Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 017

الرسالة الخامسة عشرة
رسالة في توسعة المسعى بين الصفا والمروة
(17/495)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158].
الصفا والمروة معروفان، نصّت الآية على أنّهما شعيرتان من شعائر الله، والعبادة المتعلقة بهما هي التَّطَوُّف بهما، وبينته السنةُ بما هو معروف.
قام النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مرّة على موضع مخصوص من الصفا لا تُعرف عينُه الآن، ثم سعى إلى المروة فقام [في] موضع مخصوص منها كذلك، ثم عاد في الشوط الثاني إلى الصفا كالمروة، وهكذا سبعًا، قد يكون قام ثانيًا وثالثًا ورابعًا على الموضع الأول من كلٍّ منهما أو على ما يقرب منه، ثم أُقيم بعد ذلك (1) حاجزٌ حصر الموضع الذي يُقام عليه من كلًّ منهما في مقدار معين، وكان ذلك المقدار يتّسع للناس فيما مضى، وأصبح الآن يضيق بهم، فهل يمتنع توسيعه وقوفًا على عمل من مضى؛ وإن ضاق وضاق؟ أم ينبغي توسيعه؟ لأنّ نصّ الكتاب ورد على "الصفا والمروة" وهما أوسع من ذاك المقدار. وحَصْرُ من مضى لذاك المقدار قد يكون لمزاحمة الأبنية وكفاية ذاك المقدار للناس إذ ذاك، فلم تَدْعُ الحاجةُ حينئذٍ لتوسعته بهدم الدور.
وهكذا يأتي في المسعى، أي: الطريق الذي يقع فيه السعي، فإنه واقع بين الأبنية من الجانبين، يتّسع تارة، ويضيق أخرى، وذلك يدلُّ على أنّه لم يُحدَّدْ، ولم يجئ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه ومَن بعدهم بيانٌ
__________
(1) كتب فوقها بخط دقيق غير واضح أربع كلمات (يوم في زمنها العصور المتصل).
(17/497)

لتحديد عرض المسعى، إلا ما ذكره الأزرقي (1) في زمانه: أنّه ذَرَع ما بين العَلَمَين الأخضرين اللّذَين يَلِيانِ المروةَ، فوجد ذلك خمسة وثلاثين ذراعًا ونصفَ ذراعٍ.
وهذا المقدار لا يستمرُّ في بقية المسعى ويظهر [كما هو ثابت] عند الأزرقي أنَّ موضع هذه الأعلام ليس من المسعى الأصلي، وإنّما هو مما حوّله المهدي العباسي إليه.
وعدمُ مجيء شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) وأصحابه في تحديد عرض المسعى يُشْعِر بأنّ تحديده غير مقصود شرعًا؛ وإلا لكان لتعرُّضِه لمزاحمة الأبنية أولى بالتحديد من عرفات ومزدلفة ومنى، وقد ورد في تحديدها ما ورد.
فهل يبقى المسعى كما هو، وقد ضاق بالسّاعين وأَضرَّ بهم؟ أم ينبغي توسعته؟ لأنّ المقصود هو السعي بين الصفا والمروة، وهو حاصل في المقدار الذي توسع به هذا الشارع، كما هو حاصل في هذا الشارع نفسه.
والله تبارك وتعالى عالم الغيب والشهادة لا يُكلِّف خلقَه بعبادة إلا ويُيسَّرها لهم أو يُرخِّص لمن شقّ عليه شيء منها أن يدَعَ ما شقَّ عليه، وقد أصبح السعي بحيث يضيق بالناس في أيام الموسم ويشقُّ عليهم، ولا سيَّما على النساء والضعفاء والمرضى، بل يلقَى منه الأقوياء شدّة، وسيزداد الحُجّاج إن شاء الله كثرةً سنةً بعد سنة.
__________
(1) "أخبار مكة" (2/ 119).
(2) أشار لها ب (ص) لضيق المكان.
(17/498)

في "النهاية" لمحمد الرملي الشافعي (ج 2 ص 416): "لم أرَ في كلامهم ضبطَ عرضِ المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإنّ الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محلِّ السعي يسيرًا لم يضرّ، كما نصّ عليه الشافعي".
وقال النووي في "شرح المهذب" (ج 8 ص 76): "وقال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو مرّ وراء موضع السعي في زقاق العطّارين أو غيره لم يصحّ سعيُه؛ لأنّ السعي مختصّ بمكان، فلا يجوز فعله في غيره كالطواف ... ، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئًا يسيرًا أجزأه، وإن عَدَل حتى يفارق الوادي المؤدّي إلى زقاق العطّارين لم يَجُز، وكذا قال الدارمي: إن التوى في السعي يسيرًا جاز، وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا. والله أعلم".
قوله: "لا يجوز السعي في غير موضع السعي"، يتبادر منه المكان المحدّد. ويحتمل أن يُراد: المكان المُعَدّ للسعي، فيشمل ما زاد على المسعى القديم توسعةً له.
[ص 2] وقوله: "كالطواف" يُعيِّن المعنى الثاني، فإن المكان الذي يختصّ به الطواف لا يقتصر على ما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان المسجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الموضع المعروف الآن بالمطاف، وكان الطواف لا يجوز خارجه، ثم وُسّع المسجد مرة بعد أخرى.
واتفق أهل العلم على أنّ ما زِيد في المسجد فصار منه؛ صحّ الطوافُ فيه، وإذا صح هذا في المطاف مع مشاركة الاعتكاف والصلاة وغير ذلك للطواف في الأحكام أنه تثبت تلك الأحكام كلها للزيادة ثبوتَها للأصل؛ ففي
(17/499)

المسعى أولى.
والأصل في هذا قول الله تبارك وتعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].
والتطهير يشمل التطهير من الأرجاس المعنوية والحسية. والطوافُ والعكوفُ والصلاة موضعُها حولَ البيت، فما حولَ البيت داخل في الأمر بالتطهير. فأَمْرُ الله تعالى تطهيرَ ما حول البيت للطائفين والعاكفين والمصلين، كما يُوجب تطهيرَ الموضع لهؤلاء، يقتضي أن يكون الموضع بحيثُ يَسَعُهم، ولا تقتضي الحكمة أن يُوسَّع الموضع من أول مرّة إلى الغاية التي يُعلم أنّه لن يضيق بالناس مهما كثروا إلى يوم القيامة، وإنّما تقتضي أن يكون أوّلًا بحيث يكفي الناسَ في ذاك العصر، ومع ذلك فلا ريبَ أن النّاس إذا كثروا بعد ذلك ولم يَسَعْهم الموضع وجب توسعته بدلالة الآية, لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أُمّته مِن بعده مُخَاطَبون بما خُوطِب به إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من تطهير ما حولَ البيت للطائفين والعاكفين والمصلّين، أي: بالقدر الذي يكفيهم كما مرّ.
وبهذا جَرى عملُ الأمة؛ فقد وُسِّع المسجد في عهد عمر، ثم في عهد عثمان، ثم في عهد ابن الزبير رضي الله عنهم، ثم بعد ذلك، وأكرم الله عزَّ وجلَّ إمام المسلمين صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز - أيّده الله - لهذه التوسعة العظيمة. ولعلها مهما عَظُمت لا تكون آخرَ توسعةٍ. وهذه التوسعات كلها عملٌ بالآية.
وتوسعة المسجد هي نفسها توسعةٌ للمطاف، لاتّفاق العلماء على صحة
(17/500)

الطواف فيما يُزاد في المسجد، غير أنّ منهم من شرطَ أن لا يَحُول بين الطائف والكعبة بناء، ولهذا ولأن ما وراء الموضع المعروف بالمطاف الآن غير مهيّأ للطواف، ويكون فيه المصلّون والجالسون والمشاة وغيرهم فيشقُّ الطواف فيه، لِمَا ذُكر = اقتصر الناس على الموضع المعروف بالمطاف، وأصبح يضيق بهم جدًّا أيامَ الموسم، فدعت الحاجة إلى توسعته، وبلغني أنّ التوقف عن ذلك منشؤه التوقف عن تأخير مقام إبراهيم.
والبحث في مقام إبراهيم يطول، غير أنّه يمكن اختصاره بأنّ توسعة المطاف واجبة [ص 3] قطعًا عند تحقُّق الضيق كما اقتضته الآية، والأمر بتطهير الموضع للطائفين وغيرهم يستلزم الأمر بتهيئته لهم، وإبقاءُ مقام إبراهيم في مكانه يُنافِي ذلك، وليس على إبقائه حُجة تترجّح على هذه الحجة أو تُكافِئها.
والمقام: هو الحَجَر المعروف، وأصله كما في "صحيح البخاري" (1) في ذكر إبراهيم من أحاديث الأنبياء عن ابن عباس: أنّ إبراهيم عليه السلام كان يقوم عليه وهو يبني الكعبة عندما ارتفع البناء. وعلى هذا فموضعه في الأصل عند جدار البيت، وأكثر الروايات وأثبتُها أنّ عمر هو الذي أخّره إلى موضعه الآن، وقيل: أخّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: جاء الإسلام وهو في محلِّه الآن، وأيًّا ما كان فإنّما أُخّر لئلا يُضيّق هو والمصلُّون خلفه على الطائفين، كما نبّه عليه ابن حجر في "الفتح" (ج 8 ص 129) (2). فهذا المعنى هو الموجب لتأخيره.
__________
(1) رقم (3364).
(2) (8/ 169) ط. السلفية.
(17/501)

وفي تأخيره لهذا المعنى الشهادةُ لهذا المعنى بأنّه موجب لتأخير المقام؛ فإن كان أُخّر قبل الإسلام فقد أقرّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أخّره فالأمر أوضح، وإن كان عمر هو الذي أخّره فإنّما عمِلَ بدلالة القرآن كما مرّ، وكأنّ الضيق إنّما تحقّق في عهده حين أكثر المسلمون، ومع دلالة القرآن عملُ الخليفةِ الراشد، وإجماع الصحابة فمن بعدهم، ودلالة القرآن مستغنية بنفسها. وهذا المعنى الذي اقتضى تأخيره إذ ذاك قائم الآن، فاقتضاؤه للتأخير الآن بغاية الوضوح.
فأمّا ما رُوي (1) أنّ السيلَ احتمله في عهد عمر، فتحرّى عمر إعادته في مكانه, فكأنّ عمر لمّا أخّره قبل ذلك تحرّى أن يبقى مع تأخيره مُسامتًا (2) للموضع الذي كان يليه من جدار الكعبة لا يميل عنه يَمْنةً ولا يسرةً؛ لأنّ المعنى المذكور إنما أوجب التأخير فاقتضى .... (3)، فلمّا احتمله السيلُ بعد ذلك تحرّى عمر إعادته إلى مكانه لأجل المسامتة.
وعلى القول بأنّه أُخِّر قبل عمر فتحرِّيه إعادته إلى مكانه قد تكون لما ذُكِر، وقد تكون لأنّه لم يكن يرى إذ ذاك داعيًا (4) لتحويله؛ لأنّه لم يكن قد حصل به التضييق. وعلى ما ذكر فإذا أُخِّر الآن فينبغي أن لا يخرج به عن مسامتة الموضع الذي يُسامِته الآن من الكعبة لا عن يَمْنة ولا يَسْرة.
فأمّا ما اشتهر أنّ موضعه الأول كان في الحفرة المحدثة إلى جانب
__________
(1) أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (2/ 35).
(2) في الأصل كلمة غير واضحة. وهكذا قدرتها.
(3) كلمتان إحداهما لم أتبينها والأخرى لم تظهر في التصوير.
(4) في الأصل: "داع".
(17/502)

الباب فهذا لم يثبت، وأقوى شيء فيه ما ذكره الأزرقي في "تاريخه" (1/ 239) (1): روى عن جده ثنا داود بن عبد الرحمن [عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبيه عن جده قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر بن الخطاب الردم الأعلى، وكان يقال لهذا الباب باب السيل، قال: فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه، وربما تحته إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقال له سيل أم نهشل ... إلى آخر الخبر] (2).
وقد يمكن الجمع بين تهيئة المطاف والمحافظة على موضع المقام في الجملة، بأن يُهْدَم البناء ويعلّم موضع المقام بعلامة ثابتة، ثم يوضع في صندوق ثقيل وتُجعل له ظُلَّة خفيفة على عَجَل، ففي أيام الموسم يؤخَّر الصندوق بالظلَّة إلى حيث تدعو الحاجة مع المحافظة على السمت، ثم عند زوال الموجب يعاد إلى موضعه الآن.
وكالحكم في المطاف الحكم في المسعى، أَمْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بالسعي بين الصفا والمروة يوجب تهيئة موضع يسعى الناسُ فيه يكون بحيث يكفيهم، فإذا اقتصر من مضى على موضع يكفي الناسَ في عصرهم، ثم ضاق بالناس فصار لا يكفيهم، وجبَ توسعته بحيث يكفيهم، وإذا وُسِّع الآن بحيث يكفي الناس، فقد يجيء زمان يقتضي توسعته أيضًا.
هذا، وقد جرى تغييرٌ للمسعى في بعض جِهاته في زمن المهدي
__________
(1) (2/ 33) ط. رشدي ملحس.
(2) ما بين المعكوفين من كتاب الأزرقي.
(17/503)

العباسي، ففي تاريخ الأزرقي (ج 2 ص 59 - 60) (1) في زيادة المهدي سنة 160 فما بعدها: "ودخلت أيضًا دار خيرة بنت سباع الخزاعية، بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار دُفِعت إليها، وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخَّر المسعى".
وفيه (ص 63) (2) في ذِكْر زيادة المهدي الثانية: "وكان المسعى في موضع المسجد الحرام اليوم".
[ص 4] وفيه (ص 64) (3): "واشتروا الدور وهدموها، فهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العائذي، وجعلوا المسعى والوادي فيها .... ".
ويشهد لهذا انحراف المسعى في ذاك الموضع، وكأنّه كان قبل ذلك على خط مستقيم بين الصفا والمروة، أو أدنى إلى الاستقامة.
وذكر القطبي في تاريخه (ص 47 من الطبعة الأولى) هذا التحويلَ ثم قال: "وههنا إشكال لم أرَ من تعرّضَ له، وهو أن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله علينا في ذلك المحلّ المخصوص، ولا يجوز لنا العدول عنه، ولا تُعتبر تلك العبادة إلا في ذلك المكان المخصوص الذي سعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، وعلى ما ذكره هؤلاء الثقات أدخل ذلك المسعى في الحرم الشريف، وحُوَّل المسعى إلى دار ابن عباد كما تقدم، وأمّا المكان الذي يُسعى فيه الآن فلا يتحقَّق أنه بعض من المسعى
__________
(1) (2/ 74, 75) ط. رشدي ملحس.
(2) (2/ 79).
(3) (2/ 80).
(17/504)

الذي سعى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره، فكيف يصحّ السعيُ فيه وقد حُوِّل عن محلّه كما ذكر هؤلاء الثقات؟
ولعلّ الجواب عن ذلك أنّ المسعى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عريضًا، وبُنيت تلك الدور بعد ذلك في عَرْض المسعى القديم فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام، وترك بعضها للسعي فيه، ولم يحوّل تحويلًا كليًّا، وإلا لأنكره علماء الدين من العلماء المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين مع توفُّرهم إذ ذاك، فكان الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما والإمام مالك رضي الله عنه موجودين [] (1)، وقد أقرُّوا ذلك وسكتوا. وكذلك مَن صار بعد ذلك الوقت في رتبة الاجتهاد، كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وبقية المجتهدين رضي الله عنهم فكان إجماعًا ....
وبقي الإشكال في جواز إدخال شيء من المسعى في المسجد، وكيف يصير ذلك مسجدًا، وكيف حال الاعتكاف فيه؟
وحلُّه بأن يُجعل حكم المسعى حكم الطريق، فيصير مسجدًا ويصحُّ الاعتكاف فيه، حيث لم يضر بمن يسعى، فاعلم ذلك، وهذا مما انفردتُ ببيانه ولله الحمد".
أقول: أمّا أوّل كلامه فيكفي في الجواب عنه الاعتبار بالمطاف، للاتفاق على صحة الطواف فيما زيد في المسجد في غير الموضع الذي طاف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذي كان في عهده لا يجوز الطواف إلا فيه.
__________
(1) لعل هنا تكملة لم تظهر في التصوير لعدم وضوح الأصل.
(17/505)

وأمّا حدسه "أنّ المسعى كان عريضًا فبُنِيَت فيه الدور"، فيَخْدِش فيه أنّ المسعى لو كان محدّدًا لبعُدَ أن يجترئ الناسُ على البناء فيه، ويُقِرّهم العلماء والأمراء، حتى يشتري المهدي منهم تلك الدور بأغلى الأثمان.
ثم على فرض صحة هذا الحدس فلم يُجعل المسعى أوّلًا عريضًا إلا لترقُّب أن يكثر الناس فلا يسعهم ما دونه، وعلى هذا فقد كان يجب أن ينكر أهلُ العلم فعل المهدي، قائلين: إنّ هذا الذي أبقيتَ، وإن كان يكفي الناسَ الآن، فقد يكثرون فيما بعد ويضيق بهم، [ص 5] ولا يمكن أن يرد إليه هذا الذي تريد إدخاله في المسجد كما يمكن هدم الدور؛ لأنّه لا يمكن إزالة حكم المسجد ولا جَعْلُه مسجدًا ومسعى معًا؛ لأن كلاًّ منهما يختصّ بحكم، فالحائض ليس لها أن تلبث في المسجد؛ ولها الّلبث في المسعى، فلو طافت المرأة للإفاضة طاهرًا، وبقي عليها السعي فحاضت عقب الطواف، أمكنها أن تسعى في المسعى وتُتمّ نُسكَها وتسافر، ولا يمكنها ذلك في المسجد، إلى غير ذلك من الأحكام.
فلو صحّ حَدْس القطبي لدلّ إقرار أهل العلم له على أنّهم يرون جواز توسعة المسعى من الجانب الآخر، فيرون أنّه إذا ضاق ما أبقاه المهدي من المسعى بالناس أمكن توسعة المسعى من الجهة الأخرى، فهذا أيضًا يدلُّ على جواز التوسعة كما ترى.
وقد يقال بناءً على حَدْس القطبي: لعل أهل العلم إذ ذاك علموا أنّ المسعى في الأصل حَصَرَ جميعَ ما بين الصفا والمروة، وأنّه لا يمتنع البناء فيما زاد على الحاجة، فإذا زادت الحاجة هُدِم من الأبنية ما تُوفي به الحاجة، فعلى كلّ حال لا بدّ من التوسعة عند الحاجة.
(17/506)

هذا، وإن الله تبارك وتعالى وضع البيت ولم يكن فيما حوله حقٌّ لأحد, ثم جعل له حِمًى واسعًا وهو الحرم الذي لا يحلُّ صيده، ولا تُعضَد شجره، فهذا الحرم كلّه من اختصاص البيت تقام فيه مصالِحُه، غير أنّه [يجوز] للناس أن يضعوا أيديهم على ما زاد عن مصالح البيت وينتفعوا به، على أن مصالح البيت [إن احتاجت] (1) يومًا ما إلى شيء مما بأيدي الناس من الحرم أُخِذ منهم، ووُفّيت به مصالح البيت. وإلى هذا يشير قول عمر للذين نازعوا في بيع دورهم لتوسعة المسجد قال: "إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها, ولم تنزل الكعبة عليكم". تاريخ الأزرقي (ج 2 ص 55).
فما حول الكعبة هو من اختصاصها, ليُجعَل منه مسجدٌ يُطاف فيه ويُعكَف ويُصلَّى، فإذا جُعِل بعضُه مسجدًا صار مسجدًا، وبقي الباقي صالحًا لأَنْ يزاد في المسجد عند الحاجة، فما زيد فيه صار منه.
وما بين الصفا والمروة من اختصاصهما ليجعل منه مسعى يُسعى فيه بينها، فإذا جُعل بعضُه مسعى صار مسعى يصحّ السعي فيه، وبقي الباقي صالحًا لأن يُزاد في المسعى عند الحاجة، فما زيد فيه صار منه.
والكعبة هي الشعيرة في الأصل، شُرِعَ الطوافُ بها والعكوف عندها والصلاة، وهذه الأمور لا بُدَّ لها من موضع، فهو حولها، فالموضع كالوسيلة ليكون فيه الطواف بالكعبة وغيره.
وهكذا الصفا والمروة هما الشعيرتان بنصّ القرآن، فأمّا ما بينهما فهو بمنزلة الوسيلة ليسعى فيه بينهما، والوسائل تحتمل أن يُزاد فيها بحسب ما
__________
(1) طمس في الأصل، لعله ما أثبته.
(17/507)

هي وسيلة له، كطواف الطائفين، وسعي الساعين، ولا يجب أن تُحدَّد تحديدَ الشعائر نفسها. والله الموفق.
(17/508)

الرسالة السادسة عشرة
رسالة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج
والكلام على وادي محسِّر
(17/509)

بسم الله الرحمن الرحيم
في "الصحيحين" (1) وغيرهما عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سُئل أسامةُ وأنا جالس: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حينَ دَفَع؟ قال: "كان يسيرُ العَنَقَ، فإذا وجدَ فجوةً نصَّ". لفظ البخاري، وزادا في رواية: "قال هشام: والنصُّ فوق العَنَق".
المشهور أن العَنَق سيرٌ فيه إسراع، وقد يَرِدُ على ذلك أنّ في روايةٍ في "صحيح مسلم" (2). عن أسامة بن زيد: "فما زال يسير على هيئته (ويُروى: على هِينَتِه) حتى أتى جَمْعًا".
وفي روايةٍ في "المسند" (3) سندها صحيح: "فجعل يَكْبَحُ راحلتَه حتى إنّ ذِفْرَاها لتكاد تُصِيب قادمةَ الرَّحْل، وهو يقول: يا أيها الناس، عليكم بالسكينة والوقار، فإن البرَّ ليس في إيضاع الإبل".
وفي أخرى (4) سندها حسن: "فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا الْتحَمَ عليه الناسُ أعنقَ، وإذا وجدَ فُرْجةً نصَّ".
وفي "المسند" و"صحيح مسلم" (5) في حديث جابر: "وقد شَنَقَ
__________
(1) البخاري (1666) ومسلم (1286).
(2) رقم (1286/ 282).
(3) رقم (21756, 21803).
(4) رقم (21760، 21761).
(5) "صحيح مسلم" (1218). وحديث جابر في "المسند" (14440)، وليس فيه هذا اللفظ.
(17/511)

للقصواء الزِّمامَ، حتى إن رأسَها لَيصيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقول: أيها الناس السكينةَ السكينةَ، كلَّما أتى حَبْلًا من الحِبال (1) أرخَى لها حتى تَصعَد".
وفي معنى ذلك أخبار أخرى، فأيُّ إسراعٍ يكون لناقةٍ مُنوَّقةٍ، مشنوقٍ لها الزمامُ أشدَّ الشَّنْقِ، ملتحمٍ عليها المشاةُ والركبان؟
وقد يُجاب بأن العَنَق في الأصل كما هو في "الفائق" (2): "الخَطْو الفسيح"، فالسرعة فيه من جهة سعة الخطو، لا من جهة سرعة تتابُعِه، والإبلُ بطبيعة حالها واسعةُ الخطو.
وفي "فقه اللغة" للثعالبي (3): "فصل في ترتيب سير الإبل: عن النضر بن شُميل: أولُ سيرِ الإبل الدَّبيبُ، ثم التزيُّد، ثم الذَّمِيل، ثم الرَّسِيم ... ، فصل في مثل ذلك عن الأصمعي: العَنَق من السير المُسْبَطِرّ، فإذا ارتفع عنه قليلًا فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك هو الذَّميل، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الرَّسِيم". وقضيةُ هذا أن أول سير الإبل يسمَّى عَنَقًا.
وبعدُ، فقد عُرِف بالوصف حقيقةُ سيرِ ناقتِه - صلى الله عليه وسلم - عند الازدحام. فأما النصُّ فهو كما قال هشام فوق ذلك، كأنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وجد فجوةً أي خُلوًّا عن المزاحمين أرخَى الزِّمامَ، فتُسرِع قليلًا بطبيعة حالها. ولم يُعيِّن الصحابة مواضعَ تلك الفَجَوات؛ لأنه لا دَخْلَ لخصوص المكان فيها، وإنما المدار على الخُلوِّ من المزاحمين كما مرّ.
__________
(1) الحبل: التلّ اللطيف من الرمل الضخم. وفي "شرح السنة" (7/ 165): الحبال ما كان دون الجبال في الارتفاع.
(2) (1/ 429).
(3) (ص 203).
(17/512)

وقد عُلِم مما مرَّ أنه من عرفةَ إلى مزدلفةَ لم يُسرِع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق العادة، وأنه ليس بينهما مكانٌ يُشْرَع فيه الإبطاء أو الإسراعُ المعتاد، وإنما المدار على الزحام وعدمه.
فأما من مزدلفةَ إلى جَمْرةِ العقبة ففي "المسند" (1) بسند صحيح عن أسامة: "لما دَفَعَ من عرفةَ ... كَفَّ رأسَ راحلته، حتى أصاب رأسُها واسطةَ الرَّحْل أو كاد يُصيبه، يشير إلى الناس بيده: السكينةَ السكينةَ، حتى أتى جَمْعًا، ثم أردف الفضلَ بن عباس ... فقال الفضل: "لم يزلْ يَسير سَيْرًا لينًا كسَيْره بالأمس حتى أتى على وادي مُحسِّر، فدَفَعَ في حتى استوتْ به الأرضُ".
وفي حديث جابر في "المسند" و"صحيح مسلم" (2) وغيرهما: "حتى أتى بطنَ محسِّر، فحرَّك قليلًا".
وفي "سنن النسائي" (3) من حديث أبي الزبير عن جابر: "أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضَعَ في وادي مُحسِّر ... ". وهو في "المسند" وبقية السنن, قال الترمذي: "حسن صحيح".
وفي بعض رواياته في "المسند" و"سنن ابن ماجه" (4): "وقال: لِتأخُذْ أمتي نُسكَها، فإني لا أدري لَعلِّي لا ألقاهم بعد عامي هذا".
__________
(1) رقم (21812).
(2) مسلم (1218). وليس في "المسند" هذا اللفظ.
(3) (5/ 258). وهو في "المسند" (15207)، وأخرجه أبو داود (1944) والترمذي (886) وابن ماجه (3023) أيضًا.
(4) "المسند" (14553، 14946) وابن ماجه (3023).
(17/513)

[ص 2] وفي "المسند" و"سنن الترمذي" (1) من حديث علي: " ... ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي مُحسِّر، فقَرَع ناقته، فخَبَّتْ به حتى جاوز الوادي"، لفظ الترمذي، وقال: "حسن صحيح".
في هذه الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصَّ واديَ مُحسِّر دون ما قبله وما بعده بأن قرعَ ناقتَه فيه لِتُسرِع فوق العادة، ولم يكن لذلك سببٌ طبيعي، ففهمَ الصحابة رضي الله عنهم أن ذلك لأمرٍ شرعي، وأن مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان، ولذلك نَصُّوا عليه وفاءً بما أُمِروا به من التبليغ، وعَمِلوا به بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، جاء ذلك عن عمر وابن عمر، وأخذتْ به الأمة، فهو سنة ثابتة.
وهل يُشرَع مثلُ ذلك الإسراع عند المرور بمُحسِّر في الطلوع إلى عرفةَ وعند المرور به في غير الحج؟ لم أجِدْ دليلاً خاصًّا على ذلك، وقد يُستدلّ على عدمه بأنه لم يُنقَل أنه - صلى الله عليه وسلم - أسرعَ فيه عند طلوعه إلى عرفة، وقد يُدفَع هذا باحتمال أنه عند الطلوع لم يكن قد أمر بالإسراع، فتركَه لأنه لم يكن مشروعًا حينئذٍ، أو لعله أسرعَ ولم يُنقَل ذلك؛ لأنهم لم يَعتنُوا ببيان سَيْرِه في طلوعه كما اعتنَوا ببيان سيره في نزوله، واكتفاءً بدلالة إسراعه به في نزوله على أن الإسراع فيه مشروعٌ مطلقًا. فما هذه الدلالة؟ مدارها على المعنى الذي لأجله شُرِع الإسراعُ، وفي ذلك أقوال:
الأول: أن ذلك الوادي مأوًى للشياطين، وكأن هذا مأخوذ من قصة الوادي الذي نام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة الصبح، فلما استيقظوا وقد طلعت الشمسُ أمرهم بالخروج منه، وعلَّل ذلك بأن فيه شيطانًا،
__________
(1) "المسند" (562) والترمذي (885).
(17/514)

فاقْتادُوا رواحلَهم حتى خرجوا منه، فصلَّى بهم (1).
ويردُّ هذا أن الخروج إنما كان لمصلحة الصلاة، لا لكراهية الكون في الوادي، فقد باتوا فيه وناموا. وأيضًا فلم يُسرِع، ولا أمرهم بالإسراع في خروجهم.
الثاني: أن النصارى كانوا يقفون بمُحسِّر، فأوضعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفةً لهم. وكأنّ هذا مأخوذ مما رُوِي أن عمر قال وهو يُوضِعُ:
إليك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُها
مُعترِضًا في بطنِها جنينُها
مخالفًا دينَ النصارى دينُها (2)
ولا يخفى أن هذا لا يدلُّ على أن النصارى كانوا يقفون بمحسِّر، ويكفي في معنى البيت مخالفةُ النصارى في شركهم وعدمِ حجِّهم. وأيضًا فلو ثبت أنهم كانوا يقفون به فالمخالفةُ تحصلُ بعدم الوقوفِ، فلا تقتضي الإسراعَ.
الثالث: أن المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم. وكأن هذا مبنيٌّ على الذي قبله، ولكن لما كانت دعوى وقوف النصارى لا سندَ لها أبدلوا بالمشركين, لأنه قد رُوِي ما يُشبه ذلك (3) في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
__________
(1) أخرجه مسلم (680) وغيره من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه الشافعي في "الأم" (3/ 552) وابن أبي شيبة في "المصنّف" (15889، 26564). والأبيات بلا نسبة في "اللسان" (قلق، وضن).
(3) انظر ما رُوي في هذا الباب في "الدر المنثور" (2/ 444 - 446).
(17/515)

ويردُّه أنه إذا كانت الآية تشير إلى ذلك فإنها تشير إلى أن ذلك كافٍ عند قضاء المناسك، وأكثر الروايات توافق ذلك، وأنهم كانوا يتفاخرون بمنى، وفي بعضها: عند الجمرة، وفي بعضها: يوم النحر. وليس في الروايات ذِكرٌ لمُحسِّر. وأيضًا فمخالفتهم في ذلك لا تقتضي الإسراع.
الرابع: وهو المشهور أن وادي مُحسِّر موضعٌ نزل به عذاب، قال ابن القيم في "الهَدْي" (1): "فلما أتى بطنَ محسِّر حرَّك ناقته وأسرعَ السير، وهذه كانت عادتَه في المواضع التي نزلَ فيها بأسُ الله بأعدائه، فإنَّ هنالك أصاب أصحابَ الفيل ما قصَّ الله علينا, ولذلك سُمِّي ذلك الوادي وادي مُحسِّر، لأن الفيل حَسُرَ فيه، أي أعيا وانقطع عن الذهاب. وكذلك فعلَ في سلوكه الحِجْرَ وديارَ ثمود، فإنه تَقنَّع بثوبه وأسرع السيرَ (2)، ومُحسِّر برزخ ... ". وسيأتي بقية عبارته.
وهذا القول مقبول، وشاهده - وهو الإسراع في أرض ثمود - منقول، ووَجِيهٌ أن يُكرَه الكونُ بمنازل غضب الله عَزَّ وَجَلَّ فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، كما يُستَحَبّ الكونُ واللبثُ بمنازل بركة الله عَزَّ وَجَلَّ كمكة والمدينة. ولا يخَدِشُ في هذا الوجه الوجيه أن نجهل ما هو العذاب الذي نزلَ بمُحسِّر، فإنّ ما ذكروه من أنه عذاب أصحاب الفيل، وأن الفيل حُبِسَ هناك، متعقَّب بأن المعروف في الأخبار والأشعار والآثار أن ذلك كان بالمغمَّس (3) حذاءَ عرفة، [ص 3] وأن الفيل حُبِس دون الحرم، لكن لا مانع
__________
(1) "زاد المعاد" (2/ 236).
(2) أخرجه البخاري (3380) ومسلم (2980) من حديث ابن عمر.
(3) انظر "سيرة ابن هشام" (1/ 47، 48) و"تاريخ الطبري" (2/ 132).
(17/516)

أن تكون طليعة من أصحاب الفيل تقدَّمت الفيلَ والجيشَ فبلغتْ مُحسِّرا. وقيل: إن العذاب هو أن رجلاً اصطادَ فيه، فنزلتْ نار فأحرقتْه. وقد علمتَ أن وجاهة القول الرابع لا يَخدِش فيها الجهلُ بتعيين العذاب.
وإذا كان ذاك المعنى هو المتجه فلا ريبَ أن اقتضاءه للإسراع في مُحسِّر كراهيةُ الكون به فوق ما لا بُدَّ منه من المرور السريع، لا يختص بالحاجّ المفيض من مزدلفة، فيُلْحَق به غيره استنباطًا، والله أعلم.

فصل
إذا ثبت أن مُحسِّرًا يُكرَه الكون به فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، وجب أن لا يكون من البقعة التي شُرِعت فيها البيتوتةُ لياليَ التشريق، والكون بها بقيةَ نهار الثامن وليلة التاسع ويوم النحر وأيام التشريق، وهي منى، فلا يكون مُحسِّر من منى في الحكم، فأما في الاسم فقد جاء ما يدل على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدل على أنه من منى في الاسم، وجاء ما يدل على أنه ليس من منى ولا مزدلفة.
فأما الأول: فأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (1) عن زيد بن أسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "عرفةُ كلها موقفٌ إلا عُرَنَة، وجَمْعٌ كلها موقف إلا مُحسَّرًا". وأخرج (2) عن ابن الزبير: "كلُّ مزدلفةَ موقفٌ إلا واديَ مُحسِّر". وعن عروة
__________
(1) (3/ 521)، وهو مرسل.
(2) أي ابن جرير في "تفسيره" (3/ 521). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (1/ 79).
(17/517)

ابن الزبير (1) مثله. وخبر عبد الله بن الزبير في "الموطأ" (2) عن هشام بن عروة عنه.
والأصل في الاستثناء الاتصال، فيكون محسِّر داخلًا في مزدلفةَ في الاسم خارجًا عنها في الحكم. فعلى هذا لا يكون من مني في الاسم أيضًا.
فإن قيل: قضية هذا أن تكون عُرَنَة داخلةً في اسم عرفة وإن خرجت عنها في الحكم.
قلت: لا مانعَ من هذا، بل يشهد له ما ذكره صاحب "القِرى" (3) وغيره بعد ذكر تحديد ابن عباس لعرفة أنه يدخل فيها عُرنة، ويوافقه حديث ابن عمر في "المسند" و"سنن أبي داود" (4): "غدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... حتى أتى عرفةَ، فنزل بنَمِرَة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة ... ". ونَمِرة من عُرَنة.
وأما الثاني: فيدلُّ عليه ما في "المسند" و"صحيح مسلم" و"سنن النسائي" (5) من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي مَعبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن أخيه الفضل - وكان رديفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عشيةَ عرفة وغداةَ جَمْعٍ للناس حين دَفَعوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كافٌّ
__________
(1) "تفسير ابن جرير" (3/ 521).
(2) (1/ 388).
(3) "القرى لقاصد أم القرى" (ص 346، 347).
(4) "المسند" (6130) و"سنن أبي داود" (1913). وإسناده حسن.
(5) "المسند" (1796) و"صحيح مسلم" (1282) والنسائي (5/ 258).
(17/518)

ناقتَه حتى دخل مُحسِّرًا - وهو من منى - قال: "عليكم بحصى الخَذْف الذي يُرمَى به الجمرة"، وقال: لم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُلبِّي حتى رمى الجمرة. لفظ مسلم. وفي "المسند" و"سنن النسائي": "حتى إذا دخل".
ثم ساقه مسلم (1) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير، ولم يسق المتنَ، وقد ساقه الإمام أحمد في "المسند" (2)، وفيه: "حتى إذا دخل منًى حين هبط محسَّرًا قال: عليك بحصى الخَذْف ... ".
ولم يكن مقصود الفضل إلا الإخبار بما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - في مَسِيره من المزدلفة إلى جمرة العقبة، بدون نظرٍ إلى حكم البيتوتة، فغايةُ ما يُؤخذ من خبره أن مُحسِّرًا من منًى في الاسم. ومسلم أخرج هذا الحديث في "صحيحه" في أحاديث استدامة التلبية إلى رمي جمرة العقبة، ولم يُخرِجه في الموضع الذي يتعلق بحكم البيتوتة، وبين الموضعين أربعة عشر بابًا في تبويب النووي.
ولم أجد هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير، وقد رواه جماعة غير أبي معبد عن ابن عباس، ورواه جماعة غير ابن عباس عن الفضل، ولم أرَ في شيء من رواياتهم هذه الكلمة أو معناها أن مُحسِّرًا من منى. وأبو الزبير وثَّقه جماعة، وليَّنه آخرون. قال الشافعي: "أبو الزبير يحتاج إلى دعامة" (3).
__________
(1) رقم (1282).
(2) رقم (1794).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 441).
(17/519)

وقد لا يبعد أن تكون كلمة "وهو من منى" - وهي في الرواية التي اتفق طى إخراج لفظها الإمام أحمد ومسلم والنسائي - مدرجةً من قول أبي الزبير، وأن راوي الرواية الأخرى خفي عليه الإدراجُ، وروى بالمعنى. والله أعلم.
[ص 4] وأما الثالث: وهي أن مُحسِّرًا ليس داخلًا في اسم منى ولا اسم مزدلفة فهو المشهور، وفي "تاريخ الأزرقي" (ج 2 ص 155) (1): "حدثني جدّي، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج ... قلت لعطاء: وأين المزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا أفضْتَ من مأزِمَيْ عرفةَ فذلك إلى مُحسِّر ... ".
وفيه (ص 139) (2) بهذا السند عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين منى؟ قال: من العقبة إلى محسِّر. قال عطاء: فلا أحِبُّ أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسِّر. وهو خبر واحد قطعَه.
وقد روى ابن جرير في "تفسيره" (3) القطعة الأولى: "حدثنا هناد قال: ثنا ابن أبي زائدة قال: أنا ابن جريج قال: قلت لعطاء ... ". وسنده صحيح.
فأما سند الأزرقي ففيه مسلم بن خالد فيه لين، لكنه فقيه مكة في عصره، وهذا الحكم مما يُعنَى به فقهاء مكة. وشيخه ابن جريج إمام، وهو فقيه مكة في عصره أيضًا، وهو ممن روى حديث أبي الزبير السابق، وكأنه لم يُعوِّل على ما فيه مما يدل أن محسِّرًا من منى. وعطاء إمام، وهو فقيه مكة في
__________
(1) "أخبار مكة" (2/ 191، 192) ط. رشدي ملحس.
(2) (2/ 172).
(3) (3/ 519).
(17/520)

عصره، وروى عن ابن عباس حديثَ الفضل وغيره.
ثم جاء فقيه عصره الإمام الشافعي، وهو مكي أخذ عن مسلم بن خالد وغيره، قال في "الأم" (ج 2 ص 179) (1): "والمزدلفة من حين يُفضِي من مأزِمَيْ عرفة - وليس المأزمان من مزدلفة - إلى أن يأتي قرنَ مُحسِّر". وقال (ص 182) (2): "ومِنًى ما بين العقبة - وليست العقبة من منى - إلى بطن محسِّر، وليس بطنُ مُحسِّر من منى".
وهذا القول أعني أن محسِّرًا ليس من المزدلفة ولا من منى، هو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابن حزم في "المحلَّى" (ج 7 ص 188): المسألة 853: "وعرفة كلها موقف إلا بطنَ عُرَنة، ومزدلفة كلها موقف إلا بطنَ مُحسِّر, لأن عرفة من الحلّ، وبطن عُرَنة من الحرم فهو غير عرفة، وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام وهي من الحرم، وبطن محسِّر من الحلّ فهو غير مزدلفة".
ولا ريب أن منى عنده من الحرم، فهي غير محسِّر الذي هو عنده من الحلّ. وقد أغربَ في زعمه أن بطن عُرَنة من الحرم، وأغربُ من ذلك زعمُه أن محسِّرًا من الحلّ. احتجّ ابن حزم باختلاف المكانين في أن هذا من الحلّ وهذا من الحرم على تغايرهما واختلاف حكمهما، وإنها لحجةٌ لو صحَّ ذاك الاختلاف.
__________
(1) (3/ 549) ط. دار الوفاء.
(2) (3/ 561).
(17/521)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مناسكه" (1): "ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزِمَيْ عرفة إلى بطن مُحسِّر، فإن بين كل مشعرينِ حدًّا ليس منهما، فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عُرَنة، وبين مزدلفة ومنًى بطن محسر".
كأنه نظر إلى عبارة ابن حزم، وأعرض عما فيها من الخطأ. وقد أوضح ابن القيم ذلك، فقال في "الهدي" (2): "ومُحسِّر برزخ بين مِنًى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه، وعُرَنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرينِ برزخٌ ليس منهما، فمِنًى من الحرم وهي مشعر، ومُحسِّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعُرنة ليست مشعرًا وهي من الحلّ، وعرفة حِلّ ومشعر".
ولا ريب أن الشيخين كانا عارفين بحديث أبي الزبير عن أبي معبد، ومع ذلك قطعَا بأن مُحسِّرًا ليس من مِنًى، وفي هذا سند قوي لما تقدم من الكلام فيه. والله أعلم.
__________
(1) ضمن "مجموع الفتاوى" (26/ 134).
(2) "زاد المعاد" (2/ 236، 237).
(17/522)

الرسالة السابعة عشرة
فلسفة الأعياد وحِكمة الإسلام
(17/523)

الحمد لله ...

فلسفة الأعياد وحِكْمَة الإسلام
العيد في العرف العام: يوم مخصوص من العام، تحتفل به الأمة بمظاهر السرور، وأهمها الزينة، ولذلك يسمى أيضًا يوم الزينة، كما أخبر الله عزَّ وجلَّ عن كليمه عليه السلام أنَّه قال لفرعون وقومه: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59].

منشأ الأعياد
إنَّ بروز الأمة بمظاهر السرور والزينة يُعبِّر عن سرور عظيم عامّ حدث لها، والسرور العام إنَّما ينشأ عن نعمةٍ عظيمةٍ عامةٍ حدثت للأمة.
إذن فالعيد يوم مخصوص من السنة، تحدث فيه كل سنة نعمة عظيمة للأمة، تبعث في قلوب أبنائها سرورًا عظيمًا، يسوقهم بطبيعة الحال إلى الاجتماع على إظهار الزينة بأنواعها.
إذن فالعيد ناشئٌ عن سبب طبيعي ثابت.
لكنَّ هذه الحال وإن انطبقت على بعض الأعياد، كيوم وفاء النيل بمصر، فإن غالب الأعياد ليس كذلك.
فمن ذلك أنَّ كثيرًا من الأمم تتَّخذ يوم استقلالها عيدًا.
ومن ذلك أول يوم من السَّنة؛ فإنَّ كثيرًا من الأمم تتَّخذ أول يوم من سنتها عيدًا.
فحدوث الاستقلال نعمة عظيمة على الأمة، ولكن اليوم الذي يقابله من
(17/525)

السنة الثانية والثالثة وهكذا لم يحدث فيه شيء.
وأول السَّنة التي ابتُدِئ بها التاريخ قد يكون يوم حدوث نعمةٍ، وقد يكون مبنيًّا على أمرٍ فلكي أو اصطلاحي.
فأقول: لا ريب أنَّ اليوم المقابل ليوم الاستقلال من كل سنة، ومثله أول السنة، لم تحدث فيه نعمةٌ عظيمةٌ، ولكن المفكِّرين من الأمم جعلوه عيدًا لأغراض سياسية.
فإذا ساغ لنا أن نعدَّ يوم وفاء النيل - مثلًا - عيدًا طبيعيًا، فلنعدَّ اليوم المقابل ليوم الاستقلال - مثلًا - عيدًا اصطلاحيًّا.
إلاَّ أنَّ ههنا فرقًا بين اليوم المقابل ليوم الاستقلال، وبين أول السنة في التواريخ التي ابتُدِئت بمجرَّد الاصطلاح.
فالأول وإن لم تحدث فيه نعمةٌ فإنها حدثت في مثله، وكما قيل: الشيء بالشيء يُذكَر، وليس الثاني كذلك.
ولكن لما كانت المثلية توجد في كل أسبوعٍ، وفي كل شهرٍ، وفي كل فصلٍ، وكان تذكُّر النِّعْمة لا يقتضي حدوث سرورٍ عظيمٍ يبعث على إظهار الزينة؛ لم يخرج اليوم المقابل [ص 2] ليوم الاستقلال - مثلًا - من كونه عيدًا اصطلاحيًا.
****
(17/526)

الأعياد الدينية
أمَّا الأديان التي عَبِثَتْ بها الأهواء فغالب أعيادها اصطلاحيٌّ، والبحث فيه يطول، والذي يهمُّنا هنا البحث عن الأعياد الثابتِ شرعُها عن الله تبارك وتعالى، وإنَّما يتيسَّر لنا ذلك في دين الإسلام.

نظرية الإسلام في الأعياد
قد علمت مما تقدَّم أنَّ الأعياد على نوعين: طبيعي واصطلاحي.
فأمَّا ما يتعلَّق بالطبيعي فإنَّ الشريعة الإسلامية لم تنظر إلاَّ إلى النِّعَم الحقيقية التي تعمُّ جميعَ المسلمين. والموجود من هذه النِّعَم متكرِّرًا كلَّ عام أمران:
الأول: تمام صيام شهر رمضان، والخروج من مشقَّة الصيام.
الثاني: تمام الحج، والخلاص من مشقة الإحرام.
وصيام شهر رمضان والحج من أركان الإسلام، ومن أعظم النِّعَم على المسلمين أن يتمَّ صيامهم ويتم حجُّهم.
فإن قيل: فإن الحجَّاج إنَّما هم طائفةٌ من المسلمين.
قلت: نعم، ولكن حج البيت كل سنة فرض كفاية على جميع المسلمين؛ فإذا قام به بعضهم فقد تمَّت النِّعْمة على الجميع بسقوط الإثم.
زِدْ على ذلك أنَّ تمكُّن المسلمين من إتمام الحج من مظاهر ظهور الإسلام واجتماع المسلمين؛ وذلك من أعظم النَّعَم عليهم.
(17/527)

وأظهر من ذلك: أنَّ من حِكَم شرع الحج اجتماعَ المسلمين، وكان ظاهرُ هذا وجوبَه على كل فرد منهم كل سنة. لأنَّه يُشَرع في الصلوات الخمس اجتماعُ أهل كل محلَّةٍ، وفي الجمعة اجتماع أهل كل مدينةٍ، وفي عيد الفطر اجتماع أهل كل مدينةٍ وما حولها؛ حتى النساء، بما فيه العواتق ذواتُ الخدور والحيَّض؛ كما في الحديث الصحيح (1).
فما بعد ذلك إلاَّ اجتماع أهل قطر، وهذا أهمله الشارع اكتفاءً بالحج. فكان الظاهر أن يُشرَع في الحج اجتماع جميع المسلمين، ولكن لما كان في ذلك مشقةٌ عليهم، وضياعٌ لمصالحهم خفَّف الله عنهم.
ومن هنا يُفهَم ما صحَّ: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن وجوب الحج؛ أكلَّ سنةٍ؟ - يعني: على كل فردٍ - فقال: "لا, ولو قلتُ: نعم لوجبَتْ" (2).
فاكتفى الشرع بأن يحجَّ من أهل كل جهةٍ طائفةٌ، ثم هذه الطائفة تُبلِّغ مَنْ وراءها آثار الاجتماع في الحج. كما قال الله تعالى في الجهاد: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وكلَّف الذين لم يحجّوا باجتماع أهل كل بلد في بلدهم ليحصل بذلك ما يحصل من حضور الاجتماع الأعظم.
ومن جهة أخرى فالغالب أنَّ كل فردٍ من المسلمين يكون له قريب أو صديق في الحج، وتمام النِّعْمة على ذلك يوجب سرور هذا.
__________
(1) أخرجه البخاري (974) ومسلم (890) من حديث أم عطية.
(2) أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة.
(17/528)

ومع ذلك شرع للمقيمين صيام تسع ذي الحجة، ولا سيَّما التاسع، وبتمامها تتم عليهم نعمة أخرى، وشرع لمن أراد التضحية منهم أن لا يحلق شعرًا, ولا يقُصَّ ظُفْرًا حتى يُضحِّي؛ كما جاء في الحديث (1).
وشرع لهم في عيد الأضحى: أن لا يَطْعَموا شيئًا حتى يُصلُّوا العيد، وبعد صلاة العيد ينفكُّ عنهم قيدُ الإمساك عن القَرْض (2) وعن الأكل؛ وهذه نعمةٌ أخرى.
لم تكن الشريعة الإِسلامية - وهي من وضع الحكيم العليم عزَّ وجلَّ - لتكتفي بهذا؛ بل نظرت إلى الأعمال التي ينبغي للمسلمين عملُها في عيدهم، فوجدت أنَّ تمام النِّعْمة كما يبعث المسلم - كغيره - على السرور طبعًا، والسرور يبعث على إظهار الزينة = فإنه يبعثه أيضًا على شكر المنعم عزَّ وجلَّ.
لهذا اقتضت الحكمة أن تكون الأعمال المشروعة في العيد جامعةً بين الزينة والعبادة. فالتكبير، والصلاة، وأداء الفطرة، والصدقة من الأضحية = عبادةٌ محضةٌ. والتنظُّف، والتطيُّب، ولبس الجديد، والاجتماع، والتقرُّب بالأضحية = تتضمَّن الأمرين.
أمَّا كونها عبادة فقد جاء في الحديث: "النَّظَافة من الإيمان" (3).
__________
(1) أخرجه مسلم (1977) من حديث أم سلمة.
(2) أي استعمال المقراض لقصّ الشعر.
(3) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (7311) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 183) من حديث ابن مسعود بلفظ: "النظافة تدعو إلى الإيمان". ولا يصح، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 236): فيه إبراهيم بن حيان، قال ابن عدي: أحاديثه موضوعة. =
(17/529)

وجاء: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحبّ الطِّيب (1)، وأن الملائكة يحبُّون الطِّيب.
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - الندبُ إلى حسن اللباس، وقال: "إنَّ الله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده" (2).
وقال للَّذي أخبره أنَّه يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا، ورأسه دهينًا، ونعلاه حسنتين: "إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال" (3).
وعدم التنظُّف والتطيُّب يؤذي المجتمعين، واجتناب أذية الناس عبادةٌ.
والاجتماع الحسي باعث على الاجتماع المعنوي؛ [ص 3] ولا سيَّما والمشروع أن يكون الإمام هو الأمير؛ فيخطب فيهم ببيان المصالح العامة التي ينبغي أن يتعاونوا عليها، ويمثل بصلاته بهم واقتدائهم به تقدُّمَه إياهم في طاعة الله عزَّ وجلَّ، وتبَعَهم له في ذلك، أعني في مصالح الإسلام والمسلمين.
والتقرب بالأضحية ظاهر.
وأمَّا كون هذه الأشياء من الزينة - أعني ما يعمُّ التوسُّعَ في الأكل ونحوه - فظاهر.
__________
= وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (1/ 49، 125): سنده ضعيف جدًّا.
(1) أخرجه أحمد (3/ 128، 199، 285) والنسائي (7/ 61) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "حُبِّب إليَّ الطيبُ والنساء ... " وإسناده حسن.
(2) أخرجه الترمذي (2820) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وإسناده حسن.
(3) أخرجه مسلم (91) من حديث ابن مسعود.
(17/530)

بقي ما أبيح في العيد من اللهو؛ كالضرب بالدفِّ، واللعب بالسلاح، وهذا أيضًا مشتملٌ على الأمرين.
أمَّا كونه زينةً فظاهر.
وأمَّا أنَّ فيه عبادةً فلِمَا جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال للحبشة - عندما كانوا يلعبون بحِرَابِهم -: "إيهِ بني أرفدةَ؛ لتعلم اليهود والنصارى أنَّ في ديننا فسحةً" (1).
واللعب بالسلاح تدرُّبٌ على الجهاد، وأيضًا فإنَّ في إسعاف النفس ببعض حظوظها إجمامًا لها، وترويحًا عنها لتنشط للعبادات والأعمال المصلحية، ولا سيَّما وهي خارجةٌ من عمل شاقٍّ حالَ بينها وبين شهواتها؛ وهو الإحرام لمن حجَّ، وسرد الصيام في عِدَّة رمضان، وصيام تسع ذي الحجة لمن لم يحج، مع إمساكه عن الحلقِ وقصِّ الأظفار حتى يُضحِّي , وعن الطعام حتى يرجع من الصلاة، وأنت خبيرٌ أن اللهو إنَّما يحدث بعد ذلك.
هذه حكمة الإسلام في الأعياد، ولكن - يا للأسف - إن المسلمين لا يكاد يوجد منهم من يستحضر هذه المعاني ويبني عملَه على تلك المقاصد، ولا يكاد يُوجد من علمائهم من يُبيِّن لهم ذلك؛ فالله المستعان.
وكما رخَّص الشارع في بعض اللهو وغيره في العيدين، كذلك رخَّص فيها عند حدوث نعمةٍ عظمى؛ كالزواج، والختان، والقدوم من سفر؛ ولم
__________
(1) أخرجه أحمد (6/ 116، 233) والحميدي في "مسنده" (254) من حديث عائشة. وإسناده حسن.
(17/531)

يُرخِّص في ذلك في مثل ذلك اليوم من الأسبوع، أو الشهر، أو السنة؛ لما علمت.
أمَّا الأعياد الاصطلاحية فلم تلتفت إليها الشريعة من حيث هي أعياد، وما كان فيها من أغراض سياسية أدرجته الشريعة في الأعياد الطبيعية - كما مرَّت الإشارة إليه -, أو في عبادة تخصُّه؛ كما في يوم الجمعة؛ كما يأتي. مع أنَّ في عيدَي الفطر والأضحى ما يفي بذلك؛ فعيد الفطر تذكار لنزول القرآن في رمضان؛ كما يأتي. وعيد النحر تذكارٌ لتمام الدين وعزِّه.
والعُرْف يقضي بأنَّ أمةً من الأمم لو جاهدت في سبيل استقلالها مثلًا، فانتصرت في عدة انتصارات = فإنَّما تجعل العيدَ اليومَ الذي تميَّز فيه نتيجة جهادها.
وهذا المعنى نفسه بالنسبة إلى الإسلام كافٍ في عيد الأضحى؛ كما يأتي. ولكن الشريعة نظرت إلى الأيام التي حدثت فيها نِعَمٌ عظمى عامة؛ فرأت أن المثلية تذكِّرُ بالنِّعَم كما مرَّ. وتذكُّر النِّعْمة، وإن لم يكفِ في البعث على إظهار الزينة = فإنه يكفي للبعث على الشكر. فشَرَعت في أمثال تلك الأيام عباداتٍ مخصوصة، واختارت أقرب ما يكون من المثلية.
فإذا حدثت النِّعْمة في يومٍ عيَّنت العبادة في مثله من كل أسبوع، ولا تخرج عن هذا إلاَّ لمعنىً آخر؛ كما سيأتي في صيام عرفة ويوم عاشوراء.
وإذا حدثت النِّعْمة في شهرٍ عيَّنت العبادة في مثله من كلِّ سنة.
فمن الأول: يوم الجمعة؛ ففي "صحيح مسلمٍ" (1) عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: "خيرُ
__________
(1) رقم (854) عن أبي هريرة.
(17/532)

يومٍ طلعتْ عليه [الشمسُ] (1) [ص 4] يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِلَ الجنةَ، وفيه أُخرِجَ منها, ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة".
وخروج آدم عليه السلام من الجنة نعمةٌ في حقِّنا؛ لأنَّه سبب وجودِنا. وقيام الساعة نعمةٌ على المؤمنين؛ لأنَّ فيه القضاءَ لهم على أعدائهم، والأخذَ لهم بحقوقهم، بل إدخالهم الجنة، وتجلَّي الرب عزَّ وجلَّ لهم.
ولما كانت هذه النَّعَم عامةً لجميع بني آدم شرع الله تعالى لهم جميعًا تخصيصَ هذا اليوم؛ ولكن اقتضت حكمته عزَّ وجلَّ أن لا يَدُلَّهم على يوم الجمعة من أول وهلةٍ؛ بل يأمرهم بتخصيص يومٍ من الأسبوع، ويدع تعيينه إلى اجتهادهم.
ففي الصحيحين (2) عن النَّبي: "نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة؛ بيدَ أنَّهم أُوتوا الكتابَ من قبلِنا، وأُوتيناه من بعدِهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم - يعني يوم الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدانا الله إليه" الحديث.
وهداية هذه الأمة له: ما ثبت في السيرة وغيرها أنَّ المسلمين في المدينة قبل هجرة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - اتفقوا - إمَّا بأمرٍ منه - صلى الله عليه وسلم - أو باجتهادهم - على أن يخصِّصوا يومًا معيَّنًا من الأسبوع يجتمعون فيه لذكر الله تعالى والاتفاق على مصالح المسلمين؛ إذْ لا يتيسَّر لهم الاجتماع كلَّ يوم؛ لاشتغالهم بنخيلهم وتجارتهم، وغير ذلك من مصالح دنياهم، فأجمعوا على يوم الجمعة.
__________
(1) سقطت من الأصل.
(2) البخاري (876) ومسلم (855) عن أبي هريرة.
(17/533)

وكانت صلاة الظهر يومئذٍ ركعتين؛ كما في الصحيحين (1)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فُرِضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففُرِضَتْ أربعًا، وتُرِكَت صلاة السفر على الفريضة الأولى".
أقول: وتُرِكَت ظهر يوم الجمعة في حقّ المجتمعين الاجتماعَ المخصوص، كما هو ظاهر، وههنا مباحث علمية ليس هذا موضعها.
والمقصود: أن الله عزَّ وجلَّ شرع يوم الجمعة ما شرع من العبادة الزائدة على بقية الأيام؛ من الاجتماع، والخطبة، والغُسل، والسواك، والطيب، والتبكير إلى الجامع، وكثرة الصلاة قبل خروج الإمام = شكرًا له عزَّ وجلَّ على ما تقدَّم من النَّعَم وغيرها.
ومن الناس من يَعُدُّ يوم الجمعة عيدًا؛ لأنَّ كثيرًا مما شُرِع في العيد من التطيُّب والتنظُّف والاجتماع والخطبة، شُرِع فيه. ولأنَّه صحَّ النهي عن تخصيصه بصيام (2)؛ كما نَهَى عن صيام يوم العيد (3).
وليس هذا بظاهر.
أمَّا التطيُّب والتنظُّف فإنَّما شرعت فيه لحقوق المجتمعين؛ كما صحَّ أنَّ الصحابة كانوا أولاً يجتمعون، ومنهم من لم يغتسل ولم يتطيَّب، فيؤذي
__________
(1) البخاري (3935) ومسلم (685) عن عائشة.
(2) أخرجه البخاري (1985) ومسلم (1144) من حديث أبي هريرة. وفي الباب أحاديث أخرى.
(3) أخرجه البخاري (1991) ومسلم (783) من حديث أبي سعيد الخدري. وفي الباب أحاديث أخرى.
(17/534)

بعضهم بعضًا، فأُمِرُوا بذلك (1).
وأمَّا الاجتماع والخطبة فأمر مصلحيٌّ لا يقتضي أن يُعَدَّ ذلك اليوم عيدًا.
وأمَّا النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام؛ فلو كان لأنَّه عيدٌ لنَهَى عن صيامه مطلقًا، وليس كذلك؛ وإنَّما نَهَى أن يُصام وحده، فلو صامه مع الخميس [ص 5] أو مع السبت صحَّ؛ كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - (2).
وههنا فائدةٌ يتعطَّش إليها القارئ، وإن كانت خارجةً عن الموضوع وهي حكمة النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيامٍ، وليله بقيام.
فأقول: قد قيل: لأنَّه عيدٌ، وقد تقدَّم ما فيه.
وقيل: لئلا يَضعُفَ بقيام ليلته وصيامه عن العبادات المشروعة فيه.
وهذا أيضًا باطلٌ؛ لجواز قيام ليلته لمن يريد قيام ليلة السبت، وصيامه لمن يريد صيام يوم السبت؛ كما تقدَّم. والضعف حاصلٌ هنا، وقيل، وقيل.
وعندي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نَهَى عن ذلك؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يشرع التخصيص بذلك. وربما يتوَّهم بعض الناس مشروعية التخصيص بذلك لما ليوم الجمعة من الفضيلة؛ فبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أنَّ فضيلة اليوم لا تقتضي مشروعية تَخصيصِه بجميع العبادات؛ بأن يكون لها فيه أجرٌ أعظم منها في سواه؛ وإنَّما يشرع التخصيص بالعبادة التي شرع الله تعالى التخصيص بها.
فيوم الجمعة بالنسبة إلى قيام ليلته وصيام نهاره بمنزلة يوم الثلاثاء في أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يشرع تخصيص كل منهما بذلك. فمن خصَّص أحدهما
__________
(1) أخرجه البخاري (903) ومسلم (847) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) في الحديث الذي خرجناه آنفا.
(17/535)

ظانًّا أنَّ أجر ذلك فيه أعظم من غيره فهو مبتدعٌ.
وإنَّما نصَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - على يوم الجمعة لأنَّه مظنَّة أن يتوهَّم الناس فيه زيادة الأجر لفضيلته. ولذلك أكَّد - صلى الله عليه وسلم - النهي عن صيامه، حتى لمن لم يتعمَّد تخصيصَه التماسًا لزيادة الأجر.
ولم يقل ذلك في يوم الثلاثاء مثلًا؛ فلو صامه أحدنا وحدَه غيرَ متعمِّدٍ للتخصيص، وإنَّما وقع ذلك اتفاقًا، ما كان بذلك بأسٌ.
نعم، لما كان في الأعمال المشروعة في الجمعة ما فيه حظٌّ للنفس شرع الله تعالى للأمة صيام يوم الخميس؛ ليكون الصائم له مستحقًّا لما يكون في يوم الجمعة من حظِّ النفس. ولا ينافي ذلك ما جاء من حكمة استحباب صوم يوم الخميس؛ بأنَّه يومٌ تُعرَض فيه الأعمال (1).
ومن ذلك يوم الاثنين؛ ففي "صحيح مسلم" (2) عن أبي قتادة قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الاثنين؛ فقال: "فيه وُلِدْتُ، وفيه أُنزِل عليَّ".
فشرع الله تعالى للمسلمين صيام يوم الاثنين؛ شكرًا على هاتين النَّعَمتين العظيمتين: ولادة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإنزال القرآن عليه (3).
__________
(1) أخرجه الترمذي (747) من حديث أبي هريرة، وفي سنده محمد بن رفاعة بن ثعلبة القرظي، لم يوثقه غير ابن حبان. ولكن للحديث شواهد منها حديث أسامة بن زيد الذي أخرجه أبو داود (2436) والنسائي (4/ 201، 202)، وبمجموعهما يرتقي الحديث إلى الحسن.
(2) رقم (1162/ 198).
(3) في هامش (ص 1) عبارة تناسب السياق المذكور هنا: "ولأنه لو فُتح هذا الباب لآل إلى تعميم الأيام، إذ لم يبقَ غيرُ خمسة أيام، وهي ما عدا الاثنين والخميس، وفي =
(17/536)

وبهذا مع ما تقدّم عُلِمَ الجواب عن طعن بعض أهل الأديان في الإِسلام؛ بأنَّه لم يشرع لأهله أن يتّخذوا يوم ولادة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو يوم بَعْثِه عيدًا.
وطعن بعضهم في القرون الإسلامية الأولى بذلك، لأنَّه لم يحدث الاحتفال بيوم 12 ربيع الأول إلاَّ في القرن ...... (1).
فيقال لهم: إنَّ النِّعْمة كان حدوثها يومَ وُلِد - صلى الله عليه وسلم -[ص 6]، ويوم بُعِث؛ وأمَّا مثل ذلك اليوم من كل أسبوع، أو شهر، أو فصل، أو سنة = فلا يحدث فيه إلاَّ تذكُّر النِّعْمة. وتذكُّر النِّعْمة لا يُحْدِث في النفس سرورًا دنيويًّا، يبعثها على إظهار الزينة حتى ينبغي أن نتّخذه عيدًا، وإنَّما يُحدِث فيها سرورًا دينيًّا يبعثها على شكر تلك النِّعْمة.
وقد شرع الله عزَّ وجلَّ لنا أقرب الأمثال لذلك اليوم، وهو مثله من كل أسبوع؛ أن نقوم بشكره عزَّ وجلَّ على تَينكَ النِّعمتين العظيمتين؛ بعبادةٍ خالصة عن حظِّ النفس، وهي الصيام الذي يناسب السرور الديني، فإن السرور الديني يبعث على الرغبة عن الدنيا.
وقد ذكَّرني هذا الاعتراض ما صحَّ أنَّ اليهود قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: آيةٌ في كتابكم معشرَ المسلمين لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. فأجابهم الفاروق رضي الله عنه بأنَّها
__________
= ذلك حرجٌ يؤدي إمّا إلى الاشتغال عن المصالح، وإمَّا إلى التهاون بالجميع".
(1) بياض في الأصل. ومعلوم أن ابتداء الاحتفال بالمولد كان في القرن السادس على يد السلطان المظفر كوكبوري صاحب إربل، والله المستعان.
(17/537)

نزلت يوم الجمعة يوم عرفة؛ والنَّبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفةَ (1).
يعني: وكلاهما يوم عبادة شرعها الله تعالى للمسلمين، فيوم عرفة يوم شُرِع فيه للحجاج الوقوف بعرفات، وذكر الله تعالى، ولغيرهم الصيام، ويوم الجمعة قد تقدم العبادات التي فيه. والعبادة هي التي ينبغي عملها عند تذكُّر النِّعَم لا الزينة.
وعندي: أنَّ هذا الاعتراض من خُبْثِ المغضوب عليهم - قاتلهم الله -؛ طمعوا أن يَستزِلُّوا المسلمين إلى إحداث يخالفون به نفس تلك الآية العظيمة؛ فكبَتَهم الله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
ولكن المسلمين- ويا للأسف - نَسُوا صومَ يوم الاثنين وما في صومه من شكر الله عزَّ وجلَّ، وما يتضمَّن ذلك من محبَّته - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إنَّ أكثرهم يجهل ذلك. ولم أرَ طولَ عمري من يصومه بتلك النيَّة، ولا مَن يذكره؛ إلاَّ أنني سمعتُ مَن يذكر الحديثَ احتجاجًا على مشروعية الاحتفال بثاني عشر ربيع الأول؛ فالله المستعان.
فأمَّا صوم يوم عاشوراء فكان من بقايا شرائع الأنبياء المتقدّمين، وجاء: أنَّه اليوم الذي أنجى الله تعالى [فيه] موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه. فصامه موسى عليه السلام، وأمر بصيامه، وصامه النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأرشد إلى صيامه (2)، عملاً بقول الله عزَّ وجلَّ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
__________
(1) أخرجه البخاري (45، 4407) ومسلم (3017) من حديث طارق بن شهاب عن عمر.
(2) أخرجه البخاري (2004) ومسلم (1130) من حديث ابن عباس.
(17/538)

وقد كانت أيامٌ حدثتْ فيها نِعَمٌ في العهد النبوي، ولم يشرع تخصيص أمثالها بعبادةٍ اكتفاءً عنه بغيرها. وبما أنَّ الله تعالى قد أكمل الدين؛ فليس لأحدٍ إحداثُ شيء من ذلك.
وهكذا الأيام التي حدثت فيها النِّعَم بعد العهد النبوي ليس لأحدٍ تخصيصُ أمثالها بعبادةٍ مخصوصةٍ؛ لأن الدِّين قد كمل في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولأنّ كل نعمةٍ عامةٍ للمسلمين حدثَتْ بعده - صلى الله عليه وسلم - فهي فرعٌ عن النِّعَم التي حدثتْ في عهده عليه الصلاة والسلام.
ومن الباب - أعني حدوثَ النِّعْمة في شهرٍ -: شهر رمضان، قال الله عزَّ وجلَّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. فالفاء في قوله: {فَمَنْ} للتعليل؛ تدلُّ على أنَّ ما قبلها علّة لما بعدها. ومثلُ (الشهر) إنَّما يحصل في السنة مرّةً، وهذا واضحٌ بحمد الله تعالى.
[ص 7] ومن ذلك: تسع ذي الحجة؛ شرع الله تعالى لغير الحاجّ صيامها، وعدَّه شكرًا له عزَّ وجلَّ على تيسير طريق الحج لإخوانهم، وعلى النِّعَم التي شرع الحج شكرًا لها. وأكَّد لهم صوم يوم عرفة؛ لأنَّه يوم الحج الأكبر. وإخوانهم من جميع بلدان المسلمين قد برز فيهم الاجتماع الحسيّ بأجلى مظاهره؛ وهو رمز إلى اجتماع كلمة المسلمين جميعًا. وتلك من أعظم النِّعَم التي يجب شكرها لغيرهم، والله أعلم.
فأمَّا سبب تخصيص الحج بالأيام من ذي الحجة فلم أستحضر الآن الأصلَ في ذلك؛ إلاَّ أنَّ الاستقراء يدلُّ على أنَّ لذلك سببًا، من جنس ما تقدَّم.
(17/539)

وعلى كل حال، فليس المقصود هنا استيفاء العبادات، وإنَّما المقصود: بيان أن الأيام التي تحدثُ فيها النِّعَم العظام مرَّة من الزمان لا يجعلها الشرع أعيادًا، وإنَّما يجعلها مواسم للعبادات؛ شكرًا على تلك النِّعَم، مع حِكَمٍ أخرى.
أمَّا المقاصد السياسية في الأعياد فأهمها: الاجتماع؛ ليطَّلع كلٌّ من أفراد الأمة على أحوال غيره، ويتبادلوا الأفكار، ويوحدوا صفَّهم، وغير ذلك.
وقد راعتِ الشريعة الإِسلامية الاجتماعَ على غاية ما يمكن؛ فشُرِعَت الجماعة في الصلوات الخمس لأهل كل قريةٍ أو محلّةٍ، وشُرِعَ تقليل المساجد وتوسيعُها؛ حتى لا يزيد عددها على قدر الحاجة، فيكون الزائد كمسجد الضرار تفريقًا بين المؤمنين، مع ما في ذلك من تحجير البقعة لغير حاجةٍ، وكان يمكن أن تنفع المسلمين باتخاذها مدرسةً أو نحوها.
وبعض الأئمة يرى أنَّ الجماعة فرض عينٍ؛ بل منهم من جعلها من شروط الصلاة.
ثم شُرِعت الجمعة ليجتمع أهل كل مدينةٍ في مسجدٍ واحدٍ؛ ولذلك لم يُجوِّز بعضُ الأئمة تعدُّد الجمع في البلد الواحد وإن اتّسعَ وضاق المسجد, بل يجب على المسلمين توسيع المسجد ولو إلى أميال. وهذا هو الموافق للسنة، وعمل القرون الأولى مع اتساع المدن وكثرة الناس، وهو الموافق لحكمة الاجتماع.
ثم شُرِع العيد لاجتماعٍ أعمَّ من الجمعة؛ حتى شُرع فيه إخراج النساء؛ صغارًا وكبارًا، حتى الحيَّض - كما مرَّ - وبعض الأئمة يرى أن العيد فريضة.
(17/540)

ثم شُرع الحج؛ ليجتمع في موضعٍ واحدٍ جميعُ المسلمين.
هذا هو الأصل؛ على ما تقدَّم. ولكن - ويا للأسف - المسلمون جهلوا هذه الحِكَم؛ فقليلٌ منهم يجتمعون هذا الاجتماعات المشروعة، والمجتمعون قليلًا ما يبحثون عن مصالحهم. حتى إنَّ الخطب الجُمعية والعيدية والحَجّيَّة تراها بمعزلٍ عن هذا.
وأكثر الحجَّاج لا يبحثون عن شيء من مصالح المسلمين في سائر الأقطار.
اللهم أَيقِظِ المسلمين لتدبُّر دينهم الكافل لمصالح دنياهم وأخراهم، بيدك الخير، وعلى كل شيء قدير (1).
__________
(1) إلى هنا انتهت الرسالة. وقد كتب المؤلف على صفحة غلافها ما يلي:
ما عليه كثير من الناس [من ذكر] الأيام التي وقعتْ في مثلها بليَّة أو مصيبة؛ كما كان ... وكما يفعله النصارى في تذكار صلب المسيح عليه السلام، وأيام قتل الشهداء، وغير ذلك، لا يُعلَم في الإسلام شيءٌ من ذلك.
وسببه أنَّ المشروع عند المصائب الصبر؛ فإذا شرع ذلك في يوم حدوث المصيبة فبالأولى فيما يماثله من الأيام؛ لأنَّه لم يحدُثْ في المثل شيءٌ.
وأمَّا ما سُمِح به يومَ حدوثِ المصيبة من إراقة الدمع؛ فذلك لأنَّه أمرٌ طبيعيٌ، لا يُستطاع دفعُه، ولا يكون هكذا في مثل ذلك اليوم.
وهكذا ما أُمِرتْ به زوجةُ المتوفى من الإحداد فهو أمرٌ خاصٌّ بها لمدَّةٍ معيَّنةٍ وقد صحَّ النهي عما عدا ذلك.
وإذا تأمّل العاقل وجد أنَّ هذا النوع من الأعياد يُنتِج نقيضَ المقصود؛ ولأننا نرى الأقوام المعتنين بها تكون حالُهم فيها حالَ سرورٍ وفرحٍ، ولهو ولعب؛ إذا استثنينا بعض الحركات التكلُّفية التي أصبحت مظهرًا من مظاهر اللهو واللعب أيضًا، والله المستعان.
(17/541)

الرسالة الثامنة عشرة
توكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته
(17/543)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه، سيّدنا محمد وآله.
وبعدُ، فقد جرت المذاكرة في توكيل الولي غير المجبر بتزويج موليته إذا وقع التوكيل قبل إذنها، فلمّا راجعتُ المظانَّ وجدت الحاجة ماسةً إلى بسطٍ وتحقيق، فأقول مستعينًا بالله سبحانه:
[ص 2] قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا جاز للمرأة أن تُوكِّل وليَّينِ جاز للوليِّ الذي لا أمرَ للمرأة معه أن يوكّل، وهذا للأب خاصة في البكر، ولم يجُزْ لوليًّ غيره (1) للمرأة معهم أمرٌ، أن يُوكِّل أبٌ في ثيّب، ولا وليٌّ غيرُ أبٍ، إلا بأن تأذن له أن يوكّل بتزويجها، فيجوز بإذنها". "الأم" (ج 5 ص 14) (2).
وأمّا كلام الأصحاب، فقال الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب":
"ولا يصحُّ التوكيلُ إلا ممّن يملك التصرفَ في الذي يُوكَّل فيه بمِلْكٍ أو ولاية، فأمّا من لا يملك التصرفَ في الذي يُوكَّل فيه - كالصبي، والمجنون، والمحجور عليه في المال، والمرأة في النكاح، والفاسق في تزويج ابنته - فلا يملك التوكيلَ فيه .... وأمّا من لا يملك التصرف إلا بالإذن كالوكيل والعبد المأذون له، فإنّه لا يملك التوكيل إلا بالإذن. واختلف أصحابنا في
__________
(1) وقوله "غيره" أي: غير الولي الذي لا أمر للمرأة معه, أو غير الأب في البكر.
(2) (6/ 43) ط. دار الوفاء.
(17/545)

غير الأب والجد من العصبات هل يملك التوكيل في التزويج من غير إذن المرأة؟ منهم مَنْ قال: يملك؛ لأنّه يملك التزويج بالولاية من جهة الشرع، فيملك التوكيل من غير إذن كالأب والجدّ. ومنهم من قال: لا يملك؛ لأنّه لا يملك التزويج إلا بالإذن، فلا يملك التوكيل إلا بإذن، كالوكيل والعبد المأذون". "المهذب" (ج 1 ص 351) (1).
[ص 3] أقول: مسألة "المهذَّب" في الولي غير المجبر الذي أذنت له بالزواج، ولم تأذنْ له بالتوكيل ولا نهتْه عنه، وهي غير مسألتنا.
وقال الرافعي في "المحرر" (2): "وأمّا غير المجبر فإن نهتْه عن التوكيل لا يُوكِّل، وإن أذنتْ له وَكَّل، وإن قالت له: زوَّجني، فهل له التوكيل؟ فيه وجهان أصحهما نعم. ولا يجوز [له] التوكيل من غير استئذانها في النكاح في أصح الوجهين".
وعبارة "المنهاج" (3): "وغير المُجْبِر إن قالت له وكِّلْ وَكَّلَ، وإن نهتْه فلا، وإن قالت: زوِّجْني فله التوكيل في الأصح، ولو وَكَّل قبل استئذانها لم يصحَّ على الصحيح".
قال الخطيب في "المغني" (4) بعد قول "المنهاج": "على الصحيح": المنصوص، يريد نصّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وقد تقدم.
__________
(1) (3/ 347) تحقيق الزحيلي.
(2) (ص 293) ط. دار الكتب العلمية.
(3) "منهاج الطالبين" (2/ 432) ط. دار البشائر.
(4) "مغني المحتاج" (3/ 158).
(17/546)

وفي "الروض" مع شرحه: (ولغير المجبر) بأن كان غير أب وجدٍّ مطلقًا أو أحدهما في الثيّب (التوكيل) أيضًا، لكن (بعد الإذن له) منها (في النكاح والتوكيل أو في التوكيل فقط) أي: دون النكاح (وكذا في النكاح وحده) أي: دون التوكيل؛ لأنّه تصرّف بالولاية فيتمكن من التوكيل بغير إذن، كالوصيّ والقيّم، هذا (إن لم تنهَه) عن التوكيل، فإن نهتْه عنه لم يوكّل, لأنّها إنّما تزوج بالإذن، ولم تأذن في تزويج الوكيل بل نهتْ عنه، أمّا توكيله بغير إذنها له فلا يصح؛ لأنّه لا يملك التزويج بنفسه. "شرح الروض" (ج 3 ص 135) (1).
ومقابل الأصح في عبارة "المنهاج" هو الوجه الذي صرّح به في "المهذب"، وذكر دليله، وهو موافق لنصّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وإن كان الأصح خلافه عند الأصحاب.
وممّا يوضح ما قلنا ما في "صحيح مسلم" (2) وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "الثيّب أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تُستأمر وإذنها سكوتها"، وفي لفظٍ لأبي داود والنسائي وصححه ابن حبّان (3): "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تُستأمر".
[ص 4] وشبهتهم قياس غير المجبر إذا أذنت له بالتزويج على المجبر،
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" ط. مصر 1313 ه.
(2) رقم (1421). وأخرجه أيضًا أبو داود (2099) والنسائي (6/ 85).
(3) انظر: "سنن أبي داود" (2100) و"النسائي" (6/ 85) و"صحيح ابن حبان" (4089).
(17/547)

