Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 025


آثار الشيخ العَلّامَة
عبد الرحمن بن يحيى المعَلمي
(25)

المقدمات وما إليها
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(م 25/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(م 25/2)

راجع هذا الجزء
مُحَمَّد أجمَل الإصلَاحِي
(م 25/3)

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
SULAIMAN BIN ABDUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION
حقوق الطبع والنشر محفوظة
لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي
الطبعة الأولى 1434 ه
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
مكة المكرمة - هاتف 5473166 - 5353590 فاكس 5457606
الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
(م 25/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهمّ ارْضَ عن صحابة نبيّك أجمعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فلا يخفى على المهتمّين بالعلم والتراث أثر الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في حركة التحقيق العلمي للتراث، فقد كان من أوائل روّادها، المعدودين في الطبقة الأولى منهم، وقد قضى في هذه الصنعة عمرًا مديدًا من حياته المباركة.
وقد اضطلع الشيخ إبَّان التحاقه بدائرة المعارف العثمانية بحيدر اباد بتحقيق وتصحيح أهم الكتب في الحديث والرجال والأنساب واللغة وغيرها، واستمرّ أيضًا حتى بعد انتقاله عنها.
وكانت تحقيقاته محطّ إعجاب العلماء وتقديرهم، وقد نقلتُ طرفًا من ذلك في ترجمته الموسّعة، ونكتفي هنا بقول العلامة حمد الجاسر وهو يعرّف بما طبع من كتاب "الأنساب" - فذكر أنه من تحقيق -: " ... فضيلة محقّقه العلامة الجليل، الذي فقد تراثُنا بفقدِه عالمًا فذًّا، قلّ الزمانُ أن يجود بمن يسدّ الفراغ الذي أحدثه فقدُه رحمه الله" (1).
__________
(1) مجلة العرب، السنة الثانية 1387 ه ص 465.
(م 25/5)

وقد التزم الشيخ رحمه الله في تلك الكتب المحقَّقَة صنعَ مقدمة للتحقيق يشرح فيها كل ما يتعلق بالكتاب ومؤلفه، ونسخه الخطية، وطريقة العمل فيه، وما يتبع ذلك من مباحث. وربما لم يكتب مقدمة لكنه كتب خاتمة طبع.
وقد اشتملت مقدّماته تلك على فوائد نفيسة، وأبحاث مفيدة، جديرة بالوقوف عليها والإفادة منها، وكان بعض تلك المقدمات من الطول بحيث تصلح رسالة مفردة، كما في مقدمة "الإكمال" فقد بلغت 68 صفحة.
فكان من الخير أن تُجمع هذه المقدمات في مكان واحد ليسهل الاطلاع عليها جميعًا. فإن الكتب التي حققها الشيخ قد لا تحصل جميعها عند من يرغب فيها، وإن حصلت فقد حُذفت بعض المقدمات من تلك الكتب لمّا أعيد تصويرها. وهي أيضًا جزء من تراث الشيخ المكتوب، وتكشف جانبًا مهمًّا من حياته العلمية الطويلة مع التراث، وتمثّل خلاصة تجاربه الثرّة في تصحيح الكتب وتحقيقها.
وعدد المقدّمات التي جمعناها هنا خمس عشرة مقدمة وخاتمة طبع، وهي بحسب ترتيبها في هذا السَّفر:
1 - مقدمة الإكمال، لابن ماكولا.
2 - مقدمة الأنساب، للسمعاني.
3 - مقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم.
4 - مقدمة تاريخ جرجان، للسهمي.
5 - مقدمة الموضح لأوهام الجمع والتفريق، للخطيب.
6 - مقدمة كتاب بيان خطأ محمد بن إسماعيل في التاريخ, لابن أبي حاتم.
(م 25/6)

7 - مقدمة المعاني الكبير، لابن قتيبة.
8 - مقدمة الفوائد المجموعة، للشوكاني.
9 - مقدمة المنار المنيف، لابن القيم.
10 - مقدمة تذكرة الحفاظ للذهبي.
11 - مقدمة كشف المخدّرات، للبعلي.
12 - البحث عن كتاب الكنى, للبخاري.
13 - خاتمة طبع الكفاية، للخطيب.
14 - خاتمة طبع نزهة الخواطر، للحسني.
15 - خاتمة طبع معجم الأمكنة لنزهة الخواطر، للندوي.
ثم أتبعنا المقدمات تقريظين كتبهما الشيخ لكتابين من كتب الحديث، ألَّفهما عالمان من علماء الحديث المعاصرين، وناسب إدخالهما هنا باعتبار أن التقريظ مقدمة للكتاب ومدخل إليه، وهما:
16 - تقريظ كتاب فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد، للجيلاني.
17 - تقريظ كتاب مسند الصحيحين، للشيخ عبد الحق الهاشمي.
ثم رأينا أن نضمّ إلى ذلك تعليقين للشيخ لهما علاقة بالتحقيق، هما:
18 - تحقيق لفظة (أبنا) (أنبأ) في سنن البيهقي.
19 - تحقيق نسبة (العندي). من حاشية الإكمال.
فالمجموع تسع عشرة مقدمة وما تَبِعها من تقاريظ وتعاليق.
(م 25/7)

ومع أن الشيخ اشتغل بالتحقيق مدة طويلة تزيد على الأربعين عامًا، وصار متمرّسًا في هذه الصناعة، إلا أن كتابة المقدّمات كانت تثقل عليه، وقد صرّح بذلك في مقدمة تحقيق كتاب "الأنساب" بعد أن كان يأمل أن يقوم أحد منسوبي دائرة المعارف العثمانية بكتابتها - وقد شاركوه في مقابلة بعض نسخها - قال: "وأنا مع كثرة اشتغالي أستثقل كتابة المقدمات، وأراها مما لا أحسنه ... " (1). أما الاستثقال فنعم، وأما الأخير فمِن تواضع الشيخ المعهود.
وقد كَشَفت لنا هذه المقدمات وما معها جانبًا مهمًّا في حياة الشيخ الاجتماعية وعلاقاته الثقافية، فذكر فيها بعض أصدقائه ومعارفه من العلماء والمثقفين، وما كان بينهم من أواصر الودّ والتعاون العلمي (2).
وقد اعتمدت في إخراج هذه المقدمات وما تَبِعها على الطبعات الأولى لتلك الكتب، وقد أصلحتُ ما وقع فيها من خطأ أو نحوه مع الإشارة إلى ذلك في الهامش.
غير أن تقريظ الشيخ ل "مسند الصحيحين" لم يكن قد طبع من قبل، ووقفتُ على أصله عند شيخنا عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي في ورقة واحدة، مكتوبة بالمداد الأزرق، وبها بعض التمزّق من وسطها, لكنه لم يؤثر على نصها، وتفضّل شيخنا فصوّر إلى نسخة منها جزاه الله خيرًا.
__________
(1) "مقدمات المعلمي - مقدمة الأنساب" (ص 72). أقول: وهذا مما أعلمه عن كثير من العالمين بالتراث المشتغلين بتحقيقه، يستثقلون كتابة المقدمات التي لا مناص لهم من كتابتها!
(2) انظر ترجمة الشيخ المفصلة.
(م 25/8)

ووجدت أيضًا مسوّدةً لمقدمة الجرح والتعديل في مكتبة الحرم المكيّ الشريف برقم 4660، لكن وضع لها المفهرِس عُنْوانًا يُبعد الناظر عن معرفة حقيقتها، وهو "أصول الرواة" في (18 (صفحة بخط المؤلف المعروف. وإنما هي مقدمة الشيخ لتحقيق كتاب الجرح والتعديل. والنص في المسوّدة مغاير في كثير من المواضع للمطبوع زيادة ونقصًا، فلم يكن من المفيد مقارنتها بالمطبوع.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب
علي بن محمد العمران
مكة المكرمة 21 صفر 1432 ه
aliomraan@hotmail.com
(م 25/9)

آثار الشيخ العَلّامَة
عبد الرحمن بن يحيى المعَلمي
(25)
المقدمات وما إليها
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
علي بن محمد العمران
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(25/1)

(1)

مقدمة
"الإكمال في رفع عارض الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب"
لابن ماكولا (ت 475)
(25/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلم.
أمّا بعد، فإنّ أشدَّ نقص في الكتاب العربي المطبوع كثرةُ الخطأ والغلط والتصحيف والتحريف. ولذلك أسباب: منها خلوّ أكثر المخطوطات عن الشكل، وخلو كثير منها عن النقط، وتقارب صور بعض الحروف، ولا سيما في الخطوط التي لم يُعْتن بتحقيقها.
هذه الأسباب - مع جهل النسّاخ - تفسد أكثر المخطوطات، وإذا لم يُعتن بالتصحيح قبل الطبع وعنده، جاء المطبوع أكثر وأفحش غلطًا من النسخ المخطوطة.
والعناية الناجحة بالتصحيح لا يكفي فيها عالِمِيّة المصحّح، بل لا بدّ من أمور أخر، أهمها توفّر المَرَاجع.
وأكثر الألفاظ تعرُّضًا للغلط أسماء المتقدمين وألقابهم وكناهم ونِسَبهم؛ لأنّها كما قال بعض القدماء: "شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه" (1).
ليست التَّبِعَة على الخط العربي، فقد أُعِدّ فيه من النقط والشكل،
__________
(1) خطبة كتاب عبد الغني الأزدي في المؤتلف. [المؤلف].
(25/5)

وعلامات توضّح أنّ الحرف مهمل - أي غير منقوط - ما هو كفيل مع تحقيق الخط بَدَاء (1) كل لبس.
وقد كان السلف يُعْنَون بذلك حق العناية، حتى إن بعضهم سمع خبرًا فيه ذكر أبي الحوراء - بالحاء والراء - فكتبه وخاف أن يلتبس فيما بعد بأبي الجوزاء - بالجيم والزاي - فلم يكتف بعدم النقط ولا بوضع العلامات حتى كتب تحت الكلمة (حور عين).
ثم لمّا شاع التساهل في الضبط, وكَثُر في الشيوخ من يقلّ تحقيقه، واضطر أهل العلم إلى الأخذ من الكتب بدون سماع = فزع المحققون إلى ما يدافعون به الخطأ والتصحيف.
فمن ذلك: تأليفهم كتب التراجم مرتبة على الحروف، ثم على الأبواب لكل اسم، كما تراه في "تاريخ البخاري" و"كتاب ابن أبي حاتم" فمن بعدهما. ولا ريب أنّ هذا يدفع كثيرًا من التصحيف والتحريف.
ومن ذلك: الضبط بالألفاظ، كأن يقال "بحاء غير منقوطة". ويقع للقدماء قليل من هذا، ويكثر في مؤلفات بعض المتأخرين، كابن خلكان في "وفياته" والمنذري في "تكملته" وابن الأثير في "كامله". كما نبه عليه الدكتور مصطفى جواد في مقدمته ل "تكملة إكمال الإكمال" لابن الصابوني (2).
ومن ذلك - وهو أجلها وأنفعها - تأليف كتب في هذا الموضوع خاصة، وهو ضبط ما يُخْشى الخطأ فيه.
__________
(1) كذا, ولعلها "بجلاء".
(2) (ص/ 23 - 25).
(25/6)

وإذا كان أكثر الخطأ وقوعًا وأشده خطرًا الخطأ في الأسماء التي توجد أسماء أخرى تشتبه بها = وجَّهوا معظم عنايتهم إلى هذا، فوضعوا له فنًّا خاصًّا، وهو (المؤتلف والمختلف) أي المؤتلف خطًّا المختلف لفظًا، وهو كل ما لا يفرق بينه إلاّ الشكل أو النقط مثل: (عُبَاد) بعين مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة (1) فألف فدال مهملة، مع (عِباد) مثله لكن بكسر أوله، و (عَبَّاد) بتلك الحروف لكن بفتح فتشديد، و (عِيَاذ) بعين مهملة مكسورة فتحتية مخففة فألف فذال معجمة.
وكثيرًا ما يذكرون الاسمين اللذَين يفرق بينهما الخط المجوّد فقط مثل (بشر وشتر). وربما ذكروا ما هو أقل التباسًا من هذا كما يأتي في باب (أحمد وأجمد وأحمر) فصورة الراء مخالفة لصورة الدال مخالفةً بينة، ولكن لما كانت صورتاهما قد تتقاربان في بعض الخطوط، وكان اسم (أحمر) قليلاً من سمى به لم يؤمَن فيمن يرى في كتابٍ "أحمر بن فلان" مقاربة فيه صورة الراء لصورة الدال أن يتبادر إلى ذهنه أنّه أحمد.
فأمّا ما يزيد أحد الاسمين فيه على الآخر بحرف كحسن وحسين، وسعد وسعيد، وعبد الله وعبيد الله، وأشباه ذلك؛ فقلّما يتعرضون له لأنّه يكثر جدًّا.
أسلفتُ أنّ العناية الناجحة بتصحيح الكتب للطبع تتوقف على أمور، أهمها توفّر المَرَاجع، فهل بين أيدي المصحّحين مَرْجع واف في المؤتلف والمختلف؟
__________
(1) الحرف الذي يليه الألف لا يكون إلا مفتوحًا، فإذا نُص على فتحه فالمراد أنه غير مشدد. هكذا يدلّ عليه استقراء كلامهم، والأولى أن يقال: "مخففة" [المؤلف].
(25/7)

قبل أن أجيب عن هذا السؤال أسوق أسماء مشاهير المؤلفين في هذا الفنّ وكتبهم، ووصف ما هو مطبوع منها، وما وقفت عليه ممّا لم يطبع وأرتبهم بحسب وفياتهم، وإن كان فيهم من هو أقدم ميلادًا من سابقه أو أسبق تأليفًا.
1 - ابن حبيب (- 245): هو أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي الأخباري النسّابة، له كتاب (مختلف أسماء القبائل ومؤتلفها)، وهو خاص بالمؤتلف والمختلف من أسماء القبائل، وفيه مع ذلك عوز. طبعه المستشرق وستنفلد سنة 1850 م، ونُسَخه عزيزةٌ جدًّا، وكنت قد أوصيت صديقي العزيز البحّاثة الشيخ سليمان الصنيع مدير مكتبة الحرم المكي، وعضو مجلس الشورى في الدولة السعودية - أيدها الله - في رحلته إلى مصر سنة 1378 ه أن يبحث عن نسخة منه ويشتريها لي وإن زاد ثمنها، فلم يجد، فلجأ مشكورًا إلى التصوير، فأخذ إلى نسخةً مصورة مكبرة عن نسخة في دار الكتب المصرية مطبوعة، وفوق ذلك دلّه الأستاذ الفاضل النحرير فؤاد السيد مدير قسم المخطوطات في دار الكتب على نسخة في الدار مخطوطة جليلة من كتاب "الإيناس" للوزير المغربي المتوفى سنة 418، فأخذ لي نسخةً مصورة مكبرة عنها فجزاهما الله خيرًا.
أمّا كتاب ابن حبيب فطبع عن نسخة نقل عن آخرها أنّها بخط المقريزي المؤرّخ المشهور، وأنّه كتبها سنة 845 ه (1) بمكة, والنسخة جيدة، ويكثر فيها الضبط بالألفاظ، ونبه في المخطوطة أنّه ليس من الأصل، قال: "لكنه معتمد فثِقْ به".
__________
(1) وهي سنة وفاة المقريزي عن نحو 80 عامًا. فلينظر.
(25/8)

وأمّا "الإيناس" فهو تهذيب لكتاب ابن حبيب بترتيبه على الحروف، وضبط كثير منه بالألفاظ، وزيادة لطائف أدبية وتاريخية، والنسخة بخط التاج ابن مكتوم العالم المشهور، المتوفى سنة 749. وكفاها ذلك كفيلًا بالجودة. ولكتاب ابن حبيب تهذيب آخر ينقل عنه ابن ناصر الدين في "توضيحه" الآتي ذكره، وهو لأبي الوليد الكناني (الوقَّشي) المتوفى سنة 489 (1).
2 - الآمدي (- 370): هو أبو القاسم الحسن بن بِشْر الآمدي، له كتاب (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء) خاصة وفيه إعواز، وهو مطبوع متداول.
3 - أبو أحمد العسكري (293 - 382): هو الحسن بن عبد الله ابن سهل (2)، مؤلف مشهور، ذكره صاحب كشف الظنون في المؤلفين في الفن، ويأتي ما فيه عند ذكر عبد الغني.
4 - الدارقطني (306 - 385): هو الحافظ الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني، له كتاب كبير في المؤتلف والمختلف من الرواة وغيرهم، لم أقف عليه (3)، وأخذه ابن ماكولا كما يأتي.
5 - ابن الفَرَضي (351 - 403): هو حافظ الأندلس ومؤرخها أبو الوليد عبد الله بن محمد ابن الفرضي، له كتاب كبير في المؤتلف
__________
(1) وله تهذيب آخر لأبي عبيد البكري (478). ذكره ابن خير في فهرسته (219). وعن كتاب الوقّشي انظر مقدمة تحقيق "التعليق على الموطأ": 1/ 52 - 53 له.
(2) كذا، وفي المصادر "سعيد".
(3) طبع الكتاب في خمسة مجلدات سنة 1406 على نقص في أوله.
(25/9)

والمختلف من الأسماء والألقاب والكنى (1)، وكتاب في مشتبه النسبة كما في ترجمته من "الجذوة" ص (237) و"تذكرة الحفاظ" ص (1077). وفي هوامش نسخة دار الكتب المصرية من "إكمال ابن ماكولا" تعليقات كثيرة عن ابن الفرضي، عامتها في مشتبه النسبة، فكأنّه لم يقع لمعلقها - وأحسبه الحافظ ابن عساكر - من كتابي ابن الفرضي إلا الذي في مشتبه النسبة.
6 - عبد الغني (332 - 409): هو الحافظ العَلَم عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، له كتابان ككتابي ابن الفرضي صغيران، وقد طبعا في الهند، وهما عندي. وفي ذكر هذا الفن من كتاب "فتح المغيث" للسخاوي ص (429) ما لفظه: "صنف فيه أبو أحمد العسكري، لكنه أضافه إلى كتاب التصحيف [له]، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد، فلذا كان أول من صنف فيه، ثم شيخه الدارقطني". وفي ترجمة عبد الغني من "تذكرة الحفاظ" وغيرها نصوص تدل على هذا، وأنّه ألف كتابه في شبابه، وعلى هذا فابن الفرضي إنّما حذا حذو عبد الغني، وقد يكون الآمدي إنّما ألّف كتابه بعد ظهور كتابي عبد الغني.
وفي مكتبة صديقي العزيز الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع مدير مكتبة الحرم المكي، وعضو مجلس الشورى في دولة السعودية السعيدة نسخة من كتابَي عبد الغني مطبوعة، قد قابلها على نسخة مخطوطة جليلة في آخرها نقص يسير من "مشتبه النسبة" وأثبت بهامش نسخته ما وجد في المخطوطة من اختلاف أو زيادة أو حواشي، والحواشي مفيدة فيها تعقبات
__________
(1) طبع كتاب الألقاب للفرضي في الدار الحسنية بالمغرب.
(25/10)

وزيادات تبتدأ بلفظ "قال الصوري"، وفي آخرها "صح سماعًا". ويظهر بهذا أنّ المخطوطة قديمة قرئت على الصوري، وهو الحافظ محمد بن عبد الله بن علي، مولده سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، صحب الحافظ عبد الغني مؤلف الكتابين وتخرّج عليه. وقد استفدت من هذه النسخة كما أستفيد من كلِّ كتاب أريده من مكتبة الشيخ سليمان.
7 - الماليني (- 412): هو الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهروي الماليني، له كتاب في مشتبه النسبة كما في "فتح المغيث" ص (429)، فوائده في أنساب الرُّشاطي ثم تبصير ابن حجر.
8 - الحضرمي (- 416): هو أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد بن إبراهيم الحضرمي المصري يعرف بابن الطحان، له كتاب في المؤتلف والمختلف، ينقل عنه ابن ماكولا في مواضع من "الإكمال".
9 - المُسْتغفري (350 - 432): هو أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز بن المستغفر الحافظ، له كتاب (الزيادات في كتاب المؤتلف والمختلف لعبد الغني). وعندي نسخة مصورة منه مكبرة عن فِلْم بمعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية بالقاهرة، كما في فهرس المعهد برقم 294 من كتب التاريخ. وفي النسخة زيادات أخرى لمكي بن عبد الرزاق الكُشْمِيْهَني، وللحسن بن أحمد السمرقندي، ولعبد العزيز العاصمي، وليوسف بن منصور السَّيّاري. وفي آخر النسخة تقييد للسماع سنة 542 على الحافظ محمد بن ناصر السَّلَامي الآتي ذكره، وتحت ذلك "صحيح ذلك وكتبه محمد بن ناصر بن محمد بن علي بالتاريخ".
(25/11)

10 - الخطيب (392 - 463): هو الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، له كتاب (المؤتنف في تكملة المؤتلف والمختلف) (1) أكمل به كتب عبد الغني والدارقطني ولم أره، وله كتاب في "المتفق والمفترق" وهو فنٌّ آخر، وكتاب في "تلخيص المتشابه" (2) وهو فن مركب من الفنين.
11 - الأمير ابن ماكولا (421 على الأرجح - 487 أو قبلها): هو الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله بن جعفر الأمير، سعد الملك، الشهير بابن ماكولا، له في الفن كتابان؛ الأول: (الإكمال في رفع [عارض] الارتياب ...)، والثاني: (تهذيب مستمر الأوهام ...) وسأبسط الكلام في الأمير وكتابيه بعدُ إن شاء الله.
12 - الزمخشري (467 - 538): هو العلامة محمود بن عمر الشهير بجار الله الزمخشري، له كتاب في مشتبه النَّسبة كما في "فتح المغيث" ص (429)
13 - ابن ناصر (467 - 550): هو الحافظ محمد بن ناصر السَّلَامي، عدّه السخاوي في "فتح المغيث" ص (429) في المؤلفين في الفن.
14 - الأبِيْوَرْدي (- 557): هو أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الأموي. في ترجمته في "وفيات ابن خلكان" (3) أنّ له "كتاب المؤتلف والمختلف، وما ائتلف واختلف في أنساب العرب".
__________
(1) منه نسخة في برلين رقم 10157 كما ذكر بروكلمان.
(2) "المتفق والمفترق" و"تلخيص المتشابه" و"تالي التلخيص" طبعت جميعًا.
(3) (4/ 448).
(25/12)

15 - الحازمي (548 - 584): هو الحافظ محمد بن موسى الحازمي، له كتاب "الفيصل في مشتبه النسبة" (1)، ذكره ابن خلكان في ترجمته وغيره.
16 - ابن نقطة (579 - 629): هو الحافظ محمد بن عبد الغني الحنبلي، يُعرف بابن نُقْطة، له في الفن ذيل على إكمال ابن ماكولا يسمى (الاستدارك) (2) أو (المستدرك) أو (إكمال الإكمال)، حجمه يزيد على نصف حجم "الإكمال"، وعندي منه نسختان.
الأولى: من أول الكتاب إلى آخر باب السين، وهي مصورة مكبرة عن فلم بمعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية بالقاهرة، مأخوذ عن نسخة بظاهرية دمشق، كما في فهرس المعهد رقم 26 من كتب التاريخ, وفي آخرها سماع بخط الحافظ خالد بن يوسف النابلسي (585 - 663) قال فيه: "سمع هذا المجلد وهو الأول من الاستدراك، تأليف الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي رحمه الله بإجازتي منه ... صاحبه الشيخ ... عماد الدين جمال الفضلاء أبو عبد الله محمد بن الشيخ العلامة المرحوم أبي عبد الله محمد بن علي بن العربي ... وذلك في مجالس آخرها يوم الثلاثاء رابع عشر من جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وستمائة بدمشق حرسها الله، وكتب خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن النابلسي"، وخالد من أقران ابن نقطة أصغر منه قليلاً.
__________
(1) طبع أخيرًا في مجلدين.
(2) ذكر هذا الاسم في صدر النسخة، وفي سماعها. وفي "البداية والنهاية" 12/ 123 قال بعد ذكر الإكمال: "استدرك عليه ابن نقطة في كتاب سماه: الاستدراك" [المؤلف].
(25/13)

والثانية: من أثناء حرف الحاء المهملة إلى أثناء باب الياء آخر الحروف تنقص من أواخر الكتاب بضع أوراق، وهي مصورة مكبرة عن فلم مأخوذ من نسخة بدار الكتب المصرية. وذكرت في فهرس معهد المخطوطات برقم 58 من كتب التاريخ, وفيه وفي فهرس دار الكتب أنّ الكتاب لمؤلف مجهول، لكن أفادني حضرة الأستاذ الكبير المحقق الشهير حمد الجاسر صاحب "مجلة اليمامة" التي تصدر بالرياض عاصمة الدولة السعودية - أيدها الله - وعضو المجمع العلمي اللغوي بمصر، أنّه في بعض زياراته لمصر زار دار الكتب، واطلع على هذه النسخة فبان له أنّها من ذيل ابن نقطة على "الإكمال"، فطلبتُ صورها فوجدتُ الأمر كما ذكر الأستاذ، فشكرًا له (1).
ولابن نقطة كتاب في تراجم المحدثين الدائرة عليهم رواية كتب السنة اسمه (التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد) وعندنا بمكتبة الحرم المكي نسخة منه (2).
17 - ابن باطيش (575 - 640): هو أبو المجد إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي، له كتاب في "مشتبه النسبة"، كما في مقدمة تكملة ابن الصابوني ص (17) عن تاريخ ابن العديم (3).
18 - منصور (607 - 677): هو الحافظ منصور بن سليم وجيه الدين، محتسب الإسكندرية، عُرِف بابن العمادية، له ذيل على ذيل ابن
__________
(1) طبع كتاب ابن نقطة في سبعة مجلدات عن مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى.
(2) طبع في مجلدين، وطبع ذيله للفاسي في ثلاثة مجلدات.
(3) وله كتاب: "التمييز والفصل .. " طبع منه مجلدان بليبيا.
(25/14)

نقطة، عندي منه نسخة مصورة مكبرة عن فلم مأخوذ من نسخة بدار الكتب المصرية، ذكرت في فهرس معهد المخطوطات برقم (678) من كتب التاريخ, ووصفت بأنّها "بقلم معتاد قديم" وهو مغربي (1).
19 - ابن الصابوني (604 - 680): هو الحافظ محمد بن علي بن محمود، أبو حامد جمال الدين، له ذيل على ذيل ابن نقطة أيضًا سماه (تكملة إكمال الإكمال) طبع ببغداد سنة 1377 ه, بتحقيق الدكتور مصطفى جواد، يوافق منصورًا في أشياء وينفرد كل منهما بأشياء، وفوائد منصور أكثر.
20 - الفَرَضي (649 - 700): هو أبو العلاء محمود بن أبي بكر شمس الدين الفَرَضي، له ترجمة في "الدرر المضية" (2/ 163) فيها عن الذهبي أنّه ذكره، قال: "سوَّد كتابًا كبيرًا في مشتبه النسبة ونقلت منه كثيرًا".
21 - ابن الفُوَطي (642 - 723): عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد الشيباني، له مؤلّف في الفن (2)، على ما في "فتح المغيث" ص (429) عن ابن الجزري، فيحقق.
22 - الذهبي (673 - 748): هو الحافظ الشهير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، له في الفن كتاب (المشتبه) طبع بمطبعة بريل في ليدن سنة 1881 م عن نسخة قرئت على المؤلف بتعليقات مفيدة (3) للمستشرق دي بونك، وعندي نسخة منه، ويأتي شيء من وصفه.
__________
(1) طبع الكتاب في مجلدين عن مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى.
(2) سمّاه "تلقيح الأفهام في المؤتلف والمختلف" ذكره الذهبي وغير واحد.
(3) ط: فقيدة.
(25/15)

23 - ابن التركماني (683 - 749): هو العلاّمة علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني المصري، ذكر له صاحب "كشف الظنون" (كتاب المؤتلف والمختلف من أنساب العرب) فيحرر.
24 - مُغُلْطاي (626 - 762): هو الحافظ مُغُلْطاي بن قليج علاء الدين، له كما في خطبة تبصير ابن حجر "ذيل كبير لكنه كثير الأوهام والتكرار والإعادة والإيراد لما لا تمسّ الحاجة إليه غالبًا"، وفي "فتح المغيث" للسخاوي ص (429): "ذيّل على ابن نقطة العلاء مغلطاي جامعًا بين الذيلين المذكورين (لمنصور والصابوني) مع زيادات من أسماء الشعراء وأنساب العرب وغير ذلك، ولكن فيه أوهام وتكرير حيث يذكر ما هو صالح لإدخاله في الباء والتاء أو السين والشين مثلًا في أحدهما ويكون من قبله ذكره في الآخر". ولم أقف عليه (1).
25 - ابن ناصر الدين (777 - 842): هو الحافظ محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد، شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، له في الفن كتابان، الأوّل (التوضيح) وهو شرحٌ حافل لمشتبه الذهبي، والثاني (الإعلام بما في مشتبه الذهبي من الأوهام) (2) وهو مقتطف من الأول. عندي من التوضيح نسخة مصورة مكبرة، أمّا الجزآن الأولان فعن فلم بمعهد المخطوطات، كما في فهرسه رقم 47 و48 من كتب التاريخ, وهو مأخوذ
__________
(1) اسم كتابه "الإيصال لكتاب ابن سليم وابن نقطة والإكمال" منه نسخة بالخزانة العامة بالرباط بخط المؤلف مسوّدة. وطبع أخيرًا في ستة مجلدات.
(2) طبع الكتابان، الأول في عشرة مجلدات حققه محمد نعيم العرقسوسي، والثاني في مجلد واحد حققه عبد القيوم بن عبد رب النبي.
(25/16)

عن نسخة بظاهرية دمشق. وكنت قد وقفت في فهرس كتب التاريخ في الظاهرية للدكتور الفاضل يوسف العش، على أنّ النسخة فيها كاملة في ثلاثة أجزاء، فكتبت مرارًا إلى إدارة معهد المخطوطات بذلك رجاء أن يطلبوا فلمًا من الثالث، ثم تكبر لي منه نسخة، فلم يستجيبوا لذلك. وبلغت القضية حضرة المحسن الكبير السلفي الشهير صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف، فبعد أيام أهدى إليّ نسخة مصورة مكبّرة للجزء الثالث مع فلمها، فأبقيت النسخة وأهديت الفلم لمعهد المخطوطات لتكميل نسختهم. فتكرم مديره بالأمر بتكبير نسخة منه وإهدائها إليّ فله الشكر.
وليست هذه بالأولى ولا المائة من أيادي فضيلة الشيخ محمد نصيف عليّ وعلى العلم والعلماء، بل لم تزل أياديه تترى بضروب الإحسان الذي تعشقه نفسه وتقرّ به عينه، أطال الله عمره وزاده من فضله.
وفي آخر الجزء الأول والثاني تاريخ انتهاء كتابتهما، الأول في جمادى الآخرة سنة ثلاثين وثمانمائة. والثاني في شهر رمضان من السنة نفسها، وفي آخر كل منهما "بخط إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي" يذكر أنّه اشترك في الكتابة جماعة وختم هو. والثالث من النسخة عينها إلاّ أنّه لم يقع بآخره تاريخ.
وإبراهيم هذا عالم من تلامذة المؤلف، ولد سنة عشر وثمانمائة، وتوفي سنة تسعمائة كما يعلم من الضوء اللامع (2/ 166)، والشذرات. والنسخة جليلة محرّرة يكثر فيها الضبط بالحركات والعلامات، ويقل فيها الخطأ، وتزدحم فيها دلائل المعارضة بأصلها معارضة تحزًّ وإتقان، وإنّما كُتِبت النسخة لضم الكتاب إلى موسوعة عليّ بن الحسين بن عروة الدمشقي التي
(25/17)

جعلها شرحًا لمسند الإمام أحمد بعد ترتيبه على أبواب صحيح البخاري وسمّاها (الكواكب الدراري) وصار كلما جاءت مناسبة لكتاب من الكتب أخذه برمته. فهذه النسخة هي في الكواكب، المجلد التاسع عشر بعد المائة، والعشرون بعد المائة، وبعض الحادي والعشرين بعد المائة، فقد كُتبت النسخة في حياة المؤلف قبل وفاته باثنتي عشرة سنة، وفي بلده، والكَتَبة كلُّهم أو أكثرهم من تلامذته، وابن عروة المكتوبة له من أهل العلم، ولا شكّ في أنّها عُورِضت على نسخة المؤلف، بل ربما كانت المعارضة معه هو وإن لم أظفر بما ينص على ذلك. ولم يقتصر مؤلف التوضيح على الشرح، بل زاد زيادات كثيرة من "الإكمال" و"ذيل ابن نقطة" وغيرهما.
وعندنا بمكتبة الحرم المكي مجموع رسائل لابن ناصر الدين بخطه، منها رسالة في هذا الفن، وهي (رفع الملام عمن خفف اسم والد شيخ البخاري محمد بن سلام) (1).
26 - ابن حجر العسقلاني (773 - 852): هو خاتمة الحفاظ الأكابر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن شهاب الدين الكناني، له كتاب (تبصير المنتبه بتحرير المشتبه) (2) عندي منه نسخة مصورة مكبّرة عن فلم مأخوذ من نسخة بدار الكتب المصرية، كما في فهرس معهد المخطوطات رقم 137 في كتب التاريخ, وفي آخرها ما لفظه: "كتبت معظم هذه النسخة وقرأته على مؤلفه مع المعارضة معه لأصله وهو بيده، ثم كتبت الباقي من
__________
(1) نشرها عن هذه النسخة صديقي البحّاثة محمد عُزير شمس ضمن "روائع التراث": (ص/ 237 - 257). وذكر أنها بخط ابن فهد وعنوانها بخط مؤلفها.
(2) طبع الكتاب في أربعة مجلدات في مصر بتحقيق النجار والبجاوي.
(25/18)

نسخة الشيخ العالم الفاضل البارع المفنن برهان الدين إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني التي نقلها من خط مؤلفها ... قال ذلك مثبت هذه الأحرف الفقير أبو نعيم رضوان بن محمد بن يوسف العقبي، كتبته في آخر يوم الخميس المبارك الخامس عشر من شهر رجب الأصب سنة اثنتين وأربعين وثماني مائة".
وفي مواضع من الشطر الأول بالهامش بخط المؤلف هذه العبارة أو نحوها: "بلغ الشيخ زين الدين رضوان قراءة عليّ وعرضًا بالأصل، كتبه ملخصه". وزين الدين رضوان وإبراهيم بن خضر كلاهما من كبار تلامذة ابن حجر وأخص أصحابه، وتوفيا قبله في سنة موته. راجع "الضوء اللامع" (3/ 226) و (1/ 43).
والنسخة من جهة الصحة دون المستوى الذي يقتضيه ظاهر ما تقدم، والكتاب نفسه فيه مواضع دون مستوى المؤلف، وذلك للاستعجال وكثرة الأعمال والحرص على الاختصار.
فهذه مؤلفات الفن، وثَمّ كتب أخرى ليست منه وإن قاربته كالكتب التي تُعنى بضبط ما يشكل من أسماء رجال الصحيحين مطلقًا ك "تقييد المهمل" (1) لأبي علي الحسين بن محمد الغسّاني الجياني (427 - 498 ه)، وفي ملك صديقي العزيز الشيخ سليمان الصنيع نسخة منه، هي من أنفس ما في مكتبته النفيسة.
__________
(1) طبع في ثلاثة مجلدات عن دار عالم الفوائد سنة 1420، بتحقيقي بالاشتراك مع الأستاذ محمد عزير شمس.
(25/19)

وفي "القاموس" و"شرحه" طائفة كبيرة من ضبط الأسماء والكنى والألقاب والأنساب.
وككتب الرجال والطبقات وتواريخ الرواة، وغالب المطبوع منها متوفر. ومن المخطوط (طبقات شَبَاب) وهو الحافظ خليفة بن خياط العُصْفري، المتوفى سنة (240 ه)، وفي ظاهرية دمشق نسخة قديمة منها بخط راويها عن تلميذ المؤلف، وقد قرئت كلها أو بعضها على كبار حفاظ أصبهان: الطبراني (260 - 360 ه)، وأبي الشيخ بن حيان (274 - 369 ه)، وابن المقرئ (285 - 381 ه). وكانت في ملك الحافظ الضياء المقدسي (569 - 643 ه)، وهي من وقفه، وذُكِرت في فهرس معهد المخطوطات رقم (723) من كتب التاريخ, وعندي نسخة مصورة مكبرة منها (1).
وككتب النِّسَب، وقد طبع بعضها وأكثره ممسوخ، وكتب الأنساب أو النسب (بكسر النون)، وأعني بها التي تذكر كلمة النِّسبة، كلفظ (البحري) سواء أكانت إلى قبيلة أم إلى جد أم إلى بلد أم إلى صنعة أو غير ذلك، وتذكر من نسب تلك النسبة. والمشهور من هذا القبيل كتاب "الأنساب" للحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (506 - 562 ه) وقد طُبِع بالزنكوغراف في أوربا سنة 1902 م، والنسخة كثيرة الأغلاط والأسقاط، وقد قررت إدارة دائرة المعارف العثمانية (التي تطبع هذا الكتاب - الإكمال لابن ماكولا) إعادة طبع "الأنساب" بعد المقابلة على نسخ مصورة، والتصحيح والتعليق، وفي عزمها الشروع في طبعه هذه السنة.
__________
(1) طبع الكتاب في مجلد واحد بتحقيق د/ أكرم العمري.
(25/20)

وقد طُبِع مختصره "اللباب" لعز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري (555 - 630 ه) وهو مختصر مفيد أصلح بعض زلل الأصل، وزاد زيادات، لكنه أجحف بصنيعه الذي بينه بقوله: "فإن كان [ابن السمعاني] قد ذكر هو في الترجمة (أي الرسم) الواحدة عدة أشخاص، فأذكر أنا الترجمة وأقتصر على ذكر واحد أو اثنين من الذين ذكرهم ... فرأيت أنّ المقصود من النَّسَب ليس تعداد الأشخاص إنّما هو معرفة ما ينسب إليه". كذا قال، وكل مزاول للبحث يعلم أنّ هذا خَطَل في الرأي، ويتمنى لو أنّ ابن الأثير أبقى الأشخاص الذين ذكرهم السمعاني كلهم وزاد من رجال القرن الثالث فما بعده ما وسعته الزيادة، ولكنها شهوة الاختصار! وقد أوحى استدلاله المذكور إلى السيوطي أن يختصر "اللباب" أيضًا، ويقتصر على ذكر النِّسبة وضبطها! وعندنا في مكتبة الحرم المكي نسختان مخطوطتان من الجزء الأول من "اللباب" ربما تزيدان على المطبوع أو تخالفانه.
ولأبي محمد عبد الله بن علي الرُّشاطي (466 - 542 ه) كتاب كبير في الأنساب سماه "اقتباس الأنوار"، اختصره مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم البُلْبَيسي (728 - 802 ه) في كتاب سماه (القبس) ثم جمع بين هذا المختصر وبين "اللباب" فألف منهما كتابًا واحدًا عندي نسخة منه مصورة مكبرة عن فلم بمعهد المخطوطات كما في فهرسه رقم 450 من كتب التاريخ, وهو مأخوذ من نسخة في مكتبة رئيس الكُتَّاب بإستانبول بخط المؤلف البُلْبَيسي نفسه، وأنا أُحيل على هذا الكتاب باسم (القبس) لأني لم أتحقق اسمه الخاص.
(25/21)

وللحافظ محمد بن طاهر المقدسي (448 - 507 ه) كتاب (الأنساب المتفقة في الخطّ المتماثلة في النقط والضبط) طبعه المستشرق دي بونك في ليدن سنة 1890 م ذكره الدكتور مصطفى جواد في مقدمته "للتكملة"، ويظهر من الاسم أنّه في النَّسَب التي يتعدد فيها المنسوب إليه، كالأسدي إلى أسد خزيمة وإلى أسد قريش، والصنعاني إلى صنعاء اليمن وإلى صنعاء الشام (1)، وفي "معجم البلدان" لياقوت طائفة كبيرة من الأنساب غالبها عن أنساب السمعاني.
وككتب الألقاب، وعندي منها كتاب (نزهة الألباب في الألقاب) (2) للحافظ ابن حجر، نسخة مصورة مكبرة عن فلم بمعهد المخطوطات كما في فهرسه رقم 545 من كتب التاريخ, وفيه أن الفلم مأخوذ من نسخة بدار الكتب المصرية كتبت في القرن العاشر نقلاً عن خط المؤلف، وعندهم نسخة أخرى سأطلب صورة مكبّرة عنها إن شاء الله.
وككتب الكنى, طبع منها كتاب أبي بشر الدولابي (224 - 310 ه)، وحبذا لو يوجد كتاب الحاكم أبي أحمد ويطبع (3).
نعم استعرضنا كتب المؤتلف والمختلف فوجدنا المطبوع منها لا يفي بالمقصود مع أنّ أكثرها عزيزة النُّسخ. فأمّا غير المطبوع فما كان منه قبل "الإكمال" فقد احتوى "الإكمال" على ما فيها مع تهذيب وتنقيح وزيادة. وما
__________
(1) وقد جرّد ياقوت ما في كتابه "معجم البلدان" من هذا النوع وأفرده بكتاب سماه: "المشترك وضعًا والمفترق صُقْعًا" طبعه المستشرق وستنفلد.
(2) طبع الكتاب في مجلدين عام 1409 عن مكتبة الرشد.
(3) كتب الكنى طبع عدد منها، وكتاب الحاكم طُبع ما وُجد منه في أربعة مجلدات.
(25/22)

كان بعده فالموجود منها إما ذيول عليه، والذيل لا يغني عن الأصل، وإمّا مختصر مجحف مع خلل فيه أعني "المشتبه"، و"التبصير" قريب منه، و"التوضيح" شرح يبسط في تفسير المتن ونقده، وبذلك طال جدًّا مع عدم استيفائه ما أغفله المتن مما في "الإكمال" وغيره.
ثم الغالب في هذه الكتب الثلاثة أن لا يُدْرى مَن الضابطُ؟ والنفس إلى ضبط المتقدمين أركن وبه أوثق، على أنّه يوجد في كتب التراجم والأنساب وغيرها ممّا يدخل فيٍ هذا الفن ما ليس في كتبه. فالرّأي الوحيد إذن اختيار طبع "الإكمال" محققًّا، ويضاف إليه تعليقًا أو تذييلًا جميع الزوائد التي توجد في ذيوله أو غيرها، مع نِسْبة كل زيادة إلى أعلى مصدر موجود لها، وإلى هذا عمدنا بتوفيق الله تبارك وتعالى وعونه.
***
(25/23)

مؤلف الإكمال
من حقّ الأمير على من يقدّم لكتابه الجليل أن يضع له ترجمة وافية، لكنّي أوثر أن يقوم بهذا من هو أمكن منّي، وأخصّ حضرة الدكتور الفاضل يوسف العُشّ، فمن الحق له وعليه أن يؤدي ذلك رابًّا نعمته السالفة إذ أهدى نسخته من "الإكمال" إلى دائرة المعارف العثمانية إذ علم بعزمها على طبعه. وأقتصرُ أنا على ما يحضرني.
هو الأمير "أبو نصر سعد الملك، واسمه علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن عَلّكان بن محمد بن دُلَف بن أبي دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقّل بن عَمرو بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزيز بن دُلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل"، هكذا على لوح نسخة دار الكتب من "الإكمال" نقلاً عن الحافظ ابن عساكر عن سعد الخير الأندلسي عن محمد بن طرخان صاحب الأمير. ومثله في ترجمة الأمير من "معجم الأدباء"، كذا وقع فيهما "عبد العزيز" والمعروف "عبد العزى"، وقد سيق النسب هكذا في "تاريخ بغداد" (8/ 80) في ترجمة قاضي القضاة الحسين بن علي بن جعفر عم الأمير، و (12/ 416) في ترجمة أبي دُلف، وفي "وفيات ابن خلكان" في ترجمتي الأمير وأبي دلف، لكن وقع في نسخته بدل "عَمرو" "عمير"، وفي "أنساب السمعاني" في رسمي (العجلي) و (الكرجي) "عمرو"، وفي "السَّمْط" ص (331) كما في "الوفيات"، وزاد فجعل بدل شيخ "شَنِج" وشكل بفتح فكسر، وهذا غريب. وقد ذكر الأمير في "الإكمال" باب شيخ وما يشتبه به، وذكره من بعده، فلم يذكروا هذا. وقضيّة ذلك أنّه (شيخ)
(25/24)

كالجادة، بل لم يذكر في الأسماء "شنج" بفتح فكسر.
وفي " جمهرة ابن حزم" ص (294): "القاسم بن عيسى بن إدريس ابن مَعْقِل بن سيار بن شيخ بن سيار بن عبد العزى بن دلف ... "، إلى آخر ما مر، فخالف في سياق النسب بين معقل وعبد العزى، وقد يكون هذا خلافًا قديمًا، فإنّ جماعةً من المؤلفين كصاحب "الأغاني" والمرزباني يتجنبون وصل النسب، مع الاتفاق على أنّه من بني عِجْل.
وقد عقد الأمير في "الإكمال" بابًا لاسم (شيخ) وما يشتبه به، وذَكَر جماعةً، ولم يتعرض ل (شيخ) الذي في نسبه. وذكر في رسم (سيار) نبذة من نسب بني عجل ولم يتعرّض لما يستفاد في نسبه، وربما كان يتحاشى ذلك؛ لما حكاه أعداء جده دلف بسبب التراث والمذهب عن أبيه أبي دلف في شأنه مع أم دلف، وهي حكاية يمتنع من أبي دلف في عقله ونبله وترفعه أن يحكيها، ويمتنع عليه لو وقعت أن يعتز بدلف ذاك الاعتزاز فيكتني به، حتى لا يكاد يُعرف إلا بأبي دلف، وكيف يرضى أبو دلف أن يكتني كنية تذكّره كل وقت بتلك الفعلة؟
كل ما يحضرني من أحوال أجداد الأمير في الإسلام: أنّ إدريس وأخاه عيسى كانا من عمّال بني أمية في نواحي أصبهان، وعزلهما ابنُ هبيرة إذ ولي العراق، وسُجِنا ثم فرّا من السجن، كما تراه في ترجمة أبي مسلم الخراساني من "وفيات ابن خلكان" وغيره.
ثم كان عيسى بن إدريس ومن معه في نواحي أصبهان يُغيرون وينهبون، ثم تاب عيسى ونزل موضع بلدة الكَرَج وعمرها ومَدَّنها ابنُه أبو دلف. تجد حكاية ذلك عند ذِكر الكرج في "معجم البلدان" وغيره.
(25/25)

ثم أخبار أبي دلف، وهي أشهر من أن تذكر، ثم نُتف يسيرة عن أبنائه.
ثم ذكر هبة الله والد الأمير وإخوته، وبعض بني عمهم، ففي "كامل ابن الأثير" وغيره أنّ ابن عمهم أبا سعد ابن ماكولا كان وزيرًا لجلال الدولة ابن بويه، وتوفي سنة 417. وعقبه في الوزارة عم الأمير، وهو أبو علي الحسن بن علي بن جعفر، وتقلبت به الأمور حتى قتل سنة 421، ثم ولي الوزارة والد الأمير، وهو أبو القاسم هبة الله بن علي بن جعفر، وكان مولده سنة 365، فتقلبت به الأمور يلي الوزارة ويُعزل دواليك، إلى أن توفي سنة 430 في الحبس بهِيت (1)، بعد أن مكث محبوسًا سنتين وخمسة أشهر، كان جلال الدولة سلمه إلى قرواش بن المقلد فحبسه.
وانفرد الأخ الثالث عم الأمير، وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر كان من أهل العلم، وولي قضاء القضاة ببغداد، واستمر فيه سبعًا وعشرين سنة ولايةً متصلة لم يُعزل البتة حتى مات، مع شدة الاضطرابات في تلك الفترة ببغداد، وتعرض أخويه لشرها مرارًا، ومولده سنة 368، وولي القضاء سنة 420، وتوفي سنة 447، وفي ترجمته من "تاريخ بغداد" (8/ 80) قول الخطيب: "كان نزها صينًا عفيفًا، لم نر قاضيًا أعظم نزاهة ولا أظلف (2) نفسًا منه".
وفي الترجمة أنّه من أهل جرباذقان ثم سكن بغداد، وكذلك يذكر في وصف الأمير "الجرباذقاني". وجرباذقان بلد بين همذان والكرج وأصبهان، كأن بني دلف نزحوا إليها عن الكرج للخلاف بينهم وبين بني عمهم.
__________
(1) هِيت: بلدة بالعراق. معجم البلدان: 2/ 420 - 421.
(2) أي: أمنع نفسًا وأبعد عن الدنايا.
(25/26)

* مولد الأمير:
ولد الأمير ببلدة عُكْبرا، وهي قريبة من بغداد، وفي تاريخ مولده أقوال:
الأول: سنة اثنتين وأربعمائة، كذا وقع في وفيات سنة 486 من "المنتظم" لابن الجوزي، وهي السنة التي ذكر أنّ الأمير توفي فيها أو في التي بعدها، وتبعه ابنُ الأثير في "كامله" في أخبار سنة 486، وابن كثير في وفيات هذه السنة عن "البداية"، وبنى على ذلك قوله: "وقد جاوز [عمره] الثمانين كذا ذكره ابن الجوزي".
وهذا القول غلط ففي "التذكرة" عن ابن النجار وصف الأمير بأنّه "أحبَّ العلم من الصبا", ولم أر في شيوخ الأمير أحدًا ممّن توفي قبل سنة 430، ولا فيها إلاّ أنّه قال في رسم (أبّا) من "الإكمال": "وثبتني فيه السعيد أبي"، ولا في التي تليها إلا واحدًا وهو بشرى الرومي الفاتني، فإنّه مذكور من شيوخه، وقد نصّ الأمير على ذلك عندما ذكره في "الإكمال" في رسم (بشرى) وغالب شيوخه هم ممن توفي سنة 440 فما بعدها كما ستراه.
القول الثاني: سنة عشرين وأربعمائة. رواه ابن نُقطة في "التقييد" عن محمد بن عمر بن خليفة الحربي عن ابن ناصر إجازة، وقاله ابن الجوزي في وفيات سنة خمس وسبعين وأربعمائة من "المنتظم"، وتبعه في ذكره في وفيات تلك السنة أبو الفداء وابن الأثير وابن كثير مع ذكرهما - كابن الجوزي - خلافه في أخبار سنة ست وثمانين وأربعمائة كما مرّ.
القول الثالث: ما في "النجوم الزاهرة" (5/ 115): "قال شيرويه في طبقاته: وكان يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بعكبرا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة في شعبان، وكنيته أبو نصر، قال صاحب "مرآة
(25/27)

الزمان" .... ". وظاهر هذا أنّ التاريخ من بقية عبارة شيرويه، وشيرويه ممن سمع من الأمير كما يأتي، فالظاهر أنّه يحكي هذا القول عن الأمير نفسه. وفي "تذكرة الحفاظ" ص (1203): "قال الحافظ ابن عساكر: وزَرَ أبوه للقائم أمير المؤمنين، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد وهو الحسين بن علي، قال: ولدت في شهر شعبان سنة إحدى وعشرين"، وهذا محكيّ عن الأمير نفسه، ويظهر أنّ ابن عساكر سمعه من إسماعيل ابن السمرقندي عن الأمير، ففي "التذكرة" بعد ذلك: "قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل ابن السمرقندي يذكر أنّ ابن ماكولا ... " ذكر وفاته كما يأتي، وإسماعيل من الرواة عن الأمير، واعتمد هذا القول ابن خلكان قال: "كانت ولادته في عُكْبرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة"، وأحسبه أخذ هذا عن نقل ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي، فإنّ بقية عبارة ابن خلكان هي معنى ما في "التذكرة" عن ابن عساكر عن ابن السمرقندي.
القول الرابع: ما في "معجم الأدباء" في ذكر وفاة الأمير: "وقال ابن الجوزي: في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ومولده بعكبرا في شعبان من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة" كذا قال، وتبعه الكُتُبي في "ذوات الوفيات" وليس هذا في "المنتظم". ويمكن إهمال هذا القول لولا ما في "تذكرة الحفاظ" أول الترجمة قال: "قال ولدت في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة".
وقد يُشكّك في الأقوال الثلاثة الأخيرة بما تقدم أنّ من شيوخ الأمير من توفي سنة 431، وأنّه حكى عن أبيه المتوفى سنة 430 في الحبس بعد مكثه فيه سنتين وخمسة أشهر. ويجاب بما تقدم أنّ الأمير أحب العلم مِن الصّبا،
(25/28)

وعُني به أهله، بدليل ما تراه في رواياته في "تهذيب مستمر الأوهام" قلما يروي عن شيخ بغدادي إلا قال: "قراءة في دارنا" أو "قراءة عليه في دارنا" أو نحو ذلك، فلا يُنكر إسماعه وهو ابن إحدى عشرة أو عشر أو تسع، ولا يُنكر حفظه ضبط اسم سمعه من أبيه وهو ابن تسع، أو ثمان أو سبع على أنه لا يُنكر اجتماعه بأبيه في محبسه، وكان أبوه وزيرًا عربيًّا وجيهًا، وفي حبس قرواش بن المقلد العقيلي وهو مَلِك عربيّ سَرِي، ولم يُعرف لوالد الأمير جُرم كبير، فالظاهر أنّه كان موسَّعًا عليه في محبسه يجتمع به أهله وولده.
وبعد، فأرْجَح الأقوال هو الثالث: خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.

* حياة الأمير:
هل كان له إخوة؟ وهل كانت دارهم التي كان يدعى إليها شيوخ العلماء ليسمع الأمير منهم هي دار عمه قاضي القضاة الحسين أيضًا؟ وهل تزوَّج الأمير؟ وهل وُلد له؟ في أسئلة أخرى لا أملك الجواب عنها، فلأقتصر على ما أملك.
القَدْر الذي وقفت عليه من حياة والد الأمير وأخويه يبين أنّ اللذين وليا الوزارة، وهما الحسن وهبة الله، عاشا عيشة مضطربة، في مَدّ وجزر، ومتاعب ونكبات شديدة منهما وبهما، حتى مات الأول قتيلاً، والثاني سجينًا، وسَلِم الثالث الذي اختار العلم، وهو الحسين، فلا غرابة أن يعتبر الأمير بذلك، فيختار جانب العلم، والأمير هو القائل:
تجنبتُ أبوابَ الملوك لأنّني ... علمت بما لم يعلم الثقلان عن
(25/29)

رأيت سُهيلًا لم يَحِد في طريقه ... الشمسِ إلا من حذار هوان (1)
ولا غرابة أن تتشبث به الوراثة، فيأخذ من الإمارة بنصيب لا يعوقه عن العلم، ولا يعرِّضه لما أصاب أباه وعمه.
ولنبدأ بالشطر الأول وهو جانب العلم:

* طلبه العلم:
ليس بأيدينا ما يصف لنا بداية الأمير في طلب العلم، غير أنّه لا يخرج عمّا كان معروفًا لأبناء الأمير الجامعة (2) بين الإمارة والعلم، يُرَتّب له في بيت أهله مؤدِّب يحفّظه القرآن ويعلّمه القراءة والكتابة، ثم العربية والأدب والحساب، ويروِّضه على المحافظة على الواجبات الدينية، والآداب اللائقة بمركز أهله.
وقد كان الأمير نحويًّا مبرزًا، وشاعرًا مجيدًا كما يأتي، وهذا يبين عنايته بهذا الجانب، وإن لم أجد نصًّا على اسم مؤدّبه وأستاذه في العربية والأدب.
فأما الحديث والكتب المؤلفة فيه وفي فنونه وغيرها فسمعها من الشيوخ المعروفين، وكان إلى أن ناهز عمره عشرين سنة لا يسمع أو لا يكاد يسمع إلا في دار أهله، فإنّنا نجده إذا روى عن بعض شيوخه المتوفين سنة أربعين أو قبلها أو بعدها بقليل يبين أنّ السماع كان في داره، يقول "قراءة في دارنا" أو نحو ذلك. وهذا يفسِّر لنا ما قد يُستغرب من أنّ جماعة من الشيوخ البغداديين الذين أدركهم لم يُذكروا في شيوخه، ونذكر الآن بعض شيوخه على ترتيب وفياتهم، وذِكْر المولد إن عرفناه.
__________
(1) تصرفت في البيت الثاني بما أظنه هو الصواب. [المؤلف].
(2) كذا بالأصل.
(25/30)

* شيوخه:
1 - بُشرى بن مَسِيس (ويقال له: بُشرى بن عبد الله) الرومي الفاتني (- 430).
2 - القاضي أبو عبد الله، الحسين بن علي الصيمري الحنفي (351 - 436).
3 - مُسْنِد العراق، أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان (347 - 440).
4 - المحدّث أبو القاسم، عبيد الله بن عمر بن شاهين (351 - 440).
5 - المحدث أبو منصور، محمد بن محمد بن عثمان السواق (361 - 440).
6 - ال م حدث أبو الخطاب، عبد الصمد بن محمد بن محمد .. ابن مكرم (366 - 440).
7 - المحدث أبو الحسن، أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي التاجر (367 - 441).
8 - المحدث أبو علي، الحسن بن علي بن محمد التميمي ابن المذهب (355 - 444).
9 - المحدث أبو القاسم، عبد العزيز بن علي الخياط الأزجي (356 - 444).
(25/31)

10 - المحدث أبو طاهر، عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار ابن الأموي (363 - 447).
11 - القاضي المحدث الأخباري، أبو القاسم علي بن المُحسِّن التنوخي (365 - 447).
12 - الراوي أبو أحمد، محمد بن موسى الغُنْدجاني راوية "تاريخ البخاري" وغيره (366 - 447).
13 - المحدث أبو بكر، محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله ابن بشران (373 - 448).
14 - الإمام القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري (348 - 450).
15 - المحدّث المؤرخ القاضي أبو عبد الله، محمد بن سلامة بن جعفر القُضاعي المصري (- 454).
16 - المحدث القاضي أبو تمام، علي بن محمد بن الحسن الواسطي (372 - 459).
17 - المحدث أبو علي، الحسن بن علي بن وهب الدمشقي (- 459).
18 - المحدث أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحِنّائي الدمشقي (378 - 459).
19 - المحدث اللغوي النحوي الأخباري أبو غالب، محمد بن
(25/32)

أحمد بن سهل بن بَشران الواسطي (380 - 462).
20 - المحدث أبو محمد عبد الله بن الحسن بن طلحة يُعرف بابن البصري تِنّيسى سكن دمشق (- 462).
21 - الحافظ الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392 - 463).
22 - المحدث النبيل أبو جعفر، محمد بن أحمد بن محمد بن المسلمة (375 - 465).
23 - المحدث الجليل أبو محمد، عبد العزيز بن أحمد الكتاني التميمي الدمشقي (389 - 466).
24 - المحدث أبو القاسم علي بن عبد الرحمن بن الحسن بن عَليّك الرازي (- 468).
25 - مسند خراسان، أبو عمرو، عثمان بن محمد بن عبيد الله المحمي (- 481).
26 - الحافظ الكبير أبو إسحاق، إبراهيم سعيد النعماني الحَبّال المصري (391 - 482).
27 - مسند قزوين أبو منصور، محمد بن الحسين بن الهيثم المقومي (- 484).
28 - الحافظ الزاهد أبو القاسم، عبد الملك بن علي بن شَغَبَة البصري (- 484).
(25/33)

وجماعة غير هؤلاء منهم: من أهل واسط إبراهيم بن محمد بن خلف الجمّاري، ومن أهل دمشق أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد السلمي، ومن أهل مصر أحمد بن القاسم بن ميمون بن حمزة الحسيني، وعبد الله بن أبي الحسن الأشعري، وعبد الرحمن بن المُظفّر بن محمد السلمي الأديب، ومن أهل نيسابور هبة الله بن أبي الصهباء ابن فتحويه أبو السنابل، ومن أهل شيراز علي بن محمد بن علي بن الحسين وغيرهم.

* رحلاته:
في "تذكرة الحفاظ": "سمع بُشرى و ... وخلائق ببغداد، وأبا القاسم الحِنّائي وطبقته بدمشق و ... بمصر، وسمع بما وراء النهر وخراسان والجبال والجزيرة والسواحل، ولقي الحفاظ والأعلام".

* الرواة عنه:
جرت عادة المؤلفين أن يذكروا الرواة عن المترجم عقب ذكر شيوخه، وهؤلاء جماعة من الرواة عن الأمير:
1 - الخطيب (1)، وقد تقدم رقم (21) من شيوخه (392 - 463).
2 - الكتاني، وقد تقدم رقم (23) من شيوخه (389 - 466).
3 - الحافظ أبو نصر، محمد بن فتوح الحميدي (420 - 488).
4 - الشيخ المحدث الفقيه الزاهد، نصر بن إبراهيم المقدسي (407 - 490).
__________
(1) تجد من روايته عن الأمير في "تاريخ بغداد: 13/ 42". [المؤلف].
(25/34)

5 - الحافظ أبو محمد، الحسن بن أحمد ابن السمرقندي (409 - 491).
6 - الحافظ أبو غالب، شجاع بن فارس الذُّهلي (430 - 507).
7 - الحافظ شيرويه بن شهردار الهمذاني (445 - 509).
8 - الحافظ أبو الغنائم، محمد بن علي بن ميمون النَّرْسي (424 - 510).
9 - المحدث النحوي الزاهد، محمد بن طرخان التركي (- 513).
10 - المحدث أبو علي، محمد بن محمد ابن المهتدي (432 - 515).
11 - الحافظ أبو عبد الله، محمد بن عبد الواحد الدقاق الأصبهاني (بضع و430 (1) -516).
12 - المحدّث أبو الحسن، علي بن الحسين بن عمر بن الفراء المصري (433 - 519).
13 - المحدث المفيد أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر ابن السمرقندي (454 - 536).
14 - المحدث أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب (452 - 539).
15 - الحافظ أبو الفضل، محمد بن ناصر السَّلَامي (467 - 550).
__________
(1) "بضع وثلاثين وأربعمائة". [المؤلف].
(25/35)

وآخرون، كأبي نصر عبد الملك بن مكي بن بنجير الهمذاني، وأبي ثابت بنجير بن علي.

