Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 018

آثار الشّيخ العَلّامَة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
(18)
مجموع رسائل الفقه
تَأليف
الشيخ العَلّامَة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
مُحَمَّد عُزير شمس
المجلّدُ الثالِث
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رَحِمَه الله تعالى)
تمويل
مُؤَسسَةِ سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(18/1)

راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
سليمان بن عبد الله العمير
(18/2)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا المجلد الثالث من الرسائل الفقهية التي عثرنا عليها بعد الانتهاء من المجلدين الأولين ضمن مسوّدات وأوراق متفرقة، بعضها لم تفهرس ولم تسجَّل في المكتبة حتى الآن، ووجدنا فيها تكملة لبعض الرسائل، ومن أهمها المقدمة والقسم الثاني من رسالة "الربا"، بحيث إنها اكتملت وعرفنا سبب تأليفها.
وقد أدرجنا التعريف بأصول هذه الرسائل ومحتوياتها في مقدمة المجلد الأول من مجموع رسائل الفقه (ص 66 - 86)، فليُرجع إليه. وستأتي فهارس هذا المجلد في آخره. والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمَّد عزير شمس
(18/3)

الرسالة الخامسة والعشرون
مسائل القراءة في الصلاة والرد على أحد شرَّاح الترمذي
(18/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ولا معين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله إلى الناس أجمعين، صلَّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإني وقفت على شرح لبعض أجلة علماء العصر من الحنفية ل "جامع الترمذي"، اعتنى فيه بالمسائل الخلافية، وسرد الأدلة وتنقيحها رواية ودراية، ولم يتقيَّد بأقوال المتقدمين في طرق التأويل والاستدلال، وإن تقيَّد بمذهبه في الأحكام.
وقد طالعت منه من أوله إلى أواخر كتاب الصلاة، وكان يظهر لي عند المطالعة مواضع تحتمل التعقب والمناقشة؛ فقيَّدتُ بعض ذلك.
ثم رأيت أنَّ الكلام في مسائل القراءة في الصلاة يطول؛ فأفردته مرتبًا في هذه الورقات، وقد علمت أنَّ التآليف في هذه المسائل كثيرة، وأنَّ من لم يعرف مقدار حسن ظن الإنسان بنفسه وبتأليفه وشعره لا بد أن يُسدِّد إليَّ وإلى أمثالي سهام الملام. ولكني أرجو أن لا أَعدَمَ مَنْ عسى أن يَعْذِرني؛ بل أكاد أجزم أنَّ من طالع رسالتي هذه اضطرَّه الإنصافُ إلى أن يشكرني.
وإلى الله تعالى أَضْرَع أن يُطهِّر قلبي من الهوى والعصبية، ويخلص عملي كلَّه لوجهه الكريم ونصرةِ شريعته المرضية، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[.................................................................] (1)
__________
(1) سقط من هنا إحدى عشرة صفحة.
(18/5)

[ص 12] فإن كان الواقع هو الأول فقد ثبتت الفاتحة نصًّا، وإن كان الثاني فتثبت استدلالاً، لما عُرِف (1) أنَّ هذا الحديث إنما اشتمل على الواجبات، وليس بين تكبيرة الإحرام وقراءة ما تيسَّر حمد وثناء وتمجيد يحتمل الوجوب إلاّ الفاتحة، وهذا ظاهر.
ومما يؤيده: حديث مسلم (2) وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: "قَسَمْت الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمِدَني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي .. " الحديث.
نصَّ فيه على أنَّ الفاتحة: حمد وثناء وتمجيد.
وجاء في حديث رفاعة (3) تارة الأمر بالفاتحة، وتارة الأمر بالحمد والثناء والتمجيد، فتدبَّر.
وقد وجدت متابعًا لمحمد بن عمرو (4)، وهو: بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ، رواه عن علي بن يحيى، أخرجه البخاري في "جزء القراءة" (5)،
__________
(1) تحتمل: "كما عرف".
(2) رقم (395). وأخرجه أيضًا مالك في "الموطأ" (1/ 84، 85) وأبو داود (821) والترمذي (2953) والنسائي (2/ 135، 136).
(3) أخرجه أحمد في "المسند" (18995) وأبو داود (861) والترمذي (302) والنسائي (2/ 193) وغيرهم.
(4) الكلام متعلق بحديث المسيء صلاته من رواية محمَّد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاَّد، عن رفاعة بن رافع. وقد أخرجه أحمد في "مسنده" (18995).
(5) (ص 234 - 236) بتعليقه "تحفة الأنام" ط. الهند.
(18/6)

وسنده على شرط الصحيح، إلاَّ عبد الله بن سُويد، وهو صدوق كما قال أبو زرعة (1)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (2)، ولا مخالفَ لهما.
ولكن فيه: عن علي بن يحيى، عن أبي السائب - رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: "ابدأ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بأم القرآن، ثم تركع" الحديث.
وذكر الحافظ في "الإصابة" (3) أنَّ ابن منده ذكر أبا السائب هذا في الصحابة، وقال: عداده في أهل المدينة.
قال الحافظ: "وتعقبه أبو نعيم (4) بأنَّ المحفوظ رواية إسحاق بن عبد الله ... وغيرهم كلهم عن علي بن يحيى عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع. انتهى، ولا يمتنع أن يكون لعلي بن يحيى فيه شيخان".
أقول: فعلى هذا، هذه رواية صحابي ثالث مصرِّحة بالفاتحة بلا خلاف.
وأقوى الأجوبة بعد هذا: احتمال النسخ؛ فإنَّ الأحاديث الصريحة في إيجاب الفاتحة منها ما صرَّح فيه أبو هريرة بسماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع. وقصة المسيء صلاته كانت قبل ذلك ببضع سنوات، أي قبل غزوة بدر؛ لأنَّ صاحب القصة مدني أنصاري بدري
__________
(1) انظر "الجرح والتعديل" (5/ 66).
(2) (8/ 343).
(3) (12/ 284). وانظر "معرفة الصحابة" لابن منده (2/ 905).
(4) في "معرفة الصحابة" له (4/ 492).
(18/7)

اتفاقًا (1)، ومثل هذا لا يُعقل أن يبقى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ يجالسه، ويصلي معه، ويغزو معه سنة أو سنتين ولا يُحسِن الصلاة، فضلاً عن ست أو سبع سنوات!
وهذا واضح جدًّا، مستغنٍ عن قول ابن الكلبي: إن صاحب القصة استشهد ببدر (2).
وإذا صحَّ النسخ فكأنه قبل الأمر بالفاتحة كان الواجب الحمد والثناء والتمجيد مطلقًا، ثم قراءة ما تيسَّر من القرآن؛ على ظاهر رواية إسحاق بن أبي طلحة (3). ثم جمع الله تعالى لهم الأمرين في الفاتحة.
ولما علم رفاعة أو من بعده ذلك عبَّر تارةً بأصل الحديث، وتارةً بما آل إليه الأمر من فرض الفاتحة، وإنما زاد: "ثم اقرأ ما شئت" ظنًّا أنَّ الفاتحة إنما جاءت بدلًا عن الحمد والثناء والتمجيد.
وقد بيَّنت الأحاديث الأخرى الثابتة في الاقتصار على الفاتحة أنَّ الفاتحة جامعة للأمرين: الحمد والثناء والتمجيد، والقراءة.
ومما يبيَّن ما قدَّمناه: أنَّ أبا هريرة - راوي الحديث - مذهبه الذي كان يفتي به أنَّ الفاتحة بعينها واجبة، ولا يجب غيرها.
__________
(1) هو خلَّاد بن رافع، كما في "الفتح" (2/ 277). وانظر "الإصابة" (3/ 311).
(2) انظر "نسب معد واليمن الكبير" (1/ 424). قال الحافظ في "الإصابة" (3/ 310): لم يذكره في شهداء البدريين غيره.
(3) التي أخرجها البخاري في "جزء القراءة" (ص 245) وأبو داود (858) والنسائي (2/ 225، 226) وابن ماجه (460) وغيرهم.
(18/8)

[ص 13] وفي "الصحيحين" (1) وغيرهما عنه: "وإن لم تَزِدْ على أمِّ القرآن أجزأتْ، وإن زدتَ فهو خير".
وفي "سنن أبي داود" (2) وغيره عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فنادى: "أن لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب فما زاد".
وهذا مما يقوي احتمال النسخ؛ إلاَّ أنَّ في سنده جعفر بن ميمون، مختلف فيه، وقال العقيلي (3) في حديثه هذا: "لا يتابع عليه".
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على قوله: "فما زاد"، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.
فأما الجواب باحتمال أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان علم أنَّ الرجل لا يحفظ الفاتحة فليس بذاك، وإن ساعده لفظ "معك".
ولما كان النزاع إنما هو مع الحنفية، والحديث وارد عليهم، كما هو وارد علينا فلا حاجة إلى التطويل، وفيما قدمناه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.
[ص 14] سؤالان وجوابهما:
الأول: وقع في بعض روايات حديث رفاعة (4) الصحيحة: فقال النبي
__________
(1) البخاري (772) ومسلم (396).
(2) رقم (820). وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" (9529) والدارقطني (1/ 321) والحاكم في "المستدرك" (1/ 239) والبيهقي (2/ 37).
(3) في "الضعفاء الكبير" (1/ 190).
(4) أخرجه أبو داود (857) والنسائي (2/ 193) وأحمد (18997) وغيرهم.
(18/9)

- صلى الله عليه وسلم -: "إنه لا تتمُّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ" وذكر الحديث، وفي آخره - في رواية (1) -: "فإذا فعل ذلك فقد تمَّتْ صلاته".
وفي رواية (2): "لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يفعلَ ذلك".
وفي أخرى (3): "فإذا لم يفعلْ هكذا لم تَتِمَّ صلاتُه".
وفي أخرى (4): "فإذا صنعتَ ذلك فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنما تَنقُصُه من صلاتك".
وفي رواية يحيى بن علي بن يحيى عن جده عن رفاعة بن رافع: "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد يومًا - قال رفاعة: ونحن معه - إذ جاء رجلٌ كالبدوي، فصلَّى فأخفَّ صلاته"، ثم ساق الحديث، إلى أن قال: "فخاف الناس، وكَبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاته لم يُصلَّ"، ثم ذكر الحديث، وقال في آخره: "فإذا فعلتَ ذلك فقد تمَّتْ صلاتك، وإن انتقصْتَ منه شيئًا انتقصْتَ من صلاتك". قال: "وكان هذا أهونَ عليهم من الأول: أنه مَن انتقصَ من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهبْ كلها".
رواه الترمذي (5)، وقال عقبه: حديث رفاعة حديث حسن.
وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ (6).
__________
(1) هي رواية أبي داود (857).
(2) عند أبي داود (858).
(3) عند النسائي (2/ 226).
(4) عند النسائي (2/ 193).
(5) رقم (302).
(6) انظر تعليق المحققين على "المسند" (18995).
(18/10)

وقال في "الفتح" (1): "وقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصة: دخل رجلٌ، فصلَّى صلاةً خفيفةً، لم يتم ركوعها ولا سجودها".
فقد يقال: إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتمُّ صلاة لأحدٍ", ولم يقل: "لا تصحُّ"، وقال له: "وإن انتقصتَ منه شيئًا انتقصتَ من صلاتك" أو نحوه؛ فهذا يدلُّ على أنَّ فيما أمره به أشياء تصحُّ الصلاة بدونها. وقد فهم الصحابة ذلك؛ كما صرَّح به في رواية يحيى بن علي بن يحيى.
ويؤخذ من قوله: "فأخفَّ صلاته"، وقوله: "وكبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاتَه لم يُصَلَّ" أنَّ تلك الأشياء هي ما كان من قبيل التخفيف؛ فيدخل فيها تخفيف القيام بتقصير القراءة، وتخفيف الركوع والسجود بعدم الاطمئنان. وفي رواية ابن أبي شيبة ما يظهر منه التخفيف في الركوع والسجود.
الجواب: أما رواية يحيى بن علي فلا تقوم بما زاده فيها حجة؛ لجهالته، ولا يُلتفت إلى أنَّ ابن حبَّان ذكره في "الثقات" (2)؛ لأنَّ من أصل ابن حبَّان إيراد المجاهيل فيها. والترمذي إنما حسَّن الحديث من حيث هو، وأشار إلى ذلك بقوله: "وقد رُوي من غير وجهٍ"، ولا يلزم من هذا توثيق يحيى بن علي. والزيادة إنما تقبل من الثقة الضابط.
وأما قوله: "إنه لا تتمُّ" وما يُشبِه ذلك، فإنه يقال لمن صلَّى من الظهر ثلاث ركعات، ثم قطع الصلاة عمدًا: إنه لم يُتِمَّ صلاته. ويقال لمن صلَّى
__________
(1) (2/ 277). والحديث في "المصنف" (1/ 287).
(2) (7/ 612).
(18/11)

وترك بعض المستحبَّات: لم يُتِمَّ صلاته. ويظهر لي أنَّ المعنى الأول هو المتبادر.
وأما قوله: "وما انتقصتَ من ذلك فإنما تنقُصُه من صلاتك" فهي عند النسائي من رواية ابن عجلان عن علي بن يحيى، وابن عجلان يدلَّس؛ كما يأتي بيان ذلك في حديث الإنصات. فيُخشى أن يكون سمع الحديث بهذه الزيادة من يحيى بن علي، وقد مرَّ ما فيه.
وعلى فرض ثبوت هذه الزيادة فالانتقاص مقابل لعدم الإتمام، وقد مرَّ ما فيه.
وعلى فرض أنَّ قوله: "لا تتمُّ"، وقوله: "فإنما تنقصه من صلاتك" - على فرض ثبوتها - يُشِعر أو يدلُّ على أنه إذا ترك شيئًا مما أمره به لا تبطل صلاته، فيجب إلغاء هذا الإشعار؛ لأنه قد أمره - في جملة ما أمره به - بالفرائض القطعية إجماعًا، ومن انتقص شيئًا منها فصلاته باطلة قطعًا.
ودعوى حمل هذا على ما كان من قبيل التخفيف مردودة فإنه ساق تحت قوله: "لا تتمُّ صلاة أحدٍ منكم حتى ... " جميع الأعمال، واسم الإشارة في قوله "وما انتقصت من ذلك" يعود إلى جميع الأعمال.
وإذا قلنا: إنَّ الذي أساء فيه هذا الرجل هو عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، بدليل رواية ابن أبي شيبة = وجب أن لا يدخل ذلك فيما يشعر به قوله: "لا يتم"، وقوله: "تنقصه من صلاتك"؛ لأنه قد قال له باتفاق الروايات كلها: "ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ". ونفيُ الشارع للصلاة صريح في نفي وجودها الشرعي، وهو إنما يكون بصحتها. والله أعلم.
(18/12)

[ص 15] السؤال الثاني:
إذا كانت الصلاة الأولى التي صلاها هذا الرجل باطلة فلمَ لمْ يبيِّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - في أثنائها؟ وكيف تركه يتعبد عبادة باطلةً؟
وهكذا يقال في الثانية والثالثة، بل أولى.
أَوَلا يكون إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه على الاستمرار فيها دالًّا على صحتها؟
الجواب: هذا سؤال لا يخلو من صعوبة، وقد ذكر الحافظ في "الفتح" (1) أجوبة:
منها: قول ابن دقيق العيد: "ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا؛ بل لا بد من انتفاء الموانع، ولا شكَّ أنَّ في زيادة قبول المتعلِّم ما يُلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماعِ نفسه وتوجُّهِ سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة إلى التعليم؛ لا سيَّما مع عدم خوف الفوات؛ إما بناءً على ظاهر الحال، وإما بوحي خاص".
أقول: أما دلالته على الجواز فلا مفرَّ منها؛ ولكن لا يلزم من الدلالة على الجواز الدلالةُ على الصحة، وشاهده ما في "الصحيحين" (2) عن ابن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنَّ ابن الصيَّاد الدجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) (2/ 281). وكلام ابن دقيق العيد في "الإحكام" (2/ 11).
(2) البخاري (7355) ومسلم (2929).
(18/13)

وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أولاً يشكُّ في ابن صيَّاد أهو الدجال أم لا (1).
فأقول: إنَّ العبادة الباطلة إنما يكون التلبُّس بها معصيةً إذا علم المتلبِّس بها أنها باطلة، ولم يتحقَّق هذا في المسيء صلاته؛ فلذلك أقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على التلبُّس بها، ثم بيَّن له بطلانها.
فالتقرير مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون لأنها صحيحة، ويحتمل أن يكون لما ذكرنا. وتأخير بيان مثل هذا جائز، والحجج عليه كثيرة، ولم يأت من نازع فيه بحجة.
وهكذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلَّ فإنك لم تصلِّ" مجمل؛ لأنه لم يبيَّن فيه وجه البطلان، ثم بيَّنه أخيرًا.
فإن قيل: فهلاَّ بيَّن له أوَّل مرَّة؟
قلت: في الأجوبة التي نقلها في "الفتح" (2): أجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرَّات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلاً؛ فيتذكَّره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ؛ بل من باب تحقُّق الخطأ.
وقال النووي (3) نحوه، قال: وإنما لم يعلَّمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المُجزِئة.
__________
(1) هنا في الهامش عبارة بخط دقيق أصابها طمس.
(2) (2/ 281).
(3) "شرح صحيح مسلم" (4/ 109).
(18/14)

وقال ابن الجوزي (1): يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أنَّ الوقت لم يَفُتْه فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد: .... (2).
وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أولاً لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترَّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه؛ زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه.
أقول: أما المرة الأولى فلِمَا قال المازري.
وأما في الثانية والثالثة فلِمَا قاله النووي وابن الجوزي وابن دقيق العيد، ولما قاله التوربشتي معًا، والله أعلم.
وقد خلط الشارح الكلام على مسألة ركنية الفاتحة بالكلام على وجوب الزيادة عليها مع الكلام على ركنيتها على المأموم، وسألخِّص هنا ما يتعلَّق بهذه المسألة خاصة:
زعم أنَّ زيادة "فصاعدًا" في حديث عبادة ثابت، وأنه يقتضي ركنية الزيادة. ثم كرَّ على هذا الحديث بأنه متروك العمل باتفاق، وأن ترك العمل به دليل [على] نسخه، أو على خطأ وقع من بعض رواته، وكأنه يريد أنَّ ذلك دليل على نسخ ركنية الفاتحة.
والجواب: أنَّ زيادة "فصاعدًا" غير ثابت، ولو ثبت لم يدلَّ على وجوب
__________
(1) "كشف مشكل الصحيحين" (1/ 939).
(2) هكذا بيَّض المؤلف لكلام ابن دقيق العيد. وقد نقله فيما مضى.
(18/15)

الزيادة، ولو دلَّ على وجوب الزيادة فقد قال بذلك بعضُ أهل العلم كما يأتي، نعم ذاك متروك باتفاق الحنفية والشافعية، ولكنَّ المتروك هو الزيادة فقط. فترك الأخذ بها إنما يدلُّ على الخطأ فيها خاصة، وإن دلَّ على نسخٍ فلها خاصة، ودلالته على الخطأ أولى؛ لأنَّ ثَمَّ دلائل أخرى على الخطأ؛ كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد ادعى الشارحُ أنَّ الزيادة نُسِخَت أولاً، وهذا اعتراف بأنَّ نسخ الزيادة لا يلزم منه نسخ المزيد عليه.
ثم لو فُرِضَ سقوط الاحتجاج على وجوب الفاتحة بحديث عبادة فالأحاديث على وجوبها كثيرة، على أنَّ زَعْم الاتفاق على عدم وجوب الزيادة غير مسلَّم؛ فقد حكاه الحافظ في "الفتح" (1) عن بعض الصحابة وغيرهم، وهو رواية في مذهب أحمد؛ بل هو قول الحنفية، وإن لم يجعلوه فرضًا.
...
__________
(1) (2/ 243).
(18/16)

[ص 16] واستدلَّ الشارحُ على نسخ ركنية الفاتحة بحديث المسيء صلاته، وقد مرَّ الكلام عليه، وبيَّنا أن تلك القصة كانت قبل بدر، وأحاديث إيجاب الفاتحة متأخرة عن هذا التاريخ, وأنَّ في بعض طرقه تعيين الفاتحة، فإن ثبَّتنا تلك الزيادة فذاك، وإن ادَّعينا النسخَ فأحاديث إيجاب الفاتحة هي الناسخة لتأخرها.
ثم قال الشارح: (وأيضًا يدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ (1) بسند صحيح عن أبي هريرة: "لا صلاة إلاَّ بقراءة").
أقول: هو مرفوع، وغاية ما فيه أنه مطلقٌ وأحاديث إيجاب الفاتحة تُقيِّده.
فإن زعم زاعمٌ أنه إنما يقول بالتقييد في مثل هذا إذا كان متصلاً، فإن لم يكن متصلاً فالمتأخر ناسخٌ، فإن جُهل التاريخ فالترجيح.
قلنا له: مذهب أبي هريرة تعيين الفاتحة، وذلك يدلُّ إنْ كان نسخٌ على أنَّ المطلق هو المنسوخ.
ويؤكِّد هذا أننا لو قلنا: إنَّ المطلق هو الناسخ لزم من يحتجُّ بالإطلاق في حديث المسيء صلاته أنَّ الحكم كان على الإطلاق، ثم نُسخ بتعيين الفاتحة، ثم نسخ تعيين الفاتحة بالإطلاق. ومثل هذا إن وُجِد في الشريعة فنادر، والحمل على الغالب أولى.
ثم قال: (وأيضًا روى مسلمٌ (2) عن أبي هريرة قال: "في كل صلاةٍ
__________
(1) رقم (396/ 42).
(2) رقم (396/ 44).
(18/17)

قراءةٌ، ومن قرأ بأم القرآن أجزأتْ عنه" لعلَّه أراد: أجزأت عن قراءة القرآن، وفتوى الراوي خلاف روايته دليلٌ على نسخ روايته).
أقول: لفظ مسلم: "قال أبو هريرة: في كل صلاةٍ قراءة؛ فما أسْمَعَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسمَعْناكم، وما أخفَى منا أخفيناه منكم، ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه، ومن زاد فهو أفضل".
وكأنَّ مراد الشارح أنَّ قوله: "في كل صلاة قراءة" يدلُّ على أنَّه يُجزئ ما يحصل به اسم القراءة؛ لأنَّ لفظ "قراءة" مطلقٌ، وأنَّ قوله: "ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه" لا ينافي الإطلاق.
وإنما المعنى: أنه يحصل بها ما يسمَّى "قراءة" كما يحصل بغيرها، وهذا قريب؛ ولكن قوله: "ومن زاد فهو أفضل" يُبطِل هذا الاحتمال، وإنما وِزانُه وِزانُ قولك لخادمك: اشترِ لنا فاكهة العنب وحده يكفي، وإن زدتَ فهو أحسن. فمدلول هذا الكلام: أنَّ العنب لا بد منه على كل حال، ويحسنُ زيادة فاكهة أخرى معه.
وتحريره: أنَّ النكرة قد ترِدُ للإطلاق، وقد تردُ للإبهام. وقولك: "اشترِ لنا فاكهة" مبهم فسَّرته بآخر كلامك؛ فكذا لفظ "قراءة" في كلام أبي هريرة.
ومع ذلك فمذهب أبي هريرة في تعيين الفاتحة مشهور، فإذا ورد عنه فتوى [ص 17] بصورة الإطلاق وجب تقييدها بما عُرِفَ من مذهبه.
ثم ذكر الشارح قول ابن حجر: إنَّ أقوى أجوبة الشافعية عن حديث المسيء صلاته حملُه على العاجز عن تعلُّم الفاتحة؛ جمعًا بينه وبين حديث: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأمَّ القرآن" (1).
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة (490) وابن حبان (1789، 1794) وغيرهما من حديث أبي هريرة.
(18/18)

ثم اعترضه الشارح بأنه لا يتعيَّن ذلك، قال: (ويمكن أن يكون الأمر كما قلنا: إنَّ ركنية الفاتحة وضمِّ شيءٍ معها من القرآن كان في أول الأمر، وفيه حديث: "لا تجزيء صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأم القرآن"، وغيره من الأحاديث التي تدلُّ بهذا المعنى. ثم لمَّا وقعت المنازعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمخالجة في قراءته - صلى الله عليه وسلم - أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك السورة والاكتفاء على الفاتحة. ثم لما نزلت: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ...} إلخ [الأعراف: 204] أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك القراءة مطلقًا. وعلى هذا تتوافق جميع الأحاديث بدون تعارضٍ فيها، والتوافق هو المتعيَّن عند التعارض لو يمكن. ومن هذا الوقت نُسِخت فرضية الفاتحة لما نزل فيه: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20])، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده للمسيء: "واقرأ ما تيسَّر معك من القرآن").
[ص 18] أقول: أما حديث المسيء صلاته فقد مرَّ الكلام عليه بما يغني، والحمد لله.
وأما ما أبداه الشارح من التوفيق فأقلُّ ما فيه أنه (لَخْبطة).
فإنه زعم أنَّ ترتيب نزول الأحكام هكذا: أحاديث وجوب الفاتحة وشيءٍ معها، ثم أحاديث نهي المأموم عن الزيادة، ومنها حديث عمران (1) وأبي هريرة في المخالجة والمنازعة، ثم نزول آية الإنصاف، ثم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المأموم عن القراءة مطلقًا، ثم نزول آية القراءة، ثم قصة المسيء صلاته.
والترتيب الصحيح الثابت بالأدلة العلمية هكذا:
آية القراءة؛ فإنها من سورة المزَّمل، وسورة المزَّمل مكية اتفاقًا.
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب "عبادة".
(18/19)

وفي "الإتقان" (1) عن جابر بن زيد: "أنَّ أول ما نزل (اقرأ)، ثم (ن والقلم)، ثم المزمل، ثم المُدثِّر، ثم الفاتحة"، ثم ذكر ثلاثًا وثلاثين سورة، ثم قال: "ثم الأعراف"، وذكر الباقي.
وفي "الصحيحين" (2) عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني جاورتُ بحراءَ؛ فلما قضيتُ جِواري نزلتُ، فاستبطنتُ الوادي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء؛ فإذا هو - يعني: جبريل - فأخذتْني رجفةٌ, فأتيت خديجة، فأمرتُهم فدثَّروني؛ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1, 2] ".
وهذا ظاهر أنَّ سورة المدثر نزلت في أوائل النبوَّة، وقد قال جابر بن زيد: "إنَّ سورة المزمِّل نزلت قبل سورة المدَّثر".
وفي "صحيح مسلم" و"مسند أحمد" (3) وغيرهما عن عائشة: ذكرتْ سورة المزمِّل، ثم قالت: "فإنَّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف، وصار قيام الليل تطوُّعًا".
وقد زعم بعضهم أنَّ آية القراءة وما بعدها مدنيٌّ؛ ذكره الحافظ في "الفتح" (4) في أول كتاب الصلاة، وردَّه، فإن شئت فارجع إليه.
__________
(1) (1/ 168).
(2) البخاري (4922، 4924) ومسلم (161/ 257).
(3) "صحيح مسلم" (746) و"المسند" (24269). وانظر تعليق المحققين عليه.
(4) (1/ 465).
(18/20)

ثم بعدها آية الإنصات؛ لأنها من سورة الأعراف، وهي متأخرة عن سورة المزمل بكثير، على ما تقدَّم عن جابر بن زيد. واحتمالُ أن يكون ترتيب نزول الآيتين على عكس ترتيب نزول السورتين فيه بُعدٌ. والذي لا نشكُّ فيه أنَّ آية الإنصات مكيَّة اتفاقًا، وسيأتي إيضاح ذلك في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.
ثم آية القنوت، وحديث المسيء صلاته.
أما آية القنوت فلِما يأتي في الكلام على آية الإنصات. ولم يذكر الشارح آية القنوت، وإنما زدتها تتميمًا للفائدة.
وأما قصة المسيء صلاته فإنها وقعت قبل بدر؛ كما مرَّ تحقيقه، ولم يتبيَّن لي أيُّ هذين كان قبلُ: آية القنوت أم قصة المسيء صلاته؟ فالله أعلم.
ثم أحاديث إيجاب الفاتحة وبقية الأحاديث، ولم يقم عندي دليل على ترتيبها. ولعلَّ من أحاديث وجوب الفاتحة ما تقدَّم على قصة المسيء صلاته؛ بناءً على صحَّة [ص 19] زيادة الأمر بالفاتحة بعينها في حديث المسيء صلاته، ويمكن خلاف ذلك؛ على ما قدَّمناه في الكلام على حديث المسيء صلاته.
والذي لا نشكُّ فيه أنَّ حديث أبي هريرة في وجوب الفاتحة متأخر؛ لأنَّ إسلامه كان سنة سبعٍ أيامَ خيبر، وقد صرَّح بالسماع.
ولفظه عند البيهقي (1) من طريق إسحاق بن راهويه والحميدي عن ابن
__________
(1) في "السنن الكبرى" (2/ 38).
(18/21)

عيينة بسنده عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كل صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمَّ الكتاب فهي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ". فقال: يا أبا هريرة! فإني أكون أحيانًا وراء الإِمام؟، قال: يا فارسي! اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله عزَّ وجلَّ: "قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي". وذكر الحديث، وهو في "صحيح مسلم" (1).
وفي حديث أبي داود (2) وغيره من طريق جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخرُجْ، فنادِ في المدينة أنه لا صلاةَ إلاَّ بقرآنٍ، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد".
وفي روايةٍ لأبي داود (3): "أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أناديَ أنه لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".
وجعفر بن ميمون مختلفٌ فيه.
وفي "الصحيحين" (4) وغيرهما عن عبادة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن".
وفي روايةٍ لابن حبان (5) وغيره: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة
__________
(1) رقم (395).
(2) رقم (819).
(3) رقم (820).
(4) البخاري (756) ومسلم (394).
(5) رقم (1789، 1794). وأخرجه ابن خزيمة (490) وغيره.
(18/22)

الكتاب".
وفي روايةٍ لأبي داود والترمذي وأحمد وابن حبان في "صحيحه" (1)، عن عبادة قال: "كنا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر؛ فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثقلت عليه القراءة؛ فلما فرغ قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟! " قلنا: نعم هَذًّا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وفي روايةٍ لأبي داود (2) وغيره: " ... هل تقرءون إذا جهرتُ بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: "فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ إلاَّ بأم القرآن".
وفي "سنن أبي داود" (3) وغيره: عن أبي هريرة قال: "صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً نظنُّ أنها الصبح؛ فلما قضاها قال: "هل قرأ منكم أحد؟! " فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أقول ما لي أُنازَع القرآن".
وذكر البيهقي (4) عن سفيان: فنظرت في شيءٍ عندي؛ فإذا هو: "صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح"؛ بلا شكًّ.
__________
(1) أبو داود (823) والترمذي (311) وأحمد (22745، 22746، 22750) وابن حبان (1785، 1792، 1848).
(2) رقم (824) وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 164).
(3) رقم (827).
(4) "السنن الكبرى" (2/ 157).
(18/23)

[ص 20] والحفَّاظ يرون أنَّ حديث عبادة الذي في الصحيحين وغيرهما مختصر من حديثه الذي ذكر فيه القصة.
وقد قيل: إنَّ حديث أبي هريرة في المنازعة هو في واقعة حديث عبادة بعينها؛ لاتفاقهما في أكثر الأمور. ويشهد لذلك مذهب أبي هريرة في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الجهرية وغيرها، وهذه القرائن كافية في إفادة الظنَّ عند أهل العلم، فلا التفاتَ إلى قول الشارح: "لا نسلِّم".
فعلى ما تقدَّم يكون حديث عبادة متأخرًا عن حديث المسيء صلاته جزمًا؛ لأنَّ أبا هريرة شهد القصة.
وفي الاتحاد نظر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولكن سيأتي في المسألة الرابعة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "صلَّينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما انصرف قال: "هل تقرءون إذا كنتم معي في الصلاة؟ "، قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن" (1). وإسلام عبد الله بن عمرو بن العاص متأخر، والظاهر أنَّ قصته هي قصة عبادة، وذلك كافٍ في الدلالة على تأخُّر حديث عبادة.
وحديث عبادة وحديث أبي هريرة أشهر الأحاديث في وجوب الفاتحة. وبقيتْ أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة قد جمع أكثرها البخاري رحمه الله تعالى في "جزء القراءة".
فقد ثبت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة متأخرة عن الآيات الثلاث: آية القراءة، وآية الإنصات، وآية القنوت، ومتأخرة عن حديث المسيء صلاته.
__________
(1) "جزء القراءة" للبخاري (ص 174 - 176).
(18/24)

فلم يبق بيد الشارح ما يستدلُّ به على نسخ أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم الجواب عن حديث مسلم: "لا صلاة إلاَّ بقراءة"؛ فثبتت فرضية الفاتحة على الإطلاق.
فأما أحاديث المخالجة والمنازعة وما ورد في نهي المأموم عن القراءة، فسنتكلَّم عليها في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.
ثم إنَّ الشارح لم تطب نفسه بما كانت سمحت به من الاعتراف بأنَّ حديث عبادة يدلُّ على الركنية، فقال: (يحتمل حديث: "لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب" معنى غير معنى الركنية؛ كما في حديث عائشة الذي رواه مسلم (1)، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثانِ". وفي "الشرح الكبير" (2): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلَّى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أنَّ صلاته تُجزِئه، كذلك إذا صلَّى حاقنًا).
أقول: لفظ الحديث عند الترمذي (3): "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
ثم اعلم أنه لا يرتاب مسلمٌ أنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلاَّ الله) صريحةٌ في نفي وجود إله غير الله تعالى، وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" مثلها؛ فهي صريحةٌ في نفي وجود صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة.
__________
(1) رقم (560).
(2) للشمس المقدسي (3/ 595). وانظر "التمهيد" (22/ 206) و"الاستذكار" (6/ 206).
(3) رقم (247).
(18/25)

ومن توهَّم أنَّ نفي وجود الصلاة بدون الفاتحة لا يصحُّ وإن قلنا بأنها ركنٌ, لأنها قد توجد في الخارج بدون الفاتحة وإن كانت باطلة = فقد غفل غفلةً شديدة؛ لأنَّ الصلاة في لسان الشارع إنما تصدُق على الصحيحة [ص 21]، وهذا إجماع.
حتى قال الحنفية: إنَّ نهي الشارع عن صلاة مخصوصة يقتضي صحتها؛ لأنها لو كانت لا تصحُّ لما قدر المكلَّف على تحصيلها، فكيف ينهى عنها؟
فقيل لهم: إنما نهى الشارع عن الصورة الظاهرة من الصلاة الباطلة، وهو قادرٌ على تحصيلها. فردُّوه بأنَّ الصلاة في لسان الشارع محمولة على الصحيحة, هذه حقيقتها، فلا يجوز صرفها عنها بغير حجة.
إذا تقرَّر هذا ثبت أنَّ وجود الصورة الباطلة لا يقدح في نفي وجود الصلاة، وهذا واضحٌ جدًّا.
فحديث عبادة صريح في نفي وجود الصلاة بدون قراءة فاتحة الكتاب، وذلك صريح في أنها ركنٌ فيها, لا تصحُّ بدونها.
وهكذا نقول في حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" بأنه صريح في أنَّ الصلاة لا تصحُّ في هذين الموضعين. وإنما لم يعملوا بهذا الحديث لقيام الإجماع القطعي عندهم على خلافه؛ فقالوا: إنَّ الإجماع يدلُّ على نسخ الحديث، أو على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تكلَّم به كانت هناك قرائن فهم منها السامعون صرف اللفظ عن حقيقته.
ولا يرتاب ذو علم أنَّ الكلمة إذا صُرِفت عن حقيقتها لدليل ثم وقعت تلك الكلمة بعينها في كلام آخر لا يسوغ صرفها عن حقيقتها فيه لغير دليل،
(18/26)

ولو ساغ ذلك لسقطت ظواهر الكلام كلها؛ لأنه ما من كلمة إلاَّ وقد استعملت أو يجوز استعمالها في خلاف ظاهرها مع نصب القرينة على ذلك، ولا يقول بذلك مسلمٌ، بل ولا عاقلٌ.
على أنَّ حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام" قد ورد بلفظ: "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام" إلخ. كذا هو في "صحيح ابن حبان" (1)، ذكره الحافظ في "الفتح" (2) ثم قال: "أخرجه مسلمٌ من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم. وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره عن يعقوب به. وأخرج له ابن حبان (3) أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ". يعني بلفظ: "لا يصلي أحدكم".
وقوله: "لا يصلي" إما نهي وإما نفي بمعنى النهي، فلا يكون صريحًا في البطلان، بل يدلُّ عند الحنفية على الصحة، ويحمل عليه لفظ: "لا صلاةَ بحضرة الطعام" جمعًا بين الروايات. بخلاف "لا صلاة بفاتحة الكتاب"، فإنه صريحٌ في النفي المقتضي للبطلان اتفاقًا. ولم يقم دليلٌ يُسوِّغ صرفَه عن ظاهره إلى معنى النهي، والله أعلم.
وقد زعم بعضهم أنَّ نفي الشيء شاع استعماله في المجاز، وهو نفي الكمال؛ حتى صار هذا المجاز حقيقة عرفية، وهذا بهتان عظيم! وكيف يجعل الله تبارك وتعالى (لا إله إلاَّ الله) عنوان التوحيد إذا كان ظاهرها لا يفيد التوحيد
__________
(1) رقم (2074).
(2) (2/ 242).
(3) رقم (2072). وفيه: "لا يُصلِّ" بصيغة النهي.
(18/27)

على زعم ذلك القائل؟ ونعوذ بالله من حبٍّ للمذهب يؤدِّي إلى مثل هذا.
على أنَّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف الأسبق منها، ذكروه في أصولهم (1).
فإن قيل: إنَّ عموم الحديث مخصوص اتفاقًا، فإنَّ الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة تصحُّ صلاتهما بدونها، وجمهور العلماء يقولون: إنَّ من أدرك الإِمام راكعًا تصحُّ ركعته مع أنه لم يقرأ. وقال الشافعية: إنَّ ذلك قد يتفق في الصلاة كلها، وتصوير ذلك موجود في كتبهم.
وكثير من العلماء أو أكثرهم يقولون: لا قراءة على المأموم في جهرية الإِمام. وطائفة منهم قالوا: لا قراءة على المأموم مطلقًا. ودلالة العموم المخصوص على بقية أفراده ضعيفة [ص 22] حتى ردَّها بعض النظَّار.
قلت: أما دعوى أنَّ المأموم لا قراءة عليه مطلقًا أو في ما جهر به الإِمام فلا نسلِّمه، وسيأتي بيان هذه المسألة، إن شاء الله تعالى.
وأما المسبوق فقد اختار الإِمام البخاري رحمه الله تعالى، ونقله عن بعض الصحابة: أنه لا يدرك الركعة. وهو قول جماعة من أصحابنا الشافعية، وبه أعمل (2).
ومع ذلك فالقائلون بسقوط القراءة عن المأموم مطلقًا أو في ما جهر به الإِمام يرون أنَّ قراءة الإِمام الفاتحةَ أجزأتْ عن ذلك المأموم، وعلى هذا فيصدق على صلاة هذا المأموم أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ فلا يكون هذا
__________
(1) نصَّ عليه ابن الهمام في "التحرير". انظر "تيسير التحرير" لأمير بادشاه (2/ 57).
(2) للمؤلف رسالة في هذا الباب نُشِرت ضمن هذه المجموعة (1/ 101 - 133).
(18/28)

تخصيصًا للحديث، وإنما فيه لزوم تأويل "يقرأ" في الحديث بما يعمُّ قراءته بنفسه وما يقوم مقامها من قراءة إمامه، وهذا تأويل للفظ "يقرأ"، لا تخصيص للعموم.
وأما الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة فإنهما مُستثنيان بالعقل، لامتناع تكليف ما لا يُطاق، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
وحقَّق صدر الشريعة من أئمة الحنفية أنَّ التخصيص بالعقل لا يُضعف دلالة العام. وعبارته في "التنقيح" و"توضيحه" (1): "لكن يجب هناك فرق؛ وهو أنَّ المخصوص بالعقل ينبغي أن يكون قطعيًّا؛ لأنه في حكم الاستثناء، لكنه حذف الاستثناء مُعْتَمِدًا على العقل، على أنه مفروغ عنه (2)، حتى لا نقول: إنَّ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] ونظائرَه دليلٌ فيه شبهة، وهذا فرق قد تفرَّدتُ به، وهو واجب الذكر؛ حتى لا يُتوهَّم أنَّ خطابات الشرع التي خصَّ منها الصبي والمجنون بالعقل دليل فيه شبهةٌ؛ كالخطابات الواردة بالفرائض، فإنه يكفر جاحدها مع كونها مخصوصة عقلاً، فإنَّ التخصيص بالعقل لا يورث شبهة، فإنَّ كل ما يوجب العقلُ تخصيصَه يخصُّ، وما لا فلا".
فإن قلت: العقل إنما يدلُّ على أنَّ العاجز لا تلزمه الفاتحة، ولا يدلُّ على صحة صلاته, لأن كونه لا تلزمه الفاتحة يصدق بأحد حكمين: إما أن
__________
(1) (1/ 44).
(2) في الأصل: "مفرغ فيه". والتصويب من المصدر المذكور.
(18/29)

تصحَّ صلاته بدونها، وإما أن لا تلزمه الصلاة أصلاً.
قلت: الاحتمال الثاني كان منتفيًا عند الصحابة الذين خُوطبوا بالحديث، وكذا عند غيرهم من الأمة؛ بما علموه من القاعدة الشرعية المقرَّرة للصلاة؛ وهي أنَّ من عجز عن شيءٍ من أركانها كان عليه أن يصلَّي، ويأتي بما قدر عليه. وإذا كان هذا مقرَّرًا عندهم فهو في قوَّة الاستثناء؛ لأنه دليل مقارن للنص، فهو كالعقل فيما ذكره صدر الشريعة.
[ص 23] وقد حاول بعضهم (1) أن يجيب عن حديث أبي هريرة، فقال: إنَّ الخِداج معناها الناقصة، ويوضِّح ذلك تفسيره بقوله: "غير تمام"، وهذا يدلُّ أنها صحيحة.
والجواب: أنَّ الخِداج عند أهل اللغة: إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الأيام، وإن كان تامَّ الخلق. وقيل: إلقاؤها إياه ناقصًا قبل الوقت. وقيل: إلقاؤها إياه دمًا. وقيل: إلقاؤها إياه أملطَ، لم ينبتْ عليه شعر. قال الأزهري (2): ويقال إذا ألقتْه دمًا: قد خَدجتْ وهو خِداج.
وعلى كل حال فالمعنى: إلقاؤها إياه ميتًا, ولم يصرِّحوا فيما رأيت بقولهم "ميتًا" لأنَّ الإلقاء يدلُّ عليه؛ فإنهم لا يقولون: ألقتْ ولدها إلاَّ إذا كان ميتًا. وفي "اللسان" (3): "أجهضت الناقةُ إجهاضًا وهي مُجهِضٌ: ألقت
__________
(1) انظر "فتح الملهم" للشيخ شبير أحمد العثماني (3/ 252) ط. دار إحياء التراث العربي.
(2) "تهذيب اللغة" (7/ 45).
(3) "لسان العرب" (8/ 400، 401).
(18/30)

ولدها لغير تمام ... أبو زيد: إذا ألقت الناقة ولدها قبل أن يستبين خلقُه قيل: أجهضت. وقال الفرَّاء: خِدْجٌ، وخَدِيجٌ، وجِهْضٌ، وجَهِيضٌ: للمُجْهَض".
وفيه (1): "أسقطت المرأة ولدها إسقاطًا، وهي مُسقِط: ألقتْه لغير تمام ... وأسقطت الناقةُ وغيرها: إذا ألقت ولدها".
وفيه (2): "أَزلقَتِ الفرسُ والناقةُ: أسقطتْ، وهي مُزْلِق: ألقتْه لغير تمام".
وفيه (3): "غَضَنتِ الناقةُ بولدها وغضَّنَتْ: ألقتْه لغير تمام، قبل أن ينبت الشعر عليه ويستبينَ خلقُه".
وقولهم: "وإن كان تامَّ الخلق" لا ينافي الموت كما لا يخفى. فأما إذا كان حيًّا فإنما يقولون: ولدتْ، وضعتْ.
وفي "جزء القراءة" للبخاري (4): "قال أبو عبيد: يقال: أخدجت الناقةُ: إذا أسقطتْ، والسقط ميت، لا ينتفع به".
فحاصل الحديث: أنَّ الصلاة التي لا تقرأ فيها الفاتحة مثل السقط المُلقَى ميتًا, ولا يرتاب منصفٌ أنَّ حياة الصلاة هي صحتها. فأما على ما قاله الأزهري من أنَّ الخداج "إلقاؤها إياه دمًا" فدلالته على البطلان أصرح وأوضح. فأما قوله: "غير تمام" فهو مجملٌ؛ لأنه يقال لمن صلَّى من الظهر
__________
(1) المصدر نفسه (9/ 188).
(2) المصدر نفسه (12/ 10).
(3) المصدر نفسه (17/ 190).
(4) (ص 362). وانظر "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 66).
(18/31)

ثلاث ركعاتٍ ثم قطعَها: لم يتمَّ صلاته، ومنه حديث "الصحيحين" (1): "فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا". ويقال لمن صلَّى وترك بعض السنن: لم يُتِمَّ صلاتَه. وعلى هذا فلا ينافي ما اقتضاه قوله: "فهي خداج" من معنى البطلان؛ بل يجب حمله على المعنى الموافق لذلك.
وفي "جزء القراءة" (2) للبخاري: عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمَّ القرآن فهي خداج، فهي خداج".
وفيه (3): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي مُخدِجة".
ليس في روايتهما "غير تمام". وكذا في بعض روايات حديث أبي هريرة ليس فيها "غير تمام". فيحتمل - والله أعلم - أنَّ يكون أبو هريرة زادها مرَّةً تفسيرًا، وقد عُلِمَ مذهبه في وجوب الفاتحة، والله أعلم.
وحديثه الآخر في قول الله تعالى: "قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي" صريح في الركنية؛ لأنه جعل الفاتحة هي الصلاة، وهو يقتضي أنَّ الفاتحة أعظم ما في الصلاة، ولهذا أكّد به أبو هريرة الحديث الأول، والله أعلم.
ولعلَّ قائلًا يقول: لكن لفظ "صلاة" في كلام الشارع يُحمَل على الصحيحة.
فأقول: أرأيتَ لو قال: "هذه صلاة باطلة" أتحتجُّ بذلك على صحتها؟
__________
(1) البخاري (636، 908) ومسلم (602) من حديث أبي هريرة.
(2) (ص 173).
(3) (ص 67، 68).
(18/32)

فإن قال: لا، بل أقول: إنَّ قوله: "باطلة" دليل على أنه استعمل لفظ "صلاة" مجازًا في الصورة الخارجة، بقرينة قوله: "باطلة".
قلت: فكذلك تقول في الحديث، بقرينة قوله: "فهي خداج"، وقد مرَّ معناه، وأنه في قوَّة قوله: "فهي باطلة"، والله أعلم.
[ص 24] ثم رأيت الطحاوي (1) احتجَّ على أنَّ قوله: "خداج" لا يدلُّ على البطلان؛ بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة مثنى مثنى؛ تَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَخشَّعُ، وتَضرَّعُ، وتَمَسْكَنُ، وتُقْنِعُ بيديك، يقول: ترفعُهما إلى ربك، مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول: يا ربِّ يا ربِّ، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا". وفي رواية: "فهو خداج" (2).
وهذا حديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، قد بين الطحاوي بعض ذلك في "مشكل الآثار" (ج 2 ص 23) (3). ومع ذلك ففي سنده عبد الله بن نافع بن العمياء؛ قال ابن المديني: مجهول، وقال البخاري: لم يصحَّ حديثه. يعني هذا الحديث.
ولو فرضنا أنَّ الحديث صحَّ، وأنَّ الأمة أجمعت على صحَّة صلاة من ترك جميع ما ذكر فيه؛ فذلك من قبيل صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ولا
__________
(1) في "مشكل الآثار" (3/ 124) ط. مؤسسة الرسالة.
(2) أخرجه أحمد (17525) والترمذي (385) من حديث الفضل بن عباس. وأخرجه أحمد (17523) وأبو داود (1296) وابن ماجه (1325) من حديث المطلب بن ربيعة. وفي إسنادهما عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول. وانظر كلام الإِمام البخاري عليه عند الترمذي.
(3) (3/ 126 وما بعدها) ط. مؤسسة الرسالة.
(18/33)

يسوغ بذلك صرف ذلك اللفظ إذا وقع في كلام آخر عن ظاهره بغير دليل كما قدمناه.
وذكر الطحاوي (1) حديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته، وسنذكره إن شاء الله في حججهم في المسألة الرابعة.
ثم قال الشارح: (ويدلُّ أيضًا على أنَّ الفاتحة ليست بركن ...)، وذكر حديث أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (2).
ثم قال الشارح: (وفيه دلالة على أنَّ من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ... وبإدراك الركعة من إدراك الركوع ثبت أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولو كانت ركنًا لفاتت الركعة بفوتها.
وأيضًا ثبت أنَّ قراءة الإِمام قراءة له؛ بعين هذا الدليل؛ لأنَّ القراءة فرض بالاتفاق، عند البعض الفاتحة، وعند البعض مطلقًا).
أقول: فإذا كانت القراءة فرضًا بالاتفاق فكيف يدلُّ هذا الحديث على أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولا يدلُّ على أنَّ القراءة ليست بركن، والمسبوق قد ترك القراءة كما ترك الفاتحة.
فالصواب أن يقتصر في الاستدلال بهذا الحديث على ما ذكره ثانيًا بقوله: "وأيضًا ثبت ... " إلخ.
__________
(1) في "مشكل الآثار" (1099).
(2) أخرجه البخاري (783).
(18/34)

فإن قيل: لعلَّه ذكر الاستدلال الأول على سبيل الإلزام؛ أي: أنَّ المسبوق صحَّت ركعته ولم يقرأ الفاتحة، فيلزمكم معشرَ الشافعية أن تقولوا: إن الفاتحة ليست بركن؛ بدليل صحة ركعة المسبوق بدونها. وليس لكم أن تقولوا: يحمل الإمامُ الفاتحةَ عن المسبوق؛ لإنكم لا تقولون بأنَّ قراءة الإِمام قراءة للمأموم.
قلت: لو كان مراده هذا لما أردفه بالاستدلال الآخر؛ بل كان حق العبارة أن يقول: يلزمكم معشر الشافعية أحد أمرين: إما أنَّ الفاتحة ليست بركن، وإما أنَّ قراءة الإِمام قراءة للمأموم.
إذا تقرَّر هذا فمن قال من الشافعية: إنَّ من أدرك الركوع أدرك الركعة يختار الشق الثاني في هذه الصورة فقط، فيقول: قراءة الإِمام قراءة للمأموم الذي لم يدركه إلاّ في الركوع. فإن طُولِبَ بالفرق بين المسبوق وغيره فهذا من موضوع مسألة قراءة المأموم، وستأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 26] (1) وذكر الشارح في باب ما جاء في القراءة خلف الإِمام حديث ابن أُكَيمة، ودلالته على النهي عن القراءة خلف الإِمام. ثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإِمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها، وعلى هذا إجماع.
قال ابن قدامة في "المغني" (2): وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإِسلام يقول: إنَّ الإِمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ
__________
(1) ملاحظة: ورقة (25) فارغة لم يكتب فيها الشيخ شيئًا. وفي رأس الورقة (26) عنوان هو: (ذكر الصلاة خلف الإِمام).
(2) (2/ 262) ط. هجر.
(18/35)

صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر؛ ما قالوا لرجل صلّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة. انتهى).
أقول: سيأتي الكلام على حديث ابن أُكيمة في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، وهناك يتضح لك أنه إن صحَّ فليس فيه النهي عن قراءة الفاتحة، وأنه لو دلَّ على ذلك لكان إما منسوخًا وإما مطَّرحًا؛ لمعارضته ما هو أرجح منه.
وننبِّه ها هنا أنه لو صحَّ ودلَّ على نهي المأموم عن قراءة الفاتحة، ولم يكن منسوخًا ولا مطَّرحًا لما لزم من ذلك نسخ ركنية الفاتحة مطلقًا؛ بل تبقى على ركنيتها, ولكن يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه؛ كما يقول الحنفية في مطلق القراءة.
وأما الإجماع المزعوم فسيأتي نقضه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، ولو ثبت لما لزم منه نسخ الركنية؛ بل غايته الدلالة على أنَّ فاتحة الإِمام تكفي المأمومَ في الجهرية؛ كما يقوله الحنفية في القراءة أيضًا.
ثم قال الشارح في ذلك الباب: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل، فعُلِم به أنَّ الفاتحة ليست بركن؛ لأنها لو كانت ركنًا لبطل صلاة من لم يقرأ في الجهرية أيضًا؛ لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حق الركن. وإذا لم تبق الفاتحة على ركنيتها فلا تجوز قراءتها خلف الإِمام مطلقًا؛ لأن قراءتها خلف الإِمام كانت مبنية على الركنية؛ كما هو مصرَّحٌ في حديث عبادة).
(18/36)

أقول: فيلزمك على هذا أنَّ مطلق القراءة ليست بركن؛ لأنَّ المأموم إذا لم يقرأ لم تبطل صلاته الخ.
فإن قال: قراءة الإِمام عندنا قراءة للمأموم.
قلنا: وهكذا يقول من يزعم أنَّ المأموم لا يقرأ في الجهرية، يقول: قراءة الإِمام في الجهرية قراءة للمأموم.
وقولك: "لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حقَّ الركن" دعوى لا يسلِّمونها لك.
بل يقولون: دلَّ الدليل على أنَّ الفاتحة ركن، ودلَّ الدليل على أنه يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه إذا جهر لمصلحة الاستماع، فإذا أسرَّ الإِمام زالت هذه المصلحة؛ فرجع إلى الأصل.
ولا نطيل النزاع معه, فإننا سنثبت إن شاء الله تعالى أنَّ قراءة الفاتحة لا بد منها للمأموم وإن جهر إمامه.
***
(18/37)

[ص 28] المسألة الثانية هل تجب الفاتحة في كل ركعة؟
في حديث المسيء صلاته في "الصحيحين" (1) وغيرهما: "إذا قمت إلى الصلاة فكبَّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ... "؛ فوصف له ركعة، ثم قال: "ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها".
وفي رواية لأحمد وابن حبان - كما في الفتح (2) -: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
وقد تقدَّم في الكلام على هذا الحديث بيان زيادة الفاتحة في بعض الروايات الصحيحة, وأوضحنا أنه إما أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الفاتحة نصًّا؛ بدليل تلك الزيادة، وإما أن يكون لم يذكرها، وإنما ذكر الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. ولكن الصحابي علم أنَّ ذلك نُسِخ أخيرًا بالفاتحة.
وعلى كلا الأمرين يثبت الأمر بالفاتحة في كل ركعة؛ أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنَّ الفاتحة جُعلت بدلاً عن الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. والمبدل منه ثابت في كل ركعة؛ فكذا البدل، ويؤكِّده ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مواظبته على قراءة الفاتحة في كل ركعة، والله أعلم.
...
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) (2/ 279). وانظر "المسند" (18995) و"صحيح ابن حبان" (1787).
(18/38)

[ص 29] المسألة الثالثة هل تجب الزيادة على الفاتحة؟
بسم الله الرحمن الرحيم
قال (1) في شرح الترمذي: (باب ما جاء أنه لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب)، ثم ذكر حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وزيادة: "فصاعدًا"، وأنها صحيحة؛ لأنَّ مسلمًا ذكرها في "صحيحه" (2)، وسكت عليها أبو داود (3).
ثم قال: (ولم أقف على علَّة فيه؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ فاتحة الكتاب فصاعدًا ركن الصلاة، لا تجوز الصلاة بدونها، وما نُقل عن الإِمام البخاري (4) رحمه الله بأنه ورد لدفع توهُّم قصر الحكم على الفاتحة ففيه أنه ليس في الحديث حكم إلاّ أنَّ الفاتحة ركن. فيكون معنى الحديث على هذا: أنَّ الركنية ليست منحصرةً في الفاتحة؛ بل تتجاوز عنها إلى زائد عليها؛ فتكون الفاتحة مع زائد ركنًا لها.
ولو قيل: إنَّ معناه أنَّ القراءة ليست مقصورة على الفاتحة؛ بل لا بد من
__________
(1) كتب بعده "مولانا المفتي" ثم ضرب عليها.
(2) رقم (394/ 37).
(3) رقم (822).
(4) هذا ليس من كلام البخاري، بل هو عبارة الحافظ في "الفتح" (2/ 243). وسيأتي التنبيه عليه من المؤلف.
(18/39)

الفاتحة، ولو زاد عليها يجوز.
قلنا: ليس الحكم ههنا بقراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا؛ بل الحكم أنَّ القراءة ركن الصلاة، لا تجوز الصلاة بدونها).
أقول: زيادة "فصاعدًا" قال فيها إمام الفن محمَّد بن إسماعيل البخاري (1) رفع الله درجته: "وقال معمر عن الزهري: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا"، وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا"، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: "فصاعدًا" غير معروف ما أردته [ما أريد به] حرفًا أو أكثر من ذلك؛ إلاَّ أن يكون كقوله: "لا تقطع اليد إلاَّ في ربع دينار فصاعدًا" (2)، فقد يُقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: "ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا". (جزء القراءة ص 1).
وحاصله أنه أورد على هذه الزيادة أمورًا:
الأول: أنَّ معمرًا تفرَّد بها, ولم يذكرها الأكثر، ومنهم من هو أجلُّ منه وأفقه، ومنهم من هو مثله.
وأجاب عن متابعة عبد الرحمن بن إسحاق بما يعلم منه أنه يدلِّس؛ فلا يؤمن أن يكون بينه وبين الزهري ضعيف، لا يصلح للمتابعة.
__________
(1) في "جزء القراءة خلف الإِمام" (ص 46 - 51) كما سيأتي. ورواية معمر أخرجها مسلم في الموضع المذكور.
(2) أخرجه بهذه الزيادة مسلم (1684) من حديث عائشة.
(18/40)

وقد ذكر البخاري عبد الرحمن في موضع آخر من هذا الجزء (1)، وأورد له عدَّة مخالفات, يخالف فيها الثقات.
ويجاب عن هذا الأمر بما اشتهر من قبول زيادة الثقة، ويدفع هذا بأنَّ قبولها مطلقًا غير متفق عليه؛ ففي "فتح المغيث" (ص 88) (2): "وقيَّده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان، فلو كان الساكت عددًا أو واحدًا أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظًا ولو كان صدوقًا فلا، وممن صرَّح بذلك ابن عبد البر؛ فقال في "التمهيد" (3): "إنما تُقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقنَ ممن قصَّر أو مثله في الحفظ ... ".
ومن قال بقبولها ولو كان المقصِّر أحفظ أو أكثر لا ينكر أن سكوت الأكثر أو الأحفظ عنها يوهِّنها، وهذا مما لا يخفى على ذي معرفةٍ.
وعليه؛ فإذا انضمَّ إلى ذلك موهِّن آخر لم ينكر على المجتهد في هذا الفن الماهر فيه أن يردَّها بمجموع [ص 30] الأمرين، وإن كان كل منهما لا يكفي على انفراده.
وقد ذكر البخاري رحمه الله موهَّنًا آخر لهذه الزيادة.
وهو الأمر الثاني: أنَّ معناها مجمل، لا يُدرى أحرفٌ واحدٌ أم أكثر؛ يعني: والشارع شأنه البيان لا الإجمال.
ولها موهِّنٌ ثالثٌ: أنَّ الحديث من رواية الزهري عن محمود بن الربيع
__________
(1) (ص 285 وما بعدها).
(2) (1/ 246, 247) ط. الهند.
(3) (3/ 306).
(18/41)

عن عبادة، وقد ثبت هذا الحديث نفسه بهذا الإسناد نفسه (1) في قصَّة، ولفظه: صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قال: قلنا: إي والله يا رسول الله، قال: "أما لا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وقد جزم بعض الحفَّاظ (2) بأنه حديث واحدٌ جرَّده الراوي تارةً عن قصته، وذكره أخرى بقصته. ولا يخفى على من مارس صناعة الحديث، وعرف تصرُّف الرواة أنَّ هذا هو الظاهر. فقول الشارح فيما يأتي: "إنه لا دليل عليه" ليس مما يلتفت إليه. فإذا عرف هذا عرف أن زيادة "فصاعدًا" لا موقعَ لها في الحديث، بل هي مناقضة له، والله أعلم.
ثم إنَّ الإِمام البخاري رحمه الله تعالى لم يبتَّ الحكم في ردِّ هذه الزيادة؛ بل ذكر الأمر الثالث؛ وهو أنَّ هذه الزيادة إن صحَّت فلا تقتضي أنه لا صلاة لمن لم يزد على الفاتحة.
كما أنَّ هذه اللفظة قد ثبتت في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُقطع اليدُ إلاَّ في ربع دينار فصاعدًا"، ولم يفهم منه أحد أنها لا تقطع اليد فيما لم يزد على ربع دينار؛ بل فهموا منه أنها لا تقطع إلاَّ في ربع دينار أو فيما زاد على ربع دينارٍ.
وأما ما نقله المفتي عن البخاري فتلك عبارة "فتح الباري"، وكأنها
__________
(1) بل من طريق مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة, كما رواه أبو داود (823) والترمذي (311).
(2) منهم الترمذي، قال عقب رواية مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة (311): "وروى هذا الحديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة ... ". وانظر "فتح الباري" (2/ 242، 243).
(18/42)

تفسير لتنظير البخاري الزيادة في حديث الفاتحة بها في حديث القطع.
وهذا لفظ "الفتح" (1): "زاد معمر ... واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقَّب بأنَّه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في "جزء القراءة" (2): هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا".
واعتراض المفتي على تلك العبارة بأنها تقتضي أنَّ الركنية ليست قاصرة على الفاتحة يجيء مثله في حديث القطع، فيقال: إنَّ تلك الزيادة إذا قيل إنها لدفع توهُّم قصر الحكم على ربع دينار، اقتضى ذلك أنَّ نصاب السرقة ليس قاصرًا على ربع دينار.
ولعلَّ المفتي يُقْدِم على الاعتراض على حديث القطع أيضًا، والله المستعان.
وتحقيق الحق: أنه ليس المراد بالحكم في قولهم (دفع توهُّم قصر الحكم) هو النصاب والركنية؛ بل المراد ما يُقطع فيه، وما تصح به الصلاة. وهذا وإن لم يكن هو الحكم المنصوص إلاَّ أنَّ المنصوص يتضمَّنه.
وفائدة هذه الزيادة في حديث القطع ظاهرة؛ لأنها لو لم تزد لكان ظاهر اللفظ أنَّ من سرق أكثر من ربع دينار لا يُقطع.
وأما في حديث الفاتحة فقد يقال هكذا، وهو أنه لو لم يُؤتَ بها لأمكن أن يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ المراد من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فقط؛ فيفهم منه أن من
__________
(1) (2/ 243).
(2) (ص 48).
(18/43)

لم يقتصر على فاتحة الكتاب فلا صلاة له. ولكن في هذا ضعف.
والأولى أن يقال: الفائدة الإشارة إلى أنَّ الزيادة على الفاتحة مرغَّب فيها؛ كما تقول لعُمَّالك: "لا أجرة لمن لم يعمل إلى العصر فصاعدًا". تنبِّههم بقولك (فصاعدًا) على أنَّ الزيادة في العمل بعد العصر مرغوبٌ لك، وإن لم يكن شرطًا لاستحقاق الأجرة.
ولو فرضنا صحة ما ذكره المفتي فذلك لا يفيده؛ لأننا نقول: إنَّ الخمس من الإبل نصابٌ، والست نصابٌ، وهكذا السبع والثمان والتسع؛ والواجب في كل ذلك شاةٌ فقط. من كان له خمسٌ وجبت عليه الشاة، ومن كان عنده تسع وجبت عليه الشاة، وهكذا ما بينهما، ومن كانت عنده تسع فالشاة عنها جميعًا، لا عن خمس منها فقط.
فأنت ترى أنَّ كون التسع نصابًا تجب فيه الشاة لا يستلزم أن تكون الخمس ليست [ص 31] بنصاب تجب فيه الشاة.
فهكذا نقول: إنَّ ربع دينار نصاب يجب في سرقته القطع، وإنَّ ثلث دينار - مثلًا - نصاب، يجب بسرقته القطع.
وهكذا نقول: إنَّ قراءة الفاتحة ركن تتم به الصلاة، وإنَّ قراءة الفاتحة وسورة البقرة - مثلًا - ركن تتم به الصلاة.
والسرُّ في هذا أننا نقول: القراءة مثل القيام؛ فكما أنه إذا قام مقدار دقيقة كان قيامه ركنًا، وإذا قام مقدار ساعةٍ كان قيامه ركنًا؛ فكذا القراءة. وكأنه - صلى الله عليه وسلم - إن كان تكلَّم بهذه الكلمة - زادها دفعًا لما يُتوهَّم من تعيين الفاتحة أنها هي الركن، حتى لو زاد عليها شيئًا من القرآن لا يكون حكمه حكم الركن.
(18/44)

وثمرة كون القيام كله ركنًا وإن طال، وأنَّ ما قُرئ من القرآن بعد الفاتحة حكمه حكم الركن - على ما تقدَّم - هي زيادة الثواب؛ فإنَّ ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل، والله أعلم.
واعلم أنَّ ما فهمه الشارح وبعض من تقدَّمه من أنَّ زيادة "فصاعدًا" في حديث الفاتحة يقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة = فَهْمٌ تأباه اللغة.
قال إمامها أبو عمرو سيبويه في "كتابه" (1): "هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي؛ وذلك قولك: أخذته بدرهمٍ فصاعدًا، أو أخذته بدرهمٍ فزائدًا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء. لأنك لو قلت: "أخذته بدرهم فصاعدٍ" كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم؛ كأنه قال: أخذته بدرهمٍ، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب الثمن صاعدًا. ولا يجوز أن تقول: "وصاعدٍ"؛ لأنك لا تريد أن تخبر أنَّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء؛ كقولك: بدرهمٍ وزيادة. ولكنك أخبرت بأدنى الثمن؛ فجعلته أولاً، ثم قرَّرت شيئًا بعد شيءٍ لأثمان شتى ... ".
أقول: إيضاح عبارته: أنَّ قوله: "أخذته بدرهمٍ فصاعدًا" يقال على ما ذكر الرضي (2) في "ذي أجزاء أخذ بعضها بدرهمٍ، والبواقي بأكثر". فكأنَّ تقديره: أخذت هذا الزيت رطلًا بدرهمٍ فصاعدًا؛ تريد أنَّ بعض الأرطال بحساب الرطل بدرهمٍ فقط، وبعضها بحساب الرطل بدرهمٍ وزيادة.
__________
(1) (1/ 146، 147) طبعة بولاق. وسيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان، لا أبو عمرو.
(2) "شرح الرضي على الكافية" (1/ 683) ط. جامعة الإِمام.
(18/45)

أقول: ويحتمل أن يقال المثال المذكور في شيءٍ واحدٍ، ولكن عند الشك أو التشكيك؛ كأنه يقول: أخذته بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة. فإذا قلت: بِعْهُ [ص 32] بدرهمٍ فصاعدًا، وهو شيءٌ واحدٌ، كان للتخيير؛ كأنك قلت: بعْهُ بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة.
هذا أصل المعنى، وإن كان بين العبارتين فرق من وجهين:
الأول: أنَّ قولك: "بِعْهُ بدرهمٍ فصاعدًا" لا يُشعِر باستواء الأمرين عندك، بل يرجع إلى القرائن، والقرينة في هذا المثال تقتضي رغبتك في الزيادة.
وفي قولك لوكيلك: "اشتره بدرهمٍ فصاعدًا" تُشعِر برغبتك في عدم الزيادة.
وقولك: "بِعْهُ بدرهمٍ فقط" أو "بدرهمٍ وزيادة"، "واشتره بدرهمٍ فقط" أو "بدرهمٍ وزيادة" يشعر باستواء الأمرين.
الوجه الثاني: أنَّ قولهم: "فصاعدًا" يقتضي زيادة مترقِّية من قليل إلى كثير.
وقولنا: "أو بدرهمٍ وزيادة" لا يشعر لفظ "زيادة" بالترقِّي، وإن كان صالحًا له.
وفي "لسان العرب" (1): "وقولهم: صنع أو بلغ كذا وكذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك، وفي الحديث: "لا صلاة ... " أي: فما زاد عليها؛ كقولهم: اشتريته فصاعدًا، قال سيبويه: ... ".
__________
(1) (4/ 241) ط. بولاق.
(18/46)

وفي "القاموس" (1): "وبلغ كذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك".
وقد رُوي حديث القطع بلفظ: "فما فوق" (2) بدل "فصاعدًا"، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]. وليس المعنى بعوضة مع ما فوقها.
وهكذا ما في "صحيح مسلم" (3) عن عائشة رضي الله عنها ترفعه: "ما من مسلمٍ يُشاك شوكةً فما فوقها إلاَّ كُتِبتْ له بها درجة، ومُحِيتْ عنه بها خطيئة". المعنى: يصيبه شوكة أو ما هو فوقها, وليس المعنى: تصيبه شوكة مع زيادة فوقها، أعني أنَّ الأجر المذكور متحقَّقٌ بإصابة الشوكة فقط، وليس المعنى: أنه لا يتحقَّق إلاّ إذا انضمَّ إلى الشوكة زيادة.
واعلم أنَّ قولهم: "فما فوقه" يجيء على وجهين:
الأول: أن يكون المراد ما هو أعظم مما قبل الفاء، بدون أن يتضمَّن ما قبل الفاء؛ كما في الآية والحديث.
والثاني: أن يكون المراد به ما هو أزيد مما قبل الفاء؛ أي: بحيث يتضمَّن ما قبل الفاء وزيادة؛ كما في حديث القطع؛ لأنَّ المراد بربع دينار فيه ما يساوي ربع دينار اتفاقًا. فكل مالٍ يكون فوق ما يساوي [ص 33] ربع دينار فهو عبارة عما يساوي ربع دينار مع زيادة.
فأما قولهم: "فصاعدًا" فإنما تصلح في الوجه الثاني؛ كما يعرف من
__________
(1) (1/ 307).
(2) عند مسلم (1684/ 3).
(3) رقم (2572).
(18/47)

موارد استعمالها.
فإن زعم زاعمٌ أنها تستعمل على الوجه الأول أيضًا قلنا له: هب أنّ ذلك كذلك؛ إلاَّ أنها في حديث الفاتحة على الوجه الثاني؛ بدليل الأحاديث الكثيرة في تعين الفاتحة، والإجماعِ على ترك القول بأنَّ الواجب إما الفاتحة وإما سورة أكبر منها أو بعض سورة يكون أكبر منها، والله أعلم.
ثم ذكر الشارح حديث أبي داود (1) عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد: "أُمِرْنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر"، وذكر ما يطعن به على هذا الحديث من أنَّ قتادة مدلِّس، وقد عنعن، وأجاب عنه بأنَّ أبا مسلمة قد رواه عن أبي نضرة.
وذكر ما يدفع به هذا الجواب؛ من أنَّ أبا مسلمة روى الحديث موقوفًا (2)، وأجاب عن هذا الدفع بما معناه: أنَّ رواية قتادة بيَّنت كون الحديث مرفوعًا، ورواية أبي مسلمة بيَّنت أنَّ أبا نضرة حدَّث بهذا الحديث؛ فكل من الروايتين تَجبُر ما في الأخرى من الخلل.
وهذا جوابٌ عجيبٌ، وردُّه واضحٌ؛ وهو أنه إذا ثبتت رواية أبي مسلمة عن أبي نضرة فإنما يثبت بها أنَّ أبا نضرة روى هذا الحديث موقوفًا، ورواية قتادة لا يثبت بها شيءٌ؛ لأننا لا نأمن أن يكون قتادة سمع الحديث من رجل ضعيف، وهذا الضعيف سمع هذا الحديث من أبي نضرة موقوفًا، كما سمعه أبو مسلمة؛ ولكنه زاد الرفع من عنده كذبًا أو غلطًا.
__________
(1) رقم (818). قال الحافظ في "الفتح" (2/ 243): سنده قوي.
(2) انظر "العلل" للدارقطني (11/ 325).
(18/48)

وقد أجاب الشارح عن تدليس قتادة بأنَّ النووي (1) ذكر أنَّ ما كان في "الصحيحين" وشِبْههما من عنعنة المدلِّسين محمول على السماع.
ويُرَدُّ بأنَّ مراد النووي بقوله: "وشبههما" الكتب التي اقتصر جامعوها على إيراد الصحيح فيها, وليس "سنن أبي داود" من ذلك. وهذا أمر معروفٌ بين أهل الفن، مبيَّنٌ في كتبهم.
على أنَّ ابن دقيق العيد ناقش في حمل ما في "الصحيحين" من ذلك على السماع (2)، وكذلك الذهبي أشار إلى التوقُّف في ذلك؛ في ترجمة أبي الزبير من "الميزان" (3).
وأوضح من هذا أنَّ إمام الفن محمَّد بن إسماعيل البخاري قد طعن في هذا الحديث بقوله: "ولم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا". "جزء القراءة" (ص 11) (4).
ثم ذكر الشارح حديث أبي داود (5) وغيره؛ عن أبي هريرة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فنادى: "أن لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب فما زاد".
__________
(1) في "التقريب والتيسير". انظره مع شرحه "تدريب الراوي" (1/ 230).
(2) انظر "النكت على كتاب ابن الصلاح" لابن حجر (2/ 635، 636).
(3) (4/ 39) قال: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء".
(4) (ص 241) ط. الهند 1430.
(5) رقم (820). وأخرجه أيضًا أحمد (9529) والدارقطني (1/ 321) والحاكم في "المستدرك" (1/ 239). وتساهل الحاكم فصححه ووثَّق جعفر بن ميمون.
(18/49)

والجواب عنه: بأنَّ جعفرًا ضعَّفه المتقدمون من جهة حفظه (1)، وقال العقيلي في حديثه هذا: لا يتابع عليه (2).
على أنَّ قوله: "فما زاد" في معنى قوله: "فصاعدًا"، وقد تقدَّم معناها، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.
ويشهد لذلك أنَّ مذهب أبي هريرة الذي كان يفتي به أنه لا يجب [ص 34] إلاَّ الفاتحة.
ثم ذكر الشارح حديث ابن ماجه (3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها".
والجواب عنه: أنه من رواية أبي سفيان السعدي؛ مجمع على ضعفه، وعبارة الإِمام أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه (4).
ووجوب سورة مع الفاتحة لم يُنقل عن أحد.
وقوله: "في كل ركعة" تردُّه الأحاديث الصحيحة في اقتصار النبي - صلى الله عليه وسلم - على الفاتحة في الركعتين الأخريين.
فإن قيل: هَبْ أن كلَّ حديث من هذه الأحاديث لا يتمُّ الاستدلال به على انفراده؛ أفلا يتمُّ الاستدلال بمجموعها؟
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 108، 109).
(2) "الضعفاء الكبير" (1/ 190).
(3) رقم (839).
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (5/ 12).
(18/50)

قلت: كلا؛ أما حديث ابن ماجه فلا يصلح متابعًا ولا شاهدًا.
وأما زيادة "فصاعدًا" ورواية "فما زاد" فلا دلالة فيها على وجوب الزيادة حتى يستشهد بها لهذه المسألة. بل إذا تأملت ما قدَّمنا عرفت أنها تدلُّ على عدم الوجوب.
فلم يبق إلاَّ حديث قتادة وحده، وهو لا يصلح حجَّةً، على أنه لو صحَّ لأمكن تأويله؛ بأنَّ المراد بقوله: "أمرنا" القدر المشترك بين الأمر الموجب، والأمر المرغَّب؛ بدليل ما ثبت من أدلة قصر الوجوب على الفاتحة.
وهذا التأويل أولى عند أهل العلم من دعوى النسخ التي صار إليها الشارح، والله أعلم.
ثم جاء الشارح بالفِتَكْرِيْن (1)؛ فقال: حديث عبادة متروك العمل باتفاق.
يريد أنه قد ثبت فيه زيادة "فصاعدًا"، وهي تقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة، ووجوب الزيادة متروك باتفاق؛ فلزم أن يكون الحديث كله متروكًا باتفاق، وهذا كما ترى.
والطريق المستقيم المعروف بين أهل العلم أن يكون الاتفاق على ترك العمل بهذه الزيادة دليلًا على سقوطها فقط، كيف وقد انضمَّ إلى ذلك ما تقدَّم من توهينها.
بل لو اتفق الرواة جميعًا على إثبات هذه الزيادة لما لزم من ترك العمل بها وحدها ترك العمل بالحديث كله، ولا مِن وهن الاحتجاج بها وهنُ
__________
(1) أي الداهية أو الأمر العجب العظيم. وتُضبط هذه الكلمة بأوجه، انظر "القاموس" (2/ 107).
(18/51)

الاحتجاج بالحديث كله.
[ص 35] ثم ذكر الشارح قولهم: (إنَّ اتفاق الأمة على ترك حديث دليل نسخه أو خطأ رواته).
أقول: إنما يصلح هذا لدفع وجوب الزيادة على الفاتحة؛ لأنَّ الأمة اتفقت - فيما زعم الشارح - على عدم القول بها. فأما الفاتحة فجمهور الأمة قائلون بفرضيتها، وقال الحنفية بوجوبها؛ مع أنَّ دعوى الشارح اتفاق الأمة على عدم القول بما تضمَّنته تلك الأحاديث من الزيادة عجيب، فإنَّ مذهب أصحابه الحنفية أنفسهم أنَّ الزيادة على الفاتحة واجبة.
فإن قال: ظاهر الحديث أنها فرض؛ قلت: الحديث عندكم خبر واحد لا يثبت به إلاَّ الوجوب، وإن كان نصًّا في الفرضية.
وفي "الفتح" (1): "وصحَّ إيجاب ذلك عن بعض الصحابة - كما تقدَّم - وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية، وابن كنانة من المالكية، وحكاه القاضي الفرَّاء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد".
ثم إنَّ الشارح اختار أنَّ الزيادة نسخت أولاً، واحتجَّ بحديث "الصحيحين" (2)، عن أبي قتادة، وفيه: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب" الحديث.
وعليه تعقبات:
الأول: أنَّ الزيادة لم تثبت كما تقدَّم، وتوهين الرواية التي لم تثبت ثبوتًا
__________
(1) (2/ 252).
(2) البخاري (776) ومسلم (451).
(18/52)

واضحًا أو تأويلها أولى من دعوى النسخ.
الثاني: أنها لو ثبتت فليس في الأحاديث التي ساقها الشارح لإثبات الزيادة تصريح بأنها في كل ركعة؛ بل ظاهرها أنها في جملة الصلاة، وفي مذهب الحنفية أنفسهم ما يوافق هذا.
الثالث: أنَّ تلك الأحاديث قولية، وحديث أبي قتادة فعلي.
ثم ذكر دليلاً آخر؛ وهو حديث عبادة (1): "صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: أما لا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وحديث مسلم (2) وغيره؛ عن عمران: "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظهر؛ فجعل رجلٌ يقرأ خلفه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]؛ فلما انصرف قال: "أيكم قرأ، أو أيكم القارئ"، قال رجلٌ: أنا، قال: "قد ظننت أنَّ بعضكم خالجنيها".
[ص 37] (3) أقول: أما حديث عبادة فلفظه في بعض الروايات (4): "لا
__________
(1) سبق تخريجه (ص 42).
(2) رقم (398). وأخرجه أيضًا أحمد (19815) وأبو داود (828) والنسائي (2/ 140) وغيرهم.
(3) ملاحظة: ورقة (36) ضرب عليها الشيخ بعد أن نقَّح ما سوَّده فيها في الصفحة التالية.
(4) عند الدارقطني (1/ 320) والبيهقي (2/ 165)، قال الدارقطني: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.
(18/53)

يقرأنَّ أحدُكم إذا جهرتُ بالقراءة إلاَّ بأمِّ القرآن". وبقية الروايات بيَّنت أنَّ تلك الصلاة كانت جهرية، وأنَّ القراءة ثقلت على النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالحديث حجَّة أنَّه - صلى الله عليه وسلم - نهى المقتدين به أن يقرأوا إذا جهر إلاَّ بأم القرآن.
ويظهر من ذلك أنَّ الزيادة على الفاتحة ليست بمرتبة الفاتحة، وهذا عندنا مبيَّنٌ؛ لما قدمناه أنَّ وجوب زيادةٍ على الفاتحة لم يثبت وجوبه أصلاً، وشاهدٌ لما قدمنا في حديث المسيء صلاته؛ من احتمال أنه كان الواجب أولاً الحمد والثناء والتمجيد، وقراءة شيءٍ من القرآن، ثم نسخ ذلك بالفاتحة؛ فكانت هي الواجبة وحدها.
وأما الشارح فعنده أنَّ هذا ناسخ الأحاديث الآمرة بالزيادة على الفاتحة. وأنت خبيرٌ أنَّ دعوى النسخ مفتقر (1) إلى إثبات تأخُّر هذا الحديث عن تلك، وليس بيد الشارح دليل؛ إلاَّ أنه يقول: دلَّ هذا الحديث أنهم كانوا يقرءون غير الفاتحة، ولا يُظَنُّ بهم أن يقرءوا إلاَّ بإذن شرعي؛ فيظهر أنَّ الإذن هو تلك الأحاديث.
ولقائل أن يقول: لا يتعيَّن هذا، لاحتمال أنهم كانوا يقرءون؛ لِما علموا من أنَّ الصلاة موضع القراءة وذكر الله تعالى في الجملة، أو قياسًا على الإِمام، أو غير ذلك.
ويدلُّ على هذا سؤاله - صلى الله عليه وسلم - إياهم بقوله: "أراكم تقرءون وراء إمامكم"، قالوا: إي والله يا رسول الله، ولو كان قد أمرهم بالقراءة قبل ذلك صريحًا لما اقتضى الحال الاستفهام؛ بل كان حق الكلام أن يقول: كنت أمرتكم بقراءة
__________
(1) كذا في الأصل بالتذكير، وقد ضرب المؤلف على هاء التأنيث في آخر الكلمة.
(18/54)

الفاتحة وما تيسَّر إذا كنتم تصلُّون معي؛ فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن؛ كما قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها" الحديث (1).
فالتعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث الزيادة من باب العموم والخصوص، مع الجهل بالتاريخ.
ومذهب الجمهور حمل العام على الخاص؛ تخصيصًا لا نسخًا.
ومذهب الإِمام أبي حنيفة وأكثر أصحابه رحمهم الله تعالى التوقُّف أو الترجيح.
وعلى قول الجمهور فإنَّ الذي يصحُّ من أحاديث الزيادة إنما يفيد الندب، وهذا الحديث مخصِّصٌ لها، مخرج عنها المقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يجهر به - صلى الله عليه وسلم -، هذا ما يدلُّ عليه هذا الحديث.
فأما دلالته على أنَّ غير النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله في ذلك فلا يصحُّ بالقياس؛ لأنَّ العلَّة هي ثقل القراءة، وهذا أمرٌ روحاني كان يدركه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ندرك نحن.
[ص 38] (2) وأما على القول بالتوقُّف فيرجع إلى الأصل؛ وهو عدم الوجوب، وأما على القول بالترجيح فالأحاديث المبينة لعدم ندب الزيادة أرجح وأثبت، والله أعلم.
__________
(1) أخرجه مسلم (1977) من حديث بريدة.
(2) ملاحظة: ضرب الشيخ على أكثر ما في الورقة (38) ولم يبق فيها غير هذين السطرين.
(18/55)

[ص 39] وأما حديث عمران فليس فيه نهيٌ، وإنما فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ بسبَّح اسم ربِّك الأعلى فأحسَّ بأنه يُخالَج فيها؛ فعرف أنَّ بعض المأمومين قرأها أيضًا، فسألهم لتظهر لهم هذه المعجزة.
وهذه المخالجة أمر روحاني كان يحسُّ به النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ففي حديث عبادة نهاهم عن قراءة غير الفاتحة، لا للمخالجة فقط، بل لها ولإخلالها باستماع القراءة لغير موجب؛ لأنَّ الصلاة جهرية كما علمت.
وفي حديث عمران لم ينههم؛ لأنَّ المخالجة وحدها ليست علَّة تامة، ولأنها إنما تحصل إذا قرأ المأموم عين السورة التي يقرؤها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يتفق دائمًا.
وقد ذكر البخاري في "جزء القراءة" (ص 9) (1) هذا الحديث من رواية شعبة عن قتادة، ثم قال: "قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؛ فقال: لو كرهه لنهانا عنه".
ومع هذا ففي بعض روايات حديث عمران ما يدلُّ أنَّ ذلك القارئ رفع صوته، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى. وعليه فيصح قول البيهقي: "وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كره من القارئ خَلْفَه شيئًا كره الجهر بالقراءة" (سنن ج 2 ص 162).
ثم قال الشارح: (وعُلم من هذا الحديث - يعني حديث عبادة - أنَّ آية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] نزلت بعد هذا؛
__________
(1) (ص 214) طبعة الهند.
(18/56)

لأنَّ فيها نهيًا عن القراءة مطلقًا إذا قُريءَ القرآن، وبعيدٌ عن الصحابة القراءة في الصلاة حال قراءته - صلى الله عليه وسلم - , وكذا إجازته - صلى الله عليه وسلم - بقراءة أم القرآن مطلقًا بعد نزول الآية ...).
أقول: الآية مكية اتفاقًا، وحديث عبادة ونحوه وقع بالمدينة اتفاقًا، وسأعقد للآية فصلاً مستقلًّا إن شاء الله تعالى. وإنما أذكر ها هنا ما يردُّ على استدلال الشارح على تأخر نزول الآية.
فأقول: قد كان الصحابة رضي الله عنهم يقرؤون خلف الإِمام بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وسنثبت ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. والظاهر البيِّن أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن توفَّاه الله - عزَّ وجلَّ -، ولا شكَّ أنَّ ذلك بعد نزول الآية؛ فكيف يستبعد هذا الأمر الذي قام الدليل على وقوعه؟
ثم من الجائز أن يكونوا فهموا أنَّ الآية خاصة بمن ليس في صلاة؛ بدليل قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]؛ حيث سمَّى الصلاة قرآنًا.
أو فهموا أنَّ المراد الإنصات عن الكلام الأجنبي لا عن القراءة نفسها؛ ظنًّا أنَّ المقصود من الإنصات فهم القرآن وتدبُّره. فإذا كان السامع نفسه يقرأ القرآن فقد حصل له تدبُّر ما يقرأه بنفسه مع زيادة التلاوة.
أو فهموا أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت؛ لقوله بعدها: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية [الأعراف: 205]، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والاحتمالات كثيرة.
(18/57)

وأما استبعاد أنَّ يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقراءة الفاتحة بعد نزول الآية فخيال عجيب، أَوَلا يكون - صلى الله عليه وسلم - علمَ أنَّ هذه الآية مُخَصَّصة بقوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} وغيرها.
[ص 40] مع قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة؛ كما في "الصحيح" (1).
وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... " الحديث (2). فسَّر الصلاة فيه بالفاتحة.
أو علمَ أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت.
فأما الفاتحة فالمأموم مأمور بقراءتها سرًّا؛ لقوله تعالى عقب آية الإنصات: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وفوق هذا كلِّه لا يمتنع أنَّ الله عزَّ وجلَّ أعلم رسوله بما يفيد تخصيص الآية، ولو لم يدلَّ على ذلك قرآن. والآية مخصصة اتفاقًا فدلالتها على بقية الأفراد ضعيفة؛ حتى قال بعضهم: إنَّ دلالة العام المخصوص على بقية أفراده لا يحتجُّ بها أصلاً، وقال الحنفية: إنَّها دلالة ضعيفة؛ بحيث يرجَّح خبر الواحد عليها.
__________
(1) البخاري (4703) من حديث أبي سعيد بن المعلى، و (4704) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه مسلم (395) من حديث أبي هريرة.
(18/58)

وبالجملة فقضيَّة استدلال الشارح أنه إذا تعارض دليلان عام وخاص، ولم يعلم التاريخ يرجَّح العام مطلقًا. وهذا عكس قول أكثر أهل العلم، وخلاف قول الإِمام أبي حنيفة وأصحابه، فالله المستعان.
***
(18/59)

[ص 41] بسم الله الرحمن الرحيم

المسألة الرابعة قراءة المأموم الفاتحة
يستدلُّ من أوجبها بقول الله عزَّ وجلَّ: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، وقوله عزَّ وجلَّ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}، وبحديث المسيء صلاته، فإنَّ في رواية أبي هريرة: "ثم اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن"، وفي بعض روايات حديث رفاعة: "ثم اقرأ بأم القرآن" (1).
فإنَّ الحنفية احتجُّوا بما ذُكر على فرضية القراءة في الصلاة، وقد قدَّمنا أنَّ أحاديث فرضية الفاتحة إما متواترة وإما مشهورة؛ يلزمهم تقييد القرآن بها, ولو لم تكن متواترة ولا مشهورة لكانت كافية في تقييد القرآن بها عند الشافعية وغيرهم.
وأما حديث المسيء صلاته فإذا ثبت فيه ذكر الفاتحة فذاك، وإلاَّ فقد قدَّمنا أنَّ ما فيه من قراءة ما تيسَّر نُسِخ بقراءة الفاتحة. ولما كانت قراءة ما تيسَّر في كلِّ ركعة فكذلك الفاتحة؛ لأنها بدلٌ من ذلك. والنبي - صلى الله عليه وسلم - علَّم الرجل أركان الصلاة، ولم يبيِّن له أنه إذا كان مأمومًا لا يقرأ.
وفيه في بعض الروايات: "إنها لا تتم صلاة رجلٍ حتى ... "، وعلى هذه الرواية يكون اللفظ عامًّا يتناول صلاة المأموم.
__________
(1) سبق تخريج الحديثين.
(18/60)

ومما يستدلُّون به أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم بعضها، وهي عامة تتناول صلاة المأموم.
ومما يستدلُّون به ما رواه البخاري في "جزء القراءة" والإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" (1) وغيرهم بسند صحيح، عن أبي قلابة عن محمَّد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى صلاته قال: "أتقرؤون والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا؛ إلاَّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
الحديث على شرط مسلم، وفي "سنن البيهقي" (2) تصريح أبي قلابة بالسماع؛ فزالت تهمة تدليسه.
ومن ذلك: ما أخرجه ابن حبان (3) وغيره بسند صحيح إلى أبي قلابة عن أنس بن مالك: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا؛ فقال لهم ثلاث مرَّات؛ فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا [ص 42]، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.
قال ابن حبان في "صحيحه" (4): "سمعه - يعني أبا قلابة - من أنس،
__________
(1) "جزء القراءة" (ص 191 - 193) و"المسند" (20765) و"صحيح ابن حبان" (عقب الحديث 1852).
(2) (2/ 166). وليس فيه التصريح بالسماع، بل الرواية بالعنعنة.
(3) في "صحيحه" (1844، 1852). وأخرجه أيضًا الدارقطني (1/ 340) والبيهقي (2/ 166).
(4) عقب الحديث (1852).
(18/61)

وسمعه من ابن أبي عائشة؛ فالطريقان محفوظان".
قلت: وجَزْم ابن حبان بأنَّ أبا قلابة سمعه من أنس ربما يرفع تهمة التدليس، وأما البيهقي (1) فزعم أنَّ المحفوظ رواية أبي قلابة عن محمَّد بن أبي عائشة. والراجح كلام ابن حبان، ولا يجوز الحكم على الثقة بالغلط إلاَّ بحجة بيَّنة.
ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (2): "حدثنا شجاع بن الوليد قال: حدثنا النضر قال: حدثنا عكرمة قال: حدثني عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدَّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقرؤون خلفي؟ قالوا: نعم، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن".
النضر هو ابن محمَّد بن موسى الجُرَشي: ثقة. وعكرمة هو ابن عمَّار: ثقة إذا حدَّث عن غير يحيى بن أبي كثير، وإنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح هنا بالسماع. وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه فيه كلام، والراجح توثيقه، وإن صحَّ ما قالوه: إنَّ حديثه عن أبيه عن جدِّه غالبه من صحيفة جدِّه عبد الله بن عمرو، فإنَّ صحيفة عبد الله بن عمرو كتبها بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم بقيت محفوظة عند ذرِّيته؛ فهي حجَّة بلا شبهة.
وقد عدَّ ابن حجر (3) عَمْرًا وأباه من المدلِّسين؛ لأنهما كانا يرويان من الصحيفة ولا يبيِّنان، ومثل هذا التدليس لا يضرُّ. فالحديث حسنٌ ولا يعلَّل هذا الحديث بالذي بعده؛ إذ لا يجوز تغليط الثقة إلاَّ بحجة بيِّنة.
__________
(1) في "السنن الكبرى" (2/ 166).
(2) (ص 174 - 176).
(3) في "تعريف أهل التقديس" (ص 123، 120).
(18/62)

ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (1) أيضًا: حدثنا عتبة بن سعيد عن إسماعيل عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله نهذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن".
إسماعيل هو ابن عيَّاش؛ وثَّقه الأئمة فيما رواه عن ثقات الشاميين، وحديثه هذا عن الأوزاعي، وهو إمام أهل الشام؛ فالحديث حسن.
ومنها: ما في "الجوهر النقي" (2) قال: "وقال عبد الحق: رواه الأوزاعي عن مكحول [عن رجاء بن حيوة] عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما انصرف قال: "هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ "، قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن". وفي "التمهيد": خُولِفَ فيه ابن إسحاق؛ فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حَيوَة عن عبد الله بن عمرو؛ فذكره.
ومنها: قال الإِمام أحمد (3): ثنا يزيد بن هارون أنا سليمان - يعني - التيمي قال: حُدَّثتُ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم الكتاب".
__________
(1) (ص 189 - 190).
(2) (2/ 164). وانظر "الأحكام الوسطى" لعبد الحق (1/ 377)، ومنه ما بين المعكوفتين. و"التمهيد" (11/ 46). والحديث أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (2099، 3559). وفي إسناده مسلمة بن علي، وهو متروك.
(3) "المسند" (22625).
(18/63)

وشيخ التيمي مبهم، والاعتماد على ما تقدَّم. والله أعلم (1).
ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (2): حدثنا يحيى بن صالح قال حدثنا فليح عن هلال عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: دعاني النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: "إنما الصلاة لقراءة القرآن، ولذكر الله، ولحاجة المرء إلى ربَّه؛ فإذا كنت فيها فلْيَكُن ذلك شأنك".
فليح هو ابن سليمان، اعتمد عليه الشيخان في "صحيحيهما"، وضعَّفه جماعة.
والحديث في "صحيح مسلم" (3) من طريق يحيى بن أبي كثير عن هلال مطوَّلاً. وفيه بيان السبب، وهو: أنَّ معاوية بن الحكم صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعطس رجلٌ؛ فقال معاوية بن الحكم: يرحمه الله؛ فزجره الصحابة - رضي الله عنهم -[ص 43]، فسكت؛ فلمَّا سلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه؛ فقال: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ففي الحديث أمره بالقراءة في الصلاة، مع أنه كان في تلك الصلاة مأمومًا.
__________
(1) ملاحظة: من قوله: "ومنها ما في ... " إلى هنا ملحق في هامش (ص/ 44)، وأشار إلى ذلك اللحق هنا بقوله: (حاشية ص 44)، وأحال عليها هناك بقوله: (ينقل إلى ص 42).
(2) (ص 194، 195).
(3) رقم (537).
(18/64)

فهذه الأحاديث تنصُّ على أمر المأموم بالقراءة، وهي مؤكِّدة لعموم أحاديث إيجاب الفاتحة وغيرها مما تقدَّم. وهذه الأحاديث تعمُّ الصلاة السريَّة والجهريَّة.
ولهم أدلَّةٌ تنصُّ على الجهرية؛ فمنها قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 204، 205].
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسير الآيات مفصَّلاً، وفيه - نقلاً - عن ابن جرير (1): "يقول تعالى ذكره: {وَاذْكُرْ} أيها المستمع المنصت للقرآن إذا قُرِئ في صلاة أو خطبة {رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} يقول: ودعاءٌ باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن؛ في دعاء - إن دعوت - غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول".
وفي "روح المعاني" (2): "ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربَّك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر".
أقول: وعلى هذا يكون المراد بالإنصات ترك الجهر.
__________
(1) "تفسيره" (10/ 667، 668).
(2) (9/ 154).
(18/65)

وسيأتي عن الواحدي (1) قوله: "والعرب تسمَّي تارك الجهر منصتًا، وإن كان يقرأ في نفسه؛ إذا لم يُسمع أحدًا".
وفي "الصحيحين" (2) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعدْ بيني وبين خطاياي" الحديث، وهذا لفظ مسلم.
ففيه إطلاق السكوت على الحال التي يتكلَّم فيها سرًّا، وسيأتي إيضاح أنَّ الاستماع والإنصات إنما يكون لما يجهر به؛ فإذا كان المراد بقوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} أي في الصلاة - كما عليه أكثر المفسَّرين - فالمراد به الصلاة التي يجهر الإِمام فيها بالقراءة قطعًا، وسيأتي إيضاح هذا كله إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا أنَّه مع أمر المأموم أن يستمع وينصت لجهر إمامه بالقراءة أمره بأن يذكر الله تعالى في نفسه؛ تضرُّعًا وخيفة ودون الجهر، ويجب حمل هذا الذكر على قراءة الفاتحة؛ لأنَّ غيرها من الأذكار سواء أكان قرآنًا أو غيره لا ينبغي للمأموم [ص 44] حين يسمع جهر إمامه بالقراءة إجماعًا.
فإن ثبت أنَّ الواجب أولاً في القيام كان الجهر والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر غير مقيَّد بالفاتحة، وأنَّ الفاتحة إنما وجبت بعد ذلك على احتمال
__________
(1) (ص 86). وكلامه في "البسيط" (9/ 568).
(2) البخاري (744) ومسلم (598).
(18/66)

تقدَّم في الكلام على حديث المسيء صلاته، وأنَّ الآية نزلت قبل إيجاب الفاتحة بمدَّة = فإنا نقول: الذكر المأمور به في الآية هو ذلك الواجب، ولما نسخ أحلَّت الفاتحة محلَّه. فلما كان مأمورًا به المأموم عند جهر إمامه بالقراءة، فكذلك يكون مأمورًا ببدله وهو الفاتحة. والله أعلم.
ومن الأدلة التي تنصُّ على الجهرية: قال الإِمام أحمد (1): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة بن الصامت قال: "صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح، فثقلت عليه فيها القراءة؛ فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر"، قال: قلنا: أجلْ والله إذن يا رسول الله، إنه لهذًّا؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلاَّ بها" (مسند ج 5 ص 322).
وأخرجه الدارقطني (2) من طرق عن ابن إسحاق.
وابن إسحاق ثقة، إنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح بالسماع. ومكحول إمام؛ ولكن قال البخاري: إنه لم يذكر سماعًا، وهذا من البخاري - بناءً على رأيه - أنه يشترط للاتصال العلم باللقاء. وقد ردَّ مسلمٌ في مقدِّمة "صحيحه" (3) هذا القول، وحكى الإجماع على أنه يكفي إمكان اللقاء إذا لم يكن الراوي مدلسًا.
__________
(1) "المسند" (22745).
(2) (1/ 318 - 319) بأربعة طرق عن ابن إسحاق، قال عقب أولاها: هذا إسناد حسن.
(3) (1/ 29 وما بعدها).
(18/67)

وإمكان لقاء مكحول لمحمود واضح؛ لأنَّ مكحولًا سكن الشام، ومحمود كان بإيلياء.
وفي "تهذيب التهذيب" (1) عن مكحول: "عتقت بمصر فلم أدعْ فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام؛ فذكر كذلك". وعنه قال: "طفت الأرض كلها في طلب العلم". وعن الزهري قال: "العلماء أربعة - فذكرهم؛ فقال: - ومكحول بالشام".
وقد طُعِن في هذا الحديث بمطاعن واهية أشفُّها (2) أنَّ ابن حبَّان (3) قال: "إنَّ مكحولًا ربما دلَّس"، وتبعه الذهبي (4).
فقال الحافظ ابن حجر في "طبقات المدلِّسين" (5): "مكحول الشامي الفقيه المشهور، تابعيٌ؛ يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلاَّ عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبَّان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلَّس، ولم أره للمتقدِّمين إلاَّ في قول ابن حبَّان".
أقول: إنما أراد ابن حبَّان أنَّ مكحولًا روى عمن لم يلقه؛ فإنَّ علماء الفنِّ ذكروا ذلك في ترجمة مكحولٍ مفصَّلاً، واقتصر ابن حبان على قوله: "وربما دلَّس". وعند ابن حبان والذهبي أن الرواية عمَّن لم يلقه تسمَّى تدليسًا.
__________
(1) (10/ 291).
(2) ولعل المعنى: أحسنها وأقواها أو أوضحها، من الشفافية.
(3) "الثقات" (5/ 447).
(4) في "ميزان الاعتدال" (4/ 177).
(5) "تعريف أهل التقديس" (ص 156).
(18/68)

وقد بيَّن الأئمة أسماء الذين روى عنهم مكحول ولم يسمع منهم، ولم يذكروا محمودًا؛ وهذا يدلُّك أنَّ مكحولًا إنما كان يروي عمن لم يلقه حيث يعلم الناس أنه لم يلقه، وليس هذا بالتدليس المتعارف (1)؛ إذ ليس فيه إيهام.
والحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم (2) وغيرهما، وتصحيح ابن حبان له مما يدلُّك على تأويل قوله في مكحول: "ربما دلَّس" بنحو ما قلنا، أو على أنه اطلع على سماع مكحول من محمود لهذا الحديث، والله أعلم.
[ص 45] ومنها: ما رواه الدارقطني (3) وغيره بسند صحيح عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة (4) قال نافع: "أبطأ عبادة عن صلاة الصبح؛ فأقام أبو نعيم المؤذَّنُ الصلاة، وكان أبو نعيم أول من أذَّن في بيت المقدس، فصلى بالناس أبو نعيم، وأقبل عبادة وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة؛ فجعل عبادة يقرأ بأمِّ القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: قد صنعت شيئًا، فلا أدري أسنة هي أم سهو كانت منك؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر. قال: أجل، صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة؛ فالتبست عليه القراءة؛ فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: "هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ " فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: "فلا تفعلوا،
__________
(1) بل هو الإرسال الخفي في اصطلاح المحدثين.
(2) انظر "صحيح ابن حبان" (1785، 1792، 1848) و"المستدرك" (1/ 238).
(3) (1/ 319، 320).
(4) في "سنن الدارقطني": "الربيع"، وكلاهما صواب كما سيأتي التنبيه عليه. وانظر "التقريب".
(18/69)

وأنا أقول ما لي أنازع القرآن؛ فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرت إلاَّ بأمِّ القرآن".
قال الدارقطني: هذا إسناد حسنٌ ورجاله ثقات كلهم، ثم رواه من طرقٍ أخرى ضعيفة.
وقد تكلَّموا في هذا السند بأنَّ نافع بن محمود بن الربيع - ويقال: ابن ربيعة - مجهول الحال؛ لم يوثقه إلاَّ ابن حبان والدارقطني.
وابن حبان يوثِّق كل من روى عن ثقةٍ فأكثر، وروى عنه ثقةٌ فأكثر، ولم يكن حديثه منكرًا؛ كما بيَّن ذلك في كتاب "الثقات" (1).
والدارقطني نُقِلَ عنه في "فتح المغيث" (2) أنه قال: "من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته".
والجواب أنَّ الحنفية يوافقون الدارقطني في توثيق المستور؛ فالحديث إذن حجَّةٌ عليهم، وأما نحن فلم نحتجَّ به وحده؛ بل به مع ما انضمَّ إليه من الحجج المتقدِّمة، والله أعلم.
وقال ابن حبان في "الثقات" (3): "نافع بن محمود بن ربيعة، من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم ومكحول، مَتْنُ خَبَرِه في القراءة خلف الإِمام يخالف متنَ خبرِ محمود بن الربيع عن
__________
(1) (1/ 12، 13). والردّ عليه في مقدمة "لسان الميزان" (1/ 208 - 210).
(2) (2/ 51) طبعة الهند. وفي "سنن الدارقطني" (3/ 174): "وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة".
(3) (5/ 470).
(18/70)

عبادة، كأنهما حديثان أحدهما أتمُّ من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصرٌ غير مستقصى".
ومن الغريب ما قاله البخاري في "جزء القراءة" (1): "والذي زاد مكحول وحرام بن معاوية ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع عن عبادة فهو تبعٌ لما روى الزهري؛ لأنَّ الزهري قال: حدثنا محمود، وهؤلاء لم يذكروا سماعًا".
وهذا من البخاري بناءً على رأيه في اشتراط العلم باللقاء؛ ولكن لم نقف على رواية حرام بن معاوية في هذا الحديث، وكأنه أراد حرام بن حكيم؛ فإنه يقال فيه حرام بن معاوية. فيدلُّ هذا على أنهما عند البخاري رجلٌ واحدٌ، وإن فصل لهما ترجمتين في "التاريخ" (2).
وبهذا [ص 46] يندفع قول الخطيب - كما في "تهذيب التهذيب" (3) -: "وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجلٌ واحدٌ، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه".
بقي أنَّ حرام بن حكيم لم يروِ عن محمود بن ربيعة، وإنما روى عن نافع بن محمود بن ربيعة؛ فهل يرى البخاري أنَّ نافع بن محمود بن ربيعة هو محمود بن الربيع؛ أخطأ بعض الرواة في اسمه؟ وقد يشهد لهذا أنَّ
__________
(1) (ص 307).
(2) "التاريخ الكبير" (3/ 101، 102).
(3) (2/ 222). وقول الخطيب في "الموضح" (1/ 108). وانظر تعليق المعلمي على "التاريخ الكبير" (3/ 102، 103).
(18/71)

البخاري لم يذكر نافع بن محمود في "تاريخه". فإن صحَّ هذا فالحديث صحيح والله أعلم.
وقد راجعت "تاريخ البخاري" فوجدته ذكر في ترجمة حرام بن حكيم أنه روى عن محمود بن ربيعة (1).
ووقع في "جزء القراءة" (2): "حدثنا محمود حدثنا البخاري حدثنا صدقة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن ربيعة الأنصاري ... ".
كذا قال (3)، وقد سقط من النسخة رجلٌ أو رجلان، بين البخاري وصدقة (4)؛ فإنَّ صدقة مات قبل أن يولد البخاري بأربع عشرة سنة.
ولم أجد في "تاريخ البخاري" ترجمة لربيعة الأنصاري (5)، ولا لمحمود بن ربيعة، ولا لنافع بن محمود؛ إلاَّ أنه في ترجمة حرام بن حكيم ذكر أنه روى عن محمود بن ربيعة، فالله أعلم.
وقد روى الدارقطني (6) الحديث من طريق الوليد بن مسلم حدثني غير
__________
(1) (3/ 101).
(2) (ص 185 - 187).
(3) وفي بعض النسخ: "أبي ربيعة" مكان "ربيعة".
(4) الساقط هو "هشام بن عمار" كما في النسخة الصحيحة من الكتاب ومطبوعة الهند.
(5) قال المؤلف في مسوّدات هذا الكتاب: "وقوله [في "جزء القراءة"]: (عن ربيعة الأنصاري) الصواب: (عن نافع بن محمود بن ربيعة) كما في سنن الدارقطني وغيرها، وهذا من تحريف النساخ".
(6) (1/ 319).
(18/72)

واحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هل تقرؤون في الصلاة معي؟ قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب".
ثم قال الدارقطني: "وقال ابن صاعد: قوله "عن أبي نعيم" إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم عن عبادة".
أقول: محمود بن الربيع كنيته أبو نعيم، فالله أعلم.
****
(18/73)

حجج القائلين بأنَّ المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه إمامه
قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].
قالوا: اتفق السلف على أنَّ هذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة. ولما كان الاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، علمنا أنها خاصة بما جهر فيه الإِمام.
وقد أخرج مسلم (1) حديث قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى مرفوعًا: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم؛ فإذا كبر فكبروا" الحديث، عن جماعة.
ثم رواه (2) من طريق جرير عن سليمان التيمي عن قتادة، ثم قال: "وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ... ".
وفي بعض النسخ (3) زيادة أدرجها أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي "الصحيح" عن مسلم؛ لفظها: "قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم: تريد أحفظَ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح؛ يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا". فقال: هو عندي صحيح. فقال: لِمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا؛ إنما وضعتُ ههنا ما أجمعوا عليه".
__________
(1) رقم (404/ 62).
(2) رقم (404/ 63).
(3) انظر طبعة محمَّد فؤاد عبد الباقي (1/ 304).
(18/74)

قالوا: وقد تُوبع سليمان؛ فرواه الدارقطني (1) من طريق سالم بن نوح ثنا عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة فذكره، ومتنه: "إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
فروى أبو داود (2) الحديث من طريق مصعب بن محمَّد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة، ثم قال (3): "حدثنا محمَّد بن آدم المصيصي ثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جُعل الإِمام ليُؤتمَّ به" بهذا الخبر، زاد: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال أبو داود: وهذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد".
قالوا: قد تُوبِع أبو خالد؛ فرواه النسائي (4) عن محمَّد بن عبد الله المخرَّمي عن محمَّد بن سعد - هو الأنصاري الأشهلي -[ص 47] عن ابن عجلان به، والأشهلي ثقة.
__________
(1) (1/ 330). قال الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.
(2) رقم (603). وأخرجه أيضًا أحمد (8502) بهذا الإسناد. ووقع في الأصل: "محمد بن مصعب" خطأ.
(3) رقم (604). وأخرجه أيضًا أحمد (9438) والنسائي (2/ 141، 142) وابن ماجه (846) والدارقطني (1/ 327) وغيرهم من طريق أبي خالد به.
(4) (2/ 142). وأخرجه أيضًا بهذا الطريق الدارقطني (1/ 328) والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 320).
(18/75)

وذكروا متابعات أخرى ساقطة لا نعرَّج عليها (1).
قالوا: وقد روى مالك (2) عن ابن شهاب عن ابن أُكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة؛ فقال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ " فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أُنازَع القرآن". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ورواه أبو داود (3) عن جماعة منهم ابن السرح، قالوا: ثنا سفيان عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً نظنُّ أنها الصبح - بمعناه إلى قوله -: ما لي أنازع القرآن".
قال أبو داود: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس ... ".
__________
(1) منها متابعة محمَّد بن ميسَّر الصاغاني، أخرجها أحمد (8889) والدارقطني (1/ 330) والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (312). ومتابعة إسماعيل بن أبان الغنوي، أخرجها الدارقطني (1/ 329) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 156). وكلاهما ضعيف.
(2) في "الموطأ" (1/ 86). ومن طريقه أبو داود (826) والترمذي (312) والنسائي (2/ 140, 141).
(3) رقم (827).
(18/76)

قالوا: وقد قال يحيى بن معين - وهو هو -: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيَّب. وقال الدوري عن يحيى: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة (1).
وقد عمل الراوي عنه - وهو الإِمام الزهري - بحديثه؛ فإنَّ مذهب الزهري أن لا يقرأ المأموم فيما جهر به إمامه؛ سواءٌ أسمع القراءة أم لم يسمع. وهذا يدلُّ أنَّ ابن أكيمة عنده ثقة.
قالوا: وقد أخرج الإِمام أحمد وابن ماجه (2) وغيرهما بأسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن الأرقم بن شُرحبيل عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "لمَّا مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضَه الذي مات فيه"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فخرج أبو بكر فصلَّى بالناس، ووجد النبي - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خِفَّةً؛ فخرج يُهادَى بين رجلين، ورِجْلاه تَخُطَّان في الأرض؛ فلمَّا رآه الناس سبَّحوا أبا بكر؛ فذهب يتأخَّر، فأومأ إليه أيْ مكانَك؛ فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتمُّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من القراءة من حيث بلغ أبو بكر ... الحديث.
قالوا: فهذا ظاهر أنَّ الصلاة كانت جهرية، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بني على قراءة أبي بكر، ولا بد أن يكون أبو بكر قد قرأ الفاتحة أو بعضها. ففيه دلالة
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (7/ 411).
(2) "المسند" (3355) وابن ماجه (1235). وأخرجه أيضًا الطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 405) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 81).
(18/77)

واضحةٌ أنَّ قراءة الإِمام في الجهرية كافية لمن يستخلفه؛ فأن تكفي قراءتُه المأمومين من باب أولى.
قالوا: فهذه الأدلة تخصَّص أدلَّتكم العامة، وتعارض الخاصة، وعند المعارضة يترجَّح ما عليه جمهور الأمة.
وقد قال الإِمام أحمد (1): ما سمعنا أحدًا من أهل الإِسلام يقول: إنَّ الإِمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه. وقال: هذا النبي، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجلٍ صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة.
[ص 48] ولنشرع في الجواب، وتقدَّم الكلام على آية الإنصات، ونسأل الله تعالى التوفيق (2).