ويُفرَّق بأنّ المجبر ولايته تامّة بدونْ إذنها، وغير المجبر إنّما تتمّ ولايته بإذنها، بل لو قيل: إنّه إنّما يستفيد الولاية بإذنها لما كان عجبًا، ألا ترى أنّها لو دَعَتْ إلى كُفْءٍ فقيرٍ مستضعف دميمٍ بصداقِ قليل، ودعا غير المجبر إلى من هو خير من ذاك كفاءةً وكمالًا وجمالاً ومالاً وجاهًا بصداقٍ أضعافِ ما بذله الآخر لوجب إجابتها، حتى لو لم يُجِب الوليُّ إلى تزويجها بمن رغبتْ فيه عُدَّ عاضلاً فيزوِّجها السلطان، ولو قالت للمجبر: لا توكِّلْ، فوكّل صحّ، ولو أذنت لغير المجبر بالتزويج وقالت: لا توكِّلْ، لم يكن له أن يوكِّل اتفاقًا كما مرّ.
ومنهم من قاسه على الوصي والقيّم، قال في "المغني" (1): "بل هو أولى منهما؛ لأنهما نائبان، وهو ولايته أصلية بالشرع، وإذنها بالتزويج شرط في صحة تصرفه، وقد حصل".
أقول: لك أن تقول: بل الأصل هو إذنها, ولكن يشترط له أن يكون المأذون له أولى العصبات بدليل الحديث المذكور آنفًا وما معه، ثم نقول: يُفرَّق بين الولي وبين الوصيّ والقيم بأنّ الضرورة دعت إلى ذلك في الوصي والقيم، لعدم إمكان الإذن من الصبي ونحوه، ولهذا لو أذنت الصغيرة لوليها غير المجبر أن يزوِّجها لم يعتدّ بإذنها، فأمّا المرأة البالغة العاقلة فإنّ استئذانها في التوكيل ممكن، وإذنها معتدٌّ به شرعًا، بل المدار عليه كما مرّ.
فإن قلت: إنّما قصدوا أنّ الوصي له أن يوكِّل، وإن لم يأذن له الموصي، والقيم له أن يوكِّل وإن لم يأذن له القيّم.
__________
(1) "مغني المحتاج" (3/ 158).
(17/548)

قلتُ: وعلى هذا أيضًا فبينهما وبين الولي غير المجبر فرق، وهو أنّ عمل الوصي والقيم يكون كثيرًا متشعبًا، تدعو الحاجة إلى أن يستعينا بغيرهما ويُوكِّلاه؛ فلذلك عُدّ سكوت الموصي والقيم عن اشتراط عدم التوكيل بمنزلة الإذن بالتوكيل، ألا ترى أن الوكيل إذا كان العمل كثيرًا لا يستطيع مباشرته، وعَلِمَ الموكِّلُ ذلك عند التوكيل؛ عُدَّ توكيله وسكوته عن المنع عن التوكيل إذنًا بالتوكيل، فأمّا الولي فإنّما هي كلمة واحدة يقول لها، وإن فرض أنّه قد يعرض له ما يحوجه إلى التوكيل فذلك نادرٌ، يمكنه حينئذٍ أن يستأذن المرأة في التوكيل، فأمّا الوصيُّ والقيّم فعملهما كثيرٌ كما مرّ، ولا يمكن الوصيَّ استئذانٌ عند عروض الحاجة؛ لأنّه قد مات، وكثيرًا ما يتعسّر الاستئذان من القاضي لبعد مكانه ونحو ذلك بخلاف الوكيل، فإنّ تعسُّر مراجعته للموكل كالنادر، وكذا العبد المأذون له في التجارة، فأمّا احتياج وليِّ المرأة إلى التوكيل فأقلُّ وأندر، وتعسُّر مراجعتها ممّا لا يكاد يقع.
والحاصل أنّ المعنى الذي يدور عليه جواز التوكيل من النائب وعدمه هو كونه يكثر احتياجه إلى التوكيل، وعسر الاستئذان من المنيب، وهذا المعنى موجود في الوصي والقيم، وقليل في الوكيل والعبد المأذون له في التجارة ونادرٌ جدًّا في ولي النكاح، فإذا منعنا الوكيل والعبد المأذون له في التجارة من التوكيل فوليُّ النكاح أولي، نعم إنّ له ولايةً شرعية، ولكنّه لا يملك بها الأمر الذي يريد أن يوكل به وهو العقد، وإنّما ملكه بإذنها، والله أعلم، على أنّ في الوصي والقيم خلافًا، والذي اختاره محمد رملي أنّه ليس لهما أن يوكلا إلا فيما عجزا عنه أو لم تلق بهما مباشرته.
واعلم أنّ من قال: ليس لغير المجبر التوكيل حتى يأذن له به، ولا يكفي
(17/549)

إذنها له بالتزويج، يقول: إنّه لو وكَّل قبل إذنها بالتوكيل وبعد إذنها بالتزويج كانت الوكالة باطلة، ولو عقد الوكيل كان عقدُه باطلاً، كما يُعلَم من تمثيلهم له بالوكيل والعبد المأذون، وتوكيلهما بدون إذن الموكل والسيد باطلٌ، وتصرُّف من وكَّلاه باطلٌ.
وممّا يبيِّن أنّ الشيخ رحمه الله ذكر مسألة الولي في الفصل المتقدم الذي لم يذكر فيه إلا من كان توكيله باطلاً، وتصرف وكيله باطلاً، فأمّا "المحرّر" و"المنهاج" فإنهما زادا المُحرِمَ في النكاح (1)، ولكن بيَّن الشراح أنّ المراد المحرم الذي وكَّل ليعقد الوكيل حال الإحرام، وهذا التوكيل باطلٌ، ولو عقد الوكيل كان العقد باطلاً، والله أعلم.
فأمّا غير المجبر فللقائل بجواز توكيله قبل إذنها أن يتمسّك بشُبهٍ:
الشبهة الأولى:
قد يقال: إنّما تُبطِلون توكيله؛ لأنّه لا يملك تزويجها حينئذٍ، ويجاب عنه: بأنّه من المتفق عليه أنّ الولي غير المجبر وليٌّ قبل إذنها، أي: أنّ له ولايةً شرعية ثابتة، سواءً أحبَّتْ ذلك أم كرهتْ، فلِمَ لا يكون له أن يجعل للوكيل مثل ما له من تلك الولاية؟
الجواب من وجوه:
الأول: أنّ المقصود من الولاية إنّما هو تولّي العقد، والولاية المذكورة لا تُسوِّغ الوليَّ تولي العقد أصلاً، فهي كالعدم، ولو دعت إلى كفءٍ وأبى الوليُّ زوَّجَها السلطان.
__________
(1) انظر "المحرر" (ص 195) و"منهاج الطالبين" (2/ 159).
(17/550)

الثاني: أنّه لمّا كان المقصود من الولاية تولي العقد فهو ثمرتها، والولي قبل إذنها لا يستحق [ص 5] الثمرة، فلا يؤثّر رضاه بجعلها لآخر، كالوصية بأكثر من الثلث توقف على إجازة الورثة بعد موت المُورِث، فلو أجازوا والمورِث في الغرغرة كانت إجازتهم لغوًا، مع أنّه في مرض الموت قد صار لهم اختصاص ما بالتركة، ولكن هذا الاختصاص إنّما يتم بالموت، فكذلك الولي له اختصاصٌ ما, ولا يتمّ إلا بإذنها.
الثالث: أنّ الوكالة إنّما شُرِعت لينوب الوكيل عن الموكِّل في فِعلٍ يفعله، ولذلك عرَّفها الفقهاء كما في "التحفة" (1) بأنها تفويضُ شخص لغيره ما يفعله عنه في حياته ممّا يقبل النيابة، ولهذا يقال في الصيغة: وكَّلتُك بتزويجها أو نحو ذلك، ولا يقال: وكَّلتك بأن تكون وليًّا أو نحوه، وولاية غير المجبر قبل إذنها لا يترتب عليها وحدها فعلٌ حتّى يصحّ التوكيل، فتدبَّر.
فإن قيل: فقد نصُّوا على أنّه لو نجَّز الوكالة وشرطَ للتصرف شرطًا جاز، وعبارة "المنهاج" (2): "فإن نجَّزها وشَرط للتصرّف شرطًا جاز". وعليه فلو قال المجبر: وكَّلتك بتزويجها ولا تَعقِد إلا بإذنها صحّ، مع أنّ الحقّ الذي جعله له لا يترتب عليه وحده فعلٌ، فمسألة توكيل غير المجبر قبل إذنها نظير هذه.
فالجواب من وجهين:
الأول: أنّ في صحة توكيل المجبر على الصفة المذكورة نظرًا، وفي
__________
(1) "تحفة المحتاج" (5/ 294).
(2) "منهاج الطالبين" (2/ 165).
(17/551)

الإيصاء من "شرح الروض" (1): "قال العبادي .... فإن قال له: لا تعمل إلا بأمر فلانٍ أو إلا بعلمه أو إلا بحضرته فليس له الانفراد؛ لأنّهما وصيّان". وصححه الشهاب الرملي كما في الحاشية. وعليه فلو قال في الوكالة: وكَّلتك بكذا ولا تتصرف إلا بإذن فلانٍ كانا وكيلين، وهما بمنزلة الوكيل الواحد، ويشترط في كلًّ منهما شروط الوكيل، والمرأة لا تكون وكيلةً في عقد النكاح، ولا سيّما لنفسها، واشتراطُ إذنها توكيل لها، فهو باطل، فتبطل الوكالة من أصلها.
وفي "الروض" (2): "ولو وكَّل حلالٌ مُحرِمًا ليُوكِّل حلالاً في التزويج جاز". قال في الشرح: لأنّه سفير محض، نعم إن قال له: وكِّل عن نفسك، قال الزركشي: ينبغي أن لا يصحّ قطعًا، كما ذكروا مثله فيما إذا وكَّل الوليُّ المرأةَ لتُوكِّل عن نفسها من يزوِّجها. انتهى".
فإن قيل: إنه إن سُلّم في مسألتنا أنّها وكيلة، فإنما وكَّلها في الإذن.
قلت: هذا قريب، وعليه فهما وكيلان، هي في الإذن والرجل في العقد، فتركبت من وكالتهما وكالة صحيحة، ولكن لا يأتي مثله في غير المجبر؛ لأنّ الإذن ليس إليه حتى يوكِّلها فيه. والله أعلم.
وعلى كل حالٍ فقولهم: "فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا جاز" محلّه [ص 6] في شرط لا يعود على الوكالة بالبطلان.
وعلى فرض صحة توكيل المجبر مع قوله: ولا تَعقِد إلا بإذنها، فالفرق بينها وبين غير المجبر إذا وكَّل قبل إذنها، وشرطُ إذنها ما قدمناه، أنّ قول المجبر "ولا تعقد إلا بإذنها" توكيلٌ منه لها في الإذن مع توكيله للرجل في
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (3/ 71).
(2) المصدر السابق (3/ 133).
(17/552)

العقد، فتركبت من وكالتهما وكالة صحيحة. وأمّا غير المجبر فإنه لا يملك العقد ولا الإذن، فكيف يوكّل فيهما؟ وأيضًا ولاية المجبر تامة؛ لأنّه يملك التزويج حين وكّل، فصحت وكالته وإن شرط الشرط المذكور، بخلاف غير المجبر فإن ولايته ناقصة، فلم يُغتفر فيها ذلك.
والحاصل أنّ ولاية المجبر تامة لا نقصَ فيها، وإنّما النقص فيما جعله للوكيل من الحقّ، وأمّا غير المجبر فولايته ناقصة، والحقّ الذي جعله للوكيل ناقص، والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قد يقال: إنّ عبارة "المنهاج" السابقة آنفًا تشمل مسألتنا؛ لأنّ غير المجبر إذا قال قبلَ إذنها: وكَّلتُك أن تُزوِّجها إذا أذنتْ، فقد نجز الوكالة وشرط للتصرّف إذنها، وإذنُها شرطٌ شرعي.
الجواب:
مرادهم بالشرط في عبارة "المنهاج" ونظائرها الشرط الجعلي، أعني الذي يجعله الموكِّل من عنده لا الشرط الشرعي، للعلم بأن الشرط الشرعي شرطٌ لملك الموكل لصحة المباشرة، وقد نصُّوا على أنّ الملك المذكور شرطٌ لصحة الوكالة، كما تقدّم أوّلَ هذه الرسالة في عبارة "المهذب"، وستأتي عبارات غيره إن شاء الله تعالى.
وممّا يدلُّك على أنّ مرادهم ما ذُكِر قول الشيخ في "المهذب": "وإن عقد الوكالة في الحال، وعلّق التصرف على شرطٍ بأن قال: وكَّلتك أن تُطلِّق امرأتي أو تبيع مالي بعد شهرٍ، صحَّ". "المهذب" (ج 1 ص 352) (1). فمثّلها
__________
(1) "المهذب" (1/ 357) ط. دار المعرفة.
(17/553)

بمثال يكون فيه الموكّل مالكًا للمحلّ، وإنّما شرط شرطًا جعليًّا، وذلك أنّه حالَ التوكيل المرأةُ امرأتُه يَملِك أن يطلَّقها، [ص 7] وكذلك المال ماله يملك بيعه حينئذٍ؛ ولذلك صحّ منه عقد الوكالة في الحال، وإنّما علَّق التصرف بشرطٍ جعلي وهو قوله: بعد شهر.
ومثَّل في "شرح الروض" (1) بقوله: "وكَّلتك ببيع عبدي، وبِعْه بعد شهر"، ومثله في "المغني" (2)، ولفظ المحلِّي (3): "نحو وكَّلتك الآن في بيع هذا العبد، ولكن لا تبِعْه حتى يجيء رأسُ الشهر". وفي "شرح المنهج" (4): "نحو وكَّلتُك الآن في بيع كذا, ولا تَبِعْه حتى يجيء رجب". وعبارة "التحفة" (5) و"النهاية" (6): "كوكَّلتك الآن ببيع هذا, ولكن لا تبِعْه إلا بعد شهر"، لكن قال في "التحفة" ما يأتي، وهي:
الشبهة الثالثة:
قال في "التحفة" (7) بعد ما مرّ: "وبذلك يُعلم أن من قال لآخر قبل رمضان: وكَّلتك في إخراج فطرتي وأخرِجْها في رمضان صحَّ؛ لأنّه نجز الوكالة، وإنّما قيّدها بما قيَّدها به الشارع، فهو كقول مُحرِم: زَوِّجْ بنتي إذا
__________
(1) "أسنى المطالب" (2/ 266).
(2) "مغني المحتاج" (2/ 223).
(3) "شرح المحلِّي على منهاج الطالبين" (2/ 341).
(4) "فتح الوهاب شرح منهاج الطلاب" (3/ 407).
(5) "تحفة المحتاج" (5/ 312).
(6) "نهاية المحتاج" (5/ 29).
(7) "تحفة المحتاج" (5/ 312).
(17/554)

حللتُ، وقول وليٍّ: زَوِّجْ بنتي إذا طُلِّقتْ وانقضتْ عدتها".
فيقال: دلّت عبارة "التحفة" على أنّ الشرط في عبارة "المنهاج" السالفة ونظائرها أريد به ما هو أعمُّ من الشرط الجعلي والشرط الشرعي، فعلى هذا يشمل مسألتنا.
الجواب:
هذه دعوى من ابن حجر يردُّها نصوصهم على أنّه لا يصحّ التوكيل إلاّ ممّن يملك التصرف في الذي يوكَّل فيه بملكٍ أو ولاية، كما تقدّم أولَ هذه الرسالة عن "المهذب".
[ص 8] وفي "الروض" (1): "الأوّل ما يجوز فيه التوكيل، وله شروط:
الأول: الملك، فلا يصح في طلاق من سينكحها وتزويج من ستنقصي عدتها، ونحوه".
وفي "المحرر" (2): "وفي الموكَّل فيه أن يملِكه الموكِّل، فأظهر الوجهين أنّه لا يجوز أن يُوكِّل ببيع عبدٍ سيملكه، وطلاقِ زوجة سينكحها".
وفي "المنهاج" مع المحلّي (3): " (وشرط الموكَّل فيه أن يملكه الموكِّل) حين التوكيل (فلو وكّله ببيع عبدٍ سيملكه وطلاقِ من سينكحها بطل في الأصح) لأنّه لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه، فكيف يستنيب فيه غيره".
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (2/ 260).
(2) "المحرر" (ص 195).
(3) "منهاج الطالبين" (2/ 161) و"شرح المحلّي" (2/ 338).
(17/555)

ونحوه في "المغني" (1) و"التحفة" (2) و"النهاية" (3)، وعبارة "المنهج" مع شرحه (4): " (و) شرط (في الموكَّل فيه أن يملِكه الموكِّل) حين التوكيل (فلا يصح) التوكيل (في بيع ما سيملكه وطلاق من سينكحها) لأنّه إذا لم يباشر ذلك بنفسه فكيف يستنيب غيره".
فهذه النصوص ونحوها تبيِّن ما قلناه: إنّ مرادهم بالشرط في قولهم: "فإن نجَّزها وشرط للتصرف شرطًا جاز" إنّما هو الشرط الجعلي، وتمثيلهم سلفًا وخلفًا يشهد لذلك، وقد حكى في "النهاية" كلام ابن حجر ثم قال (5): "والأقرب إلى كلامهم عدم الصحة؛ إذ كلُّ من الموكَل والوكيل لا يملِك ذلك عن نفسه حال التوكيل".
نعم، وافق على صحة التصرف بناءً على ما فهموه في مسألة التعليق، وسيأتي بيان وهمهم فيها إن شاء الله تعالى، ويأتي هناك الكلام على مسألة: زوِّجْ بنتي إذا طلقتْ وانقضتْ عدتها، ومسألة المحرم ستأتي قريبًا.
[ص 9] هذا, ولو سلّمنا صحة الوكالة في مسألة الفطرة كما قال في "التحفة"، أو صحة الأداء على ما وافق عليه في "النهاية"، فبينها وبين توكيل الولي غير المجبر قبل إذنها فرقٌ من وجوه:
الأول: ما اشتهر بينهم أنّه يُحتاط للأبضاع ما لا يحتاط لغيرها.
__________
(1) "مغني المحتاج" (2/ 219).
(2) "تحفة المحتاج" (5/ 301).
(3) "نهاية المحتاج" (5/ 21).
(4) "فتح الوهاب شرح منهج الطلاب" (3/ 403).
(5) "نهاية المحتاج" (5/ 29).
(17/556)

الثاني: أنّ التوكيل في أداء الفطرة ليس فيه افتياتٌ على أحد، وتوكيل غير المجبر قبل إذنها فيه افتياتٌ عليها، وقد قال جماعة من أصحابنا: إنّها إذا أذنت له بتزويجها ولم تتعرّض لنهيه عن التوكيل ولا الإذن له به، أنّه ليس له أن يوكل، وقد مضت هذه المسألة بما لها وعليها، وبيّنا أنّ دليلها قويٌّ، وأنّ المنع هو الموافق لنصّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
الثالث: أنّ أداء الفطرة عبادة يتشوّف إليها الشارع كالعتق والوقف، فيحتمل أن يُسامح فيها ما لا يسامح في غيرها.
الرّابع: أنّ أداء الفطرة أمرٌ هيّن لا يترتب عليه أمرٌ عظيم له خطر، بخلاف التزويج.
الخامس: أنّ أداء الوكيل لفطرة الموكِّل يبعد أن يندم عليه الموكِّل، بخلاف التزويج، فيمكن أن يندم، فيحتاط للتوكيل بالتزويج بأن لا يلزم الموكّل به إلاّ إذا وكّل وهو تام الولاية، كما في الوصية لغير الوارث، حيث لم تُعتبر [ص 10] إجازة سائر الورثة في حياة المُورِث ولو عند الغرغرة، وإنّما تعتبر إذا وقعت بعد موته حيث يصير الحقُّ كله للورثة.
الشبهة الرابعة:
في "الروض" (1): "فرعٌ: لو أحرم وكيل النكاح أو موكِّله أو المرأة لم ينعزل، فلا يزوِّج قبل تحلُّله وتحلُّلِ موكِّله، ولو وكَّله مُحرِمًا أو أذنت وهي مُحرِمة صحّ، لا إن شرط العقد في الإحرام". قال في الشرح (2) بعد قوله:
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (3/ 133).
(2) المصدر نفسه.
(17/557)

"صح": "سواء أقال: لتزوّج بعد التحلل أم أطلق".
فيقال: كما صحّ توكيل المحرم وهو لا يملك التزويج، فليصح توكيل غير المجبر قبل الإذن.
الجواب:
بينهما فرقٌ من وجوه:
الأوّل: أنّ ولاية المحرِم تامّة، والإحرام مانع فقط، وولاية غير المجبر ناقصة، وإذنها جزء أو شرط، وقد قال الإمام الرازي (1): إنّ المناسبة لا تنخرم بوجود المانع، بل يبقى المقتضي تامًّا، وإنّما يتخلَّف الحكم لوجود المانع، فأمّا فقد الجزء والشرط فلا نزاع أنّ المقتضي لا يتمّ بدونهما.
بل قد تقدّم قُبيل الشبهة الأولى أنّ ولاية غير المجبر قبل إذنها بغاية الضعف، فارجع إليه.
الوجه الثاني: أن منع المُحرِم من العقد ليس لخللٍ في أصل النكاح والمقصودِ منه، وإنّما هو لاحترام النسك، والتوكيلُ لا يُشعِر بعدم الاحترام، بل نقول: إنّ منع المحرم من العقد ليس لمفسدةٍ ذاتية، وإنّما هو سدٌّ لذريعة الجماع في الإحرام. وأما منع غير المجبر من العقد قبل إذنها فإنّه لِما يُخشى من عقده أن يُخِلّ بمقصود النكاح من الألفة والمودَّة والرحمة بأن يزوِّجها من لا تهواه، وَيحرِمَها من تهواه؛ ولأنّ في ذلك افتياتًا عليها. وإذا كان الشارع قد نهى المجبر أن يزوِّجها حتى يستأمرها، فما بالك بغيره؟
__________
(1) المسألة موجودة في كتب الأصول ونصُّوا فيها على قول الإمام الرازي ومخالفتهم له في انخرام المناسبة بوجود مانع.
(17/558)

[ص 11] هذا مع وفور شفقة المجبر ورحمته ومعرفته، وأنّ نظره لها خيرٌ لها من نظرها لنفسها، وتوكيل غير المجبر قبل إذنها لا يخلو من افتيات عليها، كما مرّ في الوجه الثاني من وجوه الفرق بين مسألتنا ومسألة الفطرة، فارجع إليه.
الوجه الثالث: أنّ انقضاء الإحرام كالمقطوع بحصوله قريبًا، وإذنها ليس كذلك.
الوجه الرابع: أنّ كون الإحرام مانعًا من العقد فيه خلافٌ بين الأمة، وإذن غير المجبرة لا بدّ منه إجماعًا.
الوجه الخامس: سيأتي عن ابن حجر في مسألة التعليق ما معناه: أنّه لو أشار المجبر أو المأذون له بالتزويج إلى بنته المعتدّة، وقال: وكَّلتك بتزويج هذه، كان هذا لغوًا، لا يصحّ التوكيل ولا العقد ولو بعد العدّة، وزعم أنّه لو قال: وكَّلتك بتزويجها بعد انقضاء عدتها فسد التوكيل، وصحّ العقد إن وقع بعد انقضاء العدة. مع قوله كغيره في مسألة المحرم (1): "لو قال: وكلتك بالتزويج، ولم يقل حالَ الإحرام ولا بعده، صحّ التوكيل والعقد إذا وقع بعد الإحرام". فهذا يدلُّك على أنّ مانعية الإحرام ضعيفة، كما قدّمناه، والله أعلم.
تنبيه: بعض هذه الفروق يأتي مثله بين مسألة المحرم ومسألة الفطرة، والله أعلم.
__________
(1) انظر "تحفة المحتاج" مع حواشيه (7/ 257) و"حاشية القليوبي على شرح المحلّي" (2/ 337).
(17/559)

[ص 12] الشبهة الخامسة:
أن يقال: النصوص المتقدمة إنّما تفيد بطلان الوكالة، وذلك لا يستلزم بطلان عقد الوكيل، وقد قال الشيخ في "المهذب": "فصلٌ: ولا يجوز تعليق الوكالة على شرط مستقبل ... فإن علَّقها على شرط مستقبل ووجد الشرط وتصرف الوكيل صحّ التصرف؛ لأنّ مع فساد العقد الإذن قائم، فيكون تصرفه بإذن، فصحّ ... وإن عقد الوكالة في الحال، وعلّق التصرف على شرطٍ بأن قال: وكَّلتك أن تطلّق امرأتي أو تبيع ما لي بعد شهرٍ، صحّ؛ لأنّه لم يعلِّق العقد على شرط، وإنّما علّق التصرف على شرطٍ، فلم يمنع صحة العقد". "المهذب" (ج 1 ص 352) (1).
وعبارة "المحرر" (2): "ولا يجوز تعليق الوكالة بالشروط على أظهر الوجهين، ويجوز أن ينجزها ويشترط للتصرف شرطًا".
وفي "المنهاج" (3): "ولا يصح تعليقها بشرطٍ في الأصح".
وفي "الروض" مع شرحه: " (ولو علّقها بشرطٍ) كقوله: إذا قدم زيدٌ أو جاء رأس الشهر فقد وكَّلتك بكذا، أو فأنت وكيلي فيه (بطلت) للشرط. (ونفذ تصرف صادف الإذن) فينفذ تصرفه في ذلك عند وجود الشرط إلا أن يكون الإذن فاسدًا ... وشمِلَ كلامهم النكاحَ، فينفذ بعد وجود [ص 13] الشرط في نحو: إذا انقضت عدة بنتي فقد وكَّلتك بتزويجها، بخلاف نحو: وكَّلتك بتزويجها ثم انقضت عدتها". "شرح الروض" (ج 2 ص 266).
__________
(1) (1/ 357) ط. دار المعرفة.
(2) "المحرر" (ص 196).
(3) "منهاج الطالبين" (2/ 165).
(17/560)

وهذه الشبهة باطلة لوجوه:
الأول: أنّ صحة التصرف مع بطلان الوكالة خاصٌّ بما إذا كان الإذن صحيحًا كما مرّ في عبارة "شرح الروض"، وذلك خاص بالوكالة التي لا يكون فيها نقصٌ ما إلا التعليق، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك أن تبيع عبدي هذا. وسيأتي تحقيق ذلك في جواب الشبهة السادسة إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أنّ الفرق بين الوكالة الصحيحة والوكالة الفاسدة التي يصح معها التصرف لم يذكروا له ثمرةً إلا أنّه إذا سمّى للوكيل جُعلاً يبطُل المسمَّى وتثبت أجرة المثل. وهذه الفائدة إن اعتني بمراعاتها ففي باب الوكالة، فأمّا باب النكاح فإنّما يعتني بذكر الوكالة التي لها مساس بصحته، فإذا قالوا في باب النكاح: لا تصح الوكالة بكذا، لم يجز حمل كلامهم إلا على أنّ النكاح لا يصح بها.
ونصُّ الإمام الشافعي الذي قدّمناه إنّما ذكره في النكاح، [ص 14] وكذلك النصوص التي ذكرناها بعده من "المحرر" و"المنهاج" و"الروض"، فأمّا "المهذّب" فإنّ نصّه المتقدم عقب نص الشافعي هو في الوكالة، ولكن فيه دلالة أخرى تمنع احتماله لهذه الشبهة كما سيأتي.
الوجه الثالث: ولهذا المعنى الذي ذكرناه في الوجه الثاني فسّر ابن حجر والرملي في شرحيهما على "المنهاج" الضمير المستتر في "يصح" بالنكاح، ولفظهما مع "المنهاج" (1): " .... (لم يصح) النكاح (على الصحيح) ".
__________
(1) "تحفة المحتاج" (7/ 264) و"نهاية المحتاج" (6/ 244).
(17/561)

فأمّا المحلي (1) والخطيب (2) فإنهما ذكرا التوكيل بدل النكاح، وكأنهما وثقا بأنّ المسألة حيث كانت في باب النكاح فلا بدّ أن يُفهم من بطلان التوكبل بطلان النكاح، ولكن صنيع "التحفة" و"النهاية" أجود.
الوجه الرابع: أنّ من ذكر هذه المسألة في الوكالة ذكرها مع الأشياء التي تبطل معها الوكالة أصلاً، أي: بحيث إذا تصرف الوكيل كان تصرّفه باطلاً، كما تراه في عبارة "المهذب" المتقدمة عقب نصّ الشافعي رحمه الله تعالى، فإنه ذكرها مع الصبيّ والمجنون والمحجور عليه في المال والمرأة في عقد النكاح، والوكيل والعبد المأذون إذا لم يؤذن لهما بالتوكيل، [ص 15] وهؤلاء كلهم لا تصح وكالتهم، ولا ينعقد تصرف الوكيل.
الوجه الخامس: أنّ الشيخ ذكر أنّ من قال ببطلان توكيل الولي غير المجبر المأذون له بالزواج دون التوكيل، من حجته القياس على الوكيل والعبد المأذون له، ومعلوم أنّ توكيل هذين بدون إذن باطلٌ، ولا ينعقد تصرف من وكّلاه، فكذا يقال في المسألتين المقيسة عليهما كما مرّ، وأولى منها مسألتنا.
الشبهة السادسة:
أن يقال: قال في "التحفة" بعد قول "المنهاج" (3): "فلو وكّله ببيع عبدٍ سيملكه وطلاق من سينكحها بطل في الأصح" ما لفظه (4): " ... وكذا لو
__________
(1) "شرح المحلِّي" (3/ 229).
(2) "مغني المحتاج" (3/ 158).
(3) "منهاج الطالبين" (2/ 161).
(4) "تحفة المحتاج" (5/ 301 - 302).
(17/562)

وكّل من يزوِّج موليته إذا انقضت عدتها أو طلقت، على ما قالاه هنا، واعتمده الإسنوي، لكن رجّح في "الروضة" في النكاح الصحة".
ونحوه في "النهاية" (1)، قال علي شبراملسي في حواشيه (2): "قوله: (على ما قالاه) ضعيفٌ".
فيقال: إنّ هذه المرأة تكون غير مجبرة؛ لأنّها قد تزوجت، ومع ذلك لم يذكر اشتراط أن تكون قد أذنت، فهو شاملٌ لمسألتنا.
[ص 16] الجواب:
أولاً: هذا الوجه الذي رجحه في النكاح من "الروضة" قد جزم بخلافه هو، وأصله في الوكالة منها كما علمت، وقد اعتمد الإسنوي عدم الصحة، وكذا الخطيب في "المغني" (3)، والرملي في "النهاية" (4)، ووالده في فتاواه كما في "النهاية" (5)، وأمّا ابن حجر فميله إلى الصحة بشرط أن يكون في الصيغة تعليق ولو ضمنًا، كما سيأتي نقله في جواب الشبهة التاسعة.
والعجبُ منه أنّه استند في ذلك إلى القياس على صورةٍ ذكرها الإسنوي كما سيأتي، وخالف في ذلك نصّ الإسنوي نفسه.
ثانيًا: دعوى أنّ هذه المرأة تكون غير مجبرة؛ لأنها قد تزوجت خطأً
__________
(1) "نهاية المحتاج" (5/ 21).
(2) بهامش "النهاية" (5/ 21).
(3) "مغني المحتاج" (2/ 219).
(4) "نهاية المحتاج" (5/ 21).
(5) المصدر السابق.
(17/563)

لاحتمال أن يكون الوليُّ أبًا أو جدًّا، وتكون بكرًا لم يدخل بها زوجها حتى طلقها، فيحلّ زواجها عقب الطلاق، أو مات عنها فعليها عدة الوفاة.
فقوله: "إذا انقضت عدتها" موجَّه إلى الثاني، وقوله: "أو طلقت" موجَّه إلى الأول.
وممّا يدلُّ على أن المسألة مفروضة في المجبرة أنّ الخطيب في "المغني" (1) ذكرها بلفظ: "وتزويج بنته إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها".
[ص 17] وفي "النهاية" (2) ما يدلّ على أنّ المسألة منقولة في النكاح من "الروضة" عن "فتاوي البغوي"، وذكر نصّ عبارة البغوي وهي: "كما لو قال الوليُّ للوكيل: زوِّج بنتي إذا فارقها زوجها أو انقضت عدتها".
وفي "التحفة" (3) في الكلام على مسألة التعليق: "أو بتزويج بنته إذا طلقت وانقضت عدتها".
وقد يُظَنّ أن الصواب "أو انقضت عدتها" كما ذكره نفسه فيما مرّ، وكما ذكره غيره، وأنّ الألف سقط قبل الواو من تحريف النساخ، ولكن في سياق عبارته ما يفيد أنّه بني على العطف بالواو، وعليه فيمتنع فرض المسألة في المجبرة، ولكن يمكن فرضها في غير المجبرة إذا سبق منها الإذنُ لوليها بأن يزوِّجها، فإنّ إذنها حينئذٍ صحيحٌ عند القائل بصحة وكالة الوليّ على الوجه
__________
(1) "مغني المحتاج" (2/ 219).
(2) "نهاية المحتاج" (5/ 21).
(3) "تحفة المحتاج" (5/ 311).
(17/564)

المذكور، بل وأفتى الشهاب الرملي بصحة إذنها مع إفتائه ببطلان الوكالة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإذ قد أمكن فرض المسألة المذكورة في المجبرة أو في الإذن مع إشعار القرائن بذلك، فقد سقطت الشبهة في التمسك بها:
أولاً: تنزيهًا للأصحاب عن مخالفة نص الإمام.
ثانيًا: تقييدًا لنصّ من نصَّ على هذه المسألة ببقيّة [ص 18] نصوصهم التي قدّمنا بعضها، هذا مع أنّ المسألة في نفسها ضعيفة كما مرّ.
الشبهة السابعة:
أن يقال: سلَّمنا أنّ المسألة السابقة مفروضة في المجبرة أو الآذنة، ولكنّا نقول: إذا صحّ توكيل الأب بزواج ابنته وهي مزوّجة أو معتدّة فلْيصحَّ توكيله وهي ثيّب خلية قبل إذنها من باب أولى؛ لأنّ كونها مزوَّجة أو معتدّة أشدُّ في منع صحة تزويجها من كونها لم تأذن، بدليل أن عدم الإذن لا يكون مانعًا في المجبرة، وأمّا كونها مزوّجة أو معتدّة فإنه مانعٌ مطلقًا.
والجواب من وجهين:
الأول: أنّ المسألة المذكورة ضعيفة كما مرّ، فلا يفيد القياس عليها.
والثاني: أنّ ولاية المجبر والمأذون له تامّة، وولاية غيرهما ناقصة إلى حدًّ كأنها معدومة كما تقدم.
فأمّا كونها مزوَّجة أو معتدَّة فإنّما ذلك مانعٌ كالإحرام، فأرجع إلى جواب الشبهة الرابعة.
(17/565)

الشبهة الثامنة:
أن يقال: قد نقل الشيخان في "الروضة" وأصلِها صحةَ إذن المرأة لوليّها أن يزوِّجها إذا انقضت عدتها أو طلقت، وأقرَّاه، وأفتى به الشهاب [ص 19] الرملي كما ذكره ولده في "النهاية"، وإذا صحّ ذلك فلْيصحَّ توكيله الوليَّ وهي مزوّجة أو معتدّة، ثم تقاس عليه مسألتنا.
الجوابُ: يُعلَم ممّا تقدم في جواب الشبهة السابعة، ومع ذلك فبين المسألتين فرقٌ، وهو أنّ لولاية الوليّ أصلاً شرعيًّا، وإنّما يحتاج إلى الإذن تكميلاً للولاية. وأمّا الوكيل فإنّه إنّما يستفيد الحقَّ من الوكالة، فلا غروَ أن يُكتفَى في الأول بما لا يُكتفَى به في الثاني.
وفي "النهاية" (1) عن والده الشهاب الرملي ما لفظه: "والفرق بينهما أن تزويج الولي بالولاية الشرعية، وتزويج الوكيل بالولاية الجعلية، وظاهرٌ أنّ الأولى أقوى، فيُكتفى فيها بما لا يُكتفى به في الثانية، وأن باب الإذن أوسع من باب الوكالة".
وقال ابن حجر في النكاح من "التحفة" (2): "وعليه فالفرق بينها وبين وليّها أنّ إذنها جعليٌّ وإذنه شرعي، أي: استفاده من جهة جعل الشرع له - بعد إذنها - وليًّا شرعيًّا، والجعلي أقوى من الشرعي كما مرّ في الرهن".
أقول: ومع هذا فالحق ما جزم به في "التحفة" في باب الوكالة من
__________
(1) "نهاية المحتاج" (5/ 21).
(2) "تحفة المحتاج" (7/ 265).
(17/566)

بطلان إذن المزوَّجة أو المعتدَّة، وقد نصّ الله تعالى في كتابه على النهي عن التصريح بخِطْبة المعتدّه، وإن لم يكن استئذانها وإذنها أشدَّ من التصريح بالخِطْبة فما هو بدونه، فأمّا المزوَّجة فالأمر فيها أشدُّ، ومحاسنُ الشريعة تقتضي سدّ هذا الباب كما لا يخفى، والله أعلم.
الشبهة التاسعة:
قد يقال: أمّا إذا قال غير المجبر قبل إذنها: وكَّلتك أن تزوِّج أختي مثلاً، فلا شكّ في بطلان الوكالة وعدم صحة النكاح لو أنكح الوكيل، ولكن إذا علّق بإذنها كأن قال: إذا أَذِنَت أختي بالنكاح فقد وكَّلتك في تزويجها أو نحو ذلك، فإنها تفسد الوكالة، ويصح النكاح لشمول نصوصهم في تعليق الوكالة لذلك. وقد تقدّم نصُّ "المهذّب" ونصُّ "الروض" مع شرحه مع قول الشرح: "وشمِلَ كلامهم النكاحَ إلخ".
وفي "التحفة" (1) عقب قول "المنهاج" (2): "فلو وكَّله ببيع عبدٍ سيملكه وطلاقِ من سينكحها بطل في الأصح" ما لفظه: "لأنّه لا ولاية له حينئذٍ. وكذا لو وكّل من يزوِّج موليته إذا انقضت عدتها أو طلقت على ما قالاه هنا، واعتمده الإسنوي. لكن رجّح في "الروضة" في النكاح الصحةَ. وكذا لو قالت له وهي في نكاح أو عدّة: أَذِنتُ لك في تزويجي إذا حللتُ، ولو علّق ذلك - ولو ضمنًا، كما يأتي تحقيقه - على الانقضاء أو الطلاق، فَسَدت الوكالة، ونفذ التزويج للإذن".
__________
(1) "تحفة المحتاج" (5/ 301 - 302).
(2) "منهاج الطالبين" (2/ 161).
(17/567)

ثم قال بعد قول "المنهاج" (1): "ولا يصح تعليقها بشرطٍ في الأصح" ما لفظُه: "فلو تصرَّف بعد وجود الشرط، كأن وكَّله بطلاق زوجةٍ سينكحها [ص 21] أو بيعٍ أو عتقِ عبدٍ سيملكه أو بتزويج بنته إذا طلقت وانقضت عدتها، فطلَّق بعد أن نكح أو باع أو أعتق بعد أن ملك أو زوَّج بعد العدّة، نفذ عملاً بعموم الإذن. وتمثيلي بما ذكر هو ما ذكره الإسنوي في الأولى وقياسها ما بعدها، كما يقتضيه كلام "الجواهر" وغيرها.
وقال الجلال البلقيني: يحتمل أن يصح التصرف كالوكالة المعلقة يفسد التعليق ويصح التصرف لعموم الإذن، ولم يذكروه أي: نصًّا، وأن يبطل لعدم ملك المحل حالة اللفظ بخلاف المعلقة فإنّه مالك للمحل عندها، وعلى هذا يلزم الفرق بين الفاسدة والباطلة، وهو خلاف تصريحهم بأنّهما لا يفترقان إلا في الحج والعارية والخُلع والكتابة. انتهى.
وقضية ردّه للثاني بما ذكر اعتماده للأول، وليست المعلقة مستلزمة لملك المحل عندها، إذ الصورة الأخيرة فيها تعليق لا ملكٌ للمحل حال الوكالة، نعم الأوجه أنّه لا بدّ في هذه الصور أن يذكر ما يدلّ على التعليق كقوله: التي سأنكحها أو الذي سأملكه، بخلاف اقتصاره على: وكَّلتك في طلاق هذه أو بيع هذا أو تزويج بنتي؛ لأنّ هذا اللفظ يُعَدّ لغوًا لا يفيد شيئًا أصلاً، فليس ذلك من حيث الفرق بين الفاسد والباطل، فتأمّله. ويأتي في الجزية [ص 22] وغيرها ومرّ في الرهن الفرقُ بين الفاسد والباطل أيضًا، فحصرهم المذكور إضافيٌّ، وفائدة عدم الصحة بهما في المتن سقوط المسمّى إن كان ووجوب أجرة المثل".
__________
(1) "منهاج الطالبين" (2/ 165)، "تحفة المحتاج" (5/ 311).
(17/568)

الجواب:
أصل مسألة التعليق إنّما هي في التعليق بشرطٍ جعلي، أي: يجعله الموكِّل، كأن يقول: إذا قدم زيدٌ أو جاء رأس الشهر فقد وكَّلتُك في بيع عبدي هذا. يدلّك على هذا تمثيل "المهذب" (1) لتعليق التصرّف بقوله: "وكلتك أن تطلق امرأتي أو تبيع ما لي بعد شهرٍ"، وقد مضى مثله عن غيره، ومسألة تعليق التصرف مرتبطة بتعليق الوكالة.
ومثّل في "شرح الروض" (2) لتعليق الوكالة بقوله: "كقوله: إذا قدم زيدٌ أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك بكذا أو فأنت وكيلي فيه".
ومثَّلها المحلّي في "شرح المنهاج" (3) بقوله: "نحو: إذا قدم زيدٌ أو إذا جاء رأس الشهر فقد وكّلتك بكذا". وعبارة "المغني على المنهاج" (4) مثل عبارة "شرح الروض".
وأصرح من ذلك عبارةُ الجلال البلقيني التي تقدمت عن "التحفة"، فإنها صريحة أنّ المعلقة خاصة بما ذكرناه، وأنّ الصور التي مثّل بها ابن حجر ليست من المعلقة، وإن احتمل أن تقاس عليها، فأرجع إلى عبارة البلقيني وتدبرها، [ص 23] فإنّي أخشى أن يكون ابن حجر نفسه لم يتدبرها، كما يدلّ عليه قوله: "وليست المعلقة مستلزمةً لملك المحل عندها، إذ الصورة الأخيرة فيها تعليق لا ملك للمحل حال الوكالة".
__________
(1) "المهذب" (1/ 357).
(2) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (2/ 266).
(3) "شرح المنهاج" (2/ 340).
(4) "مغني المحتاج" (2/ 223).
(17/569)

فإنّ كلام البلقيني صريحٌ في أنّ المعلقة خاصة بما علقت مع ملك الموكّل للمحل عندها، وأنّ هذه الصور التي ذكرها ابن حجر كلها ليست منها، والبلقيني إمامٌ واسع الاطلاع فلا وجه لردّ قوله بلا حجة.
وكأنّ الإسنوي لما رأى تعبير السلف بنحو: "فإن علَّقها على شرط"، سبق إلى ذهنه أنّ المراد بالشرط الشرط الشرعي، فمثّل بقوله: كأن وكّله بطلاق زوجة سينكحها. وتبعه ابن حجر وقاس على هذه الصورة غيرها كما رأيت، والله المستعان.
والمراد بملك المحل الذي عبَّر به البلقيني ملك التصرف فيه، الناشئ عن ملك العين تارةً والولاية عليه أخرى، كما في "التحفة" في شرح قول "المنهاج": "وشرط الموكَّل فيه أن يملكه الموكِّل"، فيشمل ملكه لطلاق زوجته وتزويج موليته بشرطه، والله أعلم.
فأمّا قول البلقيني: "وعلى هذا يلزم الفرق بين الفاسدة والباطلة .. إلخ".
[ص 24] فجوابه من وجوه:
الأول: ما ذكره ابن حجر أن الحصر إضافي.
الثاني: أن يقال له: لا نزاع أنّ وكالة المحجور عليه في المال يُبنى عليها صحة التصرف، وأنّ الوكالة المعلَّقة في نحو: إذا قدم زيدٌ فقد وكَّلتك بعتق عبدي هذا، يبنى عليها صحة التصرف، فإن سميت الأولى باطلة والثانية فاسدة، فقد اعترفت بالفرق ولا بدّ، وإن قلت: الأولى لغوٌ، قلنا: فلتكن الوكالة بطلاق من سينكحها ونحوها ممّا ذكر معها لغوًا، فلم يلزم الفرق.
الوجه الثالث: الوكالة يلزمها الإذن، ثم تارةً تبطل هي ويبطل الإذن،
(17/570)

وتارةً تبطل هي ويصح الإذن، فالتفرقة في الحكم مدارها على صحة الإذن وبطلانه، وأمّا الوكالة فهي باطلة في الصورتين.
الوجه الرابع: أنّ من الأبواب التي فرّقوا بين باطلها وفاسدها الإجارة والجعالة، وقد صرّحوا أن ثمرة فساد الوكالة مع صحة الإذن إنّما هي أنّه لو سمّى للوكيل جُعلاً لم يلزم المسمّى، بل يرجع إلى أجرة المثل. وعلى هذا فالوكالة المعلقة من حيث هي وكالة هي صحيحة، وإنّما الفساد فيها من حيث هي إجارة أو جعالة، فليس للوكالة من حيث هي وكالة إلا حكمان: الصحة والبطلان.
[ص 25] وممّا يدلُّ على بطلان التصرف فيما إذا وكَّله بطلاق من سينكحها، وغيرها من الصور التي ذكرها في "التحفة" ونحوها، ومنها مسألتنا: اختيارُ "المنهاج" التعبيرَ في ما إذا وكَّله ببيع عبدٍ سيملكه أو طلاق من سينكحها بقوله: "بطل في الأصح" (1)، مع تعبيره في المعلَّقة بقوله: "ولا يصح تعليقها بشرطٍ في الأصح" (2)، فأشار إلى أنّ الأولى تبطل أصلاً، أي: حتى لا يصح التصرف، وأنّ الثانية تفسد؛ لأنّ نفي الصحة كما يحتمل البطلان يحتمل الفساد. هذا مع أنّ الأولى معلَّقة ضمنًا على تفسير ابن حجر.
فإن قلت: فقد عبّر النووي في النكاح بقوله (3): "ولو وكَّل قبل استئذانها لم يصحَّ على الصحيح".
__________
(1) "منهاج الطالبين" (2/ 261).
(2) المصدر نفسه (2/ 265).
(3) "منهاج الطالبين" (2/ 432).
(17/571)

قلتُ: قد سبق الجوابُ عن هذا في جواب الشبهة الخامسة.
وممّا يدلّ على بطلان التصرف أيضًا قول "الروض" مع شرحه (ج 2 ص 266) (1) في المعلقة: " (ونفذ تصرف صادف الإذن) فينفذ تصرفه في ذلك عند وجود الشرط إلا أن يكون الإذنُ فاسدًا. انتهى". ونحوه في "المغني على المنهاج" (2)، وكذا في "النهاية" (3) وغيرها. والإذن فيما لا يملك فاسد، وقد قال الشهاب الرملي في حواشي "الروض" (4): "قوله: (فينفذ تصرفه في ذلك عند وجود الشرط لوجود الإذن) الخالي عن المفسد .. إلخ" [ص 26] والإذن فيما لا يملك غير خالٍ عن المفسد.
وقال الشهاب الرملي أيضًا (5): "قوله: (وشمل كلامهم النكاح، فينفذ عند وجود الشرط إلخ). كما يصح البيع بالإذن في الوكالة الفاسدة. وهو خطأ صريح مخالف للمنقول، قال في "الروضة": قال الإمام: إذا عينت المرأة زوجًا سواءً شرطنا التعيين أم لا، فليذكره الولي للوكيل، فإن لم يفعل وزوج الوكيل غيره لم يصحّ، وكذا لو زوّجه لم يصح على الظاهر؛ لأنّ التفويض المطلق مع أنّ المطلوب معيّن فاسد. وأيضًا فلو اختلطت محرمة بنسوة محصورات، فعقد على واحدةٍ منهنّ، لم يصح النكاح على الأصح، وإن ظهر كونها أجنبية. وكذلك لو عقد على خنثى فبان امرأة لم يصح. ولو
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" ط. مصر 1313 ه.
(2) "مغني المحتاج" (2/ 223).
(3) "نهاية المحتاج" (5/ 29).
(4) (2/ 266).
(5) (2/ 266).
(17/572)

قبل النكاح لزيدٍ بوكالة فأنكرها زيدٌ لم يصح العقد، ولو اشترى له بوكالة فأنكرها صحّ الشراء للوكيل، ولو أذن لعبده إذنًا فاسدًا في النكاح لم يستفد العقد الصحيح ت".
والمسألة الأولى مذكورة في متن "الروض" (1) في النكاح، ولفظه: "وإذا أذنت له مطلقًا فله التوكيل مطلقًا، فإن عينته وجب تعيينه للوكيل، وإلاّ لم يصحّ، ولو زوّج المعين كما لو قال وليّ الطفل: بعْ ماله بدون ثمن المثل فباع بثمن المثل".
قال في الشرح (2) عقب قوله: "ولو زوّج المعين" ما لفظه: "لأنّ التفويض المطلق مع أنّ المطلوب معين فاسد". وقال عقب قوله: "فباع بثمن المثل" ما لفظه: "لم يصح لفساد صيغة التفويض".
قال المحشي (3): "قوله: (لم يصح لفساد صيغة التفويض) ومن هنا يؤخذ أنّ الوكالة الفاسدة لا يصح بها عقد النكاح، وإن صح البيع في الوكالة الفاسدة في الأصح، وهو ظاهر، والفرق وجوب الاحتياط في النكاح بخلاف البيع. وغلط [الإسنوي] في "المهمات" في قوله: إنّ الوكالة الفاسدة يستفيد بها عقد النكاح كالبيع ت. ذكر الزركشي نحوه انتهى. انظر "شرح الروض" (ج 3 ص 135).
أقول: وكأنّ حرف "ت" في آخر العبارتين رمزٌ لكتاب "توقيف الحكام
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (3/ 135).
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(17/573)

على غوامض الأحكام" لابن العماد، ففي "حواشي عبد الحميد على التحفة" عند قول "التحفة" (1): "ولو علّق ذلك ولو ضمنًا إلخ" ما لفظه: "قوله: (ونفذ التزويج إلخ) قد بالغ ابن العماد في "توقيف الحكام على غوامض الأحكام" في تخطئة من قال بصحة النكاح عند فساد التوكيل فيه، وقد أشار إلى ذلك شيخنا الشهاب الرملي أيضًا. اه سم".
وممّن صرّح بفساد الإذن في مسألة توكيل الولي بزواج موليته إذا طلقت إذا انقضت عدتها: ابن حجر نفسه، فإنّه ذكر في النكاح هذه المسألة [ص 27] كما ستأتي عبارته، ثم ذكر قول "المنهاج" (2): "وليقل وكيل الولي: زوجتك بنت فلان"، ثم قال في شرحها (3): "ثم يقول: موكلي أو وكالة عنه مثلاً، إن جهل الزوج والشاهدان أو أحدهما وكالته عنه، وإلاّ لم يحتج لذلك.
تنبيهٌ: ظاهر كلامهم أنّ التصريح بالوكالة فيما ذكر شرط لصحة العقد، وفيه نظر [واضح] ... وليس هذا كما مرّ آنفًا, لأنّ الإذن للوكيل ثَمَّ فاسد من أصله بخلافه هنا".
قال عبد الحميد (4): "قوله: كما مرّ آنفًا ... أقول: بل في شرح: لم يصح على الصحيح من قوله: لا إذن الولي لمن يزوج إلخ".
__________
(1) "تحفة المحتاج" (5/ 302).
(2) "منهاج الطالبين" (2/ 432).
(3) "تحفة المحتاج" (7/ 265 - 266).
(4) في حواشيه على التحفة، الموضع السابق.
(17/574)

أقول: وعليه ففي عبارة ابن حجر التصريحُ بفساد الإذن في مسألة توكيل الولي من يزوِّجها إذا طلقها زوجها إلخ، بل في عبارته أن عقد الوكيل غير صحيح؛ لأنّ معنى كلامه: (وليس هذا كما مرّ آنفًا) في مسألة إذن الولي لمن يزوِّج موليته إذا طلقت وانقضت عدتها، حتى يلزم عدم صحة العقد هنا كما أنّه غير صحيح هنالك، أي: في مسألة إذن الولي (لأنّ الإذن) من الولي (للوكيل ثَمَّ فاسدٌ من أصله) فلهذا لم يصح العقد هناك (بخلافه هنا).
وفي "حواشي" القليوبي على المحلِّي (1): " ... وكذا لو قالت: وكَّلتك في تزويجي إذا انقضت عدتي، فإن كان قائل ذلك الولي لوكيله بطل الإذن أيضًا على المعتمد كما مرّ".
فأمّا قول ابن حجر (2): "ولو علّق ذلك ولو ضمنًا إلخ"، فقد تعقبه الرملي في "النهاية" (3) فقال: "وما جمع به بعضهم بين ما ذكر في البابين بحمل عدم الصحة على الوكالة، والصحة على التصرف، إذ قد تبطل الوكالة ويصح التصرف = رُدّ بأنّه خطأٌ صريح مخالف للمنقول، إذ الأبضاع يُحتاط لها فوق غيرها".
قال الشبراملسي في حواشيه (4): "قوله: وما جمع به بعضهم أي حج - ابن حجر - حيث قال: ولو علّق ذلك ولو ضمنًا ... ".
__________
(1) "شرح المحلي مع حاشيتي القليوبي وعميرة" (2/ 341).
(2) "تحفة المحتاج" (5/ 302).
(3) "نهاية المحتاج" (5/ 21، 22).
(4) "حاشية الشبراملسي" (5/ 22).
(17/575)

أقول: وقد تقدم ما كتبه الشهاب الرملي على "شرح الروض"، وما ذكره ابن قاسم عن ابن العماد.
ثم إنّ ابن حجر وفى بما وعد، فذكر المسألة ونحوها عند مسألة التعليق، [ص 28] وقد تقدمت العبارة. ثم عاد في النكاح في الكلام على قول "المنهاج" (1): "ولو وكّل قبل استئذانها لم يصحّ على الصحيح"، فقال (2): "ويصحُّ إذنها لوليّها أن يزوِّجها إذا طلقها زوجها وانقضت عدتها, لا إذن الولي لمن يزوِّج موليته كذلك على ما قالاه في الوكالة، وقد مرّ بما فيه مع نظائره. وعليه فالفرق بينها وبين وليّها أنّ إذنها جعليٌّ، داذنه شرعي، أي: استفاده من جهة جعل الشرع له بعد إذنها وليًّا شرعيًّا، والجعلي أقوى من الشرعي كما مرّ في الرهن، وبهذا جمعوا بين تناقض "الروضة" في ذلك. والجمع يحمل البطلان على خصوص الوكالة والصحة على التصرف لعموم الإذن، قال بعضهم: خطأٌ صريح مخالف للمنقول، ومرّ ما في ذلك في الوكالة".
وفي حواشي عبد الحميد (3): " (قوله: خطأٌ إلخ) أي: لأنّه لا يصح النكاح بالوكالة الفاسدة. سم ورشيدي" اه.
ثم إنّ ابن حجر ذكر بعد ما مرّ بقليل مسألة أنّ التصريح بالوكالة إذا لم تعلم شرط لصحة العقد، ونظر فيها، وفرَّق بينها وبين مسألة توكيل الولي المتقدمة بأنّ الإذن للوكيل في مسألة الولي فاسدٌ من أصله، أي: فلذلك كان
__________
(1) "منهاج الطالبين" (2/ 432).
(2) "تحفة المحتاج" (7/ 265).
(3) في الموضع السابق.
(17/576)

العقد غير صحيح. وعلى هذا [ص 29] رجّح في باب الوكالة صحة العقد، ثم تردّد فيه في النكاح في شرح قول "المنهاج": (ولو وكَّل قبل استئذانها إلخ)، ثم أشار بعد ذلك بقليل إلى فساد الإذن من أصله وعدم صحة العقد، وهذا هو المتأخر، فعليه استقرّ قول "التحفة"، وعليه الاعتماد، ولله الحمد.
هذا وقد تقدّم في الجواب عن الشبهة السادسة أنّ مسألة توكيل الولي في تزويجها إذا طلقت أو انقضت عدتها مفروضة في الولي المجبر البتةَ، أو فيه وفي غير المجبر الذي قد أذنت له، بناءً على صحة إذنها حينئذٍ.
وعليه فلو سلّمنا أنّه إن عقد الوكيل في هذه المسألة صحّ عقده، فلا يلزم مثل ذلك في مسألتنا، وهي ما إذا وكل غير المجبر قبل إذنها وعلّق بإذنها.
والفرق بين المسألتين أنّ المجبر والمأذون له ولايتهما تامّة، وإنّما هناك مانع من مباشرة العقد حالاً، فأمّا غير المجبر الذي لم تأذن له فولايته ناقصة، بل كأنّها معدومة كما مرّ قبيل الشبهة الأولى. ومرّ في جواب الشبهة الرابعة فرقٌ بين وجود المانع وفقد الشرط أو الجزء، فأرجع إليه.
[ص 30] الشبهة العاشرة:
قد يقال: سلَّمنا بطلان الوكالة وعدم صحة التصرف فيما إذا وكّل غير المجبر قبل أن تأذن له، وكذلك في كلّ ما لا يملكه الموكل عند الوكالة إلا ما استثني من النكاح ونحوه، ولكن محلّ ذلك ما لم يكن غير المملوك تبعًا لمملوك، وإلاّ فيصحّ، كما إذا قال: وكَّلتك أن تنكح بنتي البكر التي لا مانع بها، وكل مَن لي عليها ولاية، ففي "الروض" وشرحه: " (فلا يصح) التوكيل
(17/577)

(في طلاق من سينكحها وتزويج من ستنقضي عدتها ونحوه) كبيع من سيملكه أو إعتاق من سيملكه؛ لأنّه لا يتمكن من مباشرة ما وُكِّل فيه حال التوكيل، نعم لو جعل ما لا يملكه تبعًا لما يملكه، كتوكيله ببيع عبده وما سيملكه، ففيه احتمالان للرافعي، والمنقول عن الشيخ أبي حامد وغيره الصحة، كما لو وقف على ولده الموجود ومن سيحدث له من الأولاد". " شرح الروض" (ج 2 ص 260) (1).
الجواب:
قال في "التحفة" (2): "ويؤيد ذلك قول الشيخ أبي حامد وغيره: لو وكَّله فيما ملكه الآن وفيما سيملكه صحّ، ويصح في البيع والشراء في: وكَّلتك في بيع هذا وشراء كذا بثمنه، وإذن المقارض للعامل في بيع ما سيملكه، وألحق به الأذرعي الشريك".
فإن حملنا الملك في عبارة الشيخ أبي حامد وغيره على ملك العين كما هو [ص 31] المتبادر عند الإطلاق؛ ولذلك مثّلوا في "شرح الروض" و"المغني" و"النهاية" بالبيع، فلا تشمل النكاح والطلاق ونحوهما، وإن حملناه على ملك التصرف شملت ذلك. ثم تبين لي تعين الأول، فقد قال زكريا في "شرح المنهج" (3): "فيصحُّ التوكيل ببيع ما لا يملكه تبعًا للمملوك، كما نقل عن الشيخ أبي حامد، وببيع عينٍ يملكها وأن يشتري له بثمنها، كذا على الأشهر في المذهب، وقياس ذلك توكيله بطلاق من سينكحها تبعًا
__________
(1) هو "أسنى المطالب شرح روض الطالب" ط. مصر 1313 ه.
(2) "تحفة المحتاج" (5/ 303).
(3) "شرح منهج الطلاب" (3/ 51).
(17/578)

لمنكوحته". فأفاد أنّ عبارة أبي حامد إنّما هي في البيع لا تشمل الطلاق، إلا أنّه قد يقاس عليها.
وعلى كل حال فالشيخ أبو حامد وغيره إنّما حجتهم القياس على الوقف كما في "شرح الروض" (1)، ونحوه في "المغني" (2) و"النهاية" (3).
وفي "شرح المنهج": القياس على التوكيل ببيع كذا وشراء كذا بثمنه. ونحوه في "التحفة" (4)، وزاد القياس على القراض.
فأمّا القياس على القراض، ففي حواشي عبد الحميد (5): "قوله: في بيع ما سيملكه" ما صورته: فقد يقال: هذا البيع لا يتوقف على إذنٍ زائد على العقد المتضمن للإذن. اه. سم.
أقول: والفرق واضحٌ بين القراض وبين نحو: وكَّلتك أن تبيع عبدي هذا وعبدَ فلانٍ إذا ملكتُه، أو وكُلَّ عبدٍ أملكه، أولاً: لأنّ القراض لا يحصل أصل المقصود منه إلا بأن يشتري ثم يبيع، وهكذا.
ثانيًا: أنّ عامل القراض إذا اشترى لم يكن المشترى للمالك فقط، بل للعامل فيه بقدر ربحه.
__________
(1) "أسنى المطالب" (2/ 260).
(2) "مغني المحتاج" (2/ 219).
(3) "نهاية المحتاج" (5/ 22).
(4) "تحفة المحتاج" (5/ 303).
(5) في الموضع السابق.
(17/579)

ثالثًا: أنّ التصرف في القراض مرتبط بعضه ببعض، أي: أنّ الثاني مبنيٌّ على الأول، ومتوقفٌ عليه، كأن يشتري برأس المال عبدًا ثم يبيع العبد بنقدٍ ثم يشتري بالنقد ثيابًا، وهكذا.
وهذه الأمور كلها ليست في الصورة الأخرى، أعني: نحو وكّلتك أن تبيع عبدي إلخ. نعم، الثالث حاصل في مسألة: وكلتك ببيع هذا وشراء كذا بثمنه، ولكنَّ في صحتها [ص 32] خلافًا، وأشهر القولين صحة التوكيل بالشراء، كما مرّ عن "شرح المنهج"، ونحوه في "المغني" و"النهاية".
وأمّا القياس على هذه الصورة فالفرق ما ذكرناه من الارتباط، والحاجة ماسة كثيرًا إليها، كما تبعث الأرملة بصوفها أو غزلها أو سمنها أو نحو ذلك مع رجلٍ، ليبيعه ويشتري لها بثمنه طعامًا أو ثوبًا أو نحوه، وليست الحاجة إلى التوكيل ببيع عبده وعبد فلان إذا ملكه كذلك، مع أنّ المقصود في مثال الأرملة هو أن يشتري لها ببضاعتها طعامًا أو ثوبًا، وإنّما البيع بالنقد وُصلةٌ إلى ذلك، لما عُلم بأنّ التجار إنّما يرغبون أن يبيعوا بالدراهم.
وأمّا الشركة فكالقراض، وأمّا القياس على الوقف فإن كان المراد بالملك في عبارة الشيخ أبي حامد ملك العين، فقد قاس البيع على الوقف على ولده ومن سيولد له، وهذا الوقف نفسه مَقِيسٌ على الوقف على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، كما ورد في الصحيحين (1) في وقف عمر الذي أقره عليه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، والقياس على القياس لا يجوز كما تقرّر في الأصول.
__________
(1) البخاري (2737، 2772، 2773)، ومسلم (1632) من حديث ابن عمر.
(17/580)

وقد يقال: لا حاجة إلى قياس الوقف على ولده ومن سيولد له على ما ذكر، لدخوله في لفظ القربى أو للإجماع عليه.
فأقول: إن كان هناك إجماعٌ فذاك، وإلاّ ففي دخوله في القربى نظر؛ [ص 33] لأنّ المراد بالقربى جميع الأقارب الذين يمكن أن يكونوا مصرفًا للوقف دائمًا، كما هو شأن الوقف، فالضرورة داعية إلى إدخال من لم يوجد بعدُ.
فأمّا الوقف على ولده ومن سيولد له، فإنّه لم يقصد به أن يكون أولاده مصرفًا للوقف دائمًا؛ لأنّهم لا بدّ أن يموتوا، وعليه فكان يمكنه أن ينتظر حتى ييأس من الولد ثم يقف عليهم وهم موجودون كلهم، ولا يمكنه هذا في القربى كما مرّ.
هذا، وقياس الوكالة بالبيع على الوقف مختلٌّ، أوّلاً: لأنّ الوقف من شأنه الدوام، فلا مندوحة مِن ضمّ من لم يوجد من المستحقين إلى الموجودين، بخلاف الوكالة.
ثانيًا: الوقف قربة يتشوَّف إليها الشارع كالعتق، فيوسع فيها ما لا يوسع في الوكالة.
ثالثًا: المعدوم في الوقف هو بعض الموقوف عليهم، والمعدوم في مسألة الوكالة هو بعض المال، وقد يُغتفر في المعقود له ما لا يُغتفر في المعقود عليه، كالوقف نفسه فإنّه يجوز على الموجود ومن سيوجد، ولا يجوز وقف ما يملكه وما سيملكه، فأمّا صحة وقف الجارية وحملها، فالحمل كالعضو منها، حتى لو بيعت الحامل دخل الحمل في البيع.
(17/581)

ثم قياس النكاح والطلاق على البيع قياسٌ على قياس، مع أنّ البيع قد يتصور فيه من الحاجة إلى التوكيل به فيما لم يملك بعدُ أشدّ ممّا يتصوّر في النكاح، وأيضًا فالأبضاع يُحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها.
وإن كان المراد بالملك في عبارة الشيخ أبي حامد ملك التصرف، بحيث يشمل النكاح والطلاق والولاية ونحوها، فقد عُلِم فساده ممّا مرّ.
وإذا امتنع قياس البيع على الوقف وقياس النكاح على البيع، فما عسى أن يقال في قياس النكاح على الوقف، وهما على طرفي نقيض.
[ص 34] وإذا كان الأمر على ما ذُكِر، فهذه التعسُّفات لا تقوى على تخصيص أو تقييد نصّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على بطلان توكيل غير المجبر إلا بأن تأذن له المرأة أن يوكّل بتزويجها، فالحقُّ الذي لا يجوز غيره إبقاء نصّه على ظاهره. والله أعلم.
(17/582)

الرسالة التاسعة عشرة
الحكم المشروع في الطلاق المجموع
(17/583)

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيات وتفسيرها:
قال الله تعالى:
1 - {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)}.
2 - {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}.
3 - {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)}.
4 - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)}.
5 - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)} [البقرة: 228 - 232].
(17/585)

6 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)} [الأحزاب: 49].
7 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)}.
8 - {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق: 1 - 3] (1).
[ص 3] صح عن عروة بن الزبير قال: قال رجل لامرأته على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا آوِيكِ ولا أدعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تصنع؟ قال: أطلِّقك، فإذا دنا مُضِيُّ عدتِك راجعتُك، فمتى تَحِلِّين؟! فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، فاستقبله الناس جديدًا، من كان طلَّق، ومن لم يكن طلَّق" (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 258) (2).
__________
(1) بعدها الصفحة الثانية فارغة في الأصل.
(2) (4/ 126) ط. التركي. وفيها: "لا أُؤْوِيك" بدل "لا آوِيك".
(17/586)

هذا مرسلٌ صحيحٌ (1)، وقد رفعه بعضهم، قال: "عن عروة عن عائشة" (2). وله عواضد، وسيأتي بسط ذلك في البحث مع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
ومفاده: أن الطلاق في أول الإسلام لم يكن له حد، فكان للرجل إذا طلَّق أن يراجع قبل مضي العدة، ثم إذا طلَّق فله أن يراجع، ثم إذا طلَّق فله أن يراجع، وهكذا أبدًا، فاتخذ بعض الناس ذلك طريقًا للإضرار بالنساء، فأنزل الله سبحانه وتعالى {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (الآيتين: 2 - 3 من آيات البقرة).
فقوله تعالى في الآية الأولى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} الآية، يحتمل في نزولها ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون نزولها متقدمًا على نزول ما بعدها بمدة.
الثاني: أن تكون نزلت مع ما بعدها معًا.
الثالث: أن يكون نزولها متأخرًا عما بعدها في النظم.
والأول أقرب؛ لأن المتقدم في النظم يُشعِر بالتقدم بالنزول، وإن لم يكن ذلك حتمًا, ولأن ظاهرها عموم استحقاق الرجعة في كل طلاق، وهذا مطابقٌ للحكم المنسوخ بما بعدها, ولمرسل عروة وعواضده، فإن ظاهره أن قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} أول ما نزل بعد شكوى المرأة، وذلك يقتضي
__________
(1) أخرجه الترمذي عقب حديث (1192) وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 260).
(2) أخرجه الترمذي (1192) والحاكم في "المستدرك" (2/ 279) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 333).
(17/587)

أن الآيتين نزلتا منفصلتين عن الآية التي قبلها، وقد ثبت تقدمُها بالدليلين الأولين.
وعلى هذا فكلمة (المطلقات) على عمومها, ولا ينافيه قوله في أثناء الآية: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}؛ لأن الآية نزلت قبل تحديد الطلاق كما سمعت، ويكون قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ...} (الآيتين) ناسخًا لبعض ما دخل في الآية الأولى، وهو استحقاق الرجعة بعد الطلاق الثالث.
وأما على الوجهين الآخرين، فيحتمل في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} أن يكون (1) من العام المراد به الخصوص، أو من العام المخصوص، أو (2) أن يكون باقيًا على عمومه، ولكن الضمير في قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} أخصُّ من مرجعه، كأنه قال: "وبعولة بعضهن"، والمراد ببعضهن: المطلقات مرةً أو مرتين فقط.
وهذا الأخير - وإن ذكروه - بعيدٌ جدًّا؛ لمخالفته سنة الكلام من مطابقة الضمير لمرجعه، وتوجيهُه بإضمار "بعضهن" تعسفٌ، وهو شبيه بالاستخدام، وقد تكلمت على الاستخدام في مقالتي في بيان مَنِ المراد بقوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} (3).
والحق في توجيه هذا أن الضمير عامٌّ كمرجعه، ولكن قد يرد التخصيص على العام باعتبار الحكم الواقع مع الضمير دون الحكم الأول،
__________
(1) في الأصل: "تكون".
(2) في الأول: "و".
(3) انظر كلام المؤلف على المراد بهم في (ص 316 - 318).
(17/588)

فيكون الظاهر عامًّا باقيًا على عمومه، والضمير عامًّا مخصوصًا.
وعلى هذا، فالضمير مطابقٌ لمرجعه على ما هو سنة الكلام.
وإذ قد ترجح الاحتمال الأول، فلا حاجة لبسط الكلام في الاحتمال الثاني.
وأما الآية الرابعة؛ وهي قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)}.
ففيها احتمالان:
1 - أن تكون متقدمة النزول على الآيتين اللتين قبلها.
وعليه؛ فهي على ظاهرها من أن الطلاق تحل الرجعة بعده مطلقًا، أي: سواء في المرة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، وهكذا.
2 - وتحتمل أن تكون متأخرة عنهما.
وعليه؛ فقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} من العام المراد به الخصوص، أو العام المخصوص، أو على عمومه، ولكنَّ الضمير في قوله: {فَأَمْسِكُوهُنّ} أخص من مرجعه، ولكن هذا الثالث بعيدٌ، أو باطلٌ ههنا، فإن الآية إنما سيقت لأجل هذا الحكم خاصة، أعني قوله: {فَأَمْسِكُوهُنّ} الآية.
(17/589)

وأما آيات سورة الطلاق؛ فيتعين فيها النزول معًا على نظمها؛ لأنها كلامٌ واحدٌ مرتبطٌ أوثقَ الارتباط.
ويبقى النظر بينها وبين قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (الآيتين)، فإن كانت آيات سورة الطلاق نزلت قبل آيتي {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فلا إشكال في هذا.
وإن كانت نزلت بعدُ، فتحتاج إلى تأويل، فيقال: إن قوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} إما عامٌّ مرادٌ به الخصوص، وإما عامٌ مخصوص، وإما على عمومه، وإن كان التعليل بقوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} يختص بمن طلقت مرةً أو مرتين فقط.
وهكذا الضمير في قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}.
والاحتمال الأول أولى؛ لتسلَم الآياتُ من مخالفة الظاهر.
ولا ينافي ما تقدم في الآية الرابعة من آيات البقرة، وما قلناه ههنا قولهم: "إن التخصيص أولى من النسخ"، فإن محله حيث لم يتحقق النسخ، وههنا قد تحقق النسخ في الجملة كما تقدم.
فأما على قول الحنفية ومن وافقهم: أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فيتعين القول بتأخر نزول آيات سورة الطلاق، وإلا لزم أن يكون ناسخًا لقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} الآيتين.
(17/590)

وكذلك لا ينافيه ما جاء أن سورة البقرة نزلت قبل سورة الطلاق بمدة؛ لأن المراد فيه معظم سورة البقرة، فقد صح عن ابن عباس: "أن آخر ما نزل من القرآن آية الربا" يعني التي في سورة البقرة. رواه البخاري وغيره (1)، وروي مثله عن عمر (2)، ولذلك نظائر في القرآن. انظرها في "الإتقان" (3).