* الثناء عليه:
قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: "سمعت أبا إسحاق الحبال، (يعني المتقدم رقم 26 من شيوخ الأمير) يمدح أبا نصر ابن ماكولا ويثني عليه ويقول: دخل مصر في زيّ الكَتَبة فلم نرفع به رأسًا، فلمّا عرفناه كان من العلماء بهذا الشأن".
وقال الحافظ الحميدي (المتقدم رقم (3) من الرواة عنه): "ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظًا كأنّه يقرأ من كتاب".
وقال الحافظ شجاع الذُّهلي (المتقدم رقم (6) من الرواة عنه): "كان حافظًا فهمًا ثقة".
وقال شيرويه (المتقدم رقم (7) في الرواة عنه): "كان الأمير يُعرف بالوزير سعد الملك ابن ماكولا، قَدِم (همذان) رسولاً (من الخليفة إلى ملوك تلك الجهات) مرارًا، سمعت منه، وكان حافظًا متقنًا عُني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه, حضر مجلسه (بهمذان) الكبار من شيوخنا وسمعوا منه".
وقال أبو سعد ابن السمعاني الحافظ: "كان ابن ماكولا لبيبًا حافظًا عارفًا، يرشح للحفظ حتى كان يقال له: "الخطيب الثاني"، وكان نحويًّا
(25/36)

مجوّدًا، وشاعرًا مبرزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، طاف الدنيا وأقام ببغداد".
وقال ابن النجار: "أحبّ العلم من الصبا، وطلب الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم والنثر والمصنفات، نفَّذَه المقتدي بالله رسولاً إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها".
وقال الذهبي عند ذكر كتاب "تهذيب مستمر الأوهام" للأمير: "ملَكْته، وهو كتاب نفيس يدلّ على تبحر ابن ماكولا وإمامته".
وقال الحافظ مؤتمن السّاجي: "لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم فلم ينتفع بنفسه".
وقال ابن الجوزي في وفيات سنة 486 من "المنتظم": "كان حافظًا للحديث ... وكان نحويًّا مبرّزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة ... وحدّث كثيرًا، وسمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين".
قال المعلمي: عبد الوهاب هو الأنماطي الحافظ الصالح الزاهد، ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وسيأتي أنّ الأمير خرج من بغداد قبل سنة 475 ولم يعد إليها، وكان عُمر عبد الوهاب حينئذ نحو اثنتي عشرة سنة، وكان الأمير ذا حشمة وأبّهة، عسى أن يكون عبد الوهاب رآه من بعيد، ورأى أبهته وحشمته، فأراه ما كان معروفًا به من العبادة والصلاح أنّ ذلك نقص في الدين. وغايةُ كلمته أن تكون من الجرح المجمل، لا يُعتدّ به مع التوثيق، وقد أعرض الذهبي عن كلمة عبد الوهاب فلم يذكرها في "التذكرة"، ولا ذكر الأمير في "الميزان" مع التزامه أن يذكر فيه كل من تكلّم
(25/37)

فيه، ولو بما لا يضرّه.
فأمّا كلمة المؤتمن فأبعد عن الطعن، إنّما عنى أنّ اختيار الأمير زِيّ الأمراء أو الكُتَّاب - كما عبر به الحافظ الحبال وقد تقدم - حالَ بين الأمير وبين نشر علمه، فلم تنتشر الرواية عنه، وهذا صحيح، حتى قال الذهبي: "يعز وقوع حديث الأمير ابن ماكولا" يعني يعز وجود الحديث مسندًا من طريقه.
وقد قدمت السبب الذي دعا الأمير إلى اختيار طلب العلم مع التشبث بمظاهر الإمارة، وذكرت طرفًا من الشطر الأول، وبقي منه طرف أرى أن أرجئه الآن، وأقدم الشطر الثاني.
الأمير كما قال ياقوت: "من بيت الوزارة والقضاء والرياسة القديمة"، وقد سبقت الإشارة إلى ما وقفت عليه من الرياسة والوزارة، وذلك ثابت متمكن، فأمّا القضاء فإنّما عرفته لعمه الحسين وقد نُشّئ الأمير تنشئة الأمراء، حتى سماعه للعلم، كان يُدعى شيوخ أهل العلم إلى داره ليسمع منهم كما تقدم، ولمّا رحل إلى مصر كان في زِيّ الكُتّاب كما قال الحبال، والكُتّاب إذ ذاك هم الوزراء ونحوهم. هذا شأن الهيئة والأُبهة والحشمة.
فأمّا التلبس بالإمارة فكان حظ الأمير منها هو السفارة بين الخليفة وبين ملوك البلدان النائية، وقد تقدم أن المقتدي الخليفة نفذه إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها، وتقدّم أنّه ورد همذان مرارًا رسولًا من الخليفة إلى ملوك الجهات. وذكر الأمير في رسم (بزرك) من "الإكمال" نظام الملك الوزير المشهور مدبّر الدولة السلجوقية من سنة 455 إلى أن
(25/38)

توفي سنة 485 فقال الأمير: " .... نظام الملك قوام الدين، غياث الدولة رِضى أمير المؤمنين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق، يُعرف بين العجم بالبزرك، ومعناه: العظيم، سمع الكثير، وحدّث وأملى بخراسان جميعها، وبالثغور وبقوهستان وغيرها من البلاد، وسمعت منه إملاءً بالري، وسمعت منه بنواحي خت وبقراءة غيري، وكان ثقة ثبتًا متحريًّا فهمًا عالمًا".
وكان سفراء الخلفاء إلى الملوك إنّما يُختارون من مشاهير العلماء، وقد اجتمع في الأمير العلم والإعراق في الإمارة، ولم تذكر له مباشرةٌ للإمارة سوى هذه السفارات، ويظهر أنّ الخليفة لقّبه بالأمير سعد الملك ليكون ذلك أرجى لنجاحه في سفاراته, وهل لقّبه أيضًا بالوزير، فقد كان يُعرف بذلك كما سلف من شيرويه؟
لم تكن سفارات الأمير ورحلاته في البلدان لتشغله عن العلم، فقد رأيتَ حاله مع نظام الملك، ومرّ بك قول شيرويه في حال الأمير في همذان. وقال الأمير في باب (بَرهان وبُرهان) عن "تهذيب مستمر الأوهام": "قال الخطيب: برهان بن سليمان السمرقندي الدبُّوسي - بتشديد الباء - وهذا وهم؛ لأنه الدبُوسي بتخفيف الباء، دَبُوسية بلدٌ بين كشانية وكرميلية (عند ياقوت: كرمينية) ... دخلته وحدّثت به، وسمع الجماعة من أهل العلم مني به".

* الأمير والأدب:
للأمير كتاب (مفاخرة القلم والسيف والدينار) ذكره صاحب "كشف الظنون"، وقال: "أوله: اللهم إنّا نسألك إلهام ذكرك ... إلخ" وله مقاطيع من
(25/39)

الشعر من أجودها قوله:
قوَّض خيامك عن أرض تُهان بها ... وجانِبِ الذلَّ إنّ الذلَّ مُجتنَبُ
وارحل إذا كانت الأوطانُ منقصةً ... فالمَنْدلُ الرطْبُ في أوطانه حطبُ

* الأمير والخطيب وهذا الفن:
قد سبق أنّ الخطيب من شيوخ الأمير ومن الرواة عنه في الجملة، والنظر هنا فيما يتعلّق بكتاب "تهذيب مستمر الأوهام"، ففي "التذكرة": "قال أبو الحسن محمد بن مرزوق: لمّا بلغ الخطيب أنّ ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه "المؤتنف" وصنف في ذلك تصنيفًا، وحضر عنده ابن ماكولا، سأله الخطيب عن ذلك فأنكر ولم يقرّ، وأصرّ وقال: هذا لم يخطر ببالي. وقيل: إنّ التصنيف كان في كُمه، فلمّا مات الخطيب أظهره، وهو الكتاب الملقب بمستمر الأوهام".
قال المعلمي: ظاهر صيغة الذهبي أنّ الحكاية ثابتة عن محمد بن مرزوق، ومحمد بن مرزوق ثقة من الرواة عن الخطيب، ومولده سنة 442، ومات سنة 517.
وفي "معجم الأدباء": "قال ... الحميدي ... " فذكر الكلمة التي تقدمت في الثناء على الأمير، وقال عقبها: "قال: وبلغ أبا بكر الخطيب أنّ ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه "المؤتنف"، وصنّف في ذلك تصنيفًا، وحضر عنده ابن ماكولا، وسأله الخطيب عن ذلك فأنكره ولم يقرّ به، وقال: تنسبني الناس إلى ما لا أحسنه من الصنعة، واجتهد الشيخ أبو بكر أن يعترف بذلك، وحكى له ما كان من عبد الغني بن سعيد في تتبعه أوهام الحاكم أبي عبد الله
(25/40)

في كتاب "المدخل"، وحكايات عدة من هذا المعنى، قال: أرني إيّاه، فإن يكن صوابًا استفدته منك، ولا أذكره إلاّ عنك، فأصرّ على الإنكار، وقال: لم يخطر هذا ببالي قط، ولم أبلغ هذه الدرجة، أو كما قال".
قال المعلمي: ظاهر السياق أنّ هذه الحكاية حكاها الحُميدي.
لكن الأمير يقول في خطبة "تهذيب مستمر الأوهام" ما نصّه: "بعد ذلك، فإنّ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - رحمه الله - وكان أحد الأعيان ممّن شاهدناه معرفة وإتقانًا، وحفظًا وضبطًالحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتفنّنًا في علله وأسانيده، وخبرة برواته وناقليه، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، وسقيمه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه، وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه به وعنه، وتعلّمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عنّا الخير ولقاه الحسنى، ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين، كان قد عمل بالشام كتابًا سمّاه "المؤتنف تكملة المؤتلف"، ولمّا عاد إلى بغداد قرأ عليّ شيئًا من أوّله مغربًا عليّ به مشرفًا لي بما ضمَّنه إياه، ومعرّفًا لي قدر ما تيسر له، وأنه قد استدرك فيه على أئمة هذا العلم أشياء تم عليهم السهو فيها، ونبّه على أشياء غفلوا عنها ولم يحيطوا بها معرفة، ووجدته كبيرًا فظننت أنّه قد استوعب ما يحتاج إليه في هذا المعنى، ولم يدع بعده لمتتبع حكمًا.
ولما دُعي به فأجاب قال لي بعض المتشاغلين والمعتنين بهذا العلم: لقد تَعِب الخطيب وأتْعَب، تَعِب بما جمعه، وأتعبا من أراد أن يعرف الحقيقة في [اسم] لأنّه يحتاج أن يطلبه في كتاب الدارقطني، فإن لم يجده
(25/41)

ففي كتابَي عبد الغني، فإن لم يجده ففي كتاب الخطيب، ثم يحتاج أن [يفصل] طبقاته أيضًا، فيمضي زمانه ضياعًا، ويصير ما أريد من إرشاده تضليلاً، فلو أنّك جمعتَ شمل هذه الكتب، وجعلتها كتابًا واحدًا حُزْت الثواب ويسرت على مبتغي العلم الطِّلاب، وراجعني في ذلك مراجعة تجرّمت لها وأوجبت له فيها رعايةً لحقه ورغبة في مساعدته، واغتنامًا للأجر في إفادة مسترشد وتعليم جاهل ومعرفة (1) طالب.
وبدأت بالنظر في كتاب الخطيب فوجدته يذكر في أوله أنّه قد جمع فيه من مؤتلف أسماء الرواة وأنسابهم ومختلفها، وممّا يتضمن كتب أصحاب الحديث من ذلك، وإن لم يكن المذكور راويًا، ما شذّ عن كتابي أبي الحسن علي بن عمر وأبي محمد عبد الغني بن سعيد المصنفين في "المؤتلف والمختلف"، وفي "مشتبه النسبة"، وأنّه يذكر ما رسم فيهما أو في أحدهما على الوهم، ودخل على مدوّنه فيه الخطأ والسهو، ويبين فيه صوابه، ويورد شواهده، ويذكر صحيح ما اختلفوا فيه ممّا انتهى إليه علمه، ويقر ما أشكل عليه من ذلك؛ لينسب كل قول إلى صاحبه.
وجعله خمسة فصول، أورد في الأول منها ما لم يذكراه ولا واحد منهما، وفي الثاني أوهام كتبهم، وفي الثالث ما أغفلاه ممّا أوردا له نظائر، وفي الرابع أشياء ذكراها وقصّرا في شرحها وإيضاحها فبينها وأتم نقصانها، وفي الخامس ما أورداه من الأحاديث نازلة ووقعت له عالية. ولما أنعمتُ النظر فيه وجدته قد ذكر في الفصل الأول ما قد ذكراه أو أحدهما، وفي الفصل الثاني قد غلّطهما في أشياء لم يغلطا فيها وأخل بأوهام لهما ظاهرة،
__________
(1) لعل الصواب: "ومعونة". [المؤلف].
(25/42)

وفي الفصل الثالث قد كرّر أشياء ذكراها أو أحدهما، وأخل بنظائر لِمَا ذكراه لم يهتد إليها، وفي الفصل الرابع لم يشرح ممّا ضَمِن بيانه إلا شيئًا يسيرًا. وفي كتبهم أشياء كثيرة تحتاج إلى شرح وبيان، وإيضاح وتعريف، ولا سيما كتاب عبد الغني، فإنّ أكثر ما فيه غير مبين.
[و] وجدت له في تضاعيف الكتاب أوهامًا من تصحيف، وإسقاط أسماء من أنساب، وأغلاطًا غير ذلك، فتركته على ما هو عليه، وجمعت كتابي الذي سميته ب "الإكمال"، ولم أتعرض فيه لتغليطه ولا لتغليط غيره، ورسمت ما غلط فيه واحدٌ منهم في كتابه على الصحة.
ولما أعان الله على تمامه ذكرت ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "من كتم علمًا عَلِمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار". وما رُوي عن بعض السلف أنّه قال: ما أوجب الله تعالى على الجهال أن يتعلموا حتى أوجب على العلماء أن يعلّموا. وخشيت أن تبقى هذه الأوهام في كتبهم، فيظن من يراها أنّها الصحيح ويتبع أثرهم فيها فيضلّ من حيث طلب الهداية، ويزلّ من جهة ما أراد الاستثبات، وإذا رأى كتابي بما [يخالفها] تصور أن الغلط ما ذكرته أنا، وإن أحسن الظن بي جعل قولي خلافًا وقال: كذا ذكر فلان، وكذا ذكر فلان.
فاستخرت الله تعالى، ورغبت إليه في عضدي بالتوفيق والإرشاد، وسألته إلهامي القصد، وتأييدي بالسداد، وجمعت في هذا الكتاب أغلاط أبي الحسن علي بن عمر وعبد الغني بن سعيد ممّا ذكره الخطيب وممّا لم يذكره؛ لتكون أغلاطهما في مكان واحد، وما غلَّطهما فيه وهو الغالط، وأغلاط الخطيب في "المؤتنف"، ورتبته على حروف المعجم ليسهل طلبه على ملتمسه، ويقرب وجوده من طالبه، وتَثْبت الحجة على ما ذكرته،
(25/43)

والدليل على ما أوردته، واعتمدت الإيجاز والاختصار، ولم أسق الطرق، وأُكْثِر بتكرير الأسانيد.
وتركتُ أغلاطًا للخطيب رحمه الله في تراجم أبواب حكاها عن الشيخين وَهِم عليهما أو على أحدهما فيها، ورتبها على غير ما رتباه تركًا للمضايقة، ولأن ذلك ممّا لا يضر طالب العلم جهلُه، ولا تنفعه استفادته، ويعلم الله تعالى أن قصدي فيه تبصير المسترشد، وإرشاد الحائد، وتيسير الطرق على حافظي شريعة الإِسلام، وتقريب البعيد على ناقلي سنن الأحكام، وهو بقُدْرته ولطفه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إنّه جواد كريم رؤوف رحيم" (1).
قال المعلمي: سُقت هذه الخطبة بطولها لما اشتملت عليه من المطالب، وأصل مقصودي هنا أنّ الأمير ينص على أنّه إنّما بدا له أن يؤلف في هذا الفن بعد أن "دُعي الخطيب فأجاب"، وأنّه بدأ بتأليف "الإكمال" فلمّا تمّ شرع في تأليف "تهذيب مستمر الأوهام". قد يقال: إن كلمة "دُعي به فأجاب"، وإن كان ظاهرها الموت فإنها تحتمل غيره، ويقوّي هذا الاحتمال عدول الأمير إليها عن التصريح بالموت، وهذا ربّما يُشعر بأنّ القضية وقعت في حياة الخطيب، ولكن لم يشأ الأمير أن يصرح في كتابه بما
__________
(1) عندي من "تهذيب مستمر الأوهام" نسخة مصورة مكبرة عن فلم بمعهد المخطوطات كما في فهرسه رقم 190 في كتب التاريخ وفي الفهرس أنها كتبت في القرن السابع. وفي النسخة نقص في أثنائها. ولم يصلني إلا بعد طبع الجزء الأول من الإكمال. [المؤلف].
(25/44)

ينافي (1) ما قاله للخطيب، ولا مجال لأن يكذب فورَّى بهذه الكلمة.
قال المعلمي: هذا بادي الرأي وجيه، لكن يرده أنّ في آخر "الإكمال" (نسخة دار الكتب) ما نصه: "قال الأمير أبو نصر هبة الله بن علي بن جعفر رحمه الله: فرغتُ من تصنيف هذا الكتاب يوم الاثنين ثالث شعبان من سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان الابتداء بتصنيفه ليلة السبت الثاني من صفر سنة أربع وستين وأربعمائة، عملت إلى بعض حرف الحاء ثم تشاغلت عنه مدة طويلة ثم عدت فأكملته يوم الأحد سلخ شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وبدأت بكَتْب هذه النسخة في سنة سبع، ثم خرجت من بغداد، وقد بلغت إلى آخر العاشر منها، ثم عدت إلى تبييضه الثاني من شهر رمضان سنة سبعين وأربعمائة وفرغت منها يوم الثلاثاء السادس عشر من شوال سنة سبعين وأربعمائة". والخطيبُ توفي في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وبين وفاته وشروع الأمير في تصنيف "الإكمال" - على حسب ما ذكره - أقل من شهرين، ولم ينص على تاريخ ابتدائه تصنيف كتابه الثاني (تهذيب مستمر الأوهام) ولكن في آخره ما نصه: "قال الأمير أبو نصر ابن ماكولا رحمه الله: وهذا آخر ما وجدناه إلى آخر صفر من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة مع تقسم الفكر، وتشعّث الخاطر بأهوال الزمان ونوائبه، وقلة التنقير والتفتيش، ولعل الوقت يتسع فأعيد النظر مرة أخرى وأتقصَّى التفتيش، فإن وجدت شيئًا ألحقته بمكانه".
ويشهد لما ذكره الأمير أنّ الخطيب إنّما عاد إلى بغداد سنة اثنتين
__________
(1) في الأصل: "يتأخى" ولا معنى لها.
(25/45)

وستين كما في "التذكرة" ص (1142) عن ابن السمعاني، وبين ذلك ووفاة الخطيب أقل من سنتين، ولا أرى هذه المدة تتسع لتحصيل الأمير نسخةً من كتاب الخطيب ثم نظره فيه ثم تعقبه له، وتأليفه كتابًا في ذلك يحضر إلى الخطيب وهو في كمه، ثم لا داعي للأمير بعد وفاة الخطيب إلى أن يصرح بما تقدم لو كان يعلم أنّه خلاف الواقع، وفي وسعه أن يبهم الأمر.
وبعدُ فالخَطْب سهل، فإنّ الحكاية لم تُثبِت أنّ الأمير صنف، وإنّما ذكرت أنّه بلغ الخطيب أنّ ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه وصنف في ذلك تصنيفًا, ولم تُبين من الذي بلّغ الخطيب ذلك. والمخلص من التعارض هو أنّ الأمير لما اطلع على كتاب الخطيب كان يعرض له الاعتراض بعد الاعتراض، ويهاب الخطيب، ولكنه يذكر ذلك لبعض من يثق به، وكأنه تكرر ذلك فتوهم بعض أولئك الذين كان يشق بهم أنّه قد شرع في تصنيف يتعقب فيه الخطيب، فنُمِي ذلك إلى الخطيب فجرى ما جرى، والأمير صادق فيما أجاب به الخطيب؛ لأنّه لم يكن قد بدا له أن يصنف تصنيفًا، وصادق فيما قاله في كتابيه.
أمّا ما يظهر من كلام الأمير من تأخر جمعه "التهذيب" عن تصنيفه "الإكمال" فقد يعارضه ما يوجد من الإحالة عليه في "الإكمال"، ويُوَفَّق إمّا بأن تكون تلك الإحالة متأخرة ألحقها الأمير في "الإكمال"، ولم تكن فيه عندما أتمّ تصنيفه أول مرَّة، وإمّا - وهو المتّجِه - بأنّ الأمير عزم أولا على تصنيف الكتابين، وبدأ بتصنيف "الإكمال" مهذبًا، وكان كلّما رأى وهمًا في تلك الكتب التي هذبها قيد ذاك الوهم في دفتر خاص، فلمّا أتمّ تصنيف "الإكمال" وتأكد عزمه على تصنيف "التهذيب" شرع في تصنيفه بعد أن
(25/46)

تجمعت له مادة ذلك، ويشهد لهذا أنّه فيما قد وقفت عليه الإحالات، قال فيها: "ذكرناه في الأوهام"، ولم يذكر اسم التهذيب.
وليتدبر القارئ اعتذار الأمير عن تعقبه أوهام المتقدمين، فإنّي لم أرَ في معناه اعتذارًا يضاهيه في المتانة والإقناع. وقد سمعتَ ثناءه البالغ على الخطيب وتواضعه في نفسه, وأوضَح الحالَ في مقدمة "الإكمال" إذ قال: "ولست أدّعي التقدمَ عليهم في هذا الفن ولا المساواة لهم فيه ولا المقاربة، وإنّما أدعي أني تتبعت هذا الفن أوفى ممّا تتبعوه، وصرفت إليه اهتمامي أكثر ممّا صرفوه، وتركت التأويل الضعيف الذي أجعله طريقًا إلى تغليط أئمة هذا الشأن الذين بأقوالهم نقتدي، ولآثارهم نقتفي، ولأنّي كُفيت مؤنة التتبع لما أودعوه كتبهم فخفّ عنّي أكثر الثقل وسقط عني عُظْم العناء".
وقد كان الأمير معنيًّا من صباه بضبط الأسماء، فقد مرّ بك في بيان تاريخ ولادته قوله في ضبط (أبّا) "وثبتني فيه السعيد أبي" وتقدم هناك ما يتعلق به، ولا بد أنّه جرى على ذلك في طلبه العلم، ويشهد لذلك ما يدل عليه كلامه من جمعه كثيرًا من الكتب في التواريخ والنِّسَب بالخطوط الموثوقة، فينقل عن "تاريخ مصر" لابن يونس، ويذكر أنّه عنده بخط أبي عبد الله الصوري الحافظ المتقن، وينقل عن "تاريخ بخارى" لغُنجار، ويذكر أنّه عنده بخط غنجار المؤلف، وينقل عن كتاب شبل بن تكين في النَّسب، ويذكر أنّه عنده بخط شبل، وهكذا يقول في كتب أخرى "بخط ابن الفرات - بخط ابن عبدة النسابة - بخط علي بن عيسى الرَّبَعي، في كتاب أحمد بن محمد بن سعيد بخطه في نسب حمير"، ونحو ذلك في نسب قضاعة وغيرها ويبين في مواضع أسانيده بهذه الكتب عن أهلها المتقنين لها
(25/47)

كالنسَّابة العمرى، والشريف النسابة، وغير ذلك، وسيتضح ذلك من فهرس الكتب الذي سيرتب في فهارس "الإكمال" إن شاء الله.
ثم قضية الوقت والتفرغ، فقد كان الخطيب رحمه الله موزَّع الوقت والنظر بين عدة المؤلفات يؤلفها معًا، يجعل ساعة لهذا وساعة لذاك، مع اشتغاله بالتسميع وغيره، وقريب من ذلك حال الدارقطني، فأمّا الأمير فإنه حصر همه في هذا الفن.

* خروج الأمير آخر مرة من بغداد ووفاته:
توافقت الروايات على أن الأمير قُتِل في بعض بلدان الشرق، اغتاله غِلمان له أتراك، وأخذوا ماله وفرُّوا.
واختُلف في الموضع والتاريخ, أمّا الموضع فقيل: خوزستان أو الأهواز، وهما واحد، وقيل: جرجان، وقيل: كرمان.
وأمّا التاريخ فذكر ابن الجوزيُّ الأميرَ في وفيات سنة 475 من "المنتظم"، وجزم بوفاته فيها، ثم ذكره في وفيات سنة 486 وجزم بوفاته فيها أو في التي تليها، وكلا القولين مرويّ عن شيخه محمد بن ناصر، ففي "التذكرة": "قال ابن ناصر: قُتل الحافظ ابن ماكولا، وقد كان سافر نحو كرمان، ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه وأخذوا ماله في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، هكذا نقل ابن النجار. وقال أبو سعد السمعاني: سمعت ابن ناصر يقول: قتل ابن ماكولا بالأهواز إما في سنة ست - أو سبع - وثمانين وأربعمائة". وفي "التقييد": "أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن خليفة
(25/48)

الحربي قال: أبنا ابنُ ناصر إجازة: مولد (1) أبي نصر ابن ماكولا في سنة عشرين وأربعمائة، وقتل في سنة خمس وتسعين (كذا) وأربعمائة بخوز كربان (كذا) قتله غلمان له من الأتراك وأخذوا الموجود من ماله". وقوله: "وتسعين" محرف والصواب "وسبعين" جزمًا. وفي "وفيات ابن خلكان": "قال الحُميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه بجرجان، وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدرًا، رحمه الله تعالى" والحميدي توفي سنة 488، كما مرّ في الرواة عن الأمير. وفي معنى الأول ما ذكره ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي قال: "سنة نيف وسبعين وأربعمائة". وفي معنى - بل هو عبارة عنه فيما أرى - قول ابن السمعاني "بعد الثمانين". فأمّا قول ابن خلكان: "وقال غيره في سنة تسع وسبعين" فشاذ، ولم يبين قائله، وكذلك قول ياقوت وتبعه الكُتبي "سنة خمس وثمانين" وأراه وهما.
وثَمّ قضايا قد يستدل بها على تأخر موت الأمير عن سنة 475:
الأولى: أنّ ابن ناصر من الرواة عن الأمير مع أنّه إنّما ولد سنة 467، ويجاب عن هذا بأنّه لا مانع من سماع ابن ثماني سنين، مع أنّ ابن ناصر إنّما يروى عن الأمير بالإجازة كما صرّح به ابن نقطة في "التقييد"، قال: "وآخر من حدّث عنه بالإجازة محمد بن ناصر".
الثانية: ما في "التذكرة" من طريق ابن المقيّر وابن الأخضر عن ابن ناصر: "عن كتاب أبي نصر الأمير إليه" ومن طريق أبي الحسن بن الفراء عن الأمير ... ، فذكر خبرًا هو في "الإكمال" في رسم (فافاه) و"الإكمال" يرويه
__________
(1) في النسخة "مولى". [المؤلف].
(25/49)

الناس عن ابن المقير عن ابن ناصر عن الأمير، فيظهر أنّ الذهبي إنّما أخذ رواية ابن المقير لذاك الخبر من سند "الإكمال" نفسه. فأمّا ما في سياق الخبر من مخالفة لما في "الإكمال"؛ فكأنّ الذهبي ساق لفظ ابن الفراء عن الأمير ولم يسق لفظ ابن ناصر، وعلى هذا فابن ناصر يروي الإكمال أو يروي ذاك الخبر على الأقل بحق إجازة كتب بها الأمير إليه، وابن ناصر نشأ يتيمًا من عائلة هي إلى الفقر أقرب منها إلى التوسّط، فكيف يظن به وهو في السابعة من عمره تقريبًا أن يكتب الأمير إليه؟ أمّا أن يكتب إليه وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها فهذا لا غبار عليه، فإنّ ابن ناصر كان في ذاك السن طالبًا لبيبًا، فغير ممتنع أن يكتب إلى الأمير يلتمس منه الإجازة فيسعفه الأمير بالكتابة إليه بها.
والذي يظهر لي أنّ كلمة "إليه" من زيادة بعض الرواة توهمًا، وإنّما أصل اللفظ "عن كتاب الأمير أبي نصر"، ويقصد بالكتاب ههنا كتاب الإجازة، كأنّ الأمير كتب إجازة لجماعة التمسوا منه ذلك وكتبوا أسماءهم وكان فيهم من يعتني بابن ناصر، فكتب اسم ابن ناصر معهم، فكتب الأمير بالإجازة لمن في ذاك الكتاب.
وممّا يشهد لهذا ما في رسم (فتحويه) من استدراك ابن نقطة عند ذكر هبة الله بن أبي الصهباء - أحد شيوخ الأمير - ما لفظه: "وسمع منه أبو نصر ابن ماكولا، ونسبه في إجازته كذلك ... " دلّ هذا على أنّه كانت هناك إجازة من الأمير مكتوبة معروفة بين أهل العلم اطلع عليها ابن نقطة وأنّها كانت لجماعة، إذ لو كانت لواحد لكان الظاهر أن يسميه ابن نقطة، يقول: "في إجازته لفلان". على أنّه لو صحت كلمة "إليه" لم يكن فيها ما ينافي أن تكون الكتابة وابن ناصر في السابعة مثلًا؛ لأن الواقع فيما يظهر كما مرّ أنَّ جماعة
(25/50)

كتبوا إلى الأمير يلتمسون الإجازة، وكتبوا ابن ناصر معهم، فكتب الأمير إلى المسمَّيْن في الكتاب، ومنهم ابن ناصر، وقد تقدم عن ابن ناصر أنّه قال مرة: إنّ الأمير قُتل سنة خمس وسبعين، فكيف يقول هذا، وعنده كتاب الأمير إليه بعد هذا التاريخ؟
الثالثة: ما في رسم (الحبَّال) من "الإكمال" ذكر إبراهيم الحبال المتقدم في شيوخه رقم (26) وقال: "وكان مكثرًا ثقة ثبتًا ... "، وفي "الإكمال" أيضًا في رسم (بزرك) في ذكر الوزير نظام الملك: "وكان ثقة ثبتًا"، وهذه الصيغة "كان ثقة" إنّما تقال عادة فيمن قد مات، ولم يمت الحبَّال إلا سنة 482، ولا نظام الملك إلا في سنة 485، وربما كانت هذه الكلمة هي مستند ابن ناصر في قوله الثاني: إنّ الأمير توفي سنة ست وثمانين وأربعمائة أو في التي تليها، وقد تكون هي مستند ياقوت إذ قال: إنّ وفاة الأمير سنة خمس وثمانين وأربعمائة إن لم يكن وهم. ولا يخدش في هذا وجود هذه الكلمة في جميع نسخ "الإكمال" التي وقفت عليها، ومنها النسخة التي ذُكِر في آخرها قول الأمير: إنّه فرغ من التبييض سنة سبعين وأربعمائة، لاحتمال أنّ الأمير زاد في النسخة زيادات بعد هذا التاريخ, ولما ظهرت النسخة التي زاد فيها ألحق أرباب النسخ التي كانت قبل ذلك تلك الزيادات في نسخهم.
وقد يُنظر في هذه القضية بأن كلمة "كان ثقة" ربما تقال فيمن هو حي، ففي ترجمة ابن المسلمة (المذكور في شيوخ الأمير رقم 22) من "تاريخ بغداد" هذه الكلمة "وكان ثقة ... "، مع أنّ الخطيب توفي قبله.
وبالجملة فلم يتضح لى ترجيح لأحد القولين على الآخر، غير أنّ "اشتهار الأول بين البغداديين بدون مخالف محقّق يدل على أنّ الأمير خرج
(25/51)

من بغداد في أوائل سنة خمس وسبعين وأربعمائة أو قبلها, ولم يعد إليها ولا ورد إلى بغداد خبرٌ بحياته بعدها، إلا أن يكون شيئًا وقع لابن ناصر بعد زمان.
هذا وإنّي لمَّا أستوعب "الإكمال" و"المُستمر" مطالعةً، وقد يكون فيما لم أطالعه منهما ما يوضح الحال والله المستعان.

* مؤلفات الأمير:
أشهر مؤلفات الأمير كتاب "الإكمال"، وله كتبت هذه المقدمة، وسيأتي بسط القول فيه، وكتاب "تهذيب مُسْتمر الأوهام"، وقد تقدمت خطبته، وكتاب "الوزراء" ذكره الأمير في رسم (البريدي) من "الإكمال"، قال: "أبو عبد الله البريدي الذي ولي الوزارة، قد ذكرناه في كتاب الوزراء"، وكتاب "مفاخرة القلم والسيف والدينار"، مرّ ذكره.
***
(25/52)

الإكمال ووصفه
اسمه التام (الإكمال في رفع [عارض] الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب)، وكلمة "عارض" ثبتت في النسختين رقم (5 و6) الآتي ذكرهما في النسخ.
"الإكمال" كتاب جليل أثنى عليه أرباب هذا الفنّ وأهل المصطلح، ومترجمو الأمير وغيرهم، فمن أمثلة ذلك: قال ابن نقطة: " جمع فيه كتب الحفاظ المتقدمين، وصار قدوة وعَلَمًا للمحدثين وعمدة للحفاظ المتقنين، وفاصلاً بين المختلفين، ومزيلًا لشُبَه الشكّ عن قلوب المرتابين".
وقال النووي في "التقريب" عند ذكر كتب هذا الفن: "أحسنها وأكملها "الإكمال" لابن ماكولا"، وقال ابن خلكان: "هو في غاية الإفادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد، وعليه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن، فإنّه لم يوضع مثله، ولقد أحسن فيه غاية الإحسان ... وما يحتاج الأمير المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه".
الكتاب مرتّب على ترتيب حروف المعجم، فهو مقسوم إلى ثمانية وعشرين حرفًا، وكل حرف مقسومٌ إلى قسمين، الأول: ما جاء في الأسماء والألقاب والكنى, والثاني: في مُشتبه النَّسبة، وكل قسم من هذه الأقسام مرتّب على أبواب يشتمل كل باب على مادتين فأكثر، يذكر تحت كل مادة شخص أو أكثر، فإذا كثروا بدأ بالأشخاص الذين يقع الاشتباه في أسمائهم أو ألقابهم أنفسهم فإذا فرغ منهم قال: "الكنى والآباء" فذكر من يقع الاشتباه
(25/53)

في كنيته أو في اسم بعض آبائه أو كنيته.
مثال ذلك: قال في حرف الباء الموحدة: "باب بُجَير وبَحِير وبُحَير وبُحْتُر) ثم ذكر المادة الأولى وهي (بُجَير)، فذكر بجير بن أبي بجير، وبجير بن بجرة، وبجير بن زهير، وعدة بجيرين، ثم قال: "الكنى والآباء - أبو بجير محمد بن جابر، وأبو بجير زهير بن أبي سلمى ... والحارث بن بجير ... وجابر بن أبي بجير ... "، وعند الاستواء يقدم الرجال على النساء، ويقدم الصحابة فمن بعدهم من الرواة الأقدم فالأقدم، ثم الشعراء والأمراء، والأشراف في الإسلام والجاهلية. هكذا شَرَط في خُطبته، ووعد بأن يُرتّب الأبواب على ترتيب الحروف، وسيأتي شيء من خطبته.
وإذ كان الاشتباه قد يكون في الحرف الأول، فلا بدّ أن يجمع في الباب بين مادتين مشتبهتين على الأقل، مع أنّ إحداهما من حرف والأُخرى من آخر مثل أول حرف الباء (باب باشر وناشر وياسر وماشر) فترتيب الكتاب على ثمانية وعشرين حرفًا إنّما هو بالنظر إلى أول مادة تُذكر في الباب، مثل (باشر) هنا، وفي الإمكان أن يجعل هذا الباب في حرف النون بتقديم مادة (ناشر)، وفي التحتية بتقديم (ياسر) وقِسْ على ذلك.
والأمير يحاول أن يكون للتقديم مسَوّغ، ولذلك نجده قد يذكر الباب في حرف، ثم يكتب في الحاشية في موضع آخر: أنّه ينبغي تأخير ذاك الباب إليه كما سترى هذا في التعليقات، وبناء على ذلك تختلف النسخ، ويختلف ترتيب المؤلفات في الفن، وإنّما الممكن مراعاة ترتيب الأبواب باعتبار الحرف الثاني وما بعده من المواد الأولى منها، وقد راعى الأمير هذا في الجملة، وأخلّ به في مواضع لأسباب قد تظهر، فقدم في باب الألف باب
(25/54)

(أبين) وما يشتبه به على باب (أبّا) وما يشتبه به، وكان ذلك لأنّ قبلهما باب (آمين وأَمِين وأُمَين)، و (أبين) قد يشتبه بذلك في الجملة بخلاف (أبّا)، وعلى كل حال فالإخلال بالترتيب لا ضير فيه، فإنّ الفهارس تغني عنه وتزيد.
كثيرًا ما يستطرد الأمير لذكر نُتف من أنساب القبائل والمشاهير، نقلاً عن أئمة النسابين من كتبهم المشهورة، ويذكر نُسَخ كتبهم الصحيحة التي وقعت له، وشيوخهم (1) الذين تلقّى عنهم وأسانيدهم.
كثيرًا ما يذكر الخلاف ويرجّح تارة ويسكت أخرى، وإذا رجَّح ذكر حجته. قلّما يتعرض في "الإكمال" لتوهيم بعض من قبله؛ لأنّه أفرد لذلك كتاب "تهذيب مستمر الأوهام"، وسيأتي (2) نقل خُطبته, وفيها فوائد تتعلّق ب "الإكمال".

* نُسَخ الإكمال:
1 - نسخة دار الكتب المصرية، وهي نسخة في مجلدين، الأول إلى آخر حرف الراء في (319) ورقة، والثاني إلى آخر الكتاب في (334) ورقة، مقاسها على ما في فهرس معهد المخطوطات رقم (61) في كتب التاريخ (17×25) عدد الأسطر في الصفحة الكاملة 21 بخط نسخ جميل واضح، والنسخة معتنى فيها بتوضيح الكتابة، وإثبات النقط، وعلامات الإهمال والفواصل والشكل في أكثر المواضع الملتبسة.
__________
(1) كذا ولعلها: شيوخه.
(2) كذا وصوابه: وسبق. انظر ص 41 وما بعدها.
(25/55)

وفي آخر الجزء الأول ما لفظه: "كتبه لنفسه عبد الكريم بن الحسن بن جعفر بن خليفة البعلبكّي ... ووافق الفراغ منه في غُرَّة شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة"، وبالحاشية: "عارضت به الأصل المنقول منه، فصحَّ بحسب الجهد والطاقة، ولله الحمد والمنة".
وفي آخر الثاني مثل ما تقدم إلاّ أنه قال: "لخمس بقين من شوال سنة إحدى وتسعين وخمسمائة"، وقال بعد ذلك: "نقلته عن نسخة الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي (هو ابن عساكر) وهي بخط محمد بن عبد الملك بن علي بن نصر الغافقي التدميري، وتاريخ نسخها في سنة ست وتسعين وأربعمائة". وفي حواشي النسخة تعليقات عن خط المؤلف، منها ص (55)، وقع في المتن "باب الأمين والأمير ... "، ومقابله في الحاشية ما لفظه: "بخط المصنف: يردّ هذا الباب ويلحق بباب آمين وأَمِين وأُمَين في أول الكتاب"، وحواشٍ كثيرة عن ابن الفَرَضي وعن ابن الجارود وعن الدارقطني وعن الخطيب وعن ابن ناصر وغير ذلك، لعلها منقولة عن حواشي نسخة الحافظ ابن عساكر، وسترى جميع ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وفيها في مواضع النقل عن نسخة أخرى كما تراه في ص (29) منها، وسترى الإشارة إليه في موضعه. وفي النسخة أشياء يسيرة جُعِلت في المتن، ونبّه على أنّها من زيادة الحُميدي، منها في ص (50) وص (188) في رسم (الباجي).
وبالجملة فلو كانت نسخة ابن عساكر نفسها لما زادت على هذه في الصحة والإتقان، بل إنّ كثيرًا من الكتب يوجد منها نسخ كانت لبعض الحفاظ، ومع ذلك نجدها دون هذه بكثير.
(25/56)

وعبد الكريم ذكر في "كشف الظنون" في الكلام على مقامات الحريري أنّه "شرحها صفي الدين عبد الكريم بن حسن اللغوي البعلبكي شرحًا جيّدًا في الغاية، وتوفي سنة 600"، وأنا أعتبر هذه النسخة الأصل، وأشير إليها في التعليقات بلفظ (الأصل).
2 - نسخة في المكتبة الآصفية بحيدراباد دكين حديثة الخط، ولكنها جيدة ومنقولة عن أصل جيد، إمّا أن يكون منقولاً من النسخة الأولى، وإمّا عن أصلها الذي هو نسخة ابن عساكر، فإنّه موافق للنسخة الأولى في عامة الأشياء، إلاّ أنه يدرج الحواشي في المتن، وعلامة هذه النسخة (ه).
3 - نسخة أخرى في المكتبة الآصفية أقدم من التي قبلها, لكنها رديئة جدًّا، وهي موافقة للنسخة الثانية. ولم نستفد منها وحدها شيئًا.
4 - كراريس من نسخة نُقلت عن نسخة في السند، أهداها إليّ حضرة الشاب العالم الفاضل، أبو تراب الظاهري، استفدت منها في الجملة وعلامتها (س).
5 - نسخة من أول الكتاب إلى أثناء باب الحصيني وما يشتبه به، وهي في ملك حضرة المحسن الكبير نصير السنة ملجأ العلم وأهله، صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن حسين نصيف الوجيه المشهور بجدة، وهي نسخة حديثة إلاّ أنّها مهمة جدًّا؛ لأنّها تختلف عن النسخة الأولى في ترتيب الأبواب، وفي كثير من ترتيب العبارات، وتشتمل على عدة زيادات، ولم تثبت فيها زيادات الحميدي التي في النسخة الأولى مدرجة في متنها.
(25/57)

والظاهر أنّ الأمير أخرج الكتاب مرّتين، فإحدى هاتين النسختين ترجع إلى الأصل المخرج أوّلًا، والأخرى إلى المخرج أخيرًا. وترتيب الأبواب في الثانية يوافق غالبًا ما شَرَطه الأمير في الخطبة من ترتيبها على حروف الهجاء، وترتيبها في الأولى بخلاف ذلك، فقد يُستدل بهذا على أنّ الثانية ترجع إلى الأصل المخرج أخيرًا. وسياق البيان في الأولى محكم، وبعضه في الثانية مختلّ، وهذا يدلّ على أن الأولى هي التي ترجع إلى الأصل المخرج أخيرًا، وهذا في نظري أشبه، فإنّ ترتيب الأبواب في الثانية يجوز أن يكون ممن بعد المؤلف، إذ قد يقول المغيّر: ليس في هذا تغيير معنوي، وهو أوفق بقصد المؤلف كما نصّ عليه في خطبة كتابه.
6 - نسخة تحتوي على ما احتوى عليه المجلد الثاني من النسخة الأولى، أي من أول باب الزاي إلى آخر الكتاب، وهي في مجلدين، الأول: مكتوب على لوحِه أنّه المجلد الثالث، وينتهي بانتهاء (باب عقيل وعُقيل وغُفيل)، والثاني: مكتوب عليه أنّه المجلد الرابع يبتدئ بباب عقال وعقَّال، وينتهي بانتهاء الكتاب. هذه النسخة عندي مصورة مكبرة عن فلم بمعهد المخطوطات للدول العربية، ذكر في فهرس المعهد رقم (61) من كتب التاريخ بلفظ "نسخة كُتبت سنة 646 من خط محمد بن المفضَّل بن الحسن بن موهوب المهراني [مكتبة] جار الله [بإستانبول] 584, 385 ق، 17×25 سم، ق 870"، وهي بخط واضح جميل، في الصفحة 21 سطرًا، وترتيب الأبواب فيها فيه مخالفة ما لما في النسخة الأولى. وفيها قليل من الزيادات، وفيها بياضات يسيرة مُسدّدة في الأولى، وفي الأولى بياضات
(25/58)

مُسدّدة في هذه، هذا وعلامة هذه النسخة في التعليقات (جا) (1).

* منهج الكتاب:
تقدم شيء عن منهاج الإكمال، ونتم ذلك بقطعة من خطبته، قال: " ... لما نظرت في كتاب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الذي سماه: تكملة المؤتلف والمختلف لكتاب أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني في المؤتلف والمختلف، ولكتابي عبد الغني بن سعيد الأزدي في "المؤتلف والمختلف" و"مشتبه النسبة"، وجدته قد أخلّ بأشياء كثيرة لم يذكرها، وكرّر أشياء قد ذكراها أو أحدهما، ونسبهما إلى الغلط في أشياء لم يغلطا فيها، وترك أغلاطًا لهما لم ينبه عليها، ووهم في أشياء مما استدركه سطرها على الغلط.
فآثرت أن أعمل في هذا الفن كتابًا جامعًا لما في كتبهم وما شذّ عنها، وأسقط ما لا يقع الإشكال فيه ممّا ذكروه، وأذكر ما وهم فيه أحدهم على الصحة، وما اختلفوا فيه، وكان لكل قول وجه ذكرته.
فبدأت به محتسبًا بعمله وراجيًا الثواب بتلخيصه، إذ كان أكبر عون لطالب العلم على معرفة ما يشتبه عليه من الأسماء والأنساب والألقاب التي يحتاج إلى قراءتها وكتابتها. ورتبته على حروف المعجم، وجعلت كل حرف أيضًا على حروف المعجم. وبدأت في كل باب بذكر من اسمه موافق لترجمته، ثم بمن كنيته كذلك، ثم أتْبَعْته بذكر الآباء والأجداد. وقدمت في كل صنف الصحابة، وأتبعتهم بالتابعين وتابعيهم إن كانوا في ذلك الباب، وإلا الأقدم فالأقدم من الرواة، ثم جعلت بعد ذكر من له رواية الشعراء
__________
(1) لم تصل إليّ هذه النسخة إلا بعد تمام طبع المجلد الأول من "الإكمال". [المؤلف].
(25/59)

والأمراء والأشراف في الإِسلام والجاهلية، وكل من له ذكر في خبر من الرجال والنساء، وختمت كل حرف بمشتبه النسبة منه ليقرب إدراك ما يطلب فيه؛ ويسهل على مبتغيه".
وبمراجعة الكتاب يتبين مقدار نجاح الأمير في الوفاء بما التزمه هنا، وقد تقدمت خطبة "تهذيب مستمر الأوهام"، وأذكر هنا شيئًا من خطبة كتاب ابن نقطة وبقية الكتب التي التزمت تلخيص فوائدها، قال ابن نقطة: "نظرتُ في كتاب الأمير أبي نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر الحافظ المعروف بابن ماكولا الذي جمع فيه كتب الحفَّاظ المتقدمين، وصار قدوة وعَلَمًا للمحدثين وعمدة للحفاظ المتفننين، وفاصلًا بين المختلفين، ومزيلًا لشبه الشك عن قلوب المرتابين، فوجدته قد بيَّض فيه تراجم، واستشهد رحمه الله قبل أن يلحقها، ومواضع قد ذكر فيها قومًا، وترك آخرين يلزمه ذكرهم، ولم يبيض لهم، وتراجم قد نقلها ثقة بمن تقدمه من غير كشف، والصواب بخلافها، وأخرى كان الوهم من قبله فيها، ثم قد حدثت من بعده تراجم لها من أسماء المتقدّمين ونِسَبهم ما يشبه بها.
فاستخرت الله تعالى في جمع أبواب تشتمل على ما وصل إليّ من ذلك، وسطّرْتها على وضع كتابه، وأتبعنا كلّ حرف بمشتبه النِّسبة فيه، مع ضيق الزمان وتعذر الإمكان، والاعتراف بالتقصير في هذا الشأن، ليتذكر بذلك من أحبّ أن يجمع كتابًا في هذا الفن، ولو وجدنا بعض الطلبة المتيقِّظين قد نظر في هذا الباب وصرف الهمة إليه لاعتمدنا في ذلك عليه، مع أنّه لم يمنعنا أن نستكثر مما أوردناه إلا أنّا وجدنا كثيرًا من الأسماء التي يحتاج إليها بخط من لا يُعْتمد على ضبطه، ولا تلوح آثار الإتقان في خطه،
(25/60)

وإن كان من ثقات الرواة، وممّن يتهمه بالحفظ بعض الطلبة الغباة، فأخذنا ما وجدناه بخط الحفّاظ مثل أبي نعيم الأصبهاني، ومؤتَمَن بن أحمد الساجي، ومحمد بن طاهر المقدسي، وعبد الله بن أحمد السمرقندي، وأبي الفضل محمد بن ناصر السَّلَامي، وأبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي، وأبي العلاء الحسن بن أحمد العطار الهَمَذاني، وأبي محمد عبدا لله بن أحمد بن الخشَّاب النحوي، وأبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي، وأبي موسى محمد بن عمر الأصبهاني، وأبي سعد عبد الكريم بن محمد السَّمعاني، وأبي عامر محمد بن سعدون العبدري، ومن بعدهم من ثقات الطلبة المميزين، والعلماء المبرّزين، وما وجدناه بغير خط هؤلاء ومن أشبههم رفضناه، ولم نلتفت إليه، ولم نعتمد في هذا الباب عليه، مع أنّ البشر لا يخلو من وهم وغلط نسأل الله الكريم أن يوفقنا لصواب القول والعمل، وأن يحرسنا من الخطأ والزلل بمنه وكرمه إنّه سميع الدعاء".
وفي خطبة كتاب منصور ابن العمادية ما لفظه: "لمّا وقفت على كتاب الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر ابن نقطة البغدادي في مشتبه الأسماء والنِّسَب المذيّل على كتاب الأمير أبي نصر علي بن هبة الله بن علي بن ماكولا البغدادي، رأيت كتابًا مليحًا، ورصفًا سديدًا إلاّ أنّه أخلّ بتراجم، منها ما لم تقع له، ومنها ما وقع له وأخرجه في بعض التراجم ويدخل في ترجمة أخرى، ومنها ما حدث بعده، أحببتُ أن أُذيّل على كتابه بما تيسّر لي من ذلك، وعجلته في موضعه خوفًا من تعذر الإمكان وقواطع الزمان".
وفي خطبة "التكملة" لابن الصابوني ما لفظه: "لما وقفت على كتاب
(25/61)

(إكمال الإكمال) الذي صنفه الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني ابن أبي بكر ابن نقطة البغدادي - رحمه الله - مذيِّلاً به على كتاب الأمير أبي نصر علي بن هبة الله بن علي المعروف بابن ماكولا - رحمه الله وبلغه نهاية الآمال - وجدته أحسن فيه الجمع، وأجاد المقال، ونبّه على فوائد كثيرة، سمعها في رحلته من أفواه الرجال، وأخذها عن أولي الحفظ والترحال، بَيْد أنّه أغْفَل ذكر جماعة في بعض التراجم، يلزمه ذكرهم من هذا المثال، وجماعة لم يقعوا له ولا خطروا منه على بال، فأحببت أن أنبه عليهم، وأنسج على هذا المنوال".
وقال الذهبي في خطبة "المشتبه": "هذا كتابٌ مبارك ... اخترته، وقرّبت لفظه، وبالغت في اختصاره، بعد أن علَّقت في ذلك كلام الحافظ عبد الغني ... وكلام الأمير الحافظ أبي نصر ابن ماكولا، وكلام الحافظ أبي بكر ابن نقطة، وكلام شيخنا أبي العلاء الفَرَضي وغيرهم، وأضفت إلى ذلك ما وقع لي أو تنبهت له. فاعلم أرشدك الله أن العمدة في مختصري هذا على ضبط القلم إلا فيما يَصْعب ويُشْكِل فيقيَّد ويُشْكَل ... فأتقن يا أخي نسختك واعتمد على الشكل والنَّقْط ولا بد، وإلاّ لم تصنع شيئًا".
قال المعلمي: يظهر من تعقبات "التوضيح" و"التبصير" لكثير ممّا في "المشتبه" مع النص أنّه وقع كذلك، أي على الوهم في النسخة التي بخط مؤلفه أنّ أبا عبد الله رحمه الله لم يتمكَّن هو مما طالب به من إتقان النسخة.
وقال ابن ناصر الدين في خطبة "التوضيح": "أمّا بعد فإنّ كتاب "المشتبه" ... كتاب مشتمل على فوائد، محتوٍ على نفائس، ليس له في مجموعه نظير، لكن اختصاره أدى إلى التقصير ... " ثم ذكر خطبة "المشتبه"
(25/62)

ثم قال: "قلت ضبط القلم لا يؤمن التحريف عليه .... وهذا الكتاب أراد مصنفه زوال الإشكال ... لكنّ الاختصار قاده إلى كثير من الإهمال ... فأوضحت ولله الحمد ما أهمله ... ورفعت في بعض الأنساب، ونبهت على الصواب مما وقع خطأً في الكتاب ... ".
قال المعلمي: لقد قصّر في وصف شرحه جدًّا.
وقال ابن حجر في خطبة "التبصير": "لما علقت كتاب "المشتبه" الذي لخَّصه الحافظ الشهير أبو عبد الله الذهبي - رحمه الله - وجدت فيه إعوازًا من ثلاثة أوجه، أحدها: وهو أهمها تحقيق ضبطه؛ لأنّه أحال في ذلك على ضبط القلم، فما شفى من ألم. ثانيها: إجحافه في الاختصار، بحيث إنّه يعمد إلى الاسمين المشتبهين أو أكثر، فيقول في كل منهما: فلان وفلان وفلان وغيرهم، .... وكان ينبغي أن يستوعب أقلهما، وثالثها - وفيه ما لا يرد عليه إلا أنّ ذلك من تتمة الفائدة -: ما فاته من التراجم المستقلة (الأبواب والمواد) ... مع كونها في أصل ابن ماكولا وذيل ابن نقطة اللذين لخصهما، وزاد من ذيل أبي العلاء الفرضي وغيره ما استدرك عليهما فاستخرت الله تعالى في اختصار ما أسهب وبَسْط ما أجحف في اختصاره، بحيث يكون ما أقتصر عليه من ذلك أزيد من حجمه قليلاً، فأعان الله على ذلك ولله الحمد. فكل اسم كان شهيرًا بدأت به، ولا أحتاج إلى ضبطه بل أضبط ما اشتبه به بالحروف، وكل حرف لم أتعرض له فهو نظير الذي قبله إهمالًا وإعجامًا، وحركة وسكونًا ... واعتمدت على نسخة المصنف التي بخطه، وعلى الأصول التي نقل هو منها، وعلى ما غلب على ظنّي أنّه لم يراجعه حالةَ تصنيفه، كالأنساب للرُّشاطي ولابن السمعاني، وكالذيل الذي ذيل به
(25/63)

الحافظ منصور بن سليم ... وكالذيل الذي ذيل به العلامة علاء الدين مغلطاي ... ".
قال المعلمي: أمّا أنا فأبدأ بتحقيق متن "الإكمال" شيئًا فشيئًا بالمقابلة بين النسخ، ومراجعة المظانّ من "الإكمال" نفسه، ومن أخيه المستمر - أعني "تهذيب مستمر الأوهام" -, وعند أدنى اشتباه أراجع ما عندي من أصوله، ككتاب ابن حبيب، وكتاب الآمدي، وكتابَي عبد الغني، وطبقات خليفة، وطبقات ابن سعد، ومعجم المَرْزُباني، وكل مرجع تصل إليه يدي، وأطمع أن أجد فيه ضالتي، فإن وجدت ما يوافق الأصل فحسب فذاك، وإن وجدت ما يبينه أو يخالفه أو يزيد عليه زيادة متصلة، وهي التي تتعلق بالشخص المسمى في "الإكمال" بدون زيادة شخص آخر في المادة علقت ذلك على موضعه. فأمّا الزيادات المنفصلة فهي على أضرب:
الأول: زيادة شخص أو أكثر في المادة المذكورة في الأصل فهذه أعلق لزيادتها بعد انتهاء نظائرها في الأصل، ففي باب (أجمد وأحمد وأحمر) ذكر الأمير في المادة الأخيرة مَن اسمه "أحمر"، فعلّقتُ على منتهاه ذِكْر من زِيد عليه ممّن اسمه "أحمر"، ثم قال الأمير: (الكنى والآباء) فذكر من يقال له: "أبو أحمر" أو يكون في أثناء نسبه من اسمه "أحمر" فعلّقت على منتهاه من زِيد عليه من هذا القبيل. نعم إذا كان المزيد قريبًا للمذكرر في "الإكمال" كأن يكون ابنه أو أخاه أو نحو ذلك، فقد أعامله معاملة الزيادة المتصلة.
الضرب الثاني: زيادة مادة كاملة، فهذه أنبه عليها في الموضع المناسب لها من عنوان الباب، ثم أعلقها عند مجيء دورها، مثلًا في "الإكمال" (باب
(25/64)

أُثان وأبان) فهاتان مادتان، وقد زادوا عليه مادة ثالثة، وهي (أيان) فهذه زيادة حتمية، وزاد ابن نقطة في الباب (أُثال)، وزاد منصور في الباب أيضًا (أياز) فعلقت على قوله (باب أُثان وأَبان) قولي: "وأيان وأُثال وأياز"، ثم علقت على آخر الباب بيان من يقال له: "أيّان"، فمن يقال له: "أثال"، فمن يقال له "أياز" ناقلاً نص أول من زاد ذلك. هذا وقد أهمل "المشتبه" و"التوضيح" و"التبصير" مادتي (أثال وأياز) بعلة أن صورة اللام والزاي مخالفة لصورة النون، وحجة من زادها: أن هذه أسماء غريبة لا يعرفها كثير من الناس، واللام والزاي كثيرًا ما تشتبه بالنون في الخط المُعلّق ونحوه، وعلى كلّ حال فأنا لا أهمل مثل هذه الزيادة، نعم إذا كان هناك مادتان مشتبهتان حق الاشتباه فإنّي أعقد منهما بابًا وأعاملهما معاملة الضرب الآتي.
الثالث: ما كانت الزيادة لمادتين فأكثر لا تشتبهان بمادة في "الإكمال"، فإني أعقد لذلك بابًا مستقلًا مثل (أبرجة وأترجّة) و (بريال وترثال)، وكنت أريد أن أعلّق هذه الأبواب في المواضع المناسبة لها ثم أحجمت عن ذلك لأمور؛ الأول: أنّ هذه زيادات مستقلة، الثاني: كراهية طول التعليقات جدًّا، الثالث: رجائي أن أظفر بمزيد من ذلك، فآثرتُ أن أؤخّرها لأجمعها في جزء مستقل يمكن أن يطبع بعد انتهاء طبع "الإكمال" تتمة له.
هذا وإنّي أنقل الزيادة عن أول من زادها ولا أذكرها عمن بعده، فقد يزيد ابن نقطة زيادة فتذكر في "المشتبه" و"التوضيح" و"التبصير" أو بعضها، فأنقلها عن ابن نقطة فقط. وإن تعدّد الزائدون والزيادات ذكرتُ زيادة ابن نقطة ثم منصور ثم الصابوني ثم الذهبي ثم ابن ناصر الدين ثم ابن حجر أو
(25/65)

من زاد منهم، وإذا وجدت الزيادة في غير هذه الكتب من المراجع ذكرتها ناسبًا لها إلى مرجعها.
ويكثر هذا في مشتبه النسبة إذ أجد في "الأنساب" و"معجم البلدان" عدة زيادات.

* الاصطلاحات والرموز:
ألفاظ الضبط منها ما هو معروف أو واضح، أما ما قد يخفى فمنه أنّ الأمير يطلق "المبهمة" بمعنى "المهملة" قال في (أحنف) "بحاء مبهمة"، ويطلق المتأخرون على الباء: "الموحدة" وعلى التاء: "المثناة من فوق"، ويقول بعضهم: "الفوقانية"، وأنا أقول: "الفوقية"، وعلى الثاء: "المثلثة"، وعلى الياء: "المثناة من تحت" "التحتانية" "التحتية"، والغالب الاكتفاء في ضبط الراء والزاي باسمهما، وربما قيل: الراء المهملة، والزاي المعجمة، وهو جيد لأن صورة الهمزة (ء) قد تشتبه بصورة الياء (ي)، ولا سيّما عند التثنية بالياء فإنّ بعض الكتاب قد يكتب تثنية راء هكذا "كتبت رائين".
وليس في الكتاب رموز ولا في تعليقاتي إلا رموز النُّسَخ، وقد تقدم بيانها؛ نعم قد أكتب بعد ذكر كتاب ابن نقطة (ظ) أو (د) لتعيين إحدى نسختيه، فالأول لنسخة الظاهرية، والثاني لنسخة الدار. أختصر أسماء الكتب كقولي "المستمر" لكتاب "تهذيب مستمر الأوهام"، و"التهذيب" لكتاب "تهذيب التهذيب" لابن حجر، و"التاج" لشرح القاموس، ونحو ذلك ممّا لا يخفى على الممارس.
***
(25/66)

قضايا فيها نظر
ثَمّ قضايا لم يتضح لي صوابها:
الأولى: النِّسبة إلى الأسماء الثلاثية المقصورة، لا يخفى أنّ قاعدتها قلب الألف واوًا عند النسبة، لكن يأتي في كلامهم ما يخالف ذلك، كما ستراه في مواضعه، والذي أراه: أن ما خالف ذلك إن كان ذاك الاستعمال قديمًا أو مشهورًا أبقي على ما هو عليه على أنّه من شواذ النِّسب، وإلا فخطأ.
الثانية: قضية هاء سيبويه ونحوه على طريقة من يسكِّن الواو مع ضم ما قبلها وفتح ما بعدها، هل تبقى هاءً وقفًا ووصلًا؟ نقلت في التعليق على ص (164) من الجزء الأول المطبوع من الإكمال ما وقفت عليه في ذلك، ولم يظهر لي بعد ما يزيل الشك، ولم يقنعني ما في "التاج".
الثالثة: قضية سائر الأسماء الأعجمية التي آخرها هاء، المعروف في الفارسية إسكان هذه الهاء، فإذا اضطروا إلى تحريكها لإلحاق علامة الجمع ونحوه بالكلمة قلبوها (كافا) وهو الحرف الذي بين الجيم والقاف والكاف، يقولون" (بَنْدَهْ) أي العبد، ويقولون في جمعه: (بندكَان) وفي المصدر (بندكَي). ونجد هذه الهاء فيما عُرِّب قديمًا قد جُعلت جيمًا أو قافًا أو كافًا، مثل ارندج وبنفسج، واستبرق وشوذانق، وتربك ونيزك. ومن سنتهم قلب الكَاف جيمًا أو قافًا أو كافًا كما صرّح به علماء العربية والتعريب، ووجه ذلك واضح؛ فإنّ الكَاف تقارب كلاًّ من هذه الثلاثة، فكأنّهم لما رأوا العجم إذا اضطروا إلى تحريك تلك الهاء جعلوها كافًا، وعلموا أنّها بعد التعريب تكون دائمًا عُرْضة للتحريك عاملوها في التعريب معاملة الكَاف.
(25/67)

وثَمّ أربعة أسماء صرّح أهل العلم بأنّه يبقى آخرها هاء وقفًا ووصلاً، وهي (ماجه - داسه - منده - سيده)، وكأنّ وجه هذا: أنّ الهاء في أواخر الأسماء الأعجمية تعتبر حرفًا أصليًّا، وفي العربية أسماء آخرها هاء أصلية بعد فتحة مثل: مِدْرَه، ومنزه، ومَهْمَه، فلماذا لا تُترك تلك الهاء عند التعريب على أصلها؟ والتحريك الذي يعرض لها في العربية ليس هو التحريك الذي يعرض لها في العجمية.
بقي أنّ هناك أسماء كثيرة من هذا القبيل يعاملها المتأخرون معاملة ما آخره هاء تأنيث فهل لذلك مستند؟
أرجو ممّن له علم بهذه القضايا أن يكتب إليّ أو إلى دائرة المعارف العثمانية، وفقنا الله جميعًا لما يحبه ويرضاه.
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
مكة المكرمة
(25/68)

(2)

مقدمة
كتاب "الأنساب"
لأبي سعد السمعاني (ت 562)
(25/69)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله وسلّم وبارك على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.
أمّا بعد، فإن كتاب (الأنساب) للحافظ الإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني كتاب جليل، أدرك المستشرقون شأنه فسبقونا إلى طبعه منذ خمسين سنة - أي سنة 1912 - طبعوه بالزنكوغراف، محافظةً منهم على صورة النسخة التي ظفروا بها، ونِعْم ما صنعوا، غير أنّ النسخة سقيمة جدًّا يكثر فيها السقط والتحريف، ومع ذلك فقد عزَّ وجود نُسَخ تلك الطبعة، وتقادم العهد بطبعها، فبلي ورقها فصار الموجود منها عُرضة للتلف؛ فأهمّ رجال جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن أمر هذا الكتاب، كيف لا وجمعيَّتهم هي حاملة لواء فنّ التراجم، والسبّاقة إلى نشر كتبه والمتفرِّدة بأكثرها، فسعوا في تحصيل نسخٍ من الكتاب مخطوطة أو مصورة عنه، فظفروا بثلاث نسخ غير المطبوعة- وسيأتي وصفها - فبادروا إلى استنساخ مسوّدة للكتاب، ومقابلتها على النسخ، وتقييد الاختلافات مع مراجعة بعض المراجع بِنيَّة تحقيق الكتاب، فلم يكادوا يتوسطون مقدمة المؤلف حتى بدت لهم صعوبة العمل؛ لكثرة الاختلافات، وخفاء الصواب، فبدا لفضلاء الدائرة - وعلى رأسهم مديرها الفاضل الدكتور محمد عبد المعيد خان - أن يضعوا ثِقَل العمل على عاتق زميلٍ سابق لهم هو كاتب هذه الكلمة، فكتب إليّ الدكتور بذلك، وأنّه قرّر أن يقوم فضلاء الدائرة
(25/71)

بمقابلة المسوَّدة على النسخ، وتقييد الاختلافات، وإرسال ما قوبل من المسودة مع بيان الاختلاف إليّ شيئًا فشيئًا؛ لأحقّق كلّ ما أرسل إليّ، وأبعثه إليهم شيئًا فشيئًا؛ لأنهم مضطرون إلى تعجيل طبع الكتاب لأسباب ذكرها.
هذا كلّه مع استعجالهم لي في تحقيق "إكمال ابن ماكولا" وبعث ما تمّ تحقيقه منه إليهم، ومع اشتغالي بغير ذلك؛ وكثرة العمل والإسراع فيه مظنة اختلاله بل مَئِنّته، وأنا أكره ذلك حتى إني أرى الغلطة في الكتاب الذي طُبع بتحقيقي فينالني حزن غير هيّن.
لكن علمت تصميمهم على طبع الكتاب واستعجالهم فيه، وأنّي إن لم أُجِبْهم إلى طلبهم فسيطبعونه بما تيسّر لهم من التصحيح، وهو دون ما يتيسر لي، فلم يسعني إلاَّ إجابتهم إلى طلبهم، وأرجو أن يرى أهل العلم ما يرضيهم.
بعد أن أتممت الجزء الأول، وبعثت به إليهم وطبعوه، حدث مِصداق المثل (ضِغْث على أبّالة) كتب إليّ الدكتور يلتمس منّي كتابة مقدمة للأنساب، وأنا مع كثرة اشتغالى أستثقل كتابة المقدّمات، وأراها ممّا لا أحسنه، فأجبته بالاعتذار، وبأن في وسعه هو أن يكتب مقدمة قد تكون أجود مما يمكنني، فأجاب بالإصرار على طلبه، فلم يسعني إلا الإجابة، وعليه تَبِعة التقصير.

