجر لَهُ شوك وخرطه أَن تقبض على أَعْلَاهُ ثمَّ تمر يدك إِلَى أَسْفَله وَيُقَال فِي الْمثل دونه أَو من دونه خرط القتاد أَي خرط القتاد قريب من ذَلِك.
الْخرق الْكثير: فِي الْخُف الْمَانِع عَن السَّمْح عَلَيْهَا هُوَ مِقْدَار ثَلَاث أَصْغَر أَصَابِع الرجل إِذا انْكَشَفَ مَوضِع غير مَوضِع الْأَصَابِع من الكعب مَا تَحْتَهُ من ظَاهر الْخُف وباطنه وناحية الْعقب وَأما إِذا انْكَشَفَ أنفس الْأَصَابِع فَالْمُعْتَبر أَن ينْكَشف الثَّلَاث أَيْنَمَا كَانَت حَتَّى لَو انْكَشَفَ الْإِبْهَام مَعَ جارتها وهما قدر ثَلَاث أَصَابِع من أصغرها يجوز الْمسْح وَإِن كَانَ مَعَ جارتيها لَا يجوز. وَفِي مَقْطُوع الْأَصَابِع يعْتَبر الْخرق بأصابع غَيره وَيعْتَبر هَذَا الْمِقْدَار فِي كل خف على حِدة فَيجمع الخروق فِي خف وَاحِد لَا فِي خُفَّيْنِ. والخرق الْمَانِع من الْمسْح هُوَ المنفرج الَّذِي ينْكَشف مَا تَحْتَهُ أَو يكون مُنْضَمًّا لَكِن ينفرج عِنْد الْمَشْي وَيظْهر الْقدَم وَأما إِذا لَا ينْكَشف مَا تَحْتَهُ فَلَا يمْنَع وَإِن كَانَ الْخرق طَويلا وَلَو انْكَشَفَ الظهارة وَفِي داخلها بطانة من جلد أَو خرقَة مخروزة بالخف لَا يمْنَع الْمسْح - والخرق الْفَاحِش فِي الثَّوْب أَن يستنكف أوساط النَّاس من لبسه مَعَ ذَلِك الْخرق واليسير ضِدّه وَهُوَ مَا لَا يفوت بِهِ شَيْء من الْمَنْفَعَة بل يدْخل فِيهِ نُقْصَان عيب مَعَ بَقَاء الْمَنْفَعَة.
الخرقاء: فِي كَوْكَب الخرقاء.
(بَاب الْخَاء مَعَ الزَّاي الْمُعْجَمَة)

الخزانة: بِالْكَسْرِ المنبع أَي الْمَكَان الَّذِي أعد لِأَن يجْتَمع فِيهِ المَاء ثمَّ يذهب مِنْهُ إِلَى الْحِيَاض. وبالفتح الْبَيْت الْمعد للدراهم وَالدَّنَانِير أَي لِأَن تُوضَع فِيهِ وَتحفظ ويقفل بَابه. نعم مَا قيل الخزانة لَا تكسر والخزانة لَا تفتح.
(2/56)

(بَاب الْخَاء مَعَ السِّين الْمُهْملَة)

الْخَسْف: بِالْفَتْح فرورفتن. وَمِنْه خسف الْمَكَان أَي ذَهَابه وغوره إِلَى قَعْر الأَرْض وَجمعه الخسوف كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث فِي بَيَان أَشْرَاط السَّاعَة وَثَلَاثَة خُسُوف خسف بالمشرق وَخسف بالمغرب وَخسف بِجَزِيرَة الْعَرَب.
الخسوف: بِمَعْنى (كرفتن ماه وفروشدن) - مُفْرد وَجمع وَسبب حُدُوث الخسوف حيلولة الأَرْض بَين الشَّمْس وَالْقَمَر فبقدر الْحَيْلُولَة يظْهر الخسوف والظلام فِي جرم الْقَمَر وتفصيله فِي الْهَيْئَة.
(بَاب الْخَاء مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)

الخشبتان: المسواك والخلال.
الْخَشَبَة: تألم الْقلب بِسَبَب توقع مَكْرُوه فِي الْمُسْتَقْبل يكون تَارَة بِكَثْرَة الْجِنَايَة من العَبْد وَتارَة بِمَعْرِِفَة جلال الله تَعَالَى وهيبته وخشية الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام من هَذَا الْقَبِيل.
(بَاب الْخَاء مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة)

الْخِصَال: بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة جمع خصْلَة بِالضَّمِّ لفائف الشّعْر. وَالْمرَاد بهَا فِي قَول الْأُصُولِيِّينَ خِصَال الْكَفَّارَة مَا عف فِي الْكَفَّارَة من تَحْرِير الرَّقَبَة وإطعام سِتِّينَ مِسْكينا وَصِيَام شَهْرَيْن مثلا.
الْخصْلَة: بِضَم الأول وَسُكُون الثَّانِي الشّعْر الملفوف. وَفِي الْقَامُوس الشّعْر الْمُجْتَمع جمعهَا الْخِصَال. والخصلة بِالْفَتْح (خوى وعادت) وَهِي أَعم من أَن يكون حَسَنَة وقبيحة وَجَمعهَا الخصائل.
الْخصم: بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة دشمن - وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا خصم للْآخر. وَمن كَانَ مُقَابلا فِي المناظرة أَيْضا خصم فِي عرفهَا. وَمن المجربات إِذا أَخذ التُّرَاب من تَحت قدم الْخصم وَقَرَأَ عَلَيْهِ أطوائيل - بخطائيل - جِبْرَائِيل - مِيكَائِيل - إسْرَافيل - وَطرح فِي بَيته هلك - وَنقل عَن حسام الدّين السغناقي من
(2/57)

أَرَادَ الْأَمْن عَن شَرّ الْخصم فليقرأ اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك بقدرتك الَّتِي تمسك السَّمَوَات أَن تقع على الأَرْض إِلَّا بإذنك رَبنَا تقبل منا أَنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم أَن تصرف عني شَرّ فلَان ابْن فلَان لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم.
الخصوصية: الْمَشْهُور فِيهَا الضَّم لَكِن إِذا فتحت الْعين علمت الْفَتْح أفْصح لِأَن الْخُصُوص بِالضَّمِّ مصدر وبالفتح صفة كذلول فَإِذا كَانَ مصدرا يكون الحاق الْيَاء وَالتَّاء لَغوا إِلَّا أَن يَجْعَل الْمصدر بِمَعْنى الصّفة أَو يَجْعَل الْيَاء للنسبة للْمُبَالَغَة كَمَا فِي احمري وَالتَّاء لزِيَادَة الْمُبَالغَة وَهَذَا تكلّف لَا طائل تَحْتَهُ كَمَا لَا يخفى على الْمُكَلف. بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ صفة لِأَن الْمَعْنى لما كَانَ على المصدرية الْحق الْيَاء المصدرية وَالتَّاء للْمُبَالَغَة كَمَا فِي عَلامَة.
الْخُصُوص: وحدية كل شَيْء بتعينه فَلِكُل شَيْء حِينَئِذٍ وحدة مَحْضَة.
الْخصي: من كَانَت لَهُ آلَة قَائِمَة ونزعت خصياه.
(بَاب الْخَاء مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)

الْخط: الْكِتَابَة والشق. وَعند الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة الْخط الْحَقِيقَة المحمدية - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَيْضًا عَالم الْأَرْوَاح. وَعند الْمُتَكَلِّمين الْخط جَوْهَر يقبل الْقِسْمَة فِي الطول فَقَط وَنِهَايَة النقطة الجوهرية. وَعند الْحُكَمَاء الْخط عرض يقبل الْقِسْمَة فِي الطول فَقَط والنقطة العرضية نِهَايَة لَهُ. وَبِعِبَارَة أُخْرَى مِقْدَار لَهُ طول فَقَط والخط المستدير خطّ يُمكن أَن يفْرض فِي دَاخله نقطة بِحَيْثُ يُسَاوِي كل خطّ مُسْتَقِيم مِنْهَا إِلَى ذَلِك الْخط وَحِينَئِذٍ تحصل الدائرة وَذَلِكَ الْخط مُحِيط الدائرة والخط الْمُسْتَقيم أقصر خطوط تخرج من نقطة إِلَى نقطة أَو أقصر الخطوط الْوَاصِلَة بَين نقطتين فَإِنَّهُ يُمكن أَن يُوصل بَينهمَا بخطوط غير متناهية والواصل الأقصر هُوَ الْمُسْتَقيم. وَقيل هُوَ مَا يستر طرفه وَسطه إِذا وَقع فِي امتداد شُعَاع الْبَصَر يَعْنِي الْخط الْمُسْتَقيم هُوَ الْخط الَّذِي يكون أول نقطة مِنْهُ حاجبة لِلْأُخْرَى وَهَكَذَا إِلَى أَن يَنْتَهِي - وَإِن كَانَ الخطان المستقيمان على سطح وَاحِد بِحَيْثُ لَا يتلاقيان وَإِن أخرجَا إِلَى غير النِّهَايَة فهما متوازيان وللخط الْمُسْتَقيم عشرَة أَسمَاء - الضلع - والساق - ومسقط الْحجر - والعمود - وَالْقَاعِدَة - والجانب - والقطر - وَالْوتر - والسهم - والارتفاع.
وَإِن أردْت أَن تعرف تَعْرِيف كل من هَذِه الْعشْرَة الْمَذْكُورَة فاطلب فِي مقَام كل مِنْهَا وَكن من الشَّاكِرِينَ. وَأَيْضًا الْخط الطَّرِيقَة المستطيلة. فِي شرح قصيدة الْبردَة الْخط بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسرهَا موضعي (است دريمامه كه نيزه رابدان نسبت كنند) - (وَخط العذار) مَا ينْبت من الشّعْر أَولا على عذار الشَّاهِد. وَكَثِيرًا مَا يُطلق بِدُونِ
(2/58)

الْإِضَافَة إِلَى العذار على الشّعْر الْمَذْكُور نعم قَول الصائب رَحمَه الله تَعَالَى.
(زخط كفتم زمَان حسن آخر ميشود صائب ... )

(ندانستم كه خطش فتنئه آخر زمَان كردد ... )

وَللَّه در المحزون.
(دعوئ يَك بوسه ازلعل لبس ميداشتم ... )

(خطّ برون آورد وَآخر كرد مارا لَا جَوَاب ... )

وَإِطْلَاق الْخط على النقوش الْكِتَابِيَّة الدَّالَّة على الْأَلْفَاظ مَشْهُور.
والخط عِنْد أَرْبَاب الْكِتَابَة تَصْوِير اللَّفْظ بحروف هجائه إِلَّا أَسمَاء الْحُرُوف إِذا قصد بهَا الْمُسَمّى. وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَن اللَّفْظ الْمَقْصُود تَصْوِيره. إِمَّا أَن يكون من أَسمَاء الْحُرُوف أَو لَا. فَإِن لم يكن من أَسمَاء الْحُرُوف. فإمَّا أَن يكون لَهُ مَدْلُول يَصح كِتَابَته أَولا. فَإِن لم يكن لَهُ مَدْلُول يَصح كِتَابَته كزيد فَإِن قيل اكْتُبْ زيدا فَإِنَّمَا يكْتب مُسَمّى الزَّاي وَالْيَاء وَالدَّال وَهِي هَذِه الصُّورَة زيد. وَإِن كَانَ لَهُ مَدْلُول يَصح كِتَابَته كالشعر فَإِذا قيل اكْتُبْ شعرًا فَإِن قَامَت قرينَة تدل على أَن الْمَقْصُود لفظ شعر كتبت هَذِه الصُّورَة شعر وَإِلَّا فمقتضاه أَن يكْتب مَا يُطلق عَلَيْهِ الشّعْر.
وَإِن كَانَ اللَّفْظ من أَسمَاء الْحُرُوف. فإمَّا أَن يُسمى بِهِ مُسَمّى آخر أَو لَا. فَإِن لم يسم بِهِ مُسَمّى آخر. فإمَّا أَن يقْصد بِهِ الْمُسَمّى وَهُوَ الْحَرْف الْمُسَمّى بِهِ. أَو لَا يقْصد بِهِ الْمُسَمّى. بل قصد بِهِ الِاسْم الَّذِي هُوَ من أَسمَاء الْحُرُوف. فَإِن قصد الْمُسَمّى فَقيل اكْتُبْ جِيم - عين - فا - را - فَإِنَّمَا يكْتب هَذِه الصُّورَة جَعْفَر لِأَنَّهُ مسماها خطا ولفظا وَأما إِن قصد بِهِ الِاسْم لَا الْحَرْف الْمُسَمّى بِهِ وَقيل اكْتُبْ جِيم مرَادا بِهِ هَذَا اللَّفْظ فَإِنَّمَا يكْتب هَذِه الصُّورَة جِيم هَذَا إِذا لم يسم بِهِ مُسَمّى آخر. فَإِن سمي بِهِ مُسَمّى آخر كَمَا لَو سمي رجل بياسين فللكتاب فِيهِ مذهبان. مِنْهُم من يَكْتُبهَا ياسين وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذ جمال الدّين عُثْمَان بن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم من يَكْتُبهَا على صُورَة مسماها وَهُوَ يس.
وَبَعْضهمْ رسموا الْخط بِأَنَّهُ هندسة روحانية تظهر بِآلَة جسمانية. وَأَيْضًا الْخط نتاج الْفِكر وسراج الذّكر ولسان الْبعد وحياة ذَات بَين الْعَهْد.
وَأَيْضًا الْخط لِسَان الْيَد وسفير الضَّمِير ومستودع الْأَسْرَار ومناط الْأَخْبَار وحافظ
(2/59)

الْآثَار. والخط فِي الْأَبْصَار سَواد وَفِي الْقُلُوب نور وَبَيَاض وَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِحسن الْخط فَإِنَّهُ من مَفَاتِيح الرزق مَوْضُوع. وأسامي الخطوط الَّتِي اخترعها خواجه ياقوت رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي هَذَا الشّعْر:

(نكار من خطّ خوش مي نويسد ... بغايت خوب ودلكش مي نويسد)

(متاشير ومحقق نسخ وَرَيْحَان ... رقاع وَثلث هرش مي نويسد)

والمتأخرون اخترعوا خطا آخر سموهُ نسخ تَعْلِيق.

خطّ الاسْتوَاء: فِي الاسْتوَاء.

الْخطْبَة: بِالضَّمِّ كَلَام منثور مؤلف من الْمُقدمَات اليقينية والمقبولة والمظنونة أَو إِحْدَاهَا ترغيبا أَو ترهيبا أَو كِلَاهُمَا مصدرا بِالْحَمْد وَالصَّلَاة مَعَ كَون مخاطبه غير معِين يُقَال سمعنَا خطْبَة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ. وَتطلق على خطاب الْوَعْظ أَيْضا.
وَاعْلَم أَن خطْبَة الْجُمُعَة تشْتَمل على فرض وَسنة فالفرض شَيْئَانِ: الأول: الْوَقْت وَهُوَ بعد الزَّوَال وَقبل الصَّلَاة حَتَّى لَو خطب فِي الْجُمُعَة قبل الزَّوَال أَو بعد الصَّلَاة لَا يجوز. وَالثَّانِي: ذكر الله تَعَالَى وكفت تَحْمِيدَة أَو تَهْلِيلَة أَو تَسْبِيحَة. هَذَا إِذا كَانَ على قصد الْخطْبَة أما إِذا عطس فَحَمدَ الله تَعَالَى أَو سبح أَو هلل مُتَعَجِّبا من شَيْء لَا يَنُوب عَن الْخطْبَة إِجْمَاعًا. وَأما سنتها فخمسة عشر. أَحدهَا: الطَّهَارَة حَتَّى كرهت للمحدث وَالْجنب. ثَانِيهَا: الْقيام. وَثَالِثهَا: اسْتِقْبَال الْقَوْم بِوَجْهِهِ. وَرَابِعهَا: التَّعَوُّذ فِي نَفسه قبل الْخطْبَة. وخامسها: أَن يسمع الْقَوْم الْخطْبَة وَإِن لم يسمع أجزاه. وسادسها: الْبِدَايَة بِحَمْد الله تَعَالَى. وسابعها: الثَّنَاء عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله. وثامنها: الشهادتان. وتاسعها: الصَّلَاة على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. والعاشر: العظة والتذكير. وَالْحَادِي عشر: قِرَاءَة الْقُرْآن وتاركها مسيء. كَذَا فِي الْبَحْر الرَّائِق وَمِقْدَار مَا يقْرَأ فِيهَا من الْقُرْآن ثَلَاث آيَات قصارا أَو آيَة طَوِيلَة. وَالثَّانِي عشر: إِعَادَة التَّحْمِيد وَالثنَاء على الله تَعَالَى وَالصَّلَاة على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة. وَالثَّالِث عشر: زِيَادَة الدُّعَاء للْمُسلمين وَالْمُسلمَات. وَالرَّابِع عشر: تَخْفيف الْخطْبَتَيْنِ بِقدر سُورَة من طوال الْمفصل وَيكرهُ التَّطْوِيل. وَالْخَامِس عشر: الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ كَذَا فِي الْبَحْر الرَّائِق.

وَأما خطْبَة الْعِيدَيْنِ: فَسنة بعد الصَّلَاة وَتجوز الصَّلَاة بِدُونِهَا وَإِن خطب قبل الصَّلَاة جَازَ وَيكرهُ كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ وَمِقْدَار الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ أَن يسْتَقرّ كل عُضْو مِنْهُ فِي مَوْضِعه. و (الْخطْبَة) بِالْكَسْرِ زن خواستن وخطاب النِّكَاح عَن أبي هُرَيْرَة
(2/60)

قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا خطب إِلَيْكُم من ترْضونَ دينه وخلقه فَزَوجُوهُ أَن لَا تَفعلُوا تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد عريض رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
ف (39) :

الْخطاب: تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام ثمَّ نقل مِنْهُ إِلَى مَا يَقع بِهِ التخاطب من الْكَلَام لفظيا أَو نفسيا.

الْخَطَّائِينَ: تَثْنِيَة الخطاء. وَعند أهل الْحساب لاستخراج الْمَجْهُول العددي واستعلامه حِسَاب الْخَطَّائِينَ. وخلاصة مَا فِي خُلَاصَة الْحساب أَن اسْتِخْرَاج المجهولات بِحِسَاب الْخَطَّائِينَ أَن تعرض الْمَجْهُول مَا شِئْت من الْأَعْدَاد وتسمي ذَلِك الْمَفْرُوض بالمفروض الأول وتتصرف فِيهِ بِحَسب السُّؤَال فَإِن طابق فَهُوَ الْجَواب وَإِن أَخطَأ عَن الْمَطْلُوب بِزِيَادَة على الْمَطْلُوب أَو نُقْصَان عَنهُ فالخطاء بِقدر أَو نَاقص يُسمى بالخطاء الأول ثمَّ تعرض عددا آخر وَهُوَ الْمَفْرُوض الثَّانِي وَلَا بُد أَن تَأْخُذ الْمَفْرُوض الثَّانِي أَزِيد من الْمَفْرُوض الأول إِن وَقع الخطاء الأول نَاقِصا وَأَقل مِنْهُ إِن وَقع زَائِد التَّقَرُّب إِلَى الْمَطْلُوب وَإِن لم يجب ذَلِك إِلَّا أَن الْأَحْسَن كَذَلِك ويتصرف فِيهِ أَيْضا بِحَسب السُّؤَال فَإِن طابق فَهُوَ الْجَواب وَإِلَّا فَإِن أَخطَأ بِزِيَادَة أَو نُقْصَان حصل الخطاء الثَّانِي ثمَّ أضْرب الْمَفْرُوض الأول فِي الخطاء الثَّانِي وسم الْحَاصِل من الضَّرْب الْمَحْفُوظ الأول وَاضْرِبْ الْمَفْرُوض الثَّانِي فِي الخطاء الأول وَالْحَاصِل هُوَ الْمَحْفُوظ الثَّانِي فَإِن كَانَ الخطاء الأول وَالثَّانِي مَعًا زائدين أَو كَانَا ناقصين فاقسم الْفضل الْوَاقِع بَين المحفوظين على الْفضل الْوَاقِع بَين الْخَطَّائِينَ ليخرج الْمَجْهُول. وَإِن اخْتلف الخطاءان بِأَن يكون أَحدهمَا زَائِدا وَالْآخر نَاقِصا فمجموع المحفوظين تقسم على مَجْمُوع الْخَطَّائِينَ ليخرج الْمَجْهُول كَمَا لَو قيل أَي عدد زيد عَلَيْهِ ثُلُثَاهُ وَوَاحِد حصل عشرَة. فَإِن فرضت ذَلِك الْعدَد تِسْعَة وعملت بِمُقْتَضى السُّؤَال بِأَن زِدْت على التِّسْعَة ثلثيها مَعَ وَاحِد أَعنِي السَّبْعَة يبلغ سِتَّة عشر وَهُوَ زَائِد على الْعشْرَة بِسِتَّة فَيكون السِّتَّة هِيَ الخطاء الأول وَإِن فرضت ذَلِك الْعدَد سِتَّة فالخطاء وَالثَّانِي وَاحِد زَائِد على الْعشْرَة لِأَنَّك إِذا زِدْت على ثلثيها وواحدا أَعنِي الْخَمْسَة يحصل أحد عشر وَهُوَ زَائِد على الْعشْرَة بِوَاحِد فَيكون الْوَاحِد هُوَ الخطاء الثَّانِي فالمحفوظ الأول تِسْعَة حَاصِلَة من ضرب الْمَفْرُوض الأول أَعنِي التِّسْعَة فِي الخطاء الثَّانِي أَعنِي الْوَاحِد وَالْمَحْفُوظ الأول تِسْعَة حَاصِلَة من ضرب الْمَفْرُوض الأول عَن التِّسْعَة فِي الخطاء الثَّانِي أَعنِي الْوَاحِد وَالْمَحْفُوظ الثَّانِي سِتَّة وَثَلَاثُونَ يحصل من ضرب الْمَفْرُوض الثَّانِي أَعنِي السِّتَّة فِي الخطاء الأول وَهُوَ أَيْضا سِتَّة. وَالْخَارِج من قسْمَة الْفضل بن المحفوظين وَهُوَ سَبْعَة وَعِشْرُونَ على الْفضل بَين الْخَطَّائِينَ أَعنِي خَمْسَة هُوَ خَمْسَة وخمسان وَهُوَ الْمَطْلُوب لِأَنَّهُ إِذا جنس يحصل سَبْعَة وَعِشْرُونَ خمْسا فَإِذا أخذت ثلثيها أَعنِي ثَمَانِيَة عشر خمْسا وزدتها
(2/61)

على سَبْعَة وَعشْرين خمْسا لتبلغ خَمْسَة وَأَرْبَعين خمْسا وتقسمها على الْخَمْسَة ليحصل تِسْعَة وتزيد عَلَيْهَا وَاحِدًا يحصل عشرَة وَهُوَ الْمَطْلُوب.

الْخطابِيّ: مَا يذكر الوعاظ على مَنَابِر فِي الْخطب وَغَيرهَا وَمِنْه.

الخطابيات: وَهِي أُمُور لَا يطْلب فِيهَا الْبُرْهَان بل يَكْفِي فِيهَا مُجَرّد الظَّن وَلذَا قَالُوا إِنَّهَا قياسات مركبة من مُقَدمَات مَقْبُولَة أَو مظنونة من شخص مُعْتَقد فِيهِ وَالْغَرَض مِنْهَا ترغيب النَّاس فِيمَا يَنْفَعهُمْ من أُمُور معاشهم ومعادهم كَمَا يَفْعَله الخطباء والوعاظ.

الخطاء: مَا لَيْسَ للْإنْسَان فِيهِ قصد وَهُوَ عذر يعْتَبر فِي سُقُوط حق الله تَعَالَى إِذا حصل عَن اجْتِهَاد وَيصير شُبْهَة فِي الْعقُوبَة حَتَّى لَا يَأْثَم الخاطئ وَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ أَو قصاص وَلَا يعْتَبر عذرا فِي حق الْعباد حَتَّى وَجب عَلَيْهِ ضَمَان الْحَيَوَان الْمُتْلف وَوَجَب بِهِ الدِّيَة كَمَا أَن رمي إنْسَانا ظَنّه صيدا أَو حَرْبِيّا فَإِذا هُوَ مُسلم أَو غَرضا فَأصَاب آدَمِيًّا وَمَا جرى مجْرَاه كنائم انْقَلب على رجل فَقتله تجب الدِّيَة.

الخطابة: هِيَ صناعَة تفِيد الْإِقْنَاع لتركبها من مُقَدمَات مَقْبُولَة.

الخطابية: بتَشْديد الطَّاء الْمَفْتُوحَة قوم من الروافض ينسبون إِلَى أبي الْخطاب يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَة لكل من حلف عِنْدهم أَنه محق وَيَقُولُونَ الْمُؤمن لَا يكذب وَلَا يحلف كَاذِبًا. وَأَبُو الْخطاب كَانَ رجلا بِالْكُوفَةِ قَتله عِيسَى بن مُوسَى وصلبه بالكنائس لِأَنَّهُ كَانَ يزْعم أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هُوَ الْإِلَه الْأَكْبَر جَعْفَر الصَّادِق الْإِلَه الْأَصْغَر.

(بَاب الْخَاء مَعَ الْفَاء)

الخفة: هِيَ اللَّيْل إِلَى الْمُحِيط وَهُوَ الْفلك الْأَعْظَم.

الْخَفي: فِي اصْطِلَاح أصُول الْفِقْه مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ بِعَارِض فِي غير الصّفة لَا ينَال إِلَّا بِالطَّلَبِ كآية السّرقَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي من أَخذ مَال الْغَيْر من الْحِرْز على سَبِيل الاستتار خُفْيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى من اخْتصَّ باسم آخر يعرف بِهِ كالطرار والنباش وَذَلِكَ لِأَن فعل كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن كَانَ مشابها لفعل السَّارِق لَكِن اخْتِلَاف الِاسْم يدل على اخْتِلَاف الْمُسَمّى ظَاهرا فَاشْتَبَهَ الْأَمر بِأَنَّهُمَا داخلان تَحت لفظ السَّارِق حَتَّى يقطعا كالسارق أَولا. والخفي عِنْد الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة لَطِيفَة ربانية مودوعة فِي الرّوح بِالْقُوَّةِ فَلَا يحصل بِالْفِعْلِ إِلَّا بعد غليان أنوار الذَّات الربانية ليَكُون وَاسِطَة بَين الحضرات وَالروح فِي قبُول تجلي الصِّفَات الربوبية وإفاضة تجلي الْفَيْض الإلهي.

الْخُف: مَا يستر الْقدَم مَعَ الكعب من شعر أَو لبد أَو جلد رَقِيق وَنَحْوهَا وَشرط فِي الْخُف الَّذِي جَازَ السَّمْح عَلَيْهِ أَن يُمكن بِهِ السّفر الشَّرْعِيّ والموصول وَأَن يعم لخف يكون
(2/62)

من كرباس أَو صوف لَكِن فِي الْمُحِيط أَنه لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ كَيفَ مَا كَانَ. وَفِي الْخُف يَكْفِي ستر الْقدَم مَعَ الكعب وَلَا يشْتَرط أَن يكون ساترا لما فَوْقه. وَفِي حل الرموز شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة وَيجوز الْمسْح على الْخُف جَمِيعًا. وَأما إِذا كَانَ من الكرباس وَنَحْوه فَلَا يمسح إِذا لبس وَحده وَكَذَا إِذا لبس فَوق الْخُفَّيْنِ إِلَّا إِذا كَانَ رَقِيقا بِحَيْثُ يصل البلة إِلَى مَا تَحْتَهُ. وتتمة هَذِه المرام فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

(بَاب الْخَاء مَعَ اللَّام)

الخلاعة: فِي الْعَدَالَة.

الْخلف: بِالضَّمِّ وَسُكُون اللَّام (بطلَان ودردغ ودروغ كردن ووعده را خلاف نمودن) . وبفتحتين (فرزند نيك) . وبالفتح وَسُكُون اللَّام الوراء وَمِنْه يُقَال ابْن خلف. وَعند المنطقيين هُوَ إِثْبَات الْمَطْلُوب بِإِبْطَال نقيضه. وَقِيَاس الْخلف هُوَ الْقيَاس الَّذِي يقْصد بِهِ إِثْبَات الْمَطْلُوب بِإِبْطَال نقيضة وَيُسمى بالخلف أَيْضا بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون اللَّام وَقيل إِنَّمَا سمي هَذَا الْقيَاس بالخلف لِأَن المتمسك بِهِ يثبت مَطْلُوبه لَا على الاسْتقَامَة بل من خَلفه وَيُؤَيِّدهُ تَسْمِيَة الْقيَاس الَّذِي ينساق إِلَى الْمَطْلُوب ابْتِدَاء أَي من غير تعرض لإبطال نقيضه بالمستقيم كَأَن المتمسك بِهِ يَأْتِي مَطْلُوبه من قدامه على الاسْتقَامَة وَالْجُمْهُور على أَن ذَلِك الْقيَاس إِنَّمَا سمي خلفا أَي بَاطِلا لَا لِأَنَّهُ بَاطِل فِي نَفسه بل لِأَنَّهُ ينْتج الْبَاطِل وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيّ على أَن الْخلف عِنْدهم بِالضَّمِّ فَافْهَم.
ثمَّ إِن قِيَاس الْخلف مرجعه إِلَى قياسين دَائِما. أَحدهمَا: اقتراني شرطي مركب من مُتَّصِلَة وحملية. وَالْآخر: استثنائي مُتَّصِل يسْتَثْنى فِيهِ نقيض التَّالِي هَكَذَا لَو لم يثبت الْمَطْلُوب لثبت نقيضه وَكلما ثَبت نقيضه ثَبت محَال. ينْتج لَو لم يثبت الْمَطْلُوب لثبت محَال لَكِن الْمحَال لَيْسَ بِثَابِت لكَونه نقيض الْمُقدم وَقد يفْتَقر بَيَان الشّرطِيَّة يَعْنِي قَوْلنَا كلما ثَبت نقيضه ثَبت محَال. إِلَى دَلِيل فتتكثر القياسات.
الْخَلَاء: هُوَ الْفَرَاغ المتوهم مَعَ اعْتِبَار عدم حُصُول الْجِسْم فِيهِ وَهُوَ الْبعد الموهوم من غير أَن يعْتَبر حُصُول الْجِسْم فِيهِ. والبعد الموهوم مَعَ اعْتِبَار حُصُول الْجِسْم فِيهِ هُوَ الْمَكَان عِنْد الْمُتَكَلِّمين كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَكَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَفِي شرح المواقف وَحَقِيقَة الْخَلَاء أَن يكون الجسمان بِحَيْثُ لَا يتماسان وَلَيْسَ أَيْضا بَينهمَا مَا يماسهما فَيكون مَا بَينهمَا بعدا مَا وَهُوَ مَا ممتدا فِي الْجِهَات صَالحا لِأَن يشْغلهُ جسم ثَالِث لكنه الْآن خَال عَن الشاغل وَجوزهُ المتكلمون وَمنعه الْحُكَمَاء الْقَائِلُونَ
(2/63)

بِأَن الْمَكَان هُوَ السَّطْح. وَأما الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ الْبعد الْمَوْجُود فهم أَيْضا يمْنَعُونَ الْخَلَاء بالتفسير الْمَذْكُور أَعنِي الْبعد الْمَفْرُوض فِيمَا بَين الْأَجْسَام لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من لم يجوز خلو الْبعد الْمَوْجُود عَن جسم شاغل لَهُ. وَمِنْهُم من جوزه فَهَؤُلَاءِ المجوزون وافقوا الْمُتَكَلِّمين فِي جَوَاز خلو الْمَكَان عَن الشاغل وخالفوهم فِي أَن ذَلِك الْمَكَان بعد موهوم فالحكماء كلهم متفقون على امْتنَاع الْخَلَاء بِمَعْنى الْبعد الْمَفْرُوض انْتهى.
وَاعْلَم أَن هَذَا الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَلَاء دَاخل الْعَالم وَأما الْخَلَاء خَارج الْعَالم فمتفق عَلَيْهِ فالنزاع فِيمَا وَرَاء الْعَالم إِنَّمَا هُوَ فِي التَّسْمِيَة بالبعد فَإِنَّهُ عِنْد الْحُكَمَاء عدم مَحْض وَنفي صرف أثْبته الْوَهم. وَعند الْمُتَكَلِّمين هُوَ بعد موهوم كالمفروض فِيمَا بَين الْأَجْسَام وَلكُل وجهة هُوَ موليها.

الْخلَافَة ثَلَاثُونَ سنة: لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ يصير ملكا عَضُوضًا (العضوض) مُبَالغَة فِي العض وَهُوَ الْأَخْذ بِالسِّنِّ. وَرُوِيَ عَضُوضًا بِضَم الْعين جمع عض بِكَسْر الْعين وَهُوَ الرجل الْخَبيث الشرير يَعْنِي الْمُلُوك يظْلمُونَ النَّاس ويؤذون بِغَيْر حق. وَالْمرَاد أَن الْخلَافَة الْكَامِلَة الَّتِي لَا يشوبها شَيْء من الْمُخَالفَة وميل عَن الْمُتَابَعَة تكون ثَلَاثِينَ سنة وَبعدهَا قد تكون وَقد لَا تكون. والمتكفل بتفصيل هَذَا المرام كتب الْكَلَام.
ف (40) :
الخليطان: من الْأَشْرِبَة الَّتِي تحل وَهُوَ أَن يجمع بَين مَاء التَّمْر وَالزَّبِيب ويطبخ أدنى طبخة وَيتْرك إِلَى أَن يغلي ويشتد وَتلك الْأَشْرِبَة أَرْبَعَة. الخليطان - ونبيذ التَّمْر وَالزَّبِيب إِن طبخ أدنى طبخة وَإِن اشْتَدَّ - ونبيذ الْعَسَل والتين وَالْبر وَالشعِير والذرة طبخ أَولا - والمثلث العنبي. وَمَا فِيهِ فِي الشَّرَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْخلْوَة: بِالْفَتْح محادثة السِّرّ مَعَ الْحق حَيْثُ لَا أحد وَلَا ملك.
الْخلْوَة الصَّحِيحَة: إِن لَا يُوجد فِيهَا الْمَانِع للوطئ بالمنكوحة أَي مَانع كَانَ حسيا أَو شَرْعِيًّا أَو طبعيا. الأول: كَمَرَض أَحدهمَا الْمَانِع عَن الوطئ. وَالثَّانِي: مثل صَوْم رَمَضَان دون صَوْم الْقَضَاء وَالنّذر وَالْكَفَّارَة وَالنَّفْل وَمثل صَلَاة فرض دون نفل. وَالثَّالِث: مثل اسْتِحَاضَة وَالثَّالِث مَعَ الثَّانِي مثل حيض ونفاس.
الخلفة: أَصْحَاب خلف الْخَارِجِي حكمُوا بِأَن أَطْفَال الْمُشْركين فِي النَّار بِلَا عمل وشرك.
الْخلق: بِالضَّمِّ هَيْئَة راسخة للنَّفس تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال الجميلة عقلا وَشرعا بسهولة وَحِينَئِذٍ سميت خلقا حسنا وَإِن كَانَت ذميمة كَذَلِك سميت خلقا سَيِّئًا وَإِذا لم تكن تِلْكَ الْهَيْئَة راسخة لَا يُقَال لَهَا خلقا مَا لم تكن راسخة ثَابِتَة. (وبالفتح) مصدر بِمَعْنى
(2/64)

آفريدن وتحقيقه فِي (الْكسْب) إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقد يُرَاد بِهِ الْمَخْلُوق كالملفوظ بِاللَّفْظِ.
الْخلْع: بِالضَّمِّ النزع والفصل يُقَال خلع نَعله وثوبه إِذا نَزعه. وخالعت الْمَرْأَة زَوجهَا إِذا افتدت نَفسهَا مِنْهُ. وَفِي الشَّرْع الْفَصْل من النِّكَاح بِأخذ المَال بِلَفْظ الْخلْع وَالْوَاقِع بِهِ الطَّلَاق الْبَائِن فَإِذا قَالَ خالعتك يَقع الطَّلَاق الْبَائِن.
الْخَلَاص: فِي الْعهْدَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الْخَاء مَعَ الْمِيم)

الخمود: فِي الْعَدَالَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الخماسي: مَا كَانَ فِيهِ خَمْسَة أحرف أصُول.
(بَاب الْخَاء مَعَ النُّون)

الْخُنْثَى: على وزن فعلى من الخنث وَهُوَ اللين والتكسر وَجمعه خناثى بِفَتْح الْخَاء كحبالى جمع حُبْلَى. وَمِنْه سمي المخنث للتكسر واللين فِي أَعْضَائِهِ وَلسَانه وَفِي الشَّرْع من لَهُ آلَة الرِّجَال وَالنِّسَاء أَو لَيْسَ لَهُ شَيْء مِنْهُمَا.
الْخُنْثَى الْمُشكل: من لَهُ آلَة الرجل وَآلَة الْمَرْأَة وَلم تظهر عَلامَة علم بهَا أَنه ذكر أَو أُنْثَى. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى الْإِشْكَال مَا دَامَ صَغِيرا فَإِذا بلغ يَزُول الْإِشْكَال بعلامة أُخْرَى وَتلك الْعَلامَة إِمَّا خُرُوج اللِّحْيَة فَيحكم بِكَوْنِهِ غُلَاما عِنْد ذَلِك أَو عظم ثدييها فَيحكم بِكَوْنِهَا أُنْثَى عِنْد ذَلِك. وَفِي السِّرَاجِيَّة إِن ظهر لَهُ ثدي كثدي النِّسَاء أَو حَاضَت أَو حبلت أَو أمكن الْوُصُول إِلَيْهَا فَهِيَ امْرَأَة انْتهى - وَعند بعض الْفُقَهَاء لَا عِبْرَة بنهود الثدي ونبات اللِّحْيَة وَأَنه إِذا أمنى بفرج الرِّجَال أَو بَال مِنْهُ وحاض بفرج النِّسَاء كَانَ مُشكلا وَكَذَا إِذا بَال بفرج النِّسَاء وأمنى بفرج الرِّجَال لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا دَلِيل الِانْفِرَاد فَإِذا اجْتمعَا تَعَارضا وَإِذا أخبر الْخُنْثَى بحيض أَو مني أَو ميل إِلَى الرِّجَال أَو النِّسَاء يقبل قَوْله وَلَا يقبل رُجُوعه بعد ذَلِك إِلَّا أَن يظْهر كذبه يَقِينا مثل أَن يخبر بِأَنَّهُ رجل ثمَّ تَلد فَإِنَّهُ يتْرك الْعَمَل بقوله.
وَإِن أردْت زِيَادَة الْبَيَان فَانْظُر فِي الشريفية شرح الْفَرَائِض السِّرَاجِيَّة.
(2/65)

(بَاب الْخَاء مَعَ الْوَاو)

الْخَوْف: توقع حُلُول مَكْرُوه أَو فَوَات مَحْبُوب.
الْخَوَارِج: جمع الْخَارِج كالتوابع جمع التَّابِع وقصة الْخَوَارِج فِي الْبَاغِي.
(بَاب الْخَاء مَعَ الْيَاء)

خير الْأُمُور أوساطها: حَدِيث نَبينَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْمرَاد بالأوساط الْحِكْمَة والعفة والشجاعة وكل مِنْهَا فِي الْعَدَالَة.
الخيال: قُوَّة مرتبَة فِي مُؤخر التجويف الأول من الدِّمَاغ تحفظ جَمِيع صور المحسوسات وتمثلها بعد الغيبوبة فيشاهدها الْحس الْمُشْتَرك عِنْد الِالْتِفَات إِلَيْهَا وَهِي خزانَة للحس الْمُشْتَرك وَإِنَّمَا جعلت خزانته فَقَط مَعَ أَن مدركات جَمِيع الْحَواس الظَّاهِرَة يختزن فِيهَا لِأَن محسوسات الْحَواس الظَّاهِرَة لَا تصل إِلَّا بعد وصولها إِلَى الْحس الْمُشْتَرك وتأديتها مِنْهُ إِلَيْهِ. وَأَيْضًا الْحَواس الظَّاهِرَة لَا تدركها بِسَبَب الاختزان بالخيال فَإِن إِدْرَاكهَا إِيَّاهَا يحْتَاج إِلَى إحساس جَدِيد من خَارج بِخِلَاف الْحس الْمُشْتَرك.
الْخَيل: جمع الْفرس من غير لَفظه.
خِيَار الشَّرْط: أَن يشْتَرط أحد الْمُتَعَاقدين الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام أَو أقل وَلَو اشْترطَا أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَصح الِاشْتِرَاط وَفَسَد العقد فَإِن أجَاز من لَهُ الْخِيَار العقد فِي ثَلَاثَة أَيَّام صَحَّ العقد وَإِضَافَة الْخِيَار إِلَى الشَّرْط إِضَافَة الحكم إِلَى سَببه كَصَلَاة الظّهْر وَسُجُود السَّهْو، وَالْبيع بِخِيَار الشَّرْط أَرْبَعَة أوجه خِيَار البَائِع مُنْفَردا - وَخيَار المُشْتَرِي مُنْفَردا - وخيارهما مُجْتَمعين - وَخيَار غَيرهمَا.
ثمَّ الْخِيَار إِمَّا أَن يكون مُطلقًا أَو مُؤَبَّدًا أَو موقتا. والأولان لَا يجوزان بالِاتِّفَاقِ. وَأما الموقت فَيجوز وَهَذَا الْخِيَار كَمَا يجوز عِنْد البيع يجوز بعده أَيْضا حَتَّى لَو بَاعَ وَمضى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام مثلا بعد قبض الْمَبِيع فَقَالَ لَهُ البَائِع أَنْت بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام أَو جعلتك بِالْخِيَارِ فَلهُ الْخِيَار مَا دَامَ فِي الْمجْلس كَذَا فِي النَّوَازِل وَلَو شَرط المُشْتَرِي أَو البَائِع الْخِيَار لغيره صَحَّ وَأي أجَاز أَو نقض صَحَّ فَإِن أجَاز أَحدهمَا أَي أحد الْمُتَعَاقدين والغير الَّذِي هُوَ الْأَجْنَبِيّ وَنقض الآخر فالأسبق أَحَق.
خِيَار الرُّؤْيَة: أَن يَشْتَرِي مَا لم يره وَهُوَ يُعْطي خِيَار رد الْمَبِيع للْمُشْتَرِي عِنْد الرُّؤْيَة وَإِن رَضِي قبله وَلَيْسَ خِيَار الرُّؤْيَة للْبَائِع بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط فَإِنَّهُ يجوز لَهما فَلَا خِيَار لمن بَاعَ مَا لم يره.
(2/66)

خِيَار التَّعْيِين: أَن يشْتَرط أحد الثَّوْبَيْنِ مثلا على أَن يعين وَيَأْخُذ مَا شَاءَ بِعشْرَة دَرَاهِم فَلهُ الْخِيَار فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَلَو شَرط خِيَار التَّعْيِين فِي أَرْبَعَة أَيَّام أَو أَكثر لَا يَصح.
خِيَار الْعَيْب: أَن يخْتَار رد الْمَبِيع إِلَى بَائِعه بِالْعَيْبِ.
الْخيف: اخْتِلَاف الْعَينَيْنِ أَو الْفرس الَّذِي يكون مُخْتَلف الْعَينَيْنِ بِأَن يكون أَحدهمَا أَزْرَق وَالْأُخْرَى أسود وَمِنْه بَنو الأخياف كَمَا مر.
(2/67)

( [حرف الدَّال] )

(بَاب الدَّال مَعَ الْألف)

الدائرة: خطّ يُحِيط سطحا مستديرا يُمكن أَن يفْرض فِي دَاخله نقطة يكون جَمِيع الخطوط المستقيمة الْخَارِجَة مِنْهَا إِلَيْهِ مُتَسَاوِيَة. وَقد تطلق الدائرة على السَّطْح المستدير المحاط بذلك الْخط فَذَلِك الْخط محيطها وَتلك النقطة مركزها والخط الْمُسْتَقيم الْمَار بمركزها المنتهي فِي جِهَة إِلَى الْمُحِيط قطرها.
اعْلَم أَن مُحِيط كل دَائِرَة ثَلَاثَة أَمْثَال قطرها وَكسر هُوَ أقل من سبع الْقطر لَكِن الْقَوْم يأخذونه سبعا تسهيلا لِلْحسابِ. وَقَالَ أرشميدس فِي مقَالَة أَن ذَلِك الْكسر أقل من السَّبع وَأكْثر من عشرَة أَجزَاء من أحد وَسبعين انْتهى. هَكَذَا فِي شرح الْخُلَاصَة للفاضل الخلخالي.
دَائِرَة الِارْتفَاع: هِيَ دَائِرَة عَظِيمَة تنصف الْعَالم وتقطع دَائِرَة الْأُفق على زَوَايَا قَوَائِم وتمر بمركز الشَّمْس أَيْنَمَا كَانَت وَفِي الدُّرَر المنثورة هِيَ دَائِرَة عَظِيمَة تمر بقطبي الْأُفق وبالجزء الْمُرْتَفع وَالْوَاقِع مِنْهَا بَين الْجُزْء الْمُرْتَفع وَبَين الْأُفق هُوَ ارْتِفَاع ذَلِك الْجُزْء.
دَائِرَة أول السَّمَاوَات: دَائِرَة عَظِيمَة تفصل بَين الشمَال والجنوب وتمر بقطبي الْأُفق وبقطبي دَائِرَة نصف النَّهَار وقطباها نقطتا الشمَال والجنوب وَالتَّفْصِيل الْمُشْتَرك بَينهَا وَبَين الْأُفق هُوَ خطّ الْمشرق وَالْمغْرب وَهُوَ الْخط الْوَاصِل بَين قطبي دَائِرَة نصف النَّهَار.
دَائِرَة الْأُفق: دَائِرَة عَظِيمَة تفصل بَين مَا يرى من الْفلك وَبَين مَا لَا يرى مِنْهُ وقطباها سمت الرَّأْس وسمت الرجل والدوائر الْمُوازِية دوائر المقنطرات فالتي فَوْقه ارْتِفَاع وَالَّتِي تَحْتَهُ مقنطرات انحطاط وَإِضَافَة الدائرة إِلَى الْأُفق لامية.
دَامَ: المُرَاد بِهِ فِي بَاب أوزان الْأَدْوِيَة أحد وَعِشْرُونَ ماهجة يَعْنِي بست ويك ماشه كَمَا ذكر الْحَكِيم الْمَعْرُوف بارزاني فِي (القرابادين القادرية) فِي بَاب الْأَدْوِيَة الباهية.
الدالية: جذع طَوِيل يركب مثل تركيب مداق الْأرز وَفِي رَأسه مَسَافَة يسقى بهَا.
الدائمة: قسم من الْحَال فاطلبها فِي الْحَال. وَأَيْضًا قَضِيَّة من القضايا الموجهة
(2/68)

وَهِي الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بدوام نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع سَوَاء كَانَ ذَلِك الدَّوَام فِي ضمن الضَّرُورَة أَو لَا مثل كل إِنْسَان حَيَوَان دَائِما وكل فلك متحرك دَائِما. فَهِيَ أَعم من الضرورية.
الدامعة والدامية: فِي الشجاج.
الدَّاء: الْمَرَض الْحَاصِل بِغَلَبَة بعض الأخلاط على بعض.
الدَّاخِل: فِي الشَّيْء بِاعْتِبَار كَونه جُزْءا مِنْهُ يُسمى ركنا. وَبِاعْتِبَار أَنه يَبْتَدِئ مِنْهُ التَّرْكِيب يُسمى عنصرا. وَبِاعْتِبَار كَونه بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ التَّحْلِيل يُسمى اسطقسا. وَبِاعْتِبَار كَونه قَابلا للصورة الْمعينَة يُسمى مَادَّة. وَبِاعْتِبَار كَونه قَابلا للصورة مُطلقًا من غير تَخْصِيص بِصُورَة مُعينَة يُسمى هيولى. وَبِاعْتِبَار كَونه محلا للصورة الْمعينَة بِالْفِعْلِ يُسمى مَوْضُوعا.
الدَّاخِل فِي جَوَاب مَا هُوَ: فِي الْوَاقِع فِي طَرِيق مَا هُوَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
دَار السَّلَام: الْجنَّة قَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله أَنه مركب إضافي سميت الْجنَّة بِهِ إِمَّا لِأَن أَهلهَا سَالم عَن الْآفَات أَو لأَنهم مخاطبون بِالسَّلَامِ لِأَن خَزَنَة الْجنَّة تَقول لأَهْلهَا سَلام عَلَيْكُم طبتم فادخلوها خَالِدين. وعَلى هذَيْن التَّقْدِيرَيْنِ يكون لفظ السَّلَام مصدرا. أَو لِأَن السَّلَام من أَسْمَائِهِ تَعَالَى أضيفت الْجنَّة إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهَا كَمَا يُقَال بَيت الله لمَسْجِد الله الْحَرَام فَحِينَئِذٍ يكون لفظ السَّلَام صفة مشبهة انْتهى. فَإِن قيل مَا وَجه تَخْصِيص إِضَافَة الدَّار إِلَى هَذَا الِاسْم من أَسْمَائِهِ تَعَالَى دون اسْم آخر مِنْهَا مَعَ أَن التشريف حَاصِل بِغَيْرِهِ أَيْضا قُلْنَا: لما كَانَت الْجنَّة دَار السَّلامَة أضيفت إِلَى اسْم فِيهِ معنى السَّلامَة للتعظيم والتشريف فَوجه التَّخْصِيص وجود معنى السَّلامَة فِي كل مِنْهُمَا فَافْهَم. وَمعنى السَّلَام على تَقْدِير كَونه من أَسْمَائِهِ تَعَالَى ذُو السَّلامَة عَن النقائص أَو الَّذِي مِنْهُ السَّلامَة فِي المبدأ وَبِه السَّلامَة فِي الْمعَاد أَي الْمُعْطِي للسلامة.
الدَّار: اعْلَم أَن الْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد لَهُ دهليز معد للبيتوتة. والمنزل اسْم لما يشْتَمل على بيُوت وصحن مسقف ومطبخ. وَالدَّار اسْم لما يشْتَمل على بيُوت ومنازل وصحن غير مسقف. فالدار أشمل من أختيها لاشتمالها عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا لَا يدْخل الْعُلُوّ بشرَاء بِكُل حق فِي عرف أهل الْكُوفَة. وَأما فِي عرفنَا فَيدْخل فِي جَمِيع ذَلِك.
الدَّابَّة: مَا يدب ويتحرك على الأَرْض ثمَّ صَار مُسْتَعْملا فِي ذَوَات القوائم الْأَرْبَع مجَازًا.
دَابَّة الأَرْض: هِيَ الَّتِي أُشير إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى: {وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم} . وَاسْمهَا الخناسة قيل طولهَا سِتُّونَ ذِرَاعا وَقيل رَأسهَا يبلغ السَّحَاب. وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ مَا بَين قرنيها فَرسَخ للراكب وَلها أَربع
(2/69)

قَوَائِم وزغب أَي شعر على وَجههَا وَرِيش وجناحان لَا يفوتها هارب وَلَا يُدْرِكهَا طَالب. وَقيل لَهَا رَأس ثَوْر وَعين خِنْزِير وَأذن فيل وَقرن أيل وعنق نعَامَة وَصدر أَسد ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كَبْش وخف بعير وَمَا بَين المفصلين اثْنَا عشر ذِرَاعا وَيخرج من الْمَسْجِد الْحَرَام وَقيل من الصَّفَا وَقيل يخرج ثَلَاث مَرَّات مرّة هَذِه وَمرَّة تخرج بأقصى الْيمن وتتمكن وتغيب وَمرَّة تخرج بالبادية وتتمكن دهرا طَويلا. وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ إِنَّهَا تخرج ثَلَاثَة أَيَّام. وَعَن الْحسن لَا يتم خُرُوجهَا إِلَّا بعد ثَلَاثَة أَيَّام فقوم يقفون نظارة وَقوم يهربون خوفًا. وَرُوِيَ أَنَّهَا تَتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقيل تَتَكَلَّم بِبُطْلَان الْأَدْيَان سوى دين الْإِسْلَام وَمَعَهَا عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان فَتضْرب الْمُؤمن بالعصا فِي مَسْجده أَو فِيمَا بَين عَيْنَيْهِ فَتنْكت نُكْتَة بَيْضَاء فتبيض بهَا وَجهه وتنكت الْكَافِر بالخاتم فِي أَنفه حَتَّى يسود بهَا وَجهه. وَقيل إِنَّهَا تَقول يَا فلَان أَنْت من أهل الْجنَّة وَيَا فلَان أَنْت من أهل النَّار. كَذَا ذكره الْعَلامَة النَّيْسَابُورِي.
الداعر: الْخَبيث والمفسد من الدعر وَهُوَ الْفساد.
(بَاب الدَّال مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الدباغة: إِزَالَة النتن والرطوبات النَّجِسَة من الْجلد سَوَاء كَانَت بالتشميس أَو التتريب أَو غير ذَلِك. وَفِي جَامع الرموز الدباغة إِمَّا حَقِيقِيَّة بِإِزَالَة النتن والرطوبة بالأدوية، أَو حكمِيَّة بالتتريب والتشميس وَالْإِلْقَاء فِي الرّيح.
(بَاب الدَّال مَعَ الْجِيم)

الدَّجَّال: مُبَالغَة من الدجل وَهُوَ الْكَذِب وسير تَمام الأَرْض والتكبر والتلبيس أَي كثير الْكَذِب وسير تَمام الأَرْض والتكبر والتلبيس وَهُوَ علم ابْن الصياد وَخُرُوجه من أَشْرَاط الْقِيَامَة قد ولد فِي زمن نَبينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ أَعور الْعين الْيُمْنَى. فِي الْمشكاة عَن فَاطِمَة بنت قيس فِي حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ قَالَت قَالَ فَإِذا أَنا بِامْرَأَة تجر شعرهَا قَالَ مَا أَنْت قَالَت أَنا الْجَسَّاسَة اذْهَبْ إِلَى ذَلِك الْقصر فَأَتَيْته فَإِذا رجل يجر شعره مسلسل فِي الأغلال يتَرَدَّد فِيمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقلت من أَنْت قَالَ أَنا الدَّجَّال وَأمه امْرَأَة من الْيَهُود. وَكتب الْأَحَادِيث مَمْلُوءَة بِذكر الدَّجَّال.
ف (41) :
ثمَّ اعْلَم أَن الرِّوَايَات دَالَّة على أَن الدَّجَّال يخرج بعد ظُهُور الْمهْدي بِسبع سِنِين ويلبث فِي الأَرْض أَرْبَعِينَ لَيْلَة ويسير فِي الأَرْض كلهَا إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة زادهما الله تَعَالَى
(2/70)

شرفا وتعظيما فَإِن الْمَلَائِكَة يحرسونهما وَكلما هم أَن يدْخل وَاحِدًا مِنْهُمَا استقبله ملك شَارِعا سَيْفه يصده عَن الدُّخُول. وَمَعَهُ عجائب كَثِيرَة ترى فِي الظَّاهِر إِنَّهَا من الخوارق كإحياء الْمَوْتَى وتقليل الْكثير وتكثير الْقَلِيل وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي مَحَله.
وَبِالْجُمْلَةِ إِذا انْتهى إِلَى بَيت الْمُقَدّس حاصره. وَالْمهْدِي وأعوانه يغلقون الْأَبْوَاب ويضيق الْوَقْت على الْمُسلمين حَتَّى يَأْكُلُوا أوتار قسيهم وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يصلوا قيَاما إِلَّا الْمهْدي فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَائِما فَينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة حِين تُقَام الصَّلَاة فَإِذا فرغ مِنْهَا يَقُول افتحوا الْبَاب فَيفتح لَهُ فَيخرج هُوَ وَالْمهْدِي والمسلمون مَعَه فَإِذا رَآهُ عَدو الله هرب وذاب كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء حَتَّى لَو لم يقْتله لهلك وَلَكِن كَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا. فَإِذا قَتله يملك الأَرْض أَرْبَعِينَ سنة إِمَامًا عادلا مستنا بِسنة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وحاكما على مِلَّته وتابعا لشريعته لَا يَمُوت فِي هَذِه السنين أحد وَلَا يمرض والحيات والعقارب وَالسِّبَاع لَا تؤذي أحدا ويبذر الرجل الْمَدّ بِلَا حرث فَيحصل مِنْهُ سبع مائَة مد ثمَّ إِذا مَاتَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يسْتَخْلف بأَمْره رجل من بني تَمِيم يُقَال لَهُ المقعد وَالنَّاس فِي عصره كَذَلِك فَإِذا مَاتَ لم يَأْتِ على النَّاس ثَلَاث سِنِين حَتَّى يرفع الْقُرْآن من الصُّدُور والمصاحف وَيكسر سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج. وَفِي بعض الرسائل أَن أول أَشْرَاط السَّاعَة ظُهُور الْمهْدي ثمَّ خُرُوج الدَّجَّال ثمَّ نزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَتله الدَّجَّال ثمَّ رفع الْقُرْآن وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثمَّ خُرُوج دَابَّة الأَرْض ثمَّ طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا.
(بَاب الدَّال مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة)

دخل: يدْخل - إِذا كَانَ من الدخل يكون مُتَعَدِّيا وَإِذا كَانَ من الدُّخُول يكون لَازِما.
الدُّخان: أَجزَاء نارية تخالطها أَجزَاء صغَار أرضية تلطفت بالحرارة لَا تمايز بَينهمَا فِي الْحس لغاية الصغر. وَقَوْلهمْ: أَجزَاء يَشْمَل البخار وَجَمِيع البسائط والمركبات. وبقولهم: نارية يخرج البخار وَبَاقِي البسائط ومجموع المركبات وبقولهم: تخالطها أَجزَاء صغَار أرضية يخرج النَّار البسيطة لِأَنَّهُ لَا مُخَالطَة فِيهَا أصلا. وبقولهم: لَا تمايز بَينهمَا فِي الْحس يخرج النَّار الْمُجَاورَة لوجه الأَرْض فَإِن بَينهمَا مُخَالطَة فِي الْجُمْلَة لكنهما متمايزان فِي الْحس.
الدُّخُول: فِي الشَّيْء هُوَ الِانْتِقَال من خَارجه إِلَى دَاخله وَله فروع فِي الْفِقْه.
دُخُول اللَّام على البيع وَأَمْثَاله وعَلى الدُّخُول ونظائره وعَلى الْعين:
(2/71)

مَذْكُور فِي الْفِقْه وَالْمرَاد بِدُخُول اللَّام على هَذِه الْأُمُور تعلقهَا بهَا وباللام لَام الِاخْتِصَاص. فَإِن قيل: إِرَادَة التَّعَلُّق بِالدُّخُولِ يأباها الْعين وتعديته بعلى - أما الأول: فَلِأَن حرف الْجَرّ لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِالْفِعْلِ أَو بِمَا فِيهِ معنى الْفِعْل ورائحته وَالْعين كَالثَّوْبِ مثلا فِي قَوْلنَا: إِن بِعْت ثوبا لَك لَيْسَ بِفعل وَلَا فِيهِ معنى الْفِعْل ورائحته فَلَا يَصح تعلق اللَّام بِهِ. وَأما الثَّانِي: فَلِأَن التَّعَلُّق لَا يتَعَدَّى بعلى. قُلْنَا المُرَاد بالتعلق هَا هُنَا التَّعَلُّق الْمَعْنَوِيّ سَوَاء كَانَ هُنَاكَ تعلق لَفْظِي أَيْضا كَمَا فِي البيع وَالدُّخُول أَولا كَمَا فِي الْعين فَإِن تعلق اللَّام بِالثَّوْبِ فِي الْمِثَال الْمَذْكُور من حَيْثُ الْمَعْنى فَقَط وَيجوز تَعديَة التَّعَلُّق بملاحظة معنى الِاعْتِمَاد وتضمينه. وَيُمكن أَن يُرَاد بِدُخُول اللَّام على البيع وَالدُّخُول مثلا دُخُولهَا على اسْم بِنَاء على تعلقهَا بِفعل مُشْتَقّ من البيع وَالدُّخُول مثلا وبدخولها على الْعين دُخُولهَا على اسْم بِنَاء على تعلقهَا بِأَمْر هُوَ صفة للعين - وَفِي الْعَيْنِيّ شرح كنز الدقائق فِي شرح قَوْله وَدخُول اللَّام على البيع وَالشِّرَاء الخ.
وَاعْلَم أَولا أَن اللَّام لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تدخل على فعل يملك بِالْعقدِ وتجري فِيهِ النِّيَابَة كَالْبيع وَالشِّرَاء. أَو تدخل على فعل لَا يملك بِهِ وَلَا تجْرِي فِيهِ النِّيَابَة كدخول الدَّار وَضرب الْغُلَام. أَو تدخل على عين كَالثَّوْبِ فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فَفِي الْقسم الأول يكون اللَّام لاخْتِصَاص الْفِعْل بالمحلوف عَلَيْهِ حَتَّى لَو قَالَ إِن بِعْت لَك ثوبا فَعَبْدي حر أَو امْرَأَتي طَالِق لَا يَحْنَث حَتَّى يَبِيع لَهُ ثوبا بأَمْره لِأَن معنى إِن بِعْت لَك ثوبا إِن بِعْت لَك ثوبا بوكالتك وأمرك فَإِذا بَاعه بأَمْره يَحْنَث سَوَاء كَانَ الثَّوْب ملكه أَو لَا حَتَّى لَو دين الْمَحْلُوف عَلَيْهِ ثَوْبه فَبَاعَهُ الْحَالِف بِغَيْر علمه لَا يَحْنَث. وَفِي الْقسمَيْنِ الْأَخيرينِ تكون اللَّام لاخْتِصَاص الْعين بالمحلوف عَلَيْهِ حَتَّى لَو قَالَ فِي الْقسم الثَّانِي إِن دخلت لَك دَارا فَعَبْدي حر. أَو قَالَ فِي الْقسم الثَّالِث إِن بِعْت ثوبا لَك فَعَبْدي حر لَا يَحْنَث حَتَّى يكون الدَّار أَو الثَّوْب ملكا للمحلوف عَلَيْهِ سَوَاء أمره الْمَحْلُوف عَلَيْهِ بذلك أَو لم يَأْمُرهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن اللَّام للاختصاص وَأقوى وجوهه الْملك فَإِذا جَاوَزت الْفِعْل أوجبت ملكه دون الْعين إِن كَانَ ذَلِك الْفِعْل من الْقسم الأول وَإِن كَانَ من الْقسم الثَّانِي لَا يُفِيد ملك الْفِعْل لاستحالته ويفيد ملك الْعين لِأَن معنى قَوْله إِن دخلت لَك دَارا إِن دخلت دَارا مَمْلُوكَة لَك وَكَذَلِكَ إِذا جَاوَزت الْعين كَمَا فِي الْقسم الثَّالِث فَإِنَّهُ يُوجب ملك الْعين مُطلقًا لِأَن الْأَعْيَان كلهَا تملك انْتهى.
(بَاب الدَّال مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الدِّرْهَم: فِي الْفَتَاوَى العالمكيرية الدِّرْهَم أَرْبَعَة عشر قيراطا. والقيراط خمس شعيرات كَذَا فِي التَّبْيِين وَفِي المُرَاد من دِرْهَم فِي قَول الْفُقَهَاء وعفي قدر الدِّرْهَم من
(2/72)

نجس مغلظ اخْتِلَاف رِوَايَات وَالصَّحِيح أَن يعْتَبر بِالْوَزْنِ فِي النَّجَاسَة المتجسدة وَهُوَ أَن يكون وَزنه قدر المثقال وبالمساحة فِي غَيرهَا وَهُوَ قدر عرض الْكَفّ كَذَا يفهم من التَّبْيِين والمثقال عشرُون قيراطا كَذَا فِي الْجَوَاهِر النيرة وَهُوَ الصَّحِيح كَذَا فِي الْبَحْر الرَّائِق نَاقِلا عَن السراج الْوَهَّاج وَالْمرَاد بِعرْض الْكَفّ مَا وَرَاء مفاصل الْأَصَابِع كَذَا فِي شرح مجمع الْبَحْرين لِابْنِ الْملك وَفِي الرسَالَة الْمَنْظُومَة فِي معرفَة الدِّرْهَم وَالدِّينَار.
(دويست درم نقره كَانَ هست نِصَاب ... )

(بنجاه ودونيم توله از روى حِسَاب ... )

(يكتوله وسه ماهجه وشش حبه بود ... )

(زَان بِنَجْد رم زكوة ايْنَ است حِسَاب ... )

الدَّرَاهِم الْمُرْسلَة: أَي الدَّرَاهِم الْمُطلقَة وَالْمرَاد بهَا فِي بَاب الْوَصِيَّة بِثلث المَال الدَّرَاهِم الْغَيْر الْمقيدَة بِكَسْر من الكسور كَنِصْف المَال وَثلثه. وَالْحَاصِل أَنَّهَا الدَّرَاهِم الْمعينَة الَّتِي مَا عبرت بِكَوْنِهَا ثلث المَال أَو نصفه بل عين عَددهَا بِأَن أوصى بِثَلَاثِينَ درهما من مَاله لرجل وَلآخر بستين درهما.
الدَّرك: بِالْفَتْح وَسُكُون الثَّانِي فِي اللُّغَة دريافتن وَنِهَايَة قَعْر الشَّيْء وبالفتحتين طبقَة جَهَنَّم. وَجمعه الدركات. وَفِي اصْطِلَاح الْفِقْه أَن يَأْخُذ المُشْتَرِي من البَائِع كَفِيلا بِالثّمن الَّذِي أعطَاهُ خوفًا من اسْتِحْقَاق الْمَبِيع.
الدرجَة: (بايه نردبان) وَإِن أردْت أَن تعلم مَا هِيَ عِنْد أَصْحَاب الْهَيْئَة فَاعْلَم أَن الْحُكَمَاء قسموا الْفلك الثَّامِن من على اثْنَي عشر قسما من القطب الجنوبي المستور الْخَفي المغمور فِي المَاء إِلَى القطب الشمالي الظَّاهِر المرئي بِحَيْثُ اعتبروا اجْتِمَاع رُؤُوس تِلْكَ الْأَقْسَام عِنْد ذَيْنك القطبين وَسموا كل قسم مِنْهَا برجا ثمَّ قسموا كل دَرَجَة على سِتِّينَ حِصَّة أَيْضا وَسموا كل حِصَّة مِنْهَا دَرَجَة ثمَّ قسموا كل دَرَجَة على سِتِّينَ حِصَّة أَيْضا وَسموا كل حِصَّة دقيقة. وعَلى هَذَا الْقيَاس قسموا كل حِصَّة مِنْهَا على سِتِّينَ وَسموا كل حِصَّة ثَانِيَة. وَهَكَذَا ثَالِثَة ورابعة وخامسة إِلَى أَن يَنْتَهِي فكر الْحَكِيم. وَمُرَاد الْأَطِبَّاء من كَون الدَّوَاء فِي الدرجَة الأولى هُوَ أَن يُؤثر فِي هَوَاء الْبدن. وَفِي الدرجَة الثَّانِيَة أَنه يتَجَاوَز عَنهُ ويؤثر فِي الرُّطُوبَة. وَفِي الدرجَة الثَّالِثَة أَنه يتَجَاوَز عَنْهَا ويؤثر فِي الشَّحْم. وَفِي الدرجَة الرَّابِعَة أَنه يتَجَاوَز عَنهُ ويؤثر فِي اللَّحْم والأعضاء الْأَصْلِيَّة ويستولي على الطبيعة.
ف (42) :
(2/73)

(بَاب الدَّال مَعَ السِّين الْمُهْملَة)

الدستور: الْوَزير الْكَبِير الَّذِي يرجع فِي أَحْوَال النَّاس إِلَى مَا يرسمه.
(بَاب الدَّال مَعَ الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ)

الدعْوَة: بِالْفَتْح دَعْوَة الطَّعَام وبالكسر دَعْوَة النّسَب وبالضم دَعْوَة الوغاء وَالْجهَاد فِيهِ.
الدَّعْوَى: من الدُّعَاء وَهُوَ الطّلب وَالْفِعْل مِنْهُ ادّعى يَدعِي فَهُوَ مُدع وَالْعين الَّذِي يَدعِيهِ يُقَال لَهُ مدعي بِصِيغَة الْمَفْعُول وَلَا يُقَال لَهُ مدعي فِيهِ وَبِه وَالْألف فِي الدَّعْوَى للتأنيث فَلَا ينون وَيجمع على دعاوى بِفَتْح الْوَاو كفتوى على فَتَاوَى.
وَقيل الدَّعْوَى فِي اللُّغَة قَول يطْلب بِهِ الْإِنْسَان إِيجَاب الشَّيْء على غَيره إِلَّا أَن اسْم الْمُدَّعِي يُطلق على من لَا حجَّة لَهُ فِي الْعرف وَلَا يُطلق على من لَهُ حجَّة فَإِن القَاضِي يُسَمِّيه مُدعيًا قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة وَبعدهَا يُسَمِّيه محقا لَا مُدعيًا وَيُقَال لمُسَيْلمَة الْكذَّاب لعنة الله عَلَيْهِ مدعي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ عجز عَن إِثْبَاتهَا بل دَعْوَاهُ أثبت كذبهَا لثُبُوت أَن نَبيا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خَاتم الْأَنْبِيَاء بالدلائل القطعية والبراهين الجلية وَلَا يُقَال لرسولنا الصدوق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابه وَسلم مدعي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أثبتها بالمعجزات الباهرات. وَالدَّعْوَى فِي الشَّرْع قَول يطْلب بِهِ الْإِنْسَان إِثْبَات الْحق على الْغَيْر. وَفِي الْوِقَايَة هِيَ أَخْبَار بِحَق لَهُ على غَيره. وَقيل هِيَ طلب الْأَخْبَار بِحَق على الْخُصُومَة سَوَاء جبر شرعا كالمدعى عَلَيْهِ أَو لم يجْبر كالمدعي. وَقيل هِيَ التمَاس أَمر خلاف الظَّاهِر وَقيل هِيَ اسْتِحْقَاق أَمر لَا يثبت إِلَّا بِالْحجَّةِ وَفِي كنز الدقائق هِيَ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه حَالَة الْمُنَازعَة أَي أَن يَدْعُو الْمُدَّعِي الشَّيْء إِلَى نَفسه فِي حَالَة الْخُصُومَة وَشرط جَوَازهَا مجْلِس القَاضِي وَحكمهَا وجوب الْجَواب على الْمُدعى عَلَيْهِ.
الدعة: السّكُون عِنْد هيجان الشدَّة.
الدُّعَاء: طلب الرَّحْمَة وَإِذا أسْند هُوَ أَو مَا فِي مَعْنَاهُ كَالصَّلَاةِ إِلَى الله تَعَالَى جرد عَن معنى الطّلب لتنزهه عَنهُ. وَإِذا عدي بِاللَّامِ يكون معنى النَّفْع. وَإِذا عدي بعلى يكون بِمَعْنى الضَّرَر كَمَا سَيَجِيءُ فِي الصَّلَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ولاستجابة الدُّعَاء آجال وآداب وشروط وأوقات وأماكن فِي كتب الحَدِيث.
ف (43) :
(2/74)

(بَاب الدَّال مَعَ الْقَاف)

الدقائق: جمع دقيقة.
الدقيقة: وَهِي السِّرّ الدَّقِيق الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ كل أحد فمرتبة الدقائق أجل من مرتبَة الْحَقَائِق الَّتِي مر ذكرهَا والدقيقة الَّتِي فِي الْهَيْئَة فِي الدرجَة.
(بَاب الدَّال مَعَ الْكَاف)

الدّكان: هُوَ بِقدر الذارع وَهُوَ الصَّحِيح.
(بَاب الدَّال مَعَ اللَّام)

الدّلَالَة: (رَاه نمودن) وَفِي الِاصْطِلَاح كَون الشَّيْء بِحَالَة يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء آخر وَيُسمى الشَّيْء الأول دَالا وَالثَّانِي مدلولا. وَعرفُوا الدّلَالَة اللفظية الوضعية بِأَنَّهَا فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ. وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الْفَهم إِن كَانَ مصدرا مُبينًا للْفَاعِل أَعنِي الفاهمية فَهُوَ صفة السَّامع وَإِن كَانَ مُبينًا للْمَفْعُول أَعنِي المفهومية فَهُوَ صفة للمعنى فَلَا يَصح حمله على الدّلَالَة الَّتِي هِيَ صفة اللَّفْظ. وَأجَاب عَنهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله بِأَنا لَا نسلم أَن الْفَهم لَيْسَ صفة اللَّفْظ فَإِن الْفَهم وَحده وَإِن كَانَ صفة الفاهم وَكَذَا الانفهام وَحده صفة الْمَعْنى إِلَّا أَن فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ صفة اللَّفْظ فَإِن معنى فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ أَو انفهام الْمَعْنى مِنْهُ هُوَ معنى كَون اللَّفْظ بِحَيْثُ يفهم مِنْهُ أَو ينفهم مِنْهُ الْمَعْنى. غَايَة مَا فِي الْجَواب أَن الدّلَالَة مُفْرد يَصح أَن يشتق مِنْهُ صفة تحمل على اللَّفْظ وَفهم الْمَعْنى وانفهامه مركب لَا يُمكن اشتقاقها مِنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَة مثل أَن يُقَال اللَّفْظ منفهم مِنْهُ الْمَعْنى.
ثمَّ اعْلَم أَن الدّلَالَة مُطلقًا على نَوْعَيْنِ (لفظية) إِن كَانَ الدَّال لفظا (وَغير لفظية) إِن كَانَ غير لفظ. ثمَّ الدّلَالَة مُطلقًا إِن كَانَت بِحَسب وضع الْوَاضِع فوضعية كدلالة زيد على الشَّخْص الْمعِين وَالنّصب على الْميل. وَإِلَّا فَإِن كَانَ حُدُوث الدَّال بِمُقْتَضى الطَّبْع فطبعية كدلالة اح اح على وجع الصَّدْر وَسُرْعَة النبض على الْحمى وَإِلَّا فعقلية كدلالة لفظ ديز المسموع من وَرَاء الْجِدَار على وجود اللافظ وَالدُّخَان على النَّار. ثمَّ الدّلَالَة اللفظية الوضعية مُطَابقَة وتضمن والتزام لِأَنَّهَا إِن كَانَت دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع على تَمام مَا وضع لَهُ فمطابقة كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق. وَإِلَّا فَإِن كَانَت دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع
(2/75)

على جُزْء مَا وضع لَهُ أَو على خَارج لَازم لما وضع لَهُ لُزُوما ذهنيا بَينا بِالْمَعْنَى الْأَخَص فَالْأول تضمن كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان أَو النَّاطِق وَالثَّانِي الْتِزَام كدلالة الْعَمى على الْبَصَر. ومدار الإفادة والاستفادة على الدّلَالَة اللفظية الوضعية. وَكَيْفِيَّة دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى عِنْد أَرْبَاب الْأُصُول منحصرة فِي عبارَة النَّص وَإِشَارَة النَّص وَدلَالَة النَّص واقتضاء النَّص. وَوجه الضَّبْط أَن الحكم الْمُسْتَفَاد من النّظم إِمَّا أَن يكون ثَابتا بِنَفس اللَّفْظ أَو لَا. وَالْأول إِن كَانَ النّظم مسوقا لَهُ فَهُوَ الْعبارَة وَإِلَّا فالإشارة وَالثَّانِي إِن كَانَ الحكم مفهوما من اللَّفْظ لُغَة فَهُوَ الدّلَالَة أَو شرعا فَهُوَ الِاقْتِضَاء وَاعْلَم أَنه لَا دلَالَة للعام على الْخَاص بِإِحْدَى الدلالات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة لِأَن الْخَاص لَيْسَ تَمام مَا وضع لَهُ الْعَام وَلَا جزؤه وَلَا خَارج لَازم لَهُ فَلَا دلَالَة للحيوان على الْإِنْسَان وَلَا للْإنْسَان على زيد فَإِن قلت: إِن الْمَوْجُود عَام وَإِذا أطلق يتَبَادَر مِنْهُ الْمَوْجُود الْخَارِجِي وَكَذَا الْوَضع عَام شَامِل للوضع التحقيقي والوضع النوعي كَمَا فِي المجازات. وَإِذا أطلق يتَبَادَر مِنْهُ الْوَضع التحقيقي والتبادر فرع الدّلَالَة أَقُول أَولا: إِن لفظ الْمَوْجُود حَقِيقَة فِي الْمَوْجُود الْخَارِجِي ومجاز فِي الْمَوْجُود الذهْنِي وَكَذَا الْوَضع وَإِن قلت: فَكيف يَصح تَقْسِيم الْمَوْجُود إِلَيْهِمَا أَقُول: إِن صِحَة التَّقْسِيم إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار إِطْلَاقه على معنى ثَالِث مجازي يتناولهما من بَاب عُمُوم الْمجَاز فَيُقَال فِي الْمَوْجُود مثلا إِن الْوُجُود بِمَعْنى الثُّبُوت أَو الْكَوْن فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى منقسم إِلَى الْمَوْجُود الْخَارِجِي والذهني وَثَانِيا: إِن لفظ الْمَوْجُود مثلا حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْمَوْجُود الْخَارِجِي والذهني فسبب تبادر أَحدهمَا حِينَئِذٍ كَثْرَة إِطْلَاقه على الْقدر الْمُشْتَرك فِي ضمنه حَتَّى صَار كَأَنَّهُ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَقد يُرَاد بِالْعَام الْخَاص بِالْقَرِينَةِ أَو بِسَبَب أَنه كَامِل أَفْرَاده تَحَرُّزًا عَن التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ عَاما حِينَئِذٍ بل صَار خَاصّا مُقَيّدا بِقَيْد يفهم من الْقَرِينَة أَو مُقَيّدا بِقَيْد الْكَمَال فَلَا إِشْكَال.
ثمَّ اعْلَم أَن دلَالَة الْمُطَابقَة مُعْتَبرَة فِي التعريفات كلا وجزءا وَدلَالَة التضمن مُعْتَبرَة جُزْءا ومهجورة كلا. وَدلَالَة الِالْتِزَام مهجوة كلا وجزءا. فَلَا يُقَال الْهِنْدِيّ فِي جَوَاب مَا زيد لِأَنَّهُ دَال على ماهيته بالتضمن لِأَنَّهُ صنف وَهُوَ نوع مُقَيّد بِقَيْد عرضي فَمَعْنَاه الْحَيَوَان النَّاطِق الْمَنْسُوب إِلَى الْهِنْد وَكَذَا لَا يُقَال الْكَاتِب فِي جَوَاب مَا زيد لِأَن معنى الْكَاتِب ذَات لَهُ الْكِتَابَة وماهية الْإِنْسَان من لوازمه فَهُوَ دَال عَلَيْهَا بالالتزام وكل ذَلِك للِاحْتِيَاط فِي الْجَواب عَن السُّؤَال بِمَا هُوَ إِذْ يحْتَمل انْتِقَال الذِّهْن من الدَّال بالتضمن على الْمَاهِيّة إِلَى جُزْء آخر من معنى ذَلِك الدَّال كالمنسوب إِلَى الْهِنْد الَّذِي هُوَ جُزْء آخر من معنى الْهِنْدِيّ فَيفوت الْمَقْصُود وَهَكَذَا يحْتَمل انْتِقَال الذِّهْن من الدَّال بالالتزام على الْمَاهِيّة إِلَى لَازم آخر فَيفوت الْمَقْصُود أَيْضا فَإِنَّهُ يجوز الِانْتِقَال من الْكَاتِب إِلَى الْحَرَكَة أَو الْقَلَم اللَّازِم بِمَعْنى الْكَاتِب. وَإِن أردْت التَّفْصِيل فَارْجِع إِلَى حَوَاشِي السَّيِّد السَّنَد
(2/76)

قدس سره على شرح الشمسية فِي الْبَحْث الْخَامِس من مبَاحث الْكُلِّي والجزئي.
دلَالَة النَّص: أَي الثَّابِت بهَا وَمَا يثبت بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ كالنص كالنهي عَن التأفيف بقوله تَعَالَى: {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} يدل على حُرْمَة ضربهما بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة.
الدَّلِيل: فِي اللُّغَة المرشد وَمَا بِهِ الْإِرْشَاد. وَفِي الِاصْطِلَاح قد يُطلق مرادفا للبرهان فَهُوَ الْقيَاس الْمركب من مقدمتين يقينيتين. وَقد يُطلق مرادفا للْقِيَاس فَهُوَ حجَّة مؤلفة من قضيتين يلْزم عَنْهَا لذاتها مَطْلُوب نَظَرِي وإطلاقه بِهَذَا الْمَعْنى قَلِيل. وَقد يُطلق مرادفا للحجة فَهُوَ مَعْلُوم تصديقي موصل إِلَى مَجْهُول تصديقي وَمَا يذكر لإِزَالَة الخفاء فِي البديهي يُسمى تَنْبِيها. وَقد يُقَال الدَّلِيل على مَا يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء آخر وَهُوَ الْمَدْلُول وَالْمرَاد بِالْعلمِ بِشَيْء آخر الْعلم اليقيني لِأَن مَا يلْزم من الْعلم بِهِ الظَّن بِشَيْء آخر لَا يُسمى دَلِيلا بل إِمَارَة.
ثمَّ اعْلَم أَن الدَّلِيل تحقيقي وإلزامي. (وَالدَّلِيل التحقيقي) مَا يكون فِي نفس الْأَمر وَمُسلمًا عِنْد الْخَصْمَيْنِ. (وَالدَّلِيل الإلزامي) مَا لَيْسَ كَذَلِك فَيُقَال هَذَا عنْدكُمْ لَا عِنْدِي. وَالدَّلِيل عِنْد أَرْبَاب الْأُصُول مَا يُمكن التَّوَصُّل بِصَحِيح النّظر فِيهِ إِلَى مَطْلُوب جزئي فعلي هَذَا الدَّلِيل على وجود الصَّانِع هُوَ الْعَالم لِأَنَّهُ شَيْء إِذا صحّح النّظر فِي أَحْوَاله أَي إِذا رتب أَحْوَاله على قانون النّظر يُمكن التَّوَصُّل إِلَى الْعلم بِوُجُود الصَّانِع.
ثمَّ الدَّلِيل إِمَّا مُفِيد لمُجَرّد التَّصْدِيق بِثُبُوت الْأَكْبَر للأصغر مَعَ قطع النّظر عَن الْخَارِج سَوَاء كَانَ الْوسط معلولا أَو لَا. وَهُوَ دَلِيل اني. وَإِمَّا مُفِيد لثُبُوت الْأَكْبَر لَهُ بِحَسب الْوَاقِع يَعْنِي أَن تِلْكَ الْوَاسِطَة كَمَا تكون عِلّة لثُبُوت الْأَصْغَر فِي الذِّهْن كَذَلِك تكون عِلّة لثُبُوته لَهُ فِي نفس الْأَمر. وَهُوَ دَلِيل لمي. وَوجه التَّسْمِيَة فِي أُمَّهَات المطالب.
الدَّلْو الْوسط: هِيَ الدَّلْو المستعملة فِي كل بلد كَذَا فِي التَّبْيِين وَفِي شرح الْمُخْتَصر لأبي المكارم رَحمَه الله وَقدر الْوسط بالصاع. وَعَن أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه خَمْسَة أُمَنَاء وَفِي الْخُلَاصَة أَن اعْتِبَار الْوسط إِذا لم يكن للبئر دلو معِين وَفِي الْهِدَايَة وفتاوى قَاضِي خَان أَن الْمُعْتَبر فِي ذَلِك دلو هَذِه الْبِئْر.
(بَاب الدَّال مَعَ الْمِيم)

الدِّمَاغ: مَشْهُور وَله تجاويف ثَلَاثَة وَيُقَال لَهَا بطُون أَيْضا فَإِنَّهُم قَالُوا للدماغ بطُون ثَلَاثَة أعظمها الْبَطن الأول ثمَّ الثَّالِث وَأما الثَّانِي فَهُوَ كمنفذ فِيمَا بَينهمَا وَيُسمى بالدودة لكَونهَا على شكلها نعم النَّاظِم.
(2/77)

(سه تجويف دارد دماغ اي بسر ... كز احساس بَاطِن دهندت خبر)

(مقدم زتجويف أول بدان ... كه باشد حسن مُشْتَرك رامقر)

(مُؤخر ازو شدّ مَحل خيال ... كه ماند ازو درتصور اثر)

(اخير وسط جاي وهم است وَحفظ ... زتجويف آخر نباشد بدر)

(بس اندر نختسين اوسط بود ... تخيل زحيوان وفكر بشر)

الدمع: بِالْفَارِسِيَّةِ (اشك) وَهُوَ على نَوْعَيْنِ دمع حزن ودمع سرُور وعلامتهما أَن الأول حَار وَالثَّانِي بَارِد. وَلذَا قيل للمدعو لَهُ أقرّ الله عَيْنَيْهِ. مَأْخُوذ من القر وَهُوَ الْبرد وَقيل للمدعو عَلَيْهِ أسخن الله عَيْنَيْهِ. مَأْخُوذ من السخينة وَهِي الْحَرَارَة حَتَّى قَالَ الْفُقَهَاء إِذا استأمر الْوَلِيّ الْبكر الْبَالِغَة للمصاهرة فَبَكَتْ فليحس الْوَلِيّ دمعها إِن كَانَ بَارِدًا كَانَ مِنْهَا رضَا وَإِن كَانَ حارا لَا يكون. وَإِن أردْت وَجه جَرَيَان الدُّمُوع فَانْظُر فِي السكب.
دمع خزقه: مدلولات حُرُوف هَذَا الْمركب مَانِعَة عَن الرُّجُوع فِي الْهِبَة (فالدال) الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة كالفرس وَالْبناء وَالسمن. و (الْمِيم) موت أحد الْمُتَعَاقدين و (الْعين) الْعِوَض و (الْخَاء) خُرُوج الْمَوْهُوب من ملك الْمَوْهُوب لَهُ بِالْبيعِ أَو الْهِبَة. و (الزَّاي) الزَّوْجِيَّة. و (الْقَاف) الْقَرَابَة الْمَحْرَمِيَّة بالرحم لَا بالمصاهرة و (الْهَاء) هَلَاك الْمَوْهُوب.
(بَاب الدَّال مَعَ الْوَاو)

الدّور: بِالضَّمِّ جمع الدَّار. وبالفتح الزَّمَان والعهد وَالْحَرَكَة وَالْحَرَكَة على المركز ودور كأس الشَّرَاب وَقِرَاءَة الْقُرْآن الْمجِيد على ظهر الْقلب بِأَن يقْرَأ السَّامع مَا قَرَأَ الْقَارئ كَمَا هُوَ الْمَشْهُور بَين الْحفاظ. وسألني بعض الأحباب عِنْد اجْتِمَاع الْحفاظ مَا يَفْعَلُونَ قلت الدّور قَالَ الدّور بَاطِل قلت هَذَا الدّور جَائِز فِي الأدوار.
والدور عِنْد أَرْبَاب الْمَعْقُول توقف كل وَاحِد من الشَّيْئَيْنِ على الآخر وَيلْزمهُ توقف الشَّيْء على مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُور بَين الْعلمَاء فَهَذَا تَعْرِيف باللازم وَإِنَّمَا
(2/78)