[ص 4] فصل
قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} "ال" للعهد، أي: الطلاق الذي تعهدونه من حيث إن من شأنه أن الرجل إذا أوقعه كان له أن يراجع.
وهذه الحيثية كانت سبب نزول الآية، كما تقدم في مرسل عروة، والذي من شأنه ما قاله ذلك الرجل، والذي تقدم ذكره في الآية السابقة، وهي قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} إلى قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}.
ولا ينافي هذا ما اخترناه من تقدم نزول آية {وَالْمُطَلَّقَاتُ} بمدة؛ لأنها في علم الله تعالى متصلة بها، وجعلت في النظم متصلة بها.
والعهد هنا أولى من الجنس لأمرين:
الأول: لما تقرر في الأصول: أنه إذا تحقق عهدٌ تعين المصير إليه.
الثاني: قوله: {مَرَّتَانِ} مع أن جنس الطلاق - مع صرف النظر عن المراجعة - ثلاث بمقتضى هاتين الآيتين.
__________
(1) البخاري (4544). وأخرجه أيضًا أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص 223 - 224) والطبري في "تفسيره" (5/ 67)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (7/ 138).
(2) أخرجه البيهقي في "الدلائل" (7/ 138).
(3) (1/ 180).
(17/591)

وقال ابن جرير (1): "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته". ثم ذكر مرسل عروة (2)، ومرسلًا في معناه عن قتادة (3)، وآخر عن ابن زيد (4)، ثم ذكر عن السدي (5) قال: "هو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة". ثم ذكر أثرًا عن عكرمة (6).
ثم قال (7): "وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - تعريفًا من الله تعالى ذكرُه عبادَه سنةَ طلاقهم" (تفسير ابن جرير 2/ ص 258 - 259).
وقد ذكر في موضعٍ آخر عن قتادة، ولفظه (8): عن قتادة قال: "جعل الله الطلاق ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تنقضِ عدتُها، وعدتها ثلاث حيض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها، فقد بانت منه بواحدةٍ، وصارت أحقَّ بنفسها، وصار خاطبًا [من الخُطَّاب] (9)، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حَيْضَتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقة في
__________
(1) "تفسيره" (4/ 125) ط. التركي.
(2) سبق تخريجه.
(3) "تفسير الطبري" (4/ 126).
(4) المصدر نفسه (4/ 126).
(5) المصدر نفسه (4/ 127). وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 367).
(6) المصدر نفسه (4/ 127). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 261).
(7) المصدر نفسه (4/ 127).
(8) المصدر نفسه (4/ 166).
(9) ما بين المعكوفتين مخروم من الأصل.
(17/592)

قُبل عدتها، عند شاهدَيْ عدلٍ، فإن بدا [له مراجعتها] راجعها ما كانت في عدتها، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدةٍ، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقةً أخرى في قُبل عدتها، فإن بدا له مراجعتها راجعها، فكانت عنده [على] واحدة، وإن بدا له طلاقها طلَّقها الثالثةَ عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} " (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 270) (1).
[ص 9 مكرر] ودل على هذا قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ولم يقل: ثلاث، ولا وجه لذلك إلا أنه أراد الذي تكون معه الرجعة، وهو الذي عهده الناس من قبل نزول الآية، والذي تقدم ذكره.
قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}.
قال ابن جرير (2): "فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعةُ على زوجته".
ثم استدل على ذلك بمرسل عروة وما شاكله، ثم حكى أقوالًا مضطربة، ثم روى عن الضحاك قال (3): "يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك، أو يطلق بإحسان".
__________
(1) كتب الشيخ بعدها: "ملحق". ويقصد به الآتي.
(2) "تفسيره" (4/ 125).
(3) المصدر نفسه (4/ 132).
(17/593)

واعترضه ابن جرير من جهة غير ما نحن بصدده.
ثم قال ابن جرير (1): "فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة".
ثم قال (2) في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}: "فقال بعضهم: دل على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فإن امرأته تلك لا تحلُّ له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره".
ثم أخرج (3) عن قتادة قال: "جعل الله الطلاق ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تنقضِ العدة، وعدتها ثلاثُ حِيَض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها، فقد بانت منه بواحدةٍ، وصارت أحقَّ بنفسها، وصار خاطبًا من الخطاب، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقةً في قُبُل عدتها، عند شاهدي عدلٍ، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها، ... وإن بدا له طلاقها طلَّقها الثالثة عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ".
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 132).
(2) المصدر نفسه (4/ 165).
(3) المصدر نفسه (4/ 166).
(17/594)

ثم روى (1) بسند ضعيف عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: "إن طلَّقها ثلاثًا فلا تحِلُّ حتى تنكح زوجًا غيره".
وأخرج عن الضحاك قال (2): "إذا طلَّق واحدة أو اثنتين فله الرجعة ما لم تنقضِ العدة، قال: والثالثة قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} ... ".
وعن السدي (3): "فإن طلَّقها بعد التطليقتين".
ثم حكى عن مجاهد (4) ما حاصله أن الطلقة الثالثة قد تقدمت في قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} تفسيرٌ لذلك، كأنه قال: فإن وقع التسريح بالإحسان.
وقد قدَّم في تفسير التسريح حديث أبي رزين (5) قال: قال رجل: يا رسول الله! يقول الله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان".
وروى عن مجاهد وقتادة نحوه (6).
وحكى عن السدي والضحاك أنهما قالا (7): "الإمساك: المراجعة،
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 166).
(2) المصدر نفسه (4/ 167).
(3) المصدر نفسه (4/ 167).
(4) المصدر نفسه (4/ 167).
(5) المصدر نفسه (4/ 130).
(6) المصدر نفسه (4/ 131).
(7) المصدر نفسه (4/ 131، 132).
(17/595)

والتسريح: أن يدعها حتى تمضي عدتها".
وعلى كل حال فهم متفقون أن قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أراد به الثالثة، سواء من قال: إنه لم يتقدم لها ذكر، ومن قال: بل قد تقدم.
وهكذا ما روي عن ابن عباس - وإن لم يصح - من قوله: "إن طلَّقها ثلاثًا"، فإنه إنما أراد الثلاث التي تقدمت، وهي المرتان اللتان (1) راجع بعد كل منهما، والتسريح.
هكذا يجب أن يُفهم، فإنه إن فُهِم على معنى: إن طلَّقها ثلاثًا دفعة واحدة، كان على خلاف سياق القرآن، وخلاف ما عليه سائر المفسرين.
[منتصف ص 4] وقوله تعالى: {مَرَّتَانِ} لماذا عُدِل به عن "طلقتان"؟
عنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن يقال: إنما عُدِل عنه؛ لأن تكرار الحروف يوجب ثقلًا في اللفظ.
وليس هذا الجواب بشيءٍ؛ لأن التكرار هنا لا يوجب ثقلاً يعتدُّ به. وقد وقع في القرآن كثيرًا ما هو مثله، أو أدخلُ منه في شبهة الثقل، مثل {مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً}، {وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}، {عَاهَدُوا عَهْدًا} , {أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا}، وأبلغ من ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ}، اجتمعت فيها سبع ميمات.
__________
(1) في الأصل: "اللتين".
(17/596)

الثاني: ما قاله الجصاص في "أحكام القرآن" وغيره: أنه عُدِل عن "طلقتان" للدلالة على وجوب تفريق الطلاق، إما بأن يطلق واحدةً يقتصر عليها, ولا يطلق أخرى إلا إذا راجع بعد الأولى، وإما بأن يطلق عند كل طهر واحدةً، قولان لأهل العلم.
قالوا: فقوله: {مَرَّتَانِ} دلالة على ذلك.
قال الجصاص: "وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنه لو طلَّق اثنتين معًا لما جاز أن يقال: طلَّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع" (أحكام القرآن ج 1/ ص 378).
بل في الطلاق نفسه لو قال قائلٌ: إن فلانًا طلَّق زوجته اليوم مرتين، لفُهِم منه التفريق، ولم يفهم منه أنه قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق أنت طالق.
ومع ذلك ففي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه كان الظاهر أن يقال: "ثلاث مرات"، فلماذا قال: {مَرَّتَانِ}، ثم ذكر الطلقة الثالثة بعدُ؟
ولأن التفريق يصدق بما لو طلَّقها طلقةً، ثم بعد ساعة طلَّقها أخرى بدون تخلل رجعة، فلو أريد تفريق مخصوص، لكان الظاهر أن يقام عليه دليلٌ.
نعم، من قال: إن السنة أن يطلق طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن راجعها في العدة ثم بدا له أن يطلق، فليطلق مرة أخرى، فله أن يجيب بأن المراد ب {مَرَّتَانِ} طلاقان يعقب كلًا منهما رجعة، وهذا لا يكون ثلاثًا، وبأن في الآية دليلًا على هذا التفريق بخصوصه، وهو قوله: {فَإِمْسَاكٌ
(17/597)

بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} بناءً على تفسير الإمساك بالرجعة، والتسريح بعدمها.
وفيه: أن ذلك إنما يتم لو كان المعنى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان بعد كل مرة، وهذا محتمل فيما حكاه ابن جرير عن الضحاك (1) [ص 5] قال: "يعني: تطليقتين بينهما مراجعة، فأمران يُمسِك أو يُسرِّح بإحسان، قال: فإن هو طلَّقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وقد فسره ابن جرير بقوله: "وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف أو تسريح لهن بإحسان" (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 260) (2).
أقول: ولفظ السدي (3): "إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك - ويُمسك: يراجع بمعروف -, وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها، فتكون أحقَّ بنفسها".
وقوله: "واحدة أو اثنتين" أراد به على ما فهمه ابن جرير: الأولى أو الثانية, ولم يرد اثنتين لم تتخللهما رجعة.
ولكن ابن جرير رد هذا القول بحديث رواه، كما سيأتي.
__________
(1) (4/ 132).
(2) (4/ 132).
(3) المصدر نفسه (4/ 132).
(17/598)

وأقول: إن فيه بعدًا من جهة أن الظاهر في قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أنه بعد المرتين كما تقتضيه الفاء.
الجواب الثالث: أنه إنما لم يقل: "طلقتان" إشعارًا بأنه لو قال: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو قال: طلقتك ثلاثًا، أو ألفًا، أو عدد ذرات العالم، كان هذا كله مرةً واحدةً، كما تقول: ضرب فلانٌ عبده اليوم مرتين، فيصدق بما لو ضربه كل مرة من المرتين ضربةً، أو ضربتين، أو ضربات.
ويحتج لهذا القول بأن الآية نزلت لإبطال ما سبق من تكرر الطلاق مع تكرر الرجعة مرارًا لا حدَّ لها، [إذ] كان لأحدهم أن يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، وهكذا مرارًا لا حدَّ لها.
فقيل لهم: إن الطلاق الذي تعقبه الرجعة مرتان، لا مِرارٌ لا حدَّ لها، فالمرة الواحدة هي طلاق تعقبه رجعة، مع صرف النظر عن ذلك الطلاق أطلقةً كان أم ألفًا (1).
وهذا جوابٌ جيد، لكنه لا يأتي إلا على قول الظاهرية والزيدية وعامة الشيعة ومن وافقهم: إن الطلاق الثلاث الذي يحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، إنما هو طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق. فأما أن يقول: طلقتك ألفًا، أو يكرر لفظ الطلاق في كلامٍ واحدٍ، أو يطلق مرارًا كثيرةً لم تتخللها رجعة، فهذا كله مرةٌ واحدةٌ.
__________
(1) كتب المؤلف هنا: "ملحق". ويقصد به الكلام الآتي.
(17/599)

ويحتجون بالآية، والإنصاف أن ظاهرها معهم، فإنها أثبتت أن للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ولم تحدّد الطلاق الواقع كل مرة.
ويحتجون بالآية الرابعة من آيات البقرة، فإنه تعالى قال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} والإمساك هنا الرجعة اتفاقًا، قالوا: فأثبت لهم الرجعة بعد الطلاق، ولم يحدد الطلاق بحدّ، فهو صادق بأن يقول: طلقتك، وأن يقول: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو طلقتك ألفًا، أو عدد ذرات العالم، ولا حدَّدتْه بأنه أول طلاق، ولا أنه طلاق قد تقدمه طلاق ورجعة.
فإن قيل: إنك قد قدمت استظهار أن هذه الآية متقدمة على قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}!
قلت: نعم، ولكن لهم أن يقولوا: إن آيتي {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} أقرت الآية الرابعة على هذا المعنى، ووافقتها عليه - كما تقدم - وإنما خالفتها في المرة الثالثة.
[ص 5 مكرر] ويحتجون أيضًا بآيات سورة الطلاق، والكلام فيها كالكلام في الآية الرابعة من آيات البقرة سواء.
واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}.
أخرج أبو داود بسندٍ صحيحٍ كما في الفتح (1) عن مجاهد قال: "كنت
__________
(1) (9/ 362). والأثر عند أبي داود (2197).
(17/600)

عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردُّها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأُحموقةَ، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيتَ ربك، وبانتْ منك امرأتك".
ويجاب عن هذا بأن هذه الجملة وردت بعد أوامر ونواهي ليس فيها النهي عن جمع الطلاق، على أن من جملة الأوامر الطلاق للعدة، ومعلوم أن من طلَّق واحدة لغير العدة لا تبين منه امرأته جماعًا.
فهذا يدل أن المخرج في الآية ليس في خصوص عدم البينونة، فمن لم يتق الله فطلق لغير العدة، ضيَّقَ الله تعالى عليه بوجوب الرجعة، ومن لم يتق الله فقال: هي طالقٌ ثلاثًا، أو ألفًا، يُضيَّق الله عليه بأن لا تقع إلا واحدة، فإن وافق ذلك هواه ضيَّق الله عليه من جهة أخرى، كأن يوقع الخلاف بينه وبين امرأته، فيضطر إلى مفارقتها، أو يعيش معها في نَكَدٍ، أو غير ذلك.
على أننا قد قدمنا أن الظاهر أن هذه الآيات نزلت قبل النسخ، وعليه فهذه الآية تشير إلى ما تقدم قبلها في الآية {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}.
فكأنه قال: إن اتقيتم الله تعالى فلم تراجعوا المطلقات إلا بمعروف، جعل الله لكم مخرجًا بأن يستمر الحكم بعدم تحديد الطلاق، وإن لم تتقوا بل أخذتم تراجعون ضرارًا، فسيضيِّق الله تعالى عليكم.
(17/601)

وقد وقع هذا الوعيد، فإنهم لما أخذوا يراجعون ضرارًا، كما في مرسل عروة، ضيَّق الله عليهم بتحديد الطلاق، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بهذه المسألة من كتاب الله عزَّ وجلَّ، فلننظر الآن ما يتعلق بها من السُّنَّة.
(17/602)

الأحاديث التي احتج بها من يرى أن من قال: طلقتك ثلاثًا، أو ألفًا، أو كعدد ذرَّات العالم، أو نحو ذلك، فهي مرة واحدة، تكون له بعدها الرجعة
[ص 6] بسم الله الرحمن الرحيم
في "صحيح مسلم" (1) بسندٍ على شرطهما عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه".
وبسندٍ آخر (2) على شرطهما عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعَل واحدةً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم".
وبسندٍ آخر (3) على شرطهما عن إبراهيم بن مَيْسَرة أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "هاتِ من هَنَاتِك! ألم يكن الطلاقُ الثلاثُ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تَتايَعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم".
ورجال هذه الأسانيد أئمة أثبات.
__________
(1) رقم (1472).
(2) تابع للرقم السابق.
(3) تابع للرقم المذكور.
(17/603)

وفي "المستدرك" (1) من طريق ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: "أتعلم أن ثلاثًا كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله إلى واحدة؟ قال: نعم".
وفي "مسند أحمد" (2): ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: طلَّق رُكانةُ بن عبد يزيد أخو بني المطَّلب امرأتَه ثلاثًا في مجلس واحد، فحزِن عليها حزنًا شديدًا. قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف طلقتَها؟ قال: طلقتُها ثلاثًا. قال: فقال: في مجلسٍ واحدٍ؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدةٌ، فارجِعْها إن شئت. قال: فراجعَها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.
وقد احتج الإمام أحمد بحديث آخر بسند هذا سواء (3).
وفي "سنن أبي داود" (4) من طريق ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة ... فقال (النبي - صلى الله عليه وسلم -): راجعْ أمَّ ركانة وإخوتِه. فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله! قال: قد علمتُ، راجعْها، وتلا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}.
__________
(1) (2/ 196). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال: ابن المؤمل ضعفوه.
(2) (1/ 265).
(3) هو حديث إرجاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول. أخرجه أحمد في "المسند" (2366) من طريق ابن إسحاق بهذا الإسناد.
(4) رقم (2196).
(17/604)

وعورض هذا بحديث ضعيف (1)، ضعفه الإمام أحمد وغيره في "أن ركانة طلَّق البتة".
وفي "صحيح مسلم" (2) من طريق محمد بن سرين قال: "مكثتُ عشرين سنة يحدثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمر أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم ولا أعرِفُ وجهَ الحديث، حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلَّق امرأته تطليقةً وهي حائض".
أقول: [ليس] بين ما أخبره الجماعة الذين لا يتهمهم، وما أخبره أبو غلاب عن ابن عمر [تعارض]، بل يُجمع بينهما بأنه طلَّق ثلاثًا في اللفظ، وواحدة في الحكم.
وعلى هذا يُحمل ما جاء في عدة روايات من أنه طلَّق تطليقةً واحدةً، وكأن ابن عمر أو من بعده كان يعبر بهذا؛ لأنه يرى أن الحكم قد تغير بسبب استعجال الناس، كما مر في حديث ابن عباس، فصار الإنسان إذا طلَّق ثلاثًا حسبت عليه ثلاثًا, ولا يصرح بقوله ثلاثًا؛ لئلا يخطئ الناس بظن أن هذه الصورة مستثناة مما أمضاه عمر.
وعلى هذا أيضًا يُحمل ما في "صحيح مسلم" (3): "وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت طلقتَ امرأتك مرةً أو مرتين، فإن
__________
(1) أخرجه أبو داود (2206، 2208).
(2) رقم (1471/ 7).
(3) رقم (1471/ 1).
(17/605)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا، وإن كنتَ طلقتَها ثلاثًا، فقد حرمتْ عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيتَ الله فيما أمرك من طلاق امرأتك".
ومثله ما يُروى عن عمر: أن رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي البتةَ وهي حائض. فقال: عصيتَ ربك، وفارقتَ امرأتك. قال: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عمر أن يراجع امرأته؟ قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبقِ ما ترتجعُ به امرأتك.
رواه الدارقطني (1) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الترجماني عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، والسند بعد ذلك صحيح. والترجماني قالوا: "لا بأس به". ووثقه بعض المتأخرين (2)، والجمحي مختلف فيه (3).
[ص 7] وقد أطال أهل العلم الكلامَ في هذه المسألة، فلنقدم كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب "اختلاف الحديث" (4). قال: "باب في طلاق الثلاث المجموعة"، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعنى الرواية الثانية عند مسلم، ثم أسند عن ابن عباس: "أن رجلاً قال له: طلَّقتُ امرأتي ألفًا. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ تسعمائة وسبعًا وتسعين" (5).
وبسند آخر: "قال رجلٌ لابن عباس: طلقتُ امرأتى مائةً. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ سبعًا وتسعين".
__________
(1) (4/ 8).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 271, 272).
(3) انظر المصدر السابق (4/ 55، 56).
(4) ضمن كتاب "الأم" (10/ 256، 257) ط. دار الوفاء.
(5) أخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" (6/ 397) والبيهقي (7/ 337).
(17/606)

قال الشافعي: "فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يعني أنه بأمر النبي".
أقول: هذا هو المتعين قطعًا؛ لأن هذا الجعل إنما يكون قضاءً أو إفتاءً، ولم يكن يقع القضاء والإفتاء في عهده - صلى الله عليه وسلم - إلا منه، أو بأمره، أو بعلمه، إذ لا يجوز أن يكون وقع القضاء والإفتاء في هذا الحكم العظيم من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - باجتهادهم، ثم لا يبلغه ذلك، مع ما تُشعِر به الآثار من تكرر ذلك واستمراره.
وعلى فرض أنه كان يقع ذلك ولم يبلغه - وهو محالٌ عادةً - فكفى بتقرير الله عَزَّ وَجَلَّ حجةً.
وفي "الصحيح" (1) عن جابر: "كنا نَعزِل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهَى عنه لنَهَى عنه القرآن".
وإذا كنا نحتج بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالاحتجاج بتقرير الله عَزَّ وَجَلَّ أولى، فإن الوصلة كانت حينئذٍ موجودة بينه وبين عباده بوجود الوحي، فإذا لم يبين للناس خطأ ما يفعلونه حينئذٍ، فقد أقرهم عليه، ويوضح هذا قول الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ}.
وما تضافرت به الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكره المسائل حتى قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على الناس، فحُرِّم من أجل مسألته". رواه الشيخان (2) من حديث سعد بن أبي وقاص.
__________
(1) البخاري (5208) ومسلم (1440). والفقرة الأخيرة عند مسلم فقط.
(2) البخاري (7289) ومسلم (2358).
(17/607)

وإنما المعنى أن الناس كانوا مأمورين أن يعملوا بما ظهر لهم من الشريعة، وبأصل الإباحة وعدم التكليف، متَّكلِين على أن الله تبارك وتعالى يعلم بهم وبما فعلوه، فإن أخطأوا غفر لهم خطأهم، وبين لهم على لسان رسوله، كما في "صحيح البخاري" (1) عن سهل بن سعد قال: "أنزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ}، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجلَيْه الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنما يعني الليل والنهار".
ويوضح هذا ما في "صحيح مسلم" (2) عن أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا. فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت: نعم، لوجبتْ، ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه" (صحيح مسلم ج 4/ ص 102).
لما كان الأصل عدم التكليف بالحج، وقوله: "قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا" يتحقق بمرةٍ واحدةٍ في العمر، كان عليهم أن يفهموا المرة الواحدة، ويقتصروا عليه، عالمين أن الله تعالى إذا أراد كل سنة فسيُبينه لهم
__________
(1) رقم (1917). وأخرجه أيضًا مسلم (1091).
(2) رقم (1337).
(17/608)

بدون سؤال.
وهكذا ما كان الأصل فيه الإباحة، كان عليهم أن يستمروا على استباحته، فإذا أراد الله تعالى تحريمه، فسيبينه بدون سؤال.
واعلم أن سكوت الشرع عن تنبيههم على خطئهم في القضاء والفتوى في الطلاق - لو كانوا أخطأوا - أبعدُ جدًّا من سكوته عن تنبيههم على الخطأ في فعل العَزْل، وتناوُلِ ما لم يروه حرامًا، والاقتصار على حجة واحدة، فدلالة السكوت على التقرير في الأول وأنهم مصيبون أوضح من الدلالة في الثاني، فتدبَّر هذا.
مع أن الحكم في قضية ركانة، وقضية ابن عمر من النبي نفسه - صلى الله عليه وسلم -.
[ص 8] ولضعف أو بطلان احتمال أن ما كان يقع في عهده - صلى الله عليه وسلم - مِنْ جعلِ الثلاث واحدةً، كان بغير أمره وبغير تقريره، لم يعتمد الشافعي على هذا الجواب، ولا اعتدَّ به، وإنما أشار إليه إشارةً، وإنما أمعنتُ في بيان سقوطه؛ لأن بعض أهل العلم ممن بعده اعتمد عليه، والله المستعان.
قال الشافعي (1): "فالذي يُشبِه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئًا فنُسِخ.
فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟
قيل: لا يُشبِه أن يكون يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ثم يخالفه بشيءٍ لم يعلمه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلافُه.
__________
(1) في "اختلاف الحديث" ضمن كتاب "الأم" (10/ 257، 258) ط. دار الوفاء.
(17/609)

فإن قيل: فلعل هذا شيءٌ روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر.
قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيءٍ، ويروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلافه؟
فإن قيل: فلِمَ لم يذكره؟
قيل: وقد يُسأل الرجل عن الشيء، فيجيب فيه ولا يتقصَّى فيه الجواب، ويأتي على الشيء، ويكون جائزًا له، كما يجوز له لو قيل: أصلَّى الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم. وإن لم يقل: ثم حُوِّلتِ القبلة.
قال: فإن قيل: فقد ذكر [على] عهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر.
قيل - والله أعلم -: وجوابه حين استفتي يخالف ذلك، كما وصفتُ".
أقول: أطال النووي في "شرح مسلم" (1) في الرد على احتمال النسخ، ورده واضح، فإن قول ابن عباس: "كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر الثلاثُ واحدةً، فقال عمر .. " صريحٌ في أن الطلاق كله كان على هذا، فإن هذه قضيةٌ عامةٌ، وليس مثلها ما لو قيل: "أصلَّى الناسُ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس"؛ لأن هذه قضية خاصة، فالأولى تدل على الاستمرار، بخلاف الثانية.
وقول ابن عباس في جواب السائل: "قد كان ذلك، فلما كان في عهد
__________
(1) (10/ 71، 72).
(17/610)

عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم" صريحٌ في أنه أراد أن يُبين تغيرَ الحكم، فلو علم نسخًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عدل عنه، بل كان يقول: قد كان ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نسخ، أو نحو هذا.
واحتمالُ أن يكون النسخ وقع في آخر الحياة النبوية، فلم يعمل بموجبه في العهد النبوي، ولم يطلع عليه ابن عباس، يردُّه استمرار الحكم في عهد أبي بكر، وثلاث سنين من إمارة عمر، فيكونون قد أجمعوا على الخطأ.
واحتمال أن يكونوا اطلعوا في عهد عمر على ناسخٍ، يردُّه أن عمر إنما بني التغيير على قوله: "إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ"، ولو كان اطلع على ناسخٍ لما عَدَلَ عنه، بل كان يقول: قد كنا نَقضِي بكذا حتى وقفنا على هذا النص، ويذكره.
وهكذا ابن عباس، إنما بنى التغييرعلى قوله: "فلما كان في عهد عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم"، فبيَّن أن الإجازة كانت بسبب التتايع، فلو كانت الإجازة للاطلاع على ناسخٍ لما عدلَ عنه.
وقد سلَّم الشافعيُّ أن الاستمرار في عهد أبي بكر ومدة من إمارة عمر يدفع النسخ، وإنما عارض ذلك بفتوى ابن عباس. وهذه معارضة ضعيفة، بل باطلة على أصل الشافعي الذي يوافقه عليه جمهور أهل العلم: أن العبرة بما رواه الراوي وإن خالفه.
وقد قرر الشافعي هذه القاعدة في مواضع من "الأم"، منها: مسألة التحريم بالرضاع من جهة الفحل (1)، وغيرها.
__________
(1) (8/ 768، 769) من "اختلاف مالك والشافعي".
(17/611)

ومن يقول: إن فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تَخْدِش في مرويَّه، يستثني من ذلك ما إذا بيَّن الراوي مستندَ فتواه، وتبين لنا ضعف ذلك المستند.
وقد بيَّن ابن عباس هنا أن مستند التغيير هو أن الناس تتايَعوا في الطلاق، فأجازه عليهم عمر. وإجازة عمر ليست عند ابن عباس حجة، كما ذكر الشافعي، فلم يبق إلا أنه وافقه على أن التتايع يقتضي الإجازة، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
[ص 9] على أنه قد جاء عن ابن عباس الفتوى بأن الثلاث واحدة.
قال أبو داود في "سننه" (1): روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: "إذا قال أنت طالق ثلاثًا، بفمٍ واحدٍ، فهي واحدة". ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة. (سنن أبي داود 1/ 298).
أقول: الظاهر صوابهما معًا، إذ لا مانعَ أن يرويه أيوب تارةً عن عكرمة عن ابن عباس، وتارةً عن عكرمة من قوله، فإن أبيتَ إلا الترجيح فقد اختلف الناس أيهما أرجح: حماد أم إسماعيل - وهو ابن عُلَية -؟
فقدَّم عثمان بن أبي شيبة ابنَ عُلَية.
وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن عُلَية والثقفي وابن عيينة.
وقال أيضًا: ليس أحدٌ أثبتَ في أيوب منه.
وقال أيضًا: من خالفه من الناس جميعًا، فالقول قوله في أيوب.
__________
(1) بذيل رقم (2197).
(17/612)

وقال يعقوب بن شيبة: ابن زيد معروفٌ بأنه يقصر في الأسانيد، ويُوقِف المرفوع، كثير الشك بتوقِّيه .. وكان يُعدُّ من المتثبتين في أيوب.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى - هو ابن معين - يقول: لم يكن أحدٌ يكتب عند أيوب إلا حماد.
وقال الخليلي: المعتمد في حديثٍ يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والمرفوع إليه (1).
أقول: كأنه يريد بقوله: "والمرفوع إليه" أنه إذا رفع حديثًا ووقفه غيره، فالقول قوله؛ لأنه كان كثير التوقي يتوقف عن الرفع لأدنى شك، كما مر عن يعقوب بن شيبة.
ثم قال أبو داود (2): "وصار قول ابن عباس فيما حدثنا ... ". ذكر أثرًا أفتى فيه ابن عباس وغيره في البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وعقَّبه بقوله (3): حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان نا أبو النعمان نا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحدٍ عن طاوس: أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلَّق
__________
(1) انظر أقوال هؤلاء النقاد في "تهذيب التهذيب" (3/ 10، 11).
(2) رقم (2198).
(3) رقم (2199).
(17/613)

امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن (1) عليهم.
ثم أخرج (2) رواية ابن طاوس عن أبيه بلفظ الرواية الثانية عند مسلم.
فقوله: "وصار قول ابن عباس" ظاهرٌ في اعترافه بأن رواية حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ثابتة، وأن لابن عباس قولين، كان يقول بأحدهما، ثم صار إلى الآخر، فإن أراد أنه كان يقول بأنها واحدةٌ، كما في رواية حماد، ثم صار إلى وقوع الثلاث، فهي دعوى بلا دليلٍ، وهكذا إن أراد عكسه، فالأولى أنه كان يفتي بهذا تارةً، وبهذا أخرى، يتوخى في كل قضية ما هو الأولى بها، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وقد استدل بعضهم لما تقدم عن الشافعي من احتمال أن ابن عباس اطلع على ناسخٍ بما رواه أبو داود (3) قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته فهو أحقُّ برجعتها وإن طلَّقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} الآية. (سنن أبي داود ج 1/ ص 296).
__________
(1) كذا في الأصل. وعند أبي داود: "أُجِيزُهن".
(2) رقم (2200).
(3) رقم (2195).
(17/614)

أقول: علي بن حسين بن واقد، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس (1).
وعلى كلتا العبارتين فلا يصلح للحجة، وإنما يصلح على الثانية للمتابعة.
وأبوه (2) وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو داود والنسائي وأحمد في رواية: ليس به بأس. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات. وقال أحمد في رواية أخرى: في أحاديثه زيادة، ما أدري أي شيءٍ هي، ونفضَ يده.
[ص 10] أقول (3): فالحديث غير صالح للحجة، ومع ذلك فإن كان مراده بقوله: "وإن طلَّقها ثلاثًا" يعني مجموعةً، فيؤخذ من ذلك أن هذا منسوخٌ، ومن جملة ما نسخ، فقد دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة على بطلان هذا الحديث، بدلالتها على أن ابن عباس لم يكن يعلم ناسخًا، بل صرَّح بأن الحكم بجعل الثلاث واحدةً استمرَّ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر.
وفيما تقدم عن سنن أبي داود من فتوى ابن عباس ثم عكرمة بعده بكونها واحدةً، دليلٌ آخر على بطلان هذا الحديث, لأنه مروي من طريق عكرمة عن ابن عباس.
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (7/ 308).
(2) انظر المصدر السابق (2/ 373، 374).
(3) قبلها في الأصل ورقة من مكان آخر.
(17/615)

وإن كان مراده بقوله: "وإن طلَّقها ثلاثًا" أي متفرقةً، بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، فله شاهدٌ، وهو ما رواه مالك في "الموطأ" (1) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان الرجل إذا طلَّق امرأته، ثم ارتجعَها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلَّقها ألفَ مرة، فعَمَدَ رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها، حتى إذا شارفَتْ انقضاءَ عدتها راجعها، ثم طلَّقها، ثم قال: لا والله لا أُوْوِيكِ (2) إليَّ، ولا تَحِلَّين أبدًا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فاستقبل الناس الطلاقَ جديدًا من يومئذٍ، من كان طلَّق منهم أو لم يطلِّق".
وذكر أيضًا (3) عن ثور بن زيد الدِّيلي: "أن الرجلَ كان يطلق امرأته، ثم يراجعها, ولا حاجةَ له بها, ولا يريدُ إمساكها، كيما تطول بذلك عليها العدة لِيُضارَّها، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} يَعِظُهم الله بذلك". (الموطأ هامش المنتقى ج 5/ ص 175).
وذكره الشافعي عقبَ ما حكيناه عنه سابقًا، فقال (4): "فإن قيل: فهل من دليلٍ تقوم به الحجة في ترك أن تُحسَب الثلاث واحدةً في كتاب أو سنة، أو أمرٍ أبين مما ذكرت؟
قيل: نعم، أخبرنا مالك ... ".
__________
(1) (2/ 588).
(2) في "الموطأ": "لا آويك".
(3) "الموطأ" (2/ 588).
(4) "الأم" (10/ 258).
(17/616)

فذكره ثم قال: "وذكر بعض أهل التفسير هذا، فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء".
أقول: روى ابن جرير (1) مرسل عروة بنحوه عن ابن حميد عن جرير عن هشام به، وعن أبي كريب عن ابن إدريس عن هشام به، وزاد بعد قوله: "ولا تحلين لي": قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، قال: فشكت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله ... " (تفسير ابن جرير 2/ 258).
وأخرج (2) عن قتادة وابن زيد نحو هذا المعنى، وأشار إليه الشافعي بقوله: "وذكر بعض أهل التفسير هذا".
وقد أغرب يعلي بن شَبِيب، فروى (3) حديث عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة. (جامع الترمذي ج 1/ ص 224، المستدرك ج 2/ ص 280).
ويعلى (4) مجهول الحال، وإن ذكره ابن حبان في "الثقات" (5)، فإن مذهب ابن حبان أن يذكر في "ثقاته" المجهول الذي روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يكن حديثه منكرًا، كما نص على ذلك في "الثقات" (6)،
__________
(1) "تفسيره" (4/ 125، 126).
(2) المصدر نفسه (4/ 126).
(3) أخرجه من طريقه الترمذي (1192) والحاكم (2/ 279، 280) كما ذكره المؤلف.
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (11/ 401، 402).
(5) (7/ 652).
(6) المصدر نفسه (1/ 13).
(17/617)

وأوضحه ابن حجر (1) وغيره. انظر "فتح المغيث" (2).
وكذلك لا ينفعه إخراج الحاكم له في "المستدرك"؛ لما علم من تساهله.
[ص 11] نعم، إن مرسل عروة اعتضد، ولكنه لا علاقة له بمسألتنا، والكلام الآن في مقامين:
الأول: فيما ظنه بعضهم أن هذا المرسل وعواضده يدل على نسخ ما تضمنته أحاديث جعل الثلاث واحدة، والظاهر من كلامهم تجويز أن ابن عباس إنما عني بقوله: "إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - " بيانَ ما ذكره عروة بقوله: "كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلَّقها ألف مرة".
فاعلم أن قوله: "كانت الثلاث تُجعل واحدة" يُشعِر بأن هذا في وقت كان للطلاق فيه حد معين، والحالة التي ذكرها عروة لم يكن فيها حسابٌ أصلًا، فلم يكن للحكم تعلق بأن يقال: طلَّق واحدة، طلَّق ثنتين، طلَّق ثلاثًا، وإنما كان المعتبر الطلاق من حيث هو طلاق، إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع في العدة رجعت، وكأنه لم يُطلق، ثم إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع فيها رجعت وكأنه لم يُطلق، وهكذا أبدًا، فكان الطلاق بمنزلة العتق، فلو فُرِض أن الرجل إذا أعتق عبده كان له أن يرجع عن العتق إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، وإذا أعتق ثالثًا فهكذا، وهكذا أبدًا،
__________
(1) "لسان الميزان" (1/ 209).
(2) "فتح المغيث" (2/ 45).
(17/618)

ففي هذه الحال لا يكون باعث للسيد أن يقول لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، أو أربعًا، أو غير ذلك، ولا يكون وجهٌ لأن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدةً، أو حُسِبت بواحدة، فتدبر.
وإنما يأتي هذا لو كان الحكم أن من أعتق عبده كان له أن يرجع إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، فإذا أعتق ثالثًا لم يكن له الرجوع.
ففي هذا يمكن أن يقول بعض الناس لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، إما على وجه التوكيد، كأنه يقول: أعتقتك وعزمتُ على نفسي أن لا أرجع، كما لا يرجع من أعتق ثم رجع ثم أعتق ثم رجع ثم أعتق، وإما لظنه (1) - خطأً أو صوابًا - أنه إذا قال ذلك، كان كأنه قد أعتقه ورجع، ثم أعتقه ورجع، ثم أعتقه. وههنا يصح أن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدة.
وإذا فرضنا أن الحكم كان على هذا برهةً، ثم غُيِّر إلى أن من قال: أعتقتك ثلاثًا لم يكن له الرجوع، فحينئذٍ يليق أن يقول من يخبر عن الحكم السابق: "إنما كانت الإعتاقات الثلاث تجعل واحدة".
هذا وأنت خبيرٌ أن الحالة الأولى في مرسل عروة نُسِختْ نسخًا قطعيًّا بصريح القرآن، وكان النسخ بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدةٍ لا أراها تتجاوز ثلاث سنين، وانتشر ذلك في الصحابة انتشارًا تامًّا، وقضى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلمه الصحابة، واستقبل الناس الطلاقَ من يومئذٍ جديدًا، كما قال عروة، وقالت امرأة رفاعة (2): "إن زوجي طلقني فبتَّ طلاقي".
__________
(1) في الأصل: "على لظنه".
(2) أخرجه البخاري (5260)، ومسلم (1433) من حديث عائشة.
(17/619)

وفي حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح (1): "فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثاً". وقالت في رواية أخرى (2): "وأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "كم طلَّقَك؟ " قلت: ثلاثًا". وفيه في رواية ثالثة (3): "وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لكِ نفقةٌ إلا أن تكوني حاملًا" أي لأجل تمام الثلاث.
بل إن هذا الحكم انتشر حتى عرفه المشركون، كما قد يؤخذ من قول الأعشى، أنشده الشافعي وغيره (4):
أيا جارتا بِيني فإنكِ طالقه ... وموموقةٌ ما كنتِ فينا ووامقَهْ
أجارتَنا بِيني فإنك طالقه ... كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارقَهْ
وبِيني فإن البينَ خيرٌ من العصا ... وأن لا تزالي فوق رأسِكِ بارقه
حبستُكِ حتى لامَني كل صاحب ... وخفتُ بأن تأتِي لديَّ ببائقه
(الأم ج 3/ ص 233).
[ص 12] فذِكْره الطلاق مرتين، ثم قوله في الثالثة: "وبِيني"، واقتصاره على ذلك ظاهر في أن الحكم قد كان بلغه في الجملة، [ووقع له ما وقع]
__________
(1) "صحيح مسلم" (1480/ 38).
(2) "المصدر نفسه" (1480/ 48)
(3) المصدر نفسه (1480/ 41)
(4) الأبيات في ديوان الأعشى (ص 313) و"الأم" (10/ 215) في "اختلاف الحديث".
(17/620)

لبعض الصحابة كرُكَانة، وعُويمر العجلاني، إذ قال بعد أن لاعن زوجته: "هي طالقٌ ثلاثًا" (1).
وقد مر توجيه ذلك في مثال العتق، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
والأعشى هلك قبل فتح مكة، كما ذكره ابن قتيبة (2) وغيره.
فمع هذا كله أيجوز أن يقال: إن الطلاق كان على ذلك الحكم المنسوخ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر حتى تتايَعَ الناس في الطلاق، فأُجِيزَ عليهم؟
إن العاقل ليستحيي من حكاية هذا القول، فضلاً عن توهمه، فكيف بمن يُجوِّزه، ويُفسِّر به كلام ابن عباس؟
والشافعي رحمه الله تعالى لم يقل هذا، وإن أوهمه قوله بعد أن ذكر مرسل عروة: "فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء".
وإنما أورد مرسل عروة جوابًا لقوله: "فإن قيل: فهل من دليلٍ تقوم به الحجةُ في ترك أن تُحسَب الثلاث واحدةً؟ ".
المقام الثاني: في النظر في مرسل عروة، هل فيه دلالة على ترك أن تحسب الثلاث واحدة؟
حاصل مرسلِ عروة وما يوافقه:
1 - أن ارتجاع المطلق لزوجته لم يكن له شرط إلا وقوعه في العدة،
__________
(1) أخرجه البخاري (5308، 5309) ومسلم (1492) من حديث سهل بن سعد.
(2) "الشعر والشعراء" (1/ 257).
(17/621)

فلم يكن هناك حدٌّ لسلسلة الطلاق والرجعة. يطلق الرجل ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، وهكذا أبدًا.
2 - فاتخذ بعض الناس ذلك طريقًا للإضرار بالنساء.
3 - فأنزل الله تعال الآية، وشرع الحكم المستقر.
4 - فاستقبل الناس الطلاقَ من يومئذٍ جديدًا.
فالنسخ إنما كان لحسم مادة الإضرار بالنساء، وقد أبقى الشرع للزوج حقَّ الرجعة اتفاقًا إذا طلَّق واحدةً، ثم راجع قبل انقضاء العدة، ثمَّ طلَّق ثانيةً، ثم راجع قبل انقضاء العدة. مع أن الزوج قد يتمكن بهذا من إضراره بالمرأة، ولكنه يسير، ولو لم يبقَ له ذلك لأضرَّ ذلك بالنساء وبالأطفال وبالأزواج ضررًا شديدًا.
ولا يخفى أنه لا فرقَ في احتمال قصد الزوج مضارَّة المرأة بين أن يطلق واحدةً ثم يراجع، ثم يطلق أخرى ثم يراجع، وبين أن يقول: طلقتك عدد ذرات العالم ثم يراجع، ثم يقول مثل ذلك ثم يراجع.
فالقول بأنه إذا قال: "طلقتك واحدة" كانت له الرجعة، وإذا قال: "طلقتك ثلاثًا" لم يكن له رجعة، لا يناسب سبب الآية، وما تضمنته من الحكم، فإن سببها هو إضرار الرجال بالنساء، ولا فرق من جهة الإضرار بين أن يطلق واحدة ثم يراجع، أو عدد ذرات العالم ثم يراجع.
والحكم بأنه إذا قال: "طلقتك" كانت له الرجعة، ثم إذا قال: "طلقتك" كان له الرجعة أيضًا، إنما أُبقِي - مع احتمال قصد الرجل الإضرار بالمرأة -
(17/622)

دفعًا لضررٍ أشدَّ يلحق بالمرأة وأطفالها، وبالزوج أيضًا، فقد تكون المرأة وسطًا, ولها أطفال صغار، وليس لها من يقوم بها، ويكون الزوج غير غني، فيحتدُّ فيطلق، ثم يندم لما يلحقه من الضرر، مع ما يلحق الزوجةَ وأطفالَها، فأبقى الله عَزَّ وَجَلَّ له فُسحةً لدفع هذا الضرر.
ولا فرق في حصول هذا الضرر الشديد بالمرأة والأطفال والزوج بين أن يقول: "طلقتك واحدة"، وبين أن يقول: "طلقتك عدد ذرات العالم".
ومن كان له معرفة بأحوال الناس في هذا العصر، وجدَ أن إضرار الرجال بالنساء بأن يطلق أحدهم ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع = نادرٌ جدًّا، بل لعله معدومٌ، والضرر الشديد الذي يلحق النساءَ والأطفالَ والأزواجَ بمنع الرجعة إذا غضب الرجل فطلقها ثلاثًا = كثيرٌ جدًّا, ولا سيَّما في الأقطار التي تقلُّ الرغبة فيها في زواج الثيبات كالهند.
على أن الضرر الأول - مع خفته - يمكن علاجه بالصبر مدةً يسيرةً، والضرر الثاني - مع شدته، وتناوله للمرأة والأطفال والزوج - لا علاج له.
[ص 12 مكرر] والتحليل باطلٌ عند جماعة من العلماء، وجائزٌ مع الكراهة الشديدة عند آخرين، وعلى كل حال فهو خبيثٌ شرعًا وطبعًا، ويجرُّ إلى مفاسد شديدة، وأهل التقوى أو الغيرة يُؤثِرون الضررَ الشديد على التحليل.
وبالجملة فالضرر الشديد الناجم عن تنفيذ الثلاث محسوسٌ مشاهدٌ بكثرة فاحشة في جميع الأقطار، بل إن الضرر الذي يُخاف من عدم تحديد الطلاق أصلًا، كان يمكن دفعه بأمر الحكام بالتضييق على الأزواج إذا تبين منهم قصد المضارَّة.
(17/623)

فالقول بأن الآية نزلت لتدفع عن النساء هذا الضرر، ومع ذلك أوقعت عليهن وعلى أطفالهن وأزواجهن ضررًا أشد من ذلك، لا علاج له = فيه ما فيه.
وإذا تأملتَ ذلك علمتَ أنه لو قال قائلٌ: "إن مرسل عروة أقرب إلى موافقة حديث ابن عباس وما معه، منه إلى مخالفته" لما أبعد.
قال الشافعي (1) رحمه الله: "فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء".
أقول: هذا كلام موجَّه، يحتمل أنه أراد: لعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث المجموعة والواحدة سواء في معنى الإضرار بالزوجة، فلا وجه للتفريق بينها في الحكم، فقد أبقى الله تعالى بعد النسخ للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم إذا طلَّق فلا رجعة، فسواءً أثَلاثًا طلَّق في المرة الأولى أم واحدةً، وهكذا الثانية، فإن المقصود من النسخ لا يفرق بين ذلك، فعلى هذا تكون له الرجعة.
ويحتمل أن يكون أراد: لعل ابن عباس أجاب على مقتضى ما كان قبل النسخ أن الثلاث والواحدة سواء، إذ لم يكن حدٌّ للطلاق، فإن كان أراد هذا الثاني فقد تقدم جوابه.
ثم قال (2): "و [إذا] جعل الله عدد الطلاق على الزوج، وأن يطلق متى شاء، فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه".
__________
(1) "الأم" (10/ 258).
(2) المصدر نفسه.
(17/624)

أقول: وهذا الكلام كأنه موجّه، فقد يحتمل أن يكون من تتمة تفسير قول ابن عباس على الاحتمال الأول، فيكون شرحه هكذا:
(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) فجعل له أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم إذا طلَّق لم يكن له أن يراجع؛ سدًّا لذريعة الإضرار بالزوجة (و) جعل للزوج (أن يطلق متى شاء) فإذا طلَّق وتركها حتى انقضت العدة بانت منه، وحلَّت لغيره، سواء أواحدةً طلَّق أم ثلاثًا أم أكثر.
وغرض العاقل من الطلاق إنما هو هذا, ولا غرض له في أن يطلقها طلاقًا لا رجعة فيه، بل إنما يحرص العاقل على أن يطلق طلاقًا تمكنه معه الرجعة، أو النكاح بعقدٍ جديدٍ قبل أن ينكحها غيره, لأنه قد يندم، وقد تتضرر الزوجة أو أطفالها بالطلاق، فيكون عليه أن يدفع عنهم الضرر، وهذا هو الغرض المحمود شرعًا وعقلاً، فلم يكن هناك باعثٌ لشرع طلاق يقع مرةً واحدةً، ومع ذلك لا رجعة فيه.
على أنه إن فُرِض غرضٌ فيمكنه تحصيلُه بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق. فقد جعل الله له أن يطلق متى شاء، ولم يقل له: إذا طلقت ثم راجعت، لم يجز لك طلاق بعد ذلك.
وعلى هذا (فسواءٌ الثلاثُ والواحدةُ وأكثرُ من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) من حيث هو طلاق يحصل به مقصود العاقل في تخلِّيه عنها، وإحلالها لغيره إذا انقضت عدتها، فإن كانت هذه أول مرة أو الثانية كان له أن يراجعها في العدة، أو يتزوجها بعدها قبل أن تنكح غيرَه، وإن كانت الثالثة لم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره.
(17/625)

[ص 13] ويحتمل أن يكون احتجاجًا من الشافعي على وقوع الثلاث المجموعة ثلاثًا تحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وشرحه على هذا هكذا:
(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) أي إليه (وأن يطلق متى شاء) فله ثلاث طلقات، يوقع منها ما شاء متى شاء، فإن أوقعها دفعة وقعت (فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) الذي أوقعه، فإن طلَّق ثلاثًا أو أكثر قضي بثلاث، وإن طلَّق واحدة أو اثنتين قضي بذلك.
فإذا كان مراد الشافعي هو هذا الثاني، فجوابه:
أن الثلاث التي جعلها الله تعالى على الزوج ليست ثلاث طلقات، وإنما هي مرتان، في كل مرة طلاق تعقبه رجعة، والثالثة طلاق تحرم به حتى تنكح زوجًا غيره، كما قدمناه في تفسير الآيات. ومن ادعى أنها ثلاث طلقات يجوز أن تقع معًا، أو تقع اثنتان منها معًا، فعليه البيان.
فإن قال: إن الله لما جعل للزوج أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، كان معقولًا أنه قد جعل الأمر إليه، فإذا كان الأمر إليه وطلق ثلاثًا معًا، فلماذا لا يقع؟
فالجواب:
أولاً: أن هذا قياس يعارض النص، فهو فاسد الاعتبار.
وثانيًا: أن الله تعالى لم يجعل له إذا طلَّق المرة الأولى أو الثانية أن يراجع إلا إذا قصد بالرجعة الإمساك بمعروف.
وثالثًا: أن الطلاق قد يضر بالزوج، وبالمرأة، وبأطفالهما، وبأهليهما،
(17/626)

فحدَّ الله تعالى له حدودًا تمنع أو تقلِّل هذا الضرر، فلم يجعل له أن يطلق وهي حائض، ولا في طهر قد قاربها فيه، والسر في ذلك - والله أعلم - أن الرجل إذا بعد عهده بالمرأة قوي ميله إليها، فإذا طلَّقها مع ذلك كان الظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، وهذا هو المقتضي للرخصة في الطلاق.
وإذا كانت المرأة حائضًا كان محتملًا أن يكون قاربها في الطهر الذي قبل تلك الحيضة، فعهده بها قريب، وقرب العهد يُضعِف الميل، بل ربما أوجب النفرة.
وينضم إلى ذلك أن نفس الرجل تنفر من الحائض، إما للأذى، وإما لليأس من مقاربتها، وهذه نفرةٌ عارضةٌ، لا يصح أن يكتفى بها لاستحقاق رخصة الطلاق.
وهكذا إذا كانت طاهرًا وقد قاربها في ذلك الطهر، فعهده بها قريبٌ، وقرب العهد يُضعِف الميل، أو يوجب النفرة كما مر.
فإذا أراد أن يطلقها وهي طاهرٌ في طهرٍ لم يقاربها فيه، فالظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، ولكن ربما تضعف هذه الرغبة أو تزول إذا ازداد العهد بعدًا.
مع أن موجب النفرة قد يكون سببًا عارضًا، من ذنب وقع منها، أو إساءة، وإذا طال العهد غفر الذنب، ونسيت الإساءة، فرخص له أن يطلقها، على أن له أن يراجعها ما دامت في عدتها.
فإذا طلَّق كان عليه أن لا يقطع عنها النفقة والسكنى، ومن الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يبقى باب الصلح مفتوحًا ميسرًا، والغالب أن يكون
(17/627)

بيتها الذي أمر أن يُسكِنها فيه هو بيته أو قريب منه، وذلك أدعى إلى الصلح، فقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه في أثناء العدة، فلا يكون بينه وبينها إلا كشف الستر أو طَرْق الباب، ولعله لو صبر إلى الصبح لفترت رغبته، فلا يراجع، ولعله يبدو له خطؤه في إيقاع الطلاق، ومضرته عليه، ويلومه هذا، وتعذله هذه، ومع ذلك فقد جرَّب الفرقة وجرَّبتها، وذاق كل منهما مرارتها، فإذا وقعت الرجعة، فقد ذاقت هي من الفرقة ما يجعلها تخاف من وقوعها مرةً أخرى، فيدعوها هذا الخوف إلى حسن الطاعة والحرص على رضاه، وتحري ما يوافق هواه، وذاق هو ما يحمله على التأني والتريث في المستقبل، فلا يستعجل بإيقاع الطلاق، مع علم كل منهما بأنهما قد صارا على ثلث الطريق من الفرقة الباتة.
[ص 14] فإن لم تعطفه العواطف حتى انقضت العدة، فالظاهر أن النفرة قد استحكمت، ومع ذلك بقي له أن يراجعها, ولكن برضاها، ومهر آخر، وعقد جديد.
فإذا راجع من المرة الأولى، ثم طلَّق مرة أخرى بالشروط السابقة، وشرعت في العدة على الصفة الأولى، كان ذلك أدعى إذا وقعت رجعة أن لا تعصيه بعدُ ولا يطلقها, لعلمهما أنهما على ثلثي الطريق، وأنه إن طلَّقها المرة الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فتخاف هي أن لا يرغب فيها أحدٌ، وإن رغب فيها فلعله يسيء عشرتها، ويظلمها ويمسكها على البؤس والشقاء، ويخاف هو إن طلَّقها أن تتبعها نفسه كما تبعتْها المرتين الأوليين، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا، إذ لعلها لا تتزوج بعده، وإن تزوجت فلعل الزوج الجديد يكون أسعد بها، وأحرص عليها، وإن فارقها هذا الزوج
(17/628)

الجديد فلا ترجع إلى الأول إلا بعقد جديد، ومهر جديد، ثم ترجع إليه بعد أن ذاقت عسيلة غيره، وعرفت ما عرفت، إلى غير ذلك.
فإذا علمتَ ما تقدم، فاعلم أن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وأنه لا يُحِلُّ لهم أن يضروا بأنفسهم فضلاً عن غيرهم، فكيف يجعل لأحدهم أن يطلق زوجته ابتداءً طلاقًا يحرمها عليه البتة حتى تنكح زوجًا غيره؟!
مع العلم بأن نظر الإنسان قاصرٌ، فقد يظن أنه لم يبق له إليها حاجة، وأنها قد استحكمت نفرته منها، وأن لا ضرر عليه في بينونتها منه، ويكون مخطئًا يتبين له خطؤه بعد ساعة، كما هو مشاهدٌ بكثرة فاحشة في هذه الأزمان.
فإن قلت: عليك فيما أطلتَ به مناقشاتٌ:
الأولى: أنك جعلت العلة في النهي عن الطلاق في حيضٍ أو طهر قاربها فيه = هي أن تلك مظنة لضعف ميله عنها، فلعله يطلق عن غير نفرة مستحكمة. والشافعي لا يقول بهذا، بل يقول: إن في طلاقها حائضًا إضرارًا بها لطول العدة، وفي طلاقها في طهر قاربها فيه استعجالاً، إذ لعلها تكون قد علقت منه، فيندم على الطلاق.
الثانية: أنه إذا سُلِّم لك ما قلت، قيل لك: فإن الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه يقع مع ما فيه من خوف أن لا تكون النفرة قد استحكمت، فكذلك نقول نحن: إن طلاق الثلاث دفعةً يقع وإن خيف فيه ذلك.
الثالثة: أن الغضب مظنة عروض النفرة، ولعلها تزول بعد ذلك بسرعة، ومع ذلك يقع فيه الطلاق، فهكذا القول في جمع الثلاث.
(17/629)

الرابعة: أنك جعلت العلة في وجوب النفقة والسكنى للمعتدة هي تيسير سبيل الصلح بالمراجعة، وهذا لا يأتى في المرة الثالثة.
فالجواب عن الأولى: أن الصواب - إن شاء الله - ما قلته، فإن تحريم الطلاق في الحيض يتناول اللحظة الأخيرة منه، وأي ضرر عليها بلحظة تزيد في عدتها؟
وقد التزم الشافعي رحمه الله أنها لو رضيت بالطلاق وهي حائض لم يحرم لرضاها بالضرر، وهذا مخالف لعموم قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فعمَّ من لم ترضَ ومن رضيتْ.
ومخالف لعموم السنة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبر بأن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، أنكر ذلك ولم يستفصل: أرضيتْ أم لم ترضَ.
وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى ووافقه الناس: "إن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال".
ومخالف لما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فإن عبد الرحمن بن عوف سألته امرأته الطلاق فقال لها: "إذا طُهرتِ فآذنيني".
[ص 15] والعلة التي تعود على النص بالتخصيص قد أبطلها قوم، ومَن قَبِلها فإنما يقبلها إذا لم توجد علة أخرى سالمة من ذلك.
والشافعي رحمه الله تعالى جعل العلة في الحيض شيئًا، وفي الطهر الذي قاربها فيه شيئًا آخر، والعلة التي ذكرتها أنا واحدة لهما معًا، فهي أولى.
على أن العلة التي جعلها لتحريم الطلاق في طهر جامعها فيه، تكاد تكون هي العلة التي ذكرتها أنا، بل هي هي، فإن الشافعي رحمه الله تعالى لم
(17/630)

ينظر إلى لحوق الضرر بالحمل خاصة، بل ولا نظر إليه الشارع، فإنه يحل طلاق الحامل وقد تبين حملها، فبالأولى من احتمل أنها قد علقت.
فالظاهر أن الشافعي إنما نظر إلى استحكام النفرة وعدمه، فرأى أنه إذا طلَّقها في طهر قد قاربها فيه، فربما لم تكن النفرة قد استحكمت، فلعله لو صبر حتى يجيء إبان حيضها ولم تحض ظن أن تكون حاملاً، فهنالك إن أراد أن يطلق كان له ذلك, لأن الظاهر استحكام النفرة، فإذا ثبت أن العلة في أحد الشِّقين هي كونه مظنة نفرة غير مستحكمة، فلتكن هي العلة في الشِّقين معًا.
والجواب عن الثانية: أن الطلاق في حيض أو طهر قاربها فيه غير مجمع على وقوعه، فإذا قلنا بالوقوع فلا يقاس عليه الطلاق المجموع.
أولاً: لأنه قياس يعارض النص، فهو ساقط الاعتبار.
ثانيًا: لأن الخطر في إيقاع الطلاق المجموع أشد منه في إيقاع الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه؛ لأن هذا إن كان المرة الأولى أو الثانية فقد بقي له حق الرجعة، وإن كان في المرة الثالثة فقد أشعر وقوع الطلاق مرتين قبلها ثم وقوعها باستحكام النفرة.
على أن ما احتج به من أجاز الطلاق في الحيض مورده الطلقة الأولى، والله أعلم.
وأما الثالثة: فطلاق الغضبان غير مجمع على إجازته، وإذا قلنا بإجازته، فقد علم الجواب مما مر.
وأما الرابعة: فوجوب النفقة والسكنى للمبتوتة مختلفٌ فيه، والحجة مع من ينفيه.
(17/631)

قال الشافعي (1) رحمه الله تعالى: "وحكم الله تعالى في الطلاق أنه {مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعني - والله أعلم - الثلاث، {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره".
أقول: أما الآية فمخالفك أسعد بها، كما تقدم.
وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} المراد به المرة الثالثة، أي بعد مرتين قد عقبتْ كلاًّ منها الرجعة، هذا ظاهر القرآن، ومقتضى سياقه، وقد تقدم تحقيق ذلك، فانهدم ما بنيتَه.
قال (2) رحمه الله: "وجَعْلُ حكمِه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث، وجعل الطلاق إلى زوجها، فطلقها ثلاثًا مجموعةً أو مفرقة، حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجًا غيره، كما كانوا مملكين عتق رقيقهم، فإن أعتق واحدًا أو مائةً في كلمة لزمه ذلك، كما يلزمه كلها، جمع الكلام فيه أو فرَّقه، مثل قوله لنسوةٍ له: أنتن طوالق، ووالله لا أقربكن، وأنتن علي كظهر أمي. وقوله: لفلان عليّ كذا, ولفلان عليّ كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام، فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه".
أقول: يظهر من هذا الكلام أنه رحمه الله ظن أن الثلاث التي ذكر ابن
__________
(1) "الأم" (10/ 258).
(2) بعد الكلام السابق مباشرة.
(17/632)

عباس أنها كانت تُجعل واحدةً إنما هي الثلاث الواقعة في كلامٍ واحدٍ، حتى لو طلَّق، ثم بعد ساعة طلَّق، ثم بعد أخرى طلَّق، لم يكن هذا من ذاك، بل تكون ثلاثًا حتمًا. وهذا وهمٌ، وإنما المراد الثلاث التي توقع بدون تخلل رجعة، وقائل هذا يقول: إنما جعل الله إلى الزوج الطلاق مرةً واحدةً، فإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق مرة ثانية، وإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق المرة الثالثة، كما دل عليه القرآن، وتقدم بيانه.
[ص 16] وعليه، فليس هذا بنظير للفروع التي ذكرها، فعتقُه مائة رقيقٍ بكلمة واحدة أو بكلمات متصلة لا شبهة في صحته؛ لأنَّ له في تلك الحال عتقهم جميعهم، ولا كذلك الطلاق، وإنما نظيره أن يطلق زوجته ونساءً غيرها، ثم قال بعد ذلك: إني طلقت هؤلاء النساء مع امرأتي، فلا يحللن لي، فكما يقال هنا: إنك لم تكن تملك طلاقهن، وإنما كان يمكن أن تملكه بزواجهن، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلم يقع فيه شيءٌ، فكذلك يقال هنا: إنك لا تملك من طلاق زوجتك إلا مرةً واحدةً، وإنما كان يمكن أن تملك الثانية بمراجعتك من الأولى، وكان يمكن أن تملك الثالثة بمراجعتك من الثانية، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلا يقع به شيءٌ.
وهكذا لو كان قد طلَّق زوجته وراجعها مرتين، ثم [قال]: هي طالق اثنتين، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن لا أتمكن من نكاحها بعقد جديد، فهكذا من يطلق ثلاثًا، إذا قيل له: إن واحدة تكفي. قال: أردت أن لا أتمكن من مراجعتها.
فإن قيل: وكيف تقيس الرجعة على النكاح؟
قلت: لأن كلا منهما عقد تحلُّ به المرأة لمن كانت حرامًا عليه، وقد
(17/633)

قاس الفقهاء من الشافعية وغيرهم الرجعة على النكاح في مواضع، وإن اضطربت فروعهم فيها: هل هي كابتداء النكاح أو كدوامه؟
والصواب أنها كابتداء النكاح وإن خالفته في بعض الأحكام، والاحتجاج لهذا يطول.
والأقرب شبهًا بالطلاق المجموع: الهبة التي يجوز الرجوع فيها، كالهبة للفرع عند الشافعية، وللأجنبي عند الحنفية، والبيع مع خيار المجلس، إذا قال قائل: لله عليَّ إذا وهبتُ لابني هذا الثوب الذي عليه، ثم رجعت ثم وهبت، ثم رجعت ثم وهبت، أن لا أرجع في المرة الثالثة.
ولله عليَّ إذا بعتُ منك هذه الدار، ثم فسخت في المجلس ثم بعت، ثم فسخت ثم بعت، أن لا أفسخ في المرة الثالثة.
ثم قال بعد ذلك لولده: وهبتُك هذا الثوب الذي عليك ثلاثًا، وقال للآخر: بعتك هذه الدار ثلاثًا، فهل ينزل قوله: "ثلاثًا" منزلة قوله: وهبتُ رجعتُ، وهبتُ رجعتُ، وهبتُ، وبعتُ فسختُ، بعتُ فسختُ، بعتُ؟
هذا في غاية البعد.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في بيع الواهب السلعة الموهوبة، هل يكون رجوعًا عن الهبة؟
فإن قيل: نعم. فهل يصح البيع مع ذلك؟
والراجح عندهم أنه ليس برجوع.
واختلفوا في البائع في مدة الخيار إذا وهب المبيع، هل يكون ذلك فسخًا؟ وإذا كان فسخًا فهل تصح الهبة؟
(17/634)

والراجح عندهم هنا أنه فسخٌ.
وهذا أقرب جدًّا من قوله: وهبت ثلاثًا، أو بعت ثلاثًا.
وفوق ذلك، فالأمر في الفروج أضيق منه في الأموال، والرجعة لا تكون إلا بنية، والقائل: طلقتك ثلاثًا لا التفات له إلى الرجعة.
ثم غاية ما يدعى: أن يكون قوله: "طلقتك ثلاثًا" بمنزلة قوله: "طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك، طلقتك".
وهذا من التلاعب بالأحكام، واتخاذ آيات الله هزوًا, وليس هذه الرجعة التي شرع الله تعالى بقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}.
ويُغنِي عن هذا كله ورودُ النص بأن الثلاث واحدة. والله أعلم.
[ص 17] قال الشافعي (1): "فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا؟
قيل: نعم جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هُدبةِ الثوب، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
قال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بتَّ طلاقها في مرات؟
__________
(1) "الأم" (10/ 259، 260).
(17/635)

قلت: ظاهره في مرة واحدة ... وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن زوجها بتَّ طلاقها، تعني - والله أعلم - أنه طلَّقها ثلاثًا، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لك عليه نفقة" لأنه - والله أعلم - لا رجعة له عليها".
أقول: حديث امرأة رفاعة في صحيح البخاري (1)، وحديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم (2)، وأشار إليه البخاري (3).
والجواب عن الحديثين: أن كليهما قد جاء مفسرًا في رواية أخرى بما يزيل الشبهة.
ففي صحيح البخاري في حديث امرأة رفاعة: " ... فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات". (صحيح البخاري ج 8/ ص 23، ومثله في صحيح مسلم ج 4/ ص 154) (4).
وفي حديث فاطمة بنت قيس في رواية عند مسلم (5): " ... أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات". وفي رواية أخرى (6): "أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة
__________
(1) رقم (5260).
(2) رقم (1480).
(3) انظر "الصحيح" مع "الفتح" (9/ 477) وكلام الحافظ عليه.
(4) البخاري (6084) ومسلم (1433/ 113).
(5) مسلم (1480/ 40).
(6) مسلم (1480/ 41).
(17/636)

بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها". (صحيح مسلم ج 4/ ص 196 - 197).
قال (1) رحمه الله تعالى: "فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثًا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
قيل: نعم، عويمر العجلاني، طلَّق امرأته ثلاثًا، قبل أن يخبرهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تحرم عليه باللعان، فلم أعلم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهاه .. ولم أعلمه عاب طلاق ثلاثٍ معًا".
أقول: حديث لعان عويمر قد رواه نفرٌ من الصحابة، ولم يذكر الطلاق إلا في رواية سهل بن سعد، رواها الزهري عنه.
ثم اختلف على الزهري:
فروي عنه كما ذكره الشافعي، رواه مالك وابن جريج وغيرهما (2).
وروي عنه بلفظ "فطلقها" فقط، رواه الأوزاعي كما في "صحيح البخاري" في تفسير سورة النور (3)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (مسند ج 5/ ص 337) (4).
وروي عنه بلفظ "ففارقها" فقط، رواه جماعة منهم: فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (5)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند
__________
(1) أي الشافعي في "الأم" (10/ 260).
(2) رواية مالك عند البخاري (5308) ورواية ابن جريج عنده (5309).
(3) البخاري (4745).
(4) "مسند أحمد" (22856).
(5) البخاري (4746).
(17/637)

النسائي (1)، وعقيل عند أحمد (مسند ج 5/ ص 337) (2)، وابن أبي ذئب عند البخاري في الاعتصام (صحيح البخاري ج 9/ ص 98) (3).
وروي عنه بلفظ: "قال: يا رسول الله! ظلمتُها إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق". رواه ابن إسحاق، هكذا ذكره الحافظ في "الفتح" (4) نقلاً عن "مسند أحمد"، والذي في نسخة المسند المطبوعة بلفظ: "وهي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق" (المسند ج 5/ ص 334) (5).
ثم قال الحافظ: "وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة" (فتح الباري ج 9/ ص 365) (6).
أقول: لم يذكر الزهري صفة الطلاق إلا في هذه الرواية, وابن إسحاق أعلم بالله من أن يسمع من ابن شهاب قوله: "فطلقها ثلاثًا" فيرى هذا المعنى مخالفًا لرأيه، فيعمد إلى إبداله بما يوافق مذهبه على أنه من لفظ الملاعن، وهذا تبديلٌ وتحريفٌ، لا رواية بالمعنى. وليس اتهامه بذلك بأقوى من احتمال أن يكون الزهري كان ربما زاد لفظ "ثلاثًا" لما فهمه من أن الطلاق كان باتًّا، بسبب
__________
(1) النسائي (6/ 171).
(2) "المسند" (22853).
(3) البخاري (7304).
(4) "فتح الباري" (9/ 451).
(5) "المسند" (22831) بحذف واوات العطف.
(6) "فتح الباري" (9/ 451).
(17/638)

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما الفرقة الباتة، وظن أن سبب التفرقة تلك هو الطلاق، وإن صارت السنة بعد ذلك الفرقة المؤبدة, ولو بلا لفظ طلاق.
وفي الصحيحين (1) بعد ذكر الطلاق، قال ابن شهاب - وهو الزهري -: "فكانت سنة المتلاعنين"، وفي رواية (2): "وكان ذلك تفريقًا بين كل متلاعنين".
على أن قوله: "فطلقها ثلاثًا" محتملٌ احتمالاً قريبًا أن يكون معناه: كرَّر الطلاقَ ثلاثًا، فيكون طلَّق تطليقة، ولكن أكّد تأكيدًا لفظيًا.
ويؤيد هذا اقتصار ابن شهاب تارةً على "طلَّقها"، وتارةً على "فارقها".
وعلى هذا، فرواية ابن إسحاق إنما كانت تفيد طلقة واحدة، إلا أنه أكّد اللفظ، فأعاده ثلاثًا، كما فهمه ابن حجر، فهي مفسَّرة للروايات الأخرى، لا مخالفة.
[ص 18] وفوق هذا كله، فلو ثبت أن عويمرًا قال: "طلقتها ثلاثًا" أو نحو هذا اللفظ، وأقره عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك لا يدل على إمكان وقوع الثلاث معًا، لاحتمال أن يكون لم يقصد إيقاع الثلاث، وإنما قصد إظهار أنه لا يريد أن يراجعها، فكأنه يقول: لو استطعتُ أن أوقع الثلاث معًا لأوقعتُها، كما يُعقَل أن يقول رجلٌ لزوجته: إن شئتِ فطلِّقي نفسك طلقة واحدة، فتقول: طلقتُ نفسي ثلاثًا، وهي تعلم أنه ليس لها إلا واحدة، وإنما قالت ذلك
__________
(1) البخاري (5308) ومسلم (1492).
(2) البخاري (5309) ومسلم (1492/ 3).
(17/639)

إظهارًا لشدة رغبتها في أن تبين منه.
وإذ قد ثبت أن الطلاق في عهده - صلى الله عليه وسلم - على ما قدمنا من أنه طلاق تحل بعده الرجعة، فإن رجع فله طلاق آخر تحل بعده الرجعة، فإن راجع فله طلاق ثالث لا رجعة بعده، فالظاهر أن عويمرًا كان يعلم ذلك، وعلمه بذلك قرينة على أنه إنما أراد ما ذكرناه، وحاله كحال المرأة التي ملَّكها زوجها طلقةً واحدةً، وهي عارفة بالحكم كما قدمنا.
فإن قيل: فإن كان الظاهر أن من قال في عهده - صلى الله عليه وسلم -: "هي طالق ثلاثًا" أو نحو ذلك، إنما يظهر منه أنه قصد إظهار العزم على عدم المراجعة، فلماذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جمع الثلاث؟
قلت: إن صح النهي فسببه مخالفة هذا العزم لمقصود الشارع من الترغيب في المراجعة، وأنه إنما جعل له الرجعة بعد الطلاق الأول والطلاق الثاني، لعله يبدو له فيندم، فالذي يظهر العزم على عدم المراجعة ويؤكده، كأنه يؤكد عزمه على أن لا يفعل الخير، ولا يقبل من الله تعالى رخصته إذا احتاج إليها، وهذا مذمومٌ.
ويقرب منه قول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224].
قال أهل التفسير: معناها: لا تحلفوا بالله على أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، ومراجعة الزوجة داخلة في الإصلاح، وقد تكون برًّا وتقوى.
(17/640)

وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} الآية [النور: 22].
وكما نهاهم عن اليمين مع أنه شرع لهم أن يتخلصوا منها بالكفارة، وإتيان ما هو خير، فكذلك يجوز أن يكون نهاهم عن تأكيد العزم على عدم المراجعة مع تمكنهم من أن يراجعوا بعد ذلك العزم المؤكد.
****
(17/641)

[ص 1] الباب الأول (1) في الطلاق المأذون فيه
اختلف أهل العلم في الطلاق المأذون فيه على مذاهب، بعد اتفاقهم على تحريم إيقاع الطلاق في حيض أو في طهر قاربها فيه.
المذهب الأول: أن الطلاق إلى الزوج، فإن شاء طلَّق واحدة، وإن شاء جمع اثنتين، وإن شاء جمع ثلاثًا، وإن شاء طلَّق واحدة، ثم أتبعها واحدةً أو اثنتين في العدة، أو طلَّق اثنتين ثم أتبعها واحدة في العدة، كل ذلك جائزٌ له، وهذا قول الشافعي.
المذهب الثاني: أن الذي يحل له أن يوقع طلقةً واحدةً، ثم ينتظر الطهر الثاني، فيطلق أخرى إن أحب، ثم ينتظر الثالث فيطلق الثالثة إن شاء، وهذا قول أبي حنيفة وأهل الكوفة.
المذهب الثالث: أن الذي يحل له أن يطلق واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وهذا قول مالك والليث والأوزاعي وأحمد وغيرهم.
الاحتجاج للمذهب الأول:
قال الإمام الشافعي (2) رحمه الله تعالى: "قال الله عزَّ وجلَّ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الآية، وقال: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ
__________
(1) قبله في الأصل: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحكم المشروع في الطلاق المجموع". ويبدأ من هنا ترقيم جديد للصفحات.
(2) "الأم" (6/ 457).
(17/642)

تَمَسُّوهُنَّ}، وقال: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية، وقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ}، وقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. فالطلاق مباحٌ، إلا أنه ينهى عنه لغير قُبُلِ العدة .. أختارُ للزوج أن لا يطلق إلا واحدةً؛ ليكون له الرجعة في المدخول بها، ويكون خاطبًا في غير المدخول بها .. ولا يحرم عليه أن يطلق اثنتين ولا ثلاثًا, لأن الله تبارك وتعالى أباح الطلاق، وما أباح فليس بمحظور على أهله". (الأم ج 5/ 162).
وقال (1): "وحكم الله في الطلاق أنه مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعني - والله أعلم - الثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره". (كتاب اختلاف الحديث هامش الأم ج 7/ ص 313).
[ص 2] جواب أهل المذهب الثاني:
أما قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ف (طلقوا) صيغة أمرٍ، ولا تدل على التكرار، وتتحقق بمرة واحدة، فأين دلالتها على الجمع؟
ويُبيَّن أن المراد بها طلقة واحدة قوله تعالى في أثناء الآية: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}.
والإمساك هنا الرجعة، فدل هذا أن الآية واردة في أول طلاق يطلقه
__________
(1) "الأم" (10/ 258).
(17/643)

الرجل، وذكر بعده الرجعة، فعلم أنه لا يكون ثلاثًا، وكذلك لا يكون اثنتين لما ذكرنا من عدم دلالة الصيغة على التكرار، ولأنا لا نعلم قائلاً يقول: يجوز جمع طلقتين، لا ثلاث.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}، فليس فيها دلالة على الجمع، وهي مع ذلك مسوقة لبيان عدم وجوب العدة، لا لسنة الطلاق.
وفوق ذلك، فالله عَزَّ وَجَلَّ إنما أباح الطلاق ليتخلص كل منهما من الآخر، والتخلص في غير المدخول بها يحصل بواحدة، فجمع طلقتين أو ثلاث من اتخاذ آيات الله هزوًا، ومن تضييق الرجل على نفسه أن لا تحل له بعقد جديد إذا جمع ثلاثًا، أو تحل له على طلقة واحدة، وهذا إضرار بنفسه وبالمرأة أيضًا، لا تقابله منفعة ما، فأنى يجوز؟
وإنما أجزنا في المدخول بها أن يتبعها طلقة ثانية عن الطهر الثاني، وثالثة عن الثالث, لأنه قد يحتاج إلى إبانتها لئلا يموت قبل انقضاء العدة فترثه إذا كانت رجعية، ولا ترث إذا كانت مبتوتة عند بعض أهل العلم، ولإسقاط نفقتها أو سكناها أو كليهما عند من يقول من أهل العلم: إن المبتوتة لا نفقة لها، أو لا نفقة ولا سكنى، ولتعجل نكاح أختها مثلاً، أو رابعة عند من يقول بحل ذلك في العدة إذا كانت مبتوتة.
وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، فلا دلالة فيها على الجمع، وإنما سِيقَت للأمر بالوفاء بالصداق.
(17/644)

وأما الآية الرابعة فهي الحجة الواضحة عليكم، قال الجصاص: "وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنه لو طلَّق اثنتين معًا لما جاز أن يقال: طلَّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع" (أحكام القرآن ج 1/ ص 378).
بل في الطلاق نفسه لو قيل: قد طلَّق فلان زوجته مرتين، لفُهِم منه أنه طلَّقها ثم بعد مدة طلَّقها.
ثم ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ الثالثة بعدُ إما بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وإما بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} الآية.
وأما قولكم: " {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أي - والله أعلم -: ثلاثًا" فخطأٌ يخالفه ظاهرُ السياق، وما فهمه المفسرون من السلف، فإنهم اختلفوا على قولين:
الأول: أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} هي الثالثة، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} بناءٌ عليها، كأنه قال: فإن وقع التسريح المذكور.
الثاني: أن التسريح هنا معناه عدم المراجعة، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} هي الثالثة.
وأما ما ذكره ابن جرير (1) عن ابن عباس قال: "يقول: إن طلَّقها ثلاثًا لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره" (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 270)، فسنده ضعيف، وهو مع ذلك محمول على أن المراد منه ثلاثًا متفرقات هذه آخرها، جمعًا بينه وبين الروايات الثابتة عن ابن عباس.
__________
(1) "تفسيره" (4/ 166). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (2/ 422) والبيهقي (7/ 376).
(17/645)

اعتراض أهل المذهب الثالث:
قالوا لأهل المذهب الثاني: أما ردكم على المذهب الأول تجويزَهم الجمعَ فقد وُفَّقتم فيه، ولكنكم أخطأتم في تجويزكم أن يُتْبِعها طلقة ثانية، ثم طلقة ثالثة، وهي في عدتها من الأولى.
والآية الأولى حجة عليكم (1)، [ملحق ص 3] فإن قوله: {لِعِدَّتِهِنَّ} معناه: عند شروع عدتهن. قال الحافظ ابن حجر (2): "أي عند ابتداء شروعهن في العدة، واللام للتوقيت كما يقال: لقيتُه لليلةٍ بقيتْ من الشهر، قال مجاهد: قال ابن عباس: "في قُبُلِ عدتهن"، أخرجه الطبري (3) بسند صحيح، ومن وجه آخر (4) أنه قرأها كذلك، وكذا وقع في صحيح مسلم (5) من رواية أبي الزبير عن ابن عمر: وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن}. ونقلت هذه القراءة أيضًا عن أُبيّ وعثمان وجابر وعلي بن الحسين وغيرهم". (فتح الباري ج 9/ ص 276).
قالوا: وفي كتب اللغة: "والقُبُل من الزمن أوله".
قالوا: فهذا إنما يصدق على الطلقة الأولى، فأما الطلقة الثانية والثالثة
__________
(1) هنا كتب المؤلف في الهامش: "الصفحة الثالثة بعد" وفيها الكلام الذي يلحق هنا.
(2) "فتح الباري" (9/ 346).
(3) "تفسيره" (23/ 25). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (5/ 2) والنسائي في "الكبرى" (5586).
(4) "تفسير الطبري" (23/ 24).
(5) رقم (1471/ 14).
(17/646)

على قولكم فإن إحداهما تقع بعد مضي ثلث العدة، والأخرى بعد مضي ثلثيها، فليستا في قُبُل العدة، فالآية تنفي قولكم بتاتًا، وتثبت قولنا، والحمد لله.
وأما ما اعتذر به بعضكم بأن هذه اللام كاللام في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قال: مع أن وقت الظهر لا يتعين عند دلوك الشمس، بل يمتد إلى صيرورة ظل الشيء مثله أو مثليه على الخلاف في ذلك، فعذر باطلٌ؛ لأن في هذه الآية ما يدل على الامتداد، وهو قوله: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} فدل على امتداد الوقت، ثم بينت السنة حد امتداد الظهر وحد امتداد العصر، ومع صرف النظر عن هذا فلنا أن نقول: لما دلت السنة على امتداد وقت الظهر علمنا أن الآية نصَّت على وقت الفضيلة، وهو أول الوقت، كما نصت عليه السنة.
وقال ابن طاوس: "إذا أردتَ الطلاق فطلِّقها حين تطهر قبل أن تمسها تطليقة واحدة، لا ينبغي لك أن تزيد عليها حتى تخلو ثلاثة قروء، فإن واحدة تُبِينها" (تفسير ابن جرير ج 28/ ص 77) (1).
فأما من قال من المفسرين كقولكم، فكأنه تأول العدة بالقرء؛ لأن به تكون العدة، فقال: يطلق ثلاثًا عند كل قرء، فمعنى الآية على هذا: فطلقوهن في قُبُل كل قرءٍ من أقراءِ العدة الثلاثة.
وهذا خلاف الظاهر بلا حجة، بل هو تعسفٌ واضحٌ.
__________
(1) (23/ 27) (ط. التركي). ونحوه عن أبيه طاوس في "مصنف عبد الرزاق" (6/ 302).
(17/647)

فإن قلتم: قد قدمنا أن قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أن هذا في الطلقة الأولى، فعلى هذا لم تبين الآية حكم الثانية والثالثة، فقسناها على الأولى فيما يمكن، وهو أن تكون في الطهر الثاني وفي الثالث.
قلنا: فإن الآية نفسها تنفي أن يكون في العدة طلاق غير هذه الطلقة الأولى، فإنه [ص 3] لم يذكر فيها بعد الطلقة الأولى إلا قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، فالإمساك هنا المراجعة، والفراق عدمها، كما ذكره ابن جرير ونقله عمن تقدم، ولم يذكر غيره.
والآية وما بعدها مسوقة لتعليم سنة الطلاق اتفاقًا، وقد بينت أنه لا ينبغي أن يكون بين الطلقة الأولى وبين انقضاء العدة إلا مراجعة أو عدم مراجعة.
ومن ادعى أن الفراق هنا بمعنى الطلاق، فدعواه مردودة، فإن الفراق لا يعطي ذلك لغةً ولا شرعًا، وإن كان قد يستعمل فيه، فإن استعماله في الطلاق بخصوصه مجازٌ، ولا قرينة هنا على هذا المجاز، بل القرينة تفيد خلافه، وهي أنه جعله مقابلاً للرجعة، والظاهر في مقابل المعنى الوجودي هو عدمه، فثبت ما قلنا.
ويزيده وضوحًا أن قوله: {بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ظاهر هذا اللفظ في الأصل "انقضت عدتهن" - كما لا يخفى - ولكنه استعمل ههنا في معنى قاربن بلوغ الأجل، واستعمال البلوغ في مقاربته تقتضي مقاربة شديدة، وعند القرب الشديد من انقضاء العدة لا تبقى حاجة لإيقاع طلاق آخر، بل لا يمكن هذا على قول من يقول منكم: إن الأقراء هي الحيض؛ لأن المقاربة الشديدة إنما
(17/648)

تكون في الحيضة الثالثة، وقد اتفقنا على تحريم الطلاق في الحيض مطلقًا.
وأيضًا لو أجزنا الطلاق عند مقاربة الانقضاء، فإما أن نجيز طلقة أو طلقتين معًا؟ وقد اتفقنا على منع الطلقتين، وعليه فلا يكون له - على ما فرضناه - أن يُوقِع إلا طلقةً أخرى، فتكون هي الثانية، فلا تحصل بها البينونة، فلا يكون للمطلق غرض صحيح، وإذا كان كذلك كان هذا الطلاق من اتخاذ آيات الله هزوًا والتلاعب بحدوده.
على أننا نقول: إن الفوائد التي ذكرتم أنها قد تكون للمطلق إذا طلَّق المدخول بها من حرمان الميراث، وحرمان النفقة والسكنى، وتعجل نكاح أختها مثلاً أو رابعة، كلها أغراضٌ مذمومةٌ شرعًا.
أما حرمان الميراث وحرمان النفقة والسكنى فظاهر، وقد قال الله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، والطلاق لحرمان الميراث أو النفقة والسكنى منافٍ لهذا كله.
وهكذا تعجل نكاح الأخت - مثلاً - مذموم؛ لأنه يثبت في نفس المطلقة أنه إنما طلَّقها لينكح أختها، فتهيج بذلك بغضاء بين الأختين، ويورث ذلك سوء ظن بين الناس فيه وفي الأخت الثانية؛ لأن عادة الناس أن لا تحتجب المرأة من زوج أختها، كما تحتجب من الأجانب.
وأما الرابعة فالحاجة إلى استعجال نكاحها نادرة، ولا يخلو ذلك من إثارة البغضاء بين أهل الأولى وأهل الثانية، بقول أهل الأولى: إنما طلَّق صاحبتنا ليزوج صاحبتهم، وهم أفسدوه، وغير ذلك.
(17/649)

ومع هذا كله، فإن هذه المنافع غير مقررة في الشرع؛ لاختلاف أهل العلم فيها، وعلى ذلك فلا تقوم بكراهية الطلاق من أصله فضلاً عن الطلاق البائن.
ولهذا - والله أعلم - حظر الطلاق في الحيض، وفي طهر قاربها فيه، والعلة في ذلك - والله أعلم - أن الزوج بعد مقاربة زوجته يقل ميله إليها إلى مدة، وعند قلة الميل [ص 4] قد يطلق عن غير نفرة صادقة، ولعله لو صبر أيامًا قوي ميله إليها، فأعرض عن الطلاق.
فإذا كانت حائضًا كان لعله قريب العهد بها في الطهر الأقرب، ومع ذلك فإن النفس تنفر عن الحائض للأذى، ولحظر الشرع مقاربتها، فالنفس يائسة منها، فلا تتحدث بمقاربتها.
والطهر الذي قاربها فيه يكون قريب عهد بها، فإذا حاضت المرأة ثم طهرت كان الميل قد قوي في الرجل؛ لأنه قد بعُدَ عهدُه بها؛ ولأنه يتمثلها قد اغتسلت، وتطيبت، ولبست، وتزيَّنت، فيدعوه ذلك إليها، فيعرض عن الطلاق، ما لم تكن النفرة قد قويت.
ومع ذلك لم يأذن له إلا بطلقة واحدة، وفرض عليه نفقتها, لئلا ينسد باب الصلح، وإبقاؤها في بيتها، وهو في الغالب بيته الذي يسكن فيه، أو قريبًا منه، وأطيلت العدة إلى ثلاثة قروء، إذ لعله يقوى ميلُه إليها في أثناء هذه المدة، وينسى ما بعثه على الطلاق من الإساءة، وقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه، فلا يكون بينه وبينها إلا أن يراجع، ثم يكشف الستر، أو يدقّ الباب.
(17/650)