* فنّ الأنساب والحاجة إليه:
يُطلق "فن الأنساب" على ما يُذكر في أصول القبائل وكيف تفرّعت، كنسب عدنان يُذكر فيه أبناء عدنان ثم أبناؤهم وهلمّ جرّا؛ ويطلق أيضًا على جمع النِّسَب اللفظية كالأسدي والمقدسي والنجار ونحو ذلك، ويُضبط كل
(25/72)

منها ويبين معناها، ويذكر بعض من عُرِف بها. وهذا الثاني هو موضوعنا. قال ابن الأثير في خطبة "اللباب" في ذِكْر هذا الفن: "هو ممّا يحتاج طالب العلم إليه، ويضطر الراغب في الأدب والفضل إلى التعويل عليه، وكثيرًا ما رأيت نسبًا إلى قبيلة أو بطن أو جد أو بلد أو صناعة أو مذهب أو غير ذلك، وأكثرها مجهول عند العامّة غير معلوم عند الخاصة، فيقع في كثير منه التصحيف، ويكثر الغلط والتحريف".

* التأليف فيه:
أول ما يمكن أن يُعدّ من كتبه في الجملة كتاب (مختلف [أسماء] القبائل ومؤتلفها) لمحمد بن حبيب البغدادي (- 245)، وقد ذكرته في مقدمة "الإكمال"، وهذا أوّل فصل منه: "في الأزد حُدان [بضم الحاء] ابن شمس بن عَمرو بن غَنْم بن غالب (في النسخة: خالد) بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وفي تميم حَدان [بفتح الحاء] بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم. وفي ربيعة جَدّان [بفتح الجيم ودال مشدّدة] بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وفي أسد بن خزيمة خدّان [بخاء معجمة من فوق ودال مشددة] بن عامر بن هر بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وفي هَمْدان ذو حَُدان [بفتح المهملة وضمها] بن شراحيل بن ربيعة بن جُشَم بن حاشد بن جُشم بن خيوان بن نوف بن أوْسَلة وهو هَمْدان".
نعم إنّ هذا ليس على الطريقة التي عرفنا بها الفن، لكنّه يفيد في تصحيح النِّسَب وإثباتها باستنباط قريب، فمن عرفنا أنّه خَداني عرفنا أنّه
(25/73)

ربعي وأسدي وغير ذلك، ومن عرفنا أنّه من أسد بن ربيعة ووجدنا في صفته "الجاني" عرفنا أنّ الصواب "الخُداني" وإذا وجدنا في وصف رجل محققًا "الجداني" بالجيم، أو "الخداني" بالمعجمة، أو "الحداني" بالمهملة، ووجدنا في وصفه أيضًا "الأسدي" فإننا نعلم في الأول أنّ "الأسَدي" بفتح السين وأنّها إلى أسد بن ربيعة، وفي الثاني بالفتح أيضًا وأنها إلى أسد بن خزيمة، وفي الثالث بسكون السين، وأنّها نسبة إلى الأسْد لغة في الأزْد، وقِسْ على هذا. وعلى كل حال، فإذا صحّ عدّه في كتب الفن فهو في ضرب خاص كما لا يخفى.
ثم تلاه الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري (332 - 409) ألّف فيه كتابه في "مشتبه النسبة"، وهو ضرب خاصّ من هذا الفنّ أيضًا، وتلاه جماعة كما بينته في مقدمة "الإكمال".
وألّف الحافظ محمد بن طاهر المقدسي (448 - 507) كتاب "الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط" وقد طُبع ولم أره، وهو في ضرب خاصّ أيضًا.
وثَمَّ ضرب خاصّ رابع يذكره أهل المصطلح وهو (المنسوبون على خلاف الظاهر) أي: مثل (التيمي) وليس من بني تَيْم، ولكنّه جاورهم، و (الحذّاء) ولم يكن من الحذَّائين، ولكن جالسهم، ونحو ذلك.
وأوّل (1) مؤلِّف في مطلق النسبة أعْلَمُه هو أبو محمد عبد الله بن
__________
(1) قيل: أول من ألّف في الأنساب عند العرب: هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى 124 ه وأنه بدأ بكتاب في "نسب قومه" ولم يتمه، ثم ألّف أبو اليقظان سُحيم بن حفص الأخباري المتوفى سنة 190 كتبًا، منها كتاب "النسب الكبير" =
(25/74)

علي بن عبد الله الرُّشاطي (466 - 542) ألّف كتابه "اقتباس الأنوار" توجد من مختصره لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الإشبيلي نسخة ناقصة في مكتبة الأزهر، واختصره أيضًا مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم البُلبيسي (728 - 802) وسمّى مختصره (القبس)، ثم جمع بين هذا المختصر وبين "لباب ابن الأثير"، وعندي نسخة مصوّرة من نسخة هذا الجامع، وهي بخط مؤلفه، وقد شرحتُ بعض حالها في مقدمة "الإكمال". وفي خطبته: " ... وبعد فإنّي لمّا اختصرت كتاب أبي محمد الرُّشاطي وسميته "القبس"، واستعنتُ على ضبط بعض الأسماء وأكثر الأنساب بكتاب "اللباب" لأبي الحسن ابن الأثير الجزري رحمهما الله، وجدتهما قد اجتمعا على تراجم، وانفرد كل منهما بأخرى (1)، وإذا اجتمعا على ترجمة تارة يتفقان على من سمّي فيها وتارة يختلفان ... وكلّ من الكتابين محتاج إليه ومُعوّل في هذا الفن عليه، فأحببت أن أجمع بينهما ليستغني الناظر في هذا الكتاب عن النظر في كتابين كبير حجمهما". هذا آخر الموجود من الخطبة وسقط باقيها من
__________
= و"نسب خندف وأخبارها"، ثم مؤرّج بن عَمرو السدسي المتوفى سنة 195 ه كان يؤلّف في الأنساب فيضع كتابًا عن "نسب قريش" وآخر عن "جماهير القبائل"، وكان في الكوفة هشام بن محمد الكلبي المتوفى سنة 204 ه, ترك في الأنساب كتابًا ضخمًا اسمه "النسب الكبير" أو "جمهرة النسب". ثم تتابع التأليف في الأنساب بعد ابن الكلبي - انظر مقدمة "كتاب حذف من نسب قريش لمؤرج بن عمرو السدوسي" نشره الدكتور صلاح الدين المنجد وطبع في القاهرة سنة 1960 م. وقد طبع "كتاب نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري المتوفى 236 في دار المعارف بمصر سنة 1953 م. [المؤلف].
(1) الأصل: "بآخر".
(25/75)

النسخة، ولم يذكر ما سمّى به هذا الجامع، وفي فهرس المخطوطات المصورة أنّه سمّاه (القبس) وأنا كذا أسميه على ما فيه.

* أنساب السمعاني:
كتاب الأنساب لأبي سعد السَّمْعاني هو بحق الكتاب الوحيد الجامع في هذا الفن، جمع فيه عامة ما ظفر به من النَّسَب مطلقًا، بل زاد فاستنبط عِدّة منها أطلقها على جماعة يصحّ أن تُطلق عليهم لكنّهم لم يُعرفوا بها، وسترى الإشارة إلى ذلك في مواضع، وزاد أيضًا جملة من الألقاب والأوصاف التي لا يسميها أهل العربية (نسبة) كما سترى ذلك في مواضعه، ولم يقتصر في كل نِسْبة على ذكر شخص واحد تطلق عليه حيث وجد غيره، بل يزيد على ذلك كثيرًا، ولم يقتصر في ذِكْر الرجل على أقلّ تعريف به، بل يسوق له ترجمة مفيدة قد تطول في كثير من المواضع.
وهذان الأمران هما اللذان سطا عليهما صاحب اللباب فأسقطهما من مختصره فذهب بمعظم فائدة الكتاب.

* الكتب التي تلته:
نعرف منها "اللباب" لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن الأثير (555 - 630) وهو مختصر لكتاب السمعاني، أسقط أكثر أسماء الأشخاص، واختصر أكثر التراجم، ونبّه على الأوهام اليسيرة، وزاد زيادات ليست بالكثيرة، وسننبه على فوائده في التعليق على "الأنساب" إن شاء الله. وعندي منه النسخة المطبوعة، ونسختان مخطوطتان في مكتبة الحرم المكي غير كاملتين، و"القبس" بمثابة نسخة رابعة.
(25/76)

ثمّ تلاه قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله الخَيْضري الدمشقي الشافعي (821 - 894) فألّف "الاكتساب في تلخيص كتب الأنساب" قالوا: "لخّص فيه أنساب السمعاني، وضمّ إليه ما عند ابن الأثير والرُّشاطي". يوجد منه الجزء الثالث فقط كما في فهرس المخطوطات المصورة.
أمّا "لبّ" السيوطي وما تلاه فحسبها هذه الإشارة.
و"معجم البلدان" لياقوت الحموي (577 تقديرًا -626) عظيم الفائدة في النِّسب إلى البلدان. وممّا ينبغي تحقيقه أنّه يكثر جدًّا موافقة لفظه في تلخيص عبارة "الأنساب" للفظ "اللباب" وعاش ياقوت شطر عمره الأخير في حلب، وكان صاحب "اللباب" يتردّد إليها، وكان ياقوت خبيرًا بكتب أبي سعد، فإنّه ينقل من "الأنساب" كثيرًا ممّا ليس في "اللباب"، وينقل أيضًا من "التحبير" وغيره، وقد عاش مدّة طويلة بجوار مكتبات السمعانيين وغيرها من مكتبات مرو، وصرّح بأنّ أكثر فوائد كتابه منها، ويستوقف النظر في (1) تلخيصهما أنّهما كثيرًا ما يتوقيان ذكر الأسماء الغريبة، وقد يكون ذلك ممّا يسميه العصريون "التهرّب من المشاكل". وعلى كلّ حال فليس هناك ما يغني عن كتاب السمعاني ولا يقارب.
...
__________
(1) الأصل: "من".
(25/77)

ابن السمعاني
ينبغي أن نقدّم هنا ذِكْر سَلَفه، وحسبي أن أسوق ما قاله هو في رسم "السمعاني" من "الأنساب" قال: "السَّمعاني - بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وفي آخرها النون - وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه؛ وأمّا سمعان الذي ننتسب إليه فهو بطن من تميم، هكذا سمعت سَلَفي يذكرون ذلك، فأوّل من حدّث من سَلَفِنا ... ثم القاضي الإمام أبو منصور محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله السمعاني التميمي، كان إمامًا فاضلًا ورعًا متقنًا، أحكمَ العربيةَ واللغة وصنّف فيها التصانيف المفيدة ... وولداه: أبو القاسم علي، وأبو المظفر منصور جدِّي؛ أمّا أبو القاسم علي بن محمد بن عبد الجبار السمعاني [الحنفي] فكان فاضلًا عالمًا ظريفًا كثير المحفوظ، خرج إلى كرمان وحظي عند ملكها، وصاهر الوزير بها ورُزِق الأولاد، وكان قد سمع مع والده من شيوخه، ولما انتقل أخوه جَدّنا الإمام أبو المظفر من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي - رحمهما الله - هجره أخوه أبو القاسم وأظهر الكراهة، وقال: خالفت مذهب الوالد وانتقلت عن مذهبه! فكتب كتابًا إلى أخيه وقال: ما تركت المذهب الذي كان عليه والدي - رحمه الله - في الأصول بل انتقلت عن مذهب القدرية، فإنّ أهل مرو صاروا في أصول اعتقادهم إلى رأي القدر، وصنّف كتابًا يزيد على عشرين جزءًا في الرد على القدرية، وأهداه إليه، فرضي عنه، وطاب قلبه، ونفَّذ ابنه أبا العلاء علي بن علي السمعاني إليه للتفقه عليه، فأقام عنده مدّة يتعلّم ويتدرّس الفقه، وسمع الحديث من أبي
(25/78)

الخير محمد بن موسى بن عبد الله الصفَّار المعروف بابن أبي عِمران رواية "صحيح البخاري" عن أبي الهيثم الكُشْميهني، ورجع إلى كرمان، ولما مات والده فُوّض إليه ما كان إلى والده من المدرسة وغيره؛ ورزق أبو العلاء الأولاد، وإلى الساعة له بكرمان ونواحيها أولاد فضلاء علماء.
وجَدُّنا الإمام أبو المظفّر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني إمام عصره بلا مدافعة، وعديم النظير في فنه، ولا أقدر على أن أصف بعضَ مناقبه، ومن طالع تصانيفه وأنصف عَرَف محلّه من العلم. صنّف "التفسير" الحسن المليح الذي استحسنه كلُّ من طالعه، وأملى المجالس في الحديث، وتكلّم على كل حديث بكلام مفيد، وصنّف التصانيف في الحديث مثل "منهاج أهل السنة" و"الانتصار" و"الرد على القدرية" وغيرها، وصنّف في أصول الفقه "القواطع" وهو مُغْن عما صُنّف في ذلك الفن، وفي الخلاف "البرهان" وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، و"الأوساط" و"المختصر" الذي سار في الآفاق والأقطار، الملقب ب "الاصطلام"، وردّ فيه على أبي زيد الدَّبوسي، وأجاب عن "الأسرار" التي جمعها. وكان فقيهًا مناظرًا، فانتقل بالحجاز في سنة اثنتين وستين وأربعمائة إلى مذهب الشافعي رحمه الله، وأخفى ذلك وما أظهره إلى أن وصل إلى مرو، وجرى له في الانتقال مِحَن ومخاصمات، وثبت على ذلك ونَصَر ما اختاره، وكان مجالس وعظه كثير النكت والفوائد، سمع الحديث الكثير في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية, وكثر أصحابه وتلامذته، وشاع ذكره.
سمع بمرو أباه وأبا غانم أحمد بن علي بن الحسين الكراعي، وأبا بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، المعروف بابن الهيثم، وجماعة كثيرة
(25/79)

بخراسان والعراق وجرجان والحجاز، وقد جمع الأحاديث الألف الحِسَان من مسموعاته عن مائة شيخ له، عن كل شيخ عشرة أحاديث، أدركت جماعة من أصحابه وتفقهت على صاحبيه أبي حفص عمر بن محمد بن علي السرخسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد المروروذي، والله يرحمهما، وروى لي عنه الحديث أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف الفاشاني بمرو، وأبو القاسم الجُنيد بن محمد بن علي القايني بهراة, وأبو طاهر محمد بن أبي بكر السّنْجي ببلخ، وأبو بكر أحمد بن محمد بن بشّار الخرجردي بنيسابور، وأبو البدر حسّان بن كامل بن صخر القاضي بطوس، وأبو منصور محمد بن أحمد بن عبد المنعم بن ماشاذه بأصبهان، وجماعة كثيرة تزيد على خمسين نفرًا.
وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ودُفِن بأقصى سجذان إحدى مقابر مرو، ورُزِق من الأولاد خمسة: أبو بكر محمد والدي، وأبو محمد الحسن، وأبو القاسم أحمد، وابن رابع وبنت، ماتا عقب موته بمدة يسيرة.
فأمّا والدي [الإمام] أبو بكر محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني رحمة الله عليه، ابن أبيه، وكان والده يفتخر به ويقول على رؤوس الأشهاد في مجلس الإملاء: "ابني محمد أعلم منّي وأفضل منّي" تفقّه عليه، وبرع في الفقه، وقرأ الأدب على جماعة، وفاق أقرانه، وقرض الشعر المليح وغَسَله في آخر أيامه، وشرع في عدة مصنفات ما تمّمَ شيئًا منها؛ لأنّه لم يُمتّع بعمره، واستأثر الله تعالى بروحه، وقد جاوز الأربعين
(25/80)

بقليل، سافر إلى العراق والحجاز، ورحل إلى أصبهان لسماع الحديث، وأدرك الشيوخ والأسانيد العالية، وحصَّل النسخَ والكتب، وأملى مائة وأربعين مجلسًا في الحديث، من طالعها عرف أن أحدًا لم يسبقه إلى مثلها. سمع بمرو أباه، وأبا الخير بن أبي عِمران الصفار، وأبا سعيد الطاهري، وبنيسابور أبا الحسن علي ابن أحمد المؤذن المديني، وبهَمَذان أبا الحسن فِيد بن عبد الرحمن الشعراني، وببغداد أبا المعالي ثابت بن بندار البقال، وبالكوفة أبا البقاء المعمر بن محمد بن علي الكوفي الحبال، وبمكة أبا شاكر أحمد بن محمد بن عبد العزيز العثماني، وبأصبهان أبا بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، وجماعة كثيرة من هذه الطبقة. كتب لي الإجازة بجميع مسموعاته، وشاهدت خطه بذلك، وحدّث بهراة. وكانت ولادته في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي يوم الجمعة الثالث من صفر سنة عشر وخمسمائة, ودُفِن عند والده، وكان شيخنا أبو الفتح محمد بن علي النطنزي إذا ذكره أنشد:
زين الشباب أبو فرا ... سٍ لم يمتّع بالشباب
وعمِّي الأكبر أبو محمد الحسن بن أبي المظفر السمعاني، كان إمامًا زاهدًا ورعًا كثير العبادة والتهجد، نظيفًا منورًا مليح الشيبة، منقبضًا عن الخلق، قلَّما يخرج عن داره إلاَّ في أيام الجمع للصلاة، تفقه على والده، وكان تِلْو والدي رحمهم الله وسمع معه الحديث - وظنّي أنّه ولد بعده بسنتين - وأفاده والدي عن جماعة من الشيوخ، ورحل معه إلى نيسابور، وسمع بمرو أباه، وأبا سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، وأبا القاسم إسماعيل بن محمد بن أحمد الزاهري، وأبا محمد كامكار بن عبد الرزاق
(25/81)

الأديب، وأبا الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي الجرجاني، وبنيسابور أبا الحسن علي بن أحمد بن محمد المديني، وأبا إبراهيم محمد بن الحسين البالوي، وأبا سعيد عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري، وأبا علي نصر الله بن أحمد الخشنامي، وجماعة سواهم. سمعت منه الكثير، وكان يكرمني ويحبني، وقرأت عليه الكتب المصنفة مثل كتاب "الجامع" لمعمر بن راشد، وكتاب "التاريخ" لأحمد بن سيار، و"الأمالي" و"الانتصار" و"الأحاديث الألف" لجدي بروايته عنه، "وأمالي أبي زكريا المزكي وأبي القاسم السراج" بروايته عن أبي الحسن المديني، وأبي العباس عبد الصمد، وغير ذلك من الأجزاء والفوائد، ورُزِق ثواب الشهداء في آخر عمره ودخل عليه اللصوص لوديعة كانت لإنسان عند زوجته وخنقوه ليلة الاثنين ... سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة - والله تعالى يرحمه - وصل إليّ نعيه وأنا بأصبهان.
وولده - ابن عمي - أبو منصور محمد بن الحسن السمعاني، كان شابًّا فاضلًا ظريفًا، قرأ الأدب وبرع فيه، وكانت له يد باسطة في الشعر باللسانين غير أنّه اشتغل بما لم يشتغل سلفه من الجلوس مع الشبان والجري في ميدانهم وموافقتهم فيما هم فيه، والله تعالى يتجاوز عنّا وعنه، سمعت من شعره الكثير، وتوفي بعد والده بسنتين واخترمته المنية في حال شبابه وما استكمل الأربعين، وذلك ليلة عرفة من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
وعمّي الآخر الأصغر أُستاذي، ومن أخذت عنه الفقه، وعلقت عليه الخلاف وبعض المذهب، أبو القاسم أحمد بن منصور السمعاني، كان إمامًا فاضلًا عالمًا مناظرًا مفتيًا واعظًا مليح الوعظ، شاعرًا حسن الشعر، له فضائل
(25/82)

جمة ومناقب كثيرة، وكان حييًا وقورًا ثابتًا حمولًا صبورًا، تفقه على والدي - رحمهما الله - وأخذ عنه العلم، وخَلَفه بعده فيما كان مفوّضًا إليه، سمع بمرو أخاه - والدي - وأبا محمد كامكار بن عبد الرزاق الأديب، وأبا نصر محمد بن محمد الماهاني وطبقتهم. انتخبتُ عليه أوراقًا وقرأت عليه عن شيوخه وخرجت معه إلى سرخس وانصرفنا إلى مرو وخرجنا في شوال سنة تسع وعشرين إلى نيسابور، وكان خروجه بسببي لأني رغبت في الرحلة لسماع حديث مسلم بن الحجاج القشيري فسمع معي الصحيح، وعزم على الرجوع إلى الوطن، وتأخّرت عنه مختفيًا لأقيم بنيسابور بعد خروجه، فصبر إلى أن ظهرت ورجعت معه إلى طوس، وانصرفت بإذنه إلى نيسابور، ورجع هو إلى مرو، وأقمت أنا بنيسابور سنة وخرجت منها إلى أصبهان ولم أره بعد ذلك. وكانت ولادته في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وثلاثين خمسمائة، وصل إليّ نعيه وأنا ببغداد وعقدنا له العزاء بها.
وأمة الله حرة أختي، امرأة صالحة عفيفة كثيرة الدرس للقرآن مُديمة للصوم راغبة في الخير وأعمال البر، حصَّل لها والدي الإجازة عن أبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني البغدادي، قرأت عليها أحاديث وحكايات بإجازتها عنه، وكانت ولادتها في رجب من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. فهذه الجماعة الذين حدثوا من بيتنا، والله تعالى يرحمهم".
ومن أحبّ الزيادة في أخبارهم فليراجع تراجمهم في طبقات الشافعية وغيرها.
(25/83)

* اسمه ونسبه وكنيته ولقبه:
هو عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله، أبو سعد تاج الإِسلام السمعاني المروزي. وسياق النسب بعد جعفر أثبته أبو سعد نفسه كما تقدّم في ذكر سَلَفه، وكذا ثبته زميله ابن عساكر كما في "تقييد ابن نقطة" وغيره, وذكر ابن نقطة أنّ يحيى بن مندة وشيرويه ساقا النسب إلى جعفر ثم قالا: "ابن سمعان" ولم يزيدا.
قال المعلمي: ليس هذا بخلاف، وإنّما نسبا جعفرًا إلى الجد الأعلى وهو سمعان، الذي ذكر أبو سعد عن أهله أنّه بطن من تميم، وليس معنى هذا أنّه بطن قديم معروف في الجاهلية، فإنّ علماء النسب لا يعرفون ذلك، وإنّما سمعان - والله أعلم - تميمي، كان هو أو ابنه في زمن الصحابة، وكان فيمن غزا مرو واستوطنها، وكثر بنوه فنُسِبوا إليه، وبذلك صار بطنًا من تميم.

* مولده ونشأته:
ولد بمرو يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان، سنة ست وخمسمائة، ومع أنّ والده لم يجاوز عمره حينئذ أربعين سنة وأربعة أشهر تقريبًا، فأحسبه كان يشعر بقرب موته، فإنّه سارع بإدراج اسم ابنه في سجلّ المحدَّثين، فكان يُحضره وهو ابن سنتين أو نحوها مجالس المحدِّثين، ويكتب له ما أملوه أو قُرئ عليهم وهو حاضر، ويثبت ذلك ويصحّحه ليكون أصلاً يرجع إليه ولده ويروي منه إذا كبر، ويأخذ له مع ذلك إجازاتهم، ولم يكتف ببلده، بل رحل به وعمره نحو ثلاث سنوات إلى نيسابور، وأحضره لدى كبار محدثيها وسَمّع له منهم، وسيأتي تفصيلُ بعض ذلك في أسماء شيوخه.
(25/84)

ومع أنّه كان للأب أخوان عالمان فاضلان، فلم يكتف عندما أحسّ بالموت بأن يدع ابنه إليهما، بل أوصى به إلى أفضل عالم من أصحابه، وسيأتي ذكره في مشايخه. توفي الأب ثالث شهر صفر من سنة عشر وخمسمائة، وعمر أبي سعد حينئذ ثلاث سنين وخمسة أشهر وثلاثة عشر يومًا, ولا أعرف الآن شيئًا من حال والدة أبي سعد.
كَفَل أبا سعد وصيّه وعمّاه، وكلهم من خيار العلماء، والبيئة صالحة فاضلة رجالها ونساؤها، وفي ذلك ما يغني عن الكلام في تنشئة أبي سعد في أوائل عمره، ولا سيما مع العلم بما صار إليه من أمره.
وبالجملة فإنّه حفظ القرآن وتعلّم الفقه والعربية والأدب، وصار يسمع الحديث مع عمّيه، ثم بعد أن قارب العشرين صار يسمع بنفسه غير أنّهم لم يسمحوا له بالرحلة إلا بأخرة.

* رحلته:
ألحّ عليهم أن يأذنوا له بالرحلة إلى نيسابور ليسمع "صحيح مسلم" من المتفرد به المعمّر الثقة الفاضل أبي الفضل الفُراوي الذي طال عمره، وأصبح يتوقع كل يوم موته، وإذا مات ولم يسمع منه أبو سعد كانت حسرةً في قلبه لا تندمل، فلم يأذنوا له حتى جاوز عمره الثانية والعشرين من السنين، ولم يسمحوا له بالسفر وحده، بل سافر معه أحد عميه.
وضاق صدر أبي سعد بتلك العناية الحبيبة الكريهة، فلمّا أتمّ سماع "صحيح مسلم" في نيسابور أراد عمه أن يرجع به إلى وطنه، فلم يسع أبا سعد إلا أن يختبئ، أملًا أن يملّ عمه الانتظار، فيذهب ويدعه يطوف في مراكز العلم كما يحب، لكن العمّ كان أصبر منه, لزم نيسابور حتى ملّ
(25/85)

أبو سعد الاختباء؛ فظهر وطاوع عمه في الرجوع معه، وكأنه بقي يحاجّ عمه ويوضّح له أنه مضطر إلى الرحلة، وأنّه لا داعي لمنعه من الغربة وحده، ويمكن أن يكون كاتَبَ عمَّه الآخر والوصيّ، فعاد جوابهما بالإذن له. نعم أذن له عمه وهما بطوس، فرجع هو إلى نيسابور وأقام بها سنة كما تقدم شرح ذلك في ذِكْره عمَّه في جملة أهله.
ثم ذهب يطوف في مراكز العلم في الدنيا عدة سنوات، واتسعت رحلته فعمّت بلاد خراسان وأصبهان وما وراء النهر والعراق والحجاز والشام وطبرستان وزار بيت المقدس وهو بأيدي النصارى، وحجَّ مرتين، ومات عمه والوصي عليه بمرو وهو في الرحلة.

* رجوعه إلى وطنه:
في "طبقات الشافعية": "وعاد إلى وطنه بمرو سنة ثمان وثلاثين [وخمسمائة] فتزوج وولد له أبو المظفّر عبد الرحيم ... ".
قال المعلمي: أرّخ ابن نقطة وغيره مولد عبد الرحيم في ذي القعدة من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، فإمّا أن يكون أبو سعد إنّما رجع إلى مرو أوائل سنة سبع وثلاثين وستمائة، وإمّا أن يكون تزوج وولد له عبد الرحيم في الرحلة.

حاله بعد رجوعه:
في "طبقات الشافعية" عَقِب ما مرّ: "فرحل به - يعني بعبد الرحيم - إلى نيسابور ونواحيها وبلخ وسمرقند وبخارى، وخَرَّج له معجمًا ثم عاد به إلى مرو، وألقى عصا السفر بعد ما شقّ الأرض شقًّا، وأقبل على التصنيف
(25/86)

والإملاء والوعظ والتدريس ... عاد بعد ما دوّخ الأرض سفرًا إلى بلده مرو وأقام مشتغلًا بالجمع والتصنيف والتحديث والتدريس بالمدرسة العميدية ونشر العلم.

* بعض شيوخه:
قد تقدم ذكره لأبيه وعمّيه وأخته، ونذكر طائفة من غيرهم.
1 - أبو بكر، عبد الغفار بن محمد بن الحسين الشيروي النيسابوري (414 - 510) ذكره أبو سعد في رسم (الشيروي) من "الأنساب"، وقال: "سمعت منه بنيسابور، وأحضر في الإمام والدي رحمه الله وشكر سعيه وسمَّعني منه".
2 - أبو العلاء، عبيد بن محمد بن عبيد القشيري التاجر النيسابوري (417 - 512).
3 - أبو القاسم، سهل بن إبراهيم السُبعي المسجدي النيسابوري (- 522) ذكره أبو سعد في رسم (السبعي) وقال: "سمع منه جماعة من شيوخنا، وأدركته وأحضرني والدي عليه بنيسابور، وقرأ لي عليه جزءًا".
4 - أبو عبد الله، محمد بن الفضل الفُراوي (441 - 530) وإليه على الأخصِّ رحل أبو سعد مع عمه سنة 529 كما تقدم في ذكر أهله، وكان الفُراوي مع جلالته قد تفرّد ب "صحيح مسلم" بسند عال جليل، ولم يكن بينه وبين مسلم إلاَّ ثلاثة، مع أنّ بين وفاتيهما نحو مائتين وسبعين سنة.
5 - أبو القاسم، تميم بن أبي سعيد الجرجاني مُسْنِد هراة (- 531).
6 - أبو الفرج، سعيد بن أبي الرجا الأصبهاني (440 تقديرًا - 532).
(25/87)

7 - أبو المظفَّر، عبد المنعم بن عبد الكريم القُشيري النيسابوري (445 - 532).
8 - أبو نصر، أحمد بن عمر بن محمد المغازي الأصبهاني (448 - 532). ذكره أبو سعد في رسم (المغازي) وقال: "ثقة حافظ ما رأيت في شيوخي أكثر رحلة منه".
9 - أبو الحسن، محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكَرَجي الفقيه الشافعي (458 - 532) ذكره أبو سعد في رسم (الكَرَجي) قال: "فكتبت بالكرج عن الإمام أبي الحسن محمد بن أبي طالب عبد الملك بن محمد الكرجي، وكان إمامًا متقنًا مكثرًا من الحديث". وكان هذا الكرجي شافعيًّا، ويخالف منصوص المذهب حيث يقوى الدليلُ عنده، من ذلك أنّه كان لا يقنت في الصبح، وكان سلفيّ العقيدة، له في ذلك كتاب "الفصول عن الأئمة الفحول".
وفي ترجمة الكرجي من "طبقات الشافعية" (4/ 81) ثناءٌ عاطر من أبي سعد - كأنه في "التحبير" (1) - على الكَرَجي، ومنه "إمام عالم ورع عاقل فقيه مفتٍ محدِّث شاعر أديب، مجموعٌ حَسَن، أفنى طول عمره في جمع العلوم ونشرها"، وأن أبا سعد قال: "وله قصيدة بائية في السنة شَرَح فيها اعتقاده واعتقاد السلف، تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرج". وذكر ابن السبكي أبياتًا من القصيدة، وفيها التصريح بالعلو الذاتي وغير ذلك، وذم للأشعري، فراح ابن السبكي يتشكك ويشكِّك، ويزعم أنّ ابن السمعاني أشعري، وأنّ ذلك يقتضي أحد أمور: إمّا أن لا تكون تلك القصيدة هي التي
__________
(1) ليس في "التحبير" المطبوع، ولا "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني".
(25/88)

عناها أبو سعد، وإمّا أن يكون الأبيات التي تخالف مذهب الأشعري وتذمّه مدسوسة فيها (1)، وإمّا أن يكون ذكر القصيدة وسماعها مدسوسًا في كتاب أبي سعد. والظاهر سقوط هذه الاحتمالات، وأنّ أبا سعد سلفيّ العقيدة، فإنّ شيوخه الذين يُبْلِغ في الثناء عليهم سلفيون، ولم أر في "الأنساب" ما هو بَيِّن في خلاف ذلك.
وقد حاول ابنُ الجوزي الحنبلي في "المنتظم" أن يعيب زميله أبا سعد وجَهَد في ذلك، ولم يذكر ما يدلّ على أنّه أشعري، نعم زعم أنّ أبا سعد كان يتعصّب على مذهب أحمد ويبالغ، ومعنى هذا أنّه شافعي، ولو أراد أنّه أشعري لقال: كان يتعصّب على أهل السنة، أو كان يتعصّب لأهل البدع، أو نحو ذلك، ومع هذا حاول ابن الجوزي أن يقيم شهادة على دعواه فلم يصنع شيئًا كما يأتي. نعم لم يكن أبو سعد يتصدّى لعيب الأشعرية والطعن فيهم، بل إذا اتفق له ذِكْر أحد منهم أثنى عليه بما فيه من المحاسن أو حكى ثناء غيره، وكذلك الحنفية الذين آذوا جدَّه أبلغ أذية، تراه يسوق تراجمهم، ويُبالغ في الثناء عليهم. وقوله في بعضهم: "إنّه كان يتعصب لمذهبه"، حكاية للواقع، مع أنّه في نظر الحنفية كلمة مدح، ولذلك تراهم ينقلونها مبتهجين بها، وهم عالة على أبي سعد في أكثر طبقاتهم.
10 - أبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر بن محمد بن الحسين السيدي البسطامي ثم النيسابوري (445 - 533) ذكره أبو سعد في رسم (السيدي) وقال: "كان من أهل العلم وبيت الإمامة، سمع جماعة كثيرة مثل أبي الحسين عبد الغافر الفارسي (توفي عبد الغافر سنه 448) ... سمعت منه الكثير".
__________
(1) الأصل: "منها".
(25/89)

11 - أبو القاسم، زاهر بن طاهر الشحّامي النيسابوري (450 تقديرًا - 533).
12 - الإمام أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد (1) بن محمد بن علي بن محمد بن عطاء المرورّوذي (453 - 533) في "طبقات الشافعية" (4/ 199): "حدّث عنه ابن السمعاني، وقال: سمعت منه الكثير، قال: وكان إمامًا متقنًا مصيبًا ومناظرًا ورعًا محتاطًا في المأكل والملبوس، حادّ الخاطر، حسن المحاورة, كثير المحفوظ، ذا رأي ونباهة وإصابة في التدبير، وكان الأكابر يصادقونه ويستضيئون برأيه ويزورونه، قال: وكان والدي لما توفي فوَّض النظر في مصالحي ومصالح أخي - كذا - إليه، وجعله وصيًّا، قال: وكان إذا دخل مدرستنا لا يشرب الماء في زاويتنا ولا في دارنا، ويحتاط في ذلك".
13 - أبو محمد، عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري (455 تقديرًا - 534) ذكره أبو سعد في رسم (الخواري) وقال: "كان إمامًا فاضلًا مفتيًا متواضعًا ... كتبت عنه الكثير بنيسابور، وقرأت عليه الكتب".
14 - أبو بكر، محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري البغدادي (442 - 535).
15 - أبو منصور، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز البغدادي (450 تقديرًا - 535).
16 - أبو القاسم، إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، وكان يقال له (جوزي) (457 - 535) وهو فيما أرى أجلّ شيوخ أبي سعد، ذكره في رسم (الجوزي) وقال: "أستاذنا وشيخنا وإمامنا ... كان إمامًا في
__________
(1) في (ط): "محمد" خطأ.
(25/90)

فنون العلم في التفسير والحديث واللغة والأدب حافظًا متقنًا، كبير الشأن، جليل القدر، عارفًا بالمتون والأسانيد ... أملى بجامع أصبهان قريبًا من ثلاثة آلاف مجلس ... ، وفي مدة مقامي ما فاتني من أماليه شيء، وكان يملي عليّ في كل أسبوع يومًا مجلسًا خاصًّا في داره، وأقرأ عليه في كل أسبوع يومين".

* عدد شيوخه ومعاجمه:
ذكر ابن خلكان وغيره أنّ عدد شيوخ أبي سعد يزيد على أربعة آلاف، وقال ابن النجار: "سمعت من يذكر أنّ عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ" وهذا غير بعيد، إذا عددنا كل من حكى عنه أبو سعد حكايةً شيخًا له، وقد جمع هو تراجم شيوخه في معاجمه.
فمن مؤلفاته (معجم البلدان)، أحسبه بناه على أسماء البلدان التي دخلها في رحلته، يذكر البلدة، ويذكر شيوخه من أهلها أو بعضهم.
و"معجم الشيوخ" كأنّه رتّبه على أسماء الشيوخ، فإمّا أن يكون اقتصر على من أكثر عنه منهم، وإمّا أن يكون ذكرهم باختصار.
و"التحبير في المعجم الكبير" استوعب فيه شيوخه وتراجمهم. قال الذهبي في "التذكرة": "ذكر في التحبير تراجم شيوخه فأفاد وأجاد، طالعته، ولا علاقة له بالمعجم الكبير للطبراني".

* ثناء أهل العلم عليه:
قال زميله الحافظ أبو القاسم ابن عساكر كما نقله ابن نقطة وغيره: "كان متصوّنًا (1) عفيفًا حسن الأخلاق ... وهو الآن شيخ خراسان غير مدافَع عن
__________
(1) تحرّفت في بعض الكتب "متصوفًا" وهو خطأ [المؤلف].
(25/91)

صدق ومعرفة وكثرة سماع لأجزاء وكتب مصنفة، والله يبقيه لنشر السنة ويوفقه لأعمال أهل الجنة".
وقال ابن النجار: "وكان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاح، ظريفًا حافظًا واسع الرحلة، ثقة صدوقًا دينًا، سمع منه مشايخه وأقرانه وحدّثنا عنه جماعة".
وقال الذهبي في "التذكرة": "الحافظ البارع العلّامة ... وكان ذكيًّا فهمًا سريع الكتابة مليحها، درَّس وأفتى، ووعظ وأملى، وكتب عمّن دبَّ ودرج، وكان ثقة حافظًا حجة واسع الرحلة، عدلاً دينًا جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ".
وقال في ترجمة ابن ناصر بعد أن ذكر تجنّي ابن الجوزي على زميله أبي سعد في قوله في شيخهما ابن ناصر: إنّه كان يحب الطعن في الناس. قال الذهبي يخاطب ابن الجوزي: "لا ريب أنّ ابن ناصر متعصّب في الحطّ على بعض الشيوخ، فدع الانتصار، فأبو سعد أعلم بالتاريخ وأحفظ منك ومن شيخك، وقد قال في ابن ناصر: إنّه ثقة حافظ ديّن متقن ثبت لغوي، عارف بالمتون والأسانيد، كثير الصلاة والتلاوة، غير أنّه يحب أن يقع في الناس، وهو صحيح القراءة والنقل".
قال المعلمي: وكلام ابن الجوزي تجنٍّ محض، أوقعه فيه إفراط غبطته لزميله المتفوق عليه، غفر الله للجميع.

* بعض الآخذين عنه:
1 - الحافظ أبو القاسم، علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي (499 - 571).
(25/92)

2 - أبو محمد، القاسم بن علي بن الحسن بن عساكر (527 - 600).
3 - أبو الفتوح، يوسف بن المبارك الخفّاف البغدادي (- 601).
4 - أبو أحمد، عبد الوهاب بن أحمد (ابن سكينة) البغدادي (519 - 607).
5 - أبو محمد، عبد العزيز بن معالي بن غنيمة (ابن منينا) البغدادي (525 - 612).
6 - أبو هاشم، عبد المطلب بن الفضل الحلبي (536 - 616).
7 - أبو رَوح، عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي (522 - 618).
8 - أبو المظفّر، عبد الرحيم بن عبد الكريم ابن السمعاني (537 - 617).
وهو ابن أبي سعد، له ترجمة في "تقييد ابن نقطة", قال فيها: "سَمَّعه أبوه من جماعة من شيوخ خراسان، منهم أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القُشيري، وعبد الأول بن عيسى السّجْزي، وأبو طاهر السنجي، سمع "مسند الهيثم بن كُليب" من مسعود بن محمد الغانمي، قال: أنا أبو القاسم الخليلي، و"مسند الدارمي" من عبد الأول، وكتاب "الصحيح" للبخاري من أبي الفتح عبد الرحمن الكُشْميهيني قال: أنا أبو الخير محمد بن أبي عمران موسى الصفار ثنا أبو الهيثم محمد بن المكي، وكتاب "الصحيح" لأبي عوانة من عبد الله بن محمد ابن الفراوي، وسمع "مسند الشافعي" و"مسند عبد الله بن وهب" من أبي طاهر محمد بن محمد السنجي،
(25/93)

ثنا نصر الله بن أحمد النيسابوري، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري. وكان واسع الرواية, اعتنى به أبوه، وسَمّعه الكثير، وأثبت له مسموعاته في جزء كبير يأتي بيانه في مؤلفات أبي سعد.
مولده في ذي القعدة من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وانقطعت عنّا أخباره من سنة سبع عشرة وستمائة، وظهور الترك - التتر - بخراسان".
وفي "الشذرات" (5/ 76): "خَرَّج له أبوه معجمًا في ثمانية عشر جزءًا، وكان مفتيًا عارفًا بالمذهب، وروى الكثير، ورحل الناس إليه، وسمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي، ومات قبله بدهر، وحدّث عنه الأئمة: ابن الصلاح والضياء المقدسي والزكي البرزالي والمحبّ ابن النجار، وخَرَّج لنفسه أربعين حديثًا، وانتهت إليه رياسة الشافعية ببلده، وخُتِم به البيت السمعاني، عدم في دخول التتار".

* مؤلفات أبي سعد:
نقل ابن النجار أسماءها ومقاديرها عن خط أبي سعد، فنسوقها على ترتيبه:
1 - ذيل تاريخ بغداد، للخطيب، أربعمائة طاقة. وقال ابن خلكان: نحو خمسة عشر مجلدًا، ألفه وسمعه الناس منه ببغداد أثناء رحلته، كما ذكره ابن عساكر.
2 - تاريخ مرو، خمسمائة طاقة. وقال ابن خلكان: يزيد على عشرين مجلدًا.
3 - طراز الذهب في أدب الطلب. مائة وخمسون طاقة.
(25/94)

4 - الإسفار عن الأسفار، خمس وعشرون طاقة.
5 - الإملاء والاستملاء (1) خمس عشرة طاقة.
6 - التذكرة والتبصرة، مائة وخمسون طاقة، (سقط ذكره من تذكرة الحفاظ).
7 - معجم البلدان خمسون طاقة.
8 - معجم الشيوخ، ثمانون طاقة.
9 - تحفة المسافر، مائة وخمسون طاقة.
10 - التحف والهدايا، خمس وعشرون طاقة.
11 - عِزّ العزلة، سبعون طاقة.
12 - الأدب في استعمال الحسب، خمس طاقات.
13 - المناسك، ستون طاقة.
14 - الدعوات الكبير، أربعون طاقة.
15 - الدعوات المروية عن الحضرة النبوية، خمس عشرة طاقة.
16 - الحث على غسل اليدين، خمس طاقات.
17 - أفانين البساتين، خمس عشرة طاقة.
18 - دخول الحمام، خمس عشرة طاقة، قال ابن السبكي: "وكان هذب
__________
(1) طبع حديثًا باعتناء مكس ويسويلر، طبع في مدينة ليدن المحروسة. بمطبعة برلين سنة 1952 م. [المؤلف]. وطبع محققًا في مجلدين.
(25/95)

به كتاب أبيه أبي بكر في دخول الحمام".
19 - فضائل صلاة الصبح، عشر طاقات.
إلى هنا يتفق ترتيب "تذكرة الحفاظ" وترتيب "طبقات الشافعية" وقد يزيد أحدهما الكلمة أو يقع اختلاف، فأثبتُّ ما هو الأصح والأوضح، ومن هنا ترتيب "تذكرة الحفاظ"، وراجعت في الكتابة ما في "طبقات الشافعية" للتصحيح والتوضيح.
20 - التحايا [والهدايا]، ست طاقات.
21 - تحفة العيد - في الطبقات: "العيدين" - ثلاثون طاقة.
22 - فضل الديك، خمس طاقات.
23 - الرسائل والوسائل، خمس عشرة طاقة [لم تكمل].
24 - صوم [الأيام] البيض، خمس عشرة طاقة.
25 - سلوة الأحباب [ورحمة الأصحاب]، خمس طاقات.
26 - التحبير في المعجم الكبير، ثلاثمائة طاقة.
قال المعلمي: يظهر من هذا أنّه بقدر ستة أسباع الأنساب، وذكر ابن خلكان أنّ الأنساب نحو ثمان مجلدات. وذكره في ترجمة ابن الأثير، فقال: في ثمان مجلدات، وذكر أنّه رآه مرة. وفي ترجمة أبي سعد من "الشذرات": "عمل معجم شيوخه في عشرة مجلدات كبار". ومن "التحبير" (1) نسخة ناقصة
__________
(1) طبع التحبير - والصحيح أنه منتخب منه - في العراق، بتحقيق منيرة ناجي في مجلدين عام 1395.
(25/96)

ذكرت في فهرس المخطوطات المصورة لجامعة الدول العربية (ج 2/ 143)، وفي الفهرس أيضًا رقم (491) معجم السمعاني (1) ... نسخة كتبت سنة 647 بخط نسخ قليل الإعجام، أحمد الثالث 953 م، 298 ف 21 س 18/ 24 سم"، وسمعت من يذكر أنّ هذا هو "التحبير" أيضًا، ولا أدري (2).
27 - فرط الغرام إلى ساكني الشام، خمس عشرة طاقة. قال المعلمي: ذكره ابن عساكر في ترجمة أبي سعد قال: "وآخر ما ورد عليّ من أخباره كتاب كتبه بخطه وأرسل به إليّ، سماه كتاب "فرط الغرام إلى ساكني الشام". في ثمانية أجزاء كتبه سنة ستين وخمسمائة ... وضمّنه قطعة من الأحاديث المسانيد وأودعه جملة من الحكايات والأناشيد".
وبهذا يظهر أنّ الطاقة نصف جزء أو نحوه.
28 - مقام العلماء بين يدي الأمراء، إحدى عشرة طاقة.
29 - المساواة والمصافحة، ثلاث عشرة طاقة، قال المعلمي: إذا كان حديث قد رواه الترمذي - مثلاً - بسنده، ووقع لأبي سعد - مثلاً - عاليًا بسند من جهة أخرى، واستوى عدد رجال السندين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي المساواة، وإن زاد سند أبي سعد واحدًا فهي المصافحة، وقس على ذلك، وراجع كتب المصطلح قسم العالى والنازل.
__________
(1) طبع بعنوان "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" عن هذه النسخة في أربعة مجلدات، تحقيق د. موفق عبد القادر، في الرياض.
(2) والنسخة من "التحبير في المعجم الكبير" لعبد الكريم السمعاني في دار الكتب الظاهرية - انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية ليوسف العش، دمشق 1947 ص 181. [المؤلف].
(25/97)

30 - ذكرى حبيبٍ رحل، وبشرى مشيب نزل، عشرون طاقة.
31 - الأمالى الخمسمائة، مائتا طاقة، ليس في "الطبقات".
32 - فوائد الموائد، مائتا طاقة.
33 - فضل الهرة، ثلاث طاقات.
34 - الأخطار في ركوب البحار، سبع طاقات.
35 - الهريسة، ثلاث طاقات.
36 - تاريخ الوفاة للمتأخرين من الرواة، خمس عشرة طاقة.
37 - الأنساب، ثلاثمائة وخمسون طاقة، وقال ابن خلكان: إنّه في ثمان مجلدات.
38 - الأمالى، ستون طاقة.
39 - بخار بخور البخاري، عشرون طاقة.
40 - تقديم الجفان إلى الضيفان، سبعون طاقة.
41 - صلاة الضحى، عشر طاقات.
42 - الصدق في الصدقة.
43 - الربح والخسارة في الكسب والتجارة.
44 - رفع الارتياب عن كتاب الكتاب، أربع طاقات.
45 - النزوع إلى الأوطان [والنزاع إلى الإخوان] (1) خمس وثلاثون طاقة.
46 - حث الإمام على تخفيف الصلاة مع الإتمام، في طاقتين.
__________
(1) من مقدمة م. [المؤلف].
(25/98)

47 - لفتة المشتاق إلى ساكن العراق، أربع طاقات.
48 - السد والعد لمن اكتنى بأبي سعد (1)، ثلاثون طاقة.
49 - فضائل الشام، في طاقتين.
50 - فضل يس، في طاقتين.
51 - كتاب الحلاوة. ذُكر في "الطبقات" وليس في "التذكرة".
52 - المعجم الذي ألّفه لابنه أبي المظفر، وقد تقدم عن ابن نقطة أنّه في جزء كبير، وذكر ابن خلكان وصاحب "الشذرات" أنّه في ثمانية عشر جزءًا، فكلمة جزء في عبارة ابن نقطة بالمعنى اللغوي. لم يذكر هذا وتاليه في سياق عدد مؤلفات أبي سعد.
53 - عوالي ابنه أبي المظفَّر، خَرَّجها أبو سعد لابنه أبي المظفر، وفي "تاريخ ابن خلكان" أنها في مجلدين ضخمين.

* مكاتب السمعانيين:
في "معجم البلدان" رسم (مرو الشاهجان) وهي وطن السمعانيين ما لفظه: "ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات؛ لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحسن العشرة، وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف، لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع ... وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية (التي كان أبو سعد يدرس بها) ... وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن".
__________
(1) لفظ التذكرة في اسم الكتاب كله: "من كنيته أبو سعد". [المؤلف].
(25/99)

* وفاة أبي سعد:
قال ابن عساكر فيما نقله ابن نقطة في "التقييد": ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي الفقيه: أنّ أبا سعد توفي بمرو في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وخمسمائة". وفي "تاريخ ابن خلكان": "توفي بمرو في ليلة غُرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وفي "طبقات الشافعية": "في الثلث الأخير من ليلة غرة - في النسخة: عشرة خطأ - ربيع الأول ... ". وفي تذكرة الحفاظ: "في ربيع الأول في أوله".
وخفي الأمر على ابن الجوزي فذكر أبا سعد في وفيات سنة ثلاث وستين وخمسمائة وقال: "توفي ابن السمعاني ببلده في هذه السنة، ووصل الخبر بذلك"، وتبعه بعضهم وهو خطأ.
***
(25/100)

كتاب الأنساب
سبق أوائل هذه المقدمة الإلماع إلى مكانة هذا الفن، وشدة الحاجة إلى معرفته، وأنّ كتاب الأنساب للسمعاني هو بحق الكتاب الوحيد فيه، وأذكر الآن سبب تأليفه وبعض الثناء عليه.
قال أبو سعد في خطبته: "كنت في رحلتي أتتبع ذلك، وأسأل الحفاظ عن الأنساب وكيفيتها، وإلى أي شيء نُسِب كل أحد، وأُثبت ما كنت أسمعه، ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وإمامنا أبي شجاع عمر بن الحسن البسطامي - ذكره الله بالخير - بما وراء النهر، فكان يحثّني على نظم مجموع في الأنساب، وكل نسبة إلى أيّ قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أو جدّ أو حِرفة أو لقب لبعض أجداده، فإنّ الأنساب لا تخلو عن واحد من هذه الأشياء، فشرعت في جمعه بسمرقند في سنة خمسين وخمسمائة، وكنت أكتب الحكايات والجرح والتعديل بأسانيدها، ثم حذفت الأسانيد لكيلا يطول، وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها, ولا يصعب على الحفاظ ضبطها، وأوردت النسبة على حروف المعجم، وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحروف، فابتدأت بالألف الممدودة لأنها بمنزلة الألِفين، وذكرت (الآبُرى) في الألفين، وهي قرية من سجستان، و (الإبري) بالألف مع الباء الموحدة، وهذه النسبة إلى عمل الإبرة، وأذكر نسبَ الرجل الذي أذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده، وأذكر شيوخه ومن حدّث عنهم، ومن روى عنه، ومولده ووفاته إن كان بلغني ذلك، وقدمت فصولاً فيها أحاديث مسندة في الحثّ على تحصيل
(25/101)

هذا النوع من العلم، ونسب جماعة من أصول العرب وورد في الحديث ذكرهم، وقد أذكر البلاد المعروفة والنسبة إليها لفائدة تكون في ذكرها، والله تعالى ينفع الناظر فيه والمتأمل له بفضله وسعة رحمته".
وقال ابن الأثير في مقدمة "اللباب": "كانت نفسي تنازعني إلى أن أجمع في هذا كتابًا حاويًا لهذه الأنساب، جامعًا لما فيها من المعارف والآداب، فكان العجز عنه يمنعني، والجهل بكثير منه يصدني، ومع هذا فأنا ملازم الرغبة فيه، مُعرِض عما يباينه وينافيه، كثير البحث عنه والاقتباس منه، فبينما أنا أحوم على هذا المطلب ثم أجبن عن ملابسته، وأُقدم عليه ثم أُحجم عن ممارسته؛ إذ ظفرت بكتاب مجموع فيه قد صنفه الإمام الحافظ تاج الإِسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني المروزي رضي الله عنه وأرضاه وشكر سعيه وأحسن منقلبه ومثواه، فنظرت فيه فرأيته قد أجاد ما شاء، وأحسن في تصنيفه وترتيبه وما أساء، فما لواصف أن يقول: لولا أنه، ولا لمستثن أن يقول: إلا أنه. فلو قال قائل: إنّ هذا تصنيف لم يُسبق إليه لكان صادقًا, ولو زعم أنّه قد استقصى الأنساب لكان بالحقّ ناطقًا. قد جمع فيه الأنساب إلى القبائل والبطون كالقرشي والهاشمي، وإلى الآباء والأجداد كالسليماني والعاصمي، وإلى المذاهب في الفروع والأصول كالشافعي والحنفي والحنبلي، والأشعري والشيعي والمعتزلي، وإلى الأمكنة كالبغدادي والموصلي، وإلى الصناعات كالخياط والكيال والقصّاب والبقال، وذكر أيضًا الصفات والعيوب كالطويل والقصير والأعمش والضرير، والألقاب كجَزَرة وكَيْلَجة؛ فجاء الكتاب في غاية الملاحة ونهاية الجودة والفصاحة، قد أتى مصنفه بما عَجَز عنه الأوائل ولا يدركه الأواخر،
(25/102)

فإنّه أجاد ترتيبه وتصنيفه، وأحسن جمعه وتأليفه. قد لزم في وضعه ترتيب الحروف في الأبواب والأسماء على ما تراه. فلمّا رأيته فردًا في فنه منقطع القرين في حُسنه، قلتُ: هذا موضع المثل "أَكْرَمتَ فارتبط، وأَمْرعتَ فاخْتبِط"، فحين أمعنت مطالعته، وأردت كتابته رأيته قد أطال واستقصى حتى خرج عن حد الأنساب، وصار بالتواريخ أشبه.
ومع ذلك ففيه أوهام قد نبهت على ما انتهت إليه معرفتي منها، وهي في مواضعها. فشرعت حينئذ في اختصار الكتاب، والتنبيه على ما فيها من غلط وسهو، فلا يظن ظانّ أنّ ذلك نقص في الكتاب أو في المصنف، كلّا والله، وإنّما السيد من عُدّت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء، وقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "حقٌّ على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه"، ليس المعنى بوضعه إعدامه وإتلافه، إنّما هو نقص يوجد فيه، وسياق الحديث يدل عليه، وكيف يكمل تصنيف والله تعالى يقول عن القرآن العزيز: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (1) ".
ثم ذكر ابن الأثير أشياء وُضِعت في بعض المواضع من "الأنساب" على خلاف الأولى، منها أنّه حيث يتعدد المنسوب إليه للنسبة الواحدة قد يضطرب سياق الأنساب، ومنها أنّه قد يذكر الرجل مرتين أو ثلاثًا، فيوهم التعدّد، وذكر ابن الأثير بعض أمثلة ذلك، وهو قليل في "الأنساب".
وممّا يحسن التنبيه عليه أنّ أبا سعد كثيرًا ما يسوق عبارات ابن حبان في الجرح والتعديل، فتارة يعزوها إليه، وتارة يسوقها بدون عزو، وكثيرًا جدًّا ما
__________
(1) سورة 4 [النساء] آية 82. [المؤلف].
(25/103)

يسوق عبارة بعض الكتب، ك "تاريخ بغداد" للخطيب، و"تاريخ نيسابور" للحاكم ملخَّصة، وكثيرًا ما لا يعزوها. وأغرب من ذلك أنّه بعد التلخيص قد يُبقي ضمائر المتكلم كما هي، كأنْ يكون في عبارة الحاكم في ذكر شخص: "سمعت منه" فيلخص أبو سعد العبارة بلا عزو، ويُبقي فيها "سمعت منه" يقع مثل هذا سهوًا، والقرائن تبين الحال، فإنّه يذكر في مثل هذا وفاة ذاك الرجل، وهي قبل ولادة أبي سعد بعشرات السنين أو نحو هذا من القرائن. وقريب من هذا أنّه عند التلخيص قد يترك بعض الألفاظ على حالها في أصل العبارة من جهة الإعراب، مع أنّها في سياق تلخيصه تستحق غير ذلك. وعلى كل حال فليس في هذا وما يشبهه ما ينقص قيمة الكتاب، وقد نبهت في التعليق على ما نبه عليه صاحب اللباب وما ظهر لي، وأسأل الله التوفيق.

* النسخ التي طُبع عنها وقُوبل عليها:
تيسّر للدائرة أربع نسخ من الكتاب:
1 - ك: وهي فلم مأخوذ من نسخة محفوظة بمكتبة كوبريلي بإستانبول، ذُكرت في فهرس المخطوطات المصورة لجامعة الدول العربية (ج 2 رقم 68) بما يأتي: "نسخة كُتبت سنة 951 بخط نسخ جميل، كتبه عبد المجيد بن محمد الكرماني العباسي، 482 ق، مكتبة كوبريلي 1010".
وهي نسخة كاملة سوى سقطات يسيرة في أثناء الكتاب كما سينبه عليها، وفي خاتمتها بخط كاتبها ما صورته: "تممت كتابة هذا الكتاب المشهور عند أرباب الألباب ب "الأنساب" للنحرير المحقق ... الإمام السمعاني؛ ... لأجل حضرت (كذا) من خصه الله من حقائق المعارف ...
(25/104)

اللهم كما نظمت عقود الملك بعلوّ شأنه وكمال سيادته "أحمد نظام" فاحرسه عن مكايد الأعادي ... في بلدة الهراة (كذا) ... بتاريخ شهر مولد النبي الأكمل - أعني ربيع الأول - سنة خمس عشر (كذا) وتسعمائة، وأنا تراب أقدام العلماء ... عبد المجيد بن محمد الكرماني العباسي ... من كرمهم مسؤول ... " وهي الأصل المعتمد عليه لهذا المطبوع.
2 - س: وهي فلم مأخوذ من نسخة محفوظة بمكتبة غوث أكبر في روسيا برقم [ج 361 - OR]، وهي نسخة تامة إلاَّ أنه سقط منها عشر أوراق بعد الأولى، وسقطات عديدة في الأثناء سينبه عليها، وعدد أوراقها 470.
3 - م: وهي النسخة التي طبعها المستشرق مرجليوث بالزنكوغراف في ليدن، سنة 1912، عن نسخة المتحف البريطاني المحفوظة تحت رقم 225، 23. وهي نسخة تامة عدا السقطات الكثيرة أثناء الكتاب، كما سينبه عليها، وعدد أوراقها 603.
4 - ع: وهي نسخة ناقصة محفوظة بمكتبة الجامعة العثمانية بحيدراباد الدكن، برقم (قع 97 s 922)/ س -1 تبتدئ من قوله أثناء رسم (الإستراباذي): "ابن خزيمة مثله أو أفضل منه ... " وتنتهي إلى رسم (الصريفيني)، وعدد أوراقها 239 في كل صفحة 33 سطرًا.

* وصف النسخ:
أ - الأولى بخط نسخ جميل، والثانية بخط نسخ جيد، والثالثة بالخط المسمى (نسخ تعليق)، والرابعة بخط نسخ معتاد.
ب - يغلب إعجام الحروف المعجمة في غير الرابعة.
(25/105)

ج- عناوين النِّسب مكتوبة في النسخ بخط جليّ، وامتازت النسخة الأولى بشكلها فيها بالحركات.
د- إذا كان ضمن النسبة رجلان فأكثر، فلم يلاحظ بيان الفصل إلاّ في النسخة الأولى، وضعت بينهما فيها هذه العلامة () والغالب في النسخ أن يُعطَف الثاني بالواو، وقد يترك.
ه - لم يميز الشعر من النثر في النسخ تمييزه المعروف، لكن في الأولى مُيز بوضع هذه العلامة (ه) أول الشعر، وهذه العلامة (،) بين الشطرين، وكذا بين البيتين.
و- لم يجر النسخ على وتيرة واحدة في كتابة الأعلام المصطلح على حذف ألفاتها (إسحق - سليمن - معوية) بل تارة تحذف، وتارة تثبت.
ز - الياء الراجعة، ويسميها كُتّاب الهند مجهولة مثل (على) لم تقع في الأولى، ووقعت في غيرها في بعض المواضع.
ح- التزم في الأولى فقط الترضية عن الصحابة مع مراعاة ما يقتضي الحال في الضمير (عنه، عنها، عنهما، عنهم).
ط - لم يثبت تاريخ الكتابة واسم الكاتب في غير الأولى، وختمت الثانية والثالثة بهذه العبارة: "تمت تمام شد آخر الأنساب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم".
ي - يغلب في الأولى الصحة وعدم السقط، ويكثر ذلك في غيرها، ومع هذا فثَمَّ مواضع يقع فيها الخطأ أو السقط في الأولى فقط، فالنسب بين الأولى وبين الثلاث الباقية بعيد، وأمّا الثلاث الباقية فلم أجد إلى الآن خطأ
(25/106)

أو سقطًا في الثانية (س) إلاّ وهو في الأخريين، وقد يوجد فيهما من الخطأ والسقط ما ليس فيها، ففي رسم (البزوري) ورسم (البحقوبي) ورسم (البعلبكي) عبارات سقطت من (م)، وهي ثابتة في (ك) و (س)، فأمّا (ع) فهي تابعة ل (م) وتزيد عليها في الخطأ والسقط، وبهذا يسوغ أن نحدس أن (ع) فرع ل (م)، و (م) فرع ل (س)، و (س) أشف الثلاث، ولهذا قدمتها على (م) مع أنّا بنينا في التعليقات على عكس ذلك.