اخْتَارُوا تَعْرِيفه باللازم لأَنهم إِنَّمَا احتاجوا إِلَى تَعْرِيفه لإِثْبَات تقدم الشَّيْء على نَفسه فِيمَا هم فِيهِ. وَهَذَا التَّعْرِيف الرسمي أظهر استلزاما لذَلِك التَّقَدُّم الْبَاطِل الَّذِي احتاجوا فِي إِثْبَات مطالبهم إِلَى ذَلِك الْإِثْبَات بِأَنَّهُ لَو لم يكن الْمُدَّعِي ثَابتا لثبت نقيضه لَكِن النقيض بَاطِل لِأَن الْمُدَّعِي ثَابت فثبوت الْمُدَّعِي مَوْقُوف على بطلَان نقيضه الْمَوْقُوف على ثُبُوت الْمُدَّعِي فَيلْزم الدّور وَهُوَ بَاطِل لاستلزامه ذَلِك التَّقَدُّم الْبَاطِل.
ثمَّ اعْلَم أَن الْفَاضِل الْعَلامَة الرَّازِيّ قَالَ فِي شرح الشمسية والدور هُوَ توقف الشَّيْء على مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من جِهَة وَاحِدَة أَو بمرتبة كَمَا يتَوَقَّف (أ) على (ب) وَبِالْعَكْسِ أَو بمراتب كَمَا يتَوَقَّف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (أ) .
وللناظرين فِي هَذَا الْمقَام توجيهات وتحقيقات فِي أَن قَوْله إِمَّا بمرتبة أَو بمراتب مُتَعَلق بقوله توقف أَو بقوله يتَوَقَّف. وَمَا المُرَاد بالمرتبة فاستمع لما أَقُول مَا هُوَ الْحق فِي تَحْقِيق هَذَا الْمقَام. حَتَّى ينْدَفع عَنْك جَمِيع الأوهام. إِن قَوْله بمرتبة أَو بمراتب مُتَعَلق بقوله يتَوَقَّف. وَالْمرَاد بتوقف الشَّيْء هُوَ التَّوَقُّف الْمُتَبَادر أَعنِي التَّوَقُّف بِلَا وَاسِطَة. وَالْمرَاد بالمرتبة هِيَ مرتبَة الْعلية ودرجتها وَإِضَافَة الْمرتبَة إِلَى الْعلية بَيَانِيَّة. فالمرتبة الْوَاحِدَة هِيَ الْعلية الْوَاحِدَة والتوقف الْوَاحِد.
فَاعْلَم أَن الدّور هُوَ توقف شَيْء بِالذَّاتِ وَبِغير الْوَاسِطَة على أَمر يتَوَقَّف ذَلِك الْأَمر على ذَلِك الشَّيْء ثمَّ هُوَ على نَوْعَيْنِ: (مُصَرح) و (مُضْمر) لِأَن توقف ذَلِك الْأَمر على ذَلِك الشَّيْء إِن كَانَ بمرتبة وَاحِدَة أَي بعلية وَاحِدَة وَتوقف وَاحِد بِأَن لَا يَتَخَلَّل بَينهمَا ثَالِث حَتَّى يتكثر الْعلية والتوقف فالدور (مُصَرح) لاستلزامه تقدم الشَّيْء على نَفسه صَرَاحَة وَإِلَّا أَي وَإِن كَانَ ذَلِك التَّوَقُّف بمراتب الْعلية والتوقف بِأَن يَتَخَلَّل هُنَاكَ ثَالِث فَصَاعِدا فيتكثر حِينَئِذٍ الْعلية والتوقف (فمضمر) لخفاء ذَلِك الاستلزام. فالدور الْمُصَرّح هُوَ توقف شَيْء بِلَا وَاسِطَة على أَمر يتَوَقَّف ذَلِك الْأَمر أَيْضا بِلَا وَاسِطَة على ذَلِك الشَّيْء فَيكون ذَلِك الْأَمر متوقفا على ذَلِك الشَّيْء بعلية وَاحِدَة وَتوقف وَاحِد مثل توقف (أ) على (ب) و (ب) على (أ) والدور الْمُضمر هُوَ توقف شَيْء بِلَا وَاسِطَة على أَمر يتَوَقَّف ذَلِك الْأَمر بتخلل أَمر ثَالِث فَصَاعِدا على ذَلِك الشَّيْء مثل توقف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (أ) بمراتب الْعلية أَي بعلتين وتوقفين لِأَنَّهُ إِذا توقف (ب) على (ج) فَحصل عَلَيْهِ وَاحِدَة وَتوقف وَاحِد ثمَّ إِذا توقف (ج) على (أ) حصل عَلَيْهِ أُخْرَى وَتوقف آخر.
ثمَّ اعْلَم أَن اتِّحَاد جهتي التَّوَقُّف شَرط فِي الدّور فَمَعَ اخْتِلَافهمَا لَا يتَحَقَّق الدّور وَمن هَا هُنَا ينْحل كثير من المغالطات. وَعَلَيْك أَن تحفظ أَن الْمحَال هُوَ دور التَّقَدُّم لاستلزام تقدم الشَّيْء على نَفسه. وَأما دور الْمَعِيَّة فَلَيْسَ بمحال بل جَائِز وَاقع لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إِلَّا حصولهما مَعًا فِي الْخَارِج أَو الذِّهْن كتوقف تلفظ الْحُرُوف على الْحَرَكَة وَبِالْعَكْسِ وَتوقف تعقل الْأُبُوَّة على الْبُنُوَّة وَبِالْعَكْسِ.
(2/79)

ثمَّ اعْلَم أَن الدّور نوع من التسلسل ويستلزمه وَبَيَانه كَمَا قرر الْمُحَقق السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِي شرح الْمطَالع أَن نقُول إِذا توقف (أ) على (ب) و (ب) على (أ) كَانَ (أ) مثلا مَوْقُوفا على نَفسه وَهَذَا وَإِن كَانَ محالا لكنه ثَابت على تَقْدِير الدّور وَلَا شكّ أَن الْمَوْقُوف غير الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لنَفس (أ) غير (أ) فهناك شَيْئَانِ (أ) وَنَفسه وَقد توقف الأول على الثَّانِي وَلنَا مُقَدّمَة صَادِقَة هِيَ أَن نفس (أ) لَيست إِلَّا (أ) وَحِينَئِذٍ يتَوَقَّف نفس (أ) على (ب) و (ب) على نفس (أ) فَيتَوَقَّف نفس (أ) على نَفسهَا أَعنِي نفس (أ) فيتغايران ثمَّ نقُول إِن نفس نفس (أ) لَيست إِلَّا (أ) فَيلْزم أَن يتَوَقَّف على (ب) و (ب) على نفس (أ) وَهَكَذَا نسوق الْكَلَام حَتَّى يَتَرَتَّب نفوس غير متناهية. ثمَّ رد عَلَيْهِ بِأَن قَوْلنَا الْمَوْقُوف غير الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَإِن كَانَ صَادِقا فِي نفس الْأَمر فَهُوَ غير صَادِق على تَقْدِير الدّور. وَإِن سلم صدقه على تَقْدِير الدّور فَلَا شكّ أَنه يسْتَلْزم قَوْلنَا نفس (آ) مغائرة (لآ) فَلَا يُجَامع صدقه صدق قَوْلنَا نفس (آ) لَيست إِلَّا (آ) انْتهى.
وَحَاصِل الرَّد أَنه يلْزم فِي بَيَان اللُّزُوم اعْتِبَار مقدمتين متنافيتين: إِحْدَاهمَا: أَن الْمَوْقُوف عين الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لكَونه دورا. وثانيتهما: للتغاير بَينهمَا ليوجد توقفات غير متناهية وَلِهَذَا مَال السَّيِّد السَّنَد فِي تِلْكَ الْحَوَاشِي إِلَى لُزُوم ترَتّب النُّفُوس الْغَيْر المتناهية وَللَّه در النَّاظِم.
(ساقيا دركردش ساغر تعلل تابكي ... )

(دورجون باعاشقان افتد تسلسل بايدش ... )

الدَّوَام: شُمُول نِسْبَة شَيْء إِلَى آخر جَمِيع الْأَزْمِنَة والأوقات سَوَاء كَانَت ممتنعة الانفكاك عَن الْمَوْضُوع أَو لَا مثل كل إِنْسَان حَيَوَان دَائِما وكل فلك متحرك دَائِما. فالدوام أَعم من الضَّرُورَة الَّتِي هِيَ امْتنَاع انفكاك تِلْكَ النِّسْبَة. ثمَّ الدَّوَام ثَلَاثَة أَقسَام - الدَّوَام الأزلي - والدوام الذاتي - والدوام الوصفي. أما الدَّوَام الأزلي فَهُوَ أَن يكون الْمَحْمُول ثَابتا للموضوع أَو مسلوبا عَنهُ أزلا وأبدا كَقَوْلِك كل فلك متحرك بالدوام الأزلي - وَأما الدَّوَام الذاتي فَهُوَ أَن يكون الْمَحْمُول ثَابتا أَو مسلوبا عَنهُ مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع مَوْجُودَة مثل كل زنجي أسود دَائِما - وَأما الدَّوَام الوصفي فَهُوَ أَن يكون الثُّبُوت أَو السَّلب مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع مَوْصُوفا بِالْوَصْفِ العنواني مثل كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع بالدوام مَا دَامَ كَاتبا - فَإِن كَانَ الحكم فِي الْقَضِيَّة بدوام نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع مَوْجُودَة فدائمة مثل بالدوام كل فلك متحرك - وَإِن
(2/80)

كَانَ الحكم فِيهَا بدوام تِلْكَ النِّسْبَة مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع متصفا بِالْوَصْفِ العنواني فعرفية عَامَّة مثل بالدوام كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا.
وَاعْلَم أَنه لَا يلْزم من دوَام إِمْكَان الشَّيْء إِمْكَان دَوَامه - أَلا ترى إِلَى الْحَرَكَة بل إِلَى سَائِر الْأُمُور الْغَيْر القارة فَإِن إمكانها دَائِم ودوامها غير مُمكن.
الدوران: فِي اللُّغَة الطّواف حول الشَّيْء وَلم يُبدل الْوَاو بِالْألف لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا لمَانع هُوَ دلَالَة الْكَلِمَة على الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب. وَفِي الِاصْطِلَاح ترَتّب الشَّيْء على الشَّيْء الَّذِي لَهُ صلوح الْعلية كترتب السكر على شرب الْخمر وَيُسمى الشَّيْء الأول دائرا وَالثَّانِي مدارا. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ اقتران الشَّيْء بِغَيْرِهِ وجودا وعدما وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام - الأول: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائر وجودا لَا عدما كشرب الْخمر للسكر فَإِنَّهُ إِذا وجد وجد السكر وَأما إِذا عدم فَلَا يلْزم عدم السكر لجَوَاز أَن يحصل السكر بِشرب البنج. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائر عدما لَا وجودا كوجود الْيَد للكتابة فَإِنَّهُ إِذا لم تُوجد الْيَد لم تُوجد الْكِتَابَة. وَأما إِذا وجدت فَلَا يلْزم أَن يُوجد الْكِتَابَة - وَالثَّالِث: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائر وجودا وعدما كَالزِّنَا الصَّادِر عَن الْمُحصن لوُجُوب الرَّجْم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كلما وجد وَجب الرَّجْم وَكلما لم يُوجد لم يجب.
دوَام الْإِمْكَان وَإِمْكَان الدَّوَام: فِي الْعَكْس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الدَّال مَعَ الْهَاء)

الدَّهْر: قد يعد من الْأَسْمَاء الْحسنى. وَلذَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الدَّهْر هُوَ الله تَعَالَى. وَأَيْضًا الدَّهْر الزَّمَان الطَّوِيل فَمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تسبوا الدَّهْر. فَإِن خَالق الدَّهْر هُوَ الله. وَقيل الدَّهْر ألف سنة. وَقيل الدَّهْر الْأَبَد. وَقيل الدَّهْر منشأ الْأَزَل وَإِلَّا بَدَلا ابْتِدَاء لَهُ وَلَا انْتِهَاء لَهُ كل ذِي ابْتِدَاء وَذي انْتِهَاء فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي غَيره. وَهَذَا هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ أساطين الْحُكَمَاء كَمَا سنبين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا أَدْرِي مَا الدَّهْر فَإِنَّهُ رَحمَه الله توقف فِي الدَّهْر كَمَا توقف فِي وَقت الْخِتَان وَفِي أَحْوَال أَطْفَال الْمُشْركين يَوْم الْقِيَامَة. وَيعلم من كتب الْفِقْه أَن الدَّهْر الْمُنكر أَي الْمُجَرّد عَن لَام التَّعْرِيف مُجمل والمعرف بهَا الْعُمر فَلَو قَالَ إِن صمت الدَّهْر فَعَبْدي حر فَهُوَ على الْعُمر. وَفِي تَحْقِيق الزَّمَان والدهر والسرمد كَلَام طَوِيل للحكماء الْمُحَقِّقين. وَهَذَا الْغَرِيب الْقَلِيل البضاعة يُرِيد إِيرَاد خُلَاصَة بيانهم. وتبيان زبدة مرامهم. فَأَقُول إِن السرمد وعَاء الدَّهْر والدهر وعَاء الزَّمَان وَالزَّمَان وعَاء المتغيرات تدريجية أَولا. وَبَيَان هَذَا أَن الْمَوْجُود إِذا كَانَ لَهُ هوية وَوُجُود اتصافي غير قار الْأَجْزَاء كالحركة كَانَ مُشْتَمِلًا على
(2/81)

أَجزَاء بَعْضهَا مُتَقَدم على بعض وَبَعضهَا مُتَأَخّر عَن بعض لَا يَجْتَمِعَانِ فَلذَلِك الْمَوْجُود بِهَذَا الِاعْتِبَار مِقْدَار وامتداد غير قار ينطبق ذَلِك الْمَوْجُود الاتصالي على ذَلِك الْمِقْدَار بِحَيْثُ يكون كل جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْوُجُود الاتصالي مطابقا بِكُل جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْمِقْدَار الْمُقدم بالمقدم والمؤخر بالمؤخر وَهَذَا الْمِقْدَار الْمُتَغَيّر الْغَيْر القار الْمَنْسُوب إِلَيْهِ ذَلِك الْمَوْجُود الْمُتَغَيّر الْغَيْر القار هُوَ الزَّمَان وَمثل هَذَا الْمَوْجُود يُسمى متغيرا تدريجيا لَا يُوجد بِدُونِ الانطباق على الزَّمَان والمتغيرات الدفعية إِنَّمَا تحدث فِي آن هُوَ طرف الزَّمَان فَهِيَ أَيْضا لَا تُوجد بِدُونِ الزَّمَان فالزمان وعَاء المتغيرات وظرفها وَلذَا قَالَ الشَّيْخ الرئيس الْكَوْن فِي الزَّمَان مَتى الْأَشْيَاء المتغيرة انْتهى.
والماضي وَالْحَال والاستقبال إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المتغيرات التدريجية أَو الدفعية الَّتِي منطبقة بأجزاء ذَلِك الامتداد الْغَيْر القار الَّذِي هُوَ الزَّمَان. وَإِذا نسب الْأَمر الثَّابِت سَوَاء كَانَ ثُبُوته بِالذَّاتِ كالواجب تَعَالَى شَأْنه أَو بعلته كالجواهر الْمُجَرَّدَة والأفلاك إِلَى الزَّمَان وَلَا يُمكن نسبته إِلَيْهِ إِلَّا بالمعية فِي الْحُصُول والكون يَعْنِي أَنه مَوْجُود مَعَ الزَّمَان كَمَا أَن الزَّمَان مَوْجُود وَلَا يُمكن نسبته إِلَى الزَّمَان بالحصول يَعْنِي كَون الزَّمَان ظرفا لذَلِك الْأَمر الثَّابِت لِأَن كَون الزَّمَان ظرفا لشَيْء مَوْقُوف على كَون ذَلِك الشَّيْء ذِي أَجزَاء وعَلى انطباق تِلْكَ الْأَجْزَاء على أَجزَاء الزَّمَان وَهَذَا الانطباق مَوْقُوف على التَّغَيُّر والتقضي فِي الْأَجْزَاء حَتَّى تنطبق تِلْكَ الْأَجْزَاء الْغَيْر القارة بأجزاء الزَّمَان الْغَيْر القارة حَتَّى يكون الزَّمَان متناه وَلَيْسَ كل مَا يُوجد مَعَ الشَّيْء كَانَ حَاصِلا فِيهِ ومظروفا لَهُ وَذَلِكَ الشَّيْء ظرفا لَهُ.
أَلا ترى أَن الأفلاك مَوْجُودَة مَعَ الخردلة وَلَيْسَت هِيَ فِيهَا فَيكون ذَلِك الْأَمر الثَّابِت فِي حد نَفسه مستغنيا عَن الزَّمَان بِحَيْثُ إِذا نظر إِلَى ذَاته يُمكن أَن يكون مَوْجُودا بِلَا زمَان. فَلذَلِك الْأَمر الثَّابِت بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان حُصُول صرف وَكَون مَحْض مُجَرّد عَن كَونه فِيهِ ووعاء هَذَا الْكَوْن والحصول هُوَ الدَّهْر. وَقد علم مِمَّا ذكرنَا أَن الْأَمر الثَّابِت نَوْعَانِ ثَابت بِالذَّاتِ وثابت بِالْغَيْر أَي بعلته فَإِذا نسب الْأَمر الثَّابِت بِالذَّاتِ إِلَى الثَّابِت بِالْغَيْر بالمعية أَيْضا لما مر يحصل لَهُ حُصُول وَكَون أرفع من الْحُصُول والكون الَّذِي لِلْأَمْرِ الثَّابِت بِالْغَيْر لِأَنَّهُ حِين النّظر فِي ذَات الْأَمر الثَّابِت بِالذَّاتِ أَي الْوَاجِب تَعَالَى شَأْنه يغرق جَمِيع مَا سواهُ تَعَالَى فِي بَحر الْهَلَاك والبطلان فِي حد نَفسه وَلَا تهب ريح مِنْهَا إِلَى ساحة جنابه الْمُقَدّس وحضرة وجوده الأقدس فِي هَذَا اللحاظ وَالنَّظَر ووعاء هَذَا الْكَوْن إِلَّا رفع وظرفه هُوَ السرمد. قيل الْحق أَن يخص السرمد والوجود السرمدي بالقيوم الْوَاجِب بِالذَّاتِ جلّ جَلَاله انْتهى.
فالسرمد وعَاء الْكَوْن الْكَوْن إِلَّا رفع للْوَاجِب تَعَالَى ووعاء الدَّهْر أَيْضا وللجواهر الْمُجَرَّدَة وَسَائِر الْأُمُور الثَّابِتَة بِالْغَيْر كَون دهري لَا سرمدي لاختصاصه بِالْوَاحِدِ الْأَحَد
(2/82)

الصَّمد عز شَأْنه. والكون الدهري فِي نَفسه وباللحاظ إِلَى ذَاته هَالك كَمَا مر والدهر وعَاء الزَّمَان وَالزَّمَان وعَاء التغيرات التدريجية والدفعية وَسَائِر الزمانيات الَّتِي يتَعَلَّق تقررها ووجودها بأزمنة وآنات متعينة. فَجَمِيع الأكوان والأزمان وأجزاء الزَّمَان والحوادث الزمانية والآنية حَاضر مَوْجُود دفْعَة فِي الدَّهْر من غير مُضِيّ وَحَال واستقبال وعروض انْتِقَال وَزَوَال إِذْ جملَة الزَّمَان وإبعاضه وحدوده لَا يخْتَلف انْقِضَاء أَو حصولا بِالْقِيَاسِ إِلَى الثَّابِت الْمَحْض أصلا فَأذن بعض الزَّمَان وَكله يكونَانِ مَعًا بِحَسب الْحُصُول فِي الدَّهْر وَإِلَّا لَكَانَ فِي الدَّهْر انقضاءات وتجددات فَيلْزم فِيهِ امتداد فينقلب الدَّهْر حِينَئِذٍ بِالزَّمَانِ وَهَذَا خلف محَال فحصول حُصُول الأكوان والأزمان كَذَلِك فِي السرمد بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَإِذ قد علمت أَن المتغيرات التدريجية لَا تُوجد بِدُونِ الانطباق على الزَّمَان. والدفعية إِنَّمَا تحدث فِي آن هُوَ ظرف الزَّمَان فَهِيَ أَيْضا لَا تُوجد بِدُونِ الزَّمَان وَأما الْأُمُور الثَّابِتَة الَّتِي لَا تغير فِيهَا أصلا لَا تدريجيا وَلَا دفعيا فَهِيَ وَإِن كَانَت مَعَ الزَّمَان إِلَّا أَنَّهَا مستغنية فِي حد أَنْفسهَا عَن الزَّمَان بِحَيْثُ إِذا نظر إِلَى ذواتها يُمكن أَن تكون مَوْجُودَة بِلَا زمَان. فَاعْلَم أَنه إِذا نسب متغير إِلَى متغير بالمعية أَو الْقبلية فَلَا بُد هُنَاكَ من زمَان فِي كلا الْجَانِبَيْنِ وَإِذا نسب بهما ثَابت إِلَى متغير فَلَا بُد من الزَّمَان فِي أحد جانبيه دون الآخر. وَإِذا نسب ثَابت إِلَى ثَابت بالمعية كَانَ الجانبان مستغنيين عَن الزَّمَان وَإِن كَانَا مقارنين. والحكماء الْمُحَقِّقُونَ أشاروا إِلَى مَا فصلنا فِي بَيَان الزَّمَان والدهر والسرمد بِمَا قَالُوا. إِن نِسْبَة الْمُتَغَيّر إِلَى الْمُتَغَيّر (زمَان) وَنسبَة الثَّابِت إِلَى الْمُتَغَيّر (دهر) وَنسبَة الثَّابِت إِلَى الثَّابِت (سرمد) .
ف (45) :
الدهري: من يَقُول بقدم الدَّهْر واستناد الْحَوَادِث إِلَيْهِ وَلكنه يَقُول بِوُجُود الْبَارِي تَعَالَى فَإِن من لَا يثبت الْبَارِي عز شَأْنه فَهُوَ الْمُعَطل كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمُنَافِق إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الدَّال مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)

الدّين: بِالْكَسْرِ الْإِسْلَام وَالْعَادَة وَالْجَزَاء والمكافآت وَالْقَضَاء وَالطَّاعَة. وَالدّين الاصطلاحي قانون سماوي سائق لِذَوي الْعُقُول إِلَى الْخيرَات بِالذَّاتِ كالأحكام الشَّرْعِيَّة النَّازِلَة على نَبينَا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الَّذِي شقّ الْقَمَر من معجزاته الْعَالِيَة واخضرار الشّجر من بيناته المتعالية.
(تادر جَسَد مَدِينَة جسمت شده جَان ... دين توكرفت قَاف تاقاف جهان)
(2/83)

(در لفظ مدينه بَين كه زاعجاز توجون ... مَه شقّ شده وكرفته دين رابميان)

وَالدّين بِفَتْح الدَّال مَا يلْزم وَيجب فِي الذِّمَّة بِسَبَب العقد أَو بِفِعْلِهِ. مِثَال الأول كالمهر الَّذِي يجب فِي ذمَّة الزَّوْج بِسَبَب عقد النِّكَاح. وكما إِذا اشْترى شَيْئا فثمنه دين على ذمَّة المُشْتَرِي بِسَبَب عقد البيع. وَمِثَال الثَّانِي مَا يلْزم فِي الذِّمَّة بِسَبَب استهلاكه مَال إِنْسَان فَوَجَبَ فِي ذمَّته مَال بِسَبَب فعل الْهَلَاك.
وَأما الْقَرْض فَهُوَ مَا يجب فِي الذِّمَّة بِسَبَب دَرَاهِم الْغَيْر مثلا فالدين وَالْقَرْض متبائنان وَهُوَ الْمُسْتَفَاد من التَّلْوِيح فِي مَبْحَث الْقَضَاء. والمتعارف فِي مَا بَين الْفُقَهَاء أَن الدّين عَام شَامِل للقرض وَغَيره فَافْهَم واحفظ.
ثمَّ اعْلَم أَن دين الصِّحَّة مَا كَانَ ثَابتا بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّة أَو بِالْبَيِّنَةِ سَوَاء كَانَت فِي حَالَة الْمَرَض أَو الصِّحَّة وَدين الْمَرَض مَا كَانَ ثَابتا بِإِقْرَارِهِ فِي مَرضه وَلم يعلم سَببه. وَأما إِذا أقرّ فِي مَرضه بدين علم ثُبُوته بطرِيق المعاينة كَمَا يجب بَدَلا عَن مَال ملكه أَو اسْتَهْلكهُ كَانَ ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ من دين الصِّحَّة هَكَذَا ذكره السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي الشريفية شرح السِّرَاجِيَّة فِي علم الْفَرَائِض. ثمَّ الدّين صَحِيح وَغير صَحِيح (الدّين الصَّحِيح) هُوَ الَّذِي لَا يسْقط إِلَّا بالإداء أَو الْإِبْرَاء (وَغير الصَّحِيح) هُوَ الَّذِي يسْقط بدونهما أَيْضا كبدل الْكِتَابَة فَإِنَّهُ يسْقط بعجز الْمكَاتب عَن أَدَائِهِ.
الدّين الْمُشْتَرك: هُوَ الدّين الْوَاجِب لِرجلَيْنِ مثلا على آخر بِسَبَب مُتحد كَثمن الْمَبِيع صَفْقَة وَاحِدَة وكثمن المَال الْمُشْتَرك. أما الأول: فبأن جمع اثْنَان عَبْدَيْنِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا وباعا إيَّاهُمَا صَفْقَة وَاحِدَة فَيكون ثمنهما دينا بَينهمَا على الِاشْتِرَاك. وَإِن اخْتصَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَحَدِهِمَا. وَأما الثَّانِي: فبأن باعا عبدا مُشْتَركا بَينهمَا صَفْقَة وَاحِدَة فَيكون ثمنه مُشْتَركا بَينهمَا على المُشْتَرِي.
الدِّينَار: المثقال وَهُوَ عشرُون قيراطا كَذَا فِي الْفَتَاوَى العالمكيرية وَفِي الرسَالَة الْمَنْظُومَة فِي معرفَة الدِّرْهَم وَالدِّينَار.
(بيست مِثْقَال زركه هست نِصَاب ... وزن اوهفت ونيم توله نكر)

(نيم مِثْقَال از ان زكوة بِوَزْن ... شدّ دوماهه دونيم حبه نكر)
(2/84)

الديانَات: جمع ديانَة بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة ديندارشدن. وَفِي الشَّرْع حق الله تَعَالَى وَهُوَ على قسمَيْنِ. عبادات ومزاجر وَلَا يقبل قَول الْكَافِر وَالْفَاسِق والمملوك فِي الديانَات وَيقبل فِي الْمُعَامَلَات جمع الْمُعَامَلَة من الْعَمَل وَهِي فعل يتَعَلَّق بِهِ قصد وَهِي حق العَبْد عرفا. فالمعاملات خَمْسَة - الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة - والمناحكات والمخاصمات - والأمانات - والبركات - فَلَو قَالَ أحد بَاعَ زيد من عَمْرو أَو نكح أَو ادّعى عَلَيْهِ أَو أودع أَو ورث قبل قَوْله وَلم ينْكح وَلم يشتر ديانَة.
الدِّيات جمع الدِّيَة: وَهِي مصدر وَذي الْقَاتِل الْمَقْتُول إِذا أعْطى وليه المَال الَّذِي هُوَ بدل النَّفس. ثمَّ قيل لذَلِك المَال الدِّيَة تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ وَالتَّاء فِي آخرهَا عوض عَن الْوَاو كالعدة. وَقد تطلق على بدل مَا دون النَّفس من الْأَطْرَاف من الْأَرْش. وَقد يُطلق الْأَرْش بِفَتْح الْهمزَة على بدل النَّفس وحكومة الْعدْل.
الديوث: الَّذِي لَا غيرَة لَهُ مِمَّن يدْخل على امْرَأَته ويتحقق أَن امْرَأَته على غير الطَّرِيق فيسكت. فِي البرهانية قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى امْرَأَة خرجت من الْبَيْت وَلَا يمْنَعهَا زَوجهَا فَهُوَ ديوث لَا تجوز الصَّلَاة خَلفه وَلَا تقبل شَهَادَته وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
(2/85)

( [حرف الذَّال] )

(بَاب الذَّال مَعَ الْألف)

الذاتي: فِي الْكُلِّي الذاتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الذَّات: مَا يصلح أَن يحكم عَلَيْهِ بالوجود أَو بِالْعدمِ أَو بِغَيْر ذَلِك وَذَات الشَّيْء مَا يَخُصُّهُ ويميزه عَن جَمِيع مَا عداهُ وَقد يُرَاد بِذَات الشَّيْء ذَلِك الشَّيْء مُجَردا عَمَّا سواهُ.
ذَات الشَّيْء: يجوز أَن يكون سَابِقًا على وجوده - يَعْنِي لَا اسْتِحَالَة فِي سبق ذَات الشَّيْء مَعَ قطع النّظر عَن وجوده على وجوده سبقا ذاتيا بالعلية وَإِن كَانَ مُقَارنًا لَهُ فِي الزَّمَان لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم تقدم الشَّيْء على نَفسه لِأَن الْمُقدم هُوَ نفس الشَّيْء والمؤخر هُوَ وجود ذَلِك الشَّيْء كَمَا صرح بِهِ صَاحب الخيالات اللطيفة فِي مَبْحَث التكوين. وَمن هَا هُنَا ينْدَفع كثير من الإشكالات كَمَا لَا يخفى على المنتبه.
ذَلِك الْكتاب: فِي لَا ريب فِيهِ.
(بَاب الذَّال مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الذَّبَائِح: جمع ذَبِيحَة - والذبيحة حَقِيقَة فِيمَا ذبح أَو فِيمَا أعد للذبح وَتطلق على مَا يذبح بطرِيق الْمجَاز بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ.
الذّبْح: فِي اللُّغَة الفتق والشق وَالْقطع وَفِي شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة لأبي المكارم الذّبْح بِالْفَتْح مصدر ذبح أَي قطع الْأَوْدَاج وَالزَّكَاة اسْم من ذكى الذَّبِيحَة تذكية إِذا ذَبحهَا كَذَا فِي الْكَافِي. والذبيحة هِيَ المذكى وَقد تسْتَعْمل هِيَ أَعم كَمَا فِي مُخْتَصر الْوِقَايَة وَحرم ذَبِيحَة لم تذك أَي حرم مَقْطُوع عنق لم تقطع أوداجها وَإِنَّمَا يُسمى الذّبْح تذكية إِذْ بِهِ تميز الدَّم النَّجس عَن اللَّحْم الطَّاهِر وكما يثبت بالذكاة الْحل يثبت بهَا الطَّهَارَة فِي الْمَأْكُول وَغَيره فَإِنَّهَا تنبئ عَن الطَّهَارَة كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ذَكَاة الأَرْض ببسها. وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن تسييل الدَّم النَّجس بطرِيق مَخْصُوص.
ثمَّ الذّبْح على نَوْعَيْنِ اضطراري واختياري. أما الذّبْح الاضطراري فَهُوَ جرح نعم
(2/86)

تتوحش أَو تردى فِي بير يَقع الْعَجز عَن ذكائه الِاخْتِيَارِيّ صيدا كَانَ أَو غَيره فِي أَي مَوضِع كَانَ من بدنه. وَأما الذّبْح الِاخْتِيَارِيّ فَهُوَ قطع الودجان والحلقوم والمري وَقطع الثَّلَاث من هَذِه الْأَرْبَع كَاف فِيهِ. فالمذبح أَي مَا يَنْبَغِي أَن يَقع الذّبْح وَالْقطع عَلَيْهِ هُوَ الثَّلَاث من هَذِه الْأَرْبَع وجوبا وَهَذِه الْأَرْبَع اسْتِحْسَانًا وَمَكَان الذّبْح هُوَ مَا بَين الْحلق واللبة.
ثمَّ اعْلَم أَن الودجين تَثْنِيَة ودج بِفتْحَتَيْنِ وهما عرقان عظيمان فِي جَانِبي قُدَّام الْعُنُق بَينهمَا الْحُلْقُوم والمري. (والحلقوم) الْحلق وَهُوَ مجْرى النَّفس. (والمري) بِكَسْر الْمِيم فعيل مَهْمُوز اللَّام مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب. (واللبة) بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وَهِي أَسْفَل الْعُنُق يَعْنِي (جاي كردن بند ازسينه كه آن سر سينه باشد) فهى المنخر من الصَّدْر. وَكَون مَكَان الذّبْح مَا بَين الْحلق واللبة رِوَايَة الْكَافِي وَالْهِدَايَة مُوَافقا لرِوَايَة الْجَامِع الصَّغِير لِأَنَّهُ لَا بَأْس بِالذبْحِ فِي الْحلق أَعْلَاهُ وأسفله وأوسطه وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الْخُلَاصَة وَفِي الْكَافِي أَن مَا بَين اللبة واللحيين هُوَ الْحلق كُله وَفِي مُخْتَصر الْوِقَايَة وَحل أَي المذكى بِقطع أَي ثَلَاث مِنْهَا فَلم يجز أَي الذّبْح فَوق الْعقْدَة انْتهى.
وَفِي شَرحه لأبي المكارم عدم جَوَاز الذّبْح فَوق الْعقْدَة يدل على أَنه لَا يحصل قطع ثَلَاث من الْعُرُوق الْأَرْبَعَة بِالذبْحِ فَوْقهَا وَفِيه تَأمل. وَقيل يجوز لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الذَّكَاة مَا بَين اللبة واللحيين. وَهُوَ اخْتِيَار الإِمَام حَافظ الدّين البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَعَلِيهِ فَتْوَى الإِمَام الرسغني رَحمَه الله تَعَالَى حَيْثُ سُئِلَ عَن ذبح شَاة وَبَقِي عقدَة الْحُلْقُوم فِي جَانب الصَّدْر وَالْوَاجِب بَقَاؤُهُ فِي جَانب الرَّأْس أيؤكل أم لَا. فَقَالَ هَذَا قَول الْعَوام وَلَا عِبْرَة بِهِ وَالْمُعْتَبر عندنَا قطع أَكثر الْأَوْدَاج وَقد وجد. ثمَّ إِن جَوَاز الذّبْح فِيمَا تَحت الْعقْدَة وَحل المذكي بِقطع ثَلَاثَة من تِلْكَ الْأَرْبَعَة يدل على إِن قَوْلهم الذّبْح بَين الْحلق واللبة لَيْسَ على ظَاهره فَكَانَ المُرَاد بِهِ بَين مبدأ الْحلق واللبة انْتهى. فَالْوَاجِب حمل عبارَة الْمَتْن على هَذَا كَيفَ لَا وَقد وَقع فِي الْيَنَابِيع وَالذّبْح مَا بَين اللبة واللحيين أَي بَين الصَّدْر والذقن انْتهى. وَحل ذبح شَاة مَرِيضَة إِلَى أَن يعلم حَيَاتهَا وَلم يَتَحَرَّك مِنْهَا شَيْء إِلَّا فمها قَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة إِن فتحت فاها لَا تُؤْكَل وَإِن ضمت تُؤْكَل. كَذَا فِي الْعين إِن فتحت لَا تُؤْكَل وَإِن ضمت تُؤْكَل. وَفِي الرجل إِن قبضت رجلهَا تُؤْكَل وَإِن بسطت لَا تُؤْكَل. وَفِي الشّعْر إِن نَام شعرهَا لَا تُؤْكَل وَإِن قَامَ تُؤْكَل كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
وَاعْلَم أَن الْمَذْبُوح يجوز أكله كُله إِلَّا سَبْعَة أَجزَاء مِنْهُ كَمَا أُشير إِلَيْهَا فِي النّظم.
(إِذا ذكيت شَاة فاكلوها ... سوى سبع ففيهن الوبال)
(2/87)

(قفاء ثمَّ خاء ثمَّ غين ... ودال ثمَّ ميمان وذال)

(الْفَاء) الْفرج (وَالْخَاء) الخصية (والغين) الغدود (وَالدَّال) الدَّم (والميمان) المرارة والمثانة (والذال) الذّكر.
الذبول: مُفْرد كالحصول وَلَيْسَ بِجمع كالفضول بِالْفَارِسِيَّةِ كاهيدن - وَحَقِيقَته انتقاص حجم الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة للجسم بِمَا ينْفَصل عَنهُ فِي جَمِيع الأقطار والأطراف على نِسْبَة يقتضيها طبيعة ذَلِك الْجِسْم. وَاعْلَم أَن الذبول يكون للْإنْسَان بعد خمسين سنة فَإِن طَبِيعَته بعد هَذِه الْمدَّة تَقْتَضِي الانتقاص فِي جَمِيع الْأَطْرَاف أَي الطول وَالْعرض والعمق والأجزاء الْأَصْلِيَّة كالعظم والرباط والعصب.
(بَاب الذَّال مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الذِّرَاع: بِالْكَسْرِ اسْم لما يذرع بِهِ وَهُوَ الْخَشَبَة الْمَعْرُوفَة والذراع الشَّرْعِيّ الَّذِي يعْتَبر فِي الْحِيَاض وَغَيرهَا وَهُوَ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ اصبعا مَضْمُومَة سوى الْإِبْهَام بِعَدَد حُرُوف الْكَلِمَة الطّيبَة لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله كل اصبع سِتَّة شعيرات مَضْمُومَة ظُهُور بَعْضهَا إِلَى بطُون بعض وَهَذَا هُوَ الذِّرَاع الْجَدِيد. وَأما الذِّرَاع الْقَدِيم فاثنان وَثَلَاثُونَ اصبعا وَقيل هَذَا هُوَ الْهَاشِمِي. وَالْقَدِيم هُوَ سَبْعَة وَعِشْرُونَ اصبعا. والقصبة وَهِي سِتَّة أَذْرع وَفِي المسكيني شرح (كنز الدقائق) ذِرَاع الكرباس سبع مشتات لَيْسَ فَوق كل مشت اصبع قَائِمَة كَذَا فِي النِّهَايَة وَقيل سبع مشتات بأصبع قَائِمَة فِي الْمرة السَّابِعَة.
وَالصَّحِيح أَن يعْتَبر فِي كل زمَان وَمَكَان ذراعهم كَمَا أَن فِي بَلْدَة أَحْمد نكر وقرياتها ذِرَاع الباغات تِسْعَة مشتات متوسطة. وذراع الزِّرَاعَة أحد عشر مشتا متوسطة. وَهَذَا أَمر حَادث بعد توفير الْخراج على قرياتها وَقد كَانَ الذِّرَاع الْقَدِيم سبع مشتات فِي الباغات وتسع مشتات فِي الزِّرَاعَة. والذراع الإلهي ذِرَاع وَثَلَاثَة أَربَاع ذِرَاع بالذراع الَّذِي أحد عشرَة مشتا متوسطة كَمَا هُوَ منقور على استوانة الْمَسْجِد الْجَامِع فِي أَحْمد نكر. اللَّهُمَّ احفظه من الزلل والخلل والخطر. وسكانه من النِّفَاق والحسد والإيذاء وإيصال الضَّرَر. وَقيل الذِّرَاع الإلهي سبع عشرَة مشتا.
(بَاب الذَّال مَعَ الْكَاف)

الذّكر: بِالْكَسْرِ مَا يكون بِاللِّسَانِ وبالضم مَا يكون بالجنان. وآدابه فِي كتب الحَدِيث. وأوراد المشائخ رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ. وبالفتحتين الْمُذكر والقضيب فِيهِ.
(2/88)

الذكاء: شدَّة قُوَّة للنَّفس معدة لِاكْتِسَابِ الآراء وَتسَمى هَذِه بالذهن وجودة تهيؤها لتصور مَا يرد عَلَيْهَا من الْغَيْر الفطنة والغباوة عمد الفطنة عَمَّا من شَأْنه الفطنة كَذَا فِي المطول فَبين الذكاء والفطنة تبَاين كلي فَإِن الذكاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى اكْتِسَاب الآراء والأفكار والفطنة بِالْقِيَاسِ إِلَى فهم كَلَام الْغَيْر. وَمَا قيل إِن بَينهمَا عُمُوما وخصوصا سَهْو لَا يصدر عَن الساهي.
(بَاب الذَّال مَعَ اللَّام)

الذلاقة: السرعة وحروف الذلاقة مَا لَا يَنْفَكّ رباعي أَو خماسي عَن شَيْء مِنْهَا بسهولتها وَهِي سِتَّة أحرف ويجمعها (مر بنفل) وَإِنَّمَا سميت بذلك لِأَن الذلاقة أَي السرعة فِي النُّطْق إِنَّمَا هِيَ بِرَأْس اللِّسَان والشفتين فِي الْقَامُوس والحروف الذلق حُرُوف طرف اللِّسَان والشفة ثَلَاثَة ذلقية اللَّام وَالرَّاء وَالنُّون وَثَلَاثَة شفهية الْبَاء وَالْفَاء وَالْمِيم. وَهَذِه الْحُرُوف أحسن الْحُرُوف امتزاجا بغَيْرهَا وَلَا تَجِد كلمة ربَاعِية أَو خماسية إِلَّا وفيهَا شَيْء مِنْهَا فَمَتَى رَأَيْتهَا خَالِيَة عَنْهَا فَذَلِك اللَّفْظ دخيل عَنْهَا فِي الْعَرَبيَّة كالعسجد وَهُوَ الذَّهَب والدهدقة وَهِي الْكسر إِلَّا أَن يشذ شَيْء يكون عَرَبيا والشاذ لَا عِبْرَة بِهِ.
(بَاب الذَّال مَعَ الْمِيم)

الذِّمَّة: فِي اللُّغَة الْعَهْد وَإِنَّمَا سمي ذمَّة لِأَن نقضه يُوجب الذَّم. وَعند الْبَعْض وصف. وَعند الْبَعْض ذَات فَمن جعلهَا وَصفا عرفهَا بِأَنَّهَا وصف يصير بِهِ الشَّخْص أَهلا لإِيجَاب مَاله وَمَا عَلَيْهِ. وَمن جعلهَا ذاتا عرفهَا بِأَنَّهَا نفس لَهَا عهد فَإِن الْإِنْسَان يُولد وَله ذمَّة صَالِحَة للْوُجُوب لَهُ وَعَلِيهِ عِنْد الْفُقَهَاء بِخِلَاف سَائِر الْحَيَوَانَات وَفِي جَامع الرموز فِي كتاب الْكفَالَة الذِّمَّة لُغَة الْعَهْد وَشرعا مَحل عهد جرى بَينه وَبَين الله تَعَالَى يَوْم الْمِيثَاق أَو وصف صَار بِهِ الْإِنْسَان مُكَلّف. فالذمة كالسبب وَالْعقل كالشرط ثمَّ استعير على الْقَوْلَيْنِ للنَّفس والذات بعلاقة الْجُزْئِيَّة والحلول فَقَوْلهم وَجب فِي ذمَّته أَي على نَفسه.
(بَاب الذَّال مَعَ النُّون)

الذَّنب: بِفَتْح الأول الثَّانِي بِالْفَارِسِيَّةِ (دم ودنبالة جشم) . وَجمعه الأذناب وَفِي (اللطائف) الذَّنب نجم من النُّجُوم. وبفتح الأول وَسُكُون الثَّانِي (الْمعْصِيَة) بِالْفَارِسِيَّةِ
(2/89)

(كناه) وَهُوَ مَا يحجبك عَن الله تَعَالَى وَجمعه الذُّنُوب. والذنب عِنْد المنجمين (الْعقْدَة) الَّتِي إِذا مر الْقَمَر مِنْهَا يكون جنوبيا وَإِن أردْت التَّوْضِيح فَارْجِع إِلَى الرَّأْس.
(بَاب الذَّال مَعَ الْوَاو)

ذُو القرنين: اسْمه اسكندر على الْأَشْهر ولقب بذلك لِأَنَّهُ ملك فَارس وَالروم. وَقيل لِأَنَّهُ دخل النُّور والظلمة. وَقيل لِأَنَّهُ كَانَ بِرَأْسِهِ شبه القرنين وَقيل كَانَ لَهُ ذوابتان وَقيل رأى فِي النّوم أَنه أَخذ بقرني الشَّمْس.
ف (47) :
الذوابة: بِالْفَارِسِيَّةِ (كيسو) وَفِي أساس البلاغة هِيَ الشّعْر المنسدل من وسط الرَّأْس إِلَى الظّهْر.
الذَّوْق: قُوَّة فِي العصب المفروش على جرم اللِّسَان وإدراكها بتوسط الرُّطُوبَة اللعابية بِأَن يخالطها أَجزَاء لَطِيفَة من ذَوي الطّعْم ثمَّ يغوص وَينفذ هَذِه الرُّطُوبَة مَعهَا فِي جرم اللِّسَان إِلَى الذائقة والمحسوس حِينَئِذٍ كَيْفيَّة ذِي الطّعْم وَتَكون الرُّطُوبَة وَاسِطَة لتسهل وُصُول الْأَجْزَاء اللطيفة الحاملة للكيفية إِلَى الحاسة أَو بِأَن يتكيف نفس الرُّطُوبَة بالطعم بِسَبَب الْمُجَاورَة فتغوص وَحدهَا فَتكون المحسوس كيفيتها.
والذوق عِنْد أَرْبَاب السلوك نور عرفاني يقذفه الله تَعَالَى فِي قُلُوب أوليائه يفرقون بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل من غير أَن ينْقل ذَلِك من كتاب أَو غَيره.
ذُو الرَّحِم: فِي اللُّغَة بِمَعْنى ذِي الْقَرَابَة مُطلقًا. وَفِي الشَّرْع كل قريب لَيْسَ بِذِي سهم مُقَدّر فِي كتاب الله تَعَالَى أَو سنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَو إِجْمَاع الْأمة وَلَا عصبَة.
ذُو الْعقل: ظَاهر. وَعند الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم هُوَ الَّذِي يرى الْخلق ظَاهرا وَالْحق بَاطِنا فَيكون الْحق عِنْده مرْآة الْخلق لاحتجاب الْمَرْأَة بالصور الظَّاهِرَة فِيهَا. وَكَذَا.
ذُو الْعين: عِنْدهم هُوَ الَّذِي يرى الْحق ظَاهرا والخلق بَاطِنا فَيكون الْخلق عِنْده مرْآة للحق وَظهر الْحق عِنْده واختفاء الْخلق فِيهِ اختفاء الْمرْآة بالصور.
ذُو الْعقل وَالْعين: هُوَ الَّذِي يرى الْخلق فِي الْحق وَهَذَا قرب النَّوَافِل وَيرى
(2/90)

الْحق فِي الْخلق وَهَذَا قرب الْفَرَائِض وَلَا يحتجب بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر بل يرى الْوُجُود الْوَاحِد بِعَيْنِه حَقًا من وَجه وخلقا من وَجه فَلَا يحتجب بِالْكَثْرَةِ عَن شُهُود الْوَجْه الْوَاحِد الْأَحَد كَمَا لَا يحتجب الرَّائِي بِكَثْرَة المرايا عَن شُهُود الْوَجْه الْوَاحِد وَلَا يزاحم فِي شُهُوده الْكَثْرَة الْخفية. وَكَذَا لَا يزاحم فِي شُهُود أحديته المتجلية فِي المجالي كثراتها. وَأَشَارَ إِلَى هَذِه الْمَرَاتِب الثَّلَاثَة الْعَارِف النامي مَوْلَانَا نور الدّين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس الله سره السَّامِي فِي رباعياته وفصلها فِي شرحها.
(بَاب الذَّال مَعَ الْهَاء)

الذَّهَب: الطلاء يَعْنِي زر وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا يَشْمَل الْفضة كَمَا قيل اسْتُرْ ذهبك وذهابك ومذهيك.
ف (48) :
الذِّهْن: قُوَّة للنَّفس الناطقة تشْتَمل على الْحَواس الظَّاهِرَة والباطنة معدة لِاكْتِسَابِ الْعُلُوم.
الذهنية: فِي الْقَضِيَّة الذهنية.
(2/91)

( [حرف الرَّاء] )

(بَاب الرَّاء مَعَ الْألف)

الراهب: هُوَ الْعَالم فِي الدّين المسيحي من الرهبانية هُوَ الِانْقِطَاع من الْخلق والتوجه إِلَى الْحق.
الرَّأْس: مَشْهُور والعالي من كل شَيْء رَأسه وَرَأس المَال فِي السّلم هُوَ الثّمن وَفِي شرح الجغميني وَهَذِه الأفلاك المائلة أَي هَذِه الدَّوَائِر المائلة الْحَادِثَة فِي سطوح الممثلات تقاطع الدَّوَائِر الْمُسَمَّاة بالأفلاك الممثلة على نقطتين متقابلتين لكَونهَا عظاما كالممثلات بِالنِّسْبَةِ إِلَى كراتها فَيكون نصفهَا شماليا مِنْهَا بل من منْطقَة البروج لكَونهَا فِي سطحها. وَالنّصف الآخر جنوبيا. إِحْدَاهمَا وَهِي مجَاز مَرْكَز تدوير الْكَوَاكِب عَن دَائِرَة البروج إِلَى الشمَال تسمى بِالرَّأْسِ. وَالْأُخْرَى بالذنب لأَنهم شبهوا الشكل الْحَادِث بَين نصفي المائل والممثل من الْجَانِب الْأَقْرَب بالتنين فَيكون إِحْدَى العقدتين رَأْسا وَالْأُخْرَى ذَنبا وَإِنَّمَا صَارَت الأولى رَأْسا لكَونهَا أشرف إِذْ الرَّأْس سعد والذنب نحس انْتهى.
ف (49) :
(بَاب الرَّاء مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الرِّبَاط: بِالْكَسْرِ (خانه وجاي فرود آمدن مسافران وسراي وَللَّه در الصائب) .
(از رباطتن جو بكذشي دكر معموره نيست ... )

(زَاد راهي برنمى دَاري ازين منزل جرا ... )

وبالفتح مَا يرْبط بِهِ مفاصل الْأَعْضَاء مثل مَا يكون فِي رُؤُوس الْعِظَام. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الرِّبَاط بِالْفَتْح عُضْو عصباني بِمَنْزِلَة الْوِعَاء للجسم كالعصب المفروش على جرم اللِّسَان.
(2/92)

الرّبع: بِالضَّمِّ (جهارم حصه) . وبالفتح منزل وسراي. وبالكسر الْحمى الَّتِي تَأْخُذ بعد يَوْمَيْنِ كَمَا ستعرف فِي الغب.
الرِّبَا: فِي اللُّغَة الزِّيَادَة وَالْفضل يُقَال هَذَا يَرْبُو على ذَلِك أَي يفضل وَسمي الْمَكَان الْمُرْتَفع ربوة لفضله على سَائِر الْأَمَاكِن. وَفِي الشَّرْع فضل مَال بِلَا عوض فِي مُعَاوضَة مَال بِمَال - وَفِي كنز الدقائق وعلته الْقدر - وَالْجِنْس - وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الرِّبَا كَمَا هُوَ الظَّاهِر. فَإِن قلت: هَذَا فَاسد لِأَن بيع الْمكيل وَالْمَوْزُون بِجِنْسِهِ متماثلا يَصح مَعَ وجود عِلّة الرِّبَا قُلْنَا: الْقدر - وَالْجِنْس - عِلّة وجوب الْمُسَاوَاة وَحُرْمَة الْفضل فَمَعْنَى قَوْله علته الْقدر وَالْجِنْس عِلّة وجوب الْمُسَاوَاة وَحُرْمَة الْفضل الَّتِي يلْزم عِنْد فَوَاتهَا الرِّبَا - الْقدر - وَالْجِنْس. وَالْمرَاد بِالْقدرِ الْكَيْل فِيمَا يُكَال وَالْوَزْن فِيمَا يُوزن وَالْمرَاد بِالْجِنْسِ النَّوْع كالحنطة بِالْحِنْطَةِ وَالدِّرْهَم بالدرهم.
وَاعْلَم أَنهم اتَّفقُوا على أَن لفظ الرِّبَا مرسوم بِالْوَاو فِي جَمِيع الْقُرْآن إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: {من رَبًّا ليربو} . فِي الرّوم فَإِنَّهُ مرسوم بِالْألف لِأَن الرِّبَا إِنَّمَا يكْتب بِالْوَاو لتدل على كَونه نَاقِصا (واويا) من رَبًّا يَرْبُو كدعا يَدْعُو لَا من ربى يُربي كرمى يَرْمِي بِخِلَاف قَوْله تَعَالَى: {من رَبًّا ليربو} فَإِن مضارعه مَذْكُور مَعَه وَفِيه (وَاو) فَهِيَ تدل على هَذَا الْغَرَض فَلَا حَاجَة إِلَى كِتَابَة الْوَاو هَا هُنَا.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَن الضابطة المضبوطة أَن الْألف المبدلة من الْيَاء يكْتب بِالْيَاءِ مثل رمى بِخِلَاف المبدلة من الْوَاو فَإِنَّهَا تكْتب بِالْألف مثل دَعَا فَلَا التباس.
الرباعي: عِنْد أَصْحَاب الْعرُوض البيتان المشتملان على أَرْبَعَة مصاريع كل مصرع على زنة لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
والرباعي: فِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الصّرْف مَا كَانَ حُرُوفه الْأُصُول أَرْبَعَة. فَإِن كَانَ مُجَردا عَن الْحُرُوف الزَّائِدَة فَهُوَ الرباعي الْمُجَرّد كدحرج وجعفر. وَإِلَّا فَهُوَ الرباعي الْمَزِيد فِيهِ كتدحرج وحنادل. وللماضي الرباعي الْمُجَرّد بِنَاء وَاحِد نَحْو دحرج على (فعلل) لأَنهم التزموا فِيهِ الفتحات لخفتها وَلما لم يكن فِي كَلَامهم أَربع حركات مُتَوَالِيَة فِي كلمة وَاحِدَة سكنوا الثَّانِي لِأَن إسكانه أولى من إسكان الأول وَالرَّابِع لِامْتِنَاع الِابْتِدَاء بالساكن وَوُجُوب فتح آخر الْمَاضِي إِذا لم يتَّصل بِهِ الضَّمِير الْمَرْفُوع وَمن إسكان الثَّالِث أَيْضا لِأَن الرَّابِع قد يسكن لاتصال الضَّمِير فَيلْزم التقاء الساكنين. وللماضي الرباعي الْمَزِيد فِيهِ ثَلَاثَة أبنية (تفعلل) كتدحرج (وافعنلل) كاحرنجم و (افعلل) كاقشعر. فَمَا فِيهِ همزَة الْوَصْل بَابَانِ. وَمَا لَيست فِيهِ بَاب وَاحِد. وللاسم الرباعي الْمُجَرّد خَمْسَة أبنية - جَعْفَر - وَدِرْهَم - وزبرج - وبرثن - وقمطر - (الجعفر) النَّهر الصَّغِير (والزبرج) الزِّينَة
(2/93)

(والبرثن) مخلب الْأسد (والقمطر) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْمِيم مَا يصان فِيهِ الْكتب.
وَاعْلَم أَن الْقيَاس كَانَ يَقْتَضِي أَن يكون للاسم الرباعي الْمُجَرّد ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ بِنَاء إِذْ هُوَ الْحَاصِل من ضرب اثْنَي عشر فِي الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ أَحْوَال اللَّام الأولى لَكِن لم يَأْتِ لَا مَا ذَكرْنَاهُ للاستثقال. وَالِاسْم الرباعي الْمَزِيد فِيهِ قَلِيل - كحنادل - وعلائقة. وللاسم الخماسي الْمُجَرّد أَرْبَعَة أبنية - سفرجل - وجحمرش - وقزعمل - وقرطعب. وللاسم الخماسي الْمَزِيد فِيهِ خَمْسَة أبنية - عضرفوط - خزعبيل - قرطبوس - خندريس - قبعثري.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْجِيم المنقوطة)

رَجَعَ: يرجع إِذا كَانَ من الرجع يكون مُتَعَدِّيا. وَإِذا كَانَ من الرُّجُوع يكون لَازِما. فاحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي كثير من الْمَوَاضِع.
رجال الْغَيْب: فِي الأبدال.
الرجل: بِفَتْح الأول وَضم الثَّانِي ذكر من بني آدم جَاوز حد الصغر بِالْبُلُوغِ سَوَاء كَانَت الْمُجَاوزَة حَقِيقَة كَمَا فِي أَبنَاء آدم عَلَيْهِ السَّلَام. أَو حكما كَمَا فِي آدم عَلَيْهِ السَّلَام. وَتَحْقِيق هَذَا المرام بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي كتَابنَا جَامع الغموض فِي شرح الْكَلِمَة وَفِي رسالتنا سيف المبتدين فِي قتل المغرورين.
الرّجْعَة: اسْم من رَجَعَ يرجع رُجُوعا بِكَسْر الرَّاء. وَفتحهَا افصح وَالرَّجْعَة فِي الطَّلَاق أَن يطْلب فِي الْعدة بَقَاء النِّكَاح الْقَائِم ودوامه على مَا كَانَ. وَالرَّجْعَة عِنْد أَصْحَاب الدعْوَة هِيَ رُجُوع الْعَمَل على الْعَامِل بِالْهَلَاكِ أَو الْمضرَّة. وَعند أَرْبَاب النُّجُوم هِيَ رُجُوع الْكَوْكَب إِلَى مَا مر عَلَيْهِ من الطّرق فَيكون كل من الرُّجُوع ثمَّ الْعود إِقَامَة وَسُكُون لما تقرر فِي مَوْضِعه أَنه لَا بُد بَين كل حركتين من السّكُون وَإِذا يعود إِلَى مروره الأول يكون سريع السّير. فَإِذا كَانَ مُقيما يقوم أَمر السَّائِل ويتوقف وَإِذا كَانَ سريع السّير يحصل أمره عَن قريب وَإِذا كَانَ فِي الرّجْعَة فَلَا يحصل أمره أصلا. أَقُول لَو كَانَ بَين رُجُوع كَوْكَب وَعوده سُكُون لزم السّكُون على الْفلك وَهُوَ بَاطِل قطعا لما تقرر أَن الْفلك متحرك دَائِما. وَالْحَاصِل أَنه يلْزم حِينَئِذٍ إِمَّا سُكُون الْفلك وَهُوَ بَاطِل لما مر أَو بطلَان مَا تقرر وَكِلَاهُمَا بَاطِل. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن مدَار السّكُون بَين الحركتين على استقامتهما وَهَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِك فَتَأمل.
الرَّجَاء: فِي اللُّغَة الفارسية اميد - وَفِي الِاصْطِلَاح تعلق الْقلب بِحُصُول مَحْبُوب فِي الْمُسْتَقْبل.
(2/94)

الرُّجُوع: هِيَ الْحَرَكَة على مَسَافَة الْحَرَكَة الأولى بِعَينهَا بِخِلَاف الانعطاف.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة)

الرَّحْمَة: إفَاضَة الْخَيْر وَإِرَادَة إيصاله وترسم تاؤها فِي الْقُرْآن الْمجِيد مُطَوَّلَة فِي الْبَقَرَة نَحْو {أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله} . وَفِي الْأَعْرَاف نَحْو {إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ} . أَي إحسانه فَلَا إِشْكَال - وَفِي (هود) نَحْو {رَحْمَة الله وَبَرَكَاته} - وَفِي (مَرْيَم) و {ذكر رَحْمَة رَبك} - وَفِي (الرّوم) نَحْو {فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله} - وَفِي (الزخرف) فِي موضِعين نَحْو {أهم يقسمون رَحْمَة رَبك. وَرَحْمَة رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ} .
(بَاب الرَّاء مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة)

الرخوة: بِالْكَسْرِ من الرخاوة الَّتِي هِيَ اللين. والحروف الرخوة فِي الشَّدِيدَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الرُّخْصَة: التَّيْسِير والسهولة. وَفِي الشَّرِيعَة اسْم لما شرع مُتَعَلقا بالعوارض أَي مَا استبيح لعذر مَعَ قيام الدَّلِيل الْمحرم. وَقيل الرُّخْصَة مَا تغير من عسر إِلَى يسر بِوَاسِطَة عذر الْمُكَلف. وَقيل الرُّخْصَة مَا بني على أعذار الْعباد. ويقابلها الْعَزِيمَة كإفطار الْمُكْره فِي رَمَضَان وإتلافه مَال الْغَيْر إِذا كَانَ إكراهه بِمَا فِيهِ الجاء أَي عجز وَخَوف فِي هَلَاك النَّفس. وتفصيل أَنْوَاع الرُّخْصَة فِي أصُول الْفِقْه.
(بَاب الرَّاء مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الرَّد: فِي اصْطِلَاح الْفَرَائِض إِعْطَاء مَا فضل من الْمخْرج عَن فرض ذَوي الْفُرُوض لِذَوي الْفُرُوض على حسب النّسَب بَين سِهَامهمْ عِنْد عدم الْعصبَة. وَبِعِبَارَة أُخْرَى صرف مَا فضل عَن فرض ذَوي الْفُرُوض إِلَيْهِم بِقدر حُقُوقهم وَلَا مُسْتَحقّ لَهُ من الْعَصَبَات وَيرد على أَصْحَاب الْفُرُوض النسبية دون ذَوي الْفُرُوض السَّبَبِيَّة أَعنِي الزَّوْجَيْنِ. والزيلعي ذكر أَن مَا فضل بعد فرض أحد الزَّوْجَيْنِ يرد عَلَيْهِ فِي زَمَاننَا كَمَا سَيَجِيءُ مفصلا فِي الْعصبَة من جِهَة السَّبَب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الرِّدَاء: الطيلسان وَقد يُرَاد بِهِ الْحجاب الْحَائِل بَين الْقلب وعالم الْقُدس باستيلاء السَّيِّئَات النفسانية ورسوخ الظُّلُمَات الجسمانية فِيهِ بِحَيْثُ يحتجب عَن أنوار الربوبية بِالْكُلِّيَّةِ. وَفِي اصْطِلَاح المشائخ الصُّوفِيَّة ظُهُور صِفَات الْحق على العَبْد.
(2/95)

رد الْعَجز على الصَّدْر: من المحسنات اللفظية البديعية وَهُوَ فِي النثر إِن يَجْعَل أحد اللَّفْظَيْنِ المكررين أَو المتجانسين أَو الملحقين بهما بِأَن يجمعها الِاشْتِقَاق أَو شبهه فِي أول الْفَقْرَة وَالْآخر فِي آخرهَا. وَفِي النّظم أَن يكون أَحدهمَا فِي آخر الْبَيْت وَاللَّفْظ الآخر فِي صدر المصراع الأول أَو حشوه أَو آخِره أَو صدر المصراع الثَّانِي. والأمثلة فِي كتب البديع.
الردء: بِالْكَسْرِ وَسُكُون الدَّال النَّاصِر كَمَا قَالَ ابْن الْأَثِير. وَعند الْفُقَهَاء العون الَّذِي جَاءَ للْقَتْل مَعَ الْقَوْم إِمَّا لم يحضر وَقت الْقَتْل بِمَرَض أَو غَيره من الْعذر. وَفِي شرح أبي المكارم لمختصر الْوِقَايَة الردء بِالْكَسْرِ العون تَقول ردأ أَي أعَان من بَاب فتح فالمصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَي المعاون للمقاتلة أَو للْخدمَة أَو غَيرهمَا.
(بَاب الرَّاء مَعَ الزَّاي الْمُعْجَمَة)

الرزق: متناول للْحَلَال وَالْحرَام لِأَنَّهُ اسْم لما يَسُوقهُ الله تَعَالَى إِلَى الْحَيَوَان فيأكله أَي يتَنَاوَلهُ فَيشْمَل المأكولات والمشروبات. وَلما كَانَ معنى الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى مُعْتَبرا فِي مَفْهُوم الرزق كَانَ هَذَا التَّفْسِير أولى من تَفْسِيره بِمَا يتغذى بِهِ الْحَيَوَان لخلوه عَن معنى الْإِضَافَة إِلَيْهِ تَعَالَى. وَعند الْمُعْتَزلَة الرزق عبارَة عَن مَمْلُوك يَأْكُلهُ الْمَالِك. وَتارَة فسروه بِمَا لَا يمْتَنع شرعا الِانْتِفَاع بِهِ. فعلى هَذَا لَا يكون الْحَرَام رزقا عِنْدهم. فَإِن قيل: إِن خمر الْمُسلم وخنزيره مملوكان لَهُ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَإِذا أكلهما يصدق على كل مِنْهُمَا تَعْرِيف الرزق لِأَنَّهُ مَمْلُوك يَأْكُلهُ الْمَالِك مَعَ أَنه حرَام وَالْحرَام لَيْسَ برزق عِنْدهم فالتعريف الْمَذْكُور لَيْسَ بمانع. قُلْنَا: فِي شرح نظم الأوحدي إِن الْحَرَام لَيْسَ بِملك عِنْد الْمُعْتَزلَة فَلَا انْتِقَاض بِالْخمرِ وَالْخِنْزِير لعدم كَونهمَا مملوكين للْمُسلمِ عِنْدهم وَإِن سلمنَا أَن الْحَرَام مَمْلُوك لَهُ عِنْدهم فَالْجَوَاب بِأَن المُرَاد بالمملوك المجعول ملكا بِمَعْنى الْمَأْذُون فِي التَّصَرُّف الشَّرْعِيّ بِدَلِيل أَن معنى الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى مُعْتَبر فِي مَفْهُوم الرزق بالِاتِّفَاقِ فَلَو لم يكن المُرَاد مَا ذكرنَا لخلا تَعْرِيف الرزق عَن ذَلِك الْمَعْنى فَيحصل بذلك المُرَاد الْحَيْثِيَّة الَّتِي ينْدَفع بهَا الانتقاض الْمَذْكُور أَي مَمْلُوك يَأْكُلهُ الْمَالِك من حَيْثُ إِنَّه مَمْلُوك بِأَن يكون مَأْذُونا فِي أكله.
وَأَنت تعلم أَنَّهُمَا من حَيْثُ الْأكل ليسَا بمملوكين لَهُ فَافْهَم. وَمَا فسرنا الرزق بِهِ أَعنِي مَا يَسُوقهُ الله تَعَالَى إِلَى الْحَيَوَان فيأكله مَشْهُور فِي الْعرف. وَقد يُفَسر بِمَا سَاقه الله تَعَالَى إِلَى الْحَيَوَان فَانْتَفع بِهِ بالتغذي أَو غَيره فَهُوَ شَامِل للمأكولات والمشروبات والملبوسات بل المراكب وَسَائِر مَا ينْتَفع بِهِ بِأَيّ وَجه كَانَ كالإنفاق على الْغَيْر. وَلِهَذَا قَالُوا إِن هَذَا التَّفْسِير يُوَافقهُ قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ} . لِأَن الِانْتِفَاع بِهِ جِهَة
(2/96)

الْإِنْفَاق على الْغَيْر بِخِلَاف التَّفْسِير الأول فَإِنَّهُ لَا يُوَافقهُ لِأَن مَا يتَنَاوَلهُ لَا يُمكن إِنْفَاقه على الْغَيْر. وَقيل فِي تَوْجِيه الْمُوَافقَة إِن الله تَعَالَى أطلق الرزق على الْمُنفق بِصِيغَة الْمَفْعُول مجَازًا بطرِيق المشارفة على وتيرة من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. يَعْنِي أَن الْمُنفق لما كَانَ مآله أَن يكون رزقا أطلق عَلَيْهِ الرزق فَلَيْسَ الْمُنفق رزقا حَقِيقَة حَتَّى لَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ} . التَّفْسِير الأول وَلَكِن يرد على التَّفْسِير الثَّانِي كَون العواري أَي مَا يُؤْخَذ بطرِيق الْعَارِية رزقا وَلَيْسَ برزق لِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهَا الرزق بِحَسب الْعرف واللغة. وَثَانِيهمَا: جَوَاز أكل شخص رزق غَيره وَهُوَ خلاف مَذْهَبنَا من أَن الْإِنْسَان لَا يَأْكُل رزق غَيره والرزق الْحسن مَا يصل إِلَى صَاحبه بِلَا كد فِي طلبه. وَقيل مَا وجد بِلَا ترقب وَلَا اكْتِسَاب.
(بَاب الرَّاء مَعَ السِّين الْمُهْملَة)

الرَّسْم: الْأَثر يُقَال رسم الدَّار أَي أَثَرهَا. وَفِي عرف المنطقيين الرَّسْم هُوَ الْمُمَيز العرضي وتحقيقه فِي الْحَد.
والرسم: عِنْد أَرْبَاب السلوك عبارَة عَن الْخلق وَصِفَاته.
الرَّسُول: فِي النَّبِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ فعول من.
الرسَالَة: وَهُوَ مصدر بِمَعْنى (فرستادن) . وَفِي الِاصْطِلَاح هِيَ سفارة العَبْد بَين الله وَبَين ذَوي الْعُقُول ليزيل بهَا عللهم وَيُعلمهُم مَا قصرت عَنهُ عُقُولهمْ من مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَأَيْضًا هِيَ المجلدة الْمُشْتَملَة على قَلِيل من الْمسَائِل الَّتِي تكون من نوع وَاحِد.
الرَّسْم التَّام: الْمُعَرّف الْمركب من الْجِنْس الْقَرِيب والخاصة كتعريف الْإِنْسَان بِالْحَيَوَانِ الضاحك إِمَّا كَونه رسما فلاشتماله على خَاصَّة الشَّيْء الَّتِي هِيَ أثر من آثَار الشَّيْء فَإِن رسم الدَّار أَثَرهَا. فتعريف الشَّيْء بالخاصة الَّتِي هِيَ أثر من آثاره تَعْرِيف بالأثر وَإِمَّا كَونه تَاما فلتحقق المشابهة بَينه وَبَين الْحَد التَّام من جِهَة أَنه وضع فِيهِ الْجِنْس الْقَرِيب. وَقيد بِأَمْر يخْتَص بالشَّيْء كَمَا أَن الْجِنْس فِي الْحَد التَّام مُقَيّد بِأَمْر كالناطق مُخْتَصّ بالشَّيْء وَهُوَ الْإِنْسَان مثلا.
الرَّسْم النَّاقِص: الْمُعَرّف الَّذِي يكون خَاصَّة وَحدهَا. أَو يكون مركبا مِنْهَا وَمن الْجِنْس الْبعيد. أَو من عرضيات يخْتَص جُمْلَتهَا من حَيْثُ الْمَجْمُوع بِحَقِيقَة وَاحِدَة. الأول: كتعريف الْإِنْسَان بالضاحك. وَالثَّانِي: كتعريفه بالجسم الضاحك. وَالثَّالِث:
(2/97)

كتعريفه بِأَنَّهُ ماش على قَدَمَيْهِ عريض الْأَظْفَار بَادِي الْبشرَة مُسْتَقِيم الْقَامَة ضحاك بالطبع إِمَّا كَونه رسما فَلَمَّا مر من أَن الْخَاصَّة اللَّازِمَة من آثَار الشَّيْء فَيكون تعريفا بالأثر الَّذِي هُوَ الرَّسْم. وَإِمَّا كَونه نَاقِصا فلعدم ذكر بعض أَجزَاء الرَّسْم التَّام حَتَّى تتَحَقَّق المشابهة بِالْحَدِّ التَّام كتحققها بَين الرَّسْم التَّام وَالْحَد التَّام.
الرسخ: فِي التناسخ.
(بَاب الرَّاء مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)

الرشد: هُوَ الاسْتقَامَة على طَرِيق الْحق.
الرشيد: فِي الْحجر.
الرِّشْوَة: بالحركات الثَّلَاث اسْم من الرِّشْوَة بِالْفَتْح. فِي اللُّغَة مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْحَاجة بالمضايقة بِأَن تصنع لَهُ شَيْئا ليصنع لَك شَيْئا آخر كَمَا قَالَ ابْن الْأَثِير.
وَفِي الشَّرْع مَا يَأْخُذهُ الْآخِذ ظلما بِجِهَة يَدْفَعهُ الدَّافِع إِلَيْهِ من هَذِه الْجِهَة. والمرتشي الْآخِذ - والراشي الدَّافِع. هَكَذَا فِي جَامع الرموز. وَفِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية الرِّشْوَة مَا يُؤْخَذ لإبطال حق أَو لإحقاق بَاطِل انْتهى.
وَقد لعن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الراشي والمرتشي. وَقيل الرايش أَيْضا وَهُوَ الَّذِي يمشي بَينهمَا وَتُؤْخَذ الرِّشْوَة على يَده. وَهَذِه بِشَارَة عَظِيمَة للمرتشيين سِيمَا لقضاة هَذَا الزَّمَان واخجلتاه وواحسرتاه وواندامتاه أَيهَا الإخوان.
اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَسَائِر شركائي ونجني وإياهم من النيرَان. واحفظني من الارتشاء وثبتني عِنْد الْمَوْت على الْإِيمَان. وَفِي الْأَشْبَاه والنظائر تجوز الرِّشْوَة للخوف على نَفسه أَو مَاله أَو ليسوي أمره عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير بِحَق إِلَّا القَاضِي فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ الْأَخْذ والإعطاء كَمَا بَيناهُ فِي شرح الْكَنْز من الْقَضَاء انْتهى. وللراشي أَخذ الرِّشْوَة عَن المرتشي جبرا وقهرا إِذا ظفر.
(بَاب الرَّاء مَعَ الضَّاد الْمُعْجَمَة)

الرضاء: سرُور الْقلب بمرور الْقَضَاء أَي جريانها. ورضاء الله تَعَالَى عِنْد أهل السّنة عبارَة عَن الْإِرَادَة مَعَ ترك الِاعْتِرَاض بالسؤال إِذا صدر بأنك لم فعلت وَلم تركت أَو عَن نفس ترك الِاعْتِرَاض. وَعند الْمُعْتَزلَة هُوَ الْإِرَادَة مُطلقًا أَي من غير تَقْيِيد بِعَدَمِ الِاعْتِرَاض فالرضاء عِنْدهم هُوَ الْإِرَادَة فَإِذا لم يرض لِعِبَادِهِ الْكفْر لم يكن مرَادا أَيْضا
(2/98)

فيلزمهم تخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة وَهُوَ لَا يَخْلُو عَن النَّقْص والمغلوبية وتخلف المرضي عَن الرِّضَا جَائِز عندنَا لعدم لُزُوم النَّقْص والشناعة لِأَنَّهُ لَا يلْزم من القَوْل بتخلف المرضي عَن الرِّضَا تخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة فَإِن الرِّضَا قد يُجَامع تعلق الْإِرَادَة كَمَا فِي إِيمَان الْمُؤمن وَقد لَا يجامعه كَمَا فِي كفر الْكَافِر فَإِنَّهُ تعلق بِهِ الْإِرَادَة دون الرِّضَا يَعْنِي أَن الْإِرَادَة أَعم تحققا وتعلقا من الرِّضَا فَلَا يلْزم من تخلف المرضي عَن الرِّضَا نقص وشناعة فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي حل المشكلات وَلَكِن كَون تخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة نقصا دون تخلف المرضي عَن الرِّضَا مَحل تَأمل كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الْحَوَاشِي على حَوَاشِي صَاحب الخيالات اللطيفة.
الرَّضَاع: فِي اللُّغَة شرب اللَّبن من الثدي. وَفِي الشَّرْع وُصُول اللَّبن الْخَالِص أَو الْمُخْتَلط غَالِبا من ثدي الْمَرْأَة إِلَى جَوف الصَّغِير من فَمه أَو أَنفه فِي مُدَّة الرضَاعَة. وَبَعْضهمْ فسره بِشرب اللَّبن الْمَذْكُور. وَفِي كنز الدقائق الرَّضَاع هُوَ مص الرَّضِيع من ثدي الْآدَمِيَّة فِي وَقت مَخْصُوص. وَالْمرَاد بالمص وُصُول اللَّبن الْمَذْكُور من قبيل إِطْلَاق السَّبَب وَإِرَادَة الْمُسَبّب فَإِن المص من أشهر أَسبَابه وأكثرها وَلِهَذَا اكْتفى بِهِ وَكَيف إِذا حلبت لَبنهَا فِي قَارُورَة تثبت الْحُرْمَة بإيجاره صَبيا وَإِن لم يُوجد المص فَلَا فرق بَين المص والعب والسعوط والوجور. فمدار ثُبُوت الرَّضَاع على وُصُول اللَّبن الْمَذْكُور حَتَّى لَو أدخلت امْرَأَة حلمة ثديها فِي فَم رَضِيع وَلَا يدْرِي أَدخل اللَّبن فِي حلقه أم لَا لَا يحرم النِّكَاح لِأَن فِي الْمَانِع شكا وَإِنَّمَا قيدناه بالفم وَالْأنف ليخرج مَا إِذا وصل بالأقطار فِي الْأذن والإحليل والجائفة والآمة وبالحقنة فَإِنَّهُ لَا يحرم النِّكَاح كَمَا فِي الْبَحْر الرَّائِق والإيجار (دارودردهان ريختن وجور دارودردهان) كَذَا فِي الصراح.
وَمُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا وَفِي شرح أبي المكارم الرَّضَاع بِالْفَتْح وَالْكَسْر مصدر رضع يرضع كسمع يسمع وَلأَهل النجد رضع يرضع رضعا كضرب يضْرب ضربا ذكره الْجَوْهَرِي وَهُوَ عَام لُغَة خَاص شرعا بمص الطِّفْل اللَّبن من ثدي الْمَرْأَة فِي وَقت مَخْصُوص انْتهى. وَتثبت بِالرّضَاعِ حُرْمَة النِّكَاح وَالنِّسَاء الَّتِي تحرم نِكَاحهَا بِالرّضَاعِ فِي هَذَا الْبَيْت:
(ازجانب شيرده همه خويش شوند ... )

(وازجانب شير خواره زوجان وفروع ... )

الرضخ: الْإِعْطَاء الْقَلِيل من الْغَنَائِم بِحَسب مَا يرى الإِمَام.
(2/99)

(بَاب الرَّاء مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)

الرُّطُوبَة: كَيْفيَّة تَقْتَضِي سهولة التشكل والتفرق والاتصال. وَفِي الْعين الباصرة ثَلَاث رطوبات كَمَا ستقف فِي الْعين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الرطل: الْبَغْدَادِيّ عشرُون أستارا والأستار أَرْبَعَة مَثَاقِيل. وَفِي كتب الْفِقْه أَن الرطل نصف الْمَنّ وَفِي الْقنية (مِثْقَال جارونيم ماشه بس برين تَقْدِير وزن رَطْل جهارده تنكه عالمكيري وسيزده ماشه باشد) .
(بَاب الرَّاء مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

الرَّعْد: صَوت هائل يمزق السَّحَاب. وتفصيله أَن الدُّخان إِذا ارْتَفع مَعَ البخار الْمُخْتَلطين وانعقد السَّحَاب من البخار وَاحْتبسَ الدُّخان فِيمَا بَين السَّحَاب فَمَا صعد من الدُّخان إِلَى الْعُلُوّ لبَقَاء حرارته أَو نزل إِلَى السّفل لزوالها مزق السَّحَاب فِي صُعُوده أَو نُزُوله تمزيقا عنيفا فَيحصل صَوت هائل بالتمزيق. وَذَلِكَ الصَّوْت هُوَ الرَّعْد وَإِن اشتعل الدُّخان لما فِيهِ من الدهنية بالحركة العنيفة الْمُقْتَضِيَة للحرارة يُسمى برقا إِن كَانَ لطيفا وينطفي بِسُرْعَة وصاعقة إِن كَانَ غليظا.
الرعونة: التكبر والنفسانية نَفسه بالرفعة هُوَ الْوُقُوف مَعَ حظوظ النَّفس مُقْتَضى طباعها.
الرعاف: هُوَ الدَّم الْخَارِج من الْأنف وَيصير الْإِنْسَان بالرعاف الدَّائِم مَعْذُورًا وَحكم الْمَعْذُور فِي الْفِقْه.
ف (50) :
(بَاب الرَّاء مَعَ الْفَاء)

الرّفْع: بلندكردن. وَعند أهل الْحساب عبارَة عَن جعل الكسور صحاحا. وَهَذَا إِنَّمَا يُمكن إِذا كَانَ عدد الْكسر أَكثر من مخرجه لِأَنَّهُ إِذا سَاوَى مخرجه فَهُوَ وَاحِد صَحِيح وَإِن نقص عَنهُ فَلَا يُمكن جعله صَحِيحا فَلَا بُد من كَونه أَكثر من الْمخْرج ليَصِح جعله صَحِيحا. وَطَرِيق الْعَمَل فِيهِ أَن تقسم عدد الْكسر الَّذِي أَكثر من مخرجه على مخرجه فَإِن
(2/100)

لم يبْق من الْمَقْسُوم شَيْء فالخارج من الْقِسْمَة صَحِيح. وَإِن بَقِي مِنْهُ شَيْء فالخارج صَحِيح وَالْبَاقِي كسر. فمرفوع سِتَّة عشر ربعا بعد الْقِسْمَة على الْأَرْبَع الَّذِي هُوَ مخرج الرّبع أَرْبَعَة صِحَاح. ومرفوع خَمْسَة عشر ربعا بعد الْقِسْمَة الْمَذْكُورَة ثَلَاثَة صِحَاح وَثَلَاثَة أَربَاع لِأَنَّهَا أقل من الْمخْرج.
وَالرَّفْع: عِنْد النُّحَاة نوع من الْإِعْرَاب علم الفاعلية.
وَاعْلَم أَن بَين الرّفْع وَالنّصب والجر وَبَين الضمة والفتحة والكسرة فرقا بِحَسب الْإِطْلَاق. فَإِن الرّفْع وَالنّصب والجر بعد اختصاصها بإعراب المعرب عَامَّة شَامِلَة للحركات والحروف الإعرابية. والضمة والفتحة والكسرة بِالتَّاءِ بعد عمومها من حَيْثُ جَوَاز إِطْلَاقهَا على حركات المعرب والمبني خَاصَّة بالحركات أَي لَا تطلق على الْحُرُوف الْقَائِمَة مقَام الحركات. وَأما الضَّم وَالْفَتْح وَالْكَسْر بِغَيْر التَّاء فمختصة بالحركات البنائية.
ثمَّ اعْلَم: أَن الشفتين عِنْد تلفظ الرّفْع ترفعان إِلَى الْعُلُوّ وتضمان. وَعند تلفظ النصب تنصبان وتقومان على حَالهمَا وتنفتحان. وَعند تلفظ الْكسر تنكسر الشّفة السُّفْلى مِنْهُمَا وتميل إِلَى الْكسر والسقوط وتجر إِلَى الْأَسْفَل. وَمن هَذَا الْبَيَان رفيع الشَّأْن تنكشف وُجُوه التَّسْمِيَة بِهَذِهِ الْأَسَامِي كلهَا.
رفع الْيَدَيْنِ: مسنون للتكبير عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة. وَاخْتلف هَل شرع الرّفْع تعبدا أَو لحكمة. فَقيل لحكمة هِيَ الْإِشَارَة إِلَى التَّوْحِيد. وَقيل إِن يرَاهُ من لَا يسمع التَّكْبِير. وَقيل الْإِشَارَة إِلَى طرح أَمر الدُّنْيَا والإقبال بكليته على عباده الْمولى. وَقيل غير ذَلِك كَمَا ذكره ملا عَليّ الْقَارئ.
رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي: لَيْسَ كل حَيَوَان حجر وَلَيْسَ كل حَيَوَان إِنْسَان فَلهُ قِسْمَانِ: أَحدهمَا: السَّلب الْكُلِّي كالمثال الأول. وَالثَّانِي: السَّلب الجزئي كالمثال الثَّانِي. وَلِهَذَا قَالُوا إِن رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي لَا يُنَافِي الْإِيجَاب الجزئي. وَلَا يخفى عَلَيْك أَن للسلب الجزئي مَعْنيانِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي مَحَله وَهُوَ قسم من رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي بِأَحَدِهِمَا مسَاوٍ لَهُ لَازم لَهُ بِالْمَعْنَى الآخر فَتَأمل.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْقَاف)

الرقبى: على وزن قصوى وَهِي شَرط فَاسد فِي الْهِبَة مَعْنَاهَا إِن مت فالدار مثلا لَك وَإِلَّا فَهِيَ لي فَإِن وهب رجل دَاره لآخر بِهَذَا الشَّرْط فالهبة صَحِيحَة وَالشّرط فَاسد وَهِي من المراقبة فَإِن كل وَاحِد يرقب موت صَاحبه كَأَنَّهُ يَقُول أراقب موتك وتراقب موتِي فَإِن مت فَهِيَ لَك وَإِن مت فَهِيَ لي.
(2/101)

الرقم: بتسكين الْعين الْكِتَابَة وَبِفَتْحِهَا مَا وَضعه حكماء الْهِنْد للأعداد اختصارا فِي الْأَعْمَال العددية وَجمعه الأرقام. وأصولها تِسْعَة مَشْهُورَة وَهِي هَذِه: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9.
وَاعْلَم أَن كل صُورَة من الصُّور التسع المرقومة إِذا وَقعت فِي أول الْمَرَاتِب الآخذة من الْيَمين إِلَى الْيَسَار بِحَيْثُ لَا يسْبق عَلَيْهِ رقم صفرا كَانَ أَو عددا كَانَت عَلامَة أحد الْأَعْدَاد الَّتِي من الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة. وَإِن وَقعت فِي ثَانِيَة الْمَرَاتِب كَانَت عَلامَة إِحْدَى الْعُقُود الَّتِي هِيَ من الْعشْرَة إِلَى التسعين. وَإِن وَقعت فِي ثَالِثَة الْمَرَاتِب كَانَت عَلامَة إِحْدَى الْعُقُود الَّتِي هِيَ من الْمِائَة إِلَى تسع مائَة وَإِن وَقعت فِي رَابِعَة الْمَرَاتِب كَانَت عَلامَة ألف إِلَى تِسْعَة أُلُوف وَهَكَذَا.
وخطر بالبال ضابطة هَذَا الْمقَال أَن كل رقم بعد الرقم الأول يكون عَلامَة للعشرة المركبة من عشرَة أَمْثَال مَا قبله - فَإِن كَانَ رقم الْوَاحِد فَيكون المُرَاد مِنْهُ عشرَة كَذَلِك - وَإِن كَانَ رقم اثْنَيْنِ يكون المُرَاد عشرتين كَذَلِك وَقس على ذَلِك ينفعك ويسهلك فهم المُرَاد من الأرقام، فَإِن رسمت خَمْسَة الفات هَكَذَا 11111 فَالْمُرَاد من الْألف الثَّانِي الْعشْرَة - وَمن الْألف الثَّالِث الْمِائَة - وَمن الرَّابِع الْألف - وَمن الْخَامِس عشرَة آلَاف. وَلَا شكّ أَن الْعشْرَة مركبة من عشرَة أَمْثَال مَا قبله وَهُوَ الْألف الأول الَّذِي أُرِيد بِهِ الْوَاحِد وَكَذَا الْمِائَة عشرَة مركبة من عشرَة أَمْثَال مَا قبله وَهُوَ الْألف الثَّانِي الَّذِي أُرِيد بِهِ الْعشْرَة. وَلَا شكّ أَن الْعشْرَة إِذا أخذت عشرَة مَرَّات تحصل مائَة. وَالْمرَاد بِالْألف الرَّابِع الْألف. وَلَا شكّ أَن الْألف عشر مئات. وَالْمرَاد بِالْألف الْخَامِس عشر آلَاف. وَأَنت تعلم أَنَّهَا مركبة من عشرَة أَمْثَال الْألف وَقس عَلَيْهِ مَا شِئْت من الأرقام.
الرّقّ: فِي اللُّغَة الضعْف يُقَال ثوب رَقِيق أَي ضَعِيف النسج وَمِنْه رقة الْقلب. وَفِي الْفِقْه عِنْد الْجُمْهُور عبارَة عَن ضعف حكمي شرع جَزَاء فِي الأَصْل عَن الْكفْر. وَعند الْبَعْض الرّقّ عجز حكمي لَا يقدر صَاحبه بِهِ على التَّصَرُّفَات والولايات. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه ضعف لِأَن الشَّخْص بِسَبَبِهِ يكون عَاجِزا لَا يملك مَا يملكهُ الْحر من الشَّهَادَة وَالْقَضَاء بل يصير مَمْلُوكا للْغَيْر بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا يتَمَلَّك سَائِر الْمُبَاحَات بالاصطياد. وتوصيف الضعْف بالحكمي احْتِرَاز عَن الْحسي فَإِن العَبْد رُبمَا يكون أقوى من الْحر حسا لِأَن الرّقّ لَا يُوجِبهُ خللا فِي أَعْضَائِهِ وَقواهُ. فالرقيق وَإِن كَانَ قَوِيا جسيما عَاجز لَا يقدر على الشَّهَادَة وَالْقَضَاء وَالْولَايَة والتزوج ومالكية المَال. وَمعنى كَونه (جُزْءا فِي الأَصْل) أَن الرّقّ فِي أصل وَصفه وَابْتِدَاء ثُبُوته جَزَاء الْكفْر فَإِن الْكفَّار لما استنكفوا عبَادَة الله تَعَالَى وصيروا أنفسهم مُلْحقَة بالجمادات حَيْثُ لم ينتفعوا بعقولهم وسمعهم وأبصارهم بِالتَّأَمُّلِ فِي آيَات الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي دَلَائِل وحدانيته تَعَالَى والمعجزات الباهرات الدَّالَّة على صدق أنبيائه وَرُسُله جازاهم الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالرّقِّ الَّذِي صَارُوا بِهِ محَال الْملك وجعلهم عبيد عبيده
(2/102)

وألحقهم بالبهائم فِي التَّمَلُّك والابتذال. ولكونه جَزَاء الْكفْر فِي الأَصْل لَا يثبت على الْمُسلم لكنه فِي حَال الْبَقَاء صَار ثَابتا بِحكم الشَّرْع حكما من أَحْكَامه من غير أَن يكون معنى جَزَاء الْكفْر مرعيا فِيهِ وَمن غير أَن يلْتَفت إِلَى جِهَة الْعقُوبَة.
أَلا ترى أَن العَبْد يبْقى رَقِيقا وَإِن أسلم وَصَارَ من الاتقياء وَيكون ولد الْأمة الْمسلمَة رَقِيقا وَإِن لم يُوجد مِنْهُ مَا يسْتَحق بِهِ الْجَزَاء وَهُوَ كالخراج فَإِنَّهُ فِي الِابْتِدَاء يثبت بطرِيق الْعقُوبَة حَتَّى يثبت ابْتِدَاء على الْمُسلم لكنه فِي حَال الْبَقَاء صَار من الْأُمُور الْحكمِيَّة حَتَّى لَو اشْترى الْمُسلم أَرض الْخراج لزم عَلَيْهِ الْخراج وَالنِّسْبَة بَين الرّقّ وَالْملك وَالْفرق بَين التعريفين الْمَذْكُورين فِي الْملك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الرَّقِيق: من يَتَّصِف بِالرّقِّ أَو المرقوق.
الرقيقة: هِيَ اللطيفة الروحانية. وَقد تطلق على الْوَاسِطَة اللطيفة والرابطة بَين الشَّيْئَيْنِ كالمدد من الْحق إِلَى العَبْد.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْكَاف)

