Advertisement

آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني 016

آثَار الشّيخ العَلّامَة
عبَد الرّحمن بن يحيى المعَلِّمِيّ
(16)
مجموع رسائل الفقه
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
1312 ه - 1386 ه
تحقيق
محمد عزير شمس
المجلد الأول
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
(رحمه الله تعالى)
تمويل
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(16/1)

الرسالة الأولى
القِبلة وقضاء الحاجة
(16/3)

بسم الله الرحمن الرحيم

القِبْلة وقضاء الحاجة

أحاديث النهي ثابتة في الصحيح:
1 - ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري، فرواه البخاري (1) عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب مرفوعًا: "إذا أتى أحدُكم الغائطَ، فلا يستقبل القبلة، ولا يُولِّها ظهرَه، شرقوا أو غرِّبوا".
وعن ابن المديني عن ابن عيينة عن الزهري بسنده: "إذا أتيتم الغائطَ، فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" (2).
ورواه مسلم (3) عن يحيى بن يحيى عن ابن عيينة بسنده مثله، إلا أنه قال: "ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن ... ".
وبمعناه رواه عن سفيان بن عيينة جماعة، منهم: أبو نعيم عند الدارمي (4)، ومُسَدَّد عند أبي داود (5)، ومحمد بن منصور عند النسائي (6)،
__________
(1) رقم (144).
(2) البخاري (394).
(3) رقم (264).
(4) رقم (671).
(5) رقم (9).
(6) (1/ 22).
(16/5)

وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي عند الترمذي (1).
ورواه الإِمام الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (7/ 269) (2) عن ابن عيينة بسنده: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تُستقبل القبلة بغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
ورواه الإِمام أحمد في "المسند" (5/ 421) عن ابن عيينة بسنده: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
ورواه الزعفرانيُّ عن ابن عيينة بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها". وقال مرةً: يبلغُ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. "سنن البيهقي" (1/ 91).
وبالجملة؛ فالأكثر عن ابن عيينة إثبات قوله: "إذا أتيتم الغائط" أو معناها.
وقد تابعه ابن أبي ذئب كما مرَّ، ومعمر عند النسائي (3) وعند أحمد في "المسند" (5/ 416 و417 و421)، وفي بعضها: "الخلاء" بدل "الغائط"، ويونس عند ابن ماجه (4)، ولفظه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستقبل الذي يذهب إلى الغائط القِبْلةَ، وقال: "شرِّقوا أو غرَّبوا".
__________
(1) رقم (8).
(2) (10/ 219) ط. دار الوفاء.
(3) (1/ 23).
(4) رقم (318).
(16/6)

وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق عن أبي أيوب، رواه عنه مالك في "الموطأ" (1)، ولفظه: "إذا ذهب أحدكم الغائطَ أو البولَ، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها بفرجه". هكذا في "موطأ يحيى بن يحيى".
ورواه أحمد في "المسند" (5/ 414) عن إسحاق بن عيسى عن مالك بلفظ: "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائط أو البول، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها".
وبهذا اللفظ رواه ابن القاسم عن مالك عند النسائي (2).
ورواه أحمد (5/ 415) عن عفان عن همام عن إسحاق بسنده، ولفظه: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلتين ونستدبرهما" وقال همام: يعني الغائطَ والبولَ.
وأخرجه البيهقي (3) من طريق عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعًا: "لا تستقبلوا القبلةَ ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
2 - وفي "صحيح مسلم" (4) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح [عن] أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبِرْها".
__________
(1) (1/ 193).
(2) (1/ 22, 23).
(3) في السنن الكبرى (1/ 91) ولكن من طريق عطاء بن يزيد عن أبي أيوب.
(4) رقم (265).
(16/7)

وقد رواه أبو داود (1) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بسنده، ولفظه: " ... فإذا أتى أحدكم الغائطَ فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها".
وهو عند النسائي (2) بلفظ: "إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
وهو في "سنن البيهقي" (1/ 91) من طُرق عن ابن عجلان بلفظ: "فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط"، وفي رواية: "فإذا ذهب أحدكم الخلاءَ". وزاد في رواية: "لغائط ولا بول".
ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان بسنده: "فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا ببول" هامش "الأم" (1/ 11) (3).
3 - وفي "صحيح مسلم" (4) من حديث سلمان: "نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجي أحدُنا بيمينه أو يستقبل القبلة".
وأخرجه أبو داود والنسائي (5) وغيرهما بزيادة: "بغائط أو بول".
4 - وفي "مسند أحمد" (4/ 190 - 191) من طرق، و"سنن ابن ماجه" (6) عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: أنا أول من سمع
__________
(1) رقم (8).
(2) (1/ 22). وفيه "الغائط" بدل "الخلاء".
(3) (2/ 48) ط. دار الوفاء.
(4) رقم (262).
(5) أبو داود (7) والنسائي (1/ 44).
(6) رقم (317).
(16/8)

النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يبولن أحدكم مستقبلَ القبلة"، وأنا أول من حدَّث الناس بذلك. وسنده [صحيح] على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان (1)، لكن نقل بعضهم عن ابن يونس أنه معلول. والله أعلم.
5 - وفي "سنن أبي داود" وابن ماجه (2) وغيرهما من طريق أبي زيد مولي بني ثعلبة عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط".
وأبو زيد لم يُوَثَّق، وقال ابن المديني: ليس بالمعروف.
6 - وفي "سنن ابن ماجه" (3) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر حدثني أبو سعيد الخدري: "أنه شهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول".
وابن لهيعة ضعيف.
[ص 2] 7 - وفي "مسند أحمد" (3/ 487): ثنا روح وعبد الرزاق قال (4) (كذا) أنا ابن جريج قال: حدثني عبد الكريم بن أبي المُخَارق أن الوليد بن مالك بن عبد القيس أخبره - وقال عبد الرزاق: من عبد القيس - أن
__________
(1) رقم (1419).
(2) أبو داود (10) وابن ماجه (319). قال البوصيري: أبو زيد مجهول الحال، فالحديث ضعيف به.
(3) رقم (320).
(4) في طبعة الرسالة (15984): "قالا" على الصواب فيزول استشكال المؤلف رحمه الله.
(16/9)

محمَّد بن قيس مولى سهل بن حُنَيف من بني ساعدة أخبره أن سهلاً أخبره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه، قال: "أنت رسولي إلى أهل مكة .... وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها".
وأخرجه الدارمي (1/ 170) ثم قال: عبد الكريم شبه المتروك.
وفي الباب: عن أبي أمامة أشار إليه الترمذي، وعن سهل بن سعد، وأسامة بن زيد، وسراقة بن مالك - ورجح أبو حاتم وقْفَه - وعن أسامة بن زيد، وعن نافع عن رجل من الأنصار عن أبيه، وهو في "الموطأ" (1). إلى غير ذلك، وتأتي في أحاديث الرخصة، وفيها دلالة على هذا في الجملة.
والذي علينا أن ننظر في قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط" هل يفيد إخراج الأبنية؟
فأقول: المتبادر من هذه العبارة أنها كناية عن إرادة قضاء الحاجة، كما ذكروا أن قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] كناية عن الحَدَث، ومن شأن الكناية أن يكون النظر فيها إلى المعنى الكنائي، سواءً أوافق الحقيقة أم لا، كما ذكروه في: طويل النجاد، وكثير الرماد ونحوهما، كما إذا قيل: إن اللصوص نهبوا قافلة وذهبوا. فيقال: يد السلطان طويلة. أي: أن قدرته متمكنة من أخذهم، ولو بعدوا.
ويؤيد أن المعنى هو هذا أمور:
منها: أن الصحابي فهم العموم، كما في رواية عنه في الصحيحين (2)
__________
(1) (1/ 193).
(2) البخاري (394) ومسلم (264).
(16/10)

وغيرهما، ذكر الحديث ثم قال: "فقدمنا الشامَ، فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيت قِبَلَ القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله".
قال الشافعي: "وسمع أبو أيوب الأنصاري النهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعلم ما علم ابن عمر من استقباله بيتَ المقدس لحاجته، فخاف المأثم في أن يجلس على مرحاضٍ مستقبلَ الكعبة، وتحرَّف لئلا يستقبل الكعبة، وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره". كتاب اختلاف الحديث بهامش "الأم" (7/ 270 - 271) (1).
ومنها: أنه كذلك فهم الرواة، فأسقط بعضهم العبارة المذكورة: "إذا أتى أحدكم الغائط" كما مر في رواية أحمد والزعفراني عن ابن عيينة، وأسقط بعضهم قوله: "ببول أو غائط" كما مر عن صحيح البخاري.
فلو حملت تلك الرواية على الحقيقة لشملت من أتى مكانًا منخفضًا، فمشى فيه أو وقف أو جلس لغير قضاء الحاجة.
وتصرف بعضهم فيها، فقال بعضهم: "إذا أتى أحدكم الخلاء". وقال غيره: "إذا جلس أحدكم لحاجته". إلى غير ذلك، كما مر بعضه.
ومنها: أنه لا فرق في المعنى بين المكان المنخفض في الفضاء، وهو حقيقة الغائط لغة، وبين المكان المرتفع والمكان المستوي، بل ولا بين الفضاء والبيوت؛ لأننا إن قلنا بأن الانحراف يكفي، فواضح.
وإن قلنا: لا بد أن تجعل القبلة عن اليمين أو اليسار، وأن [هذا] قد يتعسَّر في المراحيض، فهذا لا يدفع أصل العموم؛ لأن أكثر العمومات مقيدة
__________
(1) (10/ 221) ط. دار الوفاء.
(16/11)

بالاستطاعة، قال الله تبارك وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
بل يمكننا أن نقول: إن تبادر المعنى الكنائي من العبارة المذكورة يدل أنها صارت حقيقةً عرفيةً فيه.
فإن قيل: فما فائدة الإتيان بها مع "إذا"؟ فإنه لو اجتزئ عنها بقوله: "لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط" لصح المعنى.
قلت: من فائدتها التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر هذا الحكم قبل القعود, لأنه إذا لم يفعل قد يغفل عنه، وقد لا يتذكره إلا بعد الشروع، فيشق عليه التحرف.
والحاصل أنه لا حجة في العبارة المذكورة لمن يُخصِّص الحكم المذكور. والله أعلم.
***
(16/12)

أحاديث الرخصة
1 - حديث ابن عمر في الصحيحين (1) وغيرهما، وهو من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر العمري عن محمَّد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع عن ابن عمر.
فأما رواية يحيى؛ ففي "الموطأ" (2) الرخصة في استقبال القبلة لبولٍ أو غائط، مالك عن يحيى بن سعيد عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حَبَّان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن أُناسًا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. قال عبد الله: لقد ارتقيتُ على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لَبِنَتين مستقبلَ بيت المقدس لحاجته ... ". "الموطأ" بهامش شرح الباجي (1/ 336).
وأخرجه الشافعي عن مالك. هامش "الأم" () (3).
وقال البخاري (4): باب من تبرز على لبنتين. حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن يحيى ... " فذكره، وكذلك رواه غيرهم عن مالك.
وكذلك أخرجه مسلم (5) عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
__________
(1) البخاري (145، 148) ومسلم (266).
(2) (1/ 193، 194).
(3) كذا في الأصل دون تقييد الصفحة. وهو في "الأم" (10/ 220) ط. دار الوفاء.
(4) الصحيح مع الفتح (1/ 246، 247).
(5) رقم (266).
(16/13)

وأخرجه الدارقطني (1) من طريق هشيم عن يحيى عن محمَّد عن واسع: سمعت ابن عمر يقول: ظهرتُ على إجَّارٍ (2) على بيت حفصة في ساعة لم أظنَّ [أحدًا يخرج في] تلك الساعة، فاطلعت فإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبلَ بيتِ المقدس".
وقال البخاري (3): باب التبرز في البيوت. قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يزيد (هو ابن هارون) قال أخبرنا يحيى (وهو ابن سعيد الأنصاري) .... فذكره بنحو لفظ "الموطأ".
وكذلك رواه عن يزيد أحمد في "المسند" (2/ 41)، والدارمي في "مسنده" (1/ 17)، وأبو بكر بن خلاد ومحمد بن يحيى عند ابن ماجه (4)، ولكن سقط منه قوله: "ولا بيت المقدس".
وأخرجه البيهقي في "السنن" (1/ 92) عن الحاكم عن ابن الأخرم عن إبراهيم بن عبد الله عن يزيد بن هارون بسنده، وفيه: "على لبنتينِ لحاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ القبلة".
كذا قال! وإبراهيم بن عبد الله هو السعدي النيسابوري، قال الذهبي في "الميزان" (5): صدوق. قال الحاكم: كان يَستخفُّ بمسلم، فغمزه مسلم بلا حجة.
__________
(1) في السنن (1/ 61).
(2) الإجَّار: السطح بلغة أهل الشام والحجاز.
(3) الصحيح مع الفتح (1/ 250).
(4) رقم (322).
(5) (1/ 44).
(16/14)

أقول: صنيعه في هذا الحديث مما يصلح حجة لمسلم، فإن الناس قالوا عن يزيد وعن غير يزيد عن يحيى: "مستقبلاً بيت المقدس"، وقال إبراهيم هذا: "مستقبل الشام مستدبر القبلة". انتقل ذهنه إلى رواية عبيد الله، كما يأتي.
وأما رواية عبيد الله ففي الصحيحين وغيرهما، وليس فيه قوله: "إن ناسًا يقولون"، وإنما هو من قوله: "ارتقيتُ على ظهر ... "، ولفظه في آخره عند مسلم: "مستقبل الشام مستدبر القبلة"، وعند البخاري: "مستدبر القبلة مستقبل الشام".
هكذا اختلف الرواة عن عبيد الله في تقديم إحدى الصفتين على الأخرى، وجاء في بعض الروايات "مستدبر الكعبة"، وفي أخرى "مستدبر البيت".
ولم يقل "مستقبلاً بيت المقدس", لأن مَن بالمدينة إذا استقبل [ص 3] بيت المقدس متحريًا، لم يكن مستدبرَ الكعبة، بل يكون متحرفًا عنها شرقًا، فعبر بقوله: "مستقبل الشام" لأن مَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة متحريًا، كان مستقبلاً مشارقَ الشام.
ولقائل أن يقول: فيما ذكرته نظر:
أولاً: لاحتمال أن يكون ابن عمر قال مرةً كما ذكر يحيى، ومرة كما ذكر عبيد الله، وحفظ واسعٌ اللفظينِ، وحدَّث بهذا تارة، وبذاك أخرى، وكذلك محمَّد بن يحيى، ثم سمع يحيى من محمدٍ أحدَ اللفظين، وعبيد الله الآخر.
فإذا سلمنا أن ابن عمر إنما قال أحد اللفظين كما تدل عليه رواية مسلم
(16/15)

وغيره عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى عن محمَّد عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مُسنِدٌ ظهرَه إلى القبلة [فلما] قضيتُ صلاتي انصرفتُ إليه من شِقِّي، فقال عبد الله: يقول ناس .... "، فدل هذا على أن سماع واسعٍ من ابن عمر إنما كان في هذه الواقعة، ويبعد أن يجمع ابن عمر بين اللفظين، فقد يكون التصرف من واسع، عبَّر مرة بهذا، ومرة بهذا، أو من محمَّد، فحفظ عنه يحيى إحدى العبارتين، وحفظ عبيد الله الأخرى.
وأما ثانيًا: فإذا سلمنا أن واسعًا إنما أتى بإحدى العبارتين، وكذلك محمَّد, لأن الظاهر الرواية باللفظ، ولم يقم دليل على خلاف ذلك في حقِّ واسعٍ ولا محمدٍ، فغاية الأمران يرجح قول يحيى "مستقبلاً بيت المقدس" على قول عبيد الله "مستقبل الشام"؛ لأنه يبعد الإتيان باللفظين جميعًا، ولأن المعنى متقارب.
فأما قول عبيد الله: "مستدبر القبلة، أو الكعبة، أو البيت"، فهي زيادة من ثقة ضابط فوجب قبولها، فعلى هذا يترجح أن يكون أصل لفظ ابن عمر "مستقبلاً بيتَ المقدس مستدبرَ القبلةِ"، ولَأن يُظَنَّ بيحيى أنه ترك هذه الزيادة "مستدبر القبلة" أقربُ من أن يُظَنَّ بعبيد الله أنه زادها بناءً على فهمه.
أقول: هذا متجه، ولكن قد بيّنَّا أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها شرقًا.
فإن قلت: قد يكون أراد ببيت المقدس الشام، فإن مَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة تمامًا، كان مستقبلاً مشارق الشام، ويكون هذا هو الحامل لعبيد الله على تعبيره بقوله: "مستقبل الشام".
(16/16)

قلت: قد يعكس هذا فيقال: أراد بقوله: "مستدبر القبلة" أي مستدبرًا جهتها في الجملة، فإن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا كان مستدبرًا القبلة في الجملة، أي: أن البيت حينئذٍ ليس أمامه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، بل هو من خلفه مائلاً إلى يساره.
فإن قلت: يُرجَّح الأولَ قولُ ابن عمر: "إن أُناسًا يقولون ... فلا تستقبل القبلة"، وإنما يكون للقصة علاقة بهذا إذا كان فيها استدبار القبلة تمامًا، فيقاس الاستقبال على الاستدبار.
قلت: ويُرجِّح الثانيَ قولُ ابن عمر: "ولا بيت المقدس"، وإنما يكون للقصة علاقةٌ باستقبال بيت المقدس إذا كان فيها استقباله تمامًا.
فإن قلت: فما الذي يتجه؟
قلت: كلام ابن عمر يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون قوله: "إن أُناسًا يقولون ... فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس" لم يقصد به إنكار كل من الأمرين، وإنما قصد به إنكار تسوية بيت المقدس بالقبلة، فيتحصل من هذا أنه إنما أنكر النهي عن استقبال بيت المقدس، فكأنه قال: يقولون: لا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فيسوُّون بينهما، وإنما الثابت النهي عن استقبال القبلة فقط، وإلى هذا ذهب العيني (1).
الوجه الثاني: أن يكون من رأي ابن عمر أن الاستقبال والاستدبار يكفي فيهما الجهة، ولا يقدح فيه التحرف عن العين، فمَن بالمدينة إذا استقبل بيت
__________
(1) في "عمدة القاري" (2/ 282).
(16/17)

المقدس عينه، فقد استدبر جهة القبلة، وإن لم يكن مستدبرًا لعين الكعبة تمامًا، ويرى أنه إذا جاز مثل هذا جاز استدبار البيت عينه، وكذلك من بالمدينة إذا استدبر البيت تمامًا فقد استقبل جهة بيت المقدس، وإن لم يكن مستقبلاً لعين بيت المقدس، وإذا جاز هذا جاز استقبال عين بيت المقدس.
[ص 4] وعلى كل حال، فقد ترجح في الرواية قوله: "مستقبلاً بيت المقدس مستدبرًا القبلة"، وظاهر قوله: "مستقبلاً بيت المقدس" استقباله تمامًا، وحينئذٍ فاستدبار القبلة ليس بمعنى استدبار البيت تمامًا، بل بالتحرف عنه إلى جهة الشرق.
[ص 5] هذه الألفاظ الصحيحة صريحة في أن المدار على استقبال القبلة بالنجس حال خروجه من أحد الفرجين، وقد عورضت بحديثين:
الأول: حديث الصحيحين عن ابن عمر قال: "إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك، فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: فلقد ارتقيتُ يومًا على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لَبِنَتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته" لفظ البخاري (1).
وفي رواية (2): "مستقبل الشام، مستدبر القبلة".
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم في المستدرك (3) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، بسند صحيح
__________
(1) رقم (145).
(2) رقم (148).
(3) أحمد (3/ 360) وأبو داود (13) وابن خزيمة (58) والحاكم (1/ 154).
(16/18)

إلى ابن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، ثم رأيناه قبل موته وهو يبول مستقبل القبلة".
وحديث ثالث: اتفق البخاري وأبو حاتم وغيرهما على تعليله. انظره في ترجمة خالد بن أبي الصلت من التهذيب (1).
فمن الناس من أخذ بهذين الحديثين، وقال: إنهما ناسخان للنهي، فإن الأول أباح الاستدبار، والثاني أباح الاستقبال.
وفرق جماعة - كمالك والشافعي وغيرهما - بين البناء والفضاء، فحملوا النهي على الفضاء، والفعل في الحديثين على البناء.
ومن هؤلاء من زاد فقال: فالإباحة في الفضاء إذا كان بينه وبين القبلة ساتر، ويستدل لهذا بما رواه الحاكم في "المستدرك" (2) وغيره من طريق الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به"
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان.
وللشافعية كلام طويل في تقرير المسألة وتفصيله، يقيسون فيه على
__________
(1) (3/ 97). والحديث أخرجه ابن ماجه (324) عن عائشة.
(2) (1/ 154).
(16/19)

سُترة المصلي في الجملة.
ومن أهل العلم من بقي على عموم النهي، وهو الحق إن شاء الله تعالى. فأما حديث ابن عمر فليس بصريح في المخالفة؛ لاحتماله أن مقصود ابن عمر إنما هو الإنكار على من يُسوَّي بين الكعبة وبيت المقدس، وبيان أن استقبال بيت المقدس غير محظور، ويكون رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا يبول مستقبل بيت المقدس، ولا يلزم من ذلك إخلال في حق الكعبة؛ لأن استدبار البائل لها، ولا سيَّما إذا كان مستور الدبر، كما هو المعروف في عادة العرب؛ لأن غالب لباسهم الأزر، فأما من زعم أن مثل هذه الحال داخلة في النهي، فقد أبطل.
أما أولاً: فلأن الروايات الصحيحة التي قدمتُها لا تشمل هذه الحال، فإن جاء في بعض الروايات ما يظهر منه شمولها فهو من تصرف الرواة، فلا يُعبأ به، والواجب في ذلك حمل المطلق على المقيد.
وأما ثانيًا: فالمعقول أن هذه الحال أبلغ في احترام القبلة مِمَّا ثبت الإذن به، واتفق عليه الناس، وهو أن يشرق أو يغرب من كانت قبلته في الشمال أو الجنوب.
فإن قيل: إن فيه مواجهتها بالدُّبر.
قلت: مثله مباح إجماعًا في المشي والجلوس وغير ذلك، ونظيره المفروض من استقبالها في الصلاة، مع أن فيه مواجهتها بالقُبُل.
فإن قيل: فإن قول ابن عمر: "مستدبر القبلة" قد يُشعِر بخلاف ما ذكرتَ.
(16/20)

قلت: قال الحافظ في "الفتح" (1): [ولم يقع في رواية يحيى]: "مستدبر القبلة" أي الكعبة، كما في رواية عبيد الله بن عمر؛ لأن ذلك من لازمِ مَن استقبل الشام [بالمدينة، وإنما ذكرت في رواية عبيد الله] للتأكيد والتصريح به.
[ص 6] وقد يورد على ما تقدم أمور:
الأول: أن الأئمة فهموا من رواية يحيى مثل ما يُفهَم من رواية عبيد الله ففي "الموطأ" (2): "الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط"، وذكر رواية يحيى.
وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (3) رواية يحيى، واحتج بها على الرخصة في البيوت، وقال البخاري في "الصحيح" (4): "باب من تبرَّز على لبنتين"، ثم ذكر رواية يحيى، ولفظ التبرز ظاهر في التغوط، ثم قال: "باب التبرز في البيوت"، وذكر القصة من الوجهين.
الأمر الثاني: ما ذكرته من أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا، بل يكون متحرفًا عنها إلى جهة المشرق = صحيح في نفسه، ولكن قد يقال: لا أثر له، أما على القول بالتوسعة في القبلة، فأهل المدينة قبلتهم في الجنوب كله؛ لأن البيت جنوبهم، كما دل عليه
__________
(1) (1/ 250).
(2) (1/ 193).
(3) مع "الأم" (10/ 220).
(4) مع "الفتح" (1/ 246، 250).
(16/21)

الحديث الذي صححه الترمذي (1) وغيره: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
بل في حديث أبي أيوب في هذا الباب: "ولكن شرِّقوا أو غرَّبوا".
فدل على أن التحرف اليسير لا يكفي، بل لا بد أن تكون القبلة عن يمين قاضي الحاجة أو يساره، والتحرف الحاصل لمن بالمدينة عند استقباله بيت المقدس ليس بهذا القدر، ولا قريب منه.
وأما على القول: بأن القبلة هي البيت نفسه، وأنه يضرُّ في الصلاة التحرف اليسير إذا عرف، فقد يقال: لا يلزم من القول بذلك في الصلاة أن يقال به في قضاء الحاجة، وقد ثبت في قضاء الحاجة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكن شرِّقوا أو غرَّبوا".
وعلى تسليم اللزوم، فإنما ذلك عند ظن التحرف، ومثل ذاك التحرف - أعني تحرُّفَ مَن بالمدينة عن الكعبة إذا استقبل بيت المقدس - إنما يحصل به الظن لمن عرف الحساب ونحوه، وبنى عليه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نحن أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب ... " الحديث. والظاهر عند عدم الحساب أن المدينة بين مكة والقدس، من استقبل أحدهما استدبر الآخر.
الأمر الثالث: أن تجويز أن يكون عبيد الله إنما سمع القصة باللفظ الذي رواه يحيى، ولكنه تصرف فيها التصرف المذكور، يؤدي إلى سقوط الثقة بالأحاديث التي يحتمل أنها رُوِيتْ بالمعنى، وهي غالب السنة.
[ص 7] قال عبد الرحمن:
أما الأمر الأول؛ فأرى أن الأئمة لاحظوا ما دلَّ عليه كلام ابن عمر من أن
__________
(1) رقم (344).
(16/22)

الموضع الذي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا عليه كان معدًّا لقضاء الحاجة، وإذا كان كذلك ثبت وقوع الاستدبار عند التغوط، إن لم يكن في هذه الواقعة ففي غيرها؛ لأن الموضع كان معدًّا لذلك، وفي "الفتح" (1): أنه جاء في رواية لابن خزيمة: "فرأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلَبِنٍ". قال: وللحكيم الترمذي بسند صحيح: "فرأيته في كنيف".
وبهذا يندفع ما يتراءى أن من تقدم من أهل العلم أغفلوا الاحتجاجَ بما ذُكِر، واقتصروا على الاحتجاج بالواقعة التي ذكرها ابن عمر.
ثم يحتمل أن مالكًا لم يستحضر ما قدمناه من أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيتَ المقدس تمامًا لم يكن مستدبرًا الكعبةَ تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها إلى الشرق.
ويحتمل أن يكون استحضر ذلك، ولكنه بني على رأيه في التوسعة في القبلة، ومثله البخاري، وأما الشافعي فيتعين في حقه الاحتمال الأول.
إذا تقرر هذا فالجواب عما يحتج به بأن ذلك الموضع كان معدًّا لقضاء الحاجة أنه يحتمل أنه يكون معدًّا للبول فقط، وعلى تسليم أنه كان معدًّا للأمرين، فالتوسعة في القبلة إنما هي إذا لم يحصل العلم أو الظن بالانحراف عن البيت، كما هو مقرر في مذهب مالك نفسه.
والحجة على ذلك واضحة؛ فإن من بالمسجد الحرام لا تصح صلاته إذا كان البيت عن يمينه أو يساره يقينًا أو ظنًّا، فكذلك من بَعُدَ، وإنما الرخصة في الصلاة والتشديد في قضاء الحاجة عند الاشتباه.
__________
(1) (1/ 247).
(16/23)

وعلى هذا فنقول: قد ذكروا أن قبلة المسجد النبوي مقطوع بمُسامتتها للبيت، وفي بعض الآثار أن جبريل أقامها للنبي - صلى الله عليه وسلم - (1)، فيحتمل مثل ذلك في بيت المقدس لما كان قبلةً، وإذا علم النبي - صلى الله عليه وسلم - السمتَ الذي يستقبل به بيت المقدس تمامًا، والسمت الذي يستقبل به الكعبة تمامًا، فقد علم أنه إذا استقبل بيت المقدس لم يكن مستدبرًا البيتَ، بل منحرفًا عنه كما مر.
وأما الأمر الثاني؛ فقد تقدم الجواب عنه قريبًا. وقوله في حديث أبي أيوب: "ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" يحتمل أنه عند الاشتباه كما مر، ويحتمل أن يكون المراد: فانحرفوا إلى جهة الشرق أو إلى جهة الغرب. فإن مَن كان مستقبلاً بعض الربع الجنوبي إذا مال عنه يَسْرةً صَدق عليه أنه شرَّقَ، أو يَمنةً صَدق أنه غرَّب، وإن كان مع انحرافه لا يزال مستقبلاً بعضَ الجنوب.
وقد يحتمل أن يكون الأمر بالتشريق أو التغريب أريد بهما جعلُ القبلة عن اليمين أو اليسار تمامًا، ولكن يكون ذلك عند التيسر، ولما كان يكثر التعسير في البيوت اكتُفي فيها بالتحرُّف، كما قال أبو أيوب: "فننحرف ونستغفر الله". ولما كان الانحراف في البيوت كافيًا جاز بناء المرحاض فيها منحرفًا فقط، وإن أمكن خلافه، على أنه قد لا يتيسر في البيوت الضيقة بناء المرحاض بحيث تكون القبلة عن يمين القاعد فيه أو يساره تمامًا، وقد يجوز أن يكون ذلك الموضع الذي في بيته - صلى الله عليه وسلم - اتخذ قبل نزول الحكم،
__________
(1) ذكر ذلك شيخ الإِسلام في "مجموع الفتاوى" (27/ 420) نقلًا عن مالك قال: بلغني أن جبريل هو الذي أقام قبلته للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وانظر "المغانم المطابة" للسمهودي (2/ 77).
(16/24)

فإن حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعضها كانت بيوتًا [] (1).
وقد يحتمل أن يكون ذلك الموضع بُنِي للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هذا الحكم، ولا يدفع هذا قول عائشة: "والبيوت يومئذٍ ليس فيها [كُنُفٌ] (2) "؛ لاحتمال أن يكون المعنى ليس فيها كلها، فلا ينافي أن يكون قد كان في بعضها، ولم يُغيِّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الحكم؛ لأنه منحرف، وفي تغييره كلفة.
وأما الأمر الثالث؛ فلا ريب أن الأصل والظاهر هو الرواية باللفظ، أو بما لا يخالفه مخالفةً لها شأن، وأنه لا يجوز تجويز خلاف هذا لغير دليل، وأنا إنما جوزته في رواية عبيد الله لما يتراءى من الأدلة.
[ص 8] على أني أقول: قد تقدم ترجيح ما في رواية يحيى من قوله: "مستقبلاً بيت المقدس" بما لا غبار عليه، وإذا صح وصححنا زيادة عبيد الله، فالراجح من وجوه الاختلاف فيها تأخيرها بلفظ: "مستدبرًا القبلةَ". ويحتمل في حقه الاحتمالان اللذان تقدما في حق مالك فقد جاء عن ابن عمر التوسعة في القبلة، وعليه فالجواب ما تقدم. والله أعلم.
هذا ولأهل العلم في هذا الحديث أقوال أخرى:
منها: أنه لا يحتج به، لاحتمال أن القصة كانت قبل النهي، وفي هذا بحثٌ محلُّه كتب الأصول.
ومنها: عكسه، وهو أنه ناسخ للنهي إما مطلقًا، وإما بالنسبة إلى الاستدبار أو إلى البيوت، أو إلى المراحيض، ورُدّ من وجوه:
__________
(1) هنا بياض في الأصل.
(2) هنا بياض في الأصل. وقول عائشة في حديث الإفك الطويل: "وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا"، أخرجه البخاري (2661، 4750) ومسلم (2770).
(16/25)

الأول: أن الفعل لا ينسخ القول، وفي هذا بحث محلُّه كتب الأصول.
وقد جاء عن الصحابة الاحتجاج بالفعل على نسخ القول، كما في الوضوء مما غيَّرت النار، مع أنه قد يقال: ليس هذا مجرد فعل، بل فيه تقرير؛ لأن الظاهر أن المرحاض إذا كان في البيت لا يختص بالرجل، بل تشاركه فيه النساء، بل هن أولى.
الثاني: أنه لو كان هناك نسخٌ لأعلنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أعلن النهي، ومن البعيد أن ينسخ الحكم فلا يبينه - صلى الله عليه وسلم -، بل يقتصر على الفعل في خلوته.
وقد يدفع هذا بأنه بني المرحاض في بيته - صلى الله عليه وسلم - على الهيئة المؤذنة بالنسخ، فعلم بذلك أهل البيت، وقد احتج الصحابة على نسخ عدم وجوب الغسل على من أكسل بخبر بعض أمهات المؤمنين، بأنه وقع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - ومنها فاغتسلا، مع ما في هذا من الاحتمال، ومن كان له معرفة بالسيرة عرف أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ربما اكتفى في تبليغ النسخ بإخبار الواحد أو الاثنين، وفي ذلك من الحكمة ما ليس هذا محلَّ بيانه.
الثالث: أن التاريخ مجهول، وعليه فإما أن يترجح احتمال أن الواقعة كانت قبل النهي على حسب الإباحة الأصلية، فلا يكون هنا نسخ، وإما أن يتوقف على الجزم، ويعمل بعموم النهي احتياطًا.
ومنها: أن هذا الحديث مخصَّص لعموم أحاديث النهي على ما هو مختارُ كثيرٍ من الأصوليين، أنه عند جهل التاريخ، إذا أمكن الحمل على العموم والخصوص حُمِل عليه.
وقد يُردُّ هذا بأن التخصيص بيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب عند قوم، وعن وقت الحاجة عند آخرين، وهذه الواقعة ليست مقترنةً
(16/26)

بخطاب النهي كما هو ظاهر، فإن كانت متأخرة فقد تأخرت عن وقت الحاجة حتمًا؛ لأن الحاجة إلى قضاء الحاجة متكررةٌ كلَّ يوم، وإذا تأخرت عن وقت الحاجة فلا تخصيص، وإنما يبقى احتمال النسخ، وقد مرَّ ما فيه.
وإن كانت متقدمة عن النهي، فالأولى حملها على موافقة الإباحة الأصلية، كما مر.
ومنها: حمل الواقعة على خصوصيةٍ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوَّاه بعض الأجلة بما قيل: إن فضلاته - صلى الله عليه وسلم - طاهرة.
وليس بالبين:
أولاً: لأن في الطهارة نظرًا.
ثانيًا: لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعاملها معاملة الأنجاس، فيبعد عند قضاء الحاجة، ويستنجي، وغير ذلك.
فالظاهر أن تعاملها في استقبال القبلة كذلك، وهو أحق بإكرام قبلة ربه عزَّ وجلَّ.
ثالثًا: الظاهر من كون المرحاض في البيت أنه لا يختص بالرجل، بل يحتاج إليه النساء، كما مر.
وبالجملة فالذي يترجح لي في هذا الحديث ما قدمتُه، وحاصله أن الذي في حديث النهي هو النهي عن استقبال القبلة بالبول أو استدبارها بالغائط، والقبلة في الأصل هي سَمْتُ البيت نفسه، ومن وسَّع فيها فمحل التوسعة عند الاشتباه. فأما من علم أو ظن أنه منحرف عن سمت البيت، فلا صلاة له، وليس ذلك قبلةً في حقه، وإذا لم يكن قبلةً في حقه فلا حرج عليه
(16/27)

في استقباله.
[ص 9] إذا تقرر هذا فأقول: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن مثل ذلك الفعل، كما نهاهم الله عَزَّ وَجَلَّ أن يقولوا لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: "رَاعِنا"، كما كان اليهود يقولونها، يريدون بها معنى سوء. والله أعلم.
وجاء عن الشعبي ولم يصح كما يأتي، أنه قال: [] (1).
ورُدَّ بأنه لو لوحظ هذا لمنع قضاء الحاجة في الفضاء مطلقًا؛ لأن ما يحتمل معاينة المصلين من الملائكة ومسلمي الجن في حال الاستقبال يجيء مثله في غيره.
فالمعتمد ما تقدم، وهو ملاقٍ للتعليل المشهور بالإكرام، فإنّ تحرِّي تركِ ما قد يكون إهانةً إكرامٌ، وإذا ظهر أن المفسدة المنظور إليها في المنصوص هي إنما ذلك الفعل، مظنةَ أن يقصد به إهانة القبلة، تكذيبًا لآيات الله، تبين أن مجرد كشف العورة ليس كذلك؛ لأنه لا يكادُ يقصد به الإهانة، وتبين أن استدبار من يريد البول فقط القبلةَ لا محذور فيه، وإن كان بعض ألفاظ النصوص قد يشمله، وقد منعه بعض الشافعية، وتلك ظاهرية صرفة.
وظهر أيضًا صحة ما اقتضاه إطلاق النصوص من شمول النهي للتغوط نحو القبلة مع عدم الانحناء، كما إذا كان بين قاضي الحاجة وبين القبلة ساتر، وكما إذا كان في البيوت أو في المواضع المعدَّة لقضاء الحاجة.
لأن (2) القبلة هي الكعبة، وإهانتها إنما تتحقق بتنجيسها وتقذيرها ونحو
__________
(1) هنا بياض في الأصل. وأثر الشعبي سيأتي (ص 32).
(2) من هنا إلى "الباب الثاني" مكتوب في أسفل الصفحة في الركن مقلوبًا.
(16/28)

ذلك، ولو رُئي رجل يبول أو يتغوط مستقبلاً بيت الملك من مسافة ميل أو أبعد، لم يعد ذلك إهانةً لبيت الملك، اللهم إلا أن يقصد الإهانة، فتكون الإهانة في الحقيقة بالقصد أو بتحري ذلك، فيدل على قصد الإهانة.
فإن قلت: فليكن العلة هو أن ذلك الفعل قد يُقصد به الإهانة.
قلت: الأفعال التي قد يُقصَد بها الإهانة كثيرة، وفيها ما ليس يُنهى عنه عند عدم قصد الإهانة إجماعًا، كوضع مرحاض البيت في قبلته، وكالجلوس مستدبر القبلة.
فإن قلت: الاستقبال بالبول والغائط أظهر في احتمال قصد الإهانة، وأشبه بالإهانة بالفعل؛ لأنه لو كان بالقرب يحصل به التنجيس، وهو إهانة بالفعل.
أقول: هذا في نظري قوي.
(16/29)

الباب الثاني في الرخصة
2 - ترجم البخاري لحديث أبي أيوب بقوله: [باب لا تُستقبل القبلة بغائطٍ أو بولٍ إلاَّ عند البناء: جدارٍ أو نحوه] (1).
فقال الحافظ في "الفتح": [] (2).
أقول: المختار من هذه الأجوبة هو الثالث، والاعتراض عليه ليس بسديد؛ لأن البخاري إنما فصَّل التراجم لأحكام أخرى، فإنه قال: "باب من تبرز على لبنتين"، ثم ذكر حديث ابن عمر، ومراده الدلالة على استحباب مثل أن يكون قاضي الحاجة على لبنتين أو نحوهما مما يرفعه عن الأرض؛ لأن ذلك أبعد عن احتمال تنجس رجله أو ثيابه.
ثم قال: "باب خروج النساء إلى البراز"، وساق حديث الإذن في ذلك، ثم قال: "باب التبرز في البيوت"، وساق فيه حديث ابن عمر، قال الحافظ في "الفتح" (3): "عقب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر، بل اتُّخِذتْ بعد ذلك الأخليةُ في البيوت، فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة".
__________
(1) هنا بياض في الأصل.
(2) بياض في الأصل. وراجع "الفتح" (1/ 245) حيث ذكر ثلاثة أجوبة لمن قال: ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور، ثالثها أن الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور في الباب الذي بعده.
(3) (1/ 250).
(16/30)

وحاصله الاستدلال بأن الخروج إنما هو رخصة قبل اتخاذ الأخلية في البيوت، فلا ينبغي للمرأة التي في بيتها خلاء أن تخرج.
نعم قد يقال: إذا كان البخاري إنما أخذ الاستثناء من حديث ابن عمر، فقد كان ينبغي له أن يذكره في تلك الترجمة، أو يشير إليه.
وبالجملة، فمن المحتمل أن البخاري إنما أخذ الاستثناء من حديث ابن عمر، ولم يلتفت إلى هذا الاعتراض الصناعي، ومن المحتمل أن يكون جوَّز دلالة قوله في الحديث: "إذا أتى أحدكم الغائط" على الاستثناء المذكور [ص10] ببول أو استدباره بغائط؛ لأنه لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها.
وقوله: "ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" محمولٌ إما على موضع الاشتباه، وإما على أن المراد: انحرِفُوا إلى جهة الشرق، أو إلى جهة الغرب، وذلك الانحراف يحصل بمثل انحراف من بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا، وإما على أنه ترغيب في الاحتياط، وليس على الوجوب، والصارف ما تقدم من أن المحذور هو استقبال نفس القبلة أو استدبارها، وإما على أنه مقيد بعدم المشقة، كما يشير إليه قول الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (1). وذلك الموضع الذي كان في بيته - صلى الله عليه وسلم - مما يشق فيه التشريق والتغريب تمامًا؛ إما لأن البقعة ضيقة، لا يتيسر وضع المرحاض فيها إلا على تلك الهيئة، وإما لأنه بُنِي قبل النهي؛ وكان في تغييره كلفة.
__________
(1) أخرجه البخاري (7288) ومسلم (1337) عن أبي هريرة.
(16/31)

فغاية ما في هذا الحديث أنه يدل على جواز الاقتصار على التحرف عن القبلة الخاصة إذا لم يتيسر أن يجعلها عن يمينه أو يساره، وهذا مما ينبغي الأخذ به، وقد أخذ به أبو أيوب كما تقدم، مع أنه لم ينقل عنه إلا حديث النهي. والله أعلم.
3 - أخرج الدارقطني (1) من طريق عيسى الحناط عن الشعبي عن ابن عمر قال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، فلما دخلت إليه فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحَرَج على لبنتينِ مستقبلَ القبلة".
قال الدارقطني: عيسى بن أبي عيسى الحناط ضعيف.
وأخرج هو (2) وغيره من طريق عيسى الحناط أيضًا قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر! قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها". وقال نافع عن ابن عمر: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب مذهبًا مواجه القبلة". فقال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء، إن لله تعالى خلقًا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها.
قال الدارقطني: عيسى بن أبي عيسى هو عيسى الحناط، وهو عيسى بن ميسرة، وهو ضعيف.
أقول: عيسى مجمع على ضعفه، وقال جماعة: متروك الحديث (3).
__________
(1) في "السنن" (1/ 60). والحرج مجتمع شجر ملتفّ كالغيضة. "النهاية" (1/ 362).
(2) المصدر نفسه (1/ 61).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 234 - 236).
(16/32)

4 - أخرج جماعة منهم الحاكم في "المستدرك" والدارقطني (1) من طريق صفوان بن عيسى ثنا الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبلَ القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهِي عن هذا؟ قال: "إنما نُهِي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس".
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان. وأقره الذهبي. "المستدرك مع تلخيصه" (1/ 154).
وقال الدارقطني: هذا صحيح، كلهم ثقات.
وقال الحافظ في "الفتح" (2): رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به.
أقول: بلى وأي بأس؟ فإن الحسن بن ذكوان ضعفه الأئمة: أحمد ويحيى وعلي وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. قال أحمد: أحاديثه أباطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت، ولم يسمع من حبيب، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي. وجاء نحو هذا عن يحيى بن معين وأبي داود، كما في "التهذيب" (3). قال: وأورد ابن عدي حديثين من طريق الحسن بن ذكوان، وقال: إنما سمعهما الحسن من عمرو بن خالد عن حبيب، فأسقط الحسن بن ذكوان عمرو بن خالد من الوسط.
أقول: إن كان الحسن قال: حدثنا حبيب أو نحو ذلك، فهذا هو الكذب.
__________
(1) "المستدرك" (1/ 154) و"سنن الدارقطني" (1/ 58).
(2) (1/ 247). والحديث عند أبي داود (11).
(3) (2/ 276، 277).
(16/33)

وإن كان قال: قال حبيب أو نحو ذلك، فهذا تدليس عن الهلكى، فإن عمرو بن خالد تالف، رماه بالكذب ووضع الحديث: وكيع وأحمد وإسحاق ويحيى وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم (1).
فعلى القول بأن التدليس عن مثل هذا يُسقِط العدالة فظاهر، وأما على القول إنه لا يسقطها إذا كان إذا سئل بيَّن، فالمتفق عليه بين أهل العلم أن مثل هذا لا يُعتدُّ بما رواه غير مصرِّح بالسماع، وحديثه هذا لم يصرح فيه بالسماع، فسقط إجماعًا.
فأما قول الحاكم: "إن البخاري احتج به" ففيه نظر؛ إنما أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الشفاعة (2)، رواه من طريق يحيى القطان عن الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء.
قال الحافظ في "الفتح" (3): الحسن بن ذكوان .... تكلم فيه أحمد وابن معين وغيرهما، لكنه ليس له في "البخاري" سوى هذا الحديث، من رواية يحيى القطان عنه، مع تعنته - يعني يحيى - في الرجال، ومع ذلك فهو متابعة.
وقال في المقدمة (4): روى له البخاري حديثًا واحدًا ... ، ولهذا الحديث شواهد كثيرة.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 26، 27).
(2) رقم (6566).
(3) (11/ 441).
(4) مقدمة "الفتح" (ص 397).
(16/34)

أقول: فالحديث من رواية يحيى القطان، وتثبته معروف، وهو متابعة [ص 11] وصرح الحسن بالسماع، فكيف يقاس عليه حديث هذا الباب؟ لا والله، بل حديثه في الباب ساقط؛ لاحتمال أنه سمعه من أحد الوضاعين. والله أعلم.
5 - أخرج جماعة منهم الحاكم في المستدرك وابن خزيمة كما في الفتح وأحمد وأبو داود وغيرهم (1) من طريق ابن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، ثم رأيناه قبل موته وهو يبول مستقبلَ القبلة".
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. المستدرك مع تلخيصه (1/ 154).
أقول: ابن إسحاق فيه كلام كثير، يتحصل منه أنه مدلس، في حفظه شيء.
فأما التدليس؛ فمأمونٌ هنا للتصريح بالسماع.
وأما سوء الحفظ؛ فتردد نظرهم فيه، وقال الذهبي في "الميزان" (2) بعد حشد الأقوال: فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال
__________
(1) أحمد (3/ 360) وأبو داود (13) والترمذي (9) وابن ماجه (9) وابن خزيمة (58) وابن حبان (1420) والحاكم (1/ 154) والبيهقي (1/ 92). وانظر "الفتح" (1/ 245).
(2) (3/ 475).
(16/35)

صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة. فالله أعلم. وقد استشهد به (1) مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها في "صحيحه".
وفي "طبقات المدلسين" (2) لابن حجر: أن مسلمًا إنما أخرج لابن إسحاق مقرونًا بغيره.
وأبان: وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم (3).
وقال ابن عبد البر (4) في حديثه هذا: ليس صحيحًا؛ لأن أبان بن صالح ضعيف.
وقال ابن حزم (5) لما ذكر حديثه هذا: أبان ليس بالمشهور. ذكر ذلك ابن حجر في "التهذيب" (6) وتعقبهما.
ومجاهد: إمام، لكن ذكر ابن حجر في "التهذيب" (7) عن القطب الحلبي قال: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل.
قال ابن حجر: ولم أر مَن نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين
__________
(1) كذا في الأصل بزيادة "به". وفي "الميزان" بحذفها، وهو الوجه.
(2) "تعريف أهل التقديس" (ص 51) ط. مكتبة المنار. ولا يوجد في طبعة المباركي.
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 94).
(4) في "التمهيد" (1/ 312).
(5) في "المحلى" (1/ 198).
(6) (1/ 95).
(7) (10/ 44).
(16/36)

إن قول مجاهد: "خرج علينا علي" ليس على ظاهره فهو عين التدليس.
أقول: قد صرحوا بأن مجاهدًا روى عن جماعة من الصحابة الذين عاصرهم وأنه لم يسمع منهم، وهذا تدليس عند جماعة من أهل العلم، وعلى القول بأنه لا يسمى تدليسًا فهو في معناه، خصوصًا على ما ذهب إليه الجمهور من حمل الرواية عن المعاصر على السماع وإن لم يعلم اللقاء، على أني لم أجد ما يصرح بسماع مجاهد من جابر، وقد راجعت مسند جابر في مسند أحمد فلم أر لمجاهد عنه إلا أحرفًا لم يصرح في شيء منها بالسماع.
ومع ذلك فقد روى منصور عن مجاهد عن ابن عباس حديث: "مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يُعذَّبان". ورواه الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، أخرجهما البخاري (1).
قال ابن حجر في "الفتح" (2): إخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيُحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة. وصرَّح ابن حبان (3) بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي (4): رواية الأعمش أصح.
__________
(1) رقم (216, 218).
(2) (1/ 317).
(3) في "صحيحه" (7/ 400).
(4) عقب الحديث (70).
(16/37)

وفي "الفتح" (1) في الكلام على هذه المسألة: وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر.
أقول: الحق في هذه الأمور أنه لم يتعيَّن من واحدٍ منها ما هو بيَّنٌ في تضعيف الحديث، إلا أنها بمجموعها تُزلزِل الثقة به، على أنه على فرض صحته واقعةُ حالٍ يكفي في دفعها الاحتمال، فيحتمل أن جابرًا أراد بالقبلة: القبلةَ الموسعة، وهي جهة الجنوب لأهل المدينة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم عينَ القبلة، فلعله تحرَّف عنها يمنةً أو يسرةً، فكان في الحقيقة غير مستقبل القبلة، وبنى جابر على توسعة القبلة.
ومما يؤيد هذا قول أبي أيوب - كما في رواية عنه في "الصحيحين" (2) -: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيتْ قِبَلَ القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله". فإن قوله: "ونستغفر الله" يدل أنه يشكُّ في الانحراف هل يدفع الإثم؟
ويوضحه قوله في رواية أخرى: "والله ما أدري ما أصنعُ بكِسْر (3) أبيكم هذه"، فهذا يدل أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرون أن النهي يتناول ما عن يمين القبلة الخاصة ويسارها، فكأن جابرًا كان قد استقر في نفسه هذا المعنى، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبلاً يسارَ القبلة الخاصة أو يمينَها،
__________
(1) (1/ 246).
(2) البخاري (394) ومسلم (264).
(3) الكِسْر: ناحية البيت، ولكل بيتٍ كسران عن يمين وشمال. انظر "النهاية" (4/ 172).
(16/38)

وقع له أنه مستقبلٌ القبلةَ الموسعةَ، ورأى أن هذا يخالف أصل النهي، لشمول النهي عنده كما سلف.
ثم أقول: إن احتمل في واقعة جابر مشقة جَعْلِ القبلة عن اليمين أو اليسار تمامًا فظاهر، وإن لم يحتمل لأن الظاهر أنه لو كان هناك مشقة لكان الظاهر أن يلاحظها جابر ويخبر بها، ففي الحديث على فرض صحته دليل على أن الانحراف يكفي ولو عند عدم المشقة، وعليه يُشبِه حملُ قوله في حديث أبي أيوب: "ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" على معنى: انحرِفُوا إلى جهة الشرق أو إلى جهة الغرب كما مر، أو على أن الأمر بجعل القبلة يمينًا أو يسارًا تمامًا للندب فقط، ولكن واقعة جابر لبيان الجواز. والله أعلم.
[ص 12] 6 - أخرج الإِمام أحمد والدارقطني وآخرون (1) من حديث عائشة أنها قالت: "ذُكِر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: أو قد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدي قِبَل القبلة".
وفي سنده اضطراب كثير، فرواه الإِمام أحمد في المسند (6/ 137): ثنا وكيع ثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة.
ورواه (ص 219): ثنا بهز ثنا حماد بن سلمة ثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: ذكروا عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله استقبال القبلة بالفروج. فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: ....
__________
(1) أحمد (6/ 227) والدارقطني (1/ 60). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 151) وابن ماجه (324) والطحاوي في "معاني الآثار" (4/ 234).
(16/39)

ورواه (ص 183): ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا خالد عن رجل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما استقبلتُ القبلةَ بفرجي منذ كذا وكذا، فحدَّث عراك بن مالك عن عائشة.
وفي (ص 227): ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت أن عراك بن مالك حدث عن (كذا وكأنها زائدة) عمر بن عبد العزيز أن عائشة قالت ....
وقال (ص 239): ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة، فكرهوا ذلك، فحدث عن (كذا وكأنها زائدة) عراك بن مالك عن عائشة.
وقال (ص 184): ثنا علي بن عاصم قال خالد الحذاء: أخبرني عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، قال: وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلتُ القبلةَ ولا استدبرتُها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة.
وفي ترجمة خالد بن أبي الصلت من "التهذيب" (1): وقال إبراهيم بن الحارث: أنكر أحمد قول من قال [عن] عراك: سمعت عائشة. وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟ وقال أبو طالب عن أحمد: إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها.
__________
(1) (3/ 98).
(16/40)

وفي ترجمة عراك (1): عن الأثرم أنه ذكر لأحمد رواية خالد بن أبي الصلت عن عراك سمعت عائشة. فقال أحمد: مرسل، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. ثم قال: من يروي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. فقال: قال غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه سمعتُ. وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت. وقال أحمد في موضع آخر: أحسن ما روي في الرخصة - يعني في استقبال القبلة - حديث عراك، وإن كان مرسلاً؛ فإن مخرجه صحيح (2).
وفي ترجمة خالد بن أبي الصلت من "التهذيب" (3): قال البخاري: خالد بن أبي الصلت عن عراك مرسل ..... قال البخاري في "التاريخ" (4): قال موسى: ثنا حماد هو ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فقال عراك بن مالك: سمعت عائشة .... وقال موسى: ثنا وهيب عن خالد عن رجل أن عراكًا حدّث عن عمرة عن عائشة. وقال ابن بكير: حدثني بكر عن جعفر بن ربيعة عن عراك عن عروة أن عائشة كانت تنكر قولهم: لا يستقبل القبلة. وهذا أصح.
قال (5): وقال الترمذي في العلل: سألت محمدًا - البخاري - عن هذا الحديث. فقال: فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها. وذكر أبو حاتم
__________
(1) من "تهذيب التهذيب" (7/ 173).
(2) في "التهذيب": "حسن" بدل "صحيح".
(3) (3/ 97).
(4) "التاريخ الكبير" (3/ 156).
(5) في "التهذيب" (3/ 98).
(16/41)

نحو قول البخاري، وأن الصواب: عراك عن عروة عن عائشة قولها، وأن من قال فيه: عن عراك سمعت عائشة مرفوعًا، وهم فيه سندًا ومتنًا.
أقول: فهذا كلام أئمة الفن: أحمد والبخاري وأبي حاتم، جزموا بأن عراكًا لم يسمع من عائشة، وزاد البخاري وأبو حاتم فحكما بأن المرسل المرفوع خطأ، وأن الصواب موقوف على عائشة.
وأخرج الدارقطني (1) الحديث من طريق يحيى بن مطر نا خالد الحذاء عن عراك بن مالك عن عائشة قالت: "سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ". ثم قال: هذا القول أصح، هكذا رواه أبو عوانة والقاسم بن مطيب ويحيى بن مطر عن خالد الحذاء عن عراك. ورواه علي بن عاصم وحماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك. وتابعهما عبد الوهاب الثقفي إلا أنه قال: عن رجل.
ثم ساقه من طريق علي بن عاصم، ثم قال: هذا أضبط إسناد (؟) (2)، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب.
ثم ساقه من طريق يحيى بن إسحاق ووكيع كلاهما عن حماد بن سلمة عن خالد عن خالد عن عراك عن عائشة مرفوعًا.
وقوله في الأول: وهذا القول أصح، وفي الثاني: وزاد فيه خالد بن أبي الصلت وهو الصواب، ليس تناقضًا، وإنما صحَّح من الأول قولهم: عراك
__________
(1) في "السنن" (1/ 59).
(2) كذا في الأصل. وكأنه يشير إلى الإشكال في كلمة "إسناد" أو "أضبط". وانظر ما يأتي (ص 57).
(16/42)

عن عائشة، أي ليس فيه تصريح بالسماع، وصوَّب من الثاني زيادة خالد بن أبي الصلت، فليس في كلامه مخالفة لكلام من تقدمه، كما قد يتوهم.
[ص 13] وساق الحازمي في "الاعتبار" (1) الحديث من طريق علي بن عاصم، ثم قال: وتابعه حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك.
أقول: لم أظفر برواية ابن المبارك، ولا أدري كيف السند إليه، وهل مراد الحازمي متابعته لعلي في زيادة خالد بن أبي الصلت في السند فقط، أو في ذلك وفي ذكر عراك أنه سمع من عائشة؟
وبالجملة فالحق زيادة خالد بن أبي الصلت في السند، فأما تصريح عراك بالسماع، فإنه ثابت عن علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت، ولكن علي بن عاصم على يَدَيْ عدلٍ. قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. ذكره في "التهذيب" (2). وقال محمَّد بن المنهال (3): ثنا يزيد بن زريع قال: لقيت علي بن عاصم بالبصرة، وخالد الحذاء حي، فأفادني أشياءَ عن خالد، فسألته عنها، فأنكرها كلها، وأفادني عن هشام بن حسان حديثًا، فأتيت هشامًا فسألته عنه، فأنكره. وقال البخاري (4): قال وهب بن بقية: سمعت يزيد بن زريع ثنا علي عن خالد بسبعة عشر حديثًا، فسألنا خالدًا عن حديث فأنكره، ثم آخر فأنكره، ثم ثالث فأنكره، فأخبرناه، فقال: كذّاب فاحذروه.
__________
(1) (ص 25) ط. المنيرية.
(2) (7/ 346).
(3) "التهذيب" (7/ 347).
(4) "التاريخ الكبير" (6/ 290، 291).
(16/43)

وفيه (1): قال عباد بن العوام: ليس يُنكَر عليه أنه لم يسمع، ولكنه كان رجلاً موسرًا، وكان الوراقون يكتبون له، فنراه أُتِي من كتبه. وذكر نحوه عن يعقوب بن شيبة.
أقول: فأحسن حال علي بن عاصم أنه كان يعتمد على وراقين غير مرضيين، فيُدخِلون في كتبه أحاديثَ لم يسمعها، ومنها ما هو كذب وغلط، فلا يَفطَن لذلك، ويتحفظ من تلك الكتب، ويحدث بما وجده فيها، فبهذا وقع ما حكاه يزيد بن زريع، وهذا أمرٌ لا يمكن من يدافع عن علي بن عاصم أحسن منه، وإذًا فعلي بن عاصم لا يُعتدُّ بحديثه.
وأما حماد بن سلمة؛ فيتلخص مما تقدم أن جماعة رووه عنه، وفيه عراك عن عائشة منهم وكيع وبهز ويزيد بن هارون وعبد الوهاب الثقفي وأبو كامل، وهؤلاء أئمة أثبات، ورواه موسى بن إسماعيل عن حماد فقال فيه: عراك بن مالك سمعت عائشة. وموسى ثقة متقن، ولكن أعرف الناس به تلميذاه البخاري وأبو حاتم حكمَا على روايته بالغلط, وكذلك الإِمام أحمد. والذين قالوا: عن حماد عن خالد عن خالد عن عراك عن عائشة أكثر، وبعضهم أثبتُ من موسى وأكبر منه، فسماعهم من حماد أقدم من سماع موسى، وحماد تغير حفظه بأَخَرةٍ.
وقولهم موافق لرواية غير حماد عن خالد، ومع ذلك فخالد الحذاء تغير حفظه بأخرة، ولا يبعد أن يكون الاضطراب منه، فقد رواه عنه وهيب فقال: عراك عن عمرة عن عائشة.
__________
(1) "التهذيب" (7/ 345).
(16/44)

وفوق هذا كله، فخالد بن أبي الصلت مجهول الحال، قال الإِمام أحمد: ليس معروفًا. وقال عبد الحق: ضعيف. وقال ابن حزم: مجهول (1). يريد: مجهول الحال. فلا يدفعه تعقب ابن مفوّز بقوله: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم.
ولا ينفعه ذكر ابن حبان له في "الثقات" (2)، فإن معنى الثقة عنده كما صرح به: أن يروي الرجل عن ثقة، ويروي عنه ثقة، ولا يكون حديثه منكرًا.
وهذا خلاف ما عليه الجمهور، ومع ذلك فإنه لا يراعي هذا الشرط كما ينبغي، بل قد عرفتُ بالتتبع أنه ربما ذكر الرجل، ولا يدري عمن روى، ولا من روى عنه، ولا ما روى، وربما كان ينظر في "تاريخ البخاري" ثم يلخصه في "الثقات"، ووجدتُ تراجم كثيرة في "تاريخ البخاري" لا يصرح فيها البخاري بقوله: "روى عن فلان، وروى عنه فلان". ووجدتُ ابن حبان يذكرهم في الثقات قائلاً: "يروي المراسيل، روى عنه أهل بلده"، أو نحو ذلك.
فهذا ظاهر جدًّا أنه إنما وجد التراجم في تاريخ البخاري، فذكرهم في الثقات، مع الجهل بهم البتةَ.
وكذلك قد يصرح البخاري بمن روى عنه الرجل، ولا يذكر من روى عنه، أو عكس ذلك، فيذكره ابن حبان، فيصرح بما صرح به البخاري، ويُمَجْمِجُ (3) عما تركه البخاري، وقد نبهتُ في حواشي "تاريخ البخاري"
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 98).
(2) (6/ 252) وفيه: "خالد بن الصلت"، وهو خطأ.
(3) أي لا يُبيِّن.
(16/45)

على كثير من هذا.
وأوضح من ذلك أن حديث خالد هذا منكر كما يأتي، فلم يتحقق فيه شرطُ أن لا يكون حديثه منكرًا.
ورأيت لبعض أجلّة العصر كلامًا في تصحيح هذا الحديث، وجزم بأنه صحيح على شرط مسلم.
وأقول: في هذا نظر من وجوه:
أظهرها: أن خالد بن أبي الصلت مجهول الحال كما علمت، وليس من مذهب مسلم الاحتجاج بأمثاله.
الثاني: أن المعاصرة لم تتحقق، فإنه لا يثبت أن عراكًا أدرك سِنَّ السماع والضبط في حديث عائشة.
نعم احتج ابن دقيق العيد على ذلك بأنه عراكًا سمع من أبي هريرة وروى عنه، ووفاة أبي هريرة وعائشة في عام واحد.
ولكن في هذا نظر؛ لأنه لم يثبت ثبوتًا يقوم به الحجة أن أبا هريرة وعائشة توفيا في عام واحد، وإنما قال ذلك هشام بن عروة: إن عائشة توفيت سنة 57، وتوفي أبو هريرة بعدها في السنة.
وهشام لم يدرك ذلك، وقد قال بعضهم: إن أبا هريرة تأخر إلى سنة 58، وقال بعضهم: تأخر إلى سنة 59.
***
(16/46)

حكم القبلة وقضاء الحاجة
في الصحيحين (1) وغيرهما من حديث أبي أيوب قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
ولم يذكر البخاري قوله: "ببول ولا غائط"، ولكنه أشار إلى صحتها بقوله في الترجمة: "باب لا تُستقبل القبلة ببول ولا غائط"، وفي موضع آخر (2): "باب قبلة أهل المدينة ... لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
وفي "صحيح مسلم" (3) وغيره عن سلمان: "نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ... " الحديث.
وفي ترجمة البخاري إشارة إليه.
[ص2] فيه مباحث:
الأول: احتجّ بعضهم بقوله: "إذا أتى أحدكم الغائط" على اختصاص الحكم بما عدا الأبنية، ويأتي الكلام في ذلك في البحث عن الرخصة إن شاء الله تعالى.
__________
(1) البخاري (144) ومسلم (264).
(2) صحيح البخاري مع الفتح (1/ 498).
(3) رقم (262).
(16/47)

الثاني: قال الحافظ في "الفتح" (1): "والظاهر من قوله: "ببولٍ" اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثار إكرام القبلة عن المقابلة بالنجاسة ... وقيل: مثار النهي: كشف العورة".
أقول: الذي تدل عليه الأحاديث هو الأول، أعني النهي عن أن يبول الإنسان مستقبلًا القبلة، أو يتغوط مستدبرًا لها.
فقوله: "عن المقابلة بالنجاسة" إن أراد به عن هذه النجاسة الخاصة حال إخراجها من البدن فذاك، وإن أراد به التعميم فيشمل أن القصد مستقبلًا القبلة بالفروج، دون أن يكون في إناءٍ بولٌ فيُراقَ إلى جهة القبلة، فليس هذا في النصوص، ولا في معنى ما فيها، كما يأتي في بيان العلة، إن شاء الله تعالى.
وأما الثاني: وهو كشف العورة، فخلاف المتبادر من النصوص، وخلاف قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط"، وقوله: "ببول أو غائط"، وإهمالٌ لما ذكرته النصوص، ونَصْبٌ لما لم تذكره، وإطلاقٌ لما قيدتْ به الاستقبال؛ من كونه عند قضاء الحاجة ببول أو غائط، وتقييدٌ لما أطلقته من ذلك، إذ لم تقيد بالكشف، فالصواب الأول.
المبحث الثالث: العلة، اشتهر بينهم أنها الإكرام عن أن تُستقبَل بالبول والغائط، وأوضحه بعض المحققين بقوله: "لمنافاة الإخراج المذكور لما شُرِع استقبالها لأجلهِ، وهو الصلاة".
وأقول: الحكم المنصوص: نهي، فيقتضي أن العلة مفسدة فيما نهي عنه،
__________
(1) (1/ 246).
(16/48)

فإذا اعتددنا بما تقدم، قلنا: إن استقبالها بما ذكر إهانةٌ لها، ولذا نراه بيِّنًا عند التحقيق باعتبار القصد والنية، ألا ترى أن أهل الشام لما كانوا يذكرون عليًّا عليه السلام بلفظ "أبو تراب" قاصدين الغضَّ منه، كان ذلك شتمًا، وإن لم تكن تلك الكنية في نفسها دالَّةً على نقصٍ ولا مُشعِرةً به، بل تُشعِر بالمدح بالنظر إلى سببها. وكذلك لما كتب زياد إلى الحسن عليه السلام: "إلى الحسن بن فاطمة" قاصدًا الغضَّ منه، عدَّ الحسن ذلك غضًّا [منه].
ويَهجِسُ (1) في نفسي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يستقبل أولاً بيت المقدس، ثم حُوِّل إلى الكعبة، وغاظ اليهودَ تركُه قبلتَهم إلى غيرها غيظًا شديدًا كما هو معروف، كان ذلك مظنةَ أن يَحمِلَ بعضَهم الغيظُ على أن يتحرى استقبال الكعبة بالبول والغائط، قائلاً: إنها لا تصلح لأن تُستقبلَ بل لأن تُستقبلَ بهذا، ويكون فعله هذا تغاليًا في الكفر، وتكذيبًا بآيات الله، وإهانةً للقبلة.

[ص3] فقه هذا الحديث
الذي يتحقق من الواقعة هو استقبال الشام بالبول.
أما الشام: فإن الرواية اختلفت؛ فجاء "مستقبلَ الشام"، وجاء "مستقبلًا بيتَ المقدس".
وبيت المقدس من الشام، لكن الذي يترجح "مستقبلًا بيتَ المقدس"، فإنها الثابتة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أكبر من عبيد الله وأجلُّ، وموصوف بالفقه، وبأنه كان يؤدي الحديث على وجهه.
__________
(1) أي: يخطر في البال.
(16/49)

وأما البول: فلأن الجالس لحاجته إن كان للبول فقط فواضح، وإن كان للغائط فمن لازمهِ عادةً البولُ وإن قلَّ، وليس في كلام ابن عمر ذكرٌ للغائط، والظاهر أنه لم يُثبِته؛ لأنه إنما حانتْ منه التفاتةٌ، والظاهر أنه يَصرِف نظره قبل أن يستثبت، وأقوى من هذا أن الله تبارك وتعالى لم يكن ليكشف لأحدٍ تلك الحالَ من رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
إذا تقرر هذا فقد يقال: لا حجة للمرخصين في هذه الواقعة البتة.
أما أولًا: فلأن من كان بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبرًا الكعبةَ تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها إلى جهة الشرق، فلو كان ثَمَّ تغوّط لما كان إلى القبلة.
وأما ثانيًا: فلأنه ليس في الواقعة ذِكرٌ للغائط.
فإن قيل: فما وجه احتجاج ابن عمر بالقضية على ما أنكره من قول الناس: "لا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس"؟
قلت: أما احتجاجه بالنسبة إلى بيت المقدس فواضح، وأما بالنسبة إلى القبلة فلعله لم يُرِد إنكارَ قولِ الناس فيها، وإنما أنكر التسويةَ بينها وبين بيت المقدس، فكأنه قال: يقولون: لا تَستقبلِ القبلةَ ولا بيتَ المقدس، فيسوُّون بينهما، وإنما الثابت أن لا تُستقبلَ القبلةُ، فأما بيت المقدس فالواقعة تردُّه.
وقد يؤيد هذا أنه لم يتعرض في قوله: "إن أُناسًا يقولون .... " لاستدبار القبلة.
فإن قيل: فلماذا ذكر في وصف الواقعة قوله: "مستدبر القبلة"؟
قلت: ليس هذا في رواية يحيى، وإنما هو في رواية عبيد الله، واختُلِف
(16/50)

فيه تقديمًا وتأخيرًا وغير ذلك كما مر، ويحيى أكبر وأجلُّ وفقيه، وممن يؤدي الحديث على وجهه، وعبيد الله إمام في الرواية، ولكن من المحتمل أن يكون تصرَّفَ في اللفظ بحسب ما فهمه من المعنى، كأنه سمع القصة باللفظ الذي رواه يحيى، فوقع في نفسه أن مقصود ابن عمر إنكار النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالحاجة، فلما أدّى الحديث تصرَّفَ في لفظه بحسب ذلك، فأسقط أول الكلام "إن أُناسًا يقولون ... " كما مر، وقال: "مستقبل الشام" بدل "مستقبلًا بيت المقدس" كأنه علم ما قدمتُه من أن [مَن] بالمدينة إذا استَقبَل بيتَ المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا؛ فوقع له أن مراد ابن عمر ببيت المقدس مطلقُ الشام، ومَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة تمامًا يكون مستقبلًا مشارقَ الشام. وزاد قوله: "مستدبر القبلة، أو الكعبة، أو البيت" لأنه فهم أن ذلك هو المقصود من القصة.
ومما يُقوِّي هذا اضطرابُه في هذه اللفظة، فتارةً يؤخَّرها على الأصل من كونها زيادة، وتارةً يقدَّمها نظرًا إلى أنها هي المقصودة بحسب ما فهمه، وتارةً يقول: "القبلة" على الأصل، وتارةً يقول: "الكعبة أو البيت"، حرصًا على أداء ما فهمه من المعنى؛ لأن استقبال الشام يصدق باستقبال بيت المقدس، فلا يلزم منه استدبار الكعبة كما مر، وإن لزم استدبار القبلة، على رأي من يقول: إنها الجهة، أي: سمت البيت وما عن يمينه ويساره إلى حد ربع السماء.
[ص 4] قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط"، احتج به بعضهم على أن النهي لا يتناول البيوت؛ لأن الغائط هو المكان المنخفض من الأرض في الفضاء، ونسب ذلك إلى البخاري؛ إذ ترجم لحديث أبي أيوب بقوله: "باب لا
(16/51)

تُستقبل القبلةُ ببولٍ ولا غائطٍ إلا عند البناء: جدارٍ أو نحوه".
وبسط الحافظ في "الفتح" (1) الكلام على ذلك بما لا أرى تحته طائلاً، فإن المتبادر من الحديث أن قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط" إنما هو كناية عن إرادة قضاء الحاجة، كما أن قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} كناية عن الحدث.
فحاصل معنى الجملة: إذا أراد أحد منكم أن يقضي حاجته، والمعتبر في الكنايات هو المعنى، ولا يفهم منها موافقة الحقيقة ولا مخالفتها، كما في قولنا: "يد السلطان طويلة" فإنما فيها أنه يقدر على تنفيذ إرادته فيمن يبعد عنه، ولا يفهم من ذلك طول الجارحة البتة.
فإن قيل: فعلى هذا لا يظهر لهذه الجملة فائدة، إذ لو تُرِكتْ واقتُصِر على قوله: "لا يستقبل أحد منكم القبلة ... " لكان المقصود واضحًا.
قلت: من فائدتها التنبيه على أنه ينبغي النظر قبل الجلوس حتى لا يغفل قاضي الحاجة عن التحري، أو يحتاج إلى الاستدارة بعد جلوسه، وقد لا يمكنه ذلك.
نعم، في شرح الموطأ للباجي (2) ما يتحصل منه دعوى أن هذه العبارة إنما تكون كنايةً عن الخِراءة.
أولاً: لأن الشارع لا يستنكر التصريح بالبول، بل جاء: "لا يقلْ أحدكم:
__________
(1) (1/ 245).
(2) "المنتقى" (2/ 390) ط. دار الكتب العلمية.
(16/52)

هَرَقْتُ الماء، وليقلْ: بُلْتُ" (1).
ثانيًا: لأن الملازمة الغالبة التي بُنِي عليها مدارُ الكناية إنما هي بين إتيان المكان المنخفض في الفضاء وبين الخِراءة؛ لأن العرب لها كانوا يأتون الغِيطانَ، فأما البول وحده فلم يكونوا يأتونها له.
وهذا أيضًا ليس بشيء.
أما الوجه الأول: فلأنه أريد هنا ما يشمل البول والخِراءة، فجيء بهذه الكناية لتعمَّهما، ولو لُوحِظ عدم الكناية عن البول لاحْتِيجَ أن يقال مثلاً: "إذا أراد أحدكم أن يبول أو أتى الغائط". وهو تطويل لا حاجة إليه، وما ورد من كراهية أن يقال: "هَرَقْتُ الماء" إنما هو - والله أعلم - لأن هذه الكناية غير واضحة، فارتكابها أقبح من التصريح.
أما الوجه الثاني: فقد دفعه في الحديث قوله: "فلا تستقبلوا القبلةَ ببولٍ ولا غائطٍ"، ومن الواضح أنه لا معنى للمنع من استقبالها بالبول حال التغوط، وإباحته عند عدم التغوط.
وقد ظهر من الحديث أن المدار على استقبالها بالنجس حال خروجه، ولا يختص ذلك باجتماعٍ ولا افتراقٍ، ولا بمكان دون مكان، والذين فرَّقوا بين الأبنية وغيرها، عللوا ذلك بأمور:
الأول: تضايق المنازل، وتعسر التحرف فيها. قال الشافعي في "كتاب
__________
(1) أخرجه الطبراني في "الكبير" (22/ 62) وفي "مسند الشاميين" (3394) عن واثلة بن الأسقع بنحوه، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 210): فيه عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة، وقد أجمعوا على ضعفه.
(16/53)

اختلاف الحديث" هامش "الأم" (7/ 270) (1): "وكانت المذاهب بين المنازل متضايقةً، لا يمكن من التحرُّفِ فيها ما يمكن في الصحراء".
وهذا حق، ولا يقتضي الإباحة في البيوت مطلقًا، ولا في المراحيض مطلقًا، بل المدار على التعسُّر، فمن لم يتيسَّر له لقضاء حاجته إلا موضعٌ يتعسَّر فيه عدمُ الاستقبال أو الاستدبار جاز له ذلك.
ومع هذا فإنما يحتاج إلى هذا إذا قلنا: إن الاستقبال يحصل باستقبال الجهة كالجنوب لأهل المدينة، وكذلك الاستدبار على ما يظهر من قوله: "ولكن شرِّقوا أو غرَّبوا".
وليس هذا بلازم؛ لاحتمال المدار على تحرَّي استقبال يمين الكعبة واستدبارها، كما هو مذهب الشافعي.
ومعنى قوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا" شرِّقوا عن القبلة أو غرِّبوا عنها، فيصدق ذلك بالتحرُّف عن يمين البيت.
فأهل المدينة - وهم المخاطبون بهذا - البيتُ جنوبَهم بانحرافٍ يسيرٍ جدًّا في الجنوب، فإذا اتجه أحدهم نحو البيت فقد استقبل القبلة، وإذا تحرَّف إلى الشرق أو الغرب لم يصدُقْ عليه أنه استقبلها أو استدبرها، وصدق عليه أنه شرَّق عنها أو غرَّب.
والسر في ذلك أنه إذا اعتُبِرت السماءُ أرباعًا: شرق وغرب وشمال وجنوب، فإن أحدنا إذا كان مستقبلًا بعض أجزاء الجنوب ثم تحرَّف يمنةً يقال: شرَّق، لا يقال: إلى جهة المشرق، وإن كان لا يزال مستقبلًا بعض
__________
(1) (10/ 220) طبعة دار الوفاء.
(16/54)

أجزاء الجنوب. وقِسْ على ذلك.
وعلى هذا فلا حاجة لتخصيص النهي بالقضاء البتةَ؛ لأن المراحيض وإن كان قد يتعسَّر فيها جعلُ القبلة يمينًا أو يسارًا على التحقيق، فلا يتعسَّر فيها التحرُّف، وبه يحصل المقصود من عدم استقبال القبلة أو استدبارها.
[ص 5] 6 - أخرج الإِمام أحمد وابن ماجه (1) وغيرهما من حديث عائشة قالت: ذُكِر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: "أوَقد فعلوها، حوِّلوا مقعدي قِبَلَ القبلة".
هذا الحديث ينفرد به خالد الحذاء، واختلف عنه فيه على أوجه:
الأول: عنه عن عراك عن عائشة. ذكره الدارقطني (2) من طريق يحيى بن مطر عن خالد، وذكر أنه تابعه أبو عوانة والقاسم بن مُطيَّب.
الوجه الثاني: عنه عن رجل عن عراك عن عمرة عن عائشة. قال البخاري في التاريخ (2/ 1/) (3).
الوجه الثالث: عنه عن رجل عن عراك عن عائشة. قال أحمد في المسند (6/ 183): ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا خالد ...
الوجه الرابع: عنه عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة. هكذا قاله حماد بن سلمة، فيما رواه عنه وكيع وبهز وأبو كامل ويزيد بن هارون، رواه عنهم أحمد في المسند (6/ 137 و219 و227 و239).
__________
(1) أحمد (6/ 227) وابن ماجه (324). وسبق تخريجه من مصادر أخرى.
(2) في "السنن" (1/ 59).
(3) "التاريخ الكبير" (3/ 156). وسبق نقل العبارة فيما مضى.
(16/55)

وكذلك يحيى بن إسحاق عند الدارقطني (1) وغيرهم.
وأخرجه ابن ماجه (2) من طريق وكيع عن حماد فذكره، وفي النسخة بعده: "قال أبو الحسن القطان: حدثنا يحيى بن عبيد ثنا عبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت مثله".
الوجه الخامس: مثل الذي قبله، إلا أن فيه عن عراك: "حدثتني عائشة".
هكذا رواه علي بن عاصم عن خالد الحذاء، أخرجه عن علي أحمد في "المسند" (6/ 184) وغيره، وتابعه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. قال البخاري في التاريخ [] (3).