* التحقيق والتعليق:
المسوّدة منقولة من الأصل الذي هو النسخة الأولى (ك) أقرؤها وانظر ما قُيد من اختلاف النسخ، وأراجع عند الاشتباه - وحبذا لو اتسع الوقت للمراجعة مطلقًا - ما عندي من المراجع المطبوعة والمخطوطة وكتبي المصورة، وقد ذكرتها في مقدمة "الإكمال"، ويؤسفني أن لا أجد "التحبير" للمؤلف (1)، وأكثر مصادر الكتاب وهي تواريخ نيسابور وبخارا ومرو وغيرها. وأحرص على أن أثبت في المتن ما يتبين لي أو يغلب على ظني أنّه هو الذي كان في نسخة المؤلف، وإن كان خطأ، وأنبه مع ذلك في التعليق على الصواب، وعلى ما للتنبيه عليه فائدة مّا من اختلاف النسخ وبعض مخالفات المراجع كاللباب وتاريخ بغداد والإكمال.
وفي التعليق مع ذلك زيادات أهمها زيادة نِسَب مستقلة، أذكر النسبةَ ومصدرها وضبطها، وبعضَ من ذُكِر بها صريحًا أو قريبًا منه أو احتمالاً قريبًا، وهذا قليل جَرَّأني عليه أنّ المؤلف نفسه سلك هذه الطريق كما مرت الإشارة إليه، ووضعنا لِنسَب الأصل رقمًا مسلسلًا, ولنسب التعليق رقمًا آخر.
__________
(1) انظر ما سبق في مؤلفاته ص 98 - 103.
(25/107)

إنّني أحرص فيما أنقله في التعليق عن الكتب الأخرى على الصحة والتنبيه على ما في تلك الكتب من الخطأ، غير أنّ الوقت لا يسمح لي باستيفاء ذلك.
وعلى العِلَّات فسيرى أهل العلم ما يسرُّهم إن شاء الله تعالى.
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
مكة المكرمة
(25/108)

(3)

مقدمة
"الجرح والتعديل"
لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327)
(25/109)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلومات كثيرة، لا سبيل له إليها إلاَّ بالأخبار، وإذ كان يقع في الأخبار الحق والباطل، والصدق والكذب، والصواب والخطأ، فهو مضطرٌ إلى تمييز ذلك، وقد هيأ الله تبارك وتعالى لنا سلفَ صِدْق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار؛ في تفسير كتاب ربنا عزَّ وجلَّ، وسنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وآثار أصحابه، وقضايا القضاة، وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها، والشعر والتاريخ, وغير ذلك. والتزموا وألزموا من بعدهم سَوقّ تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرواة التي تساعد على نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقّدوا أحوال الرواة، وقضوا على كل راوٍ بما يستحقه، فميزوا من يجب الاحتجاج بخبره ولو انفرد، ومن لا يجب الاحتجاج به إلاَّ إذا اعتضد، ومن لا يحتج به ولكن يُستشهد، ومن يُعْتمد عليه في حالٍ دون أُخرى، وما دون ذلك من متساهل ومغفّل وكذّاب، وعمدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخلصوا لنا منها ما ضمَّنوه كتبَ الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد عرفوا بسَعَة علمهم ودقة فهمهم ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها، وبينوا خللها، وضمَّنوها كتبَ العلل، وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم يَنقل أفاضلهم منها إلاّ ما احتاجوا إلى ذكره للدلالة على كذب راويه أو وهنه، ومن تسامح من متأخريهم فروى كل ما سمع فقد بيَّن ذلك، ووَكَل الناسَ إلى النقد الذي قد مُهّدت قواعدُه، ونُصِبت معالِمُه، فبحق قال
(25/111)

المستشرق المحقق مرجليوث: "ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم" (1).

* علم الجرح والتعديل:
" هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم، بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلم من فروع علم رجال الأحاديث، ولم يذكره أحد من أصحاب الموضوعات, مع أنّه فرع عظيم. والكلامُ في الرجال جرحًا وتعديلًا ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجُوّز ذلك تورّعًا وصونًا للشريعة لا طعنًا في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة، والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك" (2).

* النقد والنُّقاد:
ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإنّ النّاقد لا بدّ أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفًا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية, خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلي أن يعرف أحوال الراوي متى ولد؟ وبأيّ بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفّظ؟ ومتى شَرع في الطَّلَب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من
__________
(1) انظر المقالات العلمية ص 234 و253. [المؤلف].
(2) كشف الظنون ج 1 - ص 390. [المؤلف].
(25/112)

سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدّث عنهم، وبلدانهم ووفياتهم، وأوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك ممّا يطول شرحه.
ويكون مع ذلك متيقظًا مرهف الفهم، دقيق الفِطْنة، مالكًا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزّه الغضب، ولا يستخفّه بادِرُ ظنًّ حتّى يستوفي النظر، ويبلغ المقرّ، ثم يحسن التطبيق في حكمه، فلا يجاوز ولا يقصر.
وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم من يتكلّم في الرواة فلا يعوَّل عليه، ولا يُلتفت إليه. قال الإمام علي بن المديني - وهو من أئمة هذا الشأن -: "أبو نعيم وعفَّان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدًا إلاّ وقعوا فيه" (1)، وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدلّ على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقل شيء من كلامهما.

* أئمة النقد:
اشتهر بالإمامة في ذلك جماعة، كمالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشُعبة بن الحجّاج، وآخرون قد ساق ابن أبي حاتم تراجم غالبهم مستوفاةً في كتابه "تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل"، وذلك أنّه رأى أنّ مدار الأحكام في كتاب الجرح والتعديل على أولئك الأئمة، وأنّ الواجب أن لا
__________
(1) تهذيب التهذيب: ج 7 ص 232. [المؤلف].
(25/113)

يصل الناظر في أحكامهم في الرواة حتى يكون قد عرفهم المعرفة التي تثبت في نفسه أنّهم أهلٌ أن يصيبوا في قضائهم، ويعدلوا في أحكامهم، وأن يقبل منهم ويستند إليهم ويعتمد عليهم، ولنحو هذا المعنى يجدر بنا أن نقدم هنا ترجمة ابن أبي حاتم نفسه.
***
(25/114)

ابن أبي حاتم
* اسمه ونسبه:
هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو محمد بن أبي حاتم الحنظلي الرازي، ذكر ابن السمعاني في "الأنساب" (179 ب) عن ابن طاهر قال: "أبو حاتم الرازي الحنظلي منسوب إلى درب حنظلة بالري، وداره ومسجده في هذا الدرب رأيته ودخلته"، ثم ساق ابن طاهر بسند له إلى ابن أبي حاتم قال: "قال أبي: نحن من موالي بني تميم بن حنظلة من غطفان"، قال ابن طاهر: "والاعتماد على هذا أولى والله أعلم"، تعقبه ياقوت في "معجم البلدان" (حنظلة) فقال: "هذا وهم لأنّ حنظلة هو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وليس في ولده مَن اسمه تميم، ولا في ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان مَن اسمه تميم بن حنظلة البتة على ما أجمع عليه النسّابون .... "، فإن صحّ السند إلى ابن أبي حاتم فهم من موالي بني حنظلة من تميم، والتخليط ممن بعده.

* مولده ونشأته وطلبه للعلم:
ولد سنة 240 قال: "ولم يدعني أبي أطلب الحديث حتّى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان"، والفضل بن شاذان هذا من العلماء المقرئين.
ثم شرع في الطلب على أبيه الإمام أبي حاتم الرازي والإمام أبي زُرْعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي وغيرهما من محدثي بلده الريّ، ثم حج به أبوه سنة 255، ذكر ذلك في ترجمة أبيه من التقدمة، وفي "تذكرة الحفاظ" عنه: "رحل بي أبي سنة خمس وخمسين [ومائتين] وما احتلمت بعد، فلمّا
(25/115)

بلغنا ذا الحليفة احتلمت، فسرَّ أبي حيث أدركت حجة الإسلام".
وفي "التذكرة" أيضًا: "قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي الخطيب في ترجمة عملها لعبد الرحمن " ..... ثم قال أبو الحسن: رحل مع أبيه، وحجّ مع محمد بن حماد الطهراني، ورحل بنفسه إلى الشام ومصر سنة 262، ثم رحل إلى أصبهان سنة 264"، ولم تؤرَّخ سنة حجه مع الطهراني، وفي كتابه في ترجمة الطهراني: "سمعت منه مع أبي بالريّ، وببغداد وإسكندرية"، وفي "التذكرة" عنه: "كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأيت سَمَكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صِرْنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام وكاد أن ينضى؛ فأكلناه نيئًا لم نتفرغ نشويه، ثم قال: لا يُسْتطاع العلم براحة الجسد".

* مشايخه والرواة عنه:
ذكر الذهبي في "التذكرة" جماعةً من قدماء شيوخ ابن أبي حاتم الذين ماتوا سنة 256 فما بعدها إلى الستين، منهم عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، وعلي بن المنذر الطريقي، والحسن بن عَرَفة، ومحمد بن حسان الأزرق، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وحجّاج بن الشاعر، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي.
ومن أئمة شيوخه: أبوه، وأبو زُرعة الرازي، ومحمد بن مسلم ابن وَارَة، وعلي بن الحسين بن الجُنيد، ومسلم بن الحجّاج صاحب الصحيح، وجماعة كثيرة.
(25/116)

ومن الرواة عنه: الحسين بن علي حُسَينك التميمي الحافظ، وأبو الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني الحافظ، وعلي بن عبد العزيز بن مدرك، وأبو أحمد الحاكم الكبير، وأحمد بن محمد البصير، وعبد الله بن محمد بن أسد، وحَمْد الأصبهاني، وإبراهيم بن محمد النصراباذي، وأحمد بن محمد بن يزداذ، وعلي بن محمد القصار، وأبو حاتم بن حِبّان البُسْتي صاحب "الثقات"، ذكر ذلك في ترجمة أبي حاتم الرازي من "الثقات".

* ثناء أهل العلم عليه:
قال أبو الحسن الرازي: "كان رحمه الله قد كساه الله بهاءً ونورًا يسرّ من نظر إليه". وقال علي بن أحمد الفَرَضي: "ما رأيت أحدًا ممّن عرف عبد الرحمن ذَكَر عنه جهالةً قط، ويُروى أنّ أباه كان يتعجَّب من تعبد عبد الرحمن ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن؟ لا أعرف له ذنبًا". وقال أبو عبد الله القزويني: "إذا صليت مع ابن أبي حاتم فسلم نفسك إليه يعمل بها ما شاء". وقال أبو يعلى الخليلي الحافظ: "أخذ علم أبيه وأبي زُرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، صنّف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار ... وكان زاهدًا، يعدّ من الأبدال". وقال الخليلي في ترجمة أبي بكر بن أبي داود: "كان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد، ابن أبي داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم".
أقول: قدم ذِكْر ابن أبي داود لأنّه في ترجمته، وإلاّ فابن أبي حاتم أجلّ، مع أنّه عاش مدة طويلة بعد ابن أبي داود وابن خزيمة، تفرّد فيها بالإمامة.
وفي "لسان الميزان" (1/ 265): "روى ابن صاعد ببغداد في أيامه
(25/117)

حديثًا أخطأ في إسناده، فأنكره عليه ابن عُقدة، فخرج عليه أصحاب ابن صاعد، وارتفعوا إلى الوزير علي بن عيسى، فحبس ابنَ عُقدة، ثم قال الوزير: مَن يُرْجع إليه في هذا؟ فقالوا: ابن أبي حاتم، فكتبوا إليه في ذلك، فنظر وتأمّل، فإذا الصواب مع ابن عُقدة، فكتب إلى الوزير بذلك، فأطلق ابن عقدة، وعظّم شأنه"، وقد كان في ذاك العصر جماعة من كبار الحفاظ ببغداد وما قَرُب منها، فلم يقع الاختيار إلا على ابن أبي حاتم مع بعد بلده.
وقال مَسْلَمة بن قاسم الأندلسي الحافظ: "كان ثقة جليل القدر، عظيم الذكر، إمامًا من أئمة خراسان". وقال أبو الوليد الباجي: "ابن أبي حاتم ثقة حافظ". وقال ابن السمعاني في "الأنساب": "من كبار الأئمة، صنّف التصانيف الكثيرة، منها كتاب "الجرح والتعديل"، و"ثواب الأعمال" وغيرهما، سمع جماعة من شيوخ البخاري ومسلم". وقال الذهبي في "التذكرة": "الإمام الحافظ الناقد، شيخ الإسلام ... كتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المتقنة في الحفظ، وكتابه في التفسير عدة مجلدات، وله مصنف كبير في الرد على الجهمية يدلّ على إمامته". وقال في "الميزان": "الحافظ المثبت ابن الحافظ المثبت ... وكان ممّن جمع علوّ الرواية ومعرفة الفن، وله الكتب النافعة ككتاب الجرح والتعديل والتفسير الكبير وكتاب العلل. وما ذكرته لولا ذِكْر أبي الفضل السليماني له فبئس ما صنع، فإنه قال: ذكر أسامي الشيعة من المحدثين الذين يقدمون عليًّا على عثمان: الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج، عبيد الله بن موسى، عبد الرحمن بن أبي حاتم".
وفي "لسان الميزان" (2/ 128) عن الحاكم قال: "سمعت أبا علي
(25/118)

الحافظ يقول: دخلت مرو وفاتني حديث ... فدخلت في بعض رحلاتي الري، فإذا الحديث عندهم عن جعفر بن منير الرازي عن رَوْح بن عبادة عن شعبة، فأتيت ابن أبي حاتم، فسألته عنه فقال: ولِمَ تسأل عن هذا؟ فقلت: هذا حديث تفرّد به عثمان بن جبلة عن شعبة، وهو في كتب روح بن عبادة عن سعيد ... وقد أخطأ فيه شيخكم هذا على روح. فلمّا كان بعد أيام عاودته في السؤال عن هذا الحديث، فأخرج إليّ كتابه على الحاشية: قلت أنا هذا الحديث كذا وكذا، وساق الكلام الذي ذكرته له، فقلت له: متى قلت أنت هذا؟ وإنّما سمعته مني! وانقبضت عنه".
أقول: هذه مشاحّة من أبي علي، ويظهر من قول ابن أبي حاتم أوّلاً: "ولم تسأل عن هذا؟ " أنّه قد عرف علة الحديث، وإنّما أراد امتحان أبي علي، ينظر أتفطّن لها أم لا؟ وابن أبي حاتم في طبقة شيوخ أبي علي رحمهما الله.
وفي "طبقات الشافعية": "الإمام ابن الإمام، حافظ الري وابن حافظها، كان بحرًا في العلم، وله التصانيف المشهورة".
وقال أبو الحسن الرازي: "سمعت علي بن الحسين المصري ونحن في جنازة ابن أبي حاتم يقول: قلنسوة عبد الرحمن من السماء، وما هو بعجب، رجل من ثمانين سنة لم ينحرف عن الطريق". توفي في شهر المحرم سنة 327.

* مصنفاته:
1 - التفسير في أربع مجلدات (1).
__________
(1) طبع ما وُجد من الكتاب في عدة مجلدات.
(25/119)

2 - كتاب علل الحديث. (طبع بمصر في مجلدين).
3 - المسند في ألف جزء.
4 - الفوائد الكبير.
5 - فوائد الرازيين.
6 - الزهد.
7 - ثواب الأعمال.
8 - المراسيل (1).
9 - الرَّد على الجهمية.
10 - الكنى.
11 - تقدمة المعرفة للجرح والتعديل (2).
12 - كتاب الجرح والتعديل (3).
وقد تقدم عن الخليلي أنّ له مصنفات في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار.
...
__________
(1) طبع في حيدراباد الدكن سنة 1341. [المؤلف].
(2) طبع في دائرة المعارف بحيدراباد الدكن (الهند). [المؤلف].
(3) طبعنا منه المجلد الأول بقسميه سنة 1371 ه, والبقية تحت الطبع. [المؤلف].
أقول: وقد طبع كاملًا في تسعة مجلدات والحمد لله.
(25/120)

كتاب تَقْدِمة المعرفة للجرح والتعديل ومَزيَّته
هو كتاب بمنزلة الأساس أو التمهيد لكتاب الجرح والتعديل، افتتحه المؤلف ببيان الاحتياج إلى السنّة وأنّها هي المبينة للقرآن، ثم ببيان الحاجة إلى معرفة الصحيح من السقيم، وأنّ ذلك لا يتم إلا بمعرفة أحوال الرواة، وأنّ معرفة الصحيح والسقيم ومعرفة أحوال الرواة إنما يتمكّن منها الأئمة النقاد، ثم أشار إلي طبقات الرواة، وذكر نبذةً في تنزيه الصحابة وتثبيت عدالتهم، ثم بالثناء على التابعين، ثم ذكر أتباعهم، وذِكْر مراتب الرواة، ثم ذَكَر الأئمة وسَرَد بعض أسمائهم. ثم تخلَّص إلى مقصود الكتاب، وهو شرح أحوال مشاهير الأئمة كمالك بن أنس وسفيان بن عُيينة وسفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغيرهم، وساق لكل واحد من الأئمة ترجمةً مبسوطة تشتمل على بيان علمه وفضله ومعرفته ونقده وغير ذلك من أحواله، وجاء في ضمن ذلك فوائد عزيزة جدًّا في النقد والعلل ودقائق الفنّ، لا توجد في كتاب آخر، طبع عن ثلاثة أصول يأتي بيانها فيما بعد.
****
(25/121)

كتاب الجرح والتعديل ومَزيَّته
ألّف الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري "تاريخه الكبير" وكأنّه حاول استيعاب الرواة من الصحابة فمن بعدهم إلى طبقة شيوخه، وللبخاري رحمه الله إمامته وجلالته وتقدمه، ولتاريخه أهميته الكبرى ومزاياه الفنية. وقد أعْظَم شيوخُه ومن في طبقتهم "تاريخه"، حتّى إنّ شيخه الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه لمّا رأى "التاريخ" لأول مرّة لم يتمالك أن قام فدخل به على الأمير عبد الله بن طاهر فقال: "أيها الأمير ألا أريك سحرًا؟ " (1).
لكن "تاريخ البخاري" خالٍ في الغالب من التصريح بالحكم على الرواة بالتعديل أو الجرح، أحسَّ الإمامان الجليلان أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي وهما من أقران البخاري ونُظَرائه في العلم والمعرفة والإمامة، أحسّا بهذا النقص، فأحبّا تكميله.
في "تذكرة الحفاظ" (3/ 175) عن أبي أحمد الحاكم الكبير أنّه ورد الري، فسمعهم يقرؤون على ابن أبي حاتم كتاب "الجرح والتعديل"، قال: "فقلت لابن عبدويه الورَّاق: هذه ضُحْكة أراكم تقرؤون كتاب "التاريخ" للبخاري على شيخكم، وقد نسبتموه إلي أبي زرعة وأبي حاتم، فقال: يا أبا أحمد إنّ أبا زرعة وأبا حاتم لما حُمِل إليهما "تاريخ البخاري" قالا: هذا علم لا يُسْتغنى عنه، ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا عبد الرحمن يسألهما عن رجل بعد رجل وزادا فيه ونقصا".
__________
(1) مقدمة فتح الباري ص 484. [المؤلف].
(25/122)

كأنَّ أبا أحمد رحمه الله سمعهم يقرؤون بعض التراجم القصيرة التي لم يتفق لابن أبي حاتم فيها ذِكْر الجرح والتعديل ولا زيادة مهمة على ما في "التاريخ"، فاكتفى بتلك النظرة السطحية, ولو تصفّح الكتاب لما قال ما قال. لا ريب أنّ ابن أبي حاتم حذا في الغالب حذو البخاري في الترتيب وسياق كثير من التراجم وغير ذلك، لكن هذا لا يغضّ من تلك المزية العُظْمى، وهي التصريح بنصوص الجرح والتعديل، ومعها زيادة تراجم كثيرة، وزيادات فوائد في كثير من التراجم، بل في أكثرها، وتدارك أوهام وقعت للبخاري وغير ذلك.
وأما جواب ابن عبدويه الورَّاق فعلى قدر نفسه لا على قدر ذينك الإمامين أبي زُرعة وأبي حاتم! والتحقيقُ أنّ الباعث لهما على إقعاد عبد الرحمن وأمرهما إياه بما أمراه، إنّما هو الحرص على تسديد ذاك النقص، وتكميل ذاك العلم، ولا أدلّ على ذلك من اسم الكتاب نفسه، كتاب "الجرح والتعديل".
حرص ابن أبي حاتم بإرشاد ذينك الإمامين، على استيعاب نصوص أئمة الفنّ في الحكم على الرواة بتعديل أو جرح، وقد حصل في يده ابتداء نصوص ثلاثة من الأئمة، وهم أبوه وأبو زرعة والبخاري، أمّا أبوه وأبو زرعة فكان يسائلهما في غالب التراجم التي أثبتها في كتابه ويكتب جوابهما، وأمّا نصوص البخاري فإنّه استغنى عنها بموافقة أبيه للبخاري في غالب تلك الأحكام. ومعنى ذلك أنّ أبا حاتم كان يقف على ما حكم به البخاري فيراه صوابًا في الغالب فيوافقه عليه, فينقل عبد الرحمن كلام أبيه. وكان محمد بن يحيى الذُّهلي قد كتب إليهم فيما جرى للبخاري في مسألة القرآن
(25/123)

على حسب ما تقوَّله الناسُ على البخاري كما ذكره ابن أبي حاتم في ترجمة البخاري من كتابه، فكأنَّ هذا هو المانع لابن أبي حاتم من نِسْبة أحكام البخاري إليه. وعلى كل حال فالمقصود حاصل.
ثم تتبَّع ابن أبي حاتم نصوصَ الأئمة فأخذ عن أبيه ومحمد بن إبراهيم بن شعيب ما روياه عن عَمْرو بن علي الفلّاس ممّا قاله باجتهاده، وممّا يرويه عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ممّا يقولانه باجتهادهما، وممّا يرويانه عن سفيان الثوري وشعبة، وأخذ عن صالح بن أحمد بن حنبل ما يرويه عن أبيه، وأخذ عن صالح أيضًا وعن محمَّد بن أحمد بن البراء ما يرويانه عن علي بن المديني ممّا يقوله باجتهاده، وممّا يرويه عن سفيان بن عيينة، وعن عبد الرحمن بن مهدي، وعن يحيى بن سعيد القطان.
وحرص على الاتصال بجميع أصحاب الإِمام أحمد ويحيى بن معين، فروى عن أبيه عنهما، وعن أبيه عن إسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين، وروى عن جماعة من أصحاب أحمد وابن معين؛ منهم صالح بن أحمد بن حنبل، وعلي بن الحسن الهسنجاني، والحسين بن الحسن أبو معين الرازي، وإسماعيل بن أبي الحارث أسد البغدادي، وعبد الله بن محمَّد بن الفضل أبو بكر الأسدي - ووصفه في ترجمة زياد بن أيوب بأنَّه "كان من جلة أصحاب أحمد بن حنبل" - وأخذ عن عباس الدوري "تاريخه"، ويروي منه بلفظ: "قُرئ على عباس الدوري وأنا أسمع" ونحو ذلك.
وكاتَبَ عبد الله بن أحمد بن حنبل وقال في ترجمته: "كتب إليَّ بمسائل أبيه وبعلل الحديث، وكان صدوقًا ثقة"، وكاتَبَ حرب بن إسماعيل
(25/124)

الكرماني فكتب إليه بما عنده عن أحمد، وكاتب أبا بكر بن أبي خَيْثمة فكتب إليه بما عنده عن ابن معين وغيره، ويمكن أن يكون كتب إليه بتاريخه كله. وروى عن محمَّد بن حمويه بن الحسن ما عنده عن أبي طالب أحمد بن حميد صاحب أحمد بن حنبل عن أحمد، وروى عن عبد الله بن بشر البكري الطالقاني ما عنده عن الميموني صاحب أحمد عن أحمد، وكاتب علي بن أبي طاهر القزويني، فكتب إليه بما عنده عن الأثرم صاحب أحمد عن أحمد، وكاتب يعقوب بن إسحاق الهروي فكتب إليه بما عنده عن عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين. وأخذ عن علي بن الحسين بن الجُنيد ما عنده عن محمَّد بن عبد الله بن نُمير.
وبالجملة فقد سعى أبلغ سعي في استيعاب جميع أحكام أئمة الجرح والتعديل في الرواة إلي عصره، ينقل كلَّ ذلك بالأسانيد الصحيحة المتصلة بالسماع أو القراءة أو المكاتبة. وفي آخر ترجمة طاووس من الكتاب قول الراوي عنه: "سألنا أبا محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم فقلنا: هذا الذي تقول: "سئل أبو زرعة" سألَه غيرُك وأنت تسمعه أو سأله وأنت لا تسمع؟ فقال: كلما أقول: "سئل أبو زرعة" فإني قد سمعته منه إلا أنه سأله غيري بحضرتي، فلذلك لا أقول: سألته، وأنا فلا أدلس بوجه ولا سبب أو نحو ما قال".
وقال في آخر مقدمة الكتاب (1/ 1/ 38): "قصدنا بحكايتنا الجرح والتعديل إلى العارفين به العالمين له متأخرًا بعد متقدم إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهما الله. ولم نَحْكِ عن قوم قد تكلَّموا في ذلك، لقلة معرفتهم به، ونسبنا كلَّ حكاية إلى حاكيها، والجواب إلى
(25/125)

صاحبه، ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسؤولين عنهم، فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم، وألحقنا بكل مسؤول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم. على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من رُوي عنه العلم رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم إن شاء الله تعالى".
وقد يحكي في الجرح والتعديل عن شيوخه غير أبيه وأبي زرعة كمحمد بن مسلم بن وارة، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وقد يتكلم باجتهاده.
فهذا الكتاب هو بحق أم كتب هذا الفن، ومنه يستمد جميع من بعده، ولذلك قال المزي في خطبة "تهذيبه": "واعلم أنّ ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك فعامته منقول من كتاب "الجرح والتعديل" لأبي محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ ..... ".

* ترتيب الكتاب:
افتتحه بمقدمة نفيسة في بضع وثلاثين صفحة من المطبوع في تثبيت السنن وأحكام الجرح والتعديل، وقوانين الرواية، كما ترى بيانه في الفهرست. ثم شرع في التراجم مبوبًا مرتبًا على ترتيب حروف المعجم بالنظر إلى الحرف الأول من الاسم فقط، ففي باب الألف: "باب أحمد، باب إبراهيم، باب إسماعيل، باب إسحاق، باب أيوب، باب آدم، باب أشعث، باب إلياس، باب أسامة، باب أنس، باب أُبي، باب الأسود، باب أبان إلخ.
(25/126)

فأنت تراه اعتبر الحرف الأول فقط، وهو الألف، ولم ينظر إلى الحرف الثاني فضلاً عمّا بعده، وإنّما يراعي في التقديم والتأخير شرف بعض المُسَمّين بذاك الاسم كما قدم أحمد ثم إبراهيم، أو كثرة التراجم في الباب، أو غير ذلك من المناسبات، أو كما اتفق. وإذا كثرت التراجم في الباب رتبها على أبواب ذيلية بحسب أول أسماء الآباء، فقدم في الأحمدين من أول اسم أبيه ألف، ثم من أول اسم أبيه باء، وهكذا. وربما توسّع في الترتيب كما فعل فيمن اسمه محمَّد واسم أبيه عبد الله، رتّبهم على أبواب باعتبار أول اسم الجد "من اسمه محمَّد واسم أبيه عبد الله وأول اسم جده ألف"، ثم "من اسمه محمَّد واسم أبيه عبد الله وأول اسم جده باء" وهكذا.
ويختم كلّ اسم من الأسماء التي تكثر التراجم فيها بباب لمن يسمى ذاك الاسم ولم ينسب، ويختم كل حرف بباب للأفراد، وهم الذين لا يوجد في الرواة من يسمى ذاك الاسم إلا واحد.
ثم ختم الكتاب بستة أبواب: الأوّل: للذين لم يُعرفوا إلا بابن فلان، ورتبهم على أبواب ذيلية باعتبار أسماء الآباء. الباب الثاني: من يقال له "أخو فلان" فيه ترجمة واحدة. الباب الثالث: للمبهمات، فيه ترجمتان فقط "رجل عن أبيه"، "مولى سباع". الباب الرابع: لمن عُرِف ابنه ولم يُعْرَف هو، فيه ترجمة واحدة "رشيد الهجري عن أبيه". الباب الخامس: لمن لم يعرف إلاّ بكنيته، ورتّبها على أبواب ذيلية بحسب الحروف. الباب السادس: لمن تُعرف بكنيتها من النساء، ورتّبها على الحروف أيضًا.
وهذا الترتيب شبيه بترتيب "تاريخ البخاري" إلاّ أنّ البخاري قدَّم المحمدين أول الكتاب؛ لأنّه صدَّر الكتاب بنبذة من الترجمة النبوية،
(25/127)

فاسْتَحسن أن يقدّم المحمدين، ثم رتّب الباقي على حروف المعجم بالنظر إلى الحرف الأول فقط. ويتحرّى البخاري تقديم تراجم الصحابة، ففي الأبواب التي تكثر تراجمها يقدم أسماء الصحابة بدون نظر إلى أسماء آبائهم، ثم يرتّب تراجم غيرهم على أبواب ذيلية بحسب حروف الآباء، ففي المحمدين بدأ بالترجمة النبوية، ثم بتراجم المحمدين من الصحابة، ثم رتّب تراجم غيرهم على أبواب ذيلية على حسب حروف الهجاء؛ من اسمه محمَّد وأول اسم أبيه ألف، ثم من اسمه محمَّد وأول اسمه أبيه باء إلخ.
والمؤلّف حيث يبوب الأبواب الذيلية يراعي تقديم أسماء الصحابة، إلاّ أنّه يُتبع كلَّ اسم بمن يوافقه في الاسم واسم الأب من غير الصحابة، يبدأ مثلًا بباب من اسمه محمَّد وأول اسم أبيه ألف، فيذكر صحابيًّا ثم من يوافقه في اسمه واسم أبيه، ثم صحابيًّا آخر ثم من يوافقه، وهكذا، فيقع اسم كل صحابي في بابه باعتبار اسمه واعتبار اسم أبيه أيضًا.
فأمّا الأسماء التي لا تكثر التراجم فيها جدًّا فلا يرتبها البخاري ولا المؤلف.
ممّا ذكر يتبين أنّ الكتابين مرتبان ترتيبًا ينفع في سهولة المراجعة إلى حدّ كبير، إلاّ أنّه غير مستقصى، فإذا أريد الترتيب المستقصى فلا غنى بالكتابين عن فهارس مطوّلة مرتبة الترتيب المستقصى.

* البياضات:
قد يذكر المؤلف الرجل ولا يستحضر عمّن روى، ولا مَن روى عنه، أو يستحضر أحدهما دون الآخر، فيدع لما لا يستحضره بياضًا "روى عن .... روى عنه .... "، ويكثر ذلك في الأسماء التي ذكرها البخاري ولم ينصّ.
(25/128)

وعادة ابن حبان في "الثقات" أن لا يدع بياضًا، ولكن يقول: "يروي المراسيل، روى عنه أهل بلده" كأنَّه اطلع على ذلك أو بنى على أنّ البخاري إنّما لم يذكر عمّن يروي الرجل؛ لأنّه لم يرو عن رجل معين وإنّما أرسل، وأن الغالب أنّه إذا كان الرجل ممّن يُروى عنه فلا بدّ أن يروي عنه بعض أهل بلده، وطريقة المؤلف أحوط كما لا يخفى، وقد حاولت فيما حققته من الكتاب التنبيه في الحاشية على ما عثرت عليه ممّا يسدّ البياض.

* الأوهام:
الكتاب كبير، لعلّه يحتوي على قريب من عشرين ألف ترجمة، ومعظم التراجم مأخوذ من أسانيد الأخبار المتفرقة، والرواة قد يصحِّف بعضهم بعض أسماء رجال الإسناد أو يحرّفها، وقد يُنْسَب الرجل إلى جده أو جد أبيه، وقد يُنسب تارة إلى قبيلة وتارة أخرى إلى غير ذلك، ممّا يوقع المحدّث في الوهم، وقد وقع للبخاري من ذلك أشياء تعقّبها المؤلف في كتابٍ على حِدة، ذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (3/ 233)، وكذلك للخطيب "كتاب أوهام الجمع والتفريق" يعني أن يُجعل الرجل اثنين فأكثر أو يجعل الاثنان فأكثر واحدًا، وقد وقع في "كتاب الجرح والتعديل" أوهام من هذا الضرب وغيره ليست بالكثيرة.
منها ما قد نبّه عليه أهلُ العلم ممّن جاء بعد المؤلف، كجعله ترجمةً لجعفي بن سعد العشيرة على أنّه صحابي، وإنّما هي قبيلة سُمّيت بجدٍّ جاهلي قديم، وكذِكْره ترجمة ل "دقرة" على أنّها رجل، وإنّما هي امرأة، ومنها ما تبعوه عليه كذكره ترجمة "حارثة بن عَمْرو من بني ساعدة قتل يوم أحد"، وإنّما هذا اسم جاهلي قديم وقع في نَسَب بعض شهداء أحد. ومنها ما
(25/129)

لم ينبهوا عليه، كذكره ترجمة ل "شميسة" على أنّه اسم رجل، وإنّما هي امرأة، وقع له عن ابن معين أنّه قال "شميسة ثقة" فظنّ أنّه اسم رجل، وفي "التهذيب" ترجمة لشميسة في النساء، ولم يذكر توثيق ابن معين لها، كأنّهم لم يعثروا على هذه الترجمة؛ لأنّها في غير مظنتها. وأكثر ما وقع الوهم في عدِّ الرجل واحدًا واثنين؛ ذَكَر لجُنيد بن العلاء بن أبي دهرة ترجمة في بابه، وذكر له ترجمتين في باب حميد، إحداهما "حميد بن أبي دهرة"، والأخرى "حميد بن العلاء"، فجعل الواحد ثلاثة. وذَكَر ترجمةً لحفص بن سلم ثم أعاده باسم حفص بن مسلم، إلى غير ذلك، وقد نبّهت في حواشي ما حققته من الكتاب على ما ظهر لي من ذلك.

* الأصول المطبوع عنها:
الأصل الأول: نسخة محفوظة في مكتبة مراد ملا بإستانبول، تحت رقم (1427)، وهي شاملة للتقدمة والكتاب، ولكن لاكتفائنا ببقية النسخ لم نحصِّل منها إلا التقدمة بتصوير مختصر، وتاريخ كتابتها سلخ شهر ربيع الأول سنة سبع وستمائة (607)، وهي نسخة جيدة مقابلة، روعي فيها الإعراب فيما وقع التسامح فيه في النسخ الأخرى، ووقع فيها اختصار في بعض المواضع لما هو في معنى التكرار، ومن غرائبها اختصار كلمة "حدثنا" على "حنا"، وهو اختصار غريب لم يذكره أهل المصطلح، وعلامة هذه النسخة في المطبوع (د).
الأصل الثاني: نسخة محفوظة في دار الكتب المصرية، التقدمة منها تحت رقم (892)، والكتاب تحت رقم (891)، التقدمة منها ناقصة من أولها، الموجود منها من أثناء رسالة الثوري إلى عباد بن عباد، راجع ص (87)
(25/130)

من المطبوع، والكتاب في ستة مجلدات، في آخر السادس ما لفظه: "تم السفر السادس، وهو آخر "كتاب الجرح والتعديل" ... ووافق الفراغ منه في شهر ذي الحجة، سنة ست وأربعين وسبعمائة (746)، وكتبه محمَّد بن رسلان، عُرِف بابن السكري، عفا الله عنه". ووقع في آخر المجلد الأول ذكر التاريخ، بكتابة معلقة غير واضحة، ربما تقرأ هكذا "سنة أربع وخمسمائة" كذا، والظاهر "سنة أربعين وسبعمائة"، وهي نسخة واضحة الكتابة، مقابلة يقل فيها السقط، ولكن يكثر فيها التحريف، حَصَلت منها نسخة مأخوذة بالتصوير تشمل ما عدا ما يقابل المجلد الثالث من الكتاب الذي طبع قديمًا في الدائرة سنة 1361، وعلامة هذه النسخة في المطبوع (م).
الأصل الثالث: نسخة محفوظة في مكتبة كوبريلي بإستانبول، تحت رقم (278)، وهي نسخة كاملة للتقْدِمة والكتاب، وهي مسوقة مساقًا واحدًا، من أول التقدمة إلى آخر الكتاب، بلا فصل ولا تجزئة، كأنّها كلها مجلد واحد. وفي آخر الكتاب "تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، على يدي أضعف العباد وأحوجهم إلى عفو ربه الغَفَّار: إبراهيم العطار في العشر الأول من شهر ذي القعدة، سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة الهلالية (793)، وهي نسخة جيدة، لا يكثر في التحريف، إلاّ أنّه يظهر أنّها لم تُقابل على أصلها فوقع فيها سقط في مواضع غير قليلة، حصلت للدائرة قديمًا نسخة منها مأخوذة بالتصوير بتوسُّط المستشرق الأجل الدكتور كرنكو معاون الدائرة المقيم في كيمبرج، واعتنى بنقل المسوّدة، فنقل بخطه من أول التقدمة إلى آخر ترجمة "شيبة بن النعمان بن شروس الصنعاني"، مع شيء من الإصلاح قد نبهنا على ما يحسن التنبيه عليه منه في مواضعه، ثم أرسل
(25/131)

إلى الدائرة النسخة المصورة كاملة مع نقله. وكانت الدائرة قد عثرت في المكتبة السعيدية بحيدراباد الدكن على مجلد من الكتاب من أثناء باب عبيد إلى آخر باب من يسمى محمدًا واسم أبيه عبد الرحمن، مكتوب عليه: "المجلد الثالث ... "، فبادرت الدائرة سنة 1361 ه إلى طبعه عن هذه النسخة الناقصة وعن نسخة كوبريلي طبعته في قسمين، وتأخر طبع بقية الكتاب انتظارًا لنسخة أخرى، حتى يسر الله تعالى ذلك بعد عشر سنين كاملة، وذلك بفضل جهود ناظم الدائرة حضرة الدكتور محمَّد نظام الدين، فإنّه قام في العام الماضي برحلته بمناسبة الاشتراك في مؤتمر المستشرقين المنعقد بإستانبول، فكان في جملة ما اعتنى بتحصيله من النسخ نسخة ملا مراد للتقدمة، ونسخة دار الكتب المصرية، وعلامة نسخة كوبريلي في المطبوع أخيرًا (ك).

* تجزئة الكتاب لأجل الطبع:
الكتاب غير مجزّأ في نسخة كوبريلي كما تقدّم، وهو مجزّأ في نسخة دار الكتب تجزئة غير مناسبة ولا متناسبة، ولما طبعت الدائرة في سنة 1361 المجلد الثالث، تَبِعت فيه ما وقع في المجلد المحفوظ في المكتبة السعيدية بحيدراباد الدكن، فإنّه كُتب عليه "المجلد الثالث" وابتداؤه وانتهاؤه غير مناسب كما يعلم ممّا تقدّم، وقسمته الدائرة إلى قسمين، فلمّا أردنا أخيرًا طبع بقية الكتاب وجدنا أنفسنا مقيدين بمراعاة ما تقدم، فجعلنا التقدمة في مجلدة على حدة، وعدد صفحاته (375)، وعدد صفحات الفهرس (14).
ثم المجلّد الأول من أول الكتاب إلى آخر باب الزاي، وقسّمناه إلى
(25/132)

قسمين، الأول يشتمل على (أ، ب، ت، ث، ج) أي من أول باب الألف إلى آخر باب الجيم، وعدد صفحاته (552)، وعدد صفحات فهرسته (13)، والقسم الثاني يشتمل على (ح، خ، د، ذ، ر، ز)، أي من أول باب الحاء إلى آخر باب الزاي، وعدد صفحاته (625)، وصفحات فهرسته (16).
ثم المجلد الثاني، وقسّمناه إلى قسمين، الأول يشتمل على (س، ش، ص، ض، ط، ظ)، أي من أوّل باب السين إلى آخر باب الظاء. والقسم الثاني من أوّل باب عبد الله إلى آخر ترجمة "عبيد بن كرب أبو يحيى" إلى أن يلاقي المجلد الثالث المطبوع قديمًا في باب عبيد، وهو أيضًا قسمان، الأوّل من "عبيد بن مهران المكتب" إلى "عياض بن بكر ابن وائل"، وعدد صفحاته 409، والثاني من "عدي بن حاتم الطائي" إلى "محمَّد بن عبد الرحمن، أبو الجماهر الحمصي"، وعدد صفحاته 327.
ثم المجلد الرابع، وهو من أوّل من اسمه محمَّد واسم أبيه عبيد الله إلى آخر الكتاب، وقسّمناه أيضًا إلى قسمين، الأوّل يشتمل على بقية باب الميم وباب النون، من "محمَّد بن عبيد الله" إلى "ندى المعروف بأبي سعيد بن عباد الموصلي". والثاني من أول باب حرف الواو، "الوليد بن أعين"، إلى "أم هانئ". آخر الكتاب وبه خُتِم. وهذا المجلدان الثاني والرابع تحت الطبع. فقد راعينا المناسبة والتناسب ما أمكن، وإنّما انخرم علينا ذلك فيما يتصل بالمجلد الثالث الذي طبع قديمًا.

* الاختلافات بين نسختي كوبريلي ودار الكتب المصرية:
يقع بين النسختين اختلاف كثير، فأمّا ما كان بالزيادة والنقص واختلاف الألفاظ والعبارات، فقد نبّه عليه في الحواشي، وأهمّ الاختلافات التقديم
(25/133)

والتأخير، فربّما وقع بباب كامل، وذلك قليل، وقد نبه عليه في الحواشي أيضًا، ويقع أكثر منه في ترتيب التراجم، وقد نبّه عليه أيضًا، وأكثر منهما في ترتيب النصوص في التراجم الكبيرة، فإنّ المؤلف يسوق في الترجمة عدة نصوص، كل نصّ منها بسند، فيقع بين النسختين اختلاف كثير في ترتيب تلك النصوص، وأقرب ما يتبادر إلى الظن توجيه التقديم والتأخير في التراجم والنصوص بافتراض أن يكون المؤلف بيض الكتاب مرّتين، لكن لو كان الواقع هكذا لما غير في المرّة الثانية شيئًا من الترتيب الأول إلا لمناسبة، وإنعام النظر في مواقع ذلك الاختلاف لا يطابق هذا، بل تارةً يكون المناسب ما في هذه النسخة، وتارة ما في الأخرى. فلا بدّ من افتراض سبب آخر. والذي يظهر أنّ المؤلف قيد في أصله أوّلًا ما تحصل لديه من التراجم والنصوص، وترك بياضًا واسعًا في جوانب كل صفحة ليضيف ما يجده بعد ذلك، ثم كان يضيف في الجوانب إلى أن اجتمع ما رضيه فأذن لأصحابه أن ينتسخوا من ذلك الأصل، فكان الناسخ يضع تلك الألحاق التي في الجوانب في المواضع الصالحة لها من المتن، فاختلف الناسخان، فمن هنا جاء الاختلاف. ويشهد لهذا أنّه في بعض المواضع يقع بعض النصوص في إحدى النسختين في ترجمة غير الترجمة التي يتعلق بها لكنّها قريب منها. وقد يكون مع هذا سببٌ آخر، كأنْ يكون أصحابه أخذوا الكتاب عنه أوّلًا ثم كان إذا وجد زيادة أخبرهم بها ليضيفها كل منهم في نسخته في الموضع المناسب فيختلفون.
وعلى كلّ حال فإنّ الترتيب في المطبوع هو ترتيب نسخة كوبريلي، اللهم إلا في مواضع يسيرة عدلنا عنها إلى ترتيب المصرية لموجب، ونبّهنا
(25/134)

على ذلك في الحاشية، وكذلك نبهنا على ترتيب تراجم المصرية حيث يخالف، فأمّا ترتيب النصوص فإنّما التزمنا التنبيه حيث يكون للاختلاف مساس بالمعنى، فأمّا ما عدا ذلك فأكثر من أن يمكن التنبيه عليه.
ولهذا الاختلاف أهمية كبرى، وهو أنّه يدلّ أنه لا جامع بين هاتين النسختين إلا أصل المؤلف، فليست إحداهما منقولة من الأخرى، ولا ترجعان إلى أصل واحد من الأصول التي بعد المؤلف، وبهذا يعظم الوثوق بما اتفقتا عليه. ومن الاختلاف أيضًا أنّه يقع في نسخة كوبريلي ذكر اسم المؤلف في أوائل الأسانيد وترك ذلك في النسخة المصرية، وكذلك ترك في نسخة ملامراد. ومنها أنّه كثيرًا ما يقع في عبارات المؤلف في الأسانيد "ذكره أبي"، وفي نسخة مراد ملا من التقدمة "ذكر أبي".

* النقل عن الكتاب:
عامّة الكتب المؤلفة بعد المؤلف من كتب الفن وما يتصل به تنقل عن هذا الكتاب، ك "تاريخ بغداد" و"تاريخ دمشق" و"تذكرة الحفاظ" و"التهذيب" و"الميزان" وفروعهما و"تعجيل المنفعة" و"طبقات القرّاء" لابن الجزري و"الأنساب" لابن السمعاني وغيرها، وقد قابلتُ كثيرًا من تلك النقول بما في الكتاب فوجدته مطابقًا لكلا الأصلين أو لأحدهما، إلاّ أن يقع هناك اختصار أو تحريف، وأشكل عليّ موضع واحد هو ما وقع في ترجمة داود بن خلف، وهي في المطبوع ج 1 قسم 2 ص 410، وقد شرحت ذلك في التعليق عليها.
(25/135)

* تصحيح الكتاب والتعليق عليه:
قد بذلت الوُسْع في تحقيق ما حققته من الكتاب (1)، أوّلًا بتصفُّح الكتاب نفسه، فإن أوثق التصحيح تصحيح بعض الكتاب ببعضه، ثانيًا بعرض ما وقع فيه على ما في الكتب الأخرى؛ فراجعت لتراجم كثير من الصحابة: "طبقات ابن سعد" و"سيرة ابن هشام" و"الاستيعاب" و"التجريد" و"الإصابة". واستقصيت أو كدت في غالب الكتاب معارضة تراجم الصحابة وغيرها ب "تاريخ البخاري" و"ثقات ابن حبان". واستكثرتُ من المعارضة على "تهذيب المزي" و"تهذيبه" لابن حجر و"الميزان" للذهبي و"لسانه" لابن حجر و"تعجيل المنفعة" له، و"طبقات القراء" لابن الجزري؛ ومن مراجعة "تاريخ بغداد" والمطبوع من "تهذيب تاريخ دمشق"، و"الأنساب" لابن السمعاني، و"اللباب" لابن الأثير، و"المؤتلف" و"مشتبه النسبة" لعبد الغني، و"الإكمال" لابن ماكولا، و"المشتبه" للذهبي، و"التبصير" لابن حجر، وتوخيتُ أن أثبت في المتن ما هو الصواب أو الأصوب وإن اتفقت الأصول على الخطأ، اللهم إلا حيث لا يبعد أن يكون الخطأ من أصل المؤلف، ونبّهت في التعليقات على سائر التصرفات، ونبّهت أيضًا على ما يسدّ بعضَ البياضات، وما ظهر لي من الأوهام، إلى تحقيقات أخرى تشتبك بالتصحيح ولا تبعد عنه. ولا أدعي أنّني قد وفيت بالواجب، ولكنّي بلغت مبلغًا أَكِلُ تقديره إلى أهل العلم الذين لهم معرفة بالفن وبالنسخ الخطية القديمة، وهذه الإشارات التي عملت في التصحيح:
الأرقام أثناء المتن التي تكون بين قوسين هكذا () أرقام صفحات
__________
(1) وهو التقدمة والمجلد الأول والثاني والقسم الأول من المجلد الرابع. [المؤلف].
(25/136)

النسخ، وبعد كل رقم علامة نسخته، وبعد علامة النسخة المصرية من أثناء ص (351) من القسم الأول من المجلد الأول فما بعدها رقم المجلد منها، وما وُضِع من المتن بين حاجزين هكذا [] فهو زيادة في بعض النسخ، وفي آخر الزيادة رقم يشير إلى الحاشية التي تتعلّق به، واقتصرت في تلك الحواشي على قولي مثلًا "من م" أعني أنّها زيادة من المصرية. وربما أقول مثلًا "ليس في م"، أو "سقط من م" أعني أنها زيادة من النسخة الأخرى أو النسختين من التقدمة، وإذا علقت على بعض الكلمات نحو "م ... " فالواقع في المتن هو ما في النسخة الأخرى أو النسختين من التقْدِمة.
***
(25/137)

شُكر
وممّا يجدر ذكره هنا أنّه في هذا الدور الجديد لحيدراباد الدكن، وفي هذه الخمس السنوات الأخيرة انتشر صيت دائرة المعارف، وطابت سمعتها، وحصل لها القبول العام في الأوساط العالمية، شرقية وغربية؛ بما قامت به من الأعمال العلمية الخالصة في نشر الكتب الجليلة النادرة، وبذلك ازدادت الروابط الحسنة الأدبية والثقافية بين الشرق والغرب، وبين الهند والمعاهد العلمية في أوروبا، ونحن ممنونون جدًّا من جميع العلماء والأكابر الذين يشجعوننا باستحسان أعمالنا وتقديرها، ونرجو من العلماء والمستشرقين في أقطار العالم والمراكز العربية أن يتعاهدونا بملاحظاتهم القيمة وآرائهم السديدة فيما يساعد على توسيع أعمال الدائرة، والزيادة في إتقانها.

وإنّا لنتقدم بالشكر الجزيل لمن قامت الدائرة بأعمالها الجليلة في عهد رياسته، وشملها حسن عنايته، صاحب السمو والفخامة "هز إكَزالتد هائنس دي نظام النواب مير عثمان علي خان راج برمكه آف حيدراباد"، وكذلك نشكر لحكومة حيدراباد وأرباب الجامعة العثمانية، خصوصًا منهم صاحب المعالي رئيس الوزراء وأمير الجامعة بي رام كشن راو، فإنّه بإبقائه للدائرة إمدادها، سَهُل عليها القيام بأعمالها، ولولاه لتعسّر عليها الاستمرار في إجراء الأعمال العلمية ونشر الكتب العربية.
ومن الحقّ أن نهدي عنّا وعن أهل العلم الشكر الجميل لجناب النواب
(25/138)

الجليل علي ياورجنكَ معين أمير الجامعة ورئيس دائرة المعارف سابقًا، الذي بدأ العمل في تصحيح هذا الكتاب وطبعه في عهد رياسته للدائرة، ثم لخلفه الفاضل الجليل الدكتور السيد حسين معين أمير الجامعة ورئيس دائرة المعارف حالاً، ثم لجناب ناظم الدائرة الساعي في ترقية شؤونها، الدكتور الحاج محمَّد نظام الدين، وبفضل مساعيه حصلت النسخة المصرية ونسخة مراد ملا للتقدمة، وذلك في رحلته في العام الماضي للاشتراك في مؤتمر المستشرقين المنعقد في إستانبول، وبتلك الرحلة مَدّ رحلته إلى أوربا، وتجوَّل في أقطارها لزيارة أكابر العلماء والمستشرقين، ولمشاهدة المكاتب الشهيرة، وتحصيل النُّسَخ القلمية لكتب عديدة، وكذلك اغتنم وجوده في إستانبول فاطلَّعَ على مكاتبها، وحصَّل منها نسخًا عديدة من الكتب القلمية المهمة، وعطف على مكاتب مصر والشام والحجاز، وقد سعد بالحج والزيارة في تلك الرحلة، ولا ننسى ما للعالم الجليل والفاضل النبيل المستشرق الشهير معاون الدائرة، الدكتور إيف كرنكو من المساعي الجميلة في مساعدة الدائرة ومعاضدتها على توسيع أعمالها، وبذل جهده في استنساخ وتصحيح هذا الكتاب، وقد كان لفضيلة العلامة الكبير الأستاذ محمَّد زاهد الكوثري - مدّ الله في أيامه - فضلٌ كبير بتنبيهه على وجود نسخة التقدمة في مكتبة مراد ملا، وإرشاده إلى نسخ كثير من الكتب، هذا مع حسن عنايته بمطبوعات الدائرة، شكر الله سعيه، ووفّق الجميع للاستمرار على خدمة العلم ونشره، وأرجو أن يُتمّم بقية الكتاب على النحو الذي جرى عليه العمل من أوله. وأسأل الله تعالى أن لا تزال دائرة المعارف ينبوعًا متبجّسًا بأمثال هذه النفائس، لا ينضب ماؤه، ولا
(25/139)

يتكدّر صفاؤه، آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه.
23 شوال سنة 1371 ه
كتبه راجي عفو ربه:
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
(25/140)

(4)

مُقَدِّمَة
"تاريخ جُرجان"
لأبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني
(ت 428)
(25/141)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
إنّ ممّا امتازت به الأمة الإِسلامية: حفظ تاريخ قدمائها، وتراجم علمائها. والباعث الأول على ذلك هو حفظ علم الأنساب وتواريخ الأمم، والنصوص الدينية، وتيسير التمكّن من نقد الروايات، وتمييز الصحيح من غيره، ولهذا تجد غالب التواريخ إنّما هي في تراجم رواة العلم، والتآليف في ذلك كثيرة جدًّا؛ فقلّ عالم إلاّ وقد قيّد أسماء شيوخه وأحوالهم ووفياتهم، مع مَن تيسّر له مِن غيرهم، لكن لما كان المتأخر ينقل في تصنيفه كلام من تقدّمه، ويغلب أن يكون تصنيف المتأخر أكثر جمعًا وأحسن ترتيبًا؛ كانت عناية الناس تتجه غالبًا إلى حفظ مؤلفات المتأخرين، وقد قال أبو خراش الهذلي فيما يلاقي هذا:
على أنّها تعفو الكلوم وإنما ... نوكَّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
هذا مع ضياع ألوف مؤلفة من تلك المؤلفات بالنكبات العامة؛ كالجارف التتري بالشرق، والطغيان الصليبي بالغرب، والسُّبات العميق الذي وقعت فيه الأمة منذ قرون، والقناعة من العلم المديني بمختصرات المتأخرين في الفقه ونحوه، وإهمال كتب الفقهاء المتقدمين، فضلاً عن كتب السنة المطولة أو كتب الرجال.

* ابتداء التأليفات في التواريخ وكتب الرجال وأصنافها:
مِن أول مَن عُرفَ بالتأليف في تواريخ الرجال: الإِمام الليث بن سعد
(25/143)

الفَهْمي عالم مصر (94 - 175 ه)، له تاريخ ذكره ابن النديم ص (281)، ثم الإِمام عبد الله بن المبارك المروزي عالم خراسان (118 - 181 ه) له تاريخ ذكره ابن النديم ص (319)، والوليد بن مسلم الدمشقي عالم الشام (119 - 195 ه)، ففي ترجمته من "تذكرة الحفاظ" للذهبي (ج 1 ص 278) "صنّف التصانيف والتواريخ"، وذكر أنّ مصنفاته سبعون كتابًا. ثم كثر بعد ذلك التأليف جدًّا، وذلك على أصناف:
الأوّل: معاجم الشيوخ، وهي كثيرة جدًّا، وعظيمة الفائدة؛ لأنّ الرجل أعلم بشيوخه، ولا أعلم طبع منها شيء إلى الآن (1).
الصنف الثاني: التواريخ الجامعة ك "طبقات ابن سعد" (2)، وتواريخ البخاري (3)، و"كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4)، و"تاريخ ابن أبي خيثمة" (5).
الصنف الثالث: ما يختصّ برواة بعض الكتب؛ ك "الجمع بين رجال
__________
(1) كلام الشيخ هذا قبل ستين عامًا، وقد طبع إلى وقتنا من هذه المعاجم عشرات الكتب، ولا يزال الكثير منها مخطوطًا.
(2) طبع في أوروبا وفيه نقص في مواضع. [م]. أقول: طبعت تتماته في رسائل علمية.
(3) طبع الصغير في حيدراباد الدكن، والكبير في دائرة المعارف. بحيدراباد أيضًا. ومن الأوسط نسخة في مكتبة الجامعة العثمانية بحيدراباد أيضًا. [م]. أقول: ما طبع باسم الصغير هو التاريخ الأوسط، انظر في بحث المسألة مقدمة تحقيق "التاريخ الأوسط": (1/ 54 - 78) ط الرشد.
(4) طبع بدائرة المعارف أيضًا. [م].
(5) منه نسخة بجامع القرويين بفاس. [م]. أقول: طبع الموجود منه عدة طبعات.
(25/144)

الصحيحين" (1)، و"تعجيل المنفعة" (2)، و"تهذيب الكمال" للمزي، و"تهذيبه" لابن حجر (3).
الصنف الرابع: ما يختصّ بالثقات ك "ثقات العجلي" (4)، و"ثقات ابن حبان" (5)، و"ثقات ابن شاهين" (6).
الصنف الخامس: ما يختصّ بالضعفاء, ك "كتاب الضعفاء" للعُقيلي (7)، و"الكامل" لابن عدي (8)، و"الميزان" للذهبي (9)، و"لسان الميزان" لابن حجر (10).
الصنف السادس: ما يختصّ ببعض البلدان، وهذا الصنف كثير جدًّا، قل بلدة من البلدان الإِسلامية إلاّ ولها تاريخ على الأقلّ، وكثير منها لها عدة
__________
(1) طبع بدائرة المعارف. [م].
(2) طبع بدائرة المعارف. [م].
(3) طبع بدائرة المعارف أيضًا. [م]. أقول: وكتاب المزي طبع في مؤسسة الرسالة في 37 مجلدًا.
(4) منه جزء في المكتبة الآصفية بحيدراباد. [م]. وطبع كاملاً عدة طبعات.
(5) منها نسخة في المكتبة الآصفية أيضًا وأخرى جيدة ينقصها الربع الأول في المكتبة السعيدية بحيدراباد أيضًا. [م]. ثم طبع كاملاً في دائرة المعارف.
(6) طبع في بيروت ناقصًا، ثم طبعت تتمته والاستدراك عليه.
(7) منه نسخة بالمكتبة الآصفية أيضًا. [م]. طبع كاملاً عدة مرات.
(8) طبع في بيروت في سبعة مجلدات.
(9) طبع بمصر والهند. [م].
(10) طبع في دائرة المعارف. [م]. ثم طبع طبعة متقنة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في عشرة مجلدات عن دار البشائر الإِسلامية.
(25/145)

تواريخ، وهذا الصنف عظيم الفائدة، غزير المادة؛ لأنّ صاحبه يحاول الاستيعاب، فيوجد في ذلك من التراجم والمواد ما لا يكون له في التواريخ العامة عين ولا أثر، والمحقّقون في هذا العصر وما قبله يرجحونه على التواريخ العامة؛ لأنّ مؤلف تاريخ البلد يغلب أن يكون من أهله فهو أدرى بأحوال أهله من غيرهم، وكثير منهم هم شيوخه وأقرانه، جالسهم وسبر أحوالهم كما يجب، فإذا أخبر عنهم أخبر عن مشاهدة وخبرة وتحقيق، وبذلك يعظُم الوثوق بما يحكيه، ويؤمَن الغلط فيما يرويه.
ومع الأسف لم يُطبع من هذا الصنف إلا ما لا يُكاد يذكر بالنسبة إلى ما بقي، طُبع "تاريخ بغداد" للخطيب وبقيت ذيوله، فلكل من ابن السمعاني وابن النجار ذيل عليه، ولكل من ابن الدّبيثي (1) والعماد ابن حامد ذيل على ذيل السمعاني، ولكلّ من التقي ابن رافع وأبي بكر المارستاني ذيل على ذيل ابن النجار وهلمّ جرّا. وطبعت أجزاء مقتضبة من "تاريخ دمشق" لابن عساكر أضاع المختصر أكثر المهمات العلمية من الكتاب، فأين "ذيول تاريخ بغداد"، وأين "تاريخ دمشق" (2)، وأين تواريخ حلب (3)، وأين تواريخ البصرة والكوفة مهد العلم والعلماء في القرون الأولى، وأين تواريخ بلدان خراسان وما وراء النهر، وغيرها مثل مرو ونيسابور وهراة والري وهَمَذان وبخارى وأصبهان (4)
__________
(1) طبع ذيل ابن النجار وابن الدبيثي.
(2) طبع تاريخ دمشق لابن عساكر عدة طبعات، وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم، على نقص فيهما. وبعض تواريخ البلدان الأخرى.
(3) الحاشية السابقة.
(4) في المكتبة الآصفية بحيدراباد نسخة من "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" للحافظ أبي محمَّد عبد الله بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الأصفهاني، =
(25/146)

وغيرها. وقد ذكر المستشرق بروكلمان في كتابه "آداب اللغة العربية" المجلد الأول، الطبعة الثانية، ص (400 - 417) طائفةً من هذا القسم، تحت عنوان "التواريخ المحلية". ويسرّنا أن نزفّ إلى أهل العلم واحدًا من هذه التواريخ الجليلة وهو "تاريخ جُرجان".