[ص 49] فصل
قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ
__________
(1) انظر "المغني" لابن قدامة (2/ 262).
(2) لم يكتب الشيخ في هذه الصفحة غير هذا السطر.
(18/78)

يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 203 - 206].
قال الشارح: (قال ابن قدامة في "المغني" (1): قال أحمد: فالناس على أنَّ هذا في الصلاة. وعن سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم ومحمد بن كعب والترمذي: أنها نزلت في شأن الصلاة. وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإِمام فنزلت ... وقال أحمد في رواية أبي داود: أجمع الناس على أنَّ هذه الآية نزلت في الصلاة).
أقول: روى ابن جرير في "تفسيره" (2) عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} هذا في المكتوبة، وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك فإنما هي نافلة. إنَّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه. قال: فنزل القرآن: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. فهذا في المكتوبة.
وفي سنده ابن لهيعة معنعنًا.
وأخرج (3) من طريق أشعث - هو ابن سوَّار - عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتًى من الأنصار، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
أشعث بن سوَّار ضعيف.
__________
(1) (2/ 261).
(2) (10/ 664).
(3) (10/ 659).
(18/79)

ولكن في "سنن البيهقي" (1) بسند جيِّد عن مجاهد قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة؛ فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
وفي "أسباب النزول" (2) للسيوطي: "وقال سعيد بن منصور في "سننه": ثنا أبو معشر عن محمَّد بن كعب قال: كانوا يتلقَّفون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذا قرأ شيئًا قرؤوا معه حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
أقول: أبو معشر ضعيف؛ إلاَّ أنه فيما يرويه عن محمَّد بن كعب من التفسير أحسن حالاً منه في غير ذلك.
وقال السيوطي (3) عقب هذا الحديث: "قلت: ظاهر هذا أنَّ الآية مدنية".
أقول: والمعروف بين علماء القرآن أنّها مكية. وقد ذكر في النوع الأول من "الإتقان" (4) نصوصَهم على أنَّ سورة الأعراف مكية، واستثنى بعضهم منها آياتٍ ليس هذه منها.
[ص 50] وقد قال ابن جرير (5): حدثنا أبو كريب قال ثنا أبو بكر بن عيَّاش
__________
(1) (2/ 155).
(2) "لباب النقول" (ص 105، 106). وانظر "سنن سعيد بن منصور" (978 - تفسير).
(3) في المصدر السابق.
(4) (1/ 49، 86) ط. مجمع الملك فهد.
(5) في "تفسيره" (10/ 658).
(18/80)

عن عاصم عن المسيّب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يُسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة، سلامٌ على فلان، وسلامٌ على فلان، قال: فجاء القرآن: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}.
أقول: أبو بكر بن عيَّاش ثقة يغلط إذا حدَّث من حفظه؛ ولكن هذا من روايته عن عاصم بن بهدلة، شيخه في القراءة، وهذا مما يتعلَّق بها؛ فالظاهر أنَّه أتقنه، إلاَّ أنه منقطعٌ، المسيّب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود، قاله أبو حاتم وغيره (1). ولكن ثبوت هذا الأثر عن المسيّب عمن أخبره عن عبد الله كافٍ في معارضة الآثار المتقدِّمة.
وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصحَّحه وابن حبان (2) وغيرهم من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كنَّا نُسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا؛ فقدِمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلَّي، فسلَّمت عليه فلم يردَّ عليَّ السلام، فأخذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى صلاته قال: "إنَّ الله يُحدِث مِن أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة".
وفي روايةٍ (3): "كنا نتكلَّم في الصلاة، ويُسلَّم بعضنا على بعض، ويُومئ أحدنا بالحاجة" الحديث.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 153).
(2) "المسند" (3575) وأبو داود (924) والنسائي (3/ 19) وابن حبان (2243، 2244). وأخرجه أيضًا الطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 455) والبيهقي (2/ 248، 356) وغيرهما.
(3) عند أحمد (4145) والبيهقي (2/ 248).
(18/81)

وأصل الحديث في "الصحيحين" (1)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة على صحة حديث المسيّب بن رافع، والله أعلم.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (2): حدثنا محمَّد بن مقاتل قال حدثنا النضر قال أنبأنا يونس عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: "خلَّطتم عليَّ القرآن". وكنا نسلِّم في الصلاة؛ فقيل لنا: "إنَّ في الصلاة لشُغلًا".
وروى ابن جرير (3) أيضًا بسند صحيح إلى عبد الله بن عامر قال: ثني زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن هذه الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}، قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة.
أقول: عبد الله بن عامر أظنه الأسلمي، ضعيف.
وأخرج ابن جرير (4) وغيره عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ}، والآية الأخرى
__________
(1) البخاري (1199، 1216، 3875) ومسلم (538).
(2) (ص 400 - 401). وأخرجه أيضًا أحمد (4309) والبزار (488 - زوائد) وأبو يعلى (5397) والدارقطني (1/ 341) وغيرهم.
(3) "تفسيره" (10/ 660). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (5/ 1645) والدارقطني (1/ 326).
(4) (10/ 659). وأخرجه أيضًا ابن المنذر في "الأوسط" (3/ 105) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 155).
(18/82)

أُمِروا بالإنصات.
وإبراهيم الهَجَري ضعيف.
وأخرج ابن أبي حاتم (1) عن عبد الله بن مغفَّل نحوه. ذكره السيوطي في "أسباب النزول" (2).
وأخرج ابن جرير (3) بسند صحيح عن قتادة: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم صلَّيتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
وأخرج (4) بسند رجاله ثقات عن قتادة أيضًا: قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال: كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرضت عليهم؛ فأنزل الله ما تسمعون: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
وأخرج البيهقي في "السنن" (5) عن عون بن موسى قال: سمعت معاوية بن قرَّة قال: أنزل الله هذه الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}، قال: كان الناس يتكلمون في الصلاة.
__________
(1) في "تفسيره" (5/ 1646).
(2) "لباب النقول" (ص 105).
(3) (10/ 662).
(4) (10/ 661).
(5) (2/ 155).
(18/83)

قال البيهقي: ورواه سعيد بن منصور عن عون، وزاد فيه: "فأنزلها القصَّاص في القصص".
أقول: وعون بن موسى ذكره ابن حبان في "الثقات" (1).
[ص 51] ومجموع هذه الآثار أثبت من مجموع ما تقدَّم.
بقي أن يقال: دلَّت هذه الآثار على أنَّ هذه الآية نزلت عند تحريم الكلام في الصلاة. وقد ثبت في "الصحيحين" (2) عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلَّم في الصلاة؛ يكلَّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام. هذا لفظ مسلم.
لا مانع أن تنزل آيتان من سورتين في وقت واحد متفقتان في الدلالة على حكم، ولكن آية الإنصات مكية باتفاق، وآية القنوت مدنية باتفاق؛ فكيف تنزل آية الإنصات بالمنع من الكلام، ويبقى حلالًا بعد ذلك حتى تنزل آية القنوت؟
والجواب: أنَّ جماعة من أهل العلم تأولوا حديث زيد بن أرقم كما في "فتح الباري" (3)، ورجَّحوا أن تحريم الكلام كان بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين قبل نزول آية القنوت بزمان؛ لأنها مدنية.
__________
(1) (7/ 280).
(2) البخاري (1200، 4534) ومسلم (539).
(3) (3/ 74).
(18/84)

وحجَّتهم حديث ابن مسعود في "الصحيحين" (1) وغيرهما قال: كنَّا نسلِّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيردُّ علينا؛ فلمَّا رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يردَّ علينا؛ فقلنا: يا رسول الله كنا نسلِّم عليك في الصلاة فتردَّ علينا؛ فقال: "إنَّ في الصلاة شغلاً".
وقد تقدَّم في رواية النسائي (2) وغيره: "فلما قضى صلاته قال: إنَّ الله يُحدِث من أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث ألاَّ تكلَّموا في الصلاة".
فعلى هذا لا إشكال.
ولكن جمع ابنُ حجر بين الحديثين بأنَّ ابن مسعود توجَّه إلى الحبشة مرتين؛ رجع من الأولى قبل الهجرة، ثم توجَّه إلى الحبشة أيضًا، ثم رجع منها بعد الهجرة قبل بدر، فالرجوع الذي ذكره في حديثه هو هذا الثاني. وحديث زيد بن أرقم على ظاهره؛ فعلى هذا يبقى الإشكال بحاله.
والجواب ما في "حواشي الشيخ زاده على البيضاوي" (3)، قال: "قال الإِمام الواحدي في "الوسيط" (4): ولا تدلُّ الآية على ترك القراءة خلف الإِمام؛ لأنَّ هذا الإنصات المأمور به نهي عن الكلام في الصلاة، لا عن القراءة أو عن ترك الجهر بالقراءة خلف الإِمام. كما روي عن ابن عباس (5) أنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة المكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه رافعي
__________
(1) البخاري (1199، 1216) ومسلم (538).
(2) سبق تخريجه.
(3) (2/ 393).
(4) (2/ 440). وانظر "البسيط" (9/ 568).
(5) أخرجه الطبري في "تفسيره" (10/ 664). وقد سبق ذكره.
(18/85)

أصواتهم؛ فنزلت هذه الآية. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. والعرب تسمَّي تارك الجهر "منصتًا"، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمِع أحدًا". (ملحق الجلد الأول ص 293).
وعليه فآية الإنصات إنما منعت من رفع الصوت؛ سواء أكان بقراءة، أم بذكر، أم بدعاء، أم بكلام الناس بعضهم بعضًا. وآية القنوت منعت من كلام الناس بعضهم بعضًا مطلقًا ولم تتعرض للقراءة والذكر والدعاء.
فالمراد بالإنصات في الآية الإسرار؛ بدليل قوله بعدُ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية.
قال ابن جرير (1): "يقول تعالى ذكره: واذكرْ أيها المستمع المنصت للقرآن - إذا قرئ في صلاة أو خطبة - ربَّك في نفسك ... {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكنْ ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول".
وفي "روح المعاني" (2): "ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر".
أقول: وفي "الصحيحين" (3) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) (10/ 667, 668).
(2) (9/ 154).
(3) البخاري (744) ومسلم (598).
(18/86)

إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنَيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي"؛ فذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.
فأطلق على تلك الحال سكوتًا؛ مع العلم بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلَّم فيها ولكن سرًّا.
[ص 52]، وإنما قال في الآية: {وَأَنْصِتُوا} ليدلَّ - والله أعلم - على أنه ينبغي المبالغة في الإسرار. وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} فأفرد بعد أن كان الكلام على الجمع ليدلَّ - والله أعلم - على أنه ينبغي المبالغة بالإسرار حتى يُسمِع الإنسان نفسه فحسب. ولو قال: "واذكروا ربكم في أنفسكم" لتوهَّم أنه لا بأس بأن يرفع صوته قليلاً بحيث يُسمِع أصحابَه.
وإنما جاز لهم بعد هذا أن يكلِّم أحدهم صاحبه إلى جنبه لأنَّ المقصود من كلام بعضهم بعضًا لا يحصل إلاَّ بهذا؛ بخلاف القراءة والذكر والدعاء.
ومما يشهد لهذا المعنى أثر ابن عباس المتقدِّم (1): أنه كان يقول في هذه {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} ... إلخ.
وهذا هو السرُّ في ذكره الآية الثانية. فقوله فيه: "وقرأ أصحابه وراءه فخلَّطوا عليه" أراد قرؤوا رافعين أصواتهم؛ فتدبَّر!
ومثله قول محمَّد بن كعب (2): "كانوا يتلقَّفون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذا
__________
(1) في "تفسير الطبري" (10/ 664). وقد سبق ذكره.
(2) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (978 - تفسير). وسبق ذكره.
(18/87)

قرأ شيئًا قرؤوا معه".
وعليه يحمل ما قاله ابن قدامة في "المغني" (1)؛ حيث قال: "وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإِمام فنزلت". هذا إن صحَّ عنهما. وكذا ما تقدَّم عن ابن مسعود (2): "كنَّا يسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة" إلخ.
فأما ما تقدَّم عن أبي هريرة (3) قال: "نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة"؛ فظاهر.
وأما ما مرَّ عنه من قوله (4): كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ}، والآية الأخرى أُمِروا بالإنصات؛ فمراده بالإنصات هو ما حملناه عليه في الآية. ويدلُّ على هذا قوله: "والآية الأخرى"، وقد علمت أنَّ الآية الأخرى قرينة ظاهرة على ذلك.
ونحوه قول ابن مغفَّل (5).
فأما قول قتادة (6): "كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم
__________
(1) (2/ 261).
(2) سبق تخريجه.
(3) في "تفسير الطبري" (10/ 660) و"سنن الدارقطني" (1/ 326).
(4) أي قول أبي هريرة في "تفسير الطبري" (10/ 659) والبيهقي (2/ 155).
(5) في "تفسير ابن أبي حاتم" (5/ 1646).
(6) في "تفسير الطبري" (10/ 662).
(18/88)

صليتم؟ كم بقي" إلخ. وقوله (1): "كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرِضت عليهم". وقول معاوية بن قرَّة (2): "كان الناس يتكلَّمون في الصلاة" = فالمراد بذلك كلِّه السؤال والكلام جهرًا، وهو الذي منعتهم منه هذه الآية، وبقي الكلام مسارَّةً مباحًا لهم حتى نزلت آية القنوت.
ولذلك قال زيد (3): "فيكلِّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة"؛ وهذا ظاهر في المسارَّة.
فأما ما مرَّ عن مجاهد (4): كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: وذكر الآية = فإن صحَّ فيحتمل أن يكون النبي صلَّى الله عليه [ص 53] وآله وسلَّم لما سمع ذلك الفتى يرفع صوته تلا الآية بعد السلام؛ تنبيهًا لذلك الفتى بأنَّ الآية منعت المأموم عن رفع الصوت؛ فسمعه بعض صغار الصحابة، فظنَّ أنَّ الآية إنما نزلت حينئذٍ.
ولهذا نظائر في أسباب النزول. ومن يجيز تعدد نزول الآية الواحدة يجيء احتماله هنا، والله أعلم.
وهكذا ما تقدَّم عن الزهري (5)؛ إن صحَّ.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (6): "وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف
__________
(1) في المصدر السابق (10/ 661).
(2) في "السنن الكبرى" (2/ 155).
(3) عند البخاري (1200) ومسلم (539).
(4) في "السنن الكبرى" (2/ 155).
(5) في "تفسير الطبري" (10/ 659، 662).
(6) (ص 119).
(18/89)

الإِمام أعاد الصلاة".
وأخرج ابن جرير (1) عن يُسَير بن جابر قال: صلَّى ابن مسعود فسمع ناسًا يقرؤون مع الإِمام؛ فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} كما أمركم الله.
يحتمل أنه إنما أنكر عليهم رفع أصواتهم حتى سمعهم، والرفع مخالف للآية كما علمت.
وأخرج (2) أيضًا من طرقٍ عن مجاهد وغيره في هذه الآية قالوا: في الصلاة.
وهذا مجملٌ، ليس فيه مخالفة لما اخترناه، والله أعلم. على أنَّ مذهب مجاهد أنَّ من لم يقرأ خلف الإِمام يعيد الصلاة؛ ذكره البخاري في "جزء القراءة" (3)؛ كما مرَّ.
وأخرج (4) عن الزهري أنَّ المأمومين يقرؤون فيما أسرَّ به الإِمام، ولا يقرؤون فيما جهر به سرًّا ولا علانيةً, وتلا الآية.
وهذا مذهب الزهري، معروفٌ عنه، وقد وهم في حمل الآية عليه، والله المستعان.
__________
(1) "تفسيره" (10/ 659).
(2) (10/ 660، 661).
(3) (ص 119).
(4) أي ابن جرير في "تفسيره" (10/ 664).
(18/90)

ويحتجُّ من يرى أنَّ الإنصات في الآية السكوت للاستماع بأنه الحقيقة، وبحديث: "إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتمَّ به"، وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا". يقول: لا يحتمل تأويل قوله: "فأنصِتوا" بأنَّ المراد فأَسِرُّوا؛ لأنَّ حكم المأموم الإسرار مطلقًا؛ فكيف يقيَّده بقوله: "وإذا قرأ"؟ وإذا ثبت أنَّ المراد في الحديث حقيقة الإنصات دلَّ هذا على أنَّ الإنصات في الآية على حقيقته؛ لأنَّ الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك إشارة إلى الآية.
والجواب عن الأول: أننا قد قدَّمنا بيان القرائن والأدلة الصارفة عن الحقيقة.
وعن الثاني: بأنَّ الحديث مختلف في صحَّته؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وعلى القول بصحَّته فإن قلنا: إنه إشارة إلى الآية فذلك قرينة على أنَّ المراد بالإنصات: الإسرار، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا قرأ" [ص 54] لأنه موضع الحاجة؛ لأنه لما قال لهم: "إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا" احتمل أن يفهموا من ذلك: "وإذا جهر بالقراءة فاجهروا"؛ فاحتيج إلى إزالة هذا الوهم.
فإن قيل: فإنَّ الإِمام يجهر بالتكبيرات، فإذا أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالقراءة أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالتكبيرات.
قلت: لكن احتمال الوهم في التكبيرات دون احتماله في القراءة؛ لأنه لا يخفى أن جهْرَ الإِمام بالتكبيرات إنما هو للإعلام بالانتقالات؛ ولهذا يجهر الإِمام بها دائمًا، والمأموم لا يحتاج إلى أن يُعلِم غيره.
(18/91)

فأما القراءة فليس المقصود بالجهر بها الإعلام، واحتمال أن يكون المقصود بالجهر بها إسماعَ المقتدين يدفعه أنَّ المنفرد يجهر أيضًا، وأنهم قد علموا أنَّ المؤتمَّ يقرأ أيضًا.
ولا يدفع هذا الوهم أن الآية قد سبق نزولها بالأمر بالإنصات؛ لاحتمال أن يتوهَّموا أنَّ قوله: "إنما جعل الإِمام ليؤتمَّ به" تخصيص للآية بالنسبة إلى القراءة.
مع أنَّ مثل هذا وارد على المخالف؛ إذ يقال له: إذا كان الإنصات في الآية ينافي القراءة سرًّا فلماذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ وهلاَّ اكتفى بالآية؟ وجوابه: بأنه زاده تنبيهًا على الدليل، وتأكيدًا له. وهكذا نقول مع زيادة دفع الإيهام.
وكأني بك لا يطمئنُّ قلبك إلى هذا التأويل؛ ولكنك إذا تأملت ما تقدَّم، وعلمت أنَّ الآية مكية اتفاقًا، وأنَّ تحريم الكلام في الصلاة إنما كان بالمدينة علمت الاحتياج إلى التأويل.
وقد فُتِحَ عليَّ بمعنًى آخر لعلَّه أقرب من الأول؛ وهو أن يقال: الإنصات على ظاهره، والآية إنما منعت من الكلام حال قراءة الإِمام جهرًا، وبقي الكلام مباحًا في غير ذلك من الحالات، كحال قراءته سرًّا، وحال الركوع والسجود وغير ذلك؛ حتى حرم ذلك بالمدينة.
وعلى هذا فيقال: الأمر بالإنصات يعمُّ الإنصات عن كلام الناس، وعن القراءة، وعن الذكر.
ولكن دلَّ قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} إلخ على اختصاص النهي بكلام الناس، وأما ذكر الله تعالى بقرآن أو غيره فلم ينه عنه، ولكن أمر
(18/92)

بالإسرار به.
فإن قلت: هذا أقرب لإبقائه اللفظ على حقيقته؛ ولكن بقي فيه شيءٌ من حيث المعنى، وهو أنَّ الاستماع والإنصات إنما فائدته تفهُّم ما يقرأه الإِمام وتدبُّره، وهذه الفائدة تزول بالاشتغال بالذكر ولو سرًّا.
قلت: أما زوالها ففيه نظر؛ فقد يقرأ الإنسان سرًّا وهو مع ذلك يفهم قراءة غيره في الجملة. نعم إذا لم يشتغل بالقراءة كان فهمه لكلام غيره أتمَّ.
ولكن قد يقال: دلَّ قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أنَّ تفهُّم قراءة الإِمام إنما أمر به من يريد الاشتغال عنه بكلام الناس. فأما من يريد الاشتغال عنه بقراءة أو ذكر فلا؛ لأنه قد حصل له ما هو أتمُّ من الاستماع.
ويؤكِّد هذا أن تفهُّم قراءة الإِمام لم يقل أحدٌ بوجوبه، حتى لو اشتغل المأموم بالتفكر في شيء من أمر معاشه لم يقل أحدٌ بأنه آثم. ومع هذا فنحن نَقْصُر الذكر المأمور به على الذكر الواجب، وهو قراءة الفاتحة، وأنت خبير أن تحصيل الواجب أولى من تحصيل المستحب.
هذا مع أن أدلة وجوب الفاتحة تساعد على التخصيص الذي ذكرنا، بل تعيِّنه. وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى.
هذا تحقيق الكلام في معنى الآية؛ مع التقيُّد بما نُقل عن السلف. فأما إذا صرفنا النظر عما نقل عنهم فسقوط الاحتجاج بها أوضح، ودونك البيان:
قال في "الكشَّاف" (1): "وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند
__________
(1) (2/ 111) ط. دار المعرفة.
(18/93)

نزوله فاستمعوا له".
وكذا قال أبو السعود، ثم قال: "والآية إما من تمام القول المأمور به أو استئناف من جهته تعالى؛ فقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} على الأول عطف على {قُلْ} ". (ج 1 ص 546) (1).
[ص 55] وحاصل ذلك أنَّ الآية من جملة ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله للكفار الذين يطلبون، الذين تقدَّم أنه إذا لم يأتهم النبي بآية قالوا: {لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}. فالخطاب بقوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} للكفَّار.
وقد أوضح ذلك في "روح المعاني" (2) قال: "وقال بعضهم: إنَّ الخطاب فيها للكفَّار؛ وذلك أنَّ كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلاَّ بشرط مخصوص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا؛ ليقفوا على معانيه ومزاياه، فيعترفوا بإعجازه، ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات. وأيَّد هذا بقوله سبحانه وتعالى في آخر الآية: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}؛ بناء على أن ذلك للترجي، وهو إنما يناسب حال الكفار، لا حال المؤمنين؛ الذين حصل لهم الرحمة جزمًا في قوله تعالى: {وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وأجيب بأنَّ هذه الرحمة المرجُوَّة غير تلك الرحمة، ولئن سُلِّم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب، فلم يبق فرق".
__________
(1) "إرشاد العقل السليم" (3/ 310) ط. دار الفكر.
(2) (9/ 153).
(18/94)

وقال بعد ذلك بأسطر (1): "والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به، ويحتمل أن تكون استئنافًا من جهته تعالى".
أقول: أما "لعلَّ" فقد قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] فقيل: إنها للترجية؛ أي: اذهبا على رجائكما. وقيل: للتعليل. فهكذا يقال في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}؛ أي راجين أن تُرحَموا، أو لكي تُرحَموا.
فإن قيل: وهل تُرْجَى الرحمة للكفار بمجرَّد استماعهم وإنصاتهم؟
قلت: يُرجى من استماعهم وإنصاتهم أن يؤمنوا؛ فإذا آمنوا رُحِموا.
وفي الآية إشارة إلى قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
ونظيرها في إحالتهم على القرآن إذا طلبوا آية معجزةً قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50، 51].
وفي هذه الآية ذكر الرحمة، وقال أكثر المفسِّرين إنَّ المعنيَّ بقوله {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: لقومٍ مُوطِّنين أنفسَهم على الإيمان إذا تبيَّن لهم الحق؛ بخلاف المعاندين.
__________
(1) (9/ 154).
(18/95)

أقول: والظاهر أنَّ يقال في آية الأعراف مثل ذلك.
ومن نظائر الآية قوله سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: 133].
[ص 56] وقوله تبارك اسمه: {... فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ... لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 5 - 10].
أقول: وتفسير الآية على هذا القول هكذا:
{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ} أي المشركين؛ وهذا متفق عليه، {بِآيَةٍ} بمعجزةٍ؛ كما رُوِيَ عن ابن عباس والجبَّائي وأبي مسلم؛ على ما في "روح المعاني" (1)، ويشهد له الآيات المتقدِّمة.
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37].
وقوله سبحانه: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7].
وقوله عزَّ وجلَّ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27].
وقوله تبارك وتعالى: {وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ
__________
(1) (9/ 149).
(18/96)

إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 20].
{قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} اصطفيتها واخترتها واقترحتها على ربِّك.
أخرج ابن جرير (1) عن ابن عباس: قوله: {لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} يقول: لولا تقبلتها من الله. وعن قتادة: لولا تلقَّيتها من ربِّك.
وقال آخرون: لولا اخترعتها؛ وأيَّدوه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} [الأعراف: 203]، وهو مناسبٌ للأول؛ أي: ليس لي أن أقترح على ربَّي، وإنما عليَّ أن أتَّبع ما يوحيه إليَّ (2).
ثم علم أنهم سيقولون: فهلَّا أنزلها ربُّك بدون طلبك؟ كما تقدَّم نحو ذلك في الآيات التي تلوناها. فأجيبوا عن ذلك بقوله تعالى: {هَذَا} أي القرآن، {بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: كفى به آيةً لمن كان موطِّنًا نفسه على أن يتَّبع الحق إذا ظهر له.
ثم علِمَ الله تعالى أنهم سيقولون: فما بالنا لم يحصل لنا ذلك؟ ولا نسلِّم أننا معاندون؛ فقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: أنَّ السبب في كون ذلك لم يحصل لكم هو عنادكم؛ والدليل [ص 57] على عنادكم قولكم: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]. فاستمعوا له وأنصتوا، فلا تَلْغَوا, ولا تأمروا باللغو؛ فإن فعلتم
__________
(1) في "تفسيره" (10/ 656).
(2) في الأصل: "إليه".
(18/97)

ذلك رُجِيَ أن يحصل لكم البصائر والهدى والرحمة. واقتصر على الرحمة لدلالتها على الباقي، مع أنها المقصود الأعظم للإنسان.
ولا مانع من تسليم ما تقدَّم عن "روح المعاني"؛ من أنَّ الإطماع من الكريم واجبٌ؛ فإنَّ الإطماع في الآية مشروط بالاستماع والإنصات.
ولنا أنَّ نقول: لو استمعوا وأنصتوا لهداهم الله تعالى للإيمان؛ فتحصل لهم الرحمة قطعًا. قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 68، 69].
والكافر إذا استمع للقرآن وأنصت إليه، راغبًا في العلم به أهو حق أم لا، مصمَّمًا على أنه إذا عرف أنه الحق اتبعه، موطَّنًا نفسه على ذلك، منشرحًا صدره مطمئنًا قلبه، لا يجد في نفسه عداوةً لما يتبيَّن له أنه الحق = فهو مجاهدٌ في الله بلا ريب.
وبهذا تنحلُّ المعضلة المشهورة في الكافر إذا اجتهد في طلب الحق، وبذل وُسعَه في ذلك، راغبًا في معرفته، مُحِبًّا له، عازمًا على اتباعه إذا ظهر له، ولكنه لم يظهر له حقَّيَّة الإِسلام = أيكون ناجيًا لأنَّ الله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أم لا؟
حُكي الإجماع على أنه لا ينجو، وخالف فيه بعض أهل العلم. وآية المجاهدة تدلُّ أنَّ مثل هذا لا يوجد؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة هداه الله تعالى للإسلام، ولله الحمد.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} قيدًا لما قبله، أي
(18/98)

استمعوا للقرآن وأنصتوا له، راجين أن يهديكم الله تعالى للحق فيرحمكم، أي أنه لا يكفيكم الاستماع والإنصات بدون توطين النفوس على الرضا بالحق إذا تبيَّن، والله أعلم.
ولما علم الله تعالى أن نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - قد يفهم مما تقدَّم، ومِن أمْرِ الله تعالى له في آيات كثيرة بالتبليغ أنَّ عليه أن يجهر بالقراءة دائمًا، ويؤكّد هذا عنده - صلى الله عليه وسلم - شدَّةُ حرصه على إيمان قومه = لما علم الله تعالى ذلك [ص 58] نبَّه رسوله على أنه لا يلزمه ذلك؛ فقال سبحانه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}، وقوله سبحانه: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}؛ أي: ولا يحمِلْك حرصُك على إيمان قومك واشتغالك بدعوتهم على أن تغفل عن مناجاة ربك وذكره، وتلاوة كتابه، وإن لم يكن هناك من يسمع. ولا يحزنْك إعراضُ الكفار وإصرارهم على كفرهم واستكبارهم عن عبادة ربهم؛ فإنهم لا يضرُّون الله تعالى شيئًا. وقد وكَّل بعبادته من لا يعلم عددَهم غيرُه من جنوده: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206].
ولا يخفى أنه على هذا التفسير لا يكون في آية الإنصات ما يتعلَّق بقراءة المأموم في الصلاة، والله أعلم.
قال الشارح: (ويشهد لهذا المعنى - يعني أنَّ الآية نزلت في الصلاة أو لعمومها شاملة للصلاة - ما رواه أحمد ومسلم (1) عن أبي موسى قال: علَّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قمتم إلى الصلاة فلْيؤمَّكم أحدُكم، وإذا قرأ الإمام
__________
(1) "المسند" (19723) و"صحيح مسلم" (404).
(18/99)

فأنصتوا".
وما رواه الخمسة (1) سوى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا").
أقول: إذا حُمِلت الآية على المعنى الثاني فلا حاجة للجواب عن هذا؛ لأنها في وادٍ والحديث في وادٍ، والاتفاق في بعض اللفظ لا يستلزم الاتفاق في المعنى.
وإذا حملت على المعنى الأول تمسُّكًا بأقوال السلف، واعتصامًا بآثارهم فقد مرَّ الجواب.
ولنبحث عن صحَّة هذا الحديث، ونسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.
أما حديث أبي موسى فمداره على قتادة، ورواه عنه أبو عوانة وهشام ومعمر وهمَّام والحجَّاج بن الحجَّاج وغيرهم بدون تلك الزيادة، ورواه عنه سليمان التيمي بها (2). فمال مسلمٌ (3) إلى إثباتها؛ فإنه ذكرها وقال لمن كلَّمه فيها: "تريد أحفظ من سليمان! ".
وفي "الجوهر النقي" (4) عن "علل الخلاَّل": أنَّ الإِمام أحمد قال: "من قال أخطأ التيمي فقد بَهَتَ التيمي".
__________
(1) "المسند" (9438) وأبو داود (604) والنسائي (2/ 141، 142) وابن ماجه (846).
(2) انظر "علل الدارقطني" (7/ 252 - 254).
(3) عقب الحديث رقم (404).
(4) (2/ 155).
(18/100)

وقال أبو داود في "السنن" (1): وقوله: "فأنصتوا" ليس بمحفوظ؛ لم يجيء بها إلاَّ سليمان التيمي في هذا الحديث.
وقال الدارقطني (2): هذه اللفظة [ص 59] لم يتابَع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفَّاظ فلم يذكروها.
قال: وإجماعهم على مخالفته يدلُّ على وهمه.
وقال الحافظ أبو علي النيسابوري (3): خالف جرير عن التيمي أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي وهمَّام ... ورواه سالم بن نوح عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر عن قتادة؛ فأخطأ فيه.
ذكر هذا كلَّه البيهقي في "سننه" (4)، ثم ذكر رواية سالم بن نوح من طريق الدارقطني، وذكر قول الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.
اعترضه صاحب "الجوهر النقي" (5) فقال: "سالم هذا وإن قال الدارقطني: ليس بالقوي، فقد أخرج له مسلمٌ وابن خزيمة وابن حبان ... ".
أقول: لم ينفرد الدارقطني بتوهين سالم؛ فقد قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وقال النسائي:
__________
(1) عقب الحديث رقم (973).
(2) انظر "العلل" (7/ 252 - 254) و"سنن الدارقطني" (1/ 331).
(3) كما نقل عنه البيهقي في "السنن" (2/ 156).
(4) في الموضع المذكور.
(5) (2/ 155).
(18/101)

ليس بالقوي، وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، وأحاديثه محتملة متقاربة (1).
ومع هذا فسالمٌ يرويه عن ابن أبي عروبة وعمر بن عامر، فأما ابن أبي عروبة فإنه ثقة، ولكنه اختلط بأخرة، ولا يُدرى متى سمع منه سالم، إن كان سمع. ثم هو - أعني ابن أبي عروبة - مدلس، فلا يُؤمَن أن يكون سمع الحديث من قتادة بدون هذه الزيادة كما أخرجه مسلمٌ، ثم سمع التيمي يذكر الحديث بتلك الزيادة؛ فسمعه منه بها ودلَّسه. وعمر بن عامر مختلفٌ فيه؛ ضعَّفه النسائي وغيره، وقوَّاه آخرون (2).
فانحصر الأمر في زيادة التيمي، وهي زيادة ثقة على جماعة، والمشهور قبولها. وخالف في ذلك قومٌ؛ منهم ابن خزيمة.
وقال السخاوي في "فتح المغيث" (3) في فصل تعارض الوصل والإرسال: "فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدَّمي الفن - كابن مهديًّ والقطَّان وأحمد والبخاري - عدمُ اطراد حكم كلِّي؛ بل ذلك دائرٌ مع الترجيح. فتارة يترجَّح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجَّح عدد الذوات على الصفات، وتارةً العكس. ومن تتبَّع أحكامهم الجزئية تبيَّن له ذلك ... مع أنَّ الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ... هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة.
__________
(1) يراجع "تهذيب التهذيب" (3/ 443).
(2) انظر المصدر السابق (7/ 467).
(3) (1/ 203, 204) ط. الهند.
(18/102)

وسبقَه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة: العلائيُّ، ومِن قبله ابن دقيق العيد وغيرهما".
أقول: ومثل ذلك يقال في الزيادة والنقصان؛ فإنَّ الوصل زيادة، والإرسال نقصان.
[ص 60] وهذا هو الذي يظهر من صنيع المتقدِّمين؛ أنَّ العبرة عندهم بالترجيح؛ فتارةً تترجَّح الزيادة، وإن كان الذين لم يذكروها أكثر، وتارةً بالعكس. وذلك منوطٌ بنظر المجتهد الماهر في الفنِّ؛ فقد يقوم لديه من القرائن ما يجهله من ليس في درجته؛ بل ربَّما صعب على المجتهد التعبير عن تلك القرائن؛ كما ذكروه في المعلَّل.
إذا تقرَّر هذا فقد اختلف الحفَّاظ في هذه الزيادة؛ زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا". فالذي أختاره التوقُّف عن قبولها وردَّها، والله الموفق.
ثم رأيت في "جزء القراءة" (1) للبخاري، في الكلام على هذه الزيادة: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". يعني: وسليمان وقتادة يدلِّسان.
أقول: ولكن سليمان صرَّح بالتحديث في رواية ابنه المعتمر عنه، عند أبي داود (2).
فأما قتادة فلم أقف على تصريحه بالتحديث؛ فإن كان صرَّح في بعض الروايات الخالية عن هذه الزيادة لم يكف ذلك؛ لأنه يحتمل أن يسمع
__________
(1) (ص 413).
(2) رقم (973).
(18/103)

الراوي الحديث من الشيخ ثم يسمعه من آخر عنه. فلعلَّ قتادة سمع الحديث من أبي غلاب بدون الزيادة، وسمعه من آخر عنه بالزيادة؛ فرواه مرَّةً بهذه الزيادة عن أبي غلاب؛ يريد: حدثني رجل عن أبي غلاب؛ كما عُرِفَ في التدليس.
فإن قيل: فإنَّ ذِكْر مسلم له في "صحيحه" (1)، وقد قالوا: إنَّ ما كان في "الصحيحين" من عنعة المدلَّسين محمول على السماع (2).
قلت: قد ناقش في ذلك ابن دقيق العيد وغيره، ومن قال بذلك يخصُّه بغير المتابعات والشواهد.
وبعدُ، فلا حاجة لتفصيل ذلك، بعد أن طعن إمام الفن البخاري في هذه الزيادة بتهمة التدليس، والله أعلم.
وقد وقعت هذه الزيادة بعينها في حديث أبي هريرة كما ذكره الشارح؛ فرواه أبو داود (3) من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.
قال أبو داود: "زاد "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال أبو داود: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد".
أقول: أبو خالد قال فيه ابن معين: صدوق، وليس بحجَّة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أُتيَ من سوء حفظه؛ فيغلط ويخطئ، وهو
__________
(1) رقم (404). وخبر "إنّ" مفهوم مما يأتي.
(2) "تدريب الراوي" (1/ 230).
(3) رقم (604).
(18/104)

في الأصل كما قال ابن معين: صدوق وليس بحجَّة. وقال أبو بكر البزَّار في كتاب "السنن": ليس ممن يلزم بزيادته حجة؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يتابع عليها (1).
ولكن قد تابع أبا خالد محمدُ بن سعد الأنصاري الأشهلي عند النسائي (2)، والأشهلي ثقة.
وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان - هو الغنوي - عند البيهقي (3). ولكن إسماعيل متفق على تركه؛ رماه ابن معين وابن حبان بوضع الحديث، وقال أحمد: روى أحاديث موضوعة، وقال أبو داود: كان كذَّابًا (4).
وتابعه أبو سعد محمَّد بن ميسَّر الصاغاني عند الدارقطني (5)، وقال: ضعيف.
فالعمدة على متابعة الأنصاري.
وقد روى البيهقي (6) عن الحاكم عن الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان "إذا قرأ فأنصتوا": ليس بشيءٍ.
وعن أحمد بن محمَّد بن الحارث عن أبي الشيخ عن ابن أبي حاتم
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (4/ 181، 182).
(2) (2/ 142).
(3) في "السنن الكبرى" (2/ 156).
(4) "تهذيب التهذيب" (1/ 271).
(5) في "السنن" (1/ 330).
(6) في "السنن الكبرى" (2/ 156، 157).
(18/105)

قال: سمعت أبي، وذكر هذا الحديث؛ فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة؛ هي من تخاليط ابن عجلان (1).
قلت: ابن عجلان ثقةٌ عندهم؛ ولكن حكى عنه القطَّان حكايةً (2) تدلُّ على سوء حفظه في الجملة، وعلى تدليس.
وفي "الميزان" (3): قال الحاكم: أخرج له مسلمٌ في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد، وقد تكلَّم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه.
وقال الذهبي (4): وقد روى عن أنس؛ فما أدري هل شافه أنسًا، أو دلَّس عنه.
[ص 61] وذكره الحافظ ابن حجر في "طبقات المدلِّسين" (5) في الطبقة الثالثة في من أكثر من التدليس؛ فلم يحتجَّ الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرَّحوا فيه بالسماع. وقال: وصفه ابنُ حبان بالتدليس.
وذكر البيهقي (6) أنَّ خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء الرازي تابعا ابن عجلان، وهذا لا يفيد؛ فإنهما هالكان. ولعلَّ ابن عجلان دلَّس الحديث عن أحدهما أو غيرهما.
__________
(1) المصدر السابق.
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 342).
(3) (3/ 644).
(4) في "الميزان" (3/ 647). وقال في "السير" (6/ 318): "قيل إنه روى عن أنس بن مالك، وذلك ممكن إن صح".
(5) (ص 149 - 150).
(6) في "السنن الكبرى" (2/ 157).
(18/106)

فالراجح ردّ هذه الزيادة.
فأما مسلمٌ - رحمه الله - فإنه وقع في بعض نُسَخ "صحيحه" زيادة زادها الراوي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، بعد ذكر حديث التيمي (1).
وحاصلها: أنَّ أبا بكر بن [أخت] أبي النضر تكلَّم في زيادة التيمي؛ فقال له مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فسأله عن حديث أبي هريرة - يعني بزيادة ابن عجلان - فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا؟ يعني في "الصحيح"؛ فقال: ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
أقول: فهذه مذاكرة، والعالم لا يحتاط في المذاكرة احتياطه في التصنيف ونحوه، ومع ذلك فقوله: "إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" مشكلٌ.
وقد ذكر النووي في مقدمة "شرح مسلم" (2) أنَّ ابن الصلاح أجاب عنه بجوابين، ثم قال ابن الصلاح: "ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها ومتنها لصحتها عنده، وفي ذلك ذهولٌ منه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استُدرِكت وعُلِّلت".
أقول: وعبارة مسلم المذكورة تدلُّ أنَّ هذه الزيادة عنده أنزلُ درجةً من كل ما ذكره في "الصحيح"؛ حتى على سبيل المتابعة والشواهد، وهذا كما ترى.
__________
(1) رقم (404/ 63).
(2) (1/ 16). وانظر "صيانة صحيح مسلم" (ص 13).
(18/107)

وعلى كل حال فالراجح ردُّ هذه الزيادة، والله أعلم.
ثم اعلم أنَّ حديث أبي هريرة في "الصحيح" (1) من طرقٍ بدون هذه الزيادة، وفي "الصحيح" أيضًا من حديث عائشة (2) وأنس (3) وجابر (4) نحو حديثه بدون هذه الزيادة، وفي حديث هؤلاء ما حاصله أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكى؛ فصلَّى جالسًا فصلُّوا خلفه، فأشار إليهم أن يقعدوا، فلمَّا سلَّم قال: فذكروا الحديث.
وبيَّن أنس سبب الشكوى، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - سقط عن فرس؛ فجُحِشَ شِقُّه الأيمن.
قال في "الفتح" (5): وأفاد ابن حبان أنَّ هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.
وإذا صحَّ هذا فأبو هريرة لم يشهد القصة؛ لأنه إنما أسلم سنة سبع، وإنما سمعها من غيره من الصحابة المتقدمين؛ كما يقع مثل ذلك كثيرًا. ولم يصرَّح أبو هريرة بالسماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إذا تقرَّر هذا فلو صحَّت تلك الزيادة وصحَّت دلالتها على نهي المأموم عن القراءة مطلقًا، أو في الجهرية فقط، لأمكن أن يقال: هي منسوخة
__________
(1) البخاري (722، 734) ومسلم (414).
(2) البخاري (688، 1113، 1236) ومسلم (412).
(3) البخاري (689، 732 ومواضع أخرى) ومسلم (411).
(4) مسلم (413).
(5) (2/ 178). وانظر "صحيح ابن حبان" (5/ 492).
(18/108)

بأحاديث إيجاب الفاتحة [ص 62]؛ فإنَّ منها ما يُعلم أنه متأخر عن هذا التأريخ؛ كما تقدَّم في المسألة الأولى.
وأما حديث أبي موسى فهو متأخر عن هذا التاريخ حتمًا؛ لأنه إنما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام خيبر، وقد صرَّح في حديثه بقوله (1): "إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا؛ فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا؛ فقال ... " الحديث.
فإن صحَّت تلك الزيادة فيه فالإنصات عند أهل اللغة قد يطلق على ترك الجهر؛ كما تقدَّم عن الواحدي مع شواهده.
نعم، الظاهر أنَّه بهذا الإطلاق مجاز ولكن قد قدمنا بيان القرينة الدالة عليه في الآية، فلنا: أن نقول بأنه في الحديث- إن صحَّ - مجاز، جمعًا بينه وبين أدلَّة وجوب الفاتحة. ومثل هذا الجمع أولى من النسخ.
ولنا أن نسلِّم أنه على حقيقته؛ وهي السكوت لأجل الاستماع، ثم نقول: السكوت الذي تضمنه الإنصاف عبارة عن ترك الكلام. فقوله: "أنصتوا" في قوة قولنا: "اتركوا الكلام لكي تسمعوا". والكلام في هذا عام، قراءة الفاتحة فردٌ من أفراده، وحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاص، وقد عضدَه عمومات كثيرة وما قدمناه عن الصحابة رضي الله عنهم؛ فوجب العمل به.
على أنه لو لم يصحَّ حديث مكحول لوجب أيضًا تخصيص الكلام الذي نُهِي عنه في قوله: {وَأَنْصِتُوا} بتلك العمومات الكثيرة؛ لأنَّ تخصيص عموم دليل أولى من تخصيص عموم دليلين، وتخصيص عموم
__________
(1) "صحيح مسلم" (404).
(18/109)

دليلين أولى من تخصيص عموم ثلاثة أدلة، وهكذا. ولأنَّ الأمر بالفاتحة مشدَّدٌ فيه بأنه لا صلاة إلاَّ بها، ونحو ذلك، والأمر بالإنصات غير مشدَّدٍ فيه للاتفاق أنه لو لم ينصت لم تبطل صلاته.
لا يقال: إنَّ لعموم الكلام المنهي عنه بالإنصات مرجحًا أيضًا؛ وهو أنه لم يخصَّص قبل هذا.
فإننا نقول: بل قد خُصَّص بحديث "الصحيحين" (1): "من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبِّح"، وأحاديث الفتح على الإمام.
مع أنَّنا نختار ما اختاره البخاري وجماعة من الشافعية أنَّ المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة لا يدرك الركعة وإن أدرك الإِمام راكعًا (2). وعلى هذا فتكون أحاديث إيجاب الفاتحة غير مخصَّصة إلاَّ بما هو في قوة الاستثناء المتصل كما قدَّمنا ذلك، وذلك لا يضر.
وهذا الكلام بعينه يجيء في تخصيص آية الإنصات؛ على تسليم أنَّ الانصات فيها على حقيقته، وأنها في أمر المأمومين بالإنصات للإمام، والله أعلم.
[ص 63] وأما حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقرآن؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني
__________
(1) البخاري (684، 1234) ومسلم (421) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(2) للمؤلف في هذا الموضوع رسالة ضمن هذه المجموعة.
(18/110)

أقول ما لي أُنازَع القرآن" (1).
وبُيِّن في روايةٍ (2): أنَّ تلك الصلاة كانت الصبح.
وفي بعض الروايات (3) زيادة: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وقد أخرج [ص 64] أبو داود (4) هذا الحديث عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب قال في آخره: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
ثم أخرجه (5) عن مسدَّد، وأحمد بن محمَّد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح عن سفيان عن الزهري؛ فذكره بدون هذه الزيادة. ثم قال: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس". وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: "وتكلَّم الزهري بكلمة لم أسمعها"؛ فقال معمر: "إنه قال: فانتهى الناس".
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) هي رواية أبي داود (827).
(3) في "الموطأ" (1/ 86) وغيره.
(4) رقم (826).
(5) أي أبو داود (827).
(18/111)

قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أُنازع القرآن". ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: "فاتعظ المسلمون بذلك؛ فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به - صلى الله عليه وسلم - ".
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
وأخرجه البخاري في "جزء القراءة" (1) عن عبد الله بن محمد عن الليث عن يونس عن ابن شهاب، وفيه: "قال: فانتهى الناس ... ".
قال البخاري (2): وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بيَّنه لي الحسن بن صبَّاح قال: حدثنا مبشِّر عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون ... وقال مالك: قال ربيعة للزهري: "إذا حدثتَ فبيِّنْ كلامك من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
ثم رواه (3) عن [أبي] الوليد عن الليث عن الزهري؛ فذكره بدون تلك الزيادة.
أقول: يبقى النظر في ما قاله ابن السرح، والظاهر أنه سمع سفيان يقول ما ذكره عبد الله بن محمد الزهري. ففهم من ذلك أنَّ تلك الزيادة من تمام الحديث، وخشي إن قال كما قال مسدَّد، أن يكون ظاهر ذلك أنَّ هذه الزيادة
__________
(1) (ص 227).
(2) (ص 230).
(3) (ص 231).
(18/112)

من قول معمر؛ فعبَّر عبارة صريحة بما فهمه، بناءً على جواز الرواية بالمعنى.
وفي صحَّة هذا الحديث كلام؛ قال البيهقي (1): "راويه ابن أُكيمة الليثي، وهو رجلٌ مجهولٌ لم يحدِّث إلاَّ بهذا الحديث وحده، ولم يحدِّث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أنْ رآه يحدِّث سعيد بن المسيِّب".
ثم أسند (2) عن الحميدي شيخ البخاري [ص 65] قال: "هذا حديث رواه رجل مجهول، ولم يرو عنه غيره قطُّ".
اعترضه صاحب "الجوهر" (3)؛ فقال: "أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (4)، وحسَّنه الترمذي (5)، وقال: اسمه عُمارة، ويقال: عمرو. وأخرجه أيضًا أبو داود (6)، ولم يتعرَّض له بشيءٍ، وذلك دليل على حسنه عنده؛ كما عُرِف.
وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أُكيمة مالك ومحمد بن عمرو، وقال ابن سعد (7): توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وسبعين.
__________
(1) "السنن الكبرى" (2/ 159).
(2) المصدر نفسه.
(3) "الجوهر النقي" (2/ 158).
(4) رقم (1849).
(5) عقب الحديث رقم (312).
(6) رقم (826).
(7) "الطبقات" (5/ 249).
(18/113)

وقال ابن أبي حاتم (1): سألت أبي عنه؛ فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول.
وقال ابن حبان في "صحيحه" (2) اسمه عَمْرو، هو وأخوه عُمر ثقتان.
وقال ابن معين (3): روى عنه محمد بن عمرو وغيره، وحسبك برواية ابنِ شهاب عنه.
وفي "التمهيد" (4): كان يحدَّث في مجلس سعيد بن المسيِّب؛ وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال ابن شهاب (5)، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته" (6).
قلت: وتتمة عبارة ابن سعد (7): روى عنه الزهري حديثًا واحدًا؛ ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو [شيخ] مجهول.
وفي "التهذيب" (8): وقال أبو بكر البزَّار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلاَّ الزهري.
__________
(1) "الجرح والتعديل" (6/ 362).
(2) (5/ 159).
(3) انظر "التمهيد" (11/ 22، 90).
(4) (11/ 22، 23).
(5) في الأصل تبعًا للجوهر النقي: "وتحديثه قال هو ابن شهاب" والتصويب من "التمهيد".
(6) إلى هنا انتهى النقل من "الجوهر النقي".
(7) في "الطبقات" (5/ 249).
(8) "تهذيب التهذيب" (7/ 411).
(18/114)

وقد حقَّق في "تهذيب التهذيب" (1) أنَّ الذي روى عنه الزهري اسمه عمارة بن أكيمة، ولم يرو عنه غير الزهري، وأما الذي روى عنه مالك ومحمد بن عمرو؛ فذاك حفيده عَمْرو بن مسلم بن عمارة.
أقول: والحق أنه وإن لم يرو عنه إلاَّ ابن شهاب؛ فإنَّ ذلك مع شهرة الرجل كافٍ في معرفته، رافع لجهالة عينه، وتبقى جهالة حاله.
وقد قال ابن معين: كفاك بقول الزهري: سمعت ابنَ أُكيمة يحدِّث سعيدَ بن المسيِّب.
وقال الدوري عن يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث مقبول؛ كذا في "تهذيب التهذيب" (2).
وقال صاحب "الجوهر" (3): "صحيح" بدل: "صالح".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (4)، وأخرج له في "صحيحه" (5)، وإن خبط في اسمه ونسبه، وزعم أنَّ حفيده أخوه. وحسَّن الترمذيُّ حديثَه.
ومنشأ ما قاله هؤلاء أمران:
الأول: أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلَّ ابن معين
__________
(1) في الموضع السابق.
(2) (7/ 410، 411).
(3) (2/ 158). وفي "الجرح والتعديل" (6/ 362) كما في "الجوهر النقي".
(4) (5/ 242).
(5) (5/ 159). قال: "اسم ابن أُكيمة: عمرو بن مسلم بن عمّار بن أُكيمة، وهما أخوان: عمرو بن مسلم وعمر بن مسلم". وهذا خطأ لم يوافقه عليه أحد.
(18/115)

بهذا على أنه كان مقبولاً عند ابن المسيِّب.
فأما رواية الدوري فيردُّ عليها أنَّ ابن معين كان يظنُّ أنَّ هذا الرجل - أعني ابن أُكيمة - هو وحفيده واحد؛ ولذلك قال: "روى عنه محمد بن عمرو وغيره". ويحتمل أنه إنما عرف الثقة في الذي روى عنه محمد بن عمرو، وظنَّه شيخ الزهري. وهذا الاحتمال مانع من العمل بتوثيقه.
الثاني: أنهم لم يستنكروا حديثه، وهذا الأمر هو حاصل عبارة أبي حاتم، وعمدة ابن حبَّان؛ فإنه يوثِّق المجهول الذي يروي عن ثقة، ويروي عنه ثقة؛ إذا كان حديثه غير منكر، ويُخرِّج له في "صحيحه". وأما الترمذي فإنه متساهلٌ في التحسين؛ حتى قال الذهبي في تصحيحه وتحسينه ما قال.
[ص 66] فأما الأمر الأول فالمنصف يعلم أنَّ مثله لا يكفي في التوثيق؛ فقد يكون ابن المسيِّب يجهل حال هذا الرجل، ورأى أنَّ حديثه يمكن أن يكون صحيحًا بالتأويل الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنعه تواضعه وكرم أخلاقه أن يستقبل ابن أكيمة بما يكره مع احتمال صحَّة حديثه.
وقد وقع لغير ابن أكيمة كما وقع له فلم يُعدَّ ذلك توثيقًا؛ فقد روى الزهري عن أبي الأحوص مولى بني ليث عن أبي أيوب وأبي ذر وغيرهما. وقال الزهري في بعض الروايات الصحيحة عنه: سمعت أبا الأحوص مولى بني ليث في مجلس ابن المسيَّب، ومع ذلك قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.
فقال ابن عبد البر (1): قد تناقض ابن معين، وذكر قوله في ابن أكيمة؛
__________
(1) كما في "تهذيب التهذيب" (12/ 5).
(18/116)

قال: فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص.
أقول: ليس هذا اللزوم بأولى من عكسه؛ بل العكس أولى، وهو أنه يلزمه أن يقول في ابن أكيمة مثل قوله في أبي الأحوص، والله أعلم.
وأما الأمر الثاني فالاستناد إليه في التوثيق ضعيف جدًا؛ فإنَّ الضعيف والكذَّاب قد يروي حديثًا ليس بمنكر. فإذا لم يروِ الرجل إلاَّ حديثًا واحدًا، وكان غير منكر؛ فأنَّى يُعلَمُ بذلك أنه ثقة؟
على أنَّ الأفهام تختلف في الحكم بالنُّكْرة، وقد لا يستنكر العالم الحديث؛ لأنه ينزِّله على معنى معروف، فيصحِّحه بناءً على ذلك؛ فيجيء من يتمسَّك بالحديث وينزِّله على معنى آخر.
[ص 67] وإن حكمنا بتوثيق ابن أكيمة فقد علمتَ أنَّ زيادة "فانتهى الناس" إلخ مدرج من قول الزهري؛ فلا يبقى إلاَّ سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، وقول أحدهم: نعم، أنا يا رسول الله، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن".
فقوله - صلى الله عليه وسلم -:"هل قرأ ... " إلخ، صريح في أنهم لم يكونوا قبل ذلك مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها؛ إذ لو كانوا مأمورين لما كان للسؤال وجهٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم لا يذرون ما هو واجبٌ عليهم.
ويؤيِّد هذا قوله: "أحدٌ"، فإنه ظاهرٌ أنهم لم يكونوا مأمورين؛ بل ظاهر أنهم كانوا منهيين عن القراءة التي سألهم عنها. ولهذا علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا يقرؤون تلك القراءة، وإنما ظنَّ أنَّ بعضهم لم يبلغه النهي أو نسي.
ويؤكِّد ذلك أنه لم يجبه إلاَّ رجلٌ واحدٌ، قال: نعم، أنا يا رسول الله.
(18/117)

ويزيده وضوحًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن"؛ فإنَّ هذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20].
ولا يخفى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أنَّ القراءة معه تقتضي المنازعة، فلو كان يعلم أنهم مأمورون بالقراءة لعلم أنهم قرأوا، وأن المنازعة حصلت بسبب قراءتهم؛ فكيف يتعجَّب.
فقد بان أنَّ القراءة التي حصلت بها المنازعة وسألهم عنها قراءة لم يكونوا مأمورين بها قبل ذلك.
وقد زعم الشارح أنَّ الاستفهام الأول للإنكار، وقد يقول هو أو غيره في الثاني - أعني قوله: {مَا لِيَ} - إنه للإنكار أيضًا.
وهذا مدفوع؛ أما في الأول فلأنه إخراج للاستفهام عن حقيقته بدون حجة، ولأنه لو كان إنكاريًّا لما أجابه أحدهم بقوله: نعم، أنا يا رسول الله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.
وأما الثاني فلأنَّ قوله: "وأنا أقول" يدفع احتمال الإنكار؛ لأنَّ ظاهره: وأنا أقول حال المنازعة في نفسي، وذلك ظاهرٌ في التعجُّب.
وهبْ أنَّ الاستفهامين للإنكار فلا بد من القول بأنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري على ضربين.
الأول: الإبطالي، وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام غير واقع، وأنَّ مدَّعيه كاذبٌ.
(18/118)

والضرب الثاني: التوبيخي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقعٌ، وأنَّ فاعله ملومٌ [ص 68]، قاله ابن هشام في "المغني" (1) وغيره. وهو معلومٌ من تتبُّع موارد إلاستفهام الإنكاري في الكتاب والسنة وكلام العرب.
والضرب الأول لا معنى لادعائه هنا؛ فلم يبقَ إلاَّ الضرب الثاني، ولا ريب أنهم لو كانوا مأمورين بتلك القراءة التي أوجبت المنازعة لما استحقُّوا أن يوبّخوا عليها. بل إذا طرأ النسخ حينئذٍ يقول لهم - صلى الله عليه وسلم -: "كنت أمرتكم فلا تفعلوا" أو نحو ذلك؛ كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (2).
فتبيَّن أنه على تقدير الاستفهام إنكاريًّا يلزم من ذلك أنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة.
إذا تقرَّر هذا فهناك احتمالان:
أحدهما: أن يكون المراد بالقراءة في قوله: "هل قرأ" ما يصدق بالفاتحة، ويكونوا لم يؤمروا بقراءة الفاتحة معه إذا جهر أصلاً، أو يكونوا قد أُمِروا أولاً، ثم نُهوا عنها قبل هذه الواقعة.
الثاني: أن يكون المراد بالقراءة غير الفاتحة.
قد يرجَّح الاحتمال الأول بأنَّ ظاهر السؤال الإطلاق، ويرد بأنَّ الصرف عن مثل هذا الظاهر متعيِّنٌ إذا كانت هناك قرينةٌ.
فإن قيل: وما القرينة؟
__________
(1) (1/ 11, 12).
(2) أخرجه مسلم (1977) من حديث بريدة.
(18/119)

قلت: ما قدَّمناه من الأدلة على وجوب الفاتحة على المأموم وإن جهر إمامُه. فإذا كان الصحابة عالمين بأنَّ الفاتحة واجبة عليهم، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم لا يَدَعونها، ثم سمعوه يسألهم ذلك السؤال ويتعجَّب ذلك التعجُّب؛ فإنهم يفهمون أنه لا يريد الفاتحة، وإنما يريد قراءة لم يكونوا مأمورين بها.
فإن قيل: قد يجوز أن يكون قد سبق قبل هذه الواقعة نصٌّ يخصِّص الأدلة العامة وينسخ الخاصة.
قلت: مجرَّد احتمال؛ مع أنَّ من النصوص الخاصة قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} كما تقدَّم، والقرآن لا يُنسخ بخبر الواحد الصريح؛ فضلاً عن مجرَّد الاحتمال. لعلك لا تسلم دلالة الآية فلا حرج، ولكن عموم الأدلة العامة لا تستطيع إنكاره، وتخصيص تلك الأدلة المتضافرة بمجرَّد هذا الاحتمال لا يسوغ.
فإن قلت: لكن هذا الاحتمال يؤيده إطلاق اللفظ.
قلت: إنما يلزمنا التشدُّد في المحافظة على ظاهر اللفظ إذا كان من القواعد التشريعية العامة؛ كقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله: "كل صلاة لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج"، ونحو ذلك. فأما ما كان محاورة مع المخاطبين مثل هذا السؤال فلا.
وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كله حقٌ؛ ولكن النصوص التشريعية العامة يُحتاط لها ما لا يُحتاط للمحاورات الخاصة. [ص 69] فإنه - صلى الله عليه وسلم - يعتمد في هذه على القرائن التي يعلمها المخاطب، وإن لم يكن في ظاهر اللفظ دلالةٌ عليها.
(18/120)

فإن قيل: الظنُّ بالراوي أنه لو كانت هناك قرينة لبيَّنها.
قلت: والظنُّ به أنه لو لم تكن قرينة لما خالف ظاهر اللفظ. وقد ثبت في "صحيح مسلم" (1) وغيره عن أبي هريرة أنه كان يفتي بوجوب القراءة على المأموم وإن جهر الإِمام، ومع ذلك فلعلَّه اتكل على الأدلة المتضافرة في وجوب الفاتحة فرأى أنها تغني عن القرينة.
فإن قيل: الأصل عدم القرينة.
قلت: والأصل عدم التخصيص والنسخ.
هذا، وقد عُلم من القصة أنه لم يقرأ تلك القراءة في تلك الواقعة إلاَّ رجلٌ واحد؛ فما ظنك بالصحابة رضي الله عنهم بعد هذه الواقعة؛ أظنك تجزم بأنه لا يعود لتلك القراءة أحدٌ منهم، فاسمع الآن:
ثبت عن جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يقرؤون ويفتون بالقراءة بعد الإِمام في الجهرية بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). منهم: أبو هريرة راوي القصة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" عبادة بن الصامت؛ شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد، وهو أحد النقباء.
وعن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم- القراءة خلف الإِمام مطلقًا. منهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمّ المؤمنين عائشة، وسيِّد
__________
(1) رقم (395) و (396).
(2) سيأتي ذكر مصادر هذه الآثار مجتمعةً بعد صفحتين.
(18/121)

المسلمين أُبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.
وعن جماعةٍ منهم القراءة خلف الإِمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك. منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد لله بن الزبير، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص.
واختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والقانت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء.
وجاء عن زيد بن ثابت وحده أنه قال: "لا قراءة مع الإِمام في شيءٍ" ولم يُنقل عنه خلاف ذلك، وقد يحتمل أنه أراد قراءة ما عدا الفاتحة.
وقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام؛ جهر أو لم يجهر. وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.
قلت: وقد روي عن ابن عمر القراءة؛ فهي ممن اختلفت عنه الرواية، وقد يحتمل أنه أراد: لا يقرأ زيادة على الفاتحة. وكذا يحتمل ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء.
فأما ما صحَّ عن جابر من قوله: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلَّ، إلاَّ وراء الإِمام"؛ فقد يجوز أن يكون أراد بالاستثناء المسبوق فقط. وهذا الحمل خلاف الظاهر؛ ولكن يجوز ارتكابه جمعًا بين ما ثبت عنهم وعن غيرهم، وتوفيقًا بين قولهم وبين ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(18/122)

وقال البخاري (1): "وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقْرأُ خلف الإِمام؟ [ص 70]، قال: نعم، وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا".
انظر أسانيد هذه الآثار في "جزء القراءة" للبخاري (2) و"سنن الدارقطني" (3) و"السنن الكبرى" للبيهقي (4).
فقل لي الآن: أتراهم كانوا قد لهوا عن قراءة الفاتحة خلف الإِمام إذا جهر قبل واقعة حديث ابن أُكَيمة؛ فامتثلوا حتى لم يقرأ في تلك الصلاة إلاَّ رجل واحدٌ، ثم أكَّد النهي في ذلك الحديث، ثم خالفوه كما رأيت؟
فإن جوَّزتَ ذلك عليهم فبأيٍّ عقلٍ تمنع أن يسكت أحدهم عن بيان القرينة الصارفة، اتكالًا على ما تكاثر وتضافر من الأدلة على ما يخالف ذلك الظاهر الضعيف، وعلى ما عُرِفَ من مذهبه ومذهب غيره؟
ولعلَّه ذكر القرينة ولكن أهملها ابن أُكيمة ذلك الرجل الذي لم يحدِّث إلاَّ بهذا الحديث الواحد، ولم يُعرف من عدالته أكثر من كونه حدَّث في مجلس سعيد بن المسيِّب، وهذا إن دلَّ على عدالته بعد اللتيا والتي لا يدلُّ على ضبطه.
__________
(1) في "جزء القراءة" (ص 428).
(2) (ص 115 وما بعدها، وص 147 وما بعدها).
(3) (1/ 317 وما بعدها). وانظر "مسائل الكوسج" (9/ 4637) و"مسائل حرب" (ص 131).
(4) (2/ 167 وما بعدها). وانظر أيضًا "المصنّف" لابن أبي شيبة (1/ 373 وما بعدها) "والقراءة خلف الإِمام" للبيهقي (ص 90 وما بعدها).
(18/123)

أبمثل هذا تُنْطَح جبال الأدلة، وتُرْجَم أركانُ الملَّة؟ هيهات، هيهات!
ونقل الحازمي في "الاعتبار" (1) عن الحميدي كلامًا ذكر فيه أنَّ حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة - يعني على فرض صحَّته - منسوخ بحديث عبادة؛ لأنَّ فتوى أبي هريرة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجوب القراءة خلف الإِمام ولو جهر دليلٌ على تقدُّم حديثه على حديث عبادة.
أقول: ويؤيده عمل عبادة، وفتواه طبق حديثه، وكذا جمهور الصحابة رضي الله عنهم كما تقدَّم.
وقد زعم الشارح أنه يبعد أن يكون حديث عبادة متأخرًا؛ لأنَّ فيه أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة وغيرها هذًّا؛ فكيف يُظنُّ بهم أن يفعلوا ذلك بعد حديث ابن أكيمة.
والجواب: بأنَّهم قد بَقُوا يقرؤون الفاتحة ويأمرون بها ولو في الجهرية بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم أبو هريرة نفسه. فإذا وقع ذلك منهم بالفعل، وأنت تجوِّز أن يكون حديث ابن أكيمة متأخرًا مطلقًا لم يُنسخ؛ فكيف تستبعد أن يقع من بعضهم مثل ذلك؟
ومع هذا فالأولى ما قدَّمناه، ويظهر منه أنَّ حديث عبادة متقدِّم؛ فلما سمعوه انتهوا عن قراءة غير الفاتحة وحافظوا على الفاتحة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة: "لا تفعلوا - أي لا تقرؤوا فيما جهرت به - إلاَّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، ثم في واقعة حديث ابن أكيمة قرأوا كلهم الفاتحة، وزاد أحدهم فقرأ غيرها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - السورةَ التي قرأها بعدها؛
__________
(1) (ص 73 - 75).
(18/124)

[ص 71] كأنَّ هذا الرجل لم يبلغه حديث عبادة أو غفل عنه؛ فأحسَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ينازع في السورة؛ فدلَّه ذلك على أنَّ رجلاً ممن بعده يقرأ معه السورة. كما وقع نظير ذلك في حديث عمران بن حصين في "صحيح مسلم" (1): صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: "أيكم قرأ خلفي بسبِّح اسم ربِّك الأعلى؟ "؛ فقال رجلٌ: أنا، ولم أُرِدْ بها إلاَّ الخير، قال: "قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها". ولكنه - صلى الله عليه وسلم - في واقعة حديث ابن أكيمة استبعد أن يقرأ معه أحدٌ السورة وهو يجهر بها بعد أن نهاهم عن ذلك في واقعة حديث عبادة؛ فلهذا تعجَّب من المنازعة.
وإنما نصَّ في حديث عمران على عين السورة؛ لأنَّ الصلاة كانت سريَّة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بسبِّح اسم ربِّك الأعلى سرًّا، ولم يسمعوه، فلو اكتفى بقوله: "أيكم قرأ معي؟ " لم يعلموا المقصود؛ لأنَّ كلاً منهم قرأ بالفاتحة وغيرها؛ فاحتاج أن ينصَّ لهم على نفس السورة التي قرأها، واستدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعضهم قرأها معه.
وأما في واقعة ابن أكيمة فكانت الصلاة جهرية؛ قد علموا السورة التي قرأ بها نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الفاتحة، فاكتفى بقوله: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا"؟ فعلموا أنه لا يسألهم عن الفاتحة لما تقدَّم، وأنه إنما يسألهم عن قراءة السورة التي قرأ بها؛ فأجابه الذي قرأ: نعم، أنا يا رسول الله.
وإنما قلت: إن ذلك القارئ قرأ السورة التي قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - عينها؛ لأمرين:
__________
(1) رقم (398).
(18/125)

الأول: حديث عمران؛ فإنه يدلُّ أنَّ المنازعة لم تكن تحصل إلاَّ إذا قرأ المأموم السورة التي قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفاتحة. إذ لو كانت تحصل بمطلق القراءة بعد الفاتحة، لما استدلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمخالجة إلاَّ على أنَّ بعض من خلفه قرأ سورة ما بعد الفاتحة؛ فلما نصَّ على السورة علمنا أنَّ المنازعة إنما كانت تحصل إذا قرأ المأموم السورة التي قرأ بها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خالجنيها" ظاهرٌ في ذلك.
الثاني: قوله في حديث ابن أُكيمة: "قرأ معي"، فإنك إذا قلتَ: قرأت سورة كذا، وقرأ معي فلانٌ كان الظاهر أنه قرأ معك تلك السورة التي قرأتهَا.
وبما قدَّمناه تتفق الأدلة، ونَسْلَم من سوء الظن بالصحابة، ومن دعوى النسخ [ص 72] ونحوه؛ فإنَّ أحاديث الزيادة على الفاتحة لم تصحَّ كما تقدَّم، وإنما عُلمت الزيادة من فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان يقرأ الفاتحة، ويزيد عليها إمامًا أو منفردًا. فكأنَّ أصحابه رضي الله عنهم قاسوا المأموم على الإِمام والمنفرد؛ فكانوا يقرؤون زيادة على الفاتحة خلفه - صلى الله عليه وسلم -، فأقرَّهم على ذلك في السريَّة؛ كما في حديث عمران.
فقد روى البخاري في "جزء القراءة" (1) حديث عمران، من طريق شعبة عن قتادة، وزاد: "قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهانا عنه".
وسيأتي ما يؤيده إن شاء الله تعالى.
وبيَّن لهم بطلان ذلك القياس فيما جهر به، وذلك في حديث عبادة.
__________
(1) (ص 214).
(18/126)

ووجه ذلك - والله أعلم - أنه قياسٌ مع الفارق؛ فإنَّ قراءة المأموم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يجهر به تُخِلُّ باستماع قراءته - صلى الله عليه وسلم -، وتوجب منازعته في قراءته؛ بخلاف قراءة الإِمام والمنفرد؛ فافترقا. فأما في السريّة فإنه لا إخلال بالاستماع، ولا تحصل المنازعة إلاَّ نادرًا بدون تعمُّدٍ من المأموم لقراءة السورة التي يقرأ بها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يسمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يمكن منه تعمُّد قراءة تلك السورة، فإن اتفق ذلك فبلا عمدٍ.
ولهذا - والله أعلم - عبَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمخالجة، وفي حديث عبادة بالمنازعة، والمخالجة أخفُّ من المنازعة.
وإنما أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عمران ليعلموا تلك المعجزة.
فعُلِمَ أنَّ قراءة الصحابة رضي الله عنهم زيادةً على الفاتحة في الجهرية خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في واقعة حديث عبادة إنما كان اجتهادًا منهم أخطأوا فيه. فنهيه - صلى الله عليه وسلم - ليس بنسخ ولا تخصيص، وإنما هو بيان لخطأ القياس، وليس فيما ذكر سوء ظنٍّ بالصحابة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك اجتهادًا، والمجتهد إذا أخطأ كان معذورًا مأجورًا.
ثم لما نهاهم انتهوا عن قراءة غير الفاتحة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر به؛ حتى كانت واقعة ابن أكيمة؛ ففعل ذلك رجل منهم كأنه لم يبلغه حديث عبادة؛ فاجتهد كما اجتهدوا أولًا؛ فبيَّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة: "إني أراكم تقرؤون" إن كانت الرواية بفتح همزة "أراكم" فمعناه: أعلمكم. أو بضمها؛ فمعناه: أظنكم. وكلاهما محتملٌ من حيث المعنى.
(18/127)

أما كونه - صلى الله عليه وسلم - علم أنهم يقرؤون؛ فلأنه يعلم أنهم يعلمون أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم [ص 73]، وأنهم لا يذرونها. ودلَّته المنازعة على أنهم قرأوا معه غيرها، ولم يستبعد ذلك؛ لأنهم لم يكونوا قد نهوا عن ذلك.
وعلم أنهم قاسوا المأموم في الجهرية على الإِمام والمنفرد والمأموم في السرية.
وما جاء في بعض الروايات من زيادة: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن" في حديث عبادة محمول - إن صحَّ - على أنه - صلى الله عليه وسلم - استبعد أولاً أن يقرأوا معه غير الفاتحة، ولم يأمرهم بذلك، ثم تبيَّن له أنهم قاسوا كما ذكرنا.
وأما كونه ظنَّ أنهم قرأوا معه ظنًّا فقط، فكأنَّ ثِقلَ القراءة لم يكن دليلًا كافيًا للعلم بقراءتهم معه غير الفاتحة؛ كأنه كان قد يحصل بسبب ذلك، وقد يحصل لسبب آخر.
وعلى هذا فلا تكون الفاتحة داخلة في قوله: "إني أراكم تقرأون"، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "فلا تفعلوا إلاَّ بأمَّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلاَّ بها" فاستثناها احتياطًا لئلا يتوهموا دخولها في النهي، وقال: "فإنه لا صلاة إلا بها" تنبيهًا على الفرق بينها وبين غيرها.
فأما حديث ابن أكيمة فليس فيه نهيٌ صريح يُتوهَّم دخول الفاتحة فيه حتى يُحتاج إلى الاستثناء.
وقد علموا بحديث عبادة أنه لا يصحُّ قياسها على غيرها، وظهر من سكوتهم عن الجواب - إلاَّ ذلك الرجل الواحد - أنهم فهموا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سألهم عن قراءة غير الفاتحة معه؛ فعلم - صلى الله عليه وسلم - أنهم إذا فهموا نهيًا يعلمون
(18/128)

أنه متوجِّهٌ إلى ذلك فقط، والله أعلم.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ حديث عبادة وحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة كلاهما حكاية عن قصة واحدة؛ لأنَّ في كل منهما أنَّ الصلاة كانت صلاة الصبح، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم عن القراءة معه، وأنَّ بعضهم أجاب بنعم، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن".
وزاد عبادة قوله - صلى الله عليه وسلم - "فلا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلاَّ بها". وكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا فلم يسمع هذه الكلمة إلاَّ أنه قد علم بها؛ فساق الحديث سياقًا يفهم منه النهي عن غيرها دونها، بمعونة الأدلة الأخرى، وبما عُرِفَ من مذهبه.
وهذا محتمل، ولكن يبعده اختلاف السؤال والجواب. فالذي يظهر أنهما واقعتان، وقد علمت أنَّ حديث ابن أكيمة موافقٌ لحديث عبادة وغيره من الأدلة الثابتة بلا نسخ ولا تخصيص ولا خروج عن الظاهر بغير حجة، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.
[ص 74] وأما حديث أبي إسحاق السبيعي (1) عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته = فالسبيعي على جلالته مشهورٌ بالتدليس؛ وصفه بذلك شعبة وابن المديني وأبو جعفر الطبري وحسين الكرابيسي وابن حبان وغيرهم. قال ابن المديني في "العلل" (2): قال شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن الحارث بن الأزمع بحديث؛
__________
(1) سبق تخريجه (ص 77)، ومن هنا يبدأ الكلام عليه عند المؤلف.
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 66).
(18/129)

فقلت له: سمعت منه؟ فقال: حدثني به مجالد عن الشعبي عنه.
ومما يبيِّن ضعف هذا الحديث ما في الصحيحين (1) وغيرهما عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: بلى، ثَقُلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فذكرت الحديثَ إلى أن قالت: ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفَّةً، فخرج بين رجلين أحدهما العبَّاس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلِّى بالناس. فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتأخر. قال: أَجْلِساني إلى جنبه؛ فأجلَساه إلى جنب أبي بكر، الحديث.
قال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أَعرِض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هات؛ فعرضتُ عليه حديثها؛ فما أنكر منه شيئًا؛ غير أنه قال: أسمَّتْ لك الرجل الذي كان مع العبَّاس؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وصلاة الظهر سريَّةٌ فأنى يعلم كيف قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
وفي "مسند أحمد" (ج 1 ص 234) (2): ثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة عن الحسن - يعني العُرَني - قال: قال ابن عباس: "ما ندري أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؛ ولكنا نقرأ".
وأخرج نحوه من طرق أخرى (3).
__________
(1) البخاري (687) ومسلم (418).
(2) رقم (2085).
(3) برقم (2246، 2332).
(18/130)

وقد يحتمل أن تكون الواقعة المذكورة في حديث أبي إسحاق السبيعي غير الواقعة الثابتة في "الصحيحين"؛ ولكن حديثه لم يصحَّ حتى تتكلَّف له الاحتمالات.
ومع هذا فليس في الحديث نفي الفاتحة، فقد يجوز أن تكون الصلاة جهرية، ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل في الصلاة قرأ الفاتحة في نفسه ولم يجهر بها؛ لأنَّ الإِمام قبله قد جهر بها، ثم أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - في قراءة السورة من حيث وقف أبو بكر.
ولم يذكر ابن عباس قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - الفاتحة؛ [ص 75] لأنه لم يسمعه يقرأها. ولا يستبعد هذا؛ فقد صحَّ عن ابن عباس أنه سئل: هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، فقيل: فلعلَّه كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمشا؛ إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عبدًا مأمورًا، بلَّغ ما أُمِر به، الحديث. "مسند أحمد" (ج 1 ص 249) (1).
بقي ما نُقِلَ عن الإِمام أحمد رحمه الله؛ فأما قوله: "ما سمعنا أحدًا من أهل الإِسلام يقول: إنَّ الإِمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه"؛ يعني: إذا لم يقرأ. ثم قال: "هذا النبي وأصحابه والتابعون".
فيقال له: يغفر الله لك أبا عبد الله؛ أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد تقدَّمت نصوصه العامة والخاصة القاضية بأنَّ هذا الرجل لا صلاة له، ولا تجزئه صلاته، وأن صلاته كالخِدْج الذي تُلقِيه الناقة ميتًا مستقذرًا لا حياة له، ولا ينتفع به في شيء، إلى غير ذلك.
__________
(1) رقم (2238).
(18/131)

وأما أصحابه والتابعون فقد رووا أحاديثه وأفتوا بها، ولا داعي لاتهامهم بأنهم حملوها على غير ما تقتضيه. فإن صحَّ عن بعضهم ما يخالفها فقد صحَّ عن جمهورهم ما يوافقها.
وإذا كانت الأدلة تقتضي بطلان صلاة من لم يقرأ الفاتحة وإن جهر إمامه، وقد رواها الصحابة رضي الله عنهم، واحتجُّوا بها على وجوب الفاتحة في هذه الصورة وغيرها، وأمروا بقراءة الفاتحة في هذه الصورة وغيرها = فقد ظهر من ذلك أنهم كانوا يرون بطلان من لم يقرأ بها، وإن جهر إمامه، وهذا كافٍ في إثبات ذلك؛ فمن ادعى خلافه فعليه البيان.
وفي حديث عبادة (1) أنه قرأ الفاتحة خلف الإِمام في الجهرية، ثم احتجَّ بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقراءتها خلف الإِمام في الجهرية، وقال: لا صلاة إلاَّ بها.
وحكى البخاري في "جزء القراءة" (2) عن علي ابن المديني أنه لم يُجِز إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام من الصحابة إلا من كان لا يرى القراءة خلف الإمام.
فيؤخذ من هذا أنَّ الذين كانوا يرون قراءة الفاتحة خلف الإِمام كانوا يرون أنها لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد تقدَّم ذكر بعضهم.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (3): "وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أُحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) (ص 269، 270).
(3) (ص 117، 119).
(18/132)

الإِمام وإن جهر. وكانت عائشة رضي الله عنها تأمر بالقراءة خلف الإِمام ... وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإِمام أعاد الصلاة. وكذلك قال عبد الله بن الزبير".
وذكر ممن كان يرى القراءة خلف الإِمام وإن جهر من التابعين: القاسم بن محمد وأبا سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن هلال وعطاء بن أبي رباح.
وقد مرَّ قول البخاري: "ومن لا أحصي من التابعين وأهل العلم". وظاهر أنَّ من قال: يقرأ، يعترف بأنه داخل في النصوص العامة؛ وهي مقتضية للفرضية الموجبة أنَّ الصلاة لا تصحُّ إلاَّ بها.
وإن صحَّ عن بعضهم الأمر بالقراءة مع التصريح بأنه لو لم يقرأ أجزأته صلاته = لم يكن ذلك مسوِّغًا للجزم بأنَّ القائلين بالقراءة كلهم يقولون بذلك؛ [ص 76] لأنَّ ذلك خلاف الظاهر.
فأما مالك والأوزاعي وسفيان والليث فقد كان مع كل واحد منهم عدة من المجتهدين في بلده؛ فضلاً عن غيرها من أقطار المسلمين المتباعدة. فهل نقل عن كل عالم كان في ذلك العصر مثل ما نقل عن هؤلاء مما يخالف الأدلة العامة والخاصة التي تقدَّمت؟
وقد زاد ابن قدامة فادَّعى أنَّ ذلك إجماع.
وقد قال الإِمام أحمد نفسه: "ما يدَّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ؛ لعلَّ الناس اختلفوا، ما يُدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فلْيقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصمّ، ولكنه
(18/133)

يقول: لا نعلم الناسَ اختلفوا، ولم يبلغني ذلك". "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 33) (1).
وللشافعي رحمه الله تعالى كلام في معنى هذا، وفي إبطال ما يسمَّى الإجماع السكوتي، انظر "الأم" (ج 1 ص 134 - 135) (2).
وقد تتبعت ما جاء من الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم في الإجماع، ثم تأملت ما نقل عن الإمامين الشافعي وأحمد؛ فتحرَّر لي من ذلك كله: أنَّ الإجماع إنما يتحقَّق في الفرائض القطعية كفرضية الصلوات الخمس ونحوها. وأما ما عدا ذلك فإنما يحصل العالم منه على عدم العلم بمخالف.
وهذا في نصوص الصحابة ثم في نصوص الإمامين حجة اضطرارية؛ أي: أنه يكون حجة إذا لم يوجد من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله حجة. فإن ثبت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله حجة مخالفة له لم يلتفت إليه، ولكنه إذا وجدت من الكتاب والسنة نصوص كثيرة ظاهرة في معنى، متظافرة عليه، ثم لم نعلم أحدًا من السلف صرفها عن ذلك الظاهر = كان ذلك عاضدًا لتلك الظواهر؛ ربما يبلغه درجة القطع، حتى يكفر من يخالف ذلك، والله أعلم.
****
__________
(1) (1/ 30) ط. محمد محيي الدين عبد الحميد.
(2) ضمن "اختلاف الحديث" (10/ 109 - 113) ط. دار الوفاء.
(18/134)

ما يحتجُّ به من يقول بأنَّ المأموم لا يقرأ مطلقًا
احتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" [في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة]؛ بناءً على أنَّ الإنصات هو السكوت مطلقًا.
وبحديث ابن أُكيمة؛ بناءً على أنَّ ما يشعر به من النهي يعمُّ الجهرية والسرية؛ لأنَّ النهي متوجِّهٌ إلى ما سألهم عنه. وإنما قال في السؤال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ ". فقوله "آنفًا" أي: وأنا إمام وهو مأموم؛ فيؤخذ من هذا نهي المأموم أن يقرأ مع إمامه.
قالوا: ويؤيد هذا قوله: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن؟ "؛ فإنَّ هذا في قوة تعليل النهي بالمنازعة، والمنازعة تحصل بالقراءة خلفه في السرية؛ بدليل حديث عمران.
قالوا: وزيادة "فانتهى الناس ... إلخ" من كلام الزهري؛ كما قلتم.
واحتجُّوا بحديث أبي إسحاق السبيعي عن الأرقم بن شرحبيل؛ وعسى أن يقولوا: فإن تلك الصلاة [ص 77] هي الظهر؛ كما في "الصحيحين". ولعلَّ أبا بكر كان يعلم أنَّ السنة أن يبني الإِمام الثاني على قراءة الأول؛ فرفع صوته بالآية ليسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيبني على قراءته. ولعلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع صوته بالآية التي بعدها؛ ليعلم الناس السنة في ذلك، فسمعها ابن عباس أو بلغه ذلك.
واحتجُّوا بالإجماع الذي ادعاه ابن قدامة. قالوا: لأنه يدلُّ على نسخ فرضية الفاتحة؛ لأنَّ في حديث عبادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بقراءة الفاتحة خلفه إذا جهر؛ معلِّلًا ذلك بأنه لا صلاة إلاَّ بها. وقد دلَّ الإجماع على نسخ هذا الحكم؛ فدلَّ ذلك على زوال علَّته.
(18/135)

هذا توضيح استدلال الشارح بهذا الإجماع.
واحتجُّوا بسقوط الفاتحة عن المسبوق، قالوا: فسقوطها عنه يدلُّ على أنها ليست فرضًا عليه أصلاً؛ إذ لو كانت فرضًا عليه لما تحمَّلها عنه كما لا يتحمَّل عنه غيرها.
واحتجُّوا بما رواه الإِمام أبو حنيفة (1) - رحمه الله تعالى - عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبي صلَّى اله عليه وآله وسلَّم صلَّى ورجلٌ خلفه يقرأ؛ فجعل رجلٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلمَّا انصرف أقبل عليه الرجل؛ قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! فتنازعا، حتى ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من صلَّى خلف إمام فإنَّ قراءة الإِمام له قراءة".
وفي رواية عن أبي حنيفة (2) رحمه الله: أنَّ رجلاً قرأ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر أو العصر؛ فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني؟ الحديث.
قالوا: وقد تابع أبا حنيفة على وصله سفيان وشريك.
نقل ابن الهمام (3) عن "مسند أحمد بن منيع": أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن
__________
(1) أخرجه من طريقه الدارقطني (1/ 324، 325) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 159). وسيأتي الكلام على هذا الحديث عند المؤلف.
(2) أخرجها الدارقطني (1/ 325).
(3) في "فتح القدير" (1/ 338). وسيأتي كلام المؤلف عليه، وأن كونه موصولاً بهذا الإسناد خطأ.
(18/136)

جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
ثم قال: وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فذكره ولم يذكر جابرًا.
قالوا: وقد روى الإِمام أحمد في "مسنده" (1) عن أسود بن عامر، وروى عبد بن حميد في "مسنده" (2) عن أبي نعيم، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (3) عن مالك بن إسماعيل = ثلاثتهم عن الحسن بن صالح [ص 78] عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
قالوا: وقد صحَّ من رواية مالك (4) عن وهب بن كيسان عن جابر أنه قال: "من صلَّى ركعة لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فلم يصلِّ؛ إلاَّ وراء الإِمام".
قالوا: وقد رويَ هذا عن جابر مرفوعًا (5). قال البيهقي (6): وقد رفعه
__________
(1) رقم (14643).
(2) رقم (1050).
(3) (1/ 377). والحسن بن صالح لم يسمعه من أبي الزبير، بينهما فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. انظر طرق الحديث والكلام عليها في تعليق "المسند" (14643).
(4) في "الموطأ" (1/ 84).
(5) أخرجه الطحاوي (1/ 228) والدارقطني (1/ 327) والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (349) من طريق يحيى بن سلام عن مالك. قال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف.
(6) في "السنن الكبرى" (2/ 160).
(18/137)

يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك.
قال صاحب "الجوهر النقي" (1): "ذكر البيهقي في "الخلافيات" أنه روي عن إسماعيل بن موسى السدِّي أيضًا عن مالك مرفوعًا، وإسماعيل صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: احتمله الناس ورووا عنه، وإنما أنكروا عليه الغلو في التشيُّع".
وقال ابن أبي شيبة في "المصنف" (2): ثنا وكيع عن الضحاك بن عثمان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر قال: "لا يقرأ خلف الإمام".
قال في "الجوهر النقي" (3): وهذا أيضًا سند صحيح متصل على شرط مسلم.
قالوا: وهذا من قوله يشهد بصحة ما تقدَّم عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجواب:
أما آية الإنصات وزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، فقد تقدَّم الكلام عليها.
وقولهم إنَّ الإنصات عند أهل اللغة: السكوت مطلقًا غير صحيح، وإنما الإنصات: السكوت للاستماع. هذا هو المعروف في اللغة، ولهذا يقال: أنصَتَ له، وأنصَت إليه؛ كما يقال: استمع له واستمع إليه، ولا يقال: سكتَ له، ولا سكتَ إليه.
__________
(1) (2/ 160).
(2) (1/ 376).
(3) (2/ 161).
(18/138)

[ص 79] ويقرب من قولهم: أصغى إليه؛ لأنهم قد قالوا: أنصت للَّهو: إذا مال. ومن تتبَّع موارد هذه اللفظة، وكان له دُربة بالعربية وذوق فيها، لم يشكَّ أنَّ الإنصات هو السكوت لأجل الاستماع.
وأئمة اللغة منهم من أوضح ذلك، ومنهم من أطلق في بعض كلامه تفسير الإنصات بالسكوت، وبيَّن في موضع آخر من كلامه أنَّه السكوت للاستماع. وأهل اللغة كثيرًا ما يفعلون ذلك؛ يطلقون ما هو مقيد اعتمادًا على أنهم قد قيَّدوا في موضع آخر، أو اكتفاءً بأنَّ التقييد مشهور عند من يعرف اللغة، أو إشارةً إلى أنَّ الكلمة قد تُستعمل في ذلك المعنى بدون القيد مجازًا.
ونحن لا ننكر أنَّ الإنصات قد يستعمل في مطلق السكوت مجازًا، ولكن الأصل الحقيقة.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (1): "وقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ خلف الإمام. وقال أبو وائل عن ابن مسعود: "أنصِتْ للإمام". قال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر".
فأنت ترى ابن المبارك فهم من الإنصات أنه إنما يكون إذا جهر الإمام. وكلام السلف في ذلك كثير.
وقد جاء الإنصات في موضعين من القرآن؛ الأول: الآية المتقدِّمة. الثاني: قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29].
__________
(1) (ص 116).
(18/139)