الكلام في الحديث
حكم الإِمام أحمد والبخاري وأبو حاتم بأنه مرسل، وأن عراكًا لم يسمع من عائشة. وزاد البخاري وأبو حاتم فحكما بأنه مع إرساله غلط، وأن الصواب موقوف على عائشة. قال البخاري في التاريخ [] (4).
وساق الدارقطني (5) الحديث من طريق من رواه عن خالد الحذاء عن عراك عن عائشة، ثم قال: وهذا القول أصح. ثم قال: "ورواه علي بن عاصم وحماد بن سلمة عن خالد بن أبي الصلت عن عراك ... " ثم ذكره من طريق
__________
(1) في "السنن" (1/ 60).
(2) رقم (324).
(3) هنا بياض في الأصل، والنص فيه (3/ 156)، وسبق ذكره.
(4) بياض في الأصل، وانظر "التاريخ الكبير" (3/ 156). ونقل النص فيما مضى.
(5) في "السنن" (1/ 59).
(16/56)

علي بن عاصم، ثم قال: "وهذا أضبط (كذا) إسناد، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب".
فيظهر دفعًا للتناقض عن كلامه أن مراده بقوله في الأول: وهذا القول أصح" أراد به صحته في عنعنة عراك. وأما قوله في الثاني: "وهذا أضبط إسناد ... وهو الصواب"، فإنما صوَّب به زيادة خالد بن أبي الصلت في السند، ولم يتعرض للسماع، فكلامه موافق لكلام أحمد ومن معه، أو غير مخالفٍ له، فمن توهم خلاف ذلك فلم يتدبر.
وخالفهم بعض المتأخرين فقال: "إسناده حسن، ورجاله ثقات معروفون، وأخطأ من قال خلاف ذلك، وقد علل البخاري الخبر بما ليس بقادح ... فإن ثبوت ما قال لا يستلزم نفي هذا، فبعد صحة الإسناد يجب القول بصحتهما".
واختار بعض أجلة العصر أن الحديث صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في ترجمة خالد بن أبي الصلت من "الميزان" (1): "هذا حديث منكر .... ".
أقول: ههنا مباحث:
الأول: في سماع عراك من عائشة. احتج بعضهم عليه برواية علي بن عاصم التي مرّت وما معها، وبأن مسلمًا أخرج في "الصحيح" (2) حديث عراك عن عائشة: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين .... ". وبأنه عاصرها وكان
__________
(1) (1/ 632).
(2) رقم (2630).
(16/57)

معها في المدينة، والحجة في المعاصرة أنه سمع من أبي هريرة، وإنما ماتت عائشة في رمضان سنة 57، فصلى عليها أبو هريرة ثم مات بعدها في السنة، ورواية الرجل عمن عاصره واحتمل لقاؤهما محمول على السماع عند الجمهور، كما شرحه مسلم في مقدمة "صحيحه" (1)، وشدد النكير على من خالفه.
أقول: أما الحجة الأولى: ففيها أن علي بن عاصم كذَّبه جماعة، وقال يزيد بن زريع: لقيتُ علي بن عاصم بالبصرة وخالد الحذاء حي، فأفادني أشياء عن خالد، فسألته عنها فأنكرها كلها، وأفادني عن هشام بن حسان حديثًا، فأتيت هشامًا فسألته عنه فأنكره".
وفي رواية أخرى عن يزيد بن زريع: "ثنا علي - بن عاصم - عن خالد بسبعة عشر حديثًا، فسألنا خالدًا عن حديث فأنكره، ثم آخر فأنكره، ثم ثالث فأنكره، فأخبرناه فقال: كذاب فاحذروه". ذكر ذلك في "التهذيب" (2).
وأقوى ما اعتُذِر به عن علي بن عاصم قول عبّاد بن العوّام: "كان رجلاً موسرًا، وكان الوراقون يكتبون له، فنراه أُتِي من كتبه". ذكره في "التهذيب" (3)، ونحوه عن يعقوب بن إسحاق.
أقول: إذا قبلنا هذا فلا مَحِيصَ عن القول بأنه كان يعتمد على وراقين لا يُوثَق بهم، ثم لا يَفْطَن لتخليطهم، بل ولا لكذبهم، وفوق ذلك فقد ذكروا أنه
__________
(1) (1/ 29 وما بعدها).
(2) (7/ 347).
(3) (7/ 345).
(16/58)

كان يحتقر كبار العلماء ويعيبهم، وإذا نبَّهه أحد منهم على غلط لم يقبل منه، ومثل هذا لا يصلح للمتابعة فضلاً عن الحجة.
فأما رواية أحمد عنه وتقويته من شأنه، وقوله: "إنما كان كثير الغلط"، فالظاهر أن أحمد لم يبلغه كلام يزيد بن زريع، أو حملها على أن ذلك كان من علي أولاً، ثم تاب وصلح في الجملة، وعلى كل حال فالجرح المفسر الواضح يجب قبوله.
وأما متابعة حماد بن سلمة فيما رواه موسى بن إسماعيل عنه، فحماد تغير حفظه بأَخَرة، وموسى ممن سمع عنه بأخرة، وقد رواه القدماء الأثبات من أصحاب حماد عنه فقالوا: عن عائشة، أو نحو ذلك.
وهناك أمور أخرى تُبطل ما ذكر في الرواية المذكورة:
منها: أن خالدًا الحذاء تغير حفظه بأخرة، وقد ظهر أن ذلك في هذا الحديث كما مر، وقد رواه عنه وهيب أحد الأثبات المتقنين فقال: " ... خالد عن رجل عن عراك عن عمرة عن عائشة" كما مر، فأدخل بين عراك وعائشة واسطة، وإذا ثبتت الواسطة بطل السماع، وتجويز الرواية من الوجهين كما تقدم في شأن مجاهد [ص 6] إنما يُصار إليه في الأسانيد القوية الثابتة، وليس ما هنا كذلك.
ومنها: حال خالد بن أبي الصلت، وسيأتي.
وأما الحجة الثانية: وهي أن مسلمًا أخرج لعراك عن عائشة في صحيحه.
فجوابه من وجوه:
(16/59)

الأول: أن مسلمًا رحمه الله أخرج حديث المسكينة أولاً من حديث عروة عن عائشة (1)، ثم أخرجه من حديث عراك عن عائشة، فطريق عراك متابعة، وهم يتسامحون فيها.
الثاني: أنه في فضائل الأعمال، وهم يتسامحون في روايتها.
والثالث: فإن عراكًا معروفٌ بالرواية عن عروة، وإذا انضمَّ إلى هذا أن عروة قد روى الحديث المذكور، وقع في النفس أن عراكًا إنما سمعه منٍ عروة، وبذلك تُعلَم الواسطة، وإذا عُلِمت الواسطة صار الإرسال صوريًّا فقط. غاية الأمر أن يكون انضمَّ إلى هذه الأمور تجويز مسلم أن يكون عراك سمع من عائشة، وهذا التجويز تتفاوت درجاته، كما يأتي في الحجة الثالثة، وإن صح استناد مسلم إلى تجويز سماع عراك من عائشة، فإنما ذلك عند انضمامه إلى الأوجه المتقدمة، ومع هذا فرأيُ مسلم - إن صح أنه كان يجوِّز سماع عراك من عائشة - معارِضٌ لرأي أحمد والبخاري وأبي حاتم. والله أعلم.
وأما الحجة الثالثة: فالمذهب الذي انتصر له مسلم في أول صحيحه، حاصله أنه إذا روى ثقة غير مدلَّس عن ثقة، وكانا معًا في عصر، وكان جائزًا ممكنًا أن يكون سمع منه وشافهه، فالرواية محمولة على السماع.
وعلى هذا فالشروط ثلاثة:
الأول: الثقة مع عدم التدليس.
الثاني: ثبوت المعاصرة.
__________
(1) رقم (2629).
(16/60)

الثالث: أن يكون جواز اللقاء والسماع جوازًا ظاهرًا.
وهذا مأخوذ من قول مسلم في المقدمة (1): "وجائزٌ ممكنٌ لقاؤه والسماع منه".
فقوله: "ممكن" في معنى قوله: "جائز"، وإنما زاده تأكيدًا، ليفيد أنه لا بد أن يكون الجواز ظاهرًا قريبًا.
فأما الشرط الأول، فعراك ثقة، ولم يوصف بالتدليس نصًّا، إلا أن في كلام أحمد وغيره في إنكار سماعه من عائشة الحكم عليه بأنه قال عن عائشة، ولم يسمع منها.
وأما الشرط الثاني، فإنما يتحقق بثبوت أن الراوي بلغ سنَّ السماع والضبط قبل وفاة الشيخ بمدة يتحقق فيها الشرط الثالث، وليس هنا من هذا الثبوت إلا أن عراكًا سمع من أبي هريرة وضبط عنه، وأن أبا هريرة توفي بعد عائشة في السنة أي بنحو ثلاثة أشهر على الأكثر، ومن البعيد بالنظر إلى العادة أن يقال: إنه سمع من أبي هريرة وضبط عنه في وقتٍ كان قبله بشهر أو شهرين أو ثلاثة غيرَ أهلٍ للسماع والضبط.
والجواب [عن] هذا:
أولاً: أن في هذا الاستبعاد نظرًا.
ثانيًا: أن القول بأن أبا هريرة توفي بعد عائشة في السنة لم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة، وإنما نُقل عن هشام بن عروة، ومولد هشام سنة 61.
__________
(1) (1/ 29).
(16/61)

ثالثًا: قد خالف هشامًا غيرُه في موت أبي هريرة، فقد قال ضمرة بن ربيعة وأبو معشر والهيثم بن عدي: مات سنة 58. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما: مات سنة 59. زاد الواقدي أنه صلى على أم سلمة في شوال سنة 59، ثم توفي بعد ذلك فيها.
وغلَّطه ابن حجر (1) في وفاة أم سلمة، وغلَطُه في ذلك لا يلزم منه غلطه في موت أبي هريرة، نعم رجح ابن حجر قول هشام ومن تبعه، ولكن ترجيحه لا يوجب أن يكون قوله حجة تبنى عليه الأحكام.
ثالثًا: قد استقرأتُ حديث أبي هريرة في "مسند أحمد"، فلم أجد لعراكٍ عنه إلا أحرفًا يسيرةً بمتونٍ قصيرة، والذي رأيتُه منها حديث: "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة" (2)، وحديث: "إن شرَّ الناس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ" (3)، وحديث: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فإنه كفر" (4)، وحديث: "من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها" (5). فهذه الأربعة متون قصيرة كما ترى. والخامس: "خُثَيم بن عراك عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينةَ في رهطٍ من قومه والنبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ... " (6). وظاهر هذا الإرسال.
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (12/ 266).
(2) "المسند" (2/ 242، 254 ومواضع أخرى).
(3) "المسند" (2/ 307، 455).
(4) "المسند" (2/ 526).
(5) "المسند" (2/ 265).
(6) "المسند" (2/ 345).
(16/62)

هذا ولا آمَنُ أن يكون زاغ نظري عن حديث أو حديثين آخرين (1)، ولا أن يكون لعراك عن أبي هريرة شيء آخر في غير "مسند أحمد" (2)، ولكن هذا كافٍ فيما أريده، وهو أن عراكًا إنما أدرك من السماع والضبط قبل وفاة أبي هريرة بيسير، فإن أبا هريرة مع كثرة حديثه كان يبذل نفسه للحديث، ويكثر من التحديث، وكان يكون تارةً هو الإِمام فيخطب الناس ويحدِّثهم، وتارةً يكون الإِمام غيره فيقوم أبو هريرة عند المنبر قبل أن يخرج الإِمام فيذكِّر ويحدِّث.
فلو قيل: إن عراكًا إنما سمع من أبي هريرة وضبط عنه في مجلس أو مجلسين قبيل وفاته، لما كان بعيدًا؛ إذ لو أدرك مدةً طويلة من حياة أبي هريرة لكثرت روايته عنه.
[ص 7] وأما الشرط الثالث: فلو تحقق الشرط الثاني لتحقق هذا، فإن عراكًا كان مع عائلته بالمدينة، فمدارُ الكلام عند التحقيق إنما هو على الشرط الثاني.
فإن قيل: إنما مدار اشتراط العلم باللقاء وعدمه إنما هو على أن المحدث إذا روى عن رجل ولم يصرح بالسماع، هل يكون الظاهر السماع؟ قد اتفقوا على أنه إذا تحقق اللقاء ولو مرةً كان الظاهر في كل ما يحدث به الراوي عن ذلك الشيخ السماع، وإن عُلِم أن تلك اللُّقية لا تَسَعُ تلك الأحاديث كلها، بل يشمل كلامهم ما لو قال الراوي: كنت جالسًا مع
__________
(1) رحم الله المؤلف، فلم يفته شيء مما في "المسند" من هذا الطريق.
(2) يراجع لأحاديث عراك عن أبي هريرة في غير "المسند": "إتحاف المهرة" (15/ 367 - 369).
(16/63)

جماعة فمرّ بنا فلان فسلّم، ويعني: ولم يكلِّم أحدًا، فمثل هذا يثبت به اللقاء، حتى لو حدَّث هذا الراوي عن ذلك المارَّ بألف حديث، ولم يُصرِّح في شيء منها بالسماع؛ لكانت كلها محمولةً على السماع.
ثم اتفقوا على أن الراوي إذا عُرِف منه التدليس، كان كلُّ ما رواه ولم يصرِّح بالسماع محمولًا على الانقطاع.
فهذا يدل على أن رواية الرجل عن آخر ظاهرها السماع، وإنما لم يُحمل على ذلك روايةُ المدلس؛ لأنه قد عُرِف منه مخالفة هذا الظاهر، فصار ذلك قرينةً يسقط بها الظهور.
ثم إذا تقرر هذا، فقد يقال، ينبغي أن يُكتفَى باحتمال الإدراك؛ لأن الرجل إذا روى عمّن لم يتحقق إدراكه له ولكنه محتمل، كان الظاهر السماع؛ لأنه لم يتحقق ما ينافيه. وبعبارة أخرى: ليس هناك قرينة يُردُّ بها ذلك الظاهر.
فالجواب: أن ابن المديني والبخاري اشترطا ثبوت اللقاء، ومعنى هذا أنهما يريانِ أن رواية الرجل عن الشيخ بدون تصريحٍ بالسماع إنما يكون ظاهرها السماع إذا كان قد لقيه ولو مرةً.
نعم، زعم بعض أكابر العصر أن البخاري إنما يشترط اللقاء لصحة الحديث صحة أكيدة بحسب ما اشترطه في جامعه، وأنه لا يشترط اللقاء لأصل الصحة. وعلى هذا فلا خلاف بين قوله والقولِ الذي حكاه مسلم عن الجمهور.
وهذا لا يصح؛ فإن مسلمًا صحب البخاري وحذا حذوَه، وكان من أعرف الناس بقوله، فلو كان هذا هو قول البخاري لما خفي على مسلم، ولو
(16/64)

عرفه لما كان هناك ما يحمله على تشديد النكير على هذا القول، كما تراه في مقدمة "صحيحه".
وأوضح من ذلك: أننا نجد في كتب البخاري، كالتاريخ الكبير وغيره، أنه يحكم بعدم الصحة، ثم يُعلِّلها بعدم العلم باللقاء.
والمقصود أن ذهاب ابن المديني والبخاري هذا المذهب يدل أن عندهما أن رواية الراوي عن الشيخ بدون تصريح بالسماع لا يكون ظاهرها السماع إلا إذا كان قد تحقق اللقاء.
وأما مسلم ومن وافقه فإنهم وإن لم يشترطوا تحقُّقَ اللقاء فقد اشترطوا تحقُّقَ المعاصرة وإمكانَ اللقاء إمكانًا بينًا كما علمت، فكان من لازم قولهم أن رواية الرجل عن شيخٍ بدون تصريحٍ بالسماع، إنما يكون ظاهرها السماع بذينك الشرطين.
وإذ لم يكن هناك مذهبٌ ثالثٌ، فهذا إجماعٌ منهم على أنه عند عدم تحقق الشرطين المذكورينِ لا يُحَمل على السماع، ولزِمَ من ذلك إجماعهم على أنه حينئذٍ لا يكون ظاهرُ الرواية السماعَ.
وسرُّ المسألة: أن يُنظَر في الظهور المذكور من أين جاء؟ أمن وضع اللغة أم من العرف أم من العقل؟
فأقول: أما اللغة فلا شأنَ لها بهذا، فإن قول الرجل: "قال أو حدَّث أو ذكر أو نحو ذلك فلانٌ" حقيقة، سواء أكان سمعه منه أم لم يسمعه.
وأما العرف؛ فالعرف العام لا يتحقق، وما يتراءى منه مصدره العقل، كما يأتي.
(16/65)

وأما العرف الخاص بأن يقال: كان من عادة أهل الحديث أن لا يروي أحدهم عمّن لقيه، أو عمّن عاصره، أو عمّن لم يتضح عدم سماعه منه إلا ما سمعه منه. فهذا يحتاج إلى [نقلٍ]، فإن عَدَدْنا كلامَ مسلم في المقدمة نقلاً، فقد خالفه قول ابن المديني والبخاري وهما أكبر منه وأجلُّ، وأعلمُ بمذاهب المحدثين وبعلل الحديث.
نعم، ما اتفق عليه المذهبان يمكن أن يسلَّم، لذا فيقال: الثابت أنه كان من عادة المحدثين أن لا يروي أحدهم عمّن لقيه إلا ما سمعه منه، فإن بدا له أن يخبر عنه بما لم يسمعه بيَّن ذلك، كأن يقول: بلغني عن فلان.
وشذّ أفراد فكانوا يروون عمّن لقوه ما لم يسمعوا منه، ويكتفون في البيان الذي يُخرِجهم عن الكذب بأنه قد عُرِف من شأنهم ذلك، وهؤلاء هم المدلِّسون الثقات.
لكن يبقى علينا أمران:
الأول: النظر في هذه العادة متى ابتدأت، فإننا نعلم أن كثيرًا من الصحابة كانوا يحدِّثون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لم يسمعوه منه، وإنما سمعوه من غيرهم من الصحابة عنه - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: أن هذا إنما ينفعنا بالنظر إلى من اشتهر بطلب الحديث، وكثرت مجالسته لأهله حتى يظهر أنه [] (1)، فيخرج المقلون، ويمكن التخلص عن هذين، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 8] وأما العقل: فمدخله قوي هنا، بأن يقال: الإنسان العاقل المتثبت
__________
(1) هنا خرم في الأصل.
(16/66)

لا يخبر إلا بما يَثِقُ به، لأمرين:
الأول: التدين.
الثاني: خشية الاتهام بالكذب.
فإنه إذا أخبر عن رجل خبرًا (1) يحتمل أنه سمعه منه، ثم ظهر صحةُ عدمِ ذلك الخبر، اتُّهِم المخبر بالكذب، ولا يدفع ذلك عنه أن يقول: أنا لم أسمعه منه، إنما أخبرني عنه مخبر؛ لأنه يقال: يحتمل أن يكون صادقًا في هذا، وأن يكون إنما أراد أن يدفع عن نفسه الكذب، فإذا تكرر هذا منه قويت التهمة.
فالعاقل المتثبت ينفي هذا من أول الأمر، ولمّا عُرِف هذا في الناس علموا أن العاقل المتثبت لا يخبر إلا بما يثق به، ولمّا كانت الثقة التامة إنما تحصل غالبًا بالمشاهدة صار يتراءى للناس أن العاقل المتثبت إذا أخبر عن شخص بخبر، فالظاهر أنه سمعه منه، فهذا مصدر الظهور فيما أرى.
فأما الصحابة رضي الله عنهم فكانوا بغاية التحرز فيما يخبرون به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان الرجل منهم يعلم تحرِّيَ الآخر الصدقَ وشدةَ احترازه عن الغلط، فإذا أخبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء كان عنده في الوثوق نحوًا مما لو سمعه هو من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا مع ذلك معروفين عند إخوانهم وعند التابعين بالصدق والأمانة، فكان أحدهم إذا سمع من أخيه الحديث وثقَ به هذه الثقةَ، فيرى أنه ليس في الإخبار به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدون بيان الواسطة غِشٌّ في الدين، ولا تعرُّضٌ للاتهام.
__________
(1) في الأصل: "أخبارًا".
(16/67)

أما عدم الغشّ فظاهر، وأما التعرُّض للاتهام؛ فلأنه يعلم صدق أخيه وتحرُّزه، فيثِقُ بأنه لن يظهر على الخبر المذكور أنه كذب، لا عمدًا ولا خطأً، فإن فُرِض في النادر أن يظهر أنه خطأٌ أمكنه أن يعتذر بأنه إنما أخبره فلان، ويرى أنه لن يُتَّهم بالكذب، لا هو ولا أخوه، ولا أن يُتَّهم بأنه كذب بقوله: إنما أخبره فلان؛ لعلمِ الناس بصدق الصحابة وأمانتهم.
فمن تدبَّر هذا وعلم مصدر الظهور السابق، علم أن قول الصحابي: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كيتَ وكيتَ، لا يكون ظاهرًا في أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. بل هو على الاحتمال في أن يكون سمعه منه - صلى الله عليه وسلم -، أو من صحابي آخر عنه - صلى الله عليه وسلم -.
وأما التابعون فلم تكن لهم تلك الثقةُ، ولكن بقي قريبٌ منها، فإن العصر كان الغالب فيه الديانة والأمانة، واستعظام الكذب على الله وعلى رسوله، فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من جرى على نحو ما وقع من الصحابة، فربما روى عمّن لقيه ما لم يسمعه منه، فمن هؤلاء: أيوب السختياني، وزيد بن أسلم، وطاوس، وأبو قلابة الجرمي، وعمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، وأبو مِجْلز، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن أبي كثير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير، وعكرمة بن عمار، وأبو الزبير المكي، وابن شهاب، ومكحول، وعدة قد جمعهم ابن حجر في "طبقات المدلسين".
وأكثر هؤلاء إنما كانوا يفعلون ذلك عند الوثوق بصدق من بينهم وبين من سَمَّوه، فيرون أنه ليس في فعلهم غِشٌّ في الدين، وأنه إن ظهر غلطٌ واعتذروا لا يُتَّهمون؛ لعلم الناس بصدقهم وأمانتهم، وأن من تدبر هذه
(16/68)

الحال وعرف مصدر الظهور الذي تقدم بيانه، يرى أنه لا يظهر من روايتهم على الوجه المذكور أنهم سمعوا، بل يكون على الاحتمال، فحالهم قريب من حال الصحابة رضي الله عنهم.
وقليلٌ من هؤلاء كانوا يتساهلون فيروون على الوجه المذكور وإن لم يَثِقُوا بمن بينهم وبين من سمَّوا، والعذر في حقهم أنهم إن شاء الله كانوا أولاً يفعلون ذلك ثم يبينون في المجلس إلى إن اشتهر عنهم أنهم يفعلون ذلك، فعدوا تلك قرينة تصرف عن الظهور، وأهل الحديث يسمون ما وقع من هذا القسم تدليسًا، وهذا الاسم مناسب للمتساهلين، ولكن قد أطلق عليهم وعلى الآخرين.
القسم الثاني: قوم لم يكونوا يفعلون ذلك، ولكنهم كانوا يروون عمن عاصروه ولم يَلْقَوه، كأنهم يرون أن الظهور الذي تقدم بيانه إنما يقوى إذا عُلِم أن الراوي قد لقي من سمى. وأنت إذا تدبرت لم تستبعد هذا، فاعتبِرْه بأهل عصرك، إذا أخبرك واحد منهم عن آخر لم تعلم أنه لقيه، هل يكون الظاهر عندك أنه سمعه منه؟
فإن قلت: بلى قد يكون الظاهر في ذلك إذا كانا في بلد واحد.
قلتُ: أَنْعِمِ النظرَ وكثِّر الأمثلة، فإنك تجد أنه لا يظهر السماع حتى يكون الظاهر اللقاء، بل قد ترتاب في ظهور السماع مع ظهور اللقاء، بل ومع العلم به إذا كان معروفًا أن اللقاء وقع نادرًا، كأن يكون تاجر لا شأن له بمخالطة الملك، ولكنك تعلم أنه قد رأى الملك مرةً في مجلسٍ وسمع كلامه، فتدبر.
والسرّ في هذا أن ذلك التاجر لا يخشى الاتهام بالكذب إذا ظهر بطلان الخبر؛ لأنه يقول: إنما أخبرني [تعلمون الملك ولا]، فإن قلت []
(16/69)

فلعل [] أحدهم كان [] مع من سمعه كذلك، وكان المعروف ذلك في عصرهم، وإن خفي بعضه [] على من بعدهم.
ومن هؤلاء: قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، [] من القسم الأول في جماعة كثير. راجع إن أحببتَ "المراسيل" لابن أبي حاتم.
وحالهم في اشتراط الوثوق بالواسطة بينهم وبين من سمَّوا كحال القسم الأول.
[ص 9] القسم الثالث: الذين لم ينقل عنهم الرواية عمن لقوه لِما لم يسمعوا، ولا الرواية عمّن عاصروه ولم []، فأخذوا أنفسهم بالأحوط لدينهم، فمن هؤلاء فيما أرى: القاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبو بردة بن أبي موسى، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وموسى بن طلحة، وجابر بن زيد، في آخرين.
وكلام أئمة الحديث في تراجم من ذكرنا وغيرها يدل أن الإرسال الخفي كان فاشيًا في التابعين، ودونه التدليس عمّن يوثق به، ودونه التدليس مع التساهل، وتجدهم لا يحكمون بالتدليس إلا بحجة، وكثيرًا ما يكتفون في الحكم الإرسال (1) الخفي بالقرائن، بل وبعدم ثبوت السماع، فيقولون:
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "بالإرسال".
(16/70)

لا يثبت له سماع من فلان، ونحو ذلك، يوجد هذا في كلام أحمد وابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم.
وذلك يرد على مسلم رحمه الله ما زعمه في مقدمة صحيحه من أن قول البخاري مُحدَث، ويدل دلالة واضحة أنه كان عندهم أنه لا يكون الظاهر السماع في رواية أحدهم عمّن عاصره، ولم يتبين لقاؤه له، أو تبين لقاؤه له لُقيةً لا يتضح فيها إمكان السماع، كأن يقول: رأيته يطوف بالبيت، ونحو ذلك، وإذا كان كذلك فليس في روايته عنه ما لم يسمعه منه شبهة كذب، ولا ما يخالف الأمانةَ، وذلك أن السامع المتدبر يكون الأمر عنده على الاحتمال، فعليه أن يسأل ليتضح له الحال.
وإذا كان الأمر هكذا، فالقول بالنسبة الى التابعين هو القول الذي زعم مسلم رحمه الله أنه محدث، وقد سبق أنه قول الأئمة أحمد ويحيى وعلي والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم ممن تجد كلامه في تراجم أصحاب القسم الثاني، وحجتهم واضحة، وبذلك يردُّ على مسلم قوله (1): "فإن كانت العلة في تضعيفِك الخبرَ وتركِك الاحتجاجَ به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تُثبِت إسنادًا معنعنًا ... وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فبيقينٍ نعلم أن هشامًا قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة ... وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر ... وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه، فهو أيضًا ممكن عن أبيه عن عائشة".
__________
(1) في مقدمة "صحيحه" (1/ 30، 31).
(16/71)

وإيضاح ذلك أن مسلمًا يوافق على عدم قبول عنعنة المدلس، وفي تمثيله بهشام نظر؛ لأنه وُصِف بالتدليس وإن لم يتفق عليه، فنحصر الكلام في عروة، فنقول: إنما قبلنا عنعنة عروة؛ لأن عروة لم يوصف بالتدليس، وقد عُرِف بالثقة والأمانة وكثرة السماع من عائشة.
ثم ههنا مسلكان:
الأول: ردّ ما قدمناه في الاعتذار عن المتثبتين من القسم الأول.
فنقول: لا يلزم من ثقة أحدهم بمن بينه وبين من سمَّى أن يكون في نفسه ثقة، فلعله قد بان لغيره منه ما لم يَبِنْ له، وعلى فرض أنه ثقة فلعله تبين لغيره منه أنه غلط في تلك الرواية.
مثال ذلك: أن يكون سمعه من عمرة أنها سمعت عن عائشة، فيرويه هو عن عائشة، وتكون عمرة قد غلطت فيه لمّا حدثته عروة، فيكون غلطها إنما يتبين برواية أخرى عنها، فلو رواه عن عمرة عن عائشة لعرفنا غلط عمرة بالمقابلة بروايتها الأخرى، ولما رواه عن عائشة لم يتبين ذلك، بل تترجح رواية عروة لظن أنه سمعه من عائشة، وإذا كان هذا الاحتمال قائمًا فروايته ذلك عن عائشة لا تخلو من الغش وقلة التثبت، وإذ كان الظن به أنه يتحفظ من مثل ذلك، فالظاهر من روايته عن عائشة أنه سمعه منها، وإذ كان الظاهر ذلك فروايته عنها تعرض للكذب، إن لم نقل: إنه كذب. وإنما تخلص المدلسون من الكذب بما قدمنا أن الظن بهم أنهم كانوا أولاً يدلسون ويبينون في المجلس، حتى عُرِف ذلك من شأنهم، فزال الظهور المذكور، وبزواله زال الغِشُّ، وعروة لم يفعل ذلك؛ وإلا لوصفه أهل العلم بأنه يدلس.
(16/72)

فأما الصحابة رضي الله عنهم فقد كان معروفًا عنهم أنهم كثيرًا ما يروون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يسمعوه منه، وإنما سمعوه من غيرهم من الصحابة عنه.
المسلك الثاني: أن لا يتعرض لرد ما قدمناه في الاعتذار من المتثبتين من القسمم الأول، ونقول:
[ص 10] [] تتبعوا روايات التابعين، وبحثوا عنها، وقابلوا بعضها ببعض، فبان لهم من كان قد يقع منه التدليس من غيره، فبينوا ذلك، ولما لم يَصِفْ أحد منهم عروة بالتدليس ثبت عندنا أنه لم يكن يدلس، فأما الإرسال الخفي فقد عرف أنه كان فاشيًا في التابعين، وفُشوُّه يجعله محتملًا من كل أحد منهم، وبذلك يزول الظهور البتة، وبزواله يزول الغش والكذب البتة. والله المستعان.
(16/73)

الرسالة الثانية
فائدة في السِّواك
(16/75)

فائدة فى السَّواك
قال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "لولا أن أَشُقَّ على أمّتي لأمرتُهم بتأخير العشاء وبالسَّواك عند كل صلاة". متفق عليه (1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "السِّواك مَطْهرةٌ للفم مَرْضاة للربّ" رواه الشافعي وأحمد والدارمي والنسائي، ورواه البخاري في صحيحه بلا إسناد (2).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما جاءني جبريلُ - عليه السلام - قطُّ إلا أمرني بالسِّواك، لقد خَشِيتُ أن أُحْفِيَ مُقدَّمَ فيَّ". رواه أحمد (3).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تَفضُل الصلاة التي يُستاك لها على الصلاة التي لا يُستاكُ لها سبعين ضعفًا". رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (4).
__________
(1) أخرجه البخاري (887) ومسلم (252) من حديث أبي هريرة بالاقتصار على الجزء الثاني. وأخرجه بتمامه أحمد (7339، 7342) وأبو داود (46) والنسائي (1/ 266، 267) وغيرهم من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه الشافعي في "الأم" (2/ 52) وأحمد (24203، 24332) والدارمي (690) والنسائي (1/ 10) من حديث عائشة. وعلَّقه البخاري قبل الحديث (1934).
(3) في "المسند" (22269) من حديث أبي أُمامة. وفي إسناده عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني، وهما ضعيفان. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (289) والطبراني في "لكبير" (7876).
(4) (6/ 70) ط. الهند، من حديث عائشة. وأخرجه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" (8/ 142) وابن عدي في "الكامل" (6/ 399) وابن حبان في "المجروحين" (2/ 309) وفي إسناده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف.
(16/77)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسّواك عند كل صلاة، ولأخَّرتُ العشاءَ إلى ثلث الليل". رواه الترمذي (1)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنّ أفواهكم طُرُقُ القرآن، فطيِّبوها بالسِّواك". قال السيد المرتضى في "شرح الإحياء" (2): "قال العراقي (3): أخرجه أبو نعيم (4) من حديث علي، ورواه ابن ماجه (5) موقوفًا على عليٍّ، وكلاهما ضعيف. ورواه البزار (6) مرفوعًا وإسناده جيّد. قلتُ: وكذا أخرجه السِّجْزي في "الإبانة" من حديث عليًّ مرفوعًا، ورواه أبو مسلم الكَجِّي في "السنن"، وأبو نعيم من حديث الوضِيْن، وفي إسناده مَنْدَل وهو ضعيف".
وقوله: "رواه البزار ... " إلخ صرَّح به في "شرح التقريب" (7) بلفظ: "إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يُصلِّي قام الملَكُ خلفه، فيستمع لقراءته، فيدنُو منه أو كلمة نحوها، حتى يضع فاه على فِيه، فما يخرجُ مِن فيه شيءٌ إلا صار في
__________
(1) رقم (23) من حديث زيد بن خالد الجهني. وأخرجه أيضًا أحمد (17032) وأبو داود (47) والنسائي في "الكبرى" (3041).
(2) "إتحاف السادة المتقين" (2/ 348).
(3) في "تخريج الإحياء" (1/ 132).
(4) في "حلية الأولياء" (4/ 296). وقال: "غريب من حديث سعيد، لم نكتبه إلا من حديث بحر".
(5) رقم (291). قال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف.
(6) كما في "كشف الأستار" (1/ 242). وسيأتي لفظه والكلام عليه.
(7) "طرح التثريب" (2/ 66).
(16/78)

جَوْف الملَك، فطَهِّروا أفواهَكم للقرآن". قال: ورجاله رجال الصحيح، إلاّ أنّ فيه فُضَيل بن سليمان النميري وهو وإن أخرج له البخاري ووثَّقه ابن حبّان فقد ضعَّفه الجمهور (1)، فتأمّل.
إذا تأمّلتَ ما مرَّ من الأحاديث علمتَ أنّ أمر السواك أمر مهمٌّ، وقد بيَّن الحديثُ الآخر أقوى علله، وهو أنّه مَطْهرة للفم، وهو طريق القرآن؛ لأن الإنسان لا يخلو من التلفظ بقرآنٍ أو ذكرٍ أو اسمٍ من أسماء الله أو اسمٍ من أسماءِ أنبيائه، وكما أن مسَّ المصحف مع الحدث حرام، وتلطيخه بالنجس المستقذَر حتى الرَّيق إنْ قارنَه استهزاءٌ فكفرٌ وإلاّ فحرامٌ، وكذا تلطيخ الذكر أو اسمٍ من أسماء الله أو اسمٍ من أسماء أنبيائه أو ملائكته ونحوه يَحرُم ذلك في الأماكن النجسة، وعند فعل المحرَّمات ومباشرة النجاسات، ويُكْرَه في الأماكن المستكْرَهةِ، وعند فعل المكروهات ومباشرة سائر المستقذرات، فكان القياس أنّه يحرم القراءة والذكر ونحوها عند تغيُّرِ الفم, لأنّ التلفظ بالقرآن بمنزلة كتابتها بل هو أبلغ، وأمّا مجرّد الرَّيق وما عَسُرَ إزالته من التغيُّر فيُعفَى عنه للضرورة.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 292).
(16/79)

الرسالة الثالثة
مسألة بطلان الصلاة بتغيير الآيات فى القراءة
(16/81)

الحمد لله.
الحمد لله حمدًا لا انقطاعَ له أبدًا، فإن إحسانه علينا غير مقطوعٍ عنا، والصلاة والسلام على مولانا محمدٍ رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد، فإنه لمّا كان في يوم الجمعة لأربعٍ خلون من شوال 1339 قرأ إمامُ الصلاةِ في الجمعة بسورتَي الأعلى والغاشية؛ فأبدل لفظ الغاشية بالخاشعة، ففتح عليه الحقيرُ فلم يتنبّه، ثم فتح عليه السيّد الضياء صالح بن محسن الصَّيلمي، وكرّر مرارًا فلم يتنبّه، بل استمرّ على القراءة، فلمّا سلّم قال الصَّيلمي: "أعيدوا الصلاةَ"، فنازعه السيّد العربي محمَّد بن حيدر النعمي بأنّه لا يلزم في مذهبهما إعادةٌ في مثل ذلك، ثم قال له: "الإمامُ حاكمٌ وهو شافعيٌّ".
فسُئِلَ الحقيرُ عن الصلاة في مذهبنا، فقلتُ: صحيحة. فلما كان بعد ذلك قال لي الصَّيلمي: "ما دليل الشافعية على عدم بطلان الصلاة؟ ".
فقلتُ له: أمّا صلاتُك أنتَ فقد بطلتْ بمذهبك؛ لأنّ فيه أنّه ليس للمأموم الفتحُ على الإِمام في ما زاد على الواجب، وهو منه الفاتحة وثلاث آياتٍ في جميع الصلاة لا في كلَّ ركعةٍ، هذا [مع] (1) أنّه كرَّر الردَّ بعد أن تجاوز القارئ الآية بآياتٍ.
فقال: لستُ ملتزمًا للمذهب، يعني: بل مجتهد.
__________
(1) هنا كلمة غير واضحة. ولعلها ما أثبت أو نحوها.
(16/83)

فقلتُ - وعلى تسليم دعواه -: إذًا ليس لك أن تناظرني؛ لأنّي مقلّدٌ آخُذُ قولَ إمامي، ولا يلزمني معرفة دليله. لكني أتنازل عن هذا فأقول: لا يلزم إمامي الحجةُ؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو عدم البطلان، فالبيّنة عليك. ولكنّي أتنازل عن هذا فأقول: لا يخلو دعوى البطلان إمّا أن تكون لتغيير نظم القرآن، وإمّا للإتيان بكَلِمٍ ليست من القرآن.
أمّا الأول فيدلّ على استصحابِ الأصل فيه حديث عليًّ عند أبي داود والترمذيّ والنسائي والحاكم (1) قال: "صنعَ لنا عبد الرحمن بن عوفٍ طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذتِ الخمرُ منّا وحضرتِ الصلاةُ، فقدّموني، فقرأتُ: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون). فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43].
هكذا ذكره الجلال السيوطي في "أسباب النزول" (2). ولفظ أبي داود بعد السند إلى علي: عن عليًّ - عليه السلام -: "أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوفٍ، فسقاهما قبل أن تُحرَّم الخمر، فأمَّهم عليٌّ في المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون) فخلّط فيها، فنزلت: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}.
والاستدلال بهذا مِن حيثُ إنَّه لم يرد أنّهم أُمِروا بالإعادة، والأصل عدم
__________
(1) "سنن أبي داود" (3671) والترمذي (3026) و"السنن الكبرى" للنسائي (11041) و"المستدرك" (2/ 307).
(2) "لباب النقول" (ص 68، 69).
(16/84)

الأمر، بل والظاهر، إذ لو كان لنُقِل. وأمّا قولهم: "الدليل إذا تطرَّقَه الاحتمال سقط به الاستدلال" فليس هذا منه.
فإن قيل: هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة.
قلنا: لسنا في الكلام، بل نحن في تغيير النظم، إذ قد يقال: إن تغيير النظم أشدُّ من الكلام الأجنبيّ. وسيأتي بحث الكلام إن شاء الله.
فإن قيل: قد نُسِخ جواز صلاة السكران.
قلنا: نعم، ولكن لم يُنسَخ جواز صلاة من غيَّر النظمَ غيرَ مُتعمِّدٍ، مع أنهم في تلك الصلاة كان التخليط بسببهم؛ إذ الشربُ باختيارهم؛ فصحّة صلاة من خلّط بغير سببٍ منه من باب أولى.
فإن قيل: فإنّما كان نسخ صلاة السكران بسبب التخليط.
قلنا: هذا لا يدل على بطلان الصلاة تلك ولا ما بعدها، فإنه إنما هو تحريم الصلاة مع وجود سبب التخليط، بل سبب () (1) مُبطل، فإذا وقع سبب آخر للتخليط ليس باختيار المخلّط فهو معذور فيه، مع أنّ التخليط الذي في الحديث فظيعٌ في نفسه، وأمّا المخلِّط فمعذورٌ.
فإن قيل: لم يعد القارئ لتصحيح القراءة؟
قلتُ: ليست القراءة واجبةً حتى تبطل الصلاة لبطلانها، إذِ الواجبُ في مذهبه الفاتحة، وفي مذهب غيره هي وثلاث آياتٍ في عموم الصلاة، وقد قرأ سورة الأعلى في الركعة الأولى، مع أنَّ التخليط هنا لم يكدْ يغيِّر المعنى، ومع ذلك فالحديث لم يرد فيه إعادته القرآن.
__________
(1) كلمة غير واضحة.
(16/85)

وأمّا الثاني وهو: أن يكون سبب البطلان هو الإتيان بكلمةٍ ليست من القرآن، فلفظُ الخاشعة قد جاءت في القرآن، مع أنَّ إتيانه بها خطأٌ، والكلام الأجنبيُّ لا يبطل صلاة المعذور فيه، سواءً كان جاهلاً أو ناسيًا أو مخطئًا، فقد قال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وهي دعوة مجابةٌ لجميع الأمة، وفي الحديث: "رُفِع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" (1).
فإن قيل: رُفِع الإثمُ لا الحكم.
قلنا: كلاّ، ففي مسلمٍ وغيره (2) عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: "بينا أنا أصلّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ عطسَ رجلٌ من القوم؛ فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون أيديَهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتُهم يُصمِّتونني لكنّي سكتُّ، فلمّا صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو وأمّي ما رأيتُ معلِّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فوالله ما كَهَرني ولا ضربَني ولا شتمَني، ثم قال: "إنّ هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الأثار" (3/ 95) وابن حبان (7219) والدارقطني (4/ 170 - 171) والحاكم (2/ 198) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 356) من حديث ابن عباس بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي ... ". وإسناده صحيح. وأخرجه ابن ماجه (2045) أيضًا، ولكن في إسناده انقطاع بين الأوزاعي وابن عباس.
(2) مسلم (537) وأبو داود (930، 931) والنسائي (3/ 14 - 18).
(16/86)

والدليل منه أنه تكلّم جاهلاً فلم يأمرْهُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، مع وضوح أنّ ذلك كان بعد تحريم الكلام، كما لا يخفى من إنكارِ الصحابة ثم كلامِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا حريٌّ أن يكون مجمعًا عليه؛ لأنّ الجاهل المعذور إذا أتى مبطلاً لا يلزمه الإعادةُ، ومنه أهل قُباء الذين كانوا يصلُّون مستقبلين بيتَ المقدس فأُخْبِروا بتحويل القبلة فداروا كما هم (1) فهم قد فعلوا بعضَ الصلاةِ الى غير القبلة ولم يؤمروا بالإعادة، وأدلّة هذا كثيرةٌ، هذا في الجهل.
وأمّا السهو أو النسيانُ ففيه حديث ذي اليدين المشهور، ولفظ البخاريّ (2) فيه: عن أبي هريرة قال: صلّى بنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فساقه. ولمسلمٍ وأحمدَ وغيرهما (3) عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وذو اليدين هذا غير ذي الشمالين الشهيد ببدرٍ، فإنّ هذا عاش بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحدَّث بهذا الحديث كما عند الطبراني (4).
وإسلامُ أبي هريرة وعمران بن حصين - الراوي الآخر - متأخّر عن تحريم الكلام، وكذا إسلامُ معاوية بن حُدَيج قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بشهرين، وله حديث عند أبي داود (5) بسندٍ صحيحٍ، فيها السهو وخطاب طلحة للنّبى - صلى الله عليه وسلم - والبناء.
__________
(1) أخرجه البخاري (40، 399) ومسلم (525) من حديث البراء بن عازب.
(2) رقم (6051).
(3) مسلم (573) وأحمد (9444) والنسائي في الكبرى (567).
(4) في "المعجم الكبير" (4224).
(5) رقم (1023).
(16/87)

فهذه الأحاديثُ متأخرة عن تحريم الكلام بالإجماع، على قول من قال: إنّ النسخ بمكة، وعلى قول من قال: إن النسخ بالمدينة أوائلَ الهجرة، على أن الصحيح أنه كان بالمدينة، لحديث زيد بن أرقم عند البخاري (1) وغيره: "إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يُكلَّم أحدنا صاحبَه بحاجته، حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ...} الآية [البقرة: 238]، فأُمِرْنا بالسكوت". والآية مدنية باتفاقٍ.
ولا يعارضه حديث عبد الله عند البخاري (2) وغيره أيضًا أنَّه قال: "كنا نُسلِّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلّمنا عليه، فلم يردَّ علينا، وقال: "إنّ في الصلاة لشُغلاً". فإنّ عبد الله رجع من الحبشة إلى مكة أولاً، ثم رجع إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة في ثلاثة وثلاثين رجلاً، فمات منهم رجلان بمكة وحُبِس منهم سبعة، وتوجّه الى المدينة أربعةٌ وعشرون رجلاً، فشهدوا بدرًا، ومنهم عبد الله كما في سيرة ابن إسحاق (3)، وتضافرت عليه الأحاديث.
مع أن عبد الله وافق زيدًا على أنّ الناسخ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} كما في البخاري (4)، والآية مدنيةٌ باتفاق.
وقد حقّق الحافظ في "الفتح" (5) هذا المبحثَ بما لا مزيدَ عليه، وأكثرَ
__________
(1) رقم (1200).
(2) رقم (1199).
(3) انظر "سيرة ابن هشام" (1/ 681).
(4) رقم (1199، 1200).
(5) (3/ 74، 75).
(16/88)

من الأدلة على أن تحريم الكلام إنّما كان بالمدينة، فراجعْه إن شئت، فإنّ أكثر ما ذكرناه هنا مأخوذٌ منه.
وفي هذا أوضح حجّةٍ على من قال: إنّ الكلامَ يُبطِل الصلاة ولو سهوًا.
ولا حجّة لهم في قولهم: "كيف يُعذَر الناسي وله حالة تُذكِّره، وهي أقوالُ الصلاة وأفعالها". فإنَّ هذا لا يصدُقُ على من ظنَّ التمامَ مع أنّ النصّ قد ورد بضدِّ ما قالوه، فإنّ في حديث ذي اليدين أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - تكلّم، وذا اليدين تكلّم، والصحابة تكلّموا.
فإن قيل: في هذه سلّمنا، فكيف بالعقل حالَ مباشرة أفعال الصلاة وأقوالها، فإنّ العلّة موجودةٌ في ذلك ولا نصَّ؟
قلتُ: يُلْحَق ظنُّ التمام بمثله؛ لأنَّه وإن لم تكنِ العلّة المذكورة موجودةً فثَمَّ علّةٌ أخرى وهي عدم الضبط، بل هذه أشدُّ، وحيث لم يعتبر الشرعُ تلك فلا تُعتَبر هذه.
ولا دليل في الحديث لمن قال: "إنّ الكلام لمصلحة الصلاة لا يُبطلها ولو عمدًا"، ويستدلُّ له بأنّ ذا اليدين والصحابة تكلّموا بعد قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ ذلك لم يكن" أو نحو ذلك، فعلموا أن الصلاة لم تُقصَر مع أنّها لم تتمَّ.
فقد أجاب بعضُهم بأن الصحابة لم ينطقوا، وإنما أومَؤوا، كما صرّح به في "سنن أبي داود" (1)، ويحمل ما ذكره غيره من القول على المجاز. وهذا وجيهٌ في غير ذي اليدين. وأما هو فأجيبَ عنه وعن غيره بتقدير [] (2):
__________
(1) رقم (1008).
(2) هنا كلمة غير واضحة.
(16/89)

بأنّ إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ومخاطبته لا تُبطِل, لأنّهم قد كانوا يقولون في التشهد: "السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته" وهو حيٌّ حاضرٌ.
وأقول: ولو سُلَّم أن خطابه كغيره فلا نُسلِّم أنهم غير معذورين، فإنّهم قد يكونون يظنُّون أن السلام والتحوّل عن القبلة والكلام مُبطِل للصلاة، وأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سيستأنف لهم الصلاة، فهم يظنون أنّهم ليسوا حالَ الكلامِ باقين في حكم الصلاة. لكن حديث معاوية بن حُدَيج - المتقدم ذكره - فيه خطاب طلحة له - صلى الله عليه وسلم -[] (1) من هذا الاحتمال بعض الضعف؛ لأنَّ إسلام معاوية قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهرين، والراجح تأخُّر قضيّته عن قضيّة ذي اليدين، والظاهر أنَّ طلحة كان قد علم أن السهو لا يقطع الصلاة. وإن كان هذان الوجهان ضعيفين فيبقى الجواب الأول، وهو أنّ خطابه عليه الصلاة والسلام لا يُبطِل.
وأمّا الخطأ - ومنه واقعتنا الحاضرة - فهو بالجهل أشبهُ منه بالنسيان؛ لأنّ علّة من أبطل بالنسيان أن للمصلي حالةً تُذكّره من أفعال الصلاة وأقوالها، وهذا غير موجود في الجهل.
وقد قدَّر أصحابنا الكلام الذي لا يُبطِل سهوه بستِّ كلماتٍ أخذًا من حديث ذي اليدين، وحجّتهم أنّ ظاهر النصِّ والقياس إبطال الكلام مطلقًا كما هو مذهب الحنفية، وقد مرّ توجيهه وما فيه. فلمّا ورد النصُّ بخلاف ذلك لزِمَ قصْرُه حيث ورد. وهذا مثل قولهم في المدة التي لا يجوز للمسافر أن يقصر فيها إذا مكث بمنزلٍ ولم ينوِ إقامةَ أربعةِ أيام كواملَ, لأن ظاهر
__________
(1) هنا كلمة غير واضحة.
(16/90)

حديث: "يقيم المهاجر [بمكة] بعد قضاء نسكه ثلاثًا" - متفق عليه - (1) على أن الثلاث لا تقطع السفر، وأفهمَ أنّ الأربعة تقطعه، ويلحق نيّةَ الإقامة الإقامةُ بالفعلِ. وحديث "الصحيحين" (2) عن أنس في القصر، وفيه: قال: "أقمنا بها عشرًا" أي بمكة، قالوا: العشر بمكة وضواحيها، والتي بمكة نفسها أربعة أيام.
فلما رُدَّ بإقامته - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر يومًا يقصُر، حملوه على أنه لم يَنْوِ ذلك، بل كان متردّدًا متى [] (3) داع الحاجة يرحل.
وقد يقال عليه: إن المسافر لا يسلب اسم السفر حتى يرجعَ إلى أهله، أو يستوطنَ بلدًا آخر، أو يقيمَ فيه مدةً تسلُبه اسمَ السفر عُرفًا، والأدلةُ علَّقتِ القصرَ باسم السفر، فما دام اسمُ السفر موجودًا فالقصر مشروع.
وأمّا دليلاً الأربعة أيام فلم يدلاّ على سلب اسم السفر [] (4)، أنّ الأول يدلُّ على أنّ الأربعة أيام ترفع حكم السفر؛ لأنّ المهاجر حُرِّم عليه طولُ المكث بمكة لحكمةٍ أخرى.
وأمّا حديث أنس فلا دليلَ فيه، لأنّه من جملة وقائع الأحوال، ثم عثرت على كلام لابن القيم، وفي هذا خلافٌ طويل بين السلف، وكذا في مسافة القصر، والظاهر أنها ما يسمّى سفرًا للآية وهي على إطلاقها. ثم السفر ليس
__________
(1) البخاري (3933) ومسلم (1352) - واللفظ له - من حديث العلاء بن الحضرمي.
(2) البخاري (1081) ومسلم (693).
(3) هنا كلمة غير مقروءة.
(4) هنا كلمة غير واضحة ولعلها: سُلِّم.
(16/91)

مجملاً حتى يُبيَّن بما يرد من الأحاديث، بل هو مطلق في كل سفر، ولا يُقيَّد بما ورد من فعله - صلى الله عليه وسلم -, فإنّ الأفعال وقائعُ أحوال، ولا دليلَ على أنه لو وقعَ دونها في المسافة أو فوقَها في مُدّة اللبثِ لأتمّ، فتأمّلْ.
وهذا بعد ما تصفحَّتُ الأحاديث المستدلَّ بها في ذلك؛ فلم أرَ فيها ما يصحُّ الاحتجاجُ به، ولكنّي تعظَّمتُ هذه العبارة حتى عثرتُ على قول ابن القيّم في "زاد المعاد" (1): "ولم يَحُدَّ - صلى الله عليه وسلم - لأمته مسافةً محدودةً للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمّم في كلِّ سفرٍ، وأمّا ما يُروى عنه [من التحديد باليوم أو] (2) اليومين أو الثلاثة فلم يصحَّ عنه فيها شيءٌ البتة، والله أعلم".
وإن كان قوله: "كما أطلق لهم التيمُّم في كلِّ سفرٍ" لا حجَّة فيه؛ لأنَّ العلة في التيمُّم عدمُ الماء، وإنّما خرج السفر مخرجَ الغالب، وأمّا في القصر فالعلّةُ في نفس السفر.
وأمّا تحديد الكلام بالستِّ كلماتٍ فيقال: (التي دلَّ الحدُّ عليه) (3) السهو سهوان كما تقدّم، إمّا أن يكون في أثناء الصلاة فيغفل عنها، ويتكلّم بكلامٍ غير مُبطِلٍ وإن كثرُ ما دام معذورًا (4)، فيه للنصِّ.
فإن قيل: سلّمنا أنه قد خرج من الصلاة مثلاً، فله الكلام (على الأخير
__________
(1) (1/ 463).
(2) سقطت من الأصل، استدركناها من "الزاد".
(3) هكذا وجدت، وقبلها كلام قد خُط عليه.
(4) فوق هذه الكلمة كُتب: "وإما أن يكون بطل".
(16/92)

بقدر الحاجة) (1)، في الأخير للنصِّ، فكيف يُلحق الأول به مع أنّ فيه تقصيرًا ليس في الثاني، وهو أنَّ له حالةً تذكّره؟
قلنا: وقد يقال: وفي الثاني تقصير أيضًا، وهو عدم الضبط مع إمكانه لولا السهو، فلمّا لم يعتبر الشارع عدم العذر فلا نعتبره. وأمّا كونه ستَّ كلماتٍ أو أقلَّ أو أكثرَ فواقعةُ حالٍ لا يُقيَّد بها الحكمُ، ولا دليلَ على أنَّه يُبِطل ما فوقها، وهذا لا غبار عليه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: التقصير حاصلٌ لعدم الضبط.
قلنا: لا تقصيرَ في ذلك يوجب العقوبة؛ إذ قد وقع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - وإن اختلف السبب.
وأمّا ما أشرنا إليه سابقًا أن مذهب الهدويّة (2) أنّ الفتح على الإِمام إنّما جاز للضرورة، وهم بَنَوا قولهم على أنّ القراءة مع قراءة الإِمام مُبطِلة، ولعمري إنّه لظاهر قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، نزلت في القراءة خلف الإِمام، وقيل: في الكلام والإمام يخطب، وأُطلِق القرآنُ على الخطبة مجازًا، وقيل: في الكلام في الصلاة؛ فعلى هذا تكون ناسخةً لجواز الكلام.
وفي حديث مسلمٍ (3) وغيره: "وإذا قرأ فأنصتوا" يعني الإمامَ، وأحاديث
__________
(1) هذه العبارة وجد عليها بعض الضرب.
(2) كذا في الأصل، والصواب: "الهادوية" نسبة الى الهادي.
(3) رقم (404) من حديث أبي موسى الأشعري. وأخرجه أيضًا أحمد (19723) وأبو داود (973) والنسائي (2/ 242) وابن ماجه (847). قال أبو داود: قوله "فانصتوا" =
(16/93)

كثيرة يُخصِّصها حديث أبي داود والترمذي والنسائي (1) عن عبادة بن الصامت قال: كنّا خلفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ فثقُلَتْ عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها".
وفي روايةٍ لأبي داود (2): "وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن، فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأمّ القرآن".
مع عموم الأدلة المُلزِمة بقراءة الفاتحة.
وفي "أسباب النزول" (3): "وأخرج ابن أبي حاتم (4) عن الزهري قال: نزلت هذه الآية يعني قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ...} الخ في فتًى من الأنصار كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلّما قرأ شيئًا قرأه".
__________
= ليس بمحفوظ، لم يجيء به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث. وأعلَّه كذلك الدارقطني في "العلل" (7/ 254) وأبو علي النيسابوري كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 156). وقد رُوي أيضًا من حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود (604) والنسائي (2/ 141، 142) وابن ماجه (846)، قال أبو داود: "وهذه الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد". وتكلم فيه أيضًا ابن معين وأبو حاتم الرازي والدارقطني والبيهقي، انظر "سنن" الدارقطني (1/ 329) والبيهقي (2/ 156) ولكن صححه مسلم في صحيحه (1/ 304) دون أن يخرّجه.
(1) أبو داود (823) والترمذي (311) والنسائي (2/ 141). وقال الترمذي: حديث حسن.
(2) رقم (824).
(3) "لباب النقول" (ص 105، 106). وانظر "الدر المنثور" (6/ 721).
(4) وأخرجه أيضًا الطبري في "تفسيره" (10/ 659).
(16/94)

وقال سعيد بن منصور في "سننه" (1): حدثنا أبو معشر عن محمَّد بن كعب قال: "كانوا يتلقَّفون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا قرأ قرأوا معه، حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
فهذا دليلٌ على أنّهم كانوا يقرأون غير الفاتحة.
وفي حديث أبي داود (2): "فجاء رجلٌ فقرأ خلفه بسبح اسم ربّك الأعلى".
وفي حديث أبي هريرة عند مالكٍ وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، ولابن ماجه نحوه (3): "أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقرآن، قال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم؟ " فقال رجلٌ: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أُنازَع". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
قال بعضهم: لعلّ هذا هو الناسخ لما تقدّم، يعني حديثَ عبادة ونحوه؛ لأنّ أبا هريرة متأخر الإِسلام.
قلتُ: هذا باطلٌ من وجوه:
أولاً: دعوى النسخ مع إمكان الجمع، بل الجمع هو الظاهر، فالقصة واحدةٌ، وإنّما زاد عبادة: "إلا بأمّ القرآن"، وهي زيادة ثقةٍ مخصِّصةٌ لعموم
__________
(1) رقم (978 - تفسير).
(2) رقم (828) من حديث عمران بن حصين.
(3) "الموطأ" (1/ 86) و"مسند" أحمد (7270) و"سنن" أبي داود (826) والترمذي (312) والنسائي (2/ 141) وابن ماجه (848).
(16/95)

الحديث، أو مقيَّدةٌ لإطلاقه، مع أن حديث عبادة أصله في الصحيحين (1) بلفظ: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وأمّا اختلاف العبارتين فهذا من الرواية بالمعنى، وهو واضحٌ، وممّا يدلُّك على ذلك حديث أبي هريرة عند مسلمٍ (2) وغيره قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خِداجٌ، ثلاثًا، غير تمامٍ". فقيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإِمام؟ قال: اقرأْها في نفسك، فإنّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ... " الحديث.
واستدلالُ أبي هريرة به من حيث إنّه قال: "قسمتُ الصلاة"، ثم فسَّرها بالفاتحة، فدلّ على أنّ الفاتحة هي الجزء الأهمُّ في الصلاة، كما في قوله: "الحجُّ عرفة" (3)، فكيف يخفى عليه أن الحديث الذي رواه ناسخٌ لغيره؟ مع أنّ الحديث الذي رواه وذكرناه آنفًا هو عين حديث عبادة، إلا أنّه في حديث عبادة تلك الزيادة.
وقوله: "لا صلاة ... " إلخ، النفي واقع على الذات, لأن ألفاظ الشارع محمولة على عُرفه، ولا يسمّى عنده صلاة إلا الصحيح المجزئ، فغير الصحيح المجزئ لا يسمّى عنده صلاة، فنفيه حقيقةٌ, ولو سُلَّم امتناع انتفاء
__________
(1) البخاري (757) ومسلم (394).
(2) رقم (395). وأخرجه أيضًا أبو داود (821) والترمذي (2953) والنسائي (2/ 135).
(3) أخرجه أبو داود (1949) والترمذي (889) والنسائي (5/ 264) وابن ماجه (3015) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي. وإسناده صحيح.
(16/96)

الذات فأقرب المجازات الصحة والإجزاء، وهذا واضح لا غبار عليه، مع ورود أحاديث كثيرة تنصُّ على وجوبها وبطلان الصلاة عند عدمها.
وبهذا - ولله الحمد - تقرّر أن الفاتحة لا بدّ منها للإمام والمأموم في كل ركعة، لحديث المسيء صلاته (1)، وفيه: "ثم اقرأْ بما تيسَّر معك من القرآن". فعلَّمه إلى تمام ركعة، وقال في آخره: "ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها". وفي رواية لأحمد وابن حبان (2): "ثم افعلْ ذلك في كل ركعة".
وقد تحقَّق من حديث عبادة أن الفاتحة لا تصحُّ الصلاة إلا بها، فتكون هي الذي تيسَّر، وإذا لم يُسلَّم هذا فلا أقلّ من ثبوت وجوب ما تيسَّر في كلّ ركعة، ثم عيَّن حديثُ عبادة وحديثُ أبي هريرة الفاتحةَ، فتكون هي بمكان ما تيسَّر، وذلك في كلّ ركعةٍ، كذا قالوه.
وبعدُ، فقد تقرّر أن الرجل المسيء صلاته هو خلاّد بن رافع الأنصاري، كما ذكره ابن حجر وبيَّن مستنده في ذلك في "الفتح" (3)، وخلاّد استشهد ببدرٍ، فدلّ على أنه كان أولَ الأمر يكفي في القراءة ما تيسر من القرآن: الفاتحةُ أو غيرها، ثم أوجبت الفاتحة، وعلى هذا يدلُّ حديث أبي داود (4) عن أبي سعيد قال: "أُمِرْنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر"، وعن أبي هريرة (5) قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اُخرجْ فنادِ في المدينة أنّه لا صلاة
__________
(1) أخرجه البخاري (757) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة.
(2) "مسند أحمد" (18995) و"صحيح ابن حبان" (1787) من حديث رفاعة الزرقي.
(3) (2/ 277).
(4) رقم (818).
(5) عند أبي داود (819).
(16/97)

إلا بقرآنٍ، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". وفي روايةٍ (1): "أن أناديَ أنه لا صلاة إلا بقرآنٍ: فاتحة الكتاب فما زاد".
فهذا يشير إلى النسخ؛ لأنّ النداء لا يكون إلا في أمرٍ تجدّد, لأنَّ إسلام أبي هريرة متأخّر جدًّا، ويستحيل أن يكون مَضَت تلك المدّة الطويلة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُعلِمِ الناسَ بوجوب قراءة الفاتحة حتى يحتاج في إعلامهم حينئذٍ إلى نداءٍ إلا وهي لم تكن واجبةً، وهذا - إن شاء الله - مُتَّجهٌ.
وقد يقال: هذه الأحاديث دلّت على وجوب قدر زائدٍ على الفاتحة.
فنقول: قال الحافظ في "الفتح" (2): "وتُعقِّب بأنّه - أي قوله: "فصاعدًا" - ورد لدفع توهّم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاريّ في "جزء القراءة" (3): وهو نظير قوله: "تُقطَع اليدُ في رُبع دينارٍ فصاعدًا" (4)، وفي حديثٍ لأبي هريرة موقوفًا (5): "وإن لم تزِدْ على أمّ القرآن أجزأتَ"، ولابن خزيمة (6) من حديث ابن عبّاس أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قام فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بأمّ الكتاب.
واعلم أنّ الأدلة تُعطِي أنّ القراءة إذا جهر الإِمام حرامٌ إلا بالفاتحة،
__________
(1) عند أبي داود أيضًا (820).
(2) (2/ 243).
(3) (ص 48) بتخريجه "تحفة الأنام".
(4) أخرجه البخاري (6789) ومسلم (1684) من حديث عائشة.
(5) أخرجه البخاري (772).
(6) في "صحيحه" (513).
(16/98)

وكذا الدعاء، فإنّ ظاهر الآية الوجوب، وقد قال: "فأنصِتوا"، وظاهر النهيّ التحريم، وقد قال: "لا تفعلوا" و"فلا تقرأوا" وغير ذلك، لكنّه يجوز قول: "سبحان ربي الأعلى" عند قراءة الإِمام: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} لوروده (1).
فأمّا قول: "وأنا على ذلك من الشاهدين" بعدَ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8]، وقول: "بلى" بعدَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40]، و"آمنا بالله" بعد {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50] فذلك بعد تمام القراءة، فهو بمنزلة التأمين.
نعم، أمّا الدعاء عند آيات الثواب والاستعاذة عند ذكر العذاب، فإن دعا الإِمام فللمأموم الدعاء؛ لأنّ الإِمام حينئذٍ ليس في قراءة.
وأمّا من قال: "إن الآية نزلت في الكلام في الخطبة" - وهو الذي يميل إليه المفسِّرون - فهو موافقٌ لحديث: "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب "صَهْ" فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" (2). وعليه فالظاهر وجوب الإنصات إلا إذا كان الكلام لمصلحة الخطبة، كما في حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب بقوله: "متى الساعة؟ " فقال: "ما أعددتَ لها؟ " (3). فافهم.
__________
(1) أخرجه أحمد (2066) وأبو داود (883) من حديث ابن عباس.
(2) أخرجه أبو داود (1051) من حديث علي بن أبي طالب، وإسناده ضعيف.
(3) أخرجه البخاري (3688، 6167، 6171، 7153) ومسلم (2639) من حديث أنس بن مالك. وليس فيه أنه سأله وهو يخطب. بل في بعض طرقه أنه سأل والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان خارجًا من المسجد.
(16/99)

وهل النفخُ والتنحنح ونحوه يُعدُّ كلامًا يُبطِل الصلاة؟ الأصحُّ عند أصحاب الشافعيّ: نعم، والصحيح هو الصحيح، والله أعلم.
(16/100)

الرسالة الرابعة
هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام
(16/101)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد وآله وصحبه.
أما بعد، فإن الأخ العلامة الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة المدرس بالمسجد الحرام، ومدير دار الحديث - عافاه الله -، أَطلَعني على رسالته المحررة في اختيار إدراكِ المأموم الركعةَ بإدراكه الركوعَ مع الإِمام، وأشار عليَّ أن أكتبَ ما يظهر لي في هذه المسألة، فأستعين الله تبارك وتعالى وأقول:
قال البخاري في "جزء القراءة" (1): "والقيام فرضٌ في الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وقال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] , وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا" (2) ". وبسط الكلامَ في تثبيت فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة حتى على المأموم، وساق في موضعٍ آخرَ الأحاديثَ في وجوب قضاء المسبوق ما فاته، ولم يُنازِعْه الشيخ إلا في هذه القضية، فظاهرُ صنيعهِ أنه يُسلِّم ما استدلَّ به البخاري على فرضية القيام (3)، وعلى فرضية قراءة الفاتحة في كل
__________
(1) (ص 283 - 285) بتخريجه "تحفة الأنام".
(2) أخرجه البخاري في "صحيحه" (1117) من حديث عمران بن حصين.
(3) إذا كان الإِمام في الركوع فكبَّر المسبوق للإحرام قائمًا لا يُعدُّ هذا إدراكًا منه للقيام =
(16/103)

ركعة حتى على المأموم (1)، وعلى فرضية قضاء ما فات، مع أن تلك الأدلة تتناول هذه القضية [أيضًا، فجعلها] مستثناةً من ذلك العموم.
ويتلخَّص من كلامه الاحتجاجُ على هذا التخصيص (2) بأمور:
الأول: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جِئتُم إلى الصلاة ونحن سجودٌ فاسجدوا ولا تَعُدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة". قال الشيخ: "سكت عليه أبو داود (3) والمنذري، واحتجَّ به ابن خزيمة في "صحيحه" (4) .... ".
__________
= الذي هو الركن، كيف وقد فاته بفوات قيام الإِمام؟ وإنما هذا قيام يشترطونه لتكبيرة الإحرام حتى فيمن أدرك الإِمام ساجدًا، وقيام الركن شأنه الطول، قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وأقلُّ ما يُقدَّر طوله بقراءة الفاتحة، فأما التكبيرة فالشأن أن تتأخر تكبيرة المأموم ولو كان غير مسبوق، وليس القيام كذلك، وأيضًا فإنه شُرِع للمسبوق أن يدخل في الصلاة على أي حال كان الإِمام، فقد لزمه في ذلك أن يشرع له تكبيرة الإحرام، إذ لا يدخل في الصلاة إلا بها، وليس قيام الركن كذلك. [المؤلف].
(1) من لم يقل بفرضيتها على المأموم قد يكون لقوله وجه فيما إذا خصَّ ذلك بالجهرية وبالمأموم الذي يسمع قراءة الإِمام، فإن استماعه يمكن أن يقال: إنه نابَ منابَ قراءته، ودون هذا من يقول بعدم فرضيتها على المأموم ولو لم يسمع قراءة الإِمام، إذا كان عند قراءة الإِمام قائمًا معه في الصلاة، فقد يقال: إن احتباسه مع الإِمام والإمام يقرأ ربما يقوم مقام قراءته، والمسبوق خارج عن هذا كله. [المؤلف].
(2) في المطبوع: "التلخيص". ولعل الصواب ما أثبته كما يظهر من السياق.
(3) رقم (893).
(4) رقم (1622).
(16/104)

الثاني: ابن وهب: حدثني يحيى بن حميد عن قُرَّة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب الزهري، أخبره أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدركها قبل أن يُقيمَ الإمامُ صُلْبَه" (1). قال الشيخ: "أخرجه الدارقطني وابن خزيمة (2) محتجًّا على أن من أدرك الركوع مع الإِمام أدرك الركعة".
الثالث: حديث مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها" (3).
الرابع: الحسن البصري عن أبي بَكْرة: أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع، فركع قبل أن يَصِلَ إلى الصفّ، فذَكَر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "زادك الله حِرْصًا ولا تَعُدْ". أخرجه البخاري في "صحيحه" (4)، وذكروا أنَّ فيه (5) دلالتين:
الأولى: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوعَ يدرك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصفَّ.
__________
(1) هكذا في "سنن" الدارقطني (ص 132)، وهكذا في "سنن" البيهقي (2/ 89)، وهكذا نقله الشيخ عن "تلخيص الحبير" عن ابن خزيمة. وذكره الشيخ في تعداد الأدلة بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإِمام صلبَه فقد أدرك الركعة". [المؤلف]
(2) "سنن الدارقطني" (1/ 346، 347)، و"صحيح ابن خزيمة" (1595).
(3) أخرجه بهذا الطريق البخاري (580) ومسلم (607).
(4) رقم (783).
(5) في المطبوعة: "أفيه".
(16/105)

الثانية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ أبا بكرةَ على السلام معه، ولم يأمره بإتمامٍ ولا إعادة.
الخامس: أشار الشيخ إلى دليل خامس، وهو: أنه ثبت عن جماعة من الصحابة القولُ بالإدراك، ولم يتحققْ عن أحدٍ منهم خلافهُ، وتَبِعَهم الجمهور.
****
(16/106)

النظر في هذه الأمور
أما الحديث الأول: فتفرَّد به يحيى بن أبي سليمان، رواه عن زيد بن أبي عتّاب وسعيد المقبري عن أبي هريرة. ويحيى هذا قال فيه البخاري (1): "منكر الحديث، روى عنه أبو سعيد [عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد] مولى بني هاشم وعبدُ الله بن رجاء البصري مناكير، [يعني: وهما ثقتان، فالحمل في تلك المناكير على يحيى]، ولم يتبينْ سماعه من زيدٍ ولا من ابن المقبري به".
ومذهب البخاري وشيخِه ابن المديني أن ذلك في حكم المنقطع، وجرى المتأخرون على هذا المذهب ونسبوه إلى المحققين، وخالفهم مسلم، فذكر في مقدمة "صحيحه" (2) أنه يكتفي بثبوت المعاصرة وإمكانِ اللقاء والسماع، لكن في سياق كلامه وفحواه ما يدلُّ أن مراده الإمكان البيِّن، وقد شرحتُ ذلك في موضع آخر (3).
وقال أبو حاتم (4) في يحيى هذا: "مضطرب الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه"، وقال البيهقى فى "المعرفة" (5) في هذا الحديث: "تفرد به
__________
(1) في "جزء القراءة خلف الإِمام" (ص 380). والزيادات بين المعكوفتين من المؤلف للإيضاح.
(2) (1/ 29، 30).
(3) انظر (ص 64 وما بعدها).
(4) انظر "الجرح والتعديل" (9/ 155).
(5) "معرفة السنن والآثار" (3/ 9).
(16/107)

يحيى بن أبي سليمان هذا، وليس بالقوي". كذا في "التعليق على الدارقطني" (ص 132) (1).
وذكر البيهقي هذا الحديث في "السنن" (ج 2 ص 89) ثم قال: "تفرد به يحيى بن أبي سليمان المدني، وقد رُوِي بإسنادٍ آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة"، ثم ساق الحديث الآتي.
وذكر الذهبي يحيى هذا في "ميزانه" (2)، وذكر له حديثًا آخر، كأنه استنكره.
وقال ابن خزيمة بعد أن أخرج في "صحيحه" (3) هذا الحديث: "في القلب شيء من هذا الإسناد، فإني لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح، وإنما أخرجتُ خبره لأنه لم يختلف فيه العلماء". كذا في "تهذيب التهذيب" (4).
وظاهر هذا أن ابن خزيمة لم يكن حين كتب هذا يعرف اختلافًا في إدراك الركعة بإدراك الركوع، ثم كأنه اطلع بعدُ على الخلاف، فرجع إلى القول بعدم الإدراك، فقد نقلوا ذلك عنه. والله أعلم.
ويعارض ما تقدم أن أبا داود أخرج الحديث في "سننه" (5) وسكت
__________
(1) "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (1/ 349) ط. عبد الله هاشم يماني.
(2) "ميزان الاعتدال" (4/ 383).
(3) (3/ 58).
(4) (11/ 228).
(5) رقم (893).
(16/108)

عليه، وقد قال في "رسالته إلى أهل مكة" (1): "ما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهنٌ شديد فقد بينتُه، ومنه ما لا يصلح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح". وأن المنذري سكت عنه كما ذكر الشيخ، وأن ابن حبان ذكر هذا في "ثقاته" (2)، وأن شعبة روى عنه، كما في ترجمة يحيى من "التهذيب" (3)، وقد ذكروا شعبة فيمن لا يروي إلا عن ثقة، وأن الحاكم أخرج هذا الحديث في "المستدرك" (ج 1 ص 216)، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين".
فأما سكوت أبي داود فإنما يدلُّ أنه يرى أن هذا الحديث ليس فيه وهن شديد، وهذا هو مراده بقوله "صالح"، على أنه إنما ذكره (4) في "باب الرجل يُدرِك الإِمام ساجدًا كيف يصنع"، فلعل مراده أنه ليس فيه وهنٌ شديد بالنسبة إلى ذلك الباب, لأن ذاك الحكم متفق عليه، فلا يلزم من هذا أنه ليس فيه وهن شديد مطلقًا.
وقد عُرِف من تصرفات البخاري في "صحيحه" ما يُشبِه هذا، فإنه ربما يذكر الحديث في غير مظنته، ويُعرِض عنه في مظنته حيث يترجَّح له في تلك المظنّة خلافُ ذلك الحديث، كأنه يرى أنه صحيح حيث ذكره لا في مظنته.
وأما ابن حبان فإنه يذكر في "الثقات" كل من رَوى عن ثقة وروى عنه
__________
(1) (ص 69، 70) ط. المكتب الإِسلامي سنة 1417.
(2) (7/ 604).
(3) (11/ 228).
(4) في المطبوع: "أنكره" تحريف.
(16/109)

ثقة، ولم يجد له منكرًا خرج هو بذلك من (1) الثقات ... ، فتوسَّع، كما شرحتُه في ترجمته من "التنكيل" (2)، وأوضحتُ هناك ما يُوثَق به من توثيق ابن حبان مما لا يُوثَق به ... من الثاني (3)، كما يُعلم مما شرحتُه هناك.
وأما ما (4) في ترجمة يحيى هذا من "التهذيب": أن شعبة روى عنه ... ثقة"، فإن ابن حجر التزم أن يذكر في ترجمة شعبة جميعَ شيوخه (5)، ولم يذكر فيهم يحيى هذا، وإنما ذكر أبا بَلْج يحيى بن أبي سُليم، وهو رجل آخر، فأخشى أن يكون وقع اشتباه.
ومع ذلك ففي "فتح المغيث" للسخاوي (ص 134) (6): "من (7) كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإِمام أحمد، وشعبة ... وذلك في شعبة على المشهور ... ، وإلا فقد قال عاصم بن علي: سمعتُ شعبة يقول: لو لم أحدِّثْكم إلا عن ثقةٍ لم أحدِّثْكم عن ثلاثة (8) وفي نسخة ثلاثين (9) ... ، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك ولا عمن أُجمِع على ضعفه".
__________
(1) في المطبوع: "في".
(2) (1/ 450, 451).
(3) كذا في المطبوع، ولم أعرف وجه الصواب.
(4) "ما" ساقطة من المطبوع.
(5) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 338 - 343).
(6) (2/ 42) ط. الجامعة السلفية.
(7) في "فتح المغيث": "ممن"، وفي هامشه إشارة إلى أن في بعض النسخ: "من".
(8) انظر "حلية الأولياء" (7/ 156) و"سير أعلام النبلاء" (7/ 209).
(9) انظر "الكفاية" للخطيب (ص 90).
(16/110)

وأما "مستدرك" الحاكم فقد عُرِف أن فيه تخليطًا كثيرًا، وتساهلاً في التصحيح وفيما يقع فيه من التوثيق، وقد شرحتُ ذلك في ترجمة الحاكم من "التنكيل" (1).
وقد ذكر هو يحيى هذا في موضع آخر، واقتصر على قوله: "يحيى مدني سكنَ مصر، لم يُذكَر بجرح"، ذكر ذلك ابن حجر في "التهذيب" (2)، وقال: "كأنه جعله مصريًّا لرواية أهل مصر عنه"، يعني: والمعروف أنه مدني سكن البصرة، فأما رواية بعض المصريين عنه فكأنهم لَقُوه بالمدينة أو بالموسم أو نحو ذلك، وكفى بكلمة البخاري جرحًا، وقد جاء عنه أنه قال: "كل من قلتُ فيه منكر الحديث لا تحلُّ الرواية عنه". انظر "فتح المغيث" طبع الهند (ص 162) (3).
ومما يُوضَّح وهنَ هذا الحديث أن يحيى هذا تفرَّد به عن رجلين معروفين، أحدهما - وهو سعيد المقبري - مشهور جدًّا، فكيف يُقبَل من مثل يحيى مثلُ هذا التفرد؟
وأما الحديث الثاني: فتفرَّد به يحيى بن حُميد بن أبي سفيان المعافري المصري، رواه عن قُرَّة بن عبد الرحمن بن حَيْوِيل (4) عن الزهري عن أبي
__________
(1) (1/ 472، 473).
(2) (11/ 228).
(3) (2/ 125) ط. الجامعة السلفية. وانظر "ميزان الاعتدال" (1/ 6) و"لسان الميزان" (1/ 220).
(4) في المطبوع: "جبرئيل" تحريف.
(16/111)

سلمة عن أبي هريرة. ويحيى بن حميد هذا قال فيه البخاري (1): "مجهول لا يُعتَمد على حديثه"، وضعفه الدارقطني (2)، وذكره "العقيلي" (3) في الضعفاء, وتقدم عن البيهقي أن هذا الحديث أضعفُ من سابقه. وقال ابن يونس في "تاريخ مصر" (4): "أسند حديثًا واحدًا، وله مقطعات". وقال ابن عدي (5): "تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره".
أقول: وإذا لم يكن له غير هذا الحديث، وقد تفرد به، فكيف يُقبَل؟
فإن قيل: فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (6)، وأخرج ابن خزيمة حديثه هذا في "صحيحه".
قلت: أما "ثقات" ابن حبان فقد تقدم ما فيها، وأما ابن خزيمة فإنه يُخرج في "صحيحه" للمجهول إذا لم يَستنكِرْ حديثَه، وكأنه لم يَستنكر هذا لأنه عند كتابة الصحيح كان يرى الإدراك متفقًا عليه بين أهل العلم، كما تقدم في الكلام على الحديث الأول.
ومع هذا فقُرَّة بن عبد الرحمن فيه كلام (7)، قال الإِمام أحمد: "منكر الحديث" وقال ابن معين: "ضعيف الحديث"، وقال أبو زرعة: "الأحاديث التي
__________
(1) في "جزء القراءة" (ص 351، 352).
(2) انظر "ميزان الاعتدال" (4/ 370) و"لسان الميزان" (8/ 431).
(3) (4/ 398).
(4) نقل عنه في "لسان الميزان" (8/ 432).
(5) "الكامل" (7/ 228).
(6) (9/ 251).
(7) انظر أقوال النقاد فيه في "تهذيب التهذيب" (8/ 373، 374).
(16/112)

يرويها مناكير"، وأخرج له مسلم في "صحيحه" (1) مقرونًا بآخر، ولعل اعتماده كان على ذاك الآخر، وذكره ابن حبان في "الثقات" (2) وأشار إلى لينٍ فيه.
نعم، قوله أولَ الحديث: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدركها" معروفٌ صحيحٌ، كما يأتي في الحديث الثالث، وإنما المنكر زيادته: "قبل أن يُقيمَ الإِمام صُلبه". وقد دفع البخاري في "جزء القراءة" (3) هذه الزيادة بأن مالكًا وجماعة من الأئمة رووا الحديث عن الزهري بسنده ولم يذكروا هذه الزيادة، قال (4): "وقوله: قبل أن يُقيمَ الإمامُ صلبه، لا معنى له ولا وجهَ لزيادته".
يعني أن معنى الحديث في رواية مالك والأئمة: من أدرك من الصلاة في وقتها ركعةً أي واحدة من الثنتين اللتين هما الصبح، أو الثلاث التي هي المغرب، أو الأربع التي هي الظهر أو العصر أو العشاء للمقيم = فقد أدركها، أي أدرك الصلاة أداءً، أي أنها لم تَفُتْه.
وإذا كان كذلك فلا معنى ولا وجهَ لزيادة "قبل أن يقيم الإِمام صلبه"، غاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهَّم أن معنى الحديث: من أدرك الركوع مع الإِمام فقد أدرك الركعة؛ فزاد هذه الزيادة تفسيرًا في زعمه؛ وقد جوَّز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري, لأنه قد عُرِف عنه أنه كان كثيرًا ما يَصِلُ الحديثَ بكلامٍ من عنده على وجه التفسير أو نحوه، فربما التبس ذلك على بعض الضعفاء كقُرَّة.
__________
(1) رقم (1591/ 92).
(2) (7/ 342 - 344).
(3) (ص 352 - 355).
(4) (ص 355).
(16/113)

قال البخاري في موضع آخر من "جزء القراءة" (1): "قال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدثتَ فبيَّنْ كلامَك من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -".
لكن سيأتي في الكلام على الحديث الثالث ما يدفع هذا التجويز، فالظاهر أن الزيادة من قرة بن عبد الرحمن أو يحيى بن حُمَيد.
وأما الحديث الثالث: فلا خلافَ في صحته، وهو في "الموطأ" و"الصحيحين" (2) وغيرهما، والتشبُّثُ به في هذه المسألة مبنيٌّ على زعم أن معناه: من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركوعًا فقد أدرك الركعة، وقد يُستأنس لهذا بالزيادة المتقدمة، وبما في "صحيح مسلم" (3) عن حرملة عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك الصلاة".
فأما الزيادة السابقة فقد فُسِّر ما فيها، وأما زيادة "مع الإِمام" فقد ردَّها مسلم نفسُه، فرواه [عن يونس] وعن جماعة عن الزهري، قال (4): "وليس في حديث أحدٍ منهم "مع الإِمام".
وله في "صحيح البخاري" (5) و"جزء القراءة" (6) و"سنن [النسائي] " (7)
__________
(1) (ص 230، 231).
(2) "الموطأ" (1/ 10) والبخاري (580) ومسلم (607).
(3) رقم (607/ 162).
(4) تعقيبًا على الحديث المذكور.
(5) رقم (580).
(6) بأرقام (202، 203، 206 - 216) بتخريجه "تحفة الأنام".
(7) هنا بياض في الأصل، وقد ذكر النسائي (1/ 274) طرق هذا الحديث.
(16/114)

وغيرها طرق كثيرة عن يونس وغيره بدون هذه الزيادة، والظاهر أن الوهم في زيادتها من حرملة، وهو الذي روى عن ابن وهب عن يحيى بن حميد الحديث، فكأنه جاءه الوهم من هناك.
وقد أخرج البخاري في "جزء القراءة" (1) من طريق سليمان بن بلال أخبرني عبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ويونس عن ابن شهاب [الزهري] عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدرك الصلاة إلا أن يقضي ما فاته". وهو ذاك الحديث عينُه، وزيادة "إلا أن يقضي ما فاته" تدفع زيادةَ يحيى بن حميد وزيادة حرملة.
وفي روايةٍ في "صحيح مسلم" (2) وغيره من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلعَ الشمسُ فقد أدرك الصبحَ، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغربَ الشمس فقد أدرك العصر".
والحديث بهذا اللفظ ونحوِه أشهر، فقد صحَّ هكذا كما ترى عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو سند الأول، وأخرجه البخاري في "الصحيح" (3) بنحوه من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وأخرجه مسلم (4) من طريق عطاء بن يسار وبُسر بن سعيد والأعرج عن أبي هريرة،
__________
(1) رقم (207).
(2) رقم (608/ 163).
(3) رقم (556).
(4) رقم (608).
(16/115)

ومن حديث عائشة (1).
ووقع في بعض الروايات بلفظ: "سجدة" (2)، ولفظ حديث عائشة: "من أدركَ من الصلاة سجدةً ... " وفي آخره: "والسجدة إنما هي الركعة" (3).
وفي "الفتح" (4) في شرح قوله: "فقد أدرك الصبح": " .. يُحمَل على أنه أدرك (5) الوقت، فإذا صلَّى ركعةً أخرى فقد كملتْ صلاته .. وقد صرَّح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي (6) من وجهين، ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة (7) قبل أن تطلع الشمس، وركعةً بعد ما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة". وأصرحُ منه رواية أبي غسَّان محمَّد بن مُطرِّف عن زيد بن أسلم عن عطاء - وهو ابن يسار - عن أبي هريرة بلفظ: "من صلَّى ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس ثم صلَّى ما بقي بعد غروب الشمس فلم تَفُتْه العصر"، وقال مثل ذلك في الصبح. وقد تقدمتْ رواية المصنِّف (8) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال فيها: "فليُتِمَّ
__________
(1) رقم (609).
(2) هي رواية البخاري (556).
(3) "صحيح مسلم" (609).
(4) "فتح الباري" (2/ 56).
(5) في المطبوع: "إدراك"، والمثبت من الفتح.
(6) في "السنن الكبرى" (1/ 378، 379).
(7) في المطبوع: "ركعة أخرى"، وهو خطأ، ولا معنى له. والتصويب من الفتح والبيهقي.
(8) أي البخاري (556).
(16/116)

صلاتَه". وللنسائي (1) من وجه آخر: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته". وللبيهقي (2) من وجه آخر: "من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمسُ فلْيُصَل إليها أخرى".
وهذا كله يُبيِّن أنه لا وجهَ لزيادة "مع الإِمام"، ولا لزيادة "قبل أن يُقِيمَ الإمامُ صُلْبَه"، كما يُبيِّن أنه لا وجهَ للتشبُّث بهذا الحديث في قضية إدراك الركعة بإدراك الركوع.
ويُوضَّح هذا أن أبا هريرة نفسه لم يفهم هذا من الحديث، فقد صحّ عنه كما يأتي: "لا يُجزِئك إلا أن تُدرِكَ الإمامَ قائمًا" (3). وهكذا الزهري، صحّ عنه أنه ذكر الحديث عن أبي سلمة مرفوعًا بلفظ: "من أدرك من الصلاة ركعةً واحدة فقد أدركها"، ثم قال الزهري (4): "ونرى لما بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه من أدرك من الجمعة ركعة واحدة فقد أدرك" (5)، يعني أن كون الجمعة مع الإِمام هو في معنى الوقت للصلاة في أن كلاًّ منهما إذا فات فاتت الصلاة، فإن (6) كانت السنة بأنه يكفي لإدراك الوقت إدراكُ ركعةٍ، فكذلك ينبغي أن يكفي لإدراك الجمعة مع الإِمام إدراكُ ركعة.
__________
(1) (1/ 275).
(2) "السنن الكبرى" (1/ 379).
(3) أخرجه البخاري عنه في "جزء القراءة" (ص 267).
(4) كما فى "جزء القراءة" (ص 359).
(5) أخرجه النسائي (3/ 112) وابن خزيمة في "صحيحه" (1850) والحاكم في "المستدرك" (1/ 291) من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا.
(6) في المطبوع: "فإنه" خطأ.
(16/117)

ويوضَّحه أيضًا أن الركعة في عرف الشرع حقيقةٌ في واحدة من الاثنتين اللتين هما الصبح، أو من الثلاثِ التي هي المغرب، أو من الأربعِ التي هي الظهر أو العصر أو العشاء في حقَّ المقيم ونحو ذلك.
وقد دفع الشيخ - عافاه الله - هذا، فقال: "بل الركعة حقيقة في الركوع لغةً وشرعًا كالسجدة في السجود، وإطلاقُها على ما يشمل القيامَ والقراءةَ والركوعَ والسجودَ من باب إطلاق الجزء على الكلّ، كإطلاق السجدة على ذلك، وكإطلاق العين على الجاسوس، والرقبة على العبد أو الجارية. ومما جاء في إطلاقها على الركوع أحاديث ... ".
فذكر حديث يحيى بن أبي سليمان وحديث يحيى بن حُميد المتقدمَين، وحديث البراء في وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: "فوجدت قيامه كركعتِه وسجدتِه، واعتدالَه في الركعة كسجدتِه" (1). وستة أحاديث في وصف الكسوف.
ثم قال: "فأنت ترى في هذه الأحاديث إطلاق الركعة على الركوع بدون قرينة, لأنها حقيقة، وإن كانت اشتهرتْ في عرف المتأخرين فيما هو أعمُّ من الركوع، فذلك لا ينافي حقيقتها اللغوية والشرعية في الركوع".
أقول: في هذا كلِّه نظر، نعم إطلاق "ركعة" على المرَّة من الركوع موافق للحقيقة اللغوية، لكن لا يلزم أن يكون هكذا في الشرع. وقوله: "من باب إطلاق الجزء على الكل" حقٌّ، فيكون مجازًا لغةً، لكن لا يلزم من ذلك أن
__________
(1) لفظ حديث مسلم (471): "فوجدتُ قيامَه، فركعتَه، فاعتدالَه بعد ركوعه، فسجدتَه، فجلْسته بين السجدتين، فسجْدتَه، فجلْستَه ما بين التسليم والانصراف = قريبًا من السواء".
(16/118)

يكون مجازًا في الشرع. وكافَّة الحقائق الشرعية - أعني الألفاظ. التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية إلى معانٍ شرعية - بين معانيها الشرعية ومعانيها اللغوية علاقات مجازية، كالإيمان والصلاة والزكاة والصيام وغيرها.
وأما تلك الأحاديث التي ذكرها الشيخ فالأولانِ لم يثبتا كما مرَّ، ومع ذلك فالقرينة فيهما قائمة، وهي في الأول قوله: "إذا جئتم إلى الَصلاة ونحن سجودٌ فاسجدوا ولا تعدُّوها شيئَا"، وفي الثاني قوله: "قبل أن يُقيمَ الإمامُ صُلْبه"، فكلٌّ من هاتين العبارتين تقتضي أن تكون كلمة "ركعة" في بقية الحديث مرادًا بها الركوعُ، فلولا هذا الاقتضاء لما سلَّمنا أن الركعة في الحديثين عبارة عن الركوع، على أننا إنما نُسلِّم ذلك على فرض صحة الزيادة المقتضية، فأما إذا أبطلناها فلا، كما تقدم.
والقرينة في حديث البراء في قوله "قيامه كركعتِه (1) ": أنه من الممتنع أن يكون القيامُ وحدَه مساويًا لما يَشملُه ويشمَلُ الركوعَ والاعتدالَ والسجدتينِ والجلسةَ بينهما، ضرورةَ أن الجزء لا يساوي الكل. وأما قوله فيه: "واعتداله في الركعة كسجدته"، فالقرينة فيه أن يظهر أن تعريف الركعة للعهد الذكري، وبذلك تكون الثانية عينَ الأولى، ويساعد ذلك قولُه: "واعتداله".
ومع هذا فليس هذا اللفظ في "الصحيح"، والذي في البخاري (2): "كان ركوعُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجودُه وإذا رفعَ رأسَه من الركوع وبين السجدتينِ
__________
(1) في المطبوع: "كركعتيه".
(2) رقم (801).
(16/119)

قريبًا من السواء"، ونحوه في "صحيح مسلم" في رواية (1)، وفي أخرى (2): "فوجدتُ قيامَه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعِه فسجدتَه [فجلستَه] (3) بين السجدتين ... ".
وأصل هذا الحديث من لفظ الصحابي لا من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك فقد اختلفت رواياتها وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة إنما هو ممن بعد الصحابي.
وأما الأحاديث في صلاة الكسوف فأصلها من لفظ الصحابي أيضًا، ومع ذلك اختلفت رواياتها وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة إنما هو ممن بعد الصحابي. ومع ذلك فالقرينة قائمة، وهي ما يُعلَم من السياق والروايات الأخرى، وأرى الأمر في ذلك أوضح من أن يُحتاج إلى الإطالة.
على أن ورود الكلمة في النصوص الشرعية مع دلالة القرينة على أن المراد منها معناها اللغوي، لا يَدفعُ أن يكون الشرع نقلَها إلى معنى آخر تكون فيه حقيقةً شرعية. هذه كلمة "صلاة" نقلها الشارع إلى معنى غير معناها لغةً، ومع ذلك وردت في عدة نصوص بحسب معناها اللغوي، كقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، وقوله: {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99]، وقوله: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
__________
(1) رقم (471/ 194).
(2) رقم (471/ 193).
(3) ساقطة من المطبوع، استدركناها من صحيح مسلم.
(16/120)

فإن قيل: فإنه يكفي القائلَ بأن لفظ "ركعة" حقيقة شرعية في المرَّة من الركوع أن يقول: قد ثبت أنها حقيقة لغوية في ذلك، والأصلُ موافقة الشرع للّغة.
قلت: فعلينا البيان، في الصلاة الشرعية أمران يحتاج كلٌّ منهما إلى لفظ يدل عليه:
الأول: المرة من الركوع.
والثاني: الواحدة التي تتألف صلاة المغرب من ثلاثٍ منها، والصبح والجمعة من اثنتين، وكذا بقية الفرائض في حقّ المسافر. أما المقيم فمن أربع، وهكذا يختلف حال سائر الصلوات كالعيدين والاستسقاء والنوافل.
والحاجة في الشرع إلى ذكر الثاني أكثر منها (1) إلى ذكر الأول، وبتتبُّعِ النصوص الشرعية يتضح أنها [تُعبِّر] (2) عن الأول غالبًا بالركوع، وتُعبَّر عن الثاني بالركعة، وكثُر هذا جدًّا من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظ أصحابه في حياته وبعد وفاته، وبتدبُّرِ ذلك يتبينُ أن الذي كان يتبادر في عهده - صلى الله عليه وسلم - من كلمة "ركعة" في الكلام الشرعي هو الأمر الثاني، فهي حقيقة شرعية.
فمما ورد من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصةً مما ورد في "الصحيحين" أو أحدِهما:
حديثُ أبي هريرة (3) مرفوعًا: "من أدرك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس .. ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس ... ".
__________
(1) في المطبوع: "منهما" خطأ.
(2) ساقطة من المطبوع، زدناها ليستقيم السياق.
(3) أخرجه البخاري (579) ومسلم (608).
(16/121)

وحديث عائشة (1) مرفوعًا نحوه.
وحديثها (2) مرفوعًا: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها".
وحديث عثمان (3) مرفوعًا: "من توضأ نحوَ وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين ... ".
وحديث أبي قتادة (4) مرفوعًا: "إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلْيُصلِّ ركعتين".
وحديث جابر (5) في القدوم من سفر مرفوعًا: "صلِّ ركعتينِ".
وحديثه (6) في الداخل يوم الجمعة وقت الخطبة مرفوعًا: "قُمْ فصَلَّ الركعتين".
وحديثه (7) أيضًا مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة وقد خرج الإِمام فلْيُصَلَّ ركعتين".
وحديثه في الاستخارة (8) مرفوعًا: " ... فليركَعْ ركعتين من غيرِ الفريضة ... ".
__________
(1) أخرجه مسلم (609).
(2) أخرجه مسلم (725).
(3) أخرجه البخاري (159) ومسلم (226).
(4) أخرجه البخاري (444) ومسلم (714).
(5) أخرجه البخاري (443) ومسلم (715).
(6) أخرجه البخاري (930، 931) ومسلم (875).
(7) أخرجه البخاري (1166) ومسلم (875/ 57).
(8) أخرجه البخاري (1162).
(16/122)