* جُرجان وكثرة علمائها:
جُرجان (1) بلدة تاريخية، من أعمال مازندران في بلاد العجم، لها شأن كبير في التاريخ، ولا سيما التاريخ العلمي الإِسلامي، نبغ منها طوائف من أهل العلم، ففي الحديث أمثال أبي نعيم عبد الملك بن محمَّد بن عدي (2)، والإمام أبي أحمد عبد الله بن عدي (3)، والإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (4)، وفي فقه الحديث مثل أبي سعيد إسماعيل بن سعيد الشالنجي الكسائي (5) مؤلف كتاب "البيان"، وفي فقه الحنفية مثل الإِمام
__________
= ونسخة قلمية من تاريخ أصبهان أو ذكر أخبار أصفهان للحافظ أبي نعيم الأصبهاني (وقد طبع في مجلدين في سنة 1931 - 1934 م - في ليدن). [م]. أقول: طبع كتاب أبي الشيخ "طبقات علماء أصبهان" في أربعة مجلدات عن مؤسسة الرسالة.
(1) راجع جغرافية الخلافة المشرقية. ص 376 - 381 [م].
(2) له ترجمة في تاريخ جرجان رقم (466) وتاريخ بغداد (10/ 428) وتذكرة الحفاظ (3/ 35). [م].
(3) له ترجمة في تاريخ جرجان رقم (443) وتذكرة الحفاظ (3/ 143) ومعجم البلدان
(جرجان). [م].
(4) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (98) وتذكرة الحفاظ (3/ 149) والمنتظم (1087) وغيرها. [م].
(5) له ترجمة في تاريخ جرجان رقم (159) وكتاب ابن أبي حاتم، وأنساب =
(25/147)

كميل بن جعفر (1)، وفي فقه الشافعية مثل إبراهيم بن هانئ (2)، والإمام أبي سعيد إسماعيل بن أحمد الإسماعيلي (3)، وفي الأدب أمثال أبي القاسم يوسف بن عبد الله الزجَّاجي، صاحب المؤلفات في اللغة (4)، والقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز (5)، مؤلف كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، والإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن (6)، مؤلف كتاب "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" وهو أبو عِلْمي المعاني والبيان، وفي الزهد أمثال كرز بن وبرة الحارثي (7)، وإسحاق بن حنيفة (8).
وقد أفل نجم جُرجان منذ زمان، فبقيت بُلَيدة لا أهمية لها.
...
__________
= ابن السمعاني الورقة (326/ ب). [م].
(1) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (619) والجواهر المضيئة (1/ 415). [م].
(2) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (139). [م].
(3) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (170) وتاريخ بغداد (6/ 309). [م]
(4) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (1010) ومعجم الأدباء (20/ 61) وبغية الوعاة (ص 422). [م].
(5) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (560) وتاريخ ابن خلكان (1/ 408) ومعجم الأدباء (14/ 14 - 35). [م].
(6) ترجمته في نزهة الألباء (134) وفوات الوفيات (1/ 297) وبغية الوعاة (ص 310). [م].
(7) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (618) وصفة الصفوة (3/ 67). [م].
(8) ترجمته في تاريخ جرجان رقم (178). [م].
(25/148)

ترجمة المؤلف
له ترجمة في "الأنساب" لابن السمعاني (ورقة 319/ أَلِف)، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" (4/ 453)، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي، تحت "جُرجان"، و"تذكرة الحفاظ" للذهبي (3/ 272)، و"شذات الذهب" (3/ 231).
ورعايةً لحقّ النسخة أقدّم هنا ترجمة مختصرة مفيدة، ثبتت على حاشية لوح الأصل بقلم الإِمام تاج الدين ابن مكتوم (1)، المتوفي سنة 749 ه، قال: "هو أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن هشام بن العاص بن وائل القرشي السَّهْمي الجُرجاني الحافظ، صاحب المسائل المدونة والتصانيف الجليلة، طاف البلاد ولقي الحفاظ، وسمع من جماعة كأبي زُرعة محمَّد بن يوسف الجُرجاني، وأبي الحسن الدارقطني، ومحمد بن المظفر، ومحمد بن أحمد بن حماد، ومحمد بن إبراهيم بن المقري، وعبد الوهاب الكلابي وغيرهم. روى عنه أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وإسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، وأبو بكر البيهقي، وأبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن وغيرهم. وتوفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين رحمه الله. قال: هذا وكتبه أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمَّد القيسي الدمشقي الحنفي".
__________
(1) ترجمته في الدرر الكامنة (1/ 175) والجواهر المضيئة (1/ 75)، وبغية الوعاة (ص/ 140) وذكر ابن حجر أنه كان من عادة ابن مكتوم أنه يتحرى أن يكتب على كل كتاب ترجمة مصنفه. فهذا من ذاك. [م].
(25/149)

أقول: كذا وقع في سياق النسب: " ... محمَّد بن أحمد" بتقديم "محمَّد" على "أحمد" ووقع مثله في "تاريخ جُرجان" في ترجمة أحمد ابن موسى رقم (61) وهو عمّ والد المؤلف، ومثله في "تذكرة الحفاظ" (3/ 272).
لكن في ترجمة يوسف والد حمزة من "التاريخ" رقم (1000) وترجمة إبراهيم بن موسى جد حمزة رقم (146): " .... أحمد بن محمد" بتقديم "أحمد"، ووقع في أنساب ابن السمعاني الورقة (319) تارة هكذا، وتارة هكذا، على تخليطٍ في النسخة، وذكر ياقوت في "معجم البلدان" (جُرجان) ترجمة لحمزة، وأشار إلى الخلاف وعبارته غير واضحة، كأنّه وقع في النسخة تخليط، والله أعلم.
ذكر حمزة في "التاريخ" ترجمةً لأبيه وجده الأدنى وعم أبيه كما مرّ، وكذا لجماعة من أعمامه وإخوته، ولم يذكر من فوق جده الأدنى إبراهيم، ولا وقفت على ترجمة أحد منهم إلى عبد الله. فأمّا هشام بن العاص فمن فضلاء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أخو عمرو بن العاص الصحابي الأمير المشهور، وهشام أصغر سنًّا وأقدم إسلامًا، أسلم بمكة قديمًا وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة عقب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحبسه أبوه وقومه، فبقي بمكة حتى لحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الخندق، فشهد بقية المشاهد، ثم كان فيمن غزا الشام والعراق، واستشهد في خلافة أبي بكر، يقال: بأجنادين، ويقال: باليرموك، هكذا يُعلم من "الاستيعاب"، ولا أدري من أوّل من سكن جُرجان من أجداد حمزة، لكن الظاهر أنّ جد أبيه موسى بن إبراهيم كان بها، فإنّ ابنيه إبراهيم بن موسى وأحمد بن موسى نشآ فيها.
(25/150)

لم أجد نصًّا على تاريخ مولد حمزة، لكن قال الذهبي في "التذكرة": "أوّل سماعه بجُرجان كان في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة من أبي بكر محمَّد بن أحمد بن إسماعيل الصرام" (1). وفي "تاريخ جُرجان" عدة أحاديث يرويها حمزة عن أبي بكر الصرامي هذا، ويذكر أنّه سمعها منه سنة 354 إملاءً في جامع جُرجان، من ذلك في رقم (484)، وفي رقم (618) ص 311، وفي رقم (784). فدلّت روايته عنه أنّه ضبط ما سمعه، فعُلِم من ذلك أنّ حمزة وقت السماع أي سنة 354 كان بحيث يحضر مجالس العلم ويفهم ويضبط ما يسمع. وبالنظر إلى أنّ أباه وجده وأقاربه كانوا محدثين، يظهر أنّهم بكَّروا به في السماع، وهم من أهل جُرجان بلدة الصرام، وقد ذكر حمزة نفسه في "التاريخ" في الترجمة رقم (18) عن شيخه الإِمام أبي بكر الإسماعيلي أنّه كتب بخطه إملاءً وهو ابن ست سنين، وذكر في ترجمة أبي معمر المفضل بن إسماعيل رقم (927): "سمعت أبا بكر الإسماعيلي رحمة الله عليه يقول: ابني هذا أبو معمر له سبع سنين، يحفظ القرآن، ويعلم الفرائض، وأصاب في مسألة أخطأ فيها بعضُ قضاتنا"، فنستطيع أن نقول على طريق التخمين: إنّ حمزة كان عند أول سماعه - أي سنة 354 - ابن تسع أو عشر سنين تقريبًا، فيكون مولده حوالي سنة 345.
وأمّا منشؤه فجُرجان مقرّ آبائه، وتولّى بها الخطابة والوعظ.
وأمّا وفاته ففي "تهذيب تاريخ دمشق": "توفي بنيسابور في السنة التي توفي فيها الثعلبي صاحب التفسير، وهي سنة سبع وعشرين وأربعمائة".
__________
(1) في "التذكرة": "الصوام" خطأ، ويقال له "الصرامي" أيضًا. [م].
(25/151)

وقال ياقوت: "قال أبو عبد الله الحسين بن محمَّد الكتبي الهروي الحاكم سنة 427: ورد الخبر بوفاة الثعلبي صاحب التفسير، وحمزة بن يوسف السهمي بنيسابور". وقال الذهبي: "توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وبعضهم أرَّخه سنة ثمان". وكذا ذكر ابن مكتوم كما سبق، وذكره صاحب "الشذرات" في وفيات سنة 427. فقد يرجح بوقائع مثبتة مذكورة أنّ وفاته كانت سنة 427.
وذكروا كما رأيت أنّه توفي بنيسابور، ولا أدري أذهب إليها لحاجة أم تحوَّل إليها آخر عمره، وفي أخبار سنة 426 من "تاريخ ابن الأثير" أنّ دارا بن منوجهر بن قابوس بن وشمكير أمير جرجان عصى على السلطان مسعود بن محمود، فسار مسعود إلى جُرجان واستولى عليها، فعسى أن يكون لهذه الواقعة دَخْل في خروج حمزة عن جُرجان إلى نيسابور، والله أعلم.

* طلبه العلم، رحلته، شيوخه، الرواة عنه:
سلف أنّ أول سماعه الحديث كان سنة 354، وكانت جُرجان في ذلك العصر عامرة بكبار الحفاظ، كابن عدي والإسماعيلي والغطريفي وغيرهم، فاغتنم حمزة ذلك، ثم كان أول رحلته كما في "التذكرة" سنة 368، فدخل أصبهان والري ونيسابور وغزنة وغيرها من بلاد خراسان والأهواز وما والاها، ودخل العراق والشام ومصر والحجاز فسمع بمكة والبصرة والكوفة وبغداد وعُكْبرا والرَّقة ودمشق وعسقلان وتِنّيس وغيرها.
(25/152)

وشيوخه كثير جدًّا، صنّف في تراجمهم كتابًا خاصًّا هو معجمه - الآتي عند ذكر مؤلفاته - فنقتصر هنا على نفر من أكابرهم:
1 - المحدث الثقة الثبت المعمّر أبو محمَّد، عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي البغدادي (274 - 369).
2 - الحافظ الكبير أبو أحمد، عبد الله بن عدي الجُرجاني، مؤلف "الكامل" وغيره (277 - 365).
3 - الحافظ الإِمام أبو بكر، أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي مؤلف "الجامع الصحيح المستخرج" وغيره (277 - 371).
4 - الحافظ محمَّد بن إبراهيم بن علي بن المقري الأصبهاني، مؤلف "المعجم الكبير" وغيره (285 - 381).
5 - الحافظ أبو حفص عمر بن محمَّد بن علي بن الزيات البغدادي (286 - 375).
6 - الحافظ أبو الحسين، محمَّد بن المظفر البغدادي (286 - 379).
7 - الحافظ أبو بكر، أحمد بن عبدان الشيرازي (293 - 388).
8 - الحافظ الإِمام أبو الحسن، علي بن عمر الدارقطني، مؤلف "السنن" و"العلل" وغيرها (306 - 385).
9 - الحافظ الوزير أبو الفضل، جعفر بن الوزير الكبير، أبي الفتح الفضل بن حنزابة مؤلف "المسند" (308 - 391).
10 - أبو زُرعة، أحمد بن الحسين الرازي (310 - 375).
(25/153)

وأمّا الرواة عنه فلم أظفر إلاّ بقليل منهم وهم هؤلاء (1):
1 - الإِمام أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن القُشيري، مؤلف "الرسالة" الشهيرة في التصوف (375 - 465).
2 - الحافظ أبو بكر، أحمد بن الحسين البيهقي، مؤلف "السنن الكبرى" وغيره (384 - 458).
3 - الحافظ أبو صالح، أحمد بن عبد الملك النيسابوري المؤذن (388 - 470).
4 - الحافظ أبو الحسن، علي بن محمَّد بن عبد الله بن الحسن بن زكريا الزَبَحي الجُرجاني. (- 468).
5 - المحدث الثبت أبو القاسم، إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي راوي "التاريخ" عن حمزة (407 - 477).
6 - المحدث المتقن، أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الشيرازي (- 487).
7 - المحدث أبو هاشم، محمَّد بن الحسين الخفافي الجُرجاني، (بعد 470).
8 - المحدث الأديب أبو عامر، الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني.
__________
(1) الستة الأولون ذكرهم الذهبي في تذكرة الحفاظ، وكذا التاسع وأشار إلى العاشر، وأما السابع فعثرت عليه في الأنساب الورقة 205 الوجه الأول، وأما الثامن فذكره ياقوت في معجم البلدان وله عنده ترجمة في معجم الأدباء (16/ 192 - 204)، والعاشر يروي الخطيب عنه عن حمزة مسائل الدارقطني - راجع تاريخ بغداد (1/ 254) سطر 18 وغيرها. [م].
(25/154)

9 - المحدث أبو القاسم، إبراهيم بن عثمان الخلالي الجُرجاني.
10 - المحدث علي بن محمَّد بن نصر الدينوري، أحد شيوخ الخطيب البغدادي.

* مكانته في العلم، وتثبته، وثناء الأئمة عليه:
كان حمزة واسع العلم كثير الرواية، وحسبك أنّه لازم الإِمام أبا أحمد بن عدي، والإمام أبا بكر الإسماعيلي، وسمع منهما مصنفاتهما، وسمع من الشيوخ الذين تقدموا وأضعافهم، وله أسئلة في الجرح والتعديل سأل عنها الدارقطني، وأخرى سأل عنها أحمد بن عبدان، وأخرى سأل عنها أبا زُرعة أحمد بن الحسين الرازي، وأخرى سأل عنها الحافظ أبا محمَّد الحسن بن علي بن غلام الزهري.
ومن تأمّل هذا "التاريخ" علم سعة علمه وتثبته، قال في الترجمة رقم (60): "كتب إليّ أبو عمر عبد الله بن محمَّد بن عبد الوهاب المقري الأصبهاني مشافهة، وأكبر علمي أنّي سمعت منه هذا الحديث ... "، فمن كمال ديانته وتحريه وتثبته وتوقيه لم يجزم بسماع هذا الحديث مع غلبة ظنه بأنّه سمعه. وقال في الترجمة رقم (165): "قرأت بخط أبي بكر الإسماعيلي من كتابه العتيق في سنة إحدى وتسعين ومائتين ... "، فبيّن أنه لم يسمع هذا من شيخه الإسماعيلي، وأنّه إنّما قرأه في أصل الإسماعيلي الذي كُتِب في التاريخ المذكور. وقال في الترجمة رقم (191): "أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ ... أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثرتهم"، في كتابي بخطي: "عثراتهم"، ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه "عقوبتهم". وقال في ترجمة عمه أسهم رقم (203): "وقد سمعت منه إلا
(25/155)

أني لم أجد شيئًا من مسموعاتي عنه لكني رويتُ عنه على سبيل الوجادة والإجازة" ثم تجده يروي عن عمه أسهم فيقول: "قرأت في كتاب عمي أسهم" "وجدت بخط عمي أسهم". وقال في الترجمة (رقم 225): "في كتابي عن عبد الله بن عدي وأنا شاك في سماعه ... ". وقال في الترجمة (رقم 292): "أخبرني أبي، سماع أو إجازة ... ".
وله من أمثال هذا كثير مما يدل على شدة تحريه وتوقيه. وقلّما يتكلم في الرواة وإنما ينقل كلام أئمة شيوخه كابن عدي والإسماعيلي وأبي زُرعة محمَّد بن يوسف الكشي؛ كان هو يسألهم عن الرجال فيحكي كلامهم، فإن تكلَّم من عنده فبغاية الورع.
أما الثناء عليه؛ فقال السمعاني: "أحد الحفاظ المكثرين". وقال الذهبي: "الحافظ الإِمام الثبت". وفي "الشذرات": "الثقة الحافظ ... وكان من أئمة الحديث حفظًا ومعرفة وإتقانًا" وعده السخاوي في "فتح المغيث" (ص 480) من أئمة الجرح والتعديل.

* مؤلفاته:
تقدم قول الإِمام تاج الدين ابن مكتوم: "صاحب المسائل المدونة والتصانيف الجليلة". وقال الذهبي: "صنّف التصانيف وجَرَّح وعدّل وصحّح وعلّل"، ولم يعددوا مصنفاته، والمعروف منها:
أوّلًا: تاريخ جُرجان، وهو هذا الكتاب.
وثانيًا: معجم شيوخه، له ذكر في "اللآلئ المصنوعة" (2/ 44).
وثالثًا: كتاب الأربعين في فضائل العباس عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره صاحب "كشف الظنون".
(25/156)

ورابعًا: سؤالاته للدارقطني في الجرح والتعديل (1)، وهو مشهور، يروي الخطيب في "تاريخ بغداد" كثيرًا من ذلك عن عليّ بن محمَّد بن نصر الدينوري عن حمزة، وفي "التهذيب" و"الميزان" وغيرهما كثير منه يقولون: "وقال حمزة السهمي عن الدارقطني ... "، انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 215)، و"لسان الميزان" (1/ 238).
وله أسئلة أيضًا لجماعة من شيوخه، منهم الحافظ أحمد بن عبدان، قال الذهبي في ترجمته من "التذكرة" (3/ 186): "سأله حمزة عن أحوال الرجال". ومنهم الحافظ أبو محمَّد الحسن بن علي بن غلام الزهري، وفي ترجمته من "التذكرة" (3/ 211): "سأله الحافظ حمزة السهمي عن الرجال والجرح والتعديل". ومنهم الحافظ أبو زُرعة أحمد بن الحسين الرازي، وفي ترجمته من "التذكرة" (3/ 194): سأله حمزة السهمي عن أحوال الرواة، ولا أدري أفرد حمزة هذه السؤالات أم جمعها، والله أعلم.
...
__________
(1) طبع في مجلد واحد في مكتبة المعارف بالرياض.
(25/157)

تاريخ جُرجان وترتيبه، ورواته، والنقل عنه
اشتهر هذا الكتاب بهذا الاسم، والذي على لوح الكتاب وتكرّر في صدور الأجزاء: "كتاب معرفة علماء أهل جُرجان .... ". ذكر ابن السمعاني هذا الكتاب في "الأنساب" "الجُرجاني" قال: "هذه النسبة إلى بلدة جُرجان، وهي بلدة حَسَنة فتحها يزيد بن المهلّب أيام سليمان بن عبد الملك، خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا ... وقد جمع تاريخَها أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي الحافظ في مُجَلَّدة، وذكر فيها عالَمًا منهم"، وذكره ياقوت في "معجم البلدان" (جُرجان).
وفي "كشف الظنون" "تاريخ جُرجان لعلي بن محمَّد الجُرجاني المعروف بالإدريسي، وللحافظ أبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي"، وقال قبل ذلك: "تاريخ إستراباذ لأبي سعيد الإدريسي، ولحمزة السهمي". كذا وقع فيه، والمعروف إنّما هو تاريخ إستراباذ لأبي سعد عبد الرحمن بن محمَّد بن الإستراباذي المعروف بالإدريسي، ذكره ابن السمعاني في "الإستراباذي" وذكره ياقوت وغيره.
وأمّا تاريخ حمزة فإنّه ضم فيه إلى جُرجان وهي البلدة كُوَرَها ومنها إستراباذ. وقال (204/ ب): "بنيتُ كتابي على علماء جُرجان وكُوَر جُرجان، فدخل فيه إستراباذ وآبسكون وما بينهما من القرى، ودهستان ورباط دهستان؛ لأن الجميع يُنْسَب إلى كور جُرجان".
أمّا الترتيب فقسّم حمزة كتابه إلى أربعة عشر جزءًا على عادة المتقدِّمين كل جزء منها في بضع وثلاثين صفحة من المطبوع، وافتتح الكتاب بعد
(25/158)

الخطبة بأبواب تتعلق بجُرجان، فذكر فيها فتح جُرجان، ومن دخلها من الصحابة ومن التابعين، ونَسَب يزيد بن المهلّب فاتح جُرجان، وأولاده، وما أسند يزيد من الحديث، ومكارمه، ثم عمّال بني أمية، وتسمية خطط المساجد في عهدهم، ثم من دخل جُرجان من الخلفاء العباسية، ثم عمالها في دولتهم، استغرقت هذه الأبواب بضع عشرة صفحة.
ثم شرع في التراجم مرتبة على حروف المعجم بحسب أول حرف من الاسم فقط، بدأ بأحمد ثم إبراهيم ثم إسماعيل ثم إسحاق وهكذا، وبعد فراغ الحروف ذكر تراجم من لم يُعْرف إلا بكنيته، ثم تراجم النساء، ثم ذكر فصلاً في النِّسَب التي تشتبه بكلمة "الجُرجاني" وشرحها، ثم استدرك عدة تراجم من تاريخ إستراباذ للإدريسي، منها ما كان فاته، ومنها ما كرره لزيادة فائدة، ذَكَر ذلك مرتبًا على الحروف أيضًا، ثم زاد في الأخير عدة تراجم.
أمّا رواية الكتاب عن المؤلف؛ فالمعروف رواية تلميذه أبي القاسم إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي المتوفى سنة 477 (1)، وهو مذكور في سند هذه النسخة، كما في لوح الكتاب وصدور الأجزاء، وله بعض تنبيهات تراها في المطبوع، الأولى تتعلّق بترجمة جده (45/ ألف)، والثانية بترجمة أبيه مسعدة (185/ ب)، والثالثة بترجمة عمة أبيه سكينة (203/ ألف).
سمع التاريخ من إسماعيل هذا جماعة، منهم الأمير أبو نصر بن ماكولا، ذكر ذلك في مواضع من "الإكمال" سيأتي بعضها بعد هذا.
__________
(1) له ترجمة في "الأنساب" الورقة 36، و"المنتظم" (9/ 10)، و"طبقات الشافعية" (3/ 129)، "والشذرات": (3/ 354). [م].
(25/159)

ومنهم الحافظ المؤتَمَن بن أحمد الساجي المتوفى سنة 507، وفي آخر الكتاب (221/ ألف)، نقل عبارته بسماعه، وزاد في روايته عدة تراجم، تراها في آخر الكتاب (120/ ألف)، وزاد من عنده ترجمة هي الترجمة رقم (475).
ومنهم الحافظ أبو بكر محمَّد بن أحمد بن الخاضبة، المتوفى سنة 489، ثبت ذلك في عبارة المؤتَمَن في آخر الكتاب.
ومنهم أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث السمرقندي، المتوفى سنة 536 (1)، وهو المذكور في سند النسخة، كما تراه في لوح الكتاب وصدور الأجزاء، وكذلك ثبت في عبارة المؤتَمَن المنقولة آخر الكتاب.
روى هذا الكتاب عن ابن السمرقندي جماعة، منهم أبو الفرج بن الجوزي، كما يُعلَم من ترجمة أبي بكر الإسماعيلي في "المنتظم"، وسيأتي نقل ذلك.
ولعلّ منهم أبا سعد ابن السمعاني، فإنّه من الرواة عن ابن السمرقندي، وقد ذكر في "الأنساب" الورقة (36/ ب) إسماعيل بن مسعدة، وقال: "روى لي عنه جماعة كثيرة".
ومنهم أبو الفضل مسعود بن علي بن عبيد الله ابن النادر، وهو الواقع في سند النسخة، وهو من علماء القرن السادس، له ترجمة في "مرآة الزمان"
__________
(1) له ترجمة في تهذيب تاريخ دمشق (3 - 10) والمنتظم (10/ 98) وذيل تذكرة الحفاظ ص 72 والشذرات (9/ 112) وفي نسبه في التراجم "ابن أبي الأشعث" ووقع في سند تاريخ جرجان "ابن الأشعث" في مواضع. [م].
(25/160)

لسِبْط ابن الجوزي. في وفيات سنة 586 وذكر أنه ولد سنة 515، وقد وصفه الحافظ عبد القادر الرُّهاوي، كما تراه في (48/ ألف) من "تاريخ جُرجان" المطبوع وغيرها بقوله: "الشيخ الأجل العدل فخر الإِسلام". ووصفه الحافظ عبد الغني المقدسي، كما تراه في أثناء السند (85/ ألف) من المطبوع بقوله: "الشيخ الإِمام العدل فخر الإِسلام". وقال السبط في "المرآة": "كان ثقة".
روى هذا الكتاب عن ابن النادر جماعة منهم الحافظ عبد القادر ابن عبد الله الرُّهاوي المتوفى سنة 612، وقد نقل في النسخة سماعه في مواضع منها في المطبوع (48/ ألف) و (64/ ب) و (100/ ب) و (117/ ألف).
ومنهم أبو القاسم تميم بن أحمد البندنيجي المتوفى سنة 597، ذكر الرُّهاوي سماعَه معه وذكر جماعةً آخرين.
ومنهم الحافظ الإِمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة 600 (1) وإسناد هذه النسخة من طريقه، كما تراه في لوح الكتاب وصدور الأجزاء، سمعه منه أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحمن التنيسي وجماعة معه، كما تراه في السماعات المقيدة في خواتيم الأجزاء، والتنّيسي هذا آخر الموجودين في سند النسخة، ولم أظفر له بترجمة (2)،
__________
(1) له ترجمة في تذكرة الحفاظ (4/ 160 - 168) والشذرات (4/ 345 - 346)، ومن مؤلفاته (الإكمال في أسماء الرجال) توجد نسخة منه في دار الكتب المصرية، وهو الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه (تهذيب الكمال)، منه نسخة ناقصة في المكتبة الآصفية بحيدراباد الدكن. [م].
(2) له ترجمة في "التكملة لوفيات النقلة": 2/ 50 - 51، و"تاريخ الإِسلام" و"وفيات" =
(25/161)

وقد وصفه الحافظ عبد الغني، كما تراه في (213/ ب) من المطبوع بقوله: "الشيخ الفقيه العالم"، ووصفه رفيقه في السماع علي بن عبد الغني الأَرتاحي، كما تراه في (84/ ب) من المطبوع بقوله: "الإِمام العالم" فليراجع سلسلة الرواة المدرجة في ص، لب.

* النقل عن تاريخ جُرجان:
أما النقل عن "تاريخ جُرجان" فكثير، فمِن أول مَن علمته نقل عنه الأمير أبو نصر ابن ماكولا المتوفى سنة 475 ه نقل عنه في مواضع من "الإكمال"؛ وهذه أمثلة من ذلك:
1 - الإكمال لابن ماكولا:
أ - باب بريد وتزيد:
في "الإكمال": " ... جُرجاني حدث بحديث منكر عن أحمد بن عبد الله النهرواني عن أبي منصور سليمان بن محمَّد بن الفضل عن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة عن أنس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنّ في الجنّة نهر زيت - قاله حمزة السهمي -".
في "تاريخ جرجان": رقم 357 "سالم بن بريد الرسعني، نزل جُرجان، وحدّث بحديث منكر، روى عن أحمد بن عبد الله النهرواني عن أبي منصور سليمان بن محمَّد بن الفضل البجلي، حدّثنا أحمد بن حفص، حدثنا أبي
__________
= ص 600/ 441. قال المنذري: "انقطع إلى الحافظ أبي محمَّد عبد الغني المقدسي .. فسمع منه ومعه الكثير .. وعاجلته المنية قبل أوان التحديث فلم يحدث إلا باليسير .. "، ذكره في وفيات سنة 600، وهي سنة وفاة الحافظ عبد الغني.
(25/162)

حدثنا إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة عن أنس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ في الجنّة نهر الزيت".
ب - باب الخندقي والخندفي:
في "الإكمال": " ... أبو محمَّد أحمد بن سعيد بن عمران المعروف بابن سعيدك الذرَّاع الخندقي الجُرجاني، روى عن أبي نعيم الإستراباذي وجماعة. ذكره حمزة".
في "تاريخ جرجان": رقم 81 "أبو محمَّد أحمد بن سعيد بن عمران المعروف بابن سعيدك الذرَّاع الخندقي الجُرجاني، روى عن أبي نعيم الإِستراباذي وجماعة".
في "الإكمال": "وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السمان الخندقي، جُرجاني توفي سلخ شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة، وروى عنه الإسماعيلي، ذكره حمزة".
في "تاريخ جرجان": رقم 156 "أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السمان الخندقي، توفي يوم الأحد سلخ شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة، روى عنه الإسماعيلي ... ".
ج - باب دُراج ودراج:
في "الإكمال": " ... وأمّا دُراج بالضم فهو علي بن محمَّد، المعروف بأبي دراج، روى عن أبي بكر محمَّد بن موسى الخطيب الجُرجاني، وكذلك ذكره لنا الإسماعيلي عن حمزة السهمي بالضم".
في "تاريخ جرجان": رقم 738 "أبو بكر محمَّد بن موسى الخطيب
(25/163)

الجرجاني، روى عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، روى عنه علي بن محمَّد المعروف بأبي دُراج".
د - باب القطراني والقطواني:
في "الإكمال": "أمّا القطراني بالراء، فهو أبو عبد الرحمن حمدان بن موسى بن الجُنيد القطراني الورّاق الجُرجاني، روى عن إبراهيم بن موسى العصّار بجُرجان، في سنة سبع وسبعين ومائتين، قاله لنا الإسماعيلي عن حمزة السهمي".
في "تاريخ جرجان": رقم 299 "أبو عبد الرحمن حمدان بن موسى بن الجنيد القطراني الوراق الجُرجاني، روى عن إبراهيم بن موسى العصار بجُرجان في سنة سبع وسبعين ومائتين".
2 - "الأنساب" للسمعاني المتوفى (562 ه):
في "الأنساب": (13/ ألف) "أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الآبندوني ... قال حمزة السهمي: سمعت أبا بكر الإسماعيلي حين بلغه نعيه ترحّم عليه وأثنى عليه خيرًا ... ".
في "تاريخ جرجان": رقم 444 "أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الآبندوني ... سمعت أبا بكر الإسماعيلي حين بلغه نعيه ترحّم عليه وأثنى عليه خيرًا ... ".
في "الأنساب": (142/ ب) "الجوزفلقي ... هذه النسبة إلى "جوزفلق" وهي قرية بقرب آبسكون، هكذا ذكره حمزة بن يوسف السهمي، ولا أحقق نقط هذه القرية ولا عجمها، منها أبو إسحاق إبراهيم بن الفرج الفقيه
(25/164)

الجوزفلقي، قال حمزة السهمي: هو كان قد رحل وكتب الكثير، وتخرج على يده جماعة من الفقهاء، وكان منزله في سكة القصاصين، وقريته بقرب آبسكون ... ".
في "تاريخ جرجان": رقم 143 "أبو إسحاق إبراهيم بن الفرج الفقيه الجوزفلقي ... كان قد رحل وكتب الكثير، وتخرج على يده جماعة من الفقهاء، وكان منزله في سكة القصاصين، وقريته بقرب آبسكون".
في "الأنساب": (593/ ب) "الهياني هذه صورته، ولا أدري كيف هي فإنّي قرأت في كتاب "تاريخ جُرجان" لحمزة بن يوسف السهمي: أبو بكر محمَّد بن بسام بن بكر بن عبد الله بن بسام الجُرجاني الهياني، سكن هيان ماتوان (؟) قرية من قرى جُرجان، روى "الموطأ" عن القعيني (؟)، وروى عن محمَّد بن كثير الحجمي (؟) وغيره، روى عنه أبو نعيم عبد الملك بن محمَّد بن عدي، وأبو يعقوب البحري ومكبل (؟) بن جعفر وغيرهم، وقال أبو نعيم: خرجنا أربعين نفسًا من إستراباذ إلى محمَّد بن بسام، فأقمنا عنده شهرين، وكانت مؤننا ومؤنة دواببا (؟) عليه، وتوفي في سنة 279" (1).
في "تاريخ جرجان": رقم 629 "أبو بكر محمَّد بن بسام بن بكر ابن عبد الله بن يسار، سكن هياباتوان (؟) قرية من قرى جُرجان، روى "الموطأ" عن القعيني (؟) وروى عن محمَّد بن كثير والحجبي وغيرهم. روى عنه أبو نعيم الإستراباذي وأبو يعقوب البحري وكميل بن جعفر وغيرهم، توفي سنة تسع وسبعين ومائتين، سمعت أبي وابن عدي يقول: سمعت أبا نعيم
__________
(1) في النسخة أغلاط كما ترى. [م].
(25/165)

عبد الملك بن محمَّد يقول: خرجنا أربعين نفسًا من إستراباذ إلى محمَّد بن بسام، فأقمنا عليه شهرين، وكانت مؤنتنا ومؤونة .... عليه" (1).
3 - المنتظم لابن الجوزي، المتوفى سنة (597 ه):
في "المنتظم": (7/ 108) "أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الإسماعيلي الجُرجاني، طلب الحديث وسافر، أخبرنا إسماعيل بن أحمد (2)، أخبرنا إسماعيل بن مسعدة، أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي قال: سمعت أبا بكر الإسماعيلي يقول: لما ورد نعي محمَّد بن أيوب الرازي، دخلت الدار وبكيت ... ".
في "تاريخ جرجان": رقم 98 "الشيخ الإِمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ... سمعت الشيخ أبا بكر الإسماعيلي يقول: لما ورد نعي محمَّد بن أيوب الرازي دخلت الدار وبكيت ... ".
4 - أمّا "تذكرة الحفاظ" للذهبي، المتوفى سنة 748 ه, فالنّقل فيها عن "تاريخ جُرجان" كثير، قابل ترجمة أبي زُرعة أحمد بن حميد في "التذكرة" (2/ 12) بترجمته في "تاريخ جُرجان" رقم 2، وترجمة أبي أحمد عبد الله، ابن عدي في "التذكرة" (3/ 143) بترجمته في "تاريخ جُرجان" رقم 443، وترجمة أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي في "التذكرة" (3/ 149) بترجمته في "تاريخ جُرجان" رقم 98.
5 - وهكذا في كثير من الكتب، قابل ترجمة أحمد بن إبراهيم بن نومرد
__________
(1) أصلحت الأغلاط في المطبوع 197/ ألف. [م].
(2) هو ابن السمرقندي الذي تقدم في سلسلة سند النسخة [م].
(25/166)

في "طبقات الشافعية" لابن السبكي، المتوفى سنة 771 ه (2/ 80) بترجمته في "تاريخ جُرجان" رقم 47 وقابل ترجمة عبد الله بن علي القومسي في "طبقات الشافعية" (2/ 230) بترجمته في تاريخ جُرجان رقم (456).
6 - وقابل "الجواهر المضيئة" لعبد القادر القرشي المتوفى سنة 775 (ج 1 رقم 297 و675 و698 و722 و970) بتاريخ جُرجان (رقم 194 و373 و387 و441 و537).
7 - وراجع "الإصابة" لابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه, ترجمة فارعة الجنية، وقابله بما في "تاريخ جُرجان" رقم 397.
ومن هذه المنقولات المتواترة يظهر علوّ مرتبة المؤلف في معرفة علم الرجال، وخصوصًا أسماء أهل جُرجان ونواحيها.

* من مزايا الكتاب:
منها: الأبواب التي في أوّله فيمن دخل جُرجان من الصحابة والتابعين، وأسماء ولاتها في الدولتين الأموية والعباسية، وبيان خطط مساجدها، ولا يوجد جميع ذلك في غيره.
ومنها: أنّ كثيرًا من التراجم التي فيه لا توجد إلاّ فيه، وممّن لم أجد ترجمته في غيره جماعة من الحفاظ منهم (رقم 15) أحمد بن آدم الجُرجاني غندر، قال حمزة: "صاحب حديث مكثر ثقة". و (رقم 162) إسماعيل بن زيد الجُرجاني قال حمزة: "صاحب حديث كَتّاب جوّال". و (رقم 186) إسحاق بن عيسى بن يونس وصفه أبو بكر الإسماعيلي
(25/167)

وحمزة بأنّه كان يحفظ. و (رقم 255) الحسن بن يحيى بن نصر قال حمزة: "له من التصانيف عدة، منها في نظم القرآن مجلدتان". و (رقم 350) سليمان بن داود بن أبي الغصن، قال حمزة: "صاحب حديث مكثر". و (رقم 394) عبد المؤمن بن عيسى بن يونس الحافظ. و (رقم 646) أبو زُرعة محمَّد بن عبد الوهاب بن هشام، قال الإسماعيلي: "كان فقيهًا حافظًا". و (رقم 708) أبو عبد الله محمَّد بن عميرة الجُرجاني الحافظ. و (رقم 819) أبو علي محمَّد بن الحسين بن علي المعروف بالحافظ.
ومن المترجمين فيه جماعةٌ من الفقهاء الحنفية والشافعية فاتوا أصحاب الطبقات.
ومنها: أنّه المصدر الأول لكثير من التراجم، كتراجم شيوخه أبي أحمد عبد الله بن عدي، وأبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، وأبي أحمد محمَّد بن أحمد الغطريفي وغيرهم.
ومنها: أنّ كثيرًا من التراجم التي توجد فيه وفي غيره تضمن زيادات فيها وفوائد، فمن ذلك (رقم 170) ترجمة الإِمام أبي سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، وله ترجمة في "تاريخ بغداد" (6/ 309) لكن في "تاريخ جُرجان" زيادات مهمة تُعرف بالمراجعة. ومن ذلك (رقم 297) "حاتم بن يونس الحافظ الجُرجاني يعرف بابن أبي الليث .... " ولهذا الرجل ترجمة في "تاريخ بغداد" (8/ 245) سماه "حاتم بن الليث بن الحارث بن عبد الرحمن"، ثم ذكر أنّ بعض الرواة يقول: "حاتم بن أبي الليث".
ومنها: أنّه قد يقع في النقل عن هذا الكتاب وهم أو إيهام، ففي
(25/168)

"الميزان" و"اللسان" (6/ 59): "معبد بن جمعة أو شافع، كذَّبه أبو زُرعة الكشي" والمفهوم من هذا أنّه كذبه في الرواية، وبذلك يسقط البتة، وترجمة معبد هذا في "تاريخ جُرجان" (رقم 951) وفيها: "سمعت أبا زُرعة محمَّد بن يوسف الجنيدي (الكشي) .. " فذكر عبارته وليس فيها تكذيب لمعبد في الرواية بل فيها: "وكان ثقة في الحديث".
ومنها: أنّ فيه عددًا من الأحاديث والآثار والحكايات الغريبة، وكأنّه حاول في ترجمة كرز بن وبرة (رقم 618)، وترجمة محمَّد بن جعفر الصادق (رقم 620) استيعاب ما رُوي عنهما من الأحاديث لعزَّة حديثهما.
ومن تلك الأحاديث والحكايات ما هو ضعيف جدًّا، وسكت المؤلف عن بعضها على ما جرت به عادة المتأخرين: أنّهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنّهم قد برئوا من عُهدته؛ مع أنّ المؤلف لم يسق ذلك في معرض الاستدلال، ووقفتُ أنا عند حدّ التصحيح، فلم أستجز مجاوزة ذلك إلى نقد الروايات، والله المستعان.

* وصف النسخة الأصل:
وممّا اختصّ به هذا الكتاب أنّ نسخته وحيدة، ولا توجد في العالم نسخة أخرى، وهذه النسخة محفوظة في مكتبة جامعة أكسفورد، المعروف ببودلين بإنجلترا، ورقم النسخة لاد 276، وعلى الورقة البياض، تصريح بالإِنجليزية يُعلَم منه أنّها كانت من مستملكات خزانة "وليم لاد" الأسقُف للكنيسة المشهورة كنتربري، ورئيس جامعة أكسفورد في سنة 1638 م، ويوجد بيان هذه النسخة في فهرست المخطوطات العربية لمكتبة البودلين في المجلد الأول ص (746)، وحصل للدائرة بتوسُّط المستشرق الكبير
(25/169)

والعالم النحرير البروفيسر كرنكو مُعِين دائرة المعارف العثمانية، صور منها بالعكس، وهي مشتملة على 224 ورقة، قطع سبعة في أربعة ونصف إنج، وفي كل صفحة واحد وعشرون سطرًا بخط نسخ جميل واضح.
وعلى لوح النسخة - أعني الورقة الأولى - اسم الكتاب وسنده إلى المؤلف وصورة السماع، وعلى حواشي اللوح بخطوط مختلفة ذكر جماعة ملكوا النسخة، أو طالعوا فيها، أو نقلوا واستفادوا منها، وأهم هذه الحواشي ترجمة للمؤلف بقلم الإِمام تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمَّد القيسي الدمشقي الحنفي، المتوفى سنة 749 قد أثبتناها في هذه المقدمة (ص 152) وذكر أيضًا أنّه ابتاع هذه النسخة.
وفي ختم الكتاب على ورقة (224/ ب) كتب الناسخ اسمه وتاريخ الاستنساخ هكذا: "وكتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه، محمَّد بن نصر الله بن علي الناسخ، وكان الفراغ منه في الخامس والعشرين من شهر صفر، سنة تسع وثمانين وستمائة" 689.
وأصل الكتاب مجزّأ إلى أربعة عشر جزءًا صغارًا على عادة القدماء، والتزم في هذه النسخة إعادة عنوان الكتاب والسند في أول كل جزء على لوح الجزء، ثم في أول الجزء متصلاً، وأثبتنا ذلك كله في المطبوع كما ستراه في (1 و2/ ألف)، وفي (17/ ب)، و18 (/ ألف)، وفي (33/ ب) و (34/ ألف)، وهكذا في ابتداء كل جزء إلى الأخير وهو الرابع عشر.
وإنّ ممّا يلفت النظر في هذه النسخة أن التسميعات كلها منقولة بخط الأصل، مع أنّها منسوبة إلى أناس مختلفين، مع التصريح بتاريخ السماع، وذلك متقدم على تاريخ كتابة النسخة، فمن ذلك (213/ ب) سماع كتبه
(25/170)

الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي (سنة 596)، وآخر في (166/ ب)، و (183/ ب) كتبه أبو الحسن علي ابن عبد الغني بن حسين الأرتاحي سنة 596، وسماعات أخرى كما في (33/ ألف) و (48/ ألف)، و (50/ ب)، و (68/ ب) و (221/ ب) كتبها عبد الرحمن بن حسين بن عبد الرحمن التنّيسي سنة 596، وبهذا يظهر أنّ هذه النسخة منقولة من أصل التنّيسي المقروء على الحافظ عبد الغني المقدسي، ونَقَل الناسخ - أي محمَّد بن نصر الله بن علي - كلّ ما كان في نسخة التنّيسي من أصل وسماعات وغيرها كما وجدها، وكان سماع التنّيسي ومن معه لهذا الكتاب على الحافظ عبد الغني في شهور سنة 596 كما في أكثر المواضع. ووقع في أول موضع على لوح الكتاب "سنة ست وستين وخمسمائة" وهو خطأ من الناسخ؛ لأن الحافظ عبد الغني المتوفى سنة 600 كان في سنة 566 لا يزال شابًّا دائبًا في الطلب، وإنّما نزل مصر في آخر عمره، والسماع كان بمصر في سنة 596 كما نص عليه في التسميع كما في (166/ ب)، فتحقَّقَ أنّ هذه النسخة فرعٌ من أصل التنيسي، وليست هي أصل التنيسي كما يتوهَّم من ظاهر كتابة الأسانيد والسماعات، بل إنها هي التي نسخها محمَّد بن نصر الله بن علي الناسخ في سنة 689 ه, أي بعد السماع الأخير بثلاث وتسعين سنة.
في أوائل هذه النسخة بياضات يسيرة، ولا بأس بها في النسخة (1)، ولم يقع فيها من الأغلاط إلا ما اشتبه على الناسخ أو وهم فيه، وترك بعض النقط كما هو دأب النساخ القديم، مع أنّه ليس بالكثير، ولا يخل بفهم المعنى
__________
(1) كذا.
(25/171)

ومعرفة الرجال، إلا بعض الأسماء والأنساب الغريبة والفارسية التي لا توجد في مأخذ آخر؛ لأنّ في هذا الكتاب نِسَبًا كثيرة إلى قرى وكُوَر ونواحي ومضافات جُرجان وإستراباذ غير معلومة ولا مشهورة، وسندرجها في الفهرست في آخر الكتاب على حِدَة لأجل الغرابة والندرة وتكميل الفائدة.
وفي آخر الكتاب زيادات لا علاقة لها بالكتاب البتة، وأهمها قطعة من كتاب لابن شاهين أراه كتاب "الرواة المختلف فيهم"، وقصيدة بسندها قوافيها "فاطلبني تجدني"، وقد أثبتنا ذلك في آخر الكتاب، تحت عنوان الزيادات (67/ ألف - 49 ب).
****
(25/172)

سلسلة الرواة لتاريخ جرجان
(1) المؤلف حمزة بن يوسف السهمي توفي سنة 427
(2) أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي توفي سنة 477
* الحافظ الأمير أبو نصر ابن ماكولا توفي سنة 475
* الحافظ المؤتمن بن أحمد الساجي توفي سنة 507
* الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد ابن خاضبة توفي سنة 489
* (3) أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ابن عمر السمرقندي توفي 536
* أبو الفرج بن الجوزي توفي سنة 597
* أبو سعد ابن السمعاني توفي سنة 562
* (4) أبو الفضل مسعود بن علي بن عبيد الله ابن النادر توفي سنة 586
* الحافظ عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي توفي سنة 612
* أبو القاسم بن أحمد البندنيجي توفي سنة 597
* (5) الحافظ الإمام عبد الغني بن عبد الواحد ابن سرور المقدسي توفي سنة 600
* علي بن عبد الغني بن حسين الأرتاحي
* (6) عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحمن التّنيسي (توفي سنة 600)
(25/173)

كيفية التصحيح
النسخة وحيدة ربما يُهْمَل فيها النقط، وفيها بياضات في مواضع، وتصحيف وتحريف غير قليل، وغالب رجال الكتاب والمذكورين فيه غير مذكورين في الكتب المتداولة، ك "التهذيب" و"الميزان"، وفيه أسماء وألقاب وأنساب غريبة، فمن هذه الجهات يتبين ما يلقاه المصحِّح من الصعوبات، أضف إلى ذلك ضيق الوقت والاستعجال للطبع، ومع هذا فقد بذلت الممكن في التصحيح، فما تبين صحته كما في الأصل أو لم أجد ما يدلّ على خطائه أبقيته كما هو، وما لم ينقط في الأصل وتبين لي صحة نقطه صححته، وما ارتبتُ فيه ولم أوفَّق لتصحيحه أشرتُ إلى الشك فيه بهذه العلامة (؟)، وما بان لي أنّه خطأ واتضح لي الصواب صححته في المتن، ونبهت في الحاشية على ما وقع في الأصل مع الإشارة إلى مستند التصحيح إن لم يكن واضحًا، وأرجو أن أكون قد أديت ما تيسَّر.
وكان القيام بهذا العمل العلمي المفيد في عهد رياسة ذي الشرف الأصيل والمجد الأثيل، النواب علي ياورجنكَ بهادر عميد الجامعة العثمانية، ورئيس الدائرة أدام الله مجده وأتمّ سعده. وضمن إدارة المحقق المفضال الدكتور محمَّد نظام الدين ناظم الدائرة الساهر فيما يرفع شأنها، ويوطد بنيانها، وكان تصحيح الكتاب، وترتيب هذه المقدمة تحت إشرافه ورهن هدايته، ومهما كان في ذلك من إجادة فمن ثمرات إشارته ونتائج إفادته.
حُرّر في أوائل شهر محرم الحرام سنة 1370 من الهجرة النبوية
عبد الرحمن بن يحيى اليماني
المصحح بدائرة المعارف العثمانية بحيدراباد دكن
(25/174)

(5)

مُقَدِّمَة
"مُوَضِّح أوهام الجَمْع والتفريق"
للخطيب البغدادي (ت 463)
(25/175)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
أمّا بعد، فمن الواضح أنّ معظم العلوم الإِسلامية مدارها على النقل، وأنّ النّقل لما عدا نصّ كتاب الله تعالى من شأنه أن يختلط صحيحه بسقيمه، فأصبح مفتقرًا إلى النقد، وعماد النقد النظر في أحوال الناقلين.
وقد اعتنى علماء سلفنا بنقل تلك العلوم من قراءات وتفسير وحديث وآثار وفقه، وكذا التاريخ واللغة والأدب بأسانيد متصلة يحدِّث بها اللَّاحق عن السابق إلى أن تمّ تقييدها في المصنفات. وإلى جانب ذلك عُنوا بالبحث عن أحوال الرواة وبيانها للناس لتُنْقل ثم تُقيد كغيرها.
وأوّل مصنف جامع لأسماء الرواة - إلاَّ ما شذّ - هو "التاريخ الكبير" للإمام أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، احتوى على بضعة عشر ألف ترجمة. وفي عصره جمع أصحاب الإمامين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين مجاميع ممّا أفاداه في أحوال الرواة، ثم كثرت المصنفات والمجاميع في ذلك.
هذا والأسماء قد تشتبه، فيتفق الرجلان فأكثر في الاسم واسم الأب واسم الجد ونحو ذلك، كأحمد بن جعفر بن حمدان، أربعة في طبقة واحدة. وكثيرًا ما يُذْكر الراوي بأوصافٍ متعددة كمحمد بن سعيد بن حسان الشامي المصلوب، يقال له: محمَّد بن حسان، محمَّد بن عبد الرحمن، محمَّد بن زكريا، محمَّد بن أبي قيس، محمَّد بن أبي زينب، محمَّد بن أبي
(25/177)

الحسن، محمَّد بن أبي عتبة، محمَّد بن أبي حسان، محمَّد بن أبي سهل، محمَّد الطبري، محمَّد الأردني، محمَّد مولى بني هاشم، أبو عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الله الشامي، أبو قيس الملائي، أبو قيس الدمشقي، إلى غير ذلك.
والأئمة إنما يعرفون أكثر الرواة قبلهم من أسانيد الأخبار التي تجيء من طريقهم، وإذ كان الأمر كذلك فطبيعي أن يقع لبعض الأئمة الخطأ فيَعدُّ الاثنين فأكثر واحدًا لاتفاق الاسم والطبقة، ويعدّ الواحد اثنين فأكثر لاختلاف الاسم، أو يتردد بين الأمرين، كما لا يُؤمَن أن يقع الاشتباه لمن ينظر في أسانيد الأخبار، وفي ذلك من الخلل ما فيه، فقد يكون أحد الرجلين موثَّقًا والآخر مجروحًا، فمن ظنهما واحدًا، كان بين أن يردّ خبر الثقة أو يقبل خبر المجروح، ومن حسب الواحد اثنين، قد يَعدُّ أحدَهما ثقة والآخر غير ثقة، فيكون قد اعتقد في رجل واحد أنّه ثقة غير ثقة، إلى غير ذلك من المفاسد.
لذلك اعتنى المحدِّثون بهذا الباب، فوضعوا لبيانه فنَّين، فنّ المتفق والمفترق، لِمَا اتفق اثنان فأكثر في اسم واحد، وفنّ مَن يُذْكَر بأوصاف متعددة، لمن يُذْكَر باسمين فأكثر وهو واحد. كما وضعوا في علوم الحديث فنونًا أخر تذكر في كتب المصطلح.
وكان قدماء الأئمة في شُغل عن هذا التفنين بما هو أهم منه من جمع الأصول وحياطتها، ثم في القرن الرابع بدأ العمل فيها، فألَّف (1) بعضهم في
__________
(1) الأصل: "فبها تألف" خطأ.
(25/178)

بعض الفنون، واعتنى بعضهم برسمها والتمثيل لها كما فعل أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتاب "معرفة علوم الحديث".
فلمّا جاءت النوبة إلى الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (1) وجَّه عنايته إلى التأليف في تلك الفنون، فصنّف في كلّ فنّ كتابًا، صارت عمدةً لأهل الحديث بعده، كما قال ابن السمعاني عند ذكر (الخطيب) في "الأنساب". وقال ابن الجوزي في "المنتظم" بعد أن ذكر جُملة من مؤلفات الخطيب: "مَن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيئ له ممّا لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره"، وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة "شرح النخبة" بعد أن ذكر مؤلَّفَي الخطيب "الكفاية" و"الجامع": "وقلَّ فن من فنون الحديث إلاّ وقد صنّف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ ابن نُقْطة: كل مَن أنصف عَلِم أنّ المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه". وقال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمَّد السِّلَفي:
تصانيف ابن ثابت الخطيب ... ألذّ من الصبا الغض الرطيب
يراها إذ رواها من حواها ... رياضًا للفتى اليَقِظ اللبيب
ويأخذ حُسْن ما قد صاغ فيها ... بقلب الحافظ الفطن الأريب
فأيةُ راحةٍ ونعيم عيش ... يوازي عيشها أم أي طيب
ألَّف الخطيب في فنِّ (المتفق والمفترق) كتابًا، ولم يذكروا أحدًا سبقه إلى التأليف فيه، وألَّف في مَن يُذكر بأوصاف متعددة كتابه (المُوَضِّح)، وقد سُبِق في الجملة؛ ذكروا أنّ أبا زرعة أخذ على "تاريخ البخاري" عدة قضايا
__________
(1) ترجمة الخطيب معروفة وقد لخصتها في آخر كتابه الجليل (الكفاية) المطبوع بدائرة المعارف العثمانية، فلم أر هنا الإطالة بذكرها. [المؤلف].
(25/179)

في الجمع والتفريق.
والجمع: عدّ الاثنين فأكثر واحدًا. والتفريق: عدّ الواحد اثنين فأكثر.
وذكروا أنّ لعبد الغني بن سعيد مؤلَّفًا سماه (إيضاح الإشكال)، فأمّا مآخذ أبي زرعة فقد جمعها ابن أبي حاتم، وأشار إليها في كتابه (الجرح والتعديل) وليست بكثيرة. وأمّا كتاب عبد الغني فقرأت على لوح الجزء الثاني من "المُوَضِّح" فائدة بخط بعض أهل العلم، ذكر فيها "إيضاح الإشكال"، وأنّ السيوطي لخَّصه في خمس عشرة ورقة، قال: "والذي فيه من الأسماء قليل جدًّا بالنسبة لما ذكره الخطيب".
وأمّا كتاب الخطيب - وله أكتب هذه المقدمة - فهو هذا:
(25/180)

" موضح أوهام الجمع والتفريق"
هذا الكتاب مشهورٌ بين أصحاب الحديث، يذكرونه في ترجمة الخطيب، وفي كتب علوم الحديث (المصطلح) وينقلون عنه في كتب الرجال.

* وصفه:
ابتدأه الخطيب بالحمد والصلاة، وبيان موضوع الكتاب والحاجة إليه، ثم روى عن الدارقطني قضيتين في الجمع والتفريق أخذهما على البخاري، ثم ذكر الخطيب أنّ في "تاريخ البخاري" قضايا كثيرة من هذا الباب، وأنّه سيذكرها ثم يذكر ما شاكلها ممّا وقع لغير البخاري، ثم يذكر ما اختلفوا فيه ولم يتبين له الصواب، ثم يذكر ما له رُسِم الكتاب، ثم قال: "ولعلّ بعض من ينظر فيما سطرناه ... يُلْحق سيئ الظن بنا، ويرى أنّا عَمَدنا للطعن علي من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا. وأنّى يكون ذلك وبهم ذُكِرْنا، وبشعاع ضيائهم تبصَّرْنا ... ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا ... لزم المهتدين بمبين أنوارهم .... بيان ما أهملوا وتسديد ما أغفلوا ... وذلك حق للعالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم". ثم ذكر حكايات في أنّ الكامل من عُدّت سقطاته، وأنّه لا يسلم من الخطأ كتاب غير كتاب الله عزَّ وجلَّ. ثم روى عن أبي زُرعة أنّه وجد في "تاريخ البخاري" خطأ كثيرًا، فوافقه صالح بن محمَّد الحافظ، واعتذر عن البخاري بأنّ الخطأ ممّن قَبْله.
ثم ذكر أنّ ابن أبي حاتم جمع الأوهام التي أخذها أبو زرعة على البخاري في كتاب مفرد. قال الخطيب: "ونظرت فيه فوجدت كثيرًا منها لا
(25/181)

تلزمه، وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكايات عنه"، ثم أخذ عليه أنّه لم ينص على عدم قصده انتقاص البخاري مع أنّه أغار على "تاريخه" فضمنه "كتاب الجرح والتعديل"، وذكر حكاية الحاكم أبي أحمد، وقد ذكرتُها وأجبتُ عنها في مقدمتي لكتاب (الجرح والتعديل). ثم روى كلمة ابن عقدة في حاجة أهل الحديث إلى "تاريخ البخاري". ثم قال: "فمن أوهام البخاري في الجمع والتفريق ... " فساق أربعة وسبعين فصلاً، غالبها في التفريق وهو موضوع الكتاب، وبعضها في الجمع وهو من موضوع فن المتفق والمفترق، يسوق في كل فصل عبارة "التاريخ"، ثم يذكر رأيه ويستدلّ عليه بكلام بعض الأئمة، وبسياق الأسانيد التي تشهد لقوله مع أحاديثها. ويتوسع في ذكر الأحاديث والاختلاف فيها ويستطرد لفوائد أخر.
ثم ذكر قضايا لابن معين، ثم لجماعة من الأئمة إلى أن ختم بالدارقطني، ثم ساق فصلاً فيما اختلف فيه من ذلك ولم يَبِن له الصواب: الجمع أم التفريق؟ وبتمامه تم القسم الأول من الكتاب، وهو نحو خمسيه.
ثم شرع في القسم الثاني بسياق أسماء الرواة الذين ذُكِر كل منهم بوصفين أو أكثر فقال: "باب الألف، إبراهيم بن أبي يحيى ... " وساق من طريقه خبرًا بهذا الاسم، ثم قال: "وهو إبراهيم بن محمَّد الذي حدث عنه محمَّد بن إدريس الشافعي وعبد الرزاق"، وساق عن كل منهما خبرًا عن إبراهيم بهذا الاسم. وحكايةً عن صالح بن محمَّد الحافظ أن شيخ عبد الرزاق هو ابن أبي يحيى. ثم قال: "وهو إبراهيم بن محمَّد بن أبي عطاء الذي روى عنه ابن جريج" ثم ساق خبرًا بذلك، ثم حكايةً عن ابن معين
(25/182)

بإثبات ذلك، ثم حكاية عن صالح بن محمَّد الحافظ بخلاف ذلك، وردّها بشواهد من الرواية، ومن أقوال الأئمة يسوق كل ذلك بسنده. ثم قال: "وهو أبو إسحاق بن محمَّد .... وهو أبو إسحاق الأسلمي ... وهو أبو إسحاق بن سمعان ... وهو أبو إسحاق ابن أبي عبد الله ... وهو أبو الذئب ... ". ثم قال: "ذِكْر إبراهيم الصائغ ... " وعلى هذه الوتيرة إلى آخر الكتاب.
***
(25/183)

مع الخطيب
لا يرتاب ذو علم أنّ الخطيب مُحسن مصيب في بيان ما أخطأ فيه مَن قَبْله مِن الأئمة، وأنّه بذلك مؤدّ حق الله عزَّ وجلَّ وحقّ العلم وأهله، وحق أولئك الأئمة أنفسهم، فإنّهم إنّما أرادوا بيان الحق والصواب، فإذا أخطأ أحد منهم، كان ذلك نقيض ما قصد وأحبّ، فالتنبيه على خطائه ليرجع الأمر إلى ما قصده وأحبه من حقه على كل من له حق عليه.
وكذلك لا يرتاب عارف أنّ الخطيب كان عارفًا بحق العلم وسلف العلماء، وخاصة أولئك الأئمة الذين لولاهم لما كان شيئًا مذكورًا، وأنّه كان محبًّا لهم لا هوى له في الغض منهم والطعن فيهم. ومع هذا فإنّنا لا نبرّئ الخطيب من أن يكون له هوى في إظهار سعة علمه، ودقة فهمه، وعلوّ مكانته، وإذ كان من الوسائل إلى ذلك أن يبين أنّه استدرك على كبار الأئمة، وعرف الصواب فيما أخطأوا فيه، كان يحرص على أن يجد لأحدهم خطأ يعرف هو صوابه فيبين ذلك. إنّنا نظلم الخطيب إذا عبناه بهذا، فإنّ لنفسه عليه حقًّا، فإذا أحبَّ مع أداء الواجب أن يَظْهر قدرُه ويسير ذكرُه، لم يكن عليه في ذلك حرج، كيف وقد يريد بذلك أن ينتفع الناس بعلمه، ويغتنموا الاستفادة من كتبه.
وقد يكون الحامل له على هذا أنّ أهل عصره لم يكن كثير منهم أو أكثرهم يعرفون له حقّه، وينزلونه المنزلة التي تنبغي له، بل منهم من عاداه وآذاه وحاول إهلاكه. ومن يدري؟ فلعلّه كان في ذلك خير كثير للعلم وأهله وللخطيب نفسه، فلعله لو رُزِق التوقير البالغ من أهل عصره ما انبعثت همته
(25/184)

إلى الحرص على إظهار علمه بتلك المؤلفات الجليلة.
بيد أنّا نأخذ عليه أمورًا:
الأوّل: كلمات كان في غنًى عنها، كقوله في بعض ما أخذه على البخاري: "وهذا خطأ قبيح" ونحو ذلك، ولولا أنّ الأئمة قبله قد أطلقوا كلمة "الوهم" على ما يشاكل تلك القضايا التي سماها أوهامًا لأخذنا عليه هذه الكلمة؛ لأنّها قد تُشْعِر بالغفلة، وعامة ما يصحّ فيه قوله من تلك القضايا إنّما هي أخطاء اجتهادية بنى مَن وقعت له على ما عنده من الأدلة، والأدلة في هذا الباب منتشرة غاية الانتشار، وفي "تاريخ البخاري" بضعة عشر ألف ترجمة، وقد يتعلق بالترجمة الواحدة عددٌ من الأخبار، ولو تحرّى البخاري أن لا يقع له خطأ البتة لترك علمه في صدره. على أنّ كثيرًا من القضايا التي ذكر الخطيب أنّ البخاري وهم فيها، إنّما جاء الوهم من نُسْخة الخطيب أو من غفلته عن اصطلاح البخاري أو إشارته، وسأنبه على ما تنبهت له من ذلك، وعلى كل حال فالأوهام هنا ليست من قبيل أوهام الرواة التي تنشأ عن غفلة أو نسيان أو نحو ذلك، ممّا يخدش في حفظ الراوي وضبطه.
الأمر الثاني ممّا نأخذه على الخطيب: أنّه يستشهد في توهيم الأئمة بروايات من طريق بعض الكذابين أو المتَّهمين، وكان عليه إن لم يُعرض عنها البتة أن ينصّ على عذره، كأن يقول: وفلان وإن كان معروفًا بالكذب فلا مانع من الاستشهاد به في مثل هذا؛ لأنّه لا غرض له في الكذب فيه، وإذًا لقبلنا منه هذا العذر على ما فيه.
الثالث: أنّه يذكر بعض قضايا قد سبقه إلى مثل قوله فيها من هو أجلّ منه، فلا يذكر ذلك مع أنّ الظاهر أنّه وقف عليه. ولسنا ننكر على الخطيب أنّه
(25/185)

أهل لإدراك الصواب في تلك القضايا ولو لم يبينه غيره، فلا يكون سكوته انتحالًا ولا تشبعًا بما لم يُعْطَ، ولكن كان ذكر ذلك أنفى للتهمة عنه، وأثبت لقوله.
الرابع: أنّه لم ينصف البخاري، فقد ذكر له نحو ثمانين قضية سماها أوهامًا، وهذا العدد وإن لم يكن شيئًا بالنسبة إلى بضعة عشر ألف ترجمة جمعها البخاري من الأسانيد، فالواقع أنّه لا يلزم البخاري من ذلك إلا اليسير كما سأوضحه إن شاء الله، لكن كلام الخطيب في تلك القضايا مفيد جدًّا من جهات أخرى، كما يعرف بالاطلاع عليها، وعلى كل حال فهذه المآخذ مغتفرة في جانب فضل الخطيب وإفادة كتابه هذا.
***
(25/186)