وواضح أنَّ معناه في آية الأحقاف متضمِّنٌ للاستماع، وأما في الآية المتقدِّمة فقد قدَّمنا أننا إذا تقيَّدنا بتفسير السلف كان معنى قوله {وَأَنْصِتُوا}: ودَعُوا الجهر بالكلام لكي تستمعوا. وإن نظرنا إلى ظاهر القرآن رجَّحنا ما قاله بعض الخلف؛ فيكون المعنى عليه: واسكُتوا مستمعين.
فإن قيل: فلماذا قال: {وَأَنْصِتُوا} بعد أن قال: {فَاسْتَمِعُوا}؟
قلت: لأنَّ الاستماع لا يلزم منه إخفاء المستمع كلامه أو سكوته، وإن لزم من الكلام وقوع الخلل في الاستماع. وأنت ترى الناس عند حضورهم الخطب والقصص يتكلَّمون وهم يستمعون.
وإذا حملنا الآية على المعنى الثاني فيكون لذكرِ {وَأَنْصِتُوا} بعد {فَاسْتَمِعُوا} نكتةٌ أخرى؛ وهي الإشارة إلى قولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
فقوله: {فَاسْتَمِعُوا} في مقابل قولهم: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ}.
وقوله: {وَأَنْصِتُوا} في مقابل قولهم: {وَالْغَوْا فِيهِ}.
ولما كان معنى كلامهم: {وَالْغَوْا فِيهِ} لئلا تسمعوه ولا يسمعه غيركم = وجب أن يكون معنى: {وَأَنْصِتُوا}: واسكتوا لتسمعوه أنتم وغيركم.
[ص 81] (1) ولو فُرِض أن معنى الإنصات هو السكوت مطلقًا، وأنَّ تلك
__________
(1) ضرب المؤلف رحمه الله على صفحة (80) كلها.
(18/140)

الزيادة صحيحة، فيجب تخصيصها بحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة، مع ما اعتضد به من النصوص العامة.
وكذا آية الإنصات لو فرض أنَّ معناها أمر المأموم بالسكوت حين يقرأ إمامه، فإنَّ عمومها مخصَّصٌ اتفاقًا كما تقدَّم. فتُخصُّ منها قراءته سرًّا بدليل حديث عمران وشواهده. مع القياس أنَّ فائدة السكوت إنما هي الاستماع، ولا معنى لسكوت المأموم في السريَّة.
وتُخصُّ منها الفاتحة مطلقًا لحديث مكحول، مع ما اعتضد به من النصوص العامة في إيجاب الفاتحة، وعموم قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وغيرها من الآيات، التي تقتضي أنه لا يحسب للمأموم ما يصنعه إمامه، والله أعلم.
وأما حديث ابن أكيمة فقد مرَّ الكلام عليه، وقولهم إنه يعمُّ الجهرية والسريَّة خطأ؛ كما يأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.
[ص 82] ومرَّ الكلام أيضًا على حديث السبيعي، وعلى الإجماع الذي ادَّعاه ابن قدامة.
وأما استدلالهم بسقوط الفاتحة عن المسبوق، فالذي أختاره لنفسي ما اختاره جماعةٌ من أصحابنا الشافعية، واختاره الإِمام البخاري، ونقله هو وشيخه علي ابن المديني عن بعض الصحابة. بل قال (1): إنَّ كل من قال من الصحابة بأنَّ المأموم يقرأ الفاتحة قائل بأنه لا يدرك الركعة بدون قراءة
__________
(1) "جزء القراءة" (ص 269، 270).
(18/141)

الفاتحة، وقد تقدم أن القول بأن المأموم يقرأ الفاتحة هو قول جمهور الصحابة.
ولم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع، فإنَّ أقوى ما بأيديهم حديث الحسن عن أبي بكرة في ركوعه دون الصف. وهذا لفظه عند البخاري في "صحيحه" (1): عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكعٌ؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ".
ورواه أبو داود (2) وغيره بمعناه، ووقع للحافظ ابن حجر سهو في "نصب الراية" (3)، تبع فيه الزيلعي؛ فلا يُغترُّ به.
وليس في الحديث دلالة على إدراك الركعة؛ لأنه قد يكون الصحابي حَرَصَ على إدراك فضيلة الركوع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإنَّ من أدرك الإِمام في السجود مثلًا فسجد معه، كان له أجر ذلك وإن لم تحسب له الركعة، فكذا
__________
(1) رقم (783).
(2) رقم (683، 684). وأخرجه أيضًا أحمد (20405) والنسائي (2/ 118) والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 395) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 106) وغيرهم.
(3) يقصد "الدراية" (1/ 171) فقد طبع في الهند بهذا العنوان. وانظر "نصب الراية" للزيلعي (2/ 39). والسهو الذي أشار إليه المؤلف هو أن الزيلعي نقل هذا الحديث بسياق غريب طويل، وعزاه إلى البخاري في "الصحيح"، ولا وجود له فيه بهذا السياق. وتبعه الحافظ في "الدراية" في هذا الوهم، وهو مختصر "نصب الراية" مع زيادات.
(18/142)

إدراك الركوع تحصل به الفضيلة قطعًا. والحرص على إدراك الفضيلة لا يُنكر؛ بل لعله هذا هو الذي يقتضيه حسن الظن بالصحابي مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "زادك الله حرصًا"؛ فإنه لو حرص على إدراك الركع لأجل إدراك الركعة لكان في ذلك تهمة أنه إنما فعل ذلك لئلا تذهب أعماله بعد الركوع غير محسوبة له، ويلزمه بعد السلام ركعة تامة.
نعم ذكر الحافظ في "الفتح" (1) أنَّ في رواية الطبراني من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة: "فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيتُ أن تفوتني الركعة معك"؛ فيجب النظر في إسناده.
على أنَّ الحسن - على جلالته وإمامته - كان يدلِّس تدليسًا صعبًا. قال البزَّار (2): كان يتأول فيقول: "حدَّثنا وخَطَبنا"؛ يعني: قومه الذين حُدِّثوا وخُطِبوا بالبصرة.
وقال ابن حجر: في "طبقات المدلِّسين" (3): "كان مكثرًا من الحديث، وكان يرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره".
وفي "تهذيب التهذيب" (4) في ترجمة الحسن: "وقال ابن حبان: ... وكان يدلِّس".
__________
(1) (2/ 268).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 269).
(3) (ص 102).
(4) (2/ 270).
(18/143)

وفيه (1): قال: "قال ابن عون: قلت له: عَمَّن تُحَدِّث هذه الأحاديث؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا".
وفي ترجمته في "تهذيب التهذيب" (2) أيضًا: "ووقع في "سنن النسائي" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع عن أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته".
أقول: وقد روى عن أبي هريرة عدة أحاديث بالعنعنة، وهذا هو التدليس.
وقال في "الفتح" (3) في الكلام على هذا الحديث: "وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه. وردَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه، أخرجه أبو داود والنسائي".
قلت: الذي في "سنن أبي داود" (4): "أنَّ أبا بكرة حدَّث" بدون هاء، وهذه صيغة تدليس، ومع هذا فسعيد بن أبي عروبة مدلس أيضًا.
__________
(1) الموضع السابق.
(2) (2/ 269، 270). وفي "سنن النسائي" (6/ 168، 169): "لم أسمعه من غير أبي هريرة. قال أبو عبد الرحمن: لم يسمع من أبي هريرة شيئًا".
(3) (2/ 268).
(4) رقم (683).
(18/144)

وفي "مسند أحمد" (1) أحاديث من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ مصرَّحٌ فيها بسماعه من أبي بكرة.
والمبارك بن فضالة مختلف فيه، وأنكروا عليه رواياته عن الحسن ثنا عمران بن حصين، وثنا معقل.
قلت: فهذا من ذاك. وذكر جماعة أنَّ المبارك كان يدلِّس. وقال أبو داود: كان شديد التدليس.
وفي "المسند" (2): ثنا سفيان عن أبي موسى - ويقال له إسرائيل - قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة. وقال سفيان مرَّة: عن أبي بكرة؛ فذكر حديثًا.
قلت: فكأنَّ سفيان شكَّ، والله أعلم.
فإن قيل: فإنَّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في "صحيحه" (3)، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء؛ فلا يقبل إعلال الحديث بعدم اللقاء ولا بالتدليس؛ كما عرف.
قلت: أما ثبوت اللقاء فلعلَّه اعتمد ما تقدَّم. وأما التدليس فقد تقدَّم الكلام في هذا.
وعلى تسليمه فالبخاري لم يخرِّج تلك الزيادة التي نقلها ابن حجر عن الطبراني، ومن الجائز أن يكون الحسن سمع الحديث من أبي بكرة، بدون
__________
(1) بأرقام (20391، 20429، 20448، 20516).
(2) رقم (20392).
(3) رقم (783).
(18/145)

تلك الزيادة، وسمعها من غيره عنه بتلك الزيادة؛ [ص 83] كما تقدَّم عن البخاري في حديث قتادة عن أبي غلاب (1).
فإن قيل: هب الحسن دلَّسه فقد علم أنَّ الواسطة هو الأحنف، والأحنف ثقة.
قلت: لم يعلم في هذا الحديث بعينه أن الواسطة هو الأحنف، وإن كان الحسن قد حدَّث بأحاديث أخر عن الأحنف عن أبي بكرة. إذ لا يلزم من ذلك أنه لم يسمع غير الأحنف يحدِّث عن أبي بكرة.
وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم في قول الحسن "خطبنا ابن عباس بالبصرة": إنما أراد خطبَ أهل البصرة (2).
وقال ابن المديني: رُوِي عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أنَّ سراقة حدثهم، وهذا إسناد ينبو عنه القلب؛ أن يكون الحسن سمع من سراقة؛ إلاَّ أن يكون معنى "حدَّثهم": حدَّث الناسَ، فهذا أشبه.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثًا حدَّثه مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة. قال أبي: لم يعمل ربيعة شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا".
أقول: وربيعة ثقة؛ فالظاهر إن كان هذا الحديث غير حديث المختلعات الذي عند النسائي (3) أنَّ الحسن قال: حدثنا أبو هريرة؛ يريد حدَّث الناسَ أو
__________
(1) انظر "جزء القراءة" (ص 413).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 267). وفيه الأقوال الآتية.
(3) (6/ 168).
(18/146)

نحو ذلك، كعادته.
فإن قلت: فإنَّ الحافظ ابن حجر ذكر الحسن وابن أبي عروبة في الطبقة الثانية من طبقات المدلَّسين، وقد ترجم هذه الطبقة بقوله (1): "من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلاَّ عن ثقة؛ كابن عيينة". وعلى هذا فتُحتَمل عنعنة الحسن، وتُصحَّح، ويحتجُّ بها، ولا يلتفت إلى أنه كان يدلِّس، وكذا ابن أبي عروبة.
قلت: هذا مشكلٌ جدًّا، لا يتمشَّى على [ص 84] القواعد. وقد نصَّ الشافعي في "الرسالة" على أنَّ التدليس يثبت بمرَّة، وعبارته (2): "ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق؛ فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت".
وجلالة الرجل وإمامته إذا عُرِف بالتدليس لا تنافي أن يدلِّس رجلاً يُحْسِن الظنَّ به، وغيرُه يعرف أنه مجروح، وتُقوِّي التهمة بالتدليس؛ لأنَّ مما يبعث عليه أن يكون الشيخ غير مرضي عند الناس. ولو كانت جلالة الرجل وإمامته توجب اغتفار تدليسه لأوجبت اغتفار إرساله، وليس هذا مذهب أهل الحديث.
__________
(1) (ص 62).
(2) "الرسالة" (ص 379).
(18/147)

وقد عدَّ ابن حجر سليمان التيمي في الطبقة الثانية (1)؛ مع أنَّ البخاري طعن في زيادته في حديث قتادة عن أبي غلاب؛ بقوله: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". ذكره في "جزء القراءة" (2).
وقال البزَّار (3) في سعيد بن أبي عروبة: "يحدَّث عن جماعة لم يسمع منهم؛ فإذا قال: "سمعت وحدثنا" كان مأمونًا على ما قال".
مفهومه أنه ليس مأمونًا فيما عنعنه.
وقال فيه ابن عدي (4): "كان ثبتًا عن كل من روى عنه؛ إلاَّ من دلَّس عنهم".
فجعله غير ثبت إذا دلَّس.
وقد تأوَّل السخاويُّ في "فتح المغيث" كلامَ شيخه ابن حجر؛ فإنه ذكر عباراتهم في اغتفار عنعنة المدلِّس إذا وقعت في "الصحيحين"، ثم قال (5): "وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلَّى": أكثر العلماء أنَّ المعنعنات التي في "الصحيحين" منزَّلة منزلة السماع؛ يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلِّس إلاَّ عن ثقةٍ أو عن بعض
__________
(1) (ص 117).
(2) (ص 413).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 64).
(4) المصدر نفسه (4/ 66).
(5) (1/ 218, 219) ط. الهند.
(18/148)

شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض الحفَّاظ النقَّاد المحققين سماع المعنعن".
ثم قال بعد ذلك: "وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفةٍ منهم حيث جعل منهم قِسمًا احتمل الأئمةُ تدليسَه، وخرَّجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه كالثوري، يتنزَّل على هذا؛ لا سيَّما وقد جعل من هذا القسم: من كان لا يدلِّس إلاَّ عن ثقة كابن عيينة. وكلام الحاكم يساعده؛ فإنه قال: ومنهم جماعة من المحدثين المتقدِّمين والمتأخرين، مخرَّج حديثهم في الصحيح؛ لأنَّ المتبحِّر في هذا العلم يميِّز بين ما سمعوه وبين ما دلَّسوه".
فكلام السخاوي ينبِّهك على أنَّ اغتفار عنعنة تلك الطبقة مخصوص بأحاديثهم التي في "الصحيحين".
وكلام الحلبي والحاكم ظاهر في أنَّ الاغتفار إنما هو للظنِّ بأنَّ صاحب الصحيح اطَّلع على روايةٍ مصرَّحِ فيها بالسماع. أو يكون المعنعن لا يدلِّس إلاَّ عن ثقة؛ يعني: ثقة متفق عليه كما صرَّحوا به، وقد ذكر ابن حبَّان أنَّ هذا خاص بابن عيينة. أو على أنه كان لا يدلِّس إلاَّ عن بعض شيوخه، أي ولم يكن يدلِّس عن شيخه هذا. أو لوقوعها من جهة بعض الحفاظ النقاد؛ أي الذين صرَّحوا بأنهم لا يروون عن ذلك المدلِّس إلاَّ ما اطلعوا على أنه سمعه.
أقول: ومع هذا فقد ناقش ابن دقيق العيد وغيره في المسألة من أصلها كما ذكره السخاوي. وقد نُقِل عنه أنه قال (1): "هذه إحالة على جهالة،
__________
(1) نقله الحافظ عن ابن دقيق العيد في "النكت على ابن الصلاح" (2/ 635).
(18/149)

وإثبات أمر بمجرَّد الاحتمال".
أقول: وقد يجوز في بعض المواضع أنَّ صاحب الصحيح لم يطلع على أنَّ الشيخ كان يدلِّس.
والحاصل: قد يقال (1) اختصاص اغتفار عنعنة الحسن وابن أبي عروبة وأهل تلك الطبقة بما وقع في "الصحيحين"؛ فلا يدخل في ذلك ما وقع من عنعنتهم في غيرهما؛ كالسنن والمسانيد ومعاجم الطبراني، والله أعلم.
ولعلنا لو اطلعنا على إسناد الطبراني لهذا الحديث بتلك الزيادة لاستغنينا عن هذا التطويل (2).
ثم رأيت في "جزء القراء" (3) للبخاري: حدثنا محمد بن مرداس أبو عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاة الصبح، فسمع نَفَسًا شديدًا أو بُهْرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال لأبي بكرة: أنت صاحب هذا النَّفَس؟ قال: نعم، جعلني الله فداءك، خشيتُ أن تفوتني ركعةٌ معك، فاسرعتُ المشي؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبق".
وأظنُّ الطبراني إنما رواه من هذه الطريق (4).
__________
(1) تحتمل: يتبين.
(2) لم يصل إلينا مسند أبي بكرة من "المعجم الكبير".
(3) (ص 340).
(4) هو كذلك، فقد عزاه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 76) وقال: (فيه =
(18/150)

ومحمد بن مرداس مجهول؛ قاله أبو حاتم، ولا يدفع ذلك ذِكْرُ ابن حبان إياه في "الثقات" كما عرف (1).
وعبد الله بن عيسى (2)؛ قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن القطان: لا أعلم له موثقًا.
ثم إن الحسن كان يروي بالمعاني؛ كما قاله هشيم عن ابن عون؛ فلا يبعد أن لا يكون تثبت عنده تلك الزيادة بذلك اللفظ، ولكنه فهم من القصة ذلك المعنى؛ كما فهمه منها كثيرون؛ فلما روى بالمعنى جاءت تلك العبارة، والله أعلم.
وفي "المسند" (3): عن عبد العزيز بن أبي بكرة أن أبا بكرة جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكعٌ، فسمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صوتَ نعلِ أبي بكرة، وهو يُحْضِر يريد أن يدرك الركعة؛ فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من الساعي، قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ".
وفي سنده بشار الخيّاط (4) ضعَّفه ابن معين، على أنَّ ظاهره الإرسال، والله أعلم.
هذا، ومن قال بأنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع، ويتحمَّل الإِمام الفاتحة
__________
= عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف". وهو كما نرى في هذا الإسناد.
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 434) و"الثقات" (9/ 107).
(2) "تهذيب التهذيب" (5/ 353).
(3) رقم (20435).
(4) هكذا في الطبعة القديمة من "المسند" و" تبصير المتنبه"، وفي الطبعة الجديدة من "المسند" و"تعجيل المنفعة": "الحنَّاط". ولم نجد أحدًا نصَّ على ضبطه.
(18/151)

عنه، لا يلزمه أنَّ الإِمام يتحمَّل عن الموافق؛ للفرق الواضح. فإن له أن يقول: إنَّ الشارع لما أمر المسبوق أن يدخل في الصلاة فورًا، سواءٌ أكان الإِمام راكعًا أم ساجدًا أم جالسًا أم غير ذلك، فقد ألزم هذا المسبوق إذا أدرك الإِمام راكعًا أن يركع معه، ثم نظر فإذا هو قد أدرك معظم الركعة، وأدرك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا؛ وهي الركوع والسجود، وعلم الشارع أنَّ تكليفه المسبوق بالموافقة، وتكليفه بقضاء تلك الركعة يشقُّ عليه، وهذه المشقة وإن كانت خفيفة إلاَّ أنه يحتمل تكرُّرها مرارًا كل يوم، فناسبَ أن يسقط عنه فاتحة تلك الركعة، وإن كانت ركنًا؛ كما أسقط القراءة عن الأبكم والأمي وإن كان منفردًا، وكما أسقط القيام عن المأمومين إذا كان الإِمام لا يستطيع القيام، وكما أسقط القيام والركوع والسجود عن العاجز. ولم يَلزم المسبوقَ بدلُ الفاتحة؛ لأنه لا يمكن له بدلٌ إذا كان عليه الموافقة في الركوع فورًا؛ فكان مشغولًا بعد ذلك بأعمال أخرى.
فإن قيل: فإنَّ من أدرك الإِمام في الاعتدال لا تحسب له ركعة مع أنَّ المشقة عليه قريب من المشقة على من أدركه في الركوع.
قلت: ولكنها أخفُّ بالنسبة، ومع ذلك فليس العلة هي المشقة وحدها؛ بل المشقة مع إدراك معظم الركعة، وإدراك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا. وأما الموافق فلا مشقة عليه؛ فكيف يقاس على المسبوق؟
[ص 85] وأما حديث موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد فقد أطلق الحفَّاظ المتقدِّمون أنه لم يجئ موصولاً بذكر جابر إلاَّ من رواية الإِمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - والحسن بن عمارة، ولم يناقش في ذلك أحد من الحفاظ الحنفية وغيرهم.
(18/152)

وقد رُوي الحديث من طريق سفيان وشريك في عدَّة كتب (1) بدون ذكر جابر.
وقد كان "مسند أحمد بن منيع" مشهورًا متداولًا بينهم؛ فيبعد غاية البعد أن يكون فيه الحديث موصولاً عن سفيان وشريك، ولا ينبِّه عليه أحد من المتقدمين. فهذا يبيِّن أنَّ ما نقله ابن الهمام (2) عن "مسند أحمد بن منيع" خطأ في تلك النسخة، ولا يُعلم بخط من هي، وكيف حالها؟
والظاهر أنه وقع فيها سقط أو تحريف؛ فإنَّ إسحاق الأزرق - الذي وقع في النسخة الروايةُ عنه عن سفيان وشريك - يروي هذا الحديث بعينه عن الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
قال الدارقطني (3): "حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا محمد بن حرب الواسطي ثنا إسحاق الأزرق عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ
__________
(1) انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 376) و"معاني الآثار" للطحاوي (1/ 217) و"السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 160).
(2) في "فتح القدير" (1/ 338). وقد سبق نقل الحديث ضمن حجج القائلين بأن المأموم لا يقرأ مطلقًا.
(3) في "السنن" (1/ 323).
(18/153)

بالترجيح؛ كما تقدَّم عن "فتح المغيث" (1). ومن المرجحات عندهم الكثرة.
وقد رواه الدارقطني (2) من طريق ابن أخي ابن وهب ثنا عمي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر؛ فذكره، في قصة ستأتي.
ثم قال الدارقطني: "أبو الوليد هذا مجهول".
والظاهر أنَّ "عن" في قوله "عن أبي الوليد" زائدة، والصواب عن عبد الله بن شدَّاد أبي الوليد؛ فإنَّ عبد الله بن شدَّاد كنيته أبو الوليد. أو أنَّ قوله "عن أبي الوليد" بدلٌ من قوله "عن عبد الله بن شدَّاد".
ثم رأيت الطحاوي أخرج الحديث في "معاني الآثار" (3) عن أبي بكرة قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
وجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري لم يكن من أهل البصرة.
ثم وجدت في "الإصابة" (4) ترجمةً لفظها: "جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة. وقال أبو عمر (5): روى عنه أبو شدَّاد. وروى
__________
(1) (1/ 203).
(2) (1/ 325).
(3) (1/ 217).
(4) (2/ 124) ط. التركي.
(5) في "الاستيعاب" (1/ 221).
(18/154)

ابن منده من طريق عمر بن برقان (1) عن أبي شدّاد عن جابر بن عبد الله الراسبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا قال: "من عفا عن قاتله دخل الجنة" (2). قال: هذا حديث غريب، إن كان محفوظًا. قال أبو نعيم: قوله "الراسبي" وهمٌ، وإنما هو الأنصاري".
فأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري. وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل: "عن رجل من أهل البصرة". ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد؛ فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة "عن جابر" يعكِّر على ذلك.
وأخشى أن لفظ "أبي شدَّاد" الواقع في السند المذكور في ترجمة هذا الرجل صوابه "ابن شدَّاد".
وفي "لسان الميزان" (3): "أبو شدَّاد عن مجاهد ... وأخرج أبو يعلى (4) من طريق عمر بن نبهان عن أبي شدَّاد عن جابر حديثًا؛ فما أدري هو هذا أم لا؟ ولم أقف على ترجمته عند الحاكم أبي أحمد".
قلت: وعمر بن نبهان يروي عن الحسن البصري ونحوه؛ فلا يبعد أن يروي عن عبد الله بن شدَّاد.
__________
(1) وفي بعض النسخ "نبهان".
(2) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (1794) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1543).
(3) (9/ 92).
(4) هو الحديث المذكور، وسبق تخريجه.
(18/155)

وعبد الله بن شدَّاد غير معروف بالرواية عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، [ص 86] وحديث جابر في "مسند أحمد" في أربعٍ وخمسين ورقة (1) ليس فيه شيء من رواية ابن شدَّاد عنه.
وجابر بن عبد الله الراسبي البصري لم تثبت له صحبة، وهو رجلٌ مجهول.
ويحتمل أن يكون جابر الواقع في رواية الإِمام أبي حنيفة هو الأنصاري على ما هو المتبادر، ويكون ابن شدَّاد لم يسمع هذا الحديث منه؛ بل سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له أبو الوليد عن جابر. ولعلَّ ابن أبي عائشة إنما اختار الإرسال غالبًا لأحد هذين الاحتمالين، أو لأنه كان يشكُّ.
وقد روى ابن المبارك الحديث عن أبي حنيفة مرسلًا (2) كالجماعة؛ فهو المتيقِّن، ولا يصح الحكم بوصله لاضطراب ابن أبي عائشة فيه كما رأيت.
فأما زيادة "في الظهر أو العصر" فما إخالها إلاَّ مدرجة، فقد أخرج الدارقطني (3) من طريق ابن أخي ابن وهب بسنده المتقدِّم، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلاً قرأ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ منكم ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ " فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كلَّ ذلك يسكتون، ثم
__________
(1) (3/ 292 - 400) من الطبعة الميمنية سنة 1313.
(2) كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 160).
(3) (1/ 325).
(18/156)

قال رجل: أنا، قال: "قد علمت أنَّ بعضكم خالجنيها".
وقال (1) عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلاً قرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر، فأومأ إليه رجل فنهاه، فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلَّى خلف الإِمام فإنَّ قراءته له قراءة".
فالحديث الأول هو حديث عمران بن الحصين عينه، ولفظه عند مسلم (2) في روايةٍ: عن عمران بن حصين قال: صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: "أيكم قرأ خلفي ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ "، فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلاَّ الخير، قال: "قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها".
وسقط ذكر الظهر أو العصر من حديث ابن شدَّاد الأول، وأدرج في الثاني. فكأنَّ الأصل - والله أعلم - أنَّ لفظ: "في الظهر والعصر" مدرج في الثاني، وأصل موضعه في الأول.
ومما يدلُّ على هذا أنَّ محمد بن الحسن أخرج الحديث الثاني في "كتاب الآثار" (3)، وليس فيه لفظ: "في الظهر أو العصر".
وكذلك رواه الحاكم والبيهقي (4) من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي
__________
(1) في "سنن الدارقطني" عقب الحديث السابق.
(2) رقم (398).
(3) رقم (86) ط. دار النوادر.
(4) لم يخرجه الحاكم في "المستدرك"، وهو في "السنن الكبرى" (2/ 159) من طريقه.
(18/157)

حنيفة، وليس فيه ذكر الظهر أو العصر. وهكذا روي من طرق أخرى بدونها.
وأما رواية الأسود بن عامر ومن معه عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير (1)؛ فقد رواه يحيى بن أبي بكير وإسحاق بن منصور وغيرهما عن الحسن بن صالح عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم عن أبي الزبير (2)، وهذا هو الراجح.
قال العراقي في خَفِيَّ الإرسال (3):
فعدم السماع واللقاءِ ... يبدو به الإرسال ذو الخفاء
كذا زيادة اسم راوٍ في السند ... إن كان حذفه بعَنْ فيه ورد
ويؤكِّده أنَّ الحسن بن صالح لم يثبت له لقاء أبي الزبير، وإن كان أدركه.
وأما قول مسلم [ص 87] رحمه الله: إنه يكفي في الحكم بالاتصال المعاصرة لغير المدلس؛ فذاك خاص بما إذا لم يرد الحديث من جهة أخرى بذكر واسطة كما هنا.
ولعلَّ الحسن بن صالح علم أنَّ الأسود ومن وافقه يعلمون أنه لم يلق أبا الزبير؛ فلذلك أرسل الحديث عن أبي الزبير.
__________
(1) سبق تخريجها من "مسند أحمد" (14643) و"مسند عبد بن حميد" (1050) و"مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 377).
(2) أخرجه كذلك الطحاوي (1/ 217) والدارقطني (1/ 331) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 160) وفي "القراءة خلف الإِمام" (343، 345).
(3) في "ألفيته" بشرحها "فتح المغيث" (4/ 69).
(18/158)

وجابر الجُعفي متروك، خصوصًا إذا قال "عن"؛ فإنه يدلَّس عن الوضَّاعين.
وفي "تهذيب التهذيب" (1) عن مسعر قال: كنت عند جابر فجاءه رسول أبي حنيفة: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: سمعت القاسم بن محمد وفلانًا وفلانًا، حتى عدَّ سبعةً؛ فلما مضى الرسول قال جابر: إن كانوا قالوا.
وقال أبو يحيى الحِمَّاني عن أبي حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي إلاَّ جاءني فيه بأثر (2).
وأما ليث بن أبي سليم فصدوق، كثير الغلط، واختلط بأخرة.
ولو ثبت الحديث عن أبي الزبير فأبو الزبير مشهور بالتدليس، وقد عنعن.
وأجاب الشارح عن هذا بأنَّ أبا الزبير مكثر عن جابر؛ فتُحمل عنعنته عنه على السماع؛ كما قال الذهبي في "الميزان" (3) في ترجمة الأعمش، ولفظه: "قلت: هو مدلِّس، وربما دلَّس عن ضعيف، ولا يدري به؛ فمتى قال: "ثنا فلان" فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرَّق إليه احتمال التدليس؛ إلاَّ في شيوخ له أكثر عنهم؛ كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمَّان؛ فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال".
قلت: فيما قاله الذهبي نظر، ومع ذلك فلا يصحُّ قياس أبي الزبير على
__________
(1) (2/ 51).
(2) "تهذيب التهذيب" (2/ 48).
(3) (2/ 224).
(18/159)

ذلك؛ لأنه قد ثبت عنه التدليس عن جابر. قال ابن أبي مريم عن الليث بن سعد: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أعلِمْ لي على ما سمعت، فأعلَمَ لي على هذا الذي عندي (1).
وأما ما رواه مالك (2) عن وهب بن كيسان عن جابر فهو صحيح من قوله، وما ذكره صاحب "الجوهر" (3) عن البيهقي في "الخلافيات" لا يصحُّ. فقد أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4) من طريق يحيى بن سلام عن مالك، فرفعه.
ثم قال: "حدثنا يونس قال أنا ابن وهب أنَّ مالكًا حدَّثه عن وهب بن كيسان عن جابر مثله، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
حدثنا فهد قال: ثنا إسماعيل بن موسى ابن ابنة السدِّي قال: ثنا مالك، فذكر مثله بإسناده. قال: فقلت لمالك: أَرَفَعَه؟ فقال: خذوا برجله".
ولو فُرِض أنَّ إسماعيل رفعه عن مالك، فإسماعيل وإن كان صدوقًا فليس مثله بالذي يقبل فيما يزيده على أصحاب مالك الحفّاظ، والله أعلم.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 442).
(2) في "الموطأ" (1/ 84).
(3) "الجوهر النقي" (2/ 160).
(4) (1/ 218). قال ابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 48): انفرد يحيى بن سلام برفعه عن مالك، ولم يتابع على ذلك، والصحيح فيه أنه من قول جابر.
(18/160)

[ص 88] وأما الأثر الآخر عن جابر (1)، ففي سنده الضحاك بن عثمان؛ وثَّقه الأكثر. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وهو صدوق. وقال ابن عبد البر: كان كثير الخطأ، ليس بحجَّة (2).
وقد أخرج ابن ماجه والبيهقي (3) بسند صحيح عن يزيد الفقير - وهو ثقة، احتجَّ به الشيخان وغيرهما - عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإِمام في الركعتين الأُولَيين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
وأخرجه البيهقي في موضع آخر (4) بسند صحيح أيضًا، ولفظه: "سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: يقرأ في الركعتين - يعني الأُولَيين - بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك، أو قال: ما أكثر من ذاك".
قال صاحب "الجوهر النقي" (5): "مضطرب المتن".
أقول: ليس هذا باضطراب؛ بل سمع يزيد من جابر هذا اللفظ مرة، واللفظ الآخر مرة أخرى، وليس بين اللفظين تناقض حتى يقال: مضطرب.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 376)، ولفظه: "لا يقرأ خلف الإمام".
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 447).
(3) ابن ماجه (843) و"السنن الكبرى" (2/ 170).
(4) (2/ 63).
(5) (2/ 161).
(18/161)

وقد جمع البيهقي (1) بين ما رُوِيَ عن جابر بأنه كان يرى القراءة خلف الإِمام فيما لا يجهر فيه، ولا يراها فيما يجهر فيه.
أقول: وهذا محتمل، ويحتمل أن يكون هذا فيما دون الفاتحة؛ بدليل قوله: "وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب".
فأما قوله في رواية وهب بن كيسان: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن إلاَّ وراء الإِمام فيمكن أن يحمل قوله: "إلاَّ وراء الإِمام" على المسبوق، والله أعلم.
وقد عُلِم بما مرَّ عن جابر ما يدلُّ على بطلان زيادة: "في الظهر أو العصر" في حديث ابن شدّاد؛ إن صحَّ كونه من رواية جابر المشهور. إذ كيف يكون هذا الحديث بتلك الزيادة عن جابر، ثم يقول: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإِمام" إلى آخره، ولا يبيِّن ما يخالفه؟
وبما ذُكِر يترجَّح - على فرض صحة تلك القصة - أنها كانت في صلاة جهرية، وعلم جابر بالقرائن أنَّ قوله: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة" خاص بالجهرية.
ثم يحمل - كما قاله البخاري وغيره - على ما عدا الفاتحة؛ للأدلة المتكاثرة على وجوب الفاتحة على المأموم، ومنها حديث مكحول عن محمود عن عبادة، وهو نصٌّ يُخصَّص به عموم هذا مع ما يعضد حديث عبادة من النصوص العامة والخاصة التي تقدَّم بعضها، والله أعلم.
__________
(1) في "السنن الكبرى" (2/ 160).
(18/162)

هذا على فرض صحَّة الحديث، وقد علمت ما فيه.
وفي "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (1)، نقلاً عن "معرفة السنن" للبيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت سلمة بن محمد الفقيه [ص 89] يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن حديث: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة"؛ فقال: لم يصحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيءٌ؛ إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. قال أبو عبد الله الحافظ: أعجبني هذا لما سمعته؛ فإنَّ أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي على أديم الأرض.
أقول: والثابت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الأمر بالقراءة خلف الإِمام (2).
وأما ابن مسعود فقال البخاري في "جزء القراءة" (3): "وقال لنا إسماعيل بن أبان: حدثنا شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي مريم: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ خلف الإمام".
وأخرجه البيهقي (4) من طريق علي بن حُجر ثنا شريك عن أشعث بن سليم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: صلَّيت إلى جنب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلف الإِمام؛ فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.
__________
(1) (1/ 326). وانظر "معرفة السنن والآثار" (3/ 79، 80).
(2) انظر "السنن الكبرى" (2/ 168) و"القراءة خلف الإِمام" للبيهقي (ص 92 - 93).
(3) (ص 163، 164).
(4) (2/ 169).
(18/163)

وفي "الجوهر النقي" (1): "وقال ابن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن منصور عن أبي وائل قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله فقال: أَقْرَأُ خلف الإِمام؟ فقال: إنَّ في الصلاة شغلاً، وسيكفيك قراءة الإِمام".
وقدح صاحب "الجوهر" (2) في الأثر الأول بأنَّ في سنده شريكًا، وذكر كلام البيهقي فيه.
أقول: شريك إمام. قال ابن معين: هو أحبُّ إليَّ من أبي الأحوص. وقال أيضًا: ولم يكن شريك عند يحيى - يعني القطان - بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سالت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما أحبُّ إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط (3).
وأبو الأحوص هو الواقع في سند الأثر الثاني. وقد أخطأ فيه، وخالفه الطَّوْدان سفيانُ وشعبةُ؛ رواه البيهقي (4) من طريقهما عن منصور عن أبي وائل أنَّ رجلاً سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإِمام؛ فقال: أنصت للقرآن؛ فإنَّ في الصلاة شغلاً، وسيكفيك ذاك الإمام.
قال البخاري في "جزء القراءة" (5): "وقال أبو وائل، عن ابن مسعود: أَنصِتْ للإمام. وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يُقرأ خلف
__________
(1) (2/ 170). وانظر "المصنف" (1/ 376).
(2) (2/ 170).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 334، 335).
(4) (2/ 160).
(5) (ص 116, 117).
(18/164)

الإِمام فيما سكت الإمام".
أقول: ومع ذلك فليس نصًّا في ترك الفاتحة؛ فقد يجوز أن يكون أراد الإنصات عما عداها للعلم بوجوبها.
وقال صاحب "الجوهر النقي" (1): قال البزَّار: ثنا محمد بن بشَّار وعمرو بن علي قالا: ثنا أبو أحمد أنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون خلف النبي - عليه السلام -؛ فقال: "خلَّطتم عليَّ القرآن".
أقول: قد تقدَّم في الكلام على آية الإنصات نقلُ هذا الحديث عن "جزء القراءة" (2) للبخاري، رواه عن محمد بن مقاتل قال: حدثنا النضر قال أنبأنا يونس بسنده هذا، ولفظه: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -[ص 90] لقوم كانوا يقرؤون القرآن، فيجهرون به: "خلَّطتم عليَّ القرآن". وكنا نسلِّم في الصلاة، فقيل لنا: "إنَّ في الصلاة لشغلاً".
...
__________
(1) (2/ 162).
(2) (ص 400، 401).
(18/165)

[ص 91] المسألة الخامسة هل يزيد المأموم في الأُولَيين من الظهر والعصر على الفاتحة
قد يستدلُّ على المنع بالأحاديث المتقدِّمة (1) في أوائل المسألة الرابعة.
ولفظ الحديث الأول منها: صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما قضى صلاته قال: "أتقرؤون والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
وقال في الثاني نحوه.
وفي الثالث: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، إنا لنهُذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن".
وفي الرابع: "تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن".
وفي الخامس: "هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن".
وفي السادس: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم الكتاب".
ويجاب عن هذا بأنَّ في حديث عبادة: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر". وفي الرواية الأخرى: "هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ "
__________
(1) سبق ذكر هذه الأحاديث وتخريجها.
(18/166)

فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: "فلا تفعلوا، وأنا أقول: ما لي أُنازَع القرآنَ، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن". فقيَّد النهي بما إذا جهر؛ فتُحْمَل عليه تلك الأحاديث المطلقة.
فإن قيل: حديث عبادة وإن كان مقيَّدًا بما إذا جهر فهو من حيث المعنى يدلُّ أنَّ مثل ذلك ما إذا أسرَّ؛ لأنه علَّل بالمنازعة، واستثنى الفاتحة؛ معلِّلًا بأنها فرضٌ؛ كأنه يقول: تُغتفر المنازعة بالفاتحة لأنها فرض. وقد ثبت بحديث عمران أنَّ المنازعة تكون في السرِّية أيضًا، والزيادة في السرِّية ليست فرضًا على المأموم اتفاقًا؛ فيفهم من هذا المنعُ منها.
قلت: لا نسلِّم أنَّ المنازعة تكون في السرية، وإنما تلك المخالجة، وهي أخفُّ من المنازعة. وحديث عمران دليل لنا.
سلَّمنا أنهما واحد، ولكن لا نسلِّم أنَّ المنازعة كانت تحصل بمطلق القراءة خلفه - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كانت تحصل بقراءة نفس السورة التي يقرأها بعد الفاتحة. وحديث عمران واضحٌ في ذلك؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعض المقتدين به قرأ بسورة سبِّح اسم ربِّك الأعلى. ولو كانت المخالجة تحصل بالقراءة مطلقًا لما دلته المخالجة إلاَّ على قراءة بعضهم فقط.
ويوضِّح هذا قوله: "خالجنيها"؛ فإنه ظاهر في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها، وذلك الرجل يقرؤها معه؛ فتخالجاها.
[ص 92] وهكذا قوله في حديث ابن أُكيمة: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا".
(18/167)

فقوله: "معي" يدلُّ أنَّ المراد: قرأ معي نفس السورة التي قرأتها. ألا ترى أنك لو قلت: قرأت سورة الكهف، وقرأ معي فلان؛ فَهِم السامع أنَّ فلانًا قرأ معك سورة الكهف عينها.
وإنما لم يُسمَّ في حديث ابن أُكيمة السورة كما سمَّاها في حديث عمران لأنَّ قصة حديث ابن أكيمة في صلاة الصبح وهي جهرية؛ فقد سمعوا قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلموا السورة التي قرأها. فاكتفى بقوله: "هل قرأ معي أحد منكم"؛ فعُلِمَ أنه أراد نفس السورة التي قرأها هو - صلى الله عليه وسلم -، فأجابه الذي قرأها معه بقوله: نعم، أنا يا رسول الله.
وأما في حديث عمران فكانت الصلاة سريَّة؛ فلو اقتصر على قوله: "من قرأ معي" لما علموا أيَّ سورة قرأ، وكلّ واحد منهم قد قرأ بسورة؛ فلهذا سمَّاها لهم، فتدبَّر.
فإن قلت: فمقتضى هذا الكلام أن يُمنع المأموم في السريَّة من قراءة غير الفاتحة مطلقًا؛ لأنه لا يدري لعله يقرأ السورة التي يقرأها النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يُمنَع في الجهرية إلاَّ من قراءة السورة التي يقرؤها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وله أن يقرأ غيرها.
قلت: إنما يأتي هذا إذا قلنا إنَّ المنازعة هي العلَّة، ولسنا نقول ذلك، وإنما العلَّة عندنا هي الإخلال باستماع القراءة لغير موجب. وإنما ذكر - صلى الله عليه وسلم - المنازعة إعلامًا لهم بالدليل الذي استدلَّ به على أنَّ بعضهم قرأ معه.
وفي ذلك معجزة يفيدهم الاطلاعُ عليها، فإنَّ المنازعة لا تحصل لغيره
(18/168)

- صلى الله عليه وسلم -، وهي أمرٌ روحاني مختصٌّ به، بأبي هو وأمي. وذلك نظير إخباره إياهم بالمخالجة في حديث عمران.
ولو كانت العلَّة هي المنازعة للزم أن لا يمنع المقتدي بغير النبي - صلى الله عليه وسلم - من القراءة مطلقًا؛ لأنَّ المنازعة لا تحصل لغيره - صلى الله عليه وسلم -، والحكم يدور مع علَّته، والله أعلم.
ومن أدلتنا الحديث الصحيح (1) عن جابر: "قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإِمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
وقد تقدَّم وصحَّ عن أمير المؤمنين عليٍّ أنه كان يأمر بذلك.
وصحَّ عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم (2).
وروى البيهقي (3) من طريق العوام بن حمزة (4) عن ثابت عن أنس قال (5): كان يأمرنا بالقراءة خلف الإِمام. [ص 93] قال: وكنت أقوم إلى جنب أنس؛ فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورةٍ من المفصَّل، ويُسْمِعنا قراءته لنأخذ عنه.
__________
(1) سبق ذكره والكلام عليه.
(2) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 169).
(3) (2/ 170).
(4) عند البيهقي في هذا الإسناد: "العوام بن حوشب". ثم ذكر إسنادًا آخر وفيه: "العوام وهو ابن حمزة"، وقال: هذا أصح.
(5) أي ثابت: كان أنس يأمرنا ... ، وكذا "قال" الآتي.
(18/169)

اعترضه التركماني (1) بأنَّ العوَّام بن حمزة قال فيه ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء": قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال أحمد: له أحاديث مناكير.
قلت: في "فتح المغيث" (2): عن ابن القطان أنَّ ابن معين إذا قال في الراوي: "ليس بشيء" إنما يريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا.
وفي "تهذيب التهذيب" (3) عن يحيى القطان: ما أَقْربَه من مسعود بن علي، ومسعود لم يكن به بأس. وعن أحمد: له ثلاثة أحاديث مناكير. وعن ابن معين: ليَّن. وقال إسحاق بن راهويه: بصري ثقة. وعن أبي زرعة: شيخ، قيل: فكيف ترى استقامة حديثه؟ قال: لا أعلم إلاَّ خيرًا. وقال الآجريُّ عن أبي داود: ما نعرف له حديثًا منكرًا، وقال مرَّةً: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به.
أقول: وقول أحمد "له ثلاثة أحاديث مناكير" كأنَّ الحمل فيها على من فوقه؛ بدليل قول أبي داود. فحديث الرجل لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم.
...
__________
(1) (2/ 172).
(2) (2/ 123).
(3) (8/ 163).
(18/170)

[ص 94] المسألة السادسة إذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإِمام لا يسمع قراءته؛ فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر؟
ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع من ذلك؛ هذا من حيث ألفاظها.
وأما من حيث المعنى فالظاهر عدم المنع؛ لأنَّ علة المنع هي - كما تقدَّم - كون القراءة تُخِلُّ باستماع قراءة الإِمام، وهذه العلة منتفية ههنا. ومن قال: العلة المنازعةُ فعدم المنع أظهر، لما قدَّمنا أنَّ المنازعة لا تحصل لغير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وترجيح دلالة المعنى هنا من باب تخصيص الحكم لخصوص علته. والعلماء رحمهم الله تعالى يترددون في ذلك.
وفي "سنن البيهقي" (1) بسند صحيح عن أبي شيبة المَهرْي قال: سأل رجلٌ معاذ بن جبل عن القراءة خلف الإِمام، قال: إذا قرأ فاقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وإذا لم تسمع فاقرأ في نفسك، ولا تؤذي مَن عن يمينك ولا مَن عن شمالك.
والذي أختاره لنفسي عدم القراءة بغير الفاتحة؛ لظواهر الأحاديث، ولأنه قد يُخِلُّ باستماع غيره من المقتدين الذين يسمعون، وهذا ظاهر في الأصم، وممكن في البعيد.
__________
(1) (2/ 169).
(18/171)

ولأنه يُرجى أنه إذا أنصت تمام الإنصات سمع. ولسدِّ الذريعة. والله تبارك وتعالى أعلم.
(18/172)

- 1 - (1)
[ص 9] ولو كان الذي قرأ رفع صوته حتى سمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان للاستفهام والتعجب وجه، والله أعلم.
ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة = لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).
أقول: القائل ذلك رأى اتفاق الحديثين في أمور:
منها: أنَّ الصلاة كانت الصبح.
ومنها: في حديث عبادة ثقل القراءة والتباسها، وفي حديث ابن أكيمة المنازعة، والمعنى واحد؛ لأن المنازعة تُوجب الثقل والالتباس.
مع أنَّ في رواية من روايات حديث عبادة: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ؛ إلاَّ بأم القرآن". أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. وهذا اللفظ - أعني قوله: "وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن" - هو عين اللفظ الواقع في حديث ابن أكيمة.
ومنها: الاستفهام عن القراءة.
ومنها: الجواب بالإثبات.
__________
(1) من هنا إلى (ص 210) أوراق متفرقة كتبها المؤلف في الرد على شارح الترمذي ووضعها في أثناء الكتاب في مواضع، فأفردناها وألحقناها بآخره، ورقمنا كل مجموعة برقم مستقل، أما الأحاديث والآثار فقد سبق تخريجها، فلا نعيدها.
(18/173)

ومنها: في حديث عبادة: "فلا تفعلوا"، وحديث ابن أكيمة يُشعِر بذلك كما تقدَّم.
وزاد عبادة استثناء الفاتحة، وليس ذلك في حديث ابن أكيمة، ولكن ذلك ينجبر بما عُرِف من مذهب أبي هريرة. على أنَّ حديث ابن أكيمة لم تدخل فيه الفاتحة أصلاً، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
فرأى ذلك القائل أنَّ هذا الاتفاق يحصل به غلبة الظن بأنَّ الحديثين واقعة واحدة، هذا دليله.
ومع ذلك ففي النفس شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ في حديث عبادة في رواية: "إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا". وفي حديث ابن أكيمة: "هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله". فالاستفهام مختلف، والجواب مختلف، وسيتضح ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّفٌ، بل علَّة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علة النهي المنازعة، وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة سواء فيها، بدون فرق؛ فهذه العلة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها سواء بسواء).
أقول: الحديث من رواية أبي هريرة، ومذهبه الذي كان يفتي به كما في "صحيح مسلم" وغيره وجوب القراءة على المأموم سواء أسرَّ الإِمام أم جهر، ومذهب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله أنَّ فتوى الراوي على خلاف
(18/174)

روايته قادح في ما رواه. والشارح عافاه الله حنفي، وقد احتجَّ بمثل هذا كما يأتي.
والشافعي والمحدثون وإن قالوا: العبرة بما روى دون ما رأى؛ فإنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى تُورِث شبهة ما فيما روى، فإذا انضمَّ إلى ذلك وهنٌ في السند أو نحوه قويت الشبهة؛ فقد تبلغ إلى حدِّ يتعيَّن بسببه ردُّ الرواية أو تأويلها.
وقد انضمَّ إلى فتوى أبي هريرة لِينُ ابن أكيمة. فقد قال الحميدي وغيره: مجهول، لم يروِ عنه إلاَّ ابن شهاب هذا الحديث وحده.
والذين قوَّوه إنما استندوا إلى أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلُّوا بذلك [ص10] على أنه كان مقبولًا عند سعيد.
وهذا الاستدلال لا يكفي مثله في تثبيت حديث يلزم منه نسخ الأحاديث الصحيحة.
وانضمَّ إلى ذلك أيضًا اتفاقُ هذا الحديث مع حديث عبادة في أكثر الأمور. فلو لم يكن إلاَّ هذا لكان كافيًا في وجوب حمل القراءة في حديث ابن أكيمة على غير الفاتحة، أو على الأقل في منع أن يقال لهذا الحمل تعسُّف، فكيف وعندنا برهان واضح على هذا الحمل، فدونكه:
قد ثبت بالأوجه الثلاثة التي قدمناها في الكلام على قول الشارح أن الاستفهام للإنكار، والتمسنا منك التحفظ بها، وقلنا: إنه سيكون لها نبأ.
إنَّ الاستفهام والجواب والتعجُّب في هذا الحديث يدلُّ على أنهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها، بل إما أن يكونوا لم يؤمروا
(18/175)

بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها أولًا ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث؛ فارجع إلى تلك الأوجه، وتدبَّرها جيدًا.
ثم إنك تعلم أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإِمام، وقد ثبت ذلك نصًّا بحديث عبادة وشواهده.
فحديث ابن أكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها.
فإن كان قبلها فهو منسوخ بها أو محمول عليها، وانقطع النزاع.
وإن كان بعدها - كما اختاره الشارح - فالأوجه الثلاثة المتقدمة توجب أحد أمرين:
إما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها يصدق بالفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوبها؛ حتى صحَّ ذلك الاستفهام والجواب والتعجُّب.
وإما أن يكون المراد قراءة غير الفاتحة؛ وكأنَّ ذلك الرجل لم يبلغه حديث عبادة في النهي عن قراءة غير أم القرآن وراء الإِمام إذا جهر، وتكون القرينة علمهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن الفاتحة واجبة عليهم، وأنهم لا يدعونها كلُّهم، فيعلمون أنه لا يقول لهم: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؛ ويريد ما يصدق بالفاتحة، وأنه لا يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة إن كانت تحصل بها. فهذه قرينة واضحة؛ تدلُّهم أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد قراءة غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.
وإذ قد انحصر الواقع في هذين الاحتمالين فما بقي علينا إلاَّ أن ننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.
قد يرجح الأول بأنَّ فيه إبقاء لفظ "قرأ" على إطلاقه.
(18/176)

ويرجح الثاني بأنَّ الآثار عن الصحابة تدلُّ أنه لما وقع هذا السؤال لم يفهموا منه الإطلاق، وإنما ذلك لقيام القرينة.
وبيان ذلك: أنَّ مذهب أبي هريرة نفسه - كما تقدَّم - وجوب القراءة خلف الإِمام ولو جهر. ووافقه على ذلك جمهور الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، [ص 11] وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" عبادة بن الصامت، شهد العقبتين وبدرًا، وهو أحد النقباء.
وجاء عن جماعة من الصحابة القراءة خلف الإِمام مطلقًا، منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأم المؤمنين عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.
وجاء عن بعضهم القراءة خلف الإِمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك؛ منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
واختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والناسك عبد الله بن عمر، وجابر، وأبي الدرداء.
وجاء عن زيد بن ثابت أنه قال: "لا قراءة مع الإِمام في شيء" ولم يُنقل عنه خلاف ذلك.
وقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام جهر أو لم يجهر، وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.
(18/177)

قلت: وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.
وقال البخاري: وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأُ خلف الإِمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت، حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.
انظر أسانيد هذه الآثار في "جزء القراءة" للبخاري، و"السنن الكبرى" للبيهقي.
وفي حديث ابن أكيمة ما يُعلم منه أنه لم يقرأ في تلك الواقعة تلك القراءة التي سأل عنها إلاَّ رجلٌ واحدٌ من الصحابة؛ فما ظنك بهم بعد ذلك وقد سمعوا هذا الحديث؟ لا أراك ترتاب أن الظن بهم أن لا يعود أحد منهم لتلك القراءة التي سأل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد جاء في آخر حديث ابن أكيمة في بعض الروايات زيادة: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإِمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام". وقد حقَّق الأئمة محمد بن يحيى والبخاري وغيرهما أنَّ هذا من كلام الزهري.
وأنا أقول: هَبْهُ من كلام أبي هريرة فإنه يؤكِّد ذلك الظن. فكيف تجمع بين هذا وبين ما سمعته عن راوي هذا الحديث نفسِه وعن جمهور الصحابة؟ فهل هناك جامع غير أن يقال: إنَّ السؤال عن القراءة في حديث ابن أكيمة متوجِّهٌ إلى قراءة غير الفاتحة؟ وكانت عند الصحابة رضي الله عنهم عندما خاطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قرينة مبيِّنة لذلك. وأظهر القرائن هو ما تقدَّم،
(18/178)

وزيادة "فانتهى الناس ... " إلخ لو ثبتت تبع لذلك، والمعنى: فانتهى الناس عن القراءة بغير الفاتحة.
وإذا ثبتت القرينة الصارفة عن الإطلاق سقط ما يرجح به الاحتمال الأول من إبقاء اللفظ على إطلاقه.
[ص 16] فأما قول الشارح: (إنَّ علَّة النهي هي المنازعة؛ وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها) ففيه نظر.
فالجواب: أنَّ المنازعة قد حصلت في حديث عمران، وإن سمَّاها "المخالجة"، وفي حديث عبادة لثقل القراءة والتباسها؛ وذلك نتيجة المنازعة. مع أنه قد جاء في روايةٍ في حديث عبادة: " ... فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ إلاَّ بأم القرآن". أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.
والشارح يوافقنا أنهم في واقعتي عمران وعبادة كانوا يقرؤون الفاتحة؛ فهل كانت تحصل المنازعة بقراءتهم لها أم لا؟
أما حديث عمران فلا دليل فيه على ذلك، وإنما فيه حصول المخالجة بقراءة: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ولا يلزم من حصول المنازعة بقراءة غير الفاتحة حصولها بقراءة الفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يُدرك بالقياس.
وأما حديث عبادة فقد يقال: إنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أراكم تقرؤون" مطلقٌ يتناول الفاتحة، ولذلك استثناها لما قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأم القرآن". وقد قال الراوي: إنَّ القراءة التبست على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك دليل المنازعة، وقد
(18/179)

أوضحت ذلك رواية الدارقطني السابقة. فلما كانت المنازعة حصلت بسبب القراءة التي سألهم عنها بقوله: "إني أراكم تقرؤون"، وهذه القراءة شاملة للفاتحة كما مرَّ، فقد يؤخذ منه أنَّ المنازعة كانت تحصل بسبب قراءة الفاتحة، وإنما استثناها من النهي لأنها كانت واجبة، وأداء الواجب مقدَّمٌ على ترك المنازعة. وقد نصَّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه العلَّة بقوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
هذا أقصى ما يحتجُّ به لحصول المنازعة بقراءة الفاتحة، وفيه بعد ذلك نظر يظهر بالتأمل.
ولكننا نقول: هَب المنازعة كانت تحصل بقراءة الفاتحة؛ فإننا قد أثبتنا فيما تقدَّم أن السؤال في حديث ابن أكيمة إنما وقع عن قراءة غير الفاتحة. فإن ثبت أنه نهى فالنهي متوجِّهٌ إلى ذلك.
وإذا نهى عن قراءة غير الفاتحة معلِّلاً بالمنازعة لم يكن لهم ولا لنا أن نقيس الفاتحة على غيرها بجامع المنازعة؛ لتقدُّم حديث عبادة بالنصِّ على أنَّ المنازعة إنما تمنع القراءة بغير الفاتحة. فأما الفاتحة فلا؛ لأنه لا قراءة لمن لم يقرأ بها؛ فأداؤها لا بد منه. وإن لزم منه المنازعة. فهذا نصٌّ مبطلٌ للقياس، مبيِّنٌ للفرق الواضح.
بل لو لم يتقدَّم حديث عبادة لكفى في منع القياس ما علموه من فرضية الفاتحة دون غيرها، فهذا كافٍ لمنع القياس؛ لأنَّ منعه لهم من القراءة المندوبة لمفسدة المنازعة لا يلزم منه منعُه لهم من القراءة الواجبة؛ للفرق المعلوم بين الفرض والنفل، وهذا واضحٌ جدًّا، والله أعلم.
(18/180)

- 2 -
[ص 7] وأما حديث: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة" فالحفَّاظ مجمعون على ضعفه، وسيأتي توجيه ذلك إن شاء الله تعالى بما لا يمسُّ عظمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقد تأوَّله البخاري رحمه الله تعالى على فرض صحَّته: بأنه عام مخصوص بحديث عبادة، فتخرج منه الفاتحة.
أقول: وتخرج أيضًا الزيادة على الفاتحة في السرية بحديث عمران بن حصين الذي تقدَّم.
وقد روى الإِمام أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً قرأ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؛ فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من قرأ منكم ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؛ فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كل ذلك يسكتون، ثم قال رجل: أنا، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.
وقال عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلاً قرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من صلَّى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة.
هكذا في "سنن الدارقطني": حدثنا أبو بكر النيسابوري عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ثنا عمِّي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان، فذكره.
(18/181)

ثم قال الدارقطني: أبو الوليد هذا مجهول.
أقول: كنية عبد الله بن شدَّاد أبو الوليد، فالله أعلم.
وقد أخرج الطحاوي الحديث الثاني في "شرح معاني الآثار"، ولفظه: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
أخرجه من طريق الثوري، ولم يذكر جابر.
وأخرجه من طريق إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
فالحديث الأول في قراءة سبح اسم ربك الأعلى هو حديث عمران بن الحصين بعينه. ولفظه عند مسلم: عن عمران بن حصين قال: صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: أيكم قرأ خلفي ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلاَّ الخير، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.
وقد روى محمد بن الحسن في "كتاب الآثار" الحديث الثاني عن أبي حنيفة رحمه الله، وليس فيه ذكر الظهر والعصر. وكذا رواه البيهقي وغيره من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة.
والذي يغلب على الذهن أنَّ قوله "في الظهر والعصر" إنما هي في
(18/182)

الحديث الأول، كما ثبتت في حديث عمران؛ فحذْفها من الحديث الأول وإدراجها في الثاني سهو لعلَّه [ص 8] من ابن أخي ابن وهب، أو من أبي بكر النيسابوري، أو غيرهما، والله أعلم.
فالحديث الأول يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديث عمران من جواز قراءة المأموم غير الفاتحة في السرية.
وأما الحديث الثاني فإن كان الأمر ما ظنناه من أنَّ ذكر "الظهر أو العصر" فيه مدرج، فقد تقدَّم الكلام عليه أنه عام وحديث عمران مع حديث جابر الأول خاص. وإلاَّ فالجمع بين الحديثين بأنَّ المأموم إذا لم يقرأ غير الفاتحة في السرية كَفتْه قراءة الإِمام في حصول الثواب، وإن قرأ فلا حرج. ولهذا لم ينهَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل عن القراءة، ولا ذكر له أنها تُخِلُّ بالصلاة، واقتصر على قوله: "قراءة الإِمام له قراءة"، وهذا لا يُشعِر بالنهي عن القراءة، وإنما يشعر بأنه إذا لم يقرأ كَفتْه قراءة الإِمام؛ أي: فيما سوى الفاتحة كما علمْت. والله أعلم.
ثم حكى الشارح عن ابن قدامة في "الشرح الكبير" قوله: (وممن كان لا يرى القراءة خلف الإِمام: علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والأسود وإبراهيم وسعيد بن جبير).
قلت: أكثر هؤلاء اختلفت الرواية عنهم؛ فروي عن بعضهم إيجاب الفاتحة على المأموم ولو في الجهرية. وعن بعضهم إيجابها في السرية فقط. وروي إيجابها ولو في الجهرية عن جماعة من الصحابة غير من ذكر.
(18/183)

قال البخاري في "جزء القراءة": (وقال عمر بن الخطاب: اقرأْ خلف الإِمام، قلت: وإن قرأتَ، قال: نعم وإن قرأتُ.
وكذلك قال أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وعبادة رضي الله عنهم.
ويُذكر عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وعدَّة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال القاسم بن محمد: كان رجال أئمة يقرؤون خلف الإمام.
وقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ خلف الإمام.
وقال أبو وائل عن ابن مسعود: أنصِتْ للإمام.
وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يقرأ خلف الإمام فيما سكت الإمام.
وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر.
وكانت عائشة رضي الله عنها تأمر بالقراءة خلف الإمام ...
وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة.
وكذلك قال عبد الله بن الزبير ...
وقال ابن خُثَيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقرأُ خلف الإِمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر، ثم أنصتَ حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.
(18/184)

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يقرأ سكت سكتةً.
وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن وميمون بن مهران وغيرهم وسعيد بن جبير يرون القراءة عند سكوت الإمام إلى نون {نَعْبُدُ} ...
وقال الحسن وسعيد بن جبير [ص 6] وحميد بن هلال: اقرأْ بالحمد يوم الجمعة.
وكان سعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي، وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير، وأبو المليح، والقاسم بن محمد، وأبو مجلز، ومكحول، ومالك، وابن عون، وسعيد بن أبي عروبة = يرون القراءة.
وكان أنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري يسبحان خلف الإِمام).
ثم أسند عن جابر: اقرأْ في الظهر والعصر خلف الإمام، وعن ابن عمر وقد سئل عن القراءة خلف الإِمام؛ فقال: ما كانوا يرون بأسًا أن يقرأ بفاتحة الكتاب في نفسه.
ثم أسند بعد ذلك كثيرًا من هذه الآثار, وأسند عن أمير المؤمنين علي: أنه كان يأمر ويحب أن يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
وأسند عن عبد الله بن مغفَّل أنه كان يفعل ذلك.
ثم قال الشارح: (وقال ابن قدامة في "المغني": وأيضًا فإنه إجماع؛ قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا
(18/185)

تُجزئ صلاةُ من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر = ما قالوا لرجل صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة).
أقول: يريد: وقرأ إمامه جهرًا، كما لا يخفى. وبعد أن تواترت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة على أنه لا تُجزئ صلاة من لم يقرأ بالفاتحة، ولم يثبت ما يُخرِج المأموم من هذا العموم؛ بل ثبت ما ينصُّ على أنه داخلٌ فيه، وثبت عن جماعة من الصحابة النصُّ على ذلك، وثبت مثل ذلك عن جماعة من أئمة التابعين، فلا معنى لكونهم لم ينصُّوا على أنَّ صلاة المأموم إذا لم يقرأها في الجهرية باطلة؛ لأنَّ ذلك من السنة المتوترة التي احتجُّوا بها.
فمن زعم أنهم كلهم كانوا يقولون بوجوبها، ويقولون مع ذلك إذا تركها المأموم في الجهرية لا يعيد الصلاة = فعليه البيان، وإلاَّ فالظاهر بيد خصمه. نعم، لم يكونوا يشدِّدون على من رأوه لا يقرأ؛ لعلمهم أنَّ المسألة من مسائل الاجتهاد.
وقد تقدَّم قول البخاري: "وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة"، وقال في موضع آخر: "وقال ابن عُليَّة عن ليث عن مجاهد: إذا نسي فاتحة الكتاب: لا تعدّ تلك الركعة".
أقول: وأما مذهب أبي هريرة فمشهور.
ثم إنَّ من أصل الإمام أحمد الثابت عنه: أنَّ الإجماع لا يمكن العلم به، وإنما للعالم أن يقول: لا أعلم مخالفًا، ومن أصله: أن هذا لا يكون حجة يُردُّ بها كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والله تعالى أعلم.
(18/186)

[ص 5] ثم قال ابن قدامة: "ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق؛ فلم تجب على غيره، كالسورة".
أقول: إنما يصحُّ القياس لو ثبت أنَّ السقوط عن المسبوق لا علة له إلاَّ عدم الوجوب، وليس هذا بمسلَّم؛ بل العلَّة في سقوط الفاتحة عن المسبوق عند من يقول به هي التخفيف عنه، لئلاَّ تلزمه المشقة، مع أنه قد أدرك معظم الأركان. وعلى كل حال فهذا القياس معارض للنص؛ فهو فاسد الاعتبار.
مع أنَّ البخاري رحمه الله تعالى اختار أنَّ من أدرك الإِمام راكعًا فركع معه لم تُحسَب له ركعة، ونقله عن جماعةٍ من الصحابة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
قال الشارح: (ولأنَّ الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذلك في الصلاة).
أقول: يُطلَب جواب هذا القياس من الذي قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة كما في الصحيح. والقائل: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل"، ثم فسَّر الصلاة بالفاتحة. ومن القائل: "لا تُجزِي صلاةٌ لا يُقرأ فيها بأم القرآن".
ثم قال الشارح: (وقال الإِمام أحمد رحمه الله وغيره: إنه يُستحب أن يقرأ في سكتات الإِمام وفيما لا يجهر فيه، وإنما ذهبوا إلى أن يقرأ فيما يجهر في سكتات الإمام، لئلا تلزم القراءة حين قراءة الإِمام. وفي السر لم يطَّلِع المأموم على سكتات الإمام فيجب عليه أن لا يقرأ في السرِّ مطلقًا؛ لأنه
(18/187)

يمكن أن تقع قراءته في وقت قراءة الإِمام، وقد نُهِي عنه).
قلت: قد بيَّنا فيما تقدَّم أنه لم يثبت دليل على منع المأموم من القراءة إلاَّ حديث عبادة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ، إلاَّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وأما ذهاب من ذهب إلى أنه يقرؤها في سكتات الإمام فذلك استحباب لاستماع قراءة الإِمام مع التدبُّر التام - واستماع القرآن مع التدبُّر أمرٌ مستحبٌّ إجماعًا ولو في غير الصلاة - ولظنهم أنَّ في الآية أو بعض الأحاديث التي تقدّمت دلالة على إيجاب الإنصات.
وقد بيَّنا أنه إن كان في الآية دلالة على وجوب الإنصات، فالمراد به أن يستمع جهرَ الإِمام ولا يجهر، وقد عقَّبها ببيان ذلك، فأمرَ المأمورَ بالإنصات أن يذكر الله تعالى في نفسه دون الجهر. وكذلك تلك الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" إن صحَّت. ونحن نستحبُّ ذلك، ولكن إذا قصَّر الإمام في السكوت لم نترك الفريضة لأجل المستحب.
***
(18/188)

- 3 -
[الأوراق بين: 86 - 87]
[ص 1] بسم الله الرحمن الرحيم
قد قدّمنا الكلام على ما أدرجه الشارح في الكلام على المسألة الأولى، من الكلام على المسألة الرابعة. وقد تكلَّم عليها ثانيًا في بابها الذي ترجم له الترمذي بقوله: (باب ما جاء في القراءة خلف الإمام) والباب الذي يليه، فسأقتصُّ أثره في هذين البابين، وأسأل الله تعالى التوفيق.
قال عافاه الله: (قوله: "لا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن" فيه دلالةٌ على أنهم كانوا يقرؤون خلف الإِمام غير أم القرآن ... ، فنسخ من هذا اليوم قراءة غير أم القرآن خلف الإِمام؛ أعني: فرضية غير أم القرآن الذي كان قراءته فرضًا قبل هذا).
أقول: قد تقدَّم أنَّ قراءة شيءٍ من القرآن مع الفاتحة لم يكن فرضًا قط.
وتقدَّم أنَّ حديث عبادة إنما نُهي فيه (1) عن قراءة غير أم القرآن إذا جهر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي "سنن الدارقطني": أخبرنا ابن صاعد ثنا عبيد الله بن سعد ثنا عمي ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول بهذا، وقال فيه: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر؟ " قلنا: أجل والله يا رسول الله، هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
__________
(1) في الأصل: "فيها".
(18/189)

وكذا في روايات أخرى التقييد بالجهر.
وسنعقد لهذا الحديث فصلاً مستقلًّا، إن شاء الله تعالى.
وزَعْم الشارح أنَّ هذا الحديث ناسخٌ، فيه كلامٌ سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.
قال الشارح: (قوله: "فإنه لا صلاة ... " إلخ؛ فيه دلالة على أنَّ قراءة أم القرآن خلف الإمام إنما هو لكونها فرضًا ... ثم نُسِخت فرضيتها أيضًا في الصلاة فيما بعد؛ كما رواه ... عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ قال رجلٌ: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن". هذا لفظ النسائي).
أقول: هذا حديث ابن أُكيمة، وقد تقدَّم الكلام عليه، وسأتتبَّعُ هنا كلام الشارح.
قال: (الاستفهام فيه للإنكار).
أقول: هذا إخراجٌ له عن حقيقته بلا دليل، وقد أجابه الرجل بقوله: نعم، أنا يا رسول الله. والاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.
والمتقدِّمون إنما فهموا النهي من الحديث من وجوهٍ أخر.
أحدها: أنَّ الاستفهام يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل ذلك؛ إذ لو كانوا مأمورين بها لكان - صلى الله عليه وسلم - عالمًا بأنهم يقرؤون، فكيف يستفهمهم؟
وهذا الوجه يردُّ دعوى الشارح أنَّ هذا الاستفهام إنكاري؛ إذ كيف ينكر عليهم أمرًا عملوه طاعةً لله ورسوله، فلو أراد النسخ لقال: "كنتُ أمرتكم بالقراءة فلا تفعلوا" أو نحو ذلك.
(18/190)

الوجه الثاني: قوله: "هل قرأ معي أحدٌ منكم"، ولو كانوا مأمورين قبل ذلك بالقراءة لَعَلِم - صلى الله عليه وسلم - أنهم قرأوا كلهم؛ فكيف يقول: "هل قرأ معي أحدٌ منكم؟ ".
الوجه الثالث: قوله: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن"؛ وهذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل:20].
وهذا يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين من قبل؛ إذ لو كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم كانوا مأمورين بالقراءة لعلم أنهم [ص 2] يقرؤون، ولو علم أنهم يقرؤون مع علمه أنّ القراءة توجب المنازعة لما كان هناك وجه للتعجُّب.
فهذه الوجوه تدلُّ على أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل.
فإما أن لا يكونوا أُمِروا قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولًا ثم نُسِخ ذلك قبل هذه الواقعة. وعلى الثاني فيكون هذا الحديث دليلًا على سَبْقِ ناسخٍ، لا ناسخًا بنفسه كما زعمه الشارح.
على أنه لو كان الاستفهام إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان هذا المعنى بحاله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري يُطلق في معنيين:
الأول: الإنكار الإبطالي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأنّ مدَّعيه كاذب.
الثاني: الإنكار التوبيخي؛ وهو يقتضي أنّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأن فاعله ملوم؛ قاله ابن هشام في "المغني" وغيره.
(18/191)

فلو كان الاستفهام في الحديث إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان فيه توبيخ وملامة للقاريء. وكيف يجوز أن يوبِّخهم ويلومهم على القراءة التي أُعْلِموا قبل ذلك بوجوبها عليهم، ولم يُنهَوا عنها إلى وقت الاستفهام؟
فيجب إذنْ ما قدَّمناه؛ أنه إما أن لا يكونوا أُمِروا بالقراءة قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولاً ثم نُسخ ذلك قبل هذه الواقعة، والله أعلم.
الوجه الرابع: ما فيه من أنَّ قراءتهم معه - صلى الله عليه وسلم - موجبة لأن ينازع القرآن، وإعلامه لهم بهذا ربّما يشعِر بالنهي. وفي هذا الأخير نظر، وإلاَّ لكان قوله في حديث عمران: "قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها" مُشعِرًا بالنهي أيضًا، والشارح لا يقول بذلك. وقد مرَّ قول قتادة: "لو كرهها لنهى عنها".
وعندي أنَّ بينهما فرقًا سيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.
ثم قال الشارح: (وفيه النهي عن القراءة مطلقًا).
أقول: سيأتي الكلام على هذا قريبًا إن شاء الله تعالى.
قال: (وحديث أبي هريرة هذا لا بدَّ أن يكون بعد حديث عبادة؛ لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).
أقول: ومتى ثبت أنَّ النهي في حديث ابن أُكيمة عن القراءة مطلقًا؟
قال: (والقول بأنَّ المنازعة إنما تكون مع جهر المؤتمّ لا مع إسراره [لا يصحُّ]؛ لما روى مسلمٌ عن عمران بن حصين ... ، والقراءة في الظهر تكون سرًّا باتفاق الأمة).
(18/192)

أقول: لا حاجة إلى هذا الاستدلال؛ فإنَّ القائلين بأنَّ المؤتمَّ يقرأ يقولون: يقرأ سرًّا مطلقًا. والقائل بأنَّ المنازعة إنما تكون إذا جهر المأموم يقول: قد يخالف المأموم السنة فيرفع صوته.
وقد مرَّ في الكلام على آية الإنصات ما رُوِي عن مجاهد: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار ... ".
وما رُوي عن ابن مسعود: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: "خلَّطتم عليَّ القرآن".
وفي "سنن البيهقي": عن أبي هريرة أنَّ ابن حذافة صلَّى فجهر بالقراءة؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا ابن حذافة! لا تُسمِعْني وأَسْمِع الله عزَّ وجلَّ".
وفي بعض روايات حديث عمران في "صحيح مسلم" ما يُشعِر بأنَّ الرجل رفع صوته ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، قال عمران: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الحديث.
ورأى القائل بأنَّ المنازعة لا تكون إلاَّ إذا جهر المأموم أنَّ المنازعة هي ما جرت به العادة، أنَّ الرجل إذا قرأ وكان رجلٌ آخر يقرأ بحيث يسمعه تختلط عليه القراءة.
وفي هذا نظر. والذي يظهر أنَّ المخالجة والمنازعة والالتباس المذكورات في حديث عمران وابن أكيمة وعبادة أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ سورة غير الفاتحة، وقرأها معه أحدٌ ممن يصلَّي خلفه. وسيأتي إيضاح هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(18/193)

والدليل على أنَّ ذلك الأمر الروحاني كان يحصل ولو لم يرفع المأموم صوته قولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة: "هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟ " وفي حديث ابن أُكيمة: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ " ثم قوله: "وأنا أقول ما لي أُنازَع القرآن"
[ص 3] يريد - والله أعلم -: فأَنْصِتوا عما سوى الفاتحة، وقوله: "وإذا قرأ" أي: جهرًا؛ بحيث تسمعون صوته؛ بقرينة قوله: "فأنصتوا"، فإنَّ الإنصات عند أهل اللغة هو السكوت للاستماع، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وبهذا تتفق الأدلة، ولله الحمد.
ما يحتجُّ به من قال: إنَّ المأموم لا يقرأ أصلاً
احتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة.
[ص 2] ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة = لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).
أقول: دليله اتفاق الحديثين في أمور:
الأول: في أنَّ الصلاة كانت الصبح.
الثاني: في حديث عبادة: أنَّ القراءة ثقلت أو التبست على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي حديث أبي هريرة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن".
والمعنى واحد؛ في أنَّها ثقلت أو التبست عليه، وأنه نوزع فيها.
(18/194)

الثالث والرابع: في حديث عبادة: "إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا".
وفي روايةٍ: "فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؛ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك".
وفي روايةٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "هل تقرءون في الصلاة معي؟، قلنا: نعم".
وفي روايةٍ: "فلما انصرف قال: منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟ قلنا: نعم".
وفي حديث أبي هريرة: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟، قال رجلٌ: نعم، أنا يا رسول الله".
وفي روايةٍ: "هل قرأ منكم أحدٌ؟؛ فقالوا: نعم يا رسول الله".
فها أنت ترى أنَّ المعنى واحدٌ. هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم فأجابوا أو بعضهم بنعم.
الخامس: في حديث عبادة: "فثقلت عليه القراءة".
وفي روايةٍ: "فالتبست عليه القراءة".
وفي حديث عبادة: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن".
والمعنى واحدٌ؛ لأنه إذا نُوزعَ القرآن ثقلت عليه القراءة والتبست.
السادس: في حديث عبادة: "فلا تفعلوا"، وفي حديث أبي هريرة: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن؟ "؛ والمعنى متقاربٌ؛ لما قدَّمنا أنَّ هذا التعجُّب
(18/195)

مشعرٌ بالنهي.
ولم يختلف الحديثان إلاَّ في أمرٍ واحدٍ؛ وهو أنَّ في حديث عبادة استثناء الفاتحة، ولم يذكر هذا في حديث أبي هريرة.
ولكن حديث أبي هريرة بيَّن أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سألهم: هل قرأ أحد منهم معه السورة بعد الفاتحة؟
وهذا مما فتح الله به عليَّ، ولله الحمد.
وهو واضحٌ جدًّا، وذلك أنَّ قراءة الفاتحة كانت مفروضة على المأمومين قبل ذلك، والشارح معترفٌ بهذا.
فمن المحال أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنَّ الفاتحة مفروضة عليهم، ومع ذلك يسألهم: هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفًا. يريد هل قرأ الفاتحة أو غيرها.
فتعيَّن أنَّ المراد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ لأنهم لم يكونوا مأمورين بقراءة غير الفاتحة، كما بيَّناه من قبل.
فكان محتملاً فقط أنَّ بعضهم قرأ؛ فلهذا سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك السؤال، فعلم الصحابة رضي الله عنهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليسألهم هل قرؤوا قراءةً مطلقًا، كيف وهو - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم، لا بد أن يقرؤوها.
فعلموا أنه إنما يريد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله؛ فقال: وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن؛ فأشعرَ هذا بالنهي عن أن يتحرَّى إنسانٌ فيقرأ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يقرأه بعد الفاتحة.
(18/196)

فإنَّ قوله "معي" يشعر بأنَّ المراد: قرأ عين ما قرأته، ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم في الكلام على حديث عمران.
وإنما صرَّح في حديث عمران بقوله: "هل قرأ أحدٌ منكم ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} " لأنه - صلى الله عليه وسلم - قرأها سرًّا، لأن الصلاة كانت ظهرًا، فلو قال: هل [قرأ] أحدٌ منكم معي؟ لما عُلِم المقصود.
وأما في حديث أبي هريرة فإنَّ قراءته - صلى الله عليه وسلم - كانت جهرًا، فاكتفى بقوله: هل قرأ أحدٌ منكم معي؛ لأنهم يعلمون ما قرأ، بأبي هو وأمي.
ينجبر ذلك بما عُرِف من مذهبه، وفي "صحيح مسلم": " ... فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإِمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك ... ".
وفي روايةٍ للحميدي على شرط مسلمٍ: " ... قلت يا أبا هريرة: إني أسمع قراءة الإِمام، فقال: يا فارسي، أو يا ابن الفارسي، اقرأ بها في نفسك".
ومذهبه في ذلك مشهور.
ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى يمنع الاستدلال بما روى.
وأما الشافعي وأئمة الحديث فالعبرة عندهم بما روى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ مخالفته لمرويِّه تُورِث فيه شبهةً.
[الأوراق بين: 90 - 91]
فإذا انضمَّ إلى رأيه دليل آخر لم يمتنعوا من ردِّ روايته حينئذٍ أو تأويلها.
والقرائن التي قدَّمناها يحصل بها أو بدونها غلبة الظن باتحاد القصة، ومثل ذلك كافٍ في الدلالة عند أهل العلم.
(18/197)

وغاية الأمر أنَّ عبادة زاد زيادة سكت عنها أبو هريرة، ولكنه كان يفتي بمقتضاها.
هذا مع أنَّ ابن أكيمة ليس بالمشهور.
وقد قال فيه ابن سعد: "روى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتجُّ بحديثه، ويقول هو مجهول".
وقال أبو بكر البزَّار: "ابن أُكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلاَّ الزهري، وقال الحميدي: هو رجلٌ مجهول".
وقدَّمنا أنَّ من قوَّاه استند إلى مستند ضعيف؛ وهو أنه حدَّث سعيد بن المسيِّب والزهري يسمع.
فمثل هذا إذا روى حديثًا عن صحابي، وكان ذلك الحديث مخالفًا لمذهب ذلك الصحابي، وكان لمذهب ذلك الصحابي دليل ثابت لم يشكَّ متدبِّر في وجوب ردِّ تلك الرواية أو تأويلها، والتأويل هنا قريب.
وكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا في تلك القصة؛ فسمع بعض كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخفي عليه آخره، فأخبره غيره من الصحابة بحاصله.
ولذلك - والله أعلم - ترك رواية القصة فلم يروِها عنه أصحابه المشهورون، وعددهم لا يحصى، وروايتهم عنه مملوءة بها كتب الحديث.
وحدَّث بها مرَّةً واحدةً سمعها منه هذا الرجل إن كان سمعها، وعسى أن يكون أبو هريرة لما ذكرها ذكر معها ما يدلُّ على استثناء الفاتحة، فلم يحفظه ابن أكيمة، والله أعلم.
(18/198)

فإن قيل: هب أنَّ القصة واحدة فإنَّ في حديث عبادة زيادة معارضة لما يفهم من حديث أبي هريرة من الإطلاق.
قلت: غايته أنه يجب الترجيح بينهما، ولا ريب أنَّ حديث عبادة أرجح؛ لأنَّ سنده أثبت، ولأنَّ راويه - وهو عبادة - كان يعمل ويفتي على وفقه، وأبو هريرة كان يعمل ويفتي على خلاف إطلاق حديثه.
وحديث عبادة موافق لقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205]، على ما تقدَّم في الكلام على آية الإنصات.
وموافق لحديث عمران بن الحصين.
وموافق لعموم دلائل وجوب الفاتحة، وغير ذلك.
وله شواهد من حديث أنس، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإن لم تقنعك الدلائل المتقدِّمة على اتحاد القصة أو ردِّ رواية ابن أكيمة فلا علينا أن نجاريك في ذلك؛ فنقول: هب أنَّ حديث ابن أكيمة ثابت، وأنهما واقعتان.
فلا يخلو أن يكون حديث عبادة متقدِّمًا أو متأخرًا.
فإن كان متقدِّمًا فهو مخصِّص لحديث أبي هريرة؛ على قول الشافعية والجمهور إن العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدِّم؛ بل يُعمل بهما معًا، فيُحمَل الخاص على خصوصه، والعام على ما بقي.
وإن كان حديث عبادة متأخرًا فهو ناسخٌ لحديث أبي هريرة عند
(18/199)

الحنفية، وناسخٌ أو مخصِّصٌ عند غيرهم.
فإن قلت: أنا أختار أنه متقدِّمٌ، وأقول بمذهب الحنفية؛ أنَّ العام المتأخر ينسخ الخاص [ص 20] المتقدَّم.
قلنا: فما دليلك على تقدُّم حديث عبادة؟
قال الشارح: (لأنه لو كان أبو هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نهيه عنها، وهو بعيد).
قلنا: فقد بقي أبو هريرة نفسه يفتي بالقراءة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا وهو راوي الحديث. وهكذا عبادة؛ بقي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وراء الإمام في ما يجهر فيه الإِمام، ويفتي بذلك. فما بالك بغيرهما؟
ولعلهم لم يفهموا مما رواه أبو هريرة نهيًا؛ لأنه ليس بصريح. ولعلَّ من قرأ منهم في حديث عبادة لم يكن سمع الحديث الذي رواه أبو هريرة، وقد بقي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة من جلَّة الصحابة - منهم أمير المؤمنين عمر، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وغيرهما - يقرؤون خلف أئمتهم ويفتون بذلك. وقد تقدَّم كلام البخاري رحمه الله تعالى، وسيأتي زيادة عليه إن شاء الله تعالى.
وفي كتاب "الاعتبار" للحازمي فصل نقله عن الحميدي، أوضح فيه أنَّ حديث عبادة هو الناسخ لحديث أبي هريرة؛ فانظره فيه إن شئت.
وأنت إذا تدبَّرت ما ذكرناه وآثرت الحق فلا أقلَّ من أن تتوقَّف عن الحكم لأحد الحديثين بالتقدُّم.
وعلى هذا فمذهب الشافعي وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى حمل
(18/200)

العام على الخاص؛ فيعمل بالخاص في خصوصه، وبالعام فيما سواه، ومذهب الحنفية التوقُّف، والعمل بالراجح. وقد قدَّمنا أنَّ حديث عبادة هو الراجح.
هذا كلَّه مجاراة، والصواب ما قدَّمناه: أنَّ الحديثين عن قصة واحدة، والله أعلم.
ثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّف؛ بل علة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علَّة النهي المنازعة. وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة؛ سواء فيها بدون فرق، فهذه العلَّة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها، سواء بسواء).
أقول: إنما التعسُّف ما كان بغير حجَّة، وقد قدَّمنا الحجة في ذلك، ولو لم يكن على الحمل المذكور دليل إلاَّ ما عُرِف من فتوى أبي هريرة لكان كافيًا لمنع الشارح عن أن يقول: تعسف؛ لأنَّ مذهب إمامه أنَّ فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تمنع الاحتجاج بمرويِّه. والشارح نفسه قد احتجَّ بمثل هذا؛ كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: (إنَّ الشارع بيَّن أنَّ العلَّة المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة)؛ فهذه دعوى لا دليل عليها؛ لأنّ المنازعة على ما يقتضيه صنيع الشارح فيما مرَّ، وهو الذي يظهر لي أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما يقرأ المأمومون معه.
ولسنا ندري هل كان يعرض له إذا قرأ المأمومون الفاتحة، أم كان لا يعرض له إلاَّ إذا قرأوا غيرها، أم كان لا يعرض له إلاَّ إذا قرأ أحد المأمومين
(18/201)

عين السورة التي يقرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفاتحة؛ كما يؤخذ من حديث عمران، على القول بأنَّ الذي قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قرأها سرًّا. فمن أين له الجزم بأنَّ المنازعة تقع بقراءة الفاتحة كما تقع بغيرها؟
[ص 19] فإن قال: أخذته من إطلاق الحديث، فإنه سألهم: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن.
فالجواب: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسألهم هذا السؤال (1).
...
__________
(1) بعده بياض كبير في بقية الصفحة.
(18/202)

- 4 -
[ص 12] مع أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا" مخاطبة لهم في قضية عرضت، وليس من الكلام الذي يُقصد به تأسيس أصل شرعي، كقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله: "كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"، ونحو ذلك.
وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كله حقٌّ، ولكن الكلام الذي تؤسَّس به قاعدة شرعية يحتاط له مالا يحتاط لما كان من المخاطبات العارضة. فإنه قد يعتمد في هذه على قرائن يعلمها المخاطب، وإن لم يدلَّ عليها اللفظ.
وقد علمت أنَّ ترك لفظ "قرأ" على إطلاقه يستدعي افتراض ناسخ ينسخ تلك القواعد الشرعية الكلية. ومثل هذا الافتراض لا يثبت بمجرد ذلك الظاهر الضعيف؛ فقد بان الصبح لذي عينين.
فإن لم يُقنِعك ما ذكرنا فأقل ما يجب عليك أن تعلم أنك إذا لم تستبعد أن يكون حديث ابن أُكيمة ناسخًا لوجوب الفاتحة، وناهيًا عنها وراء الإِمام، مع أنَّ جمهور الصحابة - ومنهم أبو هريرة راويه - لم يزالوا بعده يقرؤون الفاتحة وراء الإمام ويفتون بذلك = فليس لك أن تستبعد أن يبقى بعضهم بعده يقرؤون غير الفاتحة بعد الإمام، وإذا لم يكن لك أن تستبعد هذا لم يبق بيدك دليل على تأخر حديث ابن أكيمة عن حديث عبادة؛ لأنك إنما احتججت على تأخره بقولك: (لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أن الصحابة يقرؤون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).
(18/203)

وإذا سقط دليلك على تأخره فقد احتجَّ الحميدي على تقدُّمه - كما نقله الحازمي في الاعتبار - بأنَّ مذهب راويه أبي هريرة يدلُّ على تقدُّمه، ويقوِّيه ما عرفت من موافقة جمهور الصحابة له.
لعلك تقول: هذا هو الدليل الأول الذي لم أقنع به.
فنقول: لا حرج، هَبْ أنه لم يقم دليل على تقدّمه ولا تأخره؛ فإنه يُرجع حينئذٍ إلى الترجيح. ولا شك أنَّ حديث عبادة وشواهده أرجح مع ما يعضده من النصوص العامة الثابتة في الصحيحين أو أحدهما.
فأما قول الشارح: (إنَّ علة النهي المنازعة، وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها)؛ فإن كان مقصوده تأكيد ما قاله من أنَّ لفظ "قرأ" مطلق، فالذي قدمناه من أنَّ المراد به قراءة غير الفاتحة أقوى وأوضح. مع أنَّ المنازعة كانت موجودة في حديث عبادة، وقد صرَّح فيه باستثناء الفاتحة.
وإن كان مقصوده أنه إن سلَّم أن لفظ "قرأ" عني به قراءة غير الفاتحة؛ فتلحق الفاتحة بالنهي قياسًا؛ لأنَّ علة النهي المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة. فالجواب: لا نسلَّم أن المنازعة هي علة النهي.
لِم لا تكون العلة هي الإخلال بالاستماع لغير موجب، وإنما ذكر المنازعة في الحديث لأنه استدلّ بها على أنَّ بعض من خلفه قرأ بغير الفاتحة.
أو يكون كل من المنازعة والإخلال المذكور جزء علَّة، والعلَّة مجموعهما.
ولو سلَّمنا أنَّ المنازعة هي العلَّة فنقول: قد أثبتنا أنَّ القراءة المنصوصة
(18/204)

هي قراءة غير الفاتحة، وقراءة غير الفاتحة غير واجبة؛ فينبغي أن يُلحظ هذا الوصف؛ فيقال: المنازعة لغير موجب.
ولو سلَّمنا إلغاء هذا الوصف، وثبوت أنَّ العلَّة هي المنازعة مطلقًا فلا نسلِّم أنها كانت تحصل منازعة بسبب قراءة الفاتحة.
ولا يلزم من حصول المنازعة بغير الفاتحة حصولها بالفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يدرك بالقياس.
ولو سلَّمنا حصول المنازعة بالفاتحة فغايته أن ينتظم القياس، ولكنه يكون فاسد الاعتبار؛ لمعارضته النص في حديث عبادة على وجوب الفاتحة، ولو أدَّت إلى المنازعة، والقياس لا ينسخ النص.
ولو فرضنا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المقتدين به عن قراءة الفاتحة معللًا ذلك بالمنازعة فلا يلزم من ذلك عدم وجوب الفاتحة على المأموم مطلقًا؛ لاحتمال أنها سقطت عنهم دفعًا للمنازعة، كما يسقط القيام عن العاجز.
وعلى هذا فلا يدلُّ ذلك إلا على سقوط الفاتحة عن المقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ المنازعة مخصوصة به - صلى الله عليه وسلم -، فأما غيره فإنه لا يحسُّ بمنازعة، كما هو مشاهد.
والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والله أعلم.
ثم قال الشارح: (وكذا القول بنسخ حديث أبي هريرة لا يصحُّ؛ لما بيَّنا أنَّ حديث أبي هريرة بعد حديث عبادة).
أقول: قد تقدَّم أنَّ ما استُدِلَّ به على تأخر حديث أبي هريرة يدلُّ على وجوب حمله على ما دون الفاتحة؛ بل دلالته على هذا أوضح.
(18/205)

فإن أصرَّ على الاستدلال بذلك الدليل لزمه حملُ الحديث على ما دون الفاتحة، وإن ترك الاستدلال لزمه نسخ حديث أبي هريرة أو تأويله أو سقوطه لرجحان معارضه، (أشقرُ إن تقدّم تُنحَرْ، وإن تأخر تُعقَرْ).
ثم قال: (وأما ما قيل إنَّ أبا هريرة أفتى بقراءة الفاتحة خلف الإِمام ففيه أن لا حجة في قول أحد بمقابلة الحديث المرفوع، ولا يكون عمل الراوي خلاف روايته دليلًا على ضعفه ...).
أقول: لم يعارض ذلك القائل الحديث بقول الصحابي، وإنما استدلَّ بمذهب أبي هريرة على ضعف الحديث أو تأويله أو نسخه.
ومثل هذا الاستدلال صحيح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وأما الشافعي والمحدِّثون فالعبرة عندهم بما روى دون ما رأى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف روايته يورث الرواية وهنًا ما؛ فإذا انضمَّ إليه موهنٌ آخر قوي الوهَن، إلى أن تسقط الرواية أو تؤوَّل، وقد تقدَّم هذا المعنى.
ثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها).
أقول: قد علمت جوابه، وقد أسلفنا في أواخر الكلام على المسألة الأولى أنه لو فُرِض ثبوت نهي المأموم عن قراءة الفاتحة لما دلَّ ذلك على نسخ ركنيتها مطلقًا؛ كمطلق القراءة عند الحنفية.
[ص 31] ثم قال: (وعلى هذا إجماع، قال ابن قدامة في المغني: وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام ...).
(18/206)

أقول: قد تقدَّم نقل هذا الكلام وجوابه.
ثم قال: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل فعلم به أنَّ الفاتحة ليست بركن).
وقد مرَّ جوابه في الكلام على المسألة الأولى.
ثم ذكر زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وقد مرَّ بيانُ ضعفها من الطريقين، وأنها لو صحَّت في حديث أبي هريرة تكون منسوخة بحديث عبادة وغيره، وأما في حديث أبي موسى فعلى أصول الحنفية تسقط لمعارضتها لعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الفاتحة، والتاريخ مجهول. وأما على أصول الشافعية وغيرهم فيكون الأمر بالإنصات محمولًا على الإنصات عن غير الفاتحة، وإنما يكون الإنصات إذا سمع قراءة الإمام كما قدمناه.
والشافعية يقولون بهذا: إنَّ المأموم إذا كان يسمع صوت الإمام في الجهرية يقرأ الفاتحة فقط، ثم ينصت لقراءة الإمام.
وبذلك يحصل الجمع بين هذه الزيادة إن صحَّت وبين سائر الأدلة، والله أعلم.
ثم أعاد الاستدلال بآية الانصات، وحديث المسيء صلاته، وحديث أبي هريرة: "لا صلاة إلاَّ بقراءة" على نسخ ركنية الفاتحة.
وقد مرَّ الكلام على ذلك كله.
ثم ذكر حديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
(18/207)

- 5 -
فاستمع الآن ما يلقى إليك:
قد ثبت بالثلاثة الوجوه الأولى أن هذا الحديث يدل أنَّهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة؛ بل إما أن لا يكونوا أُمِروا بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها أولًا، ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث.
إذا تقرَّر هذا فقد علمت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإِمام.
وقد نصَّ على وجوبها على المأموم وإن جهر الإمام في حديث عبادة.
فحديث ابن أُكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها؛ فإن كان قبلها فهو منسوخٌ بها قطعًا، وإن كان بعدها فلا.
فالثلاثة الوجوه المتقدمة توجب أحد أمرين:
إما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها ما يصدق على الفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوب الفاتحة.
وإما أن يُحمل قوله: "هل قرأ معي أحد منكم" على قراءة غير الفاتحة، وتكون القرينة علمهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنَّ الفاتحة كانت واجبةً عليهم، وأنهم لا يدعونها.
فهذا يمنع أن يستفهمهم هل قرأ أحد منهم ويريد الفاتحة أو ما يصدق بها، ويمنع أن يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة.
وإذن يعلمون أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما عنى غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.
(18/208)

وإذ قد تعيَّن أحد هذين الاحتمالين فلْننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.
قد يقال: مما يرجِّح الأول أنَّ فيه إبقاء لفظ "قرأ" على إطلاقه.
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أنَّ من كلامه - صلى الله عليه وسلم - ما يُساق مساق التشريع العام؛ كقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وقوله: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج"، ونحو ذلك.
ومنه ما يكون محاورة لبعض أصحابه؛ كهذا الحديث.
فما كان من قبيل الأول فهو الذي ينبغي أن يحافظ على إطلاقه وعمومه وغير ذلك.
وما كان من الثاني فالمدار فيه على العلم بالقرائن التي كانت عند المخاطب.
الوجه الثاني: أنَّ إبقاءه على إطلاقه يتوقَّف على افتراض تقدُّم ناسخ ينسخ تلك النصوص.
ولا شك أنَّ صرفه عن إطلاقه أهون من ذلك الافتراض.
ومما يرجَّح الثاني أنَّ أبا هريرة راوي الحديث ممن يفتي بوجوب الفاتحة خلف الإِمام وإن جهر.
وهذا يدلُّ أنه كان عنده حين سماعه قرينة صارفة عن الإطلاق.
ووافقه جماعة من الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر، وأمير المؤمنين
(18/209)

علي في إحدى الروايتين عنه، وأم المؤمنين عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، والإمام الجليل عبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وحبر الأمة عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفَّل.
(18/210)

الرسالة السادسة والعشرون
مسألة في إعادة الإمام الصلاةَ دون من صلَّى وراءه في الجماعة
(18/211)

[كتب أحد العلماء إلى الشيخ المعلمي ما يلي:]
عمدتي المحقق الشيخ عبد الرحمن المعلمي حفظه الله وطوَّل عمره، آمين.
"لو بان حدث الإِمام بعد الصلاة وقد صلّى بجماعةٍ لزمتْه الإعادةُ دونهم". فلم أقف على دليل هذا القول أبدًا - وقد طالعتُ وراجعت في محله - سوى تعليلات، كقولهم: نظرًا لاعتقاد المأموم تصح صلاته دون صلاة إمامه، مع أن الإِمام غير مستقل بصلاته، بل هو حامل لصلاته وصلاةِ مَن خلفه. وكان القياس صحة صلاة مَن خلفه بصحة صلاته وبطلانها ببطلانها.
وأيضًا أن قولهم "لا عبرة في الخطأ البيّن خطؤه" يقتضي لزوم إعادة صلاة من خلف الإِمام، حيث إنه تبيَّن لهم الخطأ البيِّن خطؤه.
والله يا سيدي! ما عرفتُ توجيه هذه المسألة ولا وقفتُ لها بدليل من كتاب وسنة، اللهم إلاَّ أن يكون إجماعًا. وأما القياس فغير قائلٍ لصحتها، بل يقتضي بطلانها على ما ظهر للحقير فحقِّقوا لنا، لا زلتم أهلًا لذلك.
وأما قولي "من كتاب وسنة" فعلى ما أوردت العلماء في كتبهم من النصوص، لا نفس الكتاب والسنة.
[فأجاب الشيخ بما يلي:]
الحمد لله.
لا يخفى عليكم أن الأصل في جميع الأعمال عدم الوجوب، فلا يجب علينا شيء إلا بدليل. وقد أُوجبت علينا الصلاة، وعلَّمنا النبي صلَّى الله عليه
(18/213)

وآله وسلم كيفيتها، فكان الأصل أنها تصح على كل حالة، ولكن جاء الدليل باشتراط الطهارة من المحدثين والنجس ثوبًا وبدنًا ومكانًا، واشتراط ستر العورة واستقبال القبلة ونحوها، فعُلِم أنها لا تصحُّ صلاة بدون ذلك، وأنها لا تنعقد معها، وإذا عرضت في أثنائها أبطلتها، على ما فيها من تفصيل. وكان الأصل عدم شرع جماعة، فشُرِعت. وكان الأصل أن لا يتحمل الإمام عن المأموم شيئًا، وأن فائدة الصلاة إنما هي مجرد الربط، فورد أنه من أدرك الإِمام راكعًا فركع معه أدرك الركعة، فعلمنا أنه تحمَّل عنه الفاتحة، وورد إلزام المأموم بقراءة الفاتحة فعلمنا أنه لا يحمل عنه إلاّ في حق المسبوق.
ثم الأصل أنها إذا انعقدت الصلاة لا يُبطلها إلا اختلال شرط في حقّ المصلي، فورد غيرها، كالكلام والأكل والعمل، وفيها تفصيل. وقام الدليل على أن التلبس بالعبادة الفاسدة باطل، فعلمنا أن ربط الصلاة بمن نعلم بطلانَ صلاته باطل، ولما لزم منه التلاعب لم تنعقد الصلاة، وأُلحِق به الكافر مطلقًا والمرأة وذو النجاسة الظاهرة لتقصير المقتدي، وحيث انتفى التلاعب والتقصير في حق المقتدي بالمحدث وذي النجاسة الخفية بقي على الأصل في عدم البطلان، فمن ادعى البطلان فعليه الدليل، إلاَّ أنه أُلحق بالبطلان الاقتداءُ بالكافر المخفي لكفره لغِلَظِ شأن الكفر، مع كونه لا يُتصور منه إمامةٌ أصلاً، بخلاف المحدِث فإنها تصح منه في حالة تيمُّمه، ولو نازعنا في بطلانها لمجرد التقصير لكان للنزاع حظٌّ من النظر، وبالأولى في حق الكافر المخفي لكفره.
أما الإجماع فلا إجماع، فالمسألة خلافية.
وأما الدليل فمثلنا يكتفي بكلام أهل الحواشي، وأهل الحواشي يكتفون
(18/214)