الرِّكَاز: المَال المركوز فِي الأَرْض مخلوقا كَانَ أَو مَوْضُوعا فِيهَا فَهُوَ أَعم من الْمَعْدن والكنز و (الْمَعْدن) مَا خلقه الله تَعَالَى فِي الأَرْض يَوْم خلقهَا و (الْكَنْز) اسْم لما دَفنه بَنو آدم و (الرِّكَاز) اسْم لَهما.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْمِيم)

رَمَضَان: من الرمض وَهُوَ شدَّة الْحر وَإِنَّمَا سمي الشَّهْر بِشَهْر رَمَضَان لأَنهم لما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا فوَاق زمن الْحر. أَو لِأَن رَمَضَان من رمض الصَّائِم اشْتَدَّ حر جَوْفه. أَو لِأَنَّهُ يحرق الذُّنُوب. ورمضان إِن صَحَّ أَنه من أَسمَاء الله تَعَالَى فَغير مُشْتَقّ أَو رَاجع إِلَى معنى الغافر أَي يمحو الذُّنُوب ويمحقها. وَالْعلم هُوَ شهر رَمَضَان بِالْإِضَافَة ورمضان مَحْمُول على الْحَذف للتَّخْفِيف ذكره جَار الله فِي الْكَشَّاف وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ رَمَضَان علما لَكَانَ شهر رَمَضَان بِمَنْزِلَة إِنْسَان زيد. وَلَا يخفى قبحه وَلِهَذَا كثر فِي كَلَام الْعَرَب شهر رَمَضَان وَلم يسمع شهر رَجَب وَشهر شعْبَان على الْإِضَافَة لِأَنَّهُمَا علمَان فَلَو أضيف الشَّهْر إِلَيْهِمَا لزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور هَكَذَا فِي التَّلْوِيح.
الرمل: فِي بَاب الْحَج هُوَ الْمَشْي فِي طواف بَيت الله الْحَرَام سَرِيعا. وتحريك الْكَتِفَيْنِ كالمبارز بَين الصفين وَهُوَ مَعَ الاضطباع مسنون وَفِي شرح الْوِقَايَة وَكَانَ سَببه
(2/103)

إِظْهَار الجلادة للْمُشْرِكين حَيْثُ قَالُوا أضنتهم حمى يثرب الحكم بعد زَوَال السَّبَب فِي زمَان النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَبعده انْتهى.
ف (51) :
(بَاب الرَّاء مَعَ الْوَاو)

الرواقيون: اعْلَم أَن تلامذة أفلاطون ثَلَاثَة فرق: الأولى: الإشراقيون وهم الَّذين جردوا أَلْوَاح عُقُولهمْ عَن النُّفُوس الكونية فأشرقت عَلَيْهِم لمعات أنوار الْحِكْمَة من لوح النَّفس الأفلاطونية من غير عبارَة وَإِشَارَة. وَالثَّانيَِة: الرواقيون وهم الَّذين حَضَرُوا مَجْلِسه وجلسوا فِي الرواق واقتبسوا أنوار الْحِكْمَة من عباراته وإشاراته. وَالثَّالِثَة: المشاؤون وهم الَّذين يَمْشُونَ فِي ركابه واستفادوا الْحِكْمَة مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالة وأرسطو مِنْهُم وَقيل المشاؤون هم الَّذين يَمْشُونَ فِي ركاب أرسطو.
رُؤْيا الْمُؤمن: جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمَنَام وَذَلِكَ لِأَن مُدَّة الْوَحْي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَت ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَت ابتداؤه سِتَّة أشهر فِي النّوم وبالتنصيف يصير سِتَّة وَأَرْبَعين نصف سنة فَتكون الرُّؤْيَا وَهِي سِتَّة أشهر جُزْءا مِنْهَا. وَقَالَ الْفَاضِل المدقق مَوْلَانَا عِصَام الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح الشَّمَائِل جعل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الرُّؤْيَا جُزْءا من النُّبُوَّة وَيُرَاد بِهِ أَنه مُوَافق لما هُوَ جُزْء من النُّبُوَّة.
وتوجيه كَونه جُزْءا من سِتَّة وَأَرْبَعين بِأَن زمَان الْوَحْي ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَسِتَّة أشهر قبلهَا كَانَت رُؤْيا ضَعِيف لِأَنَّهُ لم يثبت كَون زمَان الرُّؤْيَا سِتَّة أشهر وَلِأَنَّهُ كَمَا جَاءَ سِتَّة وَأَرْبَعين. جَاءَ فِي رُؤْيَة مُسلم رُؤْيا الْمُسلم جُزْء من خَمْسَة وَأَرْبَعين وَجَاء من سبعين. وَفِي غير مُسلم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا من أَرْبَعِينَ جُزْءا وَفِي رِوَايَة من تِسْعَة وَأَرْبَعين وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من خمسين وَفِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود من عشْرين وَمن رِوَايَة عباد من أَرْبَعَة وَأَرْبَعين. وَالْحق أَنه من التوقيفيات وَلَا يعرف إِلَّا بِبَيَان الشَّارِع انْتهى.
وروى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يبْق من النُّبُوَّة إِلَّا الْمُبَشِّرَات قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَات قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة - وَقَالَ الْخطابِيّ رَحمَه الله المُرَاد من رُؤْيا الْمُؤمن الحَدِيث تَحْقِيق أَمر من الرُّؤْيَا وتأكيده إِيَّاه وَإِنَّمَا كَانَت جُزْءا من أَجزَاء النُّبُوَّة فِي حق الْأَنْبِيَاء دون غَيرهم فَكَانَ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام يُوحى إِلَيْهِم فِي النّوم واليقظة انْتهى.
الرُّؤْيَا: بِالضَّمِّ مصدر كالبشرى وَجَمعهَا رُؤِيَ بِالتَّنْوِينِ ذكره الْجَوْهَرِي وَهِي مَا يرى فِي الْمَنَام وَهِي صَادِقَة وكاذبة.
(2/104)

ف (52) "
الرّوم: بِالْفَتْح فِي الْقَامُوس الطّلب وحركة مختلسة مخفاة وَهِي أَكثر من الأشمام لِأَنَّهَا تسمع. وَهُوَ عِنْد عُلَمَاء الصّرْف تصوت ضَعِيف كَأَنَّك تروم الْحَرَكَة وَلَا تتمها بل تختلسها اختلاسا تَنْبِيها على حَرَكَة الْوَصْل ونبذ من تَفْصِيله فِي الأشمام وَفِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية الرّوم أَن يَأْتِي بالحركة الْخَفِيفَة بِحَيْثُ لَا يشْعر بِهِ الْأَصَم.
الرّوح الإنساني: اللطيفة العاملة المدركة من الْإِنْسَان الراكبة على الرّوح الحيواني نَازل من عَالم الْأَمر يعجز الْعُقُول عَن إِدْرَاك كنهه وَتلك الرّوح قد تكون مُجَرّدَة وَقد تكون منطبعة فِي الْبدن.
الرّوح الحيواني: جسم لطيف منبعث عَن تجويف الْقلب الجسماني وينتشر بِوَاسِطَة الْعُرُوق الضوارب إِلَى سَائِر أَجزَاء الْبدن.
الرّوح الْأَعْظَم: هُوَ الرّوح الإنساني مظهر الذَّات الإلهية من حَيْثُ ربوبيتها وَلذَلِك لَا يُمكن أَن يحوم حولهَا حائم وَلَا يروم وَصلهَا رائم لَا يعلم كنهه إِلَّا الله العلام هُوَ الْعقل الأول والحقيقة المحمدية وَالنَّفس الْوَاحِدَة والحقيقة الاسمائية وَهُوَ أول مَوْجُود خلقه الله تَعَالَى على صورته.
الروي: هُوَ الْحَرْف الْوَاقِع فِي آخر القافية. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ الْحَرْف الَّذِي تبتنى عَلَيْهِ القصيدة وتنسب إِلَيْهِ فَيُقَال قصيدة ميمية أَو لامية.
الرُّؤْيَة: الْمُشَاهدَة بالبصر وَهِي الرُّؤْيَة البصرية أَو بِالْقَلْبِ وَهِي الرُّؤْيَة القلبية والعلمية وَكَيْفِيَّة الرُّؤْيَة فِي قَوس قزَح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمرَاد بِالرُّؤْيَةِ فِي قَوْلهم ورؤية الله تَعَالَى جَائِزَة فِي الْعقل الانكشاف التَّام بالبصر. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي شرح العقائد فِي مَبْحَث الرُّؤْيَة وَمن السمعيات قَوْله تَعَالَى: {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم كَون الْأَبْصَار إِلَى قَوْله على عُمُوم الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال. قَوْله بعد تَسْلِيم كَون الْأَبْصَار للاستغراق يَعْنِي لَا نسلم أَولا أَن الْأَبْصَار للاستغراق لم لَا يجوز أَن يكون إِشَارَة إِلَى الْبَعْض الْخَاص. قَوْله وإفادته عُمُوم السَّلب لَا سلب الْعُمُوم. يَعْنِي لَا نسلم أَولا أَنه يُفِيد عُمُوم السَّلب يَعْنِي لَا يُدْرِكهُ كل بصر من الْأَبْصَار لم لَا يجوز أَن يُفِيد سلب الْعُمُوم يَعْنِي لَا تُدْرِكهُ جَمِيع الْأَبْصَار فَيجوز أَن يُدْرِكهُ بعض الْأَبْصَار. قَوْله وَكَون الْإِدْرَاك الخ يَعْنِي لَا نسلم أَولا أَن الْمَنْفِيّ هُوَ الرُّؤْيَة مُطلقًا لم لَا يجوز أَن يكون الْمَنْفِيّ هُوَ الرُّؤْيَة على وَجه الْإِحَاطَة بجوانب المرئي. قَوْله إِنَّه لَا دلَالَة الخ. خير قَوْله وَالْجَوَاب يَعْنِي الْجَواب بعد هَذِه التسليمات أَنه يجوز أَن يكون المُرَاد لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَفِي وَقت خَاص وَحَال معهودة.
(2/105)

هَذَا مَا حررناه فِي التعليقات على ذَلِك الشَّرْح وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ هَا هُنَا طَاعَة لأمر بعض الأحباب. وَفِي رُؤْيَة نَبينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ربه تَعَالَى لَيْلَة الْمِعْرَاج اخْتلفت الرِّوَايَات. وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أفضل الْأَنْبِيَاء وحبِيب الله تَعَالَى وَبَينه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبَين الله تَعَالَى من الْأَسْرَار والرموز مَا لَيْسَ بَينه تَعَالَى وَبَين غَيره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِن جنابه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أقدس وَأَرْفَع نعم مَا قَالَ مَوْلَانَا جمالي ذُو الْجمال والكمال رَحمَه الله. (مُوسَى زهوش رفت زيك برتوصفات. توعين ذَات مي نكرِي درتبسمي) .
ورؤية الله تَعَالَى فِي الْمَنَام فِي (من رَآنِي فقد رأى الْحق) إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الروث: فِي الخثى.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْهَاء)

الرَّهْن: فِي اللُّغَة الْحَبْس وَجعل الشَّيْء مَحْبُوسًا أَي شَيْء كَانَ بِأَيّ سَبَب كَانَ وَفِي الشَّرْع هُوَ حبس شَيْء بِحَق يُمكن اسْتِيفَاء ذَلِك الْحق من ذَلِك الشَّيْء وَذَلِكَ الْحق هُوَ الدّين وَيُطلق على الْمَرْهُون أَيْضا تَسْمِيَة للْمَفْعُول باسم الْمصدر.
الرَّهْط: من الثَّلَاثَة أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة كَذَا فِي مُخْتَصر الْكَشَّاف.
(بَاب الرَّاء مَعَ الْيَاء)

الريمياء: فِي الطلسم.
الرياضي: هُوَ الْعلم الْأَوْسَط فاطلبه هُنَاكَ.
الرِّيَاء: زِيَادَة الْعَمَل الْخَيْر على الْمُعْتَاد لإراءة النَّاس فَلهَذَا يتَصَوَّر فِي الصَّلَاة دون الصَّوْم نعم يتَصَوَّر فِي عدد الصَّوْم. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الرِّيَاء ترك الْإِخْلَاص فِي الْعَمَل بملاحظة غير الله فِيهِ.
الرّيح: هُوَ المتحرك من الْهَوَاء وَله أَسبَاب شَتَّى لِأَنَّهُ قد يكون لاندفاع من جَانب إِلَى جَانب يعرض لَهُ بِسَبَب تراكم السحب وتزاحمها. وَقد يكون لانبساط الْهَوَاء بالتخلخل فِي جِهَة واندفاعه من جِهَة إِلَى جِهَة أُخْرَى فَيدْفَع الْهَوَاء المنبسط مَا يجاوره وَذَلِكَ المجاور أَيْضا يدافع مَا يجاوره فيتموج الْهَوَاء وتضعف تِلْكَ المدافعة شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى غَايَة مَا فيقف وَقد يكون لتكاثف الْهَوَاء لِأَنَّهُ إِذا صغر حجمه يَتَحَرَّك الْهَوَاء المجاور إِلَى جِهَة ضَرُورَة امْتنَاع الْخَلَاء وَقد يكون بِسَبَب برد الدُّخان المتصعد إِلَى الطَّبَقَة الزمهريرية ونزوله.
(2/106)

اعْلَم أَن الرّيح وَاحِدًا تسْتَعْمل فِي الشَّرّ والرياح جمعا فِي الْخَيْر. فَإِن قلت: فَكيف قَالَ صَاحب القصيدة الْبردَة أَبُو عبد الله الشَّيْخ شرف الدّين مُحَمَّد بن سعيد قدس سره فِيهَا. أم هبت الرّيح من تِلْقَاء كاظمة. مَعَ أَن الرّيح الَّتِي جَاءَت من جَانب الحبيبة خير لَا شَرّ قُلْنَا: ذَلِك فِيمَا إِذا اسْتعْملت نكرَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {برِيح صَرْصَر عاتيه وجاءتها ريح عاصف} . بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت معرفَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام أَنِّي لأجد ريح يُوسُف. فَافْهَم واحفظ.
الرياضة: تَهْذِيب الْأَخْلَاق النفسية وإيقاع الْبدن فِي الْمَشَقَّة لتحصيله وَلِهَذَا قَالَ قَائِل.
(بِي رياضت نتوان شهرة آفَاق شدن ... مَه جو لاغرشود انكشت نما ميكردد)

فِي شمائل الأتقياء الرياضة هِيَ الْأَعْرَاض عَن الْأَغْرَاض الشهوانية والإقبال إِلَى الطّرق الربانية فَعِنْدَ الشَّرِيعَة مِمَّا كَانَ حَرَامًا وَعند الطَّرِيقَة مِمَّا كَانَ مُبَاحا وَعند الْحَقِيقَة مِمَّا كَانَ حَلَالا.
الريب: اسْم بِمَعْنى الشَّك لَا مصدر وَقد يَجْعَل مصدرا من بَاب راب يريب إِذا أوقع فِي الشَّك فَمَعْنَاه الْإِيقَاع فِيهِ. قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول قَوْله مِمَّا لَا يَصح أَن يحكم بِهِ لِكَثْرَة المرتابين وَذَلِكَ لِأَن الريب هَا هُنَا بِمَعْنى الشَّك فوجود المرتاب يسْتَلْزم وجوده قطعا وَإِن جعل مصدرا لقولنا رابه فارتاب احْتِيجَ إِلَى تكلّف وَهُوَ أَن الارتياب الخ.
اعْلَم أَن غَرَض السَّيِّد قدس سره من هَذَا الْكَلَام دفع مَا يرد من أَن تَعْلِيل عدم صِحَة الحكم بِلَا ريب فِيهِ بِكَثْرَة المرتابين لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن وجود المرتابين يسْتَلْزم وجود الارتياب لَا وجود الريب حَتَّى لَا يَصح الحكم بِلَا ريب. وَحَاصِل الدّفع أَن الريب فِي الْآيَة الْكَرِيمَة اسْم بِمَعْنى الشَّك لَا مصدر من رابه فارتاب بِمَعْنى الْإِيقَاع فِي الشَّك فوجود الارتياب مُسْتَلْزم لوُجُود الريب فصح التَّعْلِيل بِلَا كلفه وَإِن جعل مصدر أفصحته محتاجة إِلَى تكلّف بِأَن الارتياب أثر الريب وَوُجُود الْأَثر دَال على وجود التَّأْثِير فوجود الارتياب دَال على وجود الريب فصح لتعليل بِلَا ريب. فَافْهَم وَكن من الشَّاكِرِينَ.
(2/107)

( [حرف الزَّاي] )

(بَاب الزَّاي مَعَ الْألف)

الزَّائِد: من زَاد يزِيد زِيَادَة. وَفِي عرف أَرْبَاب الْحساب مَا مر فِي التَّام وَيُسمى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي بَاب الْجَبْر والمقابلة زَائِد أَو الْمُسْتَثْنى نَاقِصا. وَمعنى قَوْلهم إِن ضرب الزَّائِد فِي مثله والناقص فِي مثله زائدان مَا لَيْسَ بداخل تَحت حرف الِاسْتِثْنَاء إِذا ضرب فِي مثله يكون الْحَاصِل أَيْضا كَذَلِك كَمَا إِذا ضربت عشرَة أعداد فِي عشرَة أعداد يكون الْحَاصِل مائَة لَا إِلَّا مائَة وَإِذا ضرب مَا كَانَ دَاخِلا تَحت حرف اسْتثِْنَاء فِي مثله يكون الْحَاصِل مَا لَيْسَ بداخل تَحْتَهُ كَمَا إِذا ضربت الْأَشْيَاء فِي الْأَشْيَاء يكون الْحَاصِل مَالا. وَمعنى قَوْلهم إِن ضرب الْمُخْتَلِفين نَاقص إِن مَا كَانَ دَاخِلا تَحت حرف الِاسْتِثْنَاء إِذا ضرب فِيمَا لَيْسَ دَاخِلا تَحْتَهُ يكون الْحَاصِل نَاقِصا أَي دَاخِلا تَحت حرف الِاسْتِثْنَاء كَمَا إِذا ضربت الْأَشْيَاء فِي مَال أَو بِالْعَكْسِ يكون الْحَاصِل إِلَّا مَالا. فَافْهَم واحفظ.
الزاوية: لَيست بشكل بل هَيْئَة وَكَيْفِيَّة عارضة للمقدار من حَيْثُ إِنَّه محاط بِحَدّ كَمَا فِي رَأس المخروط المستدير أَو أَكثر إحاطة غير تَامَّة. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ الْهَيْئَة الْعَارِضَة للسطح الْحَاصِلَة بتلاقي الخطين مثلا على نقطة من السَّطْح وَهِي قَائِمَة ومنفرجة وحادة لِأَنَّهُ إِذا وَقع خطّ مُسْتَقِيم على مثله بِحَيْثُ يحدث عَن جَنْبَيْهِ زاويتان متساويتان فَكل وَاحِدَة مِنْهُمَا تسمى قَائِمَة وهما قائمتان وَإِذا وَقع بِحَيْثُ يحدث هُنَاكَ زاويتان مُخْتَلِفَتَانِ فِي الصغر وَالْكبر فالصغرى تسمى حادة والكبرى منفرجة. وَأما إِذا وَقع خطّ مُسْتَقِيم على قَوس فَإِنَّهُ يحدث حادتان فِي الدَّاخِل ومنفرجتان فِي الْخَارِج. فَيعلم من هَذَا الْبَيَان أَن حُصُول الزاوية غير مُحْتَاج إِلَى الْإِحَاطَة التَّامَّة وَأما حُصُول الزوايا الثَّلَاث للمثلث فَهُوَ مَوْقُوف على الْإِحَاطَة التَّامَّة. لَكِن إِذا نظرت بدقة النّظر علمت أَن شكل المثلث من حَيْثُ هُوَ هُوَ مَوْقُوف على الْإِحَاطَة التَّامَّة والزوايا الثَّلَاث من حَيْثُ هِيَ هِيَ لَيست كَذَلِك.
الزاجر: واعظ من الله تَعَالَى فِي قلب الْمُؤمن وَهُوَ النُّور الْمَقْذُوف فِيهِ الدَّاعِي لَهُ إِلَى الْحق.
الزحاف: بِالْكَسْرِ سستي. وَعند أَرْبَاب الْعرُوض هُوَ التَّغَيُّر فِي أَجزَاء الشّعْر.
(2/108)

الزَّاهِد: فِي الإشارات المعرض عَن مَتَاع الدُّنْيَا وطيباتها يخص باسم الزَّاهِد. والمواظب على فعل الْعِبَادَات من الْقيام وَالصِّيَام وَنَحْوهمَا يخص باسم العابد. والمنصرف بفكر إِلَى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الْحق فِي سره يخص باسم الْعَارِف انْتهى. والسر هُوَ النَّفس الناطقة بعد تَهْذِيب أخلاقها.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الزبر: بِالضَّمِّ جمع الزبُور وَهُوَ الْكتاب الْمَقْصُور على الحكم من زبرته إِذا حَبسته. وَقيل الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إِذا زجرته. وَقد يُرَاد بهَا الْحُرُوف الأول من أَسمَاء حُرُوف التهجي كَمَا يُرَاد بِالْبَيِّنَاتِ الْحُرُوف الَّتِي سوى الْحُرُوف الأول من تِلْكَ الْأَسْمَاء. كَمَا قَالَ أَبُو الْفضل فِي تَعْرِيف سُلْطَان الْهِنْد أكبر.
(أكبر كه بآفتاب داردنسبت ... ابْن نكته زبينات اسْما بيدا سِتّ)

بِمَعْنى أَن للأكبر نِسْبَة إِلَى الشَّمْس بِأَنَّهُ حبلت جدته (آلن قوي) من الشَّمْس فَولدت جده كَمَا قيل وَيدل عَلَيْهِ مُوَافقَة عدد أكبر بِعَدَد بَيِّنَات أَسمَاء حُرُوف آفتاب فَإِن عدد أكبر مِائَتَان وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ومجموع أعداد بَيِّنَات ألف - وفا - وتا - وَألف - وبالتي هِيَ أَسمَاء حُرُوف آفتاب وَهِي لف وَاثْنَانِ ولف وَوَاحِد أَيْضا كَذَلِك.
(بَاب الزَّاي مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الزرارية: جماع زُرَارَة بن أعين قَالُوا بحدوث صِفَات الله تَعَالَى.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

الزعفرانية: طَائِفَة قَالُوا كَلَام الله تَعَالَى غَيره وكل مَا هُوَ غَيره مَخْلُوق لَهُ تَعَالَى وَقَالُوا إِن من قَالَ كَلَام الله تَعَالَى غير مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر.
(2/109)

الزَّعْم: هُوَ القَوْل بِلَا دَلِيل. وَالْمَشْهُور أَن الزَّعْم هُوَ الِاعْتِقَاد الْبَاطِل أَي غير المطابق للْوَاقِع سَوَاء اعتقدها الْقَائِل أَو لَا.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْكَاف)

الزَّكَاة: فِي اللُّغَة الطَّهَارَة والنماء وَالزِّيَادَة. وَفِي الشَّرْع إيتَاء جُزْء من النّصاب الحولي إِلَى الْفَقِير وَقيل هِيَ اسْم للقدر الَّذِي يخرج إِلَى الْفَقِير وَيُسمى الزَّكَاة صَدَقَة أَيْضا لدلالتها على الصدْق فِي الْعُبُودِيَّة كَمَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصَّدَقَة برهَان. وَفِي كنز الدقائق يجب فِي مِائَتي دِرْهَم وَعشْرين دِينَارا ربع الْعشْر وَمَعْرِفَة قدر الدَّرَاهِم وَالدِّينَار فِي محلهَا.
(بَاب الزَّاي مَعَ اللَّام)

الزلزلة: بِالْفَارِسِيَّةِ (لرزه ولرزه زمين) - قَالَ الله تَعَالَى {إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا} - وسببها أَن البخار إِذا احْتبسَ فِي الأَرْض يمِيل إِلَى جِهَة ويتبرد ببرودة الأَرْض فينقلب البخار مياها مختلطة بأجزاء بخارية فَإِذا كثر بِحَيْثُ لَا تسعه الأَرْض أوجب انْشِقَاق الأَرْض وانفجر مِنْهَا الْعُيُون وَإِذا غلظ البخار بِحَيْثُ لَا ينفذ فِي مجاري الأَرْض أَو كَانَت الأَرْض كثيفة عديمة المسام اجْتمع طَالبا لِلْخُرُوجِ وَلم يُمكنهُ النّفُوذ فتزلزلت الأَرْض وَكَذَا الرّيح وَالدُّخَان إِذا احْتبسَ فِي الأَرْض فَتحدث الزلزلة وَرُبمَا قويت الْمَادَّة على شقّ الأَرْض فَيحدث صَوت هائل وَقد تخرج نَار لشدَّة الْحَرَكَة الْمُقْتَضِيَة لاشتعال البخار وَالدُّخَان الممتزجين الَّذين يحصل من امتزاجهما طبيعة الدّهن.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْمِيم)

الزَّمَان: عِنْد الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن متجدد مَعْلُوم يقدر بِهِ متجدد آخر موهوم كَمَا يُقَال آتِيك عِنْد طُلُوع الشَّمْس فَإِن طُلُوع الشَّمْس مَعْلُوم متجدد ومجيئه موهوم فَإِذا قرن ذَلِك الموهوم بذلك الْمَعْلُوم زَالَ الْإِبْهَام. وَعند الْحُكَمَاء فِي الْمَشْهُور مَا ذهب إِلَيْهِ أرسطو مِنْهُم من أَنه مِقْدَار حَرَكَة الْفلك الأطلس الْأَعْظَم يَعْنِي أَن الزَّمَان كم مُتَّصِل قَائِم بحركة الْفلك المحدد. فَإِن قيل. مَا الدَّلِيل على أَنه كم قُلْنَا. الزَّمَان يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان كَمَا ثَبت فِي مَوْضِعه وكل مَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهُوَ كم فالزمان كم. فَإِن قيل. كَون الزَّمَان كَمَا مَوْقُوف على كَونه قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بِالذَّاتِ وَهُوَ مَمْنُوع. قُلْنَا. يطهر عِنْد الاتصاف والتحاشي عَن الاعتساف أَنه قَابل لَهما بِالذَّاتِ وَالتَّفْصِيل فِي الْحَوَاشِي الفخرية.
(2/110)

فَإِن قيل مَا الدَّلِيل على أَنه كم مُتَّصِل. قُلْنَا. الزَّمَان أَمر ممتد لَيْسَ مركبا من آنات متتالية مجتمعة حَتَّى تكون تِلْكَ الآنات معدودات فَيكون كَمَا مُنْفَصِلا. فَإِن قيل. لَو تركب من آنات مجتمعة لَا يلْزم كَونه مُنْفَصِلا لِأَنَّهُ مَا لَا يكون بَين أَجْزَائِهِ حد مُشْتَرك وَالزَّمَان لَو تركب مِنْهَا لَكَانَ الْآن حدا مُشْتَركا بَين أَجْزَائِهِ وَهُوَ يصلح لِأَن يكون حدا مُشْتَركا لِأَنَّهُ غير منقسم حَتَّى يلْزم من اعْتِبَاره فِي أحد الْجَانِبَيْنِ زِيَادَة ذَلِك الْجَانِب ونقصان الْجَانِب الآخر. قُلْنَا. يلْزم الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من حَيْثُ الْعدَد وَإِن لم يلْزم من حَيْثُ الْمِقْدَار وعدمهما مُعْتَبر فِي الْحَد الْمُشْتَرك. فَإِن قيل. لم لَا يجوز أَن يكون مركبا من آنات متتالية مجتمعة. قُلْنَا. لَو تركب مِنْهَا للَزِمَ الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ وَهُوَ بَاطِل.
وَوجه الْمُلَازمَة أَن الزَّمَان مُطَابق للحركة الْمُطَابقَة للمسافة الَّتِي يَقع عَلَيْهَا فَلَو تركب الزَّمَان من الآنات المتتالية لتركبت الْمسَافَة من الْأَجْزَاء الَّتِي لَا تتجزئ. فَلَيْسَ المُرَاد من أَن الزَّمَان مركب من آنين مثلا أَن الآنين موجودان فِيهِ بِالْفِعْلِ بل أَنَّهُمَا موجودان فِيهِ فرضا وانتزاعا وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْمَشْهُور للِاخْتِلَاف فِي وجود الزَّمَان عينا ثمَّ فِي حَقِيقَته فَمنهمْ من ظن عَدمه مُطلقًا وَقيل ثُبُوته وهمي لَا عَيْني. وَقيل إِنَّه وَاجِب الْوُجُود. وَقيل هُوَ الْفلك. وَقيل الْحَرَكَة مُطلقًا وَعند محققي الْحُكَمَاء هُوَ مِقْدَار حَرَكَة الْفلك الْأَعْظَم أَي الْفلك المحدد للجهات.
ثمَّ اعْلَم أَن الزَّمَان غير ثَابت الْأَجْزَاء وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَنه غير مَوْجُود بل أَنه غير قار الْوُجُود بِمَعْنى غير مُجْتَمع الْأَجْزَاء. وَقَالَ الْفَاضِل الخلخالي فِي شرح (خُلَاصَة الْحساب) الزَّمَان إِنَّمَا هُوَ غير قار الذَّات أَي لَيْسَ مُجْتَمع الْأَجْزَاء وَإِلَّا لزم أَن يكون الْمَوْجُود فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَوْجُودا فِي زَمَاننَا وَهُوَ بديهي الْبطلَان انْتهى - أَقُول الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لجَوَاز بَقَاء الظّرْف وفناء المظروف فَافْهَم.
وَهَا هُنَا شُبْهَة مَشْهُورَة وَهِي أَنه إِذا لم تُوجد أجزاؤه مَعًا انْتَفَى بعض أَجْزَائِهِ أبدا وَإِذا انْتَفَى بعض أَجزَاء الشَّيْء انْتَفَى كُله. إِذْ انْتِفَاء الْجُزْء يسْتَلْزم انْتِفَاء الْكل فَيلْزم أَن يكون مَعْدُوما لَا مَوْجُودا.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذِه الشُّبْهَة متوجهة على جَمِيع الْأُمُور الْغَيْر القارة الَّتِي حكم بوجودها قطعا. (وحلها) أَن الْأَمر الْمَوْجُود لَا بُد لَهُ من وجود أَجْزَائِهِ بِلَا شُبْهَة لَكِن الْمَوْجُود القار الْوُجُود يَقْتَضِي وجود أَجْزَائِهِ مجتمعة فِي آن وَاحِد وَالْمَوْجُود الْغَيْر القار الْوُجُود يَقْتَضِي وجود أَجْزَائِهِ فِي تَمام الزَّمَان غير مجتمعة. وَبِالْجُمْلَةِ إِذا انْتَفَى الْجُزْء انْتَفَى الْكل. أما فِي الْأَمر الْغَيْر القار فَيَنْتَفِي بِانْتِفَاء وجود الْجُزْء فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة وَلَا يُنَافِي وجوده انْتِفَاء اجْتِمَاع الْأَجْزَاء فِي آن وَاحِد وَإِنَّمَا الْمنَافِي أَن لَا يُوجد جزؤه أصلا. فَاعْلَم ذَلِك فَإِنَّهُ من دقائق الْحَقَائِق انْتهى. وفيهَا أَيْضا أَقُول فِي كَون الزَّمَان غير مُجْتَمع الْأَجْزَاء إِشْكَال قوي وَهُوَ أَن الْأَجْزَاء إِن أُرِيد مِنْهَا الْأَجْزَاء الذهنية الَّتِي هِيَ
(2/111)

الْأَجْنَاس والفصول فَلَا شكّ فِي وجوب اجتماعها ليحصل مَاهِيَّة حَقِيقَة مَوْجُودَة فِي الْخَارِج وَإِن أُرِيد مِنْهَا أَجزَاء الزَّمَان هِيَ إمكانات قطوع الْمسَافَة وَهِي غير مجتمعة فِي الْوُجُود لِأَنَّهَا مُطَابقَة مَعَ قطوع أَجزَاء الْمسَافَة كَذَا العامات وَالْأَيَّام والليالي غير مجتمعة بديهية. أَقُول عدم اجْتِمَاع هَذِه الْأُمُور مُسلم لَكِن لَا نسلم كَونهَا أَجزَاء للزمان بل أَفْرَاد لَهُ إِذْ لَا ريب فِي أَن هَذِه الْأُمُور تحمل على الزَّمَان والأجزاء الخارجية لَا تحمل على الْكل قطعا وَإِن زيد مِنْهَا الْأَفْرَاد فَمَعَ بعد هَذِه الْإِرَادَة يلْزم أَن يكون مثل الْإِنْسَان أَيْضا غير قار الذَّات لظُهُور أَنه لَا يجْتَمع جَمِيع أَفْرَاده فِي الْوُجُود وَلَا يجدي اجْتِمَاع بعض أَفْرَاده لِأَن الزَّمَان أَيْضا يجْتَمع ساعاته مَعَ الْأَيَّام والليالي وَفِيه تَأمل. وَهَذَا الْإِشْكَال مُتَوَجّه على جَمِيع الْأُمُور الْغَيْر القارة ثمَّ أَقُول غَايَة مَا يُمكن أَن يُقَال فِي حلّه أَنه لَعَلَّ مُرَادهم من الْأَجْزَاء الْأَفْرَاد كَمَا يفهم من بيانهم وَمعنى الْأَمر القار هُوَ مَا يُمكن اجْتِمَاع جَمِيع أَفْرَاده والإنصاف أَنه يُمكن عِنْد الْعقل اجْتِمَاع جَمِيع أَفْرَاد الْإِنْسَان وَلَا يُمكن عِنْده اجْتِمَاع جَمِيع أَفْرَاد الزَّمَان مثل قطوع أَجزَاء الْمسَافَة. وَالتَّحْقِيق أَن الزَّمَان لَا جُزْء لَهُ وَلَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان إِلَّا بِحَسب الْخَارِج.
وَقَالَ الْحَكِيم صَدرا فِي الشواهد الربوبية قد أورد الْإِشْكَال فِي عرُوض التَّقَدُّم والتأخر فِي أَجزَاء الزَّمَان من جِهَة أَنه لَو كَانَ مناطهما الزَّمَان لَكَانَ للزمان زمَان وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ. فَأُجِيب عَنهُ بِأَن غير الزَّمَان يحْتَاج إِلَى الزَّمَان فِي عروضهما وَأما أَجزَاء الزَّمَان فَهِيَ بِنَفس ذَاتهَا مُتَقَدّمَة ومتأخرة لَا بِشَيْء آخر. وَقد اسْتشْكل هَذَا بِأَن أَجزَاء الزَّمَان لاتصاله متشابهة الْحَقِيقَة فَكيف يكون بَعْضهَا مُتَقَدما وَبَعضهَا مُتَأَخِّرًا. فَأُجِيب بِأَن حَقِيقَة الزَّمَان اتِّصَال أَمر متجدد منقض لذاته وكل مَاهِيَّة حَقِيقَته اتِّصَال التجدد والتقضي يكون أجزاءه مُتَقَدّمَة ومتأخرة لذواتها فاختلاف الْأَجْزَاء بالتقدم والتأخر من ضروريات هَذِه الْحَقِيقَة انْتهى.
وَقَالَ خَاتم الْحُكَمَاء المتشرعين فِي نقد المحصل أَن الزَّمَان إِمَّا الْمَاضِي وَإِمَّا الْمُسْتَقْبل وَلَيْسَ قسم آخر هُوَ الْآن إِنَّمَا الْآن فصل مُشْتَرك بَين الْمَاضِي والمستقبل كالنقطة فِي الْخط والماضي لَيْسَ بمعدوم فظاهرا إِنَّمَا هُوَ مَعْدُوم فِي الْمُسْتَقْبل والمستقبل مَعْدُوم فِي الْمَاضِي وَكِلَاهُمَا معدومان الْحَال وكل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْجُود فِي حَده وَلَيْسَ عدم شَيْء فِي شَيْء هُوَ عَدمه مُطلقًا فَإِن السَّمَاء مَعْدُوم فِي الْبَيْت وَلَيْسَ بمعدوم فِي مَوْضِعه وعَلى هَذَا فَالْآن عرض حَال فِي الزَّمَان وَلَيْسَ بِجُزْء مِنْهُ وَلَيْسَ فناؤه إِلَّا بعبور زمَان فَلَا يلْزم مِنْهُ تتالي الآنات انْتهى
وَمذهب الأشاعرة أَن الزَّمَان أَمر متجدد مَعْلُوم يقدر بِهِ متجدد مُبْهَم. وَإِزَالَة الْإِبْهَام
(2/112)

وَالتَّفْصِيل فِي شرح المواقف. وَإِن أردْت مَا بَقِي من تَحْقِيق الزَّمَان فَانْظُر فِي الدَّهْر والسرمد حَتَّى ينْكَشف عَلَيْك وَجه الامتياز بَين هَذِه الثَّلَاثَة وتطلع شموس الْهِدَايَة وَتذهب ليَالِي الضَّلَالَة فِيهِ.
الزَّمْهَرِير: فِي الْهَوَاء إِن كنت تهوي فطر فِي الْهَوَاء.
زمَان فَتْرَة الرُّسُل: أَي زمَان فقد النَّبِي وَعدم وُصُول دَعوته إِلَى الْأمة وهم معذورون لعدم اطلاعهم على الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ. وَقَالَت الْمُعْتَزلَة أَنهم معذبون بترك الْوَاجِبَات لِأَن الْعقل كَاف فِي معرفَة حسن الْأَشْيَاء وقبحها وَيرد عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} .
ف (53) :
(بَاب الزَّاي مَعَ النُّون)

الزندقة: أَن لَا يُؤمن بِالآخِرَة ووحدانية الْخَالِق.
الزنديق: فِي الْمُنَافِق وَعَن ثَعْلَب أَن الزنديق مَعْنَاهُ الملحد والدهري. وَعَن ابْن دُرَيْد أَنه فَارسي مُعرب وَأَصله زنده وَهُوَ من يَقُول بدوام الدَّهْر وَحكم إِجْرَاء أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِ لكَونه مظهر الْإِسْلَام وَنحن نحكم بِالظَّاهِرِ.
وَفِي شرح الْمَقَاصِد وَإِن كَانَ باعترافه بنبوة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإظهاره شَعَائِر الْإِسْلَام يبطن العقائد الَّتِي هِيَ كفر بالِاتِّفَاقِ خص باسم الزنديق وَهُوَ فِي الأَصْل مَنْسُوب إِلَى زند اسْم كتاب أظهره مزدك فِي أَيَّام قباد وَزعم أَنه تَأْوِيل كتاب الْمَجُوس الَّذِي جَاءَ بِهِ زرادشت يَزْعمُونَ أَنه نَبِيّهم.
الزَّنَادِقَة: فِي مَفَاتِيح الْعُلُوم هم المانوية وَكَانَ المزدكية يسمون بذلك ومزدك هُوَ الَّذِي ظهر فِي أَيَّام قباد وَزعم أَن الْأَمْوَال وَالنِّسَاء مُشْتَركَة وَأظْهر كتابا سَمَّاهُ (زند) وَهُوَ كتاب الْمَجُوس الَّذِي جَاءَ بِهِ زرادشت الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه نَبِي فنسب أَصْحَاب مزدك إِلَى زند وعربت فَقيل زنديق وَجمعه الزَّنَادِقَة.
الزِّنَا: وطئ فِي قبل خَال عَن ملك الْوَاطِئ وشبهته.
الزنجار: معرف الزنكار وَهُوَ عَمَلي يصنع من النّحاس والنوشادر والخل وَمَاء الليمون.
ف (54) :
(2/113)

(بَاب الزَّاي مَعَ الْوَاو)

الزَّوْج: بِالْفَارِسِيَّةِ جَفتْ وشوهر. فِي الْقَامُوس الزَّوْج البعل وَالزَّوْجَة وَخلاف الْفَرد فَإِن الْعدَد يَنْقَسِم إِلَى الزَّوْج والفرد. وَالزَّوْج كل عدد يَنْقَسِم بمتساويين والفرد مَا لَا يَنْقَسِم كَذَلِك. وَالزَّوْج يَنْقَسِم بِثَلَاثَة أَقسَام كَذَلِك لِأَنَّهُ إِن قبل التنصيف بِالآخِرَة إِلَى الْوَاحِد كالثمانية وَالْأَرْبَعَة يُسمى:
زوج الزَّوْج: وَإِن لم يقبل ذَلِك لكنه ينصف أَكثر من مرّة وَاحِدَة يُسمى:
زوج الزَّوْج والفرد: كاثني عشر وَإِن ينصف مرّة وَاحِدَة فَقَط كالعشرة يُسمى:
زوج الْفَرد: فَافْهَم واحفظ.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْهَاء)

الزّهْد: فِي اللُّغَة ترك الْميل إِلَى الشَّيْء. وَعند أَرْبَاب السلوك هُوَ بغض الدُّنْيَا والإعراض عَنْهَا. وَقيل ترك رَاحَة الدُّنْيَا طلبا لراحة العقبى وَيعرف من معرفَة الزَّاهِد أَيْضا.
(بَاب الزَّاي مَعَ الْيَاء)

الزيف: بِفَتْح الأول وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة مَا يردهُ بَيت المَال من الدَّرَاهِم وَجمعه الزُّيُوف.
الزَّيْتُون: عِنْد الصُّوفِيَّة النَّفس المستعدة للاشتعال بِنور الْقُدس بِقُوَّة الْفِكر.
(2/114)

( [حرف السِّين] )

(بَاب السِّين مَعَ الْألف)

الساري: من السريان يُقَال المَاء سَار فِي الْورْد.
السَّاكِن: من السّكُون وَهُوَ الْقَرار وَعدم الْحَرَكَة. وَعند أَرْبَاب التصريف السَّاكِن مَا يحْتَمل ثَلَاث حركات غير صورته كميم عَمْرو والمتحرك مَا يحْتَمل حركتين غير صورته كعين عمر والحرف الَّذِي يبتدأ بِهِ لَا يكون إِلَّا متحركا بِدَلِيل مَذْكُور فِي الِابْتِدَاء بالساكن.
السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ: لِأَن حَرَكَة السَّاكِن لَا تكون إِلَّا حَرَكَة الْبناء فأوثر لَهَا مَا هُوَ أبعد الحركات من المعربات وَهُوَ الكسرة إِذْ قد وجدناها لَا تدخل النَّوْعَيْنِ من المعربات وهما الِاسْم وَالْفِعْل بِخِلَاف أختيها فَافْهَم.
السَّاق: مَشْهُور وَيُطلق على أحد أضلاع المثلث فِي الْأَكْثَر.
السَّالِم: عِنْد الصرفيين مَا سلمت حُرُوفه الْأَصْلِيَّة الَّتِي تقَابل بِالْفَاءِ وَالْعين وَاللَّام من حُرُوف الْعلَّة والهمزة والتضعيف. وَعند النُّحَاة مَا لَيْسَ فِي آخِره حرف من حُرُوف الْعلَّة سَوَاء كَانَ فِي غَيره أَو لَا وَسَوَاء كَانَ أَصْلِيًّا أَو زَائِدا فَيكون نصر سالما عِنْد الْفَرِيقَيْنِ وَرمى غير سَالم عِنْدهمَا وَبَاعَ غير سَالم عِنْد الصرفيين وسالما عِنْد النُّحَاة واسلتقى سالما عِنْد الصرفيين وَغير سَالم عِنْد النُّحَاة. فالنسبة بَين الاصطلاحين عُمُوم وخصوص من وَجه.
السالك: هُوَ الَّذِي مَشى على المقامات بِحَالهِ لَا بِعِلْمِهِ وتصوره فَكَانَ الْعلم الْحَاصِل لَهُ عينا يَأْبَى من وُرُود الشُّبْهَة المضلة لَهُ.
السَّادة: جمع السَّيِّد وَهُوَ الَّذِي يملك تَدْبِير السوَاد الْأَعْظَم.
السَّائِمَة: حَيَوَان أَن يَكْتَفِي بالرعي فِي أَكثر الْحول.
السَّائِل: فِي اللُّغَة الطَّالِب الْأَدْنَى من الْأَعْلَى. وَفِي الْعرف طَالب كشف الْحَقَائِق والدقائق على سَبِيل الاستفادة لَا على سَبِيل الامتحان. وَفِي اصْطِلَاح المناظرة من نصب نَفسه لنفي الحكم الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي بِلَا نصب دَلِيل فعلي هَذَا يصدق السَّائِل على المناقض بِالنَّقْضِ التفصيلي فَقَط وَقد يُطلق على كل من تكلم على دَلِيل الْمُدَّعِي أَعم من أَن يكون مَانِعا أَو مناقضا بِالنَّقْضِ الإجمالي أَو مُعَارضا والذكي يعلم من هَا هُنَا معنى السُّؤَال.
(2/115)

السَّاعَة: عِنْد أَرْبَاب النُّجُوم طاسان وَنصف طاس يَعْنِي (دونيم كهري) وَقد يُرَاد بهَا الزَّمَان الْقَلِيل.
السَّائِب وَكَذَا السائبة: (شترى كه بصحرا سرداده باشند تاهر جا كه خواهد بجرد) - وَفِي الِاصْطِلَاح العَبْد الَّذِي يعْتق وَلَا يكون وَلَاؤُه لمعتقه وَيَضَع مَاله حَيْثُ شَاءَ. وَقيل كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أعتق رجل عبدا قَالَ هُوَ سائبة فَلَا عقل بَينهمَا وَلَا مِيرَاث. وَفِي الصراح السائبة العَبْد كَانَ الرجل إِذا قَالَ لغلامه أَنْت سائبة فقد عتق وَلَا يكون وَلَاؤُه لمعتقه انْتهى. وَعِنْدنَا أَن الْمُعْتق بِالْكَسْرِ يَرث من مُعْتقه مُطلقًا سَوَاء أعْتقهُ لوجه الله تَعَالَى أَو للشَّيْطَان أَو أعْتقهُ على أَنه سائبة أَو بِشَرْط أَن لَا وَلَاء عَلَيْهِ أَو عتقه على مَال أَو بِلَا مَال أَو بطرِيق الْكِتَابَة أَو التَّدْبِير أَو الِاسْتِيلَاد أَو ملك قريب.
وَقَالَ مَالك رَحمَه الله أَن أعْتقهُ - لوجه الشَّيْطَان أَو بِشَرْط أَن لَا وَلَاء عَلَيْهِ لم يكن مُسْتَحقّا للولاء بِدَلِيل أَن الْوَلَاء عَطِيَّة من الله تَعَالَى بدل أَمر خير وَهُوَ الاعتاق وَلما أعتق لوجه الشَّيْطَان فقد عصى الله تَعَالَى فَيكون محروما من عطيته تَعَالَى وَمن صرح بِنَفْي الْوَلَاء عَن نَفسه فقد ردهَا فَلَا يَسْتَحِقهَا. وَلنَا أَن سَبَب الْوَلَاء هُوَ الْإِعْتَاق مُطلقًا لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْوَلَاء لمن أعتق. وَالسَّبَب الْمَذْكُور مَوْجُود فِي تِلْكَ الصُّور فَيكون الْمُسَبّب مَوْجُودا أَيْضا بِالضَّرُورَةِ.
ساباط: (سقف ميان دو ديواركه زير آن رَاه بود)
(بَاب السِّين مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

السبيلا: فِي قَوْله تَعَالَى: {وأضلونا السبيلا} . الْألف فِيهِ للإشباع فَلَا إِشْكَال.
السبحان: علم التَّسْبِيح غير منصرف كعثمان فَحِينَئِذٍ يقطع عَن الْإِضَافَة كَمَا فِي تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله وَأما الْمُضَاف مثل سُبْحَانَهُ وَسُبْحَان الله فمصدر لَا غير مَنْصُوب على المصدرية بالدوام لَا غير بِمَعْنى التَّنْزِيه والتبعيد من السوء أَي أسبح سبحانا وأبرئ الله بَرَاءَة من السوء حذف الْفِعْل وَاجِبا قِيَاسا أَو سَمَاعا على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ فِي الْمصدر الْمُضَاف لقصد الدَّوَام والثبات وأقيم الْمصدر مقَامه وأضيف إِلَى الْفَاعِل وَهُوَ مَذْكُور من الْمُجَرّد وَاسْتعْمل بِمَعْنى الْمَزِيد فِيهِ كَمَا فِي أنبت الله نباتا
(2/116)

وَالضَّمِير لله تَعَالَى الْمَذْكُور على كل لِسَان وَالْمَحْفُوظ فِي كل قلب وجنان أَو بِاعْتِبَار دلَالَة الْمصدر عَلَيْهِ.
السبر: بِالْكَسْرِ الامتحان وَيُسمى الترديد بالسبر والتقسيم أَيْضا فكلاهما بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ إِيرَاد أَوْصَاف الأَصْل إِلَى الْمَقِيس عَلَيْهِ وَإِبْطَال بَعْضهَا ليتعين الْبَاقِي للعلية كَمَا يُقَال عِلّة الْحُدُوث فِي الدَّار إِمَّا التَّأْلِيف أَو الْإِمْكَان وَالثَّانِي بَاطِل بالخلف لِأَن صِفَات الْوَاجِب تَعَالَى مُمكنَة وَلَيْسَت بحادثة فَتعين الأول كَمَا مر فِي (الترديد) .
السب: الْقطع والطعن والشتم. وَفِي الْمَبْسُوط عَن عُثْمَان بن كنَانَة من شتم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْمُسلمين قتل أَو صلب حَيا وَلم يستتب وَالْإِمَام مُخَيّر فِي صلبه حَيا أَو قَتله. وَمن رِوَايَة أبي المصعب وَابْن أبي أويس سمعنَا مَالِكًا يَقُول من سبّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَو شَتمه أَو عابه أَو تنقصه قتل مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا وَلَا يُسْتَتَاب. وَذكر فِي الذَّخِيرَة فِي أَلْفَاظ الْكفْر وَكَذَا فِي أَجنَاس الناطفي أما إِذا سبّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَو وَاحِدًا من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ يقتل حدا وَلَا تَوْبَة لَهُ أصلا سَوَاء تَابَ بعد الْقُدْرَة وَالشَّهَادَة أَو جَاءَ تَائِبًا من قبل نَفسه كالزنديق لِأَنَّهُ حد وَجب فَلَا يسْقط بِالتَّوْبَةِ وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ خلاف أحد لِأَنَّهُ حق يتَعَلَّق بِهِ حق العَبْد كَسَائِر حُقُوق الْآدَمِيّين وكحد الْقَذْف فَإِنَّهُ لَا يسْقط. وَفِي الْأَشْبَاه والنظائر سبّ الشَّيْخَيْنِ ولعنهما كفر وَإِن فضل عليا كرم الله وَجهه عَلَيْهِمَا فمبتدع كَذَا فِي الْخُلَاصَة وَفِيه أَيْضا كل كَافِر تَابَ فتوبته مَقْبُولَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا جمَاعَة الْكَافِر بسب نَبِي وبسب الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا أَو بِالسحرِ وَلَو امْرَأَة وبالزندقة إِذا أَخذ قبل تَوْبَته انْتهى.
السبك: (آب كردن زر ونقره وسيلان وروان كردن) . وَيُرَاد بِهِ الذّكر وَالْبَيَان الصافي ونتيجة الْكَلَام وَحَاصِله وخلاصته.
السَّبَب: مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَقْصُود وَمَا يكون مؤثرا فِي وجود الشَّيْء. وَفِي الشَّرْع مَا يكون طَرِيقا للوصول إِلَى الحكم وَلَا يكون مؤثرا فِيهِ. ثمَّ إِن السَّبَب سببان سَبَب مَحْض وَسبب من وَجه هُوَ سَبَب من وَجه آخر. أما السَّبَب الْمَحْض للشَّيْء فَهُوَ مَا يقْضِي إِلَيْهِ وَلَا يكون ذَلِك الشَّيْء عِلّة غائية لَهُ حَتَّى يكون ذَلِك السَّبَب مسببا بِالنّظرِ إِلَى علته الغائية فَلَا يكون إِلَّا سَببا مَحْضا كملك الرَّقَبَة فَإِنَّهُ سَبَب مَحْض لملك الْمُتْعَة ومفض
(2/117)

إِلَيْهِ وَلَيْسَ تملك الْمُتْعَة عِلّة غائية لملك الرَّقَبَة وَإِلَّا لما انْفَكَّ عَنهُ وَلَيْسَ كَذَلِك لوُجُود ملك الرَّقَبَة فِي العَبْد وَالْأُخْت من الرَّضَاع بِدُونِ ملك الْمُتْعَة بِخِلَاف وجود السرير فَإِنَّهُ سَبَب للجلوس لكنه لَيْسَ سَببا مَحْضا لكَونه سَببا للجلوس الَّذِي هُوَ عِلّة غائية لَهُ فَهُوَ سَبَب من وَجه ومسبب من وَجه آخر. فاهم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي التَّوْضِيح فِي فصل علاقات الْمجَاز.
السبحة: بِالْفَتْح التَّسْبِيح وَالصَّلَاة وَالذكر. وَقد يُطلق على مَا يعد بِهِ من الْحُبُوب. وبالضم وَسُكُون الثَّانِي وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة الطَّاعَة الَّتِي لَا يكون فرضا وَلَا سنة والمرط الْأسود والفناء فَإِنَّهُ ظلمه خلق الله تَعَالَى فِيهِ الْخلق ثمَّ رش عَلَيْهِ من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى. وَمن أخطأه ضل وغوى.
السبائية: طَائِفَة عبد الله بن سبأ قَالَ لعَلي كرم الله وَجهه أَنْت إِلَه حَقًا فنفاه عَليّ كرم الله وَجهه إِلَى الْمَدَائِن. قَالَ ابْن سبأ أَن عليا لم يمت وَلم يقتل وَإِنَّمَا قتل ابْن ملجم شَيْطَانا تصور بصورته وَعلي فِي السَّحَاب والرعد صَوته والبرق سَوْطه وَأَنه ينزل بعد هَذَا إِلَى الأَرْض ويملأها عدلا وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ عِنْد سَماع الرَّعْد عَلَيْك السَّلَام يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
(بَاب السِّين مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)

الستوقة: مَا غلب غشه من الدَّرَاهِم.
السِّتَّة: أَصْلهَا السُّدس بِكَسْر السِّين وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ بِدَلِيل تصغيره على سديس وَجمعه أَسْدَاس أبدلت الدَّال بِالتَّاءِ ثمَّ أدغمت التَّاء فِي التَّاء المبدلة عَن السِّين لقرب الْمخْرج.
الستيني: فِي جيب التَّمام.
(بَاب السِّين مَعَ الْجِيم)

السجع: توَافق الفاصلتين من النثر على حَرْب وَاحِد فِي الآخر. وَقد يُطلق على نفس الْكَلِمَة الْأَخِيرَة من الْفَقْرَة بِاعْتِبَار كَونهَا مُوَافقَة للكلمة الْأَخِيرَة من الْفَقْرَة الْأُخْرَى.
(2/118)

وَهُوَ من المحسنات اللفظية البديعية. وَفِي اللُّغَة هدير الْحمام وَنَحْوهَا وَالْجُمْهُور على أَنه مُخْتَصّ بالنثر وَقيل إِنَّه غير مُخْتَصّ بِهِ.
السجع الْمطرف: أَن يتَّفق كلمتان فِي حرف السجع لَا فِي الْوَزْن كالأم والأمم وَإِنَّمَا سمي مطرفا لوُقُوعه فِي الطّرف عَن التوافق.
السجع المتوازي: أَن لَا يكون جَمِيع مَا فِي الْقَرِينَة وَلَا أَكْثَره مثل مَا يُقَابله من الْأُخْرَى نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة} . لاخْتِلَاف سرر وأكواب مَوْضُوعَة فِي الْوَزْن والتقفية.
السّجل: فِي التوقيع.
سُجُود التِّلَاوَة. أَي السُّجُود الَّذِي سَبَب وُجُوبه تِلَاوَة آيَة من أَربع عشرَة آيَة من الْقُرْآن فإضافة السُّجُود إِلَى التِّلَاوَة من قبيل إِضَافَة الْمُسَبّب إِلَى السَّبَب كسجود السَّهْو. وَيجب على التَّالِي وَالسَّامِع وَلَو كَانَ سَمَاعه بِغَيْر الْقَصْد. وَفِي الْوِقَايَة وَهُوَ سَجْدَة بَين تكبيرتين بِشُرُوط الصَّلَاة بِلَا رفع يَد وَتشهد وَسَلام وفيهَا سبْحَة السُّجُود وَتجب على من تَلا آيَة من أَربع عشرَة الَّتِي فِي آخر الْأَعْرَاف والرعد - والنحل - وَبني إِسْرَائِيل - وَمَرْيَم - وَأولى الْحَج إِلَى آخِره.
اعْلَم أَنه كَانَ بَين الأحباب عِنْد تكْرَار شرح الْوِقَايَة مناظرة فِي عبارَة الْوِقَايَة فحررت فِي توضيحها هَكَذَا. قَوْله فِي آخر الْأَعْرَاف إِلَى آخِره الْعَطف أما مقدم على الرَّبْط والمبتدأ مَحْذُوف فِي الْكل. وَتَقْدِير الْكَلَام حِينَئِذٍ وَتجب سَجْدَة التِّلَاوَة على من تَلا آيَة من أَربع عشرَة الَّتِي أَولهَا فِي آخر الْأَعْرَاف وَثَانِيها فِي الرَّعْد وَهَكَذَا فَقَوله والرعد والنحل إِلَى آخِره معطوفات على آخر الْأَعْرَاف لَا على الْأَعْرَاف كَمَا تهدي إِلَيْهِ الْهِدَايَة. فَإِن قيل: إِن الْآيَة الأولى من تِلْكَ الْآيَات هِيَ عين الْآيَة الَّتِي آخر الْأَعْرَاف فَيلْزم اتِّحَاد الظّرْف والمظروف. قُلْنَا: المُرَاد بِالْآخرِ النّصْف الآخر وَإِنَّمَا قَالَ فِي آخر الْأَعْرَاف لِأَن فِي أَوله مَا يظنّ أَنه مَوضِع السُّجُود وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس لم يكن من الساجدين} . وَلَيْسَ هُنَاكَ سَجْدَة أصلا بالِاتِّفَاقِ وَالْحق أَنه لَا حَاجَة إِلَى قَوْله وَأولى الْحَج أَي وَالْآيَة السَّادِسَة فِي الْآيَات أولى الْحَج وأفراد الصّفة على وزان جنَّات تجْرِي هَذَا وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
(بَاب السِّين مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة)

السحر: بِكَسْر السِّين إِظْهَار خارق للْعَادَة من نفس شريرة خبيثة بِمُبَاشَرَة أَعمال مَخْصُوصَة فِيهَا التَّعْلِيم والتلمذ. وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي حكم السَّاحر فَقَالَ بَعضهم يجب
(2/119)

قَتله وَقَالَ بَعضهم هُوَ كَافِر لَكِن لم يتَعَرَّض لقَتله. وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله إِذا اعْترف السَّاحر بِأَنَّهُ قتل شخصا بسحره أَو بِأَن سحره مِمَّا يقتل غَائِبا وَجب عَلَيْهِ الْقود.
وَاعْلَم أَن الْفَارِق بَين المعجزة والكرامة وَالسحر أُمُور: أَحدهَا: أَن السحر إِنَّمَا يظْهر من نفس شريرة خبيثة. والكرامة إِنَّمَا تظهر من نفس كَرِيمَة مُؤمنَة دائمة الطَّاعَات. المتجنبة عَن السَّيِّئَات. وَالثَّانِي: أَن السحر أَعمال مَخْصُوصَة مُعينَة من السَّيِّئَات وَإِنَّمَا يحصل بذلك وَلَيْسَ فِي الْكَرَامَة أَعمال مَخْصُوصَة وَإِنَّمَا تحصل بِفضل الله بمواظبة الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة. وَالثَّالِث: أَن السحر لَا يحصل إِلَّا بالتعليم والتلمذ والكرامة لَيست كَذَلِك. وَالرَّابِع: أَن السحر لَا يكون مُوَافقا لمطالب الطالبين بل مَخْصُوص بمطالب مُعينَة محدودة. والكرامة مُوَافقَة لمطالب الطالبين وَلَيْسَ لَهَا مطَالب مَخْصُوصَة. وَالْخَامِس: أَن السحر مَخْصُوص بأزمنة مُعينَة أَو أمكنة مُعينَة أَو شَرَائِط مَخْصُوصَة. والكرامة لَا تعين لَهَا بِالزَّمَانِ وَلَا بِالْمَكَانِ وَلَا بالشرائط. وَالسَّادِس: أَن السحر قد يتَصَدَّى بمعارضة سَاحر آخر إِظْهَار الفخرة. والكرامة لَا يُعَارض لَهَا آخر. وَالسَّابِع: أَن السحر يحصل ببذل جهده فِي الْإِتْيَان بِهِ. والكرامة لَيْسَ فِيهَا بذل الْجهد وَالْمَشَقَّة وَإِن ظَهرت ألف مرّة. وَالثَّامِن: أَن السَّاحر يفسق ويتصف بالرجس فَرُبمَا لَا يغسل عَن الْجَنَابَة وَلَا يستنجي عَن الْغَائِط وَلَا يطهر الثِّيَاب الملبوسة بالنجاسات لِأَن لَهُ تَأْثِيرا بليغا بالاتصاف بِتِلْكَ الْأُمُور وَهَذَا هُوَ الرجس فِي الظَّاهِر. وَأما فِي الْبَاطِن فَهُوَ إِذا سحر كفر فَإِن الْعَامِل كَافِر. وَالتَّاسِع: أَن السَّاحر لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا هُوَ خلاف الشَّرْع وَالْملَّة. وَصَاحب الْكَرَامَة لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا هُوَ مُوَافق لَهُ إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه الْمُفَارقَة فَإِذا ظهر الْفرق بَين الْكَرَامَة وَالسحر ظهر بَينه وَبَين المعجزة أَيْضا.
وَيعلم من تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر} . جَوَاز تعلم السحر وَمَا لَا يجوز اتِّبَاعه إِنَّمَا الْمَمْنُوع الْعَمَل بِهِ واتباعه. وَفِيه أَيْضا أَن المُرَاد بِالسحرِ مَا يستعان فِي تَحْصِيله بالتقرب إِلَى الشَّيَاطِين مِمَّا لَا يسْتَقلّ بِهِ الْإِنْسَان وَذَلِكَ لَا ينْسب إِلَّا لمن يُنَاسِبهَا فِي الشرارة وخبث النَّفس فَإِن التناسب شَرط فِي التضام والتعاون وَبِهَذَا تميز السَّاحر عَن النَّبِي وَالْوَلِيّ. وَأما مَا يتعجب مِنْهُ كَمَا يَفْعَله أَصْحَاب الْخَيل بمعونة الْآلَات والأدوية أَو يرِيه صَاحب خفَّة الْيَد فَغير مَذْمُوم وتسميته سحرًا على التَّجَوُّز أَو لما فِيهِ من الدقة لِأَنَّهُ فِي الأَصْل لما خَفِي سَببه انْتهى. وَسمعت أَن تعلم السحر لدفعه جَائِز.
ف (55) :
ولدفع السحر مجرب أَن يقْرَأ لَيْلًا وَنَهَارًا بِسم الله. يَلِي ثَمَان. الرَّحْمَن. ابرثمان الرَّحِيم. حيثمان بعد الصَّلَاة على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقبلهَا.
(2/120)

السَّحَاب: بِالْفَارِسِيَّةِ أبر وَهُوَ يحصل فِي الْأَكْثَر بتكاثف أَجزَاء البخار الصاعد وَقد يتكون السَّحَاب من انقباض الْهَوَاء بالبرد الشَّديد فَيحصل حِينَئِذٍ مَا يحصل من السَّحَاب البُخَارِيّ من الْمَطَر والثلج والظل والضباب وَغَيرهَا وحدوث السَّحَاب فِي الثَّلج.
السّحُور: بِالضَّمِّ هُوَ الْأكل من نصف اللَّيْل إِلَى الْفجْر.
(بَاب السِّين مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة)

السخي: فِي الْكَرِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السخرة: بِالضَّمِّ وَسُكُون الْخَاء الَّذِي يسخر مِنْهُ. وَأما السخر بِضَم السِّين وَفتح الْخَاء هُوَ الَّذِي يسخر من النَّاس.
(بَاب السِّين مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

السرمد: فِي الدَّهْر وَإِن كَانَ الدَّهْر فِي السرمد فَافْهَم.
السرمدي: مَا لَا بداية لَهُ وَلَا نِهَايَة لَهُ.
السِّرّ: بِالْكَسْرِ لَطِيفَة مودعة فِي الْقلب كالروح فِي الْبدن وَهُوَ مَحل الْمُشَاهدَة كَمَا أَن الرّوح مَحل الْمحبَّة وَالْقلب مَحل الْمعرفَة.
سر السِّرّ: مَا تفرد بِهِ الْحق عَن العَبْد كَالْعلمِ بتفصيل الْحَقَائِق فِي إِجْمَال الأحدية وَجَمعهَا واشتمالها على مَا هِيَ عَلَيْهِ. {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ} .
السّرقَة: بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين من سرق يسرق من بَاب ضرب يضْرب وَهُوَ فِي اللُّغَة أَخذ الشَّيْء من الْغَيْر خُفْيَة بِغَيْر إِذْنه مَا لَا كَانَ أَو غَيره. وَفِي الشَّرْع أَخذ مُكَلّف خُفْيَة قدر عشرَة دِرْهَم مَضْرُوبَة محرزة بمَكَان أَو حَافظ بِلَا شُبْهَة حَتَّى إِذا كَانَ قيمَة الْمَسْرُوق أقل من عشرَة مَضْرُوبَة لَا يكون سَرقَة فِي حق الْقطع وَإِن كَانَ سَرقَة شرعا فِي الرَّد وَالضَّمان وَلَا بُد أَن يكون الْخفية والاستتار فِي الِابْتِدَاء والانتهاء إِذا كَانَت السّرقَة بِالنَّهَارِ وَإِن كَانَت بِاللَّيْلِ فَلَا بُد مِنْهَا فِي الِابْتِدَاء حَتَّى إِذا نقب الْجِدَار على الْخفية بِاللَّيْلِ ثمَّ أَخذ المَال من الْمَالِك مُكَابَرَة جَهرا يقطع أَيْضا.
وَلَا بُد فِي الْقطع من إِقْرَار الْآخِذ بِالسَّرقَةِ أَو شَهَادَة رجلَيْنِ عَلَيْهَا وَلَا يعْتَبر فِيهَا شَهَادَة النِّسَاء لِأَن الْقطع حد فَلَا يقبل فِيهِ إِلَّا شَهَادَة الرِّجَال. وَيجب أَن يسألهم الإِمَام أَو القَاضِي عَن مَاهِيَّة السّرقَة وكيفيتها ومكانها وزمانها وَيسْأل الْمَسْرُوق مِنْهُ هَل هُوَ أَجْنَبِي أَو
(2/121)

قريب من السَّارِق أَو بِزَوْج وَلَو كَانَ السراق جمَاعَة والآخذ بَعضهم قطعُوا إِن أصَاب لكل وَاحِد مِنْهُم عشرَة دَرَاهِم لِأَن الْمُعْتَاد بَينهم أَن يتَوَلَّى بَعضهم الْأَخْذ ويستعد الْبَاقُونَ
ثمَّ السّرقَة نَوْعَانِ صغرى وكبرى (أما الصُّغْرَى) فَمَا ذكرنَا و (أما الْكُبْرَى) فَهُوَ قطع الطَّرِيق فَفِي الصُّغْرَى يسارق عين حافظه وَيطْلب غفلته. وَفِي الْكُبْرَى يسارق عين من الْتزم حفظ ذَلِك الْمَكَان وَيطْلب غفلته وَهُوَ السُّلْطَان. وَيقطع يَمِين السَّارِق والسارقة من الرسغ ويحسم. وَيقطع الرجل الْيُسْرَى من الكعب إِن عَاد إِلَى السّرقَة ثَانِيًا والحسم الكي لينقطع الدَّم وَفِي السِّرَاجِيَّة للْإِمَام أَن يقْتله سياسة انْتهى. وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تقطع يَمِين السرق بِربع دِينَار.
وَاعْلَم أَن فِي كتب الْفِقْه تَفْصِيلًا فِي الْمَسْرُوق وَفِيمَا يجب فِيهِ الْقطع وَمَا لَا يجب فإياك وَإِن تحكم بِالْقطعِ بمطالعة هَذَا الْقدر الْقَلِيل وَأَن تظن أَن مَا ذكرناك يَكْفِيك.
السّريَّة: بِالْفَتْح وَكسر الثَّانِي وَتَشْديد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين أَربع مائَة رجل يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ ويختفون بِالنَّهَارِ لمحافظة عَسْكَر الْإِسْلَام.
(بَاب السِّين مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)

السَّطْح: هُوَ الَّذِي يقبل الانقسام بِالذَّاتِ طولا وعرضا لَا عمقا. وَبِعِبَارَة أُخْرَى السَّطْح ذُو الامتدادين أَي الطول وَالْعرض فَقَط والطول يُقَال لَا طول الامتدادين وَنِهَايَة السَّطْح الْخط كَمَا أَن السَّطْح نِهَايَة الْجِسْم التعليمي والنقطة نِهَايَة الْخط.
السَّطْح المستوي: هُوَ السَّطْح الَّذِي يكون جَمِيع الخطوط الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْجِهَات مُسْتَقِيمَة وَإِذا كَانَ السطحان المستويان بِحَيْثُ لَا يتلاقيان طولا وعرضا وَإِن أخرجَا إِلَى غير النِّهَايَة فهما متوازيان.
(بَاب السِّين مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

السّعر: بِالْكَسْرِ وَسُكُون الثَّانِي فِي اللُّغَة نرخ غله وَغير آن. وَفِي شرح الْمَقَاصِد السّعر تَقْدِير مَا يُبَاع بِهِ الشَّيْء طَعَاما أَو غَيره وَيكون غلاء ورخصا بِاعْتِبَار الزِّيَادَة على الْمِقْدَار الْغَالِب فِي ذَلِك الْمَكَان وَإِلَّا وَإِن النُّقْصَان ويكونان بِمَا لَا اخْتِيَار فِيهِ للْعَبد كتقليل ذَلِك الْجِنْس وتكثير الرغبات فِيهِ وَبِالْعَكْسِ وَبِمَا لَهُ فِيهِ اخْتِيَار كإخافة السَّبِيل وَمنع التبايع وادخار الْأَجْنَاس ومرجعه أَيْضا إِلَى الله تَعَالَى فالمسعر هُوَ الله تَعَالَى وَحده خلافًا للمعتزلة زعما مِنْهُم أَنه قد يكون من أَفعَال العَبْد تولدا كَمَا مر ومباشرة كالمواضعة على تَقْدِير الْأَثْمَان انْتهى. قَوْلهم تولدا أَي عَن الإخافة وَالْمَنْع والادخار الْمَذْكُور. قَوْلهم
(2/122)

مُبَاشرَة أَي مُبَاشرَة من الْعباد إِذْ لبس حَقِيقَة السّعر إِلَّا الْمُوَاضَعَة مِنْهُم على أَنهم يبيعون الْأَشْيَاء مثلا بالأثمان الْمَخْصُوصَة وَهِي صادرة عَنْهُم بِلَا توَسط فعل فَيكون مباشرا.
السعال: يكره فِي الصَّلَاة قصدا وَكَذَا التنحنح وَإِن تولد مِنْهُمَا حُرُوف هجاء فَسدتْ على الْأَصَح وَإِن كَانَ مدفوعا إِلَيْهِ لَا يكره كَذَا فِي الزَّاهدِيّ.
ف (56) :
السعد الذَّابِح: منزل من منَازِل الْقَمَر كوكبان نيران بَينهمَا مِقْدَار ذِرَاع وَقرن أَحدهمَا كَوْكَب صَغِير كَأَنَّهُ يذبحه.
(بَاب السِّين مَعَ الْفَاء)

سفر دروطن: فِي هوش دردم.
السَّفه وَالسَّفِيه: فِي الْحجر والعته أَيْضا.
السفسطة: قِيَاس مركب من الوهميات وَالْغَرَض مِنْهُ تغليط الحضم وإسكاته كَقَوْلِنَا الْجَوْهَر مَوْجُود فِي الذِّهْن وكل مَوْجُود فِي الذِّهْن قَائِم بالذهن ينْتج أَن الْجَوْهَر عرض فَإِن الْقَائِم بالذهن لَا يكون إِلَّا عرضا.
السّفر: فِي اللُّغَة قطع الْمسَافَة. وَفِي الشَّرْع الْخُرُوج عَن بيُوت الْمصر على قصد مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَمَا فَوْقهَا بسير الْإِبِل ومشي الْأَقْدَام. وَالْأَحْكَام الَّتِي تَتَغَيَّر بِالسَّفرِ هِيَ قصر الصَّلَاة وَإِبَاحَة الْفطر. وامتداد مُدَّة الْمسْح على الْخُفَّيْنِ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَسُقُوط وجوب الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة وَحُرْمَة الْخُرُوج على الْحرَّة بِغَيْر محرم - وَالْمُعْتَبر السّير الْوسط وَهُوَ سير الْإِبِل ومشي الْأَقْدَام فِي أقصر أَيَّام السّنة. وَهل يشْتَرط السّير كل يَوْم إِلَى اللَّيْل اخْتلفُوا فِيهِ الصَّحِيح أَنه لَا يشْتَرط حَتَّى لَو بكر فِي الْيَوْم الأول وَمَشى إِلَى الزَّوَال وَبلغ المرحلة وَنزل وَبَات فِيهَا ثمَّ بكر فِي الْيَوْم الثَّانِي كَذَلِك ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّالِث كَذَلِك يصير مُسَافِرًا كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج. وَلَا يعْتَبر بالفراسخ كَذَا فِي الْهِدَايَة وَلَا يعْتَبر السّير فِي الْبر بالسير فِي الْبَحْر وَلَا السّير فِي الْبَحْر بالسير فِي الْبر وَإِنَّمَا يعْتَبر فِي كل مَوضِع مِنْهُمَا مَا يَلِيق بِحَالَة وَيعْتَبر الْمدَّة من أَي طَرِيق أَخذ فِيهِ فالرجل إِذا قصد بَلْدَة وإليها طَرِيقَانِ أَحدهمَا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها وَالْأُخْرَى دونهَا فسلك الطَّرِيق الْأَبْعَد كَانَ مُسَافِرًا عندنَا كَذَا فِي (فَتَاوَى قاضيخان) وَإِن سلك الأقصر يتم كَذَا فِي (الْبَحْر الرَّائِق) . وَيسْتَحب السّفر يَوْم الْخَمِيس والسبت فِي أول النَّهَار. وَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لَا تسافروا فِي آخر الشَّهْر وَلَا تسافروا وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب كَذَا فِي فَتَاوَى الْحجَّة وَللَّه در النَّاظِم.
(2/123)

(رفتم برآن دلبر شيرين غبغب ... كفتم بسفر مي روم اي مَه امشب)

(رجون مَه وزلف جون عقرب بكشود ... )

(يَعْنِي كه مرو هست قمر در عقرب ... )

وَفِي الشرعة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يكره السّفر وَالنِّكَاح فِي محاق الشَّهْر وَإِذا كَانَ الْقَمَر فِي الْعَقْرَب - وَفِي آدَاب المريدين وَلَا يُسَافر بِغَيْر رضَا الْوَالِدين والأستاذ حَتَّى لَا يكون عاقا فِي سَفَره فَلَا يجد بَرَكَات سَفَره - وَفِي الْحصن الْحصين من كَلَام سيد الْمُرْسلين وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَتُحِبُّ يَا جُبَير إِذا خرجت فِي سفر أَن تكون أمثل أَصْحَابك هَيْئَة أَي أحسن وَأَكْثَرهم زادا فَقلت: نعم بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ: فاقرأ هَذِه السُّور الْخمس: {قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ} و {وَإِذا جَاءَ نصر الله} و {قل هُوَ الله أحد} و {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} و {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} وافتتح كل سُورَة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم واختتم قراءتك بهَا قَالَ جُبَير وَكنت غَنِيا كثير المَال فَكنت أخرج فِي سفر فَأَكُون أبذهم وَأَقلهمْ زادا فَمَا زلت مُنْذُ علمتهن من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقرأت بِهن أكون من أحْسنهم هَيْئَة وَأَكْثَرهم زادا حَتَّى أرجع من سَفَرِي انْتهى.
وَالسّفر عِنْد أَوْلِيَاء الله تَعَالَى عبارَة عَن سير الْقلب عِنْد أَخذه فِي التَّوَجُّه إِلَى الْحق بِالذكر والأسفار عِنْدهم أَرْبَعَة كَمَا بَين فِي كتب السلوك وَاعْلَم أَن شَدَائِد السّفر أَكثر من أَن تحصى وَلذَا اشْتهر أَن السّفر قِطْعَة من السقر وَللَّه در الشَّاعِر.
(سفر اكرجه زيك نقطه كمتر از سقراست ... )

(ولي عَذَاب سفر از سقر زياده تراست ... )

ومنافعه أَعم وأوفى.
ف (57) :
السفاتج: جمع سفتجة بِضَم السِّين وَفتح التَّاء أَن يدْفع تَاجِرًا مَالا بطرِيق الْقَرْض ليدفعه إِلَى صديقه فِي بلد آخر وَإِنَّمَا أقْرضهُ ليستفيد سُقُوط خطر الطَّرِيق وَهُوَ مَكْرُوه إِذا كَانَت مَنْفَعَة سُقُوط خطر الطَّرِيق مَشْرُوطَة وَإِلَّا فَلَا.
(2/124)


(بَاب السِّين مَعَ الْقَاف)

سقراط: هُوَ من تلاميذ فيثاغورس من أساتذة أفلاطون وَكَانَ زاهدا فِي الدُّنْيَا ومشهورا بمخالفة اليونانيين فِي عِبَادَتهم الْأَصْنَام. وَمن ثمَّ يُسمى بسقراطس وَهُوَ فِي اليونان بِمَعْنى المعتصم بِاللَّه. وَقد خُوطِبَ (بشك) وَهُوَ أَن الْمَطْلُوب إِمَّا مَعْلُوم فالطلب تَحْصِيل الْحَاصِل وَإِمَّا مَجْهُول فَكيف الطّلب.
وَأجِيب بِمَعْلُوم من وَجه ومجهول من وَجه آخر فَعَاد قَائِلا الْوَجْه الْمَعْلُوم مَعْلُوم وَالْوَجْه الْمَجْهُول مَجْهُول وحله أَن الْوَجْه الْمَجْهُول لَيْسَ مَجْهُولا مُطلقًا حَتَّى يمْتَنع الطّلب فَإِن الْوَجْه الْمَعْلُوم وَجه الْوَجْه الْمَجْهُول لِأَنَّهُ من بعض ذاتياته أَو عوارضه أَلا ترى أَن الْمَطْلُوب الْحَقِيقَة الْمَعْلُومَة بِبَعْض اعتباراتها.
السقيم: الْمَرِيض والسقيم فِي الحَدِيث خلاف الصَّحِيح مِنْهُ وَعمل الرَّاوِي بِخِلَاف مَا رَوَاهُ يدل على سقمه.
السقط: بالحركات الثَّلَاث (بجه خام كه ازشكم مادر افتد) والسقط إِن ظهر بعض خلقه كالشعر وَالظفر ولد فَتَصِير أمه نفسَاء وَإِن كَانَت أمة تصير أم ولد وتنقض الْعدة وَيَقَع الطَّلَاق إِن كَانَ طَلاقهَا مُعَلّقا بِالْوَلَدِ والسقط بِكَسْر الأول وَسُكُون الثَّانِي اسْم ديوَان أبي الْعَلَاء وَهُوَ فِي اللُّغَة بعض من النَّار ثمَّ شَرحه بعض الْفُضَلَاء وَسَماهُ بضرام السقط والضرام بِالْفَارِسِيَّةِ (فروزنده) .
(بَاب السِّين مَعَ الْكَاف)

السّكُون: عِنْد الْحُكَمَاء عدم الْحَرَكَة عَمَّا من شَأْنه أَن يَتَحَرَّك فالمجردات غير متحركة وَلَا سَاكِنة إِذْ لَيْسَ من شَأْنهَا الْحَرَكَة. والتقابل بَينهمَا تقَابل الْعَدَم والملكة. وَعند الْمُتَكَلِّمين السّكُون هُوَ الِاسْتِقْرَار زَمَانا فِيمَا يَقع فِيهِ الْحَرَكَة فالتقابل بَينهمَا تقَابل التضاد. ثمَّ اعْلَم أَن الْجَسَد إِذا لم يَتَحَرَّك عَن مَكَانَهُ كَانَ هُنَاكَ أَمْرَانِ أَحدهمَا حُصُوله فِي ذَلِك الْمَكَان الْمعِين وَالثَّانِي عدم حركته مَعَ أَنَّهَا من شَأْنه وَالْأول أَمر ثبوتي اتِّفَاقًا من مقولة الاين وَالثَّانِي أَمر عدمي اتِّفَاقًا. والمتكلمون أطْلقُوا لفظ السّكُون على الأول والحكماء على الثَّانِي فالنزاع لَفْظِي.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه يرد. أَولا: على التَّعْرِيف الأول أَنه يلْزم أَن يكون الْإِنْسَان الْمَعْدُوم سَاكِنا إِذْ يصدق عَلَيْهِ أَنه عديم الْحَرَكَة عَمَّا من شَأْنه أَن يَتَحَرَّك فِي حَال
(2/125)

الْحَيَاة. وَثَانِيا: أَنه يلْزم أَن يكون الْجِسْم فِي آن الْحُدُوث سَاكِنا بِمثل مَا مر. وثالثا: أَنه يلْزم أَن لَا يكون الْفلك سَاكِنا بالحركة الْآنِية إِذْ لَيْسَ من شَأْنه تِلْكَ الْحَرَكَة لاستحالتها عَلَيْهِ لكَونه محددا للجهات. وَالْجَوَاب عَن الأول وَالثَّانِي بِأَنا لَا نسلم أَن الْإِنْسَان الْمَعْدُوم والجسم فِي حَال الْحُدُوث ليسَا بساكنين وَإِلَّا لكانا متحركين. مَدْفُوع بِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِمَا السَّاكِن والمتحرك كالمجردات.
وَيُمكن الْجَواب عَنْهُمَا: أَولا: بِأَن المُرَاد أَن السّكُون عرض هُوَ عدم الْحَرَكَة الخ وَالْعرض لَا بُد لَهُ من وجود الْمَوْضُوع وَالْإِنْسَان الْمَعْدُوم والجسم فِي آن الْحُدُوث لَا وجود لَهما فَلَا يكونَانِ ساكنين. وَثَانِيا: بِأَن المُرَاد من لَفظه مَا فِي قَوْله عَمَّا من شَأْنه أَن يَتَحَرَّك هُوَ الشَّيْء أَو الْمَوْجُود وَالْإِنْسَان الْمَعْدُوم والجسم فِي آن الْحُدُوث ليسَا بموجودين وليسا أَيْضا بشيئين إِذْ الشَّيْء يساوق الْمَوْجُود.
وَأجِيب عَن الثَّالِث بِأَن المُرَاد مَا من شَأْنه بِحَسب الشَّخْص أَو النَّوْع أَو الْجِنْس أَن يَتَحَرَّك وجنس الْفلك وَهُوَ الْجِسْم قَابل للحركة الْآنِية. وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم وَحِينَئِذٍ أَن يكون المجردات أَيْضا سَاكِنة لكَون جِنْسهَا وَهُوَ الْجَوْهَر قَابلا للحركة. وَلَا يخفى أَن لُزُوم سكونها مَمْنُوع وَإِنَّمَا يلْزم ذَلِك إِن لَو كَانَ الْجَوْهَر جِنْسا للجواهر وَالْحق أَنه لَيْسَ كَذَلِك. وَيُمكن الْجَواب عَن الإيرادات الثَّلَاثَة بِأَن المُرَاد من شَأْنه أَن يَتَحَرَّك بِالنّظرِ إِلَى ذَاته فِي وَقت عدم حركته وَالْإِنْسَان الْمَعْدُوم والجسم فِي آخر حُدُوثه لَيْسَ من شَأْنهمَا الْحَرَكَة فِي وَقت عدم حركتهما وَإِن كَانَ من شَأْنهمَا الْحَرَكَة فِي وَقت مَا والفلك من شَأْنه الْحَرَكَة الْآنِية بِالنّظرِ إِلَى ذَاته وَإِن لم يكن من شَأْنه الْحَرَكَة الْآنِية بِالنّظرِ إِلَى الْغَيْر وَهُوَ كَونه محددا للجهات.
وَاعْلَم أَن الشَّيْخ فِي طبيعيات الشِّفَاء زَاد فِي تَعْرِيف السّكُون قيدا وَهُوَ استعداد المتحرك فِي المقولة وَقَالَ إِن الْجِسْم فِي آن حُدُوثه لَيْسَ بساكن وَلَا متحرك وَأَنت تعلم أَن مَا فِي الشِّفَاء لَا يشفى العليل وَلَا يسقى الغليل إِذْ يصدق على الْإِنْسَان الْمَعْدُوم والجسم فِي حَال حُدُوثه أَنَّهُمَا مستعدان للحركة فِي مقولة مَا. وَكَذَا لَو كَانَ المُرَاد الاستعداد للحركة بِحَسب الشَّخْص أَو النَّوْع أَو الْجِنْس فَلَا بُد مَعَ مَا ذكره من الْقَيْد مثل مَا ذكر فِي الْجَواب فاحفظ.
ثمَّ إِن السّكُون عِنْد أَرْبَاب الْعَرَبيَّة هُوَ صُورَة الْجَزْم كَمَا قَالُوا إِن مَا قيل نون الضَّمِير يكون سَاكِنا وَإِنَّمَا سمي سكونا لسكون الصَّوْت وَعدم جَرَيَانه عِنْده وَهُوَ مرادف للْوَقْف فالسكون هُوَ صُورَة الْجَزْم الَّتِي تكون لغير الْعَامِل بِخِلَاف الْجَزْم فَإِنَّهُ مَخْصُوص بائر الْعَامِل الْجَازِم.
السّكُون كونان فِي آنين فِي مَكَان: وَاحِد كَمَا أَن الْحَرَكَة كونان فِي آنين فِي
(2/126)