وحديث أبي ذر (1) مرفوعًا: " ... ويُجزِئ من ذلك كلِّه ركعتانِ يركعهما في الضحى".
وحديث أم حبيبة (2) مرفوعًا: "من صلَّى اثنتي عشرةَ ركعةً ... ".
وحديث ابن عمر (3) مرفوعًا: "الوتر ركعةٌ من آخرِ الليل".
وحديثه (4) أيضًا مرفوعًا: "فإذا خشي أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدة".
إلى غير ذلك من الأحاديث في "الصحيحين"، وأما في غيرهما فكثير.
ومما في "الصحيحين" أو أحدِهما: الأحاديثُ التي يُنَصُّ فيها على العدد فقط، كحديث أبي سعيد (5) مرفوعًا: "إذا شك أحدُكم فلم يَدْرِ كم صلَّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليَطْرَح [الشَّكَّ] (6) ولْيَبْنِ (7) على ما استيقَنَ، ثم يسجد ... فإن كان صلَّى خمسًا شَفعْنَ له صلاته، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان".
فإن المتبادر الواضح أن المراد ثلاث ركعات ... وهكذا، ومثل هذا في الأحاديث كثير، ويدخل فيه تسميةُ صلاة الوتر وترًا، وقول الله تبارك وتعالى:
__________
(1) أخرجه مسلم (720).
(2) أخرجه مسلم (728).
(3) أخرجه مسلم (752).
(4) أخرجه البخاري (990) ومسلم (749).
(5) أخرجه مسلم (571).
(6) ساقطة من المطبوع، استدركناها من صحيح مسلم.
(7) في المطبوع: "وليبني" خطأ.
(16/123)

{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3] على ما رواه الإِمام أحمد وغيره (1) عن عمران بن حُصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن ذلك، فقال: " [هي] (2) الصلاةُ، بعضها شَفْعٌ وبعضها وِتْر".
وأما الحديث الرابع: وهو حديث الحسن عن أبي بَكْرة، ففي "الفتح" (3): "أعلَّه بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، ورُدَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنّ أبا بكرة حدَّثه. أخرجه أبو داود والنسائي".
أقول: وهكذا رأيتُه في عدة نسخ من "المجتبى" من سنن النسائي (4)، لكنه في نسخ "سنن" أبي داود (5): "أن أبا بكرةَ حدَّثَ"، وهذا في حكم العنعنة، وبين سياق أبي داود والنسائي اختلافٌ مع أن السند واحد، روياه عن حُميد بن مَسْعَدة عن يزيد بن زُريع ممن سمع منه قديمًا.
والحسن معروف بالرواية عمن لم يَلْقَه، بل وُصِفَ بالتدليس، كما في "طبقات المدلِّسين" (6) لابن حجر، وروايتُه عن الأحنف عن أبي بكرة
__________
(1) انظر "مسند أحمد" (19919، 19935، 19973) و"سنن الترمذي" (3342) و"المستدرك" (2/ 522). وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عمران.
(2) ساقطة من المطبوع، والزيادة من المصادر السابقة.
(3) "فتح الباري" (2/ 268).
(4) (2/ 118).
(5) رقم (683).
(6) "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" (ص 102).
(16/124)

مشهورة في حديث: "إذا التقى المسلمانِ بسيفَيْهما ... " (1)، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يسمع من رجلٍ غيرِ الأحنف عن أبي بكرة. وقد يَشُدُّ الاتصالَ أن البخاري أخرج الحديث في "صحيحه"، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء حتى فيمن لم يُعرف بالتدليس ولا بالرواية عمن لم يَلْقَه، فما بالك بهذا؟ وفي "مراسيل" ابن أبي حاتم (2) عن بَهْز بن أسد في شأن الحسن: "وسمع من أبي بكرة شيئًا". وعلى كلّ حالٍ فلم تَسْلَمْ صحةُ هذا الحديث من مقالٍ.
ولننظر فيما ذكر من الدلالتين:
فأما الأولى وهي قولهم: "لولا أن أبا بكرةَ كان يرى أنه بإدراكه الركوعَ يُدرِك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصفَّ" = ففيها نظر، لماذا لا يُبادِر لإدراك فضلِ (3) الركوع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن عَلِمَ أنه لا تُحْسَبُ له ركعة؟ بل قد يقال: إن هذا هو الذي ينبغي أن يُظَنَّ بالصحابي، لا أن يُظَنَّ به أنه حَرَصَ على إدراك الركعة وإن فاته الخيرُ الكثير فيها تفاديًا من أن يكون عليه ركعةٌ أخرى بعد سلام الإِمام، فإن هذا يدلُّ على الكسلِ والتبرُّمِ بالتعب اليسير في العبادة والرغبةِ عن زيادة الأجر، فإنه إذا أدرك بعض الركعة ولم تُحْسَبْ له ثم صلّاها بعد سلام الإِمام كُتِبَ له أجرُ الصلاة كاملةً وزيادةُ أجرِ ما أدركه من تلك الركعة، فأما من لم يُدرِك إلا بعض الركعة وحُسِبَتْ له ركعة فإنه يفوته بعضُ أجر الصلاة كما لا يخفى.
__________
(1) أخرجه البخاري (31) ومسلم (2888).
(2) "المراسيل" (ص).
(3) في المطبوع: "أفضل" خطأ.
(16/125)

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "زادك الله حِرْصًا، ولا تَعُدْ" يُشْعِر بما ذكرنا، فإنه يدل أن ذاك الحرص محمود، فلذلك دعا بالزيادة منه، وإنما نهى عن العود إلى الإخلال بالمشروع (1) من السكينة والوقار ونظم الصلاة، والحرصُ المحمود هو (2) الحرص على زيادة الأجر، لا على التخلُّص من زيادة العمل غيرَ مُبالٍ بما فيها من زيادة الأجر.
فإن قيل: فإن في "جزء القراءة" (3) للبخاري من طريق عبد الله بن عيسى الخزَّاز عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة: ... فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ قال لأبي بكرة: "أنت صاحب النَّفَسِ؟ " قال: نعم، جعلني الله فداءك، خَشِيتُ أن تفوتني ركعةٌ معك، فأسرعتُ المشيَ. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ، صَلِّ ما أدركتَ، واقْضِ ما سبقَ".
وفي مسند أحمد (ج 5 ص 42) (4): " ... بشَّار الخيَّاط (5) قال سمعتُ عبد العزيز بن أبي بكرةَ يُحدِّث: أن أبا بكرة جاء والنبى - صلى الله عليه وسلم - راكع ... فسمع النبى - صلى الله عليه وسلم - صوتَ نعلِ أبي بكرةَ وهو يُحْضِرُ، يريد أن يُدرِك الركعةَ ... ".
قلت: عبد الله بن عيسى الخزَّاز مُجمَعٌ على ضعفه (6). وبشار الخياط
__________
(1) في المطبوع: "بالشروع" خطأ.
(2) في المطبوع: "وهو"، ولا حاجة إلى الواو هنا.
(3) (ص 340).
(4) رقم (20435).
(5) كذا في المسند، وفي "تعجيل المنفعة" (ص 51): "الحنَّاط".
(6) انظر "تهذيب التهذيب" (5/ 353) و"ميزان الاعتدال" (2/ 470).
(16/126)

هو ابن عبد الملك ضعفه ابن معين (1)، فلا ينفعه ذكر ابن حبان له في "ثقاته" (2)؛ لما عُرِفَ من توسُّعه. وشيخه عبد العزيز فيه مقال (3)، وروايته مرسلة، لأنه لم يُدرِك القصة، ولعل قوله: "يريد أن يُدرك الركعةَ" من ظنِّ عبد العزيز، ومع ذلك فوَقْعُ كلمة "ركعة" في هاتين الروايتين في سياق بيان أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع ربما يُسوِّغ في حملها على معنى الركوع، والله أعلم.
وأما الدلالة الثانية وهي قولهم: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ أبا بكرةَ على السلام معه، ولم يأمره بإتمامٍ ولا إعادةٍ" = ففي هذه الدعوى نظرٌ، ولفظ البخاري في "الصحيح" (4) من طريق همَّام عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة: ... فذَكَر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ"، كما تقدم أولَ الرسالة، وليس فيه ما يُثبِت هذه الدعوى. ونحو ذلك من "سنن" أبي داود والنسائي (5) من طريقي سعيد بن أبي عَروبة عن زياد الأعلم. ونحوه في "مسند أحمد" (ج 5 ص 39) (6) من طريق أشعث عن زياد الأعلم. ونحوه في "المسند" أيضًا (ج 5 ص 46) (7) من طريق قتادة وهشام عن الحسن البصري.
__________
(1) انظر "تعجيل المنفعة" (ص 51) و"ميزان الاعتدال" (1/ 310) و"لسان الميزان" (2/ 285).
(2) "الثقات" (6/ 113).
(3) انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (6/ 332).
(4) رقم (783).
(5) أبو داود (683) والنسائي (2/ 118).
(6) رقم (20405).
(7) رقم (20470، 20471).
(16/127)

ورواه حماد بن سلمة عن زياد الأعلم بسنده، واختُلِفَ على حماد:، ففي "المسند" (ج 5 ص 45) (1) عن عفّان عن حمّاد بنحو رواية الجماعة، وفي "سنن" أبي داود (2) عن موسى بن إسماعيل عن حمّاد، وفيه: "فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاتَه قال: أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصفّ؟ فقال أبو بكرة: أنا ... ".
وأرى رواية عفّان أرجحَ لمزيد إتقان عفان، ولموافقته روايةَ الجماعة كما تقدم، وحماد بن سلمة على إمامته كان يخطئ, وقد رَوى بهذا الإسناد عينهِ حديثًا آخر في تقدُّم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليؤُمَّهم، وتذكُّرِه أن عليه غسلاً، وفي آخره: "فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشرٌ" (3).
وقد لا يبعد أن يكون ذهن حماد انتقل من أحد الحديثين إلى الآخر، ثم أتمَّ التفسير بما يناسب، وجاء نحو هذه الزيادة في رواية عبد الله بن عيسى الخزّاز، وفي رواية بشار الخياط عن عبد العزيز بن أبي بكرة، وفي روايةٍ نقلَها الشيخ أول رسالته عن "تلخيص الحبير" (4) عن ابن السكن، فلا أدري ما سندها؟ وعسى أن تكون راجعةً إلى ما ذكر.
وعلى كل حال، فالروايات الصحيحة المتينة لا أثرَ فيها لقوله: "فلما قضى ... " ولا ما في معناها، على أنها لو صحَّتْ لما كانت صريحةً في
__________
(1) رقم (20457).
(2) رقم (684).
(3) أخرجه أحمد في "المسند" (20420) وأبو داود (234) وابن خزيمة (1629) وغيرهم.
(4) "التلخيص" (1/ 285).
(16/128)

الفورية، وقد قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]، ومعلوم أن بين القضاء والتزويج مهلةٌ، وقال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29]، وبين قضائه الأجلَ وشروعِه في السير وبين الإيناس مهلة.
وعلى فرض صحة تلك الزيادة وأن الظاهر في مثلها الفورية، فقد يكون أبو بكرة ممن يرى أن الركعة لا تُدرَك بالركوع، فرأى أن السياق قرينة على عدم الفورية، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن الذي (1) لم يدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته، فلما سلَّم وقام بعضهم يُتِمُّ اشتغلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر، حتى سلَّم من سُبِقَ، وحينئذٍ سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأرى أن من تدبَّر وأنعمَ النظر [أقرَّ] (2) بأن هذا احتمالٌ غير بعيد، بل يتبين له أنه ليس هناك ما يدل دلالةً تقوم بها الحجة على أن ركوع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أدركه أبو بكرة كان هو الركوع في الركعة الأولى، بل من المحتمل أن يكون هو الركوع في الثانية.
وهَبْ أنه يَقوَى عندك أنه الركوع في الركعة الأولى، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عقب السلام، فأجابه أبو بكرة فورًا، فهل تجد تلك القوة كافيةً لتخصيص هذه القضية من النصوص العامة الموجبة للقيام، ولقراءة الفاتحة، ولقضاء المسبوق ما قد فاته، إلى غير ذلك مما مر ويأتي؟
__________
(1) في المطبوع: "النهي" مكان "الذي". وهو تحريف.
(2) زيادة على المطبوع ليستقيم السياق.
(16/129)

وأما الأمر الخامس: فقد أجاب عنه البخاري في "جزء القراءة" (1) بقوله: ثنا عُبيد بن يَعيش، قال: حدثنا يونس، [قال: حدثنا ابن إسحاق] (2) قال: أخبرني الأعرج، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: "لا يُجزِئك إلا أن تُدرِكَ الإمامَ قائمًا قبلَ أن يركع".
حدثنا (3) عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة (4) عن عبد الرحمن بن هرمز قال: قال أبو سعيد رضي الله عنه: "لا يَركعْ أحدُكم حتى يقرأَ أمَّ القرآن".
قال البخاري: وكانت عائشة تقول ذلك.
وقال علي بن عبد الله (5) (ابن المديني): إنما أجاز إدراكَ الركوع من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين لم يروا القراءةَ خلف الإِمام، منهم: ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر، فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة قال: "اقرأْ بها في نفسِك يا فارسيُّ"، وقال: "لا تعتدَّ بها حتى تُدرِكَ الإِمام قائمًا".
وقال البخاري في موضع آخر (6): حدثني مَعْقِل بن مالك، ثنا أبو عوانة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: "إذا أدركتَ القومَ ركوعًا لم تعتدَّ بتلك الركعة".
__________
(1) (ص 267 وما بعدها). والأثر الأول برقم (140).
(2) ساقطة من المطبوع، والاستدراك من "جزء القراءة".
(3) المصدر السابق رقم (141).
(4) في المطبوع: "أي ربيعة" خطأ. والتصويب من المصدر السابق.
(5) نقل عنه البخاري في "جزء القراءة" (ص 269 - 271).
(6) "جزء القراءة" (ص 439).
(16/130)

وفي موضع آخر (1): عن يحيى بن بُكَير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز أن أبا سعيد الخدري كان يقول: "لا يركعنَّ أحدُكم حتى يقرأَ بفاتحةِ الكتاب"، قال: وكانت عائشة تقول ذلك.
أجاب الشيخ - عافاه الله - بقوله: ما حكاه البخاري عن أبي هريرة هو من طريق ابن إسحاق، ومُعارَضٌ بما ذكر مالك في "الموطأ" (2) بخلافه، ويقول شارحه ابن عبد البر (3): "هذا قول لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به، وفي إسناده نظر. وما حكاه عن أبي سعيد وعائشة من قولها .. ليس نصًّا صريحًا في عدم الاعتداد .. بل هو في إتمام الفاتحة قبل أن يركع ....
أقول: محمَّد بن إسحاق ثقة عند كبار الأئمة، وقد ساق البخاري في "جزء القراءة" (4) كلامًا طويلاً في تثبيته، وقد صرَّح هنا بالسماع، فانتفتْ تهمةُ التدليس.
وأما ما في "الموطأ" فبلاغ منقطع لا تقوم به حجة، وربما يكون مالك إنما أخذه من عبد الرحمن بن إسحاق، فقد أشار البخاري إلى روايته نحو ذلك، وساق البخاري كلامًا في توهين عبد الرحمن هذا (5)، والبخاري وشيخه ابن المديني إمامان مجتهدان مقدَّمان في معرفة النقل والنقلة، فلا يُدفَع كلامهما في ذلك إلا بحجة واضحة.
__________
(1) (ص 242, 243).
(2) (1/ 11) ولفظه: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة".
(3) "الاستذكار" (1/ 62) ط. دار الكتب العلمية.
(4) (ص 301 - 304).
(5) (ص 285 - 287).
(16/131)

وما ذكره عن أبي سعيد وعائشة إنما احتجَّا به؛ لأنه يدل أن المأموم إذا أدرك الإِمام قُبيلَ الركوع لم يكن له أن يدع الفاتحة أو بعضها، ثم يعتد بتلك الركعة، فإذا لم يتحمل عنه الإِمام بعضًا من الفاتحة فقط، فَلَأنْ لا يتحمَّلها عنه كلَّها، ومعها القيامُ أولى.
وإذا كان الظاهر أن القول بالإدراك مخالفٌ للقول بافتراض الفاتحة على المأموم، وكان المصرِّحون من الصحابة بالإدراك هم من الذين عُرِف عنهم القولُ بعدم افتراض الفاتحة على المأموم، وجاء عن جماعةٍ من القائلين بالافتراض من الصحابة ما هو صريحٌ أو ظاهرٌ في عدم الإدراك، ولم يثبت عن أحدٍ منهم خلافُ ذلك = فإنه يَقوى جدًّا ظنُّ أن القائلين بالافتراض قائلون بعدم الإدراك، فكلام البخارىَّ وشيخِه متينٌ جدًّا.
وأما أن الجمهور الغالب على الإدراك فحقٌّ، ولكن هل يكفي هذا لتخصيصِ (1) النصوص الدالة على فرضية القيام وفرضية الفاتحة وفرضية قضاء ما فات؟ ومع تلك الأدلة الاعتبار الواضح، فإن المعهود في فرائض الصلاة أن لا يسقط شيء منها إلا لعذرٍ بيِّن، وليس المسبوقية كذلك، لتمكُّنِ المسبوق بدون مشقةٍ تُذْكَر من الإتمام بعد سلام الإِمام.
ومن المسبوقين من يكون مقصَّرًا تقصيرًا واضحًا، فقد رأينا من يتكاسل عن القيام فلا يُكبَّر إلا عند ركوع الإِمام، ومنهم من يتشاغل بمحادثة رفيقه، أو تجميلِ لِبْسته، أو التفرُّجِ على بعض الأشياء، أو يتخطَّى الصفوفَ لِيُزاحِم في الصفّ الأول بدون فُرجةٍ فيه، أو يتشاغل بذكر أو دعاء، إلى غير ذلك.
__________
(1) في المطبوع: "التخصيص" خطأ.
(16/132)

والقائلون بالإدراك لم يُفرَّقوا فيما أعلم.
نعم، لا يُنكَر أنَّ للقول بالإدراك قوةً مَّا لذهاب الجمهور - ومنهم جماعة من علماء الصحابة - إليه، وما جاء مما يدلُّ عليه على ما فيه، فلا لومَ على من قوِيَ عنده جدًّا فقال به.
فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها، واشتغال الذمة بالصلاة كاملةً، والله الموفق.
(16/133)

الرسالة الخامسة
بحث فى حديث قيس بن عمرو "صلاة ركعتي الفجر بعد الفرض"
(16/135)

[ق 8] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه وبركاته على محمَّد وآله.
أما بعد، فهذا بحث في حديث قيس بن عمرو، التمسه مني بعض الإخوان.
قال الإِمام أحمد في "المسند" (5/ 447) (1): ثنا ابن نمير ثنا سعد بن سعيد حدثني محمَّد بن إبراهيم التيمي عن قيس بن عمرو قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يُصلِّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أصلاةَ الصبحِ مرتينِ؟ " فقال الرجل: إني لم أكن صلَّيتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأخرجه ابن ماجه (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الله بن نمير ثنا سعد بن سعيد ... فذكره. وكذلك هو في "مصنَّف" (3) أبي بكر بن أبي شيبة.
وأخرجه أبو داود (4): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير ... فذكره،
__________
(1) رقم (23760).
(2) رقم (1154).
(3) (2/ 254).
(4) رقم (1267).
(16/137)

وفيه: "صلاة الصبح ركعتان" بدل قوله في رواية أحمد وأبي بكر: "أصلاة الصبح مرتين".
وأخرجه الشافعي في "الأم" (1/ 131) (1) أنا سفيان بن عيينة عن ابن قيس عن محمَّد بن إبراهيم التيمي عن جده قيس قال: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " فقلت: لم أكن صليتُ ركعتي الفجر، فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك أخرجه البيهقي في "السنن" (1/ 456) من طريق الشافعي والحميدي كلاهما عن ابن عيينة، إلا أن في رواية الحميدي: ثنا سفيان ثنا سعد بن سعيد بن قيس عن محمَّد بن إبراهيم التيمي عن قيس جد سعد.
قال البيهقي: زاد الحميدي في حديثه: قال سفيان: وكان عطاء بن أبي رباح يروي هذا الحديث عن سعد.
قوله في "مصنف" ابن أبي شيبة (2): ثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك عن عطاء أن رجلاً صلَّى مع النبي عليه السلام صلاة الصبح ... فقال النبي: "ما هاتان الركعتان؟ " فقال ... ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره ولم ينهه.
ثنا هشيم قال أخبرنا شيخ يقال له مِسْمع بن ثابت قال: رأيتُ عطاءً فعل مثل ذلك.
وأخرجه الترمذي (3): ثنا محمَّد بن عمرو السواق البلخي ثنا
__________
(1) (10/ 101) ضمن "اختلاف الحديث" ط. دار الوفاء.
(2) (2/ 254).
(3) رقم (422).
(16/138)

عبد العزيز بن محمَّد عن سعد بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم عن جدّه قيس قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقيمت الصلاة، فصليتُ معه الصبح، ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدني أصلَّي، قال: "مهلًا يا قيس! أصلاتانِ معًا؟ " قلت: يا رسول الله، إني لم أكن ركعتُ ركعتي الفجر، قال: "فلا إذًا".
قال الترمذي: ... وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل، محمَّد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس.
وقال أبو داود: روى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلاً أن جدَّهم صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -
أقول: رواية عبد ربه عند أحمد في "المسند" (5/ 447) (1): ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: وسمعت عبد الله (كذا) بن سعيد أخا يحيى بن سعيد يحدث عن جده قال: خرج إلى الصبح ... فمرَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ما هذه الصلاة؟ "، فأخبره فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومضى ولم يقل شيئًا.
وذكره البيهقي في "السنن" (1/ 487) عن الحاكم عن الأصمّ عن الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن الليث عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلَّي صلاة الفجر، فصلَّى معه، فلما سلَّم قام فصلَّى ركعتي الفجر، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -: "ما هاتان الركعتان؟ " فقال: ... ، فسكتَ ولم يقل شيئًا.
وفي ترجمة قيس من "الإصابة" (2) أن ابن مندة ذكر رواية أسد ثم قال:
__________
(1) رقم (23761).
(2) (9/ 137) ط. التركي.
(16/139)

غريب، تفرَّد به أسد موصولًا، وقال غيره: عن الليث عن يحيى أن جدّه (في النسخة: حديثه (1)) مرسل".
أقول: سعد بن سعيد ليس بالحافظ عندهم (2)، وقد اختلفت الألفاظ في موضعين كما ترى:
أما الأول: ففي رواية ابن نمير عنه "أصلاة الصبح مرتين؟ "، هكذا رواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة عن ابن نمير، وفي رواية عثمان بن أبي شيبة "صلاة الصبح ركعتان"، وهي قريب من التي قبلها، فإن خالفتْها فأحمد وأبو بكر أثبتُ، وفي رواية سفيان بن عيينة عن سعد "ما هاتان الركعتان؟ "، ويوافقها ما في مرسل عبد ربه: "ما هذه الصلاة؟ "، وفي مرسل يحيى، وأسنده أسد: "ما هاتان الركعتان؟ "، وفي رواية الدراوردي عن سعد: "مهلًا يا قيس! أصلاتان معاً؟ ". والدراوردي ليس بالحافظ؛ إلا أن هذا اللفظ يقرب في المعنى من لفظ ابن نمير.
[ق 8 ب] وأما الموضع الثاني: ففي عامة الروايات: "فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وفي رواية الدراوردي عن سعد وحدها: "فقال: فلا إذًا".
فأما الموضع الأول ففيه احتمالان:
الأول: أن ترجَّح رواية ابن عيينة لجلالته وقِدَم سِنِّه وسماعه، وذلك مظنة أن سماعه من سعد أقدم من سماع غيره، وإذا اختلفتْ رواية رجلٍ فالرواية التي ذكرها قبل تقدمه في السنّ أولى؛ لأن العادة أن الرجل كلما
__________
(1) كذا في المطبوعة.
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 470).
(16/140)

تقدَّم في العمر ضعف حفظه. ولموافقتها - أعني رواية ابن عيينة عن سعد - لمرسل عطاء، والظاهر أنه إنما سمعه من سعد كما تقدم عن ابن عيينة، ولرواية عبد ربه ويحيى أخوي سعد، وهما أجلُّ من سعد، ولا سيما يحيى، فإن ابن عيينة عَدَّه في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه.
وعلى هذا، فالظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سأل عن تينك الركعتين خشيةَ أن تكونا مما لا يجوز صلاته في ذلك الوقت، فلما ذكر الرجل أنهما ركعتا الفجر لم يُصلِّهما قبل الفريضة فقد أدركهما حينئذٍ سكت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدلَّ سكوتُه على الجواز، كما فهمه عطاء والشافعي وغيرهما.
الاحتمال الثاني: أن يقال: لا منافاة بين قوله: "ما هاتان الركعتان؟ " وبين قوله: "أصلاة الصبح مرتين؟ "، فلعله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين اللفظين.
فأما قوله: "أصلاتان معًا؟ " فهو محتمل لأن تكون بمعنى: "أصلاة الصبح مرتين؟ ".
وأما ما في رواية الدراوردي: "صلاة الصبح ركعتان" فهو قريب من ذلك، مع أن الدراوردي ليس بالحافظ.
وعلى هذا الاحتمال فيكون قد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أصلاة الصبح مرتين؟ " وهذا يحتمل وجهين:
الأول: إبقاؤه على ظاهره، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن راتبة الصبح محلها قبلها، والغالب أداؤها كذلك، فلما رأى الرجل صلَّى بعد الصبح ركعتين جوَّز أن يكون إنما أعاد الصبح، فأنكر عليه ذلك، فلما أخبره بأنه لم يُصلِّ الصبح مرة أخرى، وإنما تداركَ الراتبة، سكت عنه.
(16/141)

الوجه الثاني: أن يحمل على نحو ما وقع في حديث عبد الله بن سَرْجَس في "صحيح مسلم" (1) وغيره أن رجلاً دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح، فصلى ركعتين وحده، ثم دخل مع الجماعة فصلى، قال: فلما سلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ ".
فلم يكن صلاة الرجل وحدَه مَظِنةَ أنه قصد بها الفرض، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزَّلها منزلتَها، كناية عن أن ذلك الوقت إنما تصلح فيه الفريضة، كما صرّح به في الحديث الآخر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ".
فيحمل قوله في حديث قيس: "أصلاة الصبح مرتين" على نحو هذا، بأن يقال: لم يكن هناك مظنة لإعادة الرجل صلاةَ الصبح بعد أن صلاها مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما نُزِّلتْ منزلةَ ذلك كنايةً عن أن الوقت إنما تصلح فيه الفريضة؛ لأنه وقت كراهة.
أقول: وينبغي تدبر هذا الموضع، فإن فيه دقةً، فاعلم أن قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي صلَّى بعد إقامة الصبح: "بأيَّ صلاتَيْك اعتددت؟ " يتضمن إنكارينِ:
الأول: إنكار اشتغاله بصلاة غير المكتوبة، وقد أقيمت المكتوبة. وكنى عن هذا الإنكار بتنزيل صلاته وحده منزلة الفريضة، فكأنه قال: هذا الوقت - أي وقت إقامة المكتوبة - لا تصلح فيه إلا المكتوبة، فلعلك أردتَ بصلاتك أن تكون هي المكتوبة، وهذا كما تقول لمسلم تعلم أنه مفطر في نهار رمضان بغير عذر، وقد سمعته يشتم إنسانًا: لا ينبغي للصائم أن يشتم
__________
(1) رقم (712).
(16/142)

الناس، تُنزِّله منزلةَ الصائم توبيخًا له؛ لأنه كذلك ينبغي له أن يكون.
الإنكار الثاني: مبني على الأول، أي لا ينبغي أن يحضر الرجل الجماعةَ، فيصلِّي تلك الصلاةَ وحده، ثم يصلِّيها مع الجماعة.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي صلَّى بعد الفراغ من الصبح: "أصلاة الصبح مرتين؟ " فإنه إنما يظهر منه الإنكار الثاني، وأما الأول فلا، وذلك أن الأول مبني على أن الوقت يصلح للصبح، ولا يصلح لغيرها، وهذا واضح في الصلاة بعد الإقامة، بخلاف الصلاة بعد الفراغ من الصبح, لأنك إن أردت الصلاحية في مثل تلك الحال، فالوقت في مثل تلك الحال غير صالح للصبح, لأن الرجل قد أدَّاها في جماعة في المسجد، فلم يبقَ الوقتُ صالحًا [ق9 أ] لأن يعيدها وحده.
وإن أردت الصلاحية في الجملة فهي ثابتة لها، ولراتبتها؛ لأنه بين طلوع الفجر وطلوع الشمس الوقتُ صالح لراتبة الصبح وفريضتها.
فعلى كلا الحالين لا يصح أن يقال: إن ذاك الوقت إنما يصلح للفريضة، فتدبرْ، وأَنْعمِ النظر!
فعلى الاحتمال الثاني يتعين الوجه الأول، وهو الموافق للظاهر، فيكون في الحديث النهي عن أن تُصلَّى الصبحُ مرتين.
على أنه لو صح الوجه الثاني لوجب استثناء راتبة الصبح بدليل آخر الحديث.
وأما الموضع الثاني: فلا ريب في مخالفة رواية الدراوردي لسائر الروايات؛ لأن عامة الروايات تتفق على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت ولم يقل شيئًا،
(16/143)

والدراوردي يقول: "فقال: فلا إذًا".
وهَبْ أن رواية الدراوردي صحت، فهي موافقة في الحكم لراوية الجماعة، وذلك أننا إذا قلنا في الموضع الأول بالاحتمال الأول، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سأله عن تلك الصلاة خشيةَ أن يكون مما لا يجوز في ذلك الوقت، فأخبره الرجل بأنها راتبة الفجر تداركَها، فسواءٌ أسكتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أم قال: "فلا إذًا"؛ لأن سكوته دلَّ على أنه تبين أنها مما يجوز، إذ لو كانت مما لا يجوز لبيَّن له ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
فإن قيل: اكتفى ببيانٍ سابقٍ بالنهي عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس.
قلنا: اعتذار الرجل يدلُّ أنه لم يبلغه ذلك، أو لم يفهم منه النهي عن تدارك راتبة الفجر، فكيف يسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يبيَّن له في وقت حاجته اكتفاءً ببيانٍ لم يحصل له؟ مع أن السكوت مُوهِمٌ للجواز، كما لا يخفى.
وإن صح قوله: "فلا إذَنْ" فهو أوضح من السكوت؛ لأن هذه العبارة معناها في العربية: "فإذا كان كذلك فلا"، فمؤدَّاها هنا: "فإذا كانت صلاتك إنما هي راتبة الصبح تداركتَها فلا".
والمنفي ب "لا" هو ما دل عليه قوله: "ما هذه الصلاة؟ " من أن من الصلاة ما هو ممنوع في ذلك الوقت، فكأنه قال: "فلا منْعَ".
ونظير هذا ما في "الصحيحين" (1) أنهم أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - قبيلَ طواف الوادع أن صفية حاضت، فقال: "أحابِستُنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت. قال:
__________
(1) البخاري (1757) ومسلم (1211/ 384) من حديث عائشة.
(16/144)

"فلا إذنْ"، أي إذا كانت قد أفاضت فليستْ بحابستنا.
ومثله ما في "صحيح مسلم" (1) في حديث النعمان بن بشير لما نَحَلَه أبوه غلامَا، وجاء يُشهد النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقال - صلى الله عليه وسلم - لبشير: "أكلَّ بَنِيكَ قد نَحَلْتَ مثل ما نحلتَ النعمانَ؟ " قال: لا. قال: "فأَشْهِدْ على هذا غيري"، ثم قال: "أيسرُّكَ أن يكونوا إليك في البرِّ سواءً؟ " قال: بلى. قال: "فلا إذَنْ" أي فإذا كان كذلك بأن كان يسرُّك استواؤهم في البر، فلا يصح أن تُفضِّل بعضَهم على بعض في النحلة.
وحكى صاحب "فيض الباري" (2) من الحنفية عنهم أنهم قدَّروا: "فلا جوازَ إذنْ" قال: "إلا أنه لا يظهر فيه معنى الفاء ... ". ثم ذهب يُوجِّه ذلك، ويحاول أن يصير المعنى ما عبَّر عنه بلغة أردو بقوله: "بهر بهي نهين" أي "وأيضًا لا"، أو "ومع ذلك لا".
ولم أر فيما استشهد به ما تقوم به الحجة.
ومقصودي هنا الكلام على هذا الحديث لا على أصل المسألة، فإن للكلام فيها موضعًا آخر، حتى لو ثبت ما تقوم به الحجة على المنع من تدارك ركعتي الفجر بعد صلاتها وقبل طلوع الشمس، لكان الجواب عن حديث قيس أنه لم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة وحده، فأما دلالته فظاهرة، والله أعلم.
__________
(1) رقم (1623/ 17).
(2) هو الشيخ محمَّد أنور شاه الكشميري، وكلامه في "العرف الشذي" (1/ 402، 403).
(16/145)

نعم، أنبِّه على شيء واحدٍ، وهو أن صاحب "الفيض" ذكر ما وقع عن أبي داود (1) في باب المسح على الخفين في حديث المغيرة في إدراك النبي - صلى الله عليه وسلم - الناسَ وهم يصلُّون الصبحَ خلف عبد الرحمن بن عوف وقد صلَّوا ركعة، قال المغيرة: "قام النبى - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى الركعة التى سُبِقَ بها، ولم يَزِدْ على ذلك".
فحمل صاحب "الفيض" قولَه: "ولم يَزِدْ على ذلك" على أنه لم يتدارك ركعتي الفجر، لا ما ذكره أبو داود من نفي سجود السهو.
أقول: يحتمل في الواقعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى ركعتي الفجر راكبًا قبل أن يصلَ إلى الجماعة لأنه كان مسافرًا، بل هذا هو الظاهر.
وقوله: "ولم يَزِدْ شيئًا" يحتمل ما قال أبو داود، ويحتمل [ق9 ب]، معنى ثالثًا، وهو أنه لم يزِدْ ركعة أخرى، والحامل على هذا أنه قد يُتوهَّم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعتدُّ بالركعة التي صلَّاها خلف عبد الرحمن. فتأمل! والله أعلم.
__________
(1) رقم (152).
(16/146)

الرسالة السادسة
إعادة الصلاة
(16/147)

[ق10] إعادة الصلاة
أخرج أبو داود والنسائي وابن حِبّان في "صحيحه" وغيرهم (1) من طريق حسين بن ذَكْوان المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيتُ ابنَ عمر على البلاط وهم يُصلُّون، فقلتُ: ألا تصلِّي معهم؟ قال: قد صليتُ، إني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تُصَلُّوا صلاةً في يومٍ مرتينِ". لفظ أبي داود.
ولفظ النسائي: "لا تُعاد الصلاةُ في يومٍ مرتينِ".
وفي رواية لغيره (2): "والناس في صلاة العصر"، ذكره الدارقطني (ص 159) (3) وقال: تفرد به حسين المعلم عن عمرو بن شعيب.
وللطحاوي (4) من طريق عمرو بن شعيب أيضًا عن خالد بن أيمن المعافري قال: "كان أهلُ العوالي يُصلُّون في منازلهم، ويُصلُّون مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُعيدوا الصلاةَ في يومٍ مرتين". قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق.
__________
(1) أبو داود (579) والنسائي (2/ 114) وابن حبان (2396). وأخرجه أيضًا أحمد (4689) وابن خزيمة (1641) والدارقطني (1/ 415، 416) والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 303) بهذا الإسناد.
(2) هي رواية الدارقطني (1/ 416).
(3) (1/ 416) من طبعة عبد الله هاشم يماني.
(4) "شرح معاني الآثار" (1/ 317).
(16/149)

أقول: أما الحديث الأول فترجم له أبو داود: "باب إذا صلَّى في جماعة ثم أدرك جماعة"، وترجم له النسائي "سقوط الصلاة عمن صلَّى مع الإِمام في المسجد جماعةً"، أراد بذلك الجمعَ بين حديث ابن عمر وأحاديث الإعادة، وستأتي. وذلك أن حديث ابن عمر عامٌّ، وأحاديث الإعادة أخصُّ منه، وعبارة النسائي أفقه، كما ستعلم إن شاء الله تعالى.
وحمل بعضهم (1) حديث ابن عمر على النهي عن الإعادة على سبيل الفرض، وليس بواضح.
نعم، لفظه في رواية: "لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين" (2)، وهذا يحتمل معنى أنها إنما تكتب مرة، ولا تُكتب مرة أخرى، أي لا تُفرَض، فيكون حاصله أنه لا تُفرض إعادة الصلاة.
وأما مرسل خالد، وقد صدَّقه ابن المسيّب، فقوله: "مرتين" يحتمل أن يكون راجعًا إلى الصلاة، والتقدير: "أن يُعيدوا الصلاة، يصلوها في يوم مرتين"، فتكون كحديث ابن عمر باللفظ الأول.
ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الإعادة، أي "إعادتين" وهذا هو الظاهر، فإن قولك: "أعدتُ الصلاةَ مرتين" ظاهره أنك صلَّيتَها ثمَّ أعدتَها ثم أعدتَها.
فإن قيل: الواقع من فعل القوم إنما هو أنهم كانوا يُصلُّون في منازلهم، ويصلُّون مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) هو البيهقي، انظر "السنن الكبرى" (2/ 303).
(2) في المصدر السابق.
(16/150)

قلت: نعم، ولكن كان علمهم بمشروعية إعادة الصلاة في الجملة مظنةَ أن يرغب بعضهم في إعادتها أكثر من مرة.
وحديث ابن عمر يحتمل هذا المعنى، بل لفظ النسائي ظاهر فيه، وهو: "لا تُعاد الصلاةُ في يوم مرتين".
وقد اختلف النقل عن ابن عمر؛ ففي "مصنَّف ابن أبي شيبة" (1): عن يونس عن الحكم عن الأعرج قال: أتيتُ على ابن عمر والناسُ في صلاتهم الظهر، فظننته في غير طُهرٍ، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! آتِيْك بطهر. قال: إني على طهارة، وقد صليتُ، فبأيِّهما أَحتسبُ. قال يونس: فذكرت ذلك للحسن، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، يجعل الأولى المكتوبة، وهذه نافلةً.
وعن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد قال: خرجتُ مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد، حتى إذا نظرنا إلى باب المسجد إذِ الناس في صلاة العصر، فلم يزل واقفًا حتى صلَّى الناس، وقال: إني صلّيتُ في البيت (2).
وعن أبي خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن نافع أن ابن عمر اشتغل ببناءٍ له، فصلَّى الظهر، ثم مرَّ بمسجدِ بني عوف وهم يصلّون، فصلَّى معهم (3).
__________
(1) رقم (6709).
(2) المصدر السابق (6739).
(3) المصدر السابق (7625).
(16/151)

وفي "الموطأ" (1): عن نافع أن رجلاً سأل ابنَ عمر فقال: إني أُصلِّي في بيتي، ثم أُدرِكُ الصلاةَ مع الإِمام، أفأُصلَّي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم ... ".
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (2): عن ابن نُمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا صلَّى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةً صلَّى معهم، إلا المغرب والفجر".
وفي "الموطأ" (3) عن نافع عن ابن عمر نحوه.
وفي هذه الآثار كالدلالة على أن أصل الحديث إنما هو النهي عن الإعادة مرتين، كما في رواية النسائي، لا عن الصلاة مرتين.
وبالجملة، فالذي استقر عليه رأيُ ابن عمر مشروعية الإعادة مع الجماعة، وإنما استثنى المغرب والفجر؛ لأن المغرب وتر، وللنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وإنما لم يستثنِ العصر؛ لأن مذهبه جواز الصلاة بعد العصر حتى تصفرَّ، كما في "فتح الباري" (4).
ولننظر في الأدلة على مشروعية الإعادة:
1 - في "صحيح مسلم" (5) وغيره من حديث أبي ذر: قال لي
__________
(1) (1/ 133).
(2) رقم (6726).
(3) (1/ 133).
(4) (2/ 63).
(5) رقم (648).
(16/152)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، أو يُمِيتُون الصلاةَ عن وقتها؟ ". قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصَلِّ، فإنها لك نافلة".
وفي روايةٍ لمسلم (1): "صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَ الصلاة معهم فصَلِّ، ولا تقلْ: إني قد صلَّيتُ، فلا أُصلِّي".
وبمعناه أحاديث عن ابن مسعود (2) وعبادة بن الصامت (3) وغيرهما، وليس فيها التقييد بخوف فتنة أو نحوه.
2 - أخرج ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" (4)، والحاكم في "المستدرك" (5) وقال: صحيح كما في "تلخيص المستدرك" (1/ 244)، وابن السكن وصححه (6)، والترمذي (7) وقال: حسن صحيح، والنسائي (8) وأبو داود (9) وغيرهم عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: "شهدتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حَجَّتَه، فصليتُ معه صلاة الصبح في
__________
(1) رقم (648/ 242).
(2) أخرجه مسلم (534).
(3) أخرجه أبو داود (433).
(4) ابن خزيمة (1279، 1638، 1713) وابن حبان (1564، 1565، 2395).
(5) (1/ 244، 245)
(6) نقل تصحيحه الحافظ في "التلخيص الحبير" (2/ 29).
(7) رقم (219).
(8) (2/ 112، 113).
(9) رقم (575، 576).
(16/153)

مسجد الخيف، فلما قضى صلاتَه وانحرف إذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا معه، فقال: "عليَّ بهما"، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرائصُهما، فقال: "ما مَنَعَكما أن تُصلِّيا معنا؟ "، فقالا: يا رسول الله، كنَّا صلَّينا في رِحالِنا. قال: "فلا تفعلا، إذا صلَّيتما في رِحالكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلةٌ".
أقول: جابر بن يزيد بن الأسود، قال ابن المديني: لم يروِ عنه غير يعلى بن عطاء (1)، ولذلك قال الشافعي: "إسناده مجهول، نقله البيهقي (2). وقد وثَّقه النسائي (3)، وصحَّح حديثه جماعة كما مر. ولأئمة الحديث مذاهبُ في توثيق من لم يروِ عنه إلا واحد، ليس هذا موضعَ شرحها.
وقد أخرجه الدارقطني (ص 159) (4) بسندٍ رجاله موثَّقون عن بقيَّة حدثني إبراهيم (بن عبد الحميد) بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عُمير عن جابر بن يزيد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
وإبراهيم، قال أبو زرعة (5): ما به بأس، وقال ابن حبان في أتباع التابعين من "الثقات" (6): من فقهاء أهل الشام، كان على قضاء أهل حمص.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 46).
(2) في "السنن الكبرى" (2/ 302).
(3) انظر "التلخيص الحبير" (2/ 29).
(4) (1/ 414).
(5) انظر "الجرح والتعديل" (2/ 113).
(6) (6/ 13).
(16/154)

وهذه متابعة جيدة، وذكر الدارقطني وجهين آخرين (1)، فراجعه.
3 - مالك في "الموطأ"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح، والنسائي (2) وغيرهم عن زيد بن أسلم عن بُسْر بن مِحْجَن الدِّيلي: أنه كان جالسًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأُوذِنَ (3) بالصلاة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى بهم، ثم رجعَ ومِحْجَنٌ في مجلسه كما هو، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما منعَكَ أن تُصَلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟ " قال: بلى يا رسول الله، ولكني يا رسول الله كنتُ قد صلَّيتُ في أهلي. قال: "فإذا جئتَ فصَلِّ مع الناس وإن كنتَ قد صلَّيتَ". لفظ الحاكم في المستدرك (1/ 244)، ثم قال: هذا حديث صحيح، ومالك بن أنس الحَكَم في حديث المدنيين، وقد احتجَّ به في "الموطأ".
أقول: لم يذكروا لبُسْرٍ إلا راويًا واحدًا هو زيد بن أسلم (4)، فحاله شبيهة بحال جابر بن يزيد، لكن رواية زيد مع جلالة محله تُقوِّي حالَه، وقد جاء عن زيد أنه سُئل عن حديثٍ فقيل له: عمَّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي، لم نكن نجالس السفهاء (5).
__________
(1) انظر "سننه" (1/ 414).
(2) "الموطأ" (1/ 132) و"المستدرك" (1/ 244) والنسائي (2/ 112) ولم أجده عند ابن خزيمة. وأخرجه أيضًا أحمد (16395) وابن حبان (2405) والبيهقي (2/ 300).
(3) في الموطأ والمسند: "فأُذَّن".
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 438).
(5) انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 396).
(16/155)

4 - أبو داود (1) وغيره من طريق سعيد بن السائب عن نوح [بن] (2) صعصعة عن يزيد بن عامر قال: جئتُ ... فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جئتَ إلى الصلاة فوجدتَ الناسَ، فصَلِّ معهم وإن كنتَ قد صلَّيتَ، تَكُنْ لك نافلةً، وهذه مكتوبة".
أقول: نوح بن صعصعة لم يُذكَر له راوٍ إلا سعيد بن السائب (3)، واستنكروا قوله: "وهذه مكتوبة".
5 - مالك في "الموطأ" (4) عن عَفِيف السَّهمي عن رجلٍ من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: إنّي أصلَّي في بيتي، ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي، أفأُصلَّي معه؟ فقال أبو أيوب: نعم، فَصَلَّ معه، فإنَّ من صنَعَ ذلك فإن له سَهْمَ جَمْعٍ، أو مثلَ سَهْمِ جَمْعٍ.
وأخرجه أبو داود (5) بسند صحيح إلى بُكَير بن عبد الله بن الأشجِّ عن عَفِيف بن عمرو بن المسيّب، وفيه: فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "فذلك له سهمُ جَمْعٍ".
وقال بعضهم: "يعقوب بن عمرو بن المسيب" بدل "عفيف"، كما في "تاريخ" البخاري (4/ 2/ 190) (6).
__________
(1) رقم (577).
(2) ساقطة من الأصل.
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 485).
(4) (1/ 133).
(5) رقم (578).
(6) "التاريخ الكبير" (8/ 390).
(16/156)

عفيف: وثَّقه النسائي (1)، ويكفيه رواية مالك وبُكير عنه، ومالك مشهور بأنه لا يروي إلا عن ثقة، وكذلك بُكير، قال عمرو بن الحارث (2): إذا رأيتَ بكير بن عبد الله روى عن رجلٍ فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شكَّ فيه. ذكره في "التهذيب" في ترجمة بكير.
6 - أحمد في "المسند" (4/ 215) (3): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عمران بن أبي أنس عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رجلٍ من بني الدِّيل قال: "صليتُ الظهر في بيتي، ثمّ خرجتُ بأباعِرَ لي لأُصْدِرَها إلى الراعي، فمررتُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصلِّي بالناس الظهرَ، فمضيتُ فلم أُصَلَّ معه، فلما أَصدَرتُ أباعرِي ورجعتُ ذُكِرَ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: "ما مَنَعَك يا فلانُ أن تُصلِّي معنا حينَ مررتَ بنا؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنّي قد كنتُ صلَّيتُ في بيتي، قال: "وإنْ".
[ق11] أقول: الرجل من بني الدِّيل صحابي، ورجال السند كلهم ثقات، إلا أن في ابن إسحاق كلامًا، والراجح عندهم أنه ثقة يُدلَّس، وقد صرَّح هنا بالسماع، فزالت تهمة التدليس.
7 - أبو داود والترمذي (4) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" (5)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 209) وقال: صحيح
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (7/ 236).
(2) بل أحمد بن صالح المصري كما في "التهذيب" (1/ 492، 493).
(3) رقم (17890).
(4) أبو داود (574) والترمذي (220).
(5) ابن خزيمة (1632) وابن حبان (2397، 2398، 2399). وأخرجه أيضًا أحمد =
(16/157)

على شرط مسلم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمدة، فقال: "أيكم يَتَّجِرُ على هذا؟ "، فقام رجل فصلَّى معه. لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود والحاكم: "ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيُصلِّي معه".
وجاء بمعناه من حديث أبي أمامة عند أحمد (5/ 254) (1)، ومن حديث أنس عند الدارقطني (ص 103) (2)، وفي "كنز العمال" (3) أنه أخرجه أبو عوانة والضياء في "المختارة" (4). وقال الترمذي (5): وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى (6) والحكم بن عُمير (7).
__________
= (11613، 11019) والدارمي (1/ 318) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 69).
(1) رقم (22189، 22316). وإسناده ضعيف جدًّا، لضعف عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني.
(2) (1/ 276).
(3) (7/ 643) برقم (20692).
(4) رقم (1670، 1671). وأخرجه أيضًا الطبراني في "المعجم الأوسط" (7282). وإسناده حسن.
(5) عقب الحديث (220).
(6) أخرجه ابن ماجه (972) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 308) والدارقطني (1/ 280) والحاكم في "المستدرك" (4/ 334) والبيهقي (3/ 69) بلفظ: "الاثنان فما فوقهما جماعة". وإسناده ضعيف جدًّا، الربيع بن بدر متروك، ووالده وجدّه مجهولان.
(7) في الأصل: "عمرو"، والتصويب من الترمذي. والحديث أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (7/ 415) وابن عدي في "الكامل" (5/ 250) باللفظ المذكور. وفي إسناده عيسى بن إبراهيم القرشي، قال البخاري: "منكر الحديث".
(16/158)

وجاء من مرسل أبي عثمان النهدي (1)، والحسن البصري. قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (2): ثنا هُشيم نا خصيف بن يزيد التيمي (3) قال: نا الحسن أن رجلاً دخل المسجدَ وقد صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ألا رجلٌ (4) بقوم إلى هذا فيصلِّي معه؟ "، فقام أبو بكر فصلَّى معه، وكان قد صلَّى تلك الصلاة.
8 و9 و10 - حديث جابر في صلاة معاذ، وحديثه في صلاة الخوف، وحديث أبي بكرة في صلاة الخوف أيضًا، وستأتي إن شاء الله تعالى.
...
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (7173).
(2) رقم (6723).
(3) كذا في نسخ "المصنّف"، والصواب: "خصيب بن زيد التميمي"، كما في "التقريب" وغيره من كتب الرجال.
(4) في الأصل: "رجلاً". والتصويب من "المصنّف".
(16/159)

الفقه
لا يخفى أن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وهذه الأحاديث إنما دلَّت على مشروعية الإعادة في صور:
الأولى: من صلَّى في بيته أو نحوه، ولو جماعةً، ثم أدرك الجماعة في المسجد.
وقولي: "ولو جماعةً" مأخوذ من عموم الأحاديث؛ إذ لم تُقيَّد الصلاة في الرحل بكونها فرادى.
الثانية: فيما إذا رأى إنسانًا يريد الصلاة وحده، فيتصدَّق عليه.
الثالثة: في الرجل يكون إمامًا راتبًا، فيصلَّي في غير مسجده، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلِّي بهم.
الرابعة: في الخوف.
فما عدا هذه الصور باقٍ على الأصل من عدم مشروعية الإعادة، إلا أن يتفق ما هو في معنى واحدةٍ منها.
فأما حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" أو "لا تُعاد الصلاة في يومٍ مرتين" أو "لا صلاةَ مكتوبة في يومٍ مرتين"، فإن كان باللفظ الثاني، ومعناه النهي عن إعادتها مرتين، بأن يصلِّيها ثم يعيدها ثم يعيدها، فلا مخالفةَ فيه لما تقدم، إلا أن يُتصوَّر في بعض الصور الأربع ما يستلزم مثل هذا، كأن يصلّي في بيته، ثم يعيد مع الإِمام، ثم يريد أن يتصدق بإعادتها مع من يريد أن يصلِّي وحدَه.
(16/160)

وإن كان باللفظ الثالث: لا تُكْتَب أي لا تُفْرَض صلاةٌ واحدةٌ في يوم مرتين، وحاصله أن تكون إعادةُ صلاةٍ من المكتوبات مفروضةً كأصلها، فلا خلاف فيه أيضًا.
وإن كان باللفظ الأول: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" فهو عام، وأحاديث الباب خاصة، فيعمل بها فيما دلَّت عليه، وما بقي فللعام.
وهذا فيما يظهر مُجمَعٌ عليه في الظهر والعشاء، واختلف الناس في الباقي.
أما الصبح والعصر، فللنهي عن الصلاة بعدهما.
وأما المغرب فقياسًا على الوتر.
والذي يترجح إعادة الصبح أيضًا للحديث الثاني، وكذلك العصر للحديث الأول، وقياسًا على الثاني من باب أولى؛ لأنه قد ورد جواز الصلاة بعد العصر في غير هذا.
وقد يقال: إنه بين طلوع الفجر وطلوع الشمس إنما المنهيُّ عنها ما عدا راتبةِ الصبح وفريضتِها، فهي خارجة عن النهي، فكذلك الصبح إذا أُعيدَتْ حيث تُشْرَع إعادتها، ونحوه يقال في إعادة العصر.
هذا، والأحاديث في الأوقات المكروهة تدلُّ أن الكراهة إنما تشتدُّ في وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. وأما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وبين صلاة العصر ووقت الغروب، فإنما هما كالحِمَى لسدِّ الذريعة.
فلو قيل: إن ما عدا الفريضتين مما له سببٌ متقدمٌ أو مقارنٌ إنما يمتنع عند الطلوع وعند الغروب، لكان مذهبًا يتفق به عامة الأدلة، كذا كان يخطر
(16/161)

لي، ثم رأيتُ بعض أجلَّة العصرِ نحا نحوه.
فأما المغرب فقد جاءت إعادتها في إمامة معاذ بقومه، كما يأتي، وكذلك في الخوف كما يأتي، وعموم الأدلة يقتضي إعادتَها بصفتها، وجاء عن جماعةٍ من السلف أنه يَشْفَعُها بركعة، كما قيل بنحوه في الوتر. وجاء عن بعضهم ما يدلُّ على التخيير بين أن يُعيدَها بصفتها، وأن يُعيدَها ويَشْفعَها بركعة.
والأقرب - والله أعلم - أنه يُعيدها بصفتها، ومما يُؤيِّد هذا احتمالُ أن يكون في صلاته الأولى خللٌ ضارٌّ لم يتنبه له، فتكون الثانية هي فرضَه على الحقيقة، أو تكون الثانية أكثرَ أجرًا، فيتفضل الله عزَّ وجلَّ بجعلها فريضتَه حتى يكون له فيها الثواب الفرض.
وهذا مجمل ما جاء عن ابن عمر وابن المسيِّب أن تعيين أيهما الفرض إلى الله عزَّ وجلَّ، ولا يُنافي هذا ما جاء من السنة، وفي كلام ابن عمر وغيره أن الثانية نافلة، فإن هذا - والله أعلم - مبنيٌّ على الظاهر من أنه قد صلَّى صلاةً صحيحة بَرِئتْ بها ذمتُه في الظاهر، فتدبَّر! والله أعلم.
***
(16/162)

فصل هل يُعيد إمامًا؟
* أدلة المجيزين:
الأول: حديث جابر في قصة معاذ
رواه عن جابر جماعةٌ أجلُّهم عمرو بن دينار، ورواه عن عمرٍو جماعةٌ أجلُّهم ابن جريج.
قال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد قال: أخبرني ابن جريج عن عمرو عن جابر قال: "كان معاذ يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ، ثم ينطلق إلى قومه، فيصلِّيها بهم، هي له تطوع، وهي لهم المكتوبة". (الأم 1/ 153) (1).
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (2) - كما يظهر من "الفتح" (3) وغيره -: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو.
وكذلك أخرجه الدارقطني (ص 102) (4) وغيره - من طريق عبد الرزاق.
وأخرجه الدارقطني (5) أيضًا: حدثنا أبو بكر النيسابوري نا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ....
__________
(1) (2/ 347) ط. دار الوفاء.
(2) رقم (2266).
(3) (2/ 195، 196).
(4) (1/ 275).
(5) (1/ 274).
(16/163)

وقد طعن بعضهم في زيادة "هي له تطوع" قال: قد رواه عن جابر جماعة غير عمرو - كما سيأتي - وعن عمرو جماعة غير ابن جريج - كما سيأتي - ولم يذكروا هذه الزيادة.
ثم قال بعضهم: إنما وجدت في رواية الشافعي، وقد علمت أنها ثابتة من غير طريقه.
وقال غيره: إنما هي في رواية ابن جريج، ويوشك أن تكون مدرجة، وجزم بعض المتأخرين أنه أدرجها ابن جريج، وقوى ذلك بموافقتها لمذهب ابن جريج.
أقول: إن أراد أن ابن جريج أدرجها عمدًا؛ لتلتبس بالحديث وتُحسَب منه، فهذه تهمة باطلة تنافي أصلَ العدالة، فضلاً عما عُرِف به ابن جريج من التقوى والجلالة.
فإن قيل: فإنه معروف بالتدليس.
قلت: تدليسه المعروف عنه أنه إذا قال: "قال فلان" احتمل أن لا يكون سمعه منه، وقد أخبر بذلك عن نفسه، أي أنه لا يلتزم إذا قال: "قال فلان" أن يكون سمعه منه، بل قد يقول فيما لم يسمعه ممن سمَّاه، وقال - كما في "تهذيب التهذيب" (1) -: إذا قلت: "قال عطاء" فأنا سمعتُه منه، وإن لم أقلْ: سمعتُ.
فأوضح أنه إنما يلتزم في قوله: "قال فلان" أن يكون سمعه من فلان إذا قال: "قال عطاء"، فأما في غيره فلا.
__________
(1) (6/ 406).
(16/164)

[ق12] وهكذا ينبغي أن تكون الحال في كل ثقةٍ عُرِف بالتدليس، فأما من يُدلِّس بدون أن يدلَّ على أنه يُدلِّس فالظاهر أن ذلك يَخدِش في عدالته.
والمقصود أن اعتياد ابن جريج أن يقول: "قال فلان" ولم يسمع من فلان بعد أن بيَّن أنه قد يقول ذلك فيما لم يسمعه، لا يستلزم أن يلبس شيئًا من كلامه بالحديث؛ ليحسب من الحديث.
وإن أراد أن ابن جريج زادها على وجه التفسير بحسب اعتقاده، كما يقع كثيرًا من أهل العلم، يذكر الرجل الآية، ثم يُتبِعها بشيء من عنده على وجه التفسير، وكذلك في الأحاديث، وقد بيَّن علماء الحديث نوع المدرج، وأن غالبه يكون على هذه الوجه = فيرُدُّه أن العادة في مثل هذا أن الشيخ إذا تكررت روايته للحديث إنما يتفق الإدراج في بعض الروايات، وبقية الروايات إما أن تسكتَ عنه، وإما أن تُفصَّل، فتُميّز الحديثَ من كلام الشيخ.
وهذا الحديث قد روي عن ابن جريج من أوجهٍ كما علمتَ، وتلك الجملة متصلة بالقصة فيها كلها.
فالظاهر أنه إن كان هناك إدراج فهو من عمرو بن دينار؛ لأنه هو الذي تعددت عنه الروايات، ولم تقع الجملة المذكور إلا في رواية ابن جريج. فإن قيل بذلك، دُفِع بأن الإدراج خلاف الأصل، إذ الغالب مِن حال الثقة الضابط أنه إن أراد أن يُتبعَ الحديثَ بشيء من عنده فصَّل ذلك وبيَّنه. وابن جريج إمام فقيه متقن، وهو بلديُّ عمرو، ولازمه مدةً، فمن البعيد أن يشتبه عليه الأمر في هذا بأن تكون تلك الجملة من كلام عمرو، فيحسبها ابن جريج من الحديث، ويستمرَّ عليه الوهم.
(16/165)

والحاصل: أن انفراد رواية ابن جريج بذكر تلك الجملة دون بقية الرواة عن عمرو ودون بقية الرواة عن جابر يُشعِر بالإدراج، والأصل المذكور - أي أن الغالب من حال العدل الضابط أن لا يُتبع الحديثَ بشيء من كلامه بدون فصل أو بيان، والغالب من حال الفقيه المتقن التمييز بين ما يذكره الشيخ على أنه من الحديث، وما يزيده من عنده في الحديث - يُنافي الإدراجَ. فالميزان الترجيح بين هذين.
وقد يُرجَّح عدم الإدراج:
أولاً: بأن الإدراج في الأصل خلاف الظاهر الغالب، فلا يُصار إليه إلا بحجة واضحة، ولا يكفي ما يوقع في الشكّ والتردّد.
وثانيًا: لا يُستغرب أن ينفرد ابن جريج بالزيادة عن عمرو، فإنه بلديُّه، قديم السماع منه، وهو فقيه يعقل قيمة هذه الزيادة فيعتني بحفظها، فأما من ليس بفقيه فقد يرى أن من صلَّى صلاة صحيحة ثم أعادها، لا يتصور فيه إلا أن تكون الأولى فرضه، والثانية نافلة، فيتوهم أن الزيادة المذكورة لا حاجة إليها.
وقد قال الشافعي (1): أخبرنا إبراهيم بن محمَّد عن ابن عَجْلان عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر أن معاذ بن جبل كان يُصلَّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم العشاء، وهي له نافلة.
وإبراهيم بن محمَّد هو ابن أبي يحيى الأسلمي، كذَّبه جماعة، وكان الشافعي يُوثِّقه في حديثه، وكذلك وثَّقه ابن الأصبهاني، وقوَّاه ابن عُقدة
__________
(1) في "الأم" (2/ 347، 348).
(16/166)

وابن عدي (1).
ويظهر أن إبراهيم كان - أولاً - متماسكًا، وذلك لما سمع منه الشافعي، ثم تغيَّر بعده.
وعلى كل حال، فرواية إبراهيم لا تصلح للحجة، وقد رواه غيره عن ابن عجلان، ولم يقل: "وهي له نافلة". راجع "مسند أحمد" (3/ 302) (2).
وقال بعضهم: هَب الجملة المذكورة ثبتت عن جابر فذلك ظن منه، ولا يلزم أن يكون مطابقًا للواقع، وهَبْ أن معاذًا أخبر جابرًا بذلك، فذلك رأي لمعاذ، ولا يلزم أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف ذلك، وأقرَّه عليه.
وغير ذلك مما قالوه، وسيأتي النظر فيه جملة إن شاء الله تعالى.
ومنهم منصور بن زاذان: في "صحيح مسلم" (3) ولفظه: "أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ".
ومنهم سفيان بن عيينة: قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء أو العَتمةَ، ثم يرجع فيُصلِّيها بقومه في بني سلمة، قال: فأخَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذاتَ ليلةٍ. قال: فصلَّى معه معاذ. قال: فرجع فأمَّ قومَه فقرأ بسورة البقرة ... فقال: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء،
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 158 - 160).
(2) رقم (14241).
(3) رقم (465/ 180).
(16/167)

وإن معاذًا صلَّى معك ثم رجع فأمَّنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيتُ ذلك تأخرتُ وصلَّيتُ، وإنما نحن أصحاب نواضِحَ نعمل بأيدينا، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على معاذ فقال: "أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأْ بسورة كذا وسورة كذا" (الأم 1/ 152) (1).
ثم قال الشافعي: "وأخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا أبو الزبير عن جابر مثله، وزاد ... ".
الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو وأبي الزبير معًا: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (2/ 156) والبيهقي في "السنن" (3/ 112) عن الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو فقط، ثم ذكر زيادة "أبي الزبير" التي رواها الشافعي، ذكره البيهقي أيضًا.
ورواه عن ابن عيينة عن عمرو فقط جماعة، منهم الإِمام أحمد في "المسند" (3/ 308) (2)، ومن طريقه أبو داود (3).
ومنهم محمَّد بن منصور عند النسائي (4)، ومنهم محمَّد بن عبَّاد عند مسلم (5)، فلم يذكروا العشاء في أول الحديث، ولفظ مسلم: "كان معاذ يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي فيؤمُّ قومَه، فصلَّى ليلةً مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ... ".
__________
(1) (2/ 346) ط. دار الوفاء.
(2) رقم (14307).
(3) رقم (790).
(4) (2/ 102).
(5) رقم (465).
(16/168)

وممن رواه عن عمرو: شعبة، في "صحيح البخاري" (1) باب إذا طوَّل الإِمام، أخرجه عن بندار عن غندر عن شعبة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى العشاءَ فقرأ بالبقرة ... ". وكذلك رواه أحمد في "المسند" (3/ 369) (2) عن غندر.
ومنهم سُلَيم بن حيّان عند البخاري في "الصحيح" (3) في الأدب باب من لم يرَ إكفارَ من قال ذلك متأوّلًا، ولفظه: "إن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة ... ".
ومنهم أيوب السختياني، وستأتي روايته بعدُ إن شاء الله تعالى.

فصل
وممن رواه عن جابر: عبيد الله بن مِقْسم، قال أحمد في "المسند" (3/ 302) (4): ثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني عبيد الله بن مِقْسم عن جابر بن عبد الله: "أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم يأتي قومَه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ".
وكذلك أخرجه أبو داود (5) في باب إمامة من صلَّى بقومٍ، وقد صلَّى
__________
(1) رقم (701).
(2) رقم (14960).
(3) رقم (6106).
(4) رقم (14241).
(5) رقم (599).
(16/169)

تلك الصلاة، عن عبيد الله بن عمر بن مَيْسَرة عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان. وأخرجه في باب تخفيف الصلاة (1): حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا خالد بن الحارث ثنا محمَّد بن عجلان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر، ذكر تلك القصة.
وقد ساقه بتمامه البيهقي في "السنن" (3/ 116)، قال: "كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ، ثم يرجع فيصلِّي بأصحابه، فرجع ذات ليلة ... ".
ومنهم أبو الزبير، وقد تقدم رواية ابن عيينة عنه مع روايته عن عمرو بن دينار.
ورواه الليث بن سعد عن أبي الزبير مختصرًا: "صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاءَ فطوَّل عليهم ... ". أخرجه مسلم في "الصحيح" (2).
ومنهم أبو صالح، وروايته أيضًا مختصرة، قرنه النسائي (3)، باب خروج الرجل من صلاة الإِمام ... ، بمحارب، ولم يُسمِّ الصلاة.
وأخرج أبو داود (4) باب تخفيف الصلاة عن أبي صالح فقط، أخصر من ذلك، ولم يُسمِّ جابرًا، بل قال: "عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -".
__________
(1) رقم (793).
(2) (465/ 179).
(3) في "سننه" (2/ 97، 98).
(4) رقم (792).
(16/170)

ومنهم محارب بن دثار: قال النسائي (1) في باب القراءة في العشاء الآخرة ب (سبح اسم ربك الأعلى): أخبرنا محمَّد بن قدامة قال حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دِثار عن جابر قال: قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة فطوَّل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفتّانٌ يا معاذ؟ ... ".
وأشار إليه البخاري في "الصحيح" قال (2): قال عمرو وعبيد الله بن مِقْسم وأبو الزبير عن جابر: "قرأ معاذ في العشاء بالبقرة"، وتابعه الأعمش عن محارب.
ورواه النسائي (3) في موضع آخر لكن مقرونًا بأبي صالح كما مر.
[ق13] ومنهم عبد الرحمن بن جابر: قال أبو داود (4) والطيالسي في "مسنده" (ص) (5): "مرَّ حَزْم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلِّي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة ... ".
__________
(1) في "سننه" (2/ 172).
(2) عقب الحديث (705).
(3) (2/ 97، 98).
(4) رقم (791).
(5) كذا في الأصل بدون ذكر رقم الصفحة، وعزاه إليه الحافظ في "الفتح" (2/ 193). ولم أجد الحديث في مسنده، وأخرجه البزار (كما في "كشف الأستار" رقم 483) من طريق الطيالسي عن طالب عن ابن جابر عن أبيه. انظر "الإصابة" (2/ 523).
(16/171)

فصل
وقع في رواية الثلاثة الآخرين بعض الاختلاف:
أما أبو الزبير: فقد تقدم رواية ابن عيينة عنه، وكذلك رواية الليث، وفيها: "صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء". ووقع في روايةٍ عنه عند عبد الرزاق: "المغرب" كذا نبَّه عليه ابن حجر في "فتح الباري" (1).
وأما محارب: فتقدم برواية الأعمش عنه: "قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة"، ورواه ابن مهدي عن الثوري عن محارب "المغرب"، ذكره النسائي (2) في باب القراءة في المغرب ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}.
وقال أحمد في "المسند" (3/ 300) (3): ثنا وكيع عن سفيان عن محارب .. عن جابر: "أن معاذًا صلَّى بأصحابه، فقرأ البقرة في الفجر، وقال عبد الرحمن - يعني ابن مهدي -: المغرب".
وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (ص 239) (4): حدثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا يقول: انتهى رجل من الأنصار معه ناضحانِ له إلى معاذٍ وهو يصلَّي المغرب، فاستفتح معاذ بسورة البقرة أو النساء - قال شعبة: شكَّ محارب -، فلما رأى ذلك الرجل صلَّى، ثم انطلق، فبلغ الرجلَ أن معاذًا يقول: هو منافق، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال رسول
__________
(1) (2/ 193).
(2) (2/ 168).
(3) رقم (14202).
(4) رقم (1728).
(16/172)

الله: "يا معاذُ، أفتَّان أفتان، أو قال: فاتن، أَوَ لَا قرأتَ ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} , و {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} أو {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} - قال شعبة: شكَّ محارب - وراءك ذو الحاجة والصغير، أو قال: الضعيف - شكَّ محارب".
وقد رواه أبو عَوانة في "صحيحه" (2/ 158) من طريق أبي النضر وأبي داود الطيالسي قالا: ثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا قال: "أقبل رجلٌ بناضحينِ، وقد جَنَحَ الليلُ، فوافق معاذًا يصلِّي المغرب"، وذكر حديثه في هذا.
وأخرجه أحمد في "المسند" (3/ 299) (1) عن محمَّد بن جعفر وحجاج عن شعبة، ولفظه: "أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحانِ له، وقد جَنَحَتِ الشمسُ، ومعاذٌ يُصلِّي المغرب ... " فساقه قريبًا من لفظ الطيالسي.
وأخرجه البخاري في "الصحيح" (2) عن آدم عن شعبة، وفيه: "أقبل رجل بناضحَينِ وقد جنح الليلُ، فوافق معاذًا يُصلِّي، فترك ناضِحَه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء ... فلولا صلَّيتَ ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} , {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ". أحسب هذا في الحديث.
قال البخاري (3): وتابعه سعيد بن مسروق ومِسْعَر والشيباني. قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر: "قرأ معاذ في العشاء بالبقرة"، وتابعه الأعمش عن محارب.
__________
(1) رقم (14190).
(2) رقم (705).
(3) بعد الحديث المذكور.
(16/173)

وذكر الحافظ في "الفتح" (1) أن رواية مِسْعر عن محارب وصلها السرَّاج، وأنه وقع عنده "البقرة والنساء".
وأما رواية سعيد بن مسروق فعند أبي عوانة في "صحيحه" (2/ 158) وفي النسخة خطأ، ولفظها: "أن معاذًا أمَّ قومَه في صلاة المغرب، فمرَّ غلام من الأنصار ... "، وذكر حديثه في هذا.
وأما عبد الرحمن بن جابر: فقال أبو داود (2) في باب تخفيف الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا طالب بن حبيب، سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب: أنه أتى معاذَ بن جبل وهو يُصلِّي بقومٍ صلاةَ المغرب - في هذا الخبر - قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذُ، لا تكن فتّانًا، فإنه يصلِّي وراءك الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة والمسافر".
وفي "الفتح" (3) أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية ... عن جابر قال: "كان أُبي بن كعب يُصلِّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار .... " وفي آخره من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ منكم منفِّرينَ ... فإنَّ خلفكم الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ وذا الحاجة".
وذكر الحافظ (4) أن هذه القصة هي نفس القصة التي في "الصحيحين" (5)
__________
(1) (2/ 201، 193). وهو في "مسند السرّاج" (175) تحقيق إرشاد الحق الأثري.
(2) رقم (791).
(3) (2/ 198). وهو في "مسند" أبي يعلى (1792).
(4) في المصدر السابق.
(5) البخاري (702) ومسلم (466).
(16/174)

عن أبي مسعود الأنصاري: "أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ... ".
وفي "مسند أحمد" (5/ 355) (1): ثنا زيد بن الحُباب حدثني حسين ثنا عبد الله بن بُريدة قال: سمعتُ أبي بُريدةَ يقول: إن معاذَ بن جبل يقول (2): صلَّى بأصحابه صلاةَ العشاء، فقرأ فيها ب {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}، فقام رجل ... وأتى الرجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، فخِفتُ على الماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صَلِّ ب {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ونحوِها من السور".
وفي "المسند" أيضًا (3/ 124) (3): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صُهَيب - وقال مرة: أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب - عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومَه، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه، فدخل المسجدَ ليصلِّي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّلَ تجوَّزَ في صلاته، ولَحِقَ بنَخْلِه يَسْقيه ... فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على معاذ، فقال: "أفتَّانٌ أنتَ؟ أفتَّان أنت؟ لا تُطوِّلْ بهم، اقرأ ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ونحوهما".
__________
(1) رقم (23008).
(2) كذا بزيادة "يقول" في الطبعة القديمة من "المسند". ولا توجد في الأصول الخطية والنسخة المحققة.
(3) رقم (12247).
(16/175)

وفي "المسند" أيضًا (5/ 74) (1): ثنا عفّان ثنا وُهَيب ثنا عمرو بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة الأنصاري عن رجل من بني سَلِمةَ يقال له: سُلَيم، أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فيُنادِي بالصلاة، فنخرج إليه، فيُطوَّل علينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ بن جبل، لا تكنْ فتَّانًا، إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفَّفَ على قومك" ... ثم قال سليم: ستَرونَ غدًا إذا التقى القومُ إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أُحُدٍ، فخرَج، وكان في الشهداء، رحمة الله ورضوانه عليه.
وذكره الحافظ في "الفتح" (2) ثم قال: وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلاً من بني سلمة .. فذكر مرسلاً، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضًا.
أقول: والسياق يُشبِه سياق رواية عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر كما في "سنن" البيهقي (3/ 117)، لكن ليس في رواية ابن مقسم "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك".
ومعاذ بن رفاعة لم يدرك سليمًا؛ لأن سليمًا استشهد بأحد كما في القصة، ولكن يمكن أن يكون سمعها من جابر أو غيره. والله أعلم.
__________
(1) رقم (20699).
(2) (2/ 194). وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 409)، والطبراني في "الكبير" (7/ 67).
(16/176)

قال الحافظ في "الفتح" (1): وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة: أهي البقرة، أو {اقْتَرَبَتِ}؟ وبالاختلاف في عذر الرجل: هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تَعْبان، أو لكونه أراد أن يَسْقِيَ نخلَه إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريدة ... ويحتمل أن يكون النهي أولًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإِسلام، ثم لما اطمأنَّتْ نفوسُهم بالإِسلام ظنَّ أن المانع زال، فقرأ ب {اقْتَرَبَتِ} ... فصادف صاحب الشغل.
أقول مستعينًا بالله عزَّ وجلَّ: حديث أنس سندُه بغاية القوة، وهو ظاهر في أن الصلاة التي أطالها معاذ هي الصبح، فمن المحتمل أن يكون معاذ صلَّى الصبح فأطال ففارقه حرام، وصلَّى العشاء فأطال ففارقه سُلَيم، اتفق الأمرانِ في يومٍ، أو أيامٍ متقاربة، فكان معاذ يَعْتِبُ على كلًّ منهما، فبلغَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الأمرانِ، فعاتب معاذًا، ولذلك كرَّر عليه: "أفتّان أفتّان أفتّان".
وانفرد أنس بذكر قصة حرام؛ لأنه خاله، وانفرد جابر بذكر قصة سليم؛ لأنه من رهطه، وقضى الله عَزَّ وَجَلَّ أن استشهد الرجلان: سُلَيم وحرام، الأول بأُحُد والثاني ببئر معونة.
وأما حديث حسين - وهو ابن واقد - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: فأحسِبُه انتقل ذهن الراوي من قصة إلى قصة، فجاء المتن ملفَّقًا، وقد استنكر أحمد أحاديث حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة جدًّا.
__________
(1) (2/ 194).
(16/177)

وكذلك حديث طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر: أخشى أن يكون ملفَّقًا من عدة قصص، وأخشى أن لا يكون هناك وجودٌ لحَزْم بن أبي كعب، وإنما وقع تحريف وتغيير، وذهاب إلى واقعة أبي بن كعب، وأكثر ما يقع في الكتب [ق14] في هذه الطريق: "حزم بن أبي كعب"، وقد قال البخاري (1) في طالب: "فيه نظر"، ولم يُوثَّقه أحد، إلا أن ابن حبّان ذكره في "الثقات" (2)، وليس ذلك بنافعٍ له؛ لما عُرِف من شرط ابن حبان، مع تساهله حتى أنه لا يفي بشرطه، كما بينتُه في موضع آخر.
وأما محارب: فإنه لم يضبط هذا الحديث، كما عُرِف من كثرة شكِّه فيه، واضطرابِه، كما يُعلَم مما تقدم، وأحسبه سمع في هذا الباب عدة أحاديث متقاربة المعنى، فكان يلتبس عليه بعضها ببعض.
وبالجملة، فما وقع في تلك الرواية عن أبي الزبير من ذكر المغرب إذا ضُمّ إلى وقوع ذلك في أكثر الروايات عن محارب، مع وقوعه في روايةٍ لطالب، وإن ظهر أنه خطأ، فإنه يدل على أنّ هناك قصةً أخرى تتعلق بالمغرب.

فصل
قال البخاري في "الصحيح" (3): "باب إذا صلَّى ثمَّ أمَّ قومًا: حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن
__________
(1) في "التاريخ الكبير" (4/ 360).
(2) (6/ 492).
(3) (2/ 203) (مع الفتح)، ورقم الحديث (711).
(16/178)

عمرو بن دينار عن جابر قال: "كان معاذ يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم".
وكذلك أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (2/ 157) من طريق أبي معمر وعبد الوارث عن أيوب عن عمرو، ومن طريق سليمان بن حرب ومسدد ومحمَّد بن أبي بكر المقدَّمي كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو.
وقال مسلم في "الصحيح" (1): حدثنا قُتيبة بن سعيد وأبو الربيع الزهراني، قال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: "كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ، ثم يأتي مسجدَ قومه فيُصلِّي بهم"
قال النووي في "شرح مسلم" (2): "قال أبو مسعود الدمشقي: قتيبة يقول في حديثه: عن حماد عن عمرو، ولم يذكر فيه أيوب، فكان ينبغي لمسلم أن يبينه، وكأنه أهمله لكونه جعل الرواية مَسُوقةً عن أبي الربيع وحده"
أقول: هذا العذر غير كافٍ، بل لا بدَّ أن يزاد فيه أحد أمرين:
إما أن يكون مسلم استثبت قتيبة لما قال حماد عن عمرو، فقال: الناس يروونه عن حماد عن أيوب عن عمرو، فقال قتيبة: نعم هو كذلك، ولكن مسلمًا لم يطمئن كل الاطمئنان إلى هذا لشبهة التلقين. وأشار إلى ذلك بجعله السياق لأبي الربيع.
__________
(1) رقم (465/ 181).
(2) (4/ 183).
(16/179)

الثاني: أن يكون مسلم جزم بأن في رواية قتيبة تقصيرًا محضًا، لا يلزم منه اختلاف.
وفي "جامع الترمذي" (ص 75) (1): باب ما ذُكِر في الذي يُصلَّي الفريضة ثم يؤمُّ الناسَ بعد ما صلَّى: حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يُصلَّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغربَ، ثم يرجعُ إلى قومه فيؤمُّهم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أمَّ الرجلُ القومَ في المكتوبة وقد كان صلّاها قبل ذلك، أن صلاة من ائتمَّ به جائزة، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوِي من غير وجهٍ عن جابر ...
أقول: يظهر أن الترمذي يخالف مسلمًا في هذا الحديث؛ فمسلم يرى أن حديث قتيبة هو حديث أبي الربيع نفسُه، وعنده فيما يظهر أن حماد بن زيد إنما روى عن أيوب عن عمرو بلفظ أبي الربيع، وأن كلمة "العشاء" صحيحة في الحديث، وإن لم تقع في رواية سليمان بن حرب وعارم، وأن قتيبة قصَّر في الإسناد، ووهم في قوله: "المغرب" بدل "العشاء".
وأما الترمذي فيرى - فيما يظهر - أن حديث قتيبة غير حديث أبي الربيع، وأن حماد بن زيد سمع الحديث من عمرو بن دينار، كما رواه قتيبة، وفيه "المغرب"، وسمعه من أيوب عن عمرو، كما رواه سليمان بن حرب وعارم، أو بزيادة "العشاء" كما قال أبو الربيع.
__________
(1) (2/ 477 تحقيق أحمد شاكر)، ورقم الحديث (583).
(16/180)

أقول: وإذا كان هكذا فزيادة أبي الربيع "العشاء" فيها نظر؛ لاحتمال أنه زادها بناءً على المعنى، على ما يظهر من أكثر الروايات.
ثم رأى الترمذي أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع إلى قومه فيصلَّي بهم، وإنما اختار الترمذي هذه الرواية لِنصِّها على المغرب؛ لأنه قد يستبعد هذا فيها:
أولاً: ما جاء عن بعض السلف من كراهية إعادتها، أو عن جماعة منهم أنه إذا أعادها شَفعَها بركعةٍ، كما ذكره الترمذي في موضع آخر (1).
ثانيًا: لضيق وقتها.
فجواز الإعادة فيها يدلُّ على الجواز في غيرها من باب أولى، خاصةً الظهر والعشاء.
فإن قيل: إن هذه الرواية تنفرد بذكر المغرب.
قلت: إنما تنفرد بالنص عليها فقط، وكثير من الروايات تُطلِق، فتشمل المغرب، فقد تقدمت رواية شعبة عن عمرو: "كان معاذ بن جبل يُصلّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلَّى العشاء ... "
ونحوها رواية سُلَيم بن حيان، وقد تقدمت، وكذلك جاء في أكثر الروايات عن ابن عيينة كما مرَّ، وغيرها.
بل أوضح الروايات في ذلك ما اختاره البخاري (2) رحمه الله في هذا الباب، وهي رواية سليمان بن حرب وعارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن
__________
(1) عقب الحديث (219).
(2) في "صحيحه" (711).
(16/181)

عمرو، ولفظها: "كان معاذ يُصلَّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه، فيصلي بهم". فهذا لفظ الحديث بتمامه.
وعلى هذا، فالظاهر أن جابر رضي الله عنه كان تارةً يقصد أن يخبر بجواز الائتمام بمن قد كان صلَّى تلك الصلاة، وهي مسألة الباب، فيُخبر بما وقع في رواية أيوب عن عمرو.
وتارةً يقصد أن يُخبر بما يتضمن ذلك، ويتضمن النصّ على المغرب، وتعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - بها وتخفيفه فيها وامتداد وقتها، فيخبر بنحو رواية حماد بن زيد عن عمرو، وهي التي عند الترمذي.
وتارةً يقصد الإخبار بذلك - أي بجواز الائتمام - وبما يشرع للإمام من التخفيف، وبيان ما يقرؤه من السور، فيخبر بنحو رواية شعبة عن عمرو.
أو ينصُّ على العشاء، ويذكر القصة.
فأما رواية من رواه بالنصّ على العشاء ولم يذكر القصة، فكأنه مقتطع من الذي قبله. والله أعلم.
وكان عمرو بن دينار قد ضبط وأتقن، فكان يتبع جابرًا، فيحدِّث تارةً هكذا، وتارةً هكذا.
وأما محارب: فالتبس عليه الأمر، كما تقدم بيانه.
وأما أبو الزبير: فإن كانت روايته التي عند عبد الرزاق وفيها ذكر المغرب بمعنى رواية حماد بن زيد عن عمرو، فلا غبار عليها، وهي مؤكِّدة لرواية حماد عن عمرو.
وإن كانت فيها أن الصلاة التي طوَّل فيها معاذ هي المغرب فهي شاذّة. والله أعلم.
(16/182)

الدليل الثاني حديث جابر في صلاة الخوف
في "الصحيحين" من طريق أبي سلمة عن جابر: "أقبلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنّا بذات الرِّقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيفُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُعلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخْتَرَطَه ... فنودي بالصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات، وللقوم ركعتان". لفظ مسلم، أخرجه في صلاة الخوف (1) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وذكر البخاري في "الصحيح" (2) عن غزوة ذات الرِقاع فقال: "وقال أبانٌ حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة".
وأخرجه مسلم أيضًا (3) من طريق معاوية بن سلّام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر، مسلسلًا بالإخبار، ذكر الصلاة فقط.
وقال البخاري (4): وقال لي عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطّان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع".
__________
(1) رقم (843).
(2) رقم (4136) تعليقًا.
(3) رقم (843/ 311).
(4) رقم (4125).
(16/183)

وفي "فتح الباري" (1): أن السرَّاج أخرجه في "مسنده" (2) المبوَّب فقال: حدثنا جعفر بن هاشم ثنا عبد الله بن رجاء، فذكره ... ، وفيه: "أربع ركعات؛ صلَّى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، ثم جاء أولئك، فصلَّى بهم ركعتين".
قال البخاري (3): "وقال مسدَّد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غَوْرَث بن الحارث، وقاتلَ فيها مُحارِبَ خَصَفَةَ".
قال في "الفتح" (4): "أخرجه مسدد في "مسنده" رواية معاذ بن المثنى عنه ... عن أبي بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر ... قال: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحارِبَ خَصَفَةَ بنخلٍ ... ".
أقول: وقد أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (3/ 364) (5): ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر بن عبد الله قال: "قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحارِبَ خَصَفَة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرَّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرث بن الحارث ... ، فلما كان الظهر أو العصر صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء عدوَّهم، وطائفة صلَّوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا ... وجاء أولئك فصلَّى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعُ ركعات".
__________
(1) (7/ 419).
(2) رقم (1560).
(3) رقم (4136).
(4) (7/ 428).
(5) رقم (14929).
(16/184)

وأخرجه أحمد أيضًا (3/ 390) (1) ثنا سُرَيج ثنا أبو عوانة ... فذكره بسنده ومعناه.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (3/ 29) من طريق عارم عن أبي عوانة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي.
وفي "تفسير ابن جرير" (5/ 145) (2): ثنا ابن بشَّار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي عن قتادة عن سليمان اليَشْكُري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أيَّ يومٍ أُنزِلَ؟ أو أيّ يومٍ هو؟ فقال جابر: انطلقنا نَتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام، حتى إذا كنا بنخلٍ جاء رجل من القوم ... ثم نُودِيَ بالصلاة، فصلَّى رسول الله بطائفة من القوم، وطائفة أخرى يَحرُسونهم، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعتين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابهم، فقاموا في مَصَافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يَحرُسونهم، ثم سلَّم، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعَ ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله إقصارَ الصلاة، وأمر المؤمنين بأخْذِ السلاح".
أقول: رواية أبي سلمة صحيحة, وأما رواية سليمان بن قيس فإن أبا بشر وقتادة لم يسمعا منه؛ لأنه تقدم موته، ولكن كان قد كتب عن جابر صحيفة، فهي صحيفة جابر المشهورة، فمن الناس من يروي ما فيها عن جابر رأسًا، ومنهم من يقول: عن سليمان عن جابر، ذكر هذا البخاري في "تاريخه"
__________
(1) رقم (15190).
(2) (7/ 414) ط. دار هجر.
(16/185)

وأبو حاتم وغيرهما (1).
وفي "الكفاية" للخطيب (ص 354): "وقال همَّام بن يحيى: قدِمَتْ أمُّ سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقُرِئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومُطرِّف، فروَوْها كلَّها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا.
وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 110) من طريق ابن المديني سمعت يحيى يقول: قال التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها، وذهبوا بها إلى قتادة فرواها، وأتوني بها فلم أَرْوِها.
أقول: وقد رُوِي هذا الحديث عن الحسن عن جابر، فيمكن أن يكون من هذه الصحيفة.
قال الشافعي في "الأم" (1/ 153) (2): حدثنا الثقة ابن عُلَيَّة أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطنِ نخلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم".
وفي "سيرة ابن هشام" (3) في غزوة ذات الرقاع: حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنّوري - وكان يُكنى أبا عبيدة - قال: حدثنا يونس بن عبيد عن
__________
(1) انظر "التاريخ الكبير" (4/ 31) و"الجرح والتعديل" (4/ 136) و"تهذيب التهذيب" (4/ 214، 215).
(2) (2/ 451، 452) ط. دار الوفاء.
(3) (2/ 204).
(16/186)

الحسن بن أبي الحسن عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف، قال: صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس، قال ابن هشام: بطائفة ركعتين ثم سلَّم، وطائفة مُقبِلون على العدو، قال: فجاءوا فصلَّى بهم ركعتين أخريين ثم سلَّم.
وأخرجه النسائي في "السنن" (1): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا يونس عن الحسن قال: حدَّث جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه صلاةَ الخوف، فصلَّت طائفة معه، وطائفة وجوهُهم قِبَلَ العدوِّ، فصلَّى بهم ركعتين، ثم قاموا مقامَ الآخرين، وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم".
وكذلك أخرجه البيهقي في "السنن" (3/ 259) من طريق أخرى عن عبد الأعلى.
وقال النسائي (2): أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر بن عبد الله "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلَّم".
وبنحوه أخرجه البيهقي في "السنن" (3/ 86) بسند رجاله ثقات عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، وأخرجه أيضًا (3/ 259).
__________
(1) (3/ 179).
(2) (3/ 178).
(16/187)

وقال الدارقطني في "سننه" (ص 186) (1): حدثنا الحسين بن إسماعيل ومحمد بن محمود السراج قال: نا محمَّد بن عمرو بن أبي مذعور ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا عنبسة عن الحسن عن جابر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان محاصرًا بني محاربٍ بنخلٍ، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فجعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائفتين: طائفة مقبلة على العدو يتحدَّثون، وصلَّى بطائفة ركعتين، ثم سلَّم، فانصرفوا، فكانوا مكانَ إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، فكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتين".
قال صاحب "التعليق المغني" (2): عنبسة هو ابن سعيد القطان ... لم يُحفَظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلَّى صلاة الخوف قطُّ في حضرٍ.
أقول: بل الراجح أن هذا عنبسة بن أبي رائطة الغنوي، ضعَّفه ابن المديني، وقال أبو حاتم: [ق16] روى عنه عبد الوهاب الثقفي أحاديث حسانًا ... وليس بحديثه بأس (3).
والقصة في السفر، لا في الحضر.
أقول: حديث جابر قد يحمل على ثلاثة أوجه:
الأول: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أتمَّ تلك الصلاة، ولا يُلتفَت إلى ما في رواية الحسن من ذكره "ثم سلَّم" بعد الركعتين الأوليين، وكذلك الطائفتان كلٌّ
__________
(1) (2/ 60).
(2) (2/ 60).
(3) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 158، 159)، و"الجرح والتعديل" (6/ 400).
(16/188)

منها أتمّتْ لنفسها بعد أن صلَّت معه - صلى الله عليه وسلم - في ركعتين. وقوله: "إنه كان له - صلى الله عليه وسلم - أربع، ولهم ركعتان ركعتان" يُحمَل على ما كان في الجماعة، فأربعتُه - صلى الله عليه وسلم - كلُّها كانت في الجماعة، وأما أصحابه فإنما كان لكلًّ منهم في الجماعة ركعتان فقط، فأمّا ركعتاهم الأخرى فإنما أتمُّوها لأنفسهم.
الوجه الثاني: أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أتمَّ، وقَصَروا.
الوجه الثالث: أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قَصَر وقَصروا، ولكنه أعاد صلاته، صلَّى بهؤلاء صلاةً كاملة، وبهؤلاء صلاةً كاملة.
أما الوجه الأول: فلم يذهب إليه أحدٌ فيما أعلم؛ لأنه قد ثبت من حديث عائشة وغيرها أن الصلاة كانت قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أُتِمَّتْ صلاة الحضر، وبقيتْ صلاة السفر على ما كانت قبل (1).
وعلى هذا، فيتعين حملُ القصر الذي وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس: "أنه إنما نزل يومئذٍ" على قصر آخر، وقد حمل جماعة من الصحابة، فمن بعدَهم القصرَ في الآية - وهو قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} - على قصرٍ آخر خاصّ بالخوف، فمنهم من قال بقصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، ومنهم من قال: المراد بالقصر قصر الصِّفة.
وقد يقال: هو القصر إلى ركعة، ولكن بالنظر إلى الجماعة.
__________
(1) أخرجه البخاري (350، 3935) ومسلم (685) عن عائشة. وفي الباب عن ابن عباس عند مسلم (687)، وعن أبي هريرة عند أحمد في "المسند" (9200).
(16/189)

وذلك أوضح بعض الصور الثابتة، وهي أن يصلي الإِمام بطائفةٍ ركعةً، ثم تُتِمُّ لنفسها وتذهب، وتجيء الأخرى فيصلي بها ركعته الأخرى وتتم لنفسها، فلكلٍّ من الطائفتين ركعة واحدة في الجماعة.
[وقريب منه] في الصفة الأخرى، وهو أن يَصُفَّهم صفَّين، ويكبِّر بهم جميعًا، ثم يتناوبون، فإنهم وإن كانت لهم في نية الجماعة ركعتان، لكن لم يتمَّ لكلًّ منهم بالنظر إلى متابعة الإِمام إلا ركعة واحدة.
هذا، وقد احتج جماعة على أن المراد بالقصر في الآية هو القصر المشهور، أي من أربع إلى اثنتين، بأن يعلى بن أمية سأل عمر عن الآية وقال: فقد أَمِنَ الناسُ، فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: "صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه" رواه مسلم (1).
وسأل رجل ابن عمر فقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2).
وقد يجاب عن هذا باحتمال أن عمر لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر الآية، وإنما قال مثلاً: كيف تَقْصُر ونحن آمنون؟
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما أجمل في تفسير بعض الآيات جريًا مع حكمة الله عَزَّ وَجَلَّ في ترك مجالٍ للتدبر والاجتهاد.
وفي "صحيح مسلم" (3) عن عمر أنه خطب فقال في خطبته: إني لا أدع
__________
(1) رقم (686).
(2) أخرجه مسلم (689).
(3) رقم (567، 1617).
(16/190)

بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، وما راجعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما راجعتُه في الكلالة، حتى طعنَ بأصبعه في صدري، فقال: "ألا يكفيكَ آيةُ الصيف التي في سورة النساء؟ ".
هذا، مع أن عمر كان يتردد في معنى الآية، ولم يزل على ذلك حتى مات. غاية الأمر أن عمر وابنه ويعلى لم يكونوا يفهمون أن القصر في الآية غير القصر المشهور، وهذا لا حجةَ فيه مع وجود القائل بأنه غيره من الصحابة أيضًا. والله أعلم.
وكذلك الوجه الثاني، لم يذهب إليه أحد فيما أعلم لاتفاقهم وإن كان منهم من يرى جواز الإتمام في السفر، فهم متفقون فيما ذكر غير واحد على أنه إذا أتمَّ الإمامُ لزِم المأمومَ الإتمامُ.
وأما الوجه الثالث: فهو الذي ذهب إليه الشافعي وغيره، ويوافقه ما جاء في رواية الحسن من قوله بعد الركعتين الأوليين: "ثم سلَّم"، وقد جاء مثله من رواية الحسن عن أبي بكرة، كما يأتي، وعليه حمل أبو داود رواية أبي سلمة وسليمان اليشكري عن جابر، فإنه ذكر حديث الحسن عن أبي بكرة ثم قال (1): "وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -".