بكلام شرح "المنهاج" ونحوه، والشرَّاح يكتفون بكلام الشيخين، والشيخان يكتفيان بكلام الأصحاب، والأصحاب بكلام الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، والعهدة عليه.
ولكننا نقول: قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فلا يلزم من بطلان صلاة الإِمام بطلان صلاة المأموم إلاَّ حيث وقع من المأموم تقصير، كأن كان إمامُه امرأةً أو كافرًا معلنًا أو ذا نجاسة ظاهرة. نعم قال الإِمام النووي في "منهاجه" (1): قلت الأصح المنصوص وقول الجمهور أن مُخفيَ الكفر هنا كمُعلِنه.
قال الشيخ عميرة (2): "علل الشافعي رضي الله عنه مسألة الكافر بأنه لا يجوز أن يكون إمامًا، بخلاف الجنب كما في حالة تيممه".
ويُستدلُّ أيضًا بما رواه أبو داود (3) عن أبي بكرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُر، فصلَّى بهم. ورواه أيضًا من طريق أخرى (4) قال في أوله: "فكبَّر"، وقال في آخره: "فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر، إني كنت جنبًا". ورواه من طريق أخرى (5) مرسلاً، قال فيها: "فكبَّر ثم أومأ بيده ... إلخ". ثم حكى
__________
(1) (1/ 234).
(2) "حاشيته على شرح المحلّي" (1/ 232).
(3) رقم (233).
(4) رقم (234).
(5) عقب الحديث (234).
(18/215)

عن مالك روايتين مُثبِتتين للتكبير (1). فربما يقوم بهذه الطرق دليل، وإن كانت الطرق الصحيحة تُثبت أنه انصرف قبلَ أن يكبر.
ووجه الاستدلال أنه يؤخذ من تلك الطرق أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يأمرهم باستئناف النية والتحريم، بدليل أنه إنما أومأ عليهم إيماءً، وإذا صحَّ جزءٌ من الصلاة خلف الجنب صحت كلها، ولا مانع، وبالأولى الحدث الأصغر والنجاسة ونحوها.
ومما يدلُّ له أيضًا قصة سيدنا عمر رضي الله عنه حين طُعِن فاستخلف وأمضى المسلمون صلاتهم، وفيهم أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يبالوا بكون إمامهم قد بطلت صلاته.
وأما قولكم: "لا عبرة بالخطأ البيِّن خطؤه", فإنما هو: "لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه". وهذا معتبر في العقود، كما عبَّروا عنه بقولهم: العبرة في العقود لما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلّف. ومثاله: لو باع مال مورثه ظانًّا حياته، فبان أنه كان قد مات، فيصح. وأما في العبادات فقالوا: العبرة بما في نفس الأمر وبما في ظن المكلف معًا. فلو صلَّى خلف إنسان يظنُّه محدِثًا، فبان أنه كان متوضئًا، فصلاة المؤتمّ باطلة. وأما ما في نفس الأمر فيعتبر في العبادات إلاَّ حيثُ انتفى التقصير عن البحث، كما يظهر من كلامهم هنا. لكنهم في مسألة الكافر المخفي لكفره اعتبروه مع عدم التقصير. والله أعلم.
نعم قولكم: "إن الإمام حامل لصلاته وصلاة مَن خلفه" ما معناه: فإن
__________
(1) عقب الحديث (234).
(18/216)

المأمومين مكلفون بأداء جميع الأركان، كالنية والتحرم وقراءة الفاتحة، إلاَّ أن الإِمام يتحمل الفاتحة عن المسبوق. وكذلك إذا بان حدثُ الإِمام لم تجزِئ المسبوقَ تلك الركعةُ، لأن الإِمام حينئذٍ لم يكن أهلًا للتحمل. ولا يُنكَر أن بين الإِمام والمأموم رابطة قوية، بحيث يؤدي تمام صلاة الإِمام إلى تمام صلاة المأموم ونقصها إلى نقصها، وكذا العكس، بدليل ما رواه النسائي (1) أن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم صلَّى صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلّى قال: "ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يُحسِنون الطهور، وإنما يُلبِّس علينا القرآنَ أولئك". وفي هذا الحديث بحث اجتنيناه من كلام مولانا الإمام (2) أيَّده الله. أما أنه يؤدي بطلانها إلى بطلانها فلا يطلق ذلك، لما مرَّ. والله أعلم.
__________
(1) (2/ 156) من حديث شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو حديث حسن.
(2) هو الإدريسي.
(18/217)

الرسالة السابعة والعشرون
صيام ستة أيام من شوال
(18/219)

[ص 1] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين هذا يُوافي نِعَمَه ويكافئ مزيدَه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فإنني سُئلتُ عن صيام ستة أيام من شوال، وذُكِر لي عن رجلٍ من ذوي الفضل والصلاح أنه يقول: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع، لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث.
فأقول: أما قوله: "إن صيامها بدعة" فيُبطله ما ستعلمه من صحةِ الحديث وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباقِ المذاهب على استحباب صيامها.
وأما قوله: "إن الحديث موضوع" فعجيب، فإن أئمة الحديث منهم من صرَّح بصحته، ومنهم مَن عمل به وأفتى واقتضى ذلك تصحيحَه له، ومنهم من رواه ووثَّق رواته، ومنهم من بلغه ذلك ولم يأتِ عنه إنكارٌ له، اللهم إلاَّ عبارة لمالك رحمه الله يُعلَم بتدبُّرها أنها لا تُخالف ذلك. ولم أر في كتب فقه الحديث نقلاً عن أحدٍ من أهل العلم أنه أنكر صحةَ الحديث فضلاً عن القول بأنه ضعيف، إلاَّ أن يتردّد فيه بعضهم بالنظر إلى طُرقه. نعم قال التقي السبكي: "قد طعن في هذا الحديث مَن لا فهمَ له، مغترًّا بقول الترمذي: إنه حسن". ذكره في "سبل السلام" (1)، ثم قال: فوجهُ الاغترار أن الترمذي لم
__________
(1) (2/ 167) ط. دار الفكر.
(18/221)

يصفه بالصحة بل بالحسن، وكأنه في نسخةٍ، والذي رأيناه في "سنن الترمذي": " ... حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح" (1).
أقول: وهكذا هو في النسخ المطبوعة على اختلاف طبعها: "حسن صحيح". والظاهر اتفاق النسخ على ذلك. وكأنَّ المغترَّ إنما بني اغتراره على ما قيل: إن كلمة "حسن صحيح" دون كلمة "صحيح" فقط، والصواب أنها مثلها بل أعلى منها. وتقرير ذلك له موضع آخر.
فأما القول بأنه موضوع فلا يُتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث، وأعجب من ذلك توجيه وضعه بأنه تفرد به سعد بن سعيد. وستعلم حالَ سعد وتعلم طرقَ الحديث.
فأقول: قد رُوي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقفتُ على رواية عشرةٍ منهم، وهم: أبو أيوب الأنصاري، وثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو هريرة حافظ الأمة، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وغنَّام والد عبد الرحمن بن غنّام، ورجل لم يُسمَّ، وأم المؤمنين عائشة. وأرتِّب الكلام على فصول:
__________
(1) "سبل السلام" (ج 1 ص 236). [المؤلف].
(18/222)

الفصل الأول في حديث أبي أيوب
قال الإِمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (1): حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حُجر جميعًا عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدَّثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام رمضان ثم أَتبعَه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر".
وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد أخبرنا عمر بن ثابت أخبرنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بمثله.
وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعد بن سعيد قال: سمعت عمر بن ثابت قال: سمعتُ أبا أيوب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثله (2).
أقول: أما عمر بن ثابت فتابعي، ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ثقة باتفاقهم. والحديث متواتر إلى سعد، قال السبكي: "وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طُرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن
__________
(1) رقم (1164).
(2) "صحيح مسلم" طبعُ العامرة بإسلامبول تحت نظر نظارة المعارف (ج 3 ص 169). [المؤلف].
(18/223)

سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان" (1).
[ص 2] وأما سعد بن سعيد فتابعي، احتج به أئمة عصره الذين عرفوه وصحبوه، منهم الإِمام الجليل عبد الله بن المبارك، روى عنه هذا الحديث كما تقدم، وذهب إليه وأفتى به كما يأتي عن الترمذي. ومنهم الإِمام الكبير أبو الجرح والتعديل المعروف بالتشدد في نقد الرجال إلى حدّ التعنت شعبة بن الحجاج، روى عنه مع ما عُرِف عنه أنه لا يروي إلاَّ عن ثقة، أي فإذا روى عن ضعيف بيَّن حاله. وبهذا يندفع تشكيك السخاوي (2).
وقد سمع من سعد جماعةٌ من الأئمة، وأخذوا عنه هذا الحديث وغيره وحدَّثوا بذلك، ولم يطعن فيه أحدٌ منهم. وأما الذين لم يدركوه فقد وثَّقه منهم جماعة (3): منهم الإِمام أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، ذكره عباس الدوري فقال: كنا نعدُّه مثل أحمد ويحيى بن معين (4). ومنهم محمد بن عبد الله بن عمار الذي كان الإِمام علي بن المديني يقدِّمه، وقال بعض الحفاظ: هو مثل علي ابن المديني (5). ومنهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات"، وهو من الأئمة الثقات. وينبغي أن يُعدَّ منهم من صحَّح حديثه كمسلم والترمذي.
__________
(1) "سبل السلام" (ج 1 ص 236). [لمؤلف]. وهو في طبعة دار الفكر (2/ 167).
(2) في "فتح المغيث" (ص 134) [المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (2/ 42).
(3) راجع "تهذيب التهذيب" (3/ 470، 471).
(4) "تذكرة الحفاظ" (ج 2 ص 127). [المؤلف]. انظر الطبعة التي بتحقيق المؤلف (2/ 561).
(5) راجع "تهذيب التهذيب" (ج 9 ص 265). [المؤلف]. والنص في (9/ 266).
(18/224)

وليَّنه منهم جماعة. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب "الجرح والتعديل" (1): "نا صالح بن أحمد قال قال أبي: سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد ضعيف (2). ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد صالح (3). سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدّي. قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدّي ما سمع" (4).
وذكر في "التهذيب" (5) قول أحمد "ضعيف" ثم قال: "وكذا قال ابن معين في رواية, وقال في رواية أخرى: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري يؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ ويؤدي ما سمع. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان يخطئ".
زاد ابن حجر: "وزاد - يعني ابن حبان - لم يفحش خطاؤه، فلذلك
__________
(1) (4/ 84).
(2) في النسخة هنا زيادة "نا عبد الرحمن قال". وهي من زيادة الراوي عن المؤلف. عبد الرحمن هو المؤلف. [المعلمي].
(3) وضع المؤلف هنا وفي موضع الحاشية السابقة نفس الرقم للإشارة إلى أن التعليق في الموضعين واحد.
(4) نسخة في دائرة المعارف مأخوذة بالتصوير الشمسي في عن نسخة بإسلامبول. [المؤلف].
(5) (3/ 470). وانظر "الثقات" (4/ 298 و6/ 379).
(18/225)

سلكناه مسلكَ العدول .... وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي. قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها أي هالك، ومنهم من يشدَّدها أي حسن الأداء. وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه" (1).
أقول: أما قول أحمد "ضعيف" فيحتمل أراد الضعف النسبي، أي بالنسبة إلى أخيه يحيى، فإن يحيى أوثق وأثبت. وقد قال السخاوي: "ومما يُنبَّه عليه أنه ينبغي أن تُتأمَّل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يُحتجُّ بحديثه ولا ممن يُردُّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه". ثم ذكر شاهدًا لذلك (2).
وعلى هذا يُحمل قول ابن معين مرةً "ضعيف" بدليل قوله مرةً "صالح"، والحمل هنا أظهر، فقد قال السخاوي بعد ما تقدم (3): "وعلىِ هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثَّق رجلاً في وقتٍ وجرحه في آخر".
وأما قول أبي حاتم "مؤدي" فقد فسَّرها ابنُه كما سمعتَ بما يفيد التوثيق مع تليين يسير لا يضرُّ. وتفسيرُ ابنه لها بذلك صريح في أنه سمعها من أبيه بهمزة مفتوحة ودالٍ مشدَّدة. وبذلك يُرَدُّ على ما قاله الذهبي في "الميزان"،
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (ج 3 ص 470 - 471). [المؤلف].
(2) "فتح المغيث" (ص 163). [المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (2/ 127، 128).
(3) المصدر السابق.
(18/226)

قال: "قال أبو حاتم: سعد بن سعيد مود، قال شيخنا ابن دقيق العيد: اختُلِف في ضبط مود، فمنهم من خفَّفها أي هالك، ومنهم من شدَّدها أي حسن الأداء" (1).
[ص 3] وقد علمتَ أن أبا حاتم إنما قالها مشدَّدة، بدليل تفسير ابنه الذي سمعها منه وحكاها عنه. فأما ما زاده ابن حجر على أصل "التهذيب" بقوله: "وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي" = فليس هذا في "الجرح والتعديل"، ولا نقله عنه أحدٌ ممن تقدم ابنَ حجر، مع نقْلهم عنه غير هذه العبارة كما تقدم. فقد راجعوا هذه الترجمة فيه، فكيف يُهملون (2) عبارة مهمة كهذه لو كانت فيه؟ وإنما نقلوا هم "مؤدي" أو "يؤدي" على أنها من قول أبي حاتم، كما تقدم عن "الميزان" وأصل "التهذيب". فكأنه كان في نسخة ابن حجر من "الجرح والتعديل" سقطٌ، كأنه كان فيها: "ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد (سقط) الأنصاري مؤدي". فسقط بعد "سعيد" العبارة الآتية: "صالح. سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد". والعبارة مظِنَّة السقط بانتقال النظر من "سعد بن سعيد" إلى مثلها. ويؤيد ذلك أن كلمة "صالح" هي من رواية أبي حاتم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، فلو كان عند إسحاق عن ابن معين كلمة أخرى مخالفة لها لكان الظاهر أن يقرنهما فيقول: قال يحيى مرةً "صالح" ومرةً "مؤدي"، أو على الأقل يقرنهما أبو حاتم.
فإن قلت: لو كان في نسخة ابن حجر العسقلاني سقطٌ كما ذكرتَ
__________
(1) "الميزان" طبع مصر (ج 1 ص 372). [المؤلف]. انظر طبعة البجاوي (2/ 120).
(2) في الأصل "يعملون" سهوًا.
(18/227)

لاعترض على العبارة التي في أصل "التهذيب"، بأن يقول: لم أرها في كتاب ابن أبي حاتم.
قلت: اكتفى بالإشارة إلى ذلك لاحتمال السقط (1)، واحتمال أن تكون العبارة التي في أصل "التهذيب" منقولةً عن كتاب آخر غير "الجرح والتعديل". فتدبَّرْ.
على أننا لو فرضنا أن العبارة التي ذكرها ابن حجر هي ثابتة في "الجرح والتعديل" وسقطت من نسختنا، فإننا نقول: اختيار أبي حاتم تلك الكلمة الغريبة "مود" إنما يكون حينئذٍ اتباعًا لابن معين. وقد عرفت أن أبا حاتم قالها بالهمزة المفتوحة وتشديد الدال، فيظهر بذلك أنه سمعها من إسحاق بن منصور كذلك، وأن إسحاق سمعها من ابن معين كذلك. وهذا هو المتعيِّن على فرض صحتها عن ابن معين، فإنه قد قال مرةً "صالح"، وبين هذه الكلمة وبين "مُوْدي" - بسكون الواو أي هالكٌ بمرَّةٍ - بونٌ بعيد، ولم يُنقَل عن أحدٍ أنه قال في سعد مثلَ ذلك ولا قريبًا منه. فتدَّبْر، وقد مرَّت عبارة "الجرح والتعديل".
وأما الترمذي فإنما قال (2): "وقد تكلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَلِ حفظه" كما يأتي. وبين العبارتين فرقٌ، مع أنه صحَّح الحديث وثبَّته، فدلَّ ذلك أنه لا يرى في كلام من تكلَّم ما يقدح في ثقة الرجل.
هذا، وفي "سبل السلام" عن ابن دِحْية: "وقال أبو حاتم: لا يجوز
__________
(1) الكلام الذي بعده في ركن صفحة أخرى.
(2) عقب الحديث رقم (759).
(18/228)

الاشتغال بحديث سعد بن سعيد" (1).
أقول: ابن دِحْية اسمه عمر بن الحسن، له ترجمة في "الميزان" و"لسانه" (2). قال الذهبي: "متَّهم في نقله. وجرحَه الحافظ الضياء. وقال ابن واصل: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متَّهمًا بالمجازفة في النقل". ثم ذكر قصةً تدلُّ على ذلك. والكلام فيه كثير (3).
وأما قول النسائي "ليس بالقوي" فهذه الكلمة أرفع من كلمة "ضعيف" كما لا يخفى، وقد نصُّوا عليه (4). وقد يقال: إن كلمة "ضعيف" ونحوها جرح غير مفسَّر، والمرجَّح عندهم أنه لا يُقبَل إذا عارضه توثيق كما هنا. والحقُّ أنه مفسَّر، ومعنى هذه الكلمة ونحوها عند الإطلاق ضعفُ الحفظ والضبط، وقد بيَّن ذلك هنا قولُ أبي حاتم بتفسير ابنه وقول الترمذي وقول ابن حبان وقول ابن عدي.
وهؤلاء المليِّنون لسعدٍ كلُّهم لم يصحبوه ولا أدركوه، وإنما وُلدوا بعد وفاتِه بمدة، فغايةُ ما عندهم أنهم تتبعوا رواياته واعتبروها بروايات الثقات الأثبات، فظهر لهم أن في رواياته خطأ، وقد اختلف اجتهادهم كما رأيتَ. وخالفهم معاصروهم من الموثِّقين، وتأيَّد قولُ الموثِّقين بما قدَّمنا عن أئمة عصره الذين صحبوه وعرفوه وأخذوا عنه.
__________
(1) "سبل السلام" (ج 1 ص 136). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (2/ 167).
(2) "الميزان" (3/ 186 - 189) و"لسان الميزان" (6/ 80 - 88) ط. أبي غدة.
(3) راجع "لسان الميزان" (ج 4 ص 292 - 298). [المؤلف].
(4) انظر "الجرح والتعديل" (2/ 37) و"الكفاية" (ص 23) و"علوم الحديث" (ص 113) و"الميزان" (1/ 4).
(18/229)

الفصل الثاني في حكم الحديث
قد صحَّحه مسلم والترمذي وغيرهما، ومقتضى النظر أن يقال: إذا ثبت رجحانُ التوثيق فلا كلامَ في صحته، وإذا بقي التردُّد لموضع التليين فصنيعُ أئمة الحديث يقتضي أنه بعد النظر في جميع ما قيل في سعد ينبغي أن يُنظَر في الحديث، فإذا كان له متابعات وشواهد صحَّ، وإلَّا بانَ [أنه] انفرد به، فإن قامت قرينة على خطائه ضُعِّف الحديث، وإن قامت قرينة على صحته صحّ، وإلّا حُكِم بحسنه، وقد يتوقف فيه بعضهم.
فعلى فرض أن سعدًا تفرد بهذا الحديث فلم تقُمْ قرينة على خطائه فيه، وقد أيَّده. أهل العلم بوجوهٍ سوى المتابعات. ساقه الترمذي ثم قال (1): "قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح. قد استحبَّ قوم صيامَ ستة أيام من شوال بهذا الحديث. قال ابن المبارك: هو حسن، هو مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قال ابن المبارك: ويُروى في بعض الحديث: "ويُلْحق هذا الصيام برمضان". واختار ابن المبارك أن تكون ستة أيام من أول الشهر. وقد رُوي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام من شوال متفرقًا فهو جائز. قال: وقد روى عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سُليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا. وروى شعبة عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد هذا. وقد تكلم بعض أهل
__________
(1) عقب الحديث رقم (759).
(18/230)

الحديث في سعد بن سعيد [من] قِبَلِ حفظه" (1).
فأيَّد صحةَ الحديث باحتجاج قوم من أهل العلم به، وخاصة ابن المبارك، فإنه - مع علمه وفقهه وتثبُّتِه ونقده وجلالته وإمامته - ممن صحب سعدًا وخَبَرَه، وسمع منه هذا الحديث وغيره كما مرَّ.
ثم أيَّده بمتابعة صفوان، وستأتي.
[ص 4] وأيَّده برواية شعبة عن ورقاء عن سعد له، مع أن شعبة على جلالته وشدة نقده ومعرفته قد روى عن سعد نفسه، ثم روى هذا الحديث عن رجلٍ عنه. ورواية شعبة هذه في "مسند أحمد"، قال: "ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال: سمعتُ ورقاء يحدِّث عن سعد بن سعيد ... " (2).
وذكر الطحاوي رواية شعبة هذه ثم قال: "فكان هذا الحديث مما لم يكن بالقوي في قلوبنا من سعد بن سعيد مثله في الرواية عند أهل الحديث ومن رغبتهم عنه، حتى وجدناه قد أخذه عنه من قد ذكرنا أخْذَه إياه عنه من أهل الجلالة في الرواية والتثبت" (3).
ثم قال: "وممن حدَّث به عنه أيضًا: قرة بن عبد الرحمن، وعسى أن يكون سنّه كسنّه ... وممن حدَّث به عنه سفيان بن عيينة".
__________
(1) "سنن الترمذي" طبع مصر سنة 1292 (ج 1 ص 146). [المؤلف]. وانظر (3/ 132 - 133) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(2) "مسند أحمد" (ج 5 ص 419). [المؤلف]. رقم (23556) ط. الرسالة. وبهذا الطريق أخرجه النسائي في "الكبرى" (2877) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2340) والطبراني في "الكبير" (3903).
(3) "مشكل الآثار" (ج 3 ص 117). [المؤلف]. وانظر (6/ 121) ط. الرسالة.
(18/231)

ثم ذكر رواية حفص بن غياث، ثم ذكر المتابعات والشواهد، وستأتي.
وقال السبكي: "وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان" (1).
أقول: وموضع التأييد في رواية الحفّاظ الأثبات أنهم من أئمة النقد والمعرفة بالرجال والحديث وعلله، وقد كان من عادة كثير منهم الامتناع عن أن يحدِّث بالحديث إذا خاف أن يكون خطأً، يَعرف ذلك مَن مارسَ كتب الرجال. فاتفاقُهم على رواية هذا الحديث عن هذا الرجل وسكوتُهم عن بيان الطعن فيه أو الشك - بل مع تصريح بعضهم بالاحتجاج به - يدلُّ دلالةً واضحةً أنهم لم يشكُّوا في الحديث ولم يستنكروه، فاتفاقُهم على ذلك فيه تأييد واضح.
...
__________
(1) "سبل السلام" (ج 1 ص 236). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (2/ 167).
(18/232)

الفصل الثالث في المتابعات
قد ذكر الترمذي كما تقدم عنه متابعة صفوان بن سليم، وأخرجه أبو داود في "سننه": "حدثنا النُّفيلي نا عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت ... " (1).
وقال السبكي: "وتابعَ سعدًا على روايته أخواه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم وغيرهم" (2).
وذكر الطحاوي هؤلاء وزاد: زيد بن أسلم ومحمد بن عمرو بن علقمة. قال: "ووجدنا هذا الحديث أيضًا قد حدَّث به عن عمرو بن ثابت صفوانُ بن سليم وزيد بن أسلم، كما حدثنا يوسف بن يزيد قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني صفوان بن سليم وزيد بن أسلم عن عمرو بن ثابت ... " (3).
كذا يقع في كتابه "عمرو" (4)، وإنما هو "عمر". وفي "التهذيب" أنه وقع كذلك في بعض الطرق عند النسائي، قال: "ونبَّه على أنه خطأ، قال:
__________
(1) "سنن أبي داود" طبعة المطبع الفاروقي بدهلي الهند سنة 1272. [المؤلف]. رقم (2433).
(2) "سبل السلام" (ج 1 ص 236). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (2/ 167).
(3) "مشكل الآثار" (ج 3 ص 118). [المؤلف]. وطبعة الرسالة (6/ 122).
(4) في طبعة الرسالة "عمر" على الصواب هنا وفي جميع المواضع الآتية.
(18/233)

والصواب عمر بن ثابت" (1).
قال (2): "وكما حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي ثنا الحميدي قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... ".
وقال الدارمي: "حدثنا نعيم بن حماد ثنا عبد العزيز بن محمد ثنا صفوان وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... " فذكره (3).
قال الطحاوي (4): "ووجدنا ممن رواه عن عمرو بن ثابت: يحيى بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب - هو الإِمام النسائي - قال: ثنا هشام بن عمار عن صدقة ثنا عُتبة (5) حدثني عبد الملك بن أبي بكر حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن ثابت قال: غزونا يعني مع أبي أيوب الأنصاري، فصام رمضان وصمنا، فلما أفطرنا قام في الناس فقال: إني
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (ج 8 ص 10). [المؤلف]. وانظر "السنن الكبرى" رقم (2875) حيث نبَّه على ذلك النسائي. ونبَّه عليه أيضًا الدارقطني في "العلل" (6/ 109).
(2) أي الطحاوي في "مشكل الآثار" رقم (2344). وهو في "مسند الحميدي" برقم (381).
(3) "مسند الدارمي" طبع دمشق (ج 2 ص 21). [المؤلف]. رقم (1761) طبعة عبد الله هاشم اليماني، وفيها "عمر" على الصواب.
(4) "مشكل الآثار" (6/ 123، 124) والحديث في "السنن الكبرى" للنسائي (2879) بهذا الإسناد.
(5) في الأصل "عبيد" تحريف. والتصويب من "مشكل الآثار" طبعة الرسالة. وهو عتبة بن أبي حكيم. قال النسائي في "الكبرى" (2879): عتبة بن أبي حكيم هذا ليس بالقوي.
(18/234)

سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من صام رمضان ... ".
قال (1): "ووجدنا ممن رواه أيضًا عن عمرو هذا عبد الله (كذا) (2) بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا شعبة بن الحجاج عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري - ولم يرفعه - أنه قال: من صام ... ".
وذكر الطحاوي (3) قبل ذلك متابعة محمد بن عمرو من طريقين: الأولى ابن خزيمة عن [ص 5] حجاج بن المنهال، والثانية إبراهيم بن مرزوق عن حبَّان بن هلال، كلاهما عن أبي سلمة حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن عمرو بن ثابت قال: ولم يذكر سعدًا.
وذكر في موضع آخر (4) أن محمد بن عمرو رواه مرةً عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت.
فأما صفوان وزيد بن أسلم فتابعيان ثقتان مأمونان، والثناء عليهما كثير،
__________
(1) "مشكل الآثار" (6/ 124). والحديث في "السنن الكبرى" للنسائي (2878) بهذا الإسناد.
(2) من المؤلف، إشارة إلى أنه خطأ في طبعة دائرة المعارف من "مشكل الآثار"، والصواب "عبد ربه" كما سيأتي في الإسناد. وهو على الصواب في طبعة الرسالة.
(3) "مشكل الآثار" رقم (2338، 2339). اختصر المؤلف الطريقين، وسعد غير مذكور في الطريق الثاني فقط، أما الطريق الأول فحجاج بن المنهال ذكر سعدًا، وهو كذلك من طريقه عند الطبراني في "الكبير" (3904).
(4) "مشكل الآثار" (6/ 121) إشارةً إلى طريق الحجاج بن المنهال السابق.
(18/235)

وهما أكبر سنًّا وأقدم وفاةً من سعد، ولم يذكروا لهما سماعًا، فلا يقال: لعلهما إنما سمعا هذا الحديث منه.
هذا، مع أن صفوان لم يوصف بتدليس البتَّةَ، وزيد كذلك، إلاَّ أن ابن حجر ذكر قصة قال: إنها تُشعر بأنه دلَّس حديثًا (1). وليس ذلك بالبيِّن. والرواية إلى الراوي عنهما - وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي - بغاية الصحة.
وأما عبد العزيز فقد روى عنه شعبة والثوري وابن مهدي والشافعي. وروى ابن أبي حاتم (2) بأسانيده الصحيحة عن مصعب الزبيري قال: مالك بن أنس يوثِّق الدراوردي. وعن يحيى بن معين أنه قال: الدراوردي أثبت من فليح وابن أبي الزناد وأبي أويس. وعنه أيضًا: عبد العزيز الدراوردي صالح ليس به بأس. وعن أحمد بن حنبل أنه سئل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: معروف بالطلب، وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّث من كتب الناس وَهِم، كان يقرأ من كتب الناس فيخطئ، وربما قلب [حديث] عبد الله بن عمر العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عبد العزيز بن محمد ويوسف بن الماجشون فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ. سمعتُ أبا زرعة يقول: عبد العزيز الدراوردي سيئ الحفظ، فربما حدَّث من حفظه الشيء فيخطئ.
__________
(1) "تعريف أهل التقديس" (ص 81) تحقيق المباركي.
(2) في "الجرح والتعديل" (5/ 395، 396).
(18/236)

ونحو هذا في "التهذيب" (1)، وزاد عن ابن معين: ثقة حجة. وعن النسائي ليس بالقوي، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وعن ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط. وذكر أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (2) وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: هذا ثقة. وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة، إلاَّ أنه كثير الوهم. انتهى. وذكروا أنه كان يلحن.
وذكره الحافظ في "مقدمة الفتح" (3)، وذكر أن ابن المديني وثقه، وأن أبا حاتم قال: لا يُحتج به.
وقال الذهبي في "الميزان" (4): قال أحمد بن حنبل: "إذا حدَّث من حفظه يهم ليس بشيء، وإذا حدَّث من كتابه فنعم، وإذا حدَّث جاء ببواطيل". وقال: وأما ابن المديني فقال: ثقة ثبت.
هذا، واحتجَّ به مسلم في "صحيحه"، وأخرج له البخاري في "صحيحه" مقرونًا بغيره ومفردًا بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون. كذا في "مقدمة الفتح".
أقول: أما العدالة والصدق والأمانة فثابتة لهذا الرجل اتفاقًا. وأما الحفظ والضبط فما رواه من كتابه فلا شكَّ فيه، وما قرأه من كتاب غيره يُخشَى فيه التصحيف والتحريف، كان يقرأ "عبد الله" "عبيد الله" وشِبْه ذلك.
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (6/ 354، 355).
(2) (7/ 116).
(3) "هدى الساري" (ص 420).
(4) (2/ 633، 634).
(18/237)

وربما حدَّث من حفظه الشيء فيُخطئ، كما قال أبو زرعة. وعلى هذا يُحمل كلام من أطلق، كابن سعد والنسائي وغيرهما.
وأما ما في "الميزان" عن أحمد فلا أدري أيصحُّ أم لا، لأن صاحب "التهذيب" لم يذكرها، إنما ذكر ما أسنده ابن أبي حاتم، فالله أعلم.
وبالجملة فإطلاق إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين أنه ثقة حجة، وإطلاق ابن المديني حافظ عصره أنه ثقة ثبت = يدلُّ على أحد أمرين: إما أن عبد العزيز كان لا يكاد يُحدِّث من حفظه، وإما أنه كان إذا حدَّث من حفظه لا يكثر وهمه، وإنما كان ربما وهم. وعبارة أبي زرعة صريحة في الأول، فإنه قال: "فربما حدَّث من حفظه"، فدلَّ أن ذلك قليل، والغالب أنه لا يحدِّث إلاَّ من كتاب.
[ص 6] وإذا ثبت أنه كان لا يحدَّث من حفظه إلا قليلاً فالغالب أنه حدَّث بهذا الحديث من كتاب، فإن كان من كتابه فلا كلام، وإن كان من كتاب غيره فكذلك، لأنه ليس مظنَّة التصحيف والتحريف. ويؤكِّد هذا أن الذين رووه عنه أئمة حفَّاظ متثبتون (1):
منهم: ابن المبارك (2)، على ما يظهر من عبارة الترمذي وقد مرَّت. وابن
__________
(1) ممن رواه عنه ولم يذكره المؤلف: أحمد بن عبدة عند ابن خزيمة (2114)، وإسحاق بن إبراهيم (ابن راهويه) عند ابن حبان (3634)، وخلاد بن أسلم عند النسائي في "الكبرى" (2876)، ومحمد بن عباد عند الهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده" (1143)، ويحيى الحماني وضرار بن صُرَد عند الطبراني في "الكبير" (3911).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 97) ومسلم (2/ 822) رقم (1164) من طريق ابن المبارك عن سعد بن سعيد به. وليس عن عبد العزيز.
(18/238)

المبارك ابن المبارك.
ومنهم: النفيلي عند أبي داود (1) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، كان يُقرَن بأحمد، وكان أحمد يعظِّمه. وقال أبو داود: ما رأيت أحفظ منه (2).
ومنهم: الحميدي عند الطحاوي (3) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى. قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ما لقيتُ أنصحَ للإسلام وأهله منه (4).
ومنهم: نعيم بن حماد عند الدارمي (5) كما مرَّ. ونعيم إمام في السنة، ثقة له أوهام (6)، وهذا من صحيح حديثه.
هؤلاء كلهم رووه عن عبد العزيز عن صفوان وسعد.
ورواه سعيد بن منصور (7) عن عبد العزيز عن صفوان وزيد بن أسلم. وسعيد إمام، كان أحمد يُحسِن الثناء عليه ويُفخّم أمره. وقال أبو حاتم: ثقة، من المتقنين الأثبات (8).
__________
(1) رقم (2433).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 17).
(3) في "مشكل الآثار" (2344). وهو في "مسند الحميدي" (381).
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (5/ 215).
(5) في "سننه" (1761).
(6) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 458 وما بعدها).
(7) كما في "مشكل الآثار" (2343).
(8) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 89).
(18/239)

وبالجملة فصاحبا الصحيح البخاري ومسلم قد عرفا حال عبد العزيز، وعرفا ما قيل فيه، فاتفقا على الإخراج له في الصحيح. أما مسلم فيحتج به مطلقًا، وأما البخاري فيقرِنه بغيره، ويُفرِده في المتابعات والشواهد، وحديثه هذا متابعة.
وأما متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري (1) لأخيه سعد فقد يقال: لعله إنما سمعه من سعد فدلَّسَه (2)، وفيه نظر لوجهين:
الأول: أن يحيى لم يشتهر بالتدليس، وإن كان قد نُسِب إليه.
الثاني: أن في روايته زيادةً على الرواية المتواترة عن أخيه، كما يُعلم بمقابلتهما.
وأما متابعة عبد ربه بن سعيد (3) لأخيه فهي بغاية الصحة، لأنها من رواية شعبة عن عبد ربه، وعبد ربه مع ثقته لم يُنسَب إلى تدليس البتَّةَ، وليس فيها إلاّ أنه لم يصرِّح بالرفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يضرُّ هنا، لأنّ مثل هذا لا يمكن أن يقوله أبو أيوب رضي الله عنه برأيه، فهو مرفوع حكمًا. نعم رواه الطحاوي (4) من طريق ابن لهيعة عن عبد ربه عن أخيه سعد بسنده، ورفعه.
__________
(1) أخرجها الحميدي في "مسنده" (382) والنسائي في "الكبرى" (2879) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2346) والطبراني في "الكبير" (3914, 3915).
(2) مما يدلُّ على أن يحيى سمعه من أخيه سعد: أن الطبراني أخرجه في "الكبير" (3912) و"الأوسط" (4976) من طريق حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعد بن سعيد به.
(3) أخرجها النسائي في "الكبرى" (2878) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2347).
(4) في "مشكل الآثار" (2337).
(18/240)

وابن لهيعة ضعيف لا يعتمد عليه.
وأما متابعة محمد بن عمرو (1) ففيها نظر، فإن محمدًا قد لُيِّن. والراوي عنه حماد بن سلمة، وقد قيل: إن حفظه ضعُفَ بأَخَرةٍ. ومع ذلك فقد روى محمد الحديث مرةً عن سعد (2). والله أعلم.
تتمة:
يتلخص مما تقدم ثبوت صحة الحديث كما حكم به الإِمام مسلم بن الحجاج والترمذي وغيرهما.
...
__________
(1) أخرجها الطحاوي في "مشكل الآثار" (2339).
(2) كما في "المعجم الكبير" للطبراني (3904) و"مشكل الآثار" (2338) و"مسند الهيثم بن كليب الشاشي" (1142، 1145).
(18/241)

الفصل الرابع حديث ثوبان
قال الدارمي: حدثنا يحيى بن حسّان ثنا يحيى بن حمزة ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صيام شهرٍ بعشرة أشهرٍ، وستةُ أيام بعدهن بشهرين، فذلك تمام سنة" يعني شهر رمضان وستة أيام بعده (1).
ثوبان صحابي جليل.
وأبو أسماء الرحبي اسمه عمرو بن مرثد، قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" (2). وأخرج له مسلم وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم، ولم يقدح فيه أحد (3).
ويحيى بن الحارث الذِّماري تابعي أيضًا، روى عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وقرأ عليه القرآن. ووثقه ابن معين ودُحيم. وقال أبو داود: كان ثقةً عالمًا بالقراءة. وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ولم يقدح فيه أحد (4).
__________
(1) "مسند الدارمي" (ج 2 ص 21). [الؤلف]. برقم (1762). وأخرجه أيضًا من طريق يحيى بن حمزة: البزار في "مسنده" (4178) والنسائي في "الكبرى" (2873) وابن خزيمة (2115) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2348) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 293) والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 362).
(2) (5/ 179).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 99).
(4) المصدر السابق (11/ 193، 194).
(18/242)

[ص 7] ويحيى بن حمزة وثقه ابن معين ودحيم والعجلي وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة، ولم يقدح في روايته أحدٌ، وإنما نُسِب إلى القدر (1)، ولا يقدح ذلك في روايته، فقد نُسِب إلى القدر جماعة من أئمة السلف وأركان السنة المجمع عليهم، كقتادة وحسان بن عطية وسعيد بن أبي عروبة وعبد الوارث وغيرهم. وقد تابعه جماعة كما يأتي.
ويحيى بن حسّان هو التنِّيسي، من رجال الصحيحين، وثَّقه أحمد والعجلي والنسائي ومطيَّن وابن يونس وغيرهم (2). ويروي الإِمام الشافعي عن الثقة عن الليث بن سعد، فقال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: يعني الشافعي بالثقة يحيى بن حسَّان (3).
المتابعات:
تابع يحيى بن حمزة جماعةٌ رووه عن يحيى بن الحارث:
منهم: محمد بن شعيب بن شابور، قال الطحاوي: حدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرني محمود بن خالد قال: ثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: أنا يحيى بن الحارث حدثنا أبو أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "جعل الله الحسنة بعشرٍ، فشهرٌ بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة" (4).
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (11/ 200، 201).
(2) المصدر السابق (11/ 197).
(3) انظر "فتح المغيث" (2/ 37) و"تدريب الراوي" (1/ 312).
(4) "مشكل الآثار" (ج 3 ص 119). [المؤلف]. انظر طبعة الرسالة برقم (2349). والحديث في "السنن الكبرى" للنسائي (2874).
(18/243)

أحمد بن شعيب هو الإِمام النسائي صاحب "السنن".
ومحمود بن خالد ثقةٌ رِضًا متفق على توثيقه (1).
ومحمد بن شعيب بن شابور روى عنه ابن المبارك ووثَّقه، وكذا وثَّقه غيره، إلاَّ أن ابن معين قال: كان مرجئًا، وليس به في الحديث بأس (2).
أقول: الإرجاء الذي يُنسَب إلى علماء السلف خفيف لا يقدح في الرواية، كما هو مقرر في موضعه.
ومنهم: إسماعيل بن عياش، قال الإِمام أحمد: ثنا الحكم بن نافع ثنا ابن عياش عن يحيى بن الحارث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة" (3).
الحكم بن نافع هو من رجال الصحيحين متفق على توثيقه، إلاَّ أنه قيل: إنه روى كتاب شعيب بن أبي حمزة بالإجازة، وذلك إن صحَّ لا يضرّ، ولهذا اتفق الأئمة على تصحيح حديثه عن شعيب وغيره (4).
وإسماعيل بن عياش ثقة جليل يُحتج به إذا حدَّث عن أهل الشام، وذلك أنها بلده، حفظ حديث أهلها وأتقنه، فأما إذا روى عن غيرهم ففيه
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 61).
(2) المصدر السابق (9/ 223).
(3) "مسند أحمد" (ج 5 ص 280). [المؤلف]. رقم (22412). وأخرجه أيضًا الطبراني في "مسند الشاميين" (903) من طريق إسماعيل بن عياش به.
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 441، 442).
(18/244)

لين؛ لأنه لم يُتقِنه، فكان يهم فيه (1). وحديثُه هذا شامي، لأن يحيى بن الحارث شامي.
ومنهم: صدقة بن خالد، قال ابن ماجه: ثنا هشام بن عمّار ثنا بقية ثنا صدقة بن خالد ثنا يحيى بن الحارث الذماري قال: سمعت أبا أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] " (2).
هشام بن عمار من شيوخ البخاري، وثَّقه ابن معين وغيره. وغمزَه أبو داود وغيره بأنه لما كبر كان يُلقَّن فيتلقن (3).
وبقية هو ابن الوليد، من رجال مسلم، وفيه كلام طويل. والمحققون [على] أنه ثقة في نفسه لكنه يدلِّس عن الضعفاء, فإذا صرَّح بالسماع فهو حجة (4). وقد صرَّح هنا بالسماع.
أما صدقة بن خالد فمن رجال البخاري، وثَّقه أحمد وابن معين وجماعة، ولم يُقدح فيه بشيء (5).
[ص 8] ومنهم: الوليد بن مسلم، قال ابن حبّان في "صحيحه": أخبرنا
__________
(1) المصدر السابق (1/ 321 وما بعدها).
(2) "سنن ابن ماجه" طبع مصر (ج 1 ص 269). [المؤلف]. رقم (1715).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (11/ 52 وما بعدها).
(4) انظر المصدر السابق (1/ 474 وما بعدها).
(5) المصدر السابق (4/ 414، 415).
(18/245)

الحسين بن إدريس الأنصاري ثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد بن مسلم ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحَبي عن ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام رمضان وستًّا من شوال فقد صام السنة" (1).
الحسين بن إدريس له ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (2)، روى له ابن حبان في "صحيحه" كما رأيت، وذكره في "الثقات" وقال: كان ركنًا من أركان السنة في بلده (3). ووثَّقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: كان من الحفَّاظ المكثرين (4).
وهشام بن عمار تقدم.
والوليد بن مسلم إمام يدلِّس (5)، وقد صرَّح بالسماع.
فهؤلاء خمسة رووه عن يحيى بن الحارث الذماري: يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن شابور، وإسماعيل بن عياش، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم. ولعلَّك لو فتَّشتَ وجدتَ غيرهم (6).
__________
(1) "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (نسخة قلمية بالمكتبة الآصفية، ص 170). [المؤلف]. وهو في المطبوعة برقم (928)، وفي "صحيح ابن حبان" بترتيب ابن بلبان برقم (3635).
(2) (2/ 238). [المؤلف]. وهو في الطبعة التي بتحقيق المعلمي (2/ 695).
(3) "الثقات" (نسخة قلمية للمكتبة الآصفية). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (8/ 193).
(4) راجع "لسان الميزان" (ج 2 ص 272). [المؤلف]. وطبعة أبي غدة (3/ 147، 148).
(5) انظر "تعريف أهل التقديس" (ص 170).
(6) منهم ثور بن يزيد، أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (1451) من طريقه.
(18/246)

وتابع يحيى بن حسَّان عبدُ الله بن يوسف عند البيهقي (1)، رواه بسند صحيح عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة بسنده.
وعبد الله بن يوسف من شيوخ البخاري، متفق على أنه ثقة ثبت (2).
وممن تابع الدارميَّ - وإن كان غنيًّا عن المتابعة -: سليمان بن شعيب الكيساني، قال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني قال: ثنا يحيى بن حسَّان ... (3).
سليمان بن شعيب ذكره ابن السمعاني وقال: مولده بمصر سنة 184، وتوفي في صفر سنة 273، وكان ثقة (4).
ومنهم: سعد بن عبد الله بن عبد الحكم والحسين بن نصر بن المعارك المصري، أخرجه عنهما إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في "صحيحه" (5) كلاهما عن يحيى بن حسَّان.
فأما سعد فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه بمكة وبمصر، وهو
__________
(1) "سنن البيهقي" (ج 4 ص 293). [المؤلف]. وأخرجه البزار في "مسنده" (4178) من طريق يحيى بن حسان وعبد الله بن يوسف كلاهما عن يحيى به.
(2) هو التنِّيسي، انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 86 - 88).
(3) "مشكل الآثار" (ج 3 ص 119). [المؤلف]. في طبعة الرسالة برقم (2348).
(4) "الأنساب" (الورقة 493 الوجه الأول). [المؤلف]. هو في طبعة الهند (11/ 195).
(5) رقم (2115): وفيه "سعيد بن عبد الله" وهو تصحيف. وفيه: " ... بن المبارك"، وهو أيضًا تحريف. وفي الأصل: "نصير" بدل "نصر" تصحيف. وفيما يلي مصادر ترجمتهما.
(18/247)

صدوق ... سئل أبي عنه فقال: صدوق (1).
وأما الحسين فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه، ومحلُّه الصدق (2). وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: حدثنا عنه ابن خزيمة، وزعم أنه كان صدوقًا (3).

حكم الحديث:
حديث ثوبان صححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، وصحته واضحة جليَّة، والحمد لله.
...
__________
(1) كتاب ابن أبي حاتم (نسخة محفوظة بدائرة المعارف، تقدمت الإشارة إليها). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (4/ 92).
(2) كتاب ابن أبي حاتم (نسخة ...). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (3/ 66).
(3) "الثقات" (نسخة قلمية). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (8/ 192). وله ترجمة في "تاريخ بغداد" (8/ 143).
(18/248)

الفصل الخامس حديث أبي هريرة
قال البزّار: حدثنا حفص بن عمر الشيباني ثنا أبو عامر ثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام رمضان وأتبعَه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر". هكذا رواه أبو عامر، ورواه عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ثناه محمد بن مسكين ثنا عمرو به. قال البزار: ولم أسمعه عن أبي عامر إلا من عمر بن حفص، ورأيته في كتاب أحمد بن ثابت مكتوبًا فقال: لم يقرأه علينا أبو عامر (1).
أقول: كذا وقع في النسخة أولاً "حفص بن عمر" وثانيًا "عمر بن حفص"، وكأن الثاني هو الصواب (2). وفي "التهذيب" (7/ 434): عمر بن حفص بن صبيح، ويقال بزيادة "عمر" بين حفص وصبيح، أبو الحسن الشيباني اليماني البصري ... ذكره ابن حبان في "الثقات" (3). مات في حدود سنة خمسين ومائتين، واحتج به ابن خزيمة في "صحيحه".
وأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، ثقة جليل باتفاقهم (4). وكتابة أحمد بن ثابت الحديثَ في كتابه على أنه من حديث
__________
(1) "زوائد مسند البزار" (نسخة قلمية بالمكتبة الآصفية ص 130). [المؤلف]. انظر المطبوعة (1/ 405)، و"كشف الأستار" (1060) و"مسند البزار" (8334).
(2) هو على الصواب في "كشف الأستار" و"مسند البزار".
(3) (8/ 447).
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 409، 410).
(18/249)

أبي عامر متابعة قوية. وقول أحمد بن ثابت "إن أبا عامر لم يقرأه عليهم" كأنه لأنه لم يتيسَّر لهم سؤاله أن يقرأه عليهم، وقد يحتمل أنه توقف عنه، إما لأنه بلغه أن غيره روى عن زهير بخلاف روايته، وإما لأنه لم يجد لزهير متابعًا. وعلى كل حال فقد ثبت أن الحديث من حديث أبي عامر عن زهير.
وزهير هو ابن محمد التميمي (1)، قال أحمد مرةً: ثقة، ومرةً: لا بأس به، ومرةً: مستقيم الحديث، ومرةً: مقاربه. ثم صحح رواية أبي عامر العقدي وأشباهه عنه، وضعَّف رواية عمرو بن [أبي] سلمة وأهل الشام عنه. قال الأثرم عن أحمد [ص 9] في رواية الشاميين عن زهير: يروون عنه مناكير، ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر. وأما أحاديث أبي حفص (هو عمرو بن أبي سلمة) ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل - موضوعة أو نحو ذلك -، أما بواطيل فقد قاله. وقال البخاري: قال أحمد: كأن زهيرًا الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر. قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح.
وعمرو بن أبي سلمة ثقة يخطئ، ولا سيما فيما رواه عن زهير. قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلِط فقلَبَها عن زهير (2).
فقد بان أن ما رواه أبو عامر عن زهير صحيح، فقد صحَّ الحديث عن العلاء عن أبيه. والعلاء وأبوه تابعيان ثقتان، أما أبوه فلم يقدح فيه أحد، وأما
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (3/ 348 - 350).
(2) انظر المصدر السابق (8/ 43، 44).
(18/250)

هو فقال أحمد: ثقة لم أسمع أحدًا ذكره بسوءٍ. وليَّنه ابن معين وغيره. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث (1).
والحاصل أن حديثه إذا لم تقم قرينة على خطائه إما صحيح وإما حسن. وقد قال المنذري في هذا الحديث: "رواه البزار، وإحدى طرقه عنده صحيحة" (3/ 96) (2). كأنه يعني هذه الطريق.
وأما الطريق الأخرى فالراوي عن عمرو بن أبي سلمة - وهو محمد بن مسكين - ثقة اتفاقًا (3).
وعمرو بن أبي سلمة، قد علمت الكلام في روايته عن زهير. على أنه لا مانع أن يكون لزهير طريقان: عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وسهيل وأبوه ثقتان، وفي سهيل كلام لا يُسقِطه، وقد احتج به مسلم في "صحيحه"، وعاب النسائي على البخاري عدم الاحتجاج به (4).
وفي "التلخيص" (5): وأخرجه أبو نعيم من طريق المثنى بن الصباح - أحد الضعفاء - عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه. ورواه الطبراني في "الأوسط" من أوجه أخرى ضعيفة (6).
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (6/ 301 و8/ 186، 187).
(2) "الترغيب والترهيب" رقم (1459). ط. مكتبة المعارف.
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 439، 440).
(4) راجع "تهذيب التهذيب" (4/ 263، 264).
(5) "التلخيص الحبير" (2/ 227).
(6) أخرجه من حديث جابر (3192، 8979) وسيأتي الكلام عليه، ومن حديث ابن عباس وجابر (4642) ومن حديث ابن عمر (8622).
(18/251)

أقول: المثنى بن الصباح كان من العبَّاد، وقد وثَّقه ابن معين مرةً والصحيح أنه ضعيف (1)، ولكن لا تخلو روايته عن تقويةٍ لحديث البزار، وكذلك الوجوه الأخرى التي ذكرها الحافظ. فحديث أبي هريرة هذا إن لم يرتقِ إلى درجة الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن. والله أعلم.
...
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 35 - 37).
(18/252)

[ص 10] الفصل السادس في حديث جابر
أما حديث جابر فقال الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن يزيد ثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني عمرو بن جابر الحضرمي قال: سمعتُ جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من صام رمضان وستًّا من شوال فكأنما صام السنة كلَّها".
ثم أعاده في موضع آخر: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد ...
ثم أعاده في موضع ثالث: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبي أيوب ... (1).
وعبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقرئ، ثقة باتفاقهم (2)،
__________
(1) "مسند أحمد" (ج 3 ص 308 و324 و344) ... [المؤلف]. بأرقام (14302، 14477، 14710). وفي الموضع الأول ذكر له إسنادًا آخر فقال: "حدثناه الحسن أخبرنا ابن لهيعة حدثنا عمرو بن جابر الحضرمي ... فذكر معناه" برقم (14303). وقد أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (1116) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 292) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي (4/ 292) من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب به. وأخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (1062) والطبراني في "الأوسط" (3192، 8979) والبيهقي (4/ 292) من طريق بكر بن مضر عن عمرو بن جابر به. وأخرجه البيهقي (4/ 292) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن جابر به. وسيأتي ما في "مشكل الآثار" من هذه الطرق.
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 83، 84).
(18/253)

وكذلك سعيد بن أبي أيوب (1).
وقال الطحاوي (2): حدثنا الربيع المرادي قال ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة وبكر بن مضر وسعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن جابر ... ، فذكره.
ثم قال (3): حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا يحيى بن حسان قال: ثنا ابن لهيعة وبكر بن مضر كلاهما عن عمرو بن جابر .... ، فذكره (4).
الربيع وبكر بن مضر ثقتان باتفاقهم (5).
وعبد الله بن وهب إمام.
وسليمان بن شعيب ويحيى بن حسان تقدَّما.
فالحديث ثابت بلا شك عن عمرو بن جابر.
وعمرو بن جابر مختلف فيه، ذكروا أنه كان يقول: إن عليًّا رضي الله عنه في السحاب. فجرحَه جماعة مطلقًا، ووثَّقه آخرون في الحديث. ذكره البرقي فيمن ضُعِّف بسبب التشيع وهو ثقة. وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات. وصحح الترمذي حديثه. وقال أحمد: بلغني أن عمرو بن جابر كان يكذب، قال: وروى عن جابر أحاديث مناكير. كذا في
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (4/ 7، 8).
(2) في "مشكل الأثار" (2350).
(3) برقم (2351).
(4) "مشكل الآثار" (ج 3 ص 120). [المؤلف]. وهو في طبعة الرسالة (6/ 126).
(5) انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 245، 246 و1/ 487، 488).
(18/254)

"التهذيب" (1).
أقول: الظاهر أن قول أحمد "وبلغني ... " إنما بلغه ذلك من وجه لا يصح، ولذلك أخرج حديثه في "مسنده" كما رأيت. أو لعله أراد بالكذب ما حُكِي أنه كانت تمرُّ السحابة فيقول: هذا عليٌّ قد مرَّ في هذه السحابة. فقد جاء عن الشعبي وغيره في الحارث الأعور: كان كذابًا. ثم أثنى عليه الشعبي وغيره، ووثقه أحمد بن صالح المصري، فقيل له: فقد قال الشعبي: إنه كان يكذب، قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. يعني إفراطه في التشيع. "التهذيب" (2/ 145 - [147]). ولهذا نظائر.
وأما المناكير فلعل النكارة فيها خفيفة، أو لعلها من الراوي عنه. وقد أخرج ابن أبي حاتم (2) عن الأثرم صاحب أحمد قال: ذُكِر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل عمرو بن جابر الحضرمي، فقال: "يروي أحاديث مناكير ابنُ لهيعة عنه". وابن لهيعة ضعيف عندهم ومدلِّس. قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن عمرو بن جابر فقال: عنده نحوه عشرين حديثًا، هو صالح الحديث.
وفي ترجمته من "الميزان" (3) حديثه عن جابر مرفوعًا: "الفارّ من الطاعون [كالفارّ يوم الزحف، ومن صبرَ فيه كان له كأجرِ شهيد] ".
وفي أحاديث الطاعون المتفق على صحتها ما يشهد لهذا المعنى. وعادة صاحب "الميزان" أن يذكر في ترجمة الرجل أنكرَ ما روى. فإذا كان
__________
(1) (8/ 11).
(2) في "الجرح والتعديل" (6/ 224).
(3) (3/ 250). وما بين المعكوفتين منه، وقد ترك المؤلف هنا بياضًا.
(18/255)

هذا أنكر ما روى هذا الرجل فلا وجهَ للطعن فيه بأنه يروي مناكير.
وأما قول الأزدي: "كذاب"، فالأزدي نفسه واهٍ لا يُعتمد عليه. وهو محمد بن الحسين الأزدي، له ترجمة في "لسان الميزان" (5/ 139) (1)، فراجعها إن شئت.
وأما قول عمرو بن جابر في علي رضي الله عنه: "إنه في السحاب" فأمرٌ توهَّمه، ولم يُنقَل عنه غيرُه مما فيه غلوٌّ مفرط أو طعنٌ في الصحابة رضي الله عنهم.
ومما يؤيد ما ذكرته في كلام الإِمام أحمد أنه رحمه الله روى حديث عمرو هذا وكرَّره في "المسند" مرارًا كما رأيتَ، ثم احتج به مع غيره فيما حكى أصحابه عنه أنه قال في صيام ستة أيام من شوال: "رُوي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أوجه". ذكره ابن قدامة في "المغني" (3/ 95) (2).
ومراده بالثلاثة: حديث أبي أيوب وحديث ثوبان وحديث جابر، فإنها هي التي خرَّجها في "مسنده".
وبالجملة فحديثه هذا يصلح شاهدًا على الأقل.
...
__________
(1) (7/ 90، 91) ط. أبي غدة.
(2) (4/ 439) ط. التركي.
(18/256)

الفصل السابع في بقية الأحاديث
• [ص 11] حديث البراء، لفظه كما في "كنز العمال" (ج 4 ص 320) (1): "من صام رمضان وستة أيام من شوَّال كان كصيام السنة كلها، الحسنة بعشر أمثالها". ونسبه إلى ابن النجار و"مشيخة ابن البنّاء"، ونسبه ابن حجر في "التلخيص" (2) وغيره إلى الدارقطني.
• وحديث ابن عمر، لفظه كما في "الترغيب والترهيب" (3) للمنذري: "من صام رمضان وأتبعَه ستًّا من شوال خرج من ذنوبه كليومِ ولدتْه أمُّه". ونسبه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (4).
• وحديث ابن عباس، لم أقف على لفظه، ونسبوه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (5) أيضًا.
__________
(1) (8/ 570) ط. مؤسسة الرسالة.
(2) (2/ 327). قال الدارقطني في "العلل" (6/ 108): "رواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء، ووهم فيه وهمًا قبيحًا، والصواب حديث أبي أيوب".
(3) رقم (1460).
(4) برقم (8622). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 184): فيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف.
(5) برقم (4642) من طريق يحيى بن سعيد المازني عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس وجابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال صام السنة كلها". قال الطبراني: لم يروِ هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا يحيى بن سعيد
(18/257)

• وحديث غنّام أشار إليه ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل"، ولفظه في ترجمة غنّام: "غنّام والد عبد الرحمن بن غنّام، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صام ستة أيام من شوَّال ... ". روى حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه" (1).
ولغنّام ترجمة في "الإصابة" (2)، وقال: ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه في الصحابة ... ، رواه حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن مولى عبد الرحمن بن غنام عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه.
ثم قال الحافظ: "قلت: ووصله ابن مندة من رواية حاتم، ولفظه: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوّال فكأنما صام السنة". وأخرجه أبو نعيم (3) بنحوه. ووقع عند البغوي: غنام الأنصاري، سكن المدينة وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا ... ".
وذكره في "الإصابة" في موضع آخر (4): "وعِنان رجل من الصحابة، له حديث واحد. كذا ذكره علي بن سعيد العسكري، وساق من طريق إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن عنان عن أبيه رفعه: "من صام ستًّا بعد يوم الفطر فكأنما صام الدهر" كذا قال، وهو تصحيف، وإنما هو غنَّام بالغين المعجمة
__________
= المازني، تفرد به بكار بن الوليد الضبي. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 184): فيه يحيى بن سعيد المازني وهو متروك.
(1) "الجرح والتعديل" مطبوع (ج 3 قسم 2 ص 58). [المؤلف].
(2) (8/ 485، 486).
(3) في "معرفة الصحابة" (5681).
(4) (8/ 462).
(18/258)

وتشديد النون وآخره ميم، وسيأتي على الصواب في مكانه".
وذكره الذهبي في "التجريد" (1) وقال: "إسناد حديثه غريب".
أقول: أما حاتم بن إسماعيل فثقة مشهور من رجال الصحيحين (2).
وأما إسماعيل المؤذن فلا أدري من هو.
وعبد الرحمن بن غنام لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب (3). والله أعلم.
• وأما عائشة أم المؤمنين فكأن حديثها في "جزء الدمياطي"، فإن السبكي قال: "وقد اعتنى [شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفّاظ ثقات ... ورواه أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس والبراء بن عازب وعائشة] (4).
__________
(1) (2/ 3).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 128).
(3) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 184): عبد الرحمن بن غنام لم أعرفه.
(4) ما بين المعكوفتين بيَّض له المؤلف. وأضفناه نقلًا عن "سبل السلام" (2/ 167). وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (5/ 752 طبعة دار الهجرة): "وقد روى هذا الحديث عن سعد بن سعيد تسعة وعشرون رجلاً أكثرهم ثقات حفَّاظ أثبات، وقد ذكرتُ كل ذلك عنهم موضّحًا في "تخريجي لأحاديث المهذّب"، مع الجواب عمن طعن في سعد بن سعيد، وأنه لم ينفرد به وتوبع عليه. وذكرتُ له ثمان شواهد، وأجبتُ عن كلام ابن دحية الحافظ فإنه طعن فيه. فراجعْ ذلك جميعه منه، فإنه من المهمات التي يُرحل إليها".
(18/259)

وفي "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" (3/ 187) (1): قال الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يُشَكّ في صحته .... ورواه أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة.
ورأيت في "الجامع الصغير" (2) حديث: "من صام رمضان وستًّا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة". مح (3) عن رجل.
و"مح" علامة ل "مسند أحمد"، ورأيتُ في "المسند" (4) من حديث عريفٍ من عُرفاء قريش عن أبيه: "من صام رمضان وشوالًا والأربعاء والخميس دخل الجنة".
وهناك أحاديث أخرى في صوم شوال إجمالاً، وفيما ذُكِر كفاية. والله الموفق.
__________
(1) (5/ 327) طبعة دار القلم. وقد نقل الكلام المذكور عن "مرقاة المفاتيح" للقاري (2/ 542). والجزري هو شمس الدين محمد بن محمد الشهير بابن الجزري (ت 833) شيخ الإقراء في زمانه. وهو ممن شرح "مصابيح السنة" للبغوي في ثلاثة مجلدات، وسماه "تصحيح المصابيح" (أو) "التوضيح في شرح المصابيح". انظر: "كشف الظنون" (2/ 1699). وبلغني أن منه نسخة في إحدى المكتبات الشخصية بالهند.
(2) (6/ 161 بشرحه "فيض القدير").
(3) كذا في الأصل. وفي "الجامع الصغير": "حم". وهو المعروف، وقد صرَّح السيوطي بذلك في أول "الجامع" (1/ 25).
(4) رقم (15434). وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (16714) والبيهقي في "شعب الإيمان" (3870). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 190): "فيه من لم يسمَّ، وبقية رجاله ثقات".
(18/260)

[ص 12] الفصل الثامن في الآثار
بحسْبِك من آثار الصحابة رضي الله عنهم رواية هذه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا أيوب رضي الله عنه قام في الناس عقبَ الفطر، فخطَبهم بهذا الحديث يُرغِّبهم في الصوم.
وأما التابعون فبحسْبِك من آثارهم رواية السنة كما سمعتَ. وروى الترمذي عن الحسن البصري "كان إذا ذُكِر عنده صيام ستة أيام من شوال فيقول: والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها" (1/ 141) (1).
وهذا الأثر يدلُّ على استفاضة هذه السنة في زمن الحسن، وأنه لا يرى بها بأسًا، وإنما بيَّن أنها ليست بفرض، فإن قوله: "لقد رضي الله ... " معناه: رضي الله بها أداءً للفرض. ولا يصح أن يُحمل كلامه على معنى أن الله رضي بها فلم يشرع غيرها، لأن هناك أيامًا غير رمضان مشروعٌ صومُها قطعًا، كالاثنين والخميس ويوم عرفة وثلاثة أيام من كل شهر وغيرها.
فإن قيل: يحتمل أنه أراد إنكار الحديث أن صومها مع رمضان يَعدِل صومَ السنة، فيكون قوله: "لقد رضي الله ... " مراد به أن الله تعالى رضي برمضان وحده، فجعل صيامه يَعدِل صيامَ السنة.
قلت: هذا باطل، فأيُّ حجة على أن صيام رمضان وحده يعدِل صيامَ
__________
(1) (3/ 133) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 97).
(18/261)

السنة؟ بل الأدلة القطعية في أن الحسنة بعشْرِ أمثالها تُنافي ذلك، وتشهد لحديث الستّ. وما ورد من أن المضاعفة قد تزيد على العشر إلى سبعمئة أو أكثر فذلك غير موعود به وعدًا باتًّا، بل موكولٌ إلى فضل الله عزَّ وجلَّ، بخلاف العشر فإن الوعد بها مبتوت.
على أنه لو كان على ذلك حجة لما كان ذلك صريحًا في منافاة حديث الست، ولا سيما رواية "فكأنما صام الدهر".
وقال ابن قدامة في "المغني": "وجملة ذلك أن صوم الستّ مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران ... ". (3/ 95) (1).
...
__________
(1) (4/ 438) ط. التركي.
(18/262)

الفصل التاسع في مذاهب الفقهاء
أما الشافعي وأحمد وداود الظاهري وأصحابهم - وفيهم مجتهدون كابن جرير وابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر وغيرهم - فلا خلاف في استحبابها عندهم.
وأما أبو حنيفة فقد ذُكِرت عنه رواية بكراهيتها، والصحيح عند أصحابه استحبابها، وذكر ابن عابدين منهم عدة نصوص من كتبهم على استحبابها ثم قال: "وتمام ذلك في رسالة "تحرير الأقوال في صوم الست من شوال" للعلامة قاسم، وقد ردَّ فيها على ما في "منظومة التباني" وشرحها من عَزْوه الكراهة مطلقًا إلى أبي حنيفة وأنه الأصح، بأنه على غير رواية الأصول، وأنه صحح ما لم يسبقه أحدٌ إلى تصحيحه, وأنه صحَّح الضعيفَ وعَمَدَ إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيرًا من نصوص كتب المذهب" (2/ 136) (1).
وأما مالك بن أنس فقد قال يحيى بن يحيى الأندلسي (2): "سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إني لم ير (كذا) (3) أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف،
__________
(1) "حاشية ابن عابدين" (2/ 435) ط. دار الفكر.
(2) في "الموطأ" بروايته (1/ 311).
(3) من المؤلف للإشارة إلى ما في النسخة التي رجع إليها. وفي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي: "إنه لم ير" على الصواب.
(18/263)

وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلْحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك خفَّةً على أهل العلم (1) ورأوهم يعملون ذلك".
أقول: قوله: "في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان" ظاهره أن المراد عقب الفطر، بأن يصام ثاني شوال إلى سابعه، ويشهد له قوله بعد ذلك: "وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء"، فإن توهُّمَ العامة أن حكمها حكم رمضان في الفرضية إنما يقرب إذا صِيْمتْ عقبَ الفطر.
وعلى هذا حمل كثير من المالكية كلام مالك، قال القاضي عياض المالكي: "ويحتمل أنه إنما كره وصلَ صومها بيوم الفطر، وأما لو صامها في أثناء الشهر فلا، وهو ظاهر كلامه في قوله: صام ستة أيام بعد يوم الفطر" (3/ 279) (2).
وسيأتي نحوه عن الباجي وغيره.
وقوله إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولا بلغه عن أحد من السلف = نفيٌ غير حاصر، لاحتمال أن جماعة منهم كانوا يصومونها ويُخفون ذلك، كما هو المشروع في صيام التطوع.
[ص 13] ثم إن كان الكلام في صومها عقب الفطر، فليس فيه نفْي صومهم إياها في أثناء الشهر. وإن كان على إطلاقه فلعلَّ جماعة كانوا
__________
(1) في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي: "رخصة عند أهل العلم".
(2) لعل المؤلف أحال هنا إلى طبعةٍ من "شرح الزرقاني على الموطأ". والنصّ في طبعة دار الفكر منه (2/ 203). وأصله في "إكمال المعلم" (4/ 140).
(18/264)

يصومونها ولم يبلغ مالكًا، ولا سيما من غير أهل المدينة. ومن كان لا يصومها: فقد كان جماعة منهم يسردون الصوم، وجماعة يصومون كلَّ اثنين وخميس، وجماعة يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، وبعضهم يصومون من ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام.
فأما الذين يسردون فقد دخل صوم الستّ في صيامهم.
وأما الذين يصومون كل اثنين وخميس فلعلهم كانوا لا يرون اشتراطَ تتابعها، بل يكفي أن تكون من شوّال، ورأوا أنه يحصل لهم بصيام الاثنين والخميس صيام الستّ وزيادة.
وأما الذين يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصومون في ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام = فلعلهم حملوا الحديثَ على أن أصل المطلوب صيام ستة أيام من بقية السنة، وأنه لا اختصاص للأجر بكونها مُتْبَعةً برمضان من شوال، على ما يأتي تقريره في الفصل العاشر إن شاء الله تعالى.
على أن في كلام مالك نفسه الاعتذارَ عنهم بأنهم إنما كانوا يتركون صومها ويكرهونه خوفَ البدعة، بأن يُلحِق بعض أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه، فيظنون أن صومها فرضٌ كرمضان.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما يترك العمل الذي هو في نفسه مستحب إعلامًا للناس أنه ليس بفرضٍ ولا قريبًا منه، بأن يكون استحبابه بغاية التأكيد، وربما يفعل الشيء الذي في نفسه مكروه إعلامًا للناس أنه ليس بحرامٍ ولا شديد الكراهة. واقتدى به أصحابه، فكان أبو بكر وعمر وابن عباس لا
(18/265)

يُضحُّون (1)، لأنهم كانوا يرون الأضحية مندوبة، ويخافون أن يعتقد الناس وجوبها أو تأكُّدها، ويواظبون عليها ويشقُّ ذلك عليهم.
ويشهد لذلك قوله: "ويخافون بدعته"، إذ لو كانوا يرون أن صيامها ليس بسنةٍ أصلاً لكان صيامها عندهم بدعةً البتّةَ، وحقُّ التعبير عنه أن يقال: "ويرونه بدعة". فلما قال: "ويخافون ... " عُلِم أنهم لا يرون صيامها بدعةً، ولكن يخشَون أن ينجرَّ الأمرُ إلى البدعة، وهي اعتقاد أن حكمها حكم رمضان في الفرضية. فتدبَّرْ.
وبعدُ، فتَرْكُ أكثر الناس العملَ بالشيء - ولو لم يظهر لهم عذرٌ - لا يدلّ على أنه ليس بسنة. هذا التكبير عند الخفض والرفع في الصلاة تركه الناس في عهد عثمان، حتى أحياه علي بالكوفة، فقال أبو موسى: "ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنَّا نصلِّيها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما نسيناها وإما تركناها عمدًا" (2). وقال عمران بن حصين: "ذكَّرَنا هذا الرجل صلاةً كنّا نصلِّيها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يكبِّر كلما رفع وكلما وضع" (3). (راجع البخاري مع شرحه "فتح الباري" (4) كتاب الصلاة، باب إتمام التكبير في الركوع). وأحياه أبو هريرة بمكة، فأنكره عكرمة حتى قال لمولاه ابن عباس: إنه أحمق، فقال ابن
__________
(1) انظر "مصنّف عبد الرزاق" (4/ 381، 382) و"السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 265).
(2) أخرجه أحمد في "المسند" (19494) والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 221) وغيرهما.
(3) أخرجه البخاري (784).
(4) (2/ 269، 270) ط. السلفية.
(18/266)

عباس: "ثَكِلَتْك أمُّك! تلك صلاة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - " (1). (أيضًا باب التكبير إذا قام من السجود).
ومالك رحمه الله له أصلان يبالغ فيهما:
الأول: شدة التحرُّز من البدعِ حتى ربما يقع في ترك السنة، ومن الحرامِ حتى ربما يقع في تحريم الحلال، وهذا هو الأصل المعروف بسدّ الذرائع.
الثاني: الاحتجاج بعمل أهل المدينة حتى يقع في مخالفة بعض السنن الثابتة، وربما يحتج بعمل أهل المدينة ويكون عمل كثير من أهل المدينة على خلاف ما قال.
وقد نازعه في هذين الأصلين من هو أجلُّ أصحابه ومن أشدِّهم - أو هو أشدُّهم - حبًّا له ومعرفةً بقدره، وهو الشافعي.
وعلى كل حال فإن أصحاب مالك قد كَفَونا، فقرَّروا استحباب صيام الستّ في الجملة، وذكروا قيودًا أخذوها من كلام مالك، فقالوا: إنما يُكره صومها لمن يجتمع فيه خمسةُ أمور:
الأول: أن يكون مقتدى به.
الثاني: أن يُظهِر صومها.
الثالث: أن يصومها متصلةً برمضان.
الرابع: أن يتابعها.
الخامس: أن يعتقد سنية اتصالها - أي في حقّه - مع اجتماع الأربعة الأولى.
__________
(1) أخرجه البخاري (788). وانظر "الفتح" (2/ 272).
(18/267)

قالوا: فإذا انتفى واحدٌ فأكثر من هذه الخمسة لم يُكْرَه صومُها، أي بل يُستحبُّ كما يأتي.
فأما المحدّثون منهم فمنهم من قال: لعله لم يبلغ مالكًا الحديثُ، قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البر (1) وغيره. ومنهم من قال: لعله لم يبلغه من وجهٍ يصحُّ، وقد بلغ غيرَه. ومنهم مَن قال: لعله إنما بلغه عن سعد بن سعيد، فلم يعتمد عليه، وإن كان لم يتكلم هو في سعد بن سعيد ولا أحدٌ من أهل عصره كما مرَّ.
وذكر المازري المالكي في "شرح صحيح مسلم" (2) [ص 14] كلامَ مالك، ثم قال: "قال شيوخنا: ولعل مالكًا إنما كره صومها لهذا، وأما صومها على ما أراده الشرع فجائز. وقال آخرون: لعله لم يبلغه الحديث أو لم يثبت عنده، وإنما وجد العمل بخلافه". نقله عنه الأُبيِّ (3).
وقال الباجي في "شرح الموطأ": "وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق عوامّ الناس ذلك برمضان، وأن لا يميِّزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضًا". ثم ذكر رواية سعد بن سعيد ثم قال: "وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا، فلما ورد الحديث على مثل هذا، ووجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط. فتركه لئلا يكون
__________
(1) انظر "الاستذكار" (3/ 380) ط. دار الكتب العلمية. و"إكمال المعلم" (4/ 139، 140)، و"شرح الزرقاني على الموطأ" (2/ 203).
(2) لم أجد كلامه في "المعلم بفوائد مسلم" المطبوع. ولكن القاضي عياض نقله في "إكمال المعلم" (4/ 139، 140).
(3) "شرح مسلم" للأبيّ المالكي (ج 3 ص 279). [المؤلف].
(18/268)

سببًا لما قاله. قال مطرف: إنما كره مالك صيامها لئلا يُلحِق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم يَنْهَه، والله أعلم وأحكم. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ستة أيام متوالية بعد الفطر، ذلك كصيام الدهر" (1).
...
__________
(1) "المنتقى شرح الموطأ" للباجي المالكي (ج 2 ص 76). [المؤلف]. وانظر "المفهم" للقرطبي (3/ 237، 238).
(18/269)

الفصل العاشر في معنى الحديث
قوله: "فكأنما صام السنة" قد فُسِّر في حديث ثوبان، وحاصله أن الله عزَّ وجلَّ قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [سورة الأنعام: 160]، فعُلِم منه أن من صام شهر رمضان عشرةَ أمثالِه فكأنه صام عشرةَ أشهر بغير تضعيف، فيبقى من السنة شهران، فإذا صام ستة أيام من شوال كانت بعشرة أمثالها، وذلك ستون يومًا، فذلك تمام السنة ..
وأما قوله: "فكأنما صام الدهر" فالمراد بالدهر هنا عمره من حين تكليفه إلى وفاته، وذلك يحصل له بأن يصوم في كل سنةٍ من عمره رمضانَ وستة أيام.
بقي أن يقال: فلو صام ستة أيام من غير شوال من الشهور أو فرَّقها، لحصل له أيضًا ستون بمقتضى الآية، فلماذا قُيِّدت في الحديث بقوله: "وأتبعَه بستٍّ من شوال"؟
وقد أُجيب عن هذا بما حاصله: أن الحسنات وإن كانت سواءً في أن كلاًّ منها بعشر أمثالها، فإنها تتفاوت في القدر، فاليوم من رمضان وإن كان كاليوم من جمادى في تعشير الجزاء، لكن اليوم من رمضان حسنة عظيمة، فهو بعشرة أمثاله كلها عظيمة، واليوم من جمادى حسنة دون تلك، فعشرةُ أمثالها كلها دون تلك.
فمعنى الحديث أن الله عزَّ وجلَّ تفضَّل على عباده فجعل صوم ستًّ من
(18/270)

شوال بحسب ما ورد في السُّنة يُساوي ستًّا من رمضان في الفضل لا في الفرض، أي أن الثواب كالثواب في القدر. وعلى هذا فصيام ستة أيامٍ غيرِها لا يحصل بها المقصود، بل لو صام ستين غيرَ مشتملةٍ على المنصوصة لم يحصل له مثلُ ثواب من صام الستَّ المنصوصة.
وبناءً على هذا المعنى استُشْكِل الحديث، قال الطحاوي: "فقال قائل: وكيف يجوز لكم أن تقبلوا مثلَ هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما فيه أن صوم غير رمضان يَعدِلُ صومَ رمضان ... " (3/ 120) (1).
ثم أجاب عن ذلك بما حاصله: أن فضل الله عزَّ وجلَّ واسعٌ، لا حَجْرَ عليه.
أقول: وقد يقال في حكمة ذلك: إن الصيام زكاة البدن، وقد تكون الزكاة العُشر كما في زكاة الزروع والثمار، فكأنه في علم الله عزَّ وجلَّ أن الحكمة تقتضي أن يُفْرَض على المكلف صيامُ عُشرِ عمرِه [ص 15] ولما كان المشروع في الصيام التتابع، فلو وجبتْ لوجب وصلُها برمضان، ولكن عارض ذلك من الرحمة والحكمة ما اقتضى التخفيف، فخفَّف سبحانه ستة أيام فلم يفرضها، بل ندبَ الناسَ إلى صيامها. ولكن لما اقتضت الحكمة إيجابَ فِطر العيد أوجبَ فِطْرَه، وندبهَم إلى صيامها عقبَه، واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يخفِّف من ثوابها، بل من صامها يكون له مثلُ أجرها لو كانت مفروضةً.
ونظير ذلك ما ورد أن فضل الفرض يَعدِل سبعين من فضل النفل، وقد
__________
(1) (6/ 126) ط. الرسالة. وانظر "المفهم" للقرطبي (3/ 236، 237).
(18/271)

ورد أن صلاةً بسواكٍ تعدِل سبعين صلاةً بغير سواك (1). وسِرُّه: أنه كان حقُّ السِّواك الوجوب، كما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (2) أي أمرَ إيجاب، فخفَّف الله عزَّ وجلَّ على الأمة، فلم يُوجب السِّواك ولكنه أبقى أجره على حاله لو كان واجبًا.
وقريبٌ منه شأن العيد، وقد كتبتُ فيه مقالةً (3) حاصلُها: أن العيد يوم زينة كما سُمِّي في كتاب الله عزَّ وجلَّ (4)، والزينة يَلْحقُها اللهو، وقد عُرِف من الشريعة أنها رخَّصت في اللهو - كضرب الدفّ والغناء الذي لا رِيبةَ فيه وغير ذلك - في النكاح والختان والقدوم من الغزْو. والسرُّ في ذلك: أن هذه المواضع يحصل لأصحابها فرح طبيعي، فاقتضت الحكمة أن يُرخَّصَ لهم فيما يقتضيه فرحُهم. ولما كان يوم العيد يومَ زينة ولهوٍ اقتضت الحكمة أن يُختار له يوم يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، وهذا متحقق في عيد الفطر، فإنه يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، لخروج الناس من حبْس الصوم.
ثم نظرتُ في عيد الأضحى، فلم أره يتحقق فيه ذلك إلا للحجّاج، لخروجهم من ضيق الإحرام. ثم ذكرتُ ما صحَّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: "إن الله قد فرضَ عليكم الحج فحُجُّوا". قال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ، ثم عاد فعادَ الرجل، حتى كانت الثالثة قال: "لا، ولو
__________
(1) أخرجه أحمد (26340) وابن خزيمة (137) والحاكم في "المستدرك" (1/ 145، 146) والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 38) من حديث عائشة. وإسناده ضعيف.
(2) أخرجه البخاري (887) ومسلم (252) من حديث أبي هريرة.
(3) بعنوان "فلسفة الأعياد في الإِسلام" ضمن هذه المجموعة.
(4) في سورة طه: 59 {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}.
(18/272)

قلتُ نعم لوجبتْ" (1).
فظهر لي أن الحكمة كانت تقتضي وجوبَ الحج على كل مسلمٍ كلَّ سنة، وأيَّد ذلك إيجاب الاجتماع على أهل المحلة في الجماعة كل يوم خمس مرات، وعلى أهل البلدة في الجمعة، فكان يناسب ذلك إيجابَ اجتماع جميع المسلمين ولو مرةً في السنة وذلك الحج، ولكن عارضَ ذلك ما فيه من المشقَّة وضياع كثير من المصالح، فخفَّف الله عزَّ وجلَّ عنهم وجعل الفرض على كلٍّ منهم مرةً في العمر، لأنه يحصل بذلك اجتماعُ جمعٍ كبير مشتمل على جماعةٍ من كلَّ جهة. واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يمنع غيرَ الحجاج مما كانوا يستحقون الترخيصَ فيه - لو وجبَ عليهم الحجُّ فحجُّوا - من الزينة واللهو.
ويظهر من قضية السواك والحج أنه لِتعارُضِ الحكمة في اقتضاء الوجوب وعدمه جعل الله تبارك وتعالى الخِيرَةَ لرسولِه: إن شاء اختار الوجوب فيكون ذلك واجبًا بإيجاب الله تعالى، وإن شاء خفَّف. فاختار - صلى الله عليه وسلم - التخفيف، ولذلك علَّق - صلى الله عليه وسلم - الوجوبَ فيهما على مجرد أمره وقوله، فتدبَّرْ. وتمام هذا في مقالة العيد.
وقد يظهر من هذا أن أجر حجّ التطوع مثل أجر حج الفريضة، ولا حَجْرَ على فضل الله عزَّ وجلَّ. ويدلُّ عليه إطلاق الأحاديث في فضل الحج، بخلاف الصلاة والصيام، فإن فيها أحاديث في فضل الفرض وأحاديث في فضل النفل، والله أعلم.
__________
(1) أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة.
(18/273)

الرسالة الثامنة والعشرون
جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا
(18/275)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
قبل سنين نشر بعض الفضلاء في حيدراباد الدكن - إحدى مدن الهند - رسالة بعنوان "الاستفتاء في حقيقة الربا" أجلبَ فيها بخيله ورَجِلِه لتحليل ربا القرض. وأُرسِلتْ من طرف الصدارة العالية (مشيخة الإِسلام) في حيدراباد إلى علماء الآفاق ليُبدوا رأيهم فيها، وأنا مطلع على المقصود من تأليفها ونشرها، ولا حاجة الآن إلى ذِكر ذلك.
وراجعتُ حينئذٍ مؤلفَها في بعض المباحث، وأردت أن أجمع جوابًا عنها. ثم وردتْ بعض الأجوبة من علماء الآفاق، وأجود ما اطلعت عليها جواب العلامة الجليل مولانا أشرف علي التهانوي (1)، فاستغنيتُ بذلك. ثم تنبَّهت بعد ذلك لدقائق في أحكام الربا وحِكَمه، حتى وقفتُ أخيرًا على كلام للشاطبي في "موافقاته"، فاتَّجهتْ همتي إلى تقييد ما ظهر لي. وأسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والهداية إلى سواء السبيل بمنّه وكرمه.
****
__________
(1) بعنوان "كشف الدجى عن وجه الربا"، وقد حرَّره الشيخ ظفر أحمد التهانوي تحت إشرافه، وفرغ منه في 24 من ذي الحجة سنة 1347. وهو ضمن مجموعة فتاواه "إمداد الفتاوى" (3/ 179 - 301) ط. كراتشي.
(18/277)

[ص 7] [] (1) يكون له حكمة واحدة [] في إدراك الحكم، فقد يدرك أحدهم حكمة، وتخفى على غيره [وقد يدرك] الرجلان الحكمة، ولكن أحدهما أتم إدراكًا لها من الآخر، وذلك لكثرة ما يتفرغ [للبحث عنها].
ومثال ذلك أن من مفاسد الزنا الجهل بالأنساب، فالمفاس[د] بالأنساب كثيرة، والناس متفاوتون في إدراكها، وعسى أن يكون منها ما [ما يظهر للناس، و] للزنا مفاسد أخرى قد تخفى على بعض الناس أو جميعهم، فالعدوى ب[الأمراض الخبيثة لم تكن معلومة في الماضي،] وإنما علمت أخيرًا.
ومن الأحكام ما لا يدرك الناس له حكمة أصلاً.
وللبحث عن الحكم بواعث:
الأول: وهو أعظمها، بحث العلماء لأجل قياس ما لا نصَّ فيه على ما فيه نص، فإذا [وجد الحكمة] في شيء، ثم وجد تلك الحكمة بتمامها في شيء آخر غيرِ منصوصٍ حَكَم بتحريمه، وهك[ذا].
الثاني: البحث ليتأكد الإيمان، وهذا محمود إذا كان الباحث راسخًا في ال[علم، فإنه إن] ظهرت له الحكمة زادته طمأنينة، وإن لم تظهر له أحال
__________
(1) الورقتان الأوليان من الأصل ذهبت أطرافهما، فسقطت كثير من الكلمات والجمل، وقد وضعنا المعكوفتين للإشارة إلى هذه المواضع واقترحنا أحيانًا بعض الكلمات التي تُكمل النقص.
(18/278)

ذلك على قصور فه[مه، وأحال الحكمة] إلى علم الشارع سبحانه وتعالى، وأنه من المعلوم المحقق أنه عزَّ [وجلَّ] الحكم ما لا تصل إليه أفهام الناس.
الثالث: البحث ليزداد علمه، وهذا كالثاني، أو هو هو.
الرابع: البحث لترغيب الناس في الطاعات، وتحذيرهم من المعاصي [فإذا علموا] مصالح المأمور به، ومفاسد المنهي عنه، كان ذلك أدعى لانقياد [هم، فإن معرفة] الباعث من الحكماء الربانيين الذين يدركون حكمة الله تعالى في [الأمر والنهي] ينبغي أن يكون الإظهار.
فإنه إذا قال الواعظ: إن حكمة تحريم [الزنا الوقاية] من العدوى بالأمراض الخبيثة، أوشك أن يقول [] وقد شهد لها الطبيب [].
[ص 8] [] إجلاله، فيعذبهم [] الجهل بالأنساب [] على أن لا يحملن [] أولاد [] بعلة التناسل يؤدي إلى ضعف [].
ومن مفاسده [] إما أن لا يتزوج [البتةَ] وإما أن يترك زوجته، ويذهب للزنا، وبذلك يفسد ما بين الزوجين [] محل الوفاق، ويوشك أن يدع الرجل امرأته وأطفاله وأباه وأمه، [ويوشك أن
(18/279)

يدفع] ماله لإحدى البغايا، وعسى أن تقلده امرأته وبنوه وجيرانه.
ويسترسل [بحيث] يحيط بجميع صور الزنا.
ويختم بنحو ما بدأ به، فيذكر أنها قد بقيت حِكَم [، وأن هناك] حِكَمًا لا يعلمها، وأنّ المقصد الأعظم هو ابتلاء الله عَزَّ وَجَلَّ لعباده ليظهر ما ينطوي [عليه القلب] من الإجلال والمحبة له، والخوف منه، أو عدم ذلك.
[وينبغي أن تعرف] الحكمة للرد على الطاعنين في الإِسلام، كالطاعنين بتحريم لحم الخنزير، وإباحة الطلاق [والزواج] من أربع أزواج، وشرع الرق، ونحو ذلك.
[] شرط أن يقرر المجيب أولاً أنه قد ثبت عندنا بالقواطع وجود الخالق عزَّ وجلَّ بصفاته [] ونبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أن كل ما جاء به عن ربه فهو حقٌّ قطعًا، وأنه جاء بهذا الحكم [] عن الله قطعًا، والله تعالى أحكم الحاكمين، المحيط بكل شيء علمًا.
فحرمة لحم الخنزير ثابت عن الله تعالى [، وحكمةُ] ذلك ابتلاء عبيده، فإذا لم يعرف البشر حكمة أخرى، فأين يكون علمهم من علم الخالق عزَّ وجلَّ.
[] للطاعن أن يناظر علماء الإِسلام في هذه المقدمات.
[] التي بعدها إلى آخرها، فإنهم مستعدون لإثباتها بالقواطع، فإذا أثبتوها [] أصله.
[] لا يعلم مضرة في أكل لحم الخنزير، وإن لم تُقنِعه براهينهم على تلك المقدمات [] أن يظهر أن في أكله مضرة أو
(18/280)

مضار.
[] يذكر ما استطاع ذكره من المفاسد في أكل لحم الخنزير.
[] مضرة أو أكثر، فقد لا تقنع الطاعن، فيبقى مصرًّا على زعمه أنه قد طعن في الإِسلام.
[] طلع على الطعن، والجواب من عوام المسلمين وغيرهم، قد لا يقنعه الجواب، فيقع [] طعن متوجه، وأنه يدل على بطلان الإِسلام. فليتنبه لهذا.
[ص 5] الثمن (1) مكافئًا للمبيع، وخيرًا له منه، وإن المشتري كا [].
وعلى هذا فإذا تحقق الرضا حكم بأن العوضين متكا [فئان].
الثانية: أن ننظر إلى ما يقتضيه الحال و [] بيد الرجل سلعة باعها بدون قيمة المثل لجهله بها مثلًا [] حكم بأن العوضين غير متكافئين.
الثالثة: أن ننظر إلى ما هو أدق من هذا، فنقول: إذا كان لرجل أرض فزرعها [] ثمرتها، فقد يقال: ينبغي أن يحسب قيمة البِذْر وأجرة العمل، ويحطّ من ذلك ما استفاده منها في أثناء
__________
(1) يبدو أن هنا خرمًا بقدر ورقة أو ورقتين.
(18/281)

السنة، فما [بقي] فهو قيمة الثمرة، فليس له أن يبيعها بأكثر من ذلك، فإن اشتراها تاجر منه، وجلبها إلى بلد آخر، وأراد أن يبيعها، فإن كان اشتراها بالقيمة، فله أن يضم إليها مقدار أجرته في الابتياع والحمل والنقل [] أكثر من ذلك.
وإن كان اشتراها بأنقص من القيمة [] صاحب الزرع تبرع منه له، فلا يلزمه أن لا يحسبه.
ويمكن أن يقال: من تبرع [] فعليه أن يتبرع به.
وإن كان اشتراها بأكثر من القيمة فتلك زيادة ظلم بها [] غير من ظلمه.
فقد يظهر للناظر أن الطريق الثالث هي العدل المحض، وأن الثانية بعيدة عن العدل، وإن [].
ولكن الثالثة يكثر فيها الخفاء وعدم الانضباط، وإناطة الحكم بها تؤدي إلى ضيق المعاملة [] إلى رغبة النا [س عن الزراعة] والصناعة والتجارة، ويؤدي ذلك إلى تأخر الحضارة، بل ربما أدَّى إلى خراب الدنيا.
وهكذا الثانية، وإمكان الظهور والانضباط عليها يكون في شيء دون آخر.
فلهذا كان الحكمة حق الحكمة أن يناط الحكم بالتراضي، على أن في نوط الحكم به مصالح أخرى، منها: [] وتربية العقول.
ولكن دلالة الرضا على المكافأة تختلف باختلاف العقول والأفهام،
(18/282)

وذلك اختلاف لا ينف[ي] فنِيطَ الحكم بالبلوغ والعقل.
ومن العلماء من يضمُّ إلى ذلك أن لا يكون [المشتري] مضطرًّا إلى العوض كمن اشتد به الجوع، فاشترى رغيفًا بدينار، والحال أن [] في تلك البقعة دانق مثلًا.
ومنهم من يستثني الغبن الفاحش فيرد به، ومنهم [] المسترسل، وهو من يحسن الظن بصاحبه، فيرى أنه لن يحاول أن يغبنه، وق[د قيل:] "غَبْنُ المسترسل ربًا".
[ص 6] [] عشرة دراهم من مال المشتري [].
وباعتبار الثانية [] هم من مال بالباطل.
وباعتبار الطريقة الأولى لم يأكل [] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ [بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً] عَنْ تَرَاضٍ}.
فأفهمت الآية أن [].
الإجارة: يأتي فيها نحو ما تقدم في البيع.
ولننظر الآن في الربا، ونُقدِّم أشهر ما يطلق عليه ربا، وهو الزيادة المشروطة في القرض، [] عشرة دراهم بشرط أن يقضي أحد عشر.
(18/283)

فهذا الدرهم ظلم وباطل، ولا مُلْجِئ ههنا إلى اعتبار [] إنما اعتبر في البيع للخفاء، وعدم الانضباط في الطريقين الأخريين، وما ينشأ عنهما من المفسدة [] غير موجود في القرض.
[] يحاول بها إثبات أن الربا ليس بظلم. [] رضا، ويقول بعضهم: أرأيت لو وهب الرجل ماله لآخر، فأخذه، أيكون الأخذ ظلمًا؟
[والج]واب: أن الرضا هنا ليس كالرضا في الهبة، [ألا] ترى أن الرجل لا يأخذ بالربا إلا مضطرًّا، ولو وجد من يعطيه بغير ربًا لما أخذ من المُرِبي، ولو خيَّر [الم]قرض بين أن يعطي ربًا أو لا يعطي، لاختار عدم الإعطاء.
فإن قيل: ولكن الرضا هنا كالرضا في البيع سواء، فإن البائع في المثال المتقدم لو خيَّر المشتري بين أن يعطي عشرة أو عشرين، لاختار العشرة، ولو خيّره المشتري بين أخذ عشرين أو ثلاثين، لاختار الثلاثين.
والجواب: أننا قد قررنا الفرق آنفًا، وهو أنه كان مقتضى العدل في البيع اعتبار الطريقة الثالثة، فإن لم تكن فالثانية، ولكن لخفائهما وعدمِ انضباطهما وما ينبني عليهما من المفاسد نِيطَ الحكم بالرضا. وهذا المعنى منتفٍ في القرض.
فإن قيل: فإنه يوجد في القرض ما يُشبِه هذا المعنى، وهو أن المنع من الربا يؤدي إلى امتناع الناس عن الإقراض.
قلنا: فقد مضت قرون زاهرة على المسلمين لم يمتنعوا فيها عن القرض بدون رِبا.
(18/284)

ولماذا يُؤثِر الرجل الممنوع من الربا كنزَ دراهمِه على دفعها لأخيه، ينتفع بها ويردها في وقتها، مع وثوق لدافع بالقضاء، كأن استوثق برهنٍ أو ضامنٍ، أو وثقَ بوفاء أخيه. مع ما يحصل في ذلك للمقرض من الأجر والشكر وغير ذلك من المنافع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
على أن خشية امتناع الناس عن القرض لا يوازي خشية تقاعدهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، وما يلزم من خفاء المناط، وعدم انضباطه في البيع من كثرة التشاجر والتنازع، وتحيُّر الحكام، وغير ذلك.
[ص 9] الشبهة الثانية: أن هناك فائدتين [تحصلان للمستقرض من القرض] أو نحو ذلك [] بذلك القرض [].
الجواب عن الفائدة الأولى: أن ما حصل للمقرض من [النفع] المال الذي استقرضه.
[وحينئذ] فالقضاء] ولو فرض أنه صبر على الجوع والعري حتى وجد مالاً، [فإن].
وجواب آخر: وهو أن دفع حاجة المضطر مما يوجبه الإِسلام، وسائر الشرائع تقتضيه [] إذا كان دفع حاجته لا يوجب نقصانًا ما على الدافع، وههنا كذلك، فإن الدافع إن كان يريد خَزْنَ ماله لو لم يقرض فهو عند المستقرض كأنه في خزانة، بل إن القرض أنفع للمستقرض كما سيأتي، وإن كان يريد أن يتجر فيه، فلا يدري أيربح فيه في مثل مدة القرض،
(18/285)

أم يخسر؟ بل لعله يتلف المال في يده وضمانه. وإن كان يريد أن يصرفه في حوائجه فواضح أن إقراضه أنفع له؛ لأنه يبقى محفوظًا.
والجواب عن الفائدة الثانية: أنها خاصة بما إذا استقرض ليتجر.
ثم نقول: من المحتمل أن يربح أو أن يخسر، فإن رَبِح فهذا الربح في مقابل تعبه، وفي مقابل مخاطرته بأخذ ذلك المال، والتصرف فيه في ضمانه مع احتمال أن يتلف عليه، فيضيع تعبه، ويخيب أمله، ويضطر مع ذلك إلى أن يبيع حلي زوجته أو عقاره أو بيته ليوفي دينه.
وإن خسر فالأمر أوضح.
الشبهة الثالثة: أن هناك مضرّتين يتحملهما المقرض بسبب القرض:
الأولى: مخاطرته بإخراج ماله عن يده، وربما يتلف المال عند المستقرض، ويفلس ويموت، فيضيع المال.
الثانية: أن المقرض لو لم يُقرِض ذلك المال فربما اتَّجر فيه لنفسه وربح.
الجواب عن الأولى: أنه يمكن التخلص منها بأخذ رهنٍ، أو ضمانة، فإن أخذ ذلك زالت المخاطرة، وإن لم يأخذه وكان يمكنه ذلك فهو المقصِّر. وإن لم يكن يمكنه فإن كان يعلم أن للمستقرض أموالًا يمكن الأداء منها فلا مخاطرة، وإلا فهذه المخاطرة في مقابل مخاطرة المستقرض التي تقدمت.
وإذا وازنّا بينهما نجد مخاطرة المستقرض أشدَّ، لأنه مخاطر بضرورياته، كالعقار والبيت ونحوه، ومخاطرة المقرض قاصرة على المال
(18/286)

الذي أقرضه، والغالب أنه يكون فاضلًا عن ضرورياته.
والجواب عن الثانية: أنه لا يخلو أن يكون المقرض يريد أن يتجر بذلك المال لو لم يقرضه، أو يريد أن يخزنه، فإن كان يريد أن يخزنه فلم يفته بالقرض ربحٌ أصلاً.
وإن كان يريد أن يتجر فيه فإنه يكون بالاتجار مخاطرًا بين أن يربح، وبين أن يضيع تعبه، ويخيب أمله، ويخسر من رأس المال، أو يتلف المال أصلاً.
[المقرض] من التعب، ومن المخاطرة، مع فوائد أخرى حصلت له كما سيأتي.
فليكن هذا [].
[ص 10] [] [من المستقرض وغيره].
4 - ما ينشأ عن ذلك من الجاه والقبول.
5 - ما يترتب عن ذلك من منافع لا تحصى.
6 - ربما يحتاج في مستقبله إلى الاستقراض [].
7 - المال معرض للتلف، فإن بقي عنده وتلف لم يضمنه له أحد [المستقرض كان مضمونًا في ذمته].
8 - [] تحت يد المقرض لوقع فيه يصرفه [] كان محفوظًا عن ذلك.
(18/287)

9 - كثيرًا ما يحتاج صاحب المال [] [من سرقة أو نهب] أو غير ذلك، وإذا أودعه كان أمانة عند الوديع لا يضمنه إذا تلف [] كان مضمونًا على المستقرض.
10 - إذا كان المال طعامًا فإنه يكثر أن يكون عتيقًا لو بقي بعينه لفسد أو تلف، وإذا أقرضه فإن لم يرد له المستقرض أجود منه فلا بد أن يرد مثله حين أخذه.
وهناك أمور أخرى تدرك بالتأمل، وفيما ذكر كفاية. والله أعلم.
****
(18/288)

مفاسد الربا
تمهيد
المقصود من شرع الأحكام تطبيق العدل، ولكن الجزئيات لا تحصى ولا تتناهى، والحكمة المقتضية للحكم تختلف في الجزئيات، فتخفى في بعضها، وتظهر في أخر، [وتشتدُّ في بعضها، وتخِفُّ في أخر،] ولا ينضبط مقدارها.
مثال ذلك: الزنا، فإنه جرم يوجب العقوبة، ولكنه يكون تارة جرمًا شديدًا جدًّا، وتارة يكون أخفَّ.
فرجل شائب ضعيف الشهوة غني عَمَدَ إلى امرأة قبيحة لا يحبها، فسعى بعدها حتى زنى بها.
وآخر شابٌّ قوي الشهوة فقير، لا يجد من يُزوِّجه، عشق امرأة جميلة، فكان يتجنب لقاءها، فاتفق أن صادفها في مكان خالٍ، فلم يصبر أن وقع عليها.
فبين الجرمين بون بعيد، وبينهما درجات لا تحصى، وهكذا يزداد الاختلاف إذا نظرنا إلى ما ينشأ عن الزنا من إفساد المرأة، وإسقاط شرفها، وإلحاق العار بأهلها، وتضييع الولد، وما يخشى من انتشار الزنا في الناس، وغير ذلك.
فلو كُلِّف عاقل سَنَّ عقوبةٍ للزنا كان أمامه أربع طرق:
الأولى: أن يفصِّل القانون تفصيلاً بعدد ما يمكن من اختلاف الجزئيات.
(18/289)

الثانية: أن يكِلَ الأمر إلى الحكام، ليقرر كل حاكم في الجزئية التي تعرض عليه ما يراه مناسبًا لها.
الثالثة: أن يقرِّر عقوبة تنطبق على أخفِّ الجزئيات جرمًا، أو أشدِّها، أو أوسطها، يطلقها في جميع الجزئيات.
الرابعة: أن يقرِّر عقوبة تنطبق على الغالب من الجزئيات [].
[ص 11] فأما الأولى: فليست بممكنة:
أولًا: لكثرة الاختلاف بحيث يصعب [حصره].
ثانيًا: لأن من الأحوال التي يختلف مقدار الجرم باختلافها [] ومقدار ما ينشأ عن الزنا من المضار [والمفاسد] الأنبياء في الناس حتى يكونوا هم الحكام، ويوحي إليهم في كل [جزئية].
وإما أن يوحي إلى رسوله كتابًا يحصي فيه وقائع الزنا إلى يوم القيامة باسم [الرجل] بحيث لا تشتبه واقعة بأخرى.
فأما الأول: فكان ممكنًا، ولكنه ينافي ما [] والاختبار، وغير ذلك، ولا سيما إذا علمنا أنه يقتضي أن يكون الناس كلهم أنبياء، لأنه [] لأجل عقوبة الزنا، لزم اختياره لجميع الأحكام حتى التي يكون فيها كل إنسان حاكم نفسه [].
(18/290)

وأما الثاني: فلأنه منافي للحكمة من وجوه، أقربها إلى الفهم اقتضاؤه أن يكون في عقوبة الزنا وحدها قرآن يبلغ آلافًا وملايينَ وأكثر من ذلك من المجلدات، فكيف يسهل نقله وحفظه وكشفه؟ وهكذا في كل حكم من الأحكام غير عقوبة الزنا.
وأما الطريقة الثانية ففيها:
أولاً: أنها لا تُغنِي، لخفاء بعض الصفات التي توجب اختلاف الجرم، كما تقدم.
وثانيًا: أنه فتحٌ لباب الظلم، وتلاعب الحكام، فهذا يداهن، وهذا يرتشي، وهذا تؤثر عليه الشفاعات، وهذا يخاف، وهذا يتهم، مع ما يلزمه من كثرة العمل الذي يكلف به الحاكم، فيستدعي ذلك كثرة الحكام، ولا سيما إذا علمنا أنه لو اختير ذلك في عقوبة الزنا انبغى أن يختار في غيرها من الأحكام، ومع ذلك فيصعب الفصل في القضايا ويتأخر، ويتعسَّر ويتعذَّر، وفي ذلك عين الفساد العام.
وأما الثالثة: فتعيين أخفِّ العقوبات لا يؤدي إلى المقصود من الزجر والتأديب، وتعيين أشدّها قد يصادف أن يكون استحقاقه نادرًا، فيكون الغالب وقوع العقوبات على من لا يستحقُّها، وتعيين أوسطها قد يكون غلطًا، إذا فرض أن الغالب هو استحقاق الأشدِّ، أو استحقاق الأخفِّ.
وأما الرابعة: فهي العدل الممكن، ولكن يبقى معرفة الغالب، فإن العاقل قد يتردد فيه، وقد يغلط، وقد يخالفه غيره. ويبقى أيضًا تعيين العقوبة، ويبقى أيضًا أن تطبيق العقوبة على من كان من غير الغالب فيه إضرار به بغير استحقاق.
(18/291)

ولكنه إذا كان الشارع هو الله عزَّ وجلَّ تزول هذه النقائص كما ستراه.
[ص 12] [] للرجل والمرأة، ومنع المرأة من الخروج، وذلك [كما قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ] فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي [الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ] أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ [تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا] إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 15 - 16].