مكانين. اعْلَم أَن الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله قَالَ فِي شرح العقائد النسفية الْجِسْم والجوهر لَا يَخْلُو عَن الْكَوْن فِي حيّز فَإِن كَانَ مَسْبُوقا بِكَوْن آخر فِي ذَلِك الحيز بِعَيْنِه فَهُوَ سَاكن. وَإِن لم يكن مَسْبُوقا بِكَوْن آخر فِي ذَلِك الحيز بل فِي حيّز آخر فمتحرك.
ثمَّ قَالَ وَهَذَا معنى الْحَرَكَة كونان فِي آنين فِي مكانين والسكون كونان فِي آنين فِي مَكَان وَاحِد انْتهى. وغرض الْعَلامَة من قَوْله وَهَذَا معنى قَوْلهم الْحَرَكَة كونان إِلَى آخِره أَنه يرد على ظَاهر هذَيْن التعريفين الْمَذْكُورين أَنه يعلم مِنْهُمَا صَرِيحًا أَن كلا من الْحَرَكَة والكون عبارَة عَن مَجْمُوع الكونين وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِلَّا يلْزم عدم امتياز الْحَرَكَة عَن السّكُون بِالذَّاتِ فِي الْوُجُود الْخَارِجِي وَلم يقل بِهِ أحد. وَوجه اللُّزُوم إِن مَا حدث فِي مَكَان وَاسْتقر آنين فِيهِ ثمَّ انْتقل مِنْهُ فِي الْآن الثَّالِث إِلَى مَكَان آخر لزم أَن يكون كَون ذَلِك الْحَادِث فِي الْآن الثَّانِي جُزْءا من الْحَرَكَة والسكون فَإِن هَذَا الْكَوْن مَعَ الْكَوْن الأول يكون سكونا وَمَعَ الْكَوْن الثَّالِث يكون حَرَكَة فَلَا تمتاز الْحَرَكَة عَن السّكُون بِالذَّاتِ بِمَعْنى أَنه يكون السَّاكِن فِي آن سكونه أَعنِي الْآن الثَّانِي شَارِعا فِي الْحَرَكَة فَيلْزم أَن يكون ذَلِك الْحَادِث فِي الْآن الثَّانِي متصفا بالحركة والسكون مَعًا فَلَا يمتازان بِحَسب الْوُجُود الْخَارِجِي وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقُول بِهِ أحد فَقَالَ وَهَذَا معنى قَوْلهم: إِن الْحَرَكَة كونان الخ يَعْنِي أَن مَا ذكرنَا من أَن الْحَرَكَة كَون أول فِي مَكَان ثَان والسكون كَون ثَان فِي مَكَان أول هُوَ الْحق وَلَا يَنْبَغِي أَن يحمل التعريفان الْمَذْكُورَان على ظاهرهما بل الْوَاجِب حملهما على مَا هُوَ الْحق وَإِن كَانَ خلاف ظاهرهما.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا دلَالَة لَهما أصلا على مَا هُوَ الْحق فَكيف يحْملَانِ عَلَيْهِ مَعَ عدم دلالتهما عَلَيْهِ ظَاهر. أَو لَا غير ظَاهر. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن المُرَاد أَن الْحَرَكَة والسكون كَون من الكونين المتلازمين فَإِن الْحَرَكَة الَّتِي هِيَ كَون أول فِي مَكَان ثَان لَا يكون إِلَّا وَأَن يُوجد قبله كَون فِي مَكَان أول وَكَذَا السّكُون الَّذِي هُوَ كَون ثَان فِي مَكَان أول لَا يُوجد إِلَّا وَأَن يكون قبله كَون أول فِي ذَلِك الْمَكَان فَلهَذَا عرفوهما بالكونين وَأَرَادُوا الْكَوْن الْوَاحِد فَافْهَم.
وَيرد على تعريفيهما بطلَان مَا تقرر عِنْدهم من أَن الْجِسْم والجوهر لَا يخلوان عَن الْحَرَكَة والسكون لِأَنَّهُمَا فِي آن الْحُدُوث ليسَا بمتحركين وَلَا ساكنين. وَلِهَذَا قَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة لَو قيل فَإِن كَانَ مَسْبُوقا بِكَوْن آخر فِي حيّز آخر فحركة وَإِلَّا فَسُكُون لم يرد سُؤال آن الْحُدُوث انْتهى. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون دَاخِلا فِي السّكُون لِأَن معنى قَوْله وَإِلَّا الخ وَإِن لم يكن مَسْبُوقا بِكَوْن آخر فِي حيّز آخر فَيجوز أَن لَا يكون مَسْبُوقا بِكَوْن آخر كَمَا فِي آن الْحُدُوث أَو لَا يكون فِي حيّز آخر بل فِي ذَلِك الحيز وَلَكِن لَا يخفى على المتأمل أَن اللّّبْث مُعْتَبر فِي السّكُون عرفا ولغة فالجسم أَو الْجَوْهَر فِي آن الْحُدُوث لَيْسَ بمتحرك كَمَا هُوَ الظَّاهِر وَلَيْسَ بساكن لعدم اللّّبْث فَعدم اعْتِبَار اللّّبْث فِي
(2/127)

السّكُون وَجعله سَاكِنا فِي آن الْحُدُوث يهدم ذَلِك الِاعْتِبَار.
فَإِن قلت فينهدم حِينَئِذٍ مَا تقرر من أَن كل جسم وجوهر لَا يَخْلُو عَن الْحَرَكَة والسكون وَعَلِيهِ مدَار إِثْبَات حُدُوث الْعَالم. قُلْنَا: خلو الْجِسْم أَو الْجَوْهَر فِي آن الْحُدُوث عَن الْحَرَكَة والسكون لَا يضرنا فَإِن حُدُوثه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان وَالْمَقْصُود إِثْبَات حُدُوث مَا تعدّدت فِيهِ الأكوان وتجددت عَلَيْهِ الْأَعْصَار والأزمان. فَالْمُرَاد مِمَّا تقرر أَن كل جسم أَو جَوْهَر تعدّدت فِيهِ الأكوان وتجددت عَلَيْهِ الْأَعْصَار لَا يَخْلُو عَن الْحَرَكَة والسكون لَا أَن كل جسم أَو جوهرم مُطلقًا لَا يَخْلُو عَن الْحَرَكَة والسكون حَتَّى يلْزم هدم مَا تقرر. فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك جدا.
السكب: الصب يَعْنِي ريختن وسكب الدُّمُوع مسبب عَن الْحزن لما أَن الإحساس بالمنافر يَقْتَضِي حَرَكَة الرّوح إِلَى الْبَاطِن فيسخن الْقلب ويصعد البخارات وَتصير مَاء عِنْد وصولها إِلَى الدِّمَاغ وَيجْرِي من طَرِيق الْعين كَذَلِك جمود الْعين مسبب عَن السرُور لِأَن الإحساس بالملائم يُوجب حَرَكَة الرّوح إِلَى الظَّاهِر فَيُفِيد للقلب برودة.
السكتة: مرض كَمَا بَين فِي الطِّبّ. وَعند أَصْحَاب التجويد عبارَة عَن قطع الصَّوْت زَمَانا دون زمَان الْوَقْف عَادَة من غير التنفس.
السكينَة: مَا تَجدهُ فِي الْقلب من الطُّمَأْنِينَة.
السكر: بِالضَّمِّ كَيْفيَّة نفسانية مُوجبَة لانبساط الرّوح تتبع اسْتِيلَاء الأبخرة الحارة الرّطبَة المتصاعدة إِلَى الدِّمَاغ على بطونه بِسَبَب اسْتِعْمَال مَا يُوجِبهُ وَرُبمَا يتعطل مَعَه لِشِدَّتِهِ الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية أَيْضا. وَالسكر الْمُوجب للحد عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَن لَا يعلم الأَرْض وَالسَّمَاء وَالرِّجَال وَالنِّسَاء. وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى أَن يخْتَلط مَشْيه بالحركة. وَالسكر مُطلقًا غَفلَة تعرض بِغَلَبَة السرُور على الْعقل بِمُبَاشَرَة مَا يُوجِبهَا من الْأكل وَالشرب وَعند أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الْحيرَة والهيبة عِنْد مُشَاهدَة جمال المحبوب فَإِن الْعقل عِنْدهَا يصير مَغْلُوبًا ويرتفع التميز من الْبَين وَمن غَايَة المحوية لَا يعلم مَا يَقُول وَمَا قَالَ الْمَنْصُور أَنا الْحق وَأَبُو يزِيد البسطامي رحمهمَا الله تَعَالَى سبحاني مَا أعظم شأني إِلَّا فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي هِيَ السكر. وَالسكر بالفتحتين نَقِيع الزَّبِيب الرطب إِذا غلا وَاشْتَدَّ.
السَّكْرَان: صَاحب السكر الْمَذْكُور آنِفا. وَأما المُرَاد بِهِ فِي قَول الْفُقَهَاء وَكره إِذْ إِن السَّكْرَان فَهُوَ من لَا يبلغ حد السكر لِأَن من بلغ حَده فَهُوَ حد دَاخل فِي الْمُحدث وَفِي كَرَاهَة إِذْ إِنَّه رِوَايَتَانِ.
السُّكُوت: لَفْظِي وَنَفْسِي فَإِنَّهُ ضد الْكَلَام فَكَمَا أَنه لَفْظِي ومعنوي كَذَلِك ضِدّه - (وَالسُّكُوت اللَّفْظِيّ) ترك التَّكَلُّم بِاللِّسَانِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. (وَالسُّكُوت الْمَعْنَوِيّ) أَن لَا
(2/128)

يدبر الْمُتَكَلّم الْمَعْنى فِي نَفسه الَّذِي يدل عَلَيْهِ بالعبارة أَو الْكِتَابَة أَو الْإِشَارَة.
السُّكْنَى: هِيَ اسْم من السّكُون فَإِنَّهَا نوع اسْتِقْرَار ولبث. وَقد تطلق على الْمسكن. وَفِي بعض شُرُوح كنز الدقائق أَن السُّكْنَى مصدر سكن الدَّار إِذا أَقَامَ فِيهَا أَو اسْم بِمَعْنى الإسكان كالقربى بِمَعْنى الْأَقَارِب.
(بَاب السِّين مَعَ اللَّام)

السّلف: كل من تقدم من الْآبَاء والأقرباء. وَعند الْفُقَهَاء هم من أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى مُحَمَّد بن الْحسن وَالْخلف من مُحَمَّد بن الْحسن إِلَى شمس الْأَئِمَّة الحلوائي والمتأخرون من شمس الْأَئِمَّة الحلوائي إِلَى مَوْلَانَا حَافظ الدّين البُخَارِيّ هَكَذَا ذكره صَاحب الخيالات اللطيفة فِي الْهَامِش.
سَلام الله عَلَيْهِ: قَالَ الْحسن الميبذي فِي الفواتح أَسد الله الْغَالِب عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وعَلى من يقرب إِلَيْهِ انْتهى. - فَإِن قيل كَيفَ يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام وَقد قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة أَن الصَّحِيح الْأَشْهر أَن الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء بالاستقلال مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه وَنقل عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَن السَّلَام كَالصَّلَاةِ فَلَا يفرد بِهِ غَائِب غير الْأَنْبِيَاء -. قلت: أورد الرَّافِعِيّ فِي الصَّغِير إِن أَسد الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّلَاة عدم الْكَرَاهَة بل هُوَ ترك الأولى.
وَمَال إِلَيْهِ الأسنوي فِي الْمُهِمَّات وَصرح بِهِ صَاحب الْعدة بِنَفْي الْكَرَاهَة وَقَالَ أَيْضا الصَّلَاة بِمَعْنى الدُّعَاء يجوز على كل أحد إِمَّا بِمَعْنى التَّعْظِيم والتكريم فَيخْتَص بِهِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ السَّلَام. وَمن الْبَين أَن مُبَالغَة الْفُقَهَاء فِي منع الصَّلَاة أَكثر لَا فِي منع السَّلَام هَذِه عِبَارَته فِي الْهَامِش.
السَّلب: بِالْفَتْح وَسُكُون اللَّام مَا يُقَابل الْإِيجَاب أَي انتزاع النِّسْبَة التَّامَّة الخبرية وبفتح اللَّام مركب الشَّخْص وثيابه وسلاحه وَمَا مَعَه كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه - وَالْمرَاد بِهِ فِي قَوْلهم بَاب الْأَفْعَال للسلب أَنه لسلب الْفَاعِل عَن الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو أشكيته أَي أزلت شكايته.
سلب الشَّيْء عَن نَفسه محَال: فَإِن قيل: لَا نسلم ذَلِك لِأَن زيدا مثلا إِذا كَانَ مَعْدُوما فِي الْخَارِج فَيكون نَفسه مسلوبا عَنهُ ضَرُورَة أَن ثُبُوت شَيْء لآخر فرع ثُبُوته فِي نَفسه كَمَا أَن ثُبُوته لَهُ فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ -. قُلْنَا: السَّلب نَوْعَانِ سلب بسيط وسلب
(2/129)

عدولي - وَالْمرَاد بالسلب فِي قَوْلنَا سلب الشَّيْء عَن نَفسه محَال هُوَ السَّلب العدولي لِأَن الْقَضِيَّة حِينَئِذٍ مُوجبَة معدولة الْمَحْمُول وَهِي تَقْتَضِي وجود الْمَوْضُوع وَلَا شكّ أَن الْمَوْضُوع إِذا كَانَ مَوْجُودا يكون نَفسه ثَابتا الْبَتَّةَ بِالْحملِ الأولي فَكيف يسلب عَنهُ نَفسه.
وَهَا هُنَا مغالطة مَشْهُورَة وَهِي أَن الشَّيْء قد يسلب عَن نَفسه فَلَيْسَ بمحال. وَبَيَان ذَلِك أَن يُقَال كلما لزم تحقق الْخَاص لزم تحقق الْعَام وَكلما لزم تحقق الْعَام لم يلْزم تحقق الْخَاص ينْتج كلما لزم تحقق الْخَاص كالإنسان مثلا لم يلْزم تحَققه فَيلْزم سلب الشَّيْء عَن نَفسه. وحلها منع كُلية الْكُبْرَى كَمَا لَا يخفى -.
السَّلب الْكُلِّي: هُوَ سلب الْمَحْمُول عَن كل فَرد من أَفْرَاد الْمَوْضُوع مثل لَا شَيْء من الْإِنْسَان بِحجر.
السَّلب الجزئي: لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: سلب الْمَحْمُول عَن بعض أَفْرَاد الْمَوْضُوع وإثباته لبَعض آخر مثل لَيْسَ كل حَيَوَان إِنْسَان وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى أخص من رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي وَقسم لَهُ. وَثَانِيهمَا: سلب الْمَحْمُول عَن بعض أَفْرَاد الْمَوْضُوع سَوَاء كَانَ مَعَ الْإِيجَاب للْبَعْض الآخر أَو لَا يكون وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى مسَاوٍ ولازم لَهُ كَمَا لَا يخفى.
سلب الْعُمُوم: هُوَ رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي مثل لَيْسَ كل حَيَوَان إِنْسَان وَهُوَ يصدق عِنْد الْإِيجَاب الجزئي. وَالْفرق بَين عُمُوم السَّلب وسلب الْعُمُوم أَن سلب الْعُمُوم وأعم مُطلقًا من عُمُوم السَّلب فَكل مَوْضُوع يصدق فِيهِ عُمُوم السَّلب يصدق فِيهِ سلب الْعُمُوم من غير عكس كلي.
السّلم: بِضَم الأول وَتَشْديد الثَّانِي نردبان. وبفتح الأول وَالثَّانِي فِي اللُّغَة الاستعجال والتقديم وَالتَّسْلِيم. وَفِي الشَّرْع عقد يُوجب الْملك فِي الثّمن فِي الْحَال وَفِي الْمُثمن فِي الِاسْتِقْبَال وَإِنَّمَا خص هَذَا النَّوْع من البيع بِهَذَا الِاسْم لاختصاصه بِحكم يدل عَلَيْهِ وَهُوَ تَعْجِيل أحد الْبَدَلَيْنِ قبل حُصُول الْمَبِيع وَالْمَبِيع يُسمى مُسلما فِيهِ وَالثمن رَأس المَال وَالْبَائِع مُسلما إِلَيْهِ وَالْمُشْتَرِي رب السّلم وَمعنى قَوْلنَا أسلم فِي كَذَا أَي فعل عقد السّلم فِي الْحِنْطَة مثلا أَو أسلم الثّمن فِيهِ أَي قدم وَعجل قبل حُصُول الْمَبِيع. أَو الْهمزَة للسلب أَي أَزَال سَلامَة الدَّرَاهِم بتسليمها إِلَى مُفلس أَي عادم للْمَبِيع ومفلس عَنهُ.
وَاعْلَم أَن البيع نَوْعَانِ: (بيع الْعين بِالدّينِ) كَمَا إِذا بَاعَ حِنْطَة مَوْجُودَة مُعينَة بدرهم فَيكون الدِّرْهَم دينا على المُشْتَرِي (وَبيع الدّين بِالْعينِ) وَهُوَ عقد السّلم وَالْبيع الأول عَزِيمَة وَالثَّانِي رخصَة.
السَّلَام: من أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لسلامته تَعَالَى عَن النقائص وَبِمَعْنى السَّلامَة عَن الْآفَات فِي الدَّاريْنِ وَبَعض أَحْكَامه فِي التَّكَلُّم فَانْظُر فِيهِ.
(2/130)

(بَاب السِّين مَعَ الْمِيم)

سمع الله لمن حَمده: أَي قبل الله حمد من حَمده كَمَا يُقَال سمع القَاضِي الْبَيِّنَة أَي قبلهَا و (اللَّام) فِي لمن للمنفعة و (الْهَاء) فِي حَمده للكناية كَذَا فِي الْمُسْتَصْفى، وَذكر فِي الْفَوَائِد الحميدية أَنَّهَا للسكتة والاستراحة. نقل بعض شرَّاح الْمُقدمَة الكيدانية عَن عُمْدَة الْإِسْلَام لَو قَالَ سمع الله لمن حمد بِدُونِ الْهَاء تفْسد صلَاته انْتهى. وَنقل عَن عُمْدَة الْفَتَاوَى لَو قَرَأَ سمع الله لمن حَمده بِسُكُون الْمِيم تفْسد صلَاته. وَذكر فِي فَتَاوَى الْحجَّة أَنه يقف على الْهَاء سَاكِنة وَلَا يَقُول حَمده بالحركة انْتهى.
وَوجه مَا نَقله بعض شرَّاح الْمُقدمَة الكيدانية من فَسَاد الصَّلَاة لَو قَالَ سمع الله لمن حمد بِدُونِ ضمير الْمَفْعُول مَا قَالَ القَاضِي شهَاب الدّين الْهِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَوَاشِيه على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى. اعْلَم أَن الْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول غير اللَّام إِذا كَانَ فضلَة وَلَا يكون ضمير سواهُ يجوز حذفه لدلَالَة الْمَوْصُول عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ ضمير الْفَاعِل وَبِخِلَاف صلَة اللَّام الموصولة وَبِخِلَاف الْعَائِد إِلَى غير الْمَوْصُول نَحْو سمع الله لمن حَمده لِأَن الضَّمِير عَائِد إِلَى غير الْمَوْصُول فَيكون مستغني عَنهُ فَلَا يجوز حذفه منويا فَإِذا قَالَ سمع الله لمن حمد قَاصِدا قَوْله لمن حَمده على مَا هُوَ شَأْن من يقْصد اتِّبَاع السّنة كَانَ هَذَا غير جَائِز من جِهَة النَّحْو للُزُوم حذف الضَّمِير المستغني عَنهُ مرَادا فَلَا يكون مِمَّا يشبه أَلْفَاظ الْقُرْآن فَيَنْبَغِي أَن يفْسد الصَّلَاة كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات انْتهى.
السمُوم: بِضَم السِّين جمع السم. وَبِفَتْحِهَا الرّيح المتكيف بكيفية سميَّة فَيكون محرقا وَقد يرى فِيهِ حمرَة شعل النيرَان لاحتراقه فِي نَفسه بالأشعة وَقيل باختلاطه بِبَقِيَّة مَادَّة الشهب أَو لمروره بِالْأَرْضِ الحارة جدا.
السّمع: قُوَّة مودعة فِي الْعصبَة المفروشة فِي مُؤخر الصماخ الَّتِي فِيهَا هَوَاء محتبس كالطبل فَإِذا وصل الْهَوَاء المتكيف بكيفية الصَّوْت لتموجه الْحَاصِل من قرع أَو قلع عنيفين مَعَ مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع إِلَى تِلْكَ الْعصبَة وقرعها أَدْرَكته الْقُوَّة بالمودعة فِيهَا وَكَذَا إِذا كَانَ الْهَوَاء المتكيف بكيفية الصَّوْت قَرِيبا مِنْهَا وَإِن لم يكن قارعا وَلَيْسَ المُرَاد بوصول الْهَوَاء الْحَامِل للصوت إِلَى السامعة أَن هَوَاء وَاحِدًا بِعَيْنِه يتموج ويتكيف بالصوت ويوصل التموج ذَلِك الْهَوَاء إِلَى السامعة بل أَن الْهَوَاء المجاور لذَلِك الْهَوَاء المتكيف بالصوت يتموج ويتكيف بِهِ الْهَوَاء الراكد فِي الصماخ فَتُدْرِكهُ السامعة حِين الْوُصُول.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن السّمع قُوَّة مؤدعة لِأَن الْوَدِيعَة تَزُول بِأخذ الْمُودع والسمع وَالْبَصَر أَيْضا كَذَلِك بِخِلَاف اللَّمْس والذوق والشم فَإِنَّهَا لَا تَزُول مَا دَامَت الْحَيَاة بَاقِيَة نعم قد
(2/131)

يحدث النُّقْصَان فِيهَا وَهُوَ لَا يُوجب الزَّوَال كَمَا لَا يخفى.
ثمَّ اعْلَم أَن السّمع أفضل الْحَواس الظَّاهِرَة فَإِن التَّعْلِيم والتعلم والنطق مَوْقُوف عَلَيْهِ وَهُوَ يتَعَلَّق بالقريب والبعيد وَلِهَذَا كَانَ بعض الْأَنْبِيَاء أعمى لَا أَصمّ فَلَا بُد من احتياطه ومحافظته وَصِحَّته بالاجتناب عَن الْهَوَاء الْحَار والبارد وَدخُول المَاء وَالْغُبَار وَالتُّرَاب والهوام وَالْوَاجِب تقطير الدّهن المحرور بالنَّار المعتدل والاجتناب عَن كَثْرَة الْكَلَام وَسَمَاع الْأَصْوَات القوية وَالْقِرَاءَة الجهرية وَالْحَرَكَة العنيفة والقيء وَالْحمام الْحَار وَالنَّوْم على الامتلاء وَالسكر المتوالي وَتَنَاول الأغذية المبخرة وَمن أَرَادَ حفظ صِحَة لسمع فَعَلَيهِ أَن يضع الْقطن فِي الْأذن لَيْلًا وَنَهَارًا.
سمت الْقبْلَة: عبارَة عَن نقطة مُحِيط دَائِرَة الْأُفق لَو حَاذَى رجل تِلْكَ النقطة يكون مواجها لمَكَّة المعظمة والخط الْوَاصِل بَين تِلْكَ النقطة وَبَين قدم الْمُصَلِّي إِلَيْهَا هُوَ خطّ سمت الْقبْلَة ولمعرفتها طرق فِي كتب الْهَيْئَة ورسائل الرّبع الْمُجيب.
وَاعْلَم أَن من أَرَادَ عمل اسْتِخْرَاج سمت الْقبْلَة يجب عَلَيْهِ أَن يفعل ذَلِك الْعَمَل الْمَذْكُور فِي تِلْكَ الْكتب قبل الزَّوَال بِكَثِير أَو بعده بِكَثِير فَيَأْخُذ ارْتِفَاع الشَّمْس فَإِن وجده عشْرين مثلا فَليخْرجْ سمت ارْتِفَاع ثَلَاثًا وَعشْرين قبل الزَّوَال وَسَبْعَة عشر بعده وَبعد تكمل الْعَمَل فِيهِ حَتَّى لَا يَأْتِي الِارْتفَاع الْمَذْكُور إِلَّا وَقد استخرج سمته وَعرف أَنه شَرْقي - أَو غربي - شمَالي - أَو جنوبي - فَلَا يخْتل الْعَمَل مِنْهُ وَكثير من النَّاس من يغْفل عَن ذَلِك فَيَأْخُذ الِارْتفَاع ويستخرج سمته فيمضي زمَان فِي استخراجه فيختل الْعَمَل الصَّحِيح مِنْهُ وَهُوَ لَا يدْرِي. ثمَّ قد يحكم بذلك على اختلال بعض المحاريب مثلا كَمَا وَقع لبَعْضهِم أَنه حكم بِأَن قبله الْجَامِع الْأَزْهَر منحرفة انحرافا يَسِيرا وَذَلِكَ إِنَّمَا نَشأ عَن غَفلَة عَمَّا ذكرنَا وَهُوَ لما اسْتَيْقَظَ واستخرج الْقبْلَة بِهِ لم يجد فِي قبْلَة الْجَامِع الْمَذْكُور انحرافا أصلا نبه على ذَلِك الشَّيْخ الْعَالم الصَّالح عبد الرَّحْمَن الباجوري رَحمَه الله تَعَالَى.
السمحاق: بِالْكَسْرِ فِي الشجاج إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السمسار: من يعْمل للْغَيْر بِالْأَجْرِ بيعا أَو شِرَاء وَيُقَال لَهُ فِي الْعرف الدَّلال كَذَا فِي جمال الحسني.
السّمن: بِكَسْر الأول وَفتح الثَّانِي أَو سكونه فر بِهِ شدن وَحَقِيقَته فِي النمو إِن شَاءَ الله تَعَالَى وبفتح الأول وَسُكُون الثَّانِي (روغن كاؤ وكوسفند وَبِمَعْنى بيه نزآمده) .
السماعي: الْمَنْسُوب إِلَى السماع. وَفِي الْإِصْلَاح مَا لم يذكر لَهُ قَاعِدَة كُلية مُشْتَمِلَة على جزئياتها ويقابله القياسي. وَالْعَامِل السماعي مَا سمع من الْعَرَب أَنه يعْمل
(2/132)

كَذَا وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ بِخِلَاف الْعَامِل القياسي فَإِنَّهُ وَإِن سمع من الْعَرَب أَنه يعْمل كَذَا وَلَكِن يُقَاس عَلَيْهِ فَإِن ضرب مثلا مسموع من الْعَرَب أَنه يرفع الْفَاعِل وَيُقَاس عَلَيْهِ نصر وَفتح وَغير ذَلِك بِخِلَاف لم وَلنْ فَإِنَّهُ سمع من الْعَرَب أَن الأول يجْزم الْمُضَارع وَالثَّانِي ينصبه وَلَكِن لَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا يوازنه كَمَا لَا يخفى.
السّمك: من الصَّيْد البحري والطافي مِنْهُ حرَام وَالتَّفْصِيل فِي الصَّيْد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السمنية: بِضَم الأول وَفتح الْمِيم جمَاعَة من عَبدة الْأَصْنَام يَقُولُونَ بالتناسخ وَيُنْكِرُونَ وُقُوع الْعلم أَي الْيَقِين بِغَيْر الْحس ومنسوبة إِلَى السومنات الَّذِي هُوَ اسْم صنم كَانَ فِي ولَايَة سورتهه.
(بَاب السِّين مَعَ النُّون)

السّنة: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي الْعَام. وبالكسر فتور يتَقَدَّم النّوم بِالْفَارِسِيَّةِ (بينكي وغنو دن) نعم الْقَائِل - سنة الْوِصَال سنة وَسنة الْفِرَاق سنة - السّنة فِي الطَّرفَيْنِ بِفَتْح السِّين وَفِي الحشو بِكَسْرِهَا. فَإِن قيل: لَا حَاجَة إِلَى نفي النّوم فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم} . كَمَا لَا يخفى. قلت: كَلَامه تَعَالَى مَحْمُول على الْقلب فَالْمُرَاد (لَا تَأْخُذهُ نوم وَلَا سنة) وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا} . أَي نحيا وَنَمُوت وَإِنَّمَا قدم السّنة على النّوم لِأَنَّهَا مُقَدّمَة على النّوم بالطبع فَقَدمهَا وضعا ليُوَافق الْوَضع الطَّبْع.
وَالسّنة بِضَم الأول وَتَشْديد الثَّانِي فِي اللُّغَة الطَّرِيقَة مرضية أَو غير مرضية. وَفِي الشَّرْع هِيَ الطَّرِيقَة المسلوكة الْجَارِيَة فِي الدّين من غير افتراض وَلَا وجوب سَوَاء سلكها الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو غَيره مِمَّن هُوَ علم فِي الدّين وَلَا بُد من الِاتِّبَاع بِالسنةِ لِأَنَّهُ قد ثَبت بِالدَّلِيلِ أَن الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُتبع فِيمَا سلك من طَريقَة الدّين وَكَذَا الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم بعده عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة خلفائي الرَّاشِدين من بعدِي. وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ.
وَحكم السّنة أَن يُطَالب الْمُكَلف بإقامتها من غير افتراض وَلَا وجوب إِلَّا إِذا كَانَ من شَعَائِر الدّين كالأذان فَإِذا أصر أهل مصر على ترك الْأَذَان وَالْإِقَامَة أمروا بهَا فَإِن أَبَوا قوتلوا بِالسِّلَاحِ عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله كَمَا يُقَاتلُون عِنْد الْإِصْرَار على ترك الْفَرَائِض والواجبات. فالسنن إِنَّمَا يؤدبون على تَركهَا وَلَا يُقَاتلُون ليظْهر الْفرق بَين الْوَاجِب وَغَيره. وَمُحَمّد رَحمَه الله يَقُول مَا كَانَ من أَعْلَام الدّين فالإصرار على تَركه استخفاف
(2/133)

بِالدّينِ فيقاتلون على ذَلِك كَذَا فِي التَّحْقِيق نقلا عَن الْمَبْسُوط.
وَالسّنة على نَوْعَيْنِ: سنَن الْهدى وَسنَن الزَّوَائِد أما الأول: فَهُوَ مَا واظب عَلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على سَبِيل الْعِبَادَة أَي تكميلا للهداية مَعَ تَركه أَحْيَانًا كالجماعة وَالْأَذَان وَالْإِقَامَة. وَحكمه الثَّوَاب بِالْفِعْلِ وَجَزَاء الْإِسَاءَة وَالْكَرَاهَة بِالتّرْكِ عمدا بِلَا عذر. والإساءة دون الْكَرَاهَة وَجَزَاء الْإِسَاءَة اللوم وَجَزَاء الْمَكْرُوه الْعقَاب وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله فِي بعض السّنَن أَنه يصير مسيئا بِالتّرْكِ. وَفِي الْبَعْض يسْتَحبّ الْقَضَاء كَسنة الْفجْر وَلَا يُعَاقب بِتَرْكِهَا. وَأما الثَّانِي: فَمَا لم يصدر عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على وَجه الْعِبَادَة وَقصد الْقرْبَة بل على سَبِيل الْعَادة فَأَخذه حسن وَلَا يتَعَلَّق بِتَرْكِهِ كَرَاهَة وإساءة كتطويل الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَتَطْوِيل الرُّكُوع وَسَائِر أفعالها الَّتِي كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّلَام بهَا فِي الصَّلَاة فِي حَالَة الْقيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وأفعاله عَلَيْهِ السَّلَام خَارج الصَّلَاة كلبس حَبَّة خضراء وبيضاء وَمَا فِيهِ خطوط حَمْرَاء طَوِيل الكمين وَرُبمَا يلبس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عِمَامَة سَوْدَاء وحمراء وَكَانَ مقدارها سَبْعَة أَذْرع أَو اثْنَي عشر ذِرَاعا أَو أقل أَو أَكثر فَهَذَا كلهَا من سنَن الزَّوَائِد. يُثَاب الْمَرْء على فعلهَا وَلَا يُعَاقب على تَركهَا وَهُوَ فِي معنى الْمُسْتَحبّ إِلَّا أَن الْمُسْتَحبّ مَا أحبه الْعلمَاء وَهَذَا مَا اعْتَادَ بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومستند إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام. وَفِي التَّحْقِيق شرح الحسامي ذكر أَبُو الْيُسْر رَحمَه الله وَأما حكم السّنة فَهُوَ إِن كَانَ فعل واظب عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مثل التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة وَالسّنَن والرواتب ينْدب إِلَى تَحْصِيله ويلام على تَركه مَعَ لُحُوق إِثْم يسير. وكل فعل لم يواظب عَلَيْهِ بل تَركه فِي حَالَة كالطهارة لكل صَلَاة وتكرار الْغسْل فِي أَعْضَاء الْوضُوء وَالتَّرْتِيب فِي الْوضُوء فَإِنَّهُ ينْدب إِلَى تَحْصِيله وَلَكِن لَا يلام على تَركه وَلَا يلْحق بِتَرْكِهِ وزر.
وَأما التَّرَاوِيح فِي رَمَضَان فَإِنَّهُ سنة الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم إِذْ لم يواظب عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بل واظب عَلَيْهَا الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهِي مِمَّا ينْدب إِلَى تَحْصِيله ويلام على تَركه وَلكنه دون مَا واظب عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِن سنة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أقوى من سنة الصَّحَابَة فَقَالَ وَهَذَا عندنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُولُونَ السّنة فعل واظب عَلَيْهِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام. فَأَما الْفِعْل الَّذِي واظب عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَلَيْسَ بِسنة وَهُوَ على أصلهم مُسْتَقِيم فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ أَقْوَالهم حجَّة فَلَا يرَوْنَ أفعالهم سنة أَيْضا. وَعِنْدنَا أَقْوَالهم حجَّة فَتكون أفعالهم سنة وَذكر غَيره أَنه لَا اخْتِلَاف فِي أَن السّنة هِيَ الطَّرِيقَة المسلوكة فِي الدّين سَوَاء كَانَت للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَو لغيره من أَعْلَام الدّين وَلَكِن الْخلاف فِي أَن إِطْلَاق لفظ السّنة يَقع على سنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَو يحْتَمل سنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَسنة غَيره على مَا عرف انْتهى.
السّنة الشمسية: عبارَة عَن دورة وَاحِدَة للشمس من نقطة فلك البروج إِلَى أَن تَنْتَهِي إِلَيْهَا وَهِي خَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَثَلَاث مائَة يَوْم وجزء من أحد وَعشْرين جُزْءا من
(2/134)

الْيَوْم على اخْتِلَاف سَيَجِيءُ فِي الْكسر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السّنة القمرية: أَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَثَلَاث مائَة يَوْم وَبَعض مَعْلُوم من يَوْم وَهُوَ عشرُون جُزْءا من أحد وَعشْرين جُزْءا من الْيَوْم فَيكون السّنة الشمسية زَائِدَة على القمرية بِأحد عشر يَوْمًا وجزء من أحد وَعشْرين جُزْءا من الْيَوْم. وَفِي عدَّة أَيَّام السّنة اخْتِلَاف سَيَجِيءُ فِي الْكسر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السن: بِكَسْر السِّين وَتَشْديد النُّون سَالَ ودندان وَعمر. وَجمعه الْأَسْنَان وَجمع الْجمع أسنة والسنون من الجموع الشاذة كَمَا حققناه فِي جَامع الغموض منبع الفيوض شرح الكافية فِي مَبْحَث الْجمع.
وَاعْلَم أَن أَسْنَان الْإِنْسَان أَرْبَعَة الأول سنّ النمو وَهُوَ من أول الْعُمر إِلَى قريب من ثَلَاثِينَ سنة إِذْ النمو ظَاهر إِلَى عشْرين. وَلَا شكّ أَن بعد الْعشْرين يزِيد حَال الْإِنْسَان فِي الْجمال وَالْقُوَّة والجلادة وَذَلِكَ يدل على عدم وقُوف النامية. وَالثَّانِي سنّ الْوُقُوف وَلَا بُد من القَوْل بِهِ لِأَنَّهُ لَا شكّ فِي النمو وَلَا فِي الانحطاط فَلَا بُد بَين حركتين متضادتين من سُكُون وَيُسمى سنّ الشَّبَاب وَهُوَ من آخر النمو إِلَى أَرْبَعِينَ.
وَالثَّالِث سنّ الانحطاط مَعَ بَقَاء من الْقُوَّة وَهُوَ أَن لَا يكون النُّقْصَان فِيهِ محسوسا وَهُوَ من آخر سنّ الشَّبَاب إِلَى سِتِّينَ سنة وَيُسمى سنّ الكهولة وَيعلم من الْأَشْبَاه والنظائر غير هَذَا كَمَا سَيَجِيءُ فِي الصَّبِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَالرَّابِع سنّ الانحطاط مَعَ ظُهُور الضعْف فِي الْقُوَّة وَهُوَ أَن تصير الرُّطُوبَة الغريزية نَاقِصَة من حفظ الْحَرَارَة الغريزية نُقْصَانا محسوسا وَهُوَ من آخر سنّ الكهولة إِلَى آخر الْعُمر وَيُسمى سنّ الشيخوخة فَالْحَاصِل أَن للْإنْسَان أسنانا أَربع سنّ النمو وَسن الْوُقُوف وَسن الكهولة وَسن الشيخوخة.
ف (58) :
السَّنَد فِي اصْطِلَاح أَرْبَاب المناظرة مَا يذكر لأجل تَقْوِيَة الْمَنْع وَإِن لم يكن مُفِيدا فِي الْوَاقِع إِذْ لَا يلْزم أَن يكون الْغَرَض من الْفِعْل حَاصِلا بِالْفِعْلِ فَهَذَا التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ لمُطلق السَّنَد الشَّامِل للصحيح وَهُوَ مَا كَانَ مورثا للقوة فِي نفس الْأَمر. وَالْفَاسِد وَهُوَ مَا كَانَ مورثا لَا يكون كَذَلِك. وَمَا قيل إِن السَّنَد مَا كَانَ الْمَنْع مَبْنِيا عَلَيْهِ فَفِيهِ نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يصدق على شَاهد النَّقْض الإجمالي وَدَلِيل الْمعَارض. وَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِالْمَنْعِ هَا هُنَا منع الْمُقدمَة الْمعينَة لَا مَا يعم المباحث الثَّلَاثَة. وَثَانِيهمَا: أَنه إِنَّمَا يصدق على السَّنَد الْمسَاوِي. وَالْجَوَاب أَن المُرَاد أَن الْمَنْع مَا يكون مصححا لوُرُود الْمَنْع إِمَّا فِي نفس الْأَمر أَو فِي زعم السَّائِل وَأَلْفَاظه ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن يُقَال لَا نسلم هَذَا لم لَا يجوز أَن يكون كَذَا. وَالثَّانِي: لَا نسلم لُزُوم ذَلِك إِنَّمَا يلْزم إِن
(2/135)

لَو كَانَ كَذَا. وَالثَّالِث: لَا نسلم هَذَا كَيفَ يكون هَذَا وَالْحَال أَنه كَذَلِك.
السَّنَد الْمسَاوِي: هُوَ السَّنَد الَّذِي يكون مُسَاوِيا لعدم الْمُقدمَة الممنوعة بِأَن يكون كلما صدق السَّنَد صدق عدم الْمُقدمَة الممنوعة وَبِالْعَكْسِ فَيُفِيد إِبْطَاله بطلَان الْمَنْع وَلذَا قَالُوا لَا يُجَاب بِإِبْطَال السَّنَد إِلَّا إِذا كَانَ مُسَاوِيا. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره السَّنَد الْمسَاوِي أَن لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر فِي صُورَتي التحقق والانتفاء أَي صفة عدم الانفكاك بَين السَّنَد وَمنع الْمُقدمَة فِي الْوُجُود والانتفاء يَعْنِي كلما يُوجد وينعدم السَّنَد يُوجد وينعدم انْتِفَاء الْمُقدمَة الممنوعة وَكلما يُوجد وينعدم الانتفاء يُوجد وينعدم السَّنَد مثل إِذا يَجْعَل الْمُعَلل قَوْله هَذَا إِنْسَان صغرى الدَّلِيل بِأَن يَقُول هَذَا إِنْسَان وكل إِنْسَان حَيَوَان فَهَذَا حَيَوَان. فَيَقُول الْمَانِع لَا نسلم الصُّغْرَى أَي لَا نسلم إِن هَذَا إِنْسَان لم لَا يجوز أَن يكون لَا إنْسَانا فَكلما تحقق عدم كَونه إنْسَانا تحقق كَونه لَا إنْسَانا وَكلما انْعَدم انْعَدم فِيهِ.
السَّنَد الْأَخَص: هُوَ السَّنَد الَّذِي لَا يرْتَفع الْمَنْع بارتفاعه بل يتَحَقَّق مَعَ رَفعه كَمَا يتَحَقَّق مَعَ وجوده مثل أَن يَقُول الْمُدَّعِي هَذَا إِنْسَان وكل إِنْسَان حَيَوَان فَهَذَا إِنْسَان فَيَقُول السَّائِل لَا نسلم الصُّغْرَى لم لَا يجوز أَن يكون فرسا فَالسَّنَد وَهُوَ كَونه فرسا أخص من عدم كَونه إنْسَانا لتحَقّق عدم كَونه إنْسَانا مَعَ عدم كَونه فرسا أَيْضا مثل أَن يكون حمارا.
السَّنَد الْأَعَمّ مُطلقًا أَو من وَجه: صفته أَن يتَحَقَّق السَّنَد مَعَ انْتِفَاء الْمَنْع فَإِن كَانَ هَذَا التحقق كليا بِلَا عكس كلي فَحِينَئِذٍ يكون السَّنَد أَعم من الْمَنْع مُطلقًا وَإِلَّا فَمن وَجه. أما الأول: فَمثل أَن يَقُول الْمُعَلل فِي دَلِيله هَذَا إِنْسَان فَيَقُول السَّائِل لَا نسلم ذَلِك لم لَا يجوز أَن يكون غير ضَاحِك بِالْفِعْلِ فَالسَّنَد هُوَ عدم الضحك بِالْفِعْلِ أَعم مُطلقًا من عدم كَونه إنْسَانا لِأَنَّهُ كلما يُوجد عدم الإنسانية يُوجد عدم الضحك بِالْفِعْلِ من غير عكس كلي لِأَنَّهُ قد يُوجد عدم الضحك بِالْفِعْلِ فِي الْإِنْسَان وَلَيْسَ هُنَاكَ عدم الإنسانية كَمَا هُوَ الظَّاهِر. وَأما الثَّانِي: فَكَمَا إِذا قَالَ الْمُعَلل فِي دَلِيله هَذَا إِنْسَان وَيَقُول السَّائِل لَا نسلم ذَلِك لم لَا يجوز أَن يكون أَبيض فَالسَّنَد وَهُوَ كَونه أَبيض أَعم من وَجه من عدم كَونه إنْسَانا لِأَنَّهُ لَا يُوجد كَونه أَبيض مَعَ كَونه إنْسَانا أَيْضا كَمَا يُوجد مَعَ عَدمه وَكَذَلِكَ عدم كَونه إنْسَانا يُوجد مَعَ كَونه أبيضا وَمَعَ عَدمه.
(بَاب السِّين مَعَ الْوَاو)

سَوَاء: اسْم بِمَعْنى الاسْتوَاء وَهُوَ قَوْلهم سَوَاء كَانَ مَرْفُوع على الخبرية للْفِعْل الْمَذْكُور بعده كَمَا قَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا عبد الْحَكِيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَاشِيَته
(2/136)

على المطول قَوْله سَوَاء تعلق بالفضائل أم بالفواضل أَن سَوَاء اسْم بِمَعْنى الاسْتوَاء مَرْفُوع على الخبرية للْفِعْل الْمَذْكُور بعده لِأَنَّهُ مُجَرّد عَن النِّسْبَة وَالزَّمَان فَحكمه حكم الْمصدر والهمزة مقدرَة لِأَن أم الْمُتَّصِلَة لَا تسْتَعْمل بِدُونِهَا وهما جردتا عَن الِاسْتِفْهَام لمُجَرّد التَّسْوِيَة وَلذَا صَارَت الْجُمْلَة جملَة خبرية فَكَأَنَّهُ قيل تعلقه بالفضائل وتعلقه بالفواضل سَوَاء أَي سيان.
وَمَا قَالَ الرضي أَن سَوَاء فِي مثله خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره الْأَمْرَانِ سَوَاء ثمَّ بَين الْأَمريْنِ بقوله أَقمت أم قعدت كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اصْبِرُوا أَو لَا تصبروا سَوَاء عَلَيْكُم} أَي الْأَمْرَانِ سَوَاء. وَالْجُمْلَة جَزَاء وللجملة الَّتِي بعده لتضمنها معنى الشَّرْط وإفادة همزَة الِاسْتِفْهَام معنى أَن لاشْتِرَاكهمَا فِي الدّلَالَة على عدم الْجَزْم وَالتَّقْدِير أَن تعلق الْفَضَائِل أَو الفواضل سيان فتكلف كَمَا لَا يخفى مَا فِيهِ.
ف (59) :
السّوم: فِي الشَّرْع طلب الْمَبِيع بِالثّمن الَّذِي تقرر بِهِ البيع فِي الْمغرب سَام البَائِع السّلْعَة أَي عرضهَا وَذكر ثمنهَا وسامها المُشْتَرِي بِمَعْنى استامها. وَمِنْه لَا يسوم الرجل أَي لَا يَشْتَرِي انْتهى. قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يستام الرجل على سوم أَخِيه وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه. وَفِي المسكيني شرح كنز الدقائق وَكره السّوم على سوم غَيره وَهُوَ أَن يزِيد فِي الثّمن بعد تقرره لإِرَادَة الشِّرَاء وَهَذَا إِذا رَضِي العاقدان على ثمن فإمَّا إِذا ساومه بِشَيْء وَلم يركن أَحدهمَا إِلَى صَاحبه فَلَا شَيْء على الْغَيْر إِن ساومه وَاشْتَرَاهُ.
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ صورته أَن يتساوم الرّجلَانِ على السّلْعَة وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِع رَضِيا بذلك وَلم يعقدا عقد البيع حَتَّى دخل آخر على سومه وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يجوز فِي الحكم وَيكرهُ. وَهَذَا إِذا جنح قلب البَائِع إِلَى الْمَبِيع من الأول بِمَا طلب فِيهِ من الثّمن. وَأما إِذا لم يجنح قلبه إِلَيْهِ وَلم يرض بذلك فَلَا بَأْس للثَّانِي أَن يَشْتَرِيهِ لِأَن هَذَا بيع من يزِيد انْتهى. وَلم يركن بِمَعْنى أَو لم يمل.
سوابق النعم: وَهِي الوجودات لِأَن أول النعم الْوُجُود والبواقي متفرعة عَلَيْهِ ولواحق النعم هِيَ الْبَوَاقِي. وَيُمكن أَن يُرَاد أناعيم الدُّنْيَا وَيُمكن أَن يُرَاد بسوابق النعم أصُول عَن النعم الَّتِي أوصلت إِلَيْنَا فِي الْأَزْمِنَة الْمَاضِيَة أَو أناعيم الدُّنْيَا وبلواحق النعم مَا يُقَابل كل وَاحِد من هذَيْن الْأَمريْنِ.
السوال: فِي اللُّغَة طلب الْأَدْنَى من الْأَعْلَى. وَفِي الْعرف طلب كشف الْحَقَائِق والدقائق على سَبِيل الاستفادة لَا على سَبِيل الامتحان فَهُوَ كالمناظرة وَيُطلق على الْمَنْع والنقض والمعارضة. وَفِي اصْطِلَاح المناظرة نصب نَفسه لنفي الحكم الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي بِلَا نصب دَلِيل فعلي هَذَا يصدق على الْمَنْع فَقَط أَي النَّقْض التفصيلي. وَقد
(2/137)

يُطلق على مَا هُوَ أَعم وَهُوَ التَّكَلُّم على مَا تكلم بِهِ الْمُدَّعِي أَعم من أَن يكون منعا اَوْ نقضا إجماليا أَو مُعَارضَة.
وَيعلم من هَذَا الْبَيَان معنى السَّائِل وَمعنى قَول أَصْحَاب التصريف أَن بَاب الاستفعال للسؤال أَنه لإِفَادَة نِسْبَة الْفِعْل إِلَى فَاعله لإِرَادَة تَحْصِيل الْفِعْل الْمُشْتَقّ هُوَ مِنْهُ وَذَلِكَ قد يكون صَرِيحًا نَحْو استكتبته أَي طلبت مِنْهُ الْكِتَابَة. وَقد يكون تَقْديرا نَحْو استخرجت الوتد من الْحَائِط فَإِنَّهُ لَا يُمكن طلب الْخُرُوج مِنْهُ فَلَيْسَ هُنَاكَ طلب صَرِيح إِلَّا أَنه بِمَنْزِلَة إِخْرَاجه وَالِاجْتِهَاد فِي تحريكه كَأَنَّهُ طلب مِنْهُ الْخُرُوج.
السُّور: بِالضَّمِّ وَسُكُون الثَّانِي سور الْبَلَد أَي حصاره. والسور فِي الْقَضِيَّة عِنْد المنطقيين هُوَ اللَّفْظ الدَّال على كمية أَفْرَاده الْمَوْضُوع كلا أَو بَعْضهَا وَالْمرَاد بالسور فِي كتب الْفِقْه بِالْفَارِسِيَّةِ (بس خورده) وَفِي جَامع الرموز هُوَ لُغَة المَاء الَّذِي تَركه الشَّارِب فِي الْإِنَاء أَو الْحَوْض ثمَّ أستعير لبَقيَّة الطَّعَام وَغَيره كَمَا فِي (الْمغرب) وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سور الْمُؤمن شِفَاء قيل هُوَ شِفَاء من مرض التكبر والأنانية.
السُّورَة: بِالْفَتْح تندي ونيزي. وبالضم جُزْء من الْقُرْآن الْمجِيد لَكِن لَا مُطلقًا بل جُزْء مفصول بِالتَّسْمِيَةِ وسور الْقُرْآن مائَة وَأَرْبَعَة عشر بِهَذَا التَّرْتِيب (1) الْفَاتِحَة (2) الْبَقَرَة (3) آل عمرَان (4) النِّسَاء (5) الْمَائِدَة (6) الْأَنْعَام (7) الْأَعْرَاف (8) الْأَنْفَال (9) التَّوْبَة (10) يُونُس (11) هود (12) يُوسُف (13) الرَّعْد (14) إِبْرَاهِيم (15) الْحجر (16) النَّحْل (17) بني إِسْرَائِيل (18) الْكَهْف (19) مَرْيَم (20) طه (21) الْأَنْبِيَاء (22) الْحَج (23) الْمُؤْمِنُونَ (24) النُّور (25) الْفرْقَان (26) الشُّعَرَاء (27) النَّمْل (28) الْقَصَص (29) العنكبوت (30) الرّوم (31) لُقْمَان (32) السَّجْدَة (33) الْأَحْزَاب (34) سبأ (35) فاطر (36) يس (37) الصافات (38) ص (39) الزمر (40) الْمُؤمن (41) حم السَّجْدَة (42) حمعسق (43) حم الزخرف (44) حم الدُّخان (45) حم الجاثية (46) حم الْأَحْقَاف (47) مُحَمَّد (48) الْفَتْح (49) الحجرات (50) ق (51) الذاريات (52) الطّور (53) النَّجْم (54) الْقَمَر (55) الرَّحْمَن (56) الْوَاقِعَة (57) الْحَدِيد (58) المجادلة (59) الْحَشْر (60) الممتحنة (61) الصَّفّ (62) الْجُمُعَة (63) المُنَافِقُونَ (64) التغابن (65) الطَّلَاق (66) التَّحْرِيم (67) الْملك (68) ن (69) الحاقة (70) المعارج (71) نوح (72) الْجِنّ (73) المزمل (74) المدثر (75) الْقِيَامَة (76) الدَّهْر (77) المرسلات (78) النبأ (79) النازعات (80) عبس (81) التكوير (82) الانفطار (83) المطففين (84) الانشقاق (85) البروج (86) الطارق (87) الْأَعْلَى (88) الغاشية (89) الْفجْر (90) الْبَلَد (91) الشَّمْس (92) اللَّيْل (93) الضُّحَى (94) ألم نشرح (95) التِّين (96) الْقَلَم (97) الْقدر (98) الانفكاك (1) (99) إِذا زلزلت (100) العاديات (101) القارعة (102) التكاثر (103) الْعَصْر (104) الْهمزَة (105) الْفِيل (106) قُرَيْش (107)
(2/138)

الماعون (108) الْكَوْثَر (109) الْكَافِرُونَ (110) النَّصْر (111) اللهب (112) الْإِخْلَاص (113) الفلق (114) النَّاس.
سُورَة النِّسَاء الْقصرى: أَرَادَ بهَا صَاحب التَّوْضِيح فِي فصل حكم الْعَام سُورَة الطَّلَاق وَالْمَشْهُور أَنَّهَا سُورَة النِّسَاء أَعنِي {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة} . وبالطولى سُورَة الْبَقَرَة.
(بَاب السِّين مَعَ الْهَاء)

السَّهْو: زَوَال الصُّورَة من النَّفس بِحَيْثُ يتَمَكَّن من ملاحظتها من غير تجشم إِدْرَاك جَدِيد - وَقيل السَّهْو عدم ملكة الْعلم وَهُوَ سَهْو لِأَن الصُّورَة مَحْفُوظَة فِي الخزانة فالملكة بَاقِيَة لَا مَعْدُومَة حَال السَّهْو. وَفِي حَال النسْيَان الصُّورَة زائلة عَن الخزانة أَيْضا فالسهو حَالَة متوسطة بَين الْإِدْرَاك وَالنِّسْيَان - وَإِرَادَة هَذِه الْحَالة من عدم ملكة الْعلم مستبعد جدا.
السهْم: بِالْفَارِسِيَّةِ تير وَبِمَعْنى النَّصِيب والحصة وَالْهِبَة - وَفِي اصْطِلَاح أَصْحَاب الهندسة الْخط الْمخْرج من وسط الْقوس على وسط الْقَاعِدَة وَأَيْضًا يُطلق على الْخط الموهوم من رَأس المخروط إِلَى مَرْكَز قَاعِدَته.
(بَاب السِّين مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)

السيمياء: فِي الطلسم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السَّيِّد: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي المشدد الرئيس كَمَا يُقَال سيد الْقَوْم أَي رئيسهم ثمَّ غلب فِيمَن كَانَ من أَوْلَاد نَبينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَفِي مجمع الْفَتَاوَى وَلَو كَانَت الْأُم سيدة وَلَا يكون الْأَب سيدا الْفَتْوَى على أَن الْوَلَد يكون سيدا هَكَذَا فِي الْجَامِع الصَّغِير والمبسوط. وَاعْلَم أَن رجلا إِذا نكح أمة فَولدت مِنْهُ يكون وَلَدهَا رَقِيقا لمولاها إِلَّا إِذا كَانَ الناكح سيدا فَيكون حرا كَمَا فِي الْآل فَافْهَم واحفظ. وَالسَّيِّد بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْيَاء الذِّئْب وَقيل الْأسد كَمَا قَالَ الشَّيْخ الْأَجَل مصلح الدّين السَّعْدِيّ الشِّيرَازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى.
(جنان كشته سيد بهر شكار ... كه يادت نيايد زروز شمار)
(2/139)

وَمن يحرفه بالصيد بالصَّاد الْمُهْملَة فقد أهمل عمره فِي اصطياد مَا لَا يحل وخسر خسرانا مُبينًا.
السياسة المدنية: علم بمصالح جمَاعَة متشاركة فِي المدنية ليتعاونوا على مصَالح الْأَبدَان وَبَقَاء نوع الْإِنْسَان فَإِن للْقَوْم أَن يعاملوا النَّبِي وَالْحَاكِم وَالسُّلْطَان كَذَا. وَلِلنَّبِيِّ وَالْحَاكِم وَالسُّلْطَان أَن يُعَامل كل مِنْهُم قومه ورعاياه كَذَا. ثمَّ السياسة المدنية قسمت إِلَى قسمَيْنِ إِلَى مَا يتَعَلَّق بِالْملكِ والسلطنة وَيُسمى علم السياسة. وَإِلَى مَا يتَعَلَّق بِالنُّبُوَّةِ والشريعة وَيُسمى علم النواميس. وَلِهَذَا جعل بَعضهم أَقسَام الْحِكْمَة العملية أَرْبَعَة وَلَيْسَ ذَلِك بمناقض لمن جعلهَا ثَلَاثَة أَقسَام لدُخُول الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين تَحت قسم وَاحِد.
السياسة (نكاه داشتن) - وَفِي الصراح السياسة رعيت دَاري كردن - وَفِي غَايَة الْهِدَايَة وَيُسمى السياسة المدنية بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال وضمهما سمي بهَا لحُصُول السياسة المدنية أَي مالكية الْأُمُور المنسوبة إِلَى الْبَلدة بِسَبَبِهِ.
ف (60) :
السّير: بِكَسْر الأول وَفتح الثَّانِي جمع السِّيرَة وَهِي الْحَالة من السّير كالجلسة وَالركبَة للجلوس وَالرُّكُوب ثمَّ نقلت إِلَى معنى الطَّرِيقَة وَالْمذهب ثمَّ غلبت فِي الشَّرْع على أُمُور الْمَغَازِي - وَقَالَ الْفُقَهَاء كتاب السّير وَإِنَّمَا سموا الْكتاب بذلك لِأَنَّهُ يجمع سير النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وطرقه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي مغازيه وسير أَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَمَا نقل عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِك.
(2/140)

( [حرف الشين] )

(بَاب الشين مَعَ الْألف)

الشَّاة: فِي الضَّأْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الشاذ: هُوَ الَّذِي يكون على خلاف الْقيَاس من غير نظر إِلَى قلَّة وجوده وكثرته. والنادر هُوَ الَّذِي يكون وجوده قَلِيلا وَإِن كَانَ على الْقيَاس.
وَاعْلَم أَنهم قَالُوا الشاذ على ثَلَاثَة أَقسَام. قسم مُخَالف للْقِيَاس دون الِاسْتِعْمَال. وَقسم مُخَالف للاستعمال دون الْقيَاس وَكِلَاهُمَا مَقْبُول. وَقسم مُخَالف للْقِيَاس والاستعمال وَهُوَ مَرْدُود. فالشاذ على هَذَا بِمَعْنى الْمُخَالف مُطلقًا.
والشاذ من الحَدِيث: هُوَ الَّذِي لَهُ إِسْنَاد وَاحِد يسند بذلك شيخ ثِقَة كَانَ أَو غير ثِقَة فَمَا كَانَ من غير ثِقَة فمتروك الأَصْل وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ.
الشَّاهِد: فِي اللُّغَة الْحَاضِر. وَفِي الشَّرْع الْمخبر بقضية أَو بِحَق شخص على غَيره عَن مُشَاهدَة وعيان لَا عَن تخمين وحسبان. وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا علمت مثل الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع. وَقد يُرَاد بِالشَّاهِدِ المعشوق المحبوب لحضوره عِنْد العاشق فِي تصَوره وخياله. وَقد يُطلق على مَا كَانَ حَاضرا فِي قلب الْإِنْسَان الْمُؤمن وَغلب عَلَيْهِ ذكره فَإِن كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْعلم فَهُوَ شَاهد الْعلم وَإِن كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الوجد فَهُوَ شَاهد الوجد وَإِن كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْحق فَهُوَ شَاهد الْحق.
الشاكة: بتَشْديد الْكَاف هم اللاإدرية.
الشَّابَّة: أَي الامرأة الشَّابَّة وَجَمَاعَة النِّسَاء شبائب وَهِي لُغَة من تسع عشرَة إِلَى ثَلَاث وَثَلَاثِينَ. وَشرعا من خمس عشرَة إِلَى تسع وَعشْرين كَذَا فِي جَامع الرموز.
الشاكي: (شكايت كننده) وَهُوَ حِينَئِذٍ من شكا يشكو شكوة - والشاكي الَّذِي بِمَعْنى التَّام أجوف واوي من شَاك يشوك شَوْكَة وَهِي الْقُوَّة والتمام قَالُوا إِن الشاكي مقلوب من شائك وَأَصله شاوك فَاعل إعلال قَائِل ثمَّ نقلت الْهمزَة من الْعين إِلَى اللَّام فأبدلت الْهمزَة بِالْيَاءِ فَاعل إعلال دَاع.
الشَّاعِر: يعلم من الْعلم بالشعر.
(2/141)

الشاكر: من يرى عَجزه عَن الشُّكْر وَقيل هُوَ الْبَاذِل وَسعه فِي أَدَاء الشُّكْر بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه اعتقادا واعترافا. وَقيل الشاكر من يشْكر على الرخَاء وَقيل الشاكر من يشْكر على الْعَطاء والشكور من يشْكر على الْمَنْع.
ف (61) :
(بَاب الشين مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الشُّبْهَة: مَا بِهِ يشْتَبه ويلتبس أَمر بِأَمْر وَمَا لم يتَعَيَّن كَونه حَرَامًا وحلالا لَا خطأ أَو صَوَابا وَبِالثَّانِي أخص من الأول والاشتباه والالتباس والاعتراض وَرُبمَا يُطلق على دَلِيل الْخصم وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث لِأَن الضابطة المضبوطة أَن التَّأْنِيث إِذا كَانَ غير مُرَتّب على التَّذْكِير يجوز فِي مثله التَّذْكِير والتأنيث والشبهة كَذَلِك إِذْ لَا يُقَال شبه ثمَّ شُبْهَة.
الشُّبْهَة فِي الْمحل: هِيَ شُبْهَة ناشئة عَن وجود دَلِيل يَنْفِي ذَاته الْحُرْمَة فِي الْمحل أَي الْمَوْطُوءَة أَي يكون ذَات الدَّلِيل ناف للْحُرْمَة من غير النّظر إِلَى مَا يمْنَع عمله وَتسَمى هَذِه الشُّبْهَة شُبْهَة حكمِيَّة وشبهة ملك أَيْضا فَإِن الشُّبْهَة إِذا كَانَت فِي الْمحل يثبت بِهِ الْملك من وَجه فَلم يبْق مَعَه اسْم الزِّنَا فَامْتنعَ الْحَد وَإِن قَالَ الْوَاطِئ أَنِّي عَالم بِحرْمَة الوطئ فِي هَذَا الْمحل كوطئ أمة وَلَده ووطئ أمة ولد وَلَده وَإِن سفل ووطئ مُعْتَدَّة الْكِنَايَات فَإِن قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنْت وَمَالك لأَبِيك يَقْتَضِي الْملك لِأَن اللَّام فِيهِ للتَّمْلِيك فَلَمَّا أضَاف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَال الْوَلَد إِلَى الْأَب بلام التَّمْلِيك وَلم يثبت حَقِيقَة الْملك فَثَبت شبهته عملا بِحرف اللَّام بِقدر الْإِمْكَان وَأما الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة فِي مُعْتَدَّة الْكِنَايَات فَلِأَن اخْتِلَاف الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فِي وُقُوع الْبَيْنُونَة بهَا.
وَقَول بَعضهم أَن الْكِنَايَات رواجع توجب شُبْهَة قيام النِّكَاح وَلَا يحد الْوَاطِئ عِنْد هَذِه الشُّبْهَة وَإِن ظن حُرْمَة الوطئ فِي ذَلِك الْمحل كَمَا مر. وَفِي الْهِدَايَة الشُّبْهَة فِي الْمحل فِي سِتَّة مَوَاضِع جَارِيَة ابْنه - والمطلقة طَلَاقا بَائِنا بالكنايات - وَالْجَارِيَة الْمَبِيعَة فِي حق البَائِع قبل التَّسْلِيم - والممهورة فِي حق الزَّوْج قبل الْقَبْض - والمشتركة بَينه وَبَين غَيره - والمرهونة فِي حق الْمُرْتَهن - فِي رِوَايَة كتاب الرَّهْن. فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يجب الْحَد وَإِن قَالَ علمت أَنَّهَا عَليّ حرَام انْتهى.
وَاعْلَم أَنه يثبت النّسَب عِنْد هَذِه الشُّبْهَة إِذا ادّعى الْوَاطِئ الْوَلَد.
الشُّبْهَة فِي الْفِعْل: هِيَ ظن غير دَلِيل الْحل دَلِيلا عَلَيْهِ وَتسَمى شُبْهَة الِاشْتِبَاه أَيْضا كظن حل وطئ الابْن أمة أَبَوَيْهِ أَي أَبِيه وجده وَأمه ووطئ الزَّوْج أمة زَوجته ووطئ الْمُعْتَدَّة الْمُطلقَة ثَلَاثًا فَإِن اتِّصَال الْأَمْلَاك بَين الْأُصُول وَالْفُرُوع قد يُوهم أَن للِابْن ولَايَة وطئ جَارِيَة الْأَب كَمَا فِي الْعَكْس وَتَسْمِيَة الزَّوْج غَنِيا بِمَال الزَّوْجَة بِدلَالَة
(2/142)

قَوْله تَعَالَى: {ووجدك عائلا فأغنى} . أَي بِمَال خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تورث شُبْهَة كَون مَال الزَّوْجَة ملكا للزَّوْج وَبَقَاء أثر النِّكَاح وَهُوَ الْعدة يُمكن أَن يكون سَببا لِأَن يشْتَبه عَلَيْهِ حل وطئ الْمُعْتَدَّة بِثَلَاث.
وَهَذِه الشُّبْهَة إِنَّمَا تتَحَقَّق فِي حق من اشْتبهَ عَلَيْهِ أَو لم يعلم دون من لم يشْتَبه عَلَيْهِ أَو يعلم وَلِهَذَا لَا يحد الْوَاطِئ بِهَذِهِ الشُّبْهَة إِن ظن الْوَاطِئ حلّه وَإِن قَالَ علمت أَنَّهَا عَليّ حرَام يحد وَلَا يثبت النّسَب عِنْد هَذِه الشُّبْهَة وَإِن ادَّعَاهُ الْوَاطِئ. فِي الْهِدَايَة فشبهة الْفِعْل فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع جَارِيَة أَبِيه - وَأمه - وَزَوجته - والمطلقة ثَلَاثًا وَهِي فِي الْعدة. وبائنا بِالطَّلَاق على مَال وَهِي فِي الْعدة - وَأم ولد أعْتقهَا مَوْلَاهَا وَهِي فِي الْعدة - وَجَارِيَة الْمولى فِي حق العَبْد - وَالْجَارِيَة الْمَرْهُونَة فِي حق الْمُرْتَهن فِي رِوَايَة.
شُبْهَة الْملك: أَن يظنّ الْوَاطِئ الْمَوْطُوءَة امْرَأَته أَو جَارِيَته. وَقد تطلق على الشُّبْهَة فِي الْمحل كَمَا مر وبهذه الشُّبْهَة لَا يسْقط الْحَد فَيحد الْوَاطِئ بوطئ أَجْنَبِيَّة وجدهَا فِي فرَاشه وَإِن قَالَ ظننتها امْرَأَتي إِذْ الظَّاهِر عدم الِاشْتِبَاه بَين امْرَأَته الَّتِي صَاحبهَا ومسها مرَارًا وَبَين غَيرهَا. وَأما إِن وطئ أَجْنَبِيَّة زفت إِلَيْهِ وقلن هِيَ زَوجتك فَلَا يحد لِأَنَّهُ اعْتمد دَلِيلا مُعْتَبرا وَهُوَ الْأَخْبَار فِي مَوضِع الِاشْتِبَاه كالأخبار بِجِهَة الْقبْلَة وطهارة المَاء. وعَلى الْوَاطِئ حِينَئِذٍ مهر الْمثل وَعَلَيْهَا الْعدة. وَفِي الْخُلَاصَة لَو كَانَ الْوَاطِئ أعمى ودعا امْرَأَته فَجَاءَتْهُ غَيرهَا فجامعها يحد وَلَو قَالَت إِنِّي فُلَانَة أَي امْرَأَته.
شُبْهَة العقد: كَون عقد غير صَحِيح على صُورَة عقد صَحِيح ومشابها بِهِ كَمَا إِذا تزوج امْرَأَة بِلَا شُهُود وَأمة بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا وَأمة على حرَّة ومجوسية وخمسا فِي عقد وَاحِد أَو جمع بَين أُخْتَيْنِ أَو تَزْوِيج بمحارمه أَو تزوج العَبْد أمة بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ لَا حد فِي هَذِه الشُّبْهَة عِنْده رَحمَه الله تَعَالَى وَإِن علم بِالْحُرْمَةِ لصورة العقد لكنه يُعَزّر وَأما عِنْدهمَا رحمهمَا الله تَعَالَى فَكَذَلِك إِلَّا إِذا علم بِالْحُرْمَةِ وَالصَّحِيح الأول كَمَا فِي الْمُضْمرَات وَذكر فِي الذَّخِيرَة أَن بعض المشائخ ظن أَن نِكَاح الْمَحَارِم بَاطِل عِنْده وَسُقُوط الْحَد لشُبْهَة الِاشْتِبَاه وَقَالَ بَعضهم أَنه فَاسد والسقوط لشُبْهَة العقد وَمُحَمّد رَحمَه الله تَعَالَى قد أبطل الأول وَصحح الثَّانِي.
شُبْهَة الْعمد فِي الْقَتْل: أَن يتَعَمَّد الْقَاتِل الْقَتْل بِمَا لَيْسَ بسلاح وَلَا بِمَا أجري مجْرى السِّلَاح فِي تَفْرِيق الْأَجْزَاء. هَذِه عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى هُوَ أَن يتَعَمَّد الضَّرْب بِآلَة لَا يقتل بِمِثْلِهَا فِي الْغَالِب كالعصا وَالسَّوْط وَالْحجر وَالْيَد فَلَو ضربه بِحجر عَظِيم أَو خَشَبَة عَظِيمَة فَهُوَ عمد عِنْدهم خلافًا لَهُ وَلَو ضربه بِسَوْط صَغِير ووالى فِي الضربات حَتَّى مَاتَ يقْتَصّ عِنْد الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى خلافًا لنا.
(2/143)

شُبْهَة الاستلزام: من شُبُهَات ابْن كمونة. وَمن المغالطات المستصعبة حَتَّى قيل إِنَّهَا أصعب من شُبْهَة جذر الْأَصَم وَلها تقريرات شَتَّى.
مِنْهَا مَا ذكره الشريف الكشميري من تلاميذ الباقر أَن كل شَيْء بِحَيْثُ لَو وجد لَا يكون وجوده مستلزما لرفع أَمر واقعي فَهُوَ يكون مَوْجُودا أزلا وأبدا لَا محَالة إِذْ لَو كَانَ مَعْدُوما فِي وَقت كَانَ عَدمه أمرا واقعيا فِي ذَلِك الْوَقْت فَيكون بِحَيْثُ لَو وجد لَكَانَ وجوده مستلزما لرفع أَمر واقعي هُوَ عَدمه بِالضَّرُورَةِ فَيلْزم خلاف الْمَفْرُوض فَثَبت أَنه يجب أَن يكون ذَلِك الشَّيْء الْمَفْرُوض مَوْجُودا دَائِما.
وَبعد تمهيد هَذِه الْمُقدمَة يُقَال إِن الْحَوَادِث اليومية من هَذَا الْقَبِيل أَي من مصداقات ذَلِك الشَّيْء الْمَفْرُوض بالحيثية الْمَذْكُورَة فَيلْزم أَن تكون مَوْجُودَة أزلا وأبدا وَهُوَ محَال. بَيَان ذَلِك أَن الْحَوَادِث لَو لم تكن بِحَيْثُ لَا يكون وجودهَا مستلزما لرفع أَمر واقعي لَكَانَ وجودهَا مستلزما لرفع أَمر واقعي فَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق الاستلزام بَين وجود الْحَوَادِث وَبَين ذَلِك الرّفْع وَلَا محَالة يجب أَن يكون وجود الْحَوَادِث مستلزما لذَلِك الاستلزام وَإِلَّا لبطل الْمُلَازمَة الْوَاقِعَة بَين وجود الْحَوَادِث وَبَين ذَلِك الرّفْع وَلَا محَالة فَيجب أَن يكون ذَلِك الاستلزام لَازِما لوُجُود الْحَوَادِث.
وَقد تقرر فِي مقره أَن عدم اللَّازِم يسْتَلْزم عدم الْمَلْزُوم فَيلْزم على تَقْدِير عدم الاستلزام عدم الْحَوَادِث. وَهَذَا منَاف لما ثَبت أَولا فِي الْمُقدمَة الممهدة من أَن عدم استلزام الشَّيْء لرفع أَمر واقعي يسْتَلْزم وُجُوه أزلا وأبدا فَبَطل أَن يكون وجود الْحَوَادِث مستلزما لرفع أَمر واقعي. وَثَبت أَن الْحَوَادِث بِحَيْثُ لَا يكون وجوده مستلزما لرفع أَمر واقعي فَيلْزم أَن يكون الْحَوَادِث مَوْجُودَة أزلا وأبدا. وحلها أَن عدم الاستلزام يتَصَوَّر على مَعْنيين: أَحدهمَا: انْتِفَاء الاستلزام رَأْسا وبالكلية. وَالثَّانِي: انْتِفَاء الاستلزام بعد تحَققه أَي كَانَ هُنَاكَ استلزام. ثمَّ اعْتبر عَدمه بعد تحَققه فَإِن أُرِيد فِي الْمُقدمَة الممهدة أَن عدم استلزام الشَّيْء لرفع أَمر واقعي بِالْمَعْنَى الأول أَي انْتِفَاء الاستلزام رَأْسا يسْتَلْزم وجوده دَائِما لما ذكر من الدَّلِيل وَذَلِكَ حق لَا يُنكره أحد وَلَكِن عدم الاستلزام فِي الْحَوَادِث اليومية لَيْسَ على هَذَا النمط لِأَن الاستلزام مُتَحَقق هُنَا لَازم لَهَا فَلَو اعْتبر عَدمه لَكَانَ عدم الاستلزام بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَلما كَانَ الاستلزام لَازِما للحوادث وَعدم اللَّازِم ملزوم لعدم الْمَلْزُوم فَلَا محَالة يكون عدم الاستلزام مستلزما لعدم الْحَوَادِث وَهُوَ لَا يُنَافِي كَون عدم الاستلزام بِالْمَعْنَى الأول مستلزما لوُجُود الشَّيْء أزلا وأبدا كَمَا تقرر فِي الْمُقدمَة الممهدة.
وَإِن أُرِيد فِي الْمُقدمَة أَن عدم الاستلزام بِالْمَعْنَى الثَّانِي يسْتَلْزم وجود الشَّيْء أزلا وأبدا فَلَا نسلم ذَلِك لجَوَاز أَن يكون الاستلزام لَازِما لوُجُود الشَّيْء كَمَا فِي الْحَوَادِث فعدمه يسْتَلْزم عدم الشَّيْء الْمَلْزُوم ضَرُورَة فَكيف يُمكن أَن يكون على تَقْدِير عدم
(2/144)

الاستلزام مَوْجُودا أزلا وأبدا. وَمَا ذكر من الدَّلِيل لَا يُثبتهُ كَمَا لَا يخفى. وَقَالَ الباقر فِي حل هَذِه الشُّبْهَة أَن اللوازم على قسمَيْنِ: فَمِنْهَا أولية كالضوء اللَّازِم للشمس والزوجية اللَّازِمَة للأربعة. وَمِنْهَا ثانوية كاللزوم الَّذِي بَين اللَّازِم والملزوم فَإِنَّهُ يجب أَن يكون لَازِما لكل مِنْهُمَا وَإِلَّا لانهدمت الْمُلَازمَة الْأَصْلِيَّة.
وَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن قَوْلهم عدم اللَّازِم يسْتَلْزم عدم الْمَلْزُوم مَخْصُوص باللوازم الأولية فَقَط دون الثانوية فَإِن عدم اللَّازِم الَّذِي هُوَ من الثواني لَا يسْتَلْزم عدم الْمَلْزُوم بل إِنَّمَا يسْتَلْزم رفع الْمُلَازمَة الْأَصْلِيَّة وَانْتِفَاء العلاقة بَين الْمَلْزُوم واللزوم الأولي وَلَا يلْزم من ذَلِك انتفاؤهما مَعًا وَلَا انْتِفَاء أَحدهمَا مثلا إِذا انْتَفَى اللُّزُوم الَّذِي هُوَ بَين الشَّمْس والضوء ارْتَفَعت العلاقة بَينهمَا وَلَا يلْزم من ذَلِك انتفاؤهما مَعًا أَو انْتِفَاء أَحدهمَا بل يجوز أَن يَكُونَا موجودين وَلَا علاقَة بَينهمَا. والسر فِي ذَلِك أَن اللَّازِم الثانوي كاللزوم الْمَذْكُور فِي الْحَقِيقَة لَازم لملزومية الْمَلْزُوم ولازمية اللَّازِم فَيلْزم من انْتِفَاء هذَيْن الوصفين وَلَا يلْزم من ذَلِك انْتِفَاء ذَات الْمَلْزُوم وَلَا انْتِفَاء ذَات اللَّازِم كَمَا يظْهر بعد التَّوَجُّه.
وَإِذا عرفت هَذَا فَنَقُول إِن الاستلزام الْمَذْكُور فِي الْحَوَادِث اليومية من قبيل اللوازم الثانوية فَلَا يلْزم من انتفائه انْتِفَاء الْحَوَادِث حَتَّى تلْزم الْمُنَافَاة بَين هَذَا وَبَين مَا تقرر فِي الْمُقدمَة الممهدة.
والتقرير الثَّانِي لتِلْك الشُّبْهَة أَن يُقَال إِن اجْتِمَاع النقيضين مثلا وجوده لَيْسَ بِمُوجب لرفع عَدمه الواقعي كل مَا لَا يكون وجوده مُوجبا لرفع عَدمه الواقعي فَهُوَ مَوْجُود ينْتج أَن اجْتِمَاع النقيضين مَوْجُود هَذَا خلف. أما الصُّغْرَى فَظَاهر وَأما الْكُبْرَى فَلِأَنَّهُ لَو لم يكن مَوْجُودا لَكَانَ وجوده مُوجبا لرفع عَدمه الواقعي وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض. وَالْجَوَاب مَعَ الْمُلَازمَة الَّتِي أثبت بهَا الْكُبْرَى إِذْ يجوز أَن لَا يكون لَهَا وجود أصلا فَلَا يصدق أَن وجوده مُوجب لرفع عَدمه.
وتقريرها الثَّالِث أَن يُبدل الْمُوجب فِي المقدمتين بالمستلزم بِأَن يُقَال إِن اجْتِمَاع النقيضين مثلا وجوده لَيْسَ مستلزما لرفع عَدمه الواقعي وكل مَا لَا يكون وجوده مستلزما لرفع عَدمه الواقعي فَهُوَ مَوْجُود. ينْتج أَن اجْتِمَاع النقيضين مَوْجُود. أما الْكُبْرَى فَلِأَنَّهُ لَو لم يكن مَوْجُودا لَكَانَ وجوده مستلزما لرفع عَدمه الواقعي وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض. وَأما الصُّغْرَى فَلِأَن اجْتِمَاع النقيضين مثلا لَو كَانَ وجوده مستلزما لرفع عَدمه الواقعي لَكَانَ مستلزما لذَلِك الاستلزام أَيْضا فَعدم الاستلزام لرفع الْعَدَم يكون مستلزما لعدمه بِنَاء على أَن عدم اللَّازِم يسْتَلْزم عدم الْمَلْزُوم وَهَذَا منَاف للكبرى المثبتة إِذْ هِيَ حاكمة بِأَن عدم الاستلزام لرفع الْعَدَم مُسْتَلْزم لوُجُوده.
(2/145)

وَالْجَوَاب منع الْمُنَافَاة إِذْ مَا لزم من دَلِيل الصُّغْرَى أَنه على تَقْدِير صدق نقيضها يصدق أَنه لَو لم يسْتَلْزم وجود اجْتِمَاع النقيضين رفع عَدمه لَكَانَ مَعْدُوما وَهُوَ لَيْسَ بمناف للكبرى لِأَن مَا يصدق عِنْد نقيض الصُّغْرَى شَرْطِيَّة والكبرى حملية يكون الحكم فِيهَا على الْأَفْرَاد المتصفة بالعنوان بِالْفِعْلِ أَو بالإمكان فَيجوز أَن يكون كل عدم استلزام لرفع الْعَدَم واقعيا أَو مُمكنا مستلزما للوجود وَيكون عدم الاستلزام الَّذِي فرض لوُجُود اجْتِمَاع النقيضين غير مُسْتَلْزم للوجود بل مستلزما للعدم بِنَاء على أَنه لَيْسَ واقعيا وَلَا مُمكنا بل مَفْرُوضًا محالا.
والتقرير الرَّابِع أَن يَجْعَل الْكُبْرَى شَرْطِيَّة بِأَن يُقَال كلما لم يسْتَلْزم وجود شَيْء رفع عَدمه الواقعي كَانَ مَوْجُودا إِذْ لَو لم يكن مَوْجُودا كَانَ مَعْدُوما فَكَانَ وجوده مستلزما ترفع عَدمه الواقعي إِذْ لَو وجد ارْتَفع عَدمه الْبَتَّةَ وَهُوَ معنى الاستلزام فَيلْزم خلاف الْفَرْض.
وَالْجَوَاب أَولا يمْنَع الْكُبْرَى إِذْ لَا نسلم أَنا لَو كَانَ مَعْدُوما كَانَ وجوده مستلزما لرفع عَدمه الواقعي إِذْ يجوز أَن يكون وجود محالا والمحال جَازَ أَن يسْتَلْزم نقيضه فَيمكن أَن يكون مستلزما لعدمه لَا لرفعه بل لَا شَيْء مِنْهُمَا وَإِن سلمنَا استلزامه لرفع عَدمه لَكِن لَا نسلم استلزامه لرفع عَدمه الواقعي إِذْ يجوز أَن لَا يكون عدم الْمَفْرُوض واقعيا حِينَئِذٍ إِذا الْمحَال جَازَ أَن يسْتَلْزم الْمحَال وَلَو قطع النّظر عَن جَوَاز كَون وجوده محالا فِي الْوَاقِع نقُول يُمكن أَن يكون وجود شَيْء مستلزما لرفع عَدمه فِي الْوَاقِع فعلى فرض كَونه غير مُسْتَلْزم لَهُ على مَا فِي الْكُبْرَى لَا نسلم أَنه إِذا لم يكن مَوْجُودا كَانَ مَعْدُوما لجَوَاز أَن لَا يكون مَوْجُودا وَلَا مَعْدُوما لمحالية الْفَرْض الْمَذْكُور على مَا هُوَ الْمَفْرُوض وَإِمْكَان استلزام الْمحَال للمحال هَذَا مَا ذكره آقا حُسَيْن الخنساري فِي تَقْرِير شُبْهَة الاستلزام وحلها.
شُبْهَة مَعْدُوم النظير: وتقريرها مَعَ حلهَا فِي مَعْدُوم النّظر.
(بَاب الشين مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)

الشتَاء أبرد من الصَّيف: فَإِن قيل لَا بُد وَأَن يكون الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ مشتركين فِي أصل الْفِعْل وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم فِي قَوْلهم الشتَاء أبرد من الصَّيف وَالْعَسَل أحلى من الْخلّ وَفُلَان أفقه من حمَار وَأعلم من جِدَار. قُلْنَا، معنى الْمِثَال الأول أَن الشتَاء أبلغ فِي برودته من الصَّيف فِي حرارته وَالْبُلُوغ مُشْتَرك بَينهمَا وَقيل مَعْنَاهُ على فرض الْبُرُودَة فِي الصَّيف، وَقس عَلَيْهِ سَائِر الْأَمْثِلَة.
الشتم: وصف الْغَيْر بِمَا فِيهِ رداءته وهتك حرمته.
(2/146)

(بَاب الشين مَعَ الْجِيم)

الشجاج: بِالْكَسْرِ جمع شجة بِالْفَتْح كَذَا فِي الجلبي.
الشَّجَّة: جِرَاحَة تخْتَص بِالْوَجْهِ وَالرَّأْس لُغَة وَفِي غَيرهَا تسمى جِرَاحَة لَا شجة وَهِي عشرَة. الحارصة وَهِي الَّتِي تحرص الْجلد أَي تخدشه وَلَا تخرج الدَّم - والدامعة بِالْعينِ الْمُهْملَة وَهِي الَّتِي تظهر الدَّم وَلَا تسيله بل تجمع فِي مَوضِع الْجراحَة كالدمع فِي الْعين - والدامية وَهِي الَّتِي تسيل الدَّم - والباضعة وَهِي الَّتِي تبضع الْجلد أَي تقطعه - والمتلاحمة وَهِي الَّتِي تَأْخُذ فِي اللَّحْم وتقطعه - والسمحاق وَهِي الَّتِي تصل إِلَى السمحاق وَهِي جلدَة رقيقَة بَين اللَّحْم وَعظم الرَّأْس - والموضحة وَهِي الَّتِي توضح الْعظم أَي تبينه - والهاشمة وَهِي الَّتِي تكسر الْعظم - والمنقلة وَهِي الَّتِي تنقل الْعظم بعد الْكسر أَي تحوله - والآمة وَهِي الَّتِي تصل إِلَى أم الدِّمَاغ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الدِّمَاغ. قَالُوا إِنَّه جلد رَقِيق يجمع الدِّمَاغ وَلَو كَانَت مثل هَذِه الْجِرَاحَات فِي غير الرَّأْس وَالْوَجْه لَا يكون لَهَا أرش مُقَدّر وَإِنَّمَا يجب حُكُومَة عدل.
الشجَاعَة: بِالْفَتْح هَيْئَة حَاصِلَة للقوة الغضبية بَين التهور والجبن بهَا يقدم على أُمُور يَنْبَغِي أَن يقدم عَلَيْهَا كالقتال مَعَ الْكفَّار مَا لم يزِيدُوا على ضعف الْمُسلمين وَهِي فَضِيلَة من الْفَضَائِل المتوسطة المحمودة كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعَدَالَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الشين مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة)

الشَّخْص: فِي (الْفَرد) إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الشخصي لَا يحد: تَحْقِيق هَذَا الْمقَام يَقْتَضِي بسطا فِي الْكَلَام فاستمع أَولا أَن الشخصي على نَوْعَيْنِ حَقِيقِيّ وادعائي. الشخصي الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الجزئي الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا يتَمَيَّز عَمَّا عداهُ إِلَّا بِالْإِشَارَةِ الحسية أَو الإبصار أَو تَعْبِيره بِالْعلمِ فَهُوَ يمْتَنع مَعْرفَته حَقِيقَة بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوهَا. والشخصي الادعائي الَّذِي اخترعه واصطلح عَلَيْهِ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله هُوَ الَّذِي لَا يكون مُتَعَددًا فِي نَفسه ويتعدد بِتَعَدُّد الْمحَال كالقرآن من حَيْثُ هُوَ أَي من غير اعْتِبَار تعلقه بِالْمحل فَإِنَّهُ من هَذَا الِاعْتِبَار عبارَة عَن هَذَا الْمُؤلف الْمَخْصُوص الَّذِي لَا يخْتَلف باخْتلَاف المتلفظين للْقطع بِأَن مَا يقرأه كل وَاحِد منا هُوَ الْقُرْآن الْمنزل على نَبينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِلِسَان جِبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهَكَذَا كل كتاب أَو شعر أَو علم ينْسب إِلَى أحد فَإِنَّهُ اسْم لذَلِك الْمُؤلف الْمَخْصُوص سَوَاء قَرَأَهُ أَو علمه زيد أَو عمر أَو غَيرهمَا وَهَذَا هُوَ الْحق فَالْمُعْتَبر فِي جَمِيع ذَلِك هُوَ الْوحدَة فِي غير الْمحل أَي الْوحدَة فِي نَفسه بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور لَا الْوحدَة بِاعْتِبَار الْمحل كَمَا قيل فَكل وَاحِد مِنْهَا شخصي ادعائي لِأَنَّهُ
(2/147)

لما امْتنع معرفَة حَقِيقَته إِلَّا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ أَو الْقِرَاءَة من أَوله إِلَى آخِره أَو تَعْبِيره بِالْعلمِ كالشخصي الْحَقِيقِيّ صَار شخصيا مجَازًا أَو ادِّعَاء وَإِن كَانَ كليا لصدقه على المتعدد بِتَعَدُّد الْمحل.
وَمن هَذَا الْبَيَان عَظِيم الشَّأْن يظْهر أَن الشخصي حَقِيقِيًّا أَو ادعائيا لَا يجوز تحديده، وَإِن كنت فِي ريب مِمَّا ذكرنَا فَانْظُر إِلَى مَا نقُول إِن أتم أَقسَام الْحَد هُوَ الْحَد التَّام الْمُشْتَمل على مقومات الشَّيْء دون مشخصاته لِأَنَّهُ يكون مركبا من الْجِنْس والفصل وهما كليان لَا يفيدان التشخص. فالمعرف لَا يكون مُفِيدا لمعْرِفَة الشخصيات بل لَا بُد فِي مَعْرفَتهَا من الْإِشَارَة إِلَى المشخصات أَو نَحْوهَا فالشخصي لَا يُمكن تحديده، فَإِن قلت، لَا نسلم أَن الشخصي لَا يُمكن تحديده فَإِن الشخصي مركب اعتباري عَن مَجْمُوع الْمَاهِيّة والتشخص فَلم لَا يجوز أَن يحد بِمَا يُفِيد معرفَة الْأَمريْنِ. وقولكم الْحَد التَّام إِنَّمَا يشْتَمل على مقومات الشَّيْء دون مشخصاته مَمْنُوع لِأَن مَا ذكرْتُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَاهِيّة المركبة من الْأَجْزَاء الْعَقْلِيَّة لَا فِي المركبة من الْأَجْزَاء الخارجية أَو مِنْهَا وَمن الْعَقْلِيَّة كالماهية الشخصية لما تقرر فِي الْحِكْمَة أَن الْمَاهِيّة المركبة من الْأَجْزَاء الخارجية إِذا حصلت أجزاؤها الخارجية بأسرها فِي الْعقل حصلت الْمَاهِيّة وَيكون القَوْل الدَّال على مَجْمُوع تِلْكَ الْأَجْزَاء حدا تَاما هُنَا إِذْ لَا معنى للتحديد التَّام إِلَّا تصور كنه الْمَاهِيّة.
قُلْنَا إِن ماهيته مَعْلُومَة للسَّائِل فَهُوَ لَا يطْلب إِلَّا أمرا وَاحِدًا أَعنِي التشخص لَا أَمريْن والأجزاء الذهنية كليات لَا تفِيد التشخص وَإِنَّمَا تفيده الْإِشَارَة وَنَحْوهَا كَمَا لَا يخفى.
وَقد يسْتَدلّ على الْمُدَّعِي بِأَن الشخصي أَن يحد وَأدنى الْمَقْصُود من تحديده التميز عَمَّا عداهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعرف بمقومات الْمَاهِيّة. فَالظَّاهِر أَن تَعْرِيفه بهَا لَا يكون مُخْتَصًّا بِهِ فَلَا يكون مُفِيدا للتميز الْمَذْكُور وَإِن ضم مَعَ تِلْكَ المقومات العرضيات المشخصة أَيْضا فَلَا يكون حدا لِأَنَّهُ لَا بُد وَأَن يكون صدقه على المحد ودائما غير مُمكن الزَّوَال عَنهُ والعرضيات لم يجب دوَام صدقهَا على معروضها لامكان زَوَالهَا وَفِيه نظر لِأَن شَرط دوَام صدق الْحَد على الْمَحْدُود فِي مُطلق الْحَد مَمْنُوع. وَأَيْضًا من الْإِعْرَاض مَا لَا يُمكن زَوَالهَا كاسمه الْعلم فَيجوز أَن يَنْضَم وَيُقَال فِي تَعْرِيف عَمْرو مثلا أَنه حَيَوَان نَاطِق أسمر اللَّوْن فِي عينه الْيُمْنَى نقطة حَمْرَاء وعَلى ذقنه نقطة سَوْدَاء يسكن فِي تِلْكَ المحله معشوق زيد ومنظوره وَيُقَال فِي تَعْرِيف زيد أَنه رجل كَذَا وَكَذَا واسْمه زيد وَبعد اللتيا واللتي فِي أَن الشخصي لَا يحد تَفْصِيل كَمَا قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح. وَالْحق أَن الشخصي يُمكن أَن يحد بِمَا يُفِيد امتيازه عَن جَمِيع مَا عداهُ بِحَسب الْوُجُود أَي بِأَن لَا يكون شَيْء من الموجودات بِحَيْثُ يصدق ذَلِك التَّعْرِيف عَلَيْهِ وَلَا بِمَا
(2/148)