فلو جمع الثلاث ربما ندم بعد ساعة، كما هو مشاهدٌ بكثرة فاحشة في جميع البلدان، فأدخل بذلك الضرر على نفسه، وعليها إذا كانت تحبه، أو لا يرغب فيها غيره كما في الهند وغيرها من الأقطار، تقل فيها الرغبة في زواج الثيبات، ولا سيما المطلقات، حتى لا تكاد تسمع بمطلقة تزوجّها رجلٌ آخر.
ويدخل الضرر على أطفاله منها، إن كانوا، فإنهم إن بقوا عندها بعدوا عن أبيهم، فأضر ذلك به وبهم، وقد لا يكون عنده من المال ما يكفي لأن يرسل إليهم نفقة تكفيهم، وإن اتفق أن تزوجت رجلاً آخر، فإما أن يكونوا معها، وذلك بلاء عليهم، وإما أن تدَعَهم عند أمها، فيمسوا محرومين من أبيهم وأمهم مع أنهما حيان، وإن أبقاهم عنده فإن لم يتزوج كانوا عذابًا عليه، ولم يكن عنده من يقوم بمصالحهم من النساء، وإن كان فليست كأمهم، وإن تزوج كانت هذه المرأة عدوةً طبيعية لأولاده من الأولى، كما هو مشاهد.
فاجعلْ كراهيةَ الشرع وهذه المضارَّ في كِفَّة، وما قد يقصده الزوج من تلك المنافع في كفة، وانظر أيهما يرجح.
هذا، مع ما تقدم من أن تلك المنافع مذمومة وغير مقررة في الشرع، مما يبعد أن يُقِيم لها الشرعُ وزنًا البتة.
قالوا: ولو كان لهذه المنافع أثرٌ في الشرع لكان أباح إيقاع الثلاث دفعةً، وقد اتفقنا على رده، وكان يلزمكم إذ لم تُسندِوا جواز إتباع الطلقة الثانية ثم الثالثة إلا إلى احتمال تلك الأغراض أن تقيّدوا الجواز بوجود غرضٍ مباحٍ منها إن كان، فكيف تكون سندًا لتشريع عامٍ وهي نادرة؟! هذا خلاف سنة الشرع، فإن سنته أن يُراعي الغالب ويُلغي النادر، لا عكسه.
(17/651)

قالوا: فإذا قلنا: إن قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إنما هو في الطلقة الأولى، فالقياس الصحيح في الثانية والثالثة أن لا تُوقَع كلٌّ منهما إلا عندما يحتاج إليها كالحاجة إلى الأولى، وإنما يحتاج إلى الثانية إذا راجع من الأولى، فيحتاج حينئذٍ إلى ثانية لحل العصمة، فيحتاط لها كما احْتِيط للأولى، فلا توقع إلا في قُبُل العدة، والمعنى حينئذٍ كما في الأولى تمامًا، ثم لا تُوقع الثالثةُ إلا عند الحاجة إليها كالحاجة إلى الأولى وإلى الثانية، وإنما يكون ذلك إذا راجع من الثانية، واحتاج إلى الطلاق، فحينئذٍ يحتاط لها كما في الأُوليين، فلا تُوقَع إلا في قُبُل العدة، والمعنى قبل إيقاعها كالمعنى في الأوليين تمامًا، وأما بعد إيقاعها فقد اختلف المعنى، إذ لا رجعةَ بعدها.
وأما إذا قلنا: إن قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} يصدق بالطلقة الأولى وبالثانية وبالثالثة - وإن كانت بعض الأحكام المذكورة في السياق تختصُّ بالأولى والثانية - فالأمر أظهر، فإن كلاًّ من الثلاث تكون منصوصًا في الآية على إيقاعها في قُبُل العدة، وقد تقدم بقية الكلام.
قالوا: وأما ما تُفسَّرون به قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} الآيتين: أن المرة الأولى في طهرٍ لم يقربْها فيه، والثانية في الطهر الثاني، والثالثة في الطهر الثالث، فمردودٌ عليكم.
أخرج مالك رحمه الله في "الموطأ" (1) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك
__________
(1) (2/ 588).
(17/652)

له، وإن طلَّقها ألف مرة، فعَمَدَ رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها، حتى إذا شارفتْ انقضاءَ عدتها راجعها، ثم طلَّقها، ثم قال: لا والله لا آوِيكِ إليَّ، ولا تحِلِّينَ أبدًا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، فاستقبل الناس الطلاقَ جديدًا من يومئذٍ، من كان طلَّق منهم أو من لم يطلِّق". ("الموطأ" بهامش شرحه "المنتقى" ج 5/ ص 125).
[ص 5] هذا مرسلٌ صحيحٌ، وهكذا رواه ابن إدريس وجرير بن عبد الحميد عن هشام. انظر تفسير ابن جرير (ج 2/ ص 259) (1).
وقد رفعه بعضهم، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2)، وصححه من طريق يعلى بن شَبِيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وله عواضد.
أخرج ابن جرير (3) عن قتادة قال: "كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم امرأته ثم يراجعها, لا حدَّ في ذلك، هي امرأته ما راجعها في عدتها، فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة أقراء، وجعل حدَّ الطلاق ثلاث تطليقات".
وأخرج (4) عن ابن زيد: " ... وطلق رجل امرأته حتى إذا كادت أن تَحِلَّ ارتجعها، ثم استأنف بها طلاقًا بعد ذلك لِيُضارَّها بتركها, حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها، وصنع ذلك مرارًا، فلما علم الله ذلك منه، جعل الطلاق ثلاثًا: مرتين، ثم بعد المرتين إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان".
__________
(1) "تفسيره" (4/ 125, 126).
(2) "المستدرك" (2/ 279، 280). وأخرجه أيضًا الترمذي (1192).
(3) في "التفسير" (4/ 126).
(4) المصدر نفسه (4/ 126).
(17/653)

فقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} يعني - والله أعلم -: الطلاق الذي تعقبه رجعة؛ لأن هذا هو المعهود لهم سابقًا، والمعهود في القصة التي كانت سبب النزول، والمعهود في الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} إلى قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}.
فكأنه قال: الطلاق الذي تعقبه رجعة إنما هو مرَّتان، لا مِرارٌ كثيرة، كما أراد ذلك الرجل المضارُّ أن يفعل.
وعليه، فكل مرة من المرتين عبارة عن طلاق عقبتْه رجعةٌ, لأن هذا ردّ على ذلك المضارّ الذي أراد أن يفعل هذا، أي الطلاق والرجعة مرارًا.
وقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أريد به - والله أعلم -: وبعد أن يطلق أحدكم [ثم يراجع] ثم يطلق ثم يراجع، لا يبقى له إلا أن يمسكها ويحتفظ بها، أو يُسرِّحها السراحَ الأخير، وهو الطلاق الثالث.
قال في الفتح (1): "معنى قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فيما ذكر أهل العلم بالتفسير، أي: أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك أو التسريح مرتان، ثم حينئذٍ إما أن يختار استمرار العصمة فيمسك الزوجة، أو المفارقة فيسرِّحها بالطلقة الثالثة، وهذا التأويل نقله الطبري وغيره عن الجمهور".
ثم ذكر القول الثاني، وسيأتي، ثم قال (2): "ويرجِّح الأولَ ما أخرجه
__________
(1) (9/ 366).
(2) أي الحافظ في "الفتح" (9/ 366).
(17/654)

الطبري (1) وغيره من طريق إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: "قال رجل: يا رسول الله! الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
أقول: وفي رواية للطبري (2): "قال رجل: يا رسول الله! يقول الله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان". (تفسير ابن جرير 2/ ص 260).
ثم قال الحافظ (3): "وسنده حسن، لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا رزين لا صحبة له، وقد وصله الدارقطني (4) من وجهٍ آخر، فقال: "عن أنس" لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ ... والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن، يعتضد بما أخرجه الطبري (5) من حديث ابن عباس بسندٍ صحيحٍ قال: "إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يُمسِكها فيُحسِن صحبتها، أو يُسرَّحها فلا يظلمها من حقها شيئًا". (فتح الباري ج 9/ ص 293).
وقال ابن جرير (6): "فقال بعضهم: عَنَى الله تعالى ذِكره بذلك الدلالةَ
__________
(1) "تفسيره" (4/ 130).
(2) المصدر نفسه (4/ 131). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (1/ 93) و"المصنف" (11091) وأبو داود في "المراسيل" (ص 145) وابن أبي حاتم في "التفسير" (2/ 419).
(3) في "الفتح" (9/ 366).
(4) في "سننه" (4/ 4) وقال: والصواب مرسل.
(5) في "التفسير" (4/ 128).
(6) المصدر نفسه (4/ 130).
(17/655)

على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف، أو بفراقهن بطلاق".
ثم قال (1) بعد أن ذكر الحديث وغيره، وذكر القول الثاني: "فإن اتباع الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من غيره، فإذ كان ذلك هو الواجب، فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساك بمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة". (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 259 - 260).
[ص 6] أقول: والقول الثاني حكاه ابن جرير فقال (2): "وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعةٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن".
ثم روى عن السدي (3) قال: "إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك، ويمسك: يراجع بمعروف، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها".
وعن الضحاك (4) قال: "يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان".
وروى عنه قبل ذلك (5): "والتسريح أن يدَعَها حتى تمضي عدتها". (تفسير ابن جرير ج 9/ ص 260).
__________
(1) في "التفسير" (4/ 132).
(2) المصدر نفسه (4/ 131).
(3) المصدر نفسه (4/ 131، 132).
(4) المصدر نفسه (4/ 132)
(5) المصدر نفسه (4/ 132).
(17/656)

وأخرج (1) في تفسير سورة الطلاق عن الضحاك في قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} قال: "يعني بالمخرج واليسر: إذا طلَّق واحدةً ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليسر الذي قال الله، وإن مضت عدتها ولم يراجعها كان خاطبًا من الخُطَّاب، وهو الذي أمر الله به، وهكذا طلاق السنة، فأما من طلَّق عند كل حيضة فقد أخطأ السنة، وعصى الرب، وأخذ بالعسر". (تفسير ابن جرير ج 28/ ص 82).
أقول: قال ابن جرير (2) في تحرير القول الثاني: "وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف، أو تسريح لهن بإحسان".
أقول: وحاصله هكذا: المرة الأولى فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، فإذا راجع وأراد الطلاق فالمرة الثانية، فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، ثم قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}.
ومعناها على هذا: فإذا راجع من الثانية، ثم بدا له الطلاق فإن طلَّقها ... إلخ.
وعلى هذا، فهذا القول الثاني لا يخالف القول الأول فيما ذهب إليه
__________
(1) "التفسير" (23/ 44).
(2) المصدر نفسه (4/ 132).
(17/657)

أهل المذهب الثالث (1).
أقول: والقائلون بأن الإمساك هو الرجعة يقولون كما ذكر بأن .... (2) فبعد المرتين إما مراجعة و .... في الاعتراض إما مراجعة وإما طلاق.
فإن قيل: لكنه جاء الطلاق بعد ذلك في قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ}.
[قيل]: هو مبني على فرض الإمساك وهو المراجعة؛ لأنه قد حصر الأمر بعد الثنتين في مراجعة أو عدمها، فإن عدمت حتى انقضت العدة كما هو ظاهر، فلا موقع للطلاق الثالث، وإنما يكون له موقع على فرض وقوع المراجعة، فتدبر.
وأما من قال: المرتان طلقتان عند كل طهر واحدة، فلم يتبين ما يفسرون به الإمساك والتسريح، وعلى كل حال فقولهم مردود من أصله.
وعلى كلٍ من الأقوال الثالثة، فقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} المراد بها الطلاق الثالث.
أما على قول من قال: الإمساك الإبقاء في العصمة، والتسريح الطلاق، فإنه يقول: إن قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} مبني على التسريح، كأنه قال: فإن وقع منه التسريح الذي تقدم ذكره. والتسريح هو الطلاق الثالث عند هؤلاء.
وأما من قال: الإمساك المراجعة بعد كل من الطلقتين، والتسريح عدم
__________
(1) بعدها صفحتان كتبهما المؤلف، ثم شطب عليهما. وكتب بعد صفحات ملحقًا يناسب هذا المكان.
(2) الكلمات مخرومة في الأصل في مواضع النقط.
(17/658)

المراجعة، فإنه يقول: إن الطلقة الثالثة إنما ذكرت في قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا}.
وأما من قال: المرتان طلقتان في كل طهر واحدة، فلا بد أن يوافق أحد القولين المتقدمين، ولو كان يقول بخلاف ذلك لكان الظاهر أن يحكيه ابن جرير.
نعم، ذكر ابن جرير (1) في تفسير {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} عن ابن عباس قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} يقول: "إن طلَّقها ثلاثًا لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره".
رواه من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، وفي كل منهم كلام، وهو مع ذلك منقطع، فإن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يستأنس بها أهل العلم، ولا يحتجون بها.
على أن هذا الأثر لو صح لوجب حملُه على معنى "إن طلَّقها" الثالثةَ، فتمَّ طلاقُها "ثلاثًا"، توفيقًا بين هذا وبين الروايات الصحيحة عنه (2).
واحتج أهل المذهب الثاني بالآية {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فإن المراد بالإمساك المراجعة، وبالتسريح الطلاق، كأنه قال: وبعد المرتين إما مراجعة وإما طلاق.
وهذا يدل أن المرة الثانية طلاق لم يعقبه رجعة، إذ لو كانت طلاقًا
__________
(1) في "تفسيره" (4/ 166).
(2) هنا نهاية الملحق، وما بعدها وراء صفحة الملحق.
(17/659)

ورجعة لما أمكن أن تكون بعدها مراجعة أخرى، وإذا ثبت أن المرة الثانية طلاقٌ تصلح بعده المراجعة ويصلح الطلاق، فقد وقعت المرة الثالثة من الطلاق عقب الطلاق الثاني بدون تخلل رجعة، وإذا جاز هذا بين الثانية والثالثة فليجز بين الأولى والثانية، ولا قائل بالفرق.
فالجواب: أن جمهور السلف فسروا الإمساك ههنا بالإبقاء في العصمة، لا بالمراجعة، ونظيره قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 37].
وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" (1) عن أنسٍ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمسِك عليك أهلَك، فنزلت".
وذكر ابن جرير (2) أثرًا عن ابن زيد، وفيه: "فجاء فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: مالك؟ أرابَكَ منها شيءٌ؟ قال: لا والله ما رابني منها شيءٌ يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسِكْ عليك زوجك واتق الله".
وروى أثرًا عن قتادة بنحوه (3). (تفسير ابن جرير ج 22/ ص 9).
وأصرح منه قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10].
__________
(1) (2/ 417).
(2) "تفسيره" (19/ 116).
(3) المصدر نفسه (19/ 115).
(17/660)

وأكثر ما يجيء الإمساك في القرآن بهذا المعنى، أي عدم الإرسال.
وإنما ذكرت الآيتين لئلا يقول قائل: قد جاء في القرآن {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} في موضعين، والمراد به في كل منهما "فراجعوهن"، فينبغي أن يكون قوله هنا: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي مراجعة.
على أنه قد يقال: فرق بين قوله: {فَإِمْسَاكٌ}، وقوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ}، فإن الاسم يدل على الثبات واللزوم، فيقتضي أن هذا الإمساك هو الإبقاء في العصمة؛ لأنه استمرار شيء ثابت، والفعل يدل على التجدد والحدوث، فيقتضي في قوله: "فأمسكوا" أي أحدثوا إمساكًا، وهو المراجعة، فتأمل.
وقال ابن جرير (1) بعد أن ذكر أثر عروة وما في معناه: "فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا: عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعةُ تطليقتان، ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسان".
ثم حكى قول من قال: إن "المرتان" طلقتان في كل طهر واحدة، ثم الواجب بعد ذلك إما إمساك بمعروف وإما تسريح بإحسان، ثم رده بأنه مخالفٌ لظاهر التنزيل، ولمرسل عروة وعواضده.
ثم حكى الخلاف في تأويل الإمساك والتسريح قال (2): فقال بعضهم:
__________
(1) "تفسيره" (4/ 127).
(2) المصدر نفسه (4/ 130).
(17/661)

عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف أو فراقهن (1) بطلاق".
وذكر حديث أبي رزين الآتي وآثارًا لا أراها صريحة فيما قال.
ثم قال (2): "وقال آخرون: بل عني الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف، أو تسريح بإحسان بترك رجعتهن".
ثم روى عن السدي قال (3): "إذا طلَّق واحدة أو اثنتين، إما أن يمسك - ويمسك: يراجع بمعروف - وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها".
وعن الضحاك قال (4): "يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان".
ثم رد هذا التأويل بحديث أبي رزين (5): "قال رجل: يا رسول الله! قول الله {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان".
ثم قال (6): "فبيَّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على
__________
(1) في الأصل: "بفراقهن"، والتصويب من تفسير الطبري.
(2) المصدر السابق (4/ 131).
(3) المصدر نفسه (4/ 131، 132).
(4) المصدر نفسه (4/ 132).
(5) المصدر نفسه (4/ 132، 130).
(6) المصدر نفسه (4/ 132).
(17/662)

نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريحٌ لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة". (تفسير ابن جرير ج 2/ ص 259 - 260).

[ص 7] السُّنَّة

المذهب الأول: قالوا: السنة معنا، ففي حديث عائشة الذي في الصحيحين (1) وغيرهما في قصة امرأة رفاعة: أنها جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هُدْبة الثوب، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته".
قال الإمام الشافعي (2): "فإن قيل: فقد يجوز أن يكون رفاعة بتَّ طلاقها في مرات.
قلت: ظاهره مرةً واحدةً".
وفي حديث فاطمة بنت قيس، وهو في صحيح مسلم (3)، وأشار إليه البخاري (4): "أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها النبي - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة".
__________
(1) البخاري (2639) ومسلم (1433).
(2) "الأم" (10/ 259).
(3) رقم (1480).
(4) انظر "الصحيح" مع "الفتح" (9/ 477) وكلام الحافظ عليه.
(17/663)

وفي الصحيحين (1) من حديث عائشة: "أن رجلاً طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتحلُّ للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عُسيلتها، كما ذاق الأول".
وفي الصحيحين (2) من حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني: "أنه بعد أن لاعنَ زوجته قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
قال الإِمام الشافعي (3): "وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّم عبد الله بن عمر موضع الطلاق، ولو كان في عدد الطلاق مباحٌ ومحظورٌ علَّمه - إن شاء الله - إياه؛ لأن من خفي عليه أن يطلق امرأته طاهرًا، كان ما يُكره من عدد الطلاق ويُحَبّ - لو كان فيه مكروه - أشبه أن يخفى عليه ... وطلق ركانة امرأته البتة، وهي تحتمل واحدةً، وتحتمل ثلاثًا، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نيته وأحلفه، ولم نعلمه نهى أن يطلق البتة يريد بها ثلاثًا، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثًا".
رده: قالوا: أما الحديث الأول فقد جاء مفسرًا على خلاف ما ظننتم، ففي الصحيحين (4): " ... فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلَّقها آخر ثلاث تطليقات" (صحيح البخاري ج 8/ ص 23، صحيح مسلم ج 4/ ص 154).
__________
(1) البخاري (5261) ومسلم (1433/ 115).
(2) البخاري (5308) ومسلم (1492).
(3) "الأم" (6/ 457).
(4) البخاري (6084) ومسلم (1433/ 113).
(17/664)

وهكذا الحديث الثاني، ففي رواية عند مسلم (1): "أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات"، وفي رواية أخرى (2): " ... فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها". (صحيح مسلم ج 4/ ص 196 - 197).
وأما الحديث الثالث فالظاهر أنه مختصرٌ من حديث امرأة رفاعة، كما جوزه الحافظ في الفتح (3)، قال: "وسيأتي في شرح قصة رفاعة أن غيره وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد". (فتح الباري ج 9/ ص 295).
وذكر في (ص 375 - 380) (4) تلك الروايات، وهي بين ضعيفٍ أو غلطٍ في قصة امرأة رفاعة، فانظرها إن شئت.
وأما الحديث الرابع فقصة عويمر، رواها جماعة من الصحابة، ولم يذكر أحدٌ منهم الطلاق إلا في رواية الزهري عن سهل بن سعد.
والزهري يقول تارة: "فطلقها"، رواه عنه هكذا الأوزاعي، كما في صحيح البخاري في تفسير سورة النور (5)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (المسند ج 5/ ص 337) (6).
__________
(1) رقم (1480/ 40).
(2) رقم (1480/ 41).
(3) (9/ 367).
(4) (9/ 464 - 469).
(5) البخاري (4745).
(6) رقم (22856).
(17/665)

وتارةً يقول: "ففارقها"، هكذا رواه عنه جماعة، منهم فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (1)، وابن أبي ذئب عند البخاري أيضًا في الاعتصام (2)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند النسائي (3)، وعقيل عند أحمد (المسند ج 5/ ص 337) (4).
وتارة يقول: "فطلقها ثلاثًا"، هكذا رواه مالك وابن جريج (5) وغيرهما.
قال الحافظ في الفتح (6): "في رواية ابن إسحاق - يعني عن الزهري -: ظلمتُها إن أمسكتُها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق".
أقول: والذي في مسند أحمد "هي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق". (مسنده 5/ 334) (7).
ثم قال الحافظ (8): "وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات". (فتح الباري 9/ 365).
وفي هذا نظر، فمن البين أن اختلاف هذه الألفاظ: "فطلقها"،
__________
(1) رقم (4746).
(2) رقم (7304).
(3) (6/ 171).
(4) رقم (22853).
(5) انظر البخاري (5308، 5309).
(6) (9/ 451).
(7) رقم (22831).
(8) "الفتح" (9/ 451).
(17/666)

"ففارقها"، "فطلقها ثلاثًا" ليس من سهل بن سعد، وإنما هو من الزهري، ومن الجائز أن يعني الزهري بقوله: "فطلقها ثلاثًا" أنه كرر الطلاق ثلاثًا، وهذا اللفظ يصدق بما إذا كان التكرار صالحًا للتوكيد، فتكون هذه الرواية موافقة لرواية ابن إسحاق، ومن الجائز أيضًا أن يكون الزهري سمع الحديث من سهل باللفظ الذي ذكره ابن إسحاق، ولكن كان الزهري يرويه بالمعنى، فقال مرة: "فطلقها ثلاثًا" بناءً على ما ظنه من أن هذا اللفظ يثبت به ثلاث طلقات، ثم تردد في ذلك، فكان يقول تارةً: "فطلقها" ويقتصر عليه، وتارةً: "ففارقها" ويقتصر عليه، وذكر ابن إسحاق أصل اللفظ الذي سمعه (1) من سهل، فقد كان لابن إسحاق اختصاص بالزهري، قال ابن عيينة: "رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق: أين كنت؟ فقال: هل يصل إليك أحد؟ قال: فدعا حاجبه وقال: "لا تحجبه إذا جاء". (ذكره في تهذيب التهذيب) (2).
فأما أن يسمع ابن إسحاق "فطلقها ثلاثًا" فيراها مخالفة لرأيه، فيبدلها بلفظ يوافق رأيه، وينسبه إلى صاحب القصة، فهذا بغاية البعد، وليس هذا من الرواية بالمعنى، بل من التحريف والتبديل، وحاشا ابن إسحاق من ذلك (3).
[ص 8] قالوا: وعلى فرض أنه ثبت ثبوتًا لا ريب فيه أن عويمرًا طلَّق ملاعنته ثلاث طلقات بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينكر عليه، ودل ذلك على الجواز، فليس في هذا ما يدل على إباحة جمع الطلاق مطلقًا، فليجز مثل
__________
(1) أي الزهري.
(2) (9/ 40).
(3) ثم الكلام يتصل بعد خمس ورقات في الأصل.
(17/667)

ذلك في مثل هذه الواقعة، وهي أن يطلق الزوج زوجته التي اطلع على زناها ولاعنَها فالتعنت، ولا يُقاس عليها من ليس مثل معناها.
على أنه قد أغنى الله الملاعن عن الطلاق بقضائه بالتفريق بينهما مؤبدًا بغير طلاق.
وقد أخرج النسائي (1) وغيره بسند صحيح عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: "أُخبِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانَ، فقال: أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجلٌ وقال: ألا أقتله؟ ". (سنن النسائي 2/ 695).
ومحمود بن لبيد ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالحديث مرسلٌ صحيحٌ.
وأخرج البيهقي (2) وغيره من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بالُ رجالٍ يلعبون بحدود الله؟ طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك! ".
ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيهم من يدلس.
وفي رواية: "لِمَ يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك؟ طلقوا المرأة في قُبُل عدتها" (سنن البيهقي 7/ 322 - 323).
وأخرج الحاكم (3) وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) (6/ 142).
(2) "السنن الكبرى" (7/ 322). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (2017).
(3) "المستدرك" (2/ 196). وأخرجه أيضًا أبو داود (2178) وابن ماجه (2018).
(17/668)

"أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: على شرط مسلم.
وأورده البيهقي (1) من طرق موصولاً ومن أخرى مرسلاً، ورجّح بعضُ الحفاظ إرساله، قال صاحب الجوهر النقي: " ... فهذا يقتضي ترجيح الوصل, لأنه زيادة وقد جاء من وجوه". (الجوهر النقي مع سنن البيهقي) (2).
أقول: وإن كان مرسلاً فمرسلٌ صحيحٌ، له شواهد وعواضد، فهو صالحٌ للحجة، إن شاء الله تعالى.
ولا خفاء أن الله عَزَّ وَجَلَّ إنما أحله مع بغضه له؛ لعلمه أن الحاجة تشتدُّ إليه، ومن القواعد المقررة أن ما أبيح للضرورة قُدِّر بقدرها، والضرورة أو الحاجة المشروعة يكفي للتخلص منها واحدة، وأما المنافع التي تقدم أن الزوج قد يحتاج إلى تعجلها، فقد مر الكلام عليها.

(ملحق)
ما يختص بالمذهب الثاني: قالوا: قد صح عن ابن مسعود أنه قال: "طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله بها" (سنن الدارقطني 427) (3). أخرجه من طريق حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.
__________
(1) "السنن الكبرى" (7/ 322).
(2) "الجوهر النقي" (7/ 323).
(3) (4/ 5).
(17/669)

وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1): حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، فذكره بنحوه.
وأخرجه ابن جرير (2) مطولاً: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن مطرِّف عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} قال: "يطلقها بعد ما تطهر من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلَّقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاثُ حِيضٍ، وتبين منه". (تفسير ابن جرير 2/ 259).
قالوا: وقول الصحابي: "السنة كذا" في حكم الرفع.
وجاء عن ابن عباس نحوه.
أخرج ابن جرير (3) في تفسير سورة الطلاق، من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: "أنه كان يرى طلاق السنة طاهرًا من غير جماع، وفي كل طهر، وهي العدة التي أمر الله بها" (تفسير ابن جرير ج 28/ ص 77).
قالوا: وهذا هو المروي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من التابعين.
__________
(1) (9/ 515).
(2) "تفسيره" (4/ 128).
(3) المصدر نفسه (23/ 23).
(17/670)

وقد ثبت في الصحيحين (1) وغيرهما من حديث ابن عمر في قصة طلاقه امرأته وهي حائض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: "مُرْه فليراجعْها، ثم ليمسكْها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمس".
قالوا: وإنما لم يرخص له أن يطلق في الطهر الذي يلي تلك الحيضة؛ لأن محل الطلاق كان في الطهر الذي قبلها, ليكون بينه وبين الطلقة الثانية طهر وحيضة كاملة، فلما أوقعه في الحيضة أمره أن لا يوقع الطلقة الثانية إن أراد إلا بعد أن تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ليتم له طهر وحيضة كاملة بين الطلقتين، فدل الحديث على جواز إيقاع الطلقة بعد الطلقة إذا كان بينهما طهر لم يقربها فيه، ثم حيضة كاملة.
جواب المذهب الثالث: قالوا: الأعمش وأبو إسحاق إمامان ولكنهما مدلسان، وابن حميد هو محمَّد بن حميد الرازي متهم، والصحيح عن ابن مسعود أنه قال: "الطلاق للعدة طاهرًا من غير جماع". أخرجه ابن جرير من طرق (تفسير ابن جرير ج 28/ ص 76 - 77)، وذكر الحافظ في الفتح (2) أن سنده صحيح. (فتح الباري ج 9/ ص 276) (3).
وقال ابن أبي شيبة (4): ثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي
__________
(1) البخاري (5251) ومسلم (1471).
(2) "الفتح" (9/ 346).
(3) أشار المؤلف هنا إلى ملحق في آخر الرسالة.
(4) "المصنف" (9/ 511) طبعة عوامة.
(17/671)

الأحوص عن عبد الله قال: "من أراد الطلاق الذي هو الطلاق، فليطلقها تطليقة ثم يدعها حتى تحيض ثلاث حيض".
وبسند صحيح عن طاوس (1): "طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طاهرًا في غير جماع، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها".
وبسندٍ صحيح عن أبي قلابة (2) نحوه.
وقال (3): ثنا ابن إدريس عن هشام عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي قال: "ما طلَّق رجل طلاق السنة فندم"، وفسَّره في رواية أخرى (4) فقال: "يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض".
وقال (5): ثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدةً، ثم يتركها حتى تحيض ثلاثَ حِيَضٍ.
ثنا (6): شبابة بن سوَّار عن شعبة عن الحكم وحماد في الطلاق السنة قالا: "يطلق الرجل امرأته ثم يدعها حتى تنقضي عدتها" (7).
وأما أثر ابن عباس فهو مختصر من حديثه في قصة طلاق ركانة،
__________
(1) المصدر نفسه (9/ 511).
(2) المصدر نفسه (9/ 512).
(3) المصدر نفسه (9/ 511).
(4) المصدر نفسه (9/ 512).
(5) المصدر نفسه (9/ 512).
(6) المصدر نفسه (9/ 512).
(7) هنا نهاية الملحق، ثم يرجع الكلام إلى صفحة (8).
(17/672)

وسيأتي، وليس فيه ذكر "السنة"، وإنما فيه بعد أن ذكر القصة: "فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر".
ولفظ "السنة" في هذا المختصر إما من قول عكرمة، وإما من قول من بعده، وسيأتي بقية الكلام على هذا.
قالوا: وأما حديث ابن عمر فالطلقتان فيه ليستا متتابعتين، فإنه أمره بالمراجعة من الأولى، وعليه فالطلقة الثانية تكون في قُبُل العدة، فأين هذا من مذهبكم؟
وقد ذكر العلماء توجيهات أخرى غير ما قلتم، منها قولهم: لو طلَّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولهذا أسماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك.
ويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حين أمره أن يمسكها (يمسها) في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلَّقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر (1): "مُره أن يراجعها، فإذا طهرت مسَّها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها".
فإذا كان قد أمره بأن يمسكها (يمسَّها) في ذلك الطهر، فكيف يصح له أن يطلقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن "الطلاق في طهرٍ جامعها فيه" (فتح الباري
__________
(1) ذكرها الحافظ في "الفتح" (9/ 350).
(17/673)

ج 9/ ص 280) (1).
وقوله في الرجعة: إنها شرعت لإمساك المرأة يُبيّنه أن الله تعالى قيَّد استحقاقها بإرادة الإصلاح، قال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}، وقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، وقال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}.
وفي الحديث دليل لنا، فإنه ذكر الطلقة الثانية، ثم قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء", ولم يذكر بعد الطلقة الثانية إلا التنبيه على الآية، ودلالة الآية ظاهرة فيما ذهبنا إليه، فلذلك - والله أعلم - اكتفى بها عن أن يقول: ثم لا تطلق الثالثة إلا إذا راجعت من الثانية, ولو كان الأمر كما قلتم لكان الظاهر أن يذكر الثالثة (2) , لأن ما قلتم خلاف ظاهر الآية (3).
وأما سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعليم ابن عمر، فالظاهر أن عمر وابنه كان يعلمان ذلك، وقد روي عنهما تحريم إيقاع الثلاث جميعًا، والظاهر أن ابن عمر كان يعلم حرمة الطلاق في الحيض، وإنما وقعت منه زلَّةٌ، ولم يعلم هو وأبوه كيف المَخْلَص منها، فلذلك سأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم.
ومما يدل على علمه ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تغيظ لما أخبره عمر.
وأما ركانة فإنه أخبر أنه إنما أراد واحدة، وحلف على ذلك، فلما تبين أنه إنما طلَّق واحدةً، لم يكن هناك باعث في الحال إلى بيان تحريم إيقاع
__________
(1) (9/ 350).
(2) في الأصل: "الثانية".
(3) ثم يتصل الكلام بالملحق الذي في الصفحة الآتية.
(17/674)

الثلاث دفعة.
وأما عبد الرحمن بن عوف فقد ثبت أنه إنما طلَّقها آخر ثلاث تطليقات كانت لها، انظر الجوهر النقي مع سنن البيهقي (ج 7/ ص 330).
أقول: ولقصة ابن عمر وركانة تعلقٌ بوقوع الثلاث دفعة أو عدمه، وكذلك حديث أبي موسى، وحديث محمود بن لبيد، بل لهذا الحكم - أعني تحريم إيقاع الثلاث دفعة أو إباحته - علاقة بذلك، فانتظر بيانها في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.
****
(17/675)

[ص 1] الباب الثاني (1) في الوقوع
المسألة الأولى: في وقوع الطلاق البدعي
الجمهور على وقوعه (2).
احتج الجمهور من القرآن بقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} الآية، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية، وقوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} الآية، وقوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}، وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} الآية، وقوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} الآية.
قالوا: والطلاق في هذه الآيات عامٌّ يتناول الطلاق المأذون فيه وغيره؛ لأن الطلاق كلمة معروفة المعنى في اللغة، لم يخصها الشارع بالطلاق المأذون فيه.
واحتجوا بقوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} فأفهم أن من لم يتق الله لم يجعل له مخرجًا، أي: بل يضيق عليه، والتضييق هو أن يعتد عليه بطلاقه.
__________
(1) قبله: "بسم الله الرحمن الرحيم". وهذا الباب أربع صفحات بدون ترقيم في الأصل، ورقمناه ترقيمًا جديدًا من واحد.
(2) بعدها بياض في الأصل بقدر خمسة أسطر.
(17/676)

ومن السنة بحديث الصحيحين (1) وغيرهما - بل هو متواترٌ - أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال له: "مره فليراجعها" الحديث.
قالوا: والمراجعة إنما تكون بعد طلاق واقع.
قالوا: وقد أخرج ابن وهب في مسنده (2) عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وهي واحدة".
قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
وأخرجه الدارقطني (3) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هي واحدة". (فتح الباري ج 9/ ص 282 - 283) (4).
وفي صحيح البخاري (5) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة".
__________
(1) البخاري (5251) ومسلم (1471).
(2) انظر "فتح الباري" (9/ 353).
(3) "سننه" (4/ 9).
(4) "فتح الباري" (9/ 353).
(5) رقم (5253).
(17/677)

قال المانعون: أما عموم الآيات فيخصه قوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، فدل اتفاقًا على أن المأذون فيه هو الطلاق للعدة، فما وقع من صورة طلاق وليس للعدة فهو غير مأذون فيه اتفاقًا.
والأصل في النكاح أنه عقد لازمٌ يحب الله بقاءه، ولا يرضى قطعه، وقد مر دليل ذلك، وفي بعض الشرائع المتقدمة لا يمكن قطعه البتة، وإنما رخص الله تعالى لهذه الأمة في قطعه لشدة الحاجة إليه، فالطلاق رخصة، فإذا أوقعه الرجل كما أذن الله له وقع، وإذا أوقعه كما نهاه الله تعالى لم يقع.
[ص 2] واحتج الجمهور من السنة بحديث ابن عمر المشهور بل المتواتر، ولهم فيه حجج:
الأولى: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "فليراجعها"، والمراجعة حقيقة شرعية في ردّ الزوج لو أوقع عليها طلاقًا رجعيًا إلى عصمة نكاحه في العدة.
الثانية: قوله: "ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ"، ولو كانت طلقته التي طلَّقها في الحيض لاغيةً لما منعه من تطليقها في الطهر الذي يليها.
الثالثة: ما في الصحيحين (1) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة". قال في الفتح (2): "وقد أخرجه أبو نعيم من طريق
__________
(1) البخاري (5253). وأخرجه مسلم (1471/ 11، 12) من طريق أنس بن سيرين بنحوه.
(2) (9/ 352).
(17/678)

عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا وزاد - يعني حين طلَّق امرأته -: فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك". (فتح الباري).
وقال بعد ذلك (1): "النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسِبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تغيَّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟ ".
ثم ذكر الحجة الرابعة: فقال (2): "وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وهي واحدة".
قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
وأخرجه الدارقطني (3) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هي واحدة".
__________
(1) "فتح الباري" (9/ 353).
(2) المصدر نفسه (9/ 353).
(3) في سننه (4/ 9).
(17/679)

وعند الدارقطني (1) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة فقال عمر: يا رسول الله! أفتُحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. (فتح الباري ج 9/ ص 283).
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي: نا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فجعلها واحدة. (سنن البيهقي ج 7/ ص 326).
جواب المانعين:
قالوا: أما احتجاجكم بقوله: "فليراجعها" "فهو غير ناهض؛ لأن الرجعة المقيدة ببعد الطلاق عرفٌ (2) شرعيٌ متأخر، إذ هي لغةً أعم من ذلك" (سبل السلام 2/ 96) (3).
أقول: في هذا الجواب نظر، فقد جاء ذكر مراجعة الرجل زوجته في أحاديث أخر، كما في حديث: "راجعْ حفصةَ فإنَّها صوَّامة قوَّامة" (4)، وحديث: "راجِعْ أمَّ ركانة" (5)، وكثر في كلام الصحابة جدًّا، فيظهر من هذا
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 5، 6).
(2) في الأصل: "عرفي".
(3) "سبل السلام" (3/ 171) طبعة دار الفكر.
(4) قاله جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في "الاستيعاب" (4/ 1810). وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (8/ 84) والحارث بن أبي أسامة كما في "المطالب العالية" (4154) عن قيس بن زيد، وقيس مختلف في صحبته. انظر "فتح الباري" (9/ 286).
(5) أخرجه أبو داود (2196) عن ابن عباس.
(17/680)

أن العرف جرى بذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا قيل: "راجع فلان امرأته" ظهر من ذلك أنه طلَّقها، فأقلُّ ما فيه أنه حقيقة عرفية ثابتة في عهده - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: إذا سلم هذا، فإنما أطلقها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الذي وقع صورة طلاق.
قلت: إنما فزع عمر وابنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبين لهم، وهذا مخالف للبيان.
فإن قيل: قد بيَّن بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" فنبَّه بذلك على أن ما وقع من ابن عمر كان على خلاف ما أمر الله، وهذا يُشعِر بعدم وقوعه، على ما تقدم في الجواب عما احتج به الجمهور من القرآن.
قلت: ليس هذا بالبين.
قالوا: وأما الحجة الثانية فلا يتعين ما قلتم لاحتمال أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالإمساك في ذلك الطهر معاملةً له بنقيض قصده من الاستعجال، وإظهارًا لبطلان تلك الطلقة، ولهذا - والله أعلم - أمره بأن يمس في ذلك الطهر، ولو أذن له بالطلاق فيه فطلق لحصل مقصوده من الاستعجال، ولم يظهر أثر بطلان تلك الطلقة التي طلَّق في الحيض.
[ص 3] وأما الحجة الثالثة: فلم يتبين لنا متى حُسِبَتْ عليه، فقد ثبت في "صحيح مسلم" (1) عنه: "ثم طلَّقتُها لطهرها".
__________
(1) رقم (1471/ 11).
(17/681)

فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن له حين أمره بالمراجعة أن تلك الطلقة محسوبة عليه.
ويحتمل أن يكون فِهمَه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فليراجعها" على ما ذكرتم في الحجتين الأولَيين.
ويحتمل أن يكون بعد أن طلَّقها لطهرها أراد أن يراجعها، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ.
ويحتمل أن يكون تركها حتى انقضت عدتها، [و] أراد أن يتزوجها فسأل، فحُسِبَتْ عليه.
وفي هذا الأخير يحتمل أن يكون في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون الظاهر أنه هو الذي حسبها، ويحتمل أن يكون بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا فيكون الظاهر أن غيره هو الذي حسبها.
وليس هذا كقول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، فإن الظاهر في الأمر أنه من النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأما حساب الطلقة فيكون من القاضي والمفتي.
ويرجح هذا الأخير أن أكثر الروايات عن ابن عمر تدل أن حساب تلك الطلقة عليه كان باجتهادٍ ممن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ففي رواية (1) قال ابن عمر: "فراجعتها وحسبت لها التطليقة".
وفي رواية أنس بن سيرين (2) أنه قال لابن عمر: قلتُ فاعتددتَ بتلك
__________
(1) مسلم (1471/ 4).
(2) المصدر نفسه (1471/ 11).
(17/682)

التطليقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: "ما لي لا أعتدُّ بها؟ وإن كنتُ عجزتُ واستحمقتُ".
وفي رواية يونس بن جبير (1) نحوه.
وفي رواية عبيد الله (2) عن نافع عن ابن عمر، قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صَنَعتْ التطليقةُ؟ قال: "واحدة اعتدَّ بها".
وفي رواية الزهري (3) عن سالم عن عبد الله بن عمر: "وكان عبد الله ابن عمر طلَّقها تطليقةً واحدة فحُسِبَتْ من طلاقها".
هذا، وقد كان القول بعدم الوقوع مشهورًا حينئذٍ على ما قال في "الفتح" وعبارته (4): "قوله: "باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق" كذا بتَّ الحكمَ بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خِلاس بن عمرو وغيرهما، ومن ثمَّ نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك". (فتح الباري ج 9/ ص 281).
فعدم تنصيص ابن عمر ثم ابنه سالم ومولاه نافع بنص صريح مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على حسب تلك الطلقة مع تكرار السؤال واشتهار الخلاف = ظاهرٌ في أنه لم يكن عند ابن عمر نص صريحٌ، وسيأتي ما يؤكد هذا.
__________
(1) المصدر نفسه (1471/ 9).
(2) المصدر نفسه (1471/ 2).
(3) المصدر نفسه (1471/ 4).
(4) "فتح الباري" (9/ 351).
(17/683)

وأما الحجة الرابعة؛ فصنيع الدارقطني في "سننه" (1) يدل أنه يرى أن ذكر الواحدة في حديث ابن أبي ذئب إنما أصله أن ابن عمر طلَّق واحدة، أي: لم يطلق ثلاثًا، فإنه ساق من طريق أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قال: قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض فردها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السنة". ثم قال (2): "هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلَّق امرأته واحدة في الحيض".
ثم ساق (3) رواية عبيد الله عن نافع عن عبد الله: "أنه طلَّق امرأته وهي حائض تطليقة".
ثم قال (4): "وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: "أنه طلَّق امرأته تطليقة واحدة"، وكذلك قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن".
[ص 4] ثم ساق الأحاديث مستدلاًّ على ذلك (5)، فذكر رواية عبيد الله
__________
(1) (4/ 7).
(2) المصدر نفسه (4/ 7).
(3) المصدر نفسه (4/ 7).
(4) المصدر نفسه (4/ 7).
(5) المصدر نفسه (4/ 7 وما بعدها).
(17/684)

عن نافع، ثم رواية يونس بن جبير عن ابن عمر، ثم رواية إسماعيل بن أمية عن نافع، ثم رواية صالح عن نافع، وفي طريق منها: "نا نافع أن ابن عمر إنما طلَّق امرأته تلك واحدة" (1).
وعقبه من طريق يزيد بن هارون أنا محمَّد بن إسحاق وابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أنه طلَّق امرأته في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكر نحوه. وقال ابن أبي ذئب في حديثه: هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (2).
ثم ذكر رواية موسى بن عقبة عن نافع، ثم رواية جابر عن نافع (3).
فيظهر مما ذكرناه أن الذي فهم الدارقطني من ذكر الواحدة في رواية ابن أبي ذئب: أن المقصود منها أن ابن عمر إنما طلَّق واحدة لا ثلاثًا، وهذا هو الموافق لرواية الجماعة عن نافع.
وأما رواية البيهقي من طريق الطيالسي فهي لعمر الله ظاهرة فيما ذهبتم إليه، ولم نجد هذا الحديث في مسند الطيالسي، والطيالسي إمام حافظ ولكنه كثير الخطأ (4).
قال أبو مسعود: "يخطئ"، وأقره أحمد على هذا القول.
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 9).
(2) المصدر نفسه (4/ 9).
(3) المصدر نفسه (4/ 10).
(4) انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (4/ 183 - 185). وفيه أقوال النقاد المذكورة.
(17/685)

وقال ابن عدي: "يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من حفظه".
وقال ابن سعد: "ربما غلط".
وقال أبو حاتم: "كان كثير الخطأ".
أقول: ومن قارن الأحاديث التي في مسنده بنظائرها مما يرويه غيره، وجد اختلافًا كثيرًا في المتون، وكأنه كان يروي بالمعنى، فاختصر حديث ابن أبي ذئب، وبنى على ما فهمه فقال: "فجعلها واحدة". والله أعلم.
نعم، قال (1) بعد ذلك: "نا أبو بكر نا عياش بن محمَّد نا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "هي واحدة".
كذا وقع في النسخة "عياش"، وأحسبه "عباس" وهو الدوري، فإن كان هو فكلهم ثقات، ولكن ابن جريج مشهور بالتدليس، ومع هذا فقد أعرض الدارقطني عن ظاهر هذه الرواية وألحقها برواية الجماعة عن نافع - كما تقدم - أي أن ذكر الواحدة في الحديث إنما هو في أن ابن عمر طلَّق واحدة.
وأما حديث الدارقطني من طريق شعبة عن أنس بن سيرين الذي قال الحافظ (2): "ورجاله إلى شعبة ثقات"، فقال الدارقطني (3): "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا عبد الملك بن محمَّد أبو قلابة نا بشر بن عمر نا شعبة" فذكره.
__________
(1) أي الدارقطني في "سننه" (4/ 10).
(2) في "الفتح" (9/ 353).
(3) في "السنن" (4/ 5).
(17/686)

فأما الدقاق، ويقال له: السماك وابن السماك، فثقة، وغمزه الذهبي في الميزان (1) بما لا يجرحه.
وأما أبو قلابة فثقة، ولكن قال الدارقطني نفسه (2): صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه، فكثرت الأوهام في روايته.
وقال الحاكم عن الدارقطني: لا يحتج بما ينفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء، ما منها حديث مسلَّم إما في الإسناد، وإما في المتن، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه".
وقال ابن خزيمة: حدثنا أبو قلابة القاضي أبو بكر (3) بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد.
أقول: والدقاق بغدادي، وكانت وفاة أبي قلابة سنة (276)، ووفاة الدقاق سنة (344)، أي بعد وفاة أبي قلابة بثمانٍ وستين سنة، فيظهر من هذا أنه إنما سمع من أبي قلابة بأخرة.
ثم رأيت السخاوي في "فتح المغيث" (4) قد صرح بذلك، فقال عند قول العراقي في فصل معرفة من اختلط من الثقات: "وكالرقاشي أبي قلابة": "وممن سمع منه أخيرًا ببغداد: أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك، وأبو بكر
__________
(1) (3/ 31).
(2) كما في "تهذيب التهذيب" (6/ 420). وفيه بقية الأقوال المذكورة هنا.
(3) كذا في "التهذيب" بزيادة "أبو بكر"، ولا وجود لها في "تاريخ بغداد" (10/ 426).
(4) (4/ 378) طبعة الهند.
(17/687)

محمَّد بن عبد الله الشافعي، وغيرهما، فعلى قول ابن خزيمة سماعهم منه بعد الاختلاط" (فتح المغيث ص 489).
وحديث شعبة عن أنس بن سيرين في الصحيحين (1) وغيرهما من طرق كثيرة، والذي فيه أن أنس بن سيرين هو الذي سأل ابن عمر فأجابه، فوهم أبو قلابة على بشر عن شعبة في قوله: إن السائل هو عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، الله أعلم.
وقد ذكر الدارقطني (2) حديثًا آخر يشبه هذا قال: "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا الحسن بن سلام نا محمَّد بن سابق نا شيبان عن فراس عن الشعبي قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التي طلَّق أول مرة".
وأخرجه البيهقي (3) من طريق ابن أبي خيثمة قال: "ثنا محمَّد بن سابق أبو جعفر إملاءً من كتابه" فذكره. (سنن البيهقي ج 7/ ص 326).
أقول: ابن سابق وشيبان وفراس كلهم من رجال الصحيحين، لكن في مقدمة "فتح الباري" (4) في ترجمة ابن سابق: "وثقه العجلي، وقواه أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط، وقال
__________
(1) البخاري (5252) ومسلم (1471/ 12).
(2) (4/ 11).
(3) (7/ 326).
(4) (ص 439).
(17/688)

النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف.
قلت: ليس له في البخاري إلا حديث واحد ... وقد تابعه عليه عنده عبيد الله بن موسى".
وفي شيبان وفراس كلام يسير غير قادح، إلا أن الحديث مرسل، فإن الشعبي تابعي لم يدرك القصة.
وهذا يشبه ما رواه عطاء عن ابن الحنفية (1): أن عمارًا مرَّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .. إلخ. وقد حكم عليه يعقوب بن شيبة بالإرسال.
ونحوه ما رواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق (2): أن طلقًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال البيهقي (3): منقطع لأن قيسًا لم يشهد سؤال طلَّق.
وهكذا قول ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله (4): أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي. وقد نص ابن خزيمة على انقطاعه.
ولهذا قال الإِمام أحمد: إن "عن عروة أن عائشة" قالت: يا رسول الله، و"عن عروة عن عائشة" ليسا سواء. (انظر فتح المغيث ص 68 - 69) (5).
...
__________
(1) أخرجه النسائي (3/ 6).
(2) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 135) و"المعرفة" (1/ 411).
(3) "معرفة السنن والآثار" (1/ 411).
(4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (3/ 294).
(5) "فتح المغيث" (1/ 196 - 198) طبعة الهند.
(17/689)

له الحمد (1):
هذه القضية قد عُرِضتْ علي قبل مدة، وأجبت بما ظهر لي، وذكرت [قول] أصحابنا الشافعية: أن الزوجين إذا ادّعيا بعد الطلاق الثلاث أن النكاح الأول كان بشهادة فسَّاق، وغرضهما أن يثبت بطلانه في مذهب الشافعي، لكي يعقدا عقدًا جديدًا بدون تحليل، لم يسمع القاضي الشافعي دعواهما, ولم يقبل منهما بينة. ولم يظهر لي بعدُ ما يخالفه، وأرى أن التسهيل من هذا الوجه مخالفٌ لمقاصد الشريعة، ومفتاح فساد لتخريب حدودها، فإن كان الزوجان يريدان الترخص، فأقرب الطرق وأشبهها بالحق: تقليد من يقول من أهل العلم: إن الطلقات التي لم تتخللها رجعة إنما تحسب طلقة واحدة.
القاضي أبو القاسم الداودي:
إن الوداد لدى أناسٍ خدعة ... كوميضِ برقٍ في جَهامِ غَمامِ
فهو المقال الفرد عند القوم كال ... إيمانِ عند محمدِ بن كِرَام
(الإعجاز والإيجاز ص 266).
__________
(1) كذا في آخر الكتاب في صفحة مستقلة, وألحقناه بالكتاب لأنه في موضوعه.
(17/690)

الرسالة العشرون
رسالة في المواريث
(17/691)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمَّد وآله وصحبه.

فصل فيما كان عليه التوريث في الجاهلية، وكيف أبطل الله تعالى ما فيه من الجور
كنتُ أريد أن أُثبِتَ في هذا الفصل ما وقفتُ عليه من الآثار في هذا المعنى، ولكن رأيتُ ذلك يطول، مع ما يستدعي منّي من التصحيح والترجيح والتأويل والتعويل، فاكتفيتُ بالإجمال عن التفصيل.
قد تضافرت الآثارُ أن أهل الجاهلية لم يكونوا يُورِّثون النساء والضعفةَ، وفي "صحيح البخاري" (1) وغيره عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، والوصية للوالدين والأقربين ... ".
قوله: "كان المال للولد" أي في الجملة، فإنما كان للذكور الكبار منهم، كما تدلُّ عليه سائر الآثار, وسيأتي بعضها. فمن تأمل الآثار ومناسبة الآيات تبيَّن له أن ترتيبها على ما يأتي:
1 - آية الوصية.
2 - آية الوصية للزوجة.
__________
(1) رقم (2747، 4578). وأخرجه أيضًا الطبري (6/ 459) وابن المنذر (1433) وابن أبي حاتم (3/ 880) في تفاسيرهم، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 226).
(17/693)

3 - {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ...} الآيات.
4 - {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176].
5 - {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ...} [النساء: 33].
6 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ... وَأُولُو الْأَرْحَامِ} [الأنفال: 72 - 75].
7 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ...}.
فلنبدأ بتفسير الآيات على هذا الترتيب، ثم نقتصُّ أثر الجَيْراجي على حسب ترتيبه.
****
(17/694)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ونبيه وخليله محمَّد وآله وصحبه، آمين.
قال الله تبارك وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].
قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا}، فُسِّر الخير بالمال، وفُسِّر بالمال الكثير.
أخرج جماعة (1) عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولىً له في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال: ألا أُوِصي؟ قال: لا، إنما قال الله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا}، وليس لك كثيرُ مالٍ، فدَعْ مالك لورثتك.
وأخرج ابن أبي شيبة (2) أن رجلاً قال لعائشة رضي الله عنها: أريدُ أن أوصي، قالت: كم مالُك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالُك؟ قال: أربعة،
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنَّف" (16351) وسعيد بن منصور (251 - تفسير) وابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 208) والطبري في "تفسيره" (3/ 136، 137) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 298) والحاكم في "المستدرك" (2/ 273، 274) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 270)، وصححه الحاكم (1/ 298)، فتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع.
(2) في "المصنف" (11/ 208). وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" (248 - تفسير) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 270). وإسناده صحيح.
(17/695)

قالت: قال الله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا}، وهذا شيء يسيرٌ، فاتركْه لعيالك فهو أفضل.
............................ كانوا رضي الله عنهم يرون أن آية الوصية كُتِب فيها الوصية من المال الكثير للوالدين وعامة الأقربين، وآية الميراث نسختْها بالنسبة للوالدين وبعض الأقربين فبقي بقية الأقربين داخلين في آية الوصية.
وعندي أنها منسوخة بالنسبة لبقية الأقربين أيضًا، وأُقيمَ مقامَ ذلك قولُه تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى ...} [النساء: 8] كما يأتي إن شاء الله تعالى.
{الْوَصِيَّةُ}
هي الاسم من أوصى يوصي، وأصلها: أمْرُك من أنت غائبٌ عنه أو ستغيب بأمرٍ يفعله في الغَيبة، ويقال: أوصيتُ زيدًا بالصدقة، كما يقال: أمرتُه بها. ويقال: أوصيتُ لزيدٍ بمالٍ، كما يقال: أمرتُ له بمالٍ.
{لِلْوَالِدَيْنِ}
اللام في قوله: {لِلْوَالِدَيْنِ} تحتمل معنيين:
وذلك أنه مما تقرر في العربية أن الفعل الذي يتعدى بنفسه يجوز في مصدرِه واسم مصدره ونحوِهما التعديةُ باللام دائمًا، وبنفسه بشرطه. قال ابن مالك في "الخلاصة" (1):
__________
(1) "الألفية" بشرح ابن عقيل (3/ 93).
(17/696)

بفعلِه المصدرَ أَلحِقْ في العملْ ... مضافًا أو مجرّدًا أو معَ الْ
إن كان فعلٌ مع أنْ أو ما يَحُلّ ... محلَّهُ ولاسْمِ مصدرٍ عَمَلْ
قال الشارح (1): "وإعمالُ المضاف أكثرُ من إعمال المنوَّن، وإعمالُ المنوَّن أكثر من إعمال المحلَّى بألْ".
واتفقوا على أنه إذا لم يُعَدَّ بنفسه يُعدَّى باللام.
ولفظ "وصية" اسم مصدرٍ من أوصى، فيجوز تعديته إلى المفعول باللام، فإذا كان محلَّى بألْ فالغالب أو الواجب أن لا يُعدَّى بنفسه، بل يُعدَّى باللام.
يقول: على كل مسلم الوصيةُ للمسلمين بالتقوى، وعلى هذا فمعنى الآية: كُتِب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيرًا أن يوصيَ الوالدين والأقربين بالمعروف.
والمقصود أن يُوصي المحتضر والدَيهِ وأقاربَه بأن يبذلوا المعروفَ من ترِكتِه من صدقةٍ ونحوها، فتكون هذه الآية مشابهةً لقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8].
وهذا المعنى مستقيم كما تراه، إلاَّ أنه مخالف لحديث البخاري وغيره عن ابن عباس (2)، كما يأتي مع ما سيأتي من أدلة النسخ، فمَن لم يُسلِّم أدلة
__________
(1) هو ابن عقيل، انظر شرحه (3/ 94).
(2) سبق تخريجه (ص 693).
(17/697)

النسخِ فلا محيصَ له عن تسليم احتمال الآية لهذا المعنى، والله الموفق.
فهذا أحد المعنيين اللذين يحتملهما اللام.
المعنى الثاني - وهو المشهور -: أن اللام هي التي في نحو أوصيتُ لزيدٍ بمالٍ، فمعنى الآية عليه: كُتِب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن تركَ خيرًا أن يوصي للوالدين .... ، وعلى هذا المعنى نبني البحث بعون الله تعالى.
(للوالدين)
هو مثنَّى والدٍ ووالدة، و"والدة" اسم فاعل من ولَدتْ تَلِدُ ولادةً: إذا وضعت حملَها، فهي والدةٌ - اسم فاعل - ووالدٌ أيضًا، حكاه ثعلب (1). تُرِك التاء لأمْنِ اللَّبْس، كما قالوه في حامل وحائض وطالق. فأما الذكر فإنه طبعًا لا يلد؛ إذ لا يكون منه في التسبُّب للولد ما يَصدُق عليه ولادة على الحقيقة، وإنما يُقال: وُلِدَ له. قال الله تبارك وتعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233].
وقد جاء نسبة الولادة إلى غير الأنثى، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد: 3]، وهو مجازٌ مرسل علاقتُه السببية، كما يقال: بني الأمير المدينةَ، أي أمر ببنائها.
ثمّ جرَّدوا لفظ "والدة" عن الوصفية، فأطلقوه على الأم مع عدم ملاحظة الوصفية، يقال: هذه والدتي، بمعنى أمي لا بمعنى التي ولدتْني. ويُبيِّن لك
__________
(1) كما في "تاج العروس" (ولد).
(17/698)

الفرقَ تصوُّرُ الولادة عند قولك: "التي ولدتْني" حتمًا، بخلاف الحال عند قولك: "أمي".
وبهذا الاعتبار أُطلِق على الأب "والد" ثم ثَنَّوهما فقالوا: "والدانِ" تغليبًا. ومَن زعم أنه لا تغليبَ لحكاية ثعلب المتقدمة فقد غفلَ؛ لأن "والد" في حكاية ثعلب وصفٌ لا اسمٌ، والوالدان اسمٌ لا وصف. وأيضًا التثنية واردة في الكلام بكثرةٍ، وحكاية ثعلب نادرة.
بقي أنه قد يقال للجدّ وإن علا: "والد", وللجدة وإن علَتْ: "والدة"، والجيراجي (1) يزعم أنه حقيقة، والحق أنه مجاز بدليل العلامات التي ذكرها أهل العلم للتفرقة بين الحقيقة والمجاز. وسيأتي ما يتعلق بهذا في بحث الأولاد إن شاء الله تعالى.
{وَالْأَقْرَبِينَ}

فصل في معنى "الأقربين" في المواضع كلِّها
الأقربون يحتمل أن يُفسَّر على ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول: الأشخاص الذين كلُّ واحدٍ منهم أقربُ من سائر الناس مطلقًا، فلا يصدُق على ابن الابن والجدّ؛ لأن الابن أقرب منهما، وإنما يصدُق على الأبوين والبنين.
المعنى الثاني: الذين كلُّ واحدٍ منهم أقرب من سائر الأحياء عند الموت.
__________
(1) في كتابه "الوراثة في الإِسلام" (ص 36).
(17/699)

المعنى الثالث: الأشخاص الذين هم من حيث المجموع أقربُ من غيرهم، وإن كان بعضهم أقربَ من بعض، أو قُل: الذين كلُّ فردٍ منهم أقربُ ممن ليس من الأقارب.
وأرجح هذه المعاني: الثالث؛ لأنه هو المتبادر، فإنك إذا قلتَ: هؤلاء أقاربُ زيدٍ، لم يُفهَم منه إلا المعنى الثالث. والأقارب والأقربون واحدٌ، بل لا نعلم لفظ "الأقربين" جاء لغير المعنى الثالث. وهاك إثبات مجيئه بالمعنى الثالث.
1 - اقتصر عليه أهلُ اللغة، قالوا - والعبارة "للقاموس" (1) -: "وأقرباؤك وأقاربك وأقربوك: عشيِرتك الأدنَونَ". وقال في العشيرة (2): "وعشيرة الرجل: بَنُو أبيه الأدنَونَ أو القبيلة". وكذا في "اللسان" (3) إلاَّ أنه قال: "وقيل: القبيلة".
وفي "شرح القاموس" (4) في "شعب": أن ترتيب بيوت العرب: شَعْب، فقبيلة، فعمارة، فبطن، ففخذ، ففصيلة". ونقل عن بعضهم أن الفصيلة هي العشيرة، وعن آخر أن العشيرة دون الفصيلة. وعلى كلِّ حالٍ فلا أقلّ من العشيرة، وهذا هو الصواب.
وأما قولهم: "وقيل: هي القبيلة"، فكأن قائله - والله أعلم - أخذه من
__________
(1) (1/ 114) ط. بولاق.
(2) (2/ 90).
(3) (6/ 250) ط. بولاق.
(4) "تاج العروس" (3/ 134) ط. الكويت.
(17/700)

قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، مع ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند نزولها أنذرَ قريشًا أجمعَ (1). وهذا يحتمل التأويل، قال الحافظ في "الفتح" (2): يحتمل أن يكون أولاً خَصَّ اتباعًا لظاهر القرآن، ثم عمَّ لما عنده من الدليل على التعميم، لكونه أُرسِل إلى الناس كافَّةً.
أقول: وعلى هذا فالوصف في الآية كاشفٌ فقط، بل ليس بوصفٍ، وإنما هو بدلالة الأقربين قد تجرَّد عن الوصفية، وغلب في استعمالِه استقلالُه. ويؤيد هذا أنه لو كان وصفًا لطابق لفظ "العشيرة"، بأن يقال: "القُربَى" مثلاً.
ومما يؤيَّد أن العشيرة اسم لأقلِّ العقود في النسب قولُه تعالى في التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ...} الآية [24]، وقوله عزَّ وجلَّ في سورة المجادلة: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} الآية [22].
ويؤيده أيضًا أن اشتقاقه من العَشرة، وهي أول عَقدٍ في العدد. هكذا ينبغي توجيه الاشتقاق، فالعشيرة أولُ عقدٍ في النسب، وكذلك الأقربون.
وقد أوضح الإِمام الشافعي معنى هذا في "الأم" في باب الوصية للقرابة (ج 4 ص 38) (3)، فمثَّل بنسبِ نفسه، فذكر أولاً بني عبد مناف، ثم
__________
(1) أخرجه البخاري (2753، 3527، 4771) ومسلم (204، 206) عن أبي هريرة.
(2) (5/ 382، 383). وفيه: "اتباعًا بظاهر القرابة" وهو تصحيف.
(3) (5/ 239) ط. دار الوفاء.
(17/701)

ذكر أنهم تفرقوا، ومن جملة الفِرق بنو المطلب، ثم أخذ يُسلْسِلُهم إلى أن بلغ ببني السائب بن يزيد، فذكر أنهم تفرقوا إلى: بني شافع وبني علي وبني عباس، ثم قال: "فإذا كان من آلِ شافعٍ فقال: لقرابته (1)، فهو لآلِ شافعٍ دونَ آل علي وآل عباس، وذلك أن هؤلاء يتميزون ظاهرَ التمييز من البطن الآخر، يعرف ذلك منهم إذا قصدوا آباءهم دونَ الشعوب والقبائل في آبائهم، وفي تناصرهم وتناكحهم".
فالحاصل أن الأقرباءَ والأقارب هم أدنى فصيلةٍ للرجل يختصون باسم، ولا عبرة بعدد الآباء. ففي مثال الشافعي لم يكن بنو السائب أقاربَه, لأنهم قد تفرعوا فروعًا اختصَّ كلُّ منهم باسم ...................................... ..............................................
بخذلانهم في واقعة شعب ....... بل كان أقاربه - صلى الله عليه وسلم - بني هاشم؛ لأنهم ............ بني المطلب لمكان الموالاة، [كما] في "صحيح البخاري" (2) عن جبير بن مطعم.
وأقول: كان بنو عبد منافٍ شَعبًا واحدًا، فتفرعوا، فلما جاء الإِسلام وخذل ... عبد مناف بني هاشم وبني المطلب، لم يكن بُدٌّ من التميز .... ، والله أعلم.
2 - في "الصحيحين" (3) عن أنس في قصة أبي طلحة في تصدُّقِه ببَيْرُحَاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " ... وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". قال
__________
(1) أي إذا أوصى بماله فقال: "هو لقرابتي".
(2) رقم (3140، 3502، 4229) بلفظ: "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد".
(3) البخاري (1461) ومسلم (998).
(17/702)

أنس: فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمَها أبو طلحة في أقاربِه وبني عمّه".
وفي أكثر الروايات أنه جعلها لحسان بن ثابت وأُبي بن كعب، وحسَّان أقربُ إليه. وفي رواية للبخاري (1): "فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه، وكان منهم حسَّان وأُبي بن كعب". وجاء من وجهٍ ضعيفٍ (2) زيادةُ أوس بن ثابت أخي حسان، أو ابنه شدّاد بن أوس ونبيط بن جابر، وهؤلاء الأربعة يجمعهم مع أبي طلحة مالك بن النجّار، وبعضهم أقرب إلى أبي طلحة من بعضٍ.
والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجواب من قول الله عزَّ وجلَّ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ...}. وكان والدا أبي طلحة قد توفيا، وبنو مالك بن النَّجار هم أقربُ فصيلةٍ لأبي طلحة.
3 - وفي "الصحيحين" (3) عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فِهر! يا بني عدي! ... " لبطون قريش.
ونحوه في "الصحيحين" (4) أيضًا عن أبي هريرة، وذكر فيه: "يا معشر قريش! يا بني عبد مناف! يا بني عباس بن عبد المطلب! يا صفية عمة
__________
(1) رقم (2758).
(2) ذكره محمَّد بن الحسن بن زبالة في كتاب المدينة كما في "الفتح" (5/ 381).
(3) البخاري (4801، 4971) ومسلم (208).
(4) البخاري (2753، 3527، 4771) ومسلم (204، 206).
(17/703)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! يا فاطمة بنت محمَّد! ". وقد قدمنا توجيهه في الكلام على العشيرة.
ثم إن المعنى الأول لا يصح في آية الوصية؛ لحديث البخاري (1) وغيره عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، والوصية للوالدين والأقربين". وسيأتي إن شاء الله تعالى أن حُكمه الرفع. وهو صريح في أن الولد لم يدخلوا في الأقربين، فلم يبقَ إلا الوالدان، وقد ذُكِرا نصًّا، فلا تبقى فائدة لذكر الأقربين، بل يكون في معنى عطف الشيء على نفسه.
وكذا لا يأتي في قوله عزَّ وجلَّ: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] على تفسير {أَنْفُسِكُمْ} بأولادكم، ويشهد له ظاهر لفظ {شُهَدَاءَ} وأن الاعتراف قد تضمنه قوله: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}.
وكذا لا يأتي في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215]، فإنهم إنما سألوا عن النفقة التي هي من قبيل الصدقة، ونفقتهم على أولادهم داخلة في نفقتهم على أنفسهم، وإذا كبر الأولاد فالغالب أن يكونوا مستولين على أموال آبائهم، أو يكون الوالدان قد شاخا وعجزا والأولاد أغنياء أو أقوياء، فيكون الوالدان هما المحتاجين إلى أولادهما.
__________
(1) رقم (2747، 4578).
(17/704)

على أن حديث أنس السابق هو في معنى تفسيرٍ لهذه الآية، وقد علمتَ أنه لا يأتي إلا على المعنى الثالث.
والمعنى الثاني - مع ما فيه من التقييد المخالف للظاهر، وكون الأدلة التي ذكرناها في ترجيح المعنى الثالث تردُّه - يلزم عليه مخالفةُ آيات المواريث لآية الوصية في المستحقين. وبيانه: أن الأقربين في آية الوصية وارثون، وفي آيات الميراث موروثون، فمعنى آية الوصية على المعنى الثاني: أن يوصي المحتضر للوالدين والأشخاص الذين هم أقربُ إليه عند الاحتضار. فيخرج ابن الابن إذا كان هناك ابن آخر أو بنت أو أب، فلا يكون ابن الابن علي هذا مستحقًّا. ومعنى آية الميراث: للرجال نصيبٌ يَرِثُه كلٌّ منهم مما ترك والداه أو شخص أقربُ إليه ممن ترك بعده، فيدخل الجدّ في المثال المتقدّم، فيكون ابن الابن في ذلك المثال مستحقًّا. وكذلك يخرج من آية الوصية ابنُ الأخ إذا كان لعمّه المحتضر أولاد؛ لأنه ليس بأقرب إلى عمّه المحتضر، ولكنه يدخل في آيات الميراث، لأن المتوفى أقرب إليه ممن ترك بعده إذا كان ابن الأخ منقطعًا. وهناك صورٌ أخرى لا نُطيل بذكرها.
وهذا كافٍ في إبطال المعنى الثاني في آيات الوصية والميراث, لأن آية الوصية كانت قائمة مقامَ بعض التوريث عندنا، وقائمة مقام التوريث أبدًا عند الجيراجي، فيجب عدمُ مخالفتها لآيات المواريث في تعيين المستحقين.
ويحتمل أن يُورَد على المعنى الثالث أمورٌ:
منها: أن الظاهر أنه بمعنى "ذوي القربي"، لم يقصد التفضيل فيه مع أن الصيغة صيغة التفضيل.
(17/705)

ومنها: أن المعروف في المواريث أنه لو انقرضَ آلُ شافع في مثال الشافعي إلا واحدًا فمات، وعرف عصبة من الفريقين الآخرين آل علي وآل عباس، دُفِع ميراثه إليه، مع أن الآية خصَّت الأقربين.
ومنها: أنه يكون ظاهر العموم استحقاق كلِّ واحدٍ منهم ولو اجتمعوا، وهو غير مرادٍ قطعًا.
والجواب عن الأمر الأول: أنهم وإن لم يكن كل واحد منهم أقرب مطلقًا فالمجموع أقربون. بل نقول: إن كل واحدٍ أقرب أي ممن لم يدخل في المجموع، كما إذا قلنا: إن أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - هم بنو هاشم، فإننا نقول: أبو سفيان بن الحارث أقرب من أبي سفيان بن حرب.
ومع هذا فقد ثبت ورود "الأقربين" بالمعنى الثالث كما قدَّمناه، وورد نظيره في احتمال ورود هذا الاعتراض عليه، كقولهم في تفسير "العشيرة": بنو أبيه الأدنَون بصيغة التفضيل.
وعن الأمر الثاني: بأن الآية خرجت مخرجَ الغالب، والغالب أن العشيرة لا ينقرض كلُّها.
ومع هذا فالآيات لم تنزل للتحديد المفصّل، وإنما نزلت في مقاماتٍ لا يضرُّ في مثلها الإجمال. أما في آية الوصية فلأنها كانت موكولةً إلى نظر الموصي يجتهد رأيه، وقد علم الله عزَّ وجلَّ أنها ليست حكمًا دائمًا، وإنما هي تدريج اقتضته الحكمة، فاغتُفِر ما يقع فيه من الجنف والإثم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما في آيات المواريث فلأن قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33]، وقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
(17/706)

وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] هو مجمل على كل حال؛ لأن النصيب مجهول يحتاج إلى بيان، وبيان النصيب لا بدّ أن يصحبه بيان المستحقين.
وعن الأمر الثالث: بأن تخصيص العمومات غير مستنكر، وقد قيل: ما من عامّ إلاّ وقد خُصِّص. وهذا اللفظ - أعني "الأقربين" - لا بدّ من تخصيصه على كل حال، حتى لو حُمِل على أحد المعنيين الأولين، وذلك في الكافر والقاتل.
وعلى المعنى الثاني لا بدّ من التخصيص؛ لأنه يدخل في آيات المواريث ابنُ الأخ المنقطع وإن كان لعمّه المتوفى أولاد، وكذا يدخل الأخ للأم مع وجود الأولاد والأب، ويخرج العمّ الذي له ولد ولو لم يكن هناك وارثٌ غيره, لأن ولده أقرب إليه من الميت، وغير ذلك.
وقال الجيراجي (ص 25): "والمراد بالأقرب أن لا تكون واسطة بينه وبين المورث، إما مطلقًا، أو كانت لكن انتفت قبل وفاة المورث".
فإن أراد أن هذا معنى مستقل للأقربين فممنوع، وإن أراد المعنى الثاني بعد إخراج بعض الصور بالتخصيص ففيه ما تقدم. على أنه قال في (ص 11): "لأن قرابة بني الأعيان إلى المورث من جهتي الأب والأم معًا، فهم أقربون إليه من بني العلاّت".
الظاهر أنه يريد الاستدلال بالقرآن على حَجْبِهم، فكان الصواب أن يقول: لأنه أقرب إليهم منه إلى بني العلات. وعلى كل حالٍ فهذا معنى آخر غير الذي قدَّمه، فإن هذا مبني على أن الأفضلية .... القرابة، وما تقدم مبني على الأفضلية في قرب القرابة، وهما معنيان متنافيان، فإن تلخيص الأول
(17/707)

كون الميت أقرب إلى الشخص ممن ترك بعده، وبعد التخصيص أن لا يكون بينهما واسطة الشخص ممن ترك بعده، وبعد التخصيص أن لا يكون بينهما واسطة حية، وتلخيص الثاني كون الميت أقربَ إلى الشخص منه إلى غيره. وبَنى على الأول توريثَ ابنِ الابن مع ابنٍ آخر، وعلى الثاني حَجْبَ الإخوة لأمًّ بالأشقّاء والإخوة لأب، وحَجْبَ الإخوة لأبٍ بالأشقّاء.
وأنتَ إذا تأملتَ وجدتَ صنيعَه متناقضًا، فإن الميت وإن كان أقربَ إلى ابنِ ابنِه من سائر الناس، فإنه - أعني الميت - أقربُ إلى ابنه منه إلى ابن ابنه. والميت وإن كان أقرب إلى شقيقه منه إلى أخيه لأبيه، فهو أقرب إلى أخيه لأبيه من سائر الناس.
الحاصل أن الميت وإن كان أقربَ إلى ابنِ ابنهِ بالمعنى الأول، فليس بأقربَ إليه بالمعنى الثاني، وهو وإن لم يكن اْقربَ إلى أخيه لأبيه بالمعنى الثاني، فهو أقرب إليه بالمعنى الأول. فتوريثُ الجيراجي ابنَ الابن مع ابنٍ آخر - مع إسقاطه الأخَ لأمًّ بالشقيقِ أو الأخ لأبٍ، وإسقاطه الأخَ لأبٍ بالشقيقِ - متناقضان، واحتجاجه بالآية في الموضعين تهافُتٌ كما تراه. وعلى كلِّ حال فكلا المعنيين مردود لما قدَّمنا.
واعلم أن الأقربين بالمعنى الثالث لا يدخل فيهم الوالدان ولا الأولاد، بدليل أنك إذا قلتَ: هؤلاء أقاربُ زيدٍ تبادر إلى الذهن أنه ليس له فيهم ولد ولا والد. ووجهُ ذلك - والله أعلم - شدّةُ قرب الولد والوالد، حتى كأنهما مع الشخص شيء واحد، كما يتحصل مما مثَّل به الصحابة رضي الله عنهم في مسألة الجد والإخوة.
(17/708)

وما استدلّ به على دخولهم من حديث "الصحيحين" (1) في إنذاره - صلى الله عليه وسلم - ابنتَه عليها السلام مع مَن أنذر عند نزول قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} مدفوعٌ بمثلِ ما تقدم في الجواب عن إنذاره سائرَ بطونِ قريش.
ولا ضرر في عدم دخول الوالدين والأولاد في لفظ الأقربين في آية الوصية وآيات الميراث، فإن الوالدين قد ذُكِرا نصًّا في أربعة المواضع، والأولاد في آية الوصية غير مرادٍ دخولهم، لحديث البخاري وغيره عن ابن عباس الآتي إن شاء الله تعالى، وفي آيات الميراث تُرِك ذِكرُهم لأنهم مورثون، وإثباتُ ميراث الرجال والنساء من الأقربين يُفهم منه إرثُهم من أولادهم من باب أولى.
وفي هذا نكتة حسنة، وهي أن ما يأخذه أحد الأبوين من مالِ ولده كأنه ليس بميراث استحقَّ بالموت، بل هو حقّ ثابت على كل حال، من باب "أنت ومالُك لأبيك" (2)، فيكون في هذا الحثُّ على البرَّ بالأبوين.
بل لا يدخل فيه أحدٌ من الأصول والفروع بدليل التبادر أيضًا، وإعطاءُ أولادِ فاطمة عليها السلام من سهم ذوي القربى إنما هو لكونهم أبناءَ ابن عمِّه عليه الصلاة والسلام، ولهذا لا يُسهَم لأبناء الهاشمية من غير هاشمي من خُمُس ذوي القربى.
بل قيل: إنه لا تدخل فيه النساء، وليس في المواضع الأربعة ما يدلُّ على دخولهنَّ.
__________
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) أخرجه أبو داود (3530) وابن ماجه (2292) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن. وفي الباب عن غيره من الصحابة.
(17/709)

أما آية الوصية فيحتمل - بل هو الظاهر - أنها نزلت قبل أن يفرض الله عزَّ وجلَّ للنساء نصيبًا، فهي مُقِرَّةٌ لعادتهم من حِرمانِ الإناث، غايتُها أنها أثبتت للأم لمزيد استحقاقها.
وأما آيات المواريث فلأن لفظ الأقربين فيها مورثون، فالمعنى أن المرأة ترث من أمها ومن ذوي قرابتها, ولكنا نقول: لا مانعَ من أن تدخل فيه النساء تبعًا، كما يدخلن في "قوم".
ولا يدخل فيه أقارب الأم, لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُسهِم لأقاربِ أمَّه من سهم ذوي القربى.
رجعنا إلى تفسير آية الوصية:
قَالَ تَعَالَى: {وَالْأَقْرَبِينَ} قد علمتَ مما بسطناه في فصل الأقربين أن الراجح بل المتعين في تفسيره أن المراد به هنا مَن له قرابة بالمحتضر، بأن يكون من أدنى فصيلةٍ له تختصُّ باسم. وقدَّمنا أنه لا يدخل فيه أحدٌ من الأصول والفروع ولا أقارب الأم، وأيَّدنا عدم دخول الولد في آية الوصية بحديث البخاري وغيره عن ابن عباس، وسيأتي موضَّحًا في النسخ إن شاء الله تعالى.
ومع هذا فالظاهر بل المتيقن أن الوصية للأولاد وإن لم تَشمَلْها الآية كانت جائزةً أولَ الإِسلام، وكان للرجل أن يُوصيَ لأولادِه ويُفضَّلَ بعضَهم على بعض، وإنما الفرق أنه لم يكن لوالديه ولقريبه شيء إلاّ إن أوصى، وكان الأولاد يأخذونه وإن لم يُوصِ. والله أعلم.
(17/710)