واقعة
[] السيد الإمام محمد بن علي بن إدريس رحمه الله أن يتلو كل يوم جزءًا من القرآن بتدبُّرٍ وتفكر، وكان [] يشكل، فكان فيما تلاه يومًا هذه الآيات، ثم دعاني، فذكر لي تردده في معنى [قوله تعالى:] {وَاللَّذَانِ} وأنه تأمل فيها، ثم راجع التفاسير ولم يطمئن قلبه إلى قول مما قالوه، لأن منهم من قال: المراد بهما الرجل والمرأة، قال: وهذا فيه بُعد, لأن المرأة قد سبق حكمها في قوله: {وَاللَّاتِي} وفيه مع ذلك التغليب، وهو خلاف الأصل.
ومنهم من قال: المراد بهما الفاعل والمفعول في اللواطة.
قال: وهذا أبعد؛ لأن اللواطة جرمٌ عظيمٌ، ولم يرد بعد ذلك من الشرع ما يقوى أن يكون ناسخًا لذلك.
وفيه مع ذلك أن تكون الآيات لم تتعرض لحكم الرجل الزاني.
(18/292)

فبحثتُ معه رحمه الله بحثًا سأورده بنحو معناه، ولعل فيما أحكيه ههنا زيادة أو نقصًا.
قلت: أفلا يحتمل أن تكون هذه الآية في حكم الرجال الزناة خاصة، كما أن الأولى في حكم النساء خاصة؟
فقال السيد: لو أريد هذا لقيل: "والذين يأتونها .. "، فما وجه العدول عن ذلك إلى التثنية؟
فقلت: قد يقال: إنها باعتبار أن الرجال الزناة على نوعين: محصن وغير محصن، فثنِّي باعتبار النوعين.
فقال: وما الدليل على جواز مثل هذا؟
فذكرتُ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}، وقول الشاعر (1):
عَيُّوا بأمرِهِمُ كما ... عَيَّتْ بِبَيضَتِها الحمامهْ
جَعلتْ لها عودَين من ... نَشَمٍ وآخرَ من ثُمامهْ
فقد فُسَّر الشعر بأن المعنى: أن فيهم حليمًا وسفيهًا، فسفيههم يُفسِد على حليمهم، كالحمامة إذا نسجت بيتها من عيدانٍ فيها القوي كالنشم، والضعيف كالثمامة. قالوا: والتقدير: جعلت لها عودين: عودًا من نشم، وآخر من ثمامة.
ومن المعلوم أن التثنية في المثل والممثَّل به إنما هي باعتبار النوعين،
__________
(1) هو عبيد بن الأبرص، والبيتان في "ديوانه" (ص 138) و"الحيوان" (3/ 189) و"عيون الأخبار" (2/ 85) و"لسان العرب" (حيا، عيا) وغيرها.
(18/293)

فلم يرد أن فيهم رجلاً واحدًا حليمًا، ورجلًا واحدًا سفيهًا، ولا أن الحمامة جعلت عودًا واحدًا من نشم، وآخر واحدًا من ثمامة.
فقال: هذا قريب، ولكن هل قال به أحد من المفسرين في هذه الآية؟
قلت: لا أدري. فراجعنا التفاسير فإذا في بعضها: عن مجاهد قال: هما الرجلان الزانيان (1).
فقال السيد رحمه الله: قد راجعت أنا هذا التفسير اليوم، ومررت على [هذا] القول، ولكني لم ألتفت إليه، ولم يَعْلَقْ بذهني.
[أقول:] ثم وقفتُ بعد ذلك على ما يؤيد ما ظهر لي، كقول الجبَّائي وغيره في قوله تعالى {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ [دَعَوَا اللَّهَ}].
[ص 13] ولكنه ترجح عندي في الآية ما قدمته، وهو [] للرجل والمرأة، وأما إمساك المرأة في البيت، فليس [] أن تجمع على المرأة عقوبتان. فتدبر.
ثم نزلت قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}]، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر [بالبكر جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عام]، والثيب بالثيب جَلْدُ مائة والرجم" رواه مسلم (2).
__________
(1) انظر "تفسير الطبري" (6/ 499، 500) وابن المنذر (1472) وابن أبي حاتم (3/ 895).
(2) رقم (1690) عن عبادة بن الصامت.
(18/294)

جعل حد البكر خفيفًا؛ لأن الغالب أن يكون شابًّا شديد الشهوة، وحد [الثيب شديدًا]؛ لأن الغالب أن يكون متزوجًا أو شيخًا، ولم يعلّق الحكم بكونه ذا زوجة لحِكَمٍ:
منها: [أن لا] يودي حبُّ الزنا بالرجل إلى أن يفارق زوجته ليزني، وتخفّ عقوبته، وفي ذلك ما فيه من الفساد.
فإن قيل: إن الرجم أشدُّ العقوبات، وليس بأوسطها.
قلت: قد يقال: هو وسط في مقابل هذا الجرم الشنيع، كما قال بعض القدماء في بعض العقوبات: إن القتل لا يكفي عقوبةً لهذا الجرم، ولكن هو أقصى ما يمكن!
وفوق ذلك فإن الرب عَزَّ وَجَلَّ يتمِّم العدل بقضائه وقدره، فيستر هذا، ويفضح هذا، ويزيد هذا تتمةَ ما يستحقُّه من العقوبة، ويعوِّض هذا فيما إذا كان الذي ناله من العقوبة أشدَّ مما يستوجبه جرمه، وهكذا .. وههنا حقائق ودقائق، ليس هذا موضع بسط ما ندركه فيها.
بقي أنه قد صح أن الله تعالى أنزل آية في الرجم، ثم نُسِخت تلاوتها (1)، وهي: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ...}.
فهل كان نزولها عند نزول آية الجلد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني ... "، ويكون الشيخ والشيخة كناية عن الثيبين؟
أو كانت نزلتْ قبل نزول آية الرجم، وبعد نزول آية الإيذاء، فبينتْ سبيلًا
__________
(1) أخرجه مسلم (1691) عن عمر بن الخطاب.
(18/295)

للشيخ والشيخة، وترك التخفيف على الشبّان إلى أن نزلت آية الجلد، فنسخت آية الشيخ والشيخة وآية الإيذاء معًا بفرض الجلد على البكر، والرجم على الثيب؟
أو كان نزولها قبل آية الإيذاء أو معها، فكان الرجم على الشيخ والشيخة، والإيذاء خاصًّا بالشبان؟
الأشبه بسنة الله تعالى في تدريج الأحكام أن تكون نزلت بينهما، فشُرع أولاً الإيذاء فقط، لقرب العهد بالجاهلية، ثم شُرع رجم الشيخ والشيخة، وأُبقي حكم الشبان على الإيذاء، ثم تُرك اعتبار الشيخوخة والشباب، وأُبدل باعتبار الإحصان وعدمه، لأن المتزوج من الشبان في معنى الشيخ، وشُدِّد في الحد، والله أعلم.
وهذه المسألة تحتاج إلى بسطٍ أزيدَ من هذا، وفيما ذُكر كفاية، والمقصود أن الحكمة تقتضي أن يكون بناء الحكم على الغالب فقط.

أسباب التملك
[] أسباب التملك، فالغالب أن الابن يكون أحقَّ بمال أبيه [] يكون مستحقًّا في نفس الأمر لما وهب له، ولكن قد يتفق أن يكون [] أسباب حتى جمع أموالًا كثيرة، ويكون له ابن سفيه عاقٌّ [] ونحو ذلك مما يضر الناس، ثم يموت الأب، فيرثه [] يهب ماله لشخص سفيه [] يرى أن استحقاق الابن أو الموهوب له لذلك المال فيه ما فيه، ومع ذلك فلو كان الربا مباحًا [] الرجل يعطي المقلِّين من أهل
(18/296)

الجدّ والعمل ماله بالربا، فيسعى كل منهم ويتعنَّى، وينتفع الناس بسعيه.
فقد يربح ما يفي بالربا, ولا يزيد له إلاَّ شيء تافه، أو لا يزيد له شيء أصلاً، أو يربح ما ليس يفي بالربا، أو لا يربح شيئًا، فيضيع تعبه، ويَخِيب أمله، ويَغْرَم الربا من ماله، وربما ينقص عليه من رأس المال، أو يتلف عليه رأس المال كله، فيغرم رأسَ المال والربا، يبيع حلي أهله أو عقاره أو بيته، فإن لم يكن عنده شيء أُهِين وسُجن. ثم إن أُطلِق بقي كل يوم مروعًا، كلما كدَّ واجتهد فحصل له دريهمات قام الطلب يتقاضاه، ويُهِينه ويتوعده.
وهكذا يبقى المال الذي وصل إلى ذلك السفيه، وفيه ما فيه، يبقى سالمًا له، وهو يربح فيه كل شهر أموالًا يمتصُّها من دماء أهل الكد والعمل، ويترفَّه بها، ويُسرِف فيها بدون أن يكون منه حركة تنفع الناس، بل حركاته تضرهم، وتُفسِد أخلاقهم، وتُخرب بيوتهم.
والغالب أن الذين يتكسبون بالمراباة هم هؤلاء الذين يريدون أن يعيشوا في راحة ورفاهية، يمتصُّون دماء العمال بدون تعب ولا عناء، وتبقى رؤوس أموالهم محفوظة، بل يربحون فيها أرباحًا أوثق من أرباح التجارة.
ثم يوشك أن تعم البلوى، فكل من وقع بيده مال، قال: ما لي وللمخاطرة برأس المال مع التعب والعناء بزراعة أو صناعة أو تجارة؟ هذا باب الربا يبقى فيه رأس المال محفوظًا غالبًا، ويحصل فيه ربح محقق، ولا تعب ولا عناء.
فيطبقون على ذلك، فلا يلبث أن تنحصر الأموال في أيدي السفهاء الذين لا شغل لهم إلاَّ اللهو واللعب، ويصير أهل الجدّ والعمل عبيدًا لهم.
(18/297)

فمنعُ الربا يضطرُّ كلَّ فرد من الأفراد إلى أن يكون عضوًا عاملًا نشيطًا، ينفع الناس وينتفع، ويفتح باب الغنى لأهل الكد والعناء، ويستخرج الأموال من أيدي من لا يستحقها.
يقول الشرع لمن حصل في يده مال: كن رجلاً، فاعملْ وجِدَّ واجتهدْ، واطلب الربح، فإن أبيتَ فاكنِزْه وكلْ منه، وأدِّ كل سنة ضريبةً عليه (الزكاة) حتى يفنى. [وإن] أردتَ مع ذلك صنعَ الخير في الجملة، فأقرِض الناس قرضًا حسنًا.
[ص 15/ 1] إن قال قائل: قد بان الفرق بين البيع والربا، واتضح وجه إحلال البيع وتحريم الربا، لكن في الجملة، فأما التفصيل فبقي شيء، وهو أن الفقهاء يحللون بيع السلعة نَساءً بأكثر من ثمنها [ويحللون] السلم فيها إلى أجل يدفع أقلَّ من ثمنها عند العقد، وعند الأجل.
فيجوِّزون بيع عشرة آصُعٍ طعامًا بخمسة عشر درهمًا نَساءً، وإن كان قيمتها نقدًا عشرة [ويجوزون] أن يسلم الرجل عشرة دراهم في خمسة عشر صاعًا إلى الحصاد مثلاً، مع أن السعر حين العقد عشرة آصع [بعشرة] دراهم،، وقد يكون عند الحصاد اثنا عشر صاعًا بعشرة دراهم.
فما الفرق بين هاتين المسألتين، وبين إقراض عشرة آصع بشرط رد خمسة عشر، وإقراض عشرة دراهم بشرط رد خمسة عشر درهمًا.
فعن ذلك أجوبة:
الأول: أن الناس كما يحتاجون إلى شرع البيع نقدًا وشرع القرض، فكذلك إلى شرع البيع نَساءً وإلى السلم؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يحتاج إلى
(18/298)

الطعام، وليس عنده ثمنه، ولا يجد من يُقرِضه، فيحتاج إلى اشترائه بنسيئة، وقد يحتاج إلى طعام مخصوص فلا يجده في السوق، فيحتاج أن يُسلِم فيه، ليذهب المُسلَم إليه، فيفتش عنه طمعًا في الربح، وقد يخشى أن يسبقه الناس إلى الطعام عند حصاده، ولا سيما التجار، فيبادر بالإِسلام فيه، ليأمن أن يسبقه غيره، ويحتاج صاحب الأرض إلى دراهم فلا يجد من يُقرِضه، فيطلب من يُسلِم إليه في طعام إلى الحصاد.
فلو حُرِّم أن يباع الطعام وغيره من السلع نَسيئةً إلاَّ بمثل ثمنه نقدًا، لامتنع الباعة من ذلك؛ لأن أحدهم يقول للطالب: هذه الآصُع العشرة التي تطلبها بعشرة دراهم نَساءً، يرغب فيها غيرك بعشرة دراهم نقدًا، فأي الأمرين أنفع إليَّ: أبيعها نقدًا بعشرة دراهم، ثم أشتري بالدراهم سلعة أخرى طعامًا أو غيره، ثم أبيع بربح، وهكذا .. فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالاً، أم أبيعك إياها بعشرة دراهم إلى الحصاد؟
ويقول صاحب الدراهم لصاحب الأرض: أيهما خير لي، أشتري بالعشرة الدراهم عشرة آصُعٍ نقدًا ثم أبيعها، ثم أشتري وأبيع، فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالاً، وحينئذٍ أشتري منك أو من غيرك بعشرة دراهم خمسة عشر صاعًا، أو أقل من ذلك وأكثر من عشرة، أم أُسلِمها إليك في عشرة آصُعٍ إلى الحصاد؟
أقول: فلو مُنِع من الزيادة أدى ذلك إلى انقطاع بيع النَساء والسلم، وفي ذلك من الضيق ما فيه، ولعلَّ الناس يضطرون حينئذٍ إلى ارتكاب ما حرمه الشرع، وارتكابُ حرامٍ واحدٍ يُجرَّئ على ارتكاب غيره، وفي ذلك من الفساد ما فيه.
(18/299)

فأما القرض فإن المنع فيه من الزيادة لا يؤدي إلى انقطاعه؛ لأن الناس حريصون على كنز ما تغلب الحاجة إلى إقراضه، وهو النقد والطعام.
والقرض مع التوثق أنفع لهم من الكنز، هذا مع ما يتبع [القرض] من الفوائد التي تقدم ذكرها.
الجواب الثاني: أن الربح الذي يُرجى للمقرض لو لم يقرض، وللبائع بنسيئةٍ لو باع بنقد، وللمُسلِم لو لم يُسلِم، إنما يُرجى لهم إذا اتَّجروا وباعوا واشتروا، فإذا أقرض ذاك، وباع [هذا] بنسيئة، وأسلم هذا، فمن يعلم أنهم لو لم يفعلوا ذلك [] يتَّجرون ويبيعون ويشترون، أم يكنزون. [ص 15/ 2] ذلك غيب لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ، وأقرب ما يتصور أن يُناط به الحكم نيتهم، ولكن النية أمر خفي أيضًا؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهتهم، ولا ينبغي تصديقهم؛ لأنهم يتّهمون، فقد يكون نية أحدهم الكنز، ولكن إذا علم أنه لا يحكم له بالزيادة إلا [ن] يريد أن يتجر ويبيع ويشتري، حملَه حبُّ الربح على دعوى ذلك.
فاقت[ضى ذلك أن] يناط الحكم بضابط ظاهر يطلع عليه العاقدان والشهود والحكام وغيرهم، فكان أقرب ما يفي به[ذا] اعتبار العوض، فإذا كان العوض من جنس المدفوع أو ما يقرب منه كان شرط الزيادة ربا؛ لأن تحري المعطي أن يكون العوض كذلك قرينة على أنه ينوي كنز هذا الجنس.
وإن كان العوض مباينًا للمدفوع كان الربح حلالًا؛ لانتفاء الضابط القائم مقام نية الكنز.
(18/300)

هذا إذا سارت المعاملة سيرًا طبيعيًّا، فأما إذا كانت لو جرت على طبيعتها لكانت من الأول، ولكن احتال العاقدان أو أحدهما حتى صوراها بصورة الثاني - كما يأتي في العِينة - فإنه يجب أن تردَّ إلى سواء الطريق، فيحكم فيها بحكم الأول.
وهكذا ينبغي في عكس ذلك إذا كانت هناك تهمة، كأن يَعْمِد وصيٌّ إلى سلعة من مال يتيمه فيبيعها، ثم يقرض ولده ثمنها إلى أجل، فينبغي أن يغرم ما نقص من ثمن السلعة لو باعها إلى مثل أجل القرض.
فأما حيث لا تهمةَ فلا، كأن يلتمس زيد من عمرو قرضًا، فيقول له: ارجع إليّ بعد ساعة، ثم يبيع سلعة من رجل ثالث بدراهم نقدًا، ويُسلِم الدراهم إلى زيد قرضًا حسنًا.
فإن سمِّيتْ هذه حيلةً فهي حيلة يقصد بها فعل الخير والمعروف، فلا ينبغي إبطالها.
فإن قلت: فإذا أقرض تاجرٌ رجلاً دراهم، وشرط عليه زيادة، والمقرض يدعي أنه كان يريد أن يتجر بدراهمه، واعترف المستقرض بذلك.
قلت: لا التفاتَ إلى اعتراف المستقرض؛ لأنه نفسه متهمٌ بأنه يُمهَّد باعترافه هذا لأن يقترض من صاحبه ثانيًا وثالثًا وهكذا، ويخاف إن لم يعترف له تلك المرة أن لا يقرضه مرة أخرى، وقد حرم الشارع الأخذ بالربا، كما حرم الإعطاء به، مع أن النية غيب لا يدركها المستقرض تحقيقًا، وإنما يمكن الاستدلال عليها بقرائن، وقد تكون تلك القرائن مصطنعة، والقرينة الواضحة نادرة.
(18/301)

وفوق ذلك فالشارع قد عدل كما اقتضته الحكمة عن النية، وناط الحكم بصفة العوض كما علمت، فصار هو المعتبر كما تقرر في الأصول.
فالقصر في السفر الطويل حكمته المشقة، ولكن لعدم انضباطها نِيط الحكم بالسفر الطويل، فاستمر الحكم حتى في حق من سافر سفرَ رفاهيةٍ لا مشقةَ فيه.
وبهذا عُلم الجواب عما قد يتوهم أن المقرض بشرط زيادة إذا كان يعلم من نفسه أنه كان يريد أن يتجر بالدراهم، فربما يحل له أخذ الزيادة فيما بينه وبين الله، وإن لم يحل له في الحكم الظاهر.
فإن قيل: إذا صار المدار على صفة العوض، فلماذا تُبطِلون الحيل، كالعِينة وغيرها؟
فالجواب: أننا لم نُبطِلها لدلالتها على نية الكنز، وإنما أبطلناها لأنها فرار من حكم الشرع، واحتيال عليه، وعدول بالمعاملة عن مجراها الطبيعي بتكلف صورة مصطنعة، كل ذلك لهوى النفس، ولو أبيحت لتحرَّاها كل من يريد الربا، فيبقى الحكم الشرعي معطَّلًا عن غايته، معزولًا عن فائدته.
فأما النية وحدها فلم نعتدَّ بها، فإننا نقول فيمن كان عنده سلعة يريد أن يبيعها بعشرة نقدًا، ويكتنز العشرة: إنه لو وجد راغبًا في تلك السلعة بخمسة عشر نساءً، فباعها منه، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
ونقول فيمن كانت عنده عشرة دراهم يريد اكتنازها، ثم جاءه راغب في السلم، فأسلمها إليه في [] عن السعر الموجود حال العقد وعند الأجل، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
(18/302)

[ص 15/ 3] وهذا كما تقرر في الشريعة أن قصر الصلاة لا يحل لمجرد المشقة بدون سفر. فتدبر!
فإن قيل: المقصود هو العدل، وهذا الحكم لا يفي به، فإن من كانت نيته التجارة، ولكنه آثر القرض لحاجة المستقرض حالاً هو في نفس الأمر مستحقّ للتعويض عما فاته من الربح، ومن كانت نيته الكنز ولكنه باع نساءً، أو أسلم طمعًا في الربح من هذه الجهة، لم يكن مستحقًّا للتعويض.
قلت: أما المقرِض؛ فإن لم يشترط زيادة فلا إشكال، فإنه قد رضي عوضًا عن ربحه الذي كان يرجوه بما حصل له من فوائد القرض التي تقدمت، ومنها الأجر، وصنع المعروف إلى المستقرض.
وإن اشترط الزيادة فإن كان قد علم بالحكم فحرمانه من الزيادة عقوبة له على مخالفة الشريعة، مع أنها لم تَحْتِمْ عليه أن يقرض، وإن كان لم يعلم فسيأتي جوابه.
وأما البائع نسيئةً، والمعطي سلمًا؛ فإن ما يناله من ربح يكون عوضًا عما يفوته من الربح في القرض، كما أن المقرض بزيادة جاهلاً بالحكم يحرم من الزيادة حكمًا، ويكون ذلك في مقابل ما يربحه إذا باع نَساءً أو أسلم، ولم يكن يريد التجارة.
فإن قلت: قد يكون الإنسان يُقرِض وهو يريد التجارة، ولا يُنسِئ ولا يُسلِم، وقد يكون يُنسِئ ويُسلِم مع أنه كان ينوي الكنز، ولا يُقرِض أبدًا، وقد يُقرِض مشرقيًّا، ويُنسِئ مغربيًّا، فكيف هذا؟
قلت: قد قرَّرنا سابقًا أن القوانين لا بد أن تُناط بأمر ظاهر منضبط، ثم لا يضرها تخلُّفُ الحكمة في بعض الصور النادرة.
(18/303)

وهذا أمر معقول معمول به عند العقلاء، فالحكومات تعلن في أوقات الخوف منع الخروج ليلاً، ويعترف العقلاء بأن ذلك وفق المصلحة، ولا يمنعهم من ذلك احتمال أن يكون رجل قد ترك أطفاله جياعًا، وذهب يلتمس لهم طعامًا، فلم يظفر بالطعام حتى جنَّ عليه الليل وهو في بيت بعض معارفه، فيمنعه حكم الحكومة من الرجوع إلى بيته، وفي ذلك هلاك أطفاله. وقد يعم المنع الرجال والنساء، وتكون امرأة موضع قد خرجت فجنَّ عليها الليل في بيت بعض معارفها، فيمنعها الحكم من الرجوع إلى بيتها، فيموت طفلها جوعًا.
وتعلن الحكومات في أوقات الخوف: أن من رآه الشرطة في الطرق ليلاً ينذرونه، فإن ارتابوا به ضربوه بالرصاص، فقد يصادف أن يكون رجل ضعيف مسالم، لكنه أصمُّ، ولم يعلم بالإعلان، فخرج يلتمس قوتًا لنفسه أو لأطفاله، فصاح عليه الشرطة، فلم يسمع لصممه. وأمثال هذا كثير.
بل في القوانين الفطرية ما هو بهذا المعنى، فالمطر ضروري لحياة العالم، وقد يهدم بيت العجوز، ويفسد بضاعة التاجر، ويقتل طفل المسافر، وأشباه ذلك.
لكننا قد قدَّمنا أن القوانين الشرعية يَجْبُر واضعها سبحانه وتعالى ما قد ينشأ عنها من خلل، فيقضي ويقدر ما يتم به العدل، وهو سبحانه المحيط بكل شيء علمًا وقدرةً، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس82 - 83].
(18/304)

[ص 15/ 4] الدين الممطول به والمال المغصوب
قد يقال: الحجج المتقدمة إنما تُبطِل الربا إذا كان في مقابل أجل قد رضي به الطالب، فأما الدين الممطول به والمال المغصوب فلا يظهر فيه ذلك، فإن التاجر إذا أقرض رجلاً دراهم أو طعامًا على شرط أن لا يؤخِّره عن شهر مثلاً، فأخَّره سنةً مثلاً، ففي ذلك ضرر شديد يلحقُ التاجرَ بدون رضاه ولا رضا الشرع، أفليس من العدل أن يفرض على الماطل ربح المال مدةَ المَطْل عقوبةً له، وجبرًا لما فات التاجرَ من الربح لو كان عنده؟
ومثل هذا يقال فيمن باع أو أسلم إلى أجل، فمطلَه صاحبه بعد الأجل، وهكذا يقال في الغاصب، وقد قال الشافعي (1): إن على من غصب دابةً أو دارًا فعليه أجرتها مدة الغصب، وإن لم يستعملها.
الجواب: أما المعسر في الدين فقد فرض الله تعالى إنظاره لعذره، فلا إشكال.
وأما الموسر فإنما لم تضمنه الشريعة ربحًا؛ لأن الربح لا ينضبط، فلو فرضنا أن الدين دفع إلى صاحبه، فمن يعلم أكان يتَّجر فيه أم لا؟ وإن اتَّجر أفيربح أم يخسر أم يتلَفُ المال؟ وإن ربح فما مقدار الربح؟ وما مقدار التعب؟ وقد حصل له فوائد من بقاء الدين في ذمة المدين تُعلم مما قدمناه في فوائد المقرض.
فلما كان هذا لا ينضبط عدلت الشريعة عنه إلى شرع عقوبة الماطل بالحبس والتعزير، وترك الاستقصاء إلى عالم السر وأخفى، فهو سبحانه
__________
(1) انظر "الأم" (4/ 523).
(18/305)

يعوِّض الممطولَ عما علم أنه فاته، ويعاقب الماطلَ عما علم أنه فوَّته.
والطاغوت الذي يقضي بالربح إنما يضبطه بما جرى به العرف في الربا، والربا في الشريعة باطلٌ، فلا يصح أن يُضْبط به.
وفي القوانين الطاغوتية كثير من الأحكام التي يَعْدِلون فيها عن تعويض من حصل عليه النقص إلى عقوبة الظالم، فلا وجه لأن يستبعدوا على رب العالمين أن يقضي بشيء من هذا الضرب، فيما نعلم أنه لا يمكن وضع قانون مطابق للعدل يمكن أن يعرفه الناس، ويستطيعون تطبيقه.
[ص 15/ 5] ومع هذا فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك نَصْب الحكام، وإقامة الأحكام، فإن كان في بلد المتداينين حكومة تقيم الحق، فالممطول متمكن من الشكوى إلى الحاكم وقتَ حلول الدين، فإن أخَّر مع قدرته فهو المقصِّر.
ولو شُرِع تضمينُ الماطل بربح مالًا يوشك أن يتراخى الممطول عن المطالبة أو عن الجدِّ فيها، ليأخذ الربا، فصار كأنه أقرض بشرط الربا، ويوشك أن يقول الرجل لمن يُداينُه: اكتب الدين إلى أجل ثلاثة أيام فقط، ومع ذلك لك أن تؤخره شهرين أو ثلاثة مثلًا، ولكن بربا، فإن أعطيتني الربا فذاك، وإلا ادعيتُ عليك عند الحاكم: أنك مَطلتَني، فيحكم عليك بالربا.
وأما القرض فالأمر فيه أظهر، فإن أكثر العلماء يقولون: إنه لا يؤجل، فعلى هذا ربما أقرض الرجل صاحبه، وصاحبه يؤمِّل أن لا يطالبه إلا بعد شهرين مثلًا، فتربص المقرض حتى أنفق المستقرض المال ثم طلبه، فلا يتمكن المستقرض من قضائه حينئذٍ، فيقول: قد مطلني، فأنا أطلب منه الربا.
(18/306)

وأما إذا لم يكن في البلد حكومةٌ قائمة بالحق، فأهلها كلهم مقصِّرون، ومن دخل عليه ضرر بسبب تقصيره ينبغي أن لا يُجعل له مخرجٌ منه، بل يُشدَّد عليه حملاً له على الرجوع عن التقصير والقيام بالواجب. والله أعلم.
وعلى هذا القياس يكون الكلام في الغصب، إلا أن هناك مسائل يختلف فيها العلماء، منها: أن يتَّجر الغاصب بالمغصوب فيربح، فمذهب بعض العلماء - كالإمام أحمد - أن الربح لصاحب المال لا للغاصب، ومذهب بعضهم - كالإمام أبي حنيفة - أنه للغاصب، ولكن لا يحل له، بل يجب عليه التصدق به.
وهناك أقوال أُخر، لسنا بصدد استيفائها، ولا الترجيح بينها، وإنما يلزمنا ههنا الفرق بين الغصب والدين، فنقول: الفرق عندهم أن الغاصب في هذه المسألة اعتبر بعين المال المغصوبة، وربح فيها، وأما المدين فالدين في ذمته، وليس هو عينًا معينة، ومع ذلك فيقولون جميعًا: إذا لم يتجر في العين المغصوبة لا يلزم ربح، وإنما يقول بعضهم - كالشافعي - بوجوب الأجرة على غاصب الدار والدابة ونحوها، وإن لم يستعملها؛ لأن النقص الذي دخل على المالك بالغصب يمكن ضبطه بأجرة المثل، فليس كالربح الذي لا ينضبط كما مر. والله أعلم.
****
(18/307)

الربا مع الحربي
أجاز أبو حنيفة رحمه الله أن يُربي المسلم المستأمن في دار الحرب مع من فيها من حربي، أو مسلمٍ أسلم فيها ولم يهاجر، وعلَّله أصحابه بأن مال أهل دار الحرب مباح، وإنما يحرم على المستأمن أن يغدر بهم، وأخذ أموالهم برضاهم ليس بغدر.
وخالفه الجمهور حتى صاحبه أبو يوسف، ومن حجتهم أن تحريم الربا مطلق في الأدلة الشرعية، وقد دلت الأدلة أن فيه حقًّا لله تعالى، ولذلك لا يُحِلُّه رضا مُعطيه في دار الإِسلام اتفاقًا.
وقد سمَّى الله الربا ظلمًا، وظلم الحربي لا يجوز ولو برضاه، كما لو رضي حربي بأن يقتله المستأمن.
وقد احتُجَّ لأبي حنيفة رحمه الله بما رُوي أن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُربِي مع المشركين قبل فتح مكة (1)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم بذلك ولم ينهه.
وفي هذه الحجة نظر؛ لأن ما حُكِي أن إسلام العباس رضي الله عنه قديم (2) لم يثبت، ولوجوهٍ أُخر لا حاجة بنا الآن إلى بسطها. والله أعلم.
****
__________
(1) يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أول ربا أضعُ ربانا رِبا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلُّه". أخرجه مسلم (1218) من حديث جابر بن عبد الله.
(2) ذكره الحافظ في "الإصابة" (5/ 578) بصيغة التمريض.
(18/308)

[ص 15/ 6] المضاربة
سَنَّت الشريعة طريقًا لذوي الأموال من العجزة والكُسالى يمكنهم أن يربحوا فيها، ولكن بدون ضرر على غيرهم، وهي المضاربة، وهي أن يدفع الرجل إلى آخر دراهم يتَّجر فيها، على أنه إن ربح كان الربح بينهما، ولكنه إن لم يربح شيئًا لم يلزمه شيء، بل إن تَلِفَ بعض رأس المال أو كله لم يلزم العاملَ شيء، بل يكفيه ضياع تعبه، وخيبة أمله.
وهذه الطريق فتحت بابًا لخروج الدراهم من يد الغني لتلعب دورها في المعاملات، فينتفع بها الناس كما تقدم.
ولا يخشى أن تؤدي إلى الكسل والانهماك في التنعُّم؛ لأن فيها خطر ضياع رأس المال، فصاحب المال لا يختارها إلا وهو عاجزٌ على الحقيقة غالبًا، وليس فيها ظلمٌ ولا هضمٌ.
وفوائد المقرض التي تقدمت لا تحصل للمعطي مالَه مضاربةً، وكذلك المضارُّ التي تكون في الربا لا تكون في المضاربة، فيكون في المضاربة رجاء الربح من المالك والعامل، والمخاطرة من كل منهما، المالك يخاطر بماله، والعامل يخاطر بعمله.
وهذا هو العدل القويم، والقسطاس المستقيم، والحمد لله رب العالمين.
****
(18/309)

وجوه الربا
لا فرق بين أن يُقرِض بشرط الزيادة دفعةً واحدةً، أو يُقرِض بشرط زيادة مقررة في كل شهر مثلاً، أو يقرض بلا شرط زيادة، ثم يطالب بالقضاء، فيستمهل المستقرض فيمهله بشرط زيادة، أو يكون له عند رجل دين من غير القرض، كثمن وأجرة ونحو ذلك، فإذا حلَّ الأجل أمهله إلى أجل آخر بشرط زيادة.
هذا كله داخل في آية الربا كما سيأتي تحقيقه، والمعنى فيه واحد.
وهناك صور أخرى تحتاج إلى إيضاح:
منها: العِينة، وهي أن يحتاج الرجل إلى القرض فلا يجد من يُقرِضه قرضًا حسنًا، فيتواطأ مع إنسان على أن يشتري المحتاج من صاحب المال سلعة بمائة درهم إلى أجل، ثم يبيعها المحتاج لصاحب المال بتسعين نقدًا مثلًا.
وتأويل ذلك أنه أخذ تسعين درهمًا على أن يرد مائة، وهذا هو عين الربا.
وقد اشتهر عن الشافعية تصحيح هذه المعاملة، فأما الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى فإنما يوجد في نصوصه تصحيح البيعين حيث لم يعلم نية السوء، ذكر في باب بيع الآجال من "الأم" (1) أثر عائشة: "أن امرأة سألتها عن بيعٍ باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء، ثم اشترته منه بأقل من
__________
(1) (4/ 160).
(18/310)

ذلك نقدًا، فقالت عائشة: بئسَ ما اشتريتِ، وبئسَ ما ابتعتِ، أخبري زيد بن أرقم [ص 16] أن الله عزَّ وجلَّ قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب".
ثم ساق الكلام عليه، وفيه أن القياس يوافق فعلَ زيد، ثم قال: "فإن قال قائل: فمن أين القياس مع قول زيد؟
قلت: أرأيتَ البيعة الأولى أليس قد ثبت بها عليه الثمن تامًّا؟
فإن قال: بلى.
قيل: أفرأيت البيعة الثانية أهي الأولى؟
فإن قال: لا.
قيل: أفحرامٌ عليه أن يبيع ماله بنقدٍ، وإن كان اشتراه إلى أجل؟
فإن قال: لا، إذا باعه من غيره.
قيل: فمن حرَّمه منه؟
فإن قال: كأنها رجعت إليه السلعة، أو اشترى شيئًا دينًا بأقلَّ منه نقدًا.
قيل: إذا قلتَ: "كأنَّ" لما ليس هو بكائن لم ينبغِ لأحد أن يقبله منك، أرأيت لو كانت المسألة بحالها، فكان باعها بمئة دينارٍ دينًا واشتراها بمئة أو بمئتين نقدًا؟
فإن قال: جائز.
قيل: فلا بد أن تكون أخطأت "كأن" ثَمَّ أو ههنا؛ لأنه لا يجوز له أن يشتري مئة دينار دينًا بمئتي دينار نقدًا.
(18/311)

فإن قلت: إنما اشتريت منه السلعة.
قيل: فهكذا كان ينبغي أن تقول أولًا، ولا تقول: "كأن" لما ليس هو بكائن.
أرأيت البيعة الآخرة بالنقد لو انتقضت أليس تُردُّ السلعة، ويكون الدين ثابتًا كما هو، فتعلم أن هذه بيعة غير تلك البيعة؟
فإن قلت: إنما اتهمته.
قلنا: هو أقل تهمة على ماله منك، فلا تركن عليه إن كان خطأً، ثم تحرِّم عليه ما أحلَّ الله له؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أحلَّ البيع وحرَّم الربا، وهذا بيع وليس بربا". "الأم" (ج 3 ص 68 - 69) (1).
أقول: السياق صريح في أن كلام الشافعي رحمه الله خاص بما إذا لم تقع بينهما مواطأة، ولا قامت دلالة ظاهرة على قصد إلاحتيال، وصورة ذلك مثلًا أن يَعْمِد رجل فيشتري ثوبًا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يتفرقان، ثم يعود المشتري إلى البائع، فيعرض عليه الثوب بتسعة دراهم نقدًا، فيشتريه منه.
فالشافعي رحمه الله تعالى يقول: لا وجه لاتهام المشتري الأول بأنه إنما اشترى توصلاً إلى الأخذ بالربا، وهناك ما يُبعِد اتهامه، وهو أن المعروف من حال الإنسان أنه لا يرضى بضياع ماله، وإذا اتهمنا هذا الرجل بالنية المذكورة كنا قد اتهمناه بأنه أراد من أول الأمر ضياع درهم من ماله، فالأولى أن يحمل على أنه اشترى الثوب رغبةً فيه، ثم عرضتْ له حاجة، أو اطلع على غبن، فعاد فباعه.
__________
(1) (4/ 160 - 161) ط. دار الوفاء.
(18/312)

وقوله: "فلا تركن عليه" صوابه: "فلا تَزْكَنْ عليه"، من الزكن، وهو الظن، أي: لا تتهمه إن كان زكنك خطأً لا دليل لك عليه.
ويعلم مما تقدم أنه لو علم تواطؤهما على التوصل إلى الربا، أو اعترفا بأن نيتهما ذلك، صحَّ الحكم بحرمته.
وكذلك إذا كانت النية التوصل، ولم يظهر لنا ذلك، فإن الحرمة ثابتة على الناوي.
ويبقى النظر في صورة البيع الأولى وصورته الثانية، الحكم ببطلانهما أو أحدهما، ففي "فتح الباري": "والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يُجوِّزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن" (ج 12 ص 274) (1).
ذكر ذلك بعد أن نقل عن "إعلام الموقعين" (2) كلامًا فيه تنزيه الشافعي عما ينسبه إليه أصحابه، وفيها: "وكذا في مسألة العينة، إنما جوز أن يبيع [ص 17] السلعة ممن يشتريها، جريًا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة، ولم يجوِّز قطُّ أن المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومئتين، ثم يحضران سلعة تحلل الربا، ولا سيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها".
وقال في "الفتح" أيضًا: "نص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في
__________
(1) (12/ 337) ط. السلفية.
(2) (3/ 293).
(18/313)

تفويت الحقوق، وقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه، وقال كثير من محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم، ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا، ولا يخلِّصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محلّلاً، ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلِّصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصِد به تحريمُ ما أحلَّ الله أو تحليلُ ما حرَّم الله كان إثمًا، ولا فرق في حصول الإثم في التحيُّل على الفعل الحرام بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له". "فتح الباري" (ج 12 ص 267) (1).
أقول: إذا ثبتت الحرمة أوشك أن يثبت البطلان، وقد قال الشافعية بحرمة الصلاة في وقت الكراهة وبطلانها، واستثنوا ما له سبب متقدم، أو مقارن كتحية المسجد، ثم قالوا: لكن لو دخل المسجد لأجل الصلاة في وقت الكراهة حرمت عليه الصلاة، ولم تصح؛ لأنه معاند للشرع، وهكذا قالوا في من قرأ في الصلاة آية السجدة ليسجد أنه إذا سجد بطلت صلاته.
فعلى هذا يلزمهم إبطال العِينة إذا كان المقصود من صورة البيع فيها هو أخذ ألفٍ بألفٍ ومئتين.
ودلائل البطلان كثيرة، ولكن المقصود ههنا إثبات الحرمة، والشافعية يوافقون عليها كما مر.
ومن تدبر المعنى علم أنها أشدُّ من حرمة الربا الصريح، قال البخاري
__________
(1) (12/ 328) ط. السلفية.
(18/314)

في كتاب الحيل من صحيحه (1): "باب ما يُنهى عنه من الخداع في البيوع (2)، وقال أيوب: يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًّا، لو أَتَوا الأمرَ عيانًا كان أهون عليَّ".
قال في "الفتح": "قال الكرماني: قوله: "عيانًا" أي لو أعلنوا بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلا تدليس لكان أسهل؛ لأنه ما جعل الدين آلة للخداع. انتهى. ومن ثَمَّ كان سالكُ المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغضَ عند الناس ممن يتظاهر بها، وفي قلوبهم أوضعَ، وهم عنه أشدُّ نفرةً". "فتح الباري" (ج 12 ص 273) (3).
أقول: والباعث على هذه المعاملة قد يكون كفرًا، وقد يكون محاربةً لله عزَّ وجلَّ فوق محاربته بأصل الربا، وقد يكون جهلًا، ولا يَغُرنَّك ما جازف به بعضهم فقال: "إن هذه المعاملة محمودة؛ لأنها فرار من الربا الذي حرَّمه الله إلى البيع الذي أحلَّه"، فإنها مغالطةٌ محضةٌ؛ لأن صورة البيع التي يأتي بها المتعاينان غير مقصودة لهما قصدًا صحيحًا، وإنما هو قصد محرم، وهو المخادعة لله عزَّ وجلَّ، والاحتيال عليه، والعناد لشرعه.
هذا، وقد حرَّم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ، وليس هذه بتجارةٍ، فإن الآخذ لم يشترِ السلعة ليبيعها بربحٍ كما هو دأب التاجر، وقد تقدم بيان المعنى الذي أُحِلَّ لأجله التغابن في التجارة، وليس موجودًا ههنا.
__________
(1) (12/ 336) مع الفتح.
(2) في الأصل: "العيوب"، والتصويب من البخاري.
(3) (12/ 336) ط. السلفية.
(18/315)

للعينة صور، وقد عدّ الحنفية منها أن تطلب من رجل أن يُقرِضك، فيقول لك: بل أبيعك هذه السلعة بنسيئة، وخذها أنت وبعها في السوق بنقد، فيأخذها ويبيعها في السوق.
ونقلوا عن أبي يوسف أنه قال: "لا يُكره هذا البيع؛ لأنه فعله كثير من الصحابة، وحمدوا على ذلك، ولم يعدُّوه من الربا، حتى لو باع كاغذةً بألف يجوز، ولا يكره" (1).
[ص 18] أقول: لا بد من تفصيل؛ فإذا كان ثمن السلعة التي أعطاه عشرة دراهم نقدًا، واثني عشر درهمًا نسيئةً، فإن أعطاه إياها بعشرةٍ نسيئةً فهذا هو الذي يمكن أن يكون محمودًا؛ لأنه كأنه أقرضه.
وإن أعطاه إياها باثني عشر ففيه نظر، وقد يقال: إذا كان محققًا أنه لو لم يعطه تلك السلعة باثني عشر درهمًا إلى أجل لطلبها منه آخر بذلك الثمن إلى مثل ذلك الأجل، فلا يظهر إثم المعطي، ولكن يبقى النظر في الآخذ، فقد يقال: إنه إنما اشتراها بنية أن يأخذ عشرة نقدًا، وتكون في ذمته اثنا عشر، فإن أثِمَ الآخذ رجع الإثم على المعطي أيضًا إذا علم بنية الآخذ، وأما إذا أعطاه إياها بثلاثة عشر مثلاً فالحرمة ظاهرة.
هذا، وما حكاه أبو يوسف عن الصحابة لم يُنقَل متصلًا، إلا ما رُوي عن زيد بن أرقم على ما فيه، والقصة نفسها تدل أنه لم يقصد العِينة، وقد ذكرها الباجي في "شرح الموطأ" (2)، وفيها: "قالت: فإني بعتُه عبدًا إلى العطاء
__________
(1) انظر "حاشية ابن عابدين" (5/ 325، 326).
(2) "المنتقى" (4/ 166).
(18/316)

بثمان مئة درهم، فاحتاج فاشتريته قبل محل الأجل بست مئة درهم".
هذا مع أن هذه المرأة هي أم ولد زيد، كما في القصة، ولم يُذكَر أنه كان قد أعتقها، وإذا لم يكن قد أعتقها فهي باقية حينئذٍ في ملكه، والعلماء مصرِّحون على أنه لا ربا بين السيد وبين مملوكه.
وذكر البيهقي وغيره أثرًا عن ابن عمر (1)، وفي سنده مقال، وفيه مع ذلك ما يصرح بأن البيع لم يكن بنية العينة.
وقد قال محمد بن الحسن: "هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أَكَلَةُ الربا ... " انظر "الدر المختار" (2) أواخر الكفالة.
[ملحق ص 18] بقي أن بعض المحتالين على الربا يشتري مقدارًا وافرًا من بضاعة رائجة، وإذا طُلب منه بيعه نقدًا بقيمة مثله نقدًا أو إلى أجل قريب بقيمة مثله إلى ذلك الأجل، امتنع، وإنما يرصُده للمحتاجين إلى القرض، يجيء أحدهم فيسأله القرض، فيقول: ليس عندي دراهم - وكثيرًا ما يكون كاذبًا - ولكن أبيعك هذه السلعة بعشرةٍ نسيئةً إلى شهرين مثلاً، فيقول الطالب: وماذا أصنع بها ولا حاجة لي فيها؟ فيقول: تخرج بها فتبيعها بدراهم نقدًا، فتنتفع بها، فيقول الطالب: قيمة مثلها نقدًا في السوق ثمانية، فكيف أشتريها منك بعشرة، وأحملها وأتعب فيها حتى أجد من يشتريها مني بثمانية؟ فيقول: ليس عندي إلا ذلك، فإن أحببتَ فخذْ، وإلا فاذهبْ.
وإذا اشتهر بهذا فربما يجيئه طالب القرض، فيشتري منه على ذلك
__________
(1) "السنن الكبرى" (5/ 317).
(2) "الدر المختار" مع حاشية ابن عابدين (5/ 326).
(18/317)

الوجه، ولا يذكر قرضًا.
ولما كنتُ قاضيًا بجيزانَ سمعت برجلٍ حضرمي هذه حِرفتُه، فرأيت أن أعزِّره وأمنعه من هذه المعاملة، وأردَّه في ما بقي له من الديون إلى رأس ماله، ثم عرضتُ ذلك على شيخنا الإِمام محمد بن علي بن إدريس رحمه الله، فأقرَّني على ذلك.
ثم سُئلت مرارًا عن بيع النَّساء بزيادة في الثمن فأجبت أن التاجر الذي يبيع بنقد إذا طُلِبت منه سلعة بنسيئة فلا أراه حرامًا، ومثله غير التاجر إذا كانت عنده سلعة فطُلِبت منه بنسيئة فباعها بثمن لو طلبت منه بنقد لباعها بأقلَّ منه، وأما من إذا طلبت منه السلعة بنقد أو بنسيئة إلى أجل قريب بقيمة مثلها لم يبع، وإنما يرصدها للنسيئة؛ لتحصل له زيادة لها قدر، فلا أراه إلا حرامًا، ولا سيما إذا علم أو ظن أن المشتري إنما يريد القرض، ولما لم يجد من يُقرِضه قرضًا حسنًا، واستشنع الربا الظاهر أو لم يجد من يعطيه بربا، اضطر أن يشتري سلعة بعشرة إلى شهرين مثلاً، ويتعب بحملها، وطلب من يشتريها منه بثمانية نقدًا ليأخذ الثمانية فيسدّ بها حاجته.
هذا والغالب أن الذين يأخذون من مثل ذلك الحضرمي هم الفقراء والذين عرفوا بالمطل، فإنهم يمطلونه؛ لأنهم يرون أنه ظالم لهم ولغيرهم، ولكنه لا يبالي؛ لأنه قد اعتاد الإلحاح في التقاضي، والتشديد فيه، وقد مرَّ الفرق بين العينة وبين بيع النَّساء الذي لا حيلة فيه. والله أعلم.
الصورة الثانية: الانتفاع بالرهن:
اتفق العلماء على تحريمه؛ لأنه ربا، وإنما أجاز بعضهم في رهن الدابة أن ينفق عليها المرتهن ويركبها أو يحلبها بقدر ما أنفق عليها متحرِّيًا العدل
(18/318)

في ذلك، وكذلك الأمة ينفق عليها، ويسترضعها بقدر نفقتها.
وقد احتال الناس على هذا النوع من الربا بصورة بيع كثرت أسماؤه لخبث مسماه، فيقال: بيع العهدة، وبيع الوفاء، وبيع الأمانة، وبيع الإطاعة، وبيع الطاعة، والبيع الجائز، وبيع المعاملة، والبيع المعاد، والرهن المعاد، وغير ذلك.
وحاصله أن يحتاج رجل إلى القرض، فيلتمس من يُقرِضه على أن يرهنه أرضه رهنًا شرعيًّا، فلا يجد مسلمًا يقبل ذلك، فيقول له إنسان: أنا أعطيك واسترهِنْ أرضك على شرط أن تكون منافعها لي ما دام الدين عندك، فقيل لهم: هذا ربا، فأوحى إليهم الشيطان أن يجعلوا صورة العقد بيعًا.
ثم تارةً يقع العقد مع الشرط، كقوله: بعتك هذه الأرض بألف، على أنه ليس لك أن تخرجها من ملكك، وأنه متى جئتُ أنا أو ورثتي أو ورثتهم أو من يرثهم وهكذا بمثل الثمن رجعت الأرض إلى ملكنا. ويستغنى عن تفصيل الشروط بقولهم: بيع وفاء، أو بيع عهدة، أو غير ذلك من الأسماء الخاصة بهذه المعاملة الخبيثة.
وتارةً يتقدم الشرط على العقد، كأن يقول مريد الأخذ: اشهدوا أن البيع الذي سيقع بيننا بيع عهدة مثلًا.
وتارةً يتأخر، وربما جعلوا الشرط بلفظ النذر، كأن يقول مريد الأخذ: لله عليّ إذا اشتريتُ هذه الأرض من فلان أن أُقِيلَه إذا طلب الإقالة هو أو ورثته وإن سفلوا، وقد تقع صورة النذر بعد العقد.
(18/319)

[ص 19] وهذه الحيلة إنما حدثت في القرون المتأخرة، وأنكرها العلماء، وقد اطلعتُ على كلام المتأخرين من الفقهاء فيها. فأما الشافعية فقالوا: إذا وقعت المواطأة والشرط، ثم وقع العقد بصفة البيع، ولا ذكر للشرط في عقده، فالشرط السابق لغوٌ، والبيع صحيح نافذ. وإن كان الشرط بعد انعقاد العقد ولزومه فالبيع صحيح نافذ، والشرط وعدٌ، للمشتري أن يفي به وأن لا يفي. ولو كان الشرط بصيغة نذر من المشتري لزمه الوفاء به، وإن وقع الشرط في صلب العقد بطل البيع، ومن الشرط أن يقال: بيع عهدة، أو بيع وفاء، أو نحوه.
ولكن بعض فقهاء حضرموت أفتوا بصحة البيع والشرط.
قال في "القلائد" (1): "بيع العهدة المعروف بجهة حضرموت وغيرها، وهو أن يتفق المتبايعان أن البائع متى أراد رجوع المبيع إليه أتى بمثل الثمن المعقود به، وفَسَخ البيع، أو يُفسَخ عليه، رضي المشتري أم لا. وكذا إن اتفقا أنه إن أراد فكَّ البعض فله ذلك، كما صرَّح به بعض الفقهاء، وهو فاسد إن وقع الشرط في نفس العقد أو بعده في زمن الخيار، وسيأتي في الخيار أن مذهب أحمد وغيره جواز شرطه لأحد العاقدين مطلقًا، وأنه يتأبد له وهو مقتضٍ لصحة ما فعلاه هنا، ولزومِه عندهم، فإن وقع قبل العقد بالمواطأة ثم عقدا مُضمِرَين ذلك فهو وعد لايلزم على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، ولكن رأى جماعة من أهل العلم تنفيذه بناء على وجوب الوفاء بالوعد، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى وغيره، وأقاموا ذلك مقام الحقوق اللازمة
__________
(1) "قلائد الخرائد" لباقشير الحضرمي (1/ 317).
(18/320)

حتى ينوب الحاكم في الفسخ أو قبوله حيث غاب المشتري أو امتنع".
ثم قال بعد ذلك بكلام: "وذهب قوم إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان شرطًا واحدًا، ويلزم".
أقول: الحاصل أنه أسند جواز البيع مع الشرط المذكور في صلب العقد إلى أمرين:
الأول: قوله: "إن مذهب أحمد وغيره جواز شرطه لأحد العاقدين مطلقًا، وأنه يتأبد له". وقال في الخيار: "وجوزه أحمد وإسحاق مطلقًا، ويتأبد".
الثاني: قوله: "وذهب جماعة إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان شرطًا واحدًا".
وأسند وجوب الشرط ولزومه إذا كان قبل العقد إلى مذهب مالك في وجوب الوفاء بالوعد.
فأما الأول: فكأنه مستند إلى ما في "فتح الباري" (1): "فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل، والبيع جائز. وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا. وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا".
فأما الإِمام أحمد: فإن صح هذا عنه فكأنه رواية ضعيفة عند أصحابه، فإن في "زاد المستقنع" من كتبهم في خيار الشرط: "أن يشترطاه في العقد مدة معلومة، ولو طويلة".
__________
(1) (4/ 328).
(18/321)

قال في شرحه "الروض المربع": "ولا يصح اشتراطه بعد لزوم العقد، ولا إلى أجل مجهول، ولا في عقد حيلة ليربح في قرض فيحرم، ولا يصح البيع" (ص 190) (1).
[ص 20] أقول: والمدة الطويلة إذا مات الشارط قبلها انقطع خياره عندهم، ففي "زاد المستقنع": "ومن مات منهما بطل خياره".
قال الشارح: "فلا يورث إن لم يكن طالب به قبل موته" (ص 191) (2).
أقول: ومطالبته به قبل موته تكون فسخًا، فينفسخ العقد من حينئذٍ، ولو طالب به عقب العقد بساعة انفسخ العقد من حينئذٍ، ولو لم يدفع الثمن، وهذا مخالف لمقصود بيع العهدة.
وفوق هذا فالمقصود ببيع العهدة هو الحيلة، فيكون البيع والشرط باطلًا عند الحنابلة مطلقًا كما علمت.
والفرق بين شرط الخيار لغير حيلة وشرطه لحيلةٍ: أن الأول يكون مقصود البائع عند البيع إخراج المبيع من ملكه بتاتًا، ولكنه يخاف أن يبدو له فيندم بعد ذلك، فلأجل هذا شرط الخيار.
والثاني لا يقصد البائع إخراج المبيع عن ملكه، وإنما حاجته إلى الدراهم ألجأته إلى أن يضع أرضه تحت يد معامله إلى أن يتيسر له قضاء تلك الدراهم، ولهذا يرضى صاحب الأرض بدراهم أقلَّ من ثمن المثل، وتجدهم في حضرموت يصرحون بأنه رهن، فيقول البائع: رهنت أرضي عند
__________
(1) (4/ 421) بحاشية ابن قاسم.
(2) (4/ 432، 433).
(18/322)

فلان، ويقول المشتري: هذه الأرض مرهونة عندي، وتجد ذلك في وصاياهم وغيرها، وإنما يطلقون عليه بيعًا حال العقد، كما يعلمهم كتَّاب العقود الذين عرفوا طرفًا من الفقه، أو تعلموا كيف يكتبون وثيقة في هذا الباب.
وعلى هذا فإذا كان في مذهب أحمد رواية بصحة الخيار المطلق، فلا تفيد أهل العهدة؛ لأن مقصودهم الحيلة على الربا، ولغير ذلك. والله أعلم.
وفي "الشرح" في أحكام الشروط: "وكذا شرط رهن فاسد، كخمر، ومجهولٍ، وخيارٍ أو أجل مجهولين، ونحو ذلك، فيصح البيع، ويفسد الشرط" (ص 188) (1).
والمراد أنه يصح ما لم يكن العقد حيلة، كما تقدم. والله أعلم.
وأما قول إسحاق فلم أقف على تفصيل مذهبه، وعسى أن يكون كمذهب أحمد، وما لم يعلم قوله مفصّلًا مفسّرًا لا يمكن تقليده.
وأما الثاني: وهو قوله: "وذهب قوم إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان الشرط واحدًا"، فليس على إطلاقه، ففي مذهب أحمد تفصيل؛ فمن الشروط في مذهبه ما يصح مطلقًا، وهو ما وافق مقتضى العقد، كاشتراط حلول الثمن، أو كان من مصلحة العقد، كاشتراط تأجيل الثمن، أو فيه منفعة معلومة للبائع، كركوبه الدابة إلى موضعٍ معين، أو للمشتري كأن يشتري حطبًا، ويشترط على البائع أن يحمله إلى موضع معلوم.
__________
(1) "الروض المربع" (4/ 404) بحاشية ابن قاسم.
(18/323)

فهذا النوع الثالث - أعني الذي فيه منفعة معلومة للبائع أو للمشتري - يصح عندهم إذا كان شرطًا واحدًا، ويبطل البيع إذا كان شرطين. وفسروا الشرطين باشتراط منفعتين، قال في "الروض المربع": "كحمل حطبٍ وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله" (1).
ومن الشروط في مذهبه ما هو فاسد، وهو ما ينافي مقتضى العقد، فتارة يبطل الشرط ويصح العقد، كاشراط المشتري أنه إذا لم ينفق المبيع رده، أو أن لا يبيع المبيع ولا يهبه ولا يعتقه، وتارةً يبطل العقد أيضًا، كاشتراط عقد آخر، كأن يقول: بعتك بشرط أن تقرضني، وتارة لا ينعقد البيع من أصله، كقول الراهن: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، وكذا كل بيعٍ عُلِّق على شرط مستقبل، [ص 21] وتمام التفصيل في كتبهم.
والحاصل: أن الشرط الذي يجوز عندهم إذا كان واحدًا، ويبطل البيع إذا كان شرطين = هو ما كان في مصلحة البيع، وفيه منفعة معلومة لأحد العاقدين. ومثَّلوه بأن يشتري حطبًا، ويشترط على البائع حمله إلى موضعٍ معلومٍ أو تكسيره، أو يشتري ثوبًا، ويشترط على البائع تفصيله أو خياطته، فيصح. ولو اشترط مشتري الحطب حمله وتكسيره، أو اشترط مشتري الثوب تفصيله وخياطته، كان قد جمع شرطين، فيبطل البيع.
والشرط الذي تضمنه بيع العهدة ليس من مقتضى البيع، ولا من مصلحته، بل هو من المنافي، وفي المنافي عندهم تارةً يلغو الشرط ويصح البيع، ومن أمثلته عندهم الخيار المجهول كما تقدم، ومثله فيما يظهر الخيار إلى مدة معينة مع شرط أن المشتري إذا مات يقوم ورثته مقامه.
__________
(1) (4/ 399).
(18/324)

ووجه ذلك أن الخيار من أصله منافٍ للبيع، وإنما أجيز لدليل خاص، وذلك الدليل الخاص لا يتناول أن يكون الخيار لورثته من بعده، فهذا يقتضي بطلان الشرط وصحة البيع، ولكن الشرط الذي تضمنه بيع العهدة ليس خيارًا، وإنما المقصود به الحيلة على الربا، وهو باطل عندهم كما تقدم.
وتحقيقه أن خيار الشرط موضوع لمن يكون قصده حال البيع أن يخرج السلعة من ملكه بتاتًا، ولكنه يخاف أن يبدو له فيندم، وبيع العهدة ليس من هذا قطعًا، وإنما المقصود منه أن تكون السلعة رهنًا بيد من يُسمى مشتريًا، ليفكَّه من يُسمى بائعًا هو أو ورثته متى أرادوا.
هذه حقيقته، ولهذا يطلقون عليه لفظ "الرهن"، فيقول الرجل: أريد أن أرهن أرضي، ويقول الآخر: يريد فلان أن يرهن عندي (1) أرضه، ويقولان بعد العقد: رهنت أرضي عند فلان، وهذه الأرض عندي رهن، كما تقدم.
وعلى كل حال فقد تبين بطلان بيع العهدة في مذهب أحمد وحرمته، وأنه ربا، والله أعلم.
وأما السند الثالث: وهو الإلزام بالمواطأة قبل العقد، بناءً على وجوب الوفاء بالوعد في مذهب مالك، وفسره في "القلائد" (2) بعد ذلك بقوله: "مذهبنا أيضًا أن الوفاء بالوعد مكرمة متأكدة، وأن الإخلاف به مع القدرة وعدم الضرر مكروه جدًّا، وعند قوم يجب الوفاء، وقالت المالكية: يجب إن ارتبط بسبب، كقوله: أعطِني كذا، أو احلِفْ لا تسبَّني وأنا أعطيك كذا. وبيع
__________
(1) في الأصل: "عني".
(2) (1/ 320).
(18/325)

العهدة عندنا من هذا ... واختار جمع كثير من أصحابنا المتأخرين والذين قبلهم ما ذكرناه من المواطأة قبل، وإلزام الوعد بمقتضى مذهب من أوجبه للضرورة في الحاجة إلى الثمن، مع قلة الراغب في المبيع إلا بغبن كثير، فقصدوا التخلص منه بشرط أن له أن يفكَّه عند قدرته، ومشوا على ذلك حتى ألزمت به الحكام، ورتبوا عليه الأحكام".
أقول: مالك وأصحابه رحمهم الله بريئون من هذه المعاملة، ومن المواعيد عندهم ما يأمرون بالوفاء بها، ولكن يقولون: ليس للحكام الإلزام بها قضاءً، ومنها ما إذا كان تمهيدًا لعقد ينزل عندهم منزلة الشرط في ذلك العقد، فيبطل العقد ويحرم. ومنها: غير ذلك. بل النذر عندهم لا يلزم به إلا ما لا يصح وقوعه إلا قربة.
وفي "الشرح الكبير" مع المتن: " (وإنما يلزم به) أي النذر (ما ندب) ".
قال الدسوقي في حواشيه: "يعني مما لا يصح أن يقع إلا قربةً، وأما ما يصح وقوعه تارة قربةً، وتارة غيرها فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبًا، كالنكاح والهبة [ه بن] ". (ج 2 ص 144).
وأما ما ذكره صاحب "القلائد" عنهم فمحله فيما ارتبط بسبب فيه كلفة على الموعود؛ لأنه صار في معنى الإجارة أو الجعالة.
وقوله: "أعطني كذا، وأنا أُعطيك كذا" في معنى البيع، فإن وقع الوعد في بيع الوفاء قبل العقد فهي مواطأة مفسدة، كما سيأتي عن المالكية، وإن وقع في صلب العقد فأولى، وإن وقع بعد لزوم العقد فقد صرحوا بأنه وعد لا يلزم الوفاء به، كما سيأتي.
(18/326)

[ص 22] ومالك رحمه الله تعالى يحتاط في محاربة الربا أشد الاحتياط، حتى حرَّم الإقراض طمعًا في الزيادة، إذا عُرف من عادة المستقرض الزيادة في القضاء، وحرَّم قبول الزيادة إذا كانت عن وعد أو عادة.
فكان على أنصار بيع العهدة أن يراجعوا كتب المالكية، أو يستفتوا أحد علمائهم، ولا يُقدِموا على التحليل والتحريم بناءً على نقول مجملة. والله المستعان.
هذا وقد نصَّ المالكية على حرمة بيع العهدة، أو بيع الوفاء، ووجوب إبطاله وحرمة انتفاع المشتري بالمبيع إذا كان الشرط في صلب العقد، أو تواطآ عليه قبل العقد، وأنه إذا لم يكن هناك شرط ولا مواطأة أصلًا فالبيع صحيح، ولو تبرع المشتري بعد لزوم البيع بنحو قوله: "متى رددتَ إليّ الثمن دفعتُ لك المبيع" كان وعدًا يستحبُّ الوفاء به، ولا يلزم.
وهذه عبارة الدسوقي في حواشي "الشرح الكبير" للمالكية: "وبيع الثُّنيا هو المعروف بمصر ببيع المعاد، بأن يشترط البائع على المشتري أنه متى أتى له بالثمن رد المبيع، فإن وقع ذلك الشرط حين العقد، أو تواطآ عليه قبله كان البيع فاسدًا ولو أسقط الشرط، لتردد الثمن بين السلفية والثمنية ... وأما إذا تبرع المشتري للبائع بذلك بعد البيع بأن قال له بعد التزام البيع: متى رددتَ إليّ الثمن دفعتُ لك المبيع، كان البيع صحيحًا، ولا يلزم المشتريَ الوفاءُ بذلك الوعد، بل يستحبُّ فقط". (ج 3 ص 62).
وفي المتن والشرح: " (ورُدَّ) المبيع بيعًا فاسدًا لربه إن لم يفت وجوبًا، ويحرم انتفاع المشتري به ما دام قائمًا".
وحكى المحشي عن الشيخ أحمد الزرقاني أن المشتري بهذا البيع يرد
(18/327)

الغلة مع المبيع، ولا حق له فيها.
وحكى عن (ح) ورجحه أن المشتري إذا قبض المبيع برضا البائع يفوز بغلته ما دام عنده، بناءً على أن حكم البيع الفاسد في المذهب هكذا، فهو حرام يجب نقضه، ويحرم على المشتري الانتفاع به، ولكن مع ذلك كله يفوز بغلته؛ لأنه في ضمانه، والخراج بالضمان.
قال: "وإن لم يقبضه (المشتري) بل بقي عند البائع، فالغلة له لا للمشتري، ولو كان المشتري أبقاه عند البائع بأجرة، كما يقع بمصر؛ لأنه فاسد، ولم يقبضه".
أقول: حكم البيع الفاسد عندهم هكذا، أنه يحرم ويجب رده، ويحرم على المشتري الانتفاع به، ومع ذلك فغلَّته للمشتري إذا قبضه برضا البائع؛ لأن الخراج بالضمان، وإنما الشأن في هذا البيع: أبيعٌ فاسد هو، فيكون حكمه كما قال (ح)، أم غير ذلك؟
والذي يظهر أن الزرقاني جعله رهنًا، والحق معه، لأنَّ الشرط المذكور سلخ هذا العقد عن حقيقة البيع، وجعله من حقيقة الرهن بشرط انتفاع المرتهن به.
[ملحق ص 22] والبيع الذي سماه سلف المالكية بيع الثُّنيا، وذكروا أنه فاسد، إنما هو نحو أن يشرط بائع الجارية مثلًا على المشتري أنك إن بعتها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به، كما في "الموطأ" (1).
وقد حكى الباجي في "المنتقى" عن سحنون أنه علَّل عدم جوازه "بأنه
__________
(1) (2/ 616).
(18/328)

سلفٌ يجرُّ منفعة، وذلك أنه يسلفه الثمن؛ لينتفع هو باستغلال المبيع". "المنتقى على الموطأ" (ج 4 ص 210) (1).
أقول: وقضية تعليل سحنون أن لا تكون الغلة للمشتري؛ لأنها منفعة جرَّها القرض، والمالكية يشددون في ذلك جدًّا، كما تراه في باب القرض من "الشرح الكبير" وغيره من كتبهم.
هذا مع أن الصورة المتقدمة لم يتمحض العقد فيها لأن يكون في المعنى سلفًا ورهنًا؛ لأنه لم يشترط ردّه عليه مطلقًا، ولا اشترط أن يتأبد حق الاسترداد حتى بعد موتهما، ولا اشترط أن يرده له بمثل الثمن الذي دفعه، بل اشترط أن المشتري إذا أراد بيعه فالبائع أحق به بالثمن الذي يريد المشتري أن يبيع به.
فإذا كان هذا عند سحنون سلفًا جرّ منفعةً، فما بالك ببيع الوفاء؟ وفيه اشتراط الرد مطلقًا مؤبدًا بمثل الثمن المدفوع، فقد انسلخ هذا العقد عن حقيقة البيع في المعنى إلى حقيقة السلف والرهن على شرط أن ينتفع المرتهن بالمرهون.
وبالجملة فمن تدبَّر مذهب مالك رحمه الله ورأى إمعانه في سدِّ الذرائع، ولا سيما ذرائع الربا، والتفاته إلى المعاني، واهتمامه بإبطال الحيل، وذهابه إلى وجوب معاقبة الخارج عن طريق الشرع بنقيض قصده، لا يسعُه إلا الجزم بما قاله الزرقاني.
فمن مذهب مالك رحمه الله أن المطلقة في مرض الموت ترث، ولو لم
__________
(1) (6/ 129) ط. دار الكتب العلمية.
(18/329)

يمت الزوج حتى انقضت عدتها، وتزوجت بعدة أزواج، وقال: إن الرجل إذا تزوج امرأة في عدتها فرق بينهما، ثم لا يحلُّ به نكاحها أبدًا عقوبةً له على استعجاله.
أقول: وإذ قد عُلِم أن المقصود في بيع الوفاء إنما هو أن يقضي البائع حاجته بالثمن، وأن ينتفع المشتري بالمبيع حتى يرجع له الثمن، وتلك حقيقة الربا، كما أفاده ما مرَّ عن سحنون، فلا خفاء أنه إذا قضى للمشتري بالغلة حصل مقصود المرابين، وأدى ذلك إلى انهماكهم في هذه المعاملة الخبيثة، ولا سيما في هذه الأزمان التي لم يعد يكفي لزجر الناس أن يقال لهم: هذا العقد حرام، وعدم إبطاله حرام، وانتفاع المشتري بالمبيع حرام، فإنهم يقولون: حرام في حرام في حرام، ولكن الحكام لا يتمكنون من منعنا من مقصودنا، بل يحكمون لنا بالغلات، فأهلًا وسهلًا بالحرام إذا كان يقضي به الحكام.
هذا، وفي مذهب مالك كثير من جواز عقوبة الحاكم للمعتدين، حتى جوز إتلاف المال المغشوش، ونحو ذلك.
بقي أن يقال: فما يصنع الزرقاني بقاعدة الخراج بالضمان؟
أقول: أما إن كان يرى أن هذا العقد يكون سلفاً ورهنًا - كما يأتي عن الحنفية، وهو المعنى المعقول المعروف بين الناس كما سيأتي - فلا إشكال؛ لأن الرهن غير مضمون.
وإن كان يرى أن المبيع يكون في ضمان المشتري، فلعله يقول: إن قاعدة الخراج بالضمان قد عارضتها قاعدة سدّ الذرائع، وقاعدة العقوبة بنقيض القصد.
(18/330)

فإن قيل: ولماذا تختص العقوبة بالمشتري مع أنهما جميعًا شريكان في الإثم؟
قلت: يمكن أن يقال: إن الغالب على البائع أن يكون محتاجًا. على أنه إذا جعل رهنًا - كما هو معنى هذه المعاملة في الحقيقة - فليس هناك عقوبة، بل هناك صورة عقوبة عليهما معًا، فعقوبة المشتري حرمانه من الغلة، وعقوبة البائع حرمانه من أن يكون المبيع في ضمان المشتري.
ونكون بهذا الحكم قد رجعناهما إلى ما شرعه الله لهما مما أرادا أن يفرا منه. والله المستعان.
وفي حاشية الدسوقي في النذر بعد قول المتن والشرح: "" (إنما يلزم به) أي النذر (ما ندب) " ما لفظه: "يعني مما لا يصح أن يقع إلا قربةً، وأما ما يصح وقوعه تارةً قربة، وتارةً غيرها، فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبًا، كالنكاح والهبة" (ج 2 ص 144).
هذا، وما تقدم عنهم من أن التبرع بالوعد بعد العقد لا يضر، ويستحب الوفاء به، شرطه عندهم أن يكون تبرعًا محضًا.
قال الباجي: "مسألة: وأما إن تطوع المبتاع بعد كمال العقد، وملكه للمبيع، فقال أصبغ: إذا سلما من مداهنة أو مواعدة فذلك جائز". "المنتقى" (ج 4 ص 211) (1).
فأما إذا كان للمشتري عادة أن من باع له مثل هذا البيع يعده بالإقالة، فإن مالكًا نصَّ في ما يشبه هذا بأن العادة بمنزلة الشرط في صلب العقد. انظر
__________
(1) (6/ 131) ط. دار الكتب العلمية.
(18/331)

"المنتقى" (ج 5 ص 96 - 97).
وقاعدة "الخراج بالضمان" أصلها حديث صحَّحه جماعة، وضعَّفه البخاري وأبو داود؛ لأن في سنده مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، ومع ذلك ففيه أن مورده في الرد بالعيب أن رجلاً اشترى غلامًا، ثم بعد مدة اطلع فيه على عيب، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بردّه، فقال المقضيُّ عليه: قد استعمله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" (1).
وقد تقرر في الأصول أن المحلى ب "ال" لا يعم إلا إذا لم يتحقق عهد، والعهد ههنا متحقق، وعليه فالمراد: الخراج الذي تطالب به بالضمان الذي كان على المشتري.
نعم يقاس على هذا ما في معناه. والمشتري بالبيع الفاسد ليس في معناه؛ لأن الأول نشأ ضمانه عن وضع يده بحق مأذون فيه شرعًا، وليس الأمر في البيع الفاسد كذلك؛ لأن العقد فيه حرام، وتأخير بعضه حرام، وانتفاع المشتري فيه حرام. والله أعلم.
وأما غير مالك ممن قال بوجوب الوفاء بالوعد، فلا يجوز التمسك بقولهم حتى يعلم تفصيل مذهبهم، وسيأتي شيء من ذلك عن بعض متأخري الحنفية.
__________
(1) أخرجه أبو داود (3510) والترمذي (1286) وابن ماجه (2243) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك، ونقل الترمذي عن البخاري تضعيفه. وصححه ابن حبان (1125، 1126 - موارد) والحاكم في "المستدرك" (2/ 15)، ووافقه الذهبي.
(18/332)

وأما قول صاحب القلائد: "للضرورة في الحاجة إلى الثمن .. "، فسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.

[ص 23] رأي الحنفية
في كتب الحنفية خبط شديد في هذه المعاملة، ويسمونها بيع الوفاء، فأكثرهم على أنه قرض ورهن، فالذي سُمّي ثمنًا قرض، والذي سُمّي مبيعًا رهن، وليس لمن يسمى مشتريًا شيء من المنافع والفوائد، وإنما هو رهن بكل معنى الرهن.
قال صاحب "جواهر الفتاوى" منهم: "وهو الصحيح".
وفي " [حاشية] الدر المختار" (1): "قال السيد الإمام: قلت للإمام الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن، وأنا أيضًا على ذلك، فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا وتُظهِره بين الناس، فقال: المعتبر اليوم فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس، فمن خالفنا فليُبرِز نفسه، وليُقِمْ دليله" اه.
قلت (2): وبه صُدِّر في "جامع الفصولين"، فقال رامزًا لفتاوى النسفي: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا، وسموه بيع الوفاء، هو رهن في الحقيقة ... لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام" (ج 4 ص 274) (3).
__________
(1) "حاشية ابن عابدين" (5/ 276).
(2) القائل هو ابن عابدين.
(3) "حاشية ابن عابدين" (5/ 276) ط. دار الفكر.
(18/333)

وقال جماعة منهم: هو بيع فاسد، وللبيع الفاسد عندهم أحكام؛ منها: أنه حرام، فيجب على كل منهما فسخه، فإن لم يبادرا إلى ذلك أجبرهما القاضي، ومع ذلك يقولون: إذا قبض المشتري المبيع برضا البائع ملكه ملكًا خبيثًا حرامًا، فلا يحل له أكله ولا لبسه، ولا وطؤها إذا كانت أمة، وله أن يبيعه، أو يهبه، أو يعتقه، أو يَقِفَه، وغير ذلك من التصرفات، فإن تلف المبيع أو تعذر رده (وتفصيل ذلك في كتبهم) ضمنه المشتري للبائع بقيمته يوم قبضه، وإذا لم يتلف ولم يتعذر رده وجب رده للبائع مع زوائده المنفصلة كالولد، ومثله الثمرة ونحوها.
فإن أتلف المشتري المبيع ضمنه، وردَّ الزوائد المنفصلة، وإن أتلفها ضمنها. وبقية التفصيل في كتبهم.
وفي كتبهم أقوال أخر، في بعضها: أنه بيع باتٌّ، ولا رجوع للمشتري، وفي بعضها: أنه يصح، ويملك المشتري الانتفاع بالمبيع، ولا يملك التصرف في رقبته، بل متى طلب المشتري الفسخ فسخ، ثم قيل: إنه ينقطع ذلك بالموت، وقيل: لا ينقطع.
ولكن هذه الأقوال صُرِّح في بعضها بأنها خاصة بما إذا كان عقد البيع سالمًا عن الشرط، وإنما تواطآ على ذلك، أو وقع الوعد بعد العقد.
وبالجملة فالخبط شديد، وتحرير المسألة على أصول مذهبهم: أن الشرط إذا وقع في صلب العقد، ومنه أن يقال: بيع وفاء أو عهدة، وقد علما معناه، ففيه احتمالان:
الأول: أن ينظر إلى المعنى، فيجعل رهنًا، وهذا هو الذي عليه أكثرهم، وبه يصدرون في كتبهم، قال في "البزازية": "ذكر صاحب المنظومة في
(18/334)

فتاواه أنه رهن في الحقيقة، لا يملكه المشتري، ولا ينتفع به إلا بإذن البائع، ويضمن ما أكل من نزله، وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه، ولا يضمن ما زاد كالأمانة، ويسترد عند قضاء الدين؛ لأن الاعتبار بأغراض المتعاقدين، فإن البائع يقول: رهنتُ ملكي، والمشتري يقول: ارتهنتُ ملكه ... ". هامش "الهندية" (ج 4 ص 443) (1).
الاحتمال الثاني: أن ينظر إلى لفظ "ب ي ع" فيقال: هو بيع بشرط، ومن المقرر في مذهبهم أن البيع إذا وقع بشرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولم يجْرِ العرف العام به، ولا ورد الشرع بجوازه، فالبيع فاسد. ومثَّلوا له بشرط المشتري للثوب أن يفصله البائع أو يخيطه، وشرط بائع العبد أن يبقى على خدمته شهرًا، أو أن لا يخرجه المشتري عن ملكه، ونحو ذلك.
أقول: والاحتمال الأول هو الظاهر، فإن سلفهم قالوا: إذا وقع البيع بشرط، وظاهر ذلك أن يكون البيع موجودًا حقيقةً، لفظًا ومعنًى، وإنما وقع شرط لا يلائمه، ولكنه لا يُبطِل حقيقته، ويُدخِله في حقيقة أخرى، وأمثلتهم تبين ذلك.
وبيع الوفاء ليس من هذا، فإنه وإن وجد فيه البيع لفظًا، فليس بموجود حقيقةً ولا معنًى؛ لأن الشرط الذي فيه قد أخرج البيع عن حقيقته، وألحقه بحقيقة الرهن مع شرط انتفاع المرتهن به.
[ص 24] وأما إذا كانا تواطآ على هذا [المعنى] ثم تبايعا ولم يذكرا في العقد شرطًا، فملخص مذ [هبهم] في المواطأة المتقدمة للعقد أنه إذا اتفق
__________
(1) (4/ 405) طبعة دار الفكر.
(18/335)

المتعاقدان أنهما بنيا العقد على ما تواطآ عليه كان ذلك في حكم وقوع الشرط في صلب العقد، وإن اتفقا على أنهما أعرضا عما كانا قد تواطآ عليه قبل أن يعقدا، وعقدا بعد الإعراض فلا أثر للمواطأة، وإن قالا: لم تحضرنا نيةٌ حالَ العقد، لا على بنائه على المواطأة، ولا على عدم ذلك، ففيه خلاف.
فنُقِل عن الإِمام: أنه لا أثر للمواطأة. وقال صاحباه: بل لها أثرها حتى يتحقق الإعراض عنها، وكذا إذا اختلفا، فقال أحدهما: أعرضنا عن المواطأة، ولا بينة، أو قال: لم تحضرني نية. وخالفه الآخر فيهما. فعلى المنقول عن الإِمام أن القول قول مدعي الإعراض أو الذهول. وقال صاحباه: قد ثبتت المواطاة، فلا يزول حكمها إلا ببيان واضح، والمرجح عند الحنفية هنا هو قول الصاحبين. وإذا لم تكن هناك مواطأة ولا شرط في صلب العقد، ولكن كانت نيتهما حالَ العقد أنه على ذلك الشرط، أفتى بعض الحنفية بأنه لا التفات إلى النية إذ لا مواطأة ولا شرط، وخالفه آخرون.
وإذا لم يكن شيء مما ذكر، ولكن وقع الشرط بعد العقد، ففي هذه أيضًا خلاف، فعن الإِمام: أنه يلتحق بالعقد، كأنه وقع في صلبه، وعن الصاحبين: لا يلتحق. وقول الصاحبين هو الأصح عندهم.
أقول: والمعقول أن شرط العهدة والوفاء حيث حكم بأنه مؤثر في العقد، كان حكمه كما لو وقع في صلب العقد، وقد تقدم حكمه. وإن حكم بأنه غير مؤثر في العقد، فالشرط لاغٍ لا حكم له البتةَ.
ولكن قال بعضهم: إن ذكر البيع بلا شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع، ولزم الوفاء، وقد يلزم الوعد فيجعل هنا لازمًا لحاجة الناس إليه.
(18/336)

أقول: أما الحاجة فسيأتي البحث عنها، وأما لزوم الوعد فيحتاج إلى معرفة ضابط الوعد الذي يلزم عندهم، حتى ينظر: أيدخل هذا فيه أم لا؟
قال في " [حاشية] الدر المختار": "قال في "البزازية" في أول كتاب الكفالة: إذا كفل معلّقًا، بأن قال: إن لم يؤدِّ فلان فأنا أدفعه إليك ونحوه، يكون كفالة لما علم أن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة، فإن قوله: "أنا أحج" لا يلزم به شيء، ولو علَّق وقال: إن دخلت الدار فأنا أحج، يلزم الحج" (ج 4 ص 275) (1).
أقول: ظاهر استدلاله بمسألة الحج أن قوله: "المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة" ليست قاعدة مقررة في المذهب، وإنما أراد أن يستنبطها من هذه المسألة.
إذا اتضح هذا ففي "البزازية" من كتبهم في باب النذر: "إن عُوفيتُ صمتُ كذا، لم يجب ما لم يقل: لله عليّ. وفي الاستحسان يجب، وإن لم يكن تعليقًا لا يجب قياسًا واستحسانًا، كما إذا قال: أنا أحج فلا شيء، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا أحج، ففعل يجب عليه الحج. وإن سلم ولدي أصوم ما عشت، فهذا وعد". هامش "الهندية" (ج 4 ص 314) (2).
ونقله في "الدر المختار" في باب النذر أيضًا (ج 3 ص 76) (3).
[ص 25] وتحقيق المقام عندهم لا يكون إلا بالنذر والدالّ عليه، كما نقله
__________
(1) حاشية ابن عابدين (5/ 277) ط. دار الفكر.
(2) (4/ 272) ط. دار الفكر.
(3) حاشية ابن عابدين (3/ 740) ط. دار الفكر.
(18/337)

في "الدر" (1) عن "شرح الدرر" أن المدار عندهم على دلالة الصيغة على النذر، فإذا لم تكن دالة عليه فلا لزوم، وإن دلت عليه دلالة ظاهرة لزم، وإن احتملت فالقياس لا يلزم، وفي الاستحسان يلزم.
فقوله: "إن عوفيتُ صمتُ" يحتمل أن يكون إخبارًا منه بأن سيصوم إذا عوفي، فيكون وعدًا لا يجب الوفاء به. ويحتمل أن يكون إنشاء على سبيل النذر، فيجب الوفاء به، فقالوا: القياس لا يلزمه، كأنه لأن الأصل براءة الذمة، وألزموه استحسانًا لقوة الاحتمال.
وقوله: "إن سلم ولدي أصوم ما عشتُ، فهذا وعد" لأنه رفع الفعل، وهو قوله: "أصوم" فكان ظاهرًا في الإخبار، فهو وعد لا يلزم، ومثله لو لم يكن تعليق، كأن قال: سأصوم يومًا.
فأما قوله: "كما إذا قال: أنا أحج، فلا شيء، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا أحج، ففعل يجب عليه الحج".
فواضح أن قوله ابتداء: أنا أحج، إخبارٌ محضٌ، فهو وعدٌ لا محالةَ، وقوله: إن فعلت كذا فأنا أحج، ظاهرٌ في النذر.
فليس المدار على صورة التعليق، وإنما المدار على ظهور الصيغة في النذر فيلزم، أو احتمالها له احتمالًا مساويًا، فلا يلزم قياسًا، ويلزم استحسانًا.
إذا تقرر هذا فاعلم أن الصيغة التي يطلقها المشتري بعد العقد لا تلزم على مذهبهم أصلَا؛ لأنها إن كانت ظاهرةً في الوعد فقد علمت أن ذلك لا يلزم في مذهبهم، وإن وجدت صورة التعليق، وإن كانت محتملة أو ظاهرة
__________
(1) حاشية ابن عابدين (3/ 740).
(18/338)

في النذر أو نذرًا صريحًا، فلا تلزم على مذهبهم أيضًا؛ لأن من أصلهم أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان عبادة مقصودةً من جنسه فرض بأصل الشرع.
وفي "الدر" عن "البدائع": "ومن شروطه أن يكون قربةً مقصودةً، فلا يصح النذر بعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والوضوء، والاغتسال، ودخول المسجد، ومس المصحف، والأذان، وبناء الرباطات والمساجد". "الدر المختار" (ج 3 ص 73) (1).
وفي "تنوير الأبصار" (2): "ولم يلزم ما ليس من جنسه فرض، كعيادة مريض، وتشييع جنازة، ودخول مسجد".
إذا علمت هذا فكلا الشرطين منتفٍ في رد المبيع بيعًا صحيحًا [باتًّا] على المشتري؛ إذ ليس قربةً مقصودةً، والدين جنسه قرض.
وفوق هذا فهو ذريعة إلى الربا كما لا يخفى، فقد يطمع الرجل في أن يرتهن أموال الناس وينتفع بها، فيجري عادته على أن كل من أجري معه صورة بيع بلا مواطأة ولا شرط، والثمن أقل من ثمن المثل، ينذر له بأن يقبله إذا طلب صاحب المال على أن يجري مع هذا الرجل صورة بيع بلا مواطأة ولا شرطٍ ثقةً بأنه سينذر له، علمًا بأنه لا يسعه إلا النذر؛ لأنه إن لم ينذر تسامع الناس بذلك فامتنعوا من معاملته، فتفوته منافع كثيرة.
فعلى هذا يكون هذا النذر وصلةً إلى الربا، ويصير الشرط واقعًا في العرف والعادة، فهو في معنى الواقع في صلب العقد.
__________
(1) "حاشية ابن عابدين" (3/ 735).
(2) (3/ 736) مع "الدر المختار" وحاشيته.
(18/339)

وأما مسألة الكفالة: إن صحت فوجهها أن العبارة المذكورة صارت بسبب التعليق محتملةً احتمالًا قويًّا للالتزام، والالتزام الذي يكون معناه كفالة يلزم كلزوم الكفالة، وأما التزام الإقالة فإنما يكون من جهة النذر، وقد علمتَ ما فيه. والله أعلم.
[ص 26] وقد توسع بعض الحنفية فأطلق أن الواقع بعد العقد يكون حكمه حكم الوعد، وإن كان خارجًا مخرج الشرط.
وفي كلام بعضهم ما قد يفهم منه أن المواطأة قبل العقد تعطي هذا الحكم، وقد يؤخذ من إطلاق بعضهم أنه يحكم بمثل ذلك ولو كان الشرط في صلب العقد.
وعلى كل حال فقد صرح بعضهم أن تجويز بيع الوفاء ممن جوزه في أي صورة كانت إنما هو استحسان من المتأخرين.
قال في "البزازية" في أثناء [البحث] في هذا البيع: "ولهذا لم يصح بيع الوفاء في المنقول، وصح في العقار باستحسان بعض المتأخرين". "هامش الهندية" (ج 4 ص 447) (1).
أقول: واستحسان بعض المتأخرين إنما هو مبني على زعم أن الحاجة داعية إليه، وأوضح ذلك في "البزازية" نقلاً عن الفخر الزاهد قال: "وجعلناه كذلك لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا، فبلْخ اعتادوا الدين والإجارة، وهي لا تصح في الكَرْم، وبخارى الإجارة الطويلة، ولا يمكن تلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاءً، وما ضاق على الناس اتسع حكمه". "هامش
__________
(1) (4/ 490) ط. بولاق.
(18/340)

الهندية" (ج 4 ص 446) (1).
أقول: فقد آل خلاف هؤلاء المتأخرين من الحنفية إلى ما آل إليه خلاف المتأخرين من الحضارمة الشافعية، وهو دعوى احتياج الناس واضطرارهم إلى هذه المعاملة الربوية، فلنبحث عن هذه الضرورة، وعن حكمها.

فصل
أما الضرورة التي تحلُّ معها المحرَّمات، فليس منها عين ولا أثر، وإنما هوَّل بها هؤلاء القوم تهويلاً، فإن الرجل الذي يرضى أن يأخذ العقار بهذه المعاملة بألف مثلاً، فيكون على خطر أن يستردَّها بائعها بعد قليل، معٍ تعريضه نفسه للإثم، لا يُعقل أن يمتنع من شرائها بأكثر من ألفٍ شراءً باتًّا يعلم معه أن الأرض تصير ملكه وملك ورثته قطعًا، وأنه مع ذلك لم يرتكب حرامًا ولا شبهةً.
وما هوَّل به صاحب "القلائد" من أن المالك لا يجد راغبًا في الأرض إلا بغبنٍ كثيرٍ، فيه أمور:
الأول: أن الضرورة المعتبرة شرعًا - كالضرورة إلى القوت - مفقودةٌ في البلاد التي يتعاملون فيها بهذه المعاملة أو نادرةٌ، والنادر لا يكون مسوغًا لحكم عام.
الأمر الثاني: أن هذا الذي ادَّعاه من قلة الرغبة غير معروف في العادة، فإن عادة الناس في كل أرض هي الحرص على شراء العقار بثمن المثل وأزيد.
__________
(1) (4/ 408).
(18/341)

نعم إن ثمن المثل يزيد وينقص، فقوله: "بغبن كثير" إن أراد بالنسبة إلى ثمن المثل في الزمان والمكان فمردود، فإن وقع فنادرًا، والنادر لا يكون مسوِّغًا لحكم عامّ، وإن أراد بالنسبة إلى ما يطلب البائع من الثمن، فلا التفات إلى ذلك.
الأمر الثالث: أنه على فرض أن ما قلنا: إنه نادر هو واقع بكثرة، فمن أين لكم أن من اضطر إلى القوت ولم يقرضه أحد، وعنده قطعة أرض ثمنها ألف، فعرضَها فلم يرغب فيها أحد إلا بخمسمائة، أنه يكون مضطرًّا تحلُّ له المحرمات، ولا يبيع أرضه بخمسمائة؟ وأين في الشريعة هذا؟
الأمر الرابع: أنه لو فرضنا أن هناك حجةً شرعية على هذا، لما كان ذلك مسوِّغًا لأن تجعلوا هذا حكمًا عامًّا للمضطر إلى القوت وغيره، ولمن لا يجد راغبًا إلا بغبن فاحش، ومن يجد راغبًا بثمن المثل وأكثر منه، بل يُناط الحكم بتحقق هذا المعنى، أعني الاضطرار مع عدم وجود راغب [ص 27] إلا بغبن فاحش، فيرخص لمن كان كذلك فقط.
الأمر الخامس: أن الرخصة - على فرض جواز القول بها - إنما تتصور في حق المالك، فما بالكم رخَّصتم للمشترين، ونفَّذ حُكَّامكم لهم هذه المعاملة؟
فإن قالوا: لو لم تُنفَّذ لهم الحكام ذلك امتنعوا عن المعاملة به، فيتضرر المضطرون.
قلت: فقد كان عليكم أن تعلنوا بحرمة ذلك، وإثم الآخذ به، وإنكم مع ذلك لا تُبطِلون المعاملة إذا تحقق اضطرار البائع.
(18/342)

فإن قالوا: إذا أعلنَّا بحرمته خشينا أن يمتنع الناس عنه، فيتضرر المضطرون.
قلت: يمكنكم دفعه بكثرة الترغيب في إقراض المضطر مع التوثق منه برهن، فإن الناس إذا كان عندهم من الإيمان ما يَكُفُّهم عن الحرام الذي لا يعارضهم فيه الحكام، فمثل هذا الإيمان يكفي للرغبة في إقراض المضطر مع التوثق منه برهن إذا بالغ المشهورون بالعلم والصلاح في الترغيب فيه.
وقد قال صاحب "القلائد" (1) ما لفظه: "فلو شرط (يعني المشتري بالعهدة) أنه لا يفكُّ إلا بعد سنتين، أو أقل أو أكثر ... وقد عمل به بعض وكلاء شيخنا إمام الوجود عبد الله بن عبد الرحمن بافَضْل في شراء عُهدةٍ له، وهو عالم بذلك، فقرره، وأنا ممن شهد ذلك".
هكذا هكذا وإلا فلا لا (2)
إذا كان ربُّ الدارِ بالدفِّ ضاربًا ... فحُقَّ لأهل الدارِ كلِّهم الرقصُ (3)
وأما ما قاله الفخر الزاهد الحنفي: "إن أهل بلخ اعتادوا الدَّين والإجارة، وهي لا تصح في الكَرْم، وأهل بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة، ولا تصحُّ في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء".
ففيه أن هذا لا يكفي لتحقيق الضرورة، فإن من اعتاد أن يعامل معاملة،
__________
(1) "قلائد الخرائد" (1/ 317 - 318).
(2) شطر بيت للمتنبي في "ديوانه" (3/ 254)، وصدره:
ذِي المعالي فلْيَعْلُوَنْ مَن تَعالىَ
(3) البيت لسبط ابن التعاويذي في "ديوانه" (ص 247).
(18/343)

ثم لم تمكنه تلك المعاملة في بعض الأشياء لا يُعدُّ مضطرًّا.
ولو فُرِض تحقق الضرورة، فكان ينبغي تجويز الإجارة التي اضطروا إليها، وفوق ذلك فهذه الضرورة ليست بعامة، فما بالكم عمَّمتم جواز بيع الوفاء في جميع الأشخاص وجميع البلدان.
وبعد، فلو جاز الربا لمثل هذه المعاذير، لزم مثله في سائر أحكام الشريعة.
فقال قائل: لا بدَّ من تجويز الربا في القرض والدين؛ لاحتياج الناس إلى الاستقراض والمهلة في الدين، ولا يجدون من يُقرِضهم أو يُمهِلهم بدون فائدة.
وقال قائل: لا بدَّ للحكومات الإِسلامية من تجويز البِغاء الرسمي؛ لأن الناس لا ينتهون عن الزنا، فإذا لم يكن هناك بغاء رسمي اضطروا إلى إفساد البيوت، والزنا بالمبتليات بالأمراض الخبيثة، وكذا الحمل من الزنا، وضياع الأطفال، أو قتلهم، ومفاسدُ ذلك أعظم جدًّا من مفاسد البغاء الرسمي.
وقال ثالث: بجواز ترك الصيام؛ لأنه يؤدي إلى خلل في الأعمال التجارية والصناعية والحكومية، والخلل في هذه الأعمال في هذا العصر مفسدة عظيمة.
وقال آخر: وعلى هذا القياس يجوز ترك الجُمَع والجماعات، وتأخير الصلوات عن أوقاتها.
وقال آخر: فالحج أولى من ذلك.
وعلى هذا المنوال ...
(18/344)

الحاجة
يقولون: إننا وإن عبَّرنا بالضرورة، فلسنا نريد الضرورة المتعارفة، وإنما أردنا الحاجة.
وقد عُهِد من الشريعة استثناءُ صورٍ من التحريم مع وجود علة التحريم فيها، ولكن لأن الحاجة تدعو إليها، وقد مثَّل العلماء لذلك بالقرض في الأموال الربوية، فإنه في المعنى بيع الربوي بمثله نسيئةً، وكذلك السلم مع أنه بيع مجهول، وكذلك الحوالة مع أنها بيع دينٍ بدين، في أمور أخرى كالعرايا وغيرها، ولم يُشترط في شيء من ذلك تحقق ضرورة ولا حاجة، بل أطلق صحتها ولو كانت لغير حاجة، وعروض الحاجة إلى بيع العهدة لا تقلُّ عن الحاجة لبعض هذه المعاملات، إن لم تزد على بعضها.