فصل
تقدم الكلام في صحيفة سليمان اليشكري، والظاهر أن أولئك الأئمة لم يعتمدوا عليها إلا بعد الوثوق بصحتها، ورواية قتادة عنها قوية، فقد قال
__________
(1) عقب الحديث رقم (1248).
(16/191)

البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 1/ 186): قال أحمد بن ثابت نا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ... وعن معمر قال: رأيتُ قتادة قال لسعيد بن أبي عَروبة: أَمسِكْ عليَّ المصحفَ، فقرأ البقرة فلم يُخْطِ حرفًا، فقال: يا أبا النضر، لَأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ منّي لسورة البقرة.
إلا أنَّ في صلاحيتها للاحتجاج بها وحدَه نظرًا، ولا سيَّما إذا لم يُصرِّح قتادة في روايته بأنه روى عن تلك الصحيفة، فإن قتادة مدلِّس، ومن الجائز أن يُدلَّس عن سليمان ما أخذه من واسطة غير تلك الصحيفة.
هذا، وظاهرٌ من رواية قتادة عن سليمان في هذه القصة أن الصلاة التي وصفها كانت قبل نزول قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ...}، ولذلك احتاج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يصلّي بالقوم صلاتين، لتكون لكل من الطائفتين صلاةٌ تامة في الجماعة بدون خلل في المتابعة.
ولم يبين في هذه الرواية وغيرها مما تقدم: هل صلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الغزوة بعد هذه الصلاة على وجه آخر مما أذن الله عَزَّ وَجَلَّ فيه؟
[ق17] لكن قال البخاري في غزوة ذات الرقاع من "الصحيح" (1): وقال بكر بن سَوادة: حدثني زياد بن نافع عن أبي موسى أن جابرًا حدَّثهم قال: "صلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم يومَ مُحارِبٍ وثعلبةَ".
وقد أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (5/ 146) (2) عن ابن أخي ابن وهب عن عمه قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سَوادة
__________
(1) (7/ 417) مع "الفتح".
(2) (7/ 417) ط. دار هجر.
(16/192)

حدَّثه ... يوم مُحارِب وثعلبةَ، لكل طائفة ركعة وسجدتين".
وأخرج ابن جرير أيضًا (1): حدثنا محمَّد بن المثنى قال: ثنا محمَّد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الحكم عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصفٌّ خلفَه، فصلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتينِ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقامَ هؤلاء، فصلَّى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعةً وسجدتينِ، ثم سلَّم، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ولهم ركعة".
وبنحوه أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (2/ 362) من طريق سليمان أبي إسحاق الشيباني عن يزيد الفقير.
وكذلك أخرجه النسائي في "السنن" (2) عن إبراهيم بن الحسن عن حجّاج بن محمَّد عن شعبة، وأخرجه أيضًا (3) من طريق يزيد بن زريع عن المسعودي عن يزيد الفقير، فساقه بمعنى حديث شعبة عن الحكم إلى قوله: "وسجدتين"، وزاد بعدها: "ثمّ إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلَّم، فسلَّم الذين خلفه، وسلَّم أولئك".
وحديث شعبة أصح؛ لأن المسعودي ليس بالحافظ، وتغيَّر بأَخَرةٍ.
فكأنه - صلى الله عليه وسلم - بعد أن صلّى بهم الظهر صلاتين كما تقدم أنزل الله عزَّ وجلَّ الآيات، فصلّى بهم العصر على قصر الخوف، بأن كانت لكل من الطائفتين
__________
(1) (7/ 419).
(2) (3/ 174).
(3) (3/ 175).
(16/193)

ركعة واحدة، إما مطلقًا، وإما في جماعة. والله أعلم.
وقد جاء عن جابر صفة أخرى، أخرج مسلم في "الصحيح" (1) من طريق عطاء عن جابر قال: "شهدتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصفَّنا صفَّين، صفٌّ خلفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّر في نَحْر العدوّ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود وقام الصفُّ الذي يليه انحدر الصفُّ المؤخَّر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصفُّ المؤخَّر، وتأخَّر الصفُّ المقدَّم ... ".
وبنحوه رواه عَزْرة بن ثابت عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (2/ 361).
وقال النسائي (2): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: "كنّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخلٍ، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبَّروا جميعًا ... ". ذكر الصفة التي في رواية عطاء.
وبنحوه رواه أيوب عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (2/ 360).
ولا مانع من صحة هذا أيضًا: بأن يكون - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم في تلك الغزوة
__________
(1) رقم (840).
(2) (3/ 176).
(16/194)

بعد نزول الآيات مرةً هكذا، ومرةً هكذا، لكن أبا الزبير زاد فيه.
أخرج ابن جرير (1) من طريق ابن عيّاش أخبرني عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلقينا المشركين بنَخْلٍ، فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرتْ صلاةُ الظهر صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن جميع، فلما فرغنا تذامرَ المشركون فقالوا: لو كنّا حملنا عليهم وهم يصلُّون! فقال بعضهم: فإنَّ لهم صلاةً ينتظرونها تأتي الآنَ، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم، فإذا صلَّوا فمِيلُوا عليهم. فجاء جبريل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبرِ وعلَّمه كيف يُصلَّي، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام نبيُّ الله مما يلي العدوَّ، وقمنا خلفه صفَّينِ، فكبَّر نبيُّ الله [وكبَّرنا] معه جميعًا ... ".
ثم أخرجه ابن جرير (2) من طريق حمّاد بن مَسْعدة عن هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم عن هشام أيضًا، وقال في كلٍّ منهما: "نحوه".
وقال البخاري في "الصحيح" (3) في غزوة ذات الرقاع: وقال معاذ: حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر قال: "كنّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخلٍ ... " فذكر صلاة الخوف.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4): سياق رواية هشام عن أبي الزبير
__________
(1) في "تفسيره" (7/ 439، 440).
(2) (7/ 440).
(3) (7/ 421) مع "الفتح".
(4) (7/ 423).
(16/195)

هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى ... وهذه القصة إنما هي في غزوة عُسْفان، وقد أخرج مسلم (1) هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظٍ يدلُّ على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه عن جابر: "غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قومًا من جُهَينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما أن صلَّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم ... ".
أقول: وكذلك رواه عبد الرزاق عن سفيان عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة (2/ 360).
وحديث أبي عياش الزرقي وحديث عند الواقدي عن خالد بن الوليد، كلها تذكر هذه القصة بعُسْفان، ثم قال (2): وهو ظاهر فيما قرَّرتُه أن صلاة الخوف بعُسْفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصتين معًا، فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عُسْفان، وأما رواية أبي سلمة ووهب بن كيسان وأبي موسى المصري عنه ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وثعلبة.
أقول: وعلى هذا، فراوية عطاء عن جابر إنما هي في الصلاة بعُسْفان، ويكون أبو الزبير وَهِمَ في قوله: "بنخلٍ"، وقد روى الشيخان من طريق صالح بن خوّات قصتين:
الأولى: عمن صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفَّتْ معه، وطائفة وِجاهَ العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم ثبت
__________
(1) رقم (840/ 308).
(2) أي الحافظ في "الفتح" (7/ 423).
(16/196)

قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم". لفظ مسلم (1).
وهذه الصفة توافق الصفة التي رواها أبو موسى المصري ويزيد الفقير عن جابر، إلا أن في هذه بيان أن كلًّا من الطائفتين أتمَّتْ لأنفسها، فإذا كانت القصة واحدةً تعيَّن أن القصر إنما هو باعتبار الجماعة، وأن قوله هناك: "ولهم ركعة" أي في الجماعة، فلا يُنافي إتمامَهم لأنفسهم.
والقصة الثانية: صالح عن سهل بن أبي حَثْمة "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفَّهم خلفه صفَّين ... " (2) فذكر قصة وقع في حكايتها اضطراب، وذكر الحافظ في "الفتح" (3) أن سهلاً لم يشهد ذات الرقاع، وأن مراد [صالح بن] (4) خوَّات بقوله في الأولى: "عمن صلى ... " رجل آخر غير سهل، أستظهِرُ أنه خوَّات والد صالح.

[ق 18] فصل
رواية قتادة عن سليمان اليشكُري تدلُّ أن ذلك اليوم نزلت الآية، وشُرِعت صلاة الخوف على الصفة التي يُصلِّي فيها الإِمام صلاةً واحدة، ويعارضه ما رواه منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي قال:
__________
(1) رقم (842). وأخرجه البخاري (4129).
(2) أخرجه مسلم (841). ورواه البخاري (4131) بهذا الطريق.
(3) (7/ 425).
(4) زيادة من "الفتح".
(16/197)

"كنّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرّةً ... فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلفَ رسول - صلى الله عليه وسلم - صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وركعوا جميعًا ... "، فذكر مثل الصفة التي تقدمت عن عطاء عن جابر، ثم قال: "فصلّاها بعُسْفان، وصلَّاها في بني سُلَيم".
رواه أبو داود (1) عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن منصور.
وخرَّجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 338) من طريق سعيد بن منصور، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي.
ورواه البيهقي في "السنن" (3/ 256) من طريق يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور كلاهما عن جرير.
وأخرجه أحمد في "المسند" (4/ 59) (2): ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن منصور ... وقال: "فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102]
وبنحوه أخرجه أبو داود الطيالسي (3) عن ورقاء عن منصور.
__________
(1) رقم (1236).
(2) رقم (16580).
(3) في "مسنده" (1347).
(16/198)

ورواه النسائي في "السنن" (1) عن عمرو بن علي عن عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور، وقال: "فنزلت - يعني صلاة الخوف - بين الظهر والعصر".
وأخرجه أحمد في "المسند" (4/ 60) (2): ثنا محمَّد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّث عن أبي عيّاش الزُّرَقي - قال: قال شعبة: كتب به إليَّ، وقرأتُه عليه، وسمعته منه يُحدَّث به، ولكني حفظتُه من الكتاب - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مَصَافِّ العدوِّ بعُسْفانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلَّى بهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الظهر، ثم قال المشركون: إنّ لهم صلاةً بعد هذه، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأموالهم، فصلَّى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر، [فصَفَّهم] صفَّينِ خلفَه ... ".
فلم يذكر نزول جبريل، ولا نزول الآية، ولا قال في آخره: "فصلّاها بعُسْفانَ، وصلَّاها في بني سُلَيم".
وكذلك أخرجه النسائي (3) عن أبي موسى وبُندار كلاهما عن غُندر، مع اختلاف يسير.
أقول: حديث أبي عيّاش صحَّحه الحاكم كما تقدم، وكذلك الدارقطني (4)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (5) وعندي فيه وقفة، فإنني
__________
(1) (3/ 177).
(2) رقم (16581).
(3) (3/ 176).
(4) في "سننه" (2/ 60).
(5) رقم (2876).
(16/199)

لم أرَ في شيء من طرقه تصريحَ مجاهدٍ بالسماع من أبي عياش، ومجاهد معروف بالإرسال عمن لم يَلْقَه حتى من عاصره. ثم رأيتُ البيهقي قال في "السنن" (3/ 257): "وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير، فذكر سماع مجاهد من أبي عياش ... ".
أقول: وقد روى ابن أبي نَجِيح نحوه عن مجاهد مرسلاً، أخرجه ابن جرير في تفسيره (5/ 142) (1) من طريقين عن ابن أبي نَجِيح، قال في الأول: حدثني محمَّد بن عمرو (هو الباهلي) قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]، قال: "يومَ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، أو أربعًا - شكّ أبو عاصم - ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فهمَّ المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}، فصلَّى العصر ... وقصرَ العصر إلى ركعتين".
ثم قال: حدثني المثنَّى قال: ثنا أبو حُذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاة} قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعُهم ... وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين".
كذا قال، فإن كان المراد القصر المشهور من أربع إلى اثنتين، ويكون
__________
(1) (7/ 411، 412) ط. دار هجر.
(16/200)

لفظ مجاهد "الظهر أربعًا" كما شكَّ فيه أبو عاصم، فقد تقدَّم أن صلاة السفر لم تكن أربعًا قطُّ. وإن أراد قصر الخوف إلى ركعة مطلقًا، أو بالنظر إلى الجماعة والمتابعة، فكان ينبغي أن يقول في آخره: "وقصرت صلاة العصر إلى ركعة".
وقد روى النسائي (1) وغيره من طريق سعيد بن عُبيد الهُنَائي ثنا عبد الله بن شَقِيق ثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نازلًا بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، مُحاصِرًا المشركين، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أَجْمِعوا أمركم، ثم مِيلُوا عليهم مَيلةً واحدة، فجاء جبريل عليه السلام فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفينِ، فيُصلِّي بطائفةٍ منهم، وطائفةٌ مقبلون على عدوِّهم ... فيصلِّي بهم ركعةً، ثم يتأخَّر هؤلاء، ويتقدَّم أولئك فيصلِّي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ركعة، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان".
سعيد بن عُبَيد: قال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (2)، وذلك لا يكفي في رفع جهالة حاله، مع أن هذه الصفة - كما يظهر - مخالِفة للصفة التي في حديث أبي عيّاش.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" (3) من طريق يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله
__________
(1) (3/ 174). وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" (10765) والترمذي (3035) وابن حبان (2872). وحسَّنه الترمذي.
(2) (6/ 352). وانظر "تهذيب التهذيب" (4/ 62).
(3) (3/ 30).
(16/201)

- صلى الله عليه وسلم - في غزاةٍ، فلقي المشركين بعُسْفَانَ ... "، فذكر نحو ما في حديث أبي عيّاش. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وأقرَّه الذهبي، مع أن النضر أبا عمر وهو النضر بن عبد الرحمن الخزّاز لم يخرج له البخاري، بل هو أجمعوا على ضعفه (1).
وقال ابن حجر في "الفتح" (2): وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: "لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية لقيتُه بعُسفانَ، فوقفتُ بإزائه، وتعرضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظهر، فهَمَمْنا أن نُغِير عليهم، فلم يَعْزِم لنا، فأَطلعَ الله نبيَّه على ذلك، فصلَّى بأصحابه العصر صلاة الخوف ... " الحديث.
أقول: حال الواقدي مشهور، ولكن ابن حجر استأنس به مع ما تقدم، وذلك أن ما جاء من حديث أبي عيّاش وأبي هريرة من الصلاة بعُسْفَان لم يتعين تاريخها، وقد جاء في المغازي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على عُسْفَان مرتين: مرةً في غزوة بني لِحْيان، ذكر ابن إسحاق (3) أنها كانت على رأس ستة أشهر بعد فتح بني قريظة. والثانية: في عمرة الحديبية.
ولم يُذكر في شيء منهما قتال، ولا مقاربة لجيش قريش إلا ما رواه الواقدي.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 441، 442).
(2) (7/ 423).
(3) انظر "سيرة ابن هشام" (2/ 279).
(16/202)

نعم ذكر ابن إسحاق (1) في غزوة بني لِحْيان أن بني لحيان تحصَّنوا من المسلمين، فقال المسلمون: لو أنّا هبطنا عُسْفانَ لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة، فخرج - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -- في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسَيْن من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَمِيم، ثم كرَّا، ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلًا.
فيحتمل أن قريشًا لما بلغهم خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى بني لِحْيان، ثم نزول عسفان، خافوا - كما ظنَّه المسلمون - أن يكون قاصدًا مكة، فبعثوا خيلَهم وعليها خالد لترقب ما يفعله المسلمون، وتقاربوا ولم يكن قتال، والله أعلم بحقيقة الحال.
هذا، وقد اختلف في غزوة ذات الرقاع: أهي غزوة مُحارِب خَصَفة، أم غيرها؟ فأكثر أهل المغازي على الأول، وزعم الواقدي أنها غيرها، وتبعه القطب الحلبي في "شرح السيرة"، ذكره الحافظ في "الفتح" (2).
واختلف أيضًا في غزوة ذات الرقاع: فقال موسى بن عقبة: لا ندري كانت قبل بدر، أو بعدها، أو قبل أُحُد أو بعدها.
قال ابن حجر (3): الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعتْ، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع.
__________
(1) انظر "سيرة ابن هشام" (2/ 280).
(2) (7/ 418).
(3) في "الفتح" (7/ 417).
(16/203)

أقول: لم أجد نصًّا في أن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت في الخندق، إلا ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ذكر تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم الخندق، ثم قال: "وذلك قبل أن يَنزِل في القتال ما نزل" (1).
وقد بيَّنه في رواية أخرى، قال: "وذلك قبل أن ينزل صلاة الخوف {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. راجع "مسند أحمد" (3/ 25) (2).
فيحتمل أنهم في الخندق لم يكونوا متمكنين من الصلاة جماعة على ما في آيات النساء: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ...} مع ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كانوا متمكّنين من الصلاة على ما في قوله تعالى في سورة البقرة: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}، وإذا كان هكذا لم يكن في حديث أبي سعيد ولا قصة الخندق [ق 19] دليل على أن صلاة الخوف لم تكن قد شُرعتْ، وإنما في ذلك دليل على أنه لم يكن قد شُرع هذا القدر منها، وهو الذي تضمَّنه قوله تعالى: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}.
والصلاة في ذات الرقاع كانت جماعة على ما بيَّن به النبي - صلى الله عليه وسلم - آية النساء.
وعلى هذا، فليس فيما ذُكِر دليلٌ على تأخر ذات الرقاع عن الخندق، وما اتصل به من أمر بني قريظة.
__________
(1) أخرجه أحمد في "المسند" (11198) والنسائي (2/ 17) وابن خزيمة (996، 1703) وغيرهم. وإسناده صحيح.
(2) رقم (11199).
(16/204)

وفي "الفتح" (1) أيضًا: عن ابن إسحاق وابن سعد وابن حبان أنها كانت قبل الخندق وقريظة، وأن أبا معشر يجزم بأنها كانت بعد الخندق وقريظة، وذهب البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واحتج على ذلك بما صح عن أبي موسى الأشعري أنه شهد ذات الرقاع، مع أن أبا موسى إنما جاء بعد أيام خيبر (2)، وبما رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن حَيْوة وابن لهَيعة عن أبي الأسود عن عروة عن مروان أنه سأل أبا هريرة: هل صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، في غزوة نجد.
علَّق البخاري طرفًا منه (3) وأخرجه أبو داود في "السنن" (4)، وذكر أبو داود عقبه (5) بسند فيه مقال: عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع ... ". وأبو هريرة إنما جاء أيام خيبر.
وحكى الحافظ في "الفتح" (6) عن البيهقي وغيره: أنهم ذهبوا إلى أنها غزوتان، أطلق على كل منهما ذات الرقاع.
__________
(1) (7/ 417). وانظر "سيرة ابن هشام" (2/ 203) و"الطبقات" (2/ 61) و"الثقات" (1/ 257).
(2) انظر صحيح البخاري مع "الفتح" (7/ 416، 417).
(3) عقب الحديث (4137).
(4) رقم (1240). وأخرجه أيضًا أحمد (8260) والنسائي (3/ 173) وابن خزيمة (1361) وغيرهم.
(5) رقم (1241). وأخرجه أيضًا الطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 314) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 264).
(6) (7/ 417). وانظر "دلائل النبوة" (3/ 372).
(16/205)

أقول: وما وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس عن جابر: "انطلقنا نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام" (1) ظاهرٌ في تقدُّم ذلك على خيبر، بل وعلى الحديبية، وهي قبله، وذلك أنهم إنما يتلقَّون عِيرَ قريش إذا لم يكن بينهم موادعة، وقد وادعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية، واستمرَّ ذلك حتى غَدَرتْ قريش بإعانة بني بكر على خزاعة، فغزاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وافتتح مكة.
هذا، وقد يُتوهَّم من قوله في رواية قتادة عن سليمان "نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام" أن هذا في غزوة بدر، وليس كذلك، بل هذه عِيرٌ أخرى.
هذا، ومقتضى ما أطلق عليه أكثر أهل المغازي من أن ذات الرقاع، أو غزوة محارب وثعلبة بنَخْلٍ، كانت قبل الخندق وقريظة، فهي قبل غزوة بني لِحْيان، وقبل الحديبية فتكون الصلاة فيها قبل الصلاة بعُسْفان، وقد يجوز أن يكون أبو عيَّاش لما ذكر شأن عُسْفان إنما ذكر نزول جبريل ينذر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما همَّ به المشركون، فتوهم بعضهم أنه نزل بالآيات في صلاة الخوف.
وبالجملة، فلم يتضح أيهما السابق، غزوة محارب وثعلبة أم عُسْفان؟ والله أعلم.
****
__________
(1) سبق ذكرها وتخريجها.
(16/206)

الدليل الثالث
قال الإِمام أحمد في "المسند" (5/ 39) (1): ثنا يحيى عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهؤلاء الركعتين، وبهؤلاء الركعتين".
وقال النسائي في السنن (2): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلَّى صلاة الخوف بالذين خلْفَه ركعتين، والذين جاءوا بعدُ ركعتين، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعَ ركعاتٍ ولهؤلاء ركعتين ركعتين.
وقال الإِمام أحمد (5/ 49) (3): ثنا رَوح ثنا أشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: "صلَّى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الخوف، فصلّى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعُ ركعات، وللقومِ ركعتان ركعتان".
وقال النسائي (4): أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود واللفظ له، قالا: حدثنا خالد عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلَّم، فصلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعًا".
__________
(1) رقم (20408).
(2) (3/ 179).
(3) رقم (20497).
(4) (3/ 178).
(16/207)

وقال أبو داود في "السنن" (1): حدثنا عبيد الله بن معاذ نا أبي نا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: "صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - في خوف الظهر، فصفَّ بعضُهم خلفه، وبعضُهم بإزاء العدوّ، فصلَّى ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلَّوا معه فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلَّوا خلفه، فصلَّى [بهم] ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين". وبذلك كان يُفتي الحسن.
قال أبو داود: وكذلك في المغرب، يكون للإمام ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث.
قال أبو داود (2): وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر البيهقي في "السنن" (3) رواية قتادة ويونس عن الحسن عن جابر، وقد تقدمت في الدليل الثاني، ثم قال: وخالفهما أشعث فرواه عن الحسن عن أبي بكرة، ووافقه على ذلك أبو حُرَّة الرقاشي.
ثم ساقه من طريق سعيد بن عامر عن الأشعث، وفيه: "صلَّى ببعضهم ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين ثم سلم ... ".
ثم ذكر (4) رواية أبي داود، وقال في زيادة "وكذلك في المغرب":
__________
(1) رقم (1248).
(2) عقب الحديث المذكور.
(3) (3/ 259).
(4) (3/ 260).
(16/208)

وجدتُه في كتابي موصولًا بالحديث، وكأنه من قول الأشعث، وهو في بعض النسخ: "قال أبو داود: وكذلك في المغرب". وقد رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعًا، ولا أظنُّه إلا واهمًا في ذلك.
ثم ذكر (1) رواية المغرب: أخبرنا محمَّد بن عبد الله الحافظ [هو الحاكم] أخبرني أبو علي الحسين بن علي الحافظ أبنا عبدان الأهوازي ثنا محمَّد بن معمر القيسي ثنا عمرو بن خليفة البكراوي ثنا أشعث بن عبد الملك الحُمْراني عن الحسن عن أبي بكرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بالقوم في الخوف صلاةَ المغرب ثلاث ركعاتٍ ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ثلاثَ ركعات".
أقول: وحديث المغرب أخرجه شيخه الحاكم بهذا السند في "المستدرك" (1/ 337) وقال: سمعتُ أبا علي الحافظ يقول: هذا حديث غريب ... قال الحاكم: وإنه صحيح على شرط الشيخين، وفي "تلخيص" الذهبي: على شرطهما وهو غريب.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (ص 187) (2): حدثنا علي بن إبراهيم النجار ثنا محمَّد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمَّد بن معمر ...
ولعمرو بن خليفة ترجمة في "الميزان" (3)، وفيها: ربما كان في روايته
__________
(1) (3/ 260). وما بين المعكوفتين من المؤلف.
(2) (2/ 61)
(3) لم أجد ترجمته فيه، ولعل المؤلف اعتمد على ما في "لسان الميزان" (6/ 205) وتعقيب الحافظ عليه بقوله: "قلت". فاعتبر الكلام السابق من "الميزان".
(16/209)

بعض المناكير، ذكره ابن حبان في "الثقات" (1).
زاد ابن حجر في "لسان الميزان" (4/ 363) (2): قلت: هو البكراوي، روى عنه أيضًا محمَّد بن مَعْمر القيسي، وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه" (3).
[ق 20] أقول: أما مخالفة أشعث وأبي حُرَّة ليونس وقتادة: فلا أراها مما يضر؛ لأن الحسن إمام واسع الرواية، لا ينكر له أن يكون عنده الحديث من وجهين وأكثر. وأما قول البيهقي فيمن روى عن الأشعث في المغرب: "ولا أراه إلا واهمًا" ظنٌّ منه، وقد خالفه غيره فصحَّحه، واحتمال الوهم لا أراه قويًّا.
بقي أن الحسن وصفه النسائي وغيره بالتدليس، ولم يُصرِّح بسماعه من أبي بكرة، إلا أن الذي يظهر من كلام ابن المديني والبخاري في شأن أحاديث الحسن عن سمرة أنه إذا ثبت سماع الحسن من رجل - ولو مرةً - كان حديثه كلُّه عن ذلك الرجل صحيحًا، فلا أدري أذهبا إلى أنه إنما يُدلِّس عمن لم يسمع منه، أم إلى أنه إذا دلَّس عمَّن قد سمع منه لا يصنع ذلك إلا فيما سمعه من ثقةٍ متفقٍ عليه، كما قيل في ابن عيينة؟ والله أعلم.

تنبيه:
ما وقع في رواية أحمد (4) عن رَوْح: "عن أبي بكرةَ قال: صلَّى بنا
__________
(1) (7/ 229).
(2) (6/ 205) ط. مكتب المطبوعات الإِسلامية.
(3) انظر رقم (1368).
(4) رقم (20497).
(16/210)

النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ... " يقتضي أن أبا بكرة شهد القصّةَ، وعليه فتكون غيرَ القصّةِ التي في حديث جابر قطعًا؛ لأن أبا بكرة إسلامه متأخر، ولكن أخشى أن يكون رَوْح وَهِم في ذلك، وأن يكون أبو بكرة إنما سمع هذا من بعض من تقدَّمه من الصحابة.
وكلام الحافظ في "الفتح" (1) في غزوة ذات الرقاع يُوهِم أن حديث أبي بكرة في "سنن" أبي داود والنسائي يصرح فيه بشهوده القصة، وليس الأمر كذلك. والله المستعان.
...
__________
(1) (7/ 424).
(16/211)

أجوبة المانعين
منها: أنه يحتمل في هذه الوقائع أن تكون لما كانت الفريضة تُصلَّى مرتين، وقد نُسِخ ذلك.
ورُدَّ بأنه إن كان المراد أن الفريضة كانت تصلَّى مرتين فرضًا، بمعنى أنه كان فرضًا على المسلم أن يُصلِّيها مرتين، فهذا لم يكن قطُّ، ونفيه معلوم.
وإن أريد أنه كان يجوز إعادتها مرةً ثانية، فذاك الجواز باقٍ اتفاقًا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض صوره، وقد تقدمت أدلته.
وعلى هذا، يكون المجيب معترفًا بإمامة المتنفل للمفترض، ومدعيًا النسخ، فيُطالَب بالناسخ.
فأما حديث: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" والنهي عن الإعادة مرتين، فقد تقدم الكلام عليهما.
ومنها: في خصوص قصة معاذ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بذلك.
ويُردُّ بأننا ذهبنا مذهب جابر في قوله: "كنا نَعْزِل والقرآنُ يَنزِل" (1)، كفانا ذلك في ردَّ جوابكم. وتقريرُ هذا المذهب: أنه كما أن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - يدلُّ على الجواز، فأولى منه تقرير الله عزَّ وجلَّ في وقت وجود الواسطة لتبليغ أحكامه بينه وبين عباده، وهو الرسول، وقد صحّ أن الصحابة كانوا مكروهًا لهم سؤالُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يدلّ على أنه كان لهم أن يتمسّكوا
__________
(1) أخرجه البخاري (5208) ومسلم (1440).
(16/212)

بالأصل والظاهر ونحو ذلك، ويعملوا بما ظهر لهم حتى يجيئهم من الشارع ما يخالف ذلك، وهذا يُشعر بأن الشارع إنما أذن بذلك؛ لأن الله عزَّ وجلَّ رقيبٌ عليهم، فإذا علم منهم خطأً في الدين بيّنه لهم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأما إن وقعت من بعضهم معصية يعلم أنها معصية، وأن الله عزَّ وجلَّ يستره ولا يفضحه، وإنما يُنبِّه على ما يتعلق بالأحكام.
وإن لم يُسَلَّم هذا المذهب، فإننا نُثبِت عِلْمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صُنْعَ معاذٍ:
أولاً: لأنه أعلمُ بالله [من] أن يُقدِم على ما لا يثق بصحته، وقد أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (1)، وأنه يأتي يوم القيامة أمامَ العلماء [برَتْوةٍ] (2)، وهو الذي بيَّن للأمة متابعةَ الإِمام، إذ كانوا أولاً إذا جاء الرجل الجماعة، فوجدهم يصلُّون وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل [فيُشير] إليه أحدهم أنه قد سُبِق بكذا، فيبدأ فيصلّي ما سُبِق به لنفسه حتى يدرك الإِمام فيما هو فيه فيوافقه، فجاء معاذ فقال: لا أجدُه على حالٍ إلا كنتُ عليها، فوافق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما هو فيه، فلما سلّم النبي - صلى الله عليه وسلم - قام معاذ فأتمَّ ما سُبِق به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن معاذًا قد سَنَّ لكم، فهكذا فاصنعوا" (3) أو كما قال. فكيف يُظَنُّ به
__________
(1) أخرجه الترمذي (3793، 3794) وابن ماجه (154) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(2) الرتوة: رمية السهم. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (20/ رقم 41) وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 229) من حديث محمَّد بن كعب القرظي مرفوعًا. وله طرق أخرى، انظر التعليق على "المسند" (108).
(3) أخرجه أحمد (22124) وأبو داود (506، 507) والحاكم في "المستدرك" (2/ 274) وغيرهم من حديث معاذ، ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى =
(16/213)

وبقومه - وفيهم كما في "الفتح" (1) عن ابن حزم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بدريًّا - أن يُقدِموا على ما لا يثقون بصحته، بدون ضرورة تُلجِئهم إلى ذلك.
وثانيًا: صنيعُه ذلك كان ظاهرًا مكشوفًا، كان يصلّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يصلِّي بعشيرته، وهم كثير، وكان يصلّي معهم من يمرُّ على مسجدهم من غيرهم، كما في قصة حرام. ولم يكن بينهم وبين المسجد النبوي إلا نحو ميل، ولا يمرُّ عليهم يوم إلا ويجتمع فيه جماعة منهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان - صلى الله عليه وسلم - كثيرَ التفقُّد للأنصار، ولا سيّما في أمر دينهم، والظاهر أنهم لم يكونوا [يقررون] إمامًا في مسجد من مساجدهم إلا بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
هب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بذلك تلك المدة التي كان معاذ يصلّي فيها معه - صلى الله عليه وسلم - ثم يصلي بهم قبل أن يَشْكُوه سُلَيم أو حرام، أو كلاهما، فقد علم - صلى الله عليه وسلم - عند الشكوى، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما أنكر تأخير معاذ وتطويله، فلم ينكر عليهم صنيعهم فيما سبق، ولا بيَّن لهم أنه لا يجوز، ولا نهاهم عن مثله.
فإن قيل: فقد جاء في رواية معاذ بن رِفاعة: "يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانًا، إما أن تصلِّي معي، وإما أن تُخفَّف على قومك" (2).
قلت: تلك الرواية مرسلة، ولم تأت هذه الزيادة في شيء من الروايات الموصولة حتى الرواية التي يُشبِه سياقُها سياقَ هذه المرسلة، وهي رواية
__________
= لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.
(1) (2/ 196). وانظر "المحلَّى" (4/ 234).
(2) سبق تخريجها.
(16/214)

عبيد الله بن مِقْسَم.
وهبْ تلك الزيادة: "إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك" صحَّت، فدونك تحقيق معناها:
حكى ابن حجر في "الفتح" (1) عن الطحاوي أنه قال: معناها: إما أن تصلِّي معي، ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك، ولا تُصلِّ معي.
ثم قال ابن حجر: لمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تُصلِّي معي فقط إذا لم تُخفِّف، وإما أن تُخفِّف بقومك فتصلِّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازَع فيه.
وقال العلامة الجليل شَبِّير أحمد العثماني الحنفي في "شرحه لصحيح مسلم" (2): الظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى كان ينام القوم، ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السورَ الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في المرسل المذكور)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك ثم أمَّنا، وافتتح سورة البقرة (أقول: وقد مر نحوه في رواية ابن عيينة) ... ففيه كما ترى شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويترك الإمامة، أو بأن يخفِّف على قومه ... وفي
__________
(1) (2/ 197). وقول الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 410).
(2) "فتح الملهم" (3/ 431 - 432) ط دار إحياء التراث العربي.
(16/215)

رواية للبزار "لا تكن فتّانًا تَفْتِن الناس، ارجِعْ إليهم فصَلِّ بهم قبل أن يناموا ... ".
[ق 21] أقول: هذا تحقيق جيد، ومن الواضح جدًّا أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "لا تكن فتّانًا" إنما معناه: لا تكن سببًا لافتتان بعضهم بتشديدك عليهم، فكأنه قال: لا تُشدِّد عليهم.
وإن قوله عقب هذه الجملة: "إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك" إنما هو بيان لقوله: "لا تكن فتّانًا" أو استئناف بياني، كأنه لما قال لمعاذ: "لا تكن فتّانًا" قال معاذ: كيف أصنع؟ فقال: إما ....
وهذا واضح جدًّا بدلالة المقام، وبعدم الإتيان بالواو بين الجملتين.
إذا تحرَّر هذا، فقوله: "إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك" إنما هي إرشاد إلى ترك التشديد الذي هو مَظِنّة الفتنة، كما قال العثماني نفع الله به: إرشاد إلى إزالة شكواهم.
ثم ها هنا احتمالان:
الأول: أن يكون مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - النهى عن التأخير وعن التطويل، حتى كأنه قال: لا تُؤخَّر ولا تُطوَّل، أو عجل وخفَّف. وعليه، فالظاهر أن يتضمّن قوله: "إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفَّف على قومك" النهيَ عن كلًّ من الأمرين.
وقد تبين من الروايات الصحيحة - كما ذكره العثماني - أن التأخير إنما كان يقع بسبب أن معاذًا كان يبدأ فيصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحينئذٍ لا بدّ أن تتضمّن الجملة تخييرَ معاذ بين أن يترك الصلاة بهم ليقدموا غيره ممن لا
(16/216)

يصلّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيعجِّل بهم؛ لأنه لا يحتاج إلى التأخير؛ لعدم صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يترك معاذ الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيعجِّل بهم، لعدم احتياجه إلى التأخير.
فإذا قلنا: إن الجملة المذكورة تتضمن النهي عن الجمع بين الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والصلاة بالقوم، فقد اتضح أن علة هذا النهي هي لزوم التأخير الذي شكاه القوم، وفيه تشديدٌ عليهم يُخشَى منه افتتانُ بعضهم.
والحاصل: أنه على هذا الاحتمال يكون تقدير الطحاوي صحيحًا في الجملة، ولكن علة المنع إنما هي استلزام التأخير كما هو واضح من دلالة المقام والسياق.
وعلى هذا، فلو فُرِض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عجَّل العشاء في بعض الأيام بحيث لو صلَّى معاذ معه، ثم عاد إلى قومه معاذٌ في وقت لا يكون فيه تأخير يشقُّ عليهم، أو رَضُوا كلُّهم بالتأخير وأحبُّوه، أكان لهم أن يؤمَّهم معاذ بعد أن صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وذلك أنهم يقولون: إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعنًى هو الآن منتفٍ، وهو التأخير الذي يُخشَى منه الفتنة.
وعلى هذا، فليس في الجملة المذكورة إنكاره لعلة أخرى، وإذًا فليس فيها إنكار لائتمام المفترض بالمتنفل، وإذًا فسكوته - صلى الله عليه وسلم - عن التعرض لذلك بعد علمه بصنيعهم تقريرٌ على صحة ذلك، وهو المطلوب.
وذكر بعض أئمة الحنفية في الهند (1): أن الجملة المذكورة شبيهة بقوله
__________
(1) هو الشيخ أنور شاه الكشميري (ت 1352) في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (2/ 228).
(16/217)

تعالى حكايةً عن المشركين: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ}، حيث قُوبل في الآية الافتراء بالجنون، لما أن من لازم الجنون عدم الافتراء، فكأنه قيل: أافترى أم لم يفترِ، فكذلك قُوبل في الحديث صلاة معاذ معه - صلى الله عليه وسلم - بتخفيفه لقومه، كما أن تخفيفه بهم يتوقف على صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدمَ صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكأنه قيل: إما أن تُصلِّي معي، وإما أن لا تُصلِّي معي.
وأقول: لا بأس بهذا، وإنما الشأن في وجه الاستلزام، فاستلزام الجنون لعدم الافتراء واضح معلوم للمخاطب، وكذلك استلزام صلاة معاذ بقومه لعدم صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيثُ إن المطلوب أن يصلّي بهم معجّلاً، لما عُلِم من المقام والسياق من النهي عن التأخير، لما فيه من التشديد الذي يُخشى منه الفتنة.
هذا هو الذي يفهمه القوم، ويقتضيه المقام والسياق وعدمِ الإتيان بالواو بين الجملتين، كما مرَّ.
فإن زعم زاعم أن للاستلزام وجهًا آخر فهو باطل، إذ لم يكن القوم يعرفونه، ولا في المقام والسياق ما يدل عليه.
الاحتمال الثاني: أن يكون مراده - صلى الله عليه وسلم - إنما هو النهي عن الجمع بين التأخير والتطويل.
وعليه، فالتقدير كما قال ابن حجر، وقد يؤيده أن التأخير إنما شقَّ عليهم تلك الليلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخَّر العشاء فوق العادة، فتأخّر معاذ (1) فوق ما
__________
(1) في الأصل: "بلال"، سبق قلم.
(16/218)

كان يتأخّر تلك الليلةَ، وهذا بيِّنٌ في الروايات المفصّلة الصحيحة كرواية ابن عيينة: "وقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء ... ".
ومما يوضِّح هذا أن الروايات المفصّلة الصحيحة مقتصرة على [النهي] عن التطويل، وذلك يدلّ أنه هو الذي استوعب الحال.
فأما الزيادة التي نقلها العثماني: "ارجعْ إليهم قبل أن يناموا" فهي تدلّ على تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، وأن يأتمُّوا بمعاذ بعد أن يصلِّي معه - صلى الله عليه وسلم -.
وبيان ذلك: أن عادة بني سلمة كانت أن الأقوياء منهم يأتون إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيصلُّون معه المغرب، ثم يرجعون إلى بيوتهم فيصلُّون، والرامي يرى موقعَ سهمه، كما يأتي عن جابر، ثم إذا جاء وقت العشاء أتوا المسجدَ النبوي وصلَّوا العشاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجعون إلى بيوتهم، ومنهم معاذ، غير أنه انفرد بأنه كان إذا رجع إلى قومه صلَّى بالمتأخرين منهم، فإذا رجع عقب المغرب صلَّى بهم المغرب كما في حديث الترمذي، وقد تقدم، وإذا رجع عقب العشاء صلَّى بهم العشاء كما في حديث "الصحيحين" وغيرهما، فكان له في المغرب والعشاء مجيئان ورجوعان، ولا يحسن حمل الرجوع في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا" على الأول؛ لأن الحمل عليه يُحوِج إلى تقدير، والأصل عدمه، ولأن المتبادر إنما هو الرجوع الثاني؛ لأنه هو الذي شَكَوا من تأخُّره حتى يناموا.
إذا تقرر هذا، فمعنى هذه الزيادة - والله أعلم - هكذا: إذا جئتَ لتصلِّي العشاء معي فانظر، فإن وجدتَني عجَّلتُها فصلِّ معي، ثم ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا، وإن وجدتَني أخَّرتُها فلا تنتظرْني، وارجِعْ إليهم قبل أن يناموا.
(16/219)

وفي هذه مراعاة لرغبة معاذ ورغبة قومه؛ لأن معاذًا كان يرغب في أن يصلّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقومه - وإن شكا بعضُهم من تشديده - راغبون في أن يُصلِّي هو بهم، إذْ لم يكن فيهم أعلم ولا أفضل ولا أحبّ إليهم منه.
[ق 22] ومن أجوبتهم الخاصة بقصة معاذ أيضًا: أنه يحتمل أن يكون معاذ كان يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنها نافلة له، ثم يُصلَّي بقومه على أنها فريضته.
ورُدَّ بأن هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر من حال مَن يعلم أن عليه فريضة يجب عليه أداؤها أنها إذا حضرتْ فصلّاها، إنما يَقصِد أداءها، ويتأكد ذلك بعدم الوقوف، أو من المحتمل أن يموت أو يعرض له عارض.
وقال بعض الشافعية: لا يُظَنُّ بمعاذٍ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد.
حكاه ابن حجر في "الفتح" (1) ثم قال: للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
أقول: الأصل عدم الأمر، وإنما دلَّت الظواهر على إذنه - صلى الله عليه وسلم - لهم أن يُصلَّي معاذ معه، ثم يؤمَّهم. فإن ادَّعَى مدّعٍ أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذًا أن ينوي بصلاته معه نافلة، وبصلاته بقومه الفرض، فعليه البيان، والأصل عدم ذلك.
وفوق هذا، فقد جاء في رواية ابن جريج عن عمرو عن جابر: "هي له تطوع، ولهم المكتوبة" وقد تقدم الكلام مع من زعم أنها مدرجة.
__________
(1) (2/ 196).
(16/220)

فأما من قال: "ذاك ظنٌّ من جابر فلا حجة فيه" (1)، فقد دفعه ابن حجر في "الفتح" (2) بقوله: " ... مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنه يخبر عن شخصٍ بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أَطْلَعَه عليه".
أقول: في هذا نظر، فقد يجوز أن يكون جابر بني على الظاهر، نعم، إذا كان هذا هو الظاهر عند جابر، وكان ممن يصلِّي مع معاذ، ففي ذلك دليل على أنه لم يكن عند القوم خبر بما يخالف ذلك، وهذا يدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذِنَ لهم أن يصلِّي بهم معاذٌ بعد أن يُصلَّي به، لم يأمر معاذًا بأن ينوي بالأولى النافلة، وبالثانية الفريضة؛ إذ لو أمره بذلك لأخبر قومه؛ ليعرفوا الحكم، ولئلا تكون صلاتهم مختلة، فإن الحنفية لا يجيزون صلاة المقتدي إذا كان يرى أن إمامه قد أدّى تلك الصلاة، وإنما يُعيدها نافلةً.
ومن أجوبتهم: دعوى النسخ، واستدلُّوا على النسخ بقوله في تلك الرواية: "إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك"، وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا أيضًا بحديث ابن عمر: "لا تُصلُّوا صلاةً في يوم مرتين" وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا بحديث: "الإِمام ضامنٌ"، وحديث: "إنما جُعِل الإِمام ليُؤتَمَّ به". وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
__________
(1) قاله الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 409).
(2) (2/ 196).
(16/221)

فصل
أجاب بعض أئمة الحنفية في الهند (1) عن حديث معاذ: بأن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم في العشاء والصبح، فإن في حديث الترمذي (2): "أن معاذ بن جبل كان يُصلَّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغربَ، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم". وفي "الصحيحين" (3): "كان معاذ بن جبل يُصلَّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى بهم العشاء، فقرأ بالبقرة".
وفي موضع في رواية الترمذي اختصار فلم يذكر العشاء، وفي حديث الصحيح اختصار فلم يذكر المغرب، فلما تعدّد اللفظ منهما تصرَّف فيه الرواة على حسب ظنونهم.
أقول: قد تقدَّم الكلام على حديث الترمذي، ويكفيك أن تراجع الروايات، وتتدبَّرها, لتعلم حال هذا الجواب. والله المستعان.
وأجاب هذا الإمام (4) عن حديث صلاة الخوف أن الصلاة التي قيل في حكايتها إنه صلَّى بطائفةٍ ركعتين، ثم صلَّى بطائفة ركعتين، فكان له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ووقع في بعض الروايات زيادة "ثم سلم"، إنما المراد بها الصفة التي رواها صالح بن خوّات عمن شهد ذات الرقاع، أنه
__________
(1) هو الشيخ أنور شاه الكشميري في "فيض الباري" (2/ 229 - 230).
(2) رقم (583).
(3) البخاري (701) ومسلم (465).
(4) "فيض الباري" (3/ 247).
(16/222)

صلَّى بطائفةٍ ركعةً ثم ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم وذهبوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم ركعةً، وثبتَ جالسًا حتى أتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم.
وإنما تجوَّز الراوي فاعتبرَ ثباتَ الإِمام قائمًا حتى صلَّت الطائفة الأولى ركعتها الثانية، ركعةً متابعة له أي الإِمام، وكذلك اعتبر ثباته جالسًا حتى صلت الطائفة الثانية ركعتها ركعة أخرى له.
فالحاصل: أن الإِمام صلّى بالطائفة الأولى ركعة على الحقيقة، وانتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى، فتكون له ركعتان بهذا التجوُّز. ثم صلَّى بالطائفة الثانية ركعةً على الحقيقة، ثم انتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى. وأما زيادة "ثم سلَّم" في الوسط فتجوُّزٌ أيضًا، والمعنى أن الطائفة الأولى سلَّمت لأنفسها، فأضيف ذاك السلام إلى الإِمام.
أقول: لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد، مع أنه لا مُلْجِئَ إليه؛ لأن الرباعية تتكرَّر في اليوم ثلاث مرات، وقد يُحتاج في الغزوة الواحدة إلى صلاة الخوف في يومين وأكثر.
والظاهر أن الصلاة التي صلّاها بنخلٍ ركعتين ثم ركعتين هي الظهر كما في رواية الشافعي وغيرها، وأن الصلاة التي صلّاها كما في رواية صالح بن خوّات عمن شهد هي العصر، وقد جاء مثلها عن جابر كما تقدم، ورواية قتادة عن سليمان بن قيس تُؤيِّد ذلك، وقد تقدَّم البحث فيها.
وهبْ أنه لا دليلَ على هذا، فهو على الأقلّ محتملٌ احتمالًا ظاهرًا، وإذا كان كذلك فلا مُلجِئَ إلى ما ادّعاه هذا الإِمام من حمْلِ الكلام على التعمية والإلغاز. والله الموفق.
(16/223)

وقد يجاب: بأن في رواية قتادة عن سليمان بن قيس أن تلك الصلاة كانت قبل نزول آية النساء في صلاة الخوف، وأن الآية نزلت بعدها، وعلى هذا فهذه الصفة منسوخة.
أقول: قد تقدَّم الكلام على رواية قتادة عن سليمان، وأن قتادة مدلِّس، فيجوز أن يروي عن سليمان ما سمعه من غيره مما ليس في الصحيفة، وعلى فرض أنه إنما يروي عنه من تلك الصحيفة، ففي جواز الاحتجاج بما في الصحيفة وحده نظر، مع أن اعتماد جماعة من الأكابر عليها يُقوِّي شأنها، ولكن الذي يظهر من اعتمادهم عليها إنما هو في الرواية، ولم يتبين اعتمادهم عليها في الاحتجاج.
فأما فتوى الحسن بصلاة الخوف مرتين بكل طائفة مرة، فلعله إنما اعتمد في ذلك على روايته عن أبي بكرة، ولعل روايته عن جابر لم تكن عن الصحيفة، بل عن طريق غيرها، كما يظهر من زيادته في روايته: "ثم سلَّم"، وليس ذلك في رواية أبي بشر وقتادة، حتى إن قتادة لما أراد [أن] يروي بزيادة "ثم سلَّم" رواه عن الحسن عن جابر، كما مر.
وقد تقدم أن رواية مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي معارضة لرواية قتادة عن سليمان في تاريخ نزول الآية، وإن لم يتضح التاريخ، وأن البخاري رجَّح تأخُّر غزوة ذات الرقاع، فتكون على هذا قصة جابر متأخرةً عن قصة أبي عيّاش، وكذلك رواية أبي بكرة، إن صحّ ما في بعض الروايات أنه شهد تلك الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي متأخرة عن نزول الآية [ق 23] حتمًا، وإلا فالأمر محتمل.
(16/224)

فإن قيل: مما يدلّ على تقدُّمِ هذه الصلاة على نزول الآية أنها مخالفة لظاهر الآية، فإن في الآية: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] فظاهر قوله: {فَإِذَا سَجَدُوا} الأمرُ بتأخُّرهم عقب الركعة الأولى.
قلت: قد يحتمل أن يكون صالحًا للسجود في الأولى، والسجود في الثانية، فيكون ذلك صالحًا لهذه الصفة التي فيها أنه يُصلِّي بكل طائفة مرةً.
وعلى فرض أنه صالح لها، فقد تقدم أن الصفة التي فيها صلاة الإِمام بكل طائفةٍ ركعة هي من القصر الذي أباحه الله عَزَّ وَجَلَّ أول هذه الآية، إذ قال سبحانه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]. فقوله بعد ذلك: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} إنما هو بيان لذلك القصر الذي أباحه، أو لبعض أنواعه، وإذا كان كذلك فليس الأمر لإيجاب هذه الصفة بعينها، لما علمتَ أنها بيان للمباح، بدليل اقتصاره على نفي الجناح.
ومما يدل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلَّى بعد نزول الآية صلاة الخوف بأوجهٍ أخرى، منها ما يخالف ظاهر الآية. فبان بهذا أن تلك الصلاة التي فيها أنه صلَّى بهؤلاء مرةً، وبهؤلاء مرةً، أن فرض تقدمها على نزول الآية، فليس في الآية ولا في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الأحيان بحسب ظاهر الآية ما يوجب نسخَ الصفة السابقة، فتدبر! والله الموفق.
(16/225)

فصل
أجود ما رأيته للمانعين ما قاله العلامة الجليل شبِّير أحمد العثماني الحنفي في "شرحه لصحيح مسلم" فإنه ذكر ما يحتجُّ به أصحابه من حديث "الإِمام ضامن" (1) وحديث "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" (2) وقوله: "فلا تختلفوا عليه" (3)، ثم قال: ولا يخفى على المنصف الممعن أن مسألة الائتمام - أي متابعة المأموم للإمام - إنما كملت على لسان الشارع شيئًا فشيئًا ...
ثم استشهد بقضية القراءة: أي أنهم كانوا أولاً يقرؤون خلف الإِمام، ثم أُمِروا بالاكتفاء بقراءته، وأنها تكون لهم قراءة.
وبقصة معاذ: إذ كانوا أولاً يجيء المسبوق، فيبدأ بصلاة ما سبُق به لنفسه، ثم يدخل مع الإِمام فيما هو فيه، فخالفهم معاذ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن معاذًا قد سنَّ لكم"
ثم قال: فينبغي أن يُحمَل كل ما جاء في الأحاديث مما ينافي مقتضى هذا الائتمام ولم يُعلَم تاريخه، على ما قبل أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف.
أقول: أما القراءة فلسنا نوافقه على مذهبه فيها، غاية الأمر أن بعض
__________
(1) أخرجه أحمد (7818) والترمذي (207) وابن خزيمة (1528) وغيرهم من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.
(2) أخرجه البخاري (722) ومسلم (414) من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن أنس وعائشة وغيرهما.
(3) ضمن الحديث السابق.
(16/226)

الصحابة كان يقرأ زيادة على الفاتحة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -[] فنهاهم، ولم يكن ذلك مشروعًا ثم نُسخ.
وأما قصة معاذ: فأخرجها أبو داود وغيره (1)، وفيها كلام.
وعلى كل حال، فينبغي أن نتدبَّر ما أشار إليه العثماني من الأوامر والنواهي، فإذا كانت دلالتها واضحةً على المنع من اقتداء المفترض بالمتنفل، بحيث لا يمكن الجمع بينها وبين أدلة المجيزين إلا بنسخ أحد [القبيلين] للآخر، فدلائل المنع أولى بأن تكون الناسخة. والله أعلم.
ومما احتجوا به حديث: "الإِمام ضامن".
قالوا: وصلاة المأموم لا تكون في ذمة الإِمام، فتعين أن يكون "ضامن" بمعنى متضمن، أي محتوٍ مشتمل، كما قال الشاعر (2):
بالباعثِ الوارثِ الأمواتِ قد ضَمِنَتْ ... إيّاهم الأرضُ في دهرِ الدَّهاريرِ
فالمعنى أن صلاة الإِمام متضمنة لصلاة المأموم بأن تكون صلاة المأموم في ضمن صلاة الإِمام.
قالوا: والشيء لا يتضمّن ما فوقه، وإنما يتضمّن ما هو مثله أو دونه.
أقول: لا يخفى أن "ضامن" بمعنى متضمِّن أي محتوٍ مشتمل، قليل في الاستعمال، ومع ذلك فالذي في الحديث "الإِمام ضامن"، فحَمْلُه على
__________
(1) سبق تخريجه والكلام عليه.
(2) البيت للفرزدق في "ديوانه" (1/ 214) ولأمية بن أبي الصلت في "الخصائص" (1/ 307، 2/ 195).
(16/227)

معنى: "صلاة الإِمام ضامنة" محُوِجٌ إلى تقديرٍ الأصلُ عدمه، وفي تضمُّن الشيء ما هو مثله نظرٌ، والمعروف أن الشيء إنما يتضمن ما هو دونه، كما في تضمن الأرض للموتى.
وعلى هذا، فيلزم من الحمل على هذا المعنى أن لا يصحَّ اقتداء المفترض بالمفترض، والمتنفل بالمتنفل.
وقولهم: "صلاة المأموم لا تكون في ذمة الإِمام" إن سلم فذاك إذا حُمِل على ضمان الدين.
والصواب أنّ ما في الحديث من باب ضمان العين، كما في ضمان العين المستعارة والمستأجرة والمستأجَر على إصلاحها، ويُؤيِّده قولُه عقبه: "والمؤذن مؤتمن"، وفي بعض طرقه زيادة "اللهم أَرشِدِ الأئمة، واغفر للمؤذنين" (1).
وكما أن ضامن العين المالية يكون عليها بدلُها إذا تَلِفتْ، وأَرْشُ نقصِها إذا نقصتْ، على التفصيل المعروف في الفقه، فكذلك الإِمام ضامن لصلاة المأموم عليه بدلُها إذا تَلِفتْ بسببه، وأرْشُ نقصِها إذا نقصَتْ بسببه، غير أن البدل والأَرْشَ هنا إنما يُستوفى في الآخرة، فإذا كان الإِمام مُحدِثًا وهو يعلم ذلك، ولا يعلمه المأموم، فصلاة المأموم في نفس الأمر تالفة، والإمام ضامن لها غارم، ومعنى الغرامة - والله أعلم - أن الله عزَّ وجلَّ يكتب للمأموم صلاة صحيحة، ويَحْرِم الإمامَ ثوابَ صلاة من صلواته الصحيحة.
__________
(1) أخرجه أحمد (7818) والترمذي (207) وابن خزيمة (1528) وغيرهم من حديث أبي هريرة. وإسناده صحيح.
(16/228)

أو قُلْ: يأخذ صلاةً من صلوات الإِمام الصحيحة، فيجعلها للمأموم بدلاً من صلاته التي أتلفها الإِمام، ويكون الإِمام مسؤولًا عن صلاته هذه التي صلّى وهو مُحدِث، وعن صلاته التي أُخِذت منه؛ لأنها إذا أُخِذت منه صار في معنى مَن لم يُصلِّها.
وقِسْ على هذا، وكذلك في النقص.
ومما يُؤيِّد هذا ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 216) وابن ماجه (1) من طريق عبد الحميد بن سليمان أخي فليح عن أبي حازم: أن سهل بن سعد كان يُقدِّم فتيانًا يصلُّون به، فقلت: أنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [ق 24] ولك من الفضل والسابقة، تُقدِّم هؤلاء الصبيان، فيصلُّون بك؟ أفلا تتقدَّم فتصلِّي لقومك؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الإِمام ضامن، فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان عليه ولا عليهم" فلا أريد أن أتحمَّلَ ذلك. لفظ الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.
كذا قال، مع أن عبد الحميد لم يُخرِّج له مسلم، وضعّفه ابن معين وابن المديني وغيرهما، وأحسنُ ما قيل فيه قول الإِمام أحمد: ما كان أرى به بأسًا (2) (3).
__________
(1) رقم (981).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 116).
(3) في موسوعة أقوال الإِمام أحمد: أنه سُئل عن حديثه فقال: "لا أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأسًا" اه. هكذا بتقديم "أرى" على "كان".
(16/229)

وبالجملة، فهو كما قال ابن عَدي: ممن يُكتَب حديثُه، فيصلح للاستشهاد والاعتضاد.
وقوله: "فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان له ولا عليهم" لها شواهد ذكر البخاري في "الصحيح" (1) بعضها في باب إذا لم يُتِمَّ الإِمام وأتمَّ مَن خلفه، وذكر ابن حجر في "فتح الباري" (2) بعضها.
ووجه التفرقة بين الإِمام والمؤذن - والله أعلم - أن الذي يتعلق بالمؤذن شيء واحد وهو دخول الوقت، والعلم بذلك متيسر للناس، فيمكنهم إذا قصَّر المؤذن أو أخطأ أن يعرفوا ذلك بسهولة، ولا يضطرُّهم شيء إلى اتباع المؤذن إذا تبين لهم خطاؤه.
وأما الإِمام فإنه يتعلق به أشياء كثيرة في الصلاة:
فمن إخلاله وتقصيره ما لا يمكن أن يعرفه المقتدي، كالحدث الخفي، والنجاسة الخفية، والإخلال بقراءة الفاتحة في السرّية، وعدم الاطمئنان في الركوع والسجود، ولا سيّما في الظلمة، وغير ذلك.
ومنه ما قد يعلمه المقتدي، ولا يمكنه الإتمام لنفسه، كترك الإِمام القراءة بالسور المستحبة، كالجمعة والمنافقين في عشاء الجمعة، والسجدة والدهر في صبحها.
ومنها: ما يمكنه أن يُتِمَّه لنفسه، ولكن يفوته فيه فضل الاتباع، فإن فضل الصلاة في الجماعة ببضع وعشرين، فالسنة التي يؤديها الإِمام والمأموم معًا
__________
(1) (2/ 187) "مع الفتح".
(2) (2/ 187).
(16/230)

كالتسبيح في الركوع والسجود يكون ثوابها - والله أعلم - بذلك التضعيف، فإذا تركها الإِمام، وأدَّاها المأموم فالأصل أن لا يكون له ذلك التضعيف، إلا أن يُعوَّضه الله عزَّ وجلَّ من حسنات الإِمام؛ لأن الفوات إنما جاء بتقصير الإِمام.
فقوله: "الإِمام ضامن" لو انفردت كان الظاهر أن يتضمن ما تعمَّد الإخلالَ به، أو أخطأ ولكن لتقصيرٍ بيِّن. فأما إذا قُرنتَ بقوله: "والمؤذن مؤتمن" فإن ذلك يُشعِر بأن الإِمام يضمن وإن لم يُقصِّر، وذلك أن من الأشياء ما تُضمن بشرط التقصير كالوديعة، ومنها ما تضمن وإن لم يقصّر، كالمبيع في يد المشتري إذا عرض له نقص كقطع رجل الدابة مثلاً، ثم ظهر به عيب قديم، فأراد المشتري أن يردَّه، فإن النقص الحادث محكوم به على المشتري، وإن كان بدون تقصيره، والمؤتمن يضمن إذا قصَّر. فلو كان الإِمام لا يضمن إلا إذا قصَّر لكان مساويًا للمؤذن، فلما فرق بينهما فقيل: "الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن" دلَّ ذلك على أن ضمان الإِمام أشدُّ، وتأكَّد ذلك بما في بعض الروايات: "اللهم أَرشدِ الأئمة واغْفِر للمؤذنين"، فدعا للأئمة بالإرشاد حتى لا يقع منهم إخلال، ودعا للمؤذنين بالمغفرة، وذلك يُشعِر بأن الأئمة إذا أخلُّوا فلا بدَّ من الضمان، وأما المؤذنون فيُرجَى أن لا يَضمَنوا، ولذلك دعا لهم بالمغفرة.
هذا ما يُشعِر به هذا اللفظ، وأما حقيقة الحال فتُعلَم بالرجوع إلى الأصول القطعية.
فإن قيل: وكيف يَضْمَن المتنفل، ويَغْرَم للمفترض؟
قلت: إذا رضي أن يكون إمامًا فقد التزم، فيلزمه ما التزم، وإن كان متنفلًا.
(16/231)

والمقصود أن الحديث ظاهر في هذا المعنى، وهو معنى صحيح لا غبار عليه، فلا وجهَ لحمله على ذلك المعنى البعيد، مع ما يلزم عليه مما مرّ. والله أعلم.
[ق 25] ومما احتجوا به حديث: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به".
قال العثماني (1): "يدلُّ على أن الإِمام لا يكون إمامًا إلا إذا ربط المقتدي صلاتَه بصلاته، بحيث يُمكِنه الدخولُ في صلاته بنية الإِمام ... ".
أقول: قد يقرّر هذا بأن الحديث دلّ على أن شرع الإِمام إنما كان للائتمام، وعُلِم بذلك أنه إذا انتفى الائتمام انتفى شرع الإمامة، والائتمام يشمل الائتمام في أصل الصلاة المَنْوبَّة وفي أعمالها، فإذا أراد مفترض أن يقتدي بمتنفل، قيل له: أنت غير مؤتمًّ به في أصل صلاتك فكيف تتخذه إمامًا أو أنت ناوٍ أن لا تأتم به في أصل صلاتك، فكيف يصحّ مع ذلك نيتك أن تتخذه إمامًا؟
والجواب: أنها قد تقدمتْ أدلة الجواز، واستقر الأمر على أن ذلك قد كان جائزًا صحيحًا يومًا ما في عهده - صلى الله عليه وسلم -، والأصل استمرار ذلك إلا أن يثبت ناسخ، فاعلم الآن أن هذا الحديث لا يصلح ناسخًا؛ لأنه صريح في أن شرع الإمامة لم يكن أصلاً إلا للائتمام، فالائتمام المراد فيه، إما أن يصدق بائتمام المفترض بالمتنفل على ما تقدم في أدلة الجواز وإما أن لا يصدق، الثاني باطل؛ لأنه قد ثبت الجواز والصحة بعد شرع الإمامة، كما تقدم في أدلة الجواز، فتعين الأول.
__________
(1) "فتح الملهم" (3/ 433).
(16/232)

فتقرر بهذا أنه يكفي في الائتمام في أصل الصلاة أن ينوي كلٌّ منهما الصلاة، وأن تتفق الصلاتانِ بأن لا تكون إحداهما صلاة جنازة، والأخرى ذات ركوع وسجود، ونحو ذلك مما هو مفصَّل في كتب الفقه.
فإن قيل: سلَّمنا أن الحديث صريح في أن الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، ولكنا نقول: هذه العلة لم يجب العمل بحسبها تمامًا من أول الأمر، بل كان الأمر على التدريج، فكأنه قيل: المقصود من شَرْعِ الإمامة هو الائتمام في كل شيء، ولكن في ذلك الوقت رُخِّص بالإخلال ببعض ذلك لحكمة التدريج.
أو يقال: الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، والائتمام يتفاوت، فاكتُفِي أولَ الأمر بائتمام غير كامل؛ لمصلحة التدريج إلى الائتمام الكامل.
قلت: في هذا نظر من وجوه:
الأول: أن الحديث وإن احتمل هذا المعنى، فهو محتمل لما قلنا، لعل ما قلنا أقرب.
الثاني: أن التدريج إنما يقع في الشرع لمصلحة، كالتدريج في تحريم الخمر وغيره، وقد تظهر المصلحة في سنة معاذ، وذلك أن المسبوق يَشُقّ عليه أن يتابع الإِمام فيما هو فيه، ثم يقضي بعد ذلك ما فاته؛ لأنه قد يدركه في ثانية المغرب بحيث لا تحسب له تلك الركعة، وقد أتى ببعضها، فيحتاج إلى أن يتشهد معه التشهد الأول والثاني، وليسا محسوبَيْنِ له، ثم يقوم فيصلّي ركعة ويتشهد، ثم أخرى ويتشهد.
وقريب من هذا قد يتفق في الصلوات الأخرى، فأما إذا بدأ فصلَّى
(16/233)

لنفسه حتى لحِقَ الإِمام فوافقه، فإنه يسلَّم معه، فرُخَّص لهم أولاً فيما يَخِفُّ عليهم، ومع ذلك فليس في ذلك مخالفةٌ لحديث: "إنما جُعِل الإِمام ليؤتمَّ به"؛ لأن المسبوق إنما كان يصلّي ما سبق به منفردًا قبل أن يجعل الإِمام إمامًا له، فإذا وصل إلى ما فيه الإِمام اتخذه إمامًا من حينئذ، ووافقه وتابعه.
فأما اقتداء المفترض بالمتنفل: فلا يظهر لي فيه شيء من هذا القبيل.
الثالث: أن العمل إذا شُرِع لمعنى، واقتضت الحكمة التدريج في إبلاغَ ذلك العمل غايتَه فالمعقول أن يرعى فيه أولاً المقصود الأهم، ويكون التدريج في الفروع. وأنتم تزعمون أن الموافقة في النية هي الأصل، حتى أن لا ينعقد عندكم إلا بها، فلو كان الأمر كما زعمتم لكان الظاهر أن يُهتمّ أولاً بالموافقة في النية، ويكون التدريج في الموافقة الظاهرة، فكيف وانعكس الحال؟!
الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فصَّل في حديث: "إنما جُعِل الإِمام ليؤتمَّ به" أشياء، قال: "فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا" وزاد في رواية: "فإذا كبَّر فكبَّروا ... وإذا سجد فاسجدوا" إلى غير ذلك.
فنصَّ على المتابعة التي قد علموا أنها مشروعة، فلو أريد به نسخ جواز اقتداء المفترض بالمتنفل لكان أولى بأن ينصَّ عليه مما ذكر.
الخامس: أنه نصَّ على المتابعة في الأفعال تفصيلاً، والمتابعة في النية على حسب دعواكم أهمُّ منها، فلو كان الأمر كما قلتم لكان النص على المتابعة في النية - على حسب دعواكم - أولى.
(16/234)

هذا، وقد نصّ في هذا الحديث على قوله: "وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا" فبيَّن أن هذا من الائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، وعندكم أن هذا منسوخ، وقال جماعة منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي: إن الإِمام إذا صلَّى قاعدًا لعذرٍ وجب على المأموم إذا لم يكن معذورًا أن يصلَّي قائمًا، ولا يخفى فُحْشُ المخالفة في هذا.
واتفقوا على صحة اقتداء المتنفل بالمفترض مع اختلاف النية، وهو مخالف قطعًا لهذا الحديث، لو كان شاملًا للائتمام في النية على ما قلتم في اقتداء المفترض بالمتنفل.
واتفقوا على أن من المخالفة في بعض ما نصّ عليه في التفصيل ما لا يبطل الصلاة ولا القدوة، حتى ولو كانت لغير عذر، فما لم ينصّ عليه أولى.
فغاية الأمر أن يكون اقتداء المفترض بالمفترض أولى من اقتدائه بالمتنفل؛ لمخالفته له في بعض النية، فإن كان لعذر ما فلا حرج، وبهذا تتفق الأدلة بدون حاجة إلى نسخ، ولا فسْخٍ.
هذا، وفي "الفتح" (1): عن ابن حبان أن القصة التي في هذا الحديث - وهي أنه - صلى الله عليه وسلم - جُحِش شِقُّه الأيمن، فصلَّى جالسًا، فصلّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما سلّم قال: "إنما جُعِل الإِمام ليؤتمَّ به ... " - كانت في ذي الحجة سنة خمس. وعلى هذا فهي متقدمة على صلاته في الخوف بطائفةٍ ركعتين، ثم بطائفةٍ ركعتين؛ لأنها كانت بنَخْلٍ في غزوة محارب وثعلبة، وهي ذات الرقاع، فإن البخاري اختار أنها كانت بعد خيبر،
__________
(1) (2/ 178). وانظر "صحيح ابن حبان" (5/ 492).
(16/235)

واستدلّ على ذلك بأدلّة. والله أعلم.
ومما احتجوا به قوله في بعض طرق هذا الحديث: "ولا تختلفوا عليه" (1).
قال العثماني (2): "فإنه يشمل الاختلافَ عليه في الأفعال الباطنة".
ويُجاب: بأن حقيقة اختلافهم عليه هو أن يكون بعضهم موافقًا، وبعضهم مخالفًا.
ولفظ مسلم (3): "إنما جُعِل الإِمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمَّ ربَّنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون".
فقوله: "أجمعون" يعود - والله أعلم - إلى جميع الجمل قوله: "فإذا كبَّر فكبِّروا ... " وما بعدها.
وقد علمتَ من الكلام على الدليل السابق جوازَ أن يصلِّي المأمومون كلهم مفترضين، والإمام متنفل، وأن ذلك ليس من الخلاف للائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، فأولى من ذلك أن يكون بعضهم مفترضًا، وبعضهم متنفلًا.
وبالجملة، فالتفصيل في الحديثين يدلُّ أن الموافقة والمتابعة المطلوبة
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) "فتح الملهم" (3/ 433).
(3) رقم (414).
(16/236)

إنما هي في الصفة الظاهرة، فأما الباطن فأصل مقصود الشارع من الباطن الإخلاصُ والخضوع وصدق التوجه إلى الرب سبحانه، وكلّ مصلٍّ مأمورٌ بذلك، فإذا اتفقوا فيه فقد اتفقوا في كل شيء من مقصود الباطن.
هذا، وإذا دقَّ عليك فهمُ بعض ما تقدم، فيكفيك أن تعلم أن غاية ما في قوله: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به" وقوله: "فلا تختلفوا عليه" أن يكون ظاهر اللفظ يتناول الموافقة في نية الصلاة فرضًا ونفلًا.
ويجاب عنه: بأن هذا العموم - على تسليمه - مخصَّص بأدلة الجواز، وقد تقدَّم عن ابن حبان والبخاري ما يقتضي أن بعض أدلة الجواز متأخرة حتمًا عن هذا الحديث.
وما ذكره العثماني من أنَّ الظاهر التأخرُ، لا يصادم النقل.
فإن سُلِّم الجهل بالتاريخ، أو تأخَّر هذا الحديث عن أدلة الجواز، فالصحيح في الأصول: العمل بالتخصيص أيضًا، وقد تأكّد ذلك بأنه في التفصيل اقتصر على الأعمال الظاهرة، مع أن المتابعة فيها كانت معلومة عندهم، فلو أريد نسخُ جواز ائتمام المفترض بالمتنفل لكان النصّ عليه في التفصيل أولى وأحرى.
وأيضًا، فهذا العموم - على تسليمه - قد خُصَّ عند جماعة منهم أبو يوسف وأبو حنيفة والشافعي، قالوا: إذا صلَّى الإمام جالسًا لم يجب الجلوس على المأموم، بل يجب عليه القيام في الفرض.
بل خُصَّ بالنظر إلى اختلاف النية اتفاقًا، فأجازوا ائتمام المتنفل بالمفترض.
(16/237)

وكذلك دلالته على بطلان القدوة والصلاة أو إحداهما عند المخالفة غير سالم؛ لاتفاقهم على أن من المخالفة في بعض ما نصّ عليه في التفصيل ما لا يبطل الصلاة ولا القدوة، ولو لم يكن للمخالف عذر.

[ق 26] فصل
مما يُستدل به لصحة اقتداء المفترض بالمتنفِّل: قصةُ عمرو بن سَلِمة الجَرْمي أنه كان يؤمُّ قومَه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ست أو سبع سنين. أخرجه البخاري في "الصحيح" (1) في المغازي آخر الأبواب المتعلقة بفتح مكة، وفي "سنن" أبي داود (2) ما يدلُّ أنه استمرَّ على ذلك، فإن فيها عن عمرو أنه قال: "فما شهدتُ مجمعًا من جَرْمٍ إلا كنتُ إمامَهم".
وقد أجيب عن هذا بأنه لم يُنقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك.
ورُدَّ بأن ذلك كان في زمن نزول الوحي، وقد قال جابر: "كنا نَعزِل والقرآن ينزل" (3). وقد تقدم تقرير ذلك في الكلام على قصة معاذ.
أقول: في قصته أنه كان قبل إسلام قومه يمرُّ بهم الركبان، فيسمع منهم القرآن فيحفظه، فحفظ قرآنًا كثيرًا، ولما وفد قومه، ثم أرادوا أن ينصرفوا، قالوا: يا رسول الله! فمن يؤمُّنا، قال: "أكثركم جمعًا للقرآن، أو أخذًا للقرآن". قال: فلم يكن [أحدٌ] من القوم جمَعَ ما جمعتُ، فقدَّموني. هكذا
__________
(1) رقم (4302).
(2) رقم (587).
(3) سبق تخريجه.
(16/238)

في "سنن" أبي داود (1).
وفي "التهذيب" (2): "روى ابن منده في كتاب "الصحابة" حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو بن سَلِمة قال: كنتُ في الوفد الذين وفدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد روى أبو نعيم في "الصحابة" (3) من طُرقٍ ما يقتضي ذلك، وقال ابن حبان (4): له صحبة.
أقول: إن صحَّ ذلك فالذي يقتضيه العادة أن يكون أبوه عرضه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره بما حفظه من القرآن. وعليه، فيكون قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سألوه عمن يؤمُّهم: "أكثركم جمعًا للقرآن" كالنص عليه. والله أعلم.
__________
(1) رقم (585 - 587).
(2) "تهذيب التهذيب" (8/ 42، 43). وانظر "الإصابة" (7/ 398).
(3) "معرفة الصحابة" (3/ 415، 416).
(4) في "الثقات" (3/ 278).
(16/239)

الرسالة السابعة
بحث في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في صلاته بقومه
(16/241)

(أقول: معنى هذا بنحو لفظه في رواية ابن عيينة في "صحيح مسلم" (1) وغيره، وقد تقدم).
ففيه - كما نرى - شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويترك الإمامة، أو بأن يُخفِّف على قومه.
ولما كان التشديد عليهم من وجهين يحصل التخفيف أيضًا بأمرين: أن لا يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتزول الشكوى بالتأخير والانتظار الشديد.
وفي رواية البزار: "لا تكن فتَّانًا تَفْتِن الناس، ارجعْ إليهم فصلِّ بهم قبل أن يناموا". "مجمع الزوائد" (ص 195) (2).
ويقرأ أوساط السور لتزول شكوى التطويل.
فالتخفيف هنا مقابل التشديد الذي ذكروه، فيشمل التعجيل في الإتيان إلى الصلاة، والاختصار في القراءة.
وبمجموعهما يحصل الأمن من تفتين القوم.
قال عبد الرحمن: لا شك أن شكواهم - على ما في رواية ابن عيينة الصحيحة, ورواية معاذ بن الحارث المرسلة - كانت من أنه يتأخَّر ثم يُطوِّل. وهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون الشكوى من الجمع بين الأمرين، فلو تأخَّر وخفَّف، أو
__________
(1) رقم (465) من حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه.
(2) (2/ 133) من حديث جابر بن عبد الله. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا معاذ بن عبد الله بن حبيب، وهو ثقة لا كلام فيه.
(16/243)

تقدَّم وطوَّل لم يشكُوا.
الثاني: أن تكون من كل منهما، حتى لو تقدَّم وطوَّل أو تأخَّر وخفَّف ما زالت شكواهم.
فإن بنينا على الأول كان معنى "إما أن تُصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك": إما أن تصلِّي معي وتَدَعهم يقدَّمون غيرك فيصلي بهم قبل رجوعك، فيحصل التخفيف عنهم بالتعجيل، وإما أن تُخفِّف بهم إذا أبيت إلاَّ أن تصلي معي ثم تؤمَّهم.
وإن بنينا على الثاني كان المعنى: إما أن تصلِّي معي وتدعَهم يؤمُّهم غيرك فيعجِّل بهم ويخفِّف، وإما أن لا تصلَّي معي فتؤمَّهم فتعجِّل بهم وتخفَّف.
فأما الأول فواضح أنه ليس فيه المنع من أن يصلي معه - صلى الله عليه وسلم - ثم يصلي بهم، وإنما فيه المنع من أن يصلِّي معه - صلى الله عليه وسلم - ثم يطوِّل بهم.
وأما الثاني ففيه المنع من أن يصلِّي معه - صلى الله عليه وسلم - ثم يصلي بهم، ولكن مغزى المنع إنما هو [] (1) التشديد عليهم بالتأخير. هذا واضح لا غبار عليه. وإذا كان كذلك فلا دلالة في العبارة المذكورة على المنع لمغزًى آخر.
وعليه، فسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ عن بيان امتناع أن يؤمَّ القوم في أداء فريضتهم من قد أدَّاها = دليل واضح على جواز ذلك.
فأما إذا فرضنا أن الفريضة إنما هي واحدة ولكن كانت تعاد، فإعادتها غير مفروضة، فليست المعادة بفريضة.
__________
(1) كلمة غير واضحة, وكأنها: "استلزام".
(16/244)

على أن قصة أهل العوالي - مع إرسالها - قد قدّمنا أن ظاهر ذلك المرسل النهيُ عن أن يعيد ثم يعيد، بأن يصلِّيها أولاً ثم يعيدها ثم يعيدها، وهذا لا ينفع المانعين بل يضرهم بمفهومه؛ لأن النهي عن إعادتها مرتين يُفْهِم صفة الإذن بإعادتها مرة.
وقدمنا أن حديث ابن عمر يتفرد به حسين المعلم، وقد روي عنه بلفظ "لا تُعاد الصلاة في يوم واحد مرتين"، وهذا اللفظ ظاهره لفظ المرسل المذكور.
وروي أيضًا بلفظ: "لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين"، وهذا اللفظ يحتمل احتمالاً ظاهرًا توجُّه النفي إلى كونها مكتوبةً مرتين، فيكون حاصله أن من صلَّى الفريضة مرة فقد أدّى ما عليه، ولا يُفرض عليه إعادتها.
فهذه الألفاظ مختلفة المعاني، ولا يُدرى أيّها قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يصلح أن يحتجَّ بما يكون معنى [في] (1) بعضها دون الباقي؛ لاحتمال أن ذلك اللفظ لم يقله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
هذا، وقد تقدَّمتْ دلائل الإعادة. ومنها ما كان في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنها ما أمر أصحابه أن يعملوا به من بعده.
وهَبْ أن حديث ابن عمر صحَّ بلفظ صريح في النهي عن الإعادة، فتاريخه مجهول، وغايته أن يكون عامًّا يُخصُّ منه ما قام الدليل على خصوصه، ومنه قصة معاذ وما في معناها.
وجعل بعضهم الناسخ هو ما جاء في مرسل معاذ بن الحارث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: "إما أن تصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك".
__________
(1) كلمة غير واضحة ولعلها كذلك.
(16/245)

وأجيب عن هذا بأنه مرسل لم يأتِ هو ولا معناه في شيء من الروايات الموصولة، حتى الرواية التي يُشبه سياقُه سياقَها. أعني رواية عبيد الله بن مِقْسم التي تقدمت عن أبي داود والبيهقي.
ومع ذلك، ففي معنى هذه العبارة نظر. حكى ابن حجر في "الفتح" (1) عن الطحاوي أن معناها: "إما أن تصلِّي معي ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك ولا تُصلِّ معي".
قال ابن حجر: "لمخالفِه أن يقول: إن التقدير: "إما أن تصلِّي معي فقط إذا لم تخفِّف، وإما أن تخفِّف بقومك فتصلِّي معي"، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف, لأنه المسؤول عنه المتنازع فيه".
وذكر بعض أئمة الحنفية بالهند أن هذا من باب ما حكاه الله عزَّ وجلَّ عن المشركين من قولهم: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8]. فأصلُ مقصودهم: افترى أم لم يفترِ، ولكن أُقِيمَ {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} مقام "أم لم يفترِ"؛ لاستلزام الجنون عدمَ الافتراء. فكذلك هنا المقصود: إما أن تصلّي معي، وإما أن لا تصلِّي معي، ولكن أقيم التخفيف بقومه مقام عدم الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن التخفيف بقومه إنما يكون مع صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدم صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ للمنع من أن يؤمَّ الناس في أدائهم فريضتَهم مَن قد أدَّاها.
أقول: وفَهْم هذا المعنى يتوقف على سبق العلم بالمنع المدَّعَى، على
__________
(1) (2/ 197).
(16/246)

أنه يردُّه أن سياق هذه الجملة هكذا: "يا معاذ بن جبل، لا تكن فتّانًا، إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك".
وذلك واضح في أن قوله: "إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك" إنما هو إرشاد إلى اجتناب ما تُخشَى منه الفتنة من التشديد.
وقد قال العلامة المحقق شبير أحمد العثماني الحنفي في "شرحه لصحيح مسلم" (1): "والظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى كان ينام القوم ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السور الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في مرسل معاذ بن رفاعة)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك، ثم أمَّنا وافتتح سورة البقرة، وإنما نحن أصحابُ نواضِحَ نعملُ بأيدينا" اه. "تلخيص الحبير" (ص 126) (2).
وقرر العثماني النسخَ بأن أحكام الإمامة إنما تمَّتْ على لسان الشارع شيئًا فشيئًا، فقد كانوا أولاً إذا جاء الرجل والإمام في الصلاة سأل: كم قد صلَّوا؟، فيشار إليه بذلك، فيبدأ فيصلِّي ما سُبِق به، حتى يدرك الإِمام فيوافقه فيما بقي، ثم نُسِخ ذلك وأُمِروا بالمتابعة.
وكانوا أولاً يقرؤون خلف الإِمام، ثم نُسِخ ذلك، وجُعِلتْ قراءة الإِمام قراءةً للمأموم.
__________
(1) (3/ 431).
(2) (2/ 41) ط. النمنكاني.
(16/247)

قال: "فينبغي أن يُحمل كل ما جاء في الأحاديث مما ينافي مقتضى هذا الائتمام - ولم يُعلَم تاريخه - على ما قبل أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف".
أقول: سيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيما ذكروه من أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف، وهناك يُنظَر فيما ذكره العثماني إن شاء الله تعالى.