الأصل
كان الأخ العلامة الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة عافاه الله قد اطلع على نسخة هذا الكتاب (الموضح)، في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب برقم 339، وذكره لي عند رجوعه إلى مكة المكرمة، وذكر علاقته "بتاريخ البخاري"، وإنّ من تمام ما قُمتُ به وقامت به جمعية دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد الدكن من خدمة "التاريخ" تلك الخدمة البالغة أن تقوم بخدمة هذا الكتاب (الموضح). ولم أهتمّ حينئذٍ بالأمر لأنّي لم أقدره قدره. ثم سافر فضيلته مرّة أخرى إلى الشام، فأخذ لنفسه صورًا من الكتاب، وعند رجوعه إلى مكة المكرمة أراني، فلمّا تصفَّحت الكتاب علمت أنّي كنت على خطأ في عدم اهتمامي به أوّلاً، فبادرت إلى نَسْخِه وتحقيقه والتعليق عليه.
هذا والنسخة مقسومة إلى جزأين، يقع الأول في 134 ورقة، ينتهي بانتهاء باب الألف من القسم الثاني من قسمي الكتاب - وقد مرّ بيان ذلك -. ويقع الجزء الثاني في 129 ورقة، وعدد الأسطر في الصفحة تختلف ما بين 27 - 33، ومعدل كلمات السطور خمس عشرة كلمة في السطر. وتاريخ كتابته سنة 627، وسمى الكاتب نفسه في آخر الجزء الأول: محمَّد بن أبي عبد الله بن جبريل بن عرار الأنصاري، وفي آخر الجزء الثاني: محمَّد بن محمَّد بن أبي عبد الله بن عرار بن محمَّد بن أحمد بن علي الأنصاري. وفي آخر الجزء الأول على الحاشية بخط كاتب الأصل: "بلغ هذا الجزء الأول مقابلة مع الإِمام الحافظ" (؟)، في بعض المواضع محو وسقط سأنبه عليه في التعليقات.
(25/187)

تاريخ البخاري والتوهيمات
تقدّم قول أبي زرعة وتوهيمه للبخاري في مواضع، وجمع ابن أبي حاتم لذلك، واعتراض الخطيب عليه، وتصدي الخطيب أول كتابه هذا لما تصدى له، وأَخْذي عليه في ذلك، وهناك حقائق تبين الواقع، رأيت أن أعرضها هنا إجمالاً، ثمّ أنبه على ذلك في التعليقات.
من اللطائف أنّ "تاريخ البخاري" مثلث من ثلاث جهات:
الأولى: في "مقدمة فتح الباري" عنه: "لو نُشِر بعض أستاذيّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت التاريخ" ثم قال: "صنفته ثلاث مرات"، ومعنى هذا أنّه بدأ فقيّد التراجم بغير ترتيب، ثم كرّ عليها فرتبها على الحروف، ثم عاد فرتّب تراجم كل حرف على الأسماء، باب إبراهيم، باب إسماعيل إلخ.
هذا هو الذي التزمه، ويزيد في الأسماء التي تكثر مثل محمَّد وإبراهيم فيرتب تراجم كل اسم على ترتيب الحروف الأوائل لأسماء الآباء ونحوها.
الجهة الثانية: في "مقدمة الفتح" أيضًا عنه: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات"، يعني - والله أعلم - أنّه يصنّف الكتاب ويخرجه للناس، ثمَّ يأخذ يزيد في نسخته ويصلح، ثم يخرجه مرة ثانية، ثم يعود يزيد ويصلح حتى يخرجه الثالثة. وهذا ثابتٌ للتاريخ كما يأتي.
الجهة الثالثة: أنّ له ثلاثة تواريخ؛ "الكبير"، وقد طبع في دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن في الهند، طبع منه أولاً ما عدا الربع الثالث، ثم
(25/188)

وُجِد الربع الثالث، وتمّ طبعه حديثًا بحمد الله، و"الصغير" (1)، وقد طبع في الهند أيضًا، و"الأوسط" لمّا يطبع، ومنه نسخة في مكتبة الجامعة العثمانية بحيدراباد الدكن.
ومعرفة الجهتين الأوليين نافعة، أمّا الثانية فإنّ ما تقدم من كلام أبي زرعة وصالح بن محمَّد الحافظ، وما جمعه ابن أبي حاتم من المآخذ على البخاري؛ كان بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري أوّلاً، وبهذا يتضح السبب فيما (2) ذكره الخطيب معترضًا على ابن أبي حاتم، قال: "وحكى عنه - أي عن البخاري - في ذلك الكتاب أشياء [على الغلط] هي مدوّنة في "تاريخه" على الصواب بخلاف الحكاية عنه"، فكلام ابن أبي حاتم كان بحسب النسخة التي أخرجها البخاري أوّلاً، وكلام الخطيب بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري ثانيًا، وهي رواية أبي أحمد محمَّد بن سليمان بن فارس الدلال النيسابوري، المتوفى سنة 312.
ذكر الخطيب في "الموضح" أوّل اعتراضاته على البخاري إسناده إليه. وفي رواية ابن فارس هذه مواضع على الخطأ، وهي في رواية محمَّد بن سهل بن كردي عن البخاري على الصواب، انظر "الموضح": الأوهام 7 و9 و13 من أوهام البخاري مع تعليقي، فظهر أنّ رواية ابن فارس ممّا أخرجه البخاري ثانيًا، ورواية ابن سهل ممّا أخرجه ثالثًا.
وأمّا الجهة الأولى فيتعلق بها اصطلاحات للبخاري:
__________
(1) الذي طبع باسم "الصغير" هو "الأوسط"، وانظر بحث ذلك بتوسع في مقدمة "التاريخ الأوسط": (1/ 54 - 78 ط - الرشد).
(2) (ط): "فيها".
(25/189)

الأوّل: أنه حيث يرتب الأسماء الكثيرة بحسب أوائل أسماء الآباء، يتوسع فيعد كل لفظ يقع بعد "فلان بن" بمنزلة اسم الأب، ويزيد على ذلك فيمن لم يُذْكر أبوه، فيعد اللفظ الواقع بعد الاسم كاسم الأب، فمن ذلك "عيسى الزرقي" ذكره فيمن اسمه عيسى، وأول اسم أبيه زاي، وهكذا "أسلم الخياط" فيمن اسمه أسلم (1)، وأول اسم أبيه خاء.
الثاني: أنّه إذا عُرِف اسم الرجل على وجهين يقتضي الترتيب وضعه بحسب أحدهما في موضع، وبحسب الآخر في آخر ترجمة في الموضعين، فمن ذلك: شيخه محمَّد بن إسحاق الكرماني، يعرف أيضًا بمحمد بن أبي يعقوب، ذكره في موضعين من المحمدين، فقال في المجلد الأول رقم (66): "محمَّد بن إسحاق هو ابن أبي يعقوب الكرماني، مات سنة 244"، وقال فيه رقم (858): "محمَّد بن أبي يعقوب، أبو عبد الله الكرماني .... ". ومن ذلك: عبد الله بن أبي صالح ذكوان، يقال لعبد الله "عباد"، فذكره البخاري في باب عبد الله، وفي باب عباد، وكلامه في الموضعين، وفي ترجمة صالح بن أبي صالح ذكوان صريح في أنه لم يلتبس عليه. من ذلك مسلم بن أبي مسلم يقال له "الخياط"، فذكره في "مسلم بن أبي مسلم"، وفي "مسلم الخياط". وسياقه صريح في أنّه لم يلتبس عليه، فهذا هو اصطلاحه.
وصاحب "التهذيب" يذكر الرجل في موضع مفصّلاً، ثم يذكره في الموضع الآخر مختصرًا جدًّا، ويحيل على ذاك. وصنيع البخاري إن لم يكن أحسن من هذا، فعلى كلّ حال ليس بوهم، ولكن الخطيب يعدّ هذا أوهامًا،
__________
(1) الأصل: مسلم، خطأ.
(25/190)

انظر "الموضح": الوهم 2 و42 و55 من أوهام البخاري. ولم يكتف بذلك بل فصل هذه المواضع بمزيدٍ من التشنيع، وتشنيعه عائد عليه كما لا يخفى.
الاصطلاح الثالث: (وقد نبّهت عليه في تعليقاتي على التاريخ 2/ 1/ 269 رقم 1001) وهو أنّ البخاري إذا وجد من وُصِفَ بوصفين، وكان محتملاً أن يكون واحدًا وأن يكون اثنين، فإنّه يعقد ترجمتين، فإن لم يمنعه مقتضى الترتيب الذي التزمه من قَرْنهما قَرَنَهما، كي يسهل فيما بعد جعلهما ترجمةً واحدة إذا تبين له، أو الإشارة القريبة البينة إذا قوي ذلك ولم يتحقق، كأن (1) يزيدَ في الثانية: "أراه الأول"، ولما جرت عادته بهذا صار القرن في مواضع الاحتمال كالإشارة إليه والتنبيه عليه. أمّا إذا لم يسمح مقتضى الترتيب بالقرن، فإنه يضع كلاًّ من الترجمتين في موضعهما ويشير إشارة أخرى، وقد يكتفي بظهور الحال، انظر "الموضح" 6 و12 و14 و15 و38 و55 من أوهام البخاري. وكثيرٌ من المواضع التي لم يقض فيها البخاري بل أبقاها على الاحتمال، يكون دليل الخطيب على أحد الاحتمالين غير كاف للجزم بحسب تحرّي البخاري وتثبته. وما كان كافيًا للجزم فلا يليق أن يسمّى توقف البخاري وهمًا.
هذا، وللبخاري - رحمه الله - ولوعٌ بالاجتزاء بالتلويح عن التصريح، كما جرى عليه في مواضع من جامعه الصحيح حرصًا منه على رياضة الطالب، واجتذابًا له إلى التنبه والتيقُّظ والتفهُّم.
قدّمت هذا الفصل هنا لأحيل عليه في التعليقات كما ستراه وترى بقية الأجوبة عن أكثر تلك القضايا التي سمّاها الخطيب أوهامًا.
__________
(1) (ط): "كأنه".
(25/191)

وممّا يجب التنبه له أنّ المزِّي وابن حجر وغيرهما قد يقلّدون الخطيب، ويذكرون أنّ البخاري وهم، ولا يبينون شيئًا ممّا بينته، ولا يذكرون ما استدلّ به الخطيب.
فمن الواجب على كل من يريد التحقيق في علوم الحديث تحصيل هذا الكتاب؛ ليتبين له الحال في تلك المواضع وغيرها، مع الوقوف على الأدلة وما لها وما عليها، ويعرف ما يتعلق بهذا الفنّ الخاصّ؛ ليحصل فوائده التي تقدمت الإشارة إليها مع فوائد أخرى جزيلة لهذا الكتاب، والله الموفق.
كاتبه
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
مكتبة الحرم المكي بمكة المكرمة
15/ ربيع الآخر/ سنة 1378 ه
(25/192)

(6)

مُقَدِّمَة
"خطأ محمَّد بن إسماعيل في تاريخه"
لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327)
(25/193)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه على محمَّد وآله وصحبه.
وبعد، فإن معرفة نَقَلة الأخبار ورواة الأحاديث والآثار عليها مدار التمييز بين الصحيح والسقيم والمقبول والمردود. ومن أهمّ فروعها معرفة ما وقع من الخطأ في بعض كتب أسماء الرجال المتلقاة بالقبول والاعتماد، إذ قد يُستند إليها في ذلك الخطأ، بناءً على أنَّها أهل للاستناد.
وكنتُ ذكرت في مقدمة "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي، ومقدمة كتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق" لأبي بكر الخطيب البغدادي: أنّ لابن أبي حاتم كتيبًا جمع فيه تعقبات أبيه وأبي زُرعة الرازيين على "التاريخ الكبير" للبخاري، وكنتُ أحسبه جزءًا صغيرًا، وأنّ عامة فوائده قد شملها "كتاب الجرح والتعديل".
ثمّ إنّ صديقي العزيز البحَّاثة المحقق الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع - مدير مكتبة الحرم المكي، وعضو مجلس الشورى في الدولة السعودية العلية، وهو مَنْ أَوْلىَ العناية البالغة بكتب الرجال وتحقيق الأسانيد - وقف على ذكر ذاك الكُتيب في فهرس المخطوطات المصورة للإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية، فأخبرني بذلك، وذكر لي أنّ المجموعة الجليلة (تاريخ البخاري، وكتاب الجرح والتعديل, والموضح للخطيب) لا تتمّ إلا بهذا الكتاب، وأنّ خدمتي لتلك الكتب تتقاضاني أن
(25/195)

أقوم بخدمته، وأن ما وُفّقت له دائرة المعارف العثمانية من طبع تلك الكتب لا تكمل إلا بطبعه.
ثم لم يَمْهَل أن طلب صور ذاك الكتاب على نفقته الخاصة، ولم أشعر إلاَّ وهو يقدّم إليّ الصور.

1 - اسم الكتاب:
وقع في صدر هذه النسخة تسميته هكذا "بيان خطأ محمَّد بن إسماعيل البخاري في التاريخ". وجاء اسمه في ترجمة عباد بن عبد الصمد من "لسان الميزان": "كتاب خطأ البخاري". وفي "التهذيب" في ترجمة حسن بن شُفي: "خطأ البخاري". وفي ترجمة علي بن حفص المروزي: "كتاب الرد على البخاري". والأول هو المعتمد.

2 - الموضوع والفائدة:
موضوع الكتاب على التحديد بيان ما وقع من خطأ أو شبهة في النسخة التي وقف عليها الرازيان من "تاريخ البخاري"، والشواهد تقضي أن أبا زرعة استقرأ تلك النسخة من أولها إلى آخرها، ونبه على ما رآه خطأ أو شبهه، مع بيان الصواب عنده، وترك بياضًا في مواضع، ثم تلاه أبو حاتم فوافقه تارة وخالفه أخرى واستدرك مواضع. وإذ كان البخاري والرازيان من أكابر أئمة الحديث والرواية، وأوسعهم حفظًا، وأثقبهم فهمًا، وأسدّهم نظرًا، فمِنْ فائدة هذا الكتاب: أن كل ما في "التاريخ" مما لم يعترضه الرازيّان فهو على ظاهره من الصحة بإجماعهم، ومثله بل أولى ما ذكرا أنه الصواب وحكيا عن "التاريخ" خلافه، والموجود في نُسَخ "التاريخ" ما صوَّباه.
(25/196)

ومن فائدته بالنظر إلى المواضع التي هي في نسخ التاريخ على ما حكياه وذكرا أنه خطأ: معرفة الخلاف؛ ليجتهد الناظر في معرفة الصواب، وكثير من ذلك لم ينبه عليه في "الجرح والتعديل"، ولا غيره فيما علمت.

3 - النظر في تعقبات الرازيين:
وجدت المواضع المتعقَّبة على أضْرُب:
الأول: ما هو في "التاريخ" على ما صوَّبه الرازيان لا على ما حكياه عنه وخطآه، وهذا كثير جدًّا، لعلّه أكثر من النصف، وقد ذكرت في مقدمة "الموضح" أنّ البخاري أخرج "التاريخ" ثلاث مرات، وفي كل مرة يزيد وينقص ويصلح، واستظهرتُ أنّ النسخة التي وقعت للرازيين كانت ممّا أخرجه البخاري لأول مرة، وهذا صحيح، ولكني بعد الاطلاع على هذا الكتاب علمت أنّه لا يكفي لتعليل ما وقع فيه من هذا الضرب لكثرته، ولأنّ كثيرًا منه يبعد جدًّا أن يقع من البخاري بعضه فضلاً عن كثير منه، وتبين لي أنّ معظم التَّبعة في هذا الضرب على تلك النسخة التي وقعت للرازيين، وعلى هذا فوق ما تقدم شاهدان:
الأول: أنّ الخطيب ذكر في "الموضح" (1/ 7) هذا الكتاب ثم قال: "وقد حكي عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه"، وقد وقف الخطيب على عدة نسخ من "التاريخ" مختلفة الأسانيد إلى البخاري.
الثاني: أنّ أبا حاتم وهو زميل أبي زرعة، ولا بدّ أن يكون قد اطلع على تلك النسخة، وعرف حالها، يقول في مواضع كثيرة من هذا الكتاب: "وإنّما هو غلط من الكاتب" أو نحو هذا، راجع رقم 10، 31، 42، 66، 89، 210، 229، 230، 239، 404، 460، 472، 609.
(25/197)

يعني أنّ الخطأ فيها ليس من البخاري ولا ممّن فوقه، وإنّما هو من كاتب تلك النسخة التي حكى عنها أبو زرعة. وثمَّ مواضع أكثر مما ذكره؛ الحمل فيها على الكاتب أوضح.
قد يُعترض هذا بما في أول هذا الكتاب عن أبي زرعة: "حَمَل إليَّ الفضل بن العباس المعروف الصائغ كتاب "التاريخ" ذَكَر أنّه كتبه من كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاري فوجدت فيه ... "، والفضل بن العباس الصائغ حافظ كبير يبعد أن يخطئ في النقل ذاك الخطأ الكثير، وقد ذكر أنه كتب من كتاب البخاري، والظاهر أنه يريد به نسخة البخاري التي تحت يده، والأوجه التي تحمل التبعةَ على تلك النسخة توجب أحدَ أمرين:
الأول: أن يكون الفضل بن العباس حين نقل النسخة لمَّا يستحكم علمه، وقد تكون نسخة البخاري حين نقل منها لا تزال مسوَّدة، فنقل ولم يسمع ولا عَرَض ولا قابل.
الثاني: أن تكون كلمة "كتاب محمَّد بن إسماعيل" في عبارة أبي زرعة لا تعني نسخة البخاري التي تحت يده، وإنّما تعني مؤلفه الذي هو "التاريخ"، وتكون النسخة التي نقل منها الصائغ نسخةً لبعض الطلبة غير محررة، وإنّما نُقِلت عن نسخة أخرى مع جهل الكاتب، ولم يسمع ولا عَرَض ولا قابل.
الضرب الثاني: ما اختلفت فيه نُسخ "التاريخ" ففي بعضها كما حكاه أبو زرعة وخطأه، وفي بعضها كما ذكر أنّه الصواب، والأمر في هذا محتمل، وموافقة بعض النسخ للنسخة التي وقف عليها أبو زرعة لا تكفي لتصحيح النسبة إلى البخاري، ولا سيما ما يكثر فيه تصحيف النسَّاخ كاسم "سعر"، يتوارد النسَّاخ على كتابته "سعد".
(25/198)

الثالث: ما وقع في الموضع الذي أحال عليه أبو زرعة كما حكاه، وفي موضع آخر من "التاريخ" على ما صوَّبه، وهذا قريب من الذي قبله، لكن إذا حكى البخاري كلاًّ من القولين من وجهٍ (1) غير وجه الآخر فالخلاف من فوق. وقد يذكر البخاري مثل هذا، ويرجّح تصريحًا أو إيماء، وقد يسكت عن الترجيح ولا يعد هذا خطأ، والبخاري معروف بشدة التثبت.
الرابع: ما هو في "التاريخ" على ما حكاه أبو زرعة وخطَّأه، ولا يوجد فيه كما صوَّبه، والأمر في هذا أيضًا محتمل، ولا سيما في المواضع التي تنفرد نسخة واحدة من "التاريخ"، وفي المواضع التي يغلب فيها تصحيف النسَّاخ، وما صحت نسبته إلى البخاري من هذا، فالغالب أنّه كذلك سمعه، فإن كان خطأ فالخطأ ممّن قبله، وما كان منه يكون أمره هينًا كالنسبة إلى الجدّ؛ فإنّ أبا زرعة يعدها في جملة الخطأ، وقد دفع ذلك أبو حاتم في بعض المواضع، راجع رقم 36، 92. وقد يكون الصواب مع البخاري وأخطأ أبو زرعة في تخطئته، وقد قضى أبو حاتم بذلك في مواضع منها ما هو مصرَّحٌ به في هذا الكتاب، ومنها ما يعلم من "الجرح والتعديل" راجع رقم 11، 32، 44، 49.
وبالجملة، فقد استقرأتُ خمسين موضعًا من أول الكتاب، فوجدته يتجه نسبة الخطأ إلى أبي زرعة في هذه المواضع الخمسين (2)، ولا يتَّجِه نسبة الخطأ إلى البخاري نفسه إلا في موضع واحد هو رقم 25 ذكر رجلاً ممّن أدركه سماه محمدًا، وقال الرازيان وغيرهما: اسمه أحمد.
__________
(1) ط: وجهه.
(2) (ط): الخمسة.
(25/199)

4 - حكم الخطأ هنا:
مِن الناس مَن عرف طرفًا مِن علم الرواية ولم يحققه، فسمع أنّ كثرة خطأ الراوي تخدش في ثقته، فإذا رأى هنا نسبة الخطأ إلى البخاري أو أبي زرعة توهَّم أنّ هذا خطأ من جنس ذاك. ومن الناس من يعرف الحقيقة ولكنّه يتجاهلها لهوى له. والحقيقة هي أنّ غالب الخطأ الذي تتجه نسبته إلى البخاري نفسه أو إلى أبي زرعة إنّما هو من خطأ الاجتهاد الذي يوقِعُ فيه اشتباه الحال وخفاء الدليل، وما قد يكون في ذلك ممّا يسوغ أن يعدّ خطأً في الرواية فهو أمرٌ هيّن، لا يسلم من مثله أحدٌ من الأئمة، وعلى كلّ حال فليس هو بالخطأ الخادش في الثقة.

5 - النسخة الأصل:
وُصِفَت النسخة في فهرس المخطوطات المصورة لمعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية (2/ 51) بما يأتي: نسخة كُتبت سنة 728 بخط أبي بكر بن علي بن إسماعيل البهنسي الأنصاري الشافعي 25 ق، 25 س، 19 × 26 [مكتبة] أحمد الثالث [بإستانبول] 624 (11) ضمن مجموعة من 119 ب/ 143 ف 667. والمجموعة كلها تتعلق بعلوم الحديث والرواية، والنسخة صالحة في الجملة، وعامة ما فيها من الخطأ يمكن تداركه، كما ستراه إن شاء الله تعالى.

6 - طريقتنا في تحقيق الكتاب:
الغالب في هذه التعليقات أن تبدأ باسم رجل من المترجمين في "التاريخ"، ثم قد يكون الاعتراض متعلقًا بذلك الرجل نفسه، وقد يكون
(25/200)

متعلقًا باسم أو معنى في ضمن تلك الترجمة، وفي عدة مواضع لا يذكر اسم صاحب الترجمة بل تُحْكَى عبارة من أثنائها. وقد يتعلق بترجمة واحدة اعتراضان أو أكثر؛ وعملاً بإشارة الصديق الشيخ سليمان الصنيع الصائبة وضعتُ أرقامًا مسلسلة بحسب التراجم، ووضعت عقب الرقم بين حاجزين رقم تلك الترجمة في "تاريخ البخاري" المطبوع. وما لم يذكر فيه اسم صاحب الترجمة أضفت الاسم بين حاجزين، وراجعت تلك الترجمة في "التاريخ" وفي "الجرح والتعديل" مع مراجعة مواضع أُخر منهما ومن غيرهما بحسب ما يقتضيه الحال، وعلّقتُ ما ظهر لي.
وكثيرًا ما تكون العبارة المحكيَّة في هذا الكتاب عن "التاريخ" غير مطابقة لما في "التاريخ" المطبوع. ولم ألتزم بيان ذلك إلا حيث يختلف المعنى اختلافًا بينًا، وما كان في الأصل خطأ وبان لي أنه من خطأ النسَّاخ أصلحته في المتن ونبهت في التعليق على ما وقع في الأصل.
وأسأل الله التوفيق.
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
(25/201)

(7)

مُقَدِّمَة
"المعاني الكبير"
لابن قتيبة الدينوري (ت 275)
(25/203)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

* مكانة الشعر القديم:
كان العرب قبل الإِسلام أمة أمية كتابهم الطبيعة، مدرستهم الحياة، أقلامهم ألسنتهم، ودفاترهم قلوبهم، وكان كل من أراد منهم تقييد فكرة، أو تخليد حكمة، أو تثبيت مأثرة، أو إظهار عبقرية في دقة الإحساس ولطف التصوّر وإتقان التصوير، أنشأ في ذلك أبياتا أو قصيدة، فلا تكاد تجاوز شفتيه حتى يتلقفها الرواة فيطيروا بها كلَّ مَطار، فكان الشعر وحده هو مؤلفاتهم وهو تاريخهم وهو مظهر نبوغ مفكريهم.
ثم جاء الإِسلام فنقلهم من الأمية إلى العلم والحضارة، ومن العزلة عن الأمم إلى مخالطتها، فكان من جراء تلك المخالطة مع ما أفادوا بها من المصالح أن أخذت السليقةُ تضْعُف، وأخذ اللحن والخطأ يتسرّب إلى ألسنتهم، وأخذ الخطر يهدد اللغة وآثار السلف ويتطاول إلى الدين نفسه، فإن مداره على الكتاب والسنة وهما باللسان العربي الفصيح، فنهض العلماء لمقاومة ذاك الخطر؛ فدوّنوا اللغة وأسسوا قواعدها وقيدوا شواردها، وكان من أهمّ ما اعتنوا بحفظه أشعارُ القُدماء لعلمهم أنها تراثهم وتاريخهم، وأنها المنبع المعين لمعرفة اللغة وقواعدها، وأنها هي المحكّ الذي يتيسر به نقد الحكايات والقصص عن أحوال الجاهلية، فكان العلماء لا يكادون يصغون
(25/205)

لحكايةٍ لا تتضمن شعرًا، فإن تضمنته بدؤوا بنقده، فإن وجدوه كما يعهدون من الشعر الجاهلي وكما يعرفون من طراز من نُسب إليه وثقوا به، وكان عندهم من أصدق الشواهد على صحة تلك الحكاية وإلا نبذوه وقالوا: "شعر مصنوع" وجعلوا ذلك دليلاً على اختلاق ذاك الخبر.

* تدوين الشعر:
من العلماء من دوّن الشعر بصفة دواوين للقبائل، كديوان أشعار هذيل. ومنهم من دوّنه بصفة دواوين لأفراد الشعراء، كديوان الأعشى وديوان النابغة. ومنهم من اختار عددًا من القصائد كالأصمعيات والمفضليات، ومنهم من انتخب قطعًا رتبها على حسب معانيها كالحماسة لأبي تمام. ومنهم من جمع الأبيات الغريبة المعاني المتأبَّية على أفهام أكثر الناس، وهي "أبيات المعاني".

* أبيات المعاني:
قال السيوطي في "المُزْهر" (ج 1 ص 275) في فصل الألغاز: " ... وأبيات لم تقصد العرب الإلغاز بها، وإنما قالتها فصادف أن تكون ألغازًا، وهي نوعان، فإنها تارة يقع الإلغاز بها من حيث معانيها، وأكثر أبيات المعاني من هذا النوع، وقد ألف ابن قتيبة في هذا النوع مجلدًا حسنًا، وكذلك ألف غيره، وإنّما سمّوا هذا النوع "أبيات المعاني"؛ لأنّها تحتاج إلى أن يسأل عن معانيها ... ".
أقول: ومن تدبّر أبيات المعاني بأن له أنّ خفاء معانيها إنّما يكون غالبًا لغرابة الأسلوب وبُعْد المَأْخذ وطرافة الاستعارة، فهي لذلك من آيات البلاغة، ولم يكن يكاد يتعاطاها إلا فحول الشعراء، كأنهم إنّما يقصدون بها
(25/206)

الدلالة على تفوّقهم في الشعر وتمكّنهم منه.
ومن فوائد هذا النوع: أنّ قدماء العلماء باللغة والشعر قاموا بتفسيرها، فعلّموا الناس كيف يفهمون كلام العرب.

* المؤلفون في هذا الفن:
من المؤلفين في هذا الفن أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش "الأوسط" المتوفى سنة 210، وقيل بعد ذلك، وعبد الرحمن بن عبد الله هو ابن أخي الأصمعي، وأبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي المتوفى سنة 231، وأبو العميثل عبد الله بن خُليد مولى جعفر بن سليمان المتوفى سنة 240، وأبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني، وأبو محمَّد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب المتوفى سنة 291، وأبو محمَّد عبد الله بن جعفر بن درستويه المتوفى سنة 347، ولم يطبع من هذه الكتب غير كتاب الأشنانداني.
وبين أيدينا الآن أغزر تلك الكتب مادة وأحسنها ترتيبًا، وهو الذي خصّه السيوطي بالذكر، كتاب ابن قتيبة، وهو "كتاب المعاني الكبير".
***
(25/207)

التعريف بابن قتيبة (1)
هو الإِمام البارع المفسّر المحدّث الفقيه القاضي اللغوي النحوي الأديب الكاتب، أبو محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، يقال له المروزي؛ لأنّ أباه كان من مرو، ويقال له الكوفي لأنّه ولد بها، وقيل بل ببغداد وبها أقام، ويقال له الدينوري؛ لأنّه ولي قضاءها فأقام بها مدة.

* مبدأ أمره:
ولد بلا خلاف سنة 213 بالكوفة، ويقال ببغداد وبها نشأ، ولا نعرف عن مبدأ أمره شيئًا، بل ولا رفعوا فيما وقفت عليه من تراجمه نَسَبه زيادةً على ما مرّ من تسمية أبيه وجده فقط، ولا ذكروا أَعَربيّ النسب هو أم مولى؟ غير أنّ الذي يشعر به اسم أبيه وجده أنّه عربي، وجُلّ ما يعرف عنه هو طلبه للعلم وتأليفه.

* شيوخه:
من شيوخه في الحديث والسنة والفقه: الإِمام العلم أبو يعقوب
__________
(1) له ترجمة في تاريخ بغداد للخطيب (10/ 170)، وفهرست ابن النديم (ص 115) ونزهة الألباء لأبي البركات ابن الأنباري (ص 272) والأنساب لابن السمعاني (ص 443 - الف)، وتاريخ ابن خلكان (1/ 314)، والميزان للذهبي طبعة مصر (2/ 77)، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني (3/ 357)، وشذرات الذهب (2/ 169)، وبغية الوعاة (ص 292)، ودائرة المعارف الإِسلامية (1/ 260)، عن البروفسور بروكلمان، وآداب اللغة العربية وتتمته له في الألمانية (1/ 320)، وفي مقدمة المجلد الرابع من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة ترجمة له واسعة بقلم الفاضل أحمد زكي العدوي. [المؤلف].
(25/208)

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المعروف بابن راهويه، المتوفى سنة 238، وفي اللغة والعربية والأدب وغيرها: أبو حاتم سهل بن محمَّد السجستاني المتوفى سنة 248 وقيل بعدها، وأبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي المتوفى سنة 249، وأبو سعيد أحمد بن خالد الضرير، وأبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي المتوفى سنة 257، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي وغيرهم.

* الرواة عنه:
ممّن روى عنه ابنه أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم (1) قاضي مصر المتوفى سنة 322، وأبو سعيد الهيثم بن كُلَيب الشاشي المتوفى سنة 334، وأبو محمَّد القاسم بن أصبغ القرطبي المتوفى سنة 340، وأبو محمَّد عبد الله بن جعفر بن درستويه المتوفى سنة 347 وغيرهم.

* مكانته في معرفة الشعر:
وإذ كان هذا الكتاب كتاب أدب، والعلوم الأدبية مدارها على معرفة النحو والمعرفة بالشعر ونقده، فحقٌّ علينا أن نشير إلى مكانة ابن قتيبة في ذلك.
فأمّا مكانه في معرفة اللغة فيكفي شاهدًا لذلك كتبه في الغريب. وأمّا النحو والصرف فحسبك أنّ ابن قتيبة أوّل من جمع بين مذهبي الكوفيين
__________
(1) في ترجمته من "رفع الإصر عن قضاة مصر" لابن حجر: "أنه كان يحفظ مصنفات أبيه كلها كما يحفظ السورة من القرآن". ونحوه في "الديباج المذهب" (ص 25) وزاد "ويرد من حفظه النقطة والشكلة وما معه نسخة". [المؤلف].
(25/209)

والبصريين، فإنّه لا يقوم لذلك إلا من أتقن المذهبين وعرف الأصول التي تُبْنى عليها العلل والمقاييس عند الفريقين.
وأمّا الشعر فدونك كتابه "الشعر والشعراء" وكلامه فيه وما ذكره في تراجم الشعراء ممّا يختار للشاعر وما يعاب عليه، وكذلك ما اختاره في كتابه "عيون الأخبار"، فأمّا هذا الكتاب "المعاني الكبير" فحدّث عنه ولا حرج.
كان العلماء كالأصمعي وابن الأعرابي وغيرهما يظهرون التعصب على المُحْدَثين من الشعراء، ويزعمون أنّ الفضل كله للمتقدمين، ذكر إسحاق الموصلي أنّه أنشد الأصمعي هذين البيتين:
هل إلى نظرة إليك سبيلُ ... يرو منها الصّدي ويُشْفَى الغليلُ
إن ما قلّ منك يكُثر عندي ... وكثيرٌ ممن تحبّ القليلُ
فقال الأصمعي: "هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ " فأخبره إسحاق أنّ البيتين له، فقال الأصمعي: "أفسدته أفسدته، أما إن التوليد فيه لبين" (1)، وقال ابن الأعرابي: إنّما أشعار هؤلاء المُحْدَثين مثل أبي نواس وغيره مثل الريحان يشمّ يومًا ويذوي فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلّما حركته ازداد طيبًا" (2) فأنكر ابن قتيبة هذه الطريقة.
قال في مقدمة كتابه "عيون الأخبار": "مذهبنا فيما نختاره من كلام المتأخرين وأشعار المُحْدَثين إذا كان مُتخيَّر اللفظ، لطيف المعنى، لم يُزْرِ به
__________
(1) الأغاني 5/ 71. [المؤلف].
(2) الموشّح ص 246. [المؤلف].
(25/210)

عندنا تأخُّر قائله، كما أنه إذا كان بخلاف ذلك لم يرفعه تقدمه".
وقال في أوائل كتابه "الشعر والشعراء": "ولم أقصد فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلاًّ حقه، ووفرت عليه حظه، فإنيّ رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه موضع متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله. ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده، وجعل كل قديم منهم حديثًا في عصره، وكل شريف خارجيًّا في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدون مُحْدَثين، وكان أبو عَمرو بن العلاء يقول: "لقد نبغ هذا المُحْدَث وحَسُن حتى لقد هممت بروايته".
"ثم صار هؤلاء قدماء عندنا بِبُعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا كالخريمي والعتابي والحسن بن هانئ، فكل من أتى بحَسَنٍ من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا عليه به، ولم يضعه عندنا تأخر قائله، ولا حداثة سنه، كما أنّ الرديء إذا ورد علينا للمتقدم والشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه".
أقول: الظنّ بالعلماء أنهم إنما كانوا يظهرون التعصب للمتقدمين ترغيبًا للناس في حفظ أشعارهم وروايتها؛ لأنّها حجة في اللغة والعربية، فالشعر القديم حتى الرديء منه صالح لأن يحتجّ به في تثبيت اللغة وقواعد العربية وتفسير القرآن وشرح السنة؛ والشعر المولَّد حتى ما كان منه بغاية الجودة لا
(25/211)

يصلح للحجة في ذلك، فكان العلماء يرون أن حفظ أشعار المتقدمين والترغيب في حفظها وروايتها، وإن كان فيها ما هو رديء من الفروض المتعينة لحفظ اللغة والدين، بخلاف أشعار المولَّدين، يدلك على هذا أنّ العلماء قد كانوا يعيبون كثيرًا من أشعار المتقدمين، كما تراه في "الموشّح" للمرزباني وغيره.
وقد كانوا يستجيدون كثيرًا من أشعار المولّدين، فقد أنشد الأصمعي بيتين لإسحاق الموصلي وهما:
إذا كانت الأحرار أصلي ومَنْصبي ... ودافع ضيمي خازمٌ وابنُ خازم
عطستُ بأنفٍ شامخٍ وتناولت ... يداي الثريا قاعدًا غير قائم
"فجعل الأصمعي يعجب منهما ويستحسنهما، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضلهما" (1).
وأنشد رجل ابن الأعرابي شعرًا لأبي نواس فسكت ابن الأعرابي، فقال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال بلى، ولكن القديم أحب إليّ (2).
وليس مقصود ابن قتيبة من كلامه في مقدمة "عيون الأخبار" و"الشعر والشعراء" المفاضلة بين المتقدمين والمتأخرين، ولا إثبات استواء الفريقين على الإطلاق، وإنّما مقصوده أنه يوجد في أشعار كل من الفريقين ما هو جيد وما هو رديء، فيجب في الحكم على الشعر بالجودة أو الرداءة أن ينظر إليه بحسب ما هو عليه.
__________
(1) الأغاني: 5/ 53. [المؤلف].
(2) الموشّح ص 246. [المؤلف].
(25/212)

وذكر في "الشعر والشعراء" أن طباع الشعراء تختلف، فمنهم من يسهل عليه فنٌ من الشعر كالمديح فيجيد فيه، ويتعسّر عليه غيره، فيجيء شعره فيه متكلفًا غير جيد، وذكر الأسباب والعوارض التي تعرض للشاعر، فمنها ما يبعثه على الشعر ويسهله له، فيجيء شعره مطبوعًا جيدًا، ومنها ما يثبطه وينكده عليه، فيجيء شعره متكلفًا رديئًا.
قال: "وبهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكاتب، وقالوا في شعر النابغة الجعدي: "خمار بواف، ومطرف بآلاف"، ولا أرى غير الجعدي إلا كالجعدي، ولا أحسب أحدًا من أهل المعرفة والتمييز نظر بعين العدل وترك طريق التقليد؛ يستطيع أن يقدم أحدًا من المتقدمين المكثرين على أحد، إلا أن يرى الجيد في شعره أكثر منه في شعر غيره".

* اختيار الشعر:
قال في "الشعر والشعراء": "وليس كل الشعر يُختار ويُحفظ على جودة اللفظ والمعنى، ولكنه قد يُختار على جهات وأسباب، منها الإصابة في التشبيه ... ومنه ما يُختار ويُحفظ لأنّ صاحبه لم يقل غيره ... وقد يختار ويحفظ لأنّه غريب في معناه ... وقد يحفظ ويختار أيضًا لنبل قائله" ذكر لكل نوع من هذه أمثلة، وذكر من أمثلة الأول الأبيات التي فيها:
ونَبْلي وفُقَاها كَعَ ... راقيبِ قطًا طُحْل
ثم قال: "وهذا الشعر ممّا اختاره الأصمعيّ لخِفَّة رويه".
(25/213)

* أقسام الشعر:
ثم قال في "الشعر والشعراء": "تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب، ضربٌ منه حَسُن لفظه وجادَ معناه، كقول القائل:
في كفِّه خَيزُرانٌ ريحُه عَبقٌ ... من كفِّ أروعَ في عِرْنينه شممُ
يُغْضي حياءً ويُغضَى من مَهَابته ... فلا يُكلَّم إلا حين يبتسمُ
لم يقل أحد في الهيبة أحسن منه ... " ثم ذكر أمثلة ثم قال: "وضرب منه حَسُن لفظه وحلا، فإذا أنت فتَّشته لم تجد هناك طائلًا كقول القائل:
ولمّا قَضَينا مِن منًى كلَّ حاجةٍ ... ومسَّح بالأركان من هو ماسِحُ
وشُدَّت على حُدْب المهاري رحالنا ... ولم ينظُرُ الغادي الذي هو رائحُ
أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وسالت بأعناقِ المَطيِّ الأباطحُ
وهذه الألفاظ أحسن شيء مطالعَ ومخارجَ ومقاطعَ، فإذا نظرت إلى ما تحتها وجدته: ولما قضينا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينظر من غدا الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المَطي في الأبطح (1) .... ". ثم ذكر أمثلة:
ثم قال: "وضرب منه جاد معناه، وقَصُرت الألفاظ عنه، كقول لبيد:
ماعاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه ... والمرءُ يُصلحه الجليسُ الصالحُ
هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنّه قليل الماء والرونق ... ". ثم ذكر أمثلة ثم قال: "وضرب منه تأخر لفظه وتأخر معناه، كقول الأعشى:
__________
(1) راجع أسرار البلاغة لعبد القاهر ص 14 - 17. [المؤلف].
(25/214)

وفوهٌ كأقاحيَّ ... غَذَاهُ دائمُ الهَطْلِ
كما شيب بماءٍ با ... ردٍ من عَسَل النحلِ (1)
ويحسن بمن يحب أن يتحقق معرفة ابن قتيبة بالشعر أن يتأمل ما قدمه في كتابه "الشعر والشعراء" قبل التراجم، ثم ما اختاره في التراجم، فإنّ هذه الكلمة لا تتسع لاستيفاء البحث.

* مكانته في علوم الأدب وغيرها:
قال الخطيب في "تاريخ بغداد": "كان ثقة ديّنًا فاضلاً"، وقال ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان": "قال مسلمة بن قاسم: كان لغويًا كثير التأليف عالمًا بالتصنيف، صدوقًا من أهل السنة ... يقال: كان يذهب إلى قول إسحاق بن راهويه، وسمعت محمَّد بن زكريا بن عبد الأعلى يقول: كان ابن قتيبة يذهب مذهب مالك.
وقال نفطويه: كان إذا خلا في بيته وعمل شيئًا جوّده، وما أعلمه حكى شيئًا في اللغة إلاَّ صَدَق فيه.
وقال ابن حزم: كان ثقة في دينه وعلمه.
وقال النديم: كان صادقًا فيما يرويه، عالمًا باللغة والنحو، وكتبه مرغوب فيها ... وقال السِّلَفي (2): كان ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة.
__________
(1) البيتان في "الشعر والشعراء - ط شاكر": 1/ 69 هكذا:
وفُوها كأقاحيَّ ... غَذَاهُ دائمُ الهَطْلِ
كما شيب براحٍ با ... ردٍ من عَسَل النحلِ
(2) الأصل: السفلي. تحريف.
(25/215)

وقال ابن خلكان: "كان فاضلاً ثقة ... وتصانيفه كلها مفيدة".
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص ص (86): "وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، قال فيه صاحب كتاب "التحديث بمناقب أهل الحديث": وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء، وأجودهم تصنيفًا، وأحسنهم ترصيفًا، له زهاء ثلثمائة مصنف ... وكان أهل المغرب يعظمونه، ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه لا خير فيه" (1).
وقال أبو البركات ابن الأنباري: "كان فاضلاً في اللغة والنحو والشرع، متفننًا في العلوم، وله المصنفات المذكورة، والمؤلفات المشهورة". وفي "لسان الميزان": "وقال [الخطيب] في [كتاب] "المتفق": شهرته ظاهرة في العلم، ومحله من الأدب لا يحقر". وفي "بغية الوعاة": قال الخطيب: "كان
__________
(1) حُملت كتب ابن قتيبة إلى المغرب في حياته أو بعده بقليل، فقد تقدم أن من الرواة عنه قاسم بن أصبغ القرطبي، وفي بعض الكتب في الرواة عنه أبو بكر المالكي. ورأيت في ترجمة ولد ابن قتيبة أحمد بن عبد الله بن مسلم من كتاب "رفع الإصر عن قضاة مصر" للحافظ ابن حجر نسخة المكتبة الآصفية بحيدراباد الدكن ما لفظه: "قال ابن زولاق في سيرة جوهر: دخل أبو أحمد عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله بن قتيبة على جوهر ... فأجابه ... أي شيء يكون المصنف منك؟ قال: جدي، قال: كم كتبه؟ قال: أحد وعشرون كتابًا، فقال جوهر: أو أكثر بقليل. فقال جوهر: كان أبو جعفر البغدادي كَتبَ كُتُب ابن قتيبة وكان يفتخر بها، فورد على المهدي (العبيدي) الخبر أن ابن قتيبة ولي قضاء مصر فقال لأبي جعفر: نهنئك قد ولي ابن أستاذك القضاء" ... [المؤلف].
(25/216)

رأسًا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس".
وقال ابن السمعاني: " ... وهو صاحب التصانيف كغريب الحديث ومختلف الحديث ... وغيرها من الكتب الحسنة المفيدة". وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية بعد ما تقدم: "قلت: ويقال هو لأهل السنة كالجاحظ للمعتزلة، فإنّه خطيب السنة، كما أنّ الجاحظ خطيب المعتزلة".
وقال ابن الأثير في خطبة "النهاية" بعد ما ذكر تآليف القدماء في غريب الحديث: واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد ... فجمع كتابه المشهور ... قال فيما يُروى عنه: إنّي جمعت كتابي هذا في أربعين سنة ... إلى عصر أبي محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمه الله، فصنّف كتابه المشهور في غريب الحديث ... ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المدرجة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه حاجة ... فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر ... واستمرت الحال إلى عهد الإِمام أبي سليمان حَمْد بن محمَّد بن أحمد الخطابي ... فألّف كتابه المشهور ... سلك فيه نهج أبي عبيد وابن قتيبة، واقتفى هديهما. وقال في مقدمة كتابه بعد أن ذكر كتابيهما وأثنى عليهما ... "ذكر الخطابي مؤلفات أخرى ثم قال: ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرنا أن يكون شيء منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى، وجودة الاستنباط وكثرة الفقه، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحجة، وذكر النظائر، وتلخيص المعنى ... ".
أقول: من تدبّر هذا علم علو درجة ابن قتيبة، فإنّ أبا عبيد جمع كتابه في غريب الحديث في أربعين سنة، ولا شكّ أنّه جمع الأحاديث المشهورة والآثار المتداولة، فلمّا جاء ابن قتيبة وحاول استدراك ما لم يذكره أبو عبيد
(25/217)

فعمله أشق، ومع ذلك جمع كتابًا مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر. وبالنظر إلى كثرة مصنفاته الأخرى يظهر أنّه قام بعمل كتاب غريب الحديث في سنوات قليلة.
وقال ابن النديم في "الفهرست": "كان ابن قتيبة يغلو في البصريين إلا أنّه خلط المذهبين، وحكى في كتبه عن الكوفيين، وكان صادقًا فيما يرويه، عالمًا باللغة والنحو، وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، وكتبه بالجبل مرغوب فيها".
وقال بروفسور بروكلمان: "ويعتبر ابن قتيبة في كتب الأدب إمام مدرسة بغداد النحوية التي خلطت بين مذهبي البصرة والكوفة، والواقع أنّ مصنفات ابن قتيبة كمصنفات معاصريه، أمثال أبي حنيفة الدينوري والجاحظ، فقد تناولت جميع معارف عصره، وقد حاول أن يجعل اللغة والشعر - وخاصة ما جمعه منهما نحويو الكوفة - وكذلك الأخبار، في متناول الذين يعملون في الحياة العامة، ويرغبون في التعلم".

* غضّ بعضهم منه:
أخذ عليه أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتابه "مراتب النحويين" (1): "أنّه قد خلط عليه بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها". وذكر بعض مؤلفاته كالمعارف والشعر والشعراء وعيون الأخبار، فقال: "إنّ ابن قتيبة كان يشرع في أشياء ولا يقوم بها نحو تعرضه لأمثال هذه المؤلفات".
__________
(1) عن الترجمة المطبوعة في عيون الأخبار. [المؤلف].
(25/218)

أقول: أمّا الحكايات عن الكوفيين فلا حرج في ذلك، وأمّا ما زعمه من التقصير في بعض مؤلفاته فكتابه "المعارف" لم يحاول فيه الاستيعاب، وإنّما حاول جمع ما تشتد الحاجة إليه، ويحْسُن بالمتأدب استحضاره، ويسهل على الناس حفظه، على أن في صدر كتاب "الفاخر" عن الصولي: أنّ أبا بكر ابن الأنباري أخذ كتابه "الزاهر" من كتاب "الفاخر" للمفضل بن سلمة، كما أنّ قتيبة أخذ كتابه "المعارف" من كتاب "المحبر" لمحمد بن حبيب"، ولم يزل العلماء يستمدّ بعضُهم من بعض.
وأمّا "الشعر والشعراء" فقد بسط ابن قتيبة مغزاه، وأوضح عذره في مقدمته في أنّه إنّما قصد جمع ما تشتد الحاجة إليه.
وأمّا "عيون الأخبار" فمن طالعه بان له حيف عبد الواحد وتعنته.
وفي "لسان الميزان": "وقال الأزهري في مقدمة كتاب "تهذيب اللغة": وأمّا ابن قتيبة فإنه ألّف كتابًا في مشكل القرآن وغريبه، وفي غريب الحديث ... وما رأيت أحدًا يدفعه عن الصدق فيما يرويه .. وهو كثير الحدس والقول بالظن فيما لا يحسنه ولا يعرفه، ورأيت أبا بكر بن الأنباري ينسبه إلى الغباوة وقلة المعرفة ويزري به".
أقول: أمّا كلام ابن الأنباري فيكفي في دفعه ما قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص ص (95) قال: "وابن الأنباري من أكثر الناس كلامًا في معاني الآي المتشابهات، يذكر فيها من الأقوال ما لم يُنْقَل عن أحد من السلف، ويحتجّ لما يقول في القرآن بالشاذ من اللغة، وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة، وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث من ابن قتيبة، ولا أفقه في ذلك، وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة،
(25/219)

لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ اللغة".
فحاصل هذا أنّ ابن قتيبة يقف عند أقوال أئمة السلف وما يشبهها، وابن الأنباري يوسِّع في التأويل.
وقد قال ابن قتيبة في خطبة كتابه "غريب الحديث" (1): "وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلفنا في شيء منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة وأشبهها بقصة الآية، ونَبَذْنا منكر التأويل ومنحول التفسير"، وكان هذا الاختلافِ بين الرجلين يرجع إلى اختلاف ما في المذهب، كما يشير إليه كلام ابن تيمية.
وأمّا الأزهري فإنّما ينعي على ابن قتيبة كلمات رأى أنّه أخطأ فيها، كما ترى بعض أمثلة ذلك في مادة (ب ع ل) من "لسان العرب"، وقد نعى الأزهري نحو ذلك على أبي عبيد وغيره من الأئمة، ومن تتبع كلام أئمة اللغة والغريب علم أنّهم كثيرًا ما يقولون في بعض الكلمات باجتهادهم، والعالم يضطر إلى مثل ذلك فيصيب ويخطئ، والأزهري نفسه لا يدعي لنفسه العصمة.

* حياته:
يظهر أنّ حياة ابن قتيبة كانت حياة هادئة، إنّما أولها في طلب العلم وآخرها في تصنيف الكتب وإملائها، ولم يُنقل عنه كبير اختلاط برجال الدولة، إلا أنّه ولي قضاء الدينور، فأقام بها مدة حتى نُسِب إليها، ثم عاد إلى
__________
(1) عن الترجمة المطبوعة في عيون الأخبار. [المؤلف].
(25/220)

بغداد فقضى فيها بقية عمره في جمع العلم ونشره، ويظهر أنّه كان له علاقة علمية بالوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير الخلافة ببغداد، فإنّه ذكره في صدر كتابه "أدب الكاتب"، وأثنى عليه، فكأنّه ألفه باسمه.

* وفاته:
قال الخطيب في "تاريخ بغداد": "قرأت على الحسن بن أبي بكر، حدثنا أحمد بن كامل القاضي قال: ومات عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري في ذي القعدة سنة 270، أخبرنا محمَّد بن عبد الواحد، حدثنا محمَّد بن العباس، قال: قُرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال: ومات عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب التصانيف فجأة، صاح صيحةً سُمعت من بُعْد، ثم أغمي عليه ومات.
قال ابن المنادي: "إنّ (1) أبا القاسم إبراهيم بن محمَّد بن أيوب بن بشير الصائغ أخبرني أن ابن قتيبة أكل هريسة، فأصابته حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين".
وقال ابن خلكان: "توفي في ذي القعدة سنة سبعين، وقيل: إحدى وسبعين، وقيل: أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين، والأخير أصح الأقوال".
__________
(1) في (ط): "قم أن"! ولعلها: "ثم إن".
(25/221)

* تراثه العلمي ومؤلفاته:
تقدم عن صاحب كتاب "التحديث بمناقب أهل الحديث" أن له زهاء ثلثمائة مصنف، ونقل عن النووي أنّ له نحو ستين مصنفًا، وذكر ابن النديم اثنين وثلاثين كتابًا.
وفي ترجمة ولد ابن قتيبة أحمد من كتاب "رفع الإصْر عن قضاة مصر" أنّ القائد جوهرًا مولى العبيدين سأل حفيد ابن قتيبة عن مصنفات جده فقال: "واحد وعشرون"، فقال جوهر: "أو أكثر بقليل".
وفي الترجمة المطبوعة في المجلد الرابع من كتاب "عيون الأخبار" بقلم الأستاذ أحمد زكي العدوي بيان ضافٍ لتلك المصنفات، وأسماء ما عُرِف منها وما يتعلق بها، ذَكَر 48 مصنفًا فلتراجع هناك، وأقْتصِر هنا على كتاب المعاني.
***
(25/222)

كتاب المعاني الكبير
تقدم عن "المزهر" للسيوطي في الكلام على أبيات المعاني: "وقد ألف ابن قتيبة في هذا النوع مجلدًا حسنًا"، وذكر البغدادي في "خزانة الأدب" (ج 1 ص 9) الكتب التي استمدَّ منها وفيها: "وأبيات المعاني لابن قتيبة في مجلدين ضخمين" (1). وفي ترجمة أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة من كتاب "رفع الإصر عن قضاة مصر" للحافظ ابن حجر ذكر في جملة مصنفات ابن قتيبة و"معاني الشعر". وأيضًا وجدنا في ترجمة أحمد في "الديباج المذهب" (ص 35) في تعداد مصنفات أبيه ابن قتيبة "ومعاني الشعر".
وفي "فهرست ابن النديم" عند ذكر ابن قتيبة: "وله من الكتب كتاب معاني الشعر الكبير ويحتوي على اثني عشر كتابًا منها:
1 - كتاب الفرس، ستة وأربعون بابًا.
2 - كتاب الإبل، ستة عشر بابًا.
3 - كتاب الجرب، عشرة أبواب.
4 - كتاب العرور، عشرون بابًا.
5 - كتاب الديار، عشرة أبواب.
6 - كتاب الرياح، إحدى وثلاثون بابًا.
7 - كتاب السباع والوحوش، سبعة عشر بابًا.
__________
(1) لا منافاة بين القولين، يمكن أن قطع هذين المجلدين كان صغيرًا. [المؤلف].
(25/223)

8 - كتاب الهوام، أربعة عشر بابًا.
9 - كتاب الأيمان والدواهي، سبعة أبواب.
10 - كتاب النساء والعزل، باب واحد.
11 - كتاب النسب واللبن، ثمانية أبواب.
12 - كتاب تصحيف العلماء، باب واحد.
وذكر بروفسور بروكلمان "كتاب المعاني" الذي ذكره ابن النديم، ثم قال: "ومن المحتمل أن يكون عين كتاب "أبيات المعاني"، موجود بمكتبة آيا صوفيا رقم 4050".
وذكر الفاضل أحمد زكي العدوي مصنفات ابن قتيبة، فذكر فيها عدد (21) "معاني الشعر الكبير ... " ساق عبارة ابن النديم، ثم كتب عدد (22)، وقال "كتاب المعاني في خزانة أيا صوفيا رقم 4050، الجزء الأول من كتاب المعاني لابن قتيبة، وهذا الجزء في كتاب الخيل (1). وفي المكتب الهندي بلندن الجزء الثاني منه، وأوله باب الذباب (2)، ويحتمل أن يكون هذان الجزءان من الكتاب السابق".
أقول: قد تصفَّحتُ النقل عن هذين الجزئين، فتبين لي أنّهما من كتاب
__________
(1) هو الذي عبَّر عنه ابن النديم بكتاب الفرس، وكذلك فيه كتاب السباع والوحوش وكتاب الطعام والضيافة وهذا الجزء في الأصل على 539 صفحة. [المؤلف].
(2) وفي هذا الجزء كتاب الذباب وكتاب الهوام أو كتاب الوعيد والبيان ... والأيمان والدواهي وكتاب الحرب وكتاب الميسر ... والشيب والكبر وفيه بعض خروم وناقص من آخره. الموجود منه 272 ورقة وهو في مكتب الهند بالقسم العربي رقم (1155). [المؤلف].
(25/224)

المعاني الذي ذكره ابن النديم، وممّا يدلّ على ذلك أولاً أن هذين الجزئين من تصنيف ابن قتيبة حتمًا لشواهد كثيرة، منها ما تشاهده في الجدول الآتي:
في عيون الأخبار لابن قتيبة .................. كتاب المعاني ص (110) من
(1/ 157 - 158): "وأنشدني أبو .......... مطبوعنا "وأنشد أبو عبيدة هذا
حاتم عن أبي عبيدة ... قال أبو ............ الشعر .. وقال [أبو حاتم]
حاتم: أحسبه لعبد الغفار ................. السجستاني: هو لعبد الغفار
الخزاعي ............................... الخزاعي:
ذاك وقد أذعَرُ الوحوشَ بصَلْ .......... ذاك وقد أذعَرُ الوحوشَ بصل
تِ الخدِّ رَحْبٍ لَبانُه مُجْفَرْ ........... تِ الخدّ رَحْبٍ لَبانُه مجفرْ
طويلُ خمسِ قصيرُ أربعةٍ ............ طويلُ خمسٍ قصيرُ أربعةٍ
عريضُ سِتِّ مقلِّصٌ حَشْوَرْ .......... عريضُ ستِّ مقلِّص حَشْوَرْ
... وقد فسَّرت هذا الشعر في ....... قال: قال أبو عبيدة: طويل العنق
كتاب المؤلف في "أبيات ............. طويل الأذنين طويل الذراعين
المعاني" في خلق الفرس. .......... طويل الأقراب طويل الناصية".
****
أنشد ابن السِّيد في الاقتضاب ص .. كتاب المعاني الكبير ص (217)
(302) قول الأعلم يصف ضبعًا: ... من مطبوعنا:
عشنزرةٌ جواعرها ثمانُ ........... عشنزرةٌ جواعرها ثمانُ
فويق زماعها وشم حجولُ .......... فويق زماعها وشم حجولُ
..................................... العشنزرة: لغليظة.
(25/225)

ثم قال: "وذكر ابن قتيبة ... في ........... وسألت الرياشي عن قوله:
كتابه الموضوع في معاني الشعر .......... "جواعرها ثمان" فقال: الجواعر
سألت الرياشي عن قوله: .................. أربع وهي في موضع رقمتي
"جواعرها ثمان" فقال: الجواعر ........... الحمار، ومواصل أطراف عظام
أربع وهي في موضع الرقمتين من ........ وأراه أراد زيادة في تركيب
مؤخر الحمار، وأراه أراد زيادة في ........ خلقها".
تركيب خلقها" ................................................
****
أنشد البغدادي في "خزانة الأدب" ........ وفي كتاب المعاني الكبير
(ج 4 ص 20) لامرئ القيس يصف .... (ص 60) من مطبوعنا: "وقال
فرسًا: ................................... امرؤ القيس:
إذا أقبلت قلت دُبّاءة ................... إذا أعرضت قلت دباءة
من الخضر مغموسة في الغدر .......... من الخضر مغموسة في الغدر
وقال ابن قتيبة في أبيات المعاني: ....... وفسره بقوله: يقول: كأنّها من
يقول: كأنّها من بريقها قرعة، ........... بريقها قرعة، وليس يريد أنّها
وليس يريد أنّها مغموسة في الماء، .... مغموسة في الماء، ولكنّه أراد أنها
ولكنّه أراد أنها في رِيّ، فهو أشد ..... في رِيّ، فهو أشد لملاستها، وهذا
لملاستها، وهذا كقولك: فلان .......... كقولك: فلان مغموس في الخير،
مغموس في الخير، وقال بعضهم: .... وقال بعضهم: إناث الخيل تكون
(25/226)

إناث الخيل تكون في الخِلْقة .............................. في الخِلْقة كالقَرْعة، يدق مقدمها
كالقَرْعة، يدق مقدمها ويعظم .............................. ويعظم مؤخرها".
مؤخرها" .................................................
****
في "الخزانة" (ج 3 ص 642) ........................... كتاب المعاني الكبير (ص 84 -
"أنشده ابن قتيبة في أبيات ................................ 85) من مطبوعنا، وقال آخر:
المعاني .................................................
فأعقب خيرًا كلّ أهوج مهرجِ" (؟) ......................... فأعقب خيرًا كلّ أهوج ممرجِ
وكل مفداة العلالةِ صلدمِ ................................... وكل مفداة العلالةِ صلدمِ
قال: أي أعقبتهم خيلهم هذا (؟) ........................... أي: أعقبتهم خيلهم هذه خيرًا ممّا
خيرًا مما قاموا عليها وصنعوها، ............................ قاموا عليها وصنعوها، والأهوج
والأهوج الذي يركب رأسه، ................................. الذي يركب رأسه، والممرج
والمهرج (؟) بكسر الميم الكثير ............................ الكثير الجري، وقوله: "مفداة
الجري، وقوله: "وكل مفداة .................................. العلالة" يقال لها إذا طلب
العلالة" يقال لها إذا طلب ................................... علالتها، وهي بقية جريها: ويها
علالتها، وهي بقية جريها: ويها ............................... فدى لك. ومثله لطفيل:
فدا لك. ومثله قول طفيل: .................................. وللخيل أيام فمن يصطبر لها
وللخيل أيام [فمن يصطبر لها ................................ ويعرف لها أيامها الخير تعقبُ
ويعرف لها أيامها الخير تعقبُ ................................ والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل
والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل ................................ تسميها: الخير، قال الله تعالى:
(25/227)

تسميها: الخير، قال الله تعالى: ............................. {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي
{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي .................. حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32]
حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] ................... ذكروا أنّه لها بالخيل وبالنظر
ذكروا أنّه لها بالخيل وبالنظر ................................. إليها، حتى فاتته صلاة العصر،
إليها، حتى فاتته صلاة العصر، ............................... وقال أبو ميمون العجلي: فالخيل
وقال أبو ميمون العجلي: فالخيل ............................. والخيرات كالقرينين".
والخيرات كالقرينين". ............................................................
في الخزانة (ج 1 ص 65) "من .............................. وفي كتاب المعاني الكبير (ص
أبيات أربعة رواها الرواة لتأبط ................................. 208 - 209)، وقال: تأبط شرًّا:
شرًّا منهم .... وابن قتيبة في أبيات ............................ ووادٍ كجَوْف العير قفرٌ قطعته
المعاني ... والأبيات هذه: .................................... به الذئبُ يعوي كالخليع المعيلِ
وقربة أقوام جعلت عصامها .................................... الخليع: الذي قد خلعه أهله
على كاهل مني ذلول مرحلِ .................................... لجناياته، والمعيَّل: الذي ترك
ووادٍ كجَوْف العير قفرٌ قطعته .................................. يذهب ويجيء حيث شاء ...
به الذئب يعوي كالخليع المعيَّلِ ................................ طرحت له نعلاً من السبت طلة
فقلتُ له لما عوى إن شأننا .................................... خلاف ندى من آخر الليل مخضلِ
قليلُ الغنى إن كنت لمّا تموّلِ .................................. وقلتُ له لما عوى إنّ ثابتًا
كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ..................................... قليل الغنى إن كنت لما تمولِ
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ ............................... كلانا مضيعٌ لا حراثة عنده
............................................................. ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
(25/228)

إلى أن قال: "والخليع قال ابن ................................. يقول: إن كنت لا مال لك فأنا لا
قتيبة في أبيات المعاني هو الذي ............................... مال لي، وثابت اسم تأبط شرًّا، لا
قد خلعه أهله، والمعيل الذي تُرِك .............................. حراثة عنده، أي: ليس عنده
يذهب ويجيء حيث شاء، .................................... إصلاح مال".
وروى ابن قتيبة: وقلت له لما ...........................................................
عوى إن شأننا (؟) ... كلانا مضيع .......................................................
لا خزانة (؟) ...............................................................................
****
شرح ديوان امرئ القيس للوزير ................................ وفي كتاب المعاني الكبير
أبي بكر عاصم بن أيوب ...................................... (ص 20) من مطبوعنا: "وقال
(ص 16): "وقال القتيبي يروي: .............................. امرؤ القيس:
لها وثباتٌ كصوبِ السحاب .................................. لها وثباتٌ كصوبِ السحاب
فوادٍ خطيط ووادٍ مطر ........................................ فوادٍ خطيط ووادٍ مطر
الخطيطة: أرض لم تمطر بين .................................. الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين
أرضين ممطورتين، ويستحب .................................. ممطورتين، ويستحب سعة شحوة
سعة سحرة (؟) الفرس فجعل .................................. الفرس، فجعل شحوته - وهي ما بين
سحويه (؟) وهو (؟) ما بين حافر .............................. حافريه من الأرض - خطيطًا،
(؟) من الأرض خطيطًا وموضع ................................ وموضع الحافر غيثًا".
الحافر مغيثًا" ...............................................................................
(25/229)