[ص 28] الجواب
نقول نحن: أيَّ حاجة تريدون؟
يقولون هم: حاجة صاحب الأرض إلى النقد لقُوته وقوتِ أهله، أو ليتزوَّج، أو يزوِّج أحد بنيه، أو ليسافر سفرًا احتاج إليه، أو ليعمر بيته إذا انهدم، أو لغير ذلك.
نحن: وهل كان هذا الاحتياج يَعرِض لمُلَّاك العقارات في العهد النبوي وما بعده إلى أن اخترع هذا البيع؟
هم: نعم!
نحن: فما بال الشريعة لم تعلن بجواز بيع الوفاء لمُلَّاك العقارات؛ لسدّ هذه الحاجة، وهكذا الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ومن بعدهم،
(18/345)

حتى نشأ القول به أخيرًا؟
هم: كان مستغنًى عنه بإمكان الاستقراض، وبعد تلك القرون قَلّت رغبة الناس عن (1) الإقراض.
نحن: وإمكان البيع الشرعي!
هم: إمكان البيع الباتّ لمن يؤثره على الاستقراض، والاستقراض لمن لا يريد البيع الباتّ، إذا كان يرى البيع ضارًّا به.
نحن: وهل كان المستقرض يستقرض ويؤدي؟
هم: نعم.
نحن: فكيف كان يصنع إذا لم يمكنه الأداء إلا ببيع أرضه؟
هم: (يتحيرون).
نحن: أليس كان يضطر إلى بيعها، وإذا لم يبعها باعها القاضي جبرًا، كما قررته الشريعة، وأثبته العلماء في كتبهم في بيع الرهن، وبيع أموال المفلس، وعقدوا لكل من ذلك بابًا؟
هم: بلى، ولكن كان يقلُّ وقوع مثل هذا؛ لرغبة الناس في الإنظار.
نحن: إنما كانوا يرغبون في الإنظار الذي أمرهم الله تعالى به، لقوله سبحانه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]. ومالك العقار ليس بمُعْسِر، وقد باع النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال معاذ، ومعاذ معاذ.
هم: لم يكن يقع ذلك كثيرًا، وكان الراهن أو المفلس إذا ضايقه غرماؤه
__________
(1) كذا في الأصل، والصواب: "في".
(18/346)

ليبيع أرضه وجد في المسلمين من يُقرِضه ما يؤدي به دينه، ويُنظِره.
نحن: ولم يزل الناس إلى الآن يُقرِضون ويُنظِرون، وإنما قلَّ ذلك لأمور:
أولها: قلة الأمانة في المستقرض، فغالب الناس الآن إذا ظفر أحدهم بمن يُقرِضه عدَّ ذلك القرض غنيمة، فبدلَ أن يهتمَّ بقضائه يهتمُّ بمماطلته، وقد كان يقع مثل هذا قديمًا، ولذلك قيل في المثل القديم: "الأخذ سُرَّيْطَى والقضاء ضُرَّيْطَى" (1).
ولكن وقوعه الآن - ولا سيما في المسلمين - أكثر، بل لا تكاد تجد ذلك إلا في المسلمين.
الثاني: أن الشريعة سدَّتْ أبوابَ الربا؛ لتيسير القرض، فكثير من الناس يكون لديه مال زائد عن حاجته في الحال، ولا يريد أن يتجر فيه، فإذا سُدَّت عليه أبوابُ الربا، لم يبق أمامه إلا أن يَكْنِزه أو يُقرِضه، والإقراض خير له وأنفع، كما قدَّمنا في فوائد المقرض.
فلما فتح قِصارُ النظر من الفقهاء أبواب الربا بالحيل والمعاذير، ومن جملة ذلك هذا البيع الذي نحن بصدده، عزَّتْ رغبةُ الناس في الإقراض، فكان - سابقًا - مَن بيده مالٌ لا يريد أن يتجر فيه محصورًا بين أن يكنزه أو يُقرِضه قرضًا شرعيًّا، وقد قدمنا الفوائد التي تحمله على ترجيح الإقراض.
__________
(1) انظر "لسان العرب" و"تاج العروس" (سرط)، وفي ضبطه أوجه. والمعنى: يأخذ الدَّين ويبتلعه، فإذا طولب للقضاء أو تقاضاه صاحبه أضرطَ به، أي عمل بفيه مثل الضراط.
(18/347)

فلما فُتِح لهم باب الربا وجدوا طريقًا ثالثًا هو أنفع لهم في دنياهم من الإقراض الشرعي.
[ص 29] الثالث: أن المسلمين فتحت لهم أبواب كثيرة للإنفاق، وأكثرها مما شرعه المنسوبون إلى العلم والصلاح، وأفهموا العامة بأنه من الدين والإيمان، ولم يزالوا يُربُّون ذلك في أذهان العامة حتى رسخ في أذهانهم أنه أهم من أركان الإِسلام، وذلك كالموالد والحضرات وزيارات الأولياء وأحوالهم، وعمارة قبورهم، والنذور لها، والولائم التي يقيمها أهل الميت ثالثَ موتِه، ولتمام الأربعين، وبعضهم يكررها كل عام، والإنفاق على من ينتسب إلى الصلاح والتصوف، وإن كان قويًّا قادرًا على الاكتساب، ومُسرِفًا مبذِّرًا، يجمع حوله جماعةً من البطَّالين، ويعيشون معه عِيْشَةَ المترفهين، ونفقتهم على العمَّال الضعفاء.
ولو أنك أحصيتَ نفقةَ المسلم المتوسط في الهند لعشر سنوات مثلًا، لوجدتَ نصفَها أو أكثرَ صُرِفَتْ في هذه المصارف.
ويضاف إلى هذا تبذير المسلمين في غير هذه الأمور، كولائم النكاح، والتوسع في المأكل والملبس فوق الحاجة، وغير ذلك.
فأصبح الطبقة الوسطى من المسلمين إذا استقرض أحدهم لا يكاد يستطيع الوفاء؛ لأن ما اكتسبه يَصرِفه في هذه (الفرائض المحتمة)، والأغنياء يعرفون ذلك، فيمتنعون من إقراض هؤلاء.
الرابع: أن أولئك العلماء الذين أجازوا بيع العهدة هم أنفسهم يبخلون بأموالهم أن يُقرِضوها بغير نفع مادي، فإذا رآهم العامة قالوا: نحن أولى بذلك منهم.
(18/348)

وقد سمعتَ ما ذكره صاحب "القلائد" عن شيخه إمام الوجود، قد بَخِلَ إمام الوجود أن يُقرِض ذلك المحتاج قرضًا حسنًا، ويستوثق منه برهن أرضه رهنًا شرعيًّا، بل أخذها بالعهدة؛ ليفوز إمام الوجود بغلَّتها، ولم يكتفِ بذلك حتى شرط على الراهن أن لا يَفُكَّ الأرض حتى يحوزَ إمام الوجود غلَّتَها، لا أدري سنةً أو أكثر!
فقل لي بربك، إذا كان هذا حال إمام الوجود، فكيف يرغب العامة الذين علموا هذا منه أن يعملوا خيرًا من عمله؟
فأما السبب الأول: فهو تقصيرٌ من المستقرضين يستطيعون تركه، وإذا اعتاد الرجل صفة قبيحة مذمومة شرعًا وعقلاً، فأثمرت له ضررًا ما، فليس من المشروع ولا المعقول أن تُبدَّل الشريعة وتُغيَّر لدفع الضرر عن هذا الرجل، فيحمله ذلك على الاستمرار على تلك العادة، ويحمل غيره على اعتيادها أيضًا.
بل المشروع والمعقول أن العلماء إذا لم يبالغوا في التشديد عليه، فلا أقلَّ من أن يُقِرُّوا الشريعة على ما وردت، ويقولوا لهذا الرجل: أنت جلبتَ الضرر على نفسك بما اعتدته من تلك العادة الخبيثة.
ومن المُشاهَد المعروف في كل بلاد: أن الرجل إذا عُرِف بالأمانة، وأداء ديون الناس، والحرص على ذلك، لم يكد يستقرض قرضًا حسنًا إلا ناله، وفي المثل العامي: "من أخذ وأدَّى شارك الناسَ في أموالهم".
وأما الأسباب الأخرى: فهي كلها تقصير من العلماء وغيرهم، يستطيع العلماء السعي في إزالتها، فليس من المشروع ولا المعقول أن يُقِرُّوها على ما هي عليه، ويَدَعُوها تنمو وتفحش، ثم يَعْمِدوا إلى الشريعة فيبدَّلوها
(18/349)

ويغيِّروها؛ ليدفعوا ما ينشأ عنها من الضرر.
[ص 30] على أن تجويز بيع الوفاء هو نفسه من جملة التقصير كما مر، فهو إن دفعَ الضررَ من وجهٍ، شدَّده من وجهٍ آخر.
وأما المعاملات التي ذكروا أن علة التحريم موجودة فيها، وإنما أحلَّها الشارع للحاجة، فقد أجاب عنها صاحب "إعلام الموقعين"، وعروض الحاجة فيها ليس ناشئًا عن تقصير.
وفوق هذا، فالمفاسد التي تترتب على تلك المعاملات خفيفة بالنسبة إلى المفسدة التي تترتب على منعها لو منعت، وليس الأمر ههنا كذلك، فإن المفاسد التي تترتب على بيع الوفاء شديدة، وقد تقدم بعضها، وأشدُّها أنه ربا في القرض. وقد شدَّد الشارع فيه أعظم التشديد، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} إلى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 275 - 279].
وفي الحديث: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرُها مثلُ أن ينكح الرجلُ أمَّه". صححه الحاكم وغيره (1)، وفي معناه أحاديث.
__________
(1) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/ 37) والبيهقي في "الشعب" (5519) من =
(18/350)

ففي ما مرَّ: تخبُّط الشيطان، والخلود في النار، والمَحْق، والكفر، والإثم، وعدم الإيمان، ومحاربة الله ورسوله، ومثل أن ينكح الرجل أمه، وأشدّ من ذلك.
والمفسدة التي تقابل هذا كلَّه إنما هي أن يحتاج صاحب الأرض إلى بيعها بتاتًا!
على أن الشرع لم يَعُدَّ هذه مفسدةً، فلم تصرح الشريعة بكراهية ذلك، وبينت أن من اضطر إلى القوت وقدرَ أن يُحصِّله ببيع أرضه، أو يأكل الميتة، وجب عليه بيع أرضه، ولا تحل له الميتة. ومن كان له أرض يحصل بقيمتها ما يكفي لوجوب الحج، ولم يجد نفقة الحج إلا ببيعها، وجب عليه بيعُها. ومن حلَّ له دين، وكان للمدين أرض، وجب بيع الأرض، ولا يجب على الدائن الإنظار، وأمثال ذلك.
وفي تجويز هذا البيع مفاسد أخرى، منها: أن صاحب الأرض قد يحتاج إلى نفقة غير ضرورية، وإنما هي تبذير وإسراف، فتطيب نفسه أن يبيعها هذا البيع طمعًا في أن يستطيع فكَّها عن قرب، ثم لعله تحصل له أموال فيُؤثِر إنفاقَها في الفضول، ويَدَعُ الأرض قائلاً: أنا أستطيع فكَّها متى أردتُ، وقد يبقى هكذا إلى أن يموت، فيصير البيع باتًّا على رأي، أو يبقى حق الفكِّ لورثته، ولعلهم يكونون أعجزَ منه.
وإذا لم يجوّز هذا البيع، فإن هذا الرجل يضنُّ بأرضه أن يبيعها بيعًا باتًّا،
__________
= حديث ابن مسعود. وصححه الحاكم، وقال البيهقي: إسناده صحيح والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلاَّ وهمًا، وكأنه دخل لبعض رواة الإسناد في إسناده.
(18/351)

ويؤثر على ذلك أن يَكُفَّ عن فضول الإنفاق، وهذا خير له من الجهتين.
ومنها: أنها لا تثبت الشفعة في هذا البيع على رأي، فيكون فيه حيلة لإبطال أحكام الله تعالى.
وبالجملة فالحق على أهل العلم أن يحافظوا على الشريعة، ويردُّوا الناس إليها، أن يتركوا الناس يخرجون منها، ويساعدوهم على ذلك، بل ويحملوهم عليه، ثم إذا نشأ عن ذلك ضررٌ جعلوا التبعةَ على الشريعة، والغرامةَ عليها، فعادوا يُمزَّقونها، فيمزِّق الله تعالى دينَهم ودنياهم.
نُرقِّع دنيانا بتمزيقِ ديننا ... فلا دينُنا يبقَى ولا ما نُرقِّعُ (1)

[ص 31] فصل
وهناك حيل أخرى على ربا القرض، والحق إبطالها كلها، فإذا أراد المسلمون أن يرجع لهم عزُّ دينهم ودنياهم فليأخذوا أنفسهم بجادَّة الشريعة، دون بُنيَّات الطريق.
وفي الحديث: "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". رواه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما (2).
__________
(1) البيت لإبراهيم بن أدهم في "عيون الأخبار" (2/ 330) و"العقد الفريد" (3/ 176)، ولبعض المجَّان في "الحيوان" (6/ 506)، وبلا نِسبة في "البيان والتبيين" (1/ 260) و"العقد الفريد" (6/ 268).
(2) أخرجه أبو داود (3462) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 316) من طريق عطاء =
(18/352)

ربا البيع
تواترت الأحاديث بالنهي عن بيع الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، وهكذا الفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، وأن من زاد أو ازداد فقد أربى.
وصح من عدة أحاديث جواز بيع الذهب بالفضة متفاضلًا نقدًا.
وقال الدارقطني: ثنا محمَّد بن أحمد بن الحسن نا عبد الله بن أحمد نا هدبة بن خالد نا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن أبي الأشعث الصنعاني. (قال قتادة:) وحدثنا صالح أبو الخليل عن مسلم (بن يسار) المكي عن أبي الأشعث أنه شهد خطبةَ عبادة بن الصامت قال: سمعته يقول: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُباع الذهب بالذهب، إلا وزنًا بوزن، والورق بالورق إلا وزنًا بوزنٍ، تِبْره وعينه، وذكر الشعير بالشعير، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والملح بالملح، ولا بأس بالشعير بالبر يدًا بيد، والشعير أكثرهما يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". قال عبد الله: فحدثتُ بهذا الحديث أبي فاستحسنه. "سنن الدارقطني" (ص 296) (1).
__________
= الخراساني عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا. وعطاء يَهِم كثيرًا ويرسل ويدلس. وأخرجه أبو يعلى (5659) والطبراني في "الكبير" (13585) والبيهقي في "الشعب" (10871) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. وعطاء لم يسمع من ابن عمر. وأخرجه أحمد في مسنده (5007، 5562) من طريق أبي جناب عن شهر بن حوشب عن ابن عمر. وإسناده ضعيف لضعف أبي جناب وشهر بن حوشب.
(1) (3/ 18).
(18/353)

أقول: محمَّد بن أحمد بن الحسن هو الدينوري، وعبد الله بن أحمد هو ابن الإِمام أحمد بن حنبل، وبقية السند على شرط الشيخين، وقتادة يدلِّس؛ إلا أنه صرَّح بالسماع من أبي الخليل.
وقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق همام عن قتادة عن أبي الخليل به. ولفظ أبي داود: "الذهب بالذهب: تِبْرها وعينها، والفضة بالفضة: تِبْرها وعينها، والبر بالبر مُدْيٌ بمُدْيٍ، والتمر بالتمر مُدْيٌ بمدْيٍ، والملح بالملح مُدْيٌ بمُدْي، من زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يدًا بيد، وأما نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا".
قال أبو داود: روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي عن قتادة عن مسلم بن يسار بإسناده. "سنن أبي داود" (ج 2 ص 120) (1).
وأخرجه النسائي (2) من هذه الطريق بنحوه إلى قوله: "فقد أربى"، ولم يذكر ما بعده.
وأخرجه (3) من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن مسلم بن يسار [عن أبي الأشعث الصنعاني] (4) عن عُبادة أنه قام خطيبًا فقال: "أيها الناس، إنكم قد أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، ألا إن الذهب بالذهب ... ولا بأسَ - يعني -
__________
(1) رقم (3349).
(2) (7/ 277).
(3) سنن النسائي (7/ 276).
(4) سقط من الأصل، والاستدراك من النسائي.
(18/354)

ببيع الفضة بالذهب يدًا بيد والفضة أكثرهما، ولا تَصلُح النسيئةُ، ألا إن البر بالبر، والشعير بالشعير مُدْيًا بمُدْيٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدًا بيد، والشعير أكثرهما، ولا يصلح نسيئةً، ألا وإن التمر بالتمر مُدْيًا بمُدْيٍ، حتى ذكر الملح مدًّا بمد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
وأخرجه أيضًا هو والإمام أحمد بسند على شرط الشيخين عن سلمة بن علقمة عن ابن سيرين قال: حدثني مسلم بن يسار وعبد الله بن عبيد قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصامت ومعاوية، حدثهم عبادة قال: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر - قال أحدهما: والملح بالملح، ولم يقله الآخر - إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، يدًا بيد، كيف شئنا. قال أحدهما: من زاد أو ازداد فقد أربى". "سنن النسائي" (ج 2 ص 221 - 222) (1)، "المسند" (ج 5 ص 320) (2).
أقول: عبد الله بن عتيك، ويقال: ابن عبيد، وابن عتيق، ويدعى ابن هرمز، ذكره في "تهذيب التهذيب" (3)، فقال: "روى عن معاوية وعبادة بن الصامت، وعنه محمد بن سيرين، ذكره ابن حبان في الثقات" (4).
__________
(1) انظر: سنن النسائي (7/ 274).
(2) انظر: المسند (22729).
(3) (5/ 312).
(4) "الثقات" (5/ 36).
(18/355)

وأخرج الإِمام الشافعي عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن مسلم بن يسار ورجل آخر، ولفظه: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورِقَ بالورِقِ، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، [ص 32] عينًا بعين، يدًا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد، كيف شئتم، ونقص أحدهما الملح أو التمر". "الأم" (ج 3 ص 12) (1)، و"مسند الشافعي" بهامش "الأم" (ج 6 ص 155) (2)، وزاد فيه: "قال أبو العباس الأصم: في كتابي: أيوب عن ابن سيرين، ثم ضرب عليه، يُنظر في كتاب الشيخ، يعني الربيع".
أقول: وأخرجه البيهقي في "السنن" من طريق أبي العباس الأصم عن الربيع عن الشافعي، وفيه: "عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل"، وزاد بعد "ولا الشعير بالشعير": "ولا التمر بالتمر"، وزاد في آخره: "وزاد أحدهما: من زاد أو ازداد فقد أربى". "سنن البيهقي" (ج 5 ص 276).
والحديث في "سنن الشافعي" رواية الطحاوي عن المزني (ص 43 - 44) (3) كما ذكره البيهقي.
أقول: سياق رواية سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين يدل على حفظه، فإنه سمى الرجل الآخر: عبد الله بن عتيك، وذكر القصة، وهو قوله:
__________
(1) (4/ 31، 32) ط. دار الوفاء.
(2) (ص 147) ط. دار الكتب العلمية.
(3) رقم (221) ط. دار القبلة.
(18/356)

جمعَ المنزلُ ... إلخ، وضبط ما نقصه أحدهما، وهو: "والملح بالملح". وسياق رواية الثقفي عن أيوب عن ابن سيرين يدل على عدم الإتقان، فإنه لم يُسمِّ الرجلَ ولا ذكر القصةَ ولا ضبطَ الناقصَ، بل قال: "ونقص أحدهما التمرَ أو الملح". وهذا يوقع الشك في زيادته التي زادها، وهي قوله: "والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد، كيف شئتم".
وعبد الوهاب ثقة جليل، ولكن ذكروا أن في حفظه شيئًا.
وأما مسلم بن يسار فذكروا أنه لم يسمع من عبادة، ولكنه سمع من أبي الأشعث، وقد جاء في "صحيح مسلم" (1) وغيره عن أيوب عن أبي قِلابةَ قال: كنتُ بالشام في حلقةٍ فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّثْ أخانا (يعني مسلم بن يسار) حديثَ عبادة بن الصامت، قال: نعم. غزونا غزاةً ... فبلغ عبادةَ بن الصامت فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
فقد تبين أن عبادة سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن قصَّر به ابن أبي عروبة على ما وقع في "سنن النسائي"، وأن أبا الأشعث سمعه من عبادة، وذلك متفق عليه، وأن أبا قلابة سمعه من أبي الأشعث، ودلت رواية الدارقطني أنه سمعه أيضًا من أبي أسماء الرحبي عن أبي الأشعث، فكأن أبا قلابة سمعه من أبي الأشعث مجملاً، وسمعه من أبي أسماء عن أبي الأشعث مفسرًا، ومسلم بن
__________
(1) رقم (1587).
(18/357)

يسار سمعه من أبي الأشعث، وقتادة سمعه من صالح أبي الخليل عن أبي الأشعث عن مسلم، وقتادة قد سمعه من مسلم ومن أبي الأشعث، ولكنه يدلِّس، فكأنه في رواية ابن أبي عروبة وهشام دلَّس، فرواه عن مسلم، وأسقط رجلين.
وقد اعتضدت هذه الرواية الصحيحة المفسرة برواية عبد الله بن عتيك.
فأما ما أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن أبي الليث عن الأشجعي عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث، وفيه: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوها يدًا بيد كيف شئتم لا بأس به، الذهب بالفضة يدًا بيد كيف شئتم، والبر بالشعير يدًا بيد كيف شئتم، والملح بالتمر (وفي نسخة بالبر) يدًا بيد كيف شئتم". وقال البيهقي: "وهذه رواية صحيحة مفسرة" "سنن البيهقي" (ج 5 ص 282) = فهي صحيحة من الأشجعي إلى من فوق فقط، فإن إبراهيم بن أبي الليث متروك، يُرمَى بالكذب. انظر ترجمته في "لسان الميزان" (1).
وأخرج البيهقي (2) من طريق عبد الله (بن محمَّد بن سعيد) بن أبي مريم عن الفريابي عن سفيان بنحوه.
وعبد الله هذا واهٍ، قال ابن عدي: حدث عن الفريابي بالبواطيل، ثم قال: إما أن يكون مغفلًا أو متعمدًا، فإني رأيت له مناكير. (لسان الميزان) (3).
__________
(1) (1/ 337).
(2) في "السنن الكبرى" (5/ 277).
(3) (4/ 562). وانظر "الكامل" (4/ 255).
(18/358)

والحديث في "صحيح مسلم" (1) من رواية جماعة عن وكيع عن سفيان بسنده، ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبِيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (ج 5 ص 44).
وأخرجه الإِمام أحمد عن وكيع، وفيه: "فإذا اختلف فيه الأوصاف" بدل "فإذا اختلفت هذه الأصناف" "المسند" (ج 5 ص 320) (2).
[ص 33] وأخرجه مسلم (3) وغيره من طريق أيوب عن أبي قلابة سمع أبا الأشعث سمع عُبادةَ: "سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". (ج 5 ص 43).
والأوصاف في رواية أحمد عن وكيع معناها الأصناف، كما في رواية غيره عن وكيع، وهكذا الألوان في حديث أبي هريرة عند مسلم (4) وغيره: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
ومما يدل على ذلك - مع الإجماع - حديث "الصحيحين" (5) وغيرهما
__________
(1) رقم (1587/ 81).
(2) كذا في الطبعة القديمة، وفي المحققة رقم (22727): "فإذا اختلفت فيه الأصناف".
(3) رقم (1587/ 80).
(4) رقم (1588).
(5) أخرجه البخاري (2201، 2202) ومسلم (1593) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
(18/359)

في النهي عن بيع الجَمْعِ بالجنيب متفاضلاً، مع أنهما لونان من التمر، وأوصافهما مختلفة، وأدلة أخرى.
إذا تقرر هذا فقد قال بعض المتأخرين: إن ظاهر حديث عبادة عند مسلم الذي ساق فيه الستَّة مساقًا واحدًا، ثم قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" ظاهره أنه لا يحلُّ نسيئةً حتى الملح بالفضة، إلا إن ثبت الإجماع على خلافه.
أقول: ما أجملتْه هذه الروايةُ قد فسَّرته الروايات المفصّلة، فجعلت الذهب والفضة بابًا، والبر والشعير بابًا آخر.
فعُلِم منها جوازُ بيع الذهب بالفضة متفاضلًا نقدًا، ومنعُه نسيئةً، والبر بالشعير كذلك، وسكتت عن بيع البر بالذهب مَثَلًا، فكان على الجواز إلا أن يقوم دليل على منعه.
ثم إن رواية الشافعي جعلت التمر والملح بابًا ثالثًا، ووافقتْها على ذلك روايتان لا تصلحان للمتابعة، والروايات الأخرى توافق رواية الشافعي في ظهور أن التمر والملح ليسا من باب البر والشعير، ولكن لا يظهر منها أنهما باب واحد، أو كل منهما باب على حدة.
ولم أظفر بما يبين الحكم في ذلك من السنة، إلا أن إطلاق الأحاديث أنه ربا مع حديث "الصحيحين" (1) وغيرهما: "لا ربا [إلا] في النسيئة" قد يهدينا إلى الحق.
__________
(1) أخرجه البخاري (2178، 2179) ومسلم (1596) عن أسامة بن زيد.
(18/360)

[ص 35] فصل
قد قدمنا الفرق بين القرض بربا وبين بيع السلعة بثمن إلى أجل أزيد من ثمنها نقدًا، والسلم في سلعة إلى أجل بأقل من ثمنها نقدًا.
وحاصله موضحًا: أنه إنما يُعقل أن يكون لمن دفع ماله حالاًّ ليعوض عنه مؤجلًا استحقاقٌ للربح، إذا علم أنه فاته بسبب الإعطاء إلى أجلٍ ربحٌ آخر، وإنما يتصور هذا إذا كان لو لم يعط ذلك المال إلى أجل لتصرَّفَ فيه بالبيع والشراء الذي هو مظنة الربح.
وهذا أمر غيبيٌّ، وأقرب ما يتعرف به هو النظر إلى نية المعطي على فرض أنه لو لم يطلب منه المال إلى أجل؛ أكان ينوي أن يحتفظ به، أم كان ينوي أن يتصرف فيه بالبيع والشراء.
ولكن النية أمر خفي بالنظر إلى الآخذ والشهود والحكَّام، وقد تخفى على المعطي نفسه، وعلى فرض ادعائه نية التصرف لا ينبغي تصديقنا له، وإلا لأوشك أن يدَّعي كلُّ معطٍ مثل ذلك.
فاقتضت الحكمة أن يُناط الحكم بالنظر إلى النسبة بين العوضين، فمن أقرض دراهم فقد أراد أن تعود دراهمه أو مثلها له.
ففي ذلك دلالة أنه يريد الاحتفاظ بالدراهم، فلو لم يُقرِضها لكنَزَها، فظهر بذلك أنه لم يفته بسبب الإعطاء ربح، فلا حقَّ له في الجبران.
ومن باع ثوبًا بدراهم، ففي ذلك دلالة أنه لم يكن يريد الاحتفاظ بالثوب. فمن المظنون أنه لو لم يبعه بنسيئةٍ لباعه بنقدٍ، ثم يمكن أن يشتري بالنقد سلعةً أخرى ويبيعها، وهكذا، وذلك مظنة الربح، فاستحقَّ الجبران.
(18/361)

ومثله من أسلم دراهمَ في ثوب؛ ففي ذلك دلالة أنه لم يكن يريد الاحتفاظ بالدراهم، فمن المحتمل أنه لو لم يُسلِمها لاشترى بها سلعةً نقدًا، ثم باعها، وهكذا، وذلك مظنة الربح، فاستحق الجبران.
والربح الفائت لا ينضبط، فلا ينضبط جبرانه، ولكنه هنا ضبط بما تراضيا عليه.
وهذا بحمد الله مستقيم واضح، ولكن احتجنا الآن إلى النظر في النسبة بين العوضين، فإن النسبة بين الدراهم والدراهم المماثلة، وبين الدراهم والثوب المباينة، وبينهما نِسَبٌ مختلفة، فما الذي يلحق منها بذاك، وما الذي يلحق بهذا؟
قد يقال: لعل الفاصل هو معنى القرض، فكل ما كان من البيوع في معنى القرض بربا، فحكمه حكمه.
وهذا حق فيما أرى، ولكن قد يقع الاشتباه فيه أيضًا، فإسلامُ دينارٍ في خاتم ذهب قد يتراءى أنه ليس في معنى القرض، بل هو في معنى إسلام دينار في ثوب.
فإن قلت: بل في معنى القرض باشتراط منفعة، كما لو ذهب رجل بدينار يبحث عن صائغ؛ ليدفعه إليه ليكسره ويصوغه خاتمًا، ويدفع إليه أجرته، فلقيه رجل فأخبره، فقال: أنا محتاج إلى دينار، فأقرِضْني دينارك أَصرِفه في حاجتي، وعندما يحصل بيدي دينار أذهب به، فأبحثُ عن صائغ، وأعطيه فيكسره، ويصوغه خاتمًا على الصفة التي تريد، وأدفع أنا أجرته، وآتيك بالخاتم، والأجل شهران.
(18/362)

فلمخالِفك أن يقول: قد يجيء مثل هذا في السلم في الثوب، يذهب رجل بدينارٍ يلتمس ثوبًا، فيلقاه آخر، فيستقرض منه الدينارَ على أنه عندما يحصل بعده دينارٌ، يذهب فيشتري به ثوبًا على الصفة، فإن لم يحصل إلاَّ بأزيد من دينار دفع المستقرض الزيادةَ من عنده، ثم يأتي بالثوب إلى المقرض، والأجل شهران.
فإن قلت: بينهما فرقٌ من جهتين:
الأول: أن خاتم الذهب يمكن أن يكون عين الدينار القضاء، ولا بد أن تكون الأجرة زائدة على مقدار الدينار، وأما الثوب [ص 36] فلا يمكن أن يكون من عين الدينار، ويمكن أن يُشترى بأقل من دينار.
الثاني: أن خاتم الذهب يمكن تحصيله بغير توسط بيع، بأن يصنعه ويدفع الأجرة، والثوب لا يحصل إلا بتوسط بيع.
فلمخالفك أن يقول: دعْ خاتمَ الذهب، وافرض المبيع حليةَ فضة، فقد دلت الأحاديث على أن الذهب بالفضة نسيئةً من الربا، وحلية الفضة لا تكون من عين الدينار، وقد تحصل بأقل من دينار، فأي فرقٍ بينها وبين الثوب؟
فإن قلت: الفرق بينهما قرب النسبة بين الذهب والفضة.
قلت: فقد رجع الأمر إلى النسبة، وهي محتاجة إلى التحقيق كما قدمنا.
يمكن أن يقال: إذا كان العوضان بحيث يغني أحدهما غناء الآخر في الجملة، ولو بتوسُّطِ صنعةٍ، فهما في حكم المتماثلين، فكلٌّ من الدينار وسبيكة الذهب وحليته يغني غناء الآخر بتوسط صنعة، وكلٌّ منها مع واحد
(18/363)

من الدراهم وسبيكة الفضة وحليتها يُغني غناء الآخر في الجملة، ولو بتوسط صنعة.
فالدنانير وحلية الذهب يغني كلٌّ منهما غناء الآخر في الجملة بتوسط صنعة، بأن تُصاغ الدنانير حليةً، أو تُضرب الحليةُ دنانيرَ، وسبيكة الذهب وحلية الفضة يغني كل منهما غناء الآخر، بأن تُصاغ السبيكة حلية، أو تُضرب دنانير، وتضرب حلية الفضة دراهم، وقِسْ على ذلك.
والذي يظهر من مذاهب العلماء أنهم لم ينظروا إلى الحلية، ولكن منهم من نظر إلى الثمنية، فجعلها العلة في تحريم بيع الذهب بالفضة نساءً.
فإما أن يكون بنى على ما كان في صدر الإِسلام من تبايع الأعراض بالذهب والفضة، وإن كانا غير مضروبين.
وإما أن يكون بنى على أن السبيكة والحلية يمكن تحويلهما إلى النقد بالصنعة، ولا سيما والمشروع في الإِسلام أن تكون دار الضرب مفتوحةً للناس كلهم، من أراد أن يضرب ذهبه أو فضته نقدًا دفعها إلى دار الضرب، وأعطاهم أجرة تعبهم، فضربوا له. وهكذا كان في القرون الأولى.
وإنما تحجرت الحكومات دور الضرب ظلمًا؛ لتشتري وزن الدينارين من الذهب الخالص بدينار مغشوش، ثم تغش الذهب، وتضربه ثلاثة دنانير، أو نحو ذلك، ومثله في الفضة. ونشأ من ذلك من الظلم والفساد ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد وقعت أزمات مالية شديدة في بعض، كألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، هذا أساسها، وربما اشتدت الأزمة منها حتى تهدِّد العالم أجمع.
هل نظر القائل: إن العلة في بيع الذهب بالفضة هي الثمنية - وهو مالك
(18/364)

والشافعي رحمهما الله تعالى - إلى المعنى الذي قررناه أولاً، أعني أن كلاًّ منهما يغني غناء الآخر في الجملة، فصار بيع أحدهما بالآخر نساءً في معنى الذهب بالذهب نساءً، والفضة بالفضة نساءً، وذلك في معنى القرض، فتحقق فيه الربا؟
أما الشافعي فلم ينظر إلى هذا حتمًا، فإنه أجاز بيع الشيء بآخر من جنسه نساءً في غير الذهب والفضة والمطعومات، وذلك كالحديد بالحديد، والنحاس بالنحاس، وغير ذلك، فإذا لم يعتد بالمماثلة، فكيف يعتد بالمقارنة؟ أعني أن يغني أحدهم غناء الآخر.
وجعل العلة في الأربعة الباقية هي الطعم، ووسَّعه حتى منع بيع البر بالسقمونيا. ولا يخفى أن النسبة بينهما التباين، فإن البرّ قوتٌ، والسقمونيا مُسهِّل.
[ص 37] وأما مالك فقد ظن بعض المحققين من أصحابه أنه نظر إلى المعنى الذي قررناه؛ لأنه يحرِّم البيع نساءً في ما إذا اتفق العوضان في الجنس، ولو في الثياب والآنية وغيرها.
وأكد ذلك أنه يشترط مع الاتفاق في الجنس الاتفاق في المنفعة المقصودة، فأجاز بيع البعير النجيب بالبعير من حاشية الإبل، وهذا يدل أنه نظر إلى المعنى الذي قدمناه.
وجعل العلة في الأربعة الباقية هي القوت مع الادّخار، وفسر بعض أصحابه ذلك بأن البر والتمر لما اتفقا في المنفعة المقصودة، وهي القوت مع الادخار، صارا كالجنس الواحد، فأما البر والشعير فإنه جعلهما جنسًا واحدًا حتى لا يجوز تبايعهما نقدًا إلا مثلًا بمثل.
(18/365)

ومع هذا ففي كونه نظَرَ إلى المعنى الذي قدمناه نظرٌ لوجهين:
الأول: أنه يمنع بيع (1) البر بالملح نساءً، وهكذا البر بشيءٍ آخر مما يكون فيه إصلاحٌ للطعام، كالأُدم والأَبزار، كالفلفل والكمُّون، مع أن الملح لا يغني غناء البر، والفلفل لا يغني غناء البر.
الثاني: أنه يجيز بيع الشيء بما يغني غناءه نساءً في غير الذهب والفضة والأقوات المدَّخَرة ومُصلِحاتها.
وقد استشكل المحقق الشاطبي المالكي ذلك، فقال بعد أن ذكر ربا القرآن: "وإذا كان كذلك، وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادةً على غير عوض، ألحقت السنةُ به كلَّ ما فيه زيادة بذلك المعنى".
ثم ذكر حديث عبادة، ثم قال: "ثم زاد على ذلك بيع النَّساء إذا اختلفت الأصناف، وعدَّه من الربا ... وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه لتقارب المنافع فيما يراد منها، فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع ... ويبقى النظر لِمَ جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ولم يجز فيهما؟ محل نظر يخفى وجهه على المجتهدين، وهذا من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم ... ". "الموافقات" (ج 4 ص 22 - 23).
وقوله: "بيع هذا الجنس بمثله في الجنس" يريد به نحو بيع الفضة بالذهب، والبر بالتمر، كما يرشد إليه السياق، فأما إذا اتحد الجنس، فإن أبا حنيفة رحمه الله يحرم النَّساء في ذلك مطلقًا، وهكذا مالك، إلا أنه يشترط
__________
(1) في الأصل: "بين" سهوًا.
(18/366)

مع الاتفاق في الجنس الاتفاقَ في المنافع المقصودة.
أقول: قد ظهر لي أن مالكًا رحمه الله تعالى إنما منعه عن طرد الحكم في كل شيئين تقاربت النسبة بينهما، بحيث يغني كل منهما غناء الآخر في الجملة، أنه رأى أن معنى الربا ليس بالقوي، فإن من باع ذهبًا بفضة إلى أجل، قد تبين أنه لم يكن يريد الاحتفاظ بالذهب عينه، غاية الأمر أنه كان ينوي الاحتفاظ بأحدهما، لا بعينه.
وإذا كان الأمر كذلك فقد قام احتمال أنه لو لم يعطِ الذهب بفضة إلى أجل يمكن أن يعطيه بفضةٍ نقدًا، ثم يعطي الفضة بذهبٍ نقدًا، وهكذا، وذلك مظنة الربح.
ثم يحتمل أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون رأى التعليلَ بالربا مع ضعفه يقوى في الذهب والفضة وفي الأقوات بعضها ببعض؛ لغلبة التعامل بالقرض في هذه الأشياء، وقوة احتمال أن التبايع بها نَساءً إنما جُعِل حيلةً على الربا، بخلاف ما يقارب من الثياب والأدوية والآنية، فلم تجر العادة بتقارُضِها، ولا بالربا فيها، فلهذا لم يطرد الحكم.
[ص 38] الثاني: أن يكون رأى أن الربا لا يصلح للعلية أصلاً، وإنما العلة الاحتكار على ما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى، ورأى أن الاحتكار إنما يشتد ضرره في النقدين والأقوات ومُصلحاتِها.
الثالث: أن يكون رأى أن العلة هو مجموع الأمرين، لأن معنى الربا وحده ليس بالقوي كما تقدم، ومعنى الاحتكار لا يخلو عن ضعف كما
(18/367)

ستعلمه في تفصيله إن شاء الله تعالى.
وعلى كل من الثلاثة فإنما اشترط الادّخار؛ لأن ما لا يُدَّخر لا تَقوى التهمةُ بإرادة الاحتفاظ به ولا باحتكاره.
والبر والملح وإن لم يتقاربا بحيث يغني كل منهما غناء الآخر في الجملة، لكنهما مما جرت العادة بالتقارض فيه كثيرًا، فقوي معنى الحيلة على الربا، وأما بالنظر إلى الاحتكار، فلا يشترط فيه التقارب كما سيأتي.
وبعد، فالراجح أنه رأى العلة في النهي عن بيع الفضة بالذهب نساءً هو الربا فقط؛ لأمور:
الأول: أنه روى حديث عمر بلفظ: "الذهب بالورق ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء". رواه مالك (1) عن ابن شهاب عن مالك بن أوس، فذكر قصة، ثم ذكر قول عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكره.
وفي "فتح الباري": "قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، حتى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك، وتابعه (يعني تابع مالكًا في روايته عن الزهري هكذا) معمر والليث وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة (عن الزهري)، وشذ أبو نعيم عنه (أي عن ابن عيينة) فقال: "الذهب بالذهب"، وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري". "الفتح" (ج 4 ص 259) (2).
__________
(1) في "الموطأ" (2/ 636، 637).
(2) (4/ 378) ط. السلفية. وانظر "التمهيد" (6/ 282 - 284).
(18/368)

أقول: وابن إسحاق ليس بحجة فيما خالف فيه، على أن القصة تشهد أن الرواية كما ذكره مالك ومن معه.
وحاصلها: أن عمر إنما ذكر هذا الحديث إنكارًا على من أراد صرفَ ذهبٍ بورق، والورق مؤجل، فقال: "واللهِ لا تفارقه حتى تأخذ منه" فذكر الحديث.
فلو كان لفظ الحديث: "الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ... " لما كان فيه شاهد ظاهر للإنكار.
والحديث في "الصحيحين" (1)، ولم أجد حديثًا صحيحًا مصرحًا بأن البر بالشعير أو التمرِ إلى أجل ربًا.
الثاني: أن معنى الربا ظاهرٌ جدًّا في الدنانير بالدراهم نساءً، وما نسبة الدراهم إلى الدينار إلا كنسبة القطع الصغار المضروبة من الذهب إلى القطعة الكبيرة، كما لو ضُربت قِطَعٌ صغار من الذهب كل منها ثمن دينار، فالثمان منها دينار، فكما يكون اشتراء عشر منها بدينار - والقطع مؤجلة - ربًا ظاهرًا، فهكذا لو كان صرف الدينار ثماني رُبيّات، فاشترى عشر رُبيّات بدينار، والربّيات مؤجلة، وما لم يكن مضروبًا تبع للمضروب؛ لأنه يمكن ضربه، كما تقدم.
فأما الأقوات بعضها ببعض، فهي على الاحتمالات الثلاثة. والله أعلم.
[ص 39] ولنعقد لأحكام هذه الستة بابين:
__________
(1) البخاري (2174) ومسلم (1586).
(18/369)

الباب الأول في تبايعها مع النسيئة
وفيه فصلان:

الفصل الأول: فيما اتحد فيه جنس العوضين
وفيه فرعان:
الفرع الأول: فيما تظهر فيه زيادة ما في العوض المؤجل لا يقابلها شيءٌ في المعجل، وله صور:
1 - زيادة المؤجل في القدر مع تساويهما في الصفات، كدرهم بدرهمين، وكل منهما مثله.
2 - زيادته في الوصف، كصاع تمر بصاع تمرٍ أجود منه.
والربا في هاتين الصورتين متحقق، والمعنى معنى القرض بشرط الزيادة أو الجودة.
3 - أن يكون في كل من العوضين زيادة من جهة، وزيادة المؤجل أرغب، كثلاثة آصُعٍ من تمر رديءٍ نقدًا بصاعَيْ تمرٍ جيد إلى أجل، وقيمة الصاع الرديء درهم، والجيد درهمان.
والربا في هذه متحقق؛ لتحقق الزيادة في المنسأ.
4 - أن يستويا في القدر، ويكون المعجل أجود، ولكن المؤجل عزيز الوجود، كصاع تمر جيد نقدًا بصاع تمر رديء إلا أنه عزيز الوجود.
(18/370)

فالظاهر هنا أن لصاحب الجيد غرضًا في ذلك الرديء، لو وجده لاشترى الصاع منه بصاعٍ جيد نقدًا أو بأكثر لرغبته فيه. فعزة الوجود زيادة في المؤجل، فيكون ربًا.
5 - الدينار وسبيكة الذهب وحليته، كل منها بالآخر، وهكذا كل منها بمثله بوصف آخر، كدينار عتيق بدينار جديد، وسبيكة مربعة بسبيكة مستطيلة، وخاتم ذهب بخاتم ذهب أضيق منه، مع اتحاد القدر وزنًا، والاتفاق في الجودة أو الرداءة.
هذا كله ربًا؛ لأن صاحب المعجل رغب أن يكون ذهبه على صورة المؤجل، ولو أراد أن يصوره بتلك الصورة لاحتاج إلى البحث عن صائغ أو ضارب، ودفع ذهبه إليه ليصوره بالصورة التي يريدها، ويدفع أجرته، فآثر أن يبيعه بذهب على الصورة التي يريد؛ ليربح السلامة من التعب والأجرة.
فبهذا الاعتبار كانت الصفة المرغوبة له في الذهب المؤجل زيادة فيه، وقد يتضح هذا: كسبيكة نقدًا بدينار أو حلية إلى أجل. وقد يحتاج إلى تأمل، كدينار أو حلية نقدًا بسبيكة إلى أجل. وقد أوضحنا.
ومثل ذلك الدراهم وسبيكة الفضة وحليتها، وهكذا كل من البر والشعير مع دقيقه، ونحو خبزه؛ لأن الحب والدقيق ونحو الخبز على وزان الدينار والسبيكة والحلية, وإن لم يمكن في العادة ردُّ الدقيق ونحو الخبز حبًّا.
وهكذا التمر المنزوع النوى مع التمر الذي لم يُنْزَع نواه، فكأن بائع ما لم يُنزع نواه بما نُزع نواه يريد نزعَ نوى تمره، وفي ذلك مشقة، فباعه؛ ليحصل له منزوع النوى، ويربح السلامة من المشقة، وكان بائع ما نُزِع نواه
(18/371)

بغيره يريد ردَّ نوي تمرِه إليه، وفي ذلك مشقة، فباعه؛ ليحصل له ما لم يُنزع نواه، ويربح السلامة من المشقة. وقس على ذلك.
[ص 40] الفرع الثاني: ما لم تظهر فيه زيادة ما في المؤجل، وله صور:
1 - أن يستويا من كل وجه، كبيع درهم بدرهم مثله، ودينار بدينار مثله، وصاع بر بصاع بر مثله.
فلا يظهر في هذه ربًا، بل المعنى معنى القرض الصحيح، فتحريم مثل ذلك إذا وقع بلفظ البيع يحتاج إلى علة أخرى غير الربا.
2 - أن يكون في المعجل زيادة لا يقابلها شيء في المؤجل، ويمكن تصحيح المعاملة بصيغة أخرى، كدرهمين نقدًا بدرهم مثل أحدهما نسيئةً.
فلا يظهر في هذه ربًا، بل المعنى معنى الهبة الصحيحة والقرض الصحيح، كأن صاحب الدرهمين وهب لصاحبه درهمًا، وأقرضه درهمًا، فتحريم مثل ذلك إذا وقع بلفظ البيع يحتاج إلى علة أخرى غير الربا.
ومثل هذا بيع دينار جديد نظيف نقدًا بدينار متَّسخٍ إلى أجل، وليس لصاحب الجديد غرضٌ في المتسخ، كأن ذهب إنسان بدينار جديد ليصرفه أو يكسره، فرآه آخر، فقال له: دع هذا الدينار الجديد النظيف لي، وأنا أعطيك دينارًا متسخًا غدًا، أو بعد غدٍ، فتبايعا.
فقد كان يمكنُ صاحبَ الجديد أن يقول لصاحبه: خذ هذا الدينار قرضًا إلى غدٍ، أو بعد غدٍ، وإذا قضيتَني دينارًا متسخًا فأنا أقبله منك.
3 - كالثانية إلا إنه لا يمكن تصحيح المعاملة بصيغة أخرى، كأن يكون لك خاتم فضة، ولصاحب لك خاتم فضة دونه، فجاءك يومًا وليس
(18/372)

معه خاتمه، ثم ألحَّ عليك أن تبيعه خاتمك بخاتمه، على أن تدفع إليه خاتمك، ثم يجيئك بخاتمه بعد أسبوع مثلًا.
4 - أن يكون في كل من العوضين زيادةٌ تكافئ ما في الأخرى في القيمة، كصاعين من تمر رديء نقدًا بصاع من تمر جيد إلى شهر، وقيمة الرديء نقدًا في السوق صاع بدرهم، وقيمة الجيد في السوق إلى شهر صاع بدرهمين.
فهاتان الصورتان لا يظهر فيهما الربا، فلا بد للتحريم من علة أخرى.
ويظهر لي أن العلة في الأُولَيين هي تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة.
ففي الأولى: عدل العاقدان عن صيغة القرض المرغَّبِ فيه شرعًا، المحمودِ عقلاً وعرفًا، إلى صيغة البيع الذي عُرِف ذمه في الشريعة، أعني الذهب بالذهب نسيئةً ونحوه.
وفي الثانية: عدلا عن الهبة والقرض المشروعين المحمودين المرغَّب فيهما، إلى صيغة بيع الذهب بالذهب نسيئةً ونحوه.
ويظهر له أن العلة في الأُخريَين هي الاحتكار، على ما يأتي إيضاحه في تعليل منع بيع واحد من الستة بأكثر منه من جنسه نقدًا. والله أعلم.
****
(18/373)

[ص 41] الفصل الثاني: في بيع واحد من الستة بآخر منها نسيئةً
قد علمت مما تقدم أن الربا الحقيقي هو ربا القرض، وأن الربا في باب البيع إنما ورد لأنه في معنى القرض بربًا، كما تقدم في الأمثلة، كبيع صاع تمر نقدًا بصاعَي تمرٍ إلى أجل، وغير ذلك من الصور.
والمعروف في القرض إنما هو إعطاء الشيء ليردَّ له ما هو من جنسه، إما مثل ما دفعه تمامًا، وهو القرض الشرعي، وإما مع زيادة في القضاء، وهو الربا.
فأما مبادلة الشيء بما يخالفه، كالثوب بالدينار، فليس هذا من موضوع القرض، بل هو بيع.
ولكننا قد قدمنا أن الذهب بالفضة نسيئةً يقوى فيه معنى الربا جدًّا، وفسرنا ذلك بما يكفي.
فأما الأربعة الأخرى بعضها ببعض، فقد قدمنا احتمال أن تكون العلة هي الربا، واحتمال أن تكون هي الاحتكار، وأن تكون مجموع الأمرين، وبينّا قوة احتمال الربا فيها؛ لكثرة تقارض الناس إياها.
وأما الاحتكار فستعلم بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى.
****
(18/374)

الباب الثاني في تبايعها نقدًا
الذي حرَّمه الشارع من ذلك هو الذهب بالذهب مع رجحان أحدهما وزنًا، وهكذا الفضة بالفضة.
وكذلك حرَّم البر بالبر مع زيادة أحدهما في الكيل، وهكذا الشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح.
وصح من عدة طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال بعد بيان هذا الحكم: "فمن زاد أو استزاد - وفي رواية: أو ازداد - فقد أربى" (1).
وفي رواية: "فهو ربا" (2).
زاد في رواية: "الآخذ والمعطي فيه سواء" (3).
وأخبر بشراء التمر بالتمر متفاضلًا فقال: "أُوَّه عينُ الربا" (4).
وفي رواية: "أُوَّهْ أُوَّهْ، عينُ الربا، عينُ الربا" (5).
وفي رواية: "هذا الربا، فردوه" (6).
__________
(1) أخرجها مسلم (1584/ 82، 1587, 1588، 1596).
(2) أخرجها مسلم (1588/ 84).
(3) أخرجها مسلم (1584/ 82).
(4) أخرجها مسلم (1594/ 96). وفي ضبط "أوه" وجوه.
(5) أخرجها البخاري (2312).
(6) أخرجها مسلم (1594/ 97).
(18/375)

وأرشد إلى المَخلَص من ذلك بقوله: "بِعِ الجَمْع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" (1).
والجَمْع تمرٌ رديءٌ، والجنيب تمرٌ جيدٌ، كانوا يبتاعون الصاع من الثاني بالصاعين من الأول، ونحوه. ولا يرضى صاحب الجنيب أن يبيع صاعًا بصاع.
وجاء في حديث عبادة: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (2).
وفُسِّر في الروايات المفصّلة ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرهما، وبيعِ البر بالشعير والشعيرُ أكثرهما، وقد تقدم ذكر الروايات.
والمقصود ههنا إنما هو النظر في العلة.
أما الفقهاء فإنهم يذكرون الحكم في باب الربا، اتبعوا السنة في إطلاق هذه الكلمة، ولكن ثبت في "الصحيحين" (3) وغيرهما عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ربا إلا في النسيئة".
[ص 42] وجمع أهل العلم بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة بطرق:
__________
(1) أخرجه البخاري (2201، 2202) ومسلم (1593) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
(2) أخرجه مسلم (1587/ 81).
(3) البخاري (2179) ومسلم (1596) من حديث أسامة بن زيد.
(18/376)

أصحها: أن الربا في هذا الحديث أريد به الربا الحقيقي، فهو لا يكون إلا في النسيئة، وأما إطلاق الربا فيما مُنِع من النقد فهو مجاز. فإما أن يكون أصل الربا في اللغة: الزيادة مطلقًا، ونقله الشارع إلى الزيادة المخصوصة في النسيئة، ثم أطلق الربا في الزيادة في النقد على أصل اللغة، وإما غير ذلك.
والذي تبين لي أن الربا في عرف اللغة خاص بالنسيئة، وقد دلّ القرآن وحديثُ: "لا ربا إلا في النسيئة" على أنه في الشرع كذلك، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وإطلاق الربا في البيع المحرم نقدًا إنما هو من باب التشبيه، والجامع بينهما أن كلاًّ منهما زيادة محرمة.
فإن قيل: لكن قوله: "عين الربا، عين الربا" (1) ينافي المجاز، كما يقوله النحاة في التوكيد.
قلت: أما التكرار فهو من باب التوكيد اللفظي، وقد صرَّح النحاة بأنه يجيء لغير نفي التجوز، كأن يخشى المتكلم أن لا يكون بعض المخاطبين سمع الأول كما ينبغي، فيكرر ليتحقق السماع، كما تقول: رأيت أسدًا يرمي، رأيت أسدًا يرمي.
وأما قوله: "عين الربا" إذا قيل: إنه بمنزلة "الربا عينه"، وقد قال النحاة: إن التوكيد بالنفس والعين لدفع احتمال التجوُّز، فمحلُّ ذلك حيث لم تقم قرينة على المجاز، فأما إذا قامت كأن يقال: أبو يوسف أبو حنيفة عينُه، فإنما يكون للمبالغة، والحديث من هذا. والله أعلم.
__________
(1) تقدم تخريجه.
(18/377)

ومما يوضح هذا أن القرآن أومأ إلى أن المعنى في تحريم الربا أنه ظلم كما تقدم، وبيع دينار من ذهب جيدٍ صرفُه عشرون درهمًا بدينارين من ذهب رديء صرفُ الواحدِ منهما عشرة دراهم، لا يظهر فيه ظلم، وهو حرام نقدًا. وبيع الدينار الجيد بأحد الدينارين الرديئين أقرب إلى أن يكون ظلمًا، وهو حلالٌ نقدًا. فلو كان المعنى في التحريم هو الربا، لكان الظاهر أن يكون الحكم بعكس ما تقدم، فيحل بيع دينار جيد صرفه عشرون درهمًا بدينارين رديئين، صرفُ كلٍّ منهما عشرة دراهم، ويحرم بيع الدينار الجيد بأحدهما وحده.
هذا، والذي ظهر لي أن العلة فيما حُرِّم متفاضلًا نقدًا: هي تشبيه المعاملة المشروعة بالممنوعة، أو الاحتكار.
فالأولى خاصة بما يمكن تصحيح المعاملة بصيغة أخرى، وذلك كبيع درهمين بدرهم مثل أحدهما. فالمقصود المعقول من هذا هو أن يهب صاحب الدرهمين لصاحبه درهمًا، فكان يمكنه أن يهب له درهمًا، فلما عَدلا عن هذه الصورة المحمودة المرغَّب فيها إلى صورة بيع الفضة بالفضة متفاضلاً، استحقَّا التأديبَ بتحريمِ ما اعتمده وإبطالِه.
وأما الاحتكار فهو العلة فيما عدا ذلك.
****
(18/378)

[ص 43] فصل في الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم
قال الله عزَّ وجلَّ: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].

وحبس الذهب والفضة، واحتكار الأقوات، وتبايع كل من الستة بجنسه، كالذهب بالذهب، والبر بالبر، يؤدي إلى أن يكون دُولةً بين الأغنياء والمحتكرين، فضيَّق الله تعالى عليهم؛ لئلّا يكون دُولةً بينهم، وستعلم وجه التضييق إن شاء الله.
الذهب والفضة
وقد تقدم في الكلام على زكاة الذهب والفضة بيان بعض المفاسد التي تترتب على حبسهما وكنزهما، أو نقول: احتكارهما، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]] (1).
وقد تواتر عن أبي ذر الغفاري أحد أجلَّة الصحابة رضي الله عنهم أنه كان يرى أن هذه الآية على ظاهرها، وأن حكمها باقٍ إلى يوم القيامة (2)، وخالفه جمهور هذه الأمة.
فأما على قوله: فحَظْرُ الشريعة لحبسهما وتشديدها فيه واضح.
__________
(1) بيض المؤلف للآية، ولم يكتبها.
(2) انظر "صحيح البخاري" (1406، 1407، 4660) وصحيح مسلم (992). وراجع "فتح الباري" (3/ 273).
(18/379)

وأما على قول الجمهور، فإن كراهية الشريعة لحبسهما يظهر من أحكام أخرى.
منها: فرض الزكاة عليهما، ولو كانا حُلِيًّا، على خلافٍ في الحُلِيّ، والراجح الوجوب.
ومنها: تحريم الذهب على الرجال البتةَ، وتحريم الفضة عليهم إلا نحو الخاتم.
ومنها: تحريم الأكل والشرب في أوانيهما، وألحق به العلماء بحقٍّ سائرَ الاستعمالات، وكذا اتخاذ الأواني منهما وإن لم تستعمل.
ومنها: ما نحن بصدده؛ من تحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل.
ولتوضيح فائدة هذا فنقول: الحكومات في عصرنا تكتنز الذهب، وتحتاج إلى ضرب الدراهم، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة، فلو كانت مسلمة لمنعها الإِسلام من شراء الفضة بدراهم إلا سواء بسواء في الوزن، ولمَا رضيت بذلك؛ لأن فيه خسارةً عليها، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة بالدنانير، فيحصل المقصود.
والأغنياء كثيرًا ما يكنزون الدنانير، ثم يحتاجون إلى حلي فضة، فتارةً يريدون شراء سبائك فضة، ليعطوها الصاغةَ فيصوغوها، ولا تطيب أنفسهم أن يشتروا السبائك بوزنها دراهم، فيضطرون إلى شرائها بدنانير، فيحصل المقصود.
وتارةً يريدون شراء المصوغ المصنوع من الفضة، والغالب أنه لا يتأتى
(18/380)

شراؤه بوزنه دراهم، إما لأن قيمة ذلك المصوغ أقل من قيمة وزنه دراهم، وإما عكسه.
فعلى الأول لا يرضى المشتري، وعلى الثاني لا يرضى البائع، فيضطرون إلى الشراء بالدنانير، فيحصل المقصود.
وقِسْ على هذا سبائك الذهب وحُلِيَّه في اضطرار المشتري إلى إخراج الدراهم.
وبهذا الحكم أيضًا يقل رغبةُ الصاغة في الصياغة، ولا سيما في الفضة التي هي أكثر وجودًا وأرخص، والصاغة أشدُّ بها تلاعبًا، فالصائغ يقول: أي فائدة لي أن أشتري سبائك الفضة بوزنها دراهم، ثم أصوغها وأتعب فيها، ثم أبيعها بوزنها دراهم، والذهب عزيز الوجود، لا أدري أأظفرُ براغبٍ في الشراء يكون عنده دنانير، أم لا؟
وأي فائدة لي في أن أكسر الدراهم، ثم أصوغها حُلِيًّا، ثم أبيعه بوزنه دراهم.
وبهذا يقل استعمال الحلي؛ لأن كثرة استعماله أغلب ما تجيء من عرض الصاغة الحُلِيَّ والأواني ونحوها، فيراها المُثْرون ونساؤهم فيرغبون فيها.
وقلما تجد الرجل يشتري السبائك، ويسلمها إلى الصائغ يصوغها له ويعطيه أجرته، أو يعطي الصائغ دراهم أو دنانير ليكسرها ويصوغها، ويأخذ أجرته. مع أن هذا الحكم يُضيِّق عليهم في هذا أيضًا، وقد جاء النهي عن كسر الدراهم والدنانير (1).
__________
(1) أخرجه أحمد (15457) وأبو داود (3449) وابن ماجه (2263) من حديث =
(18/381)

وبما قررناه يظهر لك خطأ من جوَّز شراء حلي الفضة بدراهم أو سبيكةٍ أكثر من وزنه، قائلاً: إن الزيادة في مقابل الصنعة. ولم يتنبه لما في المنع من ذلك كما هو ظاهر الشريعة من الحكمة البالغة. والله أعلم.
وأما علاقة الاحتكار بالنسيئة: فإنه لو أُبيح في النسيئة ما لم يُبَحْ نقدًا، لتعمَّد الناس إنساءَ أحدِ العوضين مدةً قليلةً، وما يصح نقدًا مع زيادة وصفية في أحد العوضين، كحلية ذهب بسبيكة ذهب كوزنها، يحتال له بتأجيل الحلية مدةً طويلةً، ليكون الأجل مقابلَ الصنعة، فهذا مع تحقق الربا فيه تحقق فيه الاحتكار أيضًا.

[ص 44] بقية الأصناف
احتكار الأقوات معروف، وقد وردت أحاديث في تحريمه، منها ما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحتكِرُ إلاَّ خاطئ" (ج 5 ص 56) (1).
وهذه الأربعة الأصناف يكثر احتكارها، ويكون فيها الجيد والرديء. فقد يكون رجلان محتكرانِ للحنطة مثلاً، وحنطة أحدهما جيدة، وحنطة الآخر رديئة، فيحتاج صاحب الجيدة إلى رديئة لقوت أهله وخَدمه، أو يحتاج صاحب الرديئة إلى جيدة لنفسه، فلو مكّنا من أن يبيعا بالتفاضل لتبايعا الصاع بالصاع مثلاً، وكلاهما مطمئن أن هذا التبايُعَ لا يفضّ
__________
= علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُكْسَر سكَّةُ المسلمين الجائزةُ بينهم إلاَّ من بأس". وإسناده ضعيف لضعف محمَّد بن فضاء أحد رجال الإسناد، وأبوه مجهول.
(1) رقم (1605).
(18/382)

الاحتكار, لأنهما جميعًا محتكرانِ، فإذا قيل لهما: لا يحلُّ بيع البر بالبر إلاَّ مثلًا بمثل، قال صاحب الجيد: وكيف أشتري صاعًا قيمتُه درهمٌ بصاعٍ قيمته درهمانِ؟ فيقال له: أخرِجْ بُرَّك إلى السوق، فبِعْه بدراهم، ثم اشترِ بها كما تُريد. ويقول صاحب الرديئة: إن صاحبي لا يرضى أن يبيعني صاعًا قيمته درهمانِ بصاعٍ قيمتُه درهم. فيقال له: فأخرِجْ بُرَّك إلى السوق فبِعْه، ثم اشترِ كما تريد. فإذا خرج البر إلى السوق انفصم قيدُ الاحتكار.
قلت: إنما يقوى مظنة الاحتكار للذهب إذا بيع بذهب أو فضة، وإنما يقوى مظنته للقوت إذا بيع بقوت، أو ما هو كالقوت.
فأما إذا بِيع القوتُ بالذهب أو الفضة، فإن مظنة الاحتكار تضعُفُ جدًّا.
والغالب فيمن يشتري القوت بذهب أو فضة إلى أجل أن يكون ليس بيده ذهب ولا فضة، بدليل رضاه بزيادة الثمن.
والغالب على من استسلم ذهبًا أو فضة في قوتٍ إلى أجل أن لا يكون عنده قوت في الحال.
قلت: إذا فرضنا أن البلدة تقتات البر، فشراؤه بالشعير نقدًا بنقد ينقض الاحتكار حتمًا. وأما إذا كان البر مؤجلًا فلم ينتقض الاحتكار.
وإذا فرضنا أنها تقتات الشعير، فشراؤه بالبر نقدًا بنقد ينقض الاحتكار، وأما إذا كان البر مؤجلًا فلا
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي إذا كانت البلدة تقتات البر أن يحلَّ بُرٌّ معجَّلاً بشعيرٍ مؤجَّلاً، وإذا كانت تقتات الشعير أن يحِلَّ شعيرٌ معجلًا ببرٍّ مؤجلًا.
(18/383)

قلت: إنما أُحِلَّ ذلك - والله أعلم - لأنه قلَّما يكون التاجر محتكرًا للبرّ والشعير معًا، بل إما أن يحتكر البرّ، وإما أن يحتكر الشعير.
وعلى هذا فإذا تبايعا نقدًا، فقد انفضَّ احتكارُهما معًا؛ لأن محتكر البر يحتكره على الناس جميعًا حتى على محتكر الشعير، ومحتكر الشعير يحتكره على الناس جميعًا حتى على محتكر البر.
فإن قيل: ولماذا ضيق في النسيئة؟
قلت: لأن البيع بالنسيئة لا ينقض احتكارهما معًا، وإنما ينقض احتكار صاحب العوض المعجل، ويبقى احتكار الآخر على حاله.
****
(18/384)

[ص 45] بسم الله الرحمن الرحيم

فصل
اعلم أن الرجل قد يكون محتكرًا لواحدٍ من الستة فقط، وقد يكون محتكرًا للذهب والفضة معًا، وقد يكون محتكرًا للأربعة الباقية، أو ثلاثة منها، أو اثنين، ويبعد أن يجمع بين احتكار الذهب أو الفضة أو كليهما، وبين احتكار الأربعة الأخرى أو بعضِها.
فإذا كان أحد العوضين ذهبًا أو فضة، والآخر واحدًا من الأربعة، فليس في هذا ما يدل على الاحتكار أصلاً، فإن اتفق الاحتكار فقد انتقض بهذا العقد، والمقصود من التضييق هو نقض الاحتكار، وقد انتقض.
وأما بيع الذهب بالفضة، وواحدٍ من الأربعة الباقية بآخرَ منها، فإن كان يدًا بيدٍ فالظاهر عدم الاحتكار؛ لأننا إذا فرضنا أن أحدهما محتكر للذهب، والآخر محتكر للفضة، فقد انتقض احتكارهما.
وإن فرضنا أن كلاًّ منهما محتكر للذهب والفضة معًا، فمحتكر الذهب والفضة معًا يبعد أن يبيع ذهبًا بفضة أو فضةً بذهب، إلا إذا حصل له ربح وافر، هذا شأن المحتكر، والربح الوافر لا يحصل عادةً في التبايع يدًا بيد. وقِسْ عليه أحد الأربعة الباقية بآخرَ منها يدًا بيد.
وإن كان نسيئةً فاحتمال الاحتكار أقوى؛ لأن النسيئة يَصحبُها عادةً الربحُ الوافر، فمحتكر الذهب والفضة يرضى أن يدفع دينارًا صَرْفُه في السوق خمسة عشر درهمًا بعشرين درهمًا إلى أجل، أو يدفع عشرة دراهم بدينارٍ إلى أجل، وقد يرضى أن يأخذ دينارًا نقدًا ليدفع عشرين درهمًا بعد مدةٍ، أو
(18/385)

يأخذ عشرة دراهم ليدفع دينارًا بعد مدة؛ لأنه يعدُّ الأجلَ ربحًا؛ لرجائه أنه إذا أخذ الدينار ليدفع عشرين درهمًا بعد ستة أشهر، يجد من يأخذ منه الدينار بعشرين درهمًا إلى أربعة أشهر، وإذا أخذ عشرة دراهم بدينار إلى ستة أشهر يجد من يأخذها منه بدينار إلى أربعة أشهر. وقِسْ على ذلك أحد الأربعة بآخر منها.
فإن اتفق أن يكون متبايعا الذهب بالفضة وأحدُهما مؤجل، غير محتكرينِ للذهب والفضة، ولا قصد أحدهما ربحًا من جهة الزيادة، ولا من جهة الأجل، فهذه جزئيات خاصة، لا تمنع عموم الحكم كما قررناه في أول الرسالة، ومثَّلناه بحدِّ الزنا.
[ص 46] وأما بيع أحد الستة بجنسه فاحتمال الاحتكار أقوى، فالمتبايعان ذهبًا بذهبٍ قد ظهر حرصُ كلٍّ منهما على جنس الذهب، إذ لم يدفع ذهبه إلا بذهبٍ مثله.
لكنه إذا كان يدًا بيد، فإن كانا متماثلين من كل وجه، كدينار بدينار مثله، فهذا ليس من مقاصد العقلاء، وإنما أباحه الشارع؛ لأنه لا ضرر فيه، ولو منعه لم يلزم من ذلك تضييق عليهما، ولا على أحدهما.
فإن قيل: قد يتفق القصد والتضييق، كأن يقول رجل: امرأتي طالق إن لم أُخرِج هذا الدينار من ملكي اليوم، فله غرض في إخراجه من ملكه،، فإذا أُبيح له أن يبدله بدينار آخر حصل غرضُه، ولو مُنِع منه لاضطر أن يصرفه، أو يشتري به عرضًا، أو يهبه مثلاً، فإذا كان محتكرًا كان في المنع تضييقٌ عليه.
قلت: هذه الصورة ومثلُها من النادر الذي لا ينتقض به الحكم العام، كما قررناه في أول الرسالة.
(18/386)

وإن لم يكونا متماثلين من كل وجه، فإما أن يستويا قدرًا: وزنًا في الذهب والفضة، وكيلًا في الباقي، وإما أن يختلفا.
فإذا استويا قدرًا، فالغالب أن يكون أحدهما أفضل وصفًا: جودةً أو صنعةً، فَرِضا صاحبِ الأفضل بالخسران يدل أنه ليس بمحتكر، إذ من شأن المحتكر الحرصُ على الربحِ وتجنُّبِ الخسارة.
فإن كان في كلٍّ منهما فضلٌ ليس في الآخر، كدينار بخاتم ذهب، في الدينار فضيلة الضرب، وفي الخاتم فضيلة الصنعة، فإن لم تتعادل الفضيلتان، كأن كان قيمة الخاتم لو بيع بدراهم عشرين درهمًا، وصَرْفُ الدينار سبعة عشر درهمًا، أو عكس ذلك، فكالذي قبله.
أما تعادلُهما فنادر، ولا يكاد ينضبط، فلهذا - والله أعلم - أُلحِق بما قبله.
وأما إذا كان أحد العوضين مؤجلاً، فإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيد لما صح، فبالأولى أن لا يصح إذا كان نسيئةً، ولو أجيز بعض ذلك نسيئةً لاحتال كلُّ متعاقدينِ يريدانِ أن يتعاقدا بما لا يحل نقدًا، فأخَّرا أحدَ العوضين يومًا أو يومين، حيلةً لتصحيحِ العقد.
وإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيدٍ لجاز، فقد قدَّمنا أن الجواز هناك إنما هو لرضا أحدهما بالخسارة، وذلك دليل أنه ليس بمحتكر، فإذا كان نَساءً فيمكن أن يكون محتكرًا، ولكنه جبر النقصان بالأجل، كخاتم ذهبٍ وزنُه دينار، وقيمته في السوق عشرون درهمًا، بِيعَ بدينارٍ مثلِه في الوزن، ولكن صرْف الدينار في السوق خمسة عشر درهمًا، وأجَّلا الدينار إلى شهرين مثلاً، فكأن صاحب الدينار جبر الخسارةَ بالأجل.
(18/387)

وقلَّما يتفق أن يكون الأفضل هو المؤجل، فإن اتفق فنادر، يتبع الغالب.
وبالجملة، فالمقصود من هذا الحكم إنما هو التضييق على حابس الذهب والفضة، ومحتكري الأقوات، فضُيِّق عليهم أن لا يتبايعوا الشيء بجنسه إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ولا الشيء منها بما يقاربه إلا يدًا بيد.
فالتبايع بالنسيئة يقل احتياج الناس إليه، بدليل أن وقوعه أقل من وقوع التبايع يدًا بيد، فاقتضى التضييقُ منعَه البتَّةَ؛ لأن الحاجة إليه قليلة.
وأما التبايع يدًا بيد، فاكتفى باشتراط المثلية في القدر إذا اتحد الجنس، وفي ذلك تضييقٌ لا يبلغ أن يضيّق على من اشتدت حاجته، ولم يشترط المثلية فيما اختلف جنسه؛ لشدة الضيق في ذلك أشدّ مما تقتضيه الحكمة. والله أعلم.
[ص 48] واعلم أن تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة كما يدخل في النسيئة تدخل في النقد أيضًا، فمن باع درهمين بدرهم مثل أحدهما، أو دينارين بدينار كذلك، أو صاعَيْ برٍّ بصاعِ برًّ كذلك، لم يحلَّ، إذ كان المشروع أن يهب صاحب الزائد للآخر درهمًا أو دينارًا أو صاعًا، وتصح الهبة.
فأما إذا [كان] (1) الدرهم أجود من أحدهما، فأراد صاحب الزائد أن يهبَ للآخر درهمًا، ويبيعه الآخر بدرهمين، فلا يحل؛ لأن الهبة ههنا حيلةٌ لاستحلال البيع المحرم، وقِسْ على ذلك. والله أعلم.
__________
(1) ليست في الأصل.
(18/388)

فصل
واعلم أن الربا والاحتكار أخوان، يتعاونان على الظلم والعدوان، فكلاهما يريد أن يربح ربحًا وافرًا بدون كثرة تعب في تقليب التجارة، وجلب البضائع من البلدان البعيدة، وغير ذلك مما ينفع الناس. فالمُرْبِي يريد أن يعطي ماله للمحتاجين دَينًا، ثم يستريح هو، ويترك الكدَّ والتعبَ والعناءَ عليهم، ويأخذ هو ثمرةَ كدِّهم وتعبِهم، فإن لم يُثمِر كدُّهم وتعبُهم أخذ صُلْبَ أموالهم، فإن لم يكن لهم شيء ضايقهم حتى يتمنوا الموت.
والمحتكر يريد أن يستولي على النقد والقوت، ثم يستريح وينام، ويدع الناس في الضرّ والشدّة، حتى يُربِحوه الربحَ الذي يريد.
والمُربِي يَعمِدُ إلى حبس الذهب والفضة، ولا يَصرِفُهما إلا في الربا، ويحتكر القوت مثلاً، ويتربص به حتى يُبذَل له فيه القدر الذي يريده من الربا.
وحابس الذهب والفضة يخاف أن يتَّجر تجارةً شرعية، فيتعب ويتعنَّى، وربما خسر، ويخاف أن يُضارب مضاربةً شرعية، فربما خسر، ويكره أن يُبقِيهما في يده أبدًا؛ لئلا يُفنِيهما بالإنفاق في حاجته، وفي الزكاة إن كان مسلمًا، فيعمِدُ إلى الربا؛ لأنه ربح وافرٌ مضمونٌ بدون تعبٍ ولا عناء.
ومحتكر البرِّ مثلًا ربما لم يرتفع السعر إلى القدر الذي كان يتوقعه، وسوَّسَ البرُّ الذي بيده، فيكره أن يُبقِيه فيتلَف، أو يبيعه بسعر وقته فيخيب أملُه، أو يبيعه بدراهم نسيئةً، فيحتاج إلى تعبٍ بأن يطالب أولاً بالدراهم، ثم
(18/389)

يأخذها ويشتري البر حينئذٍ، ويحتكره مرة أخرى، ولعل المشتري يَمْطُله بالدراهم وقتَ رخصِ البر، فأوثقُ الطرق عنده هو أن يعطيه بالربا، فيُقرِضه إلى وقت الحصاد بشرطِ زيادة، ليأخذه حينئذٍ، فيحتكره مرةً أخرى، وإن مَطَلَه المشتري وقتَ الحصاد فرح بذلك، لأن [في ذلك] مصلحةً [له].
فلا يُنكَر أن تُطلِق الشريعةُ على ما حُرِّم من البيوع لأجل الاحتكار أنه ربًا، وهكذا إطلاقُها الربا فيما حُرِّم لتشبيه المعاملة بالربا. والله أعلم.
****
(18/390)

[ص 49] خاتمة
حيث قلنا: إن العلة هي الاحتكار، فمرادنا أنه هو المعنى الذي شُرِعَ هذا الحكم للتضييق على أهله.
وأما العلة الفقهية: فهي ضابطة، وهي كون العوضين مما يضرُّ احتكاره بالناس ضررًا شديدًا متقاربين في المنفعة المقصودة مع النسيئة، أو متفقين في الجنس مع الفضل في القدر.
فأنت ترى أن هذه العلة تعمُّ كل ما حُرِّم في مبايعات هذه الستة.
وأما الربا فهو خاص بالنسيئة، كما نصَّ عليه الشارع، ودخوله فيما إذا بيع أحدهما بجنسه نسيئةً مع فضلٍ في المؤجَّل بالقدر أو الوصف واضح. وأما فيما عدا ذلك ففيه نظر، إلا أنه قوي في الذهب والفضة كما تقدم.
وأما تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة فهو خاص بما حُرِّم من المبايعات في هذه الستة، وهو في المعنى معاملة أخرى جائزة. وهذه لا يُحتاج إليها مع الاحتكار إلا من جهة تقليل الصور النادرة التي تتخلف فيها الحكمة المقصودة، ومن جهة الفرق بين القرض والهبة وبين البيع في بعض الصور.
وبمقتضى ما وصفناه - من أن العلة منعُ كلٍّ من الستة بجنسه متفاضلًا نقدًا، ومنع الذهب بالفضة نسيئةً، وأحد الأربعة الباقية بآخر منها نسيئة هي الاحتكار - قال مالك رحمه الله. فلم يَعْدُ الحكمُ في منعِ التفاضل نقدًا، ومنعِ النسيئة مع اختلاف الجنس، إلا إلى الأقوات ومُصلِحاتها.
(18/391)

كأنه رأى أن الاحتكار إنما يشتدُّ ضررُه فيها على ما هو معروف في مذهبه في تحريم الاحتكار، ولما كان مذهبه ظاهرَ المناسبة، ولا يصادم نصّا ظاهرًا، رأيتُ الاقتصار عليه.
وبمقتضى ما ذكرناه من أن العلة في بيع كل من الستة بجنسه نسيئةً هي الربا، قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله، فعدَّيا الحكمَ إلى جميع الأشياء، فمنعا بيعَ الثوب بجنسه، وغير ذلك، إلا أن مالكًا رحمه الله تعالى يقول: إذا اختلفت المنفعة المقصودة جاز وإن اتحد الجنس، كالبعير النجيب بالبعير من حاشية الإبل. وحجته أن اختلاف المنفعة المقصودة يصيِّر الجنسَ جنسين.
وقيَّد ذلك بعض أصحابه بما إذا كان الأفضل هو المعجّل، وخالفه غيره.
وأرى أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أضبط وأولى. ومن قال بقول مالك فينبغي له أن يُقيِّد بالقيد المذكور؛ لظهور الربا في بيع البعير من حاشية الإبل مُسلَمًا في الحال ببعيرٍ نجيبٍ إلى أجل.
والمسألة تستدعي بسطًا لا أرى هذا محلَّه. والله أعلم.
ولما كان مذهب أبي حنيفة في هذا ثم مذهب مالك هو الراجح رأيتُ الاقتصار عليه، وليكن هذا آخرَ القسم الأول.
***
(18/392)

القسم الثاني في البحث مع صاحب الاستفتاء
خلاصة الاستفتاء
لخَّص صاحب الاستفتاء رسالته في أربعة مقاصد:
الأول: أن الربا المنهي عنه في القرآن مجمل عند الحنفية وغيرهم، حتى يصحّ أن يقال: اتفقت عليه الأمة.
الثاني: أن السنة فسَّرته بحديث عبادة وغيره: "الحنطة بالحنطة ... " (1)، وبالآثار في ربا الجاهلية، وهو الزيادة عند حلول أجل الدين في مقابل مدِّ الأجل. والقرض ليس بدين، لأنه لا يكون إلى أجل عند الفقهاء، فعلى هذا لا يكون الربا إلا في البيع.
الثالث: أن النفع المشروط في القرض ليس بربا منصوص.
الرابع: أن النفع المشروط في البيع لا يصح قياسه على الربا المنصوص ولو صحَّ فالأحكام القياسية قابلة للتغيُّر بتغير الزمان، فلا محيصَ من تحليله في هذا الزمان، كما قالوا بجواز الاستئجار على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، مع أن حرمة الاستئجار في بعض ذلك ثابت بالنص.
****
__________
(1) أخرجه مسلم (1588) من حديث أبي هريرة، ونحوه (1587) من حديث عبادة.
(18/393)

[ق 6] الكلام على المقصد الأول
للمستفتي ثلاثُ حِجاجٍ على أن لفظ "الربا" في القرآن مجمل:
الأولى: الإجماع، ونَقَل عدة عبارات من كتب الحنفية وغيرهم.
الثانية: أن الكتاب والسنة والإجماع وردت بجواز بعض الزيادات، كالربح في البيع، والزيادة تفضُّلًا عند القضاء.
الثالثة: ما رُوي عن عمر أنه قال: "كان من آخر ما أنزل الله تعالى على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يفسِّرها لنا، فدعُوا الربا والريبة" (1).
والجواب عن الأولى بمنع الإجماع، كيف وقد نقل صاحب الاستفتاء نفسه عن "مقدِّمات ابن رشد المالكي" (بحوالة ج 3 ص 41) ما لفظه: "وقد اختُلف في لفظ الربا الوارد في القرآن، هل هو من الألفاظ العامة يُفهم المراد بها وتُحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصُّها، أو من الألفاظ المجملة؟ ... ".
ونقل أيضًا عن كتاب "أحكام القرآن" (2) لابن العربي المالكي: "اختلفوا هل هي عامة في تحريم كل ربا، أو مجملة لا بيانَ لها إلا من غيرها؟ والصحيح أنها عامَّة ... ".
__________
(1) أخرجه أحمد (246، 350) وابن ماجه (2276) وغيرهما. وسيأتي الكلام عليه عند المؤلف.
(2) (1/ 241).
(18/394)

ونقل أيضًا عن الطحاوي ما يُعلَم منه أنها عنده ليست بمجملة، وسيأتي ذلك إن شاء الله. وقال [إلكيا الهراسي] (1) الشافعي في كتابه "أحكام القرآن": [ونُقل عن الشافعي أن لفظ الربا لمَّا كان غير معلوم، أورث احتمالًا في البيع، والصحيح أن الربا غير مجمل، ولا البيع كما ذكرناه].
وهَبْ أنه لم يُنقل عن أحدِ القولُ بأنها غير مجملة، فهذا لا يمنع أن يذهب ذاهب إلى عدم إجمالها ما دام لم يخَرِقْ إجماعَهم في حكم ينبني عليها. وإنما يكون ذلك من باب إحداث دليل أو تأويل، وقد نصَّ علماء الأصول أنه لا يكون خرقًا للإجماع.
فإن قيل: فإنه ينبني على كونها غيرَ مجملة تحريمُ الزيادة المشترطة في القرض، وهي المسألة المستفتى عنها.
قلتُ: هم مجمعون على تحريم ذلك، ونصوص العلماء على الإجماع في ذلك لا تُحصى. وممن صرَّح به: الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2)، والباجي المالكي في "شرح الموطأ" (3)، وشرَّاح "المنهاج" (4) في فقه الشافعية، وغيرهم من الحنفية والحنابلة، وغيرهم (5).
__________
(1) بيَّض في الأصل لاسم المؤلِّف ولكلامه المقتبس من كتابه، فأثبتناه من "أحكام القرآن" (1/ 233) لإلْكيا الهراسي.
(2) (4/ 313).
(3) "المنتقى" (/).
(4) انظر "نهاية المحتاج" (3/ 424).
(5) انظر "عمدة القاري" للعيني (12/ 45، 135)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 436)، و"المحلَّى" لابن حزم (8/ 77، 467 - 468).
(18/395)

وهبْ أنه يمتنع مخالفة الذاهبين إلى الإجمال، أفليس يمتنع مخالفة الإجماع على تحريم الزيادة المشروطة في القرض؟ وقد علمتَ أن الإجماع على الإجمال موهوم، والإجماعَ على التحريم معلومٌ، ومخالفةَ القول بالإجمال من باب إحداث دليل أو تأويل، ومخالفةَ القول بالتحريم خرقٌ لإجماعٍ في حكم شرعي عملي بإحداث حكم آخر.
[ق 7] والجواب عن الحجة الثانية أن القائل بالإجماع يقول: إن لفظ "الربا" نُقِل إلى معنى شرعي. ومَن يقول ببقائه على أصل اللغة يقول: هو عام مخصوص، فكل زيادة صحَّ دليلٌ بجوازها خُصَّت من عموم الربا.
وقد تقرر في الأصول أن التخصيص أولى من النقل، والعمومات المخصوصة كثيرة في الشريعة حتى قيل: ما من عام إلا وقد خُصَّ، فلو كان كل عام قد خُصَّ يُحمل على الإجمال والنقل، لوجب أن يقال ذلك في جميع الألفاظ العامة المخصوصة، وهذا باطل حتمًا.
والجواب عن الحجة الثالثة أن هذا الأثر أخرجه ابن ماجه (1) وغيره من طريق سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر. وسعيد وقتادة مدلِّسان، وابن المسيب عن عمر منقطع. ولو صحَّ لم يكن نصًّا في الإجمال، بل يُحمل على أن هناك أمورًا ليست من أفراد الربا لفظًا، ولكنها تُشبِهه من حيث المعنى، وقد تقدم في القسم الأول ما يتضح به ذلك.
وكثيرًا ما يرِد في القرآن نصوص على أمور معروفة، فيُلْحِق بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس منها نصًّا، ولكنه في معناها. نَصَّ القرآن على حُرمة الأمِّ
__________
(1) رقم (2276) وقد سبق تخريجه.
(18/396)

والأخت من الرضاعة، فألحق النبي - صلى الله عليه وسلم - غيرهما بقوله: "يَحرُم من الرضاعة ما يَحْرُم من النسب" (1).
ونصَّ القرآن على حُرمة الجمع بين الأختين، فألحق النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعَ بين المرأة وعمَّتها أو خالتها (2)، وأمثال ذلك كثير.
فرأى عمر أن هناك أشياءَ فيها شَبَهٌ من الربا في المعنى، توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبيِّن أنها تُلحق بالربا أو لا تُلحق. وقوله في آخر الأثر: "فدَعُوا الربا والريبة" صريح في هذا، فتدبَّر.
وهبْ أنه أراد الإجمال، فهو قول صحابي، وهبْ أن قول الصحابي حجة، فقد جاء عن عمر وجماعة من الصحابة تحريم الزيادة في القرض كما سيأتي. ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة، بل ولا من غيرهم. فأيُّ القولين أحق بأن يكون حجَّةً؟ والله المستعان.
[ق 8] وقد سلك الجصَّاص في كتاب "أحكام القرآن" في الاحتجاج للإجمال مسلكًا أدقَّ مما تقدَّم، فقال: "والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجلٍ بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به. ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلًا من جنس واحد. هذا كان المتعارف المشهور بينهم، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم: 39]،
__________
(1) أخرجه البخاري (2645) ومسلم (1447) من حديث ابن عباس.
(2) أخرجه البخاري (5109) ومسلم (1408) من حديث أبي هريرة. وفي الباب أحاديث أخرى.
(18/397)

فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين، لأنه لا عوضَ لها من جهة المقرض. وقال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به، وأبطل ضروبًا من البياعات سمَّاها ربًا، فانتظم قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] تحريمَ جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع". (ج 1 ص 465).
وحاصله: أن العرب لم تكن تعرف للربا معنى إلا القرض إلى أجل بشرط زيادة. وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بياعات أخرى أنها ربا، فعُلِم أن الربا في عُرف الشرع أعم منه في عُرف أهل اللغة، فثبت النقل والإجمال.
والجواب: أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بمقدمتين:
الأولى: أن لفظ الربا لغةً أو عُرفًا سابقًا نزولَ القرآن لا يعم البياعات التي نصَّت السنة أنها ربا.
الثاني (1): أن تكون السنة نصَّت على ما يعلم منه أن تلك البياعات يتناولها لفظ الربا في القرآن بعموم لفظه.
فأما المقدمة الأولى، فقد ادَّعى الجصَّاص - كما تقدم ونقله صاحب الاستفتاء - أن الربا الذي كان متعارفًا بين العرب "إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجلٍ بزيادة على مقدار ما استقرض".
وقال الفخر الرازي في "تفسيره" (2) كما نقله صاحب الاستفتاء أيضًا:
__________
(1) كذا في الأصل بالتذكير.
(2) (7/ 62) ط. دار الفكر.
(18/398)

"أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورًا متعارفًا في الجاهلية. وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلَّ شهر قدرًا معيَّنًا، ويكون رأس المال باقيًا، ثم إذا حلَّ الدين طالبوا المديون برأس المال، فان تعذَّر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل. فهذا هو الربا الذي [كانوا] يتعاملون به".
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" (1) كما نقله صاحب الاستفتاء أيضًا: [ق 9] "وكان الربا عندهم معروفًا، يبايع الرجلُ الرجلَ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال: أتقضي أم تُربي؟ يعني أم تزيدني على ما لي عليك، وأصبِرُ أجلًا آخر".
وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2) كما نقله صاحب الاستفتاء أيضًا: "إن ذلك الربا - يعني في حديث "الربا في النسيئة" - إنما عنى به ربا القرآن الذي كان أصله في النسيئة، وذلك أن الرجل كان يكون له على صاحبه الدينُ فيقول له: أجِّلْني منه إلى كذا وكذا (على كذا وكذا) (3) درهمًا أزيدها في دينك".
وقد رد المستفتي كلَّ ما قيل في ربا الجاهلية فقال: "لم يتبيَّن إلى الآن بسند مرفوع ربا الجاهلية في أي شيء كان؟ فهو مجهول".
أقول: سواءٌ علينا أَعَرفنا ربا الجاهلية أم لم نعرفه، ينبغي لنا تحقيق الربا في اللغة، فإنه على فرض معرفة ربا الجاهلية لا يخرج عن كونه هو الربا
__________
(1) (1/ 241).
(2) (4/ 65).
(3) ما بين القوسين من المؤلف، وعند الطحاوي: "بكذا وكذا".
(18/399)

اللغوي بجميع أنواعه أو ببعض أنواعه. فإن كان بجميع أنواعه فلا كلام، وإن كان ببعض أنواعه - ولفظ الربا في القرآن يعمُّها وغيرَها - فلا وجه لتخصيصه بالنوع الذي كان المشركون يستعملونه، لما تقرَّر في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ونظير هذا لفظ "الخنزير" حُرِّم لحمه في القرآن، فلو وُجد بأمريكا ضربٌ من الخنازير مخالف في الصورة لِما كان موجودًا منها في أرض العرب لكان مما يشمله عموم القرآن اتفاقًا. وهكذا ما ورد من الأحكام الشرعية في "الإبل" يعمُّ إبلَ إفريقية التي يكون للبعير منها سنامان وإن لم يكن ذلك في أرض العرب. وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى.

الربا في اللغة
أكثر أهل اللغة ومَن حكى عنها (1) من المفسرين والفقهاء وغيرهم يقولون: الربا: الزيادة. وقيَّده الراغب فقال (2): "الزيادة على رأس المال، لكن خُصَّ في الشريعة بالزيادة على وجهٍ دون وجه".
وزاد الثعلبي قيدًا فقال - كما نقله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (3) -: "الربا زيادة على أصل المال من غير بيع". والظاهر أن هذا تفسير لغوي، ولكن النووي نقل عن الواحدي قال (4): "الربا في اللغة الزيادة ... قال: والربا في الشرع اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع".
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب "عنهم".
(2) "مفردات ألفاظ القرآن" (ص 340).
(3) (2/ 1/ 117).
(4) المصدر نفسه (2/ 1/ 118)
(18/400)

وفي "اللسان" (1): "رَبا الشيءُ يَرْبو رُبُوًّا ورِباءً: زاد ونما. وأربيتُه: نمَّيته. وفي التنزيل العزيز: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، ومنه أُخِذ الربا الحرام. قال الله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم: 39]. قال أبو إسحاق (2): يعني به دفع الإنسان الشيء ليُعَوَّض به ما هو أكثر منه، وذلك في أكثر التفسير ليس بحرام، ولكن لا ثواب لمن زاد على ما أخذ. قال: والربا رِبَوان: فالحرام كلُّ قرضٍ يؤخذ به أكثرُ منه أو تُجَرُّ به منفعة، فحرام. والذي ليس بحرام أن يهبه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر، أو يُهدِي الهديَّة ليُهدَى له ما هو أكثر منها. قال الفرَّاء (3): ... فمن قرأ: {لِتَرْبُوْ} فالفعل للقوم الذين خوطبوا ... ومن قرأها: {ليَرْبُوَ} فمعناه: ليربو ما أعطيتم من شيء لتأخذوا أكثر منه، فذلك رُبُوّه".
أقول: والعرب لا يزالون إلى الآن يُطلقون الربا على الزيادة المشروطة في القرض. ولو سألت أحدهم عن الربا لفسَّره لك بذلك، ولو سألته عن هذه المعاملة ما اسمها؟ لقال لك: هذا الربا. غير أن أهل مصر ونحوها لما حاولوا استحلال الربا سمَّوه بغير اسمه فقالوا: "الفائض"، وربما يسمِّيه بعضهم "فائدة"، ومع ذلك لو سألت عامَّتهم عن الربا لفسَّروه لك هذا التفسير المعروف عند غيرهم من العرب.
فإن قلت: العوام من العرب قد تغيَّرت لغتهم.
__________
(1) (19/ 17) ط. بولاق.
(2) هو الزجاج، وكلامه في "معاني القرآن" له (4/ 187).
(3) انظر "معاني القرآن" له (2/ 325).
(18/401)

قلت: إنما تغيَّرت بتحريف بعض الكلمات أو دخول كلمات أعجمية. فأما الكلمات العربية التي لا يزالون يتكلمون بها فلا تكاد كلمة منها قد عمَّ استعمالها في غير وضعها الأصلي. وعلى طريق الاستصحاب المقلوب المعروف في الأصول نقول: الظاهر أن المعنى التي يستعمل فيه العرب الآن كلمةَ الربا هو المعنى التي كان أجدادهم يستعملونها فيه قبل الإِسلام.
[ق 10] ومما يؤيد ذلك أن ألفاظ المعاملات الأخرى كالبيع والإجارة والهبة وغيرها لا يزال العرب يستعملونها في معانيها العربية الصحيحة.
ثم تدبرنا القرآن فوجدنا فيه الدلالة على أن الربا المذكور فيه هو زيادة يستزيدها الإنسان من صاحبه على رأس المال الذي دفعه إليه من غير بيع ولا أخذ عوضٍ يدًا بيدٍ.
فإن قلنا: إن الربا في اللغة موافق لذلك على ما يظهر من بعض الأقوال السابقة فلا كلام، وإن قلنا: إن الربا في اللغة أعم من ذلك كأن يكون هو الزيادة مطلقًا فالدلائل القرآنية تكون مخصصة لعموم لفظ الربا، ولا يلزم من ذلك نقلٌ ولا إجمال، وإلا لزم أن يكون كل عام مخصوصٍ منقولًا [أو] مجملاً، وقد تقدم بطلانه.
ولو ثبت النقل لم يلزمه الإجمال، بل يقال: الربا في القرآن مبين فيه، وهو زيادة يستزيدها الإنسان ... إلخ.
بيان ذلك:
قال الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
(18/402)

(274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 274 - 280].
فقوله: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ظاهر في أن الربا معاملة غير البيع. وقوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} ظاهر في أن الربا زيادة صورية في المال، كما أن الصدقة نقص صوري في المال. وقوله: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ظاهر في أن تلك الزيادة تتأخر عن عقد المعاملة، ويبقى المُرْبي يطالب بها مُعامِلَه. وقوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} صريح في أن تلك الزيادة هي زيادة على رأس المال يستزيدها المُرْبي من معامِله، وأن من شأن تلك المعاملة أن يتأخر رأس المال عند المطلوب، ويبقى المعطي يطالب به وبالزيادة.
[ق 11] وإذ قد تقرَّر أن في القرآن الدلالة على أن الربا هو زيادة يستزيدها الإنسان من صاحبه على رأس المال الذي دفعه إليه من غير بيع ولا عوضٍ
(18/403)

يدًا بيد، فلننظر فيما دلت السنة على أنه ربا. فأشهر ذلك حديث "الصحيحين" (1) عن عمر مرفوعًا: "الورِقُ بالذهب ربا إلا هاءَ وهاءَ، والبر بالبر ربا إلا هاءَ وهاءَ، والشعير بالشعير ربا إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر ربا إلا هاءَوهاءَ". ("صحيح مسلم" ج 5 ص 43).
وحديثهما (2) عن عُبادة: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". ("صحيح مسلم" ج 5 ص 43).
ونحوه حديث أبي سعيد الخدري (3)، وفي آخره: "مثلًا بمثلٍ، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذُ والمعطي فيه سواء". ("صحيح مسلم" ج 5 ص 44).
ونحوه حديث أبي هريرة (4)، وفيه: "مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (أيضًا).
وحديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم (5) في بيع الورق بالذهب نسيئةً، وفيه مرفوعًا: "ما كان يدًا بيد فلا بأس، وما كان نسيئة فهو ربًا"
__________
(1) البخاري (2134) ومسلم (1586).
(2) أخرجه مسلم (1587)، ولم أجده عند البخاري.
(3) أخرجه البخاري (1176) ومسلم (1584).
(4) أخرجه مسلم (1588).
(5) أخرجه البخاري (3939، 3940) ومسلم (1589).
(18/404)

("صحيح مسلم" [ج 5 ص] 45).
وحديث أبي سعيد (1): "جاء بلال بتمر بَرْنيّ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أين هذا؟ " فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: "أُوَّهْ، عينُ الربا ... " ("صحيح مسلم" ج 5 ص 48).
فالجصاص يقول (2): دلت هذه الأحاديث أن الربا يكون في البيع، ولم تكن العرب تعرف ذلك. وفيها أن بيع واحدٍ من الستة بجنسه متفاضلًا نقدًا ربا، ولم تكن العرب تعرف ذلك. فدلّ هذا أن لفظ الربا قد نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي، فيكون في القرآن مجملًا تبيِّنه السنة.
والجواب أنه كما أن هذا ليس من الربا اللغوي فليس من الربا في القرآن، لِما قدَّمنا أن سياق القرآن يدل أن الربا الذي ذكره غير البيع، وأنه إنما يكون في النسيئة وإذا كان الأمر هكذا فلا يمكن أن تكون هذه الأحاديث بيانًا للربا الذي في القرآن، بل الصواب ما نحا إليه الطحاوي وغيره، وحاصله - مع إيضاح وتكميل - أن ما حرَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من البيوع وسماه ربا، منه ما هو في معنى الربا كبيع الشيء بأزيدَ منه من جنسه نسيئةً، إذ لا فرق بينه وبين الربا المذكور في القرآن إلا لفظ البيع؛ ومجرد اختلاف اللفقظ يغيِّر الحكم، وإلا لفسدت السماوات والأرض. وكذا بيع الذهب بالفضة [نسيئة] على ما ظهر لي.
__________
(1) أخرجه البخاري (2312) ومسلم (1594).
(2) في "أحكام القرآن" (1/ 464، 465) بمعناه. وقد سبق النص فيما مضى.
(18/405)

ومنها ما أراد بتسميته ربا أنه كالربا على ما تقدم إيضاحه في القسم الأول.
****
(18/406)

[ق 12] الزيادة المشروطة في القرض ربا منصوص في الكتاب والسنة
قد علمتَ دلالة القرآن على تفسير الربا الذي فيه، وأنه على طِبق اللغة، حتى على القول بأن الربا لغةً هو مطلق الزيادة؛ إذ غاية ما هناك أن القرآن حفَّه بقرائن تخص الربا المحرم من مطلق "الربا" بمعنى مطلق الزيادة، وذلك لا يخرجه عن الحقيقة اللغوية. وعلى كل حال فقد تبيَّن بالقرآن نفسه معنى الربا فيه، وذلك المعنى يصدق بالزيادة المشروطة في القرض كما لا يخفى. وعلى هذا فهي ربًا بنص القرآن.
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 37 - 39].
اختلف الناس في تفسير الربا في هذه الآية، فجاء عن ابن عباس وجماعة من التابعين وغيرهم تفسيره بالهدية طمعًا في عوضٍ أكثرَ منها (1)، وعن جماعة تفسيره بإعطاء الرجل قريبَه لغير وجه الله (2)، وعن الحسن
__________
(1) انظر "تفسير الطبري" (18/ 503 - 505).
(2) المصدر نفسه (18/ 506).
(18/407)

والسدي - واختاره الجبائي كما في "روح المعاني" (1) - أنه الزيادة المعروفة في المعاملة التي حرَّمها الشارع.
ومن حجة القولين الأولين أن السياق في الإنفاق، فكأنه قسَّم الإنفاق بغير عوض إلى قسمين: قسمٍ يُراد به وجه الله، وقسمٍ بخلافه. وسمَّى الثاني (ربا) تشنيعًا له، وسمَّى الأول (زكاة) ترغيبًا فيه.
وحجة أخرى، وهو أنه قال: {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ}. ولو كان المراد الربا الحرام لكان المناسب فيما يظهر أن يصرِّح بما فيه زجر ووعيد.
ومن حجة القول الثالث: أن المتبادر من الربا هو الربا الحرام، سواءٌ أقلنا إنه حقيقة لغوية أم لا. ويكفي في تبادره أن هذا اللفظ إنما ذكر في القرآن في الربا الحرام، فالأولى إلحاقه في هذا الموضع بسائر المواضع.
وجوابهم عن الحجة الأولى بأن آيات البقرة في الربا الحرام قطعًا، والسياق سياق الإنفاق. وقد تقدمت الآيات وقد تقدم وجه ذلك، وذكرنا نحوه عن الراغب.
ومثل ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 130 - 134].
__________
(1) (21/ 45). وانظر "تفسير القرطبي" (14/ 37).
(18/408)

وعن الثانية بأن الآية من سورة الروم وهي مكية، وتحريم الربا والتشديد فيه إنما كان بالمدينة، فسبيل الربا سبيل الخمر في وقوع تحريمه على التدريج، فاقتُصِر أولاً على قوله: {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ}، ثم نزلت عقب غزوة أحد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}، ثم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين بعض ما يتعلق بالربا على حسب ما يقتضيه الحال. ثم نزلت آيات البقرة.
وفي "البخاري" (1) وغيره عن ابن عباس أنها آخر آية أُنزلت. وروي كما في "الفتح" (2) أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَعِشْ بعدها إلا إحدى وعشرين، وقيل: تسع ليال، وقيل: سبعًا.
وفي "البخاري" (3) وغيره من حديث عائشة: "لمَّا نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس، ثم حرَّم التجارة في الخمر". وثَمَّ ما يدل على أن تحريم التجارة في الخمر قد كان قبل ذلك، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعاده عند نزول آية الربا تنبيهًا على المشابهة بينهما. والله أعلم.
على أنه إن كان الربا في اللغة يشمل الزيادة [ق 13] الملتمسة بالهدية، فالأولى أن يقال: إن الربا في آية الروم يعمُّ النوعين. وارجعْ إلى ما تقدَّم في عبارة "اللسان".
__________
(1) رقم (4544).
(2) (8/ 205).
(3) رقم (4540).
(18/409)

أما ظهور الآية في الزيادة المشروطة في القرض فهذا بيانه:
قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} ظاهر في أن رأس المال فيه الربا من حين إيتائه، أي إعطائه، فلا يكون الربا هنا هو أن يكون للرجل على آخر دينٌ من وجه حق إلى أجل، فإذا حال الأجل مدَّ له فيه على أن يزيده على رأس المال. فإنه على هذا لم يكن رأسُ المال ربًا حين إعطائه، فتدبر.
وقوله تعالى: {لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} ظاهر في أن المال المعطى نفسه يبقى في مال الآخذ، وهذا لا يصدق على إهداء ثوب على طمع أن يكافأ عليه بأكثر من ثمنه. فأما دينار بدينارين إلى أجل، فالدينار المأخوذ كأنه باقٍ في مال الآخر يربو فيه حتى يصير دينارين.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161].
وفي التوراة الموجودة بأيدي اليهود والنصارى الآن: "لا تُقرِضْ أخاك بربا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرَض بربا. للأجنبي تُقرِض [بربا] (1)، ولكن لأخيك لا تُقرِض بربا" (سفر التثنية، الإصحاح 23، الفقرة 19 (2) - 20). وفيها مواضع أخرى مصرحة بأن الربا في القرض، وأن اليهود عصوا وأخذوه من إخوتهم وغيرهم. انظر "دائرة المعارف" للبستاني (3) تحت
__________
(1) زيادة من "العهد القديم".
(2) في الأصل: "16 - " سبق قلم.
(3) (8/ 513).
(18/410)

كلمة "ربا".
وهذا وإن لم يكن حجة لعدم الوثوق بالتوراة التي بأيديهم، ففيه تقوية لِمَا تقدَّم. نبَّهني عليه الفاضل نور محمد أبو الفداء الفاروقي رحمه الله.
وأما السنة، فأولاً: الأحاديث المطلقة في ذم الربا. وثانيًا: الأحاديث التي فيها "الذهب بالذهب" "الدينار بالدينا" ونحوها بدون ذكر بيع. ومنها حديث أبي هريرة (1) مرفوعًا: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (صحيح مسلم ج 5 ص 45). وحديثه (2) مرفوعًا: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما".
وشرَّاح الحديث يحملون ذلك على البيع، ولا أرى له وجهًا صحيحًا، ولا سيما في الحديث الثاني، فإن قرض الدينار ليُقضى بدينار لا فضل بينهما أمر معروف مألوف، بخلاف بيع دينار بدينار لا فضل بينهما، فتدبَّر.
ثم رأيت الباجي قد نبَّه في "شرح الموطأ" على ما ظهر لي، قال: "وقوله: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، يقتضي ثلاثة أشياء: المبايعة والمبادلة والقضاء ... فأما القضاء فقد يكون قضاءً عن سلف وقضاءً عن غير سلف ... " (المنتقى ج 4 ص 260).
ويمكن أن يُعترض على هذا بأن المستقرض إذا زاد عند الأداء عن طيب نفس لم يكن ذلك ربًا، بل هو مستحب لحديث: "خياركم أحسنكم
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه مسلم (1588/ 85).
(18/411)