فصل
ذهب بعض أئمة الحنفية بالهند (1) إلى أن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يصلَّي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع إلى قومه فيصلّي بهم العشاء.
واستدل بما روي عن جابر: "كنا نصلِّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم نأتي بني سلمةَ ونحن نُبصِر مواقعَ النَّبْل". "مسند" (3/ 382) (2).
فهذه عادة بني سلمة قومِ معاذ، فلا بد أن تكون عادة معاذ أيضًا، كيف وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الترمذي (وقد مرَّ)، ولكن حُذِفَت كلمة المغرب من العبارة، فصارت هكذا - مثلاً -: "كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - (المغربَ)، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم العشاء، فصلَّى بهم ليلةً فقرأ بالبقرة ... ".
فلما حُذِفت كلمة "المغرب" توهَّم السامعون أن المراد: "كان معاذ يصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم العشاء". فلما توهَّموا هذا تصرَّفوا في الألفاظ، على قاعدة الرواية بالمعنى.
يقول عبد الرحمن: ليس فيما ذكره ما يَصلُح للتشبث، فإنه إن ثبت أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع إلى قومه فيصلَّي بهم
__________
(1) هو الشيخ أنور شاه الكشميري كما سبق (ص 222).
(2) (23/ 319) (15096) ط. الرسالة. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (337).
(16/248)

المغرب، كما فهمه الترمذي وتقدم بيانه، فهذا غير مخالف لعادة قومه، بل هو موافق لها، فإن ادعى أن بني سلمة كانوا كلهم يصلُّون المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - طُولِب بالحجة.
فإن قال: قد ثبت في الصحيحين (1) وغيرهما أن بني سلمة كانت منازلهم بعيدة من مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأرادوا أن يتحوَّلوا إلى قرب المسجد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم! "، وفي رواية: " دياركم، تُحسب آثاركم".
فالجواب: أنه لا يلزم من ذلك أنهم كانوا بعد ذلك يحضرون كلهم. فإن زعمتَ ذلك فارفض الحديث من أصله، وقيل: إنه لم يكن لبني سلمة مسجد، ولا صلَّى بهم معاذ قطُّ!!
فأما حديث جابر في حضورهم المغرب، فليس فيه أنهم كانوا يحضرون جميعًا، فالحق أنه كان منهم من يحضر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المغرب والعشاء وغيرهما، ومنهم من يتأخر فيصلُّون في مسجدهم، كما كان شأن غيرهم من العشائر في المدينة. فقد كان بالمدينة عدة مساجد يُصلَّى فيها، والأحاديث في ذلك معروفة.
هذا، وفي "الفتح" (2): "ولابن مردويه ... عن أبي نضرة عنه (يعني جابرًا) قال: كانت منازلنا بسَلْعٍ. ولا يعارض هذا ... لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سَلْعٍ والمسجدِ قدرُ ميل".
__________
(1) البخاري (655) ومسلم (665) من حديث أنس.
(2) (2/ 140)
(16/249)

وعلى هذا، فكان معاذ ومن خفَّ من بني سلمة يشهدون المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يأتون بني سلمة وهم يبصرون مواقع النَّبل, فيصلِّي معاذ بالذين تأخَّروا، ثم يتأخَّر في شغلٍ إن كان له، ثم يَخِفُّ هو وجماعة فيشهدون العشاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجعون إلى بني سلمة، فيصلي معاذ العشاء بالذين تأخروا.
فإن قيل: وكيف يؤخِّر المتأخرون المغرب هذا التأخير؟
قلت: وأيُّ تأخيرٍ إذا كان معاذ يأتيهم والرامي يرى موقع سهمه؟! والظاهر أنه كان إذا اتفق أن يتأخر أكثر من ذلك قدَّموا غيره.
هذا كله إذا بنينا على أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يعود فيصلِّيها بقومه، كما اقتضاه حديث الترمذي وعمومُ غيره من الروايات، كما تقدم.
فأما إذا وافقنا مسلمًا على أن في حديث قتيبة وهمًا، وأن الصواب كما رواه أبو الربيع، وأخرجنا المغرب من عموم الروايات العامة، أو حملناها كلها على خصوص العشاء = فأيُّ مانع من أن يكون معاذ كان يعتاد عدم الرجوع إلى قومه بعد المغرب، أو أيُّ مانع من أن يكون كان يعود إليهم، ثم يرجع إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء، ثم يعود إلى قومه؟ فقد كان معاذ شابًّا نشيطًا حريصًا على الخير، فلا وجه لأن نقيسه على أنفسنا في عجزنا وكسلنا. ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجِّل العشاء تعجيلنا.
ومع هذا، فإن ما ذهب إليه من توهيم الرواة يلزم منه وهمهم جميعًا، فإن الروايات على كثرتها ليس فيها رواية واحدة تحتمل ما قاله احتمالاً قريبًا. حتى رواية قتيبة عند الترمذي، فإن ظاهرها ما فهمه الترمذي، بل لا
(16/250)

تكاد تظهر فائدة إن قيل: كان معاذ يصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم يعود فيصلِّي بقومه العشاء.
ولو قيل هكذا لكان ظاهره أنه لم يكن بين صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب وبين صلاة بني سلمة العشاء إلا مقدار المسافة! وهذا باطل اتفاقًا.
وهَبْ أن العالم لا يخشى على دينه من ارتكاب مثل هذه التأويلات، فينبغي له - على الأقل - أن يستحضر أن ارتكابه لها يُجرِّئ مخالفيه على ارتكاب مثلها في معارضته، ولا سيما المخالفين في أصول الدين من أهل البدع، بل والكفار أيضًا، فيحرِّفون السنن الصحيحة كيفما شاء لهم الهوى، فإذا قيل لهم: هذا تأويل بعيد، قالوا: إن في كلام أئمتكم تأويلاتٍ مثله أو أبعد منه.
هذه نفثةُ مصدورٍ، والله عليم بما في الصدور.
اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك، واهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، واجعلْ هواي تبعًا لما جاء به نبيك - صلى الله عليه وسلم -.
***
(16/251)

فصل
اعتذر القائلون بمنع أن تؤدَّى الفريضة خلف من قد أدّاها بأمور:
منها: أن ما فعله معاذ كان بغير علم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا حجة فيه.
والجواب: أننا إن أخذنا بمذهب جابر وأبي سعيد إذ قالا: "كنا نَعزِلُ والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن". فإن هذا العذر واضح.
وتقرير مذهبهما في هذا: أنه كما تقرر عند أهل العلم أن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة، فأولى منه تقرير الله عزَّ وجلَّ في الوقت الذي يكون فيه الواسطة - وهو الرسول - بين أظهر الناس.
ويؤيده ما ثبت من أن الصحابة كانوا مَنْهيِّين عن سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك يستلزم أن يكون مأذونًا لكلًّ منهم أن يعمل بما يظهر له في الحكم، وإن كان عنده فيه تردُّد. وإنما ذلك لأن الله عزَّ وجلَّ رقيب عليهم، والرسول بين أظهرهم، فإذا علم الله عزَّ وجلَّ خطأهم في شيء أوحى إلى رسوله ما يبين به الحكم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر في ما ذكروا أنه حجة على ما ذهبوا إليه.
وإن لم نذهب هذا المذهب فإننا نقول: ظاهر الروايات أن صلاة معاذ بقومه الصلاةَ [التي] قد صلَّاها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تكرر كثيرًا، وأن معاذًا كان كأنه الإمام الراتب لبني سلمة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يتعاهد الأنصار في أمر دينهم، وكانوا مما لا يكادون يصنعون في دينهم إلا ما يثقون بصحته، والظاهر أنهم لم يكونوا يبنون مسجدًا ولا يُرتِّبون إمامًا إلا بعد استئذان النبي
(16/252)

- صلى الله عليه وسلم -، وقد كان في بني سلمة رجال من أهل العلم والدين، ذُكر في "الفتح" (1) عن ابن حزم: أنه كان فيهم ثلاثون عَقَبيًّا وأربعون بدريًّا.
ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال منهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو [الدرداء وأنس وغيرهم] (2).
ومعاذ نفسه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (3)، وأنه يأتي يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوةٍ (4)، وهو أول من سنَّ متابعة الإمام ... وهم في الصلاة، فقال: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فدخل في الصلاة، ووافق النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما هو فيه، فلما سلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - قام معاذ فأتمَّ ما فاته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن معاذًا قد سنَّ لكم" (5)، فأمرهم بمثله ...
هذا، وسيأتي ما يُعلَم منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرَّر معاذًا وبني سلمة على ما كان منهم.
وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن قول الصحابي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة، فأولى منه قوله في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه يكون أبلغ تحريًا واحتياطًا، كما لا يخفى. هذا مع انضمامه إلى ما تقدم.
__________
(1) (2/ 196)
(2) كلمات لم تظهر في التصوير. والمثبت من "الفتح".
(3) أخرجه الترمذي (3790، 3791) من حديث أنس.
(4) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (58/ 406) من حديث أبي عون الثقفي مرسلًا.
(5) أخرجه أحمد (22124) وأبو داود (506) وغيرهما من حديث معاذ.
(16/253)

وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيما ذكروا أنه يُعارِض ذلك.
هذا، وفي هذا الحديث كرواية ابن عيينة وغيره أن القوم أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - , ثم يصلِّي بهم، ولم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر عليهم ذلك، بل ظاهر أكثر الروايات أنه أقرَّهم على فعلهم، وإنما أنكر على معاذ التطويل. وما أوردوه مما يعتبر أنه إنكار، وهو ما في رواية ... (1) لم يصح، [بل هو] مرسل، ولم يقع في الرواية المتصلة، حتى رواية عبيد بن مقسم التي يُشبِه سياقها سياقَ ذلك المرسل، ولو صح ذلك القول فلا دلالة فيه على المدعَى، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يحتمل أن يكون هذا كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصلَّى مرتين. قاله الطحاوي. قال في "الفتح" (2): "أي فيكون منسوخًا"، وقال: "تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة".
ثم ذكر أن الطحاوي ذكر دليله، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تُصلُّوا الصلاةَ في اليوم مرتين"، ومرسل خالد بن أيمن، وصدقة بن المسيب في قصة العوالي، وقد ذكرتها فيما تقدم.
أقول: الظاهر أن ابن دقيق العيد إنما طالب بالدليل على أن الفريضة كانت تُعاد فريضةً، أي أنه كان مفروضًا صلاتها مرتين، فإن هذا هو الذي ينفع الطحاوي.
__________
(1) هنا كلمات غير واضحة.
(2) (2/ 196).
(16/254)

فيقال: كان معاذ يصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي فريضة عليه، ثم يعيدها بقومه وهي فريضة عليه أيضًا. ولا دلالة في حديث ابن عمر وقصة أهل العالية على هذا.
(16/255)

الرسالة الثامنة
حقيقة "الوتر" ومُسماه في الشرع
(16/257)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تنحصر مواهبُه، ولا تنقطع رغائبُه، ولا تُقلِعُ عن الجود سحائبُه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تثبت حقَّ الإيمان، وتُذهِب كيدَ الشيطان، وتوجب رضا الملك الديّان. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الذي به استقام من الحق سبيلُه، ومُحِيَتْ شُبَهُ الشرك وأباطيلُه. اللهمّ صلِّ على محمدٍ نبيك الأمين، وآله المطهَّرين، وأصحابه الهُداة المهديين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فإنه لمّا كان أوائل رمضان سنة 1342 سألني بعض الإخوان عن شيء من أحكام الوتر المختلف فيها، طالبًا بيانَ الراجح من الأقاويل مع بيان الدليل. ولما أخذتُ أتصفَّح الأدلة وجدتُ أحكام الوتر آخذًا بعضُها برقابِ بعضِ، فانجرَّ بي الحالُ إلى توسعة المجال، فعزمتُ - متوكلًا على الله تعالى - على جمع كتابٍ يشتمل على عامة أحكام الوتر. على أن الباع قصير، والجناح كسير، ولكن لي في الله سبحانه وتعالى حُسن الظنَّ وصادق الرَّجاء، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء.
قال الحافظ في "الفتح" (1): (فائدة) قال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شَفْعٍ قبلَه، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة. قلت: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محلّ القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووَصْله، وهل تُسَنُّ ركعتان قبله؟ وفي صلاته من قعود. لكن هذا
__________
(1) (2/ 478).
(16/259)

الأخير ينبني على كونه مندوبًا أو لا. وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. ه.

مقدمة في حقيقة الوتر
الوتر عند أصحابنا صلاةٌ مندوبة مؤكَّدة، أقلُّها ركعة، وأكثرها إحدى عشرة، وقتها ما بين العشاء والفجر. ولا فرقَ عندهم في إطلاق الوتر على الإحدى عشرة بين فَصْلها بتسليمةٍ واحدةٍ وفَصْلها بأكثر.
وأما تحقيق حقيقة الوتر في السُّنَّة فنقول:
بعد استقراء الأحاديث والآثار تلخَّص لنا أن الوتر قد أُطلِق على ثلاثة معانٍ:
أولها: أن يُطلَق مرادًا به صلاةُ الليل التي غايتها ثلاث عشرة، سواءٌ صُلِّيتْ وصلًا أو فصلاً، وعلى هذا حديث الحاكم والبيهقي ومحمد بن نصر (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا توتروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك".
وعليه أيضًا حديث أحمد وأبي داود (2) بإسنادٍ صحيح عن عائشة وقد سُئلتْ: بكَمْ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوتر؟ فقالت: كان يُوتر بأربعٍ وثلاث، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث، ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ
__________
(1) "المستدرك" (1/ 304) و"السنن الكبرى" (3/ 31) و"مختصر قيام الليل وكتاب الوتر" (ص 125) من حديث أبي هريرة.
(2) "المسند" (25159) وأبو داود (1362).
(16/260)

ولا بأكثر من ثلاثَ عشرةَ.
وهذا الوجه هو الأقرب لمذهبنا.
الثاني: أن يُطلَق مرادًا به الركعة الفردة، سواء أوقعتْ موصولةً أو مفصولةً. وعلى هذا حديث الصحيحين (1) - واللفظ لمسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبح فأوتِرْ بركعةٍ".
وعليه حديث مسلم (2) عن ابن عمر وابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الوتر ركعة من آخر الليل". هكذا ورد عنهما.
وقد رواه أبو داود والنسائي (3) كلاهما بإسنادٍ صحيح تحت ترجمة (باب كم الوتر)، ولفظه: عن ابن عمر أن رجلاً من أهل البادية سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، فقال بإصبعَيْه هكذا "مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ من آخر الليل".
ولا يخفى أن تعريف المسند إليه ظاهره الحصر، فهو في قوةِ "ليس الوتر إلا ركعة من آخر الليل". مع أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلَ بين ثلاثٍ وبين خمسٍ وبين سبعٍ وبين تسعٍ. والجمعُ بين ذلك أن الوتر في قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل" يُرادُ به تلك الركعة الفردة وإن وُصِلَتْ.
الثالث: أن يُطلَق مرادًا به ما كان وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواءً أكان واحدةً أو ثلاثًا أو خمسًا ... إلخ. وعلى هذا أكثر الأحاديث.
__________
(1) البخاري (1137) ومسلم (749/ 146) عن ابن عمر.
(2) رقم (753).
(3) أبو داود (1421) والنسائي (3/ 233).
(16/261)

منها حديث عائشة عند أحمد والشيخين (1) بلفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلَّي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً يوتر بخمسٍ".
ومنها حديثها المتفق عليه (2): "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي وأنا راقدةٌ معترضةٌ على فراشِه، فإذا أراد أن يُوتِر أيقظَني فأوترتُ".
وفي رواية لمسلم (3): فإذا أوتر قال: "قُومي فأوتري يا عائشة". وفي روايةٍ له أيضًا (4): فإذا بقي الوترُ أيقظَها فأوترتْ.
أقول: وقد رأيت أن أقدَّم تحقيق حقيقة الوتر، أعني المعنى الذي يكون إطلاقُ لفظ الوتر عليه حقيقةً شرعية، ثم أشرعُ في بيان الوجوه المختلَف فيها، مفردًا كلَّ وجهٍ بمقالةٍ إن شاء الله تعالى.
****
__________
(1) "المسند" (24239) ومسلم (737). ولم أجده عند البخاري بهذا اللفظ.
(2) البخاري (997) ومسلم (744).
(3) رقم (744/ 134).
(4) رقم (744/ 135).
(16/262)

المقالة الأولى في حقيقة الوتر
قال الربيع في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" (1): "باب ما جاء في الوتر بركعةٍ واحدة. سألتُ الشافعي عن الوتر: أيجوز أن يُوتِر الرجلُ بواحدةٍ ليس قبلها شيء؟ قال: نعم. والذي أختار أن أُصلَّي عشر ركعاتٍ ثم أُوتِرَ بواحدةٍ".
ثم ساق الأدلة إلى أن قال (2): "فقلتُ للشافعي: فإنا نقول: لا نُحِبُّ لأحدٍ أن يُوتِر بأقلَّ من ثلاثٍ، ويُسلِّمَ بين الركعة والركعتين من الوتر".
ثم ساق جواب الشافعي، وفي آخره: "قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُوتِر بخمس ركعاتٍ لا يجلس ولا يُسلِّم إلّا في الآخرةِ منهن.
فقلت للشافعي: فما معنى هذا؟ قال: هذه نافلةٌ، يَسَع أن يُوتِر بواحدةٍ وأكثر، ونختار ما وصفتُ من غيرِ أن نُضيِّق غيرَه. وقولكم - والله يَغفِر لنا ولكم - لا يوافق سنةً ولا أثرًا, ولا قياسًا ولا معقولاً، قولُكم خارجٌ من كل شيء من هذا وأقاويلِ الناس. إما أن تقولوا: لا يوتر إلا بثلاثٍ كما قال بعض المشرقيين، ولا يسلّم إلا في واحدةٍ منهن لئلا يكون الوتر واحدةً. [وإما أن
__________
(1) ضمن كتاب "الأم" (8/ 554) ط. دار الوفاء.
(2) المصدر نفسه (8/ 556).
(16/263)

لا تكرهوا الوتر بواحدةٍ، وكيف تكرهون الوتر بواحدةٍ] (1) وأنتم تأمرون بالسلام فيها، فإذا أمرتم به فهي واحدة. وإن قلتم: كرهناه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُوتِر بواحدةٍ ليس قبلها [شيء]، فلم يُوتِر النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاثٍ ليس قبلهن شيء، وقد استحسنتم أن تُوتِروا بثلاثٍ".
فأول كلامه رضي الله عنه - ولا سيَّما قوله: "لئلا يكون الوتر واحدة" - يُفِيد أن الوتر هو ما صُلَّي بتسليمةٍ واحدةٍ: ركعة أو ثلاثًا أو أكثر، ولا يَشْرَكُه في اسم الوتر ما سبقَه من شَفْعٍ مفصولًا عنه. وآخر كلامه يُشبه خلافَ ذلك. وكلام المزني في "المختصر" (2) يؤيِّد الأول.
وقد يقال: إن قول الشافعي: "وقد استحسنتم أن تُوتِروا بثلاث" تسليمٌ جدلي، كأنه قال: لا يخلو قولكم: "يُوتِر بثلاثٍ مفصولة" أن يكون وجهه كراهية الوتر واحدةً، أو كراهية مخالفة السنة في الوتر بواحدةٍ لم يسبقها شَفْعٌ، فإن كان الأول فإن اشتراطكم الفصلَ هو عينُ ما فررتم منه، إذ الركعة صُلِّيتْ مفردةً، فهي الوتر، ولا تَشْرَكها الركعتان في اسم الوتر لوجود الفصل، وإن كان الثاني فمن تأمل كلام الإمام رضي الله عنه حقَ تأمُّلِه تبيَّن أن الوتر عنده هو ما صُلِّي بتسليمةٍ واحدة وترًا: ركعةً أو ثلاثًا أو أكثر. ولا يقدح في هذا قوله في آخر كلامه: "وقد استحسنتم أن تُوتروا بثلاثٍ", لأنه على سبيل التسليم الجدلي، لما ستراه.
وتفسير كلام الإِمام بعبارةٍ أخرى: قولكم: "لا نحب أن يوتر [إلا]
__________
(1) ساقط من الأصل، استدركناه من "الأم".
(2) (ص 114) (ضمن المجلد الثامن من كتاب "الأم" طبعة دار الفكر بيروت).
(16/264)

بثلاثٍ مفصولة" لا يخلو عن أحد أربعة وجوه:
إما أن يكون كراهيةَ إيقاع ركعةٍ منفردة، ولم يُعهَد ذلك في الصلاة.
وإما أن يكون كراهيةَ الاقتصار عليها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر.
وإما أن يكون ذهابًا إلى حديث "مثنى مثنى".
وإما أن يكون كراهيةَ إيقاعها بدون سَبْقِ شَفْعٍ قبلها.
فأما الأول فشرطكم الفصلَ وقوعٌ فيما فررتم منه، ووجودُ الركعتين قبلها لا يُخلِّصها من كونها مفردة.
وأما الثاني فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر على الثلاث أيضًا، فلِمَ اقتصرتم عليها؟
وأما الثالث فإن أقلَّ ما يقع عليه "مثنى مثنى" أربع، فلِمَ اقتصرتم على ركعتين؟
وأما الرابع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُوتِرْ بثلاثٍ لم يَسْبِقْها شَفْع، وأنتم تزعمون أن الثلاث المفصولة وترٌ ولا تشترطون قبلها شفعًا.
إذا تقرر ما ذُكِر علمتَ أن الوتر في كلام الإمام عبارة عمّا صُلِّي وترًا بنيته موصولًا بتسليمةٍ واحدة: ركعة أو ثلاث أو خمس أو أكثر. وأما أهل مذهبه فإن الوتر في كلامهم عبارةٌ عما صُلِّي بنية الوتر، من ركعةٍ إلى أحد عشر، مع الوصل أو الفصل.
قلت: وظاهر قول الربيع: "فإنا لا نحب لأحدٍ أن يُوتِر بأقلَّ من ثلاثٍ، ويُسلِّم بين الركعة والركعتين من الوتر": أن مذهب مالك أن الوتر عبارة عن
(16/265)

تلك الثلاث المفصولة، وعليه بني الشافعي جوابَه في الوجه الرابع حيث قال: "وقد استحسنتم أن توتروا بثلاثٍ"، والظاهر أن ذلك قولٌ في مذهب مالك. والراجح عنده أن الوتر هو الركعة المفصولة.
قال الباجي في "شرح الموطأ": فأما المسألة الثانية في عدد الوتر، فإن مالكًا رحمه الله ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات. والدليل على ما نقوله قول عائشة رضي الله عنها في الحديث: "يُوتِر منها بواحدةٍ" (1).
قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (2): وأما صفته - أي الوتر - فإن مالكًا رحمه الله استحبَّ أن يُوتر بثلاثٍ يُفصَل بينها بسلام. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يُفصَل بينها بسلام. وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدةٌ. ولكلِّ قولٍ من هذه الأقاويل سلفٌ من الصحابة والتابعين.
إلى أن قال: فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، فمصيرًا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا خشيتَ الصبحَ فأوْتِرْ بواحدة" (3)، وإلى حديث عائشة أنه كان يُوتِر بواحدة (4). ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يُفصَل بينها، وقصرَ حكم الوتر على الثلاث فقط ... إلخ.
__________
(1) (2/ 161) ط. دار الكتب العلمية.
(2) (1/ 236 - 238) ط. دار الكتب الإِسلامية بمصر.
(3) أخرجه البخاري (1137) ومسلم (749) من حديث ابن عمر.
(4) أخرجه أبو داود (1336، 1337) والنسائي (2/ 30 , 3/ 65) وابن ماجه (1177، 1358). وصححه ابن حبان (2422. 2423) وغيره.
(16/266)

إلى أن قال: وأما مالك فإنه تمسك في هذا الباب بأنه عليه الصلاة والسلام لم يُوتر قطُّ إلّا في إثر شَفْعٍ، فرأى أن ذلك من سنة الوتر، وأن أقل ذلك ركعتان، فالوتر عنده على الحقيقة إما أن يكون ركعةً واحدةً، ولكن من شرطها أن يتقدمها شَفْع، وإما أن يرى أن الوتر المأمور به هو يشتمل على شَفْع ووتر، فإنه إذا زيد على الشفع وترٌ صار الكلُّ وترًا. ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم (1)، فإنه سمَّى الوتر فيه العدد المركب من شفع ووتر، ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه كان يقول: كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ وأي شيء يُوتِر له؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُوتِر له ما قد صلَّى" (2). فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر الشرعي هو العدد الوتر بنفسه، أعني الغير المركب من الشفع والوتر، وذلك أن هذا هو وتر لغيره، وهذا التأويل عليه أولى. ه.
قلتُ: فكلام الباجي قاطعٌ بأن الوتر عند مالك ركعة واحدة، ومفادُه أن الشفع الذي قبلها لا يجوز أن يكون بنية الوتر. وأما ابن رشد فرجَّح ذلك أيضًا، وكلاهما نسباه إلى الشافعي. وأجاز ابن رشد أن يكون مالك يرى أن الوتر يشتمل على شفعٍ ووتر، أي مفصولين، لاستدلاله بحديث عبد الله بن قيس، ولفظه: "قلت لعائشة: بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوتر؟ قالت: كان يُوتِر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث. ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة". وأما مع الوصل فثلاثٌ
__________
(1) أخرجه أبو داود (1362) من حديث عبد الله بن أبي قيس عن عائشة. ويقال له "ابن قيس" أيضًا.
(2) أخرجه البخاري (990) ومسلم (749).
(16/267)

بتسليمة، أو خمسٌ أو سبع أو تسع، فآخر كلامه أن مالكًا - بناءً على الراجح عنه - يُسمِّي المجموع وترًا، إلاَّ أنه لم يُجِز الوصل.
فقد تبيَّن لك أن الراجح عنده عن مالك أن الوتر هو حقيقة شرعية في الركعة الواحدة، ولو أُجِيز الوصلُ بثلاثٍ أو أكثر لكان ذلك وِترًا أيضًا. وأما إذا حصل الفصل بين ركعتين وركعة مثلًا، فلا يكون الوتر إلّا الركعة، فتأمَّلْ.
وظاهر كلامهما نسبة ذلك إلى الشافعي، وهو صحيح.
****
(16/268)

مبحث في الوتر [بواحدة]
أجاز الشافعية الاقتصار على واحدةٍ ليس بين العشاء وطلوع الفجر غيرُها، واستدلُّوا بأحاديث:
منها: حديث مسلم (1) عن ابن عمر وابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الوترُ ركعةٌ من آخر الليل".
ومنها: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الوتر حقٌّ على كل مسلمٍ، من أحبَّ أن يُوتِر بخمسٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بواحدةٍ فليفعلْ".
رواه أبو داود (2) بإسناد صحيح، كما قاله النووي في "شرح المهذَّب" (3). ورواه النسائي وابن ماجه (4)، وصححه ابن حبان والحاكم (5)، كما في "الفتح" (6) وغيره.
وعند الدارقطني (7) بإسنادٍ قال بعض شُرَّاحه (8): رواتُه كلهم ثقات عن
__________
(1) رقم (753).
(2) رقم (1422).
(3) "المجموع" (4/ 17).
(4) النسائي (3/ 238، 239) وابن ماجه (1190).
(5) "صحيح ابن حبان" (2407، 2410، 2411) و"المستدرك" (1/ 302، 303).
(6) (2/ 482).
(7) في "سننه" (2/ 33).
(8) هو شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني" (2/ 34).
(16/269)

عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بركعة.
قال في "المغني" (1): وفي "صحيح ابن حبان" (2) من حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - أوترَ بركعة.
قال بعضهم (3): قال العراقي: وممن أوترَ بعد العشاء بركعةٍ من الصحابة: الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وتميم الداري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، وفضالة بن عُبيد، وعبد الله بن الزبير، ومعاذ بن الحارث القاري. ه
قلت: في البخاري (4) أن سعد بن أبي وقاص أوتر بواحدةٍ. وفيه أيضًا (5) كذلك عن معاوية، وأن ابن عباس أقرَّه على ذلك بقوله لمن اعترض عليه: دَعْه فإنه فقيهٌ.
والبحث معهم يتوقف على مقدمة، وهي تحقيق مسمَّى "الوتر" ما هو؟ أهو صلاة الليل التي يكون آخرها فردًا مطلقًا، أو الركعة الفردة منها مطلقًا، أو هو آخر صلاةٍ في الليل تكون وترًا بتسليمةٍ واحدة، سواء أكانت واحدةً أو أكثر؟
__________
(1) "مغني المحتاج" (1/ 221).
(2) رقم (2424).
(3) هو الشوكاني، انظر "نيل الأوطار" (3/ 39).
(4) رقم (6356).
(5) رقم (3764).
(16/270)

بحث في حقيقة "الوتر" ومسمَّاه في الشرع
روينا في "صحيح مسلم" (1) بسنده إلى أبي مِجْلَز قال: سألتُ ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ركعةٌ من آخر الليل"، وسألتُ ابن عمر فقال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ركعةٌ من آخرالليل".
وهذا الحديث بعض حديث. أقول: رويناه في "سنن أبي داود" و"سنن النسائي" و"سنن ابن ماجه". قال أبو داود (2): (باب كم الوترُ؟) حدثنا محمَّد بن كثير أنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، فقال بإصبعَيْه هكذا: "مَثْنَى مَثْنَى، والوتر ركعة من آخر الليل".
قلت: وهذا الإسناد صحيح.
وقال النسائي (3): (باب كم الوترُ؟) أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة عن أبي التيَّاح عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل".
أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى ومحمد قالا: حدثنا - ثم ذكر كلمةً معناها - شعبة عن قتادة عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل".
__________
(1) رقم (753).
(2) في "سننه" (2/ 62) رقم (1421).
(3) (3/ 232).
(16/271)

أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ من آخر الليل".
وهذا الإسناد الأخير صحيح.
وقال ابن ماجه (1): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة". قلت: أرأيتَ إن غلَبتْني عيني، أرأيتَ إن نِمْتُ؟ قال: "اجعَلْ "أرأيتَ" عند ذلك النجم". فرفعتُ رأسي، فإذا السِّماكُ. ثم أعاد فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ قبلَ الصبح". وإسناده صحيح، ولفظ "قبل الصبح" هو بمعنى اللفظ الآخر: "من آخر الليل".
وقد ورد إطلاق الوتر على الركعة الواحدة الموصولة بالشفع، كما في روايةٍ لأبي داود (2) في حديث سعد بن هشام عن عائشة، وفيها: "فصلَّى ثماني ركعاتٍ يُخيَّلُ إليَّ أنه يُسوَّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعةٍ ... " الحديث. مع أن عامة طرق الحديث عند أبي داود (3) وعند مسلم (4) وغيرهما مبينةٌ أن الركعة متصلة بالثمان، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى تسعًا جميعًا، وإنما أفردت الركعة في هذه الرواية لأنه فصلَ بينها وبين الثمان
__________
(1) رقم (1175).
(2) رقم (1352).
(3) رقم (1342, 1343, 1346, 1347).
(4) رقم (746).
(16/272)

بتشهدٍ، ولم يُسلِّم إلّا في التاسعة، كما في عامة الروايات.
وقد تُحمل هذه الرواية على أن يُوتِر بركعة بمعنى يُوتِر الثمانَ، أي يُصيِّرها وترًا. وإن لم يُقبل هذا التأويل فهذا إطلاق ثالث مجازًا، ومنه أيضًا رواية أبي سلمة عند مسلم (1) قالت (2): "كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً، يُصلِّي ثمانَ ركعات ثم يُوتِر، ثم يُصلِّي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يُصلَّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح".
كما ثبت عنها في مسلم (3) وغيره من رواية سعد بن هشام، وفيه: "ويُصلِّي تسعَ ركعاتٍ لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلَّي التاسعة ... " الحديث.
وأصرحُ منه رواية النسائي (4) في حديث سعد بن هشام المذكور، ولفظه: "قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوتر بتسع ركعاتٍ لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يُصلَّي التاسعة ... " الحديث.
وهذا الإطلاق مجازٌ أيضًا.
وقد يُطلق الوتر مجازًا على مطلقِ صلاة الليل، لاشتمالها على الوتر، رواه بعضهم عن الطيبي، ومرَّ نَقْلُه فيه عن "سنن الترمذي"، واقتضاه كما
__________
(1) رقم (738/ 126).
(2) أي عائشة رضي الله عنها.
(3) رقم (746).
(4) (3/ 240).
(16/273)

ذكرنا صنيع الإمام النسائي، بل يقتضيه كلام أكثر العلماء لتأوُّلهم إطلاقَ الوتر على الثلاث عشرة في بعض الأحاديث على أنه أدخل فيه سنة العشاء أو افتتاح الوتر أو سنة الصبح، ومنه حديث أم سلمة وحديث الحاكم السابقانِ، وحديث أبي داود (1) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن أبي قيس قال: قلتُ لعائشة رضي الله عنها: بكَمْ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوتر؟ قالت: كان يُوتِر بأربعٍ وثلاث، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث. ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ ولا بأكثر من ثلاث عشرة.
وهذا الحديث دليل واضح على ما قلناه؛ لأنه صُرِّح فيه بالتقطيع، وقد عرفتَ أن عامة الأحاديث على إطلاق الوتر على القطعة الأخيرة. وقوله: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ" مع أن القطعة الأخيرة قد صحَّ وقوعُها ركعةً واحدةً. وليس من هذا بعض روايات حديث ابن عمر (2): "صلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صلَّى"؛ إذ لا يتعين أن يكون معنى "تُوتِر له ما قد صلَّى" أي تُصيِّره وترًا، بل المعنى: تكون منه وترًا. وهذا الإطلاق هو الأقرب إلى مذهبنا؛ لأن الوتر عند أصحابنا عبارة عن صلاةٍ مخصوصةٍ، أقلُّها ركعةٌ وأكثرها أحد عشر. قالوا: وما ورد من أنه ثلاثة عشر أو خمسة عشر، فهو بضمِّ ركعتين خفيفتين عند افتتاح الوتر، وركعتين قبليَّة الصبح.
قلت: وهذا هو المجاز الذي قلناه، وقلنا: إنه كذلك إذا ورد مطلقًا على أحد عشر مقطعة أو نحوها، وحقيقة فيما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، ولم يثبت ذلك في أكثر من تسعٍ.
__________
(1) رقم (1362).
(2) عند البخاري (990) ومسلم (749).
(16/274)

ولا ينافي ما ذكرناه من وَصْل الثلاث والخمس والسبع والتسع قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وإن اقتضى ذلك الحصر؛ لأننا نقول: صلاة الليل غير الوتر، كما هو مفهوم من السنة. ولذلك ترى الأئمة كالشيخين وغيرهما يُفرِدون كلًّا بترجمة (1). وحينئذٍ فالصلاة التي تُقدَّمُ على الوتر ينبغي أن تكون مثنى مثنى، فإذا جاء الوتر كان الإنسان بالخيار: إن شاء صلَّى واحدةً، وإن شاء صلَّى ثلاثًا، وإن شاءَ سبعًا، وإن شاء تسعًا، كما مرَّ. ويَدُلُّك على ذلك أنه لو قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ثلاث" أو نحو ذلك لكان الكلام
__________
(1) ذكر المؤلف في هامشه ما يلي:
قال في "الفتح" في أول أبواب الوتر: ولم يتعرَّض البخاري لحكمه، لكن إفراده بترجمةٍ عن أبواب التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحقٍ بها عنده. ثم ذكر أن ذلك يقتضي أنه يُوجِبه، ولكنه أورد ما يُنافي الوجوب.
وأقول: بل المقتضي لإفرادِه بترجمة هو ما عرفتَ، ومما يدلُّك على ذلك أن صلاة الليل كانت مشروعةً من أول الإسلام، بخلاف الوتر، فإنما شُرِع أخيرًا. ويُبيِّن هذا حديثُ "السنن": "إنَّ الله أمدّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمر النعم. قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر". الحديث سيأتي إن شاء الله.
لا يقال: إن شرطَ وقوعه في الليل يُدخِلُه في صلاة الليل، فإنا نقول: هذا وإن اقتضَتْه اللغة، لكن صلاة الليل أُطلِقَتْ شرعًا على صلاةٍ مخصوصة، ولا تَشْمَلُ كلَّ ما وقع بالليل، إذ لا تَشْمَلُ المغربَ والعشاء ورَواتبَها اتفاقًا، فكذا الوتر.
ولا يَرِدُ على هذا أن الوتر يكفي عن صلاة الليل, لأننا نقول: ذلك مثل سنة الوضوء وتحية المسجد، يكفي عنهما وقوعُ صلاةٍ في وقتهما. فتأمَّل. [المؤلف].
والحديث الذي ذكره أخرجه أبو داود (1418) والترمذي (452) وابن ماجه (1168) من حديث خارجة بن حُذافة. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن حبيب.
(16/275)

صحيحًا. وسيأتي بحث صلاة الليل مثنى مثنى إن شاء الله تعالى.
وصنيع الإمام النسائي رحمه الله يقتضي أن الوتر عنده هو ما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان واحدةً أو ثلاثًا أو سبعًا أو تسعًا، وأنه قد يُطلَق على الإحدى عشرة والثلاث عشرة مجازًا. وهذا هو الحق عندي، وعامة الأحاديث والآثار تدلُّ عليه إلا ما ندر.
قال أولًا (1): (باب كم الوتر؟)، فأورد فيه حديث: "الوتر ركعة من آخر الليل" بروايتين، ثم ختمه بأصله أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل".
ثم قال (2): (باب كيف الوتر بواحدة؟) وأورد فيه حديث ابن عمر بلفظ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردتَ أن تنصرف فاركعْ بواحدة" وروايات أخرى بألفاظ مختلفة. وختمه بحديث عروة عن عائشة: "كان يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعة يُوتِر منها بواحدة ... " إلخ.
ثم قال (3): (باب كيف الوتر بثلاث؟)، وأورد حديث عائشة، وفيه: "يُصلَّي أربعًا فلا تسأَلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلَّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا ... " الحديث. ثم ثنَّى بحديث سعد بن هشام عن عائشة "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر". ثم أطال بالاختلافات الواقعة في بعض أحاديث [الوتر] بالثلاث.
__________
(1) "سنن النسائي" (3/ 232).
(2) المصدر نفسه (3/ 233).
(3) المصدر نفسه (3/ 234).
(16/276)

ثم قال (1): (باب كيف الوتر بخمسٍ؟)، وصدَّره بحديث الحكم عن مِقْسم عن أم سلمة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوتِر بخمسٍ وبسبعٍ لا يَفصِل بينها بسلامٍ ولا بكلام". ورواه أخرى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة بلفظ "بسبعٍ أو بخمسٍ". ثم رواه بسنده إلى الحكم عن مقسم قال: "الوتر سبع، فلا أقلَّ من خمس". فذكرتُ ذلك لإبراهيم فقال: عمن ذكره؟ قلت: لا أدري. قال الحكم: فحججتُ فلقيتُ مِقْسمًا، فقلت له: عمن؟ قال: عن الثقة عن عائشة وعن ميمونة.
قلت: وفي "تهذيب التهذيب" (2): قال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم - كتاب - إلا خمسة أحاديث، وعدَّ منها حديث الوتر.
ومِقْسم من رجال البخاري، وممن طُعِن فيه منهم، وقد وثَّقه جماعة، ولكن في "تهذيب التهذيب" (3): وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا يُعرف لمِقسمٍ سماعٌ عن أمّ سلمة ولا ميمونة ولا عائشة.
قلتُ: والرواية الوسطى بواسطة ابن عباس.
قلتُ: ورجال الثالثة رجال الصحيح إلاَّ شيخ النسائي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فهو من أفراده، وقال عنه - كما في "الخلاصة" (4) وغيرها -: ثقة حافظ. وأما مِقْسم فقد علمتَ ما فيه.
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 239).
(2) (2/ 434).
(3) (10/ 289).
(4) (ص 327)، و"تهذيب التهذيب" (9/ 56).
(16/277)

ثم ذكر النسائي (1) حديث عائشة: "كان يوتر بخمسٍ ولا يجلس إلّا في آخرهن".
ثم قال (2): (باب كيف الوتر بسبعٍ؟)، فذكر حديث سعد بن هشام عن عائشة مختصرًا بلفظ: "قالت: لما أسنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذَ اللحمَ، صلَّى بستّ ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن" الحديث. ثم ذكره مطوَّلًا.
ثم قال (3): (باب كيف الوتر بتسعٍ؟)، فذكر حديث سعد بن هشام عن عائشة، وفيه: "ويصلّي تسع ركعاتٍ لا يجلس فيهن إلاَّ عند الثامنة، ويحمد الله ويصلّي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويدعو بينهن، ولا يسلَّم، ثم يُصلِّي التاسعة ... " الحديث. ثم أعاده بروايات أخرى. ثم روى بسنده إلى الأسود عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي من الليل تسعَ ركعات".
ثم أراد أن يُبيِّن أن الوتر إذا أُطلِق على أكثر من ذلك فالمراد به صلاة الليل، والحال أنه قد ذكره في (باب كيف الوتر بواحدةٍ؟)، وذلك صريح في أن الوتر في هذا الحديث واحدة. ثم ذِكْره هنا في (باب الوتر بإحدى عشرة) صريح في أن الوتر فيه بإحدى عشرة. وهذا بحسب الظاهر مناقضة، والسرُّ ما ذكرناه من أنه أراد أن يُبيِّن ما أشرنا إليه، فحينئذٍ الاستدلال بهذا الحديث في البابين هو باعتبارين، فذكره هناك باعتبار أن الوتر هو ما صُلَّي وترًا بتسليمةٍ واحدة، وذكره هنا باعتبار أن الوتر قد يطلق على صلاة الليل، فقال (4): (باب
__________
(1) (3/ 240).
(2) (3/ 240).
(3) (3/ 241).
(4) "سنن النسائي" (3/ 243).
(16/278)

كيف الوتر بإحدى عشرة)، فذكر حديث عروة عن عائشة: "كان يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعة ويُوتر منها بواحدة" الحديث.
ثم قال (1): (باب الوتر بثلاثَ عشرةَ)، وذكر فيه حديث أم سلمة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوتِر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، فلما كبر وضعُف أوتَر بتسعٍ". وهو بمعنى الذي قبله، فالمراد بالوتر فيه صلاة الليل.
فالحق - إن شاء الله - أن الوتر حقيقة شرعية تقعُ على ما صُلِّي وِترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان ركعةً أو ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، ولا يثبت أكثر من ذلك.
وهذا المعنى هو الذي عليه عامة الأحاديث والآثار, وهو المتبادر من لفظ الوتر؛ إذ الوتر في اللغة هو كما في "القاموس" (2): "الفرد أو ما لم يتشفَّعْ من العدد"، وذلك إنما يُعتبر فيما جُمِع، لا فيما فُرِّق. فلو صلَّى ركعتين ثم سلَّم ثم صلَّى ثلاثًا، لم يَنْبغِ أن يُطلَق الوتر إلاّ على الثلاث التي وقعت بتسليمة واحدة، ولا تشركُ معها الركعتان، لانفصالِ كلٍّ من الصلاتين عن الأخرى وانقطاعها.
وقد أفهمك حسنُ صنيع الإمام النسائي رحمه الله ما قلناه من أن لفظ: "الوتر ركعة من آخر الليل" هو بعض الحديث الآخر، وإنما أفرده ابن عباس وابن عمر لأن أبا مِجْلَز إنما سألهما عن الوتر كما في مسلم (3)، وأصل
__________
(1) (3/ 243).
(2) (2/ 152).
(3) رقم (753).
(16/279)

الحديث مشتمل على بيان صلاة الليل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب به من سأله عنها كما مرَّ، فأخذا من الحديث ما يتعلق به الغرض، ومثل هذا كثير في الأحاديث.
وقد روى البخاري ومسلم حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" عن ابن عمر بروايات مختلفة (1)، فإما أن تُحمَل على التعدد، وإما أن تكون من باب الرواية بالمعنى، وقد ثبت للواقعة التعددُ مرتين، وذلك في رواية عبد الله بن شقيق عند مسلم (2) عن عبد الله بن عمر أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله، كيف صلاةُ الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبحَ فصلِّ ركعةً، واجعل آخرَ صلالك وترًا". ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا أدري أهو ذلك الرجل أو رجل آخر، فقال له مثله. انتهى.
فيمكن أن يكون الجواب الثاني مغايرًا للجواب الأول في اللفظ، وقول ابن عمر: "فقال له مثله" أي مثل معناه.
قال في "الفتح" (3): ووقع في "المعجم الصغير" (4) للطبراني أن السائل هو ابن عمر لكن يُعكِّر عليه روايةُ عبد الله بن شقيق عن ابن عمر (5) أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا بينه وبين الرجل ... ، فذكر الحديث، وفيه: ثم سأله رجلٌ
__________
(1) انظر "صحيح البخاري" (472، 473، 990، 993، 1137) ومسلم (749).
(2) رقم (749/ 148).
(3) (2/ 478).
(4) (1/ 103).
(5) عند مسلم (749/ 148).
(16/280)

على رأس الحول وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجل أو غيره. وعند النسائي (1) من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية. وعند محمد بن نصر في كتاب "أحكام الوتر" - وهو كتاب نفيس في مجلدة - من رواية عطية عن ابن عمر أن أعرابيًا سأل. فيحتمل أن يُجمَع بتعدد من سأل، وقد سبق في باب الحِلَق في المسجد أن السؤال المذكور وقعَ في المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر. ه (2).
أقول: قد يثبت برواية "المعجم" زيادة مرة ثالثة للتعدد، وأما رواية أعرابي فهي بمعنى رجل من أهل البادية، وكلاهما بمعنى رواية عبد الله بن شقيق التي أشار إليها الحافظ. ولا يثبت زيادة تعدد برواية ابن عباس، لاحتمال أنه سمعه مع ابن عمر، ولا سيَّما والسؤال وقع في المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، والغالب حضور ابن عباس حينئذٍ. وقد أفهمَ قولُ "الفتح": "وعند النسائي من هذا الوجه ... " إلخ، أن الحديث واحدٌ وإن اختلفت الروايات، وهو ظاهر. وقد عرفتَ لفظ النسائي، وعلى كثرة الروايات فالظاهر أن لفظ النسائي من أصحِّها؛ لأن ابن عباس وابن عمر أفرداه في مقام الفتوى في الوتر كما علمتَ.
إذا تقرر ذلك فلنُعِدْ لفظَ الإمام النسائي (3) لنبني عليه البحث في حقيقة الوتر:
عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة
__________
(1) (3/ 233).
(2) الهاء رمز "انتهى".
(3) (3/ 233).
(16/281)

الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل".
أقول وبالله التوفيق: قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل" قد يقال: إنه يفيد الحصر، وهو أن الوتر لا يكون إلّا كذلك، وليس مرادًا هنا, لأن من قال به في مثل هذا شَرَطَ أن لا تمنع منه قرينة، وقد منعتْ منه ههنا قرائن, لأن القول به يقتضي أن لا تصلَّى تلك الركعة إلا مفصولةً، إذ لو وُصِلَتْ بركعتين مثلًا فإما أن ينوي بالثلاث وترًا، والوتر لا يكون إلّا واحدةً، وإما أن ينوي بالثنتين من قيام الليل وبالثالثة وترًا, ولم يُرِدْ مثل هذا مَن جمع صلاتين مختلفتين بتسليمة واحدة.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - الوصلُ بثلاثٍ وبخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ، وورد في الإحدى عشرة إفراد واحدةٍ آخرَ صلاةِ الليل، كما يقتضيه هذا الحديث، وثبت عنه الثلاث عشرة بما يحتمله، وكل ذلك يُطلَق عليه لفظ الوتر.
من ذلك: حديث مسلم (1) عن عروة عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العَتَمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يُسلِّم بين كل ركعتين ويُوتِر بواحدة" الحديث.
ومن ذلك: حديث مسلم (2) عن ابن عباس، وفيه: "فصلَّى ركعتين، فأطال فيهما، ثم انصرف فنامَ، ففعل ذلك ثلاث مرات بستّ ركعات، كلَّ ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاثٍ" الحديث.
__________
(1) رقم (736/ 122).
(2) رقم (763/ 191).
(16/282)

ومن ذلك: حديث أحمد والشيخين (1) عن عائشة: "كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلَّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يُوتِر بخمسٍ لا يجلس في شيء إلّا في آخرها".
ولمسلم (2) في حديث عائشة وقد سألها سعد بن هشام عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: "ويُصلِّي تسعَ ركعات لا يجلس فيها إلّا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلِّي التاسعة"، وساق الحديث إلى أن قالت: "فلما أسنَّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبعٍ" الحديث.
وأما الإحدى عشرة فيحتمله حديث عائشة عند الشيخين (3): "كان يصلي من الليل عشر ركعات، ويُوتِر بسجدةٍ" لاحتمال أن يكون وصل الأحد عشر بتشهدين: تشهُّد في العاشرة ولم يُسلِّم، وتشهُّد في الحادية عشرة وسلَّم. وقد وقعت مثل هذه العبارة بمثل هذه الصورة في بعض روايات حديث سعد بن هشام عند أبي داود (4)، ولفظه: "فصلَّى ثمان ركعاتٍ يُخيَّل إليَّ أنه يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة ... " الحديث. يحتمل أن التسع موصولة، وقولها مع ذلك: "يوتر
__________
(1) "المسند" (24239) وصحيح مسلم (737/ 123). ولم أجده بهذا اللفظ عند البخاري.
(2) رقم (746).
(3) مسلم (738/ 128). ولفظ البخاري (1140): "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً, منها الوتر وركعتا الفجر".
(4) رقم (1352).
(16/283)

بركعةٍ" مجاز كما سيأتي.
وأصرح منه حديث البخاري (1) عن عروة عن عائشة: "وقد كان يُصلَّي إحدى عشرة ركعةً، كانت تلك صلاتَه" الحديث.
وأما الثلاث عشرة فيحتمله حديث النسائي (2) بإسنادٍ فيه أحمد بن حرب، قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به. ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب" (3). قال: وذكره ابن حبان في "الثقات" (4)، وخرَّج له في "صحيحه".
قلت: وبقية رجاله رجال الصحيح، فهو إسناد صحيح.
ولفظ الحديث: عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، فلما كبر وضعُفَ أوتَر بتسع".
فظاهر الحديث أن الثلاث عشرة موصولة، ولكن عامة الأحاديث أن الإحدى عشرة والثلاث عشرة لم تقع إلا مفصولةً، ومنه حديث الشيخين (5) عن عائشة: "كان يصلِّي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدةٍ". وحديث البخاري (6) عن عروة عنها، وفيه: "كان يصلِّي إحدى عشرة ركعة، كانت
__________
(1) رقم (1123).
(2) (3/ 243).
(3) (1/ 23).
(4) انظر (8/ 39).
(5) مسلم (738/ 128). وسبق التنبيه على لفظ البخاري (1140).
(6) رقم (1123).
(16/284)

تلك صلاته ... " الحديث. وحديث مسلم (1) عنها، وفيه: "إحدى عشرة ركعة، يُسلِّم بين كلِّ ركعتين، ويُوتر بواحدةٍ ... " الحديث.
ومنه حديث أم سلمة أن الترمذي رواه في "سننه" (2) بلفظ النسائي، إلا أنه قال: "بسبعٍ". ثم قال (3): حديث أم سلمة حديث حسن، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوتر بثلاثَ عشرة وإحدى عشرة وتسعٍ وسبعٍ [وخمسٍ] وثلاثٍ وواحدة. قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما رُوِي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُوتِر بثلاثَ عشرةَ، قال: إنما معناه أنه كان يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً مع الوتر، فنُسِبَتْ صلاة الليل إلى الوتر. ورَوَى في ذلك حديثًا عن عائشة. واحتجَّ بما رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن". قال: إنما عَنَى به قيام الليل، يقول: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن. ه
قلتُ: استدلالُه بحديث: "أوتروا يا أهل القرآن" يُعكَّر عليه أن في آخره كما في "بلوغ المرام" (4): "فإن الله وِتْرٌ يحبُّ الوتر". قال: رواه الخمسة (5)، وصححه ابن خزيمة (6). فالتعليل بقوله: "فإن الله وتر" يستدعي مناسبةً مَّا، فتأمَّلْ.
__________
(1) رقم (736/ 122).
(2) رقم (457).
(3) أي الترمذي بعد رواية الحديث في "سننه" (2/ 320، 321).
(4) (2/ 14) مع "سبل السلام".
(5) أحمد في "المسند" (877) وأبو داود (1416) والترمذي (453) والنسائي (3/ 288، 229) وابن ماجه (1169).
(6) رقم (1067).
(16/285)

وأما قوله: "إنها أرادت كان يُصلَّي من الليل ... " إلخ، فجيد جدًّا، وعامة الأحاديث تؤيِّده، وكل ما روي في الثلاث عشرة فمُفصَّلٌ بالتقطيع والوتر فيه، إلّا هذا الحديث وحديث الحاكم (1): "لا تُوتِروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بالمغرب، أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو أكثر من ذلك"، فهما مجملان، فيُحملانِ على الأصحّ الأغلب.
إذا تقرر ما ذُكِر فقد أجاز أصحابنا الاقتصارَ على ركعة واحدةٍ بعد العشاء، واستدلُّوا بحديث مسلم (2) عن ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل".
وحديث أبي أيوب مرفوعًا: "الوتر حقٌّ على كل مسلم، فمن أحبَّ أن يُوتر بخمسٍ فليفعل، ومن أحبَّ أن يُؤتِر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بواحدةٍ فليفعلْ" كما رواه أبو داود (3) بسند صحيح. قاله النووي في "شرح المهذّب" (4). ورواه النسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (5) كما في "الفتح" (6).
__________
(1) في "المستدرك" (1/ 304).
(2) رقم (753).
(3) رقم (1422).
(4) (4/ 17).
(5) "سنن" النسائي (3/ 238) وابن ماجه (1190) وابن حبان (2407) و"المستدرك" (1/ 302).
(6) (2/ 482).
(16/286)

وحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بركعةٍ. رواه الدارقطني (1). قال بعض شرَّاحه (2): رواته كلهم ثقات.
ومثله في صحيح ابن حبان (3) عن ابن عباس، قاله في "المغني" (4).
قالوا: وقد ثبت عن جماعة من الصحابة الإيتار بركعةٍ، كسعد بن أبي وقّاص، ومعاوية وصوَّبه ابن عباس (5)، بل رُوي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة فمَن بعدهم.
وفي كلٍّ من أدلتهم نظر:
أما حديث: "الوتر ركعة من آخر الليل" فهو من الإطلاق الثاني كما مر، وليس فيه الاقتصار عليها، بل قد ثبت عن ابن عمر التصريحُ بخلافه كما مرَّ عن "سنن أبي داود" (6). نعم، هو دليلٌ على مَن يقول: لا تكفي الواحدة وترًا وإن سبَقَها شفعٌ بغير نية الوتر.
وأما حديث أبي أيوب ففي "بلوغ المرام" (7): ورجَّح النسائي وقفَه،
__________
(1) (2/ 33).
(2) هو شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني" (2/ 34).
(3) رقم (2424).
(4) "مغني المحتاج" (1/ 221).
(5) أخرجه البخاري (3764).
(6) رقم (1421) عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، فقال بإصبعيه هكذا: "مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل".
(7) (2/ 8) مع "سبل السلام".
(16/287)

قال الشارح ابن الأمير (1): وكذا صحَّح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في "العلل" والبيهقي وغير واحدٍ وقفَه. قال المصنِّف: وهو الصواب. انتهى.
وأما قول الشارح بعد ذلك: "قلت: وله حكم الرفع، إذ لا مَسْرحَ للاجتهاد فيه أي في المقادير"، ففيه نظر ظاهر. ومع الإغماض عن ذلك فهو محمولٌ على الإطلاق الثالث، وليس فيه الاقتصار على .... ، وغايةُ ما فيه أن يكون دليلًا على من يقول: لا تكفي الواحدة وترًا وإن سبَقَها شفعٌ بغير نية الوتر، كما في ........ (2).
وأما حديث عائشة عند الدارقطني، وابن عباس عند ابن حبان (3)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أوتَر] بركعةٍ، فهو محمولٌ على الإطلاق الثاني أو الثالث، وكأنه مختصر من أحاديثهما المطولة، كما في الصحيحين (4) عن عائشة كان يصلِّي من الليل عشر ركعات ويُوتِر بسجدة, وعنها عند مسلم (5): إحدى عشرة. وحديث ابن عباس عندهما (6)، وفيه: "فصلَّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر".
قال في "الفتح" (7): وظاهره أنه فصلَ بين كل ركعتين، ووقعَ التصريحُ
__________
(1) في "سبل السلام" (2/ 8). وانظر "العلل" لابن أبي حاتم (2/ 428 - 430) و"علل الدارقطني" (6/ 95 - 97) و"السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 24).
(2) مكان النقط كلمات غير واضحة.
(3) سبق تخريجهما.
(4) البخاري (1140) ومسلم (738/ 128).
(5) رقم (736).
(6) البخاري (993) ومسلم (763/ 182).
(7) (2/ 483).
(16/288)

بذلك في رواية طلحة بن نافع (1)، حيث قال فيها: يُسلِّم من كلِّ ركعتين، ولمسلم (2) من رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريحُ بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كل ركعتين، إلى غير ذلك. ه
يُقوِّي أنها لا تُصلَّى إلا مفصولةً حديثُ علي عليه السلام قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوتِرُوا يا أهلَ القرآن، فإن الله وِترٌ يحبُّ الوتر" رواه الخمسة (3)، وصححه ابن خزيمة (4) قاله في "بلوغ المرام" (5).
ووجهُ التقويةِ المقابلةُ بين قوله: "فإن الله وِتر يحبُّ الوتْرَ". فتأمَّلْ، ويقويه صدرُ الحديث نفسه.
قال في "الفتح" (6): وقد فسَّره ابن عمر راوي الحديث، فعند مسلم (7) من طريق عُقبة بن حُرَيث قال: قلتُ لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسلِّم من كل ركعتين. وفيه ردٌّ على من زعم من الحنفية أن معنى "مثنى" أن يتشهد بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسَّره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى مثنى.
__________
(1) عند ابن خزيمة (1093).
(2) رقم (763/ 191).
(3) أحمد في المسند (877) وأبو داود (1416) والترمذي (453) والنسائي (3/ 228، 229) وابن ماجه (1169).
(4) برقم (1067).
(5) (2/ 14) مع "سبل السلام".
(6) (2/ 479).
(7) رقم (749/ 159).
(16/289)

واستُدِلَّ بهذا على تعيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل.
قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق، لحصْر المبتدأ في الخبر.
وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، لما صحَّ من فعله - صلى الله عليه وسلم -[بخلافه] (1).
قلت: ولم يُبيِّن ذلك. فأما أحاديث الوصل بين التسع والسبع والخمس والثلاث فلا تُعكِّر عليه؛ لأنها وتر. وقوله: "مثنى مثنى" واقع على صلاة الليل.
وأما حديث عائشة عندهما (2) وفيه: "كان يُصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا"، فقد أجاب عنه الباجي في "شرح الموطأ" (3)، وعبارته: وقوله (4): "يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" تُرِيد - والله أعلم - أنه كان يَفصِل بينهما بكلام، ولكنها جمعتهما في اللفظ لأحد معنيين:
أحدهما: أن صفتهما وطولهما وحسنهما من جنس واحدٍ، وأن الأربع الأُخر ليست من جنسهما وإن كانت قد أخذتْ من الحُسن والطول حظَّها.
والمعنى الثاني: أنه يحتمل أنه كان يُصلِّي أربعًا ثم ينام، ثم يصلي أربعًا ثم ينام، ثم يُصلِّي ثلاثًا. ثم استدل بحديث ابن عباس في تقطيع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته بالنوم ....
__________
(1) زيادة من الفتح ليتم المعنى.
(2) البخاري (1147) ومسلم (738).
(3) "المنتقى" (1/ 215 - 216) ط. السعادة.
(4) كذا في الأصل، وفي المنتقى.
(16/290)

ويؤيد ما قاله قولها في آخر الحديث: "قلتُ: يا رسول الله، أتنامُ قبلَ أن توتر؟ ... " إلخ. وكذا حديث عائشة عند مسلم (1) برواية القاسم بن محمد: "كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل عشر ركعات، ويُوتِر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة" (2) = محمول على أنه كان يصلِّيها مثنى مثنى، لما ثبت عنها في رواية عروة (3): "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلَّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العَتَمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يُسلَّم بين كل ركعتين، ويُوتر بواحدةٍ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبيَّن له الفجر وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين ... " الحديث.
وأما رواية أبي سلمة عند مسلم (4) قالت: "كان يُصلِّي ثلاث عشرة ركعةً، يُصلِّي ثمانَ ركعاتٍ ثم يُوتِر، ثم يُصلَّي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركعَ، ثم يُصلَّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح"، فيحتمل وجهين:
الأول: أن يُحمل على الفصل مثنى مثنى.
الثاني: أنه جمع التسع معًا، كما شرحته رواية سعد بن هشام، وقد ورد في بعض طرقه عند أبي داود (5): "فيُصلِّي ثماني ركعاتٍ يُسوِّي بينهن في
__________
(1) رقم (738/ 128).
(2) في الأصل: "ثلاثة عشر"، والتصويب من صحيح مسلم.
(3) أخرجها مسلم (736/ 122).
(4) برقم (738/ 126).
(5) رقم (1347).
(16/291)

القراءة والركوع والسجود، ولا يجلس في شيء منهن إلّا الثامنة، فإنه كان يجلس، ثم يقوم ولا يُسلِّم، فيصلِّى ركعةً يُوتِر بها ... " الحديث.
وفي رواية أخرى (1): "فصلَّى ثمانَ ركعاتٍ يُخيَّلُ إليَّ أنه يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يُوتر بركعةٍ" الحديث.
لكن قد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - الوصلُ بثلاثٍ وبخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ، وحيئذٍ فالحصر المفهوم من قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" والحصر المفهوم من قوله: "والوتر ركعة من آخر الليل" غير مرادَيْن. والحصر في مثل هذا مختلف فيه، ومن قال به قال: ما لم تَصْرِف عنه قرينة، وكفى بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قرينةً، وليس هنا ما يُلْجِئ إلى دعوى الخصوصية، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - الفصلُ كما ثبتَ الوصلُ.
وممّا ذُكِر تقرر أن إطلاق الوتر على الركعة الواحدة خاصٌّ بما إذا كانت مفصولةً. وقد ورد إطلاق الوتر على الثلاث أو الخمس أو السبع أو التسع التي تُوقَعُ موصولةً:
فمنه حديث مسلم (2) عن ابن عباس، وفيه: "فصلَّى ركعتين أطالَ فيهما [القيامَ والركوعَ والسجود] (3)، ففعلَ ذلك ثلاث مراتٍ، ستَّ ركعاتٍ، كلَّ ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتَر بثلاثٍ" الحديثَ.
ومنه حديث أحمد والشيخين (4) عن عائشة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلَّي
__________
(1) عند أبي داود (1352).
(2) رقم (763/ 191).
(3) مطموس في الأصل.
(4) "المسند" (24239) ومسلم (737) ولم أجده عنده البخاري بهذا اللفظ.
(16/292)

من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً، يُوتِر بخمسٍ لا يجلس في شيء إلا في آخرها.
ولمسلم (1) في حديث عائشة، وقد سألها سعد بن هشام عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: "ويُصلّي تسعَ ركعاتٍ لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض، ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلَّي التاسعة". ثم ساق الحديث إلى أن قالت: "فلما أسنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذَه اللحمُ أوترَ بسبعٍ" الحديث. وقد رواه أبو داود (2).
فتلخَّص لنا أن الوتر بهذا الاعتبار عبارةٌ عن ما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان ركعةً أو ثلاثًا أو أكثر وترًا. والظاهر أنه حقيقة شرعية فيه، لأن عامة الأحاديث عليه إلّا الأقلّ.
ويُؤيِّد ما قلناه أن الخلاف كان شائعًا: هل تُختَم صلاة الليل بركعةٍ مستقلةٍ أو بثلاثٍ أو أكثر من ذلك؟ ويُطلقون على ذلك لفظ "الوتر"، كما هو شأن الإطلاق الثالث.
يدلُّك عليه حديثُ البخاري (3) عن القاسم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردتَ أن تنصرفَ فاركعْ ركعةً تُوتِر لك ما صلَّيت". قال القاسم: ورأينا أناسًا منذ أدركنا يُوتِرون بثلاثٍ، وإن كلًّا لواسعٌ، وأرجو أن لا يكون بشيءٍ منه بأسٌ. ه.
__________
(1) رقم (746).
(2) رقم (1342).
(3) رقم (993).
(16/293)

قال في "الفتح" (1): قوله: "يوترون بثلاث، وإن كلاًّ لواسعٌ" يقتضي أن القاسم فهم من قوله: "فاركَعْ ركعةً" أي منفردةً منفصلةً، ودلَّ ذلك على أنه لا فرقَ عنده بين الوصل والفصل في الوتر. والله أعلم. ه
فإنهما ذكَرا حديثهما لمجرد إفادة وقوع الفصل من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما فعل الصحابي فلا حجة فيه كما لا يخفى، على أن أكثر ما رُوي من ذلك محتمل.
فإن قيل: سلَّمنا هذه الاحتمالات، ولكن ظاهر هذه الأحاديث لا يأبى جواز الاقتصار على ركعة، ومثل هذا الظاهر يُكتفَى به ما لم يُعارضه ما هو أقوى منه.
قلت: فقد عارضه ما هو أقوى منه في ذلك، حديث الصحيحين (2): "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً تُوتِر له ما قد صلَّى".
قال في "الفتح" (3): واستُدِلَّ به على تعيُّن الشَّفْع قبل الوتر، وهو عن المالكية بناءً على أن قوله: "ما قد صلَّى" أي من النفل. وحملَه من لا يشترط سبقَ الشَّفْع على ما هو أعمُّ من النفل والفرض، وقالوا: إنَّ سبْق الشَّفْع شرطٌ في الكمال لا في الصحة. ه
ثم أيَّده بحديث أبي أيوب وما رُوي عن بعض الصحابة.
__________
(1) (2/ 485).
(2) البخاري (990) ومسلم (749) عن ابن عمر.
(3) (2/ 481).
(16/294)

قلت: أما الحمل على ما هو أعمُّ من النفل والفرض فيُبطِله السياق، بل المتعين: "تُوتِر له مما قد صلَّى" أي من صلاة الليل التي الكلام فيها.
وأما تأييده بحديث أبي أيوب فقد علمتَ ما في حديث أبي أيوب، وكذا ما رُوي عن بعض الصحابة كما مرَّ آنفًا.
وقد ورد النهيُ عن البُتَيراء كما أشار إليه في "الفتح" (1). وفيه: أن الطحاوي (2) حملَ البتيراء على إفراد ركعةٍ واحدةٍ وإن سبقها شَفْعٌ. قال الحافظ (3): مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يُوتِر بواحدةٍ فردةٍ ليس قبلها شيء.
وقد يطلق الوتر على صلاة الليل، كما نقله بعضهم عن الطيبي (4). ومن ذلك حديث أحمد وأبي داود (5) عن عائشة، وقد سبق، وإسناده صحيح كما مرّ. وفيه: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاثَ عشرةَ". والمراد بالوتر في هذا الحديث مطلق صلاة الليل كما مرَّ في الإطلاق الأول، فلا ينافي ما ثبتَ أنه كان يُوتِر بواحدةٍ وبثلاثٍ وبخمسٍ، إذ هذا من الإطلاق الثالث، فالمراد بالسبع إلى الثلاث عشرة صلاة الليل، مع قطع النظر عن الوصل والفصل، والمراد بالواحدة واحدةٌ سبَقَها شَفْعٌ سِتٌّ فأكثر، وبالثلاث ثلاثٌ سبقها شَفْعٌ أربعٌ فأكثر، وبالخمس خمسٌ سَبقَها شَفْعٌ
__________
(1) (2/ 486).
(2) في "شرح معاني الآثار" (1/ 279).
(3) في "الفتح" (2/ 486).
(4) بعده بياض في الصفحة.
(5) "المسند" (25159) وأبو داود (1362).
(16/295)

ركعتانِ فأكثر، جمعًا بين الأحاديث.
وبما ذُكر تقرر اشتراط الشفع قبل الواحدة، ولا يكفي في ذلك سنة العشاء، لما مرَّ أن سياقَ حديث "صلاة الليل مثنى مثنى" يُبيِّن أن قوله: "تُوتِر له ما قد صلَّى" أي من صلاة الليل التي الكلام فيها. وكذا حديث "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ" إذ الوترُ فيه من الإطلاق الأول كما علمتَ، وهو وإن شملَ صلاةَ الليل مطلقًا فليس منه بَعديَّةُ العشاء.
****
(16/296)

الفصل الثاني في الاقتصار على ثلاث
أجازه أصحابنا لما مرَّ، وقد علمتَ الجواب عليه. وقال بعض الحنفية بتعيينه وصلًا، قال في "الفتح" (1): "واحتج بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصلِ والاقتصارِ على ثلاثٍ: بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاثٍ موصولةٍ حسنٌ جائز، واختلفوا فيما عداه. قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه". ه
أما تجويز أصحابنا فكما مرَّ في الاقتصار على الواحدة أن ظواهر ما استدلُّوا به لا تأبى ما قالوه، ومثلُ ذلك يُعمل به ما لم يعارضه أقوى منه.
قلت: وقد عارضه حديث عائشة المارّ، وفيه: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ". وعارضه أيضًا ما ساقَه في "الفتح" في سياق الرد على الحنفي.
قال (2): "وتعقَّبه محمَّد بن نصر المروزي بما رواه (3) من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "لا تُوتِروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بصلاة المغرب"، وقد صححه الحاكم (4) من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه، وإسناده على شرط
__________
(1) (2/ 481).
(2) (2/ 481).
(3) ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (1/ 304).
(4) في "المستدرك" (1/ 304).
(16/297)

الشيخين، وقد صححه ابن حبان (1) والحاكم (2)، ومن طريق مِقْسم عن ابن عباس وعائشة كراهية الوتر بثلاث، وأخرجه النسائي (3) أيضًا. وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، وقال: "لا يُشبِه التطوعُ الفريضةَ". فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقلوه.
وأما قول محمد بن نصر: "لم نجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرًا ثابتًا صريحًا أنه أوتر بثلاثٍ موصولةً، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاثٍ، لكن لم يبيِّن الراوي هل هي موصولة أم مفصولة". انتهى.
فيَرِدُ عليه ما رواه الحاكم (4) من حديث عائشة أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يُوتِر بثلاثٍ لا يقعد إلاَّ في آخرهن. وروى النسائي (5) من حديث أبي بن كعب نحوه، ولفظه: "يُوتِر ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ولا يُسلِّم إلاَّ في آخرهن". وبيَّن في عدة طرق أن السوَر الثلاث بثلاث ركعات.
ويُجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده.
والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب أن
__________
(1) رقم (2429).
(2) (1/ 304).
(3) (3/ 239، 240).
(4) في "المستدرك" (1/ 304). وفيه في المتن "لا يسلم"، وأشار في الهامش إلى "لا يقعد". وهو الصواب في هذه الرواية, كما نبَّه على ذلك شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني" (2/ 26، 27)، وبيَّن تحريف بعض الحنفية فيه.
(5) (3/ 235، 236).
(16/298)

يُحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا، فروى محمد بن نصر (1) من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المِسور بن مَخْرمة أن عمر أوتر بثلاثٍ لم يُسَلِّم إلاَّ في آخرهن، ومن طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان يُوتِر بثلاثٍ لا يَقعد بينهن، ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحماد بن زيد عن أيوب مثله. انتهى.
أقول: وقوله: "وقد فعله السلف ... إلخ" يُوهِم أنه صلاة الثلاث بتشهدين وتسليمة واحدةٍ، ولم يذكر ما هو صريح في ذلك إلا ما يوهمه حديث عمر.
ثم قال بعدُ: وروى محمد بن نصر (2) عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاثٍ كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور.
وسيأتي في هذا الباب قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث، ولكن النزاع في تعيُّن ذلك، فإن الأخبار الصحيحة تأباه. انتهى (3).
أقول: قد سُقتُ هنا عبارة "الفتح" بطولها لأَبني عليها:
فأولًا: هل فيما ذكره دليلٌ لأصحابنا على جواز الاقتصار على (4) الثلاث؟
فنقول: يُوهِم ذلك قولُ محمد بن نصر: "نعم، ثبت عنه أنه أوتر
__________
(1) "مختصر قيام الليل وكتاب الوتر" (ص 122).
(2) المصدر نفسه (ص 122، 123).
(3) أي كلام الحافظ في "الفتح" مع ما تخلَّله من كلام المؤلف.
(4) في الأصل: "عن" سهوًا.
(16/299)

بثلاثٍ ... إلخ". والجواب عنه أن ما ثبت من ذلك هو بعدَ سَبْقِ شَفْعٍ، كما في حديث عائشة المتفق عليه (1): "يُصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا" الحديث. وكذا رواية عند مسلم (2) في حديث ابن عباس، وفيها: "فصلَّى ركعتين أطال فيهما، ثم انصرف فنام حتى نفخَ، ففعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ ستَّ ركعات، كلَّ ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، يعني آخرَ آل عمران، ثم أوتَر بثلاثٍ" الحديثَ.
وعلى هذا يُحمل ما رواه الحاكم عن عائشة، وما رواه النسائي من حديث أبي بن كعب (3)، وكذا ما رُوي عن عُمر ومَن بعده، وأشار إليه من قول القاسم وقد مرَّ، وعلى ما ذكرناه هنا وفي الفصل الأول يدلُّ سياق الإمام النسائي في "سننه" حيث قال (4): (باب كيف الوتر بواحدةٍ؟) ثم ساق حديث ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركعْ واحدة" برواياته. ثم عقَّبه بحديث عائشة: "كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يُوتِر منها بواحدة" الحديث. ثم قال (5): (باب كيف الوتر بثلاث؟) وساق حديث عائشة الذي مرَّ، وفيه: "أربعًا وأربعًا وثلاثًا". فأَفْهَمك بحِذْقِه أن ليس المراد من إطلاقِ "أوتر بواحدة" [و] "أوتر بثلاث" الاقتصار عليها
__________
(1) البخاري (1147) ومسلم (738).
(2) رقم (763/ 191).
(3) سبق تخريجهما.
(4) (3/ 233).
(5) (3/ 234).
(16/300)

بدون سَبْقِ غيرها، فافهمْ.
ثانيًا: هل فيما ذكره دليلٌ على أصحابنا؟
أقول: نعم.
ولنبدأ بتحقيق الكلام في حديث: "لا توتِروا بثلاثٍ":
أولاً: حديث الدارقطني (1) عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُوتِروا بثلاث، أوتروا بخمسٍ أو سبعٍ، ولا تُشبِّهوا بصلاة المغرب". قال: كلهم ثقات. ورواه من طريق أخرى بمثله إلّا أنه قال: "بسبع".
قال الشارح (2) على الرواية الأولى: وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (3) بهذا الإسناد والمتن، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه. وكذا أخرجه البيهقي (4). وأخرجه الحاكم (5) أيضًا من جهة أخرى بقوله: حدثنا، وساق السند إلى عِراك بن مالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُوتروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرةَ أو بأكثر من ذلك". وأخرج محمد بن نصر المروزي في "قيام الليل" (6) له: حدثنا ...
__________
(1) في "سننه" (2/ 24, 25).
(2) هو العلامة المحدث شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (2/ 24، 25).
(3) (1/ 304).
(4) في "السنن الكبرى" (3/ 31).
(5) في "المستدرك" (1/ 304).
(6) (ص 125).
(16/301)

إلخ، وساق السند إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه. وهكذا أخرجه ابن المنذر وابن حبان (1)، كما في "التلخيص" (2).
وقال الحافظ في "فتح الباري" (3): وقد صححه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان. انتهى.
وقال في "التلخيص" (4): حديث أبي هريرة رجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقفُ من أوقفَه. انتهى.
وقد صحح زين الدين العراقي إسنادَ طريقين: طريق عراك بن مالك، وطريق عبد الله بن الفضل، كما في "النيل" (5). وصححه مجد الدين الفيروزابادي في "سفر السعادة" (6)، وكذا أقرَّ على صحته الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين عن ربّ العالمين" (7) (8).
أقول: أما الحديث فقد صحَّ، وقد مرَّ جمعُ الحافظ بينه وبين أحاديث الوتر بثلاث ركعات، وفي النفس من ذلك شيء. والتحقيق أن يقال: إن هذا
__________
(1) رقم (2429).
(2) "التلخيص الحبير" (2/ 15).
(3) (2/ 481).
(4) (2/ 15).
(5) "نيل الأوطار" (3/ 43).
(6) (ص 64) ط. دار القلم بيروت.
(7) (2/ 354).
(8) إلى هنا انتهى النقل من "التعليق المغني" للعظيم آبادي.
(16/302)

الحديث ورد بمتنين: أحدهما هو قوله: "لا توتروا بثلاثٍ، أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ، ولا تُشبَّهوا بصلاة المغرب". والثاني قوله: "لا توتروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرةَ أو بأكثر من ذلك". وظاهر المتن الأول أن قوله: "ولا تُشبِّهَوا بصلاة المغرب" عطفُ تفسيرٍ لقوله: "لا تُوتِروا بثلاثٍ"، قيل لبيان علته، ويحتمل أن يكون نهيًا آخر. وأما المتن الثاني فإن "تُشبِّهوا" بدل من "لا تُوتِروا"، فلا يحتمل إلّا معناه.
وبيانه أن النهي عن التشبيه بصلاة المغرب هل هو فيما يتعلق بالكمّ وحده أو بالكيف وحده أو بهما معًا؟ فإن كان بالكمّ فقط امتنع أن يصلي في الليل ثنتين، ثم بعد وقتٍ يُصلِّي واحدة؛ لأن المجموع حينئذٍ ثلاث، وهي قدر المغرب. وإن كان بالكيف فقط امتنع أن يصلِّي ثلاثًا معًا وإن سبقَ قبلَها عددٌ من الشفع. وإن كان بهما معًا لم يمتنع إلا أن يُجمع بين الثلاث ويقتصر عليها.
فأقول: الحديث باللفظ الأول ظاهر في إرادة الكمّ محتملٌ للإطلاق، وباللفظ الثاني نصٌّ في إرادة الكمّ، فتعيَّن أن يكون الأول كذلك.
إذا تقرر هذا فالحديث نصٌّ في النهي عن التشبيه بالمغرب بالكمّ، ثم هذا الكمّ هل هو معتبر في الوتر بالإطلاق الأول أو بالإطلاق الثالث؟
أقول: الحديث باللفظ الأول محتملٌ للأمرين، وباللفظ الثاني متعين للإطلاق الأول كما مرَّ؛ لأن فيه: "أو بأحد عشر أو بأكثر من ذلك"، وغاية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل ثلاثة عشر على نزاعٍ.
(16/303)

ثانيًا: لو كان من الإطلاق الثالث لاقتضى أن الأحد عشر تُصلَّى بتسليمةٍ واحدة، وكذا الأكثر من ذلك، وهو غريب.
ثالثًا: إن الوتر عند أصحابنا غايته أحد عشر، وهذا أربَى عليها، فثبتَ أن الوتر فيه من باب الإطلاق الأول، أي عبارة عن صلاة الليل يصلِّيها - صلى الله عليه وسلم -، مع قطع النظر عن النية وعن الوصل والفصل، وحينئذٍ فيتعين حمل اللفظ الأول عليه. فثبت أن مورد النهي عن التشبيه بالمغرب هو في الكمّ فقط، وفي مطلق صلاة الليل الذي كان يُصلِّيها - صلى الله عليه وسلم -.
إذا تقرر ذلك فلو اقتصر في ليلةٍ على ثلاث ركعات عدا سنة العشاء والفجر فقد شبَّه، سواء وصلَها بتشهُّدٍ واحد أو تشهدين، أو فصلَها بزمن قصير أو طويل، مع اتحاد النية بأن نوى بها الوتر، أو تفريقها بأن نوى بالركعتين من قيام الليل ونوى بالركعة الوتر، وإذا صلَّى في ليلةٍ عدا سنة العشاء والفجر اثنتين وثلاثًا، أو أربعًا وثلاثًا، أو ستًّا وثلاثًا، أو ثمانيًا وثلاثًا، أو عشرًا وثلاثًا = لم يقع في التشبيه أصلًا، سواء وصلَ الثلاثَ بتشهد أو تشهدين، أو فصلَها بزمن قصير أو طويل، مع اتحاد النية أو تفريقها، وحينئذٍ فالجمع الصحيح بين هذا الحديث وبين ما ورد من الإيتار بثلاثٍ: أن ما ورد من إطلاق الإيتار بالثلاث فالمراد به جمعها بعد أن يسبقها عددٌ من الشفع، ومن استقرأ الآثار وجدها كذلك إلّا ما شذّ.
ويدلُّك على ذلك ظاهر وتر عمر أنه كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير، وما رُوِي عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاثٍ كالمغرب، وكفى بهؤلاء، ويبعد كل البعد أن لا يطلعوا على حديث النهي عن التشبيه بالمغرب، بل الظاهر أنهم كانوا أعلمَ به من غيرهم، حيث فهموا
(16/304)

أن مورده النهي عن التشبيه بالاقتصار على الثلاث في ليلة، لا التشبيه بالكيف، فكانوا رضي الله عنهم يُصلُّون ما شاء الله، ثم يُوتِرون بثلاثٍ كما عرفتَ.
نعم، قد يقال: إن التشبيه بالكيف يُحكَم بالنهي عنه قياسًا على التشبيه بالكمّ، ولا سيَّما وقد نصّ على العلة في نفس الحديث.
قلتُ: هذا قوي، ويدلُّ له أنَّ عامة ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وتر الثلاث ليس فيه النصُّ على شيء أنه بتشهدين، وأما بتشهدٍ واحدٍ فكثير كما مرَّ. وأما فعلُ ابن مسعود وأنس وأبي العالية وظاهر ما رُوي عن عمر فمحمولٌ على أنهم لم يعتبروا القياس المذكور، كأنهم رأوا أن تشبيه النفل بالفرض ليس علةً كاملةً، إذ قد ورد صلاةُ أربعٍ قبل الظهر لا يُسلِّم إلاَّ في آخرهن، وذلك يُشبه الظهر. وقد مرّ حديث عائشة "أربعًا وأربعًا وثلاثًا" وغير ذلك. ولكن ظاهر الحديث خلاف ذلك، فاعتبار القياس قوي، وعليه فيمتنع الوتر بثلاثٍ بتشهدين ولو كان قد صلَّى قبلها عددًا من الشفع، وعليه فالجمع الذي ذكره الحافظ يعتبر لاعتبار الكيف، والله أعلم.