يُفِيد أَي وَلَا يُمكن أَن يحد بِمَا يُفِيد تَعْيِينه وتشخيصه بِحَيْثُ لَا يُمكن اشتراكه بَين كثيرين بِحَسب الْفِعْل فَإِن ذَلِك أَي التَّعْيِين والتشخيص إِنَّمَا يحصل بِالْإِشَارَةِ لَا غير أَي لَا بالتعريف فالحصر إضافي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا يُنَافِي قَوْله فِيمَا سبق بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوهَا فَافْهَم. فَإِنَّهُ يُوضح مَا فِي التَّوْضِيح والتلويح ويشرق من أفق هَذَا الْبَيَان وَجه مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن التَّعْرِيف إِنَّمَا يكون للماهية لَا للفرد والأفراد أَي لَا للفرد الشخصي والأفراد الشخصية لَا مُطلقًا كَيفَ فَإِن الْإِنْسَان مثلا فَرد نَوْعي للحيوان وَيحد بِحَدّ حَقِيقِيّ وَلَيْسَ المُرَاد بالفرد النوعي النَّوْع بل مَا يُقَابل الشخصي أَعنِي الجزئي الْحَقِيقِيّ فَإِن الْحَيَوَان والجسم النامي والجسم والجوهر يحد كل وَاحِد مِنْهَا بِلَا إِنْكَار.
هَذَا أَوَان نصف لَيْلَة عَرَفَة وَالْحجاج مشتاقون إِلَى الْوُقُوف بِعَرَفَات. وعديم الْوُقُوف متجاوز عَن حد الْعُبُودِيَّة مفتاق إِلَى الْوُقُوف بتحديد الشخصي فَعَلَيهِ أَن يَتُوب إِلَى الله تَعَالَى من السَّيِّئَات. ويفتاق إِلَى الغفران والنجاة. أَيهَا الخلان الناظرون فِي هَذَا الْكتاب من كَانَ مُتَرَدّد البال، ومتشتت الْحَال، فِي نَفَقَة الْعِيَال، كَيفَ يَعْلُو مدارج التَّأْلِيف، وَكَيف يسمو معارج التصنيف، إِلَّا أَن شوقه الوافي يَسُوقهُ إِلَى هَذَا السُّوق فَيدْفَع جوعه ويجعله شبعان، وقصده الْكَافِي يجره إِلَى هَذَا اللصوق فيرفع عطشه ويصيره رَيَّان. ويفوض أطفاله وَعِيَاله إِلَى الرَّزَّاق ذِي الْقُوَّة المتين، وَهُوَ متكفل ومعين، فِي كل آن وزمان وَحين.
(نه شفيقي نه رفيقي نه أَمِيري نه فَقير ... )

(هيجكس برسش احوال من خسته نكرد ... )

(بس مراخانه آن منعم ورزاق جهان ... )

(كه در نعمت اَوْ باز وبكس بسته نكرد ... )

اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم.
(بَاب الشين مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الشَّدِيدَة: هِيَ الْحُرُوف الَّتِي ينْحَصر جري صَوتهَا عِنْد إسكانها فِي مخرجها فَلَا يجْرِي وَهِي ثَمَانِيَة أحرف ويجمعها (أجدك قطيت) وَمعنى قطبت مزجت الشَّرَاب بِالْمَاءِ.
(2/149)

والحروف الرخوة بِخِلَاف الْحَرْف الشَّدِيدَة فَهِيَ حُرُوف لَا ينْحَصر جري صَوتهَا عِنْد إسكانها فِي مخرجها وَمَا بَين الشَّدِيدَة والرخوة حُرُوف لَا يتم لَهَا الانحصار الْمَذْكُور وَلَا الجري المسطور وَهِي ثَمَانِيَة يجمعها (لم يروعنا) وَعلم من تعْيين الْحُرُوف الشَّدِيدَة والحروف الَّتِي بَين الشَّدِيدَة والرخوة أَن الرخوة ثَلَاثَة عشر حرفا لِأَن الشَّدِيدَة وَمَا بَين الشَّدِيدَة والرخوة ثَمَانِيَة أَيْضا فَيكون الْمَجْمُوع سِتَّة عشر فَمَا بَقِي أَي من تِسْعَة وَعشْرين رخوة وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا وَسميت الشَّدِيدَة شَدِيدَة مَأْخُوذَة من الشدَّة الَّتِي هِيَ الْقُوَّة لِأَن الصَّوْت لما انحصر فِي مخرجه فَلم يجر أَشد أَي امْتنع قبُوله التلبين لِأَن الصَّوْت إِذا جرى فِي مخرجه أشبه حُرُوف اللين. والرخوة مَأْخُوذَة من الرخاوة الَّتِي هِيَ اللين لقبوله التَّطْوِيل لجري الصَّوْت فِي مخرجه عِنْد النُّطْق.
(بَاب الشين مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

شريك الْبَارِي: أَي مَا يُشَارك ذَاته فِي صِفَاته فَإِنَّهُ مُمْتَنع الْوُجُود فِي الْخَارِج لما دلّ عَلَيْهِ برهَان تَوْحِيد الْوَاجِب الْوُجُود وَكَذَلِكَ فِي الذِّهْن إِذْ مَا حصل فِي الذِّهْن لَا يكون مَوْصُوفا بصفاته هَذَا إِذا أُرِيد بِهِ ذَات الْوَاجِب الْوُجُود المشارك لَهُ تَعَالَى فِي جَمِيع صِفَاته فِي الْخَارِج أَعنِي الجزئي الْحَقِيقِيّ الَّذِي يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم شريك الْبَارِي الَّذِي هُوَ كلي مُمْتَنع الْوُجُود فِي الْخَارِج والذهن فَتَأمل. وَلِهَذَا المرام زِيَادَة تَفْصِيل وتوضيح فِي الْمُوجبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الشَّرْع والشريعة: مَا أظهره الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ من الدّين وَحَاصِله الطَّرِيقَة الْمَعْهُودَة الثَّابِتَة من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فِي الْجَامِع الصَّغِير لَو أهان الشَّرْع أَو قَالَ كَيفَ يحكم القَاضِي أَو قَالَ إِنَّك ظلمت وتميل أَو حكمت بِغَيْر حق يصير مُرْتَدا وَلَا يدْفن ويرمى حَتَّى تَأْكُله السبَاع.
الشّرْب: بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة تصيب المَاء. وَفِي الشَّرْع نوبَة الِانْتِفَاع بِالْمَاءِ سقيا للمزارع أَو الدَّوَابّ. وبالضم إِيصَال الشي إِلَى جَوْفه بَغْتَة مرّة مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ المضع.
الشَّرَاب: فِي اللُّغَة كل مَا يشرب من الْمَائِعَات حَلَالا كَانَ أَو حَرَامًا - وَفِي الشَّرْع مَا يسكر وَجمعه الْأَشْرِبَة. وَقَالُوا إِن الْمحرم مِنْهَا أَرْبَعَة، والحلال مِنْهَا أَرْبَعَة وتفصيلها فِي الْفِقْه وَأَنت تعلم أَن كل مُسكر حرَام فَكيف هَذَا الْمقَال وَالله أعلم بحقيقته الْحَال.
وَاعْلَم أَن هَذِه الشُّبْهَة إِنَّمَا ترد على ظَاهر عبارَة الْكَنْز حَيْثُ قَالَ كتاب الْأَشْرِبَة وَالشرب مَا يسكر وَالْحرَام مِنْهَا أَرْبَعَة إِلَى آخِره وَدفعهَا أَن الْأَشْرِبَة جمع الشَّرَاب وَهُوَ فِي اللُّغَة كل مَا يشرب من الْمَائِعَات حَلَالا كَانَ أَو حَرَامًا كَمَا مر. وَالْغَرَض من قَوْله
(2/150)

الشَّرَاب مَا يسكر بَيَان الْمَعْنى الاصطلاحي الفقهي للشراب، وَالضَّمِير فِي قَوْله وَالْحرَام مِنْهَا أَرْبَعَة. رَاجع إِلَى الْأَشْرِبَة فَافْهَم.
الشِّرَاء: إِعْطَاء الثّمن وَأخذ الْمُثمن وَالتَّفْصِيل فِي البيع.
الشّرطِيَّة: فِي الْقَضِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الشَّرّ: ضد الْخَيْر وفسروه عَن عدم ملائمة الشَّيْء الطَّبْع.
الشّركَة: فِي اللُّغَة اخْتِلَاط النَّصِيبَيْنِ فَصَاعِدا بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز نصيب كل عَن نصيب الآخر. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح العقائد الشّركَة أَن يجْتَمع اثْنَان على شَيْء وينفرد كل مِنْهُمَا بِمَا هُوَ لَهُ دون الآخر كشركاء الْقرْيَة والمحلة. وكما إِذا جعل العَبْد خَالِقًا لأفعاله والصانع خَالِقًا لسَائِر الْأَعْرَاض والأجسام بِخِلَاف مَا إِذا أضيف أَمر إِلَى شَيْئَيْنِ بجهتين مختلفتين كالأرض تكون ملكا لله تَعَالَى بِجِهَة التخليق وللعباد بِجِهَة ثُبُوت التَّصَرُّف. وكفعل العَبْد ينْسب إِلَى الله تَعَالَى بِجِهَة الْخلق وَإِلَى العَبْد بِجِهَة الْكسْب انْتهى. وَقد يُطلق على العقد كَمَا فِي النِّهَايَة. وَفِي الشَّرْع اخْتِصَاص اثْنَيْنِ أَو أَكثر بِمحل وَاحِد وَهِي على نَوْعَيْنِ شركَة الْملك وَشركَة العقد.
شركَة الْملك: أَن يملك اثْنَان عينا إِرْثا أَو شِرَاء أَو هبة أَو صَدَقَة. وَإِضَافَة الشّركَة إِلَى الْملك إِضَافَة الْمُسَبّب إِلَى السَّبَب. وَاعْلَم أَن الشّركَة فِي الْملك تُؤدِّي إِلَى الِاضْطِرَاب وَالشَّرِكَة فِي الرَّأْي تُؤدِّي إِلَى الصَّوَاب.
شركَة العقد: أَن يَقُول أحد الشَّرِيكَيْنِ لآخر شاركتك كَذَا وَقبل الآخر. وَالْإِضَافَة هَاهُنَا أَيْضا كإضافة شركَة الْملك وَشركَة العقد على أَرْبَعَة أَصْنَاف شركَة الْمُفَاوضَة والعنان والتقبل وَتسَمى شركَة الصَّنَائِع أَيْضا - وَالرَّابِع شركَة الْوُجُوه.
شركَة الْمُفَاوضَة: أقدم الْأَصْنَاف رُتْبَة وَأَعْظَمهَا بركَة لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فاوضوا فَإِنَّهَا أعظم للبركة. والمفاوضة فِي اللُّغَة الْمُسَاوَاة والمشاركة مفاعلة من التَّفْوِيض كَأَن كل وَاحِد من الشَّرِيكَيْنِ رد مَا عِنْده إِلَى صَاحبه كَذَا ذكره ابْن الْأَثِير وَفِيه إِشْعَار بِأَن الْمَزِيد قد يشتق من الْمَزِيد إِذا كَانَ أشهر. وَفِي الشَّرْع شركَة متساويين أَو أَكثر مَالا وحرية كَامِلَة وبلوغا ودينا بِأَن تَضَمَّنت وكَالَة وكفالة فَلَا تصح. بَين من كَانَ عِنْده مائَة دِرْهَم وَمن كَانَ عِنْده خمسين درهما. وَبَين حر وَعبد أَو عَبْدَيْنِ وَلَو مكاتبين. وَبَين بَالغ وَصبي أَو بَين صبيين. وَبَين مُسلم وذمي. وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز وَيكرهُ على مَا فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَة.
شركَة الْعَنَان: شركَة تَضَمَّنت وكَالَة فَقَط لَا كَفَالَة. وَتَصِح مَعَ التَّسَاوِي فِي المَال دون الرِّبْح وَعَكسه وَبَعض المَال وَخلاف الْجِنْس. والعنان مَأْخُوذ من (عَن) أَي عرض. قَالَ ابْن السّكيت كَأَنَّهُ عرض لَهما شَيْء فاشتركا. أَو من عَن لَهُ إِذا ظهر لَهُ
(2/151)

فَكَأَنَّهُ ظهر لَهما شَيْء فاشتركا. أَو مَأْخُوذ من عنان الْفرس لِأَن كلا مِنْهُمَا جعل عنان التَّصَرُّف فِي بعض المَال إِلَى صَاحبه. أَو لِأَنَّهُ يجوز فِي هَذِه الشّركَة أَن يتفاوتا فِي رَأس المَال وَالرِّبْح كَمَا يتَفَاوَت الْعَنَان فِي يَد الرَّاكِب حَالَة الْمَدّ والإرخاء.
شركَة التقبل وَشركَة الصَّنَائِع أَن يشْتَرك صانعان كالخياطين أَو خياط وصباغ على أَن يتقبلا من النَّاس الْأَعْمَال وَتَكون الْأُجْرَة بَينهمَا وَوجه التَّسْمِيَة ظَاهر.
شركَة الْوُجُوه: أَن يشتركا بِلَا مَال على أَن يشتريا بوجوهما ويبيعا ويقبضا وتتضمن الْوكَالَة. وَإِنَّمَا سميت بالوجوه لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِالنِّسْبَةِ إِلَّا من لَهُ وجاهة عِنْد النَّاس. وَقيل لِأَنَّهُمَا إِذا جلسا لتدبير أَمرهمَا ينظر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى وَجه صَاحبه لفقدان البضاعة ووجدان الْحَاجة.
الشَّرْط: فِي الْقَامُوس هُوَ إِلْزَام الشَّيْء. وَنقل فِي الِاصْطِلَاح إِلَى تَعْلِيق حُصُول جملَة بِحُصُول مَضْمُون جملَة أُخْرَى والشائع إِطْلَاقه على مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء وَيكون خَارِجا عَنهُ. وَمِنْه شَرط الصَّلَاة بِخِلَاف صفة الصَّلَاة فَإِن الصّفة مَعَ أَنَّهَا مُشَاركَة للشّرط فِي التَّوَقُّف دَاخِلَة فِيهَا وركن مِنْهَا.
وَأما التَّحْرِيمَة: مَعَ أَنَّهَا خَارِجَة عَن الصَّلَاة فَإِنَّمَا جعلت وعدت من صفاتها وأركانها لاتصالها بأركانها فألحقت بهَا مجَازًا مَعَ أَنَّهَا ركن دَاخل فِيهَا عِنْد بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنْهُم كَمَا ذكر فِي بعض شُرُوح كنز الدقائق وَقد مر تَحْقِيق الشَّرْط فِي التَّوَقُّف وارتفاع الْمَانِع. وَجمعه الشُّرُوط وَالشّرط الَّذِي بِمَعْنى عَلامَة الْقِيَامَة جمعه أَشْرَاط.
ثمَّ اعْلَم أَن الْملك يشْتَرط لآخر الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي لَو علق الطَّلَاق بِشَرْطَيْنِ فَملك النِّكَاح يشْتَرط لآخرهما وجودا حَتَّى لَو قَالَ إِن كلمت زيدا وعمرا فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا وَاحِدَة وَانْقَضَت عدتهَا فكلمت زيدا ثمَّ تزَوجهَا فكلمت عمرا تطلق ثَلَاثًا.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمَسْأَلَة على أَرْبَعَة أوجه. أما إِن وجد الشرطان فِي الْملك فَيَقَع مَا بَقِي من الثَّلَاث إِجْمَاعًا. أَو وجدا فِي غير الْملك فَلَا يَقع إِجْمَاعًا لعدم الْمَحَلِّيَّة وَالْجَزَاء لَا ينزل فِي غير الْملك. أَو وجد الشَّرْط الأول فِي الْملك وَالثَّانِي فِي غير الْملك فَلَا يَقع إِجْمَاعًا لِأَن الْجَزَاء هُوَ الطَّلَاق لَا يَقع فِي غير الْملك. أَو وجد الأول فِي غير الْملك وَالثَّانِي فِي الْملك فَتطلق عندنَا خلافًا لزفَر رَحمَه الله تَعَالَى كَمَا يبين فِي الْفِقْه.
الشَّرْط الْفَاسِد: فِي البيع كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَفِيه مَنْفَعَة لأحد الْمُتَعَاقدين أَو للمعقود عَلَيْهِ وَهُوَ من أهل أَن يسْتَحق حَقًا على الْغَيْر بِأَن يكون آدَمِيًّا أَي من أهل أَن يثبت لَهُ حق وَيصِح مِنْهُ الْخُصُومَة وَطلب الْحق وَلَو لم يكن الْمَعْقُود عَلَيْهِ
(2/152)

بِهَذِهِ الصّفة يجوز البيع كَمَا إِذا بَاعَ فرسا بِشَرْط أَن يعلفه المُشْتَرِي كل يَوْم كَذَا منا من الشّعير.
الشريطة: هِيَ الشَّرْط.
الشَّرْط الْحَقِيقِيّ: مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَأْثِير الْفَاعِل حَقِيقَة.
الشَّرْط العادي: مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَأْثِير الْفَاعِل عَادَة لَا حَقِيقَة وَلَا يكون دائرا مَعَه كيبس الملاقي لإحراق النَّار فَإِن تحقق اليبس لَا يسْتَلْزم تحقق الإحراق.
شرف الْكَوَاكِب: عبارَة عَن علو شَأْنهَا وتسلطها وَكَمَال تأثيرها فَإِذا ولد مَوْلُود فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن كَانَ طالع الْوَقْت هُنَاكَ دَرَجَة فَرح كَوْكَب يكون الْمَوْلُود سعيدا مُبَارَكًا لِلْأَبَوَيْنِ وقربائه. وَإِن كَانَ طالع الْوَقْت دَرَجَة هُبُوطه أَو وباله لَا يكون الْمَوْلُود سعيدا مُبَارَكًا إِلَّا إِذا كَانَ هُنَاكَ طالع الْوَقْت دَرَجَة فَرح كَوْكَب آخر أعظم من الْكَوْكَب الأول فَلَا بُد للمنجم حِينَئِذٍ من مُلَاحظَة هبوط الْكَوْكَب وفرحها وقوتها وضعفها ثمَّ الحكم بِأَمْر.
وَاعْلَم أَن الْكَوْكَب فِي شرفه مثل سُلْطَان على سَرِيره فِي مَمْلَكَته بِكَمَال الْغَلَبَة وَفِي هُبُوطه مثل رجل فِي بَيته على أسوء الْأَحْوَال. وَفِي وباله مثل رجل خرج عَن وَطنه مطرودا عَن مَكَانَهُ وَاقعا فِي أعدائه غير قَادر على شَيْء مغموما مَحْزُونا. وَإِن أردْت معرفَة بيُوت الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة وشرفها وهبوطها وفرحها فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجَدْوَل.
(2/153)

(الْكَوَاكِب)

الشَّمْس
الْقَمَر
المريخ
عُطَارِد
المُشْتَرِي
الزهرة
زحل
الراس
الذِّئْب
(بيُوت الْكَوَاكِب)

الْأسد
السرطان
الْحمل الْعَقْرَب
الجوزاء الْعَذْرَاء
الْقوس الْحُوت
الثور الْمِيزَان
الجدي الدَّلْو
الْعَذْرَاء
الْحُوت
(وبالها الويلات)

دَاء
جدي
ميزَان ثَوْر
قَوس حوت
جوزاء سنبلة
عقرب حمل
سرطان أَسد
حوت
سنبلة
(شرفها الشّرف)

الْحمل
الثور
الجدي
السنبلة = الْعَذْرَاء
السرطان
الْحُوت
الْمِيزَان
الجوزاء
الْقوس
(هبوط الانتكاسات)

الْمِيزَان
الْعَقْرَب
السرطان
الْحُوت
الجدي
الْعَذْرَاء
الْحمل
الْقوس
الجوزاء
(الأفراح)
9 - 3
6 - 1
11 - 5
12 - 5
5 -
(2/154)

(بَاب الشين مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)

الشطح: كَلَام ينفر عَنهُ اللِّسَان وتستكرهه الآذان مقرون بِالدَّعْوَى يثقل على المعرض أسماعه وَلَا يرتضيه أهل التَّحْقِيق من قَائِله وَإِن كَانَ محققا كَذَا فِي شرح أَلْفَاظ أهل الله للشَّيْخ محيي الدّين بن الْعَرَبِيّ رَحمَه الله فِي شرح منَازِل السائرين الشطح كَلَام يشم مِنْهُ رَاحَة الرعونة وَإِن كَانَ حَقًا لَكِن يُعَارض ظَاهره ظَاهر الْعلم والفاحش مِنْهُ هُوَ الَّذِي ظهر منافاته للْعلم وَخرج عَن حد الْمَعْرُوف وَأَكْثَره يكون من سكر الْحَال وَغَلَبَة سُلْطَان الْحَقِيقَة. وَفِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية الشطح عبارَة عَن كلمة عَلَيْهَا رَائِحَة رعونة وَدَعوى وَهُوَ من زلات الْمُحَقِّقين فَإِنَّهُ دَعْوَى بِحَق يفصح بهَا الْعَارِف من غير إِذن إلهي بطرِيق يشْعر بالنباهة.
الشّطْر: الْجُزْء يُقَال إِن التَّصَوُّر شطر التَّصْدِيق عِنْد الإِمَام وَشَرطه عِنْد الْحُكَمَاء. وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْعرُوض الشّطْر حذف نصف الْبَيْت وَيُسمى مشطورا.
شطر العقد: أَي نصفه بِأَن يَقُول رجل أشهدوا إِنِّي زوجت فُلَانَة من فلَان هما غائبان بِغَيْر أَمرهمَا فَهَذَا لَا ينْعَقد إِلَّا أَن يقبل أحد فِي الْمجْلس وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى ينْعَقد مَوْقُوفا على إجازتهما. وَالْفرق بَينه وَبَين نِكَاح الْفُضُولِيّ أَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الْفُضُولِيّ يكون فِي مجْلِس وَاحِد وَيكون أحد الْعَاقِدين حَاضرا فِي الْمجْلس بِخِلَاف شَرط العقد فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ العاقدان حاضرين وَلَا الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي مجْلِس وَاحِد وكونهما فِي مجْلِس وَاحِد شَرط فِي صِحَة النِّكَاح وَلِهَذَا لم يجز شطر العقد وَجَاز نِكَاح الْفُضُولِيّ لَكِن توقف على إجَازَة الْغَائِب.
وَفِي المسكيني (شرح كنز الدقائق) وَهُوَ أَي شَرط العقد على سِتَّة أَنْوَاع فِي ثَلَاث مِنْهَا خلاف. الْفُضُولِيّ قَالَ زوجت فُلَانَة من فلَان وهما غائبان وَلم يقبل مِنْهُ أحد. أَو قَالَ زوجت فُلَانَة وَهِي غَائِبَة وَلم يجب عَنْهَا أحد وَلم يقبل مِنْهَا أحد. أَو قَالَت زوجت نَفسِي من فلَان وَهُوَ غَائِب وَلم يقبل مِنْهُ أحد. قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله يتَوَقَّف وَيتم بِالْإِذْنِ فِيهَا وَقَالا هُوَ بَاطِل. وَثَلَاث مِنْهَا يتَوَقَّف على الْإِجَازَة اتِّفَاقًا عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فُضُولِيّ قَالَ زوجت فُلَانَة من فلَان وَقَالَ فُضُولِيّ آخر زوجتها مِنْهُ. أَو قَالَ زوجت فُلَانَة وَهِي غَائِبَة فَقَالَ فُضُولِيّ آخر زوجتها مِنْك. أَو قَالَ زوجت نَفسِي من فلَان وَهُوَ غَائِب فَقبل مِنْهُ فُضُولِيّ آخر انْتهى. فَيعلم من هَاهُنَا إِن قَول صَاحب كنز الدقائق وَلَا يتَوَقَّف شطر العقد على قبُول ناكح غَائِب قَضِيَّة مُهْملَة فَإِن بعض شطر العقد مَوْقُوف على قبُوله كَمَا علمت.
الشطرنج: بِالْكَسْرِ. فِي خزانَة الرِّوَايَات وَيكرهُ اللّعب بالشطرنج والنرد وَالْأَرْبَعَة عشر وكل لَهو. وَإِن قامر بهَا فَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ ميسر وَهُوَ اسْم لكل
(2/155)

قمار. وَقد قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر} الْآيَة وتواترت السّنة عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِتَحْرِيم الْقمَار وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْمُسلمين وَإِن خلا عَن الْقمَار فَهُوَ حرَام أَيْضا لِأَنَّهُ عَبث وَقد قَالَ الله تَعَالَى {أفحسبتم إِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا} وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل لعب ابْن آدم بَاطِل إِلَّا ثَلَاثَة ملاعبة الرجل مَعَ أَهله وتأديبه لفرسه ومناضلته بقوسه وأباح الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الشطرنج لِأَن فِيهِ تشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام. وَقَالَ سهل بن مُحَمَّد الصعلوكي رَئِيس أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا سلمت الْيَد من الخسران. وَالصَّلَاة من النسْيَان، وَاللِّسَان من الهذيان، فَهُوَ أدب بَين الخلان، وَلنَا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من لعب بالشطرنج فَكَأَنَّمَا غمس يَده فِي دم الْخِنْزِير. وَلِأَنَّهُ لعب يصد صَاحبه عَن الْجمع وَالْجَمَاعَات وَذكر الله تَعَالَى غَالِبا وَإِن صلى فقلبه مُتَعَلق بِهِ. ثمَّ إِن قامر بالشطرنج سَقَطت عَدَالَته وَردت شَهَادَته وَإِن لم يقامر بِهِ قبلت شَهَادَته وَبقيت عَدَالَته. وَفِي عقد اللآلي فِي كتاب الْكَرَاهَة وَالِاسْتِحْسَان واللعب بالشطرنج لتهذيب الْفَهم غير محرم. وَفِي الصيرفية فِي بَاب الْحُدُود وَالتَّعْزِير فِي نَوَادِر أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ يَا مقامر لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن أَبَا يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ لَا بَأْس باللعب بالشطرنج. هَذَا اللَّفْظ فِي الْأَجْنَاس انْتهى وَفِي السِّرَاجِيَّة واللعب بالشطرنج حرَام.
(بَاب الشين مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

الشّعْر: بِالْفَتْح موى وبالكسر فِي اللُّغَة دانستن ودريافتن. وَفِي اصْطِلَاح الْعرُوض لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمَعْنى المصدري أَي تأليف الْكَلَام الْمَوْزُون وَإِن كَانَ مصدرا بل المُرَاد بِهِ عِنْدهم الْكَلَام الْمَوْزُون الدَّال على الْمَعْنى ذَا القافية بِشَرْط قصد الْقَائِل موزونية ذَلِك الْكَلَام فَالْكَلَام الْغَيْر الْمَوْزُون. وَكَذَا الْكَلَام الْمَوْزُون الْغَيْر الدَّال على الْمَعْنى. وَالْكَلَام الْمَوْزُون الدَّال على الْمَعْنى لم يقْصد الْقَائِل موزونيته لَيْسَ بِشعر فَقَوله تَعَالَى {ثمَّ أقررتم وَأَنْتُم تَشْهَدُون ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ تقتلون} . وَكَذَا قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:
(الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ... )

(يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ... )

وَإِن كَانَ قَوْله تَعَالَى على بَحر رمل مسد من مَقْصُور لِأَنَّهُ فاعلاتن فاعلاتن فاعلات، والْحَدِيث الشريف على بَحر رمل مثمن لِأَنَّهُ فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلات، لَيْسَ بِشعر، فَإِن قلت من أَيْن يعلم أَنه تَعَالَى وتقدس وَالنَّبِيّ الْأَفْصَح الْمُقَدّس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يقْصد الموازنة - قلت أما قرع سَمعك قَوْله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه {وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} وَإِنَّمَا علمه تَعَالَى الْقُرْآن الْمجِيد فَعلم من هَا
(2/156)

هُنَا أَنه لَيْسَ فِيهِ شعر وَلما قَالَ تبَارك وَتَعَالَى وَمَا يَنْبَغِي لَهُ فَكيف يتَصَوَّر مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا لَا يَلِيق بِحَالهِ.
والشاعر إِمَّا من الشّعْر بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ فَمَعْنَاه بِالْفَارِسِيَّةِ داننده ودريابنده. وَإِنَّمَا يُقَال للقائل بالْكلَام الْمَوْزُون الْمَذْكُور شَاعِر لِأَنَّهُ يدْرك نوعا من الْكَلَام وَيقدر على تركيب كَلِمَات لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره. وَأما من الشّعْر بِالْمَعْنَى الاصطلاحي فَمَعْنَاه صَاحب الشّعْر - وَقَالَ بعض أَصْحَاب السّير أَن أول من قَالَ الشّعْر آدم عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ شعره فِي مرثية ابْنه هابيل حِين قَتله ابْنه قابيل بلغَة سريانية ثمَّ تَرْجمهُ بعض الْعلمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ هَكَذَا:
(تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَا ... فَوجه الأَرْض مغبر قَبِيح)

(تغير كل ذِي طعم ولون ... وَقل بشاشة الْوَجْه الْمليح)

(وهابيل أذاق الْمَوْت فَإِنِّي ... عَلَيْك الْيَوْم محزون قريح)

(بَكت عَيْني وَحقّ لَهَا بكاها ... فدمع الْعين منهل سفوح)

وَقَالَ قَاسم بن سَلام الْبَغْدَادِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ أَمَام أَرْبَاب السّير أَن أول من قَالَ الشّعْر الْعَرَبِيّ يعرب بن قحطان وَكَانَ من أَبنَاء نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي أول من قَالَ بالشعر الْفَارِسِي اخْتِلَاف، الْجُمْهُور على أَنه بهْرَام كور وَأول أشعاره:
(منم آن بيل دمان ومنم آن شيريله ... نَام بهْرَام مراوبدرم بوجبله)

وَقيل هُوَ أَبُو حَفْص الْحَكِيم السغدي وَمن أبياته:
(آهوى كو هِيَ در دشت جكونه دود ... )

(جون من ندارد ياربي يارجكونه رَود ... )

وَقيل أول من أسس أساس الْمَدْح وَالثنَاء ونظم القصيدة فِي مدح محسنه كَانَ
(2/157)

هورودكي وقصيدته مَشْهُورَة، وَالشعر عِنْد المنطقيين قِيَاس مؤلف من المخيلات، وَالْغَرَض مِنْهُ انفعال النَّفس بالانقباض والانبساط وَالتَّرْغِيب والترهيب والتنفير كَقَوْلِك الْخمر ياقوتية سيالة وَالْعَسَل مرّة مهوعة.
شعر شَاعِر: المُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة فِي وصف الشّعْر، قَالَ الإِمَام المرزوقي أَن من شَأْن الْعَرَب أَن يشتقوا من لفظ الشَّيْء الَّذِي يُرِيدُونَ الْمُبَالغَة فِي وصف ذَلِك الشَّيْء مَا يتبعونه بِهِ أَي يذكرُونَ الْمُشْتَقّ بعد لفظ ذَلِك الشَّيْء تَابعا لَهُ بِأَن يجعلونه صفة لذَلِك اللَّفْظ أَو خَبرا عَنهُ لأجل التَّأْكِيد والتنبيه على تناهي ذَلِك الشَّيْء فِي وَصفه مثل قَوْلهم ظلّ ظَلِيل وداهية دهياء.
الشُّعُور: علم الشَّيْء علم جنس.
الشعيبية: جمَاعَة شُعَيْب بن مُحَمَّد وَهُوَ كالميمونية إِلَّا فِي الْقدر.
(بَاب الشين مَعَ الْغَيْن الْمُعْجَمَة)

الشّغَار: بِالْكَسْرِ الْمُبَادلَة والخلو يُقَال بَلْدَة شاغرة أَي خَالِيَة. وَنِكَاح الشّغَار أَن يتَزَوَّج الرجل بنته أَو أُخْته من آخر على أَن يُزَوجهُ الآخر بنته أَو أُخْته على أَن يكون بضع كل وَاحِدَة صَدَاقا لأخرى فالعقدان جائزان وَيُسمى نِكَاح الشّغَار لِأَن فِيهِ مُبَادلَة وخلوا عَن الْمهْر وَيجب مهر الْمثل عندنَا فِي هَذَا النِّكَاح - وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يبطل العقدان.
(بَاب الشين مَعَ الْفَاء)

الشُّفْعَة: لُغَة بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْمَفْعُول من الشفع وَهُوَ الضَّم كالأكلة من الْأكل. وَمنع الشفع ضد الْوتر وشفاعة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذْ بهَا ضم المذنبين بالفائزين. وَفِي (حل الرموز) الشُّفْعَة لُغَة فعلة بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْمَفْعُول من قَوْلهم كَانَ هَذَا الشَّيْء وترا فشفعته بِأُخْرَى جعلته زوجا لَهُ فَهِيَ فِي الأَصْل اسْم للْملك الْمَشْفُوع وَلم يسمع مِنْهَا فعل. وَمن لُغَة الْفُقَهَاء بَاعَ الشَّفِيع الدَّار الَّتِي تشفع بهَا أَي تُؤْخَذ بِالشُّفْعَة كَمَا فِي الْمغرب. وَفِي الْعَيْنِيّ شرح كنز الدقائق الشُّفْعَة فِي اللُّغَة من الشفع وَهُوَ الضَّم ضد الْوتر من شفع الرجل إِذا
(2/158)

كَانَ فَردا فَصَارَ لَهُ ثَان - وَالشَّفِيع أَيْضا يضم الْمَأْخُوذ إِلَى ملكه فَلذَلِك سمي الشُّفْعَة وَفِي الْهِدَايَة الشُّفْعَة مُشْتَقَّة من الشفع وَهُوَ الضَّم سميت بهَا لما فِيهَا من ضم الْمُشْتَرَاة إِلَى عقار الشَّفِيع. وَفِي الشَّرْع هِيَ تمْلِيك الْبقْعَة جبرا على المُشْتَرِي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ وطلبها على ثَلَاثَة أوجه. الأول طلب المواثبة. وَالثَّانِي طلب التَّقْرِير وَالْإِشْهَاد. وَالثَّالِث طلب الْخُصُومَة - وَالتَّفْصِيل فِي الْهِدَايَة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ.
الشَّفَاعَة: هِيَ السُّؤَال فِي التجاوز عَن الذُّنُوب من الَّذِي وَقعت الْجِنَايَة فِي حَقه.
الشَّفَقَة: صرف الهمة إِلَى إِزَالَة الْمَكْرُوه عَن النَّاس.
الشِّفَاء: رُجُوع الأخلاط إِلَى الِاعْتِدَال.
الشَّفق: هُوَ الْبيَاض الَّذِي بعد الْحمرَة بعد غرُوب الشَّمْس عِنْد أبي حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله تَعَالَى وَهُوَ قَول أبي بكر الصّديق وَأنس ومعاذ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَعِنْدَهُمَا الشَّفق هُوَ الْحمرَة الْمَذْكُورَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي شرح الْوِقَايَة.
(بَاب الشين مَعَ الْكَاف)

الشكل: فِي اللُّغَة الشّبَه والمثل وَصُورَة الشَّيْء. وَعند المنطقيين الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من وضع الْحَد الْأَوْسَط عِنْد الحدين يجب حمله عَلَيْهِمَا أَو وَضعه لَهما أَو حمله على أَحدهمَا وَوَضعه للْآخر فَهُوَ أَرْبَعَة. لِأَن الْحَد الْأَوْسَط إِن كَانَ مَحْمُولا فِي الصُّغْرَى مَوْضُوعا فِي الْكُبْرَى فَهُوَ الشكل الأول - أَو مَحْمُولا فيهمَا فَالثَّانِي - أَو مَوْضُوعا فيهمَا فالثالث - أَو عكس الأول فالرابع - والشكل الأول بديهي الإنتاج وَبَاقِي الأشكال مَرْدُودَة إِلَيْهِ وَلِهَذَا يُقَال إِنَّه محكها. وَشرط إنتاجه إِيجَاب الصُّغْرَى كيفا وفعليتها جِهَة وكلية الْكُبْرَى كَمَا.
فَإِن قيل إِن الشكل الأول دوري إِذْ الْعلم بالمطلوب يحْتَاج إِلَى الْعلم بكلية الْكُبْرَى وَهُوَ إِلَى الْعلم بالمطلوب لِأَنَّهُ من جزئياتها. قُلْنَا، إِن احتياجها إِلَى الْعلم بالجزئيات إِجْمَالا وَإِلَّا لما حكمنَا بِصدق كليتها وَالْمَطْلُوب يحْتَاج فِي علمه التفصيلي فَافْهَم. وَفِي الشكل عِنْد الْحُكَمَاء اخْتِلَاف قَالَ بَعضهم هُوَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من إحاطة الْحَد الْوَاحِد أَو حَدَّيْنِ أَو أَكثر بالجسم التعليمي أَو السَّطْح. وَأما الْخط فَلَا يُمكن إحاطة أَطْرَافه بِهِ لِأَن أَطْرَاف الْخط النقط وَلَا يتَصَوَّر كَون الْخط محاطا بالنقط. وإحاطة الْحَد الْوَاحِد كَمَا فِي الكرة والدائرة. وإحاطة الحدين كَمَا فِي نصف الدائرة أَو وَنصف الكرة. وإحاطة الْحُدُود كَمَا فِي المثلث والمربع وَسَائِر المضلعات. وَالْمرَاد بالإحاطة فِي تَعْرِيف الشكل هِيَ الْإِحَاطَة التَّامَّة ليخرج الزاوية فَإِنَّهَا على الْأَصَح لَيست بشكل بل هَيْئَة وكيفة عارضة
(2/159)

للمقدار من حَيْثُ إِنَّه محاط بحدكما فِي رَأس المخروط المستدير أَو أَكثر إحاطة غير تَامَّة مثلا إِذا فَرضنَا سطحا مستويا محاطا بخطوط ثَلَاثَة مُسْتَقِيمَة. فَإِذا اعْتبر كَونه محاطا بالخطوط الثَّلَاثَة كَانَت الْهَيْئَة الْعَارِضَة لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَار هِيَ الشكل. فَإِذا اعْتبر من تِلْكَ الخطوط الثَّلَاثَة خطان متلاقيان على نقطة مِنْهُ كَانَت الْهَيْئَة الْعَارِضَة للسطح بِهَذَا الِاعْتِبَار هِيَ الزاوية.
وتعريف الشكل بِمَا ذكرنَا مَشْهُور بَين الْحُكَمَاء وَلَكِن لَا يخفى عَلَيْك أَنه يلْزم من هَذَا التَّعْرِيف أَن لَا يكون لمحيط الكرة وَهُوَ السَّطْح وَكَذَا الْأَمْثَال هَذَا الْمُحِيط كمحيط الدائرة والمثلث وَسَائِر المضلعات شكل لِأَنَّهُ لَيْسَ لذَلِك الْمُحِيط محيطا آخر وَلذَا قَالُوا الْأَنْسَب فِي تَعْرِيف الشكل أَن يُقَال الشكل هُوَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للمقدار من جِهَة الْإِحَاطَة سَوَاء كَانَت إحاطة الْمِقْدَار بالشكل أَو إحاطة الشكل بالمقدار فَحِينَئِذٍ تَعْرِيف الشكل شَامِل لمحيط الكرة وَأَمْثَاله.
وَيعلم من هَا هُنَا أَنه لَا وَجه لتخصيص الشكل بالسطح والجسم التعليمي فَإِنَّهُ مُحِيط الدائرة خطّ لَا سطح وَلَا جسم تعليمي. وَلَا شكّ فِي أَن لَهُ شكلا بِهَذَا التَّعْرِيف. نعم لَا بُد أَن يخصص الشكل بالمقدار. والشكل الطبيعي مَا يكون باقتضاء الطبيعة النوعية كشكل الْإِنْسَان بِأَنَّهُ مدور الرَّأْس بَادِي الْبشرَة مُسْتَقِيم الْقَامَة وَعَيناهُ كَذَا وَأَنْفه كَذَا وخده كَذَا ويداه وَرجلَاهُ كَذَا وَكَذَا وَهَذَا الشكل يكون مُشْتَركا فِي جَمِيع أَفْرَاد الْإِنْسَان. والشكل الشخصي مَا يكون باقتضاء تشخص شخص وَهَذَا يكون مُخْتَصًّا بِهِ وَالْأول يكون مُمَيّزا للنوع عَن النَّوْع الآخر وَالثَّانِي للشَّخْص عَن الشَّخْص الآخر.
الشَّك: فِي الْيَقِين وَفِي الْعلم أَيْضا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الشُّكْر: فِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية عبارَة عَن مَعْرُوف يُقَابل النِّعْمَة سَوَاء كَانَ بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو بِالْقَلْبِ. وَقيل هُوَ الثَّنَاء على المحسن بِذكر إحسانه فَالْعَبْد يشْكر الله تَعَالَى أَي يثني عَلَيْهِ بِذكر إحسانه الَّذِي هُوَ نعْمَته وَالله يشْكر للْعَبد أَي يثني عَلَيْهِ بِقبُول إحسانه الَّذِي هُوَ طَاعَته. وَالشُّكْر اللّغَوِيّ هُوَ الْوَصْف بالجميل على جِهَة التَّعْظِيم والتبجيل على النِّعْمَة من اللِّسَان والجنان والأركان. وَالشُّكْر الْعرفِيّ هُوَ صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ من السّمع وَالْبَصَر وَغَيرهمَا إِلَى مَا خلق لأَجله. فَبين الشُّكْر اللّغَوِيّ والعرفي عُمُوم وخصوص مُطلقًا كَمَا أَن بَين الْحَمد الْعرفِيّ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ أَيْضا كَذَلِك. وَبَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالْحَمْد الْعرفِيّ كَذَلِك عُمُوم وخصوص من وَجه. كَمَا أَن بَين الْحَمد اللّغَوِيّ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ أَيْضا كَذَلِك. وَبَين الْحَمد الْعرفِيّ وَالشُّكْر الْعرفِيّ عُمُوم وخصوص مُطلقًا. كَمَا أَن بَين الشُّكْر الْعرفِيّ وَالْحَمْد اللّغَوِيّ كَذَلِك وَلَا فرق بَين الشُّكْر اللّغَوِيّ وَالْحَمْد الْعرفِيّ انْتهى.
(2/160)

الشكُور: من يشْكر على الْبلَاء وَقيل الشاكر من يشْكر على الْعَطاء والشكور من يشْكر على الْمَنْع.
(بَاب الشين مَعَ الْمِيم)

الشمَال مُقَابل الْيَمين: يَعْنِي (دست راست) وبالفتح مُقَابل الْجنُوب أَي الْجِهَة الَّتِي تقَابل الْجنُوب. والجنوب هِيَ الْجِهَة الَّتِي على يَمِينك إِن قُمْت إِلَى الْمشرق فالشمال هِيَ الْجِهَة الَّتِي على يسارك إِن قُمْت إِلَيْهِ. وَالْمرَاد بالمشرق الْموضع الَّذِي تشرق مِنْهُ الشَّمْس بِحَسب رؤيتك وَكَذَا بالمغرب الْموضع الَّذِي تغرب فِيهِ بحسبها وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَة الْمشرق مغرب وَالْمغْرب مشرق فَإِن لفلك الأفلاك حَرَكَة لَا على التوالي وَلما سواهُ على التوالي كَمَا بَين فِي الْهَيْئَة. وَإِن أردْت معرفَة أَن الشمَال والجنوب مَا هما فَانْظُر فِي نصف النَّهَار.
الشَّمَائِل: الخصائل الحميدة والطبائع الْحَسَنَة جمع شميلة كالشمائم جمع شميمة والكرائم جمع كَرِيمَة. وَقيل جمع شمال بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْخلق بِالضَّمِّ يُقَال فلَان كريم الشَّمَائِل. والخلق بِالضَّمِّ وَسُكُون الثَّانِي السجية والطبيعة وَهُوَ مُخْتَصّ بِالصِّفَاتِ الْبَاطِنَة. وَقد ذكر فِي كتاب الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي الصِّفَات الظَّاهِرَة أَيْضا وَجعلت تَابِعَة لَا خلاقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
الشم: بِالضَّمِّ فِي اللُّغَة بِالْفَارِسِيَّةِ (بلندبيشاني) . وبالفتح (بوئيدون) . وَعند الْمُتَكَلِّمين والحكماء قُوَّة فِي زائدتين نابتتين من مقدم الدِّمَاغ شبيهتين بحلمتي الثدي. فالجمهور على أَن الْهَوَاء الْمُتَوَسّط بَين الْقُوَّة الشامة وَذي الرَّائِحَة يتكيف بالرائحة الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب إِلَى أَن يصل إِلَى مَا يجاوره الشامة فتدركها. وَقَالَ بَعضهم سَببه تبخر وانفصال أَجزَاء هوائية من ذِي الرَّائِحَة تخالط تِلْكَ الْأَجْزَاء الْأَجْزَاء الهوائية فيصل أَجزَاء ذِي الرَّائِحَة المخلوطة بالأجزاء الهوائية إِلَى الشامة.
وردبان: الْمسك الْقَلِيل يشم على طول الْأَزْمِنَة وَكَثْرَة الْأَمْكِنَة من غير نُقْصَان فِي وَزنه وَحَجمه فَلَو كَانَ الشم بالتبخر وانفصال الْأَجْزَاء لما أمكن ذَلِك. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن سَبَب الشم فعل ذِي الرَّائِحَة فِي الشامة من غير اسْتِحَالَة فِي الْهَوَاء وَلَا تبخر وانفصال. وَاعْلَم أَن الثدي بِالْفَارِسِيَّةِ (بُسْتَان) والحلمة (سربستان) .
(2/161)

الشَّمْس: هِيَ الْكَوْكَب الْأَعْظَم المضيء النهاري من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة وَهِي فِي الْفلك الرَّابِع. قيل، إِمَّا ضابطة معرفَة أَنَّهَا فِي أَي برج هِيَ فأضعف مَا مضى مَعَك من الشَّهْر الْعَرَبِيّ وزد عَلَيْهِ الْخَمْسَة وألق لكل برج خَمْسَة وابدأ بِالْعدَدِ مَوضِع الْقَمَر بِالْعَكْسِ إِلَى جِهَة الْمغرب. فَإِذا انْتَهَت إِلَى برج فالشمس فِي ذَلِك البرج فَإِن لم يبْق فالشمس فِي أول دَرَجَة ذَلِك البرج. وَإِن بَقِي فالشمس قطعت دَرَجَات بِقدر عدد ذَلِك الْبَاقِي. وَلَا يخفى على المنجم أَن هَذِه الضابطة لَيست بكلية.
(ف (62) وَأَيْضًا فِيهِ بَاب الشين مَعَ النُّون) .
(بَاب الشين مَعَ الْوَاو)

الشوق: اهتياج الْقلب إِلَى لِقَاء المحبوب.
الشواهد: جمع الشَّاهِد وشواهد الْحق فِي حقائق الأكوان فَإِنَّهَا تشهد بالمكون.
شُورَى: مصدر كالفتيا بِمَعْنى التشاور. وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ترك الْخلَافَة شُورَى بَين سِتَّة أَي ذَا شُورَى بِأَن لَا يتفردون بِرَأْي دون رَأْي بِأَن كل أَمر من الْأُمُور الدِّينِيَّة أَو الدُّنْيَوِيَّة إِذا وَقع عنْدكُمْ فلكم أَن تحكموا فِيهِ بعد مشورتكم. وَأُولَئِكَ السِّتَّة هم عُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وزبير وَسعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ثمَّ فوض الْأَمر خمستهم إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مِنْهُم وَرَضوا بِحكمِهِ فَاخْتَارَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَتَابعه بِمحضر من الصَّحَابَة فَبَايعُوهُ وانقادوا لأوامره وصلوا مَعَه الْجمع والأعياد وَقيل معنى جعل الْإِمَامَة شُورَى أَن يتشاوروا فينصبوا وَاحِدًا مِنْهُم وَلَا تتجاوزهم الْإِمَامَة وَلَا النصب وَلَا التَّعْيِين.
(بَاب الشين مَعَ الْهَاء)

الشَّهَادَة: فِي اللُّغَة الْحُضُور. قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَاقِعَة أَي حضرها. وَالشَّاهِد أَيْضا يحضر القَاضِي ومجلس الْوَاقِعَة. وَفِي الشَّرْع الشَّهَادَة إِخْبَار بِحَق الشَّخْص على غَيره عَن مُشَاهدَة الْقَضِيَّة الَّتِي يشْهد بهَا بالتحقيق وَعَن عيان لَا عَن تخمين وحسبان أَي عَن مُعَاينَة تِلْكَ الْقَضِيَّة. وَالْإِشَارَة إِلَيْهَا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا علمت مثل الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع. وَقَوْلهمْ لَا عَن تخمين تَأْكِيد لِمَعْنى الْمُشَاهدَة. وَقَوْلهمْ وحسبان أَي لَا عَن حسبان تَأْكِيد لِمَعْنى العيان. وكتمان الشَّهَادَة وَاجِب عَن إظهارها فِي الْحُدُود لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من ستر على مُسلم ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَوله تَعَالَى {وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه} فِي حُقُوق الْعباد وَالْحُدُود إِنَّمَا هِيَ حُقُوق الله تَعَالَى.
(2/162)

وَفِي الْفَتَاوَى الحمادي من الْخَانِية وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا سمعُوا صَوت امْرَأَة من وَرَاء الْحجاب وَرَأَوا شخصها وَشهد عِنْدهم رجلَانِ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة جَازَ لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَإِن لم يرَوا وَجههَا. وَإِذا لم يرَوا شخصها لَا يحل لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى. وَذكر هُوَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفَتَاوَى عَن نصير بن يحيى أَن ابْنا لمُحَمد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى دخل على أبي سُلَيْمَان الْجِرْجَانِيّ فَسَأَلَهُ أَبُو سُلَيْمَان عَن هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ كَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول لَا يجوز لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهَا حَتَّى يشْهد عِنْده جمَاعَة أَنَّهَا فُلَانَة - وَكَانَ أَبُو يُوسُف وَأَبُو بكر الإسكاف رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُولَانِ بجوازها إِذا شهد عِنْده عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى انْتهى. وَفِي رَوْضَة الْجنان قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تقبل شَهَادَة الْعلمَاء بَعضهم على بعض لِأَن فيهم حسدا.
وَاعْلَم أَنه لَا تجوز الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ إِلَّا فِي النّسَب وَالْمَوْت وَالنِّكَاح.
وَالشَّهَادَة عِنْد الصُّوفِيَّة عَالم الشَّهَادَة وَهُوَ الأفلاك وَمَا فِيهَا من النُّجُوم وَالْكَوَاكِب والعناصر والمواليد يَعْنِي أَن عَالم الشَّهَادَة عِنْدهم قدس الله أسرارهم هُوَ الْأَجْسَام وَيُقَال لَهُ مرتبَة الْحسن أَيْضا.
الشهَاب: بِالْكَسْرِ الْكَوْكَب. وَأَيْضًا شعلة نَار ساطعة فِي اللَّيْل جمعه شهب بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَالْهَاء. وَسبب حُدُوثه أَن الدُّخان إِذا بلغ حيّز النَّار وَكَانَ لطيفا غير مُتَّصِل بِالْأَرْضِ اشتعل فِيهِ النَّار فَانْقَلَبَ إِلَى النارية ويلتهب ويشتعل بِسُرْعَة حَتَّى يرى كالمنطفي. وَإِن اتَّصل الدُّخان بِالْأَرْضِ يشتعل النَّار فِيهِ نازلة إِلَى الأَرْض وَتسَمى تِلْكَ النَّار حريقا كَمَا مر فِي الْحَرِيق.
قَالَ الطوسي فِي شرح الإشارات فِي تَفْصِيل سَبَب الشهَاب أَن الدُّخان الْغَيْر الْمُتَّصِل بِالْأَرْضِ إِذا يصل إِلَى حيّز النَّار يشتعل طرفه العالي أَولا ثمَّ يذهب الاشتعال فِيهِ إِلَى آخِره فَيرى الاشتعال ممتدا على سمت الدُّخان إِلَى طرفه الآخر وَهُوَ الْمُسَمّى بالشهاب فَإِذا صَارَت الْأَجْزَاء الأرضية نَارا صرفة صَارَت غير مرئيه لبساطتها ولطافتها فتعود إِلَى كرتها فنظن أَنَّهَا طفئت وَلَيْسَ ذَلِك بطفوء وَإِن كَانَ غليظا لَا ينطفئ النَّار أَيَّامًا أَو شهورا بِقدر غلظه وَيكون على صُورَة ذوائبة أَو ذَنْب أَو رمح أَو حَيَوَان لَهُ قُرُون. وَحكي أَن بعد الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام بِزَمَان كثير ظهر فِي السَّمَاء نَار مضطربة من جَانب القطب الشمالي وَبقيت السّنة كلهَا وَكَانَت الظلمَة تغشي الْعَالم من تسع سَاعَات من النَّهَار إِلَى اللَّيْل حَتَّى لم يكن أحد يبصر شَيْئا وَكَانَ ينزل من الجو شبه الهشيم والرماد.
الشَّهْوَة: بِالْفَتْح خواهش. وَقَالُوا فِي تحديدها إِن الشَّهْوَة هِيَ الشوق إِلَى طلب أَمر ملائم للطبع أَو حَرَكَة النَّفس طلبا للملائم. وَاعْلَم أَن الشَّهَوَات ثَلَاثَة شَهْوَة الْبَطن
(2/163)

وشهوة الْفرج وشهوة الجاه وَالله تَعَالَى خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه. يَعْنِي يضيع عمره فِي تَحْصِيل شهوات فرجه فَإِن كل حَيَوَان إِذا قصد قَضَاء شَهْوَته يمشي على رجلَيْنِ عِنْد الْمُبَاشرَة وَإِن كَانَ لَهُ أَربع قَوَائِم. وَمِنْهُم من يمشي على أَربع، أَي يضيع عمره فِي طلب الجاه لِأَن أَكثر طالبي الجاه يَمْشُونَ راكبين على مركوب لَهُ أَربع قَوَائِم كالخيل وَالْبِغَال وَالْحمير.
وَالله تبَارك وَتَعَالَى أَشَارَ بقوله {وزين للنَّاس حب الشَّهَوَات} الْآيَة إِلَى أَنه تَعَالَى خلق الْإِنْسَان على ثَلَاث طَبَقَات الْعَوام والخواص وأخص الْخَواص. وَأما الْعَوام فهم أَرْبَاب النُّفُوس فالغالب عَلَيْهِم الْهوى والشهوة. وَأما الْخَواص فهم أَرْبَاب الْقُلُوب وَالْغَالِب عَلَيْهِم الْهدى وَالتَّقوى. وَأما أخص الْخَواص فهم أَرْبَاب الْأَحْوَال وَالْغَالِب عَلَيْهِم الْمحبَّة والشوق وَإِن الله يذكر كل صنف مِنْهُم باسم يُنَاسب أَحْوَالهم فيذكر الْعَوام باسم النَّاس بقوله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس} وَقَوله تَعَالَى {زين للنَّاس حب الشَّهَوَات} وَالنَّاس مُشْتَقّ من النسْيَان. وَيذكر الْخَواص باسم الْمُؤمن كَقَوْلِه تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} وَقَوله تَعَالَى {والمؤمنون كل آمن بِاللَّه} وَيذكر أخص الْخَواص باسم الْوَلِيّ كَقَوْلِه تَعَالَى {إِلَّا أَن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} .
الشُّهُود: روية الْحق بِالْحَقِّ.
الشهامة: الْحِرْص على مُبَاشرَة أُمُور عَظِيمَة تستتبع الذّكر الْجَمِيل.
الشَّهِيد: كل حر مُسلم طَاهِر بَالغ عَاقل قتل ظلما وَلم يجب بقتْله مَال وَلم يرتث وَتَحْقِيق عدم الارتثاث فِي الارتثاث.
الشَّهْر: (بركشيدن شمشير از نيام وماه) . إِن أَخذ الْإِنْسَان شهرا سوى الْمحرم فِي ذهنه وَأَرَدْت أَن تعلمه فَقل لَهُ أَن يَأْخُذ فِي مُقَابلَة كل شهر قبل الشَّهْر الْمَأْخُوذ فِي ذهنك إِلَى الْمحرم ثَلَاثَة أعداد. وَفِي مُقَابلَة كل شهر بعده إِلَيْهِ اثْنَيْنِ واجمعها فاطرح عَن الْمَجْمُوع اثْنَيْنِ وَعشْرين فَيكون مَا بعد الْبَاقِي هُوَ ذَلِك الشَّهْر الْمَأْخُوذ فِي الذِّهْن.
وَفِي كشكول الشَّيْخ بهاء الدّين العاملي فِي اسْتِخْرَاج اسْم الشَّهْر الْمُضمر أَو البرج الْمُضمر مره ليَأْخُذ لكل مَا فَوق الْمُضمر ثَلَاثَة وَله مَعَ مَا تَحْتَهُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ثمَّ يُخْبِرك بالمجموع فَتلقى مِنْهُ (24) أَي أَرْبَعَة وَعشْرين ويعد الْبَاقِي من الْمحرم أَو من الْحمل فَمَا انْتهى إِلَيْهِ فَهُوَ الْمُضمر.
(2/164)

(بَاب الشين مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)

الشَّيْخ: فِي اللُّغَة كثير الْعُمر - وَفِي الِاصْطِلَاح من يَقْتَدِي بِهِ وَإِن كَانَ شَابًّا. وَعند الصُّوفِيَّة الشَّيْخ من كَانَ صَاحب الشَّرِيعَة والطريقة والحقيقة. وَاعْلَم أَن للْإنْسَان سِتَّة أَحْوَال. مَا دَامَ فِي بطن الْأُم يُقَال لَهُ الْجَنِين - ثمَّ يُقَال لَهُ الطِّفْل إِلَى بُلُوغه ثَلَاثِينَ شهرا - ثمَّ الصَّبِي إِلَى الْبلُوغ - ثمَّ الشَّاب إِلَى أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ الكهول إِلَى سِتِّينَ - ثمَّ الشَّيْخ إِلَى مُدَّة الْعُمر - وَالتَّفْصِيل فِي الصَّبِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالُوا إِن الشَّيْخ من يحيى السّنة وَيُمِيت الْبِدْعَة. وَفِي الشَّيْخ خَمْسَة أحرف (الْألف) ألف قلبه بِذكر الله تَعَالَى (اللَّام) لَام نَفسه (الشين) شاع علمه وحلمه (الْيَاء) يحيى السّنة وَيُمِيت الْبِدْعَة - (الْخَاء) خلا قلبه عَن غير الله تَعَالَى.
الشيبانية: طَائِفَة شَيبَان بن سَلمَة قَالُوا بالجبر وَنفي الْقدر.
الشِّيعَة: هم الَّذين شايعوا عليا وَقَالُوا إِنَّه إِمَام بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واعتقدوا أَن الْإِمَامَة لَا تخرج عَنهُ وَعَن أَوْلَاده كَمَا مر فِي الإمامية وهم اثْنَان وَعِشْرُونَ فرقة كَمَا بَين فِي المطولات.
(2/165)

( [حرف الصَّاد] )

(بَاب الصَّاد مَعَ الْألف)

الصاحب: المُرَاد بِهِ فِي المطول وَأَمْثَاله أَبُو الْقَاسِم عباد الملقب بالصاحب أستاذ الإِمَام الْمُحَقق والهمام المدقق الشَّيْخ عبد القاهر رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ الْفَاضِل الجلبي هُوَ إِسْمَاعِيل الْعباد صحب ابْن العميد فِي وزارته.
الصاحبان: أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لِأَنَّهُمَا كَانَا صاحبين أَي شَرِيكَيْنِ فِي الدَّرْس عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
الصابية: فِي الْكَشَّاف هِيَ من صَبأ إِذا خرج عَن دين إِلَى دين وهم قوم عدلوا عَن دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وعبدوا الْمَلَائِكَة.
الصابيون: جمع الصابي وهم الَّذين أَعرضُوا عَن الْأَدْيَان كلهَا وأشركوا بِاللَّه تَعَالَى واختاروا عبَادَة الْمَلَائِكَة أَو الْكَوَاكِب.
الصاعقة: هِيَ الصَّوْت مَعَ الْبَرْق وَقيل هِيَ صَوت الرَّعْد الشَّديد الَّذِي إِذا لحق إنْسَانا فإمَّا أَن يغشى عَلَيْهِ أَو يَمُوت وَسبب حدوثها فِي الرَّعْد.
الصَّالح: الْخَالِص من كل فَسَاد.
الصَّاع: ثَمَانِيَة أَرْطَال والرطل نصف الْمَنّ عشرُون أستارا. والأستار أَرْبَعَة مَثَاقِيل وَنصف مِثْقَال. (وبايد دانست كه هر مِثْقَال جهار ونيم ماهجه است. بس استاريك تولجه وهشت وَربع ماهجه ميشودوبرين حِسَاب صَاع دوصد وهفتاد تولجه شدّ) . وَهَذَا صَاع عراقي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى. والصاع الْحِجَازِي الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَرْبَعَة أَمْدَاد وَالْمدّ رَطْل وَثلث رَطْل. فَيكون الصَّاع عِنْده خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل وَهُوَ بِالْوَزْنِ سِتّ مائَة دِرْهَم وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم. فَافْهَم واحفظ.
الصامتة: فِي المصوتة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(2/166)

(بَاب الصَّاد مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الصَّبْر: بِالْفَتْح ترك الشكوى من ألم الْبلوى لغير الله تَعَالَى لَا إِلَيْهِ تَعَالَى بل لَا بُد للْعَبد إِظْهَار ألمه وعجزه ودعائه تَعَالَى فِي كشف الضّر عَنهُ لِئَلَّا يكون كالمقاومة مَعَ الله تَعَالَى وَدَعوى التَّحَمُّل لمشاقه أَلا ترى أَن أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام شكا إِلَى الله تَعَالَى وَدعَاهُ فِي دفع الضّر عَنهُ بقوله {أَنِّي مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ} - وَمَعَ هَذَا أثنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام بِالصبرِ بقوله تَعَالَى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} فَعلم من هَا هُنَا أَن شكاية العَبْد إِلَيْهِ تَعَالَى وَالدُّعَاء فِي كشف الضّر عَنهُ لَا يقْدَح فِي صبره.
حُكيَ أَن امْرَأَة من أهل الْبَادِيَة نظرت فِي الْمرْآة وَكَانَت حَسَنَة الصُّورَة وَكَانَ زَوجهَا ردي الصُّورَة جدا فَقَالَت لَهُ والمرآة فِي يَدهَا إِنِّي لأرجو أَن ندخل الْجنَّة أَنا وَأَنت فَقَالَ وَكَيف ذَلِك فَقَالَت أما أَنا فلأني ابْتليت بك فَصَبَرت وَأما أَنْت فَلِأَن الله أنعم بِي عَلَيْك فَشَكَرت والصابر والشاكر فِي الْجنَّة تَعَالَى.
وَاعْلَم أَن الصَّبْر مر لَا حُلْو. نعم إِنَّه على صُورَة الصَّبْر بِالْكَسْرِ.
الصّبيان: جمع الصَّبِي قيل هُوَ جَنِين مَا دَامَ فِي بطن أمه. فَإِذا انْفَصل ذكرا فصبي وَيُسمى رجلا كَمَا فِي آيَة الْمَوَارِيث إِلَى الْبلُوغ. فغلام إِلَى تسع عشرَة. فشاب إِلَى أَربع وَثَلَاثِينَ. فكهل إِلَى أحد وَخمسين. فَشَيْخ إِلَى آخر عمره هَكَذَا فِي اللُّغَة. وَفِي الشَّرْع يُسمى غُلَاما إِلَى الْبلُوغ. وَبعده شَابًّا. وفتى إِلَى ثَلَاثِينَ، فكهل إِلَى خمسين، فَشَيْخ، وَإِنَّمَا سمي الصَّبِي صَبيا لِأَنَّهُ يصبو أَي يمِيل إِلَى كل شَيْء لَا سِيمَا الملاعب.
الصُّبْح الصَّادِق: هُوَ الْبيَاض الَّذِي يَبْدُو منتشرا عريضا فِي الْأُفق وَيزِيد فِي النُّور والضياء وَلَا يعقبه الظلام وَلذَا سمي بالصادق. فِي جَوَاهِر الْفَتَاوَى وَذَلِكَ أَي وَقت الصُّبْح سبع اللَّيْل.
(ف (63)) .
الصُّبْح الْكَاذِب: هُوَ الْبيَاض الَّذِي يَبْدُو طولا ثمَّ يعقبه الظلام فَهُوَ يخبر عَن مُضِيّ اللَّيْل وشروع النَّهَار وَلَيْسَ بِحَسب الْوَاقِع كَذَلِك وَلذَا سمي كَاذِبًا وَلَا عِبْرَة بِهِ لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يَغُرنكُمْ الْفجْر المستطيل وَلَكِن كلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يطلع الْفجْر المستطير.
(بَاب الصَّاد مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة)

الصَّحِيح: ضد الْفَاسِد وَالْمَرِيض. وَعند الْفُقَهَاء مَا يكون صَحِيحا بِأَصْلِهِ وَوَصفه
(2/167)

وَفِي اصْطِلَاح الصّرْف الْكَلِمَة الَّتِي لَا يكون فِي مَوضِع حُرُوفه الْأَصْلِيَّة الْفَاء وَالْعين وَاللَّام حرف من حُرُوف الْعلَّة وَلَا همزَة وَلَا تَضْعِيف. وَعند النُّحَاة الْكَلِمَة الَّتِي لَا يكون لامها حرفا من حُرُوف الْعلَّة لِأَن غَرَض النُّحَاة معرفَة أَحْوَال أَوَاخِر الْكَلم من حَيْثُ الْإِعْرَاب وَالْبناء. بِخِلَاف أَصْحَاب الصّرْف فَإِن غرضهم معرفَة جَوَاهِر الْكَلم صِحَة وتغيرا وَيُقَال لَهُ السَّالِم أَيْضا. وَعند أهل الْحساب الصَّحِيح هُوَ الْعدَد الْمُطلق وتعريف الْمُطلق فِي الْمُطلق ويقابله الْكسر وَعند الْأَطِبَّاء الصَّحِيح هُوَ الْحَيَوَان الَّذِي على كَيْفيَّة بدنية تصدر الْأَفْعَال عَنْهَا لذاتها سليمَة أَي لَا تغير فِيهَا.
وَالصَّحِيح: من الحَدِيث الحَدِيث الصَّحِيح.
الصِّحَّة: قَالُوا هِيَ حَالَة أَو ملكة بهَا يصدر الْأَفْعَال عَن موضعهَا سليمَة. وَهِي عِنْد الْفُقَهَاء عبارَة عَن كَون الْفِعْل مسْقطًا للْقَضَاء فِي الْعِبَادَات وسببا لترتب ثمراته مِنْهُ عَلَيْهِ شرعا فِي الْمُعَامَلَات وبإزائه الْبطلَان.
اعْلَم أَن مَا ذكرنَا من تَعْرِيف الصِّحَّة على مَا ذكر ابْن سينا فِي الْفَصْل الأول من القانون يعم أَنْوَاعهَا إِذْ تدخل فِيهِ صِحَة الْإِنْسَان وَسَائِر الْحَيَوَانَات وَصِحَّة النَّبَات أَيْضا إِذا لم يعْتَبر فِيهِ إِلَّا كَون الْفِعْل الصَّادِر عَن الْمَوْضُوع سليما فالنبات إِذا صدر عَنهُ أَفعاله من الجذب والهضم والتغذية والتنمينة واليبوسة والتوليد سليمَة وَجب أَن يكون صَحِيحا. وَرُبمَا يخص الصِّحَّة بِالْحَيَوَانِ أَو بالإنسان فتعرف بِحَسب الْمُعَرّف وَإِنَّمَا ذكر الشَّيْخ الرئيس ملكة أَو حَالَة وَلم يكتف بِذكر إِحْدَاهمَا تَنْبِيها على أَن الصِّحَّة قد تكون راسخة وَقد لَا تكون. وَقد يُرَاد بِالصِّحَّةِ الْإِمْكَان أَي عدم ضَرُورَة الْوُجُود والعدم فَهِيَ حِينَئِذٍ عدمية. فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك سِيمَا فِي علم الْكَلَام فِي مَبْحَث الروية.
الصحو: رُجُوع إِلَى الإحساس بعد غيبته وَزَوَال إحساسه.
الصَّحَابِيّ: من رأى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وطالت صحبته مَعَه وَإِن لم يرو عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل وَإِن لم يطلّ وَلَكِن الْإِيمَان وَالْمَوْت عَلَيْهِ شَرط بالِاتِّفَاقِ.
(بَاب الصَّاد مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الصَّدَقَة: تمْلِيك الْعين بِلَا عوض ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى. والإعطاء للْفُقَرَاء صَدَقَة وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْهِبَة وللأغنياء هبة وَإِن كَانَ بِلَفْظ الصَّدَقَة على رِوَايَة الْجَامِع الصَّغِير حَيْثُ جعل كل وَاحِد من الصَّدَقَة وَالْهِبَة مجَازًا عَن الآخر حَيْثُ جعل الْهِبَة للْفَقِير صَدَقَة وَالصَّدَََقَة على الغنيين هبة لِأَنَّهَا تحْتَمل التودد والتحبب والعوض فَلَا تتمحض صَدَقَة. وَفرق بَين الْهِبَة وَالصَّدَََقَة فِي الحكم وَهُوَ جَوَاز الشُّيُوع فِي الصَّدَقَة وَعدم جَوَازه فِي الْهِبَة حَيْثُ جَازَ صَدَقَة عشرَة دَرَاهِم على اثْنَيْنِ وَلم يجز هبتها عَلَيْهِمَا. وَالْجَامِع بَينهمَا تمْلِيك
(2/168)

الْعين بِلَا عوض فجازت الِاسْتِعَارَة وعَلى هَذِه الرِّوَايَة وَقع فِي كنز الدقائق وَصَحَّ تصدق عشرَة وهبتها لفقيرين لَا لغَنِيَّيْنِ فَإِن صَدَقَة الْمشَاع جَائِز عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى دون الْهِبَة.
وَوجه الْفرق أَن الصَّدَقَة يكون ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى فيراد بهَا الْوَاحِد عز وَجل شَأْنه وبرهانه تَعَالَى فَتَقَع فِي يَده تَعَالَى أَولا ثمَّ فِي يَد الْفَقِير لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصَّدَقَة تقع فِي كف الرَّحْمَن قبل أَن تقع فِي كف الْفَقِير. وَالله تَعَالَى وَاحِد فَلَا شيوع فالفقير نَائِب عَنهُ تَعَالَى وَكَذَا الفقيران والفقراء. وَالْهِبَة يُرَاد بهَا وَجه الْغَنِيّ ويبتغي مِنْهَا التودد والتحبب والعوض أَي يقْصد بِالْهبةِ الْمَوْهُوب لَهُ لأجل تودده وتحببه أَو ليعطي عوض هِبته وَلِهَذَا صَحَّ الرُّجُوع فِي الْهِبَة دون الصَّدَقَة وبتعدد الْمَوْهُوب لَهُ مَا يصير هبة الْمشَاع فَإِذا تصدق عشرَة دَرَاهِم لغَنِيَّيْنِ لَا يجوز لِأَن هَذِه الصَّدَقَة هبة فِي حَقّهمَا لما مر وهما اثْنَان وَهبة الْمشَاع لَا تجوز وَقَالا تجوز لغَنِيَّيْنِ أَيْضا. وَأما على رِوَايَة الأَصْل فالصدقة كَالْهِبَةِ فَلَا تصح إِلَّا بِالْقَبْضِ وَلَا فِي مشَاع يحْتَمل الْقِسْمَة وَلَكِن لَا يَصح الرُّجُوع فِيهَا كَمَا يجوز فِي الْهِبَة. وَقد تطلق الصَّدَقَة على الزَّكَاة اقْتِدَاء بقوله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} وَإِنَّمَا سميت بهَا لدلالتها على صدق العَبْد فِي الْعُبُودِيَّة.
صَدَقَة الْفطر: فِي الْفطْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الصدْق: فِي اللُّغَة (راستي) وَخلاف الْكَذِب. وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب التصوف الصدْق قَول الْحق فِي مَوَاطِن الْهَلَاك. وَقيل هُوَ إِن تصدق فِي مَوضِع لَا ينجيك عَنهُ إِلَّا الْكَذِب. وَقَالَ الْقشيرِي رَحمَه الله الصدْق أَن لَا يكون فِي أحوالك شوب وَلَا فِي اعتقادك ريب وَلَا فِي أعمالك عيب.
ثمَّ اعْلَم أَن الصدْق يُطلق على ثَلَاثَة معَان الأول الْحمل فَيُقَال هَذَا صَادِق عَلَيْهِ أَي مَحْمُول عَلَيْهِ وَالثَّانِي التحقق كَمَا يُقَال هَذَا صَادِق فِيهِ أَي مُتَحَقق وَالثَّالِث مَا يُقَابل الْكَذِب. وَفِي تعريفيهما اخْتِلَاف فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن صدق الْخَبَر مُطَابقَة الحكم للْوَاقِع وَكذب الْخَبَر عدم مُطَابقَة الحكم لَهُ. وَالْمرَاد بالواقع الْخَارِج وَالْخَارِج هَا هُنَا بِمَعْنى نفس الْأَمر فَالْمَعْنى أَن صدق الْخَبَر مُطَابقَة حكمه للنسبة الخارجية أَي نفس الأمرية وَكذبه عدم تِلْكَ الْمُطَابقَة. فَالْمُرَاد بالخارج فِي النِّسْبَة الخارجية نفس الْأَمر لَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول أَن المُرَاد بِهِ مَا يرادف الْأَعْيَان. وَمعنى كَون النِّسْبَة خارجية أَن الْخَارِج ظرف لنَفسهَا لَا لوجودها حَتَّى يرد أَن النِّسْبَة لكَونهَا من الْأُمُور الاعتبارية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج فَلَا يَصح توصيفها بالخارجية فَهِيَ كالوجود الْخَارِجِي فَإِن مَعْنَاهُ أَن الْخَارِج ظرف لنَفس الْوُجُود لَا لوُجُوده
(2/169)

فَهِيَ أَمر خارجي لَا مَوْجُود خارجي كَمَا أَن الْوُجُود أَمر خارجي لَا مَوْجُود خارجي وَإِنَّمَا تركنَا هَذِه الْإِرَادَة لِأَنَّهَا لَا تجْرِي فِي النِّسْبَة الَّتِي أطرافها أُمُور ذهنية فَإِن الْخَارِج لَيْسَ ظرفا لأطرافها فضلا عَن أَن يكون ظرفا لَهَا فَيلْزم أَن لَا يكون الْأَخْبَار الدَّالَّة على تِلْكَ النِّسْبَة مَوْصُوفَة بِالصّدقِ لعدم الْخَارِج لمدلولاتها فضلا عَن الْمُطَابقَة فالخارج فِي النِّسْبَة الخارجية بِمَعْنى نفس الْأَمر.
وَلَا يذهب عَلَيْك أَن الْخَارِج فِي قَوْلهم النِّسْبَة لَيست خارجية مَا يرادف الْأَعْيَان لَا بِمَعْنى نفس الْأَمر لِأَن النّسَب مَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر. فَمَعْنَى أَن النِّسْبَة خارجية أَن الْخَارِج بِمَعْنى نفس الْأَمر ظرف لنَفسهَا. وَمعنى قَوْلهم النِّسْبَة لَيست خارجية أَن الْخَارِج بِمَعْنى الْأَعْيَان لَيْسَ ظرفا لوجودها هَذَا هُوَ التَّحْقِيق الْحقيق فِي هَذَا الْمقَام.
وَالْخَبَر عِنْدهم منحصر فِي الصَّادِق والكاذب. وَعند النظام من الْمُعْتَزلَة وَمن تَابعه صدق الْخَبَر عبارَة عَن مُطَابقَة حكم الْخَبَر لاعتقاد الْمخبر سَوَاء كَانَ ذَلِك الِاعْتِقَاد مطابقا للْوَاقِع أَو لَا. وَكذب الْخَبَر عدم مُطَابقَة حكمه لاعتقاد الْمخبر سَوَاء كَانَ مطابقا للْوَاقِع أَو لَا. وَالْمرَاد بالاعتقاد الحكم الذهْنِي الْجَازِم أَو الرَّاجِح فَيشْمَل الْيَقِين واعتقاد الْمُقَلّد وَالظَّن. وَهُوَ أَيْضا يَقُول بانحصار الْخَبَر فِي الصدْق وَالْكذب وَلَكِن لَا يخفى على المتدرب أَنه يلْزم أَن لَا يكون الْمَشْكُوك على مذْهبه صَادِقا وَلَا كَاذِبًا لِأَن الشَّك عبارَة عَن تَسَاوِي الطَّرفَيْنِ والتردد فيهمَا من غير تَرْجِيح فَلَيْسَ فِيهِ اعْتِقَاد وَلَا جازم وَلَا رَاجِح فَلَا يكون صَادِقا وَلَا كَاذِبًا فَيلْزم من بَيَانه مَا لَا يَقُول بِهِ. والجاحظ من الْمُعْتَزلَة أنكر انحصار الْخَبَر فِي الصدْق وَالْكذب لِأَنَّهُ يَقُول إِن صدق الْخَبَر مُطَابقَة حكمه للْوَاقِع والاعتقاد جَمِيعًا وَالْكذب عدم مطابقته لَهما مَعَ الِاعْتِقَاد بِأَنَّهُ غير مُطَابق وَالْخَبَر الَّذِي لَا يكون كَذَلِك لَيْسَ بصادق وَلَا كَاذِب عِنْده وَهُوَ الْوَاسِطَة بَينهمَا.
وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَن غَرَضه ان الْخَبَر إِمَّا مُطَابق للْوَاقِع أَو لَا وكل مِنْهُمَا إِمَّا مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق أَو اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق أَو بِدُونِ ذَلِك الِاعْتِقَاد فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام. وَاحِد مِنْهَا صَادِق وَهُوَ المطابق للْوَاقِع مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق. وَوَاحِد كَاذِب وَهُوَ غير المطابق لَهُ مَعَ اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق. وَالْبَاقِي لَيْسَ بصادق وَلَا كَاذِب. فَفِي الصدْق وَالْكذب ثَلَاثَة مَذَاهِب. مَذْهَب الْجُمْهُور، وَمذهب النظام، وَمذهب الجاحظ وَاتَّفَقُوا على انحصار الْخَبَر فِي الصَّادِق والكاذب خلافًا للجاحظ. وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن النظام تمسك بقوله تَعَالَى {إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم أَنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ} فَإِنَّهُ تَعَالَى حكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم كاذبون فِي قَوْلهم إِنَّك لرَسُول الله مَعَ أَنه مُطَابق للْوَاقِع فَلَو كَانَ الصدْق عبارَة عَن مُطَابقَة الْخَبَر للْوَاقِع لما صَحَّ هَذَا.
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن التَّكْذِيب رَاجع إِلَى قَوْلهم إِنَّك لرَسُول الله بِسَنَدَيْنِ
(2/170)

أَحدهمَا أَنه لم لَا يجوز أَن يكون رَاجعا إِلَى الْخَبَر الْكَاذِب الَّذِي تضمنه قَوْلهم نشْهد وَهُوَ أَن شهادتنا هَذِه من صميم الْقلب وخلوص الِاعْتِقَاد وَلَا شكّ أَن هَذَا الْخَبَر غير مُطَابق للْوَاقِع لكَوْنهم الْمُنَافِقين الَّذين يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم. اللَّهُمَّ احفظنا من شرور أَنْفُسنَا وأنفسهم.
وَالثَّانِي أَنه لم لَا يجوز أَن يكون التَّكْذِيب رَاجعا إِلَى الْخَبَر الْكَاذِب الَّذِي تضمنه قَوْلهم نشْهد أَيْضا لكنه هَا هُنَا هُوَ أَن أخبارنا هَذَا شَهَادَة مَعَ مواطأة الْقلب وموافقته - وَإِن سلمنَا أَن التَّكْذِيب رَاجع إِلَى قَوْلهم إِنَّك لرَسُول الله لَكنا نقُول إِنَّه رَاجع إِلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنه مُخَالف للْوَاقِع فِي اعْتِقَادهم لَا لِأَنَّهُ مُخَالف لاعتقادهم حَتَّى ثَبت مَا ادَّعَاهُ النظام.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن التَّكْذِيب لَيْسَ براجع إِلَى نشْهد لِأَنَّهُ إنْشَاء - والصدق وَالْكذب من أَوْصَاف الْأَخْبَار لَا غير وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّه رَاجع إِلَى الْخَبَر الَّذِي تضمنه نشْهد فَافْهَم. وَالْجَوَاب القالع لأصل التَّمَسُّك أَن التَّكْذِيب رَاجع إِلَى حلف الْمُنَافِقين وزعمهم أَنهم لم يَقُولُوا لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا من حوله. كَمَا يشْهد بِهِ شَأْن النُّزُول لما ذكر فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن زيد بن أَرقم أَنه قَالَ كنت فِي غزَاة فَسمِعت عبد الله بن أبي ابْن سلول يَقُول لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا من حوله وَلَو رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. فَذكرت ذَلِك لِعَمِّي فَذكره للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فدعاني فَحَدَّثته فَأرْسل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه فَحَلَفُوا أَنهم مَا قَالُوا فَكَذبنِي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَصدقه فَأَصَابَنِي هم لم يُصِبْنِي مثله قطّ فَجَلَست فِي الْبَيْت فَقَالَ لي عمي مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومقتك فَأنْزل الله {إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ} الْآيَة فَبعث إِلَيّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَرَأَ فَقَالَ إِن الله صدقك يَا زيد انْتهى. اعْلَم أَن قَوْلهم لَا تنفقوا خطاب للْأَنْصَار أَي لَا تنفقوا على فُقَرَاء الْمُهَاجِرين حَتَّى يَنْفضوا أَي يتفرقوا وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا نَازع أَنْصَارِيًّا فِي بعض الْغَزَوَات على مَاء فَضرب الْأَعرَابِي رَأسه بخشبة فَشَكا إِلَى ابْن أبي فَقَالَ {لَا تنفقوا} الْآيَة ثمَّ قَالَ وَلَو رَجعْنَا من عِنْده أَي من الْمَكَان الَّذِي فِيهِ مُحَمَّد الْآن إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل - أَرَادَ ذَلِك الْأَذَل بالأعز نَفسه وَبِالْأَذَلِّ جناب الرسَالَة الْأَعَز نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الجاحظ أَيْضا بَاطِل لِأَنَّهُ تمسك بقوله تَعَالَى {افترى على الله كذبا أم بِهِ جنَّة} بِأَن الْكفَّار حصروا أَخْبَار النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بالحشر والنشر فِي الافتراء وَالْأَخْبَار حَال الْجُنُون وَلَا شكّ أَنهم أَرَادوا بالأخبار حَال الْجُنُون غير الْكَذِب لأَنهم جعلُوا هَذَا الْأَخْبَار قسيم الْكَذِب إِذْ الْمَعْنى أكذب أم أخبر حَال الْجنَّة. وقسيم الشَّيْء يحب أَن يكون غَيره فَثَبت أَن هَذَا الْأَخْبَار غير الْكَذِب. وَأَيْضًا غير الصدْق عِنْدهم لأَنهم لم يُرِيدُوا بِهِ الصدْق لأَنهم لم يعتقدوا صدقه فَكيف يُرِيدُونَ صدقه. -
(2/171)

وَالْجَوَاب أَن هَذَا التَّمَسُّك مَرْدُود. أما أَولا فَلِأَن هَذَا الترديد إِنَّمَا هُوَ بَين مُجَرّد الْكَذِب وَالْكذب مَعَ شناعة أُخْرَى. وَأما ثَانِيًا فَلِأَن هَذَا الترديد بَين الافتراء وَعَدَمه يَعْنِي افترى على الله كذبا أم لم يفتر لكِنهمْ عبروا عَن عدم الافتراء بِالْجنَّةِ لِأَن الْمَجْنُون يلْزمه أَن لَا افتراء لَهُ لِأَن الافتراء بِشَهَادَة أَئِمَّة اللُّغَة وَاسْتِعْمَال الْعَرَب عبارَة عَن الْكَذِب عَن عمد وَلَا عمد للمجنون فَذكرُوا الْمَلْزُوم وَأَرَادُوا اللَّازِم فَالثَّانِي أَعنِي أم بِهِ جنَّة لَيْسَ قسيما للكذب بل هُوَ قسيم لما هُوَ أخص من الْكَذِب أَعنِي الافتراء فَيكون هَذَا حصرا للْخَبَر الْكَاذِب فِي نوعيه أَعنِي الْكَذِب من عمد وَالْكذب لَا عَن عمد.
وَاعْلَم إِن افترى بِفَتْح الْهمزَة أَصله افترى بهمزتين أَولهمَا استفهامية مَفْتُوحَة وَالثَّانيَِة همزَة وصل مَكْسُورَة حذفت الثَّانِيَة للتَّخْفِيف وأبقيت الأولى لِأَنَّهَا عَلامَة الِاسْتِفْهَام بِخِلَاف الثَّانِيَة فَإِنَّهَا همزَة الْوَصْل. وَقد يُطلق الصدْق على الْخَبَر المطابق للْوَاقِع وَالْكذب على الْخَبَر الْغَيْر المطابق لَهُ. فَإِن قلت، إِن احْتِمَال الصدْق وَالْكذب من خَواص الْخَبَر أم يجْرِي فِي غَيره أَيْضا من المركبات، قلت لَا يجْرِي ذَلِك فِي الِاحْتِمَال فِي المركبات الإنشائية بالِاتِّفَاقِ.
وَأما فِي غَيرهَا فَعِنْدَ الْجُمْهُور أَنه من خَواص الْخَبَر لَا يجْرِي فِي غَيره من المركبات التقييدية وَذكر صدر الشَّرِيعَة رَحمَه الله أَنه يجْرِي فِي الْأَخْبَار والمركبات التقييدية جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَا فرق بَين النِّسْبَة فِي الْمركب الإخباري والتقييدي إِلَّا بالتعبير عَنْهَا بِكَلَام تَامّ فِي الْمركب الإخباري كَقَوْلِنَا زيد إِنْسَان أَو فرس. وبكلام غير تَامّ فِي الْمركب التقييدي كَمَا فِي قَوْلنَا يَا زيد الْإِنْسَان أَو الْفرس وأيا مَا كَانَ فالمركب إِمَّا مُطَابق فَيكون صَادِقا أَو غير مُطَابق فَيكون كَاذِبًا فيا زيد الْإِنْسَان صَادِق وَيَا زيد الْفرس كَاذِب وَيَا زيد الْفَاضِل مُحْتَمل. وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور بِالنَّقْلِ وَالْعقل. أما الأول فَمَا ذكره الشَّيْخ عبد القاهر رَحمَه الله تَعَالَى أَن الصدْق وَالْكذب إِنَّمَا يتوجهان إِلَى مَا قصد الْمُتَكَلّم إثْبَاته أَو نَفْيه وَالنِّسْبَة التقييدية لَيست كَذَلِك. وَأما الثَّانِي فَإِن احْتِمَال الصدْق وَالْكذب إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي النِّسْبَة المجهولة وَعلم الْمُخَاطب بِالنِّسْبَةِ فِي الْمركب التقييدي دون الإخباري وَاجِب بِالْإِجْمَاع.
(ف (64)) .
صدق الْمُشْتَقّ على شَيْء يسْتَلْزم ثُبُوت مَأْخَذ الِاشْتِقَاق لَهُ: لِأَن لفظ الْمُشْتَقّ مَوْضُوع بِإِزَاءِ ذَات مَا مَوْصُوف بمأخذ الِاشْتِقَاق فَلهَذَا صَار حمل الِاشْتِقَاق فِي قُوَّة حمل التَّرْكِيب أَعنِي حمل هُوَ ذُو هُوَ. وَالْجَوَاب عَن المغالطة بِالْمَاءِ المشمس وَالْإِمَام الْحداد وأضح بِأَدْنَى تَأمل. فَإِن مَأْخَذ المشمس هُوَ التشميس الَّذِي هُوَ مصدر مَجْهُول من التفعيل لَا الشَّمْس والحداد الَّذِي بِمَعْنى صانع الْحَدِيد مأخذه مَا هُوَ بِمَعْنى صنع الْحَدِيد لَا الْحَدِيد بِمَعْنى (آهن) مَعَ أَن الْكَلَام فِي الْمُشْتَقّ الْحَقِيقِيّ لَا الصناعي.
(2/172)