قضاءً" (1) وغيره.
والجواب: أن قوله "فمن زاد" عام، والمستقرض الزائد عند الأداء عن طيب نفس خاص، فيُحمل العام على الخاص، ويبقى العام حجةً في الباقي. وسيأتي الفرق بين هذه الزيادة حيث جازت وبين الزيادة في بيع الفضة بالفضة يدًا بيد حيث مُنِعت، وإن طابت النفس، فانتظر (2).
[ملحق 1] ومن السنة أيضًا أحاديثُ النهي عن بيع الذهب بالذهب إلاَّ مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ، وأنه من زاد أو ازداد فقد أربى، وهكذا الفضة والبُرّ والشعير والتمر والزبيب والملح. وهذا الدليل خاص بقرضها أو قرض ما في معناها بشرطِ زيادة، فإن قلنا بقول الحنفية: إن البيع لغةً وشرعًا هو تمليك المالِ بمالٍ بإيجابٍ وقبول عن تراضٍ منهما - كما حدَّه الجصَّاص في "أحكام القرآن" (3) - كانت دلالة هذه الأحاديث على أن القرض بشرطِ زيادةٍ ربًا بعموم اللفظ، وإذا قلنا: إن البيع لغةً وشرعًا أخصُّ مما قالوه، وإنه لا يتناول القرضَ ولو بشرطِ زيادة = كانت دلالة الأحاديث على ما ذكر من جهة المعنى، أعني أنها قياس من أعلى الأقيسة على ما يأتي تحريره إن شاء الله.
ووجه الدلالة أن القرض المطلق أي بلا شرط زيادةٍ إنما سلَخَه الشارع عن البيع؛ لأنه كما نقله صاحب الاستفتاء عن "إعلام الموقعين" (4): "من
__________
(1) أخرجه البخاري (2393) ومسلم (1601) من حديث أبي هريرة.
(2) كتب المؤلف بعدها: (ملحق طويل ص 333). وهو الكلام الآتي من مكان آخر.
(3) (1/ 469).
(4) (3/ 111).
(18/412)

جنس التبرع بالمنافع كالعارية ... لا من باب المعاوضات، فإن باب المعاوضات أن يُعطِي كلٌّ منهما أصلَ المال على وجهٍ لا يعود إليه، وباب القرض من جنس العارية والمِنْحة وإفقارِ الظَّهر، مما يُعطَى فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه، ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن، وإلّا فنظيره".
ونقل المستفتي عباراتٍ عن كتب الحنفية في التفرقة بين البيع والقرض، حاصلُها: أن البيع مبادلةُ مالٍ بمالٍ بالتراضي ليس فيها معنى التبرع، وقال بعضهم: لا على وجه التبرع. والبيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوبٍ فيه. وأما القرض فإعارةٌ، حتى يصح بلفظ "أعرتُكَ"، وتبرُّعٌ حكمًا، وإن كان مبادلةً صورةً، وهو اصطناع معروفٍ وصلة. ثم منهم من قال: هو تبرعٌ ابتداءً مبادلةٌ انتهاءً. ومنهم من قال: تبرعٌ ابتداءً وانتهاءً؛ لأن بدله كأنه عين المقبوض، ولولا ذلك لكان ربًا.
وزاد صاحب الاستفتاء قوله: "والحق أن المبادلة في البيع ركنٌ، وفي القرضِ ليس بركنٍ، نعم يستلزمه، وفرقٌ ما بين الالتزام واللزوم؛ لأن مقصود المشتري هو المبيع، ومقصود البائع هو الثمن، وغرضُ كلًّ منهما إخراجُ ما في ملكه وتحصيلُ عوضه، والأحكام تترتب على الالتزام لا على اللزوم".
أقول: إذا أُعطي الرجل باسم القرض خمسة آصُعٍ تمرًا رديئًا، وشرط أن يردَّ له خمسة آصُعٍ تمرًا جيدًا مثلاً، كانت هذه مبادلة مالٍ بمالٍ بالتراضي لا على وجه التبرع، لأن حقيقة التبرع هو إعطاء الشيء مجَّانًا بلا عوضٍ.
[ص 2] فإن قلت: إن الهبة تبرع، ومع ذلك فقد قال الحنفية بأن الهبة المطلقة يكون لصاحبها الرجوعُ فيها إلاَّ في صور، منها: أن يعطيه الموهوب
(18/413)

له عِوضَها.
قلت: قد صرَّحوا بأنه ليس بعوض حقيقةً، وإنما هو هبة مبتدأة، ويدلك على أن الهبة مع ذلك لم تصِرْ معاوضة سقوط حق الرجوع بنحو تصرف الموهوب له في الهبة.
وفي "تنوير الأبصار مع شرحه الدر المختار" (1) في ذكر عوض الهبة المطلقة: " (ويُشترط فيه شرائط الهبة) كقبضٍ وإفراز وعدم شيوع ولو العوض مجانسًا أو يسيرًا".
قال في حاشية "قرة عيون الأخيار" (2): "وذلك لأن العوض ليس ببدلٍ حقيقةً، إذ لو كان كذلك لما جاز بالأقل للربا، يحقِّق ذلك أن الموهوب له مالك للهبة، والإنسان لا يُعطي بدلَ ملكه لغيره، وإنما عوضه ليسقط حقُّه في الرجوع. وأيضًا فإنه لما كان العوض تمليكًا جديدًا، وفيه معنى الهبة المبتدأ، ولذا شرط فيه شرائطها، فيجوز بأقل من الموهوب ولو من جنسه، لا فرقَ بين الأموال الربوية وغيرها، ولو كان عوضًا من كلَّ وجه لامتنع في الأموال الربوية إلاَّ مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ عند اتحاد الجنس" (قرة عيون الأخيار ج 2 ص 438).
فإن قلت: فقد قالوا في الهبة بشرط العوض: إنها تبرعٌ ابتداءً.
قلت: خالف في ذلك زفر منهم والشافعية وغيرهم، فقالوا: إنها بيعٌ مطلقًا. واعترف قاضيخان في "فتاويه" (3) بأن القياس أنها بيع، والقول بأنها
__________
(1) (8/ 472، 473) بحاشية "قرة عيون الأخيار".
(2) (8/ 473) ط. دار الفكر ببيروت.
(3) (3/ 279).
(18/414)

تبرعٌ ابتداءً استحسان فقط.
أقول: والاستحسان مختلفٌ في حجيته، وقد فُسِّر في الأصول عدةَ تفاسير يقوى على بعضها ويضعف أو يبطُل على بعضها. وكأنه ههنا هو ما يقع في نفس العالم من استشعارِ فرقٍ بين قولِ القائل: بعتُك هذا الثوبَ بعشرة دراهم، وقولِه: وهبتُك هذا الثوبَ على أن تعطيني عشرةَ دراهم.
وفيه أن هذا الاستشعار إنما هو من تخييلات الألفاظ، وأما المعنى فهو على البيع كما اعترضوا به، وفوق ذلك فالاستحسان مخالف للقياس، وما عُدِلَ به عن سَننِ القياس لا يُقاس عليه كما تقرر في الأصول، فلا يصح قياسُ القرض على الهبة.
على أن هناك فرقًا، وهو أن لفظ الهبة صريحٌ في التبرع، وليس لفظ القرض كذلك، وإنما نزل القرض المطلق منزلةَ التبرع لأنه في المعنى كالعارية، فأما القرض بشرطِ زيادةٍ فقد تضافر فيه اللفظ والمعنى على عدم التبرع.
ومع هذا فالذي ظهر لي من كتب الحنفية أنه لو قال: وهبتُ لك هذا الدرهم على أن تعطيني هذا الخاتم الفضّي - ووزنه أكثر من درهم أو أقل - لم يصحَّ ذلك؛ لأن هذه المعاملة وإن كانت عندهم تبرعًا ابتداءً فهي بيع انتهاءً.
وأما ما في "القرة" (1) عند الكلام على العوض المشروط: "في الشُّرنبلالية عن البرجندي أنه يصح العوض وهو أقلُّ منها وهو من جنسها، ولا ربا فيه".
__________
(1) (8/ 487).
(18/415)

فأرى أن قوله: "ولا ربا فيه" جملة حالية، والمعنى: وهو من جنسها بشرط أن يكون الجنس لا ربا فيه. أو ربما يكون هذا النقل في غير محلِّه، وتكون هذه المسألة في العوض الذي لم يُشرط على ما تقدم.
ومما يدل على بطلان الهبة بشرط عوضٍ أقلَّ وأكثرَ من جنسِها والجنس ربوي: إرشاده [ص 3]- صلى الله عليه وسلم - من أراد أن يُعطي آصُعًا من تمرٍ رديء بصاعٍ من تمرٍ جيد، إلى أن يبيع تمرَه بالدراهم ثم يشتري بالدراهم تمرًا جيدًا. والحديث في "الصحيحين" وغيرهما (1).
ولو كانت الهبة بشرط العوض مُسقِطة للربا لأرشده إليها؛ لأنها أيسرُ من أن يذهبَ فيلتمس من يشتري منه تمرَه بدراهم، ثم يذهب بدراهمه فيشتري بها تمرًا جيدًا.
هذا، وفي المثال السابق مبادلة مرغوب بمرغوب؛ لأن الطالب راغبٌ في التمر الحاضر لحاجته، والمعطي راغب في التمر المؤجّل لجودته.
وكذلك ما ذكروه من خصائص القرض لا يُوجَد شيء منها في المثال السابق، فليس بإعارة؛ لأن الإعارة كما في كتب الحنفية (2) "تمليك المنافع مجَّانا"، قالوا: "وشرطها قابلية المستعار للانتفاع، وخلوُّها عن شرط العوض لأنها تصير إجارة". والإجارة من المعاوضات اتفاقًا، وصرَّح الحنفية بأنها بيعٌ للمنفعة، وأن الأجرة ثمنٌ للمنفعة، وأجازها بعضهم بلفظ البيع ومنعه آخرون [ص 4] بحجة أنه لا يصح بيع المجهول.
__________
(1) أخرجه البخاري (2201، 2202) ومسلم (1593) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
(2) انظر "الدر المختار" (8/ 382، 383) بحاشيته "قرة عيون الأخيار".
(18/416)

ويُرَدُّ بأن عدم الصحة في بيع الأعيان لا يستلزم عدمَها في بيع المنافع، وليس في المثال المذكور تبرعٌ حكمًا، وإنما التبرع الحكمي إذا كان القرض في معنى الإعارة، بأن لم يشترط المقرِض إلاَّ ردَّ مثلِ ما أعطى؛ لأنه حينئذٍ أباح للمستقرض أن ينتفع بالمال كما يُبيح المعير، ولم يشترط عليه إلاَّ ردَّ مثل ما أعطاه، كما لا يشترط المعير إلاَّ ردَّ ما أعطى. غايته أنه لما تعذَّر أن ينتفع بالقرض مع بقاء العين اعتبر في الردّ مثلها، فأما في المثال المذكور فقد اشترط ردّ غير المثل، فبطلَ الشبَهُ بالعارية، ولا ضرورة إلى ذلك كالضرورة التي تدعو إلى جواز ردّ المثل، فقد بطل الشبهُ بالعارية وانتفى التبرع الحكمي، ورجت المعاملة إلى المعاوضة والبيع.
وليس في المثال المذكور اصطناعُ معروفٍ ولا صلة، لأن المعروف والصلة ما كان تفضلاً بدون طلب عوضٍ من المعطي، وليس فيه تبرع أصلاً لا ابتداءً ولا انتهاءً، أما في الابتداء فلأنه ابتدأه بشرط أن يردّ أفضل مما أخذ، فأمِنَ التبرع، وقد أجبنا عن شبهة الهبة، وأما في الانتهاء فلأنه لا يمكن في المثال أن يقال: البدلُ كأنه عين المقبوض.
وقول المستفتي: "والحق أن المبادلة ... إلخ" مسلَّم في العوض الشرعي، وهو ما لم يشترط فيه الزيادة.
والوجه في ذلك أن الشارع لما اعتبر المدفوعَ قضاءً كأنه عين القرض انصرفت المعاملة إلى المنفعة وإباحة المنفعة به، إذ لم يشترط المُقرِض في مقابلها شيئًا، وردُّ المثل ليس عوضًا عن المنفعة، وإنما هو بمنزلة ردّ المأخوذ على وزان العارية.
(18/417)

وقوله: "لأن مقصود المشتري هو البيع، ومقصود البائع الثمن" صحيح، وهذا المعنى موجود في المثال المذكور، أعني إقراضَ آصُعٍ من تمرٍ رديء بشرطِ ردِّ قدرها من تمرٍ جيد، فالآخذ مقصوده التمر الحاضر لسدِّ حاجته، والمعطي مقصوده التمر المؤجَّل لجودته.
وقوله: "وغرض كلًّ منهما إخراج ما في ملكِه وتحصيل عوضه"، فيه أن المقصود الحقيقي في البيع هو تحصيل العوض، وأما إخراج ما في الملك فهو تبع له. فمن اشترى ثوبًا بدينار فمقصوده تحصيل الثوب، وإنما أعطى الدينارَ لأنه لا يحصل له الثوبُ إلاَّ به. ومقصود البائع تحصيل الدينار، وإنما أعطى الثوبَ لأنه لا يحصل له الدينار إلَّا به، وهذا واضح. وهذا المعنى موجود في المثال السابق.
وقوله: "والأحكام تُبنَى على الالتزام لا على اللزوم" بعد تسليمه موجود في المثال السابق؛ لأن المعطي التزمَ إعطاءَ التمر الرديء بشرط أن يردّ له بقدره جيدًا، والآخذ قد التزم أن يردَّ تمرًا جيدًا مؤجَّلاً، ليأخذ بقدرِه تمرًا رديئًا حاضرًا.
وقد كنت راجعتُ صاحبَ الاستفتاء، فذكرتُ له ما يأتي أو نحوه أن القرض الشرعي إنما لم يكن بيعًا لأن المقرِض لا يشترط إلاَّ ردَّ المثل، فاعتبره الشارع عاريةً، واعتبر بدلَه كأنه عين المقبوض. فأما إذا اشترط أجودَ أو أزيدَ فقد بطلَ هذا المعنى، وصارت المعاملة بيعًا.
ولا أذكر أنه أجابني، ولكنه قال في الاستفتاء: "وقد سلَّم بعض الأعيان [لعلّ غيري أيضًا راجعه] لما شافهتُهم في هذه المسألة أن القرض المطلق
(18/418)

ليس ببيعٍ، لكن إذا زيد فيه شرطُ النفع يصير بيعًا؛ لأنه حينئذٍ يفوت فيه كونه تبرعًا وصدقةً، فإذًا يكون بيعًا، وإذا صار بيعًا يجري فيه جميع أحكام بيع الأموال الربوية، فيكون الفضل".
[ص 5] ثم قال: "وفيه أولاً أنّا لا نسلِّم أن يصدق عليه أنه معاوضة ابتداءً وانتهاءً؛ لأنه لا عوضَ له في الحال، كما مرَّ عن ملك العلماء".
أقول: هذا باطلٌ قطعًا، وإلّا كان كل بيع إلى أجلٍ كذلك، وحينئذٍ يلزمك أن تجوِّز ربا النسيئة في بيع درهم بدرهمين إلى أجل. وقد أطلق الحنفية أن الإجارة تصحّ بلفظ الإعارة، وتكون إجارةً بما لهَا وعليها.
قال: "وقد أخرج ملكُ العلماء الهبةَ بالعوض عن البيع بدليل أنها ليست بمعاوضة في الابتداء ... ".
أقول: قد قدمنا إبطالَ هذا.
قال: "بدليل أن الملك فيها يقف على القبض ... ".
أقول: هذا الدليل دعوى مجردة، وزفر منكم والشافعية وغيرهم لا يقولون به. ومن قال: إنها تكون هبةً ابتداءً فأراه إنما قصد الاحتياط، كما يدلّ عليه ما صرَّحوا ببنائه على هذا القول، من اشتراط التقابض في العوضين، وعدم ثبوت الملك قبل القبض ونحو ذلك. وصاحب الاستفتاء يحاول من تشبيه القرض بشرط الزيادة بالهبة أن يحلِّل ما حرَّم الله تعالى من الربا.
فأما ما قاله صاحب "قرة عيون الأخيار" (1) في أثناء الكلام على الهبة
__________
(1) (8/ 487).
(18/419)

بشرط العوض: "إن في الشُّرنبلالية عن البرجندي أنه يصح العوض، وهو أقلُّ منها وهو من جنسها، ولا ربا فيه"، فلعل قوله: "ولا ربا فيه" جملة حالية، والمعنى: وهو من جنسها الذي لا ربا فيه، أي بخلاف ما إذا كان من جنسها وهو ربوي، فلا يصحّ؛ لأنها بيعٌ في الجملة ويمكن أن يكون محلُّ هذه المسألة في الهبة المطلقة، فإنهم ذكروا أن عوضها يصح وإن كان أقل، فقال بعد قول المتن: "ويشترط فيه شرائط الهبة ... ": "ولو العوض مجانسًا أو يسيرًا". قال صاحب "قرة عيون الأخبار" (1) هناك: "أي من جنس الهبة ويسيرًا".
قال: "وثانيًا: أن ملك العلماء قد ذكر: أما ركن البيع فهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، وفي القرض الطلبُ والرغبةُ في الطرفين مفقودٌ البتَّةَ، فلا يمكن أن يوجد البيع عند فواتِ ركنه. على أن في القرض يُعطِي المقرِض ولا يريد أن لا يعود إليه ما أعطى، بخلاف البيع؛ لأن كلًّا منهما يريد وينوي أن لا يعود إليه ما خرج عن يده".
أقول: قد مرَّ بيان الرغبة من الجانبين في المثال السابق، على أن القرض الشرعي فيه رغبة من الجانبين، فإن المقرِض يُقرِض التماسَ الأجر والمعروف، ولو رُدَّ عليه نفس ما أعطاه لفاته بعضُ ذلك كما يأتي قريبًا، فأما رغبة المستقرض فواضحة، ولولا رغبته ما استقرض.
وقوله: "على أن في القرض ... إلخ"، قد مَرَّ قريبًا أن المقرِض قرضًا شرعيًّا يريد وينوي أن لا يعود إليه ما خرج عن يده؛ لأن في ذلك فوات ما
__________
(1) (8/ 473).
(18/420)

قصده من المعروف والصلة وانتفاع المستقرض، وما يتبع ذلك من الأجر والثواب. فأما إذا اشترط الزيادة فالأمر أوضح، فالذي يعطي تمرًا رديئًا ليردَّ إليه بقدره جيدًا لا يخفى أنه لا يريد أن يعود إليه رديئه ويفوتَه الجيّد.
ثم قال: "وثالثًا: أن القرض وإن اشترط فيه الزيادة فلا يصير بيعًا أيضًا لأمورٍ: الأول أن هذا الشرط خلاف مقتضى العقد، لأن مبنى القرض على التبرع، وإذا اشترط فيه الزيادة فات عنه كونه تبرعًا، ومن الأصول أن الشرط إذا كان خلافَ مقتضى العقد يُفسِده، ولكن القرض من العقود التي لا تفسد بالشروط الفاسدة، بل الشرط يصير مُلغًى والعقد صحيحًا، فإذا بقي القرض على صحته لم يصِرْ بيعًا ... ". ثم نقل من كتب الحنفية ما يُصرِّح بذلك.
فأقول: فإذا كان القرض إذا اشتُرِطتْ فيه الزيادة فاتَ كونه تبرعًا كما اعترفتَ به هنا، فما بالك أتعبتَ نفسَك وأتعبتَ أهلَ العلم وشَغلتَ الحَفَظةَ بما تقدمَ من إنكار ذلك والشغب فيه؟ بقي أنه لا يصير بيعًا ومعاوضةً بمجرد الشرط، بل يُلغَى الشرطُ، فيبقى القرض قرضًا شرعيًّا، وتبرعًا لا بيعًا، فهذه مسألة أخرى، فإنما ادَّعينا أن القرض مع شرطِ ردّ الأجود أو الأزيد بيع، وعَنَينا بذلك كما هو واضح ما دامَ الشرط قائمًا، وهو الأمر الذي تحاوله في رسالتك هذه، فإنك تحاول تصحيح الشرط ولزوم المشروط كما لا يخفى.
فهذا الأمر الذي تُحاوِله بيعٌ لا محالةَ، لفواتِ كونِه تبرعًا، كما اعترفتَ به آنفًا، فتجري عليه أحكام البيوع حتمًا. فإذا أعطاه خمسة آصُعٍ بشرط أن يردَّ ستةً كان فيه الربا من ثلاثة أوجه: ربا القرض وربا الفضل وربا النسيئة، ويكون داخلاً في الأحاديث المتواترة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب، ويدخل
(18/421)

تحت قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فمن زاد أو استزاد فقد أربَى" (1) حتمًا.
أما المسألة الأخرى - أعني أن مثل هذا الشرط لا يُفسِد المعاملةَ، ولكنه يُلْغَى الشرط - فقد اختلف فيها العلماء، فالشافعية وغيرهم يقولون: تبطُل هذه المعاملة أصلاً، والحنفية يقولون: بل يُلغى الشرط فيبقى العقد صحيحًا، ولكلٍّ وِجهةٌ هو مُولِّيها.
ثم قال: "والأمر الثاني: أن الفقهاء يُصرِّحون أن النفع المشروط في القرض شبيه بالربا، فلو يستحيل القرض بشرط النفع إلى البيع لصار هذا النفع ربًا حقيقةً، لا شبيهًا به".
أقول: إنما نقلتَ هذا القول عن ملك العلماء وعن ابن رشد، وقد دفعنا ذلك فيما تقدم، وبيَّنّا أنه ربًا حقيقةً. وقد نقلتَ أنت في استفتائك عمن هو أعلم من هذين بكتاب الله وسنة رسوله وفقهِ الأئمة وأسرارِ الشريعة ما يخالف ذلك، نقلتَ عن الجصَّاص الحنفي وغيره من الحنفية وغيرهم أنه ربًا حقيقي، بل ونقلتَ عن ابن القيم والشاه ولي الله أنه هو الربا الحقيقي. ثم اعترفتَ آنفًا بقولك: "وإذا اشترط فيه الزيادة فات عنه كونُه تبرعًا". وبيَّنّا أنه إذا فات عنه كونُه تبرعًا صارَ معاوضةً بالضرورة. والمعاوضةُ المحتملة هنا إما البيع وإما الإجارة وإما الهبة بشرط العوض، وقد حقّقنا أن الهبة بشرط العوض بيع، والإجارة لا وجهَ لها؛ لأنها إنما تكون على المنافع مع بقاء العين، والشارع إنما نزَّلَ القرضَ منزلةَ إباحةِ المنافع، ولم يلتفت إلى تلف العين، تسهيلاً للتبرع والمعروف والصلة، وليس مع الشرط تبرعٌ ولا معروفٌ
__________
(1) سبق تخريجه.
(18/422)

ولا صلة. وإذا زال سبب التنزيل والتسهيل رجعت المعاملةُ إلى أصلها، فلا يصحُّ اعتبارُ المعاملة المذكورة إجارةً، إذ من شرط الإجارة بقاء العين، فلم يبقَ إلاَّ البيعُ.
ثم قال: "والأمر الثالث: لو صار القرض بشرط النفع بيعًا لكان بيعَ الصرف، وبيعُ الصرف إذا لم يكن فيه تقابض البدلين في المجلس أو يكون فيه شرط الزيادة يَفسُد، ويتعيَّن النقد في الصرف - وإذا فسدَ بيعُ الصرف فلا تكون هذه (1) الدراهم والدنانير ملكًا للمستقرض، فلا يكون الربح والمنفعة الحاصلة منه طيبًا، مع أن الفقهاء صرَّحوا بأنه طيب". ثم نقل الطيب عن بعض فتاوى الحنفية.
أقول: قد بينّا أنه إذا أُلغي الشرط كما يقول الحنفية لا يكون بيعًا، فالحنفية يقولون: إن الشرط يُفسِد البيع ولا يُفسِد القرض، ولكنه يُلغي الشرط، فالشرط في الصرف ورد على بيعٍ [فأفسده، والشرطُ] في القرض ورد على قرضٍ فلم يُفسِده، ولكنه يلغُو الشرط، وإنما يتم [........] (2) فحينئذٍ يقال: لو كان بيعًا لكان إذا ورد [......] وذلك لأن العوض ليس ببدلٍ حقيقةً، إذ لو كان كذلك لما جاز بالأقل. يحقِّق ذلك أن الموهوب له مالك للهبة، والإنسان لا يُعطي بدلَ ملكِه لغيره، وإنما عوَّضه ليسقط حقُّه في الرجوع ... ".
وفي موضع آخر من "الدر" (3): "ومراده العوض الغير المشروط، وأما
__________
(1) في الأصل: "فلا يكون هذا".
(2) يوجد خرم في الأصل في مكان النقط.
(3) "الدر المختار" مع تكملة حاشية ابن عابدين (8/ 477).
(18/423)

المشروط فمبادلة كما سيجيء". وقد قال - صلى الله عليه وسلم - مرشدًا لمن يريد شراء التمر الجيد بالرديء متفاضلاً: "بعِ الجمعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جنيبًا" (1). فلو كانت الهبة بشرط العوض تُسقِط الربا لأرشده إليها، لأنها أسهلُ من أن يذهب فيبيع ثمره، ثم يرجع فيشتري بالدراهم تمرًا جيدًا. ووراءَ هذا فقد أثبتنا أن الهبة بشرط العوض بيعٌ البتَّة، والله أعلم.
[ص 7] ونحن لم نقل: إن القرض الشرعي بيع، وإنما قلنا: إن القرض بشرطِ الزيادة بيع، فتدبَّرْ.
قال: "والأمر الرابع: أن القرض إذا اشترط فيه النفع يكون مكروهًا عند الفقهاء، قال محمد رحمة الله عليه في كتاب الصرف: إن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يكره كلَّ قرضٍ جرَّ منفعةً. قال الكرخي: هذا إذا كانت المنفعة مشروطةً في العقد، بأن أقرضَ غلَّةً ليردَّ عليه صحاحًا، أو ما أشبه ذلك، فإن لم تكن المنفعة مشروطة في العقد، فأعطاه المستقرض أجودَ مما عليه، فلا بأسَ. (عالمكيري) (2).
وأخرج الزيلعي (3) عن عطاء: كانوا يكرهون كلَّ قرضٍ جرَّ منفعةً. فلو ينقلب القرض من شرط النفع إلى البيع لكان نفعه حرامًا لكونه ربًا، لا مكروهًا؛ لأن المكروه غير الحرام، ودليلهما (4) متغايران. قال العيني (5):
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) "الفتاوى الهندية" (3/ 202).
(3) "نصب الراية" (4/ 60).
(4) كذا في الأصل نقلاً عن "الاستفتاء".
(5) "عمدة القاري" (11/ 200) نقلاً عن الماوردي من كلامه.
(18/424)

أجمع المسلمون على تحريم الربا وأنه من الكبائر ... ".
أقول: تاب الله عليك أيها الصديق! لقد وقعتَ في تمويهٍ يُشبه ما قال ديك الجن (1):
ونلْ من عظيم الوزرِ كلَّ عظيمةٍ ... إذا ذكرتْ خافَ الحفيظانِ نارَها
إنك لتعلم أن عامة المسلمين الآن وطلبة العلم وأكثر العلماء ولا سيما من غير الحنفية يفهمون إذا قيل: هذا مكروه وليس بحرام، أن المعنى: يُلام فاعلُه ولا يُفسَّق، ولا إثمَ عليه، ولا يعلمون ما تعلمه أنت أن السلف يُطلقون المكروه على الحرام بناءً على أصل اللغة، كما قال الله عزَّ وجلَّ بعد أن نهى عن أن يُجعَل معه إله آخر، وأن يعبدوا غيرَه، ونَهْر الوالدين، والتبذير، وقتل الأولاد، والزنا، وقتل النفس التي حرَّم الله، وأكل مال اليتيم، وقَفْوِ ما ليس له به علم، والمشي في الأرض مرحًا، قال سبحانه بعد ذكر ذلك: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [اقرأ سورة الإسراء:22 - 38].
وذكر أصحابكم في كتب الأصول عن محمد بن الحسن أنه قال: "كل مكروه حرام" (2)، وأنه ذكر في "المبسوط" أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلتَ في شيء: أكرهُه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. نعم، للحنفية اصطلاح لا يكاد يعرفه غيرهم، وهو أن الحرام ما ثبت تحريمه بدليل قطعي،
__________
(1) "ديوانه" (ص 108).
(2) انظر "تيسير التحرير" (2/ 134).
(18/425)

والمكروه ما ثبت تحريمه بدليل ظني (1)، وقد يُستعمل فيما لا يأثم فاعلُه ولكنه غير محمود، وإذا بينوا قالوا: كراهة تحريم أو كراهة تنزيه. وقد أشرتَ إلى هذا بقولك: "ودليلهما متغايران"، ولكن هذه الإشارة لا تكفي لدفع الإيهام، بل الذي يظهر من صوغ العبارة تعمُّد هذا الإيهام، والله المستعان.
والمقصود مع صرف النظر عن هذا الإيهام أن صاحب الاستفتاء يرى أن ما نقله عن الإِمام وصاحبه يُشعِر بأن القرض الذي يجرُّ منفعةً ليس قطعيَّ التحريم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولو كان عندهما ربًا لنصَّا على أنه قطعيُّ التحريم.
فنقول بعد العلم بأن هذا لا يَنفي أصلَ التحريم بل يُثبِته:
الجواب من وجوه:
[.......] كثيرًا ما يطلقون الكراهية في التحريم القطعي، وفي كتب الحنفية أمثلة من ذلك [.....] كتبهم بأن اشتراط الزيادة في القرض حرام، واصطلاحهم أنهم [ص 8] يَعنُون قطعيَّ التحريم، حتى صرَّح محدِّث الحنفية البدر العيني في "شرح البخاري" (2) بقوله: "أجمع المسلمون نقلاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربًا". وقد نقله صاحب الاستفتاء في صفحة 17، واعترضه، وسنبيِّن بطلانَ اعتراضه.
وصرَّح كبْشُ الحنفية الجصَّاص في "أحكام القرآن" (3) أن الربا في
__________
(1) في الأصل: "قطعي"، وهو سبق قلم.
(2) "عمدة القاري" (12/ 45، 135).
(3) (1/ 465، 467).
(18/426)

قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} يتناول اشتراط الزيادة في السلف. وقد نقله صاحب الاستفتاء أيضًا.
وصرَّح حكيم الحنفية الشاه ولي الله الدهلوي (1) بأن ذلك هو الربا الحقيقي، وما عداه فهو ربا غير حقيقي. ونقله صاحب الاستفتاء أيضًا.
وكلام هؤلاء ظاهر في أن الكراهية في كلام محمد أراد بها التحريم القطعي.
الوجه الثاني: أنه من المحتمل أن يكون الذي لم يثبت عندهما أنه حرام قطعي، وإنما ثبت أنه حرام ظني، هو اشتراط المنفعة، والمتبادر إلى الذهن من لفظ المنفعة هو ما ليس بزيادة في العين ولا في الصفة، وإنما هو نحو أن يشترط عليه أن يحمل معه متاعًا إلى بيته. وإذا سلَّمنا أن المنفعة أعمُّ من ذلك فلعلهما إنما عبَّرا بالكراهية التي هي لغةً أعمُّ من التحريم القطعي والظني، قابلة لعموم كلمة المنفعة.
الوجه الثالث: لو سلَّمنا أن أبا حنيفة ومحمدًا رحمهما الله إنما ثبت عندهما حرمة اشتراط الزيادة في القرض بدليل ظني، فهذا لا يدل على أنه ليس عليه دليلٌ قطعي اطلع عليه غيرهما. وكأنهما لم يستيقنا الإجماعَ على تحريمه، وتحقَّق بعدهما الإجماع، كما نقله جماعةٌ لا يُحْصَون من علماء المذاهب، كما تقدم بعض ذلك، ونصُّ العيني قريب. وسيأتي بحث الإجماع إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أنه على فرض أنه لم يثبت عندهما دليلٌ قطعي على
__________
(1) "حجة الله البالغة" (2/ 106).
(18/427)

التحريم، فذلك لا ينافي أنه عندهما ربًا، فإنه ليس لهما ولا لغيرهما اصطلاح أنه لا يُطلَق الربا إلاَّ فيما ثبت بدليل قطعي أنه ربا.
ثم قال: "قال ابن الهمام (1): وأحسنُ ما هنا عن الصحابة والسلف ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنِّفه" (2): حدثنا [أبو] (3) خالد الأحمر عن حجاج عن عطاء قال: كانوا يكرهون كلَّ قرضٍ جرَّ منفعةً. أي الصحابة يكرهون النفع المستحصَل من القرض، فهذا دليل على أن الصحابة أيضًا يفرّقون بين النفع المستحصل من القرض وبين الربا، حيث يجعلون الأول مكروهًا والثاني حرامًا".
أقول: قد قدمنا أن الكراهة في اللغة أعمُّ من اصطلاحكم، وقد أطلقها القرآن كما سمعتَ في مقابل الشرك وغيره من الكبائر، وعطاء لم يحكِ عن الصحابة أنهم قالوا: نكره، وإنما قال: "كانوا يكرهون" واصطلاحكم الذي لم يلتزمْه أئمتُكم إنما نشأ بعد عطاءٍ بزمانٍ. ويأتي ههنا ما قدمناه في الوجه الثاني قريبًا، ويشهد لذلك ما تقدم عن عمر، وفيه: "فدَعُوا الربَا والريبةَ". على أنه قد جاء عن الصحابة أن ذلك ربًا وأنه خبيث، كما نقلتَه أنتَ. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 9] ثم قال: "ومن ادعى أن القرض مطلقًا بيعٌ أو بشرط النفع، فلا بدَّ عليه من البيان، ودعوى البداهة في موضع الخلاف غير مسموع".
__________
(1) "فتح القدير" (7/ 251).
(2) رقم (21077).
(3) ما بين المعكوفتين من المؤلف، وهو كذلك في "المصنّف". وسقط من "فتح القدير".
(18/428)

أقول: أما على ما قاله الجصَّاص في "أحكام القرآن" (1): إن البيع "تمليكُ المال بمالٍ بإيجابٍ وقبولٍ عن تراضٍ منهما" فلا يخفى دخول القرض مطلقًا، ولكن العلماء أخرجوا القرض بأن الشارع لم ينظر إلى تَلَف العين، بل نزَّل ما يردُّه المستقرض منزلة العين المأخوذة، فكأنها قائمة لم تتلَفْ، وإنما انتفع المستقرض بها ثم ردَّها كالعارية سواء. وقد أكثر صاحب الاستفتاء من النقل عنهم، ولخَّصنا ذلك فيما تقدم، وبينَّا أن إعراضَ الشارع عما هو واقع من تلَف العين المعطاةِ وكونَ المردود غيرَها بدلاً عنها = إنما كان تسهيلاً للمعروف والصلة وفعل الخير. فإذا انتفى المعروف والصلة وفعل الخير، وحلَّ محلَّها ما يناقضُها، وهو اغتنام المقرِض ضرورةَ المستقرض، فيذبحه كما تقول العامة، وقد أشار القرآن إلى ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.
فسَّرها ابن جرير بقوله (2): "ولا يقتلْ بعضكم بعضًا وأنتم أهل ملَّةٍ واحدة ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحد، فجعل جلَّ ثناؤه أهلَ الإِسلام كلَّهم بعضهم من بعض، وجعل القاتل منهم قتيلاً في قتله إياه منهم بمنزلة من قتلَ نفسَه". ثم روى معنى ذلك عن السُّدّي وعطاء.
أقول: فإذا انتفى السبب الذي لأجله نزَّل الشارعُ الواقعَ بمنزلة غيرِ الواقع، وحلَّ محلَّه ما يناقضُه، فكيف يبقى أثره؟ وإذا لم يبقَ أثرُه لم يكن لنا
__________
(1) (1/ 469).
(2) تفسيره (6/ 637). ط. دار هجر.
(18/429)

بُدٌّ من النظر إلى الواقع.
وبعبارةٍ أوضحَ إن الشارع في القرض الشرعي نزَّل الواقع منزلةَ غير الواقع لسببٍ، فكيف يصحُّ أن يُقاس عليه ما انتفى فيه ذلك السبب ووُجِد ما يُناقضُه؟
وقد زاد الحنفية على تعريف الجصَّاص ونقَصوا، ولخَّصنا ذلك فيما تقدم، وبينّا أن القرض بشرط الزيادة خارجٌ عن تعريفاتهم للقرض، داخلٌ في تعريفاتهم للبيع.
وأما على المختار عندنا من أن القرض ولو بشرطِ زيادةٍ لا يَشملُه لفظ البيع لغةً ولا شرعًا، فقد قدَّمنا أنه على هذا القول يكون القرض بشرطِ زيادة في معنى البيع بلا فرقٍ، فيستحقُّ جميعَ أحكامه، فيدخل في عموم الأحاديث في النهي عن بيع الذهب بالذهب وما معه من جهة المعنى، ويكون هذا أعلى القياسات، ومحلُّ إيضاح ذلك بحثُ القياس إن شاء الله تعالى.
ثم قال: "وقد ظنَّ بعضهم أن بيع خمس رَبَابيّ (1) بستّ رَبَابِيِّ يكون ربًا بالاتفاق، لكن إذا أقرض خمسَ رَبَابيّ بشرط أن يردَّ عليه ستَّ رَبابيّ كيف لا يكون هذا ربًا، مع أنه لا فرقَ بينهما إلا في اللفظ. ويُزَال بأنه لا مجالَ للقياس فيما وردَ به النصُّ, لأن الشارع عليه السلام جعلَ الأول بيعًا وربًا لا الثاني. قال ابن قيم الجوزية (2): "وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم. [بالدرهم إلى أجل، صورتهما واحدة، وهذا قربة صحيحة، وهذا] معصية
__________
(1) جمع رُبِّيّة عملة بلاد الهند.
(2) "إعلام الموقعين" (3/ 122).
(18/430)

باطلة بالقصد".
أقول: ظاهر قوله: "لا مجالَ ... لا الثاني" أن النصَّ وردَ بأن القرض بشرط الزيادة ليس بربًا، وهذه دعوى باطلة، أما على تعريف الحنفية للبيع والقرض فقد علمتَ أن القرض بشرط الزيادة بيعٌ، فدخل في النصوص الواردة في ربا النسيئة كما سلف. وأما على ما نختاره فإنه يدخل في تلك النصوص من جهة المعنى كما قدَّمنا، وليس هناك نصٌّ يخالف هذا، بل قد سبق من النصوص ما يوافقه ويزيد عليه.
ولكنه عاد فكتب بالهامش ما لفظه: "مثاله كمن باع خمسَ ربابي بخمس ربابي نسيئةً، لا يجوز، بخلاف من أقرضَ خمسَ ربابي ليعيدها بعد أيام، فالأول فيه بيع وفيه ربا، وهو حرام ومعصية، والثاني ليس ببيع، وليس فيه ربا، بل هو قربة وصدقة".
فحاصلُ كلامه أن الشرع وردَ بالفرق بين بيع الدراهم بمثلها نسيئةً فحرَّمه، وبين إقراضها ليردّ مثلها فأحلَّه، فكما لم يحرم القرض في هذا مع أنه لو كان بيعًا لحرم، فكذلك فيما إذا أقرض بشرط الزيادة.
ويُجاب عن هذا بأن القرض بشرط الزيادة إما بيعٌ حقيقةً على تعريف الحنفية للبيع، وإما في معناه على ما اخترناه، بخلاف القرض الشرعي فليس بيعًا ولا في معنى البيع على ما قدَّمناه.
نعم، يؤخذ من مثاله دليلٌ آخر هذه صورته: "بيع الدراهم بمثلها إلى أجلٍ وإقراضُها ليُردَّ مثلُها هما سواء، فإن كان الأول بيعًا فالثاني بيع أو في معنى البيع، وإن كان الثاني قرضًا فالأول قرض أو في معنى القرض، ومع
(18/431)

ذلك فرَّق الشارع بينهما مراعاةً للَّفظ، فدلَّ ذلك على أن للَّفظ أثرًا في الفرق، وإذا ثبت أن للَّفظ أثرًا في الفرق بطلَ قولكم: إنه لا فرقَ بين بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجلٍ، وبين إقراضها ليردّ أكثر منها، بل يكون الثاني بيعًا أو في معنى البيع، فيجب أن يكون حكمه حكم البيع".
والجواب أن بين بيع الدراهم بمثلها إلى أجلٍ وبين إقراضِها ليردّ مثلها فروقًا:
الأول: أن الشارع استحبَّ القرض وندبَ إليه، ورغَّب فيه، ووعدَ بالثواب عليه، ولم يأتِ مثلُ ذلك في البيع. وهذه المعاملة يصحُّ اعتبارها قرضًا ويصحُّ اعتبارها بيعًا، فإذا عدلَ المتعاقدان عن الصيغة المستحبة المرغَّب فيها إلى الصيغة التي ليست كذلك، استحقَّا أن يُشدَّد عليهما.
الفرق الثاني: أنه قد تقدم أن الشارع سلخَ القرضَ عن البيع بتنزيله منزلةَ العارية، وكأن المردود هو عين المأخوذ، وإنما فعل ذلك تسهيلاً للمعروف والصلة، [.........] فقد خالفَا ذلك التنزيل، فلا يستحقانِ التسهيل.
[ص 11] الفرق الثالث: أن البيع موضوع للمغابنة، فصيغتُه تُشعِر بذلك. والقرض موضوع للمعروف والصلة، وصيغتُه تُشعِر بذلك. والشارع إنما نزَّل القرضَ منزلةَ العارية تسهيلاً للمعروف والصلة، فإذا عَدلَ المتعاقدان إلى الصيغة التي تُشعِر بخلافِ ذلك لم يستحقَّا هذا التسهيلَ.
الفرق الرابع: أن هذه المعاملة قد لا تكون معروفًا وصلةً في الواقع، كأن يريد المعطي سفرًا أو يخاف سرقةً أو غصبًا، أو أن لا يصبر عن إنفاق الدراهم إذا بقيت تحتَ يده، ويخاف إذا أودعَها أن يتلَف فلا يكون على
(18/432)

المودع ضمان، أو يخاف الزكاةَ، والوديعةُ لا تُسقِط الزكاة بخلاف الإقراض.
هذه بعض تلك [الفروق]. والشارع إنما سلخَ القرضَ عن البيع بالتنزيل المعلوم تسهيلاً للمعروف والإحسان, والقصدُ أمرٌ خفيٌّ وغير منضبط، أما خفاؤه فواضح، وأما عدم انضباطه فعند اجتماع القصدينِ - وهو قصدُ المعروف وقصد غيره من الفوائد - فإنه لا ينضبط الغالب منهما حتى يُناطَ به الحكمُ. وقد تقرر في الأصول أن السبب الحقيقي إذا كان خفيًّا أو غير منضبطٍ يُعدَلُ عنه إلى ضابطٍ يشتمل عليه غالبًا.
فالشارع جعلَ الضابطَ هنا هو الصيغة، فإن اختار المتعاقدانِ صيغةَ القرض كان ذلك ضابطَ إرادة المعروف والإحسان، لأنه الظاهر، والصيغة تُشعِر به. وإن عدلَا إلى صيغة البيع كان ذلك ضابطَ إرادةِ فائدةٍ غير المعروف والإحسان، لأن الصيغة تُشعِر بذلك.
ولعلَّ هذا هو الذي عبَّر عنه ابن القيم بالقصد، فإن عبارته التي نقلها عنه صاحب الاستفتاء هي في مبحث طويل نفيس، حقَّق فيها وجوبَ مراعاة القصود في العقود إذا ظهرت وانضبطتْ، وأن لا يُوقَفَ مع الألفاظ والصيغ، ومما قال في هذا البحث (1): "وهكذا [الحيل الربوية، فإن الربا لم يكن] حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع، [فتلك الحقيقة] حيث وُجِدتْ وُجد التحريم، في أيّ صورة رُكِّبت، وبأيّ لفظٍ عُبِّر عنها، فليس [الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في] حقائقها ومقاصدها وما عُقِدتْ له". [ص 12] وكرَّرَ هذا المعنى مرارًا.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 126).
(18/433)

ولنقتصر على هذه الفروق. بقي علينا أن نبيِّن أنه لا يوجد منها فرق واحد ولا ما يُشبهه ما بين بيع الدراهم بأزيدَ منها إلى أجلٍ وبين إقراضها بشرطِ ردِّ أزيدَ منها.
أما الفرق الأول: فإن الشارع إنما استحبّ القرض ورغَّب فيه لما فيه من "الإحسان والمعروف، وهذه المعاملة نقيض الإحسان والمعروف، فالمتعاقدانِ إنما عبَّرا عن المعاملة التي يبغضها الله تعالى بلفظٍ وُضِع لما يحبه، ولا يخفى أن ذلك مما يوجب التشديد لا التسهيل.
وأما الثاني فالبيع هنا حرام بغير تنزيل، فإذا عدلَا عن صيغته إلى صيغة القرض لم يكونا مخالفين لتنزيلٍ بُنيت عليه حرمةُ البيع حتى يستحقّا التحليل.
وأما الثالث فلفظ القرض وإن أشعرَ بالمعروف والصلة، فالشرط ينفي ذلك ويحقّق أن المقصود المغابنة.
وأما الرابع فالقصد هنا ليس خفيًّا أو غير منضبط؛ لأن الشرط يوضح أن مقصود المعطي ذبحُ المعطَى.
وقد نقل صاحب الاستفتاء من كتاب "المعرفة" للبيهقي كلامًا للشافعي يدلُّ على أن القرض بشرط الزيادة عنده بيع باطل، وهذا لفظه: "قال الشافعي: وكان من ربا الجاهلية أن يكون للرجل على الرجلِ الدينُ، فيحلّ الدين، فيقول له صاحب الدين: أتَقضِي أم تُربي؟ فإن أخَّره زاد عليه وأخَّره ... قال الشافعي: فلما رُدَّ الناسُ إلى رؤوس أموالهم كان ذلك فسخًا للبيع الذي وقع على الربا" (1).
__________
(1) "معرفة السنن والآثار" (8/ 29).
(18/434)

فسمَّى الشافعي اتفاقَهما على الإمهال بشرط الزيادة في الدين بيعًا، والإمهال عنده قرضٌ أو كالقرض، لجمعه بينهما في عدم لزوم الأجل، فإنه يرى أنه لو أقرضه إلى أجلٍ لا يلزم المقرِضَ الوفاءُ بالأجل، بل له المطالبة قبله، وكذلك لو حلَّ الدينُ فجدَّد الدائن أجلاً آخر لا يلزمه الوفاء به. قال في كتاب "اختلاف العراقيين": "قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كان للرجل على الرجل مالٌ حالٌّ من سلفٍ أو من بيع أو أيّ وجهٍ كان، فأَنظَره صاحب المال بالمال إلى مدةٍ من المدد، كان له أن يرجع في النظرة متى شاء ... ". "الأم" (ج 7 ص 92) (1).
وقد توهَّم صاحب الاستفتاء أن قول الشافعي: "كان ذلك فسخًا للبيع" يريد به العقد الأول، في نحو أن يبيع الرجل ثوبًا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم عند حلول الأجل يتفقان على الإمهال والزيادة في الدين. فتوهَّم أن مراد الشافعي بقوله: "كان ذلك فسخًا للبيع" هو بيع الثوب، وراح يُدندِن على هذا، وهذه عبارته: "والحجة القوية على أن المراد في كلام الذين ذكروا في تفسير ربا الجاهلية لفظ الدين مطلقًا هو الثمن المؤجل: هي أن شُرَّاح قولهم قد فسَّروه به. قال البيهقي: قال الشافعي: وكان من ربا الجاهلية .... ، ظهر من كلام الشافعي أمرانِ: الأول أن ربا الجاهلية كان في البيع. والثاني أن المراد برأس المال الذي ورد في القرآن هو المال الذي جُعِل في ابتداء البيع، وكذلك المراد من حقًّ إلى أجلٍ هو الثمن المؤجل".
أقول: أما الأمر الأول فكأن صاحب الاستفتاء لم يتدبر، فإن الشافعي
__________
(1) (8/ 230) ط. دار الوفاء.
(18/435)

إنما قال: "كان من ربا الجاهلية", ولم يقل: " [كان ربا الجاهلية] ". فأفهمَ كلامُه أن هذا نوعٌ من رباهم، وهناك نوعٌ آخر أو أنواع.
وأما الثاني فأنت خبيرٌ أن ردّ الناس إلى الثمن الذي جُعل في ابتداء البيع ليس فيه فسخٌ لبيع الثوب، ولا وقع بيع الثوب على ربا، بل كان ذلك فسخًا للبيع الذي وقع على الربا، فتدبَّرْ وتعجَّبْ، والله المستعان.
****
(18/436)

[ق 14] شبهة ودفعها
أخرج ابن جرير (1) وغيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّينُ، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني، فيؤخر عنه".
قال يحيى القطان: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد، وذكره النسائي فيمن كان يدلِّس (2).
وأخرج (3) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: "أن ربا أهل الجاهلية: يبيع الرجل البيعَ إلى أجل مسمًّى، فإذا حلَّ الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخَّر عنه".
سعيد بن أبي عروبة مدلِّس.
ونقل صاحب الاستفتاء عن "الدر المنثور" (4) أن فيه عن سعيد بن جبير ما في معنى هذا.
ولا أدري ما صحته؟
__________
(1) "تفسيره" (5/ 38). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (2/ 548) والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 275).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 54، 55).
(3) "تفسير الطبري" (5/ 38).
(4) (3/ 367). وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (2/ 544 وما بعدها).
(18/437)

وفي "الموطأ" (1) عن زيد بن أسلم أنه قال: "كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحقُّ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال: أتقضي أم تُربي؟ فإن قضى أخذ، وإلَّا زاده في حقِّه وأخرَّ عنه في الأجل" (هامش "المنتقى" ج 5 ص 65).
هذا المقطوع صحيح لا مطعن فيه.
فيقال: هذه المقاطيع حصرتْ ربا الجاهلية في هذا، وذلك يدل على أمرين:
الأول: أن الربا المنصوص في القرآن خاص بذلك عند هؤلاء التابعين.
الثاني: أن الزيادة المشروطة في القرض ليست بربا عندهم، لأن أهل الجاهلية كانوا فيما يظهر يُقرِضون ويشترطون الزيادة، إذ لا مانع لهم من ذلك. والحاجة تدعو إليه كما تدعو إلى الزيادة على الدين.

الجواب
من المحتمل أن يكون هؤلاء التابعون لم يريدوا الحصر، وإنما أرادوا بيان الربا الذي يبلغ أضعافًا مضاعفة. وعلى فرض أنهم كانوا يرون الحصر، فالأمر الأول مبني على الثاني، فإذا لم يثبت أن هؤلاء التابعين علموا بأن أهل الجاهلية كانوا يقرضون بشرط الزيادة، جاز أن يكونوا ظنوا أن أهل الجاهلية لم يكونوا يفعلون ذلك. وإذا لم يفعلوا ذلك فالربا الذي كانوا يفعلونه إنما كان سببًا لنزول الآيات. والآيات عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا
__________
(1) (2/ 672).
(18/438)

بخصوص السبب.
فأما آية الروم فإن مجاهدًا وقتادة وسعيد بن جبير يفسرونها بالهدية التماسَ الزيادة، كما في "تفسير ابن جرير" (1). ولعل زيد بن أسلم يقول ذلك.
وأما الثاني فإنما يلزم أن لا تكون الزيادة المشروطة في القرض عند أولئك التابعين ربا لو ثبت عنهم أنهم أرادوا الحصر وأنهم علموا بأن أهل الجاهلية كانوا يقرضون بشرط الزيادة، ولا سبيل إلى ثبوت ذلك.
وقد نقل صاحب "الاستفتاء" في (ص 41) عن الشافعي قوله (2): "كان من ربا الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الدينُ فيحلّ الدين فيقول له صاحب الدين: أتقضي أم تُربي؟ ... " فقوله: "وكان من ربا الجاهلية" صريح في أنه لا يرى الحصر.
هذا، ولا مانع من كون أهل الجاهلية كانوا يتكرَّمون عن اشتراط الزيادة في القرض. والسبب في ذلك [ق 15] أن القرض عندهم معروف ومكرمة وإحسان، فكأنهم كانوا يرون من العار أن يشترطوا الزيادة.
ومما يشهد لهذا ما قاله أهل اللغة وغيرهم في تفسير العِيْنة، وهو أن يحتاج إنسان إلى دراهم مثلًا ولا يجد من يُقرِضه قرضًا حسنًا، فيتواطأ مع رجل فيشتري منه سلعةً بمئة إلى أجل مثلًا ثم يردُّه له بتسعين نقدًا. فظاهر تفسير أهل اللغة لها بذلك يدل أن أهل الجاهلية كانوا يتعاملون بها. فلو لم
__________
(1) (18/ 503 - 505).
(2) نقله البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (8/ 29).
(18/439)

يكونوا يأنفون من شرط الزيادة في القرض ما احتاجوا إلى هذه الحيلة.
وقد ورد ذكر العينة في حديثٍ عن ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد = سلَّط الله عليكم ذلًّا لا يَنزِعه حتى ترجعوا إلى دينكم" قال في "بلوغ المرام" (1): رواه أبو داود (2) من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقال. ولأحمد (3) نحوه من رواية عطاء، ورجاله ثقات. وصححه ابن القطان.
وفيه دليل على أن العِينة كانت معروفة حينئذٍ، وأنه لم يكن الصحابة يتعاملون بها حينئذٍ، فيُعلَم من هذا أن أهل الجاهلية كانوا يتعاملون بها.
نعم أخرج ابن جرير (4) في تفسير قوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} من طريق أسباط عن السدّي قال: "نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية سلفًا في الربا إلى أناسٍ من ثقيف ... ".
وأخرج (5) عنه أيضًا في قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} قال:
__________
(1) (3/ 41 مع "سبل السلام").
(2) رقم (3462). وفي إسناده إسحاق أبو عبد الرحمن، قال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور لا يُشتغل به. وقال أبو أحمد الحاكم: مجهول. وقال ابن حبان: كان يخطئ. وفي إسناده أيضًا عطاء الخراساني، يهم كثيرًا ويرسل ويدلس.
(3) في "المسند" (4825). وعطاء هو ابن أبي رباح، لم يسمع من ابن عمر. وفي إسناده أيضًا أبو بكر بن عياش، لما كبر ساء حفظه.
(4) في "تفسيره" (5/ 49).
(5) المصدر نفسه (5/ 54).
(18/440)

الذي أسلفتم، وسقطَ الربا.
والسَلف هو القرض كما لا يخفى، فهذا يدلُّ أن أهل الجاهلية قد كانوا يُقرِضون بالربا، ومثل ذلك يؤخذ من تفسير الحسن والسدي للربا في آية الروم بأنه الربا المحرم كما تقدم، وهي ظاهرة في القرض بشرط الزيادة، كما أوضحناه فيما مرَّ.
فكأن غالب أهل الجاهلية كانوا يتكرمون عن اشتراط الزيادة في القرض، وكان بعضهم يفعله صراحًا أو يحتال عليه بالعينة. ولم يطلع مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير - إن كانوا أرادوا الحصر - على أنه قد كان من أهل الجاهلية من يفعل ذلك، فلهذا اقتصروا على الزيادة على الدين، وفسَّروا الربا في آية الروم بالهدية التماسَ الزيادة. واطلع الحسن والسدّي على ما لم يطلع عليه أولئك. ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، والله أعلم.
على أنه من المحتمل أن يكون زيد بن أسلم لاحظ في تفسير ربا الجاهلية قول الله عزَّ وجلَّ: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}، فبيَّن كيف كانوا يصنعون حتى يصير الربا أضعافًا مضاعفة (1)، فتدبَّرْ.
****
__________
(1) انظر "تفسير الطبري" (6/ 50، 51).
(18/441)

شبهة أخرى ورفعها
ذكر صاحب الاستفتاء الأحاديث التي فيها: "فمن زاد أو ازداد فقد أربى"، وفي بعضها: "الآخذ والمعطي فيه سواء" (1). وذكر أثرًا عن أبي بكر أنه باع من أبي رافع ورِقًا بدراهم، فوُزِنتْ فرجحت الدراهم، فقال أبو رافع: هو لك، أنا أُحِلُّه لك، فقال أبو بكر: إن أحللتَه فإن الله لم يُحِلَّه لي (2). ثم ذكر حديث استسلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا وقضائه رباعيًّا، وقوله: "خياركم أحسنكم قضاءً" (3). وأحاديث أخرى في الزيادة في القضاء، وأثرًا عن ابن عمر أخرجه مالك في "الموطأ" (4).
ثم قال صاحب الاستفتاء ما حاصله: فقد ثبت أن الزيادة في الربا - يعني في نحو بيع الورق بورق - حرام، وإن لم تُشْرَط وطابت بها النفس، فلو كان الزيادة في القرض ربًا لحرمت أيضًا وإن لم تشرط وطابت بها النفس. فلما دلَّت الأحاديث على جوازها إذا لم تشرط وطابت بها النفس علمنا أنها ليست بربًا وإن شُرِطت.
__________
(1) سبق تخريجها.
(2) أخرجه عبد الرزاق في "مصنّفه" (14569) وعبد بن حميد في "مسنده" (6). وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 115) إلى أبي يعلى والبزار. وفي إسناده محمَّد بن السائب الكلبي.
(3) تقدم.
(4) (2/ 681). وفيه: "استسلف عبد الله بن عمر من رجلٍ دراهم، ثم قضاه دراهم خيرًا منها، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! هذه خير من دراهمي التي أسلفتك فقال عبد الله بن عمر: قد علمتُ، ولكن نفسي بذلك طيبة".
(18/442)

والجواب
أن هذا قياس في مقابل النصّ، فهو فاسد الاعتبار. على أن بين الموضعين فرقًا سنوضِّحه في فصل القياس إن شاء الله تعالى. على أننا نشير إليه هنا فنقول: قد أومأ القرآن إلى أن العلة في حرمة الربا الذي نصّ عليه هو ظلم المربي لغريمه، قال عزَّ وجلَّ: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}. فإذا لم يكن هناك شرط، وأبى المستقرض إلا أن يزيد فزاد، فليس بمظلوم. وأما بيع الورق بالورق نقدًا فالزيادة فيه ليست بظلم، ولهذا حلَّت الزيادة من جهة الجودة والصنعة، فجاز أن يُباع صاع تمرٍ قيمتُه درهم بصاع تمر قيمته عشر دراهم، وأن يباع بالدينار خاتمٌ وزنُه دينار وفيه صنعة تُقوَّم بدنانير.
وإنما مُنِعت الزيادة في القدر لعلة أخرى، كما تقدم في القسم الأول، وتلك العلة لا توجد في الزيادة في قضاء القرض، والأحكام تدور مع عللها.
هذا، وقد قال صاحب الاستفتاء في حاشية (ص 23) رقم (2): "لا شك أن الربا كان شائعًا في العرب، لكن الكلام في تعيينه، ولم يظهر عن الآثار المنقولة عن التابعين أنه كان البيع أو الدين".
ثم قال في الحاشية رقم (4) من الصفحة نفسها: "لا إنكار أن ربا الجاهلية كان في الديون، كما يدل عليه بعض روايات التابعين، لكن المراد من الديون في كلامهم ديون البيع إذا ابتاعوا نسيئةً، فما ثبت في وقتهم من الثمن المؤجل هو الدَّين ... ".
أقول: سيأتي البحث في ما ادعاه من اختصاص الدين بدين البيع، والمقصود هنا أنه قد سلَّم أنّ الزيادة على دين البيع ربًا من ربا الجاهلية. وقد
(18/443)

قال في (صفحة 18): "ذهب الجمهور إلى جواز ما كان بدون شرط في العقد لما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة والحسان المحتج بها بإعطاء الزيادة في ديون البيع والقرض". ثم ذكر حديث الصحيحين (1) وغيرهما في قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - جابرًا ما تأخر في ذمته من قيمة الجمل، وزيادته قيراطًا، وفي رواية: "فأرجح في الميزان".
فنقول: قد سلّمتَ أن الزيادة في دين البيع ربًا من ربا الجاهلية، ثم أثبتَّ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد في دين البيع، وليس بيدك جواب إلاَّ أن الزيادة كانت بغير شرط، وكانت بطيب نفس، فإذْ لم يلزم من جواز ذلك هنا أن لا يكون ربًا إذا شُرِطت، لم يلزم من جوازها بطيب نفس وبغير شرط في القرض أن لا يكون فيه ربًا إذا شُرِطتْ (2).
فإن قال: إنما تكون الزيادة في قضاء دين البيع ربًا إذا كانت في مقابل أجلٍ جديد كما وردت به الآثار, والأحاديث في الزيادة في القضاء عند حلول الأجل الأول. فعلى هذا فأنا ألتزم أن الزيادة عقب الأجل الجديد ربًا مطلقًا.
فالجواب أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم أحسنكم قضاءً" مطلق لم يقيده بالأجل الأول، ولا نعلم أحدًا من أهل العلم فرَّق هذه التفرقة. ولا يظهر وجهٌ للفرق، بل الظاهر أنها إذا حَسُنَت الزيادة عقب الأجل الأول فلَأن تحسُنَ عقب الثاني أولى، لأنها إنما حسنت لأجل الشكر كما يُومئ إليه
__________
(1) البخاري (2309، 2097) ومسلم (715/ 111) من حديث جابر.
(2) كتب المؤلف بعدها: "ملحق"، ووجدتُه في آخر الدفتر (ص 42).
(18/444)

حديث عبد الله بن أبي ربيعة عند البيهقي (1) وغيره مرفوعًا، وفيه: "إنما جزاء السلف الحمد والوفاء". ويصرِّح به أثر ابن عمر عند مالك (2) وغيره، وفيه: "إن أعطاك أفضلَ مما أسلفتَه طيبةً به نفسُه فذلك شكرٌ شكَرَه لك".
ولا ريب أن شكر الأجل الثاني آكدُ من شكر الأجل الأول، ولا سيما في دين البيع، إذ لعل البائع قد زاد في الثمن لأجل النسيئة.
وقد يتخيل التفريق بما يؤدّي سرْدُه وردُّه إلى تعمق وتدقيق لا أرى تحته طائلًا، ولعلنا نتعرض له في بحث القياس إن شاء الله تعالى.
نعم، قد يقال: إن صاحب الاستفتاء وإن اعتراف في عبارته التي تقدمت بأن ربا الجاهلية معروف، فقد أنكره في موضع آخر، وأشار إلى ردّ أثر زيد بن أسلم (3) ومن معه بأنها ليست مرفوعة، يعني أنها مقاطيع فلا تكون حجة. ويؤخذ من كلامه دفعٌ آخر، وهو اختيار أن الربا مجمل، وإذا كان مجملًا لم يلزم أن يكون ربا الجاهلية داخلًا فيه.
وتفصيل الجواب يطول، فلنقتصر على أن نقول: فليسقط أثر زيد بن أسلم وما في معناه، ولا يضرنا ذلك شيئًا، بل نربح سقوطَ الشبهة الأولى من أصلها. والله أعلم.
****
__________
(1) "السنن الكبرى" (5/ 355). وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (16410) والنسائي (7/ 314) وابن ماجه (2424)، وإسناده صحيح.
(2) "الموطأ" (2/ 682).
(3) الذي في "الموطأ" (2/ 672). وقد سبق ذكره.
(18/445)

[ق 16] معارضة وجوابها
قال صاحب الاستفتاء: "ما ظُنَّ أن نفع القرض ربًا حقيقة، وداخل في نص القرآن، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى البيان = مدفوع بأنه لو كان أمرًا بديهيًّا لا يمكن أن يخفى على الأئمة والفقهاء دخولُ هذا النفع في نص القرآن، ولم يحتاجوا إلى الاستدلال عليه بالحديث الضعيف تارةً، وبالقياس على ربا البيع تارةً، وبالقياس على ربا الجاهلية مرةً، وبالآثار حينًا. وكذلك ما يختارون في حدّه ومسائلِه يعارض هذه الدعوى، فهذا كله دليل على أنه ليس بمندرج في نص القرآن عندهم. ويؤيده أيضًا عدمُ ورود النقل عن واحدٍ من الأئمة بأن هذا النفع هو ربًا منصوص".
أقول: أما كون الزيادة المشروطة في القرض ربًا حقيقةً وداخلًا في نصّ القرآن فقد سبق بيانه. وأما كون ذلك أمرًا بديهيًّا فلعمري إنه عند عوام المسلمين وطلبة العلم وأكثر أهل العلم لكذلك، ومن تشكك منهم قبل صاحب الاستفتاء وأضرابه من أهل العصر فلم يتشكك في أنه ربًا حقيقة داخل في نص القرآن معنًى، وإنما تشكك في دخوله في نصّ القرآن لفظًا. وإنما حمله على هذا التشكيك ما قاله زيد بن أسلم ورُوي عن غيره في ربا الجاهلية، وقد تقدم توجيهه. فزعم الكاساني (1) أنه مقيسٌ على ربا البيع، كأنه لم يقرأ القرآن فيعلم أن الربا الذي فيه غير البيع. وزعم ابن رشد (2) أنه مقيسٌ على ربا الدين الذي فسَّره زيد بن أسلم وغيره، ولو أمعن النظر لتبيَّن
__________
(1) في "بدائع الصنائع" (7/ 395).
(2) في "المقدمات الممهدات" (3/ 149).
(18/446)

له أنه لا حاجة إلى القياس مع عموم القرآن للنوعين، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع اختصاص آية الروم بالنفع المشروط في القرض، على ما تقدم بيانه.
فأما احتجاج كثير منهم بحديث "كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربًا" (1) مع ضعفه فلعله يراه صحيحًا أو مقطوعًا بصحته، لتلقَّي الأمة له بالقبول بالنظر إلى المنفعة المشروطة، ومخالفةُ جماعة منهم لعمومه في غير المشروطة لا تقدح في ذلك، فإن أكثر العمومات القرآنية والسنّية مخصوصة، ولم يمنع ذلك صحتها وحجيتها.
وقد سلك بعض متأخري الحنفية مسلكًا رديئًا في التفصِّي من الأدلة التي تخالفهم من الكتاب والسنة، وذلك أن أحدهم يذكر الدليل ثم يبيِّن صورةً قد خُصَّت من عمومه ويقول: هذا متروك الظاهر إجماعًا، ويرى أنه بذلك قد اسقط الاستدلال بذلك الدليل البتة. وكثيرًا ما يسلكه صاحب الاستفتاء وأستاذه في "شرح سنن الترمذي"، ولعله يُنشَر فيقف العلماء على ما فيه من العجائب، والله المستعان.
[ق 17] وبالجملة فليس احتجاجهم بهذا الحديث بدون احتجاجهم على نسخ آية الوصية بحديث "لا وصية لوارث" (2) مع ضعفه, وتركوا الاحتجاج
__________
(1) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (436) من حديث علي مرفوعًا، وفي إسناده سوّار بن مصعب متروك الحديث. ورُوي موقوفًا عن فضالة بن عبيد في "السنن الكبرى" للبيهقي (5/ 350).
(2) أخرجه أحمد في "مسنده" (22294) وأبو داود (2870، 3565) والترمذي (2120) وابن ماجه (2713) من حديث أبي أمامة الباهلي. قال الترمذي: "وفي =
(18/447)

بآية المواريث مع وضوح دلالتها على نسخ آية الوصية بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}، فأشعرَ بأن هذه وصية من الله تحلُّ محلَّ ما كنتم أُمِرتم به من الوصية. ثم قال: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]، فبيَّن أن ما كانوا أُمِروا به من الوصية لا يتم به العدل لجهلهم، فأقام مقامَ ذلك وصيةً منه بعلمه وحكمته، وقال بعد ذلك: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12]، فشرط في وصيتهم أن لا يضارّ وصية منه، وقد بيَّن وصيته قبل ذلك بالمواريث. وفي الآيات دلائل أخرى على هذا المعنى.
فغفل أكثرهم عنها، واقتصروا في الاحتجاج على نسخ الآية بحديث "لا وصية لوارث"، مؤيدين له بالإجماع، مع أن في الإجماع هنا نظرًا، فإن الهدوية من أئمة أهل البيت الزيدية باليمن يجيزون الوصية للوارث. بخلاف القرض المشروط فيه الزيادة، فلا مخالف في حرمته أصلًا، والعوام يعلمون حرمته، بخلاف منع الوصية لوارث فلا يعلمونها. وحديث الوصية لوارث مخصوص بما إذا لم يُجِزْ بقيةُ الورثة.
وأما احتجاجهم بالآثار فإنما هو من باب الاحتجاج بالإجماع، كأنهم يقولون: قد قال هؤلاء كذا ولا مخالفَ لهم.
وقوله: "ويؤيده أيضًا عدم ورود النقل عن واحدٍ من الأئمة بأن هذا النفع هو ربًا منصوص".
__________
= الباب عن عمرو بن خارجة وأنس، وهو حديث حسن صحيح".
(18/448)

أقول: قد ثبت عن جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وبعض الأئمة الأربعة وغيرهم أنه ربًا، ولم يُنقَل خلافُ ذلك عن أحد. ونُقِل عن جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وبقية الأئمة الأربعة وغيرهم أنه حرام، ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: ليس بربًا. وصحَّ عن جماعة من كبار العلماء بعدهم أنه ربًا منصوص، وزعم بعضهم أنه مقيسٌ، فلما تدبَّرنا الكتاب والسنة علمنا أنه منصوص، وليس في ذلك ردٌّ على من أطلق أنه ربًا أو أنه حرام، لأنهم لم يقولوا: منصوص، ولا قالوا: غير منصوص. وإنما فيه ردٌّ على من زعم أنه مقيس، ولا ضيرَ في ذلك.
على أنه الأمة لو اجتمعت على أنه حرام ولكن لم يجدوا له دليلًا من الكتاب والسنة، فقام عالم متأخر فاهتدى إلى دليل بيِّن من الكتاب والسنة = لما كان ذلك مِن خرق الإجماع؛ لِما نُصَّ عليه في الأصول أنه لا مانع من إحداثِ دليل أو تعليل. وإنما الخرق المحظور هو مخالفة الأمةِ أجمعَ في حكم من الأحكام، [ق 18] كما اتفقت الأمة علماؤها وعامتها على أن الزيادة المشروطة في القرض حرام، وقال جماعة من الصحابة وغيرهم - والعامة معهم إلى اليوم -: هو ربا، وقال جماعة - والعامةُ معهم إلى اليوم -: هو من الربا المنصوص في كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ فقام صاحب الاستفتاء يقول: كلّا، بل هو مكروه ويجوز للحاجة إليه = فهذا هو خرق الإجماع، بل إنكارُ ما عُلِم من الدين بالضرورة، والله المستعان.
(18/449)

أدلة تقتضي التحريم وليس فيها لفظ الربا
قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 - 30].
أخرج ابن جرير (1) بسند حسن عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوبَ فيقول: إن رضيتُه أخذتُه وإن رددتُه رددتُ معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.
أقول: هذا من قول ابن عباس ظاهر في أن المراد بالباطل ما كان بغير عوضٍ ولا طيبِ نفس.
وأخرج (2) عن السدّي قال: نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا وبالقمار والبخس والظلم، إلاَّ أن تكون تجارة ليربح في الدرهم ألفًا إن استطاع.
وهذا لا يخالف الأول، وإنما ذكر الربا والقمار لأن من شأنهما ذلك، أي أخْذ مال الغير بغير عوض ولا طيب نفس.
وعلى هذا القول فالاستثناء متصل كما هو الأصل، فإن التاجر يَغْبِن الناس فيربح منهم زيادة عن ثمن المثل، وتلك الزيادة في الحقيقة ليس لها
__________
(1) "تفسيره" (6/ 627).
(2) (6/ 626).
(18/450)

عوض ولا طيب، لأن المغبون لو علم بثمن المثل لما زاد عليه، وإنما أحلَّها الله عَزَّ وَجَلَّ لمصلحة غالبة، كما سبق في القسم الأول. [ق 19] فأما ما أعطى بطيب نفس - كالصدقة والهبة والهدية والضيافة وغير ذلك - فإن له عوضًا من أجر أو حمد أو مكافأة أو نحو ذلك، وهكذا الزكوات والنفقات والديات الواجبة لها عوض كما مرَّ في القسم الأول.
وفسَّر جماعة "الباطل" بالحرام، فاحتاجوا إلى أن يقولوا: إن الاستثناء منقطع. ولا يخفى بُعْدُه.
وفي قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} كالإشارة إلى أن أخذ المال بغير حق - ولا سيما إذا كان باضطراره إلى إعطائه - كقتلِه، والناس يقولون: "ذبحَ فلانٌ فلانًا" إذ اغتنم حاجتَه فأقرضه عشرين صاعًا بشرط أن يردَّ ثلاثين مثلًا.
ومن السنة الحديث المشهور بل المتواتر الذي خطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنًى في حجة الوداع، وفيه (1): "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" الحديث. وفي بعض طرقه (2): "ألا لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلاَّ بطِيْبٍ من نفسه". وقد عدَّ الفقهاء هذا من القواعد القطعية، حتى ردّ بعضهم أحاديثَ صحاحًا ظنَّ
__________
(1) أخرجه البخاري (67 ومواضع أخرى) ومسلم (1679) من حديث أبي بكرة. وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
(2) أخرجه أحمد في "مسنده" (20695) والدارقطني (3/ 26) من حديث عمّ أبي حرة الرقاشي. وفي الباب عن عمرو بن يثربي عند أحمد (15488) والبيهقي (6/ 97)، وعن ابن عباس عند البيهقي (6/ 97)، وعن عمرو بن الأحوص عند الترمذي (3087).
(18/451)

مخالفتها لهذه القاعدة، منها حديث غرز الخشبة (1)، وحديث الأكل من الحوائط (2)، وأحاديث وجوب الضيافة (3) وغيرها.
إذا تقرر هذا فالزيادة المشروطة في القرض يأخذها المُقرِض باطلاً كما تقدم في القسم الأول، ولا يعطيها المستقرض بطيب من نفسه كما هو معلوم، فهي حرام بنصّ القرآن والسنة المقطوع بها.
وحديث "الصحيحين" (4) وغيرهما عن عائشة وغيرها أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى. ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرطٍ. قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق".

الإجماع
نقل صاحب الاستفتاء عن "شرح البخاري" (5) للبدر العيني الحنفي
__________
(1) أخرجه البخاري (2463) ومسلم (1609) من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "لا يمنع أحدكم جارَه أن يَغرِز خشبةً في جداره".
(2) أخرجه الترمذي (1287) من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذْ خُبْنَةً". وقال: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث يحيى بن سليم. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبَّاد بن شرحبيل، ورافع بن عمرو، وعمير مولى آبي اللحم، وأبي هريرة.
(3) ورد فيه عدة أحاديث، انظر "السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 197).
(4) البخاري (2560) ومسلم (1504/ 8).
(5) "عمدة القاري" (12/ 45، 135). وسبق ذكره.
(18/452)

عبارةً، وفيها: "قد أجمع المسلمون نقلاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربًا". ثم اعترضه بأن العيني اعترف في "شرح الهداية" (1) - وهو متأخر عن "شرح البخاري" - بأنه لم يثبت في هذا الباب النهيُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أقول: لا منافاة بين كلامه في الموضعين، وإنما أراد أنه لم يثبت حديثُ: "كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربا"، وعدم ثبوته بل وعدم ثبوت النقل من وجهٍ تقوم به الحجة على حدته لا يُنافي ثبوت الإجماع.
وهذا كما قالوا في المتواتر: إنه لا يُشترط في المخبرين به العدالة ولا الإِسلام، وقد نقل الإجماع جماعة لا يُحْصَون من جميع المذاهب الإِسلامية، فنقله الجصاص (2) وأثبت أن لفظ الربا في القرآن ينتظم الربا بالزيادة المشروطة في القرض وبغيرها، كما تقدم عنه.
ونقله أيضًا الباجي في "شرح الموطأ" (3)، ونقله الشافعية والحنابلة في كتبهم، واتفقت المذاهب الأربعة والزيدية والإمامية والخوارج وسائر المسلمين عليه، ولا يُعلَم أحد ممن يتسمى بالإِسلام خالفَ فيه.

[ق 20] بعض الآثار عن الصحابة والتابعين
أخرج البخاري في "صحيحه" (4) في مناقب عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، إذا كان لك على رجل
__________
(1) "البناية" (7/ 631 - 632) ط. دار الفكر.
(2) في "أحكام القرآن" (1/ 467).
(3) "المنتقى" (5/ 65، 97).
(4) رقم (3814). والقَتُّ: علف الدوابّ.
(18/453)

حقٌّ، فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حملَ شعيرٍ أو حملَ قَتٍّ، فلا تأخذه فإنه ربًا". رواه من طريق شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، وقبل هذا اللفظ قصة.
وأخرج البخاري (1) في كتاب الاعتصام القصةَ عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده، فذكر القصة ولم يذكر قوله في الربا.
قال ابن حجر في "الفتح": "زاد في مناقب عبد الله بن سلام ذكر الربا .... ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضًا، كما أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي كريب شيخ البخاري فيه، لكن باختصار فكأن البخاري حذفها". "الفتح" (ج 13 ص 242) (2).
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثي عن أبي أسامة، وفيه: "إنك في أرضٍ الربا فيها فاشٍ، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يُقرِض القرضَ إلى أجل، فإذا بلغ أتاه به وبسَلَّةٍ فيها هدية، فاتّقِ تلك السَّلّة وما فيها". "سنن البيهقي" (ج 5 ص 349).
أقول: سعيد بن أبي بردة ثقة اتفاقًا، لم يتكلم فيه أحد، وقد قال الإِمام أحمد: بخٍ ثبت في الحديث (3).
وأما بُريد فإنه وإن وثَّقه جماعة فقد تكلم فيه آخرون. قال الإِمام أحمد:
__________
(1) رقم (7342).
(2) (13/ 311) ط. السلفية.
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 8).
(18/454)

يروي مناكير، وطلحة بن يحيى أحبُّ إليَّ منه. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال النسائي في "الضعفاء": ليس بذاك القوي. وقال ابن حبان: يخطئ. وقال ابن عدي: "سمعتُ ابن حماد يقول: بريد بن عبد الله ليس بذاك القوي. أظنه ذكره (عن) البخاري" (1).
أقول: وكأن البخاري رحمه الله إنما حذف ذكر الربا من أثر بُريد لمخالفته في سياقه من هو أثبتُ منه وهو سعيد، وليس هذا ببعيد من معرفة البخاري وبُعْدِ نظره.
وقد ذكر صاحب الاستفتاء هذا الأثر وخلَّط في بعض الأسماء، ثم أجاب عنه بوجوه:
الأول: أنه موقوف ليس في حكم المرفوع.
الثاني: أنه متروك العمل باتفاق الأمة.
الثالث: أنه يعارضه الأحاديث الصحيحة.
الرابع: أن في شرح "كشف الأسرار" (2) للبزدوي في تفسير بيان القاطع التي تلحق (كذا) المجمل: "احتراز عما ليس بقاطعٍ ثبوتًا أو دلالةً، حتى لا تصير (كذا) المجمل مفسرًا بخبر الواحد ... ". يعني: فلا يصلح هذا الأثر لبيان الربا المذكور في القرآن.
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 431، 432). وزيادة "عن" من المؤلف، وهي كذلك في "الكامل" لابن عدي (2/ 62).
(2) (1/ 50).
(18/455)

فأما الأول فمسلَّم، ولكنه قول صحابي قد وافقه غيرُه من الصحابة، ولا يُعلَم لهم مخالف. ومثل ذلك تقوم به الحجة، وهو عند قوم إجماع.
وأما الثاني فمقصوده أن الأمة اتفقت على جواز قبول الهدية بعد القضاء. وعن هذا جوابان:
الأول: أن هذا خاص برواية بُريد، وهي مرجوحة كما علمت. وأما رواية سعيد فهي ظاهرة في الهدية قبل القضاء، وهي حرام باتفاق الأمة، وإنما أجازها بعض العلماء إذا تبيَّن أنها بريئة عن الربا، كما إذا كانت بين رجلين صداقة، وجرت عادة أحدهما بالإهداء إلى الآخر، ثم اتفق أنه استقرض منه قرضًا، ثم قبل القضاء أهدى إليه كما كان يُهدي إليه سابقًا. والأثر ظاهر فيما عدا هذه الصورة بدليل قوله: "إنك بأرضٍ الربا فيه فاشٍ".
الجواب الثاني: أن من أحلَّ الهدية عند القضاء أو بعده إنما ذهب [ق 21] إلى أن التهمة منتفية، وعلى هذا فإذا جرت عادة المستقرض بالإهداء إلى من يُقرضه كانت التهمة باقيةً، ولا سيما إذا كان متَّهمًا، وكأنه إنما يُهدِي إليه تمهيدًا لأن يستقرض منه مرةً أخرى.
وقد قال مالك (1) رحمه الله: "لا بأس بأن يَقْبِضَ من أسلف شيئًا من الذهب أو الورِق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفَه ذلك أفضلَ مما أسلفه، إذا لم يكن ذلك على شرطٍ منهما أو وَأْيٍ (2) أو عادةٍ، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه، ولا خير فيه ... فإن كان ذلك على طيب
__________
(1) في "الموطأ" (2/ 681).
(2) الوأي: المواعدة.
(18/456)

نفس من المستسلف ولم يكن ذلك على شرط ولا وأيٍ ولا عادةٍ كان ذلك حلالًا لا بأس به".
قال الباجي في "شرحه": "فأما الشرط فلا خلاف في منعه، وأما العادة فقد منع من ذلك مالك أيضًا. وأما أبو حنيفة والشافعي فيكرهانه، ولا يريانه حرامًا. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ... ". "المنتقى" (ج 5 ص 97).
وفي "مصنَّف ابن أبي شيبة" (1) عن ابن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسًا بقضاء الدراهم البيض من الدراهم السود ما لم يكن شرطًا. وعن إبراهيم أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا ما لم يكن شرطًا أو نيةً. وعن الشعبي: قيل له: الرجل يستقرض، فإذا خرج عطاؤه أعطى خيرًا منها، قال: لا بأس ما لم يشترط أو يُعطيه التماسَ ذلك. وعن الحكم وحماد قالا: إن لم يكن نوى فلا بأس. وعن الشعبي: قيل له: يُقرِض (2) الرجل القرض وينوي أن يُقضى أجودَ منه، قال: ذلك أخبث.
أقول: فإذا جرت العادة بالزيادة أو الهدية، أوشك أن تصحبها النية. وهذا مَحملُ رواية بُريد لو صحت، بدليل قوله: "إنك في أرضٍ الربا فيها فاش"، وإذا فشا الربا في البلد أوشك أن تجري فيها العادة بذلك والنية، وإذا ثبتت العادة جاءت مفاسد الربا التي تقدمت في القسم الأول.
وأما الثالث فيعني صاحب الاستفتاء بالأحاديث الصحيحة الأحاديثَ الواردة في حسن القضاء. والجواب أنها إنما تعارض رواية بريد، وأما رواية
__________
(1) (7/ 26، 177، 178).
(2) في الأصل: "يقضي". والتصويب من "المصنف".
(18/457)

سعيد فسالمةٌ. على أننا نقول: يمكن الجمع بين الأحاديث وبين رواية بريد بما تقدم عن السلف، أنه إنما تحلُّ الزيادة والهدية إذا لم تجرِ بها عادة، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملتزمًا للزيادة، وفي حديث قضاء البعير ما يصرِّح بذلك، فإنه أمرهم بأن يقضوا الرجل بَكْرَه، فطلبوا فلم يجدوا إلا رباعيًّا، فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، أمرهم بإعطائه. فظهر من ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرهم بالزيادة أولاً، وإنما أمرهم بقضائه، فلو وجدوا بَكْرَه لقضوه إياه، ولو علموا من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاءَ الأفضل لما راجعوه.
وأما الوجه الرابع ففيه أمران: الأول: أنه مبني على أن ربا القرآن مجمل، وقد تقدم ردُّه. الثاني: أن المفسَّر عند الحنفية هو ما أوضح المراد به بحيث لا يبقى احتمال تأويل ولا تخصيص، فقول شارح "الكشف" أن المجمل لا يصير مفسرًا بخبر الواحد، إنما عنَى: لا يصير مفسرًا بهذا المعنى، كما يُعلم من مراجعته ومراجعة غيره من أصول الحنفية، وهم متفقون على أن خبر الواحد كافٍ لبيان المجمل بحيث تقوم به الحجة، وإن لم يصِرْ مفسرًا بالمعنى المذكور، بل قالوا كما في "تحرير ابن الهمام": "إذا بُيِّن المجمل القطعي الثبوت بخبر واحدٍ نُسِب إليه، فيصير ثابتًا به، فيكون قطعيًّا". ثم قال: "ومنعه صاحب التحقيق وهو حقٌّ". انظر "التحرير والتقرير" (ج 3 ص 40).
وبهذا المعنى أجاب بعضهم عما أُورِد عليهم في قولهم: إن القعدة الأخيرة فرض في الصلاة، مع أنهم لم يحتجوا عليها إلا بخبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد الفرضية على أصلهم. ولقولهم بقطعية المعنى الذي بيَّنه خبر الواحد المبيِّن لمجمل قطعي وجهٌ يؤخذ مما قررتُه في رسالة "العمل
(18/458)

بالضعيف"، فلا أطيل به ها هنا.
والمقصود أن صاحب الاستفتاء أوهَمَ أو توهَّم أن قول شارح "الكشف" يدل أن خبر الواحد لا يصلح بيانًا للمجمل القطعي. وهذا خطأ قطعًا. ومن عرف اصطلاحهم وتدبَّر كتبهم علم أنه إنما يريد أن خبر الواحد لا يصير به المعنى بحيث لا يحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، وهذا هو معنى المفسّر عندهم، فأما صيرورته مبينًا بحيث تقوم الحجة بذلك المعنى فأمرٌ ثابت عندهم اتفاقًا. والله أعلم.
[ق 22] وروى البيهقي وغيره من طريق كلثوم بن الأقمر عن زر بن حُبيش قال: قلت لأبيّ بن كعب: يا أبا المنذر! إني أريد الجهاد فآتي العراقَ فأُقرِض، قال: "إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاش. فإذا أقرضتَ رجلاً فأهدى إليك هدية، فخذْ قرضَك واردُدْ إليه هديته". "سنن البيهقي (ج 5 ص 349).
وهو في "مصنف ابن أبي شيبة" (1) بلفظ: "إذا أقرضتَ قرضًا فجاء (2) صاحب القرض يحمله ومعه هدية، فخُذْ منه قرضك (3) ورُدَّ عليه هديتَه".
قال صاحب الاستفتاء: كلثوم بن الأقمر مجهول.
قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات" (4) وقال: روى عن جماعة من الصحابة، روى عنه أهل الكوفة، وهو أخو علي بن الأقمر".
__________
(1) (6/ 176).
(2) في الأصل: "جاء"، والتصويب من "المصنف".
(3) في الأصل: "قرضه". والتصويب من "المصنف".
(4) (5/ 336).
(18/459)

وما تضمنه هذا الأمر من ردّ الهدية التي يُهديها المستقرض عند القضاء قد عرفت وجهه مما تقدم، وهو أنه علل ذلك بقوله: "إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاشٍ" أي: فالعادة والنية والتهمة أوجبت ذلك. وبهذا خرج عما دلَّت عليه الأحاديث في حسن القضاء كما سبق، والله أعلم.
وقال صاحب الاستفتاء في موضع آخر: أثر عبد الله بن سلام مضطرب ومعلول.
كذا قال، وهذه قاعدة أخرى له ولأستاذه في "شرح الترمذي"، يعمد إلى الأحاديث التي تخالفه وتكون بغاية الصحة، فيذكر اختلافًا لفظيًّا أو قريبًا منه أو معنويًّا والترجيح ممكن، فيزعم ذلك اضطرابًا قادحًا. وليس هذا سبيل أهل العلم، وكأنه أراد بالاضطراب هنا ما قدَّمناه من مخالفة رواية بُريد لرواية سعيد، وبالعلة مخالفة رواية بُريد لأحاديث حسن القضاء. وقد مرَّ الجواب عنها، والله أعلم.
وأخرج البيهقي من طريق ابن سيرين أن أبي بن كعب أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردَّها، فقال أُبي: لِمَ رددتَ عليَّ هديتي وقد علمتَ أني من أطيب أهل المدينة ثمرةً؟ خذ عني ما تردّ عليّ هديتي. وكان عمر رضي الله عنه أسلفَه عشرةَ آلاف درهم. قال البيهقي: هذا منقطع. "سنن البيهقي" (ج 5 ص 349).
وانقطاعه أن ابن سيرين لم يدرك عمر. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" (1) من طريق أخرى عن ابن سيرين، وزاد فيه زيادة حسنة، ولكنه
__________
(1) (6/ 177).
(18/460)

انقلب متنه، ولفظه: أن أبيًّا كان له على عمر دينٌ، فأهدى إليه هديةً فردَّها، فقال عمر: إنما الربا على من أراد أن يُربي وينسأ.
أقول: وهو مع انقطاعه شاهد قوي لما مضى.
وأخرج أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجلٍ عشرون درهمًا، فجعل يُهدي إليه، وجعل كلَّما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنُها ثلاثةَ عشر درهمًا، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلاَّ سبعةَ دراهم. "سنن البيهقي" (ج 5 ص 349 - 350).
[ق 23] ردَّه صاحب الاستفتاء بأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس.
أقول: لم يتبيَّن لي مَن أبو صالح هذا، فإن هناك جماعة ممن يُكنى أبا صالح ويروي عن ابن عباس، ولا أدري من أين جزمَ صاحب الاستفتاء بأنه أبو صالح باذام مولى أم هانئ؟ فإنه هو الذي قال ابن حبان (1): إنه لم يسمع من ابن عباس.
وأخرج البيهقي بسندٍ على شرطِ مسلم عن سالم بن أبي الجعد - وهو من رجال "الصحيحين" - قال: كان لنا جارٌ سمَّاك عليه لرجلٍ خمسون درهمًا، فكان يُهدِي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك، فقال: قاصّه بما أهدى إليك. (ج 5 ص 350).
وقال ابن أبي شيبة (2): ثنا إسماعيل بن إبراهيم [عن أيوب] عن عكرمة
__________
(1) في "المجروحين" (1/ 185).
(2) "المصنف" (6/ 174). وما بين المعكوفتين منه. وقد أشار المؤلف إلى السقوط في النسخة التي نقل منها.
(18/461)

قال ابن عباس: "إذا أُقرِضْتَ قرضًا فلا تُهدِينَّ هديةَ كُراعٍ ولا هدية دابة".
كذا في النسخة، وقد سقط بين إسماعيل وعكرمة رجلٌ.
وقال أيضًا (1): ثنا خالد بن حيان عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: سئل ابن عباس عن رجل استقرض طعامًا عتيقًا، فقضى مكانه حديثًا، قال: "إن لم يكن بينهما شرطٌ فلا بأسَ به".
حبيب لم يدرك ابن عباس.
وأخرج البيهقي وغيره بسند صحيح عن ابن سيرين عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفْقَر المقرِضَ ظهرَ دابته، فقال عبد الله: "ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا". "سنن البيهقي" (ج 5 ص 350).
وأعاده بنحوه (ص 351) ثم قال: ابن سيرين عن عبد الله منقطع.
وقال ابن أبي شيبة (2): ثنا إسماعيل بن علية عن التيمي عن أبي عثمان أن ابن مسعود كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرًا منها.
أقول: هذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج ابن أبي شيبة (3) من طريق زيد بن أبي أنيسة أن عليًّا سئل عن الرجل يُقرِض القرض ويُهدى إليه، قال: ذلك الربا العجلان.
__________
(1) "المصنف" (7/ 274).
(2) المصدر نفسه (7/ 176).
(3) "المصنف" (6/ 177).
(18/462)

زيد لم يدرك عليًّا عليه السلام.
وقال أيضًا (1): ثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن عُلية - عن يحيى بن يزيد الهُنَائي سألتُ أنس بن مالك عن الرجل يُهدِي له غريمُه، فقال: إن كان يُهدِي له قبلَ ذلك [فلا بأس]، وإن لم يكن يُهدي له قبلَ ذلك فلا يصلح.
وأخرجه البيهقي مطولًا مرفوعًا، ثم قال: ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. "السنن" (ج 5 ص 350).
وفي "الموطأ" (2): مالك عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مَن أسلف سلفًا فلا يشترطْ إلاَّ قضاءَه.
وقد أخرجه محمَّد بن الحسن في "موطئه" (3) ثم قال: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أن يشترط أفضل منه، ولا يشترط عليه أحسن منه، فإن الشرط في هذا لا ينبغي. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
أقول: وهذا موقوف في أعلى درجات الصحة.
وفيه (4): مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: "من أسلف سلفًا فلا يشترِط أفضلَ منه، وإن كانت قبضة من علَفٍ فهو ربا".
وفيه (5): مالك أنه بلغه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا
__________
(1) المصدر نفسه (6/ 175). وما بين المعكوفتين منه.
(2) (2/ 682).
(3) رقم (828).
(4) "الموطأ" (2/ 682).
(5) المصدر نفسه (2/ 681، 682).
(18/463)

عبد الرحمن! إني أسلفتُ رجلاً سلفًا واشترطتُ عليه أفضلَ مما أسلفتُه، فقال عبد الله بن عمر: "فذلك الربا ... السلف على ثلاثة وجوه: سلفٌ تُسْلِفه تريد به وجهَ الله فلك وجهُ الله، وسلفٌ تُسِلفه تريد به وجهَ صاحبك فلك وجهُ صاحبك، وسلفٌ تُسلِفه لتأخذ خبيثًا بطيب فذلك الربا".
وأخرج البيهقي عن فضالة بن عبيد أنه قال: "كلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو وجه [من] وجوه الربا". "السنن" (ج 5 ص 350).
قال ابن حجر في "بلوغ المرام" (1): سنده ضعيف.
وروى الحارث بن أبي أسامة (2) عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربًا".
قال في "بلوغ المرام" (3): إسناده ساقط.
[ق 24] وقال ابن أبي شيبة (4): ثنا حفص عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال: "كل قرضٍ جرَّ منفعة فهو ربًا".
وقد أخرجه محمد بن الحسن في "الآثار" (5) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم بلفظ: "كل قرض جرَّ منفعةً فلا خير فيه". قال محمد: وهو قول أبي حنيفة.
__________
(1) (3/ 53 مع "سبل السلام").
(2) كما في "بغية الباحث" (436).
(3) (3/ 53 مع "السبل").
(4) "المصنف" (6/ 180).
(5) برقم (760) ط. دار النوادر.
(18/464)

وقال ابن أبي شيبة (1): ثنا وكيع ثنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنه كره كل قرض جرَّ منفعةً.
وأخرج محمد في "الآثار" (2) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يُقرِض الرجلَ الدراهمَ على أن يوفيه خيرًا منها، قال: فإني أكرهه. قال محمَّد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أبي حنيفة (3) عن حماد عن إبراهيم في رجلٍ أقرض رجلاً ورقًا فجاءه بأفضلَ منها، قال: الورِق بالورِق، أكره له الفضل حتى يأتي بمثلها. قال محمَّد: ولسنا نأخذ بهذا، لا بأس ما لم يكن بشرط اشترط عليه، فإذا كان اشترط عليه فلا خير فيه، وهو قول أبي حنيفة.
وقال ابن أبي شيبة (4): ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: إذا كان للرجل على الرجل الدينُ فأهدى له ليؤخر عنه، فليحسُبْه من دَينه.
ثنا جرير (5) عن منصور ومغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان ذلك قد جرى بينهما قبل الدين يدعوه ويدعوه الآخر ويكافئه، فلا بأسَ بذلك، ولا يحسُبه من دينه.
__________
(1) "المصنف" (6/ 181).
(2) (759) بلفظ: "يوفيه بالرَّي، قال: أكرهه".
(3) (758).
(4) "المصنّف" (6/ 176).
(5) المصدر نفسه (6/ 176).
(18/465)

وقال أيضًا (1): ثنا [ابن] إدريس عن هشام عن الحسن ومحمد أنهما كانا يكرهان كل قرض جرَّ منفعةً.
وقال أيضًا (2): ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية عن أبيه عن الحكم قال: كان يُكْرَه أن يأكل الرجل من بيت الرجل وله عليه دين، إلاَّ أن يحسُبه من دَينه.
ثنا وكيع (3) عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن عمر قال: يُقاصُّه.
وأخرج (4) عن الشعبي أنه قال: إن كان لك على الرجل الدينُ فلا تُضيِّفْه.
وعن الحسن (5) أنه سئل عن السَّفْتَجة فقال: إنما يُفعَل ذلك من أجل اللصوص، لا خير في قرضٍ جرَّ منفعةً.
[ق 25] فهذه نصوص الصحابة والتابعين ما بين صحيحٍ وما يقرب منه كلها متفقة على المنع من الزيادة المشروطة وتحريمها، وبعضها مصرحة بأن ذلك هو الربا، وبعضها تُلحِق بذلك الهدية التي يُهديها المستقرض قبل الأداء طمعًا في أن يُمهِله المقرِض (6)، فلا يعجل عليه في المطالبة.
__________
(1) "المصنف" (6/ 180). وما بين المعكوفتين منه.
(2) المصدر نفسه (6/ 178).
(3) المصدر نفسه (6/ 177).
(4) المصدر نفسه (6/ 178).
(5) المصدر نفسه (6/ 280).
(6) في الأصل: "المستقرض" سهوًا.
(18/466)

وبعضها ألحق بذلك الهدية عند الوفاء إذا كان بأرضٍ [يكون] الربا فيها فاشيًا، وبينّا أن الوجه في ذلك هو اتهام المستقرض بأنه إنما أهدى تلك المرة ترغيبًا للمقرِض في أن يُقرِضه مرةً أخرى، وهذه التهمة إنما تقوى عند فُشوِّ الربا. وبعضها بيَّن أن في معنى الزيادة كل منفعة لها قدْرٌ، كركوب الدابة ونحوه.
وبعضها أطلق أن كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربا.
وهو محمول على ما عدا ما صحت به السنة من الأمر بحسن القضاء، فإمَّا أن يقال: هو عام مخصوص، وإما أن يقال: إنه لا يتناول حسنَ القضاء، لأن قوله "جرَّ" يُشعِر بأنه اجتلبها قسْرًا، فإنَّ الجرّ يَقْسِر المجرور على المجيء، والقرض إنما يَقْسِر المنفعة على المجيء إذا كانت مشروطة أو في قوة المشروطة. فأما الشكر الذي يتبرع به المستقرض فلم يَقْسِره القرض، لأن المقرض لم يطلبه. وكون القرض باعثًا عليه في الجملة لا يكفي لأن يقال: إنه جرَّه مع مراعاة حقيقة المعنى، لأن القرض لم يستقلَّ بالبعث، بل لم يلحظ فيه ذلك. وإنما الباعث الحقيقي هو إرادة المستقرض الشكرَ وهو غير مُلْجَأٍ إليه ولا مُطالَب به.
وصاحب الاستفتاء يحاول دفع هذه الآثار لمجرد ما في بعضها من مخالفةٍ ما لأحاديث حسن القضاء، وهذا الدفع خارج عن سبيل العلم والعلماء. قال: "على أن الفقهاء لم يتمسَّكوا بهذا الحديث والأثر من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا، ولم يُفتوا بحرمة أمثال هذه المنافع مطلقًا، بل اتفقوا على أنه لا يكون ربًا إلا أن تكون مشروطةً في العقد، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار والأحاديث الواردة في هذا الباب على ما فيه، لأنها
(18/467)

تدلُّ على حرمة كل منفعةٍ سواء شُرِطت أو لم تُشترط، مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق".
أقول: فسبيل العلم والعلماء هو العمل بالأحاديث والآثار فيما اتفقت عليه، وإخراجُ ما قام الدليل على إخراجه، وهو حسن القضاء. هذا على فرض أن الأحاديث والآثار كلها عامة، وليس الأمر كذلك كما سلف. فأما أن تُردَّ الأحاديث والآثار مع قيام الإجماع على موافقتها في بعض الصور، وعدمِ وجود ما يخالفها في ذلك = فليس هذا من العلم في شيء. ويلزمه أن كلَّ دليل عام أو مطلق قد قام دليلٌ على تخصيصه أو تقييده (1) يسقط الاستدلال به جملةً، فلا يحتج به فيما عدا الخاص والمقيد وإن وافقه الإجماع! وهذا ضلال في ضلال.
[ق 26] ومما يُضحك ويُبكي أن صاحب الاستفتاء لم يدفع ما حكى أكثره من الأحاديث والآثار والإجماع بشيء، فلم يستطع أن يحكي حديثًا - ولو موضوعًا - ولا أثرًا عن صحابي أو تابعي أو فقيه يدلُّ على أن الزيادة المشروطة وما في معناها ليست بربًا، وإنما بيده أحاديثُ حسن القضاء وقياسٌ ساقط، وقد رأيتُ أن أعجِّل الجواب عن ذلك ههنا.
****
__________
(1) في الأصل: "إطلاقه" سبق قلم.
(18/468)

أحاديث حُسن القضاء
ذكر صاحب الاستفتاء حديث "الصحيحين" (1) وغيرهما عن جابر، فذكر منه لفظ مسلم: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلالٍ: "أعْطِه أُوقية من ذهبٍ وزِدْه" فأعطاني أوقيةً من ذهبٍ وزادني قيراطًا". ولفظ البخاري: "فوزن لي بلالٌ فأرجَحَ في الميزان".
والجواب عنه أن في هذا الحديث عينه عند مسلم: "قلت: فإن لرجلٍ عليَّ أوقيةَ ذهبٍ فهو لك بها، قال: قد أخذتُه به، فتبلَّغْ عليه إلى المدينة. قال: فلما قدمتُ المدينة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... " إلخ. "صحيح مسلم" (ج 5 ص 52).
وفيه عند البخاري قبل اللفظ الذي ذكره: "فاشتراه مني بأوقيةٍ ... فأمر بلالًا أن يزِنَ لي أوقيةً، فوزن لي بلالٌ فأرجح في الميزان". "صحيح البخاري" (ج 3 ص 62).
والمقصود أن جابرًا باع جملَه من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأوقية وهما في السفر، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة قضاه وزاده. فالزيادة هنا تفضُّلٌ محض، ولا تحتمل أن تكون زيادة مشروطة في القرض.
وذكر حديث أبي رافع (2): "استسلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا، فجاءته إبلٌ من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني أن أقضي الرجلَ بَكْرَه، فقلت: لا أجد إلا
__________
(1) البخاري (2097) ومسلم (ج 3/ 1222).
(2) أخرجه مسلم (1600). وسيذكر المؤلف لفظه.
(18/469)