وفي شرح ديوان امرئ القيس مواضع أخرى، لكنّه لا يسمي الكتاب، بل يقول: "وقال القتيبي" وعامة ذلك من هذا الكتاب "كتاب المعاني".
****
شرح ديوان النابغة للوزير أبي بكر ............................ كتاب المعاني الكبير (ص 1015)
عاصم بن أيوب (ص 3) قول ..................................... "وقال النابغة:
النابغة: ..........................................................
لئن كان للقبرَيْن قبر بجلّقٍ ................ لئن كان للقبرَيْن قبرٌ بجلّقٍ
وقبرٌ بصيداء الذي عند حاربِ ................... وقبرٌ بصيداء الذي عند حاربِ
وللحارث الجفني سيد قومه ........................... وللحارث الجفني سيد قومه
ليلتمسنْ بالجيش دار المحاربِ ............... ليلتمسنْ بالجيش دار المحاربِ
وقال في شرح ذلك (ص 4): ..................................... هذا تحضيض على الغزو يقول:
"وقال القتيبي: هذا تحضيض على .................................. لئن كان ابن هؤلاء الذين سميتَ
الغزو يقول: لئن كان ابن هؤلاء ...................................... ووصفتَ مكان قبورهم ليغزون
الذين سميتَ ووصفتَ مكان ........................................ بالجمع دار من يحاربه".
قبورهم ليغزون بالجيش دار من ........................................................
يحاربه" ..............................................................................
****
وفي شرح ديوان النابغة مواضع كثيرة يقول فيها: "قال القتيبي ... " ولا
يسمي الكتاب، وعامة ذلك من هذا الكتاب "المعاني الكبير".
(25/230)

ولم يذكر أحد من مترجمي ابن قتيبة أنّ له كتابين في هذا الفن، إنّما المعروف له كتاب واحد، فما وقع في "فهرست ابن النديم": "كتاب المعاني الكبير" لعله إشارة إلى أنه أكبر من كتب المعاني التي ألفها غير ابن قتيبة.
ثانيًا: قابلت التفصيل الذي ذكره ابن النديم بما في الجزئين فلم أجد فيهما خمسة من الكتب الضِّمْنية التي ذكرها، وهي الثاني والخامس والسادس والعاشر والثاني عشر.
وأمّا السبعة الكتب الباقية فتبين لي أنّها في الجزئين، أكثر ذلك بوضوح وبعضه برجوح، وذلك أنّه وقع في بعض الألفاظ في "فهرست ابن النديم" تصحيف، ووقع في الجزئين مخالفة في الترتيب وغير ذلك كما ترى بيانه في الجدول الآتي:

تفصيل ابن النديم مما يطابقه من الموجود من هذا الكتاب.
1 - كتاب الفرس: ................................. الجزء الأول المجلد الأول (ص 2 - 180) من
(ستة وأربعون بابًا). ................................. مطبوعنا الجزء الأول في كتاب الخيل "أبيات
..................................................... المعاني في الخيل" ثم ساق الكلام وعدد
.................................................... العناوين كما سترى في "الفهرست" ستة
.................................................... وخمسون.
2 - كتاب الإبل: ................................. مفقود، وقد أحال عليه المؤلف في مواضع
(ستة عشر بابًا) .................................... منها ص (14)، قال: "وللعرق باب ألّفته في
.................................................... كتاب الإبل فيه أبيات المعاني في عرق الإبل،
.................................................... ومنها ص (81) قال: "وقد فسّر في كتاب
.................................................... الإبل".
(25/231)

3 - كتاب الجرب: ................................. الجزء السادس ص (879 - 1146) من
(عشرة أبواب) ........................................ مطبوعنا "الأبيات في الحرب" ثم ساق
....................................................... الأبواب المناسبة "الطعنة والشجة والضربة
....................................................... في الديات في الثأر ... " وهي عشرة أبواب.
....................................................... فالظاهر أنّ كلمة "الحرب" تصحفت في
....................................................... فهرست ابن النديم، والذي أوقع في ذلك
....................................................... مجاورة الإبل، فإن الجرب من أدوائها.
4 - كتاب العرور: .................................. الجزء الثالث ص (365 - 602) من مطبوعنا
(عشرون بابًا) ....................................... "الثالث من كتاب المعاني لابن قتيبة، وهو كتاب
....................................................... الطعام والضيافة ... أبيات معان في القدور" ثم
....................................................... ذكر بعد ذلك أبوابا "في الجفان، في الرحا، ....
..................................................... وهي عشرون بابًا، فيظهر أنّ ابن النديم إنّما قال:
....................................................... "باب القدور ... " فتصحَّفت الكلمة في النسخة،
....................................................... أوقع في ذلك مجاورة الجَرَب والإبل, لأنّ
....................................................... العرور من أدواء الإبل كالجَرَب.
5 - كتاب الديار: .................................... مفقود، وقد أحال عليه المؤلف في النصف
(عشرة أبواب) ........................................ الثاني، الورقة الأصل (243 ألف)، ذكر بيت
....................................................... النابغة:
....................................................... كأنّ مجرّ الرامسات ذيولها
....................................................... عليه حصير نمقته
....................................................... الصوانع ثم قال: "وقد فُسَّر في موضعه في
....................................................... وصف الديار".
(25/232)

6 - كتاب الرياح: ................................. مفقود
(أحد وثلاثون بابًا) ..........................................................................
7 - كتاب السباع ................................. الجزء الثاني ص (181 - 364) من مطبوعنا
والوحوش: ......................................... "الجزء الثاني فيه الأبيات في صفة الذئب
................................................... والأرنب والضبع والكلاب والأسد ... "،
................................................... والأبواب سبعة عشر كاملاً.
8 - كتاب الهوام ... : ............................ الجزء الرابع ص (306 - 792) "أبيات في
(أربعة عشر بابًا) .................................... الذباب" وسقطت قبل ذلك ورقة، ثم أبيات
................................................... في البعوض، وأبواب أخرى: الجراد، النحل،
................................................... الجعل ... الحية، العقارب، ضروب من
................................................... الهوام"، وعناوينه ثلاثة وعشرون.
9 - كتاب الأيمان ................................. الجزء الخامس ص (793 - 872) من
والدواهي: .......................................... مطبوعنا "الجزء الخامس في الوعيد والبيان
(سبعة أبواب) ....................................... والخطابة ... والأيمان ... والداهية ... "
................................................... وعناوينه ستة.
10 - كتاب النساء ................................. مفقود
والعزل (والغزل؟) ............................................................................
11 - كتاب النسب ................................. الجزء السابع، المجلد الثالث من مطبوعنا
واللبن: ................................................ "السابع من كتاب المعاني ... الميسر والشعر
(ثمانية أبواب) ......................................... والشعراء والشيب والكبر وغير ذلك، وأبوابه
................................................... ثمانية كاملاً، فكأن كلمتي "الشيب والكبر"
................................................... تصحفت في نسخة "الفهرست".
(25/233)

12 - كتاب تصحيف .................................... مفقود
العلماء: .................................................................................
(باب واحد) ..............................................................................
وممّا يصحح القياس في تصحيف "الجرب" عن "الحرب"، وتصحيف "العرور" عن "القدور"، وتصحيف "النسب واللبن" عن "الشيب والكبر" أمور:
الأول: أنّ عدد الأبواب في تلك الكتب على ما ذكره ابن النديم موافق لعدد الأبواب في كتابنا "في كتاب الحرب" و"كتاب الطعام والضيافة" و"كتاب الميسر ... والشيب والكبر".
والثاني: أنّ من يعرف الأدب العربي لا يخفى عليه أن الجرب والعرور لم يأت فيهما من الشعر ما يمكن أن يُجْمع من أبيات المعاني منه كتابان يحتوي الأول على عشرة أبواب، والثاني على عشرين بابًا، وإنّما حقهما أن يكون لهما باب أو بابان في كتاب الإبل.
الثالث: أنّه لو فرض أنّ هذا الكتاب غير كتاب "المعاني الكبير" الذي ذكره ابن النديم، وأنّ في ذاك كتابين للجرب والعرور، لكان ذاك الكتاب خاليًا من ذكر الحرب، وذكر الطعام والضيافة، فكيف يعقل أن يهمل ابن قتيبة في ذاك الكتاب الكبير والحرب والطعام والضيافة مع عظم أهميتهما وكثرة الأشعار فيهما، ويعتني بالجرب والعرور؟
فأمّا اختلاف عدد الأبواب فأقرب ما يوجَّه به اختلاف النسخ، وأيضًا من العناوين ما يكتب أوله لفظ "باب"، ومنها ما لا يكتب فيه ذلك، فيمكن أن
(25/234)

تكون بعض العناوين ضمنية، ويكون ما تحتها داخلا في الباب السابق، وذلك ممّا ينشأ عنه اختلاف عدد الأبواب.
قد سلف الإشارة إلى مكانة الشعر العربي ثم إلى مكانة فن أبيات المعاني وتفسير علماء السلف لها.
وههنا نذكر خصائص أخر لهذا الكتاب، فمنها:
1 - أنّه مُتكفِّل بجمع غالب أبيات المعاني، وبقية كتب الفن مفقودة إلا كتاب الاشنانداني وهو مختصر جدًّا، لا يكاد يبلغ نصف عشر الموجود من هذا الكتاب.
2 - لم يقتصر ابن قتيبة على ذكر العويص من الشعر، بل أتى به وبما يقرب منه وما يتصل به وما يناسبه في معناه، فأصبح بذلك ذخيرة أدبية عظيمة.
3 - في الكتاب طائفة غير قليلة من الأشعار التي لا توجد في الكتب المطبوعة، ومنها ما يُشكّ في وجوده فيما أبقته يدُ الحَدَثان من المخطوطات، من ذلك أرجوزتان طويلتان [و] لامية في الخيل أيضًا.
4 - فيه أشعار كثيرة توجد في الكتب الأخرى، لكنّها فيها غير مفسرة، وهي فيه مفسرة بالتفسير الواضح.
5 - المؤلف من الأئمة الذين يُسْتند إلى قولهم ونقلهم في اللغة والغريب، وفي هذا الكتاب جملة كبيرة من ذلك، بحيث يصح أن يُعدّ كتاب لغة لا كتاب أدب وشعر فقط.
(25/235)

6 - عامة الألفاظ اللغوية المفسرة فيه إنّما هي واردة في الأشعار التي يفسرها، وفي ذلك أعظم فائدة لتحقيق ضبط الكلمة ومعناها وموضع استعمالها، ومن أمثلة ذلك أنّ في "تاج العروس شرح القاموس" (وق ي): "التقيا: شيء يتقي به الضيف أدنى ما يكون" فأخذ هذه العبارة صاحب "أقرب الموارد"، وزاد فضبط "التَّقْيا" بفتح التاء وسكون القاف، وفي هذا الكتاب ص (424): "وأنشد: قَرانا التُّقَيَّا بعد ما هبّت الصبا" ثم قال: "التقيا: شيء يُقراه الضيف يتقي به الأذى، بقدر ما تقول: أطعمته شيئًا". فبان بوزن الشطر الذي أورده أن ضبط "أقرب الموارد" خطأ، واتضح معنى الكلمة، وثبتت عربيتها؛ لأنّها في "التاج" غير منسوبة إلى كتاب ولا إمام.
7 - يوجد فيه من الألفاظ اللغوية أو الصِّيَغ ما لا يوجد في المعاجم المطبوعة، من ذلك ما في ص (474) لعدي بن زيد:
ووطيد مستعل سيبه ... عاقد الأيام والدهر يُسنّ
قال: "الوطيد الملك"، ولم نجد هذا في المعاجم، ولا هناك مظنة لتصحيف أو تحريف.
ومن ذلك أنّه أنشد في ص (576) لأبي النجم:
عيرًا يُكَدّ ظهرُه بالأفْوُقِ ... حمارَ أهِلِ غير أن لم ينهَقِ
ثم قال: "أي يكد بالذل، فواقًا بعد فواق". وهذا يعطي أن الأفوق جمع فواق، ولم نجده في المعاجم.
وأثمن من هذا وأجدى أنّ فيه مواضع يتبين بها خطأ أصحاب المعاجم وتصحيفهم، منه ما في ص (446) أنشد لابن مقبل:
(25/236)

سقتني بصهباء درياقةٍ ... متى ما تُليِّنْ عظامي تَلِنْ
صُهابيةٌ مُترعٌ دنُّها ... تُرجَّع في عودِ وعسٍ مُرِن
وفسره بقوله: "أي ترجَّع الخمر في هذا القدح، تعرف منه فيوالي عرفها ويُشرب وهو ترجيعه، وعسا لموالاة العَرف والحاجة، كما تواعس أنت الأرض فتلحّ عليها وتطؤها، عود يعني قدحًا، والمرن الذي يُرِنّ إذا شُرب أطرب صاحبه حتى يَرنّ أي يتغنى ويترنّم ... "، ونقلتُ في التعليق عن القدماء ما يوافق قول المؤلف: أنّ البيت الثاني في وصف الخمر، وأنّ كلمة "عود" أريد بها القدح، إلا أنّ بعضهم قال: الوعس هنا الرمل، ومعنى عود وعس عود رمل، وعني به قدح زجاج، فإنّ الزجاج يعمل من الرمل، فجاء بعض المتأخرين فتصحف عليه الشطر الأول، وحَدَس أنّ البيت في وصف مغنية، وأنّ المراد بالعود عود الطرب، وأنّ الوعس ضرب من الشجر، فتبعه أصحاب المعاجم من المتأخرين، فزعموا أنّ الوعس ضرب من الشجر تُعْمَل منه البرابط، وهذا كله حدس، ولا يثبت في اللغة أنّ الوعس شجر.
8 - لم يسق ابن قتيبة الأشعار التي يريد تفسيرها مفرقة كيفما اتفق، بل رتّب وبوّب وهذّب، فقسّم الكتاب أولاً إلى أجزاء بحسب موضوعاتها، كما تقدم، فالجزء الأول في الخيل.
ثمّ رتّبه على أبواب، بدأ أولاً بأبيات أبي دواد:
لقد ذعرتُ بناتِ ع ... مِّ المرشقاتِ لها بصابِصْ
بمجوَّفٍ بلقًا وأع ... لى لونه وردٌ مُصامِصْ
ككنانةٍ الزُّغَرى زَيَّ ... نها من الذهب الدُّلامِصْ
(25/237)

يمشي كمشي نعامَتَيْ ... ن تتابعان أشقَّ شاخصْ
يخرجن من خلل الغبا ... فجامِزُ الوَلَقى وقابصْ
وأبيات أخرى تتعلّق بألوان الخيل، فظهر أنّ تلك المقدمة في وصف ألوان الخيل، ثم ذكر الأبواب: العرق، اضطرام العدو وحفيفه، في وثبها، لحوق الخيل بالصيد، الميل في أحد الشقين، جريها ومشيها، ما يشبَّه به جريها ومشيها، التشبيه بالعقاب، التشبيه بالبازي، التشبيه بالصقر، التشبيه بالنعامة.
وتراه يتحرّى حُسْن التخلُّص من باب إلى باب، مع مراعاة المناسبة.
ويجمع بين النظائر ويضم الشيء إلى مثله والشكل إلى شكله، وبذلك يتهيأ للمُطالع الإحاطة بكل موضوع في مكان واحد، ويتسنّى للمراجع أن يظفر ببغيته في موضع معين.
ومن أثمن ما فيه جمع الأشعار الغريبة البديعة في صفات الوحوش والطير والهوام والحشرات؛ كالأشعار في الذئب، والأشعار في القطا، والأشعار في الحية، والأشعار في النحل، وفي هذه الأبواب وغيرها من الأشعار الوصفية الرشيقة ما لا غايةَ بعده في إطراب أرباب الذوق.
جلُّ الفضل في إحياء هذا الكتاب الجليل لجناب المستشرق الكبير الدكتور كرنكو، وذلك أن البحاثين لم يجدوا لهذا الكتاب أثرًا في مكاتب العالم، إلا أنهم عثروا على جزء منه في خزانة أيا صوفيا بإستانبول رقم (4050)، وجزء آخر بمكتب الهند بلندن في القسم العربي رقم (1155)، فظفر الدكتور كرنكو عند بعض أصدقائه بنسخة مأخوذة بالتصوير الشمسي عن جزء أيا صوفيا، فبادر إلى انتساخها بخط يده، ثم دعته همته العالية
(25/238)

ورغبته الصادقة في إحياء العلم ونشره إلى تكميل الموجود من الكتاب، فنسخ النصف الثاني من جزء مكتب الهند، فحصلت له نسخة تحتوي على الجزئين.
وأفادنا الدكتور في بعض مكاتيبه أن الجزأين بخط واحد، يظهر أنهما كانا نسخة واحدة فرَّقت بينهما أيدي الزمان، وأنّ كتابتهما كانت في القرن السادس أو السابع، ولمّا رأى الدكتور ما في الأصل من كثرة الخطأ والتصحيف شمَّر عن ساعد الجدّ، وبذل غاية الجهد في تصحيح نسخته، وضحّى في مقابل ذلك بمدة ثمينة من وقته صرفها في تقليب المعاجم، وتتبُّع المظانّ من الكتب المطبوعة والخطيّة التي لم تطبع بعد، كما ترى دليل ذلك في تعليقاته القيمة، وبالغ في الاعتناء بتخريج أبيات الكتاب، ولا يخفى على من زاول مثل ذلك ما فيه من المشقة الشديدة، ثم أكمل ذلك بترتيب الفهارس المتعددة كما يأتي.
ثم بعث حضرة الدكتور كرنكو بنسخته المصححة إلى إدارتنا العلمية "دائرة المعارف العثمانية" للطبع، وذَكَر ما قاساه من سُقْم الأصل، وأنّه مع ما عاناه وبذله من المجهود العظيم في تصحيح النسخة، لا يثق بأنّه لم يبق في النسخة شيء من الغلط، فأُحِيلت النسخة إلى كاتب هذه الكلمة، فتصفحتُ الكتاب، واستدركت بعض ما بقي بحسب ما بلغه علمي على ما تيسر واتسع له الوقت المقرر.
وقسمنا الكتاب إلى ثلاثة مجلدات، قد تمّ طبع مجلدين منها، المجلد الأول من (ص 2 - 602) يشتمل على الجزء الأول في كتاب الخيل، والجزء الثاني في كتاب السِّباع والوحوش، والجزء الثالث في كتاب الطعام
(25/239)

والضيافة. المجلد الثاني من (ص 603 - 1146) يشتمل على الجزء الرابع في كتاب الذباب، والجزء الخامس في كتاب الوعيد والبيان، والجزء السادس في كتاب الحرب. والمجلد الثالث تحت الطبع، ويشتمل على الجزء السابع في الميسر والشعر والشعراء، وعلى فهارس الكتاب: الفهرس الأول للشعراء، والثاني لأعلام الرجال والنساء والقبائل، والثالث لأسماء الأماكن والمياه والأيام، والرابع للكتب المذكورة في كتاب المعاني، والخامس للقوافي، والسادس للأمثال.
الأصل رغمًا عن سقمه معرب الكلمات صوابًا وخطأ، واعتنى حضرة الدكتور بالمحافظة على الإِعراب وإصلاح ما بان له أنّه خطأ، لكن مع الأسف لا يتيسر لمطبعتنا وعمالها استيفاء الإِعراب في المطبوع، فنحن مضطرون إلى الاقتصار على ما نراه ضروريًّا منه.
أكثر التعليقات من إفادات حضرة الدكتور كرنكو، وبعض التعليقات بقلم كاتب هذه الكلمة، وتمتاز في المطبوع بعلامة في أواخرها وهي حرف (ي)، والتعليقات تشتمل على أمور، الأول: إثبات حواشي كانت على هامش الأصل، الثاني: تخريج الأشعار ببيان مواضعها من الكتب الأخرى، الثالث: التنبيه على ما وقع في الأصل ممّا اعتقد المصحح أنّه خطأ مع بيان الحجة، الرابع: فوائد مهمة من بيان معنى كلمة غريبة، أو إيضاح مراد المؤلف، أو التنبيه على تفسير آخر، أو على رواية أخرى أو نحو ذلك.
علينا وعلى جميع العالم الأدبي تقديم الشكر الجزيل لحضرة المستشرق الجليل البحَّاثة الدكتور كرنكو، فإنّ له الفضل في إحياء هذا الأثر الثمين، مع ما بذله من المجهود البالغ في تصحيحه والتعليق عليه وترتيب
(25/240)

فهارسه، مؤملين أن لا يزال يقدم للعلم وأهله أمثال هذه التحف السَّنية. ولا أنسى فضل الرفيق المفضال السيد زين العابدين الموسوي مصحح دائرة المعارف، والقائم بتكاليف التصحيح المطبعي لهذا الكتاب، مع تنبيهه لي على مواضع غير قليلة ممّا كان بقي في المسودة من الخطأ.
ونرجو من أهل العلم والفضل إذا عثر أحد منهم على نسخة من هذا الكتاب قديمة يكون فيها تكملة القطعة الباقية (الإبل، الديار، الرياح، النساء والغزل، تصحيف العلماء) أن يبادر بإخبار دائرتنا بذلك لنسعى في تكميل الكتاب. كما أنّنا نرجو منهم إذا عثروا في مطبوعنا على زلل أو خلل أن يتكرّموا بإطْلاعِنا لنتدارك ذلك في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.
طَبْع هذا الكتاب الجليل من أوائل الأعمال المهمة التي تقوم بها هذه الإدارة العلمية في عهدها الجديد، وهو عهد رئاسة ذي الفضل البارع والمجد الفارع، النواب علي ياورجنكَ بهادر عميد الجامعة العثمانية ورئيس الدائرة، وهو من بيت الشرف والعلم والرئاسة والعناية بهذه الدائرة العلمية، فإنّ مؤسسها السيد الجليل العالم الشهير النواب عماد الملك أعلى الله مقامه، جَدّه، ورئيسها السابق المأسوف عليه السيد الجليل مهدي ياورجنكَ، رفع الله درجاته، خاله.
نجوم سُماءٍ كلما انقضّ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
نسأل الله تعالى أن يجعله خير خلف لخير سلف، في حسن العناية بهذه الدائرة العلمية وغيرها، ويبلغه في الخير آماله، ويقرن بالفوز أعماله.
وعهد إدارة العالم الجليل الفاضل النبيل الدكتور محمَّد نظام الدين، الساعي لإصلاح شؤون هذه الدائرة وتوسعة أعمالها، ورفعها إلى المستوى
(25/241)

اللائق بها، نسأل الله تعالى أن يكلّل مساعيه الجميلة بالنجاح الباهر، ويثيبه على حسناته الجزيلة الثواب الوافر، وله الفضل في الإشراف على تصحيح الكتاب وعلى ترتيب هذه المقدمة، وإصلاح بعض ما فيها من الخلل والنقص، مع الإفادة بالمعلومات القيمة.
تقوم الدائرة بهذا العمل الجليل في عهد سلطنة مولانا السلطان الموفق المعان، سلطان العلوم، نظام الملك، مير عثمان علي خان بهادر، مدّ الله في أيامه، وبارك في أعماله، وحفظ ولي عهده وسائر أنجاله الكرام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن يحيى اليماني
المصحح بدائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن
في 9 ذي الحجة الحرام، سنة 1368 هجري
(25/242)

(8)

مُقَدِّمَة
"الفوائد المجموعة"
للشوكاني (ت 1250)
(25/243)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
أمّا بعد، فإنّ حضرة المحسن الكريم، الواقف نفسَه طول عمره المبارك على إحياء علوم السنة النبوية، والعناية بأهلها وكُتُبها، وبَذْل كل مرتخص وغالٍ في ذلك السبيل، وهو صاحب الفضيلة: لشيخ محمَّد بن حسين نصيف، بارك الله في عمره، وأحسن مثوبته، عهد إليّ بتحقيق كتاب "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" جمع الإِمام المجتهد القاضي محمَّد بن علي الشَّوْكاني - رحمه الله - بعد أن تحصّل على نسخة مخطوطة، نُقِلت وقوبلت على نسخة كُتِبت في حياة المؤلف، بخط أحد تلامذته، مضافًا إلى ذلك النسخة المطبوعة بالهند.
ولما نظرتُ في الكتاب، وجدت جامعه رحمه الله قصد - كما تنبئ عنه مقدمته - إلى جمع الأحاديث التي نصّ بعض أهل العلم أنّها موضوعة، مبوبةً على سبيل الاختصار، مع تنبيهات منها ما هو مأخوذ عن بعض الكتب التي أخَذَ منها، وقبول (1) لقول مؤلفيها، أو مَن نقلوها عنه، ومنها ما هو مبني على بعض القواعد الأصولية، وزاد في باب فضائل البلدان أحاديث يوردها بعض مؤرخي اليمن، فبيّن أنّه لا أصل لها.
__________
(1) كذا في (ط).
(25/245)

ورأيته كثيرًا ما يورد الحديث، وأنّ ابن الجوزي ذكره في "الموضوعات"، ثم يذكر أن صاحب "اللآلئ المصنوعة" - وهو السيوطي - تعقبه في ذلك، أو ذكر له طريقًا أخرى فصاعدًا، ولا يبين حال تلك الطرق، ولا يسوق أسانيدها. وعذره في ذلك قصده إلى الاختصار، وعدم توفُّر الكتب الكافية لاستيفاء البحث والتحقيق، وسيظهر ذلك من صنيعه في مواضع من الكتاب لعلِّي أنبه عليها في التعليق.
ومسلك صاحب "اللآلئ" قريب من هذا، إلاّ أنّه يسوق الأسانيد غالبًا، فيخفّ الإعواز، إذ يتيسر لمن يعرف نقد الأسانيد أن يتبين الحال.
وعلى كل حال، ففي هذه الطريقة إعواز شديد؛ إذ لا يدري أكثر المطالعين ما الذي تقتضيه تلك الطريق، أو الطرق الأخرى، أتوجب ردّ الحكم بالوضع أم لا؟
وقد تتبعت كثيرًا من تلك الطرق، وفتشت عن تلك الأسانيد، فوجدت كثيرًا منها أو أكثرها، يكون ما ذكره السيوطي من الطرق ساقطًا، لا يفيد الخبر شيئًا من القوة.
ومنها ما غايته أن يقتضي التوقف عن الجزم بالوضع، فأمّا ما يفيد الحُسْن أو الصحة فقليل.
ولمّا فكّرت في تقييد ملاحظاتي، وجدت هناك أمورًا تحول دون استيفاء النظر في جميع المواضع.
منها: أنّ في "اللآلئ" خطأ، بعضه من النساخ، وبعضه من السيوطي نفسه، وسترى التنبيه على بعضه، واستيفاء النظر يقتضي مراجعة أصوله كلها، وكثير منها ليس في متناول يدي.
(25/246)

ومنها: أنّه يوجد في الأسانيد رواة لا توجد تراجمهم فيما بين يديّ من الكتب، كما يوجد عدة من أسماء الرواة محرّفة أو مختصرة أو مدلَّسة.
ومنها: أنّني عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين أجدني أرى كثيرًا منهم متساهلين، وقد يدلّ ذلك على أنّ عندي تشددًا، قد لا أُوافق عليه، غير أنّي مع هذا كله رأيت أن أبدي ما ظهر لي، ناصحًا لمن وقف عليه من أهل العلم أن يحقق النظر، ولا سيما من ظفر بما لم أظفر به من الكتب التي مرت الإشارة إليها.

* المؤلفات في الموضوعات:
في "الرسالة المستطرفة" ص (111 - 115) فصل مبسوط في هذا، سألخص منه ومن غيره ما تدعو إليه الحاجة.
لم يفرد المتقدمون الموضوعات بالتأليف، ولكن يكثر بيانهم لها في كتب العلل والرجال، كالتواريخ والكتب في الضعفاء، ونصُّوا على وَضْع نسخٍ معروفة: ككتاب العقل، والأربعين الودعانية، وغيرهما، وقد ذكرها الشوكاني آخر كتابه.
وأول من علمته أفرد الموضوعات بالتأليف: الحافظ الحسين بن إبراهيم الجوزقاني، المتوفى سنة 543، له كتاب "الأباطيل" (1).
ثم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597، وكتابه أكبرها وأشهرها.
__________
(1) ألف قبله أبو سعيد النقّاش (ت 414) كتاب الموضوعات, وهو من مصادر الذهبي في الميزان وابن حجر في اللسان.
(25/247)

ثم الصاغاني اللغوي المتوفى سنة 650، له رسالتان في ذلك.
ثم السيوطي المتوفى سنة 911، وله كتب في التعقب على ابن الجوزي، وهي: "النكت البديعات"، و"الوجيز"، و"اللآلئ المصنوعة"، و"التعقبات"، وقد طبع الأخيران. وله ذيل على كتاب ابن الجوزي، طبع أيضًا (1).
ثم محمَّد بن يوسف بن علي الشامي، صاحب السيرة، المتوفى سنة 942، له كتاب "الفوائد المجموعة في بيان الأحاديث الموضوعة"، أشار إليه في سيرته.
ثم علي بن محمَّد بن عراق، المتوفى سنة 963، له كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة"، جمع فيه بين موضوعات ابن الجوزي والجلال السيوطي، كذا في "كشف الظنون" وغيره، يحقق ذلك (2).
ثم محمَّد بن طاهر الفتَّني الهندي، المتوفى سنة 986، له كتاب "تذكرة الموضوعات"، مطبوع، جمعه من كتب السيوطي وغيرها.
ثم الملّا علي قاري المتوفى سنة 1014، له كتاب في ذلك، سماه بعضهم "تذكرة الموضوعات"، وطبع بالآستانة باسم موضوعات كبيرة، وله أيضًا رسالة تسمى "المصنوع في الحديث الموضوع".
__________
(1) طبعت كتب السيوطي، أما الذيل على كتاب ابن الجوزي الذي ذكره الشيخ فلعلَّه الذيل على اللآلئ المصنوعة، وقد طبع.
(2) طبع الكتاب في مجلدين. وقد ذكر ذلك ابن عراق في مقدمته.
(25/248)

ثم الشيخ محمَّد بن أحمد بن سالم السفَّاريني الحنبلي، المتوفى سنة 1188، له كتاب "الدرر المصنوعات في الأحاديث الموضوعات"، في مجلد ضخم.
ثم القاضي محمَّد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250، له كتابنا هذا.
ثم العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي، المتوفى سنة 1304، له "الآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة".
ولأبي المحاسن محمَّد بن خليل القاوقجي، المتوفى سنة 1305، له كتاب "اللؤلؤ المرصوع، فيما قيل: لا أصل له، أو بأصله موضوع".
ولمحمد البشير ظافر الأزهري، المتوفى سنة 1325 "تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين".
وثَمّ كتب اشتملت على الموضوع والواهي ونحوه، منها كتاب "التذكرة" للحافظ محمَّد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة 507 وهو مطبوع، وهو من هذا الضرب، كما يدلّ عليه تصفحه، وكما تشعر به مقدمته، وكذلك اسمه في بعض التراجم "التذكرة في غرائب الأحاديث والمنكرة" أو "ومنكراتها"، ولا يعتدّ بتسميته في المطبوع "تذكرة الموضوعات".
ومنها كتاب "المغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم: لم يصح شيء في هذا الباب" لعمر بن بدر الموصلي، المتوفى سنة 543، وهو مطبوع، وله أيضًا: "العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة" و"معرفة الوقوف على الموقوف" في الموقوفات التي عدت في الموضوعات, باعتبار رَفْع بعضهم لها.
(25/249)

ومنها كتاب "الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي" لمحمد بن محمَّد الطرابلسي السندروسي. المتوفى سنة 1177.
وثَمّ ضرب ثالث يكثر فيه بيان الموضوع، فمنه: "تخريج أحاديث الإحياء" للعراقي، ومختصره لصاحب "القاموس"، و"المقاصد الحسنة في الأحاديث الدائرة على الألسنة" للسخاوي، وللحافظ ابن القيم رسالة طبعت باسم "المنار" فيها مباحث في شأن الحديث الموضوع ونحوه، وفيها جملة من الأحاديث الموضوعة.

* وهذه قواعد يحسن تقديمها:
1 - إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد يقول: "باطل" أو "موضوع". وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمدًا أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدًا، غير أنّ هذا المتبادر لم يلتفت إليه جامعو كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يرون قيام الدليل على بطلانه، وإن كان الظاهر عدم التعمد.
2 - قد تتوفر الأدلة على البطلان، مع أنّ الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتَّهم بتعمّد الكذب، بل قد يكون صدوقًا فاضلاً، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أُدخِل عليه الحديث.
3 - كثيرًا ما يذكر ابن الجوزي الخبر، ويتكلم في راوٍ من رجال سنده، فيتعقبه بعض من بعده، بأنّ ذاك الراوي لم يتهم بتعمّد الكذب، ويعلم حال هذا التعقُّب من القاعدتين السابقتين.
نعم، قد يكون الدليل الآخر غير كاف للحكم بالبطلان، ما لم ينضم إليه
(25/250)

وجود راو في السند معروف بتعمّد الكذب، ففي هذه الحال يتجه ذاك التعقب.
4 - إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنّهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر. فمن ذلك: إعلاله بأنّ راويه لم يصرِّح بالسماع، هذا مع أنّ الراوي غير مدلِّس. أعلَّ البخاري بذلك خبرًا رواه عَمرو بن أبي عَمرو مولى المطلب عن عكرمة، تراه في ترجمة عَمرو من "التهذيب". ونحو ذلك كلامه في حديث عَمرو بن دينار في القضاء بالشاهد واليمين. ونحوه أيضًا كلام شيخه علي ابن المديني في حديث "خلق الله التربة يوم السبت .. إلخ" كما تراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي، وكذلك أعل أبو حاتم خبرًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، كما تراه في "علل ابن أبي حاتم" (2/ 353).
ومن ذلك: إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يدخل على الشيوخ. يُراجع "معرفة [علوم] الحديث" للحاكم ص (120).
ومن ذلك: الإعلال بالحمل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه، كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشُّفْعة (1).
ومن ذلك: إعلالهم بظن أنّ الحديث أُدْخِل على الشيخ، كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة الفضل بن الحباب وغيرها.
__________
(1) فصّل المصنفُ القول في إعلال هذا الحديث في "تراجم مختارة" رقم (191) في ترجمة عبد الملك بن أبي سليمان.
(25/251)

وحجتهم في هذا: أنّ عدم القدح بتلك العلة مطلقًا، إنّما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا، يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذ لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنّها هي السبب، وأنّ هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أنّ ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنّهم قد صحَّحوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها = إنّما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقّب أن الخبر غير منكر.
5 - القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يُذْكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النية.
6 - صِيَغ الجرح والتعديل كثيرًا ما تُطلق على معانٍ مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك تتوقف على طول الممارسة واستقصاء النظر.
7 - ما اشتهر أنّ فلانًا من الأئمة مسهّل، وفلانًا مشدّد، ليس على إطلاقه، فإنّ منهم من يسهل تارةً، ويشدِّد أخرى، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم مع التدبر التام.
هذا وسترى أثناء التعليقات، التنبيه على قواعد أخرى.
(25/252)

وقد كان صديقي العزيز، الناقد البحَّاثة، الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصَّنِيْع، مدير مكتبة الحرم المكي، وعضو مجلس الشورى في الحكومة السعودية، أشار عليَّ بوضع مقدمة مستوفاة، فلم يتهيأ لي ذلك؛ لاشتغالي بأعمال أخرى، هي عندي بالعناية أولى، أو إلى رغبة نفسي أدنى، كما أشار بأنْ أُلحِق بهذا الكتاب رسالةً في تحقيق حكم العمل بالحديث الضعيف، وما حدّ الحديث الضعيف الذي يقدمه بعض أهل العلم على القياس، والذي يُعمل به في فضائل الأعمال (1).
وقد جمع هو نصوصًا في ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وكنت قد سوَّدت في ذلك رسالة، فعاقني الآن عن العمل بإشارته ما قدمتُ من العذر، وعسى أن ييسر الله تعالى ذلك فيما بعد.
وبهذه المناسبة أقدم شكري لصديقي المذكور على ما أمدَّني به في عملي هذا، من آراء قيمة، وتنبيهات على فوائد مهمة، مع الإرشاد إلى مراجعها والبحث بنفسه عنها، ثم بذل تلك المراجع من مكتبته الخاصة البديعة، فأحسن الله جزاءه، وأجزل مثوبته، ووفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
كتبه:
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
2 صفر سنة 1379 ه
__________
(1) وهي مطبوعة ضمن هذه الموسوعة بحمد الله تعالى.
(25/253)

(9)

مُقَدِّمَة
"المنار المنيف"
لابن قيم الجوزية (ت 751)
(25/255)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقفتُ على الرسالة المطبوعة باسم المنار، تصنيف الإِمام العلَّامة المُحَقِّق أبي عبد الله محمَّد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزية - رحمه الله - فأقبلتُ على مطالعتها؛ فعثرتُ على خطأ في بعضِ الأسماء والألفاظ، فكنت أُشيرُ إلى ذلك في حاشيةِ النسخة، فاتفقَ أن وقفَ عليه حضرةُ البحّاثةِ المدقق الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع، وكان هو قد لاحظَ عدَّة من ذلك عند مطالعته الرسالة، فحثَّني على تتبعها وتقييدها، فعدتُ للمطالعة مرةً أخرى مع مراجعة كتب الحديث وغيرها.
وكان مما راجعته: "الموضوعات" للمُلَّا علي قاري وإذا به قد نقل قريبًا من ثُلُثَي هذه الرسالة. قال في ص (130) من موضوعاته المطبوع -إسطنبول سنة 1289 ه: "فصل: وقد سُئِلَ ابن قيِّم الجوزية: هل يمكنُ معرفةُ الحديثِ الموضوعِ بضابطٍ من غير أن يُنظر في سنده؟ فقال: هذا سؤال عظيم القدر ... " فساق المسألةَ الخامسةَ الواقعةَ في هذا المطبوع من أوَّل ص (15) إلى آخر ص (51)، لم يحذفْ إلا يسيرًا كبعض الكلام في شأن الخضر، وقد يفصلُ بين كلام ابن القيم بكلامٍ من عنده مميِّزًا له بقوله في أوَّله: "قلتُ" وفي آخره: "ثم قال".
وفي مكتبة الحرم المكيّ نسخةٌ مخطوطةٌ من موضوعاته برقم (420) من كتب الحديث، كُتبت سنة 1280 ه بخط الشيخ محمَّد صالح ابن الشيخ محمَّد أمين وعليها تعليقاتٌ بخَطِّه، فعارضتُ بذاكَ النقل، ثم أفادني الشيخُ سليمانُ بالقصَّة التي أدَّتْ إلى طبع الرسالة، وأرى أن أسردها بلفظه.
(25/257)

قال: كنتُ يومها بحضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف، فكان مما أفاده أن بعض طلبة العلم أخبرَه أنه اطَّلع في مكتبة آل الروَّاف - من وجهاء أهل بريدة إحدى مدن القصيم - على نسخة من "المسائل الطرابلسية" ونسخة من "المنار" كلاهما لابن القيم، وأفاد فضيلة الشيخ أنه كاتب آل الروَّاف وأنهم لم يجدوا الكتابين، ولعلهما مما استُعيرَ فذهب.
وأرانا الشيخ فوائدَ نقلها ذاك الطالبُ من "المنار" وإذا منها كلام في حديث: "لا مهدي إلا عيسى" وفيه نقل عن مناقب الشافعيّ لمحمد ابن الحسن الإسنوي.
كان في هذا الخبر ما يُستغرب، فإنا لم نكن نعرف كتابًا لابن القيم باسم "المنار" ولا نعرف من مؤلفي مناقب الشافعي من يقال له: محمَّد بن الحسن الإسنوي، فبقيتُ بعد ذلك أبحثُ عن هذا، فراجعتُ كتبَ التراجم والفهارس فلم أظفر بشيء، حتى نظرتُ في كتاب حديث هو كتاب "هدية العارفين في أسماء المؤلفين" لإسماعيل باشا، فوجدتُه ذكر في مؤلفات ابن القيم "المنار المُنيف في الصحيح والضعيف".
ثم اتفق أن ذهبتُ في إجازةٍ رسميّة إلى مصر وكان ذلك في رمضان سنة 1375 ه, فزرت دار الكتب المصرية، وبحثتُ عن الكتاب فلم أجده، ثم راجعتُ فهارس المكاتب الأخرى، فوجدتُ ذكر "المنار" لابن القيم في فهرس مكتبة برلين رقم 1069 ترجمتها: أنّ النسخة في (42) ورقة، ونقل عبارة من أوّله وعبارة من آخره، فكتبتُ حينئذٍ إلى فضيلة الشيخ عبد الملك أخبره بذلك، وأنه ممكنٌ - بواسطة الأخ الفاضل فؤاد السيد رئيس قسم
(25/258)

المخطوطات بدار الكتب - الحصول على صورٍ من الكتاب، وعقب ذلك قَدِمَ الأخ فؤاد السيد للحجّ، واجتمع بفضيلة الشيخ عبد الملك وجرى ذكر الكتاب، فوعد الأخ فؤاد السيد باستحضار صُورٍ منه، ولما عاد إلى مصر وفّى بوعده فاستحضر الصور، وصوَّر منها نسخةً أخرى وأرسلها لفضيلة الشيخ عبد الملك، ولمَّا حضرتُ لدى فضيلته بشَّرني بذلك وأطلعني على المُصوَّر، فقلت: لو تتكرّمون بالأمر بطبعه، وحالاً - كعادته في المبادرة إلى أعمال الخير ونشر العلم - أمر سكرتيره الخاصّ أحمد محمَّد باشميل أن يكتب إلى فضيلة الشيخ محمَّد حامد الفقي أن يأخذ صورًا أخرى من النسخة التي لدى الأخ فؤاد السيد، ويستنسخ منها مسوَّدةً للطبع، ويقوم بطبع الكتاب، ولم يكتف فضيلتُه بذلك بل أردفه بمحادثةٍ تلفونيةٍ مع الشيخ حامد.
فقام الشيخ حامد بالطبع على نفقة الشيخ عبد الملك، وقَدِمَ بالنُّسخ معه في رجب هذه السنة.
بعد أن قصَّ الشيخ سليمان هذه القصة، ذكرتُ له أنَّه لأجل إتمام عملي في الرسالة يحسنُ المعارضة بالنسخة المصوَّرة إذ قد تكون صورةٌ أوضح من صورة، وقد يتَّضح لقارئٍ ما التبس على قارئ.
فذكر ذلك لفضيلة الشيخ عبد الملك، وجاءني بالصور فعارضتُ بها هذا.
وقد قيَّدتُ تصحيحاتي في إحدى النُّسخ المطبوعة جاريًا على الطريقة الآتية:
(25/259)

1 - تُرك في المطبوع كلماتٌ وعباراتٌ ثابتةٌ في الأصل لا أرى داعيًا لإسقاطها، فأضعُ موضعَها من المتن هذه العلامة () وأكتبُ الساقط مقابل ذلك في الحاشية في الجهة التي يشير إليها الطَّرف الطويل من العلامة، ثم أكتب فوقه "أصل".
2 - أما ما تُرِك بحقٍّ وللتنبيه عليه فائدةٌ ما فإني أضع موضعه رقمًا للتعليق وأعلِّق ببيانه.
3 - ربما وجدتُ في النقل - أعني ما نقله علي قاري في موضوعاته عن هذه الرسالة - أو في بعض المراجع زيادة لا يُستغنى عنها فأُعلّم موضعها العلامة السابقة () وأثبتها مقابل ذلك في الحاشية بين الحاجزين هكذا [...] ورقمًا للتعليق وأعلِّق ببيان مصدرها.
4 - وقَعَ في المطبوع زياداتٌ على الأصل، فما كان منها من قبيل الدعاء كقوله ص (3) سطر (3): "وأسكنه فسيح جنّته" ونحو "رضي الله عنه" فلا أعرضُ له، وما عدا ذلك أُحوّطُه بحاجزين؛ ليُعلم أنه ليس من الأصل، وربما أرى الصواب إلغاء الزيادة فأضربُ عليها وأكتبُ فوقها "لا" وأُجري مجرى ذلك ما أثبت في المطبوع وهو مضروبٌ عليه في الأصل.
5 - في الأصل تحريفٌ غيرُ قليلٍ، غالبه قد صحَّحه محقق المطبوع، فهذا لا كلام فيه سوى أن منه ما يحسنُ أن يُعلَّق عليه ببيان ما في الأصل وقد قمت بذلك، ومنه ما طبع محرَّفًا: إمَّا كما في الأصل، وإما على وجه آخر، فأنا أضربُ على المحرَّف وأضعُ عليه تلك العلامة () وأثبتُ الصواب قُبالته في الحاشية وأعلِّق عليه بما يوضّح الحال إلا مواضع يسيرة يظهر أنها
(25/260)

كانت في نسخة المؤلف كما في أصلنا، فهذه أبقيها كما هي وأعلّق عليها بما تبيّن لي.
6 - هناك كلمات تحرَّفت في الطبع وهي في الأصل على الصواب، فأنا أضرب عليها في المطبوع، وأضع عليها العلامة () وأثبت مقابل ذلك ما في الأصل، وأكتب فوقه: "أصل صح" وربما أكتب حرف "ق" أريدُ النقل - نقل علي قاري -.
7 - رأيت أوراق المطبوع تضيق عن التعليقات فجعلتُها في أوراقٍ مفردة تجدها بعد هذا بقيد صفحة المطبوع رقم التعليق.
8 - قيدتُ في النسخة التي صححتها من المطبوع بيان أوراق الأصل، أضع في مبتدأ الورقة من السطر تلك العلامة () ثم أكتب مقابلها في الحاشية رقم الورقة وبعده رقم - 1 - للوجه الأول، وعند انتهاء الوجه الأول أعيد رقم الورقة وبعده رقم - 2 - للوجه الثاني، وهكذا.
9 - هناك مواضع يسيرة من خطأ الطبع لا توجب لبسًا اجتزأت بالإشارة إليها بخطٍ أحمر صغيرٍ مقابلها في الحاشية.
***
(25/261)

(10)

مُقَدِّمَة
"تَذْكرة الحُفَّاظ"
لشمس الدين الذهبي (ت 748)
(25/263)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب "تذكرة الحفاظ" للذهبي كتابٌ جليل، طبع مرتين في دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن، ولم يذكر في المطبوع عن أيّ أصل طُبع، وبمكتبة الحرم المكي نسخة من "التذكرة" مخطوطة، حسبتها بادي الرأي هي الأصل المطبوع عنه لما يظهر بينهما من الموافقة، ولأن الدائرة كانت سابقًا على صلة بمكتبة الحرم، ثم تبيّن لي خلاف ما ظننت كما يأتي.
في آخر هذه النسخة المخطوطة بخط ناسخها: "تم الكتاب .... غرة شهر ربيع الآخر سنة 1177 ه، بعناية سيدي القاضي العلامة ... أحمد بن محمَّد قاطن ... بخط أفقر عباد الله وأحوجهم إليه أحمد بن محمَّد الحودي ... " وبحاشية اللوح بخط مالكها الذي كُتبت له: "استكتبه لنفسه الفقير إلى مولاه الغني أحمد بن محمَّد بن عبد الهادي قاطن ... شهر جماد الآخرة سنة 1177 ه. وبعده بخطه: "قد شرعت في تصحيح هذه النسخة على نسخةٍ عليها خطّ المؤلف رحمه الله في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1182 ه. أحمد بن محمَّد قاطن".
وبحاشية آخر النسخة بخطه أيضًا: "بلغ مقابلة على نسخة قُرئت على المؤلف وعليها خطه، وبالغت في التصحيح عليها، ولله الحمد، في آخر شهر ربيع الآخر سنة 1184، كتبه الفقير إلى مولاه الغني أحمد بن محمَّد بن عبد الهادي قاطن ... ".
وجميع التصحيحات والألحاق بخطه؛ ومتن الكتاب بحسب ما كتبه الناسخ مطابق في الأكثر للمطبوع صوابًا وخطأً، وهذا يدل على صلة بين
(25/265)

أصل المطبوع وأصل هذه النسخة، وأما الألحاق فمنها ما هو ساقط من المطبوع ويظهر أنه كان ساقطًا من أصل هذه النسخة وإنما استُدْرِك عن المقروءة على المؤلف، ومنها ما هو ثابت في المطبوع بما جرت به العادة من الأغلاط، وهي ملحقة في المخطوطة على الصحة كسائر ما يلحق من المقروءة على المؤلف، وهذا يُشعر بأن هذه المخطوطة - رغمًا عن العناية بها - لم تقابل على أصلها، ويشهد لهذا أنني لم أجد فيها إشارة ما إلى المقابلة على أصلها، لكن قد جبر ذلك ورَفَع النسخة إلى درجة الاعتماد مقابلتها وتصحيحها على المقروءة على المؤلف.
مع أن هذا الرجل الذي قام بذلك هو مالك النسخة أحمد بن محمَّد بن قاطن كان من كبار علماء الزيدية باليمن، وله ترجمة جيدة في "البدر الطالع" للشوكاني (1/ 113 - 114): وصَفَه بالمعرفة بالسنة وفنونها والتأليف في التراجم، وأنه كان مجتهدًا لا يقلّد أحدًا، وأرّخ وفاته سنة 1199 ه.
ويدهشني جدًّا أن في "التذكرة" مواضع عديدة تتعلق بالعقائد مخالفة ما عليها أسلاف هذا العالم وأشياخه وأهل جهته، ومع ذلك لم يعلّق على شيء منها بما يُشعر بالإنكار، مع أن هناك تعليقات لضبط اسم أو تفسير كلمة ونحو ذلك من الفوائد الفنيّة. وهذا يدل على رجاحة عقل هذا الرجل ومتانة علمه رحمه الله، وقد ملك النسخة بعده جماعة منهم العلامة السيد عبد الله ابن الإِمام محمَّد بن إسماعيل الأمير.
وبعدُ، فلما وقفت على هذه النسخة، وكنت أعلم أن النسخ المطبوعة قد نَفِدت من دائرة المعارف، وأنها تنوي إعادة طبع الكتاب، كتبتُ إلى ناظمها الجليل الدكتور محمَّد نظام الدين فبعث إليّ بنسخة مطبوعة ورغب إليّ في
(25/266)

مقابلتها على هذه المخطوطة، وإكمال التصحيح، فشرعت في ذلك، وها أنا أكمل الجزء الأول.
في كلٍّ من المخطوطة والمطبوع زيادات على الآخر فجعلت الزيادات بين حاجزين هكذا [] وميزت ما كان من المخطوطة برقم للحاشية، وأكتب في الحاشية "من المكية"، فما كان بين حاجزين وليس عليه حاشية فهو من المطبوع. ويبدو أن عامة ذلك ليس من أصل الكتاب، وإنما زِيد من الخلاصة.
ولما كان التصحيح عن النسخة المقروءة على المؤلف واختبرت أنا صحته لم أحتج إلى التنبيه على ما وقع في المطبوع من الخطأ، فإن وقع خطأ فيهما معًا نبّهت عليه.
وقد كان ترقيم تراجم المطبوع وبيان الرموز مضطربًا فرأيت أن أجعل لتراجم الكتاب كلها عددًا واحدًا بأرقام مسلسلة، وأُبيّن مع ذلك رقم الترجمة من الطبقة، وأرمز بعد ذلك لمن خَرَّج لصاحب الترجمة من أصحاب الأمهات الستّ فيها خاصة كما جرى عليه في المخطوطة وإن أَغْفَل فيها بعض التراجم. فأجعل - مثلاً - أمام أول ترجمة هكذا:
(11/ 1 ع أبو بكر الصديق) أي الترجمة الأولى من الكتاب، والأولى من الطبقة الأولى، أخرجَ له الستة جميعهم، ومثلًا (164 11/ 5 ع) أي الترجمة الرابعة والستون بعد المائة من تراجم الكتاب، والحادية عشرة من الطبقة الخامسة منه، أخرج له الستة جميعهم، والله الموفق.
(25/267)

أرقام الأمهات الست:
1 - صحيح البخاري: خ
2 - صحيح مسلم: م
3 - سنن أبي داود: د
4 - سنن النسائي: س
5 - سنن الترمذي: ت
6 - سنن ابن ماجه: ق
7 - السنن الأربع كلها: 4
8 - الأمهات الست جميعها: ع
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
مكتبة الحرم المكي
بمكة المعظمة
15 شوال سنة 1374 ه
(25/268)

(11)
مُقَدِّمَة
"كشف المُخدَّرات والرياض المزهرات
شرح أخصر الختصرات"
لزين الدين البعلي الدمشقي (ت 1192)
(25/269)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بيانٌ من ناسخ الكتاب ومصحّح أصله أحسن الله إليه
كان قد عُهِد بواسطتي إلى بعض الفضلاء بنسخ كتاب "كشف المخدَّرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات" في الفقه على مذهب إمام السنة الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، عن نسخة محفوظة بمكتبة الحرم المكي، فابتدأ ذلك الفاضل في النسخ قليلًا ثم أحجم وطالت المدةُ، وتبين إعراضه عن القيام بما التزمه، فرأيتُ أن أقوم بنسخ الكتاب.
ولما شرعت فيه وجدت النسخة مكتوبة بالقلم الفارسي الهندي المسمى "نسخ تعليق"، وكاتبها أعجمي غريب عن اللغة العربية، فاستقبلني فيها من الخلل والتصحيف والتحريف ما منعني الاقتصار على النسخ الصوري، وألزمني القيام بإصلاح ما يتضح حاله مع التنبيه على ما في الأصل.
هذا، وعنوان الكتاب في لوح الأصل هكذا: "كشف المخدَّرات ورياض (صوابه: الرياض - كما في الخطبة) المزهرات شرح أخصر المختصرات لمحمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن بلبان ... ". والذي لمحمد بن بدر الدين هو المتن "أخصر المختصرات" كما في الخطبة وغيرها، فأما الشرح فلم يسم مؤلفه، وقد كتب بعض الأفاضل بالمرسمة: "الشرح المذكور للشيخ الإِمام محمَّد الخلوتي تلميذ الشيخ منصور رحمه الله تعالى" كذا بلا ذكر مستند، والشيخ محمَّد الخلوتي معاصر لابن بلبان
(25/271)

مات بعده بخمس سنين فقط، ولم يذكر صاحب "المدخل" أن له شرحًا على أخصر المختصرات، وله ترجمة في "مختصر طبقات الحنابلة" لمحمد جميل الشطي ولم يذكر فيها ذلك، ويدفعه أن في هذا الشرح في فصل شروط الغسل ما لفظه: "قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى ... " والخلوتي صاحب الحاشية على المنتهى هو الشيخ محمَّد المذكور، ويمتنع أن يحكي الإنسان عن نفسه بمثل هذا اللفظ.
نعم هناك خلوتي آخر هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد البعلي له شرح على أخصر المختصرات كما في "المدخل" وفي "مختصر طبقات الحنابلة" ص 133 ولفظ الأخير "اطلعت عندنا على شرح لصاحب الترجمة على كتاب أخصر المختصرات ... " ولم يذكرا - ولا أحدهما - اسم الشرح (1).
وقد طبع متن أخصر المختصرات بالمطبعة الماجدية بمكة سنة 1332 عن "نسخة بخط الفاضل المرحوم الشيخ خلف بن إبراهيم مفتي الحنابلة بمكة المشرفة سابقًا" هكذا على لوح المطبوع وعليه أيضًا "قد شرحه العلامة الشيخ عثمان بن جامع النجدي أصلاً قاضي البحرين بشرح جامع مبسوط في مجلد ضخم نحو خمسين كراسًا". ولم يذكر أيضًا اسم الشرح.
__________
(1) نعم لم يذكره الشيخ عبد القادر بدران في كتابه (المدخل) ص 228 ولكنه ذكره في المقدمة الثالثة ص 8 من (أخصر المختصرات) الذي طبع في دمشق بتعليقاته سنة 1339، وقد اعتمد في هذه التعليقات على (كشف المخدَّرات) وذكره باسمه وعزاه إلى الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي ثم الدمشقي. ونحن قد سمينا (كشف المخدَّرات) ومؤلفه في طبعتنا لأخصر المختصرات سنة 1370 عند كتابتنا ترجمة الشمس البلباني رحمه الله (محب الدين الخطيب).
(25/272)

أما عملي في الإصلاح فكما يأتي:
1 - الشرح ممزوج بالمتن، وهما في الأصل مكتوبان بنمط واحد إلا أنه اعتمد بتعيين كلمات المتن بوضع خط أحمر على العبارة أو الكلمة، ولكنه وقع الخلل في هذه الخطوط، فكثيرًا ما تُهمل وكثيرًا ما تُجعل على عبارات أو كلمات من الشرح، وأنا وضعت كلمات المتن وعباراته بين قوسين هكذا () والتزمت مقابلة المتن المطبوع حرفيًّا (1)، ونبهت على المواضع التي يكون فيها ما في الأصل محتملًا.
2 - لكثرة ما في الأصل من اشتباه وتصحيف وتحريف التزمت مع مقابلة المتن المطبوع مراجعة الكتب الموجودة في المكتبة في الفقه الحنبلي، ولا سيما المنتهى بشرحه والإقناع بشرحه، فإنّ شارحنا لا يكاد يخرج عنهما ويساير هذا تارة وهذا أخرى، فحيث يقع الخلاف ويكون ما في الأصل محتملًا أبقيه وأنبه في الحاشية على ما خالفه، وحيث يتضح أن ما في الأصل غلط أنبه عليه في الحاشية وأثبت في الصلب ما هو الصواب وأبين مرجعه، فأكتب عليه بالمرسمة الحمراء "مط" أعني المتن المطبوع. أو "منتهى" أو "شرح المنتهى" أو "إقناع" أو "كشاف" أريد بهذا كشاف القناع شرح الإقناع إلى غير ذلك، إلا المواضع التي يكون خطأ ما في الأصل فيها بغاية الوضوح، ومعرفة الصواب بعينه واضحة، فإني أثبت الصواب، ولا ألتزم استيعابها بالتنبيه على ما وقع في الأصل لكثرة ذلك
__________
(1) أي المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة. [المؤلف].
(25/273)

وضآلة فائدة التنبيه. وقد نبهت على كثير منه كما ستراه (1).
3 - وقع في الأصل مواضع من سقط يختلّ به الكلام واستدركته من المتن المطبوع (2) أو غيره وجعلته بين حاجزين هكذا [] وأبين مصدره.
ولا أقول: إني حققت الكتاب ولا صححته، وإنما قمت بما تيسر من الإصلاح في الجملة، إذ لم تَطِب نفسي بإهماله.
والله الموفق.
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
__________
(1) وهذا الذي نبه عليه حضرة العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن المعلمي، وقد ذكر أن التنبيه عليه ضئيل الفائدة، أعرضنا عنه عند الطبع, لأنه من سقطات قلم ناسخ الأصل وهو أعجمي كما علمت. وأبقينا ما في التنبيه عليه فائدة علمية. والحق أن الأستاذ المعلمي خدم الشرح بصبر وبصيرة لأن تصحيح كتب العلم والفقه من العبادة، تقبلها الله منه. (محب الدين).
(2) ونحن عند الطبع قابلنا المتن على مخطوطة تفضَّل علينا بها حضرة العالم الجليل الشيخ محمَّد بن عبد العزيز بن مانع، وعارضناها بطبعة المطبعة السلفية سنة 1370 وهي مطبوعة على طبعة الشيخ عبد القادر بدران التي نقلها عن خط المؤلف البلباني، وقد ورثها عن جده لأمه الشيخ أحمد بن مصطفى حسين رمضان النعساني المتوفى سنة 1281 كما ذكر ذلك في خطبة تعليقاته على أخصر المختصرات. (محب الدين).
(25/274)

(12)

"البحث عن كتاب الكنى" (1)
للإمام البخاري (ت 256)
__________
(1) طُبع في آخر كتاب الكنى الملحق ب "التاريخ الكبير": (8/ 94 - 97) دائرة المعارف العثمانية.
(25/275)

الحمد لله الذي لا تُحصى نِعمه ولا يتناهى جُوده وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فإن جمعيتنا العلمية "دائرة المعارف العثمانية" لما اعتزمت طبع الكتاب الجليل "التاريخ الكبير" للإمام أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى؛ ظَفِرتُ بالجزء الرابع منه في الخزانة الآصفية بحيدراباد الدكن، فسارعت إلى استنساخه، ثم بعد البحث والتنقيب عُلم بأنّ في بعض مكاتب إسلامبول نسخة من الكتاب، وفي المكتبة المصرية نسخة أخرى، فاستحْصَلَت الجمعيةُ على صور مأخوذة منهما، وعند المقابلة تبيَّن أن المصرية منقولة عن الإِسلامبولية، ووُجِد في آخر المجلد الرابع من النسخة الآصفية زيادة مشتملة على الكنى لا توجد في الإِسلامبولية، مع أن في آخر الإِسلامبولية ما لفظه: "كَمُل جميع كتاب التاريخ الكبير ... ". وذلك صريح في أنّ أبواب الكنى المتصلة بآخر النسخة الآصفية كتاب مستقلّ عن "التاريخ".
ولكن الذي تبيَّن لنا بإمعان النظر أن هذا الجزء المشتمل على الكنى تأليف البخاريِّ قطعًا، وأنه إن لم يكن قطعةً من "التاريخ" فهو تتمّة له، فإن ابن أبي حاتم مع اقتفائه في ترتيب كتابه أَثَر البخاريّ في "التاريخ" غالبًا قال في أواخره: "باب ذِكْر مَن رُوي عنه العلم ممن عُرف بالكنى ولا يُسمى" ثم اقتفى في الترتيب أثر البخاري في هذا الجزء غالبًا، وربما سماه كقوله: "أبو المعلى بن رؤبة كذا قال البخاري في كتابه ... " وراجع رقم (685) من هذا الجزء. ووجدنا ابنَ عبد البر في الكنى من "الاستيعاب" ربما نقل عن هذا
(25/277)

الجزء فيما يظهر، كقوله في الترجمة الرابعة من باب الخاء مِن كنى "الاستيعاب": "أبو خالد ذكره البخاري قال: قال وكيع عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي خالد وكانت له صحبة. قال: وفدنا إلى عمر رضي الله عنه ففضل أهل الشام". وتجد هذه العبارة بتغيير يسير في الترجمة رقم 224 من هذا الجزء.
وقد نقل ابنُ حجر في كتبه كثيرًا عنها تارة يسميها "الكنى المفردة" وتارة "الكنى المجردة". قال في ترجمة أبي حريزة: "ذكره البخاري في الكنى المفردة، وأورد له من طريق هُشيم عن أبي إسحاق الكوفي وهو الشيباني عن أبي حريزة" فإن نحو هذا تجده (1) في هذا الجزء في ترجمة أبي حريزة رقم 204.
وقال في ترجمة أبي سلالة: "قال أبو عمر تبعًا لأبي حاتم: حديثه عند حكّام بن سَلْم عن عنسبة بن سعيد عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عبد الله عنه" وهذا مأخوذ من كلام البخاري في الكنى المفردة، راجع ترجمة أبي سلالة في هذا الجزء رقم (356)، وانظر ترجمة أبي نجيح العبسي في "الإصابة" وفيها عن البخاري أنه ذكره "في الكنى المفردة" وترجمته في هذا الجزء رقم (833). وفي "تهذيب التهذيب" (12/ 161): "أبو عبيدة عن أنس في القراءة في الظهر، وعنه سفيان بن حسين ذكره البخاري في الكنى المجرَّدة"، راجع رقم (448) في هذا الجزء. وفي "تعجيل المنفعة" (ص 507): "أبو علي الكاهلي عن أبي موسى الأشعري،
__________
(1) الأصل: "تجد".
(25/278)

ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لم يُسمّ (1) ونقل ذلك عن البخاري في الكنى المجردة"، وراجع رقم (453) في هذا الجزء. وربما اقتصر على قوله: "كتاب الكنى" أو "الكنى" أو "ذكره البخاري" فقط. ويظهر في مواضع من كلامه أنه وقف على هذا الكتاب، وفي مواضع أنما ينقل عنه بواسطة كتاب "الكنى" للحاكم أبي أحمد كأنه كان في نسخته نقص.
وقد عدَّ في "مقدمة الفتح" تصانيفَ البخاري إلى أن قال: "وكتاب الكنى, ذَكَره الحاكم أبو أحمد ونقل منه". "المقدمة" طبعة ميرية ص 493. وفي "تهذيب التهذيب" (5/ 358) في ترجمة عبد الله بن فيروز: "قال أبو أحمد الحاكم في "الكنى" قال مسلم: أبو بشر - يعني بالمعجمة قال - وقد بيَّنا أن ذلك خطأ أخطأ فيه مسلم وغيره. وخليق أن يكون محمَّد - يعني البخاري - قد اشتبه عليه مع جلالته، فلما نقله مسلم مِن كتابه تابعه عليه، ومَن تأمَّل كتاب مسلم في الكنى عَلِم أنه منقول من كتاب محمَّد حذو القذّة بالقذّة، وتجلَّد في نقله حقّ الجلادة؛ إذ لم ينسبه إلى قائله والله يغفر لنا وله".
أقول: لكنّ السخاويّ وغيره ذكروا أن كتاب "الكنى" لمسلم خاصٌّ بكنى مَن عُرفت أسماؤهم، راجع "فتح المغيث" ص 424، وغالب هذا الجزء في كنى مَن لم تُعرف أسماؤهم، ثم ظهر لي أن كتاب مسلم في الكنى معظمه فيمن عُرفت أسماؤهم وأقلّه فيمن لم تُعرف أسماؤهم، فقد نقل عنه ذكر مَن لم يعرف اسمه، ففي ترجمة أبي خيرة من التعجيل: "خفي ذلك على البخاري وعلى مَن تبعه كمسلم والحاكم أبي أحمد وغيرهم فذكروه فيمن لا يعرف اسمه" التعجيل ص 482.
__________
(1) الأصل: "يسمه".
(25/279)

وفي "تهذيب التهذيب" فيمن كنيته أبو عمر: "ويؤيد ذلك أن مسلمًا وغيره ذكروا الصيني فيمن لا يُعرف أسمه" (12/ 177).
وفيه في ترجمة أبي عمران الأنصاري: "قال الحاكم أبو أحمد: أخرجه محمَّد بن إسماعيل في "التاريخ" في باب سليم وباب سليمان وهو بسليمان أشبه، وكأنه غلط في نقله فأسقط النون، وربما يقع له الخطأ لا سيما في الشاميين ونقله مسلم في كتابه فتابعه على خطائه" تهذيب (12/ 185).
أقول: فقول الحاكم أبي أحمد: "ومن تأمل كتاب مسلم في الكنى عَلِم أنه منقول من كتاب محمَّد" يعني البخاري، أراد بكتاب البخاري "التاريخ" مع هذا الجزء من الكنى, نقل مسلم كنى مَن عُرفت أسماؤهم من التاريخ، وكنى مَن لم تُعرف أسماؤهم من هذا الجزء، وقد علمتَ تسميةَ الحافظ ابن حجر لهذا الجزء "الكنى المفردة" أو "الكنى المجردة" والاسم الأول يقتضي أنها ليست من التاريخ؛ لأن معناه الكنى المفردة عن التاريخ كما سموا كتاب "الأدب" للمؤلف "الأدب المفرد" يريدون المفرد عن "الجامع الصحيح". والاسم الثاني محتمل، والظاهر أن معناه: الكنى المجرّدة عن الأسماء، أي أنها فيمن لم تُعرف إلا كنيته مجرّدة عن الاسم وذلك بالنظر إلى الغالب.
وبالجملة فعبارة الحاكم أبي أحمد "عَلِم أنه منقول من كتاب محمَّد" وأراد ما يشمل أصل "التاريخ" وهذا الجزء مع ما يدل عليه صنيع ابن أبي حاتم كما تقدم = ظاهرٌ في أن هذا الجزء إن لم يكن من "التاريخ" فهو تتمّة له، والله أعلم.
(25/280)

(13)

خاتمة طبع
"الكفاية في علم الرواية"
وترجمة الخطيب البغدادي (ت 463)
(25/281)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يسّر لحفظ دينه من تقوم به الكفاية، ونصب لذلك من العلماء أعلامًا بذلوا أتم العناية، وأوضحوا معالم الرواية والدراية.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فقد تم طبع كتاب (الكفاية في علم الرواية) للإمام الكبير الحافظ الشهير أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، وهو الكتاب الذي جَمع من أحكام مصطلح الحديث كل ما يحتاج إليه، وأوعب في نقل الأقوال وإقامة الأدلة على ما ينبغي التعويل عليه.
وكانت جمعيتنا الموقرة قد ظفرت بنسخة من الكتاب محفوظة في المكتبة الآصفية للحكومة النظامية في عاصمتها المحروسة (حيدراباد - دكن) وأمرت بتصحيحه مولانا العالم الفاضل أبا عبد الله السورتي، فقام بالتصحيح بحسب الطاقة. ثم سمعت الجمعية بنسخة محفوظة في مكاتب إستانبول فاستدعت نقلاً منها بالتصوير الشمسي، فإذا بها نسخة جيدة جدًّا كما يعلم من خاتمتها التي أثبتناها آنفًا، فقابل عليها حضرة المدير مع حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ إبراهيم حمدي المدني مدير مكتبة شيخ الإِسلام بالمدينة المنورة عند وروده إلى حيدراباد، وقام مصححو الدائرة باستدراك ما بقي من التصحيح، وجعلنا علامة النسخة الآصفية - صف - وعلامة النسخة الإستانبولية - قط - وعلامة المصحح الأول (س) وعلامة مصححي الدائرة (ح).
(25/283)

وتم طبعه في مطبعة الجمعية العلمية العليا، ذات الأيادي البيضاء، المشهورة (بدائرة المعارف العثمانية) بحيدراباد الدكن، صانها الله تعالى عن الفتن والمحن في ظل الملك المؤيد المعان، الذي اشتهر فضله في كل مكان، وعم كرمه القاصي والدان، السلطان بن السلطان سلطان العلوم مظفر الممالك آصف جاه السابع مير عثمان علي خان بهادر، لا زالت مملكته بالعزِّ والبقاء دائمة المتقدم والارتقاء.
وهذه الجمعية تحت صدارة ذي الفضائل السنية، والمفاخر العلية، النواب السير حيدر نوازجنكَ بهادر، رئيس المجلس الانتظامي ورئيس الوزراء في الدولة الآصفية، والعالم العامل بقية الأفاضل النواب محمَّد يارجنكَ بهادر رئيس المجلس العلمي للجمعية، وتحت اعتماد الماجد الأريب الشريف المسيب النواب مهدي يارجنكَ بهادر عميد الجمعية ووزير المعارف والسياسة في الدولة الآصفية، ونائب أمير الجامعة العثمانية، والماجد الهمام النواب ناظر يارجنكَ بهادر شريك عميد الجمعية وركن العدلية. وضمن إدارة ذي الفضل السنيّ والمنهج السوي، مولانا السيد هاشم الندوي، ركن الجمعية ومدير المطبعة أدام الله تعالى درجاتهم سامية ومحاسنهم زاكية.
وعُني بتصحيحه من رجال الدائرة مولانا المدقق السيد هاشم الندوي، والرفقاء الأفاضل الشيخ محمَّد طه الندوي، والسيد أحمد الله الندوي، والشيخ محمَّد عادل القدوسي، والسيد حسن جمال (1) الليل المدني، والشيخ أحمد بن محمَّد اليماني، وخادمهم الحقير عبد الرحمن بن يحيى
__________
(1) كذا.
(25/284)

اليماني، ونظر نظرة ثانية وقت الطبع مولانا العلامة الفاضل محمود حسن صاحب معجم المصنفين وركن دائرة المعارف ستر الله عيوبهم وغفر ذنوبهم. وكان تمام الطبع في يوم الأربعاء عاشر شهر شعبان سنة 1357، والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خاتم النبيين سيدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين آمين.
***
(25/285)

ترجمة المؤلف [الخطيب البغدادي]
هو الحافظ الكبير الإِمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي (بن ثابت) (1) صاحب التصانيف (2).
نسبه: ذكر في تاريخ بغداد ترجمة لوالده فقال: "علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الخطيب والدي ... وكان يذكر أن أصله من العرب وأن له عشرة (3) يركبون الخيل مسكنهم بالجصاصة (4) من نواحي الفرات" (5).
مولده: ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة 392 ه هكذا ذكره ابن السبكي (6) وابن خلكان (7). وقال ابن الجوزي في "المنتظم": "ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة 391 ه كذا رأيته في خط أبي الفضل ابن خيرون" (8). وقال الذهبي: "ولد سنة اثنتين
__________
(1) زيادة من تاريخ ابن خلكان. [المؤلف، وكذا جميع حواشي هذه الخاتمة].
(2) تذكرة الحفاظ (3/ 312).
(3) لعل الصواب عشيرة.
(4) لعل الصواب "الحصاصة" بالحاء المهملة، انظر معجم البلدان والقاموس.
(5) تاريخ بغداد (11/ 359).
(6) طبقات الشافعية (3/ 16).
(7) الوفيات (1/ 32).
(8) المنتظم مخطوط.
(25/286)

وتسعين وثلثمائة" (1) ونحوه لابن السمعاني (2) وابن الصلاح (3) وغيرهم، وأشار ابن خلكان إلى هذا الاختلاف فقال: "وقيل: إنه ولد سنة 391 والله أعلم"، واقتصر النووي في "التقريب" على إحدى وتسعين وثلاثمائة، زاد السيوطي في "شرحه" (4): "أو اثنتين"، وقال السخاوي في "فتح المغيث" (5): "مولده في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتين وهو المحكي عن الخطيب نفسه".
نشأته وطلبه للعلم: قال ابن السبكي: "كان لوالده الخطيب أبي الحسن علي إلمام بالعلم وكان يخطب بقرية درزيجان (6) إحدى قرى العراق فحض ولده أبا بكر على السماع في صغره فسمع وله إحدى عشرة سنة ورحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة وإلى نيسابور ابن ثلاث وعشرين سنة ثم إلى أصبهان ثم رحل في الكهولة إلى الشام" ثم ذكر دخوله الدينور والكوفة والري وهمذان والحجاز ودمشق، وذكر الذهبي نحو ذلك وزاد: والحرمين والقدس وصور وغيرها.
حرصه على العلم: قال ابن الجوزي وغيره: "قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية في خمسة أيام"، قال: "وكان حريصًا على
__________
(1) تذكرة الحفاظ (3/ 312).
(2) الأنساب (ورقة 203 ب).
(3) علوم الحديث طبع الطباخ (ص 388).
(4) تدريب الراوي مخطوط.
(5) (ص 476).
(6) ضبطه ياقوت ووقع في الطبقات "درزنجان".
(25/287)

علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه".
مشايخه: فيهم كثرة جدًّا فمن مشاهيرهم من الحفاظ: البرقاني وأبو نعيم الأصبهاني وأبو سعد الماليني وأبو بكر الحِيري وأبو حازم العبدوي، ومن الفقهاء: القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو الحسن المحاملي، وأبو نصر بن الصباغ وغيرهم.
الرواة عنه: قال الذهبي: "روى عنه البرقاني شيخه وأبو الفضل بن خيرون والفقيه نصر المقدسي وأبو عبد الله الحميدي وعبد العزيز الكتاني وأبو نصر بن ماكولا ... وخلق يطول عدهم".
مكانته في الحديث وثناء الأئمة عليه: قال ابن السمعاني: "كان إمام عصره بلا مدافعة وحافظ وقته بلا منازعة، صنف قريبًا من مائة مصنف صارت عمدة لأصحاب الحديث". وقال الذهبي: "طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصنيفه الركبان وتقدم في عامة فنون الحديث" إلى أن قال: "قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفننًا في علله وأسانيده وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله. وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي ففضل الخطيب تفضيلاً بينًا. وقال مؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني مثل الخطيب. قال أبو علي البَرَدَاني: لعل الخطيب لم يرَ مثل نفسه. وقال أبو إسحاق الشيرازي الفقيه: أبو بكر الخطيب يُشبَّه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. قال أبو سعد السمعاني: كان الخطيب مهيبًا وقورًا ثقة متحريًّا حسن
(25/288)

الخط كثير الضبط فصيحًا ختم به الحفاظ".
علومه غير الحديث: قال ابن الجوزي: "قرأ القرآن والقراءات"، وقال الذهبي: "قال ابن النجار في ترجمة الخطيب: نشأ ببغداد وقرأ القرآن بالروايات وعلّق شيئًا من الخلاف"، وقال الذهبي: "كان من كبار الشافعية"، وقال ابن السبكي: "كان من كبار الفقهاء". وحكى السيوطي في "تدريب الراوي" عن النووي: أنه ذكر كلامًا للخطيب والبيهقي في مذهب الشافعي في مراسيل ابن المسيب ثم قال: "فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان مضطلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه". وسيأتي عن التبريزي ما يعلم منه مكانة الخطيب في العلوم الأدبية، ويأتي في الكلام على عقيدته ما يعلم منه معرفته بالكلام.
مذهبه وعقيدته: قال ابن الجوزي: "كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل فمال عليه أصحابه - الحنابلة - لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب الإِمام الشافعي وتعصَّب في تصانيفه عليهم ورمز إلى ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه".
ثم ذكر أمثلة مما زعمه تعصبًا من الخطيب على الحنابلة. ومن نظر بعين الإنصاف لم يجد فيها مثالًا واحدًا يظهر منه التعصب، وكأنه أراد بالمبتدعة الأشاعرة قال ابن السبكي: "وكان يذهب في الكلام إلى مذهب أبي الحسن الأشعري". ونجد الخطيب ينقل في "الكفاية" من كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني رأس الأشاعرة بروايته عن محمَّد بن عبيد الله المالكي عن الباقلاني.
وحكى ابن السبكي عن الكتاني أنه قال: "وكان - الخطيب - يذهب إلى
(25/289)

مذهب أبي الحسن الأشعري"، ثم حكى عن شيخه الذهبي أنه حكى ذلك ثم قال: "مذهب الخطيب في الصفات أنها تُمر كما جاءت صرّح بذلك في تصانيفه"، ثم قال ابن السبكي: "قلت وهذا مذهب الأشعري فقد أُتي الذهبي من عدم معرفته بمذهب الشيخ أبي الحسن كما أُتي أقوام آخرون وللأشعري قول آخر بالتأويل".
أقول: لم يزد الذهبي على التنبيه على الصواب؛ لأن المشهور من مذهب الأشعري هو التأويل فخشي الذهبي أن يتبادر إلى ذهن السامع أن الخطيب كان يؤوّل، وابن السبكي شديد العقوق لأستاذه الذهبي. وقد نقل الذهبي في "التذكرة" من نصوص الخطيب ما هو صريح في أن مذهبه في العقائد هو مذهب السلف.
مصنفاته: قد تقدم قول ابن السمعاني: "صنف قريبًا من مائة مصنف"، وذكر غيره أعدادًا مختلفة وذكر الذهبي وابن الجوزي عدة منها لا نطيل بذكرها، وأشهرها وأكبرها "تاريخ بغداد" ومن أهمها كتاب "الكفاية".
كتاب الكفاية: قال الحافظ ابن حجر: "أول من صنف في ذلك - يعني اصطلاح الحديث - القاضي أبو محمَّد الرامهرمزي فعمل كتاب "المحدث الفاصل" لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يُهَذِّب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فعمل في قوانين الرواية كتابًا سماه "الكفاية" وفي آدابها كتابًا سماه "الجامع لآداب الراوي والسامع" وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف عَلِم أن المحدثين بعد الخطيب
(25/290)

عيال على كتبه" (1).
تعبده: روى الذهبي عن أبي الفرج الإسفراييني قال: كان الخطيب معنا في الحج فكان يختم كل يوم قريب الغياب قراءة ترتيل ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب فيقولون: حدِّثنا، فيحدث. قال الذهبي: "وقال عبد المحسن الشيحي: عادلت الخطيب من دمشق إلى بغداد فكان له في كل يوم وليلة ختمة.
ثروته وكرمه: يعلم من كلام العلماء في ترجمته أنه كان له ثروة طائلة، وكان ينفق منها على أهل الحديث وطلبة العلم، ويتنزَّه عن قبول صِلات الناس. قال الذهبي: قال أبو زكريا التبريزي: كنت أقرأ على الخطيب بحلقته بجامع دمشق كتب الأدب المسموعة له وكنت أسكن منارة الجامع فصعد إليّ وقال: أحببت أن أزورك فتحدثنا ساعة، ثم أخرج ورقة وقال: الهدية مستحبة اشتر بهذه أقلامًا. فإذا خمسة دنانير، ثم صعد نوبة أخرى ووضع نحوًا من ذلك، وكان إذا قرأ الحديث يسمع صوته في آخر الجامع كان يقرأ معربًا صحيحًا". وقال ابن السبكي: ولما مرض وقف جميع كتبه وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث، وكان ذا ثروة ومال كثير فاستأذن أمير المؤمنين القائم بأمر الله في تفريقها فأذن له. وسبب استئذانه أنه لم يكن له وارث إلا بيت المال".
وفاته: اتفقوا على تاريخ وفاته، وهذه عبارة ابن الجوزي في "المنتظم": "كان يقول: شربتُ ماء زمزم على نية أن أدخل بغداد وأروي بها "التاريخ"
__________
(1) مقدمة شرح النخبة مخطوط.
(25/291)

وأن أحدث بها وأُدْفَن بجنب بشر بن الحارث، وقد رزقني الله دخولها ورواية "التاريخ" بها وأنا أرجو الثالثة، وأوصى أن يدفن إلى جانب بشر. توفي ضحوة نهار يوم الاثنين سابع ذي الحجة من هذه السنة (سنة 463) في حُجرة كان يسكنها بدرب السلسلة في جوار مدرسة النظامية، وحمل جنازته أبو إسحاق الشيرازي وعَبَر به على الجسر، وجازوا به في الكرخ، وحُمِل إلى جامع المنصور وحضر الأماثل والفقهاء والخلق الكثير، وصلى عليه أبو الحسين بن المهتدي ودفن إلى جانب بشر، وكان أحمد بن علي الطريثيثي قد حفر هناك قبرًا لنفسه فكان يمضي إلى ذلك الموضع ويختم فيه القرآن عدة سنين، فلما أرادوا دفن الخطيب هناك منعهم وقال: هذا قبري أنا حفرته وختمت فيه ختمات ولا أمكنكم، فقال له أبو سعد الصوفي: يا شيخ! لو كان بشر الحافي في الحياة ودخلت أنت والخطيب عليه أيُّكما كان يقعد إلى جانبه؟ قال: الخطيب! فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الموت. فطاب قلبه ورضي فدفن الخطيب هناك". رحمه الله تعالى.
(25/292)

(14)

خاتمة طبع
"نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر"
لعبد الحي الحسني (ت 1341)
(25/293)

بحمد الله تبارك وتعالى انتهى طبع هذا الجزء من كتاب "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر" وهو الجزء المشتمل على تراجم العلماء والنبلاء من أهل الهند في القرن الثامن، اخترنا طبعه ليكون كالذيل للدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ ابن حجر رحمه الله؛ تتميمًا للفائدة المقصودة من كتاب الدرر؛ لأنا وجدناه قد فاته أكثر تراجم أعيان الهند؛ لبعد الديار وقلة المواصلات في ذلك العهد.
كان الطبع بعد استئذان نجل المؤلف العالم الفاضل الطبيب الدكتور السيد عبد العلي، وبإذنه أبدلنا بعض الألفاظ والتراكيب بما هو أعرف منها، وأننا نشكر جنابه على هذه الإعانة العلمية المفيدة للعلماء المتطلعين إلى معرفة أخبار مَن مضى من علماء المسلمين وأعيانهم، جزاه الله تعالى خير الجزاء.
وكان الطبع على نفقة جمعية دائرة المعارف في ظل مولانا السلطان المؤيد المُعان، سلطان العلوم: النواب مير عثمان علي خان آصف جاء السابع، أدام الله دولته وخلَّد مُلكَه وسُلطته.
وهذه الجمعية تحت صدارة ذي المكارم والمحاسن: النواب حيدر نوازجنكَ رئيس المجلس الانتظامي ووزير المال في الدولة الآصفية، والعالم الفاضل: النواب محمَّد يارجنكَ بهادر رئيس المجلس العلمي، أدامهما الله بالعز والوقار إلى يوم القرار.
وتحت اعتماد الشريف النسيب: النواب مهدي يارجنكَ وزير السياسة وشريك العميد: النواب ناظر يارجنكَ ركن العدالة العالية أدامهما الله في
(25/295)

خدمة علمية وحياة طيبة.
وطُبع هذا الكتاب تحت إدارة مولانا الحاج السيد ظهور الحق مدير الجمعية زاده الله فضلًا وكمالًا (1).
حرره الفقير إلى الله تعالى
عبد الرحمن بن يحيى اليماني
مصحح دائرة المعارف
__________
(1) وكان طبعه سنة 1350 ه.
(25/296)

(15)

خاتمة طبع
"معجم الأمكنة لنزهة الخواطر"
لمعين الدين الندوي (ت)
(25/297)

الحمد لله الملك الوهاب، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء سيدنا محمَّد، إمام أولي الألباب، وعلى آله وأصحابه خير آل وأصحاب.
وبعده، فقد تمّ بعون الله تعالى طبع هذه الرسالة الموسومة ب "معجم الأمكنة لنزهة الخواطر" للفاضل الأريب الحاج معين الدين الندوي، وهي رسالة عظيمة النفع على صِغر حجمها، ولا سيَّما وقد طُرّزت بملاحظات من قلم العلَّامة الشهير الأستاذ السيد سليمان الندوي حفظه الله، وذلك بمطبعة دائرة المعارف العثمانية الواقعة في حيدراباد دكن وقاها الله شرور الفتن والمحن، وهي العاصمة العامرة بالعلوم والمعارف والكليات والمدارس والمكاتب والمطابع في ظل الملك المؤيد المُعان، الذي اشتهر فضله في كل مكان، وعمَّ كرمه القاصي والدان، السلطان ابن السلطان سلطان العلوم مظفر الممالك آصف جاه السابع مير عثمان علي خان، لا زالت مملكته بالعز والبقاء، دائمة التقدم والارتقاء.
وهذه الجمعة تحت صدارة ذي الفضائل السَّنِية، والمفاخر العليّة النواب سر (1) حيدر نوازجنكَ بهادر رئيس المجلس الانتظامي للجمعية ووزير المالية في الدولة الآصفية، والعالم العامل بقية الأفاضل النواب محمَّد يارجنكَ بهادر رئيس المجلس العلمي للجمعية، وتحت اعتماد الماجد الأريب الشريف النسيب النواب مهدي يارجنكَ بهادر عميد الجمعية ووزير السياسة في الدولة الآصفية، والماجد الهمام النواب ناظر يارجنكَ بهادر شريك العميد للجمعية وركن العدلية، وضمن إدارة صاحب
__________
(1) كذا، وقد سبق رسمه في خاتمة الكفاية (ص 284) "السير". وهو بالإِنجليزية (sir) أي: السيد.
(25/299)

الفضل والصدق السيد ظهور الحق ركن الجمعية ومدير المطبعة أدام الله تعالى درجاته ساميةً ومحاسنهم زاكية.
وكان انتهاء طبعه يوم الأربعاء سابع ربيع الأول سنة 1353 هجرة (1) على مشرفها أفضل الصلاة والسلام والتحية.
راقمه
عبد الرحمن اليماني
__________
(1) كذا.
(25/300)

(16)

تقريظ
"فضل الله الصَّمَد في توضيح الأدب المفرد"
للسيد فضل الله الجيلاني (ت 1399)
(25/301)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، وصلّى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه وسلم.
قد أكثر العارفون بالإِسلام المخلصون له من تقرير: أنّ كلَّ ما وقع فيه المسلمون من الضعف والخَوَر والتخاذل، وغير ذلك من وجوه الانحطاط إنّما كان لبعدهم عن حقيقة الإِسلام. وأرى أنّ ذلك يرجع إلى أمور:
الأول: التباس ما ليس من الدين بما هو منه.
الثاني: ضعف اليقين بما هو من الدين.
الثالث: عدم العمل بأحكام الدين.
وأرى أنّ معرفة الآداب النبوية الصحيحة في العبادات والمعاملات، والإقامة والسفر، والمعاشرة والوحدة، والحركة والسكون، واليقظة والنوم، والأكل والشرب، والكلام والصمت، وغير ذلك ممّا يعرض للإنسان في حياته، مع تحري العمل بها كما يتيسّر = هو الدواء الوحيد لتلك الأمراض.
فإنّ كثيرًا من تلك الآداب سهل على النفس، فإذا عمل الإنسان بما يسهل عليه منها، تاركًا لما يخالفها، لم يلبث إن شاء الله تعالى أن يرغب في الازدياد، فعسى أن لا تمضي عليه مدة إلا وقد أصبح قدوة لغيره في ذلك. وبالاهتداء بذلك الهدي القويم، والتخلُّق بذلك الخلق العظيم - ولو إلى حدًّ ما - يستنير القلب، وينشرح الصدر، وتطمئن النفس؛ فيرسخ اليقين، ويصلح العمل. وإذا كثر السالكون في هذا السبيل لم تلبث تلك الأمراض أن تزول إن شاء الله.
(25/303)

ومن أبسط مجموعات كتب السنة في الأدب النبوي كتاب (الأدب المفرد) للإمام محمَّد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، والإِمام البخاري كالشمس في رابعة النهار شهرةً، وإلى مؤلفاته المنتهى في الجودة والصحة. وكتابه هذا - أعني الأدب المفرد - هو بعد كتابه "الجامع الصحيح" أولى كتبه بأن يَعتني به من يريد اتباع السنة، فإنّه جمع فأوعى، مع التحري والتوقّي والتنبيه على الدقائق.
ولكن الأمة - لسوء حظها - قصَّرت في حق هذا الكتاب، فنسخه المخطوطة عزيزة جدًّا، وقد طبع مرارًا ولكن قريبًا من العدم؛ لأنّها مشحونة بالأغلاط الكثيرة في الأسانيد والمتون، أغلاط لا يهتدي إلى صوابها إلا الرّاسخون.
وقد قيّض الله - وله الحمد - لخدمة هذا الكتاب صديقي العالم الفاضل السيد فضل الله بن السيد أحمد علي، فصرف في العناية به سنين عديدة.
أوّلاً: حقّق كلماته أسانيد ومتونًا حتى أقامها على الصواب مع صعوبة ذلك في كثير من المواضع.
ثانيًا: قام بوضع شرحٍ عليه يبين أحوال أسانيده، ويعرِّف بالمهم من أحوال رجاله، ويذكر من خرّجه، ثم يفيض في شرح المتن، واستنباط النكت والفوائد منه، ويشير إلى الأحاديث الواردة في معناه، وينبه على فوائد ذاك الأدب أو الخلق وحكمه وحكمته، مع الإلمام بما يوافق الحق من المشارب المتعددة كالفقهاء والصوفية والعصرية، باذلاً جهده في أن يجعل الحق أمامه غير متقيد بغيره ولا متحيِّز إلى سواه.
(25/304)

ثالثًا: اعتنى بوضع فهارس عديدة على الطراز الحديث لأبواب الكتاب وأحاديثه ورجاله وأعلامه وغير ذلك، وقد تعمّدت التقصير في الثناء عما هو عليه في نفس الأمر، حتى يرى من يطالعه إن شاء الله تعالى أنّه فوق ما وصفته.
والشارح - كغالب أهل العلم في هذا العصر - يستطيع أن يتعب نفسه السنين العديدة في خدمة العلم والدين، ثم يعجز عن نشر عمله، فعسى أن يقيض الله له من أصحاب المطابع أو محبّي العلم من ذوي الثروة من يقوم بهذا الغرض، والله الموفق.
وكتبه
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
مصحح بدائرة المعارف في حيدراباد (الدكن)
19 جمادى الآخرة 1370 ه
(25/305)

(17)

تقريظ
"مسند الصحيحين"
لعبد الحق الهاشمي العمري (ت 1392)
(25/307)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلوات الله وسلامه على محمَّد وآله وصحبه.
وبعد، فقد وقفني الشيخ العلامة الجليل أبو محمَّد عبد الحق بن عبد الواحد العمري على المجلد الأول من مؤلفه "مسند الصحيحين" فتصفَّحته فوجدته جمعًا وافيًا بين الصحيحين، مرتبًا على مسانيد الصحابة؛ قدم الخلفاء الراشدين على ترتيبهم، ثم رتب الباقين على حروف المعجم، يذكر في مسند كل صحابي أحاديثه في "الصحيحين" أو أحدهما حديثًا حديثًا، يبدأ فيترجم للحديث بما ينبه على مدلوله ثم يسوق طرقه بأسانيدها عازيًا كل طريق إلى موضعها من "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم" مع التنصيص على الكتاب والباب.
هذا، وقد جمع كثير من المتقدمين بين "الصحيحين" على هذا النحو في الجملة، ولم أقف على شيء منها إلا على قطعة من جَمْع الحُمَيدي، وليست عندي الآن ولا تصفحتها كما ينبغي. وعلى كل حال؛ فهذا الكتاب "مسند الصحيحين" يغني عن أكثر تلك الكتب وله على أكثرها - إن لم يكن عليها كلها - مزايا.
وإذا كان لي أن أقترح على مؤلفه الجليل فإني أقترح أمرين:
الأول: أن يُرقم على أسماء الصحابة الأرقام العددية 1 - 2 - 3 - إلخ ...
(25/309)

ثم يرقم على أحاديث كل صحابي كذلك، ثم كل حديث وقع في "الصحيحين" أو أحدهما عن صحابيين فأكثر ينبه في كل موضع على الآخر فإذا اتفق مثلاً الحديث الثالث في مسند عمر والحديث الخامس في مسند علي كتب على الأول: "انظر 4/ 5"، وعلى الثاني: "انظر 2/ 3" وهكذا.
الثاني: أن يرتب فهرسًا مطولًا للأحاديث مرتبًا على ترتيب الجوامع، يذكر في كل باب طرفًا من الحديث ورقمه أو أرقامه.
وبهذا يكون الكتاب مسندًا وجامعًا معًا، والاستفادة في هذا العصر من الجوامع أيسر، وعناية الناس ورغبتهم تتحرى اليسر.
وعلى كل حال، فأسأل الله تعالى أن ييسر لفضيلة المؤلف إتمام الكتاب، ويهيئ لطبعه ونشره مَن يخْتاره مِن محبي السنّة والساعين في نشرها.
والله الموفق (1).
كتبه راجي عفو ربه
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
في 19 ذي القعدة الحرام سنة 1378
__________
(1) أصلها محفوظ عند شيخنا عبد الوكيل بن عبد الحق على ورق أبيض مسطّر قد تمزّق من وسطه، كتبه الشيخ بالمداد الأزرق.
(25/310)

(18)

تحقيق في لفظة (أبنا) و (أنبأ)
الواقعة في
"السنن الكبرى للبيهقي" (1)
__________
(1) طُبعت في خاتمة طَبْع المجلد الرابع من "السنن الكبرى للبيهقي"، وسبب كتابتها أنه وقع الاشتباه في ضبط هذه الألفاظ في النسخ الخطية، فانتدب الشيخ لتحقيقها إذ كان أحد القائمين على تصحيح الكتاب، ووضع تحقيقه في آخر المجلد الرابع.
أقول: ينظر المجموع 4729 (ص 9 - 19)، ففيه مقارنة بين صِيَغ الأداء في البيهقي وصحيح مسلم. ويُنظر أيضًا "فوائد المجاميع" (ص 233) حول ورود الصيغة نفسِها في "الكفاية" للخطيب.
(25/311)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقع كثيرًا في أسانيد "سنن البيهقي" في أكثر النسخ التي وقفنا عليها صيغة (انبا)، وطُبعت تبعًا لبعض النسخ الحديثة الكتابة هكذا (أنبأ) وأرى أن الصواب (أبنا) وهي اختصار (أخبرنا) بحذف الخاء والراء، كذلك اختصرها البيهقي وجماعة، ذكره ابن الصلاح في "مقدمته" ثم النووي في "تقريبه" والعراقي في "ألفيته" وغيرهم.
قد تصفحت النسخ الموجودة عندنا في الدائرة، فلم أر هذه الصيغة مضبوطة هكذا (أنبأ) صريحًا في شيء من النسخ القديمة، بل ضُبِطت في مواضع هكذا (أبنا) وفي الباقي مهملة أو مشتبهة.
لم تقع هذه الصيغة في بعض النسخ القديمة، وإنّما وقع بدلها (أنا) و (أنا) اختصار أخبرنا.
البيهقي يعبر في أول الأسانيد بقوله: (أخبرنا) غالبًا، وكُتِبت صريحة في أكثر النسخ، أمّا في المصرية فكتبت هكذا (انبا).
النسخ التي وقع فيها (انبا) لم يكد يقع فيها (أخبرنا) ولا (أنا) إلا في أوائل الأسانيد في غير المصرية، مع أنّ صيغة (أخبرنا) كثيرة في الاستعمال، كما يُعلم من مراجعة كتب الحديث، ونصّ عليه الخطيب وغيره قال الخطيب في "الكفاية": "حتى إنّ جماعة من أهل العلم لم يكونوا يخبرون عمّا سمعوه إلاّ بهذه العبارة (أخبرنا)، منهم حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وعبيد الله (1) بن موسى وعبد الرزاق بن همام
__________
(1) ط: "عبد الله" خطأ.
(25/313)

ويزيد بن هارون ... ".
بل إنّ البيهقيّ نفسه لا يكاد يعبر في روايته عن شيوخه إلا ب "أخبرنا".
إنّ أكثر ما في "سنن البيهقي" مروي عن كتبٍ مصنَّفة، وقد قابلتُ بعضَ ما فيها بمآخِذِه من الكتب ك "الأم" و"سنن أبي داود" و"سنن الدارقطني"، فوجدت محلّ هذه الصيغة (أخبرنا) أو (أنا).
وتتبعت في "سنن البيهقي" مواضع من رواية الأئمة الذين نصّ الخطيب على أنهم لم يكونوا يعبرون عمّا سمعوه إلاّ بلفظ (أخبرنا)، فوجدت عبارتهم تقع في السنن بهذه الصيغة (انبا).
إنّ صيغة (أنبأنا) عزيزة كما يُعلم بتصفُّح كتب الحديث، ونصّ عليه الخطيب وغيره، ونصّ السخاوي والبقاعي وغيرهما من علماء الفن أنّه لم يَجْر للمحدثين اصطلاح في اختصار (أنبأنا)، وحذف الضمير في الصِّيغ مع الاتصال عزيز جدًّا، لا تكاد تجد في الكتب (حدّث فلان) أو (أخبر فلان) على معنى (حدثنا) أو (أخبرنا)؛ لأنّ مثل ذلك محمول على الانقطاع عند الخطيب واختاره الحافظ ابن حجر. ومن خالف فيه فإنّه موافقٌ على أنّه محمول على الانقطاع في عبارات المدلسين. وكثيرًا ما تقع عبارات المدلسين في "سنن البيهقي" بهذه الصيغة (انبا) وهي في الكتب المأخوذ منها (أخبرنا).
إنّ صيغة (أخبرنا) للسماع اتفاقًا، وصيغة (أنبأنا) في اصطلاح شيوخ البيهقي ومشايخهم وأهل عصرهم للإجازة، نصّ عليه الحاكم، فكيف يختار البيهقي لنفسه (أخبرنا) ثم يبدلها باطراد في كلام غيره ممّا ثبت في الكتب المصنفة، حتى من لم يكن يعبر إلاّ بها ب "أنبأنا" مع كثرة "أخبرنا" وعزة
(25/314)

"أنبأنا"، وتغاير معنييهما اصطلاحًا.
ثمّ لا يكتفي بذلك حتى يشفعه بحذف الضمير الذي هو دليل السماع، فيصير الظاهر الانقطاع.
وبالجملة؛ فالصواب ضبط هذه الصيغة هكذا (ابنا) قطعًا، وهي اختصار (أخبرنا)، ولهذا تقع في محلها فيما رواه عن الكتب المصنفة، ويقع محلها في النسخ (أخبرنا) أو (أنا)؛ لأنّ الأمر في ذلك موكول إلى الكاتب، فإن شاء كتبها صريحة (أخبرنا)، وإن شاء اختصرها على أحد الاختصارات المنصوص عليها؛ لأنّ القارئ يتلفظ بها دائمًا "أخبرنا" فلا حرج في الكتابة، فأمّا إبدال صيغة بأخرى دونها، أو مغايرة لها في المعنى الاصطلاحي، أو فيما ثبت في الكتب المصنفة فغير جائز، فضلاً عن أن يحذف الضمير الدال على السماع.
قد وقعت هذه الصيغة (أنبا) في كتب أخرى غير "سنن البيهقي"، وطُبِعت في بعضها هكذا (أنبأ) والصواب في عامة ذلك (أبنا).
الأدلة على ما ذكرت أكثر مما تقدم، وأرى أنّ فيما لخَّصته ههنا غنى عن البسط والتطويل، وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمَّد وآله وصحبه وسلم.
(25/315)

(19)

تحقيق نِسبة (العندي) (1)
__________
(1) من حاشية تحقيق كتاب "الإكمال" (6/ 322 - 331) لابن ماكولا.
(25/317)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال العلامة المعلمي تعليقًا على قول ابن ماكولا في "الإكمال": "وأما العندي بنون ساكنة ... ".
قال: "بياض في النسخة ولم أجد هذا الاسم (العندي) فيما لدي من كتب المؤتلف والأنساب، وتقدم في باب عبدة ونحوه قال: "وأما عنْدة بنون ساكنة فامرأة من مهرة، هي أم علقمة بن سلمة بن مالك بن معاوية الأكرمين وهو ابن عنْدة، ولقبه الزوير" وفي بعض الكتب في نسبة الأديب الأبيني "العندي" ويأتي النظر فيه في (العيدي) ".
ثم قال: "في "المشتبه" بإضافة من "التوضيح": "و [أما] العيدي - بالكسر [مع إهمال الدال] نسبة إلى العيد [فهو] جلال الدين محمد بن أحمد بن عمر البخاري، في آبائه من ولد في العيد فنسب إليه، بارع في الفقه والأصلين، أخذ عنه الفرضي، وقال: مات سنة ثمان وستين وستمائة". تعقبه "التوضيح" بقوله: "لم يجزم أبو العلاء الفرضي بوفاته، إنما قال فيما وجدته بخطه: توفي فيما أظن في شهر رمضان سنة ثمان وستين وستمائة".
قال المعلمي: كأن الذهبي فهم أن التردّد مُنصبّ على الشهر فقط، وهو قريب.
ثم قال في "التوضيح" عن الفرضي: "وأخوه صاحبنا كمال الدين عمر بن أحمد بن عمر العيدي، تفقه على أخيه وقرأ الفرائض والحساب على شيخي الإِمام نجم الدين عمر بن أحمد بن عمر الكاخُشْتُواني البخاري رحمه الله. انتهى".
(25/319)

قال في "التوضيح": "وأبو الحسين يحيى بن علي بن القاسم العيدي عن أبي بكر الحنيفي وعنه أبو طاهر السِّلَفي في "معجم السفر". ونسبةً إلى العيدي بن نَدَغى بن مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، منها ذهبن بن فرضم بن العجيل بن قثاث بن قمومي بن بَقْلُل بن العيدي، صحابي له وفادة، ذكره ابن الكلبي في "الجمهرة"، وقال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرمه لبعد مسافته. انتهى". وقد تقدم ذهبن بنسبه 3/ 388 ولم أستوف هناك النظر في الأسماء، وسترى ذلك إن شاء الله تعالى في رسم (قثاث).
ومنه أنه وقع هناك تبعًا للأصول "ابن العيذي" بنقط الذال، وكذا وقع في الأصل في رسم (قثاث) مع شكله بفتح العين وبسكون الياء. وإنما الصواب بكسر العين وسكون التحتية تليها دال مهملة، قال ابن دُريد في "الاشتقاق" ص 552 في أسماء مهرة بن حيدان: "ومنهم بنو عيدي تنسب إليهم الإبل العيدية" وقال في "جمهرته" 2/ 286 في مادة (ع ود): "العيدية نجائب منسوبة إلى العيد، وهو قبيلة من مهرة بن حيدان" وذكرها غيره من أهل المعاجم، وفي "الإكليل" 1/ 193 في نسب مهرة "وقبائل نادغم (هو الذي سماه ابن دريد وغيره: ندغى) العقار ... والعيدي، وإليهم تنسب الإبل العيدية". وقال ص 194: "وولد نادغم العيد" كأنه يقال له: "العيد" ويقال: "العيدي" وهو الأكثر.
وفي "التوضيح" عقب ما مرَّ عنه: "وأبو بكر أحمد بن محمد العيدي الأبيني الأديب، شاعر، ذكره عمارة بن الحسن اليمني الشاعر" والعطف على قوله: "منها ذهبن ... " أي: ومن بني العيدي بن ندغى "أبو بكر ... ".
وفي شأن هذا الأديب الأبيني اختلاف في موضعين، الأول: ذكر هنا في
(25/320)

"التوضيح" كما ترى: "أبو بكر أحمد بن محمد"، ومثله في "معجم البلدان" في رسم: (أبين) و (الإسكندرية) و (عدن)، وفي "تكملة ابن الصابوني" ص 92: "الأديب أحمد بن محمد، وكذا نقل في رسم (الخلي) من "التوضيح" وتقدم نقله 1/ 116.
لكني رأيته في "العَسْجد المسبوك" مخطوطة مكتبة الحرم المكي يذكره بلفظ: "أبو بكر بن أحمد" في مواضع منها ص 97 وص 153، وكذا في نسختين أخريين بالمكتبة المحمودية في المدينة الشريفة، وكذا في "قرة العيون" مخطوطة مكتبة الحرم أيضًا في ذكر توران شاه ابن أيوب قال: "ولما دخل عدن أنشده الأديب أبو بكر بن أحمد العبدي (كذا) قصيدة بلغة فصيحة يقول فيها:
أعساكرًا أسريتها وجنودا ... أم أنجمًا أطلعتهن سعودا"
وفي تعليقات المحقق النحرير الأستاذ فؤاد سيد على "طبقات فقهاء اليمن" ص 169 في ذِكْر هذا الأديب ما لفظه: "ترجم له عمارة في "المفيد" 180 - 232 ترجمة مطولة ... وذكر اسمه: فخر الدين أبو العتيق أبو بكر بن أحمد العبدي (كذا) ... وترجم له الجندي أيضًا لوحة 156 ... وذكر أنّ اسمه أبو العتيق أبو بكر بن أحمد العبدي (كذا) ... ". وكتب إليّ الأستاذ فؤاد سيد جوابًا عن سؤال في شأن هذا الرجل وفيه: "في خريدة القصر ... قسم شعراء الشام .. المطبوع أخيرًا سنة 1964 ... يذكر الاسم فيها: "أبو بكر بن أحمد بن محمد العيدي"، وأرى أن ما تقدم كاف للجزم بأنه "أبو بكر بن أحمد" وأن من قال: "أبو بكر أحمد" إنما بنى على الغالب المألوف أن قولهم: (أبو بكر) كنية يتبعها الاسم. وقد اتضح أنها هنا اسم وأن كنيه هذا
(25/321)

الرجل أبو العتيق.
الموضع الثاني: النسبة (العيدي) كيف ضبطها؟ فقد جاءت على أوجه:
الوجه الأول: (العبدي) بعين ودال مهملتين بينهما موحدة هكذا في عدة نسخ من "العسجد المسبوك" مرت الإشارة إليها. وفي "قرة العيون"، وفي كتاب "المفيد في أخبار زبيد" لعمارة و"السلوك" للجندي أفادني عنهما الصديق الحميم الأستاذ فؤاد سيد في كتابه, وفي مواضع من المخطوطات تثبت مع النقطة التي تحت الموحدة نقطة أخرى تحت الدال علامة للإهمال كما ثبتت هذه العلامة في تلك الكتب في غير هذه الكلمة. ويلاحظ: أن هذه النقطة قد تقرب من الأولى فيقرأ: (العيدي) بتحتية بين المهملتين، وقد يستغرب هذا؛ لأن المتقدمين لم يذكروه فيظن الصواب (العيذي) بتحتية فمعجمة. وليس من المحتَّم أن لا تكون نسبة (العبدي) بالموحدة بين المهملتين إلا إلى عبد القيس، بل من الجائز أن تكون في بعض الجهات إلى عبد آخر.
الوجه الثاني: (العِيدي) بالتحتية بين المهملتين تقدم ذلك عن "التوضيح" وكذا وقع في مواضع من "معجم البلدان": (أبّه - أبين - الإسكندرية - عدن) وفيه في رسم (أبين) ما لفظه: "قال عمارة بن الحسن اليمني الشاعر: أبين موضع في جبل عدن منه الأديب أبو بكر أحمد (كذا) بن محمد العيدي القائل منسوب إلى قبيلة يقال لها عيد، ويقال عيدي بن ندعي (كذا) بن مهرة بن عيدان (كذا)، وهي التي تنسب إليها الإبل العيدية؛ وأشار بعضهم يقول:
ليت ساري المزن من وادي منى ... بان عن عيني فيسقي أبينا"
(25/322)

ذكر الأبيات، وكل من (عيدي بن ندغي) و (الإبل العيدية) لا نزاع أنه بتحتية بين مهملتين، وكنت رأيت أن هذا الضبط من كلام عمارة نفسه فيكون نصًّا قاطعًا لأنه صاحب هذا الأديب، ثم قلت: إن لم يكن من كلام عمارة فهو من كلام ياقوت، ثم لما تأملت العبارة رابني فيها أن قوله: (وهو القائل) غير متصل بما بعده، وأن قوله: "وأشار بعضهم يقول" عبارة ركيكة لا تليق بعمارة ولا ياقوت، وأن الأبيات هي لذاك الأديب الأبيني نفسه كما في "خريدة القصر" وغيرها, ولو أنك حذفت ما بين (وهو القائل) والأبيات وقلتَ: "وهو القائل: ليت ساري المزن من وادي منى ... "؛ لوجدت العبارة مستقيمة. فأخشى أن يكون هذا هو الأصل وأن بعضهم كتب بهامش بعض النسخ حاشية قوله: "منسوب إلى قبيلة ... الإبل العيدية" فجاء آخر فأدرج هذه الحاشية في المتن وزاد من عنده قوله: "وأشار بعضهم يقول" ليصل العبارة بما بعدها. غير أن موافقة هذا الضبط "للتوضيح" تدل أن له أصلاً متينًا.
الوجه الثالث: (العَيْذي) بمهملة فتحتية فمعجمة كذا وقع في "تكملة ابن الصابوني" ص92 في رسم (الخلي) ولفظه بعد أن ذكر أبا الربيع سليمان بن محمد الخلي وأنه سأله عن مولده فذكره وأنه بخلة قرية قبْلي عدن "حدثنا أبو الربيع .. الخلي ... من لفظه بدمشق قال: أنبأنا عبد الله بن محمد بن يحيى الإسحاقي بعدن قال: كنت يومًا عند الأديب أحمد بن محمد العيذي بعد أن عمي ... " وهكذا نقلت هذه العبارة عن التكملة في التوضيح وعلى كلمة (العيذي) "صح". فهذا يدل أنها بهذا النقط صحيحة عن ابن الصابوني، وهو روى هذه الحكاية عن عالم عدني عن آخر كذلك من أصحاب هذا الأديب نفسه، فيبعد أن تكون خطأ.
(25/323)

وقد يُعارض هذا بأن ياقوت قال في رسم (الإسكندرية): "حدثني القاضي المفضل أبو الحجاج ... قال حدثني الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد الأبي ... قال: أذكر ليلةً وأنا أمشي مع الأديب أبي بكر أحمد بن محمد العيدي ... " فذكره بالتحتية بين المهملتين مع أن هذا السند أقصر، ويهون أمرهما معًا أنه وقع فيهما معًا اسم الأديب "أحمد بن محمد" وإنما هو أبو بكر بن أحمد كما مر. وقد يخدش في الوجهين الثاني والثالث معًا؛ بأن في عبارة الجندي كما يأتي: "العبدي ... من قومه الأعبود" فلو كانت هذه الصيغة (الأعبود) مأخوذة من (عيد) أو (عيذ) لكانت (الأعيود) أو (الأعيوذ) والضمة على الياء ثقيلة مع أنه كان ينبغي أن يقال: (الأعوود) أو (الأعووذ)؛ لأنهما من (ع ود) و (ع وذ) وسبب القلب غير موجود في الصيغة، ويجاب: بأن الضمة محتملة، وفي رسم (قين) من "الإكمال": "وأما قين أوله قاف بعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها فهو القين بن فهم ... وولده يقال لهم الأقيُون" على أن الجندي من أهل القرن الثامن لا يلزم التزامه لمقتضى التصريف، على أن العرب قد جمعوا العيد على لفظه فقالوا: (أعياد) و (والعيدي بن ندغى) اسم حميري قديم لا يجب أن يكون من (ع ود) ومادة (ع ي د) موجودة ومنها قولهم للنخلة: عيدانة.
الوجه الرابع: (العندي) بنون بين المهملتين ذكره لي الأخ العلامة الناقد حمد الجاسر وأنه يقال: إن مسجد هذا الرجل موجود بعدن يعرف بمسجد العندي، وأشار عليّ باستقصاء البحث فاستعنت بالسيد الفاضل المؤرخ هادون العطاس فكتب إليّ السيد الفاضل العالم طاهر بن علوي بن طاهر الحداد وهو بعدن، فعاد جوابه وفيه ما لفظ: "العندي صاحب مسجد العندي بعدن. ظهر لنا بعد أن ظفرنا بترجمة العندي في كتاب "هدية الزمن"
(25/324)

للأمير أحمد فضل العبدلي أن من سميتموه ونقلتم ترجمته من كتاب الصابوني رجل آخر، أما العند وصاحب مسجد العندي بعدن فهاكم ترجمته: قال أحمد فضل في كتابه ص 72 قال الأهدل في "التحفة": الأديب أبو بكر بن أحمد العندي نسبة إلى الأعنود قوم يسكنون لَحْج أبين وعدن، أثنى عليه عمارة ... وكانت وفاة الأديب بعدن سنة 580 تقريبًا وكان من آثاره مسجده المعروف بمسجد العندي بعدن" فشكرته على إفادته ورجوت من السيد هادون أن يكتب إليه بالشكر الجزيل ورجاء المزيد بالبحث عن المسجد والقوم أمعروف بعدن الآن مسجد يقال له: مسجد العندي - أو ما يشبه هذه الكلمة؟ فإن كان، ففي أي موضع من عدن؟ أمعروف في تلك الجهات الآن قوم يقال لهم: الأعنود، أونحو هذا مما يقرب منه؟ فلم يرد جواب منه، وأحسب السيد هادون كرر المكاتبة ولكن لم يفدني بشيء، فحدستُ: أن ذاك الفاضل بحث فلم يجد وخشي أن يجيب بالنفي ويكون هناك شيء يعثر عليه غيره. ثم سمى لي السيد هادون فاضلاً آخر، فكتبت إليه فلم يجب وأحسبه: بحث فلم يجد وخشي ما خشيه الأول، ولا أدري ما مستند أحمد فضل في النقط أوَجَده كذلك في النسخة التي نقل عنها من "تحفة الأهدل"؟ أم نظر على أن هناك قرية يقال لها (العند) ويسوغ أنه يقال لسكانها (الأعنود) كما يأتي بعد؟
ومن جهة أخرى كتبت إلى الصديق الحميم الأستاذ فؤاد سيد أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية فعاد جوابه مبسوطًا، وفيه ما لفظه: والزيادات المقوسة منه:
"أولا: في "تاريخ ثغر عدن" لبامخرمة المطبوع سنة 1950 يذكر
(25/325)

صاحبنا في مواضع كثيرة باسم - العَيّدِي - مضبوطة بالشكل ويذكر في الحواشي القراءات الأخرى التي يراها لهذا الاسم وهي: العبدي - العَيْذي - العَيِذي - العِيّدي.
ثانيًا: في "خريدة القصر" لابن العماد الأصفهاني قسم شعراء الشام واليمن والحجاز المطبوع أخيرًا سنة 1964 بتحقيق الدكتور شكري فيصل ترجمة لا بأس بها للرجل مع أشعار كثيرة له نقلها ابن العماد عن كتاب "المفيد" لعمارة اليمني، وتبدأ هذه الترجمة من ص 145 ويذكر الاسم فيها: أبو بكر أحمد بن محمد العِيدي اليمني. وفي الحواشي يورد الروايات الأخرى التي رآها وهي: العَبدي - العيذي.
ثالثًا: رجعت إلي مخطوطة "المفيد في أخبار زبيد" لعمارة اليمني فرأيت أن الناسخ يذكر الاسم: العبدي - وترجمته هناك مطولة وحافلة بشعره من ورقة 180 - 232.
رابعًا: في كتاب ابن المجاور .. المستبصر ص 46، يذكر باسم: العبدي، وفي الحاشية: العيدي.
خامسًا: وعند الجندي في السلوك ترجمة له في لوحة 156 بقوله: ومنهم أبو العتيق أبو بكر بن أحمد العبدي (بنقطة تحت الموحدة ونقطة تحت الدال للإهمال) نسبًا، الأبيني بلدًا، من قومه الأعود (كذا بدون نقط) جماعة يسكنون أبين ولحج وعدن ... ، وقد أنهى الجندي الترجمة بقوله: وكانت وفاة الأديب بعدن سنة ثمانين وخمسمائة تقريبًا ومن آثاره في عدن المسجد الذي يعرف بمسجد العبدي (كذا بنقط الموحدة). ويبدو أن هذه الترجمة هي التي نقل منها الأهدل".
(25/326)

قال المعلمي: مما استفدنا من هذا أن المخطوطات مطبقة على (العبدي) بموحدة بين مهملتين وأن العبارة التي مر نقلها عن كتاب أحمد فضل عن "تحفة الأهدل" أصلها للجندي. فالجندي هو الذي ذكر المسجد، لكن السيد هادون جزاه الله خيرًا أوقفني على كتاب تاريخ عدن وجنوب الجزيرة لحمزة علي إبراهيم لقمان، وفيه ص 268 في آثار عدن ما لفظه: "مسجد العندي - بناه الشاعر الأديب السياسي العدني أبو بكر بن أحمد العندي قبل وفاته سنة 580". فظاهر هذا أن لقمان وهو عدني من أهل هذا العصر عرف المسجد، لكن رابني أنه لم يبين موضعه! فهل أخذ من كتاب أحمد فضل؟ فعلى هذا يكون المسجد كان معروفًا في زمن الجندي أي في صدر القرن الثامن، وكان الجندي بعدن ولي بها الحسبة. وهل كان المسجد معروفًا في زمن الأهدل؟ لا ندري، وكان الأهدل بزبيد أو ما يقرب منها, ولا يظهر من ترجمته أنه عرف عدن، وإنما لخص كتاب الجندي مع زيادات. ووفاته سنة 855.
ثم كتبت إلى علامة الجنوب فضيلة الشيخ محمد بن سالم البيحاني رئيس الجمعية الإِسلامية للتربية والتعليم بعدن فأجاب مشكورًا، وقال في جوابه: "المذكور هو أبو بكر بن أحمد بن محمد العندي بفتح العين المهملة والنون المنقوطة من أعلى مفتوحة أيضًا وبعدها قال مهملة، وهكذا ينطق بهذا الاسم، وهي نسبة إلى قرية يقال لها (العند) شمال حوطة لحج العاصمة على بعد عشرين ميلاً تقريبًا، وهي تقرب من الشققة بفتح الشين وسكون القاف، وبها سكان قليل، وقال لي أحد أمراء لحج: إنها كانت قلعة حربية، وكان فيها معسكر صغير للجيش البريطاني، والمسؤول عنه أديب ... ، أما مسجده الذي ذكره حمزة لقمان في ص 268 من كتابه "تاريخ
(25/327)

عدن والجنوب العربي" فهو غير معروف اليوم، وقد سألت الكبار من أهل عدن عن هذا المسجد فلم يعرفوا عنه ولا عن موقعه قليلاً ولا كثيرًا، والمذكور هو أستاذ الشيخ نجم الدين عمارة اليمني، ونسبته إلى الأعنود قبيلة تسكن عدن وأبين ولحج غير صحيحة، ولو كان الأمر كذلك لقيل له: الأعنودي، وإنما هو منسوب إلى قرية العند، وفي جهتنا ينسب السكان إلى مساكنهم بهذه الصيغة، فيقال في أهل قَدَس: الأقدوس، وفي أهل الحكم - بسكون الكاف -: الأحكوم، وفي أهل العند: الأعنود، وهكذا، وكل ما ورد في ضبط اسمه غير ما ذكرناه فهو مغيّر ومصحف فليس هو بالعبدي ولا العيذي ولا العيدي، وليس هو أبو بكر أحمد بن محمد، وإنما هو أبو بكر بن أحمد العندي فاضبطوه فضلاً لا أمرًا، وإذا تيسر لكم الوقوف على كتاب "التحفة السنية" للأهدل أو "تاريخ الجندي" أو "ثغر عدن" لبامخرمة أو كتاب النسب - بكسر النون - لبامخرمة أيضًا فستجدون أكثر وأحسن مما تيسر لي في هذه الخلاصة".
قال المعلمي: أما "تحفة الأهدل" فقد تقدم النقل عنها, ولم يكن الأهدل بعده وإنما لخص كتاب الجندي، و"تاريخ الجندي" و"ثغر عدن" قد تقدم ما فيهما في إفادة الأستاذ فؤاد سيد، وكتاب "النسب" لبامخرمة أراه كتاب النسبة إلى البلدان، رأيت منه نسخة في المكتبة المحمودية بالمدينة الشريفة ولم أجد فيه ما يفيد في قضيتنا هذه. والذي يتحصل من الجواب:
1 - أنه لا يعرف الآن بعدن مسجد ينسب إلى هذا الأديب.
2 - أنه لا يعرف قوم يكونون بأبين وعدن ولحج يقال: لهم (الأعنود) إلا أنه يسوغ أن يقال لسكان تلك القرية (الأعنود).
(25/328)

3 - أن ذاك الأديب يعرف الآن بين علماء عدن وأدبائها بقولهم (العندي) بفتح أوله وثانيه.
4 - أن فضيلة المجيب يجزم بذلك، وبأن ما عداه تصحيف.
5 - أنه يجزم بأنها نسبة إلى قرية (العند) التي توجد الآن في تلك الجهة بها سكان قليل، وأفاد بعض أمراء لحج أنها كانت قلعة حربية وكان بها معسكر صغير للجيش البريطاني.
6 - أنه يجزم بعدم صحة ما قيل: إن النسبة إلى الأعنود قبيلة تسكن عدن وأبين ولحج، ويرى أنه لو كان كذلك لَقيل: الأعنودي.
قال المعلمي: أما الأمر السادس فقد مرت عبارة الأهدل، ولا يبعد خطاؤه؛ لأنه متأخر عن الأديب بأكثر من قرنين ولم يكن بعدن ولكنه استند إلى عبارة الجندي، وقد مرّت عبارة الجندي وهي أصرح، والجندي كان بعدن واليًا للحسبة في صدر القرن الثامن. ولا يسعني تأخير إرسال المسودة إلى الهند بعد الآن حتى أراجع فضيلة المجيب، ولعل أعماله المهمة تشغله عن البحث مكررًا، فإذا لم يصنع كما صنع السيد الفاضل طاهر بن علوي، فكما صنع الصديق الحبيب الأستاذ فؤاد سيد فإني بعد إفادته الأولى الممتعة راجعته فلم تسمح له أعماله بأكثر من جواب مقتضب مع وريقة كتبها صديقنا العلامة حمد الجاسر، سأثبتها مع ما أحالت عليه وأختم البحث بذلك شاكرًا لهم جميعًا. وراجع ما تقدم 3/ 75، و134، والأنساب 4/ 27.
كتب الأخ حمد ما لفظه: "أبو بكر العَنْدي (شكلها بفتح العين وسكون النون) لا العيدي ولا العبدي ولا العيذي.
(25/329)

1 - أول من غلط وخلط في نسبة هذا الشاعر ياقوت في "معجم البلدان"، وفي "معجم الأدباء" وقد أورد له نسبتين مختلفتين.
2 - ثم جاء ابن الصابوني فوقع في الغلط، وزاده تخليطًا وغلطًا الأستاذ الدكتور مصطفى جواد بتعليقة حاول فيها أن يصحح فما أصاب.
3 - ثم الدكتور شكري فيصل في تصحيحه للجزء الثالث من كتاب "خريدة القصر" - أو الثاني - وقد أشار في آخر الجزء أنني نبهته إلى الصواب إشارة مبهمة.
4 - أن الصواب في نسبة الشاعر هو: العَنْدي (شكله كما مر) بالعين المهملة بعدها نون فدال مهملة، كما ورد بذلك نص صريح في كتاب "تاريخ عدن" للسلطان الفضل منسوب إلى الأعنود، وأن في عدن مسجدًا ينسب إلى الشاعر المذكور، وقد نقلت نصَّه في تعليقي على دائرة معارف البستاني المنشور في جريدة الرياض في المحرم سنة 1385 وصفر سنة 1385".
قال المعلمي: هو في جريدة الرياض العدد 44 بتاريخ يوم الأحد 21 صفر سنة 1385، ذكر هناك كتاب أحمد فضل ثم قال: "فوجدت في الكتاب نصًّا صحيحًا صريحًا ص 72 هو: قال الأهدل في التحفة الأديب أبو بكر بن أحمد العندي نسبة إلى الأعنود قوم يسكنون لحج وأبين وعدن أثنى عليه عمارة - إلى أن قال ص 73: وكانت وفاة الأديب بعدن سنة 580 تقريبًا، وكان من آثاره مسجده المعروف بمسجد العندي بعدن. اه.
فهل بعد هذا يبقى شك في صحة النسب؟ وانظر زيادة عليه مخطوطة دار الكتب المصرية من "تاريخ عمارة" رقم 8048 ج تاريخ"
(25/330)

قال المعلمي: قد أمللتُ القارئ ولم أمل، وحسبي أن يكون ما أثبته نموذجًا لما يقاسيه المعنيون بتحقيق الكتب، وإن أحدهم ليتعب نحو هذا التعب في مواضع كثيرة جدًّا ولكنه في الغالب ينتهي إلى أحد أمرين: إما عدم الظفر بشيء فيكتفي بالسكوت، أو بأن يقول: (كذا) أو نحوها ولا يرى موجبًا لذكر ما عاناه في البحث والتنقيب، وإما الظفر بنتيجة حاسمة فيقدمها للقراء لقمة سائغة ولا يهمه أن يشرح ما قاساه حتى حصل عليها والله المستعان.
(25/331)