تنبيه
قد مرَّ في الفصل الأول أنه لا بدّ أن يتقدم الواحدةَ شَفْعٌ غير سنةِ العشاء، كما يدلُّ عليه سياقُ حديث "صلاة الليل مثنى ... " إلى آخره، وتقرر في هذا الفصل أن الشفع الذي يتقدم الواحدة لا بدَّ أن يكون أربعًا فأكثر، ولا يُعتَدُّ فيه بسنة العشاء لما قرَّرناه أن لفظ: "لا توتِروا بثلاثٍ، أوتروا بخمسٍ ... " إلخ من الإطلاق الأول، أي أن الوتر عبارة عما يَشملُ صلاةَ الليل إلى ثلاث عشرة ركعة، وسنة العشاء ليست من ذلك.
(16/305)

فتقرر أنه لا بدَّ أن يُصلَّي الإنسان بعد سنة العشاء وقبل سنة الصبح خمسًا على الأقل، فإنه أقلُّ ما تُؤدَّى به السنةُ خارجًا من النهي، ومن أراد أدنى الكمال فلا بدَّ من سبعٍ، لحديث عائشة المتقدم: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ ". والله أعلم.
****
(16/306)

اللفظ الثاني (1): "ولم يكن يُوتر بأنقصَ من سبعٍ"، إن قلتم: حقيقة، قلنا لكم: فكيف بقولها: "ولا بأكثر من ثلاث عشرة"؟ وتقدير: "ولا يصلي بأكثر من ثلاث عشرة" من الحذف، وقد مرَّ ما فيه، على أن الباء تدفع ذلك. وتقدير: "ولا يُوتِر بأكثر ... " إلخ، وإن دفع الباء فهو لا يُجدِيْ شيئًا. على أنه لا يضرُّنا القول بأنه حقيقة لاحتمال الوصل، وليس في قولها: "بأربع وثلاثٍ" أنه لم يكن يُصلِّي السبع إلّا كذلك. وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - وَصْلُ السبع من عدة روايات.
وإن قلتم: مجاز، فهو بجميع طرقه لا يدلُّ على ما قلتم كما مرَّ، بل غاية ما فيه أن يحتمل ذلك، فيُطلب دليلٌ غيره، والدليل بيدنا.
وإن قلتم: حقيقة باعتبار مجاز باعتبار، فقد مرَّ ما فيه، وغاية ما فيه الاحتمال أيضًا.
اللفظ الثالث: "يُوتر بثلاث عشرة"، إما أن تقولوا: مجاز، أو حقيقة ومجاز باعتبارين، وكلُّ ذلك بأنواعه لا يُجدِيكم شيئًا، بل غايته الاحتمال.
اللفظ الرابع: "أوترَ بسبعٍ". إن قلتم: حقيقة، فلا بأس، لاحتمال الوصل، ولكن جَعْله مقابلًا لما بعده يُنافي ذلك.
اللفظ الخامس: ["لا تُوتِروا بثلاثٍ"]، كالذي قبله.
اللفظ السادس: "أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك". يأتي فيه ما مرَّ في اللفظ الأول. وقد سبق ما يؤكِّد مجازية هذا الحديث فراجعه.
__________
(1) الكلام من هنا غير متصل بما قبله، وهكذا وُجد في الأصل ناقصًا.
(16/307)

والحق في الألفاظ الستة من الأحاديث الثلاثة أنها كلَّها مجازاتٌ عن صلاة الليل، فمعنى الحديث الأول: كان يُصلَّي بالليل أربعًا وثلاثًا، وستًّا وثلاثًا، وثمانيًا وثلاثًا، وعشرًا وثلاثًا. ولم يكن يُصلَّي في ليلةٍ أقلَّ من سبعٍ ولا أكثر من ثلاث عشرة.
فقولها: "أربع وثلاث، وستّ وثلاث، وثمان وثلاث" كرواية مسروق عند البخاري قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل، فقالت: "سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر". وقولها: "وعشر وثلاث" كرواية عروة عند البخاري عنها أيضًا قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعةً، ثم يُصلَّي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين".
ومعنى الحديث الثاني: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، فلما كَبُرَ وضعُفَ صلَّى سبعًا. وهو شبيهٌ بحديث عائشة.
ومعنى الحديث الثالث: لا تُصلُّوا في الليل ثلاثًا مقتصرةً عليها، تُشبهوا المغرب، صلُّوا خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو إحدى عشرة أو أكثر من ذلك. وقد مرَّ شرحه مستوفًى.
****
(16/308)

قال (1) شيخ الإسلام (2): "واستشكل وجوب الثلاثة عليه لضعف الخبر، وبجَمْعِ العلماء بين أخبار الضحى المتعارضة في سنيتها بأنه كان لا يداوم عليها، مخافةَ أن تُفرَض على أمته فيَعْجِزوا عنها, ولأنه قد صحَّ عنه أنه كان يُوتِر على بَعيرِه، ولو كان واجبًا عليه لامتنعَ ذلك. وقد يُجاب عن الأول باحتمال أنه اعتضد بغيره. وعن الثاني بأن صلاة الضحى واجبةٌ عليه بالجملة. وعن الثالث باحتمال أنه صلاها على الراحلة وهي واقفة، على أن جواز أدائها على الراحلة من خصائصه أيضًا".
قلت: هذه الأجوبة لا تُجدي شيئًا.
أما الأول: فإن مجرد احتمال الاعتضاد ليس اعتضادًا.
وأما الثاني: فلا نعرف معنى الوجوب على الجملة، هل معناه أن ركعتي الضحى وجبتْ عليه في العمر مرةً أو غير ذلك؟
وأما الثالث فاحتمال وقوف الراحلة يُبعِده حديث سعيد بن يسار عند البخاري (3) قال: "كنتُ أسير مع عبد الله بن عمر بطريقِ مكة، فقال سعيد: فلما خشيتُ الصبحَ نزلتُ فأوترتُ ثم لحِقْتُه. فقال عبد الله بن عمر: أين كنتَ؟ فقلتُ: خشيتُ الصبحَ فنزلتُ فأوترتُ، فقال عبد الله: أما لك في رسول الله أسوةٌ حسنة؟ قلتُ: بلى والله! قال: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُوتِر على البعير".
__________
(1) لم نجد الكلام المتعلق به في النسخة، وأبقيناه كما هو.
(2) أي زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (3/ 98) ط. دار الكتب العلمية.
(3) رقم (999).
(16/309)

قلتُ: فواقعةُ سعيد بن يسار كانت في حالة السير، كما يدلُّ عليه قوله: "ثم لَحِقتُه"، وقوله: "فقال: أين كنت؟ "، وذلك يدلُّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر عليها في حالِ السير.
وأما قوله: "على أن جواز أدائها على الراحلة من خصائصه أيضًا"، فهو مردود بما قلنا, ولنا أدلة أخرى على عدم وجوب الوتر عليه - صلى الله عليه وسلم -، ربما نُشير إليها في المقالة الثانية.
وأما ما رواه البخاري (1) عن نافع "أن ابن عمر كان يُسلِّم بين الركعة والركعتين في الوتر"، فإنه وإن كان ظاهره إيقاع الوتر على الثلاث المفصولة، فليس لكم فيه دليل:
أولاً: أنه أطلق ذلك؛ لأن الناس كانوا يُوترون بثلاث، كما في البخاري (2): "قال القاسم: ورأينا أناسًا منذُ أدركنا يُوترون بثلاث". وحكاه مالك (3) عن عمل أهل المدينة وإن لم يأخذ به، فصار عندهم لكثرة فعل الوتر ثلاثًا يتبادر منه عند الإطلاق تلك الثلاث حتى كأنه خاص بها، فلذلك عبَّر به نافع مع وجود الفصل.
ثانيًا: أن قوله: "في الوتر" ليس معناه: في وتره, وإنما معناه: في الثلاث التي تُوتِر الناسُ بها.
__________
(1) رقم (991).
(2) رقم (993).
(3) في "الموطأ" (1/ 125).
(16/310)

ثالثًا: روى الطحاوي (1) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يَفصِل بين شَفْعِه ووترِه بتسليمةٍ، ذكره في "الفتح" (2)، وعامة الأحاديث والآثار على هذا كما شرحنا، مع أن غاية ما في قول نافع أن يكون أثرًا عن تابعي، فلا حجة فيه على كل حال.
وأما جوابكم عن المبحث الثاني فلا كلامَ لنا معكم فيه هنا؛ لأنا نُوافقكم في أن الوتر ليس ثلاثَ عشرة. وأما كون ذلك صلاةَ ليلٍ فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
وأما جوابكم عن المبحث الثالث، فقد مرَّ عند قولنا: "وأما حديث الشيخين عن عائشة: كان يُصلِّي من الليل عشرَ ركعاتٍ ويُوتِر بسجدةٍ ... " إلخ. ومن أصحابنا من اختار أن أكثر الوتر ثلاث عشرة ركعةً، ووافق الأكثر في عدم اشتراط الوصل. وينحصر الجواب عليه بالوجه الثالث الذي ذكرناه عن حديث ابن أبي قيس، وهو أن عامة الأحاديث والآثار مُطبِقةٌ على إطلاق الوتر الشرعي على ما صُلَّي وترًا موصولًا دون غيره، وأن الوصل لم يثبت في أكثر من تسع.
وبذلك يتعيَّن كون إطلاق الوتر في هذه الثلاثة الأحاديث مجازًا عن صلاة الليل، كما أفاده الترمذي والنسائي في حديث أم سلمة وأشار إليه أبو داود في حديث ابن أبي قيس، وظهر لنا رجحانُه في حديث أبي هريرة.
وهذا ما اقتضاه قولُ الحق الذي أوجبه الله على كلَّ مسلمٍ على مبلغِ
__________
(1) في "شرح معاني الآثار" (1/ 279).
(2) (2/ 482).
(16/311)

علمه ومقدارِ فهمه. وليس فيما قلناه غضاضةٌ على أئمة مذهبنا، فإنهم حَفَظَةُ الدين وأئمة اليقين، وهم جبالُ العلم وبِحارُه، وشُموسُ الحقِّ وأقمارُه، وإنما معنا آثارُ فوائِدهم وأسْقاطُ موائِدهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(16/312)

الرسالة التاسعة
فرضية الجمعة وسبب تسميتها
(16/313)

بسم الله الرحمن الرحيم
[ص 1] فلمّا قرأ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال رجل: مَن هؤلاء؟ ... " (1).
فهذا الحديث يدلُّ على أنّ السورة لم تنزل إلا بعد إسلام أبي هريرة، وكان أسلم سنة ... (2)، لكن قال في "الفتح": "قوله: فأُنزِلتْ عليه سورة الجمعة: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} " كأنّه يريد: أُنزِلت عليه هذه الآية من سورة الجمعة، وإلاّ فقد نَزلَ منها قبل إسلام أبي هريرة الأمرُ بالسعي. ووقع في رواية الدراوردي عند مسلم: "نزلت عليه سورة الجمعة، فلمّا قرأ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} ". "فتح الباري" (ج 8 ص 453) (3).
أقول: والدراوردي سيئ الحفظ، وإنّما أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، وكان لحّانًا. فرواية سليمان أثبت. وعليها فقوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} بدلُ بعضٍ من سورة الجمعة، على وِزان قولهم: "أكلتُ الرغيفَ ثُلُثَه". فيتحصل من ذلك أنّ المراد: نزلت هذه الآية من هذه السورة؛ كما قال الحافظ.
وقول الحافظ: "فقد نزلَ قبل إسلام أبي هريرة الأمرُ بالسعي"؛ لم أقف
__________
(1) أخرجه البخاري (4897) ومسلم (2546) من حديث أبي هريرة قال: "كنّا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ نَزَلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ ... ".
(2) هنا بياض في الأصل، وفي "الإصابة" (13/ 42): كان إسلامه بين الحديبية وخيبر.
(3) (8/ 642) ط. السلفية.
(16/315)

على مستندٍ صريح له، وعلى تسليمه فلم تُحدَّد القبلية. ويمكن أن يكون استندَ إلى تقدُّم فرضية الجمعة، واستظهر أنّها إنما كانت بهذه الآية، وهو كما ترى.
واحتجاج الشافعي والبخاري وغيرهما بآية السعي على فرضية الجمعة لا يستلزم أنّهم يرون أنّ الجمعة لم تُفرَض إلاَّ بها، إذ لا مانعَ من أن يُفرَض الشيء ثم بعد مدّةٍ يُنزِل الله تعالى في القرآن الأمرَ به، ولهذا نظائر. والقرآن نفسه فيه آيات مكية تأمر بالشيء، وآيات مدنية متأخرة تأمر بذلك الشيء نفسه. فلا دليلَ فيما ذكرنا على تقدُّم الآية ولا تأخُّرها.
وهكذا لا دليلَ فيما عُلِم من أنّ قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] الآية مدنية، على أنّ السورة كلها مدنية، ولا على أنّ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9 - 10] الآيتين مدنية، ولا على أنّهما نزلتا معها في وقت واحد.
على أنّ من الناس من استشكل هذا الحديث لأمر آخر؛ وهو أنّه يظهر منه أنّ المراد بقوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} فارس. وهذا بعيدٌ جدًّا من ظاهر القرآن؛ لأنّ الضمير في قوله: {مِنْهُمْ} يعود على الأمّيين حتمًا، والأمّيون هم العرب، باتفاق المفسّرين من السلف وأهل اللغة وغيرهم. فتقدير الآية: "وآخرين من العرب"، وفارس ليسوا من العرب.
وفي سند الحديث ثَور بن زيد عن سالم أبي الغيث؛ وقد تُكُلِّم في كلٍّ منهما (1)، وإن أخرج لهما الشيخان.
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (2/ 32 و445).
(16/316)

وقد روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: "لما نزلت {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38] قالوا: يا رسول الله، مَن هؤلاء؟ ... وسلمانُ إلى جنبه، فقال: هم الفرس، هذا وقومه". "المستدرك" (ج 2 ص 458)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (1) وغير واحد.
وهذه القصة تُشبِه تلك، ولا يبعد أن تكون واحدةً؛ فانتقل ذهن سالم أو ثور من آية القتال إلى آية الجمعة.
وقد روى الترمذي الحديثين (2)، وقال في كل منهما: غريب.
أمّا أنا فأرى أنّه لا مانع من صحتهما معًا؛ كما ذكره الحافظ في "الفتح" (3).
والقصة التي ذكر فيها آية الجمعة ليس فيها تصريح بأنّ فارسًا هي المراد بقوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} , وإنّما فيها: "قال: قلت: مَن هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا، ومعنا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجالٌ أو رجلٌ من هؤلاء".
__________
(1) (21/ 234). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (7/ 306)، والطبراني في "الأوسط" (8838) والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 334) وغيرهم.
(2) رقم (3260، 3310).
(3) (8/ 642).
(16/317)

إنّما أعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّة بعد مرّة لأنّ في الآية نفسها البيان [...]. [ص 4] فإن كان السائل لم يفهم هذا فهو مقصَّر، يستحقُّ الإعراض عنه، ليردَّه الإعراضُ إلى التدبُّر. وإن فهم هذا وأراد تعيينَهم بقبائلهم أو بأسمائهم، فلا فائدةَ في بيان ذلك.
ثم نبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنّه كان الأَولى بالسائل أن يسأل عن أمر آخر، وهو: هل التعليم والتزكية يختصُّ بالأمّيين أو لا يختصُّ؟ فأجاب عن هذا بقوله: "لو كان الإيمان ... إلخ" أي: أنّه لا يختصُّ. وهذا هو الذي يُسمِّيه أهل المعاني: الأسلوب الحكيم، وذكروا له أمثلةً من القرآن وغيره. ولو كان المراد أنّ الآخرين هم فارس لكان السؤال في محلّه، فلا يكون وجهٌ للإعراض، كما لم يقع الإعراض في القصة الأخرى، ولكان الجواب مصرِّحًا بذلك؛ كأن يقول: هم الفرس، كما قال في القصة الأخرى، والله أعلم.
وهذا بحمد الله ظاهر جدًّا، وإن لم أرَ من نبَّه عليه.
وإذ لم نظفر بما نعلم منه تاريخ النزول فلننظر من جهة أخرى. فأقول: الاحتمال الثالث بعيد, لأنّ الآية عليه تكون مجملةً، وهو خلاف الظاهر الغالب. ويبقى النظر في الاحتمالين الأولين:
فإن كان نزول الآية متأخرًا، أي: بعد إسلام أبي هريرة أو قبله قريبًا منه تعيّن الاحتمال الأول؛ لأنّ الأحاديث كلها يُطلَق فيها "يوم الجمعة" على أنه عَلَم. ولو لم يكن جُعِل علمًا إلا أخيرًا لجاء في بعض الأحاديث ذكره باسمٍ آخر، أعني ببعضها ما كان قبل نزول الآية؛ إذ يبعد جدًّا أن تكون الأحاديث المروية في الجمعة إنّما سُمِعتْ وحُفِظَتْ بعد إسلام أبي هريرة أو قريبًا منه.
(16/318)

وإن كان نزول الآية بمكة أو أوائل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ فالاحتمال الثاني أقرب. وعلى كلا الاحتمالين فتسمية هذا اليوم "يوم الجمعة" تسمية شرعية؛ إمّا بالقرآن وإمّا بالسنة، متقدّمة على القرآن أو متأخرة عنه، والله أعلم.
فالشرع سمّاه يوم الجُمُعة بضمتين؛ كما في قراءة العامة، فأخذَه بنو تميم وخفّفوه بإسكان الميم، وقرأ به بعض الشواذّ، وسمعه بنو عقيل فحرَّفوه، مع ملاحظة المعنى؛ فقالوا: يوم الجُمَعة، بضمٍّ ففتحٍ، والله أعلم.

[ص 2] فصل
يَرِد في الأحاديث عند ذكر اليوم "يوم الجمعة"، ويَرِد فيها "الجمعة" مفردًا، ويجيء فيها عند ذكر الصلاة "صلاة الجمعة"، ويَرِد فيها "الجمعة" مفردًا؛ فأيُّ هذه الأصلُ؟
أقول: أما تسمية الصلاة أو اليوم ابتداءً بهذا المصدر الذي معناه الاجتماع فبعيد، فتبقى احتمالات:
الأول: أن يكون أول ما نظر الشرع إلى الصلاة فسمّاها "صلاة الجمعة"؛ أي: صلاة الاجتماع، ثم أتبعَها اليوم، فقال: "يوم الجمعة". وتقديره: يوم صلاة الاجتماع.
الثاني: عكسه.
الثالث: أن يكون نَظَر إليهما معًا؛ فسمّى الصلاة "صلاة الجمعة" واليوم "يوم الجمعة".
(16/319)

والأول أقوى؛ لأنّ الجمعة إذا أُطلِقَتْ في الشرع يتبادر منها إلى ذهن العارف به الصلاة، ولأنّ المعهود من الشارع وضع الأسماء للأحكام الشرعية، في أدلةٍ أخرى لا أُطيل بذكرها.
[ص 3] ففي هذه الآيات تسمية هذا اليوم "يوم الجمعة".
فهل سُمّي هذا اليوم "جمعة" من أول وهلة، ثم قالوا "يوم الجمعة" من باب إضافة العام إلى الخاص؟ أم الجمعة شيء أضيفَ إليه اليوم، فصار من باب العَلَم المضاف، ثم توسّعوا فأطلقوا على اليوم نفسه "جمعة"؛ كما قالوا في يوم السبت أنّ أصل السبت الراحة والقطع، فكأنّه قيل: "يوم الراحة"، ثم توسعوا فأطلقوا السبت على اليوم نفسه؟ ادّعى بعضهم الأول، وهو واهمٌ فيه؛ لما ستسمعه.
واختلفوا في أصل معنى "جمعة" الذي أُضِيف إليه هذا اليوم. فالقول الأول: إنّه بمعنى الاجتماع. قال الزمخشري في "الأساس" (1): "وجمَّع القومُ: شهدوا الجمعة، وأدام الله جمعةَ ما بينكما؛ كما تقول: ألفةَ ما بينكما".
وفي "القاموس" (2): "ويوم الجمعة ... وأدام له جمعةَ ما بينكما: أُلفةَ ما بينكما". قال شارحه (3): "قاله أبو سعيد".
أقول: وهذا تنبيهٌ على أنّ "جمعة" من قولهم: "جمعةَ ما بينكما" مصدرٌ كالألفة، وأنّ الجمعة في قولنا "يوم الجمعة" من هذا المعنى. وقد بيّن ذلك
__________
(1) (ص 100) ط. دار صادر.
(2) (3/ 14) ط. بولاق.
(3) "تاج العروس" (20/ 459) ط. الكويت.
(16/320)

المُطرَّزي في "المُغرِب" (1)؛ قال: "والجمعة من الاجتماع كالفرقة من الافتراق؛ أُضِيفَ إليها اليوم والصلاة، ثم أكثر الاستعمال حتى حُذِف منها المضاف".
وصرّح أبو البقاء بالمصدرية؛ قال (2): "الجمعة - بضمتين وبإسكان الميم - مصدرٌ بمعنى الاجتماع"، نقله في "روح المعاني" (3).
فمن مثّله ب "أُلْفة" مثّله بنظيره، ومن مثّله ب "فُرقة" مثّله بضدِّه؛ لأنّ العرب كثيرًا ما تُسوِّي بين النظيرينِ وبين الضدّينِ؛ كما هو مقرر في محلّه.
أقول: وهذا القول هو الظاهر، بل الصواب.
وزاد أبو البقاء (4): "وقيل في المُسَكَّن هو بمعنى المجتمَع فيه؛ كرجلٍ ضُحْكةٍ؛ أي: كثيرٌ الضحكُ منه".
أقول: إنما خصَّه بالمسكّن لأنه يكون حينئذٍ صفةً، والصفة تجيء على "فُعْلة" بضمًّ فسكون، ولا تجيء بضمتين. والذين قالوا إنّ كلّ "فُعْلٍ" بضم فسكون يجوز أن يقال فيه "فُعُل" بضمّتين استثنوا الصفة؛ كما نصّ عليه الرضيُّ (5) وغيره.
وهذا يردُّ على الآلوسي فيما صدَّر به، وهو القول الثاني؛ قال (6):
__________
(1) (1/ 158).
(2) "الكليات" (ص 355).
(3) (28/ 99).
(4) لم أجد قوله في "الكليات".
(5) انظر "شرح الرضي على الشافية" (1/ 46).
(6) "روح المعاني" (28/ 99).
(16/321)

"وذكروا أنّ الجُمُعة بالضم مثل الجُمْعة بالإسكان؛ ومعناه: المجموع، أي: يوم الفوج المجموع؛ كقولهم "ضُحْكة" للمضحوك منه".
ويُردُّ عليه بأمور أخرى لا حاجة لبسطها؛ فإنّ هذا القول بعيدٌ على كل حال.
والأولى حملُ المسكَّن على الذي بضمّتين، وأن يكون المعنى واحدًا كما هو الظاهر، فالصواب أنّه على اللغتين مصدرٌ بمعنى الاجتماع.
وممّا يؤيِّد ذلك أن لغة الحجازيين بضمتين، وبها نزل القرآن، والتسكين لغة تميم، ولم يُقرأ بها إلا في الشواذّ. وفي "شرح القاموس" تخليطٌ سأنبِّه عليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
[ص 4] ثم اختلف أهل القول الأول في الاجتماع الذي أُضِيف إليه هذا اليوم. فالجمهور من أهل اللغة وغيرهم: أنّه اجتماع الناس. قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (1): "وسُمّي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه؛ هذا هو الأشهر في اللغة، وقيل ... "؛ فذكر القول الثالث.
وفي "النهاية" (2): "ويوم الجمعة سُمّي لاجتماع الناس فيه".
واختُلِف في المراد باجتماع الناس، فالجمهور أنّ المراد اجتماعهم للصلاة؛ نصَّ عليه جماعة، منهم ابن دريد في "الجمهرة" (3)، ولفظه: "والجمعة مشتقّة من اجتماع الناس فيها للصلاة".
__________
(1) (2/ 1/ 54).
(2) (1/ 297).
(3) (1/ 484).
(16/322)

وقال الراغب (1): "وقولهم: "يوم الجمعة"، لاجتماع الناس فيه للصلاة". واختاره ابن حزم (2) كما سيأتي.
قال في "الفتح" (3): "وقيل لأنّ كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه، فيذكِّرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعَث منه نبي، روى ذلك الزبير في "كتاب النسب" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره.
وقيل: إنّ قُصَيًّا هو الذي كان يجمعهم؛ ذكره ثعلب في "أماليه" (4).
وقيل: سُمِّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه؛ وبهذا جزم ابن حزم فقال (5): إنّه اسمٌ إسلاميٌّ لم يكن في الجاهلية، وإنّما كان يُسمَّى العَرُوبة. انتهى.
وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إنّ العَروبة اسمٌ قديم كان للجاهلية، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة. والظاهر أنّهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمَّى: أوَّل، أَهْون، جُبار، دُبار، مُؤنِس، عَرُوبة، شِيَار (6).
__________
(1) في "مفردات القرآن" (ص 202).
(2) في "المحلى" (5/ 45).
(3) (2/ 353).
(4) لم أجده في المطبوع، وهو ناقص.
(5) في "المحلَّى" (5/ 45).
(6) قال بعض شعراء الجاهلية، ويقال: إنه النابغة:
أُؤمِّل أن أعيشَ وأنَّ يومي ... لأوَّلَ أو لأهْونَ أو جُبَارِ
أو التاليْ دُبارِ فإن أَفُتْه ... فمُؤنِسَ أو عَروبةَ أو شيارِ =
(16/323)

وقال الجوهري (1): كانت العرب تُسمِّي يوم الاثنين "أهون" في أسمائهم القديمة. وهذا يُشعِر بأنّهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن؛ كالسبت والأحد إلى آخرها.
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة "العَروبة" كعب بن لُؤي، وبهذا جزم الفرّاء وغيره. فيحتاج من قال إنّهم غيَّروها إلَّا (2) الجمعة، فأبقَوه على تسمية العروبة، إلى نقلٍ خاص". "فتح الباري" (ج 2 ص 239) (3).
أقول: قوله: "وقيل: إنّ أوّل من سمى الجمعة "العَروبة" كعب بن لؤي، وبهذا جزم الفرّاء وغيره" مخالفٌ لما تقدّم عن الفرّاء، وكأنّ العبارة انقلبت، والصواب: "إنّ أوّل من سمّى العَروبةَ الجمعةَ"، وهكذا قال غيره.
والنظر الذي أطال في بيانه لا طائلَ تحته، فإنّه إن لم يثبت أنّ العرب قبل الإسلام تكلّمت بالأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، فيمكن أن تكون هذه الأسماء كلها إسلامية. وإن ثبت أنّهم تكلَّموا ببعضها كالسبت، ولم يثبت في بعضها كالجمعة، فلا مانعَ من أن يكونوا غيّروا بعضًا وأبقَوا بعضًا؛ فأبقَوا العَروبةَ باسمها، حتّى غُيِّرت في الإسلام، وما الذي يوجب أن يكون التغيير كلُّه وقع في وقت واحد؟
وقول أهل اللغة: "الأسماء القديمة" يحتمل أن يكون المراد بالقِدَم ما
__________
= انظر: "الصحاح" (هون) و"صبح الأعشى" (2/ 365). وهما بلا نسبة في "اللسان" (عرب، جبر، دبر، شير، أنس، وأل، هون) و"التذكرة الحمّدونية" (7/ 361).
(1) في "الصحاح" (6/ 2218).
(2) في الأصل "إلى"، وهو خطأ. والتصويب من "الفتح".
(3) (2/ 353) ط. السلفية. هنا انتهى النقل الطويل من "الفتح".
(16/324)

قبل الإسلام، أو أنّ بعضها قديمٌ غُيِّر في الجاهلية، وبعضها قديم غُيِّر في الإسلام.
وهذا ابن مُقْبِل وهو مخضرم، أدرك الجاهلية وعاش إلى زمن عمر، وخاصم إليه يقول:
وإذا رأى الوُرَّادَ ظلَّ بأَسْقُفٍ ... يومًا كيوم عَرُوبةَ المتطاولِ (1)
كذا أنشده ياقوت في "معجم البلدان" (أسقُف) (2)، وهذا القُطامي، وهو شاعر إسلامي، يقول:
نفسي الفداءُ لأقوامٍ هُمُ خَلَطوا ... يومَ العَروبةِ أورادًا بأورادِ (3)
ونقل المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة" (4) كلامًا عن الخليل، استشهد فيه بهذين البيتين. واستشهد بهما ابن دريد في "الجمهرة" (5)، وزاد قوله:
يُوائِم رَهْطًا للعَروبة صُيَّما
وفي هذا أوضحُ دليل على أنّ تسمية هذا اليوم يومَ العروبة لم تنقطع قبل الإِسلام؛ كما انقطع أوّلُ وأهونُ وبقية الستة.
وإنّما يُردُّ قولُ ابن حزم وموافِقيه (6) - وهم الجمهور - لو ورد بنقلٍ
__________
(1) انظر "ديوانه" (ص 221). وفيه: "الرُّوَّاد".
(2) (1/ 181).
(3) " ديوانه" (ص 88).
(4) (1/ 271).
(5) (1/ 319، 320).
(6) في الأصل: "وموافقوه".
(16/325)

صحيح أنّ العرب قبل الإسلام كانوا يقولون يوم الجمعة. ولا سبيلٍ إلى إثبات هذا, ولا إلى إثبات أنّ كعبًا أو قُصَيًّا سمّياه الجمعة، ولا أنّهما كانا يجمعان الناس فيه؛ وإنّما يوجد نقلُ ذلك في أخبار القُصّاص التي لا تَصلُح للاعتماد.
فالاجتماع المحقَّق في هذا اليوم هو اجتماع الناس للصلاة، وإنّما وقع ذلك في الإِسلام، ولم يتحقّق أنّه قيل "يوم الجمعة" إلا في الإسلام.
على أنّه لو ثبت أنّ كعبًا أو قُصيًّا كان يجمع الناس فيه لم يلزم من ذلك تسميتُه يوم الجمعة. وقد قال السُهيلي: "وكعب بن لُؤي هذا أوّل من جمع يومَ العروبة، ولم تُسَمَّ العَروبةُ الجمعةَ إلا مُذْ جاء الإسلام في قول بعضهم. وقيل: هو أول من سمّاها الجمعة". "الروض الأُنف" (ج 1 ص 6).
[ص 5] أقول (1): قد بسطتُ الكلام على الحديثين وعلى تاريخ نزول سورة الجمعة في مبحثٍ مستقلّ (2)، أفردتُه لبيان المراد بقوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}، وبيّنتُ فيه أنّ الذي يظهر أنّ معظم سورة الجمعة نزل قبل إسلام أبي هريرة بمدةٍ قد لا تبلغ سنةً فيما يظهر، والله أعلم.
وعلى هذا فالّذي يظهر أن يكون التسمية وقعت بالسنة، ثم أقرّها القرآن.
__________
(1) يبدو أنه تتمة لكلام لا يوجد هنا.
(2) هو الكلام الذي سبق.
(16/326)

فصل ما وجه التسمية
المشهور بين أهل العلم أنّه سُمّي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (1): "سُمِّيَ يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه، هذا هو الأشهر في اللغة".
وفي "النهاية" (2): "يوم الجمعة سُمّي لاجتماع الناس فيه".
ثم اختلفوا؛ فقال قائل: إنّ أوّل ذلك اجتماع الناس في الجاهلية عند كعب بن لُؤيّ، أو ابنه قُصَيّ. وقد تقدّم ردُّ ذلك (3).
وقال ابن سيرين على ما في "مسند عبد بن حميد" (4): إنّه اجتماع الأنصار عند أسعد بن زُرارة، كما تقدّم.
وقد قدّمنا ترجيحَ أنه لم يُسمَّ يومَ الجمعة يومئذٍ، وإنّما سمّاه النبي - صلى الله عليه وسلم -. والظاهر أنّ ذلك بعد الهجرة، حين خصَّه بإبقاء الصلاة فيه ركعتين مع الخطبتين، وأوجب الاجتماع فيه.
__________
(1) (2/ 1/ 54)
(2) (1/ 297).
(3) انظره فيما سبق.
(4) قال الحافظ في "الفتح" (2/ 353): "أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه ... ". والمقصود به "تفسيره" لا "المسند". وانظر "الدر المنثور" (14/ 469، 470).
(16/327)

وبهذا يترجح أنّه اجتماع الناس للصلاة بعد فرض الاجتماع؛ وهو المشهور.
وممّن صرّح به ابن حزم كما في "فتح الباري" (1)، وابن دريد في "الجمهرة" (2)، وعبارته: "والجمعة مشتقة من اجتماع الناس فيها للصلاة".
وقال الراغب (3): "وقولهم: يوم الجمعة، لاجتماع الناس للصلاة".
القول الثاني: "أنّه سُمّي بذلك لأنّ كمال الخلائق جُمِع فيه، قال في "الفتح": "ذكره أبو حذيفة البخاري في "المبتدأ" عن ابن عباس، وإسناده ضعيف". "فتح الباري" (ج 2 ص 39) (4).
أقول: ورواه ابن جرير في "تاريخه" (5)، قال: [حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبرٍ ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: ... وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض].
__________
(1) (2/ 353). وانظر "المحلَّى" (5/ 45).
(2) "جمهرة اللغة" (1/ 484).
(3) في "مفردات القرآن" (ص 202).
(4) (2/ 353) ط. السلفية. قال الذهبي في "السِّير" (9/ 478): "كتاب المبتدأ كتاب مشهور في مجلدتين، ينقل منه ابن جرير فمَن دونه، حدَّث فيه ببلايا وموضوعات".
(5) (1/ 59)، وترك المؤلف فراغًا بعد "قال" عدة أسطر، وقد أثبتُّ النصَّ نقلًا عن المصدر، فإن الكلام الآتي مبني عليه. وذكر ابن جرير في تفسيره (20/ 393) إسناده إلى السدّي.
(16/328)

أقول: أمّا أبو صالح فقد اتفقوا على ضعف ما يرويه عن ابن عباس؛ لأنّه لم يَلْقَه، وإنّما أصاب كتبًا فروى منها، وقد بان بنكارة ما يرويه أنّ تلك الكتب جمعَها من لا يُوثَق به. وأمّا أبو صالح في نفسه فصدوق، وإنّما ضعَّفه بعض الحفاظ لنكارة ما رواه، والحمل في النكارة على تلك الكتب. فأمّا زعْمُ الكلبي أنّ أبا صالح قال له: "كلُّ ما حدَّثتُك كذب" (1)، فالكلبي تالف، وفيما يرويه عن أبي صالح عجائب، فكأنّه حاول أن يُلقِي التَّبِعةَ على أبي صالح.
وأمّا أبو مالك فثقة، ومُرَّة من سادات التابعين.
ولكن في السُّدَّي ومن دونه كلام، فالسّدي مختلف فيه، وقد حُكِي عن الإمام أحمد توثيقُه، وحُكي عنه أنّه قال: "إنه ليُحسِن الحديث، إلاّ أنّ هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا واستكلفه" (2).
وفي "الإتقان" في طريق السُّدي عن أبي مالك عن مُرّة عن ابن مسعود وناس من الصحابة: "لم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا؛ لأنّه التزم أن يُخرِج أصحَّ ما ورد، والحاكم يُخرِج منه في "مستدركه" أشياء ويصحّحه ... وقد قال ابن كثير: إنّ هذا الإسناد يروي به السُّدي أشياء فيها غرابة". "الإتقان" (ج 2 ص 188) (3).
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 179، 180).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 314).
(3) "الإتقان" (6/ 2334، 2335) طبعة المدينة.
(16/329)

أقول: وفي "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي: "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما في تفاسيرهم تفسير السُدّي مفرَّقًا في السُّور".
أقول: يؤخذ من هذا أنّ ابن أبي حاتم إنّما تجنَّب رواية السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس. [ص 6] وعن مرّة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يشهد لقول ابن كثير. ومع ذلك فإن كان هذا التفسير نسخة ذكر السُّدي هذا الإسناد في أولها، ثم ساق التفسير. فالذي يظهر بل يكاد يتيقّن أنّه لم يُرِد أنّ كل جملة من جمل التفسير محكية عن هؤلاء كلهم، وإنّما أراد أنّ منها ما هو عن أبي مالك من قوله، ومنها ما هو عن أبي صالح.
أقول: أسباط مُضعَّف، والسُّدّي فيه كلام، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، وإنّما وجد كتبًا فروى منها. وقد دلّ نكارةُ ما يرويه على أنّ تلك الكتب لم تكن معتمدة؛ بل زعم الكلبي أنّ أبا صالح قال له: "كلُّ ما حدَّثُتك كذب"، ولكن الكلبي تالف.
واعلم أنّ هذا السند بهذا السياق رُوِيتْ به نسخةٌ من التفسير؛ فرَّقَها ابن جرير في مواضعها، وذكرها السيوطي في "الإتقان"، قال: "لم يُورِد منه ابن أبي حاتم شيئًا (2)؛ لأنه التزم أن يُخرِج أصحَّ ما ورد، والحاكم يُخرِج منه في "مستدركه" أشياء ويُصحِّحه؛ لكن من طريق مرّة عن ابن مسعود وناس
__________
(1) (1/ 315).
(2) بل أخرج منه أشياء كما يظهر بمراجعة تفسيره.
(16/330)

فقط دون الطريق الأول. وقد قال ابن كثير: "إنّ هذا الإسناد يروي به السُّدّي أشياء فيها غرابة". "الإتقان" (ج 2 ص 188).
أقول: وكأنّ هذه النسخة هي المرادة بما حكاه السّاجي عن الإمام أحمد أنّه قال في السُّدّي: "إنّه ليُحسِن الحديث؛ إلاّ أنّ هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا واستكلفه" (1).
والّذي يقع لي أنّ هذه كانت نسخةً عند السُّدّي لم يكن فيها إسناد، فأخذها أسباطٌ، وسأله عن إسنادها، فقال: "عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -". يريد السُّدّي أنّ في النسخة ما سمعه من أبي مالك من قوله، وفيها ما سمعه من أبي صالح عن ابن عباس، وفيها ما سمعه من مرّة عن ابن مسعود، وفيها ما بلغَ السديَّ عن بعض الصحابة.
وقد روى السُّدّي عن أنس وابن عباس قليلًا، فالغالب أنَّ ما قال: إنّه "عن ناسٍ من الصحابة" إنّما بلغه.
والذي يدلّ على هذا اتفاقُ لفظ الإسناد في السياق في جميع المواضع، كما في "تفسير ابن جرير"، ولو كان السُّدّي هو الذي يذكر السند في أول كل أثرٍ لاختلف سياقه حتمًا؛ كما تقضي به العادة.
ثم لا أدري أسباطٌ أم مَن بعده مزجَ هذه النسخة ببقية تفسير السُّدّي، مما يقوله هو أو يرويه ممّا ليس في النسخة؛ فعَمَدَ إلى هذا السند فأثبته في أوّل كل أثر من الآثار التي كانت في النسخة. فقد يكون الأثر في الأصل عن
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (1/ 314).
(16/331)

أبي مالك من قوله فقط، وقد يكون عن أبي صالح فقط، وقد يكون ممّا بلغ السُّدّيَّ عن بعض الصحابة، وقد يكون مما سمعه من مُرّة عن ابن مسعود. فمن هنا جاء الضعف والنكارة فيما يُروَى بهذا السند، إذ لا [.... في] نكارة ما يقوله [أو يرويه] من كتبه أو ممّا بلغه، وما يرويه أبو صالح من كتبه، وما بلغَ السُّديَّ ولا ندري ممن سمعه. فالسدي بريءٌ من نكارة ذلك، وإنّما يضرُّه لو جاء منكر يرويه عن مرّة عن ابن مسعود، وهذا لم يثبت، لأنّنا لا ندري أنّ تلك الآثار هي في نفس الأمر عن مرّة عن ابن مسعود.
وإذا كان الأمر هكذا فقد أخطأ الحاكم خطأً فاحشًا، إذ يُخرِج بهذا السند، فيختصر السند، يقول: عن أسباط عن السُّدّي عن مرّة عن ابن مسعود.

[ص 7] فصل
[.......] (1) يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه؛ فيقال: الجمعة، فهكذا يقال: صلاة الجمعة.
وكثيرًا ما يُحذَف المضاف، ويُقام المضاف إليه مقامه، فيقال: الجمعة، وفي ذلك احتمالات:
الأول: أن يكون الأصل الأول، ثم أُضيفتْ إليه الصلاة، على تقدير صلاة يوم الجمعة.
الثاني: عكسه، بأن يكون الأصل الثاني، ثم أضيف إليها اليوم، على تقدير صلاة يوم الجمعة.
__________
(1) هنا خرم في الركن الأيمن من الصفحة ذهب ببعض الكلمات.
(16/332)

الثالث (1): أن يكون كلاهما أصلًا.
فقد يقال في الترجيح: إنّ الثالث مرجوح؛ لأنّ فيه ضربًا من الاشتراك، وقد تقرّر في الأصول أنّ المجاز والإضمار أولى منه؛ فيبقى النظر بين الأولَين، فيُرجَّح الأوّل بوروده في القرآن، والأصل عدم الإضمار. وبما تقدّم من احتمالِ أن لُوحِظ في التسمية مع اجتماع الناس للصلاة اجتماعُ كمال الخلائق، واجتماعُ خلق آدم، ويبعد ملاحظتهما في تسمية الصلاة بصلاة الجمعة ابتداءً، وإذا بَعُد فيه بَعُد في يوم الجمعة، على تقدير يوم صلاة الجمعة.
ويُرجَّح الثاني بأنّ الصلاة معنىً شرعي، والمعهود من الشارع تسمية المعاني الشرعية؛ فهي الأولى بأن يكون التفتَ إليها أولاً فسمّاها، ثم أضاف اليوم إليها. وبأنّ لفظ "الجمعة" إذا ورد في الشرع مطلقًا تبادر إلى ذهن العارف به الصلاة.
فقد يقال: إذا تعارض الترجيح وجب المصير إلى الاحتمال الثالث؛ وقد نصّ عليه المُطرِّزي في "المُغْرِب"؛ كما تقدّم من قوله: "الجمعة من الاجتماع كالفُرقة من الافتراق، أُضيفَ إليها اليوم والصلاة".
ويُجاب عن الاشتراك بأنّه ليس اشتراكًا حقيقيًّا؛ لأنّه لم يتَّحد الاسم، وإنّما الأصل يوم الجمعة وصلاة الجمعة.
وفي هذا نظر؛ لأنّ المضاف إليه واحد، ومعناه مختلف؛ لأنّ ملاحظة اجتماعِ كمالِ الخلائق واجتماعِ خَلْقِ آدم إنّما يَقرُب احتمالُه في "يوم الجمعة" إذا لم تُضمَر فيه "صلاة"، ويبعُد في "صلاة الجمعة" إذا لم تُضمَر
__________
(1) في الأصل: "الثاني" سهوًا.
(16/333)

فيه "يوم".
نعم، قد يقال: لا مفرَّ من هذا الاشتراك جمعًا بين الأدلة والأقوال، فعلى كلّ حالٍ الأقربُ أنّ كلاًّ منهما أصلٌ لما ذكر، أو أنّ الأصلَ "صلاة الجمعة"؛ لقوة دلالة التبادر.
وعلى كلًّ فقد دلّت هذه التسمية في الكتاب والسنة على أنّ هذه الصلاة من شأنها الاجتماع.
(16/334)

الرسالة العاشرة
سنة الجمعة القبلية
(16/335)

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وصلاته وسلامه على خير خلقه محمدٍ وآله وصحبه.
وبعد، فقد سألني بعضُ الإخوان: هل للجمعة سُنَّة قبليَّة؟
فأجبته: أنَّ المقرَّر في المذهب (1) أنّها كالظهر في ذلك.
فسألني النظرَ في ثبوت ذلك وعدمِه من حيث الدليل.
فأقول: الكلامُ في هذه المسألة يَستدعي تقديم البحث عن شيئين:
الأول: التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال.
والثاني: تحقيق وقت الجمعة.
فأما الأول: فقد ثبت في "صحيح البخاري" (2) عن سلمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاع من طهرٍ ويدَّهنُ من دهنه أو يمسُّ من طيبِ بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلَّي ما كُتِب له، ثم يُنصِت إذا تكلّم الإمام، إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
وفي "صحيح مسلم" (3) عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسلَ ثم أتى الجمعةَ، فصلّى ما قُدِّر له، ثم أنصتَ حتى يفرغ من خطبته, ثم يصلَّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضْلَ ثلاثة أيام".
__________
(1) أي: الشافعي، وكان الشيخ قد كتب: "عند أصحابنا الشافعية"، ثم ضرب عليها.
(2) رقم (883).
(3) رقم (857).
(16/337)

فدلَّ هذان الحديثان على فضيلة التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال، ودخل في إطلاقها حالُ الاستواء يوم الجمعة، ولكنه معارض بعموم أحاديث النهي.
وقد يُرجَّحُ الجواز بحديثين ضعيفين، روى أحدَهما الشافعيُّ (1) عن أبي هريرة، ولفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاةِ نصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إلا يومَ الجمعة".
وأخرجَ الآخرَ أبو داود (2) بإسناده إلى أبي الخليل عن أبي قتادة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: أنّه كَرِه الصلاةَ نصفَ النّهار إلاَّ يومَ الجمعة، وقال: "إنَّ جهنّم تُسْجَرُ إلا يومَ الجمعة".
قال أبو داود: وهو مرسل، مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، ضعيفٌ لا يُحتجُّ به.
[ص 2] وأنت خبيرٌ أنَّ كِلا الحديثين لا يُحتجُّ به.
وقد ذكر الإمام الشافعيُّ كما في "الأم" الحديثَ المذكور، ثم أعقبَه بآثارٍ عن عمل الصحابة في زمن عمر رضي الله عنه، ثم قال (3): "فإذا رَاحَ النَّاسُ للجمعة صَلَّوا حتى يصير الإمام على المنبر، فإذا صَارَ على المنبرِ كفَّ
__________
(1) في كتاب "الأم" (2/ 397). وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وقد اتفقوا على ضعفه. وشيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى متروك.
(2) رقم (1083).
(3) (2/ 398).
(16/338)

منهم مَنْ كان صلَّى ركعتين فأكثر، تكلَّم حتى يأخذ في الخطبة، فإذا أخذ فيها أنصتَ، استدلالًا بما حكيتُ، ولا يُنهى عن الصلاة نصفَ النهار مَن حضر الجمعة" اه.
والظاهر أنَّ الإمام اعتبر ما دلّت عليه الآثار, إجماعًا، وذكر الحديث المذكور استئناسًا؛ إذ لعلَّه إن كان إسناده ضعيفًا يكون صحيحًا في نفس الأمر، ويكون هو مستند الإجماع.
وأمَّا الإمام مالك فإنَّ عمل أهل المدينة حُجَّةٌ عنده.
وإذا تقرَّر ما ذُكِرَ عرفتَ أنَّ التنفُّل يوم الجمعة قبل الاستواء مُرغَب فيه، وكذا عنده؛ لأنَّ فِعْلَ الصَّحابة - الذي رواه الشافعي وغيره - لا أقلَّ من أن يكون مرجِّحًا لإطلاق الحديثين السابقَيْن وغيرهما، مع ما انضمَّ إلى ذلك مما مرَّ.
والصلاة في ذلك نفْلٌ مطلق قطعًا؛ لكونها واقعةً قبل دخول وقت الجمعة على ما عليه الجمهور.
[ص 3] الأمر الثاني: تحقيق وقت الجمعة.
ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه إلى أنَّ وقت الجمعة يدخل قبل الزوال، واسْتُدِلَّ لهما بحديث "الصحيحين" (1) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلا بعد الجمعة"، هذا لفظ مسلم (2).
__________
(1) البخاري (939) ومسلم (859).
(2) وهو لفظ البخاري أيضًا.
(16/339)

وفي رواية (1): "في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وفي "الصحيحين" (2) أيضًا عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نصلَّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ يُستَظَلُّ به"، هذا لفظ البخاري.
وفي لفظٍ لمسلم: "كُنَّا نُجَمِّعُ معه إذا زالت الشمس، ثم نرجعُ نتتبَّعُ الفَيء".
وفي "صحيح مسلم" (3) عن جابر: "كُنَّا نصلَّي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم نرجِع فنُريحُ نَواضِحَنا". قال حسن - يعني أحد الرواة -: قلت لجعفرٍ - يعني شيخ حسنٍ -: في أيِّ ساعةٍ تلك؟ قال: زوالَ الشمسِ. انتهى.
ثم قال (4): وحدثني القاسم بن زكريا، نا خالد بن مخلد، ح وثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي نا يحيى بن حسّان، قالا جميعًا: نا سليمان عن جعفر عن أبيه: أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلَّي الجمعة؟ قال: "كان يُصلِّي، ثم نذهب إلى جِمَالنا فنُرِيحها". زاد عبد الله في حديثه: "حين تزول الشمس". يعني: النواضحَ.
وقد وردت آثار عن عمل الخلفاء الأربعة ومعاوية وابن مسعود وجابر وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، لا يصحّ منها شيءٌ فلا نُطيل بذكرها.
__________
(1) لمسلم.
(2) البخاري (4168) ومسلم (860).
(3) رقم (858).
(4) أي مسلم (858/ 29).
(16/340)

وأما الأحاديث المارَّة، فكُلُّها لا تخلو عن نظر.
أما حديث سهل: "ما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة"، فالجواب عنه: أنَّهم كانوا يُبكَّرون إلى الجامع؛ امتثالًا للأمر، وطلبًا لعِظَم الأجر، فكانوا يشتغلون عن القيلولة والغداء بالمُكْثِ في المسجد والصلاة، فإذا خرجوا ناموا وتغدَّوا.
وأطْلَق "نَقِيل" على النوم بعد الظهر؛ لأنه عِوَض عن القيلولة التي هي نوم نصف النهار.
[ص 4] وأما حديث سلمة؛ فقد فسَّرتْه رواية مسلم: "كنا نُجمَّع معه إذا زالت الشمس"، ومع ذلك فالنفي منصبٌّ على القيد، أي: ليس هناك من الظلِّ ما يُستظلُّ به، كما تدل عليه الرواية الأخرى "نتتبَّعُ الفيءَ".
فإن قيل: فقد كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يُطيل الخطبة، كما يدلُّ عليه حديث مسلم (1) عن أم هشام قالت: ما حفظتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلاَّ من فِي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرؤها على المنبر كلَّ جمعة.
ويُطيل الصلاة، فيصلِّيها بالجمعة والمنافقين، كما في "صحيح مسلم" (2) عن علي وابن عباس وأبي هريرة.
وهذا يدلّ أنه كان يشرع في الخطبة قبل الزوال، إذ لو كان بعده لما فرغ إلا وقد صار للحيطان ظلٌّ يُستظَلُّ به، وقد نفاه سلمة في حديثه الثابت في "الصحيحين".
__________
(1) رقم (873).
(2) رقم (877، 879).
(16/341)

وأما رواية مسلم: "كنا نُجمِّع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّعُ الفيء"، فذلك في بعض الحالات، فإن قوله: "نتتبَّعُ الفيء" يدلُّ على أنّه قد صار للحيطان ظلٌّ يُستَظلُّ به.
فالجواب: أن هذا تمَحُّلٌ، والظاهر أن أحاديث سلمة متفقة غير مفترقة، وقد كانت حيطان بيوت الصحابة قصيرةً جدًّا، فلا يبعد أن لا يكون لها ظلٌّ يُستظلُّ به إذا وقعت الخطبة والصلاة عقبَ الزوال على الفور، وفي دلالة رواية مسلم على ذلك ظاهرة.
وأما حديث سهل؛ فالظاهر أن قوله: "حين تزول الشمس" في رواية عبد الله مدرج من قول جعفر، بدليل أنه في رواية حسن روى له الحديث بدونها، فسأله حسن: أي ساعة تلك؟ - أي: ساعة وقوع الصلاة فيما يظهر - قال: زوال الشمس.
وفي رواية القاسم بن زكريّا خاليًا عنها.
وفي رواية عبد الله ذكرها.
وعلى فرضِ صحتها عن جابر فيكون الظرف متعلقًا ب "يُصلِّي" وإن بعُد، والله أعلم.
وذلك أنه ثبت في "صحيح البخاري" (1) وغيره عن أنس قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الجمعة حين تميل الشمس". و (كان) تُشعِر بالدوام.
نعم، الأحاديث متضافرة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَخرج أولَ ما تميلُ
__________
(1) رقم (904).
(16/342)

الشمسُ، وهذا شيءٌ متعيِّن. [ص 5] ومما هو صريحٌ فيه (1): أن أذان الجمعة كان في عهده - صلى الله عليه وسلم - عقبَ خروجه وسلامه على الناس وجلوسه على المنبر. فلو كان يكون خروجه - صلى الله عليه وسلم - متأخَّرًا عن دخول الوقت لشَرع - والله أعلم - الأذان حينئذٍ كسائر الصلوات.
وأمَّا حديث البخاري (2) عن أنسٍ: كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاة، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة، يعني: الجمعة.
فقوله: "يعني الجمعة" لا يُدْرَى مِن قَولِ مَن هي؟ ولهذا قال ابن المنيِّر - كما نقله عنه الشُّرَّاح (3) -: إنَّما قيل ذلك قياسًا على الظهر لا بالنَّصَّ؛ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ على التفرقة في الظُّهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل.
قال (4): والذي نحَا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يَبُتَّ الحكم بذلك؛ لأنَّ قوله: "يعني: الجمعة" يحتمل أن يكون قول التابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون من نقله، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر؛ لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة، أو بدلٌّ عن الظُّهر. اه.
قلتُ: أمَّا قوله: "يعني الجمعة"، فهو من لفظ التابعيِّ، كما يدلُّ عليه قول البخاري (5) بعد ذلك: قال يونس بن بُكَير: أخبرنا أبو خَلْدة، وقال:
__________
(1) هذه العبارة تكررت عند المؤلف.
(2) رقم (906).
(3) انظر "فتح الباري" (2/ 389).
(4) المصدر نفسه.
(5) عقب الحديث (906).
(16/343)

"بالصَّلاة"، ولم يذكر الجمعة.
وأبو خلدة هو التابعيُّ الرَّاوي عن أنس.
نعم، قال القسطلَّاني (1): أخرجه الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد: "يعني الظُّهر".
وأقول: لا يخفى أنَّ التبكير إلى المسجد يوم الجمعة مشروعٌ مطلقًا، فيكون الاجتماع في المسجد قبل الزَّوال، فلم يُشرع الإبراد؛ لأنَّ الإبراد إنَّما شُرِعَ - كما قال العلماء - تخفيفًا على المُصَلِّين، حتى لا يخرجوا من بيوتهم إلاَّ وقد بَرَدَ النَّهار.
وقد يُجابُ عن هذا بجوابين:
الأول: أنَّه لا مانعَ أن يكون التبكير في شدَّة الحرِّ خِلافَ التبكير في غيره.
والثاني: بمنع كون العِلَّة هي كراهة المشقَّة؛ بل العِلَّة هي كون جهنَّم تفوح حينئذٍ. وحديث "الصحيحين" (2): "إذا اشتدَّ الحَرُّ فأَبرِدُوا، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم" نصٌّ على هذه العِلَّة.
وهي نفسُها العلَّة في النهي عن الصَّلاة عند الاستواء، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة: "ثمَّ صَلِّ فإنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يَستقِلَّ الظلُّ بالرُّمح، [ص 6] ثم أَقْصِرْ عن الصَّلاة فإنَّ حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّم ... " الحديث، وهو في "صحيح مسلم" (3).
__________
(1) "إرشاد الساري" (2/ 174)، وقد ذكره الحافظ في"الفتح" (2/ 389).
(2) أخرجه البخاري (533) ومسلم (615) من حديث أبي هريرة.
(3) رقم (832).
(16/344)

والأحاديث تدلُّ على أنَّ جهنَّم تُسْجَر عند الاستواء (1)، وتتنفَّس في الصَّيف (2)، أي: ما بعد ذلك حتى يُقبِل الفيءُ.
وإذا تقرَّر ذلك فحضورُ المُصلِّين في المسجد لا يمنع من الإبْراد.
وقد يُجاب عن هذا بالحديث الذي رواه أبو داود (3)، وفيه: "إنَّ جهنَّم تُسجَرُ إلاَّ يوم الجمعة"؛ [ص 7] وكأنَّ الفرق - والله أعلم - أنَّ السَّجرَ أي: الإيقاد من فعل الملائكة عن أمر الله تعالى، فهو ظاهرٌ في تجلّي العَذَاب، بخِلاف التنفُّس فإنَّه من جِهة النَّار، فكان عدم السَّجر في يوم الجُمعة أنسب من عدم التنفُّس.
ويؤيِّده قيام الدَّليل على عدم كراهية الصَّلاة يوم الجمعة عند الاستواء. وهو يدلُّ على انتفاء العِلَّة أو معارضتها بأقوى منها، كعِظَم تجلِّي الرَّحمة يوم الجمعة على المجمِّعين.
والجواب: أنَّنا نُسلِّمُ عدمَ السَّجْر يوم الجمعة لما ذكرتم، وأمَّا التنفُّس فالظَّاهر أنَّها تتنفَّس يوم الجمعة كتنفُّسها في سائر الأيام, لأن في حديث "الصحيحين": "فإنَّ شِدَّة الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم" الحديث.
ومن المحسوس أنَّ الحَرَّ في يوم الجمعة لا يَخِفُّ عن الأيَّام التي قبله وبعده، بل هو موجودٌ فيه كما فيها، وهو من فَيْحِ جهنَّم بالنَّصِّ.
__________
(1) كما في حديث عمرو بن عبسة المذكور، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه (1252). قال البوصيري: إسناده حسن.
(2) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي (2592) وصححه.
(3) رقم (1083). قال أبو داود: هو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
(16/345)

فإن قيل: فإن مشروعيَّة التنفُّل حينئذٍ تُنافي وجود فيحِ جهنَّم في ذلك الوقت في يوم الجمعة، وكونُه هو العِلَّة في الأمر بالإبراد، ولا سيَّما عند مَن حمل الأمر بالإبراد على ظاهره من الوجوب.
فالجواب: أنَّنا نختار مذهب الجمهور أنَّ الأمر بالإبراد إنَّما هو للنَّدب؛ لما هو مقرَّرٌ في محلِّه. والفرق بينَه وبين السَّجْر ما تقدَّم، فتكون مخالفته خلافَ الأولى فقط.
ثم نقول: إنَّ العِلَّة التي هي تنفُّس جهنَّم حينئذٍ عارضها يوم الجمعة ما هو أقوى منها، وهو عِظَم تجلَّي الرَّحمة. فانتفت خلافيَّة الأولى، وثبَت الندب بدليله المتقدَّم.
فإن قلت: فقد ثبت بهذا مقصودنا من عدم مشروعيَّة الإبراد بالجُمعة.
فالجواب: أنَّنا نقول: إنَّ إبراده - صلى الله عليه وسلم - بالجمعة لم يكن لهذه العِلَّة، وإنَّما هو لعِلَّة أخرى؛ وهي: كراهيةُ أن يشقَّ على أصحابه؛ باجتماعهم، وتزاحمهم، وتضايقهم في ذلك العريش في وقت شِدَّة الحَرِّ.
فإنْ قلْتَ: فإنَّ مشروعيَّة التبكير يوم الجمعة تنافي ذلك.
فالجواب: ما مرَّ من أنَّ التبكير يختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت البرد يكون آخر الساعات حين الاستواء، وفي أوقات الحرِّ يكون آخر السَّاعات حين إقبال الفيءِ.
سلَّمنا أنَّ التبكير لا يختلف، بل هو على القسم الأوَّل مطلقًا؛ ولكنَّا نقول: فههنا عِلَّةٌ أخرى، وهي حرصُه - صلى الله عليه وسلم - على أنْ يَعِيَ أصحابُه موعظتَه، ويكون خشوعهم في الفريضة على أتمِّ الأحوال. وهذا ممَّا يمنع عنه اشتدادُ الحرِّ، فلذلك أبرد.
(16/346)

إذا تأمَّلتَ ما ذُكِرَ علمتَ أنَّ الظَّاهِرَ [ص 8] أنَّ الإبراد بالجمعة سُنَّة، وأنَّه لا يُنافي ندبَ التنفُّل قبلها إلى أن يخرج الإمام، وحينئذٍ فيكون تأخير الأذان مع الإبراد بالجمعة إلى خروج الإمام كتأخيره في الظُهر إلى البرد، فقد ثبت الأمرُ بذلك في "الصحيحين" (1) عن أبي ذرّ قال: "أذن مؤذّن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقال: أبرِدْ أبرِدْ، أو قال: انتظِرْ انتظِرْ ... " الحديث.
فالسُنَّة في الظهر أن يؤذَّن لها إذا أُريد حضورُ المُصَلِّين، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد. والسُنَّة في الجُمعة أن يؤذَّن لها إذا خرج الخطيب، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد أيضًا.
إذا تقرَّر ما ذُكِر فاعلم أنَّ تأخير أذان الجُمعة إلى خروج الخطيب دليلٌ ظاهرٌ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبلية؛ لأنَّ صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوع.
فلو كانت ثابتةً لسُنَّ الأذان قبل خروج الخطيب حتى يتمكَّن النّاس من فعلها بعد الأذان؛ عملًا بحديث "الصحيحين" (2) وغيرهما عن عبد الله بن مغفَّل المُزَني رضي الله عنه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين كلِّ أذانينِ صلاة، ثلاثًا، لمن شاء".
وقد حمل الأئمة هذه الصلاة على الرَّواتب القبليَّة. وعليه، فيكون وقتها - أي الرَّواتب القبليَّة - بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمَت لم تقع الموقع.
فتأمَّل هذا تَجِدْهُ ظاهرًا في نفي أنْ تكون للجُمعة سُنَّة قبلِيَّةٌ.
__________
(1) البخاري (535) ومسلم (616).
(2) البخاري (624) ومسلم (838).
(16/347)

ويؤيِّدُه حديث البخاري (1) عن ابن عمر رضي الله عنهما، من رواية مالكٍ عن نافعٍ عنه، قال: "صَلَّيتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يصلَّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلَّي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلَّي ركعتين".
وهذا في "صحيح مسلم" (2) مختصرًا.
وأخرجاه (3) في التطوُّع، من رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: "سجدتين، سجدتين".
[ص 9] وإفراده للجمعة ههنا يردُّ على من زعم أنَّ حكمها حكم الظُّهر، وذكرُه الرَّكعتين بعدها فقط يدلُّ على أنَّه لا قبليَّة لها.
ومن الباطل جواب ابن بطَّال (4) عن هذا بأنَّ ابن عمر إنَّما أعاد ذكر الجمعة بعد ذكر الظُّهر من أجل أنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - يصلَّي سُنَّة الجمعة في بيته بخِلافِ الظُّهر. فَمِن أين له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبلية الظهر أبدًا في بيته وبعدِيَّتَّها في المسجد أبدًا، حتى تَثبت مخالفتُها للجمعة في الثانية وموافقتها لها في الأولى، فيقال: ذَكَر ابنُ عمر ما خالفت فيه الجمعةُ الظهرَ وما وافقتها فيه؟
على أنَّ قضيَّة جوابه أنَّ الجمعة تسمَّى ظهرًا، وهذا واضحُ البطلان.
__________
(1) رقم (937).
(2) رقم (882/ 71).
(3) البخاري (1172) ومسلم (729).
(4) في شرحه على "صحيح البخاري" (2/ 526).
(16/348)

فتبيَّن أنَّ حديث ابن عمر يردُّ على مَن زعم أنَّ حُكْم الجمعة حُكْم الظُّهر، ويدلُّ على أنَّه لا قبليَّة للجمعة، فتأمَّل.
وممَّا يؤيِّد ذلك: ورود الأمر بالصلاة بعد الجُمعة، وهو حديث أبي هريرة - عند مسلم (1) - قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذَّا صلَّى أحدكم الجُمعةَ فليُصَلِّ بعدها أربعًا"، وفي رواية: "فإن عَجِلَ بك شيءٌ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت".
فقد فُهِم من هذا الحديث نفيُ قبليَّة الجُمعة، إذ لو كانت لذُكِرَتْ، وليس هذا عمدتنا في ذلك.
وظاهر من هذا الحديث أن هذه الأربع مؤكدة، بل ظاهره كما قال بعضُهم الوجوب، لولا أن في الرواية الأُخرى (2): "من كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا".
وهذا بخلاف بعديَّة الظهر، فإنَّ المؤكَّد منها ركعتان فقط. ولا ينافي تَأَكُّدَ الأربعِ حديثُ ابن عمر السابق في اقتصاره - صلى الله عليه وسلم - على ركعتين؛ إذ قد يُقال: إنَّ الأربع تتأكَّد في حق المأمومين كما يقتضيه الأمر، ولا تتأكَّد في حق الإمام، لأنَّه قد حصل له مزيد الأجر بنصبه في الخطبة بخلافهم.
وليس لقبليتها حديث صحيح، بل الأحاديث تُفيد عكسَ ذلك كما مرَّ. وبهذه الدلائل يُخصَّص عموم حديث ابن حبان (3): "ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلاَّ وبين يديها ركعتانِ"، كما سيأتي إن شاء الله.
__________
(1) رقم (881).
(2) "صحيح مسلم" (881/ 69).
(3) في "صحيحه" (2455، 2488) من حديث عبد الله بن الزبير. وإسناده قوي.
(16/349)

[ص 10] وقد استدلَّ من يقول بأن لها سُنَّة قبليَّة بأمور:
أحدها: القياس على الظهر. وهو - وإن ذكره النووي - بعيد، كما ذكره العراقي (1) وغيره. وما قيل: إنَّ البخاري أَوْمَأَ إليه بقوله في ترجمته: "باب الصلاة بعد الجُمعة وقبلها" فيه نظر. بل قد يُدَّعَى العكس؛ لأنَّ الحديث الذي أَوْردَه يدلُّ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبليَّة، ويدل على أنَّها مخالِفة للظهر، وهو حديث ابن عمر الذي مرَّ قريبًا.
ومن تراجم البخاري: "باب الصلاة قبل العيد وبعده" (2). ومراده أنها غير مشروعة، كما تدل عليه الأحاديث التي أوردها. فيكون مراده هنا أن الصلاة بعد الجُمعة مشروعة وقبلها غير مشروعة، فقدَّم المثبَت وأخّر المنفيَّ. والمراد بالصلاة قبل الجُمعة أي: الراتبة، فأما النفل المطلق فهو مشروع قطعًا كما مر.
ومع ذلك فالقياس إنما يُعمَل به في إثبات الأحكام لا في إثبات عبادة مستقلّة.
وقد أجاب بعضُ العلماء أن القول بالقياس هنا إنما هو بناءً على أن الجُمعة ظهرٌ مقصورة.
وهذا باطل، والصحيح أن الجمعة صلاة مستقلّة.
وزعم بعضهم أن الجمعة هي الظهر، وإنما أُقيمت الخطبتان مقام
__________
(1) انظر: "طرح التثريب" (3/ 41).
(2) "الصحيح مع الفتح" (2/ 476).
(16/350)

ركعتين، وكأنَّ هذا القائل غرَّه اتفاق العدد بين الركعتين والخطبتين، ولا أدري ماذا يقول في خُطبتي العيدين والكسوفين والاستسقاء عِوَض عن ماذا؟
والاستدلال بنحو هذا محض التكلُّف والتمحُّل الذي لا حاجةَ بطالب الحق إليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث "الصحيحين" المتقدم: "بين كل أذانين صلاة". وهذا غفلة، فإنّ الأذانين في الحديث إنما أُريد بهما الأذان المشروع والإقامة اتفاقًا، والأذان المشروع في الجمعة هو الذي عند خروج الإمام، والصلاةُ بينه وبين الإقامة حرام إجماعًا، إلا ما سيأتي في ركعتي التحيَّة. ولو كان المراد أي أذانين كان؛ لكان الأحرى بذلك أذانا الصبح، ولم يقل أحد بأنه يُسَنُّ بينهما صلاة.
أما سُنَّة الصبح فليست بينهما، وإنما هي بعدهما بين الأذان والإقامة.
[ص 11] واستدلُّوا بأحاديث أُخرى ذكرها الحافظ في "الفتح" مع أجوبتها، وهذه عبارته (1): وورد في سُنَّة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة.
منها: عن أبي هريرة، رواه البزار (2) بلفظ: "كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعًا". وفي إسناده ضعف.
__________
(1) "فتح الباري" (2/ 426).
(2) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (6/ 365) من طريقه، وفيه: " ... وبعدها ركعتين".
(16/351)

وعن علي، رواه الأثرم والطبراني في "الأوسط" (1) بلفظ: "كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا"، وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره، وقال الأثرم: إنه حديث واهٍ.
ومنها: عن ابن عباس مثله، وزاد: "لا يفصل في شيءٍ منهنّ"، أخرجه ابن ماجه (2) بسند واهٍ.
قال النووي في "الخلاصة" (3): "إنّه حديث باطل".
وعن ابن مسعود عند الطبراني (4) أيضًا مثله، وفي إسناده ضعف وانقطاع.
ورواه عبد الرزاق (5) عن ابن مسعود موقوفًا، وهو الصواب.
وروى ابن سعد (6) عن صفيّة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - موقوفًا نحو حديث أبي هريرة. إلخ.
قلت: والموقوف عن ابن مسعود ذكره الترمذي (7) بقوله: ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.
__________
(1) (2/ 172).
(2) رقم (1129). قال البوصيري في "الزوائد": إسناده مسلسل بالضعفاء, عطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية هو ابن الوليد مدلّس.
(3) (2/ 813).
(4) في "الأوسط" (4/ 196).
(5) في "المصنّف" (3/ 247).
(6) في "الطبقات" (8/ 491).
(7) في "الجامع" عقب الحديث رقم (523).
(16/352)

وقد استدلُّوا به على وقفه، قالوا: لأن الظاهر أنه توقيف.
والجواب: أنه إن صحَّ فلا حُجَّة فيه، وقولهم: إن الظاهر أنه توقيف ممنوع، بل الظاهر أن المراد بذلك النفل المطلق الذي يصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام؛ كما مَرَّ بيانُه، بل هذا هو المتعين، لما مرّ أن السُنَّة في خروج الإمام أول الوقت وقبلَ الأذان، وأنَّ ذلك صريح في نفي مشروعية سنةٍ قَبْليّة للجمعة، والله أعلم.
واستدلُّوا بما قاله العراقي في "شرح سنن الترمذي"؛ بعد ذكر حديث ابن ماجه المتقدم في عبارة "الفتح" قال: "وقد وقع لنا بإسنادٍ جيد من طريق القاضي أبي الحسن الخلعي من رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عثمان عن علي".
كذا وجدت نقل عبارته، ولتراجع (1).
والجواب: أنَّ ابن إسحاق مختلفٌ فيه، وهو بَعْدُ مُدَلِّس، وقد عَنْعَنَ، ولم أقف على الإسناد بطوله حتى أعرفَ حاله، وفيما ذكرتُ كفاية.
وهَبْ أنَّه صحَّ فالمراد النَّفْل المطلق؛ لما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بأحاديث: "أربع بعد الزوال".
والجواب: أنَّ في بعضها التقييد بقبل الظهر، والمطلقُ يُحمَل على المقيَّد. وعلى فَرْضِ عدم الحمل فيكون عامًّا مخصوصًا بالجمعة؛ لما مرَّ أن السُنَّة خروج الإمام عقب الزوال، وبخروجه تمتنع الصلاة إلاَّ ركعتي التحية، والله أعلم.
__________
(1) في "طرح التثريب" (3/ 42): "من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي". وهو الصواب، و"ابن إسحاق" و"عثمان" تحريف.
(16/353)

واستدلَّ بعضهم بحديث أبي داود والترمذي (1)، عن عطاء قال: "كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلَّى الجمعة بمكة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا ... "، الحديث.
والجواب: أنَّ الاستدلال به غفلة؛ لأنَّ الكلام في الصلاة بعد الجمعة.
وقوله "تقدم" أي: من موقفه الذي صلَّى فيه الجمعة، يتقدَّم عنه فيصلِّي ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلَّي أربعًا، وهذا لفظ الترمذي: [ص 13] "وابن عمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلَّى بعد الركعتين أربعًا". حدثنا بذلك ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء، قال: "رأيتُ ابن عمر صلَّى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلَّى بعد ذلك أربعًا".
ولفظ أبي داود في باب الصلاة بعد الجمعة: عن عطاء عن ابن عمر قال: "كان إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلَّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلّى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد". فقيل له، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
وكلاهما صريح أنَّ هذه إنَّما هي الصَّلاة بعد الجمعة.
وفي رواية أُخرى (2): عن عطاء أنَّه رأى ابن عمر يُصَلِّي بعد الجمعة، فينماز عن مصلَّاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثير، قال: فيركع ركعتين. قال: ثم يمشي أنفسَ من ذلك، فيركع أربع ركعات. قلت - القائل ابن جريج الراوي عن عطاء - لعطاء: كم رأيتَ ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مرارًا.
__________
(1) أبو داود (1130) والترمذي (2/ 401، 402).
(2) عند أبي داود (1133).
(16/354)

وهذا الحديث ممَّا يدلُّ على الفَرْق بين الجمعة والظهر، والله أعلم.
واستدلُّوا بما رواه الطبراني في "الأوسط" (1) بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ شَهِدَ منكم الجمعة فليُصَلِّ أربعًا قبلها وبعدها أربعًا".
والجواب: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، فيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، كما في "شرح البخاري" (2)، وقد ضعَّفه البخاري وغيره كما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث أبي داود وابن حبان (3) من طريق أيوب عن نافع قال: "كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّث أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلُه".
والجواب: قال الحافظ (4): وتُعُقَّب بأن قوله: "كان يفعل ذلك" عائد على قوله: "ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته".
ويدلُّ له رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك"، رواه مسلم (5).
وأما قوله: "كان يطيل الصلاة قبل الجمعة" فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون [ص 14] مرفوعًا؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إذا زالت
__________
(1) (2/ 172)، ولفظه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا ... ".
(2) "فتح الباري" (2/ 426).
(3) أبو داود (1128) وابن حبان (2476).
(4) "فتح الباري" (2/ 426).
(5) رقم (882).
(16/355)

الشمس فيَشْتَغِل بالخطبة، ثُمَّ بصلاة الجمعة.
وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مطلقُ نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة التي قبلها، بل هي تنفُّل مطلقٌ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن حبان في "صحيحه" (1): "ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلاَّ وبين يديها ركعتان".
والجواب: أنَّه عام مخصوص بالجمعة كما مرَّ بيانُه، مع أنَّه مُقيَّدٌ بحديث "الصحيحين": "بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ"، وقد مرَّ الكلام عليه.
مع أنَّ ابن حبان يُطلِق الصحيح على الحَسَن، وربَّما يُصحِّح ويُحسِّن ما لا يُوافَق عليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن ماجه (2) بسند صحيح عن أبي هريرة وجابر قالا: "جاء سُلَيْك الغَطَفاني والنَّبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال له النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصلَّيْتَ ركعتين قبل أن تجيء؟ " قال: لا، قال: "فصلِّ ركعتين وتَجوَّزْ فيهما".
قال في التحفة (3): وقوله: "أصلّيتَ" إلى آخره يمنع حملَه على تَحيَّة المسجد - أي: وحدها - حتى لا ينافي الاستدلال به لندبها للداخل حال الخطبة، فينويها مع سُنَّة الجمعة القبليَّة إن لم يكن صلاَّها قبل .. إلخ [ص 15]، إذ المعروف في هذا الحديث الاقتصار على "أصليت" ونحوه، وهو كذلك في "الصحيحين" وغيرهما. ولم تجئ هذه الزيادة - أي قوله:
__________
(1) رقم (2455)، وقد سبق ذكره.
(2) رقم (1114).
(3) "تحفة المحتاج" (2/ 224).
(16/356)

"قبل أن تجيء" - إلَّا في هذه الرواية التي أخرجها ابن ماجه.
والجواب عنها من وجوه:
الأوَّل: أنَّ حفص بن غياث قال عنه يعقوب: ثقة ثبت إذا حدَّث من كتابه ويُتَّقى بعض حفظه.
وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عَسِرًا.
فأطلق هذان وصفَهُ بسوء الحفظ.
وقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة.
وقال أبو زُرعة: ساءَ حفظُه بعد ما استُقْضي، فمَن كَتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا.
قلت: وهو كما في "تهذيب التهذيب" (1): كوفيّ استُقْضي بها وببغداد.
وقال ابن معين: جميع ما حدَّث به ببغداد من حفظه.
قلت: فحديثه ببغداد كان بأَخَرةٍ، وكان بعد ما استُقْضي، وكان من حفظه. وداود بن رُشَيد بغداديٌّ كما في ترجمته (2)، فحديثه عنه بأخرةٍ بعد ما استُقْضي، من حفظه.
وقد قال داود بن رشيد نفسه - كما في "تهذيب التهذيب" (3) -: حفصٌ كثير الغلط.
__________
(1) (2/ 415 وما بعدها). وفيه أقوال النقاد.
(2) "تهذيب التهذيب" (3/ 184).
(3) (2/ 416).
(16/357)

وأمَّا رواية الشيخين عنه فهي محمولة على ما ثبت عندهما أنَّه حدَّث من كتابه، وليس هذا لأحدٍ غيرهما؛ لالتزامهما الصحيحَ وتحرِّيهما وتيقُّظهما.
وفي "تدريب الراوي" (1) للسيوطي عن ابن الصلاح قال: من حكم لشخصٍ بمجرَّد رواية مسلم عنه في "صحيحه" بأنَّه من شرط مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقِّفٌ على النَّظَر في كيفيَّة رواية مسلمٍ عنه، وعلى أيِّ وجهٍ اعتمد عليه.
الوجه الثاني: قال في "تهذيب التهذيب" (2): وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنَّ حفصًا كان يدلِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث يُدلّس.
والمدلِّس لا يكون حجَّةً إلاَّ فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
الوجه الثالث: أنَّ الأعمش على جلالة قدره معدودٌ في المدلِّسين، والمدلِّس لا يكون حجَّة إلاَّ فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
نعم، قال الحافظ في "المقدمة" (3) في ترجمة حفص بن غياث: "اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنَّه كان يُميِّز بين ما
__________
(1) (1/ 129).
(2) (2/ 417).
(3) "هدى الساري" (ص 398).
(16/358)

صرَّح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلَّسه، نبَّه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال".
وهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد.
الوجه الرابع: أبو صالح شيخ الأعمش، هل هو ذكوان المدني السَّمَّان، أو باذام مولي أم هانئ؟ فإنَّ كلاًّ منهما كنيته أبو صالح، عن أبي هريرة وعنه الأعمش.
فإن كان الثاني، فهو مُضعَّف، ورواية الأعمش عنه منقطعة.
[ص 16] ففي "تهذيب التهذيب" (1): "أنَّ أبا حاتم قال: لم يسمع - يعني: الأعمش - عن أبي صالح مولي أُم هانئ، هو يدلِّس عن الكلبي".
قال (2): "وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: الأعمش عن أبي صالح - يعني: مولى أم هانئ - منقطع".
والذي يظهر أنَّ أبا صالح الذي روى عنه الأعمش هذا الحديث هو الأول: ذكوان المدني السَّمان؛ لأنَّ الثاني قال عنه ابن عدي - كما في "تهذيب التهذيب" (3) -: عامة ما يرويه تفسير، وما أقلَّ مَا لَهُ من المسند.
__________
(1) (4/ 224).
(2) المصدر السابق (4/ 225).
(3) (1/ 417).
(16/359)

الطريق الأخرى: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
وفيها نَظَرٌ من وجوه:
الأوَّل - وهو الخامس من أوجه الجواب -: رواية الأعمش عن أبي سفيان.
قال في "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة الأعمش: "وقال أبو بكر البزَّار: لم يسمع من أبي سفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنَّما هي صحيفة عرفت".
وقد يجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنْ يكون روى عنه بالوجادة، وهي طريق من طرق الرواية.
الثاني - وهو السادس من أوجه الجواب -: حال أبي سفيان في نفسه.
قال في "تهذيب التهذيب" (2): قال أحمد: ليس به بأس ... إلى أن قال: وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين: لا شيء، ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، وأكثرهم على توثيقه، وقد روى له الشيخان والجماعة.
الوجه الثالث - وهو السابع من أوجه الجواب -: رواية أبي سفيان عن جابر.
في "تهذيب التهذيب" (3): وقال أبو خيثمة عن ابن عُيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة ... إلى أن قال:
__________
(1) (4/ 224).
(2) (5/ 27).
(3) (5/ 27).
(16/360)

وفي "العلل الكبير" لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلاَّ أربعة أحاديث. وقال فيها (1): أبو سفيان يُكتب حديثه وليس بالقويَّ، وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلاَّ أربعة أحاديث.
قال الحافظ (2): قلتُ: لم يخرج البخاري له إلاَّ أربعة أحاديث عن جابر، وأظنُّها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة قَرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث: "اهتز العرش" كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قَرَنه بسالم بن أبي الجَعْد.
[ص 17] فتبَيّن أنَّ هذا الحديث ممَّا لم يسمعه أبو سفيان عن جابر.
وقد يُجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنَّه من الصَّحيفة، ولعلَّها كانت صحيحة، فيكون مناولةً أو وجادةً، وأبو سفيان ثقةٌ عند الأكثر.
الوجه الثامن: قال أبو داود (3): حدَّثنا محمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، المعنى، قالا: ثنا حفص بن غياث، وساق الإسناد كإسناد ابن ماجه (4) بطريقيه، وذكر الحديث، وآخره: فقال له: "أصليتَ شيئًا؟ قال: لا".
ومحمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم أرجح من داود بن رُشَيد.
[ص 18] الوجه التاسع: أنَّه قد روى حديثَ سُلَيك عن الأعمش
__________
(1) أي في "العلل "الكبير". والنصّ في "التهذيب" الموضع السابق.
(2) بعد ما سرد الأقوال السابقة في المصدر السابق. وانظر "هدي الساري" (ص 431).
(3) في "سننه" (1116).
(4) رقم (1114).
(16/361)

عيسى بن يونس، وحديثه عند مسلم (1)، وأبو معاوية، وحديثه عند أحمد والدارقطني (2)، وسفيان، وحديثه عند أحمد والدارقطني (3) أيضًا. وخالفوا حفص بن غياث سنَدًا ومتنًا.
أمَّا في السند: فلم يذكر أحد منهم الرواية الأخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة، بل كلُّهم اقتصروا عن أبي سفيان عن جابر.
وإنَّما قال الحافظ في "الإصابة" (4) في ترجمة سُلَيك وذكر هذا الحديث: "وروى ابن ماجه وأبو يعلى من طريق الأعمش [عن أبي صالح] (5) عن أبي هريرة ... " إلخ.
ولا أدري كيف روايةُ أبي يعلى؟ فلْتُرَاجع (6)، إن لم يكن ذِكر أبي يعلى خطأ، والأصل "أبي داود".
وأمَّا في المتن، فكلُّهم لم يذكروا تلك الزيادة.
الوجه العاشر: أنَّه قد روى حديث سُليك عن أبي سفيان: الوليدُ أبو بشر، وهو الوليد بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري. وحديثه عند أبي
__________
(1) رقم (875/ 59).
(2) "المسند" (3/ 316، 317) و"سنن الدارقطني" (2/ 13).
(3) "المسند" (3/ 389) و"سنن الدارقطني" (2/ 14).
(4) (4/ 442).
(5) ليست في الأصل، وزيدت من "الإصابة".
(6) الحديث عد أبي يعلى (2272) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، دون الطريق الثاني.
(16/362)

داود وأحمد والدارقطني (1)، ولم يذكر في حديثه تلك الزيادة.
الوجه الحادي عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك عن جابر: عمرو بن دينار، وحديثه في الصحيحين (2) وغيرهما. وأبو الزبير، وحديثه عند مسلم والشافعي وابن ماجه (3)، ولم يذكرا في حديثهما تلك الزيادة.
الوجه الثاني عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه, وحديثه عند الترمذي وأحمد والشَّافعيِّ وابن ماجه (4)، ولم يذكر تلك الزِّيادة.
والحاصل: أنَّ إسناد الحديث عن أبي هريرة انفرَد به حفصُ بن غياث عن الأعمش، وانفرَد به الأعمش عن أبي صالح، وانفرَد به أبو صالح عن أبي هريرة، وانفرَد بإدخال هذه الزِّيادة فيه داود بن رُشَيد عن حفص بن غياث.
وانفرَد بإدخال الزِّيادة في حديث جابر: داود بن رُشَيد عن حفص، وحفص عن الأعمش، والأعمش عن أبي سفيان، وأبو سفيان عن جابر.
وقد روى الحديثَ عن حفصٍ محمدُ بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، فلم يذكراها.
ورواه عن الأعمش عيسى بن يونس وأبو معاوية وسفيان، فلم يذكروها.
__________
(1) أبو داود (1117) وأحمد (3/ 297) والدارقطني (2/ 13).
(2) البخاري (930) ومسلم (875/ 54).
(3) مسلم (875/ 58) و"الأم" للشافعي (2/ 399) وابن ماجه (1112).
(4) الترمذي (511) و"المسند" (3/ 25) و"الأم" (2/ 399) وابن ماجه (1113).
(16/363)

ورواه عن أبي سفيان الوليدُ بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري فلم يذكرها.
ورواه عن جابر عَمْرو بن دينار وأبو الزُّبير فلم يذكراها.
ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو سعيد الخدري فلم يذكرها.
[ص 19] والظاهر - والله أعلم - أنَّ داود بن رُشيد أو حفص بن غِياث فَهِم من قوله في عامة الروايات: "أصليت" أنَّ المراد: "أصليتَ قبل أن تجيء"، فأدرج هذه الزيادة تفسيرًا أو غلطًا.
وسبب الفهم أنَّ أكثر الروايات تُشعِر أنَّ سبب خطاب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لسُليك هو أنَّه رآه دخل المسجد ولم يُصلِّ، فلمَّا قال له: "أصلَّيْتَ؟ " لم يمكن أن يكون المراد: أصليتَ في المسجد؟ فلم يبقَ إلاَّ أن يكون المراد: أصليتَ قبل أن تجيء؟
وهذا الفهم فيه نَظَرٌ من وجوه:
الأول: أنَّ الذي يدلُّ عليه حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ سبب خطاب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لسُلَيك هو أنَّه رآه بهيئة بذَّةٍ، فدعاه رجاءَ أنْ يراه الناس بتلك الهيئة فيتصدَّقوا عليه، ثم سأله: "أصلَّيت؟ " لاحتمال أنْ يكون صلَّى قبل أن يدعوه، فقال: لا، فأمره بالصلاة.
وهذا لفظ الحديث عن الإمام أحمد (1): عن أبي سعيد قال: "دخل رجلٌ المسجدَ يومَ الجمعة والنَّبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، فدعاه فأمره أن يُصلِّي
__________
(1) في "المسند" (3/ 25).
(16/364)

ركعتين. ثم دخل الجمعةَ الثانية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، فدعاه، فأمره. ثم دخل الجمعةَ الثالثة، فأمره أن يصلِّي ركعتين، ثم قال: "تصدقوا" ففعلوا، فأعطاه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قال: "تصدَّقوا"، فألقى أحد ثوبَيْهِ، فانتهره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكرِهَ ما صَنَع. ثم قال: "انظروا إلى هذا! فإنَّه دخل المسجد في هيئةٍ بذَّةٍ، فدعوتُه، فرجوتُ أن تُعطوا له، فتصدَّقوا عليه وتَكْسُوه، فلم تفعلوا، فقُلت: تصدَّقوا فتصدَّقوا، فأعطيتُه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قلت: تصدَّقوا، فألقى أحدَ ثوبيه. خُذْ ثوبك"، وانتهره.
وظاهره: أنَّ الأمرَ بالصدقة وإعطاء سُليك الثَوْبَيْن وإلقاءه أحدهما كان في المرَّة الثالثة. ورواية الشافعي (1) تُخالف ذلك، فراجِعْها.
والمقصود بيان خطأ من ظنَّ أنَّ المراد: أصلَّيتَ قبل أنْ تجيء.
[ص 20] الوجه الثاني: أنَّه قد يقال: سلَّمنا أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - رآه حين دخل المسجد، ولكن جوَّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، وإنَّما خرج إلى باب المسجد لحاجةٍ كأن يتنخَّم، ثم عاد. فبناءً على ذلك التجويز سأله هل صلَّى؟
الوجه الثالث: أن يُقَال: سَلَّمْنا أنَّ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلم رآه حين دخل المسجد، وأنَّه لم يُجوِّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، ولكنَّا نقول: إن قوله: "أصَلَّيْتَ" ليس للاستفهام الحقيقي، وإنَّما هو بمعنى الأمر، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران:20]. والمعنى: وقيل للَّذين أوتوا الكتاب والأميين:
__________
(1) في "الأم" (2/ 400)، فسياقها يدل على أن ذلك في المرة الثانية.
(16/365)

أسْلِموا، ذكره في "المغني" (1).
فإن قيل: فما تصنعون بجواب سُلَيْك بقوله: لا؟
فالجواب: أنّه فهم أنَّ الاستفهام على بابه، ولذلك أعاد النَّبي صلَّى الله عليه والِهِ وسلَّم الأمر صريحًا، فتأمّل.
فإنْ أبيت إلاَّ أنْ تجعل المعنى: أصَلَّيت قبل أن تجيء، فقد حمله أبو شامة على أن المراد: قبل أن تجيء إلى هنا من مؤخر المسجد. ومع هذا فقد قال الحافظ المزي وابن تيمية: إن هذه الكلمة "تجيء" تصحفت في "سنن أبي داود"، والصواب: "قبل أن تجلس". وردَّه بعض المعاصرين، فإن بعض المتقدمين إسحاق بن راهويه أو غيره بني عليها مذهبه، فقال في تحية المسجد: إن كان الرجل قد صلَّى في بيته فلا يُصلَّها، وإلَّا فليصلِّها.
وهذا الجواب قوي إن صحَّ النقلُ، ولكن ذلك لا يفيد القائلين بقبلية الجمعة شيئًا، لما مرَّ إيضاحه، ولله الحمد.
وعلى كل حالٍ فلا يمكن أن يكون المراد قبليَّة للجمعة؛ لأنَّ الأدلَّة الصريحة قد قامت على أنَّ الجمعة لا قبليَّة لها؛ لما مرَّ آنفًا من أنَّ محلَّ القبليَّة بعد دخول الوقت، وبين الأذان والإقامة. وقد عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج أوَّل دخول الوقت - إن لم يكن قبله - عامدًا إلى المنبر، فيؤذِّن المؤذَّنُ، فيقوم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للخطبة. وليس بين خروجه - صلى الله عليه وسلم - وبين فريضة الجمعة إلاَّ الخطبتان، والصَّلاة حينئذٍ حرامٌ إلاَّ ركعَتَي التَّحيَّة.
فكيف تكون للجمعة قبليَّة ويكون أداؤها في وقتها الذي هو أول الوقت
__________
(1) "مغني اللبيب" (1/ 13).
(16/366)