جملًا خيارًا رباعيًّا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعْطِه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً".
أقول: لفظ مسلم: "عن أبي رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجلٍ بَكْرًا، فقدمتْ عليه إبلٌ من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجلَ بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيرًا رَباعيًّا، فقال: "أعطِه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاءً". "صحيح مسلم" (ج 5 ص 54).
فقوله: "فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه" ظاهر في أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره أولاً أن يقضي الرجلَ بَكْرًا مثلَ بكْرِه، وهذا صريح في أن الزيادة لم تكن مشروطة، إذ لو كانت مشروطة لما أخلفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - شرطه.
وقوله: "أعطِه إياه" تفضُّلٌ محض.
وقوله: "خيار الناس أحسنهم قضاء" لا يتناول ما إذا كانت الزيادة مشروطة, لأنها متى كانت مشروطة - والفرض أن الشرط لازم كما يحاوله صاحب الاستفتاء - كانت لازمة، ومن أدى ما يلزمه لا يناسب أن يقال: إنه من خيار الناس [ق 27] وإنه من أحسنهم قضاءً، لأن الشرير والمسيء إذا أُلزِما بشيء أدَّياه، ألا ترى أن من غُبِن في ثوب فاشتراه بضِعْفِ قيمته ثم أدّى الثمن الذي اشترى به = لا يناسب أن يقال: إنه من خيار الناس ولا من أحسنهم قضاءً. فثبت أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيار الناس أحسنهم قضاء" خاصٌّ بالزيادة التي هي تفضُّل محض، كما وقع في القصة أنه استسلف من رجلٍ بكرًا على أن يقضيه مثله كما هو شأن السلف، فقضاه خيرًا من بَكْرِه تفضلًا.
(18/470)

وذكر حديث "الصحيحين" (1) عن أبي هريرة أن رجلاً تقاضى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ... فقال: "دَعُوه فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتَرُوا له بعيرًا، فأعطُوه إياه"، قالوا: لا نجد إلاَّ أفضل من سنِّه، قال: "اشتروه فاعطُوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً".
أقول: في رواية عند البخاري: "كان لرجلٍ على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أعطُوه" فطلبوا سنَّه فلم يجدوا له إلاَّ سنًّا فوقها، فقال: "أعطُوه ... " "صحيح البخاري" (ج 3 ص 117) (2).
فقوله - صلى الله عليه وسلم - أولاً: "أعطُوه" ظاهر في أن المراد: أعطُوه مثلَ سنِّه، كما هو شأن السلف عند الإطلاق. وهذا ظاهر في أن الزيادة لم تكن مشروطة، فهي تفضُّلٌ محض.
وقوله: "خيركم أحسنكم قضاء" قد تقدم الكلام عليه.
وفي رواية لمسلم (3): "جاء رجل يتقاضى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا، فقال: "أعطُوه سنًّا فوقَ سنِّه ... " وهي مختصرة.
وذكر حديث البزار (4) عن أبي هريرة: "أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ يتقاضاه قد
__________
(1) البخاري (2390) ومسلم (1601).
(2) رقم (2305).
(3) رقم (1601/ 122).
(4) كما في "كشف الأستار" (1306). قال البزار: لا نعلم رواه عن حبيب هكذا إلا حمزة، ولا عنه إلا ابن المبارك. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 141): "فيه أبو صالح الفراء، ولم أعرفه. وبقية رجاله رجال الصحيح.
(18/471)

استسلفَ منه شطْرَ وَسْقٍ، فأعطاه وسَقًا، فقال: نصفُ وَسْقٍ لك، ونصف وسَقٍ من عندي. ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه، فأعطاه وسقين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وسْقٌ [لك] ووسْقٌ من عندي".
أقول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "نصف وسقٍ لك ونصف وسقٍ من عندي" ظاهر في أن هذه الزيادة تفضُّلٌ محض، ولو كانت مشروطة شرطًا لازمًا كما يحاوله صاحب الاستفتاء لكان الوسق كلُّه حقًّا للمُسْلِف بمقتضى الشرط، فلا يكون له النصف فقط ويكون النصف الآخر من عنده - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر حديث البزار (1) أيضًا عن ابن عباس: "استسلف النبي - صلى الله عليه وسلم - من رجلٍ من الأنصار أربعين صاعًا ... فأعطاه أربعين فضلاً وأربعين سَلَفه، فأعطاه ثمانين".
أقول: قوله: "فأعطاه أربعين فضلاً" ظاهر في أنه تفضُّلٌ محض، ولم تكن مشروطة.
وذكر حديث البيهقي عن أبي هريرة قال: "أتى رجلٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله، فاستسلف له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطْرَ وسْقٍ، فأعطاه إياه، فجاء الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقًا وقال: "نِصفٌ لك قضاءٌ، ونصفٌ لك نائلٌ من عندي" "سنن البيهقي" (ج 5 ص 351).
[ق 28] أقول: قوله - صلى الله عليه وسلم - "نائلٌ من عندي" نصٌّ على أنه تفضُّلٌ محض.
__________
(1) كما في "كشف الأستار" (1307). قال البزار: لا نعلمه بإسناد متصل إلا بهذا، ولم نسمعه إلا من أحمد [بن خزيمة] وكان ثقة. وقال الهيثمي (4/ 141): رجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار، وهو ثقة.
(18/472)

تمسَّك صاحب الاستفتاء بهذه الأحاديث من وجهين:
الأول: أنه قال في حاشية (ص 20): "ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيادة في القرض، وليس فيه أنه كان مع شرطٍ أو بدون شرط، فمن ادعى الحرمة بالشرط لا بدّ عليه من بيان، لأن الأحاديث في هذا الباب مطلقة، ولا يجوز تقييدها بدون مخصص".
الثاني: قال: "وأما كونه ربًا عند الشرط فهو لا يصح أيضًا، لما رُوي (1) من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه راطلَ أبا رافع فرجحت الدراهم، فقال أبو رافع: هو لك، أنا أُحِلُّه لك، فقال أبو بكر: إن أحللتَه فإن الله لم يُحِلَّه لي، سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الزائد والمزاد في النار" أو هكذا. لأن فيه دلالةً على أن الزيادة بغير شرطٍ أيضًا حرام، أعني أن الزيادة التي هي الربا شرعًا حرام، شُرِطت أو لم تُشترط، فلو كانت الزيادة في القرض ربًا لكانت حرامًا بدون شرطٍ أيضًا، مع أن الزيادة في القرض بدون الشرط مباحٌ باتفاق الأمة، فثبت أنها ليست بربًا".
أقول: أما الوجه الأول فقد علمتَ جوابه بإيضاح أن الأحاديث إنما وردت بالزيادة على وجه التفضُّلِ والنائل المحض. ولو كانت مطلقة لكان على صاحب الاستفتاء أن يحكم بردِّها بناءً على قاعدته أنها متروكة العمل باتفاق الأمة، وأما أهل العلم والإيمان فيقولون: لو كانت عامة أو مطلقة وجب تخصيصها أو تقييدها بنصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع، وقد كفانا الله تعالى هذا بوضوح أنها واردة في التفضل المحض
__________
(1) سبق تخريجه.
(18/473)

كما علمتَ.
وأما الوجه الثاني فهو قياس ساقط، والحكم مسلَّم، وهو حرمة الزيادة في الفضة بالفضة يدًا بيدٍ، وإن لم يثبت أثر أبي بكر رضي الله عنه.
وقد قدَّمنا أن الفضة بالفضة يدًا بيدٍ ليس بربًا حقيقي بدلالة القرآن، وبدلالة حديث "الصحيحين" (1): "لا ربا إلاَّ في النسيئة" وغير ذلك، وإنما العلة فيه الاحتكار في بعضٍ، وتشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة في بعضٍ، كما تقدم إيضاحه في القسم الأول.
والاحتكار والتشبيه لا ينتفي بالرضا وطيب النفس، كما انتفى الربا في حسن القضاء؛ لأن المعنى في تحريم الربا هو الظلم كما أومأ إليه القرآن، وليس في حسن القضاء ظلم، فإن المستقرض إنما يزيد بطيبٍ من نفسه شكرًا لإحسان المقرض أو تفضُّلًا مؤتنفًا، وليس في ذلك ظلم ولا فيه شيء من مفاسد الربا.
ثم لو فرضنا استقامة القياس فهو ساقط الاعتبار، لمخالفته النصوصَ التي بيناها فيما تقدم، والإجماعَ الذي اعترف به صاحب الاستفتاء نفسه.
[ق 29] والمقصود أن صاحب الاستفتاء مع ذكره لأكثر الآثار عن الصحابة والتابعين، واعترافه باتفاق الفقهاء "من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا" = لم يستطع أن يعارضها بأثر عن صحابي أو تابعي أو فقيه. والله المستعان.
__________
(1) البخاري (2178، 2179) ومسلم (1596) عن أسامة بن زيد. وقد سبق.
(18/474)

القياس
قد أغنانا الله تبارك وتعالى عن القياس في هذه المسألة - أعني مسألة حرمة الزيادة المشروطة في القرض - بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين وإجماع الأمة، مع أننا قد بينا في القسم الأول مطابقة ذلك للعقل الصحيح والمصالح الحقيقية.
ولكن صاحب الاستفتاء تعرَّض للقياس الذي استند إليه بعض الفقهاء ممن لم يكلِّف نفسَه تدبُّرَ الكتاب والسنة، ثم ردَّه صاحب الاستفتاء زاعمًا أنه بذلك قد أثبت أنه لا يوجد دليلٌ صحيح على حرمة الزيادة المشروطة في القرض وأنها ربًا.
فرأيتُ أن أتعرض لذلك عملًا بالمثل المشهور في اليمن: "اتبع الكذابَ إلى باب بيته".
ذكر عن الكاساني (1) أن الزيادة في القرض تكون ربًا قياسًا على بيع الشيء بجنسه متفاضلًا.
وعن ابن رشد (2) أنها ربًا قياسًا على ربا الجاهلية، وهو أن يكون للرجل على آخر دينٌ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال: إمّا أن تقضي وإمّا أن تُربي، فيمدُّه في الأجل ويزيد على الدين.
ودفع صاحب الاستفتاء القياس الأول بأن بينهما فرقًا، وهو أن البيع
__________
(1) "بدائع الصنائع" (7/ 395).
(2) "المقدمات الممهدات" (3/ 149).
(18/475)

مبادلة، وليس القرض مبادلة على ما تقدم.
[ق 30] ودفع الثاني بأن بينهما فرقًا، "لأن الزيادة في الجاهلية كانت بعد حلول الأجل لا في ابتداء العقد، والكلام في الزيادة التي تكون من أول العقد، وليس هذا من ذاك".
أقول: أما ما أبداه من الفرق في القياس الأول فهو حقٌّ، ولكنه عليه لا له، وبيان ذلك أنه إذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في المبادلة - مع أن من شأنها في الجملة جواز المغابنة - فلأن يكون كذلك في القرض من باب أولى، لأن الشارع نزَّله منزلة العارية، فكما أن المستعير ينتفع بالعين المستعارة ويردُّها نفسَها، فكذلك نزل القرض، كأن المستقرِض ينتفع بعين الدينار المستَقْرَض ثم يردُّه نفسه، فمنعُ الزيادة في ردّ العين أولى من منعها في ردّ الغير، إذ من شأن الشيء أن يزيد على غيره وينقص عنه، وليس من شأنه أن يزيد على نفسه.
وجواب آخر، وهو أن القرض إنما يخرج من المبادلة ما لم يشترط زيادةً قدْرًا أو وصفًا، لأن المقرض إذا اشترط ذلك فقد ثبَّت أن الذي يطلبه مغايرٌ للذي يدفعه، وهذا مخالفٌ للتنزيل الشرعي الذي مبناه تنزيل العين المقْرَضة منزلة العين المعارة التي تبقى بعينها، حتى يردَّها الآخذ بعد انتفاعه بها.
ويبقى النظر في هذه المخالفة هل تعتبر لازمة للعقد فيخرج بها عن القرض وتبطل المعاملة، أو تعتبر خارجةً عن العقد فتبطل هي دونه؟ ذهب الحنفية إلى الثاني، وغيرهم إلى الأول. ولا خفاء في أن الشرط إذا أُلغي بقي العقد سالمًا من المبادلة، وإنما الكلام فيما إذا لم يُلْغَ الشرط، ولا ريب أن
(18/476)

العقد حينئذٍ مبادلة حتمًا، وقد قدَّمنا إيضاح ذلك، وهو بحمد الله واضح.
فنقول لصاحب الاستفتاء: إن أردتَ بقولك: "إن القرض ليس فيه مبادلة أصلاً عند الشارع" القرضَ الشرعي فمسلَّم، ولهذا جاز إقراض الذهب والفضة مع منع بيع الذهب بالذهب نسيئةً، والفضة بالفضة نسيئةً ونحو ذلك. وإن أردتَ القرض مع شرط الزيادة في القدر والوصف، فإن كان مع الحكم بإلغاء الشرط وإبطاله فمسلَّم أيضًا، وإن كان مع اعتباره كما تحاوله فباطلٌ قطعًا.
[ق 31] وأما ما أبداه من الفرق في القياس الثاني فليس بصحيح، لأن اتفاقهما عند حلول الأجل على أجل جديد بشرط الزيادة عقدٌ آخر، وعليه فهذه الزيادة في ابتداء عقد أيضًا، وهذا العقد الثاني قرض في المعنى بل هو هو. وقد صرَّح بعض الفقهاء بذلك، قال الدسوقي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1) عند قوله: "وحرم في القرض جرُّ منفعةٍ" ما لفظه: "ومن ذلك فرع مالك، وهو أن يقول شخص لربّ الدين: أخِّر المدينَ وأنا أعطيك ما تحتاجه، لأن التأخير سلف".
بل أقول: إن هذا الفرق على صاحب الاستفتاء لا له، وبيان ذلك: أن المدين إذا لم يؤدِّ الدينَ عند حلول الأجل كان ماطلاً، وهو بذلك يُلحِق بالدائن ضررًا لم يرضَ به الدائن ولم يوقع نفسه فيه، فإذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في هذا فأولى أن تكون كذلك في القرض المبتدأ، لأن المستقرض لم يقع منه حينئذٍ مَطْلٌ، والدائن يلحق بنفسه ضرر التأجيل باختياره. والمفاسد التي
__________
(1) (3/ 225).
(18/477)

قدَّمناها في القسم الأول تتحقق في اشتراط الزيادة في القرض المبتدأ أشدَّ من تحقُّقها في اشتراطها عند تأجيل الدين أجلًا جديدًا.
فاشتراط الرجل الزيادة في القرض المبتدأ يدلُّ دلالة قوية على أنه كسلان، يريد أن يربح من كدِّ العمال وعنائهم بدون أن يتعب، بخلاف اشتراطها بعد حلول الدين لأجل جديد، فقد يكون الدائن رجلاً نشيطًا عاملاً يألَفُ الكدَّ والتعب والسعي في طلب الربح مما ينفع الناس، ولكنه آثر المدين أولاً، فأقرضَه أو أنسأه، فلما حلَّ الأجلُ وجد المدين مصممًا على تأخير الدين، فلو دفعه إليه حينئذٍ لتَعِبَ فيه ونَصِبَ وربحَ، فلما لم يمكنْه ذلك اضطُرَّ إلى اشتراط الزيادة.
وقد بقي كلامٌ يمكن أن يقال في الإيراد والردّ، وذلك يستدعي تطويلًا وتدقيقًا لا حاجة بنا إليه والحمد لله.
[ق 32] ثم قال: "ولو سُلِّم صحة القياس ففيه أن الأحكام القياسية تقبل التغير بتغيُّر الأزمان، كما هو ثابت في موضعه، ومن كان له وقوف على حال هذا الزمان وخبرة بأهله فلا محيصَ له بدون أن يفتي بجوازه، كما في الاستئجار على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، مع أن حرمة الاستئجار في البعض منصوص، ولكن بحسب حاجة الناس أفتى الفقهاء الكرام بجوازه. فعلى هذا النفعُ المشروط في القرض أولى بأن يُفتَى بجوازه، لأنه ليس منصوصًا عليه بالحرمة، [إذ] الناس ناس والزمان زمان (1).
__________
(1) شطر بيت ضمن كلام مسلمة بن محمد بن هشام في "الأغاني" (4/ 321)، وضمن رسالة البديع الهمذاني في "يتيمة الدهر" (4/ 270) و"التذكرة الحمدونية" (6/ 433).
(18/478)

والاستدلال عليه بالتعامل والتوارث عن السلف، ففيه أن التعامل مبنيٌّ على القياس، لا على غيره من الأدلة، ومن ادعى فعليه البيان، والله أعلم بالصواب".
الجواب: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5]. قد علمتَ مما تقدم أن الزيادة المشروطة في القرض ربًا بنصّ القرآن والسنة، وقولِ جماعةٍ من الصحابة والتابعين لم يُنقل عن أحدٍ منهم خلافُه، واتفاقِ الأمة. فقوله: "والاستدلال عليه بالتعامل ... " يريد بالإجماع، وإن تحاشَى هذه الكلمة ترويجًا لغرضه، وقوله: "مبني على القياس لا على غيره" قد علمتَ كذبه. فأما حديث تغيُّر الأحكام فدونك تحقيقه.
قال الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وفي [الصحيحين] (1) عن عائشة [قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه] فهو ردٌّ". [وفي روايةٍ لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"].
وفي "صحيح مسلم" (2) وغيره من طرق كثيرة عن الإِمام جعفر بن محمَّد الصادق عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه [قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّت عيناه ... ويقول: "أما بعدُ، فإن خير
__________
(1) البخاري (2697) ومسلم (1718). وترك المؤلف البياض لما بين المعكوفتين.
(2) رقم (867). وأخرجه أيضًا النسائي (3/ 188، 189) وابن ماجه (45) والدارمي (212).
(18/479)

الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمَّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"].
وله شواهد ثابتة من حديث ابن مسعود (1) والعرباض بن سارية (2) وكلام عمر (3) ومعاذ (4) وغيرهم، قد ذكرناها في رسالة [] (5).
وتواترت البراهين والأدلة وأجمعت الأمة على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء، وكتابه آخر الكتب، وشريعته آخر الشرائع، وأنه لم يبقَ لأحدٍ سبيلٌ إلى أن يقول في الدين إلا من طريق الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن من قال في دين الله تعالى بغير ذلك [ق 33] فهو مفترٍ على الله تعالى كاذبٌ كافر.
قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117].
وقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [خاتمة سورة العنكبوت].
__________
(1) أخرجه البخاري (7277) موقوفًا.
(2) أخرجه أحمد (17142، 17144، 17145) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وابن ماجه (42، 43، 44) من طرق. وصححه الترمذي وغيره.
(3) أخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (56) واللالكائي في "السنة" (100).
(4) أخرجه أبو داود (4611) والدارمي (205) وابن وضاح في "البدع" (63) والطبراني في "الكبير" (20/ 114) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1871).
(5) لعلها رسالة "العبادة" (ص 219 - 220)، وسيأتي ذكرها في الصفحة التالية.
(18/480)

وقال تبارك وتعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
وقد ذكرتُ الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا المعنى في رسالة "العبادة".
وتغيُّر الأحكام جرى على ألسنة بعض العلماء يريدون به شيئًا محدودًا، فأراد دعاةُ الضلالة في عصرنا أن يوسِّعوا دائرتَه بحيث يزلزلون به قواعد الشريعة من أساسها.
إن مَن يقول بتغير بعض الأحكام يوجِّه ذلك بأن الحكم إذا ثبت ترتُّبه على علة معروفة، فقد تكون العلة موجودة في أمر من الأمور في العهد النبوي، فيُثبِت الشارع له ذلك الحكم، ثم قد يتفق زوال تلك العلة عن ذلك الأمر بعد العهد النبوي، فينبغي حينئذٍ أن ينتفي عنه ذلك الحكم. وقد يكون الأمر سالمًا من تلك العلة في العهد النبوي، فيُثبِت له الشارع حكمًا آخر، ثم قد تحدثُ له العلة بعد العهد النبوي فينبغي حينئذٍ أن يثبت له الحكم المناسب لها.
ومما قد يُمثَّل به لذلك حدُّ الخمر، المقصود منه الزجر، ولم يزد في العهد النبوي على أربعين جلدة لعدم المقتضى للزيادة، فلما تهاون الناس بعده بالأربعين اتفق الصحابة على زيادة أربعين أخرى ليحصل المقصود، وهو الزجر.
وبيع أمهات الأولاد، لم يُمنع في العهد النبوي لغلبة الحاجة إلى المال،
(18/481)

فلما غلب الاستغناء بعده ذهب أكثر الصحابة إلى منعه.
والطلقات المجموعة كانت تُعدّ في العهد النبوي طلقةً، لأنها لم تكن تقع إلاَّ نادرًا، فلم يكن هناك مقتضٍ للزجر عن الجمع والردعْ عنه، فلما كثر جمعُ الطلقات في عهد عمر احتيج إلى زجرهم وردْعهم، فقال عمر (1): إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه ووافقه الصحابة أو أكثرهم.
وقالت عائشة (2): [لو أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنِعتْ نساءُ بني إسرائيل].
وقال بعض العلماء (3) في بعض أنواع المؤلفة قلوبهم: إنما كانوا يُعطَون لضعف المسلمين، وقد قوي المسلمون فلا يُعطَون.
[ق 34] وفي هذه الأمثلة خلاف، وفي كونها من تغيير الأحكام بحثٌ ليس هذا موضعه.
والأصل الذي ينبغي اعتماده أنه إذا ثبت بحجة شرعية أن هذا الحكم إنما بُني على هذه العلة فقط، وثبت أنها كانت موجودة في هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها انتفتْ عنه بعد ذلك = كان هناك مجالٌ للنظر: أيبقى
__________
(1) أخرجه مسلم (1472) من حديث ابن عباس.
(2) أخرجه البخاري (869) ومسلم (445) واللفظ له. وما بين المعكوفتين بيَّض له المؤلف.
(3) انظر "تفسير ابن أبي حاتم" (6/ 1822، 1823) و"مصنف ابن أبي شيبة" (3/ 223).
(18/482)

الحكم على ما هو عليه كما بقي الرملُ في الطواف، أم ينبغي تغييره؟ وإذا ثبت بحجة شرعية أن هذه العلة مقتضية لهذا الحكم، وأنها كانت منتفيةً عن هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها حدثت له بعد ذلك، وأنه لم يقم به ما يعارضها = ساغَ تغيُّر الحكم.
فكلُّ ما ثبت عن الصحابة فإننا نعتقد أنهم قد راعَوا فيه هذا المعنى، فإن ثبت إجماعُهم على شيء فإننا نعتقد أن هذا المعنى كان ثابتًا في نفس الأمر، وإن اختلفوا فإننا نعتقد أن من قال بالتغيُّر كان يرى هذا المعنى ثابتًا، وقد يكون مخطئًا. وأما ما جاء عمن بعدهم فإن كان مجتهدًا فالظنُّ به أنه كان يرى هذا المعنى ثابتًا، ولعله أخطأ في ذلك، وإن كان غير مجتهد فأمره إلى الله، ولا يجوز تقليده.
وليس من هذا اختيارُ الفقيه المقلّد قولًا يخالف مذهب إمامه، ولكنه ثابت عن إمام آخر، وإنما هذا بناء منهم على أن المقلّد مخيَّر، يجوز له الخروج عن مذهب إمامه في بعض الفروع، ولا سيما إذا رأى الحاجة داعيةً إليه. فهذه الاختيارات لا يصح إيرادها في أمثلة تغيُّر الأحكام الشرعية، ومن هذا ما ذكره صاحب الاستفتاء من تجويز متأخري الحنفية الاستئجارَ على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، فإنهم إنما اختاروا في ذلك مذهب الشافعي وغيره أنه يجوز ذلك مطلقًا، فلما رأوا الحاجةَ داعيةً إلى ذلك رأوا المصلحة تقليدَ من قال بذلك. ولمتأخري الشافعية اختيارات من هذا القبيل لا حاجة إلى ذكرها.
****
(18/483)

[ق 35] أحوال هذا العصر
الأحوال المتعلقة بالربا ثلاث درجات:
الأولى: ما لا تتيسَّر معرفته إلاَّ للماهرين في علم الاقتصاد.
الثانية: ما يشاركهم في معرفته أصحاب المعاملات التجارية الواسعة.
الثالثة: ما يتيسَّر معرفتُه لغير الفريقين أيضًا ممن لم يتعلم علم الاقتصاد ولا له معاملة تجارية واسعة.
والأخ الفاضل صاحب الاستفتاء من الفريق الثالث كما أعرفه، فلم يتعلم علم الاقتصاد، ولا اعتنى به، ولا هو تاجر، فالأحوال التي يعرفها لا تزيد عما أعرفه أنا وأمثالي. فإن كان يريد أن تلك الأحوال هي وحدها كافية لتغيير الحكم، فقد أخطأ خطأً بيِّنًا كما ستراه. وإن كان يريد أن الأحوال التي تقتضي تغييرَ الحكم هي التي يعرفها الفريقان الأولان، فهو مقلد في هذا لدعاة التجديد بل دعاة التقليد الأعمى لأوربا، وهؤلاء الدعاة كما يدعون إلى تغيير حكم الربا يدعون إلى تغيير أكثر الأحكام الشرعية.
****
(18/484)

الأحوال التي نعرفها
حاجة الطبقة الوسطى إلى القرض، وأعني بالطبقة الوسطى كل من له مورِدٌ لا يفضُلُ عن كفايته.
قد يكون للرجل مرتَّبٌ شهري يقوم بكفايته، ولكنه أراد التزوج أو السفر أو نحو ذلك مما لا غنى به عنه، فاحتاج إلى استقراض ما يكفيه لذلك، على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من مرتَّبه. وقد يكون للرجل حرفة، ولكنه ليس عنده رأس مالٍ، فاحتاج إلى استقراض ما يجعله رأسَ مالٍ ليحترف ويكتسب ويقضي. أو له حرفة تُدِرُّ عليه ما يكفيه، ولكنه أراد التزوج أو نحوه، فاحتاج إلى اقتراض ما يكفي لذلك على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من كسبه.
فهؤلاء يحتاجون إلى أخذ القرض، ولا يجدون من يُقرِضهم إلاَّ بربًا، أفلا يجوز لهم الأخذ بالربا؟
الجواب أنني قد سَبَرْتُ كثيرًا من أحوالِ هؤلاء، فوجدتُ أكثرهم يبذِّرون في ما يَرِد لهم من المال، ثم يستقرضون ويبذِّرون فيما يأخذونه قرضًا، ثم يماطلون في القضاء.
فالمصلحة في حق هؤلاء أن لا يرخَّصَ لهم في القرض أصلاً، لا بربًا ولا بدون ربًا، ليضطرَّهم ذلك إلى إصلاح أنفسهم. [ق 36] والترخيص في القرض بربًا هو الذي أفسدَ هؤلاء، فإن المسلم التقي يمتنع عن إقراضهم لما يعلمه من تبذيرهم، ولاستحيائه عن التوثق برهنٍ أو ضامنٍ، ولخوفه أن يحتاج في التقاضي إلى المخاصمة والمحاكمة.
(18/485)

وأما المُربِي فإن طمعه في الربا قد سلبه هذه الصفات، فهو يحب أن يكون المسلمون كلهم مبذِّرين، ليحتاجوا إلى الأخذ منه بالربا، ولا يستحيي عن التوثُّق، ولا يبالي بالمخاصمة والمحاكمة، لأنه قد اعتادها واستفاد في مقابلها الربا.
فالترخيص في الربا هو الداء العضال.
وقد رأيتُ حال المسلمين في الهند أكثرهم مبذِّرون، وأغنياؤهم يمتنعون عن الإقراض للأسباب السابقة، ويهودُ الهند (طائفة من الوثنيين يقال لواحدهم مارْوارِيْ) يُقرِضون بالربا ويتوثقون، فأصبحت أراضي المسلمين وبيوتهم وحُلِيُّهم تنتقل إلى المارواريين بسرعة مخيفةٍ. فقِصار النظر من المسلمين يرون الضرورة داعيةً إلى الترخيص لأغنياء المسلمين في الإقراض بالربا، حتى إذا انتقلت الأملاك من يد مسلمٍ فإلي يد مسلمٍ آخر. ولعل هذا مما حملَ صاحبَ الاستفتاء على ما قاله.

[ق 37] نتائج هذا العلاج:
1 - تبديل الشريعة.
2 - التعرض لغضب الله ومحاربته.
3 - أن يسلَّط على المسلمين ذُلًّا لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، كما جاء في الحديث (1).
__________
(1) أخرجه أحمد (4825، 5007، 5562) وأبو داود (3462) والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 316) وغيرهم من حديث ابن عمر، وفي أسانيده ضعف.
(18/486)

4 - إقرار الطبقة المتوسطة على تبذيرهم في المحرمات والملاهي والمعيشة والرسوم (1) الفارغة.
5 - إقرارهم على الكسل والتواني عن طلب الحلال.
6 - إقرارهم على عدم الأمانة وإخلاف الوعد والمماطلة بالديون.
7 - إقرار أغنيائهم على عدم المعونة لمحتاجيهم بالقرض الحسن.
8 - لا يزال كثير من المسلمين يتورعون عن الاستقراض بالربا، وهذا العلاج يُبيحه لهم، فيحملهم على الإمعان فيه.
9 - لا يزال كثير من أغنياء المسلمين يتورعون عن الإقراض بالربا، ويقع منهم غيرَ قليل الإقراضُ بدون ربا. وهذا العلاج يبيح لهم الربا، فيوشك أن لا يُقرِضوا إلا به.
10 - كما أن الكفار هزموا المسلمين في ميدان التجارة لرضا الكافر بالربح اليسير، في حين أن المسلم لا يُرضيه إلا الربح الكثير، فسيهزمونهم في ميدان الربا، وبذلك يرتفع ما في هذا العلاج من تلك الفائدة المتخيلة.
11 - لا يزال كثير من الطبقة الوسطى يتورعون عن معاملة الكفار خوفًا من أن تنتقل بيوتهم وعقاراتهم إلى الكفار، ولهذا ينكَفُّ كثير منهم عن التبذير، فإذا أُبيح للمسلمين المراباة ارتفع هذا القدر، وأوشك أن يصبح خمسة وتسعون في المئة من المسلمين عالةً لا يملكون شيئًا.
12 - إذا أُحِلَّ الربا، وكانت نتيجته ما توقَّعه واضعُ ذلك العلاج أن تنتقل
__________
(1) أي العادات والتقاليد.
(18/487)

أموال المسلمين إلى المسلمين، فيوشك أن يصبح خمسة وتسعون (1) في المئة فقراءَ لا يملكون شيئًا، وخمسةٌ في المئة أغنياءَ، وهؤلاء الخمسة إن سَلِموا من المرض الحقيقي - وهو التبذير والكسل - لم يَسلَم منه ورثتُهم، بل يوشك أن يقتصر ورثتُهم على المراباة، ويَدَعُوا الزراعة والصناعة والتجارة، ويوشك أن يشتطُّوا في الربا فلا يُقرِضوا إلاَّ بربًا باهظ، ووراء ذلك الهلاك المبير.

[ق 38] النظر الشرعي:
المرض الحقيقي هو التبذير والكسل، والتبذير أخبثهما، ونتيجتهما الفقر، ثم ينشأ عن الفقر أمراض أخرى: كعدم الأمانة، وإخلاف الوعد، والمماطلة بالديون. ثم ينشأ عن هذه الأمراض مرض آخر، وهو امتناع الأغنياء عن إقراضِ المحتاجين قرضًا شرعيًّا أو مضاربتِهم مضاربةً شرعية. ثم ينشأ عن ذلك فقر جماعة المسلمين وتقاطعهم ثم هلاكهم.
والذي يرخِّص في الربا إنما نظر إلى أمر واحدٍ، وهو فقر جماعة المسلمين، وعلاجه هذا لا يُغني في ذلك أيضًا، وفوقَ هذا ففقر جماعة المسلمين إنما نشأ عن التبذير والكسل وتوابعهما، فالتَّبِعةُ عليهم. ولا يُعقَل أن يكون التقصير منهم والغرامة على الشريعة، مع أن تحريم الربا من شأنه إلى حدٍّ ما أن يخفِّف وطأةَ المرض كما تقدم.

تحليل المرض:
أنا الآن مقيم بحيدراباد دكن الرياسةِ (2) الإِسلامية العظمى في الهند،
__________
(1) في الأصل: "وتسعين" سهوًا.
(2) الرياسة في الأردية بمعنى الدولة والإمارة.
(18/488)

فأبدأ بتحليل مرض المسلمين فيها.
أما التبذير فنصفه في الرسوم، وثُلثه في الملاهي، وسدسه في المعيشة.
أما الرسوم فإنه إذا وُلِد الولد فهناك دعوة العقيقة، ثم على رأس السنة دعوة (سَالْ كَرَهْ) (1)، وهكذا على رأس كل سنة، ثم دعوة كبيرة بعنوان (بسم الله)، أي أن الولد شرع في قراءة القرآن، وكثيرًا ما تكون قراءة الولد بسم الله في تلك الدعوة هي أول قراءته وآخرها! وكثيرًا ما يكون أهلُه غير عازمين على إقرائه القرآن، ولكن دعوة بسم الله لازمة. ثم إذا قرأ فأول ما يقرأ جزء عمَّ، ثم يُشرع في إقرائه من أول القرآن، وهناك دعوة أخرى. ثم إذا ختم القرآن دعوة. وأولَ ما يستطيع الصوم يُصوِّمونه يومًا ويجعلونه دعوة كبيرة، ولعل ذلك اليوم يكون أولَ صيامه وآخره! ثم إذا بلغت البنتُ دعوةٌ، ثم عند الزواج دعوات، ثم ثالثَ موتِه دعوةٌ، ثم على تمام العشر دعوة، ثم على تمام الأربعين دعوة، ثم على وفاء السَنة من موته دعوة، ثم تتكرر كلَّ سنة.
دع الدعوات التي يقيمها عند إرادة سفر قريبه أو صديقه، أو عند عودِه من السفر، أو عند فوزه في الامتحان، أو حصوله على خدمة في الحكومة، أو ترقيته في الخدمة، أو شفائه من مرض أو غير ذلك.
وهناك دعوات المولد، والمعراج، ونصف شعبان، وآخر أربعاء من صفر، ودعوات في رمضان، وأيام وفيات الخلفاء والأئمة والأولياء وهي كثيرة، والأسفار التي ينشئونها لزيارة الأولياء، إلى غير ذلك.
والغريب أن هذه الدعوات والاحتفالات أكثرها عندهم هي أركان
__________
(1) أي عيد ميلاد الطفل.
(18/489)

الدين، فتجد الرجل تاركًا للصلاة والزكاة والصيام والحج مرتكبًا للمحرمات، ولكنه يحافظ على هذه الدعوات!
[ق 39] الملاهي: السينما والفونوغراف (الحاكي) وقليل غيرهما.
أما السينما، فههنا مواضع كثيرة لها، وقد يمضي للرجل أسبوع كامل أو أكثر وهو كلَّ ليلة في سينما، وقد يجمع في يوم واحد بين روايتين، وفيها مع الخسارة المالية مفاسد أخرى: كإفساد الأخلاق، وتعليم السرقة، والإضرار بالصحة، وتضييع الأوقات، فقد تستغرق الرواية الواحدة ثلاث ساعات، وقد تبقى إلى ساعة أو ساعتين بعد نصف الليل، فيصبح الرجل كسلان لا ينشط للعمل النافع.
وفوق ذلك كله فبعض الروايات يُشرع فيها قبل العصر وعند الغروب وبعضها يُشرع فيه قبل المغرب ويمتدُّ إلى العشاء، وبعضها يُشرع فيه قبل العشاء ويمتدُّ إلى ثلث الليل، فربما فوَّتَ الناظرون الصلاةَ رأسًا، وربَّما فوَّتوا الجماعةَ، ولكن هذا يهون إذا علمنا أن غالب المسلمين هنا لا يصلُّون أصلاً!
وأما الفونوغراف فالرجل يحتاج إلى شرائه، ثم تستمر الحاجة إلى شراء الإبَر والأسطوانات، وإلى إصلاحه إذا تغيَّر.
وأما ما عدا هذين فهو قليل ههنا، وإنما يُبتلىَ به الأغنياء في الغالب.

المعيشة:
أما الإسراف في المعيشة فهو هنا خفيف في الطبقة الوسطى، وعامة إسرافهم هو في الدعوات والرسوم والملاهي، فإن وقع من بعضهم فهو في لباس النساء، وكثير منهم يعتاد المسكرات الرخيصة، ولكن الإسراف
(18/490)

مستحوِذٌ على الأمراء، ولا سيما في عمارة البيوت والسيارات والأثاث ولباس النساء. ومنهم من يتعاطى المسكرات، ويميل مع الرقاصات، ويُكثِر السفر إلى أوربا، فينفق في سفره وإقامته هناك نفقاتٍ باهظة. وتجد فيهم من يتراوح دخْلُه الشهري بين مئة جنيه إلى ألف جنيه، وهو مع ذلك يُدان بالربا والعياذ بالله.

[ق 40] العلاج
أما الرسوم فعلاجها بيد العلماء والمرشدين (مشايخ الطرق)، فلو أن صاحب الاستفتاء دعاهم إلى النظر فيها واجتهد في ذلك لكان خيرًا له وللمسلمين.
فعلى العلماء والمرشدين أن ينظروا في تلك الرسوم، فسيجدون بعضها لا حاجة إليه أصلاً، وبعضها لا بأس به لولا ضرره الشديد، وبعضها له فائدة ولكن ضرره أكبر من نفعه، وبعضها ضروري - كوليمة العرس - ولكن بلا إسراف، فالذي يستقرض ليوسِّع الوليمة مسرف، والذي يصرف مالاً كبيرًا في الوليمة وهو غني - والمصالح الإِسلامية العامة محتاجة إلى المال - مسرف.
فيقرر العلماء والمرشدون وقفَ النوع الأول أصلاً، وكذلك الثاني بالنظر إلى الأحوال الحاضرة، ويقررون تخفيفَ الإنفاق في الثالث جدًّا، بحيث يقتصر على دعوة أفراد معدودين وعلى سَقْيهم الشاهي وحده. وتخفيف الرابع بحيث لا يحتاج الداعي إلى القرض، ولا تتجاوز نفقة الوليمة دَخْلَ شهرٍ من دخْله، ولا تُجاوز مئةَ رُبِّية مثلًا. فأما الأمراء والأغنياء الكبار فلْيُترك الاختيار لهم، ويُكتفَى بوعظهم ونُصْحهم ليخفِّفوا الوليمة ما أمكن.
(18/491)

وإذا قرر العلماء والمرشدون هذا أو نحوه عاهدوا الله تعالى على تنفيذه، فيلتزمونه هم في ذات أنفسهم، ويُلزِمون به من يسمع قولهم، ولا يجيبون دعوةَ من خالف ذلك، ويُلزِمون من يسمع لهم أن يحذو حذوهم في ذلك، ويعلنون للناس أن من خالف ما قرروه فهو بالنظر إلى أحوال العصر عاصٍ آثمٌ مخالف لله ورسوله وأوليائه، وأن رضا الله ورسوله وأوليائه في الاقتصاد في هذا العصر. ويمكنهم إذا نصحوا لله ولدينه وللمسلمين أن يقوموا بأكثر من هذا.
[ق 41] وأما الملاهي فأمُّها ههنا السينما، فعلى العلماء والمرشدين أن يدعوا أعيان الأمة، ويقرروا مطالبةَ الحكومة:
بمنع الأطفال الذين دون البلوغ من دخول السينما البتَّةَ، كما قررتْه دولةُ هولندا في جاوه فيما بلغني.
وبتحديد أوقات السينما، فلا تُفتح نهارًا، ولا تُفتح إلا بعد المغرب، وتقتصر على دَورٍ واحد.
وبأن تقيم مراقبةً أخلاقية صارمة تحظُر عرضَ كل فلم مُضرٍّ بالأخلاق، وتُشرِف على دَخْل السينما فتحدِّد قيمة البطاقات بقدرٍ يتناسب مع غرامتها. وغير ذلك.
ثم يبالغون في الوعظ والنصح، وبيان مضارّ السينما ومفاسد إنفاق المال لمشاهدتها، وغير ذلك. وفي وُسْعِهم إذا وفَّقهم الله تعالى أن يعملوا أكثر من هذا.
(18/492)

الرسالة التاسعة والعشرون
كشف الخفاء عن حكم بيع الوفاء
(18/493)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بسط الأرض للأنام، وقدَّر فيها أقواتَها على ما اقتضته حكمتُه من النظام، وتولَّى قِسمتَها وقسمةَ ما فيها بينهم بشريعته، فقال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فقد سألني بعض الإخوان عن حكم البيع الذي يقال له بيع الوفاء وبيع العهدة إلى غير ذلك من الأسماء، وهو شائع في بلاد حضرموت وكثير من البلدان. فراجعتُ بعض ما تيسَّر لي من كتب علماء حضرموت، فرأيت في "بغية المسترشدين" عن فتاوى الحفيد عبد الله بن الحسين بافقيه: "بيع العهدة [المعروف صحيح جائز، وتثبت به الحجة شرعًا وعرفًا على قول القائلين به، وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم، وحكمت بمقتضاه الحكام، وأقره مَن يقول به من علماء الإِسلام، مع أنه ليس من مذهب الشافعي، وإنما اختاره مَن اختاره ولفّقه من مذاهب للضرورة الماسة إليه، ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله في التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام بالفقه] (1) " (ص 133).
فأحببتُ أن أعرف حقيقة التلفيق المذكور، فوجدتُ في "ترشيح
__________
(1) وضع المؤلف هنا نقطًا، وقد أكملت العبارة من المصدر المذكور.
(18/495)

المستفيدين": "تنبيه: اعلم ... على الراجح" (ص 230). ثم ذكر اختلاف الحنفية، وسيأتي.
وفي "القلائد" لباقشير: "مسألة: بيع العهدة ... ممن شهد بذلك". ثم قال: "مسألة: ومن أثبت ... الشافعي ... "، ثم قال: "تنبيه ... المنصوص". ثم أفاض في توابعه من الأحكام بانيًا على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وعلى أن هذه المعاملة إقالة ولكنها لازمة.
فتلخَّص لي مما تقدم أمور:
الأول: أن هذه المعاملة إذا كانت على ما ذكروه - مِن تقدُّم المواطأة، ووقوع العقد باتًّا - حكمها في مذهب الشافعي ما قدَّمتُ من نفاذ العقد وبتاته، ويكون رضا المشتري قبل العقد بما تواطأ عليه وعدًا منه يُستحب له الوفاء به ولا يجب.
الأمر الثاني: أن العمدة في إلزام المشتري بالوفاء هو تقليد الإِمام مالك.
الثالث: أنه يمكن الاعتماد في ذلك على مذهب أحمد في جواز البيع بشرط.
الرابع: إمكان الاعتماد على مذهبه في جواز تأبيد الخيار.
الخامس: إمكان الاعتماد على مذهب أبي حنيفة.
السادس: العذر عن الخروج عن المذهب بالضرورة.
السابع: اعتماد المتأخرين على عمل من قبلهم من العلماء وكفى.
(18/496)

فأحِبُّ أن انظر في هذه الأمور واحدًا واحدًا.
فأما الأمر الأول فحقٌّ لا غبار عليه، إلاَّ أنه يستحب عدم التواطؤ خروجًا من خلاف من يجعل المشروط بالمواطأة كالمشروط بالعقد، فيبطل به العقد ويحرم. وسيأتي إيضاحه إن شاء الله.
وأما الأمر الثاني فقد راجعتُ ما تيسَّر لي من كتب المالكية، فوجدتُ في "الموطأ" (1) عن عبيد الله بن [عبد الله بن] عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود ابتاع جاريةً [من امرأته زينب الثقفية، واشترطت عليه أنك إن بعتَها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به. فسأل عبد الله بن مسعود عن ذلك عمرَ بن الخطاب، فقال عمر بن الخطاب: لا تقربْها وفيها شرط] لأحد.
وعن ابن عمر أنه كان يقول: " [لا يطأ الرجل وليدةً إلا وليدةً إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء أمسكها، وإن شاء صنع بها] ما شاء".
قال الباجي في "المنتقى" (2): "ظاهر قوله ["وشرطتْ عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن" يقتضي أن ذلك كان في نفس العقد على وجه الشرط، ولم يكن على وجه التطوع منه بعد كمال العقد، وهذا يسميه العلماء الثنيا، ويسمون البيع المنعقد بهذا الشرط بيع الثُّنيا، وهو بيع فاسد] مع النقد".
وقال بعد ذلك (3): "وقول عمر "لا تقربها [وفيها شرط لأحد"، قال أبو مصعب في "المبسوط": معنى ذلك لا تَبْتَعْها وفيها شرط لأحد، ومعنى
__________
(1) (2/ 616). ومنه زيادة ما بين المعكوفتين.
(2) (6/ 129) ط. دار الكتب العلمية. ومنه زيادة ما بين المعكوفتين.
(3) (6/ 131).
(18/497)

ذلك: لا تشترها بهذا الشرط، وهذا يقتضي منعه من هذا الابتياع لفساده] ".
وفي "حواشي الدسوقي على الشرح الكبير": "وبيع الثُّنيا [هو المعروف بمصر ببيع المعاد، بأن يشترط البائع على المشتري أنه متى أتى له بالثمن ردّ المبيع، فإن وقع ذلك الشرط حين العقد أو تواطآ عليه قبله كان البيع فاسدًا ولو أسقط الشرط، لِتردد الثمنِ بين السلفية والثمنية، وأما إذا تبرع المشتري للبائع بذلك بعد البيع بأن قال له بعد التزام البيع: متى رددتَ إليَّ الثمن دفعتُ لك المبيع، كان البيع صحيحًا، ولا يلزم المشتريَ الوفاء بذلك الوعد، بل يستحبُّ] (1) فقط" (ج 3 ص 62).
__________
(1) ما بين المعكوفتين من المصدر، وقد ترك المؤلف هنا بياضًا.
(18/498)

الرسالة الثلاثون
النظر في ورقة إقرار
(18/499)

الحمد لله.
الذي يظهر من هذه الورقة عند التأمل أنها إقرار بالاشتراك، وأما ما وقع فيها من بعض الألفاظ التي يفهم منها مناقضة الإقرار فليست بصريحةٍ في ذلك. بل إذا نُظِر إلى ما قبلها وما بعدها وإلى تسامح العوامّ في ألفاظهم، وإلى كيفية الاشتراك بين المقر وإخوته على ما تدل عليه هذه الورقة = لم تكن تلك الألفاظ ظاهرةً فيما يناقض الإقرار، بل هي محمولة على ما يوافقه، وعلى ذلك تتفق جميع ألفاظ المقرّ في هذه الورقة، ولا يكون فيها شيء مُلغًى.
فقوله: "يقبضون ما هو لي في أرض الهند وغيره" ليس فيه بيان ما هو له، فيُحمل ذلك على نصيبه من جميع الأموال التي اعترف بعد أنها مشتركة.
وقوله: "وخطوط قوابل البيوت في صندوقي" ليس فيه ما يدل على أن البيوت ملكه خاصة. وقوله "صندوقي" وإن كان ظاهرًا يفيد أن الصندوق له ملكًا، فالاعتراف بالاشتراك يدل أنه إنما أضافه إليه لاختصاصه به، كما يقول الولد في بيت أبيه، والخادم في بيت سيده، والموظف في دور الحكومة: "كرسيَّي" للكرسي المخصص لجلوسه، وإن لم يكن ملكه، نعم إن هذا مجاز، ولكن الحمل على المجاز الذي تعينه القرائن أولى من حمل الكلام على التناقض وإلغاء بعضِه. وهكذا قوله بعد ذلك "فهو في داري".
وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]. فأضاف البيوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال تعالى قبل ذلك في خطاب
(18/501)

أمهات المؤمنين: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34].
فأما قول "المنهاج" (1): "فلو قال: داري أو ثوبي أو دَيني الذي على زيد لعمرو، فهو لغو"، فوجهه فيما يظهر أن قوله "لعمرو" لا يتعين للإقرار، بل يحتمل الهبة، أو أنه أراد أنه صديقي فمالي كأنه ماله، أو نحو ذلك. وليس تأويل قوله "داري" بأولى من تأويل قوله "لعمرو"، فلهذا حكم بأن العبارة المذكورة لغو، فأما إذا قال مثلاً: "ثوبي هذا عارية، استعرتُه من مالكه زيد" أو نحو ذلك، فإلغاء الإقرار بعيد عن القواعد.
وفي "التحفة" (2): "أو الدين الذي لي على زيد لعمرو = لم يصح إلاَّ إن قال: واسمي في الكتاب عارية".
ومما يؤيد ذلك القاعدةُ المعروفة أنه لا يجوز إلغاء كلام المكلف ما أمكن. وفي "التحفة" عقب عبارة "المنهاج" السابقة ما لفظه: "لأن الإضافة إليه تقتضي الملك له، فتنافي إقراره به لغيره، فحمل على الوعد بالهبة". فيؤخذ من هذا أنه إذا تعذر أو بعُدَ تأويل لفظ الإقرار مع قرب تأويل الإضافة المتقدمة وجب الحكم بصحة الإقرار. ومن تأمل الورقة المتكلم عليها وجد دلالتها على الإقرار واضحة جدًّا.
ثم على فرض أن دلالة الإضافة على الملك أقوى أو أنها تلغي الإقرار مطلقًا، فيختص هذا بالصندوق والدار والكساء المضافات في هذه الورقة،
__________
(1) (2/ 181 - 182) ط. دار البشائر.
(2) (5/ 371 - مع حواشي الشرواني والعبادي).
(18/502)

ويبقى الإقرار فيما عدا ذلك صريحًا. ومن ذلك قوله: "وخطوط قوابل البيوت في صندوقي وأشياء من ذهب وفضة وسلاح وو عن الدار ... وما هو باسمي من خطوط أملاك ومشاري ورهائن عقارات ... سنغافوره". وفي "التحفة" (1): "ولو قال: الدين الذي كتبته أو باسمي على زيد لعمرو، صحَّ، إذ لا منافاة".
وقول كاتب الورقة: "وكسائي الذي على بدني ومطروح" يجيء فيه ما مرَّ في "صندوقي وداري".
وقوله بعد ذلك كله: "فهو تركة بين إخوتي وبين ورثتي بالسوية فقط، ما شيء لي زائد عليهم" ظاهر فيما قدمته، فلا وجه لإلغائه.
وقوله: "تركة بين إخوتي وبين ورثتي" يريد أن أصله تركة تركها مورثُه ومورثُ إخوته، وبقيت مشتركة بينهم يعملون ضربًا على الاشتراك، كما يدلُّ عليه السياق، وينفي أن يكون المراد تركة لي، أي أتركها أنا، كيف وهو يقول بعد ذلك: "ما شيء لي زائد عليهم"؟
ثم قال: "وما كان معهم من أملاك وغير، وجميع ما يسمى مال، وما يطلق عليه اسم المال = فهو بيني وبينهم بالسوية" صريح جدًّا في أنهم على الاشتراك، وهو وإن كان ظاهره دعوى إلاَّ أنه يقرِّر الإقرار السابق ويوضحه.
ويؤكد ذلك قوله بعد هذا: "والذي مع والدتهم من أسيار ذهب وفضة ... فهو لها ... ويكون بطيب نفس من الإخوان محمَّد وسعيد". فلو كان إنما أراد بهذه الورقة التبرع على أخويه، فأيّ وجه لأن يشترط طيب
__________
(1) (5/ 371).
(18/503)

أنفسهم فيما أقرّ به لزوجته أو وهبه لها أو أوصى لها به.
فأما قوله: "وأيضًا ما كان متروكه معي في حضرموت جاء في مال بالإرث من والدتي فاطمة ... فهو بيني وبين إخواني تركة". فهو اعتراف صريح. وفي "التحفة" (1): "وقول "الأنوار" لا أثر للإرادة هنا يشكل بقوله أيضًا في الدار التي ورثتُها من أبي لفلان: إنه إقرار إن أراده، إذ لا فرق بين اشتريت مثلًا وورثتها. ويوجه ذلك بأن إرادته الإقرارَ بذلك تبيِّن أن مراده الشراء والإرث في الظاهر".
قال السيد عمر في حواشيه على "التحفة" (2): "قوله الشراء والإرث في الظاهر إلخ، إنما يحتاج إليه عند فرض أنه حال الإقرار بالإرث والشراء، بحيث لم يمض زمنٌ يمكن فيه النقل، وإلا فالشراء والإرث الماضيان لا ينافيان الإقرار حالاً".
والإرث المذكور في عبارة المقرّ ماضٍ كما هو واضح، وقول المقر في آخر العبارة الماضية: "بيني وبين إخواني تركة" يُوضح ما قدمته أن مراده بتركة في قوله السابق "تركة بين إخواني وبين ورثتي" التركة الأصلية، أي الذي تركه مورثه ومورث إخوته، وبقي بينهم مشتركًا يعملون فيه بالسوية، وكل ما استحدثوه ضموه إلى ذلك.
فإن قيل: وكيف يكون ما ورثه من أمه من جملة التركة التي يشاركه فيها إخوته من أبيه؟
__________
(1) (5/ 370 - 371).
(2) المصدر السابق.
(18/504)

قلت: يحتمل أنه ملكهم مما ورثه من أمه مقدار حصصهم من التركة المشتركة، فانضم ما ورثه من أمه إلى التركة الأصلية المشتركة، فصار معدودًا منها. وهذا ظاهر، فيجب تصحيح العبارة على احتمال هذا الوجه. والله أعلم.
(18/505)

الرسالة الحادية والثلاثون
قضية في سكوت المدعي عليه عن الإقرار والإنكار
(18/507)

الحمد لله.
مسألة: رجلان ادُّعي عليهما قتلُ آخر عمدًا وعدوانًا دعوى صحيحة، فأجابا أنهما هجما عليه لقصد ضربه لا قتله، وأخذا يضربانه، فاستلَّ سكينًا من حزام أحدهما، فأمسكا يده، وتجاذبا السكين، فوقعتْ به طعنة في جانب ظهره الأيسر. وكلٌّ منهما قال: لا أدري ممن الطعنة، ثم قال أحدهما: أنا القاتل، ثم روجع الآخر على أن يقر أو ينكر، فأصرَّ على قوله: لا أدري ممن.
قد تتبعت مظانَّ المسألة مما وجدته من كتب المذهب، فلم أظفر بها صريحةً، إلاَّ أنهم قسموا حالة المدعى عليه بعد الدعوى إلى قسمين: إقرار وإنكار. أما الإقرار فله باب مخصوص، وأما الإنكار فهو نقض إلزام الدعوى. وألحقوا به وبالنكول إصرار المدَّعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى. والظاهر من عباراتهم أنه ليس مرادهم السكوت المطلق، وهو مقابل النطق، بل السكوت عن جواب الدعوى المفهوم من إطلاقه، أي الجواب بشرط صحته، حتى يدخل ما لو نطق بما لا يصح جوابًا، كقوله: يثبت ما يقول ونحوه، فلا يكتفى به، بل يلزمه أن يبيِّن إما بالإقرار بما ألزمته به الدعوى، وإما بالإنكار لذلك، أو التفصيل، وهو راجع إليهما. فإن بيَّن فالأمر واضح، وإلّا نُزِّل منزلةَ المنكر الناكل، وشرط كون الدعوى ملزمةً من فروعه أن ينسب القتل مثلًا إلى المدعى عليه نفسه، أو إلى مَن يلزمه بقتله شيء، وليس اللزوم. فلو قال: قتله أخوه، ولم يزد على ذلك ما يلزم، لم يسمع.
قال في "عماد الرضا" (1): "حُكي أن رجلين تقدما إلى قاضٍ، فقال
__________
(1) النقل من كلام المناوي في شرحه على "عماد الرضا" (1/ 350).
(18/509)

أحدهما: إن أخا هذا قتل أخي، فقال القاضي: ما تقول؟ فقال: إن أخا هذا قتله غيري. وهو جواب صحيح عن فساد الدعوى، وكان من صحتها أن أخاه قتلَ أخيِ وأنا وارثُه وهذا من عاقلته، لتتوجَّه له المطالبة". ومن المعلوم أن القصد من طلب الجواب من المدَّعى عليه الإقرار بما أُلزِم به أو إنكاره أو التفصيل، وهو راجع إليهما كما مرَّ. فلفظ "لا أدري" جوابًا عن الدعوى عليه أنه قتل مثلًا لا يكفي, لأنه لم يقرّ بما ألزمته الدعوى وهو القتل، ولا أنكر. وقد شرطوا في اليمين مطابقتها للإجابة، وقالوا في اليمين: لا بدَّ أن يحلف بها في كلَّ يمين على فعله إثباتًا أو نفيًا، وكذا على إثبات فعلِ غيره وأما نفي فعل غيره فعلى نفي العلم. فلو اعتبرنا "لا أدري أني قتلتُه أو لا" جوابًا لزم أن نقول: يحلف طبقَه، وحلفه كذلك لا يُعتبر لأنه على نفي العلم في فعل نفسه، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم, لأن الإجابة بغير الإقرار إن لم تكن بيَّنة فهي تقتضي اليمين.
وأما كون لفظة "لا أدري" في فعل نفسه يُعتبر إقرارًا فغير ظاهر, لأن مبنى الإقرار على اليقين، ولا نظير لها في باب الإقرار تقاس عليه، لكنها قد تؤدّي إلى ما هو في حكم الإقرار، بأن يصرّ المدعى عليه، فيحكم القاضي بأنه كالمنكر الناكل، ويحلف المدعي اليمين المردودة. وهل يسمع من قائلها الإنكار بعدُ أو لا؟ (1).
__________
(1) هنا انتهى الموجود من المسألة.
(18/510)

الرسالة الثانية والثلاثون
الفسخ بالإعسار
(18/511)

الحمد لله.
الفسخ بالإعسار ثابت في المذهب، وإذا بحثنا عن علته ظهر لنا أن النكاح عقدٌ بمقابلٍ كالبيع، فهو إباحة الانتفاع بالبضع إلى مقابل الصداق والإنفاق. ولا يَرِد علينا أنه تجب النفقة في غير حال الانتفاع، كما إذا كان عنينًا أو غائبًا. فإننا نقول: إن المنفعة تلِفَتْ تحت يدِه، فهي من ضمانه.
لا يقال: إنها تحتَ يدِ مالكها. فإننا نقول: إنها وإن كانت تحت يده صورةً فهو باذلٌ لها وممنوعٌ من التصرف فيها، فهي من ضمان الزوج قطعًا، بخلاف ما إذا أبى صاحبها من التمكين.
والمذهب أن المشتري إذا أعسر بالثمن، أو كان ماله غائبًا بمسافة قصرٍ، فللبائع الفسخ، لخبر "الصحيحين" (1): "إذا أفلسَ الرجلُ ووجدَ البائعُ سِلْعته بعينها، فهو أحقُّ بها من الغُرماء". وقِيسَ عليه سائر المعاوضات كالإجارة، وعلى الفلس الإعسارُ. فكذا يكون النكاح، بل هو أولى، لتجدُّد الضرر كلَّ يوم واعتضادِه بالضرر الآخر.
وإذا بحثنا عن علة الفسخ بالإعسار ظهر لنا أنها تعذُّر تسليم العوض، والعلة موجودة فيما إذا غاب غيبةً منقطعةً، أو امتنع ولم يُقدَر على ضبطه.
فإن قيل: ثَمَّ فارقٌ، وهو أنه يمكن في منقطع الغيبة أن يرجع، وفي الممتنع أن يمتثل.
قلنا: وكذا المعسر يمكن أن يتصدق عليه، بل هو أولى, لأن إمكان
__________
(1) أخرجه البخاري (2402) ومسلم (1559) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
(18/513)

يساره أقرب من إمكان رجوع منقطع الغيبة وامتثال الممتنع، مع أنهم قد صرَّحوا في البيع بالفسخ إذا كان مالُه بمسافة قصرٍ. وأنت خبيرٌ أن النكاح أولى، لتجدُّد الضرر واعتضادِه بالضرر الأكبر، ولكن لفسخ النكاح من الأهمية ما ليس لفسخ البيع، فلا يجوز ما دام الضرر خفيفًا، كما في غيبة المال بمسافة القصر. ولا يمنع الفسخَ غِنَى الزوجةِ أو وجودُ مَن يُنفق عليها، كما لا يمنع ذلك في البائع والمؤجر.
(18/514)

الرسالة الثالثة والثلاثون
مسألتان في الضمان والالتزام
(18/515)

شهد الشريف أحمد زين حوذ أن أحضر حسين امعيسى فلم يُقبل، لكونه كان وكيلًا في الدعوى، مع أن حرفته التوكل.
وفي فتاوى السيد محمَّد بن عبد الرحمن بن سليمان ما لفظه: وفي "فرائد الفوائد" لسيدي عبد الرحمن بن سليمان رحمهما الله تعالى: أفتى الفقيه أحمد السانه أن من حرفته التوكل في منازعة الخصوم إنما يقدح ذلك في شهادته، ولا تُقبل شهادة من وكلاء القاضي. انتهى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
نعم، ثم ظهر لنا من حكم القاضي عافاه الله أنه بناه على أن العقد كفالة ببدن، والصارف للفهم أولًا عن ذلك أن حسين امعيسى معترف لدينا بأنه ملتزم بالمال، ووردت شهادة بأن أبا سودان كان يعزم إليه قبل الحضور عند القاضي ويطلب منه المال فيلتزم له بذلك، وصادقها حسين امعيسى. وفهمنا من كلام القاضي عبد الله عافاه الله أنه بنى ذلك على أن لفظ الالتزام كفالة، وأنه مخصوص بكفالة البدن. فلما خاطبناه أجاب بأنه حصل الإبراء، وتجوَّز به عن تسليم المكفول به إلى الحبس.
وليس الأمر كما ظنَّ، بل يكفي في الضمان لفظٌ يُشعِر بالالتزام، كان بالمال ضمين أو زعيم أو كفيل. وعبارة "الروض" مع شرحه (1): " (الركن الخامس) للضمان الشامل للكفالة ([صيغة] الالتزام) لتدل على الرضى، والمراد بها ما يُشعِر بالالتزام، فيشمل اللفظَ والكتابة وإشارةَ الأخرس، (كضمنتُ مالَك على فلان أو تكفَّلتُ ببدنه أو أنا بإحضار بدنه أو بالمال) أو
__________
(1) (2/ 244).
(18/517)

بإحضاره كما عبَّر به الأصل (أو بإحضار الشخص كفيل أو زعيم أو ضامن أو حميل أو قبيل) أو صبير أو ضمين أو كافل، وكلها صرائح".
وفي "الشرح" (1) أولَ الباب: ويُسمَّى الملتزم لذلك ضامنًا وضمينًا وحميلاً وزعيمًا وكافلًا وكفيلاً وصبيرًا وقبيلاً. قال الماوردي: غير أن العرف جارٍ بأن الضمين يُستعمل في الأموال، والحميل في الديات، والزعيم في الأموال العظام، والكفيل في النفس، والصبير في الجميع. وكالضمين فيما قاله الضامن، وكالكفيل الكافل، وكالصبير القبيل. قال ابن حبان في "صحيحه" (2): والزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق. اه.
وأما ما ذكره الماوردي أن العرف استعمال الكفيل على الملتزم بالنفس فالعرف الآن في اليمن استعماله في الدية أيضًا.
ولو فرضنا أن العقد كفالة بالبدن، فتجديده للالتزام بالمال بعد ذلك - كما شهدت به الشهادة واعترف به حسين امعيسى - يُعدُّ ضمانًا مستقلًّا. ولا ضيرَ في أن يكون الشخص كفيلاً بالبدن بصيغةٍ وضمينًا بالمال بأخرى.
وأما قولهم - واللفظ لشيخ الإِسلام في "منهجه" (3) -: (ولا يُطالَب كفيلٌ بمال، ولو شرط أنه يغرمه لم يصح)، فذلك في ما إذا كان عقدًا واحدًا، بأن كفلَ ببدنه فقط، أو كفل بشرط أنه يغرم، أما إذا كان بالتزامٍ آخر فلا ريبَ
__________
(1) (2/ 235).
(2) (10/ 480).
(3) "فتح الوهاب شرح منهج الطلاب" (3/ 385 - 386 مع حاشية الجمل).
(18/518)

أنه يلزم.
فالحاصل: قد ثبت لدينا التزامُ حسين امعيسى بالذي وضحه ضمانه، ولم يثبت الإبراء، فيلزمه الوفاء بضمانه، وبذلك حكمتُ بعد العرض على سيّدنا ومولانا إمام الحق أيَّده الله تعالى. وحرِّر في ربيع الثاني سنة 1337.
(18/519)

[قضية أخرى في الضمان]
حضر لدينا عبد الرحمن باسودان وادَّعى على الحاضر معه حسين عيسى العيسى بأنه ضمن له على السيد علي المداح ... ريال، وقد تسلَّم منها ... ريال وبقي ... ريال، يطلب ضبطه بتسليمها.
أجاب المدعى عليه بأن هذه الدعوى قد أُقيمت لدى القاضي عبد الله العمودي وحكم فيها، وأبرز الحكمَ، ولفظه: بالمجلس الشرعي حضر السيد علي بن محمَّد الصعدي الحوثي الأصل، وحضر بحضوره الغرماء له: الشيخ أحمد عيسى هرملي، وحمد علي حسين، وعبد الرحمن باسودان، وسالم باعيسى. وصار الخطاب لهم في شأن كفالة حسين امعيسى على السيد علي لهم، إما بإطلاق السيد علي على كفالة السيد علي من حسين امعيسى، أو بقائه في الحبس وخروج حسين امعيسى عن الكفالة. فاختاروا بقاء السيد علي في الحبس. فأرجعنا السيد علي في الحبس، وبرئ حسين امعيسى من كفالته على السيد علي لرِضا الغرماء ببقائه في الحبس، فيتفرغ عن حسين امعيسى كلٌّ من حمدي علي حسين وغيره من الغرماء, لأن المكفول به قد سلمه الغرماء له من محل اللزوم ... إلخ.
فوجدنا القاضي أولاً خيَّر الغرماء بين التزام الغريم أو التزام الضمين، ولا ريب أن هذا منه إفهام لهم بأنه لا يمكِّنهم الشرعُ من مطالبتهما معًا، ثم لما اختاروا بقاء الغريم في الحبس حكم للضمين بالبراءة من الضمان، وبنى ذلك على اختيارهم بقاءَ الغريم في الحبس. فظاهر ما ذكر أن القاضي توهَّم أنه ليس للمضمون له مطالبة الغريم والزعيم معًا، بل إذا اختار مطالبة الغريم برئ الضمين, لأنه كالنفي لضمانه، لظنَّه أن فائدة الضمان هي سقوط الطلب
(18/520)

عن الغريم.
وهذا باطل، بل لصاحب الحق مطالبة لهما اجتماعًا وانفرادًا وتوزيعًا، كما حرَّر ذلك في "مختصر أبي شجاع" فما فوقه.
ولذلك راجعنا القاضي، فأجاب علينا أنه وقع الإبراء من الغرماء والمدعي معهم، وأن هذه المسألة نظيرة العفو عن القصاص الممثَّل بها للقاعدة المشهورة: "ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ... " إلخ. ففهمنا من فحوى هذا أن الإبراء صدر من بعض الغرماء دون هذا المطلب، وإنما حكم عليه تبعًا لهم، وذلك واضح البطلان.
فراجعناه مرةً أخرى، وسألناه هل نطق هذا المطالب حينئذٍ بالإبراء، فإن نطق فبأيّ صيغ الإبراء؟ عملًا منا بما قاله في "شرح الروض" (1) بعد قول المتن: "وإن قال وهو في محل ولايته: حكمتُ بطلاق نساء القرية، قُبل بلا حجة": لقدرته على الإنشاء حينئذٍ، بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار، فلا يقبل قوله. كذا صرَّح به البغوي، وهو مقتضى كلام الأصل. وينبغي أن يكون محله ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته، قاله الأذرعي. وما قالوه من قبولِ قوله ظاهر في القاضي المجتهد مطلقًا أو في مذهب إمامه، أما غيرهما ففي قبول قوله وقفةٌ. وقد استخرت الله وأفتيتُ في من سُئل من قضاة العصر عن مستند قضائه: أنه يلزمه بيانه, لأنه قد يظن ما ليس بمستندٍ مستندًا كما هو كثير أو غالب.
وفي حاشيته على قول الأذرعي: قال الخادم: هذا إذا لم يسأل، فإن سأله
__________
(1) (4/ 292).
(18/521)

المحكوم عليه عن السبب فجزم صاحب "الحاوي" وتبعه الروياني بأنه يلزمه بيانه.
إلى أن قال: وخرج من هذا تخصيص قول الأصحاب إن الحاكم لا يسأل أيَّ سؤال اعتراض، أما سؤال في مطلب الدفع عن نفسه فيتعين على الحاكم الإبداء بسجن المحكوم عليه تخلُّصًا.
هذا في القاضي أثناء ولايته، فأما بعد عزله فأولى وأحرى.
فأجاب علينا بأن المطالب عند حضوره لديه تكلم كما تكلم الغرماء، ولزمه ما لزمهم، ولم يعين الصيغة، فارتبنا في شهادته هذه، حيث إن كلامه في ورقة الحكم صريح في أنه جعل اختيارهم حبس الغريم إبراءً للزعيم. وبعد أن راجعناه أفهم تنظيره بمسألة القصاص من القاعدة المذكورة آنفًا أنه لم تقع البراءة إلاَّ من بعض الغرماء، فألزمَ الحكمَ الجميعَ. وجوابه الأخير علينا يوافق ذلك، حيث قال: إن هذا المطالب تكلَّم كما تكلَّم الغرماء ولزمه ما لزمهم.
والقاضي - عافاه الله - غير بعيد عن الوهم، مع أنه الآن متهم, لأنه قد يدفع بهذه الشهادة عن نفسه عارَ الغلط الواضح، وقد قال في "الروضة" (1) في باب ما يُردّ به الشهادة: "السبب الخامس: أن يدفع بالشهادة عن نفسه عار الكذب، فإذا شهد فاسق وردَّ القاضي شهادته ثم تاب بشرط التوبة، فشهادته المستأنفة مقبولة بعد ذلك. ولو أعاد تلك الشهادة التي رُدّت لم تُقبل".
__________
(1) روضة الطالبين (8/ 216) ط. دار عالم الكتب.
(18/522)

وأما كونه قاضيًا معزولًا يشهد بقضية وقعت لديه فليس هذا قادحًا في الشهادة، إلا إذا شهد بأنه حكم، أما إذا شهد بنحو إقرار وقع في مجلسه فإنها تُقبل. قال في "الروضة" (1): إذا قال القاضي بعد الانعزال: كنتُ حكمتُ لفلانٍ بكذا، لم يُقَبل إلا ببينة. وهل تُقبل شهادته بذلك مع آخر؟ وجهان: قال الإصطخري: نعم. والصحيح باتفاق الأصحاب المنعُ, لأنه شهد على فعلِ نفسه".
إلى أن قال: "ولو شهد المعزول أنه ملك فلان، وأن فلانًا أقرَّه في مجلس حكمي بهذا، قُبِلَت".
ولما لم يفسّر لنا هذا الإبراء الذي يذكره ولم يبيّن لنا صيغته، واشتدّت الريبة وتضافرت أسباب التُّهم، بحثنا عن حكم ذلك ونحوه، فعثرنا في "عماد الرضا" لشيخ الإِسلام زكريا رحمه الله على ما لفظه (2): "فائدة، هل يجوز للشاهد أن يشهد باستحقاق زيد على عمرو درهمًا إذا عَرَف سببه، كأنْ أقرَّ له به، فشهد أن له عليه درهمًا؟ قال ابن الرفعة: قال ابن أبي الدم: فيه وجهان، أشهرهما: لا تُسمع شهادته وإن وافقه في مذهبه؛ لأن الشاهد قد يظن ما ليس بسبب سببًا، ولأنه ليس له أن يرتِّب الأحكام على أسبابها، بل وظيفته نقْلُ ما سمعه من إقرار أو عقد أو غيره، أو ما شاهده من الأفعال. ثم الحاكم ينظر فيه، فإن رآه سببًا رتَّب عليه مقتضاه. وهذا ظاهر نصّ "الأم" و"المختصر". وقال صاحب "الشامل" وغيره: بعد اطلاعه على النصّ تُسمَع شهادتُه، وهو مقتضى كلام "الروضة" كأصلها".
__________
(1) (8/ 111).
(2) (1/ 214 - 215) مع شرح المناوي.
(18/523)

قال المناوي في شرحه بعد الوجه الأول: وبذلك أفتى ابن الصلاح، واعتمده ابن الرفعة فقال: الذي أراه أنها لا تُسمَع، وعليه بيان السبب كيفما كان، سدًّا لباب الاحتمال ونفيًا للريب، كما في النفي المحصور المضاف إلى زمن مخصوص محصور، بعد أن فصَّل عن قضية كلام الماوردي تفصيلًا حسنًا، وهو أنه إن كان السبب مجمعًا عليه جاز له أن يشهد بالاستحقاق، وإلّا فلا.
وقال الشارح بعد الوجه الثاني: قال الأذرعي في "التوسط": وهو أي سماعها ظاهر المذهب المنصوص، لكن المختار ما ذكره أبو عمرو من المنع، ولا شك أنه الأحوط وإن كان ظاهر المذهب خلافه.
ثم نقل عن صاحب "الغنية" وتلميذه الزركشي أن الأول هو القياس والراجح دليلًا والمختار، والأول هو المذهب المنقول.
وإذ قد صحَّ أن الأول هو منصوص "الأم" و"المختصر" فهو الأولى بأن يكون المذهب، وقد يُفصَّل بأن يقال: إن حدثتْ في القضية تُهَمٌ قوية فالأول، وإلّا فالثاني. وقضيتنا الحادثة قد سبق بيان التهم التي فيها، فتعيَّن الإبراء. والقاضي - عافاه الله - ممن يدّعي الاجتهاد ويَهِم كثيرًا، وهذه الشهادة والحكم ببقاء الضمان وعدم صحة ... نعم لو فرضنا صدور الإبراء فهو بصريح ورقة الحكم، وإنما صدر بعد التخيير الذي يُفهِم الغرماء أنه ليس لهم مطالبة كلٍّ من الغريم والزعيم، بل يختارون أحدهما ويُبرِئون الآخر، وإلا لم يتوصَّلوا إلى الضبط بمالهم، فحينئذٍ يكون إبراؤهم مبنيًّا على ظنّهم أنه ليس لهم مطالبة الغريم إلاَّ بعد إبراء الزعيم.
(18/524)

وقد تعالى الخلاف الجاري في مسألة ما إذا أبرأ المطالبُ الغريمَ ظانًّا أن حقه قد انتقل إلى ذمة الزعيم يجرى في هذه، والذي رجحه ابن قاسم أن الإبراء لا يصح، فكذا في هذه.
فإن قيل: الفرق ظاهر، فإن الإبراء في تلك عن حق مظنونٍ سقوطُه بالضمان هناك، ولا كذلك هنا، فإن المطالب لا يجهل أن ذمة الضامن متعلقة بدينه.
قلنا: بل هو مظنون سقوطه باختيار بقاء الغريم، ولكن لا ينافي هذا إلا إذا كان الإبراء بعد اختيار بقاء الغريم في السجن.
(18/525)

الرسالة الرابعة والثلاثون
مسألة الوقف في مرض الموت
(18/527)

[في "تحفة المحتاج" (1): (فرع) يقع لكثيرين أنهم يقفون أموالهم في صحتهم على ذكور أولادهم قاصدين بذلك] حرمان (2) إناثهم، وقد تكرر من غير واحدٍ الإفتاء ببطلان الوقف حينئذٍ، وفيه نظر ظاهر، بل الوجه الصحة ... إلخ.
وفي الحاشية (3): "قوله (في صحتهم) أي أما في حال المرض فلا يصح إلا بإجازة الإناث, لأن التبرع في مرض الموت على بعض الورثة يتوقف على رضا الباقين. قوله: (وقد تكرر من غير واحد) عبارة "النهاية": والأوجه الصحة، وإن نُقِل عن بعضهم القولُ ببطلانه".
وفي القليوبي (4) عند قول المتن (ولوارث): "تنبيه، شملت الوصية للوارث ما لو كانت بعين ولو مثلية، ولو قدر حصته، لكن مع تمييز حصة كلًّ منهم، وكالوصية في اعتبار الإجازة إبراؤه والهبة له والوقف عليه. نعم لو وقف عليه ما يخرج من الثلث على قدر نصيبه لم يحتج إلى إجازة، وليس له إبطاله، كما لو كان له دار قدر ثلث ماله، فوقف ثلثيها على ابنه وثلثها على ابنته، ولا وارث غيرهما ... " إلخ.
وفي حاشية الشيخ عميرة (5): " (فرع) لو وقف ما يخرج من ثلثه على ورثته بقدر أنصبائهم في مرض الموت صحَّ، من غير احتياج إلى الإجازة.
__________
(1) (6/ 247).
(2) لم نجد ما قبله في المسودات. وما بين المعكوفتين من المصدر المذكور.
(3) "حاشية الشرواني" في الموضع السابق.
(4) "شرح المحلي على منهاج الطالبين مع حاشيتي القليوبي وعميرة" (3/ 159 - 160).
(5) المصدر السابق (3/ 159).
(18/529)

ذكره الزركشي ... " إلخ.
وفي حاشية عميرة (1) في الوقف عند قول المتن: (شرطنا القبول أم لا): " (فرع) وقف على ابنه دارًا هي قدر ثلث ماله، وكان ذلك في مرض موته، فهو وصية، ولا ترتد بردِّ الولد، ويحتاج إلى إجازة. كذا في الزركشي نقلاً عن الشيخين".
وفي حاشية الشرقاوي على "شرح التحرير" (2) عند قول المتن في الوصايا: (ولوارث إن أجاز باقي الورثة المطلقين التصرف، حتى لو أوصى لكلًّ من بنيه بعين بقدر نصيبه صحت). وفي الشرح: بشرط الإجازة لاختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها. قال الشرقاوي: قوله "إن أجاز" كالوصية للوارث إبراؤه من الدين وهبته والوقف عليه. نعم لو وقف عليهم ما يخرج من الثلث على قدر نصيبهم نفذ من غير إجازة، فليس لهم نقضه، ولا بدّ لصحة الإجازة من معرفة قدر المجاز فيه أو عينه. أفاده محمَّد رملي.
وفي "التحرير" (3) في باب الوقف: التبرع وصية وهبة وعتق وإباحة ووقف ... إلخ.
فكل هذه النقول قاضية بما أجيب به، ولم تكن إطالة النقل عبثًا، إلاَّ لما رأيته في "حاشية القليوبي (4) على المحلي" في باب الوقف عند قول المتن:
__________
(1) المصدر السابق (3/ 102).
(2) (2/ 77).
(3) (2/ 173).
(4) (3/ 101).
(18/530)

(وأن الوقف على معين يشترط قبوله، ولو ردّ بطل حقه) ما نصُّه: قوله "يشترط فيه قبوله" هو المعتمد، ومنه ولد الواقف، كوقفتُ على ولدي فلان. نعم، لو وقف في مرض موته على ورثته الحائزين ثلث ماله بعدد حصصهم، أو على أحد ورثته عينًا قدر ثلث ماله نفذَ قهرًا عليهم، ولا يرتدُّ بردّهم فيهما، فإن زاد على الثلث توقف على إجازتهم كالوصية.
فأما الصورة الأولى فهي موافقة للنقول السابقة، وأما الثانية فمشكل، وقد نقلها عنه الشرقاوي في "حواشي التحرير" (1)، فقال عند قول المتن في الحَجْر (وحجر مرض في الثلثين مع غير الورثة إذا تصرّف فيهما بلا عوض، وفي كل المال مع الورثة): قوله "وفي كل المال" أي كلّ جزء منه ولو دون الثلث مع الوارث، وهذا في غير الوقف، أما هو كأن وقفَ شيئًا يخرج من الثلث على بعض الورثة، فلا يحتاج إلى إجازة بقيتهم، بخلاف الوصية. والفرق أن الملك في الأول لله تعالى، وفي الثانية للموصى له. وكالوصية الإبراء، فيتوقف على إجازة بقية الورثة. أفاده القليوبي. وذكر البرماوي على الغزّي أن الوقف كغيره، فراجع ذلك.
أقول: ما ذكره القليوبي رحمه الله ونقله الشرقاوي مشكل، على أنه ليس في حاشيته على المحلي إلاَّ ما نقلتُه، اللهم إلاَّ أن يكون في موضع آخر. وسواء كان المفرق هو الناقل أو المنقول عنه فالفرق غير معتبر, لأننا نقول أولاً: إن في ملك الموقوف خلافًا، الثالث في المذهب أنه للموقف عليه، وهو مذهب الإِمام أحمد كما صرحوا به. سلَّمنا أن الملك لله تعالى كما هو
__________
(1) (2/ 185).
(18/531)

الأظهر، فذلك الملك ليس إلا في الرقبة، وأما المنافع فهي للموقوف عليه قطعًا، والمنافع هي المقصودة، فإنما تُقصَد العين لأجل منافعها.
على أن في "التحفة" (1) عقب قول المتن (ولوارث) في الوصايا: أنه لو علَّق عتق عبده بخدمة بعض أولاده فإنه يحتاج للإجازة, لأن المنفعة المصروفة للمخدوم من جملة التركة.
فعبارة القليوبي تفيد أن الوقف مطلقًا بنصّه من الثلث, لأنه تبرع لغير الوارث وإن كان عليه نظر إلى أن الأظهر أن الملك في الرقبة لله تعالى، لكن ضعف ذلك ظاهر، إذ شرط العين الموقوفة دوام الانتفاع ولو بالنسبة، ولا تقصد العين إلا للمنفعة، فأيّ فائدة في رقبتها مسلوبة المنفعة؟
ثم رأيت في حاشية الشيخ عميرة (2) عند ذكر الوصية بالمنافع أبدًا على قول المتن (وأنه يبقى ملك الرقبة للوارث) ما لفظه: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ما زلتُ أستشكل ملك الرقبة دون المنفعة، وأقول: ما الذي يستفيده ويحصل له من ملكها؟ حتى رأيتُ قائلًا في النوم يقول: لو ظهر في الأرض معدن ملكه مالك الرقبة دون المنفعة.
وفي "المنهاج" (3) في الوصية بالمنافع: وإن أبّد فالأصح أنه يصحّ بيعه للموصى له دون غيره، وأنه تعتبر قيمة العبد كلها من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا.
__________
(1) "تحفة المحتاج" (7/ 15).
(2) (3/ 172).
(3) مع شرحه "تحفة المحتاج" (7/ 66 - 68).
(18/532)

وفي "التحفة" (1) وغيرها التعليل بأن الموصي حالَ بين الوارث وبين المنفعة، ويتعذر تقويم المنفعة للجهالة. قال في "التحفة": "فيتعيَّن تقويم الرقبة مع منفعتها، فإن احتملها الثلث لزمت الوصية في الجميع، وإلا ففيما يحتمله، فلو ساوى العبد بمنافعه مئةً وبدونها عشرةً، اعتبرت المئة كلها من الثلث، فإن وفى بها فواضح، وإلّا كأن لم يفِ إلا بنصفها صار نصف المنفعة للوارث، والذي يتجه في كيفية استيفائها أنهما يتهايآنها" (2).
فالمنفعة هي المقصودة، وأما العين فليست إلاَّ آلةً لها ووسيلةً إليها، فهاهم أقاموا المنفعة مقامها مع الرقبة، حتى قوَّموها بقيمة الرقبة والمنفعة، ولم ينظروا إلى الرقبة إذ لا فائدة فيها. فلتُعتبر في الوقف المنفعة لا الرقبة. وإذا رأيت مسألة "التحفة" في تعليق عتق العبد بخدمة بعض الأولاد، وأن ذلك يحتاج إلى الإجازة = علمتَ أن هذا أولى وأحرى.
والمقصود من الوقف ليس هو حبس الرقبة عن أن يتصرف فيها، وإنما المقصود هو الصدقة الجارية كما توضِّحه نصوصهم، وبه فسَّروا الحديث، ولا يخفى أن الصدقة الجارية إنما تحصل بالمنفعة، وحبس العين وسيلة لها. ولو سلَّمنا صحة الفرق فكيف نصنع بما تقتضيه النقول السابقة، ولا سيَّما ما ذكره الشيخ عميرة عن الزركشي عن الشيخين بقوله "فرع".
وقد أطنبنا في الكلام لاقتضاء المقام، فإن مثل ذلك الإِمام يتمسك بعبارته الخاص والعام، وهذا معروض على نظر سادتنا العلماء الأعلام، وعليهم الاهتمام وتوضيح المقام، والسلام.
__________
(1) مع شرحه "تحفة المحتاج" (7/ 68).
(2) التهايؤ: قسمة المنافع على التعاقب بصفة وقتية.
(18/533)

الرسالة الخامسة والثلاثون
الفوضى الدينية وتعدُّد الزوجات
(18/535)

كثر هذه الأيام تحكُّكُ المتفرنجين بالمسائل الدينية وتوثُّبُهم عليها، والذي يسوء الحق إنما هو أن يتصدى الإنسان للتحكُّم في فنًّ هو فيه أمّي أو تلميذ صغير. إن العاقل الذي لا حظَّ له من الطب إلا مطالعة بعض الكتب، لَيحجزه عقلُه عن التطبب، وهكذا عامةُ الفنون يمتنع العاقل أن يتحكم في فنًّ منها ليس فنَّه. ولكن الدين شذَّ عن هذه الكلية، فلا تكاد تجد أحدًا يعترف أو يعرف أنه ليس ممن يحقُّ لهم الكلامُ فيه.
يقولون: إنها حرية الفكر! حبَّذا حرية الفكر، ولكن أَمِن حرية الفكر أن يصمد الإنسان لقضيةٍ لم يُتقِن أصولهَا، ولا أسبابها وعللها، ولا غوامضها ودقائقَها، فيعبّر فيها على ما خيلت؟ إن حقًّا على العاقل إذا أحبَّ أن يكون حرَّ الفكر أن يختار له موضوعًا ينفذ فكرُه إلى أعماقه، ويتغلغل في دقائقه.
افرِضْ أنك طبيب، وأنا اعترضك بدويٌّ يناقشك في أصول الطب، أو أنك عارف بعلم الفلك الحديث، وعرضَ لك عاميٌّ ينازعك فيه، وكلاهما - البدوي والعامي - لا يُصغِي إليك حتى توضح له الحجج، أو لا يستطيع في حاله الراهنة أن يفهمها, لأنه لم يتعلم مقدمات ذلك الفن، ولكنه مع ذلك يجزم بما ظهر له، ويرميك بالجهل والغفلة، فهل تعدُّه حرَّ الفكر؟
لقد بلغ بالناس حبُّ الاشتهار بحرية الفكر إلى أن أغفلوا النظر في صواب الفكر وخطائه، وأصبحت حرية الفكر مرادفةً للخروج عما كان عليه الآباء والأجداد. ولقد يعلم أحدهم أن ما كان عليه آباؤه وأجداده هو الصواب، ولكن شغفه بأن يقال حرَّ الفكر يضطرُّه إلى مخالفته. فهل يستحق مثل هذا أن يقال له حرَّ الفكر؟
(18/537)

وكثير منهم يدع تقليد أسلافه ويقلِّد بعض الملحدين، فهل خرج هذا من الرقِّ إلى الحرّية؟ كلَّا، بل خرج من رقًّ إلى رقًّ.
حرُّ الفكر هو الذي يُطلِق فكره حيث يستطيع الانطلاق ويكفُّه حيث يحبّ الانكفاف.
حرُّ الفكر هو الذي يحرِصُ على الحق أينما كان، فإذا ظهر أن الحق هو ما كان عليه أسلافه لزِمَه، ولم يُبالِ بأن يقال: جامد مقلِّد.
حرُّ الفكر هو الذي يحرِص على الثبات على المبدأ الذي كان عليه أسلافه، حتى تقهره الحجة الواضحة.
أمامنا من تلك المسائل مسألة تعدد الزوجات، مسألة معلومة من دين الإِسلام بالضرورة، بل ومن الفطرة ومن المصلحة، ثم لا يزال بين حينٍ وآخر يخوض فيها عاشق من عشاق الشهرة بحرية الفكر، وهو عبد من عبيد الإفرنجيّات، اللاتي تُؤثِر إحداهن أن يبقى بَعلُها مضطرًّا إلى مخادنة العواهر، حتى يضطر إلى السماح لها بمخادنة الفجار، وترى أنه لو أبيح له تعدد الزوجات قد يستغني عن الزنا، فلا يبقى مانعٌ يمنعه من مراقبتها ومنعها عن الفجور بمقتضى الغيرة الطبيعية. كما أن رجال الإفرنج بعد أن ألِفوا الزنا يُعادون تعددَ الزوجات، لعلمهم أن القانون إذا أباح التعدُّدَ قلَّ أنصار الزنا وكثُر خصومُه، وضعفت الشبهات التي بُني عليها إباحتُه وإباحةُ مقدماته من الرقص والخلوة والاختلاط المريب.
ولقد يكتب الكاتب خلاف تعدد الزوجات، لعداوته للدين أو لعداوته للأمة، فهو لا يحب لها شرفَ الأخلاق، أو ليرخّص بذلك المتبرِّجات من النساء ليكون له نصيبٌ من قلوبهن ثم مِن ...
(18/538)

وأخفُّهم ذنبًا مَن يكون قليل المعرفة بالدين، قاصر النظر في مصالح العباد، ضعيف الباه، فينظر هذا إلى ما في تعدد الزوجات من النقائص، ولا يلتفت إلى ما في منعه من المفاسد.

تعدد الزوجات في الدين:
جواز التعدد معلوم من دين الإِسلام بالضرورة، ولكن أثار بعض المتأخرين شبهة، وهي أن الله عزَّ وجلَّ قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وقال في موضع آخر: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129].
فالآية الأولى ألزمت المسلم إذا خاف عدمَ العدل أن يقتصر على واحدةٍ. وعُلِم بالآية الثانية أن كلَّ مسلم مصدِّقٍ بخبر الله عزَّ وجلَّ يعلم أنه لا يستطيع العدل، فأنَّى يتصور أن لا يخاف عدم العدل؟
والجواب عن ذلك أنه لو فرِض صحةُ دلالة الآيتين على المنع لم يجز العمل بهذه الدلالة، لِما تواتر قطعًا أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يجمعون مثنى وثلاث ورباع بعد نزول الآية، مع علمه - صلى الله عليه وسلم - وإقراره، ثم لم يزل العمل على ذلك إلى الآن، وأطبقت عليه الأمة، ولم يخالف في ذلك أحدٌ البتةَ. وهذا المعنى حجة قطعية لا يخدِش فيه ظاهرُ القرآن.
مع أن الصواب أن ظاهر القرآن لا يدل على المنع، بل يدلُّ على الجواز، ودونك البيان:
قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِن
(18/539)

النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
في "الصحيحين" (1) وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة ما حاصله: أن المراد باليتامى في الآية اليتامى من النساء، تكون اليتيمة في حجْرِ الرجل ولها مال، فيتزوجها لأجل مالها، وليس لها من قلبه شيء، فلا يُقسِط لها، فنُهوا عن ذلك، وتقدير الآية هكذا: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى من النساء اللاتي في حجوركم إذا نكحتموهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء ... ". والمراد بالطيب أن تكون المرأة محبوبة له لنفسها لا لمالها، فإنه إذا تزوج مَن يحبّها كان أحرى أن يُقسِط لها.
وقوله: (تعدلوا) فعل، والفعل في قوة النكرة كما نصُّوا عليه، فقولك: "لم يعدلْ زيد" في قوة قولك: "لم يقع من زيدٍ عدلٌ"، والنكرة في سياق النفي تعمُّ كما نصُّوا عليه. إذا قلتَ: "ما جاءني اليومَ رجلٌ" كان في قوة قولك: "ما جاءني اليومَ زيد ولا عمرو ولا خالد ولا بكرٌ ... " حتى يستوعب جميع أفراد الرجال.
فقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} في قوة قولك: "فإن خفتم أن لا يقع منكم ما يصحّ أن يقال له عدلٌ". ولو كان بيد الرجل تمرتان لا فضلَ لإحداهما على الأخرى، فقال لزوجتيه: لتأخذْ كلٌّ منكما واحدةً = لكان هذا عدلاً، فخوف الرجل أن لا يقع منه بين زوجتيه أو زوجاته شيءٌ يُسمَّى عدلاً مما لا يكاد يتحقق.
ومما يؤيد أن المراد هذا المعنى ما تقرر في المعاني أن وضع "إن"
__________
(1) البخاري (4573، 4574) ومسلم (3018).
(18/540)

الشرطية لفرض الممتنع وما قرب منه.
ويؤيده أيضًا أنه لو كان المراد: "وإن خفتم أن لا يقع منكم العدل الكامل" لما بقي لقوله: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} معنًى, لأن العدل الكامل ممتنع كما دلَّ عليه قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ....} الآية، فإن المراد بالعدل فيها العدل الكامل، وهاك تقرير ذلك:
قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا .... (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 128، 129].
قوله: {تَعدِلُوا} فعل في سياق النفي، فهو من هذه الجهة يصدُق بالخفيف والشديد، ولكن هنا أدلة أن المراد: عدلاً كاملًا.
الدليل الأول: الحسّ والمشاهدة، فإننا نعلم أن الرجل يستطيع أن يعدِل أنواعًا من العدل بين ألف زوجة، فضلاً عن ثنتين أو ثلاث أو أربع، وذلك كأن يقسم بينهن تمرًا أو نحوه مرةً واحدةً أو مرتين أو مرارًا. وقد تقرر في الأصول أن النصّ الشرعي إذا كان بظاهره مخالفًا للواقع وجبَ تقدير ما يجعله مطابقًا له.
الدليل الثاني: الأوامر [القاضية] (1) بالعدل بين الزوجات، ومنها قوله في هذه الآية نفسها: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}
__________
(1) هنا كلمة مطموسة ولعلها ما أثبتناه.
(18/541)

ولو كان العدل بينهن ممتنعًا قليلُه وكثيره لما كان لتلك الأوامر فائدة.
الدليل الثالث: قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} فإن قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} يدل أن النشوز والإعراض محتملٌ فقط, لأنه فُرِض الخوف منه فرضًا. و"امرأة" في الآية عام, لأنها نكرة في سياق الشرط، يتناول من كان لها ضرة ومَن لا ضرة لها. وتعقيب هذه الآية بقوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا} الآية يدل على تناول "امرأة" لمن كان لها ضرة أو ضرائر، ويدل على ذلك سبب النزول، فقد جاء أنه قصة أم المؤمنين سودة (1). ولو كان العدل ممتنعًا البتة لكان النشوز والإعراض متحققًا، وقد عُلِم من أول الآية أنه محتمل فقط.
فإن قيل: فقد اعترفت أن العدل الكامل ممتنع، وحينئذٍ فلا بد أن يقع نشوزٌ ما أو إعراضٌ ما، فكيف يكون هذا محتملًا فقط؟
قلت: قد يكون النشوز والإعراض خفيًّا بحيث لا يظهر للمرأة، وعليه فيمكن أن لا تخاف نشوزًا ولا إعراضًا.
الدليل الرابع: قوله في الآية السابقة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} , والعدل فيها عام كما تقدم، وقد فُرِض امتناع الخوف من عدمه فرضَ المحتمل البعيد، وذلك ينفي أن يكون متحققًا حتمًا.
فهذه أربعة أدلة تُقابل الأربع الزوجات، وثَمَّ أدلة أخرى لا حاجة إلى ذكرها.
__________
(1) أخرجه أبو داود (2135) والحاكم في "المستدرك" (2/ 186) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 74، 75) من حديث عائشة.
(18/542)

فإن لم تطمئن نفسك إلى عموم العدل في الآية الأولى، وزعمتَ أن المراد العدل المعروف لا العدل الكامل ولا نوع من العدل، فلنا أن نسلِّم لك ذلك ثم نقول: قوله: {فَانْكِحُوا} صيغة أمر، وليس للوجوب قطعًا، فيُحمَل على الاستحباب؛ لأنه أقرب المحتملات إلى الحقيقة المتعذرة، وهي الوجوب. وإذا ثبت هذا ثبت مثلُه في قوله: {فَوَاحِدَةً} , أي فانكحوا واحدةً. فتوضيح الآية هكذا: المستحب لكم أن تنكحوا اليتامى اللاتي في حجوركم إلاَّ أن تخافوا أن لا تُقسِطوا إليهن، فالمستحب لكم أن تنكحوا غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع، إلاَّ أن تخافوا أن لا تعدلوا بين الزوجات العدلَ المعروف، فالمستحبّ لكم أن تنكحوا واحدةً فقط.
فغاية ما في الآية أنه عند الخوف لا يستحب نكاحُ أكثر من واحدة، وعدم الاستحباب لا يستلزم عدم الإباحة. فأما غير الإِسلام من الأديان فحسبُك أن إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام كان له عدة زوجات، كما تعترف به التوراة. والله أعلم.

تعدد الزوجات والفطرة:
1 - المقصود الأصلي من الزواج هو التناسل، والمرأة لا تستطيع أن تَحْبَل إلا مرة واحدة في السنة تقريبًا، والرجل يستطيع أن يُحبِل في ليلة واحدة عدة نساء. وقد نُقل عن عمر بن عبيد الله بن معمر أنه جامع في ليلةٍ سبعَ عشرة مرةً، وحُكي أن إفرنجيًّا وحبشيًّا تباريا، فلم يستطيع الإفرنجي إلاَّ ثلاث مرات بعد الجهد، وأتمَّ الحبشي ثلاثين مرة.
2 - مصلحة الطفل تقتضي أن لا ترضعه إلاَّ أمُّه، وإذا جومعت أو حملت
(18/543)

قبلَ الرضاع أضرَّ ذلك بالطفل، ولا سيما إذا حملت. وأما الرجل فلا شأن له بذلك، أي أن جِماعه لامرأة في حالِ أن امرأة أخرى تُرضِع ولده لا يضرُّ بالطفل.
روى أبو داود (1) بسند صحيح عن الربيع بن أبي مسلمة عن مولاته عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فإن الغَيْلَ يُدرِك الفارسَ فيُدَعْثِره".
وهذا الحديث إذا صحَّ فلا بدَّ أن يكون متأخرًا عن قوله - صلى الله عليه وسلم - في الغِيْلة: "لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرومَ"، وقوله: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة، فنظرتُ في الروم وفارس، فإذا هم يُغِيلون أولادهم، فلا يضرُّ أولادهم ذلك شيئًا" رواهما مسلم (2).
والدليل على تأخر حديث النهي أن قوله في الحديث الثالث: "لقد هممتُ أن أنهى" صريح في أنه لم يتقدم منه نهيٌ، والحديث الأول نهيٌ صريح.
ودليل آخر، وهو أن الحديثين الأخيرين كانا عن اجتهادٍ وظنًّ كما هو واضح، وحديث النهي جزمٌ بالضرر ولو بعد حينٍ، وظاهرٌ أن مثله لا يقوله - صلى الله عليه وسلم - إلا عن وحي.
فإذا التزم الرجل والمرأة ترك الغيلة كان حاصل ذلك أن الرجل يجامع مرةً للغرض الأصلي وهو النسل، ثم يبقى نحو ثلاث سنين معطلًا إذا لم
__________
(1) رقم (3881).
(2) رقم (1443،1442).
(18/544)

يكن له زوجة أخرى.
3 - كثيرًا ما تَعرِض للنساء الأمراضُ التي تمنع الحمل أو تُورِث الإسقاط، وقلّما يعرِض للرجل العقمُ. والمرأة بعد الخمسين من عمرها تيأس من الحمل، بخلاف الرجل فإنه تبقى له قوة التوليد إلى آخر عمره. وعلى هذا فإما أن يبقى الرجل مع هذه المدة معطَّلًا عن التوليد بتعطُّلها، وإما أن يطلِّقها عندما يشعر بذلك منها، وإما أن يتزوج غيرها، فأيُّ هذه أولى؟
4 - ومن مقاصد النكاح التعفُّف، والمرأة تحيض وتمرض وتحبل وتلد وترضع، ويرغب عنها الزوج، فماذا يصلح .... لم في هذه الأحوال: أيطلِّقها ليتزوج غيرها، أم يزني، أم يتزوج عليها؟ أيُّ هذه [أولى]؟ أما المرأة إذا عرض لزوجها ما جعله قاصرًا عن إعفافها فلا مخَلَصَ لها إلاَّ بسؤال الطلاق، إذ لا مخلصَ غيره إلاَّ الزنا أو ما قد يتخيله بعض السفهاء من إباحة أن تجمع بين زوجين، فتختلط الأنساب، وتذهب الشفقة والرحمة، ويضيع الأطفال، إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة.

تعدد الزوجات والمصالح:
1 - من مقاصد النكاح الارتباط بين العائلتين، وقد يحتاج الرجل إلى الارتباط بعائلتين فأكثر، ولا يتم له ذلك إلاَّ بأن يتزوج امرأةً من هذه العائلة وامرأةً من الأخرى.
2 - ومن مقاصد النكاح قيام الرجل بنفقة المرأة، ولا تطيب نفسُ الإنسان غالبًا بأن يقوم بنفقة امرأةٍ لا علاقة له بها.
3 - ومن مقاصده قيام الرجل بحماية المرأة، وقلما يهتم الرجل بحماية غير زوجته أو