وَتَقْرِير المغالطة أَن المشمس مُشْتَقّ صَادِق على المَاء ومأخذه وَهُوَ الشَّمْس لَيْسَ بِثَابِت لَهُ وَكَذَا الْحداد مُشْتَقّ يصدق على ذَات مَا وَلَا يَتَّصِف بمأخذه وَهُوَ الْحَدِيد.
صدق الْمُشْتَقّ على مَا يصدق عَلَيْهِ الْمُشْتَقّ الآخر لَا يسْتَلْزم صدق المبدأ على المبدأ: فَإِن الضاحك والمتعجب يصدقان على الْإِنْسَان وَلَا يصدق الضحك على التَّعَجُّب. نعم إِذا كَانَ بَين المبدئين ترادف واتحاد فِي الْمَفْهُوم يسْتَلْزم الصدْق الأول الصدْق الثَّانِي كالتفسير والتبيين أَو كَانَ أحد المشتقين بِمَنْزِلَة الْجِنْس للْآخر كالمتحرك والماشي فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال الْمَشْي حَرَكَة مَخْصُوصَة فَافْهَم.
الصّديق: هُوَ الَّذِي لم يدع شَيْئا مِمَّا أظهره بِاللِّسَانِ إِلَّا حَقَّقَهُ بِقَلْبِه وَعَمله.
الصَّدْر: مَا يُقَابل الظّهْر يَعْنِي سينه - وَفِي الْعرُوض هُوَ أول جُزْء من المصراع الأول من الْبَيْت. والصدور فِي دِيَارنَا من قَرَّرَهُ السُّلْطَان لعرض أَحْوَال الْفُقَرَاء وَالْعُلَمَاء والقضاة والمحتسبين والمفتين وأرباب المعاش والاستحقاق من السادات والمحتاجين واستفسار الْأَحْيَاء والأموات مِنْهُم وتصحيحهم وَرفع التغلب فِيمَا بَينهم وَعرض قلَّة معاشهم وَتَقْرِير وظائفهم وإنجاح مرامهم وَقَضَاء حوائجهم وتتميم كفافهم.
أَيهَا الإخوان أحذركم من تعهد هَذِه الْعهْدَة فِي هَذَا الزَّمَان فَإِنَّهَا أرفع مَكَانا وَأَعْلَى منزلَة وَأعظم مقَاما ومرتبة وأيسر طرق الْوُصُول إِلَى الْجنان وأسهل مسالك إِلَى رِضَاء الرَّحْمَن لَو صدر من الصَّدْر مَا هُوَ متعهد بِهِ من رِعَايَة المخاديم وإعانة الْفُقَرَاء والفضلاء والترحم على الضُّعَفَاء واليتامى وَإِقَامَة الْأَبْنَاء مقَام الْآبَاء وَإِعْطَاء إرثهم وَمنع أعدائهم عَن إيذائهم وَعرض أَحْوَالهم لَدَى السُّلْطَان وَإِلَّا فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ وَهَؤُلَاء المذكورون يدعونَ فِي حَضرته تَعَالَى غدوا وعشيا لبَقَاء صدارة الصَّدْر وحياته كَيْلا يقوم آخر مقَامه بعد وَفَاته فيقعون فِي الْحَرج - نعم الْقَائِل:
(صدر كردى وبادشاه كردى ... براميران وقاضيان رسم است)

اللَّهُمَّ وفْق صُدُور هَذَا الزَّمَان. لما يرضى بِهِ الْملك المنان، وقضاة هَذَا الدوران بالقناعة واسترضاء الرَّحْمَن، والتحاشي عَن الارتشاء وَترك مَا يخَاف بِهِ على الْإِيمَان، سِيمَا هَذَا القَاضِي العَاصِي من بني عُثْمَان.
الصدى: اعْلَم أَن الْهَوَاء المتموج الْحَامِل للصوت إِذا صادم جسما أملس كجبل أَو جِدَار وَرجع ذَلِك الْهَوَاء المصادم بهيئته الْقَهْقَرَى فَيحدث فِي الْهَوَاء المصادم الرَّاجِع
(2/173)

صَوت شَبيه بِالْأولِ وَهُوَ الصدى المسموع بعد الصَّوْت الأول على تفَاوت قرب بِحَسب قرب الْمقَام وَبعده.
(بَاب الصَّاد مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الصّرْف: بِالْكَسْرِ الْخَالِص وبالفتح (كردانيدن جيزى از حَالي بحالي) - وَالرَّدّ وَالرَّفْع وَالْفضل وَالزِّيَادَة. وَمِنْه الِاسْم الْمُتَصَرف لاشْتِمَاله على زِيَادَة التَّنْوِين على الْإِعْرَاب.
وَعلم الصّرْف علم بأصول يعرف بهَا أَحْوَال الْكَلِمَة الْعَرَبيَّة صِحَة وإعلالا. وَفِي الْفِقْه الصّرْف بَين بعض الْأَثْمَان بِبَعْض وَالثمن هُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَعند النُّحَاة صرف الِاسْم عبارَة عَن تمكنه أَي عدم مشابهته الْفِعْل.
الصِّرَاط: الطَّرِيق مُسْتَقِيمًا كَانَ أَو غَيره والجسر الْمَمْدُود على متن جَهَنَّم أدق من الشّعْر وَأحد من السَّيْف يعبره أهل الْجنَّة على حسب أَعْمَالهم مِنْهُم كالبرق الخاطف وَمِنْهُم كَالرِّيحِ الهابة وَمِنْهُم كالجواد إِلَى غير ذَلِك مِمَّا ورد فِي الحَدِيث وتزل بالعبور عَلَيْهِ أَقْدَام أهل النَّار.
الصَّرِيح: فعيل بِمَعْنى فَاعل من صرح يُصَرح صَرَاحَة وصروحة إِذا خلص أَو انْكَشَفَ. وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُول مَا ظهر المُرَاد مِنْهُ ظهورا تَاما بِسَبَب كَثْرَة الِاسْتِعْمَال حَقِيقَة كَانَ أَو مجَازًا مثل بِعْت واشتريت ووهبت فَإِن هَذِه الْأَلْفَاظ لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا أُقِيمَت مقَام مَعْنَاهَا بِخِلَاف النَّص فَإِنَّهُ لَا حَاجَة فِيهِ إِلَى انضمام كَثْرَة الِاسْتِعْمَال إِلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن المُرَاد بالموصول الْكَلَام. وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم الصَّرِيح اسْم لكَلَام مَكْشُوف المُرَاد مِنْهُ بِسَبَب كَثْرَة الِاسْتِعْمَال حَقِيقَة أَو مجَازًا - وَقَوْلهمْ ظهورا تَاما. احْتِرَاز عَن الظَّاهِر إِذْ الظُّهُور فِيهِ لَيْسَ بتام لبَقَاء الِاحْتِمَال. وَقَوْلهمْ بِالِاسْتِعْمَالِ، عَن النَّص والمفسر لِأَن ظهورهما بِقَرِينَة لفظية لَا بِالِاسْتِعْمَالِ وَإِنَّمَا سمي ذَلِك الْكَلَام بِالصَّرِيحِ لخلوصه عَن محتملاته فِي الْعرف.
صرف الْقُدْرَة: هُوَ الَّذِي يُفَسر بِهِ الْكسْب وَصرف العَبْد قدرته عبارَة عَن جعل العَبْد قدرته مُتَعَلقَة بصدور الْفِعْل وَهَذَا الصّرْف يحصل بِسَبَب تعلق إِرَادَة العَبْد بِالْفِعْلِ لَا بِمَعْنى أَنه سَبَب مُؤثر فِي حُصُول ذَلِك الصّرْف إِذْ لَا مُؤثر إِلَّا الله تَعَالَى بل بِمَعْنى أَن تعلق الْإِرَادَة يصير سَببا عاديا لِأَن يخلق الله تَعَالَى فِي العَبْد قدرَة مُتَعَلقَة بِالْفِعْلِ بِحَيْثُ لَو كَانَت مُسْتَقلَّة فِي التَّأْثِير لَا وجد الْفِعْل.
(2/174)

وَمن هَا هُنَا علم أَن صرف الْقُدْرَة عبارَة عَن الْجعل الْمَذْكُور وَإِن صرف الْقُدْرَة مغائر لصرف الْإِرَادَة. وَقيل إِن صرف الْقُدْرَة عبارَة عَن قصد اسْتِعْمَالهَا وَذَلِكَ الْقَصْد غير صرف الْإِرَادَة الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْقَصْد الَّذِي تحدث عِنْده الْقُدْرَة كَمَا قَالُوا فِي بَيَان الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل من أَن الْقُدْرَة صفة يخلقها الله تَعَالَى عِنْد قصد اكْتِسَاب الْفِعْل وَهَذَا الْقَائِل اسْتدلَّ على الْمُغَايرَة بَينهمَا بِأَن صرف الْقُدْرَة مُتَأَخّر بِالذَّاتِ عَن وجودهَا لِأَن قصد اسْتِعْمَالهَا فرع كَونهَا مَوْجُودَة وَوُجُود الْقُدْرَة مُتَأَخّر بِالذَّاتِ عَن قصد الِاكْتِسَاب لِأَنَّهُ سَبَب عادي لخلق الْقُدْرَة والمتقدم غير الْمُتَأَخر إِذْ لَو كَانَ عينه لزم تقدم الشَّيْء على نَفسه. وَلَا يخفى أَن مَا ذكره صَاحب القيل من معنى صرف الْقُدْرَة ومغايرته لصرف الْإِرَادَة لَيْسَ بِصَحِيح - أما عدم صِحَة كَون صرف الْقُدْرَة بِمَعْنى قصد اسْتِعْمَالهَا فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يُوجد الْقُدْرَة فِي العَبْد وَلَا يكون مُسْتَعْملا لِأَن اسْتِعْمَالهَا مَوْقُوف على وفاسق وَقد يسْتَعْمل مرادفا للنعت الْمَذْكُور فِي مَحَله. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وَاعْلَم أَن الْمحل إِذا كَانَ وَاحِدًا من جَمِيع الْجِهَات تكون صِفَاته المتعددة متنوعة ضَرُورَة أَن اخْتِلَاف أشخاص نوع وَاحِد من الصِّفَات إِنَّمَا هُوَ باخْتلَاف الْمحَال والمفروض أَن الْمحل وَاحِد من جَمِيع الْجِهَات. وَقد يُرَاد بِصفة الشَّيْء مَا هُوَ دَاخل فِيهِ وركنه أَلا ترى أَن صَاحب كنز الدقائق قَالَ بَاب صفة الصَّلَاة وَذكر فِيهِ التَّحْرِيمَة وَالْقِيَام وَالْقِرَاءَة وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ دَاخل فِي الصَّلَاة. وَالْفرق بَين شُرُوط الصَّلَاة وصفاتها مَعَ أَنَّهَا مَوْقُوفَة عَلَيْهِمَا أَن شُرُوطهَا خَارِجَة عَنْهَا وصفاتها داخلية فِيهَا. فَإِن قيل إِن التَّحْرِيمَة خَارِجَة عَنْهَا، قُلْنَا نعم، لَكِن إِنَّمَا عدت التَّحْرِيمَة من فَرَائض الصَّلَاة أَي صفاتها وأركانها لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالأركان فألحقت بهَا على أَنَّهَا عِنْد بعض أَصْحَابنَا دَاخِلَة فِيهَا وركن من أَرْكَانهَا حَقِيقَة فَافْهَم واحفظ.
الصِّفَات النفسية: فِي تَعْرِيفهَا اخْتِلَاف، قَالَ الْقَائِلُونَ بِالْحَال كَالْقَاضِي الباقلاني وَأَتْبَاعه مَا لَا يَصح ارتفاعه مَعَ بَقَاء الذَّات ككونها جوهرا أَو مَوْجُودا ويقابلها المعنوية. قَالَ الجبائي وَأَصْحَابه من الْمُعْتَزلَة هِيَ مَا يَقع بِهِ التَّمَاثُل بَين المتماثلين
(2/175)

والتخالف بَين المتخالفين كالسوادية والبياضية وَتسَمى الصِّفَات النفسية بِصِفَات الْأَجْنَاس، وَعند الأشاعرة النافين للْحَال الصّفة النفسية هِيَ الَّتِي تدل على الذَّات دون معنى زَائِد عَلَيْهَا ككونها جوهرا أَو مَوْجُودا أَو ذاتا أَو شَيْئا وَقد يُقَال هِيَ مَا لَا يحْتَاج وصف الذَّات بِهِ إِلَى تعقل أَمر زَائِد عَلَيْهَا. ومآل العبارتين وَاحِد. ويقابلها الصّفة المعنوية وَهِي الَّتِي تدل على زَائِد على الذَّات كالتحيز وَهُوَ الْحُصُول فِي الْمَكَان. وَلَا شكّ أَنه صفة زَائِدَة على ذَات الْجَوْهَر وكالحدوث إِذْ مَعْنَاهُ كَون وجوده مَسْبُوقا بِالْعدمِ عِنْدهم وَهُوَ أَيْضا معنى زَائِد على ذَات الْحَادِث كَذَا فِي شرح المواقف.
الصفير: (بانكك وآواز مُطلق وآوازى كه براي مرغان خُصُوص كبوتران كنند) وحروف الصفير مَا يصفر بهَا وَهِي الصَّاد وَالزَّاي وَالسِّين فَإنَّك إِذا وقفت على قَوْلك - اص - از - اس - سَمِعت صَوتا يشبه الصفير لِأَنَّهَا تخرج من بَين الثنايا وطرف اللِّسَان فينحصر الصَّوْت هُنَاكَ وَيَأْتِي كالصفير.
الصّفة المشبهة: أَي باسم الْفَاعِل فِي كَونهَا بِمَعْنَاهُ لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِاعْتِبَار الْحُدُوث والثبوت، وَقيل، فِي كَونهَا تثنى وَتجمع وتذكر وتؤنث مثل اسْم الْفَاعِل. وَيرد عَلَيْهِ أَنه مَا وَجه تَخْصِيص مشابهتها باسم الْفَاعِل فَإِنَّهَا مثل اسْم الْمَفْعُول أَيْضا فِي الْأُمُور الْمَذْكُورَة كَمَا لَا يخفى. وَهِي فِي اصْطِلَاح النُّحَاة اسْم اشتق من مصدر أَي حدث لَازم مَوْضُوع لمن قَامَ بِهِ ذَلِك الْحَدث على معنى الثُّبُوت وَالْمرَاد بِقِيَام الْحَدث بِذَات مَا بِمَعْنى ثُبُوت أَنه متصف بِهِ من غير أَن يكون ذَلِك الاتصاف مُقَيّدا بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة بِخِلَاف اسْم الْفَاعِل الْمُشْتَقّ من الْمصدر اللَّازِم فَإِنَّهُ يدل على اتصاف ذَات مَا بِالْحَدَثِ اتصافا مُقَيّدا بِأحد الأزمنه الثَّلَاثَة فَمَعْنَى زيد كريم ثَبت لَهُ الْكَرم بِقطع النّظر عَن حُدُوثه أَو لَا حُدُوثه وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه حدث لَهُ الْكَرم بعد أَن لم يكن. وَإِن قصد الْإِخْبَار عَن حُدُوث كرمه فَيُقَال زيد كارم الْآن أَو غَدا لعَمْرو. وَالْحَاصِل أَن الصّفة المشبهة لَا تدل على الْحُدُوث لَا أَنَّهَا تدل على عَدمه أَو تدل على الِاسْتِمْرَار والدوام فَلَيْسَ معنى زيد حسن إِلَّا أَنه ذُو حسن سَوَاء كَانَ فِي بعض الْأَزْمِنَة أَو جَمِيعهَا فَهِيَ حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا وَهُوَ الاتصاف بالْحسنِ ثمَّ قد يقْصد الِاسْتِمْرَار بقرنية الْمقَام وَقد لَا يقْصد وَقد يسكت وَلها صِيغ كَثِيرَة وَقيل سَبْعَة كَمَا قَالَ قَائِل:
(دي از صفة مشبهة رفت سخن ... كرده ازوي سوال شخصي ازمن)
(2/176)

(كفتم خشن وجبان وصعب است وَذَلُول ... )

(انكاه شُجَاع است وشريف است وَحسن ... )

الصِّفَات الذاتية: مَا يُوصف الله تَعَالَى بِهِ وَلَا يُوصف بضده نَحْو الْقُدْرَة والعزة وَالْعَظَمَة وَغَيرهَا.
الصِّفَات الفعلية: مَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بضده كالرضى وَالرَّحْمَة فَإِنَّهُ تَعَالَى يُوصف بالسخط وَالْغَضَب أَيْضا.
الصِّفَات الجلالية: مَا يتَعَلَّق بالقهر والعزة وَالْعَظَمَة.
الصِّفَات الجمالية: مَا يتَعَلَّق باللطف وَالرَّحْمَة.
صفاء الذِّهْن: استعداد النَّفس الناطقة لاستخراج الْمَطْلُوب بِلَا تَعب.
الصفي: بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي وَتَشْديد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة من كَانَ متصفا بالصفاء عَن كدر الغيرية. وَأَيْضًا الشَّيْء النفيس الَّذِي كَانَ يصطفيه النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لنَفسِهِ من الْغَنِيمَة كالسيف وَالْفرس وَالْأمة.
الصَّفْقَة: ضرب الْيَد على الْيَد فِي البيع وَالصَّوْت الْحَاصِل مِنْهُ ثمَّ جعل عبارَة عَن عقد وَاحِد وَعَن العقد بِنَفسِهِ.
(بَاب الصَّاد مَعَ الْقَاف)

الصقيع: وَهُوَ الَّذِي ينزل بِاللَّيْلِ شَبِيها بالثلج يُقَال بِالْفَارِسِيَّةِ (شب نم افسرده وبرفك) وَفِي كنز اللُّغَات (صقيع مانندبرف جيزي كه برروي زمين مي افتد ازسرما) وَاعْلَم أَن الطل وَكَذَا الصقيع يحدثان فِي اللَّيْل وَنسبَة الصقيع إِلَى الطل كنسبة الثَّلج إِلَى الْمَطَر.
(بَاب الصَّاد مَعَ الْكَاف)

الصَّك: بِفَتْح الأول وَتَشْديد الثَّانِي كتاب الْإِقْرَار بِالْمَالِ وَملك البَائِع وتفصيله فِي الْعهْدَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(2/177)

(بَاب الصَّاد مَعَ اللَّام)

الصَّلَاة: فِي اللُّغَة الْغَالِبَة الدُّعَاء قَالَ الله تَعَالَى {وصل عَلَيْهِم} أَي ادْع لَهُم. وَقيل تَحْرِيك الصلوين وهما العظمان اللَّذَان عَلَيْهِمَا الركبتان وَالْمُصَلي أَيْضا يُحَرك صلويه فِي الرُّكُوع وَلِهَذَا نقلت إِلَى أَرْكَان مَخْصُوصَة وأذكار مَعْلُومَة بشرائط محصورة فِي أَوْقَات مُعينَة مقدرَة فِي الشَّرْع. وَالدُّعَاء طلب الرَّحْمَة لَكِن إِذا أسندت إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يُقَال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تجرد عَن معنى الطّلب وَيُرَاد بهَا الرَّحْمَة مجَازًا لِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الطّلب كَمَا جرد اسرى عَن اللَّيْل فِي قَوْله تَعَالَى {أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} وَقَالُوا الصَّلَاة من الله تَعَالَى رَحْمَة وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار وَمن الْمُؤمنِينَ دُعَاء وحقيقتها رَاجِعَة إِلَى نزُول الرَّحْمَة فِي الْكل وعرفوها أَيْضا بإيصال الْخَيْر إِلَى الْغَيْر فعلى هَذَا لَا يرد مَا يرد على مَا قيل إِن الصَّلَاة بِمَعْنى الدُّعَاء من أَن الصَّلَاة الَّتِي بِمَعْنى الدُّعَاء إِذا اسْتعْملت بعلى لَا بُد وَأَن تكون بِمَعْنى الضَّرَر إِذْ الدُّعَاء الْمُسْتَعْمل بِاللَّامِ بِمَعْنى النَّفْع والمستعمل بعلى بِمَعْنى الضَّرَر وَطلب الضَّرَر على النَّبِي يُوجب الْكفْر والحرمان من شَفَاعَته. وَفِي غَايَة الْهِدَايَة وَجَوَابه أَولا بِأَن الْكَلِمَة المستعملة بتينك الحرفين كَذَلِك وَإِلَّا فَلَا وَالصَّلَاة لَا تسْتَعْمل إِلَّا بعلى وَفِيه أَن السَّلَام لَيْسَ كَذَلِك مَعَ أَنه مُسْتَعْمل بهما مثل قَوْله تَعَالَى {وَسَلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَسَلام على الياسين} أَقُول يُمكن التَّخْصِيص بِأَن الدُّعَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَذَلِك لَا كل كلمة وَثَانِيا أَقُول لَا يلْزم كَون المترادفين متوافقين فِي الِاسْتِعْمَال كالأهل والآل فَالثَّانِي لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي ذَوي الشرافة وَلَا يسْتَعْمل مُضَافا إِلَى الزَّمَان وَالْمَكَان وَغير ذَلِك بِخِلَاف الأول.
وثالثا بِأَن هَذَا مَخْصُوص بِلَفْظ الدُّعَاء وَفِيه إِن شهد لَك وَشهد عَلَيْك وَحجَّة لَك وَحجَّة عَلَيْك وَغَضب لَك وَغَضب عَلَيْك كَذَلِك أَقُول هَذَا تَخْصِيص بِالْإِضَافَة إِلَى مَا فِي مَعْنَاهُ فَيكون تَخْصِيصًا إضافيا لَا حَقِيقِيًّا انْتهى. وَفِي آخر كنز الدقائق فِي مسَائِل شَتَّى وَلَا يصلى على غير الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة إِلَّا بطرِيق التبع.
وَالصَّلَاة فِي الشَّرْع عبارَة عَن الْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة الْمَعْهُودَة مَعَ الشَّرَائِط والأركان الْمَخْصُوصَة الْمَذْكُورَة فِي الْفِقْه، فَإِن قلت، مَا الدَّلِيل على أَن الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة خمس، قلت، قَوْله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عددا لَهُ عدد وسط وواو الْجمع للْعَطْف الْمُقْتَضِي للمغايرة. وَأقله خمس ضَرُورَة. فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي كَون الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء أَربع رَكْعَات وَالصُّبْح رَكْعَتَيْنِ وَالْمغْرب ثَلَاثًا. قُلْنَا كل صَلَاة مِنْهَا صلاهَا نَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام. فَإِن الْفجْر صَلَاة آدم عَلَيْهِ السَّلَام حِين خرج من الْجنَّة وأظلمت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وجن عَلَيْهِ اللَّيْل فَلَمَّا انْشَقَّ الْفجْر صلى رَكْعَتَيْنِ. الاولى شكرا للنجاة من ظلمَة اللَّيْل. وَالثَّانيَِة شكرا لرجوع ضوء النَّهَار وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا.
(2/178)

وَالظّهْر صَلَاة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أَمر بِذبح وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ عِنْد الزَّوَال. الرَّكْعَة الأولى شكرا لزوَال هم الْوَلَد، وَالثَّانيَِة لمجيء الْفِدَاء، وَالثَّالِثَة لرضى الله تَعَالَى، وَالرَّابِعَة شكرا لصبر وَلَده وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا. وَالْعصر صَلَاة يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام حِين نجاه الله تَعَالَى من أَربع ظلمات ظلمَة الذلة وظلمة الْبَحْر وظلمة الْحُوت وظلمة اللَّيْل وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا. وَالْمغْرب صَلَاة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام الرَّكْعَة الأولى لنفي الألوهية عَن نَفسه وَالثَّانيَِة لنفي الألوهية عَن أمه وَالثَّالِثَة لإِثْبَات الألوهية لله تَعَالَى. وَالْعشَاء صلاهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين خرج من المداين وضل الطَّرِيق وَكَانَ فِي غم الْمَرْأَة وغم عَدَاوَة فِرْعَوْن وغم أَخِيه هَارُون وغم أَوْلَاده وشكر الله تَعَالَى حِين أَنْجَاهُ من الْغَرق وَأغْرقَ عدوه فَلَمَّا أَنْجَاهُ من ذَلِك كُله وَنُودِيَ من شاطئ الْوَادي صلى أَرْبعا تَطَوّعا فَأمرنَا بذلك لينجينا الله تَعَالَى من الشَّيْطَان الرَّجِيم كَذَا فِي جَوَاهِر الْحَقَائِق قَالَ قَائِل:
(صَلَاة الْفجْر صلاهَا أَبونَا ... صَلَاة الظّهْر صلاهَا الْخَلِيل)

(صَلَاة الْعَصْر يُونُس ثمَّ عِيسَى ... على وَقت الْغُرُوب لَهُ دَلِيل)

(صَلَاة اللَّيْل صلاهَا كليم ... فَأوجب خَمْسَة رب جليل)

اعْلَم أَن الإِمَام الرَّازِيّ نقل فِي التَّفْسِير الْكَبِير اتِّفَاق الْمُتَكَلِّمين على أَن من عبد ودعا لأجل الْخَوْف من الْعقَاب. والطمع فِي الثَّوَاب لم تصح عِبَادَته وَلَا دعاؤه ذكر ذَلِك عِنْد قَوْله تَعَالَى {ادعوا ربكُم تضرعا وخفية} وَجزم فِي أَوَائِل تَفْسِير الْفَاتِحَة بِأَنَّهُ لَو قَالَ أُصَلِّي لثواب الله والهرب عَن عِقَابه فَسدتْ صلَاته انْتهى.
وَاعْلَم أَن المصنفين رَحِمهم الله تَعَالَى من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يصلونَ على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعَلى آله الطيبين الطاهرين بِزِيَادَة كلمة (على) ردا للشيعة وَيَقُولُونَ وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله مثلا بِخِلَاف الشِّيعَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وَآله مثلا بِدُونِ كلمة (على) وينقلون فِي ذَلِك حَدِيثا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَيْثُ قَالُوا قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من فصل بينى وَبَين آلى بعلى لم ينل شَفَاعَتِي وَفِي رِوَايَة فقد جفاني - وَقيل فِي الْجَواب إِن الحَدِيث بعد تَسْلِيم صِحَّته مَخْصُوص بِحَال تشهد الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة وَقيل إِنَّه مَخْصُوص بِالْفَصْلِ بَين اسْمه الْمُقَدّس أَعنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَين آله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَفِيه أَنه وَقع كَذَلِك فِي الْأَدْعِيَة المأثورة وَقيل إِن الْفَصْل بِمَعْنى الْفرق أَي من فرق بيني وَبَين آلى بعلى أَي بِكَلِمَة على أَي فرق بَين الدُّعَاء لَهُم بِأَن يسْتَعْمل الدُّعَاء الَّذِي لنا بِاللَّامِ وَالدُّعَاء الَّذِي لَهُم بِكَلِمَة على وَحَاصِله أَن من صلى عَليّ وَلعن عَلَيْهِم نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك لم ينل شَفَاعَتِي - وَالْأولَى فِي الْجَواب بل التَّحْقِيق الْحقيق بِالصَّوَابِ أَن يُقَال إِن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ بِصَحِيح الرِّوَايَة وَلِهَذَا وَقعت المناقشة فِيمَا
(2/179)

بَين الشِّيعَة فِي صِحَّته أَيْضا وَمن يَقُول مِنْهُم بِصِحَّتِهِ يقْرَأ صُورَة حرف الْجَرّ اسْمه كرم الله وَجهه وَيحمل الْبَاء على السَّبَبِيَّة وَيَقُول إِن الْمَعْنى أَن من فصل بيني وَبَين آلى بِسَبَب عداوته وخصومته لعَلي كرم الله وَجهه فَلم ينل شَفَاعَتِي - وَإِن سلمنَا أَن الحَدِيث صَحِيح فَالْوَاجِب حمله على هَذَا إِذْ من المستبعد جدا أَن يحكم بالحرمان من شَفَاعَته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمُجَرَّد إِيرَاد كلمة على بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَآله الْكِرَام، والمحروم من شَفَاعَته عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا هُوَ الْكَافِر وَوجه وجوب الصَّلَاة على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَآله الْعِظَام مَذْكُور فِي الْحَمد.
(ف (65)) .
صَلَاة العبهر: فِي من رَآنِي فقد رأى الْحق إِن شَاءَ الله الْأَعَز الأحق.
الصُّلْح: فِي اللُّغَة اسْم من الْمُصَالحَة وَهِي المسالمة بعد الْمُنَازعَة والموافقة وَبعد الْمُخَالفَة وَللَّه در النَّاظِم.
(صف كشيده هردو مزكانش بخون استاده اند ... )

(صلح خواهد شدّ كه مردم درميان افتاده اند ... )

وَفِي الشَّرْع عقد يرفع النزاع. وركنه الْإِيجَاب وَالْقَبُول، وَشَرطه أَن يكون الْبَدَل أَي الْمصَالح عَلَيْهِ مَالا مَعْلُوما إِذا احْتِيجَ إِلَى قَبضه وَإِلَّا لَو يشْتَرط معلومية. وَالصُّلْح على ثَلَاثَة أَقسَام صلح مَعَ إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي. وَصلح مَعَ سُكُوته عَنهُ بِأَن لَا يقر وَلَا يُنكر. وَصلح مَعَ إِنْكَاره عَنهُ وَلكُل أَحْكَام فِي الْفِقْه. ثمَّ اعْلَم أَن الصُّلْح عَمَّا اسْتحق أَي وَجب وَلزِمَ بِعقد المداينة على بعض مَاله عَلَيْهِ من جِهَة أَخذ لبَعض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي لَا مُعَاوضَة لِأَن مُبَادلَة الْأَكْثَر بِالْأَقَلِّ لَا تجوز. وَمن قَوْلهم (أَخذ لبَعض حَقه) يعلم أَنه لَا بُد وَأَن يكون بدل الصُّلْح من جنس مَا اسْتحق. وَالْمرَاد بِعقد المداينة عقد يُوجب الدّين على الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَن بَاعَ عبدا بِأَلف أَي لم ينْقد الثّمن وَلَكِن المُرَاد بِعقد المداينة هَا هُنَا كل أَمر يُوجب دينا سَوَاء كَانَ بيعا أَو غصبا أَو غير ذَلِك وَإِنَّمَا عبروه تَحَرُّزًا عَن سوء الظَّن بِحَال الْمُسلم وحملا لأَمره على الصّلاح فِي بَاب الصُّلْح.
الصلب: ضد الرخو وَمِنْه حجر صلب وَأَيْضًا الصلب بِالْفَارِسِيَّةِ بردار كشيدن. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل} أَي عَلَيْهَا وَكَيْفِيَّة الصلب الْمَشْرُوع لقاطع الطَّرِيق حِين قَتله وَأَخذه مَا لَا أَن يغرز خَشَبَة فِي الأَرْض ويربط عَلَيْهَا خَشَبَة أُخْرَى فَيَضَع قَدَمَيْهِ على تِلْكَ الْخَشَبَة ويربط من أَعْلَاهُ خَشَبَة أُخْرَى ويربط عَلَيْهَا يَدَاهُ ثمَّ يطعن بِالرُّمْحِ فِيهِ.
(2/180)

الصِّلَة: بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة (عطيه وهديه دادن ومزده وبيوند وخويشي) وَعند النُّحَاة الْجُمْلَة الخبرية الَّتِي تقع بعد الْمَوْصُول الْمُشْتَملَة على ضمير عَائِد إِلَيْهِ.
صَلَاة الْجِنَازَة: فرض كِفَايَة وَالصَّلَاة هَا هُنَا بِمَعْنى الدُّعَاء وَشَرطهَا إِسْلَام الْمَيِّت وطهارته وَهِي أَربع تَكْبِيرَات بِأَن يَنْوِي بِأَن يَقُول نَوَيْت أَن أودي أَربع تَكْبِيرَات صَلَاة الْجِنَازَة الثَّنَاء لله وَالدُّعَاء لهَذَا الْمَيِّت مُتَوَجها إِلَى جِهَة الْكَعْبَة الشَّرِيفَة الله أكبر ثمَّ يكبر وَهَذِه تَكْبِيرَة أولى فَيقْرَأ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَجل ثناؤك وَلَا إِلَه غَيْرك. ثمَّ يكبر ثَانِيًا فَيصَلي على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَن يَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَبَارك وَسلم كَمَا صليت وسلمت وباركت ورحمت وترحمت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم رَبنَا إِنَّك حميد مجيد. ثمَّ يكبر ثَالِثا فيدعو بِالدُّعَاءِ الْمَعْرُوف وَهُوَ اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وَكَبِيرنَا وَذكرنَا وأنثانا اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه على الْإِسْلَام وَمن توفيته منا فتوفه على الْإِيمَان. وَإِن لم يحفظ هَذَا الدُّعَاء يَدْعُو بِمَا يَدْعُو فِي التَّشَهُّد أَعنِي اللَّهُمَّ اغْفِر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات إِلَى آخر ثمَّ يكبر رَابِعا فَيسلم تسليمتين وَلَا يسْتَغْفر لصبي وصبية بل يقْرَأ بعد التَّكْبِير الثَّالِث مقَام الدُّعَاء الْمَعْرُوف الْمَذْكُور اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا فرطا واجعله لنا أجرا وذخرا واجعله لنا شافعا ومشفعا. وَيقْرَأ للصبية هَذَا الدُّعَاء أَيْضا بالضمير الْمُؤَنَّث والصيغ المؤنثة مقَام الْمُذكر وَيقوم الإِمَام للرجل وَالْأُنْثَى حذاء الصَّدْر لِأَنَّهُ مَحل الْإِيمَان وَإِذا اخْتَلَط موتى الْمُسلمين بموتى الْكفَّار فَمن كَانَت عَلَيْهِ عَلامَة الْمُسلمين صلى عَلَيْهِ وَمن كَانَت عَلَيْهِ عَلامَة الْكفَّار ترك فَمن لم يكن عَلَيْهِم عَلامَة والمسلمون أَكثر غسلوا وكفنوا وَصلى عَلَيْهِم وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء الْمُسلمُونَ ويدفنون فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَإِن كَانَ الْفَرِيقَانِ سَوَاء أَو كَانَت الْكفَّار أَكثر لم يصل عَلَيْهِم ويغسلون ويدفنون ويكفنون فِي مَقَابِر الْمُشْركين كَذَا فِي الْكَافِي وَسَائِر الْأَحْكَام فِي كتب الْفِقْه.
صَلَاة الْعِيد: فِي الْعِيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الصَّاد مَعَ النُّون)

الصِّنَاعَة ملكة نفسانية يصدر عَنْهَا الْأَفْعَال الاختيارية من غير روية. وَقيل علم مُتَعَلق بكيفية الْعَمَل حَاصِل بمزاولة الْعلم. وَقَالَ فريد الْعَصْر الأحمد آبادي رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَاشِيَته على ديباجة (المطول) الصناعات جمع صناعَة كالكنايات جمع كِنَايَة بِحَسب اللُّغَة حِرْفَة الصَّانِع وَعمل الصنع. وَفِي الْعرف الْعَام علم مُتَعَلق بكيفية الْعَمَل حَاصِل بمزاولة الْعَمَل وَفِي الْعرف الْخَاص أَعم مِمَّا يحصل بمزاولة الْعَمَل كعلم الْخياطَة أَو بِدُونِهَا كعلم الطِّبّ بل يُقَال لكل علم يمارسه الرجل حَتَّى صَار كالحرفة لَهُ أَنه
(2/181)

صناعته. وَفِي شرح الْمِفْتَاح للشَّارِح السَّيِّد أَنَّهَا قد تطلق على ملكة يقتدر بهَا على اسْتِعْمَال مَوْضُوعَات مَا على وَجه البصيرة ليحصل غَرَض من الْأَغْرَاض بِحَسب الْإِمْكَان انْتهى. وَالْمرَاد بالموضوعات آلَات تتصرف فِيهَا سَوَاء كَانَت خارجية كَمَا فِي الْخياطَة أَو ذهنية كَمَا فِي الِاسْتِدْلَال.
الصِّنْف: هُوَ النَّوْع الْمُقَيد بِقَيْد عرضي كالإنسان الرُّومِي.
(بَاب الصَّاد مَعَ الْوَاو)

الصُّورَة: مَا يمتاز بِهِ الشَّيْء وَيُقَال صُورَة الشَّيْء مَا بِهِ يحصل الشَّيْء بِالْفِعْلِ. فَإِن قيل، إِنَّهَا أَيْضا شَيْء فَلَا بُد لَهَا من صُورَة أُخْرَى حَتَّى يمتاز من أُخْرَى فَيلْزم التسلسل أَو عدم الامتياز. أَقُول، صُورَة الصُّورَة عين الصُّورَة كوجود الْوُجُود عين الْوُجُود وَأَيْضًا الصُّورَة أَمر اعتباري انتزاعي والتسلسل فِي الْأُمُور الاعتبارية لَيْسَ بمحال كَمَا مر فِي التسلسل. وَاعْلَم أَن الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار الْحُضُور العلمي تسمى صُورَة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْعَيْنِيّ أَي الْخَارِجِي عينا.
وَقَالَ أستاذ أستاذي مَوْلَانَا مُحَمَّد أكبر مفتي أَحْمد آباد رَحمَه الله تَعَالَى اعْلَم أَن لفظ الصُّورَة تطلق على مَعْنيين أَحدهمَا الْمَاهِيّة الْمَعْلُومَة وَثَانِيهمَا الْعلم وَهُوَ الْأَمر المتشخص بالتشخص الذهْنِي انْتهى. وَالْحَاصِل أَن الصُّورَة تطلق على كَيْفيَّة هِيَ آلَة التعقل وعَلى الْمَعْلُوم المتميز بهَا فِي الذِّهْن وَالْأولَى شخصية وَالثَّانيَِة كُلية إِذْ الْكُلية لَا تعرض لصورة الْحَيَوَان الَّتِي هِيَ عرض حَال فِي الْعقل بل للحيوان المتميز بهَا، فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك جدا.
وَالصُّورَة عِنْد أَرْبَاب السلوك والحقائق قدس الله تَعَالَى أسرارهم مَا يكون محلا لظُهُور أَمر مخفي لَا يظْهر ذَلِك الْأَمر إِلَّا بِهِ كأسمائه تَعَالَى وَصِفَاته فَإِنَّهَا صور الْحق سُبْحَانَهُ وَمظَاهر ومجالي ذَاته الْمُقَدّس الْمُطلق الظَّاهِر بقيودها فعلى هَذَا الْأَعْيَان الثَّابِتَة صور الْأَسْمَاء الإلهية والأعيان الخارجية صور الْأَعْيَان الثَّابِتَة.
الصُّور الجسمية: جَوْهَر مُتَّصِل غير بسيط لَا وجود لمحله بِدُونِهِ قَابل للأبعاد الثَّلَاثَة المدركة من الْجِسْم فِي بَادِي النّظر وَقيل هِيَ الْجَوْهَر الممتد فِي الْجِهَات وَقيل هِيَ الْجَوْهَر الَّذِي تحصل مِنْهُ الْجِسْم بِالْفِعْلِ.
الصُّورَة النوعية: هِيَ الْجَوْهَر الَّذِي تخْتَلف بِهِ الْأَجْسَام أنواعا. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ مبدأ الْآثَار الخارجية المختصة وَلها ثَلَاثَة أَسمَاء بِثَلَاثَة اعتبارات أَحدهَا الْكَمَال بِاعْتِبَار أَن الْجِسْم الطبيعي يتم بهَا وَالثَّانِي الْقُوَّة بِاعْتِبَار تأثيرها فِي الْغَيْر
(2/182)

وَالثَّالِث الطبيعة لكَونهَا مبدأ الْأَفْعَال الذاتية.
الصَّوْت: هَوَاء متموج بتصادم جسمين وَقيل كَيْفيَّة قَائِمَة بالهواء الَّذِي يحملهَا إِلَى الصماخ.
الصَّوَاب: فِي اللُّغَة السداد، وَفِي الِاصْطِلَاح الْأَمر الثَّابِت الَّذِي لَا يسوغ إِنْكَاره.
الصَّوْم: فِي اللُّغَة مُطلق الْإِمْسَاك فِي النَّهَار، وَفِي الشَّرْع هُوَ الْإِمْسَاك من الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع من الصُّبْح الصَّادِق إِلَى غرُوب الشَّمْس مَعَ النِّيَّة من أَهله بِأَن يكون مُسلما طَاهِرا من حيض ونفاس فوقته معيار لَا ظرف، وَقيل، إِن قَوْلهم من أَهله احْتِرَاز عَن الصَّبِي وَالْحَائِض وَالْمَجْنُون وَمن لَهُ عذر يمنعهُ الصَّوْم فَإِنَّهُم لَيست لَهُم أَهْلِيَّة الصَّوْم فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا التَّعْرِيف للصَّوْم الْفَرْض وَالصَّوْم على ثَلَاثَة أَنْوَاع - فرض - وواجب - وَنفل. وَالصَّوْم الْفَرْض نَوْعَانِ معِين كرمضان وَغير معِين كالكفارات وَقَضَاء رَمَضَان. وَالصَّوْم الْوَاجِب أَيْضا نَوْعَانِ معِين كالنذر الْمعِين أَو غير معِين كالنذر الْمُطلق. وَيصِح صَوْم رَمَضَان وَالنّذر الْمعِين وَالنَّقْل بنية مُعينَة أَو مُطلقَة وَنِيَّة النَّفْل من غرُوب الشَّمْس إِلَى مَا قبل نصف النَّهَار وَمَا بَقِي من الصّيام لم يجز إِلَّا بنية مُعينَة مبيتة. وَالنِّيَّة أَن يعرف بِقَلْبِه أَنه يَصُوم وَالسّنة أَن يتلفظها.
وَفِي مِعْرَاج الدِّرَايَة فِي فصل المتفرقات وَمن السّنة أَن يَقُول عِنْد الْإِفْطَار اللَّهُمَّ لَك صمت وَبِك آمَنت وَعَلَيْك توكلت وعَلى رزقك أفطرت ولصوم الْغَد من صَوْم رَمَضَان نَوَيْت فَاغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت. فَإِن قيل مَا وَجه خُرُوج اللَّيْل من الصَّوْم وَدخُول الْمرَافِق والكعبين فِي غسل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فِي الْوضُوء مَعَ أَنه تَعَالَى كَمَا قَالَ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق {وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} كَذَلِك قَالَ وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل. قُلْنَا إِن الْغَايَة فِي آيَة الصَّوْم وَهِي اللَّيْل غير دَاخِلَة تَحت حكم المغيا أَعنِي النَّهَار وَلَيْسَ من جنسه فَإِن الصَّوْم هُوَ الْإِمْسَاك فِي النَّهَار سَاعَة بِخِلَاف الْغَايَة فِي آيَة الْوضُوء فَإِنَّهَا فِيهَا الْمرَافِق والكعبان وهما من جنس المغيا فَإِن الْيَد جملَة الْعُضْو من الْأَصَابِع إِلَى الْإِبِط. وَكَذَلِكَ الرجل جملَة الْعُضْو من أَصَابِع الْقدَم إِلَى الآلية فكلمة (إِلَى) فِي آيَة الصَّوْم لمد الحكم أَي لمد حكم إتْمَام الصَّوْم إِلَى اللَّيْل. وَفِي آيَة الْوضُوء للإسقاط أَي لإِسْقَاط حكم الْيَد وَالرجل وَهُوَ الْغسْل عَمَّا ورائهما فهما داخلان فِي حكم الْغسْل وَاللَّيْل خَارج عَن الصَّوْم. فَإِن قيل لم لَا يكون كلمة إِلَى فيهمَا لمد الحكم أَو للإسقاط أَو فِي الأولى للإسقاط وَفِي الثَّانِيَة لمد الحكم قُلْنَا إِن الضابطة المضبوطة تَقْتَضِي مَا قُلْنَا وَهِي أَن
(2/183)

الْغَايَة إِن كَانَت بِحَيْثُ لَو لم يدخلهَا كلمة (إِلَى) لم يَتَنَاوَلهَا صدر الْكَلَام لم يدْخل تَحت المغيا كالليل تَحت الصَّوْم وَإِن كَانَت بِحَيْثُ يَتَنَاوَلهَا صدر الْكَلَام كالمرافق والكعبين تَحت الْأَيْدِي والأرجل تدخل تَحت المغيا.
فَإِن قيل إِن للنحاة فِي الْمَدْلُول اللّغَوِيّ لكلمة (إِلَى) خَمْسَة مَذَاهِب الأول إِنَّهَا مَوْضُوعَة لدُخُول مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا فَقَط فَهِيَ على هَذَا الْمَذْهَب حَقِيقَة فِي هَذَا الدُّخُول ومجاز فِي عدم الدُّخُول. وَالثَّانِي أَنَّهَا مَوْضُوعَة لدُخُول مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا فَقَط فَهِيَ حَقِيقَة حِينَئِذٍ فِي عدم الدُّخُول واستعمالها فِي الدُّخُول مجازي. وَالثَّالِث الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ يَعْنِي أَنَّهَا مَوْضُوعَة لكل من ذَلِك الدُّخُول وَعَدَمه بِوَضْع على حِدة وَالرَّابِع أَنَّهَا للدخول إِن كَانَ مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا وَلعدم الدُّخُول إِن لم يكن مَا بعْدهَا كَذَلِك. وَالْخَامِس أَنَّهَا لغاية الْإِسْقَاط وَالْمذهب الرَّابِع وَكَذَا الْخَامِس وَأَن يساعدا مَا ذكرْتُمْ لَكِن الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة لَا تساعده فَإِذا قَامَ الِاحْتِمَال بَطل الِاسْتِدْلَال قُلْنَا إِن تِلْكَ الْمذَاهب الثَّلَاثَة متناقضة يَقْتَضِي كل مِنْهَا خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الآخر فَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا حَتَّى يتَرَجَّح وَيسْقط الآخر فَإِن قيل عَلَيْكُم تبيان التَّنَاقُض قُلْنَا إِن الْفَاضِل الْكَامِل عبيد الله بن مَسْعُود بن تَاج الشَّرِيعَة رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي شرح الْوِقَايَة وَهَذَا الْمَذْهَب الرَّابِع يُوَافق مَا ذكر فِي اللَّيْل والمرافق - وَأما الثَّلَاثَة الأول فَالْأول يُعَارضهُ الثَّانِي إِلَى آخِره.
وَحَاصِله إِنَّا نعمل على الْمَذْهَب الرَّابِع وَالْخَامِس يُوَافقهُ كَمَا ستعلم والمذاهب الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة لَا يُمكن الْعَمَل بهَا لِأَن الْمَذْهَب الأول وَالثَّانِي متعارضان كَمَا لَا يخفى، فَإِذا تَعَارضا تساقطا فَلَا نعمل بهما. وَالْمذهب الثَّالِث يُوجب التَّعَارُض والتساوي وَعدم الرجحان فَوَقع الشَّك فِي مواقع اسْتِعْمَال كلمة إِلَى فالمأمور بِهِ غير مَعْلُوم حَتَّى يعْمل بِهِ وَمَعَ هَذَا فَفِي صُورَة اللَّيْل فِي الصَّوْم عدم الدُّخُول يقيني وَالشَّكّ إِنَّمَا وَقع فِي التَّنَاوُل وَالدُّخُول. وَأَنت تعلم أَن الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ فَيكون عدم دُخُول اللَّيْل فِي الصَّوْم بَاقِيا على حَاله وَفِي صُورَة الْمرَافِق والكعبين فِي الْأَيْدِي والأرجل الدُّخُول يقيني وَالشَّكّ فِي عدم الدُّخُول فَلَا يَزُول الْمُتَيَقن بِالشَّكِّ لما مر.
وَاعْلَم أَنهم ذكرُوا تفسيرين لما هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ أَن كلمة (إِلَى) غَايَة الْإِسْقَاط أَحدهمَا أَن صدر الْكَلَام إِذا كَانَ متْنا وَلَا للغاية كَالْيَدِ فَإِنَّهَا اسْم للمجموع إِلَى الْإِبِط كَانَ ذكر الْغَايَة لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا لَا لمد الحكم إِلَيْهَا لِأَن الامتداد حَاصِل فَيكون قَوْله إِلَى الْمرَافِق مُتَعَلقا بقوله اغسلوا وَغَايَة لَهُ لَكِن لأجل إِسْقَاط مَا وَرَاء الْمرْفق عَن حكم الْغسْل وَكَذَا الكعبان. وَالثَّانِي أَنَّهَا غَايَة للإسقاط أَي يكون مُتَعَلقا بِهِ أبدا كَأَنَّهُ قيل اغسلوا أَيْدِيكُم مسقطين إِلَى الْمرَافِق فَيخرج عَن الْإِسْقَاط فَتبقى دَاخِلَة تَحت الْغسْل - فالجار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمسقطين لَا باغسلوا وَالتَّفْسِير الأول أولى لِأَن الظَّاهِر أَن الْجَار
(2/184)

وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور لَا الْمَحْذُوف وَهُوَ مسقطين مَعَ أَنه من أَفعَال الْخُصُوص كَذَا فِي التَّلْوِيح.
وَلَا يخفى على الوكيع أَن إبِْطَال الْمَذْهَب الثَّالِث بِأَنَّهُ يُوجب التَّعَارُض والتساوي وَالشَّكّ بَاطِل كَيفَ لَا فَإِن اسْتِعْمَال الْمُشْتَرك مَشْرُوط بِإِقَامَة الْقَرِينَة واستعماله بِدُونِهَا بَاطِل. وَبعد الْقَرِينَة لَا تعَارض وَلَا تَسَاوِي وَلَا شكّ والقرينة هِيَ دُخُول الْغَايَة تَحت المغيا وَعدم دُخُوله قبل دُخُول كلمة إِلَى. وَقد ظهر من هَذَا الْبَيَان رفيع الشَّأْن. إِنَّه لَا فرق بَين الْمَذْهَب الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَّا بتفصيل الْقَرِينَة وَعَدَمه فهما متحدان. ولي فِي هَذَا الْمقَام كَلَام لم يساعدني الزَّمَان فِي بَيَانه وَمَا ذكرنَا نَافِع فِي شرح الْوِقَايَة فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
الصُّوف: للشاة والوبر للبعير.
صَوْم النَّصَارَى: اعْلَم أَن النَّصَارَى يَصُومُونَ خمسين يَوْمًا ثمَّ يعْبدُونَ للنيروز.
صَوْم الْيَهُود: اعْلَم أَن الْيَهُود أَيْضا يَصُومُونَ خمسين يَوْمًا بِأَنَّهُم يَصُومُونَ شهر رَمَضَان كُله وَلَا يفطرون يَوْم الْفطر ويتبعون صِيَامهمْ من شَوَّال إِلَى تَمام خمسين يَوْمًا ثمَّ يعْبدُونَ عِبَادَتهم.
(بَاب الصَّاد مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)

الصيرورة: قَالُوا إِن بَاب الْأَفْعَال يَجِيء للصيرورة أَي لصيرورة الشَّيْء مَنْسُوبا إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل كاغد الْبَعِير أَي صَار ذَا غُدَّة وَهِي الَّتِي فِي اللَّحْم والواحدة غُدَّة وغدة الْبَعِير طاعونه أَي دَاء يُصِيب الْبَعِير فَيهْلك.
الصِّيغَة: فِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للكلمة من تَرْتِيب الْحُرُوف والحركات والسكنات.
صِيغَة مُنْتَهى الجموع: هِيَ الصِّيغَة الَّتِي تكون أَولهَا مَفْتُوحًا وَثَالِثهَا ألفا وَبعد الْألف حرفان أَو ثَلَاثَة أوسطها سَاكن. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الصِّيغَة مُنْتَهى الجموع لِأَن كل جمع إِذا جَاءَ على هَذِه الصِّيغَة لَا يجمع جمع التكسير مرّة أُخْرَى. وَأما جمع السَّلامَة فَلَا بَأْس لِأَنَّهُ لَا يُغير الصِّيغَة فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِجمع كَمَا يجمع أيا من جمع أَيمن على أيامنين وَصَوَاحِب جمع صَاحِبَة على صواحبات.
الصَّيْد: الْحَيَوَان المتوحش فِي أصل الْخلقَة وَهُوَ نَوْعَانِ. بري وَهُوَ مَا يكون توالده وتناسله فِي الْبر. وبحري وَهُوَ مَا يكون توالده وتناسله فِي المَاء لِأَن المولد هُوَ الأَصْل والتعيش بعد ذَلِك فَلَا يعْتَبر بِهِ. وَفِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية الصَّيْد مَا
(2/185)

توحش بجناحيه أَو بقوائمه مَأْكُولا كَانَ أَو غير مَأْكُول وَلَا يُؤْخَذ إِلَّا بحيلة. وَحل أَنْوَاع السّمك كالمارماهي والجريث وَغَيره وَلَعَلَّ الْإِطْلَاق قَول الشَّيْخَيْنِ فَإِن أَنْوَاعه حَلَال سواهُمَا عِنْد مُحَمَّد كَمَا فِي الْمُضْمرَات وَمَا قيل إِن الجريث من الممسوخات بَاطِل لِأَنَّهُ لَا نسل لما مسخ إِذْ لَا يبْقى بعد ثَلَاثَة أَيَّام كَذَا فِي شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة لأبي المكارم رَحمَه الله فِي نَوَادِر الْفَتَاوَى (اكر ماهي ازغاية كرمي وسردي آب بميرد حَلَال بود) . فِي الْهِدَايَة وَفِي الْمَوْت بِالْحرِّ وَالْبرد رِوَايَتَانِ. فِي الْخَانِية فَإِن ألقِي السَّمَكَة فِي جب مَاء فَمَاتَتْ فِيهِ لَا بَأْس بأكلها لِأَنَّهُ فَاتَت بِسَبَب حَادث وَهُوَ ضيق الْمَكَان. فِي الظَّهِيرِيَّة وَلَو وجد سَمَكَة طافية وَفِي بَطنهَا سَمَكَة يحل مَا فِي بَطنهَا وَإِن كَانَ لَا يحل الطافي. وَفِي الْهِدَايَة وَالْأَصْل فِي السّمك عندنَا أَنه إِذا مَاتَ بِآفَة يحل كالمأخوذ وَإِن مَاتَ حتف أَنفه من غير آفَة لَا يحل كالطافي. وَفِي الذَّخِيرَة إِذا وجد السَّمَكَة ميتَة على وَجه المَاء وبطنه من فَوق لم يُؤْكَل لِأَنَّهُ طَاف وَإِن كَانَ ظَهره من فَوق أكله لِأَنَّهُ لَيْسَ بطاف وَلَكِن الأَصْل عندنَا هُوَ مَا ذكر فِي الْهِدَايَة. فِي فَتَاوَى الْأَسْرَار الدُّود الَّذِي يُقَال لَهُ بالهندية (جهينكه) حرَام عِنْد بعض الْعلمَاء لِأَنَّهُ لَا يشبه السّمك وَإِنَّمَا يُبَاح عندنَا من الصَّيْد البحري أَنْوَاع السّمك وَهَذَا لَا يكون من أَنْوَاع السّمك. وَقَالَ بَعضهم حَلَال لِأَنَّهُ يُسمى بأسماء السّمك. فِي الْيَنَابِيع يكره أكل السّمك الطافي هُوَ الَّذِي مَاتَ حتف أَنفه من غير آفَة وَإِن مَاتَ بمعالجة آدَمِيّ فَهُوَ حَلَال وَقَالَ أَبُو المكارم رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة وَفِي الْمُحِيط لَا بَأْس بِأَكْل سَمَكَة صادها الْمَجُوسِيّ لِأَنَّهَا تحل بِدُونِ التَّسْمِيَة فالمجوسي وَغَيره فِيهِ سَوَاء.
وَاعْلَم أَن الصَّيْد الَّذِي اصطيد بالبندوق بِالتَّسْمِيَةِ يعلم بالقواعد الْفِقْهِيَّة أَنه حرَام وَإِن اشْتهر أَنه حَلَال لعدم الرِّوَايَة الصَّرِيحَة فِي حلّه وَلِأَنَّهُم شرطُوا فِي الذّبْح الِاخْتِيَارِيّ والاضطراري كليهمَا وحكموا بِحرْمَة صيد بندقة الغليل وعللوا حرمته بِأَن فعلهَا التدقيق لَا الْجرْح وَهَذِه الْعلَّة مَوْجُودَة فِي بندقة البندوق فَإِن فعلهَا تدقيق وتحريق وتخريق لَا جرح لعدم الحدة فِيهَا. صَرَّحُوا بِأَن أَنهَار الدَّم لَا بُد وَأَن يكون بِمَالِه حِدة وجرح يَعْنِي برش وَإِلَّا فأنهار الدَّم يحصل بِضَرْب الْخشب فَإِنَّهُ يكسر الْعظم وَاللَّحم وَالْجَلد ويشقه فَيجْرِي الدَّم بضربه والمقتول بالخشب حرَام بِنَصّ الْقُرْآن الْمجِيد فَإِن الموقوذة فِي قَوْله تَعَالَى {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة} ، هِيَ الْمَقْتُول بالخشب.
فَيعلم من هَا هُنَا حُرْمَة ذَلِك الصَّيْد وَإِن سَمِعت من وَالِدي المرحوم حلّه وَأَيْضًا سَمِعت أَن رجلا عَالما كاشغريا يَقُول إِن سُبْحَانَ قليخان وَإِلَى التوران استفتى من الْعلمَاء فِي حلّه وَحرمه فَجمعُوا وأفتوا بحله وَلَكِن ذَلِك الرجل لم يذكر السَّنَد إِلَّا مَا
(2/186)

أنهر الدَّم. وَقد علمت جَوَابه فَمَا لم تأت رِوَايَة صَحِيحَة صَرِيحَة فِي حلّه لَا يُؤْكَل وَيحكم بحرمته فَإِن الكليات الْفِقْهِيَّة وقواعدها تَقْتَضِي الْحُرْمَة، فَافْهَم الْمَسْأَلَة واحفظ اللِّسَان عَن الإبرام، فَإِنَّهَا مزلقة جسيمة وشبكة عَظِيمَة للإعلام.
(بسكه صيد لَا غرم فربه بشد بهلوى دَامَ ... )

(نارسائي هَا مرا شرمنده صياد كرد ... )
(2/187)

( [حرف الضَّاد] )

(بَاب الضَّاد مَعَ الْألف)

الضَّأْن: مَهْمُوز الْعين جمع ضائن خلاف الماعز والمعز جمعه وهما نَوْعَانِ من جنس الْغنم وَالْأُنْثَى مِنْهُمَا ضائنة وماعزة وَيُقَال للْأولِ بِالْفَارِسِيَّةِ ميش وَالثَّانِي بزو أما الشَّاة اسْم جنس لَهما كالغنم وَيُقَال لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ (كوسفند) كَذَا فِي الصِّحَاح.
الضال: كمراه. وَفِي الشَّرْع الْمَمْلُوك الَّذِي ضل الطَّرِيق إِلَى منزل مَالِكه من غير قصد. وَقد مر بعض أَحْوَاله فِي الْآبِق.
(بَاب الضَّاد مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الضباب: بِالْفَارِسِيَّةِ ميغ وَفِي الصِّحَاح الضبابة هِيَ السَّحَاب الَّتِي تغشى الأَرْض كالدخان وَالْجمع والضباب انْتهى وَهِي بالهندية (دهوئين) فَافْهَم واحفظ.
الضَّبْط: فِي اللُّغَة الحزم وَالْحِفْظ. وَفِي اصْطِلَاح أصُول الحَدِيث سَماع الْكَلَام كَمَا هُوَ حق سَمَاعه ثمَّ فهم مَعْنَاهُ الَّذِي أُرِيد بِهِ ثمَّ حفظه ببذل مجهوده والثبات بمذاكراته إِلَى حِين أَدَائِهِ إِلَى غَيره.
(بَاب الضَّاد مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة)

الضحك: اعْلَم أَن الْكَيْفِيَّة الْغَيْر الراسخة الَّتِي تحصل للْإنْسَان من حَرَكَة الرّوح إِلَى الْخَارِج دفْعَة بِسَبَب التَّعَجُّب الْحَاصِل لَهُ إِن كَانَت بِحَيْثُ لَا يكون مسموعة لَهُ فَهِيَ التبسم وَإِن كَانَت مسموعة لَهُ فَهِيَ الضحك وَإِن كَانَت مسموعة إِلَى جِيرَانه فَهِيَ القهقهة. وَقد علم من هَا هُنَا تَعْرِيف كل من التبسم والضحك والقهقهة. وَفِي بعض الرِّوَايَات لَا فصل بَين القهقهة والضحك وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي اصطلاحاته وحد الضحك مَا يكون مسموعا إِلَى جِيرَانه.
الضحكة: بِضَم الأول وَسُكُون الثَّانِي من يضْحك عَلَيْهِ النَّاس وبفتح الأول وَسُكُون الثَّانِي من يضْحك على النَّاس.
(2/188)

(بَاب الضَّاد مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الضِّدّ: يُطلق على مَعْنيين أَحدهمَا مَوْجُود فِي الْخَارِج مسَاوٍ فِي الْقُوَّة لموجود آخر ممانع لَهُ وَثَانِيهمَا مَوْجُود مشارك لآخر فِي الْمَوْضُوع معاقب لَهُ إِذا قَامَ أَحدهمَا بالموضع لم يقم الآخر.
الضدان: صفتان وجوديتان متعاقبتان فِي مَوْضُوع وَاحِد يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا كالسواد وَالْبَيَاض سَوَاء كَانَ بَينهمَا غَايَة الْبعد وَالْخلاف أَو لَا وحكمهما أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَكِن يرتفعان. والضدان نَوْعَانِ مشهوريان وَغير مشهوريين كَمَا مر فِي تقَابل التضاد.
(بَاب الضَّاد مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الضَّرْب: (زدن ورفتن برزمين وبديدكردن مثل وخلط كردن وآميختن) وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْحساب تَضْعِيف أحد العددين بِعَدَد آحَاد الْعدَد الآخر. وَبِعِبَارَة أُخْرَى تَحْصِيل عدد ثَالِث نِسْبَة أحد المضروبين إِلَى الْمَضْرُوب الآخر كنسبة الْوَاحِد إِلَى ذَلِك الْمَضْرُوب الآخر وَبِالْعَكْسِ يَعْنِي تَحْصِيل عدد ثَالِث نِسْبَة إِلَى أحد المضروبين كنسبة الْمَضْرُوب الآخر إِلَى الْوَاحِد وَهَذَا فِي الصِّحَاح ظَاهر. وَأما فِي الكسور فَلِأَن نِسْبَة السُّدس إِلَى نصف السُّدس الْحَاصِل من ضرب النّصْف فِي السُّدس كنسبة الْوَاحِد إِلَى النّصْف إِذْ الْوَاحِد مثلا نصف وَالسُّدُس مثلا نصف السُّدس وَنسبَة النّصْف إِلَى نصف السُّدس كنسبة الْوَاحِد إِلَى السُّدس فَإِن النّصْف سِتَّة أَمْثَال نصف السُّدس وَالْوَاحد أَيْضا سِتَّة أَمْثَال السُّدس.
وَاعْلَم أَنه لَا تَأْثِير للْوَاحِد فِي الضَّرْب لِأَنَّهُ فِي أَي عدد ضرب يكون الْحَاصِل عين الْمَضْرُوب فِيهِ إِذْ نِسْبَة الْوَاحِد إِلَى الْوَاحِد نِسْبَة الْمثل فحاصل الضَّرْب يجب أَن يكون مُسَاوِيا للمضروب الآخر ليحصل نِسْبَة الْمثل فَلَيْسَ هُنَاكَ تَحْصِيل عدد ثَالِث حَقِيقَة وَلَو كَانَ هُنَاكَ عدد ثَالِث اعْتِبَارا.
ثمَّ اعْلَم أَن الِاثْنَيْنِ فِي أَي عدد ضرب يكون الْحَاصِل ضعف الْمَضْرُوب فِيهِ. وَفِي ضرب الثَّلَاث يكون الْحَاصِل ضعف الْمَضْرُوب فِيهِ مَعَ مثله وَفِي ضرب الْأَرْبَعَة يكون ضعف ضعف الْمَضْرُوب فِيهِ وَفِي ضرب الْخَمْسَة الْحَاصِل ضعف الْمَضْرُوب فِيهِ مَعَ مثله.
وَأما فِي ضرب مَا فَوق الْخَمْسَة تَحت الْعشْرَة بعضه فِي بعض فَلهُ ضوابط أذكر
(2/189)

لكم أَيهَا الإخوان مِنْهَا ضابطتين. وَأَحَدهمَا الْمشَار إِلَيْهَا فِي هَذَا الشّعْر بحروف الأبجد بِأَن الحرفين الْأَوَّلين مَضْرُوب ومضروب فِيهِ والحرفان التاليان لَهما حَاصِل الضَّرْب.
(وولو وزمب وح مح وط ند ... ززمط زح نوزط سج حح سد)

(حط عب طط فَاء ضرب مَا ... فَوق خمس إِلَى عشرهَا اتهتدي)

قَوْله (ضرب) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هَذَا ضرب مَا فَوق خمس لَكِن مَا دون عشر تهتدي أَنْت إِلَى هَذِه الضابطة. والضابطة الثَّانِيَة قد أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُحَقق الطوسي فِي النّظم الْفَارِسِي هَكَذَا.
(احا دبرا حاد فراز آر مدام ... ده بفكن وهر زائده راده كن نَام)

(ازهر طرفِي كير تاده جنداست ... دريكد كرش ضرب كن وسازتمام)

وَأشهر الطّرق فِي الضَّرْب وأشملها عمل الشبكة وَهُوَ مَشْهُور مَكْتُوب فِي كتب الْحساب. وَعِنْدِي ضابطة عَجِيبَة غَرِيبَة فِي ضرب الْآحَاد فِي مَا فَوْقهَا أَو مَا فَوْقهَا فِي مَا فَوْقهَا وَهِي أَن تضرب الصُّورَة فِي الصُّورَة واكتب الْحَاصِل ثمَّ اجْمَعْ أصفارا من الطَّرفَيْنِ إِن كَانَت فيهمَا وَإِلَّا فَخذهَا من أَي طرف كَانَت فِيهِ واكتبها على يَمِين الْحَاصِل فالمكتوب حَاصِل الضَّرْب فَإِن أردْت أَن تضرب أَرْبعا فِي أَربع مائَة فَاضْرب صورت (4) فِي صُورَة (4) واكتب الْحَاصِل هَكَذَا (16) ثمَّ ضع الصفرين على يَمِين الْمَكْتُوب الْحَاصِل هَكَذَا (1600) وَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِن أردْت أَن تضرب أَربع مائَة فِي أَرْبَعَة آلَاف ضع خَمْسَة أصفار الطَّرفَيْنِ على يَمِين (16) هَكَذَا (1600000) فَهَذِهِ الضابطة مُخْتَصَّة بالمفردين الَّذين يكون كل مِنْهُمَا ذَات صفر أَو أصفار أَو أَحدهمَا كَذَلِك.
وَالضَّرْب: فِي الْعرُوض آخر جُزْء من المصراع الثَّانِي من الْبَيْت وَفِي الْمنطق هِيَ الْقَرِينَة.
(ضَرُورَة الشّعْر عشر عد جُمْلَتهَا ... وصل وَقطع وَتَخْفِيف وَتَشْديد)

(مد وَقصر وَإِسْكَان وتحريك ... وَمنع صرف وَصرف ثمَّ تعديد)

الضَّرُورَة: امْتنَاع انفكاك شَيْء عَن آخر عقلا فَيُقَال نِسْبَة الْحَيَوَان إِلَى الْإِنْسَان مثلا ضَرُورِيَّة أَي ممتنعة الانفكاك يَعْنِي أَن الْعقل يحكم بامتناع انفكاك الْحَيَوَان عَن الْإِنْسَان فَتكون تِلْكَ النِّسْبَة دائمة الْبَتَّةَ. فالدوام أَعم من الضَّرُورَة لِأَن كل ضَرُورِيّ دَائِم وَلَيْسَ كل دَائِم ضَرُورِيًّا لِأَن مَفْهُوم الضَّرُورَة امْتنَاع انفكاك النِّسْبَة عَن الْمَوْضُوع وَمَفْهُوم الدَّوَام شُمُول تِلْكَ النِّسْبَة جَمِيع الْأَزْمِنَة والأوقات وَمَتى كَانَت النِّسْبَة ممتنعة الانفكاك
(2/190)

عَن الْمَوْضُوع كَانَت متحققة فِي جَمِيع أَوْقَات وجوده بِالضَّرُورَةِ وَلَيْسَ مَتى كَانَت النِّسْبَة متحققة فِي جَمِيع الْأَوْقَات امْتنع انفكاكها عَن الْمَوْضُوع لجَوَاز انفكاكها وَعدم وُقُوعهَا لِأَن الْمُمكن لَا يجب أَن يكون وَاقعا فَإِن الْحَرَكَة دائمة للفلك مَعَ جَوَاز انفكاكها عَنهُ فَيصح أَن يُقَال كل فلك متحرك دَائِما وَلَا يَصح أَن يُقَال كل فلك متحرك بِالضَّرُورَةِ فَإِن انفكاكها عَنهُ لَيْسَ بممتنع عِنْد الْعقل بل جَائِز مُمكن ثمَّ الضَّرُورَة خَمْسَة أَنْوَاع.
الأول أزلية مثل الله عَالم بِالضَّرُورَةِ الأزلية أَي أزلا وأبدا. وَالثَّانِي ذاتية وَتسَمى مُطلقَة هِيَ مَا دَامَ الذَّات. وَالثَّالِث وَصفِيَّة بِمَعْنى مَا دَامَ الْوَصْف أَو بِشَرْط الْوَصْف أَو لأَجله - وَالرَّابِع وقتية إِمَّا فِي وَقت معِين أَو وقتا مَا - وَالْخَامِس بِشَرْط الْمَحْمُول ثبوتا أَو سلبا فَكل مَحْمُول ضَرُورِيّ بِالشّرطِ.
وَاعْلَم أَنه إِذا قيل كل (ج ب) بِالضَّرُورَةِ من غير قيد فأزلية كَمَا فِي الإشارات وذاتية كَمَا فِي (الشِّفَاء) فالأزلية دَاخِلَة فِي الذاتية وَلذَا قَالُوا إِن الضَّرُورَة ذاتية - ووصفية - ووقتية مُعينَة - ووقتية منتشرة - لِأَنَّهَا إِن كَانَت بِحَسب ذَات الْمَوْضُوع وبشرط وجوده فَهِيَ ضَرُورَة ذاتية كَمَا فِي الضرورية الْمُطلقَة مثل كل إِنْسَان حَيَوَان بِالضَّرُورَةِ. وَإِن كَانَت بِحَسب وصف الْمَوْضُوع وبشرط وَصفه فَهِيَ ضَرُورَة وَصفِيَّة مَا فِي الْمَشْرُوطَة الْعَامَّة مثل بِالضَّرُورَةِ كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا. وَإِن كَانَت فِي وَقت معِين من أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع فَهِيَ ضَرُورَة وقتية مُعينَة كَمَا فِي الوقتية الْمُطلقَة مثل بِالضَّرُورَةِ كل قمر منخسف وَقت الْحَيْلُولَة. وَإِن كَانَت فِي وَقت غير معِين من أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع فَهِيَ ضَرُورَة وقتية منتشرة كَمَا فِي المنتشرة الْمُطلقَة مثل بِالضَّرُورَةِ كل إِنْسَان متنفس وقتا مَا. وَلَا يذهب عَلَيْك أَن الضَّرُورَة منحصرة فِي هَذِه الْأَرْبَع لِأَن لَهَا حالات شَتَّى عِنْد الْعقل لكِنهمْ لم يزِيدُوا فِي بَيَان جِهَة النِّسْبَة الضرورية على هَذِه الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة فَافْهَم.
الضرورية الْمُطلقَة: قَضِيَّة من القضايا الموجهات البسيطة وَهِي قَضِيَّة حكم فِيهَا بضرورة نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع إِيجَابا أَو سلبا بِشَرْط وجود الْمَوْضُوع وَإِنَّمَا سميت ضَرُورَة لاشتمالها على الضَّرُورَة أَي امْتنَاع انفكاك النِّسْبَة بِشَرْط وجود الْمَوْضُوع. ومطلقة لعدم تَقْيِيد الضَّرُورَة الْمُعْتَبرَة لَا بِالْوَصْفِ العنواني وَلَا بِالْوَقْتِ الَّذِي يُوَقت بِهِ فِي الوقتية الْمُطلقَة والمنتشرة الْمُطلقَة مثل كل إِنْسَان حَيَوَان بِالضَّرُورَةِ. وَقد تطلق الضَّرُورَة الْمُطلقَة على مَا حكم فِيهَا بضرورة ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع أزلا وأبدا كَمَا فِي قَوْلك الله تَعَالَى حَيّ بِالضَّرُورَةِ ويخص باسم لَهُ.
الضَّرُورَة الأزلية: وَالْأول باسم الضَّرُورَة الذاتية فَإِن ضَرُورَة ثُبُوت الْحَيَوَان للْإنْسَان فِي وَقت وجوده فَهِيَ ضَرُورَة مُقَيّدَة إِذْ لَو لم يُوجد الْإِنْسَان أصلا لم يكن حَيَوَانا وَلَا يلْزم من ذَلِك محَال بِخِلَاف ضَرُورَة ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ تَعَالَى فَإِنَّهَا ضَرُورَة غير مُقَيّدَة بِشَرْط فَإِن انْتِفَاء ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ تَعَالَى مُسْتَحِيل لذاته.
(2/191)

وَاعْلَم أَن الضَّرُورَة الأزلية أخص مُطلقًا من الضَّرُورَة الْمُطلقَة أَي الضَّرُورَة الذاتية وَأَن الْمنَافِي للضَّرُورَة الذاتية هُوَ الْإِمْكَان بِمَعْنى رفع الضَّرُورَة بِشَرْط الْوُجُود والمنافي للضَّرُورَة الذاتية هُوَ الْإِمْكَان الذاتي وَإِنَّمَا قُلْنَا بِشَرْط وجود الْمَوْضُوع فِي التَّعْرِيف لَا مَا دَامَ الْوُجُود أَي فِي جَمِيع أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع لِئَلَّا يُرَاد أَنه لَو كَانَ معنى الضَّرُورَة الْمُطلقَة ضَرُورَة نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع فِي جَمِيع أَوْقَات وجوده لزم أَن لَا تصدق إِلَّا فِي مَادَّة الضَّرُورَة الأزلية لَا فِي مثل كل إِنْسَان مَوْجُود بِالضَّرُورَةِ فَيلْزم أَن لَا تكون الضَّرُورَة الْمُطلقَة أَعم من الضَّرُورَة الأزلية لِأَن وجود الْمَوْضُوع إِذا لم يكن ضَرُورِيًّا فِي وَقت وجوده لم يكن ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ ضَرُورِيًّا فِي ذَلِك الْوَقْت لكنه ضَرُورِيّ الثُّبُوت بِشَرْط وجوده. فَإِن قلت لما اعْتبر شَرط الْوُجُود فِي الضرورية الْمُطلقَة لم يبْق فرق فِي الْمَعْنى بَينهَا وَبَين الْمَشْرُوطَة الْعَامَّة فِيمَا إِذا كَانَ الْوَصْف العنواني مَفْهُوم الْوُجُود مثل كل مَوْجُود شَيْء بِالضَّرُورَةِ. قيل لَا مَحْذُور فِي ذَلِك لجَوَاز أَن تكون قَضِيَّة وَاحِدَة ضَرُورِيَّة مُطلقَة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على ضَرُورَة مُقَيّدَة بأوقات الْوُجُود مُطلقًا. ومشروطة عَامَّة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على ضَرُورَة مُقَيّدَة بأوقات الْوَصْف العنواني. هَذَا مَا يَلِيق بِهَذَا الْكتاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
الضَّرُورِيّ: الْمُقَابل للاكتسابي مَا لَا يكون تَحْصِيله مَقْدُورًا أَي مَا لَا يكون بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب بِالِاخْتِيَارِ والمقابل للاستدلالي مَا يحصل بِدُونِ فكر وَنظر فللاكتسابي أَيْضا إطلاقان. أَحدهمَا مَا يكون بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب وَهُوَ الاكتسابي الْمُقَابل للضروري بِالْمَعْنَى الأول. وَثَانِيهمَا مَا يكون تَحْصِيله بالفكر وَالنَّظَر فِي الْمُقدمَات. وَبِمَا ذكرنَا من أَن للضروري مَعْنيين يرْتَفع التَّنَاقُض فِي كَلَام صَاحب الْبِدَايَة حَيْثُ قَالَ إِن الْعلم الْحَادِث نَوْعَانِ ضَرُورِيّ وَهُوَ مَا يحدثه الله تَعَالَى فِي نفس الْعَالم من غير كَسبه واختياره كَالْعلمِ بِوُجُودِهِ وَتغَير أَحْوَاله واكتسابي وَهُوَ مَا يحدثه الله تَعَالَى بِوَاسِطَة كسب العَبْد وَهُوَ مُبَاشرَة أَسبَابه.
وأسبابه أَي أَسبَاب الْعلم ثَلَاثَة الْحَواس السليمة وَالْخَبَر الصَّادِق وَنظر الْعقل، ثمَّ قَالَ وَالْحَاصِل من نظر الْعقل نَوْعَانِ. ضَرُورِيّ يحصل بِأول النّظر من غير تفكر كَالْعلمِ بِأَن الْكل أعظم من جزئه. واستدلالي يحْتَاج فِيهِ إِلَى نوع تفكر كَالْعلمِ بِوُجُود النَّار عِنْد رُؤْيَة الدُّخان. وَوجه التَّنَاقُض أَنه جعل الضَّرُورِيّ تَارَة قسيما للاكتسابي وَتارَة قسما مِنْهُ. وَوجه الدّفع أَن الضَّرُورِيّ فِي كل من الاعتبارين بِمَعْنى آخر وَصرح صَاحب الخيالات اللطيفة بِعَدَمِ التَّنَاقُض فِي كَلَام صَاحب الْبِدَايَة وَأَن جعل الضَّرُورِيّ بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ مَا لَا يكون حَاصِلا بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى مُقَابل للكسبي.
وَحَاصِل مَا ذكره أَن الْعلم لَا يحصل إِلَّا بالأسباب سَوَاء كَانَت مُبَاشرَة أَو لَا أَي صرفهَا الْعَالم بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار وَجعلهَا آلَة الْحُصُول الْعلم بِقَصْدِهِ واختياره أَولا.
(2/192)

وَصَاحب الْبِدَايَة جعل للضروري معنى وَاحِدًا وَهُوَ مَا لَا يكون حَاصِلا بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب ثمَّ قسم مُطلق الْأَسْبَاب أَي سَوَاء كَانَت مِمَّا بَاشرهُ الْعَالم بِالِاخْتِيَارِ أَولا إِلَى ثَلَاثَة حَيْثُ قَالَ وأسبابه أَي أَسبَاب الْعلم من غير تَقْيِيده بِالْمُبَاشرَةِ وَغَيرهَا ثَلَاثَة.
ثمَّ قسم الْعلم الْحَاصِل بِالسَّبَبِ الْخَاص من تِلْكَ الْأَسْبَاب وَهُوَ نظر الْعقل أَي توجهه وملاحظته مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ بِالْمُبَاشرَةِ أَو لَا إِلَى الضَّرُورِيّ والاستدلالي. وَلَا شكّ أَنه لَا يلْزم من ذَلِك كَون قسيم الشَّيْء قسما مِنْهُ إِذْ لَيْسَ نظر الْعقل من أَسبَاب الْمُبَاشرَة حَتَّى يكون الْعلم الْحَاصِل بِهِ حَاصِلا بِسَبَب الْمُبَاشرَة فَيكون دَاخِلا فِي الكسبي وَيكون الضَّرُورِيّ قسما مِنْهُ فَيلْزم التَّنَاقُض بل هُوَ شَامِل لنظر الْعقل وتوجهه الَّذِي لَا يكون على وَجه الْمُبَاشرَة كَمَا فِي الوجدانيات كَالْعلمِ بِوُجُودِهِ وَتغَير أَحْوَاله فَإِنَّهَا حَاصِلَة بملاحظة الْعقل الَّتِي لَيست بمقدرة العَبْد وَيكون على وَجه الْمُبَاشرَة كَمَا فِي النظريات والبديهيات الَّتِي سوى الوجدانيات فَإِنَّهَا حَاصِلَة بملاحظة الْعقل الَّتِي هِيَ حَاصِلَة بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار فَمَا حصل مِنْهُ بِدُونِ الْمُبَاشرَة يكون ضَرُورِيًّا وَمَا حصل مِنْهُ بِالْمُبَاشرَةِ يكون نظريا استدلاليا فَافْهَم.
فَإِن قيل تَعْرِيف الضَّرُورِيّ بِمَا لَا يكون تَحْصِيله مَقْدُورًا للبشر لَيْسَ بمانع لصدقه على الْعلم بِحَقِيقَة الْوَاجِب مَعَ أَنه لَيْسَ بضروري بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا يصدق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ علم من شَأْنه الْحُصُول وَلَيْسَ تَحْصِيله مَقْدُورًا للبشر قُلْنَا لَيْسَ المُرَاد بالموصول فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور الْعلم مُطلقًا أَي الْحَاصِل وَمَا من شَأْنه الْحُصُول وَإِن لم يحصل بل المُرَاد بِهِ الْعلم الْحَاصِل بِالْفِعْلِ أَي وقتا من الْأَوْقَات بِقَرِينَة أَن الضَّرُورِيّ من أَقسَام الْعلم الْحَادِث لِأَن المُرَاد بِالْعلمِ المنقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق المنقسمين إِلَى الضَّرُورِيّ والكسبي إِنَّمَا هُوَ الْعلم الْحَادِث كَمَا حقق فِي مَوْضِعه والحدوث يسْتَلْزم الْحُصُول إِذْ الْعلم بِحَقِيقَة الْوَاجِب تَعَالَى لَيْسَ بحاصل فَإِن جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين ذَهَبُوا إِلَى أَن الْعلم بحقيقته تَعَالَى مُمكن غير حَاصِل بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب بِمَعْنى أَنه لم يجر عَادَته بخلقه بعد اسْتِعْمَال أَسبَاب الْعلم إِلَّا أَنه لَيْسَ بحاصل.
وَذهب الْحُكَمَاء وَبَعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى امْتنَاع الْعلم بحقيقته تَعَالَى فَلَيْسَ من شَأْنه الْحُصُول عِنْدهم. فَإِن قيل الْعلم عبارَة عَن الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل فالحصول مُعْتَبر فِي ماهيته فالموصول الْمَذْكُور لَا يكون عبارَة إِلَّا بِالْعلمِ الْحَاصِل لَا بِمَا يعم الْحَاصِل وَمَا من شَأْنه الْحُصُول وَإِن لم يحصل فَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيد الْعلم بالحاصل فِي تَفْسِير الْمَوْصُول. قُلْنَا تَعْرِيف الْعلم بالصورة الْحَاصِلَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد الْحُكَمَاء فَلَا حَاجَة إِلَى التَّقْيِيد الْمَذْكُور عِنْدهم. وَأما عِنْد الْمُتَكَلِّمين فَلَيْسَ الْحُصُول مُعْتَبرا فِي ماهيته لأَنهم عرفوه بِأَنَّهُ صفة توجب تمييزا الخ فَلَا بُد من ذَلِك التَّقْيِيد عِنْدهم.
(2/193)

(بَاب الضَّاد مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

الضَّعِيف: ضد الْقوي، وَفِي الْعرف مَا يكون فِي ثُبُوته شكّ كقرطاس بِضَم الْقَاف فِي قرطاس بِكَسْرِهَا. وَفِي أصُول الحَدِيث الضَّعِيف هُوَ الحَدِيث الَّذِي يكون أدنى مرتبَة من الْحسن، وَضَعفه قد يكون لضعف الروَاة لعدم الْعَدَالَة وَسُوء الْحِفْظ أَو للتُّهمَةِ فِي العقيدة، وَقد يكون لعلل أُخْرَى مثل الْإِرْسَال والانقطاع والتدليس.
(بَاب الضَّاد مَعَ اللَّام)

الضلع: يُطلق فِي الْأَكْثَر على الخطوط المحيطة بالمربع.
الضلال: فقدان مَا يُوصل إِلَى الْمَطْلُوب وَقيل هُوَ سلوك طَرِيق لَا يُوصل إِلَيْهِ.
(بَاب الضَّاد مَعَ الْمِيم)

الضَّم: (يكى رابديكى جسبانيدن) وَنَوع من أَنْوَاع ألقاب الْبناء وتحقيقه مَعَ تَحْقِيق الضمة.
الضمة: فِي الرّفْع.
الضَّمَان: المَال الَّذِي يكون عينه قَائِما وَلَا يُرْجَى الِانْتِفَاع بِهِ كالمغصوب وَالْمَال المجحود إِذا لم تكن عَلَيْهِ بَيِّنَة.
ضَمَان الدَّرك: رد الثّمن للْمُشْتَرِي عِنْد اسْتِحْقَاق الْمَبِيع بِأَن يَقُول تكفلت بِمَا يدركك فِي هَذَا الْمَبِيع.
ضَمَان الْعَيْب: مَا يكون مَضْمُونا بِالْقيمَةِ.
ضَمَان الرَّهْن: مَا يكون مَضْمُونا بِالثّمن قل أَو كثر.
الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى النكرَة نكرَة: قَول مَشْهُور لَكِن الْحق الِاخْتِلَاف بَين النُّحَاة أَنه نكرَة أَو معرفَة.
(2/194)

( [حرف الطَّاء] )

(بَاب الطَّاء مَعَ الْألف)

طَال مَا: قَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله فِي حَوَاشِيه على تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله ولطال مَا الخ تَوْطِئَة للقسم أَو للتَّأْكِيد وَمَا مَصْدَرِيَّة وَلذَا كتبت مفصولة فِي عَامَّة النّسخ وَفِي الْإِيضَاح مَا فِي طَال مَا وقلما كَافَّة بِدَلِيل عدم اقتضائهما الْفَاعِل وتهيئهما لوُقُوع الْفِعْل بعدهمَا وحقها أَن تكْتب مَوْصُولَة بهما كَمَا فِي رُبمَا وَإِنَّمَا للمعنى الْجَامِع بَينهمَا كَذَا قَالَه ابْن جني. وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه لَا يجوز أَن يُوصل بِمَا شَيْء من الْأَفْعَال سوى نعم وَبئسَ وَالْقَوْل هُوَ الأول.
الطَّاهِر: فِي اللُّغَة باك كَمَا أَن الطّيب فِي اللُّغَة خوس وخوشبو وَالْفرق بَينه وَبَين الطّيب أَن الطّيب قد يَنْفَكّ عَن الطَّاهِر وَكَذَا على الْعَكْس لِأَنَّهُ كم من طيب لَا يكون طَاهِرا كالمسك والعنبر لِأَن العنبر من رَوْث الْبَقر والمسك يكون من دم الغزال وَكَذَا أَيْضا كم من طَاهِر لَا يكون طيبا كَالْمَاءِ وَالتُّرَاب والطاهر فِي الْعرف من عصمَة الله تَعَالَى من المخالفات.
طَاهِر الظَّاهِر: من عصمَة الله تَعَالَى من الْمعاصِي.
طَاهِر الْبَاطِن: من عصمَة الله تَعَالَى من الوساوس والهواجس.
طَاهِر السِّرّ: من لَا يذهل عَن الله تَعَالَى طرفَة عين.
طَاهِر السِّرّ وَالْعَلَانِيَة: من قَامَ بتوفيقه بِحُقُوق الْحق والخلق جَمِيعًا لسعيه برعاية الْجَانِبَيْنِ.
الطَّاعَة: مُوَافقَة الْأَمر عندنَا وَعند الْمُعْتَزلَة هِيَ مُوَافقَة الْإِرَادَة.
طالع الْوَقْت: عبارَة عَن البرج الَّذِي يكون طالعا فِي ذَلِك الْوَقْت فطالع الْمَوْلُود هُوَ البرج الَّذِي يكون طالعا وَقت وِلَادَته. وَإِن أردْت أَن تعرف أَن فِي هَذَا الْوَقْت أَي برج من البروج طالع وأية دَرَجَة مِنْهُ طالعة.
فالضابطة أَن تضرب مَا مضى من اللَّيْل أَو الْيَوْم وَقت السُّؤَال فِي السِّتَّة وزد على الْحَاصِل الدَّرَجَات الْمَاضِيَة من البرج الَّذِي الشَّمْس فِيهِ ثمَّ أقسم الْحَاصِل بِأَن يُعْطي لكل برج من البروج الَّذِي الشَّمْس فِيهِ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ فالمنتهى هُوَ البرج الطالع ودرجته. فَتلك الدرجَة إِمَّا دَرَجَة فَرح كَوْكَب أَو شرفه أَو هُبُوطه أَو وباله فاحكم بِحَالهِ ومآله مثلا
(2/195)

إِذا أردنَا أَن نَعْرِف طالع الْوَقْت من الْيَوْم الَّذِي مضى مِنْهُ خَمْسَة عشر طاسا فلنضرب خَمْسَة عشر فِي السِّتَّة صَار تسعين وَالشَّمْس حِينَئِذٍ مثلا فِي السرطان فِي الدرجَة السَّادِسَة عشر فزدنا سِتَّة عشر على تسعين صَار مائَة وَسِتَّة وابتدأنا من السرطان الَّذِي الشَّمْس فِيهِ فَإِذا قسمنا لكل برج من السرطان ثَلَاثِينَ انْتهى بِدَرَجَة السَّادِسَة عشر من الْمِيزَان فَعرفنَا أَن البرج الطالع فِي ذَلِك الْوَقْت هُوَ الْمِيزَان والدرجة الطالعة مِنْهُ هِيَ الدرجَة السَّادِسَة عشر.
وَإِن أردْت أَن تعرف فَرح الْكَوَاكِب وإخواته فَارْجِع إِلَى شرف الْكَوَاكِب، (هركاه دانستي طالع رابس بدانكه اكرفرزندي تولدشودبس اكر طالع اَوْ خانه اول بوديعني برج اول دلالت كندبر صحت جَان وتن فرزند واكرخانه دوم بوددلالت كندبر مَال ومعيشت فرزند) وَقس عَلَيْهِ الْبَوَاقِي وَانْظُر إِلَى هَذِه الزائجة.