وبين الأذان والإقامة حرامًا, ولو أُدِّيَت فيه لم تنعقد؟! هذا محالٌ.
وأيضًا، قد دلَّ حديث ابن عمر وغيره على عدمها كما مرَّ، فتعيَّن الجمع بين الأدلَّة بما ذكرناه، والله الموفِّقُ، لا ربَّ غيرُه.
[ص 21] وقال بعضهم: إنَّ هذه الأدلَّة التي استدلَّ بها المثبتون وإن كان بعضها غير صحيحٍ، وبعضها غير صريحٍ = فلا أقلَّ من أنْ تفيد بمجموعها المطلوب؛ لِما صرَّحوا به أنَّ الضَّعيف إذا تعدَّدتْ طرقُهُ بَلَغَ رتبة الحَسَن، فيحتجُّ به. وهَبْ أنَّه لا يكون كذلك، فقد صرَّحوا أنَّ الضَّعيف يُعمَلُ به في فضائل الأعمال.
وأقول: الجواب أنَّ بلوغ الضَّعيف رتبةَ الحسن له شروطٌ لم توجد هنا.
وكذلك العمل بالحديث الضَّعيف في فضائل الأعمال له شروطٌ لم تُوجد هنا.
مع أنَّ تلك الأحاديث جميعها غير صريحة في إثبات صلاةٍ قبل الجمعة، بنيَّة راتبةٍ قبليةٍ للجمعة، لِما قدَّمْنَاهُ. وأنَّ ما صحَّ منها فهو محمولٌ على النَّفْلِ المطلق الذي يُصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام، ولا سيَّما وقد قام الدَّليل على نفي أن تكون للجمعة راتبةٌ قبلية؛ كما مرَّ بيانه.
وفي الختام نقول للمثبتين: مَن كان منكم يُحِبُّ ثبوت راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة ليصلِّيها هو والمسلمون، فيَحُوزوا الفضيلة، فما عليه إلاَّ أن يُبكِّرَ إلى الجامع فيصلِّي النَّفل المطلق إلى خروج الإمام، فيحوز فضيلةً أعظم ممَّا طلَبَ.
(16/367)

بل إنَّ الانكفاف عن صلاةٍ راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة امتثالًا للسُنَّة، يُحصِّل له فضيلةً لا تقِلُّ عمَّا طلَبَ.
بل إنَّ الإقدام على صلاة راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة بعد العلم بقيام الدَّليل على عدم مشروعيِّتها معصية كما لا يخفى. ومن بقي في قلبه ريبٌ في بطلانها، فما عليه إلاَّ أن يصلي ركعتين أو أربعًا من جملة النفل المطلق الذي قبله، وينوي في قلبه أنه إذا كان في مشيئة الله تعالى للجمعة راتبة قبلية، فهي هذه، وإلَّا فهي نفل مطلق. والتردد في النية مغتفر في مثل هذا.
[ص 22] ومن كان منكم يحبُّ ثبوتها انتصارًا لمَنْ أثبتها من العلماء فهذا غرضٌ آخر، ليس من الدَّين في شيءٍ. والعلماء رضي الله عنهم مأجورون على كُلِّ حال، وليس في المخالفة لهم تبعًا للدَّليل غضاضةٌ عليهم؛ إذ ليس منهم من يُبرِّئُ نفسَه عن الخطأ ويدَّعي لنفسه العِصْمة.
وأيُّهما أسهل؟ مخالفة الله ورسوله، أو مخالفة عالمٍ من العلماء؟
مع أنَّ مخالفة العالم لا تستلزم نقصَه ولا الحط منه؛ فقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربَّما خالفوه في الآراء التي ليست من قبيل الوحي. ولم يُعَدَّ ذلك استنقاصًا منهم له - صلى الله عليه وسلم -، وإلَّا لكَفرُوا. بل كان - صلى الله عليه وسلم - ربَّما رَجَعَ إلى قولهم في ذلك.
ومن كان منكم يحبُّ ثبوتها لكونه من المقلِّدين للمذهب القائل بثبوتها = فهذا لا ينبغي له أن يُعوِّل على ثبوتها من حيث الدَّليل وعدمه؛ لأنَّه مقلِّدٌ لا يَسأَلُ عن حُجَّة، ولا يُسأَل عن حُجَّة، فهو ملتزمٌ لقول من قلَّده، ولو ثبتت الحُجج القطعيَّة بخلافه. فالواجب عليه أن يقول: أنا مقلِّدٌ لفلان، وفلانٌ قال بثبوتها، ويقف عند ذلك.
(16/368)

فإن تاقت نفسُه إلى الاحتجاج فليُوَطِّن نفسَهُ على قبول الحُجَّة، ولو على خلاف قول إمامه، وإلَّا وَقَعَ في الخطَر من تقديم هواه على ما جاء به الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وجعلِ كلام مقلَّدهِ أصلًا يُردُّ إليه ما خالَفَه من كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
والله يهدي من يشاء إلى سراطٍ (1) مستقيمٍ.
__________
(1) كذا بالسين، وهي لغة فصيحة. والصاد أعلى وإن كانت السين هي الأصل. قال الفراء: الصاد لغة قريش الأولين التي جاء بها الكتاب وعامة العرب يجعلها سينًا. انظر "تاج العروس" (سرط).
(16/369)

الرسالة الحادية عشرة
بحث في وقت تشريع ونزول آية صلاة الخوف
(16/371)

فصل
قد علمتَ من رواية قتادة عن سليمان بن قيس (1) والكلام عليها أن ظاهرها أن ذلك أول ما نزلت الآية، أعني قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101].
وقد عارض هذا حديث آخر.
أخرج أبو داود (2) عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرَّةً، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة! فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعًا ... " فذكر الصفة التي تقدمت [في] رواية عطاء عن جابر، ثم قال: "فصلَّاها بعُسْفان، وصلَّاها يوم بني سُلَيم".
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 334) من طريق ابن منصور، وقال: "صحيح على شرط الشيخين" وأقره الذهبي.
__________
(1) أخرجها الطبري في "تفسيره" (7/ 414) من حديث جابر بن عبد الله في قصة قصر الصلاة في الخوف.
(2) رقم (1236).
(16/373)

وأخرجه البيهقي في "السنن" (3/ 256) من طريق يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور كلاهما عن جرير.
وأخرجه النسائي (1) عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن محمد (غندر) قال: حدثنا شعبة عن منصور، قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن أبي عيَّاش الزُّرقي - قال شعبة: كتب به إليَّ وقرأتُه عليه وسمعتُه منه يحدِّث، ولكني حفظته. قال ابن بشار في حديثه: حفظي من الكتاب -, فذكره وليس فيه: "فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر".
وهكذا رواه أحمد أيضًا عن غندر. "المسند" (4/ 60) (2).
وأخرجه النسائي (3) أيضًا عن عمرو بن علي عن عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور، فذكره. وفيه: "فنزلت - يعني صلاة الخوف - بين الظهر والعصر".
ورواه أحمد (4) أيضًا: "ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن منصور ... "، وفيه: "فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102].
ورواه أبو داود الطيالسي (5) عن ورقاء عن منصور، وفيه: "فنزل جبريل
__________
(1) (3/ 176).
(2) رقم (16581).
(3) (3/ 177).
(4) رقم (16580).
(5) في "مسنده" (1347).
(16/374)

عليه السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، فأخبره، ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ...}.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" (3/ 30) قصة شبيهةً بهذه من طريق النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس، وقال: "صحيح على شرط البخاري"، وأقره الذهبي.
والنضر أبو عمر هو النضر بن عبد الرحمن الخزاز، مجمع على ضعفه.
وأخرج النسائي (1) وغيره من طريق سعيد بن عبيد الهُنائي ثنا عبد الله بن شقيق ثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نازلًا بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ محاصرًا المشركين، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجْمِعوا أمركم، ثم مِيلُوا عليهم ميلةً واحدة، فجاء جبريل عليه السلام فأمره أن يقسم أصحابه نصفين، فيصلي بطائفة منهم، وطائفة مقبلون على عدوِّهم ... فيصلِّي بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك، فيصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ركعة، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان".
سعيد بن عبيد، قال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (2) وقد عُلِم شرطه.
__________
(1) (3/ 174). وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" (10765) والترمذي (3035) وابن حبان (2872)، وحسَّنه الترمذي.
(2) (6/ 352). وانظر "تهذيب التهذيب" (4/ 62).
(16/375)

وقد روى أبو داود (1) وغيره من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدِّث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هل صلَّيتَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، فقال مروان: متى؟ قال أبو هريرة: عامَ غزوة [نجد] (2)، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلَ العدو وظهورُهم إلى [القبلة, فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبروا جميعًا: الذين معه والذين مقابلي العدو، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه]، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليها، والآخرون قيامٌ مقابلي العدو، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [وقامت] الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم. وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو [فركعوا وسجدوا ورسول الله]- صلى الله عليه وسلم - قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة أخرى وركعوا [معه]، وسجد وسجدوا معه. ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدٌ ومن معه، ثم كان السلام، فسلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[وسلَّموا جميعًا، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -] ركعتين (3)، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة".
وعلَّق البخاري في غزوة ذات الرقاع في "الصحيح" (4) طرفًا منه.
وهذه الصفة يمكن موافقتها للصفة التي رواها سعيد بن عبيد عن ابن
__________
(1) رقم (1240).
(2) مخروم في الأصل، وكذا ما يأتي بين المعكوفتين فيما بعد، واستدركتها من سنن أبي داود.
(3) كذا كتبها المؤلف. والجادة ورواية السنن: "ركعتان" بالرفع.
(4) رقم (4137).
(16/376)

شقيق عن أبي هريرة، كما مرَّ. فإن كانت قصة واحدة فهي مخالفة للصفة التي في حديث مجاهد عن ابن عباس.
وفي "فتح الباري" (1) أن الواقدي روى بسنده إلى خالد بن الوليد قال: "لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية [لقيتُه] (2) بعُسْفان، فوقفتُ بإزائه، وتعرَّضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نُغِيرَ عليهم فلم يعزم لنا، فأطلعَ الله نبيَّه على ذلك، فصلَّى بأصحابه العصرَ صلاةَ الخوف" الحديث.
أقول: والواقدي لا يُفرح به.
__________
(1) (7/ 423).
(2) مخروم في الأصل، واستدركته من "الفتح".
(16/377)

الرسالة الثانية عشرة
قيام رمضان
(16/379)

بسم الله الرحمن الرحيم

قيام رمضان
وردت عدة نصوص في الترغيب في القيام مطلقًا، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64]، وغيرها. ونصوصٌ تؤكّد قيام رمضان، وخاصةً ليلةَ القدر، كحديث "الصحيحين" (1): "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه". وفي حديث آخر (2): "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
وثبتت نصوص أخرى تبيِّن عدة صفاتٍ إذا اتصف بها قيام الليل عَظُم أجرُه، وكبُر فضلُه، وإن خلا عن بعضها أو عنها كلّها لم يمنع ذلك من حصول أصل قيام الليل. فلنسمِّها "مكمِّلات"، وهي:
1 - أن يكون تهجّدًا، أي بعد النوم.
ومن أدلّة ذلك حديث "الصحيحين" (3) وغيرهما عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وفيه: "وأحبُّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثُلثَه وينام سُدسَه".
وفي "صحيح مسلم" (4) عن جابر مرفوعًا: "من خاف أن لا يقوم من
__________
(1) البخاري (37) ومسلم (759) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه البخاري (1901) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة.
(3) البخاري (1131) ومسلم (1159/ 189).
(4) رقم (755).
(16/381)

آخر الليل فليُوتِرْ أوّلَه، ثم ليرقُدْ، ومن طَمِعَ أن يقوم من آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودةٌ محضورةٌ، وذلك أفضل".
2 - أن يكون بعد نصف الليل.
ومن أدلّته ما تقدم.
3 - أن يستغرق ثلث الليل.
ومن أدلّته: حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.
وقد قال الله عزَّ وجلَّ في آخر سورة المزمل: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [لمزمل: 20]. يريد به: ما تيسر من قيام الليل.
4 - أن يُكثِر فيه من قراءة القرآن. وهو مِن لازم الثالث؛ لما عُرِف من نظام الصلاة.
5 - أن يكون مثنى مثنى، ثم يوتر بركعة.
هذا هو الأكثر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبه أمر مَن سأله عن قيام الليل.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - صُوَرٌ أخرى، منها: مثنى مثنى ويوتر بثلاث.
6 - أن لا يزيد عن إحدى عشرة ركعة.
كما ثبت من حديث عائشة في "الصحيحين" (1) وغيرهما، قالت: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضانَ ولا غيرِه على إحدى عشرة ركعةً ... ". أجابت بهذا مَنْ سألها عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل في رمضان. وذلك
__________
(1) البخاري (1147، 2013) ومسلم (738).
(16/382)

صريح في أن المشروع في قيام رمضان هو المشروع في غيره، إلاَّ أنه آكدُ (1) فيه.
وقد جاء عنها أنه صلَّى في بعض الليالي ثلاث عشرة ركعة (2).
وفي "المستدرك" وغيره (3) عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُوتِروا بثلاثٍ تَشبَّهوا بالمغرب، ولكنْ أوتروا بخمسِ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك".
والمراد - والله أعلم - بالوتر في هذا الحديث: قيام الليل، كأنه كره الاقتصار على ثلاثٍ وأمرَ بالزيادة عليها. وأكثرُ ما جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه بتكبيرةٍ واحدةٍ تسع ركعات. فهو - والله أعلم - أكثر الوتر الحقيقي، فأمَّا الوتر بمعنى قيام الليل المشتمل على الوتر فلا مانعَ من الزيادة فيه، والأفضلُ ما تقدّم.
7 - أن يكون فُرادى. كما هو الغالب من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهو كاللازم للأمر الآتي.
__________
(1) في النسخة اليمنية: "يتأكد".
(2) أخرجه البخاري (1170) ومسلم (737).
(3) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 304) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 31، 32) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن أبي هريرة. وإسناده صحيح. وأخرجه بنحوه ابنُ حبان (2429) والدارقطني (2/ 24، 25) والحاكم (1/ 304) والبيهقي (3/ 31) من طريق سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة. وصححه الحاكم.
(16/383)

ومع ذلك، فقد ثبت عن ابن مسعود اقتداؤه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض قيام الليل. وكذلك عن [ص 2] ابن عباسٍ لمّا بات في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -. وسيأتي ما يشهد لذلك.
8 - أن يكون في البيت.
ومن أدلته: حديث "الصحيحين" (1) وغيرهما عن زيد بن ثابت قال: "احتجرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُجَيرةً بخَصَفةٍ أو حصيرٍ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي فيها، قال: فتتبَّع إليه رجالٌ وجاءوا يُصلُّون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحَصَبُوا الباب، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُغضَبًا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما زال بكم صنيعُكم حتى ظننتُ أنه سيُكْتَب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
هذا لفظ مسلمٍ في الصلاة، باب "استحباب صلاة النافلة في البيت"، ونحوه للبخاري في "صحيحه"، في كتاب الأدب، "باب ما يجوز من الغضب".
والحديث وارد في قيام رمضان كما يأتي، وذلك قاضٍ بشمول الحكم له نصًّا، فلا يُقبَل أن يُخرَج منه بتخصيص (2).
__________
(1) البخاري (6113) ومسلم (781).
(2) أتعجّب مما وقع في "فتح الباري" في باب التراويح: "وعن مالك ... وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاةُ في البيوت أفضل، عملًا بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة" [المؤلف].
(16/384)

وذكر مسلم رواية أخرى (1) قال في متنها: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حُجْرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها لياليَ حتى اجتمع إليه ناسٌ، فذكر نحوه وزاد فيه: "ولو كُتِبَ عليكم ما قمتم به".
وهذه الرواية في "صحيح البخاري" (2) في كتاب الاعتصام، "باب ما يُكْره من كثرة السؤال، ومن تكلُّفِ ما لا يعنيه"، وقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، وفيها بعد قوله: "ليالي": "حتى اجتمع إليه ناسٌ، ففقدوا صوتَه ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: "ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم حتى خشيتُ أن يُكْتَب عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وفي رواية للبخاري (3) في كتاب الصلاة، في "باب صلاة الليل" قُبيلَ "أبواب صفة الصلاة": "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرةً - قال: حسبتُ أنه قال: من حصيرٍ - في رمضان، فصلَّى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد ... ".
علَّل أمرهم بالصلاة في البيوت بأنها في غير المكتوبة خير وأفضل،
__________
راجع "الفتح" (4/ 252)، والصواب أنه متفق عليه من حديث زيد بن ثابت، كما ذكره المؤلف.
(1) رقم (781/ 214)
(2) رقم (7290).
(3) رقم (731).
(16/385)

فثبت أنه إنما أمرَهم أمرَ إرشادٍ لتحصيل زيادة الفضل، وأن الصلاة في المسجد فيها خيرٌ في الجملة وفضلٌ، وذلك شامل لقيام رمضان.
والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان تلك الليالي معتكفًا، والمسجد بيت المعتكف، فلا يكون في صلاته فيه ما ينافي منطوق الحديث.
وكأنه كان يقتدي به أولاً المعتكفون، ومَنْ في معناهم من أهل الصُّفَّة الذين لا بيتَ لهم إلَّا المسجد، فلم ينكر عليهم. ثم حضر غيرهُم، ولم يشعُرْ - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا شَعَرَ قعد.
وما يقع في بعض روايات حديث عائشة ممّا قد خالف ما هنا: الظاهرُ أنه من تصرُّفِ بعض الرواة، من باب الرواية بالمعنى على حسب ما فهم، والله أعلم.

مقارنة بين حديث زيدٍ وحديث عائشة
قد وردت القصة من حديث عائشة، ولكن في حديث زيدٍ زيادتان:
الأولى: ما فيه مِنْ ذكر [ص 3] تنحنُحِ القوم، ورفْعِهم أصواتهَم، وحَصْبِهم البابَ، وغضَبِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثانية: ما فيه مرفوعًا: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
والزيادة الأولى تُفْهِم أن صنيعهم ذاك هو الذي خشي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُعاقَبوا عليه بفرضِ قيام الليل في المسجد عليهم.
وأشار إلى ذلك البخاريُّ؛ إذ ذكر الحديث في كتاب الاعتصام "باب ما
(16/386)

يُكْرَه من كثرة السؤال، ومن تكلُّفِ ما لا يعنيه"، وقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}، وذكر معه حديث: "إنَّ أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجْلِ مسألته" (1).
والزيادة الثانية تُفْهِم أن سبب احتباس النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم هو إرادة صَرْفِهم إلى الصلاة في بيوتهم؛ لأنها أفضل.
ولو خلا الحديث عن هاتين الزيادتين لكان ظاهره أن الصنيع الذي خشي أن يترتَّبَ عليه الفرض هو مثابرة القوم على الحضور، وأن سبب احتباس النبي - صلى الله عليه وسلم - هو إرادة قطع المثابرة قبل أن يترتّب عليها الفرض.
والظاهر أن خلوَّ حديث عائشة عن هاتين الزيادتين سببه أنها كانت في بيتها إذْ كان زيدٌ في المسجد شريكًا في القصة، وأن ذلك أدّى إلى هذا الفهم على ما فيه، ففي "الصحيحين" (2) من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، قالت: "إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَيدَعُ العملَ وهو يُحِبُّ أن يعملَ به، خشيةَ أن يعملَ به الناس فيُفْرَضَ عليهم".
لا أرى مأخذ هذا المعنى إلاَّ ما فُهِم من تلك القصة، بسبب خلوِّها عن تَيْنِكَ الزيادتين.
قد يقال: إنّ هذا وإن استقام بالنظر إلى بعض روايات حديث عائشة، فلا يستقيم بالنظر إلى بعضها.
__________
(1) البخاري (7289) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(2) البخاري (1128) ومسلم (718).
(16/387)

فأمّا الأول: فرواية عمرة عن عائشة، وأكثر الروايات عن أبي سلمة عن عائشة.
ولفظ البخاري (1) عن عمرة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي من الليل في حُجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناسُ شخصَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقام ناسٌ يصلُّون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلةَ الثانية (2)، فقام معه ناس يصلُّون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: "إني خَشِيتُ أن تُكتَبَ عليكم صلاةُ الليل".
ذكره البخاري قبل أبواب صفة الصلاة، في "باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة". ثم قال بعده: "باب صلاة الليل"، فأخرج (3) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له حصيرٌ يَبْسُطه بالنهار، ويحَتجِرُه بالليل، فثاب إليه ناسٌ فصلَّوا وراءه". [ص 4] كذا أخرجه مختصرًا.
وقد أخرجه مسلم (4)، ولفظه: "كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيرٌ، وكان يُحَجِّرُه من الليل، فيصلّي فيه, فجعل الناس يصلّون بصلاته، وَيْبسُطُه بالنهار. فثابوا ذاتَ ليلةٍ، فقال: "يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تُطِيقون؛ فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أحبَّ الأعمالِ إلى الله ما دُووِمَ عليه
__________
(1) رقم (729).
(2) كذا الرواية عند الأكثر، وانظر توجيهها في "الفتح" (2/ 214).
(3) رقم (730).
(4) رقم (782).
(16/388)

وإنْ قَلّ". وكان آل محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا عملوا عملًا أثبتوه".
وفي "فتح الباري" (1) في "باب تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل" ما لفظه: "في رواية أبي سلمة المذكورة قبيل صفة الصلاة: "خشيتُ أن تُكْتَب عليكم صلاة الليل".
كذا قال، وتبعه العينيّ (2)! وإنما هذا في رواية عمرة، كما مرّ.
وأمّا الثاني: فما في "الصحيحين" (3) وغيرهما من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى ذاتَ ليلة في المسجد، فصلَّى بصلاته ناس، ثم صلَّى من القابلة فأكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة - أو الرابعة - فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن تُفْرَضَ عليكم" وذلك في رمضان".
ففي هذه الرواية جاء هذا التعليل من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يستقيم أن يقال: إنه إنما فُهِم من حديث عائشة لخلوِّه عن الزيادتين الثابتتين في حديث زيد؟!
أقول: في "فتح الباري" (4) في الكلام على رواية عروة: "ظاهر هذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - توقَّعَ ترتُّبَ افتراضِ الصلاة بالليل جماعةً على وجود
__________
(1) (3/ 13).
(2) في "عمدة القاري" (7/ 177).
(3) البخاري (1129) ومسلم (761).
(4) (3/ 13).
(16/389)

المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال ... ".
[ص 5] وحاصِلُ الإشكال موضَّحًا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد عرفوا فضل قيام رمضان، ولم يكونوا يعلمون أنه في البيوت أفضل، فلمّا سمعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يصلِّيه (1) في مسجده، ويأتمُّ به مَنْ حضر؛ ظنّوا معذورين أن حضورهم للصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد أفضل، والمداومةُ التي كانت قد وقعت منهم قبل أن يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قصةَ الفرض = كان الظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّهم عليها، فتأكّد العذر، ولو كان العمل مشروعًا ولم يقطعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان عملًا كلّه خير.
والفرضُ الذي خشيه النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) كان عقوبةً، بدليل قوله: "ولو كُتِب عليكم ما قمتم به".
وقد فهم البخاري ذلك، فأخرج الحديث في باب ما يُكرَه من السؤال (3)، وذكر معه آية: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} , وحديث: "إن أعظمَ المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته". وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161]. فكيف تكون المداومة على عملٍ
__________
(1) في النسخة اليمنية: "يصلي".
(2) هنا كلمتان بين السطرين لم أستطع قراءتهما, وليس هناك إشارة لحق، والكلام متصل بدونهما.
(3) "الصحيح" مع الفتح (13/ 264).
(16/390)

مشروعٍ فاضلٍ سببًا لمثل هذا الفرض؟
وقد أجيب عن هذا الإشكال أجوبة لا تُسْمِن ولا تُغنِي من جوع، وفيه إشكال آخر، بناءً على فرضِ أن أصل ذلك العمل مشروع، وإنما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمانعٍ، وهو الخشية؛ فإنه لو صحَّ هذا لكان على الخلفاء الراشدين أن يعملوا بهذا عند زوال المانع بوفاته - صلى الله عليه وسلم -، فيؤمُّوا الناسَ في قيام رمضان في المساجد. فلماذا تركوه؟
أجاب بعضهم: أن الصحابة كانوا في زمن أبي بكر مشغولين بحروب الردّة، ولهذا لمّا استقرّ الأمر عمل به عمر.
وفي هذا أوّلاً: أنّ تضايق المدينة في قصة الردّة لم يَطُلْ، وبقي أبو بكر بعد ذلك مدةً متمكِّنًا كلَّ التمكُّن من القيام بالناس في المسجد لو أراد، وأن عمر لم يَقُم بالناس في المسجد قطّ، وإنّما أمر بما أمر به في آخر خلافته، فإنه استُشهِد آخرَ سنة 23.
وقد روى عبد الرحمن بن عبد القاريُّ القصةَ كما في "صحيح البخاري" (1) أنه شهدها، وفي القصة ما يقتضي أن يكون عبد الرحمن حينئذٍ من أصحاب عمر، يدخل بدخوله ويخرج بخروجه، مع أن عُمره لوفاة عمر كان تقريبًا عشرين سنة، وعلى ما رجحه ابن حجر في "الإصابة" (2) أربع عشرة سنة.
ورواها أيضًا روايةً واعيةً نوفلُ بن إياس الهذلي كما يأتي، مع أنهم لم يذكروه فيمن وُلِد في العهد النبوي، فعُمْرُه لوفاة عمر نحو ثلاث عشرة سنة.
__________
(1) رقم (2010).
(2) (8/ 62) حيث رجَّح أنه وُلد في آخر عُمْر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(16/391)

فهذا ممّا يدلُّك أنّ ما وقع من عمر رضي الله عنه من جَمْعِهم على أُبي بن كعب إنما كان في آخر خلافته. وهذا كلُّه يُثبِت أن الصواب ما دلَّ عليه حديث زيد.
فأمّا ما في رواية عروة [ص 4] فقد فتح الله علىّ بجوابين:
الأول: أن يقال: إن هذا اللفظ الذي وقع في رواية عروة منسوبًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس هو عين اللفظ النبوي، بل قد يكون اللفظ النبوي هو الذي وقع في حديث زيد أو في رواية عمرة. فأما ما في رواية عروة فتصرَّف فيه الراوي على وجه الرواية بالمعنى، على حسب فهمه.
الجواب الثاني: أنه على فرض أن ما وقع في رواية عروة هو عين لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فالتوفيق بينه وبين حديث زيد - مع تجنُّب الإشكالين - متيسِّر بحمد الله، بأن يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - احتبس عنهم أوّلاً؛ ليصرِفَهم إلى الصلاة في البيوت، لمزيد فضلها، كما في حديث زيد، ثم كأنهم لمّا صنعوا ما صنعوا من التنحنُح ورفْع الأصوات وحَصْب الباب هَمَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يستجيب لإلحاحهم، فيخرج فيصلِّي بهم، لكنه خشي أن يكون في ذلك ما يؤكّد شناعةَ صنيعهم؛ لأنه يثبت بذلك [ص 6] أنهم اضطروا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى فعل ما يكرهه، ولعلّ هذا يوجب أن يُعاقَبوا بأن يُفرض عليهم ذلك العمل. فلم يخشَ ترتُّبَ الفرض على المواظبة، بل على إلحاحهم إذا تأكّدت شناعتُه باستجابته لهم. فتدبَّرْ.
ولم أرَ مَنْ نحا هذا المنحى مع ظهوره، ومع استشكالهم ظاهرَ ما وقع في رواية عروة. فكأنهم احتاجوا إلى المحافظة على ظاهر ما في رواية عروة
(16/392)

ليدفعوا أن يكون ما أمر به عمر بدعةً، كما يدلُّ عليه قول كثيرٍ منهم: إنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستمرار على إقامتها جماعةً في المسجد لمانعٍ، وهو خشية أن تُفْرضَ، وبموته - صلى الله عليه وسلم - زال هذا المانع.
وإذا ثبت أن الحكم مشروعٌ، وتُرِك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لمانعٍ؛ فإنه إذا زال المانع بعده لم يكن العمل بذلك الحكم بدعة.
وستعلم قريبًا - إن شاء الله تعالى - ما يغني عنه في دفع البدعة.
وقد أخرج الإمام أحمد في "مسند" (1) رواية أبي سلمة من طرقٍ، ثم أخرج (2) من طريق ابن إسحاق: "حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: كان الناسُ يصلّون في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان بالليل أوزاعًا، يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفرُ الخمسةُ أو الستة، أو أقلُّ من ذلك أو أكثر، فيصلُّون بصلاته. قالت: فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ليلةً من ذلك أن أَنصِبَ له حصيرًا على باب حجرتي، ففعلتُ، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن صلَّى العشاء الآخرة. قالت: فاجتمع إليه مَن في المسجد، فصلَّى بهم ... فقال: "أيّها الناس! أما والله ما بِتُّ - والحمد لله - ليلتي هذه غافلًا، وما خفي عليّ مكانكم، ولكني تخوَّفْتُ أن يُفتَرض عليكم، فاكْلَفُوا من الأعمال ما تُطِيقون ... ".
في النفس شيء من هذه الرواية؛ قصةُ الأوزاع لم أجدها في شيء من
__________
(1) (6/ 61، 241، 36، 73، 104).
(2) (6/ 267).
(16/393)

الروايات الأخرى، وإنَّما المحفوظ أن ذلك كان في عهد عمر، كما في "الموطأ" (1) وغيره عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويُصلّي الرجل فيصلي بصلاته الرهْطُ".
وبقيةُ الكلام في رواية ابن إسحاق، كأنه ضمَّ رواية عروة إلى رواية أبي سلمة، مع زيادة تطويل.
وابن إسحاق صدوق، وثَّقه جماعة (2)، وأثنى عليه الإمام أحمد وغيرُه، لكنْ قال أيوب بن إسحاق بن سافري - وهو صدوق -: سألت أحمد، فقلت له: يا أبا عبد الله! إذا انفرد ابن إسحاق بحديثٍ تقبله؟ قال: "لا والله؛ إني رأيته يُحدِّث عن جماعةٍ بالحديث الواحد، ولا يَفصِل كلامَ ذا من كلامِ ذا".
وقد تابعه محمد بن عمرو بن علقمة (3) في "سنن أبي داود" (4)، ولكنه مختصر.
ومحمد بن إبراهيم التيمي: وثَّقه جماعةٌ، واحتجَّ به الشيخان وغيرهما،
__________
(1) "الموطأ" (1/ 114) والبخاري (2010).
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 39 وما بعدها) وفيه قول الإمام أحمد المذكور (9/ 43).
(3) كانت غير واضحة في الأصل، فوضع المصنف بجوارها علامة, وكتب في الحاشية: "بيانه: محمد بن عمرو بن علقمة".
(4) رقم (1374).
(16/394)

وقال الإِمام أحمد: "في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة" (1).
والخطبُ سهلٌ هنا، فقصةُ الأوزاع لها شواهد في الجملة، وبقيةُ الزيادة في رواية أبي سلمة إن لم تصحّ عنه فقد صحَّ أكثرها من رواية عروة.
أمّا شواهد قصة الأوزاع ففي "سنن البيهقي" (2) بسندٍ صحيح عن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ ليلةٍ في رمضان، فرأى ناسًا في ناحية المسجد يصلّون، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ ". قال قائل: يا رسول الله، هؤلاء ناسٌ ليس معهم قرآن، وأُبي بن كعب يقرأ، وهم معه يصلّون بصلاته. قال: "قد أحسنوا، أو قد أصابوا". [ص 7] ولم يكره ذلك لهم".
قال البيهقي: "هذا مرسل حسن، ثعلبة بن أبي مالك القرظي من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقد أخرجه ابن منده في "الصحابة"، وقيل: له رؤية، وقيل: سِنُّه سنُّ عطية القرظي، أُسِرا يوم قريظة ولم يُقْتَلا, وليست له صحبة".
وفي "الإصابة" (3): "لا يمتنع أن يصح سماعُه".
ثم قال البيهقي: "وقد رُوي بإسنادٍ موصول إلّا أنه ضعيف". فذكر ما رواه أبو داود في "السنن" (4) من طريق مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، بنحو حديث ثعلبة.
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (9/ 6).
(2) (ج 2 ص 495) [المؤلف].
(3) (2/ 78).
(4) رقم (1377).
(16/395)

قال أبو داود: "هذا الحديث ليس بالقويّ، مسلم بن خالد ضعيف".
أقول: مسلم بن خالد ضعَّفه جماعةٌ من جهة حفظه، وقد وثَّقه ابن معين (1).
وقد كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل الصّفة كانوا ملازمين المسجدَ، وكان مِنْ غيرهم مَنْ ينام في المسجد، كابن عمر، فهؤلاء كانوا يصلّون في المسجد حتمًا.
وقد عُلِم ممّا تقدم أنه ليس هناك دليلٌ يمنع الاقتداءَ في قيام الليل، بل قد ثبت اقتداء ابن مسعود بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، وكذلك اقتداء ابن عباس (3). وثبت في قصة عمر أن الناس كانوا قبل ذلك يصلّون أوزاعًا في المسجد، ولم ينكر عليهم أحد صلاتهم تلك، حتى جمعهم عمر على إمام واحد.
هذا، وقد جاء من حديث أنس (4) وجابر (5) ما يوافقُ في الجملة حديثَي زيد وعائشة.
وفي "مسند أحمد" و"السنن" (6) من حديث أبي ذر: "صُمنا مع
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (10/ 129).
(2) أخرجه البخاري (1135) ومسلم (773) عن ابن مسعود.
(3) أخرجه البخاري (726) ومسلم (763) عن ابن عباس.
(4) أخرجه مسلم (1104).
(5) أخرجه ابن خزيمة (1070) وابن حبان (2409، 2415)، وفي إسناده عيسى بن جارية، وهو ضعيف.
(6) أخرجه أحمد (5/ 163) وأبو داود (1375) والترمذي (806) والنسائي (3/ 83، 84)، وابن ماجه (1327). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(16/396)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُصلِّ بنا حتى بقي سبعٌ من الشّهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في التالية (1)، وقام في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلنا: يا رسول الله! لو نفَّلْتَنا بقيةَ ليلتنا هذه، فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له قيامُ ليلة". ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوَّفْنا الفلاح". قيل لأبي ذرّ: وما الفلاح؟ قال: السحور.
قد عُرِف من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويعتكف معه بعض أصحابه، فلعل المعتكفين هم الذين صلَّوا معه، وقد يكون معهم غيرهم ممّن هو في حكم المعتكف، فقد كان أهل الصّفّة لا مأوى لهم إلا المسجد.
نعم، قوله في الثالثة: "ودعا أهله ونساءه" يدلُّ على أنه يُشْرَع للإمام إذا كان معتكفًا أن يدعو أهله للقيام معه في المسجد في مثل تلك الليلة.
وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر (ص 96): "قال مالك: كان عمر بن حسين من أهل الفضل والفقه، وكان عابدًا ... وكان في رمضان إذا صلَّى العشاء انصرف، فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين قامها مع الناس، ولم يكن يقومُ معهم غيرَها.
وقد يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دعا من خَشِيَ أن يَغفُلَ في بيته، وفي قصته لمّا أيقظ عليًّا وفاطمة ما يدفع استبعاد هذا. والله أعلم.
****
__________
(1) في الأصل: "الثالثة" سبق قلم.
(16/397)

مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبوي وما صار إليه في عهد عمر
تبيَّن ممّا تقدم أن أصل قيام الليل في رمضان وغيره يحصل بمطلق الصلاة بعد العشاء وراتبتها، [ص 8] وأن له مكمِّلاتٍ يَعظُم بها الأجرُ، ويتضاعف الفضل، وكان الغالب في العهد النبوي تمكُّن الناس من المكمِّلات ومحافظتهم عليها، وأكثر ما كان يعرض لهم ممّا يخالف ذلك هو خوف عدم الاستيقاظ بعد النوم في الوقت المتّسع، فلذلك كان كثير منهم يَدَعون المكمِّلَين الأوّلَين - وهما: كون القيام بعد النوم، وكونه بعد نصف الليل -, وربّما كان يتفق أن يوجد جماعة منهم يريدون القيام وليس معهم كثير من القرآن يحصِّلون به المكمِّل الرابع - وهو كثرة قراءة القرآن في القيام - على وجهه، فيريدون أن يعتاضوا عن القراءة بالسماع، فيلتمسون من بعض القرَّاء أن يؤمَّهم في المسجد.
وبذلك يترك المأمومون والإمام المكمِّلَينِ الأخيرينِ، وهما: كون القيام فُرادَى، وكونه في البيت. أمّا المأمومون فلعدم تمكُّنِهم من ذلك، مع سماع كثير من القرآن، وأمّا الإمام فيرجو أن يكون في معونته لهم على العبادة، وما يُرجَى من انتفاعهم بسماع القرآن ما يُعوِّضه.
لكنّ هذا لم يكثر في العهد النبويّ، ولا اتصل في جميع ليالي رمضان؛ لحرص المهاجرين والأنصار على حفظ القرآن، ونشاطهم في الخير، وضعف رغبة الوافدين من الأعراب في النوافل، كقيام الليل.
فلمّا كان في عهد عمر رضي الله عنه كثُر الواردون من الآفاق، ممن
(16/398)

ليس معهم كثير من القرآن، ولهم مع ذلك رغبة في القيام؛ لتمكُّنِهم في الإسلام، ووُجِد في شبّان أهل المدينة جماعة لا يَنْشَطون للقيام الطويل في البيوت، فكان جماعة من الفريقين يقومون في المسجد: مَنْ كان معه قرآن قام وحدَه، ومن لم يكن معهم التمسوا من بعض القرَّاء أن يؤمَّهم، يرون أن لهم أسوةً بمن كانت حاله في العهد النبوي شبيهةً بحالهم. ولكثرة هؤلاء واستمرار عذرهم استمرَّ قيامهم في المسجد في جميع ليالي رمضان، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان في ذلك حجة على صحّة اجتهادهم، وعلى أنه لو اتّفق مثلُ ذلك في العهد النبوي لما أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبهذا خرج ذاك العمل المتصل عن البدعة. فإنه إذا قام الدليل على أن الحكم مشروع، وتُرِك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدم مقتضيه، ثم وُجِد المقتضي بعده؛ فالعمل به حينئذٍ سنةٌ لا بدعة. فلمّا شاهد عمر رضي الله عنه حالَهم عرفَ عذرَهم، وصوَّبَ اجتهادَهم، لكنه رأى أنه قد نشأ من عملهم مفاسدُ، منها: ظاهرة التفرّق والتحزُّب التي يكرهها الشرع، ومنها: تشويش بعضهم على بعض.
وفي "مسند أحمد" (1) و"سنن أبي داود" و"المستدرك" وغيرها (2)، بسندٍ على شرط الصحيحين "عن أبي سعيد الخدريّ، قال: اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبّةٍ له، فكشفَ
__________
(1) ج 3 ص 94 [المؤلف].
(2) أخرجه أحمد (11896) وأبو داود (1332) والنسائي في "الكبرى" (8092) وابن خزيمة (1162) والحاكم (1/ 310، 311) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 11). وصححه الحاكم. وهو حديث صحيح.
(16/399)

الستورَ، وقال: "ألا إن كلَّكم مناجٍ ربَّه، فلا يُؤذِينَّ بعضُكم بعضًا, ولا يرفعنَّ بعضُكم على بعضٍ [ص 9] بالقراءة - أو قال: في الصلاة -".
هؤلاء كانوا - والله أعلم - ممّن المسجدُ بيته: معتكفين، أو من أهل الصّفّة، أو من الفريقين. وكانوا يُصلُّون فُرادى، ويجهرون بالقراءة، فيُشوِّشُ بعضُهم على بعضٍ، فأرشدهم - صلى الله عليه وسلم - إلى المخافتة.
ولا يجيء مثل هذا في القائمين بالمسجد في عهد عمر؛ لأن كثيرًا منهم كانوا يُصلّون جماعاتٍ؛ ليسمع المأمومون القرآن، كما تقدم، فلو أُمِروا بالمخافتة لفات المقصود من تلك الجماعات كما لا يخفى.
ومنها: أن بعضهم كانوا يتحرَّون الاقتداء بمن يُعجِبهم صوتُه، وإن كان غيره أقرأَ منه وأجدرَ أن يُقْتَدى به.
أنكر عمر رضي الله عنه - بحقٍّ - هذه المفاسد، ولم يجد ما يدفعها بدون إخلالٍ بالمقصود إلّا أن يجمعهم على إمامٍ واحد، مقدِّرًا أنه لو اتفق مثل ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر بذاك.
وبهذا خرج العمل عن أن يكون بدعة، كما يُعْلَم ممّا مرّ.
فأمّا ما في "صحيح البخاري" (1) من قول عمر: "نِعْمتِ البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل" = فإنّما أراد البدعة لغةً، على أنّ في "طبقات ابن سعد" (ج 5 ص 42) (2) بسندٍ صحيح عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فِرَقًا في المسجد في رمضان، ههنا وههنا،
__________
(1) رقم (2010).
(2) (7/ 63) ط. الخانجي.
(16/400)

فكان الناس يميلون إلى أحسنهم صوتًا، فقال عمر: ألا أراهم قد اتخذوا القرآن أغانِيَ؟ أما والله لئن استطعتُ لأغيِّرنَّ هذا. قال: فلم يمكث إلا ثلاثَ ليالٍ حتى أمر أُبيٍ بن كعب فصلَّى بهم. ثم قام في آخر الصفوف فقال: لئن كانت هذه بدعةً فنعمتِ البدعةُ هي". فهذا - والله أعلم - من باب قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] (1).
والظاهر أن الذين كانوا يصلّون فرادى دخلوا في الجماعة؛ لئلّا يُشوِّش عليهم قارئُ الجماعة، وقد يكون بقي منهم من يُصلِّي على الانفراد.
وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر (ص 96) (2): "شعبة عن أشعث بن سليم: أدركتُ أهلَ مسجدنا يُصلِّي بهم إمام في رمضان، ويُصلُّون خلفه، ويُصلِّي ناس في نواحي المسجد لأنفسهم فرادى، ورأيتهم يفعلون ذلك في عهد ابن الزبير في مسجد المدينة.
شعبة عن إسحاق بن سويد: كان صفُّ القرّاء في بني عديّ في رمضان: الإمامُ يصلّي بالناس، وهم يصلّون على حِدَةٍ.
وكان سعيد بن جبير يصلي لنفسه في المسجد، والإمامُ يصلي بالناس.
وكان ابن أبي مُليكة يصلي في رمضان خلف المقام، والناسُ بَعْدُ في سائر المسجد من مصلًّ وطائفٍ بالبيت.
وكان يحيى بن وثّاب يصلِّي بالناس في رمضان، وكانوا يصلّون لأنفسهم وُحدانًا في ناحية المسجد.
__________
(1) الزيادة من "فهذا" إلى هنا من النسخة اليمنية.
(2) من طبعة الهند. والنصوص الآتية كلها منه.
(16/401)

وعن إبراهيم: كان المجتهدون يصلّون في جانب المسجد، والإمامُ يصلي بالناس في رمضان.
وكان ابن مُحَيريز يصلّي في رمضان في مؤخر المسجد، والناس يصلّون في مُقَدَّمه للقيام".
هذا، وقد عُلِم حالهم بالنظر إلى أكثر المكمِّلات، فأمّا الباقي، وهي الثالث - أن يستغرق القيام ثلث الليل -, والخامس - وهو أن يكون القيام مثنى مثنى، والوتر ركعة، وفي بعض الليالي ثلاث -, والسادس - وهو أن لا يزيد على إحدى عشرة، وفي بعض الليالي: ثلاث عشرة - = فإنهم حافظوا عليها حتى ضعفوا عن المحافظة على الثالث والسادس معًا، فاختاروا الثالث لكثرة العبادة.
روى مالك في "الموطأ" (1) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: "أمر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الدّاريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنّا نعتمد على العِصِيّ، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر".
وفي "فتح الباري" (2) أن سعيد بن منصور رواه من طريق محمد بن إسحاق "حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال: كنّا نصلي في زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة".
__________
(1) (1/ 115).
(2) (4/ 254).
(16/402)

وحُمِلَ هذا على بعض الليالي، والغالبُ إحدى عشرة، كما في رواية مالك.
وعُلِم من رواية مالك وغيرها أن القوم كانوا يقومون ثلث الليل أو أكثر، فيشُقُّ عليهم طولُ الوقوف كما مرّ.
فروى مالك في "الموطأ" (1) عن يزيد بن رومان أنه قال: "كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين".
وفي "سنن البيهقي" (2) بسندٍ صحيح [ص 10] عن يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد قال: "كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة ... ".
قال البيهقي: "يمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث، والله أعلم".
وفي القسطلاني (3): "ذكر في النوادر عن ابن حبيب: أنها كانت أولًا إحدى عشرة ركعة، إلّا أنهم كانوا يطيلون القراءة، فثقُلَ عليهم ذلك، فزادوا في أعداد الركعات وخفّفوا في القراءة ... ".
أقول: ولم يلتزموا ذلك، وفي "مختصر كتاب الوتر" لمحمد بن نصر (4)
__________
(1) (1/ 115).
(2) ج 2 ص 496 [المؤلف].
(3) "إرشاد الساري" (3/ 426).
(4) (ص 91، 92).
(16/403)

و"فتح الباري" (1) أعداد مختلفة:
1 - إحدى عشرة.
2 - ثلاث عشرة.
3 - ست عشرة، والوتر.
4 - إحدى وعشرون.
5 - ثلاث وعشرون.
6 - أربع وعشرون، والوتر.
7 - خمس ترويحات، إلى عشرين ليلة، ثم في العشر الأخيرة سبع ترويحات.
8 - ست ترويحات، إلى عشرين ليلة، ثم في العشر الأخيرة سبع ترويحات.
9 - مثله، ويوتر بسبع.
10 - أربع وثلاثون، والوتر.
11 - ست وثلاثون، والوتر ثلاث.
12 - ثمان وثلاثون، والوتر واحدة.
13 - إحدى وأربعون.
14 - أربعون، والوتر سبع.
15 - ست وأربعون، والوتر ثلاث.
__________
(1) (4/ 253, 254).
(16/404)

وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر (1): "قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يُصلَّى في قيام رمضان؟ فقال: قد قيل فيه ألوان نحوًا من أربعين، إنما هو تطوُّع".
ثم قال: "الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة تسعًا وثلاثين ركعة. قال: وأحبُّ إليَّ عشرون. قال: وكذلك يقومون بمكة. قال: وليس في شيء من هذا ضيقٌ ولا حدٌّ يُنتهَى إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام وأقلُّوا السجودَ فحسنٌ وهو أحبّ إليّ، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن".
أقول: أمّا الحدّ المحتّم فلا، وأمّا الأفضل فالاقتصار على الإحدى عشرة، وفي بعض الليالي ثلاث عشرة، إلاَّ إذا شقَّ عليهم إطالتُها حتى يستغرقَ الوقتَ الأفضلَ، فلهم أن يزيدوا في العدد، على حسب ما يخفُّ عليهم (2)، وعلى هذا (3) [ص 11] جرى عمل السلف كما مرَّ.
****
__________
(1) (ص 92).
(2) الكلمتان الأخيرتان لم تظهرا في التصوير، وكذا استظهرتهما.
(3) كلمة لم تظهر في التصوير من الأصل، وهو واضح في النسخة اليمنية.
(16/405)

الاختلافُ في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟ فرادى أم جماعة؟
قد تقدّم أن كونها في البيت هو أحدُ المكمِّلات، وحديثُ زيد بن ثابتٍ نصٌّ صريح في ذلك.
وقد عُورض بحديث أبي ذر، وبما جرى في عهد عمر وبعده، وتقدم الجواب عن ذلك واضحًا.
"المعاني والآثار" للطحاوي (ج 1 ص 207) (1): "عن إبراهيم، قال: لو لم يكن معي إلا سورتين لردّدتهما أحبُّ إليَّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان".
وفي رواية (2): "لو لم يكن معي إلا سورة واحدة لكنت أن أردّدها أحبُّ إليّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان".
وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر (ص 96 - 97): "قال الشافعي: إن صلَّى رجلٌ لنفسه في بيته في رمضان فهو أحبّ إليّ، وإن صلَّى في جماعة فهو حسن".
وفيه (ص 91): "وقيل لأحمد بن حنبل: يُعجِبك أن يُصلّي الرجل مع الناس في رمضان، أو وحده؟ قال: يصلّي مع الناس.
قال: ويُعجِبني أن يصلِّي مع الإمام ويوتر معه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن
__________
(1) (1/ 351).
(2) المصدر نفسه.
(16/406)

الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له بقية ليلته" (1).
قال أبو داود: شهدتُه - يعني أحمد - شهر رمضان يقوم مع إمامه إلا ليلةً لم أحضرها.
وقال إسحاق: قلت لأحمد: الصلاة في الجماعة أحبُّ إليك أم يُصلِّي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال: يُعجبني أن يصلّي في الجماعة، يحيي السنة.
وقال إسحاقُ كما قال".
وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر المروزي (ص 95): "باب ذكر من اختار الصلاة وحده على القيام مع الناس إذا كان حافظًا للقرآن".
فذكر حديث زيد بن ثابت، ثم قال: "وقال الليث: ما بلغنا أن عمر وعثمان كانا يقومان في رمضان مع الناس في المسجد.
وقال مالك: كان ابن هرمز - من القرَّاء - ينصرف فيقوم بأهله في بيته، وكان ربيعة ينصرف، وكان القاسم وسالم ينصرفان لا يقومان مع الناس، وقد رأيتُ يحيى بن سعيد يقوم مع الناس، وأنا لا أقوم مع الناس، لا أشك أن قيام الرجل في بيته أفضل من القيام مع الناس، إذا قوي على ذلك، وما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلّا في بيته".
__________
(1) أخرجه أبو داود (1375) والترمذي (806) والنسائي (3/ 202، 203) من حديث أبي ذر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(16/407)

ثم ذكر بعد ذلك أن يحيى بن سعيد ترك القيام معهم، وقال: "كنت أقوم، ثم تركت ذلك، فإن استطعت أن أقوم بنفسي أحبُّ إليّ".
وذكر عن مجاهد عن ابن عمر: "تُنصِتُ خلفَه كأنك حمار؟! صلِّ في بيتك".
ثم ذكر عن ابن عمر أنه كان ينصرف، لا يصلّي معهم.
ومثله عن القاسم، وسالم، ونافع، وعروة.
وذكر عن مجاهد قال: "إذا كان مع الرجل عشر سورٍ فليردِّدْها, ولا يقوم في رمضان خلف الإمام".
وذكر آخِرَ (ص 91) عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز قد كانت تقوم العامّة بحضرته في رمضان بخمس عشرة تسليمة، وهو في قبّته لا ندري ما يصنع. وذكر عن جماعةٍ أنهم كانوا يقومون في نواحي المسجد فرادى، لا يصلّون مع الجماعة.
وذكر (ص 90 - 91) عن جماعةٍ صلاتها جماعةً في المسجد.
والذي أرى أنَّ محلَّ ذلك فيمن له عذر، ومن الأعذار دفعُ توهُّم أن صلاتها جماعةً في المسجد منكرةٌ مطلقًا، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربّما يفعل الشيء لبيان الجواز.
وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن عباسٍ: أنهم كانوا لا يُضَحُّون خشيةَ أن يعتقد الناس وجوبَ التضحية. فكان هؤلاء الأكابر يتركونها ليعلم الناسُ أنها ليست بواجبة، وهم في تركهم ذلك مُحسِنون، مُثابُون عليه؛ لما قصدوا به من بيان السُّنَّة.
(16/408)

فأمّا من لا عذر له البتَّةَ ففي السُّنّة كفاية.
وفي "طبقات ابن سعد" (ج 7 قسم 2 ص 26) (1) عن بكار بن محمد أنَّ ابن عون كان في شهر رمضان لا يزيد على المكتوبة في الجماعة، ثم يخلو في بيته.
ومن تدبّر السُّنَّة وحقَّق، ثم تتبَّع أحوال الناس، علم أنه قد تطرَّق إلى هذا الأمر غير قليل من الخطأ والغلط ومخالفة السنة. وشرحُ ذلك يطول، نسأل الله تعالى أن يثبّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، ويرزقنا الاعتصام بكتابه وسنة نبيّه صلَّى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
****
__________
(1) (9/ 263) ط. الخانجي.
(16/409)

[ملحق] (1)
[ص 12] في "فتح الباري" (2): استشكل الخطابيّ أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أنَّ الله تعالى قال: "هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ" (3). فإذا أُمِن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟.
ثم ذكر أجوبة.
وقد كنت تركتُ التعرّض لهذا البحث لدقّته، مع أن الخشية قد ثبتت قطعًا بحديث زيد هذا في "الصحيحين" وغيرهما، وحديث عائشة في "الصحيحين" وغيرهما أيضًا من أوجهٍ عنها، وبحديثٍ لجابرٍ في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان (4).
فثبت أن ما في حدث الإسراء لا ينبغي أن يُفْهَم منه ما يناقض هذه الخشية، فمن فَهِم ذلك فقد أخطأ ولا علينا أن لا نبيّن وجه خطائه (5).
ثم أثار هذا البحث أخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق، فرأيتُ أن أنظر فيه، وأسأل الله التوفيق.
__________
(1) زيادة توضيحية من عندي.
(2) (3/ 13).
(3) أخرجه البخاري (349) ومسلم (163) من حديث أبي ذر.
(4) سبق تخريج هذه الأحاديث.
(5) كذا رسمها المؤلف بالمدّ, وهو صحيح في اللغة.
(16/410)

استشكالُ الخطابيّ مبنيّ على أن كلمة "لا يُبدَّل القول لديَّ" قُصِد بها القضاء على معنى قوله: "هن خمس" بأنه لا يُغيَّر في المستقبل.
ويردُّه أن عقب هذه الجملة في الحديث نفسه: "فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجعْ ربك، فقلت: استحييتُ من ربّي".
ولو كان معنى (1) ما تقدم إخبارَ الله عزَّ وجلَّ بأنّ مقدار الخمس لا يتبدَّل في المستقبل؛ لعلم موسى أنه لم يبقَ موضعٌ للمراجعة، ولأجاب محمَّد بما يُفْهِم ذلك، ولم يقتصر على قوله: "استحييتُ من ربّي".
فإن قيل: لعل في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، كما تُشْعِر به بعض الروايات الأخرى، ولعلّ محمدًا لم يخبر موسى بما يدلّ على امتناع التغيير، وقصد محمد أنه يمنعه الاستحياء، حتى على فرض عدم إخبار الله عزَّ وجلَّ بأنه لن يقع تغيير، أو لعلّهما فهما أن المراد أنه لن يقع تغيير بالزيادة، وجوَّزا أن يقع تغيير بالنقصان.
قلت: هذا كلّه تمحُّلٌ لا مُلجِئ إليه، ولم أر في الروايات الأخرى ما يصح الاستناد إليه في زعم أن هناك (2) تقديمًا وتأخيرًا ينفع الخطّابيّ.
وتجويزُ أن يكون محمد أخفى عن موسى خبرَ الله عزَّ وجلَّ بعدم التغيير، فلمّا أمره بالمراجعة أجاب بما أجاب به = تجويزٌ ركيك، لا يخلو عن شناعةٍ يجب تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها.
__________
(1) في النسخة اليمنية: "ولولا".
(2) في اليمنية: "في القضاء على أن في هذه" بدلًا في زعم أن هناك.
(16/411)

وتجويزُ أن يكونا فهما أن عدم التغيير يختصّ بالزيادةِ ركيكٌ أيضًا. وربما يكون أقرب منه أن يفهم أن المراد عدم التغيير بالنقصان، وذلك أنه سبحانه سُئل التخفيف فخفّف، ثم سُئل فخفّف، مرارًا، ثم قال: "هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ".
فلو كان المراد أن مقدار الخمس لن يُغيَّر بعد ذلك لقَرُب أن يُفْهَم منه المنع عن سؤال التخفيف بعد ذلك، وأنه لن يكون تخفيف.
فإن قيل: فإذا لم يتوجه قوله: "لا يبدَّل القول لديّ" إلى قوله: "هن خمس" فإلى ماذا يتوجّه؟
قلت: قيل بتوجُّهه إلى قوله؛ "وهي خمسون"، وهذا قريب؛ لأن قوله "وهي خمسون" وَعْدٌ منه تعالى بأن يُثيِب على الخمس ثواب خمسين.
وقوله: "لا يبدّل القول لديّ" قد عُرِفَ من كتاب الله عزَّ وجلَّ توجّهه إلى الوعد، ونحوه.
قال تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64].
وقال سبحانه: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 28، 29].
[ص 13] وفي "تفسير ابن جرير" (ج 11 ص 88) (1): "وأما قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}؛ فإن معناه: لا خُلْفَ لوعده، ولا تغييرَ لقوله عمّا قال".
__________
(1) (12/ 225) ط. التركي.
(16/412)

ولا يلزم من امتناع تغيير الخمسين ثوابًا أن لا يُزاد في المستقبل على الخمس، ويثاب على الزائد ثواب مستقلّ، ولا أن لا يُنْقَص العدد عن خمسٍ ويبقى الثواب خمسين.
وقيل بتوجّهه إلى ما وقع ابتداءً من فرض خمسين، والمعنى: هن خمسٌ كما أقوله الآن، وهنّ خمسون كما قلتُه أوّلًا, وليس ما جرى من التخفيف تبديلًا للقول الأول "لا يبدَّل القول لديّ"، ولكنه كان المراد به خمسون ثوابًا وهذا ثابت لم يبدَّل ولن يبدَّل.
وهذا القول هو الظاهر من العبارة، وقد ذكره السهيلي في "الروض الأنف" (ج 1 ص 252) (1)، قال: "والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبُّدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخُلْه النسخ، ومعنى الخبر: أنه عليه السلام أخبره ربّه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، ولذلك قال في آخر الحديث: "هي خمس وهي خمسون، والحسنة بعشر أمثالها". فتأوّله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بيَّن له أنها خمسون في الثواب لا في العمل.
فإن قيل: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر ... ".
ذكر جوابًا غير مرضيّ، وقد فتح الله تعالى بجوابٍ أوجَهَ، وهو أن الله تبارك وتعالى قد حَطَّ مِنْ أوّل مرة خمسًا وأربعين، ولكن اقتضت حكمته إجمال الخبر أولًا، فيكون المراد منه أنها خمسون ثوابًا، ويَفْهَم
__________
(1) ط. الجمالية بمصر.
(16/413)

الرسول منه أنها خمسون عملًا؛ ليترتَّب على هذا الفهم أولًا: أن يعزم الرسول على أن يعمل هو وأمّته خمسين إن لم يخفّف الله عزَّ وجلَّ، وثانيًا: المراجعة.
وبذلك العزم استحق الرسول وأمّته - بفضل الله وكرمه - ثواب الخمسين.
فأمّا حكمة المراجعة فقد أفاض فيها الشرّاح.
وإذْ كان المحطوط في علم الله خمسًا وأربعين (1)، فقد حطّ في ضمنها جميع الأعداد الداخلة فيها.
والإخبارُ بحطَّ الأقل لا ينفي حطَّ الأكثر؛ فإن العدد لا مفهوم له عند جمهور الأصوليين، ولو كان له مفهوم فظاهرٌ ضعيفٌ غير مرادٍ، كالإخبار أوَّلًا بخمسين وظاهره أنها خمسون عملًا.
وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز على الصحيح، وإنما الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة.
وقريب من هذا قصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه. قال الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 102 - 107].
__________
(1) في اليمنية: "وإذ حطت الخمس والأربعون".
(16/414)

رأى - والله أعلم - في نومه أنه مُضْجِعٌ ابنَه يُعالج ذبحَه، أي: يُمِرُّ الشفرة على عنقه، معتمدًا عليها، شأنَ المقاصد قطعَ العنق وإبانة الرأس. هذا - والله أعلم - هو الذي رآه، وهو معنى قوله: {أَنِّي أَذْبَحُكَ}. وعلم إبراهيم أن الله تعالى أمره [ص 14] أن يفعل ذاك الفعل، وهذا حقّ، وفهم أيضًا أنه - بمقتضى العادة - إذا فعل ذاك الفعل قُطِع عنق ابنه، وبان رأسُه، ومات.
ولم يُرِد الله عزَّ وجلَّ هذا, ولا أمر به، ولكنه سبحانه أراد أن يكون الأمر بحيث يَفْهَم إبراهيم منه هذا؛ ليكون ذلك ابتلاءً لإبراهيم وابنه، حتى إذا عزما وعملاً العملَ المرئيَّ في النوم - الذي عندهما أنه موجب لموت الابن - كان لهما ثواب مَنْ قَبِل تلك النتيجة، وقام بها طاعة لله عزَّ وجلَّ.
فلمّا أطاعا لذلك، وعمل إبراهيم مثل العمل الذي رآه في نومه، وأخذ يكُدُّ الشفرة لتقطع، ويكفّها الله عزَّ وجلَّ عن القطع، كما كفَّ النار عن الإحراق، ولم يزل إبراهيم يكُدُّ الشفرة ولا تَقْطع حتى ناداه الله عزَّ وجلَّ: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}. أي: قد جئت بمصداقها كاملًا، وهو تلك المعالجة؛ فإنه إيّاها رأى (1) في نومه، ولم ير ما يزيد عنها.
فعلى هذا لا نسخَ في القصة البتةَ.
فإن قيل: ربما يدفع هذا قوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}، فإنه إذا لم يؤمر في نفس الأمر إلّا بالمعالجة التي وفَى بها، فقد وفَى بها، فلماذا الفدية؟
قلت: كان إبراهيم قد عزم على قطع العنق، وإبانة الرأس، وإماتة ابنه،
__________
(1) في اليمنية: "فإنه رأى إياها".
(16/415)

وإبراهيمُ قد يعدُّ ذاك العزم بمثابة النذر، ويحزُّ في نفسه أن لا يفي به، وإن لم يكن مأمورًا به. فمِنْ هنا - والله أعلم - طيَّب الله عزَّ وجلَّ نفسه بالفدية.
وقد استنبط بعض الفقهاء من الآية أنّ من نذر ذبح ابنه كان عليه أن يذبح شاةً.
ورُدَّ بأن إبراهيم نذر مباحًا في شريعته، وليس بمباحٍ في شريعتنا.
والاستنباط لطيف، والردُّ صحيح.
وقد تعرَّض لهذا المعنى في قصة إبراهيم بعضُ أهل العلم، فردّه بعضهم بتشنيعٍ لا حقيقة له (1)، بل يلزمه مثله أو أشدّ منه في دعوى النسخ التي ارتكبها.
ومَنْ اعترف في المجمل الذي له ظاهر بجواز تأخّر بيانه إلى وقت الحاجة، لزمه أن يجيز مثل ما قلناه في المسألتين وأشدَّ منه، ولو لم تظهر حكمة فكيف يأباه هنا مع ظهور الحكمة البالغة؟!
فأما من ينكر تأخير البيان مطلقًا، فالكلام معه مبسوط في كتب الأصول.
فإن قيل: لماذا لا يجوز النسخ مع وجود الفائدة للتكليف، بأنْ يكون الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه ابتلاءً، فلما تبيَّن امتثاله واستعداده وعزمه الصارم
__________
(1) انظر "أحكام القرآن" للجصاص (3/ 377) والردّ عليه في "أحكام القرآن" للكياالهراسي (4/ 358). وراجع "أحكام القرآن" لابن العربي (4/ 1619) و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (15/ 111).
(16/416)

على العملِ نَسَخَهُ الله تعالى؟ ونحو هذا يقال في قصة الصلاة.
قلت: أنا لم أَخْتَرْ عدم النسخ تفاديًا من النسخ قبل العمل، بل لما في السياق ممّا يبيّن عدم النسخ، كما مرَّ.
(16/417)

الرسالة الثالثة عشرة
مسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف
(16/419)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطّاهرين.
جرت المذاكرة بين الحقير وبين السيد العلامة صالح بن محسن الصَّيلمي من علماء المذهب الزيدي - حرسه الله - في اشتراط الصوم في الاعتكاف.
فقلت له: الجديد عندنا عدمُه إلا إذا نذر أن يعتكف صائمًا لزِمه جمعُهما على الأصح.
فقال: فلو نذر أن يعتكف مصلّيًا؟
قلت: فله أن يُفرِد الاعتكاف عن الصلاة.
فقال: فهل قياس العكس عندكم معتبر في الأصول؟
قلتُ: نعم على الأصح.
فقال: علماؤنا يُلزمونكم القولَ باشتراطِ الصوم في الاعتكاف بقياس العكس. فقلت له: ما وجهُ تأتّي قياس العكس هنا؟ فإنما قياس العكس كما قال الجلال المحلي في "شرح جمع الجوامع" (1): "إثبات عكسِ حكمِ شيءٍ لمثله، لتعاكسهما في العلة". واستدلّ له بقوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وقد قال لهم:
__________
(1) (2/ 343).
(16/421)

"وفي بُضْعِ أحدكم صدقة". فقالوا: أيأتي أحدنا شهوتَه وله فيها أجر؟ [فقال] (1): "أرأيتم لو وضعَها في حرام أكان عليه وِزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". قال: رواه مسلم (2).
ثم أتيتُ إليه ناقلًا ما لفظُه: قال العلامة البَنَّاني في "حاشيته على شرح المحلّي لجمع الجوامع" (3): "قوله: "وهو إثبات عكس حكم ... إلخ"، الحكم في الحديث المذكور هو ثبوت الوزر، وعكسه ثبوت الأجر، والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال الثابتِ له العكسُ المذكور، وجعل الوضع في الحرام والوضع في الحلال مِثْلَين من حيث إن كلاًّ منهما وضعٌ، وإلَّا فهما ضدّانِ في الحقيقة. وقوله: "لتعاكسهما" أي: الحكمين. وقوله: "في العلة" وهي الوضع في الحرام الذي هو علة ثبوت الوزر، والوضع في الحلال الذي هو علة ثبوت الأجر، فكلٌّ من ثبوت الأجر وثبوت الوزر عكسٌ للآخر؛ لأن كلاًّ من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر فتعاكُسُ العلتين المذكورتين مقتضٍ لكون الحكم المترتب على إحداهما عكسَ الحكم المترتب على الأخرى" ه.
قلت: ولا تناقضَ في قوله: "لأن كلاًّ من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر" مع قوله سابقًا: "والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال"؛ لأنَّ جَعْلهما مِثْلين هو باعتبار مطلق الوضع، وجَعْلهما ضدَّين هو باعتبارِ محلّه، كما يؤخذ من كلامه. فطَبِّقُوا
__________
(1) بياض في الأصل.
(2) رقم (1006) عن أبي ذر.
(3) (2/ 343).
(16/422)

مسألة شرطية الصوم على قياس العكس كما طبق الحديث، ولا يخفى عليكم حقيقة العلة والتعاكس عند الأصوليين، وإنما نريد بذلك معرفة كيفية الاستدلال بقياس العكس فيها, استفادةَ الحكم وتسليمه، فإن لنا في النصوص الصحيحة ما يُقِرُّ الناظرَ ويُخرِس المناظر:
أولها: ما في "شرح السيد المرتضى على الإحياء" بعد نقل حديث الصحيحين وأبي داود والنسائي (1) من طريق عُقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان حتى قبضه الله عزَّ وجلَّ، ثم اعتكف أزواجُه من بعدِه. قال (2): ثم قد استُدِلَّ بالحديث المذكور أنه لا يُشترط لصحة الاعتكاف الصومُ، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه اعتكف ليلًا أيضًا مع كونه فيه غيرَ صائم، ذكره ابن المنذر. ثانيهما: أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحقّ له، ولم يكن للاعتكاف. ذكره المزني والخطابي. وبهذا قال الشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه، وحكاه الخطابي (3) عن علي وابن مسعود والحسن البصري. وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يُشترط لصحة الاعتكاف الصومُ، ورُوي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وعائشة، وروى الدارقطني (4) في حديث عائشة المتقدم من رواية ابن جريج عن
__________
(1) البخاري (2026) ومسلم (1172) وأبو داود (2462) والنسائي في الكبرى (3324).
(2) "إتحاف السادة المتقين" (4/ 233، 234).
(3) "معالم السنن" (3/ 339).
(4) في "السنن" (2/ 201).
(16/423)

الزهري بزيادة: "وأنَّ السنة للمعتكف ... " فذكر أشياء، منها: "ويُؤمَر من اعتكف أن يصوم". ثم قال الدارقطني: إن قوله: "وأن السنة ... إلخ" ليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث وهِمَ. ولكن في "سنن أبي داود" (1) صريحًا أنه من كلام عائشة، أي فمثلُه لا يُعرف إلا سماعًا. ه.
قلت: الحديث لفظه: "السنة على المعتكف أن لا يعودَ مريضًا, ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ المرأةَ ولا يُباشرها, ولا يخرجَ لحاجةٍ إلا لما لا بدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلا في مسجد جامع". فإن أراد بقوله: "فمثلُه لا يُعرف إلا سماعًا" أنه من قول الصحابي: "السنة كذا"، ففيه نظر؛ إذ يحتمل بل يظهر أن قولها: "ولا اعتكافَ إلا بصومٍ ... إلخ" ليس مسندًا إلى السنة، وإنما بينَتْ فيه برأيها، ومثل ذلك لا يمتنع قولُه من قبل الرأي. فليتأملْ.
وقد يُحمَل قوله: "ويؤمَر" على الندب، كما يُحمل "لا اعتكاف إلا بصوم" على نفي الكمال، جمعًا بين الأدلة وإلحاقًا للضعيف بالقوي.
وأمَّا ما استدل به مُثبِت الشرطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتكف إلا صائمًا، فيقال له: قد تقرر في الأصول أن فعله - صلى الله عليه وسلم - غير الجبلِّي يخصُّه للندب مجردُ قصد القربة، وذلك بأن تدل قرينةٌ على قصدها بذلك الفعل، مجرَّدًا عن قيد الوجوب، والقرينة ههنا ما تراه من الأدلة، فالمواظبة دليل الاستحباب. على أنك سترى في الأدلة ما يستلزم أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف بلا صوم، وهو حديث
__________
(1) رقم (2473).
(16/424)

الشيخين (1) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أَخْبِيةٌ: خِباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: "آلبرَّ تقولون بهن؟ " ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشرًا من شوال.
قال الشرقاوي (2): وعند مسلم: "حتى اعتكف العشر الأُول من شوال" وفيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم, لأن أول شوال يوم العيد، وصومه حرام. واعتُرِض بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول [ص 2] وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني، فلا دليل فيه لما قاله.
قلت: ولسقوط هذا الاعتراض - كما لا يخفى على الناظر - لم يعتبره علماؤنا, ولا عدُّوه قادحًا، فهم يستدلّون بالحديث المذكور غيرَ ملتفتين إلى ذلك الاعتراض، وقد يَستبعدُ اعتكافَه - صلى الله عليه وسلم - ليوم العيد مَن يَقيسُه على أبناء زماننا في جَعْله يومَ العيد يومَ راحةٍ ورفاهية، وراحةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلوةُ بمولاه، كما كان يقول: "يا بلالُ، أَرِحْنا بالصلاة" (3). والظاهر أنه اعتكف من ليلة العيد، ثم خرج لصلاة العيد، وعاد وأكمل العَشْر.
ومن الأدلة: حديث "الصحيحين" (4) عن عمر رضي الله عنه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام،
__________
(1) البخاري (2034) ومسلم (1173).
(2) "فتح المبدي" (2/ 170).
(3) أخرجه أحمد (23088) وأبو داود (4985) من طريق سالم بن أبي الجعد عن رجلٍ من أسلم مرفوعًا. وفي إسناده اختلاف، انظر "العلل" للدارقطني (4/ 121 - 122).
(4) البخاري (2042) ومسلم (1656).
(16/425)

قال: "فأوفِ بنذرِك".
قال الشرقاوي (1): واستُدِلَّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم, لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره عليه الصلاة والسلام به، لكن عند مسلم من حديث سعيد عن عبيد الله: "يومًا" بدل "ليلة". فجمعَ ابن حبان (2) وغيره بين الروايتين بأنه نذرُ اعتكاف يومٍ وليلة، فمن أطلق ليلةً أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته. وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر (3) صريحًا، لكن إسناده ضعيف ... إلخ.
قلت: ولذلك يَضعُف استدلالنا بهذا الحديث إلا من حيث الاستدلال باعتكافه - صلى الله عليه وسلم - العشرَ من رمضان ليلًا ونهارًا، كما مرَّ نقلُه عن ابن المنذر، فأما كونُه لم يُنْقَل أمره بالصوم فقد يحتمل أنه أمره ولم يُنْقل، أو أن عمر كان يعرف اشتراط الصوم للاعتكاف.
ومن الأدلة ما رواه الحاكم (4) وقال: صحيح على شرط مسلم: "ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه".
فأجاب عليَّ السيدُ العلامة المذكور بما خلاصته:
الجمهور على أن الصوم شرط في الاعتكاف، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا اعتكافَ إلا بالصيام". ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره
__________
(1) "فتح المبدي" (2/ 170).
(2) في "صحيحه" (10/ 226، 227). وانظر "فتح الباري" (4/ 274).
(3) أخرجه أبو داود (2474) والنسائي في الكبرى (3341)، وفي إسناده عبد الله بن بُديل، وهو ضعيف.
(4) "المستدرك" (1/ 439).
(16/426)

كالصلاة حتى عند الشافعي، وأمَّا حديث: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، فالمعنى: الصوم لا يجب بنية الاعتكاف إلا حيث يجب الاعتكاف جمعًا بين الأدلة، وأما حديث عمر فقد تبين سقوط الاستدلال به. فثبت شرطيةُ الصوم بالدليل، ويُستَظهر عليه بقياس العكس، وهو إثبات خلاف حكم الأصل في الفرع، فالأصل الصلاة والفرع الصيام، والعلة عدم وجوب الصلاة بالنذر، أعني بنذر الاعتكاف مصلّيًا، وعكس العلة وجوب الصيام بالنذر، والحكم في الأصل عدم اشتراط الصلاة في صحة الاعتكاف، والحكم في الفرع خلافه، وهو اشتراط الصيام في صحة الاعتكاف.
أقول: أمَّا قوله: "لا اعتكاف إلا بالصيام"، فلم أطَّلع عليه بهذا اللفظ، وإنما في "سنن" أبي داود (1) من لفظ عائشة: "ولا اعتكافَ إلا بصوم" وقد سبق الكلام عليه (2). وما سبقت الإشارة إليه من حديث الزهري، وفيه:
__________
(1) رقم (2473).
(2) بعده في هامش النسخة ما يلي بخط المؤلف (وهو تعليق نحوي خارج عن الموضوع):
(الكلام هو اللفظ) وهو الصوت الخارج من الفم متقطعًا أحرفًا (المركب) من كلمتين فأكثر (المفيد) فائدةً يحسُنُ السكوت عليها (بالوضع) العربي أو القصد. (وكل كلمة إما معربة) وهي ما يتغير آخرها لاختلاف العوامل لفظًا أو تقديرًا، وهي الاسم الذي لم يُشبِه الحرفَ، والفعل المضارع الذي لم يتصل بنونِ إناثٍ أو توكيد. (وإما مبنية) وهي بخلاف الأُولى وهي الحرف والفعل الماضي والأمر والمضارع المتصل بما مرّ، (والمعرب إما أن يكون أصليَّ الإعراب) وهو الاسم، (أو فرعيَّه) وهو الفعل المضارع. (والمبنيُّ إما أن يكون أصليَّ البناء) وهو الحرف والفعل (وإما فرعيَّه) وهو الاسم.
(16/427)

"ويؤمر المعتكف بالصوم"، وقد سبق ما فيه. وما في رواية عمرو بن دينار قد سبق تضعيفه.
وأمَّا قولهم: ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره كالصلاة، فنقول: إن أريدَ بقوله: "وجب" أي الصيام، وبقوله: "في نذره" أي الاعتكاف، والمعنى: لو لم يكن شرطًا لما وجب حيث نذرَ الاعتكاف، فنحن لا نقول بوجوب الصوم في الاعتكاف المنذور وإن أريدَ: لو لم يكن الصوم شرطًا في الاعتكاف لما وجب الصوم حيث نذرَ مع الاعتكاف، كما لا تجب الصلاة حيث نُذِرَتْ مع الاعتكاف، فنقول: إن أريد بعدم وجوب الصلاة أنه لا يلزم مطلقًا فليس مذهبنا، أو أنه لا يلزم الجمع بينها وبين الاعتكاف كما يلزم الجمع بين الصوم والاعتكاف حيث نذرَ أن يعتكف صائمًا، فهذا مذهبنا، والإلزام ممنوع، إذ جَعْلكم له شرطًا ينافي كونَ النذر علةً لوجوبه، فلا يصدق عليه أنه وجب النذر. وقد فرق أصحابنا بين الصلاة والصيام بأن الصيام مشروع في الاعتكاف إجماعًا، وأنه مناسب له، إذ كلٌّ منهما كَفٌّ، ولا كذلك الصلاة، مع أنها أفعال مباشرة.
وأمَّا تأويل حديث "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" فمردود، إذ لا يخفى أن المعتكف يصدق على المعتكف اعتكافًا منذورًا أو غيرَ منذور، وقوله: "إلا أن يجعله" أي: الصيامَ كما يعيِّنه السياق، فالمعنى: ليس على من نوى اعتكافًا منذورًا أو غيرَ منذورٍ أن يصوم إلا حيثُ نذر الصيام، وذلك ظاهر.
[ص 3] وأمَّا قولكم: "جمعًا بين الأدلة"، فأين الدليل الذي يقتضي شرطيةَ الصوم، فلم تذكروا إلا قوله: "ولا اعتكاف إلا بالصيام"، وقد علمت ما فيه.
(16/428)

ولو فرضنا اعتباره دليلًا فلنا طريقٌ مسلوكة في الجمع بينه وبين سائر الأدلة، وهي أن نقول بنَفْي الكمال، كما قالوه في "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (1)، وكما قال بعضهم في: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (2)، وقال بعضهم في: "لا وضوءَ لمن لم يذكر اسم الله عليه" (3)، وقولهم: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له" (4)، كما تقدم بيانه. والمطلوب هو موافقة الحق، وسلوكُ المسالك المألوفة بالمدارك المعروفة خيرٌ من ارتكاب الوعور، لا سيما إذا كان غلطًا وشططًا.
وأما القياس، فقياس العكس عند أصحابنا مختلَفٌ في حجيته، وعلى الأصح أنه حجة فقد عرَّفْناكم أن الشافعي نصَّ على عدم شرطية الصيام للاعتكاف، ونصَّ على عدم وجوب الجمع بين الاعتكاف والصلاة على الناذر أنْ يعتكفَ مصلِّيًا, ولم ينصَّ على وجوب الجمع بين الاعتكاف والصيام على الناذر أنْ يعتكفَ صائمًا ولا عدمه، فقاسه بعض الأصحاب على الصلاة فلم يُوجبه، وأكثر الأصحاب على أنه يجب للحديث: "ليس
__________
(1) أخرجه الدارقطني في "السنن" (1/ 420) والحاكم في "المستدرك" (1/ 246) والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 57) عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف جدًّا، ويُروى من وجوهٍ أخرى كلها ضَعيفة. انظر "العلل المتناهية" (1/ 412، 413).
(2) أخرجه البخاري (756) ومسلم (394) عن عبادة بن الصامت.
(3) أخرجه أبو داود (101، 102) عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (25) عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها. وهو حديث حسن بشواهده.
(4) أخرجه أحمد في "المسند" (12383، 12567، 13199) وأبو يعلى في "مسنده" (2863) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 288، 9/ 231) عن أنس بن مالك، وهو حديث حسن.
(16/429)

على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، وفرقوا بينه وبين الصلاة كما مرَّ آنفًا.
فإن قيل: قد ثبت "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه" المفيد لوجوب الجمع بين الاعتكاف والصيام على من نذَره، وأنتم معشر الشافعية تقولون: لا يجب الجمع بين الاعتكاف وبين الصلاة على ناذره، وتلك مناقضة، إذ يلزمكم من قولكم: "لا يجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة" أن تقولوا بعدم وجوب الجمع بينه وبين الصيام، ويلزمكم من إيجابكم الجمعَ في الصيام إيجابُه في الصلاة.
قلنا: أمَّا وجوب الجمع في الصيام فقد نصَّ عليه إمام الكون - صلى الله عليه وسلم -، وأما نصُّ الإمام على عدم وجوب الجمع في الصلاة، فعلى فرضِ أنه لا دليل له عليه من النصوص فقد بينّا الفارق، على أن هذه المنازعة المفروضة لا تكون إلا من طرف قائلٍ بوجوب الجمع في الصلاة، وأما قائل شرطية الصوم فقد صدقته النصوص على العموم والخصوص (1).
****
__________
(1) بعدها رسالة من المعلمي إلى الصيلمي وردّ الأخير عليها.
(16/430)

[ص 4] سيدي العلّامة الهُمام ضياء الإسلام السيد صالح بن المحسن الصَّيلمي، حفظه الله تعالى، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
قال الجلال المحلّي في "شرح جمع الجوامع" عند ذكر قياس العكس مالفظُه: "وهو إثباتُ عكس حكم شيءٍ لمثله، لتعاكُسِهما في العلة" ثم [قال:] (1) ومن أدلته قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عندما قال لهم في تَعداد وجوه البرّ: "وفي بُضْع أحدكم صدقة". فقالوا: أيأتي أحدُنا شهوتَه وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
قال البَنَّاني في حاشيته: قوله: "وهو إثبات عكس حكم ... إلخ"، الحكم في الحديث المذكور هو ثبوت الوزر، وعكسه ثبوت الأجر، والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال الثابتِ له العكسُ المذكور، وجعل الوضع في الحرام والوضع في الحلال مِثْلَين من حيث إن كلًّا منهما وضعٌ، وإلَّا فهما ضدّانِ في الحقيقة. وقوله: "لتعاكسهما" أي: الحكمين. وقوله: "في العلة" وهي الوضع في الحرام الذي هو علة ثبوت الوزر، والوضع في الحلال الذي هو علة ثبوت الأجر، فكلٌّ من ثبوت الأجر وثبوت الوزر عكسٌ للآخر؛ لأن كلاًّ من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر فتعاكُسُ العلتين المذكورتين مقتضٍ لكون الحكم المترتب على إحداهما عكسَ الحكم المترتب على الأخرى".
وقولكم: "ما مذهب الشافعية في الاعتكاف؟ " فالاعتكاف عندهم ليس من شرطه الصيامُ إلا إن نَذَرَه، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكفَ صائمًا، بخلاف
__________
(1) بياض في الأصل.
(16/431)

الصلاة، فلو قال: أن أعتكفَ مصلِّيًا فله إفراد الاعتكاف عنها.
وقولكم: "إنه يلزمهم القول باشتراط الصيام في الاعتكاف بقياس العكس" لم يظهر وجهُه، ففضلًا انقلُوا تحت هذا لفظ "الغاية" مع شرحها.
واستشهادكم على الحقير ببضاعته (ولكنما أعمى القلوبَ التعصُّبُ) ليس في محله، فإنما يتعصب من لم يجد مَحِيصًا عن اللزوم، فأما نحن معشرَ الشافعية فلنا عن التعصب - لو فُرِض - مندوحةٌ بأن اشتراط الصيام هو القول القديم لإمامنا، مع أن لنا على القول الجديد نصوصًا صحيحة، منها: اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - الليلَ والنهارَ في العشر الأواخر من رمضان ونحوها، كما في حديث الصحيحين. ومنها: ما في الصحيحين (1) أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلَّى الله وسلم عليه وعلى آله قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً في المسجد الحرام قال: "فأَوْفِ بنذرك". ومنها: ما نقله ابن حجر في "التحفة" (2) عند قول "المنهاج": "بل يصحُّ اعتكافُ الليل وحده" قال: للخبر الصحيح: "ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه" (3).
****
أخانا في الله سبحانَه، الوجيه في الأولى والآخرة، العلامة الشيظَمِي (4)
__________
(1) سبق تخريج الحديثين.
(2) "تحفة المحتاج" (3/ 469).
(3) سبق تخريجه.
(4) هو بمعنى الطويل الجسيم الفتيّ من الناس أو الإبل أو الخيل، فهو صفة وليس نسبة إلى عَلم أو قبيلة.
(16/432)

عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحمد الله إليكم حمدًا كثيرًا مؤبَّدةً أوقاتُه، والصلاة والسلام على خِيَرَة الخلق وآلِه، حَمَلةِ الشرع وهُداتِه، وأيَّده من نعش الهدى نهوضَه المبارك وغاراته.
أما بعدُ، فنقول: (مسألة) العترةُ جميعًا وابن عباس وعبد الله بن عمر ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الصوم شرط في الاعتكاف، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا اعتكافَ إلا بالصيام". ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره كالصلاة. عبد الله بن مسعود والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، أراد: الصوم لا يجبُ بنية الاعتكاف إلا حيث يجب الاعتكاف، جمعًا بين الأدلة وصيانةً لمنطقه عن اللغو، ولأنه مهما أمكن الجمع بالتأويل وجب. قالوا: قال لعمر: "أوف بنذرك"، وقد نذر اعتكافَ ليلةٍ. قلنا: "بيومها"، بدليل أن إحدى الروايتين أنه نذرَ اعتكافَ يومٍ، فثبتَ اشتراطُ الصيام في صحة الاعتكاف بالدليل وقياس العكس استظهارًا. وقياس العكس إثبات خلاف حكم الأصل في الفرع، فالأصل الصلاة، والفرع الصيام، والعلة عدم وجوب الصلاة بالنذر، أعني: بنذر الاعتكاف مصلِّيًا، وعكس العلة وجوب الصيام بالنذر، والحكم في الأصل عدم اشتراط الصلاة في صحة الاعتكاف، والحكم في الفرع خلافه، وهو اشتراط الصيام في صحة الاعتكاف، وبهذا يستوي قياسُ العكس على سُوقِه.
(16/433)

الرسالة الرابعة عشرة
مقام إبراهيم
(16/435)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا، وأتقن كلَّ شيءٍ خلقًا وأمرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
أمّا بعد، فهذه رسالة في شأن "مقام إبراهيم"، وما الذي ينبغي أن يُعمَل به عند توسعة المطاف؛ حاولتُ فيها تنقيحَ الأدلّة ودلالتها على وجه التحقيق، معتمدًا على ما أرجوه من توفيق الله - تبارك اسمُه - لي، وإن قلَّ علمي، وكلَّ فَهمي.
فما كان فيها من صواب فمن فضل الله عليَّ وعلى النّاس، وما كان فيها من خطأ فمنّي، وأسأل الله التوفيق والمغفرة.
قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة (الآية 125): {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}
وقال سبحانه في سورة الحج (الآية 26): {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}.
جاء عن جماعة من السلف تفسير "التطهير" في الآيتين بالتطهير من الشرك والأوثان.
(16/437)

وهذا من باب ذكر الأهمّ الذي يقتضيه السبب؛ فإنّ إخلال المُشركين بتطهير البيت كان بشركهم ونَصْبِهم الأوثانَ عنده.
ولا ريبَ أنّ التطهير من ذلك هو الأهمّ، لكنّ "التطهير" المأمور به أعمّ.
أخرج ابن أبي حاتم (1) عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: "من الأوثان والريب، وقول الزور والرّجس". ذكره ابن كثير وغيره (2).
وقال البغوي (3): قال ابن جبير وعطاء: "طهِّراه من الأوثان والريب وقول الزُّور".
وأخرج ابن جرير (4) عن عُبيد بن عُمير قال: "من الآفات والريب".
****
__________
(1) في "تفسيره" (1/ 227).
(2) "تفسير ابن كثير" (1/ 613) و"الدر المنثور" (1/ 633).
(3) في "معالم التنزيل" (1/ 114).
(4) في "تفسيره" (2/ 532، 533).
(16/438)