{بِالْمَعْرُوفِ}
هو ما يعرفه العقلاء ولا ينكرونه، يريد ما يقتضيه العدلُ والحكمة.
{حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}
ظاهر.
قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} أي الإيصاء {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} عَلِمَه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي إثم تبديله {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فهو يسمع ما يقال فيما يتعلق بالوصية وتنفيذها أو تبديلها، ويعلم ما يُفعَل في ذلك، فيُجازي كلاًّ بما يستحقُّ.
{فَمَنْ} أي إنسان {خَافَ} عَرف، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35]، {مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} أي ميلاً إلى مَن لا يستحق أصلاً أو لا يستحقّ الزيادة، ظنًّا من الموصي أنه مستحقّ، {أَوْ إِثْمًا} بإيصائه لمن لا يستحق أصلاً، أو زيادته مَن لا يستحق الزيادة، مع علم الموصي بعدم الاستحقاق، وإنما يُؤثِره محبةً له أو بُغضًا لغيره، {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} إما في حياة الموصي ليحمله على تغيير الوصية، أو بعد وفاته ليُسقِطَ بعضهم سَهْمَه أو بعضَه عن طِيب نفسٍ، كما هو مقتضى الصلح، {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}، وإن كان إطلاق قوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} يتناوله ظاهرًا؛ لأن المراد هناك: مَن بدَّله بمجرد الهوى أو بدون رضا الموصي أو الموصَى لهم، وهذا ليس كذلك. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر للمذنب ويرحمه، فضلاً عمن لم يُذنب، والله أعلم.
(17/711)

قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} أي يقاربون الوفاة، {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} فلْيُوصُوا، أو فعليهم {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} بمالٍ يتمتعن به {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} الواجب عليهن تربُّصُه. وهذا قبل نزول قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (1).
قال الله عزَّ وجلَّ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...} الآيات.
قد بينّا في المقدمة عادة أهل الجاهلية في عدم توريث النساء والصبيان، وأن آية الوصية لم تعرض لتعديل تلك العادة في غير الأم.
وفي هذه الآية إبطال تلك العادة, ولهذا - والله أعلم - اقتصر هنا على إثبات النصيب للرجال والنساء من الوالدين والأقربين، ولم يذكر النصيب من الولد؛ لأنه كان قد تقرر في الجملة بآية الوصية، فافهمْ.
وعبَّر بالرجال مع ذكر ما يدلُّ على شموله للصبيان كما يأتي إن شاء الله تعالى، مع أنهم كانوا يثبتون ميراث الرجال أعني البالغين، وذلك لئلا يُتوهَّم نفيُ استحقاقهم.
{لِلرِّجَالِ} أي جنسهم الشامل للصبيان، دلَّ على ذلك أمور، أحدها: إثبات النصيب للنساء، وهو يقتضي ثبوتَ النصيب للصبيان من باب أولى؛ لأنهم كانوا يعلَّلون حرمان الصبيان والنساء بعدم الإطاقة للقتال والنصرة، وهذا مستمر في النساء، فأما الصبيان فإنهم وإن لم يطيقوه حالَ الصغر
__________
(1) بعده بياض كبير في باقي الصفحة, وكأن المؤلف كان يريد مزيد تفسيرٍ للآية فلم يجد وقتًا لإكماله.
(17/712)

فسيطيقونه عند الكِبَر، فإلغاء هذه العلة في النساء يقتضي إلغاءها في الصبيان من باب أولى. وباقي تلك الأمور سيأتي في سياق الآيات إن شاء الله تعالى.
{نَصِيبٌ} ثابت للرجل {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ} أي والداه، وقد تقدم بيان معنى الوالدين في آية الوصية، وهما الأب والأم، {وَالْأَقْرَبُونَ} إليه، وهم أدنى فصيلةٍ له تختصُّ باسمٍ، كما بيَّنّاه في فصله.
{وَلِلنِّسَاءِ} أي جنسهن {نَصِيبٌ} ثابت للمرأة {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ} أي والداها {وَالْأَقْرَبُونَ} إليها.
واعلم أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقولون في الذكور الكبار أنهم يرثون على كلِّ حال، وإنما كانوا يقولون: إنهم يرثون في الجملة، فلو أُريد في إثبات النصيب للذكور الكبار في الآية أنه ثابتٌ لهم على كل حالٍ لصُرِّح بذلك، فلما لم يُصرَّح به وجاء إثبات النصيب للذكور الكبار في الآية مطلقًا عُلِمَ أنه ليس فيه ردٌّ عليهم من حيث الجملة، فظهر أن المراد في الآية من ثبوت النصيب للذكور الكبار ثبوته في الجملة.
ولا يلزم من إقرارهم على الجملة إقرارُهم على التفصيل، كما لو قال لك قائل: في مكة علماء وليس في المدينة عالم، فقلتَ أنت: في مكة علماء وفي المدينة علماء، فأقررتَه على أن في مكة علماء، وقد تكون تخالفُه في تعيينهم وتعيين جهات اتصافهم ومقدارِه، وتقدُّمِ بعضهم على بعض، ولا يُفهَم من إقرارك إياه في ذلك الإجمال إقرارُك إياه في التفصيل.
وكانوا يقولون في الصبيان: لا يرثون البتةَ، وذِكْرُهم في القرآن هو ردٌّ على أهل الجاهلية، والردُّ إذا أُطلِق حُمِلَ على المناقضة، ولو أُريد المناقضة
(17/713)

وزيادة لنصَّ على ذلك، ولأفردهم عن الكبار.
ونقيض السالبة الكلية موجبةٌ جزئية، وهذا يقتضي أن المراد في الآية من ثبوت النصيب للصبيان ثبوتُه في الجملة. فتحصَّل من هذا أن المراد بالثبوت في الجملة الأولى الثبوتُ في الجملة، وأما الجملة الثانية فكما قلناه في الصبيان سواء، فثبت الإجمال في الجملة الثانية.
ويؤيَّد الإجمالَ في الجملتين أن البيان التفصيلي بالكتاب والسنة جاء قاضيًا بما يوافقه، فنصَّ على أن الرجل قد لا يرث قريبَه، والمرأة كذلك، والإجمال والتفصيل لا نسخَ فيه ولا رائحة نسخٍ، فهو أولى مما فيه ذلك، أعني الإطلاق والتقييد أو العموم والخصوص.
ثم إن العموم في لفظ "الأقربين" يقتضي بظاهره أن الرجل يرِث في الجملة من كلِّ قريب له، وهذا صحيح على ظاهره، فما من قريب لك إلاَّ ويُتصوَّر أن ترِثَه، وذلك فيما إذا لم يكن له قريبٌ غيرك مثلاً. وكذلك الحال في النساء، فما من إنسان إلاَّ ويتصوّر أن ترِثه عمتُه وخالتُه مثلاً، أعني ميراثَ ذوي الأرحام.
فإن قلت: إذنْ تختلف جهةُ ثبوتِ النصيب في الجملتين.
قلت: وما المانع من ذلك؟
وقال الجيراجي (ص 19 ونحوه ص 33): "دلَّت الآية على أن للنساء نصيبًا من تركة أبويهن (1) وأقربائهن (2)، كما أن للرجال نصيبًا منها، سواءً
__________
(1) الصواب: "آبائهن"، أو يقول: لكل واحدةٍ من أبويها، أو نحو ذلك. [المؤلف].
(2) "أقرباء" جمع قريب لا جمع أقرب. والجيراجي يفرّق بين القريب والأقرب ههنا. [المؤلف].
(17/714)

كانت قليلةً (1) أو كثيرةً (2)، يعني أنه لا يجوز أن يَرِث رجلٌ قريب من المورث ولا ترث امرأة قريبة منه في تلك الدرجة".
أقول: قوله: "كما أن ... " ليس من معنى الآية في شيء، فإن كانه فَهِمَه من ذكر الرجال في الآية وأنهم إنما ذُكِروا ليمثّل بهم النساء فهو فهمٌ في غير محلِّه، فقد تقدم حكمةُ ذكرهم، مع أن لفظ "الرجال" في الآية يشمل الصبيانَ كما تقدم. وأهل الجاهلية لم يكونوا يعترفون بأنهم يرثون حتى يحَسُنَ تمثيلُ استحقاق النساء باستحقاقهم واستحقاق الكبار.
وإن كان فَهِمَه من اقتران الجملتين فقد تقرر في الأصول أن لا دلالةَ للاقتران، مع أنه لو قيل بها هنا لزم عليها ما لا يلتزمه الجيراجي ولا غيره.
وإن كان فَهِمَه من كون الجملة الثانية كالأولى سواء لم يزد في إحداهما قيدٌ ولا شرطٌ، فهو باطل أيضًا؛ لأنه لا يلزم من ذلك تشابهُهما في كل شيء. نعم هما متشابهتان في أن كلًّا منهما أريد بهما الإثبات في الجملة، ولكن هذا التشابه لا يقتضي التشابه في التفصيل، كما هو واضح.
وإن كان فَهِمَه من عموم لفظ "الأقربين" فقد قدَّمنا أنه إنما يفيد أنه ما من قريبٍ لرجلٍ إلاَّ ويُتصوَّر أن يكون له نصيبٌ مما ترك، وما من قريبٍ لامرأةٍ إلاَّ ويُتصوَّر أن يكون لها نصيبٌ مما ترك، والنصيب صادق بميراث ذوي الأرحام، فعموم الأقربين يقتضي ما ذكرناه. وفيه التشابه في الجملة كما تراه، ولا يلزم منه التشابه في التفصيل.
__________
(1) فيه ما فيه. [المؤلف].
(2) فيه ما فيه. [المؤلف].
(17/715)

فثبوت النصيب في الجملة للرجل مقيَّد بقيودٍ وشروطٍ، وثبوت النصيب في الجملة للمرأة كذلك، وقد تتحد القيود والشروط وقد تختلف، وليس في نظم القرآن أدنى إشارةٍ إلى أنها لا تكون إلاّ متحدة. فقول الجيراجي "يعني ... " دعوى مجردة، والله المستعان.
ولما علم سبحانه وتعالى أن السامعين لهذه الآية سيظنون أنها تتميمٌ وتكميلٌ لآية الوصية، وأن المقصود منها إرشاد المحتضر إلى الوصية للصغار والنساء أيضًا = دفع ذلك بأمرين:
الأول: قوله: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} من المتروك {أَوْ كَثُرَ}، وهذا مخالفٌ لقوله في آية الوصية: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أي مالاً كثيرًا كما تقدم.
الثاني: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} مقطوعًا معينًا من عند الله عزَّ وجلَّ سيبيّنه فيما بعد، وهذا مخالف لقوله في آية الوصية: {بِالْمَعْرُوفِ} أي بحسب ما يراه الموصي.
وهذان الأمرانِ ظاهرانِ في نسخ حكم آية الوصية، ولو كان المقصود - كما زعم الجيراجي - أن يُعمَل بهذه الآية حيث لا وصيةَ وأن آية الوصية لا تزال محكمةً، لمَا خالفَتْها في جعل النصيب هنا مما قلَّ أو كثُر وهناك مما كثُر فقط، ولمَا خالفتها في جعل النصيب هنا مفروضًا وهناك بالمعروف.
وقد زعم أنه إنما جُعِل بالمعروف في الوصية ومفروضًا في الميراث لأن المورث أدرى من غيرِه بمصالح ورثته، ولأن مراعاة المصالح الشخصية في القانون الكلي ليست بممكنة.
وهو مردود بأن المورث وإن كان أدرى فإنه يَعرِض له في الأهواء
(17/716)

والأغراض ما يُعمِي بصرَه ويُصِمُّ سمعَه، ويُوقِعه في الجنَف والإثم، كما شهدتْ به الآية نفسُها. ويكون غيرُه من صالحي جيرانِه وإخوانِه المطَّلعين على أحواله لسلامتهم من الهوى والغرض أقربَ إلى العدل والحكمة في وضع ماله في مواضعه، ولا سيَّما إذا أحيل ذلك إلى نظر قضاةِ المسلمين، فإنهم يكونون طبعًا علماء حكماء، فيكونون أعلم بمصلحة الموصي من نفسه. فلو لم يُرَد النسخُ لمَا فُرِضت الأنصباءُ، بل كان يُحال الأمرُ إلى القضاة والحكَّام.
على أن الجيراجي فسَّر قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا ...} بقوله (ص 4): "أي إن عَلم أن الموصي في وصيته جنفَ عن الحق ومال إلى الإثم، فللمسلمين أو لقاضيهم حقٌّ في إصلاحها".
وهذا ينقض قولَه (1): "إن المورث أدرى من غيره".
وأما قوله (2): "إن مراعاة الأحوال الشخصية في القانون الكلي ليست بممكنة".
فجوابه: أن هذه الأحوال الشخصية لو كانت مراعاتها مقصودة كما زُعِمتْ لم يُشرع ذلك القانون الكلي، بل كان يُحال الأمر إلى قُضاة المسلمين.
ثم إن آية الوصية [لما] كانت عامةً لذوي القربى، والميراث الذي أُجمل في هذه الآية وبُيَّن بغيرها لا يَعمُّهم، وكان في الأمرين السابقين
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 3).
(2) المصدر نفسه (ص 4).
(17/717)

الدلالة على نسخ تلك الآية، أراد الله عزَّ وجلَّ أن يُثبِت لذوي القربى غير الوارثين ما يقوم مقامَ ما كان لهم في آية الوصية، حتى يستوفي ما بقي من فوائد الوصية، فيتمّ نسخُ حكم تلك الآية، فقال تعالى:
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} من المتوفي غير الوارثين، ولم يقل "الأقربون" ليشير إلى أن المراد هنا غير الوارثين، وذلك من تغيير العبارة، وأيضًا كثرة تكرار كلمة "الأقربون" يُوجِب كراهيةً في الكلام.
وأيضًا كلمة "الأقربون" لم تجئ في القرآن إلاّ معطوفةً على الوالدين، أو صفةً لموصوفٍ مذكور في آية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وعبَّر عنها في غير ذلك بأولي القربى ونحوها, ولعلَّ لذلك حكمةً، والله أعلم.
{وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}.
في البخاري (1) وغيره عن ابن عباس نفْيُ نسْخِ هذه الآية، قال: ولكنها مما تهاونَ الناسُ بها، وهما والبيان: والٍ يرث وذلك الذي يرزق، ووالٍ ليس بوارثٍ، فذاك الذي يقول قولًا معروفًا إنه مالُ يتامَى وما لي فيه شيء.
وفيه شيء، فإن الظاهر أن الخطاب يعمُّ الوارثَ والوصيَّ بأن يرزق ويقول معروفًا معًا، غير أن الوصيّ يجب عليه الاقتصاد في العطاء. وإذا حملنا الأمر على الندب كما يشهد له الإجماع على عدم العمل، كان الأحوط للوصي أن لا يُعطي شيئًا، والله أعلم.
__________
(1) رقم (2759). وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور في سننه (576 - تفسير) والطبري في تفسيره (6/ 433) وابن المنذر (1412)، وابن أبي حاتم (3/ 874) وغيرهم.
(17/718)

ولم يقيّد هنا بترك المال الكثير كما في آية الوصية, لأنه لا حاجة لذلك هنا؛ لأنه لا يحضر القسمةَ من الأقربين التماسًا للرزق إلا المحتاجون منهم الذين يقبلون ما يُعطَون ولو قليلاً، ولعل في هذا إشارةً إلى النسخ أيضًا.
ولما انتهى حكم الوصية التي كانت مشروعةً، وأقام الله عزَّ وجلَّ مقامَها ما يُغني عنها وزيادة، أشار سبحانه وتعالى إلى كراهة الإيصاء بشيء من المال، فقال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].
في "الدر المنثور" (1): أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: يعني الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدَّقْ من مالك وأعتِقْ وأعطِ منه في سبيل الله، فنُهُوا أن يأمروا بذلك. يعني أن من حضر منكم مريضًا عند الموت، فلا يأمره أن يُنفِق ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يُبيّن ما له وما عليه ويُوصي لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولدٌ ضِعاف يعني صغارًا، يخشى أن يتركهم بغير مالٍ، فيكونون عِيالاً على الناس؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضَون به لأنفسكم ولأولادكم.
ونهْيُ الحاضرين عن حمل المحتضر على الوصية يدلُّ على نهيه - أعني المحتضر - عن الوصية، ولكن الآية تدلُّ على الكراهة فقط. وفي قوله: {ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} تنبيهٌ على شمول لفظ "الرجال" للصبيان.
__________
(1) (4/ 248). وانظر تفسير الطبري (6/ 447) وابن أبي حاتم (3/ 876، 877) والسنن الكبرى للبيهقي (6/ 270، 271).
(17/719)

ثم قال سبحانه وتعالى مؤكَّدًا هذا المعنى، ومقيِّدًا الأمرَ برزق الحاضرين، ومنبِّهًا على وجوب حفظ أموال الصغار على كل حال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}. وفي معنى الأكل إضاعتها، كإسراف الوصي في رزق حاضري القسمة، والتسبُّب في ضياعها بحمل المحتضر على الوصية، وغير ذلك. وفي هذه الآية تنبيهٌ أيضًا على شمول لفظ "الرجال" للصبيان.
ثم أراد سبحانه وتعالى تفصيلَ ما تقدَّم من الإجمال فقال:
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ} أيها الرجال، كما يدلُّ عليه قوله فيما يأتي {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}، وحكم الإناث كذلك بالقياس، {فِي أَوْلَادِكُمْ} كل رجل في أولاده، فالكلام على التوزيع كما في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6]، أي ليغسلْ كلٌّ منكم يديه.
ولعل الجيراجي يزعم أن التقدير: (يوصيكم الله في) شأن (أولاد) من توفى من (كم). ويبني على هذا شبهته التي ذكرها (ص 4) بقوله: "أما إذا مات المورث بلا وصية، ولم يقسم ماله بين ورثته، فحينئذٍ يعمل بآية الميراث".
وتقرير هذه الشبهة بوجهٍ علمي أن آية الميراث على التقدير الأخير تعُمُّ المتوفى بدون وصية والمتوفى عن وصية، وآية الوصية خاصة في الثاني، والأصلُ في مثل هذا حملُ العام على الخاص، فيُعمل بالاثنين معًا: آية الوصية في معناها، وآية الميراث في الباقي، ولا نسخَ.
(17/720)

والجواب من وجوه:
الأول: أن التقدير الثاني مردود، لما فيه من الحذف، وخلافِ الظاهر، والصواب التقدير الأول.
الثاني: أن النسخ لازم حتى على زعم الخصم, لأن العام هنا متأخر عن الخاص، لا عن وقت الخطاب فقط، بل عن وقت العمل، ومثل هذا يكون العام فيه ناسخًا للخاص عند الحنفية وغيرهم، وأدلتهم مبسوطة في الأصول.
الثالث: أن أدلة النسخ كثيرة، قد مضى بعضها وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى.
واعلم أنَّ في هذه الكلمات أدلةً على النسخ.
أحدها: كونها من مادة الوصية، ففيه إشارة إلى أن هذه وصية المالك الحقيقي العليم الحكيم، ووصيتُه مقدَّمةٌ على وصية العبد المعرَّض للجنف والإثم. وأكد هذا الوجه بالتصريح بلفظ الجلالة وضعًا للظاهر موضعَ المضمر، وكان الأصل أن يقال: "أوصيكم".
ثانيها: كونها بصيغة المضارع. قال الحافظ في "الفتح" (1): أفاد السهيلي (2) [أن الحكمة في التعبير بلفظ الفعل المضارع لا بلفظ الفعل الماضي الإشارة إلى أن هذه الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم].
ثالثها: توجيه الخطاب فيه إلى الرجال من حيث هم مورثون، وهو أمرٌ
__________
(1) (12/ 3).
(2) وضع المؤلف بعدها نقاطًا، وأشار إلى ص 14 رقم 3. ولم أجد الدفتر المشار إليه، فنقلت ما بين المعكوفتين من "الفتح".
(17/721)

لهم بتنفيذ هذا الحكم، والمراد من ذلك: إما أمرهم بالوصية على مقتضى هذه الآيات، وإما نهيُهم أن يوصوا بما يخالفها، والأول لا فائدة له، فتعيَّن الثاني. والمورث إذا لم يُوصِ بما يخالف وصية الله تعالى كان في معنى المنفِّذ لها، وهذا صريح في نسخ آية الوصية.
فإن قيل: يخَدِش في هذه الأوجه الثلاثة أن الله عزَّ وجلَّ إنما قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}، وقد قدَّمتَ أن الأولاد غير داخلين في آية الوصية.
قلت: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} لا يختص بالأولاد، بل يتناول جميعَ ما ذُكِر في الآيات، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. ثم قد تقدم أن الأولاد وإن لم يكونوا داخلين، فالظاهر بل المتيقن أن حكم الوصية كان شاملاً لهم من حيث الجواز، فكان للمحتضر أن يوصي لأولاده ويُفضِّل بعضَهم على بعض.
وهذه الأوجه تدلُّ على نسخ حكم الوصية مطلقًا، أعني التي كانت موجودة ولم تشملها الآية والتي شمِلَتْها الآية.
واعلم أن الظاهر كون الخطاب في الآية للذكور، ويؤيده قوله فيما يأتي: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}، ولكن حكم الإناث كذلك، كما دلَّت عليه قواعدُ الشريعة ثم الإجماع.
واعلم أن في قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} وتناوُلهِ الأبناءَ والآباء وبعضَ الأصناف - كما يأتي - إبطال (1) لاختراع الجيراجي في القول المبني على
__________
(1) كذا في الأصل مرفوعًا، والوجه النصب.
(17/722)

زعم أن ميراث الزوجين وصية من الله، فيُخرج من رأس المال، وميراث غيرهم فريضة، فيكون في الثاني بعد ميراث الزوجين. فإنه يُردّ بأن ميراث الأبناء والآباء وصية بدخولها تحت قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}. وسيأتي لهذا مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
وفي "فتح الباري" (1) نقلاً عن السهيلي: "وقال: {فِي أَوْلَادِكُمْ} ولم يقل: "بأولادكم" إشارةً إلى الأمر بالعدل فيهم، ولذلك لم يخصَّ الوصية بالميراث، بل أتى باللفظ عامًّا، وهو كقوله: "لا أشهدُ على جور" (2).
أقول: قد تقدم أن التقدير: " (في) شأن (أولادكم) "، وسيأتي أن التقدير فيما يأتي: "بأن يكون (للذكر ...) ".
(الأولاد)
قد مرَّ في آية الوصية معنى الولادة، ونقول هنا: إن الأولاد جمع ولد, والولد مشتق من الولادة، فهو في الأصل مَن ولدتْه المرأة، ولكنه تُوسِّع فيه كما تُوسَّع في "والد"، فأُطلق بمعنى الابن، وبهذا الاعتبار نُسِب إلى الذكر، فقيل: هذا ولدُ زيدٍ.
ولا يلزم مما ذكرنا إطلاقه على ابن الابن حقيقةً، أما بحسب الأصل فواضح، فقد مرّ أن معنى الولادة وضْعُ المرأةِ حَمْلَها, ولا شكَّ أن هذا لا يصدُقُ إلا على الموضوع نفسه، فلا يقال حقيقةً: إن حواء هي التي وضعتْ جميع البشر، ولا أن جميع البشر قد ولدوا أو أنها تلد بعد موتِها.
__________
(1) (12/ 3, 4).
(2) متفق عليه. أخرجه البخاري (2650) ومسلم (1623) من حديث النعمان بن بشير.
(17/723)

وأما بحسب الاستعمال المتوسَّع فيه فلِوضوح الفرق بين الابن وابن الابن، فلا يلزم من استعمال لفظٍ في الأول حقيقةً استعمالُه في الثاني كذلك، على أنه قد تقرر في الأصول أن القياس في اللغة باطل.
فتبيَّن بهذا بطلانُ قولِ الجيراجي (ص 36): "ومنهم من قال: إنه حقيقة في كليهما، وهو الحق؛ لأن الولد مشتق من الولادة فيشمل جميعَ مَن وُلِد من الأعلى إلى الأسفل، وولدُ الولدِ ولدٌ كما أن جزء الجزءِ جزءٌ".
وقوله: "كما أن جزء الجزء جزء" فلسفة غريبة تُحوِجُنا المناقشة فيها إلى الخروج عن الموضوع، فلندَعْها ولننظْر في مواضع الحجة، فنعرِض كلمة "ولد" على العلامات التي ذكرها العلماء للتمييز بين الحقيقة والمجاز.
وأظهر تلك العلامات هي التبادر عند عدم القرينة، والمتبادر حقيقة. وقد تأملنا مواقع كلمة "ولد" فتبيَّن أنها حقيقة في معنى "ابن"، إلاَّ أنها تُطلَق على الواحد والجمع. وذلك أنه لو أشار رجل إلى شخص قائلاً: انظروا إلى ولدي، تبادرَ إلى الأذهان أنه يريه أنه ابنه، ويبعد في أذهاننا أنه يريد أنه ابنتُه أو ابنُ ابنهِ، فإطلاقها على البنت وابنِ الابن مجاز. ويدلُّ على ذلك إنكارُ النفس أن يقال: "هذه ولدي"، إلاّ إذا كان بمعنى أنها قائمة لي مقام الابن.
وقد استدلَّ بعض العلماء على عدم دخول البنات ببعض الآيات التي فيها الافتخار بالولد، كقوله تعالى ..... (1)، نعم الجمهور على أن المراد بلفظ "ولد" في الآيات ما يصدق بالابن والبنت وابن الابن وبنت الابن وإن سفلا، وهذا ليس بحجة.
__________
(1) ترك المؤلف هنا بياضًا, ولم يذكر الآيات.
(17/724)

إذا تقرر هذا فقوله في الآية: {أَوْلَادِكُمْ} لا يتناول من حيث الوضع إلا الأبناء الذكور، دون الإناث ودون بني البنين، لكن السياق دلَّ على دخول الإناث، فكان بمعنى البنين والبنات، وجُمِعوا معًا على أولاد تغليبًا، كما جُمِعَ الآباء والأمهات على آباء، والأبناء والبنات على أبناء في هذه الآية كما يأتي إن شاء الله تعالى. وليس ههنا قرينةٌ تدلُّ على دخول ولد الولد، فالقول بذلك مخالَفةٌ للأصل والظاهر معًا، ويُبطِلُه أن القول بدخولهم يقتضي التسوية بينهم وبينَ الأبناءِ مطلقًا، فيُعطَى ابن الابن مع أبيه وأعمامه، وهذا باطلٌ اتفاقًا. وأيضًا فسّر الأولاد فيما بعدُ بالأبناء في قوله: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ}، وليس أبناء الأبناء بأبناءٍ حقيقةً، وإن أطلق عليهم أبناء مجازًا.
بأن (1) يكون {لِلذَّكَرِ} منهم {مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} منهم، عدَلَ عن "مِثْلَا حظَّ الأنثى" أو نحوه لفائدتين:
الأولى: التنبيه على أن الذكر يُعادِل انثيين في الاستحقاق.
الثانية: أنه سيأتي في الآية {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}، فربما يتوهم أن قوله: "مِثْلَا حظِّ الأنثى" إشارة إلى هذا، والمراد الكلُّ.
الثالثة - وهي أهمها -: إفادة حكم الأنثيين إذا انفردتا، فإن أول الصُّوَر الداخلة تحت قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} أن يكون الأولاد ذكرًا وأنثى، ففي هذه الصورة يأخذ الولد الثلثين، وهو بمقتضى الآية مثلُ حظِّ الأنثيين، ففيه الإشارة إلى أن الأنثيين قد تأخذانِ الثلثين في بعض الصور،
__________
(1) سياق الكلام: يوصيكم الله في أولادكم بأن يكون ... ، وتخلَّله تفسير "الأولاد" والرد على الجيراجي فيه.
(17/725)

وأيّ صورةٍ تلك إلاَّ صورة انفرادهما. وأكّد إرادة هذه الإشارة بعدم ذكر ميراث الأنثيين فيما سيأتي، بل نصّ على ميراث ما فوقهما وعلى ميراث الواحدة، فأفهمَ بذلك أن حكم الثنتين قد ذُكر في الآية، فليلتمسه العلماء.
وإذ قد عُلِم حكم البنتين إذا انفردتا، فهاكُم حكم ما فوقهما وما دونهما: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ} أكثر من {اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}. هذا يُبطِل قولَ الجيراجي (1) في العول أن ميراث أحد الزوجين يؤخذ من رأس المال، ثم تكون الفروض منسوبةً إلى الباقي، فللبنتين ثلثا الباقي.
فإن قلتَ: إنه زعم أن ميراث الزوجين وصية من الله تعالى، فيدخل في قوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ}.
قلتُ: سيأتي إن شاء الله تعالى إبطال اختصاص ميراث الزوجين بكونه وصيةً من الله تعالى، ومع ذلك فالذي في الآية: {بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي} أي المورِث، لا مطلق وصية. ولا يفيده قراءة {يُوصِي} بالبناء للمفعول؛ لأنها مجملة، فتُحمل على المبيّنة؛ إذ الأصل الاتفاق.
وزعم الجيراجي أن لفظة "فوق" تدل على ما ذهب إليه من توريث أولاد الأولاد مع غير آبائهم من الأولاد، على الطريقة التي اخترعها، قال (2): "ولفظة (فوق) ليست إلاَّ للتنبيه على طريقة التقسيم في مثل هذه الصورة؛ لأنه يدلُّ على الكسر ... ".
والطريقة التي ابتكرها سيأتي إبطالُها إن شاء الله تعالى في الحجب.
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 23).
(2) المصدر نفسه (ص 39).
(17/726)

وقوله: "كلمة فوق تدلّ على الكسر" ليس بلازم، وإنما هو بمعنى "أكثر من" كما هو معروف عند مَن له علم بالعربية. ثم إن تأويله هذا مع بطلانه لا يدفع الإشكال، وهو السكوت عن ذكر فرض الثنتين، وهلّا قيل: اثنتين فما فوقهما.
{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ميراث أولاد الأولاد في الحجب.
{وَ} في آبائكم، يُوصي الله كلَّا منكم في أولاده وفي أبويه {لِأَبَوَيْهِ} وبهذا علمتَ سبب التثنية والإضافة إلى ضمير المفرد الغائب مع قوله أولَ الآية {فِي أَوْلَادِكُمْ}، فتأمَّلْه. ويؤيد هذا التقديرَ قولُه فيما يأتي: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ}. والجملة مستقلة لا مبنية على ما قبلها؛ لأن الضمير يعود إلى الأحد المعلوم مما تقدم، وهو أحد مجرد، ويبيِّن هذا قوله: {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، والمورث المفهوم من أول الآية ذو أولاد. وهكذا جميع الضمائر الآتية تعود إلى الأحد المجرد، وإن شئت فقلْ: إلى المورث. والمراد بالأبوين: الأب والأم، قيل لهما "أبوانِ" تغليبًا.
(الأب)
الأب معروف، ولا يُطلق على الجدّ إلا مجازًا، على هذا عامة أهل اللغة، وهو الذي يتعيَّن عند عرضِه على العلامات التي ذكرها أهل العلم لتمييز الحقيقة من المجاز، ولا ينافي ذلك ما ورد في الكتاب من إطلاقِه على الجدّ، فإنه مجاز، ولا جَعْلُ بعضِ الصحابة الجدَّ أبًا، فإن المراد أنهم جعلوه كالأب، ولا استدلالُهم بإطلاق القرآن عليه أبًا، فإنهم إنما استدلُّوا
(17/727)

بذلك لأن المجاز لا بُدَّ له من علاقة، ولا سيَّما إذا كان في كلام العليم الحكيم، فإطلاقُه سبحانه وتعالى على الجدّ أبًا يدلُّ أنه كالأب، وهذه الدلالة مما يصلح لتمسُّك المجتهد إذا لم يجد أقوى منها.
نرجع إلى تفسير الآية:
{لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} مرَّ ما فيه من الدلالة. {إِنْ كَانَ لَهُ} المورث {وَلَدٌ}. مقتضى الظاهر أن يفسَّر "ولد" بابن، ولكن الجمهور [على] أن المراد: ابن أو بنت أو ابنُ ابنٍ أو بنتُ ابن وإن سفلا، وهذا من عموم المجاز كما تقدم. ومن المفسِّرين من يفهم معنى قوله: "والباقي للولد"، وأنت تعلم أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما لهم الباقي بعد ميراث الأبوين وبعد ميراث أحد الزوجين، والتزام الإطلاق والتقييد تكلُّف، إلاّ أن يقال: والباقي بعد الفروض التي لا تسقط للولد، وهو كما ترى.
فإن قلت: لكن ما ذكرتَ لا يرد على الجيراجي؛ لأنه يقول: إن ميراث الزوجين وصية داخل تحت قوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ}، وأن الفروض منسوبة إلى ما بقي بعد فرض أحد الزوجين.
قلت: سيأتي إن شاء الله تعالى إبطالُ قوله هذا.
{فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ} المورث {وَلَدٌ} قد تقدم تفسيره {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، الجملة - قوله: "فإن ... " - مستأنفة، لا مبنية على ما قبلها. {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} قدَّر بعضهم هنا: وللأب الباقي، وفيه مثل ما تقدم. والآية ظاهرة في أن للأم الثلث مع الأب، وإن كان هناك زوج أو زوجة، وعليه جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس رضي الله عنهما، وهو الحق الذي لا ينبغي العدولُ عنه.
(17/728)

وتأوَّل عمر رضي الله عنه وغيره، فذهبوا إلى أن للأم ثلث الباقي بعد بقية ..... ، قالوا: لا تفضل الأم على الأب، ولا يكتفى بتفضيله عليها إلاّ بأن يكون له مثلها.
وهذه معارضة للقرآن وللنظر، أما القرآن فظاهر، ودعوى أن المراد: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أي فقط، تقدم ردُّها. وزَعْمُ الجيراجي أن الفروض منسوبة إلى ما بعد ميراث؟؟؟؟ وصي؛ لأن ميراثهما وصية، تقدمّ إبطالُها، ويأتي له مزيد إن شاء الله تعالى.
وأما النظر فلأن الأم أبلغ في الاستحقاق من الأب، وقد جاء في الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله، مَن أَبَرُّ؟ قال: "أمك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثم أمَّك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثمّ أمَّك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثمَّ أباك" (1). وكيف لا يكون للأم هذه المزية وهي التي تحمله تسعةَ أشهر تتكبَّدُ فيها صنوف البلاء والمِحن، ثم تُرضِعه حولَين يمتصُّ فيهما قوَّتَها، ويَشْغَلُها عن أكلها وشربها ونومها، ويلطخها بقَذَرِه كلَّ يوم مرارًا. وشفقتُها عليه أضعاف شفقة الأب.
فأما قولهم: إنه غير معروف في الفرائض تفضيل أنثى على ذكرٍ في مرتبتها مجتمعين.
فيجاب عنه بأنه قد عُهِد التساوي في الإخوة لأم، وإنما لم يُعهَد تفضيل الأنثى لأن البنت مساوية للابن لا مزية لها، وتتقوى بوجوده وتعتضد كما
__________
(1) أخرجه أبو داود (5139) والترمذي (1897) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وإسناده حسن.
(17/729)

سيأتي، وكذا الأخت مع الأخ، وليس كذلك الأم مع الأب، فقد تقدم بيانُ مزيتها عليه، ولا يلزم من وجوده معها تقوِّيها واعتضادُه، إذ ربما يفارقها. فتدبَّر.
وسيأتي أن المواريث على ضربين: الأول: سببه استحقاق الصلة والمواساة، والثاني: سببه العصبية. وأن الله عزَّ وجلَّ جعل الفروض بإزاء الأول، والباقي بعد الفروض بإزاء الثاني. وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا فلا بِدعَ أن يفرضَ للأم ضِعْفَي فرض الأب, لأنها آكدُ حقًّا منه. فأما تفضيله عليها إذا انفردا فإنما هو لأنها قد استوفت حقَّها وهو الثلث، فهو يستوفي حقَّه وهو السدس، ويأخذ الباقي تعصيبًا. فالسدس هو استحقاقه الذي لا ينبغي أن يُغضَّ عنه، وأما التعصيب فلم يأخذه باستحقاق الصلة، وإنما أخذه بالتعصيب، وإذا لم يحصل على هذا التعصيب في بعض الصور لم يجز لنا أن نعوَّضه مما فُرِض للأم باستحقاقها.
ولم يُصرَّح بأن له السدس فيما إذا لم يكن حقه ذلك إذ لا فائدة لذلك، لأنه لا يُخشَى أن يُنقَص عنه، وصُرِّح به حيث خِيفَ أن يُنقص أو يُحرَم منه، وذلك فيما إذا كان هناك ولد، فإنه إذا كان الولد ذكرًا أخذ الباقي بعد الفرائض، ويُحرم الأب لو لم يُسَمَّ له السدس.
وإذا كانت أنثى في:
بنت 6 | زوج 3 | أم 2
لا يبقى للأب إلاَّ واحدٌ. وإذا كانت بنتان لا يبقى له شيء، فسمَّى الله
(17/730)

تعالى له السدس لذلك، والله أعلم.
{وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أي معًا كما هو ظاهر، ويحتمل أوجهًا:
1 - أنه قيدٌ لِيُفَهم منه أنه إذا انفردت الأم لم يكن لها الثلث، وفي هذا متمسَّك للجيراجي القائل (1): إنها إذا انفردت كان لها حكم آخر.
2 - ليس قيدًا، بل جيء به لدفع ما يُتوهَّم من أن الأمّ لا تحوز الثلث حتمًا إلا إذا انفردت، فأما إذا كانت مع الأب فإنها لا تحوز إلاَّ مثل نصف ما يحوز هو، سواء أكان ذلك هو الثلث فيما إذا انفردا، أو السدس فيما إذا كان معهما زوج، أو الربع فيما إذا كان معهما زوجة. وهذا متمسَّكٌ لمن يخالف مذهب عمر في العمريتين.
3 - أنه قد يدعى أن فيه معنى الحصْر، أي وورثه أبواه فقط، فيُفهَم منه أنه إذا ورث معهما غيرهما، وذلك الغير لا يكون إلا أحد الزوجين، فلذلك حكم آخر. وفي هذا متمسَّك لمن يذهب مذهب عمر رضي الله عنه في العمريتين.
والثالث ضعيف؛ لأن فيه دعوى الحصْر، وليس هنا ما يفيده. والثاني أرجح من الأول، لما تقرر في الأصول أن مفهوم المخالفة لا يُعتدُّ به إلاَّ حيث لم يظهر للقيد فائدة غير نفي حكم غيره، وقد ظهرت هنا فائدة جليلة، وهي ما بيَّناها في الوجه الثالث، وفائدة أخرى، وهي الدلالة على أن الجملة - أعني قوله: "فإن لم يكن له ولد ... " - مستقلة لا مبنيَّة على التي قبلها؛ إذ لو كانت مبنيَّة لكان المعنى: فإن لم يكن للمورث الذي له أبوان ولدٌ وورثه
__________
(1) في "الوراثة في الإسلام" (ص 41).
(17/731)

أبواه، وهو كما ترى، وفي هذا الإشارةُ إلى أن الجملة الآتية - قوله: "وإن كان له أخوة ... " - مستقلة أيضًا.
{فَإِنْ كَانَ لَهُ} المورث {إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} الجملة مستأنفةٌ كما علمتَ، فالإخوة يحجبون الأمَّ إلى السدس مطلقًا، سواء أكان هناك أبٌ أم لا. وقد زعم قوم أن هذه الجملة مبنية على ما قبلها، كأنهم يعنون أن الضمير يعود على مُورِث مخصوص، أي الذي له أبوان، أو أن المعنى: (فإن كان له) مع ذلك أي مع الأبوين (إخوة)، وهو غير ظاهر، وقد تقدم ما يردُّه. وعلى تسليمه فليس فيه تقييد كما توهَّمه الجيراجي (1)، وإنما أريد به النصُّ على أن الأخوة يحجبون الأمَّ إلى السدس مع وجود الأب، ويُفهم منه أنهم يحجبون الأم مع عدم الأب من بابِ أولى, لأنهم إذا حجبوها مع ضعفهم بوجوده، فمع قوتهم عند عدمه أولى وأحرى.
(الإخوة)
اختلف الأصوليون في أصل الجمع: أهو اثنان أم ثلاثة، والصحيح أن العرب مختلفون فيه، ففي لسان قريش أن أقلَّ ما يصدق عليه "الإخوة" ثلاثة، كما صحَّ عن ابن عباس في مراجعته لعثمان (2). وفي لسان الأنصار وغيرهم أنه يصدُق على اثنين، كما صحَّ عن زيد بن ثابت (3). وفي القرآن مواضع نزلت بلغة قريش، ومواضع بلغة غيرهم، فإجماع الصحابة - وفيهم
__________
(1) في "الوراثة في الإسلام" (ص 41).
(2) أخرجه الطبري في "تفسيره" (6/ 465) والحاكم في "المستدرك" (4/ 335) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 227).
(3) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4/ 335) والبيهقي (6/ 227).
(17/732)

أكابر المهاجرين من قريش - على الاعتداد بالاثنين دليلٌ على إرادة لغة الأنصار وغيرهم.
وزعم الجيراجي (1) أن المراد ب "إخوة" الجنس، فيدخل الأخ الواحد والأخت الواحدة، واستدل بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً ...}، قال: "وهذا يتناول الأخ الواحد والأخت الواحدة بإجماع الفقهاء، مع أن الإخوة والرجال والنساء كلها جمع".
أقول: إجماعُهم على تفسير كلمةٍ بمعنىً في موضع لا يلزم منه كونها كذلك في جميع المواضع، ولا سيَّما إذا كان ذلك التفسير مخالفًا للأصل كما هنا، ثم إن الذين أجمعوا هنا هم الذين أجمعوا هناك، فكيف تحتجُّ بإجماعهم تارةً وتردُّه أخرى؟ الله المستعان.
فإن قلت: لم أُرد الاحتجاج، وإنما أردتُ الإلزام.
قلت: لا إلزام، فإنهم بحمد الله تعالى لم يُجمعوا على ما ذكرتَ في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً}، وإنما أجمعوا على أن حكم الأخ الواحد مع الأخت الواحدة للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وحجتهم في ذلك القياسُ، لا تفسيرهم الجمع بالجنس. والله أعلم.
وحَجْبُ الإخوةِ الأمَّ مُفهِمٌ أنهم يرثون، إذ لا يحجبُ الوارثَ إلا وارث، مع أنهم حجبوا وارثًا قويًّا، وحجبُهم إياها نصٌّ صريح في أنهم يرثون معها؛ إذ لا يُعقل كونهم يحجبونها وهي تحجبهم، ولا نظير لذلك في المواريث، وإذا حجبوها مع ضعفهم بوجود الأب، فمع قوتهم بعدمه أولى وأحرى كما تقدم.
__________
(1) "الوراثة في الإسلام" (ص 43).
(17/733)

وأجاب الجيراجي عن هذا (ص 41 و42) بأن الإخوة لا يرثون إلاّ من كلالة، أي ممن ليس له ولدٌ ولا أبوان.
أقول: هذا التفسير باطل كما سيأتي.
ثم قال: "أما سبب التفريق فهو أنه عند عدم الولد والإخوة لما لم يكن الفرع مطلقًا انتقل حظُّه إلى أبويه".
أقول: هذا أمر تخيُّلي، بدليل حَجْبِ الولد للزوج إلى الربع والزوجة إلى الثمن، ولا كذلك الأبوان. وانظر المثال الآتي:
- ابن بنت زوج
1 2 (1) 1
- أب أم زوج
321 بنصّ كتاب الله تعالى
312 بتأويل عمر رضي الله عنه
وحَجْبُهم إيّاها إلى السدس يقتضي أنهم كالولد، لكن هذا في الاثنين منهم فما فوق، وبقي حكم الواحد والواحدة مجملاً.
وسكت هنا عن حكم الأب معهم، فاحتمل أن يكون إشارة إلى أنه يحجبهم.
فإن قيل: هذا لا يستقيم, لأنه قد سكت أيضًا عن حكمهما مع الزوجين.
قلنا: لكنه هنا بيَّن مواريث الأبوين، ثم ذكر حكم الأمّ مع الإخوة، فكان
__________
(1) كذا في الأصل وهو سبق قلم، والصواب العكس، للابن سهمان وللبنت سهم.
(17/734)

مظنَّةَ أن يذكر حكمُ الأب معهم، فالسكوت عن ذكره في مظنته لا يخلو من إشارةٍ إلى أن حكمه لا يتغير بوجودهم، وهو معنى الحجب. لكن تُعارضُه الآيةُ التي آخرَ السورة، فإنه شرط في توريث الإخوة عدم الولد، وسكت عن ذكر الأب، ففيه إشارة إلى أنه لا ينقصهم عن شيء كتب لهم.
ويرجِّح ما هنا أنه قال أولاً: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، ولم يقل: "أو إخوة"، فدلَّ أنهم لا يساوون الولدَ في حجب الأبوين، ثم ذكر حكم الأم معهم فقط، فدلَّ أن حكم الأب بخلاف ذلك، فهي دلالة مضاعفة. وما في آية الكلالة يقابل الدلالة الأولى فقط.
وقد يجاب: أن الدلالة الأولى غايتها إفهام أن الإخوة لا يحجبون كلاًّ من الأب والأم إلى السدس، ثم أخرجت الأم، فبقي من الدلالة الأولى أن الإخوة لا يحجبون الأب إلى السدس، وهذا لا يقتضي أنه يحجبهم، فبقيت الدلالة الثانية، أعني السكوت عن بيان حكمه معهم، وهي وحدها لا تقوى على معارضة دلالة آية الكلالة مع ما يعضدها، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ويُرَدُّ بأنه إذا سُلِّم أن الدلالة الأولى تقتضي أن الإخوة لا يحجبون الأب إلى السدس، فما يكون حكمه معهم إن جعلنا له ما بقي؟ كحاله مع أحد الزوجين كان معرضًا للسقوط، وكيف يسقط مع الإخوة ولم يسقط مع البنين؟
وإن قلنا غير ذلك كان تخرُّصًا بلا دليل، فوجب أن نرجع إلى النظر، نجد النظر يقتضي أن الإخوة لا يرثون مع الأب: أما إذا كانوا ذكورًا أو ذكورًا وإناثًا أشقَّاءَ أو لأبٍ فلأنهم عصبة، والأب أقرب تعصيبًا منهم. وأما إن كنَّ
(17/735)

إناثًا شقائقَ أو لأب فلأنهن يَقْوَيْنَ بوجود الأب أشدَّ مما يَقْوَيْنَ بوجودِ أخٍ لهن، فيضعُفُ جانب الاستحقاق فيهن، فيرجعن إلى التعصيب، فيقدَّم الأب لأنه أقربُ تعصيبًا. وأما الإخوة لأمًّ فلأن الله عزَّ وجلَّ إنما فرض لهم ممن يورث كلالةً، أي فيمن إذا كان له إخوة أشقَّاء أو لأبٍ لم يكونوا محجوبين. وقد علمت أن الأشقاء أو لأبٍ لا يرثون مع الأب، فلا يَرِث الإخوة من أمًّ مع الأب.
فأنت ترى أن الأبوين لم يقوما مقامَ الولد.
وتفريقه بأن ميراث الزوجين وصية من الله، وباقي المواريث فريضة، لا يُجدِي، وسيأتي ردُّه إن شاء الله تعالى في العَوْل.
قال (1): "أما مع الإخوة الذين هم فرعٌ لأصل المورث، ويقومون مقام فرع المورث عند عدمه".
أقول: ليس على إطلاقه، فإن الإخوة لا يحجبون أحدَ الزوجين، وإذا لم يحجبوه اختلفت المقادير، فلم يقوموا مقام الفرع.
قال (2): "فنصيبُ كلًّ من الأبوين لا يكون إلاّ السدس، كما كان مع فرع المورث".
أقول: قد علمتَ أن الإخوة ليسوا بقائمين مقامَ الفرع في كلِّ شيء، ولم يحجبوا أحد الزوجين، وبالأولى أن لا يحجبوا الأب. بل لم يفرض الله عزَّ وجلَّ للأب قطُّ ثلثًا ولا ثلثين حتى يُحجَب إلى السدس.
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 42).
(2) المصدر نفسه (ص 42).
(17/736)

قال (1): "لكن الإخوة لما كانوا يُدْلُون إلى الميت بهما، لا يصل إليهم حظُّ الفرع ما دام أحدهما موجودًا".
أقول: لا دليلَ على ذلك من النصوص، بل ولا من النظر؛ لأن النظر إما أن يكون قياسًا على ولد الولد مع أبيه، والجدّ مع الأب، والجدة مع الأم، فهو قياس مع الفارق؛ فإن إدلاءَ هؤلاء لا يُشبِهه إدلاءُ الإخوة بالأبوين. والإدلاء ضربان: أحدهما: ابن ابنك، وأبو أبيك. والثاني: ابن أبيك.
وحَجْبُ الأب للإخوة الأشقّاء أو لأبٍ في مذهب الجمهور ليس لأنهم يُدلُون به، بل لما سيأتي قريبًا أنهم لا يكونون معه إلاّ عصبةً، وهو أقربُ تعصيبًا منهم، فهو مقدَّم عليهم، وعليه فلا تُقاسُ عليه الأم, لأنها ليست بعصبة.
وأما حَجْبُه للإخوة لأمًّ فلأن الله عزَّ وجلَّ لم يفرض لهم إلاَّ ممن يورث كلالة، أي ممن لو كان له إخوة أشقّاء أو لأبٍ لم يكونوا محجوبين، وقد تبيَّن أن هؤلاء يُحجَبون بالأب.
قال (2): "بل ينتقل ... ".
أقول: أما انتقاله إلى الأب فمسلَّم، لكن لكونه أقربَ عصبةً لا للإدلاء، فلا تُقاس عليه الأم، والله أعلم.
وهذا التقسيم يكون {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا} المورث.
__________
(1) المصدر السابق (ص 42).
(2) المصدر نفسه (ص 42).
(17/737)

نقل الآلوسي (1) عن الفخر ما يفيد أن في هذا القيد دلالةً على نسخ آية الوصية، وعكسَ الجيراجي (2) فزعمَ أن فيه دلالةً على عدم النسخ، وسيأتي ذلك مبسوطًا في الموضع الرابع إن شاء الله تعالى.
{أَوْ دَيْنٍ} يكون عليه أي المورث، وفي تأخير الدين عن الوصية والإجماع على تقدمها ثم أدائه بحثٌ لا يُهِمُّنا؛ إذ ليس ذلك من مواضع الخلاف.
قال عزَّ وجلَّ: {آبَاؤُكُمْ} أيها الرجال المورثون {وَأَبْنَاؤُكُمْ} أي: هؤلاء المبيَّنُ ميراثُهم آباؤكم وأبناؤكم، {لَا تَدْرُونَ} أنتم أيها المورثون {أَيُّهُمْ} الآباء والأبناء {أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} في الدنيا والآخرة، لقصور علمكم وما يغلب عليكم من الهوى، ولم يذكر "الإخوة" وإن كان قد تقدَّم الرمزُ إلى ميراثهم, لأنه ليس بيانًا تامًّا كما علمتَ.
وههنا دليلٌ على نسخ آية الوصية هاكَ بيانَه، وخصّ الآباء والأبناء لأنهم أخصُّ وألصقُ بالمورث، فإذا جُهِل حالُهم فحالُ غيرهم من باب أولى.
في تفسير الآلوسي (3): وعن ابن عباس [أنهم كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر] (ص 18 رقم 1) (4).
__________
(1) "روح المعاني" (2/ 54). وانظر: "تفسير الفخر الرازي" (5/ 66).
(2) انظر "الوراثة في الإِسلام" (ص 43 - 44، 4، 7).
(3) (4/ 228). وما بين المعكوفتين منه.
(4) لم أجد الدفتر الذي يشير إليه المؤلف؛ ليُعْرَف تتمة الكلام.
(17/738)

ويؤيِّد هذا الوجهَ في الدلالة على النسخ وجهٌ آخر، وهو أن الله عزَّ وجلَّ أكَّد معنى ..... (ص 19 رقم 1) (1).
ووجهٌ آخر، وهو في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} .... (ص 19 رقم 2) (2).
واعلم أن المواريث على ضربين:
الضرب الأول: مَن كان مستحقًّا للصلة والمواساة من الورثة.
الضرب الثاني: مَن كان من العصبة الذين من شأنهم الحماية عن المورث والدفاع عنه.
وباستقراء المواريث يُعلَم أن الله عزَّ وجلَّ جعل للمستحقين فرائض معلومة، وترك العصبة على ما بقي، ولا يختلف هذا إلاّ لعلةٍ، فالأب جامعٌ بين الأمرين، فقدَّر له الفرض حيث خِيفَ أن ..... عن السدس، وذلك مع الولد، وحيث لم يكن ولد لم يُفرض له، لا لأنه ليس .... الاستحقاق، بل لأن ...................
ثم إن من الورثة مَن يجتمع فيه الأمران، كالأب والابن، ويقرب منهما الإخوة الأشقّاء أو لأب. ومنهم مَن ينفرد بالاستحقاق، كالأم والبنت والأخت وأحد الزوجين والإخوة لأم. ومنهم من يضعف استحقاقه، فلا يُعتدّ إلا بعصوبته كالأعمام وبنيهم. ومنهم من ضعف استحقاقه وليس بعصبة.
__________
(1) لم أجد الموضع المشار إليه.
(2) لم أجد الموضع المشار إليه.
(17/739)

فأما القسم الثالث والرابع فلم يُذْكرا في القرآن إلا بالإجمال في قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} إلخ، كما قدمنا.
وقدَّم الله تعالى الأول، فذكَر أهم أركانه، وهم الأب والابن والأخ شقيقًا أو لأبٍ، وترك ذِكْر الجدود وأبناء الأبناء إلى الاجتهاد والنظر، وذَكَر الأم مع الأب لأنها قرينته، وكذا البنت مع الابن، مع أنها إذا كانت معه كان لها حكم خاص. وأما الإخوة فإنما ذكرهم إجمالاً على ما تقدم, لأنهم دون الآباء والأبناء في الاستحقاق وفي العصبية، مع أن القرآن كان ينزل بحسب الوقائع والدواعي. وقد عُلِم من ذكر الإخوة في النوع الأول أنهم جامعون بين الاستحقاق والعصبية، وهذا إنما يصحُّ في الأشقاء أو لأب. هذا من حيث استحقاقهم، فأما من حيث حَجْبُهم للأم فلا يلزم ذلك. وبهذا فُهِم من كون الإخوة يحجبون الأمّ أنهم الأخوة من أيّ نوعٍ كانوا، وفُهِم من حَجْبهم الوارثَ أنهم يرثون.
ثم ختم هذا النوع بقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وكان مقتضى الظاهر بالقياس على ما يأتي أن يُذكَر هذا القيد عَقِبَ ميراث الأولاد، فتركه هناك اكتفاءً بهذا إشارةً - والله أعلم - إلى إرادة التقسيم الذي ذكرناه، وأنهم نوع واحد. وأكّد ذلك بقوله: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ...}، فتبيَّن بذلك أن هذه الآية خاصة بنوع.
وكرَّر هذا القيد فيما يأتي ثلاثًا, ولم يكتفِ في التقييد في الأخير لأمرين، الأول: الإشارة - والله أعلم - إلى أن هناك اختلافًا بين ميراث الزوجين والميراث الذي ذكره بقوله: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ ...}، وهذا
(17/740)

الاختلاف ظاهر على قول عامة المسلمين: إن هذا ميراث الإخوة لأم، فإن الاختلاف بينهم وبين الزوجين من حيث إن صلة الزوجين سببية وصلتهم سببية، وذكره عَقِبَ ميراث الأزواج ثم عَقِب ميراث الزوجات، ولم يكتفِ بالأخير منهما لأن الميراثين لا يجتمعان، والله أعلم.
ولما خرج عن النوع الأول إلى النوع الثاني يئس السامع أن يبيِّن في هذا الموضع ميراث الداخلين في النوع الأول من الإخوة، وهم الأشقّاء أو لأب، ولم ييأس من بيان حكم الإخوة لأمّ, لأنهم من النوع الثاني، فذكر الله عزَّ وجلَّ النوع الثاني، وهم الأزواج أو الزوجات والإخوة لأم.
ولما كان ميراث الأزواج آكدَ من ميراث الإخوة لأمّ، بدليل عدم سقوطه بحال، ويُحتاج إليه في دفع ما يتوهم مما تقدم أن للأولاد جميع المال بعد سدس الأبوين، وللأب جميع المال بعد ثلث الأم وغير ذلك = بدأ عزَّ وجلَّ به فقال: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ...}.
وهل هذا داخل تحت قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} كما بيَّنا دخول قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ ...}؟ عندي أنه داخل أيضًا، والتقدير هكذا: (يوصيكم الله في أولادكم) كلاًّ منكم في أولاده، (..... و) في آبائكم كلاًّ منكم في أبويه أن يكون (لأبويه .... و) في أزواجكم كلاًّ منكم في زوجه أن يكون (لكم ....).
فإن قلت: قد مرَّ أن توجيه الوصية إلى الرجال بصفتهم مورثين المراد منه تحذيرهم من تغيير المواريث بالوصية، وهذا لا يأتي هنا, لأن الأزواج هنا وارثون.
(17/741)

قلت: إن الأزواج غالبًا يكونون ذوي نفوذٍ وسلطانٍ على أزواجهم، يضطرُّونهن إلى الإيصاء لهم، أو يستأثرون بأموالهن بدون وصية، فكانوا هم الذين ينبغي توجيه الوصية إليهم؛ إذ الوصية إنما وُجَّهت إلى مَن يُخشى منه مضارَّة المواريث، وهي هنا مخشيَّة من الأزواج، فتدبَّر.
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ} أن يكون {لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ} منكم {يُورَثُ} ميراثَ {كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} تورث كلالةً، وسيأتي في الآية التي آخرَ السورة أن الكلالة هنا هي قرابة الإخوة العصبيين، فالمعنى على هذا: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ} ميراثَ {كَلَالَةً} أي إخوة عصبية، يعني مستحقًّا أن يَرِثه الإخوة العصبيون بأن لم يكن هناك حاجبٌ لهم، وليس في هذا حصرٌ كما لا يخفى. وعليه ففي الآية الدلالةُ على أن الإخوة لأمٍّ لا يحجُبُهم إلا مَن يحجب الإخوة العصبيين. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في الحجب.
والقول الآخر: إن الكلالة اسم للمورث الذي ليس له ولدٌ ولا أب، والكلام عليه ظاهر.
{وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَ} أن يكون {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} الأخ أو الأخت {السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا} الإخوة {أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}.
(17/742)

وانعقد الإجماع على أن المراد بالأخ والأخت وأكثر من ذلك: الإخوة لأم، وروى البيهقي (1) بسند صحيح إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يقرؤها: "وله أخ أو أخت من أم"، ونُسب مثله إلى ابن مسعود وأُبي بن كعب.
ولعله - والله أعلم - نَسْخُ لفظ "من أم" له في الآيات ما يدلُّ عليه:
أولاً: ما قدَّمنا من أن المذكور في الآيتين الأوليين من كان جامعًا بين الاستحقاق والعصبية، وذكر معهم غيرهم تبعًا، وأجمل ميراث الإخوة فبقيت النفس متطلعة إلى بيانه، فلما خرج من النوع الأول ودخل في النوع الثاني يئس من بيان حكم الأشقّاء أو لأب في هذا الموضع، ولم ييأس من بيان حكم الإخوة لأم، فلما ذكر حكم الإخوة في النوع الثاني كان معلومًا أنهم الإخوة من أم أولاً, لأن النفس إنما بقيت متطلعةً إليهم.
وثانيًا: لذكرهم في النوع الثاني: وليس الأشقاء والإخوة لأب منه.
وأمر ثالث: وهو أنه فرض للأخ السدس مطلقًا، وقد علمتَ مما تقدم أن الفرائض إنما جُعِلت بإزاء الاستحقاق، والأخ الشقيق أو لأبٍ الغالبُ فيه جانب العصبية.
وأمر رابع: وهو أن الكلالة المراد بها قرابة الإخوة العصبيين، كما يأتي في تفسير الآية التي آخر السورة، فكأنه تعالى قال: "وإن كان رجل يورث
__________
(1) في "السنن الكبرى" (6/ 231). وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" (592 - تفسير) والدارمي (2/ 366) والطبري في "تفسيره" (6/ 483) وابن المنذر (1450) وابن أبي حاتم (3/ 887).
(17/743)

بالإخوة العصبية وله أخ أو أخت". فقوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} لا يمكن أن يكون تفسيرًا للكلالة, لأنه عطف عليها بالواو، والعطف يقتضي التغاير، فتعين أن يكون أراد: أخ أو أخت غير عصبيّ، أعني من أمًّ فقط.
وهذا الأمر يأتي على تفسير الكلالة بالمورث الذي ليس له ولدٌ ولا أبٌ, لأن قوله: {يُورَثُ كَلَالَةً} معناه - والله أعلم - يُورث من حيث هو كلالة، وإنما يَرِثه مِن حيثُ هو كلالةٌ إخوتُه العصبيون، فكأنه قال: وإن كان رجل يورث بالإخوة العصبية. والله أعلم.
وقد نازع الجيراجي في تفسير الآية، ودفع قولَ عامة المسلمين بوجوه، فقال (1) (ص 103 مسودة) ....
قَالَ تَعَالَى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} أي الإخوة كما يأتي إن شاء الله.
{الْكَلَالَةِ}
الكلام على الكلالة يحتاج إلى بسط وتحقيق، أما الجيراجي فإنه مرَّض القول فيها، وبنى الكلام على ما زعمه من أن الوارث في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} هو العهدي، وقد علمتَ بطلانه. وعلى أن الإخوة لا يرثون مع الولد والأب بالاتفاق، وهو غلط. فإن أراد بالولد ما يتناول البنت كما هو قوله، فإن الجمهور يُورَّثون الإخوةَ مع البنت والبنتين،
__________
(1) انظر كلامه حول تفسير الآية في "الوراثة في الإسلام" (ص 45 - 48). ولم أجد ردّ المؤلف عليه ولا المسودة التي أشار إليها.
(17/744)

وصحَّ ذلك في أحاديث كثيرة كما ستأتي إن شاء الله تعالى. وإنما نازع ابن عباس في ذلك، ونزاعه ضعيف من حيث الدليل، ويحتمل التأويل كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ومن الأمة مَن يُورِّث الإخوة مع الأب، وهو مذهب الشيعة ومرويّ عن ابن عباس، وهو مقتضى الرواية عن عمر رضي الله عنه، ومعترك الخلاف في الكلالة هو هذا، أيَرِثُ الإخوة مع الأب أم لا؟ فادّعاءُ الاتفاق فيه غلط محض.
وجعل الجيراجي الأمَّ مثل الأب بلا دليل غير مجرَّد الإدلاء (1)، والإدلاء - مع كونه لا يتحقق إلاَّ في الإخوة وفي نصيبها من الأشقّاء - لا يصلح أن يكون دليلاً، إذ لا نصَّ من الشارع أنه لا يرث أحدٌ مع مَن يُدلِي به. وبناؤه على تفسيره "الأقربين" قد بطل ببطلان ذلك التفسير كما تقدم. والإجماع إنما انعقد في الإدلاء المسلسل: أبو الأب، أُم الأم، ابن الابن، فلا يقاس عليه الإدلاء غير المسلسل: ابن الأب، ابن الأم.
فأما الإجماع في عدم توريث ابن الأخ مع الأخ وابن العم مع العم فإنما هو مبني على أن ابن العم وابن الأخ عصبة محض، وذهاب الجمهور إلى أن الإخوة لا يرثون مع الأب ليس للإدلاء، وإنما هو لأنهم لا يكونون معه إلاَّ عصبة، وهو أقربُ تعصيبًا منهم، كما تقدم في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}.
أما نحن فنقول في الكلالة: إنها مصدر من: كَلَّ السيفُ إذا ضعُفَ حدُّه،
__________
(1) انظر "الوراثة في الإِسلام" (ص 42).
(17/745)

والطَّرْفُ: إذا ضعُفَ بصره، والرجلُ: إذا ضعُفَ اقتدارُه. تُطلَق على القرابة الضعيفة، يقولون: هذا ابن عمِّي لَحًّا، وذاك ابن عمِّي كلالةً، يريدون أن بنوَّة عمِّ الأول تامَّة، وبنوَّة عمِّ الثاني ضعيفة.
وأحسن ما ذكره أهل اللغة فيها: قول الزمخشري رحمه الله في "أساس البلاغة" (1): " [كلَّ فلانٌ كلالةً: إذا لم] يكن ولدًا ولا والدًا، أي كلَّ عن [بلوغ القرابة المماسَّة] ".
لكن لا بدَّ من اشتراط كونه ذا قرابةٍ، إذ لا يقال لمن لا قرابة له أصلاً: كلالة. ثم رأيتُ في "شرح السراجية" للسيد الشريف ما لفظه: "لفظ الكلالة في الأصل بمعنى الإعياء وذهاب القوة، كقوله (2):
فآليتُ لا أرثي لها من كلالةٍ
ثم استعيرتْ لقرابة مَن عدا الولد والوالد، كأنها كلالةٌ ضعيفة بالقياس إلى قرابة الولادة.
ومما ذُكِر علمتَ أن تُطلَق على الإخوة والأخوات، لكن إذا كانوا من الأقربين، أي أشقَّاء أو لأبٍ، فإنهم لا يعتدُّون بقرابة الأمّ كما قدَّمنا في "الأقربين".
ويشهد له قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ ...} كما قدَّمنا، فإنها
__________
(1) (ص 550) مادة "كلل".
(2) عجزه:
ولا من حَفًى حتى تلاقي محمدا.
والبيت للأعشى من داليته المشهورة في الديوان (ص 185).
(17/746)

تدلُّ على أن الإخوة لأمًّ ليسوا بكلالةٍ، للعطف المقتضي للتغاير. وكذا تشهد لذلك الأدلّةُ التي دلَّت على أن المراد بالإخوة في هذه الآية الأشقَّاء أو لأبٍ، ومنها الإجماع.
وفي البخاري (1) في بعض روايات حديث جابر أنه قال: "يا رسولَ الله، إنما يَرِثني كلالة". وفي بعض الروايات في "الصحيح" (2): "كيف أصنعُ في مالي ولي أخواتٌ". ففي هذا إطلاق الكلالة على الأخوات، وكانت أخواته شقائقَ أو من أبيه، فقد جاء بيانُ ذلك في أحاديث أخرى من رواية جابر (3) رضي الله عنه.
وأخرج الإِمام أحمد (4) عن عمرو القاريّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على سعدٍ وهو وَجِعٌ مغلوب، فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مالاً وإنَّي أورث كلالةً". وقد ثبت في "الصحيح" (5) أنه كان له ابنةٌ. فإما أن يكون أطلق الكلالة على البنت لضعفها المعنوي، وإما أن يكون أراد أنه يَرِثه مع ابنته بنو أخيه عتبة وغيرهم، والثاني هو الظاهر.
وقد قُرِئ في الآية التي أوّلَ النساء "يُورِث" بكسر الراء مخففةً، وبكسرها مشدَّدة. والظاهر على هاتين القراءتين أن "كلالةً" منصوب على
__________
(1) رقم (194، 5676) ومسلم (1616/ 8).
(2) البخاري (6743). وأخرجه أيضًا أبو داود (2886) وأحمد (14298) وغيرهما.
(3) منها ما أخرجه البخاري (4052)، وفيه: "إنّ أبي قُتِل يومَ أحدٍ، وترك تسع بنات كن لي تسع أخوات ... ". وفي صحيح مسلم (2/ 1087) نحوه.
(4) في "مسنده" (1440، 1474، 1479).
(5) البخاري (5659) ومسلم (1628).
(17/747)

المفعولية، فهو يُطلَق على الورثة، والمراد ذوو كلالةٍ، وهو لا يخالف قراءةَ الفتح على ما قدَّرناه في تفسيرها.
وجاء في بعض عبارات الصحابة: الكلالة ما دونَ الولد والوالد، وهو ظاهر في أنه يُطلق على الورثة. ففي "سنن البيهقي" (1) عن الشعبي قال عمر رضي الله عنه: الكلالة ما عدا الولد. وقال أبو بكر: الكلالة ما عدا الولد والوالد ... إلخ.
وهذا هو الراجح عندي أن الكلالة اسم لقرابة الإخوة العصبيين وغيرهم من العصبية، لا للورثة ولا للمورث ولا للوراثة. على أنه لا مانعَ من إطلاقها على كلًّ من هذه تجوُّزًا، وأكثرها الأول، فيقال: هم كلالةٌ، كما يقال: قرابة، أي ذَوُو كلالةٍ، وإطلاقُها على المورث بمعنى: ذُو ذَوي كلالة، أي ذو أقاربَ ذوي كلالةٍ، ففيه كثرة الحذفِ، فهو أضعف من الأول. إلاَّ أن لفظ الكلالة في القرآن لا يُحمل إلاّ على المعنى المشهور المعروف أو ما يُقاربه، كيف وقد صحَّ في حديث جابر بن عبد الله كما تقدم، وسؤاله سبب نزول هذه الآية التي في آخر النساء، كما أخرجه الإِمام أحمد والنسائي (2) من حديث أبي الزبير عن جابر، وهو في "سنن أبي داود" (3): ثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان قال: سمعتُ ابن المنكدر أنه سمع جابرًا ... فقلتُ: يا رسول الله،
__________
(1) (6/ 224). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" (19191) وابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 415، 416) والطبري في "تفسيره" (6/ 475، 476).
(2) "مسند أحمد" (14998)، والنسائي في "الكبرى" (6324، 7513).
(3) رقم (2886) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 224) بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (14298).
(17/748)

كيف أصنع في مالي ولي أخواتٌ؟ قال: فنزلت آية الميراث: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}. وهو في "صحيح مسلم" (1) من طريق أخرى عن سفيان.
وأطلق في بعض الروايات الثابتة في "الصحيحين" (2) فقال: "فنزلت آية الميراث". ووقع في بعض الروايات الصحيحة (3): "فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ...} "، وهذا في قول بعض العلماء تفسيرٌ من الراوي على ما ظنَّه، أو لعله انتقل ذهنُه إلى قصة بنتَي سعد بن الربيع التي هي سببٌ لنزول قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ ...}، فإنها من رواية جابر. والدليل على ذلك أن جابرًا كما ثبت في "الصحيح" لم يكن له إلاّ أخوات (4).
أما الحافظ ابن حجر (5) فاختار الجمعَ بين الروايات بأن قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} الآيات، وقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ} الآية، نزلتا معًا في جابرٍ وبنتَيْ سعد بن الربيع، والمتعلق بجابر من الأولى ذكر الكلالة.
وأقول: لا ريبَ أن الجمع أولى من ردّ بعض الروايات الصحيحة, ولكن قد يُتعقَّب هذا الجمع بأمرين:
أحدهما: أن قضية كون ذكر الكلالة في أول السورة متعلقًا بجابر أن
__________
(1) رقم (1616/ 5).
(2) انظر البخاري (5651، 6723، 7309) ومسلم (1616/ 7).
(3) انظر صحيح مسلم (1616/ 6).
(4) سبق تخريجه.
(5) في "فتح الباري" (8/ 244).
(17/749)

يكون لجابر أختٌ أو أخ .................... إما شقائق وإما من أب ........... بيانه في الأحاديث ............ في "الصحيحين" عن عمر سؤال عن الكلالة وقول النبي ............ آية الصيف.
وهذا يقتضي أن الآية الأولى نزلت في غير الصيف، وكون الاثنتين نزلتا في جابر يستلزم نزولهما في وقتٍ واحد.
ويجاب عن الأول بأن غاية ما في الأحاديث الإخبار بأن لجابرٍ أخواتٍ شقائقَ أو لأب، وليس فيها نفي أن يكون له أخ أو أخت أو إخوة لأم.
وعن الثاني بأنه قد لا يكون أراد بقوله "آية الصيف" تمييزها عن (1) الآية الأخرى في الكلالة، بل التمييز عن سائر آيات القرآن النازلة في تلك السنة، وربما يُستأنَس لهذا بقوله: "التي آخرَ سورة النساء".
وهذا الجواب ليس بالقوي، ولكنه أولى من تغليط بعض الروايات الصحيحة. والله أعلم.
فتحصَّل ممّا قدَّمنا أن الكلالة اسم للقرابة الضعيفة، والمراد بها قرابة مَن عَدا الولد والأب, لأن الولد والأب أقرب من غيرهم، وإن كانوا لشدة القرب لا يتناولهم لفظ "الأقربين"، فهي على هذا اسمٌ لقرابة الإخوة العصبيين وغيرهم من العصبة، وفي الآية التي آخرَ النساء اسم لقرابة الإخوة؛ لأنه اقتصر في جواب السؤال عن الكلالة على بيان ميراثهم، فدلَّ على أنهم هم المراد.
__________
(1) في الأصل: "في".
(17/750)

{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} فيه احتمالانِ على قول مَن يجعل الكلالة اسمًا للمورث:
أحدهما: أن يقول: إن المراد ب "امرؤ": كلالة، وعليه فما يكون قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}؟ أيُجعَل تكرارًا مع ما يتضمنه لفظ كلالة من عدم الولد؟ فما فائدةُ ذلك؟ قد زعم الجيراجي أنه تأكيد، أي لم يكن له ولدٌ إلى أسفل. فإن أراد أن لفظ الكلالة لا يتضمن نفي الولد إلى أسفل، فكيف يقول: تأكيدٌ، وإن أراد أنه يتضمن ولكن أكّد، فكيف يقول: أي لم يكن له ولد؟ وعلى كلِّ حال فالتأكيد غير ظاهر، فيلزم منه أن الشخص لا يمنعه وجودُ الولد عن أن يسمَّى كلالةً، فتكون الكلالة حينئذٍ المراد به من مات أبوه، وهو استعمال معروف، يقال لليتيم: كَلٌّ، ويحتمله قول الشاعر (1):
وإن أبا المرءِ أحمَى له ... ومولى الكلالةِ لا يَغضبُ
وقد رُوي عن عمر ما يوافق هذا، قال في الكلالة: هو ما خلا الأب (2). وعلى هذا فيضطرب الكلام في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} إذا فُسِّرتْ كلالة بما فُسِّرت به هنا - أعني من توفي أبوه - اسمًا للمورث، فيكون الظاهر أن الإخوة لأمٍّ يرثون مع الولد. وعلى كلِّ حال إن هذا التفسير باطلٌ بدليل السياق، ولو أُريد لقيل: " ... في الكلالة إن هلك" أو "إن كلالة هلك".
__________
(1) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (9/ 448) و"لسان العرب" (كلل).
(2) سبق تخريجه.
(17/751)

ثانيهما: أن يقول: إنه أُريد بقوله: {إِنِ امْرُؤٌ ...} بيانُ الكلالة، فيلزمه أن الكلالة هو مَن لا ولد له. وله وجهٌ في اللغة كما تقدم، ووجهٌ آخر وهو أن الرجل إذا لم يكن له ولدٌ كان ضعيفًا، وبموته ينقطع نسبُه، إذ لم يترك مَن ينتسب إليه، ويبقى النظر في البنات، فإنهن وإن كنّ أنفسهنَّ ينتسِبْنَ إلى المورث، إلاّ أنهن ضعافٌ لا يُفِدْن قوةً، مع أنه بموتهنّ ينقطع النسب؛ لأن بَنِيهنّ لا يُنسَبون إليه.
وهذا الوجه هو الذي اختاره عمر بن الخطاب [رضي] الله عنه آخرَ عمرِه، فقد روى جماعة منهم الحاكم (1) بإسنادٍ - قال: على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي - عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى عند الموت، فقال: الكلالة ما قلتُ، قال ابن عباس: وما قلتَ؟ قال: مَن لا ولدَ له.
وفي "مسند" الطيالسي (2) عن شعبة عن عمرو بن مُرَّة أنه قال لمرّة: ومَن شكَّ في الكلالة؟ أمَا هو دون الولد والوالد؟ قال: إنهم يشكُّون في الوالد.
وفي حواشي "السراجية": المرويُّ عن ابن عباس في أظهر الروايتين
__________
(1) في "المستدرك" (2/ 303، 304). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" (19187، 19188)، وسعيد بن منصور في "السنن" (589 - تفسير)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 415) والطبري في "التفسير" (6/ 480) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 225).
(2) رقم (60). ومن طريقه أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 225).
(17/752)

أن الكلالة ما سوى الولد (1)، فإنه قد روى عطاء أنه قال: سألتُ ابن عباس رضي الله عنه عن الكلالة، فقال: ما عدا الولد، فقلت: إنهم يقولون: ما عدا الوالد والولد، فغضب، قال: أنتم أعلم أم الله؟ قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} (2).
وفي "سنن" البيهقي (3) وغيره عن الحسن بن محمَّد بن الحنفية أنه سأل ابن عباس عن الكلالة، فقال: ما دون الوالد والولد، فقال الحسن: إنما قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}. قال: فانتهرني.
وقد روى البيهقي في "السنن" (4) حديث جابر من طريق أبي داود، وزاد في آخره: "من ليس له ولد وله أخوات". ولم أر هذه الزيادة في نسخة "سنن" أبي داود (5)، لكن عقبَ هذا الحديث "باب من ليس له ولد وله أخوات"، فذكر حديث أبي الزبير عن جابر (6)، وعندي أن لفظ "باب"
__________
(1) قال الطبري في تفسيره (6/ 479): هذا قولٌ عن ابن عباس، وهو الخبر الذي ذكرناه قبلُ من رواية طاوس عنه أنه ورَّث الإخوة من الأمّ السدسَ مع الأبوين. وقد أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (19027) والطبري (6/ 468) والبيهقي (6/ 227).
(2) لم أجد هذه الرواية عن عطاء عن ابن عباس، ويناقضها ما يذكره المؤلف عن ابن الحنفية عن ابن عباس.
(3) (6/ 225). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" و (19189) وسعيد بن منصور (588 - تفسير) وابن أبي شيبة (11/ 416).
(4) (6/ 224).
(5) رقم (2886) وهو في "مسند أحمد" (14298).
(6) رقم (2887). وأخرجه أيضًا أحمد (14998) وعبد بن حميد في "مسنده" =
(17/753)

مدرج، وأن الصواب ما في "سنن" البيهقي (1). وقد راجعتُ "مسند أحمد"، فإذا فيه الحديث (ج 3 ص 308) (2)، وزاد بعد قوله: {يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}: "كان ليس له ولد وله أخوات {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} " (3).
فهذه الأدلة تقتضي أن الكلالة اسم للمورث الذي ليس له ولد.
وعلى كل حالٍ فالآية تقتضي أن الأب لا يحجب الإخوة. أما إذا قلنا: إن الكلالة هو المورث الذي ليس له ولد، فظاهر؛ لأنه لم يُشترط في توريث الإخوة غير تفسير الكلالة، أعني عدم الولد. وأما إذا قلنا: إنه اسم للإخوة فكذلك؛ لأنّ وجود الابن والأب لا يمنع إطلاق كلالة عليهم، فهم كلالةٌ وإن وُجِد الأب والابن. وإنما اشْتُرِط في توريثهم عدم الولد فقط, وهو يُفهِم أن
__________
= (1064) والطيالسي (1742) والنسائي في "الكبرى" (6324، 7513) والبيهقي (6/ 231) وغيرهم.
(1) أي بحذف كلمة "باب"، وجَعْل ما بعدها متصلاً بالحديث السابق. وهو - كما صححه المعلمي - في طبعة محمَّد عوامة للسنن (3/ 405)، وقد قال في هامشها: هكذا جاء آخر الحديث في الأصول كلها إلا (ك)، فإنه ختم الحديث بكلمة "الكلالة"، وبعدها: "باب من كان ليس له ولد وله أخوات". وفي (ظ) ضبة بين كلمة "الكلالة" و"من كان ... ". وفي (ح) ضبة كذلك لكن مع كتابة كلمة "باب" في الهامش على الحاشية، وأنه كذلك في نسخة.
(2) كذا في الأصل، والحديث في "المسند" (3/ 307). ورقمه في الطبعة المحققة (14298).
(3) في هامش الطبعة المحققة: أُقحِم في منتصف الآية في (م) و (س) و (ت): "كان ليس له ولد وله أخوات". ولم ترد في (ظ 4) فحذفناها.
(17/754)