(بَاب الطَّاء مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الطباع: بِالْكَسْرِ مبدأ الْأَفْعَال الذاتية الكائنة لما هُوَ فِيهِ سَوَاء كَانَ مَعَ الشُّعُور أم لَا.
(2/196)

الطبيعة: مبدأ الْأَفْعَال الذاتية الكائنة لما هُوَ فِيهِ بِلَا شُعُور وَإِرَادَة وَقد يُرَاد بهَا الْقُوَّة السارية فِي الْأَجْسَام بهَا يصل الْجِسْم إِلَى كَمَاله الطبيعي. وَقد تطلق الطبيعة وَيُرَاد بهَا الْحَقِيقَة والذات. والأطباء يستعملون لفظ الطبيعة على المزاج وعَلى الْحَرَارَة الغريزية وعَلى الْقُوَّة النباتية. قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي الْحَاشِيَة على المطول فِي فن الْبَيَان أَن الطبيعة فِي اللُّغَة السجية الَّتِي جبل وطبع عَلَيْهَا سَوَاء صدرت عَنْهَا صِفَات نفسية أَو لَا نعم قد أطْلقُوا فِي الِاصْطِلَاح الطباع والطبيعة على الصُّورَة النوعية. قَالُوا الطباع أَعم مِنْهَا لِأَنَّهُ يُقَال على مصدر الصّفة الذاتية الأولية لكل شَيْء.
والطبيعة قد تخص بِمَا يصدر عَنْهَا الْحَرَكَة والسكون فِيمَا هُوَ فِيهِ أَولا وبالذات من غير إِرَادَة. وَقَالَ الْمُحَقق جلال الْعلمَاء رَحمَه الله فِي حَاشِيَته الْقَدِيمَة أَن الطباع أَعم من الطبيعة قيل إِن مَا قَالَ السَّيِّد السَّنَد رَحمَه الله جبل عَلَيْهَا الْإِنْسَان يلْزم مِنْهُ أَن لَا تطلق الطبيعة فِي اللُّغَة على سجية غير الْإِنْسَان من الْحَيَوَانَات. وَالْجَوَاب أَن هَذَا من التعريفات اللفظية فَيجوز بالأخص وَكَذَا قيل فِي قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى طبع عَلَيْهَا لِأَنَّهُ تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ. وَجَوَابه منع كَونه من تَتِمَّة التَّعْرِيف وَيُمكن جَوَابه أَيْضا بِمَا سبق.
الطبيعة الْمُطلقَة: قَالَ الزَّاهِد رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْكُلِّي يُؤْخَذ على نحوين يُؤْخَذ من حَيْثُ هُوَ وَلَا يُلَاحظ مَعَه الْإِطْلَاق وَيُقَال لَهُ مُطلق الطبيعة وَحِينَئِذٍ يَصح إِسْنَاد أَحْكَام الْأَفْرَاد إِلَيْهِ لاتحاده مَعهَا ذاتا ووجودا وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار يتَحَقَّق بتحقق فَرد وينتفي بانتفائه وَهُوَ مَوْضُوع الْقَضِيَّة الْمُهْملَة إِذْ موجبتها تصدق بِصدق الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة وسالبتها تصدق بِصدق السالبة الْجُزْئِيَّة وَيُؤْخَذ من حَيْثُ إِنَّه مُطلق ويلاحظ مَعَه الْإِطْلَاق لَا بِأَن يكون الْإِطْلَاق قيدا لَهُ وَإِلَّا لَا يبْقى مُطلقًا بل بِأَن يكون عنوانا لملاحظته وشرحا
(2/197)

لحقيقته وَيُقَال لَهُ الطبيعة الْمُطلقَة وَحِينَئِذٍ لَا يَصح إِسْنَاد أَحْكَام الْأَفْرَاد إِلَيْهِ لِأَن الْحَيْثِيَّة الإطلاقية تأبى عَنهُ وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار يتَحَقَّق بتحقق فَرد وَلَا يَنْتَفِي بانتفائه بل بِانْتِفَاء جَمِيع الْأَفْرَاد وَهُوَ مَوْضُوع الْقَضِيَّة الطبيعية.
الطبيعي: أَي أَمر طبيعي يَقْتَضِيهِ الطَّبْع. وَعند الْحُكَمَاء علم بأحوال مَا يفْتَقر إِلَى الْمَادَّة فِي الْوُجُود الْخَارِجِي والتعقل كالإنسان بِاعْتِبَار أَنه نوع من أَنْوَاع الْحَيَوَان الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع الْجِسْم الطبيعي وَإِلَّا فالإنسان بِاعْتِبَار الْمَاهِيّة دَاخل فِي الْعلم الْأَعْلَى - وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْعلم بالطبيعي لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْجِسْم الطبيعي.
الطباق: فِي اصْطِلَاح البديع هُوَ الْجمع بَين مَعْنيين مُتَقَابلين بِأَيّ تقَابل كَانَ وَلَو كَانَ التقابل فِي الْجُمْلَة أَي فِي بعض الصُّور وَبَعض الْأَحْوَال وَيكون ذَلِك الْجمع بلفظين من نوع وَاحِد من أَنْوَاع الْكَلِمَة من اسْمَيْنِ نَحْو وتحسبهم أيقاظا وهم رقود. أَو من فعلين نَحْو يحيي وَيُمِيت، أَو من حرفين نَحْو لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت أَو من نَوْعَيْنِ نَحْو أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه والطباق نَوْعَانِ طباق الْإِيجَاب كَمَا مر - وطباق السَّلب وَهُوَ أَن يجمع بَين فعلي مصدر وَاحِد - أَحدهمَا مُثبت وَالْآخر منفي أَو أَحدهمَا أَمر وَالْآخر نهي - فَالْأول نَحْو وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا - وَالثَّانِي نَحْو فَلَا تخشوا النَّاس واخشوني، وَيُسمى الطباق عِنْدهم بالتضاد والمطابقة أَيْضا.
الطِّبّ: علم يعرف بِهِ حفظ الصِّحَّة وبرء الْمَرَض وَهُوَ أقدم الْعُلُوم وأهمها وَلذَا قدمه النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على سَائِر الْعُلُوم كَمَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْعلم علمَان علم الْأَبدَان وَعلم الْأَدْيَان - وَالْأَحَادِيث المأثورة فِي علمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالطب لَا تحصى وَقد جمع مِنْهَا دواوين.
وَاخْتلف فِي مبدأ هَذَا الْعلم على أَقْوَال كَثِيرَة حَكَاهَا ابْن أصيبعة فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء وَالْمُخْتَار أَن بعضه علم بِالْوَحْي إِلَى بعض الْأَنْبِيَاء وسائره بالتجارب لما روى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن نَبِي الله سُلَيْمَان كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي رأى شَجَرَة نابتة بَين يَدَيْهِ فَيَقُول لَهَا مَا اسْمك فَتَقول كَذَا فَيَقُول لأي شَيْء أَنْت فَتَقول لكذا فَإِن كَانَت لدواء كتبت وَإِن كَانَت من غرس غرست الحَدِيث. حُكيَ أَن رجلا مصورا كَانَ فِي زمَان ديوجانس الْحَكِيم فَترك التَّصْوِير وَصَارَ طَبِيبا فَقَالَ لَهُ أَحْسَنت أَنَّك لما رَأَيْت خطأ التَّصْوِير ظَاهرا للعين وَخطأ الطِّبّ يواريه التُّرَاب تركت التَّصْوِير وَدخلت فِي الطِّبّ.
(2/198)

الطِّبّ الروحاني: هُوَ الْعلم بكمالات الْقُلُوب وإفادتها وأمراضها وأدويتها وبكيفية حفظ صِحَّتهَا واعتدالها.
الطَّبِيب الروحاني: هُوَ الشَّيْخ الْعَارِف بذلك الطِّبّ الْقَادِر على الْإِرْشَاد والتكميل.
(بَاب الطَّاء مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الطّرف بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي تَحْرِيك الْعين الباصرة ومنزل من منَازِل الْقَمَر ونجمان يُقَال لَهما عين الْأسد. وبالفتحتين جُزْء من الشَّيْء ونهايته وَإِن أردْت تَحْقِيق الطّرف الَّذِي فِي بَاب الْجَبْر والمقابلة فَانْظُر فِي الْجَبْر.
الطرفان: المُرَاد بهما فِي الْفِقْه أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لِأَن أَبَا حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أستاذ فَقَط وَمُحَمّد تلميذ فَقَط فَكَانَ أَبُو حنيفَة طرفا وَمُحَمّد طرفا فَكَانَا طرفين - وطرفا الْقَضِيَّة إِمَّا الْمَوْضُوع والمحمول أَو الْمُقدم والتالي.
الطَّرِيق: مَا يُمكن التَّوَصُّل بِصَحِيح النّظر فِيهِ إِلَى الْمَطْلُوب وَهُوَ على نَوْعَيْنِ طَرِيق لمي وَطَرِيق أَنِّي وتعريفاهما فِي الدَّلِيل وَعند أهل الْحَقَائِق عبارَة عَن أوَامِر اسْم الله تَعَالَى وَأَحْكَامه التكليفية المشروعية الَّتِي لَا رخصَة فِيهَا.
الطَّرْد فِي الْمَشْهُور التلازم فِي الثُّبُوت وَالتَّفْصِيل فِي الاطراد وَفِي الأَصْل الطَّرْد وجوب الحكم بِوُجُود الْعلَّة وَلَا شكّ أَن اللَّازِم الْمَذْكُور لَازم لذَلِك الْوُجُوب فَمَا هُوَ الْمَشْهُور أَن الطَّرْد هُوَ التلازم الْمَذْكُور تَفْسِير باللازم.
الطَّرِيقَة: هِيَ السِّيرَة المختصة بالسالكين إِلَى الله تَعَالَى من قطع الْمنَازل والترقي فِي المقامات.
الطَّرِيقَة المتحرقة: هِيَ الدَّرَجَات الَّتِي بَين هبوط الشَّمْس وهبوط الْقَمَر وَهِي من أول الدرجَة التَّاسِعَة عشر من الْمِيزَان إِلَى أول الدرجَة الرَّابِعَة من الْعَقْرَب وَالْقَمَر فِيهَا يكون منحوسا.
الطردية: فِي الْعلَّة الطردية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
طَريقَة أهل السّنة: أَي عقائدهم وأعمالهم أَن الْعَالم حَادث بحدوث زماني والصانع قديم متصف بِصِفَات قديمَة لَيست عينه - وَلَا غَيره - وَاحِد لَا شبه لَهُ - وَلَا ضد لَهُ - وَلَا ند لَهُ - وَلَا صُورَة - وَلَا حد - لَا يحل فِي شَيْء - وَلَا يقوم بِهِ حَادث - وَلَا يَصح عَلَيْهِ الْحَرَكَة والانتقال - وَلَا الْجَهْل - وَالْكذب - وَالنَّقْص - وَأَنه يرى فِي الْآخِرَة - وَلَيْسَ فِي حيّز - وَلَا فِي جِهَة - مَا شَاءَ كَانَ - وَمَا لم يَشَأْ لم يكن - وَلَا يحْتَاج إِلَى شَيْء
(2/199)

- وَلَا يجب عَلَيْهِ شَيْء - كل الْمَخْلُوقَات بِقَضَائِهِ وَقدره وإرادته ومشيئته. لَكِن القبائح مِنْهَا لَيست بِرِضَاهُ وَأمره ومحبته. وَإِن الْمعَاد الجسماني وَسَائِر مَا ورد بِهِ السّمع من عَذَاب الْقَبْر - والحساب - والصراط - وَالْمِيزَان - وَغير ذَلِك حق. وَإِن الْكفَّار مخلدون فِي النَّار دون الْفُسَّاق - وَإِن الْعَفو - والشفاعة حق. وَإِن أَشْرَاط السَّاعَة من خُرُوج الدَّجَّال - ويأجوج وَمَأْجُوج - ونزول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام - وطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا - وَخُرُوج دَابَّة الأَرْض حق، وَأول الْأَنْبِيَاء آدم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَآخرهمْ مُحَمَّد الْمُصْطَفى خَاتم الْأَنْبِيَاء - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأول الْخُلَفَاء أَبُو بكر الصّديق - ثمَّ عمر الْفَارُوق - ثمَّ عُثْمَان ذُو النورين - ثمَّ عَليّ المرتضى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ، والأفضلية بِهَذَا التَّرْتِيب مَعَ التَّرَدُّد فِيهَا بَين عُثْمَان وَعلي. وَالْإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْمهْدي سيولد منتظر مَجِيئه فِي آخر الزَّمَان لَا أَنه مَوْجُود فِي الْحَال مختف لخوف الْأَعْدَاء. وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ جَائِز - وَغسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ فرض.
(بَاب الطَّاء مَعَ الْعين الْمُهْملَة)

الطّعْم: مَعْرُوف وأنواعه تِسْعَة وَهِي المرارة - والحرافة - والملوحة والعفوصة - والحموضة - وَالْقَبْض - والحلاوة - والدسومة - والتفاهة. ثمَّ يحصل بِحَسب التراكيب أَنْوَاع لَا تحصى.
(بَاب الطَّاء مَعَ الْغَيْن الْمُعْجَمَة)

الطغيان: مُجَاوزَة الْحَد فِي الْعِصْيَان.
(بَاب الطَّاء مَعَ الْفَاء)

الطفرة: فِي اللُّغَة الوثبة يَعْنِي (جستن) يُقَال طفر يطفر طفورا. فِي التَّجْرِيد والضرورة قَضَت بِبُطْلَان الطفرة وَالْمرَاد هَا هُنَا انْتِقَال جسم من أَجزَاء الْمسَافَة إِلَى أَجزَاء آخر مِنْهَا من غير أَن يُحَاذِي مَا بَينهمَا من أَجْزَائِهَا. وَقَالَ بعض الأجلة الطفرة بالفارسي جستن والنظام من الْعلمَاء الْمُعْتَزلَة قَائِل بالطفرة وَهِي أَن يقطع المتحرك مَسَافَة بِحَيْثُ يثب ويطفر من مَكَان إِلَى مَكَان من غير أَن يُحَاذِي بالمسافة المتوسطة والنظام على وزن الْغُلَام فاحفظ.
(2/200)

الطفاوة: بِالضَّمِّ دَائِرَة بَيْضَاء تَامَّة وناقصة ترى حول الشَّمْس وَهِي نادرة جدا لِأَن الشَّمْس تحلل السحب الرقيقة. وَقد حكى الشَّيْخ أَبُو عَليّ بن سيناء فِي الشِّفَاء أَنه رأى حولهَا تَارَة الهالة التَّامَّة وَتارَة الهالة النَّاقِصَة على ألوان قَوس قزَح فِي السَّمَاء.
الطِّفْل: الصَّبِي حِين يسْقط من الْبَطن إِلَى أَن يَحْتَلِم وَقبل سُقُوطه يُسمى جَنِينا وَإِنَّمَا سمي طفْلا لِأَنَّهُ يتبع لكل شَيْء كالطفيلي كَمَا أَن الصَّبِي إِنَّمَا سمي صَبيا لِأَنَّهُ يصبو أَي يمِيل إِلَى كل شَيْء لَا سِيمَا الملاعب.
(بَاب الطَّاء مَعَ اللَّام)

الطلسم: علم يتعرف مِنْهُ كَيْفيَّة تمزيج القوى الْعَالِيَة الفعالة بالسافلة المنفعلة ليحدث عَنْهَا أَمر غَرِيب فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد وَاخْتلف فِي معنى الطلسم وَالْمَشْهُور أَقْوَال ثَلَاثَة الأول أَن الطل بِمَعْنى الْأَثر فَالْمَعْنى أثر اسْم الثَّانِي أَنه لفظ يوناني مَعْنَاهُ عقد لَا ينْحل الثَّالِث أَنه كِنَايَة عَن مسلط وَعلم الطلسمات أسْرع تناولا من علم السحر وَأقرب مسلكا وللسكاكي فِي هَذَا الْفَنّ كتاب جليل الْقدر عَظِيم الْخطر. وَأَيْضًا قَالُوا إِن الطلسم عبارَة بتمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية ليظْهر من ذَلِك آثَار غَرِيبَة وأفعال عَجِيبَة وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد الْحُكَمَاء بالليمياء كَمَا أَن الْعلم بتبديل قوى الْأَجْسَام المعدنية بَعْضهَا بِبَعْض ليحصل مِنْهُ الذَّهَب وَالْفِضَّة يسمونه بالكيمياء وَلَهُم عُلُوم أخر من هَذَا الْبَاب من الْعُلُوم الغريبة مثل السيمياء وَهُوَ الْعلم الَّذِي يتَصَرَّف بِهِ فِي خيال الْإِنْسَان ليحدث مِنْهُ مثالات خيالية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج ويلتذ بهَا ويفزع عَنْهَا كَمَا يلتذ يفزع بالصور الخارجية والهيمياء وَهُوَ الْعلم بأحوال السيارات السَّبْعَة من حَيْثُ إِنَّهَا تتصرف فِي السفليات ودعوتها وتسخيرها وَمَا يتَعَلَّق بذلك وَمِنْه تسخير الجنيات والريمياء وَهُوَ الْعلم بتمزيج القوى الأرضية بَعْضهَا بِبَعْض ليحدث مِنْهُ فعل غَرِيب وَمِنْه الشعبذة وَقد عبروا عَن هَذِه الْعُلُوم الْخَمْسَة وأشاروا إِلَيْهَا بحروف (كُله سر) الْحَاصِل من جمع الْحُرُوف الَّتِي فِي أَوَائِل أَسمَاء فِي الْعُلُوم.
الطل: بِالْفَارِسِيَّةِ (شب نم) ، وَفِي الصِّحَاح الطل أَضْعَف الْمَطَر وَالْجمع طلال.
الطلل: مَا شخص من آثَار الديار وَجمعه أطلال.
الطَّلَاق: اسْم بِمَعْنى التَّطْلِيق كالسلام بِمَعْنى التَّسْلِيم ومصدر طلقت الْمَرْأَة وَهُوَ فِي اللُّغَة رفع الْقَيْد مُطلقًا والتخلية من إِطْلَاق الْبَعِير. وَهُوَ إرْسَاله من عقاله وَفِي الشَّرْع
(2/201)

رفع الْقَيْد الثَّابِت شرعا بِالنِّكَاحِ وَإِزَالَة ذَلِك النِّكَاح وَيَقَع طَلَاق كل زوج عَاقل بَالغ وَلَو مكْرها على الطَّلَاق وأخرس بإشارته وَعبد أَو سَكرَان من الْخمر أَو النَّبِيذ أما إِذا سكر من البنج أَو من الْأَدْوِيَة لَا يَقع بِالْإِجْمَاع.
فِي خزانَة الرِّوَايَات وَإِن شرب من الْأَشْرِبَة المتخذة من الْحُبُوب والفواكه وَالْعَسَل إِذا طلق أَو أعتق اخْتلفُوا فِيهِ قَالَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر رَحمَه الله تَعَالَى الصَّحِيح أَنه كَمَا لَا يلْزمه الْحَد لَا ينفذ تصرفه. فِي الحمادية من الْجَوَاهِر فِي طَلَاق السَّكْرَان اخْتلفت الرِّوَايَات وَاخْتلف الْمَشَايِخ وَقَالَ أفتى بالوقوع سدا للشُّرْب بِقدر الوسع وَهُوَ الْأَظْهر من الْمَذْهَب. وَإِن كَانَت الرِّوَايَة الْأُخْرَى هِيَ الأقيس. فِي الْخُلَاصَة وَلَو شرب من الْأَشْرِبَة الَّتِي تتَّخذ من الْحُبُوب وَالْعَسَل فَسَكِرَ وطلق لَا يَقع عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَأبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى خلافًا لمُحَمد رَحمَه الله تَعَالَى فَإِن سُئِلَ كَيفَ إِذا لم يُطلق يَقع الطَّلَاق. فَالْجَوَاب أَن الزَّوْج إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مَا لم أطلقك أَو مَتى لم أطلقك أَو مَتى مَا لم أطلقك وَسكت طلقت.
ثمَّ اعْلَم أَن السّنيَّة فِي الطَّلَاق وبدعيته بِاعْتِبَار الْوَقْت وَالْعدَد فَإِن كَانَ الطَّلَاق فِي طهر لَا وطئ فِيهِ يكون سنيا وَفِيمَا سواهُ بدعيا من حَيْثُ الْوَقْت. فالطهر الَّذِي لَا وطئ فِيهِ وَقت يَجْعَل الطَّلَاق سنيا وَالْوَقْت الَّذِي سواهُ يَجْعَل الطَّلَاق بدعيا. وَإِن كَانَ الطَّلَاق وَاحِدًا يكون سنيا وَمَا سواهُ بدعيا من حَيْثُ الْعدَد. فالعدد الْوَاحِد هُوَ الَّذِي يكون الطَّلَاق بِحَسبِهِ سنيا وَبِمَا سواهُ بدعيا. وَالسّنة فِي الْوَقْت تثبت فِي الْمَدْخُول بهَا خَاصَّة وَهُوَ أَن يطلقهَا فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ. وَالسّنة فِي الْعدَد تستوي فِيهَا الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا فالطلاق الْوَاحِد سَوَاء كَانَ فِي الْحيض أَو الطُّهْر لغير الْمَدْخُول بهَا خَاصَّة سني وَالطَّلَاق لَيْسَ بموقوف على رضى الْمَرْأَة. وَهَا هُنَا مغالطة ستقف عَلَيْهَا فِي النِّكَاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَا فَوْقه فِي حَقّهَا وَفِي حق غَيرهَا بدعي. فَإِن كَانَ فِي طهر لَا وطئ فِيهِ يكون سنيا من حَيْثُ الْوَقْت وَإِلَّا فَيكون بدعيا من حَيْثُ الْوَقْت أَيْضا. وَالطَّلَاق أبْغض الْمُبَاحَات وَإِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ لحَاجَة الْخَلَاص وَدفع الضَّرَر عَن نَفسه وَهَذَا يحصل من الْوَاحِد وَالزَّائِد زَائِد لَا حَاجَة إِلَيْهِ.
الطَّلَاق الصَّرِيح: مَا اسْتعْمل فِي الطَّلَاق دون غَيره أَي كل لفظ مَوْضُوع للطَّلَاق بَين قوم لَا يُرِيدُونَ بِهِ إِلَّا الطَّلَاق فَهُوَ صَرِيح عَرَبيا كَانَ أَو فارسيا أَو غير ذَلِك وَالْوَاقِع بِهِ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ إِذا كَانَت مدخولة وَإِلَّا فالبائن.
الطَّلَاق بِالْكِنَايَةِ: هِيَ فِي اللُّغَة مَا استتر مَعْنَاهُ. وَفِي الشَّرْع مَا يحْتَمل الطَّلَاق وَغَيره وَلَا تطلق الْمَرْأَة إِلَّا بنية الطَّلَاق أَو دلَالَة الْحَال كمذاكرة الطَّلَاق وَهَذِه الْحَالة أدل على الطَّلَاق من النِّيَّة. وألفاظ الْكِنَايَات فِي كتب الْفِقْه وَالْوَاقِع بهَا الطَّلَاق الْوَاحِد الْبَائِن إِلَّا فِي اعْتدي واستبرئي رَحِمك وَأَنت وَاحِدَة فَإِنَّهَا تطلق بِهَذِهِ الثَّلَاثَة بِطَلْقَة وَاحِدَة رَجْعِيَّة.
(2/202)

الطَّلَاق الرَّجْعِيّ: هُوَ الطَّلَاق الَّذِي لَا يحرم الوطئ فِي الْعدة فَإِن وطئ فِيهَا وَقَالَ رَاجَعتك فِي الْحَضَر أَو راجعت امْرَأَتي فِي الْحَضَر والغيبة أَو فعل مَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة يكون النِّكَاح بَاقِيا على مَا كَانَ وَبعد مُضِيّ الْعدة تبين فَيحرم الوطئ ودواعيه وَيحْتَاج إِلَى نِكَاح جَدِيد.
وَاعْلَم أَن الزَّوْج بعد الطَّلَاق الرَّجْعِيّ سَوَاء كَانَ وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ وَسَوَاء رَجَعَ أَو لَا يبْقى مَالِكًا للاثنين أَو الْوَاحِد. هَذَا إِذا كَانَت حرَّة وَإِن كَانَت أمة فَبعد الطَّلَاق الرَّجْعِيّ الْوَاحِد يبْقى الطَّلَاق الْوَاحِد فِي ملكه لِأَن طَلَاق الْحرَّة ثَلَاث سَوَاء كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا وَطَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ سَوَاء كَانَت تَحت حر أَو عبد.
الطَّلَاق الْبَائِن: هُوَ الطَّلَاق الْمحرم للوطئ ودواعيه فَيحْتَاج إِلَى النِّكَاح الْجَدِيد فِي الْعدة أَو بعْدهَا وَالزَّوْج بعد الطَّلَاق الْبَائِن يبْقى مَالِكًا للاثنين إِن كَانَت حرَّة وَإِلَّا فللواحد لما مر.
الطَّلَاق المغلظ: أَي الشَّديد هُوَ الثَّلَاث إِن كَانَت حرَّة وَاثْنَتَانِ إِن كَانَت أمة وَلَا ينْكح المباينة بِهَذَا الطَّلَاق إِلَّا إِذا وَطئهَا غَيره وَلَو مراهقا بِنِكَاح صَحِيح ويمضي عدته لَا بِملك يَمِين. فِي الْمُضْمرَات وَلَو اشْترى تِلْكَ الْأمة بعْدهَا طَلقهَا تَطْلِيقَتَيْنِ لَا يحل لَهُ الوطئ بِملك الْيَمين حَتَّى تنْكح زوجا آخر وَيدخل بهَا. فِي دستور الْقُضَاة رجل تزوج امْرَأَة فَطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة وَقع الثَّلَاث فَأَرَادَ بعد الطَّلَاق جَوَاز العقد فَالْحِيلَةُ أَن تسْأَل الْمَرْأَة عَن شُرُوط الْإِسْلَام فَإِن كَانَت عَالِمَة لَا يجوز العقد بِغَيْر العقد الثَّانِي. وَإِن كَانَت جاهلة عرض القَاضِي الشُّرُوط على الْمَرْأَة فَبَطل الأول بكفرها ثمَّ العقد الثَّانِي يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَزفر رَحِمهم الله تَعَالَى انْتهى. وَفِي شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة لأبي المكارم رَحمَه الله فَإِن علق الثَّلَاث بِشَرْط ثمَّ أَرَادَ أَن يَقع الشَّرْط بِدُونِ وُقُوع الثَّلَاث فَالْحِيلَةُ أَن يطلقهَا وَاحِدَة وتنقضي عدتهَا ثمَّ أوجد الشَّرْط فَيبْطل الْيَمين فَبعد ذَلِك لَو تزَوجهَا فَوجدَ الشَّرْط لَا يَقع شَيْء لبُطْلَان الْيَمين سَابِقًا انْتهى.
الطَّلَاق الصَّرِيح: يلْحق الصَّرِيح والبائن والبائن يلْحق الصَّرِيح لَا الْبَائِن وَمن أَرَادَ فهم هَذِه الْمسَائِل الْأَرْبَع فليفهم هَذَا النّظم.
(وَالْمُطلق قد تطلق وَالْمُطلق قد تبان ... والمبانة قد تطلق والمبانة لَا تبان)

ثمَّ الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه أحسن وَحسن وبدعي.
الطَّلَاق الْأَحْسَن: أَن يُطلق الرجل زَوجته تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لَا وطئ فِيهِ وَتركهَا حَتَّى تمْضِي عدتهَا وَهَذِه التطليقة طَلَاق سني من حَيْثُ الْعدَد وَالْوَقْت أَيْضا لما مر. وَأحسن لما رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم كَانُوا
(2/203)

يستحبون أَن لَا يزِيدُوا فِي الطَّلَاق على وَاحِدَة حَتَّى تمْضِي عدتهَا وَلِأَنَّهُ أبعد من النَّدَم لتمكنه من التَّدَارُك بِالرُّجُوعِ.
الطَّلَاق الْحسن: أَن يطلقهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاث أطهار لَا وطئ فِيهَا وَهَذَا الطَّلَاق حسن لِإِمْكَان التَّدَارُك بعد الأول وَالثَّانِي أَيْضا إِذا كَانَت حرَّة وَهَذَا الطَّلَاق سني أَيْضا من حَيْثُ الْوَقْت لما مر.
الطَّلَاق البدعي: أَن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَات متفرقات فِي طهر وَاحِد أَو بِكَلِمَة وَاحِدَة فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا وَكَذَا إِيقَاع الثِّنْتَيْنِ بِمرَّة أَو مرَّتَيْنِ فِي طهر وَاحِد لَا رَجْعَة فِيهِ أَو وَاحِدَة فِي طهر وطِئت أَو فِي حيض وَهِي مَوْطُوءَة وَهَذَا الطَّلَاق سني من حَيْثُ الْعدَد بدعي من حَيْثُ الْوَقْت. وَالطَّلَاق الْمَذْكُور أَعنِي تطليقها ثَلَاثًا بِكَلِمَات متفرقات فِي طهر وَاحِد أَو بِكَلِمَة وَاحِدَة فِي طهر وَاحِد لَا وطئ فِيهِ سني من حَيْثُ الْوَقْت وبدعي من حَيْثُ الْعدَد لما ذكرنَا فِي الطَّلَاق.
وَفِي شرح الْوِقَايَة اعْلَم أَن الطَّلَاق أبْغض الْمُبَاحَات فَلَا بُد وَأَن يكون بِقدر الضَّرُورَة فأحسنه الْوَاحِد فِي طهر لَا وطئ فِيهِ - أما الْوَاحِدَة فَلِأَنَّهَا أقل - وَأما فِي الطُّهْر فَلِأَنَّهُ إِن كَانَ فِي الْحيض يُمكن أَن يكون لنفرة الطَّبْع لَا لأجل الْمصلحَة - وَأما عدم الوطئ فلئلا يكون شُبْهَة الْعلُوق انْتهى.
الطلاء: بِالْكَسْرِ وَفتح الثَّانِي الذَّهَب وَمَاء عِنَب قد طبخ أَو ترك فِي الشَّمْس فَذهب أقل من ثُلثَيْهِ وَهُوَ حرَام وَإِنَّمَا قيد بقَوْلهمْ أقل لِأَنَّهُ لَو ذهب ثُلُثَاهُ فَمَا دَامَ حلوا يحل شربه عِنْد الْكل وَإِذا غلي وَاشْتَدَّ يحل شربه عِنْدهمَا مَا لم يسكر خلافًا لمُحَمد رَحمَه الله تَعَالَى.
طلب المواثبة: اعْلَم أَنه لَا بُد للشَّفِيع من طلب المواثبة حَتَّى لَو تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ إِن لم يكن فِي الصَّلَاة وَلم يَأْخُذهُ أحد بطلت شفعته - (وَطلب الشَّفِيع) على ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا طلب المواثبة وَهُوَ طلب الشَّفِيع الشُّفْعَة على فَور علمه بِالْبيعِ من غير توقف سَوَاء كَانَ عِنْده إِنْسَان أَو لم يكن. وَالتَّفْصِيل فِي الْهِدَايَة - وَإِنَّمَا سمي هَذَا الطّلب بِطَلَب المواثبة تبركا بِلَفْظ الحَدِيث - قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الشُّفْعَة لمن واثبها - أَي لمن طلبَهَا على وَجه السرعة والمبادرة مفاعلة من الْوُثُوب على الِاسْتِعَارَة لَا من يثب يسْرع فِي طي الأَرْض بمشيه. وَالثَّانِي طلب التَّقْرِير وَالْإِشْهَاد وَهُوَ الإنهاض عَن مجْلِس طلب المواثبة وَالْإِشْهَاد على البَائِع إِن كَانَ الْعقار فِي يَده أَو على المُشْتَرِي وَلَو كَانَ فِي يَد البَائِع أَو عِنْد الْعقار بِأَن يَقُول إِن فلَانا بَاعَ هَذِه الدَّار وَيذكر حُدُودهَا الْأَرْبَعَة وَأَنا شفيعها وَكنت طلبت الشَّفَقَة واطلبها الْآن فَاشْهَدُوا على ذَلِك. فَإِذا فعل ذَلِك اسْتَقَرَّتْ شفعته لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يتَمَكَّن من إِثْبَات طلب المواثبة عِنْد القَاضِي. وَوجه التَّسْمِيَة من هَذَا الْبَيَان وَاضح
(2/204)

وَلَو سمع الشِّرَاء بِحَضْرَة البَائِع أَو المُشْتَرِي أَو الدَّار وَطلب طلب المواثبة وَأشْهد على ذَلِك فَذَلِك يَكْفِيهِ وَيقوم مقَام الطلبين كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة. وَالثَّالِث
طلب الْخُصُومَة: وَهُوَ طلب عِنْد القَاضِي بِأَن يَقُول عِنْده اشْترى فلَان دَارا كَذَا وَأَنا شفيعها بدار كَذَا أَي فمره يسلم إِلَيّ وَإِذا طلب الشَّفِيع سَأَلَ القَاضِي الْخصم وَسَائِر التَّفْصِيل فِي كتب الْفِقْه.
(بَاب الطَّاء مَعَ الْوَاو)

الطول: فِي اصْطِلَاح الهندسة أطول الامتدادين وَلَو فرضا وَالْفضل وَالزِّيَادَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} أَي من لم يملك زِيَادَة فِي مَال يملك بهَا نِكَاح الْحرَّة فَلْيَنْكِح مَمْلُوكَة من الْإِمَاء المسلمات.
الطوالع: أول مَا يَبْدُو من تجليات الْأَسْمَاء الإلهية على بَاطِن العَبْد فبحسب أخلاقه وَصِفَاته ينور بَاطِنه.
طوال الْمفصل: فِي الْمفصل.
(بَاب الطَّاء مَعَ الْهَاء)

الطُّهْر وَالطَّهَارَة: فِي اللُّغَة النَّظَافَة وَهُوَ على نَوْعَيْنِ ظاهري وباطني وَالطَّهَارَة الظَّاهِرِيَّة فِي الشَّرْع عبارَة عَن غسل أَعْضَاء مَخْصُوصَة بِصفة مَخْصُوصَة وَهِي نَوْعَانِ الطَّهَارَة الْكُبْرَى وَهِي الْغسْل أَو نَائِبه وَهُوَ التَّيَمُّم للْغسْل وَالطَّهَارَة الصُّغْرَى وَهِي الْوضُوء أَو نَائِبه وَهُوَ التَّيَمُّم للْوُضُوء وَالطَّهَارَة الباطنية تَنْزِيه الْقلب وتصفيته عَن نَجَاسَة الْكفْر والنفاق وَسَائِر الْأَخْلَاق الذميمة الْبَاطِنَة.
وَالطُّهْر عِنْد الْفُقَهَاء: فِي بَاب الْحيض هُوَ الْفَاصِل بَين الدمين وَأقله عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى خَمْسَة عشر يَوْمًا كَمَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَلَا يعرف ذَلِك إِلَّا سَمَاعا. وَالتَّفْصِيل فِي كتب الْفِقْه. وَلَا حد لأكْثر الطُّهْر لِأَنَّهُ قد يَمْتَد إِلَى سنة وسنتين فَصَاعِدا وَقد لَا ترى الْحيض أصلا فَلَا يُمكن تَقْدِيره فَحِينَئِذٍ تصلي وتصوم وَمَا يرى فَهُوَ الطُّهْر وَإِن استغرق لَكِن إِذا اسْتمرّ الدَّم فَإِن كَانَت مبتدئة فحيضها عشرَة وطهرها عشرُون. وَإِن كَانَت مُعْتَادَة فَإِن كَانَت ناسية أَيَّامهَا فتردت بَين الْحيض وَالطُّهْر
(2/205)

وَالْخُرُوج من الْحيض فَإِنَّهَا تصلي بِالْغسْلِ لكل صَلَاة بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ صَاحب نَام حق.
(هرزنى راكه كم شود أَيَّام ... غسل بايد بهر نمازمدام)

بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة لَا بِفَتْحِهَا كَمَا زعم الجهلاء. وَالْقِيَاس أَن تَغْتَسِل لكل سَاعَة لَكِن سقط ذَلِك للْحَرج وَلَا يطَأ زَوجهَا بِالتَّحَرِّي لِأَنَّهُ لَا يجوز فِي بَاب الْفروج. وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا يَطَأهَا بِالتَّحَرِّي لِأَنَّهُ حَقه فِي حَالَة الطُّهْر وزمانه غَالب. وَفِي الْمَبْسُوط إِذا كَانَت لَهَا أَيَّام مَعْلُومَة فِي كل شهر فَانْقَطع عَنْهَا الدَّم أشهرا ثمَّ عَاد وَاسْتمرّ بهَا وَقد نسيت أَيَّامهَا فَإِنَّهَا تمسك عَن الصَّلَاة ثَلَاثَة أَيَّام من أول الِاسْتِمْرَار ثمَّ تَغْتَسِل لكل صَلَاة من سَبْعَة أَيَّام ثمَّ تتوضأ عشْرين يَوْمًا لوقت كل صَلَاة ويأتيها زَوجهَا وَإِن كَانَت عَالِمَة حافظة أَيَّام حَيْضهَا وطهرها فَيحْتَاج إِلَى نصب الْعَادة. وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو عصمَة سعيد بن معَاذ الْمروزِي وَأَبُو حَازِم عبد الحميد لَا يقدر طهرهَا بِشَيْء وَلَا تَنْقَضِي عدتهَا أبدا. وَقَالَت الْعَامَّة يقدر طهرهَا للضَّرُورَة والبلوى. ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الميداني يقدر بِسِتَّة أشهر إِلَّا سَاعَة.
الطُّهْر المتخلل: بَين الدمين فِي الْمدَّة وحيض ونفاس.
(ف (66)) .
(2/206)

( [حرف الظَّاء] )

(بَاب الظَّاء مَعَ الْألف)

ظَاهر الرِّوَايَة وَظَاهر الْمَذْهَب: عبارتان عِنْد الْفُقَهَاء عَمَّا فِي كتب خَمْسَة صنفها الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى وأساميها ستعرف فِي الْفَتْوَى إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الظَّاهِر: ظَاهر. وَفِي اصْطِلَاح أصُول الْفِقْه كل كَلَام يكون المُرَاد مِنْهُ ظَاهرا للسامع بِنَفس الصِّيغَة كَقَوْلِه تَعَالَى {أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا} فَإِن كل عرب إِذا سمع هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يفهم حلَّة البيع وَحُرْمَة الرِّبَا من غير تَأمل وَالظَّاهِر قد يحْتَمل التَّأْوِيل والتخصيص.
ظَاهر الْعلم: عِنْد أَرْبَاب الْحَقَائِق عبارَة عَن أَعْيَان الممكنات.
ظَاهر الْوُجُود: عِنْدهم عبارَة عَن تجليات الْأَسْمَاء فَإِن الامتياز فِي ظَاهر الْعلم حَقِيقِيّ والوحدة نسبية وَأما فِي ظَاهر الْوُجُود فالوحدة حَقِيقِيَّة والامتياز نسبي.
ظَاهر الممكنات: عِنْدهم تجلي الْحق بصور أعيانها وصفاتها وَهُوَ الْمُسَمّى بالوجود الإلهي. وَقد يُطلق عَلَيْهِ ظَاهر الْوُجُود كَذَا فِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية.
(بَاب الظَّاء مَعَ الرَّاء)

الظَّرْفِيَّة: حُلُول الشَّيْء فِي غَيره حَقِيقَة نَحْو المَال فِي الْكيس. أَو مجَازًا نَحْو نظرت فِي الْكتاب.
الظّرْف: مَا يكون محيطا لشَيْء ومحلا لَهُ كالزمان وَالْمَكَان. وَمَا هُوَ عِنْد أَرْبَاب الْأُصُول فِي المعيار إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَيُقَال للْجَار مَعَ الْمَجْرُور ظرفا. فَإِن كَانَ عَامله أَي مُتَعَلّقه مَذْكُورا فَهُوَ.
الظّرْف اللَّغْو: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لإلغائه عَن أَن يقوم مقَام مُتَعَلّقه لكَونه مَذْكُورا مثل زيد كَائِن فِي الدَّار. وَإِن كَانَ مُقَدرا فَهُوَ.
(2/207)

الظّرْف المستقر: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لاستقراره مقَام مُتَعَلقَة الْعَامِل فِيهِ مثل زيد فِي الدَّار.
(بَاب الظَّاء مَعَ اللَّام)

الظُّلم: ارْتِكَاب مَعْصِيّة مسقطة للعدالة مَعَ عدم التَّوْبَة والإصلاح وَتلك الْمعْصِيَة هِيَ الَّتِي إِذا ارتكبها شخص لَا يقبل شَهَادَته وَمن ارْتكب الْمعاصِي الَّتِي لَيست مسقطة للعدالة لَيْسَ بظالم لكنه غير مَعْصُوم. فالظالم أخص من غير الْمَعْصُوم وَالْأولَى أَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَحَله نعم مَا قَالَ الشَّيْخ الْأَجَل مصلح الدّين السَّعْدِيّ الشيرازمي قدس سره.
(نكوئى بابدان كردن جنان است ... كه بدكرد ن بجاي نيك مردان)

وَقيل الظُّلم هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر ومجاوزة الْحَد.
الظل: هُوَ الَّذِي تنسخه الشَّمْس من الطُّلُوع إِلَى الزَّوَال ثمَّ مِنْهُ إِلَى الْغُرُوب فَيْء وَفِي تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله هُوَ مَا بَين طُلُوع الْفجْر وَالشَّمْس هُوَ أطيب الْأَحْوَال فَإِن الظلمَة الْخَالِصَة تنفر الطَّبْع وتشد النّظر وشعاع الشَّمْس يسخن الجو وينهر الْبَصَر وَلذَلِك وصف بِهِ الْجنَّة فَقَالَ وظل ممدودا انْتهى.
والظل عِنْد الصُّوفِيَّة هُوَ الْمَوْجُود الإضافي الظَّاهِر بتعينات الْأَعْيَان الممكنة وأحكامها الَّتِي هِيَ المعدومات ظهر باسم النُّور الَّذِي هُوَ الْوُجُود الْخَارِجِي الْمَنْسُوب إِلَيْهَا فَيسْتر ظلمَة عدميتها النُّور الظَّاهِر بصورها صَار ظلا بِظُهُور الظل بِالنورِ وعدميته فِي نَفسه قَالَ الله تَعَالَى {ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل} أَي بسط الْوُجُود الإضافي على الممكنات.
قَالَ الشَّيْخ الْعَارِف الْكَامِل الْوَاصِل بِاللَّه الغواص فِي بحار معرفَة الله الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بفقيه عَليّ المهايمي قدس سره وأنور مرقده فِي تَفْسِيره المشتهر بالتفسير الرحماني {ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل} دلّ على وجوده الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ بالوجود المنبسط على حقائق الْأَشْيَاء الَّذِي هُوَ كالظل حَيْثُ مد بعد الْفجْر قبل طُلُوع الشَّمْس الظل من إشراق نور الشَّمْس عِنْد كَونهَا تَحت الْأُفق على الْهَوَاء الَّتِي فَوْقهَا تظهر بِهِ الْأَشْيَاء بعد تكونها فِي ظلمَة اللَّيْل كَذَلِك تظهر بالوجود المنبسط على الْحَقَائِق بعد تكونها فِي ظلمَة الْعَدَم انْتهى.
(2/208)

ظلّ الْأَقْدَام: اعْلَم أَن الظل عِنْد العاملين بالاصطرلاب وَالرّبع الْمُجيب على نَوْعَيْنِ. أَحدهمَا ظلّ الْأَقْدَام وَهُوَ ظلّ المقياس الْقَائِم على الأَرْض المنقسم على سَبْعَة أَجزَاء وَيُسمى كل جُزْء قدما فَإِن كل إِنْسَان يكون مِقْدَار سَبْعَة أقدامه. وَثَانِيهمَا
ظلّ الْأَصَابِع: وَهُوَ ظلّ ذَلِك المقياس المنقسم على اثْنَي عشر جُزْءا وَيُسمى كل جُزْء من ذَلِك المقياس أصبعا لِأَن غَالب مَا يقدر بِهِ الْإِنْسَان شبره والشبر اثْنَا عشر أصبعا أَو لِأَن الْغَالِب فِي مِقْدَار المقياس هُوَ الشبر.
الظل الأول: هُوَ الْعقل الأول لِأَنَّهُ أول عين ظَهرت بنوره تَعَالَى.
ظلّ الله: هُوَ الْإِنْسَان الْكَامِل والمحقق بالحضرة الواحدية.
الظلة: بِالضَّمِّ هِيَ الَّتِي أحد طرفِي جذوعها على حَائِط هَذِه الدَّار وطرفها الآخر على حَائِط الْجِدَار الْمُقَابل. فِي المسكيني شرح كنز الدقائق الظلة هِيَ الساباط الَّذِي أحد طَرفَيْهِ على الدَّار والطرف الآخر على دَار أُخْرَى أَو على الأسطوانات فِي السِّكَّة وَإِلَّا مفتحها فِي الدَّار.
الظلمَة: عدم النُّور عَمَّا من شَأْنه أَن يَسْتَنِير وَجَمعهَا الظُّلم.
الظل الأول: والظل المنكوس والظل المستوي والظل الْمَبْسُوط والظل الثَّانِي والظل المعكوس - فِي المقياس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الظَّاء مَعَ النُّون)

الظَّن: هُوَ الِاعْتِقَاد الرَّاجِح مَعَ احْتِمَال النقيض. وَقد يسْتَعْمل فِي الْيَقِين وَالشَّكّ كَمَا يسْتَعْمل الشَّك فِي الظَّن كَمَا ستعلم فِي الْيَقِين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الظَّاء مَعَ الْهَاء)

الظِّهَار: بِالْكَسْرِ من الظّهْر وَهُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنى المعاونة كالتظاهر بِمَعْنى التعاون وَتقول ظَاهر من امْرَأَته وتظاهر مِنْهَا أَي قَالَ لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وتعديته بِمن لتضمين معنى الْبعد. وَفِي الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق الظِّهَار فِي اللُّغَة مصدر ظَاهر امْرَأَته إِذا قَالَ لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي كَذَا فِي الصِّحَاح وَفِي الْمِصْبَاح قيل إِنَّمَا خص ذَلِك بِذكر الظّهْر لِأَن الظّهْر من الدَّابَّة مَوْضُوع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوبة وَقت الغشيان فركوب الْأُم مستعار من ركُوب الدَّابَّة ثمَّ شبه ركُوب الزَّوْجَة بركوب الْأُم الَّذِي هُوَ مُمْتَنع وَهُوَ اسْتِعَارَة لَطِيفَة فَكَأَنَّهُ قَالَ ركوبك للنِّكَاح حرَام عَليّ وَكَانَ الظِّهَار طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة
(2/209)

فنهوا عَن الطَّلَاق بِلَفْظ الْجَاهِلِيَّة وَأوجب عَلَيْهِم الْكَفَّارَة تَغْلِيظًا فِي النَّهْي انْتهى.
وَهُوَ فِي الشَّرْع تَشْبِيه زَوْجَة أَو تَشْبِيه مَا عبر بِهِ عَنْهَا كالرأس وَالْوَجْه والرقبة وَنَحْوهَا أَو تَشْبِيه جُزْء شَائِع مِنْهَا كالنصف وَالرّبع بعضو يحرم نظره إِلَيْهِ من أَعْضَاء مَحَارمه أبدا نسبا أَو رضَاعًا أَو ظهرية كَأُمِّهِ وبنته نسبا أَو رضَاعًا وَأم امْرَأَته وَلَا بُد وَأَن يكون الْمظَاهر مُسلما عَاقِلا بَالغا فَلَا صَحَّ ظِهَار الذِّمِّيّ وَالْمَجْنُون وَالصَّبِيّ. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الظِّهَار تَشْبِيه مُسلم عَاقل بَالغ مَا يُضَاف وينسب إِلَيْهِ الطَّلَاق من الزَّوْجَة بِمَا يحرم إِلَيْهِ النّظر من عُضْو محرمه أَي الْمحرم نِكَاحهَا مؤيدا بِنسَب أَو رضَاع أَو صهرية.
وَفِي كنز الدقائق هُوَ تَشْبِيه الْمَنْكُوحَة بمحرمة عَلَيْهِ على التَّأْبِيد. قيد التَّشْبِيه بالمنكوحة احْتِرَازًا عَن الْأمة والأجنبية وَلم يقيدها بِشَيْء ليشْمل المدخولة وَغَيرهَا. الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، الرتقاء وَغَيرهَا، الْعَاقِلَة والمجنونة، الْمسلمَة والكتابية وَقيد بالتأبيد لِأَنَّهُ لَو شبهها بأخت امْرَأَته لَا يكون مُظَاهرا لِأَن حرمتهَا مُؤَقَّتَة بِكَوْن امْرَأَته فِي عصمته وَكَذَا الْمُطلقَة ثَلَاثًا. وَأطلق الْحُرْمَة فَيشْمَل الْمُحرمَة نسبا وصهرا ورضاعا فَلَو شبهها بِأُمِّهِ أَو بِأم امْرَأَته أَو بِأُمِّهِ رضَاعًا كَانَ مُظَاهرا. وَأَرَادَ بالتأبيد تأبيد الْحُرْمَة بِاعْتِبَار وصف لَا يُمكن زَوَاله لَا بِاعْتِبَار وصف يُمكن زَوَاله فَإِن للمجوسية حُرْمَة لَا على التَّأْبِيد فَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر مَجُوسِيَّة لَا يكون مُظَاهرا. ذكر فِي جَوَامِع الْفِقْه لِأَن التَّأْبِيد بِاعْتِبَار دوَام الْوَصْف وَهُوَ غير لَازم للمجوسية لجَوَاز إسْلَامهَا بِخِلَاف الأمية والأختية وَغَيرهمَا كَذَا فِي فتح الْقَدِير وَهُوَ يُوجب حُرْمَة الوطئ ودواعيه حَتَّى يكفر فَلَو وطئ قبل التَّكْفِير يكون عَاصِيا اسْتغْفر الْغفار وَلَا يجب عَلَيْهِ غير الْكَفَّارَة الأولى. وَإِنَّمَا تجب الْكَفَّارَة بِعُود الْمظَاهر ورجوعه. فالعود هُوَ الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ ويستقر وُجُوبهَا بِهِ وَلَيْسَ المُرَاد بِالْعودِ الْوَطْء بل عوده عزمه على وَطئهَا وكفارته تَحْرِير رَقَبَة فَإِن لم يسْتَطع عَلَيْهَا صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين لَيْسَ فيهمَا رَمَضَان وَأَيَّام منهية وَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم أطْعم سِتِّينَ فَقِيرا كالفطرة أَو قِيمَته.
(2/210)

( [حرف الْعين] )

(بَاب الْعين مَعَ الْألف)

الْعَارِف: فِي الْمعرفَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد مر فِي الزَّاهِد كَمَا أَن
العابد: فِي الزَّاهِد أَيْضا.
العائق: الْمَانِع وَجمعه الْعَوَائِق أَي الْمَوَانِع.
الْعَادة طبيعة خَامِسَة: لَيْت شعري مَا المُرَاد بِهَذَا القَوْل الْمَشْهُور فَإِن الطبيعة أَمْرَانِ جبلي وعادي - وَالْأول أَرْبَعَة دموي وصفراوي وسوداوي وبلغمي فَالْقَوْل بِأَن الْعَادة طبيعة خَامِسَة بِنَاء على أَقسَام الْجبلي لَيْسَ بصواب فالعادة لَيست إِلَّا طَبِيعَته ثَانِيَة.
عَاشُورَاء: هُوَ الْيَوْم الْعَاشِر من الْمحرم يَوْم عَظِيم حدثت فِيهِ حوادث عَظِيمَة الشَّأْن عَجِيبَة الْبَيَان، كخلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وإخراجه من الْجنان، وَقبُول تَوْبَته - ومغفرته عَن الْعِصْيَان، وطوفان نوح عَلَيْهِ السَّلَام - سِيمَا شَهَادَة الإِمَام الْهمام الْمَظْلُوم الْمَعْصُوم الشَّهِيد السعيد أبي عبد الله الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ابْن أَسد الله الْغَالِب عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وسيحدث فِيهِ أُمُور عِظَام جسام أَو مهولة مخوفة، كخروج الإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْمهْدي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - ونزول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام من السَّمَاء - وَخُرُوج الدَّجَّال - ودابة الأَرْض - خُصُوصا قيام الْقِيَامَة كَمَا أخبر بهَا الْمخبر الصَّادِق الصدوق نَبِي آخر الزَّمَان عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام من الله الْملك المنان وَاسْتحْسن الْفُقَهَاء فِيهِ عشرَة أَعمال كَمَا قَالَ وَاحِد من الأكابر:
(عَلَيْكُم يَوْم عَاشُورَاء قومِي ... بِأَن تَأْتُوا بِعشر من خِصَال)

(بِصَوْم وَالصَّلَاة وَمسح أيد ... على رَأس الْيَتِيم والاغتسال)

(وَصلح والعيادة للأعلا ... وتوسيع الطَّعَام على الْعِيَال)

(وثامنها زِيَارَة عالميكم ... وتاسعها الدُّعَاء مَعَ اكتحال)

وَلم تثبت هَذِه الْأَعْمَال من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، فَإِن الْأَحَادِيث المنقولة فِيهَا مَوْضُوعَات - وَإِن أردْت أَن تكشف غطاءك عَن أَحْوَال هَذِه الْعشْرَة فَعَلَيْك أَن تطالع (تَحْقِيق لَيْلَة الرغائب والبرات) نعم الصَّوْم وتوسيع الطَّعَام على الْعِيَال فِي الْيَوْم الْمَذْكُور ثَابت بالأحاديث الصَّحِيحَة وَإِنَّمَا سمي عَاشُورَاء لِأَن الله تَعَالَى أعْطى لعشرة من الْأَنْبِيَاء
(2/211)

عشر كرامات فِي ذَلِك الْيَوْم - آدم - وَإِدْرِيس - ونوحا - وَيُونُس - وَأَيوب - ويوسف - ومُوسَى - وَعِيسَى - وَإِبْرَاهِيم - ومحمدا - صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَهَذَا يَوْم من أطَاع الله تَعَالَى فِيهِ نَالَ جزيل الثَّوَاب - وَمن عَصَاهُ فِيهِ عُوقِبَ بأشد الْعقَاب وَالْعَذَاب - كقاتل حُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بل من أَمر بقتْله واستبشر بِهِ.
وَفِي اليواقيت يجب على الْأَبَوَيْنِ أَن يأمرا الصَّبِي بِصَوْم عَاشُورَاء إِذا كَانَ لَا يلْحقهُ ضَرَر لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي الْمُخْتَار عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَدْعُو الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقت السحر ويلقي البزاق فِي فيهمَا وَكَانَ يَقُول لفاطمة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَا تطعميهما الْيَوْم شَيْئا فَإِن هَذَا يَوْم تَصُوم الوحوش وَلَا تَأْكُل. وَفِي الْمُلْتَقط روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ من صَامَ يَوْم عَاشُورَاء كَانَ كَفَّارَة لذنب سنة وَمن وسع النَّفَقَة على عِيَاله يُوسع الله عَلَيْهِ الرزق سنة. وَفِي الشرعة يسْتَحبّ أَن يَصُوم قبل يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا وَبعده يَوْمًا خلافًا لأهل الْكتاب. وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء والعباد يلتزمون الصَّلَاة والأدعية فِي هَذَا الْيَوْم ويذكرون فِيهَا الْأَحَادِيث وَلم يثبت شَيْء مِنْهَا عِنْد أهل الحَدِيث غير الصَّوْم وتوسيع الطَّعَام كَمَا مر.
ف (67) :
الْعَارِض السماوي: مَا ثَبت من قبل الشَّارِع بِدُونِ اخْتِيَار العَبْد فِيهِ وَلِهَذَا نسب إِلَى السَّمَاء فَإِن مَا لَا اخْتِيَار للْعَبد فِيهِ ينْسب إِلَى السَّمَاء على معنى أَنه خَارج عَن قدرَة العَبْد نَازل من السَّمَاء كالجنون - والصغر - والعته - وَالنِّسْيَان وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء - والرزق - وَالْمَرَض - وَالْحيض - وَالنّفاس - وَالْمَوْت.
الْعَارِية: فِي الْكِفَايَة فِي الصِّحَاح الْعَارِية بتَشْديد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار لِأَن طلبَهَا عَار وعيب. وَفِي الْمغرب الْعَارِية فَعَلَيهِ منسوبة إِلَى العارة اسْم من الْإِعَارَة كالغارة من الإغارة وَأَخذهَا من الْعَار بِمَعْنى الْعَيْب أَو العرى خطأ وَفِي الْمَبْسُوط وَقيل هِيَ من التعاور وَهُوَ التناوب فَكَانَ الْمُعير يَجْعَل للْغَيْر نوبَته فِي الِانْتِفَاع بِملكه على أَن تعود النّوبَة إِلَيْهِ بالاسترداد مَتى شَاءَ وَلِهَذَا كَانَت الْإِعَارَة فِي الْمكيل وَالْمَوْزُون قرضا لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بهَا إِلَّا باستهلاك الْعين وَلَا تعود النّوبَة إِلَيْهِ فِي ملك الْعين ليَكُون حَقِيقَة وَإِنَّمَا تعود النّوبَة إِلَيْهِ فِي ملكهَا انْتهى. فَهِيَ معتل الْعين وَجوز بَعضهم كَونهَا معتل اللَّام من العرى بِالضَّمِّ والسكون مصدر عرى يعرى فَهُوَ عَار وعريان من بَاب علم وَالْيَاء للنسبة سمي العقد بِهِ لتعريه عَن الْعِوَض. وَالْعَارِية فِي الشَّرْع تمْلِيك الْمَنْفَعَة بِلَا عوض.
وَاعْلَم أَن الْوَدِيعَة وَالْعَارِية وَرَأس المَال فِي الْمُضَاربَة مُشْتَركَة فِي كَون كل مِنْهَا
(2/212)

أَمَانَة وَالْفرق بَينهمَا أَن الْوَدِيعَة أَمَانَة تركت للْحِفْظ، وَالْعَارِية أَمَانَة دفعت للْحِفْظ وَالِانْتِفَاع وَرَأس المَال فِي الْمُضَاربَة دفعت للْحِفْظ والاسترباح.
الْعَامِل: فِي اللُّغَة كأركن. وَعند النُّحَاة مَا بِهِ يتقوم الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للإعراب وَهُوَ على نَوْعَيْنِ - لَفْظِي - ومعنوي.
الْعَامِل اللَّفْظِيّ: مَا يكون ملفوظا عَاملا اسْما أَو فعلا أَو حرفا.
الْعَامِل الْمَعْنَوِيّ: هُوَ الْعَامِل الَّذِي لَا يكون للسان حَظّ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ معنى يعرف بِالْقَلْبِ، ثمَّ الْعَامِل اللَّفْظِيّ على نَوْعَيْنِ - سَمَاعي - وقياسي.
الْعَامِل السماعي: مَا سمع من الْعَرَب وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ فَيُقَال هَذَا يعْمل كَذَا وَهَذَا يعْمل كَذَا وَلَيْسَ لَك أَن تتجاوز. فَتَقول إِن على تجر وَلنْ تنصب وَلَيْسَ لَك أَن تَقول إِن كل مَا كَانَ على وزن على يجر وعَلى زنة لن ينصب.
الْعَامِل القياسي: مَا سمع من الْعَرَب وَيُقَاس عَلَيْهِ فَيصح أَن يُقَال فِيهِ كل مَا كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يعْمل كَذَا فَإنَّك تَقول إِن ضرب مثلا يرفع الْفَاعِل وَينصب الْمَفْعُول وَيصِح أَن تَقول كل مَا كَانَ كَذَا فَهُوَ يرفع الْفَاعِل وَينصب الْمَفْعُول.
الْعَائِد: من الْعود وَهُوَ الرُّجُوع والعائد عِنْد النُّحَاة أَرْبَعَة الضَّمِير مثل زيد أَبوهُ قَائِم. وَلَام التَّعْرِيف مثل نعم الرجل زيد. وَوضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر نَحْو الحاقة مَا الحاقة. وَكَون الْخَبَر تَفْسِيرا للمبتدأ مثل {قل هُوَ الله أحد} .
الْعَارِض: للشَّيْء الْخَارِج عَنهُ الْمَحْمُول عَلَيْهِ كالضحك للْإنْسَان وَهُوَ أَعم من الْعرض إِذْ يُقَال للجوهر عَارض لَا عرض كالصورة الجسمية فَإِنَّهُ يُقَال لَهَا أَنَّهَا تعرض على الهيولى.
الْعَام: مَأْخُوذ من الْعُمُوم وَهُوَ الشُّمُول يُقَال مطر عَام إِذا عَم الْأَمْكِنَة. ويقابله الْخَاص بِخِلَاف الْمُطلق فَإِنَّهُ لَا يتَنَاوَل الْجَمِيع بل يتَنَاوَل الْوَاحِد غير معِين. ويقابله الْمُقَيد. وَعند الْأُصُولِيِّينَ فِي الْعَام اخْتِلَاف بِحَسب اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق وَعَدَمه فَمن لم يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق فِيهِ عرفه بِأَنَّهُ كل لفظ يَنْتَظِم جمعا من المسميات شمولا لفظا أَو معنى. وَالْمرَاد بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوع بِقَرِينَة الْمقسم وبالانتظام الشُّمُول وَهُوَ احْتِرَاز عَن الْمُشْتَرك فَإِنَّهُ لَا يَشْمَل الْمَعْنيين فضلا عَن الْمعَانِي بل يحْتَمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على السوَاء وَقَوله جمعا احْتِرَاز عَن الْمثنى فَإِنَّهُ لَيْسَ بعام بل هُوَ مثل سَائِر أَسمَاء الْأَعْدَاد فِي الْخُصُوص واحتراز عَن اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أَكثر الْأُصُولِيِّينَ وَبِقَوْلِهِ من المسميات عَن الْمعَانِي عِنْد الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخنَا وَالْمرَاد من الانتظام لفظا أَن تدل صيغته على الشُّمُول كصيغ الجموع مثل زيدون وَرِجَال وَمن الانتظام بِمَعْنى أَن يكون الشُّمُول بِاعْتِبَار الْمَعْنى دون الصِّيغَة كمن وَمَا وَالْقَوْم والرهط وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا عَامَّة
(2/213)

من حَيْثُ الْمَعْنى لتناولها جمعا من المسميات وَإِن كَانَ صيغها صِيغ الْخُصُوص وَمن شَرط الِاسْتِغْرَاق فِيهِ عرفه بِأَنَّهُ لفظ وضع وضعا وَاحِدًا لكثير غير مَحْصُور مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ وَإِنَّمَا قيد بِالْوَضْعِ الْوَاحِد ليخرج الْمُشْتَرك فَإِنَّهُ مَوْضُوع بأوضاع مُتعَدِّدَة وبالكثير ليخرج الْخَاص كزيد وَعَمْرو وَبِغير مَحْصُور ليخرج أَسمَاء الْعدَد فَإِن الْعشْرَة مثلا مَوْضُوعَة وضعا وَاحِدًا لكثير مَحْصُور وبالمستغرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ ليخرج الْجمع الْمُنكر كرجال وَيظْهر فَائِدَة الِاخْتِلَاف فِي الْعَام الَّذِي خص مِنْهُ الْبعد فَعِنْدَ من شَرط الِاسْتِغْرَاق لَا يجوز التَّمَسُّك بِعُمُومِهِ لِأَنَّهُ لم يبْق عَاما وَعند من لم يشْتَرط يجوز لبَقَاء الْعُمُوم بِاعْتِبَار بَقَاء الجمعية فَافْهَم.
الْعَاشِر: يحْتَمل التصيير وَالْحَال. وَفِي الشَّرْع من نَصبه الإِمَام على الطَّرِيق ليَأْخُذ الصَّدقَات من التُّجَّار الَّذين يَمرونَ عَلَيْهِ عِنْد استجماع شَرَائِط الْوُجُوب.
العادلة والعائلة والعازلة: اعْلَم أَن مسَائِل الْفَرَائِض على ثَلَاثَة أَقسَام مَذْكُورَة لِأَن الْفُرُوض والسهام إِذا كَانَت سَوَاء تسمى الْمَسْأَلَة عادلة كَزَوج وَأم وأختين لأم. وَإِذا كَانَت الْفُرُوض زَائِدَة على السِّهَام يُسمى عائلة كَزَوج وَأم وَأُخْت لأَب وَأم، وَإِذا كَانَت السِّهَام زَائِدَة على الْفُرُوض تسمى عازلة كَأُمّ وَأُخْت لأَب وَأم.
العاذرية: هم الَّذين عذروا النَّاس بالجهالات فِي الْفُرُوع.
الْعَالم: بِكَسْر اللَّام اسْم الْفَاعِل من الْعلم بِمَعْنى دانستن وَبِفَتْحِهَا مُشْتَقّ من الْعلم بِمَعْنى الْعَلامَة فَمَعْنَاه مَا يعلم بِهِ كالخاتم بِمَعْنى مَا يخْتم بِهِ ثمَّ غلب على مَا سوى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع، وَفَسرهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي شرح العقائد بقوله أَي مَا سوى الله تَعَالَى من الموجودات مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع. وَقَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة أَن قَوْله مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع إِشَارَة إِلَى وَجه تَسْمِيَة مَا سوى الله تَعَالَى بالعالم وَلَيْسَ من التَّعْرِيف كَمَا هُوَ الْمَشْهُور أَنه من تتمته لِأَن سوى بِمَعْنى الْغَيْر وَالْمرَاد بِهِ الْغَيْر المصطلح أَي جَائِز الانفكاك فَخرج عَنهُ صِفَاته تَعَالَى لِأَنَّهَا لَيست غير الذَّات كَمَا أَنَّهَا لَيست عين الذَّات فَلَو جعل قَوْله مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع من تَتِمَّة التَّعْرِيف لزم استدراكه وَالْمَشْهُور أَنه من تتمته بِنَاء على حمل الْغَيْر على الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَعنِي المغائر فِي الْمَفْهُوم وَإِخْرَاج صِفَاته تَعَالَى إِذْ لَا يعلم بهَا الصَّانِع.
وَالتَّحْقِيق أَن الْمَشْهُور أولى لِأَن حمل الْغَيْر على المصطلح بعيد عَن الْفَهم وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم يلْزم اسْتِدْرَاك قَوْله من الموجودات إِذا لغير المصطلح لَا يُطلق إِلَّا على الْمَوْجُود. ثمَّ اعْلَم أَنه يتَوَهَّم من التَّعْرِيف الْمَذْكُور أَمْرَانِ أَحدهمَا جَوَاز إِطْلَاق الْعَالم على زيد وَعَمْرو وَغير ذَلِك من الجزئيات وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا يُطلق على الجزئيات بل على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس وَثَانِيهمَا اخْتِصَاص إِطْلَاقه على مَجْمُوع مَا سوى الله تَعَالَى
(2/214)

حَيْثُ بَين الْمَوْصُول بِصِيغَة الْجمع وَقَالَ من الموجودات وَلَيْسَ كَذَلِك لما مر من جَوَاز إِطْلَاقه على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اسْما للْكُلّ لَا لكل وَاحِد من الْأَجْنَاس لما صَحَّ جمعه فِي قَوْله تَعَالَى {رب الْعَالمين} . أَلا ترى أَن الشَّارِح الْمُحَقق رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي شرح الْكَشَّاف إِنَّه اسْم لكل جنس وَلَيْسَ اسْما للمجموع بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ أَفْرَاد بل أَجزَاء فَيمْتَنع جمعه انْتهى. ولدفع الوهمين الْمَذْكُورين قَالَ الْمُحَقق وَيُقَال - عَالم الْأَجْسَام - وعالم الْإِعْرَاض - وعالم النَّبَات - وعالم الْحَيَوَان وَإِنَّمَا يندفعان بِهَذَا القَوْل لِأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَمريْن أَحدهمَا أَن الْعَالم يُطلق على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس لَا على كل جزئي مِنْهَا وَثَانِيهمَا أَنه اسْم مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَين جَمِيع الْأَجْنَاس وَهُوَ مَا سوى الله تَعَالَى لَا للْكُلّ أَي للمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فبالأمر الأول ينْدَفع الْوَهم الأول وَبِالثَّانِي الثَّانِي وَلَا يجوز دفع الْوَهم الثَّانِي بِأَن يُقَال إِنَّه مُشْتَرك بَين الْمَجْمُوع أَي الْكل وَبَين كل وَاحِد لِأَن القَوْل بالاشتراك خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ بِلَا ضَرُورَة مَعَ أَنه مَوْقُوف على الْعلم بِتَعَدُّد الْوَضع وَإِثْبَات الْوَضع بِلَا دَلِيل بَاطِل. فَإِن قلت، متن العقائد صَرِيح فِي أَنه اسْم للْكُلّ حَيْثُ قَالَ الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحدث فَإِن الْأَجْزَاء إِنَّمَا تكون للْكُلّ كَمَا لَا يخفى. قُلْنَا هَذَا القَوْل قَضِيَّة كُلية مَعْنَاهُ كل جنس يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم اسْم الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ حَادث لِأَن مهملات الْعُلُوم كليات أَو لِأَن اللَّام على الْعَالم للاستغراق وَهُوَ سور الْمُوجبَة الكليه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه. وَالْغَرَض من ذَلِك القَوْل الرَّد على الفلاسفة الْقَائِلين بقدم السَّمَاوَات بأجزائها أَي موادها وصورها الجسمية والنوعية وأشكالها أَي الصُّور الشخصية وبقدم العناصر بموادها وصورها لَكِن بالنوع بِمَعْنى أَنَّهَا لم تخل قطّ عَن صُورَة مَا. وَهَذَا الْغَرَض إِنَّمَا يحصل إِذا كَانَ ذَلِك القَوْل قَضِيَّة كُلية إِذْ محصلها حِينَئِذٍ أَن كل جنس من الْأَجْنَاس حَادث مَعَ حُدُوث الْأَجْزَاء الَّتِي تركب مِنْهَا.
وَاعْلَم أَن مَا قيل إِن الْعَالم اسْم مَا علم بِهِ الْحق تَعَالَى شَأْنه مَبْنِيّ على أَنه اسْم غير صفة لَكِن فِيهِ معنى الوصفية وَهِي الدّلَالَة على معنى الْعلم. وَأما الْعَالم عِنْد أهل الْحَقَائِق هُوَ الْحق المتجلي بصفاته لِأَنَّهُ اسْم لما سوى الله تَعَالَى وسواه مُنْتَفٍ عِنْدهم فبالضرورة هُوَ الْحق المتجلي بصفاته وَيحْتَمل على مَذْهَبهم أَن يرجع ضمير صِفَاته إِلَى الْعَالم أَي الْعَالم هُوَ الْحق المتجلي بِصِفَات الْعَالم هَذَا هُوَ الْأَنْسَب لما قيل ظهر بِوُجُود الْإِنْسَان بِصفة الْإِنْسَان.
(آن بادشاه أعظم دربسة بود مُحكم ... بوشيده دلق آدم كاه بر درآمد)

وَأَيْضًا أَن الْحق اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَاسْتعْمل أَيْضا فِي معنى آخر وَهُوَ
(2/215)

الحكم المطابق للْوَاقِع ويقابله الْبَاطِل فَالْمَعْنى على هَذَا أَن الْعَالم هُوَ الْحق أَي غير الْبَاطِل المتجلي بصفاته الكائنة فِي علم الله تَعَالَى وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى الْعَالم هُوَ الْحق أَي غير الْبَاطِل المتجلي بِسَبَب صِفَات الله سُبْحَانَهُ على صَنْعَة الِاسْتِخْدَام.
(بَاب الْعين مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)

الْعِبَادَة: فعل الْمُكَلف على خلاف هوى نَفسه تَعْظِيمًا لرَبه. وَفِي التَّلْوِيح الْعِبَادَة فعل يباشره العَبْد بِخِلَاف هوى نَفسه ابْتِغَاء لمرضاة الله تَعَالَى. وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع بدني مَحْض كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم، وَمَالِي مَحْض كَالزَّكَاةِ، ومركب مِنْهُمَا كَالْحَجِّ.
العَبْد: من يعبد ربه ويطيع أمره وَنَهْيه والمملوك وَهُوَ أَعم من الْقِنّ كَمَا ستعلم فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْعُبُودِيَّة: الْوَفَاء بالعهود وَحفظ الْحُدُود والرضى بالموجود وَالصَّبْر على الْمَفْقُود.
عبارَة النَّص: النّظم الْمَعْنَوِيّ المسوق لَهُ الْكَلَام وَإِنَّمَا سمي عبارَة النَّص لِأَن الْمُسْتَدلّ يعبر من النّظم إِلَى الْمَعْنى والمتكلم من الْمَعْنى إِلَى النّظم فَكَانَت هِيَ مَوضِع العبور فَإِذا عمل بِمُوجب الْكَلَام من الْأَمر وَالنَّهْي يُسمى اسْتِدْلَالا بِعِبَارَة النَّص.
الْعَبَث: ارْتِكَاب أَمر غير مَعْلُوم الْفَائِدَة.
(بَاب الْعين مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)

العته: آفَة ناشئة عَن الذَّات توجب خللا فِي الْعقل لَا يصل صَاحبه وَهُوَ الْمَعْتُوه إِلَى حد الْجُنُون بل يكون مختلط الْعقل فبعض كَلَامه يكون مشابها لكَلَام الْعُقَلَاء وَبَعضه لكَلَام المجانين. فَالْفرق بَينه وَبَين الْمَجْنُون ظَاهر وَأما بَينه وَبَين السَّفِيه فبأنه لَا يشابه الْمَجْنُون وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ الْمَجْنُون مجَازًا لخفة عقله والعته لَا يُوجب الْمَنْع عَن التَّصَرُّفَات كَمَا مر فِي الْحجر.
الْعتْق وَكَذَا الْعتاق: فِي اللُّغَة الْقُوَّة وَمِنْه الْإِعْتَاق أَي إِعْطَاء الْقُوَّة. وَفِي الشَّرْع هُوَ قُوَّة حكمِيَّة يصير بهَا الْإِنْسَان أَهلا للتصرفات الشَّرْعِيَّة. وَالتَّفْصِيل فِي الْإِعْتَاق وَالْعتاق الَّذِي هُوَ جمع الْعَتِيق لَيْسَ بمصدر والعتيق الَّذِي جمعه الْعتاق مَعْنَاهُ الْفرس الْعَرَبِيّ وَالَّذِي مَعْنَاهُ الْمُعْتق جمعه عُتَقَاء.
(2/216)

الْعَتِيق: فعيل من الْعتْق بِمَعْنى (مرد آزاد) - وَجَاء فِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي الْمُخْتَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من تمّ لَهُ ثَمَانُون سنة جعله الله تَعَالَى عتيقا من النَّار بِشَرْط الْإِسْلَام يَعْنِي لَا يَأْخُذهُ بِمَعْصِيَة من الْمعاصِي - وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَعَاصِي مَا لَا يكون فِيهِ حق العَبْد وَلَكِن المرجو مِمَّن كَانَ غفارًا أَن يغْفر جَمِيع مَعَاصيه بفضله وَكَرمه ومعاصي غَيره بالتحمل عَنهُ - والعتيق خير من الرَّقِيق الْمُقَيد فِي يَد غَيره اللَّهُمَّ اجْعَل رقبتي عتيقا من ربقة الْقُيُود، وَأَعْطِنِي من خَزَائِن إطلاقك النُّقُود.
ف (68) :
العتاب: مَا يكون على صُدُور الْمَكْرُوه من الحبيب تأديبا ليَسْتَغْفِر عَنهُ وَيصير مورد المراحم بِخِلَاف الْعقَاب فَإِنَّهُ مَا يكون على صُدُور الْمَكْرُوه من الْعَدو تفضيحا وتأليما كالعذاب على الْكفَّار وخلودهم فِي النَّار فِي تِلْكَ الدَّار. وَبِعِبَارَة أُخْرَى العتاب تَأْدِيب الشَّفَقَة.
(بَاب الْعين مَعَ الثَّاء الْمُثَلَّثَة)

ف (69) :
(بَاب الْعين مَعَ الْجِيم)

العجمة: كَون اللَّفْظ مِمَّا وَضعه غير الْعَرَب.
الْعجب: بِالضَّمِّ تصور شخص اسْتِحْقَاق رُتْبَة لَا يكون مُسْتَحقّا لَهُ. وبفتح الأول وَالثَّانِي تأثر النَّفس بِمَا خَفِي سَببه وَخرج عَن الْعَادة مثله.
العجاردية: طَائِفَة عبد الله بن عجرد قَالُوا إِن أَطْفَال الْمُشْركين فِي النَّار.
الْعَجز: عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن الَّذِي لَا يكون فِيهِ شَائِبَة الِامْتِنَاع فَإِن عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن بِالذَّاتِ الْمُمْتَنع بِالْغَيْر لَيْسَ بعجز فَإِن الله تَعَالَى لَا يقدر على إعدام الْمَعْلُول مَعَ وجود علته التَّامَّة - وَلَا يُقَال إِنَّه تَعَالَى عَاجز عَنهُ تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ يخرج عَن الْعَجز فِي كثير من المغالطات، ثمَّ اعْلَم أَن الْعَجز على الله تَعَالَى محَال لِأَن الِاحْتِيَاج لَازم للعجز وَالْإِجْمَاع على أَن الِاحْتِيَاج نقص محَال على الله تَعَالَى لِأَنَّهُ دَلِيل الْإِمْكَان والحدوث فَمن قَالَ بعجزه تَعَالَى فَهُوَ كَافِر. فَإِن قيل، فَعَلَيْكُم أَن تَقولُوا يكفر الْمُعْتَزلَة لأَنهم قَائِلُونَ بعجزه تَعَالَى لقَولهم بِأَن طَاعَة الْفَاسِق
(2/217)

مُرَاده تَعَالَى وَلَكِن لَا يحصل وَعدم حُصُول المُرَاد عجز كَمَا يشْهد بِهِ تَقْرِير برهَان التمانع - قُلْنَا الْإِرَادَة عِنْد الْمُعْتَزلَة قِسْمَانِ إِرَادَة قسر والجاء، وَإِرَادَة تَفْوِيض وتخيير، وتخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة الأولى لَا يجوز عِنْدهم لِأَنَّهُ عجز وتخلفه عَن الثَّانِيَة جَائِز لَيْسَ بعجز والمتعلق بِطَاعَة الْفَاسِق وإيمان الْكَافِر هِيَ الْإِرَادَة التفويضية دون القسريه ومثلوا للإرادة التفويضية أَن تَقول لعبدك أُرِيد مِنْك كَذَا وَلَا أجبرك أَي أَنْت مُخْتَار فِي الْفِعْل وَالتّرْك.
(بَاب الْعين مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)

الْعد: مصدر بِمَعْنى الإحصاء يَعْنِي (شمردن) وَجَاء فِي اللُّغَة بِمَعْنى الإفناء يَعْنِي فناكردن. وَفِي اصْطِلَاح أهل الْحساب كَون عدد أقل بِحَيْثُ إِذا نقص من الْأَكْثَر مرّة بعد أُخْرَى لم يبْق مِنْهُ شَيْء وَفِيه تدَاخل العددين الْمُخْتَلِفين أَن يعد أقلهما الْأَكْثَر أَي يفنيه.
الْعدَد: اسْم لَيْسَ بمصدر وَلِهَذَا لم يدغم لِئَلَّا يلتبس بالعد الْمصدر وَهُوَ فِي اللُّغَة شمار وَجَاء بِمَعْنى الْمَعْدُود وَفِي تَعْرِيفه عِنْد أهل الْحساب اخْتِلَاف قَالَ مَوْلَانَا نظام الدّين النَّيْسَابُورِي فِي الرسَالَة الشمسية الْعدَد كمية تطلق على الْوَاحِد وَمَا يتألف مِنْهُ فَيدْخل الْوَاحِد فِي الْعدَد وَقيل إِن الْعدَد قسم الْكمّ والكم مَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ وَالْوَاحد لَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ أَقُول من عرف الْعدَد بِهَذَا التَّعْرِيف وَأدْخل الْوَاحِد فِي الْعدَد يَقُول إِن الْعدَد أَعم من الْكمّ الْمُنْفَصِل لِأَن الْوَاحِد مِنْهُ لَيْسَ بكم فضلا عَن أَن يكون كَمَا مُنْفَصِلا كَمَا يفهم من الْحَوَاشِي الحكيمية على الخيالية فِي مَبْحَث الصِّفَات وَقيل المُرَاد بالكمية فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور مَا يَقع فِي جَوَاب كم الاستفهامية لَا الْمَعْنى المصطلح فَلَا إِشْكَال لِأَن الْوَاحِد يَقع فِي جَوَاب كم فَإِنَّهُ إِذا سَأَلَك شخص بِأَنَّهُ كم رجل عنْدك فَقلت وَاحِد فَيَقَع الْوَاحِد فِي جَوَاب كم الاستفهامية.
وَعند الْمُحَقِّقين الْوَاحِد خَارج عَن الْعدَد لِأَنَّهُ لَيْسَ بكم إِذْ الْوحدَة تَقْتَضِي اللاقسمة وَلذَا قَالُوا إِن الْوحدَة من قبيل الكيف على أَنه يُمكن منع كَونهَا عرضا بِسَنَد أَنَّهَا من الْأُمُور الاعتبارية عِنْد الْمُحَقِّقين فتعريف الْعدَد عِنْد الْمُحَقِّقين نصف مَجْمُوع حاشيتيه والحاشيتان إِمَّا عددان كحاشيتي الْخَمْسَة وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة أَو عدد ووحدة كحاشيتي الِاثْنَيْنِ يكون بعد أَحدهمَا فِي التَّرْتِيب عَن الْوَاسِطَة جَانب الْقلَّة وَالْكَثْرَة مثل بعد الآخر عَنْهَا مثل الْخَمْسَة فَإِنَّهَا نصف سِتَّة وَأَرْبَعَة وَنصف سَبْعَة وَثَلَاثَة وَنصف ثَمَانِيَة واثنين وَنصف وَاحِد وَتِسْعَة فَيكون ضعفها مُسَاوِيا لحاشيتها وَنِصْفهَا لربعي حاشيتيها فَيخرج
(2/218)

الْوَاحِد عَن تَعْرِيف الْعدَد لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْحَاشِيَة التَّحْتَانِيَّة وَقد يتَكَلَّف لصدق التَّعْرِيف على الْوَاحِد بتعميم الْحَاشِيَة الفوقانية والتحتانية من الصَّحِيح وَالْكَسْر بِمَعْنى أَنَّهُمَا أَعم من أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ أَو كسرين أَو يكون أَحدهمَا كسرا فَقَط وَالْآخر مَعَ صَحِيح وَأما كَون إِحْدَاهمَا كسرا فَقَط وَالْآخر صَحِيحا فَقَط فَلَا يجوز لِأَن الْحَاشِيَة التَّحْتَانِيَّة لكل عدد ينقص عَنهُ بِمِقْدَار زِيَادَة الْحَاشِيَة الفوقانية عَلَيْهِ فالواحد نصف مَجْمُوع حَاشِيَته لِأَن حَاشِيَته التَّحْتَانِيَّة هِيَ النّصْف مثلا وحاشيته الفوقانية وَاحِد وَنصف لَكِن الْحق أَن الْوَاحِد لَيْسَ بِعَدَد لِأَن الْعدَد يَنْقَسِم بِالذَّاتِ وَالْوَاحد لَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ لَكِن قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ كل مَا يَقع فِي مَرَاتِب الْعدَد وَإِن تألفت مِنْهُ الْأَعْدَاد كَمَا أَن الْجَوْهَر الْفَرد أَعنِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ لَيْسَ بجسم لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يفْرض فِيهِ أبعاد ثَلَاثَة متقاطعة على زَوَايَا قَائِمَة لَا بِالْقُوَّةِ وَلَا بِالْفِعْلِ وَإِن تألفت مِنْهُ الْأَجْسَام عِنْد الْمُتَكَلِّمين المثبتين لذَلِك الْجُزْء.
وَقيل الْعدَد كمية مجتمعة من الْآحَاد فَلَا يُمكن إدراج الْوَاحِد بتكلف.
وَزعم من لَا تَحْقِيق لَهُ أَن الِاثْنَيْنِ أَيْضا لَيْسَ بِعَدَد متمسكا بِأَنَّهُ الزَّوْج فَلَا يكون عددا كالفرد الأول وَهُوَ الْوَاحِد وَبِأَن الْعدَد كَثْرَة متألفة من الوحدات وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة فَلَا يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ وَبِأَنَّهُ لَو كَانَ عددا لَكَانَ إِمَّا أَولا أَو مركبا لانحصار الْعدَد فيهمَا وَلَيْسَ الأول وَإِلَّا لم يكن لَهُ النَّص وَلَا الثَّانِي وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يعده غير الْوَاحِد وَالْعدَد الأول مَا لَا يعده أَي لَا يفنيه غير الْوَاحِد وَالْكل مَرْدُود. أما الأول فَلِأَن قِيَاس الزَّوْج الأول بالفرد الأول فِي هَذَا الحكم قِيَاس مَعَ الْفَارِق. وَأما الثَّانِي فلأنا لَا نسلم أَن الْعدَد مَا ذكرته بل هُوَ نصف مَجْمُوع حاشيتيه وَلَئِن سلم فَلَا نسلم أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة بل اثْنَان. وَأما الثَّالِث فَلِأَن الأول مَا لَا يعده غير الْوَاحِد وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون لَهُ نصف أصلا بل أَن لَا يكون لَهُ نصف أَكثر من الْوَاحِد. وَلَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعْرِيف الأول وَالثَّالِث لَا يَشْمَل الكسور مَعَ أَنَّهَا عدد عِنْد الْحساب فالتعريف الْجَامِع عِنْدهم كمية يحصل من الْوَاحِد بالتكرير أَو بالتجزئة أَو بهما. وَأَنت تعلم أَن الْوَاحِد من حَيْثُ إِنَّه وَاحِد لَا يقبل التجزئة إِلَّا أَن لَا يُلَاحظ تِلْكَ الْحَيْثِيَّة، وَالْعدَد على ثَلَاثَة أَقسَام زَائِد - وناقص - ومساو - واطلب كلا فِي الْموضع كل.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعدَد من الْأُمُور الاعتبارية الانتزاعية وَهُوَ الْحق لِأَن الْعدَد من الْأُمُور الَّتِي يتَكَرَّر نوعها وكل متكرر النَّوْع من الْأُمُور الاعتبارية لما سَيَجِيءُ فِي متكرر النَّوْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلِأَن الْعدَد متألف من الوحدات وَهِي أُمُور اعتبارية.
وَقَالَ الْفَاضِل الزَّاهِد فِي حَاشِيَته على الرسَالَة المعمولة فِي التَّصَوُّر والتصديق أَنه مركب من الْآحَاد لست أَقُول من الوحدات كَمَا توهم من ظَاهر عباراتهم كَيفَ وَالْعدَد مَحْمُول على الْمَعْدُود بالمواطأة والواحدات مَحْمُولَة عَلَيْهِ بالاشتقاق وَالْوَاحد من حَيْثُ هُوَ وَاحِد لَيْسَ بموجود فِي الْخَارِج فَكَذَا الْعدَد الْمركب مِنْهُ انْتهى. وَلَا يخفى أَن الزَّاهِد
(2/219)