أقام إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - البيتَ على الطهارة بأوفى معانيها؛ فالأمر بتطهيره أمرٌ بالمحافظة على طهارته، وأن يُمنَع ويُزال عنه كلُّ ما يخالفها.
وقوله: {لِلطَّائِفِينَ ...} الآية، يدلُّ على أنّه مع أنّ التطهير مأمورٌ به لحرمة البيت، فهو مأمورٌ به لأجل هذه الفِرَق - الطائفين والعاكفين والقائمين والرُّكع السجود - لتؤدَّي هذه العباداتِ على الوجه المطلوب.
وهذا يبيّن أن "التطهير" المأمورَ به لا يَخُصُّ الكعبة، بل يَعُمُّ ما حواليها، حيث تُؤدَّى هذه العبادات، وأنّ في معنى التطهير إزالةَ كلِّ ما يمنع من أداء هذه العبادات، أو يُعسّرها، أو يُخِلُّ بها، كأن يكون في موقع الطواف ما يَعُوق عنه؛ من حجارةٍ أو شوكٍ أو حُفَر.
فثبت الأمر بأن يُهيَّأَ ما حول البيت تهيئةً تمكِّن الطائفين والعاكفين والمصلِّين من أداء هذه العبادات بدون خلل ولا حرج.
لم يُحدّد الشارع ما أمر بتهيئته حول البيت بمقدارٍ مسمًّى، لكن لمّا أمر بالتهيئة لهذه الفرق على الإطلاق عُلِم أنّ المأمور به تهيئةُ ما يكفيها ويتّسع لهذه العبادات مع اليُسر.
فلمّا كان المسلمون قليلًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يكفيهم المسجد القديم.
نعم كثُر الحُجّاج في حجّة الوداع، لكن لم يكن منتظرًا أن يكثروا تلك الكثرة، أو ما يقرب منها في السنوات التي تليها، وكانت بيوت قريش ملاصقةً للمسجد، لا تمكن توسعته إلا بهدمها، وهدمُها يُنفِّرهم، وعهدهم
(16/439)

بالشرك قريب.
فلمّا كثروا في زمن عمر رضي الله عنه، وزال المانع؛ هدم الدُّور، وزاد في المسجد، وهكذا زاد مَن بعده من الخلفاء بحسب كثرة المسلمين في أزمنتهم.
وادَّخر الله تعالى الزيادة العظمى لصاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، أيّده الله، وأوزعَه شكر نِعَمِه، وزادَه من فضله.
****
(16/440)

قدّم الله تعالى في الآيتين "الطّائفين" على "العاكفين" و"المصلين"، والتقديم في الذكر يُشعِر بالتقديم في الحكم، فقد بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في السعي بالصفا، وقال: "نبدأ بما بدأ الله به" (1)، وبدأ في الوضوء بالوجه.
فيؤخذ من هذا أنّ التهيئة للطائفين أهمّ من التهيئة للعاكفين والمُصلّين.
فعلى هذا يُقَدّم الطائفون عند التعارض، ولا يكون تعارضٌ عند إقامة الصلاة المفروضة جماعةً مع الإمام؛ لأنّ الواجب عليهم جميعًا الدخولُ فيها، وإنّما يمكن التعارضُ بين الطائفين وبين العاكفين والمصلّين تطوّعًا.
وإذْ كان المسجد - بحمد الله - واسعًا، وسيزداد سعةً، فإنّما يقع التعارض في المطاف، كما إذا كثُر الطائفون، وكان في المطاف عاكفون ومصلّون تطوّعًا، وضاق المطاف عن أن يسعَهم جميعًا بدون حرجٍ ولا خلل.
فإن قُدِّم بقرب البيت العاكفون والمصلّون، وقيل للطائفين: طوفوا من ورائهم، كان هذا تأخيرًا لمن قدّمه الله، ولزم منه (2) الحرج على الطائفين، لطول المسافة عليهم، مع أنّ الطواف يكون فرضًا في الحجّ والعمرة، وإذا خرج العاكفون والمصلّون عن المطاف، وأدّوا عبادتهم في موضع آخر من المسجد، زال الحرجُ والخللُ البتّة.
****
__________
(1) أخرجه مسلم (1218) ضمن حديث جابر الطويل.
(2) ط: "فيه"، والتصويب من المخطوطة.
(16/441)

منذ بعث الله تعالى نبيّنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يزل عدد المسلمين يزداد عامًا فعامًا، وبذلك يزداد الحُجّاج والعُمّار، ومع ذلك فقد توفّرت في هذا العصر أسبابٌ زاد لأجلها عدد الحجّاج والعمّار زيادةً عظيمة.
منها: حدوث وسائط النقل الأمينة السريعة المريحة.
ومنها: الأمن والرّخاء الّلذان لا عهدَ لهذه البلاد بهما, ولذلك زاد عدد السّكان والمقيمين زيادةً لا عهدَ بها.
ومنها: الأعمال العظيمة التي قامت وتقوم بها الحكومة السعودية لمصلحة الحجّاج، بما فيها تعبيد الطُّرق، وتوفير وسائط النقل، والعمارات المريحة، كمدينة الحُجّاج بجُدّة، والمظلاّت بمنًى ومزدلفة وعرفة، وتوفير المياه، وكلّ ما يحتاج إليه الحجّاج في كلّ مكان، وإقامة المستشفيات العديدة، والمَحْجَر الصحي الذي قضت به الحكومة السعودية على ما كانت بعض الدول تتعلّل به لمنع رعاياها عن الحجّ أو تصعيبه عليهم، والعمارة العظمى للمسجد النبوي، والتوسعة الكبرى الجارية الآن (1) للمسجد الحرام، وغيرُ ذلك ممّا زاد في رغبة المسلمين من جميع البلاد في الحجّ.
فزاد عدد الحجّاج في السنين الماضية، ويُنتظَر استمرار الزيادة عامًا فعامًا، لذلك أصبح المسجد - على سعته - يضيق بالمصلّين في كثيرٍ من أيّام الجُمَع في غير موسم الحجّ، فما الظنُّ به فيه؟
فوفّق الله تعالى جلالة الملك المعظّم سعود بن عبد العزيز - أطال الله عمره في صالح الأعمال - لتوسعته، والعمل فيه جارٍ.
__________
(1) محرم سنة 1378 ه[المؤلف].
(16/442)

وأشدُّ ما يقع الزّحام في الموسم: في المطاف، وتنشأ عن ذلك مضارُّ تلحقُ الأقوياءَ، فضلاً عن الضعفاء والنساء، ويقع الخلل في هذه العبادة الشريفة - وهي الطواف -؛ لزوال ما يُطلَب فيه من الخشوع والخضوع والتذلُّل، وصدق التوجّه إلى الله عزّ وجلَّ؛ إذ يهتمُّ كلُّ من وقع في الزّحام بنفسه.
وقد يكون مع الرجل القويّ - أو الرجلين - ضعيفٌ أو امرأة أو أكثر فيحاول القويّ أن يدفع الزّحام عن نفسه وعمّن معه، فيدفع من بجنبه وأمامه ليشقّ له ولمن معه طريقًا على أيّ حالٍ، فيؤذي بعضهم بعضًا، وربّما وقع النزاع والخصام والضرب والشتم، ويقع زحام الرّجال للنساء، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (1)، وقد رأينا من النّاس من يُسِيء بغيره الظنّ، وربّما أدّى ذلك إلى الإيذاء بالدّفع والشّتم، وربّما بالضرب.
ومن المعلوم أنّ صحة الطواف لا تتوقّف على أدائه في المطاف، وإنّما شرطه أن يكون في المسجد، لكن جرى العمل على أن يكون في المطاف، ولو مع الزّحام؛ لأسباب:
منها: أنّ خارج المطاف غير مهيّأ للطواف فيه بغير حرج.
ومنها: أنّ غير الطائفين يقفون ويجلسون ويسلُكون وراءَ المطاف وعند زمزم، فيشقُّ على الطائفين تخلُّل تلك الجموع.
ومنها: أنّ من أهل العلم من يشترط لصحّة الطواف في المسجد أن لا
__________
(1) أخرجه البخاري (2038، 2039) ومسلم (2175) من حديث صفية بنت حُيي.
(16/443)

يحول بين الطّائف والكعبة بناءٌ ونحوه، وممّن ذكر ذلك صاحب "الفروع" (ج 2 ص 390) (1).
وإزالة هذه العوائق إنّما تتمّ بتوسعة المطاف.
فلم يكن بُدٌّ من توسعة المطاف، والعمل بذلك جارٍ، ولله الحمد.
إنّ أضيق موضعٍ في المطاف هو ما بين المقام والبيت، ويزداد ضِيقُه بالنّاس شدّة؛ لقربه من الحجر الأسود والمُلتزم، حيث يقف جماعةٌ كثيرة للاستلام والالتزام والدعاء.
وإذا كانت توسعة المطاف مشروعةً، فتوسعة ذلك الموضع مشروعةٌ، وما لا يتمُّ المشروع إلاّ به - ولا مانعَ منه - فهو مشروع.
يرى بعضُ أهل العلم أنّ هذا منطبقٌ على تأخير المقام، وأنّ التوسعة المطلوبة لا تتمّ إلاّ به.
فأمّا ما يقوله بعضهم من إمكان طريقة أُخرى لتوسعة المطاف في تلك الجهة أيضًا مع بقاء "المقام" في موضعه، وذلك بأن يُحدّد موضعٌ يكفي المصلّين خلفَه، ويُوسّعَ المطافُ من وراء ذلك توسعةً يكون مجموع عرضها وعرض ما بين المقام والبيت مُساويًا لعرض المطاف بتوسعته في بقيّة الجهات، فإذا كثُر الطائفون سلك بعضُهم أمام المقام كالعادة، وسلك بعضُهم في التوسعة التي خلفه، وخلف موضع المُصلّين فيه = ففي هذه الطريقة خلَلٌ من أوجهٍ:
الأوّل: أنّها مخالفةٌ لعمل مَن عملُهُ حُجّة؛ فإنّ موضع المقام في الأصل
__________
(1) (6/ 37) ط. مؤسسة الرسالة.
(16/444)

بلصق الكعبة، وسيأتي إثباته.
فلمّا كَثُر النّاس في عهد عمر رضي الله عنه، وصار بقاءُ المقام بجنب الكعبة - ويصلّي الناس خلفَه - مظنّةَ تضييقِ المطاف على الطائفين = أخّرهُ ليبقى ما أمامه للطائفين مُتّسعًا لهم، ويخلو ما وراءه للمصلين، وأقرّه سائر الصحابة رضي الله عنهم، فكان إجماعًا، وهو حُجّة.
وقيل: إنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - هو الّذي أخّرَ المقامَ للعلّة نفسِها.
وأيًّا ما كان فهو حجّة، وكان ممكنًا حينئذٍ أن يبقى المقامُ بجنب الكعبة، ويُحْجَر لمن يصلّي خلفَه موضعٌ يطوف الطائفون من ورائه، ويُوسَّع لهم المطاف من خلف.
وهذا نظير الطريقة الأخرى التي يشير بها بعضهم الآن، وأبعد منها عن الخلل، وقد أعرض عنها مَن عمله حُجّة، واختار تأخير المقام عن موضعه الأصليّ.
وإذا كانت الحالُ الآنَ كالحال حينئذٍ، فالذي ينبغي هو الاقتداء بالحجّة، وتأخير المقام.
وإذا ساغ لهذه العلّة تأخيره عن موضعه الأصليّ؛ فلَأن يَسُوغ لأجلها تأخيرُه عن موضعه الثاني أولى.
الثاني: أنّ تلك الطريقة لا تقي بالمقصود؛ لأنّ حاصلها أن يكون للمطاف في ذاك الموضع فرعٌ يسلك وراء المقامِ وموضعِ المصلِّين فيه.
وهذا مظنّة أن يَحرِص أكثر الطائفين على أن يسلكوا أمام المقام كالعادة، واختصارًا للمسافة، ويَحرِص على ذلك المطوّفون، وخلف
(16/445)

المطوّف جماعةٌ لا يجدون بُدًّا من متابعته، فيبقى الزّحام قريبًا ممّا كان.
الثالث: أنّه إن أُحيط موضعُ المصلين خلفَ المقام بحاجز شقَّ الدّخولُ إليه والخروجُ منه، وإن لم يُحجَز كان مظنّة أن يسلكه بعض الطائفين اختصارًا للمسافة، فيقع الخلل في العبادتين.
وإنّما كان يمنعهم من ذلك فيما مضى - مع بُعد المسافة -: توهُّمهم أنّ الطواف لا يصحّ إلا في المطاف.
وسيزول هذا الوهم عند توسعة المطاف من خلفه.
وبقيت أوجهٌ أُخرى؛ كتقديم حقّ المصلين على حق بعض الطائفين، وتطويل المسافة عليهم، واحتمال أن يضيق الموضع الذي يُخصَّص للمصلين خلف المقام؛ لأنّهم يكثرون في بعض الأوقات، ويَحرِص كثيرٌ منهم على المُكْث هناك للدعاء وغير ذلك.
وبالجملة فلا ريب أنّه إذا تحقّقت العلّة، ولم يكن هناك مانعٌ من تأخير المقام؛ فتأخيره هو الطريقة المُثلى.
هل هناك مانعٌ؟
يُبدي بعض الفضلاء مُعارضاتٍ، يرى أنّها تشتمل على موانعَ، وسأذكرها مع ما لها وما عليها، وأسأل الله التوفيق:
المعارضة الأولى:
يقول بعض الناس: ذكر جماعةٌ من المفسّرين ما يدلُّ على أنّ المقام ليس هو الحجر فقط، بل هو الحجر والبقعة التي هو فيها الآن، وتأخير
(16/446)

البقعة غير ممكن، فإذا نُقِلَ الحجر عنها، فإمّا أن يفوتَ العملُ بالآية، وإمّا أن يبقى الحكم للبقعة؛ لأنّها موضع الصلاة.
وأقول: إنّ النّظر في هذا يقتضي بسطَ ما يتعلّق بالمقام، وسأشرح ذلك في فصولٍ:
(16/447)

الفصل الأول ما هو المقام؟
عامّة ما ورد فيه ذكر المقام من الأحاديث والآثار وكلام السّلف والأئمة - ويأتي كثيرٌ منها - يُبيّن أنّ "مقام إبراهيم" الذي في المسجد هو الحجر المعروف، غير أنّ بعض من رُوي عنه هذا رُوي عنه تفسير المقام في الآية بأنّه الحجُّ كلُّه، أو المشاعر.
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يبيَّن عدم الخلاف (1)، وأنّ من قال: "الحجّ كلُّه" أو "المشاعر" إنّما أراد أنّ الآية كما تنصُّ على شَرْعِ الصلاة إلى هذا الحجر الذي قام عليه إبراهيم لعبادة ربّه عَزَّ وَجَلَّ - كما يأتي -, فهي تدلُّ على شرع العبادة في كل موضعٍ قام فيه إبراهيم للعبادة، على ما بيَّنه الشرع، وذلك هو الحجّ والمشاعر، ولهذا جاء عنهم في تفسير كلمة {مُصَلًّى} قولان (2):
الأوّل: قِبْلَة؛ يُصلّون خلفه، أو يُصلّون عنده.
الثاني: مَدْعىً.
فالأوّل بالنسبة إلى الحجر.
والثاني - كما أفاده ابن جرير - (3) بالنسبة إلى المشاعر؛ لأنّ الدعاء
__________
(1) فقد روى الطبرى في "تفسيره" (2/ 525، 526) عنه عدة روايات.
(2) انظر "تفسير الطبري" (2/ 529).
(3) "تفسيره" (2/ 530).
(16/448)

مشروعٌ عندها كلّها، بل يجمع العبادات المختلفة المشروعة فيها؛ إذ المطلوب بتلك العبادات هو ما يُطلَب بالدعاء من رضوان الله ومغفرته، وخير الدنيا والآخرة، فالدُّعاء عبادةٌ، والعبادة دعاءٌ.
فأمّا ما ذُكِرَ في المعارضة عن (1) بعض المفسرين؛ فأوّلهم - فيما أعلم - الزّمخشري، وتبعه بعض من بعده.
والزَّمخشري - على حسن معرفته بالعربية - قليل الحظِّ من السنّة، ورأى أنّه لا يكون الحجر مصلّى على الحقيقة إلاّ إذا كانت الصلاة عليه، وذلك غير مشروع ولا ممكن؛ لأنّه يصغر عن ذلك.
ولو وُفِّقَ الزمخشري للصواب لجعل هذا قرينةً على أنّ المراد بكلمة {مُصَلًّى} قِبلة، كما قاله السلف، أي: يُصلَّى إليه؛ كما بيّنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعمل به أصحابه فمن بعدهم.
ومن العلاقات المعتبرة في المجاز: المُجاورة، وهي ثابتةٌ هنا؛ فإنّ الصلاة إذا وقعت إلى الحجر فهي بجواره.
ووجهٌ آخر: وهو أن تكون كلمة {مُصَلًّى} اسمَ مفعول، والأصل: "مصلّى إليه"، حُذِفَ حرف الجرّ، فاتصل الضمير واستتر، كما يقوله ابن جنّي في "مُزَمَّل" من قول امرئ القيس (2):
كأنّ أبانًا في عَرانين وَبْلِه ... كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزمَّلِ
__________
(1) ط: "من". والمثبت من المخطوطة.
(2) في المعلقة. انظر "ديوانه" (ص 25). ط. دار المعارف.
(16/449)

أنّ الأصل "مُزَمَّل به" فحذفَ حرف الجرّ، فاتصل الضميرُ واستتر (1).
والنُّكتة على الوجهين هي - والله أعلم -: التنبيهُ على أنّ المزيّة للحجر لقيام إبراهيم عليه للعبادة، والمشروعُ لهذه الأمّة التأسّي به.
والقيام على الحجر لمثل عبادة إبراهيم لا يمكن إلاّ نادرًا، فعُوّض عنه بما يمكن دائمًا، وهو القيام للصلاة، وهو يصغر عن الصلاة عليه، ودفنُه - ليتسع مع بعض ما حوله للصلاة - يؤدي إلى اندثاره.
ولماذا التكلُّف؟ وإنّما المقصود: أن يكون للقيام في الصلاة تعلُّقٌ به، فشُرِعَت الصلاة إليه.
وعبارة الزمخشري (2): "مقام إبراهيم: الحَجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحَجر حين وضع عليه قدميه".
ويُبطِل هذا القولَ - مع ما تقدّم - أنّ المذكور في الآية مقامٌ واحدٌ لا مقامان، وأنّ وضع الرِّجْل على الحجر بدون قيام حقيقيٍّ لا يكفي لأن يُطلَق عليه كلمة "مقام" على الحقيقة، وأنّ الذي كان من إبراهيم على الحجر فسُمّي لأجله "مقام إبراهيم" قيامٌ حقيقي، لا وضعُ رِجْلٍ فقط، وأنّ الموضع الذي قام فيه على الحَجَر ليس هو موضعه الآن، وأنّ المقام كان أولاً بلصق الكعبة، وكان الحكم معه، ثم حُوِّل إلى موضعه الآن، فتحوَّل الحكم معه.
وسيأتي إثبات هذا كلّه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.
****
__________
(1) انظر "الخصائص" (3/ 221، 1/ 193). وفيه: "مزمَّل فيه".
(2) في "الكشاف" (1/ 93) ط. دار المعرفة.
(16/450)

الفصل الثاني لماذا سُمّي "الحَجر" مقامَ إبراهيم؟
أعلى ما جاء في هذا: ما أخرجه البخاري (1) وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في خبر مجيء إبراهيم بإسماعيل عليهما السلام وأمّه إلى مكة، وما جرى بعد ذلك، وفيه في ذكر بناء البيت: "حتّى إذا ارتفع البناءُ جاء بهذا الحَجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يَبني".
وفي روايةٍ أُخرى (2): "حتّى إذا ارتفع وضَعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على المقام".
وعند ابن جريرٍ (3) بسند صحيح يُلاقي سندَ البخاري الثاني: "فلمّا ارتفع البناء وضعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة قام على حَجرٍ، فهو المقام".
وفي "فتح الباري" (4): أنّ الفاكهيّ أخرج نحو هذه القصّة من حديث عثمان، وفيه: "فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه، ويرفعه له إسماعيل، فلمّا بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه - يعني الحَجر الأسود - موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت ... ثم قام إبراهيم على المقام، فقال: يا أيها الناس! أجيبوا ربّكم".
__________
(1) رقم (3364).
(2) عند البخاري (3365). وقد سقطت هذه الفقرة من النسخة المطبوعة مع "الفتح" الطبعة السلفية الأولى.
(3) في "تفسيره" (2/ 560) و"تاريخه" (1/ 259، 260).
(4) (6/ 406).
(16/451)

قال في "الفتح" (1): "روى الفاكهيُّ بإسنادٍ صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قام إبراهيم على الحَجَر، فقال: يا أيها النّاس! أجيبوا ربّكم".
وفي أوّل الخبر عند البخاري (2) عن كثير بن كثير قال: "إنّي وعثمان بن أبي سليمان جلوسٌ مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدّثني ابن عباس، ولكنّه قال".
وفي "فتح الباري" (ج 6 ص 283) (3) بيانُ ما نفاه سعيد بن جبير، ذكر ذلك عن رواية الفاكهيّ والأزرقيّ وغيرهما. وفيه: أنّهم سألوا سعيد بن جبير عن أشياء، قال: "قال رجلٌ: أحقٌّ ما سمعنا في المقام - مقام إبراهيم - أنّ إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكّة حتّى يرجع، فقرَّبتْ إليه امرأةُ إسماعيل المقام، فوضع رجله عليه حتّى لا ينزل؟ فقال سعيد بن جبير: ليس هكذا ... ".
والخبرُ - وفيه قريبٌ من هذا - عند الأزرقيّ (ج 2 ص 24) (4) وفي آخره: "فلمّا ارتفع البُنيان وشقَّ على الشيخ تناولُهُ؛ قرّب له إسماعيل هذا الحَجَر، فكان يقوم عليه ويبني، ويُحوَّلُهُ في نواحي البيت حتّى انتهى إلى وجه البيت. يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم عليه السلام، وقيامه عليه".
__________
(1) (6/ 406).
(2) رقم (3363).
(3) (6/ 400) ط. السلفية.
(4) (2/ 32) ط. رشدي ملحس.
(16/452)

وقصّة مجيء إبراهيم ولقائه امرأة إسماعيل قد ذكرها ابن عباس (1)، وليس فيها ما يُحكى من وضع رجله على الحَجر.
وكان مجيئه ذلك قبل بناء البيت.
فهبْ أنّه ثبت وضعُه رجلَه على الحَجر وهو على دابّته، فليس هذا بقيام على الحَجر، ولا هو في عبادة، فلا يناسب مزيّةً للحَجَر، وإنّما القيام الحقيقيّ على الحَجر الذي يُناسب مزيّةً له: هو ما وقع بعد ذلك من قيامه عليه لبناء الكعبة، ثمّ للأذان بالحجّ.
فهذا هو الثابت في وجه تسمية الحَجَر "مقامَ إبراهيم".
****
__________
(1) أخرجها البخاري (3364) عنه.
(16/453)

الفصل الثالث أين وضع إبراهيم المقامَ أخيرًا؟
تقدّم في الفصل السّابق من حديث عثمان رضي الله عنه: "فجعله لاصقًا بالبيت".
ومن حديث ابن عبّاس: "فكان يقوم عليه ويبني، ويُحوِّلُهُ في نواحي البيت حتى انتهى إلى وجه البيت".
وقد ظهر أنّ منشأ مزيّته وحصول الآية فيه - وهي أثرُ قدمَيْ إبراهيم - هو قيامه عليه لبناء البيت.
فالظاهر أن يكون إبراهيم أبقاه إلى جانب البيت في ذلك الموضع الظاهر - وهو عن يَمْنة الباب - لتُشاهَد الآية، ويُعرَف تعلُّقه بالبيت.
وجاء عن بعض الصحابة - وهو نوفل بن معاوية الدّيليّ رضي الله عنه أنّه رآه في عهد عبد المطلب ملصقًا بالبيت (1). وسنده ضعيف.
ويأتي بيان أنّ ذلك في الموضع المسامت له الآن.
وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - له هناك، يصلي هو وأصحابه خلفه بدون بيان أنّ له موضعًا آخر: يدلُّ على أنّ ذلك هو موضعه الأصليّ.
ولم أجد ما يخالف هذا من السنّة والآثار الثابتة عن الصحابة، ولا ما هو صريحٌ في خلافه من أقوال التابعين.
إلاّ أنّ المحبّ الطبري قال في "القِرى" (ص 309): قال مالك في
__________
(1) أخرجه الفاكهي (1/ 442) والأزرقي (2/ 30).
(16/454)

"المدونة": كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه اليوم، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السّيل، فكان ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر رضي الله عنه، فلمّا ولي عمر رضي الله عنه ردّه بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قِيسَ بها، حتّى أخَّروه، وعمر هو الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك".
هذا آخر كلامه في "المدونة" فيما نقله صاحب "التهذيب مختصر المدونة". ولم أجد أصل ذلك الكلام في مظنّته من "المدونة" المطبوعة.
ثم قال المحبُّ: "وقال الفقيه سَنَد بن عنان المالكي في كتابه المترجم ب "الطّراز" - وهو شرحٌ ل "المدونة" -: وروى أشهب عن مالك قال: سمعتُ من يقول من أهل العلم: إنّ إبراهيم عليه السلام أقام هذا المقام، وقد كان ملصقًا بالبيت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله عنه وقبل ذلك، وإنّما أُلصِقَ إليه لمكان السيل؛ مخافة أن يذهب به، فلمّا ولي عمر رضي الله عنه أخرج خيوطًا كانت في خزانة الكعبة، وقد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت في الجاهلية، إذ قدّموه مخافة السيل، فقاسه عمر، وأخّره إلى موضعه اليوم، قال مالك: والذي حمل عمر ... ".
إنّ بين سند بن عنان وبين أشهب نحو ثلاث مائة سنة. فإن صحَّ عن مالك فهذا الذي أخبره بالحكاية لم يذكر مستنده، ولا أحسبه استند إلاَّ إلى حكاية مجملة وقعت له عن تحويل عمر رضي الله عنه للمقام، وما جرى بعد ذلك، فقال ما قال.
وسيأتي - إن شاء الله - تحقيق تلك القضية بما يتّضح به أن ليس فيها دلالةٌ على ما ذكر.
(16/455)

وعلى كلّ حال؛ فهذه الحكاية المنقطعة لا تصلح لمقاومة ما تقدم من الأدلة، والله المستعان.
فالذي تعطيه الأدلة: أنّ إبراهيم عليه السلام وضع المقام عند جدار الكعبة في الموضع المسامت له الآن.
****
(16/456)

الفصل الرابع أين كان موضعه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
في هذا ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّه كان في موضعه الذي هو به الآن. والأدلة الصحيحة الواضحة تردّ هذا القول، كما يأتي في القول الثالث. ولكنّي أذكر ما جاء في هذا، مع النظر فيه؛ ليعرف:
أخرج الأزرقيّ (1) عن ابن أبي مُليكة قال: "موضع المقام هذا الذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر رضي الله عنه، فجُعِلَ في وجه الكعبة حتى قدم عمر، فردّه بمحضرٍ من الناس".
سند الأزرقي رجاله ثقات، وابن أبي مُليكة من ثقات التابعين، لكنّ الأزرقيّ نفسه لم يوثّقه أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، ولم يذكره البخاري، ولا ابن أبي حاتم، بل قال الفاسيّ في ترجمته من "العقد الثمين" (2): "لم أر من ترجمه".
فهو - على قاعدة أئمة الحديث - مجهول الحال، وقد تفرّد بهذه الحكاية، والله أعلم.
__________
(1) "أخبار مكة" (2/ 35).
(2) (2/ 49).
(16/457)

وقال الأزرقيّ (1) أيضًا: حدّثني جدّي، حدّثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلّب بن أبي وَداعة السَّهميّ عن أبيه عن جدّه قال: "كانت السيولُ تدخل المسجدَ الحرام ... ربّما دفعت المقام عن (2) موضعه، وربّما نَحَّتْه إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيلٌ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُقال له: سيل أمّ نَهْشل .. فاحتمل المقام من موضعه، فذهب به، حتّى وُجدَ بأسفل مكة، فأُتي به، فرُبطَ إلى أستار الكعبة في وجهها، وكُتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأقبل عمر رضي الله عنه فَزِعًا، فدخل بعمرة في شهر رمضان، وقد غُمّي موضعُهُ وعفّاه السيل، فدعا عمر بالنّاس، فقال: أَنشُد الله عبدًا عنده علم في هذا المقام، فقال المطَّلب بن أبي وَداعة السّهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه هذا، فأخذتُ قَدْرَه من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحِجْر، ومن موضعه إلى زمزم بمِقَاطٍ (3)، وهو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلسْ عندي. وأرسِلْ إليها، فأُتي بها، فمدّها، فوجدها مستويةً إلى موضعه هذا، فسأل النّاس وشاورهم، فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّا استثبت ذلك عمر رضي الله عنه وحُقَّ عنده أمر به، فأعلم ببناء رَبَضِه تحت المقام ثم حوّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم".
جدُّ الأزرقي وداود وابن جريج وكثير بن كثير: ثقاتٌ، لكن له عدّة علل:
الأولى: حال الأزرقي كما مرّ.
__________
(1) "أخبار مكة" (2/ 33).
(2) في المطبوعة: "من", والتصويب من المخطوط وكتاب الأزرقي.
(3) المقاط: الحبل الصغير الشديد الفتل يكاد يقوم من شدة فتله.
(16/458)

الثانية: أنّ ابن جريج - على إمامته - مشهورٌ بالتدليس، ولم يُصرّح هنا بالسماع من كثير بن كثير.
الثالثة: أنّه قد صحّ عن ابن جريج قولُه: "سمعت عطاء وغيره من أصحابنا ... " فذكر ما سيأتي في القول الثالث، على وجهٍ يُشعِر باعتماده له.
الرابعة: أنّ كثير بن المطلب مجهول الحال (1)، ولا يُخرِجه عن ذلك ذِكْرُ ابن حبان له في "الثقات" على قاعدته التي لا يوافقه عليها الجمهور.
وقد روى ابن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن جدّه حديثًا، فذكر ابن عيينة أنّه سأل كثير بن كثير عنه، فقال: ليس من أبي سمعتُه، ولكن من بعض أهلي عن جدّي (2).
وروى غير ابن عيينة عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن جده حديثًا قريبًا من الأوّل، ولعلّه هو. راجع "المسند" (ج 6 ص 399) (3). فإن كان حديثًا واحدًا فليس لكثير بن المطلب في الكتب الستّة و"المسند" شيء.
نعم أخرج ابن حبّان في "صحيحه" (4) الحديث الثاني من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن كثير بن كثير. وفيه ما يقتضي أنّه
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (8/ 429) و"الثقات" (5/ 331).
(2) انظر "مسند أحمد" (27243) و"سنن أبي داود" (2016) و"معاني الآثار" للطحاوي (1/ 461) و"مشكل الآثار" (2608) و"السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 273).
(3) رقم (27244).
(4) رقم (2364).
(16/459)

حديثٌ آخر، لكنّ الوليد شاميّ، ورواية أهل الشام عن زهير أنكرها الأئمة؛ لأنّ زهيرًا حدّثهم من حفظه، فغلط وخلّط (1).
الخامسة: أنّه لمّا جرى ذكر المطَّلب في القصة ذُكِر بما ظاهره أنّ المُخبِر غيرُه: "فقال له المطلب بن أبي وداعة السهميّ ... فقال له عمر ... ".
وهذا يَرِيب في قوله في السند: "عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السّهمي عن أبيه عن جده"؛ ويُشعِر بأنّ الحكاية منقطعة.
وقال الأزرقي (2): حدثني ابن أبي عمر قال: حدثنا ابن عيينة عن حبيب بن أبي الأشرس قال: "كان سيلُ أمّ نهشل قبل أن يعمل عمر رضي الله عنه الرّدمَ بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه، فلم يُدْرَ أين موضعه، فلمّا قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل: من يعلم موضعه؟ فقال المطّلب بن أبي وداعة: أنا يا أمير المؤمنين! قد كنتُ قدّرتُه وذَرعتُه بمقاط - وتخوفتُ عليه هذا - من الحِجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة إليه، فقال: ائْتِ به، فجاء به، ووضعه في موضعه هذا، وعمِلَ عمرُ الردمَ عند ذلك".
قال سفيان: فذلك الذي حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه: "أنّ المقام كان عند سُقْع (3) البيت، فأمّا موضعه الذي هو موضعه: فموضعه الآن، وأمّا ما يقوله الناس: إنّه كان هنالك موضعه، فلا".
__________
(1) انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 349، 350).
(2) "أخبار مكة" (2/ 35).
(3) في كتاب الأزرقي: "سفع" وهو تصحيف. وفي المخطوطة: "صُقْع"، والسُّقع والصُّقع بمعنى الناحية. انظر"القاموس" (سقع).
(16/460)

قال سفيان: وقد ذكر عمرو بن دينار نحوًا من حديث ابن [أبي] (1) الأشرس هذا، لا أُميّز أحدهما عن صاحبه.
الأزرقي قد تقدّم حاله.
لكن قال الفاسيّ في "شفاء الغَرام" (ج 1 ص 206): وروى الفاكهيّ (2) عن عمرو بن دينار وسفيان بن عيينة مثل ما حكاه عنهما الأزرقيّ بالمعنى.
أقول: ليته ساق خبر الفاكهيّ؛ فإنّ الفاكهيَّ وإن كان كالأزرقيّ في أنّه لم يوثّقه أحدٌ من المتقدمين ولا ذكره، فقد أثنى عليه الفاسيّ في ترجمته من "العقد الثمين" (3)، ونزّهه عن أن يكون مجروحًا، وفضّل كتابه على كتاب الأزرقي تفضيلاً بالغًا، ومع هذا فالأخبار التي يتفقان في الجملة على روايتها نجد الفاسيّ ومِن قبلِه المحب الطبري يُعنَيانِ غالبًا بنقل رواية الأزرقيّ، ويسكتان عن رواية الفاكهي، أو يشيران إليها إشارة فقط.
وأحسب الحامل لهما على ذلك حسن سياق الأزرقي.
وقد قيل لشعبة رحمه الله: مالك لا تحدّث عن عبد الملك بن أبي سليمان، وقد كان حسن الحديث؟ قال: مِنْ حُسْنها فررتُ (4).
ويَرِيبني من الأزرقي حسنُ سياقه للحكايات وإشباعُه القولَ فيها، ومثل ذلك قليلٌ فيما يصح عن الصحابة والتابعين.
__________
(1) الزيادة من الأزرقي. وهو حبيب بن أبي الأشرس كما سبق.
(2) في "أخبار مكة" (1/ 456).
(3) (1/ 411).
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 397).
(16/461)

ويَرِيبني أيضًا منه تحمُّسُه لهذا القول؛ فقد روى (ج 2 ص 23) (1) عن ابن أبي عمر بسندٍ واهٍ إلى أبي سعيد الخدري، أنّه سأل عبد الله بن سلام عن الأثر الذي في المقام، فقال: "كانت الحجارة ... وذكر الخبر، وفيه في ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فصلّى إلى الميزاب وهو بالمدينة، ثمّ قدم مكة، فكان يصلي إلى المقام ما كان بمكة".
وقد روى الفاكهي (2) هذا الخبر كما ذكره الفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج 1 ص 206)، ولم يَسُقْ الفاسيّ سنده ولا متنه بتمامه، إنّما ذكر قطعة منه، هي بلفظها في رواية الأزرقي. ثم قال: "وفيه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة من المدينة، فكان يصلّي إلى المقام، وهو مُلْصَقٌ بالبيت، حتّى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
أسقط الأزرقيّ في روايته قوله: "وهو ملصق بالبيت حتّى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، وجعل موضعها: "ما كان بمكة".
وقال في (ج 2 ص 27) (3): حدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثنا سُليم بن مسلم عن ابن جريج عن محمد بن عبّاد بن جعفر عن عبد الله بن صفوان قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الله بن السائب العابديّ - وعمر نازلٌ بمكة في دار ابن سباع - بتحويل المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، قال: فحوَّلَه ثم صلّى المغرب، وكان عمر قد اشتكى رأسه، قال
__________
(1) (2/ 30) ط. رشدي ملحس.
(2) في "أخبار مكة" (1/ 442). وفي إسناده شيخ الفاكهي: عبد الله بن شبيب الربعي، أخباري ضعيف. انظر "لسان الميزان" (4/ 499).
(3) (2/ 35).
(16/462)

[عبد الله بن السائب] (1): فلمّا صليتُ ركعةً جاء عمر فصلّى ورائي، قال: فلمّا قضى صلاته، قال عمر: أحسنتَ، فكنتُ أوّل من صلّى خلف المقام حين حُوّل إلى موضعه". عبد الله بن السائب القائل.
ولم تَرُقْ الأزرقيَّ كلمةُ "حُوّل" فعقّبه بقوله: "حدثني جدّي قال: حدثنا سليم بن مسلم عن ابن جريج عن محمد بن عبّاد بن جعفر عن عبد الله بن السائب - وكان يصلّي بأهل مكة - فقال: "أنا أوّل من صلّى خلف المقام حين رُدّ في موضعه هذا ... ".
هذا؛ وأمّا بقية السند بعد الأزرقيّ: فشيخه ابن أبي عمر سيأتي. وسفيان بن عيينة إمام. وحبيب بن أبي الأشرس ضعيف، راجع ترجمته في "الميزان" و"لسانه" (2).
وعمرو بن دينار ثقةٌ جليل، لكن لا يُدرَى ما قال. نعم يستفاد إجمالاً أنّه قد ذكر ما يتعلّق بالتقدير.
فأمّا ما ذكر في هذه الرواية من رأي ابن عيينة فقد ثبت عنه (3) ما يناقضه برواية ابن أبي حاتم الرازي وهو إمام، عن أبيه، وهو من كبار الأئمة المتثبتين، عن ابن أبي عمر شيخ الأزرقي، عن ابن عيينة نفسه. وسيأتي.
وأبو حاتم هو القائل في ابن أبي عمر هذا - شيخه وشيخ للأزرقي -: "كان شيخًا صالحًا، وكان به غفلة، رأيت عنده حديثًا موضوعًا حدّث به عن
__________
(1) هذه الزيادة من المؤلف على نصّ الأزرقي، لتوضيح القائل.
(2) "الميزان" (1/ 450، 454) و"اللسان" (2/ 544).
(3) "عنه" ساقطة من المطبوع. وهي مثبتة في المخطوط.
(16/463)

ابن عيينة، وكان صدوقًا" (1).
أقول: ابن أبي عمر ثقةٌ فيما يرويه عنه أبو حاتم ومسلم ونحوهما من المتثبتين؛ لأنّهم يحتاطون وينظرون في أصوله، وإنّما تخشى غفلته فيما يرويه عنه من دونهم، ولا سيَّما أمثال الأزرقيّ.
القول الثاني:
قال بعضهم: كان المقام لاصقًا بالكعبة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتّى أخّره هو - صلى الله عليه وسلم - إلى موضعه الآن.
ذكر ابن كثير (2) أنّ ابن مردويه روى بسنده إلى شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فكان المقام عند البيت، فحوّله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا".
أشار ابن كثير إلى ضعفه.
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج 8 ص 29) (3): أخرج ابن مردويه بسند ضعيف، فذكره.
أقول: شريكٌ من النبلاء، إلاَّ أنّه يخطئ كثيرًا ويدلَّس (4). وإبراهيم بن
__________
(1) انظر "الجرح والتعديل" (8/ 124) و"تهذيب التهذيب" (9/ 519).
(2) في "تفسيره" (1/ 612, 613).
(3) (8/ 169) ط. السلفية.
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (4/ 335، 337).
(16/464)

مهاجر صدوقٌ كثير الخطأ، يحدّث بما لا يحفظ فيغلَط (1).
وقد صحّ عن مجاهد أنّ عمر هو الذي حوّل المقام، كما سيأتي.
وفي "شفاء الغرام" (ج 1 ص 206): "ذكر موسى بن عقبة في مغازيه ... قال موسى بن عقبة ... : وكان - زعموا - أنّ المقام لاصقٌ في الكعبة، فأخّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكانه هذا".
موسى بن عقبة ثقةٌ أدرك بعض الصحابة، لكن ذكروا أنّه تتّبع المغازي بعد كِبَر سنّه، فربّما يسمع ممّن هو دونه (2)، وقد قال: "زعموا".
القول الثالث:
قال آخرون: كان المقام في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده لاصقًا بالكعبة، حتى حوّله عمر رضي الله عنه.
قال ابن كثير (3): قال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني عطاء وغيره من أصحابنا قالوا: "أول مَن نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه".
وقال عبد الرزاق (4) أيضًا: عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: "أوّل من أخّر المقام إلى موضعه عمر بن الخطاب".
__________
(1) "تهذيب التهذيب" (1/ 168).
(2) انظر: المصدر السابق (10/ 361).
(3) (1/ 612). وهو في "مصنف عبد الرزاق" (5/ 48).
(4) "المصنف" (5/ 47, 48).
(16/465)

وقال ابن حجر في "الفتح" (ج 8 ص 129) (1): "كان المقام من عهد إبراهيم لِزْقَ البيت، إلى أن أخّره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن". أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضًا.
ونقل الفاسيّ (2) عن كتاب "الأوائل" لأبي عروبة - أراه الحرّاني حافظٌ ثقة - عن سلمة - أراه ابن شبيب ثقة - عن عبد الرزاق ... ، فذكر السندين اللذين ذكرهما ابن كثير، وقال في متن الأول: "إنّ عمر رضي الله عنه أوّلُ من رفع المقام، فوضعه في موضعه الآن، وإنّما كان في قُبُلِ الكعبة".
وقال في الثاني: عن مجاهد قال: "كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه من السيول، وكان الناس يُصلُّون خلفه".
قال الفاسي: انتهى باختصار؛ لقصة ردّ عمر للمقام إلى موضعه الآن، وما كان بينه وبين المطّلب بن أبي وداعة السهميّ في موضعه الذي حرّره المطّلب.
فلا أدري: أخبرٌ آخر هذا عن مجاهد؟ أم هو ذاك الخبر اختصره عبد الرزاق في "مصنفه"، وحدّث به سلمة من حفظه؟ أم ماذا؟
وعلى كلّ حال؛ فالذي نقل ابن كثير وابن حجر عن "مصنف عبد الرزاق" ثابتٌ، فيتعين حمل هذه الرواية على ما لا يخالفه.
__________
(1) (8/ 169).
(2) في "شفاء الغرام" (1/ 206).
(16/466)

وفي "الدُّرّ المنثور" (1): أخرج ابن سعد عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: "من له علمٌ بموضع المقام حيث كان؟ فقال أبو وَدَاعة بن هُبيرة (2) السهمي: عندي يا أمير المؤمنين! قدَّرتُه إلى الباب، وقدرتُه إلى ركن الحجر، وقدرته إلى الرُّكن الأسود، وقدرته، فقال عمر: هاته، فأخذه عمر، فردّه إلى موضعه اليوم للمقدار الذي جاء به أبو وداعة".
لا أدري ما سنده، وبقيّة الروايات في هذا تذكر المُطّلب بن أبي وداعة، لا أبا وداعة نفسه.
وقال ابن كثير (3): قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني، قال: قال سفيان - يعني ابن عيينة، وهو إمام المكّيين في زمانه -: "كان المقام من سُقْع البيت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحوّله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد نزول قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فردّه عمر إليه".
وقال سفيان: "لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله".
قال سفيان: "لا أدري: أكان لاصقًا بها أم لا؟ ".
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج 8 ص 129) (4): أخرج ابن أبي حاتم
__________
(1) (1/ 629) ط. هجر.
(2) كذا في الأصل. والصواب "ضُبَيرة" كما ضبطه الحافظ في "تبصير المنتبه" (3/ 831).
(3) (1/ 612). والنص في "تفسير ابن أبي حاتم" (1/ 372).
(4) (8/ 169).
(16/467)

بسندٍ صحيح عن ابن عيينة قال: "كان المقام في سُقع البيت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحوّله عمر، فجاء سيلٌ فذهب به، فردّه عمر إليه"، قال سفيان: "لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا؟ ".
هذا بغاية من الصحة عن سفيان بن عيينة؛ كما تقدم أواخرَ الكلام على القول الأول.

تمحيص هذه الأقوال
قد يُنتصر للأوّل بأنّ عمر رضي الله عنه لم يكن ليخالف النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وما معنى تقدير المطَّلب وتحرّي عمر؟
فالظاهر أنّ المقام لم يزل بموضعه اليوم، فقدّره المطّلب منه، فذهب به السيل، وطمس موضعه، فجُعل بجنب الكعبة حتى يقدم عمر، فقدم وتحرّى، وردّه حيث كان.
وكأنّ هذه القضية بلغت بعضَ الناس مجملةً أنّه كان بجنب الكعبة، وأنّ عمر نقله إلى موضعه اليوم، فتوهّموا أنّه كان بجنب الكعبة منذ قديم، فراحوا يخبرون بذلك.
ويُنتصَر للثاني بأنّ أولئك الأئمة لم يكونوا ليتوهموا بدون أصل، فلعلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حوّل المقام أخيرًا, ولم يبلغهم ذلك، وثبت عندهم أنّه قد كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنب الكعبة، فاستصحبوا ذلك، والباقي كما مرّ.
ويُنتصَر للثالث بأنّه قد يقع من عمر رضي الله عنه ما هو في الصورة مخالفة، وهو في الحقيقة موافقة بالنظر إلى مقاصد الشرع واختلاف الأحوال، وقد يخفى علينا وجه ذلك، ولكنّا نعلم أنّ الصحابة رضي الله عنهم
(16/468)

لا يُجمعون إلاّ على حقّ.
وتقدير المطَّلب وتحرّي عمر - إن صحّ - فقد يخفَى علينا سببه.
وإذا كان ذلك محتملاً؛ فليس لنا أن نجعل جهلنا به حجةً على توهيم أولئك الأئمة وهم هم، ومنهم عطاء وقَدمُه وفضلُ علمه بالمناسك، ومجاهد وقَدمُه وفضلُ علمه بالتفسير، ومالك وابن عيينة، وهما هما.
ولم تكن قضية المطّلب لِتخفَى على أئمة مكة: عطاء ومجاهد وابن عيينة، بل قد ذكرها الأخيران فيما روي عنهما، والمخالف لهؤلاء ليس مثلَهم، ولا قريبًا منهم؛ فهو أحقُّ بالوهم.
أقول: قد أغنانا الله - وله الحمد - عن هذا الضرب من الاحتجاج بثبوت النقل عمّن لا يمكن أن يُظنَّ به التوهم.
أخرج البيهقي (1) من طريق أبي ثابت - وهو محمد بن عبيد الله المدني (2)، ثقة من شيوخ البخاري في "صحيحه" - عن الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه (3) عن عائشة رضي الله عنها، أنّ المقام كان زمانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمانَ أبي بكر رضي الله عنه ملتصقًا بالبيت، ثمّ أخَّره عمر رضي الله عنه".
__________
(1) في "دلائل النبوة" (2/ 63). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 629) إلى "سننه"، ولا يوجد فيه.
(2) انظر "تهذيب التهذيب" (9/ 324).
(3) "عن أبيه" ساقطة من المطبوع، وزيدت من مخطوطة المؤلف، وكذا في "الدلائل" و"تفسير ابن كثير".
(16/469)

ذكره ابن كثير في "تفسيره" (1) بسند البيهقي، ورجاله ثقات. وقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. وذكره ابن حجر في "الفتح" (2)، وقال: بسند قوي.
وذكر الفاسي في "شفاء الغرام" (3): أنّ الفاكهيّ روى عن يعقوب بن حُمَيد بن كاسب قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه - قال عبد العزيز: أُراه عن عائشة -: "أنّ المقام كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سُقع البيت".
يعقوب بن حُميد متكلَّم فيه، ووثّقه بعضهم (4). والاعتماد على حديث أبي ثابت.
وقال البخاري في "صحيحه" (5) في أبواب القبلة: باب في قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، ثمّ ذكر حديث ابن عمر (6) رضي الله عنهما لمّا سُئل عن رجلٍ طاف بالبيت للعمرة، ولم يَطُفْ بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فطاف بالبيت سبعًا، وصلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة" الحديث.
__________
(1) (1/ 612).
(2) (8/ 169).
(3) (1/ 207). والنصّ عن الفاكهي (1/ 455) والأزرقي (2/ 35).
(4) انظر "تهذيب التهذيب" (11/ 383).
(5) (1/ 499) مع "الفتح".
(6) رقم (395).
(16/470)

ثم حديث ابن عمر (1) وحديث ابن عباس (2) رضي الله عنهم في دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة.
وفي الأوّل: "ثم خرج فصلّى في وجه الكعبة ركعتين".
وفي الثاني: "فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُلِ الكعبة، وقال: "هذه القبلة".
والقدوم الذي ذكره ابن عمر في حديثه الأول كان في عمرة؛ لأنّ ابن عمر أجاب به السائل عن العمرة، وأُراها عمرة القضية.
وفي "المسند" (ج 4 ص 355) (3) من حديث ابن أبي أوفى: "اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت، وطفنا معه، وصلى خلف المقام وصلينا معه ... ".
وسنده بغاية الصحة. وقد أخرجه البخاري مختصرًا في "باب عمرة القضية" من المغازي (4).
وذكر ابن حجر (5) هناك مَنْ صرّح فيه بقوله: "في عمرة القضية"، وسياقه واضحٌ في ذلك.
ولفظ "وجه الكعبة" ورد في عدة أخبارٍ تقدّمت.
وفي "القِرَى" (ص 315) عن ابن عمر: "البيت كلُّه قبلة، قبلته وجهه".
__________
(1) رقم (397).
(2) رقم (398).
(3) رقم (19131).
(4) رقم (4255).
(5) في "الفتح" (7/ 509).
(16/471)

نسبه إلى سعيد بن منصور.
والمراد به في تلك الأخبار - كما يقضي به سياقُها - تارةً: جدارُها المقابل لموضع المقام الآن، وتارةً: ما بجانب هذا الجدار من المطاف.
والأخبار التي أطلقته على هذا تُبيّن أنه ليس منه موضع المقام الآن، بل هو الموضع الذي كان فيه المقام قبل أن يُحوِّله عمر رضي الله عنه إلى موضعه الآن.
ولفظ "قُبُل الكعبة" في حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هو أيضًا ذاك الموضع.
وابن عباس إنّما سمع هذا الحديث من أسامة رضي الله عنه كما بيّنه ابن حجر في "الفتح" (1)، وراويه عن ابن عباس عطاء، يرويه عطاء تارة عن ابن عباس عن أسامة، وتارة عن أسامة نفسه.
وقد تقدّم قول عطاء: "إنّ عمر رضي الله عنه أوّل من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن، وإنّما كان في قُبُل الكعبة".
بل ثبت في حديث عطاء عن أسامة عند النسائي (2) بسند رجالُه ثقات: " ... ثمّ خرج فصلّى خلف المقام ركعتين، وقال: "هذه القبلة".
ويؤيد ذلك ما في "السيرة" عن ابن إسحاق (3): حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أنّ
__________
(1) (1/ 501).
(2) (5/ 220).
(3) انظر "سيرة ابن هشام" (2/ 411).
(16/472)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا نزل مكة واطمأنّ الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف على راحلته، يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ في يده، فلمّا قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها ... ".
محمد بن جعفر وعبيد الله من رجال "الصحيح". وابن إسحاق حسن الحديث.
فهذا الخبر يدلُّ على أنّ صلاته - صلى الله عليه وسلم - بعد خروجه كانت ركعتي الطواف، ومن سنته - صلى الله عليه وسلم - أن يصلّيهما خلف المقام.
فأمّا صلاتُه في الكعبة - على القول بها - فهي تحيّتها.
ثبت بما تقدم أنّ صلاته - صلى الله عليه وسلم - عقبَ خروجه من الكعبة كانت خلف المقام، وأنّ المقام حينئذٍ كان عند جدار الكعبة.
لمّا دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة كان ابن عمر غائبًا، فبلغه ذلك، فأقبل "يركبُ أعناقَ الرجال"، "المسند" (ج 6 ص 13) (1)، فجاء وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبلال في الكعبة لمّا يخرج، فكان هَمُّ ابن عمر أن يزاحم ليسأل بلالاً: ماذا صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة؟
وفي تلك الأثناء صلّى النبي - صلوات الله وسلامه عليه - خارج الكعبة.
فكأنّ ابن عمر اشتغل بالمزاحمة والمساءلة، فلم يُحقّق أإلى المقام صلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أم عن يساره، أم عن يمينه؟ فاقتصر على قوله: "في وجه الكعبة".
__________
(1) رقم (23897). وإسناده ضعيف، لضعف عثمان بن سعد أحد رجال الإسناد.
(16/473)

فأمّا ما في أكثر روايات حديث أسامة رضي الله عنه: "في قُبُل الكعبة"، فيظهر أنّ ذلك مراعاة لقوله عقب ذلك: وقال: "هذه القبلة".
خشي أن يتوهّم أنّ الإشارة إلى المقام، مع قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}؛ فعدل إلى قوله: "في قُبُل الكعبة"؛ ليعلم أنّ الإشارة إليها، أو إلى ذلك الموضع منها، كما يأتي.
في "صحيح مسلم" (1) عن جابر - في حجّة الوداع، بعد ذكر الطواف -: "ثم نفذَ إلى مقام إبراهيم ... فجعل المقام بينه وبين القبلة".
هكذا في عدة نسخ من "الصحيح" وكتب أخرى (2).
وذكره الطبري في "القِرَى" (ص 310) بلفظ: "ثم تقدّم" (3)، وكذا نقله الفاسيّ (4) عنه.
__________
(1) رقم (1218).
(2) انظر "المنتقى" لابن الجارود (469).
(3) هذا اللفظ في كثير من مصادر السنة، انظر: "سنن أبي داود" (1905)، والدارمي (1857) و"صحيح ابن حبان" (3944) و"مسند عبد بن حميد" (1135) و"مصنف ابن أبي شيبة" (ص 378، 427 - من الجزء المفقود) و"السنن الكبرى" للبيهقي (5/ 7، 91) و"دلائل النبوة" (5/ 534). وهو بلفظ "عمد" في "مسند أحمد" (14440) و"صحيح ابن خزيمة" (2754) و"منتقى ابن الجارود" (465). وبلفظ "قام" في "سنن النسائي" (5/ 235، 241) وابن ماجه (3074). وبلفظ "أتى" في "سنن الترمذي" (856) والنسائي (5/ 228) وابن ماجه (1008، 2960) و"صحيح ابن خزيمة" (2755) و"مصنف ابن أبي شيبة" (ص 422). وبلفظ "انطلق" عند ابن حبان (3943)، وبلفظ "ذهب" عند البيهقي (5/ 90).
(4) في "شفاء الغرام" (1/ 206).
(16/474)

وزعم الطبري أنّه يُشعِر بأنّ المقام لم يكن حينئذٍ ملصقًا بالكعبة. ولم يصنع شيئًا.
أمّا كلمة "تقدّم" - إن صحّت - فدلالتها على الملاصقة أقرب؛ لأنّه كان في الطواف، فأنهاه عند الرّكن، فإذا واصل مَشْيه بعد ذلك إلى يَمْنة الباب فهذا تقدُّم، ولو كان المقام حينئذ في موضعه الآن لكان المشي إليه مشيًا عن الكعبة، فكان حقُّه أن يقال: "تأخَّر".
وأمّا قوله: "فجعل المقام بينه وبين الكعبة" فلا يخفى أنّ المصلَّي إلى المقام إذ كان بِلِصْقِ الكعبة إمّا أن يكون عن يمينه، أو يساره، أو خلفه، فإذا كان خلفه فقد جعله بينه وبين الكعبة.
فقد ثبت بما تقدّم - لا سيّما حديث عائشة رضي الله عنها - صحّةُ القول الثالث الذي عليه أئمة مكّة: عطاء ومجاهد وابن عيينة، مع أنّ الإنصاف يقصي بأنّ قولهم مجتمعين يكفي وحده للحجّة في هذا المطلب، والله أعلم.
****
(16/475)

الفصل الخامس لماذا حوّل عمر رضي الله عنه المقام؟
قد تقدّم أوّل الرّسالة ما تقدّم.
عَلم عمر رضي الله عنه أنّ أئمة المسلمين مأمورون بتهيئة ما حول البيت للطائفين والعاكفين والمصلّين؛ ليتمكنوا من أداء عبادتهم على الوجه المطلوب بدون خلل ولا حرج.
وعلم أنّ هذه التهيئة تختلف باختلاف عدد هؤلاء.
وعلم أنّهم قد كثروا في عهده، وينتظر أن يزدادوا كثرةً، فلم تبقَ التهيئة التي كانت كافيةً قبل ذلك كافيةً في عهده.
ورأى أنّ عليه أن يجعلها كافية، فإن كان ذلك لا يتمّ إلا بتغيير يتمُّ به المقصود الشرعي، ولا يفوت به مقصودٌ شرعيّ آخر، فقد علم أنّ الشريعة تقتضي مثل هذا التغيير، فليس ذلك بمخالفة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو عين الموافقة، وشواهد هذا كثيرة، وأمثلته من عمل عمر رضي الله عنه وغيره من أئمة الصحابة رضي الله عنهم معروفة.
فهذه حجّة بيّنة لعمر رضي الله عنه. هذه الحجة لا تُبِيح له من التغيير إلا ما لا بدّ منه.
وللمقام حقوق:
الأول: القرب من الكعبة.
(16/476)

الثاني: البقاء في المسجد الذي حولها (1).
الثالث: البقاء على سمت الموضع الذي هو عليه.
فقد تقدّم في حديث ابن عباس وأسامة رضي الله عنهم قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاته إلى المقام: "هذه القبلة".
قال ابن حجر في "الفتح" (2): "الإشارة إلى الكعبة ... أو الإشارة إلى وجه الكعبة، أي: هذا موقف الإمام ... ".
وفي "المسند" (ج 5 ص 209) في حديث أسامة: "ثمّ خرج، فأقبل على القبلة، وهو على الباب، فقال: "هذه القبلة، هذه القبلة" مرّتين أو ثلاثًا".
فقد يُجمَع بين الرّوايتين بأنّه قال هذه الكلمة "هذه القبلة" عند خروجه، ثم قالها عقب صلاته.
فتكون الأولى إشارة إلى الكعبة، والثانية إشارةً إلى موقف الإمام.
وهذا الثاني محمولٌ على الندب كما في "الفتح" (3)، وهو ظاهر.
وجرى العمل على اختيار وقوف الإمام على ذاك السَّمت: إمّا خلف المقام، وإمّا أمامه.
وبعد كثرة الناس وتضايق ما خلف المقام، بقي العمل على اختيار وقوف الإمام قُدّام المقام.
__________
(1) ما زيد في المسجد القديم فله حكمه، كما يصح فيه الطواف وغير ذلك. [المؤلف].
(2) (1/ 501).
(3) (1/ 502).
(16/477)

وفي "المسند" (ج 6 ص 14) في ذكر موضع صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة: "وجعل المقام خلف ظهره".
وذكر المحب الطبري في "القِرَى" (ص 312 وما بعدها)، والفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج 1 ص 219) أخبارًا وآثارًا تتعلّق بذاك الموضع، منها: من "سنن سعيد بن منصور" عن ابن عبّاس أنّه قال - وهو قاعدٌ قبالةَ البيتِ والمقام -: "البيت كلُّه قبلة، وهذه قبلته".
وقد تقدّم في الفصلين الثاني والثالث ما يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام انتهى إلى ذلك الموضع في قيامه على المقام لبناء البيت، وقام عليه وهو فيه للأذان بالحجّ.
فالبيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام قبلة، والجانب الذي كان القيام فيه - وهو ما بين الحِجْر والحَجَر - خاصٌّ في ذلك. والموضع الذي كان القيام عنده أخصّ.
وشُرعت الصلاة إلى المقام؛ لأنّ عليه كان القيام.
فارتباطه بذاك الموضع من جدار الكعبة واضحٌ، وتعلُّق الصلاة بأن تكون إلى القبلة أبلغُ وأهمُّ من تعلُّقها بأن تكون قربَ القبلة.
التغيير الذي لا بدّ منه يقتصر على التخفيف من الحق الأوّل للمقام - وهو القرب من الكعبة - ولعلّه أخفُّ حقوقه، وبذلك عمل عمر؛ أخّر المقام بقدر الحاجة محافظًا على الحقّين الأخيرين: بقاء المقام في المسجد، على السّمت الخاص.
تقدّم في قول ابن عيينة الثابت عنه: "فحوّله عمر إلى مكانه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ,
(16/478)

وبعد قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ".
لماذا زاد ابن عيينة: "وبعد قوله تعالى .... " مع أنّ ذلك معلومٌ قطعًا ممّا قبله؟
لا يبعدُ أن يكون ابن عيينة أومأ إلى سبب تأخير عمر للمقام؛ لأنّ الآية أمرت بالصلاة خلفه، وبقاؤه بجانب الكعبة - والنّاس بين مصلٍّ خلفه وطائفٍ - يلزمه عند كثرة الناس أن يقع الخلل والحرج في العبادتين كما مرّ.
وأخرج الفاكهيّ (1) بسندٍ ضعيف عن سعيد بن جبير: "كان المقام في وجه الكعبة .. فلمّا كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطأوه بأقدامهم، فأخّره إلى موضعه الذي هو به اليوم، حِذاءَ موضعه الذي كان قُدّام الكعبة". نقله الفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج 1 ص 207) بسنده.
وقال الفاسيّ (2): ذكر الفقيه محمَّد بن سُراقة العامري في كتابه "دلائل القِبلة": "وهناك بجنب الكعبة كان موضع مقام إبراهيم عليه السلام، وصلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده حين فرغ من طوافه ركعتين ... ثم نقله - صلى الله عليه وسلم - إلى الموضع الذي هو فيه الآن ... لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين أكثر الناس، وليدور الصّف حول الكعبة، ويروا الإمام من كلّ وجه".
وذكر ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار" (ج 1 ص 103) مثل هذا الكلام.
__________
(1) في "أخبار مكة" (1/ 454).
(2) في "شفاء الغرام" (1/ 207).
(16/479)

والمقصود منه ذكر العلّة، وإنّما كثر الناس في عهد عمر.
وقوله: "وليدور الصفّ ... " مبنيٌّ على ما كان عليه العمل من وقوف الإمام خلف المقام.
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج 8 ص 119) (1) في الكلام على قول البخاري في تفسير البقرة: باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} بعد تثبيت تحويل عمر رضي الله عنه للمقام: "ولم تنكر الصحابة فعل عمر، ولا مَن بعدهم، فصار إجماعًا، وكأنّ عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين، فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، وتهيأ له ذلك؛ لأنّه (2) الذي كان أشار باتخاذه مصلّى. [وأوّل من عمل عليه المقصورة الآن] (3) ".
قوله: "فصار إجماعًا"، قد عرفتَ مستنده.
وكلٌّ من المستند والإجماع يدلُّ على أنّه إذا وُجِد مثل ذلك المقتضي اقتضى فعلَ مثلِ ما فعل عمر رضي الله عنه.
وقوله: "وتهيأ له ذلك ... "، لعلّ الإشارة إلى عدم الإنكار، أي: إنّه قد يكون في الصحابة ومَن بعدهم مَن يخفى عليه المقتضي، ولكن منعَه من
__________
(1) (8/ 169) ط. السلفية.
(2) ط: "لأن".
(3) هذه العبارة التي وضعتُ عليها الحاجزين وقعت في نسخة "الفتح" المطبوعة متصلة بما قبلها كأنها تتمة له، وإنما هي ابتداء كلام لا أشك أن ابن حجر ترك بعده بياضًا، لأنه لم يعرف من أول من عمل المقصورة. وإنما عملت بعد عمر بنحو ست مئة سنة. راجع "شفاء الغرام" وغيره. [المؤلف].
(16/480)

الإنكار عِلمُه بأنّ عمر رضي الله عنه - مع مكانته في العلم والدّين - هو الذي أشار باتخاذ المقام مصلّى، فله فضل علم بالمقام وحكمه، فهذا قريبٌ.
فأما ما يتوهم أنّ مشورة عمر تُعطيه دون غيره حقًّا بأن يغير بدون حجة، أو بحجة غير تامّة، فهذا باطل قطعًا.
وحُجة عمر رضي الله عنه بحمد الله تعالى تامّة عامّة.
****
(16/481)

الفصل السادس متى حوَّل عمر رضي الله عنه المقام؟ ولماذا قدَّرَهُ المُطَّلِبُ، واحتاجَ عُمَرُ إلى تقديرِه؟
لم أَقِفْ على ما يُعلَمُ به تاريخُ التحويلِ، غيرَ أَنّه قد يُظَنُّ أَنّه حوَّلَهُ عند زيادتهِ في المسجدِ الحرامِ؛ لأَنَّ السببَ واحدٌ وهو كثرةُ النَّاسِ؛ ولأَنَّ تأخيرَ المقامِ يستدعي توسعةَ المسجدِ خلفَه.
وقد زعم الواقديُّ - كما حكاهُ ابن جرير في "تاريخه" (1) - أَنَّ الزيادةَ كانت سنةَ سبعَ عشرةَ، وأَنَّ عمرَ رضي اللهُ عنه اعتمرَ في رَجَب، ومَكَثَ بمكّةَ عشرينَ يومًا لأَجلِ الزيادة وغيرِها.
وحالُ الواقديِّ معروفةٌ.
وفي خبرِ الأَزرقيّ المُتَقدّم في الفصل الرابع: "أَنَّه لمّا ذهبَ السيلُ بالمقامِ أَرسلوا إلى عمر، فجاءَ مسرعًا وقدم بعُمرةٍ في رمضان".
ورأيتُ بعضَهم ذَكَر "أَنَّ ذلك كانَ سَنَةَ سَبعَ عشرةَ" والعلمُ عندَ الله تعالى.
ومرَّ في خبرِ الأزرقيِّ: "كانت السيولُ تدخلُ المسجدَ الحرام، فربّما رفعتِ المقامَ من موضعِهِ، وربّما نحَّتْهُ إلى وجهِ الكعبةِ، حتّى جاءَ سيلٌ في خلافةِ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه".
فعلى فَرْضِ صحّةِ هذا يلزمُ أَنْ يكونَ التحويلُ قبلَ مدّةٍ أَقلّها ثلاثُ سنين
__________
(1) (4/ 68) ط. دار المعارف.
(16/482)

أَو نحوُها.
وقد تقدّمَ النَّظرُ في حالِ هذا الخبرِ.
وأَمّا ما تقدَّمَ عن مجاهدٍ: "كانَ المَقامُ إِلى جَنْبِ البيتِ، وكانوا يخافونَ عليه من السيولِ، وكانَ النَّاسُ يصلّونَ خلفَه"، ثمَّ ذكرَ قصّةَ عمر والمطَّلب، ولم يَسُقِ الفاسيُّ لفظَها، - كما تقدّمَ -: فالجمعُ بينَ هذا وبينَ ما صحَّ عن مجاهدٍ - ونَقَلَهُ ابنُ كثيرٍ وابنُ حجرٍ عن "مصنّفِ عبد الرازق" - وبقيّة الأَدلّةِ وطُرُقِ القصَّةِ: أَنَّ المَقامَ كانَ إِلى جَنْبِ البيتِ، فأَخَّرَهُ عمرُ، فخافوا عليه من السيولِ، فقدَّرَهُ المُطَّلِبُ.
وهذا هو المفهومُ من روايةِ ابن أبي حاتمٍ (1)، عن ابن أَبي عمر، عن ابن عُيينةَ.
والذي يظهرُ: أَنَّ المَقامَ لمّا كانَ بجنبِ الكعبةِ أَوَّلًا كانَ بمأْمَنٍ من السيلِ؛ إِمّا لأَنّه كانَ قد نَشِبَ في الأرضِ إِذ لم تكنْ مُبلَّطةً، وإمّا لغيرِ ذلك، فلمّا حوَّلَه عمرُ رضي اللهُ عنه رأى المُطَّلِبُ أَنَّه أَصبحَ عُرضةً للسيلِ.
قد تقدَّمَ في الفصلِ السابقِ بيانُ ارتباطِهِ بالسَّمْتِ الخاصِّ الذي كانَ عليهِ وهو عندَ الكعبةِ، وأُبقي عليه عندَ تحويلِهِ.
وتقدَّمَ بيانُ مزيّةِ ذاك السَّمْتِ وسببِها، وهو يَقْتَضي أَنْ يكونَ قَدْرُ ذاكَ السَّمْتِ موقفَ رجلٍ واحدٍ، وهو مقدارُ طولِ المَقام.
فكأنَّ المَقامَ - مع مزيّتِهِ - علامةٌ محدَّدةٌ لذاكَ السَّمْتِ، عَلَّمَ المطّلبُ هذا، أَو رأى احتياطَ عمرَ رضيَ اللهُ عنه عند تحويله المقامَ للمحافظةِ على
__________
(1) ط: "أبي حاتم".
(16/483)

السَّمْتِ، ورأَى أَنَّ المَقامَ لمّا كانَ عندَ البيتِ كانَ السَّمْتُ معلومًا على التحديدِ بالمقامِ نفسِهِ.
وكذلك لمّا حوَّلَ المَقامَ على السَّمْتِ، بقيَ السَّمتُ معلومًا على التحديدِ بالمقامِ نفسِهِ، لكنْ إِذا جَرَفَ السيلُ المقامَ، وعَفَّى موضعَه، ولم يكنْ هناك تقديرٌ محفوظٌ: أَشكلَ تحديدُ السَّمْتِ. وكثرةُ رؤيةِ النَّاسِ للمَقامِ في الموضعين لا تضمنُ معرفةَ التحديدِ يقينًا.
واعتبِرْ ذلك إِنْ شئتَ في منزلِك: اعْمِدْ إِلى صندوقٍ مثلًا باقٍ منذُ مدّةٍ في موضعٍ واحدٍ إِلى جنبِ جدارٍ مع خُلُوِّ ما عن يمينِه ويسارِهِ, قد شاهدَهُ عيالُك مرارًا لا تُحصى، فَقَدِّرْ في غَيْبَتهم موضعَه بخيطٍ مثلًا، ثُمَّ حوِّلْه إلى موضعٍ آخرَ غيرِ مُسامِتٍ للأَوَّلِ، واكْنِسْ موضعَه، ثمَّ ادْعُهُم واطْلُبْ منهم تحديدَ موضعِه الأَوَّلَ، وانظر النتيجةَ.
من الجائزِ أَنْ يكونَ قد اتفقَ لبعضِهم الانتباهُ لعلامةٍ خاصّةٍ تبقى في الأرضِ أَو الجدارِ، لكنْ هذا احتمالٌ فقط.
لهذا - واللهُ أَعلمُ - قدَّرَ المطَّلِبُ موضعَ المَقامِ.
ولهذا سألَ عمرُ رضي اللهُ عنه النَّاسَ وأَخذَ بتقديرِ المُطَّلِبِ.
هذا ما ظهرَ لي في توجيهِ ما اتَّفَقَتْ عليه رواياتُ قصّةِ المُطَّلِبِ على وجهٍ يوافقُ حديثَ عائشةَ رضي الله عنها، وقولَ أَئمّةِ مكّةَ، مع بُعْدِ أَنْ يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوَّلَهُ ولم يُنقَل ذلك، ولا عرفه أئمةُ مكة.
على أنه لو ترجَّح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوَّله لكانت الحجّةُ لاختيارِ تأخيرِهِ الآنَ بحالها، بل أَقوى.
(16/484)

فأَمّا القولُ بأَنَّ موضعَه الآنَ هو موضعُهُ الأَصليّ، فهو مِنَ الضَّعفِ بحيثُ لا يحتاجُ إِلى فرضِ صحّتِهِ وما يتبعُ ذلك. واللهُ أًعلمُ.
المُعارَضةُ الثانية:
قد يُقالُ: ثَبَتَ عن عائشةَ رضي اللهُ عنها أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ألم تَرَيْ أنّ قومكِ حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله! ألا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حَدَثانُ قومك بالكفر لفعلتُ". لفظ البخاري (1).
وفي رواية له (2): "لولا أنّ قومكِ حديثٌ عهدُهم بجاهليّة، فأخاف أن تنكر قلوبهم ... ".
وتأخير المقام عن موضعه ممّا تنكره قلوب الناس، فينبغي اجتنابه.
والجواب من أوجهٍ:
الأول: أنّ بقاء الكعبة على بناء قريش لم يترتّب عليه - فيما يتعلق بالعبادات - خللٌ ولا حرج، ولذلك لم يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبار أصحابه ببنائها حين يبعد العهد بالجاهلية، وإنّما أخبر عائشة رضي الله عنها؛ لأنّها رغبَتْ في دخول الكعبة، فأرشدها إلى أن تصلّي في الحِجْر، وبيّن لها أنّ بعضه أو كلّه من الكعبة، قصّرت قريش دونه.
ولا أرى عائشة رضي الله عنها كانت ترى إعادة بنائها على القواعد أمرًا ذا بال؛ فإنّه لم يُنقَل أنّها أرسلت إلى عمر أو عثمان رضي الله عنهم تخبرهم
__________
(1) رقم (1583).
(2) رقم (1584).
(16/485)

بما سمعَتْ.
وفي "صحيح مسلم" (1) عنها أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "فإن بدا لقومكِ أن يَبنُوها بعدي فهَلُمِّي لأُرِيكِ ما تركوا منه" أي: من الحِجْر.
وصرّح بعض أهل العلم بأنّ إعادة بنائها على القواعد كان هو الأولى فقط.
وترجم البخاري في كتاب العلم (2) لهذا الحديث: "باب من ترك بعضَ الاختيار مخافةَ أن يقصُرَ فهمُ بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدَّ منه".
وإبقاء المقام في موضعه - بعد كثرة الناس هذه الكثرة التي عرفناها، ويُنتظر ازديادها - يترتّب عليه الخلل والحرج، كما تقدّم.
الوجه الثاني: أنّ الإنكار الذي خشيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسدةٌ عظيمة؛ إذ هو إنكار قلوب بعض من دخل في الإِسلام، ولمّا يؤمنْ قلبه.
وإنكار هؤلاء هو - والله أعلم - ارتيابهم في صدق قوله؛ إذ قال - صلى الله عليه وسلم - لهم: "إنّ البناء الموجود يومئذٍ ليس على قواعد إبراهيم".
يقولون: لا نعرف قواعد إبراهيم إلا ما عليه البناء الآن، ولم يكن أسلافنا ليغيّروا بناء إبراهيم.
فيؤدي ذلك إلى تمكن الكفر في قلوبهم. ولهذا - والله أعلم - لم يعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - القول، إنّما أخبر به أمّ المؤمنين.
__________
(1) رقم (1333/ 403).
(2) (1/ 224 مع الفتح).
(16/486)

وإلى هذا - والله أعلم - تشير ترجمة البخاري في كتاب العلم كما مرّ آنفًا.
فأما تفسير بعض الشرَّاح (1) إنكار قلوبهم بأن ينسبوه إلى الفخر دونهم، فلا يخفى ضعفه، وأيُّ مفسدةٍ في هذا؟ وقد كان ميسورًا أن يشركهم في البناء، أو يَكِلَه إليهم، ويَدَعَ الفخر لهم.
والحامل لهذا القائل على ما قاله: ظنُّه أن المراد بقومها الذين قصَّروا هم الذين بنوه البناء الأخير الذي حضره النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قبل البعثة بخمس سنين فيما قيل، فرأى ذاك القائل أنه لا مجال للارتياب في صدق القول؛ لأن العهد قريب، وأكثرهم شاهدوا ذلك.
والظاهر أن التقصير كان قديمًا، وقد ورد أن قريشًا بَنَتِ الكعبة في عهد قُصيّ، فلعل التقصير وقع حينئذٍ، وإنما بنوها أخيرًا على ما كانت عليه من عهد قصي، وجهل التقصير لطول المدة.
والمقصود: أن الإنكار الذي خَشِيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسدة عظيمة لا يقاربها إنكار بعض الناس تأخير المقام. والعالم تُعرض عليه الحجة فيزول إنكاره، والجاهل تبعٌ له.
وقد جرت العادة بأن الناس يستنكرون خلاف ما ألِفُوه، ولكنه إذا عُمِل به وظهرت مصلحته انقلب الإنكار رضًا وشكرًا.
الوجه الثالث: أن المقام نفسه أُخِّر في صدر الإِسلام عن موضعه الأصلي بجنب الكعبة للعلة الداعية إلى تأخيره الآن نفسها، وكان من
__________
(1) نقله ابن بطال في شرح البخاري (1/ 205) عن أبي الزناد.
(16/487)

المحتمل قبل تأخيره أن تنكره قلوب بعض الناس. فلم يُلتفت إلى ذلك.
المعارضة الثالثة:
قد يقال: استقرّ المقامُ في هذا الموضع قرابة أربعة عشر قرنًا, ولا شكّ أنّ الحجاج كثروا في بعض السنين، وازدحموا في المطاف، ولم يخطر ببالِ أحدٍ تأخيرُ المقام. وفي ذلك دلالة واضحة على اختصاصه بموضعه الذي استمرّ فيه، إن لم يكن على وجه الوجوب فعلى وجه الاستحباب؛ لأنّ تأخيره لو كان جائزًا لما غفل عنه الناس طول هذه المدة، مع وجود الكثرة والزحام في كثير من الأعوام.
أقول: قد تقدّم بيان العلة التي اقتضت تأخير الصحابة رضي الله عنهم للمقام من موضعه الأصليّ، وهي أنّ الطائفين والمصلّين خلف المقام كثروا في عهدهم، وكان ينتظر أن يستمرَّ ذلك ويزدادوا في مستقبلهم إلى ما شاء الله، ورأوا أنّ بقاء المقام بجنب البيت يؤدي - مع تلك الكثرة - إلى دخول الخلل والحرج على الفريقين والعبادتين، ويستمرّ ذلك إلى ما شاء الله، وذلك مخالفٌ للتهيئة المأمور بها.
وأرى هذه العلة متحقّقةً الآن على وجه لم يتحقق منذ تأخير الصحابة رضي الله عنهم للمقام إلى هذا العهد الأغرّ.
ويمكن استثبات هذا بسؤال الخبراء بالتاريخ.
فإذا ثبت هذا؛ فإعراضُ مَن بيننا وبين الصحابة عن تأخير المقام مرّة ثانية محمولٌ على أنّه لعدم تحقّق العلة.
وكما أنّ إعراض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تأخير المقام لمّا تبين أنّه لعدم تحقّق
(16/488)

العلة في عهده، لم يمنع الصحابة من تأخيره عند تحقّق العلّة من بعده، فهكذا هذا, ولا يختلف الحال بقصر المدّة وطولها.
على أنّه لو فرض أنّ هذه العلّة تحقّقت بتمامها فيما بين عصر الصحابة وعصرنا، ففي أيّ عصر؟
وهل استكملت بالسكوتِ حينئذٍ شرائط الإجماع؟
وقد ذكر ابن حجر الهيتمي في "تحفته" (1): أنّ الحاكم النيسابوري - وهو من أكابر القرن الرابع، ولد سنة 321 - قال عند ذكر الحديث في النهي عن الكتابة على القبور: "ليس العمل عليه؛ فإنّ أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوبٌ على قبورهم، فهو عملٌ أخذ به الخلف عن السّلف".
فردّه ابن حجر وقال: "ويُرَدُّ بمنع هذه الكلية وبفرضها، فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبّلة، كما هو مشاهد، لا سيّما بالحرمين ومصر، وقد علموا بالنهي عنه، فكذا هي.
فإن (2) قلت: هو إجماع فعليّ، وهو حجة، كما صرّحوا به.
قلت: ممنوع، بل هو أكثريٌّ فقط، إذ لم يُحفَظ ذلك حتّى عن العلماء الذين يرون منعه.
وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا، فمحلُّ حجيته - كما هو ظاهر - إنّما هو عند صلاح الأزمنة، بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر،
__________
(1) "تحفة المحتاج" (3/ 197). وقول الحاكم في "المستدرك" (1/ 370). وانظر ردّ الذهبي عليه في تلخيصه.
(2) ط: "قال"، خطأ مطبعي.
(16/489)

وقد تعطّل ذلك منذ أزمنة".
ويقول ابن حجر الهيتمي هذا في الكتابة والبناء على القبور، وذلك شائع ذائع، لا يخفى على عالم، وكذلك النهي عنه.
فأمّا تحقّق العلة حول الكعبة، فإن فُرِض وقوعه فيما مضى فلم يعلم به من علماء ذاك العصر إلا القليل، ومن الممتنع أن يقوم إجماعٌ صحيحٌ يمنع من العمل بما يأمر به القرآن، أو ممّا أجمع على مثله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
****
(16/490)

تلخيص وتوضيح
يتلخّص ممّا تقدّم: أنّ الآيتين الّلتين صدّرتُ بهما الرسالة وغيرهما من الأدلة، تأمر بتهيئة ما حول البيت للطائفين - مبدوءًا بهم - وللعاكفين والمصلِّين، وأنّ المقصود من التهيئة لهذه الفِرق: تمكينها من أداء تلك العبادات على وجهها بدون خلل ولا حرج.
إنّ هذه التهيئة تختلف باختلاف قلّة تلك الفِرق وكثرتها.
ففي يوم الفتح كان المهمّ إزالة الشرك وآثاره، وفي حجة أبي بكر رضي الله عنه سنة تسعٍ كان الناس قليلاً، يكفيهم المسجد القديم، ولا يؤدي بقاء المقام في موضعه الأصليّ بلصْقِ الكعبة، وصلاة من يصلّي خلفه، إلى تضييقٍ على الطائفين ولا خللٍ في العبادتين.
وفي حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - كثر الحاجّون لأجل الحجّ معه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن ينتظر أن تستمر تلك الكثرة في السنين التي تلي ذلك، وكان تأخير المقام حينئذٍ يستدعي توسعة المسجد؛ ليتسع ما خلف المقام للعاكفين والمصلين؛ وكانت بيوت قريش ملاصقة للمسجد، وتوسعته تقتضي هدمَ بيوتهم، وعهدُهم بالشرك قريب، وتنفيرهم حينئذٍ يُخشى منه مفسدة عُظمى لدنو وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك لم يوسِّع النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجدَ، وخيَّم هو وأصحابه بالأبطح، وكان يصلِّي هناك.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه كثر الناس كثرةً يتوقع استمرارها في السنين المقبلة، وتمكن الإِسلام من صدور الناس، ولم يبقَ خشيةٌ من نفرة من عساه أن ينفر ممن يهدم بيته, فهدم عمر ما احتاج إلى هدمه من
(16/491)

بيوتهم، ووسَّع المسجد بقدر الحاجة حينئذٍ، وأخَّر المقام،، وزاد مَنْ بعده في توسعة المسجد لِيُخْلُوا المسجدَ القديم للطائفين.
ثم لا نعلم: كثُر الحجّاجُ والعمّار بعد ذلك بقدر ما كثروا في هذه السنين. والنظر ينفي ذلك، كما تقدم أولَ الرسالة.
وكانوا إذا كثروا في سنة لم ينتظر أن تستمر مثل تلك الكثرة فيما يليها من السنين.
وكان المقام في القرون الأولى بارزًا، لم يكن عليه بناء، ولا بالقرب منه بناء.
فكان من السهل على الطائفين عند الكثرة أن يطوفوا من ورائه، وَيكُفَّ غيرُهم في ذاك الوقت عن الصلاة خلفه؛ إذ كان يغلب على الناس معرفة أن إيذاء الطائف والمصلي خلف المقام لغيره حرام، وأن المندوب والمستحب إذا لزم من فعله مكروه ذهب أجر, فكيف إذا لزم منه الحرام؟ وأن من ترك المندوب اجتنابًا للمكروه أو الحرام ثبت له أجر ذلك المندوب أو أعظم منه.
وما نُقِل عن ابن عمر (1) رضي الله عنهما من المزاحمة على استلام الحجر الأسود، إنما معناه: أنه كان يتحمل إيذاء الناس له، إن آذاه أحد منهم، ولا يؤذيهم هو، بل كان ينتظر حتى يجد فُرجةً أخرى فيتقدم، وهكذا. وكان جمهور الصحابة وأفاضل التابعين يتجنبون المزاحمة.
****
__________
(1) أخرج الترمذي (959) عن عبيد بن عمير أن ابن عمر كان يُزاحم على الركنين زحامًا ما رأيتُ أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(16/492)

إن الحجّاج والعمّار قد كثروا في عصرنا كثرةً لا عهدَ بها، ويُنتظر استمرارها وازديادها عامًا فعامًا، وأصبح المطاف يضيق بالطائفين في موسم الحج ضيقًا شديدًا، يؤدي إلى الحرج والخلل، كما أشرتُ إليه أولَ الرسالة، ولا تتم التهيئة المأمور بها إلا بتأخير المقام، كما تقدم بيانه أيضًا.
فصارت الحال أشدَّ مما كانت عليه حين أخَّر عمر رضي الله عنه المقامَ.
إن الحكم المتعلق بالمقام - وهو اتخاذه مصلَّى، أي يُصلَّي إليه - لو كان يختص بموضع لكان هو موضعه الأصلي الذي انتهى إليه إبراهيم في قيامه عليه لبناء الكعبة، وقام عليه فيه للأذان بالحج، ونزلت الآية: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وهو فيه، وصلَّى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارًا، تلا في بعضها الآية، وهو فيه.
فلما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تأخيره، وانتقال الحكم - وهو الصلاة إليه - معه؛ ثبت قطعًا أن الحكم يتعلق به، لا بالموضع، إلا أنه يُراعى ما راعَوه من بقائه على السَّمت الخاص في المسجد، قريبًا من الكعبة القربَ الذي لا يؤدي إلى ضيق ما أمامه على الطائفين.
****
إننا نقطع بأن تأخير الصحابة للمقام كان عملًا بكتاب الله تعالى الآمر بالتهيئة للطائفين أولاً، وللعاكفين والمصلِّين بعدهم، واتباعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقَّ الاتباع بالنظر إلى المقصود الشرعي الحقيقي. وإنه لا يَخدِش في ذلك أن فيه مخالفة صورية.
فكذلك إذا تحقق الآن مثل ذاك المقتضي: فالعمل بمثل عمل الصحابة
(16/493)

مع رعاية ما رَاعَوه هو عمل بكتاب الله عزَّ وجلَّ، واتباع لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وإجماع المسلمين الإجماعَ المتيقن. ولا يَخدِش في ذلك أن فيه مخالفة صورية. وكما يقول أهل العلم: إن الحكم يدور مع علته.
وبعد، ففي علماء المسلمين - بحمد الله عزَّ وجلَّ - من هم أعلمُ مني وأعرف، ولا أكاد أكون - بالنسبة إليهم - طالب علم، ولا سيما سماحة المفتي الأكبر إمام العصر في العلم والتحقيق والمعرفة، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مدَّ الله تعالى في حياته، وهو المرجع الأخير في هذا الأمر وأمثاله.
وإنما كتبتُ ما كتبتُ لِيُعرَض على سماحته، فما رآه فهو الأولى بالحق، والحقيق بالقبول.
وكما قلت في أول الرسالة: "ما كان فيها من صواب فمن فضل الله عليَّ وعلى الناس، وما كان فيها من خطأ فمني، وأسأل الله التوفيق والمغفرة".
والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على خاتم المرسلين، وإمام المهتدين محمَّد وعلى آله أجمعين.
(16/494)