وجود الأب لا ينقصهم شيئًا. وهكذا إذا قلنا: إن الكلالة أُطلِقت على الوراثة.
فعلى كل حالٍ إن إطلاق هذه الآية يقتضي أن الإخوة يرثون مع الأب. فإذا أضفنا إلى هذا أن عمر رضي الله عنه كان أشدَّ الناس سؤالاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة، وقد أوصى بما علمتَ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طعنَ في صدرِه وقال: "أما يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء؟ " (1)، وهذه الآية تدلُّ على ما علمتَ، وأن هذه الآية وقعتْ جوابًا للاستفتاء عن الكلالة، وجوابُ الاستفتاء ينبغي أن يكون مستوفيًا = تَرجَّح (2) أن الإخوة يرثون مع الأب.
ولكن قد قدّمنا في تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ...} ما يدفع هذا، فارجع إليه. وعليه فيقال: إنه لما سكت هنا عن التقييد بعدم الوالد أحاله على ما تقدم هناك، والقرآن يُبيِّن بعضُه بعضًا. والله أعلم.
بقي أن الجيراجي (3) زعم أن وجود الأمِّ يمنع إطلاق "كلالة".
وهو قول بلا دليل، أما إذا قلنا: إن الكلالة تُطلَق على الإخوة فظاهر، وأما إن قلنا: إنه يُطلَق على المورث، فهذه الآية تدلُّ أنه الذي لا ولد له، وإنما فهمنا نفيَ الأب مما تقدم في الآية التي أوَّلَ النساء، وليس فيها دليلٌ على نفي الأمّ كما تقدم هناك. وإطلاقُ بعض الصحابة وأهل اللغة أنه مَن لا ولدَ له ولا والد، أو على ما عدا الولد والوالد، مع كونه ليس بحجة، فالوالد إنما هو حقيقة في الأب كما تقدم.
__________
(1) أخرجه مسلم (567، 1617) عن عمر.
(2) جواب "فإذا أضفنا ... ".
(3) في "الوراثة في الإِسلام" (ص 47).
(17/755)

وزعم (1) أن البنت وبنت الابن وبني البنات يدخلون تحت "الولد".
فأما البنت وبنت الابن فقد وافقه غيرُه، وبيَّنّا في فصل الأولاد أن ذلك إن قيل له فهو من عموم المجاز، والأولى الوقوف عند الحقيقة، وإنما لا يُفرَض للأخت مع البنت وبنت الابن بأدلة أخرى، كالأحاديث الدالة على أن الإخوة والأخوات مع البنات عصبات. وسيأتي في مبحث ميراث الإخوة من الحجب إن شاء الله تعالى.
وقد جاء عن ابن عباس أنه كان ينكر في بنت وأخت أن تُعطَى الأختُ النصفَ، ويقول: إنما قال الله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد (2).
وهذا ضعيف، أما إذا قلنا: إن البنت ليست داخلةً تحت كلمة "ولد" فظاهر، وأما إن قلنا: إنها داخلة فلأنّ الذي في الآية: {فَلَهَا النِّصْفُ} أي فرضًا كما هو ظاهر، ونحن لا نُعطيها النصف فرضًا، بل نُعطيها ما بقي بعد الفرائض. وكونُه يقع نصفًا في بعض الصور لا ينافي الآية، وهذا كما نُعطي الأب النصف في: بنت وأب، مع أن الله تعالى إنما فرض له السدس.
والعجب أن ابن عباس يورث الأخ مع البنت، مع أن دلالة الآية على عدم ميراثه معها أوضح من هنا كما سيأتي، وهذا مما يدفع به قوله. ومع هذا
__________
(1) المصدر السابق (ص 29).
(2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (19023) والحاكم في "المستدرك" (4/ 339) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 233).
(17/756)

فقد تضافرت الأدلة الصحيحة الصريحة بتوريث الإخوة مع البنات، كما سيأتي بسطها إن شاء الله تعالى.
فأما بنو البنات فإنهم ليسوا بأولادٍ حقيقةً كما هو ظاهر، ودعوى دخولهم بالمجاز لا دليلَ عليها إلا قياسُهم على بني البنين، وهو قياس في اللغة، مع أن قائلهم يقول (1):
بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا ... بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
ونحن إنما ورَّثنا أبناءَ البنين بالنصوص التي وردت في ذلك، كحديث ابن مسعود وغيره، ثم بالإجماع. وليس في بني البنات نصٌّ ولا إجماع، بل الإجماع على أنهم لا يرثون، والله أعلم.
{وَلَهُ أُخْتٌ} شقيقة أو من الأب، لا أنها لا تكون كلالةً إلاّ إذا كانت كذلك كما قدَّمنا, ولأن حكم الإخوة من الأمّ قد تقدم في موضعه على خلاف هذا, ولأن الإخوة هنا شُبِّهوا في فرائضهم بالأبناء، وهذا لا ينبغي إلاَّ في الأشقّاء أو لأبٍ, لأنهم من العصبة، فأما الإخوة من أم فإنهم أباعدُ، والإجماع فوق ذلك، والله المستعان.
{فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} المرء المورث، أي أخوها من أبيها وأمّها أو من أبيها، وقد تقدم ما تدلُّ عليه نسبة الفرض إلى "ما ترك" من إبطال رأي الجيراجي في العول.
__________
(1) البيت بلا نسبة في "الحيوان" (1/ 346) و"شرح شواهد المغني" (2/ 848). ونُسب إلى الفرزدق في "خزانة الأدب" (1/ 213)، ولا يوجد في ديوانه.
(17/757)

{وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} فيأخذ جميع مالها أو ما يبقى بعد الفرائض التي لا تسقط، وإن فُسِّر الولد هنا بما يعمُّ البنتَ كان ظاهره أن الأخ يسقط معها, ولا يأتي هنا الجواب المتقدم في الأخت، والجواب أن الدلالة إنما هي بمفهوم الشرط.
{فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} تقدم ما فيه.
{وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ} منهم {مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} قد تقدم ما فيه، ولم يكتفِ به هنا عن بيان ميراث الاثنتين, لأن في ذلك نوعَ غموض، فلا يحسن أن يكون غامضًا في الموضعين. وأغمضَ هنا ميراث ما فوق الاثنتين لأنه بيَّنه هناك، وهذا حثٌّ لطالب العلم أن يتدبَّر القرآن كلَّه، ولا يقتصر على بعضه، والله أعلم.
وقوله: {إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً} ثلاثتها جموعٌ، زعم الجيراجي أن المراد بها الجنس، حتى تصدُقَ على الأخ الواحد مع الأخت الواحدة مثلاً. وهذا غير لازم، أما "إخوة" فإنه صادق في الصورة المذكورة, لأن أقلّ الجمع اثنان في لسان الأنصار وغيرهم، وصحَّ ذلك في لفظ "إخوة" المتقدم في أول السورة، كما بيَّنا ذلك هناك.
وأما "رجال ونساء" فلا داعي لإخراجها عن ظاهرها، بل نقول: إنهما لا يَصدُقان في الصورة المذكورة، ولا يَصدُق "رجال" في صورة: أخ وأخوات، ولا "نساء" في صورة: إخوة وأخت، لكن حكم هاتين الصورتين يُعلَم بالقياس، والله أعلم.
(17/758)

{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ} حكم الكلالة كراهيةَ {أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قال الجيراجي (1): "فإن قيل: أيُّ ضلالٍ أكبر من أنه ما اتفق عليها الصحابة رضي الله عنهم، ولم يعلمها عمر رضي الله عنه، فكان يقول: اللهمَّ مَن كنتَ بيَّنتَها له فإنها لم تتبيَّنْ لي (2). وما زال الخلاف إلى اليوم. قلنا: ليس هذا ضلالاً، هذا هو البيان الموعود .... ".
فقوله: "هذا هو البيان الموعود" لا أدري أشار إلى ما تقدَّم من أنه ما اتفق عليها الصحابة ... إلخ، أم إلى ما بيَّنه هو في تفسيرها؟ والأول بعيد جدًّا، فتعيَّن الثاني، وفيه من التبجُّح ما لا يخفى.
ولعَمر اللهِ ما أنصف إذ جعلَ الصحابة رضي الله عنهم - وهم المخاطَبون أولاً وبالذات بقوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} - جعلَهم وسائرَ الأئمة وعلماء الأمة وجميع أفرادها أجمعوا كلُّهم على ضلالٍ في بعض أحكام الكلالة لتوريث الإخوة مع الأم، ولم يَجْنِ جَنى البيانِ ولا رُزِقَه إلا الحافظ أسلم الجيراجي! فالله المستعان.
قال (3): "فيُدرِك بعضهم الصوابَ فيؤجَر عشرة أجور، ويُقصِّر آخر فيؤجَر أجرًا واحدًا".
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 51).
(2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (10/ 305) والطبري في "التفسير" (7/ 725).
(3) "الوراثة في الإِسلام" (ص 52).
(17/759)

هذا خلاف الحديث المشهور (1): "إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد". وكأن الجيراجي ذهب إلى الحديث الآخر: "مَن همَّ بحسنةٍ لم يَعملْها كُتِبتْ له حسنةٌ واحدة، فإن عَمِلَها كُتِبْت له عشرةُ حسنات" (2). ولم يعلم أن المراد بقوله: "ولم يعملها" بأن عرضَ له مانعٌ، فكفَّ عنها مختارًا، فأما مَن عمل عملاً ظنَّه حسنةً فلا يدخل في هذا، بل الظاهر أن يُؤتَى الأجر كاملاً، إنما الأعمال بالنيات (3). والحديث الأول يدلُّ على هذا, ولكن أعطى الله المصيب أجرينِ، وذلك عبارةٌ عن عشرين حسنةً، وأعطى المخطئ أجرًا كاملاً، وهو عبارة عن عشر حسناتٍ {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] (4).
(الوصية)
استدلَّ الجيراجي (5) بآية الوصية، وقد تقدم تفسيرها وأنها تحتمل وجهين، أحدهما لا دلالةَ فيه على المدَّعَى أصلاً، ولكننا لا نتمسك به، بل نبني كلامنا على الوجه الآخر، فنقول: إن هذه الآية منسوخة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.
__________
(1) أخرجه البخاري (7352) ومسلم (1716) من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سلمة.
(2) أخرجه البخاري (6491) ومسلم (130) من حديث ابن عباس.
(3) أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب.
(4) بعدها في المجموعة 14 صفحة لا علاقة لها بالمواريث، ثم يبدأ الكلام على الوصية في صفحة 54.
(5) انظر "الوراثة في الإِسلام" (ص 2 - 7).
(17/760)

أما الكتاب فأوّلاً هي نفسُها تدلُّ على أنها لا تصلُح أن تكون حكمًا دائمًا، وذلك أنه بيَّن فيها أن الموصي مُعرَّضٌ للجنف والإثم، ولم يشرع لذلك حلًّا كافيًا إلاَّ مجرد نفي الإثم عمن أراد أن يصلح بينهم، والصلح مداره على الرضا.
واعلم أن الإنسان غالبًا .... ص 4 (1).
فإذا تأملتَ هذا مع ما سيأتي بيانه من منافاة حكم الوصية للمصلحة الحقيقية، ولاحظتَ أن أهل الجاهلية كانوا يخصُّون أولادهم بأموالهم، إلى غير ذلك من أهوائهم، وكنتَ ممن يفهم حكمة الله عزَّ وجلَّ في الخلق والأمر من بناء الإصلاح على التدريج، رِفقًا بالخلق وتألُّفًا لهم وتعليمًا لهم طُرُقَ الحكمة = علمتَ أن الله عزَّ وجلَّ إنما شرع حكم الوصية تعديلاً لعادات الجاهلية مما لا يُنفِّر النفوس ويُعاكِس المألوف، فبيَّن أن للوالدين والأقربين حقًّا, ولم يُحتِّم أداءه، بل وكَلَه إلى رغباتهم، فمن شاء أكثر ومن شاء أقلَّ. وعلى كل حالٍ فالأمر يهونُ عليهم؛ لأنهم يرون أن الأمر راجعٌ إلى رضاهم، وليس قسرًا عليهم، ولكنه مع هذا نبَّههم على أنهم معرَّضون للجنف والإثم، ولم يجعل لذلك حلاًّ كافيًا كما تقدم. ومن ذلك يعلم المتدبّر أن هذا حكم مؤقَّت، وفي هذا دلالة ظاهرة أن هذا الحكم سيُنْسَخ.
ثانيًا: آيات المواريث، والدلالة فيها على النسخ من طريقين، إجمالية وتفصيلية.
__________
(1) أشار المؤلف هنا إلى ص 4 رقم 1 لإكمال الكلام حول الموضوع في دفتر آخر، ولم نجده، وهكذا أشار المؤلف في الصفحة التالية ومواضع أخرى.
(17/761)

أما التفصيلية فقد تقدمت في تفسير الآيات، وهي في مواضع:
1 - {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ}.
2 - {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}.
3، 4، 5 - {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}.
6 - {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ...}.
7 - {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} وهو يشتمل على عدة أوجه.
8 - {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ}.
وأما الإجمالية فمن وجوه:
1) تعيين مواريث ..... ص 11
وأجاب الجيراجي (1) عن هذا الوجه بما مرَّ دفعُه في تفسير {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}.
2) أن آية الوصية خاصة .... ص 13
3) أن قسمة العليم الحكيم ... ص 13
وثَمَّ غيرُ ذلك من الدلالات أشرنا إلى بعضها في تفسير الآيات.
واستدلَّ الجيراجي (2) على بقاء حكم الوصية لقرابته بآية الوصية في
__________
(1) في "الوراثة في الإِسلام" (ص 4).
(2) المصدر نفسه (ص 5).
(17/762)

المائدة، وقد بيَّنا بطلانَ استدلاله في تفسير الآية. والله أعلم.
وأما السنة فاستدلَّ الجيراجي (1) منها بحديث الصحيحين (2): "ما حقُّ امرئ له شيءٌ يُوصي فيه يبيتُ ليلةً أو ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده".
ولا دليلَ فيه؛ لأن الوصية ليست قاصرة على الوصية التوريثية، بل من المشروع أن يُوصي الإنسانُ بما له وعليه من الديون والحقوق، وعليه يُحمل الحديث.
وبحديث ابن ماجه (3): "من ماتَ على وصيةٍ مات على سبيلٍ وسنةٍ". وسنده ضعيف، ومع ذلك فلا دليلَ فيه أيضًا.
ثم لو فُرِض أنه ثبتَ شيء من السنة ينصُّ على الوصية التوريثية فهو محمول على أنه كان قبل نسخها، فيكون منسوخًا بما نُسِخت به الآية، والله أعلم.
أدلة النسخ من السُّنَّة:
عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخَ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلَّ واحدٍ منهما السدسَ، وجعل للمرأة الثُّمنَ والربعَ، وللزوج الشَّطْرَ والربع"
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 2).
(2) البخاري (2738) ومسلم (1627) عن ابن عمر.
(3) رقم (2701) عن جابر بن عبد الله. قال البوصيري في الزوائد: في إسناده بقية, وهو مدلِّس. وشيخه يزيد بن عوف لم أر مَن تكلم فيه.
(17/763)

رواه البخاري في "صحيحه" (1) من طريق عطاء عن ابن عباس.
قال الحافظ في "الفتح" (2): وهو موقوف لفظًا، إلاّ أنه في تفسيره إخبارٌ بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير ... وقد أخرجه ابن جرير (3) من طريق مجاهد بن جبر عن ابن عباس ....
وفي "سنن" أبي داود (4) من طريق عكرمة عن ابن عباس: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، فكانت الوصية لذلك حتى نسختْها آية المواريث.
وفي "الدر المنثور" (5): وأخرج أبو داود والنحاس معًا في "الناسخ والمنسوخ" وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} قال: كان ولد الرجل يورثونه (6)، و {لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} قال: كان الوصية لهما، فنسختْها {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} الآية.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
__________
(1) رقم (2747، 4578، 6739). وقد سبق في أول الرسالة.
(2) (5/ 372).
(3) في "تفسيره" (6/ 459).
(4) رقم (2869). وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 265).
(5) (2/ 164، 165). والأثر في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص 88، 89) و"تفسير ابن أبي حاتم" (1/ 299).
(6) في "الدر المنثور": "يَرِثونه".
(17/764)

والبيهقي (1) عن ابن عمر أنه سُئل عن هذه الآية {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، قال: نسختْها آية الميراث.
وعن جابر قال: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر في بني سلمة ماشيَيْنِ، فوجدني النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أعقِلُ شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقتُ، فقلتُ: ما تأمرُ أن أصنع في مالي؟ فنزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} متفق عليه (2).
وله رواياتٌ قد تقدَّم الإشارةُ إلى بعضها في الكلالة. وفي رواية الإِمام أحمد والنسائي (3) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اشتكيتُ، فدخلَ عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسولَ الله، أُوصِي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلتُ: بالشَّطْر؟ قال: أحسن. ثم خرج، ثم دخل عليَّ فقال: "لا أراكَ تموتُ في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيَّنَ ما لأخواتك، وهو الثلثان".
فكان جابر يقول: نزلتْ هذه الآية فيَّ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}.
فجابر رضي الله عنه أراد أن يوصي بناءً على آية الوصية، ولكنه استشار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عزَّ وجلَّ الميراث.
__________
(1) العزو إليهم في "الدر المنثور" (2/ 165). وانظر "مصنّف" ابن أبي شيبة (11/ 209) و"تفسير" الطبري (3/ 131، 132) و"السنن الكبرى" للبيهقي (6/ 265).
(2) البخاري (194، 4577) ومسلم (1616).
(3) "المسند" (14998) و"السنن الكبرى" للنسائي (6324، 7513). وأخرجه أيضًا أبو داود (2887) وإسناده صحيح.
(17/765)

وعن سعد بن أبي وقّاص قال: مرضتُ عامَ الفتح مرضًا أَشْفَيْتُ [منه] على الموت، فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ لي مالاً كثيرًا وليس يَرِثني إلا ابنتي، أفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلت: فثُلثَي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلتُ: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ" متفق عليه (1).
فسعدٌ سأل عن الوصية لغير الورثة، ولم يتعرض لذكر الورثة، فلو كان حكم الوصية التوريثية باقيًا لما سكت عن ذلك، ولمَا أقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي رواية الترمذي (2) عن سعد قال: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مريض، فقال: "أوصيتَ؟ " قلت: نعم، قال: "بكم؟ " قلت: بمالي كلِّه في سبيل الله، قال: "فما تركت لولدِك؟ " قلت: هم أغنياء بخير، فقال: "أَوصِ بالعُشر" فما زلتُ أناقِصُه حتى قال: "أوصِ بالثلث، والثلث كثير".
ففيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألَه أوصيتَ، ففهمَ سعد أن المراد الوصية لغير الورثة، كما يدلُّ جوابُه، ولو كانت الوصية للورثة باقيةً لكانت أول ما يتبادر إلى ذهنه.
وعن النعمان بن بشير قال: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتْني أن أُشْهِدَك يا رسولَ الله، قال: "أعطيتَ سائرَ ولدِك مثلَ هذا؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدِلوا بين
__________
(1) البخاري (6733) ومسلم (1628).
(2) رقم (975).
(17/766)

أولادكم"، قال: فرجعَ فردَّ عطيتَه. وفي روايةٍ أنه قال: "لا أشهد على جورٍ" متفق عليه (1).
قال الحافظ في "الفتح" (2): تمسَّك به من أوجبَ التسوية في عطية الأولاد، وبه صرَّح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكية. ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة.
وإذا امتنع التفضيلُ في حال الصحة في حين لو أعطى المورث أجنبيًّا لجازت عطيته، فكيف في حال المرض حين يُحْجَر على المورث فيما زاد عن الثلث، كما جاء من حديث أبي بكر (3) وعلي (4)، وسعد بن أبي وقاص وقد تقدم، وابن عمر (5) وابن عباس (6) ومعاذ (7) وأبي هريرة (8) وأبي
__________
(1) البخاري (2587) ومسلم (1623). والرواية الأخرى عند مسلم (1623/ 14).
(2) (5/ 214).
(3) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2/ 794). وفي إسناده حفص بن عمر بن ميمون، وهو ضعيف.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 202) موقوفًا عليه.
(5) أخرجه ابن ماجه (2710). قال البوصيري في "الزوائد": في إسناده مقال؛ لأن صالح بن محمَّد بن يحيى لم أر لأحدٍ فيه كلامًا لا بجرح ولا غيره. ومبارك بن حسان، وثقَّه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داود: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. وقال الأزدي: متروك.
(6) أخرجه البخاري (2743) ومسلم (1629).
(7) أخرجه الطبراني في "الكبير" (20/ 54) والدارقطني في "السنن" (4/ 150). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 212): فيه عتبة بن حميد الضبي، وثقَّه ابن حبان وغيره, وضعَّفه أحمد. وفيه أيضًا إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف في روايته عن غير أهل بلده.
(8) أخرجه ابن ماجه (2709). وفي إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو متروك.
(17/767)

الدرداء (1) وأبي أمامة (2) وشدَّاد بن أوس (3) وعمران بن حصين (4) وأبي زيد الأنصاري (5) وخالد بن عبيد الله السلمي (6). وفي بعضها التصريحُ بإبطال الوصية فيما زاد عن الثلث، وذلك فيما رُوي عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستةَ مملوكين له عند موته، لم يكن له مالٌ غيرُهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرعَ بينهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولاً شديدًا. رواه مسلم (7).
__________
(1) أخرجه أحمد في "المسند" (27482) والبزار (1382 - زوائد) والطبراني في "مسند الشاميين" (1484). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 212): فيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط.
(2) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (8665). قال الهيثمي (4/ 211): "فيه توبة بن نمير [كذا، والصواب: نَمِر]، ولم أجد من ترجمه. وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد ضُعَّف ووُثَّق. وبقية رجاله ثقات" اه.
أما توبة بن نمر، فكان فاضلاً عابدًا تولَّى قضاء مصر، كما في "تعجيل المنفعة" (ص 61).
وأما عبد الله كاتب الليث فقد تابعه الإِمام الثقة الثبت سعيد بن أبي مريم عند الدارقطني (4/ 234).
(3) أخرجه الطبراني في "الكبير" (7171). قال الهيثمي (4/ 213): فيه الوليد بن محمَّد الموقري، وهو متروك.
(4) أخرجه مسلم (1668).
(5) أخرجه أحمد (22891) وأبو داود (3960) والنسائي في الكبرى (4973). وفي إسناده انقطاع بين أبي قلابة وأبي زيد.
(6) أخرجه الطبراني في "الكبير" (4129). قال الهيثمي (4/ 212): إسناده حسن.
(7) رقم (1668).
(17/768)

وفي رواية أبي داود (1) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا المعتق: "لو شهدتُه قبلَ أن يُدفَن لم يُدفَنْ في مقابر المسلمين".
ومن الحكمة - والله أعلم - في هذا أن الإنسان في حال صحته شحيحٌ، يأملُ طولَ الحياة ويخشى الفقرَ، فاكتفى الشرع بوازعِه الطبعي عن أن يحَجُر عليه، مع أنه إن أعطى لا يُعطي إلاَّ بسببٍ شديد يُجبِره على عصيانِ شُحِّ نفسِه. ولكن هذا بالنسبة إلى الأجانب، فأما بالنسبة إلى ولده فإنه يُؤثِرهم على نفسه، فمنعَ الله عزَّ وجلَّ من تفضيل بعضهم على بعضٍ سدًّا للذريعة.
وأما حالة المرض فإن المرء يخِفُّ شُحُّه، ويَضعُفُ أملُه، وكثيرًا ما يكون له هوًى غيرُ مشروعٍ في أجنبي، أو بُغضٌ لوارثه، فيحمله ذلك على إعطاء الأجنبي وحرمان الوارث، وكثيرًا ما يكون لبعض الأجانب عليه حقوق عظيمة لم يتمكن من أدائها حالَ صحتِه، فجعلَ الله عزَّ وجلَّ له الثلث يُوصِي به حيث أراد، مع التصريح بكراهية ذلك في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا ...} كما تقدم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والثلث كثير"، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى.
عن عمرو بن خارجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبَ على ناقته وأنا تحتَ جِرانِها، وهي تَقْصَعُ بجِرَّتها وإنّ لُعابَها يَسِيل بين كَتِفَيَّ، فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارِثٍ" رواه الإِمام أحمد والترمذي وحسَّنه، والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي (2).
__________
(1) رقم (3960) من حديث أبي زيد الأنصاري. وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (4973).
(2) انظر "المسند" (17664، 18081) والترمذي (2121) والنسائي (6/ 247) وابن =
(17/769)

وعن أبي أمامة قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقًّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث". رواه الإِمام أحمد والترمذي وحسَّنه، وأبو داود وابن ماجه (1)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر أيضًا (2). وفي سنده إسماعيل بن عياش، رُمي بالتدليس، ولكنه هنا صرَّح بالتحديث. وغمزه بعض الأئمة، ولكن بيَّن حالَه جماعةٌ من الأئمة أنه إنما يُضعَّف إذا روى عن الحجازيين، قال بعضهم: لأن كتابه عنهم ضاع، فخلّط في حفظه، أما إذا روى عن الشاميين فأكثر الأئمة يُقَوُّون حديثه، ومنهم من يصححه, منهم: الإِمام أحمد وابن معين وابن المديني والفلاَّس والبخاري ويعقوب بن سفيان وصالح بن محمَّد الأسدي والترمذي والنسائي وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي والدولابي (3).
وقد رُوِي الحديث موصولاً من أوجهٍ ضعيفةٍ عن علي (4) وابن عباس (5) وجابر (6) وعبد الله بن عمرو (7)، ومرسلًا عن مجاهد (8) وعطاء
__________
= ماجه (2712) والدارقطني (4/ 152) والبيهقي (6/ 264). وفي إسناده شهر بن حوشب وهو ضعيف، ولكن الحديث صحَّ من طرقٍ أخرى.
(1) انظر "المسند" (22294) والترمذي (2120) وأبو داود (3565) وابن ماجه (2713).
(2) انظر "فتح الباري" (5/ 372).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 322 وما بعدها).
(4) أخرجه الدارقطني (4/ 97). وفي إسناده يحيى بن أبي أنيسة الجزري وهو ضعيف.
(5) أخرجه الدارقطني (4/ 98). وفي إسناده عبد الله بن ربيعة مجهول.
(6) أخرجه الدارقطني (4/ 97). وقال: الصواب مرسل.
(7) أخرجه الدارقطني (4/ 98). وفي إسناده سهل بن عمار، كذَّبه الحاكم.
(8) أخرجه الشافعي في "الرسالة" (ص)، وهو ضمن كتاب "الأم" (1/ 60، 61) ط. دار الوفاء.
(17/770)

الخراساني (1)، وأما الموقوفات والمقطوعات فكثيرة في هذا الباب.
وقد مال الشافعي إلى تواتر حديث "لا وصية لوارث" (2). وكثير من العلماء يقول بأن خبر الآحاد ينسخ القرآن، وحجتهم قوية؛ لأن النسخ إنما هو بيان انتهاء مدَّة الحكم، وهذا إنما يعارض دوامه، ودوامه ظنّي، فكيف لا يكفي في معارضته ظنّي؟
على أنك إذا تأملت ما تقدَّم، وتتبَّعتَ المواريث التي قُسِمتْ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحوال الصحابة، وأنه لم يُوصِ أحدٌ منهم وصيةً توريثية = علمتَ أن معنى الحديث متواتر. والله أعلم.
الإجماع:
الإجماع على نسخ حكم الوصية معلوم، فلا حاجةَ لتعداد أسماء ناقليه. والاختلاف في الناسخ لا يلزم منه الاختلاف في النسخ كما لا يخفى. والله أعلم.
****
__________
(1) أخرجه الدارقطني (4/ 98).
(2) "الرسالة" (ص 140).
(17/771)

(ذوو الفروض)
قال (1): "جعل الفقهاء أولاد الأم من ذوي الفروض، وألحقوا بني الأعيان والعلات بالعصبة، واستدلُّوا عليه بقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ...} ... ".
أقول: قد مرَّ في تفسير هذه الآية ما يُغنِي عن الإعادة.
قال (2): "فنقول: إن من الأقسام الثلاثة للإخوة والأخوات أولادهم بالميراث بنو الأعيان ثم بنو العلَّات، كما جاء في الحديث: "إنّ أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلاَّت" (3) , لأن قرابة بني الأعيان إلى المورث من جهتي الأب والأم معًا، فهم أقربون (4) إليه من بني العلَّات الذين ليس اتصالهم به إلاّ من جهة الأب وحده، وأما أولاد الأم فهم أبعدُ الكلِّ؛ لأنهم ربما لا يكونون من أولاد آباء المورث، بل من عائلاتٍ أخر".
أقول: قوله: "فهم أقربون إليه من بني العلّات" يريد به الاستدلال على حَجْبهم لهم بقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}. ولكنه
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 8).
(2) المصدر نفسه (ص 11).
(3) أخرجه الترمذي (2095) من حديث علي بن أبي طالب. وفي إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبى إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في الحارث.
(4) وضع المعلمي في الهامش علامة استفهام (؟) على هذه الكلمة؛ لأنها خطأ في العربية.
(17/772)

فسَّر "الأقربين" في الحجب بقوله (1): "والمراد بالأقرب أن لا تكون واسطةٌ بينه وبينَ المورث، إما مطلقًا أو كانت لكن انتفتْ قبل وفاة المورث". وسيأتي تمام البحث في الحجب إن شاء الله تعالى.
قال (2): "فالفقهاء ظلموا الأقرباء؛ لأنهم جعلوا الأباعدَ من أولاد الأم ذوي فرض، والأقربين من بني الأعيان والعلَّات عصبةً، التي لا يُصيبها إلاّ ما بقي بعد ذوي الفروض".
أقول: إذا تأملتَ ما قدَّمنا في تفسير الآية علمتَ أن الفقهاء لم يأتوا بشيء من عند أنفسهم، وإنما قبلوا ما جاءهم عن الله عزَّ وجلَّ وآمنوا به. ومع ذلك فندفع شبهته بمعونة الله عزَّ وجلَّ.
قد قدَّمنا في تفسير الآيات أن مدار المواريث على أمرين: استحقاق الصلة والتعصيب، وجعل الفروض المعيَّنة بإزاء الأول، وما يبقى بإزاء الثاني، وفصَّلنا هناك بعض التفصيل. ونزيد هنا أن الضرب الأول هم الذين يستحقون المالَ حقيقةً، وأما الضرب الثاني فغاية الأمر أنه إذا لم يكن هناك أحدٌ يستحقُّ المالَ كانوا أولى من غيرهم.
فالحاصل أن استحقاق الضرب الأول آكدُ من الضرب الثاني، وقد يكون الشخص الواحد مستحقًّا للصلة ومن العصبة، وهذا قد يكون أضعفَ استحقاقًا ممن هو من الضرب الأول. كان ذلك - والله أعلم - لأنَّ من لم يكن من العصبة فلا يحتمل النقصَ ولا الحرمان، بخلاف مَن كان من
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 25).
(2) المصدر نفسه (ص 12).
(17/773)

العصبة، فإنه يحتمل ذلك, لأنّ من شأنِه المحاماةَ عن مولاه والدفاع عنه بدون التماس مقابل، فينبغي أن يكون من شأنه الحرصُ على أداء الحقوق اللازمة لمولاه ولو من ماله، أعني العصبة، فضلاً عن المسامحة بما يستحقُّه على المولى. ومما يؤيد هذا حكمُ الشرع بدية الخطأ على عاقلة الجاني.
ثم إن للأخ من الأم حقًّا آكدَ من حقَّ الأخ للأب، وذلك أولاً من حيثُ كونُه ولدَ الأمّ التي أُمِرْنا بصلتها أكثرَ من الأب، فوردَ: "بِرَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثم أباك" (1) أو كما قال. ووردَ أن مِن بِرَّ الوالدين بِرَّ القرابة التي كانت قرابةً بواسطتهما، وبِرَّ أهلِ وُدِّهما (2).
فُضِّلت على الأب [في الميراث] أيضًا، فجُعل فرضها ......... عدم الولد الثلث، وليس للأب إلاّ ما بقي، فنتجَ من ذلك أن تنالَ ضِعفَه إذا كان معهما زوج. وهذا صريح القرآن، وخلاف ذلك خطأ.
وسِرُّ المسألة أن الأب جامع بين السببين اللذين أوضحناهما أولَ هذا البحث، أعني استحقاق الصلة والعصوبة، فاستحقاق الصلة غايته السُّدس، ففُرِض له مع الولد خشيةَ أن ينقصَ منه، ولم يُفرَض له مع عدم الولد لأنه لا يَنقُص عنه. وعلى هذا فأخذُه أكثرَ من الأمّ في بعض الصور ليس تفضيلًا له عليها من حيث استحقاق الصلة، وإنما بقي هناك شيء غير مستحق، والعصبة أولى به، والأب أولى عصبةً هنا.
وإذا ثبت أن الأم آكد استحقاقًا من الأب، فكذا يكون ولدها بالنسبة إلى
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه مسلم (2552) من حديث ابن عمر.
(17/774)

ولده، فأما الأشقَّاء فلأنهم جامعون بين الوجهين: الاستحقاق من حيث الصلة والعصبية، وقد تقدم أولَ البحث أن الجامع بين الوجهين أضعفُ حقًّا من المنفرد بالاستحقاق من حيث الصلة، وبيَّنا حكم ذلك بحمد الله تعالى ...
فإن قلت: يستلزم من هذا أن الإخوة للأم إذا كانوا من العصبة بأن كانوا أبناءَ عم مثلاً يفضلوا على الأشقَّاء؟
قلت: كلاّ، فإن العصوبة هنا لا حكم لها؛ لأن ابن العم لا يُعتَدُّ بعصوبته مع وجود الأخ.
وثانيًا: الغالب أن الرجل لا يواصل في حياته أخاه لأمه كما ينبغي، بل هو عنده في عداد الأجانب.
وثالثًا: يريد الله عزَّ وجلَّ التأليف بين الناس، ولا سيَّما بين أولاد الأم الواحدة، وإنما يتم هذا بأن يعلموا أن لأحدهم حقًّا على الآخر قد يكون آكدَ من حقِّ الشقيقِ، فضلاً عن الأخ لأب، لعلَّهم إذا علموا هذا قوِيَ ارتباطُهم وتمكَّن اتصالُهم، بخلاف الأشقَّاء والإخوة لأبٍ، فإن الارتباط بينهم مألوف، سواء طمعوا في الميراث أم لا.
فإن قلت: فلِمَ لم يُفضِّل الأخ لأم على الشقيق، أو الأخ لأب مطلقًا؟ قلت: الأخ لأم له حقٌّ محدود، لا ينبغي أن يُزاد عليه ولا يُنقَص، وهكذا سائر أصحاب الفروض. وأما العاصب فليس له حقٌّ مبتوت، وإنما له ما فضَلَ، فأصحاب الفروض كأصحاب الديون.
فلما جاء الإِسلام ..................................................
(17/775)

وبنى المواريث على أصول أخرى يطولُ بيانُها، وإنما نذكر بعون الله عزَّ وجلَّ أمثلةً منها:
الزوج:
الزوج: مكلَّفٌ بتسليم مَهْر زوجته ونفقتها طولَ حياتها، وحاملُ المشقَّات في التماسِ رضاها، والصبر على عِوَجها وكفرانها، الذي شهد به النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). وبهذه الأمور وغيرها جُعِلَ نصيبُه فرضًا لا يسقط بحالٍ.
والزوجة تشبه الزوج في بعض الأمور المتقدمة، ولكنها دونه، فجُعِلت على النصف منه مع المحافظة على أن لا تسقط.
الأب:
الغالب أن يكون ابنه قد بَرَّه وواساه وخَدَمه في حياته بما يستطيع، فلم يكن حقه بمؤكَّدٍ كالزوج، ولكن يكون مؤكَّدًا في الجملة في الأحوال التي يُخشى فيها من سقوط؟
الابن:
هو أحقُّ الورثة لأسبابٍ عديدة، ولكن لم يجعل له الله عزَّ وجلَّ فرضًا لأنه آمِنٌ من السقوط.
البنت:
هي آكدُ حقًّا من الابن لضعفها وعجزها، فلذلك رُجِّحتْ عليه بأن جُعِل لها فرضٌ لا يُنْقَص عنه. ولكن إذا كان لها أخٌ فإنها ترجع عصبةً، وذلك
__________
(1) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (3331) ومسلم (1468) عن أبي هريرة.
(17/776)

لاشتدادِ ساعدِها وانجبارِ ضعفِها ووهنِها، فصارت في حكم الابن.
الأخ:
حق الأخ ضعيف؛ إذ ليس مكلَّفًا بشيء مما تقدم، ولكن له حقٌّ في الجملة، فجعله الله عزَّ وجلَّ عاصبًا، أي إذا بقي شيء بعد الحقوق أخذه.
أخت:
لها حقٌّ آكدُ من حقّ الأخ؛ لأنها تكون في حياتها أحنَى وأشفقَ على أخيها من الأخ على أخيه، وأيضًا هي أنثى ضعيفةٌ تستحق المواساة في الحياة وبعد الوفاة، فلذلك سمَّى لها الله عزَّ وجلَّ فرضًا يُؤْمَنُ من سقوطه، إلاّ إذا كان هناك أبٌ للميت, لأنه أبوها، فوجوده يَشُدُّ من عضدها ويتكفَّلُ بمواساتها، وجَعْلُ المالِ في يده أولى من جعلهِ في يدها.
وكذا إذا كان هناك ابنٌ للميت، أولاً لأن حقَّ الابن آكدُ، وثانيًا لأنها عمَّتُه، فهو أيضًا مكلَّفٌ بصلتها ومواساتها.
ولم يُحْرَم الزوج مع الأب؛ لأن الزوج لا يبقى صلةٌ بينه وبين أبي زوجته بعد وفاتها, ولم يُحرم الزوج مع الولد, لأنه إن كان ابنه فالأمر ظاهر، وإن كان ابنَ غيره فلأنه لا صلةَ بينهما. فإذا وَرِث مع الأخت أخ شقيق فإنها تُجعَل عصبةً؛ لأنها بوجود شقيقٍ لها انجبر ضعفُها وكسْرُها، فصارت في حكم الأخ.
قال (1): "ومن نتائجه أن في بعض الأحيان تَرِث أولاد الأم ويُحرَم بنو
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 12).
(17/777)

الأعيان والعلاَّت مثلاً" ثم ذكر المسألة المشتركة، ثم قال: "كيف يجوز ..... " (ص 97) (1).
****
__________
(1) بعده بياض في الصفحة في الأصل.
(17/778)

(العصبة)
نبدأ فنسوقُ أدلة القول بالتعصيب، ثم نعطف على اعتراضات الجيراجي إن شاء الله تعالى.
قد قدَّمنا أن مدار الوراثة على أمرين: استحقاق الصلة والعصبية، وأن الأول هو مدار الفروض، والثاني مدار ما يبقى. ولنبسط هنا الكلامَ على هذا الأصل وإن وقعَ تكرارٌ لبعض ما تقدم.
أَجَلْنا النظرَ في المواريث المبيَّنة في كتاب الله تعالى فإذا هي فروضٌ مقدَّرة وإرثٌ مطلق، بيَّنت السنة ثم اتفقت الأمة أن المراد بإطلاقه أن جميع المال عند عدم الفروض، والباقي بعد الفروض عند وجودها.
ثم أَجَلْنا النظرَ في ذوي الفروض، فإذا هم إما إناث وإما رجال، ليسوا من رجال عشيرة المورث الذين يغضبون له ويعصبون حوله، ولم يخرج من ذلك إلاّ الأب عند وجود الولد.
وأَجَلْنا النظر في الضرب الآخر، فإذا هم كلهم من عشيرة المورث بلا استثناء، ثم نظرنا فإذا هم إما رجالٌ فقط، وإما رجالٌ مع أخواتهم، ولم يخرج من ذلك إلا الأخوات مع البنات.
فتبين لنا أن مدار الفروض على استحقاق الصلة، ومدار ما يبقى على العصبية. ولكن من الورثة مَن يجمع الأمرين، فاقتضت الحكمة في هذا أنه إذا لم يُخشَ من سقوطه لم يُفرض، وذلك الابن والأب عند عدم الولد، وإذا خُشِي سقوطُه فُرِض له، وذلك الأب عند وجود الولد.
(17/779)

ومن الورثة مَن يكون من نساء العصبة، ولها حالات:
إحداها: أن لا يكون معها أحدٌ من رجال العصبة ولا من ذوي الحقوق، ففي هذه الحال لها فرض معين بمقتضى استحقاقها، كالبنات والأخوات الشقائق والأخوات لأبٍ، إذا انفرد كلٌّ من ثلاثة الأنواع عما تقدم.
الحال الثانية: أن يكون معها ذو حقّ، فلا يخلو أن يكون الاستحقاقان سواءً أو أحدهما أولى، فإن استويا فلكلٍّ فرضُه، ويشتركون، وإن جرَّ ذلك إلى العَول. وإن كان أحدهما أولى فلا بدَّ من تنفيذه، ثم إن كانا من نوع واحد فُرِض للمرجوح ما بقي من استحقاق النوع إن كان، وهذا حال بنت الابن مع البنت، والأخت لأب مع الشقيقة. وإن كانا من نوعين قُدِّم الراجح وما يساويه من الحقوق، فإن بقي شيء فللمرجوح. وهذا حال الأخوات مع البنات.
الحال الثالثة: أن يكون معها أحدٌ من رجال العصبة، فإنها في هذه الحال تتقوَّى به، ويشتدُّ جانبها، وينجبر ضعفُها. ثم إن كان ذلك العاصب أضعفَ منها، بحيث إنها تُقدَّم عليه لو كانت ذكرًا، فإن كان لها فرض تناله، فإنها تستوفي فرضَها كاملاً، وهذا كالبنت مع ابن الابن، وكالأخت الشقيقة مع الأخ لأب. وإن لم يكن لها فرض فإنها تكون معه عصبةً، للذكر مثل حظّ الأنثيين، وهذه مسألة التشبيب.
وإن كان مساويًا لها فإنها تتحوَّل عن فرضها، وترجع معه عصبةً، للذكر مثل حظّ الأنثيين، كالبنت مع الابن، والشقيقة مع الشقيق، والأخت لأب مع الأخ لأب، وبنت الابن مع ابن الابن.
(17/780)

وإن كان أولى منها فإنه يُسقِطها، وهذا كبنت الابن مع الابن، وبنت ابن الابن مع ابن الابن، وكالأخت مع الأب والابن وابن الابن، وكالأخت لأبٍ مع الشقيق.
ويبقى النظر بين الجدّ والأخت: أهما متساويان أم أحدهما أولى من الآخر؟
فتبيَّن لنا أن الإرث المطلق مداره على الرجال من العشيرة، وإنما يكون للنساء بالعرض ولنساءٍ مخصوصات، وهن ذوات الاستحقاق الذي ثبت الفرض لهنّ من حين انفرادهن، أعني البنات والأخوات.
ثم نظرنا في التعصيب الأصلي، فإذا هو مرتَّبٌ على الأولوية الذكرية: الابن فالأب فالأخ.
ونظرنا في مدارِه - وهي العصبية - فإذا هي ثابتة فيما بعدُ لبني الإخوة والأعمام وبني الأعمام ثبوتًا لا شكَّ فيه، بحيث يكاد يُساوي عصبية الإخوة بالنسبة إلى الأجنبي. ففهمنا من هذا أن السلسلة ستستمر على الترتيب المذكور: الأولوية الذكرية.
ونظرنا في مدار الفروض - وهي استحقاق الصلة - فوجدناها قويةً في بنات البنين وضعيفة فيما عداهن، فعلمنا من ذلك أن السلسلة الفرضية مستمرة في بنات البنين على الترتيب، وأما فيما عداهن كبنات الأخ والعمَّات وبنات الأعمام فلا، وإذا لم يكن هؤلاء مستحقاتِ فرضٍ فلا يمكن أن يُشاركن إخوتهن في التعصيب.
ونظرنا في الفروض المقدرة فإذا هي مبنية على الاستحقاق كما مرَّ، وكلٌّ من أهلها قد فُرِض له ما يستحقه، ولم يبقَ له حقٌّ في الباقي, لأن المال
(17/781)

إنما يُستَحقُّ باستحقاقِ صلةٍ وقد استوفاها، أو بتعصيبٍ وليس بعصبة، فلا ينبغي أن يُزَاد لذلك المستَحَقّ الذي قد استوفى استحقاقه شيءٌ ما دام هناك عصبة، وذلك في مثل: بنت، ابن عم.
هذا مقتضى النظر المستند إلى الأصول القطعية، وجاءت النصوص طِبْقَه، فروى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأَولَى رَجلٍ ذكر" متفق عليه (1).
وفهم منه جماعة أن المراد بالفرائض الفروض المقدَّرة، وعلى هذا التفسير بني الجيراجي اعتراضاتِه في:
(1) أم بنت ابن
(2) أم بنت أخت أخ
(3) بنتان أخت ابن الأخ (2)
قائلاً: إن هذه الثلاثة الأمثلة تَنقُض هذا الأصل (3).
فأقول: بل المراد بالفرائض المواريث المبيَّنة في كتاب الله تعالى أو في سنةِ رسولِه غيرِ هذا الحديث، ويدلُّ على ذلك ما في بعض الروايات الصحيحة (4): "اقْسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض على كتاب الله تبارك وتعالى، فما تركتِ الفرائضُ فلأَولَى رجلٍ ذكرٍ".
__________
(1) البخاري (6732) ومسلم (1615).
(2) في الأصل: "أخ". والتصويب من كتاب الجيراجي.
(3) "الوراثة في الإِسلام" (ص 16، 17).
(4) عند مسلم (1615/ 4).
(17/782)

وهذا الاستعمال هو المعروف، قال الله عزَّ وجلَّ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} إلى قوله: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ}. وكثُر في الأحاديث إطلاقُ الفرائض على مطلق المواريث، واتفقت الأمة على تسمية علم المواريث بالفرائض.
ثم إن كان اشتقاقها من الفرض بمعنى الإيجاب - أي لأن الله عزَّ وجلَّ أوجبها بعد أن كانت موكولةً إلى اختيار المورث - فظاهرٌ، وكذا إذا كان من الفرض بمعنى الإنزال أو التبيين أو الإعطاء بغير عوض.
وإن كان من الفرض بمعنى التقدير والتحديد فلأن جميع المواريث مقدَّرة محدَّدة، إن لم تكن بأحد الكسور الستة فبغيرها، وإن لم تكن بالتصريح فباللزوم، فالابن إذا انفرد فرضُه الجميع، وإذا كان مع زوج فله ثلاثة أرباعٍ، أو مع زوجةٍ فسبعةُ أثمانٍ، وهكذا، وجميعها مقدَّرة محدودة.
وعلى هذا فلا تَرِدُ الأمثلةُ التي اعترض بها الجيراجي؛ لأنها كلَّها من الفرائض المبينة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فدخلتْ تحت قوله: "ألْحِقوا الفرائضَ بأهلها". ففي المثال الثالث ألحقنا الثلثينِ بالبنتين لأنه فرضُهما بنصّ القرآن، وألحقنا الباقي بالأخت لأنه مفروضٌ لها بمقتضى السنة، ولم يبقَ شيء حتى نجعله لأولى رجلٍ ذكرٍ، وهو ابن الأخ.
ومع هذا فمَن يقول بالتفسير الأول يُجيب عن تلك الأمثلة بأنها مما خُصِّص فيه عمومُ هذا الحديث، المثال الأول والثاني بالقرآن، والثالث بالسنة، وتخصيص العموم غير مستنكر، فلا معنى لقول الجيراجي: "يقعُ
(17/783)

مباينًا للقرآن ومناقضًا لما أجمع الفقهاء عليه" (1) إلاّ أنه يمكن أن يناقش في هذا التخصيص، وكيف كان أولى من عكسه، وغير ذلك. ولا حاجة لبسط الاعتراض والجواب، إذ كان المعنى الأول هو الراجح.
وقد تأوَّل الحديث بقوله: "وعندي أنه ليس بحكمٍ كلَّيٍ، بل قضَى به - صلى الله عليه وسلم - في قضيةٍ خاصة ... " (2).
أقول: أولاً هذا مجرد احتمال ... (ص 94).
وسيأتي في الحجب في بحث ميراث الإخوة أدلةٌ أخرى إن شاء الله تعالى. وقد ثبت في الصحيحين (3) وغيرهما مطالبةُ العباس رضي الله عنه بميراثه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينكر عليه أحدٌ بحجة أن العمّ لا يرث مع البنت، وإنما دفعوه بحجة أخرى، وإجماع الأمة بعد ذلك، والله أعلم.
قال الجيراجي (4): "ومن أجل اعتبار العصوبة يقع في مسائل الوراثة خلل عظيم نوضّحها (؟) (5) بالأمثلة:
(1) عشْرُ بنات وابن
210
ولو كان مكان الابن أخت أو أخ أو ابنه لأخذ ثلثَ التركة بالعصوبة، أي
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 16).
(2) المصدر نفسه (ص 16).
(3) البخاري (6725) ومسلم (1759/ 53) عن عائشة رضي الله عنها.
(4) "الوراثة في الإِسلام" (ص 15).
(5) علامة الاستفهام من المعلمي استنكارًا لتأنيث الضمير الذي يرجع إلى المذكر.
(17/784)

ضِعْفَ ما أخذه الابن، فكأن كلاًّ من هؤلاء أكبر وارث (؟) (1) عند الفقهاء من ابن المورث".
أقول: إن الشرع جعل البنين شيئًا واحدًا، فالابن الواحد والمئة سواء، فلا يصح أن يُفرَد نصيب واحد من جملة العدد ويُوازَن بينه وبين الأخ مثلًا. وقد فرض الله عزَّ وجلَّ للبنات إذا لم يكن ابنٌ الثلثين بنصّ كتابه، وفرضَ إذا كان ابنٌ أن يكون للذكر مثل حَظّ الأنثيين. فهلَّا اعترض الجيراجي على هذين الحكمين، بأنه في مثاله المذكور أخذت البناتُ أكثر من الثلثين مع أنَّ معهنَّ ابنًا، وأنه لو كان بدلَ الابنِ أبٌ لما أخذنَ إلاّ الثلثين. وأيضًا أخذ الابنُ في المثال سدسًا, ولو كان بدلَه أبٌ أخذ ثلثًا.
والمقصود أن نقص الابن في المثال إنما جاءه من زيادة نصيب أخواته على الثلثين، فإن كان للجيراجي اعتراض فليعترضْ على هذا.
وخذْ مثالاً آخر: ثلاثون بنتًا ابن
للابن هنا نصف الثُّمُن، ولو كانت مكانَه زوجةٌ لحازت الثمنَ، أو زوجٌ لحازَ الربعَ، أو أمٌّ لحازت السدسَ، أو أبٌ لحاز الثلثَ. هذا، مع أن نصيب الزوج لا يجاوز النصفَ، والزوجة الربع، أما الأخ فقد يكون نصيبه الكلّ.
ثم إن هذا الحكم - أعني كون الأخت أو الأخ أو ابنه يحوز الباقي - ثابت بالأدلة المتقدمة، وسيأتي نصٌّ في الأولين في بحث ميراث الإخوة من الحجب إن شاء الله تعالى.
__________
(1) استفهام إنكاري من المعلمي.
(17/785)

قال (1): " (2)
زوج |أب |أم |ابنان
3|2|2|5
لو كان ههنا مكانَ الابنين بنتانِ لأخذتا ثُلثين من المال، أي أزيد بكثير من الابنين، والله تعالى جعل حظّ الأنثى نصفًا من الذكر".
أقول: هذا الاعتراض يحسُن إيرادُه على العَوْل لا على التعصيب, لأنك تُوافِق أن الابنين ليس لهما إلاّ ما بقي، وتُوافِق على أن للبنتين الثلثينِ، وإنما تُخالِف في العَوْل، فتقول: إن نصيب الزوج يخرج من الرأس، ثم تُقسَم التركة على حسب الفرائض فيكون القَسْم عندك على ما يأتي:
زوج |أب |أم |ابنان
2|1|1|4
وكذا لو كان بدلَ الابنين ابنتانِ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى نقضُ اختراعِك هذا، وبيانُ فساده ومخالفتِه لكتاب الله عزَّ وجلَّ، في فصل العَوْل. وإنما نقول هنا: إنّ غاية ما فيه مساواة البنتين والابنين، فأينَ فيه جَعْلُ حظَّ الأنثى نصفًا من الذكر.
قال (2): "مسألة"، وذكر مسألة التشبيب، وسيأتي الجواب في بحث ميراث الأولاد مع أولاد الأولاد من الحجب إن شاء الله تعالى.
****
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 15).
(2) المصدر نفسه.
(17/786)

(ذوو الأرحام)
قال في فصل العصبة (1): "والناس كلهم من أولاد آدم عليه السلام، فلا يمكن أن يخلو ميتٌ من عصبة، فذوو الأرحام - الذين يرثون عندهم إذا لم يكن للميت عصبةٌ - لا تصل إليهم التركة أبدًا".
أقول: هم لا يريدون بقولهم: "إن ذوي الأرحام لا يرثون إلاّ إذا لم يكن هناك عصبة" انتفاءَ العصبة في نفس الأمر، بل انتفاء العلم بها، وأنت خبير أن الغالب في الناس جهل الأنساب بعد بضعة آباء، فحينئذٍ يكون الغالب الجهل بالعصبة البعيدة. ولا تحسبنّ هذا الحكم خاليًا عن الحكمة، بل الحكمة فيه بيَّنة، وهو أن العصبة إنما يَرِث لمكان العصبية، أعني كونه يغضب للمتوفى، وَيحمي عنه، ويبذل دمه وماله في الذبّ عنه، وطبعًا إن هذا إنما يكون فيمن يعلم أنه عصبته، أعني أنه ابن عمه أو ابن عمّ أبيه مثلاً، فأما عند الجهل فهذا السبب مفقود، فليسقط اعتبار ما بُني عليه من الميراث.
ثم استدل بالآيات التي سبق تفسيرها وإبطالُ ما ادَّعى دلالتها عليه، ثم قال (2): "وكان عمر رضي الله عنه يتعجب من أن العمة تورث ولا ترث".
أقول: تعجبُ عمر من ذلك دليلٌ على أنها لا ترث، وبيانه أنه رضي الله عنه كان إمامًا صارمًا لا تأخذه في الله لومةُ لائم، فما بالُه يتعجب هنا تعجبًا؟ والتعجب إنما يكون عند رؤية شيء عجيب، والعجيب في الأحكام على وجهين:
__________
(1) "الوراثة في الإِسلام" (ص 14، 15).
(2) المصدر نفسه (ص 19).
(17/787)

الأول: ما يُعلَم أنه منافٍ للحكمة ومخالفٌ لها.
الثاني: ما لم يُدرِك المتعجب حكمتَه مع إيمانه بأن له حكمة.
والأول لا يجيء هنا؛ لأن عمر رضي الله عنه كان إمامًا صارمًا لا تأخذه في الحق لومةُ لائم، فلو علم أن هذا الحكم خطأ بأن كان من حكم أبي بكر أو غيره من الصحابة لخالفهم، كما خالفهم في أحكام كثيرة، فإذْ لم يخالف هذا الحكم علمنا أنه يعلم أنه حكم ممن لا يجوز عليه الخطأ، ولا تنبغي مخالفته، فيكون قد علمه من حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تتبيَّن له حكمته، فكان يتعجب لذلك.
ومع هذا فإننا لا نرى عجبًا في هذا الحكم:
أولاً: لأننا نقول: إن العمة ترِث في الجملة، وذلك إذا لم يستغرق الفروض ولم يُعلَم العصبة، وهذا كافٍ في المقابلة، كما أن الأخت ترِث من أخيها النصف فرضًا, ولا يرِث منها إلاّ ما أَبْقَت الفروضُ تعصيبًا.
وثانيًا: الوراثة ليست مبنيةً على المقابلة، بل على الأسباب، فأيُّ مانعٍ أن يثبت لزيدٍ حقٌّ على عمرو ولا يثبت لعمرو حقٌّ على زيد؟ وهذا واضح هنا، فإن عصبية ابن الأخ لعمتِه ظاهرة بيَّنة، واستحقاقها صلته ضعيف، وانظر هذا المثال:
لو أن أخوينِ أحدهما منقطع، والآخر ذو ولد، فلو مات المنقطع لَورِثه ذو الولد، ولو مات ذو الولد لم يكن لذلك المنقطع شيء.
وأنت ترى أن فرض الزوج من زوجته ضِعْفُ فرضها منه وفرض الأب من بنته ثُلُثُ فرضِها منه. وإذا جاز الاختلاف زيادةً ونقصًا جاز وجودًا وعدمًا.
(17/788)

وقد تقدم حديث ابن عباس: "ألحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأولَى رجلٍ ذكر". وفي "الفتح" (1): قال الخطابي: إنما كَرَّر البيانَ في نعتِه بالذكورة ليُعْلَم أن العصبة إذا كان عمًّا أو ابنَ عمًّ مثلاً، وكان معه أختٌ له، أن الأخت لا ترِث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظّ الأنثيين.
ولا يُعتَرض بأن هذا معلوم من لفظ "ذكر", لأننا نقول: أكَّده لدفع التجوُّز والتغليب، والله أعلم.
وقد جاءت أحاديث في نفي ميراث العمة والخالة، انظرها في "تلخيص الحبير" (2).
وقد ثبت في الصحيحين (3) وغيرهما في كتب الحديث والسير والتاريخ مطالبةُ العباس عمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بميراثه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يُنقَل البتةَ أن صفيَّة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالبت لا هي ولا ورثتُها, ولا ذُكِرتْ في تلك المحاورات، وهي إنما توفيت في خلافة عمر رضي الله عنه.
قال (4): "ولو رأى الفقه اليوم لازداد عجبًا، فإن فيه ابن البنت يورث ولا يرِث، وأمّ الأمّ ترِث ولا تورث".
أقول: هذه صورة واحدة جعلَها صورتين، فإن ابن البنت إنما ترِثه أمُّ أمِّه لا أبو أمَّه. وقد علمتَ الجوابَ مما تقدم، فابن البنت يرث من ميراث ذوي
__________
(1) (12/ 12). وكلام الخطابي في "أعلام الحديث" (4/ 2289).
(2) (3/ 94).
(3) البخاري (6725) ومسلم (1759/ 53) عن عائشة.
(4) "الوراثة في الإِسلام" (ص 19).
(17/789)

الأرحام، فلا وجه لنفي إرثِه. وسيأتي ما يتعلق بهذا في بحث ميراث أولاد الأولاد من الحجب إن شاء الله تعالى.
قال (1): "وكذلك ابن الابن مع ابن الميت لا يَرِث عن جدّه، وجدُّه يَرِث عنه".
أقول: أما هذه فهي كمسألة الأخوين المنقطع وذي الولد، وقد تقدمت. وسيأتي بَسْط هذا في الحجب إن شاء الله تعالى.
(العول) (2)
__________
(1) المصدر نفسه (ص 19).
(2) بعده بياض في الأصل بمقدار نصف صفحة.
(17/790)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تبارك وتعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11].
قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ} أي المتوفى، فيعمُّ كلَّ متوفى كما لا يخفى، وهذا خبر، والظاهر أن مبتدأه محذوف، تقديره: "إرث" أو نحوه. وقدَّره بعضهم "الثلث". وقال بعضهم: المبتدأ هو (1) قوله: {السُّدُسُ}، وقوله: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} بدل بعض. وقد رُدَّ هذا القول الأخير وأجيبَ عن الرد كما في "روح المعاني" (2). ولا أرى الجواب مُقنِعًا، ثمّ كلٌّ من القولين الأخيرين يقتضي أن الكلام انتهى عند قوله: {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، ثم استأنف ما بعده. والظاهر هو القول الأول، فيكون قوله: {لِكُلِّ وَاحِدٍ} إلى قوله: {أَوْ دَيْنٍ} تفصيل (3) لقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ} أي إرثٌ. كما أن قوله في أول الآية: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} تقديره على الصواب: "في توريث أولادكم"، ثم فصَّله بما بعده.
وقوله: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ظاهر،
__________
(1) في الأصل: "بعد". سبق قلم.
(2) (4/ 223 - 224).
(3) كذا في الأصل مرفوعًا، والوجه النصب.
(17/791)

ومنطوق الآية خاص بحكم الأبوين عند اجتماعهما معًا مع الولد، ويؤخذ منها بمفهوم الموافقة أنه إذا انفرد أحدهما مع الولد فله السدس. أما أنه لا ينقص عنه فلأنه إذا لم ينقص عنه مع وجود الآخر فكذلك عند فقده، إذ لا يُعرف في الفرائض ذَوا فرضٍ ينقص أحدهما عن فرضه بسبب فقدان الآخر. وأما أنه لا يزيد عليه فلأن سبب النقص هو الولد، وهو موجود، فينقص أحدهما كما ينقص كلّ واحدٍ منهما.
ويؤخذ منها بمفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن ولدٌ فللأبوين حكم آخر. هذا، ومع وجود الولد والأبوين أو أحدهما قد لا يبقى شيء، كأن يكون الولد ذكرًا. وقد يبقى شيء، كبنتٍ وأبوين، أو وأب فقط. وفي هذه الحال قد يكون ذو فرضٍ كأحد الزوجين، فيأخذ فرضه، فإن لم يكن، أو كان وبقي بعد فرضه شيء - كبنتٍ وأبوين فقط يبقى السدس، أو مع زوجة يبقى ربع السدس - فالجمهور أن ما بقي فللأب، يأخذه بحق العصوبة، لحديث الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس مرفوعًا: "ألحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولَى رجلٍ ذكر". وحُكي عن الإمامية أن الباقي يُردّ على الورثة - أي دون الزوجة فيما يظهر - على حسب سهامهم. وهو خلاف ما دلَّت عليه السُّنَّة ومضى عليه الجمهور.
فإن قيل: فإن القرآن وكَّد أن للأب مع الولد السدس، ومفهوم ذلك أنه ليس له غيره.
قلت: وكذلك يقال في الرد في صورة أبوين وبنت: قد نصَّ القرآن أن للبنت النصف، وللأبوين السدسان، فمفهوم ذلك أن لا يُزاد أحد منهم. والحق أن نصَّ القرآن إنما هو في الفرض المحتوم، فلا ينافي أن يؤخذ غيره
(17/792)

بغير طريق الفرض تعصيبًا أو ردًّا على ما يقتضي الدليل.
ثم بيَّن تعالى ما أجملَه بمفهوم قوله: {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، فقال: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}. فقوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ} أي: وبقية القضية بحالها، وهي اجتماع الأبوين كما هو ظاهر، فقد يستشكل قوله مع ذلك: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}.
والجواب يختلف باختلاف المذهب، أو يختلف باختلافه المذهب. وهنا مذهبان:
الأول: مذهب الجمهور أنه إذا لم يكن ولدٌ ولا إخوةٌ، وكان أبوانِ، فللأمّ ثلثُ ما يأخذانِه، فإن لم يكن معهما أحد الزوجين أخذت ثلثَ التركة، وإن كان معهما زوجة أخذت الأمُّ ثلثَ الباقي، وهو الربع، وإن كان بدل الزوجة زوج (1) لم يكن للأم إلا السدس.
الثاني: مذهب ابن عباس، وهو أن للأم ثلث التركة في الصور الثلاث. فلنبدأ بالجواب الموافق لمذهب ابن عباس فنقول - على فرض التزامنا مذهبَه -: قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} تأكيد، وحَسُن لأنه لو قيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لقال قائل: هذا إذا لم يكن معها أبٌ، زاعمًا أن هذه الجملة مستقلة عما قبلها، فلا يلزم موافقتها لها في كونها في اجتماع الأبوين. ويؤيد قوله بأن هذه لو كان المعْنِيَّ فيها على اجتماع الأبوين لبيَّن حكم الأب، فلما اقتصر على بيان حكم الأمّ دلَّ أن هذه الجملة إنما هي في حكم الأم عند عدم الأب.
__________
(1) في الأصل: "زوجة" سبق قلم.
(17/793)

فإن قيل: بناء الجملة على ما قبلها ظاهر، ولو قيل: إنها في حكم الأم عند انفرادها عن الأب، رُدَّ ذلك بأن هذا القيد - وهو قولكم: "عند انفرادها عن الأب" - لا دليلَ عليه، فغاية ما هناك أن يكون قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ [وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ] فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} على إطلاقه، فيعُمُّ الحالين معًا، أعني أن يكون معها أب أو لا يكون، والحكم في ذلك صحيح، فإنها إذا كانت أمٌّ ولا ولد فلها الثلث، سواء أكان الأب موجودًا أم لا. وعلى هذا فلا محذورَ من أن يُفهم هذا، بل قد يقال: إن في فهم ذلك زيادة فائدة صحيحة، وعلى هذا فلا مقتضي للتوكيد. وأما سكوته عن بيان نصيب الأب فلا يدلّ على عدم دخوله في الكلام، إذ قد يترك لأن المعنى: أن الباقي له، أو لأن حكمه يختلف. وعلى فرض الإصرار على دعوى الدلالة فلا محذور فيها كما تقدم.
فالجواب أن أكثر أهل العلم قامت عندهم شبهاتٌ نظرية ألجأتْهم إلى القول بأنّ فرض الأم مع الأب والزوج السدس، ومع الأب والزوجة الربع. ولا ندري لعله لولا قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} لقالوا: فرضُ الأم مع الأب السدسُ أبدًا. ولعلهم لا يُسلّمون عمومَ قوله لو قيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لحال وجود الأب، بل يخصُّونها بحالِ انفراد الأم، ويُقوُّون ذلك بعدم ذكر ما للأب. ففائدة التأكيد هي دفع تلك الشبهات، وإثبات أن للأم مع الأب عند عدم الولد والإخوة الثلث مطلقًا، أي سواء كان هناك أحد الزوجين أم لا، كما هو مذهب ابن عباس ومَن وافقه.
فإن قيل: الذي حملَ الجمهورَ على ما ذكرتم إنما هو استبعاد أن تفضُلَ الأمُّ الأبَ في مسألة أبوين وزوج، وإنما قالوا في أبوين وزوجة أن للأمّ الربع
(17/794)

لما حملوا عليه الآية كما يأتي. والظاهر أنه لو لم يقل: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} لما زادوا على قولهم، وهو أن يكون للأم مثل نصف ما للأب حيث لم يكن ولد ولا إخوة، فلو أريد دفعُ ما قام لديهم من النظر لصرَّح بأن للأم مع الأب الثلث مع وجود الزوج مثلاً.
فالجواب أن سنة الله عزَّ وجلَّ في إيراد الحجج الاكتفاء في أكثرها بالتنبيه عليها تنبيهًا كافيًا، لمن حَرَصَ على الحق وأنعمَ النظر ووُفِّق للصواب وما تقتضي الحكمة من ترجيح مقابله في نفسه، وأن يدع مناصًا لمن كان له هوًى أو قصَّر، ومجالاً لما قد تقتضيه الحكمة في بعض الجزئيات من ترجيح الله عزَّ وجلَّ في فهم القاضي خلاف الراجح، لاقتضاء الحكمة ذلك في تلك الجزئية، وهذا موضَّح في موضع آخر.
وههنا تنبيه كافٍ، فإن التأكيد بقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} قد دلَّ على شدّة العناية بتثبيت أن الكلام في حال اجتماع الأبوين، وإنما يكون ذلك لما ذكرنا، ثم قد عمَّت الآية الحالين، أعني أن يكون هناك أحد الزوجين أو لا، ونصَّت نصًّا قاطعًا على ذلك في الجملة، فكانت منه صورة قطعية، وهي أن ينفرد الأبوان وليس معهما أحد الزوجين، ولزم من ذلك أن يكون الحكم كذلك عند وجود أحد الزوجين، إذ المعروف في الفرائض أن الوارث إذا نقصَ فرضُه بسبب وارثٍ آخر كان وجوده ناقصًا لذاك باطّراد، كالولد مع الأم أو الأب أو أحد الزوجين ينقُصُهم على كلّ حال، وكالإخوة مع الأم ينقصونها على كل حال، ففي أبوين وأحد الزوجين من ينقص الأم؟ لا يمكن أن يكون الأب، فإنه إذا لم يكن أحد الزوجين لم ينقصها قطعًا, ولا يمكن أن يكون أحد الزوجين لأن أحدهما لا ينقصها عند عدم الأب.
(17/795)

فإن قيل: نختار أن الذي ينقصها الأب، ولكن نقْصَه لها مشروط بوجود أحد الزوجين، كما أنه ينقصها بوجود الإخوة.
فالجواب أنه في صورة أبوين وإخوة لم ينقصها الأب، وإنما الذي نقصَها الإخوة، كما ينقصونها عند عدم الأب.
فإن قيل: فإن الإخوة لا يرثون مع الأب شيئًا.
قلنا: قد نُقِل عن صاحبنا - أعني ابن عباس رضي الله عنه - أن الإخوة مع الأب والأم يأخذون السدس الذي نقصتْه الأم، ولا يلزمه أن يورثهم مع الأب حيث لا أمّ, لأنهم إنما يأخذون ما لو فُرِض عدمُهم لم يأخذه الأب، وهو ذاك السدس الذي نقصته الأم، فإنه لولاهم لكان لها لا للأب.
فإن لم نقل به وقلنا: لا يأخذ الإخوة شيئًا، فعنه جوابان:
الأول: أنهم نقصوها والأب حجَبَهم.
فإن قيل: لا نظير لهذا في الفرائض ..... مذهب الجمهور فلها نظير، وهو الجد مع الأم لا ينقصها عن الثلث مع أحد الزوجين، فإن كان جدٌّ وأمٌّ وإخوةٌ لأمّ نقصَ الإخوةُ أمَّهم إلى السدس وحجبهم الجدُّ. وأما على مذهب صاحبنا - أعني ابن عباس - فلا يجيء هذا السؤال من أصله لما مرَّ أنه يجعل السدس المنقوص للإخوة، فلا يحجبهم الأب والجدُّ عنه.
الجواب الثاني: أن ذلك السدس في الاستحقاق لهم، ولكن الأب يأخذه كِفاءَ ما أنفقه أو يُنفقه عليهم، كما قال قتادة: كان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمَّهم من الثلث لأن أباهم يَلِيْ نكاحَهم والنفقةَ عليهم دون أمَّهم. "تفسير ابن جرير" (4/ 174) (1).
__________
(1) (6/ 468) ط. التركي.
(17/796)

فإن قيل: فالإخوة لأمّ ينقصونها السدس ولا يُعطَونه، فكيف يأخذه أبو الميت وهو لا يلي نفقة هؤلاء الإخوة ولا نكاحهم؛ لأن لهم أبًا غيره؟
فالجواب: قد قال الزيدية ومَن وافقهم: إن الإخوة للأم لا ينقصونها، وهذا بعيد، والأولى مذهب صاحبنا أن السدس يكون للإخوة، فإن لم يقْوَ قولُه في الأشقاء أو لأب فهو قوي في بني الأم.
فأما على القول بأنهم ينقصونها ولا يعطون شيئًا، فالجواب: أن سبب نقصانها معهم غير سبب نقصانها مع الأشقاء أو لأب. وبيانه: أن بني الأم إن كانوا كبارًا فقد اعتضدتْ بهم أمهم، واستغنت بمعونتهم، فضعُفَ استحقاقُها، وإن كانوا صغارًا فالغالب أن يكون أبو الميت فارقها، فنكحت أباهم وثبتت قدمُها عنده بولادتها له أولادًا، فضعُفَ استحقاقها من ابنها الميت من جهتين: الأول: فراقها لابنه, الثانية: استغناؤها ببعلها الثاني.
فإن قيل: فلمن يكون السدس الذي نقصتْه؟
قلنا: هو باقٍ بعد الفرائض، فيأخذه الأب تعصيبًا.
فإن قيل: حاصل هذا الجواب أنه لم ينقصها الأب ولا بنوها، وإنما نقَصَها نقْصُ استحقاقها، فيُقْلَب سؤالكم عليكم، فيقال: لو كان نقصُ استحقاقها ينقصُها لنَقَصَها على كل حال.
فالجواب: أما في الحكم فنقصَها بنوها، وأما في الحكمة فنقَصَها نقْصُ استحقاقها, ولكنه لا ينضبط، فضبطه الشرع بوجود الإخوة، فيُقتَصر عليه، كما أن أهل العلم يُعلِّلون شرعَ قَصْر الصلاة في السفر بالمشقَّة، قالوا: ولكن المشقّة لا تنضبط، فضبطها الشرع بالسفر المخصوص، وصار الحكم مقصورًا عليه. على أنه لا يلزم فيمن نقصَ وارثًا عن فرضه أن يكون ذلك
(17/797)

المنقوص له، ألا ترى إلى مسألة بنت وأم وعصبة، فالبنت تنقص الأم السدس، ولا يكون ذاك السدس لها، بل لو استوفت الأمُّ الثلث لما نقصَ على البنت شيء. فالبنت نقَصَت الأمَّ، والعصبة أخذ.
فإن قيل: لكنها تظهر الفائدة إذا كثر الورثة، كبنات وزوج وأم، لو كمل للزوج النصف وللأم الثلث لعالت المسألة، فيكون أصلها ستة وتعول إلى تسعة، فينقص نصيب البنات؛ إذ يكون لهن ثمانية من ثمانية عشر، وبالنقصان صار لهن ثمانية من ثلاثة عشر.
قلنا: أما على رأي صاحبنا - أعني ابن عباس - فلا عول، وأما على رأي الجمهور فلو كان الأصل الذي نفيناه معتبرًا لاقتصر به على ما إذا لزم العول، ولا عول في المسألة التي فرضناها، وهي: بنت وأم وعصبة.
فإن قيل: إن الأب يحجب الإخوة، والإخوة ينقصون الأم، فيلزم أن يكون الأب ينقص الأم, لأنه إذا حجب من ينقصها فلأن ينقصها هو أولى.
قلنا: هذا منقوض بمسألة الأبوين عند انفرادهما، وبالجدّ يحجب الإخوة لأم، ولا ينقص الأم إذا انفرد معها، أو كان معهما أحد الزوجين والله الموفّق.