رَحمَه الله رَجَعَ من الْوحدَة إِلَى الْوَاحِد لَكِن لم يَنْفَعهُ الرُّجُوع لِأَنَّهُ رَجَعَ من اعتباري إِلَى اعتباري آخر بل من الاعتباري الأول مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار أَمر آخر إِلَى نَفسه مَعَ اعْتِبَار أَمر آخر فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَاشِيَته على شرح المواقف الْعدَد آحَاد بوحدات هِيَ نَفسهَا والآحاد مَحْمُولَة على الْمَعْدُود مواطأة فالوحدات مَحْمُولَة على الْمَعْدُود مواطأة. فَإِن قلت، كَيفَ رَجَعَ الزَّاهِد من اعتباري إِلَى اعتباري آخر بل من الاعتباري الأول إِلَى آخر مَا ذكر. قلت اعْلَم أَولا أَن الْوحدَة من الْأُمُور الَّتِي يتَكَرَّر نوعها فَتعْتَبر تَارَة من حَيْثُ هِيَ هَب. وَأُخْرَى من حَيْثُ إِنَّهَا متصفة بالوحدة فَتَصِير وَاحِدًا، فَنَقُول إِن الْعدَد عِنْد الْجُمْهُور عبارَة عَن الوحدات الصرفة أَي الوحدات لم يعْتَبر اتصافها بالوحدات حَتَّى تصير أحادا فالعدد عِنْدهم عبارَة عَن أَمر اعتباري أَعنِي الوحدات مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار أَمر آخر مَعهَا وَهُوَ الوحدات. وَلما رَجَعَ الزَّاهِد رَحمَه الله عَمَّا ذكرُوا إِلَى أَنه مركب من الْآحَاد أَي الوحدات الَّتِي اعْتبر اتصافها بالوحدات فقد رَجَعَ إِلَى أَنه مركب من أَمر اعتباري أَعنِي الوحدات مَعَ اعْتِبَار أَمر اعتباري آخر مَعهَا أَعنِي الوحدات.
وَصرح جلال الْعلمَاء فِي الْحَوَاشِي الْقَدِيمَة بِأَن الْأَعْدَاد من الْأُمُور الاعتبارية عِنْد الْمُحَقِّقين من الْحُكَمَاء وَجعلهَا من أَقسَام الْكمّ بِاعْتِبَار فرض وجودهَا حَيْثُ قَالَ إِن الْمُحَقِّقين كالمصنف أَي الطوسي وَغَيره على أَن الْعدَد أَمر اعتباري مَعَ تقسيمهم الْكمّ إِلَى الْمُتَّصِل والمنفصل مُسَامَحَة ثِقَة بِمَا قَرَّرَهُ فِي مَحَله انْتهى وَهَا هُنَا كَلَام لَا يَسعهُ الْمقَام
الْعدَد المستوي: هُوَ الْعدَد الْمَكْتُوب من المركز إِلَى الْقوس فِي الرّبع الْمُجيب.
الْعدَد الْغَيْر المستوى: هُوَ الْعدَد الْمَكْتُوب من الْقوس إِلَى المركز فِي الرَّابِع الْمُجيب.
الْعدْل: ضد الظُّلم وإحقاق الْحق وَإِخْرَاج الْحق عَن الْبَاطِل أَي ممتازا عَنهُ وَالْأَمر الْمُتَوَسّط بَين الإفراط والتفريط. وَعند الْفُقَهَاء من اجْتنب الْكَبَائِر وَلم يصر على الصَّغَائِر وَغلب صَوَابه واجتنب الْأَفْعَال الخسيسة كَالْأَكْلِ وَالْبَوْل فِي الطَّرِيق. وَعند النُّحَاة الْعدْل كَون الِاسْم مخرجا عَن صيغته الَّتِي يَقْتَضِي الأَصْل وَالْقَاعِدَة أَن يكون ذَلِك الِاسْم على تِلْكَ الصِّيغَة أَي الصُّورَة فَإِن كَانَ ذَلِك الأَصْل الْمُقْتَضِي غير منع الصّرْف أَيْضا فالعدل تحقيقي كَمَا فِي ثَلَاث ومثلث وَإِن كَانَ منع الصّرْف لَا غير فتقديري كَمَا فِي عمر وَزفر.
فالعدل التحقيقي: مَا إِذا نظر إِلَى الِاسْم وجد فِيهِ قِيَاس وَدَلِيل غير منع الصّرْف على أَن أَصله الشَّيْء الآخر.
وَالْعدْل التقديري: مَا إِذا نظر إِلَى الِاسْم لم يُوجد فِيهِ ذَلِك الْقيَاس وَالدَّلِيل
(2/220)

الْمَذْكُور غير أَنه وجد غير منصرف وَلم يكن فِيهِ إِلَّا العلمية فَقدر فِيهِ الْعدْل حفظا لقاعدتهم الَّتِي هِيَ أَن غير المنصرف مَا فِيهِ عِلَّتَانِ فَإِن قلت كَيفَ يَقْتَضِي منع الصّرْف ذَلِك قلت لما تقرر عِنْدهم بالاستقراء أَن الِاسْم لَا يكون غير منصرف إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ عِلَّتَانِ من علل تسع أَو وَاحِدَة مِنْهَا تقوم مقامهما فَإِذا وجدوا اسْما غير منصرف لَا يكون فِيهِ ظَاهرا إِلَّا عِلّة وَاحِدَة لَا تصلح أَن تقوم مقامهما وَلَا يكون ذَلِك الِاسْم صَالحا لِأَن يعْتَبر فِيهِ عِلّة أُخْرَى سوى الْعدْل يعتبرونه وَيَقُولُونَ إِن منع صرفه يَقْتَضِي اعْتِبَاره صِيَانة لما تقرر عِنْدهم. وَمن رام تَحْقِيق هَذَا الْمقَام فَلْينْظر إِلَى كتَابنَا جَامع الغموض منبع الفيوض شرح الكافية.
الْعَدَالَة: فِي اللُّغَة الاسْتوَاء وضد الْجور. وَفِي الشَّرْع الاسْتقَامَة على الطَّرِيق الْحق بالاجتناب عَمَّا هُوَ مَحْظُور مَمْنُوع فِي دينه. وَفِي تعليقاتي على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة للميبذي أَن فِي الْإِنْسَان قُوَّة غضبانية وَيُقَال لإفراطها التهور ولتوسطها الشجَاعَة ولتفريطها الْجُبْن وَقُوَّة شهوانية وَيُقَال لإفراطها الْفُجُور ولتوسطها الْعِفَّة ولتفريطها الجمود وَقُوَّة عقلية وَيُقَال لإفراطها الجربزة ولتوسطها الْحِكْمَة ولتفريطها البلادة فَلِكُل من هَذِه القوى الثَّلَاث ثَلَاث جِهَات وأطراف. الطّرف الأول وَالثَّالِث مِنْهَا مذمومان والطرف الْمُتَوَسّط مَحْمُود. وكل متوسط من المتوسطات جِهَة الْعَدَالَة وَالْمَجْمُوع جِهَات الْعَدَالَة وَنَبِينَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - محدد جِهَات الْعَدَالَة كلهَا أَي محيطها وجامعها. وتفصيل هَذَا الْمُجْمل مَا هُوَ فِي كتب الْأَخْلَاق من أَن الْعَدَالَة هِيَ الْأَمر الْمُتَوَسّط بَين الإفراط والتفريط وَهُوَ ثَلَاثَة أُمُور الْحِكْمَة والعفة والشجاعة الَّتِي هِيَ من أصُول الْأَخْلَاق الفاضلة المكتسبة وتفاصيلها إِن كل الْفَضَائِل الكسبية منحصرة فِي التَّوَسُّط.
وَتَقْرِير الْكَلَام أَن الْخَالِق تَعَالَى وتقدس قد ركب فِي الْإِنْسَان ثَلَاث قوى إِحْدَاهَا مبدأ إِدْرَاك الْحَقَائِق والشوق إِلَى النّظر فِي العواقب وَالتَّمَيُّز بَين الْمصَالح والمفاسد وَهِي المطمئنة ويعبر عَنْهَا بِالْقُوَّةِ النطقية - والعقلية - وَالنَّفس المطمئنة - والملكية - وَأَيْضًا قَالُوا إِن النَّفس المطمئنة هِيَ الَّتِي تمّ نورها بِنور الْقلب حَتَّى انخلعت عَن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة. وَالثَّانيَِة مبدأ جذب الْمَنَافِع وَطلب الملاذ من المآكل والمشارب وَغير ذَلِك وَتسَمى الْقُوَّة الشهوانية والبهيمية وَالنَّفس الأمارة. وَبِعِبَارَة أُخْرَى النَّفس الأمارة هِيَ الَّتِي تميل إِلَى الطبيعة الْبَدَنِيَّة وتأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب الْقلب إِلَى الْجِهَة السفلية فَهِيَ مأوى الشرور القبيحة ومنبع الْأَخْلَاق الذميمة. وَالثَّالِثَة مبدأ الْإِقْدَام على الْأَهْوَال والشوق إِلَى التسلط والترفع وَهِي الْقُوَّة الغضبية والسبعية وَالنَّفس اللوامة.
وَأَيْضًا قَالُوا إِن النَّفس اللوامة الَّتِي تنورت بِنور الْقلب قدر مَا شبهت عَن الْغَفْلَة وَكلما صدرت مِنْهَا سَيِّئَة تحكم بهَا وتلوم عَلَيْهَا وتتوب عَنْهَا وتحدث من اعْتِدَال الْحَرَكَة
(2/221)

الإرادية للأولى الْحِكْمَة وللثانية الْعِفَّة وللثالثة الشجَاعَة. فأمهات الْفَضَائِل الكسبية هِيَ هَذِه الثَّلَاثَة وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ من تفريعاتها وتركيباتها وكل مِنْهَا مَحْبُوس ومحاط بطرفي إفراط وتفريط هما رذيلتان. أما الْحِكْمَة فَهِيَ معرفَة الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ بِقدر الِاسْتِطَاعَة وَهِي الْعلم النافع الْمعبر بِهِ بِمَعْرِِفَة النَّفس بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى {وَمن يُؤْتِي الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا} وإفراطها الجربزة وَهِي اسْتِعْمَال الْفِكر فِيمَا لَا يَنْبَغِي كالمتشابهات على وَجه لَا يَنْبَغِي لمُخَالفَة الشَّرَائِع نَعُوذ بِاللَّه من علم لَا ينفع، وتفريطها الغباوة الَّتِي هِيَ تَعْطِيل الْقُوَّة الفكرية بالإرادة وَالْوُقُوف عَن اكْتِسَاب الْعُلُوم النافعة. وَأما الشجَاعَة فَهِيَ انقياد السبعية للناطقة ليَكُون إقدامها على حسب الرُّؤْيَة من غير اضْطِرَاب فِي الْأُمُور الهائلة حَتَّى يكون فعلهَا جميلا وصبرها مَحْمُودًا وإفراطها (التهور) أَي الْإِقْدَام بالإرادة على مَا لَا يَنْبَغِي. وتفريطها (الْجُبْن) أَي الحذر بالإرادة عَمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَأما الْعِفَّة فَهِيَ انقياد البهيمية للناطقة ليَكُون تصرفاتها بِحَسب اقْتِضَاء الناطقة لتسلم عَن استعباد الْهوى إِيَّاهَا واستخدام اللَّذَّات. وإفراطها (الخلاعة والفجور) أَي الْوُقُوع فِي ازدياد اللَّذَّات على مَا تحب، وتفريطها (الجمود) أَي السّكُون عَن طلب اللَّذَّات بِقدر مَا رخص فِيهِ الْعقل وَالشَّرْع إيثارا لَا خلقَة فالأوساط فَضَائِل والأطراف رذائل. وَإِذا امتزجت الْفَضَائِل الثَّلَاث حصل من اجتماعها حَالَة متشابهة هِيَ الْعَدَالَة، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار عبر عَن الْعَدَالَة بالوسائط وَإِلَيْهِ أُشير بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خير الْأُمُور أوساطها. وَالْحكمَة فِي النَّفس البهيمية بَقَاء الْبدن الَّذِي هُوَ مركب النَّفس الناطقة لتصل بذلك إِلَى كمالها اللَّائِق بهَا ومقصدها المتوجهة إِلَيْهِ. وَفِي السبعية كسر البهيمية وقهرها وَدفع الْفساد المتوقع من استيلائها وَاشْتِرَاط التَّوَسُّط فِي أفعالها لِئَلَّا تستعبد الناطقة فِي هَواهَا وَقصر شأوها عَن كمالها ومقصدها وَقد مثل ذَلِك بِفَارِس استردف سبعا وبهيمة للاصطياد فَإِن انْقَادَ السَّبع والبهيمة للفارس واستعملها على مَا يَنْبَغِي حصل مَقْصُود الْكل لوصول الْفَارِس إِلَى الصَّيْد والسبع إِلَى الطعمة والبهيمة إِلَى الْعلف فَإِن الْبَهِيمَة أَعنِي الْفرس مثلا مَا دَامَ يركبه فَارس يطْلب صيدا لَا يَأْكُل الْعلف وَلَا يفرغ لَهُ وَإِلَّا هلك الْكل.
ثمَّ إِن تِلْكَ الْفَضَائِل الحميدة المتوسطة وَكَذَا تِلْكَ الرذائل المذمومة لَا تتَصَوَّر إِلَّا فِيمَن كَانَ واجدا لتِلْك القوى الثَّلَاث الْمَذْكُورَة ويستعملها اسْتِعْمَالا مَحْمُودًا أَو مذموما لَا فِيمَن كَانَ فاقدا لَهَا فَإِن تِلْكَ الْفَضَائِل والرذائل كسبية يُثَاب بكسبها ويعاقب بِتَرْكِهَا ففاقد الْقُوَّة الشهوانية مثلا مَعْذُور لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه سَاكن بِاخْتِيَارِهِ وإرادته عَن طلب اللَّذَّة بِقدر مَا رخص فِيهِ الْعقل وَالشَّرْع فَهُوَ خَارج عَمَّا نَحن فِيهِ وَكَذَا فَاقِد الْقُوَّة الغضبانية وفاقد الْقُوَّة النطقية كَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوه خارجان عَنهُ، فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
(2/222)

الْعَدَاوَة: مَا يتَمَكَّن فِي الْقلب من قصد الْإِضْرَار والانتقام.
الْعدة: فعلة بِالْكَسْرِ من الْعد. فِي الصِّحَاح أَن عدَّة الْمَرْأَة أَيَّام إقرائها. وَفِي الْكَافِي هِيَ تربص يلْزم الْمَرْأَة بِزَوَال النِّكَاح أَو شبهه المتأكدة بِالدُّخُولِ وَإِنَّمَا سمي بهَا لعَدهَا أَيَّام التَّرَبُّص. وَالْعدة تكون بِأحد ثَلَاثَة أُمُور بِالْحيضِ والشهور وَوضع الْحمل. فَعدَّة الْحرَّة للطَّلَاق بَائِنا أَو رَجْعِيًا أَو الْفَسْخ كَمَا فِي الْفرْقَة بِخِيَار الْبلُوغ وَملك أحد الزَّوْجَيْنِ صَاحبه ثَلَاثَة حيض إِن كَانَت حَائِضًا وَإِن لم تَحض كالصغيرة والآيسة فَثَلَاثَة أشهر. هَذَا إِذا كَانَت مَوْطُوءَة وَإِلَّا فَلَا عدَّة لَهَا وعدة الْحرَّة للْمَوْت سَوَاء كَانَت صَغِيرَة أَو كَبِيرَة كَافِرَة أَو مسلمة مَوْطُوءَة أَو غير مَوْطُوءَة أَرْبَعَة أشهر وَعشر لَيَال فَيتَنَاوَل مَا بإزائها من الْأَيَّام. وعدة الْأمة الَّتِي دخل بهَا زَوجهَا وَطَلقهَا حيضان وَإِن كَانَت حَائِضًا وَإِن لم تَحض فعدتها نصف ثَلَاثَة أشهر كَمَا لمَوْت زَوجهَا نصف مَا للْحرَّة عِنْد موت زَوجهَا شَهْرَان وَخمْس لَيَال مَوْطُوءَة أَو لَا. وعدة الْحَامِل حرَّة أَو أمة مُطلقَة أَو توفّي عَنْهَا زَوجهَا وضع حملهَا وعدة زَوْجَة الفار وَهُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته فِي مرض مَوته أبعد الْأَجَليْنِ أَي عَلَيْهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشر إِذا كَانَت أطول من الْعدة بِالْحيضِ وَعَلَيْهَا ثَلَاث حيض إِن كَانَت أطول من الْعدة بِالْأَشْهرِ وَيظْهر هَذَا فِي الممتدة الطُّهْر. فِي الْهِدَايَة هَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى ثَلَاث حيض وَمَعْنَاهُ إِذا كَانَ الطَّلَاق بَائِنا أَو ثَلَاثًا أما إِذا كَانَ رَجْعِيًا فعلَيْهَا عدَّة الْوَفَاة بِالْإِجْمَاع.
وَاعْلَم أَن عليا كرم الله وَجهه وَابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اخْتلفَا فِي عدَّة حَامِل مَاتَ زَوجهَا فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه أَن تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ أَي أجل الْوَفَاة وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَأجل وضع الْحمل. وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن عدَّة الحاملة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وضع الْحمل. فَإِن قيل، لم قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه بأبعد الْأَجَليْنِ قيل تَوْفِيقًا بَين الْآيَتَيْنِ الأولى قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} . فَإِن قيل، لم قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِأَن عدَّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وضع الْحمل. قُلْنَا، قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من شَاءَ باهلته أَن قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} نزل بعد قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفسِهِم أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} وَهَذِه الْآيَة تدل على أَن الْعدة للحامل بِوَضْع الْحمل سَوَاء توفّي عَنْهَا زَوجهَا أَو طَلقهَا فَجعل ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال} نَاسِخا لقَوْله يَتَرَبَّصْنَ فِي مِقْدَار مَا تنَاوله الْآيَتَانِ وَهُوَ مَا إِذا توفّي عَنْهَا زَوجهَا وَتَكون حَامِلا. وَلَا يخفى أَنه يفهم من هَا هُنَا أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ظن أَن عليا كرم الله وَجهه لم يعلم بِتَقْدِيم نزُول قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم} الْآيَة وَتَأْخِير نزُول قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال} الْآيَة.
(2/223)

وَالتَّحْقِيق الْحقيق مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أستاذ أبي مَوْلَانَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الأحمد آبادي غفر الله ذنوبهما وَستر عيوبهما بقوله وَلنَا فِي هَذَا الْمقَام تَحْقِيق أنيق مَا يكْشف الغطاء عَن وَجه قوليهما وَيظْهر مَا هُوَ الْحق مِنْهُمَا. وَبَيَان ذَلِك أَن الْغَرَض وَالْحكمَة فِي عدَّة الْمُطلقَة ظُهُور بَرَاءَة رَحمهَا عَن شغله بِمَاء الْغَيْر وَالْحكمَة فِي تربص الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فِي أَرْبَعَة أشهر وَعشر هِيَ رِعَايَة تَعْزِيَة الزَّوْج وَحفظ حرمته إِلَى تِلْكَ الْمدَّة تدل على ذَلِك أَن الْمُطلقَة إِذا كَانَت غير مدخولة لَا تَعْتَد أصلا كَمَا يفهم من قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَحمهَا مَشْغُولًا بِمَاء الْغَيْر. والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت غير مدخولة يجب عَلَيْهَا التَّرَبُّص إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَإِن كَانَ رَحمهَا غير مَشْغُول بِمَاء الْغَيْر كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي كتب الْفِقْه. وَأَيْضًا يدل عَلَيْهِ عُمُوم قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون} من غير اسْتثِْنَاء لغير المدخولة كَمَا اسْتثْنى الْمُطلقَة الْغَيْر المدخولة من عُمُوم قَوْله تَعَالَى {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} بِمَا ذكرنَا من الْآيَة فَعلم من ذَلِك أَنه لَيْسَ الْحِكْمَة فِي ذَلِك التَّرَبُّص اسْتِبْرَاء الرَّحِم وَإِلَّا لم يجب عَلَيْهَا إِذا كَانَت غير مدخولة كَمَا لَا يجب على الْمُطلقَة الْغَيْر المدخولة فَلَا تكون الْآيَتَانِ متعارضتين إِذا لوحظت الْحِكْمَة المرعية فيهمَا وَلم يكن قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال} نَاسِخا لقَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون} مَعَ تَأَخّر نزُول ذَلِك عَن هَذَا لِأَن كلا من الْآيَتَيْنِ لغَرَض وَحِكْمَة على حِدة وَلَيْسَ أَحدهمَا منافيا للْآخر حَتَّى يكون نَاسِخا فِي مِقْدَاره المتناول وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا من أَن الْحِكْمَة فِي الحكم الأول هُوَ ظُهُور بَرَاءَة الرَّحِم وَفِي الثَّانِي هُوَ فَقَط تَعْزِيَة الزَّوْج مَا أوردهُ صَاحب الْهِدَايَة فِي بَاب الْعدة من أَن الْعدة فِي الطَّلَاق وَجَبت للتعرف عَن بَرَاءَة الرَّحِم وَفِي بَاب النَّفَقَة من أَن احتباس الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا لَيْسَ لحق الزَّوْج بل لحق الشَّرْع فَإِن التَّرَبُّص عبَادَة فِيهَا. أَلا ترى أَن معنى التعرف عَن بَرَاءَة الرَّحِم لَيْسَ بمراعى فِيهِ حَتَّى لَا يشْتَرط فِيهَا الْحيض.
إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا كرم الله وَجهه إِنَّمَا أوجب فِي أبعد الْأَجَليْنِ لذَلِك لَا للتوفيق بَين الْآيَتَيْنِ وَالْجمع بَينهمَا احْتِيَاطًا لجَهَالَة التَّارِيخ كَمَا ذكره صَاحب التَّوْضِيح وَغَيره من شرَّاح الْهِدَايَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا كَانَتَا متعارضتين وَأما إِذا كَانَ كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ لغَرَض آخر فَلَا فَلَو انْقَضى أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَلم تضع الْحمل فَلَا بُد أَن تصير إِلَى أَن تفرغ رَحمهَا عَن الشّغل بِمَاء الْغَيْر بالِاتِّفَاقِ وَلَو وضعت قبل انْقِضَاء أَرْبَعَة أشهر وَعشر فتربص إِلَى تِلْكَ الْمدَّة لأجل تَعْزِيَة الزَّوْج وَحفظ حرمته عِنْد عَليّ كرم الله وَجهه كَمَا عرفت. ثمَّ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما خَفِي عَلَيْهِ مَا هُوَ الْحِكْمَة فِي الْحكمَيْنِ وَاقْتصر نظره على ظَاهر الْآيَتَيْنِ وَظن أَن من حكم بأبعد الْأَجَليْنِ فَإِنَّمَا حكم بِوَاسِطَة جَهَالَة التَّارِيخ أنكر ذَلِك الحكم وبادر إِلَى المباهلة وَقَالَ من
(2/224)

شَاءَ باهلته لما كَانَ تَأَخّر النُّزُول عِنْده مَعْلُوما يقينيا وَلم يدر أَن شُمُول وَأولَات الْأَحْمَال الْمُطلقَة والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا بِحَسب الْمَفْهُوم لَا يَقْتَضِي أَن تَنْقَضِي بِسَبَب وضع الْحمل عدتهَا الَّتِي وَجَبت عَلَيْهَا بِاعْتِبَار وَفَاة زَوجهَا كَيفَ وَالْحكمَة فِيهَا أَمر آخر لَا تعرف بَرَاءَة الرَّحِم فَلَا يكون قَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال} مَعَ تَأَخّر نُزُوله عَن قَوْله {وَالَّذين يتوفون} نَاسِخا فِي مِقْدَار مَا تنَاوله الْآيَتَانِ. هَذَا هُوَ التَّحْقِيق وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق انْتهى. هَذَا مَا حررناه فِي الأنموذج الْمُسَمّى بالتحقيقات.
الْعَدَم: يُقَابل الْوُجُود وَله اعتباران - الْوُجُود الْمُطلق وَمُطلق الْوُجُود فَإِن اعْتبر مُقَابلَته بالوجود الْمُطلق يكون عبارَة عَن سلب الْوُجُود الْمُطلق وَهُوَ الْعَدَم الْمُطلق. وَإِن قوبل بِمُطلق الْوُجُود يكون بَيَانا عَن سلب مُطلق الْوُجُود وَهُوَ مُطلق الْعَدَم، والوجود الْمُطلق يتَحَقَّق بتحقق فَرد مَا وينتفي بِانْتِفَاء جَمِيع أَفْرَاده أَي الذهنية والخارجية، وَمُطلق الْوُجُود يتَحَقَّق بتحقق فَرد مَا وينتفي بانتفائه أَيْضا. وَعَلِيهِ قِيَاس الِامْتِنَاع فَهُوَ إِمَّا عبارَة عَن ضَرُورَة مُطلق الْعَدَم أَي الْعَدَم الْمُطلق ضَرُورَة مُطلقَة أَو ضَرُورَة ناشئة عَن الْغَيْر أَو عبارَة عَن ضَرُورَة مُطلق الْعَدَم ضَرُورَة مُطلقَة أَو ناشئة عَن الْغَيْر وَعَلَيْك الرُّجُوع إِلَى الْمُطلق حَتَّى يَتَّضِح لَك هَذَا الْمقَال واشكر لله الْكَبِير المتعال.
عدم ارْتِفَاع النقيضين مخيل: أَي عِنْد العنادية من السوفسطائية. قَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة فِي حَوَاشِيه على شرح العقائد النسفية قَوْله إِن لم يتَحَقَّق نفي الْأَشْيَاء فقد ثَبت، يرد عَلَيْهِ أَن عدم ارْتِفَاع النقيضين من جملَة المخيلات عِنْدهم فَلَا يلْزم من عدم تحقق النَّفْي الثُّبُوت انْتهى. أَقُول حَاصله أَنكُمْ قُلْتُمْ إِن لم يتَحَقَّق نفي الْأَشْيَاء فقد ثَبت شَيْء من الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ إِن لم يثبت يلْزم ارْتِفَاع النقيضين وَهُوَ محَال مَعْدُوم فَيجوز أَن يَقُول العنادية أَن عَدمه من جملَة المخيلات عندنَا أَي لَيْسَ عَدمه فِي نفس الْأَمر بل من الموهومات والمخيلات فَيجوز ارْتِفَاع النقيضين فَلَا يلْزم من عدم تحقق نفي الْأَشْيَاء ثُبُوت شَيْء من الْأَشْيَاء فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ نَافِع هُنَاكَ.
عدم الدَّلِيل على وجود الشَّيْء لَا يُوجب نَفْيه: أَي نفي وجوده، وَقَالَ بعض القاصرين إِنَّه يُوجِبهُ لِأَن دَلِيل عدم وجود الْجبَال الشاهقة بحضرتنا مَعْدُوم فَلَو لم يجب نفي مَدْلُوله أَعنِي وجودهَا لجَاز وجودهَا بحضرتنا وَهَذَا الْجَوَاز بَاطِل فَإنَّا نعلم عدم وجودهَا قطعا فَثَبت أَن عدم دَلِيل وجود الشَّيْء يُوجب نَفْيه. وَالْجَوَاب أَن الدَّلِيل ملزوم والمدلول لَازمه وَانْتِفَاء اللَّازِم لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَلْزُوم لجَوَاز كَون اللَّازِم أَعم من ملزومه وَعدم وجود تِلْكَ الْجبَال مَعْلُوم لنا بالبداهة بالِاتِّفَاقِ لَا بِعَدَمِ دَلِيل وجودهَا وَإِلَّا لَكَانَ الْعلم بعدمها استدلاليا بِأَن يُقَال إِن دَلِيل وجودهَا مَعْدُوم وَعدم الدَّلِيل يُوجب عدم الْمَدْلُول فعدمها ثَابت وَأَيْضًا مَا المُرَاد بِعَدَمِ الدَّلِيل على وجود الشَّيْء إِن أُرِيد بِهِ أَنه لَا دَلِيل فِي نفس الْأَمر منعناه لِأَن عدم الْعلم بالشَّيْء لَا يسْتَلْزم عَدمه فِي نفس الْأَمر. وَإِن
(2/225)

أُرِيد أَنه لَا دَلِيل عندنَا فَمُسلم لَكِن لَا يُفِيد وجوب نَفْيه لجَوَاز أَن يكون دَلِيله مَوْجُودا فِي نفس الْأَمر وَإِن لم يكن مَعْلُوما لنا.
عدم الْقُدْرَة مُطلقًا لَيْسَ بعجز: فَإِن عدم الْقُدْرَة على الْمُمْتَنع بِالذَّاتِ أَو بِالْغَيْر لَيْسَ بعجز بل عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن الْغَيْر الْمُمْتَنع بِالْغَيْر عجز وتفصيله فِي الْعَجز.
الْعَدَم لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية: يَعْنِي أَن الْعَدَم لَا يكون عِلّة مُؤثرَة وَكَذَا الْمَعْدُوم الْمركب من الْوُجُود والعدم والمركب من الْمَوْجُود والمعدوم لِأَن الْعلَّة المؤثرة لَا بُد وَأَن تكون مُؤثرَة والتأثير صفة ثبوتية فثبوته فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ فَلَا يَتَّصِف بِهِ الْعَدَم الصّرْف وَلَا مَا تركب مِنْهُ وَلَا المتصف بِهِ.
الْعدَد الْمعِين المنقوص: من عدد بعد نُقْصَان ثلثه مِنْهُ إِذا كَانَ مفنيا يكون نصفه ثلثا يَعْنِي أَن كل عدد إِذا نقص مِنْهُ ثلثه ثمَّ نقص من الْبَاقِي عدد معِين لم يبْق ذَلِك الْعدَد فَنصف الْعدَد الْمعِين حِينَئِذٍ يكون ثلثا للعدد الأول.
أَلا ترى أَن خَمْسَة وَسبعين عددا إِذا نقص مِنْهُ ثلثه وَهُوَ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ثمَّ نقص مِنْهُ عدد معِين أَعنِي خمسين لم يبْق من ذَلِك الْعدَد أَي من خَمْسَة وَسبعين شَيْء. وَلَا شكّ أَن نصف خمسين ثلث خَمْسَة وَسبعين. وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا إِذا كَانَ الْعدَد الْمعِين ثلثين للعدد الأول. فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهَا ضابطة مضبوطة يفْتَقر إِلَيْهَا فِي اسْتِخْرَاج المجهولات العددية كَمَا لَا يخفى على الحاسب.
(بَاب الْعين مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)

الْعرض أَعم من العرضي: فَإِن الْبيَاض عرض لَيْسَ بعرضي والأبيض عرض وعرضي على مَذْهَب كَمَا ستقف عَلَيْهِ. وَالشَّيْخ الرئيس صرح بِأَن الْعرض الْمُقَابل للجوهر غير العرضي الْمُقَابل للذاتي وَهَذَا هُوَ الْحق لَا ريب فِيهِ. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْعرض هُوَ العرضي بِحَذْف الْيَاء تَخْفِيفًا وَبعد الْحَذف جَاءَ الِاشْتِبَاه نعم هَذَا الْعرض يُقَابل الْجَوْهَر بِمَعْنى الأَصْل كَمَا يُقَال أَي شَيْء هُوَ فِي جوهره أَو عرضه ثمَّ إِنَّه فِي الإشارات رُبمَا قَالُوا الْعرض محذوفا عَنهُ الْيَاء انْتهى.
وتفصيل هَذَا الْمقَام وتنقيح هَذَا المرام أَنهم اخْتلفُوا فِي أَن الْعرض غير العرضي ومبائن لَهُ حَقِيقَة أم اعْتِبَارا وَفِي أَن الْعرض يباين الْمحل حَقِيقَة أم اعْتِبَارا. وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْعرض غير العرضي وَغير الْمحل حَقِيقَة. وَاسْتَدَلُّوا على مُغَايرَة الْعرض للعرضي ومباينته لَهُ حَقِيقَة بِأَن الْعرض يباين الْمحل والعرضي يتحد مَعَه وَاخْتِلَاف اللوازم يدل على اخْتِلَاف الملزومات وعَلى أَن الْعرض مباين للمحل بِأَنَّهُ يُقَال وجدت الْأَعْرَاض فَقَامَتْ بالموضوعات، فللأعراض وجود سوى وجود الموضوعات وَوُجُود
(2/226)

الْإِعْرَاض مُتَأَخّر عَن وجود موضوعاتها.
أَلا ترى أَن وجود الْبيَاض مُتَأَخّر عَن وجود الْمَوْضُوع وَبِه يمتاز عَن العدميات كالعمى فَإِن الْعقل إِذا لاحظ مَفْهُوم الْأَعْمَى بِحَدّ أَنه لَا يتَوَقَّف الاتصاف بِهِ إِلَّا على سلب الْبَصَر عَمَّا يصلح لَهُ بِالْقُوَّةِ الشخصية أَو النوعية أَو الجنسية من غير أَن يزِيد هُنَاكَ أَمر فِي الْوُجُود بِخِلَاف الْأَبْيَض فَإِن الْجِسْم إِنَّمَا يصير أَبيض إِذا زَاد عَلَيْهِ شَيْء فِي الْوُجُود بِهِ يصير أَبيض فَذَلِك الزَّائِد الْمُتَأَخر هُوَ الْبيَاض والجسم الْمَزِيد عَلَيْهِ الْمُتَقَدّم مَحَله.
وَمَا قَالَ الشَّيْخ الرئيس وجود الْأَعْرَاض فِي أَنْفسهَا هُوَ وجودهَا لمحالها وَإِن كَانَ صَرِيحًا فِي أَن الْعرض عين الْمحل وَلَا يباينه وَلِهَذَا تمسك بِهِ من يَدعِي الِاتِّحَاد والعينية لَكِن الْحق أَن مُرَاده وجود الْإِعْرَاض فِي أَنْفسهَا وجودهَا فِي موضوعاتها فَلَا يجوز حمل كَلَامه على الظَّاهِر كَيفَ لَا فَإِنَّهُ قَالَ فِي التعليقات وجود الْأَعْرَاض فِي أَنْفسهَا هُوَ وجودهَا فِي موضوعاتها سوى الْعرض الَّذِي هُوَ الْوُجُود لاستغنائه عَن الْوُجُود انْتهى. وَأَيْضًا حمل كَلَامه على الظَّاهِر يُوجب إثارة الْخلَل وَالْفساد فَإِن الْوُجُود وجودان أُصَلِّي يتَعَدَّى بفي، وتبعي يتَعَدَّى بِاللَّامِ وَالثَّانِي للأحوال عِنْد الْقَائِلين بهَا الأول لغَيْرهَا إعْرَاضًا كَانَ أَو جَوَاهِر فَلَو كَانَت الْإِعْرَاض مَوْجُودَة بِالثَّانِي لزم أَن تكون أحوالا والفلاسفة يُنْكِرُونَهَا وَذهب جلال الْعلمَاء وَمن تَابعه إِلَى أَن بَينهَا اتحادا بِالذَّاتِ وتغايرا بِالِاعْتِبَارِ فَإِن لطبيعة الْعرض ثَلَاث اعتبارات لَا بِشَرْط شَيْء وبشرط شَيْء وبشرط لَا شَيْء فَإِذا أخذت لَا بِشَرْط شَيْء أَي من حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قطع النّظر عَن مُقَارنَة الْمَوْضُوع وَعدمهَا فَهِيَ عرضي مَحْمُول. وَإِذا أخذت بِشَرْط شَيْء أَي بِشَرْط مُقَارنَة الْمَوْضُوع مَعهَا فعين الْمحل. وَإِذا أخذت بِشَرْط لَا شَيْء أَي بِشَرْط عدم مُقَارنَة الْمَوْضُوع مَعهَا فَعرض مُقَابل للجوهر فالبياض مثلا بِالِاعْتِبَارِ الأول يكون أَبيض وعرضيا مَحْمُولا وَبِالثَّانِي ثوبا أَبيض وبالثالث بَيَاضًا وعرضا مبائنا للموضوع.
ف (70)
الْعَرْش: الْجِسْم الْمُحِيط بِجَمِيعِ الْأَجْسَام سمي بِهِ لارتفاعه أَو للتشبيه بسرير الْملك فِي تمكنه عَلَيْهِ عِنْد الحكم لنزول أَحْكَام قَضَائِهِ وَقدره مِنْهُ.
العرشي: الْمَنْسُوب إِلَى الْعَرْش الْمجِيد. وَأَرَادَ الإِمَام الْعَلامَة الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي فِي التلويحات بالعرشي الْبَحْث الَّذِي حصله بِالنّظرِ كَمَا أَرَادَ باللوحي مَا أَخذه من كتاب.
الْعرض: بِكَسْر الأول وَسُكُون الثَّانِي (آبرو وعزت وَحرمت) وبفتح الْعين
(2/227)

وَسُكُون الثَّانِي فِي اللُّغَة الْإِظْهَار والكشف. وَمِنْه قَول الْفُقَهَاء وَلَا تعرض الْأمة إِذا بلغت فِي إِزَار وَاحِد أَي لَا تظهر فِي السُّوق للْبيع فِي إِزَار وَاحِد. وبفتح الثَّانِي أَيْضا مَتَاع خانه غير دِرْهَم ودينار وَجمعه الْعرُوض. وَفِي الصِّحَاح الْعرض الْأَمْتِعَة الَّتِي لَا يدخلهَا كيل وَلَا وزن وَلَا تكون حَيَوَانا وَلَا عقارا.
وَالْعرض الْمُقَابل للجوهر هُوَ الْمَوْجُود فِي الْمَوْضُوع أَي الْمُمكن الْوُجُود الَّذِي يحْتَاج فِي وجوده إِلَى مَوْضُوع أَي مَحل مقوم يقوم بِهِ وَلذَا قَالُوا الْعرض هُوَ الْحَال فِي المتحيز بِالذَّاتِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى يُقَابل الْجَوْهَر وَجمعه الْأَعْرَاض. ثمَّ الْعرض على نَوْعَيْنِ قار الذَّات وَهُوَ الَّذِي تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود كالبياض والسواد - وَغير قار الذَّات وَهُوَ الَّذِي لَا تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود كالحركة والسكون. قيل هَذَا التَّعْرِيف غير مَانع لصدقه على الصُّورَة الْعَقْلِيَّة للجوهر فَإِنَّهَا جَوْهَر على مَذْهَب من يَقُول بِحُصُول الْأَشْيَاء فِي الذِّهْن بِأَعْيَانِهَا مَعَ أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْمَوْضُوع وَأجِيب بِأَن تِلْكَ الصُّورَة جَوْهَر وَعرض مَعًا بِنَاء على صدق تعريفهما بِحَسب الظَّاهِر عَلَيْهَا وَأما بِحَسب الْمَعْنى المُرَاد فَلَيْسَتْ عرضا قطعا. وَالْعرض بِمَعْنى أقصر الامتدادين وَلَو فَرضنَا يُقَابل الطول فَهَذَا الْعرض هُوَ الانبساط فِي غير جِهَة الطول.
وَأما الْعرض عِنْد النُّحَاة وَإِن عدوه من أحد الْأَشْيَاء الَّتِي يقدر بعْدهَا الشَّرْط وينجزم فِي جَوَابه الْمُضَارع مثل أَلا تنزل بِنَا فتصيب خيرا فمولد من الِاسْتِفْهَام أَي لَيْسَ هُوَ بَابا على حِدة بل الْهمزَة فِيهِ همزَة الِاسْتِفْهَام دخلت على الْفِعْل الْمَنْفِيّ وَامْتنع حملهَا على حَقِيقَة الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يعرف عدم النُّزُول مثلا فالاستفهام عَنهُ يكون طلبا للحاصل فتولد مِنْهُ بِقَرِينَة الْحَال عرض النُّزُول على الْمُخَاطب وَطَلَبه مِنْهُ وَهَذِه فِي التَّحْقِيق همزَة إِنْكَار أَي لَا يَنْبَغِي لَك أَن لَا تنزل وإنكار النَّفْي إِثْبَات فَلهَذَا صَحَّ تَقْدِير الشَّرْط الْمُثبت بعده نَحْو أَن تنزل. فَالْحَاصِل أَن الْعرض وَإِن تولد من الِاسْتِفْهَام لَكِن لم يبْق عَلَيْهِ بل لَهُ معنى على حِدة وفرقه من التَّمَنِّي فِي التَّمَنِّي.
عرض الْبَلَد: قَوس من دَائِرَة نصف النَّهَار فِيمَا بَين سمت الرَّأْس ودائرة الْمعدل أَو فِيمَا بَين أحد قطبي الْعَالم والأفق وَطول أَحْمد نكر (قطّ) دَرَجَة (مَه) دقيقة وَعرضه (يح) دَرَجَة (م) دقيقة وسمت قبلته (يَا) دَرَجَة (ى) دقيقة من الْمغرب إِلَى جَانب الشمَال.
عرض الْكَفّ: فِي الدِّرْهَم.
عَرَفَات: علم للموقف الْمَعْرُوف يتم الْحَج بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا سَاعَة من زَوَال يَوْم عَرَفَة إِلَى طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر محرما وَهِي منصرفة وَلِهَذَا تكسر وتنون مَعَ أَن فِيهَا علمية وتأنيث لِأَن التَّاء الملفوظة فِيهَا لَيست للتأنيث فَقَط بل للجمعية أَيْضا فَإِن تَاء التَّأْنِيث فِيهَا حذفت للاستغناء. وَقَالَ بَعضهم غير منصرف والتنوين فِيهَا للمقابلة كَمَا
(2/228)

حققنا فِي جَامع الغموض فِي بحث غير المنصرف.
الْعرض الذاتي: مَا يكون منشأه الذَّات بِأَن يلْحق الشَّيْء لذاته كالتعجب اللَّاحِق لذات الْإِنْسَان أَو يلْحق الشَّيْء لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للْإنْسَان بِوَاسِطَة أَنه حَيَوَان أَو تلْحقهُ بِوَاسِطَة أَمر خَارج عَنهُ مسَاوٍ لَهُ كالضحك الْعَارِض للْإنْسَان بِوَاسِطَة التَّعَجُّب فَإِن قلت التَّعَجُّب لَاحق للْإنْسَان بِوَاسِطَة جزئه أَعنِي النَّاطِق لَا لذاته، قلت إِن التَّعَجُّب يَقْتَضِي الْحُدُوث الَّذِي هُوَ من خَواص الْمَادَّة فَيكون للحيوان أَيْضا مدْخل فِي الْعرُوض وَإِنَّمَا كَانَ التَّعَجُّب مقتضيا للحدوث لِأَنَّهُ عبارَة عَن إِدْرَاك حَادث لأمر غَرِيب خَفِي السَّبَب.
الْعَرُوس: بِالْفَتْح نعت يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث مَا داما فِي أعراسهما وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون ثَلَاثَة أَيَّام وَبعدهَا يُسمى زوجا وَزَوْجَة وَيجمع الْمُؤَنَّث على عرائس والمذكر على عرس بِضَمَّتَيْنِ.
الْعرُوض: بِالضَّمِّ عَارض شدن والكشف والإظهار والغيم والطرف وَاسم من أَسمَاء مَكَّة زَادهَا الله تَعَالَى شرفا وتعظيما. وَعلم الْعرُوض بِالْفَتْح علم بقوانين يعرف بهَا ميزَان الشّعْر وبحوره وتعصم مراعاتها الْإِنْسَان عَن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الْكَلَام الْمَوْزُون. وَالْعرُوض فِي اصْطِلَاح أَصْحَاب علم الْعرُوض الْجُزْء الْأَخير من المصراع. وَوَاضِع علم الْعرُوض خَلِيل بن أَحْمد الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قيل مر على دكان الْقصار فَسمع من دقه الثَّوْب أصواتا متناسبة فَقَالَ وَالله يظْهر من هَذَا شَيْء وَصَارَت لَهُ هَذِه الْأَصْوَات مبادئ اسْتِخْرَاج علم الْعرُوض. وَقيل إِنَّه الْهم فِي مَكَّة الْمُبَارَكَة هَذَا الْعلم وَلِهَذَا سَمَّاهُ باسمها الْعرُوض وَأَيْضًا الْعرُوض جمع الْعرض كَمَا مر فِيهِ.
الْعرض اللَّازِم: مَا يمْتَنع انفكاكه عَن الْمَاهِيّة كالكاتب بِالْقُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان.
الْعرض المفارق: مَا لَا يمْتَنع انفكاكه عَن الشَّيْء كالكاتب بِالْفِعْلِ للْإنْسَان وَهُوَ إِمَّا سريع الزَّوَال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وَإِمَّا بطيء الزَّوَال كالشيب والشباب.
الْعرض الْعَام: كلي مقول على أَفْرَاد حَقِيقَة وَاحِدَة وَغَيرهَا قولا عرضيا.
الْعُرْفِيَّة الْعَامَّة: من القضايا الموجهات البسيطة وَهِي الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بدوام ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع متصفا بِالْوَصْفِ العنواني مثل بالدوام كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا وَلَا شَيْء من الْكَاتِب بساكن الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْقَضِيَّة عرفية لِأَن الْعرف الْعَام يفهم هَذَا الْمَعْنى أَي دوَام النِّسْبَة السلبية بِشَرْط الْوَصْف من الْقَضِيَّة السالبة إِذا لم تقيد عَن جَمِيع الْجِهَات حَتَّى إِذا
(2/229)

قيل لَا شَيْء من النَّائِم بمستيقظ يفهم الْعرف الْعَام من هَذِه الْقَضِيَّة أَن المستيقظ مسلوب عَن النَّائِم مَا دَامَ نَائِما فَلَمَّا أَخذ هَذَا الْمَعْنى من الْعرف نسب إِلَيْهِ وَعَامة لِأَنَّهَا أَعم من الْعُرْفِيَّة الْخَاصَّة وَإِنَّمَا قُلْنَا من الْقَضِيَّة السالبة لِأَن أَحْكَام فن الْمنطق كليات فَلَو قُلْنَا من الْقَضِيَّة الْمُوجبَة والسالبة أَو تركناهما يفهم أَن الْعرف الْعَام يفهم هَذَا الْمَعْنى من جَمِيع مواد الْمُوجبَة والسالبة وَلَيْسَ كَذَلِك نعم يفهمونه من جَمِيع مواد السالبة وَأما من جَمِيع مواد الْمُوجبَة فَلَا بل يفهمونه من بعض موادها دون بعض كَقَوْلِك كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع وكل نَائِم مُضْطَجع فَإِن الْعرف يفهم أَن تحرّك الْأَصَابِع ثَابت لِلْكَاتِبِ دَائِما مَا دَامَ كَاتبا والاضطجاع ثَابت للنائم مَا دَامَ نَائِما بِخِلَاف قَوْلنَا كل كَاتب إِنْسَان فَإِن الْعرف لَا يفهم أَن الْإِنْسَان ثَابت لِلْكَاتِبِ مَا دَامَ كَاتبا إِلَّا بالتصريح بقولنَا دَائِما مَا دَامَ كَاتبا وتخلف فهم الْعرف فِي مَادَّة من مواد الْمُوجبَة يَكْفِي فِي الحكم بِعَدَمِ فهم هَذَا الْمَعْنى من الْمُوجبَة فَلهَذَا خصصنا الْكَلَام بالسالبة فَافْهَم واحفظ.
(بَاب الْعين مَعَ الزَّاي)

الْعَزِيمَة: فِي اللُّغَة الْإِرَادَة الْمُؤَكّدَة قَالَ الله تَعَالَى {وَلم نجد لَهُ عزما} أَي لم يكن قصد مُؤَكد فِي الْفِعْل بِمَا أَمر. وَفِي الشَّرْع اسْم لما هُوَ أصل الْمَشْرُوع غير مُتَعَلق بالعوارض ويقابلها الرُّخْصَة وَإِنَّمَا سمي عَزِيمَة لِأَنَّهُ نِهَايَة التوكيد حَقًا لله تَعَالَى بِالْأَمر وعلينا الْتِزَامه والانقياد لَهُ وَهِي أَقسَام أَرْبَعَة فرض وواجب وَسنة وَنفل.
الْعَزْل: التَّغَيُّر. وَفِي الشَّرْع قد يُرَاد بِهِ إِخْرَاج الذّكر وَقت خُرُوج الْمَنِيّ حذرا عَن الْحمل وَالْإِذْن فِيهِ لسَيِّد الْأمة وَإِن كَانَت الزَّوْجَة حرَّة فالإذن فِيهِ إِلَيْهَا إِجْمَاعًا وَلَا خلاف فِي جَوَازه فِي الْأمة الْمَمْلُوكَة وَالْإِذْن حِينَئِذٍ إِلَى الْمولى.
الْعُزْلَة: الْخُرُوج عَن مُخَالطَة الْخلق بالانزواء والانقطاع. من كَلَام بعض الْأَعْلَام أَن الْعُزْلَة بِدُونِ عين الْعلم زلَّة وَبِدُون زَاي الزّهْد عِلّة.
(بَاب الْعين مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)

الْعشَاء: بِالْفَتْح الْأكل من الظّهْر إِلَى نصف اللَّيْل، وبالكسر هُوَ مَا بعد غرُوب الشَّفق إِلَى الصُّبْح الصَّادِق.
(2/230)

(بَاب الْعين مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة)

العصب: ومحركة أطناب المفاصل بِالْفَارِسِيَّةِ (بى) وبسكون الثَّانِي فِي الْعرُوض إسكان الْحَرْف الْخَامِس المتحرك وَيُسمى ذَلِك اللَّفْظ معصوبا.
الْعُصُوبَة: فِي اللُّغَة الْإِحَاطَة حول الشَّيْء والقرابة لأَب.
الْعَصَبَات: جمع السَّلامَة ومفردها.
الْعصبَة: الَّتِي هِيَ جمع العاصب كطلبة وفجرة وظلمة جمع طَالب وَفَاجِر وظالم فالعصبات جمع الْجمع ومصدرها الْعُصُوبَة - وعصبة الرجل بنوه.
وَفِي جَامع الرموز ذُكُور يتصلون بَاب - وَقَالَ المطرزي إِنَّهَا تقال للغلبة على الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث انْتهى - وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره وَكَأَنَّهَا جمع عاصب وَإِن لم يسمع بِهِ أَي بِكَوْنِهَا جمع عاصب انْتهى. أَقُول الظَّاهِر أَن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة فَحِينَئِذٍ لَا معنى لقَوْله وَإِن لم يسمع بِهِ لما عرفت أَن فعلة جمع فَاعل شَائِع ذائع كطلبة جمع طَالب وَغير ذَلِك وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَى الْعَصَبَات فمستبعد جدا لِأَنَّهُ لم يقل أحد بِأَن الْعَصَبَات جمع عاصب وَيُمكن أَن يُقَال إِن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة وَضمير بِهِ إِلَى العاصب وَمعنى وَإِن لم يسمع العاصب وَإِن لم يعرف وَلم يُوجد اسْتِعْمَاله فِي محاوراتهم وَإِنَّمَا أَتَى قدس سره بِكَلِمَة الشَّك لفتور الجمعية فِي الْعصبَة لصِحَّة إِطْلَاقهَا على الْوَاحِد وَالْجمع وَالْمَذْكُور والمؤنث حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا اسْم جنس وَهَذَا عِنْدِي وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعصبَة فِي الِاصْطِلَاح كل من يَأْخُذ من التَّرِكَة مَا أبقاه من هُوَ من أَصْحَاب الْفَرَائِض وَاحِدًا كَانَ أَو كثيرا وَعند انْفِرَاده عَن غَيره فِي الوراثة يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة - فَإِن صَاحب الْفَرْض إِذا خلا عَن الْعُصُوبَة يحرز جَمِيع المَال أَيْضا لَكِن لبَعض المَال بالفرضية وللباقي بِالرَّدِّ لأكله من جِهَة الْعُصُوبَة. قيل التَّعْرِيف لَيْسَ بِجَامِع لِأَن الاخوات مَعَ الْبَنَات عصبات وَلَا يصدق عَلَيْهَا إِنَّهَا عِنْد الِانْفِرَاد تحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة وَأجِيب بِأَن التَّعْرِيف لنَوْع الْعصبَة أَعنِي الْعصبَة بِالنَّفسِ لَا للْعصبَةِ مُطلقًا أَقُول إِن التَّعْرِيف الْمَذْكُور لمُطلق الْعصبَة وَقَوْلنَا يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة مشْعر بِاشْتِرَاط وصف الْعُصُوبَة عِنْد الِانْفِرَاد وَلَا شكّ أَن من كَانَ عِنْد الِانْفِرَاد بَاقِيا على وصف الْعُصُوبَة يكون محرزا لجَمِيع المَال وَالْأَخَوَات عِنْد الِانْفِرَاد صَاحِبَة فرض لَا عصبات وَلَكِن لَا يخفى على المتنبه أَن فِي هَذَا الْجَواب شوب الدّور لَا بل فِي تَقْيِيد الْإِحْرَاز بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة - وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح السِّرَاجِيَّة قيد الْإِحْرَاز بِجَمِيعِ المَال بقوله بِجِهَة وَاحِدَة، لَا بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة تحاشيا عَن الشوب الْمَذْكُور
(2/231)

وَلَكِن النَّاظر ينظر إِلَيْهِ من وَرَاء الْحجاب لِأَن المُرَاد بالجهة الْوَاحِدَة لَيْسَ إِلَّا جِهَة الْعُصُوبَة وَأَنت تعلم أَنه لَا يضر لِأَن الْأَحْكَام تَتَفَاوَت بتفاوت العنوان. ثمَّ فرع قدس سره على ذَلِك التَّقْيِيد عدم وُرُود الِاعْتِرَاض على منع التَّعْرِيف بالبنت مثلا إِذا كَانَت مُنْفَرِدَة ثمَّ اعْترض على جمعه بالأخوات مَعَ الْبَنَات فَأجَاب بتخصيص الْمُعَرّف بالعصبة بِالنَّفسِ لَا بِمَا ذكرنَا من اشْتِرَاط بَقَاء وصف الْعُصُوبَة. ثمَّ اعْترض على الْجَواب بقوله ويخدشه أَنه إِذا خص الخ. أَقُول لَا يبعد أَن يُقَال إِن الْمُعَرّف عَام وَالْوَاو فِي قَوْله وَعدم الِانْفِرَاد بِمَعْنى أَو لمانعة الْجمع وَحِينَئِذٍ لَا يرد الِاعْتِرَاض على جمعه وَلَا الخدشة الْمَذْكُورَة كَمَا لَا يخفى على من تحلى بالإنصاف وتخلى عَن التعصف والاعتساف، ثمَّ الْعصبَة على نَوْعَيْنِ عصبَة من جِهَة النّسَب وعصبة من جِهَة السَّبَب أما
الْعصبَة من جِهَة النّسَب: فَهُوَ من كَانَ عصوبته وقرابته بِالْولادَةِ والعصبات النسبية مؤخرة عَن أَصْحَاب الْفَرَائِض مُقَدّمَة على الْعَصَبَات السَّبَبِيَّة وَأما
الْعصبَة من جِهَة السَّبَب: فَهُوَ مولى الْعتَاقَة أَي مُعتق الْمَيِّت وعصباته النسبية وعصباته السَّبَبِيَّة أَعنِي مُعتق مُعتق وَهَكَذَا وَالْمرَاد بعصباته النسبية مَا هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ فَقَط وَهِي ذُكُور لَا غير كَمَا ستقف عَلَيْهِ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ للنِّسَاء من الْوَلَاء إِلَّا مَا أعتقن الخ. وَفِي (الْأَشْبَاه والنظائر) فِي كتاب الْفَرَائِض ذكر الزَّيْلَعِيّ فِي آخر كتاب الْوَلَاء أَن بنت الْمُعْتق تَرث الْمُعْتق فِي زَمَاننَا وَكَذَا مَا فضل بعد فرض أحد الزَّوْجَيْنِ يرد عَلَيْهِ بِنَاء على أَنه لَيْسَ فِي زَمَاننَا بَيت مَال لأَنهم لَا يضعونه مَوْضِعه وَإِنَّمَا تحقق الْعُصُوبَة والقرابة والوراثة بِسَبَب الْعتْق بَين مولى الْعتَاقَة ومعتقه لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب وَالْمرَاد بِالْوَلَاءِ الْعتْق أَو الْإِعْتَاق من قبيل ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب وَفِيه اخْتِلَاف قَالَ الْبَعْض الْإِعْتَاق وَالأَصَح أَنه الْعتْق كَمَا ستعرف فِي الْوَلَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى واللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة والاختلاط يَعْنِي الْإِعْتَاق قرَابَة واختلاط أَي سببهما كالقرابة والاختلاط اللَّذين بِالنّسَبِ وَالْوَلَاء فِي الشَّرِيعَة. وَمعنى ذَلِك أَن الْحُرِّيَّة حَيَاة للْإنْسَان إِذْ بهَا يثبت لَهُ صفة الْمَالِكِيَّة الَّتِي امتاز بهَا عَن سَائِر مَا عداهُ من الْحَيَوَانَات والجمادات والرقية تلف وهلاك فالمعتق سَبَب لَا حَيَاء الْمُعْتق كَمَا أَن الْأَب سَبَب لإيجاد الْوَلَد فَكَمَا أَن الْوَلَد يصير مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه بِالنّسَبِ وَإِلَى أقربائه بالتبعية كَذَلِك الْمُعْتق يصير مَنْسُوبا إِلَى مُعْتقه بِالْوَلَاءِ وَإِلَى عصبته بالتبعية فَكَمَا يثبت الْإِرْث بِالنّسَبِ كَذَلِك يثبت بِالْوَلَاءِ انْتهى.
والعصبات النسبية ثَلَاثَة:
الْعصبَة بِنَفسِهِ: وَهُوَ كل ذكر لَا يكون مدَار نسبته إِلَى الْمَيِّت أُنْثَى بِأَن لَا يكون بَينهمَا وَاسِطَة اسْتِحْقَاق الْإِرْث إِلَّا أُنْثَى فَإِن من كَانَ مدَار نسبته أُنْثَى لَيْسَ بعصبة كالأخ لأم وكأب الْأُم وَابْن الْبِنْت فَإِن الأول من أَصْحَاب الْفَرَائِض والأخيران من ذَوي الْأَرْحَام. فَلَا يردان الْأَخ لأَب وَأم عصبَة بِنَفسِهِ مَعَ أَن الْأُم دَاخِلَة فِي نسبته إِلَى الْمَيِّت
(2/232)

لَكِن لَيْسَ مدَار اسْتِحْقَاق الْإِرْث بالعصوبة عَلَيْهَا فَإِن قرَابَة الْأَب بانفرادها أصل فِي اسْتِحْقَاق الْعُصُوبَة وكافية بِنَفسِهَا فِي إِثْبَاتهَا بِخِلَاف قرَابَة الْأُم أَلا ترى أَن الْأَخ لأَب عصبَة دون الْأَخ لأم. وَالثَّانِي:
الْعصبَة بِغَيْرِهِ: وَهن اللَّاتِي فرضهن النّصْف وَالثُّلُثَانِ يصرن عصبَة بإخوتهن وَالَّتِي لَا فرض لَهَا وأخوها عصبَة لَا تصير عصبَة بأخيها أَلا ترى أَن الْعمة لَا تصير عصبَة بالعم الَّذِي هُوَ أَخُوهَا مَعَ أَنه عصبَة وَهِي من ذَوي الْأَرْحَام فحين اجْتِمَاعهمَا كَانَ المَال كُله للعم دونهَا. وَالثَّالِث:
الْعصبَة مَعَ غَيره: وَهِي كل أُنْثَى تصير عصبَة بِشَرْط اجتماعها ومقارنتها مَعَ أُنْثَى أُخْرَى لَيست بعصبة كالأخت لأَب وَأم أَو لأَب إِذا كَانَت مَعَ الْبِنْت صلبية أَو بنت ابْن وَاحِدَة أَو أَكثر تصير عصبَة وَالْبِنْت على حَالهَا صَاحِبَة فرض فَالْمَال بَينهمَا نِصْفَانِ النّصْف للْبِنْت بالفرضية وَالْبَاقِي للْأُخْت بالعصوبة.
فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْعصبَة بِالْغَيْر والعصبة مَعَ الْغَيْر. قُلْنَا، إِن الْغَيْر فِي الأول عصبَة شريك للْعصبَةِ فِي الْعُصُوبَة بل هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ تسري عصوبته إِلَى الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ ملصقة بِهِ فَتَصِير عصبَة بِهِ بِخِلَاف الْغَيْر فِي الثَّانِي فَإِن الْغَيْر فِيهِ لَيْسَ بعصبة أصلا بل يكون عصوبة تِلْكَ الْعصبَة مجامعة ومقارنة لذَلِك الْغَيْر الَّذِي لَيْسَ بعصبة ومشروطة بِتِلْكَ المجامعة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن هَذَا الْفرق مَبْنِيّ على الْفرق بَين الْبَاء وَمَعَ، فَعَلَيْك أَن تعلم الْفرق بَينهمَا بِأَن الْبَاء للإلصاق وَمَعَ للقران والإلصاق بَين الملصق والملصق بِهِ لَا يتَحَقَّق إِلَّا عِنْد مشاركتهما فِي حكم الملصقية فتكونان مشاركتين فِي حكم الْعُصُوبَة بِخِلَاف كلمة مَعَ فَإِنَّهَا للقران وَالْقُرْآن يتَحَقَّق بَين الشَّيْئَيْنِ بِغَيْر مُشَاركَة فِي الحكم كَقَوْلِه تَعَالَى {وَجَعَلنَا مَعَه أَخَاهُ هَارُون وزيرا} . وَاعْلَم أَنه لَو اجْتمعت الْعَصَبَات بَعْضهَا عصبَة بِنَفسِهَا وَبَعضهَا مَعَ غَيرهَا فالترجيح فِيهَا بِالْقربِ إِلَى الْمَيِّت وَلَا يكون التَّرْجِيح بعصبة بِنَفسِهَا حَتَّى أَن الْعصبَة مَعَ غَيرهَا إِذا كَانَت أقرب إِلَى الْمَيِّت من الْعصبَة بِنَفسِهَا كَانَت أولى كَمَا إِذا ترك بِنْتا وأختا لأَب وَأم وَابْن الْأَخ لأَب وَأم فَنصف الْمِيرَاث للْبِنْت وَالنّصف الْبَاقِي للْأُخْت وَلَا شَيْء لِابْنِ الْأَخ.
الْعِصْمَة: ملكة اجْتِنَاب الْمعاصِي مَعَ التَّمَكُّن مِنْهَا، وَبِعِبَارَة أُخْرَى قُوَّة من الله تَعَالَى فِي عَبده تَمنعهُ عَن ارْتِكَاب شَيْء من الْمعاصِي والمكروهات مَعَ بَقَاء الِاخْتِيَار، وَقد يعبر عَن تِلْكَ الملكة بلطف من الله تَعَالَى يحملهُ على فعل الْخَيْر ويزجره عَن الشَّرّ مَعَ بَقَاء الِاخْتِيَار تَحْقِيقا للابتلاء والامتحان وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى الْعِصْمَة لَا تزيل المحنة والتكليف، وَبِهَذَا يظْهر فَسَاد من قَالَ إِن الْعِصْمَة
(2/233)

خاصية فِي نفس ناطقة لشخص أَو فِي بدنه يمْتَنع بِسَبَبِهَا صُدُور الذَّنب عَنهُ كَيفَ وَلَو كَانَ الذَّنب مُمْتَنعا لما صَحَّ تَكْلِيفه بترك الذَّنب وَلما كَانَ مثابا عَلَيْهِ هَكَذَا فِي شرح العقائد للعلامة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمن قَالَ إِن حَقِيقَة الْعِصْمَة عدم خلق الله تَعَالَى فِي العَبْد الذَّنب مَعَ بَقَاء قدرته واختياره غَرَضه مآلها وغايتها ذَلِك لِأَن حَقِيقَة الْعِصْمَة هِيَ تِلْكَ الملكة لَا غير. فَافْهَم والأنبياء معصومون والأولياء محفوظون قيل الْفرق بَينهمَا أَن للأنبياء والأولياء قدرَة واختيارا على الذَّنب لَكِن الْأَنْبِيَاء إِذا أَرَادوا الذَّنب لَا يخلف الله تَعَالَى الذَّنب والأولياء لَو أَرَادوا الذَّنب لخلقه الله تَعَالَى لكِنهمْ لَا يُرِيدُونَ الذَّنب.
الْعِصْمَة المؤثمة: هِيَ الَّتِي تجْعَل من هتكها آثِما.
الْعِصْمَة المقومة: هِيَ الَّتِي يثبت بهَا للْإنْسَان قيمَة بِحَيْثُ من هتكها فَعَلَيهِ الْقصاص أَو الدِّيَة. فِي التَّلْوِيح الرَّقِيق مَعْصُوم الدَّم بِمَعْنى أَنه يكرم الشَّرْع لِأَن الْعِصْمَة نَوْعَانِ (مؤثمة) توجب الْإِثْم فَقَط على التَّقْدِير التَّعَرُّض للدم وَهِي بِالْإِسْلَامِ (ومقومة) توجب مَعَ الْإِثْم فَيقْتل الْحر بِالْعَبدِ قصاصا لِأَن مبْنى الضَّمَان على العصمتين والمالية لَا تحل بهما.
(بَاب الْعين مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)

الْعَطف: فِي اللُّغَة الْميل. وَعند النُّحَاة تَابع قصد نسبته إِلَى شَيْء مثل زيد عَالم وعاقل أَو نِسْبَة شَيْء إِلَيْهِ مثل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو بِالنِّسْبَةِ الْوَاقِعَة فِي الْكَلَام مَعَ متبوعه أَي كَمَا يكون هُوَ مَقْصُودا بِتِلْكَ النِّسْبَة يكون متبوعه أَيْضا مَقْصُودا بهَا ويتوسط بَين ذَلِك التَّابِع وَبَين متبوعه أحد الْحُرُوف العاطفة الْعشْرَة مثل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو - فعمرو تَابع مَعْطُوف على زيد قصد نِسْبَة الْمَجِيء إِلَيْهِ بِنِسْبَة الْمَجِيء الْوَاقِعَة فِي الْكَلَام وكما أَن نِسْبَة الْمَجِيء إِلَيْهِ مَقْصُودَة كَذَلِك نسبته إِلَى زيد الَّذِي هُوَ متبوعه أَيْضا مَقْصُوده.
عطف الْبَيَان: تَابع غير صفة توضح متبوعة أَي يحصل من اجْتِمَاعهمَا إِيضَاح لم يحصل من أَحدهمَا على الِانْفِرَاد فَيصح أَن يكون الْمَتْبُوع أوضح من تَابعه وَلَا يلْزم أَن يكون تَابعه أَي عطف الْبَيَان أوضح من متبوعه كَمَا توهم.
(بَاب الْعين مَعَ الْفَاء)

الْعِفَّة: الِامْتِنَاع عَمَّا لَا يحل. وَفِي الْأَخْلَاق هِيَ هَيْئَة للقوة الشهوانية متوسطة بَين الْفُجُور الَّذِي هُوَ إفراط هَذِه الْقُوَّة والخمود الَّذِي هُوَ تفريطها - فالعفيف من بَاشر على وفْق الشَّرْع والمروة، وتحقيقها فِي الْعَدَالَة.
(2/234)

العفوصة: طعم مَا يَأْخُذ ظَاهر اللِّسَان وَحده، وَالْقَبْض طعم مَا يَأْخُذ ظَاهر اللِّسَان وباطنه.
(بَاب الْعين مَعَ الْقَاف)

الْعقل: فِي الْعرُوض حذف الْحَرْف الْخَامِس المتحرك وَيُسمى الَّذِي وَقع فِيهِ ذَلِك الْحَذف معقولا.
الْعقل: بِالضَّمِّ الدِّيَة. وبالفتح (دِيَة دادن وَمنع كردن) . وَالدية تمنع وَتمسك الدِّمَاء من أَن تسفك وَالْعقل الَّذِي هُوَ جنس الْعُقُول الْعشْرَة أَو نوع، وَتلك الْعُقُول أَفْرَاده جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته وَفعله أَي لَيْسَ بمادي وَغير مُتَعَلق وَلَيْسَ بمحتاج إِلَى الْمَادَّة فِي فعله وَهَذَا الْعقل يُسمى ملكا بِلِسَان الشَّرْع وعقلا مُجَردا بِلِسَان الْحُكَمَاء.
وَاعْلَم أَن الْمَشْهُور أَن الْعُقُول عشرَة وَلَكِن ذهب الْمعلم الأول إِلَى أَنَّهَا خَمْسُونَ وَقَالَ الشَّيْخ لم يتَبَيَّن لي إِلَى الْآن أَن كرة الثوابت كرة وَاحِدَة أَو كرات منطوية بَعْضهَا على بعض - فَإِن كَانَت كرات منطوية بِعَدَد الثوابت فَيكون الْعُقُول والنفوس أَكثر مِنْهَا بِكَثِير لَا محَالة فكثرة الْعُقُول بأية مرتبَة كَانَت إِنَّمَا تكون بِكَثْرَة الْحَقَائِق لما قَالُوا من أَن كل حَقِيقَة لَا تتَعَيَّن إِلَّا بتعين وَاحِد تَقْتَضِيه ذَاتهَا.
وَاعْلَم أَن تشخص الْعُقُول من لَوَازِم ماهياتها بِمَعْنى أَن مَاهِيَّة كل وَاحِد من الْجَوَاهِر الْمُفَارقَة تَقْتَضِي انحصار نَوعه فِي شخصه. فَإِن قلت إِن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لَا تَقْتَضِي شَيْئا من مَرَاتِب التعين. قُلْنَا إِن كَون تشخص كل جَوْهَر عَقْلِي من لَوَازِم ذَاته لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة تَقْتَضِي التعين فَإِن التعين بِمَعْنى مَا بِهِ التعين فِي الْأَشْيَاء نفس وجودهَا الْخَاص والوجود مِمَّا لَا تَقْتَضِيه الْمَاهِيّة كَمَا عرفت بل اللُّزُوم قد يُرَاد مِنْهُ عدم الانفكاك بَين الشَّيْئَيْنِ سَوَاء كَانَ مَعَ الِاقْتِضَاء أم لَا وَهُوَ المُرَاد من قَوْلهم تعين كل عقل لَازم لماهيته وَأما التعين بِمَعْنى المتعينة فَهُوَ أَمر اعتباري عَقْلِي لَا بَأْس بِكَوْنِهِ من لَوَازِم الْمَاهِيّة بِأَيّ معنى كَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ أمرا مَخْصُوصًا يتَعَيَّن بِهِ الشَّيْء، وَقيل الْعقل جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته لَا فعله أَي مُقَارن لَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا محتاجة فِي أفعالها وَهِي الاكتسابات إِلَى الْمَادَّة. وَلَا يخفى أَن الْعقل بِهَذَا الْمَعْنى هِيَ النَّفس الناطقة. وَالْعرْف واللغة على مغائرتهما وَالْحق أَن الْعقل الْمدْرك كَمَا يُطلق على الْقُوَّة الَّتِي بهَا الْإِدْرَاك كَذَلِك يُطلق على الْجَوْهَر الْمَذْكُور آنِفا وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أول مَا خلق الْعقل) وَإِن حَال نفوسنا بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ حَال أبصارنا بِالْإِضَافَة إِلَى الشَّمْس فَكَمَا أَن بِإِضَافَة نور الشَّمْس يدْرك المبصرات كَذَلِك بِإِضَافَة نوره يدْرك المعقولات وَقَالَ بَعضهم إِن الْعقل قُوَّة للنَّفس بهَا تستعد للعلوم والإدراكات.
(2/235)

وَاعْلَم أَن هَذَا هُوَ الْعقل الهيولاني وَلِهَذَا قَالُوا إِن معنى هَذَا التَّعْرِيف وَمعنى قَوْلهم إِن الْعقل غريزة يتبعهَا الْعلم بالضروريات عِنْد سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات وَاحِد وَهَذِه الغريزة هِيَ الْمرتبَة الأولى من مَرَاتِب الْعَاقِلَة كَمَا سَيَجِيءُ، وَقيل الْعقل قُوَّة يُمَيّز بهَا الْإِنْسَان بَين الْمصَالح وَغَيرهَا الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا الْإِنْسَان بقوله أَنا. وَفِي كتب الْأُصُول أَن الْعقل نور فِي بدن الْإِنْسَان يضيء بذلك النُّور طَرِيق يبتدأ بِهِ من حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ دَرك الْحَواس وَالضَّمِير فِي (بِهِ) رَاجع إِلَى الطَّرِيق وَفِي (إِلَيْهِ) إِلَى حَيْثُ، وَمن هَذَا قيل بداية المعقولات نِهَايَة المحسوسات وَذَلِكَ لِأَن الْإِنْسَان إِذا أبْصر شَيْئا يَتَّضِح لِقَلْبِهِ طَرِيق الِاسْتِدْلَال بِنور الْعقل فَإِذا نظر إِلَى بِنَاء رفيع وانْتهى إِلَيْهِ بَصَره يدْرك بِنور عقله أَن لَهُ بانيا لَا محَالة ذَا حَيَاة وقدرة وَعلم إِلَى سَائِر أَوْصَافه الَّتِي لَا بُد للْبِنَاء هُنَا وَإِذا رأى إِلَى السَّمَاء وَرَأى أَحْكَامهَا ورفعتها واستنارة كواكبها وَعظم هيآتها وَسَائِر مَا فِيهَا من الْعَجَائِب والغرائب اسْتدلَّ بِنور عقله أَنه لَا بُد لَهَا من صانع قديم مُدبر حَكِيم قَادر عَظِيم حَتَّى فِي (نفحات الْأنس من حضرات الْقُدس) أَن الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن شهريار رأى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْمَنَام فَسَأَلَ يَا رَسُول الله مَا الْعقل فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أدناه ترك الدُّنْيَا وَأَعلاهُ ترك التفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَإِنَّمَا سمي تِلْكَ الْأُمُور عقلا لِأَنَّهَا تمنع صَاحبهَا عَن القبائح. قَالَ الْحُكَمَاء أول مَا خلق الله تَعَالَى الْعقل كَمَا ورد نَص الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم وَجه الْجمع بَينه وَبَين الْحَدِيثين الآخرين أول مَا خلق الله تَعَالَى الْقَلَم، وَأول مَا خلق الله تَعَالَى نوري، أَن الْمَعْلُول الأول من حَيْثُ إِنَّه مُجَرّد يعقل ذَاته ومبدأ يُسمى عقلا وَمن حَيْثُ إِنَّه وَاسِطَة فِي صُدُور سَائِر الموجودات ونقوش الْعُلُوم يُسمى قَلما وَمن حَيْثُ توسطه فِي إفَاضَة أنوار النُّبُوَّة كَانَ نور سيد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
الْعقل الفعال: هُوَ الْعقل الْعَاشِر الْمعبر فِي الشَّرْع بالناموس الْأَكْبَر وجبرائيل عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنَّمَا سمي فعالا لِكَثْرَة أَفعاله وتصرفاته فِي عَالم العناصر.
الْعقل الهيولاني: هُوَ الاستعداد الْمَحْض لإدراك المعقولات وَهُوَ قُوَّة مَحْضَة خَالِيَة عَن الْفِعْل كَمَا للأطفال وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الهيولي لِأَن النَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة تشبه الهيولي الأولى الخالية فِي حد ذَاتهَا عَن الصُّور كلهَا.
اعْلَم أَن للنَّفس الناطقة بِاعْتِبَار الْقُوَّة الْعَاقِلَة أَربع مَرَاتِب وَوجه ضَبطهَا أَن الشَّيْء الَّذِي من شَأْنه أَن يعقل شَيْئا، إِمَّا يعقل بِالْفِعْلِ، أَو بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة، أَو الْبَعِيدَة فِي الْغَايَة، أَو التَّوَسُّط، وَعَلَيْك بملاحظة هَذَا الْوَجْه الْوَجِيه بعد الْإِحَاطَة بالمراتب.
فَاعْلَم أَن الْمرتبَة الأولى وَهِي أَن تكون النَّفس خَالِيَة عَن جَمِيع المعقولات البديهية والنظرية الَّتِي يكون تعقلها بالانطباع فَإِن النَّفس لَا تَخْلُو عَن الْعلم الحضوري بِنَفسِهَا فَتكون النَّفس حِينَئِذٍ مستعدة لتِلْك المعقولات تسمى هَذِه الْمرتبَة بِالْعقلِ الهيولاني
(2/236)

تَشْبِيها بالهيولي الخالية فِي حد ذَاتهَا عَن الصُّور كلهَا بِمَعْنى أَنه لَيْسَ شَيْء مِنْهَا مأخوذا فِيهَا وَإِن لم يجز انفكاكها عَن الصُّور كلهَا بِخِلَاف الهيولي الثَّانِيَة كالجسم الْمُطلق لبسائطه وكالعنصر للمواليد فَإِنَّهَا لَيست خَالِيَة عَنْهَا كلهَا بل الصُّورَة مَأْخُوذَة فِيهَا وَالنُّون زَائِدَة للنسبة وَالْعقل الهيولاني كَمَا يُطلق على هَذِه الْمرتبَة كَمَا علمت كَذَلِك يُطلق على النَّفس الناطقة فِي هَذِه الْمرتبَة وعَلى قُوَّة النَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة وَكَذَا حَال الْأَسَامِي الْآتِيَة فِي الْمَرَاتِب الْبَاقِيَة.
الْعقل بالملكة: مرتبَة ثَانِيَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الناطقة وَهِي أَن تحصل لَهَا المعقولات البديهية بِسَبَب إحساس الجزئيات والشبه بِمَا بَينهَا من المشاركات والمبائنات وَأَن تستعد اسْتِعْدَادًا قَرِيبا للانتقال من البديهيات إِلَى النظريات بالفكر والحدس. وَإِنَّمَا سميت عقلا بالملكة لِأَن المُرَاد بالملكة إِمَّا مَا يُقَابل الْحَال الَّتِي هِيَ كَيْفيَّة غير راسخة أَعنِي الْكَيْفِيَّة الراسخة وَإِمَّا مَا يُقَابل الْعَدَم أَعنِي الْوُجُود. وَلَا شكّ أَن للنَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة اسْتِعْدَادًا راسخا للانتقال إِلَى النظريات والاستعداد كَيْفيَّة من الكيفيات. وَأَيْضًا قد حصل للنَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة وجود الِانْتِقَال إِلَى النظريات بِنَاء على قرب وجوده كَمَا يُسمى الْعقل بِالْفِعْلِ عقلا بِالْفِعْلِ مَعَ كَونه بِالْقُوَّةِ لِأَن قوته قريبَة من الْفِعْل جدا. وَالْأولَى أَن يُقَال إِنَّمَا سميت بِهَذَا الْوُجُود الاستعداد الْقَرِيب للانتقال فِي هَذِه الْمرتبَة وَهَذَا أقرب من السَّابِق لعدم الِاحْتِيَاج فِيهِ إِلَى الارتكاب بمجاز المشارفة لِأَنَّهُ أُرِيد بالملكة الْوُجُود وَجعل لامه عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمَحْذُوف أَعنِي الْعقل المتلبس بِوُجُود الاستعداد الْقَرِيب للانتقال لَا بِوُجُود الِانْتِقَال حَتَّى يرد مَا يرد فَيحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف. ثمَّ الْعقل بالملكة إِن وصلت إِلَى أَن يحصل لَهَا كل نَظَرِي بالحدس من غير حَاجَة إِلَى فكر تسمى قُوَّة قدسية لتقدسها عَن لوث الْعَوَائِق الجسمية وقاذورات العلائق الطبيعية فَتَأمل.
الْعقل بِالْفِعْلِ: مرتبَة ثَالِثَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الإنسانية أَي النَّفس الناطقة وَهِي أَن يحصل لَهَا المعقولات النظرية لَكِن لَا تطالعها بِالْفِعْلِ بل صَارَت مخزونة عِنْدهَا بِحَيْثُ يستحضرها مَتى شَاءَت بِلَا حَاجَة إِلَى كسب جَدِيد أَي تكون لَهَا ملكة الاستحضار الَّتِي لَا تحصل إِلَّا إِذا لاحظت النظريات الْحَاصِلَة مرّة بعد أُخْرَى. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْمرتبَة أَو النَّفس الناطقة فِي هَذِه الْمرتبَة عقلا بِالْفِعْلِ لفعلية ملاحظات النظريات مرّة بعد أُخْرَى وَهَذَا أولى مِمَّا ذكر فِي الْعقل بالملكة وَاعْلَم أَن الْعقل بِالْفِعْلِ مُتَأَخّر فِي الْحُدُوث عَن
الْعقل الْمُطلق: لِأَن الْمدْرك مَا لم يُشَاهد مَرَّات كَثِيرَة لَا يصير ملكة فَكيف تكون لَهَا المعقولات النظرية مخزونة بِحَيْثُ الخ ومتقدم عَلَيْهِ فِي الْبَقَاء لِأَن الْمُشَاهدَة تَزُول بِسُرْعَة وَتبقى ملكة الاستحضار مستمرة فيتوصل بهَا إِلَى الْمُشَاهدَة، فَمنهمْ من نظر إِلَى التَّأَخُّر فِي الْحُدُوث فَجعله مرتبَة رَابِعَة.
(2/237)

وَمِنْهُم من نظر إِلَى التَّقَدُّم فِي الْبَقَاء فَجعله مرتبَة ثَالِثَة وَالْعقل الْمُطلق هُوَ الْمرتبَة الرَّابِعَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الناطقة وَهِي أَن تطالع النَّفس الناطقة معقولاتها المكتسبة بِالنّظرِ أَو الْحَاصِلَة بِالضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا سمي بِالْعقلِ الْمُطلق لكَونه مستخدما لما سواهُ من الْعُقُول الْمَذْكُورَة فَتلك الْعُقُول خادمة لَهُ لِأَنَّهُ بِسَبَب الْعُقُول الْمَذْكُورَة تكون المعقولات مستحضرة، ثمَّ تطالعها النَّفس فالعقل الْمُطلق سَوَاء أطلق على تِلْكَ الْمرتبَة أَو على النَّفس الناطقة فِي تِلْكَ الْمرتبَة مُطلق غير مُقَيّد بِقَيْد الْخدمَة فَافْهَم.
الْعقل الْمُسْتَفَاد: يُطلق على النَّفس الناطقة فِي الْمرتبَة الرَّابِعَة وعَلى نفس تِلْكَ الْمرتبَة أَيْضا فَهُوَ أَن تحضر عِنْده النظريات الَّتِي أدْركهَا بِحَيْثُ لَا تغيب عَنهُ، وَقد يُطلق على معقولات الْعقل الْمُطلق لكَونهَا مستفادة من الْعقل الفعال.
العقد: بِالْفَتْح بِالْفَارِسِيَّةِ (كره بستن) وَفِي الشَّرْع ربط أَجزَاء التَّصَرُّف أَي الْإِيجَاب وَالْقَبُول وبالكسر (رشة مر واريد) وَالْعقد الَّذِي مِمَّا يتَّصل بالسرقات الشعرية أَن ينظم نثرا قُرْآنًا كَانَ أَو حَدِيثا أَو مثلا أَو غير ذَلِك لَا على طَرِيق الاقتباس كَقَوْلِه:
(مَا بَال من أَوله نُطْفَة ... وجيفة آخِره يفخر)

وَهَذَا الشَّاعِر عقد قَول عَليّ كرم الله وَجهه وَمَا لِابْنِ آدم وَالْفَخْر وَإِنَّمَا أَوله نُطْفَة وَآخره جيفة، وَقَوله كرم الله وَجهه وَالْفَخْر على تَقْدِير النصب يكون الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى مَعَ وَاعْلَم أَن مُحَصل مَفْهُوم الْقَضِيَّة يرجع إِلَى عقدين. أَحدهمَا:
عقدَة الْوَضع: وَهُوَ ثُبُوت الْوَصْف العنواني لذات الْمَوْضُوع. وَالثَّانِي:
عقد الْحمل: وَهُوَ ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع وَالْعقد الأول تركيب تقييدي توصيفي، وَالثَّانِي تركيب خبري وَمعنى رُجُوعه إِلَى الْعقْدَيْنِ أَنه لَا يتَحَقَّق بدونهما كَمَا يُقَال مرجع الْغَنِيّ إِلَى المَال أَي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا مُحَصل مَفْهُوم الْقَضِيَّة لتجريد النّظر إِلَى خصوصيات القضايا وَإِلَّا فمفهوم الْقَضِيَّة الْكُلية لَا يرجع إِلَى ثُبُوت وصف الْمَوْضُوع لذاته بل إِلَى ثُبُوت وَصفه لكل ذَاته وَمَفْهُوم الْجُزْئِيَّة لَا يرجع إِلَى ثُبُوت وَصفه لذاته بل إِلَى ثُبُوت وَصفه لبَعض ذَاته فَافْهَم.
الْعَقِيقَة: قَالَ الْأَصْمَعِي فِي الْعُمْدَة هِيَ بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي وَسُكُون الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين وَفتح الْقَاف الثَّانِي فِي اللُّغَة اسْم للشعر الَّذِي على رَأس الْمَوْلُود حِين ولد وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ يشق اللَّحْم وَالْجَلد، وَفِي الشَّرْع اسْم لما ذبح فِي السَّابِع يَوْم حلق رَأسه تَسْمِيَة لَهُ باسم مَا يقارنها وَهِي سنة فِي الْيَوْم السَّابِع أَو فِي الرَّابِع عشر أَو فِي أحد وَعشْرين. وَقد عق النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن نَفسه بَعْدَمَا بعث نَبيا وَهُوَ مَخْصُوص بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَيَقُول عِنْد ذبح الْعَقِيقَة اللَّهُمَّ هَذِه عقيقة ابْني فلَان دَمهَا بدمه ولحمها بِلَحْمِهِ وعظمها بعظمه وجلدها بجلده وشعرها بِشعرِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا فدَاء لِابْني من النَّار،
(2/238)

والعقيقة شَاتَان عَن الْغُلَام وشَاة عَن الْجَارِيَة وَيَكْفِي عَن الْغُلَام شَاة أَيْضا وَلَا يكسر مِنْهَا شَيْء من الْعِظَام وَيُعْطِي الْقَابِلَة فَخذهَا ويطبخ جز وَلَا يتَصَدَّق بهَا ويحلق رَأس الْمَوْلُود وَيتَصَدَّق بِوَزْن شعر رَأسه فضَّة وَلَا يَأْكُل مِنْهَا أَبوهُ وَأمه. وَلَا بُد أَن يكون الْعَقِيقَة كالأضحية فَتجوز بالثولاء والخصي والجماء لَا بالعمياء والعوراء والعجفاء والعرجاء ومقطوع أَكثر الْأذن أَو الذَّنب أَو الآلية أَو الْعين أَي المذهوب بِأَكْثَرَ ضوء الْعين.
ف (71)
الْعقر: بِالضَّمِّ فِي الْمَبْسُوط هُوَ عبارَة عَن مهر الْمثل بكم تستأجر على الزِّنَا نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك مَعَ جمَالهَا لَو جَازَ الِاسْتِئْجَار على الزِّنَا فالقدر الَّذِي تستأجر بِهِ على الزِّنَا يَجْعَل عقرهَا وعقر الْجَارِيَة