فصل
وأما على مذهب الجمهور فإذا التزمناه قلنا: ما تقدم من الجواب الموافق لمذهب ابن عباس حاصلُه أن قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} تأكيد، وله عندنا محامل أخرى يكون لكلًّ منها تأسيسًا، والتأسيس أولى من التأكيد، وبذلك يندفع الإشكالُ البتةَ، وهاك المحامل:
(17/798)

الأول: أن قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} توطئة لما بعده، ليُفهم أن المراد بقوله: {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} الثلثُ مما وَرِثاه، ولولا قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} لما فُهِم ذلك.
أقول: هذا القول بعيد.
أولاً: لأن المطَّرد في الأنصباء التي تُذكَر في الفرائض في الكتاب والسنة أنها منسوبة إلى أصل التركة، وليس في قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ما يَصْرِف عن ذلك، غاية الأمر أن يقال: لو لم يقصد به ذلك لكان فضلاً أو تأكيدًا على ما تقدم، والتأسيس أولى منه. وأقول: التأكيد الواضح أولى من هذا التأسيس الذي لا يفهمه أحد، ولولا أن صاحب هذا القول اعتقدَ أن للأم ثلث الباقي - حيثُ كانت مع الأب وأحد الزوجين - لما وقعَ له هذا الفهم. وقاعدة "التأسيس أولى من التأكيد" محلُّها حيث يتعادل الاحتمالان، فأما حيث يكون احتمالُ التأسيس تعسُّفًا واحتمالُ التأكيد ظاهرًا فالتأكيد أولى.
المحمل الثاني: أن المراد بقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أن يَرِثاه فقط، بأن لا يكون معهما وارثٌ آخر، قالوا: والحصر مأخوذ من التخصيص الذكري كما تدلُّ عليه الفحوى.
أقول: لا شكَّ أن التخصيص الذكري قد يفيد الحصر، ولكنَّ محلَّ ذلك حيث يكون المقام مقتضيًا للاستيعاب، كأن يقال: مَن ورِثَ زيدًا؟ أو أخبِرْني بمن ورث زيدًا، فيقال: ورثه أبواه، فإن الاستخبار ههنا عامٌّ عن جميع الورثة، والأصل أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فيظهر بذلك أن الجواب مستغرقٌ لجميع الورثة. غاية الأمران يقال: لو لم يقصد بقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} الحصر لكان فضلاً أو تأكيدًا، وقد تقدم الجواب عنه.
(17/799)

المحمل الثالث - ولم أرَ مَن تعرَّض له -: أن الإرث إذا أُطلِق في القرآن ولم يُبيَّن النصيب فالمعنى على أنه تعصيب، قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فلم يبيَّن كم لهم لأنهم عصبة، ثمَّ بيَّن حكم البنات إذا انفردنَ وسمَّى نصيبهن, لأنهنَّ ذوات فرضٍ. وقال تعالى في الأخ وأخته: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]، فلم يُسمِّ له نصيبًا لأنه عصبة.
إذا تقرر هذا فنقول: قال تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ولم يُسمَّ لهما نصيبًا، فالمعنى أنهما عصبة، وإذا كانا عصبةً فقاعدة العصبة أن للذكر مثلَا (1) حظّ الأنثى. وأما قوله بعدُ: {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} فالمراد ثلث التركة كما هو ظاهر، ولكن قد دلَّ كونهما عصبة على أن هذا إنما يكون حيث يبقى للأب مِثلَا ذلك، وذلك إذا لم يكن معهم أحد الزوجين. ودلَّ ذلك أنه إذا كان معهما أحد الزوجين كان الباقي بينهما، له سهمان ولها سهم.
أقول: الظاهر أن القاعدة صحيحة، ولكن بناء قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} عليها على النهج المذكور ليس هناك, لأنه قد سمَّى نصيبَ الأم، فلم يبقَ إلاّ أن يكون الأب عصبةً، وهو متفق عليه، ولا يفيد ما تقدم.
نعم، قد يقال: إنما سمَّى نصيبَ الأمّ بعد أن استقر أنها عصبة، وذلك أنه قال: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، ولم يُسمَّ إرثهما معًا، فثبت بمقتضى القاعدة أنهما عصبة، ولا ينقضه تسميةُ نصيب الأمّ بعد ذلك.
__________
(1) الوجه: "مثلَي" منصوبًا.
(17/800)

وفيه نظر، إذ يقال: لم يقصد بقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} إثبات إرثهما ولا بيان مالهما، وإنما المقصود به بيان وجودهما معه، كقوله: {وَلَهُ أُخْتٌ} من قوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} إلاّ أنه قد يُخدَش في هذا بأنه لو كان هذا هو المقصود لقيل: "وله أبوان" مع أن وجود الأبوين معروف في الكلام بدون هذه الزيادة كما تقدم، وقد يُجاب عن هذا بأنه إنما عدل عن قوله: "وله أبوان" لأن التعبير بقوله: "وله كذا" إنما يَحسُن فيما قد يكون وقد لا يكون، كالولد والإخوة، فأما الأبوان فكلُّ إنسانٍ غير آدم وحواء وعيسى له أبوان.
وقد يُخدَش في هذا بأنه حيث جاء في آيات الفرائض "وله ولد" "وله إخوة" المقصود منها وجود من ذُكِرَ حيًّا غيرَ ممنوعٍ من الإرث، فلو قيل: "وله أبوان" لكان: وله أبوان حيَّان غير ممنوعَيْنِ، وهذا صحيح في حقّ كل إنسان.
وقد يُجاب بأن الأمر كذلك، ولكن الصورة الظاهرة من قوله: "وله أبوان" قد تُوهِم أن من الناس مَن ليس له أبوان مطلقًا، وهذا مما تقتضي البلاغة اجتنابه.
بلى، قد يقال: المعنيانِ محتملانِ، أن يكون المعنى: "وله أبوان"، أو يكون: "وورثه أبواه جميعَ ماله"، أو غير ذلك، ولم يُسمَع بما ذكرنا. وإذا كان الأمر كذلك فالتأسيس أولى من التأكيد.
أقول: على كل حال، ليس هذا المحملُ بذاك، والله أعلم.
المحمل الرابع - ولم أرَ مَن تعرَّض له أيضًا -: "ورث" ونحوه مما اشتقّ من الإرث قد يُعدَّى إلى المال ونحوه مما كان للموروث منه بدون ذكر
(17/801)

الموروث منه، وهذا هو الغالب في القرآن، كقوله تعالى: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، وقوله: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} وغير ذلك في نحو عشرين موضعًا من القرآن، ومنه في قول أكثر المفسرين من الصحابة وغيرهم وعليه سبب النزول قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا}، ففي "صحيح البخاري" (1) وغيره عن ابن عباس: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوَّجَها، وإن شاءوا زوَّجوها، وإن شاءوا لم يُزوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآيات". فالحاصل أنهم كانوا يَعدُّون امرأة المتوفَّى من جملة تركتِه، فحكمها عندهم حكم المال، يَرِثونها كما يرثون المال.
وقد يُعدَّى إلى الموروث منه فقط، فيعدَّى إليه تارةً بنفسه وتارةً ب "مِن"، كقوله تعالى فيما قصَّه عن زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5، 6]. وقد يُعدَّى ب "عن"، كقول عمرو بن كلثوم (2):
وَرِثنا المجدَ عن آباءِ صدقٍ ... ونُورِثُه إذا مِتْنا بَنِينا
وقد يُعدَّى إلى الاثنين معًا، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} إلى قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 77 - 80].
__________
(1) رقم (4579). وأخرجه أيضًا أبو داود (2089) والنسائي في "الكبرى" (11094) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 138) وغيرهم.
(2) في معلقته, انظر "شرح المعلقات" للزوزني (ص 132).
(17/802)

والمعروف بين أهل اللغة وغيرهم أن حقَّه أن يتعدى إلى مفعولين، الأول: مَن كان له المال أو نحوه، الثاني: المال أو نحوه، على حدّ قوله تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: ونرِثه مالَه وولده، ولكنه قد يُترك ذِكْر أحد المفعولين لعلَّةٍ تقتضي ذلك، ولم يُفرِّقوا بين وَرِثتُه ووَرِثتُ منه ووَرِثتُ عنه. هذا هو المعروف عنهم، ولكننا نُدرِك بذوقنا أن قولك: "ورثَ زيدًا أبواه" يدلُّ على إحاطتهما بإرثه، وأنه إذا أُرِيد خلافُ ذلك قيل: "ورِثَ منه أبواه"، ونُدرِك ذلك في قولِ زكريا: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وأنه أراد: يرِثني كل ما هو لي أي من العلم والإمامة في الدين ونحو ذلك، وَيرِث بعضَ ما كان لآل يعقوب.
ثم وجدتُ أهل العلم قد أدركوا ذلك في الجملة، ففي "فتح الباري" (1) - كتاب الفرائض: باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} -: وقال السهيلي: ومن العجب أن الكلالة في الآية الأولى من النساء لا يرِث فيها الإخوة مع البنت، مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله: "ليس له ولد"، وقيَّد به في الآية الثانية مع أن الأخت فيها ورثتْ مع البنت. والحكمة فيها أن الأولى عبّر فيها بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ}، فإن مقتضاه الإحاطة بجميع المال، فأغنى لفظُ "يُورَث" عن القيد، ومثله قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} أي يُحيط بميراثها. وأما الآية الثانية فالمراد بالولد فيها الذكر كما تقدم تقريره، ولم يُعبَّر فيها بلفظ "يورث"، فلذلك ورثت الأخت مع البنت.
__________
(1) (12/ 26). وقول السهيلي في كتاب "الفرائض وشرح آيات الوصية" (ص 74، 75).
(17/803)

أقول: وتقرر في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} أن الكلالة مصدر بمعنى القرابة بغير الأصلية والفرعية، ويُطلق على الأقارب بغير الأصلية والفرعية، فكأنه قيل: "وإن كان رجلٌ يرثه ذوو كلالة" أو "يرثه كلالة". وهذا لفظ الآية: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12].
فيقال: المراد بالإخوة هنا الإخوة لأم كما قُرِئ به وأُجمِع عليه، وفي القرآن المتلو (1) دلالةٌ عليه كما هو معروف في موضعه، فإذا كان المعنى "يرثه ذوو كلالة" فليس فيه تعرضٌ لعدم البنت, لأن ذوي الكلالة قد يرثون معها. وإذا كان كذلك فالآية تعمُّ مَن لم يكن له بنت ومن كانت له بنت, لأن الكلالة اسم للقرابة المذكورة أو ذويها على كل حال، حتى مع وجود الولد والوالد، مع أن الأخوة لأم تحجبهم البنت، فقد كانت هذه الآية أحقَّ بأن يُقيَّد فيها بعد الولد.
والجواب أن معنى {يُورَثُ كَلَالَةً} أي يرثه كلالة أو ذوو كلالة، ومعنى يرثه هؤلاء: يحيطون بميراثه، وإنما يحيطون بميراثه إذا لم يكن وارث غيرهم.
وأما الآية الثانية فلفظها: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
__________
(1) في الأصل: "المدلو".
(17/804)

الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [خاتمة النساء].
والكلام عليها يطول، والمقصود هنا أمران:
الأول: أنه قال فيها: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}، وهو يعمُّ كلَّ هالك، لا يخصُّ من يحيط ذوو الكلالة بإرثه، كما كان في الآية الأولى، فلهذا قيّدها بقوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَد}. وأما ميراث الأخوات مع البنات فهو على وجه التعصيب، وهو غير الإرث المذكور في الآية، إذ المذكور فيها الفرض.
الثاني: قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا}، وقد قال السهيلي: إنه على الإحاطة، ووافقه غيره. قال أبو السعود (1): فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها، إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية، لا إرثه لها في الجملة، فإنه يتحقق مع وجود بنتها.
أقول: وفيه نظر؛ لأن الإحاطة يَمنعُ منها أيضًا غيرُ البنت، كالزوج والأم والإخوة لأم. فالأَولى - إذا ثبت أن قولنا: "وَرِث زيدٌ عمرًا" يقتضي الإحاطة - أن يقال: هذا هو الأصل، وقد يُتوسَّع فيُطلَق في ما يقارب الإحاطة، وهو إرث العصبة، فإنه يحيط بالمال إذا انفرد، وكونه ليس له نصيب معيَّن يقتضي إطلاقَ إرثه، على ما تقدم في المحمل الثالث.
هذا، وقد تُوجَّه دلالة "وَرِث فلانٌ فلانًا" على الإحاطة بأربعة أوجه:
الأول: أن يقال: إن الذوق وكثرة الاستعمال ومواقعه يدلُّ أن حقَّ الإرث أن يُعدَّى فعلُه بنفسه إلى المال ونحوه، وأن يُعدَّى إلى من كان له
__________
(1) في تفسيره "إرشاد العقل السليم" (2/ 264).
(17/805)

المال ونحوه ب "عن" أو "من" الابتدائية. وإنما يقال: "ورِثَ فلان فلانًا" على حذفِ مضافٍ، والتقدير في ميراث المال: ورِثَ فلانٌ مالَ فلانٍ. وإذا كان التقدير ذلك فالإحاطة واضحة، لا لعموم الإضافة فحسب، بل لأن الحكم المفرد بما لا يقل شموله لجميع أجزائه يقتضي العموم فيها، كما في: اشتريتُ عبدًا أو دارًا، أو العبد والدار، أو هذا العبد وهذه الدار، فإنما هذا الكلام يدلُّ على شمول الشراء لجميع العبد والدار، فأما حيثُ يقلُّ الشمول أو يندر أو يمتنع مثل ضربتُ زيدًا، فإنه لا يُفهم منه الشمول، ولكن صرَّح ابن جني وغيره بأنه مجاز، أي وقرينته العادة، وناقش فيه بعض الأجلّة مع عدم إنكاره أن نحو اشتريت عبدًا أو دارًا يدلُّ على العموم.
فإن قيل: لو كان التقدير في ورثتُ زيدًا: ورثتُ مالَ زيدٍ، لما صحَّ ورثتُ زيدًا مالاً، وقد قال تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}، ونحو ذلك وارد في كلامهم.
فالجواب: أنه قد يكون بتضمين "ورث" معنى فعلٍ آخر، مثل سلب، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}، وقد يكون "مالاً" في "ورثتُ زيدًا مالاً" بدلاً لا مفعولاً ثانيًا، وقد يكون "زيدًا" منصوبًا بنزع الخافض، والأصل: ورثتُ من زيد مالاً.
فإن قيل: فإذا كان "ورث" أن لا يتعدى إلى زيد مثلاً بنفسه، فكيف يُعدَّى إليه؟
قلت: ب "عن" أو "من" الابتدائية.
فإن قيل: سبق لك في الكلام عن قول زكريا: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ما يقتضي أنها تبعيضية.
(17/806)

قلت: ذاك الظاهر هناك، وكان أصل الكلام: "ويَرِث مِن ما هو لآل يعقوب". وعلى هذا فإذا عدِّي ب "من" فالظاهر أنها تبعيضية والكلام على حذف مضاف، ويحتمل أنها ابتدائية.
الوجه الثاني: أن يكون الأصل "ورثتُ مالَ زيدٍ" أيضًا, ولكن نزَّلتَ تملُّكَك مالَ زيدٍ كلّه منزلةَ تملُّكِك زيدًا نفسه. وهذا قريب من الذي قبله.
الوجه الثالث: أن يكون الأمر كما جرى عليه أهل اللغة أن "ورِث" يتعدى إلى مفعولين، ولكن إذا لم يذكر الثاني دلَّ على شمول الإرث لجميع ما كان للموروث منه, لأن حذف المعمول يُؤذن بالعموم كما صرَّحوا به.
الرابع: أن يُدَّعى أن مادة الإرث تقتضي الإحاطة وضعًا، كما يدلُّ عليه التبادر عندما يقال: ورثَ فلانًا أبواه، ونحو ذلك. وتدلُّ عليه الشواهد المتقدمة وغيرها.
فإن قيل: أما الوجهان الأولان فيكفي في ردِّهما مخالفتهما لما عليه أهل العربية وغيرهم، من أن "ورِث" يتعدى بنفسه إلى مفعولين. وأما الثالث فقولهم: "حذف المعمول يُؤذِن بالعموم" ليس على إطلاقه، وإنما محلُّه حيث يكون المقام مقامَ ذكر المعمول لو كان خاصًّا، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25] ونحو ذلك، وقولُه في الآية: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ليس كذلك، والكلام على نحو ما تقدم في المحمل الثالث. وأما الوجه الرابع فلا نُسلِّم التبادر، وإن سلَّمناه فلنا أن نقول: لعل ذلك لوجهٍ آخر، لا لأن الوضع من أصله يقتضي الإحاطة، وكذلك يقال في الشواهد.
فالجواب: أنه يجوز أن يكون المصرّحون بأن "ورِث" ينصب مفعولين
(17/807)

بنوا على الظاهر في نحو {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}، ولم يراعوا صلب المعنى، ودخول قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} في قاعدة حذف المعمول قد سبق الكلام فيه في المحمل الثالث. ومَنْعُكم الرابع مع تسليم التبادر لا يضرُّنا، فإن مقصودنا أن قول القائل: "ورِث زيدًا أبواه" تُفهَم منه الإحاطة، وهذا أمرٌ ندركه بذوقنا العربي، وكلُّ ممارسٍ للعربية حقَّ الممارسة لا بدَّ أن يجده كما وجدناه. فإن صحت الأوجه المذكورة أو بعضها فذاك، وإلاّ كفانا الفهم.
ثم إننا قد أثبتنا أن غيرنا ممن تقدم قد فهم ذلك كما فهمناه، وأوضحُ من ذلك أن الصحابة وعامة علماء الأمة فهموا من قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} نحو ما فهمنا, ولم يصحّ خلافُ أحدٍ منهم غير ابن عباس، مع أنه لم يدَّعِ في دلالة الآية خلافَ ذلك، فقد صحَّ عن مولاه عكرمة قال (1): [أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسألُه عن زوج وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال. فأرسل إليه ابن عباس: أفي كتاب الله تجد هذا؟ قال: لا, ولكن أكره أن أفضِّل أمًّا على أب. قال: وكان ابن عباس يُعطي الأمَّ الثلث من جميع المال].
وهذا فصل الخطاب في الآية، فإن زيدًا - وهو أفرضُ الأمة - وابن عباس - وهو حبر الأمة، وهو المخالف في المسألة - اعترفا بأنه ليس في كتاب الله تعالى حجةٌ على بيان نصيب الأمّ في الغرَّاوينِ، وأنهما إنما قالا بالرأي. ومعنى ذلك أن الآية محتملةٌ عندهما للمعنيين، فقوله تعالى:
__________
(1) لم يذكر النص في الأصل. وراجع له "مصنف عبد الرزاق" (19020) و"السنن الكبرى" للبيهقي (6/ 228).
(17/808)

{وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} يحتمل أن يكون بمعنى: "وله أبوانِ" على ما قدَّمنا على مذهب ابن عباس، ويحتمل أن يكون على معنى الإحاطة بالتركة، أو غيره من المحامل التي تقدمت على مذهب الجمهور، فرجعا إلى النظر، فاقتضى نظر ابن عباس ما رجَّح عنده المعنى الأول، واقتضى نظرُ غيره ما رجَّح عندهم المعنى الثاني، فعلينا أن نتدبَّر جهتَي النظر.
أما نظر ابن عباس فالظاهر أنه ما قدمناه من أن المعهود في الفرائض أن من نقصَ وارثًا نقصَه على كل حال، فلو كان الأب ينقُصُ الأمَّ لنَقَصَها على كل حال، وقد ثبت أنه لا ينقُصُها إذا لم يكن ولدٌ ولا إخوة ولا أحد الزوجين، فلا ينقُصُها في غير ذلك. وأما نقصُها مع الإخوة فإنما نقَصَها الإخوة، وهم ينقصُونها على كل حالٍ كما تقدم.
وأما نظر الجمهور فأشار إليه زيد بن ثابت بقوله: "لا أُفضِّلُ أمًّا على أبٍ". وبيانه أنه في المسألة المنصوصة والمتفق عليها نجد الأب إما مساويًا للأم وإما زائدًا عليها، فمع الولد الذكر ومع البنتين لكل من الأبوين السدس، ومع البنت الواحدة للأمّ السدس وللأب الثلث. وكذلك الحال مع أولاد الابن. وعند انفراد الأبوين للأم الثلث وللأب الثلثان، وعند انفرادهما مع إخوة للأم السدس وللأب الباقي. فالمعهود في الفرائض أن لا تفضل الأم على الأب، وقد ثبت أنه لا تَفْضُلُه في غير الغرَّاوينِ، فلا تفضُلُه فيهما.
فهذان نظرانِ متعارضان، وقد يُرجَّح نظر ابن عباس بأوجهٍ:
الأول: أن استحقاق الأم آكَدُ؛ لأن تعبَها في شأن الولد أشدّ.
(17/809)

الثاني: أن بِرَّها آكَدُ، ففي الحديث الصحيح (1): "بِرَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك، ثم أباك"، فجعل للأم ثلاثة حقوق من البر، وللأب واحدًا.
الثالث: أن الأم ذات فرض، والأب عصبة، ومن شأن صاحب الفرض أن يلزم فرضه، والعصبة يختلف حاله زيادةً ونقصًا، فيأخذ جميعَ المال تارةً، ولا يبقى له إلا شيء يسيرٌ تارةً، ولا يبقى له شيء أخرى، كالأخ الشقيق يأخذ جميع المال إذا انفرد، ولا يبقى له إلا نصفُ السُّدُس مع بنت وأم وزوج، ولا يبقى له شيء مع بنتين وأم وزوج.
وقد يُخدَش في هذه الأوجه:
أما الأول: فإن الأب يتعب في السعي على الأم والولد معًا، فقد تعب في تحصيل مهر الأم وفي إسكانها والإنفاق عليها وإخدامِها وحفظِها وغير ذلك، ثم في شأن الولد وتأديبه والإنفاق عليه وتزويجه.
وأما الثاني: فقد يقال: إن تأكيد الأمر ببرِّ الأمّ ليس هو لكونه آكَدَ من برِّ الأب، وإنما هو لأنه مظنَّة الإهمال، فإن الولد يحترم أباه لعلمِه بمزيَّتِه عليه في العقل غالبًا، ولاحتياجه إليه في مصالح دنياه، وخوف ملامة الناس، وقد يتهاون بأمر أمِّه، يقول: إنما هي امرأة ضعيفة العقل، ولا يحتاج إليها غالبًا، ويكثُر أو يغلب أن يقع بينها النزاع وبين زوجته وأن تتعنَّت في ذلك.
وأما الثالث: فإن الأب ذو فرضٍ كالأم، وإنما لم يُسَمَّ له فرضٌ مع عدم الولد لأن الفرائض قد رُتَّبتْ ترتيبًا يُعلَم منه أنه لا ينقص فيه بل يزيد، كما هو الحال في الابن، فلم يُسَمَّ له فرضٌ بل جُعِل عصبةً، ولكن جُعِل ناقصًا لكثير
__________
(1) البخاري (5971) ومسلم (2548) عن أبي هريرة نحوه.
(17/810)

من الورثة، فغاية ما ينقص في زوج وأبوين، يبقى له النصف إلاّ نصف السدس.
ثمَّ يُرجَّح نظرُ الجمهور بأوجهٍ:
الأول: أنه نظر في حال الأبوين أنفسهما، فقاس ما اشتبه من أمرهما على ما تبيَّن، فهو ألصقُ بمحلِّ النزاع من النظر الآخر الذي نظر في حال الورثة إجمالاً.
الوجه الثاني: أن المعنى فيه ظاهر، وهو أنه دلَّ على أن استحقاق الأب للمال لا ينقص عن استحقاق الأم، بل يزيد عليها غالبًا.
الثالث: أن الأب وإن لم يتحقق أنه ينقص الأمَّ كما ينقص الولد، لكنه مظنة ذلك، بدليل أنه في مسألة أبوين وإخوة تأخذ الأم السدس، ويأخذ هو الباقي. والجواب عن هذا بما تقدم لا يدفع الترجيح به.
الرابع: أن الأم مظنَّة أن تكون مع الابن عصبةً أو شبيهةً بالعصبة، وتحقُّقُ أنها ليست كذلك في بعض الصور لا يدفع أن تكون كذلك في غيرها، كما قالوه في: بنتين وبنتِ ابنٍ وابنِ ابنِ ابنٍ، أن بنت الابن تكون عصبة مع ابنِ ابنِ أخيها, ولا تكون عصبةً معه في: بنت وبنت ابن وابنِ ابنِ ابنٍ.

فصل
أما أنا فالذي ترجح عندي هو نظر الجمهور، وعليه فيختصُّ منطوق الآية بما إذا أحاط أبواه بميراثه، وتدلُّ بمفهومها على أنه إذا كان معهما أحد الزوجين فليس للأم الثلث، وأقرب ما يُحمل عليه أن يكون للأبوين الباقي: له سهمان ولها سهم كما هو مذهب الجمهور، فأما من قال: إن لها في أبوين
(17/811)

وزوجٍ السدس، وفي أبوين وزوجة الثلث، فليس قوله بشيء؛ لأنه اعتمد على النظر من حيث هو، وخرج عن الآية بمعنيَيْها، والصواب إنما هو أن يجعل النظر مرجِّحًا لأحد المعنيين في الآية، ثم يُعمَل بالمعنى الراجح. والله أعلم.
ثم قيَّد سبحانه وتعالى ما أطلق أولاً من أن الأبوين إذا أحاطا بالميراث كان للأمّ الثلث بقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}، وفي كلمة "إخوة" أبحاث:
الأول: أنها جمع، ورُوي عن ابن عباس أنه قال لعثمان: فالأخوانِ بلسان قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان: لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وسُئل عنها زيد بن ثابت فقال: "إن العرب تسمِّي الأخوين إخوة". راجع "سنن" البيهقي (6/ 227).
والذي يظهر من هذين الأثرين أن من العرب مَن يُطلق على الأخوينِ "إخوة"، فإن قول ابن عباس لعثمان: "في لسان قومك" يُفهِم بأن من العرب مَن يقول للأخوينِ إخوة، وإلاّ لما خصّ ابن عباس لسانَ قريش، بل يقول: الأخوان ليسا إخوة.
فإن قيل: لعله أراد بقومه العرب.
قلت: هذا بعيد جدًّا، فإن القوم لم يكونوا يعرفون غير العربية، ولا يُتوهَّم أن يراعوا العجمية فيحملوا القرآن عليها دون العربية. ومع بُعْدِ هذا فلو كان المرادَ لكان الظاهر أن يقال: "في لسان العرب". وقد أكدَّ هذا ما رُوِي عن زيد، فإنه أثبت أن العرب تُسمَّي الأخوين إخوة، وقد خرجت من ذلك قريش بأثر ابن عباس. فإما أن يكون ما ذكره زيد لسان الأنصار فقط،
(17/812)

وإما أن يكون يوافقهم بعضُ القبائل من غيرهم. وعلى الأول فإنما عدلَ زيدٌ عن "الأنصار"، وقال: "العرب"، إشارةً إلى دفع اعتراض، فإنه لو قال "الأنصار" لقيل له: إن القرآن نزل بلسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو قرشيّ. فيُحتاج إلى دفعه بأن الأنصار من العرب، والقرآن نزل بلغة العرب عامّةً، وإنما اختار منها ما اقتضت الحكمة اختياره.
وأما ما جاء عن بعض الصحابة وغيرهم من أن القرآن نزل بلغة قريش، أو بلغتهم ولغة خزاعة، أو ولغة هوازن ونحو ذلك، فإنما ذلك بالنظر إلى معظمه، فقد جاء عنهم في كلماتٍ كثيرة أنها بلغة اليمن أو بلغة أزد عُمان أو غيرهم، بل وفي كلمات كثيرة أنها بالرومية أو الحبشية أو غيرها (1).
وقد يُدفَع بأوجُهٍ:
الأول: ما احتج به مَن قال: أقلُّ الجمع ثلاثة، وهو أن اللغة خصَّت الاثنين بصيغةٍ غير صيغة الجمع، فيقال هنا: كيف يكون من العرب من يُطلِق الجمع ويريد به اثنين على غير سبيل التجوز، أو كراهية الثقل في نحو {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، ومبنى لغتهم على الفرق؟
الثاني: أن أئمة اللغة لم ينقلوا عن قبيلة من قبائل العرب أنها تُطلِق الجمع على اثنين مطلقًا, ولا يوجد ذلك في أشعارهم المحفوظة.
الثالث: أن أئمة التفسير قد كان منهم كثير من أئمة العربية، وتكلموا على هذه الكلمة، ولا نعلم أحدًا منهم قال: إن من العرب من يُطلِق الجمع على الاثنين.
__________
(1) جمعها السيوطي في كتابين: "المهذب" و"المتوكلي" وكلاهما مطبوع.
(17/813)

أقول: قد يُجاب عن الأول بأنه قد يكون مَن يطلق من العرب الجمعَ على الاثنين رأى أن صيغة المثنَّى جُعِلت للنصّ على الاثنين، فلا يلزم من ذلك المنعُ من إطلاق الجمع على ما يصدق بالاثنين فأكثر كما في الآية، إذ المقصود بإخوة اثنان فأكثر.
ونظيره ما أطبق عليه الفقهاء أنه لو قال: لفلان عندي عبيدٌ، ثم فسَّرهم بثلاثةٍ قُبِل، مع أن "عَبيد" جمع كثرة، وقد خصَّت العرب العشرة فما دونها بصيغ خاصة هي جمع القلة كأَعْبُدٍ، ووافقهم بعض أهل اللغة، ووجَّهوا ذلك بأن جمع القلة إنما جُعِل ليُستَعمل عند إرادة التنصيص على القلة، وجمع الكثرة يصلح للقليل والكثير.
وأوضح منه لفظ "بِضْع" في العدد، فإنه [يَصدُق] بثلاثة، وإن كان قد وضع لثلاثةٍ لفظٌ خاصٌّ. وكذلك "الإنسان" يَصُدق بالصبي، وإن كان قد وُضِع للصبي لفظ خاصّ، وأمثال ذلك.
وعن الثاني: بأن الشعراء الذين حُفِظتْ أشعارهم هم المشاهير، وكانوا يتحرَّون في أشعارهم أن تكون موافقةً لأشهر لغات العرب، ليَعُمَّ حفظُها وتناشدُها، فيتمُّ غرضُهم من الشهرة وبُعد الصيت، ولهذا نجد المحفوظ من شعر شعراء اليمن لا تكاد توجد فيها كلمة لا تعرِفُها مضر.
وعن الثالث: بأننا قد أثبتنا النقل، ودلالته واضحة، ومن نقله من أهل الحديث والتفسير فقد نقل أن العرب تُسمَّي الأخوين إخوة، وذلك كافٍ.
لكن هذا كلّه لا يكفي, لأن غايته إثبات لغة غير مشهورة ولا متبادرة إلى الفهم، بل المتبادر خلافها، فحملُ الآية عليها يحتاج إلى دليل.
(17/814)

وعلى هذا فقد يقال: سواء أثبتت تلك اللغة أم لم تثبت، فإنها إن لم تثبت لم يمتنع أن يصح ذاك الاحتمال في الآية على أنه مجاز بأن تُجوَّز بصيغة الجمع عن مطلق ما يدلُّ على التعدد، فيشمل الاثنين وأكثر (1).
...
__________
(1) بعدها بياض في الأصل بقدر نصف صفحة.
(17/815)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تبارك وتعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11].
قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ} أي المتوفى، وقد يجتمعان، وقد يكون أحدهما فقط، ومنطوق الآية إنما هو حال اجتماعهما، أما في الجملة الأولى والثانية فظاهر، وأما الثالثة فلأنها مبنية على ما قبلها, ولكن الحكم فيما إذا كان أحدهما فقط يؤخذ من مفهوم الآية وغيره من الأدلة.
فأما الجملة الأولى أعني قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، فإنها تُثبت حكمَ الأبوين إذا اجتمعا مع الولد، وهو أن لكل منهما السدس، فأما الباقي فالحكم فيه معروف، لم يعلم فيه خلاف إلا في صورة ما إذا كان الولد بنتًا واحدة، وليس معهم أحد الزوجين، فإن البنت تأخذ النصف كما نصّ عليه في أول الآية، ويأخذ الأبوان السدسين، فيبقى سدس، والجمهور أن هذا السدس الباقي يكون للأب على وجه التعصيب، لحديث "ألحِقوا الفرائض بأهلها". وخالف فيها الإمامية، فقالوا بردّ هذا السدس على الأم والبنت، وكذلك إذا كان مع من ذُكِر زوجة، فإنها تأخذ الثمن كما نصّ عليه في آخر الآية، فيبقى ربع السدس.
وأما إذا كان أحد الأبوين مع الولد فالحكم أن له السدس فرضًا، وقد فُهم ذلك من الآية، أما أنه لا ينقص عنه فلأنه إذا لم ينقص عنه مع وجود
(17/816)

الآخر فكذلك لا ينقص عنه مع فقده، وأما أنه لا يُزاد عليه فلأن الولد إذا قصر كلاًّ من الأبوين على السدس في حال اجتماعهما فكذلك ينبغي أن يقصر عليه أحدهما عند انفراده. وتفصيل الأحكام معروف.
وأما الجملة الثانية أعني قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} فهذه الجملة في بيان حكم الأبوين إذا اجتمعا ولا ولد، أي ولا إخوة كما بيَّنته الجملة الثالثة، وكونها في حال اجتماعها واضح، أولاً لأن الجملة مبنية على الجملة قبلها، وهي كذلك كما مرَّ. ثانيًا لقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، مع أنه لو ترك قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} وجُعِلت الجملة غير مبنية على ما قبلها لكانت الجملة مفيدةً بعمومها لحكم اجتماعهما.
فيقع السؤال هنا: ما الحكمة في هذا الاعتناء الشديد ببيان حال اجتماعهما؟ ومحطُّ السؤال أن يقال: ما الحكمة في زيادة قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} مع أنها لو تركت لكان ذلك معروفًا ببناء هذه الجملة على التي قبلها؟ فإن ادُّعي أنها مستقلة عن التي قبلها، قلنا: فلو تُرِكت هذه الزيادة لكانت الجملة شاملة بعمومها لحال الاجتماع أيضًا، وتزداد الفائدة بشمولها لحال انفراد أحدهما. وقد تبيَّن من مفهوم الآية وأقوال أهل العلم أن الحكم لا يختلف، فإذا كان للميت أُم وليس له أب ولا ولد ولا إخوة كان فرض الأم الثلث، فالذي يتراءى أن قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} لا تظهر لها فائدة، بل يظهر أنها نقصت الفائدة، ويستند ذلك على مذهب الجمهور القائلين أنهما إذا اجتمعا لم يكن للأم الثلث إلا في حال واحدة، وهي أن لا يكون معهما زوج ولا زوجة.
(17/817)

والجواب على مذهب ابن عباس - القائل: إن فرض الأم مع الأب وأحد الزوجين ثلث التركة - أن الفائدة لقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} هي التنصيص على حال الاجتماع، ليعلم أن وجود الأب لا ينقص الأمَّ عن الثلث بحال، إذ لو لم يذكر ذلك وقيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لقال قائل: هذا في حال انفرادها عن الأب، وكان سهلاً عليه أن يدعي أن الجملة الوسطى مستقلَّة عن الأولى ليست مبنية عليها، ويؤيد قوله بأنها إنما بيَّنت فرض الأم، فلو كان المعنى فيها على اجتماع الأبوين لكان الظاهر أن يبيِّن ما للأب.
وأما الجمهور فعنهم أجوبة:
الأول: أن قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} تمهيد لما بعدها, ليعلم أن المراد بالثلث في قوله: {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} ثلث ما ورثاه، ولو قيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لكان صريحًا في أن المراد ثلث التركة.
الثاني: أن معنى قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أنهما ورثاه دون غيرهما، فالفائدة إخراج ما إذا كان معهما أحد الزوجين، قالوا: والحصر مأخوذ من التخصيص الذكري، كما تدلُّ عليه الفحوى.
الثالث - ولم أر من تعرَّض له -: أن هذا الفعل - وهو "ورث" - أكثر ما يُعدَّى بنفسه إلى المال ونحوه، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ} [مريم: 40]، وقال سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} [الأعراف: 169]، وقال عزَّ وجلَّ: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء: 85] أي الذين يرثونها،
(17/818)

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون: 11]، وقال سبحانه: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]، وقال تبارك اسمه: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ} [الأعراف: 100]، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180، الحديد: 10] أي هو يرثها، وقال تبارك اسمه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19]. في "صحيح البخاري" (1) وغيره عن ابن عباس: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوَّجها، وإن شاءوا زوَّجوها، وإن شاءوا لم يُزوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلها. فنزلت هذه الآيات". فكانوا يعاملون المرأة معاملة المال كما هو ظاهر.
وقال عزَّ وجلَّ: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43، الزخرف: 72] أي جُعِلتم ترثونها. واقرأ (2) الأعراف: 128 ومريم: 40 والأحزاب: 27 وفاطر: 32 والزمر: 74 والمؤمن [أو غافر]: 53 والدخان: 28 والشعراء: 59 والشورى: 14 وغيرها.
وقد يُعدَّى إلى من كان المال أو نحوه له، كقوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]، وقال سبحانه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]، وقال تعالى فيما قصَّه عن زكريا: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)
__________
(1) رقم (4579).
(2) ذُكِرتْ في الأصل أمام أسماء السور أرقام لعلها أرقام الركوعات في المصاحف الهندية، فعدّلناها إلى أرقام الآيات.
(17/819)

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 5، 6]. وقد يُعدَّى إليه ب "من" كما في هذه الآية.
وقد يُعدَّى إليهما، كما في قوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} إلى أن قال: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 77 - 80].
وفي كلام أهل اللغة أن الأصل فيه أن يتعدى إلى مفعولين: الأول من كان له المال ونحوه، والثاني المال ونحوه، وأنه قد يُعدَّى إلى الأول ب "من". وظاهر صنيعهم أنه سواء عُدَّي إلى الأول بنفسه أو ب "من" فالمعنى واحد، والذي يشهد به الذوق ويدلُّ عليه {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} أن المعنى يختلف، وأنه إذا عُدَّي بنفسه كان المعنى على الإحاطة بجميع ما كان للموروث منه، وإذا عُدِّي ب "من" كان على عدم الإحاطة، فزكريا سأل ولدًا يحيط بما هو له ويأخذ بعض ما هو لآل يعقوب، وكأن وجه ذلك أن الأصل تعدِّي الفعل إلى المال ونحوه، كما يدلّ عليه كثرة ذلك في الكلام كما مرَّ، فإذا عدَّي إلى مَن كان له المال ونحوه، فالمعنى على تقدير المال ونحوه. فإذا قيل: ورثتُ زيدًا، فالتقدير: ورثتُ مالَ زيد، وإذا قيل: ورثتُ من زيد، فالتقدير: ورثت من ماله، فإذا قيل: ورثتُ زيدًا مالاً، فالوجه أن يكون ضُمِّن ورث معنى فعلٍ آخر مثل سلب كما في قوله تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} ضمِّن - والله أعلم - نرث معنى نسلب، أو يكون "مالاً" في قولك: "ورِثتُ زيدًا مالاً" منصوب (1) على الحال، لدلالة التنوين على الكثرة أو القلة،
__________
(1) كذا في الأصل مرفوعًا.
(17/820)

والأصل: ورثتُ مالَ زيد حالَ كونه مالاً كثيرًا أو مالاً قليلاً. أو يكون زيدًا منصوبًا بنزع الخافض، والأصل: ورثتُ من زيد مالاً، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به.
فإن أبيتَ إلاّ ما يقتضيه صنيع أهل اللغة فإننا نقول: فالأصل أن يقال: ورثتُ زيدًا مالاً، بالتصريح بالمفعولين، فإذا حُذِف الثاني فقيل: "ورثتُ زيدًا" كان حذفه دالاًّ على العموم، كما تقرر في الأصول أن حذف المعمول يُؤذِن بالعموم، فكأنه قيل: ورثتُ زيدًا كلَّ ما كان له.
فإن لم تقنَعْ فقد نصَّ أهل العلم على أن المفرد يعمُّ أجزاءه، فإن قيل: اشتريتُ عبدًا أو دارًا، كان المعنى على عموم الشراء، أي أنك اشتريت العبد كلَّه والدارَ كلَّها. واستثنى بعضُ الأجلَّة ما إذا كان الفعل مما يقلُّ في العادة شمولُه لجميع الأجزاء، كضربتُ زيدًا. وزعم ابن جني أن ضربتُ زيدًا مجاز، وإنما يكون حقيقةً لو شمِلَ الضربُ جميع أجزاء المضروب. فأما ورثتُ زيدًا فلا معنى لإرثِ جميع أجزائه إلاّ إرثُ جميع أجزاء ما كان له، فتأمَّلْ.
ففي "فتح الباري" (1) في كتاب الفرائض: باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}: وقال السهيلي: "الكلالة من الإكليل ... ، ومن العجب أن الكلالة في الآية الأولى من النساء لا يرث فيها الإخوة مع البنت، مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله: "ليس له ولد"، وقُيِّد به في الآية الثانية مع أن الأخت فيها ورثت مع البنت. والحكمة فيها أن الأولى عُبِّر فيها بقوله تعالى:
__________
(1) (12/ 26).
(17/821)

{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ}، فإن مقتضاه الإحاطة بجميع المال، فأغنى لفظ "يورث" عن القيد، ومثله قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} أي يحيط بميراثها. وأما الآية الثانية فالمراد بالولد فيها الذكر كما تقدم تقريره، ولم يُعبَّر فيها بلفظ "يورث"، فلذلك ورثت الأخت مع البنت".
أقول: وإيضاحه أن الكلالة اسم للقرابة بغير الولادة، أعني قرابةً غير الولد والوالد، وتُطلَق على .... ، فتقدير الآية: "وإن رجلٌ يرثه كلالة"، ففهم منه أن الكلالة يحيطون بماله، فعُلِمَ بذلك أنه لا ولد له ولا والد. وأما قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} فمعناه: يفتيكم في الأقارب الذين ليسوا بولد ولا والد، والاسم يلزمهم مع وجود الولد والوالد، كما يلزمهم مع عدمهما، فلم يُفهم من هذا أنه لا ولد ولا والد. وقوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} المرء عام، فيشمل من له ولد ووالد أو أحدهما، فلذلك قيَّده بقوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}. وإنما لم يقل: "ولا والد" لأن الإخوة لهم ميراث مع الأب، ولكن يُعطاه الأب كما يأتي. ولكن ميراثهم قد يقصر عن المقدار المذكور هنا، وقد لا يبقى شيء، ففي صورة أب وأختين كان للأب الثلث وللأختين الثلثين (1)، فيأخذ الأب الجميع، فإذا كان مع هؤلاء زوج لم يبق بعد فرض الأب والزوج إلا السدس. وفي صورة أبوين وأختين وزوج لا يبقى شيء.
فإن قيل: فإن الأب يأخذ ما بقي بعد فرضه وفرض الأم أو الزوج على كل حال، سواء أكانت هناك أخوات أم لا.
__________
(1) كذا في الأصل منصوبًا، والوجه الرفع.
(17/822)

قلت: نعم، لكنه هنا يأخذه بالتعصيب، ومع وجود الأخوات يأخذه بحقّه عليهن.
وقوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} قد وافقَ السهيليَّ فيها غيرُه على أن المعنى على الإحاطة، وخالفه في تخصيص الولد بالذكر. قال أبو السعود (1): " {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} ذكرًا كان أو أنثى، فالمراد بإرثه إحراز جميع مالها، إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية، لا إرثه لها في الجملة، فإنه يتحقق مع وجود بنتها".
أقول: لكن يبقى ما إذا كان معه أحد الأبوين أو كلاهما أو زوج، فإنه في هذه الصور لا يحوز جميعَ التركة كما لا يخفى. فالأقرب أن يقال: إن إطلاق "يرثها" هنا المراد به إثبات العصوبة، وصحَّ ذلك لأن من شأن العصبة أن يحيط بالتركة في بعض الصور، ولا شكَّ أنه في الصور المذكورة يرث بالعصوبة، أما مع الأم والزوج أو أحدهما فظاهر، وأما مع الأب فإن الأخ يستحق الإرث، ولكن يأخذه الأب لما تقدم قريبًا.
فإن قيل: فلماذا قُيَّد بعدم الولد مع أن الأخ قد يأخذ بالعصوبة مع البنات؟
قلت: المعنى - والله أعلم - أنه مع عدم الولد يرث البتة، فيفهم منه أنه مع الولد بخلاف ذلك.
فإن قيل: فلِمَ لا يقال مثل هذا في {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}؟
__________
(1) تفسيره "إرشاد العقل السليم" (2/ 264).
(17/823)

قلت: الأصل والظاهر هو الإحاطة، وإنما يُعدَل عنها لموجب، ولا موجِبَ في {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، والله أعلم.
إذا تقرر هذا فنقول: إن قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} معناه إحراز جميع ماله، أما على تقدير "وورثَ مالَه أبواه" فلعموم المال، وأما على تقدير "وورثه أبواه كذا" فلأن حذف المعمول آذنَ بالعموم، فصار المعنى: وورثه أبواه جميع مالِه. وأما على القول بأن "ورثتُ زيدًا" يعمُّ جميع أجزائه، فلكون ذلك باعتبار جميع أجزاء ما كان له فظاهر، وفائدة قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} على هذا واضحة, لأن هذا المعنى لا يتحصل بدونها.
الجواب الرابع - ولم أر من تعَّرض له أيضًا -: أن الإرث إذا أُطلق في القرآن ولم يبيَّن النصيب كان المعنى أن الوارث عصبة، يُحرِز جميعَ المال إذا انفرد، والباقيَ بعد فرضٍ فأكثر إن كان. قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فلم يُبيِّن مجموع ما لهم لأنهم عصبة، ثمَّ بيَّن نصيب البنات إذا انفردن, لأنهن يكنَّ ذواتِ فرض حينئذٍ. وقد تقدم نحو هذا في قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا}.
إذا تقرر هذا فنقول في قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}: إن المعنى وكان أبواه عصبة، وذلك عند عدم الولد والإخوة، فيكون الأبوانِ عصبةً.
وقوله بعد ذلك: {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} المراد ثلث التركة، ولكن قد دلَّ كونُهما عصبةً على أن هذا إنما يكون إذا لم يكن هناك أحد الزوجين، وأنه إن كان هناك أحد الزوجين فالباقي بينها وبين الأب، على قاعدة العصبة: للذكر
(17/824)

مثل حظّ الأنثيين.
ولبعض كتّاب العصر جوابٌ بناه على أقوالٍ اخترعها في المواريث، لم يقل بها أحدٌ من أهل العلم، فلا حاجة إلى ذِكْره.

فصل
وأما الجواب المبني على مذهب ابن عباس فيمكن الإيراد عليه بأوجُهٍ:
الأول: أن المستبعد إنما هو أن تأخذ الأم الثلث إذا كان أكثر مما أخذه الأب، وذلك مع الزوج. ولذلك نُقل عن ابن سيرين وقال به أبو بكر الأصمّ في أبوين وزوجة: أن للأم الثلث. وإنما قال الجمهور في هذه أيضًا: إن الأم لا تأخذ إلاّ نصف ما يأخذ الأب, لأنهم فهموا من الآية ذلك على ما تقدم في الأجوبة التي من طرفهم. وكيف يستبعدون أن لا يكون له ضعفاها وقد تقدم أنه مع الولد يساويها؟ وذلك واضح في صورة: أبوين وابن، وأبوين وبنتين. وإذا كان هذا هو الواقع فلو أُريد التنبيه على أن وجود الأب لا ينقص الأمَّ بحالٍ لذكر مع الأبوين الزوج، فتكون الآية نصًّا في ذلك، فأما بدون ذكر الزوج فليست بنصًّ بل ولا ظاهر، لما سمعتَ من الاحتمالات.
الوجه الثاني: أن الجمهور موافقون على أن الأم تأخذ الثلث مع وجود الأب في بعض الأحوال كما علمت، فلهم أن يوافقوا على الجواب المذكور، ولكن يقصرون الحكم على الحال المذكورة.
الوجه الثالث: أنه على هذا الجواب يكون قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} تأكيدًا، وهو على أجوبتنا تأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد.
والجواب عن الوجه الأول: أن من سنة الله تبارك وتعالى في العقائد
(17/825)

والأحكام التي تعترضها الأهواء والشُّبه أن لا يكشفها كشفًا تامًّا، لكنه يُنبَّه على الحقّ تنبيهًا كافيًا لمن تدبَّر وحقَّق النظر، وأسلم نفسَه للحق، ووفَّقه الله عزَّ وجلَّ، ويدَعُ مناصًا لمن قصَّر أو استكبر، أو اقتضت الحكمة أن لا يُوفَّق. ويُزاد في الأحكام أنه يدع سبيلًا لأن يوضع في فهم القاضي المحقّ خلافُ الراجح لمناسبته للقضية التي يحكم فيها. وهذا مشروح في موضع آخر.
فقوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} فيه تنبيه كافٍ على ما ذكر من جهات:
الأولى: أن الجملة الوسطى صارت في حكم الله عزَّ وجلَّ بقوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} صريحةً في أنها في حال اجتماعهما.
الثانية: أن الحكم فيها عام، فيعمُّ جميعَ صور اجتماعهما، وهي ثلاث صور: أبوان فقط، أبوان وزوج، أبوان وزوجة.
الثالثة: أن المعروف أن الوارث الذي [ينقص غيره] ينقصه على كل حال، فالولد ينقص الأم إلى السدس، سواء وُجِد الأب أم لا، والإخوة كذلك، وإذا كان الأب لا ينقصها مع عدم أحد الزوجين فكيف ينقصها مع أحدهما؟
فإن قيل: كما نقصها مع وجود الإخوة.
قلنا: إنما نقصها الإخوة. أما إذا قلنا بما يُنقل عن ابن عباس أن السدس الذي تنقصه الأم في هذه الحال يكون للإخوة فظاهر، ولا يرِد على هذا ما ذهب إليه ابن عباس وغيره أن الجدّ يحجب الإخوة، فيقال: فكيف لا يحجبهم الأب؟ لأن له أن يجيب بأنهم مع .... والأم لم يأخذوا من نصيب الأب شيئًا، وإنما أخذوا من نصيب الأم.
(17/826)

نعم، يلزمه أن يقول في جد وأم وإخوة أن الإخوة يأخذون السدس، والظاهر أنه يقوله؛ لأن المنقول عنه إنما هو أن الجد أب، لا أنه يحجب الإخوة مطلقًا، فإن حُكي عنه أن الجد يحجب الإخوة فلعل مراده أنه يحجبهم مما كان يأخذه لو لم يكونوا, وليس ذاك السدس من هذا؛ لأنهم لو لم يكونوا لأخذته الأم.
وأما إذا قلنا بقول الزيدية وغيرهم إن الإخوة إن كانوا أشقّاء أو لأب لا يُعطَون شيئًا، وإن كانوا لأمّ أخذوا ذاك ... ، فنقول: الأصل على هذا أن السدس للإخوة، وإنما يأخذه الأب إذا كانوا بنيه، بحقّ أبوَّتِه لهم وولايته عليهم، فإن كانوا صغارًا فإنه مظنة أن ينفقه عليهم، وإن كانوا كبارًا فإنه إن أنفقه عليهم فذاك، وإن أنفقه على نفسه فهو في مقابل نفقته الواجبة عليهم، وإن تركه ميراثًا صار إليهم كلُّه أو جلُّه. وقد نُقل نحو هذا عن قتادة، رواه ابن جرير (1) وغيره.
وأما إذا قلنا بقول الجمهور: إن الإخوة لا يأخذون مع الأب شيئًا ولو كانوا لأم، فالوجه في الأشقاء أو لأب ما تقدم، وأما في أولاد الأم فنقول: إن الأم نقص استحقاقها بسببهم؛ لأنهم إن كانوا كبارًا فذلك مظنة أن ينفعوها ويواسوها من كسبهم، وإن كانوا صغارًا فإنما يكون ذلك إذا فارقها أبو الميت ثم تزوجت أبا الصغار، والغالب أن يكون أبو الصغار حيًّا ينفق عليها وعليهم، وقد تأكدت صلتها به بولادتها الأولاد، فنقص استحقاقها من ابنها الذي قد تكون آذتْ أباه حتى فارقها وتزوجت غيره، وقرَّت عند هذا الآخر
__________
(1) في "تفسيره" (6/ 467، 468). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (3/ 883).
(17/827)

حتى ولدت له أولادًا واستغنت به. وإذا نقص استحقاقها ولم يكن لبنيها حقٌّ فالذي نقصَه يكون .... لأبي الميت.
على أنه لا يلزم فيمن كان النقص بسببه أن يأخذ هو ذاك المنقوص، ألا ترى أن البنات أو الأخوات ينقصن الأم سدسًا, ولا يكون لهن ذلك السدس، بل يذهب إلى العصبة، وذلك في صورة بنتين أو أختين وأم وعصبة، فالنقص بسبب البنتين أو الأختين، والفائدة للعصبة. ولا يلزم فيمن يحجب وارثًا أو ينقصه أن يحجب من يحجبه ذاك الوارث أو ينقصه، فالجد يحجب الإخوة للأم، ولا يحجب ولا ينقُص من ينقصه الإخوة للأم، وذلك كجدّ وأمّ وزوج، فتأخذ الأم ثلثها, ولا يقال: إن الجدّ يحجب الإخوة للأم لو كانوا، فلينقص من ينقصونه.
فأما في أبوين وزوج ولا ولد ولا إخوة، فقد عُلِم أن الزوج لا ينقصها شيئًا إذا لم يكن أب إجماعًا، فكيف ينقصها مع وجود الأب؟ أو بأي وجه نقص استحقاقها؟ فإن الزوج أجنبي لا ينقصها إذا لم يكن أب، ولا يكون ما أخذه الأب كأنه أخذه الزوج، كما قلنا في الأشقاء أو لأب، ولا تنتفع الأم بشيء من زوج بنتها بعد موت الابنة، ولا ينقص استحقاقها بسبب أن بنتها تزوجت، فلم يبق إلا احتمال أن ينقصها الأب، ولو كان ينقصها لنقَصها عند عدم الزوج كما تقدم، فنصّ الله تعالى نصًّا قاطعًا على هذه الحال، أعني أن ينفرد الأبوان ولا زوج ولا زوجة، متناولاً بعمومه الحالين الأخريين.
فإن قلتم: الذي ينقصها هو الأب، وإنما لم ينقصها إذا لم يكن معهما أحد الزوجين, لأنه ينال مقدارًا وافرًا، وهو الثلثان، فأما إذا كان معهما أحد الزوجين فإنه لا يبقى له ما يناسب حقَّه فينقصها.
(17/828)

قلنا: قد قدَّمنا أن سنة المواريث على أنه إذا نقص وارثٌ وارثًا كان حكمًا عامًّا بأن ينقصه على كل حال، وما توهمتموه في استحقاق الأب لا أثر له, لأن الله تعالى قال في آخر هذه الآية: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} وإذا سلَّمتم عموم الآية فلم يبقَ إلاّ أن تخصُّوها بما لا علم لكم به، والله المستعان.
هذا وقد بقيت جهاتٌ أخرى ستأتي إن شاء الله تعالى.
والجواب عن الوجه الثاني: أن قَصْركم هذا النصَّ على ما إذا لم يكن فيها زوج ولا زوجة دعوى فارغة مردودة من جهات:
الأولى: أن النصوص العامّة لا تخصُّ بلا حجة.
الثانية: أن المعروف في سنة الكلام ونصوص الكتاب والسنة أن العام إن قام دليل على تخصيصه كان الباقي أكثر، وأنتم عكستم هنا، فأخرجتم صورتين وأبقيتم صورة.
الثالثة: أن النصّ كما أفاد دخولَ الصورتين بلفظه فقد أفاد دخولهما بمعناه، أعني ما قدَّمناه، إذ لا وجه لأن ينقص الزوج الأمَّ، ولا لأن ينقصها الأب بشرط وجود الزوج.
والجواب عن الوجه الثالث: أن قولكم: "التأسيس أولى من التأكيد" محلُّه فيما إذا تعادل الاحتمالان، وسيتبيَّن إن شاء الله تعالى حال الاحتمالات التي ذكرتموها بأجوبتكم.
وأما الأجوبة التي من طرف الجمهور فالقدح فيها إجمالاً وتفصيلاً:
أما الإجمال فإنه لا داعي إلى تكلُّفها إلا استبعاد أن تأخذ الأم ضِعفَ ما
(17/829)

يأخذ الأب في صورة زوج وأبوين، كما أجاب زيد بن ثابت لما راسله ابن عباس، فقال زيد: لا أفضَّلُ أمًّا على أب. وليس في النصوص ولا النظر ما يمنع أن تفضل الأم الأب حتى نحتاج إلى تأويل الآية. أما النصوص فظاهر، وأما النظر فإن كنتم تقيسون الأبوين على الابن والبنت وعلى الأخ والأخت شقيقين أو لأب فهذا خطأ، فقد بان بقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أن الأبوين ليسا كالابن والبنت، ولا كالأخ والأخت، فإن الابن والبنت والأخ والأخت لا يكونان إلا عصبة، واتصال الابن والبنت بالمتوفى سواء من كل وجه، وكذا الأخ والأخت، ولا كذلك اتصال الأبوين، فإن اتصال الأم أقوى، فلو كان الأمر إلى القياس لكان الأشبه أن يشبه الأبوان بالبنت وابن الابن والأخت الشقيقة والأخ لأب. وإن نظرتم إلى مقدار التعب والعناء فأفضلية الأم ظاهرة، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -: "بِرَّ أمَّك ثم أمَّك ثم أمَّك ثم أباك".
فإن قلتم: ولكن الأب هو الذي أنفق المال أي في الغالب.
قلنا: ولكن الأم قد تكون أحوجَ إلى المال من الأب، ولا سيَّما عند شيخوختها عندما يُعرِض عنها الأب، مع أن مثل هذه الأمور قد قطعها الله عزَّ وجلَّ بقوله: {لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} الآية كما مرَّ.
والنظر الصحيح أن الأم ليست مع الأب عصبةً، وإلاّ لكانت معه عصبة عند وجود الولد أو الإخوة، وأن الأب لا ينقصها عن ثلثها، وإلاّ لنقَصَها عند انفراده معها، فإذا لم يكن لا ذا ولا ذاك فهي ذاتُ فرضٍ أبدًا، ينقصها الولد أو الإخوة إلى السدس، فإن لم يكن ولد ولا إخوة فهي على ثلثها، وأما الأب
(17/830)

ففرضه السدس أبدًا (1)، ثم هو عصبة يأخذ الباقي تعصيبًا إذا انفرد، والباقي بعد بقية الفرائض إن كانت ولم يكن ولد ذكر، فإن لم تُبقِ الفرائضُ شيئًا لم يكن له شيء (2)، كما هو الحكم في العصبة، ففي صورة بنتين وأبوين وبني ابن لا يبقى شيء لبني الابن.
وفي الحديث: "الخراج بالضمان"، فكذلك حال العصبة، حرمانه تارةً، يأخذون جميع المال تارةً (3).
ومبنى الفرائض على المشاحة والعصبات على المسامحة، فإن أصحاب الفرائض كأصحاب الدين على الميت، والعصبة أولياء الميت، وحقُّ الولي أن يحرِص على توفية الديون التي على ميته ولو من ماله، فإن لم يكن هناك ذو دَين أو كان ولم يستغرق فالوليُّ أولى به ممن لا دينَ له ولا ولاية.
وبهذا نجيب الأشقاء في المشتركة، نقول لهم: إنكم عصبة الميتة وعاقلتها, لو جَنَتْ في حياتها جنايةً كان حقًّا عليكم أن تحملوها, ولو ماتت وعليها دَين لا وفاءَ له لكان ينبغي لكم أن تقضوه من أموالكم، فهذه الفرائض التي للأم والزوج والإخوة لأم بمنزلة الدين على أختكم، فلم يُكلِّفكم الله تعالى أن تقضوها من أموالكم، بل كلَّفكم أن تَرضَوا بقضائها من تركتها، وافرِضوا أن لكم ولبعض الأجانب دينًا على أختكم ولا تفي التركةُ بالدَّينين، أليس الذي ينبغي لكم أن تقضوا الأجانب وتُسامحوا بدينكم؟ فكذا يقال
__________
(1) كتب المؤلف في الهامش: "كذا يظهر، ولكنه لم ينصّ عليه إلاّ مع الولد؛ لأنه والله أعلم مع عدم الولد إن لم يحز أكثر من السدس باسم التعصيب لم ينقص عنه".
(2) "أي زائد عن السدس، فأما هو فهو فرض فيما يظهر، كما مرّ" (من المؤلف).
(3) كذا في الأصل، والمعنى واضح.
(17/831)

للأب على أنه قد أخذ دَينه المحتوم وهو السدس.
وأما التفصيل فالجواب الأول دعوى بلا دليل، وليس في قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} إشارة ما إلى أن المراد بقوله: {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} أي ثلث ما أخذاه، بل المتبادر هو المطرد في آيات الفرائض وأحاديثها أن المراد ثلث التركة، والجملة الثانية مبنية على ما قبلها، وهي قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}، والسدس هنا سدس التركة اتفاقًا، إذ لو كان المراد بالثلث ثلث ما أخذاه لكان المراد بالسدس هنا سدس ما أخذاه، وهو باطل اتفاقًا فيما إذا كان هناك أحد الزوجين.
وأما الجواب الثاني فيرد عليه أنه لا دليلَ على الحصر، لا من الطرق التي ذكرها البيانيون ولا من غيرها، فإننا نسلَّم أن الحق غير محصور في تلك الطرق، وأنك إذا قلتَ لإنسانٍ: من ورِثَ فلانًا؟ فقال: ورثَه أبواه، فَهِمَ الحصر، ولكن فَهْمَه هنا من جهة أن مَن الاستفهامية للعموم، فالاستفهام واقع عن جميع الورثة، والجواب مطابق للسؤال، فلما اقتصر المجيب على قوله: ورثه أبواه، كان ظاهر ذلك أنهما جميع الورثة، ولكن لا نجد في الآية ما يماثل هذه الدلالة أو يقوم مقامَها.
وقولكم: "إن الحصر مأخوذ من التخصيص الذكري كما تدلُّ عليه الفحوى" جعجعةٌ لا طِحْن، فإن التخصيص الذكري إنما يفيد الحصر حيث كان المقام يقتضي الاستيعاب، كما قدَّمنا في جواب "مَن ورث فلانًا"، وليس هنا كذلك، اللهمَّ إلاّ أن تبنوا على القول بمفهوم اللقب، وهو قول ساقط بالاتفاق بيننا وبينكم.
(17/832)

وأما الجواب الثالث فيردُّه أن أهل اللغة ذكروا أن "ورث" يتعدَّى إلى مفعولين، ولم يفرقوا بين ورثتُه وورثتُ منه. وقولهم: "حذف المعمول يُؤذِن بالعموم" ليس على إطلاقه، فإنه يقال: "قَتلَ فلان" وليس المعنى أنه قتلَ كلَّ أحد، وقالوا: فلان يعطي وفلان يمنع، وليس المعنى يعطي كلَّ شيء ويمنع كلَّ شيء، وإنما يُؤذِن بالعموم حيث كان المقام يستدعي ذكره لو كان خاصًّا، ولا علة لتركه غير العموم، وما هنا ليس كذلك، فإن القصد من قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} إنما هو ذكر وجود الأبوين. وإنما لم يقل: "وله أبوان" لأن مثل هذا إنما يحسن فيما قد يكون وقد لا يكون البتة، كالولد والإخوة، فأما الأبوان فكل إنسانٍ له أبوان عدا آدم وحواء وعيسى عليهم السلام.
فإن قيل: إنما المراد بقوله: "وله ولد"، "وله إخوة" من كان حيًّا، فلو قيلَ: "وله أبوان" لكان المعنى: وله أبوان حيَّان، والأبوان الحيَّان قد يكونان وقد لا يكونان في ...
قلت: نعم، ولكن الكلام في حسن التعبير.
وأما قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} ففي دعواكم نظر، ولا يلزم من ترك التقييد إغناء الكلام عنه، فقد يترك التقييد في آية لبيان أخرى ....
وأما قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} فقد لقيتمونا ببعض الكلام عليها, ولا حاجة بنا إلى استيفائه، بل يكفينا أن نقول: إذا اتجه أن يكون المراد هنا: يُحرِز جميعَ مالها، فلقائلٍ أن يقول إنما كان ذلك هنا لتقدُّم المبتدأ، كما في قولهم: أنا فعلتُ ذلك، أو أن المقام هنا يستدعي ذكر المفعول، فآذن حذفُه بالعموم، وليس قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} كذلك.
(17/833)

وأما قول زكريا عليه السلام: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} فكأن إحراز الجميع قوي فيها, ولكن قد يُوجَّه بأن المقام يستدعي ذلك؛ لأنه يسأل ولدًا يخلُفه، ولا يكفي في ذلك أن يرِثه في الجملة، بأن يحرز شيئًا ما مما هو له، وبأن تعدية "يرث" الأول بنفسه والثاني بمن يُشعِر بالفرق، والفرق الظاهر هو ما ذُكر.
وأما الجواب الرابع فيرد عليه أن تلك القاعدة إذا سلمت ففيما يكون المقام فيه يستدعي بيان النصيب، فإنه إذا لم تذكر مع ذلك عُلِم أنه إنما تُرِك لنكتةٍ، والنكتة قد تكون العموم كما مرَّ، وقد تكون غير ذلك كما هنا، فإن كون النصيب غير مقدرٍ سبب لتركِ ذكره، فتدبَّر. وقد قدمنا أن قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} لا يستدعي ذِكْرَ المفعول.

فصل
قد يقال من طرف الجمهور: الكلام في مقامين: الأول في معنى الآية، والثاني في النظر.
فأما معنى الآية فإنما دفعتم به الأجوبة السابقة كلامًا, ولكننا نقتصر على الجواب الثالث، ونقول: إن نحو "ورِث فلانٌ فلانًا" يقتضي ظاهره إحرازَه جميعَ ماله، كما يشهد به الذوق، وصَّرح به السهيلي وغيره، وقدَّمنا له ثلاثة أوجه. وإطلاق أهل اللغة أن "ورِث" يتعدى إلى مفعولين وعدم تفرقتهم بين "ورثتُه" و"ورثتُ منه" إن خالف ما قلنا عارضناه بما تقدم من الاستدلال.
وقولكم في دفع الوجه الثاني "إن حذف المعمول إنما يؤذن بالعموم" حيث كان المقام يستدعي ذكره لو كان خاصًّا, ولا علة لتركه غير العموم =
(17/834)

مسلَّم، ونقول: إن قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} كذلك، قولكم إن القصد من قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} إنما هو ذكر وجود الأبوين دعوى غير مسلَّمة، فإن وجودهما قد علم من الجملة الأولى. والجواب الذي من طرف ابن عباس قد تقدم أن الكلام عليه يكون تأكيدًا، والتأسيس أولى منه، ويُرجّح قولنا التعبير بقوله: "ورث"، ولو كان الأمر كما قلتم لكان الظاهر أن يقال: "وله أبوان". قولكم إنه عدلَ عن ذلك لأن التعبير به غير جيد= غير مسلم.
نعم، لا ننكر أنه يقال: ورث فلانٌ فلانًا, وليس المعنى على العموم حتمًا, ولكن لا بدَّ أن يكون هناك ملاحظة للعموم، وذلك كقوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا} إذا حمل على معنى أنه عصبتها كما تقدم، وقدَّمنا أنه خلاف الأصل، فلا يُصار إليه إلاّ بدليل، فإن أقمتم حجةً على أنه قد يقال مثلاً: مات فلانٌ وورثتْه زوجته" على معنى أنها ورثت فرضها فإننا نُسلِّم ذلك، ولكننا نقول: هذا المعنى أشدُّ في خلاف الظاهر، فلا يُحمل عليه الكلام ما دام المعنى الظاهر محتملاً، وقد يُوجَّه بأن الأصل: ورثتْ منه زوجته، ثم حُذِف حرف الجر، وسُلِّط الفعل على المجرور، كما في نحو: دخلتُ الدارَ.
وقولكم في الجواب الإجمالي: إنه لم يَدْعُنا إلى تكلف الجواب إلاّ استبعادُ أن تأخذ الأمُّ ضعفَ الأب، وذكرتم جواب زيد بن ثابت، فقد جاء ذلك في رواية مختصرة، وجاء في أخرى أوضح منها: "عن عكرمة أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وللأب بقية المال، قال: فأتيتُ ابنَ عباس فأخبرتُه، فقال ابن عباس: ارجع إليه فقُلْ له: أبكتابِ الله قلتَ أم برأيك؟ قال: فأتيتُه، فقال: برأيي، فرجعتُ إلى ابن عباس فأخبرتُه، فقال ابن عباس:
(17/835)

وأنا أقول برأيي: للأم الثلث كاملاً" "سنن" البيهقي (6/ 228).
فهذا فصل الخطاب في الآية، وهو أنها محتملةٌ كلا القولين باعتراف أفرض الأمة وباعتراف حبرها، وهو صاحب القول المخالف للجمهور، فإن كلا القولين عمدتُه في ترجيح ما ذهب إليه الرأي، وفي ذلك شهادة عظمى من حبر الأمة لصحة احتمال الآية لما قلنا.
وأعظم منها اتفاق جمهور الصحابة ثم أئمة التابعين ومَن بعدهم، وبما ذكر يتم إجماع الصحابة على احتمال الآية لما قلناه وترجيح جمهورهم له، فلنقتصر على هذا وننظر في الرأي.
وأما المقام الثاني فقد تقدم ما ظهر من النظر من طرف ابن عباس، فقولكم أولاً: إن المعروف من سنة الفرائض أن الوارث الذي ينقص غيره ينقصه على كل حال، والأب لا ينقص الأم عند عدم أحد الزوجين، فلا ينقصها عند وجوده. فهذا معارض بأخصَّ منه، وهو أن الأم لا تفضل الأبَ في الصور المتفق عليها، فهي إما أن تأخذ مثله، وذلك مع الابن أو البنتين فأكثر، وإما أن تأخذ نصف ما أخذ، وذلك مع البنت وعند انفراد الأبوين، وهذا القياس أقوى من قياسكم، فإن غاية قياسكم أن هذه الصورة لا نظير لها في الفرائض، قياسنا يقول مثل قولكم، وهو أن هذه الصورة - أعني أن تأخذ الأم ضعفَ ما يأخذ الأب - لا نظير لها في الفرائض، ثم هو ناظرٌ إلى المعنى، وهو أن الأحكام المتفق عليها تدلُّ أن الأب أكثر حقًّا من الأمّ.
وأما قولكم: إن من شأن العصبة أن تختلف أحواله، فتارةً يحوز جميع التركة، وتارةً لا يبقَى له شيء، وتارةً يناله كثير منها، وتارةً قليل= فهذا حق في
(17/836)

غير الأب، فأما الأب فإنه صاحبُ فرضٍ فرض الله له مع الولد السدس، وكان مقتضى ذلك أن يُفرض له مع عدم الولد الثلث كالأم سواء على الأقل، ففي عدم الفرض له إشارة إلى أنه عند عدم الولد لا بدّ أن يحوز الثلث على .... ، وإن كان بعضه باسم الفرض وبعضُه باسم التعصيب، وذلك كالابن لم يفرض الله عزَّ وجلَّ له، ولكن جعله يحجب بعض الورثة وينقص بعضهم، فلو اجتمع جميع الورثة من الأصول والحواشي ومعهم ابن واحد لما ورث منهم معه غير الأبوين وأحد الزوجين، فللأبوين السدسان وللزوج الربع، فيبقى للابن نصف إلاّ نصف السدس، وإذا كان بدلَ الزوج زوجة فأكثر كان لها الثمن، فيبقى للولد النصف وربع السدس، هذا مع أن الأبوين جدّاه، والغالب أن يكون الزوج أباه والزوجة أمه.
ولنكتفِ بهذين الوجهين من النظر ثم نقول: لم يعتمد جمهور الصحابة فمن بعدهم على النظر إلا من جهة ترجيحه لأحد المعنيين المحتملين في الآية باعتراف ابن عباس نفسِه كما مرَّ، ولما ترجَّح أن معنى الآية أنه إذا لم يكن للميت ولدٌ وحاز أبواه جميع التركة فلأمَّه الثلث، فقد فُهِم من التقييد بحوزهما جميع التركة أنهما إذا اجتمعا ولم يحوزا جميعَها لم يكن للأم الثلث، والمعقول أنه يكون لها حينئذٍ دون الثلث، فنظر الأئمة إلى حالة انفرادهما، فوجدوا أنها تأخذ مثل نصف ما يأخذ الأب، فقالوا: فالظاهر أنهما إذا اجتمعا ولم يحوزا جميع التركة - وليس هناك من ينقص الأم وهو الولد .... - نقصَ من نصيب الأم بنسبة ما نقص من التركة، وزاد ذلك عندهم قوةً أن ذلك لا ينقصها عن السدس، وهو الفرض المحتوم لها. والله أعلم.
(17/837)

فصل
وأما الجملة الثالثة - وهي قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} فهي مبنية على ما قبلها، فمنطوقها أن الأبوين إذا اجتمعا ومعهما إخوة كان للأم السدس، وقد تقدم أنه رُوي عن ابن عباس أن السدس الذي نقصته الأم يكون للإخوة، ولم يثبت عنه ذلك، وقد تقدم بيان الحكمة في نقصهم الأمّ، وأن السدس وإن أخذه الأب فكأنه لهم، بل لو كان مع الأب أخوات فلا مانع أن يقال: إن لهنَّ الثلثين، ولكن أخذه الأب كما تقدم.
وقد استشكل ابن عباس ما جرى عليه العمل من نقص الأم بالاثنين من الإخوة، وقال لعثمان: [لِمَ صار الأخوانِ يردَّانِ الأمَّ إلى السدس، إنما قال الله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟] (1). وسُئل زيد بن ثابت عن ذلك فقال: ["إن العرب تسمِّي الأخوينِ إخوةً"] (2).
فالذي يظهر من قول ابن عباس وقول زيد أن الجمع في لسان قريش إذا أُطلِق كان المتبادر منه الثلاثة، وليس الأمر هكذا عند جميع العرب، وإلّا لما خصَّ ابن عباس قريشًا. ويظهر من قول زيد أن الجمع في لسان الأنصار يُطلَق على الاثنين إطلاقًا مستفيضًا، فجرى العمل قبل ابن عباس وبعده على الاعتداد بالاثنين.
__________
(1) ما بين المعكوفتين بياض في الأصل. والأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" (6/ 465) والحاكم (4/ 335) والبيهقي (6/ 227).
(2) هنا بياض في الأصل، والأثر أخرجه الحاكم (4/ 335) والبيهقي (6/ 227).
(17/838)

ومن جملة ما يرجَّح به أن الأحكام المنصوصة المتفق عليها في الفرائض لا تفرِّق بين الاثنين فما فوق، فللبنت أو بنت الابن النصف، وللثنتين فأكثر الثلثان، وكذلك للأخت شقيقةً أو لأبٍ النصف، وللثنتين فأكثر الثلثان، وللأخ لأمٍّ السدس، وللاثنين فأكثر الثلث.
ويتأكَّد هذا بأن الظاهر أن الإخوة إنما ينقصون الأمَّ إلى السدس لأجل ميراثهم، حتى مع وجود الأب، فإنهم يرثون تقديرًا كما تقدم، وهم في ميراثهم لا يفترق الاثنان منهم والثلاثة فأكثر، أما الإخوة لأمَّ فظاهر، وأما الأشقاء أو لأب فيعتبر ذلك بإناثهم، فللأختين فأكثر الثلثان.
(17/839)

الرسالة الحادية والعشرون
مسألة منع بيع الأحرار
(17/841)

(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكرمنا بالهداية، ولاحظَنا بالرّعاية، وحَفَّنا باللطف والعناية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الهادي من الغَواية، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب فأوضح آيه، صلّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أهلِ الفضل والدِّراية.
أمّا بعدُ، فإنّي لمّا رأيتُ العِلْمَ قد خبا زِنادُه، وكَبا جَواده، بل كان قد أصبح نَسْيًا منسيًّا، وعَدّ الناسُ من بقيَ من حَمَلتِه مرتكبين شيئًا فريًّا، لولا قيامُ مولانا أمير المؤمنين لتجديده، واجتهاده في بنائه وتشييده. وكنتُ ممَّن تشبّه بأهله، ولبِسَ العِمامةَ مع جهله، أزعجني ما حَدَث في بيع الأحرار، وما يعاملُهم به القضاة من عدم سماع دعوى المبيع ولا شهادةِ الحسبة مؤاخذةً بظاهر الإقرار؛ فرأيتُ القيام بهذه المهمّة عملًا بالظاهر من كوني ممّن يُعتَدُّ به في هذا المجال، وإن كنتُ في الحقيقةِ من جملة الجُهَّال.
فأولاً: لا يخفى عِظَمُ خَطَر الحريّة، قال الله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11 - 13] إلى غير ذلك من الآيات، بحيث جَعَله كفَّارةً لأكبر الكبائر وهو القتل، وكفَّارةً للظهار، وكفَّارةً للجماع في رمضان إلى غير ذلك.
وقد قرنها الله تعالى بالإيمان, قال تعالى: {لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37]، أي: أنعم الله عليه بالهداية إلى الإِسلام، وأنعمتَ عليه بالفكَّ من رِبْقةِ الرقَّ.
(17/843)

وفي الصّحيحين (1) عن أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أعتقَ رقبةً مسلمةً أعتقَ الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار، حتَّى فَرْجَه بفَرْجِه".
وروى البيهقيُّ في "شعب الإيمان" (2) عن البراء بن عازبٍ قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: علِّمني عملاً يُدخِلُني الجنّة. قال: "لئن كنتَ أقصرتَ الخطبةَ لقد أعظمتَ المسألة. أعتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرقبةَ". قال: أوَليسَا واحدًا؟ قال: "لا، عِتْقُ النسَمة أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبةِ أن تُعِين في ثمنها ... " الحديث.
وفي حديثٍ رواه أبو داود والنسائي (3): أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ في شأن رجلٍ قَتَل، فقال: "أَعتِقوا عنه، يُعتِقِ اللهُ إليه بكلِّ عضوٍ عضوًا منه من النار".
وفي "شعب الإيمان" (4): أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أفضلُ الصدقة الشفاعةُ, بها يُفَكُّ رقبةٌ".
وفي مسلمٍ (5) عن أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَجزِي ولدٌ والده إلا
__________
(1) البخاري (6715) ومسلم (1509).
(2) رقم (4026) ط. الهند. وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (18647) وابن حبّان في "صحيحه" (374) والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 272، 273). وإسناده صحيح.
(3) أبو داود (3964) والنسائي في الكبرى (4872) عن واثلة بن الأسقع، وهو حديث صحيح. راجع تعليق المحققين على "المسند" (16012).
(4) رقم (7279) عن سمرة بن جندب. وفي إسناده أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وذكر الذهبي في "الميزان" (4/ 497) هذا الحديث من مناكيره.
(5) رقم (1510).
(17/844)

أن يجده مملوكًا فيشتريَه فيُعتِقَه" ه.
ومن عرف خطرَ حقّ الوالد عرفَ خطرَ العتق، وبطريق العكس فمن استرقّ حرًّا أو شهد عليه، أو حكم بغير تثبُّتٍ أو داهنَ، ثبت له عكسُ ما يثبتُ للمعتق. ومَن تأمّل أحكام الرقيق عرف عناية الشارع، فمنها السراية، ومنها شرط العتق في البيع، وغير ذلك ممَّا نقضت فيه القواعد، وعلّله الفقهاء بتشوّف الشارع إلى العتق.
وسببُ الرقِّ أصله الكفر، فانظر كيف لم يرضَ سبحانه وتعالى استرقاقَ المسلم إلا بالتبعيّة، وإنّما يُستَرقُّ الكافر بالسَّبْي أو الأسر أو نحوه، وهذا من مُدَّةٍ طويلةٍ إنْ لم يكن مفقودًا فنادرٌ.
وأمَّا غير الكافرِ فإنَّما يُسترقُّ بتبعيّتِه له، وندورُ الأصل يستلزم ندورَ الفرع. مع أنَّ العبيدَ المتوارثين من أزمنة الفتوح لا يكادون يُوجَدون إلا مَمْنُونًا عليهم بالعتق.
ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الإماء المجلوبةَ لا يجوز بيعها ولا شراؤها في حال الجهل، قد قيل هذا في القرنِ السادس أو السابع، وممَّن قال به القفَّالُ والردَّاد، ومَن قال بالجواز قال: والورعُ اجتنابُه.
هذا إذْ ذاك فكيف اليوم؟!
وفي "فتاوى ابن زياد" (1): مسألةٌ: الجواري المجلوبة الآن قد حرَّر السبكيُّ أحكامها، وحاصله: إمَّا أن يُجهَل حالُها، فالرجوعُ في ظاهر الشرع إلى السيِّد في الصغيرة، وإلى إقرارها واليد في الكبيرة. واليدُ حُجّةٌ شرعيّة
__________
(1) "غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد" (ص 196، 197).
(17/845)

وكذا الإقرار، والورعُ التركُ.
وإمَّا أن يُعلَم حالُها, وله مراتب:
أحدها: أن يتحقق إسلامها في بلادها, ولم يَجْرِ عليها رِقٌّ قبل ذلك، فلا تحلُّ هذه بوجهٍ من الوجوه إلا بزواجٍ شرعيًّ.
ثانيها: كافرةٌ ممّن لهم ذِمَّةٌ وعهدٌ فكذلك.
ثالثها: كافرة من أهل الحرب مملوكة للكافر، حربيًّا أو غيره، فهي حلال لمشتريها.
رابعها: كافرةٌ من أهل الحرب قهرها وقهرَ سيَّدَها كافرٌ آخر، فإنّه يملكها ويبيعها لمن شاء، وتحلُّ لمشتريها ...
ثم قال بعد ذلك ما مضمُونُه:
خامسها: كافرةٌ لم يَجْرِ عليها رقٌّ أَخذَها مسلمٌ قهرًا، فإنْ كانت بإيجاف جيشٍ فغنيمةٌ مشتركةٌ بين الغانمين وأهلِ الخمس، أو غزا واحدٌ فأكثر بأمرٍ من الإِمام أو بدونه ولو مُتَلصِّصًا فكذلك (1).
والرقُّ إنَّما يثبت باليد أو بالبيّنة أو بالإقرار ونحو ذلك.
أمَّا باليد ففي حقِّ الصغير والمجنون، فيصدَّق مَن هو في يده في كونه رقيقًا بيمينه مع بيان السبب المعتبر، كما قرّره شُرَّاح "المنهاج" (2) في باب اللقيط، عند قول المتن: "ولو رأينا صغيرًا مميزًا ... " إلخ، وفي باب الدعاوي.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من "فتاوى ابن زياد".
(2) انظر: "نهاية المحتاج" (5/ 461).
(17/846)

وأمَّا بالبيّنة فأمرها ظاهرٌ، وشرطها بيانُ السبب المعتبر، كما قرَّروه عَقِبَ ما مرَّ عند قول المتن: "ومَن أقام بيّنةً بِرِقّه عُمِلَ بها" (1). ويُشترط أيضًا عدم المعارضة، فإنَّ بيّنةَ الحرّ تُقدَّم على بيّنةِ الرقّ، على ما نقله الهروي عن الأصحاب، وإنْ كان المعتمد خلافَه كما ذكره الرمليُّ في باب الدعاوي (2).
وإذا لم تعتبر اليد، ولم تَرِدْ بيّنةٌ معتبرة، فالقول قول المُسْتَرَقّ البالغ بيمينه، وإنْ قد استخدم زمانًا وتداولته الأيادي، كما حققوه في باب الدعاوي.
وأمَّا الصغير فيُقبَل قولُ مسترِقِّه الذي هو في يده بيمينه ما لم يعتمد على الالتقاط، فإذا بلغ وادَّعى الحريَّة لم يُصدَّق إلا ببيّنةٍ على الأصحّ. أمَّا غيرُ ذي اليد فلا يُصدَّق إلا ببيّنة معتبرةٍ.
وأمَّا الإقرار فأولاً: من المعلوم أنَّ الإقرار بالمال شرطه الرشد، ومن المعلوم أن مذهبَ الشافعي أن الرشدَ صلاح الدين والمال، وإنْ تجوَّز بعضُ المتأخرين فيعمل به حيث دعتِ الحاجةُ، والإقرارُ بالرقَّ هل يُعتبر فيه الرشد؟ الذي فهمه ابن حجر والرمليُّ من إطلاق الأصحاب في باب اللقيط عدمُ اعتباره، على أنَّ ابن حجر إلى اعتباره أميلُ، وباعتباره قال سلطان العلماء الشيخ عزُّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، ورجّحه المغني والزركشي والأذرعي وابن قاسمٍ والسيّد عمر، وهو الظاهر؛ لأنّه إقرار بمالٍ، والعذر عن إطلاق الأصحاب في باب اللقيط أنهم قد قيَّدوه في باب الإقرار، وهو الباب المعقود لذلك.
__________
(1) المصدر نفسه (5/ 462).
(2) المصدر نفسه (8/ 345).
(17/847)

وإذا تقرّر هذا فأين الرشد اليوم من أكثر الناس؟!
ومن شروط الإقرار أيضًا عدم الإكراه، وقد نصُّوا على أنَّ القول قول مدّعي الإكراه إذا قامت أمارةٌ عليه، وكفى بحال الشخص تحت سيطرة المتغلِّبِ عليه الطامعِ في بيعه بمالٍ كثيرٍ، مع فساد الزمان وجهل الناس وشدّة ظلمهم، فإنها أمارةٌ واضحة على الإكراه.

تنبيهٌ:
ويُشتَرط في إثبات الرقّ بأدنى دليل، كأن يكون داخلاً تحت الإمكان. فمَن عُلِمت حريته وإسلامه لم تُسمع دعوى الرقّ عليه أصلاً.
ويُشترط في الإقرار بالرقّ أيضًا أن لا يسبقه إقرار بالحريّة، كما قرَّروه في باب اللقيط.
فإذا ثبت الإقرار المعتبر فهل تُسمع الدعوى بعده؟
قال القليوبي في "حاشيته" على المحلّي (1) قُبيلَ باب بيع الثمار: "إنّها لا تُسمع إلا أن يبيِّن له وجهًا محتملاً، وأنّ ابن حجرٍ قال: "تُقبَل مطلقًا لأجل حقّ الله تعالى".
وقال في باب الحوالة (2): "نعم إنِ اعترفَ العبد قبلها بالرقِّ، أو صرَّح أحدُ الثلاثة قبلها بالملك، لم تُسمَع بيّنتُهم ولا دعواهم، كما اعتمده [شيخنا] (3) كشرح شيخنا الرملي، ونقل سماعها مطلقًا؛ لأنَّ الحريّة حقُّ الله تعالى ... " إلخ.
__________
(1) (2/ 224).
(2) (2/ 322).
(3) زيادة من المطبوع.
(17/848)

فأمَّا إذا بيَّن وجهًا محتملاً فإنها تُقبل جزمًا، كما أشاروا إليه في باب الحوالة.
وأمَّا ما ذكره عن ابن حجرٍ فلم أره لابن حجر في "التُّحفة" بعد الفحص، بل في كلامه ما يفيد خلافه، قال في بابِ الحوالة (1): "إنَّ عدمَ سماعِها هو الأصحُّ، مع تناقضٍ لهما في مواضع" يعني الشيخين.
وفي "الداغستاني" (2) في باب الحوالة: "قوله: (أو أقامها العبدُ)، قال في "شرح العباب": قال الجلال البلقيني: لم يذكروا إقرار العبد بالرقَّ، والقياس يقتضي تَعيُّنَ إقامة البيّنة حسبةً؛ لأنَّ إقراره بالرقِّ مُكذِّب لبيِّنتِه، فلا يقيمُها. انتهى. ونُقِل عن الأسنوي ما يوافقه، وعن السبكي والأذرعي ما يخالفه، ويؤيّد كلام الجلال والأسنوي امتناعُ سماعها من المتبايعين إذا صرّحا حين البيع بالملك، فإنّ تصريحهما بالملك نظير تصريح العبد بالملك". انتهى، سم بحذفٍ".
فقوله: "ونقل عن الأسنوي ما يوافقه"، أي: قال بعدم سماعها إلا إن كانت حسبةً.
وقوله: "وعن السبكي والأذرعي ما يخالفه"، أي: قالا بسماعها مطلقًا، كما هو ظاهرٌ.
وأمّا الحسبةُ فإنَّه لا شكَّ فيها أنها تُقام على كلِّ حالٍ.
__________
(1) "تحفة المحتاج" (5/ 237 - 238).
(2) هو الشرواني، انظر حاشيته على التحفة في الموضع المذكور.
(17/849)

وفي "المنهاج" (1): "وتُقبل شهادةُ الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له فيه حقٌّ مؤكّد كطلاقٍ وعتقٍ ... " إلخ.
وفسَّر الشرَّاح (2) قوله: "وفيما له حقٌّ مؤكد" بما لا يتأثر برضا الآدمي، ولا شكَّ في أنّ الحريّة كذلك.
إذا علمتَ ما مرّ فإنّ المستَرَقَّ في هذا الزمان إن كان مشهورَ النسب فلا تُسمع دعوى مسترِقِّه أصلاً.
وإن كان مجهولاً لكونه مجلوبًا من قُطرٍ بعيدٍ فالقول قوله بيمينه، ما لم يَسبِق منه إقرارٌ بالرقَّ مستكملٌ للشروط، وهو عزيزٌ جدًّا، لقيام أمارة الإكراه، وعلَّتُه السَّفَهُ. ولو قامت بيّنةٌ أنّ المسترَقَّ قد أقرّ بالحريّة قبل إقراره بالرقّ قُبِلتْ، وأَبطلَتْ إقرارَه بالرقّ.
فأمّا إذا ثبت إقراره المعتبر بالرقِّ ولم يكن مشهور النسب، فهل تُسمَع دعواه الحريّةَ أم لا؟
قد سبق نقل القليوبيَّ عن ابن حجرٍ والرمليّ، ونقلُ ابن قاسم عن السبكيِّ والأذرعي.
وأمّا كلام الجلال البلقيني وموافقةُ الإسنوي له فهو عبَّر بقوله: "والقياس يقتضي ... " إلخ، وكثيرًا ما تُنقَض القواعد ويُخالَف القياس في هذا الباب لخطر شأن الحريّة.
__________
(1) "منهاج الطالبين" (3/ 437).
(2) انظر "تحفة المحتاج" (10/ 237) و"نهاية المحتاج" (8/ 306).
(17/850)

وبما قرَّرناه تبيّن أن الإقرار بالرقَّ لا حكمَ له، لغلبةِ السفه وعدم المعرفة، وقيامِ أمارة الإكراه، مع غلبة الحريةِ - وهي الأصلُ - ونُدورِ الرقّ المتيقّن.
فعليه كلُّ مُسْتَرقٍّ ادَّعى الحريةَ فالقول قوله بيمينه، سواء سبقَ منه إقرارٌ بالرقِّ أمْ لا، إلاّ أن يقيم مُسْترِقُّه بيّنةً برقِّه، فإن أقامها ثبت الرقُّ إلاّ أن تقوم بيّنةٌ بالحريّة، سواء أقامها العبدُ - على ما مرّ عن السبكي، ونقله (ق ل) عن ابن حجرٍ والرملي، ومرّ توجيهُه - أم أُقيمتْ حسبةً، فإنّ بيّنةَ الحريّة تُقَدَّمُ على بيّنةِ الرقيّة، على ما نقله الهروي عن الأصحاب، ويتّجه ترجيحُه لفسادِ الزمان وكثرةِ العدوان، وغلبةِ الحريّة - وهي الأصلُ - ونُدورِ الرقّ.
وأيُّ إنسانٍ جلب مُسترَقًّا فالأحوط للمشتري أن لا يشتريه إلا بعد إخبار موثوقٍ بأنّه مملوكٌ حقًّا، وإلاّ فاللازمُ عليه أنْ يشتريَه بخيار الشرط، ثم يؤمِّنه ويطمئنه [.......] (1)، ويُسكّن فَزَعه، ويقول له: إن كنتَ حُرًّا فأنت آمِنٌ ضامنٌ، وأنا أقبِضُ منهم دراهمي، وأحمِيْك منهم، وأمنعُهم عن التعرُّض لك، ثم إن أحببتَ البقاء لديَّ وإلاّ أرجعتُك إلى أهلك مع مَن أَثِقُ به. وإن كنتَ مملوكًا فلا تكذِبْ.
فإن قال: أنا حُرٌّ، لزِمَه رفعُه إلى الحاكم للبحث عنه، ولا يُسْلِمه إلى جالبِه.
وإنْ قال: بل أنا مملوكٌ، فلا بأسَ أنْ يشتريَه معتمدًا على ظاهر اليد مع إقراره، بعد تأمينه وتَطْمِينه.
__________
(1) هنا كلمتان غير واضحتين.
(17/851)

والحذرَ ثم الحذرَ من التساهل في هذا، فإنَّه من أخطر الخطر، كيف وما يترتَّبُ عليه من المفاسد كثيرٌ؟! كالتسرّي واسترقاق الأولاد، إلى غير ذلك.
والنظرُ لمولانا أميرِ المؤمنين، مُقيمِ أَوَدِ الدين، المجتهد المطلق، سيّدنا الإِمام محمَّد بن عليَّ بن إدريس، حفظه اللهُ تعالى، آمين.
وقد كنتُ أردتُ نقلَ عباراتِ شُرَّاح "المنهاج" و"المنهج" و"الحواشي" في باب الإقرار، والحَجْر، والحوالةِ، واللقيط، والدعاوي والشهادات، فلم تُساعدني العزيمةُ، ورأيتُ الذي أوردتُ كافيًا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
***
(17/852)

(2)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله محمدٍ وآله وصحبه.
وبعدُ، فإنَّ هذا الزمانَ لا يخفى فيه ضياعُ حقوق الله تعالى بين الناس، وفُشوُّ السوء والفحشاء ما بينهم، ومن ذلك ما شاع من بيع الأحرار، وإكراهِهم على الإقرار، أو ترغيبهم بعضهم ببعضِ الثمن وإطماعِه بالهربِ، وبعضهم رغَّبه في تحمُّل مُؤْنتِه ومعيشته واستراحتِه من الطلب والتعب، وربّما حضر إلى بعض الحكام ذلك المقِرُّ فادَّعى الحريّة، أو جاءت شهادةُ حِسبةٍ، فلم يسمعها اعتمادًا على ظاهر كلام أهل المذهب.
وأنا أنقلُ هنا بعضَ ما يلوحُ بالمسألةِ من كلام "المنهاج" و"التُحفة" و"الحاشية" للشِّرواني.
في الإقرار (1):
(يصحُّ) الإقرار (من مطلق التصرّف) أي: المكلّف الرشيد ... إلخ.
وفي باب اللقيط (2):
(إذا لم يُقرّ اللقيطُ برِقًّ فهو حرٌّ، إلا أنْ يقيم أحدٌ بينةً لرقّه، وإنْ أقرَّ به) أي: الرقّ، وهو مكلَّفٌ، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبارَ رشده أيضًا،
__________
(1) "منهاج الطالبين" (2/ 177)، "تحفة المحتاج" مع الحواشي (5/ 354).
(2) "المنهاج" (2/ 313، 314)، "تحفة المحتاج" (6/ 356).
(17/853)

وظاهر كلامهم خلافُه. (لشخصٍ فصدَّقه قُبِل إن لم يسبق إقراره) أي: اللقيط (بحريّةٍ) كسائر الأقارير، بخلافِ ما إذا أكذبه، وإنْ صدَّقه بعدُ أو سبق إقراره وهو مكلَّفٌ؛ لأنّه به التزمَ أحكام الإقرار المتعلّقة بحقوق الله تعالى والعبادِ، فلم يقدر على إسقاطها.
وفي الحاشية (1): "اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه ابن قاسم".
عبارةُ المغني: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المقر ههنا، وينبغي - كما قال الزركشي - اعتباره كغيره من الأقارير، فلا يقبل اعتراف الجواري بالرقّ كما حكي عن ابن عبد السلام؛ لأنَّ الغالب عليهنَّ السفه وعدم المعرفة، قال الأذرعيُّ: "وهذه العلّة موجودة في غالب العبيد، لا سيما من قرُب عهده بالبلوغ".
وعبارة السيد عمر: "قوله: فظاهر كلامهم خلافه، قد يقالُ: إنَّما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره، إذِ الغالبُ استيعاب الشروط إنما يكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم كباب الإقرار هنا، ثم رأيتُ المحشي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيّده أنه إقرار بمالٍ، وشرطه الرشدُ، اللهم إلا أن يمنع أن الإقرار بالرقَّ ليس من الإقرار بالمال، وإن ترتّبَ عليه المال، انتهى.
وهو إشارةٌ إلى ما نبَّهنا عليه، وأمَّا قوله: "اللهم إلاّ ... إلخ" فلا يخفى ما فيه من البعد بل المكابرة، إذْ لا معنى لقوله: أنا عبده أو نحوه إلا أنا مملوكٌ له، وهو نصٌّ في المالية. ه.
__________
(1) "حاشية الشرواني" المطبوعة مع "تحفة المحتاج" (6/ 356 - 357).
(17/854)

وفي الشرح (1) بعد: ولو أقرَّ بالرقِّ لمعيَّنٍ ثم بحريّةِ الأصل لم تسمع، لكن إن كان حالَ الإقرار الأول رشيدًا، على ما مرَّ.
وقال في بابِ الحجر (2):
(حجر الصبيَّ يرتفع ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] ... إلى (والرشدُ صلاح الدين والمال) معًا، كما فسَّر به ابن عباسٍ وغيره الآيةَ السابقة، ووجه العموم فيه مع أنه نكرةٌ مثبتةٌ وقوعُه في سياق الشرط.
[وفي الدعاوي] (3):
(ولو ادُّعيَ رقُّ بالغٍ) عاقلٍ مجهول النسب ولو سكرانَ (فقال: أنا حرٌّ) في الأصلِ، ولم يكن قد أقرَّ له بالملك، قيل: وهو رشيدٌ على ما مرَّ قبيل الجعالة (فالقولُ قولُه).
وفي الشهادات (4):
(وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ مؤكَّدٌ) وهو ما لا يتأثَّر برضا الآدمي ... إلى أنْ قال: وإنما تُسمَع عند الحاجة إليها حالاً، كأخيها رضاعًا وهو يريدُ أنْ ينكحها، أو أعتقه وهو يريدُ أن يسترِقَّه (كطلاقٍ وعتقٍ وعفْوٍ عن قصاصٍ، وبقاء عدّةٍ وانقضائها، وحدًّ له تعالى).
__________
(1) "تحفة المحتاج" (6/ 357).
(2) المصدر نفسه (5/ 162 - 166).
(3) المصدر نفسه (10/ 301 - 302).
(4) المصدر نفسه (10/ 237 - 239).
(17/855)

وفي الحاشية على (كطلاقٍ) أي: لأنَّ المكلَّف فيه حقّ الله تعالى، بدليل أنه لا يرتفع بتراضي الزوجين أسنى. ه
نعم في "بغية المسترشدين" (1) في الحجر عن الأشخر: مذهب الشافعيّ أن الرشد صلاح المال والدين، بأن لا يرتكبَ محرمًا مبطلاً للعدالة، ومنه أن تغلب طاعاتُه صغائره، إلى أن ذكر وجهًا آخر حكاه عن البعض وتجوّز فيه المتأخرون تيسيرًا، قال: وهو شاذٌّ.
وفي باب الخلع (2) عن الأشخر أيضًا: هذا إذا قلنا بمذهب الشافعي أن الرشد صلاح الدين والمال، أمَّا إذا قلنا بالوجه الشاذّ أنه صلاح المال ... إلخ
وفيه (3) عن بافقيه: ومعلومٌ أن الرشد على المذهبِ أن تبلغ مصلحة لدينها ودنياها ... إلخ.
وفي فتاوي ابن زياد (4):
مسألةٌ: عبد مسلمٌ بالغٌ رشيدٌ تحت يد مالكٍ مقرًّ له بالملك مستخدم مستفاض بين الناس أنه عبدُه، ثم أعتقه السيد بحضرة بعض العلماء عتقًا صحيحًا، فانتقل العتيق إلى بلدٍ أخرى وأقرَّ أنَّه مِلْكٌ لشخصٍ آخر، لم يُقْبل إقراره بعد ثبوت العتق، ... إلخ.
__________
(1) (ص 139).
(2) (ص 217).
(3) (ص 218).
(4) "غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد" (ص 144).
(17/856)

وفي الحجر (1):
مسألةٌ: الرشدُ صلاح الدين والمال، هذا مذهب إمامنا الشافعيِّ رحمه الله، وفي وجهٍ حكاه المتوليّ ... إلخ.
إذا تقرر ما نقلناه وعرفتَ أحوال الناس اليوم في بيع الجواري اتَّجه الجزمُ بسماع البيّنةِ على الحريّةِ؛ لأنَّ حقوق الله المتعلّقةِ بها عظيمةٌ، وكم مفاسد تترتب على الرقَّ.
وتبيَّن مما نقل عن "المغني" والسيد عمر وابن قاسم عن الزركشي والشيخ عزّ الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وغيرهم أن الرشد هنا معتبرٌ كسائر الأقارير.
أمَّا حُجَّةُ من لم يشترطه فإنَّما هو مجرد إطلاقهم أنَّ الأصحاب .... ، وقد تبيّن أن إطلاقهم إنّما هو اكتفاء بذكره في أصل المسألة ونظَائرها، وذلك باب الإقرار. وكون الإقرار هنا إقرارًا بمالٍ لا يُمْتَرى فيه.
وأمَّا كون الرشد مُعتبرًا في الدين فهو المذهبُ، وإنَّما تجوَّز فيه بعضُ المتأخرين تيسيرًا، وينبغي أنْ يعتبر التيسير قبل ادِّعاء المبيع الحريَّةَ، أو ورود شهادة الحسبة، وأمَّا عندهما ففيه تفويتٌ لحقوق الله تعالى، وخوضٌ في الأوحال، على أنَّ الحسبةَ الظاهرُ سماعُها هنا؛ لكون الغالب فيه حقّ الله تعالى، إذْ لا ترتفع الحرية بالتراضي كما لا يرتفع الطلاق.
وأمَّا الرشدُ في الجواري والعبيد اليوم فمفقود؛ إذْ لا تُعرف منهم صلاة ولا صيام بل ولا ذِكرُ الله تعالى إلا نادرًا، مع جهلهم بما يترتب على
__________
(1) المصدر نفسه (ص 138).
(17/857)

استرقاقهم من المفاسد، وإنما عامَّة قصدهم أن يستريحوا من طلب المعاش، وهذا مع استخفاف الناس بالمسألة وجرأتهم عليها، فطالما باعوا الأحرار وأكرهوهم على الإقرار، أو رغَّبوهم بمالٍ وأطمعوهم بالفرار، أو رغَّبوا في استراحتهم من الكدِّ والتَّعبِ في طلبِ المعاش بحمل المشتري لِمُؤنتهم، ولا سيَّما إذا كان من الأغنياء.
وقد قيل في الأعجمي الذي يرى وجوبَ طاعةِ أميره: إنَّ حكمه مأمورًا كحُكْمه مُكْرهًا, ولا يبعد قياس هؤلاء عليه.
وللإمام - أيَّده الله تعالى - النظرُ والجزمُ بما تبرأ به الذمَّةُ؛ إذِ الدينُ قِلادةٌ في عُنُقه، وهو بحمد الله من العلم والتحقيق بمرتبةِ الاجتهاد، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبع، ولا يرفع الحقَّ كلامُ أحد إلا الله ورسوله. واللهُ أعلمُ.
***
(17/858)

(3)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد، فقد حملني ما طرأ على الناس من أحكام الأرِقّاء، وجرأة كثيرٍ من الناس على بيعِ الأحرار، مع إكراههم على الإقرار أو ترغيبهم به، ورغبتهم في المعرفة والمعيشة، ومع ذلك فإنَّ بعض الحكام يقضي بمجرد الإقرار بالرقِّ، لم يَعُدْ يقبل دعواه الحرية، ولا يسمع شهادة الحسبة.
وهذا ما اطلعتُ عليه من عبارات "المنهاج" مع "التحفة" وحاشية الشِّرواني.
متنٌ وشرحٌ:
(يصحُّ) الإقرار (من مطلق التصرُّف) أي: المكلّف الرشيد ... إلخ. ه من الإقرار (1).
وفي باب اللقيط (2):
(إذا لم يُقِرّ اللقيط برقٍّ فهو حرٌّ، إلا أنْ يُقيمَ أحدٌ بيِّنةً برقّه، وإنْ أقرَّ به) أي: الرقِّ وهو مكلَّفٌ، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبارَ رشده أيضًا، وظاهر كلامهم خلافُه. (لشخصٍ فصدَّقَه قُبِل إنْ لم يسبق إقراره) أي: اللقيط
__________
(1) "تحفة المحتاج بشرح المنهاج" (5/ 354).
(2) المصدر نفسه (6/ 356).
(17/859)

(بحريّةٍ) كسائر الأقارير، بخلافِ ما إذا أكذَبَه, وإنْ صدَّقه بعدُ أو سبق إقراره بالحريّةِ وهو مكلَّف؛ لأنّه به التزمَ أحكام الإقرار المتعلّقة بحقوقِ الله والعباد، فلم يقدر على إسقاطها.
وفي الحاشية (1) عند قوله: "ما يقتضي رشده": اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه ابن قاسمٍ.
عبارةُ المغني: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المُقِرَّ ههنا، وينبغي - كما قال الزركشيُّ - اعتباره كغيره من الأقارير، فلا يُقبل اعتراف الجواري بالرقَّ كما حُكِيَ عن ابن عبد السلام؛ لأنَّ الغالبَ عليهنَّ السفهُ وعدم المعرفة. قال الأذرعيُّ: وهذه العلّةُ موجودةٌ في العبيد، لا سيّما من قرُب عهده بالبلوغ.
وعبارة السيد عمر: قوله: "وظاهر كلامهم خلافه"، قد يقال: إنّما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره؛ إذِ الغالبُ أنَّ استيعاب الشروط إنّما يكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم، كباب الإقرار هنا، ثم رأيتُ المحشّي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيده أنّه أقرَّ بمالٍ، وشرطه الرشد، اللهم إلا أن يمنع أنَّ الإقرار بالرقَّ ليس من الإقرار بالمال، وإنْ ترتّب عليه المال. ه
وهو إشارة إلى ما نبهنا عليه.
وأمَّا قوله: "اللهم إلا ... " إلخ، فلا يخفى ما فيه من البعد بل المكابرة؛ إذْ لا معنى لقوله: أنا عبده أو نحوه إلاّ أنا مملوكٌ له، وهو نصٌّ في المالية. ه
__________
(1) "حاشية الشرواني" المطبوعة مع "التحفة" (6/ 356 - 357).
(17/860)

وفي الشرح (1) بعد: ولو أقرَّ بالرق لمعيَّن ثم بحرية الأصل لم تُسمع، لكن إنْ كان حالَ الإقرار الأول رشيدًا، على ما مرَّ.
وفي الحجر (2):
(وحجر الصبيّ ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} ... إلى أن قال: (والرشدُ صلاح الدين والمال) معًا، كما فسَّر به ابن عباس وغيره الآية السابقة، ووجه العموم فيه مع أنه نكرة مثبتة وقوعُه في سياق الشرط.
وفي الدعاوي (3):
(ولو ادُّعي رقُّ بالغٍ) عاقلٍ مجهولِ النسب ولو سكرانَ (فقال: أنا حرٌّ) فالقول قوله. ه
وفي الشهادات (4):
(وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ مؤكّد) وهو ما لا يتأثّر برضا الآدمي ... إلى أنْ قال: وإنّما تُسمع عند الحاجة إليها حالاً، كأخيها رضاعًا وهو يريد أن ينكحها، أو أعتقه وهو يريد أن يسترقَّه (كطلاقٍ وعتقٍ وعفوٍ عن قصاص، وبقاءِ عِدّةٍ وانقضائها، وحقًّ له تعالى).
__________
(1) "تحفة المحتاج" (6/ 357).
(2) المصدر نفسه (5/ 162 - 166).
(3) المصدر نفسه (10/ 301 - 302).
(4) المصدر نفسه (10/ 237 - 239).
(17/861)

وفي الحاشية على قوله "كطلاقٍ" أي: لأنَّ المكلّف فيه حقُّ الله تعالى، بدليل أنَّه لا يرتفع بتراضي الزوجين. أسنى ه.
وفي "البغية" (1) عن الأشخر: "مذهبُ الشافعيّ أن الرشد صلاح المال والدين، بأن لا يرتكبَ محرمًا مبطلاً للعدالة، ومنه أن تغلب طاعاتُه صغائره ... إلى أنْ ذكر وجهًا آخر حكاه عن البعضِ، ثم قال آخره: وهو شاذٌّ".
وفي باب الخُلْعِ (2) عن الأشخر أيضًا: "هذا إذا قلنا بمذهب الشافعي أن الرشد صلاح الدين والمال، أمَّا إذا قلنا بالوجه الشاذّ أنّه صلاح المال ... " إلخ.
وفيه (3) عن بافقيه: "ومعلوم أن الرشد على المذهب أن تبلغ مصلحة لدينها ودنياها".
وفي "فتاوى" ابن زياد (4):
مسألةٌ: عبد مسلم بالغ رشيدٌ تحت يدِ مالكٍ مُقرّ له بالملك مستخدمه مستفاض بين الناس أنه عبد، ثم أعتقه السيّدُ بحضرة بعض العلماء عتقًا صحيحًا، فانتقل العتيقُ إلى بلدٍ أخرى وأقرَّ أنه ملكٌ لشخصٍ آخر، لم يُقبل إقراره بعد ثبوت العتق؛ لأن العتيق المسلم لا يتصور حدوث الرقّ عليه ... إلخ.
__________
(1) "بغية المسترشدين" (ص 139).
(2) المصدر نفسه (ص 217).
(3) المصدر نفسه (ص 218).
(4) "غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد" (ص 144).
(17/862)

وفيها في الحجر (1):
مسألةٌ: الرشدُ صلاح الدين والمال، هذا مذهب إمامنا الشافعيّ رحمه الله، وفي وجهٍ حكاه المتوليّ.
إذا تقرّر ما نقلناه، وعُرِفَ أحوال الناس اليوم في بيع الجواري اتجَّه الجزمُ بسماع البينة على الحريّة؛ لأنَّ الحقَّ في الحرية لله سبحانه وتعالى، وكم يترتب على الرقيّة من مفاسد خطيرة نعوذ بالله من ذلك.
فأمَّا صحةُ الإقرار فقد تقرّر أن المذهبَ كون الرشد معتبرًا في الدنيا والدين، وإنْ ذهبَ بعضُ المتأخرين إلى الوجه الضعيفِ طلبًا للتسهيل على الناس؛ لأنَّ المشقّةَ تجلب التيسيرَ، على أنَّ المصلحة في مسألتنا مطابقةُ المذهب في اعتبار الدين حفظًا لحقوق الله تعالى من الضياع، وصدًّا لأهل الفجور والأطماع؛ لعموم البلوى بذلك، فإنَّ الناسَ لا يعرفون ما يترتبُ على الرقِّ من المفاسد، فهم يرتكبون الجرأة على بيع الأحرار طمعًا في الدنيا الفانية، فأمَّا المبيع فإمَّا أن يُكرِهوه على الإقرار، وتعتبرُ عليه بينة الإكراه بعدُ، وإمَّا أنْ يُرغِّبوه فيرغب في الرقِّ لما فيه من حملِ المالك مُؤْنتَه، فيستريح من تعب الطلب للمعاش، وقد شاع نَهْبُ الأحرار، وإكراههم على الإقرار، وبيعهم للتجار، وربّما علم ذلك المشتري فيبتاعه طلبًا للربح، أو يمسكه لئلا تذهب دراهمه.
وأمَّا إقرار الجواري فإنّه وإنْ قيل: إنَّ المعتمدَ أنّه لا يُعتبر فيه الرشد، فقد عرفتَ ما فيه ممَّا حكيناه عن المغني والسيد عمر إلحاقًا له بسائر الإقرارات.
__________
(1) المصدر نفسه (ص 138).
(17/863)

وأمَّا شهادة الحسبة فلا يخفى ما يترتب على استرقاق الحرّ مِنَ المفاسد المُخِلَّةِ بحقوق الله تعالى، وكما قيل في الطلاق: إنه حق الله تعالى بدليل أنَّه لا يرتفع بالتراضي. على أنَّ القول بعدم اعتبار الرشد في إقرار الجواري، فإن كان قبل البينة فتخفيفًا على الناس ينبغي اعتماده, أمَّا بعد ورود البيّنة من قِبل المبيع أو حسبةً فالذي يطمئنُّ إليه القلب - حفظًا لحقوقِ الله تعالى - اعتبار الرشد، تبريئًا لذمّةِ الإِمام والحكام وسائر الناس.
ولمولانا - حفظه الله تعالى - النظر، وعليه الجزمُ بما رآه الحقَّ، فإنَّ الحقَّ لا يرفعه قولُ قائلٍ، والله تعالى أعلمُ.
***
(17/864)

(4)
بسم الله الرحمن الرحيم
وقعت المذاكرةُ في ما اشتهر الآن في بعض البلدان من بيع الأحرار، والاعتماد على الإقرار، وما يقضي به بعض الحكام من عدم سماع دعوى مَنْ أقرَّ بالرقِّ إذا ادَّعى الحريّةَ، وعدم سماع شهادة حسبة على ذلك، كيف حكمُه؟
أقول: في ق ل (1) على ح ل قبيل باب بيع الثمار (2) ما لفظه:
(تنبيهٌ): لو أقرَّ بالرقِّ لشخصٍ فبِيعَ، ثم ادَّعى الحريَّة لم تُقبل دعواه، إلاّ إنْ بيَّنَ له وجهًا محتملاً، وقال ابن حجرٍ: تُقبل مطلقًا لأجل حقِّ الله تعالى. ه
فهذا إنْ صحَّ أغنى، لكن لم نعثر على ما يفيد ذلك لابن حجر، بل صرَّح بعكسه وأطلق، وإليك عبارتَه في "تحفته" في بابِ اللقيط (3):
"ولو أقرَّ بالرقِّ لمعيَّنٍ ثم بحريّة الأصل لم تُسمَع". ه
نعم قد عُرِفَ أنَّ المذهبَ اشتراطُ الرشد للإقرار بالمال، والرشد هو صلاح الدين والمال، وأمَّا هنا فعبارةُ ابن حجرٍ عند قول "المنهاج" في باب
__________
(1) قوله (ق ل) رمزٌ للمحشي قليوبي، له حاشيةٌ على (ح ل)، وهو شرح جلال الدين المحلّي على منهاج النووي.
(2) "حاشية" قليوبي (2/ 224).
(3) "تحفة المحتاج" (6/ 357).
(17/865)

اللقيط (1):
(وإنْ أقرَّ به) أي: الرقّ وهو مكلَّف، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبار رشده أيضًا، وظاهر كلامهم خلافه. ه.
وفي الحاشية (2): قوله: "ما يقتضي اعتبار رشده" اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه سم (3).
عبارة الأول: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المُقِرِّ هنا، وينبغي - كما قال الزركشي - اعتبارُه كغيره من الأقارير، فلا يُقبل اعتراف الجواري بالرقّ كما حكي عن ابن عبد السلام, لأنَّ الغالبَ عليهنَّ السفه، وعدم المعرفة. قال الأذرعيُّ: "وهذه العلّةُ موجودةٌ في غالب العبيد، لا سيمَّا مَنْ قرُب عهده بالبلوغ". ه
وعبارة السيد عمر: قوله: "وظاهر كلامهم خلافه"، قد يُقال: إنما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره؛ إذِ الغالبُ في استيعاب الشروط إنما تكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم، كبابِ الإقرار، ثمَّ رأيتُ المحشّي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيّده أنّه إقرار بمالٍ، وشرطه الرشد، اللهم إلا أن يمنع أن الإقرار بالرقّ ليس من الإقرار بالمال، وإن ترتّب عليه المالُ، انتهى.
وهو إشارةٌ إلى ما نبّهنا عليه.
__________
(1) المصدر نفسه (6/ 356 - 357).
(2) "حاشية الشرواني" على الموضع السابق.
(3) أي ابن قاسم.
(17/866)

وأمّا قوله: "اللهم ... إلخ" فلا يخفى ما فيه من البُعد بل المكابرة؛ إذ لا معنى لقوله: أنا عبدُه أو نحوه إلاّ أنا مملوكٌ له، وهذا نصٌّ في الماليّة. ه
فكلامُه هو لا يرجِّح اعتبارَ الرشد، وأين الرشد اليوم في كثيرٍ من الأحرار فضلاً عن الأرقّاء؟ ولو اعتُبِر هذا لشقَّ على النَّاس، إذ كلُّ من أراد بيعَ رقيقٍ احتاج إلى شاهدين على رِقّه، وعليه فتُسمع بعد ذلك دعوى المبيع؛ إذ لم يكن الحكم برقّه مبنيًّا على إقراره فتُرَدُّ دعواه.
وأمّا شهادةُ الحسبة فإليك عبارةَ "المنهاج" مع ملخَّصٍ من عبارة "التحفة" (1): (وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ موكَّدٌ) وهو ما لا يتأثّر برضا الآدمي ... وإنّما تُسمع عند الحاجةِ إليها حالاً، كأخيها رضاعًا وهو يريد أن ينكحها، أو أعتقه وهو يريد أن يسترقّه (كطلاقٍ وعتقٍ) بأن يشهد به أو بالتعليق مع وجود الصفة أو بالتدبير مع الموت أو بما يستلزمه. ه
والحريّة من أعظم حقوق الله تعالى، والأصليّة أولى من العتق، ولا فرقَ بين كونِ العتق وقع ممَّن يريد أن يتملّكه أو يبيعه أو مِنْ غيره، كما هو الظاهر.
فالذي يظهر أنَّ شهادة الحسبة لا تُردُّ في هذا؛ إذ هو ممَّا لا يتأثّر برضا الآدميِّ، والله تعالى أعلمُ.
__________
(1) (10/ 237 - 238).
(17/867)

الرسالة الثانية والعشرون
أسئلة وأجوبة في المعاملات
(17/869)

بسم الله الرحمن الرحيم
س: ما تعريف البيع؟
ج: البيع لغة: إعطاء شيء وأخذ شيء.
وشرعًا: مبادلة مالٍ - ولو في الذمة - أو منفعةٍ مباحة بمثل أحدهما، للمِلْك على التأبيد.
وفي "العمدة" (1): معاوضة مالٍ بمالٍ.
س: ما الذي يجوز بيعه، وما الذي لا يجوز بيعه؟
ج: يجوز بيع كل مملوكٍ فيه نفع مباح، غير الكلب، ولا يجوز بيع الكلب، ولا ما لا نفع فيه، كالحشرات، ولا ما نفعه محرم، كالخمر والميتة، ولا بيع الإنسان ما لا يملكه إلا بإذنٍ من مالكه، أو دلالةٍ عليه، ولا بيعُ معدومٍ، كما ستُثمِره شجرته، ولا مجهولٍ كالحمل، والغائب الذي لم تتقدم رؤيته إلا ما يأتي في السَّلَم، ولا بيعُ غيرِ معين، كشاةٍ من قطيع، إلا ما تتساوى أجزاؤه، كصاعٍ من صُبْرةٍ معينة، ولا بيع ما يَعْجِز البائعُ عن تسليمه، كالآبق، والشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء، ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو لمن يقدر على أخذه من الغاصب.
س: لماذا لا يجوز بيع الكلب مع أن فيه نفعًا مباحًا؟
ج: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب (2).
__________
(1) لابن قدامة (ص 47).
(2) أخرجه البخاري (5346، 5761) ومسلم (1567) من حديث أبي مسعود. وفي الباب أحاديث أخرى.
(17/871)

س: فإن أتلف الإنسانُ كلبَ غيره الذي فيه نفع مباح، مثل: كلب الصيد، ألا يُغرم ثمنه؟
ج: ليس عليه غُرمُ ثمنهِ؛ للنهي عن ثمن الكلب مطلقًا.

[ص 2] فصل
س: هل ثَمَّ بيوعٌ منهيٌّ عنها؟ وما هي؟
ج: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيوع:
الأول: بيع الملامسة.
الثاني: بيع المنابذة.
الثالث: بيع الحصاة.
الرابع: بيع الرجل على بيع أخيه.
الخامس: بيع حاضرٍ لبادٍ.
السادس: النَّجَش.
السابع: بيعتان في بيعة.
الثامن: تلقَّي السِّلَع.
التاسع: بيع المشتري للطعام قبل أن يستوفيه.
العاشر: الربا.
س: ما تفسير هذه البيوع؟
ج: الملامسة: أن يقول: أيّ ثوب لمستَه فهو لك بكذا.
والمنابذة: أن يقول: أيّ ثوب نبذتَه إليَّ فهو عليّ بكذا.
(17/872)

وبيع الحصاة: أن يقول: ارْمِ هذه الحصاة، فأي ثوب وقعت عليه فهو لك بكذا. أو: ارْمِ بهذه الحصاة، فما بلغَتْه من أرضي هذه فهو لك بكذا.
والبيع على بيع أخيه (1):
وبيع الحاضر للبادي: أن يجيء البدوي ببضاعةٍ فيكون الحضري سمسارًا له، أي دلاَّلاً.
والنَّجَش: أن يزيد في السِّلعة من لا يريد شراءها.
والبيعتان في بيعة: أن يقول: بعتك هذا بعشرةٍ من هذا النقد، أو خمسة عشر من هذا النقد الآخر. أو: بعتك هذا على أن تبيعني هذا، أو تشتري منه هذا.
وتلقَّي السِّلَع: أن يخرج إلى خارج البلدة يتلقَّى القادمين [ص 3] بالسلع، يشتريها منهم قبل أن يُورِدوها السوقَ.
وبيع الطعام قبل أن يستوفيه: أن يشتريه ثم يبيعه قبل أن يقبضه.
وأما الربا فسيأتي.
__________
(1) لم يفسّره المؤلف، وهو أن يشتري رجلٌ شيئًا وهما في مجلس العقد لم يتفرقا وخيارهما باقٍ، فيأتي الرجل ويعرض على المشتري سلعةً مثل ما اشترى أو أجود بمثل ثمنها أو أرخص، أو يجيء إلى البائع، فيطلب ما باعه بأكثر من ثمنه الذي باعه من الأول حتى يندم، فيفسخ العقد. انظر "شرح السنة" (8/ 117).
(17/873)

باب الربا
س: ما تعريف الربا؟
ج: الربا لغةً: الزيادة. وشرعًا: زيادة مخصوصة.
س: ما هي الأموال الربوية بالنص؟
ج: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
س: كيف الربا فيها؟
ج: أن يباع شيء منها بجنسه، كذهب بذهب، وبُرّ ببرّ، نسيئةً، أو بتفاوتٍ، كأُوقيةٍ بأوقيةٍ وربع، وصاع بصاعٍ وربع. أو يباع الذهب بالفضة نسيئةً، أو أحد الأربعة الأُخر بآخر منها نسيئةً.
ولا يحرم مثل هذا نقدًا بالتفاوت؛ لحديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربَى" (1).
س: فهل يُلحَق بهذه الأموال غيرُها؟ وما هو؟
ج: يُلحَق بالنقدين كلُّ ما يُوزن، وبالأربعة الباقية كلُّ ما يُكال.
[ص 4] س: فهل يحِلُّ في التماثل أن يباع الذهب أو غيره مما يُوزن بمثله كيلاً نقدًا؟ أو يباع البرُّ أو غيره مما يُكال بمثله وزنًا نقدًا؟
ج: لا يحِلُّ، وإنما المعتبر التماثل وزنًا فيما يوزن، وكيلاً فيما يكال.
__________
(1) أخرجه مسلم (1587) من حديث عبادة بن الصامت.
(17/874)

س: إذا تبايع اثنان بيعًا يُشترط فيه أن يكون نقدًا، فتبايعَا على أنه نقد، ولكنهما تفرقا قبل أن يتقابضا، فما الحكم؟
ج: ما اشترط فيه النقد فلا بدَّ من أن يتقابضا قبل التفرُّق، فإذا تفرقا قبل أن يقبض كل منهما الذي له، أو بعد قبض أحدهما وقبل قبض الآخر = بطل البيع.
س: عرفنا أنه يجوز بيع البرِّ بالشعير متفاضلاً نقدًا، فهل يجوز بيع نوع من التمر بنوع آخر منه متفاضلاً نقدًا؟
ج: التمر بأنواعه كلها جنس واحد، لا يجوز بيع نوع منه بآخر إلا متماثلاً.
وهكذا غيره، كنوع من البر بنوع آخر، ونوع من الأرز بنوع آخر، بل "كل شيئين جمعهما اسم خاصٌّ فهما جنس واحد".
س: فما الحكم في دقيقِ بُرًّ بدقيق شعيرٍ، هل يُعدَّانِ جنسًا واحدًا, لأن كل (1) منهما دقيق؟ أم جنسين باعتبار أصلهما؟
ج: المعتبر في الفروع أصولها، فدقيق البر ودقيق الشعير جنسان، وهكذا الأدهان وغيرها.
[ص 5] س: فإذا كان الشيئان من جنس واحد، لكن أحدهما أخضر والآخر يابس، كعنب وزبيب، أو أحدهما خالص والآخر ممزوج، أو أحدهما نيْءٌ (2) والآخر مطبوخ؟
__________
(1) كذا في الأصل مرفوعًا. والوجه النصب.
(2) ويقال: "نيٌّ"، والمؤلف همزه، وكلاهما لغة.
(17/875)

ج: لا يجوز البيع في مثل هذا أصلاً، إلا العرايا، وهو شراء الرطب في رؤوس النخل بخرْصِه تمرًا، بشرط كونه دون خمسة أوسُقٍ.
****
(17/876)

باب بيع الأصول والثمار
س: ما الحكم في بيع الأشجار المثمرة؟
ج: في الحديث: "من باع نخلاً بعد أن تُؤبَّر - أي: تُلقَّح - فثمرتُها للبائع إلا أن يشترطَها المبتاع" (1). وفُهِم منه أنه إذا باعها قبل التأبير فالثمرة للمشتري.
فأما غير النخل مما ثمره ظاهر، فالمدار على ظهور الثمرة، فإن لم تكن ظهرت فهي للمشتري، وإن كانت قد ظهرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المشتري.
س: فما الحكم في بيع أرضٍ فيها نبات؟
ج: إن كان النبات مما لا يُحصَد إلا مرةً، كالزرع والبصل ونحوه، فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع، وإن كان مما يُجَزُّ مرةً بعد أخرى كالكرَّاث، فالأصول للمشتري، والجزَّة الظاهرة حينَ البيع للبائع إلا أن يشترطها المشتري.

فصل
س: هل يجوز بيع الثمرة وحدها على شجرها؟
ج: يجوز إذا كان قد بدا صلاحُها, ولا يجوز قبل ذلك. ففي الحديث: "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرة حتى يبدُوَ صلاحُها" (2).
__________
(1) أخرجه البخاري (2204، 2716) ومسلم (1543) من حديث ابن عمر.
(2) أخرجه البخاري (1486) ومسلم (1534) من حديث ابن عمر.
(17/877)

س: وما حدُّ الصلاح؟
ج: صلاح ثمر النخل أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وصلاح ثمر العنب أن يتموَّه، وسائر الثمر بأن يبدو فيه النضج ويطيب أكله.
[ص 6] س: قد تُباع الثمرة لتقطع حالاً، وقد تُباع لتقطع وقتَ الجذاذ، فما الحكم؟
ج: كلاهما جائز.
س: فإن باعها على أن تبقى إلى الجذاذ، فأصابتها جائحة (الجائحة: الآفة السماوية، كالبَرَد والجراد) أتلفت الثمرَ أو بعضَه، فما الحكم؟
ج: إن أصابتها جائحة رجع بها على البائع؛ لحديث: "لو بِعْتَ من أخيك ثمرًا، فأصابتْه جائحةٌ، فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بمَ تأَخذُ مالَ أخيك بغير حق؟ " (1).
****
__________
(1) أخرجه مسلم (1554) من حديث جابر بن عبد الله.
(17/878)

باب الخيار
س: ما هو الخيار؟
ج: الخيار: أن يكون العاقد مخيَّرًا، إن شاء أمضى العقدَ وإن شاء فسخَه.
س: كم أقسام الخيار؟ وما هي؟
ج: أقسام الخيار سبعة:
خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التدليس، وخيار الغلط ونحوه في المرابحة، وخيار الاختلاف في قَدْر الثمن، وخيار الغَبْن الفاحش.
س: ما هو خيار المجلس؟ وما حكمه؟
ج: هو الخيار في مجلس العقد، فيثبت لكلًّ من المتبايعَينِ ما لم يتفرقا بأبدانهما، وينتهي بالتفرق.
س: وما خيار الشرط؟ وما حكمه؟
ج: هو أن يشترطا أو أحدهما الخيارَ مدةً معلومة، وينتهي بأن يُسقِطه الذي [اشترطه].
[ص 7] س: ما هو خيار العيب؟ وما حكمه؟
ج: هو أن يجد أحدهما بما اشتراه عيبًا لم يعلمه، فيكون له أن يفسخ العقد، أو يطالب بأَرْشِ العيب، وهو ما ينقص بسببه من الثمن.
فإن تَلِفَت السِّلعة أو عُتِقَ العبد أو تعذَّر الردُّ، فله المطالبة بأَرْشِ العيب.
(17/879)

س: ما هو خيار التدليس؟
ج: هو أن يدلِّس البائع بإيهام أن لها صفةً ليست لها، كتصرية الناقة أو الشاة, وهو أن يترك البائع حلبها مدةً، فيجتمع اللبن في ضرعها، فيظن المشتري أن ذلك عادة لها، ويُحمِّر وجهَ الجارية أو يُسوِّد شعرها أو يُجعِّده، فيظن المشتري أن تلك صفتها من غير تصنُّع، وكأن يَعْمِد إلى الرحى التي تدور بالماء فيحبس الماء من فوقها، ثم يرسله عند عرضها على المشتري، فتدور بشدَّة، فيحسب تلك عادتها، وكذلك أن يصف البائع السلعةَ بصفة من شأنها أن تزيد في الثمن، فتبيَّن عدمُها، كأن يزعم أن العبد صانع أو كاتب، أو أن الدابة هِمْلاجةٌ - أي سريعة -, أو أن الفهد صَيُود أو معلَّم، أو أن الطائر مصوَّت، ونحو ذلك.
س: فما الحكم في ذلك؟
ج: إن علم بالتصرية قبل الحلب كان له ردُّها وفسخُ العقد، وله ردُّ غيرها مما وقع فيه التدليس.
[ص 8] س: ما هو خيار الغلط ونحوه في المرابحة؟
ج: المرابحة: أن يكون الرجل قد اشترى سِلعةً، فيأتيه آخر فيطلبها منه، على أن يُربحه عشرةً في المائة مثلاً، فإذا قال المشتري الأول: اشتريتها بخمسين، فاشتراها الثاني منه بخمسة وخمسين، ثم تبين أن الأول إنما اشتراها بأربعين.
فإذا كان الأول كذب كان للثاني الرجوعُ بالزيادة وحَطُّها من الربح، ففي المثال: يرجع بأحد عشر.
(17/880)

وإن كان الأول غلِطَ غلطًا كان الخيار له، إن شاء فسخ العقد وإن شاء دفع الزيادة وحطَّها من الربح، وإن بان أن الثمن الأول مؤجل ولم يبين الأول تأجيله.
س: ما هو خيار الاختلاف في قدر الثمن؟ وما حكمه؟
ج: إذا وقع الشراء، ثم اختلفا، فقال البائع: الثمن عشرون، وقال المشتري: بل خمسة عشر، أو نحو ذلك من الاختلاف، ولا بيّنةَ؛ فإنهما يتحالفان، فيحلف كل منهما على دعواه.
فإن حلف أحدهما وأبى الآخر حُكِمَ للحالف، وإن حلف هذا وحلف هذا فلكلًّ منهما الخيار، إن شاء أمضى العقد بالقدر الذي قاله الآخر، وإن شاء فسخ.
ففي المثال: إن رضي البائع أمضى البيعَ بخمسة عشر، وإن رضي المشتري أمضى العقدَ بعشرين. وإن لم يرضَ أحدهما كان له أن يفسخ.
س: ما هو خيار الغبن الفاحش؟
ج: هو أن يتبين أن أحدهما غُبِنَ غبنًا فاحشًا لم تَجْرِ به العادة، فيكون له أن يفسخ.
****
(17/881)

باب السَّلم
س: ما هو السَّلم؟
ج: السَّلم - ويقال له: السلف، أيضًا -: بيعٌ عُجِّلَ ثمنُه وأُجِّلَ مثمنُه.
س: ما حكمه؟
ج: حكمه الجواز، بشروطٍ معروفة؛ لحديث: "من أسلفَ في تمرٍ فلْيُسْلِفْ في كيلٍ معلوم أو وزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم" (1).
س: وما هي الشروط؟
ج: الشرط الأول: أن يكون فيما ينضبط بالصفة، فيضبط بها، كالتمر.
الثاني: أن يُذكر قدْرُه بما يُقدَّر به، ككيلٍ ووزنٍ.
الثالث: أن يكون إلى أجل معلوم.
الرابع: قبض الثمن في مجلس العقد قبل أن يتفرقَا.
س: فهل يجوز السَّلم إلى أجلين فأكثر؟
ج: إذا عُيِّنت الأجزاء والآجال، كأن قيل: نصفه إلى شهر، ونصفه الآخر إلى شهرين = جاز.
س: فهل يجوز السَّلم في شيئين؟
ج: يجوز السَّلم في شيئين إذا عَيَّن لكل منهما ثمنًا، فأمّا بثمن واحد فلا.
__________
(1) أخرجه البخاري (2239) ومسلم (1604) من حديث ابن عباس.
(17/882)

س: فإذا انعقد السَّلم ثم أراد المشتري التصرفَ في المبيع ببيعٍ ونحوه، فهل يجوز؟
[ص 10] ج: لا يجوز للمشتري التصرفُ في المُسْلَم فيه ببيعٍ أو حوالة أو غيرهما، حتى يقبضه.
نعم تجوز الإقالة فيه أو في بعضه.
****
(17/883)

باب القرض
س: ما هو القرض؟
ج: القرض - ويقال له: السلف، أيضًا -: دفع مالٍ لمن ينتفع به، ويردُّ مثلَه.
س: إذا أقرض رجل رجلاً مالاً إلى أجل، فهل له مطالبته قبل الأجل؟
ج: له ذلك؛ فإن القرض لا يتأجل.
س: هل للمُقرِض أن يشترط شيئًا ينتفع به غير رد المثل؟
ج: ليس له أن يشترط شيئًا، إلا أن يشترط رهنًا أو كفيلاً.
س: فهل يجوز أن يرد المقترض أكثر مما أخذ أو أجود، أو نحو ذلك؟
ج: يجوز ذلك، إذا لم يكن مشروطًا عليه، وكان تبرعًا منه بطيب نفس؛ لحديث: "خير الناس أحسنهم قضاءً" (1).
س: فإذا أهدى المقترض للمُقرِض هديةً, أو دعاه إلى طعام، أو نحو ذلك، فهل يجوز القبول؟
ج: إذا علم أن الهدية والدعوة ليست توسلاً إلى إمهاله، بل كانت عادةً بينهما قبل القرض؛ جاز القبول، وإلا فلا.
****
__________
(1) أخرجه مسلم (1600) من حديث أبي رافع.
(17/884)

باب أحكام الدَّين
س: إذا كان لرجل دينٌ على آخر إلى أجل، فهل له أن يطالبه قبل ذلك؟
ج: أما القرض فقد تقدم أنه لا يتأجل، وأما غيره، كثمنٍ اتفق [ص 11] المتبايعان على تأجيله إلى أجل معلوم، فليس للدائن المطالبةُ به قبل حلول أجله.
س: فهل للدائن المطالبة بالحَجْرِ على المديون إذا خشي أن يَتْلَفَ ماله قبل حلول الأجل؟
ج: لما لم يكن له المطالبة بالدين نفسه، فليس له المطالبة بالحَجْر لأجله.
س: فإذا حُجِر على رجل بديون حالَّة، وكان عليه دين مؤجل، فهل يحلُّ؛ ليشارك صاحبه بقية الدائنين في ماله؟
ج: لا يحل، بل ليس له المطالبة به حتى يحل.
س: فإذا مات المدين قبل حلول الدين، أفلا يحل الدين؟
ج: لا يحلُّ، ولكن له مطالبة الورثة بأن يوثقوه برهنٍ أو كفيلٍ.
س: فإذا كان على الرجل دينٌ إلى أجل، وأراد أن يسافر قبلَ حلوله، فهل يحل الدين؟
ج: لا يحلُّ الدين، ولكن للدائن المطالبةُ بمنع المدين من السفر، أو يوثق برهنٍ أو كفيلٍ.
(17/885)

س: فإذا كان عليه دين حالٌّ ولكنه مُعسِر، فما الحكم؟
ج: قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
س: فإن ادَّعَى الإعسار، فما الحكم؟
ج: إن لم يُعرَفْ له مال قبل ذلك حُلَّفَ وخُلَّي سبيله، وإن عُرِف له مال [ص 12] لم يُقبل قوله إلا ببينة.
س: فإن كان موسرًا وامتنع عن الأداء؟
ج: يحبسه الحاكم حتى يوفيه.
س: فإذا كان عليه من الدين ما يزيد عن ماله، فما الحكم؟
ج: لغرمائه أن يطلبوا من الحاكم الحَجْرَ عليه، فتلزمه إجابتُهم.
س: فإذا حجر عليه الحاكم، فما ثمرة ذلك؟
ج: ثمرته أنه بعد الحجر لا يصح تصرفه في شيء من المال، ولا يقبل إقراره بشيء منه بغير بينة، ثم يتولى الحاكم قضاء الديون من المال.
س: فكيف يصنع بنفقة نفسه وأهله؟
ج: ما دام المال باقيًا، فينفق الحاكم منه على المَدِين، وعلى من تجب عليه نفقته.
س: هل الديون سواء في استحقاق القضاء من المال؟
ج: لا، بل يبدأ بما يتعلق بجناية مملوكه، فيدفع إلى المجنيَّ عليه أقلَّ الأمرين من أَرْشِ الجناية أو قيمة العبد الجاني.
(17/886)

ثم بمن له رهين من أهل الدين، فيدفع إليه أقل الأمرين من مقدار حقه أو قيمة الرهن، ويشارك الباقي فيما يبقى.
ثم بمن كانت عين ماله التي يطالب بقيمتها باقية لم يتلف منها شيء، ولا زادت زيادة متصلة، ولا قبض من ثمنها شيئًا، وذلك كأن يكون في المطالبين من يطالب بقيمة دابة باعها من المحجور عليه قبل أيام، وهي باقية، ولم يقبض من ثمنها شيئًا.
ثم بعد تقديم هؤلاء يقسم الباقي بين بقية الديون، كلٌّ بقدر حقه.
[ص 13] س: فإذا كانت له دعوى على آخر بمال، وعليها شاهد واحد، فطلب الغرماءُ إلزامَه بالحلف حتى يثبت الحق، أو الإذن لهم ليحلفوا بدلاً عنه؟
ج: لا يلزمه أن يحلف، ولا يكون لهم أن يحلفوا.
****

باب الحوالة والضمان (1)
__________
(1) إلى هنا انتهى الأصل.
(17/887)

الرسالة الثالثة والعشرون
الإسلام والتسعير ونحوه وحول أجور العقار
(17/889)

بسم الله الرحمن الرحيم

الإِسلام والتسعير ونحوه
كثُر الضجيج من ارتفاع أجور العقار، وكتب بعض أهل العلم ما يفهم منه أن غلوّ المُلَّاك في زيادة الأجور عمل مذموم، فهو عنده إمّا حرام عليهم، وإمّا قريب منه.
فإن كان يراه حرامًا فالمنع من ارتكاب الحرام معلوم من الشرع بالضرورة.
وإن كان يراه دون ذلك إلا أنّه قريب منه، فلا ريب أنّه فاشٍ منتشرٌ عظيم الضرر، وما كان كذلك فلولي الأمر بل عليه منعُ الناس منه، وعليهم طاعته، قال الله تبارك وتعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [سورة النساء: 59].
وفي الصحيحين (1) وغيرهما من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "السمعُ والطاعةُ على المرء المسلم فيما أحبَّ وكرِهَ، ما لم يُؤمَر بمعصية, فإذا أُمِر بمعصية فلا سمعَ ولا طاعةَ".
وفي الصحيحين (2) وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني".
__________
(1) البخاري (7144) ومسلم (1839).
(2) البخاري (7137) ومسلم (1835).
(17/891)

فقد أوجب الله طاعة أولي الأمر كما أوجب طاعة الوالدين، ولا ريب أنّه لو لم يجب طاعة أولي الأمر والوالدين (1) إلا فيما كان واجبًا بنصّ الشرع، لما ظهرت لتخصيصهم فائدة، [ص 2] فإن ما كان واجبًا بنصّ الشرع فإنّه يجب طاعة كل آمرٍ به كائنًا من كان، ولو لم يجب طاعة ولي الأمر إلا فيما كان واجبًا بنص الشرع لاختلَّت المصالح وعمّ الفساد.
فأمّا قول الله تعالى عَقِبَ ما تقدم: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فذلك كما بيّنه الحديث السابق فيما إذا أمر الأمير بعملٍ لا يراه معصية لله، والمأمور يرى أنّه معصية لله.
فأمّا ما يعترف المأمور أنّه ليس بمعصية لله، ولكنه يقول: لم ينص الشرع على وجوبه عليّ، فيكفي في دفعه أن يقال له: قد نصّ الشرع على وجوب طاعة أولي الأمر، ولم يعارض ذلك شيء.
وأمّا أحاديث التسعير فليس فيها نهي عنه، وإنّما فيها أنّ النّاس طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُسَعِّر فقال: "إنّ الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر، وإنّي لأرجو أن أَلْقَى الله عَزَّ وَجَلَّ ولا يطلبني أحدٌ بمظلمةٍ ظلمتُها إياه في دمٍ ولا مال". فهذه واقعة حالٍ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر ... " إنّما هو تعليل للامتناع عن التسعير في تلك الواقعة.
ويحتمل أن يكون غلاء السعر الذي حدث حينئذٍ لم يكن مصطنعًا، فكان التاجر يجلب المال من المواضع البعيدة غالبًا، فيزيد عليه المعروف، [ص 3] فلم يكن هناك مبرِّرٌ لإجباره بأن يبيع بخسارة أو بدون ربح. وهذا حقٌّ
__________
(1) في الأصل: "والواجبين" سهوًا.
(17/892)

لا غبارَ عليه، فليس للإمام أن يُسعِّر حتى يتبين له جَشَعُ التجار وتواطؤهم، وعدم قناعتهم بالربح بالمعروف، وتضرر الناس بذلك.
ولنفرضْ أنّ بلدًا من بلاد المسلمين حاصرها العدوّ، ولم يكن فيها طعام إلا عند رجلٍ واحدٍ، فأبى أن يبيع لأحدٍ منهم قوتَه إلا بجميع ما يملك في ذلك البلد وغيره، فيبيع ما قيمته درهم بمائة ألف درهم ونحوها، هل يمكِّنُه أمير الواقعة من ذلك؟
فإن تبيّن وجوبُ التسعير في هذه الواقعة مثلاً تبينَ أنّ امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - منه إنّما كان لأنّ الحال حينئذٍ لا تستدعيه.
وأحاديث النهي عن الاحتكار معروفة، ولم يعتذر عنها بشيء، إلا أنّ سعيد بن المسيّب لما روى الحديث عن معمر قيل له: إنّك تحتكر، فقال: كان معمر يحتكر.
والواجب في مثل هذا أن يُحمَل احتكار معمر وسعيد على وجهٍ غيرِ الوجه المنهي عنه؛ كأن يقال: إن التمر مثلاً يكثُر في الموسم، ويُعرَض للبيع، فيشتري أرباب البيوت وسائر الناس حاجتهم بحسب ما يتيسَّر لهم، وليس كل محتاج للقوت يستطيع أو يرغب أن يشتري قوتَ سنته دفعةً واحدة، فيبقى الأكثر يشتريه التجار، فشراء التاجر حينئذٍ وادخاره إلى أن يحتاج الناس إلى التمر لقُوْتِه، وحينئذٍ ترتفع الأسعار في الجملة، فيُخرِجه حينئذٍ للبيع = عَملٌ لا تظهر فيه مفسدة. بل لو مُنِع التجار من الشراء حينئذٍ لتضرر أهل النخل؛ لأنّ مصلحتهم تقضي بأن يبيعوا كثيرًا منه حينئذٍ ليقضُوا حاجاتهم الأخرى.
(17/893)

فهذا - والله أعلم - هو الذي كان يقع من معمر وسعيد، وكان سعيد يتّجر في الزيت، والزيت يُجلب بكثرة في موسم معين من السنة، ويكون حال جالبيه كحال أرباب النخل في بيع التمر سواء.
وإذا كان هذا محتملاً في فعل الصحابي والتابعي الذي يوجبه حسن الظن بهما، بل هو الظاهر بل هو الواقع إن شاء الله، فكيف يُترك لأجله العملُ بالحديث البتة؟
***
(17/894)

بسم الله الرحمن الرحيم

حول أجور العقار
كثر الضجيج هذه الأيام من ارتفاع أجور العقار، وكتب في ذلك فضيلة الشيخ عبد الله الخياط وغيره، والقضيةُ وما يشبهها مفتقرة إلى تحقيق علمي مُشْبع لا أزعم أنّي أهلٌ له، ولكنني سأحاول كتابة ما عسى أن يكون حافزًا لمن هو أهل له على النظر في القضية وفَصْلِ القول فيها.
يقول أرباب العقار: هذه أموالنا، لا يحلُّ شيء منها لغير مالكه إلا بطيبةٍ من نفسه، كما ثبت ذلك بالنصوص الشرعية القطعية - وقد ذكر فضيلة الشيخ عبد الله الخياط بعضها - ولا تَطِيب أنفسُنا بأن نؤجرها إلا بأجرة نرضاها، وليس في الشرع ما يوجب علينا أن لا نزيد على مقدار معين.
فيقال لهم: قد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُؤمِن أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّه لنفسه" (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَثَلُ المؤمنين ... " (2)، مع ما ذكر فضيلة الشيخ عبد الله الخياط من أدلة الحثِّ على الفضل والرحمة.
فيقول أرباب العقار: إنّنا نُؤاخِي المستأجرين بقدر ما يُؤاخوننا، ونُحِبُّ
__________
(1) أخرجه البخاري (13) ومسلم (45) من حديث أنس بن مالك.
(2) بياض بالأصل، وتتمة الحديث - وهو مشهور -: "في توادَّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحمَّى". أخرجه البخاري (6011) ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير.
(17/895)

لهم ما يحبُّونه لنا، ونَعطِف عليهم بقدر ما يَعطِفون علينا، ونُفضِل عليهم بمثل ما يُفضِلون علينا لو كانوا مكاننا، ونَرحَمهم بقدر ما يرحموننا، ونحن واثقون أنّهم لو كانوا أرباب الدور وكنّا المستأجرين لعاملونا بمثل ما نعاملهم به الآن على الأقل.
أرأيتَ قبل أن تعلن الحكومة حرية العقار، أليس قد كان النقص والحيف نال الملَّاك باعتراف الشاكِين الآن؟ فهل حاسبَ المستأجرون أنفسَهم، فزادوا ما يرون أنّ العقارات تستحقّه؟
هيهات! بل عارضوا ما ارتأته الحكومة من إعلان حرية العقار أشدّ المعارضة. هذا، مع أنّ حقّنا حقٌّ يُحتِّمه الشرع، وما يزعمونه من حقٍّ غايته أن يكون مرغَّبًا فيه. وقد قال فضيلة الشيخ عبد الله الخياط: ....... (1) [ص 2] فهذا هو الحقُّ الذي لا مَحِيدَ منه.
هذا، ومنّا فقراء وأراملُ لا مورد لهم إلا ذاك البيت أو الدكان، ولعلهم لو زادوا ما زادوا ما كفاهم، فكيف يُطلَب منهم الفضل والإيثار؟ ومنّا من له ثروةٌ لا بأس بها, ولكنّه يرى أنّ للصدقة مواضعَ هي أحقُّ بها من تخفيض كراء داره. ومنّا ومنّا ... ، فمن عسى أن يكون أحكمَ من الشريعة التي تركت الأمر إلى الملَّاك، واكتفت بالترغيب, ووكَّلت كلَّ أحدٍ إلى نفسه، وهو أعرفُ بها من سائر الناس.
__________
(1) بياض في الأصل.
(17/896)

الرسالة الرابعة والعشرون
مناقشة لحكم بعض القضاة في قضية تنازع فيها رجلان
(17/897)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.
وقفَ الحقيرُ على صورة حكمٍ صدر من محكمة "باجل" لأحمد بن عبد الله مدابش على محمَّد بن علي مغبوش، فرأيت فيه انتقاداتٍ:
أولاً: حكى الحاكم دعوى المدّعي أحمد بن عبد الله مدابش، وفيها التعرض لبيان الأحكام الشرعية، وممّا لا يحتاج إلى دليل أن ذلك ليس من وظيفة المدّعي ولا المدَّعى عليه، بل وظيفتهما الدعوى والإجابة بشروطها المعروفة.
ثم ما حكاه المدّعي عن أحكام الشرع فيه غلط سنُبيِّنه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وتلك الدعوى اشتملت على دعوى لحقٍّ لنفسِه، وهي طلب قَلْعِ الأخشاب، ودعوى لنفسه أيضًا ولكن بصورة حِسْبة، وهي طلب هدم الصفّة لكونها في السبيل.
ولا بأس أن دعوى الحِسبةِ المعتمدَ قبولُها في ما تُقبل فيه شهادتها غير حقوق الله تعالى المحضة، لكنها لا تُسمَّى "حِسبة" إلا إذا كانت ممن لا يجَرُّ بها لنفسه نفعًا، أو يدفع بها ضررًا، أمّا ممن يجرُّ بها نفعًا أو يدفع بها ضررًا؛ فلا تُسمَّى دعوى حِسبةٍ، ولا الشهادة المبنيّة عليها شهادة حسبةٍ؛ لما في "البغية" (1) عن الأشخر: "مسألة: شهادة الحسبة نوعان: متمحِّضٌ حق لله
__________
(1) "بغية المسترشدين" (ص 286).
(17/899)

تعالى، كالزنا حيث لم تَسُغ الدعوى به، فالشهادة به لا تكون إلا حسبةً؛ لأنها غير مسبوقةٍ بدعوى (1) أو طلبٍ من مدَّعٍ، بل شهادة الشاهد احتسابًا، أي طلبًا للثواب، وحميّةً لدين الله تعالى، فلم يؤثِّر فيها رضَى أحدٍ. وغير متمحِّض: كالزنا حيث ادّعاه القاذف، والطلاق، فإن سَبقتِ الشهادةُ الدعوى كان حِسْبة، وإن تأخرتْ وطلبها المدّعي فغير حِسْبة". انتهى.
ثم حكى الحاكم إجابةَ وكيل المدَّعى عليه، وهي تفيد أن المتشاجرَ عليه دُكَّانانِ، أحدهما المغروزُ خشبُه في جدار المدّعي، والآخر المدَّعى كونُه في السبيل. والحاصل أن الحاكم حكى دعوى وإجابةً يَمَلُّها القارئ والسامع، ولم تطَّابقا, ولا بيَّنتا المقصود. ثم حكى بعد ذلك ما أورده المدّعي من الشهود، ولفظ شهادة كلٍّ منهم: "أشهدُ لله تعالى أني أعلم بهذه الساحة المتشاجَر فيها أنها كانت سبيلاً، ولا أدري على كيفَ صارتْ عمارتها".
وهذه العبارة في أداء الشهادة منظورٌ في صحّتها، إذ قد صرَّح العلماء أنه يُشترط لأداء الشهادة لفظ "أشهد"، أي: أشهد بأن هذا مِلْك فلان - مثلاً -, كما يُمثَّلون له، ولا يكفي لفظ "أعلم" كما صرَّحوا به.
وكذا - فيما يظهر - الصيغة التي حكاها الحاكم؛ لأنهم لم يشهدوا بأن هذا كان سبيلاً، وإنما شهدوا بأنهم يعلمون.
ثم العبارة محتملة لكونهم يعلمون ذلك بالمشاهدة، أو بالسماع، والشهادةُ لا تُقبل فيها الألفاظُ المحتملة. وقد قال الشيخ ابن حجر ما لفظه (2): "ومعظم
__________
(1) في الأصل: "بدعوة"، والتصويب من "البغية".
(2) "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/ 347).
(17/900)

[شهادات] الناس يشوبها جهل وغيره، يُحوِج الحاكم إلى الاستفسار، وإن كانوا عدولاً. كذا قال الشيخان تبعًا للإمام، وبه قال ابن الرِّفعة وغيره، واختاره الأذرعي في مواضع من "شرح المنهاج" وقال: إنه الحق".
ثم قال في "التحفة" (1): "والوجه أنه إن اشتهر ضبطه وديانته لم يلزمه استفسارُه، وإلاّ لزمه (2) " اه.
ثم الأقرب إلى كلام العامةِ الثاني، لا يقال: غاية ما في المقام أن تكون شهادة بالتسامع، فإن للشهادة بالتسامع شروطًا، منها ما ذكره في "الروضة" (3) بقوله: "فرع: لا يكفي أن يقول الشاهد: سمعت الناس يقولون: إنه لفلان، وكذا في النسب، وإن كانت الشهادة مبنيَّةً (4) عليه. بل يُشترط أن يقول: أشهد بأنه له، أو بأنه ابنه" إلخ.
وبهذا تبيَّن بطلان الشهادة الموردة مِنْ طرف (5) المدعي.
ثم حكى ما أورد من طرف المدَّعى عليه، وأن لفظ شهادة كل منهم: "أشهد لله تعالى أن هذا الدكَّان كان مفرش فيه السيد قاسم مغني، وبعده ولده السيد قاسم عمره، وفيما بعد حرَّج به واشتراه محمَّد مغبوش".
وزاد أحدهم: أنه لا يعلم بالسبيل، وأن السبيل على حاله.
__________
(1) "تحفة المحتاج" (10/ 237).
(2) في الأصل: "لزمه استفساره، وإلا لم يلزمه" سبق قلم.
(3) "روضة الطالبين" (11/ 270).
(4) في الأصل: "متعينة"، والتصويب من "الروضة".
(5) غير واضحة بالأصل، ولعلها هكذا.
(17/901)

وحكى شهادة شاهد اسمه عمر بن محمَّد هران الباجلي بقوله: "أشهد لله تعالى أن هذه الساحة أنها كانت ملك السيد قاسم مغني، وبعده ولده السيد أحمد قاسم، وبعد ذلك اشتراها المغبوش وصارت ملكه، والسبيل على حاله".
ثم حكى شهادة محمَّد عيسى بن سالم، وحسين بن علي عَنْدَلَهْ، بمعنى شهادة عمر بن محمَّد، إلاَّ أنهما قالا: "حقَّ السيد قاسم" بدل "مِلْك"، وهي في لغة العامة مرادفة لها. فإن لم يكفِ ذلك حلف مع المصرّح.
ثم حكى أنه بعث أمينَيْنِ للكشف على المحلّ، فوجدا بين الدكان المدَّعى أنه في السبيل، وبين الدكان المقابل له ثلاثة أذرُعٍ ورُبُعٌ هي عرض السبيل، وأن ذلك - طبعًا - يضرّ بالمارّة، مع أن الشارع قدَّر الطريق سبعة أذرع.
هذا خلاصة هذه الدعوى.
ولما وصل الحاكم إلى الحكم وقع في حَيْصَ بَيْصَ! وبأن الخُبر، وحار الغُمر، فلم يدر ما يقول في ذلك المقام، إلا أنه هَيْنَم بألفاظٍ نادَتْ عليه بالجهل، وأعلَمتْ أنه ليس للقضاء بأهل.
وأمّا ما عندنا في ذلك:
فأولاً: الشهادة الواردة من طرف المدّعي قد سبق إبطالها، وعلى فرض صحتها، فقد عارضتْها الشهادةُ الواردة من طرف المدَّعَى عليه، ولا سيّما المصرِّحة بالمِلْك، المبيِّنة لسببه بتسلسل الشراء إلى حيث انتهى علمها لطول المدة، مع أنه لا يُشترط لبيّنةِ الداخل بيانُ السبب.
(17/902)

هذا، وغاية ما هنالك التعارضُ، فينظر إلى المرجّحات، فمن الواضح أن بينة المدعي خارجة، وبينة المدّعى عليه داخلة، وأن الداخلة مقدَّمة - ولو شاهدًا ويمينًا - على الخارجة ولو كثر شهودها، ما لم يبلغوا حدّ التواتر.
ولا يقال: إن الشهادة الموردة من طرف المدعي في حكم متقدّمة التاريخ, لأنها أثبتت أنه كان قبل أن يُبْنَى فيه سبيلاً، وأسبقيَّةُ التاريخ مرجِّح في الأظهر، مع أن الطريق له حكم الوقف، إذا لم يكن وقفًا، إذ لا يجوز التعدّي على [....] (1) = فإنا نقول: اليد مع صاحب المتأخرة، ولم يُبيَّن شهود المتقدمة أن البناء وقع اعتداءً، بل قالوا: "ولا نعلم على كيف وقعت العمارة".
وقد قال في "الروض" (2): [ص 2] وتُقدَّم بينةُ صاحب اليد على سابقة التاريخ. قال في "الشرح": فلو كانت سابقة التاريخ شاهدة بوقفٍ، والمتأخرة التي معها اليد شاهدة بملك أو وقفٍ = قُدِّمت التي معها يد. قال البلقيني: وعليه جرى العمل، ما لم يظهر أن اليد عادية، باعتبار ترتُّبِها على بيعٍ صدر من أهل الوقف أو بعضهم بغير سبب شرعي. إلخ.
وفي "التحفة" (3) - بعد قول المتن: لو كان لصاحب متأخّرة التاريخ يدٌ قُدِّمت -: سواء أشهدت كل بوقف أو ملك، كما أفتى به المصنف كابن الصلاح، واقتضاه قول "الروضة": بَيِّنتَا المُلك والوقف يتعارضان، كبيِّنتَي
__________
(1) غير ظاهرة في الأصل.
(2) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (4/ 411).
(3) "تحفة المحتاج" (10/ 333).
(17/903)

الملك. ثم حكى كلام البلقيني، ثم قال: واعتمده غيره، وفي "الأنوار" عن فتاوى القفال ما يؤيدّه. اه.
ومع هذا، فإنّ واضع اليد قد وقف الموضع لصالح بيت من بيوت الله تعالى، وذلك في معنى السبيل أو أنفع. مع أن المدة لثبوت يد المدَّعى عليه بعد الأيدي المتسلسلة إليه طائلة، وأن مذهب الحنفيّة في طول المدة معلوم.
وفي "حواشي الشرقاوي" على "التحرير"، بعد تعديد شروط الدعوى، ما لفظه: "ويُزاد سابع، وهو أن لا يمضي على الحق المدَّعى به خمسَ عشرةَ سنةً، فإن مضى عليه ذلك لم تُسْمَع الدعوى، كما أفتى به الزيادي، لمنع وليّ الأمر القضاةَ من ذلك. إلخ.
وقد اطلعتُ على رسالةٍ للسيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي، كتبها إلى سيدنا الإِمام أيَّده الله تعالى، قوَّى فيها جانبَ اليد، وأن إجراء مذهب الحنفية هو المطابق للمصلحة، مع كونه قد صار مذهبًا للشافعية بأمر وليّ الأمر. إلخ.
ومع هذا، فإن سيّدنا أمير المؤمنين يُلزِم الحكام بأن لا تُسْمَع دعوى مضَتْ عليها عشر سنين إلاّ لعذرٍ، كصِغَرٍ وغَيْبة ونحو ذلك.
ومما يتعلّق بقضيّتنا: ما حكاه صاحب "بغية المسترشدين" (1) عن السيد الإِمام عبد الله بن الحسين بن عبد الله بافقيه، ولفظه: "ولو وُجِدَتْ
__________
(1) (ص 142).
(17/904)

دكّة في شارعٍ ولم يُعْرَف أصلها، كان [محلُّها] مستحقًّا لأهلها، فليس لأحدٍ التعرضُ لها بهدمٍ وغيره ما لم تقم بيّنةٌ بأنها وُضِعَتْ تعدِّيًا، كما صرّح به ابن حجر. اه.
وأمّا قوله أخيرًا: "إن أقلَّ ما يقدر به الطريق سبعة أذرُعٍ" فذلك مفروض فيما إذا اختلف المُحْيُون عند الإحياء في قدره.
وعبارة "الروض" (1): "وَلْتجعل سبعة أذرع إن اختُلِف عند الإحياء في تقديره" اه.
وبعد ذلك حكى عن الزركشي - تبعًا للأذرعي - أن مذهب الشافعي التقديرُ بقدر الحاجة، وأن الحديث محمول على ذلك، وصرّح به الماوردي والروياني.
فتقررّ ممّا أسلفناه: بطلانُ ما حكم به الحاكم من هدم الدكاكين المذكورة، بل الحق الذي لا ريبَ فيه بقاؤها على ما هي عليه (2).
[ص 3] وأمّا مسألة غَرْزِ الأخشاب، فالمدّعي ذكر في دعواه أن مذهب الشافعي أنَّ للمعير الرجوعَ قبل البناء وبعده في الأصح، وأن فائدة الرجوع أن لصاحب الدكان بقاء الأخشاب المغرزة في جُدُرِه بأجرة، وله تكليف صاحب الأخشاب قلْعَها، ويُغرم صاحبُ الأخشاب أَرْشَ ما نقص بسبب القلع في جدار المالك، كما هو المعتمد في مذهب الإِمام الشافعيّ.
__________
(1) "روض الطالب" (2/ 220 - مع شرحه "أسنى المطالب").
(2) في طرف الصفحة هنا حاشية يظهر أنها تابعة لكلام مضروبٍ عليه.
(17/905)

هكذا زعم! فلما جاء الحاكم إلى الحكم حكم بمضمون هذا، مقلِّدًا للدعوى!!
فرحم الله العلماء، ذكروا أنه يحرم على الحاكم تلقينُ خصمٍ الحجةَ، ولم يَخْطُر أنَّ مِن الخصوم مَنْ يُلقِّن الحاكمَ الحكمَ!
فإن الحاكم إنما قلّد المدعي؛ بدليل موافقته له في الغلط، كما يأتي بيانه، اللهم إلاّ أن يكون الحاكم هو صوَّر الدعوى للمدّعي، ثم حكم بما قرّره فيها، فيكون الخطأ منه أولاً وآخرًا [مِنْ] (1) غير تلقين أحدٍ له.
وأمّا بيان الخطأ في ذلك، فهاك عبارة "المنهاج" في باب الصلح. قال (2): "والجدار بين المالكينِ قد يختصُّ به أحدهما، وقد يشتركان فيه، فالمختص ليس للآخر وضْعُ الجذوع عليه بغير إذنٍ - في الجديد - , ولا يُجْبَر المالك، فلو رضي بلا عوض فهو إعارة، له الرجوعُ قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصحّ، وفائدة الرجوع تخييره بين أن يُبْقيه بأجرة، أو يَقْلَع ويغرم أرشَ نقصه".
قال في "التحفة" (3) وغيرها: "وهو ما بين قيمته قائمًا ومقلوعًا". انتهى.
فالغرامة لصاحب الأخشاب على صاحب الجدار، عكس ما فهمه الأغمار!
ثم نظرنا إلى الشهادة التي أوردها المدَّعى عليه في مسألة غرز
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) "منهاج الطالبين" (2/ 135 - 136).
(3) "تحفة المحتاج" (5/ 211).
(17/906)

الأخشاب، فإذا بعضهم يطلق أن الحاضرين بعد النزاع أصلحوا بين المتنازعين. وبعضهم قال: ثم قالوا: أمة محمَّد لله ورسوله وشاهد واحد شهد أنهما اصطلحا على أن يَغْرِز كل منهما خشبته في دكان الآخر.
فشهادة هذا عندها زيادة علم، ولا تنافي ما مرّ. فإن كان كذلك، فقد وضح الأمر، ولم يبق إلا أن يُعدَّل هذا الشاهد، وإن كان الحاكم قد ألغى التعديل رأسًا، ويحلف المدَّعى عليه معه، فيُقْضَى له باستحقاق غرز الأخشاب أبدًا.
ففي "الروض" ما لفظه مع شرحه (1): "ويجوز الصلح على وضعه - أي الجذع - على الجدار، بمال, لأنه انتفاع بالجدار، وهو إما بيع أو إجارة، وسيأتي بيانهما" اه.
قوله: "وسيأتي" إلخ، أي: في مسألة بيع حق البناء على الجدار أو إجارته. وقد ذكرها في المتن بعد ذلك بقوله: "فرع: تجوز إعادة العلوّ للبناء عليه وإجارته، فإن باعه حقَّ البناء أو العلوّ للبناء عليه بثمن معلومٍ استحقّه، وهو متردّد بين البيع والإجارة، فلو عقد بلفظ الإجارة صحّ، وتأبدّ الحق إن لم يُوَقَّت" اه.
فلو فُرِض أنه لم تقم له بينة على ذلك، فلا أقل من أن يكون عارية، وقد سبق بيان حكمها.
تنبيه: تبيّن أن قول وكيل المدَّعى عليه له دافعٌ ورافعٌ وحججٌ شرعيّة قد أورده، ولكن الحاكم لم يفهم من لفظ "حجج" إلا قراطيس مسوّدة لا يقيم
__________
(1) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (2/ 223).
(17/907)

لها مذهبُ الشافعي وزنًا في الاحتجاج. وهذا إذا لم يكن جهلًا فهو عدم معرفة.
فنسأل الله التوفيق، والهدايةَ إلى أقوم طريق، وصلى الله على سيدنا محمَّد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم.
(17/908)